 قضايا

ماذا يمكن أن نستفيد من الدولة الناجحة في الصين؟

عادل بن خليفة بالكحلةمقدمة: ليس هدفي في هذه المساحة أن أقدم رؤية شمولية عن النجاح الصيني؛ ولا تقديم نظرة نقدية لها. فالهدف الأول يتطلب مساحة أوسع وجمهورًا أضيق. وأما الهدف الثاني فسوف يجعلني غير ناجع مع أمتي «المتخلفة» ودولتنا العربية المخففة. فهدفي النَّجاعيّ هو محاولة اكتشاف نقاط امتياز الدولة الصينية وعوامل نجاحها البؤرية. وذلك لا لإستنساخها، فلا يمكن لدولة أن تستنتج الأخرى، وإنما لمحاولة الاستفادة منها، والتبادل معها. فلن أكون هنا ممجّدا ولا مشيْطنا، بل سأكون ناجعًا أكثر ما يمكن، لكن توجيهًا لدراسات أكاديمية سابقة.

1- في البدء كان كُنفِشْيوس ، ثم كان استدماج ماركس صينيًّا:

لم يؤكد وُو بَنْ وَحده أن الصينيين المعاصرين يتقدمون «نحو المستقبل انطلاقا من الماضي» (وُو بَنْ ، الصينيون المعاصرون، عالم المعرفة، الكويت، حزيران 1996. فالكُنْفُشيوسية في ذاكرة عامّة الناس تمثّل «المقياس القديم»، ولكنها في الآن نفسه تعني «التوافق مع البيئة الجديدة». فهي عبارة عن «الاستقلال العقلاني الذاتي، وتطور الحكمة، وأنشطة التأمل ومحاسبة الذات، وأسلوب التساؤل والتحليل» (م. س، ج1، ص251). ولذلك يرى الكُنْفُشْيوسيّون الجُدُد أن التغريب المطلق معرقل للتحديث الصيني (م. س. ص258).

قَبْل أكثر من 2000 سنة، كانت أطروحة الحكيم الصيني لاَوْتْسِي «الوحدة بين الإنسان والطبيعة»، و«اتباع سبيل الطبيعة». بينما أكد مُنْشيوس «امتداد احترام المرء من كبار السن في [العائلة] إلى كبار السن في العائلات الأخرى، وامتداد الحب من صغار السن في [العائلة] إلى صغار السن في العائلات الأخرى» (تيان يِنْغ كُوي، طريق الصين، مؤسسة الفكر العربي، 2011، ص147). ولقد أكد كنفشيوس في كتاب الطقوس أن «روح الخدمة العامة ستسود أرجاء البلاد عندما يسود طريق الفضيلة (...) ويتمهد الطريق أمام الشرفاء والفضلاء والحكماء والأكفاء والموثوق بهم ليتم اختيارهم قادة للبلاد ولملء مناصب الإدارة» (م. س، ص147)، ناعتًا ذلك بـ«الوحدة العظمى».

دين الصينيين لا يَغْرِق في حرب «كلامية» تدقق في وظائف الإله، بل هو دين يؤكد الأخلاق أوَّلاً، والدولة آخرًا. ولقد قال النبي محمد، ذلك الحكيم العالمي:«إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» …ذلك ممّا جعل الصينيين أمة عَمَلية، منضبطة. ولكنْ في بداية القرن العشرين، كاتب الصين تعني الفقر والتخلف، والتهديد الأجنبي (الغربي والياباني)، ولم يكن كنفشيوس يمتلك إجابة عن تلك المعضلات. ولم يكن أبو حنيفة أيضا، رجل القانون لدى بعض الصينيين (الصينيون المسلمون)، قادرًا على الاستجابة لها، لأنه أوّلاً  ليس حكيما بل مجرد رجل قانون، ولم يكن عدلي العقيدة وعدليا في قانونه، فهو من الأرستقراطية (تاجر كبير)، ورجل قانونها وليس مُنَظَّر الفقراء، ولأنه ابن قرنٍ آخر لا القرن العشرين، وكان متمثلوه عاجزين عن تسويقه أيضا، لأنهم لم يجعلوا حنفيتهم حداثية وعدالية.

كان استقدام الصينيين الماركسية من نتاج التفاعل بين الثقافتين: الصينية والغربية. كان لا بد من معرفة قوة هذا الغربي الخطير واستدماجها حتى لا تطيح بالكيان الصيني، وكانت الماركسية الاِمْكَانيةَ الملائمة في نظر الكثير من المثقفين الصينيين (وُو بِنْ، م. م، ج1، ص261)؛ باعتبار مناوَأتها للعدوانية الرأسمالية-الامبريالية للغرب. وهذا الاستدماج حوَّل الصينيين مِن السلبية إلى المبادَرة الحداثية (م. س، ص263). ولكنه كان في سياق تصيينيّ فاستطاعت الكثير من المقومات الثقافية التقليدية أن تحل محلَّ الكثير من الأصول الماركسية حتى إنْ بدتْ مناقضة للأطروحة الماركسية (م. م، ص267).

لم يكن استدماج ماركس من أجل تحطيم الثقافة الصينية، بل من أجل حل مشكل الحداثة دون امبريالية. والمهم أن هذه المرْكسة وهذا التصيين المتدامِجين اختلقا أمة عظيمة على أنقاض دولة فاشلة يعبث بها الفقر والمرض والجهل وتهددها الامبرياليتان الغربية واليابانية. فليس من الهيّن بناء دولة ناجحة ذات مليار وثلاثمائة مليون نسمة مع ضعف فادح في مصادر الطاقة، بينما عجزت عن ذلك «جمهوريات» عربية ذات 8 ملايين و12 مليونًا، بل أقل من ذلك أحيانًا.

2- أي مِنوال تنمية في الصين؟

منذ مَطلع الثمانينيات من القرن العشرين «أصبحت الصين الدولة النامية الأكبر في العالم» (رضوان جمول، الاقتصاد السياسي للصين الحديثة، المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق، بيروت، 2016، ص11). وبينما كانت المَعايش الغربية، تنتقل من أزمة إلى أخرى، «كانت الصين تضاعف من حجم إنتاجها كمًّا ونوعًا» (م. س، ص12)، وذلك ما سمح لها بمراكمة ثرواتٍ واحتياطات هائلة من العملة الأجنبية، بعد أن كانت دولة فقيرة منعزلة. وذلك لا يعود إلى التوسع الاقتصادي الخارجي، فحسب، وإنما أساسًا لوجود سوق داخلية عظيمة عرفت الدولة الناجحة كيف تُدَبّرُها.

لقد كانت الصين محظوظة بوجود مَوارد طبيعية رخيصة بها، ولكِنْ لعَدَم هيمنة الأجنبي عليها أيضا، كالحديد (المنتِج الرئيس في العالَم) والفحم (نصف كمية الإنتاج العالمي)، والغاز الطبيعي.

وبعد أن كان المنوال الاقتصادي شديد الانغلاق (ولذلك ما يبرّره في حينه)، كان ابتكار «منوال السوق الاشتراكية» (بَدْءًا من عام 1978، وتطبيقًا منذ عام 1992) بتطوير «دور السوق والمبادرة الفردية (...) وزيادة حيوية المؤسسات وقدرتها التنافسية، مع الاحتفاظ بالتحكم الكلي للحكومة في الاقتصاد الوطني، وبقاء الملكية العامة قطاعًا رئيسيا إلى جانب الاقتصاديات المتعددة الملكية: الاقتصاد الخاص، الاقتصاد الفردي، الاقتصاد المسَاهِم، اقتصاد هونغ كونغ ومكاو وتَيْوان...» (م. س، ص25). وذلك مع خطة عميقة لإيجاد التوازن بين الجهات، وإنشاء المناطق الخاصة والمفتوحة للتجارة الحرة ومناطق للتقانة المتقدمة التنافسية (م. س، ص26 و27).

- ولقد تكيف هذا المنوال مع حداثة تقانة الات تقانة الإتصال والمعلومية والتقدم التقاني عمومًا، وأصبحت «قِبلة الاستثمارات الخارجية المباشرة». وبذلك استطاعت «تكوين صناعات كمّيّة رفيعة نسبية، رغم أنها بجودة غير تنافسية، محدثة نوعًا من تقسيم العمل في سلسلة التصنيع العالمية، ومستحوذة على حصة متزايدة في التجارة العالمية» (م. س، ص25). وذلك ما حسن مستوى معيشة أكثرية الشعب الصيني، وفي الآن نفسه جعل مُنْتجات التقانة الحديثة (خاصة في ما يخصّ الرفاهة المنزلية والتقانة المَعْلومية و في متناول كل شعوب العالَم بأسعار مقبولة.

إن الكثير من «السياسيين» والمتدينين الليبراليين واليساريين العرب، غير متبيّنين لخصوصية المنوال الصيني، فهو ليس بـ«الشيوعي» كما يتصوّرون، وليس بـ«الرأسمالي» أيضًا. إنه خصوصية صينية ينبغي تفهمها، لا إلقاء الأحكام المسْبَقة عليه.

نحنُ آحاديون، تعسفيون، إلى حدّ كبير. أمّا الصيني فقد أثبت أنه تعددي التخطيط، بَدَائي. يقول المثل الصيني: «الأرنب الذكي يتخذ ثلاثة منافذ لجحره». فالمقتنعُ البَدائِيّ سيكون هاما لتفهم النجاح الصيني أفضل.

3- نظام سياسي معقّد:

يؤكد منوال النجاح الصيني أن مهام الحكومة «يجب أن تتحول من الإدارة إلى الخدمات» (تِيان يِنْغ كوي، طريق الصين، ص129)، وفي عام 1988 «تمّ إيضاح مهام الحكومة والبدء بفصل مهام الحكومة عن المؤسسات، وفصل مهام منظمات الحزب ودوائر الحكومة عن الكيانات الاقتصادية. كما جرى الحدّ من مركزية السلطات إلى أدنى مستوى» (م. س، ص124 أيضا).

ينقسم النظام الإداري الصيني إلى 5 أقسام: الحكومة المركزية، والمقاطعات والمناطق ذاتية الحكم والبلديات المركزية، والمدن (والمحافظات ذاتية الحكم)، والبَلْدَات، والنواحي (ومنها: نواحي الأقليات القومية والقرى).

وبهذه التطويرات كان الخفض التدريجي لعدد المَهامّ التي تحتاج إلى تفحص أو موافقة إداريّين، وكان «الحد من تدخل الحكومة في عمليات الاقتصاد الجزئي والأنشطة الصغيرة» (م. س، ص132). ليس هناك حزب قانوني واحد في الصين، فإلى جانب الحزب الشيوعي هناك أحزاب أخرى. ويتولى الحزب الحاكم القيادة «على أساس التعاون والتشاور بين مختلف الأحزاب حول القضايا الهامة للبلاد» (م. س، 139). وتلك الأحزاب لا تسمى «معارِضة» وإنما تُعتَبَر قانونيا «أحزاب مشاركة» (م. س، ص139). إن دولة بمليار و500 مليون نسمة وبـ56 قومية يجب أن تكون ديمقراطيتها مختلفة عن أي ديمقراطية، توجهاتٍ ومبادئ وخطَطَ عمل.

يبد أن مبدأ الإنتخابات الرئاسية المباشرة بهذه البلاد الضخمة جدًّا «غير واقعي أبدًا لجهة التكلفة» (م. س، ص145). ولذلك أقرّت الدولة الإنتخابات المباشرة لرؤساء لجان القرى، أما المدن والمقاطعات فتنتخب ممثليها القاعديين، الذين ينتخبون المندوبين الأرفع، «إلى أن تصل العملية إلى انتخاب مندوبين على المستوى الوطني، يختارون بدورهم قيادتهم المركزية» (م. س، ص143).

4- «الحزب الشيوعي: هل هو حزب ليبرالي ديمقراطي جديد»؟

ربَّما نندهش إذا عرفنا أن المفكرين الصينيين كانوا يرون في الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم في اليابان طيلة أكثر من 30 عامًا «نموذجًا يحتذونه» (دانيال بورشتاين وأرنيه دي كيزا، التنين الأكبر، عالَم المعرفة، يوليو 2001، ص588). ويكتب أحد الْمُنْظِّرِين الراهنين في الصين: «إن شيئا يشبه الحزب الديمقراطي في اليابان يمكن أن يلائم الوضع في الصين»(م. س، ص398).

لقد كان الحزب الليبرالي الديمقراطي في اليابان عمليًّا بدولة ذات حزب واحد دام في السلطة أكثر من 30 سنة، رغم وجود أحزاب يابانية أخرى. ورغم أنه كان باني اليابان الحديثة، إلا أن الفساد داخله، و«لوبيّاته» الرأسمالية داخله حطمت مشروعيته الشعبية، فلم يَعُد مهيمنا منذ أمد طويل.

وتنتشر في آسيا المتقدمة نُظم حزب واحد عمليًّا. أمّا بالولايات المتحدة، فحزباها عبارة عن حزب واحد يحتكر السلطة منذ أكثر من قرن فلا فرق بينهما في الأهداف والبرامج وخطط العمل. وإذا احتفظ الحزب الشيوعي الصيني باسمه، فلا مُشَاحَة في الأسماء إذ هو يريد«شيوع » الرفاه والتقدم التقاني في البلاد. فهل إن مضمون «الديمقراطية»  هو نفسه بين أثينا القديمة وبين الولايات المتحدة الأمريكية وبين سويسرا واسكندينافيا المعاصرتين؟!! وهل إن مضمون «دولة الإسلام» هو نفسه بين الماوردي ودولته العباسية التفاوتيين الدكتاتوريتين ، وبين دولة القرامطة وأختها دولة الزنج العداليتين؟!! المهمّ أنْ نبحث في مضمون هذا الحزب«الشيوعي وفي جوهر الدولة التي بَنَاها.

5- هل المنوال الصيني مِنوال محاكاةٍ؟

تريد الامبريالية الاقتصادية احتكار الإبداع والتقانة المتطورة ولا تريد المساواة في المعيشة بين الدول والشعوب، ولذلك تُتَّهَم الصين بمحاكاة تقانتها المستجدة ومخالفة القوانين العالمية لحماية الملكية الفكرية بممارسة «السرقة» التقانية بالمحاكاة، ومن ثمة تتسبب في خسائر للرأسماليين الغربيين.

في الآن نفسه، يصرّ الصينيون على أن الإختلاق التقاني أمرٌ ذو «شيوع» بين جميع الشعوب، إذ أن الكثير من المكتشفين والمخترعين في البلاد الغربية هم في الحقيقة من شعوب أخرى (هنود، عرب، صينيون، إيرانيون، أفارقة...)، وأن المحاكاة هي «ضرب من نقل التقانة»، وهي مرحلة ضرورية من أجل الدخول في مرحلة الابتكار. و«تحتل الصين منذ سنة 2011 المرتبة الأولى في تسجيل براءات الابتكار. وفي سنة 2016 تم تسجيل براءات ابتكار في الصين أكثر من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا الجنوبية» («الصين: من النسخ إلى الابتكار» dw.com/ar، 25/11/2018).

وفي نهاية الأمر، لولا تلك المحاكاة الأوّلية، ما كان بإمكان وصول أحدث التقانيات إلى أدنى الطبقات الوسطى وحتى الطبقات الفقيرة في العالم الرأسمالي وفي العالَم الثالث. وحتى السلفية الجهادية والتيار الإخواني اللذان يكفِّران الصين استعملا ويستعملان ما يُتَّهم غربيًّا بأنه «محاكاة صينية». فلقد جعلت الصين (وغيرها من الدول الآسيوية الصاعدة) التقانة الأحدث في مُتَنَاوَل حتى الطبقات الشعبية في جميع انحاء العالم.  وذلك لأنها في مرحلة أولى كانت تمارس «نَقْلا» (أو إن شئنا «محاكاة»)، ثم لأنها مارست بعد ذلك مرحلة الابتكار لتَصنع مُنتَجاتها في ظروف اقتصادية أرخص جذريًّا من ظروف الإنتاج التقاني في العالَم الغربي.

وعلينا هنا أن نشير إلى التفوق الصيني في الذكاء الاصطناعي ، لكي تستطيع هذه الدولة «بحلول عام 2017 أن تهيمن على نحو 48% من إجمالي تمويل الذكاء الاصطناعي العالمي، متفوقة على الولايات المتحدة»، مصرة على أن تكون قطب الذكاء الاصطناعي  والابتكار العالمي الأول بحلول عام 2030 (كاي فوي، «دروس التفوق الصيني في مجال الذكاء الاصطناعي»،المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، futureuse.com/ar 23/1/2019). ولقد كان ذلك التفوق عامل رئيسا في انتصار الصين على وباء الكورونا عام 2020. وذلك بفضل النظام اللامركزي في الابتكار الجماعي (6600 شركة صغيرة)، علاوة على فضل المحاكاة (وهي نوع من أنواع الإبداع الأولى) ، وبفضل لهفة الجميع بالصين على التقانة وحرصهم على السيادة الوطنية حتى علميا وتقانيا .

6- تحديات منوال النجاح الصيني:

1) يسعى المنوال الصيني إلى تحقيق نظام ضمان اجتماعي أكثر عدالة. وهو يتكون من 4 أنواع:«التأمين الاجتماعي، والإغاثة الاجتماعية و الدعم الاجتماعي، والخدمات الاجتماعية» (تيان ينغ كوي، م. م، ص91). وتُبْذل الجهود «لاستكمال رعاية طبية وصحية لكبار المسنين وتنفيذ مشروعات رائدة في نظام الرعاية الطبية التعاوني الجديد» (م. س، ص93)، وهناك تحدٍّ بتعميم الضمان الاجتماعي على المدن والأرياف خلال عام 2020.

2) أما التحدي الثاني فهو تحدي القضاء على الفقر، وإقرار نظام الرعاية الاجتماعية الشامل، وحماية المجموعات الضعيفة أطفالاً ومسنين ومَعُوقين، وكذلك تعزيز التنمية المتوازنة بين مختلف المناطق، إذ أن التوجه نحو السوق والعولمة والتصنيع والتمدين المتسارعين جعل حقيقة ثانية «هي أن الصين لا تتطور بطريقة متوازنة» كاملة (م. س، ص95).

3) أما التحدي الثالث فهو التحدي البيئي، فالنمو الاقتصادي الهائل جعل الصين تستند «إلى نمط واسع يعتمد على الاستثمارات الكبيرة والاستهلاك العالي، وذلك يتسبب في التلوث الواسع» (م. س، ص48). وقد سمح الاستقلال الذاتي للمقاطعات بأن جعل بعض المناطق «تتجاهل بيئتها أو تضحي بها، فتسببت في تلوث ودمار خطيرين في هذا المجال» (م. س، ص48 أيضا). وما زالت عقوبات المخالفات بالقانون البيئي دون أن تشكل ردعًا، «بل إن بعض الحكومات المحلية لم تتخذ بعدُ إجراءاتٍ فعالة لحماية البيئة، حتى إن بعضها يمارس نوعًا من الحمائية البيئية» (م. س، ص48). فالتدهور البيئي الذي ظهر متقطعا بالدول الغربية خلال 100 سنة ، ظهر بالصين دُفعة واحدة.

من أجل ذلك، تتجه الحكومة المركزية نحو خفض استهلاك الطاقة نحو 4% سنويا بالنسبة إلى الناتج الوطني، وتقليل السموم الملوثة والغازات المنبعثة 10%.

4) التحدي الرابع هو الوجود غير الأخلاقي لعلاقات مع كيان الأبارتايد الصهيوني. فمن غير المعقول أن الصين قطعت علاقاتها مع الأبارتايد بجنوب إفريقيا، ثم لم تفعل مع نظيره«الإسرائيلي »، بتعلات تذرعية، مادية ، مصلحية، غير اخلاقية. وقد تزايد حجم العلاقات الإقتصادية بين الصين والكيان الصهيوني، ذي العصبية العنصرية، منذ عام 2015 (مصطفى اللَّدَّاوي ،«الصين تفتح صناديقها الإئتمانية وعقولها التكنولوجية للكيان الصهيوني»، المحور العربي،05/05/2020).

خاتمة:

1) توقع محمود عبد الفضيل عام 2000 أنه «مهما كان مستقبل التطورات المقبلة في الصين، فإنها تسير في طريق التحول إلى قوة عظمى سوف يُحسب لها ألف حساب في القرن الواحد والعشرين» (محمود عبد الفضيل، العرب والتجربة الآسيوية: الدروس المستفادة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2000، ص117). ولكنَّ أفق هذا التطور الصيني لا يمكن توقعه بوضوح تام، فلقد كتبت الكاتبة الصينية اليسارية لِين شُن: «إن الصين تجتاز تجارب اقتصادية واجتماعية وحضارية وتقانية غير مسبوقة (التي هي أيضا تجارب سياسية)، وتتجه مسيرتها إلى شيء بعيد عن الرأسمالية والاشتراكية، بالمفاهيم المتعارف عليها لهذين المصطلحين. ولهذا فإن أبواب التوقعات مفتوحة على مصراعيها» (م. س، ص180).

2) المهم أن الصين تصنع التاريخ. أمّا العرب فهم مازالوا يُصْنَعون بتاريخ الآخرين. ومازال بعضهم يصنِّفون الصين «كافرة» و«شيوعية» و«ملحدة»؛ ويجعلها آخرون « مضطهِدة للإيغور»، في حين أن بعض الإيغور يُدجِّنهم المال النفطي العربي والاستخبارات التركية والأمريكية  لتخريب العراق وسوريا، فهل إن المضطهَدَ فعلاً يذهب من أقصى آسيا شرقا إلى غربها ليزرع الاضطهاد في الدولة السلفية-الجهادية المنفصلة عن الحمى العراقي والسوري إنْ لم تكن تلك المضطهَديَّة هُوَامِيَّة ؟! ولقد زار الصحافي الإستقصائي أحمد السيد النجار سنكيانغ  اخيرا ولم يجد شيئا  من المضطهدية ( محمود القيعي، «الرأي  الآخر في قضية الأيغور»، رأي اليوم ، 24/12/2020)، خاصة أن سنكيانغ تملك استقلالها الذاتي وبإمكانها أن تطوره .ألم يخطئ بعض المسلمين الهنود حين انفصلوا عن دولة الهند، حتى في رأي الكثير من المفكرين المسلمين الهنود (ومنهم أبو الأعلى المودودي نفسه في بداية حياته الفكرية!)؟! وما المانع في أنْ يعيش صحابيّ مُحَمَّدٍ (ص) في دولة النّجاشي «الذي لا يُظلم عنده أحد»؟!! ولقد بقي بعض الصحابة في الحبشة حتى بعد تأسيس دولة المدينة التي صلى صاحبها (ص) على النجاشي النصراني عند وفاته وبكى عليه.

3) لكنْ يجب أيضا أن نذهب إلى الصين لكي نعيد إفهامها قضيتنا الأولى والأخيرة (قضية فلسطين)، حتى تَقتنع مرة اخرى بقطع علاقاتها مع كيان الأبارتايد الصهيوني، و حتى تصبح سياستها الخارجية ذات وجه أكثر تقدمية وإنسانية وأخلاقية... ولو أن الخطأ الصيني نتحمل جزئيا مسؤوليته، لأنها تجرأت على ذلك حين هرول العرب نحو ربط العلاقات بكيان الأبارتايد الصهيوني... فاتصالنا، مثقفين ونشطاء مدنيين وسياسيين، بسفراء الصين وملحقيها الثقافيين والتجاريين وزياراتنا لبكين، من شأنه ان يجعل الصين دولة ومجتمعا مدنيا تقتنع  بأن هناك مَنْ يدافع عن القضية في الوطن والعربي والإسلامي  فتغير سَوْقُهَا الفلسطيني... بل يجب على القوميات المسلمة بالصين ان تمارس دورا تاريخيا في هذا السياق.

4) من المؤسف انه ليس لنا أقسام بجامعاتنا في اللغة والحضارة الصينيتين، ولا تعارف بين مدارسنا

في الهندسة والعلوم الإقتصادية والتقانية والطبيعية وبين الصين (إلا باستثناءات نادرة ومحدودة)... بل إن بعض مثقفينا من التيار السلفي-الإخواني  يشيطنون الصين، فها هو ابو يعرب المرزوقي يتناولها بشوفينية وَتَعَالٍ عُنْصُرِيِّ في تطرقه لظهور الكورونا في ووهان («نعمان المغربي،« فلسفة الكورونا»،عند الشيخ ابو يعرب المرزوقي ، المحور العربي  18/04/2020)

 

5) من بين المثقفين العرب القلائل الذين حاولوا تَفَهُّمَ الصين ينبغي أن نعيد قراءة الطاهر قيقة: الصين  الحديثة ، وقد كان فيها دقيق الملاحظة، ولم يكن يهمه في الصين 1957 اديولوجيتها، بل كان

ما يهمه هو كيفية إنتقالها من التخلف الى التطور: « كم كنت اشعر بتجاوب روحي بيني وبينهم لأن

تَسْيِير قاعدة فولاذية من طرف أمة  فلاحية ناقصة التطور بعث فِيَّ أملا في مستقبل أمتي وجميع الأمم

التي كانت ترزح تحت نير الإستعمار». لكن عينه لم تكن عين باحث ميداني -علمي بل كانت عين

رحالة.

أما هادي العلوي العراقي فقد زار الصين عديد المرات،  وكان من العرب النادرين الذين يتقنون

اللغة الصينية ويترجمون مباشرة منها : وفي فترات مختلفة جذريا فأستعار من الصين وأعطاها في الآن

نفسه.  فكتب كتاب التاو، بما أن التاوية حكمة الشعب، وكتب المستطرف الصيني محاولا تجاوز نقيصة

التعارف الإسلامي- الصيني في العصر الوسيط وهي عدم تعارف المسلمين على الحكمة الصينية

وإقتصارها على علوم الصينين وتقانتهم متجاوزا ضعف معرفة العرب المعاصرين بالشرق الآسيوي

إذ هم يعرفون الغرب أكثر.  ولكنه رغم إختصاصه في الإقتصاد، ركز على الجانب الثقافي الصيني ،

وأهمل الجانب الإقتصادي والحداثي والراهن.

6) كانت إيران من دول الوطن الإسلامي الاستثنائية في محاولة تَفَهُّمَ الصين، لإستعارة ما يمكن إستعارته من نموذجها التنموي. وكانت زيارة رئيس الجمهورية الإيرانية الثالث  والرابع إليها في هذا السياق(اواليلي بساران، الثورة الإسلامية والإقتصاد، دار التنوير، بيروت/القاهرة 2012 ) . فلقد كانت الدولتان تتشابهان في البحث عن « شبكة أمان لحماية الطبقات الضعيفة من القوى الشرسة للسوق الحرة » والعولمة الإمبريالية، علاوة عن البحث عن السيادة الوطنية والإكتفاء الذاتي ( توفيق السيف، حدود الديمقراطية الدينية، دار الساقي، بيروت، 2008، من ص.309 إلى ص.325). وقد تمتنت العلاقات السياسية والإقتصادية والثقافية بين البلدين، وكان رئيس الصين أول رئيس عالمي يزور إيران عام 2016.

فالصين هي الشريك التجاري الأول لإيران،  لكنها تراعي نسبيا (وليس كليا)، العقوبات الظالمة على إيران، وربما تستغل الحصار الامبريالي عليها في مبادلاتها معها مصلحيا، و مازالت تُولِي اهتماما لحساسيات واشنطن تجاه طهران ، ولها علاقات في نفس الحجم مع خصوم إيران: إسرائيل والسعودية، إذ أن الرؤية الصينية للعلاقات الخارجية مازالت رؤية غير متماسكة وغير متناغمة ، تراعي المصلحية أكثر من مراعاتها مبدئية أخلاقية معينة...

7) المهم أن نقرأ تجارب الآخرين، كما قرأت الصين الحديثة تجربة الغرب وتجربة اليابان، فاختارتْ، ثم مارَستْ، ثم طوّرتْ ممارَساتها ومازالتْ... المهم أن نقرأ واقعنا بعمق، وتاريخانيتَنا ، فيكون لنا مشروعنا الوطني  والقومي الواضح...

- يجب أن نطرح سؤالنا الحضاري المفتاحي:  منْ هو «كُنْفشيوسُنا»؟ هل هو الماوَرْديّ أمْ ابن تيمية أم ابو مدين الغوث و أبو سعيد الجنابي (رافعين عنه أسطورة سرقة الحجر الأسود التي قام بها مرتزقة القرامطة بعد قرابة 300 سنة من التجربة، فمن أرادَ فهمهم فليذهب إلى المؤرخين المحترفين، كالمؤرخ الكبير سهيل زكار، لا إلى الدعاة والوعَّاظ الوهابيين والإخباريين)؟

- هل كُنّا في حاجة موضوعية إلى ماركس في الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين، كما كانت الصين في حاجة إليها؟!

- مَن سيضع لنا منوال نجاحنا؟ هل هم مثقفون وسياسيون وعلماء اقتصاد وعلماء بيئة وصحة سياديّون أم آخرون تَبَعيّون؟!

- ما هو إسلامنا؟ وما هي مسيحيتنا؟ هل هو دين تدمير أو خداع سياسي أو مجادلات «كلامية»، أم هو دين العمل والممارسة والتقدم والوحدة الوطنية؟!!

هذه هي الدروس  التي يجب إستخلاصها من أي بحث في الدولة الناجحة بأي مكان مِن العالم.

 

د.عادل بن خليفة بِالْكَحْلَة

(باحث إناسي، الجامعة التونسية)

13/04/2020

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5000 المصادف: 2020-05-14 02:34:11