 قضايا

العقلانية والعمى العقلي (1)

عزيز جاسمفي عالم الواقع المرير (ديستوبيا) الذي جسده جورج اورويل في روايته "مزرعة الحيوان" (1945) يتبين لنا ان الدوغمائية لا تزال جذورها قائمة في الواقع الذي نعيشه. الحديث هنا عن السبب الذي جعل اورويل يلجأ الى الحيوانات واعطاءها مفهوماً سلبياً من أجل نقد المجتمع آنذاك. هل إنه أراد أن يبين بأن الوحشية تتمثل في عدم العقلانية؟ إن كانت تلك هي الفكرة الرئيسية من اطروحته، وذلك بالفعل ما كان يقصده، فيمكن تفنيدها عن طريق التفكيكية لأنه بذلك يكون قد أعطى صفة سلبية للحيوان مع العلم أن الحيوان، كما هو متعارف، لا يملك العقل وبذلك لا يتمكن من التخطيط. أما إذا أراد اورويل ان يثير فكرة الواقع المرير (ديستوبيا) من خلال طرح فكرة العيش المرير للحيوانات، بهذا يكون قد اخطأ مرة أخرى لأننا عندما نتمعن في طريقة العيش الحيواني لا نجد الحيوانات تعيش الواقع المرير الذي يعيشه الانسان لأنها في الواقع لا تحمل العقلانية التي تمهد لها طريق استخدام المكائد؛ على افتراض أن العقلانية تستخدم العقل لغرض التخطيط لتحقيق غايات فردية. لدعم فكرتنا يمكن القول بأن الحيوانات تهجم لتأكل وعندما تشبع تكون مسالمة ولا تخطط لتنتقم أو تؤذي لتستمتع.

عندما نتفحص فكرة الغلق التام للمعنى لهيلاري لوسون في كتابه "الاغلاق: لكل شيء قصة"، والتي في الحقيقة نفاها الكاتب في اطروحته، نجده محق في طرحه اننا يجب ان ننظر الى العالم على انه مفتوح من دون قيود ولا توجد حدود لعدد محاولات تفسير الأشياء. أي عند تطبيق ذلك على فكرة العقلانية نجدها تعطي المعنى السلبي بدلا من اعطاءها المعنى الايجابي السائد المفهوم عندنا، على الأقل في الامثلة التي سيتم طرحها في هذا المقال والذي يليه، لأن العقلانية التي نصبوا اليها هي ذاتها اللاأبالية عند الحيوان حيث يستمد بها قوته لتحقيق اهدافه دون الحاجة الى التخطيط المسبق للعمل. لأننا، كما هو حال الواقع معنا، منغلقين في تصورنا للعقلانية، لا نجد غير تفسير واحد للعقلانية على انها الجزء الامثل. بعض الذين خططوا واستطاعوا الوصول بعد التخطيط هم أناس عقلانيون بالحقيقة ولكن لماذا نثني على تلك العقلانية التي سخروها من أجل تحقيق غاياتهم التي تتنافى مع المنطق العقلي السليم؟ ألا يُعتبر التخطيط بهذه الطريقة هو نوع من انواع السلبية التي تأخذ بصاحبها الى الوصول دون الأهتمام للآخر؟ لو أفترضنا أن العقلاني يمكنه الوصول الى غاياته دون إيذاء بهذا تنتفي الحاجة للتخطيط باستخدام العقل الذي يقوده سراً الى الهدف الذي يبتغيه. العقلانية هي كل عمل ابداعي ينتج من العقل دون أن يكون له تأثير سلبي على طرف ثالث، على افتراض ان العقلاني وعقله طرفين متعاونين في تحقيق مهمة ما.

لعلي اوفق في المثال الذي اطرحه في هذا الجزء لتبرير الفكرة الرئيسية في هذا المقال وهي أن العقلانية عندما يتدخل التخطيط لتحقيق غاية تؤدي الى خلق ضحية فأنها تميل الى المعنى السلبي. شاهدت ذات يوم مجموعة من الكلاب تتوجه الى القمامة القريبة من جّزار. ما يثير الاستغراب ان الكلاب في وضح النهار لا تكون مؤذية على الاقل للمارة، وهذا أمر سيتم مناقشته لاحقاً، مع هذا كنت اشاهدها وهي تتكالب في نيل حصتها من الطعام. لكن الحيوانات هي بطبيعتها تعيش الشاكلة الحيوانية التي ننتقدها في كل مقال وفي كل حديث ونستهجن تصرفاتها التي لا تليق بنا. بيد انها في الحقيقة تتصرف من دون ان تنكر تصرفها الحيواني لانها لا تخجل من عمل قامت به بمحض ارادتها الحرّة. على العكس من البشر الذي يتصرف بنفس الطريقة لكنه يقوم بأستخدام العقل في تبريرها، نفس العقل الذي سخره لفعلها، وبهذا يجني على نفسه في هذا التصرف اضافة الى انه يشوه سمعة العقل الذي يزين كيانه. لكن لا نستغرب حقيقة الأمر عندما نعرف ان الحيوانات ليس لديها العقل الذي يمهد لها سبيل الرقي في العيش، في حال تم استخدام الجزء الراقي من العقل. إذ أنها تكون صريحة الى حد انها تتجاهل ردة فعل الاخرين لأنها لا تعرف لغة الانتقام التي تمزق من يعرفها ارباً. تلك اللغة التي تستعين في العقل للوصول الى اهدافها. ولكونها أيضاً لا تتحلى بالصبر، على اعتبار ان الصبر هو الجزء الايجابي في الانسان، الذي يتيح لها الوقت الكافي للتخطيط عن طريق العقل الفاقدة له، فأنها تعيش في الحقيقة مرتاحة الى درجة انها لا تشغل بالها بردة الفعل بعد العمل الذي قامت به حتى وان كان عملاً سلبياً يصل إلى حد اقصاء الآخر من جنسها. إنها لم تقم بالعمل بغية الاستمتاع بتعذيب الخصم أو سبق وان خططت له وأخذ منها الوقت في الوصول الى نجاح عمليتها بقدر هدفها الواضح والذي يعطيها الحق وهو السعي وراء البقاء. ولأنها لا تملك العقل تكون بذلك اكثر رحمة فيما بينها لأن العقل وكما يبدو من الشرح السابق الذكر هو الوسيلة التي يستخدمها الفرد بشكل سلبي حيث يُغطي على معناه الايجابي الذي خُلق من اجله. لأننا اذا تمعنا في الحيوان من وجهة النظر العقلانية نجده اكثر عقلانية حتى وان لم يمتلك العقل. وبذلك يمكن نعت العقلانية بعكس المفهوم الايجابي السائد المعرف عنها إذ يتم بذلك تفكيك مفهوم العقلانية من الايجابي الى المفهوم السلبي لها لأننا بهذا نخشى مَن يملك العقل لأنه سيقوم بعمل يؤدي ربما الى أثر سلبي عند الآخر. بينما الحيوان الذي لا يملك العقل تكون له القدرة على نسيان عواقب اشباع غرائزه اذا كان لها تأثير سلبي على الآخر بعد اشباعها. لكن السؤال: لماذا يسعى العقلانيون لأشباع غرائزهم عندما تتطلب الحاجة لتلبية ذلك على الرغم من امتلاكهم للعقل؟ ولماذا يُنعت بعدها فاعلها بالحيوان حيث يتم توجيه الاهانه له على الرغم من عدم اهتمام الحيوان لفعلته بعد فعلها؟ الأمر الذي يبين مدى عدم تخطيطه للعمل في حين يضع العقلاني نفسه في دائرة اللوم والندم عند رجوعه الى عقله بعد إشباع رغبته. لا تقل الحيوانات شأننا عن الانسان وخاصة فيما يتعلق بأمور الطعام والتنافس في العيش. لكن هنالك الصفات التي يتحلى بها الحيوان والتي تكون اكثر رُقيّا من تلك التي يملكها الانسان لكن العجيب في الامر ان الانسان يرفض وبشدة تشبيهه بالحيوان.

نعود الى المثال حيث عندما مر احد الكلاب الذي لا ينتمي الى المجموعة من جنب القمامة ليشاركهم الطعام انقض عليه وبشكل مفاجيء أفراد المجموعة. مع العلم ان كمية الطعام التي يحصلون عليها تفوق القدرة التي يمتلكها كل كلب في وجبته. قامت المجموعة كاملة بملاحقته وعلى رأسها رئيس المجموعة حيث كان الكلب الدخيل يركض ولا يعرف الطريق الى ان انتهى به الامر بمرور شاحنة كبيرة اذ صار بين عجلاتها وتكسرت عظامه. التقط أنفاسه الأخيرة ورجعت المجموعة يقودها قائد المجموعة الى القمامة.

انتابني شعور مباشرة بأن احداً من أقاريب الكلب أو ذويه سيأتي في اليوم التالي للمطالبة بدمه وتنشب معركة كبيرة بين الكلاب يعلوها التخطيط للفوز. لاحظت امرين في ذلك الحدث لا استطيع تفسيرهما اذا ما قارنا بين الانسان والحيوان من ناحية استخدام العقل والعقلانية.

الاول وهو طبعاَ ما حدث في المشهد الأول إذ أن الكلاب بدأت تتشاجر مع بعضها البعض كلما كانت كمية الطعام اكثر التي ترمى لها وبدأت تتنافس فيما بعضها البعض من دون اقصاء اخواتها أو ارتكاب جريمة مع علمها بعدم وجود قانون او محاكمات إذا ما اقدمت على فعل شنيع. وبهذا يكون اسلوبها اكثر رقيا وراحة لأنها فقط غير عقلانية. لكن السؤال هل انها، لو امتلكت العقل والعقلانية، ستقوم بجريمة بعد تخطيط وتخطط مرة أخرى للأحتيال على القانون في تبرير جريمتها؟ لماذا لا تقوم بخيانة من في المجموعة لأجل مصلحتها الشخصية؟ هل لأنها لا تملك العقل؟ 

الامر االثاني والذي يكمن في المشهد الثاني عندما قُضي على الكلب الدخيل، من غير قصد القتل طبعا، ورجعت الحيوانات الى القمامة تمارس بحثها عن الطعام. لماذا لم تتم عملية انتقام وأخذ بالثأر من القاتل؟ ولماذا يذهب دم الكلب الدخيل هباء؟ لماذا لا تُحشّد الحشود وتُجمع الجنود وتُعد العدة وتُهيء الخطط من اجل الاطاحة بالمجموعة؟ هل لأنها لا تملك العقل والعقلانية؟ أم لأنها كلاب؟!!

لماذا نخطط اذا كانت لنا القدرة على التسامح؟ عندما تغمض الحيوانات عيونها في الليل لتصحى باكراً فتبدأ يوماً جديداً ليس له علاقة باليوم الذي سبقه من دون قضاء الليل في التخطيط والتفكير. فلماذا نصحى باكراً لتنفيذ خططنا التي خططنا لها في الظلام؟ هل لأننا وهبنا عقلاً لابد لنا ان نستخدمه؟ بهذا يكون قد اثقل العقل كاهلنا. أم اننا يجب علينا ان نستخدمه لكي لا نقع في شباك من يستخدمه؟ لماذا نسعى الى ان نضع انفسنا بعيداً عن دائرة الصراع التي نخطط لجعل الاخرين فيها؟ هل هذا هو منطق العقلانية الذي نتفاخر به؟

 

عزيز جاسم محمد

كلية الزهراء للبنات/ سلطنة عمان

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

كتاباتك يادكتور واقعية وعلميه
استمتعنه بقراءته نتمنى مزيد من التفوق

محمد مصطفى
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5082 المصادف: 2020-08-04 01:41:10