 قضايا

كورونا بين ذروة التفشي وتسطيح المنحني!

محمود محمد عليلم تظهر بعد أخبار مفرحة وحاسمة بشان لقاح ينهي كابوس تفشي وباء كورونا، وفي الانتظار يتلقي الناس في مشارق الأرض ومغاربها أي بارقة تسكن ولو إلي حين مخاوفها، بارقة لاحت في تحديد التركيبة الجينية للفيروس، ومن حديث عن عمل دؤوب للتوصل إلي الترياق المرتقب، وكذلك من أنباء عن تخفيف دول أوربا إجراءات الحجر الصحي بعدما تجاوزت ذروة التفشي .. تطلع إنساني مشروع تسعي منظمة الصحة لترشيده بالتحذير من أن تخفيف القيود قد يكون سابقا لأوانه، خصوصاً في أوربا التي قالت المنظمة إنها لا تزال في عين العاصفة .. مشهد يطرح السؤال التالي : لماذا نحتاج للحجر المنزلي ما زال الفايروس يواصل انتشاره في كل الأحوال؟

وللإجابة علي هذا السؤال يمكننا أن نوضح الأسباب وذلك علي النحو التالي من خلال شرح  المصطلح المعروف بتسطيح منحني الإصابات: إن الهدف الأكبر في مكافحة أي وباء هو وقفه بشكل نهائي، لكن حين لا يكون ذلك ممكناً، فإن إبطاء انتشاره علي الأقل أمر مهم جداً، وهو ما يُعرف بوقف صعود المنحني أو تسطيح المنحني.

إن ذروة تفشي وباء كورونا مصطلح يتردد كثيراً وتعتبر السلطات تجاوزه مؤشراً للتفاؤل .. الولايات المتحدة الأمريكية تعلن أنها تقترب من أسابيع من ذروة الوباء، وفرنسا أعلنت أيضاً أنها لن تصل إلي ذروة الوباء بعد، بينما الصين تعلن أنها تجاوزت ذروة تفشي وباء كورونا، إذن ماذا يعني هذا المصطلح " ذروة تفشي وباء كورونا"؟

بداية وصول المرض إلي ذروته أو انحساره يختلف من منطقة إلي أخري، ومن بلد إلي آخر، ويعتمد علي توقيت الإعلان عن الوباء، وتوقيت ونوع الإجراءات الوقائية، أي المتخذة من الدول للحد من تفشيه، وعند ظهور أي وباء تبدء الإصابات والوفيات في الازدياد يوما بعد يوم وبشكل متسارع، وهذا التسارع يستمر، لكن لا بد من تحدي يصل إليه ثم يبدأ في الانحسار .

وهذه النقطة تعتمد علي نتائج الإجراءات الوقائية المتخذة وفاعليتها ومدي الالتزام بها .. رأي آخر يري أن ذروة الوباء عادة ما تكون في السبوع السادس أو السابع من بدء انتشار الفايروس في مكاناً ما، لكن يمكن أن تكون عندما يتساوى مجموع الحالات المسجلة يومياً مع مجموع الوفيات وحجم حالات التعافي بحسب بعض الخبراء، ورغم إعلان دول كالصين الذي تجاوز ذروة الوباء مقابل دول أخري تستعد للدخول في هذه المرحلة، تبقي تدابير الوقاية ضرورية في هذه المرحلة، وهذا ما أوصت به منظمة الصحة العالمية أخيرة، محذرة من تخفيف إجراء احتواء الوباء قبل الأوان .

والسؤال الذي نود أن نطرحه : من هي الدول التي تجاوزت ذروة كورونا؟

وللإجابة يمكن القول بأنه مع انحسار كورونا في بعض الدول أعلنت حكومات عدة عن خطة لرفع الحظر التدريجي، فمثلاً صحيفة اندبدنت رصدت ذروة الفايروس والانخفاض الثابت في الحالات اليومية وهي مرحلة مهمة لمعرفة إن كان معرفة إن كان البلد قد تجاوز الذروة أم لا .. في المملكة المتحدة منذ بدأ ظهور الوباء أوائل فبراير كانت تقدر أعداد الحالات بالعشرات ليبدأ بعدها المنحني في الارتفاع ويصل إلي الذروة في 13 أبريل ؛ حيث سُجلت 8719 حالة في يوم واحد، ثم عاد المنحني للانخفاض تدريجيا وسُجلت في 5 مايو 4339 حالة .

أما في الويات المتحدة الأمريكية منذ 27 فبراير وقت ظهور العدوي أخذ المنحني يتصاعد تدريجياً لكن منذ 5 أبريل الذي سجل 34 ألف إصابة بدأ المنحني يرتفع بشكل أكثر حدة، ليصل إلي الذروة في 26 أبريل من الشهر نفسه وسًجل أكثر من 48500 حالة.

والحال نفسها في إيطاليا فمع ظهور العدوي في 22 فبراير ارتفع عدد الإصابات يوميا ليصل إلي الذروة في 22 مارس الذي سجل أكثر من 6 آلاف إصابة وبدأ الانخفاض تدريجياً ليصل نحو 5 مايو إلي أكثر من 1200 إصابة حالة  ..

وإذا ما انتقلنا إلي فرنسا أيضا لقد  بدأت العدوي تنتشر تصاعديا حتي الأول من أبريل؛ حيث سُجلت حوالي 7600 حالة وانخفضت بشكل تنازلي وصل في 8 مايو إلي 580  حالة من ذات الشهر .. أما الصين  فقد وصل الوباء ذروته في 13 أبريل ومنذ 5 مارس بدأ مسار العدوي ثابتاً، وسجل في 5 مايو حالتين فقط .. ننتقل إلي كوريا الجنوبية حيث وصل ذروة الوباء في 29 فبراير الذي سجل 909 حالات  واتخذ المنحي مسارا ثابتاً بدءً من 21 أبريل ليسجل في 5 مايو 3 حالات فقط .. أما المنحني في روسيا أو curve (المنحني) كما يعرف وسائل الإعلام فمختلف تماماً فمنذ ظهور الحالات في 12 مارس ظل المنحني شبه ثابت، وبعد ذلك بدأ في التصاعد بشكل مطرد ليصل في 5 مارس إلي أكثر من 10 آلاف حالة .

إذن تباينت توقعات الباحثين عن فترات وصول ذروة فايروس كورونا من دولة إلي دولة أخري ما بين فترة ربما تتجاوز الأسابيع إلي فترة أخري تتجاوز ربما أكثر من شهرين، ويقول باحثون إن تحديد موعد وصول المرض إلي ذروته يختلف من منطقة إلي أخري، وكذلك مدي فاعلية مكافحة انتشار فايروس كورونا.

ما بين أقل من شهرين أو أكثر ذروة فتفشي فايروس كورونا في مختلف دول العالم .. هكذا يتوقع علماء وباحثون، ففي الولايات المتحدة التي احتلت المرتبة الأولي عالمياً في عدد الإصابات تنبأ العلماء بأن تصل ذروة الفايروس في الأسبوع السادس أو السابع من بدء انتشاره، لكنها اختلفت من ولاية إلي أخري وربما يكون هذا ما استند إليه الرئيس ترامب في قوله "إن الفايرس قد ينحسر في يونيو أو أغسطس المقبلين" .

وفي أوروبا التي تعيش ذروة المرض حالياً خرج مسؤول الصحة في بريطانيا، ليؤكد أن ذروة المرض تعتمد بشكل رئيسي علي سلوك المواطنين فيما يتعلق بالالتزام بالقواعد والإجراءات التي أعلنتها في إطار مكافحة الفايروس.

الباحثون البريطانيون رفضوا تحديد موعد لوصول المرض إلي ذروته، وفي القارة العجوز توقعت منظمة الصحة العالمية أن تكون إيطاليا وإسبانيا، قد اقتربتا من الوصول إلي ذروة تفشي الفايروس، لكن دول اخري كمصر يُتوقع أن تصل ذروة انتشار الفايروس خلال الأيام  العشرة المقبلة، بحسب مستشار الرئاسة المصرية، الأمر الذي دفع وزارة الصحة المصرية إلي رفع جاهزيتها لاستقبال المرضي وتم  تجهيز مستشفيات ميدانية، وما بين تلك التوقيتات والتكهنات يري باحثون أن تحديد موعد لوصول المرض إلي ذروته أو انحساره يختلف من منطقة إلي أخري، إضافة إلي الإجراءات المتخذة من قبل الدول للتخفيف من حدته.

وهنا تقول  منظمة الصحة العالمية أنه من الخطأ الاعتقاد أننا نقترب من نهاية فايروس كورونا، فمتي نصل إلي الذروة ويقترب الفرج؟

وهنا يمكن القول بأنه في مطلع شهر أبريل تجاوز إجمالي الإصابات العالمية بالفايروس حاجز المليون إصابة، وبعد  اثني عشر يوما فقط تخطي عتبة المليونين، ومن الناحية الإيجابية تؤكد منظمة الصحة العالمية أن عدد الإصابات يتراجع في بعض الدول الأوربية،لكنه في المقابل يرتفع في دول أخري كبريطانيا وتركيا مثلا، وتقول المنظمة أيضا أن 90 % من الإصابات توجد في أوربا والولايات المتحدة، فيما الخطر الأكبر علي الصين أصبح من القادمين إلي الأراضي الصينية من الخارج.

ورغم التحذيرات بدأت إسبانيا بتخفيف إجراءاتها بالسماح لبعض القطاعات بالعودة إلي العمل ؛ أما إيطاليا فقد سمحت بإعادة فتح بعض المحال والأعمال باستثناء تلك في إقليمي لومبارديا وفينيتو، وتستعد ألمانيا لرفع تدريجي للقيود، لكن السلطات الألمانية لا تزال حذرة في اتخاذ القرار؛ أما فرنسا فقد مددت حالة الإغلاق إلي 11 مايو؛ وفي الولايات المتحدة أوضح  الرئيس ترامب أن قرار إعادة فتح الاقتصاد وإنهاء الإغلاق بيده وليس بيد الولايات؛ أما في روسيا فدعا الرئيس بوتن للاستعداد  لسيناريوهات " استثنائية" واسابيع حاسمة .. وإلي ذلك تؤكد منظمة الصحة العالمية أن السبيل الوحيد لوقف انتشار الفايروس هو إيجاد علاج أو لقاح، لكن الدول لا تزال تتمسك بحقها السيادي لتقرير مصير إجراءاتها والتي ستتخذها في الأيام والأسابيع المقبلة..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5008 المصادف: 2020-05-22 01:38:18