 قضايا

قيود الحرية وعقلانية المسئولية

عصمت نصارلم يقف تأثر «حسين المرصفى» بالفلسفة الفرنسية بعامة، والمنهج الديكارتي بخاصة عند بسط المعانى وتوضيح المفاهيم فحسب، بل تجاوز ذلك إلى استبعاد المصطلحات التى يصعب على العقل قبولها مباشرة، وذلك لأنها تحتاج إلى مزيد من الدراسة والاستدلال المنطقي والاستنباط والاستقراء قبل قبولها ــ كبديهيات ــ أو التسليم بدلالتها.

ويتضح ذلك جليًا في حديثة المقتضب عن العدل والسياسة ولعله قصد ذلك لأن خطابه «رسالة الكلم الثمان» كان موجهًا للشباب حديثي العهد بالأمور التى تحتاج إلى ممارسة ودراسة للواقع والأنساق التى انطلقت منها، فالعدل يحمل سياقات عدة وأبعاد كثيرة، الأمر الذى يتغيّر معناه أو دلالته تبعًا للنسق السياسي أو الاجتماعي أو الأخلاقي، فنجده يعرف العدل بأنه «أن يعمل كل أحد عمله الذى يعود نفعه على الناس كاملًا، وأن يوفيه الناس قيمة ذلك العمل كاملة، فإذا لم يعمل وطلب قيمة أو عمل ناقصًا وطلب كاملًا، فقد ظلم، وإذا عمل ولم يوفه الناس قيمة عمله فقد ظلموه».

ويبدو أنه عرف العدل بدلالته الإجرائية البسيطة أو إنْ شئتَ قل بلغة المثقف البسيط.

وبنفس التوجه نجده يعرف السياسة «بأنها تحديد الأعمال وتقدير القيّم وإلزام الكل بالعمل وتوفية القيمة بما أن كلًا منهما ــ أى العدل والسياسة ــ فرض يلزم تأديته، فإنْ لم يؤده بنفسه وجب إلزامه».

ولا أستبعد إنه قد عَزَفَ عن المواطن الشائكة التى تعرض خطابه للصراع مع السلطة القائمة، تلك التى كانت تأبى الخوض في الحديث عن العدالة وأمور السياسة، وهى من الأمور التى استفاض في الحديث عنها «رفاعة الطهطاوي» في كتبه «تخليص الإبريز، والمرشد الأمين، ومناهج الألباب»، ناهيك عن تلاميذ «جمال الدين الأفغاني» من أمثال «أديب إسحاق (1856م-1885م)» في «مجلة التجارة» و«يعقوب صنّوع (189م-191م)» والعديد من الجمعيات السرية والجمعيات الأهلية مثل «جمعية الحزب الوطني (1879م)، جمعية الاتحاد والترقي التركية (1889م)» التى احترفت السياسة للدفاع عن الحرية والعدالة والمساواة ضد استبداد السلطنة العثمانية في الولايات العربية وانتهاء بالثورة العرابية وعواقبها.

أمّا حديثه عن الحرية؛ فكان أقرب إلى المعلم المدقق الرامي إلى تقويم المفاهيم السائدة وإرشاد الشباب إلى القيم المصاحبة للحرية باعتبارها حقاً إنسانياً وفضيلة أخلاقية وسلوك يقتضى الأناة والتعقل والوعى حتى لا تجنح بمعتنقيها والمدافعين عنها صوب الهمجية أو سجن التقليد والتبعية والتعصب الذى يحرم الآخرين من عين الحق الذى يدافعون عنه سواء في ميدان التساجل أو التناظر أو التفكير أو الاعتقاد.

وبالجملة؛ فقد أراد توعية الشباب بأن المطالبة بالحرية لا تستقيم مع جهل المستسلم أو حُمق المتعصب أو همجية الفوضوي.

فذهب «المرصفي» إلى أن الحرية الحقيقية هى أن يفعل المرء ما يراه حق وواجب بعد تدبر وتعقل ووعى بواجباته نحو المجتمع الذى يعيش فيه والمآلات التى سوف تترتب على اختياراته وأفعاله، شريطة عدم الاعتداء أو تجاهل حق الأغيار وحرية المخالفين في المعارضة وإلا تحول ذلك المطالب أو الممارس للحرية إلى ظالم ومستبد ومعتد، وغير ذلك من الرذائل المناقضة لفضيلة الحرية.

ويقول «الحرية معرفة وشرف وانقياد وإباء؛ فإذا لم يكن واحد من تلك الأشياء بأن كان الإنسان جاهلًا، دخل تحت أسر التعليم ومنع من الأفعال حتى يعرف ماله فعله وما ليس له فعله حذرًا من وقوع الفساد، وإبطال معنى الاجتماع التعاوني الذى قلنا إنه من ضرورة الحياة الإنسانية، أو كان خسيسًا يعرف ماله ويتجاوز إلى ما ليس له، أو منقادًا في محل الإباء أو أبيًّا في محل الانقياد، أخذ الناس على يده ومنعوه من التصرف لما فيه من العدوان والظلم والحماقة والسفه، وإذ يكون حكمه حكم البهيمة العجماء التى لا يصح في رأى أحد أن تترك تفعل أهواءها أو يكون وسطًا بين الإنسان الكامل وبين البهيمة، وحينئذ يطلب له اسمًا غير الحر، فسَمّه ما شئت.. وما يجرى على بعض ألسنة الناشئين في هذه الأوقات الحاضرة مما يوهم خلاف ذلك، فحقه التنقيح والتهذيب وإن أبوّ وجب أن تتناولهم سيّاط التهذيب».

وأعتقد أننا أحوج ما نكون لهذه الدلالة الإجرائية لمصطلح الحرية، ليس في ميدان السياسة فحسب بل في كل شئون حياتنا، فرب الأسرة يجب أن يكون قدوة لأبنائه في ممارسة تلك الحرية داخل نطاق العائلة وخارجها بداية من مسئوليته في التوجيه ومرورًا بإعطاء القدر المعقول لأبنائه وزوجته لممارسة تلك الحرية تبعًا لوعيهم بمنأى عن حمى التقليد والشطط والتطرف بل والعنف أحيانًا وانتهاء باهتمام قادة الفكر وأصحاب المنابر لتوجيه الرأى العام إلى أهمية القيّم المصاحبة لممارسة الحرية فالجنوح والمجون والتمرد على الواقع والتعلق بالشاذ والاجتراء على الثوابت ليست من الحرية في شيء.

ولا يعنى مفكرنا تكبيل الحرية بالقيود التى تفرضها القوانين والأعراف والذوق الجمعى والفكر السائد بل على العكس من ذلك تمامًا، فهو يرحب بإدراك الشباب للمعنى الحقيقي للحرية، بوصفها وليدة اختيار واع وإرادة مستقلة وإيمان راسخ بأن تحقيق وجوده وهويته والسمات المميزة لشخصيته مرهون بقدرته على انتقاء أقواله قبل أفعاله والارتقاء بذوقه قبل الاندفاع في ممارسة متطلبات الجسد والمنافع المادية المباشرة.

ويقول « وإني لآسف شدة الأسف، وأعجب كل العجب من حال ناس يبالغون في استحسان أمر ووصف حميد آثاره، واستقباح آخر وذكر وخيم عواقبه، ثم لا يبادرون بالأعمال الموجبة لبقاء الحمد وجميل الذكر، اعتلالًا باختلاف الآراء وشتات الأهواء وتباين الميل، وذلك يمكن أن نقول إنه قصور نظر وفتور همة ما لهم لا يحاولون وحدة الرأى واتفاق الهوى حيث كان مقصد الكل المنفعة.. وكأنى بقائل يقول إنك على ما قررت في أمر من معنى الحرية قد خصصتها بأهل المعرفة وجردت منها سواهم، فأقول إن الناس كلهم ــ كما سلف التنبيه عليه في غير موضع ــ أهل معرفة فإن أحدًا لا يجهل المنفعة والمضرة، وإن كان تفصيل جزيئات ما له وما عليه ربما خفى وجه الحكمة فيه، فهو يستند في تعريفه وتقريره إلى غيره من طائفة أرصدتها الأمة لحفظ الأحكام ومعرفة الحكم، كما يرشد إليه قوله تعالى (فأسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) فالمعرفة إما بالنفس وإما بالتبع».

وحسبي أن أوكد على أن نسقية «حسين المرصفي» وتحيّزه لمبدأ المنفعة العامة في كل ما تطرق إليه من مفاهيم أو من معاني «للكلم الثمان» لا يخرجه من زمرة المجددين بل التأكيد على أن مقصده الحقيقي هو تربية الرأى العام على نحو يدفع الشباب إلى بناء أمته ووطنه بنهجٍ يدفعها إلى الرقى والتقدم ويمنعها من الإنقسام والتشتت وتصارع طبقات المجتمع وفئاته فتنحط الأمة ويضيع الولاء والانتماء للوطن.

 

بقلم : د. عصمت نصار

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4954 المصادف: 2020-03-29 03:32:34