 قضايا

العودة المظفرة للإعلام المجتمعي

مصطفى غلمانالقيمة المضافة للإعلام ليس التحقيق المفرط للهزيمة. يكفي أن يقوم مغاوير المال والاعمال بغزوة عكسية، ليرتطموا بعدالة الطبيعة، ويخرجوا كأي مسخرة تدلفها نصوص سيناريست يريد الانتقام لنفسه، من عالم الأحلام والفزاعات النفسية؟

لقد نفذت ذخيرة الإعلاميين المغاربة، من أصحاب الشكاوى اليومية، والمآسي المحاذرة، وأضحى وجودهم الائتماني موقعا للتداعي والمراهنة. الأصوات التي تنقص في الحلقة المفقودة، يمكن أن تخف موازينها، في الدقيقة التسعين، وتصبح ريشة في مهب التداول الاعتباري للتصبيغ والتغليف والتحامل. تماما كالحالة السياسية للانتخابات التي تفرض أقنعة واحتمالات وبيع وشراء وهروب بالصناديق إلى أعلى الاكمة !

يحدث ذلك في مغرب 2020، حيث يستيقظ الإعلام على فجيعة الإغلاق الوبائي، دون إرادة اختيارية، دون مرجعيات اعتبارية للتماسك المهني أو الأخلاقي، وبسرعة جنونية تصطدم الإرادات المخدومة، ويلتحم السقوط الاحتيالي، بالسوريالية السوداء، ثم تسمع جوقة العميان، يستمنون على جسد ميت لا روح فيه ولا صدى نفس!

فجأة، يتقرر تنزيل مخطط استعجالي لإنقاذ الصحافة المكتوبة بقيمة 200 مليون درهم . وأخرى تخصيص 75 مليون درهم لتحمل تكاليف كتلة الأجور بهذه المقاولات الصحافية لمدة ثلاثة أشهر (يوليوز وغشت وشتنبر).

لكن الأقرب إلى متاهة الغابة تخصيص 75 مليون درهم كدعم مباشر لأداء فواتير مموني المقاولات الصحفية، فضلا عن همزة آخر لحظة، بعدما تبين الغي من الرشد.

كمن كان يدرأ الشك باليقين، ويتعسف على مشاكلة الوقت، حتى يتمكن من القفز على منظار الظرفية الحساسة والصعبة التي تمر منها بلادنا.

لكن أفضل الأمرين، ألا يكون التوجيه المالي، والمحاصصة فيه، نوعا من الشوفينية الملتبسة، والانفرادية المشوهة، التي تستقطب وتعزل وتتحالف، لأجل تعميق ايلام الجراحات، عوض النفخ في رماد واقع مسلوب الارادة، مهضوم المحجة. بل متآمرا على تحريف قيم الصحافة والاعلام، ومبرمجا لاستهداف شعائره، بتشويهها ومناكفتها.

لقد أوقدت فيدرالية الناشرين المغاربة، تلك الصحوة الموقوتة، بعد أن استدرجت لمعركة الأخلاق، واستبيحت بنيران صديقة، لتكون طعما لكورونا، زمنيتها ومحوريتها المحايثة للموجهات والمطلوبات والانتظارات الغامضة؟

كانت فيدرالية الناشرين، في شقها المتنور والملهم لنظرية التباري الحر بين فكي قروش الثيران النازحة، كانت أكثر استيعابا للاستثنائية المهنية، التي شاغبت امواجها هدفية سفينة نوح، في استشعار الخطر، قبل الغرق، وفي الالتحاق بالمآل الجديد، قبل حدوث الفاجعة.

وكنا نحن الشهود، المغامرون، القابضون على جمر النكبات نخوض معارك الكرامة في زمن اللامعنى، عرايا إلا من عدالة مرتعدة، وقمصان ظل، نتخفى خلف مرايا الغميضة واللعب على كراسي منذورة للمؤامرات والطعان.

سنكون في مؤخرة القطيع، ضدا على كل شيء. مهما قلنا، ومهما احتمينا باليوطوبيات ومحاذير الاصطفاف، مهما اجتزأنا حقائق الاستعادات التي نبحث عن قيمها الضائعة بين النوسطالجيات والتواريخ المغصوبة، بقوة فعل السياسة والماركوتينغ، والتربصات الفتنوية المقامرة برسالتنا الأخلاقية ومقاصدها الواعية براهنية اللحظة وتأسيساتها المضمرة. إن أجمل شيء يمكن أن يعيد الإعلام الجديد إلى سكته الصحيحة، بالإضافة إلى هذا الإيمان الناصع، بالوجود الاعتباري للرسالة الأخلاقية التي يناجزها الصوت الاعلامي الديمقراطي المستقل والحر، هو تباته على الحق في تقديم أنموذج مثالي، للوظائف الثقافية والاجتماعية والوطنية، التي يمكن أن تستوعب مخزون المآلات وتضبط بوليصة الامتداد في أدوات التنمية وامتداداتها على أكثر من صعيد، في السياسة كما في الاقتصاد. في الاختيارات الديمقراطية، كما في البواعث التأسيسية لمنهجيتها، وتقييماتها للخطط والإستراتيجيات.

في البنايات الكبرى لقيم التواصل وتجسير أنظمة التأسيس الإعلامي واستمراريته.

في مساهماته لقراءة التجربة المتعثرة لمنظومتنا التعليمية التعلمية. واستيعابه للأدوار الحقيقية التي تشكلها الطفرات الهوياتية اللغوية والثقافية والاجتماعية للتربية في مدرستنا.

إن أكبر التحديات التي تواجه المقاولة الإعلامية اليوم ، ليس فقط تمتين مساراتها المالية والتنظيمية، لكن، أيضا وأيضا استمرارية زخم حضورها في الذات الأخلاقية المجتمعية، بكل حمولاتها التربوية والثقافية والتوعوية. غير بعيد عن انتظارات الإخبار والرقابة، بجانب طبيعة العوامل الثقافية والاجتماعية والسياسية المتأصلة في المجتمع، حيث تعتمل طبيعة ودور وسائل الإعلام في تدعيم الديمقراطية، وتعزيز قيم المشاركة السياسية وصنع القرار السياسي، انطلاقا من المقومات العامة التي تتأسس عليها القيمة المفهومية للحرية والشكل الديمقراطي، انطلاقا من أجوبة تمثل الاتجاهات المختلفة داخل المجتمع، وحمايته من الاختراقات والحواجز القيمية والثقافية المختلفة، وتأصيل الظروف الملائمة للتوعية والمعرفة وتوحيد هدفية المعلومات والحصول عليها، والمساهمة في توجيد قاعدة مجتمعية تروم حوافزا لما يسمى بديمقراطية الاتصال والتواصل، بالإضافة إلى براديجم التأثيرات ذوات الاتجاهات على مستويات الرأي العام وصناعة القرار والمراقبة والمتابعة المحايدة والإيجابية.

فهل نفعل ونتفاعل؟؟

 

د. مصطفى غَلْمَان

.............................

* على هامش الجمع العام الاستثنائي للفدرالية المغربية لناشري الصحف بالدار البيضاء 3 يوليوز 2020

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5053 المصادف: 2020-07-06 03:57:03