 قضايا

علم البطولة ومناهجها دراسة في اللاشعور الجمعي عند علي زيعور

عامر عبدزيد الوائلي"النهر للمنبع لا يعود النهر في غربته يكتسح السدود" عبد الوهاب البياتي

مقدمة:

إننا حينما نعالج "التصورات الجماعية " بعدها منظومات علامات، يمكننا أن نأمل بالخروج من المخيال الذي كان وراءها والذي يحتاج إلى نقد حداثي من أجل التخلص من تلك التفاصيل التي هيمنت على الفكر الوسيط، والتي مازالت حاضرة في الفكر المعاصر تخضع حاضرنا لها على الرغم من أنها تاريخيا زالت الظروف التي كانت وراءها؛ فبقائها يحول الثقافة إلى ثقافة غير منتجة بل تسهم في تخلفنا، وارتهاننا الى الماضي وخطاباته الشمولية .وتحليل تلك الموروثات يسهم في فهم الحالة النفسية على المستوى الفردي، والجماعي مما يجعل كثيرا من السلوكيات مثل (أن تطير العصابي الوسواسي، وإيمانه بالخرافة، واعتقاده بأفكاره التي تدور حول الحب، والكراهية في آن معا). (1) الذي يؤثر في سلوكنا بإزاء المحيط وبالاتي ثمة حاجة راهنة الى النقد، والتحليل النفسي (كلما زاد انفتاح المجتمع، زاد اهتمامه في أن يعكس ذلك في البداية وصفياً ثم نقدياً، على نفسه، وحاضرة فضلاً عن ماضيه ).(2)، فهي الحاجة أصبحت مهمة في مقاربة الموروث مقاربة نقدية تجعلنا كائنات تتحرر من هيمنة الأسطورة ونؤمن بقدراتها العقلية على الإنتاج، والتخليق بعيدا عن هيمنة الخطاب الأسطوري الذي اصطنع آليات إعجازية في التغيير غيبية كما تجلت في الموروث الديني، والشعبي (إما عصا موسى فهي جامعة لكل شيء، وهي حصيلة لعدة تصورات أسطورية متفاوتة: فهي عصا آدم الأصلية، وهي تفعل كل شيء (نمطها الآخر:خاتم سليمان)، وتصير كل شيء. (3)؛ لكن هذا لا يعني أن الأسطورة هي من سمات الماضي، فحسب بل هي راهنة أيضا (أي مجتمع ينحو باستمرار إلى أسطرة أشيائه اليومية، بمعنى أنه يحولها إلى كلام، وكلامه، والاستخدام الفردي لمنظومة اللسان – كما يقول دوسوسير –وكلام المجتمع هو ذلك الاستخدام مبهرج، منمق، اي انه كلام مزيف . ولكي يتسنى لنا فضحه لابد من فضح كلامه ).(4)

فضلا عن هذا فإن للأسطورة عمقا آخر هو " الرمز"، فالتحليل يقودنا إلى كشف المدلول الذي يشير له "الرمز" إذ (علة العموم، تبقى مشكلة الرمز معلقة؛ لأنه ما من قضية نظرية أثارت الفكر الإنساني، وأسالت مدار المفكرين مثلما أثارتها مشكلة تفسير الرمز، علما بأن عددا محدودا من الرموز، اصطلحت بعض المجموعات الإنسانية على تفسير مدلولات، وفي كل مرة يطرح فيها موضوع الأسطورة، سرعان ما يبتعد التفكير بنا إلى الماضي، وكأن الأسطورة لا ترتبط إلا به ؛ لأن الأسطورة تواكب مسيرة الإنسان في ماضيه، وفي حاضره، وفي مستقبله ).(5)

من ينزعون إلى المعرفة المجردة بنظرتهم الشمولية للطبيعة، فهم معنى الوجود من بدء بروز أول مقدس على ظاهرة الوجود، وعلى مختلف تعاليم، و أخلاقيات، وشرائع الديانات التي تستمد رؤاها من جوهر واحد متمثل بإله واحد وحده الإله، لاتصافه بالوحدانية .(6) فالله يمثل المركز الذي تفيض عنه المعارف، والشرائع وعنه يظهر الحق، والانسان في تمثلاته الثقافية الدينية سواء في الدين أم في التصوف أم في السيرة الشعبية هي تشكل الرأسمال الثقافي الذي يحاول الدكتور علي زيعور أن يتخذ منه مرجعا في قراءة العقل، وارتهاناته، ومكاسبه وهزائمه، فإن الدكتور علي زيعور يريدك دائما باحثاً عما يبحث هو نفسه عنه ، فهو يتجرء على اللغة لقد خرق قوانينها المعيارية، وكون لغته الخاصة به .وهي لغة تظهر عمق درايته بالتراث والمعاصرة، وعلوم النفس، وتحليل الخطاب معا .

إذ يأتي هذا الفصل في كتابنا عن المفكر اللبناني دكتور علي زيعور الذي حمل عنوان " قطاع البطولة، والنرجسية في الذات العربية " والذي وضع له عنوان فرعي: (المستعلي والأكبري في التراث والتحليل النفسي)، بحث مميز ويتعامل مع التراث بنظرة حداثية (فالحداثة وفقا بذلك زمن تاريخي أكثر من كونها وعيا جديدا، و إن كان هذا الوعي الجديد قد تمظهر في حقبة تاريخية محددة مما جعلها لصيقة بعدد من المحددات بدءاً من العقلانية، والتنوير، وانتهاء إلى فكرة التقدم، فهي تتجلى إذا في مجموعة من القيم التي تعبر عن روح الزمن وفعل العصر) .(7) فهو يقرأ الموروث بكل بعده القدسي الذي تمركز حول المقدس، وقد عد كل شيء تجليا له، بروح تنتمي إلى الحداثة وبعدها الانسي القائم على حضور الإنسان الذي يشكل اليوم حضورا فعالا في مشهدية الحداثة، وما بعدها ابتداء باللغة التي هي خير من يعبر عن مشاعره إذ (يقول شتراوس: إن الرمز اللغوي إذا كان اعتباطيا مسبقا فانه لا يظل كذلك مؤخرا).(8)، وهذا ما نجده في حفريات علي زيعور في اللاوعي العربي عن مفهوم البطل فهو يمنح اللغة دورا مهما في تحديد تمثلات العربي ونظرته الى ذاته أوالى مجتمعه إذ (قسمات الشخصية في التحليل النفسي للأدب الشعبي لم تكن سوى مرحلة أولية للوصول إلى عملية الترميز التي تعاهد عليها التحليل النفسي، ويقترب من المنهجية التي اعتنقها يونك في علم النفس التحليلي، والتي اعتبر بها البطل احد المكونات الرئيسية للاشعور الجمعي ).(9)، وفي هذا الكتاب موضوع البحث والتحليل نجد أنه تطرق إلى موضوع مركزي هو البطولة أو البطل في المخيال العربي في الدين، والأسطورة، والأدب الشعبي والتصوف ، إذ جاء في مفهوم (علم البطولة )، تناول فيه:

أولا علم البطولة أو قطاع الأكبرية، والبطولة في القيم وشبكة المعايير .الى جانب دراسة كل من (البطل من حيث البنى والوظائف)، اذ تطرق إلى البطل، والجماعة، والثاني: البطل و العالم الثاني، و البطل العربي، والإسلامي في الصورة، والبزوقة، والتوريقة .

أما المفهوم الثاني (الرئيس العصابي باتجاه البطل والمستعلي)، فقد تطرق فيه إلى ثلاثة أبعاد: في أولها الرئيس الكرامتي ونمط العلائق الذوباتية؛ وثانيها الرئيس العظامي والنكوص إلى الأواليات الطفولية في التكيف، و التكييف .أما المفهوم الثالث، و الأخير فقد جاء بعنوان اللاوعي والبنية اللغوية المؤسسة .

في بحثنا هذا سوف ندرس: جزء من تلك المواضيع التي درسها في الجزء المتقدم من كتابه المواضيع، التي وجدناه في عرضها وتحليلها في المبحثين الأول مناهج البطولة والثاني من هذا الفصل من كتابنا عن المفكر العربي الكبير علي زيعور وتطرقنا في الثاني: الى البطل من حيث البنى والوظائف.

 

  ا. د. عامر عبد زيد الوائلي

استاذ الفلسفة الوسيطة في جامعة الكوفة

...............................

(1) عامر عبد زيد الوائلي، العقلانية الغربية ورهانات الدين، مؤسسة الصادق الثقافية، ط1، بابل، 2019م، ص146.

(2) إسرائيل شاحاك، تاريخ اليهود وديانتهم ...، دار كنعان، ط1، دمشق، 2012م، ص60.

(3) خليل احمد خليل، مضمون الأسطورة في الفكر العربي، ص65.

(4) رولان بارت، أسطوريات، ترجمة قاسم المقداد، دار نينوى، ط1، دمشق، 2012م، ص6 من مقدمة المترجم

(5) قاسم المقداد، هندسة المعنى في السرد الأسطوري الملحمي، دار سؤال، ط1، دمشق، 1984م، ص52.

(6) منير الحافظ، التماثل "جمالي وحدة الإله والوجود في معايير العقل الباطني "، النايا للدراسات والنشر، ط1، بيروت، 2014م، ص6.

(7) رضوان جودت زيادة، صدى الحداثة مابعد الحداثة فى زمنها القادم، المركز الثقافي العربي، ط1، بيروت، 2003م، ص33.

(8) صلاح فضل، نظرية البنائية في النقد الأدبي، دار الشؤون الثقافية العامة، ط3، بغداد، 1987م، ص140

(9) عبد الرسل عداي، سمات البطولة و الجنوسة فى قصص الف ليلة وليلة، الشؤون الثقافية العامة ط1، بغداد 2009م، ص49.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4909 المصادف: 2020-02-13 14:16:25