 قضايا

مفهوم الفن عند تولستوي

حيدر جواد السهلاني (ليس الفن مجرد صناعة يدوية، إنما هو نقل إحساس اختبره الفنان).. تولستوي

يعتقد تولستوي(1828- 1910)، أن المفكرين والفنانين والفلاسفة يرون الجمال من زاويتان، الأولى من يرى الجمال هو شيء موجود بذاته وهو أحد مظاهر الكامل المطلق، الثاني يفيد بأن الجمال هو نوع من أنواع المتعة التي يحصل عليها المرء والخالية من غايات شخصية، ويعتقد تولستوي أن التعريف الأول صوفي ويوحد مفهوم الجمال مع العالي الكامل الله(جل جلاله)، وهو تعريف خيالي وغير مدعم بشيءً أبداً، أما التعريف الثاني فهو على العكس بسيط جداً وهو مفهوم ذاتي ويعد الجمال الشيء الذي ينال على اعجابنا. ويرى تولستوي الجميل يمكن أن يكون حصاناً، إنساناً، بيتاً، منظراً، ولكن التصرفات والأمزجة والموسيقى فبوسعنا أن نقول أنها جيدة إذا أعجبنا بها جداً، أو غير جيدة إذا لم تعجبنا، إذ بإمكاننا أن نقول فقط عن تلك الأشياء التي تعجب أنظارنا بأنها جميلة، لذلك فإن كلمة الجيد ومفهومه يحتويان على مفهوم الجميل، ولكن ليس العكس، إن مفهوم الجميل لا يعبر عن مفهوم الجيد، إذا قلنا عن شيء يقوم من حيث مظهره الخارجي بأنه جيد، فنعني في الوقت ذاته بأن هذا الشيء هو جميل أيضاً، ولكن إذا قلنا أنه جميل فهذا لا يعني اطلاقاً إنه شيء جيد، أذ من الناحية الذاتية تسمى الأشياء التي توفر لنا لذة معروفة بأشياء جميلة، أما من الناحية الموضوعية فإننا نعني بالجميل ذلك الشيء الكامل المطلق الموجود خارج ذواتنا، ولكن بما أننا ندرك الشيء الموجود خارج ذواتنا والكامل المطلق، وتعترف به جميل، لأننا نحصل من هذا الشيء الكامل المطلق على متعة مميزة، فإن التعريف الموضوعي ما هو إلا تعريف ذاتي يتم التعبير عنه على نحو آخر ومن حيث الجوهر فإن هذا التعريف أو ذاك للجمال يقود إلى تلك المتعة المعروفة التي نحصل عليها، أي أننا نقول عن الأشياء جميلة إذا كانت تعجبنا دون أن تثير فينا الشهوة، وبذلك يعتقد تولستوي أنه لا يوجد تعريف موضوعي للجمال، أما التعريفات الموجودة سواء الميتافيزيقية منها، أو الحسية فتعود إلى التعريف الذاتي، وللغرابة فإنها تقود إلى الفكرة القائلة بأن الفن هو الشيء الذي يعكس الجمال، أما الجمال فهو الشيء الذي ينال الإعجاب دون أن يثير الشهوة، ويكمن علم الجمال في أنه طالما اعترفنا بأن هذا النوع من النتاج هو جيد لأنه يعجبنا، فلابد من وضع نظرية للفن تدخل على أساسها كل النتاجات التي تنال إعجاب الوسط المعروف إلى هذه النظرية، وبذلك يرفض تولستوي أن يكون الفن هدفه وموضوعه هو الملذات، وأن يكون الاعجاب هو قاعدة لقياس الجمال، فليس بوسعها أن تكون بمثابة أساس لتحديد الفن أو تعريفه، وأن العديد من المواد التي توفر المتعة لنا، ليس بوسعها أن تكون نموذجاً يقتدي به الفن، ويرفض أن يكون مقياس الفن اللذة، فهم هنا يشبهون أولئك الذين يقفون في أدنى درجات التطور الأخلاقي، ويشبهم هنا تولستوي بأولئك الذين يرون بأن هدف الطعام هو يكمن في اللذة، وبذلك لا يستطيعون معرفة مغزى الطعام، وكذلك الناس الذين يعدون هدف الفن هو اللذة، لا يستطيعون إدراك مغزى الفن وأهميته، لأنهم ينسبون إلى النشاط المتعلق مغزاه بظواهر الحياة، هدفاً باطلاً وشاذاً، ولقد أدرك الناس أن مغزى الطعام هو تغذية الجسد عندما كفوا عن جعل اللذة هدفاً للنشاط المذكور، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الفن، إذ أن الناس سيدركون مغزى الفن عندما يكفون عن جعل هدف الفن على أنه الجمال أو نوع من التلذذ الذي يوفر هذا الفن، لا ينسجم مع ذلك التعريف الخاص بالفن، إنما على العكس ينتقل إلى موضوع بعيد وإلى مجال غريب جداً عن الفن إلى مجال الآراء الميتافيزيقية والنفسية والجسدية بل والتاريخية التي تناقش سبب كون بعض النتاجات تحوز على إعجاب البعض. وقد ظهر أدعاء كما يرى تولستوي بأن الفن بوسعه أن يكون فناً وأن يكون غامضاً في آن واحد بالنسبة للعامة، ويمكن أن يكون مفهوماً لأقل عدد من المختارين فقط، أو أن يكون مفهوماً بالنسبة لأثنين فقط، أو لواحد أو لصديق، يرفض هذا النظرية تولستوي ويرى أن التأكيد على أن الفن بوسعه أن يكون فناً جيداً، وأن يكون غير مفهوم في الوقت ذاته بالنسبة إلى عدد كبير من الناس، هو تأكيد بعيد عن الصحة كل البعد، وعواقبه مدمرة إلى حد كبير ومع ذلك فقد أنتشر هذا التأكيد كثيراً، وأشتبك في أذهاننا إلى درجة كبيرة بحيث بات من المحال أن تشرح كل سخافاته شرحاً كافياً، فلقد بات شيئاً شديد الاعتياد أن تسمع عن النتاجات الفنية المرابطة على أنها جيدة جداً، ولكنها عصية الفهم، فلقد اعتدنا مثل هذا التأكيد، ولكن أن تقول في غضون ذلك بأن النتاجات الفنية جيدة غير أنها غير مفهومة، شبيه بأن تقول عن طعام ما بأنه جيد للغاية غير أن الناس لا يستطيعون تناوله، وبذلك أن الفن المشوه يمكنه ألا يعجب الناس، غير أن الفن الجيد مفهوم دائماً بالنسبة إلى الجميع. ويرفض تولستوي أيضاً الرأي القائل بأن أفضل النتاجات الفنية هي تلك التي لا تستطيع أكثرية العامة فهمها، والتي هي سهلة الفهم بالنسبة إلى النخبة المهيأة لاستيعاب هذه الأعمال العظيمة، ولكن أذا كانت الأكثرية لا تفهم فلابد من توضيح الأمر لها، وإبلاغها تلك المعارف الضرورية من أجل الفهم. (لا نتفق مع تولستوي برؤيته الفنية وأن الفن مفهوم للجميع وغير ذلك هو فن مشوه، أن للفن أقسام فن للعامة وفن لطبقة معينة من المثقفين، وقد أمتزج الفن واستعمل بكثير من العلوم والفلسفة، أذ هناك فن يحمل رؤية فلسفية أو فكرية أو فن يعبر عن قضية معينة، أو سرد رواية ويراد منها مغزى ثاني غير المغزى الواضح، فالفن هو تعبير الإنسان، أي يعبر عما في داخل الإنسان سواء كانت أمور دينية أو دنيوية، لكن يبدو أن تولستوي والذي يرفض أن تكون هناك مدارس للفن هو يطرح الفن البسيط ويعتقد بأن الفن البسيط هو الفن الحقيقي وهذا نابع من شخصية تولستوي الذي عايش الفلاحين وعاش معهم ويؤمن ببساطة الحياة).(1) وينتقد تولستوي نظرية الفن للفن ، وأن الفن تعزية وتسلية، فيؤمن بأن الفن شيء عظيم وهو وسيلة الحياة البشرية كل البشرية، وليست جماعة دون جماعة، أو طبقة دون طبقة أخرى في المجتمع، أذ هو يحول حياة الناس المنطقية إلى أحاسيس، كذلك يحمل على القائلين العلم للعلم، لأنه كان يرى العلم الحقيقي وغير الكاذب هو ذلك العلم الذي يحل مشكلات الإنسان بعامة، ويقلل من معاناته في الحياة. وأنتقد نيتشه وآرائه القائلة بأن الفن عمل لا يمكن أن يبدعه أو يفهمه إلا من هم فوق مستوى البشر الاعتياديين، وكذلك سخر من القائلين بأن الفن الراقي لا يمكنه أن يفهمه الشعب الكادح، لقد أكد تولستوي أن فن الطبقات يثير الاشمئزاز لأنه معزول عن تطلعات الجماهير الواسعة، وأن الفن الحقيقي هو ما تبدعه تلك الجماهير وما يعبر عن أحاسيسها.(2) 

يعتقد تولستوي أنه من أجل تعريف الفن تعريفاً دقيقاً، لابد قبل كل شيء أن نتوقف عن النظر إليه كوسيلة للمتعة، وأن ننظر إلى الفن كشرط من شروط الحياة البشرية، وإننا إذا نظرنا إلى الفن هذه النظرة، فلن يكون بوسعنا إلا أن نرى بأن الفن أحدى وسائل اختلاط الناس مع بعضهم البعض، وأن أي نتاج فني يعمل على دخول المتلقي في نوع من الاختلاط بمنتجي الفن في الماضي والحاضر وبكل أولئك الذين تلقوا معه أو بعده سيتلقون الانطباعات الفنية ذاتها، أذ الكلمة وسيلة تنقل أفكار الناس وتجاربهم والفن وسيلة لنقل المشاعر، وبواسطة الفن يتبادل الناس أحاسيسهم، وإن النشاط الفني مبني على أن الإنسان الذي يتلقى بواسطة السمع أو البصر، أحاسيس إنسان آخر بوسعه أن يعاني من تلك الأحاسيس نفسها التي عاناها الإنسان الذي عبر عنها، وأبسط مثال إنسان ما يضحك فيشعر الآخر بالفرح، أو يبكي فيصبح الإنسان الذي يسمع هذا البكاء حزيناً، وبذلك أن أساس الفن هو المشاعر، ويبدأ الفن عندما يقوم الإنسان، بهدف نقل الأحاسيس التي تختلج في داخله إلى الآخرين، بأثارة هذه الأحاسيس في ذاته ثم التعبير عنها بإشارات خارجية معروفة، والفن هو نقل المشاعر التي عانى منها المؤلف، إلى المشاهد والمستمع فهذا هو الفن ذاته، وإذا استحضر إنسان ما في ذاته احساساً كان قد عايشه سابقاً، وبعد استحضاره له بواسطة الحركات والخطوط والألوان والأصوات والصور المعبر عنها بالكلمات قام بنقله إلى الآخرين وجعلهم يعيشونه فهنا يكمن نشاط الفن، فالفن هو نشاط إنساني يكمن في أن يقوم إنسان ما بوعي وبواسطة اشارات خارجية معروفة، بنقل الاحاسيس التي يعاني منها إلى الآخرين، والآخرون يعدون بهذه الأحاسيس ويعايشونها، والفن ليس كما يقول الميتافيزيقيون إنه ظهور أفكار ما سرية أو جمالية، وهو ليس كما يقول العلماء الفيزيولوجيون لعباً حيث يصرف الإنسان طاقاته الزائدة، وهو ليس ظهور الانفعالات بواسطة الإشارات الخارجية، وليس بنتاج المواد الشيقة، والأهم إنه ليس لذة إنما هو وسيلة اختلاط بين الناس ضرورية من أجل الحياة ولصالح تطور الإنسان والإنسانية نحو الأفضل. وهناك فن جيد وفن رديء مثل الذي ينقل احاسيس الخنث والكآبة فسيكون فناً رديئاً، أما الفن الذي ينقل احاسيس التضحية بالصالح الخاص لصالح الشعب أو تمجيد الأجداد ودعم تقاليدهم المأثورة سيكون فناً جيداً، ومقياس الفن ليس الجمال أو اللذة، هو التعبير عن وضع من أوضاع الحياة، أو نقل صورة عن الحياة أو نقل صورة مستقبلية أو ميتافيزيقية أو غير ذلك، فالفن هو ليس أساسه درجة الجمال أو التلذذ أو مطابقة الفن للخير، بل هو تعبير عن أمو الحياة وغيرها، والفن في بعض الأحيان تعبير عن وقائع مثل تصوير قضية إنسانية، وقبل أن يتشعب الفن إلى فئتين، كان الفن الديني ينال التقدير والاعجاب، وأما الفن الغير مكترث فلم يكن يلاقي التشجيع، إلى ذلك الحين لم يكن ثمة أي فن مزيف، وأن وجد فكان يسقط في الحال لكونه مداناً، من  قبل الشعب كله، ولكن ما أن حدث هذا التشعب، وما أن عد الأغنياء أي فن يوفر لهم اللذة فناً جيداً، وما أن ذهب هذا الفن الذي يوفر اللذة ينال مكافأة أكثر من أي نشاط اجتماعي حتى  كرس عدد كبير من الناس أنفسهم لهذا النشاط، وأخذ هذا النشاط طابعاً آخر يختلف كلياً عن طابعه السابق وصار حرفة وما أن صار الفن حرفة، حتى ضعف ضعفاً واضحاً، وانهارت في بعض الأحيان صفة الفن الرئيسية والثمينة والتي هي صدق الفن، ويرى تولستوي أن هناك ثلاث عوامل تساعد على انتاج الفن المزيف في مجتمعنا وهي: 1-  المكافأة الهامة التي ينالها الفنانون لقاء أعمالهم والتي تؤدي إلى احتراف الفنان. 2-  النقد الفني. 3-  المدارس الفنية. (نتفق مع تولستوي بهذا الطرح، فالفن أخذ يدرس في المدارس ويمارس عليه كثير من الضوابط، وقد أدت هذه الضوابط إلى ظهور الفن الشعبي، وفي الحقيقة أن الفن الشعبي بكل أقسامه قد نجح أكثر من الفن الذي تمارس عليه ضوابط، ومن المفارقات في وقتنا الحاضر كثيراً ما نرى هناك من يسمى "يوتيوبر" يطرح أفكار ويحاكي الواقع أكثر من الفن الملتزم، ويلاقي كثير من المشاهدات وفي بعض الأحيان ترى بعض اصحاب الفن الملتزم يستعينون بطرح وبمشاركة "اليوتيوبر")، ويعتقد تولستوي أن هذه العوامل الثلاث، حرفية الفنان والنقد الفني والمدارس الفنية، قد سببت في أن بات معظم الناس في وقتنا لا يدركون بتاتاً ما هو الفن، وأخذوا يتقبلون أكثر الأعمال المزيفة فظاظة على أنها فن حقيقي، ويمكن تميز الفن الحقيقي من الفن المزيف وإن سمة تميز الفن الحقيقي عن الفن المزيف هي واحدة كما يعتقد تولستوي وهي عدوى الفن وحدها، إذا عانى إنسان ما من هذا الاحساس وتأثر بحالة المؤلف الروحية، وشعر باندماجه مع الآخرين، فإن الموضوع الذي أثار هذه الحالة هو الفن، وإذا لم تكن هذه العدوى، ولا الاندماج مع المؤلف ومتلقي النتاج، فليس ثمة أي فن، ولكن وفضلاً عن أن العدوى هي دون ريب سمه من سمات الفن فإن مقدار هذه العدوى يعد المقياس الوحيد لقيمة الفن، وبقدر ما تكون العدوى أقوى، بقدر ما يكون الفن أفضل كفن دون الحديث عن مضمونه، أي بغض النظر عن قيمة الاحاسيس التي ينقلها، ويصبح الفن أكثر عدوى أو أقل،  نتيجة الشروط التالية:

1-  نتيجة المزايا الكبيرة أو الصغيرة للاحساس الذي ينقله.

2-  نتيجة الجلاء الكبير أو الصغير  في نقل هذا الاحساس.

2-  نتيجة مصداقية الفنان، أي القوة أو الضعف  في معاناة الفنان ذاته مع الاحساس الذي ينقله.

أن تولستوي يرى في الفن هو الأثر الذي يتلقاه المشاهد أو المستمع، ولكن كثير من الفنون الجميلة، لا تأثر في بعض الناس، فالفن هو حالة إنسانية، أما كونه جميل أو لا فهو حالة، فردية خاصة بالإنسان وبظروفه الاجتماعية والحالة النفسية للشخص، فكثير ما في يوم ترى الشيء جميل وفي يوم لا، وكثير ما يرى بعض الاشخاص شيءً جميل وآخرون يرونه غير كذلك. ويشكل الفن مع الكلام وسيلة للاختلاط، وبالتالي وسيلة للتقدم أي أنه الوسيلة التي تدفع حركة البشرية إلى الأمام ونحو الكمال. ويرى تولستوي أن أفضل الفنون هو الفن الديني ويرى أن مصيبة الأغنياء أنهم لا يملكون فناً دينياً، بل في أنهم اختاروا بدلاً من الفن الديني الرفيع، الذي يتميز عن كل الفنون الاخرى، اختاروا أكثر الفنون وضاعة ومضرة والذي لا غايه له سوى الملذات لبعض الناس، فقد استبدلوا الفن الديني بفن تافه ومنحرف، وبذلك أخفوا عن الناس الحاجة إلى ذلك الفن الديني الحقيقي الذي ينبغي أن يكون في الحياة.(3) ويعتقد تولستوي أن الفن يجب أن يوجه الناس للأخلاق الفاضلة، وأن يعمل على تحسين أوضاعهم ولابد أن يكون الفن بسيطاً يخاطب عامة الناس، والفن يجب ألا يتعارض مع الدين.(4) ويحدد تولستوي ثلاثة عوامل يجب توفرها في العمل الفني الحقيقي وهي:

1-  يجب احتواء العمل الفني على الجيد والجديد.

2-  يجب أن يكون هناك انسجام وتوافق بين المحتوى والشكل.

3-  يجب أن يكون الفنان مقتنعاً بما يكتب تماماً.

ويؤكد تولستوي على أن واجب الفن هو التعبير عن أحاسيس الناس، فالفن ليس تعبيراً عن أحاسيس الناس، بل وعن أفكارهم وهذه ناحية مهمة، وكذلك أكد تولستوي أن الدين هو الذي يحدد محتوى الفن، وهنا يبرز تولستوي الواعظ والمبشر الديني، لكن التوجه نحو الشعب والواقعية وربط الفن بالأخلاق ودوره في الحكم على الحياة، كل هذه الجوانب حولت آراء تولستوي في الفن قريبه جداً من تقاليد الفن الروسي الواقعي. وقد حدد تولستوي مستقبل الفن فأكد أنه سيكون مرتبطاً بنشاط الإنسان الكادح من خلال صراعه من أجل حياة أفضل، أما فنان المستقبل فليس الفنان المحترف، بل الإنسان الذي يحصل على لقمة العيش من أية حرفة أخرى لكنه ليس بالحاجة للتعبير عن أحاسيس وجدانه فيصبها في أحد آطر الفن ومجالاته، وهذا هو الفن الإنساني الأصيل. والفن له تأثير على الحياة يجعله غير مستقل عن مجال الدين والأخلاق، أنه قوة فعالة يمكن أن ترفع الإنسان إلى الآفاق  وتنحط به إلى أحط المستويات، والعمل الفني ليس أداة لتقديم الواقع، وإنما هو حقيقة مستقلة علينا أن نتباعد بينه وبين الحياة الواقعية لنفهم الفكرة الخاصة بالفنان أنه أسلوب وفكرة جديدة، أنه ليس صورة للواقع وإنما هو بدوره واقع آخر يضاف إلى واقع الحياة.(5) 

 

حيدر جواد السهلاني

.......................

الهوامش:

1- ينظر ليف تولستوي: ما هو الفن، ترجمة محمد عبدو النجاري، دار الحصاد، دمشق، ص51- 25- 26- 53- 54- 55- 57- 58- 59- 123- 124- 125.

2- ينظر محمد يونس: تولستوي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ص108.

3- ينظر ليف تولستوي: ما هو الفن، ص61- 62- 63- 64- 65- 66- 70- 147- 189- 190- 191- 194- 199.

4- ينظر ليف تولستوي: حكم النبي محمد، دراسة وتقديم وتعليق محمود النجيري، مكتبة النافذة، مصر، ص6.

5- ينظر محمد يونس: تولستوي، ص107- 108.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5015 المصادف: 2020-05-29 04:43:49