 قضايا

المفكرون العرب وأمية القرن الحادي والعشرين

فاضل الربيعي نموذجاً

يعتبر فاضل الربيعي من كبار المفكرين في العالم العربي. كتب، ولا يزال يكتب، في الأدب والسياسة والتاريخ والأسطورة. ونتيجة  لذلك تجمع له وحوله حشد من الكتابات والمواقف والتقويم إعجاباُ أو غير ذلك. وقد ظللت لوقت أمني النفس بالانكباب يوماً على مؤلفاته لأن بعض اهتماماتي المتواضعة يلامس بعض انشغالاته الكبرى. ولكن عند قراءتي لآخر ما أتيح لي من كتاباته أيقنت أن قراءة أعماله قد تكون تجربة مضنية ومحبطة ستثير من الأسئلة أكثر من ما تقدم من إجابات. وقد لا تكون كذلك، ولكن كتابته الأخيرة وضعت مصداقيته عندي نهباً للشكوك. والحكمة الشعبية تقول الذي يكذب في الأمر الصغير يكذب في الشأن الكبير. كما أن هنالك ثٌلة من الناس كلما ارتفع بهم المقام كلما أغراهم ذلك باستباحة حرم الحقيقة وانتهاك قدسيتها.

والكتابة التي أتحدث عنها تحمل عنوان "أمريكا في اللحظة السوفيتية –  من يلتسن السكير إلى ترمب المهرج: العالم في فوضى". وقد دفعتني هذا المقالة دفعاً لا هوادة فيه لكي أضم المؤلف الذي لا أعرفه جيدا إلى تصنيف عندي لقطاع عريض من المفكرين العرب أطلق عليهم اسم "المتخيلين العرب". ذلك لأن هذه الزمرة في المبتدأ ذات علاقة ضعيفة بالفكر كجهد إنساني مبدع، وفي الخبر ليست أكثر من مجموعة من الأدعياء لا تكتفي بأن تزحم الأرض سؤالاً وإجابة، وإنما تعمل أيضاً على قمع كل من يجرؤ على من يشير إليهم بأصبع اتهام. ومع هذا لا بد لي من الاعتراف بأن المقالة لم تفاجئني أو تفجعني، إذ أنها منحتني شيئاً من الرضا لأنها أثبتت لي أولاً سلامة سوء ظني في المتخيلين العرب الذين كثيرا ما يحلقون كبغاث الطير فوق موائد الفكر الغربي ليعودوا بعدها بما التقطوه من فتات ليستنسروا به على القارئ العربي. يفعلون ذلك وهم لا يستطيعون أكثر من إعادة تدوير ما التقطوه بلا قدرة على هضمه أو رفضه أو دحضه أو تفنيده أو تعديله أو تطويره، وإنما تقتصر قدراتهم فقط على تزويره وتشويهه بسبب ضعفهم اللغوي، وعجزهم المعرفي، وقصورهم المنهجي، وفوق هذا جميعه عوزهم الأخلاقي. كما أن المقالة أتاحت لي ثانياً فرصة وضع المتخيلين إزاء مجموعة عالمية ذات صوت وصيت وأثر وتأثير، وتلك هي مجموعة المستقبليين الأمريكيين التي أعرف عنها بعضاً من الأشياء التي ترتبط بقلة من الأفراد المتميزين، ومن بينهم، لحسن حظي ولسوء حظ الربيعي، آلفين توفلر. هذا مع الاعتراف مرة ثانية بأنه لم يخطر ببالي قبلاً أن هنالك وجه مقابلة أو مقارنة أو حتى معارضة بين المستقبليين الأمريكيين وبين المتخيلين العرب. ولكن مقالة فاضل الربيعي "أمريكا في اللحظة السوفيتية" جعلت من واجب التصدي لهذه الظاهرة ليس فقط أمراً ممكناً، بل شأناً ملحاً لا يجوز تفاديه في إطار محاولة تقليم أظافر التزوير، وقص أجنحة التزييف، وتحجيم غرور الادعاء. ثم أن المقالة أتاحت لي ثالثاً فرصة تسليط الضوء على واحد من كبار مفكري العصر.

و"أمريكا في اللحظة السوفيتية" مقالة رائعة في شكلها اللغوي، كبعض تلفيقات المتخيلين العرب، ولكنها مروعة في محتواها المعرفي، كمعظم سقط متاعهم الذي يثقلون به كاهل العقل العربي. ولكن قبل المضي قدماً في قراءتي لأطروحة الربيعي، أود التنويه إلى أن المتخيلين لا يتورعون عادة عن قول أي شيئ استهانة منهم بالمتلقين، وقناعة منهم بأنه  ليس هنالك من يراجع صحة مزاعمهم التي تزري في أفضل تجلياتها بالتزوير في أبشع حالاته. يفعلون ذلك وهم على يقين من أنه لو اكتشف أحدهم زيف مزاعمهم فإنه لن يخطو الخطوة التالية ويتصدى لهم، إما زهداً أو انشغالاً أو خوفاً من ردود أفعالهم الغاضبة. ولكن لسوء حظ أحدهم، ليس هذه المرة. هذا وقد كنت دائماً ميالاً لنعت تلك الزمرة بالمزورين العرب لأنهم درجوا على مناصبة الحقيقة العداء بلا تردد، وعلى مجاهرة النزاهة بالعصيان بلا حياء، حتى صارت هذه النزعة التزويرية، التي يقدم الربيعي هنا نموذجاً "صادقاً" لها، طبعاً ثانياً وحالة ذهنية مرضية تستشري بين المتخيلين العرب كافة، سواءاً عبسوا في وجهك من اليمين، أو نظروا إليك شزراً من اليسار. ولكنها أوسع انتشاراً بين متخيلي اليمين أكثر مما هي منتشرة بين متخيلي اليسار، ليس لأن اليساريين أشد حرصاً على الحقيقة، أو أوفر عزماً على اصطناع المنهجية في تعاملهم معها، وإنما لأن اليمينيين أكثر منهم عدداً، وأيضاً لأن قاعدة الغاية تبرر الوسيلة مترسخة بين الأخيرين بشكل جذري يكاد يجعل من التزييف عندهم فضيلة، ويحيل الصدق عندهم مسبة ورذيلة. أعود لأقول إنني صرت مؤخراً ميالاً لكي أطلق عليهم صفة المتخيلين، مع التشديد على ضرورة أن لا ينخدع القارئ بتداعيات صفة التخيل هذه حتى لا يُسقط عليهم تبعاً لذلك بعضاً من صفات الرقة والوداعة. ذلك لأنهم، وإن لم يصلوا بعد إلى بشاعة وبراعة الحشاشين القدامى، فإنهم ليسوا أقل منهم خطراً في اجترائهم على الحقيقة، وفي تغولهم على المعرفة، وفي فتكهم بمتطلبات البحث ومقتضيات الدراسة. ولكن على الرغم من هذا الترهل المفزع لا بد من تحية نخبة من المفكرين الجادين الذين يقبضون على جمر الحقيقة ولا يتزحزحون عن التزامهم بقدسية المعرفة قيد أنملة، ولكنهم في مواجهة طغيان المزورين المتنمرين يجدون أنفسهم دائما أضعف ناصراً وأقل عددا.

وللتدليل على صحة مزاعمي عن خطل وخطر المتخيلين العرب أعود إلى فاضل الربيعي وإلى مقالته "أمريكا في اللحظة السوفيتية" التي يخوض فيها فيما لايعرف عن توفلر وعن مؤلفاته. ولقد وجدته أمرا مضحكاً ومبكياً أن يقول الربيعي بلغة العارف الواثق المطمئن: "في عام 1987 نشر المستقبلي الأمريكي آليفين توفلر ثلاثة كتب هي الأشهر من كتبه (الموجة الثالثةThird Wave ، وخرائط العالم World Maps، وتوزيع/تشظي السلطة  Power Distribution). ففي الكتاب الأول تنبأ توفلر بانهيار الاتحاد السوفيتي في غضون بضع سنوات، وهذا ما تحقق بشكل مذهل، فبعد بضع سنوات بالفعل من صدور الكتاب سقط العملاق ذو القدمين الطينيتين." ويقيني أن أسوأ الناس ظناً لن يجرؤ على "تخيل" إمكانية ارتكاب كاتب في مقام الربيعي أكثر من خمسة أخطاء واقعية Factual في سياق ثلاثة أسطر فقط هي لب مقالته. ولكن هذا ليس أمراً يتجاوز جسارة المتخيل العربي الأصيل الذي لا يخشى في اغتيال الحق لومة لائم، حتى أنه صار أمراً دارجاً، بل متوقعاً، وحتى مقبولاً، أن يخوض المتخيل العربي في ما لا يعرف دون أن يرف له جفن أو يتعثر له لسان.

وحتى لا أتهم بإلقاء القول على عواهنه أقدم رصدي للأخطاء الخمسة التي أزعم أن الربيعي قد اقترفهاغير هياب ولا وجل، وهي أولاً: لم ينشر آلفين توفلر (وأرجو أن لا ينزعج القارئ على كتابتي  Alvinعلى هذا النحو فالربيعي نفسه يعود لكتابتها كذلك بعد أن بدأ كتابتها على أنها آليفين) أي كتاب في سنة 1987. ثانياً: لم ينشر توفلر مؤلفه الشهير "الموجة الثالثة"  The Third Wave" في تلك السنة وإنما نشره في 1980. ثالثاً: لم ينشر توفلر لا في 1987 أو في أية سنة غيرها كتاباً اسمه "خرائط العالم" World Maps. رابعاً: لم يكتب توفلر كتاباً اسمه Power Distribution ترجمه الربيعي على أنه "توزيع/ تشظي السلطة"، بمعنى أن الكتابين المذكورين هما عنوانان متخيلان تماماً ابتدعتهما مخيلة  المتخيل الكبير فاضل الربيعي. ولبعض من الفائدة فإن الكتابين الآخرين اللذين يمكن للمهتم إضافتهما ليشكلا ثلاثية مع "الموجة الثالثة" هما "صدمة المستقبل" Future Shock الذي نشره توفلر في 1970 و"انتقال القوة" Power Shift الذي نشره في 1990. وأرجو أن لا يظن الربيعي، أو أي شخص آخر، أن الكتاب الأخير هو الكتاب الذي توهمه تحت مسمى "توزيع- تشظي السلطة” Power Distribution فشتان ما بين العنوانين. ثم أن كتاب Power Shift الذي يُقرأ كامل عنوانه على أنه "انتقال القوة: المعرفة والثراء والعنف على حافة القرن الحادي والعشرين"، ليس عن تشظي السلطة، وإنما عن انتقال القوة كنفوذ من المستويات السياسية إلى مستويات الحياة اليومية في المتاجر والمستشفيات والمصارف والأعمال التجارية والتلفزيون والهاتف والحياة الشخصية. ولكن الربيعي الذي لا علم له بذلك لا يكتفي بالتواضع ويرضى بالسكوت، وإنما يمضي قُدماً مُقدماً لكتابين لا وجود لهما إلا في مُخيلته.

وفي ذات السياق أقول إنه من الممكن أن نختلف حول ترجمة اسم كتاب، وعند حدوث ذلك فإننا نعود إلى اسمه في لغته الأصلية. فعلى سبيل المثال يمكن لشخصين أن يتحدثا عن رواية ويليام فوكنر الشهيرة Sound and Fury  فيشير إليها أحدهما على أنها "الصخب والغضب"، بينما يشير الآخر إليها على أنها "الضجيج والغضب"، ولكن أي منهما لا يستطيع الإشارة إليها على أنهاNoise and Anger ، أي أن مرجعيتنا في هذا الشأن تظل دائماً اللغة المصدر source، وليست أبداً اللغة الهدف target. خامساً: لم يكتب توفلر كتاباً اسمه Third Wave وإنما كتب The Third Wave الذي يترجم على أنه "الموجة الثالثة". أما الترجمة الصحيحة للكتاب الذي ابتدعه الربيعي فهي "موجة ثالثة" وليست "الموجة الثالثة". وإذا سأل سائل هل تحدث أداة التعريف The  فارقاً في التمييز بين الكتب فالإجابة هي نعم. والشاهد الأكثر حضوراً هنا هو Invisible Man وThe Invisible Man، وعليه عندما يتحدث أحدهم عن Invisible Man يدرك القارئ الحصيف أن ذلك الشخص يتحدث عن رواية رالف إليسون "رجل خفي". كما سيدرك أنه عندما يشير ذلك الشخص أو غيره إلى The Invisible Man فإنه يعني رواية إتش جي ويلز "الرجل الخفي".

أما عندما يشير الربيعي إلى Third Wave فسيتضح لنا (يتضح لي أنا على الأقل) أنه يترجم إلى الإنجليزية وليس منها كما يتوقع المرء من الذي يكتب عن آلفين توفلر. كما أن كتابة "توزيع- تشظي  السلطة" على هذا النحو تشي (مرة أخرى بالنسبة لي أنا على الأقل) بأنه يترجم إلى الإنجليزية من لغة ثالثة غير العربية. ولأني شخص شديد الارتياب وجدتني أسأل نفسي هل يا ترى من الممكن أن تكون الترجمة من اللغة الرومانية؟ وهذا مجرد تخمين مترتب عن أن الربيعي قد تفضل علينا بأن "الرئيس الشهيد" نيكولاي شاوشيسكو "طلب ترجمة كتاب توفلر ثم وزع بنفسه عشر نسخ فقط على أعضاء في المكتب السياسي للحزب الشيوعي الروماني..." ولا تثريب هنا على شاوشيسكو في ارتكابه هذا الفعل الذي يتنافى مع مبدأ ديمقراطية الطباعة "فالرئيس الشهيد"، كما حدثنا الربيعي، "كان مرعوباً مما يجري في العالم، وأيقن أن هذه النبوءة ليست مجرد نبوءة." ولكني لا أدري أين وجد "الرئيس الشهيد" تلك النبوءة، والتي هي بالطبع "انهيار الاتحاد السوفيتي"، ما لم تكن الترجمة التي طلبها ترجمة رديئة للغاية.

وعلى صعيدٍ موازٍ إذا أعاد القارئ النظر إلى تواريخ نشر كتب توفلر فسيلاحظ أن الفارق الزمني بين كتبه الثلاث الكبرى لا يقل عن عشر سنوات، فهكذا كان يكتب، وليس ثلاثة كتب في سنة واحدة - كما يخيل للربيعي - وكما يفعل بعض المتخيلين العرب الذين يفيض بهم التزييف فيض قريحة فارطة ليلفقوا أعمالاً لا تضيف للمعرفة شيئا. وغني عن القول أن هنالك في الغالب صلة وثيقة بين مضمون أي كتاب وعنوانه، ولعله من المفيد التوقف قليلاً عند تسمية كتاب "صدمة المستقبل" والذي يتحدث عنه مؤلفه قائلاً: "للإنسان طاقة بايولوجية محدودة لاستيعاب التغيير. وعندما ترتبك تلك الطاقة فإنها تجد نفسها في صدمة المستقبل". أما عندما يقول الربيعي "وفي خرائط العالم تنبأ (توفلر) بأوروبا أخرى غير التي نعرفها، سوف تختفي أوروبا الغربية التي نعرفها" فإنه يضيف إلى حشف التلفيق سوء كيلة الفهم السقيم. فالربيعي هنا لا يسيئ فقط فهم رؤية توفلر، وإنما يناقضها تماماً. ففي "أنتقال القوة" يقول توفلر إن العداوات الأيدولوجية سوف تتراجع، وإن الجغرافيا لن تكون ذات تأثير يذكر، فالبعد المكاني سوف يتراجع لمصلحة البعد الزماني، وإن الرؤى الجديدة سوف تتشكل ليس كصراع بين الشرق والغرب، أو بين الشمال والجنوب، وإنما بين "السريع" و"البطئ". هذا وغيره كثير ينفي الزعم الباطل عن خرائط العالم.

وعلى الرغم من أن هنالك العديد من الأشياء في مقالة الربيعي تثير الحنق، فلا أريد أن أتوقف عندها جميعاً أو طويلاً. ولهذا سأكتفي بملامسة بعضها مثل يلتسن "الكحولي"، مع الاعتراف بأن الصفة أثارت عجبي قبل اعجابي، ولولا مروري بكلمة "السكير" لظننت أن الربيعي لا يتهكم على سلوك يلتسن، وإنما يتهكم على لون بشرته الأثيري، مثلما يعمد البعض التهكم على اللون الزهري لبشرة "المهرج" ترمب. وقد كنت أظن أنني لن أكون مهتماً بمعرفة من الذي جاء بالكحولي والمهرج "للقيام بالواجب المطلوب منهما (وهو) تفكيك البلد القديم ببنائه المتهالك وجدرانه المتصدعة"، حتى باح لنا الربيعي بالسر: إنها الآلة! لقد قالها بوتين "في مزحة عابرة" كما يقول الربيعي الذي لا يتردد عن قولها في جدية تامة: "نعم هنالك (آلة) تأمر الرئيس أن يكون سكيراً أو مهرجاً، ولكن شرط أن ينفذ، ليس مهماً ما هي هيئته، سكيراً يكون أو مهرجاً، ليختر ما يشاء." والدعوة التي يقدمها الربيعي هنا للقارئ ليس فقط لتجاهل رؤية توفلر، وإنما أيضاً لتجاهل رؤى جميع الذين كتبوا اتفاقا واختلافا عن حركة التاريخ وفلسفته بدءاً من هيرودتس الذي يقول "من بين جميع مآسي الإنسان فإن أكثرها مرارة هي أن تعرف الكثير، وأن لا تملك السيطرة على أي شيئ"، ومروراً بابن خلدون الذي يقول  "إن التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار، ولكنه في باطنه نظر وتحقيق"، وهيغل الذي يقول "نتعلم من التاريخ أننا لا نتعلم منه"، وماركس الذي يقول "إن أفكار الطبقة الحاكمة في كل حقبة هي الأفكار الحاكمة، بمعنى أن الطبقة التي تتحكم في المقدرات المادية لكل مجتمع هي التي تتمتع في ذات الوقت بالقوة الفكرية التي تسيطر عليه"، وتوينبي الذي يزعم أن "الحضارات تموت انتحاراً وليس قتلاً"، وهنتنغتون الذي يقول "لقد سيطر الغرب على العالم ليس بسبب تفوق أفكاره أو قيمه أو معتقداته، وإنما بسبب تفوقه في استخدام العنف المنظم"، وانتهاءاً بفوكوياما الذي يزعم أن التاريخ قد إنتهى بانتصار اليمقراطية الليبرالية الغربية. ولكن ها هو مفكرنا الربيعي يأتينا بمساهمة مدهشة يحاكي فيها الروبوت سوني MS5 من فيلم اليكس بروياس الذي يحمل ذات الاسم، يحكي فيها عن الآلة التي تأمر الرئيس مهما كانت هيئته فينفذ.

كما أنني غير ميال للدخول في جدل فقهي حول بسط صفة الاستشهاد على عتاة الشيوعيين في زمن ما بعد الشيوعية. ولهذا سأكتفي بقبول شهادة الربيعي عن "الشهيد" سلوبودان ميلوسوفيتش الذي أنقذه الموت من الإدانة بارتكاب جرائم حرب. وكذلك "الرئيس الشهيد" شاوشيسكو الذي "يوصف ظلماً بالمجرم القاتل"، والذي بلغ الشهادة بإطلاق فرقة الإعدام النار عليه وهو يتكئ على جدار مرحاض في أمسية يوم شتائي من يناير 1989 وإلينا شاوشيسكو، زوجته ونائب رئيس الوزراء، تصرخ بالجنود: "يا أبناء الكلاب، لقد ربيتكم كأم". وقد كانت صادقة، لأنهم كانوا الجراء الذين ربتهم لمدة أربع وعشرين سنة حكمت فيها مع زوجها رومانيا حكماً مطلقاً نجحت عند نهايته أن تتيح للربيعي ما يزهو به "كانت بوخارست تعلن رسمياً أنها بلد (دون ديون خارجية)، أي صفر ديون". وياله من صفر، وياله من ثمن مقابل (كما جاء في عريضة الاتهام ضده التي نشرتها Monitorul Oficial في اليوم التالي لإعدامه) 60 ألف ضحية، وفرض القهر لربع قرن على أمة بأكملها، وتدمير المدن والمباني، والإضرار بالاقتصاد الوطني، ومحاولة الهرب من البلاد لاستغلال ما يزيد على بليون دولار مودعة في مصارف خارجية. وعلى الرغم من أن جانباً مني يقدر الوفاء للطغاة السابقين من قبل الذين نعموا بلين العيش في فردوس الاشتراكية المفقود، فلا أجده أمراً سهلاً أن يغض الإنسان طرفه عن فظائع السكيوريتات في عهد شاوشيسكو، أو عن الإنسانية التي سمح ميلوسوفيتش بتمريغها بالتراب وتضريجها بالدماء في مدن ونجوع البوسنة وكرواتيا وكوسوفو. وفي هذا السياق، ومهما حاول الإنسان فإنه لن يستطيع تجاهل مجزرة سربرنيتسا التي راح ضحيتها ما يزيد على ثمانية آلاف من الرجال والصبيان البوشناق، كما يسمون المسلمين هناك. والشاهد هنا، وهو شاهد مفزع يصرخ بأنه إن كان للاتحاد السوفيتي العظيم قدمين من طين، فيبدو أن لبعض الشيوعيين قلوباً من حجر. لهذا ليس مستغرباً أنها لم تنفطر بعد اكتشافهم المتأخر لشيئ اسمه حقوق الإنسان.

كما أني لا أنوي غير وقفة قصيرة عند الدمية، بحسب الربيعي، ميخائيل غورباتشيف منوهاً فيها فقط إلى ما عُرف عنه من تأثرٍ بكتابات توفلر، مثله في ذلك العديد من السياسيين مثل هوغو تشافيز وأنديرا غاندي وزي زيانق، وكذلك أثرى أثرياء العالم، عملاق الاتصالات المكسيكي من أصول لبنانية كارلوس سليم. كما لا أريد الخوض في العلاقة الجدلية بين السيولة والصلابة رغم افتتاني بمقولة الرجل الكبير: "جميع الأشياء الصلبة تذوب في الهواء".

ولكن السؤال الذي لا أريد تفاديه هو: هل تنبأ توفلر فعلاً وصراحة بانهيار الاتحاد السوفيتي في غضون بضع سنوات من نشر كتابه "الموجة الثالثة"؟ والإجابة التي لا لبس فيها ولا غموض هي لا.. لم "يتنبأ" توفلر بذلك. هذا على الرغم من أنه كتب ما يلي:

“If… a series of uprisings suddenly exploded in Eastern Europe, Moscow might well face open secessionist or autonomous revolts in many parts of its republics.”

"إذا انفجرت فجأة سلسلة من الانتفاضات في شرق أوروبا ، فقد تواجه أيضاً موسكو ثورات انفصالية أو استقلالية مفتوحة في أجزاء عديدة من جمهورياتها". والقصد من إيرادي كلمات توفلر بالإنجليزية ليس فقط لتأكيد أنه لم يذكر الانهيار صراحة، وإنما بشكل أساسي لتسليط بعضا من الضوء على أسلوبه الذي يبتعد فيه عن الجزم، فهو يبدأ جملته "بإذا" ويتقدم بها مستخدماً "فقد". وفي جميع كتاباته ينأى توفلر بنفسه عن أن يكون متنبئا يتكهن. ولكي أكون منصفاً مع الربيعي أقول إن معظم الذين كتبواعن قراءة توفلر للمستقبل قد استخدموا الفعل predict أي يتنبأ أو يتكهن، ولكن توفلر لم يفعل ذلك، والفعل الذي كثيراً ما كان يستخدمه هو  postulateأي افترض. كما أنه كثيرا ما يقول وجدنا وعرفنا ونظرنا وهو يتحدث عن افتراضات المستقبل. ثم أن القول إن موسكو ربما تواجه أيضاً نزعات استقلالية أو انفصالية في بعض جمهورياتها لا يعني  بالضرورة انهيار الاتحاد السوفيتي، إذ أنه قد عُرفت عن موسكو قوة إقناع استثنائية تم تجريبها بنجاح ساحق في المجر في 1956وفي تشيكوسلوفاكيا في 1968. نعم لقد انهار حائط برلين بعد تسعة سنوات من نشر "الموجة الثالثة"، وبعدها بسنتين انهار الاتحاد السوفيتي. أي بعد إحدى عشرة سنة. ومع أني غير مهتم هنا بمعنى "بضعة" - من الثلاث إلى التسع – فأنا مهتم بتأكيد أن توفلر لم "يتنبأ". والتحفظ على "يتنبأ هنا ليس مسألة دلالية semantic، وإنما هي مسألة منهجية. وفي هذا الإطار من المفيد الالتفات إلى ما يقوله توفلر عن "المتنبئين بأحداث المستقبل ودمغه لتك الممارسة بالتزوير fraud:

“I don’t believe anybody knows the future, and anybody who claims to is a fraud”

"لا أعتقد أن هنالك أي شخص يعرف المستقبل، وكل من يزعم ذلك فهو كاذب". وفي سياق آخر يقول: "ليس هنالك مستقبلي جاد يتعامل مع التكهنات، إذ أن هذه متروكة لقراء الحظ  في التلفزيون ولراصدي الأبراج في الصحف".

لقد قدم توفلر في كتاباته، التي حمل بعضها مع اسمه اسم زوجته هايدي، العديد من الافتراضات التي تحققت مثل الإنترنت، والهندسة الجينية، وانهيار الأسرة النووية، والزواج بين فردين من ذات الجنس، والأبوة المتأخرة، والمعلومات الزائدة (الفجوة بين حجم المعلومات والأدوات التي لدينا لاستيعابها). كما أن العديد من افتراضاته لم تتبلور إلى واقع محسوس ومعاش، ومن بينها انهيار الجامعات، واضمحلال المدن، وقيام مستوطنات سكانية تحت البحر، والملابس الورقية. وهذه الافتراضات كانت عند توفلر احتمالات قائمة على والرصد والبحث والتحليل، قد يصيب فيها وقد يخطئ، وليست كما يدعي الربيعي "إن هي إلا وحي يوحى".

لهذا ولغيره يعتبر آلفين توفلر من كبار المستقبليين، وهم أفراد امتدوا عبر الأزمنة والأمكنة، ونجد ممثلين لهم في جول فيرن وإتش جي ويلز ووالت ديزني وغيرهم. ولهذا من غير الصحيح القول إنه "انضم" إلى فريق المستقبليين وكأنهم جماعة منظمة. كما أنه من غير الصحيح القول إنه من أصول تروتسكية وكأنه استيبان فولكوف الذي عاد من مدرسته في ظهيرة الحادي والعشرين من أغسطس 1940 ليجد جده الشهير – ليون تروتسكي - صريعاً مضرجاً بالدماء بعد أن غدر به أحد مأجوري ستالين في مكسيكو سيتي. إضافة إلى أن توفلر لم يكن عاملاً على النحو التقليدي، إذ أنه أختار أن يكون كذلك لبضع سنوات مع زوجته بغرض الدراسة والتجريب. وعرضاً أقول أن توفلر من أصول بولندية يهودية، ولم تعرف عنه ميول تروتسكية تبرر ما يقوله الربيعي. ولكن هذه قد تكون توهمات لا إرادية تأتي أحيانا مع استبداد النزعة الأستاذية للمتخيلين فتندفع منها مثل هذه الإدعاءات التي يمكن الصفح عنها. ولكن الذي لا يمكن الصفح عنه  أو التسامح معه فهو مضيان الربيعي في غيه مردداً مرة بعد أخرى خرائط العالم.. خرائط العالم.. خرائط العالم.. لأن هذا حديث خرافة لا وجود له ولا مبرر. علماً بأنه توجد رواية لجين هاميلتون اسمها "خريطة للعالم" A Map of the World ولكن لا علاقة لها بأيدولوجية تفكيك الدول. ولكن فوق هذا وذاك إن توفلرغير ضالع في الدعوة إلى تفكيك العالم وفقاً للتوهم الربيعي. كما أنه من غير اللائق أن ينسب الربيعي لتوفلر قولاً كبيراً لا نصيب له هو الآخر حظاً من الصحة مثل: "انتبهوا، بعد خمسة وثلاثين أو أربعين عاماً وسوف تختفي الولايات المتحدة أيضا، فقط لأن العصر الذي ولدت فيه وولد فيه الاتحاد السوفيتي قد تلاشى وجاء عصر جديد، سوف يتمزق بثورات السود /الزنوج وطموحات الولايات الغنية". أقول هذا وأنا على علم بأن أقرب ما قاله توفلر عن الولايات المتحدة في إطار الانقسامات والنزاعات الداخلية هو: "إننا نتجه صوب عهد من الاضطرابات الكبرى، لأنه ليس هنالك انتقال سلس من حضارة لأخرى. وتماسك الولايات المتحدة ليس هو الآخر مضموناً إلى الأبد. إن تلك القوى السياسية لا بد من فهمها جيداً والتعامل معها بالطريقة الصحيحة. إن العديد من البلدان ستشهد انقسامات داخلية، انقسامات سياسية ومن كل نوع، ولن تكون أمورا مستساغة. إن أي نظرية للتغيير الاجتماعي لا تملك نظرية للصراع ملحقة بها لا تستحق المساحة التي يمكن أن تحتلها في الكومبيوتر". (ولعلمي بصعوبة الحصول على كتب آلفين توفلر أود التنويه إلى أنه بمقدور المهتم الاطلاع على المقتبس الأخير عن عهد الاضطرابات الكبرى على شاشات YouTube تحت عنوان Big Thinkers, Alvin Toffler {Futurist}

لقد حاولت قُصارى جهدي أن لا أطيل. ووضعاً في الاعتبار فداحة ما تضمنته "أمريكا في اللحظة السوفيتية" من ادعاءات، ربما أكون قد نجحت، هذا على الرغم من أن غايتي لم تنحصر فقط على تفنيد بعض ما جاء في مقالة الربيعي، وإنما امتدت لتقترح ما قد يعين على التفريق بين مدخلين: حصافة المستقبليين الأمريكيين وسخافة المتخيلين العرب. فبينما يطيل الأولون التحديق في شاشة كومبيوتر مستقبل التداخل الزماني بين العلم والإعلام والفن والثقافة والتكنولوجيا لاستشفاف ما قد تأتي به الأيام القادمات، يكتفي المتخيلون العرب بالنظر إلى مرايا النرجسية التي لا يرون فيها غير ذواتهم. وعندما يكتفوا من الاستمناء الفكري، بعد وقت طال أو قصر، ينكفئوا ليلوذوا بقاعة الأيام الماضيات، لا لاستلهام العبر، وإنما لاجترار الذكريات واسترجاع الحكايات واستدعاء الرغبات، بل وحتى استقطار اللعنات، وإعادة تقديم ذلك في إطار قوامه استسهال البحث، والاستهانة بالمعرفة، والاستهتار بالمتلقي. ويأتي مع ذلك كل ما يجعل من الواحد منهم ليس فقط متطفلاً على المعرفة الإنسانية، وإنما أيضاً مشوهاً لها بعد أن يتقيأ عليها فضلات غروره، ويلوثها بإفرازات تبجحه.

ولا أعتذر هنا عن أي كلمة قاسية قلتها في وصف المتخيلين العرب. أما بالنسبة لفاضل الربيعي تحديداً فهو مواجه في تقديري بتحدٍ كبير، وذلك هو بذل جهد أفضل مما بذل في مقالته "أمريكا في اللحظة السوفيتية" لكي يثبت أن آلفين توفلر نشر في 1987 ثلاثة كتب هي "الموجة الثالثة" Third Wave و"خرائط العالم" World Maps و”توزيع - تشظي السلطة" Power Distribution وأن توفلر "تنبأ" في مكان ما بانهيار الولايات المتحدة الأمريكية قائلاً: "انتبهوا، بعد خمسة وثلاثين أو أربعين عاماً سوف تختفي الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً...". وقد يكون المخرج هنا هو شيئ من التواضع يُقر في إطاره الربيعي بأنه لم يقرأ توفلر أو عنه بالإنجليزية، أو ربما حتى بالعربية، وإنه تعرف عليه عن طريق لغة شرق أوروبية، منوهاً إلى أنه إن كانت بعض الحقائق تلتبس عند الترجمة من لغة إلى ثانية، فمن باب أولى أن يصبح الأمر أكثر غموضاً وتعقيداًعندما تكون هنالك لغة ثالثة تلعب دور الوسيط بين لغة المصدر ولغة الهدف. وإذا أراد الربيعي، أو غيره، البحث عن انشغال أكثر مباشرة لتوفلر بقضايا السياسة فمن الممكن تلمس ذلك في "الحرب وضد الحرب: محاولة فهم الفوضى العالمية الراهنة" War and Anti War: Making Sense of Today’s Global Chaos والذي نشره في 1995 أي بعد خمس سنوات فقط من نشره "انتقال القوة". ولعل الذي قلص الفترة الزمنية بين نشر الكتابين هو أن هايدي توفلر اشتركت معه في تأليفه.

أخيراً، ستمضي مسيرة هذا القرن، وعندما ينقضي سيتذكر الكثيرون عنه الكثير، كما سينسون منه الكثير. وقد تختفي عند نهايته الظروف التي تستدعي ظهور المستقبليين. لأن الإنسان ربما يكون قد نجح عندها في تطوير قدرته البايولوجية، كما يقول توفلر، لتعينه على  امتصاص صدمات المستقبل. وسيتذكر البعض له ذلك، كما قد يتذكرون له تعريفه المذهل للأمية وللأميين في القرن الحادي والعشرين: "لن يكون الأميون في القرن الحادي والعشرين هم الذين لا يستطيعون القراءة والكتابة، وإنما أولئك الذين لا يستطيعون التعلم وإزالة ما تعلموه، ثم إعادة التعلم." The illiterate of the 21st century will not be those who cannot read and write, but those who cannot learn, unlearn and relearn ولهذا فإن المستقبل ينادي المتخيلين العرب الذين نصبوا أنفسهم قيًمين على وجدان الأمة العربية وفكرها وروحها أن يبدأوا محاولة محو أميتهم الثقافية بالتعلم، وإزالة ما تعلموه، ثم إعادة تعليم أنفسهم من جديد.

وعندما يحدث ذلك سيتوقف أشخاص مثل فاضل الربيعي عن الادعاء الرخيص والكذب الصريح، وعندها ستختفي أيضاً وللأبد ظاهرة "المفكرين العرب المزيفين المزورين "المتخيلين".

Windows 10

 

أحمد حسب الله الحاج

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ احمد حسب الله الحاج
تحية الود والاعتزاز
مقالك هذا يثبت بلا ادنى شك ان الكثير ممن يطلق عليهم لقب "المفكرين" العرب ينبغي ان يتم التصدى لهم ولكتاباتهم بالنقد والتحليل لغرض تبيان غثهم الكثير من سمينهم القليل.
تحية لهذا الجهد الرائع وتمنياتي بمزيد من الكتابة المبدعة في هذا الحقل الشائك..

عادل صالح الزبيدي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5062 المصادف: 2020-07-15 04:13:37