منى زيتونمنذ أيام تصدر وسم لدعم الإعلامية المصرية رضوى الشربيني صدارة مواقع التواصل الاجتماعي في مصر. وبداية القصة أن الإعلامية كانت قد أدلت برأيها عن الحجاب في إحدى حلقات برنامجها، مشجعة المحجبات اللاتي يفكرن في خلع الحجاب بالعدول عن خلعه، ورغم أنها لم تدع غير المحجبات إلى ارتدائه ولم تذكر صراحة أنها ترى الحجاب فريضة إلا أن كلامها أشار إلى ذلك الاعتقاد بوضوح، وذكرت صراحة رأيها بأن عدم ارتدائه ليس سوى ضعف إيمان وتغلب للنفس الأمارة بالسوء –أو تغلب شيطان نفس غير المحجبة بحسب تعبيرها-؛ ومن ثم فالمحجبة أفضل من غير المحجبة.

وعلى الفور تلقت لجنة الشكاوى بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام المصري عددًا من الشكاوى ضدها بسبب هذا التصريح، والذي اعتبروه مسيئًا، وفتحت بسببها تحقيق عاجل مع الإعلامية.

وكثر تداول الموضوع على وسائل التواصل الاجتماعي، وتحول النقاش حول رأي أدلت به إعلامية إلى قضية رأي عام، وكعادتنا فقد اتسع ذلك النقاش ظاهريًا فقط من حيث أعداد المشاركين فيه، وليس من حيث دلالة الفعل ورد الفعل، والذي أراه أكبر من أن يُحصر في نقاش حول الحجاب وكونه فريضة أم لا، أو مقارنة سلوك المحجبات بغير المحجبات، فما يحدث هو فصل جديد من فصول تبدل القيم في المجتمع المصري، وإذا تغيرت أفكارنا تبدلت سلوكياتنا بالتبعية، ولا ينبغي أن يمر علينا مرور الكرام في حديث عابر عن الحجاب، بل ينبغي التعمق وأن نفهم علاقة ما حدث بـ "الرغبة في التميز" وتبدل قيم "الأنا" لتتوافق مع "الهو".

الرغبة في التميز عن طريق الانتماء لجماعة

سبق وناقشت "الرغبة في التميز" في مقال قديم، وأعطيت أمثلة لطرق يحاول من خلالها أناس عاديون إشعار أنفسهم بالتميز من خلال الانتماء لجماعة ما، حتى أن بعضهم قد يرى نفسه مميزًا عن غيره لأنه من سكان العاصمة، وإن كان يسكن أحد أحيائها الشعبية!

والضيق من "مدح الحجاب" وتحويل الحديث إلى ذم المحجبات لأن بعضهن قد تفعلن كذا وكذا هو مثال آخر للأسباب التي قد تخترعها غير النابهات لنفخ ذواتهن الفارغة من كل قيمة؛ لأن الحجاب ذاته لا علاقة له بسلوك بعض من ترتدينه، كما أن سلوك من لا ترتدينه بوجه عام لا يمكن الجزم بأنه أفضل.

كما أنني لست أفهم كيف تبرر من لا ترتدي الحجاب ذلك في إطار حريتها الشخصية، في حين تتدخل دون خجل في حرية غيرها عندما تقررن ارتدائه، بل ويتدخلن في حرية إبداء إحداهن مدحًا له ولمن اخترنه!

ولكن كما أسلفت فهناك دافع حقيقي لسلوك التطاول على الحجاب والمحجبات يختلف جذريًا عن الخلاف الظاهري المدعى حول فرضيته أو الإدعاء بأن المسألة تقع في نطاق الحرية.

إن حالة الإفلاس الثقافي التي تستشري في المجتمع المصري اليوم جعلته مجتمعًا يعمه التظاهر؛ فلا قيم حقيقية أصيلة فيه تسوده، فإما قيم بدوية مستوردة وإما قيم أوروبية مستوردة، وهناك من يحاول الظهور بمظهر المثقف، فيختار التعارض الدائم مع رأي المتدينين، وطالما قلت إن التعصب يخلق ما يمكن أن نسميه بالعور الفكري، وهناك من يحاول الظهور بمظهر علية القوم، ولهذا التظاهر مستلزماته التي لا تفارقه، والتي تكشفه في آنٍ واحد. وكما يقول الشاعر: إذا ظهر الحمار بزي خيل *** تكشّف أمره عند النهيق!

ربما لم يسمع كثيرون منا بمصطلح "أميرات الدولار"، وهو مصطلح ظهر في القرن التاسع عشر، تعبيرًا عن الفتيات الثريات من العائلات الأمريكية ذوات الأصول المتواضعة، اللاتي تم ترتيب زواج لهن من نبلاء إنجليز قليلي الثروة، فكان أول زواج بين الثروة والجاه في العصر الحديث. وكان من العلامات الفارقة لهن عن النبيلات الإنجليزيات أنهن كن يبالغن في الاعتناء بمظهرهن، وظهر ذلك جليًا في أعداد الأزياء الجديدة اللاتي كن يعددنها في كل موسم، والتكلف فيها، وتلك هي المفارقة، فبينما اعتقدن أن كثرة الأزياء وزيادة تكلفتها سترفع شأنهن كانت الكاشف الأول لحقارة أصولهن!

ومن يريد أن يرى كيف تعبر البساطة عن الرقي فليبحث عن صورة فستان خطوبة الأميرة فوزية ابنة الملك فؤاد وشقيقة الملك فاروق لولي عهد إيران وقتها محمد رضا بهلوي. الفستان من قماش الساتن الأبيض الناعم، محلى بوردات مشغولة يدويًا، وأعتقد أن فتيات اليوم يستحيل أن ترضى إحداهن بمثل هذا الفستان الراقي البسيط في حفل عيد ميلاد لها فضلًا عن حفل خطبة.

ولمن لا يعلم فإنه حتى عقد السبعينات كانت كل سيدة في مصر تشتري لنفسها حوالي ثلاثة فساتين جديدة سنويًا في الصيف، وأقل من ذلك العدد في الشتاء، وبعضهن كن يُفصلن ملابسهن وملابس أفراد عائلاتهن، وكانت من تريد إبراز غناها تبرزه في صورة عاقلة بأن تقتني من الذهب والمجوهرات ما تدخره للزمن.

ثم تبدل الزمن منذ نهاية السبعينات، مع بداية ما عُرف بالانفتاح الاقتصادي، وكلنا يلمس كيف تحاول طبقة من محدثي ومحدثات النعمة اليوم الإنفاق ببذخ زائد على مظهرهم، ومحاولة التشبه بالغرب في ذلك المظهر، علمًا بأن الأجانب لا ينفقون معشار ما ينفق هؤلاء على المظاهر الفارغة.

وعودة إلى موضوع الحجاب لأقول إن عدم تحجب نساء هذه الطبقة يأتي غالبًا كحرص على إظهار رقي زائف باعتبار الحجاب –كما ترينه- يليق بالطبقات الاجتماعية الدنيا، لا بهن! ومثله في ذلك كثرة دس أغلبهن كلمات من اللغة الإنجليزية في حديثهن، وبلهجة عجيبة لم أسمع الإنجليز أو الأمريكان أنفسهم ينطقون بها! ومدح رضوى للحجاب والمحجبات كان سهمًا صُوب تجاه تميزهن المزعوم، وفضحهن رد فعلهن.

ولو وُجد معيار حقيقي تتميز هؤلاء التافهات باعتباره لما انشغلن بالتقييم على أساس التصنيف كمحجبات وغير محجبات، لأنه حتى الأجانب اللاتي يقلدونهم يرون ارتداء الحجاب كحرية شخصية ولا يحكمون على الناس من خلاله.

إن التميز الحقيقي الذي يحق للمرء أن يفتخر به هو ما صنعه بنفسه، وليس من خلال الانتماء لجماعة. إن الفتى من قال هأنا ذا **** ليس الفتى من قال: ذاك أبي.

عندما تصير "الأنا" "هو"!

في نظريته الشهيرة، حدد سيجموند فرويد ثلاث منظمات للنفس الإنسانية (الهو- الأنا- الأنا العليا)، وقرر أن الشخصية الفردية هي نتاج تفاعلها.

وبينما تكون الهو/الهي مستودع الغريزة والرغبات، ويسير وفق مبدأ "اللذة"، فلا ينشغل بخلق توافق بين الفرد والقيم الاجتماعية، ولا يعنيه إن كان تحقيق الرغبة في إطار يتفق مع القيم أو يخالفها، تكون الأنا في المقابل منشغلة بالتوفيق بين قيم ومعايير المجتمع وبين رغبات الهو، فهي تعمل وفق مبدأ "الواقع". أما الأنا العليا فتعمل وفق مبدأ "المُثل"، وتحتاج لتعمل بشكل جيد أن يتلقى الفرد تربية جيدة ملتزمة أخلاقيًا منذ صغره، تجعله ينأى بنفسه عن كل حقير من الفعل مهما كان متوافقًا مع هواه، وحتى إن سمحت به قيم المجتمع الذي يحيا فيه.

ووفقًا لرؤيتي فهناك محاولة حثيثة لخلق تبدل واضح في قيم المجتمع المصري والعربي، وتعديل قيم المجتمع لتحقيق أكبر قدر من التوافق مع غرائز ورغبات النفس. إنه تعديل "الأنا" لتصير "هو"! لأن القيم المجتمعية هي مرجعية "الأنا". وعندما تتوافق قيم المجتمع مع مبدأ اللذة –كما يريدون لها- سيصبح "الهو" متلبسًا قناع "الأنا" متحكمًا في الأغلبية منا، باستثناء من عصمهم الله وبقيت لديهم "الأنا العليا" قوية؛ لتكون الضمير في غياب القانون والناس وكل وسائل الردع الخارجية.

وقد يقول قائل إن ما يحدث من رفض للحجاب والاحتشام بوجه عام في بعض الأوساط المجتمعية هو تعارض ورد فعل لسلوكيات مناقضة صدرت من بعض المضطربين عقليًا الذين يجبرون النساء على ارتداء النقاب واللون الأسود خاصة، حتى إنهم قد يجبرون طفلات لم يصلن لسن المدرسة على ارتداء النقاب!

وبتعبير علمي، فإن الأنا العليا عند هذه الفئة الأخيرة تكون قاسية بالدرجة التي تخرج الفرد من عداد الأسوياء نفسيًا، وظاهريًا تكون قوية لا تسمح للهو بالسيطرة على النفس، ولكن الحقيقة قد تكون عكس ذلك، وقد يسقطون في كثير من الاختبارات الأخلاقية حين تخف سطوة المجتمع وتغيب الرقابة الخارجية.

والحقيقة التي تؤكدها الدراسات النفسية أنه بمقدار قوة "الأنا" واتزانها بين "الهو" و "الأنا العليا" تتكامل الشخصية. ومن هنا فألاعيب الحواة تعمل على إضعاف "الأنا".

وكثيرًا ما لا أجد فرقًا حقيقيًا بين أميرات الدولار المتحزبات ضد الحجاب ونساء الجماعة السلفية المنقبات من حيث دوافع السلوك، فالدافع وراء السلوك واحد وهو الرغبة في التميز من خلال الانتماء لجماعة، مع الفارق الكبير بين اعتقادات وسلوكيات كلا الجماعتين. إنها حرب نفسية بين حزب "الهو" وحزب "الأنا العليا"، وكلا الحزبين متطرف.

 

د/ منى زيتون 

الخميس 17 سبتمبر 2020

 

التناقضات الصارخة في المجتمع الإنساني لا يُمكن السيطرة عليها وتقليصها، إلا بتكوين سياسات اجتماعية قائمة على الحُب والعدل والمُساواة، واعتماد مبدأ الكفاءة والولاء للقِيَم والمبادئ، وليس الولاء للأشخاص والكراسي. وهذا شعار جميل برَّاق، لكن تطبيقه على أرض الواقع صعب، وليس مستحيلًا . وصعوبة تطبيقه نابعة من مراكز القوى في بِنية الأنظمة المُوجِّهة للفرد والجماعة والمجتمع . ومراكز القوى هي أركان الدولة العميقة التي تتحكَّم بمسار العلاقات المعنوية والمادية في المجتمع . وإذا أردنا تحليل مُكوِّنات المجتمع، ينبغي الانطلاق من حقيقتَيْن راسخَتَيْن، لكنهما غَير مُعْلَنَتَيْن . الحقيقة الأُولَى : إن هناك دَوْلَتَيْن في المجتمع الإنساني الواحد، الدَّولة العميقة الباطنية (الجَذر) والدَّولة السَّطحية الظاهرية (الأغصان). والعلاقة بين هاتَيْن الدَّولتَيْن قائمة على المصلحة المشتركة والمنفعة المتبادلة واحتكار اللعبة السياسية بكل مزاياها، وهذا هو سبب تحوُّل كثير مِن الأوطان إلى مشاريع تجارية استثمارية، تعود بالنفع على الطبقة السياسية الحاكمة حصريًّا، دُون أيِّ فائدة للمواطن العادي . وكُل نظام سياسي مُغلَق هو بالضرورة نظام استحواذي احتكاري، يتعامل مع الشعب وَفق ثنائية الرهائن والغنائم . ومهما كان الوطنُ غنيًّا بالثروات والإمكانيات، فلن يَشعر المواطن العادي بأيِّ فائدة، لأن الشَّرنقة التي تُحيط بالوطن تمتص كُل الخَيرات، ولا يبقى مِنها شيء للشعب الكادح . الحقيقة الثانية : إن السياسة في المجتمع الإنساني هي لُعبة الأغنياء، وهذا يعني تحوُّل السياسة مِن وسيلة للحُكم الرشيد إلى غاية قائمة على الاستعباد والهيمنة، وتحوُّل العلاقات الاجتماعية الخاضعة للبنى السياسية مِن ظاهرة أخلاقية نبيلة إلى نزعة مادية متوحشة، وبالتالي يُصبح القادرون على الدَّفْع هُم القادرين على الكلام، وهذا أمر في غاية الخطورة، لأنَّه يستثني أصحابَ المواهب والكفاءات.

2

التَّشَظِّي في المجتمع الواحد (وجود دَوْلَتَيْن تحتكران العمل السياسي القائم على المال)، لا يستمد شرعيته مِن قُوَّته الذاتية، وإنما يستمد شرعيته من تحالف السُّلطة معَ الثَّروة، أي : تحالف بِنية النظام السياسي مع رأس المال، مِن أجل تحويل الوطن إلى بقرة حَلُوب لأصحاب النُّفوذ، وتحويل الشعب إلى قطيع أغنام يُساق إلى الذبح في الوقت المُناسب، لذلك ليس غريبًا أن يَقتل الطُّغَاةُ شُعوبَهم، ويُدمِّروا أوطانَهم . بَل إنَّ هذا أمر مُتوقَّع في كُل زمان ومكان، ولا يَدعو إلى العَجَب والدَّهشة. وكُل طاغية يَعلَم في قرارة نَفْسه أن وجوده غَير شَرعي، وأنَّه لم يجئ وفق انتخابات حُرَّة ونزيهة، وإنما جاء بحُكم الأمر الواقع، وباعتباره مَالِكًا للمال والسلاح، ومَدعومًا من القوى الخارجية، ومُتحالفًا مع سماسرة الوحدة الوطنية المستعدين لاقتسام الغنائم. لذلك فإن كُل طاغية، يعتنق سياسة القرابين، حيث يتم التضحية بكل شيء، من أجل بقاء الزعيم القائد الخالد الوحيد الأوحد على الكُرسي . ولكنَّ الكُرسي لا يَدُوم لأحد، وحتى لَوْ دامَ الكُرسي للطاغية، فإن الطاغية لَن يَدُوم له .

3

إنَّ الإنسان كائن عاطفي، والنَّفْس الإنسانية مَجبولة على حُب مَن أحسنَ إلَيها، ولا يُمكن لأيِّ حاكم أن يَقُود الوطنَ والشعبَ إلى بَر الأمان، إلا إذا سيطرَ على قُلوب الشعب بالمحبة، والأخلاق الفاضلة، والتَّضحية من أجلهم . وهذه هي القُوَّة الناعمة التي تمتلك مَفعول السِّحْر . والحُبُّ وَحْدَه هو الذي يَمتلك قَلْبَ الإنسان . والسلاحُ له سُلطة على الجسد، وليس له سُلطة على القَلْب . وهذا هو الأساس الفلسفي للسياسة، ولكنَّ الكثيرين يَعتبرون هذا الكلام رومانسيًّا، ولا يَصلُح إلا للأفلام العاطفية وقصص العُشَّاق . وهذا خطأ جسيم، لأنَّ الحُب وَحْدَه هو القادر على بناء الوطن ونهضة الإنسان . وقُدرة الحُب على صناعة الحاضر والمستقبل تنبع من حقيقة مُفادها أن الحُب يُزيل الخَوف، وبالتالي يتحرَّر العقلُ، وينطلق إلى الإبداع، لأن العقل الخائف مشلول غير قادر على التفكير والإبداع، والحُب يَمنع الخيانة، وبالتالي تتكرَّس الثقة بين الرئيس والمرؤوس، والثقة أساس النهضة والتقدُّم . والحُب يُطهِّر القلوبَ مِن الحِقد والانتقام، وبالتالي تختفي الصراعات بين أبناء الوطن الواحد، ويزول الصِّدام بين الحاكمين والمحكومين. والحُب يضمن الوَلاء الحقيقي، وهذا يعني تقديم النصيحة الصادقة، والمَشُورة المُخلِصة . وكما قِيل : صَديقك مَن صَدَقَك لا مَن صَدَّقَك .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

خالد بوفريوا"القبيلة" اصطلاح قديم، تداولته الألسن والأقلام عبر القرون وتحول إلى مصطلح ذي إيحاءات دينية واضحة وإلى مفهوم سوسيولوجي جوهري وموضوع انثروبولوجي مركزي؛ وهو يتميز بالتجدد ومواكبة التطور، لأن من المصطلحات ما يعيش ويعتريه البلى ويموت، ومنها ما يستمر ويصمد في وجه الزمن، ومنه مصطلح القبيلة؛ فهو مرن وقادر على التكيف مع مجريات الحياة ولا أدل على ذلك من الاستعمالات الكثيرة التي تعاورته ولم تنل من جدته وصلابته؛ فما إن يخفت صوته لفترة حتى تعود إليه نضارته ويتجدد شبابه ويشرع الناس في تداوله ومقاربته بأدوات وآليات مختلفة؛ وهذا ما فعله الباحثون من مؤرخين وعلماء اجتماع وساسة وانثروبولوجيين في العصور الوسطى والحديثة؛ وقد جاءت مقارباتهم في سياقات وظروف مختلفة فرضت العودة إلى مصطلح القبيلة، والاستعانة به لبحث وتحليل تاريخ الشعوب والقبائل العربية والإفريقية، ومنها القبائل الصحراوية(1)

تعد القبيلة تنظيما سياسيا واجتماعيا ورابطة دموية -تحالفية- ووحدة شعورية ولا شعورية ميزت العديد من المجتمعات البشرية؛ وتعتبر منطقة المغرب الكبير من بين المجالات الجغرافية التي تطور فيها هذا النظام الاجتماعي عبر العصور واتخذ أشكالا مختلفة وعرف ديناميات مستجدة حسب الفترات التاريخية ونوعية السلطة السياسية التي تظهر هنا أو هناك، ولعل ذلك ما دفع المفكر "جاك بريك" إلى القول: [أن منطقة المغاربة هي مجال للتقاطعات الكبرى والانشطارات والديناميات السياسية والاجتماعية بل ظلت فضاء رحبا للبحث عن هوية الذات من خلال استراتيجيات مختلفة مثل الأنساب والهجرة والترحال والمناورة] (2) وهذا المعطى يدفعنا إلى القول بأنه لدراسة التنظيم القبلي سوسيولوجيا والانثروبولوجيا لا بد من العودة إلى التاريخ، فالتاريخ وحده يعيننا في فهم القبيلة، خاصة بالنسبة لهذه المنطقة الواقعة ما بين البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا جنوب الصحراء التي تشكل واسطة العقد ما بين حضارات مختلفة تماما كما تمثل الآن حدود العالم الإسلامي من الناحية الغربية(3).

وفي هذه المقالة سنقتصر على القبيلة الصحراوية ذات الطابع المعقلي : مكوناتها، مميزاتها، وأساليب تدبير وتسير شؤونها، باعتبارها أحد المكونات السياسية/الاجتماعية للمجتمع الصحراوي عموما. وقد بدت فاعلية هذه المنظومة القبلية الصحراوية في القرون الأربعة الأخيرة بفعل تضافر مجموعة من العوامل كالانتقال من الاستقرار نحو الظعن، ودور الصالحين والنسب الشريف والممارسة التجارية العابرة للصحراء ما بين حواضر الشمال (فاس- مراكش- تلمسان – بجاية - القيروان- غدامس- طرابلس...) وبين مراكز الجنوب (كاوة - تنبكتو – ولاته – تيشيت – وادان – شنقيط – اندر...). وهنا نصبح أمام قبائل لا يمكن تحديدها بالمجال الجغرافي الذي تشغله فحسب، ولكن نحن بصدد مجموعات متنقلة وأنساب مكرسة واستراتيجيات متعددة في التكيف مع المجال والمجتمع والطوارئ الخارجية (سلطة، الدولة، الاستعمار...) والقبيلة الصحراوية ليست دائما ذات حركية خطية من الحواضر نحو الأصحار، ولكنها قد تمارس العكس وذلك بترك الظعن لمداهمة القصور والمراكز الحضارية والاستيلاء عليها وأمامنا نماذج حية في التاريخ الحديث : مثل هجوم قبيلة ’’آيت أوسى’’ على قصر آسا بمنطقة درعة / وادنون 1867، واستيلاء قبيلة ’’الرﮔيبات’’ على قصر تندوف نهاية القرن التاسع عشر1897، وهجوم قبيلة ’’اعريب’’على قصر امحاميد الغزلان بداية القرن العشرين، وهذه الدينامية تبين أن كل من البداوة والحضارة بالصحراء، تعد وسيلة مختلفة لكنهما تتكاملان وترتبطان للتكيف مع البيئة الصحراوية ومناخها القاسي.

وتشكل السلطة محطة اهتمام السوسيولوجيين والانثروبولوجيين فهي ضرورية في المجتمعات سواء المبنية على الاكراه البدني او الاكراه الاجتماعي (سلطة التقاليد والعادات)، فهي أدة تنظيمية تسعى الى ضبط المجتمع انطلاقا من قوانين ينتجها لنفسه (4)، فالمجتمع الصحراوي بدوره ينتج قوانين لضبطه وتنظيمه فهو مجتمع قبلي مما يجعل تنظيماته وقواعده المستمدة من هذا النظام القبلي. فالقبائل الصحراوية لم تكن قط تسودها الفوضى بل كانت هناك سلطة الزامية وقاهرة تمثلت في سلطة "اجماعة/أيت أربعين" كمؤسسة سلطوية تدبيرية من جهة، ومجلس سياسي واجتماعي واقتصادي من جهة ثانية .

لا يخفى على أحد أن المجتمع عبارة عن بنيات وأنظمة ومؤسسات... منها القبيلة التي حظيت منذ القدم بتعريفات كثيرة ومقاربات متعددة يمكن أن نعدد منها العشرات، منها اللساني ومنها السياسي ومنها الاجتماعي ومنها الأنثروبولوجي ومنها الجغرافي ومنها التاريخي… إلخ.

والقبيلة في اللسان العربي متعددة المعاني والدلالات منها ما هو مادي أصلي ينصب على الأنواع الطبيعية ومنها ما هو من قبيل الاصطلاح وهنا حدث ولا حرج، فقبائل الرأس مثلا أطباقه وفلقه، وقبائل الرحل أحناؤه، وقبائل الشجرة أغصانها، وكل قطعة من الجلد تسمى قبيلة، والقبيلة تطلق كذلك على صخرة تكون على رأس البئر وعلى أصناف من الطير ومن الناس من ينتمون إلى أب واحد.

وحتى لا نركن للخوض في تحليل لغوي مسهب يحيد بنا إلى متاهات فقه اللغة وفلسفتها، سنكتفي بالقول أن مادة قبل كما تسجل ذلك معاجم اللغة وكما هو واضح من منطوقها تتكون من ثلاثة أحرف تدل على مواجهة شيء لشيء فكأن القبيلة إنما سميت قبيلة لأنها تواجه قبيلة أخرى أو تتساكن معها في فضاء مشترك، والمواجهة قائمة في كل الأحوال في السلم والحرب، وقيل سميت كذلك لأنها تسير نحو قبلة واحدة. فهي إذن مفهوم شامل ومصطلح متداول في اللغة وفي علم الأنساب والبيولوجيا وعلم الحيوان والنبات وعلم الاجتماع وعلم النفس والأنثروبولوجيا والتاريخ.....

 مفهوم القبيلة يعتبر من بين اكثر المفاهيم استعمالا في الحقل الانثروبولوجي فالإفراط في استعماله جعله عاما وغامضا وغير دقيق، حتى ان ابرز الانثروبولوجيين المعاصرين أشار الى وجود ازمة مفهوم القبيلة)5)،هذه الأخيرة التي تعتبر بمثابة مجموعة بشرية مكونة من أجزاء والاجزاء مجزئة بدورها الى أجزاء أخرى (فخذات، بطون، اعراش) تتأسس على القرابة الدموية من جهة والتعاقد الاجتماعي من جهة أخرى، وأما اهم محدد للقبيلة التي تمارس عليه سلطتها وتدافع عنها هو البعد الجغرافي "التراب"(6)،زد على ذلك الاشتراك في قيم وتمثلات ومبادئ وتقاليد وممارسات وعادات اجتماعية ونظام رمزي يعد مكونا في تحديد الوحدة القبلية (7) .فدراستنا هذه تنكب على هذا الأساس وفق اسقاط عمودي على المجتمع القبلي التقليدي الصحراوي الذي لا يختلف في سماته ومميزاته كثيرا عن القبيلة العربية التقليدية، ويمكن أن نتصور أهم تلك المميزات من خلال النقاط التالية :

1- القبيلة الصحراوية، تعتمد نظام الترحال، تشيم المرابع الممرعة، وتتعلق بأذناب حيواناتها، إذا كانت رعوية، وتتمسك بمعولها ومنجيلها إذا كانت فلاحية، وفي كلتا الحالتين يطبعها طابع البداوة.

2- لا رابطة اقتصادية تنظيمية لمؤسسة القبيلة، بل يتم معالجة شؤون المال تبعا للضرورة والحاجة، فتوزع الديات مثلا على العاقلة، على الصيام البالغين من أفرادها، ويكون هناك مسؤولون أسريون يتولون جباية ذلك وجمعه عند عريف القبيلة، وعلى ذلك المنوال تسير النوائب.

3- قد لا تكون القبيلة عسكرية، تتدثر باللبوس الثقافي والديني وتحتمي به، وعادة ما يتولى الدفاع عنها حلفاؤها من القبائل العسكرية.

4- تعتبر القبيلة الصحراوية في حقيقتها عبارة عن تحالف قبلي أسري، لا ينتمي لجد واحد، اجتمع على قائد سياسي وعسكري، أو ولي صالح عالم، وبه تتسمى وإليه تنتمي.

5- تحتفظ أغلب القبائل بنسبها مشجرا، وحتى دخلاؤها يحتفظون بأنسابهم رغم انتمائهم لغيرها.

6- تجد معاني العصبية الجاهلية والنعرات بادية للعيان في أخلاقيات كل القبائل، فالأخ ينصر بغض النظرعن أحقية تلك النصرة وشرعيتها(8).

7- توجد تراتبية اجتماعية تفاضلية داخل كل قبيلة، فهناك نبلاؤها وهناك فضلاء وهناك الأتباع من الطبقات المسخرة، ويبدو ذلك جليا في طقوس الزواج، فتبادل الزيجات يكون بين كل طبقة، ولكل ذكور طبقة أعلى الحق في الزواج من إناث الطبقة الأدنى منها والعكس غير صحيح(9).

8- لا تخلوا مخيمات أية قبيلة مهما كانت من تواجد لأهل العلم ومن مدرسين للقرآن والعلوم الشرعية، ولهم وزنهم ونفوذهم .

9- القبيلة الصحراوية تحترم المرأة وتبجلها، وإذا لم يكن لها دور تقليدي محدد فإن لها دورا حاسما إذا ما أرادت لنفوذها العفوي عند الرجل الصحراوي، غير أن دورها الاقتصادي لا مراء فيه فهي القيمة على البيت ومساهمة فعلية في صناعة مكوناته وأجزائه، وفي تربية التنشئة والقيام على الضيفان وإدارة الشؤون الفعلية للأسرة في توزعة يلخصها قانون التوزعة التقليدية، فالرجل مصدر"جيّاب" والمرأة مديرة تنفيذية "ﮔوام"، تجد ذلك في المثل الحساني " الواعر ماه جياب الواعر ﮔوام"(10).

10- القبيلة بنية مستقرة تنبني أيديولوجيتها القائمة على التضامن والتكافل والعصبية، ومن سماتها كون بنيتها الاجتماعية تنهض على نمط من التكيف الموافق للظروف والملابسات.

11- من المنظور الاجتماعي القبيلة الصحراوية نموذج مورفولوجي يضم عددا من الأفراد يتعايشون في فضاء واحد، وهؤلاء يشكلون أقسام القبيلة وهي الشعب والعمائر والبطون والعشائر والأفخاذ، ووجود هؤلاء الأفراد فوق تراب مشترك في ظل قواسم مشتركة مثل اللغة والعادات والتاريخ والشعور بالانتماء إلى جد واحد (ولو بالحلف) وتراث واحد كل ذلك يشكل قاعدة مادية ومعنوية ينهض عليها المجتمع القبلي في الصحراء بل وفي كثير من بقاع العالم.

12- القبيلة بنية ثابتة مستمرة لا تزول بزوال الأفراد، فهي مثل المجتمع والدولة والحكومة وغيرها من المفاهيم السياسية والاجتماعية ما إن تستقر وتتوطد حتى تستقل عن الأفراد لتصبح بنيات ذهنية وتصورات فكرية تعبر عن حقائق الواقع(11).

13- المجتمع القبلي مجتمع محلي، بمعنى أنه جزء من تجمع كبير يخضع لدولة منظمة وقد يكون مستقلا عنها، يمارس تسييره الذاتي في حدود معينة، ومن سماته كونه مجتمعا مدنيا أو على الأقل هو مجتمع تتوفر فيه مجموعة من خصائص المجتمع المدني كالاستقلال عن الدولة وممارسة التسيير الذاتي وخدمة المصالح المشتركة والتضامن الخ...

14- مصطلح القبيلة ينقلنا من الفردية إلى الجماعية عبر تدرج يبدأ بنواة أساسية هي الأسرة ثم يتسع باتساع وحداته الاجتماعية، العشيرة والفخذ والفصيل والبطن والعمارة ثم القبيلة، فهو لا يكتمل إلا من خلال توافر وتكامل تلك الوحدات المترابطة التي تجمع بينها العصبية وآصرة الدم والقرابة أو التحالف، وغالبا ما يكون مغلقا ومتماسكا على مستوى القبيلة مفككا على مستوى القبائل المختلفة كما هو الشأن في الصحراء(12).

17- المجتمع القبلي مجتمع متحرك وديناميكي قائم على الترحال والبحث عن الماء والكلأ، وهو مجتمع محارب يكثر الاقتتال بين قبائله لأسباب واهية أحيانا، فهو إذن بنية أو مجموعة بنيات متلاحمة ومتداخلة يجمع بينها الاتصال في حالة السلم والانفصال في حالة الحرب يصدق عليها ما يصدق على القبائل البدوية العربية التي كانت الحرب تنشب بينها لأبسط الأسباب ولكنها كانت، كما يقول شاعرها(13) :

إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها ** تذكرت القربى ففاضت دموعها

 

خالد بوفريوا / الصحراء الغربية

........................................

(1) ادريس نقوري، قبيلة ازوافيط مجاهدة وإصرار، ص،5

(2) محمد دحمان، دينامية القبيلة الصحراوية في المغرب بين الترحال والإقامة، ص، 11

(3) ادريس نقوري، قبيلة ازوافيط، مجاهدة وإصرار، ص 37, 36، 10

(4) جورج بالانديه، الانثروبولوجيا السياسية، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،بيروت، 2007

(5)GODELIER .M. le concept de tribu crise d un concept ou crise des fonde mentsempiripues de l anthropologie; in: maurrice paris 1977

(6) رحال بوبريك، زمن القبيلة (السلطة وتدبير العنف في المجتمع الصحراوي )، دار ابي الرقراق لطباعة والنشر،الرباط، 2012

(7) المرجع نفسه، ص 36

(8) ابن خلدون، ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، مؤسسة جمال للطباعة والنشر، بيروت

(9) شغالي حريش، اللامساواة في الصحراء، موقع لكم lakome.com بتاريخ 2011-01-26

(10) محمد بوسحاب جغاغة، أصداء الواركزيز باني في الشعر الحساني (اسا تتنفس شعرا)، دار ابي الرقراق للطباعة والنشر

(11) محمد دحمان، دينامية القبيلة الصحراوية في المغرب بين الترحال والإقامة، ص، 11

(12) محمد دحمان، دينامية القبيلة الصحراوية في المغرب بين الترحال والإقامة، ص، 11

(13) البيت الشعري "للبحتري"

 

        

ويمكن اجمال آليات العولمة التي تعتمد عليها في إدارة إقتصادات العالم وكما يلي:

اولاً- البنك الدولي وصندوق النقد الدولي : وكما هو معروف، يُعَدُ البنك الدولي قوة نقدية ومالية تطورت على نحو مذهل وبلغت مستوى التحكم في خيارات شعوب دول العالم الثالث والرابع في مجال تنميتها الاقتصادية وطريقها المستقل للتقدم الاقتصادي والاجتماعي، بل ان هذه القوة باتت تضغط على سيادة الدول وتصل الى الحد الذي تضع تلك الدول فيه اقتصاداتها تحت الوصاية .

لقد كان باستطاعة الدول النامية حديثة الاستقلال في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، والتي تبنت برامج طموحة للتصنيع والتنمية، ورفعت شعارات الاستقلال الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، ان تبتعد عن التعامل مع البنك في فترة الخمسينيات والستينيات تجنباً لشروطه وتوجهاته التي كانت لا ترضى عن اية سياسة وطنية مستقلة تميل لإعطاء القطاع العام قوة دافعة وفائدة للتنمية وتعتمد على التخطيط الاقتصادي. أما الآن فالمثير للدهشة، هو انه من النادر ان نجد دولة نامية تفلت من القبضة المؤثرة للبنك الدولي .

بيد انه في ضوء الشروط القاسية التي يضعها البنك الدولي لتمويل مشروعاته في البلاد النامية وانحيازه لدول وتوجهات بعينها، فإن عدداً من الدول النامية قد فضل الابتعاد عن البنك  والإلتجاء الى مصادر التمويل الخارجية الاخرى الأقل تشدداً كالقروض الحكومية الثنائية وقروض المنظمات متعددة الاطراف ومصادر التمويل الخارجية الخاصة، فضلاً عن نشوب خلافات حادة وواضحة بين البنك وبعض الدول النامية التي حاولت ان نلجأ اليه كمصدر خارجي لتمويل عملية التنمية وكانت تتبع سياسات اقتصادية واجتماعية وخارجية لا يرضى عنها البنك ولا الولايات المتحدة .. والنماذج البارزة : الخلاف الشديد الذي نشب بين الهند والبنك إبان تنفيذ الخطة الخمسية الثانية في النصف الثاني من عقد الخمسينيات، ومع مصر إبان معركة بناء السد العالي في الفترة نفسها (*) ، وامثلة اخرى صارخة لدول اميركا اللآتينية والآسيوية والافريقية .

يقول "ماكنمارا" رئيس البنك الدولي السابق (اعتقد ان البنك يستطيع العمل بدون الولايات المتحدة) (**) ، وفي الحقيقة لم يستيقظ الاهتمام الاميركي بالبنك الدولي إلا في بداية الثمانينيات عندما تبين ركود التدفقات الثنائية وتراجع القروض المصرفية. لقد استطاع البنك الدولي، باعتباره أداة فعالة للهيمنة الاميركية ان يرسم حدود (جيو- سياسية) عالمية جديدة، واصبح طرفاً في عملية تفكك العالم الثالث والتمكن من العالم الرابع، وإن نفوذه تجاوز بكثير ما حققته سياسة الحروب لأن ما بعدها هو الذي يفتح شهية البنك وصناع الحروب .

ففي ضوء الاهمية المتزايدة لسياسة الاقراض التي ينتهجها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التنمية الدولية، والتركيز عليها في عرض شروطها على البلدان النامية، فما هي ملامح سياساتها حيال الدول؟ وهل تستهدف فعلاً مساعدتها في مشاريعها أو معالجة مشكلاتها وإختناقاتها الاقتصادية، أم ان هذه المساعدات والقروض تكون مشروطة وتحت تأثير عوامل سياسية وإستراتيجية تستهدف تكبيل الدول المقترضة وإرغامها على تكييف سياساتها وتغيير اولوياتها بالاتجاه الذي يخدم اغراض الدول التي تهيمن على مؤسسات الإقراض الدولية، من خلال الشروط التي تصاحب عادة تدفقات القروض المحسوبة على وفق الجدوى الاقتصادية للمشاريع ذات الطابع الرأسمالي اولاً وعلى ان تخدم القطاع الخاص ثانياً، وتنفذ اخيراً السياسات الاقتصادية والنقدية لتلك المؤسسات والبنوك الدولية.

في ضوء هذه الحقيقة وحقائق اخرى موضوعية، فأن الاتجاه الغربي ينصب على الدول النامية بشكل يؤكد ان النية متجهة نحو ربطها بشبكة محكمة من القروض ومشاريع الانتاج الصناعي التي تجعلها موضوعيا جزءا من مراكز القوى الاقليمية المرتبط بالمركز الرأسمالي العالمي، فيما يبرز الوجه الآخر للتوجه الغربي نحو استنزاف الموارد بدعوى إعادة ما يسمى (البترو دولار) الى دورة الأقتصاد العالمية فحسب، إنما لإنعاش اقتصادات دول الاستعمار القديم ودولة الرأسمالية المهيمنة على صعيد القوة . فالاتجاه الذي يسير عليه البنك الدولي يتوازى مع خط صندوق النقد الدولي، وإن عمل احدهما يكمل الآخر:

اولاً- السياسات التي يوصيان بها تفترض مسبقاً  شكلاً ليبرالياً للتنظيم الاقتصادي .

ثانياً- الاعتماد على القواعد الدولية التي سُنَتْ في البلدان الرأسمالية الغربية، والتأكيد على المشروع الحر وآليات السوق الحرة واحترام الملكية الخاصة.

ثالثاً- التوصية بضغط الإنفاق العام وترشيد الاستهلاك ومعالجات حالات التضخم في الجهاز الوظيفي للدولة وتقويم عملتها المحلية .

رابعاً- معالجة عجز ميزانيتها بزيادة الاسعار ورفع الدعم الحكومي للمواد المعروفة بدعم الشرائح الفقيرة الواسعة في المجتمع .

وتحت شعار حرية الاسواق والتحررية الاقتصادية شنت مؤسسات (برتن وودز) ومنظمة التجارة العالمية، حرباً ضد القطاع العام والتنمية المستقلة، واعلنت ان الخطر الاقتصادي الذي يتهدد الاقتصاد العالمي قادم من القطاع العام والتنمية المستقلة، وراحت تدعو الى تفكيك القطاع العام لفسح المجال للمنهج الليبرالي الذي يقف ضد محاولات إصلاح القطاع العام وزيادة فعاليته في إدارة الاقتصاد الوطني .

هذا التيار الغربي يبشر بالليبرالية الاقتصادية عن طريق صندوق النقد الدولي والبك الدولي، ويدعو الى تفكيك القطاع العام وتصفيته ونقل ملكيته الى القطاع الخاص باعتبار ذلك طريق الخلاص لبلدان الجنوب . كما تدعو الليبرالية الى الخضوع لشروط هاتين المؤسستين ومنظمة التجارة العالمية في تحرير الاقتصاد. فالمواصفات الجاهزة التي يدعو لها كل من البنك وصندوق النقد الدوليين ومنظمة التجارة العالمية لا يجوز المساس بها ولا يسمح حتى بمناقشتها او تعديلها. إن تطبيق الليبرالية يعني انسحاب الدولة من العديد من الانشطة الاقتصادية وتقليص السلطة الوطنية حيثما أمكن، فضلاً عن تفكك القطاع العام وتحجيم دوره وتصفية مشروعاته وخفض الدعم المقدم لما يتبقى منه .

 

د. جودت صالح

....................................

الهامش :

(*)- د. العابدي زكي / التاريخ السري للبنك الدولي- ترجمة دار سينا للنشر/ سنة 1989 .

(**) المصدر نفسه ..

 

بليغ حمدي اسماعيلأفرزت جائحة كورونا التي غزت كافة أرجاء الكرة الأرضية موجات متلاحقة من الأزمات النفسية التي يمكن تمثلها في القلق والاكتئاب وأخيرا الانتحار نتيجة الفشل في مواجهة فيروس كورونا المستجد، وبدون سابق إنذار اكتشفت الدول العربية فقر وترهل بل وتردي الحالة العلمية لدى مئات أساتذة كليات العلوم بجامعاتنا العربية، بل صوب الكثير من الكتاب والنخبة المثقفة أقلامهم صوب هؤلاء الأكاديميين الذين تم توصيفهم بالكاذبين والمضللين لمجتمعاتهم؛ نظراً لأنهم اعتادوا منذ عقود بعيدة الترويج لثقافة امتلاك المعرفة والقدرة على التنبؤ بالمستقبل، بل إن أستاذة كليات العلوم الذين لا ينبغي أن نطلق عليهم لفظة علماء سارعوا باللهاث والجري ومحاولة اللحاق بالتسارع العلمي الحقيقي في الغرب نحو ما عرف بالذكاء الاصطناعي .

وراح هولاء المضللون عربيا بجامعاتنا العربية الكثيرة جدا بغير فعالية يرصدون تطبيقات واستخدامات الذكاء الاصطناعي في كافة مجالات الحياة وهم بذلك قدموا لأنفسهم في المجتمعات العربية على أنهم القادرون على التنبؤ بالمستقبل والتحكم في مواجهة الأزمات، لكن عند أول مواجهة حقيقية في القرن الواحد والعشرين وجدناهم بجوارنا نصارع الهلع والقلق والتوتر، وهذا ما يجعلنا نفكر بجدية في قضية مجانية التعليم، تلك الهبة والمنحة البشرية التي منحتها الحكومات العربية لطلابها حتى تخرجوا في جامعاتهم واستحالوا أساتذة بالكليات العلمية وظنوا كذبا وبهتانا أنهم في مصاف العلماء لكن الحقيقة هم نتاج فطري لتلك المجانية التعليمية التي أفرزت وجودهم الذي يشابه حد الغياب التام.

ولولا  انكشاف قدر ومكانة من يطلق عليهم على سبيل المجاز والخيال والمستحيل أيضا علماء ونحن نواجه فتنة الجائحة الكونية كورونا الفيروس المستجد ولم نعرف إلى أين نذهب سوى اتباع إجراءات الحظر المنزلي ثم التباعد الاجتماعي وملازمة ارتداء الكمامات واستعمال الكحول والمطهرات، لما وجدنا آلاف حالات الاكتئاب والقلق والفزع المرضي لدى الشباب العربي لاسيما وأنهم الأكثر ملاصقة لأساتذة الجامعات بالكليات العلمية والطبية من ناحية، ولأنهم الأكثر تقبلا لفكرة أنه بالعلم يمكن تغيير الواقع، بل بالعلم باستطاعة هؤلاء الشباب أن يستشرف مستقبله البعيد كذلك.

وظل امتقاع الشباب العربي من تضليل أساتذة العلوم الأساسية بالجامعات العربية في قدرة العلم العربي لمواجهة الكوارث والأزمات مما دفع الكثير من الشباب إلى اللجوء صوب الفلسفة علها تصير ملجأ آمنا ومستقرا مريحا لحالات الخوف المستدام وملاذا مريحا أشبه بالشاطئ يجلس عليه الشباب بعيدا عن فزع انتظار الموت المتوقع من كوفيد ـ 19، لكن نزوحه تجاه الفلسفة لم يكن تصنيفا للرفاهية بل الفرصة الأخيرة للهروب من الذعر النفسي الذي سببته الجائحة من ناحية، والتقاعس العلمي العربي من ناحية أخرى، وبنفس القدر من هذا الغياب العلمي العربي كان الغياب الفلسفي الذي ظل يدعم أفكار الشك وانعدام الثقة والتركيز على محفزات التوتر والقلق .

وظلت المؤسسات الأكاديمية العربية تقدم الفلسفة العربية الأكثر محاكاة وتقليدًا للغرب التي هيمنت على العقل الراكد تكرس لفكرة الانطلاق من الذات والعودة إليها مرة أخرى، متناسية بفعل التغريب والنقل السلبي والتلقي غير المتجدد البعد الاجتماعي أو التزامنية التي تقتضي بالتسارع، فالتجأت إلى التصارع من حيث المذهب أو الحادثة أو البحث في مضامين ومفهومات تبدو ثابتة مثل السلطة والخلافة والإمامة . ومسألة الذات تلك هي بالأساس مسألة مسيحية تطلبت منذ ظهورها إلى مجهود خرافي مزمن من فلاسفة الواقع المسيحي . وحينما انتقلت فلسفة الذات من المسيحية إلى الفلسفة العربية التي توصف دوما بأنها إسلامية لإضفاء طابع الشرعية عليها، نظر ناقلوها إلى الإيمان باعتباره مشكلة وليس رحمة أو نعمة أو هدية من الله عز وجل .

ولقد رأى " كيرككورد " أنه من الضروري رفض كل برهان عقلي على الإيمان، فالإيمان ـ كما يزعم وأتباعه ـ هو الذاتية، والذاتية هي الحقيقة، ولذلك ظلت الفلسفة العربية التي نقلت نصوصا خارج سياقها تسيطر على العقل الذي بات يكره التجديد ويمقت الاجتهاد رغم أنه يتغزل بكلمة التنوير .

ولهذه الأسباب ظل التنافي المعرفي العربي للفلسفة هو المعادل الموضوعي للهوية العربية الغائبة في ظل مصالح ومخاوف واهتمامات المواطن العربي البسيط الذي يعيش في بيئة متغيرة تتسم أيضا بالتسارع والتصارع. وحالات الغياب للفلسفة العربية بشكل واقعي في حياة المواطن العربي وكونها سجينة في الجامعات والمعاهد وعقول المتخصصين فقط جعلها ـ الفلسفة العربية ـ ظاهرة سياقية وليست اجتماعية، أي الركون مجددا إلى الذاتوية، ولاشك أن فساد تلك الفلسفة يرتكز إلى الانتماء إلى عقيدة فكرية من تأسيس رافد أجنبي لا ينتمي إلى البيئة العربية الأصيلة . فلا غرابة في أن الفلسفة العربية عبر عصورها مارست كافة أشكال السقوط .

فوجدنا الفلسفة بأصحابها وناقليها بالجامعات العربية ومعاهدنا الأكاديمية مرهونة بمسألة تراكم الهويات في ظل غياب وقلة وعي بالبحث أو إيجاد صيغة عربية تميزها، وهذه الفلسفة باستثناء المعتزلة لم تعرف يوما ما كما أشار " جورج طرابيشي " لاهوت نفي الآخر ؛ لأنها باختصار فلسفة ناقلة لغيرها بامتياز دونما تأويل أو إعمال للعقل، وخصوصا أن هذه الفلسفة التي هيمنت لقرون على العقل العربي  التزمت بمنطوق الشرع والحرص على تلقي النص الديني الإلهي أو النصوص الدينية البشرية بغير تأويل أو تحليل من زوايا مختلفة، على الأجدر قولا الأخذ بظاهر النص دون الاقتراب من بنيته المضمرة .

ولاشك أن الفلسفة العربية السائدة في الجامعات والمؤسسات الأكاديمية  العربية تعاني الاعتلال والمرض من حيث الدخول في معارك جدلية ليست حجاجية بالقطع، لأنها مخاطبة خادعة لا ترتقي بالإقناع أو المحاججة، وهذا الاعتلال هو الذي دفع بالفلاسفة المعاصرين يميلون إلى الثرثرة وعدم النزاهة واستعمال سياسات فلسفية من مثل الإلغاء والصهر والإلحاق، وكم هو محزن حقا أن أمة مثل العرب امتلكت رصيدا خصبا من أفكار المعتزلة دون الحكم على الفكرة أو أصحابها بالكفر أو بالمروق من الدين وحتى اليوم من نجد من أساتذة الفلسفة بالجامعات العربية من ينادي ويصرخ بأن الفلسفة مذهب رغم أنها في قرار اليقين منهج، لكن في الوطن العربي استحالت الفلسفة مذهبا .

والأخطر والأدهش أن معظم المناهج الفلسفية العربية باتت أقرب إلى تكريس ثقافة الشك والارتباك لدى الدارس العربي بدلا من تقديم دعائم ثابتة لطروحات فلسفية تناصر العقيدة الإسلامية وتحفز على التفكير في مواطن انفرادها بدلا من الهجوم على الدين نفسه.

لذا فإن معرفة الفلسفات الإلحادية وطبيعتها ليست معرفة مجدية في حقيقة الأمر، كما أن تعرف آراء المهووسين من غلاة العقل والنقل أيضاً ليس بهدية، إنما جاءت فرصة الاطلاع على الملامح الرئيسة لأولئك الموتورين مرتكزاً قوياً لزيادة الإيمان بوحدانية الله، وكم أن الإسلام دين سماوي جميل ورقيق وإنساني إلى آخر درجات الإنسانية، ومن أصدق من الله قيلاً حينما يقول في كتابه العزيز ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين  .

وجدير بالمسلم القوي أن يدرك مطاعن ومظان أولئك الذين يعيثون في الأرض فساداً وخراباً ؛ لا من سبيل التسلية والترويح عن النفس، فالإسلام أمامه تحديات بالغة الحدة والقسوة، لكن من سبيل إعداد العدة واتخاذ الأسباب والطرائق لمواجهة الفتن والخطوب التي تعصف بعالمنا العربي والإسلامي.

والمتعة الحقيقية التي قد يجدها المرء وهو بصدد قراءة المذاهب والفلسفات الإلحادية القديمة والمعاصرة تأتي من أن الإنسان يدخل اختباراً حقيقياً يمتحن فيه صحة إيمانه واعتقاده لعدة أسباب وعوامل ؛ أهمها أن يصبح على وعي وإدراك كامل بعقيدته الإسلامية الصحيحة، والمنة والنعمة التي من الله بها عليه من عقل وتدبر وروية وتعقل، كما أنه يجرب أسلحته الإيمانية التصديقية التي لا مجال للشك فيها كالنبوات والإلهيات والغيبيات وغيرها من القضايا الإسلامية الراسخة في مواجهة تبدو شرسة بعض الشئ من تلك التيارات الغريبة الشاذة.

كما أن تلك الفرصة في الاطلاع والكتابة عن التيارات الإلحادية تمثل فرصة مستدامة ومستمرة للاستعانة بالله الواحد الأحد، وبالتضرع الدائم لوجهه الكريم كي يحفظ العبد وعقله وبصيرته، وكم نحن بحاجة ضرورية  إلى الاستعانة والتقرب غير المنقطع إلى بارئنا وخالقنا.

ولقد شرعنا في هذه السطور إلى التوضيح والتبسيط لدحض أفكار الفلسفات الإلحادية، وأبرز مبادئها الرئيسة، وبيان كيفية الرد على تلك المزاعم أعني التيارات والفلسفات الإلحاديةفي نفس الوقت الذي تنبغي فيه الإشارة إلى قدرة العقل البشري الذي أكرمه الله تعالى بمهارات وقدرات في تفنيد المظان التكفيرية التي ابتدعها أولئك المشككين والمتشككين بالإضافة  إلى النور القرآني الذي منحنا الله إياه ووهبنا نعمة القرآن علنا نستحقها ونقدرها حق التقدير .

وإذا استقرأنا طبيعة الفلسفات الإلحادية المعاصرة لاكتشفنا أنها في مضمونها عبارة عن تيارات فلسفية ترتكز على مجموعة من المبادئ الدينية ذات الطبيعة الذهنية المحضة تتخللها أفكار وثنية شرقية وغربية. وتتناول هذه الفلسفات ـ في العادة ـ قضايا غيبية كمصير الإنسان بعد الموت، أو قضايا ذهنية حياتية كوجود الإنسان وماهية هذا الوجود، والأدوار الحياتية للإنسان كدور الخير والشر والتسامح، بالإضافة إلى الطبائع البشرية غير الثابتة كالقلق والتوتر والخوف من المجهول وهكذا.

وأغلب اليقين لا الظن في هذه الفلسفات التي انتشرت بقوة وسطوة في أوروبا منذ بزوغ نظرية النشوء والارتقاء والتي كان من بين ضحاياها ملايين الشباب في الدول الغربية اهتمت جل اهتمامها بالروحانيات، لكن للأسف الشديد لم ينتبهوا إلى عظمة الإسلام وطبيعة القرآن الكريم بوجه خاص في معالجة الجانب الروحي للإنسان، ولأنهم أرادوا بأنفسهم سوءاً طفقوا يجربون كل شئ على سبيل القلق الوجودي فكانت النتيجة انتحار الملايين وانتشار البغي والفساد وشيوع الزنا لاسيما زنا المحارم، انتهاء بالشرك والعياذ بالله.

وما أشبه تلك الفلسفات بمرض السرطان الذي يدخل جسد الإنسان في خلسة غير مرئية أو مسموعة، وسرعان من تتحول الخلايا السرطانية إلى وحش كاسر فاتك يدمر الإنسان نفسه، والتشبيه هنا يتقابل في مبدأ السرية والتخدير الكاذب، فمعظم المبشرين للفلسفات الإلحادية أوهموا الشباب التائه لاسيما بعد وقائع الحرب العالمية الثانية التي دمرت أوروبا بالكامل من وجهيها الحضاري النفسي والمادي المحسوس، وأوقعوهم في شرك الهدوء النفسي والبحث عن سبب لوجودهم، وهدف يأملون إليه، ناهيك عن المزاعم التي فرضوها على أولئك الشباب قسراً وقهراً حول إعادة التوازن النفسي لهم إزاء الآثار الناجمة عن الحرب .

ولاشك أن أولئك الشباب لم يجدوا في تعاليمهم الدينية غير الإسلامية ملاذاً وملجأ ومأوى، مما دفهم إلى الهرولة نحو هذه التيارات الهدامة التي أججت النار في نفوسهم المحمومة بدلاً من تطفئها وتهدئ من روعها. وكأنهم لم يقرأوا قول الله تبارك وتعالى  وكذلك أوحينا إليك من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم  .

وكما تعددت مسميات هذه الفلسفات الإلحادية مثل الهندوسية والجينية والبوذية والطاوية والشنتوية، أو وثنيات الشامانية والدرودية والهونا والويكا، أو فلسفات حديثة مثل الوجودية والبنيوية والتفكيكية والواقعية القذرة ( كما في ترجمتها الإنجليزية ) وغيرها من الفلسفات العجيبة، تنوعت وتباينت مظاهر معتنقيها مما دلل على هوسهم وتشتتهم الفكري والعقلي. فوجدنا أنصار ومريدي تلك الفلسفات ممن يطيلون شعرهم كالنساء، بالإضافة إلى ملابسهم الغريبة والتي تعبر عن حالات القلق والتوتر والتمرد التي يعيشونها .

وليتهم في ذلك الوقت استعانوا بالذكر الحكيم وهو يعبر عن حالات إنسانية راقية ترتقي وتعلو بفضل الله ورحمته، يقول تعالى  فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء ، ومثل قوله تعالى الذي يفيد أن كل شئ بيده وحده لا شريك له  إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير   . وهذه الآية الكريمة من شأنها أن تجعل الإنسان المؤمن قرير العين هادئاً مطمئناً لقدرة الله.

وجاءت الفلسفات الإلحادية المعاصرة بفكرة موحدة وهي القدرة المطلقة للوجود الإنساني، وأن الإنسان بقدرته فاعل وقادر، واستندوا في ذلك على عشرات الأساطير اليونانية الوثنية التي تدعم قدرة هذا الوجود كأساطير بروميثيوس وأدونيس وغيرهما من القصص الأسطورية التي خدرت عقول الشباب الأوروبي وجاهد المستشرقون والتبشيريون في نقلها إلى الواقع العربي الإسلامي، وهوى كثير من الشباب العربي المسلم في بئر هذه الظنون والمزاعم الكاذبة من باب الولع بالتقليد.

وعندنا في القرآن الكريم عشرات بل ومئات الآيات القرآنية التي تشير إلى القدرة الإلهية التعجيزية مثل قوله تبارك وتعالى  ألم تر أن الله يزجي سحاباً ثم يؤلف بينه ، ومثل قوله تعالى:  فلينظر الإنسان مم خلق. خلق من ماء دافق. يخرج من بين الصلب والترائب. إنه على رجعه لقادر يوم تبلى السرائر فماله من قوة ولا ناصر . والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع إنه لقول فصل وما هو بالهزل ، وقوله تعالى  يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث  .

وإذا أردنا أن نتعرف قليلاً عن أفكار ومبادئ الفلسفات الإلحادية المعاصرة،فإن الملمح الرئيس لها هو التوفيق بين الأديان السماوية ولكن بصورة مشوشة مشوهة، وكان هدف أصحابها في البدايات المبتورة هو استخلاص بعض المعارف والمبادئ من الديانات الكتابية لاسيما اليهودية والنصرانية، ودارت نظرياتهم في صيغتها الأولية نحو عقيدة الخلاص والتطهير.

واستندت أفكارهم على نثار الفلاسفة القدماء، أمثال ديكارت الذي حاول أن يقيم علاقة بين العقل والمادة، لكنه لم يعبأ بإقامة علاقة بين الله ـ سبحانه وتعالى ـ وبين العالم ؛ لأنه كما أشار المفكر الإسلامي عباس محمود العقاد أن قدرة الله في غنى عن هذه العلاقة، وكذلك جورج بركلي الذي لم ير أهمية في الكون سوى العقل  لاسيما العقل الباطن . ومنهم من ارتكز على فلسفات أخرى مثل مذهب اسبنوزا الذي اعتقد أن الله والكون والطبيعة جوهر واحد، ومذهب الأخير متعدد الولوج في قضايا ذهنية مملة تدور في فلك الجوهر والماهية والامتداد ومصطلحات أخرى لا تفيد.

ومن العجيب أن يدحض تلك الفلسفات التي ولدت وترعرت في أوروبا وسط غياب تام للحضور الديني اليهودي والمسيحي المفكر ماكس موللر، حيث أقر بأن البصيرة هبة عريقة في الإنسان، وأن هوس الإنسان بالنزوع إلى تلك التيارات الإلحادية هو محنة حقيقية للعقل البشري. وأكد على أن الإنسان يحتاج إلى التدين بصفة مستدامة.

والملمح الأبرز في تلك الفلسفات الإلحادية المعاصرة أنها لم تهتم بتهذيب وتدعيم السلوك والخلق الإنساني، وهو ما امتاز به الإسلام في الرقي والاعتناء بالخلق والسلوك والطبيعة الإنسانية بوجه عام. وبدلاً من أن تتيح الفلسفات الإلحادية التي انتشرت في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية حرية التفكير ومرونة العقل جعلت الإنسان الأوروبي مكبلاً بالأغلال، حيث تركته فريسة سانحة القنص للقلق والتوتر والهوس الذي أدى به إلى الانتحار الجماعي .

والإسلام في ذلك عالج هذا الأمر معالجة حكيمة، حينما اهتم بالجانب التعبدي والجانب الأخلاقي للمرء، فاستطاع بالجانب التعبدي أن يصل بأطواره إلى حد الاكتمال من صلاة وزكاة وحج وصيام وغيرها من الشعائر التعبدية التي تسهم إسهاماً كبيراً في الارتقاء بالجانب الأخلاقي.

الإسلام والتعددية الدينية:

لم يكن الإسلام الحنيف يوماًَ ضد حرية الاعتقاد، بل كان داعياً إلى حرية المرء في اختيار عقيدته، ومن هنا تبرز سماحة الإسلام وعبقريته في آن واحد، وجاء ذلك بوضوح شديد في النص القرآني، حيث يقول الله تعالى  لا إكراه في الدين  ، والإسلام بذلك يقر حقيقة عظيمة للإنسانية وهي عدم إرغام المرء على ترك دينه ودخول دين جديد. ويؤكد النص القرآني ذلك مثل قوله تبارك وتعالى  فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر  .

والدين الإسلامي كان الدين السماوي الحنيف الذي أقر بمبدأ التعددية الدينية، بل واعترف بها أيضاً. ومن منطلق هذا اعترف الرسول  باليهود ككيان واقعي بالمدينة المنورة، وإعطاء الفاروق عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) الأمان والحرية الدينية للمسيحيين من سكان مدينة القدس العربية، وما فعله عمرو بن العاص بالأقباط حينما فتح مصر . بخلاف ما فعله الأسبان بأهل الأندلس المسلمين من قتل وصلب وحرق وتدمير.

وتؤكد كافة الكتابات التاريخية الإسلامية أن الإسلام كفل حرية النقاش الديني معتمداً في ذلك على مبادئ أصيلة مثل الحوار الجيد الخصب، واحترام الآخر، وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى  ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن  . وكم من مرة أشار القرآن الكريم إلى الدعوة الجادة  للحوار بين أهل الأديان مثل قوله تعالى  قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون  .

وبالرغم من هذه السماحة والدعة التي منحها الإسلام للمختلفين معه عقدياً، تجرأ البعض من أهل الكتاب وغيرهم ممن تجردوا من نعمة العبودية لله بالهجوم على الإسلام والمسلمين، والطعن في العقيدة الإسلامية وتشويه معالم الإسلام السمحة.

ويبدو للبعض أن موجات الحقد والكراهية ضد الإسلام والمسلمين ظهرت حديثاً، أي منذ بداية القرن العشرين، لكن الحقائق والمؤشرات التاريخية توضح أنه منذ فجر الإسلام وتلك الموجات تتنامى وتتصاعد ضده، وضد القرآن الكريم بصفة خاصة. ولك أن تدرك المحاولات المستميتة والمسماة بالإسرائيليات لتشويه وتخريب الدين القويم.

والمدهش أنه وسط غفلة المسلمين في العصر الحديث والمعاصر، بدأت هذه الموجات التخريبية في وضع خطط منهجية منظمة للنيل من الإسلام وأهله، وبدأ هؤلاء المتآمرون على الإسلام بالتعاون مع أشكال الاستعمار والحركات الصهيونية في الكيد للإسلام وتخريب عقول أبنائه عن طريق الغزو الثقافي ومسميات التيارات الفلسفية والفكرية ومبادئ الحداثة والحداثوية .

وتمثلت هذه التيارات في حركات منحرفة ضالة مثلت الوجه القبيح للإلحاد والغلو الفكري والعقائدي، ومن المؤسف انتشار بعضها بالبلدان العربية والإسلامية انتشار النار بالهشيم وسط حيرة مستدامة من الشباب العربي المسلم الذي ترك نفسه صيداً سهلاً لمفاسد الإنترنت والفيس بوك المتغيرات الوافدة من الغرب والشرق والشمال والجنوب . وأعني بتلك الحركات والتيارات المنحرفة البابية والبهائية والقاديانية.

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

ـ أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية ( م ).

كلية التربية ـ جامعة المنيا ـ مصر

 

 

عبد الجبار الرفاعيتاريخُ وعي الإنسان وتكامله هو تاريخُ وعيه بأخطائه وتجاوزها، الحياةُ لا تُعلِّم إلا من يعترف بأخطائه. من لا يعترف بأخطائه لا يتعلم، التعلّم هو فنُ الإصغاء والاستيعاب والتفكير، والاعترافُ بالأخطاء بلا شعورٍ بالخوف. كلُّ مَنْ لا يعترف بأخطائه ستُرغمه الحياةُ على تكرار فشله. الأخطاءُ أعظم معلّمٍ في الحياة لمن يمتلك شجاعةَ الاعتراف بالخطأ. مَنْ لا يمتلكُ شجاعةَ الاعتراف بالخطأ لا يمتلكُ أيةَ قدرةٍ على تغيير ذاته، ولا يمتلكُ أيةَ قدرةٍ على تغيير العالَم، مَنْ يعجزُ عن ‏تغيير ذاته يعجزُ عن ‏تغيير العالَم. خوفُ الإنسان من التغيير خوفٌ من اعترافه بأخطائه.

  التربيةُ على الخوف من الخطأ والتنكّر له تضعف قدرةَ الإنسان على اكتشاف نفسه، والتعرّفِ على التضادّ في طبيعته البشرية ومواطنِ ضعفه وهشاشته، وتنسيه حالاتِ عجزه في شيخوخته ومرضه وموته. التنكّرُ للخطأ يرسّخ الغرورَ والطغيانَ والتكبّر والتجبّر عند كثيرٍ من الناس. اكتشافُ مواطن ضعف الكائن البشري ضرورةٌ يفرضها الفهمُ الواقعي لكيفيةِ بناء صلاته بما يحيط به، وتحديدِها في ضوء طبيعته البشرية، وبنيته السيكولوجية، وطبيعة تكوينه، وليس وفقا لما يتمناه، وتمليه عليه رغباتُه، وتقديرُه الموهوم لمواهبه، وما يخلعه على نفسه من قدرات واستعدادات زائفة.

  في مجتمعنا الفردُ غالبًا لا يُفكّر، الجمهورُ يُفكّر نيابةً عنه. المسؤوليةُ الفرديةُ مُستلَبة، أنت مسؤولٌ عن الكلّ من دون أن تكون مسؤولًا عن نفسك، والكلُّ مسؤولٌ عنك من دون أن تكون مسؤولًا عن نفسك. منذ أن يبتدئ مشوارُ الحياة مع الإنسان يمتدح الناسُ طاعتَه لاختيارات غيره له في: ما يأكله وما يلبسه، ما يحبّه وما يكرهه، ما يريده وما لا يريده. يريدون منه: أن يفكِّر لغيره، أن يفهم لغيره، أن يشعر لغيره، أن يتألم لغيره، أن يفرح لغيره، أن يحب لغيره، أن يكره لغيره، أن يتذكر لغيره، أن ينسى لغيره، أن ينجز لغيره.كلُّ ما يفعله الفرد في حياته هو إعادةُ إنتاجه لصورة غيره.

  في مجتمعنا يعاد استنساخُ صور متشابهة للبشر، تُستلَب فيها فرديةُ الكائن البشري ومسؤوليتُه. يتحدّث القرآنُ الكريم عن الفرد والمسؤولية الفردية في آيات متعدّدة، وردت في سياقات متنوعة، منها: "كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ"1 ،  "وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ"2 ، "وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ"3 ، "مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ"4 ، "وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ" 5.

  لا معنى لمجتمعٍ تعدّدي من دون بناءٍ لمعنى الفرد. عندما يتحقّق معنى الفرد في أيّ مجتمع يتحقّق معنى التعدّد والتنوّع والاختلاف. يتشكّل معنى الفرد بعد أن تترسّخ تقاليدُ الاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه. مالم ينشأ ويتشكّل وينضج مفهومُ الفرد في مجتمعنا، يظلُ المجتمعُ يفتقرُ لأشخاصٍ يمتلكون فرادةً في التعبيرِ عن مواهبِهم الخلاقة، والاعلان عن قدراتِهم على الإبداع والابتكار، وتميّزًا في مواقفهم المغايرة للتفكير اللامنطقي، والسلوك اللاأخلاقي.

 لا يمكن أن يتشكّل معنى الفرد في مجتمعٍ يفرض على الإنسان الخضوعَ والانصياعَ لكلِّ تقاليده وأعرافه، وألا يخرج على النموذج الواحد المشروع، الذي يمثّله: "الخليفة / السلطان / الشيخ"، وإن كان لا يصلح عقليًا وأخلاقيًا وسلوكيًا أن يكون قدوةً ومثالًا يُحتذى. "الخليفة / السلطان / الشيخ" يعزّز حضورُه وسطوتُه جهلَ المجتمع وعبوديتَه الطوعية، لذلك يرضخ أكثرُ الناس له بشكلٍ طوعي. يريد من الكلِّ أن يرون ما يراه، ويفكرون بما يفكر فيه، ويشعرون بما يشعر فيه، ويستسلمون لقرارته مهما كانت. "قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ"6 . مثلُ هذا المجتمع تسود حياتَه رؤيةٌ واحدةٌ للعالَم، ومعتقدٌ واحد، وفهمٌ واحد للحياة، ونوعٌ واحد يتكرر من المواقف، وسلوكٌ واحد الكلُّ فيه يكرّرُ الكلَّ.

 في  مجتمعنا تتجذّر تقاليدُ الإذعان والخضوع والطاعة العمياء، المشتقّة من:

 1. قيم البداوة والتقاليد القبلية المتغلغة في البنية العميقة لمجتمعنا.

2. نمط تديّن كلامي فقهي راسخ، يضمحلّ فيه حضورُ مقاصد الشريعة وقيمها المركزية، ولا يهتم كثيرًا بأهدافِ الدين المحورية، ورسالتِه في تكريس الحياة الروحية والأخلاقية.

3. استبداد سياسي مقيم، متجذّر ومتراكم عبر تاريخنا البعيد والقريب. الاستبدادُ عدوُّ معنى الفرد، الفردُ يستمدّ معناه من الاختلاف، الاستبدادُ يستمدّ معناه من التطابق. يبدأ الاستبدادُ بمختلف أنماطه حين تنشد التربيةُ والتعليم محوَ الملامح الخاصة للكائن البشري.

  الاستبدادُ يشدّد على الإذعان والانقياد والطاعة العمياء. كلُّ استبدادٍ ينشدُ إنتاجَ نسخٍ متماثلةٍ للكائن البشري. لا ينجز الاستبدادُ وعودَه إلا بمحو الفردية.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

..........................

* نشر في (تعدّديَّة) أيضا.

1- المدثر، 38.

2- فاطر، 18.

3- الأنعام، 64.

4- فصلت، 46.

5- الجاثية، 22.

6- غافر، 29.

 

عدنان عويدمدخل: لا يستطيع أحد أن يتجاهل دور الدين في حياة الإنسان (الفرد والمجتمع) بشكل عام، فمنذ أن وعي الإنسان نفسه وحضوره في هذه الحياة، راح يتساءل عن كل ما يحيط به من ظواهر وعن أسباب تأثير هذه الظواهر عليه، ولعدم وصول وعيه إلى كشف القوانين التي تحرك هذه الظواهر وإنتاجها، فرض عليه جهله هذا الخوف من هذه الظواهر، فراح يضفي عليها شيئاً من التقديس الذي أوصله إلى مرحلة عبادتها، بيد أنه، كلما استطاع أن يكتشف سراً من أسرار آلية عمل هذه الظواهر وتكونها وآلية حركتها عبر إنتاجه لخيراته المادية والروحية، أخذت قدسية هذه الظاهرة أو الظواهر التي اكتشف اسرارها تتهاوى وتفقد قدسيتها لتتحول إلى ظواهر عادية يتعامل معها بكل ثقة، ويعمل على تسخيرها لمصلحته.

من هذه المعطيات جاءت الارهاصات الأولية لتشكل الدين الطبيعي أو الفطري كحالة إيمانية استسلاميه لكل ما هو مجهول.

إن هذا الدين الذي ظل يشكل بسبب تعقد حياة الإنسان وغموض أسرار الكثير من ظواهر هذه الطبيعة والمجتمع التي تحيط به، المنهل الفكري لتشكيل الحيز الأكبر من وعيه، وبالتالي تفسيره للكثير من عمل ونشاط مفردات حياته في سيرورتها وصيرورتها التاريخيتين، وهذا الوعي، راح يتعمق أكثر فأكثر مع الديانات السماوية، الأمر الذي شكل فيما بعد إشكالية معرفية ليس لها حدود تتمثل في تصنيم وعي الإنسان ذاته (عقله)، وخلق حالات تناقضه تجاه ما يحيط به، أو يتعامل معه من ظواهر طبيعية أو اجتماعية أو سياسية أو ثقافية، وبالرغم من كل التطور الهائل الذي حققه هذا الإنسان في عالم التكنولوجيا والعلوم وعلى كافة مستوياتها، إلا أنه لم يزل محكوما بدرجة كبيرة بهذا العقل الديني. أي بتعبير آخر، لقد توجه وعي الإنسان (عقله) ما بين تفسير هذه الظواهر وحركتها وتبدلها وفقاً لما حققه العلم الوضعي من نتائج من جهة، وبين استمرارية آلية هذا التفسير وفقاً للخطاب أو الوعي الديني الذي اكتسبه الإنسان عبر تاريخه الطويل، والذي أصبح له حضوره الفاعل في لاوعي الإنسان ذاته من جهة ثانية.

إن هذا الوعي أو العقل الديني (المطلق أو المتعالي على الواقع)، أصبح له مؤسساته ورجاله الذين يعملون عبرها ليل نهار من أجل تكريسه وجعله وعياً حاضراً في حياة الإنسان اليومية المباشرة، وغالباً ما تشرف الدول والحكومات نفسها على دعم هذه المؤسسات ورجال الدين (المشايخ) وتقديم كل الدعم لهما طالما هما يعملان في المحصلة لمصلحتها، وهذا هو موضوعنا مقالتنا هذه.

السلطة والتوظيف السياسي للدين:

على العموم لا يهمنا هنا البحث في مفهوم الدين ومؤسساته وطريقة إنتاجه، بقدر ما يهما التركيز على مسألة استغلال الدين وتوظيفه من قبل السلطات أو الحكومات تاريخياً، خدمة لمصلتها و النتائج التي ترتبت على هذا التوظيف كما بينته ثورات الربيع العربي على سبيل المثال لا الحصر، والتي كان للخطاب أو الوعي الديني الدور الكبير في قيامها.

إن اتكاء السلطات الحاكمة على الدين وتسخيره لمصلتها ليس جديداً في تاريخ المجتمعات البشرية، فهو قديم بقدم تشكل السلطة ذاتها التي فُسرت أسباب وجودها تفسيراً دينياً، وراح الحاكم نفسه يضفي على نفسه صفة الألوهية، أو أن مسألة اختياره حاكماً هي أمر مقرر من عند الله، ووجد من هو قادر على  تسويق هذه الفكرة من رجال الدين الذين تعاملوا مع هذا الدين كحرفة منحتهم منذ البداية قوة معنوية لا حدود لها، بحيث استطاعوا فيما بعد ترسيخها بقوة مادية بعد أن التحموا بإرادة الحاكم الذي أغدق عليهم من الأموال والأطيان مقابل تحالفهم معه ومنحه شرعية السلطة والعمل على إقناع أفراد المجتمع بألوهيته، ما جعل رجال الدين هؤلاء يعيشون حياة الملوك ذاتها في عصور ما قبل التاريخ كما هو الحال عند الأشوريين والبابليين والأكاديين والفراعنة وغيرهم من مجتمعات تلك المرحلة، بل أن حياة هؤلاء كانت أكثر أمناً واستقرارا من حياة الملوك ذاتها، كونهم يسطرون على وعي الشعب والحاكم معاً.

إن وظيفة رجال الدين الموالين للسلطة توضحت معالمها منذ بداية علاقتهم النفعية مع السلطة، فرجال الدين هؤلاء عبر علاقتهم هذه، عملوا في الحقيقة على إقصاء حرية الإنسان باتجاهين هما:

الأول: هو جر المؤمن إلى الخضوع والتسليم للنص الديني المقدس، وبذلك أفقدوا الإنسان حرية التفكير والتعبير عن رأيه وقناعاته، أي بتعبير آخر عملوا على حجر عقل الإنسان واخضاعه لعقل مطلق خارج تاريخ الإنسان ذاته، بغض النظر عن طبيعة هذا العقل وسماته وخصائصه.

الثاني: موالاتهم للسلطان أو الحاكم، وبهذه الموالاة راحوا يدافعون بهذا الشكل أو ذاك عن هذا الحاكم تحت ذرائع دينية، كانت تقول في البداية بأن الحاكم هو الإله، ثم تطورت إلى أنه يمثل الإله، لتصل في نهاية التبرير هذا، إلى القول بالخوف من الفتنة إذا ما ثار الجمهور ضده، والفتنة هنا أشد من القتل.

من هنا ابتدأت العلاقة المصلحية التضايفية بين الحاكم ورجل الدين، ومن هذا العلاقة المصلحية استمرت العلاقة ذاتها وتمأسست حتى وقتنا الحاضر. فتاريخ السلطة لدى كل الشعوب ظل يشير إلى تلك العلاقة بغض النظر عن طبيعتها ودرجة عمقها التي تصل أحياناً إلى سيطرة السلطة الزمانية على السلطة الروحية (الدينية) وإخضاعها لإرادتها، أو سيطرة السلطة الروحية على الزمانية وتسييرها وفقاً لإرادتها، كما جرى في تاريخ الكنيسة الأوربية.

العلاقة البراغماتية بين السلطان ومشايخه في الخطاب الإسلامي:

أما في تاريخ الدولة الإسلامية، فالعلاقة بين السلطتين ظلت قائمة لمصلحة الخليفة الذي وظف الدين توظيفاً دينياً منذ قيام هذه الخلافة، على اعتبار أن بداية نشوء الدولة الإسلامية جاء مع الدعوة الإسلامية، لذلك لا نستغرب ذاك الاستغلال الواسع والعميق للدين من قبل الخلفاء وخاصة بعد انتهاء الخلافة الراشدية بالرغم من ان الخليفة الراشدي (عثمان هو من أسس لهذه العلاقة الحميمة بين الدين الإسلامي والسلطة عندما أرادت المعارضة منه أن يتخلى عن السلطة ورفض مطلقاً مقولته التاريخية المشهورة (هذا قميص البسنيه الله لي ولن اتخلى عنه). والأمر ذاته كرسه الخليفة الأموي معاوية في أول خطبة له عندما اعتبر خلافته أمراُ مقدراُ من قبل الله، وعلى الرعية الرضوخ لها باسم الدين ذاته حيث قال: (الأرض لله.. وأنا خليفة الله، فما أخذت فلي، وما تركت للناس فبضل الله..). (1)  وهذا ما سار عليه الخلفاء الأمويون جميعاً. ليأتي بعدهم العباسيون الذين برروا خلافتهم أيضاً بقدر إلهي كما أعلن (أبو جعفر المنصور) عند استلامه الخلافة  حيث قال: (يا أيها الناس لقد أصبحنا لكم قادة، وعنكم ذادة، نحكمكم بحق الله الذي أولانا سلطانه الذي أعطانا، وأنا خليفة الله في أرضه وحارس على ماله.). (2). ونتيجة هذا الاتكاء على الدين لتبرير السلطة، بدا الدين نفسه يفسر ويؤول وفقاً لهذه العلاقة، ما بين مؤيد للسطلة من رجال الدين، أطلق عليهم الجبريين، وما بين معارض للسلطة الذين أطلق عليهم القدريين، وكلاهما اتخذ من النص المقدس ما يبرر مواقفه الفكرية والعملية، الأمر الذي أساء للدين ذاته عندما راحت النصوص تؤول  والاحاديث توضع خدمة للسياسة والسياسيين.

العلاقة بين رجال الدين والسلطان في تاريخنا الحديث والمعاصر:

مع تاريخنا الحديث والمعاصر، بالرغم من تطور الحياة المدنية، وتشكل دولة المؤسسات، أو القانون، وانتشار مفاهيم الديمقراطية والعلمانية والحرية والمواطنة، وتطور الوعي الإنساني ذاته مع تطور العلوم الطبيعية والاجتماعية والنفسية والأخلاقية والتربوية .. الخ، ظلت السلطات الحاكمة تعمل على استغلال الدين وتوظيفه خدمة لشهوتها في السلطة. هذا مع تأكيدنا هنا، على أن حالة الاتكاء على الدين ورجاله (مشايخه) في عصرنا الحاضر ظلت تمارس عبرها عملية التجهيل للمواطن وزرع قيم الامتثال والاستسلام للحاكم باسم الدين، وذلك لتبرير استمرارية سلطته من جهة، وللتغطية على مفساد السلطة ذاتها من جهة ثانية. وهذا يذكرنا بموقف لنابليون بونابرت يمثل في حقيقة أمره أو دلالاته ما يجري في تاريخنا الحديث والمعاصر من علاقات بين الحاكم والدين. وذلك عندما زاره العالم (لابلاس) وقدم له كتاباً عن الفضاء وحركات كواكبه وغير ذلك من علوم تتعلق بهذا الفضاء وفقاً لدرجة التطور العلمي  الذي وصل إليه العلماء آنذاك، وبعد أن قرأ نابليون الكتاب، استدعى مؤلفه ليسأله قائلاً:

- أين هو موقع الله من هذا الظواهر الموجودة في الفضاء؟ .

فرد لابلاس على سؤاله.

- ليس هذا من اختصاصي .

فقال له نابليون:

- إذهب وضع للإله مكانة في كتابك هذا، أم انك تريد للفرنسيين أن يقولوا إن كل مصائبهم من نابليون بونابرت!!.

بهذا الموقف النابليوني البراغماتي، يتبين لنا كيف يُستغل الدين من قبل السلطة لتحقيق مصالحها. هذا في الوقت ذاته، تقوم السلطة بإسم الدين نفسه أيضاً في محاربة الجماعات الدينية المسيسة التي تسعى للوصول إلى السلطة. فالأنظمة الحكومية  أو السلطوية غير الشرعية - وما أكثرها - التي تقاوم القوى الدينية المسيسة من خلال الدين، هي في النتيجة تتجه إلى الحقل الديني الأيديولوجي ذاته الذي تتكئ عليه القوى الدينية المسيسة المتطرفة، الأمر الذي يجعلها تنزلق تحت المظلة الفكرية التي تتظلل بها هذه القوى الدينية، وذلك يأتي عبر تنامي لغة المزايدة على الدين نفسه، من خلال ادعاء هذه الأنظمة بأنها هي من يمثل الدين والمتدينين معاً وليس القوى الدينية السياسية المتطرفة. وهذا التوجه نحو الدين من قبل السلطة التي تدعي (العلمانية)، ما يدفع تلك الأنظمة أن تتخلى مع مرور الأيام شيئاً فشيئاً عن مشروعها الفكري التنويري العلماني النهضوي التحرري الذي بشرت به قبل وعند استلامها السلطة، لحساب المشروع الفكري الديني القروسطي الامتثالي الاستسلامي. وتحت ضغط هذا التنازل، ستكون هناك بالضرورة تنازلات كثيرة من قبل هذه الأنظمة على المستوى السياسي والاقتصادي والثقافي، وهي تنازلات ستكون مناهضة لمشروعها الأساسي الذي بشرت به عند وصولها إلى السلطة كما أشرنا قبل قليل، الأمر الذي يجعل مشروعها الفكري التنويري العقلاني في حالة طيران. فعند توجه القوى السياسية ضدها، نجدها تلجأ أو تعود لمشروعها التنويري النهضوي تتاجر به، وعند ما يتم انتصارها على هذه القوى السياسية الدينية المتطرفة، تعود إلى خطابها الديني الاستسلامي الامتثالي، الذي يغلب عليه التوجه الصوفي والأشعري المشبع بالجبرية.

إن هذا الموقف من التنازلات، هو الذي يدفع على سبيل المثال لا الحصر رجل الدين (مشايخ السلطان) أن يستغلوا أيضا حالات الاستقرار ودعم السلطة لهم، ليقوموا بتمرير ما ينافي أو يعارض المنطلقات الفكرية للسلطة القائمة والتحريض عليها دون علمها، كما جرى في سورية قبل الأزمة، حيث استغل الكثير من رجال الدين حالات دعم الخطاب الإسلامي بعد أحداث ثمانينيات القرن الماضي، حيث نجد  الشيخ (عبد الرحمن عيسى) يكتب في مجلة (نهج الإسلام) الرسمية الصادرة عن وزارة الأوقاف السورية  حيث يقول: ( ... وبعد فإن منطلق الفكر الإسلامي من فحوى آيات الله في القرآن المجيد، المفسرة لحقائق الوجود، وليس في تطلعت المفكرين في الغرب، وخططهم الثقافية المبتورة والمجذومة، التي لم تُفتح باسم الله ولم يُوقع عليها رسول الله، فهي مردودة على ذويها لا لكونها باطلة أو غير صحيحة، بل لوجود الاستغناء عنها بكتاب الله المهين..) . ثم يقول في موقع آخر من المقال ذاته: (فإن إخفاق النظم الوضعية مؤشر على تقدم الإسلام ليؤدي دوره المرتقب والموعود ويشل فاعلية أهل الجحود، وليعطي البشرية دفقة حب وتصفية وعطاء بعد ليل كالح.). (3) واعتقد أن ما قامت به الفصائل المسلحة الإسلامية في سورية خلال هذه السنوات من دمار، هي نتيجة هذه الدفقات من الحب والعطاء التي كانت تبشر بها مجلة نهج الإسلام وكتابها، بعد إقصاء المشروع الفكري التنويري القائم على رؤى  تؤمن أو تقوم على النسبية والحركة والتطور والتبدل، لحساب حقائق مطلقة صالحة لكل زمان ومكان يبشر بها مغرمو الكتب الصفراء.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

...................................

الهوامش

1-  عبد الجواد ياسين- السلطة في الإسلام- المركز الثقافي العربي –ص.2

2- المرجع نفسه. 42

3- مجلة (نهج الإسلام) الرسمية الصادرة عن وزارة الوقاف السورية في العدد /24- 1986/ مقالاً بعنوان (الفكر الإسلامي – نحو نهج إلهي إنساني جامع)

 

جواد بشارةإعداد وترجمة د. جواد بشارة

صراع الأسهم

الواقع هو مصطلح متعدد المعاني والذي، بالنسبة للبعض، أقرب إلى الفلسفة أو حتى الميتافيزيقيا منه إلى العلم الحقيقي. في سياق الميكانيك الكمومي، حيث يؤثر المراقب على بيئته، ينتج عن أي إجراء قياس اختيار حالة ثابتة، من بين عدد لامتناهي من الحالات والمتغيرات الممكنة، داخل نظام كمومي. نظرًا لكون ميكانيكا الكموم احتمالية بشكل أساسي، فإن نتيجة القياس تختلف باختلاف المراقب، كما ذكر الفيزيائي يوجين وينر في عام 1961. إذن ما هو دلالة هذه الفرضية فيما يتعلق بواقع العالم المادي؟

حتى ظهور فيزياء الكموم في عشرينيات القرن الماضي، توقع الفيزيائيون أن تكون نظرياتهم حتمية، مما يولد تنبؤات حول نتائج التجارب على وجه اليقين. لكن ثبت أن نظرية الكموم احتمالية بطبيعتها. يقول تفسير كوبنهاغن أنه طالما لم يتم قياس خصائص النظام، فيمكنها أن تأخذ عددًا لا يحصى من القيم. ينهار هذا التراكب في حالة واحدة فقط عند ملاحظة النظام بوجود مراقب يقوم بالملاحظة، ولا يمكن للفيزيائيين أبدًا التنبؤ بدقة بما ستكون عليه هذه الحالة. أدلى فاينرWigner بعد ذلك بالرأي الشائع بأن الوعي يؤدي بطريقة ما إلى انهيار التراكب.

منذ ذلك الحين فقد هذا الرأي صالحيته. اليوم، يتفق معظم الفيزيائيين على أن الأجسام الجامدة يمكنها إزالة تراكب الأنظمة الكمومية من خلال عملية تسمى فك الترابط. بالتأكيد، قد يجد الباحثون الذين يحاولون التلاعب بالتراكبات الكمومية المعقدة في المختبر أن عملهم الشاق قد تدمر بسبب اصطدام الجسيمات بأنظمتهم. لذلك يجرون اختباراتهم في درجات حرارة شديدة البرودة ويحاولون عزل أجهزتهم عن الاهتزازات.

ظهرت العديد من التفسيرات الكمومية المتنافسة على مدى العقود التي تستخدم آليات أقل غموضًا، مثل فك الترابط، لشرح كيفية انهيار التراكبات دون استدعاء الوعي. وتؤيد تفسيرات أخرى الموقف الأكثر راديكالية وهو أنه لا يوجد انهيار على الإطلاق. لكل فرد وجهة نظره الخاصة في اختبار فاينر.

تجربة فاينر وصديقه:

التجربة الفكرية الأصلية لـفاينر Wigner بسيطة من حيث المبدأ. يبدأ بفوتون مستقطب واحد يمكن، عند قياسه، أن يكون له استقطاب أفقي أو رأسي. ولكن قبل القياس، وفقًا لقوانين الميكانيك الكمومي، يوجد الفوتون في كلا حالتي الاستقطاب في نفس الوقت؛ هذا هو مبدأ التراكب.

تخيل فاينر صديقًا في مختبر مختلف، يقيس حالة هذا الفوتون ويخزن النتيجة، بينما لاحظ فاينر ذلك من بعيد. ليس لدى فاينر أي معلومات عن مقياس صديقه، لذلك يجب أن يفترض أن الفوتون وقياسه يتداخلان مع جميع النتائج المحتملة للتجربة. يمكن لـ فاينر إجراء تجربة لتحديد ما إذا كان هذا التراكب موجودًا أم لا.

إنها نوع من تجارب التداخل التي تُظهر أن الفوتون والقياس في حالة تراكب. من وجهة نظر فاينر ، إنها "حقيقة" ، التراكب موجود. وهذه الحقيقة تشير إلى أنه ربما لم يتم اتخاذ إجراء. لكن هذا يتناقض مع وجهة نظر الصديق، الذي قام بالفعل بقياس استقطاب الفوتون وسجله. يمكن للصديق حتى الاتصال بـفاينر ويقول إن القياس قد تم (بشرط عدم الكشف عن النتيجة). لذا فإن الواقعين متعارضان.

أحد أشكال تجربة فاينر التي تتضمن التشابك الكمومي:

المشكلة هي أن كل تفسير جيد - أو سيئ - في التنبؤ بنتيجة الاختبارات الكمومية. لا أحد يعرف ما هو الحل. يقول عالم فيزياء الكم أيفرايم شتاينبرغ، إننا لا نعرف حتى ما إذا كانت قائمة الحلول المحتملة لدينا شاملة.

يعتقد تيسشلر Tischler وزملاؤه أن تحليل وتنفيذ تجربة فاينر يمكن أن يلقي الضوء على حدود نظرية الكموم الكوانتوم. لقد استلهموا من موجة جديدة من الأوراق النظرية والتجريبية التي بحثت في دور المراقب في ميكانيكا الكموم، مقدمة التشابك في التكوين الكلاسيكي لـفاينر.

لنفترض أنك أخذت فوتونين مستقطبين بحيث يمكن أن يتأرجحا أفقيًا أو رأسيًا. يمكن أيضًا وضع الفوتونات في تراكب من التذبذبات أفقياً ورأسياً، تماماً كما يمكن أن تكون قطة شرودنغر المتناقضة حية وميتة قبل ملاحظتها. يمكن أن تتشابك مثل هذه الأزواج من الفوتونات بحيث تكون استقطاباتها دائمًا في الاتجاه حصل العكس عندما لوحظ. قد لا يبدو هذا غريباً، إلا إذا كنت تتذكر أن هذه الخصائص ليست ثابتة حتى يتم قياسها.

على الرغم من أن أحد الفوتونين يُعطى لفيزيائية تُدعى أليس في أستراليا، بينما يُنقل الآخر إلى زميلها بوب في مختبر في فيينا، فإن التشابك يضمن أنه بمجرد أن تراقب أليس فوتونها وتجد، على سبيل المثال، إن الاستقطاب الأفقي، يتزامن مع استقطاب فوتون بوب على الفور ليتذبذب عموديًا.

تجاوز عدم مساواة بيل لتحديد عتبة العلاقة المحلية:

كان هدف فريق بريسبان هو استنباط واختبار نظرية جديدة تتجاوز اختبارات بيل السابقة، من خلال توفير قيود أكثر صرامة - حدود "العلاقة المحلية" - على طبيعة واقع. مثل نظرية بيل، فإن نظرية الباحثين محلية. كما أنها تحظر صراحة "الحتمية الفائقة" - أي أنها تصر على أن المجربين أحرار في اختيار ما يقيسونه دون أن يتأثروا بالأحداث في المستقبل أو الماضي البعيد.

أخيرًا، يعتبر الفريق أنه عندما يأخذ المراقب قياسًا، تكون النتيجة حدثًا حقيقيًا وفريدًا في العالم - لا يتعلق بأي شخص أو أي شيء. يتطلب اختبار العلاقة المحلية إعدادًا ذكيًا يضم اثنين من "المراقبين الخارقين"، أليس وبوب (اللذان يلعبان دور فاينر Wigner)، اللذان يشاهدان صديقيهما تشارلي وديبي. يمتلك كل من أليس وبوب مقياس التداخل الخاص بهما - وهو جهاز يستخدم لمعالجة حزم الفوتونات.

قبل القياس، يتم فرض استقطاب الفوتونات، أفقيًا ورأسيًا. يتم تحضير أزواج الفوتون المتشابكة بحيث إذا تم قياس استقطاب أحدهما ليكون أفقيًا، يجب أن يتحول استقطاب شريكه على الفور ليصبح عموديًا. يتم إرسال فوتون واحد من كل زوج متشابك إلى مقياس التداخل الخاص بأليس ويتم إرسال شريكها إلى بوب.

تجربة كمومية تؤكد عدم وجود شيء اسمه "حقيقة" موضوعية:

تشارلي وديبي ليسا صديقين بشريين في هذا الاختبار. بدلاً من ذلك، فهي عبارة عن مبدلات شعاع في مقدمة كل مقياس تداخل. عندما يصطدم فوتون أليس بديبي، يتم قياس استقطابه بالفعل وينحرف إما إلى اليسار أو إلى اليمين، اعتمادًا على اتجاه الاستقطاب. يلعب هذا الإجراء دور تشارلي، صديق أليس، الذي "يقيس" الاستقطاب. (توجد ديبي أيضًا في مقياس تداخل بوب).

بعد ذلك يجب على أليس أن تختار: يمكنها على الفور قياس المسار المنحرف الجديد للفوتون، والذي سيكون بمثابة فتح الباب للمختبر وسؤال تشارلي عما رآه. أو يمكن أن يسمح للفوتون بمواصلة رحلته، مروراً بمغير شعاع ثانٍ يعيد توحيد المسارين الأيسر والأيمن - وهو ما يعادل إبقاء باب المختبر مغلقًا. تستطيع أليس بعد ذلك قياس استقطاب فوتونها مباشرة عند خروجه من مقياس التداخل.

تمديد مفهوم قصة صديق فاينر. قام صديق تشارلي وديبي بقياس زوج من الجسيمات معدة في حالة التشابك، مما ينتج عنه النتائج المسمى c وd، على التوالي (من وجهة نظرهم). تأخذ الخوادم الفائقة، أليس وبوب، قياسات منفصلة شبيهة بالفضاء معنون x وy، مع تصنيف النتائج أ و ب، على المحتويات الكاملة للمختبرات التي تحتوي على تشارلي وديبي، على التوالي.

انتهاك حدود العلاقة المحلية:

خلال التجربة، اختار أليس وبوب بشكل مستقل القياسات التي يجب إجراؤها، ثم قارنا النتائج لحساب الارتباطات التي لوحظت عبر سلسلة من الأزواج المتشابكة. أجرى تيشلر وزملاؤه 90 ألف عملية تشغيل في التجربة. كما هو متوقع، انتهكت الارتباطات حدود بيل الأصلية - والأهم من ذلك أنها انتهكت أيضًا عتبة العلاقة المحلية الجديدة.

يمكن للفريق أيضًا تغيير الإعداد لتقليل درجة التشابك بين الفوتونات عن طريق إرسال أحد الأزواج على منعطف قبل أن يدخل مقياس التداخل الخاص بهم، مما يؤدي برفق إلى تعطيل الانسجام التام بين الجسيمات. عندما أجرى الباحثون التجربة مع هذا المستوى المنخفض قليلاً من التشابك، وجدوا نقطة حيث لا تزال العلاقات المتبادلة تنتهك حدود بيل، ولكن ليس العلاقة المحلية.

أثبتت هذه النتيجة أن مجموعتي الحدود ليستا متكافئتين وأن القيود الجديدة للعلاقة المحلية أقوى، كما يقول تيشلر. "إذا انتهكتهم، ستتعلم المزيد عن الواقع." وبالتحديد، إذا كانت نظريتك تنص على أنه يمكن معاملة "الأصدقاء" على أنهم أنظمة كمومية، فيجب عليك إما التخلي عن المكان، أو أن تقبل أن القياسات ليس لها نتيجة واحدة. 

توجد الآن معادلة تشرح سلوك فوضى الكموم:

بينما نجح الفيزيائيون في الخوض في نظرية الفوضى في الكون المرئي، فإن الفوضى شقت طريقها أيضًا إلى المقياس الكمومي. ومن نواحٍ عديدة، تكون الفوضى الكمومية أكثر إرباكًا من نظيرتها واسعة النطاق. لكن الآن هناك معادلة تشرح سلوك فوضى الكموم.

مصطلح "فوضى الكموم" يشير إلى مجال بحث نشأ من نظرية الفوضى. في الأساس، يحاول هذا المصطلح أن يجيب على السؤال التالي: "ما هو السلوك في ميكانيكا الكموم للنظام الفوضوي الكلاسيكي؟" ".

نجح الباحثون في تطوير معادلة فريدة من نوعها يمكنها التنبؤ بسلوك الفوضى الكمومية. تشرح المعادلة بشكل فعال الأنماط داخل الفوضى الكمومية على المستوى الذري. لذلك يمكن أن يساعد ذلك في تحسين فهمنا العام للعديد من الموضوعات المتنوعة، من جراحة الدماغ إلى نظرية الأوتار.

حتى الباحثين الذين طوروا المعادلة فوجئوا بمدى دقة التنبؤ بسلوك الفوضى الكمومية. قال فلاديمير أوسيبوف، أحد الباحثين من جامعة لوند في السويد: "نعم، لدينا الآن معادلة دقيقة". وأضاف: "أنا شخصياً مندهش حقًا من أن هذا ممكن".

من أجل تطوير هذه المعادلة، قام الباحثون بتحليل الخصائص الإحصائية لمستويات الطاقة المختلفة في حالة من الفوضى الكمومية. لكن ما هي تلك الخصائص بشكل ملموس؟ لفهم هذا، يجب علينا أولاً أن ننظر إلى نظرية الفوضى ، التي تدرس سلوك الأنظمة الديناميكية شديدة الحساسية للظروف الأولية: وهي ظاهرة يتضح دورها بشكل عام من خلال تأثير الفراشة (حيث تساهم الاختلافات الأولية الصغيرة جدًا في النظام ويمكن أن يكون لها تأثير كبير للغاية ، مما يؤدي إلى عواقب غير متوقعة).

تتبع الفوضى الكمومية نفس المبدأ، لكنها تهدف إلى تفسير الغرابة التي تحدث داخل الذرة، حيث تتصرف البروتونات والنيوترونات مثل الموجات وليس الجسيمات. يمكن أن ينطبق هذا أيضًا على سلوك الموجات على نطاق أوسع، مثل الحركة غير المنتظمة للإلكترونات والنواة. ينطبق هذا أيضًا على عناصر مثل الموجات الصوتية في غرفة كاملة (على سبيل المثال مفروشة) أو أشعة الضوء في الأجهزة البصرية.

حاول الباحثون منذ فترة طويلة وضع تنبؤات حول كيفية تصرف الفوضى الكمومية، لكن هذا صعب لأن الأنظمة الفوضوية حساسة للغاية للعناصر الأولية. حتى أجهزة الكمبيوتر تجد صعوبة في العثور على نماذج موثوقة. لذلك يقدم هذا مستوى جديدًا تمامًا من التعقيد، بالإضافة إلى نظرية الفوضى. يوضح أوسيبوف: "في الأنظمة الكمومية الفوضوية، تتنافر مستويات الطاقة مع بعضها البعض، وتؤثر على بعضها البعض على الرغم من تباعدها عن بعضها البعض".

اعتمد الباحثون على حقيقة أن الذرات، في حالة الإثارة، تقدم مستويات طاقة يمكن قياسها، من أجل التوصل إلى قاعدة للتنبؤ بالسلوك على المستوى الذري. يقول العلماء إن المعادلة الجديدة تقدم طريقة عالمية للتنبؤ بسلوك النظام الفوضوي على المستوى الكمومي.

في الوقت الحالي، يعد هذا البحث نظريًا بحتًا، ولكن سيكون للمعادلة أيضًا تطبيقات عملية. يمكن بالفعل تطبيقها في أي مكان تدخل فيه حالات الفوضى حيز التنفيذ وحيث يجب قياسها وفهمها بدقة ، على سبيل المثال في مجال الأسواق المالية ، وعمل الدماغ البشري ، وكذلك في نظرية الأوتار. .

في حين أننا لم نحل جميع ألغاز الفوضى الكمومية بعد، يجب أن تساعد المعادلة الجديدة العلماء على حساب حالات معينة من الفوضى الكمومية بشكل أكثر بساطة ودقة.

تم اختبار غرابة ميكانيكا الكموم خارج نطاق الجسيمات:

تم اختبار غرابة ميكانيكا الكموم لأول مرة خارج نطاق الجسيمات من قبل مجموعة الفيزياء النانوية الكمومية، كلية الفيزياء، جامعة فيينا بقيادة كريستيان نوبلوش

سمح تباين لتجربة فيزياء الكموم للعلماء بمراقبة سلوك الموجة والجسيم للجزيئات بدقة لأول مرة. تتوافق نتائج التجربة مع ما تتنبأ به النظرية التي تغطي الظواهر الكمومية المعقدة، وكما هو الحال في معظم التجارب الكمومية من هذا النوع، فإن رؤية الآثار المترتبة على مثل هذه النظرية لا تقل عن كونها مثيرة للإعجاب.

تعاون علماء من جامعتي فيينا في النمسا وتل أبيب في إسرائيل لإجراء نسخة مختلفة من تجربة كلينتون دافيسون وليستر جيرمر الكلاسيكية التي يرجع تاريخها إلى عام 1927، والتي أُطلق عليها اسم "تجربة دافيسون جيرمر". في فيزياء الكموم، قدمت هذه التجربة الدليل الذي أكد فرضية العالم الفرنسي دي برولي De Broglie، التي تفترض أن الجسيمات (مثل الإلكترونات) يمكن أن تتصرف أيضًا مثل الموجات (ازدواجية الموجة والجسيمات).

من أجل تجربتهم، قرر العلماء بعد ذلك استبدال الجسيمات الصغيرة (المستخدمة في التجربة الأصلية عام 1927) بجزيئات عضوية أكبر، من أجل اختبار حدود القوانين التي تحكم سلوكهم. يقول الباحث كريستيان براند من مركز فيينا لعلوم وتكنولوجيا الكموم في جامعة فيينا: "هذه الفكرة معروفة منذ أكثر من عشرين عامًا". ويضيف: "لكن الآن فقط لدينا الوسائل التكنولوجية لتجميع كل القطع معًا وإنشاء تجربة يمكنها اختبار الفكرة بجزيئات ضخمة".

من أجل فهم معناها بالكامل، يجب على المرء أن ينظر إلى الربع الأول من القرن العشرين، عندما تصارع العلماء مع ما بدا أنه عالمان مختلفان تمامًا فيما يتعلق بالقوانين الفيزيائية. من ناحية، كان هناك عالم نيوتن، حيث تتصرف التفاحات والنيازك المتساقطة بطرق متشابهة (فقط على مستويات مختلفة).

وعلى الجانب الآخر، كان هناك ألبرت أينشتاين، الذي كان يقترح أن الصيغ التي تم اختراعها لشرح كيفية امتصاص الضوء وانبعاثه، لم تكن فقط طريقة عملية لاستخدام الأرقام: ولكن هذا الضوء تم تكوينه بالفعل من عناصر منفصلة تسمى كوانتا "الكميات".

وبما أن فكرة أن الضوء يتكون في الواقع من هذه العناصر الصغيرة لم تكن كافية، فقد قرر الأمير لويس دي برولي، عالم الفيزياء الفرنسي، أن إحدى الطرق لإثبات صحة أحدث النماذج المتعلقة بالذرات، يمكن وصف الإلكترونات أيضًا بأنها موجات.

في وقت لاحق، وجد فيزيائيون آخرون مشهورون، مثل فيرنر هايزنبرغ وإروين شرودنغر، طرقًا مختلفة للتنبؤ بكيفية تصرف بنية الذرة. بينما تخيل أحدهم الإلكترونات كموجات مستمرة، تخيل الآخر عناصر منفصلة. لكن الشيء الأكثر إثارة للدهشة هو أن النظريتين صمدتا ... لكن كيف يمكن لشيء ما أن يكون موجة وجسيمًا في وقت واحد؟

اعتمد الفيزيائيان الأمريكيان كلينتون دافيسون وليستر جيرمر بعد ذلك على تجربة أقدم، والتي أظهرت أن الضوء كان عبارة عن موجة. أظهرت نسختهم من التجربة أن شعاع الإلكترون الذي يمر عبر زوج من الشقوق المتوازية والمتقاربة يمكن أن ينتج نمط موجة مشابه لنمط الضوء، وبالتالي يدعم فرضية دي برولي De Broglie. في الفيزياء، هذه الفرضية هي التأكيد على أن كل مادة لها موجة مرتبطة بها (مما يؤدي بعد ذلك إلى ازدواجية الموجة والجسيم).

ولكن منذ ذلك الحين، تم إجراء العديد من الاختلافات في تجربة الشق المزدوج، مما يدل على أن الأجسام الصغيرة مثل الإلكترونات والفوتونات، يمكنها بالفعل التصرف مثل الجسيمات والموجات، اعتمادًا على كيفية استخدامنا لها. دعونا نقيس. علاوة على ذلك، هذا ليس فقط للأشياء الصغيرة. في عام 2012، تم تسجيل رقم قياسي جديد، أظهر أن الجزيء (حوالي 800 ذرة في الحجم) له أيضًا خصائص موجية.

لم تحطم هذه التجربة الأخيرة أي سجلات، لكن الباحثين استخدموا أيضًا جسيمات ضخمة (تزن ما يعادل 515 وحدة كتلة ذرية، أو حوالي 42 ذرة كربون). وهو ليس بهذه الصغر حقًا، وبعيدًا عن السهولة في إدارته. كان هدف الباحثين هو وضع قيود على الطبيعة الموجية للعناصر الأكبر، مثل الجزيئات، بنجاح عن طريق تمريرها عبر شقوق متعددة.

سيكون من السهل تخيل هذه الموجات على أنها مجموعات من مجالات القفز صعودا وهبوطا. لكن في الواقع، يمكن تخيل كائن مثل الإلكترون، أو الفوتون، أو الجزيء، أو مجرد شخص كامل، على أنه مزيج من الخصائص المتراكبة، والتي لها حالات مختلفة في نفس الوقت.

احتمالات هذه الحالات، كل منها يصف موقعها وطاقتها في الزمان والمكان، هي ما نسميه الموجات. بالنسبة لأصغر الجسيمات، يمكن استنتاج هذا الاحتمال من القياسات المتعلقة بما يسمى قاعدة بورن، والتي تفسر المعاملات الخطية لمبدأ التراكب.

تتطلب الأنظمة الأكثر تعقيدًا، مثل الجزيئات، امتدادًا أكثر تعقيدًا للصيغة. منذ ما يزيد قليلاً عن 20 عامًا، قرر عالم فيزياء يُدعى رافائيل سوركين أنه لا يحتاج إلا إلى قياسات لمسارين مختلفين (مثل تلك التي يلتقطها الضوء في الشقوق المزدوجة)، بحيث يمكن لبعض امتدادات قاعدة بورن لا يزال يعمل. لا ينبغي أن تحدث إضافة مسار ثالث أو رابع أو حتى مائة فرقًا.

بفضل نتائج هذه التجربة الأخيرة، لدينا تأكيد على أن حد "الطريقتين" ساري المفعول للجسيمات ذات الحجم الجزيئي. يقول الباحث جوزيف كوتر من جامعة فيينا في النمسا: "هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها إجراء اختبار صريح من هذا النوع باستخدام جزيئات ضخمة". لقد تجاوزت التجارب السابقة الحدود باستخدام فوتونات مفردة وأجهزة ميكروويف. من خلال تجربتنا، وضعنا قيودًا على تدخل الأجسام الضخمة عالية المستوى ".

تسلط هذه التجربة مرة أخرى الضوء على غرابة عالم ميكانيكا الكموم، حيث من الممكن أن يكون عنصر ما جسيمًا وموجة في نفس الوقت، وليس هذا ممكنًا فقط للعناصر الصغيرة للغاية.

هل الواقع المادي الفيزيائي للكون دائم أم متغير؟:

لطالما حيرت نهاية الكون علماء الفيزياء والعلماء. ولقد ظهرت العديد من النظريات التي تصف السيناريوهات المحتملة للحوادث الكونية، أو حتى انقراض الشمس.

أفادت دراسة حديثة عن جولة أخيرة من الانفجارات، التي يتبعها وهجها الظلام الكامل، مما تسبب في سقوط الكون في سبات. وتسمى هذه الانحرافات "سوبر نوفا القزم الأسود". تختلف طريقة اختفاء النجوم حسب كتلتها ونوع المادة التي تنتجها. النجوم التي يتجاوز حجمها 10 أضعاف حجم الشمس أو أكثر، تنفجر مثل السوبرنوفا، وينتهي بعضها على شكل ثقوب سوداء.

يتميز انقراض الأصغر منها بتكوين كتلة صغيرة كثيفة تسمى القزم الأبيض، والتي سوف تصبح داكنة وتتحول إلى قشرة مجمدة لتصبح قزمًا أسود. يرجع هذا الاختلاف إلى حقيقة أن النجوم ذات الحجم الصغير لا تنتج مواد ثقيلة عندما تذوب نواتها.

في الواقع، لم يكن للأقزام السوداء أي تأثير في الكون أبدًا، يتكهن الباحثون أنها ستكون بالضبط آخر شيء سيحدث قبل نهاية العالم الكوني، مما يفسح المجال أمام فراغ كامل، حيث درجات الحرارة تدور حول الصفر المطلق.

بحثت الأبحاث في كيفية إطلاق ناسا لضوءها أخيرًا في انفجارات السوبرنوفا. تتشكل الأخيرة أولاً عن طريق الاندماج ثنائي النواة، وهي عملية كمومية تعزز التقارب بين النوى الذرية أكثر من القزم الأبيض. وبالتالي، هناك تكوين للحديد، وهو العنصر الأخير الناتج عن الاندماج. هذه الحشود المعدنية هي أيضًا سبب انهيار المستعرات الأعظم في النجوم الكبيرة.

لتوضيح بطء هذه الظاهرة، أوضح مؤلف الدراسة مات كابلان والفيزيائي في جامعة ولاية إلينوي أن الشمس تندمج 10 ^ 38 بروتونات / ثانية. سيستغرق تحويل القزم الأسود إلى حديد عن طريق الاندماج النووي 10 ^ 1100 و10 ^ 32000 سنة.

نتيجة لهذا الاندماج، سيتم تدمير الجسم الأسود بكتلته، مما يتسبب في دمار مثير للإعجاب وبالتالي تحرير الطبقات الخارجية لما تبقى من غلاف النجم. ومع ذلك، فإن هذا يتعلق فقط بالأقزام السوداء التي تتراوح كتلتها بين 1.16 و1.32 مرة من كتلة الشمس، وهي نفسها مكونة من نجوم معينة، ويبلغ حجمها 6 إلى 10 أضعاف حجم الشمس. أقزام صفراء.

يوضح كابلان أيضًا أن هذه الأجسام تمثل 1٪ فقط من جميع النجوم، لكن التقديرات تشير إلى أن 1 تريليون مستعر أعظم سينفجر قبل نهاية الكون. بالإضافة إلى ذلك، يقول العلماء إن الكتل المظلمة أصغر مما نعرفه في الكون اليوم، لكن هذا لا يمنع حدوث مستعرات أعظم مذهلة بنفس القدر. بعد ذلك، سوف يغرق الفضاء في الظلام الأبدي الجليدي.

يمكن للخيال تغيير تصورنا للواقع حقًا:

الخيال ليس مجرد وسيلة للدماغ لبناء مشاهد أو أصوات أو أماكن خيالية، بل يسمح أيضًا بتقييم مواقف العالم الواقعي مسبقًا باستخدام سيناريوهات تتضمن جميع العناصر وهذا أمر حقيقي أيضا. هذا ما كشفته دراسة حديثة، تظهر أن الخيال يمكن أن يؤثر بشكل مباشر على إدراكنا للواقع.

تكشف دراسة جديدة كيف أن تخيل سيناريو يحدث في مكان محايد عاطفيًا يمكن أن يغير موقفنا تجاه نفس المكان في الواقع.

لفهم هذه الظاهرة، أجرى باحثون في جامعة هارفارد ومعهد ماكس بلانك لطب الأعصاب والعلوم الإدراكية تجربة، أولاً في الولايات المتحدة ثم تكررت في ألمانيا. نُشرت النتائج في مجلة Nature Communications.

طُلب من المشاركين تقديم قائمة بالأشخاص الذين يحبونهم حقًا، والأشخاص الذين لا يحبونهم، وقائمة بالأماكن التي يرون أنها "محايدة". بعد ذلك، استلقوا على ماسح الرنين المغناطيسي الوظيفي، تمت دعوتهم لتخيل مقابلة شخص من قائمتهم المفضلة في أحد مواقعهم المحايدة.

لهذا الغرض، كان 60 شخصًا يخضعون للتصوير بالرنين المغناطيسي، ولكن كان لا بد من التخلص من بيانات 12 منهم بعد أن تمكن اثنان من المتطوعين من النوم بشكل لا يمكن السيطرة عليه، بينما حاول الباقون أن يظلوا ساكنين بدرجة كافية. للحصول على صور دقيقة.

العقل والخيال والعالم الحقيقي:

كشفت فحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي أن قدرتنا على تخيل هذه السيناريوهات تتضمن شبكة في دماغنا بما في ذلك قشرة الفص الجبهي البطني (vmPFC) - وهي منطقة مرتبطة بمعالجة المخاطر والخوف واتخاذ القرار والتقييم أو الموقف من الأخلاق.

يقول عالم الأعصاب الإدراكي رولاند بينوا: "نقترح أن تجمع هذه المنطقة تمثيلات بيئتنا من خلال ربط المعلومات من جميع أنحاء الدماغ لتشكيل صورة عالمية".

في الجلسة الأولية، قدم المشاركون أسماء الأشخاص المحبوبين وغير المحبوبين بالإضافة إلى أماكن محددة في بيئتهم اليومية. ثم قاموا بتقييم مدى إعجابهم بالأشخاص والأماكن (قيمة الفهرس) ومدى معرفتهم بكل واحدة. بناءً على المراجعات، تم اختيار أماكن محايدة، وتم دمج كل منها مع شخص محبوب أو غير محبوب. في الجلسة الثانية، تم فحص المشاركين باستخدام الرنين المغناطيسي الوظيفي على ثلاث مراحل. أشار المشاركون، لكل زوج من الأشخاص والموقع، إلى احتمال عقد مثل هذا الاجتماع ومشاعرهم المتوقعة حيال ذلك.

أوضح الباحثون أنه في حين أن vmPFC لا يرمز للكيانات الفردية مثل الأشخاص، فإن أنماط الخصائص الفردية المشفرة تمثل الأفراد أو الأماكن في ذلك الجزء من الدماغ. كانوا قادرين أيضًا على رؤية مواقف المشاركين تجاه أماكنهم المحايدة تتغير وفقًا لمستويات نشاط هذه النماذج العصبية.

"عندما أتخيل ابنتي في المصعد، يصبح تمثيلها وتمثيل المصعد نشطًا في قشرة الفص الجبهي البطني. هذا، بدوره، يمكن أن يربط بين هذه التمثيلات - وبالتالي يمكن نقل القيمة الإيجابية للشخص إلى الموقع المحايد سابقًا، " كما يوضح بينوا.

العالم الحقيقي: يؤثر الخيال أيضًا على إدراكه:

تؤكد حقيقة أن المواقف يمكن نقلها بهذه الطريقة، وأن أجزاء من الدماغ لا تشارك فقط في تخيل مكان في أذهاننا، بل تشفر أيضًا تقييمنا للمكان الحقيقي. وبالتالي، يمكن للخيال، تمامًا مثل الأحداث الحقيقية، أن يؤثر على موقفنا تجاه العالم الحقيقي.

بطبيعة الحال، فإن القدرة على إحداث التغيير من خلال الخيال تنطبق فقط على تصوراتنا والتأثيرات التي يمكن أن تحدثها على علم النفس وعلم وظائف الأعضاء. لا يزال لا يؤثر على تعديل واقعنا المادي الخارجي.

"في دراستنا، أظهرنا كيف يمكن للخيال الإيجابي أن يؤدي إلى تقييم أكثر إيجابية لبيئتنا. أتساءل كيف تؤثر هذه الآلية على الأشخاص الذين يميلون إلى الأفكار السلبية حول مستقبلهم، مثل الأشخاص المصابين بالاكتئاب. هل يؤدي مثل هذا الاجترار إلى تخفيض قيمة الجوانب المحايدة، أو حتى الإيجابيات في الخيال العلمي، من حياتهم؟» كما يختتم بنوا.

 

........................

المصادر: Science Advances، PhysOrg، arXiv.org

المصادر: اتصالات الطبيعة

المصادر: خطابات المراجعة الفيزيائية ، Lund University ، PhysOrg

 

 

 

محمد عبد الكريم يوسفيميل الإنسان إلى جلد نفسه في حالات عديدة حث يتحرك النقد الداخلي لديه طوال الوقت فيقض مضجعه ويسرق من عينيه النوم . وأحيانا لا يدرك الإنسان أنه يجلد نفسه ويدمر حياته العاطفية والعقلية والإنسانية . التفاخر الدائم نوع من جلد الذات والكبت الدائم نوع آخر من جلد الذات والشعور الدائم بالخطيئة تجاه أي تصرف نوع من جلد الذات .

إن قلة الثقة بالنفس وتدني احترام الذات والحافز المنخفض للعمل لا ينتج بالضرورة عن تقييد المعتقدات أو عدم الثقة في قدرات الفرد . إن ما يعيق قدرات الإنسان ويمنعه من تأكيد ذاته هو حالة الجلد المستديمة، وهو ذلك الجزء من الشخصية الذي يقيم كل خطوة يخطوها الإنسان وكل حركة من حركاته وينتقدها بطريقة مختلفة أو يشعر بنشوة الفوز التي تجعله يشعر مرضيا أنه فوق الناس في كل مجال من مجالات الحياة .

وحتى نفهم المشكلة وطريقة عملها وتطورها علينا أن نفهم كيف يعمل هذا الجزء من الشخصية .

يؤكد العلم أن كل جلاد لذاته يختلف عن الآخر بطريقة مختلفة عن الآخر وبدوافع وغرائز منفصلة . وقد أكد مرارا عالم النفس غاي إيرلي أن هناك أسباب متعددة تدفع الإنسان لجلد نفسه في معظم مواقف الحياة . كما اكتشف أن الشخص الواحد يمكن أن يكون بداخله عددا من الجلادين كل يتخصص بمجال ما من مجالات الحياة السلوكية في حين يمزج آخرون بين أنواع مختلفة من النقاد.

وقد حدد غاي إيرلي الدوافع التي تجعل المرء يجلد نفسه بصمت وأمام الناس وتؤمن الأجواء المناسبة لنمو الناقد الدائم داخل الرأس . كما صنف قائمة بالدافع التي تجعل الإنسان يميل إلى جلد نفسه طوال الوقت منها:

الشعور بالكمال

يطلب هذا الجلاد أن تفعل الأشياء بشكل مثالي وخالٍ من العيوب. وله معايير عالية جدًا في الأداء، وعندما لا تتمكن من الوفاء بها، فإنه يهاجم بأقصى قوته ويخبرك إن أفعالك ليست جيدة بما يكفي ولا تحقق أدنى المعايير . غالبًا ما يمنع هذا الجلاد الإنسان من بدء مشروع جديد، ويدعي بأنك لن تكون قادرًا على القيام بذلك بالطريقة الصحيحة.

يرفع دعاة الكمال عادة الشعارات التالية :

- "ابذل جهدا أكبر!"

- "لن تفعل ذلك بالشكل الصحيح أبدًا ".

- "أنت لا تخطط لترك الأمر هكذا، أليس كذلك؟"

- "عملك لا قيمة له!"

هذه الأفكار تؤثر على الإنسان سلبيا وتمنعه من التقدم .

وحدة التحكم الداخلية:

وتتمثل مهمته في السيطرة على السلوكيات الاندفاعية، مثل الإفراط في تناول الحلويات، والتحول إلى احتساء الكحول، وتعاطي المخدرات والمنشطات المختلفة (القهوة، والسجائر، وما إلى ذلك). عندما تخطئ وتقوم بأحد هذه الأشياء، سيبدأ جهاز التحكم هذا في إلقاء اللوم عليك وبدأ في انتقادك ومعاتبتك وجلدك .

يرفع المراقب الداخلي شعارات مثل :

- "لقد فعلتها مرة أخرى ... عار عليك."

- "ليس لديك إرادة."

- "لن تتحرر من هذا أبدًا."

تعمل وحدة التحكم الداخلي على مراقبة السلوك ومحاسبة الإنسان على أي سلوك يقوم به .

 مدير المهام الداخلي:

يفعل ما يلزم ليجعلك حتى تعمل بجد قدر الإمكان. وحتى يقوم بدفعك للأمام وتحفيزك، يمكن أن يخبرك دوما أنك كسول أو غير كفء، وأنه لا يمكنك تحقيق أي شيء. وغالبًا ما يتقاطع مدير المهام الداخلي مع جزء آخر من شخصيتك و هو المماطل الذي يؤجل العمل لوقت لاحق.

يرفع مدير المهام عادة الشعارات التالية :

- "أنت كسول عظيم ".

- "انزل إلى العمل و لا تتأخر."

- "الراحة للضعيف".

- "لن تحقق أي شيء في الحياة ما لم تبدأ العمل الجاد."

المقوض

وهو تلك الخصلة في الشخصية التي تعمل على تقويض الثقة بالنفس وتهدئة الأفعال والحماية من الخطر والفشل . يقلل المقوض من الثقة بالنفس واحترام الذات الأمر الذي يشل القدرات ويجعل الإنسان يشعر بأنه غير ذي قيمة وأنه لن ينجح في عمل ما مهما حاول.

يرفع المقوض في العادة شعارات مثل :

- "أنت لا قيمة لك."

- "لا تحاول ...لأنك ستفشل على أي حال."

- "من غير المجدي الاستمرار في هذا العمل."

- "أقلع عن هذا العمل، لماذا تضيع الوقت في هذا؟"

يحاول المقوض تقليل العزيمة لدى الإنسان وزرع الهزيمة واليأس داخله ومنعه من التقدم وإتمام المهام .

المدمر

إنه يشن هجمات مباشرة على احترام الإنسان لذاته من خلال جعله يعتقد أنه لا يجب أن تكون موجودًا. ومع مرور الوقت يجعل المر يخجل من نفسه .

يرفع المدمر شعارات غريبة مثل:

- "ما كان يجب أن تولد"

- "أنت فاشل كبير"

- "أنت عديم القيمة."

والمدمر ليس إلا وحشا غريبا قويا هداما يحطم ثقة الإنسان بنفسه وبالآخرين .

الملوم

تتجسد وظيفة الملوم في إلقاء اللوم على إجراءات وقرارات محددة يتخذها (أو التي لم يتخذها) في الماضي. وغالبًا ما يتعلق هذا السلوك الذي كان ضارًا للآخرين وخاصة الأشخاص المهمين، بغض النظر عما إذا كان الفعل قد تم عمداً أم لا.

عادة ما يقول الملوم :

- "كيف يمكن أن تفعل هذا؟"

- "سوف تندم على هذا لبقية حياتك."

- "لن يُغفر لك أبدا".

- "لن تسامح نفسك أبدا".

والملوم شخص لا يمكن إرضاؤه بسهولة لكنه يرشق بسهام لومه من يراه أمامه أو من يعمل معه بغض النظر إن كان مسؤولا عن العمل أم لا .

البالي

يحاول البالي أن يجعل الأفراد حوله مندمجين في إطار اجتماعي معين بحث لا يخرجون عن التقاليد والأعراف الاجتماعية بل يحافظون على كينونتهم سالمة معافاة ويحاول أن يدمج من حوله بقوانين الأسرة ومبادئ ثقافتها ويمدحك هذا الجلاد عندما تتصرف وفق قوانينه ورؤيته ويهاجمك عندما لا تفعل ذلك .

يرفع البالي الشعارات التالية :

- "لا تجعل من نفسك أحمقا."

- "أبق رأسك منخفضة!"

- "افعل ما يقال لك."

- "كيف سينظر لك الآخرون؟"

الشخصية البالية مدرسة في تخريج الملتزمين بالأعراف والتقاليد ولا يتورعون مهاجمة كل شخص يخرج عن ناموسهم في الحياة والسياسة والاقتصاد وقد مثّل رجال الدين والكهنة هذا النموذج خير تمثيل عبر التاريخ .

ومن المهم جدًا أن نفهم أن الجلاد الداخلي جزء من نفسيتنا وحياتنا وسلوكنا وعلينا أن نميز بينه وبين صوت الضمير ؟

علينا أن نتعلم أن التعامل مع كل شخصية من هذه الشخصيات أمر حيوي وضروري ويختلف باختلاف طبيعة الجلاد الداخلي ومظهره . يظهر لنا وكأنه خادم حقيقي ولكن يجب التخلص منه متى سنحت الفرصة . الجلاد الداخلي يوجد في حياتنا بطرقة أو بأخرى ويتولد ويزدهر نتيجة الظروف التي نعيشها في البيت والشارع والمدرسة والوظيفة العامة . فالبيت الذي يعاني من الخلافات الأسرية الشديدة يولد داخل أطفالهم نوعا خاصا من الجلادين الداخليين والذي يعاني من القمع في المدرسة يولد في داخله نوع آخر مختلف من الجلادين الداخليين والطريف والمؤلم في ذات الوقت أن الجلاد الداخلي هدفه نفعنا وخيرنا العام في حين نتيجة عمله قد تكون مدمرة للغاية .

هناك نوع من الجلادين الداخليين يدعي أن يعتني بسلامتنا، وآخر يدعي أنه يحمينا من الرفض، أو التقييم السلبي للأشخاص . في الحقيقة، تختلف دوافع أفعال الجلاد الداخلي وتعتمد على نوعه وتصنيفه ومواصفاته، وهذا يعني أن الإنسان سيعمل بشكل مختلف على تحويله إلى جزء بناء وداعم للشخصية متى اكتشف وجوده .

وعندما نبدأ في فهم كيفية عمل جلادنا الداخلي على مستوى أعمق، ندرك بسرعة أن أفضل طريقة للتخلص منه لا تتمثل في المواجهة العدائية، بل بالمحادثة وإقامة العلاقة الطيبة معه والتوافق معه . ثم يصير الجلاد مساندًا لنا بدل أن يكون مدمرا، ثم نستعيد الثقة بالنفس ونستعيد طاقة الحياة وتجددها .

كيف نتعامل مع الجلاد الداخلي؟

هناك تجربة يمر بها الرسامون في العادة فهم يحبون الرسم ويحترفونه ولكنهم لا يمتلكون إلا تقنية الفرشاة واللون والذوق الفني ويعشقون الطريقة التي تنغمس فيها الفرشاة باللون وتتحرك جيئة وذهابا على طوق الورق أو القماش وعرضه . يعتقد بعضهم أن الرسم يمنحهم الحرية والمتعة والتسلية واللعب، ويعلمهم الرسم كيف يتحكمون بأنفسهم وكيف يطورون مهاراتهم في الحياة ويعرفون فضاءاتهم وحدودهم وما يؤمنون به. ورغم كل تلك المتعة فإنهم يسمعون الجلاد الداخلي يقول دائما :  "هذه الزهرة ليست جميلة بما يكفي ويجب أن يكون لونها أرجواني وليس أحمر ." أو "اجعل هذا الوجه أكثر نقاء واهتم بالتفاصيل الصغيرة حتى يتعرف الآخرون عليك كفنان جيد موهوب." أو " لا يمكن الرسم لمجرد المتعة، وعليك أن تفعل أشياء أكثر فائدة وإنتاجية ." أو " سيكتشف الناس عما قريب كم أنت غريب الأطوار."

يحب الجلاد الداخلي أن يخبرنا عن مقدار سوئنا ويسخر منا ويضايقنا ويدفعنا ذات اليمين وذات الشمال . هذا الجلاد الداخلي لئيم جدا ومتحيز ضدنا وغير حساس ومصمم على إرجاعنا نحو الوراء .

عندما ندخل في مشروع، سواء في البداية أو الوسط أو النهاية، يحب هذا الجلاد المشاركة في العمل والحديث إلى كل واحد منا بالطريقة نفسها، وتتخذ أحكامه مئات الأشكال وبآلاف الوسائل والطرق .

يمارس هذا الجلاد دور اللصوصية فيسرق منا الخير الفطري والقيمة والموهبة والقيم ويزرع فيا القدرة التي تجعلنا نؤمن بالأوهام ويحدث الخراب في أرواحنا ويسبب الفوضى في أذهاننا. إنه يحب كسر غرورنا ويخبرنا أننا لسنا كفء للعمل ولا نجيد الأداء، و يحب أن يخبرنا أننا لسنا محبوبين ولا يهتم لنا أحد . ثم يضرب غرورنا وينفخنا ويخبرنا كم نحن جيدون ويشرح لنا مدى تميزنا:

"انظر كم هي جميلة تلك الزهرة الأرجوانية ".

"انظر كم أنت موهوب جدا. "

"عندما يرى الناس هذا، سيجدونك مميز جدًا ".

يحب أن يكسرنا ويضربنا. يحب أن يغرينا ويغرينا . يحب أن يجعلنا نشك في أنفسنا .

فكيف نسكت هذا الجلاد الداخلي ونضع له حدا ليبقى في مكانه؟

الخطوة الأولى والأكثر أهمية هي تحديد الجلاد الداخلي. لقد اعتدنا كثيرًا في أذهاننا على شبكته المنسوجة، حتى أننا لا نعي ذواتنا عندما يتحدث.

إذا كنت تعمل على شيء ما، وفجأة بدأت في استجواب نفسك، وإذا شعرت أن طاقتك تتناقص، أو شعرت بالتعثر أو الملل أو التعب، عليك أن تعلم أن الجلاد الداخلي يتحدث إليك.

اسمعه جدا، لكن لا تأخذ كلماته على محمل الجد . شاهده حتى لا يتسكع في زاوية بعيدة عنك يراقب حركاتك ويتلاعب بك وهو ف برجه العاجي.

حدده، جده لكن لا تقاومه لأن ما نقاومه سيستمر!

وبمجرد رؤيته وتحديده، إليك خمسة أساليب فورية وسهلة للرد على الجلاد الداخلي. إنها بسيطة لدرجة أنها قد تبدو غير واقعية، لكنها تعمل . احفظها جيدا وأبقها قريبة منك تماما مثل تعاليم المانترا.

عندما يبرز الجلاد الداخلي للواجهة، فكر بالأمور التالية :

وماذا في ذلك؟

إذن ماذا لو كنت تعتقد ذلك؟ هذا لا يعني أنه صحيح.

من يهتم؟

هل تعتقد أن أحكامك تعني لي شيئًا؟ ليس لها قيمة !

صفقة كبيرة!

أوه هل هذا واقع، صفقة كبيرة! حقا، صفقة كبيرة !

لماذا لا؟

لماذا لا أفعل هذا؟ أنت تقول لي لا أستطيع؟ لن أفعل؟ أنا لا أستحق ذلك؟ لما لا؟ أنا سأواصل القيام بذلك على أي حال، لأنني يمكن ! بغض النظر عما تقوله، أن أستمر في الغوص عميقا في هذا العمل.

ماذا لو كان لا يهم إذا كنت ________ أم لا؟

اكتب حكم الجلاد الداخلي هنا. على سبيل المثال، ماذا لو كان الأمر لا يهم إذا كان جيدًا بما يكفي أم لا؟ كأن يكون الأمر غريبًا وقد يجدني الناس غريباً؟

ماذا لو كان لا يهم إذا ظهرت موهبتي وعرفني الآخرون أم لا؟

و "ماذا لو لم يكن الأمر مهمًا إن كان جميلًا أم لا، لأنني سأستمر في منح نفسي الإذن لمواصلة الرسم على أي حال بغض النظر عما يقوله الآخرون !"

ستلاحظ كيف تمكّنك هذه الأسئلة من الاستمرار، وأيًا كان ما تفعله، استمر في القيام به على أي حال . استمر في تحقق حلمك ومشروعك ونشاطك الإبداعي .

استمر في المضي قدمًا في بناء قيمة واحدة متكاملة في كل مرة.

ونادرا ما يذهب الجلاد الداخلي بعيدا.

ما دام لدينا عقول نفكر بها وما دام هناك خيارات كثرة بين الخير والشر ومادام هناك شرخ كبير بن رغباتنا وعاداتنا وتقاليدنا، سوف يستمر الجلاد الداخلي في البحث عن طرق لتعذيبنا. لكن يمكننا التعرف عليه ونقول: " احكم بما ترى !"

وعندما نحدد الجلاد الداخلي على هذا النحو، فإننا نأخذ قوته ونستعيد قوتنا.

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

 

جواد بشارةإعداد وترجمة د. جواد بشارة

ما هو الحجم الحقيقي للكون المرئي؟

taille univers total

النماذج النظرية، التي تكملها الملاحظات والمشاهدات التي تم إجراؤها في السنوات الأخيرة، تسمح الآن لعلماء الكونيات بتقييد حجم الكون المرصود بأمانة نسبيًا. بعد هذا الحد، يستمر الكون في التوسع، ولكن لا يزال يتعذر الوصول إليه من خلال أدواتنا. على الرغم من هذا المجهول، فمن الممكن، بناءً على استقراء البيانات التي تم جمعت حتى الآن، وضع افتراضات معينة حول حجم الكون المرئي بأكمله.

ظهر الانفجار العظيم منذ حوالي 13.8 مليار سنة. كان الكون حينها كثيفًا وساخنًا للغاية، مكونًا من مادة ومادة مضادة وإشعاع. تحت تأثير التضخم ثم التوسع، انخفضت درجة حرارته بينما زاد حجمه بشكل كبير. اليوم، يبلغ نصف قطر الكون المرئي حوالي 46 مليار سنة ضوئية (أو قطر 92 مليار سنة ضوئية).

يتوافق هذا الحد من الكون المرئي مع الأفق الكوني، أي الحدود التي لم يعد بعدها الكون والأشياء الموجودة مرتبطة سببيًا بنا وبالتالي تبقى إلى الأبد مجهولة من قبلنا. يتعذر الوصول إلى ملاحظاتها ومشاهدتها ورصدها. وعلى هذه المسافة أيضًا يقع آخر مستوى لبث الإشعاع الأحفوري أو الخلفية الميكروية – وهي منطقة الكون التي انبعثت منها فوتونات الخلفية الكونية المنتشرة.

معرفة الكون المرئي: شرط أساسي لاستقراء الكون الكلي المطلق:

Connaître l’Univers observable : un pré-requis à l’extrapolation vers l’Univers global

للتكهن بحجم الكون بأكمله، من الضروري الاعتماد على المعلومات التي تم جمعها داخل الكون المرئي l’Univers observable والتي يمكن ملاحظتها ومشاهدتها ورصدها، ولا سيما فيما يتعلق بتاريخها ودينامياتها. إذا كان الكون الذي نلاحظه اليوم باردًا ومليئًا بالبنى المعقدة، فقد كان في الماضي أكثر سخونة وانتظامًا، ولم يكن لديه الوقت الكافي لتشكيل الهياكل الكونية الكبيرة.

temperature fond diffus cosmologique

رسم بياني من دراسة عام 2011 تُظهر تطور درجة حرارة الخلفية الكونية المنتشرة (CMB) على مدار تاريخ الكون. في الماضي، كان الإشعاع CMB أكثر سخونة.

تحت تأثير التمدد والتوسع l’expansion، يتم شد الطول الموجي للفوتونات (انزياح أحمر)، مما يتوافق مع انخفاض في الطاقة، وبالتالي يؤدي إلى انخفاض تدريجي في درجة حرارة الكون. هذا يعني أن الكون الشاب كان أكثر دفئًا بحلول ذلك الوقت، مع توسع الطول الموجي للفوتون قليلاً جدًا. حقيقة أكدتها ملاحظات بعيدة مختلفة différentes observations distantes. من الممكن قياس درجة الحرارة الحالية للكون المرئي من خلال دراسة الخلفية الكونية المنتشرة المنبعثة بعد 380،000 سنة من الانفجار العظيم. تم العثور على هذه الفوتونات اليوم في تردد الميكروويف للطيف الكهرومغناطيسي. لإظهار خصائص الجسم الأسود، ترتفع درجة حرارته إلى°C 270.425 - درجة مئوية، وهو ما يتوافق بدقة شديدة مع التنبؤات التي تم إجراؤها في إطار نموذج الانفجار العظيم.

evolution taille age univers

رسم بياني يوضح حجم الكون المرئي كدالة لعمره. هناك العديد من الأحداث الهامة المشار إليها.

بالإضافة إلى ذلك، فإن تطور طاقة هذا الإشعاع وفقًا لديناميات الكون معروف. تتناسب طاقة الفوتون عكسيا مع طوله الموجي. عندما كان الكون نصف حجمه الحالي، تضاعفت طاقة الفوتونات المنبعثة بعد الانفجار العظيم. عندما كان الكون 10٪ من حجمه الحالي، تضاعفت طاقة الفوتونات في 10. وعندما كان الكون 0.092٪ من حجمه الحالي، كان أسخن 1089 مرة من اليوم، أو حوالي 2700 درجة مئوية.

rayon univers observable

بعد حوالي 13.8 مليار سنة من الانفجار العظيم، يبلغ نصف قطر الكون المرئي 46 مليار سنة ضوئية. أبعد من ذلك يكمن الكون غير المرئي وربما الأكوان المتعددة الأخرة اللامتناهية العدد.

لتقدير حجم الكون المرئي الذي يمكن ملاحظته، يجب مراعاة ثلاثة معايير: المعدل الحالي لتمدد الكون (تم الحصول عليه عن طريق قياس ثابت بلانك) درجة الحرارة الحالية للكون (تم الحصول عليها من الخلفية الكونية المنتشرة) ؛ تكوين الكون (مادة، مادة مضادة، إشعاع، نيوترينوات، مادة مظلمة، طاقة مظلمة، إلخ).

باستخدام هذه المعلومات، من الممكن تحديد تطور حجم الكون الذي يمكن ملاحظته منذ الانفجار العظيم. بالاقتران مع ملاحظات المستعرات الأعظم les supernovas والتركيبات الكبيرة les grandes structures والتذبذب الصوتي للباريونات l’oscillation acoustique des baryons، يُقدر نصف قطر الكون المرئي بـ 46.1 مليار سنة ضوئية.

الدور الأساسي للتضخم في الحجم الإجمالي للكون:

Le rôle primordial de l’inflation dans la taille totale de l’Univers

لا يمكن أن يستند وضع افتراضات حول الكون بأكمله إلا على النماذج الكونية والقوانين الفيزيائية التي نعرفها في الكون المرئي، ونفترض أن هذه القوانين تنطبق محليًا وشموليًا.

على سبيل المثال، أظهرت أحدث بعثات المراقبة أن الكون مسطح مكانيًا على مسافات كبيرة بهامش خطأ يبلغ 0.4٪ فقط. استنادًا إلى النموذج الكوني القياسي أو المعياري، من الممكن تحديد حجم محدد للكون قبل أن يظهر انحناءًا.

mesure courbure univers

تخبرنا سعة درجة حرارة البقع الساخنة والباردة عن انحناء الكون. تشير أحدث الملاحظات إلى كون مسطح بمقاييس كبيرة. الائتمان:

أظهرت مهمة التلسكوب الفضائي بلانك ومسح سلون الرقمي للسماء le Sloan Digital Sky Survey أنه إذا كان الكون منحنيًا، فإن نصف قطر انحناءه يزيد بمقدار 250 مرة عما نلاحظه. بافتراض عدم وجود شذوذ طوبولوجي، فإن هذا يؤدي إلى قطر للكون بأكمله لا يقل عن 23 تريليون سنة ضوئية، ويحتوي على مساحة أكبر بـ 15 مليون مرة من مساحة الكون المرئي.

شهد الكون فترة تضخم توقفت في النهاية في منطقتنا من الكون. ومع ذلك، تظل العديد من الأسئلة الرئيسية دون إجابة: ما هو الحجم النهائي للكون بعد التضخم؟ هل فرضية التضخم الأبدي صحيحة؟ إلى متى بالضبط يستمر التضخم؟ فقط الإجابات على هذه الأسئلة ستجعل من الممكن تحديد الحجم الكلي للكون بوضوح.

modele inflation eternelle

إذا كان نموذج التضخم الأبدي صحيحًا، فإن العديد من "فقاعات الكون" قد تكونت داخل كون كلي أكبر بما لانهاية.

من الممكن أن الكون كله، بعد التضخم، نما إلى حجم أكبر بقليل من الكون المرئي. لكن من الممكن أيضًا أن يكون حجمه أكبر بشكل غير متناسب. إذا كان نموذج التضخم الأبدي صحيحًا، فإن العديد من مناطق الكون المرئي قد تضخمت وشكلت "فقاعات الأكوان" الموجودة في الزمكان الشمولي الكلي المطلق الذي يمثل الكون ككل.

ولكن ما لم يستمر التضخم لفترة زمنية غير محدودة، أو إذا وُلد الكون نفسه كبيرًا إلى ما لا نهاية، فيجب أن يكون بحجم محدود.

تشير الملاحظات إلى أن الكون كان ذات يوم هولوغرام أي صورة ثلاثية الأبعاد:

Des observations mènent à penser que l’Univers a un jour été un hologramme

hologramme terre prometheus

يمكن أن تشكل هذه الملاحظة أول دليل على أن كوننا كان ذات يوم هولوغرام أو صورة ثلاثية الأبعاد. ظل العلماء يتصارعون مع الأسئلة التالية لعقود من الزمن: هل كان كوننا هولوغرام، أو كان عبارة عن صورة ثلاثية الأبعاد عملاقة؟ عالم تتطلب قوانين الفيزياء فيه بعدين فقط، لتكشف عن ثلاثة أبعاد.

كما يمكنك أن تتخيل، ليس من السهل إثبات هذه الفرضية، لكن علماء الفيزياء يدعون أن لديهم الآن ملاحظات قد تكون قادرة على إثبات أن الكون المبكر يتناسب تمامًا مع هذا التصور أو المنظور البصري نفسه المسمى هولوغرام. أو صورة ثلاثية الأبعاد، تمامًا كما هو الحال مع نموذج Big Bang القياسي أو العياري.

يقول عضو الفريق نيايش أفشوردي Niayesh Afshordi من جامعة واترلو في كندا: "نقترح استخدام هذا الكون الهولوغرامي Univers holographique، وهو نموذج مختلف تمامًا للانفجار العظيم والذي تم قبوله بشكل عام ويعتمد على الجاذبية والتضخم". ويضيف قائلاً: "يقدم كل نموذج من هذه النماذج تنبؤات مميزة يمكننا اختبارها أثناء قيامنا بتنقيح بياناتنا وتحسين فهمنا النظري - على مدار السنوات الخمس المقبلة".

لنكون واضحين: لا يقول الباحثون إننا نعيش حاليًا في صورة ثلاثية الأبعاد " هولوغرام". لكنهم يقترحون أنه خلال المراحل المبكرة جدًا من الكون، بعد بضع مئات الآلاف من السنين من الانفجار العظيم، تم إسقاط كل شيء في ثلاثة أبعاد إنطلاقاً من حد ثنائي الأبعاد.

في وقت مبكر من سنوات التسعينيات، نشر الفيزيائي ليونارد سسكيند Leonard Susskind فكرة أن قوانين الفيزياء كما نفهمها لا تتطلب من الناحية الفنية أو التقنية techniquement ثلاثة أبعاد. منذ ذلك الحين، تناول العديد من الباحثين مسألة الكون، والذي كان هولوغرام أي صورة ثلاثية الأبعاد.

ولكن بعد ذلك، كيف يمكن أن يبدو الكون ثلاثي الأبعاد أو يتحول إلى كون ثلاثي الأبعاد، بينما في الواقع سيكون ثنائي الأبعاد فقط؟ الفكرة الأساسية هي أن حجم الفضاء "مشفر encodé " على الحدود، أو أن يكون أفق الجاذبية أو الأفق الثقالي معتمداً على الراصد أو المراقب، مما يعني أنه مع بُعد واحد أقل (2 بدلاً من 3)، يمكن أن يظهر الفضاء كما نراه، في ثلاثة أبعاد. لذلك، مثل صورة ثلاثية الأبعاد،هولغرام، مُسقطة من شاشة ثنائية الأبعاد، تشير الفرضية إلى أن الأبعاد الثلاثة لكوننا تم إسقاطها من حدود ثنائية الأبعاد.

وتجدر الإشارة إلى أنه منذ عام 1997، تم نشر أكثر من 10000 دراسة تدعم هذه الفكرة. والآن أفاد أفشوردي وفريقه أنه بعد التحقيق في عدم انتظام الخلفية الكونية المنتشرة (الإشعاع الكهرومغناطيسي من الانفجار العظيم، وفقًا للنموذج القياسي المعياري لعلم الكونيات)، تمكنوا من العثور على أدلة قوية تدعم ذلك. شرح أو وصف هولوغرامي للكون المبكر البدائي.

"تخيل أن كل ما تراه وتشمه وتسمعه في ثلاثة أبعاد (وكذلك إدراكك للزمن) ينبع في الواقع من مجال مسطح ثنائي الأبعاد. تشبه الفكرة فكرة الصور المجسمة العادية حيث يتم ترميز الصورة ثلاثية الأبعاد في سطح ثنائي الأبعاد، مثل الصورة المجسمة على بطاقة الائتمان. يقول عضو الفريق كوستاس سكينديريس Kostas Skenderis من جامعة ساوثهامبتون Southampton بإنجلترا "هنا يكون الكون كله مشفر ici, l’univers tout entier est encodé «.

أحد الأسباب التي دفعت الفيزيائيين إلى دراسة مبدأ الهولوغرام هذا هو أن النموذج القياسي أو المعياري للانفجار العظيم، على الرغم من كونه أكثر منطقية ومقبولًا من قبل المجتمع العلمي، به العديد من العيوب الأساسية. في الواقع، وفقًا لسيناريو الانفجار العظيم، تسببت التفاعلات الكيميائية في توسع هائل أدى إلى تكوين كوننا، وتضخم هذا الأخير، منذ المراحل المبكرة، بسرعات لا يمكن تصورها.

بينما يتقبل معظم الفيزيائيين حقيقة التضخم الكوني، لم يتمكن أحد حتى الآن من فهم الآلية الدقيقة لهذا التضخم، ولا فهم الآلية التي تقف وراء حقيقة أن الكون قد نما أسرع من سرعة الضوء (في حجمه). في اللحظات الأولى)، الانتقال من الحجم دون الذري إلى حجم "كرة الجولف" على الفور تقريبًا. لا تتفق النظريات الحالية للنسبية العامة وميكانيكا الكموم عندما نحاول شرح سلوك العناصر الضخمة في الكون، حتى في ذراتها: هذه القوانين الأساسية للفيزياء لا يمكنها تفسير كيف تكشفت مكونات الكون في مثل هذه النقطة الصغيرة" الفرادة".

يوضح أفشوردي: "إنها صورة ثلاثية الأبعاد إنه هولوغرام بمعنى أن هناك وصفًا للكون يعتمد على نظام أبعاد أقل ويتوافق مع كل ما نعرفه عن الانفجار العظيم".

من أجل اختبار كيف يمكن لمبدأ الهولوغرام أن يفسر أحداث الانفجار العظيم وعواقبه، صمم الفريق نموذجًا ببعدين للفضاء وواحد للزمن في عملية محاكاة حاسوبية. عندما أدخلوا بيانات حقيقية من الكون، بما في ذلك ملاحظات الخلفية الكونية المنتشرة، وجدوا أن الاثنين متطابقان تمامًا. أعاد النموذج صياغة سلوك شرائح رقيقة من الخلفية الكونية المنتشرة بدقة، لكنه لم يكن قادرًا على محاكاة صفائح الكون التي يزيد عرضها عن 10 درجات، الأمر الذي يتطلب نموذجًا أكثر تعقيدًا.

اعترف الباحثون بأنهم ما زالوا بعيدين عن إثبات أن كوننا المبكر كان إسقاطًا مجسمًا في أي وقت، لكن حقيقة أن الملاحظات الفعلية يمكن أن تفسر بعض الأجزاء المفقودة من قوانين الفيزياء ثنائية الأبعاد، تعني أننا لا يمكن استبعاد النماذج الثلاثية الأبعاد الهولوغرامية تمامًا.

نتذكر أن النموذج ينطبق على المراحل الأولى من الكون، لذلك هذا لا يعني أننا لا نعيش في هولوغرام صورة ثلاثية الأبعاد. "أود أن أقول إنك لا تعيش في هولوغرام، صورة ثلاثية الأبعاد، ولكن كان من الممكن أن تخرج من هولغرام، صورة ثلاثية الأبعاد. [في عام 2017]، هناك بالتأكيد ثلاثة أبعاد للكون المرئي لا جدال في ذلك "، كما اختتم أفشوردي. والسؤال الآن هو: إذا تبين أن هذا الافتراض صحيح، فكيف انتقلت عناصر الكون من بعدين إلى ثلاثة أبعاد؟ 

 

يقول العلماء إن الأكوان المتعددة قد تعج بالحياة، ولكنها أيضًا تطرح إشكالية:

Selon les scientifiques, le multivers pourrait être grouillant de vie, mais également problématique

totalité univers observable

وفقًا للنظرية السائدة الحالية، إذا كانت كذلك كانت هناك أكوان أخرى، ربما لن تأوي الحياة. ولكن الآن، أظهر فريق دولي من الباحثين أن الأكوان المتعددة أكثر ملاءمة للحياة مما كنا نعتقد سابقًا. إن فرضية الأكوان المتعددة التي يكون فيها كوننا المرئي هو واحد فقط من بين عدد لانهائي من الأكوان الأخرى - هي حل مقترح لشرح على وجه الخصوص لغز ازدواجية الموجة والجسيم، تراكب الحالات الكمومية أو لغز مبدأ الإنسان الأنتروبي principe anthropique.

لا نعرف حقًا ماهية الطاقة السوداء المعتمة (أو الطاقة الداكنة أو المظلمة) l’énergie noire (ou énergie sombre: إنها، من بين أشياء أخرى، الاسم الذي يطلق على "القوة" التي تؤدي إلى توسع الكون، والتي، على عكس كل شيء آخر. التي نلاحظها، تتسارع بمرور الوقت بدلاً من التباطؤ. تشكل الطاقة السوداء أو المظلمة حوالي 70٪ من الكون، وهذه هي المشكلة. في الواقع، تتنبأ النظريات الحالية حول أصل الكون بأنه يجب أن يكون هناك طاقة سوداء أو مظلمة أكثر من ذلك بكثير.

لكن العلماء يتوقعون أيضًا أنه إذا كانت هناك طاقة سوداء أومظلمة أكثر من الكمية الصغيرة التي يمكن استنتاجها حاليًا، فإن الكون سينمو بسرعة بحيث تخفف المادة قبل أن تتمكن حتى من تشكيل النجوم أو الكواكب أو المجرات. مما يعني أننا لن نكون موجودين.

هنا يتدخل الكون المتعدد multivers: تقترح هذه النظرية أن هناك العديد من الأكوان خارج عالمنا، ولكل منها نسبة مختلفة من الطاقة المظلمة. هذا تفسير أنيق للغاية (أو حتى منظم وأنيقاً للغاية وفقًا لبعض العلماء)، ويتضمن تفكيرًا دائريًا raisonnement circulaire، دون أي دليل مبني على الملاحظة والرصد والمراقبة والمشاهدة، ومن المستحيل اختباره تقنيًا.

لكن يمكننا إجراء اختبارات على كوننا المرئي. وهذا بالضبط ما فعله الباحثون: "كان يُعتقد أن الكون المتعدد يفسر القيمة المرصودة للطاقة السوداء أوالمظلمة مثل اليانصيب - لدينا تذكرة رابحة ونعيش في الكون الذي يشكل مجرات جميلة، يقول الباحث لوك بارنز Luke Barnes من جامعة ويسترن سيدني بأستراليا ". "يظهر عملنا أن تذكرتنا تبدو محظوظة بعض الشيء، إذا جاز التعبير. هذه هي مشكلة للكون المتعدد، وما زال هناك لغز ".

بقيادة الفيزيائي جايم سالسيدو Jaime Salcido من جامعة دورهام Durham في المملكة المتحدة، ابتكر الفريق عمليات محاكاة كبيرة ومعقدة للكون عن طريق تعديل كمية الطاقة السوداء أوالمظلمة، بناءً على مشروع أيغل EAGLE (تطور وتجميع المجرات وبيئاتها)، واحدة من أكثر بيئات المحاكاة الواقعية في الكون.

وجد الباحثون أن زيادة (أو تقليل) كمية الطاقة السوداء أوالمظلمة في كوننا، حتى بضع مئات من المرات من الكمية المرصودة، سيكون لها تأثير ضئيل على تكوين النجوم والكواكب. قال سالسيدو: "بالنسبة للعديد من الفيزيائيين، فإن الكمية غير المبررة ولكن الخاصة على ما يبدو من الطاقة السوداء أوالمظلمة في كوننا هي لغز محبط للغاية". "أظهرت عمليات المحاكاة التي أجريناها أنه حتى لو كانت الطاقة السوداء أوالمظلمة موجودة بكميات أكبر بكثير في الكون المرئي، أو إذا كان هناك القليل منها، فلن يكون لها على أي حال سوى تأثير ضئيل على تشكيل النجوم والكواكب، مما يزيد من احتمالية وجود الحياة في جميع أنحاء الكون المتعدد.

يثير هذا أيضًا مشكلة أخرى: إذا لم نكن بحاجة إلى الكون المتعدد لشرح وجودنا، فهل لا تزال هذه نظرية معقولة؟ يعتقد الباحثون أن الإجابة على لغز الطاقة السوداء أوالمظلمة تكمن في شيء لم نكتشفه بعد. قال الفيزيائي ريتشارد باور Richard Bower من جامعة دورهام: "تشكل النجوم في الكون معركة بين جاذبية الثقالة وتنافر الطاقة السوداء أوالمظلمة".

"لقد اكتشفنا من خلال عمليات المحاكاة التي أجريناها أن الأكوان الأخرى التي تحتوي على طاقة سوداء أومظلمة أكثر بكثير مما يحتويه كوننا المرئي يمكن أن تشكل النجوم بشكل جيد للغاية. فلماذا هذه الكمية الضئيلة من الطاقة السوداء أوالمظلمة في كوننا؟ أعتقد أننا يجب أن نبحث عن قانون جديد للفيزياء لشرح هذه الخاصية الغريبة لكوننا المرئي، ونظرية الأكوان المتعددة لا تفعل الكثير لإنقاذ الفيزيائيين من حالة القلق وعدم الارتياح التي تسكنهم ".

السفر عبر الزمن: من الممكن تجنب المفارقات بفضل الجداول الزمنية المتوازية المتعددة

Voyage temporel : il serait possible d’éviter les paradoxes grâce à des multiples lignes temporelles parallèles

histoires paralleles

حلم قديم لكتاب الخيال العلمي داعب عقولهم، السفر عبر الزمن، رغم أنه قد يكون مغريًا، إلا أنه يواجه عقبة رئيسية: ألا وهي وجود المفارقات. على وجه الخصوص، مفارقة الجد. للوهلة الأولى، تبدو تصرفات المسافر عبر الزمن مقيدة للغاية، ناهيك عن أن الرحلة نفسها ستكون محفوفة بالمخاطر وغير عملية أو شبه مستحيلة. لكن قد تكون هناك طريقة للتغلب على هذه المفارقات: وجود قصص موازية على جداول زمنية مختلفة. هذا هو الحل النظري الذي اقترحه اثنان من علماء الفيزياء الكنديين.

تتمثل إحدى طرق تجنب مثل هذه المفارقات في فكرة الأكوان المتفرعة l’idée de ramifier les univers، حيث يكون الكون منقسمًا مع كل حالة من السفر عبر الزمن، وخلق عالمين مختلفين، مما يؤدي إلى عدد لا حصر له من الأكوان ممكنة الوجود في آن واحد. اقتراح آخر: نسخ لا نهائية من الأكوان المتوازية التي تتطور بشكل مختلف بمرور الزمن.

لكن علماء الفيزياء يفضلون تجنب اللانهاية إن أمكن. طور باراك شوشاني Barak Shoshany وجاكوب هاوزر Jacob Hauser، من معهد بيريميتر Perimeter Institute  في كندا، نموذجًا للسفر عبر الزمن يتطلب ببساطة عددًا كبيرًا جدًا، بدلاً من اللانهاية infini، من الجداول الزمنية المتوازية من أجل تجنب المفارقات.

يقترح الثنائي أنه للسفر بين هذه الجداول أو الخطوط الزمنية lignes temporelles، يمكن لأي شخص أن يمر عبر ثقب دودي طويل - بشكل أساسي، فجوة في الزمكان - بطريقة يقولون إنها ممكنة رياضياتاً.

قصص موازية وجداول زمنية متميزة: Histoires parallèles et lignes temporelles distinctes

يقول شوشاني إن إحدى طرق التفكير في الكون هي تخيل أنه عبارة عن مجموعة من النقاط في المكان والزمان، وأن الجدول الزمني أو تاريخ الأحداث سيكون دالة رياضياتة ترتب هذه النقاط. في الحلول المقترحة للأكوان المتفرعة والأكوان المتوازية، نزيد عدد النقاط في الزمكان لإنشاء مجموعات متعددة من النقاط، وبالتالي أكوان مميزة رياضياتاً. لكن شوشاني وهاوزر وضعوا نموذجًا لاحتمال ثالث، "القصص الجانبية الموازية histoires parallèles «.

modeles chronologies

ثلاثة نماذج مختلفة تسمح لك بالحصول على جداول وخطوط زمنية مختلفة.

"نهج أو مقاربة الكون الموازي الذي نقترحه يقول أن هناك أكوانًا متوازية مختلفة حيث الأشياء متشابهة تقريبًا، وكل منها يقع رياضياتاً في مجموعة متنوعة مختلفة من الزمكان. من الممكن التنقل بين هذه الأصناف في رحلة عبر الزمن، " كما يشرح شوشاني.

ثقب دودي للسفر بين جداول أو خطوط زمنية مختلفة: Un trou de ver pour voyager entre les différentes chronologies

يوجد في نفس الكون المرئي، أي مجموعة واحدة من النقاط، هناك عدة كرونولوجيات ممثلة بوظائف رياضياتة تعيد تنظيم هذه النقاط. ببساطة، وعن طريق بناء ثقب دودي والظهور، يتم تغيير الوظيفة ويأخذ الجدول أو الخط الزمني ترتيبًا مختلفًا. لنأخذ مثال أقل تجريدًا: هذا يعني أن أليس 1 (شخصية خيالية) يمكن أن تسافر من Timelineخط زمني الكرونولوجي   1 إلى الخط الزمني الكرونولوجي Timeline 2، حيث ستحاول قتل Bob 2 بتحرير تمساح.

إذا لم يقتله التمساح، يمكن أن يستمر في العيش ويكون لديه أحفاد، ويمكن أن تحاول أليس 2 قتله مرة أخرى. تنتقل بعد ذلك إلى المخطط الزمني 3 وتحاول إسقاط بيانو على بوب 3.

المفتاح هنا هو أن آليس "Alices" لديها القدرة على تغيير أفعالهم وليسوا محبوسين في خطة Alice 1 الفاشلة لمحاولة تحرير تمساح. إذا كانت ستسافر في جدول زمني واحد، فسيتعين عليها تكرار هذا الفعل لأن هذه هي الطريقة الوحيدة للحفاظ على تماسك القصة والقضاء على احتمال وجود مفارقة.

نموذج جذاب ولكنه لا ينطبق على الكون كما هو حاله الآن:

قد يبدو الأمر معقدًا بعض الشيء لتوسيع ساحة اللعب بجداول وخطوط زمنية متعددة، لكن شوشاني وهاوزر حسبا أن هذا السفر عبر الزمن الخالي من التناقضات يمكن تحقيقه بعدد محدود من القصص في الكون. تتكون أليس في النهاية من عدد محدود من الجسيمات التي يمكن أن تكون فقط في عدد محدود - لكن كبير بشكل لا يصدق - من الترتيبات.

هناك عيب واحد كبير في النموذج كما هو: إنه يعمل فقط مع بُعد واحد للفضاء، بدلاً من ثلاثة أبعاد معتادة، كما يقول جيرانت لويس Geraint Lewis من جامعة سيدني. يقول شوشاني إنه يعتزم الآن ترجمة النموذج إلى ثلاثة أبعاد، من أجل تمثيل العالم الحقيقي بشكل أفضل.

 

.............................

المصادر

1: arXiv 2: arXiv 3  : Science، arXiv

4: CERN

Sources : Physical Review Letters

5: Sources: The Monthly Notices of the Royal Astronomical Society (1 & 2) 6: :الإخطارات الشهرية للجمعية الملكية الفلكية (1 و 2).

 

 

صلاح حزامقبل ايام كنت استمع لمحاضرة مسجلة القاها أحد الشيوخ المحترمين من على أحدى قنوات التلفزيون ..

تناول الشيخ قضية الربا وما يتم تداوله حول طبيعة تحريم الربا ومفهوم الربا وبعض التأويلات التي يتداولها الناس حول المقصود ببعض الآيات القرآنية التي تحرم الربا.

قال الشيخ: ان الربا محرّم بتشريع سماوي وان من الخطأ القول ان الربا المحرّم هو ذلك الذي يؤخذ " أضعافاً مضاعفةً" فقط، وان مادون ذلك ليس محرماً.

حجة الشيخ انه لايوجد أصلاً ربا يؤخذ اضعافاً مضاعفةً وبالتالي لابد ان المقصود بعبارة: أضعافاً مضاعفةً التي وردت في القرآن الكريم، هو شيء آخر (لم يخبرنا الشيخ ماهو المقصود حقاً بتلك العبارة).

رجعتُ الى عدد من تفاسير القرآن ووجدت في تفسير الطبري، مثلاً

مايلي:

(القول في تأويل قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130)

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، لا تأكلوا الربا في إسلامكم بعد إذ هداكم له، كما كنتم تأكلونه في جاهليتكم.

* * *

وكان أكلهم ذلك في جاهليتهم: أنّ الرجل منهم كان يكون له على الرجل مال إلى أجل، فإذا حلّ الأجل طلبه من صاحبه، فيقول له الذي عليه المال: أخِّر عنى ديْنك وأزيدك على مالك. فيفعلان ذلك. فذلك هو " الربا أضعافًا مضاعفة "، فنهاهم الله عز وجل في إسلامهم عنه،. )

هذا يعني ان الشيخ المتحدث لم يكن على حق وجاء بتفسير شخصي ربما ..

كما انه اكتفى بالتشديد على التحريم دون تقديم بديل ..

الاجتهاد لمواجهة متطلبات الحياة ضروري حتى من وجهة نظر الدين نفسه، بدليل الحديث النبوي الذي يقول: من أجتهد وأصاب فله حسنتان ومن اجتهد وأخطأ فله حسنة..

هذا حديث عظيم لانه يشجع على الاجتهاد والتطور الفكري بدليل انه يمنح حسنة حتى لمن أخطأ (بفرض حسن النية لدى المجتهد).. انها مكافئة لانه جازف وتحمل مسؤولية الاجتهاد وإبداء الرأي..

التحريم جاء للربا الفاحش الذي يسبب مضاعفة الدين ويقصم ظهر الشخص المَدين ..

كذلك ينهى عن الربا الذي ينشأ عن كون طالب القرض مُعسر وفي حاجة ماسة ومستعد لدفع كل مايطلبه صاحب المال، وهذا غير موجود في حالة التعامل مع المصارف..

كشذلك فأن المصارف ليست حرة في فرض الفوائد التي تريد فرضها على القروض، حيث هناك السلطة النقدية التي تضع سقوف معينة للفوائد واحياناً تحددها بشكل قطعي..

اضافة لذلك، يسقط شرط من شروط الربا وهو ضمان استعادة رأس المال بغض النظر عن الربح والخسارة. حيث ان البنوك قد تفلس ويخسر صاحب الوديعة امواله كلياً او جزئياً.

المصارف احياناً تعجز عن استرداد القروض التي تقدمها لاسباب مختلفة مما يجعلها تشطبها في موازنتها باعتبارها ديون لايمكن استردادها..

وبذلك تكون جهة استثمارية ..

وحدثني صديق محترم يعمل محامياً في بريطانيا، ان هناك فقرة في القانون البريطاني تنص على اعتبار الودائع في البنوك غير مضمونة وممكن فقدانها .

وقال ايضاً، ان معظم الناس لايعلمون بوجود هذه الفقرة.

اتذكر اني قلت له: وماذا يحصل لو علم الناس بهذه الفقرة؟ هل سيحتفظون باموالهم في البيوت؟

لابديل عن التعامل مع البنوك في الحياة العصرية لتنظيم التعاملات الاقتصادية والمالية الضخمة.

أنا لست فقيهاً ولكني اقتصادي محترف وأدرك اهمية البنوك والعمل المصرفي باشكاله المختلفة في تنمية البلدان، لذلك ابحث عن حل منطقي لهذا التناقض بين مايُطرح كقاعدة اسلامية تحرّم التعاملات المصرفية لانها كلها ترتبط بالربا، وبين واقع حال كل الدول الاسلامية والافراد المسلمين الذين لايمكن لهم ادارة حياتهم بدون المصارف وتعاملاتها !!!

الكل يتعامل مع المصارف وهذه حقيقة !! بعض الجهات اصبحت ترفض التعامل النقدي في معاملاتها وتطلب التسديد بالبطاقات المصرفية او تحويل المبالغ عن طريق حساب الشخص الى حساب تلك الجهة..

فكيف يتصرف الناس؟؟

الناس مضطرون لذلك وقد يشعرون بالذنب كونهم يخالفون تعاليم الاسلام .

لم يقدم لنا الشيخ المحترم بديلاً عن المصارف الربوية !!

اطلعت على فتاوى تجيب على اسئلة بعض الناس المتدينين الذين يحتاجون الى قرض عقاري لتشييد منزل العائلة ولكنهم يشعرون بالذنب لان القرض يتضمن دفع فوائد للمصرف وهذا ربا !

كانت الفتوى: اذا كنت مضطراً وليس لديك بيت آخر للعائلة، فيمكن ان تأخذ القرض وتنوي عدم سداده !!!

هل هذا معقول؟ كيف ينوي عدم التسديد والمصرف سوف يستقطع الاقساط شهرياً من راتبه بواسطة المؤسسة التي يعمل فيها بموجب تعهد ملزِم؟؟

هل هي حيلة شرعية؟؟

المصرف من اعظم اختراعات البشرية، ولايضاح بعض ادواره لنفترض ان هناك ألف شخص كل منهم لديه الف دولار فائض كأدخار وهي لاتكفي لاقامة مشروع منتج.

لذلك سوف يكتنزها في بيته. لكن هؤلاء الاشخاص جميعاً اذا اودعوها في المصرف سيكون لدى المصرف مليون دولار يمكن ان يقرضها المصرف لمستثمر لاقامة مشروع يوفر وظائف ومنتجات وعوائد لاصحاب الادخارات بشكل فوائد.

عندما كانت امريكا تتوسع باتجاه الغرب الامريكي، كانت اهم شروط التطور أقامة مصرف في المدن الجديدة وربطها بسكة القطار..

الايداع في المصارف يوفر حماية للاموال من السرقة.

التجارة الدولية لايمكن ان تتم بالدفع النقدي بل يستحيل ذلك تماماً.

لنأخذ العراق كمثال، انه يصدر النفط يومياً وعلى مدار الساعة وبالتالي فان قيمة المبيعات النفطية تتدفق من قبل الزبائن الى حساب مصرفي عراقي في مصرف عالمي رصين ويجب ان يعطى رقم وتفاصيل الحساب للزبائن لغرض انجاز التحويل..

بالمقابل فأن استيرادات العراق من الخارج من مختلف دول العالم لاتتوقف على مدار الساعة لان هنالك الآلاف من صفقات الاستيراد التي تعقد يومياً.. هذه الاستيرادات تموّل عن طريق السحب من حساب العراق في مصرف او اكثر في دول العالم الكبرى.

هذه العمليات تساوي عشرات المليارات من الدولارات، السؤال هو: هل يمكن انجازها نقداً ؟

هل يمكن نقل عوائد مبيعات النفط الى العراق بالاكياس والقيام بعدّها والتأكد منها وخزنها ثم اعادة ارسال اكياس أخرى الى الخارج لتسديد قيمة الاستيرادات؟

ومن يقبل من دول العالم ان يتعامل بهذا الاسلوب البدائي ؟

العالم يتجه لالغاء العملة في التداول والاستعاضة عنها بالتبادل الالكتروني للاموال للافراد والشركات .

معظم الناس في العالم المتقدم لايحملون اموال نقدية وإنما بطاقات مصرفية ..

اضافة الى ماورد اعلاه من استحالة فنية لالغاء التعامل مع المصارف، هناك نقطة مهمة وهي ترتبط باسباب تحريم الربا الذي كان سائداً في الجاهلية، وهي ان المُقرض (صاحب المال) كان هو من يفرض شروطه على المقترض، وهي شروط تعسفية وقاسية، ولكن من يذهب لايداع امواله في المصرف (صاحب المال) لايستطيع فرض شروطه على المصرف (المقترِض)!!

البنك هو الذي يحدد الفائدة والتي تقترب من الصفر احياناً، وصاحب المال يخضع !! وبذلك سقط شرط الاستغلال والتعسف في هذه المعاملة.

لكي لانطيل الشرح، أقول: لايمكن للتشريع السماوي ان لايكون واقعياً .

التشريع غير الواقعي يجبر الناس على المخالفة وهذا أمر غير جيد ..

الشيخ موضوع نقاشنا وغيره لايريد ان يتحمل المسؤولية وتقديم حلول عملية وواقعية ..

يكتفي بالممانعة والاصرار عليها.

في حين يقول الفقيه الكبير سفيان الثوري: (وظيفة الفقه هي البحث عن المسموح لأن الممنوع مقدورٌ عليه..).

نعم يستطيع الفقيه ان يمنع كل شيء لكي يطمئن ولكن الحياة ستكون جحيماً .. ويجد الناس انفسهم في مواجهة يومية مع الدين ..

يقول الله سبحانه وتعالى: يريد الله بكم اليسر ولايريد بكم العسر..

وسوف تكون لنا عودة لمناقشة نقاط أخرى اوردها الشيخ تتعلق بسقوط النظم الاشتراكية وازمات الرأسمالية وكونها توشك على السقوط.

ان شاء الله

 

د. صلاح حزام

 

 

قصي الصافيتكاد تكون معظم البلدان المنتجة للنفط عرضة لما يسمى بالمتلازمة الهولندية، حيث إهمال القطاعات الانتاجيه في الزراعة والصناعة والخدمات والسياحة، والتركيز على انتاج النفط كمصدر رئيسي للثروة، مما يقود الى عدم استقرار الاقتصاد وتعرضه الى ازمات دورية بسبب تأرجح الاسعار العالمية للنفط، كما أن زيادة الايرادات المالية تسهم في رفع قيمة العملة المحلية وارتفاع كلفة انتاج السلع الوطنية، وبالتالي اضعاف قدرتها التنافسية في السوق مقارنة بالسلع المستوردة.

الأنظمة السياسية في ظل الاقتصاد الريعي أنظمة سلطوية، على شكل دكتاتورية فردية، أو رأسمالية قرابيه قائمة على المحسوبية، أو ديمقراطية زائفة تحتكر فيها السلطة و الدولة أحزاب فاسدة تمثل طبقة اوليغاركية نهّابة، وفي كل الحالات تنتشر ظاهرة الفساد (وإنْ بنسب مختلفة)، إذْ يجري تسابق محموم بين ذوي النفوذ والسلطة للاستحواذ غير المشروع على ثروات شعوبهم، خاصة اذا ما ترافق ذلك مع سياسة نيوليبرالية منفلتة تحت يافطة الاقتصاد الحر، حيث الصفقات المشبوهه و العمولات.

توظف النخب الحاكمة الثروة لتعزيز سلطتها و بناء اجهزتها القمعية، و توزيع الهبات لمريديها بما يضمن بقاءها على قمة السلطة، ومن نافل القول ان تلك الهبات وسياسة الاغراء والترهيب تعمل على تشوّه العلاقة بين المواطن والدولة بما يخلق معوقات جدية في عملية بناء الديمقراطية، فهي علاقة تابع و متبوع قائمة على القسر والعطايا لا على محدّدات وإلزامات عقد اجتماعي، كما ان طبيعة تلك العلاقة تسهم في تنمية الروح الانتهازية و الاتكاليه، وينتج  الاقتصاد الريعي مجتمعات استهلاكية يندر فيها الأنتاج والابتكار، وقد يؤجّج الريع النفطي صراعات عنيفة بين مكونات المجتمع على أساس قومي أو مناطقي، يستثمرها عادة الإنتهازيون من الساسة في تعبئة مناصريهم للتسلق الى مواقع النفوذ والسلطة، كأن يطالب مثلاً سكان المناطق المنتجة للنفط بحصة أكبر من الثروة، مما يثير غيض سكان المناطق غير المنتجة له، وقد يصل الامر الى تسويق مشاريع تقسيم وتفكك (مشروع اقليم البصرة ، والتوتر الدائم بين المركز و أقليم كردستان أمثله على ذلك). تفضي تلك الصراعات حتماً الى تمزق النسيج الاجتماعي وإضعاف الشعور بالمواطنة وانحسار روح التضامن بين ابناء الشعب الواحد.

في البلدان الديمقراطية ذات المؤسسات الرصينة يتم توظيف عائدات النفط لتدعيم قطاعات الانتاج وتقديمِ الخدمات ورفع مستوى الرفاهية لمواطنيها كما هو الحال في االنرويج. في ولاية ألاسكا بأميركا يتم استثمار نسبة من عائدات النفط في مجالات مختلفة ثم يتم توزيع الارباح على شكل منح مالية بالتساوي للبالغين من مواطني الولايه. وقد توصلت مجموعة من الدراسات الاقتصادية الى إن توزيع إيرادات النفط على المواطنين مباشرة بعد استقطاع بعض الضرائب منها ، ربما يسهم في تخفيف أو معالجة الاشكالات الاقتصادية والسياسية التي ذكرت سابقاً، وقد اقترحت نانسي بيردول و ارفند سبمارانيان في مجلة فورن أفيرز عام 2004 أن تحتفظ الحكومة العراقية بنصف العائدات السنوية للنفط، ثم توزع النصف الباقي بالتساوي على البالغين من المواطنين في حسابات تفتح لهم مجاناً في البنك المركزي، على أن تفرض عليها نسبة من الضرائب. وكان لهذا المقترح مؤيدون و معارضون.

 يرى المؤيدون أن  المساواة بتوزيع الثروة النفطية تعزز التماسك بين مكونات المجتمع، و تعمل على تنمية الشعور بالانتماء الى الوطن، وترفع من منسوب التعاضد الاجتماعي، كما تسهم في تخفيض نسبة الفقر والتقليل من الفوارق الطبقية، وتعيق ظهور طبقة أوليغاركية تحتكر الثروة، والسيولة النقدية لدى الناس تعمل على تحريك السوق الداخلي وتدوير رأس المال، وتمكّن البعض من انشاء مشاريع استثمارية صغيرة أو شراء الاسهم في مشاريع انتاجية أو خدمية، ومن الجدير بالذكر أن فرض الضرائب على المواطنين قد يسهم في تغيير طبيعة العلاقة بين المواطن والدولة، فمن جهة ترغم الدولة على تحمل مسؤولياتها ازاء المواطنين لانها بحاجة الى تعزيز الميزانيه من الضرائب، ومن جهة أخرى يتشكل لدى المواطن تدريجيا وعي جديد ورقابي لحكومته، ومدى استجابتها لتلبية حقوقه وما تقدمه من خدمات على اعتباره دافع ضرائب، اي ترتقي العلاقة من علاقه رعية تتوسل عطاءات الحكومة إلى علاقة مسؤوليه متبادلة و مشروطة.

 أما محاذير ومخاوف المعترضين على فكرة رفع يد الدولة عن جزء من الثروة وتوزيعها مباشرة على ابناء الشعب، فهي جديرة بالتأمل والدراسة ايضاً.

- يرى المعترضون إستحالة تخلي النخب الفاسدة عن مصدر ثرائهم ونفوذهم طوعاً. ولكن التغيير الجذري مهما كانت صيغته لن يتحقق برضا وطيب خاطر النخب الفاسدة، بل بتنظيم حركة شعبيه واسعة موحدة ومتماسكة بحيث تشكل خطراً حقيقياً على شرعية النخب الحاكمة، وفي حالة العراق يبدو لي ان تعبئة الطبقات الفقيرة والمتوسطة للمطالبة بنقل ثروتهم المنهوبة لأيديهم ممكن مع حملات توعيه مكثفة، وتمثل إنتفاضة تشرين منعطفاً تاريخياً يمكن استثماره بهذا الأتجاه.

- يحذر المعترضون بان المبالغ التي يستلمها المواطنون ستعمل على تنمية روح التكاسل والاتكاليه، فلا يعود للمواطن أي حافز للعمل. لتجنب ذلك يمكن حساب حصة الفرد بحيث تكون داعمة فقط ولا تغني عن العمل، ويمكن أن تشجع الحكومة العاملين في القطاع العام بإعفاء أو تخفيض الضريبة على حصصهم عند استثمارها بشراء اسهم في الشركات التي يعملون فيها، وبهذا يكون للعامل حافز العمل الجاد ليس من أجل أجره فقط، بل لانه يمتلك أسهماً في الشركة، و بالتالي فهو يجدّ لزيادة الارباح وتحسين الانتاج، كما ان تعزيز العاملين لرأسمال الشركة المتواصل من حصصهم النفطية على شكل أسهم إضافية، سيعمل على اتساعها وتطويرها،  ويمكن ايضاً للدولة ان تساعد مواطنيها على انشاء مشاريع استثمار يتم تمويلها من قبل العاملين فيها على شكل أسهم على شاكلة شركات موندراغون الاسبانية، التي مازالت تزدهر ولعقود مضت، ليس في نجاحاتها الاقتصادية فحسب، بل في التوزيع العادل للأرباح، والمناخ الديمقراطي في العمل واتخاذ القرارات * (إقرأ الهامش)

  من الجدير بالذكر أن المقصود هنا ليس بيع وشراء الاسهم أو المضاربات المالية على الطريقة النيوالبرالية، والتي تمثل نوعاً من سرقة فائض القيمة وتعرض الاستقرار الاقتصادي للخطر، بل المقصود إنشاء نماذج تشرك العمال في ملكيه وسائل الانتاج.

- هناك من يعبر عن قلقه من تقليص حصة الدولة من عائدات النفط، مما يعيق أداءها في تقديم الخدمات وقدرتها على تمويل مشاريع البناء. إلا ان حاجة الدولة الى تعزيز مواردها المالية سيكون حافزاً لترشيق وزيادة كفاءة أجهزتها بما يضمن تخفيض نسبة الميزانية التشغيلية، وتطوير آليات تحصيل الضرائب وأجهزه الرقابة لايقاف ماكنه النهب والفساد، و يحفّز الدولة على تنويع مواردها عبر التنسيق مع القطاع الخاص مع التركيز على القطاع الوطني، لمكننة الزراعة ودعم الصناعات الخفيفة والاستثمار في المشاريع الخدمية والعقارية والسياحة، لتحقيق الاكتفاء الذاتي وخفض نسبة البطالة والتقليل من نزيف الثروة الى الخارج وعدم الارتهان للديون الخارجية. وقد يفضي ذلك الى تغيير المعادله السياسية ايضاً، إذ تتوقف الدولة عن لعب دور المتحكم الواهب للمكرمات والعطايا لشراء الولاءات، بل سيكون الولاء مرهوناً بكفاءة برامجها ومستوى أداءها في تقديم الخدمات للمواطن.

  - يشك البعض بجدوى التوزيع المباشر للثروة لانعدام الشفافية وضعف المؤسسات، وبالتالي فان آلية التوزيع سيثخللها الكثير من الفساد والتحايل. ولكن الشفافية والمؤسسات الرصينة في كل الاحوال هما شرطان ملزمان للتطور الاقتصادي وبناء الديمقراطية، بل باحتكار الدولة للثروة النفطية بلغ الفساد والفقر في الدول المنتجه للنفط أعلى مدياته. حسب دراسات الصندوق الدولي 34 دولة نفطية لا يتجاوز فيها دخل الفرد دولاراً واحداً باليوم، بل ان نسبة الفقر في نيجريا قد تزايدت الى أكثر من الضعف بعد اكتشاف النفط فيها بدلا من أن تنخفض، أما في العراق فان المؤسسات الهشة وثقافة الفساد التي خلفتها الدكتاتورية، ثم تفتيت الدولة ومؤسساتها عام 2003  بالتزامن مع فرض النهج النيولبرالي وشرعنة المحاصصة قد جعلت من البلاد مستنقعاً آسناً للمحسوبية والفساد و العمولات والرشى.

 

قصي الصافي

.......................

* هامش:

موندراغون سابع أكبر مجموعة صناعية في أسبانيا، أسسها عام 1956 قس كاثوليكي على أساس مبدأ الشراكة، اي يملكها العاملون فيها على شكل أسهم، وتوضع برامجها الاقتصادية والقرارات الخاصة بالانتاج، وآلية توزيع الارباح وما الى ذلك بطريقة ديمقراطية عبر تداول الآراء وانتخاب اللجان والتصويت، عدد العاملين في فروعها على مستوى العالم يبلغ 84 الفا في عدد من بلدان العالم. اكتسبت كنموذج اقتصادي ناجح ومستقر سمعة جيدة، مما دعا عشرات الشركات الى نسخ تجربتها في الولايات المتحدة وبريطانيا وعدد من الدول الاوربيه.

 

قاسم حسين صالحتنويه خاص بالسيد المالكي

من واجب علماء النفس تحليل شخصيات حكّام بلدانهم، بهدف ان يكونوا على معرفة بحقيقة دوافع خافية عليهم تجبرهم قسرا على القيام بتصرفات واتخاذ قرارات لا تخدم مصالح أوطانهم وشعوبهم، وتعدّ أحد أهم أسباب فشل القائد السياسي في أن يكون رجل دولة.

ولأن جنابك الكريم لا وقت لديك لقراءة ما يكتبه الأكاديميون، ولأن حكّام العراق بعامة لا يحبون علماء النفس والأجتماع،. وافترض فيك انك ما قرأت لي مقالا ولا اقتنيت لي كتابا بالرغم من ان تسعة من الأربعين تدّرس في جامعات عراقية وعربية،. فانني كنت اول سيكولوجي عربي يحلل شخصية اوباما ويتوقع فوزه مع ان محمد حسنين هيكل الذي عاصر سبعة رؤساء اميركيين، استبعد فوزه،. وكذا كان الحال مع ترامب الذي وصفوه بالأحمق فأنني من متابعتي للغتيه اللفظية والجسدية ولشخصيته في حملته الانتخابية، توقعت له الفوز،. وحصل. وعن صدق تنبؤاتي كتب اكاديميون ومنهم الدكتور طه جزاع،. وكلها موثقة في غوغل.

ومع ان الدكتور عدنان الباججي اضاع عليّ في 2003 فرصة اللقاء بصدام حسين يوم التقيته في بيته بشارع الأميرات رئيسا لوفد رابطة اساتذة جامعة بغداد، معتذرا بحجة أنه بذمة القوات الأمريكية، وكذا فعل الدكتور أياد علاوي الذي اجابني مازحا (أنت من كل عقلك تريد تشوف صدام، هو آني ليش اكدر اشوفه)،. فان تحليلنا لشخصية صدام كان افضل من كتاب رجل المخابرات الامريكية جون نيكسون الذي التقى صدام بمعتقله في ايلول – كانون اول 2003وكتب عنه كتابا بعنوان:

)Debriefing the President: The Interrogation of Saddam Hussein(

هذا يعني ان ما سأكتبه ليس صحافة ، مع انني عملت في الصحافة والاذاعة والتلفزيون اربعة عقود، بل اجتهاد علمي من اكاديمي متخصص بعلم النفس الشخصية، وأول سيكولوجست عراقي تكرّمه مؤسسة العلوم النفسية العربية بتسمية (جائزة المفلحون في علوم وطب النفس للعام 2020 ) بأسمه ليتنافس في الحصول عليها علماء النفس العرب، وجرى لي تكريم عربي وعالمي الا في حكومات ما بعد 2003 التي في زمنها هاجر اكثر من عشرة آلاف عقل عراقي مبدع.

عذرا، ما كنت احب قطعا ان اكتب هذا التنويه بصيغة (الأنا) لولا افتراضي أن ذاكرتك ممتلئة باسماء سياسيين وعلماء دين، وأن انشغالك بتفاصيل الشأن السياسي يلهيك عن قراءة ما يكتبه المعنيون بعلم النفس والاجتماع، وأنك لا يعنيك من علماء ومثقفي بلدك سوى الأشخاص الذين يقولون لك ما تحب أن تسمعه.

اخيرا:

نصحني كثيرون ان لا انشر هذه المقالات، ما يعني ان هنالك انطباع بأن جنابك لا تتفاهم بالفكر مع من يختلف معك في الرأي، او لا تتحمل ان يوجه لك نقد. ومع ذلك فعلت،. ليس تحديا (فأنت حكومة وانا اعزل) ولكن ليقيني انك ستدرك انني اقول لك وللعراقيين،. الصدق قدر اجتهادي.

توطئة

بدءا نقول ان الفشل السياسي لا يتحمله المالكي وحده بل وشركاؤه في العملية السياسية من يوم اقامها بريمر على التثليث ( شيعة وسنّة وكرد)،. مكتشفا بعد (سنته في العراق) أن قادتهم كانوا يطالبونه بمصالح جماعاتهم لا بمصالح الوطن، وهذا ما لم تدركه القيادة الامريكية في العراق في حينه مع اننا كنّا نبهنا بريمر بعد ثلاثة اشهر من توليه ادارة الحكم في مقالة موثقة في الصحف وكتابنا المجتمع العراقي بعنوان (نصيحة الى حاكم العراق السيد بريمر)،. جاء فيها: ( ان شعورا بزهو الانتصار ما يزال يغمركم، لكننا نخشى عليكم من يوم تكون فيه حتى الناس الذين تلقوكم بالاحضان، لا يخرجونكم من احضانهم فقط، بل ان يتحولوا الى اعداء لكم،. وعداء العراقيين لا يرحم).

واللافت، ان الحياة السياسية في العراق لم تفرز بعد التغيير قائدا سياسيا بمستوى رجل دولة، مع ان جنابك كنت المسؤول الأول في الدولة العراقية لثمان سنوات!.والسبب كما يراه المحللون السياسيون ان التغيير في العراق جاء بتدخل اجنبي، ولو ان القوى السياسية العراقية كانت هي التي اطاحت بالنظام الدكتاتوري، لأفرزت قائدا سياسيا يوحّدها فتلتف حوله، لكنها كانت اشبه بفرق عسكرية متجحفلة في خنادق،. لكل خندق عنوان وقائد،. يجمعها هدف واحد هو التخلص من النظام، فيما نرى ان الحاكم في العراق لا يمكن ان يكون رجل دولة الا اذا كان ممثلا لجميع مكوناته، موحّدا لهم بالهوية الوطنية العراقية ومغلبّا لها على هويته الطائفية او القومية او الدينية.

والذي حصل في نيسان 2003 ان اميركا لم تسقط النظام فقط، بل والدولة ايضا التي مسحت هيبتها بحلّها اقوى خامس جيش في العالم (لأسباب شرق اوسطية!) ومؤسساتها الخدمية واشاعتها الفرهود الذي يستهدف سيكولوجيا قتل الشعور بالانتماء الى وطن حين يتحول افراده الى ناهبين له!

ولأن ما كان يجمع تلك الأحزاب (قوى المعارضة) ينتهي بانتهاء النظام،. فان المصالح الحزبية والطائفية والقومية تتولى اذكاء الخلاف فيما بينها على حساب المصلحة العليا الخاصة بالوطن، فضلا عن ان الأحزاب والكتل السياسية التي استلمت السلطة (سلّمت لها) كانت طاردة للمفكرين من الطراز الموسوعي الرفيع، لأنها، وحزب الدعوة برئاسة المالكي تحديدا، تحكمها ايديولوجيات وعقائد خاصة بها ، فيما العراق لا يمكن ان تستوعبه ايديولوجيا واحدة او عقيدة محددة.

والكارثة الأخلاقية أن احزاب الاسلام السياسي التي تعتمد الاسلام عقيدة ومنهجا، فاقت جرائم الفساد في زمن توليها السلطة اضعاف ما كانت عليه زمن الانظمة الدكتاتورية، واوصلت الناس الى أن يتداولوا بسخرية مرّة: كان لدينا علي بابا واحد واربعون حرامي فصاروا الآن أربعين علي بابا وألاف الحرامية، وكان لدينا طلفاح واحد فصار عندنا الآن مئات الطلافيح،. اكثرهم في حزب الدعوة الذي تولى أمينه العام السيد المالكي حكم العراق ثمان سنوات،. اوصلته، وقادة أحزاب الأسلام السياسي الأخرى الى قناعة بأنهم استعبدوا الناس روحيا، وانهم في حوارهم الداخلي يقولون لهم:تتظاهرون ضدنا، ترفوضننا، تشتموننا ، تتهموننا بأننا نتحدث بالعدل ونحكمكم بالظلم، ونتباهى بالأمانة ونمارس الخيانة،. فانكم ستبقون تنتخبوننا لأننا سادتكم وقدركم المحتوم ولا ارادة لكم حتى لو سقناكم الى جهنم، ولا تملكون من وسائل الهرب سوى انكم تغادرون حزبنا هذا الى حزبنا الآخر!.

ويحسب للسيد المالكي انه من عائلة مرموقة، أبرزهم جده محمد حسن أبوالمحاسن، الشاعر والثائر ضد الاحتلال البريطاني للعراق في عشرينيات القرن الماضي، الذي يرى كثيرون انه كان مصدر الهام له، ونفترض انه كان قد تماهى سيكولوجيا بجده في مرحلتي الطفولة والشباب لاسيما في كرهه للمحتل الاجنبي،. بريطانيا بزمن جده وامريكا بزمنه.

ويرى فيه انصاره انه سياسي محنك وجريء وشجاع،. يكفيه انه صادق على حكم اعدام صدام حسين، ورفض السماح للقوات الامريكية بالبقاء في العراق بعد عام 2011.ويحسب له ايضا انه واجه خلال مدة رئاسته الحكومة( 2006-2014 )احداث عنف طائفي هددت وحدة البلاد وتمكن من تجاوز تهديدات خطيرة كادت تؤدي الى التقسيم وأخرى كانت تستهدفه.

اما ما يحسب عليه فهو في رأي خصومه ومحللين،. كثير، أخطرها انهم يحمّلونه سقوط مدينة الموصل وفاجعة سبايكر وشيوع الفساد، والفشل السياسي الذي يعترف به السيد المالكي شخصيا ، ولكن بصيغة الـ(نحن)،. الشركاء.

في الحلقة القادمة،. المؤشرات السيكولوجية عن شخصية السيد نوري المالكي.

*

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

 

محمد كريم ابراهيملمذهب الشيوعية عديد من الأبطال، كثير من المساهمين، ومزيد من الناشطين، لكن لو سألت أي مواطن عادي أن يسمي لك شخصية شيوعية مميزة تبرز من كل هؤلاء، لأجابك بكارل ماركس، العالِم الذي حاك الشيوعية وشكلها وزينها وعمل قاعدة سياسية واقتصادية لها.

ماركس أصبح مرادفاً لكلمة الشيوعية، لا يمكنك فصله من المذهب، كما لا يمكن فصل المذهب منه، جزءان يكملان بعضهما البعض عند نظر الناس. بل يعتقد معظمهم إن كارل ماركس هو المؤسس الأول لمذهب الشيوعية ومخترعها، حيث لا يوجد أي إنسان قبله دافع عن هذا المذهب و‌‌‌أضاف إليه ليشترك معه في براءة الأختراع.

ينذهل الناس عندما أقول لهم إن فكرة الشيوعية كتبت لأول مرة جنباً إلى جنب مع فكرة ملكية الخاصة. انتبه، ليس مع ملكية الخاصة نفسها، بل مع فكرة ملكية الخاصة. ملكية الأشياء والمطالبة بالأراضي تواجدت لآلاف السنين ولربما منذ نشوء الإنسان.

نعم، فكرة الشيوعية والملكية الخاصة لم تأتيا إلى عقل ماركس من الفراغ، بل كانتا موجودتان في زمن أختلف تماماً عن عصر الذي كان يعيش فيه، في مجتمع ومكان مختلفان جداً، في دولة عريقة وعظيمة، دولة ذات سياسة ديموقراطية شبه حرة، وجاءت الفكرة من فيلسوف لا يزال أسمه يحمل ثقلاً في مسامعنا اليوم.

إنها أثينا، الأغريق القديمة، في عام 375 قبل الميلاد، قبل أكثر من 2100 سنة من ولادة كارل ماركس، والفيلسوف الذي ذكر الشيوعية وجادل من أجله هو أفلاطون في كتابه الجمهورية.

كان أفلاطون رجل علم لا يحب الإدعاءات التي لا تدعمها أدلة أو التي لا معنى لها ولا فائدة، كان يحب علم الرياضيات كثيراً لدرجة أنه كان مكتوباً فوق باب مدرسته (لا يدخل هنا من يجهل علم الهندسة), فقد وجد في الرياضيات الوحدة والأستمرارية؛ حيث لا يتغير أساس تكوينها من إنسان إلى آخر، وتبقى شكلها ثابتاً مع مرور الزمن. تماماً مثلما أراد كارل ماركس بدوره وضع نظرية علمية للشيوعية ليفسر تغيرات التاريخ ومسارها في المستقبل، وليضع حداً نهائياً لسياسة الظلم والأستبداد.

مشكلة الظلم والأستبداد في السياسة كانت قائمة ربما من زمن نشأة السياسة. كانت مدينة أفلاطون (أثينا) مليئة بسياسيين الفاسديين، وبأشخاص محتالين لا يطمحون سوى بكسب المال لإشباع رغباتهم الأنانية، والمدينة نفسها كانت منقسمة إلى قسمين: جانب الفقراء وجانب الأثرياء، لا يتخالطان سوى ندرةً.

سقراط، معلم أفلاطون، وواحد من أكبر المفكرين في وقته، تحدث في كتاب أفلاطون (الجمهورية) عن بناء مدينة افتراضية، فاضلة ومثالية، لا تملك فيها الطبقة الحاكمة – المكونة من كافة السياسيين، ومشرعي ومنفذي القانون –  ممتلكات خاصة، من الأراضي والأموال وحتى العوائل. الغرض من إلغاء ملكية الخاصة لهذه طبقة هو لمنع أصحاب السلطة والنفوذ من سرقة أموال الشعب أو أخذ الرشوة من الأغنياء.

لقد سئم وتعب سقراط من الملوك والرؤساء الفاسدين الذين يظلمون شعبهم من أجل جمع ممتلكات لأنفسهم وأزواجهم وأبناءهم. أثينا عاشت حياة بئيسة ولسنوات طويلة تحت وزن فساد السياسيين والبرلمانيين ورجال الأعمال، حان الوقت لتغييرها للأبد، ويأتي هذا التغيير فقط عندما يتغير عقل الحاكم ورغباته. يجب أن يعيش هؤلاء الحكام في حالة من اشباع الحاجات وليس اشباع الرغبات.

نلاحظ في مدينة أفلاطون الفاضلة إن فكرة إلغاء الملكية الخاصة تنطبق فقط على الطبقة الحاكمة وليس جميع الطبقات. وهذا هو واحد من الفروقات بين شيوعية أفلاطون وشيوعية ماركس. لكن بالرغم من ذلك، فهي لا تزال فكرة شيوعية تضعُ كاتبها (أفلاطون) في مرتبة المكتشف الأول للشيوعية.

هل نجح سقراط وتلميذه أفلاطون في إقناع أهالي مدينة أثينا الأغريقية بأفكارهم المثالية؟ للأسف لم يقدروا عليه، فقد نال السياسيون الفاسدون من سقراط في الأخير، وأتهموه بإفساد عقول شباب المدينة، وحكموا عليه بالإعدام، فمات متجرعاً سم الشوكران. لكن عاشت فكرته بفضل أفلاطون، ونجت حتى هذا اليوم لتنقل لنا أول وميض للشيوعية في تاريخ البشرية.

 

محمد كريم إبراهيم – محلل وكاتب عراقي

 

 

قاسم حسين صالحتوطئة: في متابعتي للمقابلة التي اجرتها معه فضائية الشرقية مساء (18/8 /20) تحدث السيد نوري المالكي عن هيبة الدولة، واصفا اياها بأنها ضائعة ومستشهدا بوجود مدن شبه ساقطة كالناصرية.. ومن استطراده في التفاصيل استنتجت أن هيبة الدولة عند السيد المالكي تعني (طاعته!)، ومن يخالفها فهو فوضوي ومخرّب.. وسيكولوجيا، يعني هذا القول من رجل حكم العراق ثمان سنوات أن في داخله شخصية مستبد، لأن هذه الصفة هي القاسم المشترك عند كل الحكّام الطغاة.. قديما وحديثا.

 في هذه الحلقة نركز على مفاهيم نظرية يبدو لي انها غائبة عن فهم السيد المالكي او يتجنب الأشارة لها، فيما توجه الثانية تساؤلات واتهامات وتقديم مؤشرات سيكولوجة لشخصية المسؤول الأول الذي اضاع هيبة الدولة العراقية.. وللسيد المالكي الردّ هنا او في مناظرة تلفزيونية في الشرقية او بفضائية عربية محايدة.

 هيبة الدولة

 لأن مفهوم هيبة الدولة (حمّال اوجه) فان الأمر يتطلب الوصول الى فهم مشترك نبدأه بفك الخلط بين الدولة والحكومة.. فلدولة كيان يقوم على ثلاثة مكونات:الشعب والأرض والحكومة، ما يعني انه لا يصح ان نساوي بين الدولة والحكومة التي تتحدد أهم مسؤوليتين لها في :تحقيق العدالة الأجتماعية وتطبيق القانون.

 وما يتصف به كل الحكّام المستبدين (والمستبد لا يعني فقط الحاكم الطاغية او الدكتاتور، بل يشمل ايضا كل حاكم يستفرد بالسلطة او بالثروة أو بالقرار السياسي) انهم يساوون بين الحكومة والدولة، فيما يذهب الحكام الطغاة لأبعد من ذلك فيساوون بين انفسهم والوطن (صدام هو العراق مثالا).. ويصدرون القوانين التي تخدم بقاءهم في السلطة ويسوقونها للشعب بأنها الضرورات التي تحفظ هيبة الدولة .

وهيبة الدولة لا تتحقق الا بشروط نوجزها بالآتي:

تطبيق حكم القانون

 ما يشترك به الحكّام المستبدون والدوغماتيون انهم يفهمون تطبيق القانون في حدود سيادة الأمن المجتمعي وعدم حدوث ما يهدد وجود الحكومة في السلطة، فيما يعني في جوهره ان الدولة يجب ان تكون دولة مؤسسات مدنية يطبق فيها القانون على الحاكم والمحكوم ولا يستثني احدا بمن فيهم رئيس الحكومة.. وبهذ الشرط يشعر المواطن ليس فقط بالخوف من تجاوز القانون بل.. والرهبة التي بها تتحقق هيبة الدولة.

الهوية الوطنية

حين يوحد جميع افراد الشعب مبدأ المواطنة، وحين تعلو الهوية الوطنية على الهويات الفرعية (قومية، طائفة، دين، مذهب، عشيرة..) عندها يشعر الجميع بأنهم ينتمون الى وطن واحد، وبه تتحقق هيبة الدولة.

العدالة الأجتماعية

 تعني العدالة الاجتماعية في النظام الديمقراطي ان تكون ثروة الوطن ملكا لجميع افراده توزع بطريقة يأخذ فيها المواطن استحقاقه منها ولا يشعر بالحيف.. وبهذا الشرط يحترم المواطن الدولة ويهابها

صحيح ان الهيبة تثير مشاعر الخوف الذي يكون زمنه محدودا، والرهبة التي يكون زمنها طويلا، ولكنها سيكولجيا تثير مشاعر التقدير والاجلال والحب.. ولهذا يوصف الحاكم العادل بأنه مهاب الجانب.وبهذا المعنى توجد لدينا نوعان من هيبة الدولة:الدكتاتورية القائمة على الخوف ، والديمقراطية القائمة على التقدير والمحبة

الكفاءة والخبرة والنزاهة

 حين يتم انتقاء الخط الأول للقيادات الأدارية في المؤسسات الرسمية من اصحاب الكفاءة والخبرة والنزاهة الذين يحملون هموم الناس ويعملون على تغيير واصلاح اوضاعهم الحياتية.. عندها يتحقق شرط خفي هو قيام الموظف العام بفرض هيبة الدولة.

فهم الحاكم للسلطة

الدولة التي يؤمن فيها الحاكم بأنه سيكون غدا محكوما تكون مهابة، والدولة التي يعمل فيها الحاكم بطريقة مشروعه او غير مشروعة على البقاء في الحكم ويعتبر نفسه انه الأفضل في البقاء على كرسي الحكم تضعف فيها هيبة الدولة

والحاكم الذي يتعامل بشفافية، ولا تتطابق افعاله مع اقواله، ولا يفي بوعود يتعهد بتنفيذها لما يخدم شعبه والوطن.. لا تكون فيه الدولة مهابة.

الفساد

 حين يشيع الفساد (السياسي والمالي والأداري) في مؤسسات الدولة ويقف الحاكم عاجزا عن الحد منه، او يعترف بأنه غير قادر على مواجهته.. عندها لا تبقى اية هيبة للدولة في نظر شعبها والعالم.

 تلك ستة معايير اساسية لهيبة الدولة.. فمن الذي اضاعها في العراق؟

 نتفق على ان الاحتلال الامريكي كان قد اسقط دولة وليس نظاما فقط كما اعلن، وبه اطاح بهيبة الدولة العراقية.. وكان على النظام الديمقراطي في تشكيله لأول حكومة ان يستعيد هيبة الدولة.. فما الذي حصل؟

كان السيد نوري المالكي قد كلفه رئيس الجمهورية الراحل جلال الطالباني في نيسان 2006 لرئاسة حكومة تنهي حالة جمود سياسي استمر شهورا بعد حكومة اياد علاوي المؤقته(2004-2005) وحكومة ابراهيم الجعفري(2005-2006)اللتين لا يمكن تحميلهما مهمة استعادة هيبة الدولة لقصر المدتين ولهشاشة الوضع السياسي.

وعليه ، يكون السيد نوري المالكي هو المسؤول الأول عن استعادة هيبة الدولة لأنه تولى رئاسة الوزراء ثمان سنوات (2006- 2014).صحيح انه واجه احترابا طائفيا وحربا داعشية شرسة.. لكن هذا لا يعفيه من امكانية استعادة هيبة الدولة.. فلنبدأ بمساءلته عن اخطر معيار انهى هيبة الدولة في زمنه.. الفساد.. وله في العراق حكاية.

ما حصل عندنا زمن الاحتلال الأمريكي يشبه ما حصل زمن الاحتلالين العثماني والبريطاني في النصف الأول من القرن الماضي. اذ يذكر معروف الرصافي في كتابه "الرسالة العراقية " ، وهو رجل موثوق وعضو مجلس نواب، ما نصه بخصوص الفساد المالي والاداري:

" وكانت الرشوة فاشية ، فكان الصعلوك اذا تسنم منصبا فلا تمر عليه أيام الا وقد أصبح من أهل الثراء.وكانت الأمور لا توسّد الى أهلها، فلا الكفاية ولا المقدرة ولا الاستقامة ولا الصدق والأمانة .. انما توسّد بأحد عوامل ثلاثة " المنسوبية " و" المحسوبية " و"الرشوة " (ص 55).

 غير أن واقعه في عهد المالكي كان أسوأ وأقبح وأوقح، يثبته أكثر من شاهد موثوق، نسوق ما ذكرته صحيفة واشنطن بوست بعددها الصادر في ( 23-9-08)بأن (13)مليار دولار من أموال الاعمار في العراق أهدرت أو نهبت عبر مشاريع وهمية وعناصر فاسدة في الحكومة العراقية، فيما نسبت الاذاعة البريطانية (بي بي سي في 28-9-08)الى لجنة تخصصية في حكومة المالكي وجود ثلاثة آلاف حالة فساد مالي موثقة بأدلة قاطعة.وانتقل العراق في زمنه من المرتبه 137 عالميا والاسوأ في الفساد بين الدول العربية الى المرتبة 160 ليحتل المركز الثالث عالميا والاول عربيا وفقا لتقرير المؤشر العالمي للفساد.وشهادة من السفير الامريكي لورانس بنديكت منسق مكافحة الفساد بالسفارة الامريكية في بغداد يحذر فيها بانه اذا لم تتم السيطرة على الفساد فانه يهدد استقرار العراق.وباعترافه في كلمته امام مجلس محافظة بغداد في( 20-9- 2008) قال المالكي بالنص " كثيرا من المسؤولين قد أثروا كثيرا"، مع انه هو رئيس الوزراء المسؤول عن هؤلاء المسؤولين!.

 والأخطر من هذا الذي يفترض ان يعرضه لمساءلة قانونية هو اعترافه علنا بقوله:(لديّ ملفات فساد لو كشفتها لانقلب عاليها سافلها).. لأنها تعد خيانة ذمة.. ولا تفسير لها سوى ان بين الفاسدين الكبار من هم اعضاء في حزبه الحاكم، فخشي الخصوم ليعتمد واياهم مقولة (تسكت عني اسكت عنك).

 وشيوع الفساد لم يسقط فقط هيبة الدولة بل اسقط قيما اخلاقية ودينية اوجزها المتظاهرون بأهزوجتهم (باسم الدين باكونه الحراميه، نواب الشعب كلهم حرامية) وتحول الفساد في زمنه من فعل كان يعد خزيا الى شطارة، واسقط المعايير الخمسة الأخرى لهيبة الدولة.. فالقانون انتهك بوجود فصائل مسلحة تتحدى الحكومة، والعشائر استخدمت السلاح متحدية القوانين التي سنتها الدولة، وتم سرقة الدولة والاستحواذ على ممتلكاتها وعقاراتها.والدولة صارت محاصصات وليست دولة مؤسسات.ولم يعمل بمبدأ الكفاءة والخبرة والنزاهة، لا في الخط الأداري الأول للدولة ولا حتى في الملحقيات الثقافية في السفارات.وفي زمنه صارت بغداد العاصمة الأسوأ في العالم، وتحول شارع الرشيد الى طريق قذر تجوب فيه (الستوات)، رغم ان سعر برميل النفط في زمنه زاد على 140 دولارا.وظلت الهويات الفرعية(طائفة، عشيرة.. ) شغالة حتى في التعيينات.. ولم تتطابق افعاله مع اقواله.. فهو يصرح مؤكدا انه مع التظاهرات السلمية ويجب تحقيق مطالبهم المشروعة، ويتجاهل ان التظاهرات بدأت في شباط 2011 ايام كان هو المسؤول الأول.. وما استجاب، بل صعد قيادي من حزبه الحاكم على سطح البناية المطلّة على ساحة التحرير ليعطي اوامره باطلاق الرصاص على متظاهرين سلميين مطالبين بحقوق مشروعة!

نتوقف هنا لنكمل الحلقة الثانية في تحليل سيكولوجي لشخصية السيد نوري المالكي.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

مادونا عسكرترى من هو الأكثر تواضعاً؟ أهو ذاك الّذي يعرف حجمه من هذا الكون ويحدّد مكانته منه، أم ذلك المنغمس في وهم التّواضع الدّال ضمناً على الخنوع والضّعف، أم ذلك المتبسّم بهدوء مفرط كدلالة على تواضعه وهو يضمر عن وعيٍ أو عن غير وعي، عن محبّة  كاملة أو مشروطة، تعالياً يرجعه إلى كونه مخلوقاً متميّزاً.

إذا كان التّواضع هو عدم التّكبّر والتّعالي فالتّعريف ينقصه ولوج العمق الحقيقيّ لمصطلح التّواضع. ففي الظّاهر يمكن لأيّ إنسان من خلال سلوكه الظّاهريّ أن يظهر تواضعاً بشكل أو بآخر. بيد أنّ التّواضع لا يكون سلوكاً بالمعنى الصّحيح إلّا بقدر ما يكون إدراكاً عقليّاً واعياً وليس تطبيقاً لوصيّة ما أو شريعة ما. بمعنى آخر، إنّ التّواضع نتيجة لإدراك عقليّ واعٍ بالامتداد الإنسانيّ عبر التّاريخ وبالمكانة الحقيقيّة في هذا الكون الشّاسع اللّامحدود. فيكون تعريف  التّواضع الصّحيح هو التطلّع على مستوى النّظر إلى كلّ مكوّنات هذا الكون. فالتّواضع مرتبط بكلّ ذرّة وكلّ خليّة من الكون بكلّ ما يحتويه من كواكب ومجرّات وشموس وكائنات حيّة وجماد. إنّها مسألة النّظر بخشوع وعظمة في آن لهذا الكون الفسيح  وإلى "النّقطة الزّرقاء الباهتة" حيث نسكن كما يقول العالم الأمريكيّ كارل ساغان. فإذا نظر إلينا أحدهم من خارج هذا الكوكب قد يرانا كحشرات صغيرة أو قد لا يرانا. ففي هذا الكون الرّحيب المترامي لسنا بذات القدر من الأهميّة الّتي نعتدّ بها، ولسنا أرقى المخلوقات كما نوهم أنفسنا.

غالباً ما يفهم الإنسان التّواضع على أنّه نكران الذّات وتحقيرها أو أنّ موضوعه مساعدة الآخر أو التّغاضي عن الإنجازات الّتي يحقّقها الإنسان. بيد أنّ موضوع التّواضع أعمق وأسمى من ذلك بكثير. فالتّواضع ينتج عن عقل تسامى وارتقى سلّم العلم واكتشف العالم من حوله بعلوّه وعمقه. وبقدر ما يكون العقل واعياً وملمّاً بالعلم وأدلّته على نشأة الكون وخاصّة الإنسان، وبقدر ما تبيّنه له الحجج المنطقيّة العلميّة أنّه ليس الأرقى بين الخلوقات يتواضع الإنسان تلقائيّاً، لأنّه سيدرك أنّه لا شيء. ومعنى اللاشيء لا ينتقص من قيمة الإنسان المعرفيّة والفكريّة ولا من قدرته على المحبّة والعطف والاهتمام، وإنّما معنى اللّاشيء يظهر للإنسان حجمه الحقيقيّ فيتواضع. وغالباً ما يفهم التّواضع على أنّه غضّ النّظر عن الإساءة أو الأذيّة فيدخل في التباس مع التّسامح، هذا المفهوم الملتبس كذلك، إلّا أنّه إذا أتى فعل التّواضع كفعل تجاهل للأذيّة فهو فعل يسهم في تعزيز الشّر وانتهاك حقوق الإنسان والكرامة الإنسانيّة. وإذا اقتصر على مساعدة الفقراء وحسب، أي دون السّعي إلى نقلهم من وضع إلى آخر من خلال العمل فهو يساهم في تعزيز الطّبقيّة في المجتمع. وإذا اقتصر التّواضع على السّلوك غير المتعالي  خاصّة بين أفراد الجماعة الواحدة سواء أكانت دينيّة أم غير دينيّة، فهو تواضع منغلق بل مزيّف؛ لأنّه يتّجه باتّجاه واحد ولا يشمل كلّ الاتّجاهات الكونيّة.

المتواضع الحقيقيّ هو ذاك الّذي يعتمد عقله مبدأ البحث والتّساؤل، مبدأ الكيف لا مبدأ اللّماذا. فمبدأ الكيف بحث عقليّ علميّ متواصل وإدراك واعٍ وحرّ لأهمّيّة العقل في البحث في الأسباب والنّتائج. وبقدر ما يمتلك الإنسان عقلاً حرّاً وشجاعاً في التّفكير آخذاً بعين الاعتبار حقّه في التّمرّد على كلّ تقليد متوارث والشّكّ في كلّ شيء حتّى تنكشف له الحقائق، بذات القدر يتواضع. فالفكر الحرّ غير ملزم بأيّ فكر يجبره على الاقتناع بعيداً عن التّحليل والشّكّ. كما أنّه غير ملزم بأيّ رأي أو شرح أو تفسير أو إملاءات تشكّل وعيه، وغالباً ما تغرز فيه بذور التّعالي.

مجرّد أن يعتبر الإنسان أنّه سيّد الكون، أو محوره، أو الأرقى بين المخلوقات فهو بعيد جدّاً عن التّواضع؛ لأنّه لا يتطلّع إلى هذا الكون على مستوى نظره. وبالتّالي سيظهر له فعل التّواضع كتنازل عن مستوى معيّن ليعبّر عن تواضعه. إذا فهمنا بشكل جيّد أنّ التّواضع نتيجة لعقل تمرّس على البحث وترتيب الأفكار وإدراك الحجم الحقيقيّ للإنسان نفهم أنّه ليس موهبة خاصّة ممنوحة للإنسان، وإنّما هو فعل عقل حرّ ونظيف ومتسامٍ ومترفّع عن الإعلاء الوهمي للذّات.

وبقدر ما يتواضع الإنسان ويعرف حجمه يقبل الموت كنهاية وكفعل حرّيّة كاملة. لعلّه بذلك يدرك تماماً أنّ الذّاكرة الكونيّة ستحتضنه بقدر تواضعه العقليّ المحقّق لتواضعه القلبيّ. إنّ هذا الوهم، أنّنا الأفضل، تواجهه بقوّة نهاية حتميّة، تمحو كلّ شيء في لحظة ولا يبقى منّا إلّا فكر متواضع ترك أثراً في هذا الكون.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

شيرين علوشنعم نحن أسرى بالكامل، لقد تخلينا عن وقتنا وأفكارنا وحاضرنا ومستقبلنا، وجلسنا بكامل إرادتنا عبيداً لتكنوجيا "العولمة".

العولمة .. يا له من اصطلاح مريب، غير أن منبع الريبة والشك في وجود هذا الاصطلاح في حياتنا اليومية، غير محدد على وجه الدقة، لأن لهذا الاصطلاح وجهان: وجه إلى الخير، ووجه يحيط نفسه بدائرة من الشر.

يتأسس التلاقي بين وجهي الخير والشر في اصطلاح العولمة من الاستخدام المفرط للكلمات والعبارات الخالية من الهدف، فنحن نرثُ عباراتنا وكلماتنا المتناقلة جيلاً عن جيل، وندأب على استعمالها بالطريقة عينها، من دون صرف بعض الجهد في تحديد هوية الكلمات؛ منشئها ومغزاها، فنحن حين نردد: (العالم أصبح قريةً صغيرة)، يرتجع صداها من زوايا أفكارنا: (التكنولوجيا)، نعم إنها التكنولوجيا، تلك الفكرة اللعينة التي حررت العوالم من خصوصيتها، ودفعت بها إلى التلاقي في مجسّم صغير يدعى كمبيوتر، موصولٍ إلى شبكةٍ عالمية تدعى الانترنت، بهذه الطريقة يصبح الكل مباحاً أمام الكل، وتتنحى الفرادة والتميز في كل شعبٍ أو أمة لصالح الكثرة العبثية، هذا جانب شرير من الحضور التكنولوجي في العالم.

جانب آخر للخير قدمته تلك التكنولوجيا الملعونة؛ إذ ما بين رسائل الحمام الزاجل أو ورق البردي وبين الإيميل فرق عملاق، يقرّ هذا الفرق أن التكنولوجيا حدثٌ جيدٌ للغاية.

الخيرة في التكنولوجيا أنها اختصرت المسافات، ووفرت الوقت والجهد، وأصبحنا نلتقي وجهاً لوجهٍ مع أحبتنا في أي زمانٍ ومكان، لم نعد في حاجةٍ إلى السفر جواً آلاف الأميال كي نحظى برؤية وجه ذوينا في المقلب الآخر للأرض، هذا مفيدٌ للغاية، أن تطوى المسافات بنقرٍ على  زر الاتصال.

أين الريبة إذاً! قد يبدو التقديم السابق للعولمة على أنها أمرٌ مفيدٌ، بصرف النظر عن تبعاتها الشعورية التي نشعر بها نحن العرب، بوصفنا متلقين لا فاعلين مؤثرين، نحن نتلقى ناتج التقدم في البلدان الأخرى، ونحاول حشره في زقاق أيامنا، وقولبته معنا، كي يتمكن من البقاء، نحن أخذنا من الحضارات مخلفاتها المرذولة، وقيّدنا أنفسنا إليها، ورحنا نشتمها في الوقت عينه لأنها استولت على وقتنا الذي كان يجب أن نصرفه فيما يفيد!

بدلاً من أن نبدأ من حيث الآخرون، ونحاول تطوير مفرزات التقدم لصالح حياتنا الرتيبة، نأخذ تلك المفرزات، نحللها بعيني الدهشة والضآلة، ومن ثم، نبقى زمناً مصلوبي الفكر، نحاول تعداد المسافة التي تفصلنا عن التطور، لذلك، ومن أجل رغبتنا الزهيدة في مواكبة التطور، نقرّ أن تلك التطبيقات التي أنتجها البحث التكنولوجي المتقدم، قد سهّلت علينا مشوار الانخراط في الركب العالمي، وأصبحنا في تلك القرية العالمية، جيراناً مع صناع التطور ورواده!

لكن، وبما أننا استخدمنا التطبيقات الذكية، للبقاء على مقربة من صُناع الأفكار العظيمة، لماذا لا نمدّ لأنفسنا يد العون، أو يد الفهم والتحليل في الحد الأدنى، ونأخذ الأفكار التي قادت إلى تلك الصناعة المزدهرة، ونحاول تطويرها، أو تأسيس أفكارٍ أخرى صالحةٍ لمستقبلٍ آخر لا نسكنه نحن، إنما سيذهب إليه أبناؤنا بخطىً سريعة!

الجواب كامنٌ في بينة العقل العربي؛ فالعقل العربي يستند إلى الغيبيات، التي هي؛ في اعتقاده، قادرةٌ على صناعة الخوارق، ذلك أن للخوارق وجوداً غير أرضي، لذلك، ماذا إن كانت هذه الصناعة التكنولوجية فعلاً خارقاً! لا يمكن للبشر، العربي منه، أن يقوم بمثله، وعليه، فإن علينا الانتظار بكامل الثقة حتى تأتي غيبيات أخرى تكون أكثر قدرة من سابقتها، وتقدم لنا التطور اللاحق، ونحن سنستقبله بكل رحابة صدرٍ، وحتى يحين الموعد ذاك، سنبقى موثوقي البصر نحو شاشاتنا الصغيرة، نلعب ألعاب الانترنت، ونمرر بصرنا بين الفينة والأخرى على مواقع التواصل الاجتماعي، نلتقط ما يجري حول العالم بنظرة سريعة، ونلتقط السيلفي ذات الابتسامة المجانية، ننشرها على تلك المواقع، ونسعد بالجهود المبذولة في سبيل كتابة بعضٍ من الكلمات المزيفة، ونردّ عليها بالزيف عينه، من ثمّ نطفئ الأنوار، ونخلد إلى النوم ونحن نشتم الوقت، الذي لم يُدوبِل نفسه كي ننجز أعمالنا المتراكمة، ونردد مقولةً لا نعرف قائلها: (عمرٌ واحدٌ لا يكفي)، وبالكيفية عينها، فإن أربعاً وعشرين ساعة لا تقدّم حلّاً وقتياً لغبائنا!

لم تعد التبعية منذ زمن بعيدٍ مقتصرة على تأمين الاحتياجات الأساسية من طعام وشراب، لقد استهلكت نفسها تلك التبعية، أصبحنا اليوم في تبعية أشدّ فتكاً وخطراً، تبعية تساوي تماماً معنى الأسر، ونحن في هذه العولمة مجرّد مشاهدين، أرقامٌ فقط، أرقام تحدد عدد المشاهدات لحدثٍ موثقٍ الكترونياً، ويبدو أننا لن نقوم من غفلتنا قريباً.

 

شيرين علوش - سوريا

كاتبة ومترجمة

 

 

صالح الفهديسبحان الذي شقَّ الصخرةَ الصمَّاءَ في الجبلِ الصَّلدِ فأخرجَ نبتةً من أحشائها..! سبحانَ الذي أحالَ القلوبَ القاسيةِ، الحاقدةِ إلى هيِّنةٍ ليِّنةٍ، وبدَّلَ القناعات من التحقير إلى التقدير..! دارت هذه المشاعر في نفسي وأنا أطالعُ بضعُ حلقاتٍ من البرنامج الجميل "بالقرآن اهتديت" للشيخ فهد الكندري، حيث يذهبُ العقل بعيداً في رؤيته للشخصيات التي شكَّل اعتناقها الدين الاسلامي نقطة تحوُّلٍ في حياتها.. ذهبَ بعيداً للأفواهِ التي تقذفُ اللعنات على أعداءِ الدِّين، بدلَ أن ترجو من الله الهدايات لهم، وكأنهم لم يقرأؤا سيرة نبيهم عليه أفضل الصلاة والسلام وموقف أهلِ الطائفِ معه، ودعواته التي أثمرت فيهم تحوُّلاً إلى الإسلام حتى أصبحوا من الدعاةِ التقاةِ لدينه.. ذهبَ العقلُ بعيداً إلى كلِّ من ينصِّبُ نفسه متحدِّثاً باسم المسلمين وهو يدعو بشتى أنواعِ الدعاءِ على أولئك الضَّالين الحاقدين، ولا يدعو لهم بالهداية، فما كانت ضلالتهم إلاَّ لأنهم نشأوا في بيئاتٍ لها معتقداتٍ وقناعاتٍ، وليس لأن الحقَّ قد عُرضَ عليهم بجمالِ مضامينه، وحلاوةِ طعمه، فأدبروا عنه، واحتقروه، ورأوه دين التخلُّفِ والرجعية..!

ولنتمعن في أرنود فان دورن وهو سياسي هولندي شارك في إشهار فيلم "فتنة" المسيء لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وقد كان عضواً في حزب الحرية الحاقدِ على الإسلام.. تحوَّلَ هذا الرجل من كارهٍ للإسلام إلى محبٍّ له، ومن عدوٍّ يحاربه، إلى مؤيِّد يذودُ عنه..! فأينَ ذلك ممن قذفهُ باللعنات ودعى عليه؟! واللهِ إن في ذلكَ آيةً للمسلمين في الحالَين، يقول الحقُّ سبحانه وتعالى:"إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (القصص/56)، وتلك هي نصيحةُ الله لنبيه، أن عليك القيام بالدعوةِ وحسب إذ لله أمرُه وحكمته في البشر:"وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ۗ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ (الأنعام/107)، تقودُ هذا الرجل قدماهُ إلى المسجدِ ليستطلعَ هذا الدِّين الذي لقِّنَ وعيه، وضُلِّلَ إدراكهُ بأنه دينٌ متخلِّفٌ لقومٍ رجعيون، وقد كان يُريدُ أن يتصيَّدَ ما يتوافق مع ذلك الزعم لكن أُسقطَ في يده، إذ أنَّه وبعد أن قرأ القرآنَ متدبِّراً آياته في أربعِ سنواتٍ يُعلنُ إسلامه دون تأثيرٍ من أحدٍ عدا نفسه التي طلبت الهداية فهداها الله.

يتحوَّلُ هذا الرجل السياسي الحاقد على الدين من موقفهِ المناويء للإسلام في حزب الحرية، ليؤسس حزب الأمَّة الإسلامي موظفاً قدراته السياسية للدفاع عن حقوق المسلمين في هولندا.. ذكَّرني هذا بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم "اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين"  ويقصد عمر بن الخطاب، وعمرو بن هشام ( أبو جهل )، فاستجاب الله دعوته وأعز الإسلام بالفاروق رضي الله عنه، والعبرةُ هنا هي الدعوة الحميدة لأعداء الدِّين كي ينصروه ولعلها كانت دعوة من أحد الصالحين لنصرة الإسلام بأرنود فان دورن.

حين سألهُ الشيخ فهد الكندري عن الآية أو الآيات التي استوقفته في القرآن، قال: إن كل آيات القرآن عظيمة، لكن الآيات التي استوقفته هي الآيات (36-40) من سورة النساء التي تدلُّ على خيرية الإسلام، والتي يقول الحق سبحانه وتعالى في مطلعها:"وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ...".

ثم نطالعُ قصةً أُخرى لعقيدٍ في الشرطة البريطانية حين تمعَّن في المظاهرات الغاضبة التي خرجت بعد نشر سلمان رشدي لكتابه "آيات شيطانية"، تساءل في نفسه: ما هذا الحب الذي يدفع هؤلاءِ للغضب مما فعله الرجل، فقرأ القرآن الكريم، فإذا به وهو الذي تخصص في الفيزياء الكونية يُصدم وهو يقرأُ آيات ثلاث لأنه تساءل: كيف يمكن لقرآن نزل قبل 1400 عام أن يتحدَّث عن حقائق كونية لم يكتشفها العلمُ إلاَّ في القرن الأخير؟! فأدخلته الإسلام ثلاثُ كلماتٍ هي كلمة "أوتادا" الواردة في الآية:"وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (النبأ/7)، وكلمة "لموسعون" الواردة في الآية "وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (الذاريات/47)، وكلمة "ففتقناهما" الواردة في الآية:" أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (الأنبياء/30)، حيث دلَّت الكلمة الأولى إلى ما لا يعلمه الناس قبل 1400 من أن الجبال مغروسة كالأوتادِ في الأرضِ وأن ما خرج منها يعادل ثلثها فقط، ودلَّت الكلمة الثانية على توسُّع الكون، ودلَّت الكلمة الثالثة على نظرية الانفجار العظيم Big Bang.

ثم نستمعُ إلى قصَّة شاب أمريكي اعتنق الإسلام في بواكير شبابه لآيةٍ استوقفته وهي قول الحق سبحانه وتعالى:"وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (الأنبياء/105) فأراد أن يكون من العباد الصالحين الذين يرثون الآرض.

الشاهدُ هنا، أن التدبُّرَ في القرآن هو مفتاحُ الإيمان، وأن القراءة التي لا تتدبر معانيه، ولا تتقصى مغازيه لا يكون لها التأثير الحقيقي على القاريء، فالتدبُّر هو عينُ الرؤية، يقول الحق سبحانه وتعالى:"أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (محمد/24).

 

د. صالح الفهدي

 

 

 

جواد بشارةإعداد وترجمة د. جواد بشارة

ماذا لو كان الكون بأكمله عبارة عن شبكة عصبية حاسوبية عملاقة؟

Et si l’Univers tout entier était un gigantesque réseau de neurones informatique ?

théorie univers réseau neuronal

هذا ما يقترحه الفيزيائي وعالم الكونيات فيتالي فانكورين Vitaly Vanchurin، من جامعة مينيسوتا في دولوث l’Université du Minnesota à Duluth، في منشور وضعه على موقع arXiv. تبدو الفكرة مجنونة تمامًا، ومع ذلك، هل يمكننا رفضها بشكل قاطع؟ يعتقد فانكورين أن فرضية الشبكة العصبية يمكن أن تكون الحلقة المفقودة التي تم البحث عنها كثيرًا في التوفيق بين ميكانيكا الكموم والنسبية العامة.

في ميكانيكا الكموم، الزمن شامل ومطلق le temps est universel et absolu، بينما تقول النسبية العامة أن الزمن نسبي، مرتبط بنسيج الزمكان l’espace-temps. ومع ذلك، وفقًا لفانكورين، يمكن أن تظهر ديناميكيات التعلم للشبكة العصبية "سلوكيات تقريبية" موصوفة من قبل كل من ميكانيكا الكموم والنسبية العامة. وهذا يتطلب منا إيجاد تعريف جديد للواقع.

وهكذا، في مقالته، يستكشف الفيزيائي إمكانية أن يكون الكون المرئي بأكمله، في أبسط مستوياته، مجرد شبكة عصبية حاسوبية un réseau neuronal informatique. ويشير إلى أن معادلات ميكانيكا الكموم تصف جيدًا إلى حد ما سلوك الشبكة العصبية المكونة من عدد كبير جدًا من الخلايا العصبية، بسواء بالاقتراب من التوازن أو عند الابتعاد عنها. ومع ذلك، فإن نفس قوانين ميكانيكا الكموم تصف عمل جميع الظواهر الفيزيائية.

من ناحية أخرى، من المقبول أن ميكانيكا الكموم تعمل بشكل جيد على نطاق صغير petite échelle وأن النسبية العامة تعمل بشكل جيد على نطاق واسع وكبير grande échelle، لكن حتى الآن لم نتمكن من التوفيق بين النظريتين في إطار موحد. وهذا ما يسمى "مشكلة الجاذبية أو الثقالة الكمومية la gravité quantique «. من الواضح أن هناك شيئًا ما مفقودًا، ولا سيما الأخذ بالاعتبار وجهة نظر ومشاهدات المراقبين للظاهرة قيد النظر أو المعنية يشار إلى هذا باسم "مشكلة القياس الكمومي le problème de la mesure quantique بناءً على هذه الملاحظة، يعتقد فانكورين أنه لا توجد نظريتان، بل ثلاث نظريات لتوحيدها: ميكانيكا الكموم والنسبية العامة والمراقبين. ومع ذلك، يعتقد جميع الفيزيائيين تقريبًا أن ميكانيكا الكموم هي النموذج الرئيسي le paradigme principal، الذي يجب أن يتدفق منه كل شيء آخر نظريًا (حتى لو لم يكن أحد يعرف بالضبط كيفية إجراء الاتصال). اليوم، يطرح فانكورين إمكانية أخرى: وجود شبكة عصبية مجهرية réseau neuronal microscopique كهيكل أساسي structure fondamentale، ينبثق منها كل شيء آخر - ميكانيكا الكموم والنسبية العامة والمراقبين العيانيين.

كيف توصل الفيزيائي إلى هذه الفرضية؟ في منشور سابق، كان مهتمًا أولاً بكيفية عمل التعلم العميق l’apprentissage profond، من خلال تطبيق أساليب الميكانيكا الإحصائية على سلوك الشبكات العصبية. والحال، فقد تبين أنه ضمن حدود معينة، فإن ديناميكيات التعلم للشبكات العصبية تشبه إلى حد بعيد ديناميكيات الكموم التي لوحظت في الفيزياء. من هناك ظهرت فكرة أن العالم المادي ربما كان مجرد شبكة عصبية واحدة ضخمة.

اختيار طبيعي للبنى العصبية: Une sélection naturelle de structures neuronales

لتأسيس نظريته، اعتمد فانكورين بشكل خاص على نظرية إيفريت la théorie d’Everett (أو نظرية العوالم المتعددة) وعلى تفسير بوم Bohm (المعروف باسم نظرية الكموم مع "المتغيرات الخفية" théorie quantique à «variables cachées، أي أن المعلمات أو الإعدادات الفيزيائية الافتراضية paramètres physiques  لن تكون كذلك. أي لا تؤخذ في الاعتبار من خلال افتراضات ومسلمات ميكانيكا الكم).

في افتراضه أو مسلمته النظرية، اعتبر أن المتغيرات الخفية هي حالات الخلايا العصبية الفردية والمتغيرات القابلة للتدريب (مثل متجه التحيز ومصفوفة الوزن le vecteur de biais et la matrice de poids) لتكون متغيرات كمومية. ومع ذلك، يمكن أن تكون المتغيرات المخفية هنا غير محلية non locales (وهو ما يتعارض مع عدم مساواة أو عدم تكافؤات  بيل des inégalités de Bell): حيث يمكن توصيل كل خلية عصبية بجميع الخلايا العصبية الأخرى، لذلك لا يحتاج النظام إلى أن يكون محليًا.

هل هذه فكرة مجنونة؟ حتى الآن، لم يتم قبول أي من " نظريات كل شيء" التي تم اقتراحها بالفعل لوصف مجموعة من التفاعلات الأساسية الأربعة - الجاذبية والكهرومغناطيسية والتفاعلات النووية الضعيفة والقوية: لم يسمح أي منها لوصف التفاعل بتوافق الجاذبية مع الإطار النظري لفيزياء الجسيمات، والذي يستخدم لوصف التفاعلات الثلاثة الأخرى.

لكن فانكورين يؤكد أنه على عكس النظريات الأخرى على الإطلاق، فإن دحضه يكون أكثر صعوبة: في الواقع، علينا أن نجد ظاهرة فيزيائية لا يمكن تشكيلها modélisé باستخدام شبكة عصبية. قال إنها مهمة صعبة لأننا نعرف القليل جدًا عن سلوك الشبكات العصبية وكيف يعمل التعلم الآلي في الواقع.

وهناك تجربة أخرى تضع موضع تساؤل ومراجعة لمفهوم "الواقع" في ميكانيكا الكموم سنتطرق إليها لاحقاً.

يضيف العالم الفيزيائي فانكورين أيضًا أن نظريته يمكن أن تشرح آلية الانتقاء الطبيعي sélection naturelle على غرار مثيلتها الداروينية في علم البيالوجي. في الواقع، هناك هياكل (أو شبكات فرعية) للشبكة العصبية المجهرية أكثر استقرارًا من غيرها. هذه البنية الدقيقة ستبقى على قيد الحياة مع التطور، بينما سيتم القضاء على الأقل استقرارًا، بغض النظر عن المقياس الذي تم النظر فيه. كل ما نراه من حولنا (جسيمات، ذرات، خلايا، مراقبين، إلخ) سيكون نتيجة الانتقاء الطبيعي.

يظل معظم علماء الفيزياء وخبراء التعلم الآلي متشككين في استنتاجات زملائهم. يعترف فانكورين نفسه بأنه ربما لم يدرك بعد التعقيد الكامل للشبكات العصبية، وأنه "لم يكن لديه الوقت حتى للتفكير في الآثار الفلسفية للنتائج". فيما يتعلق بما إذا كنا نعيش جميعًا في نوع من محاكاة "نمط المصفوفة" كما في ثلاثية أفلام ماتريكس à la Matrix " المصفوفة"، يرد الفيزيائي، "لا، نحن نعيش في شبكة عصبية، لكن قد لا نرى الفرق أبدًا."

ربما تكون CERN المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية، قد أكدت للتو إحدى الفرضيات التي تشرح وجود الكون:

لأول مرة على الإطلاق، لاحظ الفيزيائيون العاملون في مصادم الهادرونات الكبير (LHC) اختلافات في تحلل الجسيمات والجسيمات المضادة التي تحتوي على لبنة أساسية من المادة: الكوارك الفاتن أو الساحر le quark charm. يمكن أن يساعد هذا الاكتشاف في كشف لغز كبير، يتعلق بوجود المادة. بعبارة أخرى، وبالتالي، يمكنها أيضًا أن تجيب، بمعنى ما، عن سؤال طرحناه على أنفسنا مرة واحدة على الأقل: لماذا يوجد الكون؟

قال شيلدون ستون Sheldon Stone، أستاذ الفيزياء في جامعة سيراكيوز l’Université de Syracuse  (نيويورك، الولايات المتحدة الأمريكية)، وأحد المتعاونين الذين يعملون في مشاريع البحث الجديدة: "هذا حدث تاريخي".

يحتوي كل جسيم من المادة على جسيم مضاد له كتلة متطابقة، ولكن له شحنة كهربائية معاكسة. عندما تلتقي المادة والمادة المضادة، فإنهما يفنيان أو يبيدان بعضهما البعض. وهذه "مشكلة" فيزيائية لم يتم حلها بعد: يجب أن يكون الانفجار العظيم قد خلق كميات مكافئة من المادة والمادة المضادة، وكل هذه الجسيمات يجب أن تدمر نفسها بسرعة، تاركةً فقط طاقة خالصة l’énergie pure. ولكن بدلاً من ذلك، نجا كوارك واحد فقط من كل مليار كواركات (الكواركات هي الجسيمات الأولية التي تتكون منها البروتونات والنيوترونات) من حادثة الإبادة. وهذا ما سمح بأن توجد المادة، وبالتالي الكون المرئي، ونحن.

لكن هذا يعني أيضًا أن الجسيمات والجسيمات المضادة لا يجب أن تتصرف بنفس الطريقة تمامًا، كما قال ستون لمجلة Live Science. بدلاً من ذلك، يجب أن تتحلل بمعدلات مختلفة قليلاً، مما يسمح باختلال التوازن بين المادة والمادة المضادة. يطلق الفيزيائيون على هذا الاختلاف في السلوك انتهاك تكافؤ الشحنة violation de parité de charge (انتهاك CP). تم تقديم فكرة انتهاك CP في عام 1967 من قبل الفيزيائي الروسي أندريه ساخاروف Andrei Sakharov، الذي اقترحه لشرح سبب بقاء المادة على قيد الحياة من الانفجار العظيم. قال السيد ستون معلقاً على ذلك: "إنه أحد المعايير الضرورية لوجودنا". "لذلك من المهم فهم أصل انتهاك CP."

هناك ستة أنواع من الكواركات (من عدة أنواع تسمى النكهات)، ولكل منها خصائصه الخاصة: الأسفل والأعلى، والغريب والساحر أو الفاتن، ثم الجمال ("القاع" سابقًا) والحقيقة (سابقًا "القمة" ) les quarks down et up (bas et haut), strange et charm, puis beauty (anciennement « bottom ») et truth (anciennement « top »).. في عام 1964، لاحظ الفيزيائيون لأول مرة انتهاك CP في كواركات غريبة. ثم في عام 2001، رأوا ذلك يحدث مع جسيمات تحتوي على كواركات قاع (أو جمال) bottom (ou beauty).. افترض الفيزيائيون منذ فترة طويلة أن هذا هو الحال أيضًا مع الجسيمات التي تحتوي على كواركات ساحرة، لكن لم يتمكن أحد من ملاحظتها. علاوة على ذلك، أدى هذان الاكتشافان إلى الحصول على جوائز نوبل للباحثين المعنيين. ولقد تم رصد بوزونات هيغز بعد تتفككها واضمحلالها إلى كواركات قاعية بوتوم أو جميلة.

ستون هو أحد الباحثين في تجربة Beauty LHC في CERN. المصادم LHC (مصادم الهادرون) وهو عبارة عن حلقة طولها 27 كيلومترًا تقع على الحدود الفرنسية السويسرية، والتي ترسل جسيمات دون ذرية في دائرتها من أجل تصادمها، وبالتالي تخلق دفعات من الطاقة الشديدة التي أعقبت الانفجار الكبير. فعندما تلتقي الجسيمات، فإنها تنقسم إلى أجزاء مكونة لها، والتي تنقسم بعد ذلك (في أجزاء من الثانية) إلى جسيمات أكثر استقرارًا.

LHC accélérateur particules matière noire

أطلس، في LHC (CERN). هذا هو جهاز فعال حلقي لمصادم الهادرونات الكبير، والذي يستخدم مغناطيسًا كهربيًا حلقيًا يسمح للحقل المغناطيسي بالثني داخل نفسه في الهواء.

تتعلق الملاحظات الأخيرة بتوليفات من الكواركات تسمى الميزونات mésons، وبشكل أكثر دقة الميزون D0 الميزون ("d-zero") والميزون المضاد لـ D0. يتكون الميزون D0 من كوارك ساحر وكوارك مضاد (الجسيم المضاد للكوارك العلوي). الميزون المضاد لـ D0 هو مزيج من كوارك مضاد للسحر وكوارك علوي. يتحلل هذان الميزونان بعدة طرق، ولكن ينتهي المطاف بنسبة صغيرة منهما بالتحول إلى ميزونات تسمى كاون kaons أو بيونات pions. قام الباحثون بقياس الاختلاف في معدل الاضمحلال بين الميزونين D0 والميزونات المضادة لـ D0، والتي تضمنت اتخاذ تدابير غير مباشرة للتأكد من أنها لم تكن تقيس الفرق في الإنتاج الأولي للميزونات، أو الاختلافات الناشئة عن جودة معداتهم للكشف عن الجسيمات دون الذرية المختلفة.

تظهر النتائج أن نسب الاضمحلال اختلفت بنسبة عُشر بالمائة. قال ستون: "هذا يعني أن الميزون D0 ومضاد D0 لا يتدهوران بنفس المعدل أو الوتيرة، وهذا ما نسميه انتهاك CP". أعلن الباحثون عن الاكتشاف في بث شبكي لـ CERN، ونشروا وثيقة توضح بالتفصيل النتائج على خادم arXiv قبل النشر (من بين أمور أخرى).

وهذا يجعلها ممتعة. يوضح ستون أن الاختلافات في الانحلال ربما ليست كبيرة بما يكفي لتفسير ما حدث بعد الانفجار العظيم، مما يؤدي إلى وجود الكثير من المادة يفوق المادة المضادة. ولكن حسب قوله، فإن هذه الاختلافات كبيرة بما يكفي لتكون مفاجأة. ويضيف: "حان الآن دور علماء الفيزياء النظرية لجعل هذه البيانات تتحدث".

يعتمد الفيزيائيون على ما يسمى بالنموذج القياسي أو المعياري le modèle standard لشرح كل هذه الظواهر على المقياس دون الذري. السؤال الآن هو ما إذا كانت التنبؤات التي قدمها النموذج القياسي أو المعياري يمكن أن تفسر قياس الكوارك الساحر الذي قام به الفريق للتو، أو ما إذا كان سيتطلب نوعًا من "الفيزياء الجديدة" (والتي قال ستون إنها ستكون النتيجة الأكثر إثارة). قال ستون أيضاً: "إذا كان من الممكن تفسيرها فقط من خلال فيزياء جديدة، فإن هذه الفيزياء الجديدة يمكن أن تحتوي على فكرة من أين جاء انتهاك CP".

 

سعيد بوسامرنحن المثقفون أصبحنا بسطاء وغافلين ومستهلَكين، حالنا حال الانسان العادي ولا فرار من الاستحمار الحديث مادمنا لم نشغّل كل قوى عقلنا ولم نخلّص أنفسنا من الدعايات الهشة والتعاليات الفاضية. إنّها حرب إحتوائية شرسة  تختلف في ميادينها وآلياتها وجنودها. لاستحمار الإنسان العادي تُستخدم آليات وجنود تختلف تماما عما تستخدم لاستحمار المثقف؛ حينما أقول "مثقف" أعني كلّ ناشط مدني وناشطة، كل كاتب وكاتبة، وكل فنان أوفنانة يزعم أنه مختلف عن الإنسان البسيط بقبوله مسؤولية تغيير الواقع من خلال نشاطاته الثقافية أوكتاباته أوفنونه. أعوام مضت وتقدمنا تقدماً سلحفاتياً بامتياز فاعتزلنا في أبراجنا العاجية التي أصبحت منصات اعلامية تقودها الصداقات الحقيقية والمجازية. نعم إننا اعتزلنا هذا الإنسان الذي بحاجة إلينا وأصبحنا غرباء عنه ولربما عن أنفسنا ولو تمعّنّا أكثر لرأينا مأساتنا.

لقد انغمسنا في إطار صغير نحلم ونأمل بأن التأريخ ربما يسجله لنا وسوف ندخل مواثيق الأجيال القادمة. إننا عملنا وبحرقة في هذا الإطار الصغير ولا نعلم أننا مؤطرون أساسا، نمارس الحرية في خطاباتنا العشوائية لكننا غير واعين بأن هذه الحرية المزيفة هي أداة حديثة لتخديرنا وتخدير أفكارنا. إننا واعون تماما بما يجري من أحداث ووقائع حولنا، أي إننا نحيا وسط الأزمة لكننا فاقدون لهذه الدراية النفسية والإجتماعية المنشودة. وما هذه الدراية النفسية يا ترى؟ يقول الدكتور علي شريعتي عندما يصل الفرد إلى هذا النوع من الدراية يعرف في الدرجة الأولى إلى أي عرق وأصل ينتسب، وبأي أمة، وأي شعب يرتبط، وإلى أي تأريخ وأي حضارة وأي فترة زمنية وأي أدب ينتمي وإلى أي مجد وقيم يمت، يعرف هذه المظاهر كلها ويأنس بها ولا يتخلى عنها بأي ثمن ولا يساوم على الأنا والنحن مهما كانت العقبات.

 إننا بلينا بلاوعيٍ حديث وهذا واضح تماما في أغلب اعمالنا الثقافية والأدبية والفنية التي قمنا بها في مجتمعنا فتشتتنا وتفرق شملنا، وتأريخ العمل الثقافي الفردي والمؤسساتي خير شاهد على ذلك. إنّ هذا المثقف غير الواعي لا يعرف أنه أصبح أداة تخدير أيضا، أداة تخدير كبرى ومؤثرة وأصبح مخترقا، ومستهلكا من نوع آخر وستضيع فرصة تأثيره وثمرة جهوده وكفاحه إذا لم يقم من غيبوبته ويترك معارك الشهرة الكاذبة والغضب الإلكتروني الفاحش الذي ملأ الفضاء الافتراضي.

 حتى يُبقوا الحق مجهولا يختلقون لنا وبيننا حروبا ايهامية فارغة فتنشغل الأذهان بها مدة مديدة. إنه لأمر عجيب. إن المثقف بات لايشعر بانضمام نفسه بمجتمعه وشعوره بالمسؤولية وبأنه رائد وقائد للتصدي من آفات مجتمعه ولهداية أبناء شعبه. إنه قد لا يستطيع هداية أسرته حتى. فلقد بلغ هذا المستوى من الضعف وعدم الثقة بالنفس.

كثير من التعليقات والردود تطالب بعمل يجمع الغالبية، أمنية نتمناها، والمتلقي يرانا من خلال شاشة نقاله يا حلينا ويا زيننا، لكن السؤال هنا: هل تعلمون ما في الدواخل؟ الغالبية منا يملك شخصيتين، شخصية لكم أيها القرّاء والمتفرجون وشخصية أخرى لأنفسنا. هذه حقيقة ذكرها عبدالله السدحان. إننا نعيش شخصيتين، شخصية حقيقية وشخصية مجازية.

 إننا جموع المثقفين أبدلنا أساليب عملنا الحقيقية إلى أساليب افتراضية مزيفة وخنوعة لم تنتج إلا سوء الفهم والبغض والعزلة عن بعضنا البعض. إننا تفرقنا ونحن نعيش في أسرة واحدة كانت غايتها الكفاح للنيل من حياة كريمة. لا أعرف. ربما هوذا اصطدام النخب الذي تكلم عنه الفلاسفة والذي غيّر مسار شعوب عدّة وأفشلهم، وربما إنّه الحسد أو الغيرة من بعضنا ، حسد النخبة أو غيرة النخبة وكل هذه أساليب حديثة لاستحمار المثقفين. أخي المثقف ، أختي المثقفة يمكنك التخلص من الحسد وهو أن تستمتع بالمسرَّات التي تأتي في طريقك، وأن تقوم بالعمل الذي عليك فعله، وأن تتجنب المقارنات التي تَعقِدها بأولئك الذين يشغلون ذهنك، وأنت واهم في ذلك تماماً بأنهم أكثر منك حظاً.

إن الكاتب والناشط والفنان الأهوازي قد ناقش الكثير وحلل الكثير ووثق الكثير من الظواهر والوقائع لكنه لم يدرس ويحلل سلوكه الفردي والمجتمعي. إن لم يدرس الواقع ولم يعط حلولا مضمونه ستسحقه الأجيال الحاضرة والقادمة دون أدنى رحمة. إن حلوله ربما ترضي بعض متابعيه الغافلين أيضا وتعطيه شيئا من الراحة النفسية لكنها مالبثت أن اختفت، فالعزة لمن درس وعمل وجهد وثابر لحلحلة القضايا التي يعاني منها ناسه وأوصل تلك الحلول لواقعهم. حقا ما أسخف هذا النوع من المثقفين الذين يموتون جوعا وعطشا وبؤسا ولغةً وثقافةً وهويةً لكنهم يعيشون على خطابات رنانة وبيزنطيات فارقة ومطلقات خاوية ومتعاليات هشة. إن أغلبنا أصبح قليل الجدوى في مجريات الأحداث والأفكار وبقي على الحياد المزعوم ولا يعلم أنه لربما لم ينصر الباطل لكن من المؤكد قد خذل الحق بحياده ولا يعلم أيضا إن أحلك الأمكنة في الجحيم من نصيب اؤلئك الذين يقفون على الحياد ساعة الأزمات! إنك مسؤول أيها المثقف، أيها الإنسان، أيها المحايد الذي اتخذت مسلك النعامة ساعة الأزمات.

أما ترون أيضا إننا نطرب على الغريب ونشمئز من القريب، نتقبل نقد الغريب وسخطه ولا نتحمل نقد القريب. إننا نساهم في غياب الوعي الجماعي بشكل لا إرادي وأصبحنا طرفي قتال وخناع  ونزاع بالرغم من أننا في صف واحد وغايتنا واحدة. إننا في قارب واحد دون أشرعة ولايسير ذلك القارب نحو الخلاص من أفواه التماسيح إلّا إن اتفقنا وجرفنا كلنا في ذلك الاتجاه المقصود، هذا بمجدافه، وهذا بعصاه وذلك بيده.

إن هذه الحرب الغير مباشرة التي أمستنا نتصارع حتى نمزق أنفسنا وقاربنا هي إحدى الأدوات التي خدرتنا وألهتنا عن تلك الدراية النفسية والاجتماعية وأشغلتنا عن قضايا أهم وأحرى تنجينا من مرقدنا هذا.. إننا تهمّشنا من حيث لا ندري وغرقنا في سبات ايدئولوجي وعقائدي وثقافي بعيد عن واقع الحياة وهذا هو الاستحمار بعينه شئنا أم أبينا. إنه ليس إستحمارا من الطراز القديم بل إنه حديث وله جنود مجازية تعمل ليلاً ونهاراً لتضيق الخناق أكثر وتزرع الفتنة والتشاجر والنميمة وتشن حروبا وهمية وكاذبة على الضحايا من المثقفين الآخرين بغية أن تنال من ثقتهم بأنفسهم وتجعلهم عاجزين عن الانتقاد أو الاستفسار.

إنه بالفعل لَمِن سوء الحظ ألّا ندرك نحن جموع المثقفين مايرادُ بنا وكيف تستغل أفكارنا القريبة من بعضها إلى صراعات مجازية دامية، ويصيب غيرنا الهدف ونحن نفشل في إصابة أهدافنا ولا نشعر. لماذا نفشل دائما يا ترى؟. لنعِ نحن جموع المثففين بأنّ

أي عمل نعمله إذا كان بعيدا عن الوعي الشامل يصبح كاذباً وغاشماً وعاقبته الذلّ والهوان والعبودية.

 

سعيد بوسامر - باحث من الأهواز

................................

المراجع التي راجعها الكاتب:

- Thomas, Sowell (2009), Intelecuals and society, Published by basic books.

 

-خالد تركي آل تركي: من سلوكيات المُثقَّف العربي، ٢٠١٩.

-علي حرب: أوهام النخبة أو نقد المثقف، نشر المركز الثقافي العلمي، ٢٠٠٤.

-علي شريعتي: النباهة والاستحمار، الدار العالمية للنشر، ١٩٨٤.