 قضايا

تحديد الثوابث النفسية ووظائفها عند الغزالي

محمد بنيعيشلكل علم قواعده ولكل مجال ثوابته، ولا يمكن البحث من فراغ ولا البناء على سراب.وهذا أول مبدأ لمصداقية العلوم والأفكار والقوانين والأحكام. ومن دون هذا المسلك فليس إلا رمي في عماية ونزع نحو غواية وثرثرة بغير دراية.وهو الداء الوبيء الذي أصبحنا نعاني منه في حياتنا اليومية، والأدهى منه في حقلنا العلمي، الذي كان من المفروض أن يبقى ممنعا ضد هذه العفونات والترهلات الفكرية والإعلامية ولم لا السياسية...

وبعودة إلى التراث الذي يستهين به بعض المتقحلين والمتمحلين فسيبدو لنا مبدئيا أن الغزالي  قد كان ذا منهجية دقيقة في دراسته النفسية والأخلاقية،  تتحدد في تحديد الثوابت أولا ثم الوقوف عند التخصصات العلمية أساسا، إذ أنه سيعمل على تقسيمها إلى منهجين وموضوعين متكاملين ومتداخلين هما:

أ) الدراسة النفسية الخاصة بالبحث في جوهر النفس وماهيتها مع تحديد صلتها بالجسد وتقسيم قواها ومجالاتها، ويتسم هذا الجانب من الدراسة بالسمة الفلسفية أكثر منها بالدراسة القائمة على الملاحظة والتجربة، بحيث قد أودع هذا النموذج في كتابه "معارج القدس في مدارج معرفة النفس".

من هنا فقد كان جل كلامه ينصب على معالجة الجوهر النفسي من حيث إثبات وجوده بالبراهين الشرعية والأدلة العقلية...، و سيكون الهدف من هذه الدراسة نظريا أكثر منه عمليا .

بحيث سيقتصر على تحديد المفاهيم الخاصة بالنفس ودراسة ما هو كائن في حدود كينونته، بالانتقال من الأدنى إلى الأعلى كما يقول:"ونحن نعرج في هذا الكتاب من مدارج معرفة النفس إلى معرفة الحق جل جلاله، ونذكر ما تؤدي إليه البراهين من حال النفس الإنسانية ولباب ما وقف عليه البحث الشافي من أمرها وكونها منزهة عن صفات الأجسام،  ومعرفة قواها وجنودها ومعرفة حدوثها وبقائها وسعادتها وشقاوتها بعد المفارقة، على وجه يكشف الغطاء ويرفع الحجاب ويدل على الأسرار المخزونة والعلوم المكنونة المضنون بها على غير أهلها، ثم إذا ختمنا فصول معرفة النفس فحينئذ ننعطف على معرفة الأول الحق جل جلاله[1]".

فلئن رأينا الغزالي يتعرض للجانب الأخلاقي في هذا الكتاب إلا أنه لم يعالجه سوى من الباب النظري وتحديد مركزه من القوة الناطقة في النفس[2]وذلك على صورة إجمالية فلسفية نوعا ما،  وهذا الجانب من الدراسة يبدو فيه مقلدا لابن سينا في بعض أفكاره.

لهذا فإن خاصيته في هذا المضمار تبدو ضئيلة الحضور، بل تكاد تكون مفقودة باستثناء ذلك العرض المتسلسل والانتظام الذي سلكه على شكل تدرج من النظر في النفس كنفس إلى أقصى الغايات المعرفية وهي: معرفة الله تعالى .

ب) الدراسة النفسية المتعلقة بالظواهر والسلوك الإنساني إذ تبدو هذه الخصوصية المنهجية بشكل واضح في كتابه "إحياء علوم الدين" وخاصة في جزئه الذي سماه بربع المهلكات والذي يمثل في حد ذاته كتاب طب نفسي وأخلاقي بمعنى الكلمة، وهو ما سيعني في مصطلح الصوفية الجانب الخاص بالتخلي،  والذي يمثل العقبة الرئيسية في طريق التربية الروحية قد يليها بعد تخطيها: التحلي،  الذي هو بمثابة الترقي الروحي واكتساب المقامات العالية في الفضيلة.

في هذا الجزء من كتاب الإحياء سنرى التزاوج بين علم النفس وعلم الأخلاق مفتوحا على مصراعيه، كما سيقول فيه بحال منهجه :أنه قبل الخوض في دراسة الأخلاق كطب نفساني لابد من معرفة الظواهر النفسي وتحديد الحركات والأنشطة والخلفيات مع الوعي بمراحلها، ابتداء من المعرفة والإرادة والقدرة[3] كشرائط أساسية لإنجاز  العمل الأخلاقي.

فلقد كان الغزالي في تحديده لصفات النفس والدعوة إلى معرفتها يسعى إلى الوقوف على إمكانيتها لأن تساعد أو تعرقل نمو الإنسان وقدرته على معرفة الحقيقة، وكذلك كيفية أن يتمكن من استخدام شخصيته كلها في أداء الأمانة الموكولة إليه[4]، ألا وهي طاعة الله تعالى و اتباع شريعته على أحسن وجه.

من هنا فإن الغاية كانت إصلاحية وتربوية بالدرجة الأولى، وفيها سعي  للتدرج بها من مستوى الظهور بمظهر الإنسان السليم إلى الحصول على حالة استقرارها في أعماق النفس ترسخا و تجدرا، وهذا هو حد الخلق كما رآه الغزالي ويعرفه بأنه "عبارة عن هيئة في النفس راسخة عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلا وشرعا سميت تلك الهيئة خلقا حسنا، وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي المصدر خلقا سيئا.

إنما قلنا إنها هيئة راسخة لأن من يصدر منه بذل المال على النذور لحاجة عارضة لا يقال خلقه السخاء ما لم يثبت ذلك في نفسه ثبوت رسوخ... و ليس الخلق عبارة عن الفعل،  فرب شخص خلقه السخاء ولا يبذل إما لفقد المال أو المانع،  وربما يكون خلقه البخل وهو يبذل إما لباعث أو لرياء..."[5].

من هذا البعد ودقة الموضوع الذي تمثله الدراسة الأخلاقية عنده إذن،  كان لابد من تحديد للثوابت النفسية المكونة لعمق الجوهر الإنساني وانضباط عناصره.

إذ المقصود هنا هو تلك الحركات الآلية المتسلسلة للنفس الإنسانية عند موضوع معين أو حركة خارجية وردت على النفس فاحتاجت إلى التعامل معها بما لديها من قوى،  وما تحتمله بنيتها من عناصر مترابطة.

هذا النوع من التحديد قد أودعه الغزالي في كتاب"شرح عجائب القلب"من ربع المهلكات في الإحياء، عرض فيه للبنية النفسية بتحديد المصطلح النفسي أولا ؛ثم تحديد وظائف النفس وارتباط عناصرها ببعضها البعض وصلتها بالمعارف وطرق اكتساب النفس لها .

بحيث إن هذا الفصل قد شكل دراسة نفسية محضة تعرض فيها لأهم الحركات النفسية وثوابتها ومتغيراتها، وفيه أودع أهم  أفكاره النفسية، مما دعاه إلى القول بأن هذا النوع من الدراسة صعب الإدراك بالنسبة إلى العامة، لأن التصريح بعجائبه وأسراره الداخلية يدخل في جملة علم الملكوت مما يكل عن دركه أكثر الأفهام [6].

لكن هذه الدراسة وإن كانت عميقة وصعبة على العوام فإنها لا تختص في الغالب إلا بدراسة الظواهر النفسية، من هنا سيصرح بأن إدراك علاقة الروح بالجسد شيء قد يحير جل العلماء الباحثين، لهذا فسيضرب صفحا عن الخوض فيه وسيقتصر على الحديث عن أوصاف النفس وأحوالها لا ذكر حقيقتها وجوهرها، إذ "علم المعاملة يفتقر إلى معرفة صفاتها  وأحوالها ولا يفتقر إلى ذكر حقيقتها[7]".

على هذا النهج سار في دراسته للبنية النفسية وذلك ليتسنى له توظيف عناصرها في دراسته الأخلاقية توظيفا يجعل من الخلق حركة نفسية وانعكاسا لها.

من هنا يبدو الغزالي قد سبق علم النفس الحديث الذي عدل عن الخوض في دراسة النفس من الجانب الغيبي والفلسفي إلى دراستها من جانب ظواهرها[8]الملاحظة حركة وسلوكا، بمعنى دراسة ما هو كائن، وذلك بالاعتماد على الملاحظة الحسية والاستنتاجات العقلية المستقاة منها .

غير أن منهجه ونتائجه قد تختلف كثيرا عما درج عليه علم النفس الحديث في شتى المجالات والمستويات.

أما من جهة المنهج فنراه لم يسقط من حسابه العناصر الغيبية كلية وتأثيرها على الحالة النفسية،  وكذلك تفاعل هذه الأخيرة معها وهو ما خصص له كتبا ذات طابع فلسفي أو كلامي مستقل به كما سبق وبينا.

وأما من حيث الهدف فمعرفة النفس لديه كان هدفها دائما هو الوصول إلى معرفة الله تعالى :"إذ ليس أقرب إلى الإنسان من نفسه، فإذا لم يعرف نفسه فكيف يعرف ربه، وإن ادعى الشخص-غير المتخصص-أنه يعرف نفسه فإنما يعرف الجسم الظاهر الذي هو اليد والرجل والرأس والجثة ولا يعرف ما في باطنه من الأمر الذي به إذا غضب طلب الخصومة وإذا اشتهى طلب النكاح وإذا جاع طلب الأكل وإذا عطش طلب الشرب...وقد  جمع الإنسان في باطنه صفات: منها صفات البهائم ومنها صفات السباع ومنها صفات الملائكة.

فالروح حقيقة جوهر الإنسان وغيرها غريب منه وعارية عنده،  فالواجب عليه أن يعرف هذا ويعرف أن لكل واحد من هؤلاء غذاء وسعادة"[9].

وهنا يتجلى الانضباط والمسؤولية العلمية التي من خلالها يمكن البدء في مشروع إصلاحي قوامه الدقة والتمثل والتفريع والدوران مع العلة لتنقيح المناط وتحقيقه واستخلاصه، فهل يا ترى لنا أمل في المراجعة والتصحيح ؟هذا ما نتمناه...

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

.................................

[1] الغزالي :معارج القدس في مدارج معرفة النفس ص6-7

[2] نفس  ص77

[3] الغزالي: الإحياء ج3ص46

[4] الدكتور علي عيسى عثمان:الإنسان عند الغزالي، تعريب خيري حمادي مكتبة الأنجلو المصرية ص117

[5] الغزالي: إحياء علوم الدين ج3 ص3

[6] نفس  ج3ص3

[7] نفس  ج3ص3

[8] جميل صليبا :علم النفس      ص58

[9] الغزالي: المنقذ من الضلال (رسالة كيمياء السعادة)، ص75

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5019 المصادف: 2020-06-02 13:17:50