 قضايا

مراحل التطور الاجتماعي العربي الحديث

مهدي الصافيالانظمة العرببة الشمولية جعلت التفكير والثقافة الشعبية البسيطة شمولية ايضا، حيث وجد المواطن نفسه بغياب دولة المؤسسات داخل دائرة الاشتغال والانشغال بجميع مجالات الدولة والمجتمع، في السياسة والاقتصاد والزراعة والصناعة والدين، يتحدث ويتدخل ويناقش لا اراديا في جميع تلك المفاصل والقضايا، فأصبحت شعوبنا من اكثر شعوب دول المنطقة والعالم ترديدا لنظرية المؤامرة، فالثقافة الشعبية تتزاحم مع اهل الاختصاص والنخب المثقفة، وتتقدم عليهم احيانا، لانهم ادوات السلطة والانتهازيين في مواجهة مسيرة المعرفة والتنوير....

ليس طبيعيا ان تتقهقر امة ذات تأريخ وحضارة عريقة بمثل ماحصل للامة العربية، تداخلت في ثقافتها التراثية الاساطير والاديان والاحداث المتعاقبة على تلك الارض الثرية، فتحولت بلادهم الى حقول تجارب اممية، وطريق لنشوء الحضارات الجديدة، دمرتها الازمات والصراعات الداخلية والاطماع والحروب والغزوات الخارجية ....

تنقسم كما نعتقد مراحل التطور الاجتماعي الحضاري الحديث الى خمسة مراحل:

اولا: المرحلة البدائية في بناء الدولة والمجتمع اي مرحلة مابعد الاستعمار

ثانيا: مرحلة اشباع الغرائز الشخصية او الفردية (المادية والجنسية والتسلطية والطبقية)

ثالثا: مرحلة التوتر والصراع والانفصام والانفصال السياسي والديني (مرحلة الازمات والمعاناة الداخلية، والدعوات لفصل الدين عن الدولة)

رابعا: مرحلة الديمقراطية البدائية والانصهار التدريجي في الحضارة الالكترونية

خامسا: مرحلة الثورة الاصلاحية الفكرية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية الشاملة اي مرحلة بناء الديمقراطية المدنية في دولة المؤسسات

لاشك ان الامة او المجتمعات العربية ظهرت بعد ثورات الربيع العربي فارغة بلا مقومات او نظريات او اسس ديمقراطية او سياسية او حتى فكرية، بل اتجهت وانجرفت بقوة نحو الاسلام السياسي، ومن ثم انتقلت الى مرحلة التطرف والفساد والفشل، بعد ان عايشت ومارست فعليا نظرية الفراغ الفكري والسياسي عند استلامها الحكم او القتال من اجل الوصول اليه،

اذ لا توجد لديهم اية تجارب سابقة في مجال الادارة والحكم، ولايملكون في تراثهم غير تاريخ دولة الخلافة، مما جعلهم يصطدمون بالواقع ويخسرون التجربة تدريجيا، عبر خسارة تفاعل الشعوب معهم، الذين يرون الفرق الشاسع بين الحضارة الالكترونية، وبين مايراد تطبيقه عمليا من تراث سلفي او اسلامي طائفي في الدولة والمجتمع،

لن نتحدث عن المرحلة الاولى، التي بدات نتائجها جليا بعد ٢٠٠٣، وماحصل من انهيار سريع في جدار الانظمة الحديدية (مرحلة مابعد الربيع العربي)، انما عن المرحلة الثانية"مرحلة اشباع الغرائز"، وهي المرحلة التي خرجت فيها كل الموروثات السياسية العربية والاسلامية (الخلافة الاموية والعباسية، الخ.)،

تلك المخزونة في الذاكرة عن السيادة والتسلط، وحب المال والجاه، والجنس وتوريث الحكم،

ولا نبالغ ان قلنا ان الاعم الاغلب يعيش حالة الطموح نحو الاستئثار بالحكم ونهب ثروات الشعوب، الغريب ان الاسلاميبن كانوا اول من اندفع لتنفيذ تلك الامنيات، عبر ضخ فتاوى نهب المال العام (نظرية مجهول المالك)،

واخذ الحقوق الشرعية، وتشجيع مسألة تعدد الزوجات (او كما فعلت الجماعات الارهابية في جرائم بيع النساء والاغتصاب الجماعي بحجة الجهاد)، او العمل كوعاظ مأجورين تحت عصا او سيف الحاكم.

ان الفقر والحرمان والكبت الجنسي هما اهم العوامل المتوارثة المؤثرة في المجتمعات العربية، وكما هو معروف ان التعطش لاشباع تلك الغرائز لاتنتهي بسهولة حتى مع جعلها متوفرة في بعض الدول، لانه عطش تأريخي اخذ فترة طويلة حتى تفككت بعض اجزاءه او اسواره، ولعل ابسط هذه الامثلة النظر الى امراء ومجتمعات الدول النفطية الغنية (بعض حكام الخليج، نظام صدام البائد، وظاهرة القذافي الخ.)،

تجد هناك شراهة في البذخ والاسراف المادي والاشباع الجنسي المتواصل,هذه الجوانب السلبية هي دليل التخلف والانحطاط الحضاري، فبينما تجد ان الحضارة الغربية قد تجاوزت تلك المراحل منذ عقود او حتى قرون، وعبرت الى مرحلة الحضارة الالكترونية، ومايتبعها من انطلاقة جديدة الى مرحلة الحضارة الانسانية والفضائية الحالية،

ترى ان المجتمعات العربية لازالت تدور في دوامة الصراع والتوحش السياسي والاجتماعي البدائي،

لايقدر احد منهم على انتشالهم من هذا الواقع، الا عبر الانخراط والرضوخ الى الارادات الدولية والاقليمية،

وكانهم يتصارعون في قعر بئر او مستنقع واسع، ينتظرون من يمد لهم حبال النجاة من قبل الدول والقوى الاجنبية المنشغلة بشؤونهم، حتى مع وجود امكانية الخروج من الازمات والكوارث، فما ان يخرجوا من ورطة ودوامة، حتى وقعوا في اخرى اصعب واشد...

اكثر الامتلة والتجارب الحية على تلك الانكسارات والهزائم النفسية للمجتمع، هي تصرفات الحاكم او المسؤول العراقي بعد2003، فبعد ان كانت ظاهرة او مرحلة اشباع الغرائز محصورة في الدوائر الضيقة التابعة للانظمة السابقة المتعلقة بالاسر القليلة الحاكمة، نراها اليوم تتسع وتتشعب لتشمل اغلب مسؤولي الدولة الكبار والصغار،

وصولا لاصغر موظف يمتلك امكانية النفوذ لخزينة الغرائز، يبدأ المسؤول بغض النظر عن خلفيته الدينية او الطائفية او العرقية او انتماءاته ومرجعيته الفكرية، بتوزيع تلك الغنائم بين الاسرة والعشيرة، بمنح الوظائف والمنافع والقروض والتعاقدات والاجازات الاستثمارية، والسمسرة وعمليات النهب المنظم لللمال العام وشراء اراضي الدولة، الى مرحلة الابتزاز والضغط والتهديد والاغتيالات ان تطلب الامر، ثم التوسع والدخول في اغلب المجالات والاستثمارات بما فيها المدارس والجامعات الاهلية، ومستلزمات المستشفيات والمراكز الصحية، وبيع المناصب والوظائف الحكومية الخ.

وكأن الامر بازار للمزاد العلني للاشباع الشامل، يستحضر في مخيلته صورة الجواري والإماة والخدم والحشم في العهد العباسي، ولهذا يقال ان الشهيد محمد باقر الصدر قد ذكر لبعض طلبة الدراسات لدينية يوما  (بما معناه) صعوبة مواجهة ومقاومة دنيا هارون الرشيد، جدير بالذكر هنا ملاحظة حجم تأثير التراث العباسي الذهبي على الانسان العربي،

حيث صار ضرب الامثلة به حاضرة في هذا العصر ايضا، لما له من تشابه واقعي في بعض الدول العربية (التي قد يكون بعضها اسوء بكثير من الواقع العراقي، الا ان بعض هذه الدول اهتمت بتوفير وتطوير الخدمات واسباب رفاهية المجتمع، مما سمح باخفاء اغلب تلك الحقاىق، التي سرعان ماظهرت مع اول ازمة اقتصادية عالمية بعد حالة الاغلاق العالمي وانهيار اسعار النفط جراء انتشار وباء كورونا)، فضلا عن اننا امة تعيش في الماضي، بحكم الدين والانتماءات القبلية والطائفية،

مما يجعل من التراث كائن او عضو افتراضي حيا داخل منظومة العقل العربي، الغريب ان التراجع الاخلاقي والقيمي يكاد يكون حالة عامة في الامة...

هناك قلة من النخب العربية عبرت الى المرحلة الثالثة من مراحل التطور الاجتماعي، وهي تحاول جاهدة جذب العديد من ابناء المجتمع، وتشجيعهم على العبور من المرحلة الثانية الى الضفة الاخرى، وهذا يتجسد في الاشارات الاعتراضية والنقدية للتراث الديني والقبلي، الذي يطلق عليه من قبل المؤسسات الدينية المتشددة بظاهرة الالحاد

 (بعد ان كانت تسمى زندقة سابقا)، او الصاق تهمة الانحراف عن الهوية الاسلامية، والهرولة خلف الحضارة العلمانية، الى ماهنالك من اتهامات وشماعات جاهزة، علما انهم يتعمدون الفصل بين الحاجة الى التكنولوجيا وبين الفكر الغربي، ومع ان الابداعات والابتكارات والانجازات العلمية لايمكن لها ان تتم وتنجح تحت الحكم الشمولي او الاستبداد الديني، وخصوصا بعد ان حشر بعض رجال الدين والفقهاء انوفهم في كل المجالات والاختصاصات والعلوم والمعارف الانسانية والطبيعية،

حتى اصبح من الصعب اقتحام او مواجهة هذه التعقيدات المقدسة من وجهة نظرهم، هذه المحاولات التي تارة تتجه لتفكيك الموروث الديني، ووضعه على طاولة النقد العلمي والمنطق العقلي، وتارة اخرى تضع العادات والتقاليد والبيئات الاجتماعية الموروثة تحت ادوات وطرق التحليلات والدراسات الاجتماعية الحديثة، لمعرفة اسباب الانكماش والتراجع الحضاري لهذه الامة..

لايمكننا الحديث عن المراحل الثلاث الاخيرة قبل ان تأخذ المرحلة الثانية مدياتها الواسعة في البحوث النقدية والدراسات الاجتماعية الفلسفية والاكاديمية، حيث يمكننا ان نقسم المرحلة الثانية (مرحلة اشباع الغرائز) الى عدة اقسام او مراحل او عناصر وعوامل الجذب الاجتماعي:

اولا: غريزة حب الاستبداد والتسلط الديني او القبلي او العرقي او العائلي (الابوية الاجتماعية)

ثانيا: غريزة حب المال والتوريث المادي: التاريخ والبداوة وتأخر اكتشاف النفط، تركت هذه لامة عرضة لسهام الفقر والحرمان والمعاناة، مما جعل بعضها يعتمد عل مهنة الغزوات والغارات وقطع الطرق، الى ان جاء الاستعمار الاجنبي واحدث نقلة نوعية في المنطقة، بأكتشاف مصادر الطاقة واستثمارها، بعد ان ازدادت الحاجة اليها عالميا مع التطور العلمي التكنولوجي، تحولت منذ ذلك الوقت الى ماكنة الثراء الفاحش في المنطقة، ولازال اغلب الحكام العرب منغمسين في مهمة جمع وكنز الثروات، واشباع رغبة الاسراف والتبذير التي كانت معروفة تأريخيا عندهم قبل عصور الظلام (بعد سقوط بغداد وانهيار الدولة العباسية)...

ثالثا: الغريزة الجنسية: هذه الامة ومناخها وطبيعتها والبيئة الصحراوية الجافة فيها، اضافة الى العادات والتقاليد والتزمت والانغلاق الاجتماعي، والتي لازالت بعض الدول تقلص مساحات الحرية للمرأة، وتضع شروط وقيود صارمة عليها في الخروج من البيت او مزاولة بعض الوظائف والاعمال، والحالة النفسية المضطربة للمجتمع بشكل عام، جعل مسالة انتشار التحرش الجنسي والشذوذ ظاهرة نسبية لكنها شبه طبيعية مع انها محرمة دينيا واجتماعيا (في ثقافة كانت تتغنى بالجواري والغلمان وهو مرض تراثي خبيث)،

فحالات الكبت والحرمان وتعذر ايجاد الحلول المنطقية لها (الفقر وصعوبة توفير مسلتزمات ومقومات الزواج المبكر)، ادت بالنتيجة الى زيادة الانحرافات والتشوهات الا.جتماعية، من هنا اصبحت هذه الظواهر ثقافة عامة، سواء كانت خاملة او نشطة نفسيا وعمليا، فهي تعد نافذة مهمة من نوافذ الاشباع الغرائزي، والتي تختم بتعدد الزوجات او العشيقات

رابعا: غريزة الخوف من عودة صور الماضي البائسة، والاعتقاد بان المستقبل سيبقى مجهولا، ومن الطبيعي تخيل انه سيكرر نفس المعاناة،

فالدول العربية لم تقدم لشعوبها اية ضمانات مستقبلية عن المصير الاجتماعي، كما تفعل الدول الغربية التي تعنى وتهتم بحياة وخدمات ومستقبل المواطن، عبر ترسيخ مبدأ العدالة والضمان الاجتماعي والصحي والتربوي، الخ.

فالانسان العربي سواء كان غنيا او فقيرا لايثق بسياسات دولته، معتبرا ان النظام السياسي هو نظام قلق غير ثابت، لان الدولة ببساطة ليست دولة مؤسسات ديمقراطية مهنية مستقلة راسخة، هي نموذج سياسي بدائي، يؤمن بلعبة الحظ، وانتهاز الفرص، واستغلال الموقع والظروف من اجل الاثراء على حساب المال العام، من يصل لقمة هرم السلطة يصبح قادر ان يستولي على هذه الثروات ويبعثرها يمينا وشمالا، ولكن غالبا ماتكون بعيدا عن بلاده، كي لاتكون سببا للنقمة والاحقاد والتشهير والحسد او الاثارة...

المجتمعات التي تغيب عن حياتها العامة المرأة كفاعل رئيسي في الادارة وصنع القرار، هي المجتمعات القابعة في مرحلة الغرائز، والامة العربية اكثر الامم تراجعا في مسألة وقضية حقوق المرأة، اما الجدل والنقاش الدائر حول المساواة بالارث، واعطاءها فرصة العمل السياسي والقضائي، فهي محاولات نخبوية قليلة الدعم، مرفوضة دينيا واجتماعيا، ولهذا يكثر ترديد عبارة المجتمع الذكوري في بلادنا...

الحلول هي كالعلاج، وكما يقال معرفة او تشخيص المرض نصف العلاج، وضعنا في هذا البحث المختصر ما نعتقد انها اهم اسباب انهيار منظومة التطور الاجتماعي الطبيعي، المعطلة لعجلة التقدم في بلادنا، وكأننا امة معزولة عن الامم المتحضرة، وذلك عائد لغياب منظومة المبادئ والقيم والاخلاق الانسانية العلمية، اذ لايمكن ان يكون الماضي افضل علميا او اخلاقيا وحتى دينيا من الحاضر، اليوم اصبحت اساليب وادوات الفهم والادراك والمعرفة اكثر وضوحا وتقدما، فكلما تقدم العلم تقدم معه عقل الانسان، واتسعت لديه مدارك ومجالات التفكر والاستيعاب (المعارف والتحليلات العلمية المسموعة والمرئية او المقروءة او التوثيقية الالكترونية)...

النقلة النوعية التي تحتاجها بلادنا هي التركيز على تأسيس مراكز البحوث الاجتماعية والعلمية، وتخصيص ميزانية مناسبة للمؤسسات والمنتديات والجمعيات الثقافية والفنية والمدنية الاخرى، والاهتمام بالمواقع الثقافية الالكترونية، والتفاعل مع شبكات التواصل الاجتماعي، كذلك العمل بصدق من اجل انهاء ظاهرة الفقر والعوز المادي عبر دعم مؤسسات الضمان الاجتماعي والصحي والتربوي، والتأكيد على مسألة الفصل بين السياسة والدين والحاجات الضرورية للمواطن،

وانصاف شرائح المجتمع المبعدة عن مواقعها وماكنتها الجتماعية، بالاعتناء والاستماع وفتح النوافذ للنخب الوطنية العابرة للانتماءات والهويات والمحسوبيات المختلفة، واعطاءها حرية كاملة ومساحة مفتوحة في العمل النقدي الهادف، دون وضع اية محرمات او خطوط حمراء، على اعتبار ان بيئة الفكر الانساني الحر لايمكن لها ان تنموا في الاوحال او داخل الاسوار المظلمة....

الاشباع الثقافي والعلمي او التسلح المعرفي يمكنه مواجهة الاشباع الغرائزي، واعتبارها ظاهرة مرضية تعارض الفطرة الانسانية السليمة، لابد من ايقافها ومعالجتها نفسيا وعلميا..

 

مهدي الصافي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5001 المصادف: 2020-05-15 03:59:11