 قضايا

الدولة الناجحة في فينزويلا

عادل بن خليفة بالكحلةكيف نجحت فينزويلا في السيادة الوطنية وفي العدالة الإجتماعية؟

1: قيادة كارِزْمية: معالِم في سيرة هوغو تْشافيز: (1954- 2013):

أ- في البدء كانت الجدة:


وُلد هوغو رافائيل تْشافيز في 28/07/1954 «في الكوخ الطيني لِجَدّتِه روزا إنياش تشافيز، التي كانت تعيش في قرية سابانيتا التابعة لولاية باريناس. كانت قرية صغيرة منسية يعيش فيها نحو ألف إنسان، وتحتوي بضع طرقات ترابية، كان الناس يضطرون لرشّها بالمياه في فصل الشتاء الحار والجاف من أجل إبقاء الغبار هادئا. أما خلال أمطار الصيف الموسمية، فقد كانت هذه الطرقات تتحول إلى بحار من الطين»[1]. تنتمي سابانيتا إلى منطقة «لوس لَيْنوس» منطقة نائية ومتخلّفة، «محاذية للحدود الكُولُمْبِيّة تَشْغَلُ حوالي ثلث مساحة فينزويلا الشاسعة»[2].

كان هوغو رافائِيل، واحدًا من سبعة ذكور، مات أحدهم بمرض اللوكيميا قبل إتمام شهره السادس، وأبواهُ مدّرسان في «لوس راستروجوس»، وقد طلبا من الجدّة أن ترعى هي الولدين هوغو وأدان، وقد قبلت، خاصة وقد كانت وحيدة، وكان منزلها من الطين والقش، « وسقفه من أوراق النخيل، وأرضه مفروشة بالتراب المرصوص، وعندما يهطل المطر، كانت روزا إنياس تسرع لوضع القدور على الأرض في محاولة غير مثمرة للحيلولة دون تحوّلها إلى طين»[3]. فلقد كانت صحة الطبقات الشعبية لدى القائديْن الكارِدمييْن: غيفارا وكاسترو هاجسًّا حاضرا دائما.

لم تكن بالمنزل ثلاجة ولا مروحة ولا مياه جارية ولا حمّام، وكان الطبخ على الحطب، وجلب المياه من بئر في القرية، وقضاء الحاجة في الخلاء، ولكنّ الراديو موجودًا، وكان نصيب المنزل من الطاقة الكهربائية بضع ساعات باليوم، لكن أصبح ميْل الوالدين للجدّة أعظم من ميلها للوالدين، رغم قدومهما للمنزل في نهاية الأسبوع، وقدمت الجدّة لهما «كل ما تملك من حب وحكمة»[4]. وفي اليوم الأوّل بالمدرسة الابتدائية كان محل سخرية الكثير من التلاميذ لأن نعله كان متهرِّئًا، فعاد باكيا مثيرًا بكاء الجدّة، فاستعانت بالعائلة والأصدقاء لشراء حذاء جديد له.

كانت ماما روزا تزرع السكاكر والفاكهة الاستوائية وحلوى العناكب، بحديقتها الخلفية وكان يلذ لهوغو أن يسقيها مغنّيا لها، لأنّ ماما روزا ترى أنها تساعد على نمّوها. وكان هوغو يأخذ يوميا عُلبة من منتجات «ماما روزا» المشهورة لبيعها زملاءَهُ؛ وفي عطل نهاية الأسبوع بأنهج القرية مراقبا صراع الديكة ولاعبًا كرة البولاس كريولاس. وقد كان مهووسًا بكرة القاعدة التي جاء بها عمال النفط الأمريكيون إلى فينزويلا بعشرينيات القرن العشرين. وكان هو ورفاقه «يستخدمون أغطية الزجاجات بدلا من الكرات، والعصي أو مقابض المكانس بدلا من المَضارب»[5]. ومن فرط هوسه كان يلعبها بطريقته معه شخصه بالمنزل، محتفظا بالنتائج على دفتر خاص. يقول تْشافيز: «كنا أطفالا فقراء جدا، ولكننا كنا سعداء جدا». وقد حفظ كثيرا من أغاني المزارعين المكسيكيين ورعاة البقر في الحب والقتال بالسكاكين والخمر وترويض الجياد، وكان يحب الرسم والتلوين، ماهرا فيهما.

كانت ماما روزا متدينة كاثوليكية، «تؤدي صلواتها بمنزلها»، ولذلك كانت «مثالا أعلى» لدى هوغو[6]. لقّنت الصبيّيْن قيم الانضباط الديني والتضامن مع المحرومين، فهي دائما تساعد كل محتاج من الجيران بالطعام واللباس، وكانت مؤثرة في من حولها. وقد غرست الجدّة في هوغو حب تاريخ العدل والثورة، ومن حكاياتها الموروثة حكاية المقاتل الثائر إزِيكويل سامورا الذي مرّ بالقرية في القرن التاسع عشر، وقد خدم الصّبي هوغو في مذبح كنيسة القرية، ليقول وهو كبير: «المسيحُ اشتراكيٌّ، وسأمشي على خُطَاه». ولقد كان متدينا على طريقته، وقد ساهم في برنامج الحكومة لمحو الأميّة- وهو دون الحادية عشر من عمره.

ب- البحث النضالي:

كانت محاولة هوغو ورفاقه الانقلابية عام 1991 مخفقة، ولكنها «نجحت في رفع عقيدٍ مساعدٍ مجهول تماما إلى مصافّ الشخصيات الوطنية البارزة. فقد حصل تشافيز، مِنْ قَلْبِ الهزيمة العسكرية، على نصر سياسي غير متوقّع نهائيا. ومع أن أفعاله تَرَكَتْهُ عرضة للانتقاد مِنْ قِبَلِ بعض السياسيين المرتابين في مصداقيته الديمقراطية، إلا أنه خطا خطوة عملاقة إلى الأمام في كفاحه من أجل تحويل فينزويلاَّ. فالبلد لن يكون أبدا بعد ذلك البَلَدَ الذي كان مِنْ قَبْلُ»[7].

ورغم العوائق الإعلامية والقضائية الكائدة فاز قطب تشافيز الوطني عام 1998، في ثماني ولايات على منصب الحاكم فيها، وقد حقّق فيها «والده نصرا رمزيا مثيرا للدهشة»[8]، وأحرز القطب على ثلث عدد المقاعد في البرلمان بينما فاز هوغو بالانتخابات الرئاسية، وكان ذلك ضريبة «الاعتقاد السائد بأن الديمقراطية [كما تريدها الولايات المتحدة] والأسواق الحرة كانت حتمية في أمريكا اللاتينية»[9] . فنصائح صندوق النقد الدولي  والبنك العالمي والحكومة الأمريكية عمّقت مشكلات الفقر والتدهور المعيشي لدى الكثير من الطبقات، فكانت فينزويلا تعاني واحدا من أسوأ توزيع في العالم «إذ ما يقارب من نصف دخل البلد كان يذهب إلى العشرين بالمائة الأكثر غِنًى في البلد»[10].

بدأ هوغو ذو الخمسة والأربعين عامًا ولايته بصدمة، فهو يقسم على ما سماه «الدستور المحتضر» بأنه سيدفع التحولات الديمقراطية الضرورية قدما، «حتى تمتلك الجمهورية الجديدة دستورا مناسبا للأجيال القادمة»[11]، منتقدا وجود 80% بالبلاد يعيشون الفقر، رغم امتلاك أكبر احتياطي نفطي، وامتلاك الذهب والغاز الطبيعي.

عيّن الرئيس عددًا من الضباط العسكريين، المتقاعدين وغير المتقاعدين، بالحكومة وعلى رأس شركة النفط الحكومية و وكالة جمع الضرائب والشرطة السرية، وكان منهم بعض زملائه بالانقلاب العسكري المخفق عام 1992، ولكنه ضَمّ وزير الاقتصاد بالنظام السابق إلى تشكيلته الحكومية، وأبْرَزَ الصحافيين وزيرًا للخارجية، وهنديًّا أحمر، جامعيا، وزيرًا للبيئة، والكثير من حلفائه الجامعيين. وأعلن عن سحب 70.000 جندي من أصل 120.000، من الثكنات ليرمّموا الطرقات والمستشفيات ويمارسوا الحملات الطبية. ويجمعوا القمامة، و«يبيعوا اللحم والدجاج والجبن والمواد الغذائية الأخرى من الشاحنات بأسعار بخسة»[12]، داعيا 80.000 مدني للانضمام إلى هذه البرنامج. وفي ذكرى اضطرابات كاراكاس الدموية، العاشرة، كان انطلاق البرنامج خاطبا في الجنود الذين كانوا قتلة: «الجوع هو العدو[...] منذ عشر سنوات خرجنا لذبح الناس. والآن سنذهب لنمنحهم الحُبّ، اذهبوا ومشّطوا الأرض، ابحثوا واقضوا على الجوع والموت. سنعطيهم الحُبَّ بدلا عن الرصاص»[13]. كانت لغته معهم مسيحانية.

ت- رئيس الشعب:

تخلّى الرئيس عن راتبه الشهري[14]، والبالغ 1.200 دولار ليهبها لصندوق للمنح المدرسية، وكذلك سيارة الليموزين الرئاسية. يزور فَجْأة المستشفيات ليلا، ويتفقّد جامعي القمامة الليليين؛ وأصبحت أطعمة القصر التي تُقدّم للضيوف بسيطة، وإن كانت من التراث القُطْري، «جاعلا من نفسه أنموذجًا حقيقيا للاجتهاد في أمّة تعشق الاحتفالات والمهرجانات»[15]. وأطلق حملة على الإنفاق الحكومي، عندما وجد أن الحكومة تملك 128 طائرة مدنية ليعلن بيعها جميعا، وحارب التهرّب الضريبي. وفي نيويورك كانت له اجتماعات مع المصرفيين وأهل الأعمال لإقناعهم بالاستثمار في فينزويلاَّ.

وردًّا على تحيّز وسائل الإعلام ضد حركته الإصلاحية، أطلق شبكة الراديو الحكومية برنامجه الشهير مرحبا أيها الرئيس، صباح كل أحد، ثم برنامجه التلفزيوني الخاص وجهًا لوجه مع الرئيس، ثم أصدر صحيفته الخاصة. كان مرحبا أيها الرئيس دون نظير، مصغيا بصبر إلى المتصلين، موكِلا من يهتم بمشاكلهم، ومشيدًا بالمفكرين الذين يحبهم، ويغني للوطن والدين والحياة والحب عن سياساته القادمة والتعيينات والإقالات الجديدة، ويسرد حياته، وينقد اقتصاد السوق الحرة. ورغم النجاحات، لم يستطع النوم في ذلك القصر لأنه «كان يفكر في أطفال شوارع الفينزويلّيين»[16]، وغطت رحلاته الخارجية الأولى آسيا الشرقية وكوبا. ولكنْ سرعان ما تعرّض «لأول الانشقاقات الكبرى في رئاسته، حيث سيهجره ويخونه- في نظره- الرفاق الذين كانوا ذات يوم أشقاءه بالدم»[17]. ولكنه استطاع القيام بدورٍ رئيسٍ لإحياء منظمة الدول المصدرة للنفط من أجل أسعار منصفة.

2: معالِم في استراتيجية الإقتصاد الإجتماعي الفينزويلّي:

أ- سيرورة تعبوية:

لقد جعل القائدُ الرئيسُ الكارِزْميُّ من محاربة الفساد بالتعليم أولويّة قصوى، سواءً في تدبيره المالي أو قيمته الكيفية، وانتقد السَّوْق النقابيّ الذي يجنح الإضراب ولا تضع مصلحة البلد متطابقةً مع مصالح المستخدمين. وأعلن عن إعادة الحركة الثورية البوليفارية بما هي حركة سلمية، وإنشاء شبكة تعاونيات تقدم سَوْقًا للتشغيل، وكانت لجان تنظيف الشوارع، وتعليم الأميين، وتنشيط الأطفال، بالتعاون مع الحكومة، ضمن ما سماه الديمقراطية التشاركية. وقد انضم نحو 10% من السكان اليافعين إلى هذه الشبكة الثورية السِّلْمِيّة[18].

ويمكننا أن نَحْصر أهمّ ملامح نجاح منوال التنمية البوليفاري في: السَّوْق التعاضدي، والمنظمات الاجتماعية-الإنتاجية التشاركية.

بدأ الانقلاب على الرئيس بداية عام 2002، عندما تهجّم 4 من كبار الضباط العسكريين على الرئيس علنا. ثم كان الإضراب النقابي في أبريل، ليشّل قطاع النفط بعمّالٍ كان هو ناصِرُهُمْ، وامتنعت الصحف عن الصدور وغطت المحطات التلفزيونية الإضراب، وتعمّد الكائدون إثارة الشغب بالشارع. وبذلك كان الانقلاب يُطبخُ على نارٍ من «المشروعية» المُخْتَلَقة، وسلّم الرئيس نفسه للانقلابيين مُؤْثِرًا أن «يضحي بنفسه على أن يتسبّب بحمام دم»[19] بعد أن شَقَّ حشودَ أنصاره والدموع تنهمر من أعينهم.

بعد يوم من قنوط الأنصار، عادوا إلى الشوارع مطالبين بعودة الرئيس، وكان سوادهم عظيما جدّا فبدأ الانقلاب في الانهيار. فكان احتجاز عدد من قادة الانقلاب على يد الضباط المخلصين، واستعيدت المحطة التلفزيونية الحكومية وقد عرف هؤلاء المخلصون مكان اعتقال الرئيس، ليعود في اليوم الثالث إلى منصبه؛ والولايات المتحدة الأمريكية التي كانت مبتهجة لإسقاط الرئيس، تراجعت لكنْ لتقدّم له «المَوَاعظ» على لسان كُندَلِيزا رايس.

في الوقت نفسه، ضجّت الزوجة من حياة العائلة في الاضطراب. وتحت الضغوط، فطلبت الطلاق، وعاد هوغو وحيدًا مرة أخرى.

ومرة أخرى كان عملاء الولايات المتحدة من النقابيين يُعبّئون عمال النفط لإضراب شامل[20] عام 2003 لم يَرْعُوا فيه مصلحة البلاد، لكن الرئيس خرج أقوى ممّا عليه منتصرًا على شبح الفوضى الاقتصادية، رغم تكبّد صناعة النفط بسبب الإضراب 13.3 مليار دولار. وبدأ الرجل في برنامجه الإصلاحي الجذري، مجتذبا إليه الكثير من الإصلاحيين داخل الطبقة العليا نفسها. إنه صاحب اشتراكية مختلِفة، مناسبة لواقع بلاده وليست مُسْقَطة.

وفي النصف الثاني من عام 2009 كان عدد التعاضديات 250.000 تعاضدية، «ليكون المَعَاش الفِيِنِزْوِيِلِّي في استحالة واسعة، مجرّبًا نماذج من الإنتاج الخِدْمي للطائفة المحلية والجهوية، والأعمال التي في سياق التعاضد والمَعَاش الاجتماعي، منفذة بسياسة إرادية، هي في حماسة شديدة»[21].

ب- السَّوْق التعاضدي:

منذ بداية العقد الأخير من القرن العشرين تعيش فينزويلاَّ البوليفارية سياسة عمومية لجعل المَعَاش اجتماعيا، وفق مرسوم القانون الخاص للجمعيات التعاضدية، المستند إلى قانون التعاضديات الصادر عام 1966، والمعدَّل عام 1975.

هذه السياسة مَقُودة بوزارة هي وزارة الاقتصاد الطّوْفي، أي المكرّس للطوائف المحلية والجهوية، وبإرساليات اجتماعية مختلفة تشجِّع بإنشاء التعاضديات أو بالتحوّل إلى تعاضديات (إرسالية تشي غيفارا، إرسالية فبريكا أدنترو...).

كان التزايد التعاضدي المتعاظم متساوقًا مع أدوات مستحثة، مثل الحوافز الضريبية، أو العقود اللامتيازية مع الدولة، مرتبطة بإرادية سياسية موجّهة نحو مجال إنتاج الطوائف السكانية التي كانت هشّة العهد ما قبل البوليفاري.

هذه الإرادية لا تتمثل في الاستثمار الماليّ الهامّ فحسب، بل أيضا في ترقية هذا التنظيم الجديد للعمل، مع تدابير للتشُكّلات المجانية للمقاولة الجمْعية، «خاصة بواسطة تَقْدِماتٍ في رؤوس أموال ضرورية لإطلاق النشاط»[22].

ولكن نلاحظ أن 70.000 فقط من التعاضديات المسجّلة عام 2009 قادرة على تسديد الدَّيْن وعلى النشاط. وصعوبات التعاضديات النِّسْبيّةُ تفسر أساسا بـ«خلل مراقبة الموارد الممنوحة لحاملي المشروع ومدبِّري المقاولات»[23].

ت- سيرورة المنظّمات الاجتماعية- الإنتاجية التشاركية:

يسمح قانون تنمية الاقتصاد الشعبي في جوان 2008، بإنشاء منظمات اجتماعية- إنتاجية جديدة بفكرة إنشاء تداعٍ متين بين قطاع التعاضديات والإلحاحات الإجرائية لـ«السلطة الشعبية» المتجسدة في المجالس القروية الحاملة للديمقراطية التشاركية المحلية.

في هذه الوحدات الإنتاجية في المشروع البوليفاري تبحث عن «الأثر الاجتماعي الأقصى في الطوائف، حيث مَرْكوزةٌ، مع إعادة توزيع فوائضها ضِمْنَهُ»[24].

هذا القانون ينعت المنظمات الاجتماعية- الإنتاجية بـ«مقاولات التوزيع الاجتماعي» و«رمز التبادلات التضامنية»، و«المقاولات القروية ذات الملكية الاجتماعية المباشرة». وهو يستهدف بناء «شبكات الإنتاج الطّوفِيّة التي يجب أن تجعل المشاركة النمطية للسكان- فوق هذه الأحْمية[25] في سياق خلق الثروة وإعادة توزيعها- ممكنة». وتكمن أصالة هذه المقاولات، المحكومة بالقانون الأساسي للشركة خفية الإسم في «ترقية مشاركة فاعلي الطائفة المحلية والجهوية في اشتغال البنى وفي تنميتها»[26].

ترجع حيازة رأس مال المقاوَلة بالمساواة بين الجمعيات المشيّدة على مبادئ التعاضد والتضامن وبين المنظّمات التي تقوم بتدبير الأرصدة العمومية المكلفة بإنشائها (وهي مَعَاهد مستقلة تستهدف دفع الجهاز الإنتاجي.

إن ملكية وسائل الإنتاج، في هذا المشروع الثوري- البوليفاري، ليست خاصّة بحدّة، ولا دَوْلية، ولكنها ملكية الطوائف المحلية والجهوية، الحاملة للصفة الإدارية. أمّا مجالات هذه المقاوَلات، فهي تشمل مختلف قطاعات المَعَاش، من تحويل موادَّ أوَّلية ونقل شحْنيّ، وبناء، وسياحة. وإنتاجها، الذي يُدْعى «اجتماعيا»، يقوم مؤشر إنتاجيته «على تقدير رغد العيش المنجز بالوحدة المنتجة (مثال ذلك: كم يسمح طُنٌّ مبيعٌ من الزبدة بتركيبها في المنازل)»[27].

أما الأجر «الاجتماعي» فيحدّده توزّعُ العمل الجمعي، فهو مرتبط «بوظيفة الضرورات المحلية والإسهام الإنتاجي لكل واحد من الأعضاء»[28]،  وبذلك يتحقق التوزّع ديمقراطيًّا بالتجميع. ويتركّبُ الحِمَى من مُمثلي الكيانات الجمعوية والمقاوَلات العمومية. أما الغرض الجوهري في تنظيم العمل هذا، فليس مجرّد الربح، «ولكنْ خلق مَواطن الشغل وإرضاء ضرورات السكان في بيئة المقاوَلة؛ وأما اقتسام المسؤولية، فينبغي أن يسمح بالتفاعل بين مختلف فاعلي الحِمَى والمساهَمَة في بناء تنميته المتدامجة أهْليًّا بِبَثْق مقاوَلات إنتاج اجتماعي أخرى، مثلا»[29].

ث- إبداعيةُ نموذج التنمية الفِيِنِزْوِيِلِّي- البوليفاري:

إن إصرار الثوريين الفينزويّلّيين على أن تكون ثوريتهم ذات مشروع، جعلهم يكلّفون فكتور ألفاريز، وزير الصناعات السابق، ببرنامج البحث عن النموذج الإنتاجي الجديد، بالمركز القُطْري بِمِيرَنْدَةَ.

ينتقد ألفاريز اقتصاد فينزويلاَّ ما قبْلَ البوليفاري بارتباطه بـ«الرَّبْع النَّفْطي بعدد مختزل من الأشخاص، فهو اقتصادُ مِيناءٍ»[30]. وهو مَعَاشٌ غير مساواتي، لا يسمح بتنمية مستديمة تُغطّي كل القطاعات (الفلاحة، والصناعة التحويلية، والبحث في التنمية..). ومِنْ ثمة، يطرح الثوريون البوليفاريون المخطط القطري سيمون بوليفار (2007-2013) بديلا للرأسمالية الرَّبْعية، بما هو دقْرطة للدخول إلى عالم خَلْق الثروات، «بإعادة توزيع الفوائض داخل الأحْمية المتميّزة بالاجتماعية[31] الهامة»[32].

3: استحقاق عالم «ثالث»[33] متمنعّ على الإمبريالية والصهيونية:

لا تكتفي فِيِنِزِوِيلاَّ الثورية البوليفارية بإعادة التوزيع الطبقي والجهوي الداخلية، بالتعاون مع لاَهوت التحرّر، بلْ ترى أن ذلك قاصر ساذج إذا لم يكن في سياق بناء جبهة عالمية مناهضة للإمبريالية والصهيونية. ولذلك تحتفظ فينزويلا بعلاقات سَوْقية بأمريكا الجنوبية، وبروسيا والصين وإيران، واتحاد جنوب إفريقيا، وغيرها من الدول الرافضة للهيمنة الإمبريالية والصهيونية. علاوة على تحالفها الواضح والمتين مع المقاومتيْن الفلسطينية واللبنانية؛ وكذلك دعمها للدولة السورية بما هو دعمٌ لدولةٍ مقاومةٍ للصهيونية، وذات اقتصاد اجتماعي، ومناهضة للإمبريالية.

أما الصين فتعتبرها فينزويلاّ، الثوريةُ- البوليفاريةُ في تنميتها الاجتماعية- المعاشية، نموذجًا يُحتذى، بما هو منوال يحمل مشروع التنمية بمشاركة الشعب وعدم الإقصاء الاجتماعي، فقد تمّت استعارة جوهر النموذج الصيني والكثير من عناصره، دون التماهي الكامل معه، فالنجاح يتطلَب تأكيد الخصوصية علاوة على الاستعارة.

إن التعاون الفينزويلّي- الصيني «يتعمق في ميادين المالية والطاقة والقطاع المنجمي وإنشاء البُنى التحتية للاتصالات عن بُعْد والصناعات التحويلية والتِقَانات الدقيقة، أمّا العلاقات التجارية، فهي تتنامى من سنة إلى أخرى»[34].

ومن أهم معالم العلاقات الفينزويّلّية- الكوبية، تمتين الاستعارة الفينزويلّية للنجاح الطبي والصّحي الكوبي. ومن ذلك مَقْدمُ الأطباء الكوبيين لممارسة الطب العلاجي القاعدي الوقائي، وكانوا في سَوَادِ بـ15.000 طبيبٍ «يعملون في مستوصفات في قلب الأحياء الشعبية»[35].

أما في العلاقات الفينزويّلّية- الإيرانية، نَفهم مِنْ بكاء الرئيس محمود أحمدي نجاد على رأس صديقه الفقيد، تْشافيز، أن هذه العلاقات تذهب إلى الجوهر الإنساني التقدمي الثوري ولا تهمّها التفاصيل. ولذلك، نجدها«تتمتّن رغم موت تْشافيز»[36]، وخاصة «في الميادين النفطية والطاقية»[37]، وكان تشافيز قد زار إيران 13 مرّة، بينما زار أحمدي نجاد فينزويلاّ ستّ مرّات. وهناك بين البلدين «أكثر من 60 اتفاقية اقتصادية في القطاعات الطاقية والبنكية والصناعية، أما التجارة التبادلية التي كانت حوالي 189.00دولار أمريكي عام 2001، ليتجاوز 10 ملايين دولار أمريكي في غضون السنوات الأخيرة»[38].

فلا يمكن لفينزويلاّ البوليفارية أن تكون دون خطوط دفاع عالَم- ثالثيةٍ متقدّمة، ومن غير استخلاقٍ أرَانِّي لعالم ثالثٍ متضامنٍ ومتعاونٍ على جميع المستويات.

المستخلص:

1: ليست نيتنا أن نستنسخ تجارب الآخرين، إنما يجب أن نعتبر بتلك التجارب باحثين عن القواسم الإنسانية المشتركة وعما يمكن أن نستعيره منها..

2: كانت هنا  ثورة حقيقية في فينزويلاّ، ولذلك نجحت رغم التعثرات في البداية، وهي حقيقية لأنه كان لها مشروع اجتماعي وقيادة، وحَاضِنة حَرَكة اجتماعية.

هنا، في فينزويلاّ، يُجَرَّبُ المشروعُ الاجتماعيُّ الصادق، (لا «التَّذَرّعي»[39])، أي الشامل لأكثرية الشعب، من أجل «اقتصاد شعبي»، حائزًا «على أَحْمِيَةٍ وحقول معاشية سوْقيّة»[40]، بحيث أنها لا تُشغّل فقط، بل تجعل طبقات واسعة قادرة على تدبير أمْر البلاد، لأنهم لا يُمسكون بحقول هامشية. وذلك ضِمْن تاريخانية ثقافةٍ ديمقراطيةٍ- شعبيةٍ، منغرسة، دخلت الأحياء الشعبية، بوضوحها واقتناعاتها، وبدعْم من كنيسة تقدّمية حاملة لواء لاهوت التحرّر. فرسالة البوليفاريين ليست خطابًا سفسطائيًا دغمائيا، بل مشروعٌ واقعيّ قادر على الإقناع والتعبئة، بما أن مبادئه موجودة في دين الشعب بالذات. وهو ليس مشروعًا قابلاً للهزيمة أمام الحصار الإمبريالي الأمريكي رغم التعثرات الممكنة، لأنه ليس منحصرا قُطْريًّا، بل يبحث عن جبهة عالمية صلبة للعداليّين والمُهَيْمَن عليهم بالعالم، دون تمييز مِلِّي، يُكفّرُ العلمانيَّ أو المتديّنَ. فالحزب الاشتراكي البوليفاري الموحَّد ليس حزبًا ماركسيّا، بالمعنى الطائفي للكلمة، لكنه لاهوتيّ بمعنًى ما؛ ولاهوت التحرّر ساهمت في بناء تلك التاريخانية الإصطفائية، ليس كنيسة بالمعنى الاتّباعي للكلمة، لأنه يتبنى الأرض والشعبيّ والاشتراكيَّ، و«الإلحاديّ» بالدينِ/ الأفيونِ، والمنحاز إلى الدينِ/ المشروعِ العداليّ.

3: إنه مشروع اجتماعي قابلٌ للحياة طويلا، وللتطوّر المُسَاوِقِ للتحوّلات الداخلية والخارجية، لأنه وفّر لنفسه أسباب الحياة، وأهمّها: الانحياز للطبقات الشعبية ولكل الشعوب المهيمَن عليها، ولمثال العدْل.

 

د.عادل بالكحلة - باحث أنثروبولوجي

 

 

 

 

 

 

[1] . خونو(بارت)، هوغو: قصة هوغو تشافيز من الكوخ الطيني إلى الثورة المستمرة، ترجمة: بسّام شيحا وأمين الأيوبي، الدار العربية للعلوم، بيروت، 2007، ص 33.

[2] . خونو (بارت)، هوغو: قصة هوغو تشافيز من الكوخ الطيني إلى الثورة المستمرة، م.س، ص 33.

[3] . م. س، ص 34.

[4] . م. س، ص 34.

[5] . م. س، ص 35.

[6] . م. س ، ص 36.

[7] . م. س ، ص 168.

[8] . م. س ، ص 229.

[9] . م. س ، ص 231.

[10] . م. س ، ص 231.

[11] . م. س ، ص 233.

[12] . م. س ، ص 237.

[13] . م. س ، ص 238.

[14] . لم يفعل رؤساء «الربيع العربي» ذلك. وكان برلمانيوه أكبر راتبًا من راتبَا برلمانيّي قَبْلَ «ربيعهم»، علاوة على سكنهم المرفّه ومأكلهم المترف وتنقلهم المجّاني المريح، إذ هم «ثوريون» بمعنى يتّخذونه!!

[15] . م. س، ص 247.

[16] . م. س، ص 255.

[17] . م. س، ص 266.

[18] . م. س ، ص 300.

[19] . م. س ، ص 348.

[20] . ليس العمل النقابي عملا «معصوما» في كل الحالات.

[21] Lavergne (Pierrich) : «Les nouveaux modèles d’économie sociale au Vénézueka (Une réponse au capitalisme rentir», http:/remer.org.

[22] . Ibid.

[23] . Ibid.

[24] . Ibid.

[25] . «الأَحْمِية»، ج «حِمًى» (Territories, Territoires).

[26] . Ibid.

[27] . Ibid.

[28] . Ibid.

[29]. Ibid.

[30] . Ibid.

[31] . «الاجتماعية»، هي.......

[32] . Ibid.

[33] . ...هُنا، العالَم الأول هو العالَم الإمبريالي، والثاني عالَم التبعيّة، والثالث هو عالَم الممانعة والتحرّر.

[34] . Ibid.

[35] . Fournier (Jean-Marc) ; L’autre Venezuela de Hugo Chavez : Boom pétrolier et révolution bolivarienne à Maracaibo, Karthala, Paris, 2010, P29.

[36] . http://www.ceci.ulval.ca/indexpho!pid=808p=1111(31/10/2014).

[37] . Interview : « Le Vénézuela voit la chine comme un modèle à suivre pour son dévéloppementé, http://french.china.org(23/7/2014) ».

[38] . Interview : Le Vénézuela voit la chine comme un modèle à suivre pour son dévéloppementé, Op Cité.

[39] . «التّذرّع» في اللغات الأوروبية: «البراغْماتية». ولكنَّ المشكل في «أمّيّتنا» اللغوية- الحضارية.

[40] . Lavergne (Pierrich) : « Les nouveaux modèles d’économie sociale au Vénézuela (Une réponse au capitalisme rentir », Op Cité.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4980 المصادف: 2020-04-24 02:45:34