 قضايا

الْعَجْزُ الذّاتِيُّ من لوازمِ المخلوقِ

بعيداً عن الفلسفاتِ التي تُغالي بالكائنِ الانسانيِّ ؛ اذ تجعلُهُ وجوداً مكتفياً بذاتهِ، مستغنِياً عن خالِقِهِ . من وحي هذهِ الفلسفةِ أعلَنَ نيتشه " موتَ الاله"، ومن روح هذه الفلسفةِ ونَزعتِها الاستغنائية عن الخالق، اعلن سارتر استقلاليّةَ الوجودِ الانسانيِّ .والالحادُ كُلُّهُ وبجميعِ مدارسهِ يُمَثّلُ نزعةً استغنائيةً .

كلُّ هذهِ المدارسِ الفلسفيّةِ لاتُعبرعن حقيقةِ المخلوقِ الموسومةِ بالعجزِ والفقرِ والاحتياج، وانما تُعَبِّرُ عن ايديولوجياتٍ وازماتٍ نفسيّةٍ وظروف عاشها اصحابُها، ولكنَّهم قدموها لنا كفلسفاتٍ بعد ان جردوها من ابعادها الذاتيَّةِ .

القرانُ الكريمُ وحقيقةُ العجزِ الانسانيِّ

القرانُ الكريمُ يُقَررُ بوضوحٍ هذهِ الحقيقةَ، حقيقةَ العجزِ الانسانيِّ ؛ فالانسانُ في بطنِ امّهِ في فترةِ الحمل، في حالةِ عجزٍ تامٍ، كلُّ شيءٍ يُؤمنُ لهُ من الغذاء والتنفس، وكل حاجاتهِ معتمداً فيها على الله تعالى عن طريق الحبل السريِّ لأُمّهِ، هذه المرحلةُ الزمنية هي مرحلةُ العجزِ التام، وبعدها مرحلة الولادة، يأتي الى الدنيا وهو في حالة عجز تام ٍ ومعتمداً على والديه بالدرجةِ الاولى، وعلى المحيطين به . يقول اللهُ تعالى:

(وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ). النحل: 78. وهذا الاحتياجُ والضعفُ يلازمُ الانسانَ ليس في مرحلة الطفولة فحسب، بل في كل مراحل الحياة، هناك محطات يقفُ فيها الانسانُ ضعيفاً عاجزاً، كما ان الضعفَ طبيعةٌ انسانيّةٌ . يقول الله تعالى:

(يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا). النساء: الاية:28.

(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ). الروم: الاية: 54.

والفقرُ لازمٌ ذاتيٌّ للانسانِ ولكلِّ مخلوقٍ في هذا الوجودِ . يقول الله تعالى:

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ). فاطر: الاية: 15.

(فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ). القصص: الاية: 24.

كما ان القران اشارَ الى تضرع الانسان الى الله في الازماتِ، وفي حالات العجز والضعف، ولكن بمجرد ذهاب الأزمةِ، يرجع الانسانُ الى ماكان عليه قبل الازمة . يقول الله تعالى:

(فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ).العنكبوت: الاية: 65.

الانسانُ في حالةِ نومهِ يعيش حالةَ عجزٍ تام، فالعناية الالهيةُ هي التي تجعل دورتهُ الدموية في حالة عمل، وجهازه التنفسيّ يؤدي وظائفه بشكلٍ تامٍ، ودقاتُ قلبه منتظمة، وكل اجهزة جسمه، هو في حالة عجزٍ تامٍّ، ولكنه ينسى ويدعي الاستغناء والاستقلاليّة عن الخالق .

التّداعياتُ الخطيرةُ للاستغناءِ عن اللهِ

بعدَ أَن عرفنا حقيقةَ فقرِ المخلوقاتِ، خصوصاً الكائن الانسانيّ، نريد نعرف هل الحالةُ الاستقلاليّةُ التامّةُ، والاستغناءُ المطلقُ عن الخالق لها اثارٌ مُدَمّرَةٌ في حياة الانسان؟ لننظرَ ماذا يقولُ القران الكريم؟ القران يتحدث عن الاثار المدمرة للاستغناء عن الله، يقول الله تعالى:

1- حالة الطغيان: (كلا إن الإنسان ليطغى • أن رآه استغنى) . العلق: الايات: 6-7.

2- حالة الغرور: (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ). القصص: الاية: 78.

3- حالة ادعاء الربوبية: (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ). النازعات: الاية: 24.

4- حالةُ ادعاءِ الالوهيّة: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ). القصص: الاية: 38.

5- حالةُ الاستكبار: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ).فصلت: الاية:15.

وخلاصة القول: ان العجزَ والحاجةَ والفقرَ سمةٌ من سماتِ المخلوقينَ، والكائن الانسانيّ، رغم امكانات القوة التي اودعها الله فيه؛ فهو كائنٌ ينطوي على العجزِ والفقرِ الذاتي والحاجةِ الى خالقهِ الغنيِّ المُطلَقِ.

 

 زعيم الخيرالله

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4935 المصادف: 2020-03-10 01:17:45