 قضايا

صيف حار جدًا

في يوم صيفي حار، جلست بمقر استقبال واحدة من أولى مؤسسات رعاية أطفال الشوارع بمصر، جمعية قرية الأمل  Hope village society"، لمقابلة عدد من الأطفال في منطقة السيدة زينب، والذين تقدم لهم الجمعية خدمات متنوعة، تبدأ من استقبالهم بمقرات خاصة توجد في أكثر المناطق المعروف وجود تجمعات لأطفال الشوارع بها، وتحديدًا في مناطق: السيدة زينب، والمقطم، وروض الفرج وهو مقر خاص باستقبال الفتيات من أطفال الشوارع.

كان بصحبتي الطفل "عصفورة" ذو 13 عام، اسمه الأصلي "أحمد"، وشهرته "عصفورة"، لخفة وسرعة حركته كأنه يطير على الأرض ولا يمسها، وهو يهرب من أمين الشرطة، أو العصابات من أطفال الشارع الكبار. تركته قليلًا وذهبت للتحدث لأحد الأخصائيين الاجتماعيين، الذي أخبرني أن "عصفورة" يعد من أخطر الأطفال لتورط في أعمال انحرافيه يقع بعضها تحت طائلة القانون، وتحديدًا متخصص في النشل والسرقة. ورغم سلوكه غير المنضبط اجتماعيًا ولا قانونيًا، وأن باقي الأطفال يحسبون له ألف حساب (على حد تعبيرهم)، وكثير منهم يخاف منه، إلا أنه معروف بشهامته ومساعدته للضعيف من الأطفال، وبخاصة الجدد. وروى لي الأخصائي الاجتماعي قصة حدثت بالفعل بين "عصفورة" وأحد الأطفال، أنهم سرقوا مبلغ من أحد المارة بالشارع، وقد كان لهم مكان محدد أسفل كوبري في مدخل منطقة شبرا بالقاهرة، يقوم الأطفال الكبار منهم في المرحلة العمرية ما بين 13- 16 عام بتثبيت المارة، وخاصة في الليل. والتثبيت يعني (تهديد المارة بسكين أو أي آلة حادة للاستيلاء على نقوده، أو ما يملك من أشياء لها قيمة، كالموبايل أو ساعة أو محفظة النقود ذاتها). بعد أن قام "عصفورة" واثنان من زملاءه بأخذ النقود قسموها فيما بينهم بحسب درجة أهمية كل منهم وموقعه في جماعتهم، فتشاجر أقلهم لأنه لم يرض بنصيبه من القسمة، ودارت بينهم معركة وضربه "عصفورة" حتى أدمى شفتيه وسالت الدماء على وجهه، فجلس يبكي، شعر "عصفورة بالذنب، فذهب واشترى بكل نصيبه "كباب وكفتة"، وعاد ليصالح الطفل الذي ضربه. وبينما يكمل الاخصائي الاجتماعي حديثه معي سمعت صوت هاتفي المحمول، ولكن تعبيرات الدهشة والهلع على وجهه كانت أعلى من صوت الرنين، وسألته "ماذا حدث؟؟؟!!"، فقال لي بنبرة لوم شديد "انتي سايبة شنطتك وفلوسك وموبايلك مع عصفورة"، فاجبت بالإيجاب، فطلب مني الإسراع لإنقاذهم قائلًا "ربنا يستر".

عدتُ إلى عصفورة لأجده غارقًا في العرق، ووجهه أحمر قاني، وقال لي بصوت لاهث ضعيف، يتنافى كليًا مع روايات الاخصائي الاجتماعي عن جراءته وعدم خوفه، بل وقلبه القاسي أحيانًا، قال "تليفون حضرتك كان بيرن، وبعدين مينفعش تسيبي شنطتك مفتوحة كدة لازم تقفيلها"، فرددت "مفيش مشكلة هي في أمان معاك"، رد بنبرة كلها توسل ورجاء، وكأنه يطلق صيحة لإنقاذه من صراع يكاد يفتك به "ارجوكي اقفليها، أو خليها معاكي". كان من الواضح الصراع النفسي الذي أغرق "عصفورة" في تلك الدقائق التي انشغلت عنه فيها بالتحدث مع الأخصائي الاجتماعي، صراع ما بين ما تعود عليه لفترة تصل لست سنوات تقريبًا أو تزيد، وصارت حياته وعمله الأساسي الذي يحفظ له مكانته بين باقي الجماعات، وفي جماعته، وإلا يتم استضعافه، وبين ما به من فطرة سليمة، بدأ التراب ينفض من عليها بمساعدة البرامج والأنشطة التي تقدم بالجمعية، وقبلها بجهد مخلص من الاخصائيين الاجتماعيين والنفسيين الذين يتعامل معهم بشكل شبه يومي. فبعد أن كان يرفض "عصفورة" إلى مقر الاستقبال بالجمعية والذي يطلقون عليه "النادي"، وكان يستهزئ بالأطفال الذين يذهبون إليه، وبعد فترات طويلة من التردد على المقر ما بين الانتظام ليومين أو ثلاث، والانقطاع لأسابيع أو شهور، صار يأتي بانتظام، مما شجع كثير من الأطفال على الحضور.

لقد أصبحت ظاهرة "أطفال الشوارع" من أهم القضايا وأخطرها لتداخل أبعادها الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية. ورغم ظهور مشكلة أطفال الشوارع منذ سنوات عديدة، إلا أنها تفاقمت حديثًا إلى أن أصبحت ظاهرة تؤرق العالم بأسره المتقدم والنامي. وإن كانت بدايات الخطر الناتج عنها ظهرت في بلدان العالم الغربي، وبخاصة في البرازيل وأمريكا اللاتينية، حيث شكل أطفال الشوارع فيما بعد عصابات الشوارع، مما دعا الحكومات ورجال الأعمال إلى التخلص منهم بالقتل لتهديدهم لأمن وسلامة المجتمع.

وقد سجلت ظاهرة أطفال الشارع تزايدًا ملحوظًا في العقدين الماضيين نتيجة للتغييرات الاقتصادية والسياسية، وهذا ما أكدته نتائج بعض الدراسات. وعلى الرغم من وجود بعض الجهود الفعالة للتصدي للظاهرة، إلا أنها قليلة مقارنة بحجم هذه الظاهرة والمشكلات المترتبة عليها. وهذه الزيادة في أعداد أطفال الشوارع تنتشر في دول العالم المتقدم والنامي، وإن كان من الصعب الجزم بأن هذه هي الأرقام الفعلية لحجم الظاهرة ومعدل تزايدها، بسبب صعوبة حصر أعداد أطفال الشوارع على المستوى العالمي أو المحلي بسبب تنقلهم من مكان لأخر.

وتشير المعلومات إلى أن أسباب نقص المعلومات الصحيحة الموثوق بها عن حجم الظاهرة أساسها الأسباب التالية:

- الصعوبة المتصلة بتنفيذ المسح نتيجة للحركة المستمرة لأطفال الشوارع من منطقة لأخرى بين المدن الرئيسية بالقاهرة.

- لا تشير السجلات الرسمية للمحاكم أو أقسام الشرطة للحجم الفعلي للمشكلة بمصر، بل تشير بالأكثر للعدد الكلي للأطفال الذين وصلت الشرطة إليهم وأرسلوا إلى  مؤسسات الرعاية الاجتماعية للأحداث بأمر من المحكمة.

- ما زالت هناك مشكلة تتعلق بتحديد معنى "أطفال الشوارع"، وتستخدم كل منظمة التعريف الخاص بها، بالرغم مما يبدو أنهم جميعا يتفقون على صفات أساسية لأطفال الشوارع.

إشكالية مفهوم أطفال الشوارع

ثار جدل كبير حول تحديد مفهوم ينطبق على "أطفال الشوارع" نظرا لتداخلهم مع أكثر من فئة، ومن خلال الاطلاع على البحوث والدراسات العلمية المتعلقة بأطفال الشوارع وجد أن هناك أكثر من مفهوم لأطفال الشوارع، وسوف نتعرض لإشكالية المفهوم من خلال المحاور الآتية:

1) صعوبات دراسة مفهوم أطفال الشوارع

ترتب على استخدام مصطلح "أطفال الشوارع" على المستويين الأكاديمي والرسمي وندرة المادة المطبوعة عن الموضوع، واستخدام تعاريف عديدة وبخاصة من وجهة النظر الاجتماعية والقانونية صعوبات في الوصول إلى مفهوم محدد موحد لأطفال الشوارع، ومن أهم هذه الصعوبات:

- استخدام كل منظمة التعريف الخاص بها عند تحديد مجموعتها المستهدفة، بالرغم من أنهم جميعا يتفقون على صفات أساسية لأطفال الشوارع.

- التوصيف القانوني على المستوى الحكومي، والذي يشير إلى أن أطفال الشوارع هم "أطفال معرضون للانحراف" مما يؤثر على المعرفة بالحجم الدقيق للمشكلة، ويعوق تحديد المجموعات المستهدفة للمشاريع المشتركة فيما بين المنظمات الحكومية وغير الحكومية المتعاملة مع المشكلة.

- استخدام الحكومة لتوصيف يميز أطفال الشوارع، ويثير أكثر من مجرد إشارات لدلالات لفظية بسيطة، فتوصيفهم بأنهم أطفال معرضون للجنوح، أو أطفال ضحايا للمتاعب الاقتصادية ومآسي الأسرة وسوء معاملة أفرادها أو سوء معاملة صاحب العمل، تتضافر كلها وتتجمع مع الأطفال الذين يقبض عليهم لجرائم معينة.

- من أهم العقبات التي تعوق دراسة مفهوم أطفال الشوارع، ظهور أجيال جديدة من هؤلاء الأطفال، حيث أصبحت هناك أسر كاملة من أطفال الشارع، الأم، والأب، والأبناء، كلهم نتاج حياة الشارع. كما انه لا يوجد مفهوم لأطفال الشوارع من الكبار الذين صاروا حاليا شباب. إذن فإنه صار لدينا مسميان لا يوجد لهما مفهوم تقره الأوساط التربوية او الاجتماعية، وهما "أسر الشارع"، و"شباب الشارع".

2) التداخل بين المفاهيم المرتبطة بفئة أطفال الشوارع

يخلط البعض بين مفهوم "أطفال في الشارع Children in Street "، ومفهوم "أطفال الشوارع Street Children" على الرغم من الاختلاف الكامل بين المفهومين. فالأول يشير إلى الأطفال الذين لديهم أسر ولكنهم يتخذون من الشارع مكاناً للهو والترفيه أو العمل ثم يعودون إلى الأسرة مرة أخرى، وهم في ذلك لا يبيتون في الشارع أو يتخذونه  مأوى لهم. بينما المفهوم الثاني يشير إلى الأطفال الذين يتخذون من الشارع مأوى لهم، ويمارسون به جميع أوجه الحياة وتنقطع صلتهم بأسرهم بشكل كامل. لذا فإن مفهوم "أطفال الشوارع" يعد من أكثر المفاهيم التي تشتمل على خصائص الحياة التي يحياها هؤلاء الأطفال.

مراحل تحول الطفل العادي إلى طفل شارع

تتخذ حياة الطفل مجرى آخر بعد أن  يحيط به الفشل الذي يولد مشاعر الإحباط الدائمة، وقد ينتج هذا الفشل من عدم وجود أسرة مترابطة، إضافة إلى الفشل المدرسي أو عدم الاستقرار المهني. ويحاول الطفل في هذه الحالة استعادة توازنه، فينمي بعض المشاعر العدوانية تجاه الناس ونحو البيئة التي نشأ فيها، وهذه المشاعر هي السبب الرئيسي في حالة الاضطراب التي وصل إليها. ويبحث عن مكان آخر غير المنزل يجد فيه ما يشبع حاجاته التي لم يجدها في منزله - ويكون هذا المكان في الغالب هو الشارع-  وفي البداية يكون تركه للمنزل متقطعا ولفترات قصيرة ويعود إليه مرة أخرى.

وهذا ما سوف نتناوله تفصيلا في خطوات:

1) مرحلة الانفصال عن الأسرة

نادرًا ما يبدأ الأطفال مرحلة التشرد قبل سن الخامسة، وقد أكدت دراسة أجريت على أطفال الشوارع أن سن 7 سنوات يشهد بداية دخول الطفل إلى عالم أطفال الشوارع، وأن المرحلة العمرية 5: 9 من أكثر المراحل التي يبدأ فيها الطفل بالاتجاه إلى الشارع، الذي يصبح بؤرة لتعلم الكثير من الانحرافات التي يمكن أن تهدد المجتمع. ولأن قرار الطفل بالخروج إلى الشارع ليس بالأمر البسيط، فعندما يتحول هذا القرار إلى واقع فعلي يكون بشكل تدريجي، يبدأ من فقد القدرة شيئًا فشيئًا على تحمل العنف والقسوة وسوء المعاملة أو سوء الأوضاع بالأسرة إلى أن ينتهي الأمر إلى الشارع. وفي البداية يشعر الطفل بالخوف الشديد من البقاء في الشارع، وعدم القدرة على التكيف مع واقع الحياة فيه، ويتم تحوله إلى طفل شارع بطريقة تدريجية يمكن التنبؤ بها، من خلال مراقبة التغيرات التي تطرأ على سلوكه.

قد تبدأ معاناة الطفل الفعلية في الأسرة بشكل تدريجي نتيجة تكرار سوء المعاملة والقسوة، وقد تكون بشكل فجائي اثر انهيار الأسرة، وخصوصًا عند فقدان الشخص الذي كان أكثر قربًا للطفل عاطفيًا مثل وفاة أحد الوالدين وزواج الأخر. حيث يشعر الطفل بالضياع وتزداد الأمور سوء نتيجة عدم وجود بديل يعوضه ما فقده. وهناك حالات أخرى تأخذ طابع النزاع والعداء الصريح بين الطفل وأسرته إلا إنه يبقى فيها، ولكنه يرفض تمامًا الامتثال لسلطتها، ويعيش حياة اللهو والانحراف. ويتحول البيت في هذه الحالة إلى مكان إقامة مؤقت، وتتحول العلاقات مع الأسرة إلى تباعد وغربة، وبعد الوصول إلى هذه المرحلة يحاول كل من الطرفين أن يحمل الطرف الأخر الفشل الذي آلت إليه العلاقة بينهما، ويحدث هذا غالبا في حالات النبذ أكثر من حالات الانحراف، وهؤلاء الأطفال يطلق عليهم "أطفال في الشارعChildren in the street".

2) مرحلة التنقل بين الأسرة والشارع

يتأرجح الطفل غالبًا ما بين الإقامة بالشارع والبقاء مع الأسرة، ويحاول من جانبه الموازنة بين الاثنين اعتمادا على عناصر الجذب والطرد المتاحة في كل منهما. ففي البداية يمكث الطفل خارج منزله ليلة أو ليليتين، ثم يقضى وقتًا أطول بعيدًا عن منزله، ومع مرور الوقت تزداد مساحة الزمن التي يقضيها خارج المنزل. وتتميز هذه المرحلة بالهروب المتكرر من الأسرة، والتعرض لما يسمى ب"أزمة الهوية"، بمعنى عدم الإحساس بالانتماء من جانب الفرد لجماعة معينة. ويصل الأمر إلى درجة الخطر عند حدوث صراع بينه وبين أفراد الأسرة، فيتشرد الطفل وتنقطع الصلة مع ذويه وقد ينخرط في تجارب جانحة. وليس من الضروري أن يخرج الأطفال عن القانون مباشرة في البداية، حيث أنهم يتحولون إلى أطفال منحرفون شيئا فشيئا، ومع استمرار ممارسة هذا السلوك يصبح الأطفال مصدر خطر وتهديد لأمن وسلامة الآخرين، وعندئذ يصبحون جانحين أو خارجين عن القانون.

3) مرحلة التحول إلى طفل شارع

تتميز هذه المرحلة باكتساب الطفل لمعايير وقيم ومهارات جماعة أطفال الشوارع بما يمكنه من التأقلم مع حياة الشارع والتعامل مع مشكلاته المختلفة والبقاء بعيدا عن الأسرة. وعندما يجد الطفل جماعة يتفق معها من الأطفال الذين مكثوا فترة طويلة بالشارع، يعتقد إنه يعوض عجز الأسرة عن إشباع حاجاته، عن طريق الشعور بالقوة واثبات الوجود بانتمائه لجماعة ما. ويصبح الطفل بعد انضمامه إلى تلك الجماعات في حالة من اللامبالاة نحو المجتمع، والولاء الشديد للجماعة التي ينتمي إليها، ويكتسب خصائصها ويسلك سلوكها -والذي في الغالب يكون سلوكا منحرفا- فقد يمارس السرقة أو التسول.

وربما ينتقل الطفل إلى الفعل الإجرامي وفقًا للظروف المحيطة به، والتي تدفعه إلى تبرير السلوك الذي يقوم به. حيث أن هناك الكثير من الأطفال يقتصرون على ارتكاب المخالفات الصغيرة ولا يتجاوزون حدودها في انحرافهم. ولهؤلاء القدرة على ضبط النفس تجاه الفعل الإجرامي -أحيانًا- لأنهم يدركون خطورة العواقب التي تترتب عليه بالنسبة لهم ولضحاياهم. ومع تكرار مثل هذه الأفعال يصبح نبذ الطفل صريحا من قبل أسرته، مما يؤدى إلى  تشرده وانقطاعه كليا عن المنزل، وانغماسه في حياة الشارع والانحراف.

إن تعرض الأطفال للانحراف ليس هو الخطر الحقيقي، وإنما ينذر بخطر الانخراط في عالم الجريمة مستقبلًا. ويطلق القانون على هذه الحالات اسم (الحالات شبه الإجرامية)، ويرون أن كثيرا منها في حقيقتها حالات تشرد لو وقعت من أفراد بالغين، ولكن أحكام التشرد العامة لا تسري على الأحداث. فاحتراف هؤلاء الأطفال الجريمة لا يرتبط بالعمر بقدر ما يرتبط بالخبرة التي يمرون بها في الشارع.

في نهاية  اللقاء مع "عصفورة"، وبالمناسبة هو يحب ذلك الاسم أكثر من اسمه الأصلي، حيث يعتبره ثمرة جهد وتعب ومشقة ليحصل على هذا اللقب، وليس مجرد اسم شهرة، بل بمثابة مكانة اكتسبها بعد فترة طويلة من تغليه على صعاب الحياة في الشارع، ومكانة متفردة يتمتع بها ويتفرد بها وحده. وصلتني دعوة للمشاركة في مائدة مستديرة لمناقشة وضع استراتيجية للحد من ظاهرة "الأطفال بلا مأوى" (وهو طقس سنوي تشترك فيه الجهات الحكومية والأهلية، كل عام نضع استراتيجية متكاملة مثالية على الورق، بفندق خمس نجوم بمنطقة فاخرة)، قرأت أجندة اللقاء –المتكررة- والتي تتضمن ثلاث استراحات لتناول القهوة والسناكس، وفي الختام غذاء. تذكرت آخر ما حكى لي عصفورة عن حياته في الشارع، أخبرني أنه قبل أن يتعلم كيف يحصل على النقود، اشتهى تناول دجاجة، وكيف كان يقف بالساعات أمام محلات بيع الطعام، يشاهد الدجاج المشوي يلف ويدور ببطء فوق النار، معلق بأسياخ حديد، كان يشعر وكأن معدته وقلبه هو الذي يتم شواءه على مهل من الجوع وتمني تذوق ولو قطعة صغيرة، وكيف كان أصحاب المحال يطردونه ويعاملونه بقسوة شديدة. ذات يوم كان يجلس في مكان تتجمع فيه القمامة، فرأى كيس به دجاجة كاملة، اقترب منه وفتحه، وكانت الرائحة كريهة للغاية، فقد كانت فاسدة، ومع ذلك أشعل نار من بعض المخلفات، واقترض من صاحب عربة فول بعض الملح والبهار، وأغرق به الدجاجة وجلس يشويها على النار، والتهمها بأكملها. قطع كلامه بنظرة مختنقة بدموع قد نساها من فترة، وقال "كنت عارف إن هيجي لي تسمم ويمكن أموت، بس كان نفسي جدا أكل فرخة كاملة مشوية"، واستطرد أنه أُصيب بالفعل بالتسمم، وذهب إلى مستشفى عام حكومي وعالجوه بصعوبة، لأنهم في الغالب يرفضون استقبال أطفال الشوارع.

فكرت قليلًا في تكلفة استراحات القهوة والغذاء وتكلفة الاجتماعات والمؤتمرات لمناقشة تسمية الأطفال بأطفال الشوارع أو الأطفال بلا مأوى، ونفض الجدال باستراحة جديدة من القهوة، ثم يذهب الكل لمنازله، في استعداد لمؤتمر أو مائدة مستديرة أخرى، بينما الأطفال ما زالوا يأكلون دجاج مسموم.

 

د. سوسن الشريف

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4864 المصادف: 2019-12-30 02:54:05