 قضايا

المدلول السياسي في القرآن الكريم

معراج احمد الندويكلما ظهرت تحديات جديدة وظروف طارئة، وكلما تفاقم الفساد وتراجعت القيم الموجهة للسلوك الإنساني، فإن انتشار النقاش حول ضرورة في التغيير في الدول العربية، يدل على أن هناك اتفاقا واسعا بين أرباب الفكر والثقافة على أن المجتمعات العربية تعاني من أزمات حادة على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والأخلاقية، والأمر الذي يستدعى استنكارا عاما للإطلاق في ثورة إصلاحية شاملة، تحشد الطاقات البشرية وتوجهها نحو تحقيق تغيير جذري يعيد بناء الأمة العربية على قواعد صحيحة وسليمة.

إن السياسة هي احتراف الحكم والسلطان، أي ممارسة السلطة وإدارة المجتمع بالتوافق مع جوهره، فالسياسة هي فكرة تتعلق برعاية الشؤون والإشراف على التنفيذ العملي لفلسفة معنية، بيعنى أنها اجراءات لتحقيق القيم الدينية والاقتصادية والثقافية في سلوك الناس وعلاقاتهم ونظام حياتهم.

والنظرية السياسية الإسلامية هو مجموعة المبادئ والأسس الفلسفة التي تبنى عليها الفكر السياسي في الإسلام والتي تشكل نظاما مستقلا مثل نفهوم الإسلام لمجموعة المبادئ السياسية كمفهومه للإنسان والمجتمع والشعب والجماعة والأمة والدولة والحقوق والواجبات.

إن القرآن الكريم كتاب يدعو إلى التغيير نحو الأفضل ضمن منهج يقوم على أسس علمية واضحة. يمثل القرآن الكريم التخطيط الذي يندرج مبادئ لتخطيط السياسي بحيث يتلازم فيه العلم والعمل على أساس التطبيق الفعلي، لأن موضوع القرآن هو الإنسان، ومحل آيات الله هو الكون، ولا بد من التدبر في القرآن الكريم، والتعرف على سنن الكون وقوانينه التي لا يتحقق بدون ادراكها في تعمير الأرض.

إن هناك علاقة جدلية تربط بين التغير إلى الأفضل والتخطيط السياسي، ولقد اصبح التخطيط ضرورة في جميع نواحي النشاط الإنسساني، ولا سيما القضية السياسية. ومن هذه النظرة تنبثق قواعد السياسة في الإسلام وخطوطها العريضة وفرعياتها المختلفة، بما يشكل نظاما سياسيا متكاملا مختلفا عن الأنظمة السياسية الأخرى في فكرته وأساسه وعناصره.

يمثل القرآن الكريم في هذا قاعدة مهمة للانطلاق نحو التغير الذي يحقق الريادة للأمة العربية، ويعزز من مكانتها بين الأمم والشعوب. فإن كان التغيير نحو الأفضضل هدفا منشودا يأتي ثماره بصورة إيجابية.

إن القرآن الكريم كتاب يدعو الله سبحانه وتعالى الناس إلى التدبر والتفكر لاستخراج ما فيه من أحكام ودروس وأسس مهمة في البناء الإنساني، على تعظيم قيمة التفكيير والحرية لبلوغ الأهداف المنشودة التي تبنى على أساس التخطيط السليم. وهنالك الكثير من الآيات القرآنية التي تدل على أن النظام السياسي جزء من الإسلام, ويقوم النظام السياسي في الإسلام على اساس نظرة الإسلام وفكرته الكبرى عن الكون والإنسان والحياة.

لقد اهتم القرآن الكريم بالسياسة اهتماما بالغا على الرغم من أن كلمة "السياسة" لم تذكر في القرآن الكريم، إلا أن مضامينها ومدلولاتها جاءت ذكرها ضمن العديد من الألفاظ والمصطلحات التي استخدمها القرآن الكريم، وينبطق هذا الأمر على العديد من المصصطحات والألفاظ المهمة في الإسلام ككلمة "العقيدة" وكلمة "الفضيلة" مع أنها لم تذكر هذه الكلمات في القرآن الكريم كألفاظ إلا أن مضامينها ومدلولاتها موجودة في صورة غير مباشرة.

فقد جاء في القرآن الكريم المدلول مما يدل على كلمة سياسة هي كلمة "الملك" ويعني بهذه الكلمة حكم الناس أمرهم ونهيهم وقيادتهم في أمورهم بقوله تعالى:﴿ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾[1]

ثم جاءت كلمة "التمكين" مما تدل على مفهوم السياسة كما في قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾[2]

وجاءت كلمة "الاستخلاف" في المدلول السياسي. كما في قوله تعالى﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ ﴾[3] 

وكذلك ذكر القرآن الكريم كلمة "الحكم" كما في قوله تعالى:﴿ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سميعاً بَصِيرًا﴾[4]

فالحديث عن السايسة والحكومة تحت عنوان الأمامة والخلافة والولاية والحكم جاء ضمن العديد من الآيات القرآنية التي تتحدث عن طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم والتي تقوم على احترام الإنسان وتحقيق العدل. قال الله تعالى مخطبا النبي دااؤد عليه السلام: ﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ، إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾[5]

وفي المدلول السياسي، لقد اهتم القرآن الكريم بمبدأ الشورى، وهو أساس النظام السايسي في الإسلام. وقد ظهر ذلك جليا من خلال الآيات التي تناولت هذه القضية سواء باللفظ الصريح أو التلميح. لقد وردت كلمة "الشورى" ومشتقاتها بكل صراحة في ثلاث آيات من القرآن الكريم.

 فالآية الأولى التي تناولت جانبا من جوانب الحياة الأسرية وذلك في قوله تعالى: "﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾[6]

والآية الثانية التي تناولت جانبا من جوانب العمل السياسي وذلك في قوله تعالى: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين﴾[7]

والآية الثالثة الأخيرة التي تناولت جانبا من جوانب الأخلاق والسلوك وذلك في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾[8]

 فضلا عن ذلك تسمية سورة في القرآن الكريم باسم الشورى التي ذكرت فيها الآية الكريمة، فما حملت هذا الإسم إلا لبيان العنية بالشورى، وما سميت بهذا الإسم إلا لأنها الصورة الوحيدة التي قررت الشورى عنصرا مهما من عناصر الشخصية الإيمانية. وهذا كله حديث عن السياسة والسياسيين تحت كلمة غير سياسية.

إن القيم التي دعا إليها القرآن الكريم في التعامل السياسي هي عبارة عن أسباب النجاح في بقعة من الأرض، لأن القرآن الكريم صالح لكل زمان ومكان. وإن اختصاص الخطاب السياسي في القرآن الكريم هو المنطق والاساس لبناء نظام سياسي قوي ومتين ومستدام، وهو نظام شامل يخاطب العقل ويحاكي الواقع ويعد نظاما كاملا للحياة السعيدة.

دكتور معراج أحمد معراج الندوي

 الأستاذ المساعد ، قسم اللغة العربية وآدابها

 جامعة عالية، كولكاتا- الهند

..................

 الهوامش:

 [1] القرآن الكريم، سورة النساء الآية،54

[2] القرآن الكريم، سورة القصص الآية5

[3] القرآن الكريم، سورة النور الآية 55

[4] القرآن الكريم، سورة النساء الآية 58

[5] القرآن الكريم، سورة ص، الآية 26

[6] القرآن الكريم، سورة البقرة: الآية 233

[7] القرآن الكريم، سورة آل عمران: الآية 159

[8] القرآن الكريم،سورة الشورى: الآية 38

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4832 المصادف: 2019-11-28 03:52:28