 قضايا

الحقُّ في الاعترافِ بالخطأ وتشكّلُ مفهوم الفرد

عبد الجبار الرفاعيتاريخُ وعي الإنسان وتكامله هو تاريخُ وعيه بأخطائه وتجاوزها، الحياةُ لا تُعلِّم إلا من يعترف بأخطائه. من لا يعترف بأخطائه لا يتعلم، التعلّم هو فنُ الإصغاء والاستيعاب والتفكير، والاعترافُ بالأخطاء بلا شعورٍ بالخوف. كلُّ مَنْ لا يعترف بأخطائه ستُرغمه الحياةُ على تكرار فشله. الأخطاءُ أعظم معلّمٍ في الحياة لمن يمتلك شجاعةَ الاعتراف بالخطأ. مَنْ لا يمتلكُ شجاعةَ الاعتراف بالخطأ لا يمتلكُ أيةَ قدرةٍ على تغيير ذاته، ولا يمتلكُ أيةَ قدرةٍ على تغيير العالَم، مَنْ يعجزُ عن ‏تغيير ذاته يعجزُ عن ‏تغيير العالَم. خوفُ الإنسان من التغيير خوفٌ من اعترافه بأخطائه.

  التربيةُ على الخوف من الخطأ والتنكّر له تضعف قدرةَ الإنسان على اكتشاف نفسه، والتعرّفِ على التضادّ في طبيعته البشرية ومواطنِ ضعفه وهشاشته، وتنسيه حالاتِ عجزه في شيخوخته ومرضه وموته. التنكّرُ للخطأ يرسّخ الغرورَ والطغيانَ والتكبّر والتجبّر عند كثيرٍ من الناس. اكتشافُ مواطن ضعف الكائن البشري ضرورةٌ يفرضها الفهمُ الواقعي لكيفيةِ بناء صلاته بما يحيط به، وتحديدِها في ضوء طبيعته البشرية، وبنيته السيكولوجية، وطبيعة تكوينه، وليس وفقا لما يتمناه، وتمليه عليه رغباتُه، وتقديرُه الموهوم لمواهبه، وما يخلعه على نفسه من قدرات واستعدادات زائفة.

  في مجتمعنا الفردُ غالبًا لا يُفكّر، الجمهورُ يُفكّر نيابةً عنه. المسؤوليةُ الفرديةُ مُستلَبة، أنت مسؤولٌ عن الكلّ من دون أن تكون مسؤولًا عن نفسك، والكلُّ مسؤولٌ عنك من دون أن تكون مسؤولًا عن نفسك. منذ أن يبتدئ مشوارُ الحياة مع الإنسان يمتدح الناسُ طاعتَه لاختيارات غيره له في: ما يأكله وما يلبسه، ما يحبّه وما يكرهه، ما يريده وما لا يريده. يريدون منه: أن يفكِّر لغيره، أن يفهم لغيره، أن يشعر لغيره، أن يتألم لغيره، أن يفرح لغيره، أن يحب لغيره، أن يكره لغيره، أن يتذكر لغيره، أن ينسى لغيره، أن ينجز لغيره.كلُّ ما يفعله الفرد في حياته هو إعادةُ إنتاجه لصورة غيره.

  في مجتمعنا يعاد استنساخُ صور متشابهة للبشر، تُستلَب فيها فرديةُ الكائن البشري ومسؤوليتُه. يتحدّث القرآنُ الكريم عن الفرد والمسؤولية الفردية في آيات متعدّدة، وردت في سياقات متنوعة، منها: "كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ"1 ،  "وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ"2 ، "وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ"3 ، "مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ"4 ، "وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ" 5.

  لا معنى لمجتمعٍ تعدّدي من دون بناءٍ لمعنى الفرد. عندما يتحقّق معنى الفرد في أيّ مجتمع يتحقّق معنى التعدّد والتنوّع والاختلاف. يتشكّل معنى الفرد بعد أن تترسّخ تقاليدُ الاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه. مالم ينشأ ويتشكّل وينضج مفهومُ الفرد في مجتمعنا، يظلُ المجتمعُ يفتقرُ لأشخاصٍ يمتلكون فرادةً في التعبيرِ عن مواهبِهم الخلاقة، والاعلان عن قدراتِهم على الإبداع والابتكار، وتميّزًا في مواقفهم المغايرة للتفكير اللامنطقي، والسلوك اللاأخلاقي.

 لا يمكن أن يتشكّل معنى الفرد في مجتمعٍ يفرض على الإنسان الخضوعَ والانصياعَ لكلِّ تقاليده وأعرافه، وألا يخرج على النموذج الواحد المشروع، الذي يمثّله: "الخليفة / السلطان / الشيخ"، وإن كان لا يصلح عقليًا وأخلاقيًا وسلوكيًا أن يكون قدوةً ومثالًا يُحتذى. "الخليفة / السلطان / الشيخ" يعزّز حضورُه وسطوتُه جهلَ المجتمع وعبوديتَه الطوعية، لذلك يرضخ أكثرُ الناس له بشكلٍ طوعي. يريد من الكلِّ أن يرون ما يراه، ويفكرون بما يفكر فيه، ويشعرون بما يشعر فيه، ويستسلمون لقرارته مهما كانت. "قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ"6 . مثلُ هذا المجتمع تسود حياتَه رؤيةٌ واحدةٌ للعالَم، ومعتقدٌ واحد، وفهمٌ واحد للحياة، ونوعٌ واحد يتكرر من المواقف، وسلوكٌ واحد الكلُّ فيه يكرّرُ الكلَّ.

 في  مجتمعنا تتجذّر تقاليدُ الإذعان والخضوع والطاعة العمياء، المشتقّة من:

 1. قيم البداوة والتقاليد القبلية المتغلغة في البنية العميقة لمجتمعنا.

2. نمط تديّن كلامي فقهي راسخ، يضمحلّ فيه حضورُ مقاصد الشريعة وقيمها المركزية، ولا يهتم كثيرًا بأهدافِ الدين المحورية، ورسالتِه في تكريس الحياة الروحية والأخلاقية.

3. استبداد سياسي مقيم، متجذّر ومتراكم عبر تاريخنا البعيد والقريب. الاستبدادُ عدوُّ معنى الفرد، الفردُ يستمدّ معناه من الاختلاف، الاستبدادُ يستمدّ معناه من التطابق. يبدأ الاستبدادُ بمختلف أنماطه حين تنشد التربيةُ والتعليم محوَ الملامح الخاصة للكائن البشري.

  الاستبدادُ يشدّد على الإذعان والانقياد والطاعة العمياء. كلُّ استبدادٍ ينشدُ إنتاجَ نسخٍ متماثلةٍ للكائن البشري. لا ينجز الاستبدادُ وعودَه إلا بمحو الفردية.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

..........................

* نشر في (تعدّديَّة) أيضا.

1- المدثر، 38.

2- فاطر، 18.

3- الأنعام، 64.

4- فصلت، 46.

5- الجاثية، 22.

6- غافر، 29.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5127 المصادف: 2020-09-18 01:37:41