 قضايا

العولمة.. بناء مجتمع تابع مبني على التفاهة

شيرين علوشنعم نحن أسرى بالكامل، لقد تخلينا عن وقتنا وأفكارنا وحاضرنا ومستقبلنا، وجلسنا بكامل إرادتنا عبيداً لتكنوجيا "العولمة".

العولمة .. يا له من اصطلاح مريب، غير أن منبع الريبة والشك في وجود هذا الاصطلاح في حياتنا اليومية، غير محدد على وجه الدقة، لأن لهذا الاصطلاح وجهان: وجه إلى الخير، ووجه يحيط نفسه بدائرة من الشر.

يتأسس التلاقي بين وجهي الخير والشر في اصطلاح العولمة من الاستخدام المفرط للكلمات والعبارات الخالية من الهدف، فنحن نرثُ عباراتنا وكلماتنا المتناقلة جيلاً عن جيل، وندأب على استعمالها بالطريقة عينها، من دون صرف بعض الجهد في تحديد هوية الكلمات؛ منشئها ومغزاها، فنحن حين نردد: (العالم أصبح قريةً صغيرة)، يرتجع صداها من زوايا أفكارنا: (التكنولوجيا)، نعم إنها التكنولوجيا، تلك الفكرة اللعينة التي حررت العوالم من خصوصيتها، ودفعت بها إلى التلاقي في مجسّم صغير يدعى كمبيوتر، موصولٍ إلى شبكةٍ عالمية تدعى الانترنت، بهذه الطريقة يصبح الكل مباحاً أمام الكل، وتتنحى الفرادة والتميز في كل شعبٍ أو أمة لصالح الكثرة العبثية، هذا جانب شرير من الحضور التكنولوجي في العالم.

جانب آخر للخير قدمته تلك التكنولوجيا الملعونة؛ إذ ما بين رسائل الحمام الزاجل أو ورق البردي وبين الإيميل فرق عملاق، يقرّ هذا الفرق أن التكنولوجيا حدثٌ جيدٌ للغاية.

الخيرة في التكنولوجيا أنها اختصرت المسافات، ووفرت الوقت والجهد، وأصبحنا نلتقي وجهاً لوجهٍ مع أحبتنا في أي زمانٍ ومكان، لم نعد في حاجةٍ إلى السفر جواً آلاف الأميال كي نحظى برؤية وجه ذوينا في المقلب الآخر للأرض، هذا مفيدٌ للغاية، أن تطوى المسافات بنقرٍ على  زر الاتصال.

أين الريبة إذاً! قد يبدو التقديم السابق للعولمة على أنها أمرٌ مفيدٌ، بصرف النظر عن تبعاتها الشعورية التي نشعر بها نحن العرب، بوصفنا متلقين لا فاعلين مؤثرين، نحن نتلقى ناتج التقدم في البلدان الأخرى، ونحاول حشره في زقاق أيامنا، وقولبته معنا، كي يتمكن من البقاء، نحن أخذنا من الحضارات مخلفاتها المرذولة، وقيّدنا أنفسنا إليها، ورحنا نشتمها في الوقت عينه لأنها استولت على وقتنا الذي كان يجب أن نصرفه فيما يفيد!

بدلاً من أن نبدأ من حيث الآخرون، ونحاول تطوير مفرزات التقدم لصالح حياتنا الرتيبة، نأخذ تلك المفرزات، نحللها بعيني الدهشة والضآلة، ومن ثم، نبقى زمناً مصلوبي الفكر، نحاول تعداد المسافة التي تفصلنا عن التطور، لذلك، ومن أجل رغبتنا الزهيدة في مواكبة التطور، نقرّ أن تلك التطبيقات التي أنتجها البحث التكنولوجي المتقدم، قد سهّلت علينا مشوار الانخراط في الركب العالمي، وأصبحنا في تلك القرية العالمية، جيراناً مع صناع التطور ورواده!

لكن، وبما أننا استخدمنا التطبيقات الذكية، للبقاء على مقربة من صُناع الأفكار العظيمة، لماذا لا نمدّ لأنفسنا يد العون، أو يد الفهم والتحليل في الحد الأدنى، ونأخذ الأفكار التي قادت إلى تلك الصناعة المزدهرة، ونحاول تطويرها، أو تأسيس أفكارٍ أخرى صالحةٍ لمستقبلٍ آخر لا نسكنه نحن، إنما سيذهب إليه أبناؤنا بخطىً سريعة!

الجواب كامنٌ في بينة العقل العربي؛ فالعقل العربي يستند إلى الغيبيات، التي هي؛ في اعتقاده، قادرةٌ على صناعة الخوارق، ذلك أن للخوارق وجوداً غير أرضي، لذلك، ماذا إن كانت هذه الصناعة التكنولوجية فعلاً خارقاً! لا يمكن للبشر، العربي منه، أن يقوم بمثله، وعليه، فإن علينا الانتظار بكامل الثقة حتى تأتي غيبيات أخرى تكون أكثر قدرة من سابقتها، وتقدم لنا التطور اللاحق، ونحن سنستقبله بكل رحابة صدرٍ، وحتى يحين الموعد ذاك، سنبقى موثوقي البصر نحو شاشاتنا الصغيرة، نلعب ألعاب الانترنت، ونمرر بصرنا بين الفينة والأخرى على مواقع التواصل الاجتماعي، نلتقط ما يجري حول العالم بنظرة سريعة، ونلتقط السيلفي ذات الابتسامة المجانية، ننشرها على تلك المواقع، ونسعد بالجهود المبذولة في سبيل كتابة بعضٍ من الكلمات المزيفة، ونردّ عليها بالزيف عينه، من ثمّ نطفئ الأنوار، ونخلد إلى النوم ونحن نشتم الوقت، الذي لم يُدوبِل نفسه كي ننجز أعمالنا المتراكمة، ونردد مقولةً لا نعرف قائلها: (عمرٌ واحدٌ لا يكفي)، وبالكيفية عينها، فإن أربعاً وعشرين ساعة لا تقدّم حلّاً وقتياً لغبائنا!

لم تعد التبعية منذ زمن بعيدٍ مقتصرة على تأمين الاحتياجات الأساسية من طعام وشراب، لقد استهلكت نفسها تلك التبعية، أصبحنا اليوم في تبعية أشدّ فتكاً وخطراً، تبعية تساوي تماماً معنى الأسر، ونحن في هذه العولمة مجرّد مشاهدين، أرقامٌ فقط، أرقام تحدد عدد المشاهدات لحدثٍ موثقٍ الكترونياً، ويبدو أننا لن نقوم من غفلتنا قريباً.

 

شيرين علوش - سوريا

كاتبة ومترجمة

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5125 المصادف: 2020-09-16 01:23:56