 قضايا

الأزماتُ والبِدائِيُّ الذي يَسْكُنُنا !!

ابراهيم اوحسينكان العربيُّ قديما إذا ما مسّهُ ضُرٌّ من بني جلدته، خاصة من بني العمومة والخؤولة ردد المثل المعروف: "ما أخاف إلا من سَيْل تَلْعَتي"، تَسْرِيَةً عن قلبه المحزون بما ألمَّ به ممن كان يُظَنُّ، لاعتبارات القرابة والدّم والعتْرة، أنهم العُزوة والسّند والسور المنيع، فإذا بهم يتحولون في أول فرصة سانحة إلى مفترسين ومصّاصي دماء؛ السلوك الذي جعل طرفةَ بن العبد في غابر الأيام يرفع عقيرته بظلم ذوي القُربى الأشدِّ مضاضة...

لم يكن ثمة داعٍ لهذه المقالة، لولا حدثٌ أغاضني رأساً وعَقِباً، خاصة في ظرف دقيق كهذا، يحتاج من الفرد الركون إلى زاوية ضيقة من عالم واسعٍ مُتراحبٍ، وكأن التاريخ يأبى مجددا إلا إعادة زمن الثّلاثة الذين خُلِّفوا فضاقت عليهم الأرض بما رَحُبَتْ. وأقصد بالحدث خُلُوَّ المتاجر الصغيرة والكبيرة من أكياس القمح الصلب واللين خُلُوًّا يبعث على الاندهاش والاستغراب، حتى بدأت بجدية أستدعي تساؤلات وجودية بعدما عانيتُ من العثور على كيس طحين الأمرَّينِ، بل البُرَحَيْنِ والأقْوَرَين !! ومن هنا البداية ...

مضطرٌّ حقيقةً إلى العودة خلفاً، تحديدا إلى سنة 1557،متأملاً لوحة الجندي  والمغامر الألماني هانز ستادن، على إحدى صفحات  كتابه  آكلو لحوم البشر العراة والشرسون Nus ,féroces et anthropophages / ، حيث سرد هانز قصة نجاته من قبيلة  توبنامبا Tupinumba/ في أحد سواحل البرازيل سنة 1555، مُبرزاً طرائق تعذيب الكائن الآدمي والتهام لحمه في طقوس بشعة تعتبر في أعراف القبيلة طقوسا احتفالية عادية ! الكتاب الذي حصَّلَ ثناء الأنثربولوجي الفرنسي ليفي شتراوس، جاعلا إياه من أكثر الشهادات إثارة في القرن السادس عشر عن سكان العالم الجديد إبان الاكتشافات الجغرافية. طبعا لم أُشِر إلى عهد إنسان "النياندرتال"  قبل أربعين ألف سنة تقريبا آكل البشر - حسب نتائج أبحاث عالم الآثار البلجيكي كريستيان كاسياس- كونُ هذا الصنف معدود من أشباه الإنسان، ولم يرتق بعدُ إلى جنس الإنسان العاقل Homosapiens/،فما علاقة موضوع أكل البشر إذن بخُلُوِّ السوق من الطحين؟

من المعروف تاريخيا أن بلوغ هذه الدرجة من الاجتراء على الاقتيات من جسد الجنس ذاته لا يكون إلا بمسببات قصوى، تضطر  إليه الجماعات البشرية أحيانا حين تعدم القوت، كفترات انتشار المجاعة تحت نير حصار أو حرب، أو بمسببات عقائدية أو أعراف متوارثة تدخل في طقوس تعبدية أحيانا، أو تدخل في أفاعيل السحر والشعوذة والاتصال بالعالم العُلويّ الروحاني لدى بعض القبائل البدائية، كالاعتقاد بأن اللحم المأكول يحمل قدرات الشخص الميت الذي غادر عالم الأحياء؛ ويكون هذا الطقس كذلك نتيجة مرض سلوكي نفسي، كعقاب المنتصر للمهزوم والمبالغة في إيذائه زمن الحروب. لقد أشارت سرديات عربية عدة كذلك شعرية ونثرية  مُوثّقةً بعض السلوكات الكانيبالية لدى بعض القبائل العربية ولدى الأمم الأخرى، ونشير هنا إلى كتاب البخلاء للجاحظ،وكتاب تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأمصار لابن بطوطة.

مع بداية انتشار فيروس كورونا في المغرب، ومنذ الأيام الأولى فقط، بدأت بعض فئات المجتمع الميسورة المُتَموِّلة التهافت على المواد الغذائية بشكل هستيري غير مبرر وبكميات غير معقولة، حتى أُفرغت المحلات التجارية من احتياطاتها ونفدت مخزوناتها من المُستهلَكِ اليومي الحيويّ... وقد كان ما كان فغدت الأسر ذات الدّخل المتواضع في حيصَ بيصَ من أمرها، فخاب الباحثون عن كيس طحين ووَلَّوْا إلى ديارهم خائبين وأصبحوا فيها جاثمين ! والحقيقة أن أولئكم المحتاطين لزمن القحط والمجاعة وقلة المُؤَنِ، فاتَهم ديناً وخُلُقًا وعُرفًا، بل عقلاً أننا لسنا في زمن يوسف النبي، الموعودِ بسبع سنوات عجاف، يجمعُ الحنطة قبلهن سبعاً أخصاباً ويختزنها بكل أريحية، أما الدول الموبوءة فلا يوسفَ يفتيها ويحذّرها من شرّ ما نُكبت به.

واهمٌ حقا من ينكر غريزة البقاء والتمسك بالحياة لدى الكائنات الحية جملةً، وواهمٌ أكثر من ينكر الجانب الغرائزي الحيواني الثابت في الإنسان مهما حاولت الثقافة والمدنية جعلَه كائنا متعاليا في سلم التطور الحياتي، قادرا على التواصل بشكل راقٍ، وقادرا على التعامل مع التكنولوجيا الآلية والرقمية. ولقد أوضح باحثون كُثُرٌ،فيما يرتبط بدوافع السلوك الإنساني، الجانب الفطري فينا قبل الجانب المكتسب، كما أشار إلى ذلك على سبيل المثال  الأمريكي أبراهام ماسلو في كتابه التحفيز والشخصية، عارضا نظريته الهرمية الشهيرة التي تقتعد الحاجات الفيزيزلوجية وتجعل حاجات تقدير الذات على القمة، وكذلك الأمريكي جوزيف موراي في كتابه الدافعية والانفعال، ومحمد علي مومني في كتابه دوافع السلوك الإنساني وآخرون مما لا يسعف المقام للتذكير بهم وبأبحاثهم التي تشير إجمالا إلى غرائزية الإنسان ونزوعه إلى تأمين ما يبقيه على قيد الحياة . طبعا، لا ينكر منكِر أن الحياة تستحق أن تُعاش وأن يُبذل من أجلها كلُّ غالٍ ونفيس، وقد صدق محمود درويش قائلا: " نحبُّ الحياة غداً، عندما يصل الغدُ سوف نحبُّ الحياة كما هي عادية ماكرة، رماديةً أو ملوَّنة. لكن، ومع رفع هذه الفكرة المُثبتة في العقل الجمعي إلى درجة المُسلَّمات واليقينيات، ومع اعتبارها من السّنن الكونية الناشئة مع ظهور أول خلية حية (Protozoa)، إلا أن استثناءات عدة تُطوّق الجنس البشري العاقل بحكم ما بلغته مُدركاته ومعارفه في مجتمعات خرجت من أغلال البدائية والطبيعة المتوحشة والحياة الغريزية الصِّرفة والحيوانية العذراء، واليقينُ أن حياته العادية قد تَرَوَّضَتْ وتكيَّفت، بل، تماهَت بشكل تامّ مع مقتضيات مجتمع الثقافة والمدنية والتّقنية والتواصل الرقمي، وقبل هذا وذاك، مع ما يقتضيه الحسّ الإنساني المشترك والأخلاق الكونية، المشروع الذي أعربت عنه فلسفة إيمانويل كانط بشكل مباشر في كتابه "مشروع للسلام الدائم"، وآخرون قبله وبعده، ممن اعتبروا الإنسان غايةً لا وسيلةً.

إن الانطواء على الذات، والاهتمام المفرط بها بمعزل عن الذات المُفارِقة الأخرى، يُذكي ويُضخّم بشكل أو بآخر النوازع النرجسية والميولات الأنانية وهواجس العظمة والشعور بالاستحقاق، بل، ويصنع أحيانا ما يمكن تسميته بالذات " العُلوية "  إزاء الذات " الدُّونية " التي يمتلكها الآخرون العاديون. وبذلك تكون هذه الفئة " العُلوية " - في عُرفها المقدس- أحقَّ الكائنات الحية بالعيش والأجدر بالتنعم بالحياة، ظنا منها أن الكون بكل مكوناته إنما خُلق وسُخِّر لهم، فيكون إذن سلوك حيازة كل  ما يجعلهم على قيد الحياة، سواء بالمال أو بالسلطان أو بأية وسيلة أخرى، مبررا ومشروعا، بل، حتى القوانين الوضعية - للأسف - تشرعن أحقّيّة القوي السيطرة على مُقدّرات الضعيف، ولا عجب ولا غرابة في ذلك، إذ صار هذا المنطق النِّتشوي  النّازي ساري المفعول في كل دساتير العالم وإن تَخَفَّى وتستَّر خلف عبارات ظاهرُها احتفاء بحقوق الإنسان وانتصار للضعفاء وتحقيق للعدالة الاجتماعية، وباطنها تقوية نفوذ القوي وبسط سيطرته المادية والمعنوية، والواقع المعيش أصدق صورةً وأبلغ مقالاً !! فما جدوى الدّين والثقافة والمدنيّة إذا كان بالإمكان أن ينهش الإنسان لحم أخيه هكذا بكل أريحية، ويسطو على خبزه اليومي  ليحتكر مقومات الحياة لنفسه، دون أن يَطرف له جفن؟ ما جدوى كل هذه المؤسسات إذن إذا كانت الحصيلة إنسانا يتحول، أمام اختبار حقيقي، إلى أحد كانباليّي قبيلة توبنامبا، أو إلى إنسان النياندرتال Neanderthal man/ ؟ أليس هذا تجسيدا ماديا للمقولة الهوبزية: "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"؟

إن مشاريع الأنسنة هي في حقيقة الأمر مجرد مشاريع وهمية، وأفكار مجردة في مُتخَيَّل أبراهام لينكولن وغاندي ومانديلا وغيفارا وأمثال أولئكم الذين أُجهضت أحلامهم بُعَيْدَ وفاتهم؛ هي في الحقيقة أنسنة شكلانية أفْضت إلى واقع مرير حمل يافطة "موت الإنسان"، ليس الفلسفي فقط كما تنبّه إلى ذلك هايدغر وفوكو، إنما موت الإنسان البيولوجي، تحت سطوة كائن يشبهه خَلْقًا،ادّعى ولازال يدّعي مُنشداً في شعاراته اليومية معزوفة  " الإنسان أولا والإنسان آخرا " أمام الوحشية الطافحة في كل مكان والنزعات اللاإنسانية المُعْرَبِ عنها برًّا وبحرا وجوًّا، كل ذلك بالموازاة مع تكرار واجترارٍ سيكولائي (Scolastique) لمفاهيم ورديّة رنّانة تُخَلِّفُ في النفس أثرا طيبا أثناء سماعها (الرفاه الاجتماعي، مركزية الإنسان، توزيع الثروة ...). إن الإنسان في الواقع تُغْمَزُ قناةُ بشريته وإنسانيته في الشدة والضِّيق والمحنة، لا في الرخاء والدَّعةِ والحياة المبسوطة.

كيسُ طحين إذن جعل تاريخنا الإنساني على المحكّ، وأكد بما لا يدع مجالا للشك أننا رسبنا وأخفقنا ببشاعة أمام مفاهيم الإيثار والبذل والعطاء والتضامن والتآزر.. فلو كنا نتدين بدين الله، فهو تعالى القائل: { ويوثرون على أنفسم ولو كان بهم خصاصة ومن يُوقَ شُحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون } الحشر 9 ؛ وإن كنا نقدس الحديث الشريف، فالنبي (ص) هو القائل: " إن الأشعريّين إذا أَرْمَلُوا - أي نَفد زادُهم - في الغزو، أو قلَّ طعامُ عيالهم  بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسَّوِيَّةِ،فهم منّي، وأنا منهم "؛ أما إذا اصخنا السمع لترنُّم الشعراء، فقد قال أبو الحسن الجرجاني:

وتَرْكي مواساةَ الأخِلاَّءِ بالّذي // تَنالُ يَدِي ظُلْمٌ لهم وعُقوقُ

وإني لأستحْيي من الله أن أُرى // مَجالَ اتساعٍ والصديقُ مُضيقُ

وأضاف حمّاد عَجْرَد مُنشداً:

إن الكريمَ لَيُخْفي عنكَ عُسْرَتَهُ // حتى يُخالَ غنيًّا وهْوَ مجْهودُ

وللبخيلِ على أموالِهِ عِلَلٌ // زُرْقُ العُيُونِ عليها أَوْجُهٌ سُودُ

هذه قِلّة من كثرة وغيضٌ من فيض، وإلا فالرصيد الديني والأدبي طافح بالحثّ على تجاوز نرجسية الذات المتعالية  وأنانيتها السوداء، داعيا إلى استحضار الأخلاق أمام المُلِمَّات والمصائب، ولعل أخلاق الأمة على الخصوص، كما قال غوستاف لوبون، لا المصادفة ولا الأحوال الخارجية ولا النُّظُم السياسية، هي التي تمثل الدورَ الأساسَ في تاريخها؛ وفي كتابه " التنبيه إلى سبيل السعادة " شدَّدَ أبو نصر الفارابي على التوسُّط والاعتدال في الأفعال وفي التَّصرُّفات باعتبارها سلوكات تضيف جمالا إلى الخُلُق البشري.

 

إبراهيم أوحسين - المملكة المغربية.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4984 المصادف: 2020-04-28 03:51:37