حاتم حميد محسنبعد ان فقد الاقتصاد الياباني زخمه، تنبأ الاقتصاديون والمدراء التنفيذيون بتهديد جديد يتمثل بنمو اقتصاديات العالم الثالث. في هذا المقال يرى بول كروغمان الاقتصادي في جامعة ستانفورد ان الخوف من تأثير منافسة العالم الثالث هو عرضة للتساؤل النظري ويواجه رفضا صريحا امام البيانات العملية.

يوضح كروغمن حججه بفحص نماذج الاجور والانتاجية في سلسلة من النماذج الاقتصادية. في النموذج الاول، يعرض سلعة واحدة تُنتج باستعمال عنصر انتاجي واحد وهو العمل. في النموذج الثاني تُنتج ثلاثة انواع من السلع في عالم منقسم الى منطقتين تسودهما قدرات انتاجية مختلفة. النموذج الثالث هو عالم فيه يتطلب الانتاج كل من العمل ورأس المال، وفي النموذج الرابع يُستخدم العمل من كلا النوعين الماهر وغير الماهر.

بعد اختبار نتائج التحسينات المنعزلة للانتاجية في هذه النماذج المتزايدة الواقعية، يستنتج كروغمن بان الزيادة في انتاجية عمل العالم الثالث تعني زيادة في مخرجات العالم. والزيادة في مخرجات العالم تتضح في اجور عالية لعمال العالم الثالث وليس انخفاضا في مستوى معيشة العالم الاول.

غير ان كروغمن لايزال يخشى من الاسوأ. اذا كان الغرب يستجيب للخوف المتزايد من نجاحات اقتصاديات العالم الثالث عبر بناء حواجز كمركية لحماية مستويات المعيشة الغربية، فان التأثيرات ستكون سيئة جدا لأي أمل في مستوى معيشة لائق لمئات الملايين من الناس في العالم النامي.

حتى وقت قصير، كان كتّاب الاعمال المؤثرين يحذرون من ان التهديد الاكبر لإزدهار الولايات المتحدة هو المنافسة من دول متطورة اخرى. يحتاج المرء فقط النظر الى اشهر كتاب عام 1992 (وجه لوجه: المعركة الاقتصادية القادمة بين اليابان، اوربا، امريكا للكاتب ليسر ثورو).

 ولكن في السنوات الاخيرة بدا الأعداء الاقتصاديون اقل قدرة على الانتصار حيث ان كل من الاقتصاد الياباني والالماني علقا في ركود يصعب السيطرة عليه، صادراتهما كُبحت بعملات ذات قيمة عالية بينما تتآكل مؤسسات سوق العمل فيهما تحت تاثير الضغوط الاقتصادية. مقابل ذلك نرى الاقتصاد الامريكي مع انه ليس براقا لكنه يبدو صحيا.

غير ان العديد من الاقتصاديين والمدراء التنفيذيين الذين فقدوا الاهتمام بالمعركة بين اليابانيين والامريكيين، ينظرون الى معركة جديدة تلوح بالافق بين الاقتصاديات المتقدمة والاقتصادات النامية في العالم الثالث. هناك تباين مدهش بين الاخفاقات في آداء الدول المتقدمة خلال العشرين سنة الماضية ونجاحات الأعداد المتزايدة للدول النامية. النمو الاقتصادي السريع الذي بدأ اولا في الستينات في دول اسيوية صغيرة، انتشر الان عبر نطاق واسع في شرق اسيا ليس فقط في ماليزيا وتايلند وانما في دولتين فقيرتين ذات كثافة سكانية عالية كالصين واندونيسيا. هناك علامات لنمو سريع ايضا في شيلي ومكسيكو  وحتى في الهند.

وبدلا من القناعة بتنمية اقتصادية عالمية، اعتبر الكثير من الناس في الغرب ان النمو في العالم الثالث يشكل تهديدا لهم. فهم حسب اعتقادهم ان العالم منقسم الى دول غنية ذات انتاجية عالية واجور عالية ودول فقيرة ذات انتاجية قليلة واجور عمل قليلة. ولكن يُلاحظ الان ان بعض الدول تجمع بين انتاجية عالية واجور منخفضة. تزايد أعداد هذه الدول في اسواق العالم يقود حسب زعمهم الى إعادة توظيف هائل للاصول الانتاجية، والذي يجعل من المستحيل للدول المتقدمة المحافظة على مستوى معيشتها. بكلمة اخرى، المنافسة من جانب الاقتصاديات الناشئة في العالم الثالث اصبحت تشكل تهديدا لاقتصاديات العالم الاول.

هذه الرؤية اقل شيوعا في الولايات المتحدة .على الرغم من ميول ادارة كلنتون السابقة لتعريف المشاكل الاقتصادية بعبارات من المنافسة لكنها لم تضع نفسها في مواجهة ضد اليابان، الواردات من العالم الثالث لم تشكل ضغطا واسعا على سوق العمل الامريكي .

لكن الحقيقة هي ان الخوف من التأثيرات الاقتصادية لمنافسة العالم الثالث هو غير مبرر كليا. التاثيرات الحقيقة لذلك ضعيفة جدا . نظريا، هناك بعض الأسباب للخوف من احتمال تأثير منافسة العالم الثالث على توزيع الدخل في الغرب مع عدم وجود تبريرات لهذا الخوف في ارض الواقع.

كيف يمكن لأناس متخصصين وحرفيين ان يكونوا خاطئين؟ وكيف نتأكد من انهم على خطأ؟ لكي يصبح هناك معنى للتهديد المزعوم من العالم الثالث، من الضروري البدء بنقاش مختصر عن صورة الاقتصاد العالمي.

صورة عن الاقتصاد العالمي

فكرة ان منافسة العالم الثالث تهدد مستوى المعيشة في الدول المتقدمة بدت صريحة. افرض ان شخص ما تعلّم القيام بمهنتي الخاصة، هو ربما ليس بنفس الكفاءة التي اتمتع بها لكنه يرغب العمل باجور اقل مما اتقاضاه من اجور. أليس من الواضح انا اما اضطر للقبول بمستوى معيشة اقل او اخرج من العمل؟ تلك هي فكرة اولئك الخائفين من ان نسبة الاجور في الغرب يجب ان تهبط كلما تطور العالم الثالث.

لكن هذه القصة هي خاطئة تماما. عندما ترتفع انتاجية العالم فان متوسط مستوى معيشة العالم يجب ان يرتفع ايضا لأن المخرجات الاضافية ستذهب الى مكان ما. هذا بذاته يفترض ان انتاجية العالم الثالث المرتفعة سوف تنعكس باجور عالية في العالم الثالث، ولاتقلل الدخول في العالم الاول. ومن زاوية اخرى، على مستوى الدخل القومي، المنتجون والمستهلكون هم نفس الناس، المنافسون الاجانب الذين يخفضون الاسعار قد يخفضون الاجور التي أستلمها، لكنهم ايضا يرفعون القوة الشرائية لما استلم من دخل. لا سبب هناك لنتوقع استمرارية التأثير السلبي.

الاقتصاد العالمي هو نظام – شبكة معقدة من علاقات التغذية العكسية – وليس سلسلة بسيطة من تأثيرات باتجاه واحد. في هذا النظام الاقتصادي العالمي، الاجور، الاسعار، التجارة، والاستثمار المتدفق هي محصلات وليست معطيات. السيناريوهات المعقولة المرتكزة على تجارب الاعمال اليومية يمكن ان تسيء فهم ما يحدث لهذا النظام عندما تتغير العوامل الاساسية، سواء كانت عوامل تتعلق بسياسات الحكومة كالرسوم والضرائب او عوامل اكثر التباسا مثل انتاجية العمل الصيني.

كما يعلم كل من درس النظام المعقد، سواء كان طقس عالمي، نماذج الضرائب في لوس انجلس، او تدفق المواد خلال عمليات التصنيع، من الضروري بناء نموذج لفهم كيفية عمل النموذج. الاجراء المألوف هو ان نبدأ بنموذج مبسط جدا ثم باستمرار نجعله اكثر واقعية، وهي عملية يصل فيها المرء الى فهم اكثر تعقيدا لنظام واقعي.

سوف نبيّن تأثير الاقتصاديات الناشئة على الاجور والوظائف في العالم المتطور. سنبدأ بصورة مبسطة وغير واقعية للاقتصاد العالمي ومن ثم تدريجيا نضيف اشياء واقعية. في كل مرحلة سوف نجلب بعض البيانات. وبالنهاية، نأمل ان نجعل من الواضح ان ما يبدو من نظرة معقدة بان العالم الثالث يخلق مشاكل للعالم الاول هي عرضة للتساؤل على مستوى المفاهيم وغير معقولة كليا على مستوى البيانات.

نموذج1: عالم بسلعة واحدة وعامل انتاجي واحد

تصوّر عالما بدون تعقيدية الاقتصاد العالمي. في هذا العالم، تُنتج سلعة واحدة تفي بكل الأغراض – لنفترض هي شرائح الجبس مستخدمين في انتاجها فقط العمل. كل الدول تنتج جبس لكن العمل اكثر انتاجية في بعض الدول قياسا بالاخرى. في تصوّر لمثل هكذا عالم، نحن نتجاهل حقيقتين اساسيتين حول الاقتصاد العالمي الحقيقي:انه ينتج مئات الالاف من السلع والخدمات المختلفة، وهو يقوم بهذا مستخدما عدة عوامل انتاج بما فيها رأس المال الفيزيقي ورأس المال البشري الناتج من التعليم.

ما الذي يقرر الاجور ومستويات المعيشة في هذا العالم المبسط؟ في غياب رأس المال او الاختلاف بين العمل الماهر وغير الماهر، العمال سيستلمون ما ينتجون. اي، الاجور الحقيقية السنوية بالنسبة للجبس في كل دولة سوف تساوي كمية الجبس التي ينتجها كل عامل سنويا – انتاجيته.وطالما الجبس هو السلعة الوحيدة المستهلكة والسلعة الوحيدة المنتجة ايضا، فان مؤشر سعر المستهلك سوف لا يحتوي على اي شيء عدا الجبس. نسبة الاجور الحقيقية في كل دولة سوف تساوي ايضا انتاجية العمل في كل بلد.

ماذا عن الاجور النسبية؟ ان امكانية الاستفادة من فروق الاسعار في تصدير السلع الى اي مكان فيه السعر مرتفع، ستُبقي اسعار الجبس كما هي في كل الدول.وهكذا فان نسبة اجور العمال الذين ينتجون عشرة الاف جبس سنويا ستكون عشرة مرات اجور العمال الذين ينتجون الف وحدة جبس، حتى عندما يكون اولئك العمال في بلدان مختلفة. نسبة الاجور بين اي دولتين سوف تساوي نسبة انتاجية عمالهما.

ماذا يحدث لو ان الدول التي كانت سابقا ذات انتاجية منخفضة واجور منخفضة مارست زيادة كبيرة في الانتاجية؟هذه الاقتصاديات الناشئة سوف ترى نسبة اجورها للجبس ترتفع. سوف لن يكون هناك اي تاثير سلبي او ايجابي على نسبة الاجور الحقيقية لدى الاخر، وهو، الدول العالية الاجور. في كل دولة، نسبة الاجور الحقيقية تساوي الانتاجية المحلية بالنسبة للجبس، ذلك يبقى صحيحا بصرف النظر عما يحدث في مكان آخر.

ما هي المشكلة في هذا النموذج؟ انه شديد التبسيط، المشكلة انه لايترك مجال للتجارة الدولية: اذا كان كل شخص ينتج جبسا، فلايوجد سبب للاستيراد والتصدير. هذه القضية لاتبدو تزعج منظري المنافسة. الافتراض المركزي انه بسبب ان الدول المتقدمة تنتج نفس الاشياء فذلك يقود الى زيادة حدة المنافسة، ولكن اذا كانت الدول المتقدمة تنتج نفس الاشياء فلماذا هي تبيع الكثير الى الدول الاخرى؟.

مع حقيقة ان متاجرة الدول مع غيرها يعني ان نموذجنا المبسط غير حقيقي، لكن هذا النموذج حقا يعرض سؤال حول مدى كثافة التبادل الحقيقي بين الدول المتقدمة والعالم الثالث. لقد تبيّن انه صغير جدا رغم تأكيدات المنظرين حول التجارة مع العالم الثالث. في عام 1990 أنفقت الدول الصناعية المتطورة فقط 1.2% من ناتجها الاجمالي المحلي على المستوردات من السلع المصنعة في الاقتصاديات الجديدة.

مشكلة اخرى في النموذج هو انه بدون رأس مال لا يمكن ان يكون هناك استثمار دولي. تجدر الملاحظة ان في الاقتصاد الامريكي 70% من دخله القومي يعود للعمل وأقل من 30% يعود لرأس المال. هذه النسبة كانت ثابتة في العقود الماضية. العمل ليس المدخل الانتاجي الوحيد في انتاج السلع، لكن الادّعاء بان متوسط الاجور الحقيقية تتحرك جنبا لجنب مع مخرجات كل عامل، وان ما هو جيد للولايات المتحدة هو جيد للعمال الامريكيين وبالعكس يبدو صحيح تقريبا.

هناك ادّعاء واحد وأخير ربما يزعج بعض القرّاء وهو ان الاجور ترتفع اوتوماتيكيا مع الانتاجية. فهل هذا واقعي؟ نعم . التاريخ الاقتصادي لا يقدم مثالا لدولة مارست نموا انتاجيا طويل الامد بدون زيادة متساوية في الاجور الحقيقية.في الخمسينات، عندما كانت الانتاجية الاوربية اقل من نصف انتاجية الولايات المتحدة، كانت كذلك الاجور الاوربية، متوسط التعويض حاليا مقاس بالدولار هو نفس الشيء. وعندما تسلقت اليابان سلّم الانتاجية في الثلاثين سنة الماضية، ارتفعت اجورها ايضا من 10% الى 110% من المستوى الامريكي. اجور جنوب كوريا ايضا ارتفعت دراماتيكيا بمرور الزمن. في الحقيقة، العديد من الاقتصاديين الكوريين قلقون من ان الاجور ربما ارتفعت كثيرا. العمل الكوري يبدو ثمين جدا للمنافسة في السلع منخفضة التكنلوجيا مع الداخلين الجدد كالصين واندونيسيا وثمين جدا للتعويض عن قلة الانتاجية ونوعية السلعة في مثل هذه الصناعات مثل السيارات.

الفكرة بان القواعد القديمة لم تعد قابلة للتطبيق وان داخلين جدد في مرحلة الاقتصاد العالمي سيدفعون دائما اجور قليلة حتى عندما ترتفع انتاجيتهم لنفس مستوى الدول المتقدمة، ليس لها اساس في التجربة الحقيقية. (بعض الكتاب الاقتصاديين يحاولون دحض هذه الفرضية بالاشارة الى ان صناعات معينة فيها الاجور النسبية لم تجاري الانتاجية النسبية. فمثلا، صانعو القميص في بنغلاديش الذين انتاجيتهم تقريبا نصف انتاجية صناع القميص في الولايات المتحدة، يستلمون اقل من نصف نسبة الاجور الامريكية. ولكن عندما ندخل نموذج السلع المتعددة، فان ذلك هو بالضبط المستوى الذي تتنبأ به النظرية الاقتصادية).

نموذجنا المتكون من سلعة واحدة ومدخل انتاجي واحد قد يبدو سطحيا لكنه يجبرنا لملاحظة نقطتين هامتين. اولا، الزيادة في انتاجية عمل العالم الثالث تعني زيادة في مخرجات العالم، والزيادة في مخرجات العالم يجب ان تبيّن زيادة في دخل شخص ما. وبالفعل : انها تبين اجور عالية لعمال العالم الثالث. ثانيا، مهما نستنتج بالنهاية حول تأثير انتاجية العالم الثالث العالية على اقتصاديات العالم الاول، ذلك سوف لن يكون بالضرورة سلبيا. الموديل المبسط يقترح ان لا وجود لتأثير ابدا.

نموذج 2: عدة سلع، عامل انتاجي واحد

في العالم الواقعي، بالطبع، الدول تتخصص في انتاج عدد محدود من السلع، التجارة الدولية هي سبب ونتيجة في آن واحد لذلك التخصص. وبالذات، التجارة في سلع مصنعة بين العالمين الاول والثالث هي تبادل كبير لسلع معقدة تكنلوجيا مثل الطائرات والمايكروبروسيسر مقابل سلع كثيفة العمل مثل الملابس. في عالم فيه دول تنتج مختلف السلع، تكون الانتاجية المكتسبة في جزء من العالم اما تساعد او تضر بقية العالم.

هذه ليست شيئا جديدا. بين الحرب العالمية الثانية والحرب الكورية، شهدت عدة دول سلسلة من صعوبات تمثلت في عجز المدفوعات التي قادت الى تصور "نقص دولار" عالمي. في نفس الوقت، العديد من الاوربيين اعتقدوا ان مشكلتهم الحقيقية كانت المنافسة الساحقة من جانب الاقتصاد الامريكي عالي الانتاجية. لكن هل حقا كان الاقتصاد الامريكي يضر بقية العالم؟ وبعمومية اكبر هل نمو انتاجية بلد معين يرفع او يقلل الدخل الحقيقي في دول اخرى؟ بعد عمل نظري وميداني مكثف تم الاستنتاج بأن تأثير نمو الانتاجية في الخارج على الرفاهية المحلية يمكن ان يكون اما ايجابي او سلبي اعتمادا على تفضيل ذلك النمو في الانتاجية – بمعنى اعتمادا على القطاعات التي يحدث بها ذلك النمو.

آرثر لويس الذي ربح جائزة نوبل لعام 1979 في الاقتصاد لعمله في التنمية الاقتصادية، عرض توضيحا ذكيا بيّن كيف ان تأثير نمو الانتاجية في الدول النامية على الاجور الحقيقية في الدول المتقدمة يمكن ان يحصل بأي طريقة. في نموذج لويس، العالم منقسم الى منطقتين شمال وجنوب. الاقتصاد العالمي ينتج ليس سلعة واحدة وانما ثلاثة انواع من السلع: سلع عالية التكنلوجيا، متوسطة التكنلوجيا، قليلة التكنلوجيا. كما في نموذجنا الاول، العمل لايزال العنصر الوحيد في الانتاج. العمل الشمالي اكثر انتاجية من العمل الجنوبي في جميع السلع الثلاث، لكن مزايا الانتاجية هي عالية في السلعة العالية التكنلوجيا، ومعتدلة في السلع متوسطة التكنلوجيا، وقليلة في السلع المنخفضة التكنلوجيا. كيف سيكون شكل الاجور والانتاج في عالم كهذا؟الحصيلة المحتملة هي ان السلع العالية التكنلوجيا سيتم انتاجها فقط في الشمال، والسلع المنخفضة التكنلوجيا فقط في الجنوب، وكلا المنطقتين سوف ينتجان على الاقل بعض السلع المتوسطة التكنلوجيا.(اذا كان الطلب العالمي للسلع العالية التكنلوجيا عاليا فان الشمال سينتج فقط تلك السلع، واذا كان الطلب على السلع منخفضة التكنلوجيا عاليا فان الجنوب سيتخصص بانتاجها ايضا. ولكن سيكون هناك نطاق واسع من الحالات فيها كلا المنطقتين ينتجان سلع متوسطة التكنلوجيا).

المنافسة سوف تضمن ان نسبة اجور الشمال الى اجور الجنوب سوف تساوي نسبة انتاجية الشمال الى انتاجية الجنوب. في هذه الحالة، عمال الشمال سوف لن يكونوا منافسين في السلع القليلة التكنلوجيا رغم انتاجيتهم العالية لأن نسبة اجورهم عالية جدا. وبالعكس، نسبة اجور الجنوب القليلة ليست كافية لتعويض الانتاجية المنخفضة بتكنلوجيا عالية.

مثال توضيحي على ذلك افرض ان انتاجية عمل الشمال تعادل عشرة مرات انتاجية عمل الجنوب في التكنلوجيا العالية، وخمس مرات الانتاجية في التكنلوجيا المتوسطة، ولكن فقط مرتان في التكنلوجيا القليلة. اذا كانت كلا الدولتين تنتجان سلع متوسطة التكنلوجيا فان الاجور في الشمال يجب ان تكون أعلى خمس مرات مما في الجنوب. في ضوء نسبة اجور العمل هذه فان كلفة العمل في الجنوب للسلع القليلة التكنلوجيا ستكون فقط خمسي كلفة العمل في الشمال لهذا القطاع حتى عندما يكون عمل الشمال اكثر انتاجية. بالمقابل، في السلع العالية التكنلوجيا، ستكون كلفة العمل أعلى مرتين في الجنوب.

كما يتضح في المثال ان عمال الجنوب القليلي التكنلوجيا يستلمون فقط خمس اجور الشمال حتى عندما تكون انتاجيتهم حوالي نصف انتاجية عمال الشمال في نفس الصناعة. العديد من الناس بمن فيهم الخبراء في التجارة الدولية يعتقدون ان ذلك النوع من الفجوة يبين ان نماذج الاقتصاد التقليدية غير تطبيقية. في الحقيقة، هي بالضبط ما تتنبأ به النماذج التقليدية: اذا كانت الدول القليلة الاجور ليس لديها كلفة عمل قليلة للوحدة الواحدة في صناعاتها التصديرية قياسا بالدول العالية الاجور فانها لن تستطيع التصدير.

لنفرض الآن ان هناك زيادة في انتاجية الجنوب. كيف سيكون تاثيرها؟ذلك يعتمد على اي قطاع شهد زيادة الانتاجية. اذا كانت زيادة الانتاجية حدثت في مخرجات منخفضة التكنلوجيا، القطاع الذي لاينافس عمل الشمال، فلن يكون هناك سبب لتغيير في نسبة اجور الشمال الى الجنوب. عمل الجنوب سوف ينتج سلع قليلة التكنلوجيا بكلفة اقل، والهبوط في اسعار تلك السلع سوف يرفع الاجور الحقيقية في الشمال. ولكن اذا كانت انتاجية الجنوب ترتفع في قطاع تنافسي متوسط التكنلوجيا فان الاجور النسبية للجنوب سوف ترتفع. طالما الانتاجية لم ترتفع في السلع قليلة التكنلوجيا فان اسعار سلع التكنلوجيا القليلة سوف ترتفع وتقلل الاجور الحقيقية في الشمال. اما في حالة زيادة انتاجية الجنوب بنسبة متساوية في التكنلوجيا القليلة والمتوسطة فان الاجور النسبية سوف ترتفع ولكن سيُعوض عنها بزيادة الانتاجية. اسعار السلع قليلة التكنلوجيا بالنسبة لعمل الشمال سوف لن تتغير، وهكذا سوف لن تتغير ايضا الاجور الحقيقية لعمال الشمال.

يبدو ان تاثير النمو في العالم الثالث على العالم الاول، الذي لم يكن له اي تأثير في نموذجنا المبسط يصبح غير متنبأ به حالما نجعل النموذج اكثر واقعية.هنا مسألتان هامتان يجب ملاحظتهما.

اولا، ان الطريقة التي يؤثر بها النمو في العالم الثالث على العالم الاول تختلف كثيرا عن الطريقة التي وصفها المنظّرون.النمو في العالم الثالث لايؤذي العالم الاول ليس بسبب ان الاجور في العالم الثالث تبقى واطئة وانما لأنها ترتفع ومن ثم تضغط صعودا على اسعار صادرات الدول المتقدمة. الولايات المتحدة يمكن ان تشعر بالتهديد عندما تصبح كوريا الجنوبية افضل في انتاج السيارات ليس بسبب ان الولايات المتحدة تفقد سوق السيارات وانما بسبب الاجور العالية في كوريا الجنوبية تعني ان المستهلكين في الولايات المتحدة يدفعون الكثير للالعاب والسلع الاخرى التي كانوا يشترونها سلفا من جنوب كوريا.

ثانيا، هذا التأثير السلبي المحتمل يتضح بسهولة بالقياسات الاحصائية الاقتصادية مثل سعر الصادرات الى سعر الواردات. فمثلا، لو اُجبرت الشركات الامريكية على بيع سلع بسعر رخيص في الاسواق العالمية بسبب المنافسة الاجنبية او انها اُجبرت لدفع الكثير للاستيرادات بسبب المنافسة في المواد الخام او الدولار المخفّض القيمة، فان الدخل الحقيقي في الولايات المتحدة سيهبط. بما ان الصادرات والواردات حوالي 10% من الدخل القومي الاجمالي، فان كل 10% انخفاض في الميزان التجاري الامريكي يقلل الدخل القومي الامريكي الحقيقي بمقدار 1%. الضرر المحتمل للاقتصاديات المتقدمة من نمو العالم الثالث يعتمد على امكانية الهبوط في الميزان التجاري للدول المتقدمة لكن ذلك لم يحدث. بين عامي 1982 و 1992، كان الميزان التجاري للاقتصاديات المتطورة قد تحسن بمقدار 12% كنتيجة لهبوط اسعار البترول. باختصار، النموذج المتعدد السلع يعرض اكثر امكانات من النموذج البسيط ذو السلعة الواحدة، لكنه يقود الى نفس الاستنتاج وهو ان نمو الانتاجية في العالم الثالث يقود الى اجور عالية فيه.

نموذج 3: رأس المال والاستثمار الدولي

سنقترب الآن خطوة اكثر الى الواقع ونضيف عامل انتاجي آخر الى نموذجنا. ماذا يحدث لو تصورنا الان عالما يتطلب فيه الانتاج كل من رأس المال والعمل؟ من وجهة النظر العالمية هناك فرق كبير بين العمل ورأس المال. رغم ان الهجرة الدولية الكبيرة كانت القوة الرئيسية في الاقتصاد العالمي قبل عام 1920، لكن منذ ذلك الحين جميع الدول المتقدمة بنت حواجز قانونية عالية للهجرة المتحفزة اقتصاديا. هناك تدفق محدود للناس الماهرين من الجنوب الى الشمال ونوع ما تدفق كبير للمهاجرين غير الشرعيين. لكن اكثرية العمل لاينتقل عالميا. بالمقابل، الاستثمار الدولي مرئي جدا وله تأثير متزايد على الاقتصاد العالمي. في اواخر السبعينات أقرضت العديد من المصارف في الدول المتقدمة مبالغ نقدية الى دول العالم الثالث. هذا التدفق انحسر في الثمانينات وهوعقد ازمة الديون، لكن تدفق حجم رأس مال لا بأس به استمر مع طفرة الاسواق الناشئة بعد التسعينات.

الكثير من الخوف حول نمو العالم الثالث ركز على تدفق رأس المال بدلا من التجارة. السياسيون وخاصة وزير العمل الامريكي السابق روبرت ريتش وفي مؤتمر الوظائف عام 1994 اعتبر مشاكل التوظيف في الاقتصادات الغربية تعود الى حركة رأس المال. وبالنتيجة، هو يزعم ان راس مال العالم الاول يخلق الان وظائف فقط للعالم الثالث. فهل هذه المخاوف مبررة؟

الجواب المختصر نعم من حيث المبدأ وكلا في التطبيق. نظريا، التدفق الدولي لراس المال من الشمال الى الجنوب قد يخفض اجور الشمال. التدفق الحقيقي الذي حدث منذ 1990 هو صغير جدا لدرجة لايمكنه احداث الضرر الكبير الذي يتصوره الناس. لنرى كم حجم راس المال المصدّر من الدول المتقدمة الى الدول النامية؟ خلال الثمانينات، لم يكن هناك صافي من استثمار شمال جنوب، في الحقيقة، الفائدة ومدفوعات الديون كانت اكبر من الاستثمار الجديد. كل الافعال حدثت منذ 1990. في عام 1993 والتي كانت ذروة استثمار الاسواق الناشئة، كان تدفق راس المال من جميع الدول المتقدمة لجميع الدول الحديثة التصنيع بلغ 100 بليون دولار.

قد يبدو ذلك كبيرا، ولكن بالمقارنة مع اقتصاد العالم الاول فهو ليس كذلك. في عام 1993بلغ الناتج القومي الاجمالي لامريكا الشمالية واوربا الغربية واليابان حوالي 3.5 ترليون دولار، راس مالهم مجتمعين بلغ 60 ترليون دولار. تدفق راس المال لعام 1993 نقل فقط 3% من استثمارات العالم الاول بعيدا عن الاستعمال المحلي وخفّض النمو في راس المال فقط بأقل من 0.2%. طفرة الاستثمار في كل الاسواق النامية منذ 1990 قلّلت رأس مال العالم المتقدم فقط بـ 5% .

لكن ما مقدار الضغط الذي وضعه ذلك على اجور الدول المتقدمة؟ تقليل راس المال بـ 1% يقلل الانتاجية باقل من 1% . التقديرات تقترح ان تدفق راس المال للعالم الثالث منذ عام 1990 قلل الاجور الحقيقية في العالم المتقدم بـ 0.15%.

نموذج 4 :توزيع الدخل

حتى الان يبدو اننا استنتجنا ان النمو في العالم الثالث ليس له اي تأثير سلبي على العالم الاول. لكن هناك لاتزال قضية واحدة بحاجة للعلاج وهي تأثير نمو العالم الثالث على توزيع الدخل بين العمال الماهرين وغير الماهرين في الدول المتقدمة. عند اضافة توزيع الدخل يصبح نموذجنا في شكله النهائي. لنفرض هناك نوعان من العمل، ماهر وغير ماهر، وان نسبة العمال غير الماهرين الى العمال الماهرين أعلى في الجنوب قياسا بالشمال. في مثل هذا الموقف يتوقع المرء ان نسبة اجور الماهرين الى اجور غير الماهرين أقل في الشمال قياسا في الجنوب. وبالتالي يتوقع المرء ان الشمال يصدر بضائع وخدمات عالية المهارة، اي انه يستخدم نسبة عالية من العمال الماهرين الى غير الماهرين في الانتاج، بينما الجنوب يصدر بضائع يتم انتاجها بعمالة غير ماهرة.

ما تاثير هذا على الاجور في الشمال؟ عندما تتبادل دولتان سلع ذات مهارة عالية بسلع ذات مهارة قليلة فهما انما يتبادلان بشكل غير مباشر عمالة ماهرة بعمالة غير ماهرة، السلع التي يرسلها الشمال الى الجنوب تنطوي على عمل ذو مهارة اكثر من السلع التي يستلمها الشمال بالمقابل. انها كما لو ان عامل ماهر من الشمال هاجر الى الجنوب. ونفس الشيء، عندما يستورد الشمال سلع كثيفة العمالة هو ايضا شكل غير مباشر من الهجرة قليلة المهارة. التجارة مع الجنوب بالنتيجة تجعل عمل الشمال الماهر نادرا، فترفع الاجور بينما تجعل العمل غير الماهر اكثر وفرة بما يقلل الاجور. اذاً، زيادة التجارة مع العالم الثالث مع انها ذات تأثير قليل على المستوى العام للاجور في العالم الاول، لكنها من حيث المبدأ تقود الى زيادة في اللامساواة في تلك الاجور مع زيادة كبيرة للمهارة. وبنفس المقدار، يجب ان تكون هناك نزعة نحو "مساواة سعر عامل الانتاج"مع هبوط اجور العمال قليلي المهارة في الشمال باتجاه مستويات الجنوب.

طالما التجارة مع الدول قليلة الاجور هي اقل من 1% من الناتج القومي الاجمالي، فان صافي التدفق من العمل المتضمن في تلك التجارة هو قليل جدا مقارنة بالحجم الكلي لقوة العمل.المزيد من البحث قد يقود الى تقديرات اكبر لتأثير التجارة بين الشمال والجنوب على توزيع الاجور، ولكن حتى الآن الدليل المتوفر لايدعم فكرة ان التجارة مع العالم الثالث تشكل جزءا هاما من قصة عدم المساواة في الاجور.

 

حاتم حميد محسن

....................

من ورقة بحثية بعنوان (هل نمو العالم الثالث يؤثر على ازدهار العالم الاول) للاقتصادي الامريكي بول كروغمان الحائز على جائزة نوبل عام 2008، الناشر Harvard Business Review، تموز/اب 1994.

 

ميثم الجنابيالعراق - نقد الواقع وتأسيس البدائل (8)

إن المفارقة الكبرى التي عادة ما تلف الأمم الكبرى تقوم في صعوبة نهضتها بالمعنى المادي والمعنوي. وهي مفارقة لها أسبابها الخاصة في ثقل الماضي الذي عادة ما يجثم على رؤية العقل والضمير في استصغاره للكبائر. لكنه استصغار محكوم بدوره بحجم التاريخ الهائل وضغط مكوناته المتنوعة على بلورة معالم الرؤية العصرية. فالمعاصرة تفترض في حالات عديدة التحرر النسبي من ثقل الماضي. وهو تحرر أكثر ما يلوّع العقل والضمير التاريخيين للأمم الكبرى. لأنهما يعانيان دوما من ثقل المراجع والأعلام والأحداث التي يتغلغل كل منها في مسام الذاكرة، بحيث يصعب تجردهما من العيش بمعايير المعاصرة الخشنة.

ويمكن ملاحظة هذا التأثير الفاحش لهذه المفارقة على مصادر المبادرة التاريخية للثقافة العالمية الأوسطية، واقصد بذلك ثقافة أسلافنا العراقيين – السوريين - المصريين، والثقافة الإغريقية. وإذا استطاعت الكينونة العربية أن تصهر أسلافها في بوتقة الخلافة وتبدع على مثالها نموذجا هو الأكثر رقيا بالنسبة للقومية العربية، بمعنى نقلها من حضيض العرقية إلى مصاف القومية الثقافية (غير العرقية)، فإن الإغريقية ذابت في دهاليز الأوربية القروسطية والحديثة. الأمر الذي يفسر في بعض جوانبه سبب الإنهاك التاريخي الذي تعرضت له الثقافة العربية الإسلامية والإغريقية. وفي هذه المفارقة أيضا يكمن أثرهما التاريخي العالمي وواقعهما المزري نسبيا في العالم الحديث، أي الأكثر تخلفا في العالم المتوسطي، اللذين وضعا أسسه ومقومات وجوده المادي والروحي. فكلاهما تعرض لمحرقة التخلف العثماني، الذي سحق اغلب مكونات كينونتهما الثقافية. لكن «القرون المظلمة» التي لازمت السيطرة العثمانية، شأن كل مراحل الانحطاط التاريخي، لم يكن بإمكانها أن تقضي على مصادر المرجعيات الثقافية، التي وجدت صيغتها العملية الحديثة بالنسبة للعرب في المحاولات الحثيثة لاستعادة قوته من تحت ثقل الأنقاض الثقيلة التي جثمت على كيانه وكينونته قرونا عديدة من الزمن.

وقد ظهرت هذه المحاولات في ما نطلق عليه اليوم مفهوم النهضة العربية الحديثة. وهي نهضة كانت تعاني من ضعف بنيوي هائل بسبب غياب تاريخها السياسي والدولتي الخاص. مما جعل اغلب معاناتها جزء من تاريخ الدولة العثمانية وليس عنصرا مكونا من عناصر وعي الذات التاريخي والقومي. لكنها نجحت في استثارة الوعي القومي، ومن ثم إعادة انتباه العرب إلى أصولهم الثقافية الخاصة. وتتمتع هذه الأصول بقدر هائل قد يكون الأوسع والأعمق في التاريخ الثقافي للأمم. وفي هذه المفارقة كانت وما تزال تكمن معاناة الرؤية القومية العربية، أي كل ما جعل منها مولودا كبيرا منذ البدء. لكنه كبر كان يعاني من عقدة نقص هائلة أمام تفوق الأوربيين، تلامذتنا في الماضي القريب.

كان التأثر العربي الناهض بالثقافة الأوربية الحديثة يحتوي في أعماقه على معالم الرغبة والرهبة. وتركت هذه الحالة بصماتها العلنية والمستترة في انشقاق وشقاق العقل والوجدان. وإذا كانت النخبة المتفتحة لم تجد في التلمذة سوى فضيلة التعلم المميزة للعلماء والأدباء، فإن الغالبية العظمى كان يصعب عليها قبول «الاغيار» بسبب تباين التطور الاجتماعي والثقافي من جهة، والانحطاط شبه الشامل للعالم العربي آنذاك، من جهة أخرى. لقد كانت النخبة مستعدة لقبول وتجسيد الفكرة التي قال بها العرب المسلمون الأوائل عندما واجهوا بقايا الثقافة الإغريقية بعبارة «ما كان منا ردّ إلينا». وتفصح هذه العبارة العميقة والبليغة عن موقف ثقافي قادر على تمثل نتاج الثقافة الإنسانية والعمل بمعايير التجربة الفردية. بينما لا تجارب فردية في العالم العربي زمن بداية «النهضة». بل هو مجرد زمن لم يرتق بعد إلى مصاف التاريخ. من هنا كان الاستنساخ هو الطريقة البدائية والأولية لتعلم كيفية النسخ. ومن بعده كان بالإمكان إتقان آلية الناسخ والمنسوخ. بمعنى الانتقال من التشبه إلى المحاكاة ومنهما إلى النظرة المستقلة، أي المتراكمة بمعايير التجربة الفردية وأذواقها.

إلا أن زمن المحاكاة العربية للثقافة الأوربية ضلّ في توجهه العام، وظل حبيسا لما أسميته بشقاق وانشقاق العقل والوجدان، بما في ذلك في مجال الرؤية القومية وتأسيس أصولها. بمعنى أن تأسيسه لأصول الفكرة القومية لم يكن معاناة فعلية على لهيب الرؤية النقدية ومرجعية المنظومة الفلسفية. من هنا كانت معاييرها تحتوي على أوزان متباينة ومختلفة. كما كان يصعب عليها التراكم في منظومة قادرة على مواجهة منظومة التخلف والانحطاط. وفي هذه الظاهرة التاريخية التي لفت في غبارها الأجساد والأرواح، كان يصعب السير بخطى واثقة، كما كان يصعب الرؤية بعيون فاحصة. من هنا كانت عباءة الستر هي الستارة التي تعيق تأمل خطى الجسد العربي في بحثه عن موقعه الذاتي. وهي مفارقة غريبة! فالعالم الذي بقى لقرون عديدة مصدر الإبداع التاريخي للأمم جميعا بدء من العراقيين والمصريين والسوريين القدماء، أي أسلافنا الذين صهروا لاحقا في بوتقة الثقافة العربية الإسلامية، أصبح بين ليلة وضحاها تائها في البحث عن هويته الجديدة! ولم تكن هذه المفارقة سهلة الهضم بالنسبة لمن عاصرها. بمعنى إمكانية إثارتها للانسحاق المفاجئ أو الانغلاق. وفي كلتا الحالتين كانت الآفاق المهملة تقوم في صعود الرؤية الراديكالية المميزة لكل تاريخ القوميات المهزومة والمسحوقة. بمعنى البحث عن هوية ميتافيزيقية تتجاهل التاريخ من اجل الرجوع إليه، وتنفي الخيال لأنها تبحث عن واقع يمكنها الاعتماد عليه، وتحتقر المستقبل لأنها تبحث عن عروة يمكن الإمساك بها. وهو السبب القائم وراء البحث عن «مهمة تاريخية» أو «رسالة عالمية» وما شابه ذلك من صيغ أيديولوجية تعقلن ما يبدو لها منافيا للعقل، وما ينبغي «للأمة» أن تجسّده. مع أن عصب القضية يطفو على سطح وجودها التاريخي، والقائم في عجز أو شلل الأمة عن تنفيذ مهمتها التاريخية ورسالتها لنفسها. بمعنى عدم بلوغها حالة التكامل الذاتي الذي يستجيب لما فيها وفي تاريخها ورغبتها من «تحد» و«مواجهة» لواقع أو عقبات لا تستطيع تذليلها. من هنا تصبح الرؤية الأيديولوجية والأسطورية تعويضا سهلا عن خشونة الواقع. مع ما يترتب عليه من ضياع أو اضمحلال للرؤية الواقعية والعقلانية. وكلما يكون الواقع أكثر انحطاطا واشد تخلفا كلما تكون الرؤية الأيديولوجية اشد تطرفا وأكثر غلوا في تصورها للبدائل. ووجدت هذه الحالة تعبيرها النموذجي في العراق.

فقد كان واقع العراق قبل ظهوره الجديد على خارطة العالم السياسية كيانا هامشيا بالمعنى السياسي والاقتصادي والثقافي. بحيث انسحب من موقعه القديم بوصفه مركز العالم الثقافي لآلاف السنين إلى أطرافه الأكثر هشاشة وخرابا. والشيء الوحيد الذي كان يحتويه هو مكوناته التاريخية الثقافية الكبرى المترامية بين البصرة والموصل مرورا ببغداد، أي عوالم السومريين والبابليين والآشوريين القدماء. مما يشير بدوره إلى انه وحدة لها كينونتها التي لم تفعل قرون الانحطاط العديدة في ظل السيطرة التركية العثمانية إلا على طمسها فقط. لكنها سرعان ما ظهرت ملامحها المختبئة وراء تجاعيد الزمن بعد أول محاولة لإظهاره من طي التاريخ إلى حيز الجغرافيا السياسية. وما بين هذين المكونين الفاعلين في ظهوره الجديد، كانت تكمن عناصر التخريب المحتملة للفكرة القومية.

فقد كان تاريخ العراق الثقافي، القوة التي لم يضعفها الزمن وذلك بسبب ذوبانه أيضا في تاريخ الأمم والثقافات جميعا. فقد كانت هذه القوة وما تزال وسوف تبقى شديدة الفاعلية في بلورة وعيه السياسي النظري والعملي. وذلك لأن أية رؤية قومية عربية سوف تقف بالضرورة أمام مهمة تأمل أو استلهام أو توظيف إرثه الثقافي الهائل. ولا يمكن لهذا الإرث أن يفعل خارج أو بدون بؤرته العربية الإسلامية. فهي البؤرة التي امتصت وتمثلت بطرق ومستويات متنوعة ومختلفة أرثه الرافيديني.

وليس مصادفة أن تتحول فكرة النهضة تدريجيا صوب العروبة الإسلامية بأنماطها المتنوعة من سلفية جامدة حتى ليبرالية مبتورة. وهو أمر طبيعي في ظل عملية لم تتكامل في وجود قومي موحد على مستوى الدولة والثقافة والهموم. من هنا تجزئة هذه المكونات الضرورية للوحدة القومية، التي لم يفعل ظهور الدول العربية الحديثة، بما فيها العراق، إلا على استثارتها في العقل والضمير من خلال تعميق وتوسيع شدة الخلاف وعدم الارتياح والقلق الدفين تجاه تضارب الكينونة التاريخية الثقافية القديمة والوجود الجغرافي السياسي الجديد. ولم تستطع الفكرة القومية العربية الحديثة حل هذا الخلاف بطريقة واقعية وعقلانية. من هنا نمو الأبعاد الطوباوية فيها واللاعقلانية.

لقد كان نمو الأبعاد الطوباوية واللاعقلانية في الفكرة القومية العربية الحديثة وثيق الارتباط بحالة الانحلال والانحطاط التي خرج منها العالم العربي من رحم العثمانية. واتخذ نمو هذه الأبعاد في ظروف العراق الخاصة طابعا مميزا ارتبطت بكونه لم يكن آنذاك سوى نكرة على خلفية إرثه التاريخي الثقافي العظيم. بمعنى هبوطه إلى حضيض التجزئة المروعة، في الوقت الذي كان، من حيث الكينونة والتأثير، مصدر الوحدة الروحية والثقافية والسياسية للعالم العربي (والإسلامي). من هنا لم يكن بمقدور أية قوة سياسية قومية ناشئة ألا تصاب بدوار الرأس من هذا الضغط العنيف الذي يفرضه على المرء والجماعة والحركة ما أسميته بتضارب الكينونة التاريخية الثقافية القديمة والوجود الجغرافي السياسي الجديد. إذ لم يكن في العراق انتماء وطنيا ولا قوميا بالمعنى الدقيق والمعاصر لهذه الكلمات. من هنا لم يكن بإمكان أي تصنيع سريع لهذا الانتماء الوطني والقومي أن يجري خارج أغراء وإغواء الرؤية الراديكالية بوصفها الملجأ الوحيد والفعال للأوهام السياسية الملازمة للفكرة القومية أول نشوءها. فالتجارب التاريخية للأمم عموما وتجارب العراق خصوصا تبرهن على استحالة تأسيس هذا الانتماء الوطني والقومي بمعزل عن البناء العقلاني والتدريجي لمؤسسات الدولة الحديثة

وفي هذا الواقع المشار إليه أعلاه كان يكمن سرّ انتشار الراديكالية في العراق والقومية منها بشكل خاص. وحالما تحولت الفكرة القومية الراديكالية كما تجسدت في فكرة البعث إلى أيديولوجيا «القفزات» السريعة، فإنها أدت إلى صنع مختلف أنماط وأشكال ومستويات المؤامرة والمغامرة ومن ثم التخريب الدائم والعشوائي الشامل لفكرة الدولة والحق والمجتمع. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار طبيعة الارتباط التاريخي بين الهامشية الاجتماعية والمذهبية (السنيّة) وبين الفكرة القومية العربية الجديدة والبعثية منها بالأخص. مما أدى إلى مصادرة الفكرة القومية العربية ورهنها بأيد قوى هامشية بالمعنى الاجتماعي والثقافي والجغرافي أيضا! وجعل هذا الارتباط من الفكرة القومية العربية بصيغتها البعثية (السورية الأصل) أكثر غلوا واشد ابتعادا عن جذورها (اللاعقلانية أساسا). بمعنى تهميشها السياسي التام، ومن ثم دورها الأشد فاعلية في التهميش السياسي للمجتمع والدولة. وفي هذا يكمن سبب تغلغل النزعة الطائفية والجهوية الضيقة للأيديولوجية البعثية (القومية) التي تحولت لاحقا إلى صدامية، بوصفها الصيغة الأكثر تطرفا واستظهارا لمضمون الفكرة القومية البعثية.

فقد كانت الصدامية الصيغة الأكثر راديكالية وهامشية وهمجية للفكرة القومية العربية. حيث جسدت بذاتها وفي ممارستها العملية على امتداد ثلاثة عقود الصيغة «الكلاسيكية» لنفسية وذهنية الانحطاط الشامل. إذ  دمرت هذه النفسية والذهنية بصورة مريعة مضمون الفكرة القومية العربية. بحيث أرجعتها إلى كتلة من الأفعال المخربة للدولة والمجتمع والحق والعدل والعقل والضمير، باختصار أنها لم تبق على شيء ما لم تمسه بأنفاسها القذرة. ولم «تنجح» إلا في تشذيب وشحذ القهر والاستبداد وجميع أشكال الرذيلة. وفي مجال القومية لم يؤد ذلك إلا إلى أن تصبح الفكرة القومية رداء للجهوية والتقليدية، أي الصيغة المركبة لتخلف الأيديولوجيا وانحطاطها العقلاني. من هنا افتقادها التام للرؤية الواقعية. وبالمقابل استفحلت سيادة النزعة الإرادية المنحطة والهمجية المتفاقمة. أما النتيجة فهي التصنيع الدائم للتخلف والانحطاط. وفي هذا كان يكمن شرط سقوطها التاريخي. لكنه كان أولا وقبل كل شيء سقوط احد الأنماط اللاعقلانية للأيديولوجية العربية القومية.

غير أن المهزلة التاريخية الكبرى للفكرة القومية العربية، وقد تكون تلك التضحية الضرورية الجديدة من اجل المرور بما يمكن دعوته بالتطهير الذاتي، هو تحول الفكرة القومية العربية إلى محل استهجان وتجريم. وهو تجريم عرضة للزوال السريع بفضل حقيقة العراق وكينونته التاريخية والثقافية. إلا أننا نعثر في هذه الظاهرة على انتهاك فض وتجاوز لا يمكن القبول به من الناحية الأخلاقية والوجودية. لاسيما وانه انتهاك يعكس أولا وقبل كل شيء طبيعة النمو المطرد لنفسية «الأقوام الصغيرة» التي أخذت تتجسد في ما يمكن تسميته بالطائفية الشيعية الفارسية، أي التيار الطائفي السياسي للقيادات الشيعية الفارسية الهوى والتربية. ولا علاقة عضوية لهذه "القيادات" بالعراق. بمعنى أنها انتزعت عن ذاتها مضمون الفكرة القومية العربية أو أولويتها بما في ذلك بالنسبة لفكرة التشيع السياسي. مما جعل منها قوى مستعدة للالتفاف على فكرة القومية العربية باسم الوطنية العراقية والدين الإسلامي لكنه التفاف قادر على الالتقاء والتفاهم والمساومة مع قوى قومية غير عربية!! أي مع قوى ناصبت ولا تزال تناصب في أعماقها العرب عموما والفكرة القومية العربية خصوصا بعداء قومي وعنصري عنيفين. واغرب ما في هذه الظاهرة مصارعتها العراق على ما فيه، بمعنى مصارعة العراق من قبل قوى لا تتمتع بعلاقة عضوية به. وهو خطأ وخطيئة شاركت فيهما القومية الجوهرية للعراق (العربية) في الماضي القريب وتنهمك فيهما الآن القيادات الدينية والدنيوية الشيعية والسنيّة من خلال جر العرب إلى حضيض الطائفية الدينية والسياسية.

إننا نعثر في هذه الحالة على انحدار مستمر وانحطاط شبه شامل للقومية العربية من حيث كونها فكرة وعمل. وهو انحطاط جرأ الكثيرين، بما في ذلك أكثر القوى تخلفا من الناحية الاجتماعية والسياسية على الشك في عروبة العراق. والقضية هنا ليس فقط في أن الشك في عروبة العراق هو نفي لحقيقته التاريخية والثقافية، بل وفي الاستعاضة عنها بمرجعية الطائفية السياسية والنزعة العرقية!! وتعكس هذه الحالة واقع ومضمون وأبعاد الانحطاط الفعلي للقومية العربية فيه. وفي هذا الانحطاط المادي والمعنوي نعثر على مؤشر خطير عن مستوى الخراب الثقافي والسياسي العربي في العراق، مع ما يترتب عليه من استعادة لجاهلية طائفية وعرقية باسم الإسلام والقومية! وكلاهما وجهان لظاهرة واحدة وهي الانحطاط التاريخي للأمة وروحها المعنوي.

***

ميثم الجنابي

 

الاستنتاج والخاتمة

اما عن الاستنتاج والخاتمة، عنهما نقول: وأخيرا، فإن الرؤية عند المفكر العراقي الزاهد هي رؤية برزخية، لأنها تمنح من ثقافة التنوع والأختلاف والأختيار، كثقافة متصلة ـ حوارية تؤمن بالمنظومة القيميية المعرفية والوجودية للأختلاف على تنوعها (لا) الإخلال بأختيارها، إذ بموجبها ينظر إلى ثقافة الفضيلة بأعتبارها أفلاك وكواكب تحيط مركزها "الذات"؛ أي "فيوضات" ذاتية متعددة في الأبعاد وجوهرها وهويتها. فهي مدرك عقل أو لا عقل أو تخيال، يستخرج منها شيء ينتفع به، النفيس الذي تتخذ منه الفصوص نحوها الحر، ملكة حكم التجاوزي المتعالي، كما أنها نفس لها أهواؤها وأشواقها وأنفعالاتها، آمالها و ألامها، وأيضا جسد له فطرة قرائحه وسجية غرائزه. هذا إضافة إلى أنها جوهر ذات لها ماض وحاضر ومستقبل، فردية أحادية وجماعية مشاركة. ومن هنا يعتبر المفكر العلوي، في هذه الرؤية، بأن حل أزمة ثقافة الفضيلة في الذات العربية المعاصرة، ثقافة عضوية فاضلة، كأزمة متعززة السمات ومتعددة الأوجه، لا يمكن أن يكون إلا حلا "تجاوزا متساميا" عمادته، جنب أختزال الذات، أو، إخلال فاعلية أفلاكها في بعد من أبعادها المختلفة والمتعددة عن حمولاتها المتنوعة، وذلك بالنظر إليها نظرة قوامها بينية، بموجبها يصبح وجودها قائما على تخوم كل من فاعلية العقل وسكينة القلب وأنفعالات المخيال، ومحتوى الروح وإطار الجسد، وتفاصيل قوة الأنا، وتحديات فرص الآخر، والاستفراغ والأستكمال، والاجادة والأستمكان، والتراث والحداثة وما بعدها. وهذا من شأنه أن يضفي على هذه الذات مزيد أفلاك وكواكب وفيوضات ثقافية فاضلة لها من الرشاقة والإرادة التي بموجبها لا تتعدد أبعادها وتتصارع إلا لتتوحد مهامها وتتساكن غاياتها، والعكس. وهذه الرشاقة، السمة التي تؤمن ضمان سعة حريتها وتنوع وأختلاف وأختيار فعاليتها المتصلة والمتعددة في أبعادها وجوهرها وهويتها.  

هكذا إذن، يمكننا الأن أن نترشق ونخلص أيضا مما سبق عن ما ورد في جميع الحلقات الماضية، إلى أننا أمام منهج الباحث العراقي الزاهد هادي العلوي، شكل قفزة نوعية في الفلسفة العضوية الزاهدة ثقافة فضيلة تؤطر منهجية عمله. حيث ذلك لها فوائض قيمية، عنها أوجزنا مستخلصا بالنقاط التالية:

أولا: فائض قيميي يتجلى في كوننا أمام رؤية لمنهج قد أنتقل بموجبه ـ صاحبنا ـ إلى تنقيب ونظر موضوعات ظلت في كتابات سابقة متشابكة، عويصة بتداخلاتها مع الإنشغالات النظرية، بل ومتسترة بزويها خلف هذه النشغالات، ألا وهي قضية العقل الثقافي الوظيفي وأهمية تشغيل عضوية ثقافته العملية، وما يحيل عليهما من رد الأعتبار لما كان يطلق عليه اليسار العربي بـ"حضور الغائب الضروري"، بما هو بحث في مهام ثقافة المجتمع والسياسة والأخلاق، وبالتالى في مهام ثقافة الفضيلة كأفلاك وكواكب جوهرها الذات في علاقتها بالمدينة الحاضرة. وهو رد أعتبار ملزم ارتباطه لدى مفكرنا العلوي، بإعادة النظر في مفهوم الدلالة الغنية والمهمة على العقل النظري/الاستقرائي، فهذه الأخيرة لا تتطوق ولا تضيق هنا فيما هو استقرائي، بل تتجاوز ذلك إلى ما هو ثقافة فضيلة وظيفية سياسيا واجتماعيا وعلمية عامة التشغيل في مشروعها الاحترافي. لذلك لم ينظر المفكر هادي العلوي، في مناقب قراءته هنا للفكر العربي الإسلامي، إلى مهمته في أنها تنطوي مقيدة حصرها في تحويل وتغيير الموجودات إلى مدركات معقولة، أو في التوظيف بتلقينات أو تقويلات يكسو عليها غطاء التجريد، بل ينظر ويتبئر إليها بكونها تتجاوز ذلك إلى تحويل هذه المدركات عن المعقولات أوالتقاويل (= الأخبار) إلى موجودات، كتحويل وتغيير بمثابة عتبة لمداخل  نزوع هؤلاء إلى الإنغماس في تأثر معاني الوجود والتأثير العضوي الوظيفي فيه ثقافة سياسية وأجتماعية وأخلاقية عن طبيعة التحول والانتقال والتغيير.

ثانيا: فائض قيمي يتفتح في الأنتقال بمفكري التراث العربي الإسلامي إلى مفكروا الشرق ـ الفلسفة التاوية ـ من كونهم مجرد هوامش فكرية، أو مجرد مهتمين بأمور نظرية، إلى مفكرين ينجز توحدهم منطق "جدلي" في وظائفهم العملية في غوص عمقهم بقضايا متجددة عملياتيا هي مدارات وأفلاك ثقافة الفضيلة في الذات الإنسانية، من حيث تظافر جهودهم في حوامل حيطتها بمختلف أبعاد أفلاك وكواكب ثقافة الفضيلة وأبعاد مركزها ـ الذات ـ بآدوات وأساليب منهجية تمهد لتحررها وإثبات نجاعة فاعليتها وفق هذا النمط أو ذاك درجة.

ثالثا: فائض قيمي يستشرف مزيدا من الوضوح والشمولية على فكرة كثيرا ما أشار إليها المفكر الأستاذ العلوي في كتاباته الثقافية/اليسارية النقدية، وتتجلى في مساهمة مفكري التراث في الحداثة، وخاصة في بعدها الثقافي العضوي العملي؛ أي في آفاق ثقافة الفضيلة وآفاق عضوية ذاتها في المشاركة، ابان الحداثة وبعد تحولاتها الاجتماعية والسياسية والأخلاقية، وهي مشاركة لا ترقى إلى مستوى الرضى والقناعة في قيمة هذا التراث، أكثر مما تنحدر فيه إلى مستوى الأستضعاف والتهاون من قيمة ثقافته، والأستخاف من فضائل عطاءات جوهر ذاته.

رابعا: الفائض القيمي الرابع هو أننا أمام رؤية ومنهج يكشف بمزيد من التبئر والحرص بأن ـ صاحبنا ـ ملتزم بذلك العمق وشائج المتن الذي يربط تدخل الفلسفة بصنعة الحداثة، فالتدخل الفلسفي في رؤيته قد كشفت الزواء والتخفي أكثر عن كون مفكرنا العراقي المبدع لا يعتبرها مجرد تزين فكري مترف، بل إنها تاريخ وحاضر ومستقبل فلسفي إسلامي (مشترك عمقه عربيا)، فلسفيا عبر تاريخها، مازالت تكافح، رابطة جأشها عزوم ألتزام ضخامة تراثيها الثري شكيمة بالدفاع عن حداثة ثقافة فضيلة هذه الذات، والتي لن نجد إنجازات تتحققها مستكملة إلا في بيئة ثقافة فضائل عضويتها مدنية الدولة، وتنوع وتعدد واختلاف وآختيار أساوب تماسك منهجها الناجع.

وهنا، استتمنا أختتام جميع حلقات المقال، استتب وأنتهى. وعن ذلك كله أتحكم بالقول الحكيم، مراد به المعاودة للتنبه والتذكر في رفع الاشتباه والزلل والتردد في تحصيل أندفاع تعطل وضعف مقام جزمه، أذ أرجح في هذا المقام حل قول يستقيم فيه من يحكم مجد العقل مشاورته في ".. قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب.." .

        

 

ميثم الجنابيالعراق  نقد الواقع وتأسيس البدائل (7)

إن الظاهرة الصدرية لا تستنفذ صور ونماذج الراديكالية السياسية العراقية الحالية، بقدر ما أنها تعبر عن احد أشكالها النموذجية. فالراديكالية متنوعة الأشكال والمحتوى شأن كل ظاهرة تاريخية عريقة. فالراديكالية ليست شرا بحد ذاتها، كما أنها تظهر دوما بوصفها تيارا ملازما للحركات التاريخية الكبرى. بل يمكننا القول، بأنها تظهر بوصفها التيار الملازم لوعي الانتقال أو الانتقام. بمعنى أنها تتحسس أو تدرك في أولويات رؤيتها العملية قيمة أو ضرورة التغيير.

فالراديكالية هي الصيغة الأكثر فعالية لسيادة الرؤية النفسية والوجدان العاطفي، أو للحراك الشرس لترهل التقاليد أو جمودها المحاصر بقيود الغيرة وحمية الإيمان. الأمر الذي يجعلها دوما في «طليعة» المواجهة والتحدي، وفي مقدمة العازمين على الفعل، شأنها شأن كل طاقة مغرمة بما تعتقده صحيحا ومقدسا. من هنا ملازمتها لمراحل الانتقال الكبرى والعاصفة في تاريخ الأفراد والجماعات والأمم. وذلك لأن من الصعب تحلي الأفراد والجماعات والأمم بقواعد السلوك العقلاني في مراحل الانتقال العاصفة والتحولات العنيفة المتوقعة منها والمفاجئة. إذ عادة ما تلف هذه الأحداث الجميع في أفلاكها وتثير فيهم كوامن الغريزة وعنفوان الجسد بالشكل الذي يعطل في الأغلب تأملات العقل وصدق الحدس ويرميهما في سلة الانتماء والمواجهة. وهي الحالة التي تجعل من عقلانية الرؤية وواقعيتها أمرا غاية في التعقيد والندرة.

كل ذلك يشير إلى الحقيقة القائلة، بأن الانقلاب العنيف والمفاجئ عادة ما يذهل المرء، ويجبره على الغيبوبة مهلة من الزمن لكي يكون بإمكانه تأمل مقدمات الأحداث ونتائجها الممكنة. وهي حالة معقدة بالنسبة للفئات الاجتماعية والقومية، واشد تعقيدا ودرامية في الظروف التي يعيشها العراق حاليا. مما جعل ويجعل منها حالة فريدة من حيث قواها الاجتماعية والسياسية وسندها الأخلاقي، خلافا لحالات الانتقال التي لم يخل منها تاريخ كثير من الأمم والدول. إذ يقف العراق أمام انتقال جرى بمعزل عن إرادته الخاصة، وفي ظل ضعف شبه شامل لقواه الاجتماعية والسياسية، وهشاشة البنية الاقتصادية للدولة واندثار سندها الأخلاقي والمعنوي. وفي ظل هكذا ظروف، يصعب توقع أن تكون ردود الأفعال متسمة بالقدر الضروري الذي تفترضه الحكمة السياسية والتاريخية للمجتمع وقواه السياسية والفكرية. وعادة ما يفرز هذا الواقع اشد الصور والنماذج تطرفا وراديكالية في التعامل مع النفس والآخرين. كما أنها الحالة التي تجعل من الفكر جزء من الأهواء السياسية. مع ما يترتب عليه من تلاشي الأبعاد الاجتماعية في السياسة نفسها. أما تكامل الفكر والاجتماع والسياسة في وحدة مربوطة ومعقولة بفكرة الدولة والهوية الوطنية، فإنه يتطلب على الأقل حدا أدنى لتذليل حالة الانتقال ونفسية المؤقت في سلوك وشخصية الأفراد والجماعات والأحزاب السياسية. وهو أمر ممكن فقط من خلال ترسيخ بنية الدولة الشرعية ومؤسساتها المحترفة، بوصفه الأسلوب القادر على صنع النظام الضروري للحرية الفردية والاجتماعية ومن ثم تأهيل الجميع لرؤية الحد الفاصل بين المفاهيم والقيم. حينذاك يصبح من الممكن رؤية الأبعاد الضرورية في مفاهيم وقيم المجتمع المدني والديمقراطية والعدالة والحق والنضال والجهاد والمقدس وغيرها.

وإذا كانت كلمة الجهاد والمقدس أكثر الكلمات إثارة في مجال الوعي الاجتماعي والسياسي والأخلاقي في ظروف العراق الحالية، فلأنه يعاني من شحة مضمونها الحقيقي. فقد ابتذلت الدكتاتورية الصدامية والتوتاليتارية البعثية كل المعاني الإيجابية الممكنة في فكرة الجهاد والمقدس. وجعلت منهما مجرد كلمات مثيرة للتقزز وذلك بسبب وضعها كل الأصناف المتخيلة للإرهاب تحت شعارات «الجهاد المقدس». بعبارة أخرى، أنها اختزلت الجهاد والمقدس في أفعال تتعارض بصورة مطلقة مع المضمون المتراكم فيهما تاريخيا بدء من عصر الخليقة وانتهاء بالعثور على صدام في مخبئ الفئران! وتعبر هذه الصورة من الناحية التاريخية عن الضعف الفعلي في بنية الدولة والمجتمع وعدم قدرتهما على تجاوز مرحلة الأسطورة إلى مصاف المنطق في التعامل مع الإشكاليات الواقعية التي تواجهها الدولة والمجتمع. حينذاك يصبح «المقدس» الشعار الذي ينبغي أن يستقطب القوى الكامنة في الأفراد والجماعات والأمة في قبضة واحدة قادرة على التلويح والمواجهة والعراك. حينذاك يصبح المقدس فعلا سياسيا له معناه وقيمته الفعلية. أما في ظل افتقاد الأفراد والجماعات والأمة إلى دولة قادرة على تقديم نفسها باعتبارها حاضنة وجودهم التاريخي وهويتهم الوطنية، فإن الكلمات المعلنة والشعارات المدوية في سماء الإعلام تصبح مجرد أصوات مثيرة للسماع فقط. مما يجعل منها صخبا مزعجا ويفقد الكلمات بريقها المغري ومعناها المثير للعقل والوجدان. وتؤدي هذه الحالة بالضرورة إلى إثارة أفعال مضادة لما في أصول الكلمات. ولعل كلمة الجهاد والمقدس من بين أكثرها نموذجية بهذا الصدد في ظروف العراق الحالية.

فكلمة المقدس من بين أكثر الكلمات تعقيدا بالنسبة للتفسير العقلاني والتأويل الوجداني وذلك بسبب صعوبة حصر مضمونها بأمور هي نفسها عرضة للزوال. والجهاد نفسه يفترض تحديد الأبعاد الضرورية لما دعته تقاليد الإسلام الفقهية والفلسفية بفكرة الفرض والواجب. في حين إن كل ما هو حولنا من مظاهر الوجود دلائل على أنها عرضة للتغير والتبدل. ومن ثم فإن كل القيم التي تبدو في مظهرها شديدة الثبات تنحل كما لو أنها من مخلفات الماضي وبقاياه الميتة. وهي حالة تجعل من الضروري أيضا إعادة النظر النقدية بفكرة المقدس وتأويلها الوجداني بالشكل الذي يجعلها حية وإنسانية من حيث دوافعها وغاياتها. لاسيما وإن الكثير من الأعمال الإجرامية التي جرى ويجري اقترافها في العراق حاليا عادة ما تؤطر وتقدم على أنها جزء من تاريخ «مقدس» و«جهاد» من اجله. وبهذا المعنى يمكن النظر إلى مظاهر الإرهاب والتخريب الحالية في العراق على أنها جزء من تقديس العنف المميز لزمن التوتاليتارية والدكتاتورية. بعبارة أخرى، إن ما جرى ويجري من إرهاب هو التعبير النموذجي عما يمكن دعوته بالاستظهار السياسي العابر للأمراض المزمنة الموروثة من بقايا وتقاليد الاستبداد. إذ نعثر فيها ليس فقط على محاولة إثارة الفتنة الطائفية، بل واستمرار لها.

ذلك يعني أن هذا النوع من «الجهاد» ما هو في الواقع سوى الصيغة الأكثر تطرفا للخروج على إمكانية الإجماع العراقي حول مبادئ وقيم يمكنها أن تعيد إنتاج المعنى الحقيقي لفكرة المقدس بوصفه كل ما لا يمكن ابتذاله، ولفكرة الجهاد بوصفه أسلوبا للمساهمة العقلانية في بناء الذات العراقية. وتفترض هذه الاستعادة الانطلاق من تحديد طبيعة الصراع الحالي وآفاقه. انه يفترض الإقرار بأن جوهر الصراع القائم في العراق اليوم يقوم بين ممثلي تقاليد الاستبداد والتوتاليتارية والتقليدية من جهة، وقوى الديمقراطية والدولة الشرعية والمجتمع المدني من جهة أخرى. وإذا كانت القوى البعثية - الصدامية التي كانت تمثل تاريخ الاستبداد والتوتاليتارية والتقليد قد تعرضت إلى هزيمة سياسية ساحقة، فإن رصيدها الأيديولوجي والاجتماعي مازال يتمتع بقوة نسبية في العراق. وهو رصيد له موارده القوية على الصعيد المحلي والعربي والإسلامي المتمثل بالقوى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية التي ارتبطت به سياسيا وتاريخيا طوال وجوده في سدة الحكم. وليست هذه القوى في الواقع سوى السبيكة الجديدة من التطرف والإرهاب التي يشكل الغلاة الجدد في العراق نواتها الفاعلة. فهي القوى التي تحاول استلهام فكرة المقدس المزيفة والجهاد المقلوب من اجل تحويلهما إلى غطاء سياسي لاستعادة البنية التقليدية وتراث الاستبداد والتوتاليتارية المنحلة.

فهي قوى لا تدرك لحد الآن الحقيقة البسيطة القائلة، بأن الاستبداد مصيره الزوال. إلا أننا نعرف في الوقت نفسه، بأن زواله عادة ما يثير كميات هائلة من المشاكل والمعضلات التي تقع على الأجيال اللاحقة مهمة حلها. وليس ما يجرى في العراق حاليا سوى الاستمرار «الخفي» لتقاليد الاستبداد، التي جرى إعادة إنتاجها من خلال ملابسات تاريخية هائلة، مرتبطة بطبيعة الاحتلال الكولونيالي للعالم العربي وتجزئته، وبعثرة التراكم الفكري والاجتماعي والمؤسساتي فيه من خلال الانقلابات العسكرية، وصعود الهامشية إلى السلطة، وسيادة النزعة الراديكالية. وبمجموعه أدى ذلك إلى صنع توتاليتاريات دنيوية ودينية، ليس الغلاة الجدد سوى الصيغة الأكثر همجية لها. بمعنى أنها الحالة التي تشير إلى تزاوج وتوليف التقاليد التوتاليتارية الدينية والدنيوية. ويمكن فهم آلية نشوء هذه الظاهرة وفعلها إذا أخذنا بنظر الاعتبار كون العراق البعثي الصدامي كان «العتبة المقدسة» لهؤلاء الغلاة الجدد، الذين اخذوا يتحسسون سقوطها التاريخي، باعتبارها خيانة تاريخية «لمقدساتهم». وليس مصادفة أن تكون ردود فعلهم عنيفة للدرجة التي تتطابق من حيث الوسيلة والغاية مع أكثر مظاهر العنف الهمجي، تماما كما تغيب صورتهم الفعلية وراء ملامح الملثمين والمقنعين، أي المختبئين وراء أغشية تمثل في رمزيتها غطاء الغيلة والغدر.

فمن المعلوم والمعروف عن التاريخ الفعلي للراديكاليات «المتنورة» و«اليسارية» هو وضع نفسها وإعلاناتها السياسية في صف واحد يرتقي إلى مصاف الاستعداد المباشر والعلني للتضحية الفردية، باعتباره أسلوب تأييدها وتوكيدها وتحقيقها للفكرة العامة. في حين يمثل الغلاة الجدد في أساليبهم احد أكثر نماذج السقوط السياسي، كما يظهر ذلك في هذا الكم الهائل من التفجيرات القاتلة في مختلف مدن العراق. وتشير هذه الممارسة أولا وقبل كل شيء إلى طبيعة الفراغ الذي صنعه زمن طويل من نفسية الاستبداد والقتل الجماعي الملازم له. وإذا كانت مختلف أساليب القتل الجماعي للمدنيين العراقيين تستهدف أساسا «الشيعة» وأماكنهم «المقدسة»، فإن ذلك يشير أما إلى فقدان فكرة المقدس عند فاعليها أو تأكيدها العكسي. بمعنى اعتبار هذه الأفعال أعمالا تستمد «قدسيتها» من حيث كونها موجهة أساسا ضد الشيعة. وهي نفسية ليست غريبة على تقاليد التسنن السلفي منذ أن أطلقت للمرة الأولى تسمية الروافض، ومنذ أن أصبح شتم الإمام علي من على المنابر جزءا من تقاليد الصلاة الأموية (السنية)! وهي الحالة التي أكثر ما يمثلها تيار «القاعدة» أو «الجهاد في بلاد الرافدين» وأخيرها لحد الآن داعش!

وهي حالة ونموذج سوف تطرحان في وقت لاحق مهمة تحليل الأبعاد الأخلاقية في الفكر والممارسة السياسية العراقية الحالية، إلا أنها تبقى من حيث كونها ظاهرة سياسية حادة جزء من قضايا الحاضر، وبالتالي جزء من حالة الانحطاط السياسي والروحي الذي عادة ما يثير في مراحل الانعطاف الكبرى نفسية الراديكالية المتنوعة. وليست ظاهرة الغلاة الجدد في الواقع سوى النموذج الذي يمثل حالة ما أسميته بالحراك الشرس لترهل التقاليد أو جمودها المحاصر بقيود الغيرة وحمية الإيمان المزيف.

إننا نعرف جيدا بأن الأحداث الدموية لا تنشأ عن فراغ. بل يمكننا القول، بأنها التعبير النموذجي عن خلل هائل أما في بنية الدولة أو العلاقات الاجتماعية أو الأخلاق أو الفكر أو في جميعهم. وإذا كانت الطبيعة لا تحب الفراغ، فإن الفراغ الذي صنعه التسنن السلفي على امتداد قرون عديدة يشير إلى طبيعة الخلل الهائل في بنية الفكرة الإسلامية السنيّة وتقاليدها ككل. وهي تقاليد برزت بكامل قوتها التخريبية في العقود الأخيرة، بعد أن تمازجت مختلف تياراتها الراديكالية في سبيكة يصعب تحديدها بشكل دقيق، إلا أنها تتميز بصعود متنام لنفسية الإرهاب والعداء الشامل لكل ما لا يستجيب لتصوراتها وأحكامها، أي لعقائدها الخاصة.

فالعناصر الجزئية للعقلانية والليبرالية التي تراكمت في مجرى القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين في الحركات الإسلامية السنيّة قد أخذت بالاندثار شبه الشامل والتام مع صعود السلفيات السياسية المتشددة. ولعل من أهم مفارقات هذه «السلفية» هو فقدانها للأصول بالمعنى الفلسفي والفقهي والسياسي. الأمر الذي جعل من تصوراتها في الأغلب نسيجا خشنا من العقائد والأحكام الفقهية المرتبطة بعقائد الإيمان الرتيب والسلوك المناسب له.

لقد كانت هذه السلفيات المتشددة ردا مباشرا على هزيمة السلفيات الدنيوية (التوتاليتارية) واستكمالا لها. وفي هذا الواقع نستطيع العثور على استعادة حية للفكرة التي بلورها ابن خلدون قبل ألف عام عن خصوصية الانتقال من البداوة إلى التمدن. إلا أن هذه الخصوصية تكشف لنا في الوقت نفسه عن بعد آخر لم يتطرق إليه، ألا وهو طبيعة الارتباط العضوي بين البداوة والتسنّن السلفي الذي عادة ما يؤدي إلى إعادة إنتاج نفسية الاستبداد وفكرته السياسية في «الدولة». وهي حقيقة يمكن تأملها على أمثلة التاريخ الإسلامي ككل. فقد كانت جميع مراحل انحطاطه الثقافي مرتبطة بصعود التيار السنّي السلفي. وليس اعتباطا ألا ينتج التسنّن السلفي أية منظومات فكرية فلسفية. كما انه ليس اعتباطا أن يناهض الفلسفة العقلانية والتصوف والتشيع ومختلف المدارس الإنسانية الإسلامية الكبرى من خوارج ومعتزلة وغيرهم. بمعنى سلوكه التاريخي المتأصل في العداء لإبداع العقل الرفيع والروح المتسامي والوجدان الخالص. وليس اعتباطا ألا تتعدى التصورات والأحكام العقائدية المميزة للسلفيات المتشددة القديمة والمعاصرة أكثر من اجترار جزئي لمجموعة من الآيات القرآنية والأحاديث الموضوعة (الكاذبة). إضافة إلى أن اغلبها لا علاقة له بالحياة ومتطلباتها. إذ لا يتعدى أقصى اهتمامها متطلبات الجسد والماورائيات الغارقة بزبد التمنيات والعجائب. وهي صفات يمكن فهمها على أنها النتاج الملازم لنفسية البداوة والاستبداد.

ويشكل تاريخ السلطة في العراق الحديث نموذجا ناصعا لهذه النفسية. والقضية هنا ليست فقط في أن مرتع السنّة في العراق هو منطقة البداوة التاريخية، بل وفي اندماج تاريخ البداوة وبنيتها التقليدية بالسلطة. وليس اعتباطا أن تعارض هذه النفسية وترفض رفضا قاطعا فكرة ومبدأ الانتخاب والاختيار تحت حجج وذرائع شتى. أما في الواقع فإنها الصيغة الماكرة لنفسية البداوة والاستبداد، التي تعتقد بأن الشيخ يولد ليسود.

وفي ظل هذا التاريخ الخاص لنفسية البداوة والاستبداد، أصبح التسنّن في العراق المعاصر أحد المصادر الكبرى للاستبداد وتبرير الإرهاب. وإذا كان هذا الانطباع العام والجلي في الوقت نفسه في كل مناطق العالم الإسلامي والعالم ككل، فإن خصوصيته في العراق تقوم في انه اخذ يشعر للمرة الأولى بفقدان زمام «المبادرة» وانحساره التاريخي إلى حدوده الطبيعية. بمعنى إرجاعه إلى تخوم البادية. إذ لم يصنع التسنّن المتشدد والسلفي في العراق سوى صحراء قاحلة. ومن ثم لا يمكنه مع كل هبة ريح أن يجلب غير الرمال والرماد وبقايا عالم لا حياة فيه. والأحداث الدموية المتكررة في مختلف مدن العراق ليست إلا الصيغة الفعلية لهذه الرياح الرملية. إنها يمكن أن تصنع كثبانا من القتلى والجرحى، لكنها لا تستطيع حبس جريان الأنهار.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذا التيار الجديد في الحركة السياسية العراقية والإسلامية وتقاليد المقاومة يكشف عن افتقاده لأبسط مقومات العيش والنجاح. وهو تيار لا يمكنه الاكتمال والظهور سياسيا وفكريا بسبب ضعفه مقارنة حتى بأكثر الأشكال تخلفا كما هو الحال في الوهابية المعاصرة وحركة طالبان. الأمر الذي يعطي لنا إمكانية الحكم بزواله السريع مقارنة بأمثاله لأنه يجمع بين قوى متناقضة لا يوحدها سوى العداء العلني والمستتر لفكرة الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي والمجتمع المدني، أي ضد التيار الكاسح للتقدم والحرية. والقضية هنا ليست فقط في أن الالتفاف برداء «المقدس» لا يقدس المرء، بل ويلزمه بالضرورة الارتقاء إلى مصاف البدائل الأجمل. بينما لا توجد في كل حيثيات الغلاة الجدد العلنية والمستترة ما يوحي باقترابها من ابسط مقومات ومبادئ الاعتدال المميزة لتقاليد الإسلام الحقيقية وتاريخ الحركات السياسية المعتدلة والإنسانية القديمة والحديثة. إذ ليس في أقوال وأعمال الغلاة الجدد ما يمكنه أن يوحي ولو عن بعد بإدراك أدنى مستويات المقدس وحقيقة الجهاد. إذ لا يتعدى «مقدسهم» أكثر من كونه الصيغة الأيديولوجية للتعصب والانعزال الثقافي شبه التام، والاغتراب عن قيم الحضارة الإنسانية وتاريخها الموحد، والانهماك الفرج بالهمجية والعيش بقيمها المدمرة. وهو غلو يقف من حيث الجوهر على هامش الحركة العامة للظاهرة الإسلامية الكبرى بوصفها مركزية إسلامية عالمية. وليس ذلك بسبب تمثيله لمصالح لا علاقة لها بالعراق وواقعه الحالي وآفاق تطوره فحسب، بل ولاغترابه الشامل والتام عن حقيقة الإسلام. فحقيقة الإسلام ليس في السنّة والتسنن، بل بمبادئه الكبرى. أما في ميدان الحياة السياسية فإنه يقف ضد التيار العام للتحرر والديمقراطية والنظام الشرعي.

***   ***  ***

ا. د. ميثم الجنابي

 

مجدي ابراهيملمّا نشرتُ عن "التوحيد" شذرة لأحد العارفين تقول إنه: "استقامة القلب مع إثبات مُفارقة التعطيل"، تساءل أحد الزملاء.. ما معنى مُفارقة التعطيل؟ وقال متابعاً: هل هو مصطلح صوفي متفق عليه ومعروف لديكم.. أم أنه بلاغة فى استخدام اللغة، أم كلاهما؟ ما الذي يُراد بمفارقة التعطيل؟ صعوبة النّص الصوفي تبدو لي بسبب أن ألفاظه معظمها تميل الى التجريد.

من ناحيتي أنا، أجبتُ عليه في حينه، ولمّا عاودتُ النظر في مفارقة التعطيل وجدتُ أنّ الإحاطة بالمعنى الحرفي لم تكن كافية، فلزم التنويه إلى التوسّع في هذا المعنى إضافةً إلى ما ورد.

أما المعنى الرمزي أو العقلي، فلم أزد فيه شيئاً على ما ذكرته، فأبقيتُه كما هو، لا زيادة عليه لمستزيد.

يلزمني من باب الأمانة العلميّة أن أعرض لما ورد:

للمفارقة دلالتان، إحداهما قريبة، وهى الدلالة اللغوية، والثانية بعيدة، وهى الدلالة الفلسفيّة، فاللغويّة تعني: اجتماع نقيضين في المعنى، وباجتماعهما تكون المفارقة .. خذ مثلاً: طلب الإصلاح في زمن الإرهاب.

لو السؤال هكذا: كيف يتمُّ الإصلاح في زمن القهر والتسلط والعنف والإرهاب؟!

الإصلاح فكرة تسيطر عليها القوى الروحيّة. والإرهاب واقع دامي تسيطر عليه القوى الماديّة. فلو جاء السؤال عن طلب الإصلاح في زمن الإرهاب؛ لتبادرُ إلى الذهن من الوهلة الأولى اجتماع النقيضين في عبارة واحدة .. فتكون إذْ ذَاَكَ مفارقة.

ويجتمع النقيضان في هذا البيت من الشعر:

(متى يبلغ البنيانُ تمامه إذا .... كنت ما تبنيه غيرُك يهدمُ)

لاحظ تمام البنيان وهدمه في ذات الوقت، هنا تكون المفارقة. ويجتمع النقيضان في عبارة "المطار السّري" فكيف يكون سرياً وهو مطار يعرفه الجميع ومشهود للجميع؟ فهنالك تصبح مفارقة.

ويجتمع النقيضان في اصطلاح (التقليديّة الجديدة)، كيف تكون تقليدية، وتكون جديدة في نفس الوقت؟ وهكذا دواليك! فالمفارقة هى اجتماع النقيضين في جملة واحدة.

أما الدلالة الفلسفية؛ فتأتي المفارقة فيها بمعنى التعالي والابتعاد التام عن الواقع المحسوس، هنالك العقول المُفارقة؛ أي التي لا تتلبّس بمادة، ولا تحلّ في مادة، ولا يمكن أن يكون لها اتصال بمادة .. المُفارقة من الجهة الفلسفية تعني أن لا وجود لهذه العقول في الكون المادي. وما دامت هناك عقول مُفارِقة، فلابد أن تصدر عنها علوم، تسمّى أيضاً بالعلوم المُفارقِة، التي هى الميتافيزيقا أو العلوم الإلهية.

وزيادة على هذا، نأتي إلى مُفارقة التعطيل، ليجيء المعنى الحرفي كونه لا يتضمّن هنا الدلالة اللغوية، ولا يشمل الدلالة الفلسفية، ولكن يشي فقط بمعاني البعد والتنائي والعزوف والإعراض.

فارق التعطيل؛ أي أبتعد عنه، وانأى، واعزف واعرض، فلا هو داخل في الدلالة اللغوية للمُفارقة ولا في الدلالة الفلسفية، إذ أن استخدام المتصوفة للدلالات إنما هو استخدام مرموز. ومن هنا، تجئ الصعوبة في اللغة الصوفيّة، كما يكون التجريد في المعنى مما من شأنه أن يوحي بالتباس الدلالة.

الصعوبة في إثباتها: إثبات مُفارقة التعطيل .. لكن معناها حرقيّاً ورمزيّاً، يتلخّص في الآتيً:

(١) المعنى الحرفي: تعطيل الحكم الإيماني إزاء العقيدة، كأن تؤمن بعقيدة القضاء والقدر مثلاً من طريق النظر مع تعطيلها على مستوى الفعل والمباشرة. فالمطلوب إثبات مفارقة التعطيل من العقل أو من الشعور.

المفارقة هنا، بمعنى الترك والهجر والبعد عن التعطيل، ثم لا تكتفي بذلك، بل تثبت بالفعل مفارقتك التعطيل، وعزوفك عنه، ونأيك وإعراضك. هذا ما يبدو من حرفيّة المعنى.

(٢) المعنى العقلي: تجريد الذهن في استنباط الدلالة، فلن يكون التوحيد سالماً من العلل ما لم يستقم القلب على إثبات مفارقة التعطيل، أي خلوص الإيمان من شوائب الشرك والزندقة والتعطيل، ووقوف القلب خالصاً في مواجهة الرّب، ولا يمكن من هذه الجهة التعبير عن التوحيد بالعبارة العادية واللفظ المعتاد؛ حتى إذا قلتَ: أنا مؤمن بالله، أو تحدّثت عن توحيدك لله، فقد أشركت به من حيث لا تدري! لماذا؟

لأن العبارة عن التوحيد نفسها شرك؛ لأنها غير الله، وبالتالي التعبير عن التوحيد نفسه شرك؛ إذْ لا يخلو تعبيرك عن الله من عبارة عاديّة ومن لفظ معتاد .. والعبارة واللفظ حُجُب، وكل محجوب مشرك بوجه من الوجوه، وما دمت جعلت مع الله (غيره) فقد أشركت به غيراً. ولهم في هذا الموطن: "ما دُمتَ تشير فلست بموحد". بمعنى أنه ما دمت تشير دوماً إلى الله؛ فلست بموحد حتى تفنى المشير والإشارة؛ لأن الملاحظ أن المشير والمشار إليه والمشار به، يتعقل أنه مشير والحق مشار إليه به، وأن ما صدر عنه هو إشارة، فهذا لا يكون موحداً ما لم يَفْنِ عن نفسه، وما لم يخرج عن دائرة حسه.

ولكون العارف مجموعاً في مقام الجمع لا يرى لنفسه عبارة ولا إشارة؛ فقد نصّ ابن عطاء الله السكندري في حكمة بالغة من حِكَمه على هذا المعنى حيث قال:" ما العارف مَنْ إذا أشَار وَجَدَ الحق أقرب إليه من إشارته، بل العارف مَنْ لا إشارة له؛ لفنائه في وجوده وانطوائه في شهوده". فالعارف على التحقيق لا إشارة له إذ تبدو العظمة والجلال عليه فتنسيه الدنيا والآخرة والدرجات والأحوال والمقامات والأذكار، وتفنيه عن كل شيء: عن عقله، وعن نفسه، وعن إرادته، وعن فنائه عن الأشياء، وعن فنايه عن الفناء؛ فيغرق في بحار التعظيم.

إذْ ذَاَكَ يستحق أن يُسمى عارفاً.

هذا هو معنى مفارقة التعطيل.

قل لي بربّك: ما قيمة هذا الكلام في زمن لا يعترف قيد أنمُلة بعالم غير عالم الحسّ أو عالم الواقع ممّا من شأنه أن يكون العلم التجريبي وحده هو القائد، يتعيّن الإقرار به وإنكار غيره؟

أقول لك حقاً من يستشعر لهذا الكلام خطره، يأخذه من جهة النفس لا من جهة الواقع أو جهة الحسّ. مكمن الخطر إذا هو جاء من باطن الإنسان، ومسّ شغاف قلبه، فلا نجاة له بعلوم العقل ومخترعات العلم والصناعة، وإنما تكون نجاته بعلم من عالم الروح تنتفع به الضمائر وتنصلح عليه العقول، إنما تكون نجاته بالدين وبالإيمان الديني والعقيدة الإلهية .. ولا نجاة له مطلقاً في غير هذا الطريق.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

عدي عدنان البلداويان وجودنا في اجواء مشحونة بأفكار المواجهة والتحدي، بالقدر الكبير الذي نعيشه اليوم، يضعنا في مواقف حرجة ومربكة الى حدّ ما، فمن الناحية الأمنية  نحن مطالبون بمواجهة الإرهاب والخطر .. ومن الناحية السياسية نحن مطالبون بمواجهة الإخفاقات والفشل والتصدي لهما .. ومن الناحية الصحية مطالبون بمواجهة ومحاربة الأوبئة والتلوث وكثرة الأمراض التي تظهر لأول مرّة وأمراض الحروب ومخلفات الأسلحة التي استخدمت .. ومن الناحية التربوية مطالبون بمواجهة الإخفاق الذي بدا واضحاً في عمل مؤسسات الدولة في رعاية ابناء البلد وتعليمهم وتربيتهم .. ومن الناحية الثقافية مطالبون بمواجهة الإنحرافات الفكرية والتيارات الثقافية المبطنة ..

ان وجودنا في هذه الأجواء بشكل متواصل جعل فكرة المواجهة والحرب والتحدي تصطبغ بصبغة اعتيادية مألوفة في المجتمع، وهذا يجعلنا ندمن حدّة المواجهة حتى في الحوارات التي ينبغي فيها ان يسمع صوت العقل، واذا بالأيدي تتحرك وتشمّر عالياً، والأصوات تعلو ويحتدم النقاش ليتحول الى الأيدي والألسن في مواجهة عضلية أمام الكاميرات في كثير من القنوات الفضائية ..

واخذت هذه الظاهرة تحتل مكانها في نفوس الناس، فما ان يثار احدهم حتى يتنمر سلوكه ويصبح خطراً حقيقياً قد لا يمكن تداركه كما في حالات الشجارات التي تنتهي في المستشفى أحياناً، او في مراكز الشرطة أحياناً اخرى، وامتد هذا الخطر ليصبح سمة جماعية توصف بها هذه العشيرة او تلك، فترى جمعاً من الرجال والشباب يحملون السلاح ويطلقون النار لأمور تجعل المشاهد منذهلاً لما وصل اليه حال القوم ..

ولا ننسى دور العالم الافتراضي في فتح اجواء العنف والتوتر عبر العاب رقمية كـ(البوبجي) التي القت بضلالها على حياة الناس واستقرار الأسرة وخصوصيتها فوقعت مشاكل كثيرة كان ضحيتها الشخصية الانسانية ..

الانسان حريص على ما منع ..

ان تركيز الاهتمام على الممنوعات والمحرمات والمحضورات ودعوة مقاومتها، وترك تركيز الاهتمام بالواجبات والمتطلبات، هو شكل من اشكال العبث الفكري أو المجهود الذي لا جدوى حقيقة منه، فكم حذرت اجهزة الدولة  ومنعت بيع الخمور، واغلقت محال بيعها، والملاهي التي تقدم المشروبات الكحولية، وكم هي منتشرة اليوم .. وكم حاربت اجهزة الدولة بيوت البغاء، وطاردت العاملين في هذا النشاط اللاخلاقي، وهي لا تزال موجودة ولعلها ازدادت وتنوعت متسترة بلباس لا يجلب الشك والريبة ..

وعلى الصعيد السياسي نلاحظ عبر الإعلام، تهكم هذا المسؤول على ذاك، وتركيز هذه الجهة على سقطات تلك الجهة، مبتعدين تماماً عن فكرة المشروع الذي ينبغي العمل عليه والذي ينبغي ان يقوم النقد على اساس الإخلال بذلك المشروع لما يعنيه من أهمية للمجتمع، ومن الطبيعي ان لا يلمس المواطن اي تحسن في الأداء الحكومي ..

ان مناهضة الفشل قد لا تحقق النجاح  بالقدر الذي تحققه مساندة النجاح .. فلكي ننجح علينا ان ندعم النجاح اكثر من وقوفنا بوجه الفشل، و الفارق بين الفكرتين أن مناهضة الفشل تركز على الفشل وقد يضيع قدر كبير من النجاح  جراء هذا التركيز، بينما يركز دعم النجاح على النجاح وحده، وفي هذا التركيز  سينتهي الفشل ..

ومناهضة العنف قد لا تصنع سلاماً بقدر ما تشتغل على توفير امكانات مواجهة العنف وتحديده والقضاء عليه، فمناهضة الفاشلين قد لا تأتي بالناجحين، مثلما هو تركيز الإهتمام بالنجاح ومواصفات الشخصية الإجتماعية الناجحة في مجالات الثقافة والسياسة والتربية وغيرها..

لو اهتمت اجهزة الدولة وركّزت اهتمامها على السلام والخير وعملت على تحفيز الناس للقيام بأعمال وانشطة سلمية ايجابية، فإن ذلك له أثره في انحسار السلبيات، وقد نلاحظ هنا وهناك انشطة من هذا القبيل لأشخاص بجهود فردية أو جماعية محدودة ينتهي ذكرها واثرها بالثناء، أو تسليط الضوء عليها لدقائق عبر احدى القنوات الفضائية، أو كتاب شكر وشهادة تقديرية من احدى الجهات أو الأشخاص ..

في التاريخ  شواهد كثيرة، وفي الواقع شواهد كثيرة ايضاً، فقد رأينا كيف واجه النبي ابراهيم جهل قومه وانصياعهم لأفكار كانت مألوفة لديهم لا مجال لإنتقادها وإعادة التفكير بها، وهيأ لهم الأجواء التي تمكنهم من تغيير طريقة تفكيرهم ..

ورأينا كيف تمكن نبي الرحمة محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم من مواجهة عصبية قومه حتى تمرنت عقولهم ونفوسهم لاستيعاب المعنى والهدف ..

كان الخطاب القرآني يقوم على التربية وتدريب النفس، ففي سياق الحديث عن سلوكيات النبي، كان بعض المسلمين يقولون في حديثهم مع النبي (يا محمد) و ( ياابن عبدالله) حتى نزل قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تجعلوا دعاء النبي بينكم كدعاء بعضكم بعضاً..) فقد دعاهم بالمؤمنين ثم طلب منهم مغادرة هذا النمط السلوكي في مقام النبي وان كانوا يعتادونه بينهم ..

وورث اهل بيت النبي أفكاره صلى الله عليه وآله، فهذا التاريخ يخبرنا عن رجل من اهل الشام اعترض الإمام محمد الباقر عليه السلام في المدينة فسأله: أأنت من يسمونه البقرة !

ردّ عليه الإمام دون توتر بل يسمونني باقر العلم ..

فقال له الرجل: افأنت ابن الطباخة ؟ فردّه الإمام ما يعيبها ذلك .. وتمادى الرجل اكثر فقال له : اذن انت ابن البذية، ردّه الإمام قائلاً: ان كنت صادقاً غفر الله لها، وان كنت كاذباً غفر الله لك ..

ترك هذا النمط من التعامل مع الآخر وقعه واثره، فقد تغيرت طريقة تفكير ذلك الرجل بعد ان وجد النتيجة على غير ما كان يتوقعه، كما حصل مع  رجل  أخذ يسب ويشتم اهل بيت النبي على مسمع من الإمام الصادق عليه السلام، فتقدم اليه الإمام وكان برفقته بعض شباب بني هاشم، فبادره بالقول تبدو غريباً عن الديار، الك حاجة فنقضيها لك، استغرب الرجل ردّة فعل الإمام قائلاً له كان بوسع الفتية الذين معك ان يوسعوني ضرباً على ما قلت بحقك، واذا بك تسألني قضاء حاجتي ..

وقد رأينا في سياق الحياة الاعتيادية لأشخاص، لم تتهيأ لهم مناخات النبوّة والوحي، مثلما تهيأت لهم مناخات الوعي، فقد واجه غاندي الاحتلال البريطاني لبلاده وهو لا يملك عدّة وامكانات الجيش البريطاني، فاختار السلم مقابل العنف،  ما اضطرهم في النهاية الى الانسحاب من الهند ..

في احدى ولايات أمريكا كانت كاميرات المراقبة تسجل خروقات كثيرة للسيارات المارّة في احدى الطرق الخارجية السريعة بحيث لا تتمكن كاميرات المراقبة من رصد رقم السيارة لشدّة سرعتها، فكانت حوادث كثيرة تقع جرّاء ذلك، فدعت الجهات المسؤولة الى ايجاد حل لهذه المشكلة، وكانت الفكرة ان يصار الى لافتة الكترونية  ضوئية كبيرة على جانب الطريق تخبر سائق السيارة انه لو مرّ بقرب الكاميرا  وظهرت علامة الدولار الخضراء على اللوحة الالكترونية، فهذا يعني دخول رقم  سيارته الى القرعة الأسبوعية للفوز بمئة دولار، وفعلاً تم العمل بهذه الفكرة حتى سجلت كاميرات المراقبة انخفاضاً كبيراً في عدد الخروقات ..

لكي نحارب العنف علينا ان نركز اهتمامنا على السلام والامان اكثر من تركيزنا على ملاحقة المجرمين وتكريس كل الجهد والوقت لذلك، لأن اقتصار الجهد على محاربة العنف جعل مساحة الأمان تصغر في قلوب الناس ونفوسهم، وانكمشت فكرة العفو نوعاً ما، واخذ السلام موضع اللفظ في حياة الناس، وما حالات العنف الأسري المعلن عنها، وغير المعلن عنها وهي اكثر، ما هي الا مؤشرات تلزمنا الوقوف عندها لحدّها ومعالجتها ..

لماذا تعتني اجهزة الدولة بنشر ملصقات وارشادات واعلانات تدعو المواطنين  فيها الى التبليغ عن الحالات المشبوهة، اكثر من نشرها لملصقات وارشادات تحثّ على السلام والأمان، الأمر الذي أصّل في الناس مفاهيم التحدّي وجهوزية المواجهة ..  احدى القصص المنشورة على صفحات التواصل تروي خلافاً وقع بين اثنين، تأزم ليصل الى خلاف العائلتين، وتأزم اكثر ليصل الى خلاف العشيرتين، واستنزف الأمر كثيراً من الجهود والإمكانات لإحتوائه..

وامتد هذا النوع من التفكير الى الأوساط السياسية، كما رأينا في تأزم خلاف شخصي بين نائبين في البرلمان تبادلا السباب والتشهير والتصريحات المهينة والسيئة  ما دفع بعشيرة احدهما الى دعوة الأخرى الى الفصل العشائري  ..

لأن تفكيرنا انحصر في حدود مشاعر الغضب والانفعال إزاء ما لايرضينا، فإن أحدنا يلجأ مباشرة الى ضرب ابنه اذا ارتكب خطأً ما، ويعاقبه بحرمانه من المصروف اليومي، او الذهاب في نزهة، أو.. أو..

لقد شغل موضوع العنف الأسري كثيرين في العالم، مؤسسات وافراد .. واقيمت لهذا الأمر محاضرات ومؤتمرات ومحافل وورش عمل ووضعت قوانين، ففي الغرب تعرض شاشات العالم الافتراضي والقنوات الفضائية ومواقع التواصل وشبكة الانترنت عناوين وارقام هواتف تدعو المرأة الى الاتصال اذا عنفها زوجها، وتدعو الطفل الى الاتصال اذا تعرض الى الضرب او سوء المعاملة من قبل ابويه .. اذا كان هذا ما تستطيعه الانظمة الحاكمة، فإن البناء الأسري وحماية الجو الأسري من التلوث هو ما ينبغي ان يترتب على ابناء المجتمع والمؤسسات الثقافية ..

في تقريرها الذي رفعته احدى المسؤولات عن الأقسام الداخلية للبنات في احدى الجامعات الى رئاسة الجامعة، قالت انها سجلت ملاحظتها على بعض البنات  يتصرفن خلاف الطريقة التي يأتين بها من بيوتهن، فهي تأتي من بيت اهلها الى القسم الداخلي محجبة، بينما لا تضع الحجاب حين تذهب الى الكلية ..

وذكر احد الأساتذة موقفاً غريباً لطالبة طردها من المحاضرة بسبب ملابسها الفاضحة، حين ردّت عليه بأنها خرجت بهذا الشكل أمام انظار ابيها ..

ان اقتصار التركيز على فشل الحكومة  في ادارة البلاد، قد لا يسهم في تقديم العون الى الناس بقدر ما يسهم في تلبس الناس بالفشل في حياتهم .. الأولى بالناس ان يركزوا على الأمور الإيجابية  في حياتهم كي لا يفقدوا حلاوة الدنيا في قول الرسول الذي اشرنا اليه اول الحديث، ولكي ينفتح المجال أمامهم لوعي المرحلة القادمة من اعمارهم، وتجنب عثرات المرحلة التي يعيشونها..

يأتي تقاعس البعض وركونهم الى الجانب البارد، من تفكيرهم  بأن التغيير يحتاج الى قوة كبيرة من الخارج تنقذ المجتمع مما هو فيه ومما ابتلي به، لكن اذا تغير التفكير الى قوة الداخل الموجودة في الإنسان الواعي، فإنه سيشعر انه يستطيع ان يحتوي العالم في داخله، كما اخبر الإمام في قوله (وتزعم انك جرم صغير وفيك انطوى العالم الاكبر) ..

بالوعي ندرك ان الخير الذي نقدّمه للآخرين ليس كرماً منّا، وليس بذخاً، كما انه ليس امتناناً بقدر ما هو انعكاس طبيعي للنفس الواعية،  فالخير نتاج وعي ومعرفة في طريق الحق، والشر نتاج فهم محدود موجّه .. (ومن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)، مثقال ذرة في كلا الحالين،  يمكن ان يكون خيراً، ويمكن ان يكون شراً، يحدد ذلك الفكرة الجيدة، او النية السليمة، أو الوعي .. 

ان تحديد الانسان في اطار الكائن البشري الحي فقط، يحدده، واذا تحدد نقصت طاقته الايجابية، واذا نقصت طاقته الايجابية، قلّ وعيه، واذا قلّ وعيه، فُسح المجال للطاقة السلبية لتشغل حيزاً في نفسه، واذا سيطرت الطاقة السلبية على النفس، انخفضت فاعلية الرحمة والخير، واذا وقع ذلك تلوثت اجواء التفكير بالسوء، واذا اصيب التفكير بالسوء، اضطربت الشخصية، واضطرب توازنها، واذا اضطرب توازن الشخصية، صعُب على الانسان ان يتعرف عليها، واذا صعُب على الانسان التعرف الى شخصيته، تعثر في اكتشاف ذاته، واذا لم يفلح في اكتشاف ذاته تساوت عنده الأيام، و(من تساوى يوماه فهو مغبون) ..

ان في قوله سبحانه وتعالى (وكرمنا بني آدم).. (وخلقنا الانسان في احسن تقويم) , تصريح الهي للانسان ليصنع وعيه، ويصنع عالمه،  ويتعرف الى ىشخصيته، ويكتشف ذاته ..  

 

البلداوي

 

محمود محمد علياستغلال الأقليات الدينية

نعود وننهي حديثنا في هذ المقال عن الكيفية التي جعلت إسرائيل تثير النعرات الطائفية في الوطن العربي من خلال استغلال الأقليات الدينية، وفي هذا يمكن القول : وترتكز نظرية شد الأطراف على عدة عناصر ذات أبعاد عرقية، كما ذكر " موشى فرجي " Mousi Faraji في كتابه "إسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان نقطة البداية ومرحلة الانطلاق " الصادر عن "مركز ديان لأبحاث الشرق الأوسط وإفريقيا"، التابع لجامعة تل أبيب .

أهمية الكتاب تكمن في أمرين، أولهما أنه يشرح بالتفصيل الدور الكبير الذي قامت به المخابرات "الإسرائيلية" في مساندة حركة تحرير الجنوب، سواء على صعيد الإمداد بالسلاح والخبراء والمال، أو على صعيد حشد التأييد الدبلوماسي والسياسي لمصلحتها. الأمر الثاني الذي لا يقل أهمية أو خطورة أنه يشرح على وجه الخصوص بالتفصيل أيضاً استراتيجية "إسرائيل" لإضعاف العالم العربي بوجه عام، وإضعاف مصر على وجه الخصوص. وكيف أن تلك الجهود الحثيثة استمرت حتى بعد توقيع مصر اتفاقية السلام مع "إسرائيل" في عام 1979م .

أفاض المؤلف في شرح نظرية "شد الأطراف" التي هي محور الكتاب وموضوعه الأساس. فذكر أنها ترتكز على عدة عناصر ذات أبعاد عرقية وعسكرية وسياسية، وعرض لكل واحد من تلك العناصر على النحو التالي:

من الزاوية العرقية كانت الفكرة بمثابة دعوة لخلق تجمع اثني يضم دولاً وجماعات غير عربية في إطار من العمل والتعاون لمواجهة المد القومي العربي، باعتبار أن ذلك المد يهدد تلك الدول والجماعات. وقد ركز الخطاب "الإسرائيلي" في هذا الصدد على أن خطر ذلك التهديد يجب أن يدفع تلك الأطراف إلى الاحتشاد في خندق واحد. وهذه الرسالة نقلها بصراحة ووضوح "بن جوريون " إلى كل من "عدنان مندريس" Adnan Menderes رئيس وزراء تركيا في أواخر الخمسينات، وشاه إيران والامبراطور هيلاسلاسي. وهذا هو المعنى الذي عبر عنه "مائير عميت" Meir Amit رئيس الموساد حين ألقى في عام 59 محاضرة على دفعة جديدة من عناصر الموساد قال فيها: إن التهديد بالخطر العربي الذي جسدته حركة المد القومي، كان لا بد أن ينجح في إثارة النوازع النفسية لدى الجماعات غير العربية داخل الدول العربية، وخاصة في العراق وسوريا ولبنان والسودان.. كما إن الوجود الاثني المتمثل في شعوب مثل الشعب "الإسرائيلي" والتركي والإيراني والإثيوبي، الذي يتناقض مع العنصر العربي المهيمن على المنطقة، شكل أساساً لقيام علاقة تحالفية بين "إسرائيل" والدول التي تمثل تلك الشعوب.

استخدمت "إسرائيل" سلاح التخويف من هيمنة العرب المعززين بالقوة النفطية، لكي تحث الدول والجماعات غير العربية إلى الاحتشاد والتحالف لدرء ذلك "الخطر". وقد عبرت عن ذلك جولدا مائير وزيرة الخارجية في مؤتمر لحزب العمال عام 1960، حين قالت: لقد نجحنا في إقناع الدول المحيطة بالدول العربية لإقامة "حلف الدائرة"، ليشكل سوراً من حول تلك الدول، يدرأ الخطر ويقي هذه الدول ويصونها من حركة القومية العربية .

فكرة التخويف من الخطر العربي استثمرت عسكرياً إلى أبعد مدى. فقد ركزت "إسرائيل" على أنه لا سبيل إلى صد ذلك الخطر إلا بإقامة تعاون عسكري وثيق بين "إسرائيل" وبين دول الجوار، وجندت لتلك المهمة أبرز الشخصيات العسكرية والسياسية. في هذا السياق عقد أول لقاء بين رئيس الموساد "رؤوفين شيلواه" Reuven Shiloah وبين وفد عسكري تركي في روسيا عام 1957، وتتابعت تلك اللقاءات في إيطاليا ودول أخرى. وكان التعاون العسكري والأمني لصد خطر المد العربي، هو الموضوع الرئيسي لكل تلك الاجتماعات. وما حدث مع تركيا تكرر مع إيران وإثيوبيا، حيث ركز بن جوريون في خطابه الموجه إلى تلك الدول على أن العرب يزعمون أن الشرق الأوسط هو شرق عربي، ومن الضروري أن تشكل الدول الأخرى غير العربية في المنطقة كتلة واحدة، لدحض تلك المقولة، وللدفاع عن وجودها واستقلاله .

هذا الجهد "الإسرائيلي" أثمر تعاوناً أمنياً وثيقاً مع الدول الثلاث (تركيا، إيران، إثيوبيا). وأدى إلى تنظيم لقاءات سرية عدة بين رؤساء الأركان في الدول الأربع، عقدت في كل من أنقرة وطهران عام 1958، وفي سياق ذلك التعاون أرسلت "إسرائيل" أكثر من عشرة آلاف خبير عسكري وأمني إلى تركيا وإيران وإثيوبيا. وتطور هذا الرقم في السنوات اللاحقة، حتى وصل عدد الخبراء العسكريين "الإسرائيليين" في إيران وحدها عامي 77 و 78 إلى أكثر من 20 ألف شخص. كما زودت "إسرائيل" كلاً من تركيا وإيران بأسلحة من صنعها، مثل صواريخ بر - بر (جبريال) ومدافع هاون وأجهزة رادار وبنادق ورشاشات من نوع عوزي.

إزاء النجاح الذي حققته "إسرائيل" على ذلك الصعيد، فإنها أصبحت مطمئنة إلى أن تلك الدول أصبحت تمثل قوى احتياطية لها في مواجهة العرب، وإن اختلف الموقف بالنسبة لإيران بعد قيام الثورة الإسلامية في عام 1979 .

في ذات الوقت اعتمدت "إسرائيل" الرؤية الاستراتيجية الشاملة لنظرية شد الأطراف على ضرورة خلق اصطفاف سياسي متجانس ومترابط ومتحالف مع الغرب. وحرصت "إسرائيل" على أن تقدم نفسها بحسبانها دولة تمثل امتداداً للغرب وعمقاً استراتيجياً له. واعتبرت ذلك يشكل قاسماً مشتركاً لها مع تركيا، كما تعاملت مع إيران وإثيوبيا على أنهما دولتان تدينان بالولاء للغرب. وفي سعيها لإبراز عوامل التشابه أو التطابق بينها وبين دول الجوار، فإن "إسرائيل" أرادت أن تكسر جدار العزلة السياسية التي فرضت من حولها، لأن تعاملها مع دول الجوار غير العربية من شأنه أن يوفر لها إمكانية التحرك إقليميا ودولياً باعتبارها دولة معادية في المنطقة. وفي هذه النقطة نبه المؤلف إلى أن تحقيق "إسرائيل" غاياتها السياسية في استراتيجية شد الأطراف لم يكن يتأتى لولا مساعدة القوى الغربية التي وجدت أن مصالحها تتوافق مع إقامة هذه الشبكة من التحالفات. ولذلك فإن جميع اتفاقات التعاون في مختلف المجالات بين "إسرائيل" والدول الثلاث لقيت دعماً غير محدود من جانب الولايات المتحدة وبريطانيا بوجه أخص .

خلاصة القول إن نظرية شد الأطراف وجذبها ثم بترها التي استخدمتها الولايات المتحدة ومعها إسرائيل نجحت في مهمتها ؛ حيث وجدنا الولايات المتحدة الأمريكية في عهد أوباما تستخدم موضـوع الأقليات الدينية في المنطقة العربية كوسيلة للوصول إلى أهداف استراتيجية، فالأهمية التي يحتلهـا الدين في حياة المجتمعات في العالم عموماً، وفي المجتمعات العربية خصوصاً، دفعت الولايات المتحدة الامريكية إلى استخدام هذا الجانب المهم في التلاعب بالمجتمعات العربية، للوصول إلـى النسيج الاجتماعي العربي في أدق مفاصل الحياة العربية.

ويعد الدين دافعاً مهـماً لتنظـيم الحياة الاجتماعية في ممارسـة الطقوس الدينيـة، ويذهب إلى أبعد من ذلك، حيث ينظم السلوك اليومي والحياة الاجتماعية، لذا فإنه يمكن تصنيف الإنسان على أساس دينه، وخصوصاً بعد تعدد الطوائف الدينية إلى أكثر من طائفـة داخل الدين الواحد، وبذلك يمكن تصنيف المجتمعات على أساس ديني طائفي ليسهل التعامل معها كوحدات مجتمعية ضعيفة .

إن عدم التجانس بين المجتمعات الاثنية بسبب اختلاف المستوى الفكـري والعقائدي، أدى إلى ازدياد الأقليات الدينية، والمذهبية، والطائفية في داخل الدين الواحد. فعلى سبيل المثال لا الحصر، أصبح الدين الاسلامي نتيجة الاختلاف الفقهي ينقسم إلى عدة طوائف ومذاهب، وكذلك الحال ينطبق على الدين المسيحي .

ويعد لويس التاسع ملك فرنسا وقائد الحرب الصليبية على بلاد العرب، الـذي انهزم في معركته مـع مسلمي مصر 1249-1250،هو أقدم من وصى لضرب المسلمين في نص وصيته التالية "إذا أردتم أن تهزموا المسلمين فلا تقـاتلوهم بالسلاح وحده، فقد هزمتم أمامهم في معركة السلاح، ولكن حاربوهم في عقيدتهم فهي مكمن القوة فيهم" .

فظهرت الحرب على المسلمين عن طريق ضربهم في عقيدتهم وشريعتهم الإسـلامية، وذلـك بإشاعة الصراعات الطائفية والمذهبية، لإضعافهم مـن جهة، وإثارة الحروب الأهلية من جهة أخرى. وبعد صعود اليمـين المسيحي المتطرف في انتخابات عام 2000 فـي الولايات المتحدة من جهة، وتفجيرات 11 سبتمبر 2001 الأمريكية، والتي نتج عنها فوز بوش الابن (المتطرف دينياً) التي نتج عنهـا إعلان الحرب على الإرهاب المتمثل بالعرب والمسلمين من جهة أخرى، فقد استغلت الولايات المتحدة الأمريكية وضع المنطقة العربية الذي يتنوع بالأقليات الدينية، والتي تعاني بعضها من الاضطهاد، لذلك سعت الإدارة الأمريكية في عهد باراك أوباما إلى تفتيت المجتمع العربي عن طريـق استغلال هـذه الاقليات للتدخل في شؤون المنطقة. ومع اختلاف من نادى في كيفية استيعاب الأقليات الدينية، إلا أنهم اتفقوا في استثمار هذه الأقليات لزعزعة استقرار المجتمعات العربية، حاملين بمعيتهم، المنظرين الأمريكيين، شعارات كالديمقراطية، وحقوق الإنسان، والحرية، واحترام الأديان، والتي تعتبرها الولايات المتحدة الأمريكية إحدى مهامهـا الأكثر إنسانية.

ومن أهم الذين اهتموا ونادوا لاستغلال الأقليات الدينية في المنطقة العربية، عن طريق تفتيتها للسيطرة على تلك المجتمعات:

1- زبجنيو برجنسكي :

قــدم برجنسكي عـدداً من الأفكـار من خلال مؤلفاتـه، التي نادت بتقسيم الـدول العربيـة والسـيطرة عليهم مـن دون الحاجـة إلى اسـتخدام قوات عسكرية، فقد نظم "برجنسـكي" خطـطاً استراتيجية ترمي إلى تفتيت الدول العربية من داخل بنائهـا الاجتماعي، وفي مقدمـة الوسائل التي نادى لها هي دعم كل الأقليـات الدينية، والمذاهب، والطوائف داخـل المنطقـة على غـرار مـا قام بـه سابقاً، خـلال الحـرب الباردة، بتنظيم ما يسمى (بالجهـاديين)، والتي نتج عنها تنظـيم طالبـان، فـي أفغانستان لمحاربة السوفييت، لخدمة المصالح الأمريكية. كما ذكر برجنسكي بخصوص وحـدة مصر وسـوريا أمراً مستحيلاً، لكون مصر ذات أصول وأعراق غيـر عربية، بينما سوريا ذات أصول عربية، لذلك أمر وحدتهما غير ممكن. وبالتالي يمكن أن تكون هنـاك دويلات على أساس الـدين أو العـرق لتتكون دويلات صـغيرة لا يمكنها مواجهة المخاطر لوحـدها مما سيؤول الأمر إلي تكـوين اتحاد كونفدرالي مـع انضمام إسرائيل لهذا الاتحاد، لا بل وقيادة هذا الاتحاد، الأمر الذي يسهل تفوق الهيمنة الأمريكية عليه.

إذ قدم برجنسكي خلال منصبه كمستشار للأمن القـومي فـي عهد الـرئيس "جيمي كارتر"، وما بعد منصبه، عدة مشاريع ونظريات لخرق الصف العربي من خلال التركيز على الأقليات الدينيـة والعرقية، وعلى سبيل المثال، عندما حث على اسـتخدام استراتيجية "الطرق على الجدران من الأسفل" من خلال " قوس الأزمات" The Arc of Crises لينتج عنها تجزئـة المجزء، فضلا ً عـن كتابه "رقعة الشطرنج الكبرى"، الذي وضح فيـه كيفيـة تقسيم وتجزئة الدول العربية على أساس ديني وطائفي ومذهبي وعرقي.

اعتمد برجنسكي في هذه الأفكار ببعض الشواهد، منها شواهد سياسية، التي من جملتها الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، وما نتج عنها من صراع على أساس ديني، والتي خلفت أحزاباً ذات صفة انعزالية تدعو إلى إقامة كانتونات مستقلة لتمتلك قدراً من الحرية في علاقاته.

ومنها شواهد ديموغرافية، والتي تمثلت بوجود جسم غريب داخل الجسم العربي وهي العمالـة الوافدة، حيث مثلت تلك العمالة أقلية قابلـة للزيادة، وخاصة في بلدان الخليج العربي، والتي تمثل أدوات ضغط على البلدان العربية في الحفاظ على حقوقها وتشريع قوانين تحفظ وجودها على الأرض العربية. والأخرى هي شواهد الثورة العلمية في مجال الاتصالات، فعلى الرغم من أن هذه النظرية صيغت في نهاية السبعينات، ولكن كانت هناك بوادر تطور علمي في مجال الاتصالات وهو ما سيؤدي بدوره إلى تواصل الأقليات الدينية وانغلاقها على نفسها لتحمي ذاتها وكيانهـا من أفكار الأقليات الاخرى.

2- برنارد لويس:

تعـد أفكار لويس هي استكمال لاستراتيجيات نظريـة (قـوس الازمـات لبرجنسـكي)، والتـي يدعو فيها إلى تجزئة الدول العربية لما تحويه من أقليات دينية وعرقية. وجـاءت بنـود هـذه الأفكـار على ثلاث نقاط:

الاولي: هي استغلال الأقليات الدينية، والقومية، والمذهبية فـي منطقـة قـوس الأزمات، والتي تمتد مـن الجناح الجنوبي للاتحاد السوفيتي سابقاً مروراً بإيران، وتركيـا، والعـراق، ودول شـبه الجزيرة العربية، حتى الشمال الإفريقي، ومن هذه الأقليات هي (الأقباط فـي مصر، الطوائـف الدينية في السودان، الأكراد، والدروز، والبلوش، والموارنة، والأذرين، والعلويين في سوريا) وغيرها من الأقليات، التي ستؤدي الى خلق فوضى وعدم استقرار ومن ثم تجزئة الدول العربية .

الثانية: استغلال مسألة الحدود التي رسمها الاستعمار البريطاني والفرنسـي للـدول العربيـة، التـي لـم تضـع بعـين الاعتبـار أهمية لوضع القوميات أو المـذاهب الدينيـة، ممـا يثيـر الجـدل حـول ضرورة إعادة رسم حدود الدول، لإعطاء حق للأقليات العرقية، والاثنية، والدينية في إنشاء دول خاصة بهم .

الثالـثة: الاعتمـاد علـى الكـره الـذي يوجـد بـين أغلـب الأقليـات مـع الدولـة المتواجـدين فيهـا، والعمـل على تشجيع عصيان قوانين الحكومة والتمرد على نظامها لتفتيت هذه الدولة، لذلك يمكـن للولايـات المتحدة الأمريكية الوقوف مع هذه الاقليات لاستغلالها في تحقيق أهدافها، وبذلك يرى لويس ضرورة اعتماد رؤية برجنسكي في اتخاذ هذه المنطقة كمنطقة نفوذ مهمة، عن طريق تفتيت بعض مراكز القوة فيها.

من كل ما سبق يمكن إجمال الأهداف الأمريكية-الصهيونية تجاه الوطن العربي بما يأتي :

1- تجزئة الوطن العربي من جديد وتفتيت كياناته السياسية. والغاية من هذا تقليص دور الدول العربية المحورية، مثل مصر، والعراق، وسورية، وذلك كي لا تؤدي هذه الدول دور القيادة لحركة القومية العربية وحركات التحرر الوطني والمقاومة. وإن هذا التقسيم الجديد المقترح، إنما يهدف إلى تشتيت العناصر الأساسية المكونة للقومية العربية، ومن ثَم إلى صعوبة تحقيق أي هدف عربي وحدوي ولو بأدنى درجاته، وهي حالة التضامن العربي، وبهذه اللعبة تتهدم أعمدة النظام العربي السياسية والاقتصادية والأمنية.

2-يحاول هذا المشروع تحويل "إسرائيل" إلى قطب إقليمي رئيس في المنطقة، وذلك عن طريق كسر طوق المقاطعة العربية لإسرائيل اقتصادياً وسياسياً وثقافياً، وبذلك تغدو "إسرائيل"-وبدعم من الولايات المتحدة- دولة لها مكوناتها الإقليمية المحورية في المنطقة، نظراً إلى ما تملكه من قوة عسكرية، وقوة مالية وتجارية وقوة تقنية، فضلاً عن أذرعها الأخطبوطية المتصلة بصنَّاع القرار كلّهم في العالم، مستفيدة من الدعم الممكن كلّه.

3- إن الخطر الأكبر من هذا المشروع هو محاولته إلغاء الثقافة العربية، والثقافة الإسلامية وإلغاء العادات والتقاليد والسلوكيات الناتجة عنها كلّها، بغية خلق جيل جديد لديه هوية جديدة مخالفة لهويته الأصلية. وهنا تسقط منه روح الالتزام الوطني والقومي. ويتحقق الهدف من المشروع وهو تحطيم سلطة الدولة، وسلطة المؤسسات وسلطة العقل، والثقافة والإنتاج والإبداع. وهنا مكمن الخطورة، أي حين يتحول المجتمع عن رابطة العقد الاجتماعي وعن تراثه وتاريخه وهويته.

4- يضع المشروع الصهيو-أمريكي العرب أمام خيارات صعبة ومحددة، فهم إما أن يدخلوا في هذا المشروع وبغض النظر عن حقوقهم وأراضيهم وثرواتهم، أو أن الخيار الآخر هو الحرب الوقائية الاستباقية، والعراق وأفغانستان أكبر دليل على ذلك.

5- إضعاف الدولة القومية بشكلها الحالي، وهو ما يسهل عملية الاختراق للدول التي ترفض التدخلات الخارجية في شؤونها، أو التي ترفض التغيير على الطريقة الأمريكية.

6- ضمان عدم التحام الأقليات والطوائف والأعراق، وضمان عدم ذوبانها أو على الأقل انسجامها مع الأغلبية في أي بلد من بلدان الشرق الأوسط في إطار جامع على الشكل الذي كانت فيه منذ قرون، لضمان أنها ستكون بحاجة إلى مساعدة خارجية، ومن ثَم ستكون الولايات المتحدة جاهزة للتدخل في أي مكان تراه مناسباً في أي بلد من هذه البلدان إذا رأت ذلك لمصلحتها، وبحجة الحماية.

7- إن الهدف من ورقة الأقليات هو تسويغ وجود "إسرائيل"، وتوسيع رقعة النزاعات الإقليمية الداخلية العرقية والقومية، لإشغال العالم العربي والإسلامي وشعوب هذه الدول بالمشكلات الداخلية المستجدة لديها، والمخاطر التي تتهدد بلدانها المعرضة للتفتيت والتقسيم، بمعنى تقسيم المقسم أصلاً وتجزئة المجزأ.

8- إفساح المجال أمام "إسرائيل" للدخول والتغلغل في هذه الدول عبر الأقليات، سواء القومية أم الطائفية أم العرقية، ولنا في أكراد العراق مثال على ذلك.

يمكن أن نلحظ أن هذه الأهداف تصب في مصلحة الدول الاستعمارية الغربية والأمريكية والصهيونية العالمية أولاً وآخراً، بعكس ما تروج له تلك الدول، بأنها تريد نشر الديمقراطية والحريات بين شعوب المنطقة، وتخليصها من الديكتاتوريات والظلم والعنف، ومن ثَم بناء دول حضارية وديمقراطية ومدنية. ما نراه هو خراب دول المنطقة ودمارها وتفتيتها وتقسيمها بما يخدم تلك الأهداف الصهيو- أمريكية والغربية الإمبريالية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

ميثم الجنابيالظاهرة الصدرية.. الراديكالية الشيعية المعاصرة (2-2)

يمكننا في الإطار العام القول، بأن «التيار الصدري» بوصفه ظاهرة راديكالية يبرهن من جديد على أن الحثالة الاجتماعية ليست مستعدة على بلورة رؤية سياسية أخلاقية قادرة على تجاوز مفاهيم الحثالة وتصوراتها وأحكامها لما جرى ويجري. ومن ثم فإن ممارساتها ككل لا تفعل إلا على إعادة إنتاج مختلف مظاهر الإفساد والانحطاط والتخلف والاستبداد. وهو أمر يشير بدوره إلى طبيعة الضعف التاريخي والثقافي للظاهرة الراديكالية في العراق. ومن الممكن رسم الملامح العملية لهذا الضعف وأثره اللاحق على مجرى العملية السياسية في الموقف من قضيتين، شكلتا بعد سقوط السلطة الصدامية عام 2003 «مفاصلا» يمكن من خلالها إدراك حدود الظاهرة الصدرية، والمقصود بذلك ما يسمى «بمعركة النجف» و«مفتاح الصحن العلوي»، اللتين لعبتا دورا كبيرا في تاريخ التيار الصدري من حيث كونه ظاهرة راديكالية.

فقد كانت «معركة النجف» الميدان الذي جرى فيه للمرة الأولى اختبار القوى السياسية العراقية بشكل عام والراديكالية منها بشكل خاص. إذ كشفت من حيث مقدماتها ونتائجها عن طبيعة وحجم القوى السياسية المشتركة فيها، وكذلك بنية وغاية كل منها. كما أنها أظهرت حجم ودور الراديكالية السياسية في ظروف العراق الحالية والمستقبلية. وهي معادلة كشف الزمن اللاحق، وخصوصا قبل وبعد الاستفتاء على مشروع الدستور الدائم (نهاية 2005) عن أثرها ومحتواها الفعلي.

فمن المعلوم، إن قيمة الأحداث التاريخية تدرك بمستوى وكيفية حسمها للإشكاليات الكبرى التي تواجهها الدولة والأمة. وبغض النظر عن المجرى السريع لحسم «معركة النجف» التي دارت رحاها في أيام معدودة بين رجال مهلهلي الثياب بأسلحتهم الخفيفة وقوة تكنولوجية عسكرية هائلة مدعومة بقوات حكومية وتأييد سياسي رسمي ومجافاة شعبية لا تخلو من استياء وشماتة من «السوقية»، أي حثالة المدن والأرياف العراقية. لكنه حسم كان يحتوي في أعماقه على أبعاد لا علاقة لها بالصراع الدامي بين قوات «عقلانية» وأخرى محكومة بتقاليد الاستعداد المتحمس «للمهدي». وحالما التقت الجيوش الأمريكية وجيش المهدي في الأزقة الخربة، فإن عجاجها وضجيجها أنتج تلك «الصحوة» المفاجئة بالخروج من مدينة لم تحاصر إلا بقوة التوتر وثقل المرجعيات الواقعية والوهمية لرجال الدين والدنيا. وعندما نترك هذه المقارنة للزمن لكي يكشف عن أبعادها التاريخية الفعلية، فإن مما لا شك فيه هو أثرها الكبير والمهم بالنسبة لآفاق وإمكانية الراديكالية السياسية العراقية الجديدة كما مثلها التيار الصدري. وذلك لما في مقدماتها ونتائجها التي جرت عام 2004 من أهمية بالنسبة لجميع القوى التي كانت وما تزال تمثل الطيف العام للصراع السياسي في العراق.

فقد كانت «معركة النجف» من حيث مقدماتها مرتبطة ارتباطا وثيقا بصراع القوى الاجتماعية والسياسية العراقية من اجل «حسم» موقعها في السلطة الجديدة. كما أنها كانت المعركة التاريخية الأولية الكبرى للراديكالية العراقية التي نشأت من تراكم الأحداث الداخلية. فهي القوة السياسية العراقية الكبرى، وقد تكون الوحيدة، التي نشأت من تلقائية التراكم الذاتي السياسي والاجتماعي والاقتصادي العراقي. مما أعطى لها زخما راديكاليا كبيرا أيضا من حيث تمثلها وتمثيلها لآمال وأماني وأحاسيس الشرائح الاجتماعية العريضة والمهمشة، أي الأغلبية العراقية التي أخذت تعي نفسها بنفسها بعد سقوط الدكتاتورية الصدامية، وتطالب بحقوقها وشرعية تمثيلها للمصالح الوطنية.

فالوطن العراقي الفعلي كان (وما يزال لحد ما) كمية من الشرائح الاجتماعية المنهكة في حروب الصدامية واضطهادها الرهيب للفرد والجماعة والمجتمع، وانتهاكها المريع لكينونة العراق والعراقيين. ووراء هذا الواقع كانت تختفي مغامرات القوى السياسية العراقية «الخارجية»، التي كان دخولها للعراق اقرب ما يكون إلى هجوم من اجل الاستيلاء عليه. وشأن كل قوى سياسية مغتربة ومتغربة لفترة طويلة لم تكن راغبة تماما به، حالما تبين لها بأن الوطن الذي تواجهه ليس الذي كانت تصبو إليه، وإن الوطن هو ليس عراق الماضي والأحلام، بل عراق السخام والأسقام، أي كل هذا الكم الهائل من الشرائح الرثة. مما جعلها تتراوح بين الامتعاض والانزواء. وفي كلتا الحالتين كانت السلطة فقط (مجلس الحكم الانتقالي) ميدان سباقها المحموم بما في ذلك في تمرير السياسية المغامرة من اجل حسم المعارك الجديدة. وبهذا المعنى كانت معركة النجف من حيث مقدماتها وغاياتها الفعلية معركة بين القوى السياسية «الخارجية» و«الداخلية»، أكثر مما هي معركة بين القوى الوطنية العراقية والأمريكية الغازية. فقد استدرجت قوات «الخارج» (المعارضة السابقة) قوات الداخل (التيار الصدري) إلى معركة خاسرة. وجرت من جانب «القوى الخارجية» بحكم موقعها المناوئ للسلطة الصدامية وضعف قدرتها الذاتية على إدارة الصراع السياسي والاجتماعي، بينما جرت من جانب «القوى الداخلية» بفعل سكرتها الشديدة من نبيذ الراديكالية الرخيص. أما النتيجة فهي «كسر أنف» التيار الصدري. إلا أن مفارقة هذه الظاهرة تقوم في كونها المعركة التي جعلت من التيار الصدري ملاكما جيدا بعد أن فقد شموخ الأنف العظمي ليكسب مرونة المعارك اللاحقة. تماما بالقدر الذي أدت إلى جعله قادرا على تمثل بعض مكونات وعناصر الضمير الوطني العراقي المنافي والمتعالي عن نزوع الطائفية السياسية التي أصبحت البضاعة الأكثر رواجا لقوات الخارج «الديمقراطية»!!

ذلك يعني انه إذا كان من الممكن الحديث عن فضيلة وفائدة تخدم مشروع إعادة بناء الهوية الوطنية العراقية في مجرى الأحداث الدامية لمعركة النجف وبعدها، فإنها تقوم في مساهمتها الموضوعية على تذليل تقاليد الراديكالية السياسية والتوتاليتارية في العراق. فقد قيل قديما بأن الآلهة قد تخطأ، لكنها لا تظلم. وهي معادلة كانت وستبقى حية أثناء الحرب والسلام والفشل والنجاح في حال النظر إليها، باعتبارها مرجعية مجردة في سموها الأخلاقي. ويمكن وضع هذه الفكرة بعبارة اقرب إلى فهم الذهنية المعاصرة، والقائلة بأن المساعي الأخلاقية والروحية الكبرى قد تتعرض إلى فشل ومآس، إلا أنها لا تفعل في نهاية المطاف إلا على شحذ ذهنية الأفراد والجماعات والأمم بالشكل الذي يجعلها قادرة على مواجهة ذاتها بمعايير الحق والحقيقة.

فقد كانت مختلف مظاهر «معركة النجف» مجرد أشكالا متنوعة لما يمكن دعوته بمعركة النجف الكبرى، أي معركة الرجوع إلى حقيقة الهوية الوطنية العراقية التي لعبت النجف دورا تاريخيا هائلا في بلورة وصياغة عناصرها الثقافية الكبرى. ذلك يعني أنها إحدى الظواهر والمراحل التي لابد منها من اجل شحذ ذهنية ونفسية الأفراد والجماعات العراقية من اجل تكاملهم لاحقا في هوية واحدة تعي ذاتها بمعايير الحق والحقيقة. فقد كان آنذاك من السهل النظر إليها بمعايير الطائفية والجهوية والحزبية الضيقة وما شابه ذلك، لكن حقيقة مداها ومدارها أوسع من جميع الأحكام الجزئية المذكورة. والقضية هنا ليست في أن النجف «مدينة مقدسة»، بل على العكس تماما! إذ لا قدسية في المدن والأماكن والتواريخ والأحداث. وذلك لأن حقيقة المقدس تقوم في ما لا يمكن ابتذاله، أي انه شيء لا كالأشياء، مثل الحقيقة والجميل. ومن ثم لم تكن «معركة النجف» سوى إعادة إجلاء جديدة لحقيقتها التاريخية باعتبارها مركزا من مراكز صيرورة الوعي القومي والوطني والثقافي العربي والإسلامي.

طبعا ليس في هذا الحكم من جبرية ترتقي إلى مصاف الإقرار بالقضاء والقدر، إلا أن مما لا شك فيه أن «معركة النجف» التي هزت الضمير العراقي آنذاك كانت تشير إلى طبيعة وحجم الخلل الكبير الكامن في بنية الدولة العراقية الحالية والسلطة والمجتمع والوعي السياسي للأحزاب والحركات. والمقصود بذلك ضعف القوى الاجتماعية والسياسية جميعا وانتشار وسيادة ما يمكن دعوته بنفسية المؤامرة فيها. فهي النفسية التي كانت تتركز فيها ومن خلالها أحزمة الخلل المشار إليه أعلاه.

فمن الناحية الظاهرية يمكن النظر الآن إلى «معركة النجف» على أنها خاطئة من حيث قواها ووسائلها ونيتها وغايتها. لكنه نظر لا معنى له بمعايير الرؤية التاريخية الدقيقة. وذلك لأنها جزء من مستقبل مجهول، أو ما كانت تطلق عليه تقاليد الفلسفة الإسلامية مصطلح «سر الغيب». وهو الغيب الذي بدأت ملامحه تتضح الآن بغض النظر عن مآسيها آنذاك. فالمآسي عرضة للزوال والنسيان، و"معركة النجف" باقية من حيث كونها مرجعية اجتماعية سياسية، أي تجربة ومدرسة كبرى بالنسبة للوعي السياسي، وليس لمرجعية البنية التقليدية التي لا يضفي عليها الزمن شيئا غير غبار التبجيل المتطاير من أنفاس العوام المتعبة وذهنيتهم المتهيبة من كل ما هو عتيق! بعبارة أخرى، إن "معركة النجف" ومآسيها المباشرة لم تظلم العراق من حيث محتواها الباطني! وذلك بفعل "دورها" التاريخي في تذليل النقص الجوهري الذي لازم وما يزال يلازم بناء الهوية الوطنية العراقية والإشكاليات التي تواجهها. والشيء نفسه يمكن قوله عن قضية ما يسمى بمفتاح المرقد العلوي، التي كانت في مظهرها الصيغة الرمزية لمعركة النجف، أو مفتاحها الأول والأخير! فقد كشفت هذه القضية برمزيتها السياسية عن المصير التاريخي للراديكالية الجديدة كما مثلها التيار الصدري.

إن الأمم تصنع في مجرى تاريخها رموزها الخاصة، بوصفها الصيغة الأكثر كثافة لتجاربها المتنوعة في مختلف ميادين الحياة. وعلى قدر وعمق تجاربها تتراكم وتنفعل رموزها التاريخية في سبيكة وعيها الاجتماعي. من هنا فاعلية الرمز التاريخي في الرؤية الوجدانية والسلوك العملي خصوصا في مراحل الانعطافات الحادة والدامية. فالأفراد والجماعات والأمم لا تستطيع العيش والتأمل والالتفات إلى الماضي وتأمل المستقبل دون رموز تعطي لها حق الصراخ والصمت، والحزن والفرح، والعصيان والاطمئنان، والسكينة والهيجان. إذ تعطي الرموز للمرء والجماعات والأمم حق الالتفات إلى الماضي والنظر بعيونهم الباكية فرحا أو حزنا إلى ما ينبغي القيام به من اجل السير نحو مستقبل مجهول بوجدان يقترن بيقين الماضي. فقد أطلقت الثقافة الإسلامية على هذه الحالة عبارة "عالم الغيب والشهادة"، أي الاقتران المحير والمدهش للعقل والضمير في تأمل المشهود والغائب في الكون والوجود والأنا. وهي حالة وقف أمامها العراق المعاصر متحيرا ومذهولا، عندما تحوّل مرقد الإمام علي و«مفاتيح» الدخول إليه إلى إحدى قضاياه السياسية الكبرى والدامية في الوقت نفسه.

فمن الناحية التاريخية ليست هناك من شخصية كبرى في تاريخ الإسلام استطاعت أن تستثير خفايا الوعي والضمير وتضارب المشارب والتقييمات كشخصية الإمام علي بن أبي طالب. ففي مجمل كيانه الواقعي يبدو لغزاً، وفي مجمل صورته التاريخية كياناً من الصعب احتوائه. فهو من الشخصيات، التي لا يلزم بالضرورة التعامل معها في مقولات الأحكام المجردة ومنطق السياسة المعاصرة وهمّ المصالح العابرة. فالتاريخ في شخصياته النبيلة أوسع وأعمق من أن يخضع لميزان تناقضاته المباشرة. واستطاع الإمام علي أن يجسد في ذاته أحد مبادئ الوجود الكبرى القائمة في فكرة الحق والعدل الإنساني. مما جعل منه أحد الرموز الكبرى التي لا يعقل ولا يقبل تاريخ العراق بدونها. فهو الرمز الذي يقبع عميقا في صراخ العراقيين وصمتهم وأفراحهم وأحزانهم وعصيانهم واطمئنانهم وسكينتهم وهيجانهم. وفيه يمكن تفهم سرّ «الصراع» من اجل الاستحواذ على «مفاتيح» الدخول إليه، وهو الذي كانت أبوابه مشرعة على الدوام للجميع!

فمن الناحية «المادية» ليست مفاتيح الصحن العلوي أكثر من مفتاح عادي لفتح أبوابه، وبمعناها «الاقتصادي» هي وسيلة الدخول على الهدايا المقدمة إليه أو سرقتها! ولعل المفارقة الروحية القائمة وراء اعتبارات «المادة» و«الاقتصاد» تقوم في تحول الإمام علي نفسه إلى ميدان للحراسة والسرقة المحتملة من جانب أولئك الذين يدعون الانتماء إليه وتمثيل ما كان يسعى إليه. وتعبّر هذه الحالة عن مستوى الانحطاط الفعلي في العراق بشكل عام، وفي الحركة الشيعية العراقية بشكل خاص. إذ تشير هذه الحالة في الواقع إلى مستوى تهشم القيم الأخلاقية والمعنوية للتيار الراديكالي الذي جسّده «التيار الصدري». مع انه كان يحتوي في أعمق أعماقه على تمثل «الحق العلوي» الداعي للعدالة من خلال مصادرة ما تمتعت به العائلات «العلوية» الارستقراطية على امتداد قرون من الاستحواذ شبه التام على الثروات المتكدسة من عرق ودماء الجماهير الشيعية. وهي ظاهرة يمكن رؤيتها بالعين المجردة في تناقض بيوتهم وبيوت المحلات النجفية، أو قذارة المدينة ونمطها المتهرئ على خلفية الصحن العلوي المليء بالذهب والمجوهرات، أو بين ما تمتلكه هذه العائلات «العلوية» الارستقراطية من ثروة وثراء فاحش وافتقار المدينة لأبسط مقومات الحياة المدنية المعاصرة. وليس مصادفة أن يجعل التيار الصدري من نفسه «مسئولا» عن المرقد العلوي والصحن الشريف بعد أن «صادره» بطريقة مميزة لنفسية وذهنية الحثالة الاجتماعية. إذ وجد في «المفتاح» الأسلوب السحري للاستحواذ على القوة الروحية للمرقد. لكنها لم تكن في الواقع أكثر من «مصادرة ثورية» أو سرقة عادية. ومن ثم لم تكن حماقات التيار الصدري في السرقة سوى الوجه الآخر، أو المعارض لرزانة الارستقراطية التقليدية في السرقة.

والقضية هنا ليست فقط في أنها فسحت المجال أمام الحثالة الاجتماعية «للسيطرة» على «ثروات» هائلة، بل وفي انتهاكها لتقاليد «الأمانة» التاريخية المتعلقة بنقل المفاتيح بوصفها الصيغة الرمزية للأمانة المعنوية المتنقلة في الأجيال. لاسيما وانه الأسلوب الضروري لتراكم الثقة وتقاليدها الرمزية التي تفقد الثروة المادية بدونه قيمتها الروحية والمعنوية. إذ ليس المرقد العلوي في الواقع سوى توليف نموذجي لوحدة المادي والروحي المتراكمة في مجرى معاناة العراقيين من اجل تحقيق المبادئ المتسامية التي مثّل الإمام علي في كينونته الكلية أحد نماذجها الرفيعة. الأمر الذي كان يجعل من فتح أبوابه والدخول عليه والمثول بين يديه أحد الرموز الأكثر أهمية بالنسبة للوعي العراقي في الاقتراب من المنهل المتسامي لتمثيل ما يسعون إليه. وهو فعل لا غرابة فيه بالنسبة للأفراد والجماعات والأمم جميعا.

فالجميع تبحث عن «مفتاح» لحل مشاكلها! وليس مصادفة ألا يستطيع الإنسان أن يعيش بدون «مفتاح» بوصفه الجزء العضوي لعيشه المدني. كما انه ليس غريبا أن يرتقي المفتاح إلى مستوى الماوراطبيعي، بحيث جرى ربط «مفاتيح الأمور» بيد الله، أو أن يتحول الله نفسه إلى حامل مفاتيح الغيب والمجهول. وكان يمكن ملاحظة اغلب أبعاد هذه الصيغة النفسية في الصراع الذي كان يدور في الخفاء والعلن بين مختلف تيارات الشيعة من اجل الإقرار «بمرجعية» مقبولة وشرعية لمسك مفاتيح المرقد العلوي. ويعبّر هذا الصراع "الطبيعي" عن ظاهرة هبوط المقدس إلى مصاف الحياة الواقعية. كما انه صراع يكشف مرة أخرى عن أن المصالح الواقعية هي المصدر الحاسم في تغير مضمون المقدس، خصوصا حالما يصبح ممكنا وزن أي شيء بميزان المصالح العابرة. وهي الصيغة الأقرب والأكثر التحاما بجسد الراديكاليات السياسية وأرواحها. وقد قدم "التيار الصدري" في صراعه المرير ضد "المرجعية الشيعية" من اجل أبعادها عن «الصحن الشريف» عبر الاستيلاء على مفاتيحه نموذجا «حيا» عن النفسية الراديكالية وذهنيتها السياسية. إذ لم يكن الدفاع عن «قدسية» الصحن الشريف والمرقد العلوي و"حرمة الإسلام" و"المبادئ" سوى الأسلوب الدعائي لمصادرة الموارد التقليدية التي يجتذبها "المكان المقدس". فقد غاب "المفتاح" بعد مقتل حامله الرفيعي ليظهر مع ظهور أفواج "جيش المهدي" فيه! وهي حالة فجة للغيبة والظهور، كما بلور تاريخ التشيع صيغتها المجردة في مجرى معاناته الفكرية والروحية والوجدانية والسياسية على امتداد قرون. فعوضا عن غيبة الإمام وظهوره من اجل إحقاق العدل بعد أن ملئت الدنيا ظلما وجورا، والتي سعت المرجعية التقليدية لتمثلها وتمثيلها دينيا ودنيويا، نرى غياب المفتاح وظهوره بأيدي «جيش المهدي» الممتلئ بحثالة المدن والأرياف. وتحول الدفاع عن المقدس إلى أسلوب لسرقة قدرته على اجتذاب أضحية الناس المادية!

وترمز هذه الحالة إلى واقع الانحطاط الشامل للراديكالية السياسية الشيعية، التي لم تتعظ بعد من تجارب العراق المعاصر، بحيث نراها تعيد وتستعيد بحمية مفرطة كل أخطاء الراديكاليات السياسية. ومن الممكن البحث عن سببها غير المباشر في طبيعة الخراب الشامل الذي أحدثته التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية من جهة، وفي تاريخ المرجعية «الرسمية» التقليدية من جهة أخرى. إلا أن ذلك لا يغير من واقع استخفاف "التيار الصدري" من قيمة الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي والمجتمع المدني. وهو استخفاف ناتج من خفة "التيار الصدري" وطبيعة مكوناته الاجتماعية ومستوى التأهيل المعرفي والمهني الذي لا يصعب قياسه بأي ميزان مهما كان ضعيفا ومتخلفا من مقاييس المعاصرة والحداثة. وهو السبب القائم وراء جهله التام بقيمة العمل السياسي والديمقراطي والحقوقي. بحيث تحول منطق السلاح إلى سلاح المنطق الوحيد في التعامل مع النفس والآخرين. وهو سلاح خشبي سرعان ما تكسر في أول مواجهة جدية. وبغض النظر عن الآلية التي جرى بمساعدتها جر "التيار الصدري" إلى معركة خاسرة منذ البدء، فإن طبيعة التيار نفسها كانت تجبره في الواقع على خوض غمارها باعتباره امتحانه الأول. وهو امتحان كانت النخب السياسية العراقية المغامرة، التي ملئت آنذاك (مجلس الحكم الانتقالي) تهدف من خلالها إلى رميه في الهاوية. وحالما وقع فيها أدرك بصورة أولية الحقيقة القائلة، بأن مفتاح الأمور الكبرى لا ينبغي سرقته من اجل الاستحواذ على "المقدس"، بل ينبغي صنع نموذجه العقلاني من اجل الدخول إلى عالم العراق المعاصر ومواجهة إشكالاته الواقعية.

وهو درس لم يتعلمه "التيار الصدري" آنذاك بصورة جيدة. لقد اعتقد بأن الخروج الذي يمكنه أن يحفظ ماء الوجه يقوم في إرجاع المفتاح إلى "المرجعية الموقرة". بينما كان ذلك مجرد خروجا فرديا يرمز إلى حقيقة تقول، بأن المرجعية الشيعية «الرسمية» قادرة على أن تكون صمام الأمان المقبول في مواجهة الإشكاليات التي تثيرها زوبعة الراديكالية السياسية. بمعنى تحولها إلى الكيان الذي يتحمل أخطاء الرعونة الراديكالية من خلال رمزية حمايتها للمرقد العلوي، الذي مازالت آمال العراقيين ترقد فيه بسكينة تنتظر «مهديا» جديدا بلا «جيش» من حثالة المدن والأرياف! أما الدرس السياسي الأكبر الذي كان ينبغي أن يتعلمه "التيار الصدري" والحركات الراديكالية الموجودة والقابلة للنشوء في ظروف العراق الحالية فيقوم في ضرورة إرجاع مفاتيح الأمور المادية والمعنوية إلى مرجعية الرؤية العقلانية والواقعية الهادفة إلى بناء الهوية الوطنية العراقية على أسس جديدة تتجاوز تقاليد وميراث الراديكالية السياسية. ولا يعني ذلك في ظروف العراق الحالية والمستقبلية سوى ضرورة إرجاع مفاتيح الأمور والمستقبل إلى المؤسسة الشرعية، أي إلى الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي السياسي والمجتمع المدني. (يتبع....)

***

ميثم الجنابي

 

مجدي ابراهيمنتابع آراء ابن رشد متابعة نقدية، ولمَ لا؟ وهو الذي سَنَّ النقد وأسس للمنهجية النقدية وَوَضَعَ لها المعالم البارزة والسّمات الواضحة، نتابعه حول مقالة العقل في الإسلام، لنراه يرفض الأقاويل الخطابية والأقاويل الجدلية ويأخذ بالبرهان فقط ثم يمضي به إلى أعلى منازل الوصول نحو طلب الحقيقة الإلهية. ولا شك في أنه يعتقد في دين يُنسب إلى العقل أكثر مما هو منسوب إلى الوحي. يقول في شرح ما بعد الطبيعة: "فإنّ الشريعة الخاصّة بالحكماء هى الفحص عن جميع الموجودات، إذ كان الخالق لا يُعبد بعبادة أشرف من معرفة مصنوعاته التي تؤدي إلى معرفة ذاته سبحانه على الحقيقة، الذي هو أشرف الأعمال عنده وأحظاها لديه، جعلنا الله وإياكم ممن استعمله بهذه العبادة التي هى أشرف العبادات واستخدمه بهذه الطاعة التي هى أجلّ الطاعات.

فلئن كانت طاعة الله بالفكر والتأمل طاعة شريفة بغير خلاف، فلا مناص من أن يكون الدين الذي يقوم عليها هو دين العقل. ولو كان للعقل في ذاته دينٌ لاستغنى الناس عن الوحي.

لا جَرَمَ هذا دين لا يتعدى شرف المعرفة بمصنوعات الله، وهو دين يجعل العقل مقدّماً على الشّرع، إذْ الشريعة بما هى شريعة جاءت للناس كافة، وليس في طاقة الناس كافة أن يحتملوا ما لا يطاق من دين العقل. والعقل نفسه يستلزم فارقاً لا بد منه - فيما يشير العقاد - بين تمثيل الحقيقة للبحث والتفكير، وتمثل هذه الحقيقة بعينها للتدين والاعتقاد. فالحقيقة الاعتقادية لا بد أن تمتزج بتصوّر المؤمنين بها؛ لأن الخطاب فيها مُوجّه إلى ملايين من البشر منهم العارف والجاهل، ومنهم الذكي والغبي، ومنهم كبير النفس وصغيرها، وعظيم الحسّ ووضعيه، ومنهم من يطلب الكمال ومن لا يعرف كمالاً يطمح إليه. (الفلسفة القرآنية، بيروت، د/ ت ص 181).

أمّا هذا الدّين الذي يدعو إليه ابن رشد من بحث عقلي بحت، ومن إيمان بسلطان العلم؛ فمن الطبيعي ألا تكون ثمرته متصلة بالدين من حيث هو دين، ولا بالتجربة الدينية التي يتعطل فيها العقل في نهاية المطاف؛ ليتقدَّم الذوق والوجدان، وليرتفع لواء البصيرة على خطاب العقل والبديهة. وهذا هو السبب الذي جعله لم يستطع أن يفصل مقالاً حقيقياً بين الحكمة والشريعة من الاتصال، بل فصل اتصالاً فيما بينهما.

وهذا هو السبب أيضاً في هجومه على التجربة الدينية والروحية. واعتراضه عليها هو اعتراض على المعرفة الخالصة، في حين يؤثر ابن رشد العلم. مطالب الصوفية مطالب روحانية. ومطلب ابن رشد مطلب عقلي في أول وآخر مقام. ولعلّ هذا هو السبب الذي جعل من ابن رشد أيضاً يوغل بالمعقولات إيغالاً ربما يخرجها عن المقصود الذي تتصل أسبابه مباشرة بأرسطو تقليداً ومتابعة، وتكاد لا تجعل التوفيق بينه وبين العقائد الإسلامية أو الجوانب الإشراقية متوافراً ملحوظاً أو شبه ملحوظ.

وفي مقدمة الدكتور أحمد الأهواني ينقل أيضاً نصّاً عن ابن رشد جاء فيه:" وبالجملة فيظهر ظهوراً أولياً أن بين هذه الكليات وخيالات أشخاصها الجزئية وإضافة ما بها صارت الكليات موجودة . وإذ كان الكلي إنما الوجود له من حيث هو كلي بما هو جزئي .." (تلخيص كتاب النفس: ص80، ومقدّمة الأهواني: ص57).

وهذا النّص قاطع الدلالة في أن ابن رشد يؤثر الطريق الذي يُوصّل إلى المعقولات معتمداً على المحسوسات الخارجية، لا ذلك الطريق الذي يذهب إلى أن للكليات وجوداً خارجياً حقيقياً، وعنه تفيض إلى النفس، وهو ما ذهب إلى مثله ابن سينا وغيره ممن يقول بالفيض والإشراق.

ويعبّر ابن رشد عن هذا تأكيداً من جانبه على تأسيس العلم القائم على التجربة الحسية ثم صعوداً من المحسوس إلى المعقول بقوله:" ومن البين أن هذه الكليات ليس لها وجود خارج النفس مما قلناه. وأن الموجود منها خارج النفس إنما هو أشخاصها فقط ". وأن الكليات تستند في وجودها الذهني إلى خيالات أشخاصها، لذلك تكثرت المعقولات بتكثرها، واختلفت باختلاف العقليين لها ... إلى أن قال:" وبالجملة فمن هذه الجهة يلحق المعقولات الأمور التي نرى بها أنها هيولانية، لا المخالطة التي يزعم ثامسطيوس وغيره ممن يقول بوجودها فعلاً دائماً (تلخيص كتاب النفس: ص81).

وددتُ التأكيد على هذه النقطة، أعنى متابعة ابن رشد لأرسطو متابعة تامة، ثم فشل محاولات التوفيق بين فلسفته من جهة والعقائد الإسلامية من جهة أخرى؛ بسبب إيغاله في العقل كمصدر فلسفي خالص يستقي روافده من الفلسفة الأرسطية؛ ثم إقحامه على المباحث الإلهية المنعزلة عن أذواق النّص المقدّس. هذه واحدة.

أما النقطة الثانية: فهى الفرق الفارق بين المنازع العقلية الخالصة لديه، وبين التّوجُّهات الصوفية التي يقطع برفضها على الجملة فضلاً عن التفصيل. فلئن كان قد رفض الأخذ بالفيض والإشراق، وهذا حقه بطبيعة الحال، ورفض أن يكون للكليات وجودٌ خارجي حقيقي، وآثر أن يعتمد على المحسوسات الخارجية ومنها يصعد في طريقه إلى المعقولات: طريقُ أرسطو الذي يؤثره على الدوام؛ فهو من جانب آخر أنكر بموجب اتجاهه العقلاني الموغل في التطرف كل ما ينقض لديه طريق البرهان أو يتصوّر أنه ينقضه بوجه من الوجوه.

وليس لقائل أن يقول: إنك لتحمل على ابن رشد حملة جائرة؛ لأنه أختار طريقه العقلاني ورفض بمقتضاه طريق الصوفية؛ وهذه حملة في غاية الجور. ولكن الحقيقة أننا لا نحمل على ابن رشد من أجل هذا الغرض غير العلمي بالمرة.. كيف وهو الفيلسوف المسلم المستنير؟ بل نفرّق تفرقة ظاهرة بين العقل المطلق الذي لا يعرف له حدوداً يتوقف عندها وهو الذي تبنّاه ابن رشد وعمل لأجله وفق ما أنتهى إليه، وبين العقل المُرَوَّض على الإحالة في المطالب الغيبة العويصة، وهو عقل لا يقبله ابن رشد ولا يسيغ فيه مظنّة القبول.

وبالمقارنة بينه وبين نظرائه لم يكن ابن رشد يدين للولاء إلا لمثل هذه النزعة العقلية الخالصة ممثلة في الرفض الدجماطيقي القاطع. فلئن كان أنكر الخوارق والعجائب والكرامات، ورفض كل ما يأتي به الصوفية في هذه الأمور، وانتصر للعقل في الإيمان بضرورة العلاقة بين الأسباب والمسببات، وذهب إلى أن من يلغي الأسباب ولا يؤكد على وجودها، يلغي في الوقت نفسه صناعة العقل الذي يدلنا على أسباب الموجودات؛ إذ أن العقل ليس شيئا أكثر من إدراك الموجودات بأسبابها ومن رفع الأسباب فقد رفع بضاعة العقل.

أقول؛ إذا كان ابن رشد أنكر الخوارق والعجائب على الصوفية، واعتقد العلاقة الضرورية بين الأسباب والمسببات، فإننا نجد في هذا الباب فيلسوفاً مشرقياً كابن سينا في "الإشارات والتنبيهات" فعل ما لا يفعله ابن رشد رغم نزعته العقلية، مما يوحي بالدلالة على محدودية العقل عنده، وأنّ ثمة طور يدق فوق إدراك العقول السليمة هو بلا شك طور البصيرة، حتى إذا ما بَلَغَنَا عن أحد العارفين أخباراً تكاد تأتي بقلب العادة فليس لنا أن نبادره بالتكذيب؛ فابن سينا لا ينكر كرامات الأولياء لمجرد أنه فيلسوف عقلاني بل أفرد في "الإشارات والتنبيهات" فصولاً ناصعة رائعة تحدّث فيها عن أحوال العارفين وحركاتهم ودرجاتهم وصفاتهم مما يرفضه ابن رشد ولا يقر بوجوده أصلاً، الأمر الذي يكشف عن مساحة المعقول لدى كل منهما، وما يحرك هذه المساحة من مصادر خارجية تستند إليها، وتشي بنسبة كل فيلسوف إليها بفروق في الدرجات.

وإنا لنلتفت فنجد مفكراً آخر كابن خلدون يحدثنا عن "بهاليل الصوفية" الذين يأتون بالخوارق والعجائب، وعنده أن هذا  فضلاً الله يؤتيه من يشاء، فهؤلاء البهاليل - كما يقول ابن خلدون- قومٌ أشبه بالمجانين من العقلاء، وهم مع ذلك قد صحت لهم مقامات الولاية وأحوال الصديقين، وعلم ذلك من أحوالهم من يفهم عنهم من أهل الذوق، مع أنهم غير كلفين. ويقع لهم من الأخبار عن المغيبات عجائب؛ لأنهم لا يتقيدون بشيء فيطلقون كلامهم في ذلك ويأتون منه بالعجائب. وربما ينكر "الفقهاء"؛ هكذا يتكلم ابن خلدون، أنهم على شيء من المقامات لما يرون من سقوط التكليف عنهم، والولاية لا تحصل إلا بالعبادة. وهو غلط عنده؛ فإنّ فضل الله يؤتيه من يشاء، ولا يتوقف حصول الولاية على العبادة ولا على غيرها (را: مقدمة ابن خلدون، القاهرة 1979م، ط3، جـ1 ص 425).

ولما كان ابن رشد قد اجتمعت لديه الصفتين معاً: صفة الفقيه، وصفة الفيلسوف العقلاني، فلا تنتظر منه أن يقبل عجائب الصوفية، بهاليل كانوا أو غير بهاليل، أو يسيغ النظر في خوارق أفعالهم، بل نرجح أن هجومه على التصوف ورجاله، كانت بذرته الأولى من جرثومة الفقه نابتة. ثم لما أستن له طريقاً عقلياً بعد اطلاعه على فلسفة أرسطو، وبعد تبينه وتبدّيه لها، قويت شوكة هذه الجرثومة فرفض التصوف بإطلاق!

وقد سبقت الإشارة إلى أننا لاحظنا أن ابن رشد أراد بالقياس العقلي أن يجيء على غرار القياس الفقهي، وقلنا أن قياس الأول على الثاني من ناحية المسكوت عنه من الأحكام فيه فرقٌ، وفرقٌ كبير ( را: فصل المقال:ص 25 وما بعدها)، إذْ يبدو لنا أن القياس الفقهي قد استخدم في الصدر الأول وما بعده لحاجة عملية، ومعظم الأجوبة التي أجاب بها الرسول صلوات الله عليه، وصحابته والتابعين، فيها ضرب من القياس الفقهي بوجه من الوجوه.  أما القياس العقلي، فهو أمر لا تعرفه الثقافة الإسلامية في الصدر الأول خاصّة. إذْ العلم به علم بالتأويل، والعلم بالتأويل مُتفرّع عن البرهان بالحالة التي يريدها ابن رشد.

وابن رشد نفسه لا ينكر هذا حين يقول:" فإنّ الصدر الأول، إنما صار إلى الفضيلة الكاملة والتقوى، باستعمال هذه الأقاويل دون تأويلات فيها، ومن كان منهم وقف على تأويل لم يُر أن يصرح به. أمّا من أتى بعدهم، فأنهم لما استعملوا التأويل قلّ تقواهم، وكثر اختلافهم، وارتفعت محبتهم، وتفرقوا فِرَقاً (فصل المقال: ص 65).  والملاحظ أنه يقول بالتأويل (فصل المقال: ص32 - 34) ثم يمنع التأويل بعد جوازه، وينكره على الفرق الإسلامية (فصل المقال: ص 62،35 وما بعدها) ثم يطالب به أهل البرهان (فصل المقال: ص 37،38،66) كما يلاحظ أن التأويل عنده يجئ كما لو كان توفيقاً كما فعل مع فكرة قدم العالم بين الفلاسفة والمتكلمين (ص43- 41 من فصل المقال)، وذلك حين وفق بين ما بدا له من تعارض في وجهات النظر. وقد حذر ابن رشد من كل تحريف يقع للطرق المشتركة المذكورة في القرآن، فمن حرفها بتأويل لا يكون ظاهراً بنفسه، فقد أبطل حكمتها، وأبطل بعد ذلك فعلها المقصود في إفادة السعادة الإنسانية (فصل المقال: ص65).

ونحن نسأل .. كيف يقرُّ هنا التأويل وكيف ينفيه بعد أن كان قد قرره، ثم ينفيه إلا إذا كان ظاهراً بنفسه، ظهوراً مشتركاً للجميع؟ أيكون قد وضع في اعتباره منهج النقد للأشاعرة وللفرق الإسلامية الأخرى؟ ولماذا أتكئ في البداية على وجوب التأويل ثم أشترط ها هنا في تقريره - بعد أن نفاه عن الفرق - على التقاط الاستدلالات الموجودة في أشياء، كان الشرع كلفنا اعتقادها، وجميعها معتمد في الكتاب العزيز؟

فإذا ما أخذ من أراد لنفسه أن يرفع عن الشريعة لواحق البدع في نظره إلى مجمل الآيات بما أمكنه من غير أن يتأوَّل من ذلك شيئاً؛ إذا اجتهد من أراد لنفسه ذلك من غير أن يتأوَّل منه شيئاً ألا يكون التأويل ظاهراً بنفسه ظهوراً مشتركا للجميع، فلا بد أن يكون من أهل البرهان. هكذا يقول ابن رشد في فصل المقال

(ص56) . فإذا عرفنا هذا عنه، قلنا إنه لا يلزم ذلك؛ فالتأويل في ذاته ممتنع إلا على الراسخين في العلم، وهم أهل البرهان دون غيرهم في نظر ابن رشد. ولما كانت التأويلات التي خصّ الله العلماء بها لا يمكن أن يتقرر فيها إجماع مستفيض بنصّ ابن رشد (فصل المقال: ص 36- 38)، صارت الحقيقة الإيمانية لا يمكن الوصول إليها بالبرهان؛ لأن عين هذه الحقيقة غير عين تلك، أعني عين الحقيقة البرهانية غير عين الحقيقة الإيمانية.

ولننظر في قول لابن رشد كهذا القول الذي يعتمد فيه على الآية القرآنية الكريمة:"أدعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هى أحسن" (الآية 125 من سورة النحل)، وإنه ليعني بالحكمة (البرهان). وبالموعظة الحسنة (الأقاويل الخطابية). وبالمجادلة بالتي هى أحسن (الأقاويل الجدلية). وهذه هى طرق الدعوة إلى الله كما يتصورها ابن رشد (ص31،30 فصل المقال) .

ونحن نسأل مرة تلو الأخرى: لماذا لا تكون الحكمة هنا حكمة أعلى من حكمة البرهان العقلي أو حكمة النظر الفلسفي؟ وإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام قد خَصَّ بالبعث إلى الأحمر والأسود، فلا لأن شريعته تتضمن طرق الدعاء إلى الله، وأعلاها وأرفعها عند ابن رشد البرهان وكفى، ولكن لأن الحكمة هنا هى حكمة "وحي" جاء ليدب في أنفاس الخلائق كلمات الحق، فإذا هم أعزة حكماء بقدر ما عرفوا من الكتاب والحكمة، وبقدر ما تزكت فيهم العقول والأرواح، وترقت الأفئدة والضمائر على ما قال تعالى:" ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلّمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم"(البقرة: الآية 129).

وعليه؛ فتعلُّم الكتاب والحكمة مقرونٌ بالتزكية غير مفصول عنها حتى إذا نشأت العلوم عن الكتاب والحكمة، فلا بدّ من علوم تنشأ كذلك عن التزكية، فلا الحكمة وحدها بكافية دالة على المقصود ما لم تكن التزكية متممة لها في طريق الصعود إلى الهدف الأسمى من التعليم.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

ميثم الجنابيالراديكالية الشيعية المعاصرة (1-2)

لقد أشرت في المقال السابق عن الظاهرة الراديكالية في العراق إلى أن سبب اختيار التيار الصدري بالنسبة لتحليل ودراسة الظاهرة الراديكالية يقوم في كونه التيار الأكثر نموذجية من بين التيارات الراديكالية السياسية العراقية الحالية. وإلا فإن أغلب الحركات السياسية الأخرى تحتوي على أقدار مختلفة من النزعة الراديكالية. بل من الممكن القول، بأن الغالبية المطلقة للأحزاب والحركات السياسية المؤثرة في الحياة العراقية الحالية تنتمي إلى التيار الراديكالي بمختلف أصنافه. وذلك لما فيها جميعا من عناصر الغلو والتطرف ونزعة الإرادة الفجة وسيادة الوجدان وضعف العقلانية والواقعية وغيرها من الصفات المميزة للراديكالية. كما يمكن أن تكون هذه العناصر مكونات مبطنة للهدوء الظاهري والانتماء المفتعل أو المبجل لتقاليد السلف وأصولهم الميتة، كما نراه في التيارات السلفية بمختلف أصنافها. وإذا كان النموذج الديني (الإسلامي) هو الأكثر بروزا الآن، فلأنه النتاج الطبيعي لانحطاط الفكرة الدنيوية القومية. الأمر الذي يجعل من الراديكالية الدينية الصيغة الأكثر تخلفا لزمن الانحطاط السياسي.

فقد استطاع الكبت العنيف والتخريب الشامل من جانب الدكتاتورية الصدامية «عقلنة» الأحزاب والحركات السياسية الدينية والدنيوية. بمعنى «اجبرها» على البحث عن قيم التوازن والاعتدال والشرعية والديمقراطية. وهو تحول يمكن رؤيته في انتقال اغلب الأحزاب السياسية الإسلامية الكبرى مثل الدعوة والمجلس الأعلى وكثير غيرها إلى صوب «الارتقاء» النسبي في مضمار الرؤية الواقعية والنفعية. كما نراه أيضا في تحول الشيوعيين من أيديولوجية الرؤية الكونية والتحزب الطبقي إلى مضمار الموافقة الشاملة والانصياع التام للأعداء الطبقيين بما في ذلك في أتفه الأمور، وفي أكثرها إشكالية. بينما تحولت الحركات والأحزاب القومية الكردية إلى طائع مطيع لإملاء «القوى الإمبريالية» السابقة ونابذة لكل فكرة تمس «حق تقرير المصير» ومصيرها ليس بيدها! والشيء نفسه يمكن قوله عن اندفاع القوى الليبرالية والوطنية والقومية العراقية إلى صف المشارك والمؤيد والمدافع للغزو الأجنبي دون أية ضوابط أو قواعد أو اتفاقات تحفظ الحد الأدنى من إمكانية توسيع الأبعاد اللبرالية والوطنية والقومية في الصراع الاجتماعي والسياسي اللاحق في العراق.

وتجعل هذه المفارقة من الرؤية المنطقية مضحكة «العقل الرزين». شأنها شأن الحكم الذي يجمع بين اليقين واللامعقول كما هو الحال على سبيل المثال في رؤيتنا لخيانة النخب السياسية «الوطنية» للمصالح الوطنية العليا. الأمر الذي يجعل من النخب السياسية في ظروف العراق الحالية كيانات محيرة للعقل والمنطق. فالرؤية المنطقية واضحة المعالم بهذا الصدد، لأنها تنطلق من مقدمات واقعية من اجل الوصول إلى استنتاج مجرد مهمته إدراك أسباب ظهور الوقائع ونتائجها الملازمة. إلا أن مفارقة الظاهرة في ظروف العراق الحالية تقوم في أن الحيرة التي نواجهها بهذا الصدد هي حيرة الانحطاط لا حيرة المعرفة. بحيث جعل ويجعل من العقل الرزين مضحكة، بمعنى جعله كل محاولة ترمي إلى تأسيس البدائل العقلانية محلا لاستهزاء النخب العابرة ومصالحها الأنانية الضيقة. وهي ظاهرة مميزة للراديكالية التي عادة ما تتخذ مشاعرها الوجدانية الأولية صيغة الاندفاع الهائج صوب الغنائم الصغيرة مع أول انتصار سياسي.

 فالمواقف السياسية التي حكمت السلوك النظري والعملي العام والخاص للأحزاب والحركات السياسية في العراق في كل مجرى النصف الثاني من القرن العشرين، كانت مرهونة بنفسية العداء بين الاتجاه الوطني والقومي والإسلامي من جهة وبين معسكر القوى الامبريالية من جهة أخرى. فقد كان هذا المعسكر يحتوي بالدرجة الأولى على كل من الولايات المتحدة وبريطانيا (والدول الشيوعية بالنسبة للإسلاميين). إذ كان هذا الاتفاق الضمني يحكم نفسية وأيديولوجية القوى السياسية في العراق جميعا، رغم خلافاتها الداخلية العميقة والعريقة أيضا. غير أن الإجماع على العداء للامبريالية قد تحول في نهاية القرن العشرين وبداية الحادي والعشرين إلى إجماع عليها بوصفها «منقذة» العراق وحاملة لواء البديل الديمقراطي. بل وتحولت الولايات المتحدة وبريطانيا بالذات إلى الحلفاء الاستراتيجيين في هذه الرؤية. وهو تحول يفترض فهم مقدماته ونتائجه ضمن سياق تحليل الظاهرة الراديكالية العراقية الجديدة، والإجابة على الأقل على أربعة أسئلة تتعلق فيما إذا كان هذا التحول هو نتاج رؤية واقعية؟ وما هي الحدود العقلانية لهذه الرؤية؟ وما هي أسسها الفلسفية والسياسية؟ وهل يعني ذلك أنها تحولت من تقاليد العداء والراديكالية إلى تقاليد الشرعية والرؤية الاجتماعية؟ وهي أسئلة تتناول صلب الموضوع لأنها تحاول طرح الأسئلة المتعلقة بخصوصية الظاهرة الراديكالية العراقية الجديدة من خلال الإجابة على «مبررات» هذا الانتقال وأسبابه الفعلية، وأثر كل ذلك على تحديد مسار النزوع الجديد لهذه الراديكالية.

إن دراسة مقدمات وشروط «الانتقال التاريخي» في مواقف الأحزاب الدينية والدنيوية، الوطنية والقومية، الاشتراكية والشيوعية، الملكية والديمقراطية، المدنية والتقليدية من العداء المتأصل للامبريالية إلى حليف لها يحتوي على قدر من التغير في الأحكام السياسية النظرية والعملية التي تعطي لنا إمكانية القول، بأن تغيرا قد جرى فيها. ويحتوي هذا التغير على قدر من الرؤية الواقعية. بمعنى إدراكها جميعا، بأن إعادة إنتاج وتأصيل العداء للمراكز الإمبريالية هو جزء من تراث أيديولوجي لا يمكنه أن يؤدي إلى نتيجة مفيدة وبالأخص، بعد انهيار المعسكر الاشتراكي. وهي خطوة إلى الأمام فيما يتعلق بمرونة المواقف السياسية مما جرى من أحداث عالمية مؤثرة على آفاق العملية السياسية في كل مكان بما في ذلك في العراق، الذي كان يشكل (وما يزال) بؤرة ساخنة من بؤر الصراع العالمي الجديد. لكنها واقعية مبتورة، لأنها تفتقد لأي تأصيل عقلاني. بمعنى أنها واقعية بلا إستراتيجية واضحة المعالم في ما يتعلق برؤية المصالح الجوهرية للعراق ومعاصرة المستقبل فيه. من هنا خلوها لأسس فكرية وسياسية خاصة بها. بمعنى إننا لا نعثر في البرامج السياسية والمشاريع النظرية لهذه الحركات والأحزاب والنخب على ما يمكنه أن يكون تأسيسا نظريا يعطي لهذا التحول والانقلاب بعدا عقلانيا يؤكد واقعيته الضرورية. بل على العكس، إن كتابات وبرامج هذه الحركات ما زالت متحجرة بمفاهيمها القديمة، الإسلامي بإسلاميته السلفية أو مذهبيته الضيقة، والقومي بقوميته الجامدة أو صيغتها العرقية، والاشتراكي باشتراكيته المجهولة، والشيوعي بشيوعيته المعلومة. وهكذا الحال بالنسبة للبقية الباقية.

إننا نقف أمام حالة محيرة للعقل النقدي في محاولته فهم سرّ الانتقال المسرور من «جنان» الإسلام والقومية والوطنية والاشتراكية والشيوعية إلى «جحيم» القوى الاستعمارية القديمة والجديدة ونزوعها الامبريالي. وهي حالة انتقال فعلية ترتسم ملامحها السعيدة على محيا القوى والأحزاب والنخب السياسية، بينما مازال فؤادها الأيديولوجي مليئا بمفاهيم العداء والاستعداء للحلفاء الجدد، أعداء الأمس! كما يلازم هذه الحالة بالضرورة انفصاما بالشخصية السياسية. وفي هذا يكمن تناقض، ولحد ما زيف الشعارات المعلنة عن الدولة الشرعية والديمقراطية والعدالة والمساواة والقيم الأخلاقية. ومن ثم استحالة تراكم الرؤية الواقعية العقلانية باعتبارها فلسفة متماسكة في ميدان بناء الدولة والمجتمع والاقتصاد والعلم والثقافة.

فالفلسفة الواقعية العقلانية للنظام الديمقراطي الفعلي هي أولا وقبل كل شيء منظومة متكاملة ومتوحدة في الظاهر والباطن، ومنسجمة في مواقفها النظرية والعملية. في حين أن ما نعثر عليه هو مجرد تأقلم ونزوع نفعي جزئي، يفصل القوى السياسية عن تاريخها وتاريخ الدولة والمجتمع والثقافة. وذلك لأن انتقال هذه القوى والنخب السياسية من العداء للامبريالية إلى «حليف إستراتيجي» لم يكن تحولا مبنيا على إدراك فلسفي تاريخي متراكم واقعي وعقلاني لضرورة البدائل التي يحتاجها العراق في العالم المعاصر، بقدر ما كان انقلابا وتبدلا. والأتعس مما فيه أيضا هو أن هذا الانتقال لم يكن أكثر من هرولة وركض وراء أعداء الأمس من اجل استرضاءهم لكي يكونوا حليفا إستراتيجيا، بدون إستراتيجية جديدة. والشيء الوحيد الواضح المعالم في هذه العلاقة هو الاستعداد للرضوخ والخضوع غير المشروط!! وقد أثر هذا التناقض ويؤثر بصورة مباشرة وغير مباشرة في إعادة إنتاج واستثارة الراديكالية العراقية الجديدة التي يشكل "التيار الصدري" احد نماذجها الكلاسيكية.

إن مبررات هذا الانتقال وأسبابه الفعلية لا تتمتع بقدر من المصداقية قادرا على تأسيس البدائل العقلانية وروح الاعتدال. من هنا استثارته القوية والمدهشة للراديكالية العراقية الجديدة عوضا عن تحييدها بطريقة تجعلها جزء ضروريا من خميرة الوعي السياسي الفعال. ومن ثم وأد نماذجها الأكثر تطرفا وغلوا. وهي نتيجة تشير إلى عدم الاتعاظ الكلي والدقيق من تجربة الصدامية. ومن عدم تذليل بقاياها المنتشرة في كل مسام الوجود العراقي. وفي هذا يكمن دون شك إعادة إنتاج صداميات جديدة متناثرة مجزأة قد لا تقل تخريبا عما سبقها، لكنها تؤشر في الوقت نفسه على اندثار وحدتها الصلدة. ومن ثم تلاشي قدرتها الفعلية على مواجهة موجة التحدي العميقة في تذليل زمن الراديكالية.

ومن حصيلة هذه العملية المتناقضة المشار إليها أعلاه ظهر التيار الصدري بهذه الصورة المفاجئة. بمعنى أن ظهوره «الاجتماعي» و«الوطني» و«المعادي للاحتلال» و«المدافع عن المقدسات» وما شابه ذلك، هو الوجه الآخر لتقاليد الماضي في منافستها للقوى الدينية والدنيوية التي جاءت مع قوى الاحتلال وبمؤازرته في تسلم زمام السلطة، والمشاركة الوهمية والواقعية فيها. بمعنى أن الظهور المفاجئ والعنيف للتيار الصدري يحمل في أعماقه بقايا وثقل التوتاليتارية والدكتاتورية.

فقد كان «التيار الصدري» الراديكالي الجديد صنيعة الماضي التوتاليتاري والدكتاتوري، سواء من حيث «تاريخه» السياسي في شخصية الصدر (الأب) وهيبتها الروحية التي لم تكن معزولة عن محاولات السلطة الصدامية صنع بدائل «عربية» للمرجعية الشيعية التقليدية، أي المجردة عن «القومية». ومن ثم كانت مهمتها السياسية هي إضعاف المرجعية المذهبية «الخالصة»، أي المناوئة أو التي تحمل في أعمق أعماقها نفسية المعارضة وروح الاغتراب الشامل عن السلطة. وهي خطة عادية بمعايير الدكتاتورية الصدامية لكنها غير عادية بإمكانياتها الداخلية على خلفية التهميش الاجتماعي الهائل الذي تعرض له العراق بشكل عام ومناطق الشيعة بشكل خاص.

فقد كان العراق قبيل وبعد سقوط الصدامية كتلة هائلة مهمشة، أي كيان من الحثالة الاجتماعية الرثة في حياتها ومظهرها ونفسيتها وذهنيتها وعلاقاتها الخاصة والعامة وفكرتها عن الحرية، باختصار في كل شيء! وفي ظل حالة من هذا القبيل كان المزاج الاجتماعي مستعدا لقبول أي شكل جديد للراديكالية المناهضة. لاسيما وأن المزاج الاجتماعي كان محكوما بتراث يتلذذ للنزعة التوتاليتارية. لهذا حالما انهارت التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية، فإن الرصيد المكبوت للثأر الراديكالي بين هذه الأحزاب والحركات، الذي لم يبدده ارتباطها بقوى الاحتلال، سرعان ما اخذ يتراكم في حركة شعبية عريضة ومباشرة تلقفها واستحوذ عليها «التيار الصدري». وهو استحواذ لم يخطر على قلب عراقي وباله في حال عدم «إرتقاء» الحركات الدينية والدنيوية صوب التعامل المباشر مع «أعداء الأمس» التقليدين.

ذلك يعني، إن الظهور المفاجئ للتيار الصدري وقدرته الملفتة للنظر على استقطاب «الشارع العراقي» بعد سقوط الدكتاتورية الصدامية، لم يكن في الواقع سوى الوجه الآخر لتراكم الشحنة الراديكالية المقلوبة في المزاج الاجتماعي. وتراكمت هذه الشحنة بصورة لا مثيل لها في تاريخ العراق المعاصر، وبالأخص في مجرى الحروب الهمجية التي انتهت صورتها المباشرة بسقوط الدكتاتورية عام 2003.

بعبارة أخرى، إن الصعود المفاجئ والسريع والعنيف للراديكالية الصدرية هو الوجه الآخر للسقوط المفاجئ والسريع والعنيف للدكتاتورية الصدامية، بوصفها الصيغة الكلاسيكية للراديكالية العراقية. وهو أمر يعطي لنا إمكانية القول بأنهما كلاهما ينتميان من حيث المقدمات إلى ظاهرة واحدة. وهي ظاهرة نعثر عليها عند جميع الحركات الراديكالية السياسية في العراق المعاصر. وإذا كان التيار البعثي الصدامي قد جسدها بصورة «نموذجية» على مستوى الدولة في غضون عقود، فإن التيار الصدري قد جسدها في غضون أشهر في المناطق التي استطاع «الاستيلاء» عليها أو مصادرتها. وقد كانت الأساليب والنتائج هي هي ذاتها! إذ نرى نفس العبارة تجاه «العدو الخارجي» و«المحتل»، كما نرى نفس العبارة المتشدقة بكلمات «الوطنية» الممزوجة بالدفاع عن «المقدسات» و«الإسلام». والشيء نفسه يمكن قوله عن السلطة والدولة. إذ لا تعني السلطة سوى سلطة الفرد الجاهل أو نصف المتعلم. أما الدولة فهي «الأنا» المتلبسة مرة بصدام وأخرى بالصدر! أما المجتمع فهو كتلة لا تتمتع بغير حق الانصياع وتنفيذ كل ما تريده القيادة والإمامة بأساليب القوة والعنف. إذ لا مجال ولا معنى للثقافة والعقل!

مما سبق يتضح، بأننا نقف من جديد أمام الصعود الخطر للنزعة الراديكالية في العراق، التي شكلت مصدر مأساته المعاصرة. فالتجربة التاريخية للعراق المعاصر تبرهن بصورة قاطعة على أن خطورة الراديكالية تقوم في رفعها قطع العلاقة بالتاريخ والتقاليد إلى مصاف العقيدة المقدسة. بينما يفترض المقدس هوية الثبات. لكننا نلاحظ ممارسة الراديكالية لهذا الفرض بحمية بالغة عبر مطابقته مع التجريب الخشن المبني على احتقار الشكوك والاعتراض. كما أنها تطابق بين فكرة الثابت المقدس ويقينها الخاص عن أن الفعل التجريبي هو المطلق الوحيد. مما يجعل منها في الأغلب قوة مدمرة لا تنتج في نهاية المطاف سوى الخراب والتوغل الدائم فيه. وكشفت هذه النتيجة ممارسات «التيار الصدري» في بداية أمره، كما سيكشف عنه الزمن اللاحق ضمن التيارات السياسية عموما والإسلامية خصوصا.

«فالتيار الصدري» هو الحركة التي تمثلت في ظروف العراق الحالية مضمون الراديكالية بأكثر أشكالها تخريبا وتدميرا. وسبب ذلك يقوم في كونها لم تستفد من تجارب الاضطهاد التاريخي الهائل الذي تعرض له الشيعة، بوصفهم "المكون" الأساسي والرئيسي والأكبر للعراق. كما أن ممارستها التي ترافقت مع ظهورها السريع على خلفية زوال البعثية الصدامية تشابهت بصورة شبه تامة مع ممارسات التوتاليتارية والدكتاتورية. ومن ثم وضعت نفسها بالضد من المجرى العام للتيار الشيعي والوطني والاجتماعي العراقي. أما الحصيلة فهو الانحدار الدائم صوب الانصهار مع الغلاة الجدد من مختلف التيارات السلفية.

ولعل أهم ما يميزها بهذا الصدد هو نظرتها الضيقة المقيدة بنفسية ومزاح أو هوى الحثالة الاجتماعية. مما كان يحد من إمكانية نموها العقلاني، كما يجعلها بالضرورة أسيرة الحدود الضيقة في رؤيتها لآفاق تطوير الدولة والنظام السياسي والمجتمع والثقافة. إذ أننا لا نرى ولا نسمع ولا نعثر على برنامج «صدري» له علاقة بمكونات الدولة المعاصرة والنظام السياسي والمجتمع والثقافة البديلة للتوتاليتارية والدكتاتورية. ويشير هذا الواقع إلى افتقاد الرؤية السياسية الإستراتيجية وفقدان المشروع السياسي وانعدام الرؤية الواقعية والعقلانية عن طبيعة التغيرات التي جرت في العراق. وليست العبارات العامة عن «الدولة الإسلامية» و«المجتمع المسلم» و«الثقافة الإسلامية» وما شابه ذلك سوى كلمات لا معنى لها في حال انعدام تحديدها الدقيق بمعايير الرؤية السياسية والاجتماعية والثقافية، أي في حال عدم وجود برنامج نظري وعملي يحدد بصورة دقيقة الغايات الكبرى ووسائل تنفيذها. أما العبارات التي نسمعها بين الحين والآخر فهي ليست أكثر من صياغة «إسلامية» لأغلب مضامين التوتاليتارية والدكتاتورية.

إننا نعثر في «التيار الصدري» على إدراك ضعيف ومشوه لطبيعة التحولات الجارية في العراق. وقد وجد ذلك انعكاسه المباشر في بادئ الأمر بالتناقض الحاد بين الاشتراك الجماهيري الفعال والعنيف في السياسة، ورفض الاشتراك «الرسمي» فيها. ولم يعن ذلك من حيث المضمون لا من حيث الشكل سوى محاربة الانخراط الفعال في الحياة السياسية الاجتماعية. من هنا بقاءه وبقاء خطابه السياسي ضمن عبارات لا تتعدى في أفضل الأحوال لغة الشعار السياسي المهيج لنفسية الفئات الرثة. وهو توجه لابد وأن يقلّص مع مرور الزمن قاعدته الاجتماعية ويجعلها قوة مناهضة لأبسط مفاهيم الحرية والتقدم الاجتماعي. وهي عملية بدأت ملامحها الأولية في ظاهرة تزايد وتوسع وتعمق الشرخ السياسي والفكري والمعنوي بينه وبين المجتمع. إذ يمكن ملاحظته في الشرخ الهائل بين المؤيدين والمعارضين له في المدينة والريف، بحيث تحولت الظاهرة الصدرية إلى جزر متناثرة لا يربطها سوى الاستعداد للعنف. وهي عملية مستنفذة بالضرورة لأنها غير قادرة على مواجهة العنف الفعلي القائم في ظاهرة التهميش التي تعرضت لها فئات هائلة من المجتمع العراقي بشكل عام والشيعة بشكل خاص. كما نرى ذلك في الهوة السياسية القائمة بين «التيار الصدري» والحركات السياسية العراقية عموما، بما في ذلك الشيعية. بل أن ما كان يميز «التيار الصدري» قبل تعرضه للضربة القاضية في جولته الأولى ضد القوات الأمريكية والعراقية الرسمية، هو استعداءه للحركات والتيارات والأحزاب الشيعية وخذل زعماؤها التقليديين. وهي ظاهرة تعكس الطابع الراديكالي للتيار الصدري، بغض النظر عن نفسية المؤامرة والمغامرة التي كانت القوى المتزاحمة في «مجلس الحكم» والشيعية منها بالأخص تستدرجه لخوض «معركة الشرف» الخاسرة. وفي هذه العملية كانت تتبين مستوى وحدود وديناميكية الاغتراب السريع بين الظاهرة الصدرية وبين المجتمع.

وفي الإطار العام يمكن القول، بأن الظاهرة الصدرية بوصفها ظاهرة راديكالية تبرهن من جديد على أن الحثالة الاجتماعية ليست مستعدة على بلورة رؤية سياسية أخلاقية قادرة على تجاوز مفاهيم الحثالة وتصوراتها وأحكامها لما جرى ويجري. ومن ثم فإن ممارساتها ككل لا تفعل إلا على إعادة إنتاج مختلف مظاهر الإفساد والانحطاط والتخلف والاستبداد. الأمر الذي يشير بدوره إلى الحقيقة التي ينبغي تحويلها إلى بديهة عملية بالنسبة للوعي السياسي المعاصر في العراق، والقائلة بأن مهمة إنقاذ المظلومين بوصفها فلسفة للحرية الفعلية لا تتبلور بينهم، بل بين أولئك الذين استطاعوا تجاوز حالة الظلم، بمعنى ممن هو قادر على رؤية حدود الظلم من موقع البدائل العقلانية. وهي حقيقة تنطبق بقدر واحد على الظاهرة الراديكالية الاجتماعية والقومية والدينية.

فقد استطاع «التيار الصدري» أن يستقطب من حيث قواه الاجتماعية كمية الحثالة الاجتماعية الهائلة في العراق المعاصر، مما جعل منه التيار الأكثر نموذجية لتمركز وفعالية القوى الرثة. وهي قوى اجتماعية عراقية معبرة عن حالة عراقية فعلية. أما في وسائله، فإنه التجسيد الأكثر تخلفا لكيفية إدارة الصراع الاجتماعي والسياسي، وذلك لأن «منطقه» الوحيد هو منطق السلاح لا سلاح المنطق. وهي أيضا وسيلة معبرة عن حالة عراقية فعلية. أما في نيته فقد كان يسعى للهيمنة، وهي أيضا نية معبرة عن حالة عراقية فعلية. بينما لم تكن غايته المعلنة عن طرد الاحتلال وغايته الباطنة عن إحلال النظام الإسلامي، سوى وجهان مكملان للرؤية الراديكالية التي لا ترى ولا تسمع ولا تتذوق حقيقة ما يجري في العراق وحوله والعالم.(يتبع....).

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

مجدي ابراهيمانتهينا في اللقاء السابق عند نقطة "العقل الكلي" الذي لا تغيُّر فيه، بل ثبات هو العقل الفعال الذي لا يلحقه فساد ولا يناله زوال، وفي هذا المقال نأتي على رأي ابن رشد في العقل والنفس. وخلاصة مسألة العقول كما اشتهرت في الفلسفة الإسلامية أن الله سبحانه وتعالى تعقل ذاته، فكان العقل الأول. وأن العقل الأول يحرك ما دونه حتى تنتهي العقول إلى العقل الفعال وهو الذي يمدُّ العقل الهيولاني الذي يقتبس منه الإنسان تفكيره، ويسمى بالهيولاني تشبيهاً له بالهيولي التي تقبل الصور، ولم يذكر العقل الهيولاني قبل الأفروديسي.

على أن القفطي يحدّثنا في "إخبار العلماء بأخبار الحكماء" عن آراء أرسطو في النفس، ومع أن حديثه هذا لا يخلو من سذاجة إلا أنه يصيب كبد الحقيقة، حين يقول واصفاً ما انتهت إليه أبحاث أرسطو الميتافيزيقية:" ثم إن أرسطو طاليس رأى كلام شيخه أفلاطون وشيخ شيخه سقراط، فوجد كلام شيخه مدخول الحجج متزلزل القواعد، غير محكم البنية في الرد والمنبع، فهذبه ورتبه وحققه ونمقه وأسقط ما ضعف منه وأتى في الجواب بالأقوى، وسلك في كل ذلك سبيل المجاهدة والتقوى؛ فجاء كلامه أفصح كلام وأسدّ كلام وأحكم كلام. غير أنه لما جال في هذا البحر برأيه غير مستند إلى كتاب مُنزل، ولا إلى قول نبي مرسل ضَلَّ في الطريق، وفاتته أمور لم يصل عقله إليها حالة التحقيق"...

والسؤال الآن: هل ابن رشد كان يتابع أرسطو في مسائل ما بعد الطبيعة وبحوث النفس والعقل، وهو على هذا الوصف الذي رأيناه عند القفطي؟ وكيف تنسى له التوفيق بين مذهب أرسطو وشراحه وشروحه، وبين عقيدة الإسلام في خلود النفس والثواب والعقاب والنبوة والوحى إلى آخر المعتقدات الإسلامية؟!

عندي أنه لا تخلو محاولات ابن رشد التوفيقية من آراء تحالف في جوهرها معتقدات الإسلام إذا هو كان تابع أرسطو بغير نقد إلى منتهاه؛ فكان لابد أن تقوم على نظريته في النفس والعقل بعض المآخذ والثغرات: يتحدّث عن جوهرية النفس دون توضيح لمعنى الجوهر. قد يقصد أنها ليست عرضاً لجسم وإنما لها وجود متميز وبالتالي من طبيعة غير مادية. واضح أن هذا التصور للنفس تصور أفلاطوني. نجد ثانياً تناقضاً بين قوله إن العقل الهيولاني استعداد لتلقي أفكار من العقل بالملكة، وقوله إن العقل ليس به شيء بالقوة. نجد أخيراً أن ابن رشد وإن رأى العقل الفعال جزءً من الإنسان وليس خارجاً عنه، فإنه لم يفهمه عقلاً فردياً لكل إنسان وإنما النوع الإنساني كله. وإذن لم ينجح في محاولته الدفاع عن عقيدة الإسلام في خلود النفس كما يقول الدكتور محمود زيدان في (نظرية ابن رشد في النفس والعقل: ص48).

ومن جانب آخر نرى الإمام محمد عبده في هذه النقطة الأخيرة يقول: إن ابن رشد يقول بخلود النفس وسعادتها وشقائها وعذابها ونعيمها، وأن عقل الإنسانية العام لا وجود له لا عند أرسطو ولا عند ابن رشد، فإن أرسطو وابن رشد لا يقولان بعقل يسمى عقل الإنسانية العام، بل كان ذلك من مزاعم أفلاطون التي عنى أرسطو بإبطالها وتبعه ابن رشد وغيره في نفيها.

ولقد دارَ صراعٌ طويلٌ بين فرح أفندي أنطون صاحب مجلة الجامعة والإمام محمد عبده حول هذه المسائل، إذْ ينفي الإمام محمد عبده في ردوده على الأستاذ الأديب فرح أنطون صاحب مجلة "الجامعة"، وفي صدد المساجلات الطويلة التي دارت بينهما، أن يكون اتصال النفس بالعقل الفعال معناه الفناء فيه أو الإندغام كما عرفته الجامعة مما جرى به رأي فرح أنطون. وعنده أن العقل الفعال هو العقل العاشر المصرف للمادة العنصرية لا عقل الإنسانية العام كما تقول الجامعة. وينفي الأستاذ الإمام عن أرسطو وعن ابن رشد مظنة القول بعقل يسمى كما قلنا بعقل الإنسانية العام. فالعقل الفعال هو الذي يخرج النفس من العقل الهيولاني إلى العقل بالملكة، ومن العقل بالملكة إلى العقل المستفاد، ومنه إلى العقل بالفعل. أما نفوسنا؛ فهى عقول بالقوة، ولكنها تستعد استعداداً خاصّاً للاتصال بذلك العقل أي بالإقبال عليه وتوجيهه وجهتها نحوه مما ارتسم منه فيها بالصور العقلية الخاصّة بذلك الاستعداد الخاص.

والعقل الأول كما يراه محمد عبده، ليس هو كما يقول صاحب الجامعة فرح أفندي أنطون؛ فإنّ العقل الأول - كما يروى العقاد عن الشيخ محمد عبده، هو جوهر مجرد عن المادة، وهو أول صادر عن الواجب، وقد صدر عنه الفلك التاسع المسمى عندهم بالفلك الأطلس، ونفس ذلك الفلك تدبر حركاته الجزئية، وعقلُ آخر هو العقل الثاني، وعن هذا العقل الثاني صدر الفلك الثامن المسمى عندهم بالعقل الفعال أو العقل الفياض، وعن العقل صدرت المادة العنصرية وإليه يرجع ما يحدث في عالمها.

على أننا إذا نحن رجعنا إلى أقوال ثامسطيوس، فيما يتعلق بالفقرة الأولى من اعتراض الأستاذ الإمام؛ لوجدنا أن فكرة العقل العام كانت موجودة في أقوال ثامسطيوس، وكذلك في آراء الاسكندر الأفروديسي. فأما ثامسطيوس فهو يقول:" .. أما عن ماهيتي التي هى في نفس الوقت الماهية المشتركة لجميع الناس، ماهية النوع الإنساني؛ فإنها تتكون من الصورة أي صورة النفس الإنسانية، من العقل بالفعل.

ولذلك لا نقول مع الاسكندر الأفروديسي إنّ العقل الفعال إلهي، بل هو ما يميز النوع الإنساني. العقل الفعال هو نحن جميعاً، ففكرة العقل العام موجودة إذن عند شراح أرسطو - وإنْ كان ثامسطيوس رَجَعَ فيها إلى أفلوطين في نظرية اتصال النوع بالأفراد، إذ إن فكرة الاتصال أو الاستمرار بين مختلف مراحل الوجود هى فكرة ينزع فيها أفلوطين إلى نوع من الوحدة الصوفية مع المبدأ الأول، وذلك يقتضي إزالة التعارض بين المراتب المختلفة للوجود. فإن "المثل" التي قال بها أفلاطون، والتي هى قوام العقل ومحتواه، تكون عند أفلوطين مبدأ ثانياً صادراً عن المبدأ الأول (را: التساعية الرابعة لأفلوطين في النفس: ص 48).

وقد سبق لنا ملاحظة أن أفلوطين يذكر أن نفوسنا كلها واحدة ولكن الاختلافات الفردية ترجع إلى العنصر الجسمي الذي فيها، وكذلك الحال في فكرة "الإنسان" أو "فكرة الإنسانية" فهى فكرة واحدة فينا جميعاً، ولكنها قد تكون متحركة في شخص وساكنة في آخر تبعاً لحالة كل منهما؛ فكل منا "إنسان" ولكن لا يعني هذا أن شعورنا واحد. أما الاسكندر الأفروديسي، ففضلاً عن كونه تلميذاً لأفلوطين فهو الذي قال بوحدة العقل المنفعل في كل الأشخاص، على ما ذكر ماسينيون فيما تقدّم، وقال إنها هدم لنظرية الأبدية وللثواب والعقاب. وأما بالنسبة للمساجلة الطويلة التي دارت بين الأستاذ الإمام وفرح أفندي أنطون، فإنّ الفصل فيها يرجع، كما وضح الأستاذ العقاد في كتابه عن ابن رشد، إلى اختلاف المصادر، فكل ما يذكره الشيخ الإمام محمد عبده عن العقل الأول، صحيح بالنسبة إلى فلاسفة الإسلام في المشرق، ولكن ابن رشد كان يعتمد على شرح أرسطو مباشرة ويفسره برأيه لا بآراء الفلاسفة المشرقيين ... أما الأستاذ فرح أنطون، فكان جل اعتماده على تخريجات رينان، ولم يتوسّع في الاطلاع على كتاب التهافت وغيره توسع استقصاء. وقد صرح بذلك حين قال " .. لا مناص للكاتب العربي اليوم من أخذ تلك الفلسفة عن الإفرنج أنفسهم، فأخذنا كتاباً للمستر مولر عنوانه: فلسفة ابن رشد ومبادئه الدينية، وكتاباً عنوانه: "ابن رشد وفلسفته" وهو للفيلسوف رينان المشهور.

لقد كانت المصادر إذن مختلفة، وكان أكثرها مروياً عن صاحبه، مأخوذاً من خلاصة كلامه، ولو توحدت المصادر مع حُسن النية لما تباعدت بين المتناظرين في هذه المسألة، ولا في غيرها، شُقة الخلاف.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

رائد جبار كاظمواقع الحال أن ما يجري في العراق من تظاهرات وأحتجاجات شعبية منذ مطلع تشرين الأول 2019، وأستمرارها الى يومنا هذا من شهر تشرين الثاني، انما هي لغرض المطالبة بالحقوق والخدمات واصلاح الحال ومحاربة ومكافحة الفساد السياسي والاداري في كافة مفاصل ومؤسسات الدولة العراقية وتغيير الوضع الاجتماعي والمعيشي المزري للشعب العراقي، ومحاولة الحد من هيمنة وفساد السلطة السياسية الحاكمة وأستأثارها بمقدرات الشعب وبالامتيازات والمخصصات لوحدها ومن برفقتها من الاحزاب والكتل السياسية في أدارة الدولة، أما الشعب فهو في حال مأساوي يرثى له، من حيث مستوى الخدمات وفرص العمل والسكن والوضع الصحي والاقتصادي والثقافي والتربوي والتعليمي، فما تحقق من تغيير منذ 2003 الى اليوم هو ليس بمستوى الطموح ولا يناسب حجم ما تعرض له العراق من كوارث ومحن طوال الفترات السابقة، ليتم تعويضه من قبل النظام السياسي الديمقراطي الجديد بما فقده من سنوات المر والجمر من سنوات حكم الدكتاتور وغطرسته المفرطة تجاه الشعب العراقي المظلوم.

التظاهرات والاحتجاجات الشعبية الواسعة التي خرجت في محافظات ومدن العراق انما هي عفوية صادقة، نابعة من مظلومية واقعية ونقص حاد في جميع الحقوق والخدمات، وخاصة ضمن فئة عمرية شابة جديدة لم تذق طعم الحرية الجديدة ولم تحصل على حقوقها بصورة صحيحة وسليمة، جيل شبابي مظلوم ولد مع مطلع نهاية الدكتاتور وبداية حقبة سياسية جديدة محملة بالاعباء والاثقال والاوحال السياسية القادمة من منافي ومطابخ سياسية عالمية متعددة لا نعرف أهدافها ونواياها سوى أنها عراقية اللسان ومختلفة الاهواء والاجندات والبيان، كيانات وأحزاب سياسية تنفست هواء الخارج والدول التي وهبتها جنسيات أخرى ليس لسواد عيونهم وانما لسواد عيون العراق ونهب ثروات أرض السواد مستقبلاً أو من خلال تلك الجنسيات المؤدلجة، التي تعبر عن أهواء وهواء تلك الدول المهيمنة والحاكمة على أرض العراق وسياسته، وتعدد تلك الدول المهيمنة على العراق لا تتعلق بدول الجوار وانما تعدى ذلك الى دول أجنبية أخرى، ينتمى لها هؤلاء الساسة والحكام.

أزدوادج الجنسيات للكثير من الساسة وقادة الاحزاب جعلهم يمرون بحالة من الازدواجية في السلوك السياسي والاجتماعي، وغياب حالة التوازن والحس الوطني عن أي ممارسة مع الشعب، ولم يلمس الناس أي عمل فيه مصلحة البلد وشعبه، بل لمسوا حالة من التواطىء مع الدول والساسة التي ينتمي لها هولاء القادة والاحزاب التي جاءت من خارج الحدود، وقد أصيب بتلك العدوى والفايروس حتى الاحزاب العراقية التي تأسست ما بعد 2003 في الداخل، حين أقتربت من تلك الخارجية التي أتت بعد احتلال العراق وغزوه من قبل الولايات المتحدة الاميريكية.

الواقع العراقي واقع معقد جداً، وهناك من يعيش على حالة الفوضى والاضطراب التي يتعرض لها العراق، ويجني من وراء ذلك الخيرات الحسان، فالعراق في أوقات الخير وفي أوقات الشدة يدر خيراً ومالاً وفيراً على أهله ومن يحكمه، وهناك من يصنع الازمات ويعتاش عليها، فتجار الحروب والفتن يملأون الأرض، والعراق محاط بهؤلاء من كل جانب، سواء في الداخل أو الخارج، ودائماً الأمور تصب في صالح الاغنياء والتجار وليس في صالح الفقراء والمعوزين والثوار والمتمردين على الواقع، فهؤلاء قد يكونوا وقوداً للحروب والثورات والتظاهرات، ولكن من يقودها ويوقدها له الخبرة في الخروج منها وتوجيهها كيفما يشاء وفق مخططات معدة سلفاً، وهناك من يمول تلك الازمات من الداخل والخارج ليجني ثماراً يانعة ليس لها مثيل، أما الشعب والفقراء بنظرهم فليذهبوا الى الجحيم، ما داموا هم يغطوا بنعيم أبدي دائم.

أستطاع الكثير من السياسيين وأصحاب الاجندات والارادات أن يؤظف التظاهرات الوجهة التي يريد، رغم كونها لم تخرج تحت زعامة قائد أو حزب أو مكون معين، ولكن هؤلاء يفكرون بشكل مختلف عما يفكر به الكثير من المتظاهرين والمحتجين السلميين، فالامور دائماً ما تدور وتدور وتعود لهم مرة أخر ليجنوا ثمارها، وهذا ما فطن له الشعب خلال تلك السنوات العجاف، والقادة والساسة يريدون أن يجعلوا من التظاهرات والاحتجاجات (حصان طروادة) ليتخفوا فيه، لا ليقاتلوا أعداء الشعب بل ليمزقوا ويحطموا ذلك الحصان والشعب من باطنه، الشعب الخارج للاصلاح والتغيير، وهناك أجندات متعددة تريد ركوب الموجة وتحقق رغبة أسيادها وزعمائها من الداخل والخارج، وتعددت السيناروهات وأختلفت الارادات والاجندات التي تحرك الاحزاب والكتل السياسية من جهة والشعب من جهة أخرى، ويعمل الكثير على حرف وتشويه مسار تلك التظاهرات والاحتجاجات السلمية من خلال تغذية وامداد المتظاهرين بأفكار مختلفة، غايتها قتل هؤلاء المحتجين والركوب على ظهورهم لتحقيق مآرب كبرى لا يعلم بها الا الله والراسخون في الفهم والعلم والسياسة.

ومما يؤسف له أن العراق على مر التاريخ واقع تحت تأثير كبير من قبل سياسات وأجندات وولاءات خارجية مختلفة، وكل جهة تريد تحريك مكوناتها ورعايها الاثنية في داخل العراق لتحقيق هدفها وغايتها الكبرى، والعراق محاط بدول جوار قوية ومرعبة ومن ساندها من ذوي السلطان الأكبر من العرب والعجم والبربر، لذلك فحالة الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي في العراق معدومة بسبب هيمنة تلك الدول وقوتها على مر التاريخ، هذا بالاضافة الى وجود عامل مهم جداً وهو فقدان الحس والشعور الوطني لكل من يحكم العراق، والعمل الدائم على تحقيق مصلحته وحزبه وجماعته التي ينتمي لها، أما البلد والشعب فهم في رعب دائم وحالة تشظي وأنقسام مستمر.

مما يلاحظ على الموقف الغربي عامة والامريكي خاصة من التظاهرات في العراق هو طابع الجمود والبرود والشرود، وعدم التدخل لحل تلك الأزمة السياسية التي يعاني منها الواقع العراقي اليوم، بل أن الطرف الغربي والامريكي تحديداً يدفع بأتجاه تصفية الحسابات مع أيران، وجعل العراق ساحة حرب لتحقيق مصالحها، ولم يكفي أمريكا وبعض دول الخليج وتجار الحروب أن يكون العراق ضحية حرب أستمرت لثمان سنوات مع أيران في القرن العشرين، حرقت الأخضر واليابس بين البلدين الجارين، بل جاءت اليوم لتعيد نفس السيناريو لتجعل العراق ساحة حرب وتؤجج الفتنة بين البلدين مرة أخرى، من خلال زجّ الشعب والمتظاهرين في تلك الحرب الضروس، ليتحول مسار التظاهرات والاحتجاجات في العراق من الجانب السلمي الى الجانب العدواني والحربي بين طرفين أو أكثر، فأمريكا تخطط ودول الخليج تمول والعراقيون ينفذون، ذلك هو السيناريو الشيطاني المخطط له، والذي من خلاله يفقد العراق الكثير، حقوقه وتظاهراته وشبابه، أما خيراته وثرواته فتذهب في جيوب مخططي الحرب وساسة الفساد والخراب، ومما يؤسف له أن يذهب الشباب والناس وقوداً للحرب ولمخططات عدوانية تأكل الأخضر واليابس، ونلاحظ أيضاً مدى مستوى الشيطنة والمكر لكل من يخطط لتلك الفتنة ويركب موجتها، فدول الخليج وتركيا وبعض الدول العربية والاجنبية الأخرى كانت قد عملت على ابادة العراق وأهله من خلال سلسلة الأرهاب والتفجيرات والحركات التكفيرية التي دمرت العراق، وقد تم غض النظر عنها وتجاوزها والسكوت عنها دولياً وعالمياً، ولكن من الواضح أنها تريد جر العراق وشعبه لحرب جديدة بين العراق وأيران، وضرب بلدين جارين من خلال ركوب موجة التظاهرات وحرف مسار شبابها والمطالبين بحقوقهم المسلوبة، وعند ذلك سنكون بين فكي كماشة، فبين حرب خارجية من جهة وبين فساد وأرهاب سياسي من جهة أخرى، وهذا سيناريو واحد من بين سيناروهات عدة تروج لها الاحزاب والتيارات السياسية في العراق، من خلال قولهم بالتآمر على العملية السياسية في العراق والعمل على أطاحتها، وعودة المتضررين من حزب البعث الى السلطة من جديد، وتحذير الشعب من تلك المؤامرات الداخلية والخارجية، ويعمل الساسة على تخويف الجميع من تلك المؤامرات والمخططات، ويرهبوهم ويرعبوهم من عودة عقارب الساعة الى الوراء، فالشعب العراقي واقع بين خيارين كما يقول الساسة، فاما هذا الحكم واما عودة البعث والفوضى، ولكن الشعب يبقى رهين المؤامرة والمتآمرين عليه، و(ضاعت لحانة بين حانة ومانة) كما يقول المثل الشعبي، ولكن الشعب والمتظاهرين السلمين قد وعوا اللعبة وعرفوا كل المخططات ولم تنطلي عليهم تلك السيناريوهات السياسية والمؤامرات المقيتة، فالشباب خرجوا (يريدون وطن) فيه كرامة وعزة وشرف، والشعب لديه خيار واحد ليس الا وهو (اما يكون أو يكون)، فقد ملّ الجميع الخطابات العدمية والشعارات الحزبية الزائفة التي يسرق فيها الشعب في وضح النهار، ولا أحد يكمم تلك الأصوات الصادحة في ساحات التظاهر للمطالبة بالحقوق والخدمات والعيش بكرامة في وطن غني يستوعب الجميع بكل أطيافه ومكوناته الجميلة. وعلى الاحزاب وقادتها الخروج من أبراجهم العاجية ويحطموا الاسوار المبنية بينهم وبين الشعب ويقفوا معه في محنته ومظلوميته وينتصروا له ويزيدوا من تقديره وأحترامه بدلاً من الاستهانة به أو أذلاله، فكلنا في مركب واحد، وعلينا أن نتجاوز المحنة بسلام كي لا يقع السقف على رؤوسنا وتنهار دولتنا وتباد بسبب ذلك الصمت السياسي الرهيب للاحزاب والبرلمان والحكومة، وعندها لا ينفع الندم ولا عظ الظالم على يديه. 

 

د. رائد جبار كاظم

 

عامر صالحإن الحركة الاحتجاجية التي عمت الشارع العراقي منذ بداية اكتوبر لهذا العام هو نوع من المعارك التاريخية الفاصلة والحاسمة بين فريقين متناقضين، هما فريق السلطات الحاكمة التي فقدت شرعية وجودها على خلفية الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الخانقة والمتراكمة عبر اكثر من عقد ونصف من الزمن، ويمثل هذا الفريق منظومة الحكم والاحزاب الحاكمة منذ 2003 والقائمة على اساس المحاصصة الطائفية والاثنية السياسية والتي تعاملت مع الدولة العراقية كغنيمة يجري تقاسمها بين الاحزاب التي توالت على تسيير دفة الحكم، والفريق الثاني هو قوى الاحتجاجات الشعبية ذات المصلحة الأساسية في عملية التغير التقدمي، والمطالب بالحرية والعدالة الاجتماعية. ولكل فريق " جمهوره " الخاص والذي يتشكل في سياقات الغضب المتراكم في اتجاهين متنافرين: غضب السلطة وسدنتها وأعوانها، وغضب الثوار. ما هي طبيعة الغضب الجمعي لدى الفريقين، وما هي دلالاته، وكيف ينشأ لدى الفريقين، وما هي تداعياته، ذلك ما نطمح إلى تبيان اتجاهاته الرئيسية في هذه المحاولة المتواضعة.

أما الغضب الجمعي و" الثائر " أو الانفعال الثوري منه بشكل خاص فيتشكل من خلال حالة الوعي الجمعي بالمشكلات المشتركة بين أفراد المجتمع والمستعصية على الحل، كالمشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، والتي تبدو بشكل واضح في انتشار الفقر والتفاوت المريع للدخول، وخاصة القائم منه على خلفية الفساد الإداري والمالي والسياسي، والمتمثل بالرشوة والمحسوبية والمحاباة والوساطة والابتزاز والتزوير وسرقة المال العام وغيرها، وخاصة عندما يكون الفساد اكبر حجما من المحاسبة ويصبح ثقافة شائعة تنهك أفراد المجتمع، ويدخل ضمن التركيبية السياسية للدولة، إلى جانب انعدام أو ضعف الخدمات العامة، من صحة وتعليم وماء وكهرباء وضمانات اجتماعية مختلفة،وعدم تفعيل دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي في إعادة بناء البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية، وانعدام فرص العمل للمواطنين، يقابل ذلك في الطرف الآخر ثراء فاحشا وغير نزيه لشرائح اجتماعية وسياسية وقيادات في الدولة والأحزاب الحاكمة، الأمر الذي يترك انطباعا غير قابل للطعن بأن الدولة وقياداتها وأحزابها هي مصدر الظلم الاجتماعي ومسببه الرئيسي، وهي مصدر اهانة أفراد المجتمع وإذلالهم وتميزهم وتأليبهم على بعضهم سياسيا ومذهبيا وطائفيا واثنيا.

وتولد هذه السياسات بمجملها حالات من الكبت والقمع والحرمان المتواصل، وكلما زادت فترة الكبت للمشاعر المصاحبة فهي تشكل أرضا خصبة لغضبا جمعيا ثائرا محملا بشحنة الانفعال الثوري وهو محمود ومطلوب حيث الحاجة إليه لإثبات ذات الفرد والمجتمع ووجودهما، واخذ الحقوق ممن ظلموه وسلبوا إرادته في الحرية الحقيقية والعيش الكريم، فالغضب الجمعي الثائر أو الانفعال الثوري هنا هو حالة صحية وسوية للتعبير عن كبت المشاعر التي خنقت داخل الذات المجتمعية بفعل عوامل القمع والحرمان وانعدام الحريات والعدالة الاجتماعية، وهكذا جاءت انتفاضة الشعب العراقي ترجمة حية لطول كبت مشاعر الحرمان والفقر والفاقة التي تركها النظام المحاصصاتي البغيض، وهكذا جاءت الاحتجاجات المطلبية تعبيرا حيا وصادقا عن عمق أزمة الفساد السياسي والإداري والمالي الذي لا نلتمس فيه أفقا للحل، وهو نذير بمزيد من الاحتقانات والإعمال الاحتجاجية الناتجة عنه.

أما غضب السلطة الحاكمة وأجهزتها وأعوانها والذي أطلقت عليه بالغضب الجمعي " الجائر " فهو غضب الثورة المضادة، والتي تحاول بكل ما أتت به من بقايا القوة لعرقلة وتأخير اختمار الغضب الجمعي " الثائر "، وغضب السلطة الجمعي الجائر هو من نوع غضب " القطيع " نسبة إلى قطيع الأغنام الذي تتحرك جموعه بإشارة من الراعي الكبير ومن مرجعية سياسية ما او من زعيم أوحد، فهذه الجموع لا تتحرك على خلفية عوامل موضوعية مفهومة في الفكر والسياسة والممارسة، وإنما تتحرك على خلفية العداء لمطالب الجماهير المشروعة، يحركها خطاب قائد الضرورة السياسي أو الديني ذو المسحة الانفعالية الضارة بمصالح الناس، فسلوكها هو سلوك هستيري تجسده حالة الخوف من كل جديد، فهي لا تميز بين الصديق والعدو الحقيقي، ولا بين النافع والضار، ولا بين الخطر الحقيقي وما يشبهه، فسلوكها يخلو دوما من التميز، فهي تندفع تحت وطأة التعصب لإرضاء غريزة القطيع " الحيواني "، دون وعي وتنتشر في صفوف المجتمع كالنار في الهشيم لتخرب كل شيء دون حسبان لتصرفاتها وعواقبه، يحرك سلوكها " فوبيا " هستيرية، فهي لا تمتلك قدرة على التخطيط والحكمة في اللحظات الحرجة، وإنما يحرك سلوكها منطق القطيع الذي يتجمع على شكل حظائر بانتظار إشارة من " القائد" أو " الراعي " أو " المرشد الديني " أو " المفتي ". أن الغضب الجمعي الجائر مجردا من كل الصفات الإنسانية فهو يتحرك فقط على خلفية حاسة الشم القوية التي يمتلكها " القطيع " ويندفع حيثما توجه له الإشارة من فوق، وهذا ما يتعارض مع خصوصية الإنسان وعقله المتفرد، فالإنسان يتميز بالعقل الذي يجعل منه كائنا بيولوجيا اجتماعيا، فردا منتميا للمجتمع أو الجماعة البشرية، يطورها وتطوره، يقدرها وتقدره، يسمعها وتسمعه، يتفق معها ويختلف، ويبقى القضاء والحكم العادل هو الفيصل.

وعلى خلفية ذلك اندفعت الأجهزة المخابراتية والأمنية والميليشياوية وأعوان النظام من خلال الإذعان الأعمى لمشيئة القائد السياسي أو الزعيم الديني أو اي مرجعية سياسية أخرى مرتكبة أبشع جرائم القتل والتصفيات بحق الجماهير الثائرة، حتى بلغ عدد الشهداء اكثر من 350 شهيد وعدد الجرحى تجاوز 12 ألف جريح، مع العلم ان الاحتجاجات كانت بمسحتها العامة سلمية، سواء بتقديرات المنظمات الدولية والانسانية بل وحتى بتقديرات الحكومة العراقية.

البعد الأكثر عمقا في منطق الأحتجاجات العراقية انها ليست سياسية بامتياز بل تخضع لقوانين علم الاجتماع النفسي أي انه سيكولوجي سوسيولوجي يتمظهر أساسا في حالة العنف الجماعي وتكوين سريع لذكاء انفعالي جمعي يكون المحرك الأساسي فيه الازدحام والتحرك الجماعي مما يقلص من حسابات الذكاء الذهني الفردي الذي يدفع صاحبه الى الحيطة وعدم المغامرة وخاصة النفعية. فمن لم ينخرط في الذكاء الانفعالي الجمعي بالمشاركة الحقيقة وليس الشكلية فانه يبقى خارج اطار الحالة الأنفعالية الثورية، وبالتالي ما يجري هو حراك حيوي يعيشه النسيج الاجتماعي من اجل المطالبة بتحسين الاوضاع الانسانية العامة ومنها الاقتصادية بشكل خاص، وبحكم ضعف اصغاء السلطة وعدم أذعانها للمطالب المشروعة خلال عقد ونصف من الزمن فأن سقف المطالب لدى المحتجين ارتفع الى المطالبة بأسقاط المسببات الرئيسية للأزمات الدورية في البلاد والمتمثلة بنظام المحاصصة السياسية والمطالبة بأعادة النظر بكامل بنيته الدستورية والمؤسساتية. 

لازال الحراك الاجتماعي العراقي محصورا في منطقة الانفعال الثوري الشديد ولم ينتقل الى مصافي الثورة الشاملة، بحكم عوامل موضوعية ارتبطت اصلا بغياب او ضعف القوى السياسية والمجتمعية التي تستطيع احتواء الانفعالات الثورية للجماهير وتحويلها الى فعل منظم يستطيع التمهيد لأخذ زمام المبادرة وطرح بديل لأزمة الحكم القائمة منذ عقد ونصف من الزمن. وفي ظل هذا الغياب إن اصبح مزمنا، فأن الأحتجاجات ستكون امام احتمالات التمديد والمراوغة من قبل السلطات والمراهنة على الزمن وتعب المحتجين، أو يتم ركوب موجتها من قبل قوى خارجية او داخلية لاعلاقة لها بمصلحة الشعب العراقي، أواحتمال قيام اجنحة عسكرية بفرض حالة الطوارئ في البلاد والتهيئة الى مرحلة انتقالية" رغم ان الأخير صعب في الحالة العراقية ولكنه غير مستبعد". يحتاج العراقيون الى المزيد من دعم المجتمع الدولي لشرح الأزمة البنيوية للنظام القائم، فالنظام لازال يتمتع بشرعية دولية، ولازال المجتمع الدولي ينظر للأحداث في العراق بأنها أزمة حكومية وممكن اصلاحها بتغير حكومي، وليست أزمة نظام سياسي ويجب اعادة النظر في بنيته الأساسية.

 

د.عامر صالح

 

ميثم الجنابيلقد توصلت في المقالات السابقة إلى أن الراديكالية بشكل عام والسياسية بشكل خاص هي الجزء الحيوي والمهم من تاريخ الدولة والأمة والفكر. أما قيمتها الفعلية فتتوقف على كمية ونوعية تنشيطها لمختلف جوانب الحياة. ويتوقف مسار هذا التنشيط ونتائجه على مستوى تطور العقلانية السياسية وبنيتها التاريخية في مؤسسات الدولة والمجتمع والثقافة. بمعنى انه كلما كانت العقلانية السياسية واسعة الجذور وراسخة في بنية الدولة والمجتمع والفكر كلما كانت الراديكالية أكثر فاعلية وقيمة بالنسبة لشحذ الرؤية النقدية والوجدان الأخلاقي. وعلى العكس من ذلك، كلما كانت العقلانية السياسية ضعيفة الجذور في بنية الدولة والمجتمع والفكر كلما كانت الراديكالية اعنف تأثيرا وأكثر تخريبا بسبب تغليبها للرؤية الوجدانية وتدميرها للتراكم التاريخي في المؤسسات والفكر والتقاليد. وميزت هذه الحالة تاريخ العراق الحديث، التي جعلت من الراديكالية السياسية القوة الوحيدة الفاعلة في العقل والضمير والوعي الاجتماعي. مما أدى تدريجيا إلى تخريب التراكم التاريخي للعقلانية السياسية والفكرة الشرعية في بنية الدولة والمجتمع والثقافة. بحيث أدى إلى حالة أصبح من الممكن القول فيها، بأن الراديكالية السياسية بمختلف أطيافها كانت وما تزال تشكل التيار الساري في تاريخ العراق الحديث، والعنصر المكون لأغلب الرؤى السياسية «اليسارية» و«اليمينية»، «الدينية» و«الدنيوية» (العلمانية). مما جعل منها عاملا فاعلا ومؤثرا في نفسية وذهنية اغلب حركاته السياسية ومواقفها من النفس والآخرين.

لقد أدت ظاهرة انتشار وسيادة الراديكالية السياسية في العراق الحديث إلى جعلها إحدى اخطر الظواهر السياسية والثقافية بالنسبة لوجوده وآفاق تطور البدائل فيه. ولعل أهم نماذجها الحالية العنيفة هي الحركات الراديكالية الإسلامية المتطرفة (السلفية المتشددة). إذ لم تكن هذه الحركات سوى الاستظهار المقلوب لزمن الراديكالية القومية الدنيوية الفارغ، أي لزمن السيادة شبه المطلقة للراديكالية الدنيوية (العلمانية) البعثية. بمعنى إن الراديكالية التي استطاعت إفراغ التاريخ المعاصر للعراق من خلال تهشيم المشاريع الواقعية لبناء الدولة والمجتمع المدني والثقافة العقلانية أدت إلى إنتاج «بديلها» في الراديكالية الإسلامية. إذ تكشف التجارب التاريخية للعراق عن حقيقة تقول، بأنه كلما كانت الراديكالية المتسلطة همجية كلما أصبحت الراديكالية المناوئة لها اشد همجية منها.

ويقف العراق الآن أمام حالة نتوء لنماذج من الراديكالية لا تقل همجية من تلك التي أنتجتها. ويصعب توقع صيغة أخرى لهذه الحالة «الطبيعية» في ظروفه الحالية. بل يمكن القول، بأنها ظاهرة سوف تستفحل تدريجيا إلى أن تبلغ ذروة انحطاطها بعد خروجها العارم من سجن التوتاليتارية البعثية «العلمانية» والدكتاتورية الصدامية الطائفية. بعبارة أخرى، إن خروجها العارم هذا سوف يضفي على كل السلفيات الممكنة طابعا متطرفا ويجعلها اشد همجية في علمها وعملها. إلا أن مفارقة هذه الظاهرة المدمرة تقوم أيضا في أن استفحال الراديكالية المعاصرة في العراق سوف ينفي بصورة سريعة زمن الدكتاتورية والتوتاليتارية، ومن ثم الراديكالية الهمجية نفسها. وذلك لأنها تعمل بوعي وبدون وعي على استعادة تقاليد العنف الذي تدعي مواجهته والقضاء عليه. وهي حالة لها مقدماتها في توسع المدى المادي والمعنوي لنفسية وذهنية الحثالة الاجتماعية والفئات الرثة التي لازمت استحكام التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية. وهي حالة تكشف عنها نادرة واقعية في العراق تحكي عن أحد «ممثلي» الحثالة الاجتماعية عندا قال لشخص «مثقف» قبل أن يقتله «كيف تعتدي علي وأنا حوذي ابن حوذي ابن حوذي!» أي عندما تتحول الحثالة إلى قيمة «أرستقراطية» تستعلي على الجميع من حيث قدرتها على مواجهة الثقافة باعتبارها قيمة تافهة وضعيفة!

وإذا أخذنا بنظر الاعتبار إن العراق في ظرفه الحالي هو بلد الحثالة الاجتماعية، فيمكننا توقع أثر ذلك في نفسية وذهنية الراديكالية الممكنة فيه. وهي راديكالية لا يمكنها ألا تكون همجية تامة بسبب طبيعة ومستوى الخراب والتهميش العنيف لمختلف قواه ومكوناته الاجتماعية. بحيث يمكننا القول، بأن النتيجة التي ترتبت على زمن الاستفراد الدكتاتوري في العراق هو التهميش الكامل للمجتمع وتهشيم كينونته التاريخية. إذ لم يكن الخراب والتخريب الاجتماعي وطبيعة ومستوى التهميش والهامشية، نتاجا لأزمة اجتماعية اقتصادية قاهرة، بقدر ما كان نتاجا مباشرا وغير مباشرا لقهر الدكتاتورية الصدامية والتوتاليتارية البعثية، أي لقهر مركب وشامل وبنيوي. الأمر الذي يفرض على الراديكاليات الممكنة نمطا من التفكير الأيديولوجي والنفسية الاجتماعية أقرب ما يكون إلى خليط من أيديولوجية الحثالة الاجتماعية والرثة السياسية. مما يضعها بالضرورة على خلاف حاد ومواجهة شاملة مع مشاريع البدائل العقلانية في العراق.

وسوف يضع هذا الخلاف والمواجهة بالضرورة هذه الراديكاليات الفاعلة والممكنة ضد المسار العام لمشروع بناء الدولة الشرعية والمجتمع المدني والثقافة العقلانية. غير أن هذه العملية المؤذية تحتوي على قدر من الفائدة السياسية لترسيخ قيم الواقعية والعقلانية. وذلك لأن استفحال المواجهة الهمجية من جانب الراديكاليات لمشاريع البدائل العقلانية في العراق سوف يؤدي بالضرورة إلى انحسارها السريع. وهو انحسار محكوم بخلخلة القاعدة الاجتماعية التي ترسبت في أعمق أعماقها كراهية شديدة للفكرة التوتاليتارية والدكتاتورية وممارساتها، أي للراديكالية الهمجية بحد ذاتها. وذلك لأن الراديكالية المعاصرة في العراق، وبالأخص في نماذجها الدينية والطائفية لا تعمل في الواقع إلا على استعادة العنف المنظم للسلطة بطريقة «اجتماعية». بمعنى محاولتها توسيع مدى العنف من خلال إشراك الفئات الاجتماعية المهمشة. وهي عملية متناقضة سوف تسهم بتسريع اغترابها الشامل عن المجتمع نفسه. وذلك لأنها لا تمتلك إمكانية التأثير المادي والمعنوي الذي تمتلكه الراديكالية المتسلطة. وفي مجرى هذه العملية المتناقضة تساهم الراديكالية الدينية والدنيوية والقومية (العرقية) في تأسيس الرؤية العقلانية والاعتدال عند مختلف الشرائح الاجتماعية. ويمكن تلمس هذه الظاهرة في نمط تفكير الناس العاديين «البسطاء» الذين تخلوا عباراتهم وتصوراتهم وأحكامهم وتقييمهم للأحداث والأشخاص من الدموية وشعور الانتقام والعنف والقسوة. بمعنى إننا نعثر فيها على أجنة الإدراك العادي لقيمة الاعتدال والديمومة العادية في وجود الأشياء.

إن تعمق وتوسع وترسخ الإدراك الضروري لقيم الاعتدال والعقلانية هو الاتجاه الواقعي والفعلي المضاد لمضمون الراديكالية نفسها التي تجعل من قطع العلاقة بالتاريخ والتقاليد عقيدة مقدسة. بينما يفترض المقدس تحقيق هوية الثبات. في حين تمارس الراديكالية «فروضها المقدسة» بحمية بالغة عبر مطابقتها مع التجريب الخشن المبني على احتقار الشكوك والاعتراض. كما أنها تطابق بين فكرة الثابت المقدس مع يقينها الخاص عن أن الفعل التجريبي هو المطلق الوحيد.

من هنا ارتفاع زئيفها وزعيقها ونعيقها وتناثر زبدها المتطاير من أفواه «الرعية» بكلمات لا تفقه حقيقة معناها. فالراديكالية بشكل عام لا تفقه المعنى في الكلمة والعبارة والحدث. والشيء الوحيد الذي تراه وتمارسه بحمية بالغة وحماسة منقطعة النظير هو جهلها المرفوع إلى مصاف «المقدس». من هنا اكتظاظ كلامها وشعرها وشعارها بكلمة «المقدس». حيث تصبح أتفه الأمور وأشدها ابتذالا «مقدسة»، ويصبح «الدفاع عن مقدساتنا» الأسلوب الهمجي لتبرير أفعالها في كل ما تجهله من مقدمات وتعتقده من غايات! ويعبّر هذا التناقض عن طبيعة الراديكالية نفسها التي لا تتقن غير فصل الكلمات عن العبارة، والمضمون عن المعنى، والواقع عن الحقيقة، والماضي عن الحاضر، والتاريخ عن الزمن، والمستقبل عن أفعالها! وهو واقع يجعلها أكثر القوى طغيانا في تغييب المجتمع والدولة والثقافة عن فكرة «المقدس». أما المقدس الوحيد فيصبح لهوها بالعبارة وإهمالها المريع للذاكرة التاريخية. وفي هذا بالذات تكمن خطورتها الفعلية بالنسبة لمصير الأمم والدولة والثقافة.

وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن النفسية والذهنية الراديكالية هي التمّثل النموذجي لمساعي «الحسم الشامل والجذري» في تغيير الواقع والمؤسسات والأفكار والقيم، حينذاك تتضح طبيعة أسلوبها في العلم والعمل. ويؤدي هذا الأسلوب في النهاية إلى تدمير تجارب الماضي وخزين الذاكرة التاريخية ومرتكزات التقاليد الكبرى والقيم والمؤسسات. بمعنى أنها لا تعمل في الواقع إلا على كسر ونثر حلقات السلسلة الفعلية للذاكرة التاريخية. مع ما يترتب على ذلك من تخريب التجارب الخاصة للأمم وتسخيف فكرة القانون والنظام. حينذاك تصبح قسوتها في «النظام» امتهانا لفكرة الحق والحقوق والشرعية، مع ما يترتب عليه من تحطيم لفكرة الدولة والقانون والأخلاق والمجتمع المدني. أما الحصيلة النهاية فهي تحول الراديكالية إلى قوة مدمرة لا تنتج غير الخراب والتوغل الدائم فيه. وفي هذا التناقض الدائم والمميز للراديكالية تكمن عوامل رؤيتها المأزومة، التي تحوّل العقل إلى هوى، والحدس إلى هراوة.

أما في الممارسة العملية فإن المصير المحتوم للرؤية المأزومة للراديكالية يقوم في جعل منطق السلاح سلاح المنطق الوحيد! مع ما يترتب عليه من استظهار واستبطان لنفسية القوة وتقاليد التجييش والتسليح الشامل. ويمكن ملاحظة ذلك على مثال ظاهرة الاهتمام المفرط بصنع «جيش المهدي» الشيعي وجيوش السنّة المتناثرة التي يحمل بعضها ألقاب الإسلام والبعض الآخر أسم الجهاد وثالثها اسم التوحيد ورابعها أسماء الصحابة وألقاب التابعين.

إن نفسية التجييش والولع بصنع «الجيوش» هو الوجه الآخر للنزعة الراديكالية المتخلفة، التي تعتقد بأن القوة والعنف هي الأداة الوحيدة لتحقيق المقدس! أما في الواقع فإن التجييش و«الجيوش» ما هي إلا الصيغة الأكثر ابتذالا ومراهقة للفعل السياسي الذي يستجيب إلى نفسية وذهنية الحثالة الاجتماعية، أي للقوى إلي كانت وما تزال الثمرة المرة لمغامرة التهميش المريع الذي سلكته الدكتاتورية الصدامية تجاه النفس الاجتماعية والتقاليد السياسية. وهي مغامرة شكلت البطانة الخفية لظاهرة التشرذم المتكتلة بتأثير وقوة التخلف المعنوي في «جيوش» الحثالة الرثة، التي كانت وما تزال الضحية الكبرى لزمن الراديكالية الفارغ. فقد أفرغت الراديكالية المجتمع والعقل والضمير والرؤية من أي مشروع عقلاني. وليس مصادفة أن تكون في أواخر حياتها الأكثر ولعا في افتعال زيف التقية ودعاية «الصحوة الإيمانية» من اجل تشكيل جيوشا إضافية «مقدسة» (من القدس) وفدائييها الذين مهروا في جعل العراق وما فيه مجرد كبش فداء لرذيلة السطوة والاستبداد.

إن هذا «التسلسل» المحتوم في تعميق وتوسيع نفسية وذهنية التجييش والتسلح يؤدي بالضرورة إلى تجذر نفسية وذهنية العنف والإرهاب المميز للراديكالية بشكل عام والإسلامية بشقيها الشيعي والسنّي بشكل خاص في ظروف العراق الحالية. حيث تجري استعادة العبارة «الثورية» عن العنف و«العنف الشرعي» وما شابه ذلك من اجل تبرير نفسية وذهنية العنف نفسها. وتشير هذه الظاهرة أولا وقبل كل شيء إلى ضعف فكرة المجتمع المدني والدولة الشرعية. وفيها ينعكس أيضا انعدام وعي الذات التاريخي في ميادين الثقافة السياسية والاجتماعية والحقوقية. بحيث يجري تحويل الفكرة المتسامية عن ضرورة القوة الداعية إلى «إرهاب أعداء الله» إلى جزء من «إرهاب عدوكم». وإذا كان العدو الدائم للراديكالية هو المؤسسات ووعي الذات التاريخي حينذاك يصبح الإرهاب الشامل ضدهما هو الأسلوب النموذجي لتخريب الحرية والنظام ووعي الذات (الثقافي). أما الحصيلة المترتبة على ذلك فهي خراب المجتمع والفضيلة. وكشف تاريخ العراق الحديث بصورة نموذجية عن هذه النتيجة بحيث يمكننا الحديث عن راديكالية عراقية هي بحد ذاتها نموذج كلاسيكي لما يمكن أن تؤدي إليه الراديكالية من طريق مسدود في ميدان بناء الدولة والمجتمع والثقافة.

وفيما لو حاولنا تكثيف الرؤية النقدية للظاهرة الراديكالية في العراق الحديث، فمن الممكن صياغتها بالشكل التالي: إن مقدسها الأوحد هو يقينها الخاص بما تعتقده. الأمر الذي يجعل من أفعالها تضحية دائمة لا غاية منها سوى «البرهنة» على «صحة» و«عظمة» عقائدها وشعاراتها المتعالية في سماء الأوهام. إلا أن الراديكالية لا تتحسس الآلام لأنها تجرّب كل نماذج الكسر العنيف على الآخرين، ولا تستمع لأي تأوه واعتراض ونقد لأنها تجد في الآهات نغم الوجود، وفي الاعتراض حجرة على قارعة الطريق، وفي النقد تشكيكا باليقين، ولا ترى الماضي لأنها تحتقر تجارب الأسلاف، كما أنها لا تشاهد الحاضر لأن عيونها شاخصة صوب مستقبلها فقط، ولا تشم نتانة الاستبداد المتصاعدة من استهتارها بالحق والحرية لأنها مصابة بزكام التأفف من الهواجس والخواطر والأفكار المخالفة لها، ولا تتذوق طعم الحياة لأن ما يثير غريزتها دماء «الأعداء». أما الحصيلة فتقوم في تحول العقل عندها إلى هوى، والحدس إلى هراوة

إن الحصيلة العامة التي يمكن التوصل إليها من خلال دراسة وتحليل مختلف جوانب الظاهرة الراديكالية بشكل عام والعراقية بشكل خاص، هو أن تاريخها يبرهن على أنها بلا تاريخ فعلي بمقاييس الدولة الحديثة والفكر النظري العلمي. وذلك لأن حياة الراديكالية وعلمها وعملها وحياتها ونشاطها ما هو إلا الإفراغ الدائم للحياة والعلم والعمل والنشاط من عناصر الوعي الذاتي. وهي نتيجة متنوعة المظاهر ومختلفة المقاييس بفعل تنوع القوى الراديكالية وتباين مقدمات ظهورها الملموس، إلا أن ذلك لا يغير من حقيقة الظاهرة كما هي. ومن الممكن أن نتخذ من التيار الصدري الجديد وظاهرة الغلاة السلفيين الجدد نموذجاً «حيا» للظاهرة الراديكالية العراقية الجديدة.(يتبع....).

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

عبد السلام فاروقلعلنا نذكر رواية (قنديل أم هاشم) للعبقري يحيي حقى.. تلك التى شهدت مواجهة بين العلم والجهل، أو بين الطب الحديث والطب الشعبي الموروث المرتكز على الحجامة والعطارة وأساليب العلاج البدائية. فى ذلك العهد البعيد منذ أكثر من مائة عام كان العلم قاصراً على الصفوة من القادرين، ولم تكن هناك سوى مدرسة طب واحدة أنشأها محمد على ثم أغلقها الخديوى محمد سعيد عام 1850. ومع تزايد صيحات المقاومة خلال فترة الاحتلال نادى مصطفى كامل بإنشاء جامعة وطنية عام 1904، ورفض الإنجليز . وقتها لم تكن هناك سوى بضعة مدارس عليا متخصصة لا يزيد عدد الدارسين بها جميعاً عن 1000 طالب! وكان الاعتماد حينئذ على المدارس الفنية والصناعية لتخريج الكوادر التى يحتاجها سوق العمل.

قويت النزعة الوطنية عقب حادثة دنشواى واستقالة اللورد كرومر، فأصر المصريون على افتتاح اكتتاب عام لإنشاء جامعة أهلية، فبادر وقتها أحد أثرياء بنى سويف هو  "مصطفى كامل الغمراوى" فتبرع بمبلغ خمسمائة جنيه، وأوقف ستة أفدنة لإقامة الجامعة المصرية  التى تم افتتاحها فى ديسمبر 1908، وبلغ إجمالى الدارسين بها من المنتظمين والمنتسبين نحو 2700 طالب!

بعد هذا التاريخ بنحو خمسين عاماً وصل عدد الكليات بالجامعة حوالى 12 كلية، وتم افتتاح فرع لها بالخرطوم عام 1955، وكان عدد الجامعات – عدا الأزهر-حينئذ 3 جامعات، بلغ إجمالى الدارسين بثلاثتهم نحو 58 ألف طالب.

تطور التعليم كثيراً خلال تلك الحقبة على يد الوطنيين والمثقفين المخلصين أمثال أحمد لطفى السيد، الذى كان أول رئيس لجامعة القاهرة بعد ثلاثة من الأمراء هم: (أحمد فؤاد، وحسين رشدى، ويوسف كمال). ثم (طه حسين) الذى تولى وزارة المعارف فى مطلع الخمسينات، فعمد لجعل التعليم الابتدائى مجانياً عام 1944، ثم أعلن مجانية التعليم الثانوى عام 1951، وتوسع فى إعفاء الطلبة الجامعيين من المصروفات.. ومنذ ثورة 1952 بات التعليم العالى تعليماً قومياً بعد أن كان قاصراً على فئة الأثرياء من علية القوم.

وخلال ما يقرب من سبعين عاماً تطور التعليم العالى وشهد توسعاً هائلاً أفقياً ورأسياً، حيث وصل عدد الكليات بجامعة القاهرة وحدها إلى نحو 30 كلية ومعهد متخصص، ونحو 150 ألف خريج سنوياً، هذا إلى جانب مراكز البحوث والدراسات المتخصصة التابعة للجامعة .

مؤخراً، وبالتحديد فى مارس من هذا العام، جاءت مبادرة رئيس جامعة القاهرة ودعوته لحث العقل الجمعى المصرى على التطور، من خلال مشاركات أكاديمية ومجتمعية وإعلامية موسعة. وعلى إثر تلك المبادرة أُقيمت عدة ندوات تناقش الموضوع الذى ما زال مطروحاً بأبعاده التنظيرية والبحثية، بحثاً عن أرضية تنفيذية له فى المستقبل.

تشكيل العقل الجمعى.. مهمة مَن؟

حسناً فعل الدكتور محمد عثمان الخشت بدعوته تلك.. لكن هل بإمكانه وحده القيام بمهمة تشكيل وعى مائة مليون مصرى أو حتى 10% من هذا العدد؟!

طه حسين كان وحده عندما قرر إعلان مجانية التعليم ليفتح الباب واسعاً أمام الجميع لينهلوا من بحور العلم كيفما شاءوا، لكن اتضح بعد مرور نصف قرن أن التعليم وحده لا يكفى، وأن أسواق العلم والعمل اليوم تتطلب ما هو أبعد من مجرد تكديس العقول بمعارف نظرية جامدة . نحن الآن تجاوزنا عصر الفضاء والثورة الصناعية إلى عصر الثورات التقنية والبيوكيميائية، وبعد أن ذهب انبهارنا بسرعة الطائرة والصاروخ، أفقنا على ثورة ليزرية تنطلق بسرعة الفيمتو ثانية، وليس ببعيد أن تنطلق بنا آلات الغد بسرعة الضوء لا بسرعة الصوت !

والسؤال الذى طرحه الدكتور عثمان الخشت هو : أين نحن من كل هذا؟ هل سنظل أبد الدهر عالماً ثالثاً يستهلك ولا ينتج؟ هل سنظل نخطو ونحن مكبلين بموروثات فكرية تشدنا إلى الوراء بينما العالم الأول تجاوزنا بتطوره التكنولوجى بآلاف الأميال، فمتى سنلاحقه؟

مبادرة الخشت تستحث الأفراد والمؤسسات المعنية بالتعليم والثقافة للمشاركة فى نهضة مجتمعية تنطلق من وعى المجتمع بالتحديات المستقبلية . ومنها التحدى الاقتصادى . فالنهضة الاقتصادية لا يمكنها أن تنطلق إلا من خلال الأساس العلمى والتقنى.

هو مشروع طموح متعدد الأبعاد والرؤى والمآلات، وهو فى حاجة إلى تضافر الجهود وتشابك الأيدى والعزم على الاستمرار رغم العراقيل. وكل مشروع طموح لا بد أن يواجه فى بدايته متاعب ومشكلات، ومهمته الكبري تكمن فى مواجهة المشكلات وتجاوز العراقيل.

لم تكن جامعة القاهرة وحدها حين بادرت ودعت، فهناك من استجاب، وهناك جهود أخرى فردية من هنا وهناك .. جامعة الأزهر على سبيل المثال، أخذت على عاتقها أن تشارك بما تستطيع فى إعادة توجيه الفكر الدينى نحو الاتجاه الوسطى المعتدل، وهى خطوة أولى ضرورية من أجل تهيئة الفكر الجمعى لفكرة العولمة وضرورة مواكبة حركة التطور العلمية والتقنية الهائلة.

هناك جهود ثقافية تقوم بها مؤسسات ثقافية عدة، كالهيئة العامة للكتاب، وهيئة قصور الثقافة، من أجل امتصاص الطاقات الإبداعية للشباب، وبث الفكر التنويري الحداثى.. لكنها ما تزال أدوار،مهما عظمت، مشتتة وقاصرة عن إحداث حراك مجتمعى ملموس.

الدور الإعلامى.. أخطر الأدوار وأشدها نفاذية

العالم بأسره يتجه اليوم نحو الفكر التفاعلى .

لا أحد بإمكانه أن ينزوى فى ركن قصي يقرأ ويؤلف ويبدع ويخترع، ثم يخرج على الناس بشئ جديد . العلم المعاصر هو علم تبادلى متجاوز للحدود، وبإمكان العامل فى الصين أن يتقن صناعة أدق تكنولوجية أمريكية دون الحاجة للسفر أو مغادرة مقعده . فالعلم يأتيه سهلاً ميسوراً، والتجربة وحدها هى التى تمنحه الخبرة، وحينما يطور أدواته ويضيف للصناعة الأمريكية التى اقتبسها بالأمس فكرة جديدة  فإنها تنتقل بسرعة عبر الأثير الإليكترونى وتتلقفها الأيدى العاملة فى كل مكان . هكذا تتطور الصناعات التكنولوجية بشكل يومى عبر الحدود بسرعة خرافية، بحيث نشهد فى كل ساعة منتجات أكثر تطوراً وحداثة.

مؤسسات الصحافة ومعها دور النشر المحلية والعالمية باتت تخشى أن يأتى اليوم الذى تختفى فيه الكتب المقروءة اكتفاءً بالكتاب الإليكترونى. حتى أن التعليم فى أكثر من دولة بات يعتمد على الكتاب الإليكترونى التفاعلى . فلا حاجة الآن للتلقين والتلقى السلبي، بل لا بد من المشاركة والتعاون والتفاعل والبحث والتساؤل، حتى لا ينفصل طالب العلم عن واقعه المعاصر، ويغدو فى النهاية كياناً جامداً يلفظه سوق العمل الذى لا يعترف سوى بالكفاءة العملية والخبرة التجريبية.

الإعلام يتمتع بمزايا لا يحوزها غيره، كمؤسسة تثقيفية وفكرية بعيدة الأثر. وأخطر مزاياه قدرته على إنشاء جسور تفاعلية بينه وبين الجمهور، سواءً كان الجمهور قارئاً أو مستمعاً أو مشاهداً.

المشاركة المجتمعية والدور الإنسانى الفعال

يكمن السر فى خطورة الدور الإعلامى أن بإمكانه دائماً تحريك الرأى العام .

هناك كتاب مهم تُرجم مؤخراً بعنوان: (الأخبار والرأى العام، تأثير الإعلام على الحياة المدنية) يؤكد أن الأخبار اليومية  لها دور فى تشكيل الوعى، ناهيك عما تتضمنه الصحف من محتوى تثقيفى وأدبى وفنى . ولو عدنا القهقرى لليوم الذى قرر فيه المجتمع المصرى أن يكتتب لينشئ جامعة وطنية أهلية تكون نواة لتعليم جامعى راقى، لا بد حينئذ أن نتساءل: هل فعلها المصريون فجأة، أم بفضل دعوة قديمة لمصطفى كامل تناولتها الصحف والمنابر حتى وصلت إلى مواطن سويفي قرر أن يأخذ زمام المبادرة ويخلد اسمه بمثل هذه المشاركة الفاعلة.

مبادرة الخشت لا ينبغى لها أن تحجل على قدم واحدة، بل لا بد لها من ألف ساق أخرى تركض بها إلى عالم الواقع، فتتحول إلى مشروع تنفيذى ينهض به المجتمع ذاته دون انتظار لقرار وزارى أو تمويل حكومى قد لا يوجد.

إن مشروع تطوير العقول كما أفهمه ليس مشروعاً تثقيفياً فوقياً يلعب فيه المثقفون دوراً تنظيرياً متعالياً، بل هو مشروع شعبي عملى يهدف للقضاء على البطالة بتحويل مصر إلى عقل صناعى تقنى كبير.

إنها مبادرة للبحث عن طريقة لملاحقة الرَكب الحضارى، ولتحسين أحوال الناس المعيشية بإنشاء مشروع قومى عام يستوعب طاقات المصريين الإبداعية والفكرية والبدنية . فتطوير العقل المصري الجمعى معناه حسن استغلال اللحظة الحاضرة للاتجاه للمستقبل.

لماذا الخشت؟ ولماذا الآن؟

مما لا شك فيه أن مصر، بل ومنطقة الشرق الأوسط بأسرها، مقبلة على وضع إقليمي ودولى مختلف وغامض. هناك قوى عالمية تأفل وتضعف، وقوى أخرى تصعد وتستحوذ لنفسها على مساحات جديدة من النفوذ . والأحداث الإقليمية الملتهبة المتقلبة تفرض على الراغب للبقاء قوياً ثابتاً أن يبحث لنفسه عن مستقبل.

الآن وليس فى الغد ولا بعد غد.. فلا وقت هناك للتوانى والتخاذل والتردد فى اتخاذ القرارات ووضعها موضع التنفيذ. مصر تبحث لنفسها عن موضع قدم فى الخارطة الصناعية والتقنية العالمية، ولن يحدث مثل هذا الأمر من تلقاء ذاته، بل لا بد من فعل ملموس وحقيقي يحقق مثل هذه النقلة .

الدكتور محمد عثمان الخشت لم يكن بعيداً عن مثل هذه الفكرة ولم تطرأ له فجأة، بل كانت تشغله منذ بداية حياته الفكرية، منذ أن كتب عدة مؤلفات عن تطور الأديان، وعن المجتمع المدنى وتفاعلاته مع الدولة، وعن أخلاق التقدم . ما دفع الباحثين لإصدار دراسة مستفيضة عن الخشت ومشروعه الفكرى لتجديد العقل الديني فى 2018، أعدها نحو 24 باحثا وباحثة مصريين وعرب تحت عنوان : " تجديد العقل الديني في مشروع الخشت الفكري"، وصدرت الدراسة فى كتاب من تحرير غيضان السيد.

هى إذن ليست مبادرة طارئة يراد لها أن تحقق بعض الصدى الإعلامى، بل مشروع فكرى منهجى يحتاج لتبنيه من جانب المثقفين والإعلاميين، لتحقيق حراك مجتمعى يهدف لتطوير العقل الجمعى المصرى تطويراً من شأنه أن يحدث نقلة نوعية فى الواقع الاقتصادى والمعيشي للمصريين .

لم تنطلق مبادرة الخشت فقط لكونه رئيس أكبر وأعرق جامعات مصر، بل لأنه قبل ذلك أستاذ فلسفة الأديان والمذاهب الحديثة، وله عدد كبير من المؤلفات فى شتى المجالات الفكرية والفلسفية والسياسية. ما يعنى أن مشروعه الفكرى ينبثق من مسئوليته كمفكر وقيادى فى الاضطلاع بدوره فى تشكيل الوعى القومى .

فضاءات التطوير وآفاق التعاون المشترك

أكبر العراقيل التى قد تصادف مشروعاً كهذا أننا لا نتمتع بثقافة العمل الجماعى .

المنظومة الإدارية التى جثمت عليها منذ الأزل أشباح الروتين والبيروقراطية والتزمُّت والفردية حوَّلت القطاعات الإدارية إلى جزر منعزلة لا تناغم أو تعاضد فيما بينها .

مشروع تطوير العقول مشروع جماعى يستلزم تكاملاً بين عدد من المؤسسات الفكرية والصحفية والثقافية والتعليمية والإعلامية من أجل تحقيق نهضة مجتمعية حقيقية.

هناك دعوة أُعلنت، وأبحاث كُتبت، وندوات أقيمت . فهل هذا يكفى؟

التعاون مطلوب من أجل توفير التمويل لوضع المقترحات المطروحة قيد التنفيذ .. ثم أن الاستمرارية والديمومة هى الفيصل بين أن يظل المشروع حياً ولو نظرياً لحين تنفيذه، وبين أن يُطوى فيُنسَى.

 

عبد السلام فاروق

 

 

مجدي ابراهيملم يكن للعقل قيمةٌ بغير النظر فيما يفرزه وهو الفكرة.. جهود الفلاسفة النظرية إنْ هى إلا مجرد فكرة.. ونظرات النّظار فيما ينظرون إليه ما هى إلا مجرد فكرة. وإبداعات المبدعين ومعرفة العارفين وخطرات المفكرين وثمرات العقول والأذهان إنْ هى إلا مجرد فكرة. الفكرة في رحاب العقل توليد. والعقل الوَلَّاد هو الذي ينتج الأفكار، وما من جهد نظري ينحت فكرة إلا ويقوم العقل بنشاطه من ورائه.

صحيح أن هناك طموحات للعقل الفلسفي تجعله يروم بالفكرة الوصول إلى الحقائق الإلهية. ومما كان "ديكارت" استخدمه في كلمة "فكرة" أنه عَنى بها كل ما يستطيع العقل إدراكه بالمباشرة. وفي إجابته على "هوبز" ذكر أنه قد استعمل هذه الكلمة؛ لأنها كانت شائعة عند الفلاسفة للدلالة على صور مدركات العقل الإلهي. وبينما اتجه الفلاسفة الأفلاطونيون الجدد والمدرسيون إلى استعمال الكلمة (فكرة) التي استعملها أفلاطون للدلالة على المعرفة الإنسانية، خاصّة بالمعرفة الإلهية، نرى ديكارت قد عاد مرة أخرى إلى استعمال كلمة فكرة للدلالة على المعرفة الإنسانية، متفقاً في ذلك مع تقاليد أفلاطون الصحيحة. وإذا كان الفرقُ أوضح من أن يحتاج إلى دليل بين الفكرة في ذاتها معزولة عن التطبيقات العملية والفكرة نفسها موجهة إلى العمل لا قيمة لها بغيره ولا يعتد بها بغير النظر إلى مجرياتها العملية؛ فنحن نستخدم كلمة "فكرة" للدلالة على جهود الفلاسفة النظرية التي يتمٌّ في الغالب عزلها عن التطبيقات العمليّة. من أجل ذلك سنتناول في هذه المقالة تصنيفات العقول وأقسامها، ونخصُّ بالذكر مقالة العقل الفعال كما وضحها أرسطو وشراحه : يونان ومسلمين؛ لنستوضح الرأي بعدها في عقل الإنسانية العام بعد تقسيم العقول كما جاءت على ألسنة فلاسفة الإسلام.

ولم تكن جهود الفلاسفة النظرية بالتي تخرج عما ما هو منسوب لأرسطو وشراحه في مسألة العقول وتقسيمها، ومعالجة هذا التقسيم بمثل ما عالجه أرسطو وحذا حذوه فلاسفة الإسلام بالشرح والتعليق. وقد رأى "ماسينيون" في كتابه "محاضرات في تاريخ الاصطلاحات الفلسفية والعربية"، الصادر عن المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية : أن ابن رشد كان يعتقد بأفضلية شرح الأفروديسي على شرح ثامسطيوس لتبيان رأي أرسطو، ويقول إننا نجد أرسطو في كتاب "PERIPSYCHE " (النفس) الجزء الثاني والثالث يقول بوجود عقلين: (1) العقل الفعال (2) العقل المنفعل. ويريدُ بالأول هذه القوة الذاتية التي بها تدرك الكليات، لأن كل مادة تجري في الدنيا جريان السيل، وذلك شيء ثابت عن كل تجربة طبيعية. فإذا فقدت كل المبادئ الأولية مثل العليّة والغائية بالتجربة الحسية، فلا بدّ من وجودها في العقل الفعال؛ فهو الذي يبني به في التصورات الترتيب المنظم بعد تمييزها. ويتابع "ماسينيون" قوله بأن العقل المنفعل أو "ENTENDEMENT " "الفهم" هو معنى استعداد النفس الإنسانية لانطباع التصورات على ذهنها. وقد اختلفت تلاميذ أرسطو في علم النفس حين شاع كتابه؛ فمن تلاميذه ثامسطيوس، وإسكندر الأفروديسي، ولها مذهبان متضادان في العقل المنفعل أو الهيولاني، لحد العقل الفعال عنده. أما عند الفلاسفة مثل ابن سينا "في كتاب النجاة " : فالعقل الفعال هو الأدنى من حيث الدرجة من عقول الأفلاك التي تنتهي سلسلتها إليه وهو الذي يدبّر أنفسنا. قال الأفروديسي بوحدة العقل المنفعل في كل الأشخاص.

وعلى ما ذكره  ماسينيون عن ابن رشد من تفضيله لشرح الاسكندر الأفروديسي، يغلب على الظن أن ابن رشد كان ميالاً إلى الأخذ برأي الفارابي وابن سينا في خلود العقل الفعال رغم نقده للاتجاه الإشراقي عندهما. ولما كان الاسكندر تلميذ أفلاطون، وكان ابن رشد يرى رأي الاسكندر، فلم يكن من المستبعد وجود أوجه التقاء بين ابن رشد والفارابي وابن سينا، إذ لا تخلو اتجاهات ابن سينا ومن قبله الفارابي في مسألة العقول هذه من آثار أفلاطونية أفلوطينية.

وعلى العقل وحده يعوّل الفلاسفة إنْ في مسألة خلود النفس أو في مسألة المعاد أو غيرهما من المسائل الميتافيزيقية الشائكة، ومنها مسألة النفس الكلية وهم في تعويلهم على العقل النظري لا يعتدون كثيراً بما يصدم شعور البسطاء من الذين يؤمنون. وقد ذكر "ول ديورانت" في "قصة الحضارة" عن ابن سينا أنه :"يعالج كل هذه المسائل مستنداً إلى العقل وحده، غير متقيّد مطلقاً بالدين، ولكنه يذكر حاجة الناس إلى الأنبياء ليبينوا لهم قواعد الأخلاق في صور من الاستعارات والمجازات تفهمها عقولهم وتتأثر بها، وبهذا يكون النبي رسول الله، لأنه يضع الأسس التي يقوم عليها النظام الأخلاقي والاجتماعي. ومن أجل هذا، كان النبي ينادي ببعث الأجساد، وكان بعض الأحيان يصور الجنة تصويراً مادياً، والفيلسوف وإنْ كان يشك في خلود الجسم، يدرك أنه لو أن النبي قد اقتصر على تصوير الجنة تصويراً روحياً محضاً لما استمع الناس إليه، ولما تألفت منهم أمة واحدة قوية منظمة. وفي كتابه عن ابن رشد يقول العقاد :"ويستتبع هذا القول أن الحياة بعد الموت عامة غير شخصية، ويفنى كل شيء في الإنسان إلا عقله الذي ليس هو بجوهر مستقل بل هو عقل النوع البشري كله عام في جميع آحاده.

ونحن لا نعدم أصول فكرة النفس الكلية أو فكرة الإنسانية أو الإنسان عند "أفلوطين " حين يقول :" ولكنا لو فرضنا أولاً أن نفسي ونفس شخص آخر هما نفس واحدة، فليس صحيحاً مع ذلك أن المركب من النفس والجسم واحد في كل منا. فالنفس المتماثلة في جسمين مختلفين لا يكون لها في كل منها عين التأثرات .. ومعنى ذلك أن النفوس كلها واحدة ولكن الاختلافات الفردية ترجع إلى العنصر الجسمي الذي فيها. وكذلك الحال في فكرة الإنسانية، فكل منا إنسان ولكن ليس معنى ذلك أننا جميعاً شعوراً واحداً.

وهذه المسألة تتصل عند ابن رشد بعموم الحياة بعد الموت، لا من حيث هى شخصية فردية، بل من حيث هى عامة وكلية، وتندرج تحت فكرة النفس الكلية. ولذلك يقول ابن رشد في هذا، أو فيما معناه، في نص ممتاز من نصوص "تلخيص ما بعد الطبيعة" :" وذلك إنّا متى فرضنا موجوداً في أشخاصه خارج النفس، لم يخلو اشتراك الأشخاص فيه أن يكون على أحد وجهين : إمّا أن يكون جزء منه في شخص حتى يكون زيد إنما له من معنى الإنسانية جزء ما، وعمرو جزء آخر فلا تكون الإنسانية محمولة على كل واحد منها حملاً ذاتياً ...، فإنّ الذي له جزء إنسان ليس بإنسان، وهذا بين الاستحالة بنفسه. أو يكون الكلي موجوداً بكليته في واحد من أشخاصه، لكن هذا الوضع يناقض نفسه، وذلك أنه يلزم ضرورة إمّا أن يكون الكلي متكثر في نفسه حتى يكون الكلي الذي يعرف ماهية زيد غير الذي يعرف ماهية عمرو، فلا يكون معقولهما واحداً، وهذا مستحيل. أو يكون شيء واحد بعينه موجوداً بكليته في أشياء كثيرة .. وذلك محال .. إلى أن يقول : "وليس يلزمنا هذا الشك متى وضعنا أنّ وجود الكلي في الذهن. فإنّ المعنى الذي كان به الكلي كلياً، قد تبيّن في كتاب "النفس" أنه جوهر مفارق، وواحد بعينه أعني معقول المعقولات"..

وعلى كلام ابن رشد يتبيّن أن الجوهر المفارق معنى كليّ لا يخرج عن حدود التصور الذهني؛ لكنه ليس يلزم أن يكون له وجود واقعي كوجود أشخاص. ومحال أن يكون في وجود أشخاص؛ لأنه يتكثر في ذاته، والتكثر لا يجيز الوحدة المعقولة، ولا يمكن أن يكون الشيء الواحد بعينه موجوداً بكليته في أشخاص كثيرة، فإنه محال؛ فلا يبقى أن يكون الموجود الكلى موجوداً ذهنياً، جوهراً مفارقاً، واحداً بعينه هو : معقول المعقولات.

وتدخل في فكرة النفس الكلية عند ابن رشد فكرة خلودها، وفي رأيه أنه ليس يلحق عند عودة النفس محال بالقدر الذي يلحق فيها المحال عند عودة تلك الأجسام بعينها؛ لأن النفس باقية خالدة بخلود العقل الكلي الذي يوجب العلم به ثباتاً في ذاته، بواسطة الذهن حين يُجَرّد عن المواد والحواس والأشخاص طبائعها المشتركة المتغيرة؛ ليصل إلى هذا "العقل الكلي" الذي لا تغير فيه، بل ثبات هو العقل الفعال الذي لا يلحقه فساد ولا يناله زوال.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

محسن الاكرمينأضرحة أولياء الله الصالحین بالمغرب ممتدة من الماضي السحیق إلى الحاضر/ المستقبل بقوة الاعتقاد والحجیة الدینیة،حضور مؤثث في الذاكرة الفردیة والجمعیة للمجتمع المغربي بسلبیة أو بایجابیة أثره . أضرحة نقرأ مسبقا أنھا ساھمت وبقوة في بناء التاریخ المغربي  الاجتماعي والسياسي بشقیه القدیم والحاضر .

إن الضریح - أو الزاویة - لم یكن قبر ولي صالح ولا قبر شیخ طریقة صوفیة فقط معزول المدفن مغطى برداء أخضر، بل ھو أكثر من تلك القبة المنكسرة دائريا باللون الأخضر، فامتداداته الاجتماعیة /السیاسیة/الاقتصادیة تفوق كراماته المكانیة والزمانیة في المرقد،إنه یمتلك لجام الحاضر / المستقبل لفرملة التطور التنويري / الانعتاقي من سلطة طلاسم التفكیر الماضوي – العقدي الشعبوي – وفق خضوع الذات الحیة لتوجیه كرامة رفات الولي الصالح من تحت ترابه.

 فقد فطن السیاسیون للأمر (المبنج) فحولوا دفة لعبة الصراع السیاسي على السلطة إلى أقبية الزوایا والأضرحة بكل تقنیة وسریة، فكان الأمر شبیھا بالتخرج من كلیة الزوایا السیاسیة بإجازة سلالیة دمھا نقي في بيعة التحكم، تسود بوصلة دینیة إصلاحية، تمتلك سلطة الحل والعقد. إن الانتساب التاریخي إلى الزوایا والأضرحة – ذات الكرامات- بالمغرب له السحر الأبيض المخدر الذي سلسل التفكیر التحرري التنويري وقید حركة المجتمع نحو الحرية الكونية، وأسقط الدین في متاھة التحریف الاجتماعي، وسلب الإنسان إنسانيته، وبنى أبجدية جدیدة ترسم بنیة الترقي في السلم السیاسي الاجتماعي تحت مظلة الحصانة الدینیة أو العرقیة / السلالیة المتخرجة من زوایا الأضرحة.

إن الإجابة عن بعض الإشكالات التي طرحتھا قضایا الأضرحة والزوایا لهو الأمر الذي ینكشف من خلال موجھات عدة منھا، ھل للزوایا والأضرحة نفس المركزیة الآنية – المكانة - التي كانت لھما في التاریخ المغربي الماضي؟ ھل یمكن اعتبار الزوایا والأضرحة بالمغرب نواة لسلطة سیاسیة / إنشاء توجه سیاسي/ عصبیة سلالیة / قبلیة !!!؟ ھل العمل داخل الأضرحة والزوایا یقتصر على ما ھو دیني / اعتقادي، أم یتعدى إلى السلطة السیاسیة، والسحر الأسود؟ ھل شرعیة الأضرحة والزوایا مستمدة من بنیة الوعي الجمعي المحصل في قیم المجتمع أم أن الأمر تنمیط للتفكیر- البسیط / الساذج - الواجب امتلاكه من طرف المجتمع كإیدیولوجیة سیاسیة ؟.

 الأضرحة والزوایا الحاضر /الماضي في الذاكرة الشعبیة نحن الامتداد الطبیعي للأجداد، ومادام الأمر ھكذا فلازالت زیارة الأضرحة لھا طقوسھا العائلیة الموسمیة. إن مفھوم البركة مقاسه متمدد بتمدد الاعتقادات المجانبة لقيم الدین، إن بركة شیخ الطریقة عند الفھم الشعبي ممتدة ولو بعد وفاته بقرون فھو مفتاح حل عقد الحاضر، إنھا بركة وھبة سماویة تسود وتحكم الحاضر من خلال توارثھا من طرف الخلف والأحفاد حتى ولو فسدت أخلاق فيضهم الروحي !!! إن الفكر الشعبي له مرجع الجواب عن ھذه الأسئلة الماكرة والخادعة. فالأضرحة والزوایا تعتبر قبلة لمن سدت في وجھه الأبواب فالھم  النفسي یحمل إليھا، ولتحصن بھا لإفراغه عن طواعیة وبأريحية حافزة، له الأمر الذي یدفع إلى إمكانية اعتبار(الأضرحة) عیادة علم نفس شعبیة تفرج الكرب، ولھا الحل الجاھز لكل المشكلات، حتى وإن كانت إعاقة مستدیمة.

ھذا المعتقد السطحي ھو مازال یزكي دور الأضرحة في الحاضر. إن الدین في محصلته الاجتماعیة "المتغيرة" لھو البوابة التي ولجنا من خلاله إلى الأضرحة من أبوابھا الواسعة. فالفكر الشعبي المطلسم بعادات دخیلة وممارسات مبتدعة جعل المزارات فكا لنحس الحیاة ومشاكلھا وتحولاتها الاجتماعية غير السوية، وقبلة لإراحة النفس من ضغط الحاضر المرتبك بجدلیة الواقع المفترض والحقیقي. فالنیة المبیتة - عند الفھم الشعبي-  ببساطتھا العفویة كرست العادة الاعتيادية  حتى وإن كانت مجانبة للحقيقة. وأصبح الشیخ/ الولي ذلك المرجع للإفتاء بحل أزمات الوضع الاجتماعي المتحرك بالتغیر الدائم.

 إن الولي الحاضر/الغائب بكراماته المتمددة یلعب دور الطبیب النفساني – حتى وھو في قبره - باستلھام مسیطر على الواقع وتلوینه بألوان دینیة تخدم مثلث العلاقة بین المرید التائه والولي الكفیل، وسلطة المكان والزمان كحجاب محصن . إن الشكوى إلى الغائب في الاعتقاد الشعبي ھو نفور من الحاضر الذي لا يحسن الإنصات للألم الإجتماعي وآهاته. ھروب إلى الخلف من حاضر القھر للذات والمتحدي.

إن الغائب "المیت" یحسن الإنصات من وراء ثوبه الأخضر، حتى ولو بعدم الجواب، وبلا تعلیق ولا نقد ولا لوم حاد. إنه ملاذ الحلول الترويحية عن الذات حتى ولو كانت حلما كابسا على النفس والذات والمحيط.

 إن تمجید الماضي وتبخیس الحاضر لهو الأمر الذي نشترك فیه كلنا أميين كنا أو مثقفین من طينة التنوير، إن مقود الماضي ھو من یسلك بنا منعرجات الحاضر ویعمل على حمایتنا بكيس أمان من الوقوع في حافة الأزمات، فما العمل للتحلل من ثوب الماضي الضيق على الذات الحاضرة !!! ؟ إن التفكیر الشعبي باعتقاداته المبسطة من جانب تحويل القیم والفعل السلوكي یفتقد إلى آليات التحلیل لمشكلات  تبخيس الواقع ومجابهة القوة الضاغط بحذاء الاحتواء السلطوي .

فإشكالیة أزمة الواقع في بعدھا الابستملوجي، تستوجب حلولا دقیقة وإجرائية ليس للتنوير بل لعيش الكرامة. أبسط ما نقول عنھا التوعیة والقضاء على حجاب الجھل، وھو الحل الذي لا یدفع إلى طلب الحمایة من الغائب /الحاضر في الأضرحة/ الأولياء الذین كراماتھم لا منتھیة. إن الاعتقاد بكرامات الأضرحة لهي انتكاسة ورجة عقلیة تدفع بالحداثة نحو ھامش الانتظاریة بالتأجيل !!!.

 لا نبتغي صياغة البدائل "الممعیرة" بمؤشرات الحداثة الصادمة، وإنما وصف الحال، ثم نقده، وتوصیف بدائل التمكين والممكن لتجاوز سلطة الماضي الذي ما انفك یمضي بإكراھاته وبامتلاكه الضمني على آلیات تفكیرنا. ويمكن أن یطوح بنا في الدرك الأسفل لحفرة "لآلة عائشة". فلا مناص لنا " الآن وليس غدا" من تحصین الحاضر الذي مافتئ یأتي من قوة رفض سلطة كرامات الموتى واعتبار تمجید ثقافة الحیاة المسلك الأول لتجاوز ثقافة تقدیس الموتى.

 

محسن الأكرمين

روائي وباحث في علم الاجتماع والتربية

 

في خضم سؤالنا السابق، والمتعلق: ما هي أبواب التواصل التي ارهصته بين التراث الإسلامي مع التاوية والفكر الحداثي الغربي، عن تبادل التأثير والتأثر بين الطرفين مشروعا، من وجهة نظره؟ وعنه ما بعد؛

وعليه:

في الظروف الموضوعية والدولية العامة، وبعد أنهيار الاتحاد السوفيتي السابق، وتفكك الكتلة الاشتراكية، وانتكاسة الاحزاب اليسارية العربية والتي دأب اصرار ربط مصيرها، تابعة، ذيلية، لأوامر قيادة مركزية السوفيت في تقرير تحالفاتها ومستقبل مصادر تعامل منهجها حينذاك، ما اصابها من هدر كامل وطيش فراغ عابث؛ دفع مجموعة من المفكرين العرب المعاصرين الحديث عن تبادل التأثير والتأثر بين الطرفين ـ مع المركزية الغربية عموما ـ، بموجب تلك الارهاصات الحداثية والمابعدها،  أحتدت جدية البحث عن محاولة أستلهام "أنموذج" في التدبيرات الفلسفية العمرانية وتوحيد قضايا المجتمع، أمر ضروري لبناء ثقافة مستقبلية حية، أحياء ثقافة الإنسان من فرد تابع "ذيلي" إلى عاقل مشارك، بل لتحول الذات العاقلة إلى ثقافة عضوية منتجة، وفاعلة بواجب المشاركة، والتدبير الناجع نحو بناء الدولة وضمان تننظيم أستمرارية تحديث ثقافتها، ومشاريع تجديد ادوات واساليب نماء استراتيجيتها و تطورها.

فصاحبنا ـ العلوي ـ انغمس بحثه مستلهما من الانموذج الاسلامي، تراثه الضخم، ـ والتي اشرنا إليها في الحلقة السابقة ـ، مع اخذه بناء وشائج التعايش فيها مع أطر الفلسفة "التاوية" والتجربة الثقافية الصينية، لأستهام الأنموذج الثقافي المتماسك، لتحقيق النهضة في المجتمع العربي المعاصر، وما تقتضية من إعادة تشييد ثقافة للذات العربية، وتجاوز أزمات مثقفيها الخاصة والمجتمعية عامة، لجعلها تتواصل وتتبادل التأثير والتأثر، وتدبر إمكانات قادرة على المساهمة في تطوير مشروع الحداثة في سياق تفاعل ثقافة الفضيلة لذات أكثر إنسية وارتقاءا، مشاركة، ترتبط بآليات تطعيم الحداثة ـ التجربة الصينية، هنا، حاضرة ـ والتراث العلمي الإسلامي التنويري بما قامت على أستبعاده في لحظتها النهضوية؛ أي استغذائها بطموحات الإنسان و وسائل إنتاج تخيلاته وعقائده، والتي سيركز عليها تصوف ابن عربي، والشيرازي والسهروردي... وابن باجة ومسكوية والخلدونية مع التجربة الثقافية الصينية مثلا؛ إضفاء بما يحافظ على ثقافة الفضيلة تلقيح مركزها الذات الإنسانية كذات متعددة الأبعاد، متنوعة الأفاق، وغير قابلة للأختزال في بعد إكساب نسيج إنتاجها الثقافي العقلي أو إنسجامها الحداثي بشكل متألف متناغم، فيتم أتحادها بعد ذلك.

في السياق نفسه، هذا إضافة إلى تنقية هذه الحداثة من أدران صبغتها وإشارات نزعتها المركزية الغربية، والتي حصرت كل القرارت والأحكام بين يديها مع أخضاع كل السلط تحت نفوذها، وهي تقرر سياسة البلدان، وتصدير قرارات توجيهية ثقافات الشعوب، وبأسمها استعمر حق تقرير المصير.

وإعادة بناء نظام يقتضي تحرر تبعية العقل والبلاد لمركز رئيس واحد، وهو فاعلية الذات التي تمنحها تنوع وتعدد واختلاف اقسام ثقافة الفضيلة نوعا من "الاستقلال المحلي"، بقدر ما تدعو إلى تجاوز موانعها وشواغلها، أو، صرفها عن القيام بتطويرها التي فرضها البعد "الدوغمائي" الخاضع لسلطة الفكر اللاهوتي والمبيقات القروسطى لهذا التراث.

وتتمثل هذه الموانع أو المعيقات في سلك معها مسلك الاختلاف من أشكال الحذق لتبلغ منه مأربه، أشكال التحايل، والتي مارسها مفكروا العرب والأسلام على الذات صراعا، كما مارسوها مفكروا الصينيين في تفرس في داهنية ورواغة المركزية الغربية في تحول وتغير مآربها، ليقلصوا من فاعليتها وحريتها، حيث جعلوها مرتهنة في وجودها بالذات المطلقة، ما تنبه إليها العلوي إشارات واضحة في آبحاثه؛ منبها، حين جعلوا هذه الذات في ـ الله ـ عز وجل، مثبطة فاعلية وعجز تحرر، حين ربطوا عزوم وجودها بالذات اللامحددة، بل فاصل وقطيعة عن الذات الإنسانية؛ بحاجاتها ورغباتها، وزمانها، وأشواقها، وأنفعالاتها، ورغائبها، وشهواتها، وسرديات أفكارها، وأخطائها، ونهايتها، عن الذات الآلهية المطلقة والميتافيزيقية، بمؤهلات صفاتها المتعالية، وأسمائها القدسية. وهذا ما كانت مخرجاته التشكيك واللايقين في عالم ثقافة الفضيلة وبمركزية الذات بقواعد قواها الإدراكية الحسية، مما جعل ـ الغرب/المستشرقون ذريعة تأجيل نظر الاندماج في المشاركة، بل العزل والأقصاء في الذات العمرانية المدينية ـ الذات السياسية، وبالتالي في موضوع تصور الحرية والتحرر، بما هي حرية/استقلال فردي مدني، وحتى بضوابط بناء طبيعة وأسلوب "العقد الاجتماعي" وليس أثره على صورته الطبيعية، ونشأته على حب الخير عن ثبته وختمه.

 وبهذا تناول الباحث العلوي، ترابط عملية إعادة بناء الذات العربية في اشكال ثقافية متعددة؛ بأشواقها، وأنفعالاتها وأفكارها وتقلبلاتها وأخطائها، ممارسة التفكير الجاد نحو عضوية مدنيتها، ثقافة التحرر والحرية فضيلة. بقواها الإدراكية وإرادتها الفاعلة، لها سؤالها وإشكالاتها وتطويرها التي فرضها الآفق الفكري الخاضع لسلطة الذات الفاعلة، المتآثرة والمؤثرة لهذا التراث.

فثقافة الفضيلة، بآسمائها وصفاتها دارسة المناهج الأكثر ديمومة من شخصية الإنسان بمعناها الاجتماعي والأخلاقي، محفوظة الحرية، وحقوق عضوية وسلوكها المكتسب أو الموروث في تدبير التبادل المعرفي. أكيد وبلا ريب، طبعا، سيدافع عن ذات مشتركة بكل ما يملك من أنوار، سؤلا وتحقيقا عن الحرية والعدالة والأخاء والمساواة.

بهذا يقوي العلوي نظرته التي ترتبط بأدوات منهجية وأساليب تجوال عملية إعادة بناء ركائز الذات العربية إنسية وتنوير، من خلال سؤال الذات ثقافة فضيلة سؤلا متحررا. فالتحرر بما هو ارتباط عملي بالحرية فلابد أن يشخص شعور الهزيمة واستفراغ طاقته، ثم الخروج بنزوع رأي راجح وعمل مستقيم دائم، تشكيل ركيزة الذات فيها محركا أساسي. فهي منبع تطور مراحل عمران إنسية التنوير نحو إمكان التغيير والنقد، بما في ذلك نقد تجارب العقل نفسه، من أجل تحفيز مسؤولية متابعة مهارات الأداء وتطوير ألية تطلعات المعارف وإضفاء طابع توزيع النسبية والتاريخية المعرفية على الحقائق وقيمتها عنه. ومن نافل القول، أن الحرية هي تناغم وانسجام ثقافة الفضيلة ما يؤهل الذات؛ من مقاومة تعسف الدوغماء، وسفه التعصب بأمتلاك احاد الحقيقة وتباحث ادوات تجبر القوى الانتهازية المحافظة داهنية مآربها، وكشف مختلف أشكال مغالق المريدية الظلامية بالنقد والحوار، وذلك لغرض فك القيود المتحكمة في تحجير الثقافة العضوية وبنية فضائلها في العطاء والخير من استبداد العقل المهيمن والتي تحول دون سعي الإنسان على التفكر والعمل والابداع والتجديد.

إذن ما هي الرؤية التي يمكن آن نستخلصها مما ورد بمجمل ما احتوى موضوع المقالة عن اسبقتها من حلقات، سنجيب عنها، بـ(خاتمة) لاحقا.

 

إشبيليا الجبوري

 

ميثم الجنابيالراديكالية العراقية الجديدة – الجذور الهشة (1-2)

إذا كان المضمون الفعلي للكلمة يستمد طاقته الخفية وتأثيره غير المباشر في الوعي والذاكرة من معناها الأول، فإن الرجوع إلى المعنى الأولي في الكلمة كما قال كونفوشيوس قبل آلاف السنين، هو الفعل الضروري من اجل وضع الأمور في نصابها. فعندما نقول كلمة «رئيس» فان ذلك يفترض أن يكون كالرأس من الجسد، وعندما نقول كلمة «فرض» فان ذلك يفترض إدراك معنى الواجب، وعندما نقول كلمة «عقل»، فان ذلك يفترض ربط الأحكام والتصورات والتقييم بقواعد التدليل والبرهان. وعندما نقول كلمة «التزام» فان ذلك يفترض التقييد بقواعد وشروط محددة. وهي فكرة عميقة من حيث قدرتها على تمثل ما في الكلمات من وظيفة فعالة في ضبط السلوك الظاهري والباطني للفرد والجماعة. وفي هذا يكمن سر الكلمة وتأثيرها الخالد في المعقول والمنقول في تاريخ الأمم. وفي هذا أيضا تكمن الطاقة السياسية للكلمة.

وفيما لو نظرنا إلى تاريخ الأمم ومجمل إبداعها في الميادين كافة، فإن الكلمة تبقى الأكثر تأثيراً وثباتاً وإثارة وتهييجاً وتنظيماً وتوجيهاً. كما أنه أمر وثيق الارتباط بقوتها المنطقية والوجدانية. ففي الكلمة فقط يمكن تكثيف أشعة العقل والوجدان، كما أنها حاملة كل منهما بالقدر الذي يجري توظيفهما فيها. وعلى كيفية توظيفها يمكن للعقل أن يؤسس الفكرة والأفكار، كما يمكنه من خلالها استثارة الضمير والوجدان. وبالقدر ذاته يمكن توليف العقل والوجدان فيها بطريقة قادرة على صنع الانسجام الضروري في روح وجسد الأفراد والجماعات والأمم. وفي نفس الوقت يمكن التفريط بتجارب الأمم ورميها في سلة المهملات بوصفها أشياء لا قيمة لها. ويمكننا العثور على هذه الحالة في تجارب الأمم جميعا. بمعنى رؤية التأثير الفعال والحاسم أحيانا للكلمة في بلورة الذهنية الراديكالية وتوتير نفسيتها الوجدانية العارمة.

ولعل كلمة الراديكالية من بين أكثرها إدامة وتأثيراً وفاعلية في هذا المجال. فمعناها الأول مأخوذ من الجذر، أي أنها تعادل فكرة «الجذرية»، أي الفكرة الداعية إلى اقتلاع الأشياء من أصولها وعروقها . ذلك يعني أنها تمثل مضمون وأسلوب الذهنية المتحكمة بفعالية الوجدان الفردي والاجتماعي. وحالما تتحول هذه الذهنية إلى ميدان الحياة السياسية، فان معناها السياسي يصبح فعلا مطابقا لاقتلاع كل ما يقف «حجر عثرة» أمام تصوراتها وأحكامها الخاصة. حينذاك تصبح الكلمة فعلا لا منطقيا من وجهة نظر المعرفة وتراكمها الضروري، ولا عقلانيا من وجهة نظر التاريخ والثقافة، مع أنها جذر المنطق وحاملة نموذجه المعقول. مما جعل من تاريخ الراديكالية في كل مكان مجرد زمن الخروج عن خط الاعتدال والوسط العقلاني. وتترتب هذه النتيجة على ما في الراديكالية من نسبة مشوشة ومشوهة للعقل والوجدان تعادل في فاعليتها وتوظيفها وحدة العقل والجنون، والمنطق والتبرير! وأكثر ما تبرز هذه النسبة في ميدان الحياة السياسية. وبما أن السياسة هي أسلوب وجود المجتمع والدولة والأفراد والفكر، من هنا إمكانية ظهور وتأثير الفكرة الراديكالية في تاريخ الأمم والدول قاطبة بدون استثناء. أما ظهورها الملموس وشكلها الخاص فانه محكوم بطبيعة التطور التاريخي والسياسي من جهة، وبكيفية تجسيد الفكرة الراديكالية نفسها في الواقع السياسي من جهة أخرى. وفي هذين الجانبين نعثر أما على مستوى رفيع من تأسيس الفكرة العقلانية والاعتدال الرافضة أو المقيدة للنفسية الراديكالية، وأما انهيار للعقلانية والاعتدال مع ما يترتب عليه من صعود للراديكالية بمختلف أشكالها.

بهذا المعنى يمكن اعتبار الظاهرة الراديكالية ظاهرة تاريخية لها أشكالها المتنوعة والمختلفة في تاريخ الأقوام والدول والثقافات. إذ لا يخلو تاريخ أمة وثقافة ودولة منها، بوصفها الخميرة الوجدانية التي تتحسس معالم الغبن أو الظلم أو "الانحراف" عما تعتقده مساواة أو حقا أو صراطا مستقيما. وعادة ما تجعل من رؤيتها وبدائلها الجذرية طريقا وأسلوبا وغاية واحدة لا يمكن الحياد عنها. الأمر الذي عادة ما يضعها في صراع مع المجرى الفعلي لتاريخ الدولة والأمة والثقافة. وهو صراع يحدده في الأغلب نزوع الراديكالية الهائج للتغيير الجذري، وبالتالي السعي الحاسم لتغيير الواقع والمؤسسات والأفكار والقيم بصورة جذرية وسريعة. من هنا تحول أسلوب التغيير الشامل إلى نموذجها الأمثل في العمل. وعادة ما يؤدي هذا الأسلوب إلى تدمير تجارب الماضي وخزين الذاكرة التاريخية ومرتكزات التقاليد الكبرى والقيم والمؤسسات. مما يجعل منها الطرف النقيض للإصلاح الحقيقي. وإذا كان لهذا الأسلوب ما يبرره في المسار العام للتطور التاريخي العالمي وخصوصية تمظهره في مختلف الحضارات، فان ذلك لا يعني ضرورته كما هو بمعايير البدائل العقلانية المعاصرة.

فمن الناحية الواقعية لا يمكن للدولة والثقافة والحركات الفكرية والسياسية الكبرى أن تظهر دون أن تتعايش معها مختلف أصناف الراديكالية. وذلك بفعل كونها الخميرة الملازمة لصيرورة القيم بشكل عام وقيم الاعتدال والوسط بشكل خاص. فالتاريخ ووجود الدولة والمجتمع والثقافة هو عملية صراع دائمة ودائبة. وهو صراع يولد بالضرورة مختلف التيارات والاتجاهات، التي تمثل الرؤية الراديكالية إحداها. وبما أنها التمثيل الوجداني (غير العقلاني) لقيم العدل والمساواة والحرية، فإنها عادة ما تقف بالضد من فكرة النظام الملازمة لوجود الدولة والمجتمع والثقافة. لكن هذا التناقض الطبيعي هو بالقدر نفسه أحد المصادر الضرورية لتطور الدولة والمجتمع والثقافة في حال حل الإشكاليات التي تساهم في تغذية النزعة الراديكالية وظهورها وتوسعها. بهذا المعنى يمكننا الحديث عن قيمة الراديكالية من حيث كونها تيارا يصب عموما في اتجاه تحسين وترسيخ وتوسيع المدى الثقافي للتقاليد العقلانية الكبرى ونماذج الاعتدال فيها. وذلك للدور الذي تلعبه في «استنفار» الطاقة الفكرية وشحذ رصيدها الاجتماعي بضرورة الاعتدال باعتباره الصيغة المثلى لتراكم القيم والمعارف والتقاليد والبنى المتنوعة للدولة والمجتمع.

وحالما ننتقل إلى العراق، فإننا نستطيع أن نرى في تاريخه الصيغ الأوسع انتشارا والأكثر عمقا وفاعلية للفكرة الراديكالية وتقاليدها مقارنة بغيره من دول ومناطق العالم العربي. وهي ظاهرة يمكن فهمها من خلال خصوصية ظهور وتطور الدولة العربية الإسلامية من جهة، وكيفية انكسار مختلف مدارس الفكر في تقاليده السياسية وحركاته الاجتماعية، من جهة أخرى. فالانكسار الراديكالي الحاد في زمن عثمان بن عفان لتقاليد الوحدة الإسلامية المتراكمة بمعايير الدولة الموحدة والوحدة الروحية والسياسية والقومية في زمن أبي بكر وعمر، قد أسس لإمكانية الفكرة الراديكالية التي جعلت من انتفاضة المسلمين الأوائل وقتل الخليفة عثمان فعلا يرتقي إلى مصاف الحق. ومع أنها فكرة جدلية، لكنها تاريخية ومؤثرة بالنسبة لبلورة مفاهيم الثورة والتغيير الراديكالي. وظهر تأثيرها للمرة الأولى في فعل "الانتخاب الجماهيري" للإمام علي بن أبي طالب خليفة للمسلمين. وفيه أيضا كانت تكمن فكرة الحق المسيس. ومن ثم سهولة الانتفاض بمعاييرها.

وهي الحالة التي حالما أصبح العراق ميدانا لها، بعد معارك الجمل وصفين والنهروان، فإن نتيجتها المباشرة هي تغلغل النفسية الراديكالية وإمكانية استحواذها على ذهنية العوام والخواص. وليس مصادفة أن يتحول العراق لاحقا، وبالأخص بعد صعود الأموية وتقاليدها السياسية الاستبدادية وفكرها الجبري، إلى احد مصادر إنتاج وتأسيس الغلو والتطرف السياسي والعقائدي. فقد كانت هذه المظاهر الصيغة الوجدانية لتحدي الإرهاب والاستبداد والخروج على قواعد الحق الإسلامي. أما استمرارها في صراع القوى فقد افرز كما هائلا من الفرق الإسلامية وتنظيرها اللاحق في مدارس الكلام والفلسفة. أما صراعها النظري والعملي في العراق فقد جعل منه ميدان المواجهة العنيفة التي رمت بفكرة القانون والوحدة على أطراف دجلة والفرات. وصنعت مع مرور الزمن هالة المواقف المترامية على أطراف مدنه المنتفضة مثل البصرة والكوفة والنجف وكربلاء وغيرها، بحيث أعطى لها في الذاكرة الاجتماعية والوعي السياسي قوة العقل والإيمان واليقين والإحسان في كل ما ترمي إليه وتهدف من أقوال وأفعال.

وهي حالة كان يمكنها المساهمة في تثوير العقل، تماما بالقدر الذي جعلها مصدرا ومرتعا خصبا للنفسية الراديكالية وذهنيتها السياسية. وهو السبب القائم وراء هذا الكم الهائل من فرق الغلاة والانتفاضات الكبرى التي ميزت العراق على امتداد تاريخ الخلافة، بحيث أدى في نهاية المطاف إلى صيرورة الصيغة النمطية العامة القائلة، بأن أهل العراق هم «أهل الأهواء» و«أهل الشقاق والنفاق». ولا يعني ذلك من الناحية التاريخية والفكرية سوى كونه بلد الغلو والتطرف (الراديكالية)، أي منطقة الاحتراب الفعلي لقيم الوجدان في مواجهتها لما تعتقده انحرافا عن قيم العدل والمساواة والحق. وفي هذا أيضا كانت تكمن قيمة وأثر الغلو والتطرف في بلورة وتعميق وتوسيع وترسيخ منظومة الرؤية العقلانية والاعتدال. فالمعتزلة هم الاستمرار الأكثر تمثيلا للقيم السياسية لغلاة الخوارج والشيعة، ولكن في ميدان الرؤية العقلية. بمعنى تحويل فكرة الحق الوجداني إلى ميدان الرؤية السببية وإدراك علل الأشياء استنادا إلى العقل بوصفه معيار الحسن والقبيح في كل قول وفعل وأثر. وميزت هذه التقاليد تاريخ العراق وفعلت في صيرورته التاريخية وكينونته الثقافية بقدر متكافئ من القوة والديمومة حتى سقوط بغداد وتهشم فكرة وفاعلية المركز الثقافي السياسي.

ولعل الوجه الآخر لانتشار تقاليد الراديكالية الفكرية والعقائدية والسياسية، هو توسع وترسخ منظومة التقليد المذهبي المختبئة في بنية العوام والخواص، التي أعطت لها السيطرة العثمانية أبعادا تخريبية، لأنها لم تكن جزء من ديناميكية التطور الحضاري. على العكس لقد تحولت هذه التقاليد بفعل آلية الاستبداد والانحطاط الثقافي إلى عقد متراكمة في الوعي الاجتماعي كانت وما تزال تعيق إمكانية التراكم العقلاني الحر للأفكار والقيم. وليس مصادفة أن يفتقر العراق بعد أول ظهور مستقل له بعد تفكك السلطنة العثمانية، إلى نخبة عقلانية متميزة في ميدان الفكر والسياسة. بل أن التراث المتراكم في غضون قرن من الزمن قبل انحلال السلطنة لم يكن قوة فاعلة لا في عقل ولا في ضمير العراق وقواه الاجتماعية. بحيث لا نعثر من حيث الجوهر على قوة سياسية واضحة المعالم تمثل الصيغة العملية لنمو وتراكم الأفكار والقيم العملية.

وهي نتيجة لها تاريخها الخاص في العراق، والتي ارتبطت أساسا بغياب تاريخ الدولة وتقاليدها السياسية لقرون عديدة في ظل السيطرة التركية، ثم الانكسار المفاجئ للتقاليد المتراكمة في أواخر المرحلة العثمانية في مجرى الحرب العالمية الأولى. كل ذلك أدى إلى صعود النفس السياسية فقط. وبالتالي تحول السياسة إلى الميدان الأوسع واليومي لتقييم مفاهيم الدولة والحق والجمال والأخلاق. وبهذا تكون قد اختزلت كل الأبعاد المتنوعة وغير المتناهية للوجود الاجتماعي إلى ميدان هو نفسه ليس إلا وسيلة تحقيقها. وعوضا عن أن تتحول السياسة إلى ميدان تختبر فيه مفاهيم الدولة والحق والجمال والأخلاق، تحولت إلى معيار شبه شامل وأوحد لحياة الفرد والمجتمع. مما أفرغ حياة الفرد والمجتمع والدولة من أهميتها وقيمتها، بوصفها غاية الفعل العقلاني للسياسة. وترتب على ذلك افتقاد السياسة نفسها لمعايير الرؤية الاجتماعية. مما أفسح المجال لاحقا لظهور مختلف أشكال وأصناف الراديكالية.(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

...........................

إن الشعار الذي رفعه مقتدى الصدر في الآونة الأخيرة، والمحبب فيما يبدو إلى قلبه والذي وضعه في عبارة "شلع قلع" إي إزالته مع جذوره، هو احد النماذج الجلية لهذه الذهنية المسطحة والغبية لحد ما. إنها لا تعي ما تقول باستثناء سجع الكلمة الفارغة والمثيرة لنفسية العوام والمستجيبة لذهنيتها في استسهال الحلول. مع إن كل ما في مقتدى الصدر هو تثبيت متشدد ومتشنج للنزعة التقليدية. من هنا تشوه هذه الراديكالية التي تعادل من حيث الجوهر نفسية الشطار والعيارين، إي نفسية وذهنية الحثالة والعصابة.

 

ميثم الجنابيالراديكالية العراقية الجديدة – جذور في مياه آسنة (2-2)

إن افتقاد الرؤية الراديكالية في العراق للرؤية الاجتماعية جعل من السياسة أداة هوجاء للوجدان الثوري والسذاجة الفكرية، التي صنعت بدورها سبيكة مشوهة يصعب تحديد هويتها، وذلك لافتقادها إلى مقومات المنطق والنفعية. فقد كانت هذه الظاهرة وما تزال محكومة بضعف التقاليد العقلانية واستتباب بنية الدولة والمجتمع المدني وضحالة التأسيس التاريخي للنخب الفكرية والثقافية بشكل عام والسياسية بشكل خاص. وفي هذا تكمن خصوصيتها في تاريخ العراق الحديث، الذي جعل من الراديكالية «منهجا للعمل» عند الأغلبية الساحقة للأحزاب السياسية. أما النتيجة فهي تحول «الشارع» إلى قاطرة تجر خلفها «النخب» السياسية. وكانت هذه النخب في الأغلب اقرب إلى نفسية ومزاج الشوارع والعوام. وعوضا عن أن تضع الشوارع في محلها الجغرافي والاجتماعي، فانه جرى تحويلها إلى مقولة سياسية. وفي هذا الواقع كان وما يزال يكمن الخطر الهائل للراديكالية السياسية في حياة الدولة والمجتمع في العراق. وذلك بفعل تحولها إلى النموذج الوحيد للفكرة الراديكالية.

إننا لا نعثر للراديكالية في العراق على نماذج في ميدان الفكر والإبداع الفني والسلوك الفردي والاجتماعي. وتشير هذه الظاهرة إلى ضعف الحرية الفعلية من جهة، وإلى استفحال نفسية وذهنية الحثالة الاجتماعية والهامشية السياسية فيها، من جهة أخرى. ولعل تجربة العراق في مجرى سيطرة التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية هو نموذج «كلاسيكي» لهذه الظاهرة. ومن ثم ينبغي البحث في هذه الظاهرة عن جذور الراديكاليات الرثة من دينية ودنيوية. بمعنى النظر إلى توسع مداها الكمي والنوعي على انه إشارة على سعة انتشار الفئات الرثة في العراق بوصفها إحدى المظاهر الكبرى لضعف تطور الدولة والمجتمع. وساهمت هذه النتيجة في توسيع مداها الكمي والنوعي الأيديولوجية الراديكالية وممارساتها العملية على امتداد عقود، وبالأخص بعد انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958.

فقد رمت القوى الراديكالية المجتمع في أتون الاشتراك السياسي اللاعقلاني من خلال زج الجميع في عراك لا يدرك معنى وقيمة السياسة بوصفها علما لإدارة شئون الدولة والمجتمع والاقتصاد والثقافة والعلم. وأدت في دعواتها الغوغائية إلى جعل الجهل والتخلف والمغامرة مكونات لسبيكة الانهماك غير العقلاني في صراع الجميع ضد الجميع. وجرى تتوج هذه العملية من خلال الاندفاع الهائج للأرياف إلى المدن، واستقطاب الحثالة بوصفها رصيد ورصيف الطريق الجديد للمستقبل. وأصبح الجميع أسير العبودية الراديكالية التي جعلت من المغامرة والانقلابات والخيانة وغيرها من الأساليب أمورا مقبولة ومعقولة بمعايير «الشرعية الثورية». وبلغت هذه العملية ذروتها القصوى في المرحلة الصدامية، التي حولت العراق إلى كيان رث. وهي ظاهرة فريدة من نوعها في التاريخ المعاصر، لأنها الوحيدة التي استطاعت أن تجعل من التوتاليتارية أسلوبا لتصنيع شامل للرثة الاجتماعية. مما يجعل من دراسة خصوصية التوتاليتارية العراقية ضرورة علمية وعملية من اجل رؤية خصوصية وآفاق الظاهرة الراديكالية الجديدة في العراق1. لاسيما وأن زمنها في العراق قد كشف عن ظاهرة قذرة وقاسية في نفس الوقت، ألا وهي جمعها مكونات يصعب وجودها خارج الخيال، مع أن الخيال هو مصدر الإلهام، ومثير القلق والأحلام، والرغبة في تناول ما يبدو بعيدا عن رؤية العين وممسك الأيادي.

ولعل المفارقة الكبرى لهذه الظاهرة تقوم في أنها استطاعت أن تجرّد وجود الأشياء والناس والأفعال من تاريخها، وأن تصنع بالتالي زمنا بلا تاريخ. وفي هذا يكمن سرّ انهيارها السريع وهروبها المريع، اللذين كشفا عن حقيقة تقول بأن التوتاليتارية البعثية الصدامية هي زمن بلا تاريخ. من هنا اندثارها الخاطف وبقاياها الخربة في كل مكان. وهي نتيجة تشير في الإطار العام إلى فقدان التوتاليتارية البعثية إلى جذور طبيعة لها في العراق، وأنها مجرد ظاهرة عرضية ومرضية تمثلت العناصر الرخوية المميزة للهامشية الاجتماعية والسياسية في عراق القرن العشرين.

فقد كانت التوتاليتارية البعثية الصدامية مجرد غشاء استمد «حيويته» من المقدرة على امتصاص ألوان الأشياء وأشعتها. وبالتالي لم تكن في الواقع سوى ذلك الغشاء الذي سرعان ما جف بعد أول نزع له من جسد المجتمع والدولة. وفي تناقض هذين الجانبين تكمن خصوصيتها في العراق. فمن الناحية المجردة يمكن النظر إليها على أنها جزء من تاريخ التوتاليتارية بشكل عام، إلا أن رخاوتها الفجة وانهيارها السريع واضمحلالها الخاطف يعطي لها في نفس الوقت طابعا متميزا. والجانب الأول يقوم في إمكانية تذليل مخلفاتها بسرعة، أما الثاني فيقوم في عبرتها بالنسبة للحركات السياسية العراقية. لاسيما وأنها تكشف بما لا يقبل الشك، عن خطورتها بالنسبة لجهود الأجيال المضنية، والدمار الشامل للقوى الاجتماعية، والثروات الوطنية، والجهد الضائع، وافتقاد التاريخ.

فقد حولت هذه التوتاليتارية كل شيء إلى عبث، بحيث أفقدت الحياة والموت من معناهما! وهي نتيجة تجعل من كل ما قامت به في العراق فعلا خارج التاريخ، وبالتالي خارج الحقيقة والقانون والأخلاق. لأنها لم تكن في الواقع أكثر من مجرد آلة لتفريغ المعنى من كل شيء. بينما المعنى هو الكيان الوحيد الذي يعطي لكل وجود حدوده وقيمته وأثره في التاريخ.

فمن الناحية التاريخية عادة ما تفرّغ التوتاليتارية الزمن من التاريخ وذلك بفعل مساعيها «تبرئة» الحاضر من الماضي، وتحويل رغباتها وتصوراتها إلى يقين المستقبل. وعادة ما يضعها هذا التناقض في صراع يتحول من محال إلى مستحيل، بحيث يجعل منها بالضرورة قوة عاتية تجعل من كل ما تجهله «عثرة» ينبغي إزالتها. وبما أن جهلها بالتاريخ هو شرط وجودها التاريخي، لهذا عادة ما تجعل من تغييب وعي الذات التاريخي سلاحها الفعال في مواجهة الحاضر والمستقبل. وفي هذه المواجهة تجرّب كل الصيغة الممكنة للجهل والتجهيل الذاتي لكي تقف في نهاية المطاف أمام نفس هاوية الانحطاط والسقوط المميز للتوتاليتاريات جميعا. إلا أن لكل انحطاط وسقوط معناه التاريخي وعبرته السياسية وقيمته الثقافية. فالتوتاليتارية في نهاية المطاف هي تعبير عن النقص التاريخي في وعي الذات القومي، وخلل تقاليده السياسية، وضعف حصانته الثقافية. وتجربة العراق لا تشذ عن هذه «القانونية» الصارمة، التي لا يقلل من أهمية دراستها وتحليلها ونقدها كونها ظاهرة تتسم بالسوء والتفاهة مقارنة بالتوتاليتاريات «الكبرى»، وكذلك لما لها من أثر بالنسبة لمستقبل العراق.

وفيما لو تجاوزنا هنا مختلف نماذج الجدل الأكاديمي والسياسي والإيديولوجي المتعلق باستكناه حقيقة التوتاليتارية ومقدمات نشوئها التاريخي، فإن التنوع والاختلاف في المواقف تجاهها يعكس عموما تنوع الرؤية الجزئية والمدققة عما هو مشترك ومختلف في أشكال ظهورها وتجسيدها في مختلف المناطق والبلدان والدول والأمم. إلا أنها تصب عموما في محاولات تشخيص نموذجها العام والخاص. وعموما يمكننا القول، بأن التوتاليتارية هي نتاج خاص للمسار التاريخي للأمم. أو بصورة أدق أنها تمثل الانقطاع الراديكالي لتاريخ الأمم والثقافة. ومن ثم فهي وثيقة الارتباط بخصوصية تطور الأمم وكيفية تمثلها لتقاليد حل الإشكاليات الكبرى لعلاقة الطبيعي بالماوراطبيعي في الفرد والجماعة والدولة، وكذلك بمستوى انتقال الأمم من المرحلة العرقية إلى المرحلة القومية الثقافية.

فمن الناحية الشكلية (والعملية أيضا) تسعى التوتاليتارية إلى تمثل وتمثيل الوحدانية من خلال تحويلها إلى واحدية شاملة لوجود الأشياء والأفعال والناس. ولا يمكن حل هذا التناقض إلا بانحلال التوتاليتارية نفسها. وذلك لأن التوتاليتارية لا تعقل خارج هذا التناقض التاريخي الذي يميز مساعي العقائد الكبرى لتمثيل «الحقائق الخالدة». بمعنى محاولتها تمثل وتمثيل ما تعتقده نموذجا أفضل وأسمى لوجود الأشياء ونظام البشر. وبهذا المعنى يمكن القول، بأن التوتاليتارية عريقة شأن عراقة البحث عن واحدية معقولة لنظام وجود الأشياء والبشر. وبالتالي فإنها يمكن أن تتمظهر من خلال العقائد الدينية والدنيوية على السواء. فالنصرانية القروسطية هي مرتع للتوتاليتارية الدينية التي تجسدت بصورة فاقعة في محاكم التفتيش، والحنبليات الإسلامية القديمة والمعاصرة هي منبع للتوتاليتارية الإسلامية. كما نعثر عليها في الحركات الدنيوية الخالصة كالنازية الهتلرية في ألمانيا والفاشية الموسولينية في إيطاليا والشيوعية الستالينية في الاتحاد السوفيتي. بعبارة أخرى أنها تتمظهر بمختلف الأشكال التي لا يتعارض جوهرها مع واقع الصراع الحاد والدموي أحيانا بينها، تماما بالقدر الذي لا يقلل من تباينها اشتراكها في الكثير من قواعد العمل، التي تصل أحيانا إلى حد التطابق التام والشامل في القول والفعل والنتائج.

إن آلية توليد وإعادة إنتاج التوتاليتارية ترتبط أساسا بثلاث أسباب هي كل من فقدان الحدود العقلانية في العلم والعمل، وفقدان الاعتدال العقلي الأخلاقي، وأخيرا خلل التوازن الداخلي، الذي عادة ما يجد انعكاسه في سيادة الغلوّ والتطرف العملي. وتحدد هذه الأسباب ظهور وفاعلية العناصر الكبرى للتوتاليتارية، وبالأخص كل من: «مشروع بلا بدائل»، و«يقين بلا احتمالات»، و«إرادة بلا رادع»، و«واحدية عقائدية - سياسية بلا روح ثقافي». أما النتيجة الحتمية لكل ذلك فهي تخريب المجتمع والدولة والوعي. وفي الإطار العام يمكن القول، بأن نتيجة التوتاليتارية هي تخريب الكلّ، وذلك لأن كل مسعى لفرض نموذج كليّ سوف يؤدي بالضرورة إلى تدمير الكلّ. إضافة إلى أن مفهوم الكلّ بحد ذاته صعب البلوغ حتى بالنسبة للوعي المجرد. لاسيما وأن الكلّ يتعارض مع الإجبار. كما انه بحد ذاته يفترض تلقائية ارتقاء جميع مكوناته. بينما التوتاليتارية في جوهرها هي نتاج الخروج على الكلّ الاجتماعي والتاريخي من جانب حفنة صغيرة لا علاقة لها بالكلّ سوى ادعاء تمثيله المطلق. ويصنع هذا الوهم اشد المفاهيم غلوا، وأكثر القيم رذالة، وأوسع الممارسات شناعة.

وقد جسدت التوتاليتارية البعثية الصدامية في العراق نموذجا خاصا لها أدى إلى «صناعة» نوع ربما هو الأتفه في تاريخ التوتاليتاريات بأسرها. فقد كانت في ممارساتها تجسيدا لفقدان الحدود العقلانية في العلم والعمل، وفقدان الاعتدال العقلي الأخلاقي، وخلل التوازن الداخلي، الذي وجد انعكاسه في سيادة الغلو والتطرف العملي. أما النتيجة فهي «تنظيم» دكتاتورية بلا حدود ولا قيود، «نظامها» الوحيد هو تقنين العنف والإرهاب. بحيث جعلت من «مشروعها» لبناء العراق عقدا أبديا لا علاقة له بالتاريخ والمجتمع، وتطاولت إلى درجة لم تسمح بأي قدر من البدائل، بما في ذلك من جانب «الحزب» الذي تمثله. وأكملت ذلك بيقينها القاطع لكل احتمالات من جانب أي فرد وجماعة ومنطقة وطائفة وحزب وقومية. باختصار أنها وجدت في كل «احتمال» مهما صغر جريمة ومؤامرة وتخريبا للحق والحقيقة. مما جعلها تمارس أقسى أنواع القهر والإكراه. وأعطت لكل أفعالها المنافية للقانون والأعراف والأخلاق والحق والحقيقة صفة «الإرادة الثورية». مما افقدها تدريجيا من كل رادع عقلي وأخلاقي، بحيث دفع بها في نهاية المطاف إلى أن تلتهم نفسها بنفسها بعد إفراغ مستمر للمجتمع من كل قواه الحية. أما النتيجة فهي سيادة رؤية عقائدية لا علاقة لها بالمفهوم الحقيقي للسياسة بوصفها علم إدارة شئون الدولة استنادا إلى المجتمع وتنظيم قواه بما يخدم المصلحة العامة. ولا مكان في هذه الرؤية للثقافة بالمعنى الدقيق للكلمة. بعبارة أخرى، أنها أدت إلى واحدية عقائدية - سياسية بلا روح ثقافي. أما النتيجة فهي إنتاج مستمر للرخوية والرخويات في كل مكونات الدولة والمجتمع.

لقد مزقت التوتاليتارية البعثية الصدامية نسيج الوجود العراقي وشوهت مكوناته الطبيعية، بحيث جعل منها مجرد آلة اجترار للزمن وقتل الحياة. وقد لا يكون مصادفة أن ينتحل الحزب اسم «البعث»، بوصفه إشارة غير واعية إلى ارتباطه بالموتى. فالبعث مرتبط بإعادة الحياة للموتى من اجل تحقيق الثواب والعقاب. ولا يبدع هذا الفعل حياة، لأنه مرهون في أفضل الأحوال بنفسية الحساب والعقاب. الأمر الذي أوقف البعثية الصدامية بالضرورة عند حدود الاستجواب البارد في مثال منكر ونكير، اللذين يمثلان في التقاليد الدينية الإسلامية حراس بوابة القبور اللاهوتية «للبعث والنشور». غير أن وراء هذه الأبواب وحراسها يقف «ملك الناس» و«إله الناس» المتسامي بمعايير الوحدانية الإسلامية. أما في العراق فقد حاولت التوتاليتارية البعثية الصدامية إحلال نفسها محل المطلق والتاريخ، وبالتالي تمزيق النسيج التاريخي والثقافي للعراق وهويته الخاصة.

ولم يكن ذلك معزولا عن طبيعة الأيديولوجية البعثية بشكل عام وصيغتها السياسية بشكل خاص. فالأيديولوجية البعثية لا علاقة صميمية لها بإدراك ماهية التاريخ العربي ومكوناته الثقافية. أنها كانت مجرد ترنيم مزيف لفكرة قومية مجردة عن واقعها التاريخي، بينما القومية العربية في جوهرها هي قومية ثقافية لا عرقية. في حين حاولت الأيديولوجية البعثية الصدامية أن تجعل منها عرقية خالصة وطائفية سياسية أدت في نهاية المطاف إلى تضاد شامل مع حقائقها التاريخية. وبالتالي إلى تخريب الوعي الذاتي العربي. واستتبع هذا التخريب تدمير الهوية العراقية بوصفها هوية عربية إسلامية ثقافية. مع ما ترتب عليه من انبعاث قوي للفئات الرثة و«ذوقها» الراديكالي. وهي نتيجة تكمن بدورها في تاريخ الراديكالية في العراق.

فمن الناحية التاريخية لم تكن الراديكالية العراقية سوى النتيجة المتراكمة في خصوصية امتصاص الحثالة الاجتماعية ورميها إلى «مدن» السياسة. الأمر الذي جعل من القبيلة (العشيرة) قوة «ثورية» في العشرينيات، ومن رؤساء العشائر «شيوخا» سياسيين في الثلاثينيات، ومن جهلة «الدنيويين» و«رجال الدين» قيادات سياسية في الأربعينيات، ومن «الضباط والجنود» زعماء في الخمسينيات، ومن خليطها رؤساء في الستينيات، ومن أنصاف المتعلمين وأنصاف الكادحين وعرفاء الجيش والشرطة «قيادات الضرورة». وأصبح مألوفا كون أغلب هؤلاء «القادة»، إن لم يكن جميعهم، لم يقرأ مقالا أو كتابا عن «نظرياتهم» الجاهزة. وهو السبب القائم وراء تحول الشعارات السياسية والهتافات «المدوية» إلى الأسلوب الأوحد والأكثر «فاعلية» في التعامل مع الأحداث والواقع. ويمكن رؤية هذا الواقع في كمية ونوعية الشعارات «السياسية» والهتافات التي «دوت في سماء العراق» في مجرى القرن العشرين. ولو جمعناها سوية لسمعنا أصوات لا يعقل معناها، ولوقفنا أمام صورة مريعة في تشوهها، وأمام خط بياني عن مدى فقدان العقلانية السياسية والنتائج المدمرة التي يمكن أن تؤدي إليها.

كل ذلك يؤكد حقيقة واحدة وهي ان الراديكالية العراقية كانت وما تزال مجرد جذور في مياه آسنة.

***

ا. د. ميثم الجنابي

لقد قمت بتشريح الظاهرة الصدامية والتوتاليتارية العراقية في كتاب حواري كبير وطبع ثلاث مرات تحت عناوين مختلف مثل تشريح الظاهرة الصدامية، والتوتاليتارية والاستبداد.