 قضايا

الفيرُوس، المجتمع، الإله

سامي عبد العالفكرةٌ حمقاءٌ هي الربط بين أقصى المفاهيم وأدناها دون مبررٍ، كمَنْ يحاول ربطَ السماء والأرض برباط واهٍ، ليدرك اخفاقه في طي المسافات وقد لا يبلغ الطرفين أصلاً. لكن يصبح الأمرُ وجيهاً إذا جاء (الادنى والأقصى) بخلفية مشتركةٍ. بالأدق عندما تُوجد دلالة تمسكُ طرفي المفاهيم، وهذا بالتقريب شأن كلمات العنوان المذكُور. فالفيروس لا يُرى وكذلك المجتمع خفي، وأيضاً الإله متعالٍ عن أيةِ رؤيةٍ. بالوقت نفسه تجسد الكلمات معنى داخل الحياة (إنْ لم تكن الحياة إجمالاً). وليس هناك أعمق من المعاني التي تسيِّر الإنسان وتثير لديه نوازع الفعل دون حدودٍ.

الفيروس هو معنى الحياة الأولية (البيولوجيا) والمجتمع معناها الإنساني الأوسع (الاجتماع) والله معناها الكلي (اللاهوت). دوائر يصعب فصل خطوطها المتداخلة (وبأشكال غير واضحة)، دون انفصام حركة الإنسان عن تأثيرها. ومن ثمً، فأيُّ تغيُر جذري لهذه الحركة سيمُر عبر الأطراف الثلاث، وقد ظهر ذلك جلياً على خلفية جائحة الكوفيد 19. حيث توقفت الحياة كونياً بملء الكلمة وفجأة تداخلت آفاق البشرية المتنوعة، ولم يكن افتعالاً إنما تلقائياً بحكم العدوى التي ظهرت في نقطة معينة من الزمان والمكان، ثم اتسعت مع الطبيعة والتاريخ. وبلغ أهمية ذلك درجة كبيرة حتى تمَّ اعتبارها نقطة فارقة. فلكم تعقبت الفلسفات مسار التغير في تاريخ الإنسانية دون إدراك ما كشفه الفيروس خلال وقت قصير.

يبدو أن أقرب كسر لحاجز الحياة المعتادة يأتي من أوهن الأسباب وأعمقها، إنها وجود الإنسان وجذوره المتصلة بكل الكائنات. فالحياة إحساس عميقٌ يوحدنا بشتى الموجودات، هي إدماج integration لكياننا في كيان العالم (نحن مخلوقات منه وفيه). إذ يبلور الفيروس سيولةَ الحياة وتغيُرها، فلا شيء طبيعي (يتخلقُ ويتحللُّ) دون فيروسات متناهية الصغر. والمجتمع رابطةُ حيوية نمارسها نحن البشر كحياةٍ بديلةٍ alternative دون إلقائنا عُراةً في الطبيعة (المجتمع تكوين رمزي لوجودنا). أي تجنباً لغوائل الكائنات والكوارث اتخذ الناسُ بعضَّهم البعض ملجأ أخيراً. فالمجتمعات تتكون نتيجة الوجود معاً co-existence، وتاريخياً قد لا يعي الإنسان وجودّها كإطار حاكم، لكنها تبلغ تأثيرها بخفاء السلطة التي تفرزها.

بينما تُضفِي مقُولةُ الإله دلالة على الأشياء: الحياة والزمن والكون والموت والآخرة (التَكّوُن والتحلل والمصير). جاء بنص القرآن: " قُل لو كان البحرُ مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أنْ تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً". التحدث بمقام الألوهية في الحياة هو لغةُ تُشتق من الدلالة التي يوجدها معنى الله في العالم. والقول بأنَّ الطبيعة مكتوبة بحروف إلهية فكرة قديمة في الديانات كالزرادشتية واليهودية (القبالة) والمسيحية (في البدء كان الكلمة)، فدلالة الإله كمستوى تأويلي هي امتلاء لآفاق الإنسان. وأخذت الفكرةُ ترجمتها الإنسانية داخل العلم، نوَّه جاليليو أنَّ الطبيعة والأشياء مكتوبة بلغة الرياضيات، وكان هذا شرطه المبدئي لمعرفة الظواهر بلغة عامة تبعد المعرفة الإنسانية عن الأساطير. وهي الكتابة التي تتيح للإنسان أن يجيد قراءتها وعليه اكتشاف طبيعة تلك الكتابة وقوانينها. وبالوقت نفسه لم يسند جاليليو اللغة إلى قُوى علياً، لكنها كانت إمكانية لدراسة وفك شفرات العالم.

التقديم السابق مهم، توطئةً لسؤالٍّ جوهري: ما الذي يُغير صورةَ العالم ويكسر نمط الحياة؟! فالعالم (بفعل وباء كورونا) قد كّسر رتم حياته وأحداثه المعتادة. وقيل إنّ حياتنا بعد الفيروس لن تعود مثلما كانت وقد حدث ذلك بالفعل. والسؤال يبدو عاماً في غمرةِ الأحداث، إلاَّ أنه ككل الأسئلة التي تأتي خلسةً وتذهب دون استئذان. ربما بسبب هواجس معينةٍ أو نتيجة الانشغال بقضايا طارئة. فالعالم كلُّه حملَّق كثيراً تجاه ظواهر الوباء وقد احتلت مساحةَ الوعي. والتغيير- الجذري العام- لا يحدُث اعتباطاً، إنَّه قانُون تاريخي من جنسِ ما يشتغل عليه (أي يرتبط بصورة العالم). فإيقاع الحياة الاجتماعية قد يتسلل، وقد يُعاد تشكيلُّه من وراء المشهد الإجمالي لكنه يتم دوماً بفعل فاعل عام (ما هو؟ وكيف يتم؟، وبأية صيغةٍ يقع؟ ... قد لا ندري في الأحوال العادية، لكن لنحاول التفكر فيه).

وطالما أنَّ العالم باقٍ بصورته المتنوعة، فقانون التغيير يكْمُن فيما يشكل وجودَّنا الحي. ليس يكفي حلمٌ ثوري يتبخر عند أولِّ جدارٍ للواقع، ولا تكفي قدرةٌ فردية تخُور لدى صخرة الآخر. لأنَّ كلَّ آخر بدرجاته هو الحقيقة، هو المعنى، هو الزمن القادم، إذ يجرى الأمر بكل متوالياته بدءاً من الذات وانتهاء بـ" الله". ولذلك حلَّ التصوف المعضلة بفك التناقض بين الاثنين (داخل التجربة الصوفية- نحن روحان حلّلنا بدنا).

إنَّ (تغيير العالم) كفعل مقصودٍ يطرح طبيعة العلاقة المباشرة بالحياة، سواء أكانت شكلاً بدائياً في خلية أولية (الفيروسات) أم عبر خليةٍ مُركبة تاريخياً (المجتمع) أم بالنسبة لخلية ميتافيزيقية تأويلية (الله). وأيَّة قُوى تحاول التغيير الحقيقي لابد أنْ تقتفي أثرَ (بل تنسج كيانها على غرار) المعنى الحي للخلايا الثلاث (الفيروس-المجتمع– الإله). الخلية ليست بدلالتها العضوية الصرف، لكن بتأثيرها وعلاقات انتاجها (مثل الفيروسات). فالخلية لا يصح معناها العضوي تجاه الله، بيد أنَّ تصورات البشر كثيراً ما تدمج معانيه في حياتهم عضوياً (حين يمثل معنى الاله وجوداً كالخلية). وتبعاً لدرجة الاعتقاد تشكِّل فكرة الله جميع عناصر الوجود، مثل عنقود متشعب الخيوط هو النسغ والصُلب منها. كل الثقافات تقريباً يحتل معنى الله جانباً مركزياً تدور حوله المعاني والأزمنة صراحة كما في المجتمعات المتدينة أو بالبدائل في مجتمعات لا تظهر ذلك خلال فضائها العام.

ولنلاحظ أنَّ خلايا (الفيروس- المجتمع – الإله) توثّق عُرى الميكروmicro والماكرو فيزيائيmacro، في جميع السرديات. المعرفة الطبية –مثلاً- سردية ترى الفيروسات كبصمات للحياة الأولى (الفيروسات توجد منذ ملايين السنوات). وهي كائنات دقيقة تمم جميع تفاعلات الحياة بأبنيتها الأشد تركيباً وتعقيداً. والفلسفة سرديات تَعتبر المجتمع خلية تشكل وعي الأفراد وتقوي السلطة التي ينتجها. فالوعي والسلطة أعقد وأكثر التواءً مما نظن، لأنَّهما يختلطان بكل شيءٍ تقريباً، حتى عبر الصور التعبيرية الأكثر شفافيةً مثل الكلام والعبارات الباسمة والنكات واعلانات الشراء ونمط الخطوط والأيقونات الرقمية.

وكذلك الدين سرديات ميتافيزيقية تسعى لتأليف تاريخ العالم وربطه بالمصير والموت واليوم الآخر. فلسفات اللاهوت المسيحي جعلت العناية الإلهية جزءاً من تكوين الحياة ومصير البشر. لاهوت التاريخ كان اعتقاداً بالأساس المقدس للأحداث الإنسانية وكيف تتشكل وإلى ماذا ستؤول. الخلاص من الخطيئة بفضل " الصَلْب والفداء" هو الخط المتصل لها. وفي اليهودية كان السيناريو التاريخي خاضعاً لنقطة الاختيار الإلهي حين اختار الرب شعبه واستمر مع حبكة التاريخ مثل الشتات وانتهاءً فيما سيجري - وفقاً للتصور اليهودي للعالم- حيث ستُحل العقدة الوجودية بقيام مملكة الرب ونهاية العالم.

وهذا طبعاً لا ينفي- في الاسلام- أنَّ الله له صفاته العُلّى وأفعاله المنزهة دون تشبيه ولا تجسيم. لكنها أفعال مذكورة من جنس الحياة، أي لكي يتم تغيير (الحياة) في هيئة العالم، لابد من وجود الأفعال الإلهية كقوانين حالَّة فيه. الله طوال التاريخ كان مبدأ فعل وسبباً واخلاقاً وإرادة، فالإرادة الإلهة تفسرُ حدوث الظواهر قبل أنْ تكون إيماناً خاصاً وإلاَّ لما بلغ الإيمانُ تأثيراً قيد أنمله. ناهيك عن أنَّ الوجود الإلهي باختلاف التكّلُم الديني (مذاهب علم الكلام) هو وجود حياة بالدرجة الأولى (الله هو الحي القيوم بالنسبة لأناس أحياءٍ)، أي هو الحياة داخل الحياة سواء في ذاته أم في غيره، على الأقل بحسب عقول البشر الذين يعتقدون كما يعيشون.

ولذلك كانت مشكلة الإرهاب أنه فشل في اعتبار الله "مبدأ تفسيرياً"، معتبراً إياه "مبدأَ فناءٍ" (من واقع كونِّه مبدأ خلقٍ من عدمٍ)، بينما حولَّه الغربُ تاريخياً إلى أنظمة معرفيةٍ وطاقةٍ عمل، وإلى مؤسسات عامة، وإلى أفكار ذات إرادة، وإلى آفاق للتاريخ، وإنْ كان ذلك بطريقة دنيوية. لم أقُل بطريقة إلحادية، لأنَّ الإلحاد بأي شكل كان هو أحد الوجوه الأخرى للديانات وللعقائد. الالحاد نوع من رجع الصدى لما هو ديني بصورة مقلوبة (وجه المتدين المعكوس في المرآة، هو ما يستعيذ منه ويتدين تجنباً له). فالحداثة الغربية وجدت مساحة لمعاني الإله (إعادة استنساخها) في مفاهيم المجتمع والدولة والإرادة العامة وحق تقرير المصير وحقوق الإنسان والاعتراف والتسامح والحرية والعلاقات الدولية والديمقراطية. حتى أنَّ هذه المفاهيم شكلت "بدائل مدنيَّة" لصور دور العبادة والطقوس والمعتقدات والأساطير.

بينما الإرهابي يقول: لابد أنْ تؤْمن كما أؤمن، أنْ ترى مثلما أرى (لا أريكم إلاَّ ما أرى...).. كل إرهابي مسكون بفرعون ما من الداخل، ملاصق له خطوة خطوة حتى يقتل ويستبيح الآخر. فالإيمان يبقى شكلياً كما هو، لا تتناقش حوله ولا تفكر فيه، لا تعترض.. وإلاَّ لقطعتَ رأسك!! تحوّل الإله- بالإرهاب- إلى عقاب ميتافيزيقيmetaphysical punishment بدلاً من كونه رحمةً من عسف البشر. مسألة تغيير الحياة أن الارهابي يخطف بعضاً من الحياة فقط، كمن يمسك بين أصابعه قبضة رمل، فلا هو يمسك كل الرمال، ولا هو يستطيع القبض عليها دون أن تتسرب!!

المهم هنا أنَّ ما يجعل الخلايا الثلاث (الفيروس- المجتمع – الإله) فاعلةً هو الجسد كحفرية أولى للحياة، كوثيقة عليها بصمات الإنسان ووجوده، كمدونة قديمة مازالت تحمل آثار حياتنا الموروثة وبإمكاننا القول إنها الأخيرة أيضاً. لأن الحياة متواصلة منذ بذرتها البيولوجية المبدئية حتى نهايتها الدينية مثلماً توضح الديانات الابراهيمية الثلاث. والجسد مادة الثواب والعقاب والشقاء والسعادة في الدنيا والآخرة، فالجنة والنار تفترضان إحساساً للجسد كنوع من آثار العذاب أو النعيم. وإذا كانت الحياة تتحول دون انتهاءٍ إلاَّ بالموت فيما نعرف، فالموت بمثابة شكل تالٍّ من الحياة. وبينهما (الفيروس– الإله) يمثل الجسد وسيطاً اجتماعياً، لوحة عامة تظهر عليها العلاقات والطقوس وعلامات الاقتصاد والسياسة.

حياتنا أوسع مما نتصور على متصل بيولوجي– ميتافيزيقي، الأمر الذي ينشّط مقولات (الفيروس- المجتمع – الإله) على نطاق واسع. إنَّ فيروس كورونا أبطّل نمط العيش بهذا الزخم المذهل، استناداً إلى الجسد بوصفه مادة الحياة الأولى. لقد أوقف حركته ومظاهره إجمالاً، أعاد تأويل التقاليد الداعية إلى الحضور اجتماعياً، أرجع الكائنات الإنسانية إلى ذواتها باعتبارها البيت الفعلي للإقامة. والسبب هو الاتصال الكوني بين عناصر (الميكرو والماكرو) بضمان حياتنا التي هي فينا وفي سوانا. لأنَّ الفيروس قد أثار تربة الطبيعة (الخوف من الموت- حفظ الذات– دفع الأذى والألم) وهذه غايات الدين، وجعل المجتمعات آحاداً عائدة إلى الجسد كعلاقة خاصة مع الأنا.

الأنا يعود اجتماعياً على هيئة أعضاء لحمية وأنسجة ودماء ونبضات وعيون تراقب كيان الإنسان ذاته، تراقبه دفعاً للعدوى. إذن أسقط كورونا الغشاء الموهوم لوجود الانسان مع الآخرين، أسقط امتداده خارج ذاته عائداً إلى الجسد. لقد مزق علاقاته بالمجتمع (الخلية الثانية)، لم يعد هناك أي اجتماع إنساني بمعناه المعروف. كل الظواهر العامة والمبادلات والطقوس الجمعية والصلوات والأفراح والمناسبات تقطعت. ليكون الجسد جدارَ الحماية الأول، الحصن اللحمي بما يدفع عنّا الوباء. تمزق الجسد الاجتماعي والتواصلي لصالح الجسد الفردي الذي يتكور خلف أبواب موصدة حتى على مستوى الأسرة الواحدة.

وهنا نأتي إلى أخطر ما في الوباء:

- عمومية الإصابة دون تفرقة ولا حواجز. فكرونا ظل سريع الانتشار عن طريق الاختلاط المباشر وعن طريق الهواء لمسافةٍ ليست بالقليلة. وهو يختلف عن فيروس سارس الذي لم يكن له هذه الفاعلية الوبائية. ونظراً لارتباط الفيروس والمجتمع والله فقد شكلت الأجساد طقوساً تستفيد من معاني مقولات الثلاث. وهو ما جعل الأفعال الجديدة -تجنباً للعدوى- ذات طابع أساسي.

- تمَّ طي جسد الإنسان داخل جسد الطبيعة، فبمجرد العيش، أنت معرّض للفيروسات. ومتى قيل لك: أأنت حي؟، فهناك ستأتيك إمكانية العدوى مباشرة، وعليك أن تتحسس أنفاسك بين الفينة والأخرى.

- قدرة الفيروس المتتابعة على التهديد الفوري. هناك – مؤخراً- ظهرت موجات ثانية وربما ثالثة من كورونا. وطالما لا يوجد له دواء ناجع حتى الآن، فليس قريباً العثور على خيط الاتصال العفوي مع الآخرين ويصعب عودة الحياة إلى ديدنها كما كانت.

-  جاءت طاقة الفيروس كبيرة على التكاثر اللامعقول (نوبة السعال الواحد به أكثر من ثلاثمائة ألف 300000 فيروس). هذا فضلاً عن وجود فصائل متعددة منه بين قارات العالم المختلفة. وكل فصيلة لها شفراتها الوراثية وتكوينها الذي يتحور مع بالعدوى والانتشار.

- إحياء الذاكرة البيولوجية للإنسان، الإحساس الدائم باقتراب الجائحة ارتباطاً بوجودنا الحي. وهي ذاكرة مرتبطة بالخوف والموت والقلق، لأنها تجربة غرائز و اشباع، وهذه على علاقة بالطبيعة داخلنا، أي تخشى الانقطاع عن الحياة وتتجنب الألم.

- فشل الأنظمة الطبية في معالجته. وهذا معناه ضعف حضارتنا عن استيعاب البيولوجيا. ودوماً البيولوجيا هي عصب الحضارة، لكونها منبع القوة وتصورات الإنسان عن الحياة والآخر والصراع والموت والحرب.

- اشتغال كورونا على الحيوان داخلنا، أي ربطنا فجأة بمادة الحياة التي هي نسيج كل الكائنات الحية. هناك في مجتمعات العدوى مَنْ تخلى عن حيواناته الأليفة خوفاً من كونها ناقلة للفيروس. وهناك حيوانات قد نقلت العدوى فعلاً وهذا لا يجعلنا نتجاهل كون الفيروس مصدره حيواني بالأساس. ولأننا نشترك معها بالوجود البيولوجي، فقد تنازلنا عن حيواناتناً لصالح الحيوان المأثور الذي يشكلنا.

أما بالنسبة للخلية الثانية (المجتمع)، ففي لحظةِ نشوةٍ فلسفيةٍ نادرة، نوَّه كارل ماركس بصدد حديثه عن فويرباخ: " أنَّ الفلاسفة السابقين لم يفعلوا شيئاً سوى تفسير العالم بطرق شتى، لكن الأهم يظل هو تغييره". كان يقصد تغييراً بالمعنى الجذري للكلمة، من حيث إذابة الطبقات الاجتماعية، وايقاف صراعها إلى الأبد إذا حلت مرحلةُ الشيوعية (مجتمع بلا طبقات) society without classes. وهي مرحلة لا بد آتيةٌ - فيما يرى الحالم- بفعل قوانين الواقع والتاريخ. إذ ذاك لن يكون أي مجتمع مجرد طبقات تهيمن إحداها على الأخرى بلا طائل. لكن جوهرها هو الصراع الخفي كالنيرات المشتعلة تحت سطح الرماد.

كان الاقتصاد هو الحفرية العضوية والتداولية في المجتمعات التي تتحول من وضع إلى وضع آخر، حيث يلتصق الاقتصاد بالحاجات الأولية للإنسان ويحركه كماكينة عضوية organic machine تحتاج الغذاء والدواء وتلبية المطالب الضرورية. بينما توارى الروحُ- إذا نقبنا عنه- كبصيص شعلةٍ متوقدةٍ ملقاةً بين الأرقام والإحصائيات وعمليات الفقر والصراع الطبقي.

وبصرف النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع ذلك، لكن بدا ماركس واضعاً أصبعه على جرج التاريخ النازف، لماذا تهيمن القُوى المختلفة على كيان الإنسان ارتباطاً بحياته ومطالبه الجسدية؟ كيف يكون ثمة تاريخ للجسد المقموع اجتماعياً باسم الطبقة والرمز والثقافة والأيديولوجيا؟ سبب ذلك في النهاية – فيما يبدو- هو الجسم، هذا النسيج الحي الذي يدخل في عمليات من التصفية والغربلة طوال أطوار الثقافة من بدائية حتى الثقافة الرقمية.

والسبب في ذلك وجود شيئين:

أولاً: طاقة الحياة الكامنة فيه بمضمونها البيولوجي – الروحي (الفيروس– المجتمع – الإله). ويرتبط بذلك كل متعلقات الخوف والأمل والرجاء والعيش معاً.

ثانياً: صراع الإنسان مع الآخر بالتدرج المكاني (الآخر العضوي- الآخر الاجتماعي– الآخر السلطوي) كذلك بالتدرج الزماني (القوى الميتافيزيقية – القوى الثقافية – القوى الرمزية). منذ ذلك الحين التاريخي بات السؤال (كيف يتغير العالم؟) سؤالاً فلسفياً لا يحتمل إجابة معلقة بقدر ما يفترص اعصاراً يعصف بثوابت التاريخ.

بالمعنى نفسه تسعى الديانات لتغيير العالم، جاء في القرآن أيضاً: ".. وإنَّ الآخرة لهي الحيوان". الفكرة وُجدت بصيغة الحياة الممتلئة في الفيروس والمجتمعات والفلسفات السياسية. فالتغير الجذري سيتم من واقع الحيوان الأبدي الذي ينتظره الناس، سواء في شكل مدينة فاضلة كما نوه توماس مور باختلاف المواقف أم من خلال سعادة تكفلها الأنظمة الاجتماعية. إنه حلم الإنسان منذ أن كان آدم الأول سائراً في الجنة. فالشجرة التي كان الرب قد نهاه عن الاقتراب منها هي شجرة الخلود، وقيل المعرفة (معرفة الخير والشر) ولكن الشجرة إجمالاً لرمزية الحياة الأبدية. أي: كيف يكون الحيوان مستمراً دون موت ولا فناء. وفي أحراش وغابات الحياة الأولى بعد هبوط آدم من الجنة، لم يكن يشغل بال انسانه إلاَّ الحفاظ على وجوده.

والفكرة لم تتم هكذا على نحو هامشي. فالغريزة بكل تفاصيلها تقول: إن الوجود لهو الحيوان، والعاطفة تهمس كذلك: إنَّ الآخرَ لهو الحيوان، والصراع ينادي: إن الأنا لهو الحيوان، والحروب تزعق: ما لم نقتل سوانا، فلن يكون لنا كل الحيوان. إنَّه فعل الامتلاء لما يسكن الإنسان من فراغ، أوهام، خيال، انتظار، احلام. هذا المتصل ليس من جنس التفكير الطارئ لكنه في صلب إحساساتنا وذاكرتنا القديمة. وهو ما ذكره القرآن بدلالة الحيوان تحديداً في المستقبل. كأن البداية (جنة آدم) ستلتقي مع الجنة بالآخرة. لأنها نقطة التقاء آدم الذي يوجد في تكويننا البشري وكذلك حلم الخلود والرغبة في الأكل من الشجرة (الخلود). وقد سرا البشر على هذا الدرب باختلاف تجارب الحياة والثقافات.

وإذا كان الله قد نهى آدم من الاقتراب من الخلود، فيبدو أن الحياة الإنسانية سيناريو أرضي لترجمة شفرات القصة إلى مسيرة تنتهي بالحيوان الأول. ولذلك جاءت على هيئة وعد إلهي متأخر. بحيث يكون حيواتنا (كل البشر) تقدمة تفصيلية لهذا الوعد لكي يناله الإنسان بحسب الإسلام. وجميع فلسفات السياسة تنسج أفكارها على هذا المنوال، الليبرالية تعد الناس بالحرية التي يقتنص فيها حيوانه الخاص (أفكاره ورغباته وأهدافه وأحلامه) في دولة قائمة على العدالة والمساواة والفرص الفردية بشكل تام. ومن قبل كانت الشيوعية كما ألمحت وعد بإقامة دولة الحيوان الأعظم الذي يشمل الناس جميعاً من واقع المرحلة التاريخية لوقف الصراع وإقامة المجتمعات الشيوعية.

والاسلام السياسي يعول على ضخ الحيوان في عروق الأخيلة التي يربي عليها الحشود والاتباع، بحيث تخبو دونها آلام الواقع وصراعاته لصالح الجنة. ولذلك كان تعطش الارهابيين للدماء نتيجة إمساك الحيوان لفترات طويله عن الأكل والشرب، ثم فجأة يطلقونه أثناء الغزو والجهاد ضد الأعداء. والتغير الجذري المنشود هو جعل الحيوان سيولة الغرائز والحكم باسم الله والتعبير عن الصراع بلغة الثواب والعقاب. بعكس الرهبنة المسيحية التي أبانت منذ اللحظة الأولى عن إماتة الحيوان لأنه مصدر الشرور، وأن عملية إطلاقه ستأتي من السماء، في مدينة الله على حد قول القديس أوغسطين.

المسيحية تدرك جيداً أن هذا الحيوان واحدٌ منذ آدم حتى نزول المسيح في آخر الزمان. والطقوس المسيحية تعاملت على ذات المستوى من الخفاء والفعل، فيأكل أصحابها الخبر المقدس ويشربون الشراب على أنه دم المسيح الذي سيطهر دم الحيوان الجذري. وليس أدنى إلى ذلك من الخطيئة الجارية من الإنسان مجرى الحياة في أجسادنا. كما قال الإسلام إنَّ الشيطان ليجري من أحدكم مجرى الدم من العروق. ولذلك حرص الاسلام على أنَّ تكون الآخرة تغييراً جذرياً بدرجته القصوى: أي حيوان كامل دون حيوانية بمغزاها المعروف. وهذا هو المستحيل الذي يبحث عنه إنسان كل العصور: كيف أكون حيواناً بلاً حيوانية تسبب الفناء والآثام.

 

د. سامي عبد العال

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

أستاذي الجليل الدكتور سامي عبد العال الموقر، لكم مني كل التحية والتقدير والدعاء بالصحة والعافية والتوفيق في مهامكم النبيلة التي أرشف منها وعيا بما أنا أنا إنسان لا حيوان. وإن كان للحيوان دور في دورة حياة الكون بما يوقع فيها توازنا طبيعيا ويؤدي إلى تحقيق غاية تفصح عنها قوانين الكون التي أودعها الله فيه.
ورقة فلسفية بامتياز تفصح عن الخيط الناظم لأقانيم العنوان الثلاثة، التي تستلهم الربط بينها في سياق الارتفاع عن حيوانية " الإنسان " المتجاوزة للفناء والآثام حسب قولكم الكريم، وأجد ذلك مرتبطا ارتباطا طرديا بالفكر الإنساني ووعي موقعه من الإله. فكلما كان الفكر الإنساني أصيلا يستهدف رفع الإنسان إلى مقام الإنسانية " المثالية " إلى حد ما، وواعيا بدوره البنائي البناء للإنسانية والكون معا؛ كلما أزاح الإنسان عنه الحيوانية وانزاح نحو الإنسانية التي ترفع عنه الفناء بالبقاء عبر قنطرة الموت في عالم الخلود بما ورث خلفه في حياة الدنيا من أسباب الوجود الحقيقي لا الحيواني، وبما ترك فيه ولديه من وجود فكري مستمر لا ينقطع عنه أجره. فهو حي في عالم الملكوت، وفي عالم الأحياء بما ترك في العالمين من أثر إنساني عظيم. فالعظماء لا يموتون، بينما الحيوانات تموت وتنفق، وتنقرض في سكون وهدوء لا تعرفهم الإنسانية إلا من خلال الحفريات في أحسن الأحوال.
فالفكر والوعي والفعل هي مداخل الحيوان إلى الإنسان، ودونها الآثام والفناء لشبه الإنسان!؟
فالأفضل أن أكون مفكرا واعيا فاعلا بدلا من العكس الذي يدنيني من قبور الموتى وعالم الفناء الصامت الراقد على الأسماء والجثث المجهولة التي لا تحمل عنوانا ولا معنى!
سلام على قلم أحن به إلى الارتقاء في السماء بما أوحى من رؤى.
دمتم قبس نور في دجى التائهين مثلي.

عبد العزيز قريش
This comment was minimized by the moderator on the site

المفكر القدير الاستاذ عبد العزيز قريش
لن أزيد عما قلتم، فالإنسانية غاية وليست وسيلة، تتواصبل معنا في أشكال أخرى من الحياة، تدفعنا للفهم والحوار.
الوعي هو لب الإنسان لإبداع عالمه وحياته. لكنه قد يصاب بحيرة تاريخية، تعود به إلى الإرتكاس والتعلق بتقاليد العبودية البائدة.
طاب مساؤك فقد أنعشت وعينا بكلماتكم الرائعة.

سامي عبد العال
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5044 المصادف: 2020-06-27 04:06:00