 قضايا

التفسير الإشاري ودلالة اللفظ المفتوح

 مجدي ابراهيم(8) ومن المعلوم لدينا أن التفسير الإشاري للقرآن الكريم قام به طائفة من الصوفية، وهو يتأسَّس على الإيحاء والرمز والإشارة، نجده عند سهل بن عبد الله التُّسْتَري (ت283هـ) وأبي عبد الرحمن السُّلمي (ت412هـ) في حقائق التفسير، ثم تطور في استخدام الرمز والإشارة وأوغل فيهما عند القائلين بمذهب وحدة الوجود (Pantheism) ابن عربي، وصدر الدين القونوي، وعبد الرزاق القاشاني؛ لكن أظهر تفسير وأشهره وأكثره حذراً وحيطة واعتدلاً، هو تفسير أبو القاسم عبد الكريم بن هَوازن القشيري النيسابورى (ت465هـ) صاحب الرسالة في علم التصوف، وهو المسمى بـ "لطائف الإشارات"، حققه الدكتور إبراهيم بسيوني، وصدر عن الهيئة المصرية للكتاب في ثلاثة مجلدات (أكثر من 2000 صفحة). وكانت طريقة القشيري في التفسير فيما يبدو لنا هى أن يعمد إلى تقسيم الآية إلى مستويين: إلى ما تعطيه دلالة الظاهر (أي العبارة) فيشير إليها ويوضح معناها، وهذا هو المستوى الأوَّل وهو مستوى تقليدي يمكن لأي مُفسّر أن يقوم به.

أما المستوى الثاني؛ فهو مستوى "الدلالة الخاصَّة" في الإشارة المستنبطة من العبارة، يُردف الدلالة الظاهرة بدلالة السِّر والإشارة (دلالة الرمز)؛ وهذا ليس لأحدٍ إلا لأهل الخصوصية من المُلهَمين الأصفياء. وفيما يخصّ اللغة الرمزية؛ فبيان أهمية الرموز في التفسير الإشاري يعني كيف يتمكن الصوفي من تحويل المرئي (الليل، القمر، الرياح) والمقروء (الآيات القرآنية مثلاً) إلى رموز تشير إلى تجارب روحيّة؛ فمنازل القمر مثلاً تشير عند القشيري إلى انتقال المريد من مقام روحي إلى آخر وهو ما يعبر عنه المتصوفة بالتلوين وضده التمكين. أما الرياح؛ فإنها تشير إلى الرجاء الذي يسبق العطاء الإلهي كما تسبق الرياح المطر.

خذ مثلاً على مستوى "الدلالة الخاصَّة" في الإشارة المستنبطة من العبارة، إذ يُردف الدلالة الظاهرة بدلالة السِّر والإشارة (دلالة الرمز)؛ خذ هذه الآية الكريمة :"إنّ الذي فرض عليك القرآن لَرَادُّكَ إلى معاد" (القصَصَ: آية 85) قال :"لرَادُّك إلى معاد" في الظاهر، إلى مكة، وقد كان الرسول عليه السلام كثيراً ما يقول: "الوطن، الوطن" فَحَقّق الله سُؤله، هذا ما يدل عليه ظاهر الآية. أمّا في السرِّ والإشارة وهو المُراد بفتح اللفظ عندنا؛ فإنّه "فرض عليك القرآن" أي يسَّر لك قراءة القرآن، والمعاد هو الوصف الذي كانت عليه روحك قبل حلول شجك؛ أي سجنك ولوعة حُبَّك؛ من مُلاذعات القرب ومطالعات الحق (لطائف الإشارات, م3؛ ص83). والتأويل الروحي الذي يقدِّمه القشيري هو المُراد بعودة الروح إلى الوطن الحقيقي وأوْبتها مرة أخرى إلى عالم الخلود في حُضن الطبيعة الكلية. قال: " فإنّ الذي ينصّبك بأوصاف التفرقة بالتبليغ وبسط الشريعة لرَادُّك إلى عين الجمع والتحقق بالحق والفناء عن الخلق" (لطائف الإشارات: م3 ص84).

معنى هذا؛ ولو فيما نراه نحن؛ أنه لمَّا كانت الغاية التي لا غاية بعدها عند الصوفية هى التحقق بالوحدة في عين الجمع، وكان الرسول صلوات الله عليه لابد له من العودة بعد الفناء إلى الصحو للتبليغ وبسط نظام الشريعة، صار "ردَّ المعاد" هو التحقق بعين الجمع بالفناء عن الخلق؛ ولهذا كان صلوات الله عليه يقول :" لي وقت مع ربي لا يسعني فيه غير رَبِّي". والإشارة ترمي إلى التفرقة بين عروج الأنبياء وعروج الأولياء: عُروج النبي غير عروج الوليِّ : لابد للنبي من العودة للتبليغ. والولي إذا بلغ مقام القرب لا يريد العودة منه أبداً، وهو ما عبَّر عنه وليُّ هندي هو "عبد القدوس الجَنجوهي" حيث قال :" صَعَدَ محمد النبي العربي إلى السّموات العلا ثم هبط إلى الأرض .. قسماً بربي ! لو بلغت هذا المقام لمَّا عدت منه أبداً". النبيُّ مُلزم بالتبليغ ولا هكذا حال الولي. فالتفسير الإشاري إذن له سياقه المتصل مع الحالة الباطنة الكاشفة بما هى عليه من توجه وشروق في نفس صاحبها.

هَبْني ذكرتُ لك هذه الآية المباركة سبيلاً استشهد به في هذا السياق أن من الألفاظ ما هو مفتوح يرمي إلى "ما وراء" بعد إشارته إلى المحسوس ودلالته المفهومة من أول تعامل معها: (فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا)؛ فماذا عَسَاكَ واجداً؟ قد تجد هناك أولاً "الإيمان بالله"، وهناك ثانياً، عدم الخوف عندما يتحقق الإيمان، لا من البخس ولا من الرَّهَق. وما هو البخس وما هو الرَّهَق؟ البخس يشير في دلالته الواقعة تحت طائلة الحسِّ والإدراك العادي، إلى النقص في الثواب والرَّهَق هو الظلم اللاحق بزيادة السيئات؛ لكأنما الآية تقول: " من يؤمن بربه حق الإيمان، لا يخاف نقصاً في ثوابه إذا أحسن، ولا يخاف ظلماً يلحقه بزيادة السيئات عليه؛ وهو معنى الرَّهَق المذكور.

هذا ما يعطيه ظاهر اللفظ بما وردت به الآية، فهل كل ما تحمله الآية من مضمون هو ذاك؟ .. كلا ! لا نرى ذلك بعد تحقق معنى الإيمان بمستواه الأعلى؛ لأن هذا المستوى الأعلى نفسه هو عينه الذي يجعلنا نفتح ألفاظ الآية وننتقل من مستوى الظاهر فيها إلى مستوى الباطن، ومن الشكل البرَّانيِّ إلى المضمون الجوَّانيِّ، ومن مستوى المعرفة الظاهريّة إلى مستوى الدلالة الرمزية، ومن الصورة الحقيقية إلى الاستعارة المجازيّة !

ومن هنا؛ قامت قيامة الناس ولم تقعد على قوم أرادوا أن يصرفوا الخاطر عن الظاهر في كل حال ويطلبوا الباطن في جميع الأحوال؛ لعلم هؤلاء الناس أن الظاهر في كل الأحوال قد يؤدي الغرض المطلوب وكفى. فإذا أرادوا بادئ الرأي أن يفسروا آية ما، فَسَّروها بشرط ظاهرها البرَّانيِّ دون النفاذ إلى أسرارها الباطنة، وزادهم تفسيرهم للظاهر تحكماً لا مشروعاً؛ لأن حالتهم الوجدانية الباطنة، أعني "تجربتهم" مع الواحد الحق، لم تتسع إلّا لتأدية الغرض المطلوب على مستوى الظاهر وكفى، ولأنهم : (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ).

ومن هنا أيضاً، قد نجد ضروباً كثيرة من التفسير الإشاري للقرآن الكريم قامت به طائفة من أتقياء المسلمين؛ فكان علامة بارزة لا ريب فيها على شاعرية اللغة العربية وثراء ألفاظها ومعانيها وارتقاء الوعي بها وتجاوزها بالمجاز، وتجاوز المجاز فيها إلى حيث يستطيع المرء إلى ذلك سبيلاً.

ولنا أن نقف وقفة تحليلية ذوقية عند القشيري؛ لنراه يُبْرز ذلك في مقدّمة تفسيره الإشاري (لطائف الإشارات) أو يفصِّله على نحو من الأنحاء؛ ليُصَوِّر لنا كيف يكون التفسير عامة، والتفسير الإشاري منه على وجه الخصوص؛ قطعة من روح صاحبها في التخريج الذوقي؛ فإجمال التفسير الإشاري خاصَّةً عند القشيري إنما هو إشارة مُسْتخرجة على الاستنباط من العبارة، أي استنباط الإشارة من العبارة واستخراج خفي الرمز من ظاهر الدلالة، حيث يقول القشيري مخبراً عن أولئك المُلهمين من الأصفياء ما مفاده: إنّ الله :" أكرم الأصفياء من عباده بفهم ما أودعه من لطائف أسراره وأنواره لاستبصار ما ضمَّنه من دقيق إشاراته وخفيِّ رموزه، بما لوَّح لأسرارهم من مكنونات؛ فوقفوا بما خُصوا به من أنوار الغيب على ما أستتر عن أغيارهم، ثم نطقوا على مراتبهم وأقدارهم. الحق سبحانه وتعالي يُلْهمَهم بما به يكرمهم؛ فهم به ناطقون، وعن لطائفه مخبرون، وإليه يشيرون، وعنه يفصحون، والحكم إليه في جميع ما يأتون به ويَذَرُون".

هذا ما يقول به القشيري ومنه يتبيَّن؛ أن التفسير عامة، والإشاري منه خاصة؛ إنمّا هو تفسير إلهامي من فضل الله وتوفيقه، واصطفائه واختصاصه لمن شاء له من عبيده، لا بقدرة منهم أو حيلة أو اكتساب، ولا اقتدار من جانبهم على هذا الفضل أو ذاك التوفيق، ولكنه توفيق موهوب واختصاص من عند الله، لا يُقال فيه سوى ذلك، ولا يُتصَّور أن  يقال فيه أقل من ذلك.

على أن هذا اللون من التفسير الذي يتكلم عنه القشيري يفترق عن سائر ألوان التفسير الأخرى، تماماً كما يفترق التفسير في مجمله عن سائر ألوان الفكر الإسلامي؛ وذلك لشرط عنصر الاصطفاء من قبيل الله تعالى، فليس يمكن لغير من أختصهم الله بفضله أن يخوضوا فيه. فأنت تستطيع أن تكون متكلماً أو فيلسوفاً أو نحوياً أو أدبياً إذا توَفَّرْت لذلك وعكفت عليه، وكان لديك استعداد مُلائم، وخصصت الاستعداد بعنايتك، بعد أن شهدت له من نفسك قبولاً ومن استعدادك وروداً. أما أن تكون مستنبطاً للإشارة من العبارة مستخلصاً لخفيِّ الرمز من ظاهر الدلالة، فهذه خصوصية فريدة لا بد أن يسبقها اجتباء إلهي.

كذلك؛ يمكنك أن تكون عالماً في أي فرع من فروع المعرفة كان، دون أن يصحب ذلك عمل، أما أن تقبل على القرآن الكريم لتستشف الجواهر من وراء الظواهر؛ فهذه مسألة ينبغي أن تقترن بجهود مضنية في تصفية النفس والقلب من كل العلائق، وتخليتهما عن كل الشواغل الدَّنيَّة، وتحليتهما بكل الأوصاف السَّنيَّة.

ومن هنا ظهر أن من أخصِّ خصائص التفسير الإشاري؛ كما يحدِّده الدكتور إبراهيم بسيوني، في منهج القشيري في التفسير، هو: " الاعتماد على استنباط خفايا الألفاظ؛ مُفْرًدة أو مركبة؛ دون التوقف عند حدود ظواهرها المألوفة ومعانيها القاموسيّة، وإنما ينظر إلى اللفظة القرآنية على أنها ذات جوهر يدق على الفهم العادي، وأهل التجريد وحدهم هم الذين يُتاح لهم، بفضل الله، العلم الذي يكشفون به عن هذا الجوهر. وهناك رباط وثيق بين هذا العلم وبين العمل؛ إذْ لا يحظى به إلا من جَرَّد قلبه من كل سانحة، وصفَّىَ نفسه من كل كدورة، وتهيأ بكل الهمَّة لهذه المهمة الجليلة : دراسة كلام الحق جل ذكره؛ وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء".

وإلى جانب ذلك، فمن يدرس ظاهرة "الشطح" في التصوف خاصَّة، يتبيِّن له كيف تلوح الإشارة في عباراتهم، وكيف يبدو الرمز فيما يدلّون عليه، وكيف يلعب المجاز دوره في تشكيل لغة المتصوفة، واختصاص هذه اللغة بخصائص العلاقات الكاشفة بين" الذات أو الأنا الصوفية والآخر، أو بين الذات أو الأنا الصوفية والمجهول، أو بين الذات أو الأنا الصوفية والغيب المحجوب، أو بين الذات أو الأنا الصوفية والكون، وكلها علاقات يقتضيها المجاز وتجوَّزها "الحالة" الروحية الباطنة لتجربة الصوفي : ولغة الحسين بن منصور الحلاج (ت309هـ) الرمزية الغارقة في الغموض والتباس الدلالة، فيما يشير نيكولسون، إنْ هى إلاّ تعبير عن تلك "الحالة" الحُلوليَّة الباطنة يُعانيها الصوفي في تجربته وتجوِّز "المجاز" وتستوحي قرائنه واستعاراته.

وما يجري على الحلاج في هذا الصدد يجري من هذه الجهة كذلك على البسطامي، وعلى النفريِّ، وعلى ابن عربي، وغيرهم وغيرهم، على اختلاف تجاربهم وأذواقهم ومواجيدهم.

ولنقف وقفة عند هؤلاء الصوفية الكبار كيما نشير إلى أذواقهم في هذا المجال، فقد جمع السَّهْلجي في كتاب : النور من كلمات أبي طيفور أقوال البسطامي التي تظهر أحواله وتبين مُنازلاته الروحية، فيما تجوز اللغة وترتفع بها عن العبارة القريبة واللفظ المعتاد.

ولنقرأ للنِّفَريِّ هذه الكلمات :"... لن يفلح المتصوف ما لم يُخلِّف الحرف وراء ظهره؛ لأن الشك يسكن في الحرف، والكيف يسكن في الحرف؛ فالحرف فجُّ إبليس. الحرف لا يعرف الله، والله يخاطب الحرف بلسان الحرف، والحرف أعجز من أن يخبر عن نفسه، فكيف يخبر عن الله؟

والوليُّ لا يسعه حرف. إذا ثبت الحرف للصوفي، فما هو من الله، ولا الله منه. والحرف لا يلج الحضرة، وأهل الحضرة يعْبرون الحرف ولا يقفون فيه.

الخارجون عن الحرف هم أهل الحضرة، والخارجون عن أنفسهم هم الخارجون عن الحرف". (محمد بن عبد الجبار بن الحسن النِّفَّري: الأعمال الصوفية، مراجعة وتقديم سعيد الغانمي: ص53). وإذا فهمنا كلمات "النَّفَّري" عرفنا كيف تموت اللغة ويُحكم عليها بالإبادة لدى الصوفي، تماماً كما يموت الصوفي حين يخرج من علمه وعمله ومعرفته وصفته ونفسه واسمه ورسمه؛ كذلك تموت لغته، يموت الحرف والمَحْرُوُف.

عندما يخرج الصوفي من الحرف (اللغة) والمَحْرُوُف (ما يُخْبرُ عنه الحرف)، يُلقي العبارة وراء ظهره، ويلقي المعنى وراء العبارة، ويُلقي الوجد وراء المعنى، ويدخل إلى الله فقيراً ممَّا سواه، هنالك يتلقى معنى آخر، ولغة أخرى، وعبارة أخرى وإشارة مختلفة.

أما ابن عربي؛ فهو نسيج وحده وهو أكثر من وظَّف اللغة توظيفاً يخدم أغراضه في مذهب وحدة الوجود، وأكثر من قلب اللغة وفتح ألفاظها وبثَّ فيها معانٍ بعيدة التناول، وَوَسَّع، وتجوّز، وأشكل، وألغز، وأغرق في الرمز إلى ما لا تحيط به العقول المحدودة، فهو يُعدُّ بحق من أخصب الصوفية الفلاسفة فكراً ورؤية وخيالاً خلاقاً في ميدان صناعة المصطلح وتوظيفه صوفياً وفلسفياً بين عالمي الغيب والشهادة.

ومن طريف ما يرويه الدكتور أبو العلا عفيفي رحمه الله، شكواه حين كلّفه أستاذه "نيكولسون" أثناء أطروحته للدكتوراه عن "التصوف الفلسفي عند ابن عربي" بقراءة "فصوص الحِكَمْ"، فقرأه عدة مرات؛ فوجد صعوبة في فهم كلام ابن عربي وتحديد مقاصده لغموض لغته، فعَادَ إلى أستاذه شاكياً قِلّة فهمه لألفاظ الرجل وافتراقها عن معانيها، واتصال الألفاظ بمعانٍ رمزية مغلقة أو إنْ شئت قلت معاني "مفتوحة" ليست ممَّا تقوى عليه عقول أهل الظاهر في كل حال، على الرغم من استقامة الجملة، وبيان العبارة مُفردة في ظاهرها؛ فأوْصَاهُ بترك "الفصوص" والعكوف على "الفتوحات"، ففعل، فاستجابت هنالك قريحته للغة ابن عربي بعد دوام الصبر وشدة المعاناة؛ فعاد إلى "الفصوص" شارحاً ومعلِّقاً، وهو مجهود خالد بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لو لم يدرس الدكتور عفيفي طيَّب الله ثراه؛ في ميدانه سوى هذا الكتاب فقط، لكانت دراساته وتعليقاته كفيلة بخلوده على وجه الزمان.

وعَقَدَ الدكتور أحمد الجزار مقارنات طويلة بين ابن عربي وابن سبعين في دراسته عن :"التصوف؛ مفهومه ومنهج دراسته عند التفتازاني"؛ لبيان معنى الوَحْدَة من وجهة نظر كل منهما، فبينما الوحدة عند ابن عربي وحدة وجود أبان عنها مضموناً لا اصطلاحاً؛ بسبب أنه لم يستخدم في مؤلفاته اصطلاح وحدة الوجود، وإنْ كانت مصنفاته طافحة بالمذهب جملة وتفصيلاً؛ تجيء الوحدة عند ابن سبعين وحدة مطلقة لا تقر ولا تثبت إلا وجوداً واحداً هو الله فقط وكل ما عداه من ضروب الوجود وهم أو مراتب زائلة. ويستدلّ برسالة "الإحاطة" لابن سبعين حيث قال:" فلا وهم إلا الوهم ولا إله إلا الله، بل ليس إلا الأيس فقط، وهو الله الله الله الله الله الله؛ هكذا ورد وهكذا وجد، وهكذا رسم وهكذا قسم، وهكذا كان وهكذا هو"؛ ومع ذلك تظل الوحدة بين ابن عربي وابن سبعين غير مقطوعة الصلة، وعليه يثبت أحمد الجزار أن كل من يجعل وحدة الوجود ووحدة الشهود والوحدة المطلقة هى مجرد تسميات لمسمى واحد كما فعل أحدهم، يكون خاطئاً؛ بسبب أن الفارق دقيق بين تلك المذاهب فيما بنيت عليه أصلاً مهما تقارب أصحابها في بعض الأفكار (الفكر المصري المعاصر؛ والتصوف؛ ص 184-192).

ولا غرابة أن نجد لابن عربي اصطلاحاته الخاصة ولغته الرمزية الخاصة فيما يَخُص فتح اللفظ أو نقله بالدلالة من حقل معرفي إلى حقل آخر. والشروح التي توافر عليها تلاميذه كالقاشاني في "اصطلاحات الصوفية"، و"رشح الزلال في شرح الألفاظ المُتَدَاولة بين أرباب الأذواق والأحوال" وهو للقاشاني أيضاً, واصطلاحات الصوفية الواردة في الفتوحات المكية لابن عربي نفسه كما جمعها مُلحق تعريفات الجرجاني، فضلاً عن المعجم الصوفي الضخم للدكتورة سعاد الحكيم والخاص باصطلاحات ابن عربي (الحكمة في حدود الكلمة). هذا فضلاً عن إشارات بعض الباحثين الغربيين إلى مكانة اللغة الإشارية في تصوف ابن عربي

)Abhayananda (s): History of Mysticism the unchanging Testament p,269(.

كل هذا وغيره الكثير، يؤكد مغايرة اللغة الصوفية عن سواها، وعليه تصبح لغة تفترق تماماً عن لغة الظاهر التقليدية المشحونة بالأعراف والمصطلحات، الميتة فيما تعبّر عنه أو تشير إليه؛ لأنها لغة خارجة عن نكرة لا عن معرفة. أمّا لغة رجال الله فهى منازلة روحيّة بامتياز.

ولم تكن لغة صادرة عن كدّ الذهن في المقروء والمكتوب بل عن علوم تخرج من قلوب العارفين بسطوات الإدراك، ليس للأفكار فيها حظ ولا نصيب بل حظها أنها علوم صفاء بالأذكار. ولذا كان "النفري" يصوّر كل هذا، بمشهد من الحق وكأن الحق يقول لقلوب العارفين : " أنصتوا، وأصمتوا، لا لتعرفوا، وإنْ ادّعيتم الوصول إليّ؛ فأنتم في حجابٍ بدعواكم، ووزن معرفتكم كوزن ندمكم، فإنّ عيونكم ترى المواقيت، وقلوبكم ترى الأبد، فإن لم تستطيعوا أن تكونوا من وراء الأقدار فكونوا من وراء الأفكار".

 (وللحديث بقيّة)

 

د. مجدي إبراهيم

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4874 المصادف: 2020-01-09 00:52:09