 قضايا

حقوق الانسان في تراث الإِمام علي

صباح شاكر العكامإِن حقوق الانسان هي الضمان الاكيد لحياة حرة وكريمة للإنسان والتي تتضمن حق الحياة وحق الحرية سواء كانت حرية شخصية او حرية فكرية، والتي تشمل حرية الرأي و حرية التعبير و حرية المعتقد و التحرر من الرق لكون الله سبحانه وتعالى خلق الناس احراراً، وحق المساواة بين الناس مهما اختلف لونهم او معتقدهم او دينهم او قوميتهم او حق الترحال والتنقل والاقامة في اي مكان يرغب الانسان العيش فيه، وحق الملكية سواء كانت ملكية عقارية او ملكية وسائل الانتاج، وحق التعليم لجميع الافراد، وضمان حقوق المرأة وغيرها من الحقوق الاخرى وقد ضمنت هذه الحقوق التشريعات السماوية للأديان المختلفة او القوانين الوضعية المستندة على المصادر الفلسفية التي وضعها الفلاسفة عبر التاريخ على شكل افكار وتعاليم وحكم دعت الى الحق والعدل والحرية والمساواة بين البشر .

لقد خلق الله الإنسان في أحسن صورة، وجعله مكرماً خَلقاً وخُلقاً، ووهبه العقل، وفضله على جميع الكائنات الحية،وجعله خليفته في الأرض وكما جاء في الآية 70 من سورة الأسراء:

" وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا" .

لقد اجتمعت في الإِمام علي(ع) كلُّ المزايا من شجاعة وكرم وفروسية وسماحة وإنسانية وعلم وفقه، والتي لا يستطيع أحدٌ أن يحصي أوصافها التي لا يدانيها أي إنسان سواء في التاريخ القديم أم الحديث بعد النبي محمد(ص)، ومن هذه المزايا وضع مبادئ حقوق الإنسان التي وردت من خلال العهد الذي أَعطاه إلى مالك الأشتر(رض) عندما ولاه على مصر . 

تكريماً لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) أصدرت الأمم المتحدة في العام 2002م  تقريراً باللغة الانكليزية بمئة وستين صفحة، أعده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الخاص بحقوق الإنسان وتحسين البيئة والمعيشة والتعليم، إذ اتخذ المجتمع الدولي الإِمام علي (ع) شخصية متميزة ومثلاً أَعلى في إشاعة العدالة واحترام حقوق الناس جميعاً سواء كانوا مسلمين أم غير مسلمين، وتأسيس الدولة على أسس المواطنة والتسامح والسلام.

وقد تضمن التقرير مقتطفات من وصايا الامام علي (عليه السلام) التي وردت في نهج البلاغة، التي يوصي بها عماله وقادة جنده، فقد ذكر التقرير أنَّ هذه الوصايا الرائعة تعد مفخرة لنشر العدالة وتطوير المعرفة واحترام حقوق الإنسان.

إنّ العهد الذي كتبه الإمام عليّ (عليه السلام) لمالك الأشتر النخعي لمّا ولاّه مصر، أراد منه أن يكون توجيهاً لأحد ولاته في ممارسة ما عُهِد إليه من الأمور، حرصاً على سلامة سلوكه ومواقفه بصفه مسؤولاً و إنساناً مسلماً . وهذا ما جعل هذه الوثيقة من أهمّ المصادر التي تُستسقى منها المبادئ التي تُنير طريق الولاة في إدارة ما تَولَّوه، في كلِّ زمان ومكان .

إنَّ هذا العهد يمثل دستوراً لحكم الإمام عليٍّ عليه السلام، ولذلك قام بتبويبه وتفصيله على غرار الدساتير التي تتبنّاها البلدان في عصرنا الحاضر. ومن هذا العهد يمكن استخراج المبادئ والقيم الإنسانية في الحقلين الاجتماعي والسياسي، والاهتداء بهذه المبادئ والقيم في الحياة الخاصة والعامّة لتفعيل قيم الإنسانية والتعامل الرسالي في هذا الزمان وهذا هو المنهج الذي خطّه الإمام علي (ع) الذي عبر فيه الحدود المذهبية والدينية والعنصرية .

لقد أوصى الإمام علي (عليه السلام) مالك الأشتر، أن يكون مُحبّاً للرعية، مُحترِماً لمشاعر الناس من أي فئة كانوا، سواء كانوا مسلمين أم من أهل الأديان الأخرى . ولا يخفى أن في ذلك تثبيتاً لإنسانية الإسلام واحتراماً لمشاعر الناس، وهي تمثل أعظم نظرية تعامل إنساني عرفها التأريخ فهي تتجاهل اللون واللغة والدين والمذهب، وهذا ما نراه في قوله (عليه السلام): (وأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، والْمَحَبَّةَ لَهُمْ، واللُّطْفَ بِهِمْ . ولا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً، تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ، فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ)

وأوصاه أن يعفو ويصفح عمَّن أساء واجترأ عليه، أو على خاصته عندما قال (عليه السلام): (فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وصَفْحِكَ مِثْلَ الَّذِي تُحِبُّ أَنْ يُعْطِيَكَ اللَّهُ مِنْ عَفْوِهِ وصَفْحِهِ) . 

ثمَّ دعاه إلى أن لا يميّز بين القريب والبعيد في عطاياه من بيت المال، وأن تكون المساواة بين جميع المسلمين في الحقوق المالية وأن لا يكون له ميل الى أهله وأقربائه، عندما قال (عليه السلام): (أَنْصِفِ الَلهَ وأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ ومِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ ومَنْ لَكَ فِيهِ هَوىً مِنْ رَعِيَّتِكَ) .

ثمَّ ذكّره بأن يكون هدفه وغايته إقامة العدل، وإحياء الحق، وهو الغاية والهدف الذي من أجله أَرسل الله الأنبياء والرسل، حتى ينعم الناس بالعدالة والمساواة، فبالعدل فقط تَقوم الأنظمة وتستمر، وبه يصبح للحياة مفهومها ومعناها، عندما قال (عليه السلام): (ولْيَكُنْ أَحَبُّ الأُمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطَّهَا فِي الْحَقِّ، وأَعَمَّهَا فِي الْعَدْلِ، وأَجْمَعَهَا لِرِضَى الرَّعِيَّةِ) .

ثمَّ أوصاه بأن يكون جلّ اهتمامه جلب رضا العامة ؛ لأنَّ رضا العامة يعني ثبات النظام، وإيجاد الدرع الواقية له من كيد الأعداء والمتضرِّرين من وجوده، ومع رضا العامة لا قيمة لسخط الخاصة، فإنّ الخاصة يمكن أن تتخلَّى عنهم، عندما قال (عليه السلام): (إِنَّ سُخْطَ الْخَاصَّةِ يُغْتَفَرُ مَعَ رِضَى الْعَامَّةِ، ولَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ أَثْقَلَ عَلَى الْوَالِي مَؤُونَةً فِي الرَّخَاءِ، وأَقَلَّ مَعُونَةً لَهُ فِي الْبَلاءِ) .

ثمَّ دعاه أن يختار مستشاريه في إدارة شؤون البلاد، أشخاصاً تتوافر فيهم الخصال الطيبة الحميدة، وأن لا يكونوا من البخلاء ولا من الجبناء ولا من الذين يحببون لك شدة الحرص بالظلم، عندما قال (عليه السلام): (ولا تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِكَ بَخِيلاً يَعْدِلُ بِكَ عَنِ الْفَضْلِ، ويَعِدُكَ الْفَقْرَ، ولا جَبَاناً يُضْعِفُكَ عَنِ الأُمُورِ، ولا حَرِيصاً يُزَيِّنُ لَكَ الشَّرَهَ بِالْجَوْرِ؛ فَإِنَّ الْبُخْلَ والْجُبْنَ والْحِرْصَ غَرَائِزُ شَتَّى يَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ) .

ثمَّ دعاه لأن يختار لوزارته أشخاصاً جدداً ممَّن لم يخدم الأنظمة الظالمة من قبل لم يشركهم لهم في الآثام، وممَّن يثق بهم الناس، أُمناء على مستقبلهم وحياتهم، عندما قال (عليه السلام): (إِنَّ شَرَّ وُزَرَائِكَ مَنْ كَانَ لِلأَشْرَارِ قَبْلَكَ وَزِيراً، ومَنْ شَرِكَهُمْ فِي الآثَامِ، فَلا يَكُونَنَّ لَكَ بِطَانَةً ؛ فَإِنَّهُمْ أَعْوَانُ الأثَمَةِ، وإِخْوَانُ الظَّلَمَةِ) .

ثمَّ بين له عليه السلام أنَّ الناس فيهم المحسن والمسيء، فلا يجوز المساواة بينها؛ لأنَّ في ذلك قطعاً لسُبُل الإحسان، وتشجيعاً للمسيئين على الإساءة ؛ لأنَّ الله يأمرُ بالعدل والإحسان وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، عندما قال (عليه السلام): (ولا يَكُونُ الْمُحْسِنُ والْمُسِيءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ؛ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ تَزْهِيداً لأَهْلِ الإحْسَانِ فِي الإحْسَانِ، وتَدْرِيباً لأَهْلِ الإسَاءَةِ عَلَى الإسَاءَةِ، وأَلْزِمْ كُلاً مِنْهُمْ ما أَلْزَمَ نَفْسَهُ) .

ثمَّ دعاه إلى المحافظة على ما سنّه السلف الصالح من الأمة، وحذّره من نقض السُّنن الصالحة، والأُمّة تغار على دينها وسننها الصالحة، لأنَّها جاهدت وناضلت من أجل بقائها، وأن لا يحدث سنة مخالفة لما جاء به السلف الصالح، لأن وزرها سوف يكون عليه، عندما  قال (عليه السلام): (ولا تَنْقُضْ سُنَّةً صَالِحَةً عَمِلَ بِهَا صُدُورُ هَذِهِ الأُمَّةِ، واجْتَمَعَتْ بِهَا الأُلْفَةُ، وصَلَحَتْ عَلَيْهَا الرَّعِيَّةُ . ولا تُحْدِثَنَّ سُنَّةً تَضُرُّ بِشَيْءٍ مِنْ مَاضِي تِلْكَ السُّنَنِ ؛ فَيَكُونَ الأجْرُ لِمَنْ سَنَّهَا والْوِزْرُ عَلَيْكَ بِمَا نَقَضْتَ مِنْهَا ) .

ثمَّ تعرَّض (عليه السلام) لأقسام الرعية وأصنافها، وبيّن أن كل قسمٍ منها يحتاج للقسم الآخر ومرتبط به ارتباطاً عضوياً، إذ إنَّ كل تلك الأقسام تشكِّل نظاماً متكاملاً متماسكاً، فهي بمثابة الجسد الواحد، وعيّن لكل صنف مسؤوليته ومهمته حتى لا تتداخل الأمور ومن ثمَّ تسود الفوضى، وأن الله سبحانه وتعالى أمر لكل فرد سهمه، وفرض عليه واجباته وكما جاء في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، عندما قال (عليه السلام): (واعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ، لا يَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلاَّ بِبَعْضٍ، ولا غِنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ، فَمِنْهَا جُنُودُ اللَّهِ، ومِنْهَا كُتَّابُ الْعَامَّةِ والْخَاصَّةِ، ومِنْهَا قُضَاةُ الْعَدْلِ، ومِنْهَا عُمَّالُ الإنْصَافِ والرِّفْقِ، ومِنْهَا أَهْلُ الْجِزْيَةِ والْخَرَاجِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ ومُسْلِمَةِ النَّاسِ، ومِنْهَا التُّجَّارُ وأَهْلُ الصِّنَاعَاتِ، ومِنْهَا الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ ذَوِي الْحَاجَةِ والْمَسْكَنَةِ، وكُلٌّ قَدْ سَمَّى اللَّهُ لَهُ سَهْمَهُ ووَضَعَ عَلَى حَدِّهِ فَرِيضَةُ فِي كِتَابِهِ أَو سُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ، عَهْداً مِنْهُ عِنْدَنَا مَحْفُوظاً) .

 كما تحدَّث (عليه السلام)عن الطبقة الفقيرة وأهل العاهات والتي تشكِّل القسم الأكبر من المجتمع في كل زمان ومكان، ولهذا أوصى(عليه السلام) حماية ومساعدة هذه الطبقة مادياً من بيت مال المسلمين وقسماً من واردات غلال الارض، حتى تنهض ممَّا هي فيه وتنعم بالعدالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية،عندما قال (عليه السلام): ( ثُمَّ اللهَ اللهَ فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى، مِنَ الَّذِينَ لا حِيلَةَ لَهُمْ، مِنَ الْمَسَاكِينِ والْمُحْتَاجِينَ وأَهْلِ الْبُؤْسى والزَّمْنَى؛ فَإِنَّ فِي هَذِهِ الطَّبَقَةِ قَانِعاً ومُعْتَرّاً، واحْفَظِ لِلَّهِ مَا اسْتَحْفَظَكَ مِنْ حَقِّهِ فِيهِمْ،  واجْعَلْ لَهُمْ قِسْماً مِنْ بَيْتِ مَالِكِ، وقِسْماً مِنْ غَلاتِ صَوَافِي الإسْلامِ فِي كُلِّ بَلَدٍ) .

كما طلب من ولاته الاهتمام بأصحاب الاحتياجات الخاصة والجلوس إليهم وتلبية طلباتهم، عندما قال (عليه السلام) (واجْعَلْ لِذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْكَ قِسْماً تُفَرِّغُ لَهُمْ فِيهِ شَخْصَكَ، وتَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً عَامّاً فَتَتَوَاضَعُ فِيهِ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَكَ ) .

لقد حذر(عليه السلام) ولاته من سفك دم بغير حقٍّ، عندما قال (عليه السلام): ( إِيَّاكَ والدِّمَاءَ وسَفْكَهَا بِغَيْرِ حِلِّهَا؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَدْعَى لِنِقْمَةٍ، ولا أَعْظَمَ لِتَبِعَةٍ، ولا أَحْرَى بِزَوَالِ نِعْمَةٍ، وانْقِطَاعِ مُدَّةٍ، مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقِّهَا) . وإن حصل سفكك دماً لخطأ أو ضربك شخصاً بالسوط أو الكف فعليك أن تدفع الدية لأهله، عندما قال عليه السلام: (وإِنِ ابْتُلِيتَ بِخَطَأ، وأَفْرَطَ عَلَيْكَ سَوْطُكَ أَو سَيْفُكَ أَو يَدُكَ بِعقُوبَةِ، فَإِنَّ فِي الْوَكْزَةِ فَمَا فَوْقَهَا تَطْمَحَنَّ بِكَ نَخْوَةُ سُلْطَانِكَ عَنْ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ حَقَّهُمْ ) .

 

صباح شاكر العكام

..........................

مصادر البحث:

1- نهج البلاغة- تفسير الشيخ محمد عبدة – المكتبة العصرية – بيروت.

2- عبقرية الإِمام علي- عباس محمود العقاد – منشورات المكتبة العصرية – بيروت .

3- الإِمام علي صوت العدالة الإنسانية – جورج جرداق - ج1- دار ذوي القربى – قم .

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4887 المصادف: 2020-01-22 01:15:56