 قضايا

الحركة النسوية الإسلامية وإعادة ترسيخ النظام الأبوي الحاكم

فاطمة واياولم تكن مسيرة المرأة العربية والمسلمة بشكل عام  ومنذ عصر النهضة خالية من التحديات القديمة/الجديدة التي تواجه وضعية النساء على كل المستويات الاقتصادية والقانونية والثقافية والسياسية والحقوقية. مما يدل على أن معركة المرأة تبدأ من جسدها وما يحيط به وتنتهي به، فهو محور هام ورمز الخضوع أو الكرامة. ولعل خروج المرأة ا إيرانية سنة 2017 في انتفاضة نزع الحجاب، وثورة المرأة اللبنانية من اجل الحرية والكرامة سنة 2019، ومن ثم المرأة العراقية وغيرها،   هذا الخروج يذكرنا بما قامت به رائدات الحركة النسوية العربية إبان عصر النهضة، فنزول هدى شعراوي من القطار  بعد أن نزعت حجابها بمحطة القطار بالقاهرة،  حيث كانت في طريق العودة بعد مشاركتها والوفد المرافق في المؤتمر الدولي للنساء بروما سنة 1923. من هنا فإن الخمار أو الحجاب أو أي رداء يغطي رأس أو وجه المرأة لا يمكن أن يكون إلا رمزا للخضوع لتعاليم النظام الأبوي المتسلط.

من جانب آخر، لماذا تعتمد أغلب النسويات الإسلاميات ارتداء الحجاب؟ وتعلن اغلبهن بأنهن ارتدينه بحرية وبطواعية، في حين نعلم جميعا أن الحجاب فرض على النساء في عهد عمر بن الخطاب بهدف تمييز  الحرائر من الإماء من نساء المسلمين. فهل من لا ترتدي الحجاب ليست حرة في نظر النسوية الإسلامية؟ أما إذا تجاوزنا مسألة الحجاب، فإن قضية المواطنة عموما والمواطنة النسائية بشكل خاص، تعتبر من الإشكالات التي يصعب على الحركات النسوية الإسلامية مقاربتها، فهي تمثل منبع التناقض الفكري لهذه الحركات. فإذا كانت اغلب رائدات النسوية الإسلامية استفدن من مناخ الحرية والديمقراطية في الدول الغربية مما أتاح لهن وضع لبنات حركتهن في معاداة للحركة الحداثية والعلمانية، فإنهن باتجاههن للانتصار لمفهوم الأمة في مقابل مفهوم المواطنة، يدل على أن هدفهن يتلاقى بشكل كبير مع أحزاب وحركات الإسلام السياسي والفكر الأصولي الذين يعتقدون أن لا وجود للدولة الوطنية وبالتالي للمواطنة بل إنهم يسعون لفرض الشريعة حتى في الدول الغربية من اجل الانتصار لمفهوم الأمة الإسلامية، وبالتالي ضرب أسس الديمقراطية التي منحت لهم مناخا من الحرية والحركة.

ليس هدف هذه المقاربة الوقوف عند قضية الحجاب أو لباس المرأة، رغم أهميته، بل الهدف هو التأكيد على أن لباس المرأة استعمل ومازال يستعمل كوسيلة لإخضاع النساء، سواء تعلق الأمر بالحجاب أو حجب النساء، أو بتعريتهن إلى حد العهر والمتاجرة بجسدهن. ما نتوخى مقاربته في هذه السطور بالتحديد العلاقة بين الحركة النسوية والحركة النسوية الإسلامية التي ظهرت بدورها مع موجات الحركات الاجتماعية ما بعد الحداثة وما بعد النسوية. أيضا استكناه أوجه التشابه إن لم نقل التواطئ بين النسائية الإسلامية ونسائية الدولة في العديد من البلدان العربية والإسلامية.

نشأت الحركة النسوية الإسلامية في تسعينيات القرن العشرين في كل من إيران وماليزيا، ولن تعرف أوجها وانتشارها إلا في البلدان الغربية أي في الدول الأوروبية وفي أمريكا، خصوصا في محطة مؤتمر برشلونة سنة 2005 .  هكذا ستعرف هذه الحركة  امتدادا عالميا منحها ألقا وشهرة وفي وقت وجيز وقياسي جعل من الحركات النسائية العلمانية أو الحداثية تظهر بمظهر الضعف والتراجع كيف ذلك؟

ما يمكن ملاحظته في كثير من خطابات الحركة النسائية الإسلامية سقوطها في محاكاة خطاب النسوية العلمانية الغربية، أو بتعبير أدق توظيف آليات ومنهجيات هذا الخطاب والتنكر له حينما يروم هذا الخطاب نفسه أدلجة مضامينه. وأوضح مثال على ذلك، النظرة الضيقة التي تتم بها مقاربة النظام الأبوي وعلاقته بالقوانين المجحفة في حق النساء والتي غالبا ما تكون مستمدة من النصوص الدينية التي تحمي النظام وتحافظ على ركائزه.  وتركز العديد من كتابات النسويات الإسلاميات على أن كل الإجحاف والظلم الذي لحق النساء هو بفعل التأويل الخاطئ لبعض آيات القرآن،  إلا أنه ما يجب التنبيه له هو أن العديد من الآيات شملت خطابا ذكوريا وتمييزيا، بشكل صريح لا يستدعي التأويل. وإذا كان الحيز هنا لا يسع للوقوف عند كل مضامين هذا الخطاب والتأويلات،فأننا نشير فقط بأن ما أنتجته رائدات النسوية الإسلامية يصب في نهاية المطاف في إعادة اجترار الفقه الذكوري. فالنظام الأبوي الكلاسيكي والمستحدث كما يسميه هشام شرابي، يتفقان عن ان قهر النساء وإخضاعهن يتم ليس فقط على أيدي الرجال بل أيضا على يد كل من يمثل سلطة مهيمنة قد تكون نساء أخريات.

المشكلة هنا يمكن إثارتها من خلال مقاومة العديد من النساء لأي حركة تحررية ضد هيمنة النظام الأبوي، فهن غالبا ما يعتمدن الحفاظ على بنية النظام الأبوي ليتسنى لهن تغيير موقعهم كضحية إلى جلاد، حينما يمارسن نفس الإخضاع ضد النساء صغيرات السن داخل العائلة وبالتحديد زوجات الأبناء.  هكذا يمكننا فهم بشكل جلي الانتشار الواسع لخطابات الحركة النسوية الإسلامية، وأيضا لكل الحركات التي تمثل الإسلام السياسي، والتي تعيد ترسيخ أسس النظام الأبوي.

تتقاطع الحركة النسوية الإسلامية مع نسائية الدولة في العديد من البلدان الإسلامية والعربية، من خلال تحالفهما من اجل الحفاظ على دعائم النظام الأبوي باستعمال منطلقات مشتركة ترتكز على الدين. ولعل أوضح مثال على ذلك ما حدث في المغرب قبيل تبني مدونة الأسرة سنة 2004 ، فقد اثبت مرة أخرى التحكيم الملكي لحسم الصراع بين الحركات النسائية العلمانية والحقوقية وبين حركات الإسلام السياسي حول مشروع خطة إدماج المرأة في التنمية، على أن هناك تحالفا خفيا يستند على نفس المرجعية ونفس الأهداف بين القصر الملكي الذي يتبنى نسائية الدولة القائمة على التأرجح غير الواضح بين المرجعيتين الكونية والإسلامية، وبين الحركة النسوية الإسلامية. هكذا وفي كل محطة من محطات النضال النسائي تتلقى قضية المرأة صفعات موجعة تدحرجها لنقطة البداية، وهو مسار طبع الحركة النسوية العربية منذ عصر النهضويين إلى اليوم.

إن الخطاب الجديد لرائدات الحركة النسوية الإسلامية، لا يبتعد كثيرا عن ما دعت إليه خطابات النهضويين بل إنه في أحيان كثيرة يمكن اعتباره خطابا رجعيا، مقارنة بالفارق الزمني للخطابين. فبعد 100 سنة من السفور عاد الحجاب وبشكل قوي في الفضاءات المختلفة، بل إنه أصبح رمزا تحرص رائدات الحركة النسوية الإسلامية على إبرازه. وهنا يصبح السؤال التالي مشروعا بل وضروريا: كيف يمكن التوفيق بين حجب النساء بواسطة قطعة قماش وحقوقهن الإنسانية؟ بتعبير آخر هل التظاهر برمز ديني على اعتباره تجاوزا هوية المرأة يحقق مواطنة نسائية كاملة؟ أليست هوية المرأة الحقيقية هي أولا إنسانيتها؟

ما تفتقر له العديد من الدراسات النسوية وخطابات الحركات النسوية الإسلامية هو عدم تفكيكها للنظام الأبوي، من خلال دراسة تطوره التاريخي وتجلياته المعاصرة والمستحدثة خاصة في ظل الثقافة العربية والإسلامية، وأيضا اعتمادها الانتقائية في تعاملها مع النسوية العلمانية، وأيضا مع الإسلام.

إن قصور الحركة النسوية العربية بل وتراجعها يعود بالأساس لمشكلة المهادنة مع هيمنة النظام الأبوي بكل تجلياته الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، مما أعاق ومازال يعيق أية محاولة لتحديث المجتمع وبالتالي تثوير وليس فقط تطويره .  فتفكيك وهدم أعمدة النظام الأبوي لم يتم بعد وربما ما زال هناك الكثير من الزمان والجرأة والعمل قبل أن تتم معرفة كل الجوانب التي تجعل من هذا النظام راسخا، متجذرا بل وخالدا.  نستطيع الجزم إذن بأن البشرية جمعاء لن تهدم أو تهزم هذا النظام إلا إذا اندحر الظلم والحيف والتمييز بين جميع البشر وليس فقط بين النساء والرجال.

فالواقع الاجتماعي والاقتصادي والتنموي المتردي في العديد من المناطق بالدول العربية ينم على أن طريق الحقوق الإنسانية والعدالة الاجتماعية بل وفي ابسط التجليات، إنسانية الفرد العربي مازالت بعيدة المنال، خاصة وأن أغلب مشاريع الجمعيات المنتمية للحركات النسوية الإسلامية تتلخص في أنشطة إحسانية وأهداف دعوية. وفي انتظار أن تتحقق آمال المواطنين العرب نساءه ورجاله شيوخه وأطفاله وأيضا وشبابه، نجد العديد من الحركات الاجتماعية ومن بينها الحركات النسائية تهادن النظام الأبوي القائم، وتسعى فقط لإيجاد موقع لها ضمنه وضمن أسسه التمييزية والظالمة.

في النهاية نتساءل فقط لماذا يصر كل الخطاب النسوي العربي على التقيد بالمرجعية الدينية حين المطالبة بالحقوق الإنسانية للمرأة مع العلم أن جل القوانين المدنية والتجارية في كل البلاد الإسلامية ومن ضمنها العربية تعتمد التشريعات الوضعية – يمكن ان نستثني هنا تونس التي قطعت أشواطا في ملائمة قوانين الأسرة بالمرجعية الكونية لحقوق الإنسان- أم أن الحركات النسوية جميعها سقطت في فخ الاستحواذ من طرف الأنظمة الحاكمة وأصبحت جزءا من نسائية الدولة، على حساب معاناة النساء المستمرة من الظلم والتمييز غير المحدود وفي الفضائين العام والخاص.

 

د. فاطمة واياو

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

لقد وضعت يدك سيدتي على لب المشكلة وجوهرها:

"فإذا كانت اغلب رائدات النسوية الإسلامية استفدن من مناخ الحرية والديمقراطية في الدول الغربية مما أتاح لهن وضع لبنات حركتهن في معاداة للحركة الحداثية والعلمانية، فإنهن باتجاههن للانتصار لمفهوم الأمة في مقابل مفهوم المواطنة، يدل على أن هدفهن يتلاقى بشكل كبير مع أحزاب وحركات الإسلام السياسي والفكر الأصولي الذين يعتقدون أن لا وجود للدولة الوطنية وبالتالي للمواطنة بل إنهم يسعون لفرض الشريعة حتى في الدول الغربية من اجل الانتصار لمفهوم الأمة الإسلامية، وبالتالي ضرب أسس الديمقراطية التي منحت لهم مناخا من الحرية والحركة."

لا يمكن للنسوية "الاسلامية" ان تكون حرة متحررة ما دامت متلفعة بعباءة الدين!
تحياتي وتقديري..

عادل صالح الزبيدي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4934 المصادف: 2020-03-09 01:47:18