 قضايا

دولةُ المُتملِّق: في ذهنية الاحتيال (2)

سامي عبد العالقد يغْفل المُتملِّق أنَّه يرتكب فعلاً فاضحاً في الطريق العام، مهما تكُّن العلاقةُ سريةً بينه وبين السلطة. وعندما تستجيب له الأخيرةُ، فهي تتعاطى خيانةَ شعبها المُنتظِر لحياة كريمةٍ. وجلُّ إنْ لم تكن كل المجتمعات العربية لا تعيش حياتَّها الحقيقية التي تستحق. وربما لا تدرك معنى الحياة لكونِّها حُرمت العدالة والحرية طوال عقود. ولم تنل سوى النهب لثرواتها وعقولها وأخيراً إضاعة فرص العمل والتفاعل والحُكم. هل هناك مجتمع عربيٌ واحد يتفاءل شبابُه بمستقبل واعدٍ (أو بوعود مستقبلية)؟! الإجابة معروفة، ويكفي إلقاء نظرةٍ على الواقع، لنعرف أنَّ الفجوة بين العرب والعالم تقارب المستحيل.

ليس هذا وحسب، بل الاثنان (المُتملِّق والمتملَّق) يغتصبان الإنسانية بانتهاك خيارات حرةٍ ما كانت لتذهب لمتسلق لولا تبديد المعايير. إن دلالة الدولة بثقلها الحداثي الأول هي تقنية سياسية لمعايير شفافة وحيادية لا تعبأ بأي تزلف على وجه الخصوص. وحين تُلوى أوجهُ الحقائق لخدمة أشخاص أو جماعات، فالالتواء يصيب كلَّ إنسان في مصيره وأهدافه. ويغلق المنافذ أمام تطور المجتمعات، فكلُّ فردٍ يضيف بُعداً إلى سواه بحكم التفاعل والاختلاف ايجاباً أو سلباً. والنظام الاجتماعي محصلةٌ افتراضية لهذا العمل. لكن عندما يفشل الأفراد في صناعة واقعهم، فالمجموع كم عبثي مترهل لا تخطئه العين (العرب كمٌ بلا كيفٍ).

لُب المشكلة أنَّ التملُّق في المجال العام غير قابل للتصنيف. كيف يُبرر باسمه؟! وما موقعه في المجال العام؟ وما هو أصلاً بهذا المعطى أو ذاك؟ فقد يقال إنَّه مجاملة أو مدح عابر أو علاقات عامة أو حظوة أو معارف أو واسطة أو هات وخذ (تبادل مصالح). هنا ليست القضيةُ تعريفاً، لأنَّ شفراته (طبيعته ونتائجه كعمل مبتذل) بالنسبة لتقنيات السياسة أمر غير وارد من المؤسسة إلى الدولة. إذن التساؤل المنطقي: إلى أين ينتهي مع تعميم نبراته وممارساته؟ وكيف ستكون دولة المتملق حينئذ مع تنوع مواطنيها حالاً وثقافةً ومكانةً؟! فالدولة كائن سياسي محايد غير قابل للمداهنة، هي موجوده أصلاً من أجل هذه المهمة، وربما تقول لكل متملق أنت غير قابل للتبرير. فلا توجد لديها أدنى مساحة له ولا تجوز. من زاوية كهذه، تكشف دلالة الدولة زيف الممارسات الطفيلية. ممارسات لا تكتفي بالإفراز غير المباشر إنما تتراكم في شكل تفاهات قاتلة. والدولة كائن غير مرئي ولا يجوز اعتبارها شخصاً فردياً تستميله بمعسول الكلمات.

خطورة مفاهيم الدولة أنها في اللحظات الحرجة تصبح مصفاة دقيقة لغربلة الأفكار والأفعال. والدولة التي لا تفعل ذلك حتى بالنسبة للمتملقين تصبح كالبقرة الحلوب التي لا تأبه بمن يحلبها عنوةً أو احتيالاً. وما أكثر الأبقار الحلوب التي تحدث عنها دونالد ترامب حين أشار إلى الدول العربية أكثر من مرة. فالضروع ممتلئة والمراعي فسيحة والبلهاء لا عدد لهم سوى التناسل، والعلاقات العامة قائمة على التواطؤ.

إذا قلنا إنَّ للتملق جوانب ثقافية خالصةً، فإنَّه يتجاوز حدود الأشياء. فقد يعدُّ نوعاً من اللصوصية البائنة. لدرجة أنّ متملقاً يسطُو على ما لا يمتلكه ولا يجوز له... وبالتأكيد سيذهب إلى غيره. كما أنَّ اللصوصية تظل سارية، لأنَّ التملق سيترتب عليه نتائج خطيرة من حيثيات، على الأقل تضمن توابع لاحقةً تُؤسس عليها. بالتأكيد سيكتسب الفعل مشروعيةً ظاهرةً، وما بُني عليه ستتواصل ممارساته فيما بعد من جيل إلى آخر (بلغة القانون: ما بني على باطل فهو باطل) لكن بلغة الواقع يصبح تقاليد معمولاً بها. أيضاً قد يكون التملُّق بمثابة ازدواجية مقيتة تعطى المتملق مساحة من القوة، بينما تحُول دون الأمر نفسه لباقي الأفراد.

لكن أليس هذا التصور يهدم كيان المجتمعات مباشرةً؟! لأنَّ كل عمل مزدوج بهذه الطريقة يحدد أي مستقبل سيكون لمعاني العدالة والمساواة. ويوضح أمام الأنظار أية اختيارات ستدفع الدولةُ الناسَ إليها. فإذا كان المتملِّق يصل إلى مآربه بالطريقة المذكورة، فالخيار الآخر هو أخذ الفرص بالقوة الغاشمة. فلا يوجد طريق آخر، على وجه الدقة لم يترك المتملقون باباً لمشروعية المطالب وتحسين الأوضاع المتاحة للعيش في البيئات العربية.

ولو عدنا إلى الحياة، فإنَّها لا تمنع انساناً من العيش ولا بلوغ أهدافه في كليتها. غير أنَّ ذلك قد يحدث بتدخل إرادة التملق باسم الامكانيات الشخصية. أي أنَّ الشخص يحدث انحرافاً في قدراته لمحاربة سواه بطريقة تبدو مأمونة العواقب. لأنَّ المسؤولية لن تقع عليه قصداً، إنما ستكون العواقب مزيفه، فهي تتم باسم السلطة كما لو كانت قد حدثت باختيارها ابتداءً. وواقع الحال أنها كذلك في حالةِ إذا كانت سلطة مستبدة وغير عادلة. ولكن سماحها بالتملق جعل هناك تلاعباً يمكن اعتباره تدخلاً غير مشروع. إذ أنَّ السلطة تخضع لنظام أوسع... وكان يفترض من الدولة رتق المناطق الزلقة التي يتزلج عليها المتسلقون.

هاهنا ينطوي التملق على دلالة أخلاقية وسط وضع قانوني اسمه الإرادة العامة. إذن من حيث البدء هو يأخذ الاتجاه العكسي لا الاتجاه الخطأ فقط. ولو كانت الدولة العربية قوية من جهة تأسيسها ما كان ليخترق متملقو السلطة أيَّ جدار. ففي الأسفل منه - هكذا المفترض- توجد مفاهيم "ما ينبغي" أن يكون إزاء المواطنين دون تفرقة. وفي حالة التملق، قد تقلب السلطة المجتمع رأساً على عقب. فالغاية القصوى لأي فعل سياسي هو حياة الانسان، مثلما أن الغاية الدنيا للمتملق نهب الفرص بغض النظر عما تؤول إليه.

وتلكم نقطة تعرية أساسية تجعل (التملق) مغتصباً لفكرة الحق. ويصطدم مع مغزى القوانين حين تقوم على ثلاثة عناصر:

1- القوة... فالقانون ينطوي على وافر قدرة ذاتية بوصفه انعكاساً لإرادة عامة تفوق طاقة الأفراد وتقوِّم مساراتهم. وبالتالي يصعب اخذه بعيداً لكون الكل (الارادة العامة) تكمن في جميع تفاصيله. ومهما تم تنحيته جانبا ولو تجزيئياً، فأصغر وحداته وبنوده ستنبت الكل مرة أخرى. والعقل الاحتيالي من تلك الجهل يلجأ إلى قوة التلاعب بالسلطة. وهو ما يظهر ضعف التصورات الجارية حول السيادة  وتحويلها إلى موضوعاً للنهب.

2- الحق... لكون القوانين تعطي مشروعية انجاز الحقوق وبذل الواجبات لجميع الأفراد دون استثناء. القوانين تتعامل مع حالات وقرائن وأدلة تخص الحق كشخصيةٍ اعتبارية لا منحازة ولا خاصة. ولهذا فإن تجسيد الحق بشكل مسخ هو في حقيقته اعتداء على تلك الشخصية الاعتبارية قبل أي شيء سواها. كمن يريد أن يسرق الإله ، هل يعرف السارق من هو المسروق أولا؟ هل يدرك أية حماقة ارتكب؟ لأن المسروق غير قابل للتشغيل إلاَّ بنظام خاص يفوق قدرات السارق ولن يعمل كما يظن بطريقته الشخصية.

3- المسؤولية... لأنَّ الفعل مهما يكن شأنه، فيتميز بمقدمات وتبعات. وضمن الجانبين هناك مسؤولية أوسع تستوجب خاصية القدرة عليه والتحمل لنتائجه بكل حيادية ونزاهة. والتملق من هذا الباب يهدر مسؤولية مغايرة لكنها مرتبطة به. مسؤولية ألا يفعل الإنسان فعلاً مضاداً لطبيعة الدولة. وهي في هذه اللحظة يفترض أن تكون للكل لا الجزء.

ولئن كانت القوانين كذلك، فالمتملق يزيِّف القوة بخطف الحق لنفسه بعيداً عن مسؤولية الدولة الناهضة على العدالة والمساواة. وهذا ما وضعه (أي التملق) في خانة فردية وتحت التكتم الشديد. ولئن بدا في سياقات معينة واضحاً، فلأنه آلية معمول بها ولا تخلو منه دولة عربية واحدة. وهو يستند إلى أبعاد أخلاقية نتيجة ثقافة اللا دولة التي تبطن الأفعال السياسية في ذهنيات العرب. واللادولة هي في حقيقتها ترسانة من الألاعيب التي يستلها المتملقون ويقومون عليها ويمارسونها في انجاز مصالحهم.

ضمن الفصل السادس من مقدمته يصوغ ابن خلدون عنواناً يعرفنا جذور المسألة: "في أنَّ الكسب إنما يحصل غالباً لأهل الخضوع والتملُّق وأنَّ هذا الخُلق من أسباب السعادة "( ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون" الجزء الأول من تاريخ ابن خلدون" تحقيق خليل شحادة مراجعة، سهيل زكار، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت لبنان، 2001. ص488).

فكر ابن خلدون ليس شخصاً عادياً حتى تكون عناوينه واردةً اعتباطاً. هو عصب (حس) حيواني لحركة التاريخ الاجتماعي والثقافي والنفسي الخاص بالعرب وتحولاتهم. أي لا يستنكف تعرية الأعصاب الحية للأفعال في واقع موحل بالخراب والهزائم. ولا يتوانى عن رصد الاحساس بأقل وقائع تسهم في تغيير الصورة النمطية أو تدعيمها. فالتاريخ لا يشترط أحداثاً كبرى في حركة دائمة، إنما قد يكون ثمة فعل جزئي كالتملق قادراً على رسم الصورة الاجمالية القابلة للتكرار.

ولذلك كثيراً ما تبرز عناوين ابن خلدون وضعاً تاريخياً يحكم شراع الأحداث والخطابات والأعمال في الواقع المعيش. وكأنَّه يقول إذا أراد القارئ بحثاً عن قضية فتكوينها على هذه الشاكلة. وأنَّ آليات عملها تكون هنالك بهذا المعنى المقصود أو غير المقصود. وقد تأكدت لديه الفكرة وسارت إلى غايتها خلف الظواهر. وهو يتكلم لا من زاوية شخصية – وإن كانت تظهر تفضيلاته وانحيازاته- لكنه يترك الخيال يجري وراء الأحداث والظواهر لعلَّه يلتقط علاقات جديدة وبعيدة الأمد. وابن خلدون- في كتاباته- يغيب عن قصد حتى يترك موقعاً لتفاعل الخيال والحوار الضمني كما يسمى في النقد الأدبي.

عندما يقول ابن خلدون إنَّ الكسب مرتبط بالخضوع والتملق، فالخلفية تتحدد أكبر من معطيات الألفاظ. لأن نمط الحياة يتخلل كافة المعطيات ويأخذ صوراً غير مألوفة رغم تكرار الفعل. فالكسب عملية اقتصادية تؤكد طبقية المجتمع وغلبتها الاقتصادية. وأنَّ السلطة تمتلك رأسمالاً مادياً ورمزياً يجتذب إليه الأهداف والعلاقات. كما أنَّ مفردة الكسب تعني جهداً يبذله أهل التملق للاسترزاق بحيلهم( خفة اللسان واليد). فهم يأخذون طريقاً واضحاً له خطه الممتد في دوائر المجتمعات. وكأن معرفته (أي التملق) تقرر إمكانية: أن يسير فيه من يجيد تلك الصناعة لبلوغ مآربه أم لا.. والعنوان لا يجد غضاضة في تدعيم الفكرة من خلال التفاصيل. وليس هذا فقط بل يقرر صاحب المقدمة إن التملق في البيئات العربية من أسباب السعادة.

والرابط المقصود يجري بين الخضوع والسعادة.. أي قد يتحول إلى معادلة نفسية سياسية أخرى. وكانت جزءاً من محيط وحفريات ثقافية أعمق في اللاوعي الجمعي. فالسعادة ليست معطى مؤقتاً بناء على تحصيل النتيجة المباشرة، لكنها حالة إجمالية لها علاقة بالأسباب التي تجعل الحياةَ كذلك في طابعها العام:

- تملق + خضوع = كسب( اقتصاد السلطة).

- خضوع + تحايل + كسب = سعادة( عوائد التملق اجتماعياً).

- استخضاع (طلب الخضوع ) + كسب = (استعباد واستعمال).

وكعادته لا يترك ابن خلدون المسألة دون وضعها في سياق واقعي. فالجاه مفيد للمال، والسبب أنَّ: " صاحب الجاه مخدوم بالأعمال يُتقرَّب بها إليه في سبيل التزلف والحاجة إلى جاهه. فالناس مُعيِنُون له بأعمالهم في جميع حاجاته من ضروري أو حاجي أو كمالي، فتحصل قيم الأعمال كلها من كسبه وجميع معاشاته أنْ تبذل فيه الأعواض من العمل يستعمل فيها الناس من غير عوض، فتتوفر قيم تلك الأعمال عليه. فهو بين قيم للأعمال يكتسبها وقيم أخرى تدعوه الضرورة إلى اخراجها فتتوفر عليه" (المرجع السابق، ص 487).

هنا يغمس صاحب المقدمة قلمه التاريخي بأحبار الثقافة العربية الاسلامية. ولا يهمه ما إذا كانت الفكرة بادية المعيار الذي يضبطها أم لا.. فالجاه يوازي السلطة بل هو السلطة بعينها وهيئتها واصدائها ضمن المتخيلات والمفاهيم والآثار الاجتماعية. وكأنَّ الجاه مصادرةٌ سالفة التحقق بلا نقد ولا مراجعة. وتحمل من بداهتها الاجتماعية ما يجعلها دالة في اتجاهها وحسب. وفي هذا ثمة اصداء لاهوتية تطل برأسها من خلف العبارات. ففي المعاني الشعبية للتمسيك بالمقدس يقال (أقسم بجاه النبي). والجاه من تلك الزاوية حزمة قوى تجتمع لدى السلطة بما فيها الأبعاد الخفية التي تتخلل لاوعي الأفراد (كالخوف، الآمال، الغرائز). وتأتي بعنق التجربة الدينية لتشاركها التحيز لمصالح السلطة.

وبفضل هذا الاختلاط بين المقدس والسياسي اجتماعياً ونفسياً، فإنَّ الخضوع لدى الناس مقبول. بل يوضح الكسب أنَّ تكسباً كفعل مستهدفٍ هو المقصود، أي أن الخضوع في الثقافة العربية نوع من التكسب... وهذا هو محصلة التملق والتذلل. إذ يقود إلى استمراء الخضوع والاخضاع (السادية والمازوخية) في علاقة غدت مطلوبة لذاتها (علاقة العبد والسيد عند هيجل). بدليل أنَّها تصل إلى حد السعادة الغامرة. وليس هناك أبلغ دلالة من هذا المعنى وراء التملق. فهو يغطي علاقات القهر في المجتمع حتى أن فاعليه ينسون ابتذاله وغثيانه الممض. وينهمكون في لذة خطف ومضغ الفرص من الآخرين والتنكيل بهم. لأن ذلك يسبب لهم ابتهاجاً داخلياً يليِّن علاقات العنف الشائع. أي أنَّ استعذاب الخضوع والتمتع بالقهر والتلذذ بالاستعباد والقابلية للتهميش... أشياء بدت مبهجة لفاعليها. وهنا المأساة ليست يومية، بل تاريخية انتجت أفرادا مهوسين بمحاربة الآخرين ومضغ أحزانهم. وتواصلت العملية في شكل قتل رمزي على المدى البعيد، فمن ينكل بك لأجل نهب الفرص المتاحة، يصفي وجودك على ناصية الحياة اليومية.

وليس أقرب إلى ذلك من مواقف جماعات الارهاب إزاء حياة الآخرين. فإذا كانت السلطة المدنية تقنن الخضوع لمواطنيها على ذات المستوى، فالجماعات الدينية يجهزون اخضاعاً بإمساك المقدس بيدٍ واستعماله كرأس حربة بيدٍ أخرى. بحيث يكون التملق لديها محتكراً عليهم. وليس صحيحاً أنَّ تطبيق الشريعة سيمنع التملق بالنبرة الاخلاقية، لأنَّ تلك الجماعات الارهابية تتكون بطريقة التوسط الوثني – كما سندرك لاحقاً- الذي يتخذ من النصوص ومن الشيوخ والأمراء ومن الخليفة... ومن الإله قنطرة لتحقيق المصالح. بصرف النظر عن الحق الإنساني في عدالة منصفة خارج الاعتقاد والانتماء والشخصنة التي تجسد الأهواء في أشكال مادية عصية على التجاوز.

والتجارب الاسلامية أثبتت أنَّ الشعارات الاخلاقية والدينية كانت غلالة رقيقة سرعان ما تتمزق عندما يصل أصحابها إلى كرسي الحكم. كل ما سبق ينهار وتصبح ممارساتهم أشد قسوة وأكثر وصولية ومحسوبية من ذي قبل. لأنهم بذات الشعارات لا يخدعون سواهم فقط بل يخادعون القيم والمبادئ الإنسانية إجمالاً. وهذا سبب أنَّ الاسلاميين لا يعترفون بالدساتير والقوانين الوضعية، لأنهم يفضلون الحدود الخارجية (تطبيق الحدود) كإلزام يخاتلونه بينما يختلسون الواقع اختلاساً بلا هوادة. وبينما يكون البناء الروحي للمجتمعات غير مهم، لأن الروح من وجهة نظرهم تأتي في مرحلة متأخرة. المهم هو الهيمنة على الأجساد والقوى العامة لسياسة البشر.

وفي تجارب الدولة العربية – بحلاف تصورات الاسلاميين- غدا التملق حشواً من الأفعال الملاصقة لكل مرحلة. تكفي نظرة بسيطة على أي خطاب لأي مسؤول لترى كماً من التملق والمداهنة للسلطة دون توقف. حتى أن حُكاماً – بحركة لا واعيةٍ – يمارسون الفعل نفسه إزاء الشعوب، لأنهم يعترفون في قرارة أنفسهم بالتملق كوسيلة لإثبات الولاء والبراء. وهذا يخلق أوهاماً فوق أوهام كأنَّها الحقيقة، بينما هي دخان يغشي الأبصار إزاء الواقع ومشكلاته. ويصبح النقد ممقوتاً لدرجة الفوبيا من أية مُساءلة فاحصة. خطاب التملق يفسد السياسة كما تفسد الحشرات الفاكهة، تلك التي ينظر إليها الرائي كأنها ناضجة وشهية بينما تسكنها الديدان والاعطاب.

 

سامي عبد العال

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5057 المصادف: 2020-07-10 03:42:06