 قضايا

الفلسفة الآلية عند ليوناردوا دافنشي (1)

محمود محمد عليكان العلم الأوروبي عند مطلع العصر الحديث علماً ميكانيكياً فى المحل الأول. فالميكانيكا نفسها كانت أهم العلوم وأدقها وبفضلها تحققت مجموعة كبيرة من كشوف القرنين السادس والسابع عشر. والأهم من ذلك أن نموذج المعرفة ذاته كان هو النموذج الآلي؛ أعنى أنك تستطيع أن تفهم الظواهر على أفضل نحو إذا ما استطعت أن تنظمها فى نسيج تكون فيه كل منها مؤدية إلى الأخرى بطريقة آلية خالصة. بل إن الكون كله كان آلة ضخمة تسير فى عملها بانتظام الساعة الدقيقة . وعلاقة الله بالعالم أشبه بعلاقة الصانع بصنعته؛ بمعنى أن العالم قد صنع متقنناً منذ البداية، ويظل يسير بعد ذلك بنفس الدقة والانتظام اللذين صنعا بهما.

ولقد كان الفنان الإيطالي "ليوناردو دافنشى" خير من يمثل هذا الاتجاه فى عصر النهضة؛ حيث رأى في الميكانيكا أساساً للعلوم الطبيعية التى تقوم على مفاهيمنا للمادة ولحركتها فسجل العبارة التالية: " الميكانيكا فردوس العلوم الرياضية، إذ أن فيها نصل إلى ثمار الرياضيات "

Mechanics is the paradise the mathematical science because by means of it comes to the fruits of mathematics

وبلغ تقديره لأهمية العلوم الميكانيكية أقصاه؛ حيث يقول: " يطلق توصيف الميكانيكي على تلك المعرفة، التى تولد من التجربة، بينما المعارف التى تتولد من العلوم، وتنتهى فى العمليات اليدوية، فإنها تسمى عندئذ بالعلوم نصف أو العلوم شبه الميكانيكا " .

إن تقدير دافنشى لعلوم الميكانيكا كان له أثره فى أن يصبح واحداً من كبار المهندسين والمصممين للآلات فى عصره ؛ حيث كان مهتما بشكل خاص بمشاكل الاحتكاك والمقاومة وتوصيف عناصر مثل أسنان اللولب والتروس والرافعات الهيدروليكية وأجهزة التدوير وتروس الثقل، وما شابه ذلك بصورة فردية أو فى مجموعات متنوعة، وبمرور الزمن اختلط اهتمامه بالميكانيكا التطبيقية . كما أدرك دافنشى أن القوى الميكانيكية العاملة فى القوانين الأساسية للميكانيكا تعمل فى كل مكان سواء العالم العضوي أو غير العضوي. وهكذا فإن القوة أصبحت فى النهاية المفهوم الأساسي بالنسبة لدافنشى وكخاصية روحية فإنـها كانت تشكل وتحكم الكون.

وأينما فحص دافنشى ظواهر الطبيعة، كان يعترف بوجود قوى أولية تحكم شكل ووظيفة الكون . ففى دراساته عن طيران الطيور التى اتخذت فيها فكرته الشبابية عن إمكانية أو جدوى أداة الطيران شكلا قد أدت به إلى بحوث شاملة فى عنصر الهواء .

وفى دراساته للماء التى اهتم فيها بالخواص الطبيعية يقدر اهتمامه بقوانين الحركة والتيارات . وفى بحوثه عن قوانين نمو النباتات والأشجار. وكذلك التكوين أو التركيب الجيولوجي للأرض وتشكيل التلال .

وأخيراً فى ملاحظته لتيارات الهواء التى تستحضر لهب شمعة أو صورة خيط رفيع من سحاب ودخان . وفى رسوماته – خاصة فى دراساته عن الدوامات بناء التجارب العديدة التى قام بها، وضع دافنشى مرة أخرى شكلاً للتمثيل ينطبق على أسلوب معين كان من تصميمه هو نفسه، وكان هذا يتضمن تقسيم الظاهرة إلى أجزائها المكونة لها – خطوط الماء والتيارات الدائرية للدوامات . ولكنه فى الوقت نفسه يحتفظ بالصورة الكاملة والرؤية التحليلية والتجميعية . وهكذا فإنه بالنسبة لكل المجالات الفردية المنفصلة لمعرفة علم الطبيعة، قدم دافنشى صورة موحدة للعالم: نظرية لنشأة الضرورة وقانون الانسجام اللذين خلقهما الله".

وانطلاقاً من هذا يرى بعض الباحثين أن دافنشى: " كان عبقرية تكنولوجية لا مثيل لها، ففي أعماله تتحول التقنية إلى تكنولوجيا، تحولا تعبر عنه أقواله حول الأهمية المطلقة للتجربة، التي يدعى هو أنه تلميذها بالنسبة إلى التأمل الفلسفى وإلى المعرفة الكتبية، والتي ليست على الأقل إلا قاعدة لبناء النظرية التى تحل محلها وتخالفها، تحول نادى به تصريحه الشهير القائل بأن الميكانيكا هى فردوس الرياضيات، حيث تعطى الرياضيات كل ثمارها، الميكانيكا تتحول من  فن تجريبى إلى علم تطبيقى، والتالي إلى علم مغلق أمام كل أولئك الذين ليسوا مهندسين، تحول حققته مشاريعه الآلية التى سبقت زمنه، والتى لا تقدم لنا صوراً كما تقدم المجموعات التقنية من القرن الخامس عشر والسادس عشر، بل مشاريعاً محسوبة ومنجزة بالمقاييس مثل الرسوم الجيومترية.

وتبين مذكرات دافنشى ذلك؛ حيث تحوى دراسات وبحوث تجريبية قيمة في مجال الهندسة الميكانيكية، ومن بين هذه الدراسات والأبحاث أنه وصف وبين بالرسم كثير من الاقتراحات للمخترعات الحربية التى تشمل الدبابات والمدافع والبنادق .

ومما يدل على ذلك تلك الرسالة التى أرسلها إلى الأمير "لود فيكو سفورزا" والتى بين مواهبه فى مجال الهندسة الحربية، حيث يقول فيها:  " سيدي الأجل الأفخم، لقد اطلعت الآن إطلاعاً كافياً على جميع البراهين التى يتقدم كل أولئك الذين يحسبون أنفسهم أساتذة فى أدوات الحرب، فتبين لي أن اختراع هذه الآلات السالفة الذكر، واستخدامها لا يختلفان فى شئ عن الآلات والطرق التى تستخدم الآن، وقد جرأني هذا على أن أتصل بعظمتكم دون أن أبغى فقط الإساءة إلى أحد غيري، لكي أكشف لكم عما عندي من الأسرار، ثم أعرض عليكم بعدئذ، إذا سركم هذا أن أشرح لكم شرحا وافيا فى الوقت الذى يوائمكم جميع الأمور التى أوجزها فى هذه الرسالة، وهى على النحو التالي:-

1- إنى أستطيع بناء جسور نقالة عظيمة الفائدة فى مطاردة العدو أثناء الحرب أو الفرار منه بنجاح. وهى جسور خفيفة وقوية فى آن واحد، كما يسهل فكها وتركيبها بسرعة فائقة.

2- فى حالات الحصار المضروب على قلعة للأعداء يمكنني بوسائلي الخاصة، تفريغ المياه التى تملأ الحفر والخنادق من حولها. وعندي لهذا الغرض آلات حديدية وسلالم تنفع فى تسلق الجدران العالية.

3- إذا كان هناك نهر يمنع الاشتباك بين جيشين، فأنا أستطيع تغيير مجرى النهر وتحويله ضد العدو . كما أحسن حفر الخنادق والأنفاق تحت الأرض بحيث يتمكن المهاجمون من بلوغ القلعة المحاصرة فى سرية تامة ومباغتة العدو من الداخل .

4- أستطيع بناء مركبات مصفحة بالحديد ومجهزة بالمدافع وقاذفات النيران . كما أن بمقدوري صناعة قنابل يدوية محرقة تلتهم جنود العدو عند الهجوم .

5- فى أيام السلم أستطيع أن أحوز رضاكم التام فيما يختص بتشييد العمارات والأبنية والجسور فوق الأنهار وإقامة السدود ومد الأقنية الصالحة للري. وبوسعكم أن تتأكدوا من ذلك .

وبناء على ذلك يذكر بعض الباحثين أن دافنشى قد رحل إلى مدينة " ميلانو" بعد أن رد عليه الحاكم مشجعاً . وبدأ عمله هناك كمستشار فني لأعمال استكمال " كاتدرائية ميلانو"، ثم قام بتصميم بعض الآلات التى كان قد وعد لودفيكو سفورزا بها .

ويذكر " ول ديورانت " أن دافنشى فكر فى وضع كتاب يبين كيف تصد الجيوش بقوة الفيضان الناشئ من إطلاق المياه، وكتاب يبين كيفية إغراق الجيوش بسد المياه التى تجرى فى الوديان، ووضع تصميماً لأدوات تقذف بطريقة آلية وابلاً من السهام من سطح دوار، ولرفع المدافع على عربات، وإسقاط سلم مزدحم بقوة محاصرة تسلق الجدران، وأغفل " بورجيا " معظم هذه الأدوات لأنه ظنها عملية، واكتفى منها بتجربتين أو ثلاث فى حصار " تشيري" عام 1503 .

واعتمدت طريقة دافنشى على تحويل كل مشكلة تصادفه إلى فحص منطقي للمبادئ الأساسية الخاصة بها، سعياً وراء الحصول على الهيئة المثلي لطريقة الحل . ويتضح ذلك حين اشتدت رغبته فى استئناف طريقة عمل من المحامل والوصلات والتروس، وغير ذلك من آليات نقل الحركة الميكانيكية.

ولم تقتصر جهود دافنشى على ابتكار الآلات الحربية، بل كانت له إسهامات أخرى فى العلوم الميكانيكية، منها كما يذكر بعض الباحثين أنه عمل فى ميلانو مهندساً للهيدورليكا، حيـث قام بتعديل بوابات الأهوسة المقامة على القنوات (عن طريق إنشائها بزوايا محدودة للصمود فى مواجهه الماء)، وخاصة أهوسة قناة " ماريتزانا "، وقد انبهر دائماً بالقدرات الهائلة للحياة الجارفة . كما صور فى لاسكتشاته عشرات الآلات التى أدخل عليها  تحسينات ".. وللحديث بقية...

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

........................

المراجع

1- د. فؤاد زكريا: التفكير العلمي، عالم المعرفة، الكويت.

2- د. جلال شوقى: عبقرية ليوناردو دافنشى فى الهندسة، مكتبة الأنجلو المصرية، الطبعة الأولى، القاهرة،1964،

3- د.جلال شوقي: ليوناردو دا فينشى وبحوثه العلمية، الهيئة العامة للكتاب (سلسلة العلم للجميع)، القاهرة، 1974.

4- ول ديورانت: قصة الحضارة.

5- مجموعة الكوديك أطلانطيقوا والتي سميت في ترجمتها الإنجليزية بمذكرات ليوناردوا دافنشي.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5056 المصادف: 2020-07-09 02:58:58