 قضايا

سلطة الفصاحة والنحو (2)

عبد الجبار الرفاعي

إضافات وتوضيحات على المقالة السابقة

بعد نشر مقالتي: "سلطة الفصاحة والنحو" في صحيفة الصباح ببغداد، الصادرة في 12 تشرين ثاني 2020، تداولتها لاحقا عدةُ صحف ومجاميعُ في وسائل التواصل. واختلفت المواقفُ حيالها، ففيما أثنى عليها وتحمّس لها بعضُ الخبراء والقّراء، امتعض منها آخرون، وزعموا أنها تتنكر لضرورة وجود قواعد للغة العربية، واتهم غيرُهم كاتَبها بـكلمات غير مهذبة. أشكر كلَّ قرّاء المقالة، سواء من كان معها أو ضدّها، وأتمنى على بعض القرّاء ألا يلجأ للهجاء والكلمات المنفعلة، لأن النقدَ العلمي يهتمّ بتمحيص الآراء قبل أن يتهم كاتبَها.

لم أنكر ضرورةَ وجود قواعد للعربية، واحدةٌ من البداهات المعروفة أن كلَّ لغة تُنطق وتُكتب بقواعد لاسيما العربية، ولا يصح إهمالُ تلك القواعد كليًا في التحدّث والكتابة.

المقالة السابقة ترى أن قواعدَ النطق في اللغات الحية سهلةُ التلقي منذ الطفولة، يستقيها الإنسانُ من بيئته اللغوية، ويتيسر له تعلّمُها وإتقانُها. قواعدُ العربية كثيرةٌ دقيقة تفصيلية متشعّبة، متعارضةٌ أحيانًا، تتنوّع فيها اجتهاداتُ البصريين والكوفيين الأوائل، ومن تأخر عنهم. هذه القواعد صعبةُ الإتقان لمن يتخصّص بها، إذ يلبث التلميذُ سنواتٍ عديدة في دراستها، غير أنه ربما لا يتقنها، فكيف بغير المتخصّص الذي لا يتسع عمرُه لإنفاق سنوات في تعلّمها، وهم أكثرُ الناطقين بالعربية من أبنائها.

اللغةُ ‏بدلا من أن تكون أداةً مرنة طيّعة ديناميكية في التواصل الاجتماعي، تحولت الى قيدٍ يقيّد العقل، ينهك التفكير، يرهق النطق، وتتعسّر به الكتابة. في العربية نحن نتحدّث بلغة هي اللهجة السائدة في مجتمعنا، ومع الناطقين باللهجات العربية الأخرى نتحدّث بلغة، ونفكر بلغة، ونكتب بلغة. وربما نرى من يتقن عدةَ لغات لا تكون أحيانًا مصدرَ ثراء وخصوبة لديه، بل تشتبك هذه اللغاتُ في بعض الحالات مع مجموعة العربيات: لهجة يُنطق بها، لغة يُكتب بها، لغة يُفكَّر بها.

أعرف الفارسية، وترجمتُ عدةَ كتب منها إلى العربية، لم أجد فجوةً واسعة بين الشفاهي والمكتوب، المسافةُ فيها ليست شاسعةً بين لغة الكتابة ولغة المحادثة كما العربية، حتى أن مجموعةَ مؤلفات علي شريعتي مثلًا أغلبُها محاضرات شفاهية، كُتبت على الورق، ونُشرَت ‏بتحرير بسيط، هذا ما رأيتُه في بعض مصورات تحريرها. وهكذا الكتابات المنشورة لأكثر المؤلفين المعروفين اليوم بالفارسية.   تلك مشكلةٌ يواجهها الناطقون بالعربية تدعونا لتيسيرِ قواعد النطق بهها، وإثراءِ معجمها، وتضييقِ الفجوة بين الشفاهي والمكتوب. أدعو لتيسير القواعد، وليس الاستغناء عنها كلّها، أعني تيسيرَها بالشكل الذي يجعل تلقي أبنائها لقواعدها من عوائلهم وبيئاتهم عفويًا تلقائيًا،كما يتلقون كلمات ومعجم النطق بها. لا أدعو لاعتماد اللهجات المحلية بديلًا عن الفصحى. أدعو لتحديث معجمها ليتسع لاستيعاب ما يستجدّ من مصطلحات مكاسب العلوم والمعارف والتكنولوجيا. وهذا ما نراه في قواعد ومعجم اللغات الحية، مثل: الانجليزية، والفرنسية، والأسبانية، والفارسية، وغيرها.

هذا ليس رأيي فقط، هذا رأيٌ اشتهر عن جماعة من علماء اللغة والنحو المتقدمين والمتأخرين، فمثلًا ينصح الجاحظ ت 255 هـ المعلّم بقوله: ""وأما النحو، فلا تُشغِل قلبَه[1] منه إلا بِقَدْر ما يؤدِّيه إلى السلامة من فاحش اللَّحْن، ومن مقدار جهل العوامِّ في كتاب إن كتبه، وشِعْر إن أنشدَه، وشيء إن وصَفَه، وما زاد على ذلك فهو مشغلةٌ عمَّا هو أَولى به، ومذهل عمَّا هو أراد عليه منه، ومن روايات المثل والمشاهدة، والخبر الصادق، والتعبير البارع"[2]. ويكشف الجاحظ عن الدوافع غير المعلنة لبعض النحاة الأوائل، إذ يقول: "قلت لأبي الحسن الأخفش: أنت أعلم الناس بالنّحو، فلم لا تجعل كتبك مفهومة كلّها، وما بالنا نفهم بعضها ولا نفهم أكثرها، وما بالك تقدّم بعض العويص وتؤخّر بعض المفهوم؟! قال: أنا رجل لم أضع كتبي هذه للّه، وليست هي من كتب الدين، ولو وضعتها هذا الوضع الذي تدعوني إليه، قلّت حاجاتهم إليّ فيها، وإنّما كانت غايتي المنالة، فأنا أضع بعضها هذا الوضع المفهوم، لتدعوهم حلاوة ما فهموا إلى التماس فهم ما لم يفهموا، وإنّما قد كسبت في هذا التدبير، إذ كنت إلى التكسّب ذهبت"[3].

وكان ابنُ مضاء القرطبي ت 592 هـ ألف كتابًا بعنوان: "الرد على النحاة" دعا فيه إلى إلغاء نظرية العامل في النحو، بدافع تيسير تعليمه.كما يصرّح بذلك في مقدمة كتابه بقوله: (قصدي في هذا الكتاب أن احذف من النحو ما يستغني النحويُّ عنه، وأنبه على ما اجمعوا على الخطأ فيه. فمن ذلك ادعاؤهم أن النصب والخفض والجزم لا يكون إلا بعامل لفظي، وأن الرفع منها يكون بعامل لفظي وبعامل معنوي، وعبروا عن ذلك بعبارات توهم في قولنا "ضرب زيدٌ عمرًا" أن الرفع الذي في زيد والنصب الذي في عمرو إنما أحدثه ضرب)[4].

وقد روى السيوطي: "أن الكسائي قد مات وهو لا يعرف حد نعم وبئس، وأن المفتوحة، والحكاية. وأن الخليل لم يكن يحسن النداء. وأن سيبويه لم يكن يدري حد التعجب. وأن رجلاً قال لابن خالويه: أريد أن أتعلَّم من العربية ما أُقيم به لساني، فأجابه ابن خالويه على البديهة: أنا منذ خمسين سنة أتعلم النحو، وما تعلَّمْتُ ما أُقيمُ به لساني!"[5].

وأشار علي الطنطاوى إلى أن ما: (زاد النحو تعقيدًا وإبهامًا وبعدًا عن الغاية التي وضع من أجلها، ما صنعه الرماني من مزج النحو بالمنطق وحشوه به، حتى ما يقدر من بعده على تجريده منه، وحتى قال أبو علي الفارسي وهو معاصر له: إن كان النحو ما يقوله الرماني فليس معنا منه شيء، وإن كان ما نقوله نحن، فليس معه منه شيء. فخرج النحو بذلك عن الجادَّة، ولم يعد واسطة لفهم كلام العرب واتباع سبيلهم في القول، بل غدا علماً مستقلاً معقداً مضطرباً لا تكاد تثبت فيه مسألة. ورضي النحاة عن هذا التعقيد ووجدوا فيه تجارة وكسباً، حتى أن السيرافي لما ألف كتابه الإقناع "الذي أتمّه ولدُه يوسف" وعرض فيه النحو على أوضح شكل وأجمل ترتيب، فأصبح مفهومًا سهلًا، لا يحتاج إلى مفسر، ولا يقصر عن إدراكه أحد، حتى قالوا فيه: وضع أبو سعيد النحو على المزابل بكتابه الإقناع. ولما ألَّفه قاومه النُحَاة، وما زالوا به حتى قضوا عليه، فلم يعرف له ذكر، ولم نعرف أنه بقي منه بقية! وزاد النحو فساداً على هذا الفساد هذا الخلاف بين المذهبين "أو المدرستين على التعبير الجديد" المذهب الكوفي، والمذهب البصري، وما جرَّه هذا الخلاف من الهجوم على الحق، والتدليل على الباطل، والبناء على الشاذ، قصد الغلبة وابتغاء الظفر، كما وقع في المناظرة المشهورة بين الكسائي وسيبويه"[6].

ودعا جماعةٌ من علماء اللغة والنحو في العصر الحديث إلى تيسير النحو وتحديث اللغة، منهم: الأب أنستاس ماري الكرملي ت 1947 م، الذي ألف في هذا الموضوع: "أغلاط اللغويين الأقدمين"، صدر ببغداد سنة 1932م، وكتاب: "نشوء اللغة العربية ونموها واكتهالها"، صدر في القاهرة سنة 1938م.

ويشرح أمين الخولي "صعوباتنا اللغوية اليوم" فيقول: "ان أهم ما يعسر النحو على المعلمين والمتعلمين ثلاثة أشياء: الأول: فلسفة حملت القدماء على أن يفترضوا ويعللوا، ويسرفوا في الافتراض والتعليل. والثاني: اسراف في القواعد، نشأ عنه اسراف في الاصطلاحات. والثالث: إمعان في التعمق العلمي، باعد بين النحو وبين الأدب... إننا نعيش بلغة غير معربة ولا واسعة، حين نتعلم لغة معربة، وافرة الحظ من الاعراب، واسعة الآفاق مع ذلك، فكأننا بهذا نتعلم لغة أجنبية وصعبة، إذ أننا نعيش ونتعامل ونتفنن، بل يفكر مثقفونا بهذه العامية، ثم هاهي العامية تتابع زحفها الجرئ على مجال تلك الفصحى... إن هذه الفصحى الواسعة المعربة، مع ثقل اعرابها علينا، لا يسهل ضبطه بقاعدة، بل يسوده الاستثناء، فتتعدد قواعده وتتضارب... إن هذه الفصحى، فيما وراء اعرابها المضطرب، وسعتها، وانتشار قواعدها، باختلاف الكلمات، تعود فلا تستقر على حكم وقاعدة في الكلمة الواحدة، أو التعبير الواحد، فيجوز فيه النصب والجر، أو يجوز فيه الرفع والنصب والجر جميعا، وهكذا يتمادى الاضطراب، ويزداد التزعزع في الكلمات المختلفة، ثم في الكلمة، أو التعبير الواحد بنفسه، وهذا هو اضطراب القواعد"[7].

هناك مجموعة علماء لغة ونحو آخرون كتبوا نقدًا لقواعد النحو والإعراب، ودعوا إلى تيسيره، مثل: ابراهيم مصطفى الذي ألف "إحياء النحو"، صدر سنة ١٩٣٧، ويلتقي في كتابه هذا مع ابن مضاء القرطبي بالدعوة إلى إلغاء نظرية العامل في النحو، فيقول: "وتخليص النحو من هذه النظرية وسلطانها هو عندي خير كثير وغاية تُقصد، ومطلب يسعى إليه، ورشاد يسير بالنحو في طريقه الصحيحة، بعدما انحرف عنها آمادا، وكاد يصد الناس عن معرفة العربية وذوق ما فيها من قوة على الأداء ومزية في التصوير".

وقد ألف شاكر الجودي كتاب: "تشذيب منهج النحو"، سنة 1949، وأحمد عبدالستار الجواري: "نحو التسير"، سنة 1962م، ومهدي المخزومي: "في النحو العربي: نقد وتوجيه"، سنة 1964م. كما صدرت لعلماء لغة ونحو غيرهم عدةُ مؤلفات مماثلة تدعو للتيسير، غير أن دعوتهم أُجهضت مبكرًا، لسطوة الفصاحة والنحو وتسلّطهما الشديد، مثلما أُجهضت كلُّ دعوات الإصلاح في بلادنا.

لم يكن علي الوردي مسكونًا بـ "الفصاحة"، كما اشتهرْت عند اللغويين منذ عصر التدوين، ولم يكترث بالنحو وقواعده كثيرًا في كتاباته، بل كان يسخرُ من تشديد أهل اللغة على ذلك. لم يعبأ الوردي بكلِّ ذلك الاهتمام المبالَغ فيه بالفصاحة والنحو، بل كان يهمّه إيصالُ أفكاره بأية وسيلة، مهما كانت طريقةُ إبلاغه عنها، لذلك ظلّ يحذِّر النقادَ المتحذلقين من تسقّط الأخطاء النحوية في كتاباته، وينفر ممن يلاحقون الإعرابَ في أعماله، ويتهكّمون على ما يحسبونه عثراتٍ إعرابيةً في كتاباته. بلا تردّد أو حذر أو خجل يعترف علي الوردي بكثرةِ الأخطاء النحوية في كتاباته، ويعلن بأنه لا يعتذر من ذلك، إذ يقول في سياق بيان موقفه من النحو: "أودُ أن أنتهزَ هذه المناسبة لأُشير إلى أمر ربما لاحظه القاريء في جميع كتبي، هو كثرة الأخطاء النحوية فيها. وهذا أمرٌ أعترفُ به ولا أعتذر عنه. لا أكتمُ القاريء أني اعتبر النحو بلاءً أبتليت به الأمةُ العربية. وأنا على يقين أن الأمةَ العربية في مسيرتها الحضارية نحو المستقبل سوف يأتي عليها يومٌ تجد نفسها مضطرة إلى إلغاء النحو كلّه من مناهج مدارسها، أو إلغاء الجزء الأكبر منه على الأقل... مشكلة النحو العربي أنه ذو قواعد كثيرة ومعقدة، دون أن تكون له أية فائدة عملية، ولم نحصل من النحو إلا على أفراد من الناس دأبهم البحث عن الأخطاء النحوية في خطب الناس وكتاباتهم لينتقدوا أصحابها بها، ويشنوا عليهم الهجمات الشعواء"[8].

أحترم جهودَ الميسرين للغة والنحو، وأقدّر عقلانيتَهم النقدية. ليست كلُّ رؤية جديدة صحيحة، ولا كلّ رؤية قديمة خاطئة، المهم أن تكون الرؤيةُ علمية، متحرّرةً من وصاية الماضي على الحاضر ومن وصاية الحاضر على الماضي. لا تتأسّس هذه الرؤيةُ إلا على فهمٍ وتمحيص للتراث، واستيعابٍ نقدي للمعارف الحديثة، ونقدٍ موضوعي للواقع.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

............................

[1] يقصد قلب الصبي.

[2] الجاحظ، الرسائل، 1: 171.

[3] الجاحظ، الحيوان، ص 62-63.

[4] ابن مضاء القرطبي، كتاب الرد على النحاة، نشره وحققه: د. شوقي ضيف، ص 85-86، 1947، دار الفكر العربي، القاهرة.

[5] السيوطي، ، جلال الدين، بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، 1964، مطبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة.

[6] الطنطاوى، علي، فكر ومباحث، ص 17، 1988، مكتبة المنارة، مكة المكرمة.

[7] الخولي، أمين، مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب، ص 41-43، 1961م، دار المعرفة، القاهرة.

[8] الوردي، علي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، بيروت، دار الراشد، ط 2، 2005، ج4: ص 5 – 6.

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (6)

This comment was minimized by the moderator on the site

أحسنتم واجدتم وشكرا لتلك الشفافية، حقا انا احد دارسي العربية منذ 2010 وما زلت اذا حررت مقالا او كتابا بعد حين اجد فيه الاخطاء اللغوية، ما زلت اعجز عن التحدث بلغة عربية فصحى بلا اخطاء، ما زلت اعجز عن ايجاد مخرج لبعض القواعد واحار هل تكتب الكلمة الفلانية بالفتح او الضم، الاسباب عديدة ومعروفة ولكن ما من جهود حقيقية في التغيير، الجهود مكرسة في تكريس التقديس لهذه الصرامة، تراهم ينبرون للتسقيط لكل مطالب بالتيسير او الناقد.
اما مطالبتكم بالتيسير فقد سبقوكم من المطالبين، وقام نفر بالتيسير ولكن الاصفاد القدسية منعتهم من انجاز تيسير حقيقي للاسف. هناك تمام حسان اراد التيسير ف (زاد الطين بلة) عقد الامر اكثر من اوله.

منتهى البدران
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا أستاذة منتهى البدران المترمة لاهتمامك .. هذا المقال توضيحي لما كتبته في مقالتي السابقة دعوتي لتيسير قواعد النطق والتحدث والكتابة، بعد ان أحدث المقال السابق ضجة في مجموعات التواصل.. هذا المقال خلاصة لتجربة طويلة في تعلم وتعليم النحو، والكتابة منذ أكثر من 40 عاما.. اعترف بعجزي عن إتقان النحو، ‏مع أني درسته عدةَ سنوات، فمضافًا إلى دراستي للنحو في مراحل الدراسة الابتدائية والمتوسطة والثانوية، درست في الحوزة هذه الكتب: قطر الندى وبل الصدى، وشرح ابن عقيل لألفية ابن مالك، وشيئًا من شرح ابن الناظم لألفية ابن مالك، الذي تتلمذت فيه على يد العلامة اللغوي المرحوم رؤوف جمال الدين في الحوزة. سرق من عمري تَعَلّمُ الصرف والنحو والإعراب والبلاغة عدة سنوات، تَعَلَّمته على يد شيوخ متمرّسين في تدريسه، ثم دَرَّستُه لمجموعة من التلامذة في مرحلة مبكرة من حياتي، لكني أخفقتُ في إتْقَانِه بدقة، والتخلصِ نهائيًا من أية أخطاء نحوية في الحديث والكتابة، ومازلت حتى اليوم أعود لمحرّر ٍكي يدقّقَ ما لا أتنبه إليه من أخطاء. وطالما تورطتُ في جدال، غالبًا ما يكون عقيمًا، لأن مَنْ يحرّر نصوصي يرفضُ بشدة استعمالَي الجديد للكلمات، الذي لم يتداوله البدوي قبلَ تدوين المعاجم، وكأن اللغةَ وُلدت على لسان العربي الأول مكتملةً مقفلةً، أو مصابةً بعقم أبدي، وكأن توليدَ الاستعمال الجديد للكلمة خطيئة.

#عبدالجبار_الرفاعي
This comment was minimized by the moderator on the site

كلنا كذلك سيدي، مادامت هناك اصفاد قدسية تحيط بالنحاة الاوائل ستظل صعوبة اللغة العامل الاساس المنفر لأهلها، الامر لايتعلق باللغة فحسب بل اصبح النحوي الذي وضع هذه القواعد الصارمة التي استوحاها من اللحاء الارسطي هو الحجة في الفقه، ودونك التشدد الفقهي الذي يعيق الحياة في موارد كثيرة.

منتهى البدران
This comment was minimized by the moderator on the site

أستاذي الجليل الدكتور عبدالجبار الرفاعي حفظكم الله وزاد من فضلكم.
سلام الله عليكم وعلى كل قارئ كريم
دعوة تيسير النحو وتعليم اللغة العربية ليست جرما يستحق الإدانة، ولا هي خروج عن المقدس، وإنما هي دعوة كريمة جليلة عند كل عاقل يروم تعليم اللغة العربية بطرق سهلة وغير مكلفة ومنتجة. فتعليم اللغات يرتكز على تطوير نظريات مقاربتها ودرساتها وتدريسها. وليس كل قديم منبوذا وليس كل جديد مقبولا كذلك، فالقدم والجدة مسألتان مقبولاتان على أساس منفعتهما وصلاحهما للغرض المستهدف. فهما وسيلتان لا غايتان. ومنه المرونة في التعاطي مسلك كل دارس للعلوم. ومن أجله يجب فتح حوار بين الدارسين والباحثين في هذه القضية للمفاضلة بين نتيجتي الرؤيتين بناء على المقولات الموضوعية والنتائج الميدانية لكل رؤية على حدة، والذهاب إلى الأفضل. ولا أجدني بحكم طبيعة عملي في التعليم لمدة تربو عن الأربعين سنة إلا من الداعين لتيسير تعليم نظام اللغة العربية التركيبي والصرفي والصوتي والدلالي، ووجدت خلالها المتعلمين ينفرون من النحو وقواعده، ويسلكون مسلك التعبير وفق النماذج وحسب المتداول في الواقع الاجتماعي. مما يثار معه مسألة التعدد اللغوي في البلد وأثره في تعليم اللغة العربية، واللغة العربية في مجموع الأقطار العربية هي لغة ثانية لأن اللغة الأم هي العامية، والعامية تختلف من بلد عربي لآخر، وكل عامية لها نظامها ونسقها اللغوي المختلف، وقد تتقاطع هذه الأنظمة والأنساق العامية لكنها لا تتطابق، وما يجمعنا في العالم العربي هو اللغة العربية الفصحى، والتي نسقها ونظامها اللغوي مهما تقاطع مع نظام وأنساق العاميات يظل يختلف معها، والعامية عاميات في واقعها المعيش لأنها أطلسية جغرافيا في البلد الواحد، وهي تتطور مع الأجيال. فمثلا: في المغرب؛ الجيل القديم لا يفهم الجيل الحديث إلا بجهد نظرا لتوظيف هذا الأخير معجما لهجيا مختلفا عن القديم، لكن هناك معجم لهجي وسطي فيه من الألفاظ القديمة والجديدة ما يتقاربان في الدلالة، ما يسهل في كثير من الأحيان التواصل.
أستاذي الكريم في تعليم اللغة تنبري قضايا وإشكاليات ومشاكل لغوية تستدعي البحث والدراسة كالتداخل بين اللغة العربية والعامية، وأثر اللغات الأجنبية على تعليم اللغة العربية، ومدى الاستفادة من الأنظمة اللغوية في تعليم اللغة العربية، وكيف ننتقل من العامية إلى اللغة العربية الفصحى ( وبالمناسبة هناك في إطار نظرية التواصل اللغوي من يستكثر ويستنكر على اللغة العربية أن توسم بالفصحى لأن أي لغة يتواصل بها الإنسان هي فصحى في نظره ) وتأثير العالم الرقمي في تعليم اللغة العربية، ومساحة وسائل الإعلام في تعليم اللغة العربية والتقريب بين اللهجات العربية ... فهذه القضايا؛ دراستها ستفتح لنا أبوابا واسعة في تعليم اللغة العربية، كما أن اللغويات التطبيقية مجال خصب لدراسة هذه القضايا وغيرها عمليا خاصة في منحى تعليم اللغة العربية الفصحى.
وعلى العموم أشكركم أستاذي الفاضل على طرحكم الذي يعد دعوة إلى إعمال العقل والنقد لتطوير استراتيجيات وطرق ومناهج تعليم اللغة العربية حتى تساير العصر وألفية المعرفة، ولكي تسلم من الأخطاء التعليمية والأخطاء اللغوية وتنتشر بين مستعميلها بقدر واسع، وتستمر في العطاء الفكري والحضاري وتساهم في بناء الإنسان وحضارته المتنوعة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عبد العزيز قريش
This comment was minimized by the moderator on the site

تحياتي واحترامي استاذ عبدالعزيز قريش... شكري وامتناني لما أضافته مداخلتك العلمية من أفكار مهمة لمتخصص خبير متمرس. أحترم جهودَ الميسرين للغة والنحو، وأقدّر عقلانيتَهم النقدية. ليست كلُّ رؤية جديدة صحيحة، ولا كلّ رؤية قديمة خاطئة، المهم أن تكون الرؤيةُ علمية، متحرّرةً من وصاية الماضي على الحاضر ومن وصاية الحاضر على الماضي. لا تتأسّس هذه الرؤيةُ إلا على فهمٍ وتمحيص للتراث، واستيعابٍ نقدي للمعارف الحديثة، ونقدٍ موضوعي للواقع.
البعضُ يعتاش على سلطة الفصاحة والنحو، والدعوةُ للتجديد تناهضها دائمًا شبكاتُ مصالح متجذّرة متشعّبة معقّدة، وطالما خرجت من فضاءِ النقاش العلمي إلى ضجيجِ الجدل البزنطي.

#عبدالجبارالرفاعي
This comment was minimized by the moderator on the site

لك تحياتي استاذنا الجليل الدكتور عبد الجبار الرفاعي
ان مقالتك هذه هي فصل الخطاب لِمَن يدعي محبة اللغة
العربية واولهم مجمع اللغة العربية والجامعة العربية التي
لتوحيد الجهود بتوحيد الكتب المدرسية في كل الوطن العربي
دمت رائدًا وعقلاً نيرًا

الحاج عطا

الحاج عطا الحاج يوسف منصور
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5191 المصادف: 2020-11-21 05:59:32