 قضايا

تأملات في الفكر السياسي الإسلامي (4): الشورى

سليم جواد الفهدقد يظن البعض متوهما أن الشورى من تأسيس القرآن وليس لها تاريخ قبل الإسلام وهذا غير صحيح تماما فالشورى لها تاريخ عريق عند العرب وغيرهم وهي من موروثاتهم الاجتماعية الشائعة حيث كانت عرفا قبليا مشهورا وإن نسبة نظرية الى الإسلام قد تكون بالمعنى المباشر أي وجودها بشكل ضمني في النص القرآني وقد تكون اسلامية بمعنى انتماء الجماعة المسلمة إليها ولا تختلف الحالتان على المستوى العملي لكن النسبة الثانية تعطي فرصة اوسع للاجتهاد والرجوع الى المسلمين عوضا عن الرجوع الى النص. وفض الإشكالية يكمن في فرز العلاقة التاريخية بين الإسلام كدين وبين موروثات المجتمعات التي آمنت به فقد تبنى الإسلام كثير من موروثات المجتمع القبلي وأعطاها صفة الحكم الشرعي.

مفهوم الشورى:

الشورى في اللغة مشتقة من كلمة شور، وتأتى لمعانٍ عدة منها استخراج الشيء المفيد من موضعه شرت العسل واشترته أي استخرجته من موضعه والشورى تعني تقليب الآراء المختلفة ووجهات النظر المطروحة واختبارها من أصحاب العقول والإفهام حتى يتم التعرف والوصول الى أصوبها وأحسنها للعمل به لتحقيق أفضل النتائج وقد اعتبر مبدأ الشورى خير من رأي الفرد لأنها تعبر عن الرأي الجماعي. وفي القرآن: (وَأمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)."الشورى آية 38" (المعجم الوسيط).

واستخدامها في الاصطلاح لا يبتعد عن معانيها في اللغة فتأتى بمعنى استطلاع الرأي من ذوي الخبرة في الشيء للتوصل إلى الصواب والمشاورة هي (الاجتماع على أمر ليستفيد كل واحد من صاحبه ويستخرج ما عنده).

السياق التاريخي للشورى

الشورى ممارسة إنسانية اجتماعية لجأ إليها الإنسان العاقل لحل ما استشكل علية من مشاكل الحياة وهي قديمة بقدم العقل الإنساني وعند العرب قبل الإسلام كانت الشورى ممارسة حياتية يومية في القبيلة حيث تسود العلاقات الابوية بين شيخ القبيلة ومن هم دونه في السن والخبرة والشورى عبارة عن طرح مسألة على القوم أو الجماعة وأخذ الرأي الصواب فيها وكانت العرب تقول "ما خاب من استشار" وكانت في أطراف الجزيرة العربية أنظمة عديدة للحكم في القرون التي سبقت ظهور الإسلام فمثلاً شهدت بابل نظاماً ملكياً وراثياً في عهد حمورابي ومن جاء بعده وفي بلاد الشام تعاقبت النظم والدول بعضها ملكية مثل الأنباط وتدمر ثم كان الغساسنة وكذا الحال بالنسبة إلى الدول التي ظهرت في أطراف العراق كالمناذرة وفي اليمن جنوب الجزيرة العربية ظهرت مملكة سبأ والتي شهدت نظاماً ملكياً فيه نوع من الشورى وقد أشار القرآن إلى قصتها في سورة النمل (الآيات22-44) وبينت الآيات كيف تمت المراسلة بين سليمان وبين بلقيس ملكة سبأ والتي انتهت بإسلامها وتبين هذه الآيات النمط السياسي القائم على الشورى في المملكة المذكورة: {قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أمري مَا كُنتُ قَاطِعَةً أمراً حَتَّى تَشْهَدُونِ} (النمل:32).

وعرف العرب في الجزيرة قيمة الشورى فتمسكوا بها واعتبروها خير وسيلة لتجنب الغبن والوصول إلى الموقف الصائب (قال أعرابي ما غبنت قط حتى يغبن قومي قيل وكيف ذلك، قال لا أفعل شيئاً حتى أشاورهم وقيل لرجل من عبس: ما أكثر صوابكم قال: نحن ألف رجل وفينا حازم واحد ونحن نطيعه فكأنا ألف حازم)"1".

 وكان النظام الاجتماعي والسياسي القائم لدى العرب في الجزيرة يتطلب ممارسة الشورى ذلك لأن القبيلة هي الوحدة الاجتماعية والسياسية التي يعيشون في ظلها وكل أفراد القبيلة الواحدة يعتقدون أنهم ينحدرون من جدٍ أعلى واحد فروح الأخوة والمساواة تتطلب الأخذ بالشورى لأنها وسيلة ضرورية لتأليف القلوب والمحافظة على وحدة القبيلة لذلك تتجلى الشورى في إدارة القبيلة العربية وأسلوب حياتها بوضوح فانتخاب سيد القبيلة مثلاً يعكس روح الشورى السائدة عند العرب قبل الإسلام حيث يتم الانتخاب بأسلوب حر بعيد عن الوراثة إلا في حالات نادرة حيث لم يحبذ العرب انتقال السيادة بالوراثة لان ذلك يقيد حريتهم وبالفعل لا يوجد في تاريخ قبائل وسط الجزيرة العربية أكثر من أربع أسر تتابع فيها أربع أحفاد بالتعاقب على الرئاسة وقد يعهد السيد إلى ابنه في سيادة القبيلة ألا إن هذا لا يعنى التعيين المطلق إذ يجب أن تتوفر في الخلف صفات تؤهله لسيادة القبيلة وتنال رضي أبناء قبيلته.

وتتجلى الشورى أيضاً في وجود مجلس للقبيلة يرأسه سيد القبيلة ويقوم هذا المجلس بحل مشكلات القبيلة وإدارتها حيث تعرض فيه كل القضايا التي تهم القبيلة الداخلية والخارجية ويكون أقرب إلى مجلس الشورى أو مجلس البرلمان في الوقت الحاضر فكان للشورى أثر واضح في حياة أفراد القبائل العربية وكان الأفراد ملتزمين بالتشاور والشورى ويحترمون المشاورة ويأخذون بها.

وكان للشورى أثرها في مكة قبل الإسلام وإدارتها فشيوع روح التكافل الاجتماعي ومساعدة الأغنياء للضعفاء في المجتمع المكي يعكس اهتمام المكيين بالمساواة وروح الشورى والتضامن وكذلك حل المشاكل التي تحدث بين قبائل قريش وغيرها سلمياً وبروح التفاهم والمشاورة في حل المشكلات وخير مثال على ذلك حل الخلاف الذي وقع بين أحفاد قصي حول إدارة وظائف مكة ويمكن أن نستدل على الشورى في حكم مكة من توزيع المناصب بين العشائر المختلفة على الأقل فكانت السدانة والحجابة لبني عبد الدار بن قصي والمشورة في بني أسد والديات والغرامات في بني تميم والسفارة في بني عدي والرفادة كانت لبني هاشم وحين أعلن محمد عن دعوته كانت الرفادة لبني هاشم وكان يتولاها في بداية البعثة العباس بن عبد المطلب."2"

وتتجلي الشورى بوجود دار الندوة التي أنشأها قصي بن كلاب (جمع الرئاسة من حجابة البيت وسدانته واللواء وبني داراً لإزاحة الظلمات وفصل الخصومات سماها دار الندوة إذا أعضلت قضية اجتمع الرؤساء من كل قبيلة يتشاورون ويفصلون فيها ولا يعقد لواء ولا يعقد نكاح إلا بها ولا تبلغ جارية ولا تدرع فتدرع إلا بها) وجعل باب دار الندوة إلى المسجد الحرام حيث يجتمع فيها رؤساء الناس وزعماء القبائل (رجال الملأ) للمداولة واتخاذ القرارات في كل ما يعنيهم من أمور ويبدو أن اتخاذ القرارات يكون بالإجماع أو بالأغلبية يظهر ذلك في قول أبى سفيان بن حرب بن أمية الذي كان أبرز شخصية في ملأ مكة في عهد النبوة فهو القائل: (لست أخالف قريشاً أنا رجل منهم ما فعلت قريش فعلت) "3"

للحديث بقية.

 

سليم جواد الفهد

....................

1- ابن قتيبة، عيون الأخبار، ج1، ص22-23.2

2- ﻋﺻر اﻟﻧﺑوة واﻟﺧﻼﻓﺔ اﻟراﺷدة، الفاتح عبد الله عبد السَّلام -‏2006.

3- الطبقات الكبرى، ابن سعد، ج1، ص70.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4976 المصادف: 2020-04-20 03:34:34