 قضايا

اللّغةُ وعوامِلُ تَقويَتها عِندَ الأجيالِ الناشئةِ في المُغتربات

احمد راضي الشمريتتوالى هجرة العرب والمسلمين الى الغرب منذ عقود طويلة. ومع استقرارهم هناك، يحرص الجيل الأول على نقل الثقافة الأم، وخصوصاً اللغة باعتبارها الوسط الناقل للثقافة، الى الأجيال الناشئة بدوافع شتى لا يسعها المقال. وللثقافة كما تعلمون معانٍ وأبعادٍ ومظاهر مختلفة ومتعددة تتفاعل مع بعضها وتؤثر في الثقافة بنسب متفاوتة وطرق متعددة. وتعتبر الثقافة من الأمور المعقدة- أي إنها تحتاج إلى فهم عميق، ومن مظاهر تعقيدها أنها تؤثر في الإنسان وتوجه تصرفاته وسلوكه بوعي أحيانا و بدون وعي أحياناً أخرى. ومن هنا فإن التعاطي معها ومحاولة استنساخها أو نقلها الى الآخرين يجب أن تتسم باتباع الطرق العِلمية والمهنية وشيئ من الحرفية والخبرة لكي تنجح عملية النقل. وتعد اللغةُ وسطاً جوهريا في نقل الثقافة إلى الاجيال الناشئة، إذ تعتبر اللغة من أبرز مظاهر وعناصر الثقافة وأهم وسيلة تنتقل الثقافة من خلالها. ولكن اللغة ليست حروفاً وكلمات وأصوات فقط؛ بل إنها نظام دقيق يتعلق بالواقع ويمتد اليه ويتأثر به ويتفاعل مع تفاصيل الناس اليومية وله روابط وثيقة بكل مايمت للمجتمع والحياة بصلة. ويتم اكتساب اللغة عادة وتعلمها من خلال طرق متعددة غير الدراسة والتعليم، منها قراءة الكتب والروايات والجرائد والمجلات ومنها التواصل المباشر ومنها متابعة الأخبار ومشاهدة الأعمال الإبداعية على اختلاف مصادرها ومواردها ومناشئها وكذلك الإنصهار بنشاطات المجتمع اليومية من أفراح وأحزان ومناسبات أخرى.

وأود أن أذكر هنا أن الموضوع/المقالة هو تجربة أو ملاحظات ذاتية شخصية لاتحتكر الحقيقية ولا تريد استهداف شخص ما أو مؤسسة معينة ولا تريد أن تلقي باللوم على أحد. ولكن الدافع للكتابة هو أن أُبرز لمن يريد أن يرى وجوهاً أخرى للتجربة وأن يراها بشكل مختلف لكي يكون عنده خيار أو اتجاه بديل إن أراد ذلك.

من الملاحظ إن الجالية العراقية الإسلامية، التي أكون منها، ركزت بشكل كبير وجوهري على حفظ الجانب الديني من الثقافة العراقية وأولته إهتماماً أساسيا من دون باقي النشاطات، وبالتالي فان اللغة تأثرت كثيرا بهذا الامر وباتت في كثير من جوانبها، عند الجيل الناشئ، متأثرة ومنفعلة بالجانب الديني،. وليس سراً اليوم بأن نقول أنه لايوجد في الجالية على أرض الواقع أي مؤسسة أو منظمة أو مركز، غير ديني. وليس سراً القول بأن نسبة كبيرة جداً من النشاطات السنوية هي نشاطات دينية، أو أن لها علاقة مباشرة بالدين بشكل أو آخر. ومن هنا فان اللغة عموماً، و برامج تعليم اللغة التي تم تقديمها للجيل الجديد خصوصاً هي في جوهرها لغة دينية تركز على تعليم النصوص الدينية، وأحيانا الفقهية على ما فيها من صعوبة للأطفال. ولا تغادر اللغة الدينية هذا المضمار الا نادراً حيث إن للأجواء الدينية طقوسها الخاصة ومحاذيرها المتشعبة التي تلزمها على الحركة ضمن حدود معينة. وحتى لو توسع الأمر وشمل استنساخا لبعض المناهج التدريسية المستعملة في داخل العراق، لكن يبقى تأثير تلك المناهج محدوداً وذلك نتيجة لسيطرة اللغة الدينية على الأجواء، وعندي من تجربتي أمثلة على هذا الأمر.

ولست أحاول هنا من التقليل من أهمية الجانب الديني/الروحي، فهو بلا شك جانب مهم للكثيرين منا ومنهم أنا شخصياً. كما أن المراكز قدمت خدمات معتبرة كانت قد ساهمت بسد احتياجات الكثيرين ولبت رغباتهم وحققت مطالبهم وذلك شيئ عظيم وخدمة مرجوة لها أهميتها. وكما تمت الإشاره أعلاه، فبالإضافة الى الخدمات الروحية والدينية قدمت هذه المراكز، على سبيل المثال لا الحصر، خدمة تعليم اللغة العربية في يوم واحد وهو يوم عطلة نهاية الاسبوع. وهذه الخدمة وإن كانت لساعات قليلة إلا انها ساهمت في تعلم أولادي من خلالها أساسيات اللغة وهي خدمة ثمينة تعتبر أساساً مهماً لا يمكن الإستهانة به.

إلا أن للثقافة وواسطتها الكبرى اللغة مفاهيماً عريضة واسعة وشاملة تتعدى الجانب الديني وتكبُرَه وتعتبره ركناً واحداً فقط أو جانباً فردياً له ماله من الأهمية طبعاً، بحسب المجتمعات وطبيعتها. وتتأثر اللغة بمظاهرٍ ثقافية أخرى مهمة وقريبة منها، كما أسلفنا، ومنها الأزياء والملابس الشعبية والمأكل والمشرب والإحتفالات الثقافية والعادات الإجتماعية. وتتأثر كذلك بالفن وأشكاله المتعددة من تمثيل وتلفزيون ومسرح وغناء ورسم ونحت ورقص وفلكلور وتراث. هذا بالاضافة الى النكتة الإجتماعية الساخرة والفكاهة وطريقة التعليق وسرعة البديهية أو عدمها والأمثال الشعبية والأساطير والروايات الخيالية والقصص وتعاويذ الأطفال وترنيمات الأناشيد الخ. وقد يُضاف إلى ذلك أيضا أبعاداً أخرى منها البعدين التأريخي والحضاري للأمة، حسبما تتعاطى معهما المجتمعات، ولا شك أن مجتمعنا العراقي في الداخل كان يولي هذين البعدين اهتماما ملحوظا ويحشرهما في لغته ولهجته الدارجة بشكل ثقيل. كل هذه الامور تؤثر في اللغة وتتفاعل معها وتعمل على ديمومتها واستدامتها.

فلا يمكن للثقافة العامة لمجتمع ما أن تنتقل عبر وساطة اللغة من جيل الى جيل دون الإنتباه الى هذه المظاهر أو العناصر الثقافية. ولا يمكن لها أن تنساب عبر الأجيال باستخدام لغة محدودة دون أن يختبر الجيل الجديد هذه المظاهر الثقافية ويفهمها ويدرك ماهيتها ومكانتها من اللغة خصوصا ومن والثقافة عموما. ولو حصل تقصير ما فإن تجربة الجيل الناشئ ستكون محدودة ومقتصرة على ما اقتصرت عليه. كما لا يمكن لأي لغة متكاملة من العبور عبر الأجيال مالم تتكرس ممارساتها بطرق منتظمة ومستمرة ومتواصلة وبشكل تضميني شامل . ولا شك بأن نقل الثقافة عن طريق اللغة في المغتربات هو مشروع كبير وعمل شاق وضخم له ماله من المنغصات والتحديات والمعوقات، ومن تلك والمعوقات ثقافة المجتمع المضيف بالدرجة الأولى. إلا أن نقل الثقافة عن طريق اللغة هناك قد يتعثر بشكل كبير إذا لم يكن هناك اهتمام جدي ملحوظ بمظاهر اللغة الثقافية كاملة وبما يؤثر في اللغة ككل دون إهمال اي مظهر منها، بما يتلائم طبعاً والثقافة الأصلية في الداخل.

ولقد كان لشدة التركيز على تطبيق وإعمال الجانب الديني من الثقافة وتأثر اللغة بهذا التركيز، دون الاهتمام بالمظاهرالأخرى، آثاراً واضحة على الجيل الناشئ في المغتربات. فمع الإقرار أن لكل جيل خصوصيته وصفاته نتيجة لما يتأثر به من بيئته المباشرة، إلا أن الملاحظ إن الاجيال الناشئة في المغتربات تجد صعوبة بالغة في التواصل مع أقرانها في الداخل. فمع كون اللغة واللهجة مشتركة طبعا، غير أن التواصل بين الجانبين يتميز غالبا بالصعوبة وعدم الفهم أو إساءته في أحيان كثيرة. أضف الى ذلك تطور المصطلحات والتعابير الكلامية عند الداخل والتي لا يستطيع ابناء الخارج فهمها بسهولة عوضا عن التفاعل السريع الذي تقتضيه الحالة في العراق. وبينما يعيش ابناء الداخل انكشافاً شاملا لكل المؤثرات التي تساهم في إثراء اللغة في الحياة اليومية من مدرسة وتلفزيون وواسطة نقل وحديث الجار والصديق، يقبع الجيل الناشئ في المغتربات مع فرصة أسبوعية واحدة لا تتعدى ساعتين أو ثلاثة إجمالا. فكيف يمكن لهذا الجيل أن يستطيع التواصل مع ثقافته بشكل فاعل، ولو بأدنى حد ممكن من الفاعلية؟

ومع تمكن الكثير من أبناء الجالية العراقية الإسلامية من فهم اللغة والنطق بها، بفضل المراكز الدينية، إلا أن ذلك لا يبدو كافياً بحد ذاته لضمان الإتصال الثقافي والتواصل الحواري/الكلامي مع أقرانهم من الداخل. إذ يتضح من خلال بعض التجارب إن الأمر لايكون مقتصراً فقط على تعلم اللغة بشكل محدود والنطق بكثير من كلماتها، بل يحتاج الى ماهو أبعد من ذلك. فلطالما يقع الأولاد في مشاكل تتسبب في قطع التواصل والإبتعاد عن الأقران نتيجة صعوبة في إيجاد وسيط لغوي فعال خال من الصعوبة. فطريقة الكلام ومادته وتفاوت الثراء اللغوي عند الطرفين لا يشجع على التفاعل الكلامي والتواصل المستمر بين الطرفين. هذا بالإضافة الى أن اللغة في الداخل تكون في تطور ونمو مستمرين وتتأثر وتزدهر وتتكاثر بالأوساط الأخرى المحيطة والمؤثرة،  بينما تقف اللغة هنا جامدة مقصورة على المجال الديني بشكل عام ولوقت قصير محدود.

ومن هنا تأتي أهمية فهم العنصر اللغوي في الثقافة العامة باعتباره وسطاً فاعلاً يحتاج إلى فهم ملائم وينبغي أن يتم التعامل معه بشيء من الواقعية والإبداع وأن يصار إلى مقاربته بشكل شمولي. ولابد من وقفة تقييمية جادة لكل المشاريع المتواضعة التي تعنى باللغة في جاليتنا. ومن هنا فإني أرى، وحسب تجربة ذاتية، ان يصار الى الانفتاح على ما كل ما يمكن له أن يثري العنصر اللغوي عند الجيل الناشئ ويحافظ على نموه وتطوره وازدهاره. بل ولا بد من الحرص أيضا على استدامة هذا الإزدهار من خلال فهم المسألة علميا وتجريبياً ومحاولة الإستفادة من تجارب الغير وباقي الجاليات التي تتعاطى مع عذا الأمر يأهمية ملحوظة.

ومن ضمن الخطوات المهمة في هذا الشأن يكون الانفتاح على الفن بكل أشكاله وعلى الثقافة العامة وعلى والتراث وكل ما يتعلق بهذه الأمور من أجل إثراء اللغة عند الجيل الناشئ وبالتالي حفظ التواصل الثقافي وزيادة فرص الإطلاع التي قد تساهم في إثراء اللغة ومفرداتها. فلابد لهذه الأجيال من أن تتعلم اللغة عن طريق المشاهدة والإستماع الى الفن المحلي بكل أشكاله الملائمة وأن ترتبط بتراثها الثقافي بكل ألوانه أذا ارادت أن تكون متصلة بالثقافة ألام وتتحدث لغتها دون عائق.

فمشاهدة المسلسلات التلفزيونية والأفلام السينمائية وحضور المسرحيات وسماع الأغاني والإستماع الى الموسيقي والإنصات الى النكتة والفكاهة وتعلم سرعة البديهية كلها أمور تساهم في إثراء اللغة عند الجيل الناشئ، ولذلك تحتاج كل عائلة أن تهتم بها كما تهتم بباقي ألأمور. إذ إن هذه الامور ستساعد كثيرا في كشف مساحات جديدة من اللغة لاتستطيع المراكز الدينية والبرامج المحدودة فيها، لوحدها، أن تحققه.

ويتحقق التعرض لهذه الاشياء والتفاعل معها والتأثر بها عن طريق عدة وسائل من أبرزها وجود مراكز ثقافية واجتماعية تقوم بدور النشر والترويج المتواصل للثقافة الأم عن طريق إقامة المهرجانات والاحتفالات والفعاليات الثقافية ذات الطابع الفني والتشجيع على حضورها، حتى وإن كانت لثقافات مقاربة من داخل البلد أو لبلدان عربية مجاورة. هذا بالإضافة إلى المواظبة على مشاهدة الأعمال الفنية ذات العلاقة بالبلد/اللغة الأم من تلفزيون وسينما ومسرح وغناء ومعارض الرسم والنحت والأعمال الإبداعية الأخرى. إن الدور الذي يمكن لهذه الوسائل الآنفة أن تلعبه في تقوية المركب اللغوي وشد الجيل الناشئ بالثقافة الأم كبير وله آثار مباشرة وربما تكون سريعة في أحيان كثيرة.

 ومن هنا يأتي دور المؤسسات الأخرى التي تتكامل مع المراكز الدينية وتتعاضد معها من أجل العمل على تنمية مهارات الحديث والكلام وتقوية الإرتباط اللغوي وتعزيز الثقة الذاتية بالقدرة على فهم اللغة والتحدث بها بشكل سهل ومتقن. فَلَإن استطاعت المراكز الدينية من وضع الحجر الأساس للغة عند الجيل الناشئ، فإن الدور التالي والعبء الباقي يقع على المراكز الثقافية الأخرى في تحمل هذه المسؤولية. ولكن "الفراغ المؤسساتي" الذي تشهده الجالية العراقية الإسلامية وغياب المراكز الأخرى ذات الطابع الإجتماعي والثقافي لاينذر بطالع جيد لمستقبل اللغة عند الأجيال الناشئة.  فلقد أحدث هذا الفراغ وعلى مدى ربع قرن فجوة ثقافية كبيرة أدت الى إنفصال وربما إنفصام بين ثقافة ولغة المغتربات وبين الثقافة الام.

لقد آن الأوان أن تُشحذ الهمم وتُشمَّر السواعد من قبل المهتمين بهذا الشأن ومن قبل أصحاب الخبرة والمهنيين ومن له اهتمام بالجانب الإجتماعي والثقافي للجالية العراقية الإسلامية. وخصوصاً من له خلفية معتدٌ بها فيما يتعلق بالثقافة والفنون أو ممن له رغبة بالإستثمار في المراكز الإجتماعية وما يعرف بال النوادي الإجتماعية (social clubs)  والتي قد تساهم في سد الفراغات الثقافية وتعضيد التواصل الثقافي من خلال طرق متعددة بالاضافة الى دورها الفعال في الترويح عن النفس والصحة العقلية والبدنية بشكل عام .

 

أحمد راضي الشمري.

30/07/2020

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5078 المصادف: 2020-07-31 02:50:10