 قضايا

وزارة الثقافة.. هل ستكون بمستوى التحديات؟ (3)

قاسم حسين صالح(ملف نفتحه امام السيدين رئيس مجلس الوزراء ووزير الثقافة والمعنيين بالشأن الثقافي)

تناولنا في الحلقة الأولى عرضا تاريخيا مركزا للثقافة في العراق، وكيف كانت بغداد قبلة العالم في العلم والثقافة، وكيف اصبحت الثقافة فيها بعد التغيير، وخصصنا الثانية للعقد النفسية المصابة بها وزارة الثقافة وأخطرها (الحول العقلي).

 في الثالثة هذه نستكمل ما تواجهه وزارة الثقافة من تحديات، واعادة التذكير بأن السياسيين يعدّون وزارة الثقافة غير سيادية فيما نعدّها نحن المعنيين بعلم النفس والاجتماع السياسي اهم من وزارات سيادية، لأنها هي المسؤولة عن بناء الانسان وتشكيله فكريا واخلاقيا وسلوكيا وسياسيا، وهي أداة التنوير والمحرّك غير المنظور(داينمو) لتقدم المجتمع، ولأن دور المثقفين في توجهات المجتمع اقوى من دور السياسيين، غير انهم لن يستطيعوا تحقيق ذلك ما لم تكن حاضنتهم.. وزارة الثقافة.. قد نظّفت نفسها من ثقافات متخلفة وارتقت لمستوى طموحهم، وما لم يكن على رأسها مفكر ومعرفي انسكلوبيدي وأديب من طراز رفيع.

بعد (الحول العقلي) الذي تعاني منه الوزارة، نخصص هذه الحلقة لأخطر عقدتين ابتليت بهما الثقافة العراقية بعد التغيير:

2- تقديس الشخصيات:

كل ثقافة تقدّس شخصية (غير الأنبياء والرسل) تكون خطرة على المجتمع، لأن (التقديس) يحرّم او يمنع النقد وان كان حقا، ويشلّ عقول الناس، ويعطّل لديهم دافع التغيير، ويحول البسطاء الى قطيع يرضون بالواقع وان كان بائسا، بل (ويحمدون الله ويشكرونه) عليه!

 وسيكولوجيا، يعمل اللاوعي الجمعي على اشاعة ثقافة تقديس الشخصيات وصناعة البطل الاستثنائي والقائد الأوحد، وتفضي بالضرورة الى صنع الدكتاتور، عبر أهازيج وطقوس تظاهرات وترديد شعارات تثير انفعالات التوحّد بالبطل وتأليه القائد.

والعراقيون، هم من أكثر شعوب العالم استخداما للشعارات التي تمجد رئيس الدولة.ففي العصر الجمهوري(1958وما بعده) رفعت الجماهير مئات الشعارات لقادة كانوا متناقضين في صفاتهم وادارتهم لشؤون الناس والوطن، بدءا من عبد الكريم قاسم مرورا بصدام حسين وصولا الى السيد مقتدى الصدر(السيد القائد)، وقبله من اطلقوا عليه لقب (مختار العصر!) الذي اشاع ثقافة (صارت عدنه وما ننطيها)، وحول الفساد من ثقافة مجتمعية كانت تعدّه خزيا الى ثقافة شطارة، وتنظيره ان الديمقراطية لا تعني محاسبة الفاسد والسارق!.. وثقافة الوهم والأيهام لثمان سنوات.. فهل ستتمكن وزارة الثقافة من اشاعة قدسية الفكر والتنوير الثقافي في زمن حكم احزاب الاسلام السياسي؟

 ان الاجابة غالبا ما تكون (لا ليس بمستطاعها).. فالتركة ثقيلة وقد توالى على امورها متعصبون، محاصصون، متخلفون بينهم من كان في سلك الشرطة!.لكننا نرى انها تستطيع ان تخرج وزارة الثقافة من سكة الدوغماتية الى سكة التنوير حين تستقطب مفكرين ومثقفين من داخل العراق وخارجه، وحين يكون القرار من صنع الوزير لا بأمر من اتى به، وحين يحيط الوزير نفسه بمستشارين مستقلين يقولون له الحقيقة لا ما يحب ان يسمعه.

3- احياء الضمير الأخلاقي

 ان افدح كوارثنا الاخلاقية والاجتماعية هو ما حصل (للضمير العراقي)في السنوات الاربعين الأخيرة.ولنتفق بدءا على تحديد مفهوم الضمير فهنالك من يصفه بـ(القاضي) الذي يحاسبنا على اخطائنا، ومن يصفه بـ(الحارس) او (الرادع) الذي يردعنا حين نهمّ القيام بفعل غير اخلاقي، او (الرقيب) على السلوك قبل وعند وبعد الشروع بأي عمل، فيما يصفه آخرون بان الضمير هو الصدق والايمان.

 ونحن نحكم على الاشخاص بقولنا (عنده ضمير)ان كان ذا اخلاق، و( ضميره ميت ) ان كان عديم الأخلاق.. ما يعني ان كل واحد منّا هو منظومة من القيم الأخلاقية، وأن الضمير هو (رئيس)هذه المنظومة.. وان هذا الرئيس هو الذي يحدد أهداف الفرد ونوعية تصرفاته مع الآخرين، فان كانت مطابقة لقيم واخلاق المجتمع الذي يعيش فيه.. قال عنه الناس (صاحب ضمير) وان خالفها قالوا عنه(ضمير سز).

تكملة المقال

الضمير.. هو السيد القائد

 نرى نحن المعنيين بعلم النفس والاجتماع السياسي أن الضمير هو القوة الفاعلة والمؤثرة في السلوك والمواقف والإتجاهات والانفعالات، وانه حين يخفت او يغيب صوته يسود في المجتمع قانون الغابة وينقسم الى جماعتين:اقلية قوية تمتلك السلطة والثروة ووسائل الاستبداد تمارسها بضمير قاس متحجر ميت، واكثرية فقراء وضعفاء ومغلوب على امرهم تضطرهم الى السكوت عن الحق، والاذعان وممارسة السرقة والغش والحيلة.. بضمير يبرر ممارسة الرذيلة بطريقة (الضرورات تبيح المحظورات).. بمن فيهم مثقفون يزينون صورة السلطة والسلطان.

وتشير الدراسات الاجتماعية عبر التاريخ الى ان ألد ثلاثة أعداء للضمير هي:الحروب والظلم والكراهية.. والكارثة انها تجسدت في العراق بأبعد مدياتها.. ووجهت ضربات موجعة الى الضمير الفردي والجمعي ايضا.فمعروف عن ان افدح الاضرار الاجتماعية للحرب الطويلة انها تحدث تخلخلا في المنظومات القيمية للأفراد وتضعف الضمير عند كثيرين وتهرؤه عند آخرين.. وتدخله في غيبوبة عند اغلبية.. فكيف بالعراقيين الذين خبروا ثلاثة حروب كارثية على مدى ثلاثا وثلاثين سنة.. ورابعة مع الارهاب ما تزال مستمرة!، وتعرضهم الى ظلم اقتصادي واجتماعي ، فربعهم يعيشون تحت خط الفقر مع انهم في اغنى بلد في العالم.. وعشرة ملايين بين اطفال يتامى وارامل ومطلقات تضاعفت نسبها في الزمن الديمقراطي! فضلا عن بطالة شباب جامعيين بينهم آلاف المهندسين.. فيما اشاع الاحتراب الطائفي والتهجير والصراع السياسي والانتماءات العشائرية والقومية الكراهية بين العراقيين.ما يعني ان ضمير الشاب العراقي الذي ولد في حرب ونشأ في حرب ويعيش الآن اكثر من حرب هو غير ضمير جده الذي ما خبر مثل هذه الكوارث.

  ونرى ان احد اهم اسباب ضعف الضمير عند العراقيين هو غياب الحاكم القدوة.ولنضرب على ذلك مثلا.. عبد الكريم قاسم.فقد اكتفى هذا الرجل براتبه الشخصي وما وجدوا في جيبه حين قتلوه اكثر من بقايا دينار، ولم يزد عدد افراد حمايته ومرافقيه عن عشرة، وبنى في اربع سنوات مدنا(اليرموك، الضباط، الثورة، الشعلة.. )وبنايات شاهقات( وزارة التخطيط، مدينة الطب.. .)فاقتدى الناس به وانتعش الضمير.. فيما الحكام الحاليون منحوا انفسهم رواتب خيالية وصار تحت تصرفهم فوق ما يتمنون.. وهم اذا بنوا نهبوا حصة الأسد.. فنافورة صغيرة بناها محافظ بغداد الأسبق بمليار دولار!! حسب تصريح محافظها اللاحق.. وكان بين الناهبين أصحاب عمائم ورجال دين.. وآخرون صاروا قادة عملوا من القبائح والتناقض بين الأقوال والأفعال والسخرية من الناس والضحك عليهم ونكث الوعود وخلق ازمات تشغلهم عن مآسي حياتهم.وفي زمانهم الديمقراطي وصل عدد من هم تحت خط الفقر 6,4 مليون عراقي حسب المركز الوطني لحقوق الانسان في آب 2013.وكان رئيس الحكومة اعلن ان لديه ملفات تدين سياسيين ومسؤولين كبار بالتورط بفساد مالي واداري اذا كشفها انقلب عاليها سافلها.. وما كشف، تلاه سلفه الذي وعد بضرب الفاسدين بيد من حديد وما ضرب.. فأية ضمائر تتولى أمور الناس، واي ضمير يصمت عن نهب المال العام وهم الذين يعلنون انهم يقتدون بسيرة النبي (ص) القائل: لو أن فاطمة سرقت لقطعت يدها.وحال كهذا صار فيه ضمير المسؤول لا يشعر بمعاناة الناس وفواجعهم اليومية.. جعل العراقي يقول لنفسه:ما دام المسؤولون بلا ضمير فليذهب ضميري الى الجحيم.

 لقد اوصلتنا متابعتنا الى ان الضمير العراقي مرّ في الستين سنة الأخيرة بثلاث مراحل، الأولى كان فيها يميز بين الحلال والحرام ويخاف الحرام، والثانية:اختلط عليه فيها الحلال والحرام ودفعه التشوش الى ان يتجاسر على ارتكاب الحرام ، والثالثة:صار ارتكاب  فعل الحرام عاديا بعد ان شاع الفساد .. اما الرابعة فقد حذرنا منها (ان بقينا عنها غافلون) وما استجابوا فاوصلتنا الى اننا (استوحشنا طريق الحق لقلة سالكيه) بمن فيهم مثقفون باعوا او خانوا ضميرهم الاخلاقي لينعم عليه سلطان كان قد باع ضميره لأجنبي.. وتلك هي مهمة وزارة الثقافة ان تجعل المقدس هو الوطن.. وتعيد احياء الضمير وتحتضن مثقفي الحقيقة.. فبها تكون الثقافة قد مارست دورها في بناء الأنسان والوطن.

 *

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

أمين عام تجمع عقول

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5038 المصادف: 2020-06-21 01:51:10