فلسفةُ السُّلوك الاجتماعي ليست ظاهرةً مَصلحية مَحصورة في الأُطُر المادية، والسلوكُ الاجتماعي ليس فِعلًا روتينيًّا يوميًّا عابرًا، لأن أفعال الإنسان تنبع من قناعاته الداخلية والقيمِ الفكرية الرمزية المُسيطرة على مشاعره . وبعبارة أُخرى، إن أفعال الإنسان _ مهما بَدَت سطحية وساذجة وظاهرية وعَرَضِيَّة _ تنطلق من جوهر رمزي مركزي في داخل الإنسان، وهذا هو المنبع الفكري الذي يُسيطر على روافد السُّلوك الاجتماعي، ويتحكَّم فيها، كَمًّا ونَوْعًا، رُوحًا ومادةً. وكما أن فَلَتَات اللسان البسيطة تَكشف _ في الغالب الأعَم _ عن مُحتويات القلب، كذلك الأفعال الإنسانية البسيطة تكشف عن أنساق ثقافة المجتمع، وطبيعةِ النظام الاجتماعي المُسيطر على القيم الفردية والجماعية . والإنسانُ أوَّلًا وأخيرًا هو ابن بيئته، ونتاج عَصْره .

2

لا يُمكن إنكار تأثير العقل الجَمْعي في ثقافة الفرد ومبادئه وقناعاته، ولا يُمكن تجاهُل الإحساس الإنساني بإفرازات الشُّعور العام في المجتمع. وهاتان المُسَلَّمَتَان تُجسِّدان الأساسَ الفلسفي لمنظومة الوَعْي والوَعْي المُضاد. ومهما كان الإنسانُ قويًّا، لا يَستطيع الإفلات مِن سَطوة المكان (بمعنى الذِّكريات المُتمركزة في الذهن، وليس التضاريس الجُغرافية)، كما أنه لا يَستطيع الخُروج مِن جِلْده، والقفز في الفراغ، تمامًا كالسَّمكة التي لا تَستطيع الخُروج مِن البحر، والقفز على اليابسة. وهذه البُنية الإنسانية المحصورة في إطار الزمان وحَيِّز المكان،تُنشِئ وَعْيًا خاصًّا بها، يتماهى مع ذاتية الإنسان كبُنية اعتبارية مُستقلة نسبيًّا، ويندمج مع مصالحه الشخصية ضمن التيار العام في المجتمع . وفي نفْس الوقت، يَنشأ وَعْي مُضاد ناتج عَن العقبات الاجتماعية في طريق الإبداع الشخصي للإنسان. وهذا الوَعْيَان الجُزئي (الفردي) والكُلِّي (الجماعي) سَيَصطدمان عندما تتناقض مصلحةُ الفرد معَ مصلحة الجماعة، وتُصبح الحُرِّيةُ الفردية تهديدًا لوُجود المجتمع. وبالتأكيد، لا تُوجد حُرِّية مُطْلَقة في الأنساق الاجتماعية، ولا يُمكن ترك الحبل على الغارب . والحُرِّيةُ المُطْلَقة هي الفَوضى الشاملة. وهذا الأمر يَدفع باتجاه بناء حُرِّية الإنسان النِّسبية على قاعدة العمل الجماعي لتحرير المجتمع مِن الأمراض الروحية، والخَوفِ مِن المُستقبل، وتَطهيرِ الفكر الاجتماعي مِن الاتِّكالية، والسَّلبية، وجَلْد الذات، وانتظار الخَلاص والحُلولِ السِّحرية، والبحثِ العبثي عن مُجتمع مثالي. وإذا أدركَ الإنسانُ أن حُرِّيته الحقيقية تعني أن يَبدأ فَوْرًا بإصلاح نفْسه، ويَقتلع شَوْكَه بيده، ولا يضع أخطاءه على الآخرين، ولا ينتظر مجيء أحد ليُساعده، فإن المُجتمعُ _ عِندئذ _ سيُصبح مُتَقَدِّمًا، بدون صِدام بين وَعْي الفرد ووَعْي الجماعة، وبدون نزاع بين الحُلم الجُزئي والمصلحة الكُلِّية . ولا يُمكن للإنسان أن يَحصل على حُجرة هادئة ومُريحة في سفينة تغرق، وهذا يعني وُجوب تحويل الحُلم الإنساني إلى مشروع للنهضة الجماعية. ومِن غَير المَعقول حُصول صِدام بين الإنسان ومُجتمعه، إذا تَكَرَّسَت النَّهضةُ كحُلم جماعي يُوازن بين الرُّوح والمادة، وإذا صارت فلسفةُ السُّلوك الاجتماعي سفينةَ نجاةٍ تتَّسع للجميع، لأنه عندئذ لن يخاف الإنسانُ مِن المجتمع، ولن يَشُكَّ المجتمعُ في الإنسان، وهذا يعني الوصول إلى حالة السلام الرُّوحي، والسِّلْم الاجتماعي، والمُصالحة الداخلية، ولن يخاف البَحَّارَةُ مِن بعضهم البعض، ولن يُوجِّهوا جُهودهم لتدمير أنفسهم، وإغراق السفينة، لأنهم أمام خطر واحد يُهدِّد حياتهم جميعًا، وهو مَوج البحر . وإذا تَكَرَّسَ الخَطَرُ كتهديد وُجودي شامل وعام، اتَّحدت الجُهودُ لمُواجهته، والتَّصَدِّي له .

3

إن كَينونة السُّلوك الاجتماعي نتاج لتفاعُل الفكر الإنساني مع الجَوْهَر (حقيقة الوُجود). والوُجودُ الإنساني لا يتم تحليله إلا مِن خلال خصائص الثقافة الاجتماعية ورُموزِ الظواهر العقلية . وإذا تَمَكَّنَ المجتمعُ مِن التفريق بين الخصائص والرموز في أنساقه، وصناعة توازُن منطقي بين الفاعلية الذهنية والدافعية الواقعية، ومعرفة الحدود الفاصلة بين العناصر الوجدانية والتراكيب العملية، استطاعَ النُّهوضَ، والانطلاق إلى الأمام . وعمليةُ النهضة لا معنى لها إذا انفصلت عن قيمة الانطلاق، لأن النهضة لَيست مقصودة لذاتها، وأهميتها تتجلَّى في كَوْنها مرحلة أساسية لصناعة الوَعْي بأهمية الانطلاق . وإذا صار الوَعْيُ ثقافةً اجتماعيةً عامَّةً، انطلقَ المجتمع إلى أحلامه، وتَجَاوَزَ حاضرَه، وتَقَدَّمَ إلى المُستقبل، بدون خَوف ولا تردُّد . وكما أن الخَوف يَشُلُّ قُدرةَ الإنسان على التفكير،كذلك يَشُلُّ قُدرةَ المجتمع على الانطلاق واقتحام المُستقبل .

4

لا يَستطيع الإنسانُ أن يَلعب دَور البطولة على خشبة مَسرح الحياة، إلا بعد خُروجه مِن الكواليس وإزاحة السِّتار الفاصل بينه وبين الناس، ومُواجهتهم . وهذه المُوَاجَهَة ضرورية، لأنها تُمثِّل لحظةَ الحقيقة، وتُجسِّد عمليةَ صناعة الحَدَث . وكُل حَدَثٍ منطقي هو نظام مِن العلاقات الفكرية، التي تُشكِّل إيقاعًا اجتماعيًّا واعيًا، يَربط بين القواعد التفسيرية للمعنى الإنساني وطبيعةِ الإنسان بكل تناقضاتها. وقُوَّةُ النظام الاجتماعي لا تتجلَّى في مَنْع تَشَظِّي الأنساق الإنسانية، وإنَّما في السَّيطرة على الشظايا، لأن التَّشَظِّي لا بُد مِنه. وأيضًا، إن المجتمع المُنظَّم ليس الذي يَخلو من عناصر الفوضى، وإنَّما الذي يُسيطر على عناصر الفوضى، ويجد لها مكانًا ضِمن آلِيَّة البناء الاجتماعي رُوحيًّا وماديًّا .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

علي اسعد وطفةإن الذي ملأ اللغات محاسناً***جعل الجمالَ وسرّه في الضّاد .

أحمد شوقي

اللغـة اختراع تفرد به الإنسان في مملكة الكائنات الحية، وفي عمق هذا الاختراع تكمن عبقرية الإنسان اللسانية التي مكنته من اختزال الوقائع في رموز وصور وإشارات تتداخل وتتكامل في نظام لغوي بالغ التعقيد. وقـد هيـأت اللغة، بوصفها ظاهرة اجتماعية نفسية بيولوجية، المخاض لولادة فـروع علميـة لسانية، تبحـث في نشأة اللغة وتاريخها وأشكالها وقانونية وجودها. (وطفة، 2011، 289).

يمكننا تعريف علم اللغة (Linguistics) ببساطة بأنه الدراسة العلمية للظواهر اللغوية بحثا في طبيعتها واستكشافا لأنساق تفاعلاتها الداخلية والخارجية. وعلم اللغة يدرس بنية اللغة فيما يتعلق بأصواتها Phonetics, Phonology وبنية كلماتها Morphology وتشكيلات جملها Syntax ودلالاتها ومعانيها Semantics (حجازي،1997،17).. واستطاع رواد هذا العلم أن يطوروا البحث العلمي في هذا المضمار، وأن يؤسسوا لمناهج علمية جديدة تتناسب مع القضايا اللسانية والظواهر اللغوية، واستطاعوا في نهاية الأمر ترسيخ منظومة متكاملة من التقاليد العلمية والمناهج البحثية في مختلف مناحي واتجاهات الظاهرة اللغوية.

وفي خضم التطور الذي شهدته الدراسات والأبحاث اللسانية ظهرت فروع علمية لسانية متعددة أبرزها علم اللغة الاجتماعي (Sociolinguistics) الذي يعنى بدراسةِ العلاقة بين اللغة والمجتمع بوصفها ظاهرة اجتماعية. ويندرج تحت هذا العلم فروع أخرى كعلم اللهجات (Dialectology)، و التخطيط اللغوي (Language Planning)، والتحول اللغوي (Language Shift)، والموت اللغوي (Language Death).

ويعود إلى دوركهايم Durkheim فضـل السـبق في النظر إلى اللغة في جوانبها الاجتماعية، ويتبـدى ذلـك حين يقرر منذ البداية أن اللغة ظاهرة اجتماعية، أو "شيء اجتماعي" بالدرجة الأولى (Grawitz, 1984, 314). وتجد رؤية دوركهايم هذه تعزيزا لها في أفكـار جـون ديـوي Dewey الـذي ينظـر إلى اللغة بوصفها نمطا من السلوك الاجتماعي. هذا ويجمع كل من دوركهايم وديوي وساسور Saussure على أهمية العلاقة التي تربط بيـن اللغة والحياة الاجتماعية، كما يجمعون على أهمية الشروط الاجتماعية للغة بوصفهـا الإطار الموضـوعي لنمـو اللغة وتطورها وتباينها بتباين المجتمعات الإنسانية. وتأسيسا على هذا التصور يعلن كثير من الباحثين والدارسين أن البحث اللغوي في مجال المجتمع يمكن من استكشاف معمق لمختلف القضايا الاجتماعية في المجتمع.

واستطاع عالم اللسانيات المعروف إدوار سابير أن يستكشف العلاقة الجوهرية بين اللسانيات والحياة الاجتماعية في دراساته وأبحاثه الأنتروبولوجية المعمقة حول اللغة والمجتمع، فوضع الأسس المنهجية لدراسة العلاقة بين الأنتروبولوجيا واللغة. ويرى سابير في هذا الصدد أن اللغة الأم التي يتكلمها أبناؤها ويفكرون بواسطتها تنظم تجربة المجتمع وتصوغ المعالم الأساسية لوجوده وكينونته الذاتية لأن اللغة – كل لغة - تنطوي على رؤية مميزة وخاصة للعالم، واستطاع ساسور بعبقريته المعهودة أن يكتشف "أن جزءا كبيرا من العالم الحقيقي يوجد بشكل لاشعوري في العادات اللغوية لشعب ما (بركة،2002،84). وفي هذا الاتجاه يقول عالم النفس الأمريكي دينلاب Dunlap: "إنه يمكننا أن نعـرف أشياء كثيرة عن حياة الشعوب والأمم عن طريق دراسة وتحليل اللغات التـي تتكلمهـا" (عبد الواحد،1951،99).

2- في مفهوم اللغة:

جاء في القول في القول المأثور أن " اللغة تفكير منطوق والتفكير بأنه لغة صامة".

ويعرف ابن خلدون اللغة بقوله: «اللغة في المتعارف هي: عبارة المتكلم عن مقصوده، وتلك العبارة فعل اللسان، ناشئة عن القصد في إقامة الكلام. فلا بد أن تكون ملكة مقررة في العضو العامل لها وهو اللسان، وهو في كل أمة بحسب اصطلاحاتهم» (أحمد، 1991).

ويعد تعريف ابن جنّي (المتوفى 392 هـ) للغة في كتابه "الخصائص" من أكثر التعريفات تواترا وتأثيرا إذ يقول في تعريفها: " أما حدّها فإنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم". وهذا التعريف يتضمن في جوهره مختلف المعطيات الحديثة لعلم اللسانيات في مجال تعريف اللغة، ويتوافق مع معظم النظريات الحديثة التي عرّفت اللغة (حجازي، 1997، 10). ويتطابق تعريف ابن جني مع التعريف الذي جاء في لسان العرب، وفيه " أن اللغة هي أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم "(ابن منظور، 1300، 116).

وجاء في المعجم الرائد عن تعريف اللغة الفصحى بأنها: كل لغة نهجية تخضع لقواعد الصرف والنحو ولأصول التركيب اللغوي. وهي لغة الأدب والعلم ووسائل الإعلام والصلاة وما إليها. وعكسها « اللغة العامية»، وهي اللغة المحكية. (المعجم: الرائد). وجاء في معجم اللغة العربية المعاصر أن اللُّغة العربيَّة الفُصحى: لغة القرآن والأدب، وهي لغة خالصة سليمة من كلِّ عيب، لا يخالطها لفظ عاميّ أو أعجميّ، خلاف العاميّة ". ويحرص الخطباء والدعاة على استخدام الفُصحى في كلامهم، - تذاع نشرات الأخبار باللغة العربية الفُصحى ".(معجم للغة العربية المعاصر).

فاللغة كما تنص عليه هذه التعريفات القاموسية: ألفاظ وضعت لمعان، وهي لسان القوم به يتعارفون ويتواصلون. هذا يعني أنها كلام يتفق عليها الناس في مجتمع محدد ويحددون نسق الدلالات فيه والمعاني وطرق الاستخدام. ولا يخرج المحدثون كثيرا عن هذا السياق القاموسي في تعريفهم للغة، وعلى هذا النحو يعرف ناصر الدين الأسد اللغة فيقول:"بأنها ماهية دلالية قوامها حروف وأصوات: حروف حين تكون مكتوبة، وهي أصوات حين تكون ملفوظة منطوقة. ولكنها في دورها وحقيقتها إنما هي معان ومدلولات تصبح أحيانا صورا بيانية وخاصة حين تنضو اللفظة إلى غيرها في سياق من الكلام"(الأسد، 2004،16). " ويتطرق الأسد إلى وظيفة اللغة بوصفها أداة اتصال وتفكير فيقول: " واللغة بما تكتنزه من معان ودلالات وأحاسيس وسيلة للتفكير، كما أنها وسيلة للتعبير والتواصل بين الناس " (الأسد،2004،17).

ومن أكثر تعاريف اللغة تداولا اليوم التعريف الذي يقول " إن اللغة نظام رمزي يستعمل للاتصال بين بني البشر وهو يتكون من عناصر متناسقة أصغرها الأصوات وأكبرها الجمل والعبارات" (بغول، 2004). واللغة كما يرى عدد كبير من المفكرين أكثر من الكلام وأعمق من الكتابة وأشمل من التفكير، وعلى هذه الصورة يراها يحيى الرخاوي الذي يقول: " إن اللغة هي الأصل، وهي التركيب الغائر للكيان البشري، والكلام إحدى مظاهرها"(الرخاوي، 2003). ويرى السيد "أنّ مفهوم اللغة مفهوم شامل وواسع، لا يقتصر على اللغة المنطوقة، بل يشمل المكتوبة أيضا، ًوالإشارات، والإيماءات، والتعبيرات الوجهية التي تصاحب عادة سلوك الكلام"(السيد، 1988،11).

ومن التعريفات الشمولية التي أعطيت للغة التعريف الذي يسوقه محمد عبد القادر أحمد فيقول: "اللغة مجموعة منظمة من الرموز الصوتية أو المكتوبة التي ترمز إلى المعاني والأفكار، يتفاعل بواسطتها أفراد المجتمع الإنساني، ويستخدمونها في أمور حياتهم، وبها يتم التواصل والتفاهم بين الناس، ونقل ثقافة الآباء والأجداد إلى الأجيال القادمة، وهي من هذه الزاوية وسيلة اجتماعية تؤدي وظيفة حيوية في الحياة الإنسانية "(أحمد، 1991).

ويؤكد أحمد على الطابع الرمزي للغة فيقول: " اللغة منظومة رمزية كبرى تشتمل على عدد من الأنظمة الفرعية التي يتألف كل منها من مجموعة من المعاني تقابلها مجموعة من المباني المعبرة عن هذه المعاني، ثم من طائفة من العلاقات التي تربط فيما بينها" (أحمد، 1991). وتؤكد هذه التعريفات في أغلبها على اللغة بوصفها أداة تفكير وتواصل واتصال في المجتمع وهي ضرورية للاستدلال على المعاني المتوخاة من كل الرموز والمعاني والدلالات المطلوبة.

ويقدم الرخاوي تعريفا يماهي فيه بين اللغة والوعي والوجود فيقول:" اللغة ليست إضافة لاحقة بظاهر الوجود البشري، الفردي أو الجماعي، بل هي الوجود البشري في أرقى مراتب تعقده، إذ هي التركيب الغائر الذي يمثل الهيكل الأساسي الذي يصدر منه السلوك" (الرخاوي، 2003).

ويميز سوسور في بنية اللغة بين صورتين: فهناك اللغة بوصفها ملكة فطرية في الإنسان، وهناك اللغة بوصفها طاقة رمزية مكتسبة. فاللغة في صورتها الأولى قوة فطرية بطبيعتها يزود بها كل مولود بشري، وهي من أهم السمات الفطرية التي تميز الإنسان عن الحيوان. أما اللغة المكتسبة فهي تنويعات لغوية مكتسبة تأخذ صورة نظام من العلامات التي تتحد بمعانيها (De Saussure,1968, 32).

ويميز بسام بركة ثلاث سمات أساسية للغة في مفهومها الشامل، هي:

أ- اللغة نظام يتغير بتغير المجتمعات تاريخيا ومكانيا وهي دليل على الواقع الاجتماعي.

ب- اللغة مؤسسة ثقافية واجتماعية وهي نسبية متغيرة واصطلاحية.

ج- تقوم بدور مهم في عملية المعرفة عند الفرد وعند الجماعة على حدّ سواء (بركة،2005، 25).

وهذا التصور الشامل يركز على أهمية التغاير والصيرورة في بنية اللغة بوصفها مؤسسة اجتماعية ثقافية كما يؤكد على الأداء المعرفي للغة ودورها في بناء الثقافة والوعي.

ونستطيع أن نقول مع الفيتوري بأن اللغة "‏ منهج فكر، وطريقة نظر وأسلوب تصوير، وهي رؤية متكاملة تمدها خبرة حضارية متفردة، ويرفدها تكوين نفسي مميز، فالذي يتكلم لغة هو في واقع الأمر يفكر بها، فهي تحمل في كيانها تجارب أهلها وحكمتهم وخبرتهم وكلمتهم وبصيرتهم وفلسفتهم"‏ (الفيتوري، 1986،20). وهي " إبداع إنساني يلبي الحاجات الطبيعية والروحية والاجتماعية وهي قابلة دائما لاستيعاب الجديد وهي منهج فكر وأسلوب تصوّر لأننا نفكر بلغتنا التي تعبر عن هويتنا وحكتنا وتجارب حياتنا وفلسفتنا وتراثنا وبصيرتنا مما يؤكد قدرتها على مواصلة دورها الحضاري واستيعابها للمعرفة البشرية في كل زمان" (محجوب، 2012).

ويمكننا أن نستخلص بناء على ما تقدم من تعريفات أن اللغة نظام رمزي ذهني معقد التكوين، يعبر عن هوية مجموعة بشرية، ويرسم حدود حضورها الإنساني في الوجود، وأنها تشتمل على فلسفة المجتمع والبنية الذهنية له وطريقة التفكير فيه، وهي تشكل بنية وظيفية شديدة التعقيد بها يتواصل أفراد الأمة ويتفاعلون ويبدعون إنسانيا ويرسمون حدود تاريخهم وحضارتهم. ويمكن النظر إلى اللغة بوصفها الإطار العام للوجود الإنساني والحضارة البشرية، إذ لا يمكن لأمة أن تكون من غير لغة، ولا لحضارة أن تقوم وتزدهر في قطيعة مع اللغة التي تشكل خصوصية الإنسان عبر التاريخ. وباختصار ترمز اللغة - بوصفها ماهية إنسانية مثقلة بالمعاني- إلى الوجود البشري في أرقى تجلياته، وأعظم إبداعاته، إذ هي صيرورة وعي دائم التشكل والتجدد والتغاير تتجلى في صورة إبداع لخطاب متدفق بالدلالات والألفاظ والمعاني.

3- في مفهوم الفصحى:

الفصاحة عند العرب هي "البيان" كما جاء في لسان العرب. وهي اللفظ الفصيح أي "ما يدرك حسنه بالسمع". والإنسان الفصيح هو الذي "يحسن البيان ويميّز جيد الكلام من رديئه". وفصح الرجل؛ "انطلق لسانه بكلام صحيح واضح "، والفصيح: من يحسن الكلام ويميز جيده من رديئه ". والفصيح في كلام العامة المُعْرِبُ (لسان العرب). وجاء في تاج العروس: الفَصِيح: المنطلق اللِّسَان في القول الذي يعرفُ جيِّدَ الكلام من رديئه. وقد أَفصحَ إِذا تكلَّم بالفَصاحةِ. وجاء في المعجم الوسيط: فصح الرجلُ: انطلق لسانه بكلام صحيح واضح.(الفَصَاحَة ): البيان. و سلامة الألفاظ من الإبهام وسوء التأليف. يقال: رجل فصيح: يحسن البيان ويميّز جيّد الكلام من رديئه. وكلام فصيح: سليم واضح يدرك السمع حسنه والعقل دِقّته. ولسان فصيح: طلق يعين صاحبه على إجادة التعبير. ويجمل القول في الفصحى كما يقول الدجاني "أنها تحرص على صحة اللفظ ووضوحه" (الدجاني، 2000، 16). ومقياس الصواب في الفصحى يكون في المحافظة على سلامة اللغة العربية ومراعاة التطور الذي تخضع له (الدجاني، 2000، 16).

ويمكن القول في هذا السياق: إن العربية الفصحى توازن ما يسميه الغربيون Classical Arabic أو العربية الفصحى Fusha Arabic، أو العربية الأدبية Literary Arabic وما يرمز له فيرغسون بالنمط العالي أو المرتفع ورمز له بالحرف (H) (الزغلول، 2000، 56).

وغالبا ما يقصد بالفصحى اللغة العربية التي تستخدم في الكتابة والتأليف والترجمة، وهي ذات اللغة التي حافظت على قواعد اللغة العربية وما تنطوي عليه من أصالة، وهي لغة الشعر العربي القديم، ولغة القرآن الكريم، وهي اللغة التي يتكلمها العلماء والمفكرون والمثقفون في عالمنا العربي. ويمكن القول في هذا الخصوص إن اللغة العربية الفصحى هي لغة الفكر والأدب والعلم، وهي اللغة ذاتها التي تعتمدها الدول العربية لغة رسمية في مختلف مؤسسات الدولة ودوائرها بوصفها اللغة الوطنية القومية. (الأنصاري، 2008،114). ويحدد محمد حسن عبد العزيز سمات الفصحى فيقول إنها " مكتوبة، تستخدم في التعليم، وفي العلم، وفـي الأدب، وفي الصحافة، وهي اللغة الرسمية المشتركة في العالم العربي اليوم"(عبد العزيز، 1992،11).

ومن حيث الخصائص والسمات اللسانية، فإن الفصحى تتميز بصحة ألفاظها، ودقة معانيها، ووضوح مبانيها، في حين تعاني العامية من تحريف اللفظ، وغموض الكلمات، وإبهام المعاني، والخروج عن المألوف في قواعد الفصحى. وقد عني علماء اللغة بالحديث عن "مقياس الصواب اللغوي" الذي تلتزم به الفصحى. ويرى كثير منهم أن الفصاحة تقوم على دعامتين: المحافظة على سلامة اللغة العربية من جهة، ومراعاة التطور الذي تخضع له من جهة ثانية. والفصحى في جوهرها أن يجري الكلام على المقاييس الجمالية والنحوية للغة العربية القديمة في أكثر تجلياتها الأدبية وأدق معانيها الفكرية وهي اللغة التي تحاكي القرآن الكريم بوصفه أعلى مراتب الفصاحة وأكثرها جمالا وبيانا واكتمالا.

و"الفصحى" كما يقول خليل كلفت " واحدة مشتركة في العالم العربي كله، من المحيط إلى الخليج، كما يقال، رغم السمات الخصوصية الأقل جوهرية هنا وهناك. أما "العامية" أو "العاميات" العربية فتتباين تباين الأقطار العربية (العراق، المغرب، السودان...إلخ)، أو المناطق اللغوية داخل القطر العربي الواحد(لهجات مصر، على سبيل المثال)، أو المناطق اللغوية العابرة للحدود السياسية (اللهجة الشامية) (كلفت، 2012).

ما بين الفصحى والفصيحة:

يُقصد باللغة الفصحى اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم بوصفه النصُّ المقدس في قواعد العربية ومرجعٌها في القياس النحوي. والفصحى هي الأصل والمرجع للهجات العربية التي كانت موجودة في صدر الإسلام، حيث اتسم اللفظ القرآنيُّ بجزالة اللفظ الذي لا تشوبه أي شائبة ولا يعتريه أي نقص.

ويجري بين أهل اللغة والمهتمين بااللغة العربية جدل لطيف حول أفضلية استخدام مفهومي " اللغة الفصحى" و"اللغة الفصيحة". ومن الواضح أن استخدام عبارة " اللغة العربية الفصحى" هو الاستخدام الشائع بين المفكرين والكتاب والباحثين بصورة واسعة. وهذا الاستخدام يفرض نفسه بقوة في كتاباتهم وأعمالهم. وهذا الأمر هذا لا يتعارض مع استخدام عبارة "اللغة العربية الفصيحة" فكلاهما يؤديان إلى المعنى نفسه من حيث وضوح اللغة العربية واشتمالها في ذاتها على بيانها وبلاغتها والتزامها بقواعد اللغة وأصولها.

ومع سلامة الدلالة للتعبيرين فهناك من يميز بينهما فيما يتعلق بالدلالة. إذ يرى بعضهم أن الفصحى تتطلب يلتزم المتحدث الالتزام بأعلى درجات الفصاحة والبلاغة، ولا يقوى على ذلك إلا الأدباء والخطباء وأهل الوعظ والارشاد وكبار أساتذة اللغة. وعلى خلاف ذلك يقتضي وصف اللغة العربية بالفصيحة أنه يجب على المتحدث فيها أن يستخدم الحد الادنى من الجزالة اللغوية والبيان في الاعراب، وهي صالحة للتواصل والتفاهم بين الناس لتسهيل معاملاتهم وقضاء حاجاتهم اليومية. وضمن هذا السياق تكون الفصحى للأدب والأدباء والشعر والشعراء والعلماء بهدف التأثير والبلاغة، وقد نزل القرآن الكريم وتربع على عرشها وهي معجزته في عملية التأثير والاقناع.

 فـ "الفَصاحة" كما يرى بعض الباحثين " مَزيّةٌ في الكلام أو صفة تفضيل، كما في الآية: «وأخِي هارون هو أفصحُ منّي لسانا" [القَصص: 34]؛ و"أَفْصحُ" هُنا صفةُ تفضيل للمُبالَغة مُؤنَّثُها "فُصحى". فكُلّ "كلامٍ كان أشدّ بيانًا وأقوى إفادةً يُنعَتُ بـ"الفصيح"، وإذَا زاد عن غيره يكون "أَفْصَح".! والأرجح أنّها تدل على كفاءة الكلام كإجادةٍ للتّأْليف تبليغا وتدْليلا وتوجيها، بحيث إنّها تُنافي كل عُيوب الكلام وآفاته من عِيٍّ وتكلُّف وتقعُّر ولَحْن وحَشْو وإسهاب. وبهذا، فـ"الفصاحة" تعني القُدرة على إتيان القول بما يُناسب حالَ المُخاطَب بلا زيادة ولا نُقصان. ويقول الجُرجاني في هذا المقام «إنّ الفصاحة وصفٌ يجب للكلام من أجل مَزيّة تكون في معناه، وأنّها لا تكون وصفا له من حيث اللّفظ مجردا عن المعنى" (الجرجاني، 2004، 442).

ومن ثَمّ، فإن كلمة "الفُصحى" تمثل صفةٌ للُّغة العربيّة في صيرورتها لُغةً مُشترَكةً بين القبائل العربيّة التي كانت تختلف - بهذا القدر أو ذاك في مَناحي الكلام. وهذه الصيرورةُ تمّت بفعل الاشتراك في اللّغة من شدّة الاحتكاك في الأسواق والمَواسم الكبرى التي كان الحجّ على رأسها والتي أتى الإسلام فعزّزها بنصّ "القُرآن" الذي كان حافزا لتدْوين المُتون واستنباط قواعد النّحو وأُصول الفهم. فـ«العربيّة المُشترَكة» صارت "فُصحى" بمعنى أنّها لُغةٌ تغلّبتْ وهَيْمنتْ على مُختلف اللّهجات القَبَليّة والجهويّة بالشكل الذي جعلها تَفْرض نفسَها على ألسنةِ المُتكلِّمين، خصوصا بعض عصر التّدْوين"( الكور، 2013)1 .

يقول أحد المفكرين: " ويجوز أن نقول اللغة الفصيحة أو الفصحى" أما من اعترض على الفصحى بوصفها صيغة تفضيل نقول " لا يلزم في التفضيل أن يكون بين شيئين متماثلين أحدهما أفضل من الآخر في نفس الشيء لقوله تعالى في سورة (الفرقان): وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا. أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا) وواضح أن التفضيل هنا بين أهل الجنة وأهل النار - وهم غير مشتركين في شيء. أما اللغة السليمة فهي اللغة الخالية من الأخطاء بأنواعها". فـ" اللُّغة العربيَّة الفُصحى: لغة القرآن والأدب، وهي لغة خالصة سليمة من كلِّ عيب، لا يخالطها لفظ عاميّ أو أعجميّ، خلاف العاميّة (يحرص الخطباء والدعاة على استخدام الفُصحى في كلامهم وتذاع نشرات الأخبار باللغة العربية الفُصحى" (الأعشير، 2014).

ونحن في تناولنا لأحد هذين المصطلحين في هذا الكتيب يقوم على أساس منهجي خارج دائرة الجدل التقليدي حول الأفضلية. فالمفهومان كلاهما برأينا يدلان على اللغة العربية السليمة التي تتناغم مع قواعد اللغة ومنهجها وفقهها وتلتزم بناصية الصواب والبيان والإعراب. ومع أننا لسنا في وارد القطع في الاستخدام إذ يستوي لدينا استخدام مفهوم اللغة الفصيحة مع اللغة الفصحى، فالمعنى الذي نأخذ به يرمز إلى سلامة اللغة بوصفها لغة معيارية في بيانها وقواعدها وإعرابها. ومع ذلك يجب علينا أن نأخذ باعتبارات عديدة نرجح فيها استخدام الفصحى أو اللغة العربية الفصحى للاعتبارات التالية.

أولا – يجري استخدام تعبير "الفصحى" غالبا كاسم يدل على اللغة العربية بتمامها وكمالها وليس كصفة تفضيل. فعندما نقول "الفصحى" (بدون إضافات) فهذا يعني أننا نستخدم اسم علم يدل على اللغة العربية الفصيحة اسما لا صفة. على سبيل المثال يجري القول " التدريس بالفصحى، أو تكلم الفصحى، يكتب بالفصحى. وهناك مئات التعابير التي تدرج على استخدام الفصحى كاسم للغة العربية وليس كصفة تفضيلة.

ثانيا – مئات الكتب في فقه اللغة العربية دبجت تحت عوان اللغة العربية الفصحى، ويندر أن نجد عنوانا يقال فيه " اللغة العربية الفصيحة".

ثالثا – في البحوث اللغوية يجري استخدام اللغة العربية الفصحى في المدارس والمناهج والجامعات.

رابعا – رَسُخ استخدام مفهوم "اللغة العربية الفصحى" بقوة في بنية اللاشعور اللغوي عند المثقفين، وارتسم في الذائقة اللغوية تفضيلا على استخدام تعبير "اللغة العربية الفصيحة" وهو تعبير صحيح أصيل فصيح لا غبار عليه.

هذه الأسباب والممارسات تفرض واقعا لغويا لا يمكن تجاهله، وهذا يعني أن رفضنا أو قبولنا لاستخدام مصطلح أو مفهوم يجب أن يخضع غالبا لواقع الممارسة الثقافية. ويأخذها بعين الاعتبار.  وقد قرأت مرة أن الزمخشري وسيبويه كان عندما يشكان في صيغة أو لفظ أو كلمة كانا يذهبان إلى البادية وعند مقابلة أول شخص يصافانه من أي قبيلة عربية كانا ستمعان إليه ويقرران مشروعية لفظة ما قاعدة ما كلمة ما بناء على اللغة التي يتكلمها الإعراب. وأخيرا فإن برأينا لا صير من استخدام المفهومين. ولكن في البحث العلمي يفضل دائما استخدام نموذج مفهومي واحد، ولذا وجدنا من الأنسب لنا استخدام مفهوم اللغة العريبة الفصحى في كتيبنا هذا ونرجو أن نكون موفقين في هذا الاستخدام للاعتبارات التي أشرنا إليها.

4- في مفهوم العامية:

استخدم مفهوم اللهجة (Dialect) قديما بمعنى اللغة، واللهجة هي اللغة عند علماء العربية القدماء، "فلغة تميم ولغة هزيل ولغة طيء التي جاءت في المعجمات العربية لا يريدون بها سوى ما تعنيه كلمة (اللهجة). كما أطلق على اللهجة لفظ "اللحن"، وفي هذا قال أحد الأعراب (ليس هذا لحني ولا لحن قومي)"(الضامن، 1989، 32).

ويجري اليوم استخدام لفظة "اللهجة" بمعنى اللغة العامية المقابلة للفصحى. وجاء في المعجم الوسيط أن العَامِّيَّةُ: لغةُ العامة، وهي خلافُ الفُصحَى، واللّغة العاميّة: هي اللُّغة المتداولة بين النَّاس، وهي بخلاف اللُّغة الفصحى المستخدمة في الكتابة والأحاديث الرَّسميَّة والعلميَّة. والعامي من الكلام: ما نطق به العامة على غير سنن الكلام العربي، وكذلك: "العامية: لغة العامة وهي خلاف الفصحى".

وتأخذ العامية تسميات عديدة منها اللغة العامية أو المحكية أو الدارجة أو اللهجة، ويعرفها الزغلول بأنها "النمط الذي يسميه الباحثون الغربيون بالعربية الدارجة Colloquial Arabic، أو العربية المحكية Spoken Arabic، أو اللهجة Dialect، وهي التي أطلق عليها فيرغسون النمط المنخفض ورمز له بالحرف (L). وهو النمط الذي يكتسبه العربي بصورة طبيعية في مختلف أصقاع الوطن العربي. ويختلف هذا النمط باختلاف المناطق الجغرافية والجماعات البشرية المتمايزة (الزغلول، 2000، 60).

 وتميل العامية إلى التبسيط ولاسيما في القواعد حيث تختفي صيغة المثنى تقريبا وينقص عدد الضمائر، وتختفي أوزان الجمع، وحركات الإعراب. وهذا يعني أن العامية العربية غير قادرة على أداء دور ثقافي في مجال المعرفة العلمية والثقافية، وعليه فإنه يجب على المتكلم أن يعود إلى الفصحى ليمزجها بتراكيب عامة إن أراد التعبير عما يقول بشكل أوفى. (الزغلول، 2000، 63).

 وتعرّف الأنصاري العامية بالقول: " هي اللغة التي تستخدم في الشؤون العادية ويجري بها الحديث اليومي، لا تخضع لقوانين لأنها تلقائية متغيرة، تتغير تبعًا لتغير الأجيال، وتغير الظروف المحيطة بهم" (الأنصاري، 2008، 114).

هذا ويرى معظم أهل اللغة أن اللهجة العامية هي لغة الشعب كله تسيل على الألسن بلا عسر ولا تصنع، وتعبر خير تعبير عن مشاعر الناس وأفكارهم وتطلعاتهم وطموحاتهم. ويحدد المجلس الأعلى للغة العربية مفهوم العامية الدارجة بأنها " مستوى تعبيري يتخاطب به العامة عفويا في الحياة اليومية، وهو مستوى غير خاضع لقواعد النحو والصرف ويتصف بالتلقائية والاختزال، إنها عربية فقدت بعض الخصائص الموجودة في الفصحى مثل الإعراب" (المجلس الأعلى للغة العربية،2008،5).

5- بين العامية والفصحى:

شغل الباحثون بتحديد العلاقة القائمة بين العامية والفصحى، واهتموا بتحديد خصائص وسمات كل منهما، كما اهتموا بتحديد الدور والوظيفة التي يجب أن يقوم بها كل منهما في مضمار التكامل بينهما. وفي هذا المضمار يقدم لنا الباحث سليمان العايد تصورا واضحا عن أوجه التشابه والاختلاف بين العامية والفصحى في محاضرة له عن علاقة اللغة المنطوقة باللغة المكتوبة في اللغة العربية إذ يقول ": نريد باللغة المنطوقة اللغة هذه التي يستعملها الناس في واقع حياتهم اليومي، وفي حركتهم المعاشية المتكررة، وما اعتادوا التعبير به عن أغراض ومطالب وشؤون الحياة؛ وهذا شامل للغة حين تنطق، وللغة حين تكتب، ما دامت بهذا الوضع، وعلى تلك الحال. كما نريد باللغة المكتوبة تلك التي اكتسبت صفة الثبات، وتتابعت الأجيال على التزام كتابها، وهذه تشمل ما ينطق من اللغة إذا اتسم بالتأنق والصنعة كما يفعل الخطباء"(العايد، 1996،4). واللغة هي لغة التخاطب الحيّ، وهي "لغة ينفك مستعملها من كثير من سمات اللغة الفصحى، كالإعراب، ونظام الجملة، واستعمال أدوات الربط، ويستعيض عنها بغيرها، ولا يحرص على تجنب اللحن، ويرسلها، دون تحضير أو تزوير. وكل ما لا ينطبق عليه هذا الوصف فليس بلغة خطاب، كالشعر والخطابة، والتأليف، مما يتعمل له الشاعر والخطيب والمؤلف، ويبذل فيه شيئًا من الصنعة، انتقاء واختيارًا وإحكامًا"(العايد،1996، 4). وتتميز اللغة المنطوقة بأنها لغة متحولة سريعة التغير، لا تكاد تثبت على حال، بما فيها من صواب »، بخلاف اللغة المكتوبة التي تقف في طريق التغير الذي يلحق لغة الكلام قد ضبطته معيارية دقيقة، تقف في وجه التغير السريع الذي هو طبيعة اللغة المنطوقة، ولها فائدة في تحسين وسائل الاتصال وصبغ اللغة المنطوقة بصبغة أدبية مشتركة (العايد، 1996، 4).

وفي ضوء هذا التحديد لمصطلحي الفصحى والعامية، يمكن أن نلاحظ أن أهم الفوارق بينهما، هو تحريف النطق ببعض حروف اللغة، وتغييره كليًّا في بعض الأحيان، وإهمال إعراب أواخر الكلمات، وتغيير حركات حروف الكلمة في العامية. وهذه الفوارق تؤدي إلى فارق آخر مهم، هو أن الفصحى العربية تأخذ صورة واحدة لا تغاير فيها من حيث الجوهر، في حين تتعدد العاميات العربية بتعدد أنحاء الوطن الكبير واختلاف اللهجات. وواضح أن هذه الفوارق تضع الفصحى في مكانة متميزة، وتجعلها “الأُنموذج “ للسان الراقي الحريص على النطق الصحيح للحروف، وعلى الإعراب، وعلى سلامة الكلمة. ولافت أن العامية في بلد ما تتفاوت في درجة قربها من الفصحى بين حي وآخر. ولافت أيضًا أن هناك تشابهًا بين العاميات المختلفة في بلاد العرب في جوانب تحولها عن الفصحى صوتيًّا وصرفًا ونحوًا، وإن ذهب كل منها مذهبه.

ويمكن لنا في هذا السياق التمييز بين اللغة العربية الفصحى وبين العربية العامية في التقاطعات الآتية:

1- تتميز اللغة العامية بوصفها لغة شفوية يتحدث بها الناس دون أن يكتبوها في حين تتميز اللغة الفصيحة بأنها لغة الكتابة والتدوين. والعامية لا تستخدم عادة في التوثيق والتدوين والكتابة الأدبية أو العلمية فهي لغة مشافهة وليست لغة كتابة كما هي حال الفصحى.

2- تأخذ العامية أهميتها بوصفها لغة الحياة اليومية والتواصل الاجتماعي في أشمل معانيه، أما الفصحى فهي اللغة الرسمية التي يجري تداولها في الإدارة والإعلام والأدب والسياسة والتعليم والكتابة والمحافل الدولية.

 3- تعتمد اللغة العامية على السجية والانسيابية وعلى العادات اللغوية المألوفة ولا تخضع لمنطق القواعد اللغوية كما هي حال الفصحى التي تعتمد على منظومة من القواعد والمبادئ التي يجب مراعاتها أثناء الكتابة والحوار.

4- تراعي الفصحى متطلبات البيان اللغوي في أرفع مستوياته ضمن نطاق الصرف والنحو والألفاظ الدلالية المتقنة، وعلى خلاف ذلك تعتمد العامية الاقتصاد اللغوي واليسر اللفظي التعبيري دون اهتمام بمقتضيات الدقة اللغوية والبيان اللغوي المتطور.

5ـ تتنوع العامية بتنوع الجغرافية والطبقات والفئات الاجتماعية والمجموعات السكانية في حين تأخذ الفصحى طابع لغة وطنية شاملة على وحدتها على الرغم من التنوعات الاجتماعية والتباينات الاجتماعية.

6- يتضح تأثير العامية وحضورها الواسع في لغة الطبقات الاجتماعية الواسعة في حين يقتصر تأثير الفصحى في النخب الثقافية والاجتماعية ولدى أبناء المتعلمين من الطبقة الوسطى.

7ـ تتباين العامية بتباين اللهجات المحلية في البلد الواحد مثل: اللهجة المصرية، اللهجة اللبنانية، السوريةفي حين تتميز الفصحى بوحدتها وتجانسها وشمولها بوصفها لغة وطنية واحدة في مختلف جوانب الحياة الثقافية والسياسية والعلمية والأدبية.

8- تتصف العامية بفقرها العلمي حيث لا نجد في بنيتها مفردات علمية تتعلق بالعلوم والفنون والآداب. وذلك على خلاف العامية التي تتميز بثرائها العلمي وغناها الكبير بمفردات العلم وألفاظه ومعانيه.

9- تختلف العامية في البلد الواحد باختلاف طبقات الناس وتنوعهم الاجتماعي ولهجاتهم: لهجة الفلاحين، ولهجة العمال، ولهجة الطبقة البرجوازية. وهذا التباين الاجتماعي ليس له حضور في اللغة العربية الفصحى.

وتجدر في هذا السياق الإشارة إلى هذه المناظرة التي يجريها كلفت ما بين فصاحة العامية وفصاحة الفصحى إذ يقول: " "الفصحى" هي لغة الفصاحة، والفصاحة هي الوضوح والسلامة من اللحن. وقد تبدو اللغة المسماة بالعامية واضحة، محليا على الأقل، لكنها تبدو على كل حال بعيدة عن السلامة من اللحن بمعايير "الفصحى". ولكنْ كما أن الوضوح يتحقق بوسائل "العامية" وليس بوسائل "الفصحى"، فمن الواجب أن يُنظر إلى السلامة من اللحن (أيْ السلامة من الخروج على المعايير النموذجية أو من الانحراف عنها) لكل لغة من اللغتين على أساس معاييرها الخاصة وليس على أساس معايير اللغة الأخرى "فالفصحى" سليمة بمعاييرها الخاصة و"العامية" سليمة بدورها بمعاييرها الخاصة "(كلفت، 2012).

وهذا التناظر الذي يجريه كلفت يتضمن رؤية موضوعية غير مألوفة في مجال المقارنة بين العامية والفصحى. فأهل العامية يجدون العامية أكثر وضوحا من الفصحى وقد يعبرون بها بشكل أفضل. وغالبا ما يعتمد المدرسون في الجامعة اللهجة العامية لتفسير ما لا يستطيع الطلاب فهمه بالفصحى. وفي كل الأحوال يجب أن يؤخذ هذا الرأي المقارن على محمل الجد العلمي وألا يستهان بقيمته السوسيولوجية.

ويتابع كلفت تحليله للفصاحة ما بين الفصحى والعامية قائلا: " وإذا كانت فكرة الفصاحة، بشقّيها، تنطلق من جعل "الفصحى" المعيار الأوحد والمطلق أو المثل الأعلى بلا منازع للغة العربية، فإن الانطلاق من "العامية" أو من الحياد الوصفي إزاء الازدواج اللغوي القائم لا يمكن إلا أن يؤدي إلى أن تطالب "العامية" بالاعتراف بفصاحتها، أيْ بوضوحها وسلامتها، وربما على قدم المساواة مع "الفصحى" وربما أكثر منها بكثير، على أساس أن تمكُّن العرب من "العامية" أقوى بما لا يقاس من تمكُّنهم من "الفصحى" (وربما من تمكُّن خاصتهم من "الفصحى"). "فالعامية" بدورها فصحى أو حتى أكثر فصاحة (بما لا يقاس) بمعاييرها الخاصة. (كلفت، 2012). ويعني ما سبق بطبيعة الحال أن الفصاحة سمة طبيعية لكل لغة بحكم بداهة كونها لغة، وهي تزدهر بازدهار لغة وتنحط بانحطاطها وتموت بموتها وتنتقل من خلال التطور اللغوي البطي أو العاصف إلى لغة جديدة تحل محل القديمة (كلفت، 2012).

وباختصار: "الفصاحة لا تحتكرها "الفصحى" ولا "العامية" ولا تمتلكها "الفصحى" ولا "العامية" بصورة مكتملة، لأن "العامية" ليست لغة مكتملة الحلقات، كما أن "الفصحى" ليست لغة مكتملة الحلقات. ذلك أن "الفصحى" عاجزة، منذ قرون وقرون، عن الاستمرار كلغة كلام وحياة يومية. وهي بذلك لغة ناقصة. كما أن هذا النقص، هذا الانفصال عن الحياة اليومية، يُفقرها ويحرمها من حيوية الحياة ويجرّدها من القدرة على التعبير عنها بالحيوية المطلوبة، أضف إلى ذلك أن "العامية" تنافسها منافسة شاملة متفاوتة القوة في كافة مجالات الثقافة والتعليم والإعلام" (كلفت، 2012).

 

علي أسعد وطفة

..........................

1- الكور، عبد الجليل (2013) القُرآن بين "الفُصْحى" و"الفُسْحى"!، هسبرس، الاثنين 02 دجنبر 2013 - 12:40. https://www. hespress. com/writers/95310. html

مراجع

- ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم (1955)، لسان العرب، مج 1، بيروت، دار صادر ودار بيروت.

 - أحمد، محمد عبد القادر (1991).اللغة العربية أصلها وأهميتها ووظائفها وتعليمها لطفل المرحلة الابتدائية، مجلة التربية، س 20، ع 96، مارس/ آذار، قطر: اللجنة الوطنية القطرية للتربية والثقافة والعلوم.

- De Saussure, F.(1968) ours de linguistique général, Paris: Payot.

- الأسد، ناصر الدين (2004). مقدمة لدراسة اللغة وهوية الأمة، مجلة ثقافات.

- الأعشير،عبد الله آيت (2014). اللغة العربية الفصحى، نظرات في قوانين تطورها وبلى المهجور من ألفاظها، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطاع الشؤون الثقافية، الكويت.

- الأنصاري، محمد جابر (1988). التعريب الجامعي وحتمية المقاربة الميدانية أربعة اعتبارات اساسية لحسمها، رسالة الخليج العربي، س 8، ع 24.

- بركة، بسام (2002). اللغة العربية القيمة والهوية، مجلة العربي، العدد 528، نوفمبر/تشرين الثاني.

- الجرجاني، عبد القاهر (2004) كتاب دلائل الإعجاز، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط 5.

- حجازي، فهمي (1997). مدخل إلى علم اللغة، القاهرة: دار قباء.

- الدجاني، أحمد صدقي (2000). الفصحى والعامية: العامية اليافاوية..تأملات وتساؤلات، مجلة مجمع اللغة العربية، نوفمبر/تشرين الثاني، 2000.

- الرخاوي، يحيى (2003). اللغـة العربيـة وتشكيـل الوعـي القومـي، شبكة العلوم النفسية العربية:http://www. arabpsynet. com/Archives/VP/VP. Rakkaoui. ArabLangage. htm

- الزغلول، محمد راجي (2000). ازداوجية اللغة: طبيعتها ومشكلاتها في سياق التعليم، ضمن مجموعة مؤلفين (2000). اللغة والتعليم، الكتاب السنوي الثاني، بيروت: الهيئة اللبنانية للعلوم التربوية.

- السيد، محمود أحمد (1988). في طرائق تدريس اللغة العربية، دمشق: مطبعة جامعة دمشق.

- الضامن، حاتم صالح (1989). علم اللغة، بغداد: جامعة بغداد، كلية الآداب.

- العايد، سليمان بن إبراهيم (1996). علاقة اللغة المنطوقة باللغة المكتوبة في اللغة العربية، محاضرة ألقيت في نادي مكة الثقافي الأدبي بتاريخ 1/10/1417.

- عبد العزيز، محمد حسن (1992). الوضع اللغوي في الفصحى المعاصرة، دار الفكر العربي، القاهرة، الطبعة الأولى، 1413هـ / 1992.

- عبد الواحد، علي(1951). اللغة والمجتمع، القاهرة: دار الكتاب العربية.

- كلفت، خليل(2012). الازدواج في اللغة العربية بين الفصحى والعامية، الحوار المتمدن، العدد: 3712. www. ahewar. org/debat/show. art. asp?aid=305504

- الكور، عبد الجليل (2013) القُرآن بين "الفُصْحى" و"الفُسْحى"!، هسبرس، الاثنين 02 دجنبر 2013 - 12: https://www. hespress. com/writers/95310. html.

- المجلس الأعلى للغة العربية (2008). الفصحى وعاميتها: لغة التخاطب بين التقريب والتهذيب. أعمال الندوة الدولية التي نظمت بالتعاون مع وزارة الثقافة ضمن فعاليات الجزائر عاصمة الثقافة العربية 2007 المنعقدة يومي 4- 5 يونيو/ حزيران 2007. الجزائر: المجلس الأعلى للغة العربية.

- محجوب، عباس (2012). التًّعليم باللغة العربية في التًّعليم الجامعي، بحث منشور في موسوعة دهشة الإليكترونية، http://www. dahsha. com/old/viewarticle. php?id=28917

- وطفة، علي أسعد (2011). علم الاجتماع التربوي، الكويت: مطبعة الفيصل.

 

 

الوارث الحسنإغفال المؤسسات التعليمية الدينية وتطبيق الخناق عليها وانشطار التعليم إلى شطرين متنافرين أدى إلى وقوع صدام عنيف بينها وأفرز تباعدا في المنظور الديني والمدنيمما خلق جيلا متطرفا ومتعصبا على المدى البعيد

-إن الاستعمار عند تثبيت أقدامه في البلدان العربية والإسلامية اتجه نحو ترسيخ مناهج للتعليم، تمكن بموجبها من تمرير أفكاره في المقررات الدراسية، وقد ساهم فعلا في تكوين أجيال متعاقبة تحمل أفكارا تبتعد عن الدين والإسلام .

هكذا فإن إنشاء مدارس تعليمية واستخدام أخرى حفز الطبقة البورجوازية إلى الالتحاق بهذه المدارس الحديثة التي تعتمد النمط الجديد من التعليم الحديث والذي كان يهدف الغرب من ورائه إلى خلق جيل جديد له ثقافته لا تتقاطع مع الموروث الأصيل وبخاصة ما يرتبط بالحالة الدينية التي كانت وماتزال جزءا أساسيا من الهوية الاجتماعية للمغرب وللبلدان الإسلامية عامة.

وتنفيذا للتوجه الاستعماري كانت مادة التربية الدينية، مادة غير إلزامية ولا يتعلق النجاح والرسوب بما يحقق المتعلم والطالب من درجة فيها وإنما كانت مادة هامشية جدا وحتى المدرس نفسه لهذه المادة لا يكون جادا في تعليمها في الأغلب الأعم .

كما أن نجاح الغرب المستعمر في إبعاد الشعب العربي عامة عن حضارته وثقافته الجامعية، أدى في نهاية الامر إلى خروج بعض الأشخاص عن السيطرة الإيديولوجية وعندما يبتعد الجمهور عن حضارته وثقافته وهويته ودينه فإنه لا محالة يفرز جيلا متناقضا إما ثائرا أو خانعا .

وهذا ما مكن من ظهور حركات التحرر الوطني وقد نشأت معها تنظيمات مناوئة التي قاومت المحتل واستقطبت جيلا من الطبقة الشعبية المقهورة والفقيرة، وحصل معها المغرب وبعض الدول العربية والإسلامية على استقلالها ولكنها ظلت واقعة تحت تأثير التوجهات الفكرية المتعصبة دينيا،و التي زرعتها السياسة الاستعمارية، فكان ظهور حركات إسلامية متشددة وتابعة، سيطرت على النخب القديمة وانتزعت منها الشرعية القيادية وبدأت تتأهب لتفريخ جيل جديد من المتشددين والممانعين .

إلى ذلك تأثر العرب ومعهم المغرب الكبير بالثورة الإخوانية الإيرانية واعتناق بعض الكوادر من التنظيمات الإسلامية للفكر المتطرف واعتبار الشريعة الاسلامية أساس الحكم والتشريع، بيد أن بقاء الدول العربية والإسلامية على ماهو عليه بعد الاستقلال من التخلف وانفصال مجتمعاتها عن حضارتها وتكوينها الثقافي الأم  والأساس، خلف جيلا بأكمله يغرق في التخلف العلمي وهو ما تعيشه معظم البلدان العربية مقارنة بما تعيشه البلدان الغربية من تقدم علمي كبير وواسع  ولذلك أسبابه ومبرراته الواقعية أفرز لنا مجتمعا يميل إلى التطرف ومحاربة التطورو التقدم، فضلا عن غلبة الفكر الديني على المدني في ظل هذه الإرهاصات والمخاض الذي يعيشه المجتمع العربي مما أفرز لنا نخبا تميل إلى الرادكالية والتطرف .

وفي خضم ذلك تم اتهام الأزهر بالجمود الفكري والخذلان العلمي، وعدم رغبة رجالاته في الانتفاع بتطور الواقع والحياة والاكتفاء باجترار الماضي وهذا ما خالف دورها الديني والتوعوي لتحقيق الرفاهية الدينية . إضافة إلى إنشاء مؤسسات تعليمية حديثة تسير في مسار آخر بعيد عن التعليم الديني، مثل كلية الألسن وكلية الطب وكلية الصيدلة والهندسة.. تضاهي الكليات ذات توجه ديني وعلوم شرعية .

وبذلك، لوحظ توجيه العناية نحو المؤسسات التعليمية المدنية بزيادة أعدادها وتنوع تخصصاتها وإغفال المؤسسات التعليمية الدينية وتطبيق الخناق عليها مما أفضى إلى مزيد من الانحسار فبدأ انشطار التعليم إلى شطرين متباعدين، تعليم ديني محض وتعليم مدني محض، وهذا ما أدى إلى وقوع صدام عنيف أحيانا بينها وأفرز تباعدا في المنظور الديني والمدني .

 

بقلم : الدكتور الوارث الحسن

المغرب-باحث تربوي

  

 

حاتم حميد محسناصبحت العولمة واقعا حتميا، في الاقتصاد و السياسة والتكنلوجيا والأعمال وكل جوانب الحياة الحديثة الاخرى. الطريقة التي نتفاعل بها مع العالم قد توسعت وتسارعت بفضل التقدم الاقتصادي والتكنلوجي الذي سهّل من امكانية وجود شبكة بهذا الحجم . قبل ثورة المعلومات التكنلوجية، اتخذت العولمة في الاساس وظيفة اقتصادية. لكن ما حدث لاحقا فتح الباب امام التأثيرات السياسية والثقافية،  فتغيرت الاهداف الاولى في المساهمة بالتنمية العالمية من خلال التجارة الحرة وتبادل المعلومات، واصبحت العولمة حاليا تؤثر بفهمنا للجماعة واستبدلته بفهم آخر يطمس إحساسنا بالهوية القومية والمسؤولية المدنية.

هناك آثار اجتماعية وسياسية جديدة لهذا المشروع الذي بدأ يزداد في حجمه وتأثيره منذ بداية القرن العشرين. في (الثورة الادارية) لجيمس بونهام James Buonham 1940، لاحظ انه " في التاريخ الانساني، عادة يحدث التغيير بسرعة كبيرة وعنف شديد لدرجة ان الاطار ذاته يتحطم ليحل محله اطار جديد". بونهام اعتقد ايضا ان سرعة التغير التكنلوجي في القرن العشرين كانت شديدة بحيث غيرت طريقة الحياة لتصبح شيء مختلف كليا في النوع وليس في الدرجة. هذا الميل كان له صداه عبر القارة. في "تمرد الجماهير، 1929" كتب الفيلسوف الاسباني اورتيجا بان حضارة القرن العشرين يمكن تلخيصها ببُعدين: الديمقراطية الليبرالية و "التقنية" technicism وهما نتيجة للاتحاد بين الرأسمالية والتصنيع والعلوم التجريبية. لكن هذين البعدين كانا يندمجان وبطريقة صاغا بها رؤية جديدة لمستقبل العالم.

الانسان الواسع

أطلق اورتيغا على الانسان في المجتمع الحديث بـ "الانسان الواسع" mass man حيث ، الانسان الشاب المقتنع بذاته، الذي من خلال تأثيره السياسي وثروته، كان يقلّص فرديته الى هوية جمعية، حيث المساواة والتجانس في المجتمع الاوربي. نحن نستطيع ان نتعلم من هذين المفكرين ان التكنوقراط والسياسيين العالميين cosmopolitan يناصرون العولمة لنفس الاسباب التي اشار لها بونهام واورتيغا في كتابهما وهي اسباب تتعلق بالتأثير السياسي، المكاسب الاقتصادية، والخداع الطوباوي. هنا،  نضيف حافزا آخرا: الاحترام المنسي او المُتجاهل عمدا للحياة المدنية. وبالتالي، لم يعد صحيحا بان العولمة تساهم في تطوير الجالية وبناء الامة محليا او دوليا، لأنها وبدهاء تُضعف رغبة الناس بالمشاركة في شؤونهم المدنية.الفيلسوف السياسي ميشيل ساندل يؤكد بطريقة مشابهة: نحن كنا مجتمع بنظام سوق ،  جئنا لمجتمع سوق. بيئتنا تصبح اكثر استهلاكية ليست فقط بالمعنى المادي(رغم انه الجزء الاكبر).،  نحن بنفس المقدار نتعامل بمبادئنا السياسية والاخلاقية في السوق العالمي، نبيعها للخارج ولكن ليس في الوطن.

واذا كنا منصفين، لابد من القول ان  نظام السوق والاخلاق فيهما شكل  من الخيرية المتأصلة التي تجعلهما مناسبين لأكثر المجتمعات في العالم الحر كأساس لليبرالية التي انشأت العولمة. لكننا لا نفهم الخيرية المتأصلة في فكرة معينة ما لم نتعلمها من التجربة . العولمة تساعدنا في نسيان هذا الخوف. شيء واحد نتعلمه هو كيف نصنع صندوقا ثم نبيعه لأجزاء اخرى من العالم. في وقت ما سيذهب اولئك الناس الذين يعرفون المهنة . لكننا اصبحنا الوارثين للمشاريع المملوكة للعوائل التي تجاهلت قيمة الصناعة المحكمة التي بنت ثرواتنا في المقام الاول. لكن مع ذلك، لابد من المتاجرة. في هذا الصندوق المغلف تكمن الديمقراطية الليبرالية. ضمن مشروع العولمة، لانزال نرى آثار الليبرالية كما تُمارس في قيمها الانسانية. المشجعون للعولمة يعرّفونها دائما بالاشارة الى فكرة الارتباط مع الآخرين والمساهمة في التقدم الانساني. لكن هذا الايثار قد ينقلب في الاتجاه المعاكس: نحن مجبرون اكثر هذه الايام للارتباط مع الاخر البعيد الذي نظن انه اكثر شبها بنا من جيراننا المعروفين. نحن نظن اننا نعرف جيراننا بسبب معرفتنا بمنْ  صوّت لهم ، الديانة التي يعتنقها، من اين جاء، الخ. من جهة اخرى، نحن نشعر مرتبطين مع الاخر البعيد لأننا نبني فكرة عنه تنسجم مع مُثلنا التي لا نستطيع اختبارها بالتجربة في التعامل مع هذا الفرد كزملائنا المواطنين.وهنا تكمن المشكلة. ان التركيز المفرط على التقدم العولمي ربما يساهم في نمو حالة عدم الاستقرار الوطني في الديمقراطية الليبرالية في العالم .عندما يصبح الناس اكثر انقساما على طول الخطوط السياسية محليا،  سيصبحون اكثر ارتباطا في النطاق العالمي لنفس هذه الاسباب. فمثلا، التقدميون يحترمون الارتباطات الذي تخلقها العولمة وهو ما يرفع من ضميرنا العالمي بالاستفادة من ثقافتنا الرقمية ليجعلنا اقرب الى الاجنبي، مع ذلك، هم يلومون الوزن الاقتصادي  الذي تضيفه العولمة الى الرأسمالية والوزن السياسي الذي تضيفه  الى الليبرالية الغربية كأحسن نظام لتحقيق هذه الغايات الانسانية. مناصرو السوق الحر يمدحون العولمة بسبب التقدم الاقتصادي الذي جلبته لكل المجتمعات في العالم من خلال خلق الثروة، الابتكار، التجارة، لكن على المستوى الاجتماعي، المحافظون قلقون من ان تاكيدها على السوق العالمي والربح يتجاهل القضايا الاكثر اهمية،  مثل، الجالية، المحلية، الوطنية. كلا الفريقين ايضا يستجوبان اخلاقية نظام السوق العالمي،  اليسار يدّعون بانه يفقر العمال بجعلهم مربوطين باجور قليلة وخاضعين لمدرائهم،   واليمين يدّعون  بانه يحط من القيم الاخلاقية للمجتمع الذي من خلاله تتأسس وتنمو مواطنة صحية.

مهما كانت وجهة النظر التي نؤمن بها، من الإنصاف القول انه من خلال الفعل و دخول السوق العابر للافكار والسلع ، فان الدول تجد نفسها متغيرة اجتماعيا. نحن نضع انفسنا بجانب الدول التي تنسجم مشاكلها السياسية مع وجهة نظرنا: اذا كنا نقيّم العائلة والتقاليد، فسوف نكيل المديح  لرئيس وزراء هنغاريا فكتور اوربان(المعادي للاجئين). واذا كنا نقيّم حقوق الانسان فسنقف مع الامريكيين من اصول اسبانية. نحن نتجاهل الاختلافات الثقافية والتاريخية البسيطة التي تجعل قضايا كل امة متفردة. اما وطنيا، فان التأثير اكثر خبثا . وكنتيجة لما نرى في الخارج، نحن نفترض الناس داخل دولنا يقعون ضمن فئتين اما صحيح او خطأ: اذا كنت لاتحب بريكست،  فانت اذاً لاتحب المحافظين، وانت تعرف جيرانك هم جمهوريون ، ولذلك، المحافظون في الولايات المتحدة يجب ان يتقاسموا بعض العيوب الفكرية حول بريكست. من المحتمل التوقف عن البحث عن مساعدة ونصيحة الناس  ضمن جاليتنا، وبدلا من ذلك نختار افضل وجهات النظر حول العالم التي تؤيد  وجهة نظرنا.

حاليا لدينا خيار الابتعاد عن جيراننا رقميا من خلال تلفوناتنا وكل الوسائط الالكترونية الاخرى. ابقاء هذا الانفصال من خلال العولمة كما كنا نعمل لسنوات ، سيجعلنا بالتأكيد نصل اليوم الذي لا تعني فيه الهوية والمواطنة اي شيء اذا لم يجددا صلاحية معتقداتنا. حماية المدنية هي اكثر اهمية الان من اي وقت مضى. نحن يجب ان نحذر من الجدال لأجل العولمة المدمرة للديمقراطية الليبرالية على المستوى القومي. في هذه الحالة، يكون الفهم التقدمي للعولمة هي انها تناصر المُثل العالمية التي تتصرف بعدوانية تجاه الدولة القومية وانها تثبط نظام السوق الذي هو اكثر ملائمة للكفاءة الذاتية والاستقلال الضروريين للبلد. انتقاد العولمة الشديد لا يعني المحافظة على الوضع القائم، خاصة في مناخنا الحالي الذي وضع الليبرالية في ازمة.نحن نستطيع زيارة لوك اواللجوء الى توكوفيل، لكن جزءا من الأجوبة والحلول لمأزقنا السوسيوسياسي بحاجة لتُدرس من خلال الظاهرة الحالية هذه.

ديفد هيلد

المنظّر السياسي والباحث في العلاقات الدولية ديفد هيلد، كتب بأن رغبة العولمة بتطوير النماذج التقليدية للتنظيم السوسيواقتصادي هي قوة كبيرة تشكل تحديا مباشرا للدولة الحديثة عبرتحدّي المبادئ التي تجبر المواطنين للمشاركة في المهمة الجمعية في الحفاظ على الدولة. تفضيل المواطنين على الامم الاجنبية هو غير اخلاقي. قيل لنا ان الحدود القومية تعيق التدفق الحر للبضائع والعمل التي تحتاجه كل الدول لتنمية ثرواتها. هدف التجارة وسياسات الهجرة يجب ان لا يكون لمصلحة اي بلد معين، وانما للجنس البشري ككل. هذه المعارضات هي معقولة بما يكفي لذاتها. ولكن بالنسبة للسوق العالمي لكي يحقق هذه الاهداف عالميا يعني انه يحتاج لإذابة الولاء للامة وبهذا يزيل اي معنى للهوية المدنية بين الدول رغم اختلاف تاريخها و تقاليدها وثقافتها. العولمة هي مشروع يسعى ويتطلب مستوىً كبيرا من التجانس الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، اي بكلمة اخرى، تجانس ثقافي لكي يمكن للعولمة التنظيم بين الامم. من بين الاسئلة المهمة حول الموضوع  اثيرت من جانب كينيث مينغو Kenneth Minogue، المشكك بالعولمة، هو كان مهتما بالآثار السياسية والاجتماعية للسوق العالمي، لأنه اعتقد ان الجانب الاقتصادي للعولمة كان يساهم في تآكل الهوية المدنية اكثر من اي شيء اخر. شعبية السوق العالمي ربحت النصر للعولمة، حسبما يرى، وانها وجّهت صفعة ثقيلة للفلاسفة السياسيين في التقاليد الليبرالية عندما اظهرت ان توق الانسان الداخلي للحرية والانجاز الذاتي يمكن اشباعه بسهولة باستهلاكية مجتمع السوق العابر. هذه العولمة نجحت بكونها اصبحت متغلغلة في حياتنا لدرجة جعلت مينوغو يتسائل ما اذا كانت قوانين الاقتصاد تقرر التجانس الظاهر في حياة الانسان. هو لم يجب ابدا على هذا السؤال بشكل محدد وانما استنتج بان الاعتقاد  بعالمية العولمة كان وهما اقتصاديا يمكنه وبشكل خطير ان يخدع المجتمع  حول "ديناميكية العالم الحديث".

عولمة المدن وانهيار الثقافة

لازال العالم الحديث، لم يأت للوجود بعد في عدة اجزاء من دولنا. في عدة اماكن، خلق تأثير العولمة فقط مظهرا للتحديث تنفذ فيه مشروعها، وانه جرى تجاهل مسؤوليته عن عدم الاستقرار الاجتماعي ومن ثم السياسي الحاصل الان في الديمقراطيات الليبرالية. أهم حدث معاصر الان  هو التحول المستمر "للمدن العالمية" global cities. ان الطريقة التي تلتقي بها الثروة والتكنلوجيا في المدن العالمية اليوم وسّع الفجوة الثقافية بين المدن الصغيرة ونظرائها من المدن العالمية. هذه القدور من الحب غير المقدس "حسب تعبير اوغسطين" تشترك بالمسؤولية  عن عدم استقرارنا العالمي .

المدن تؤثر على الثقافة، وعندما تُعولم المدن تصبح مراكز خالية من الثقافة بسبب الاندماج في التعدديات الثقافية. كل المدن المعولمة في العالم هي متشابهة ثقافيا مع بعضها اكثر مما في الاماكن الاخرى ضمن الوطن ذاته. هذا النقص في الثقافة المحلية في المدن يقابله تمسك ثقافي حيث لايزال المقيمون في عدة اجزاء يقيّمون ويمارسون شكلا من الهوية القومية والوطنية التي تقود حياتهم. العديد من الناس الذين يعيشون في الاماكن الهامشية التي هي خارج اهتمام العالم تكون العولمة اما وهما او منافس يتحدى سبل عيشهم. انها  تبدو اشبه بتفاهة لكن اتساع الانقسام بين العالمي والقومي ، العالمي والمحلي، يمكن اصلاحه باعادة التاكيد على الجالية. ولكن في عدة اماكن، بدا التركيز على اصلاح هذه  المشكلة الاجتماعية صعبا في ضوء الحقائق الاقتصادية الملحة. توتراتنا السوسيوسياسية تتصاعد لأن الصعوبات الاقتصادية للناس هي اما صامتة او متفجرة. ازدياد التجارة يتطلب حكومة اكبر. تحرير التجارة يوزع المكاسب بشكل غير عادل، لذا فان العمال ذوي الياقات الزرقاء الذين يخسرون وظائفهم او اولئك الذين يلتصقون باعمال وضيعة سيصبحون اكثر سوءا. لتصحيح هذا التأثير، تُمارس بعض الافعال الحكومية اما بمختلف اشكال التدخل الحكومي او ببرامج الرفاهية الموجودة سلفا والتي تعالج المشكلة فقط في سطحها الخارجي. ولكن بدلا من اعتبار المجتمع المرتكز على السوق ساهم في زيادة الحاجة الى دولة الرفاهية، من الملائم القول ان المشاكل التي تصيب فقراء امريكا، مثلا،  هي ليست مالية في الجوهر،  انها نتيجة الحرمان الاخلاقي والروحي ، حيث الناس لايعطون الاولوية لقيم العوائل الموحدة، الجاليات، الايمان وهو ما يخلق دورة من الفقر لا تستطيع تخفيفه اي حكومة بل  تجعله اكثر سوءاً . الفشل في إعطاء الاولوية للجالية على التقدم الاقتصادي والتكنلوجي، ساعد الناس غير المناسبين في التأثير على هذه القضايا وتشويهها بطريقة مناقضة للمجتمعات الحرة. هذه الفجوات الثقافية بين العالم المعولم وشبه المعولم  بقيت راكدة لفترة طويلة لتأتي اليوم في لحظة خطرة ، حيث قضايا العدالة الاجتماعية والهوية تفرض نفسها على الخطاب العام، واصبحت لها  جاذبية في الاوساط الاجتماعية.

مراحل العولمة

الجغرافي البرازيلي ملتن سانتوس Milton Santos عرض أحسن تحليل عن تأثير العولمة على الفقر الاخلاقي والمالي. وصف سانتوس العولمة بالخرافة التي تدّعي ان السوق الاستهلاكية يمكن ان تكون قوة تجانس اقتصادية. هو اعتقد ان السعي للاتساق والتماثل من خلال العولمة ادى الى مجتمع أقل توحّدا، مع زيادة ملحوظة فقط في "عبادة الاستهلاكية"والاعتماد على الدولة. هو في الاساس كتب  بناءً على تجربة العالم الثالث لكنه عمم  بحثه ليشمل الجماعات ذات الحاجة بشكل عام.

كان سانتوس مندهشا بنظريات وفلسفات التاريخ. العولمة، كما عرّفها مجموعة مركبة من نظام جديد من التقنية والسياسة الى جانب التقدم التاريخي. عندما قال كانط  ان التاريخ تقدّم بدون نهاية، وسّع سانتوس هذا القول مضيفا بان التاريخ هو ايضا "تقدم لا متناهي في التقنية". مع كل تقدم تكنلوجيي، فان مرحلة تاريخية جديدة تصبح ممكنة. طبقا لسانتوس، ان المرحلة الاولى كانت تقسيم العمل الدولي الذي ترسّخ بظهور مراكز المدن والهياكل التشريعية القادمة بشكل رئيسي من الغرب، المرحلة الثانية كانت الثورة ما بعد الصناعية حيث المناطق الحضرية استثمرت في مواقعها الجغرافية عبر تطوير النقل البري والبحري لتسهيل تراكم راس المال على نطاق اوسع ، اخيرا، سمى سانتوس المرحلة الثالثة "ثورة الاستهلاك"التي شجعت التصنيع السريع في الاماكن غير المتطورة.

كانت المدن اول منْ تأثر بالفقر الحضري(اطراف المدن) عندما اصبح من الصعب معالجة قضايا مثل الاسكان، العمل، التهميش، الهجرة، والازدحام. مشكلة المدن الحضرية هي ان العولمة تنشر الابتكار"من المناطق القطبية الى المناطق الهامشية والثانوية، ومن الفترات التاريخية السابقة الى فترات لاحقة. المناطق القطبية (المناطق المتطورة) تسرّع التغيير في المناطق الهامشية (المناطق غير المتطورة). هكذا، جسدت العولمة الاماكن غير المتطورة بشكل من التقدم التاريخي المنهك. تطورها السوسيواقتصادي اعتمد على كيفية وتوقيت احساسها بضغط العولمة وليس بالنمو الطبيعي لها.

العولمة اول ما استقطبت الناس حسب الطبقة والمكاسب الاقتصادية قبل الظاهرة الحالية من الاستقطاب التكنلوجي . سانتوس كجغرافي ركز على التأثيرات المكانية للعولمة في العديد من الدول النامية، وهو ما يفسر سبب ارتباط نقده بتنمية المدينة. هو ادرك ان الطريقة التي نُظمت وصُممت بها الاماكن لها تأثير مباشر على تصور الناس لمكانهم في المجتمع. هو اعتقد ان العولمة كانت تُضعف التصادم الاساسي بين المستهلك والمواطن حين وضعته في بيئة يُنظر فيها للاستهلاكية السائدة والمواطنة  كشيء قديم الطراز.  المشاركة المدنية لها تأثير قليل عندما لايرى الافراد ان حكومتهم تعمل لأجلهم. بدلا من ذلك، فان امكانية وجود مستقبل لمواطنة كاملة دائمة يعتمد على الحلول المحلية ، ومنع امكانية ان يصبح  الانتاج والاستهلاك المواطنة الجديدة حسب سانتوس.

الهوية الثقافية

لو وضعنا كل الانتقادات جانبا، لا استنتاج يمكن طرحه حول العولمة بدون الاعتراف الذي لا مفر منه  بفوائدها، حتميتها، استحالة إبطالها. مساعدة الامم الاخرى هو شيءضروري ونبيل. جرعة معينة من العولمة كانت مفيدة حين حسّنت الصحة والتعليم وثروة العديد من المجتمعات. الخطر يأتي عندما نتوقف عن الاعتقاد بالشكل التعددي لهذه المشاريع ونسعى لجعلها مشروع عولمي واحد. ان اساس النظام العفوي الذي يفخر به نظام السوق هو ان التعددية طبيعية، جيدة، وضرورية للابتكار والتبادل. لكن التعددية يمكن المحافظة عليها فقط من خلال تعزيز الروابط المحلية التي تحفز الناس على تطوير وحماية بيئتهم المعينة. ولو انتقلنا خطوة اكثر، سنرى ان التعددية لن تستمر بدون دولة قومية كأحسن غطاء لتواريخنا و ثقافاتنا المتفردة والمتغيرة . ان مشكلة العولمة وعدم استقرارنا  الاجتماعي تكمن في تأثير العولمة على النفسية المدنية، انها تزيل ارتباطنا بأرضنا والذي بدوره له تأثير واضح على تضامننا القومي،  وعلى التزاماتنا تجاه جيراننا وجالياتنا والتي يجب ان تاخذ الاولوية دائما . العولمة تسألنا لنختار بين الحفاظ على ثقافاتنا او احتضان التعددية الثقافية،  الاخيرة هي فقط مظهر تقليدي.

 

حاتم حميد محسن

.......................

 المصدر:Imaginative conservative,Nov,2019

 

قاسم حسين صالحفي خمسينيات القرن الماضي كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة لا تعترف باللغة العربية، بل كانت لا تجيز الترجمة التحريرية الى العربية الا بشرطين:ان تكون الوثائق ذات طبيعة سياسية وقانونية تهم المنطقة العربية، وان تدفع الدول العربية تكاليف الترجمة!

 وبجهود دبلوماسية مميزة للمملكة المغربية، من خلال منصب رئيس المجلس التنفيذي لمنظمة اليونسكو الذي كان يشغله السيد محمد الفاسي، وسفير المغرب لدى الأمم المتحدة في حينه السيد رشيد الحلو، وباسناد من المملكة العربية السعودية وعدد من الدول العربية، وافقت الأمم المتحدة في العام 1973 بقرارها الرقم 3190 باعتماد الثامن عشر من ديسمبر / كانون الأول يوما عالميا للغة العربية، بجعلها لغة رسمية للجمعية العامة وهيئاتها. واستمر العمل بهذا القرار الى عام 1977 حيث تم ادراج تكاليف الترجمة الى العربية ضمن الأعباء اللغوية للأمم المتحدة، ونالت حظها كلغة اممية الى جانب خمس لغات معتمدة هي: الانجليزية، الفرنسية، الصينية، الاسبانية، والروسية.

وللتاريخ فان اميركا كانت من المعارضين لهذا القرار، مبررة ذلك بان ملوك وأمراء ورؤساء العرب يجيدون التحدث بالأنجليزية!، برغم ان عدد الذين يتحدثون العربية يزيد على (425) مليون نسمة متفوقة على عدد الذين يتحدثون بالروسية اوالفرنسية.

 لا نريد ان نتحدث هنا عن كامل مزايا اللغة العربية بوصفها من اقدم اللغات السامية، وانها لغة القرآن، والبلاغة والبيان، والاستقامة والترادف والمعاني الجميلة، وتفوقها على لغات العالم بمفرداتها الحية التي تبلغ فيها ( 000 303 12)كلمة، فيما عددها باللغة الأنجليزية (000 600) وفي الفرنسية (150000) وفي الروسية (130000)، ولا عن الذين كتبوا فيها من العلماء والمفكرين والأطباء وما كانوا عربا، ولا الشعراء في عالمنا العربي، وابلغ ثلاثة بينهم (احمد شوقي ومعروف الرصافي وجميل صدقي الزهاوي) كانوا من الكورد وليسوا عربا!.

 نشير فقط الى ان العربية لها اهمية خاصة لدى المسلمين كونها لغة مقدّسة لا تتم الصلاة الا باتقان بعض مفرداتها، فضلا عن انها لغة شعائرية رئيسة لدى عدد من الكنائس المسيحية في الوطن العربي، وان الكثير من اهم الأعمال الدينية والفكرية والعلمية اليهودية في العصور الوسطى قد كتبت بها.وكانت، بعد انتشار الاسلام وتأسيسه دولا، لغة السياسة والعلم والادب لقرون طويلة، وما يزال تأثيرها موجودا في عدد من اللغات لاسيما الفارسية، التركية، الكوردية، الماليزية، البرتغالية، والاسبانية.

 وكانت جامعة قرطبة بحضارتها العربية الراقية يقصدها الطلبة من كل بلدان اوروربا.ويذكر ان الشاعر الاسباني لوركا كان قد سئل:هل تعتبر المرحلة العربية بتاريخ اسبانيا.. استعمارا؟ اجاب:المرحلة الوحيدة المضيئة في تاريخ اسبانيا هي المرحلة العربية، وما قبلها كان ظلاما.

ولقد شاهدت في زيارتي الأخيرة لأسبانيا ان الأسبان نحتوا التماثيل لأطباء ومفكرين وقادة عرب تكريما لهم، ليس لهم ذكر في زماننا هذا مع انهم ونحن.. عربا!

ما يعنينا هنا هو التنبيه الى ان لغتنا الجميلة تعيش محنة من اهلها نوجرها في خمس قضايا:

الأولى: ان البلدان التي نجحت في تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية، تم لها ذلك باعتماد لغتها القومية، ولك ان تستشهد بكوريا الجنوبية، فضلا عن الصين واليابان. فلقد كانت كوريا من افقر دول العالم فيما تعدّ الآن سابع دولة صناعيا. وفي كتابه (امبراطورية الكلمة.. تاريخ اللغة في العالم) يتوصل نيكولاس الى ان تاريخ العالم وامبراطوريته ما حدثت من خلال مساحة الوطن او اقتصاد الدولة او تعداد الشعب بل من خلال ازدهار اللغة وانحسارها من عصر الى آخر.ولقد اكتشف الأنثروبولوجيون أن اللغة هي المعبر الأول بين حضارة سابقة وحضارة لاحقة، وأكد المؤرخون أن اللغة تمثل هوية الأمة، فيما الذي يجري الآن في العراق ان حضارته قد صابها انقطاع، وأن اللغة العربية تشكو من هزال، وانها تتعرض فيه الى انتكاسة خطيرة بظهور الهويات القاتلة.

الثانية:  صحيح ان الذين جاءوا الى الحكم احالوا الوطن الى خراب وحياة المواطن الى شقاء، لكننا ما كنّا نتصور ان اساءاتهم ستنال من لغتنا الجميلة.فكثير من المسؤولين السياسيين والنواب يرتكبون اخطاءا لغوية مخجلة حين يتحدثون، ويخطئون ليس فقط في اسم كان وخبر ان ورفع المجرور والمضاف اليه، بل حتى في املاء كلمات بسيطة.. ولك ان تطلع على فضائحهم اللغوية عبر الفيسبوك، فاحدهم بمنصب مدير عام يكتب شكرا بالنون هكذا (شكرن)، وآخر يكتب لكن هكذا (لاكن)!.

 والأساءة الاوسع انتشارا والأكثر خطرا ان فضائياتهم التي تجاوزت الخمسين، ترتكب اخطاءا فاحشة بحق اللغة. فمعظم العاملين فيها من المذيعين والمذيعات يرفعون المفعول وينصبون الفاعل والمجرور!.وتلك فاحشة ما حدثت في تاريخ المؤسسات الاعلامية العراقية.ففي السبعينيات، اعلنت مؤسسة الاذاعة والتلفزيون عن حاجتها الى مذيعين ومذيعات.. تقدم في حينها اكثر من (1200) من حملة البكلوريوس.. خضعوا الى اختبار من لجنة ضمت مديرها العام (محمد سعيد الصحاف)، ومدير اذاعة صوت العرب (سعد لبيب)، وكبير المذيعين سعاد الهرمزي، والراحلان الدكتور عبد المرسل الزيدي وبدري حسون فريد.. اجتاز الاختبار عشرة فقط!.وقد تلقينا نحن العشرة تدريبا بدورة اذاعية في اللغة والصوت والالقاء والدراما وتحرير الخبر لثلاثة اشهر! سمح لنا بعدها دخول الاستديو، لا كما يجري الآن.. ياتون بهم (بهنّ) من البيت الى الاستديو!

الثالثة: ان العرب عموما يتباهون بالتحدث بلغة اجنبية لاسيما الانجليزية، وشاعت في الامارات بشكل خاص ظاهرة اساءت جدا الى اللغة العربية هي ان من يتحدث بها يعدّ متخلفا، وان عليك التحدث بالانجليزية حتى مع العاملين في (المولات) مع انهم عربا!. وتشيع الآن في العراق ظاهرة التدريس باللغة الأنجليزية من رياض الأطفال..  وهذا جيد ومطلوب ان كان الهدف تعلمها بوصفها لغة ثانية، فيما الواضح هو تفضيلها على اللغة العربية.

الرابعة: ان العراقيين في بلدان المهجر الذين تجاوز عددهم السبعة ملايين، لا يتحدث معظمهم مع اطفالهم بلغتهم العربية حتى لو كانوا على مائدةالطعام!.. مع انهم يتلقون تعليمهم بلغة البلد الذي هم فيه، وان المطلوب من العائلة العراقية في المهجر ان تعمل على تنمية الشعور بالانتماء للوطن من خلال التحدث معهم باللغة العربية، وتذكيرهم بانها ما عادت (مخجلة) بعد ان اصبحت سادس لغة يعترف بها العالم. والتوصية ذاتها مطلوبة من الاسرة العراقية في الداخل.. بضرورة تشجيع اطفالهم على تعلم اللغة العربية الفصيحة.

والخامسة: ان جيل (الانترنت) من الأطفال والمراهقين والشباب، تولعوا بمفردات اللغات الاجنبية وتولد لديهم نفور من اللغة العربية، وشاعت بينهم مفردات من قبيل (كنسلها، دلّتها، سيفها.. ).. بعكس جيل السبعينيات الذين تربوا على برامج تلفزيونية تحبب لهم لغتهم مثل (لغتنا الجميلة) و (لغة الحروف.. جعفر السعدي بدور استاذ القواعد ومعه سهى سالم بدور الآنسة قواعد، ومحمد حسين عبد الرحيم الذي يحلم بأنه راى قوري فترد عليه الآنسة قواعد: ليس في لغتنا قوري بل ابريق الشاي)، وبرنامج المناهل.. الذي يبدأ بأغنية (هذي لغتي.. فوق الشفة كالأغنية.. المنـــــاهــل).. وأخرى يتذكرها ابناء ذالك الجيل وما تزال مطبوعة في ذاكرتي كوني كنت يومها مشرفا على برامج الأطفال. 

ما يؤلم حقا ان اللغة العربية كانت، في العراق تحديدا، حزينة في يوم الاحتفاء بفرحها.فلقد مرّ يومها باهتا على الصعيدين الرسمي والاعلامي.ذلك لأن معظم من في السلطة بين من يشعر بالنقص في علو شأن العلماء والأدباء، وبين جهلة لا يدركون ان جعل العربية لغة رسمية أمميا الى جانب خمس لغات عالمية فقط، يعدّ اعترافا بحيويتها وتطورها واعترافا بمساهمتها في تطوير الحضارة الانسانية عبر غزير عطاءات مفكريها وعلمائها واطبائها وادبائها، ولا يعنيهم تكريم علماء اللغة العربية في يومها، وليس في حساباتهم ولا يخطر على بالهم ما تفعله دول تحترم مفكريها. فالصين مثلا اعتمدت العشرين من نيسان يوم اللغة الصينية تخليدا لذكرى سانغ جيه مؤسس الأبجدية، وروسيا اعتمدت السادس من حزيران يوم اللغة الروسية تكريما لميلاد شاعرها الكساندر بوشكين، وبريطانيا اعتمدت الثالث والعشرين من نيسان تخليدا لوفاة ويليام شكسبير. والكارثة تكمن في ان ثقافة القبح التي اشاعها الاسلام السياسي قد شوهت كل جميل في الوطن.. حتى وجه لغتنا الجميلة، وأن على شباب التحرير أن يعيدوا لها حيويتها وبهاءها وايقاعها الموسيقي الذي يطرب كل السامعين!

أ. د. قاسم حسين صالح

 

 

عبد الحسين شعبانتنظر الغالبية الساحقة من الناشطين في ميدان حقوق الإنسان إلى الأديان باعتبارها نقيضاً لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي تتخذه الأوساط الدينية بشكل عام إزاء منظومة حقوق الإنسان، باعتبارها خارج دائرة الإيمان. ويرتفع الجدل حول "أحقية" كل فريق منهما وادعاءاته، في حين تُهمل المشتركات الإنسانية الجامعة لبني البشر، تلك التي تشكل عموداً محورياً للأديان أساسه الإنسان، الأمر الذي يقتضي البحث عن الجوامع المقرّبة وليس الفوارق المُباعدة.

في الدين حقوق للإنسان، مثلما في حقوق الإنسان قيمٌ دينية، وفي الكثير من الأحيان تستمد الحركة الحقوقية الإنسانية قوتها من المنابع الدينية المتأصلة فيها، وهو الأمر الذي ينبغي للعاملين في ميدان حقوق الإنسان إدراكه، لأنه يكسبهم قوة مهمة وأساسية، بل وحليفاً جديداً إلى جانب الشرعة الدولية، مثلما يُكسب الأديان ذاتها بُعداً أكثر إنسانية وتقدّماً ومدنية.

علينا أن نتذكر أن العديد من المعارك الكونية المتعلّقة بالحرّية والكرامة قادتها شخصيات من منابع دينية مثل المهاتما غاندي في الهند رائد المقاومة المدنية - اللّاعنفية والذي اغتيل في 30 يناير (كانون الثاني) 1948، وعبد الغفار خان  الذي شارك في المقاومة السلمية عبر سلاح " الصبر والاستقامة"  وأوسكار روميرو من السلفادور أحد أبرز روّاد لاهوت التحرير الذي اغتيل في العام 1980، ومارتن لوثر كينغ في الولايات المتحدة،  القس الذي قاد حركة الحقوق المدنية من أجل المساواة، والذي اغتيل في 4 أبريل (نيسان) 1968. وكان العديد من قادة حركة التحرّر الوطني ضد الاستعمار من رجال الدين المسلمين والمسيحيين وغيرهم من المؤمنين، ناشطين من أجل التحرّر والاستقلال والعدالة، وغالباً ما يقومون بذلك لإيمانهم الديني الذي يمنحهم قوة أخلاقية وروحية وشرعية شعبية.

لم أجد غضاضة في التلاقي بين حقوق الأديان وحقوق الإنسان، بل أعتبر ذلك أمراً طبيعياً وواجباً على  الطرفين تنميته بما يعزّز الكرامة الإنسانية المتأصلة في البشر، فالأديان عموماً تدعو إلى المحبة بين البشر واحترام حقوقهم بغض النظر عن اختلافاتهم، بما يعني توفير المستلزمات الضرورية لحماية منظومة الحقوق الإنسانية التي تسلّم بها الأديان، فأين تكمن الإشكالية إذاً؟

الإشكالية في استخدام الدين أحياناً لقمع الأصوات الشجاعة المطالبة بالتغيير، بل يتم تبرير القمع وانتهاك الحقوق ممالأة للحكام، وفي أحيان أخرى لخدمة مصالح خارجية، بما يلحق الضرر بحقوق الأديان والإنسان، سواء في الترويج للتعصّب ووليده التطرّف ونتاجهما العنف والإرهاب، مثلما يخطأ بعض نشطاء حقوق الإنسان  حين يعتبرون مثل هذا السلوك يمثّل الدين أو يعبّر عنه، فيكون رد فعلهم معاداة الدين في حين ينبغي عليهم مواصلة الكفاح ضد التعصّب والخرافة والتفسيرات الماضوية للدين بما فيها إضفاء صفة القداسة على ما يطلق عليه "رجال الدين".

وهكذا يبالغ بعض دعاة حقوق الإنسان في مجتمعاتنا العربية والمسلمة بالعلمانية ويضعونها نقيضاً للدين، وبالمقابل يستخدمها بعض المتدينين بصفتها رديفة للإلحاد، ويستند الفريق الأول إلى أن "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" لم يتضمن أي إشارة إلى الله، وينسون إن ذلك وضِعَ لتقبّل الناس هذا الإعلان على اختلاف دياناتهم بمن فيهم الذين بدون دين سماوي أو أرضي. ومثل هذا الأمر يقود إلى إبعاد أوساط واسعة مؤمنة بالله عن حقوق الإنسان والمشتركات الكثيرة التي تجمع المتدينين بالعلمانيين، لاسيّما كونهم بشرٌ مثلهم ولهم نفس الحقوق والواجبات والتطلّعات، حتى وإن كانت هناك بعض الجوانب الاختلافية العقائدية.

ويخطأ بعض الناشطين في حركات حقوق الإنسان حين يبعدون المتديّنين عن التواصل مع هذا الحقل المهم، مثلما يخطأ بعض المتدينين حين يعتبرون هذا الحقل خاص بالعلمانيين، ولذلك لا بدّ من تجسير العلاقة، بما يعزز الثقافة الحقوقية في الأوساط الدينية والمدنية، لكي لا تتسع الفجوة بين المجموعتين، فالدين هو وجهة نظر كونية تتضمن القيم المتأصلة في الإنسان بما فيها حياة الإنسان ونظام الكون وتطلعات المستقبل، إذْ أنّ خسارة حقوق الإنسان للأديان ستكون كبيرة جداً لما فيها من قوة روحية ومعنوية مؤثرة تستحوذ على عقول مليارات البشر، مثلما تكون حقوق الإنسان ضرورة لا غنى عنها لحماية المتدينين من الانتهاكات أيضاً لأسباب دينية أو مذهبية أو طائفية، وذلك عبر الدعوة لنظام يحترم حقوق الجميع ويؤكد على مبادئ المساواة والحق في تأدية الطقوس والشعائر الدينية بحرية.

وعلينا إدراك أن القوة الدينية التي لا ترتبط بالتزامات حقوق الإنسان تتحوّل إلى قوة شيطانية عمياء خطرة ومدمّرة مثلما هو "داعش" والجماعات الإرهابية، بغض النظر عن مسمياتها وشعاراتها،         فالبشر خلقوا من خالق واحد وهم سواسية عند الله، ويتمتعون بحقوق مشتركة ومتماثلة وهو ما تؤكده الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، ولعلّ ذلك ما كان مثار حوار معمّق بدعوة من " منتدى التنمية والثقافة والحوار" و" حوار الأديان الدانيماركي- العربي" في أيانابا (قبرص) بحضور وازن لشخصيات فكرية وثقافية وحقوقية.

 

عبد الحسين شعبان - باحث ومفكر عربي

 

 

"كل حق في العالم.. كان لا بد من النضال.. لأجل اكتسابه"!!!

يكتسب التراجع الديمقراطي بكل بلد وجوهًا مختلفة وفقًا لتقاليده وتاريخه وإن مفتاح "الكفاح من أجل حقي" تتكرس بشعار: "كل حق في العالم كان لا بد للنضال لأجل اكتسابه"، على أساس أن ذلك الكفاح لا يتكون فقط في المواجهة الاجتماعية، لأنك ومعه تناضل من أجل حقوقك عبر تطبيق معرفتك وثقافتك وطريقتك التربوية، والتي توقن أنها أفضل الطرق لتوحيد الحقوق والتعليم الأساسي والمتخصص ونقل المعرفة بجزء مما نسميه "ثقافة الحقوق"، والتي هي الأساس الضروري للعمل السياسي والمجتمعي بامتياز. والتعليم هو حاجة أساسية وأولوية وإن المجتمعات الديمقراطية التي تحاول أن تعيش ديمقراطية أفضل وأفضل هي ليست مستدامة من دون معرفة الحقوق التي يتمتع بها المواطنين ومن دون إدراك لحالتهم من هم السادة الحقيقيين، ولكن في مجتمعات مثل مجتمعنا حيث تسود الذرية التعددية من الضروري أن نعلم بالتمييز بين الرغبات والتوقعات والمصالح والحقوق، حتى تلك التي يمكن أن نعتبرها حقوقنا غالباً ما تتعارض مع حقوق الآخرين لأن الاختبار الحقيقي للحقوق هو تعلم المعرفة والاحترام لتأخذ حقوق الآخرين على محمل الجد من حيث الأولوية السياسية للتثقيف في ضرورة اقترانهم لتجنب الضرر للحقوق القانونية ذات الأولوية، بالإضافة إلى ذلك فأن الحقوق لا تُكتسب مرة واحدة وإلى الأبد لكن الكفاح من أجل ضمانها هو مهمة دائمة تلزم جميع المواطنين وليس فقط السلطات العامة والمسؤولين بموقف اليقظة وكيفية تشكيل ذلك التصرف والحفاظ عليه بتيقظ.

  مقترحنا جاء لتقوية الأدوات بحيث تتجذر ثقافة الحقوق في مجتمعاتنا بالتثقيف على وجه التحديد بشأنها وبالتالي ينبغي أن تكون أولوية للسلطات العامة وللعاملين الاجتماعيين ولجميع المشاركين في العملية التعليمية, غير إننا لو كنا أكثر وعياً بهشاشة الديمقراطية والتضحيات الهائلة التي كلفتها للوصول إليها وبالسهولة التي يمكن أن تضيع بها إذ لم نعتني بها بالحقائق وليس الكلمات، ونجد المزيد من الحماس للدفاع عنها ضد الانتهازيين الذين يستفيدون من أي نظام سياسي وكذلك بالنسبة لأولئك الذين يستخدمونه لمصلحتهم الشخصية أو يخدعونه بشدة أو يحاولون تدميره. ومن المثير للقلق أن نرى في فترة وجيزة من الزمن ظهور أعراض الرعب الشمولي، وما مدى عودة ظهور الحلول المتطرفة تلك التي تدعي أنها تأتي لإنقاذ "الشعب" أو "الأمة" في مواجهة مظالم الرأسمالية أو صد الثقافات والتقاليد الأجنبية حتى الإنجازات الهائلة للديمقراطية الاجتماعية الأوروبية بجهدها الكبير لإضفاء الطابع الإنساني تم تجاهلها ومحيها وتحولت الأنظمة وقادتها بتفضيل التنافس على الجوهر العقائدي المفترض وانتهى بهم الأمر إلى فقدان السبب الأساسي لوجودها، مما اظهر الحلول المتطرفة المدعية على أنها أتت للإنقاذ وأدت أيضا إلى التقاء الأزمة الاقتصادية والثورة التكنولوجية في القرن الجديد إلى إبطاء دائرة الازدهار التي كانت مرتبطة بها وأعادت رواكد قاع الحالة الإنسانية كالخوف والطائفية والتعصب والقومية إلى الحد الذي انخفض فيه النظام وتضخمت العديد من المشكلات التي كان يتعين عليه حلها مرة أخرى كالنزاعات والانقسامات الاقتصادية والاجتماعية وتلفيق الأعداء الخارجيين والتطرف وعلت الأصوات مرة أخرى على عدم قابلية الديمقراطية وحتى على استهجان استحسانها.

هل هذا الاتجاه قابل للعكس؟ هل نسير على حافة الاستبداد أم أننا نعاني من اضطرابات يمكن للديمقراطية التغلب عليها؟ربما يكون من المناسب الإشارة إلى أن أزمة الديمقراطية الليبرالية لا يجب أن تنتهي في نظام شمولي أو غير ديمقراطي تمامًا مما يوضح لنا الواقع أكثر إلى إن ظهور نماذج غير ليبرالية وشبه ديمقراطية لربما يكون في ظل ديمقراطية مع انتخابات دورية، وإننا ألان نشهد أكثر من تغيير جذري في النظام وتدهورًا تدريجيًا للديمقراطية لا يمكن أن يحد من حلم حريتنا فحسب بل يضر أيضًا بتعايشنا بشكل خطير، ولتجنب هذا التدهور فالمسؤولية تكون على الجميع واحترام الأفكار التي لا يتم مشاركتها يعني عدم الاستجابة لها ورميها بالشتائم وعدم الأهلية، لان الديمقراطية ليست مجرد نظام سياسي يختار قادتها بطريقة معينة بل هو نظام سياسي يتصرف حكامه ومواطنيه بطريقة معينة تختلف عن الديكتاتوريات ليس فقط في الطريقة التي يختارون بها قادتهم ولكن في الطريقة التي يعاملون بها مواطنيهم وبطرق نيل حقوق بعضهم البعض.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

حيدر جواد السهلانيللعلم تاريخ طويل بدأ اثر محاولات وتجارب اولية عديدة قام بها الانسان البدائي، بغرض حل بعض معضلات الحياة وتحقيق اغراض ظرفية، لكنها مع ذلك كانت كافية لبدأ العلم، ويطرح مؤرخ العلم كرواثر ان العلم اقدم عهد واسبق في الوجود من الانسان ذاته. ويوصف العلم بأنه منهج بحث لانتاج المعرفة، او بأنه مجموعة من الاجراءات المعروفة التي تراجع وتصوب بأستمرار وتقود الى خلق نظريات تتطور في كنف المعرفة نفسها، ومن مميزات العلم الموضوعية والتحليل والتركيب والتحقق عن طريق البرهنة والتجريب.(1)

فلسفة العلم هي حديث فلسفي عن العلم، وقد ظهر هذا الفرع من الفلسفة في بداية او وسط القرن التاسع عشر، وسبب هذا الظهور وتزايد على هذا الفرع هو من قبل الفلاسفة والذين يرون بأن العلم خاضع الى التجربة حقق نتائج كبيره ومن العلماء الذين يرون بأن العلم لابد ان يخضع لأسئلة الفلسفة، فظهر فلاسفة علم كثيرون منهم من كان عالمآ وعمل بالفلسفة ومنهم من كان فيلسوفا وعمل بأختصاص فلسفة العلم. وبذلك ان فلسفة العلم كمبحث تخصصي ومتميز، يهدف الى تكوين معرفة بالمعرفة العلمية او نظرية عن النظرية العلمية.(2) و فلسفة العلم هي الفلسفة التي تركز اهتمامها بمنطق ومنهج العلم وخصائصه وشروط المعرفة العلمية وكيفية تقدمها، وكافة العوامل التي تساهم في عملية التقدم، حيث ان فلسفة العلم تقدم آليات معرفية ومنهجية في سبيل تشكيل العقل لتمكينه من حل كافة المشاكل والعراقيل التي تعترضه، وفلسفة العلم ليست جزءآ من العلم ذاته، وانما هي ذلك الفرع من الفلسفة الذي يستهدف فحص العلم وتحليله بطريقة نقدية، وكذلك تسعى فلسفة العلم الى فهم اهداف العلم ومناهجه ومبادئه وتطبيقاته وانجازاته. اماعن نشأة فلسفة العلم فيكاد يكون هناك مايشبه الاتفاق على ان اول من وضعه هو الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي اوجست كونت(1798- 1857) الذي عرفه بأنه الدراسة الخاصة للمفاهيم العامة لمختلف العلوم من حيث ان هذا الدراسة خاضعة لمنهج واحد، وعلى ذلك ان فلسفة العلم هي دراسة لمفاهيم ومناهج العلم بقصد الاستفادة منها في مجالات اخرى تسعى للوصول الى العلمية، وفي القرنين التاسع عشر والعشرين شهدت فلسفة العلم تطورآ كبيرآ، بل اصبحت هي اهم فروع الفسفة واكثرها تطورآ، واهتمت فلسفة العلم بالاجابة على عدد من الاسئلة مثل ماهو العلم وماهي طبيعته وماهي حدوده. وعند الرجوع الى تاريخ الفلسفة، نجد كثير من الفلاسفة عملوا في مجال العلم وصاغوا نظريات كثيرة في العلم، واعتمدوا على الملاحظة، لأعطاء وصياغة ارائهم الفلسفية، فمثلآ طاليس اول الفلاسفة الذي اعتمد على الملاحظة في صياغة رأيه الفلسفي وهو اصل الكون الماء، والفيثاغورين هم جماعة علمية دينية سياسية يخضعون لنظام مشترك ويعملون في الرياضيات والفلك، ويعتقدون ان العلم هو خير وسيلة لتهذيب الاخلاق، وافلاطون الذي كتب على باب الاكاديمية لايدخلها الا من كان ملمآ بالهندسة، وذلك لأيمانه بأن العلم له نصيب كبير من المعرفة. وبذلك اهتم فلاسفة اليونان كثيرى بالعلم، اما فلاسفة المسلمين كان لديهم الكثير من  العلوم سواء في الطب او الفلك او البصريات والكيمياء. ولقد بدأت التفرقة في العصر الحديث بين العلم والفلسفة على يد رواد البحث العلمي التجريبي من فلاسفة وعلماء، الذين اعتمدوا الملاحظة والتجربة والآلآت والادوات التي تمكنهم من دراسة الظواهر الطبيعية واكتشاف اسرارها، فكان من نتيجة ذلك انفصال العلوم الجزئية عن الفلسفة ومنها علم الفيزياء والكيمياء وعلوم الحياة، كما انفصلت علوم اخرى لاحقآ مثل علم النفس وعلم الاجتماع وعلم الانثروبولوجيا.(3) وتاريخ العلم منذ الاغريق الى وقتنا الحاضر ماهو الا تاريخ انشقاق قسم من الفلسفة تلو الاخر لتصبح فروعآ معرفية مستقلة، اذ في القرن الثالث قبل الميلاد جعلت اعمال اقليدس الهندسية في علم المكان تنفصل عن الفلسفة، الا انها كانت تدرس بواسطة الفلاسفة في اكاديمية افلاطون وقد جعلت ثورة غاليلو وكبلر ونيوتن في القرن السابع عشر من الفيزياء موضوعآ منفصلآ عن الميتافيزيقا.(4) ولكن مع هذا لايمنع من وجود نزوع علمي عند الفلاسفة ونزوع فلسفي عند العلماء، وظهور انظمة فلسفية ذات اسس او توجهات علمية ونظريات علمية ذات ابعاد فلسفية.(5) ومنذ  القرن العشرين ازداد الاهتمام بفلسفة العلم ومن اهم من بحثوا في فلسفة العلم وتاريخ العلم هم  سارتون(1884- 1956) وكراوثروباشلار(1884- 1962) ورايشنباخ(1891- 1953) وهنري بوانكاريه(1854- 1912) وبرتراند رسل(1872- 1970) ووايتهد(1861- 1947) وتوماس كون(1922- 1996) وكارل بوبر(1902- 1994) وامري لاكاتوش(1922- 1974) وجورج لاكاتوش وفي وطنا العربي من اهم من كتب في فلسفة العلم يمنى طريف الخولي(1955- )، وقد تناولوا العلم بالبحث والفحص والتحليل ومراجعة تاريخه ومن قال بان العلم تراكمي ومن رآى العلم عبارة عن ثورات ومن يرى العلم هو قطيعة ومن يرى بأن العلم عبارة عن زمرة علمية تحدد العلم.

يؤكد الكثير ان هناك رابط وثيق بين الفلسفة والعلم، اذ فلسفة العلم اصبحت لاتنفصل عن الابعاد التاريخية لظاهرة العلم وتعتني عناية شديدة بتاريخ العلم، وان مسألة العلاقة بين العلم والفلسفة هي في حد ذاتها مسألة تاريخية معقدة، ومسألة التاريخ هي في حد ذاتها موضوع تساؤل  بأعتباره علمآ، فالكثير من الاختصاصات كانت تعد علمآ وليس فلسفة.ومع ذلك ان الصلة وثيقة بين الفلسفة والعلم، اذ مثلما يؤثر العلماء في بناء الانظمة الفلسفية، فكذلك يؤثر الفلاسفة بأنظمتهم الفلسفية في بناء المعارف العلمية.(6) (وهذا واضح بكثير من النظريات العلمية او الفرضيات الفلسفية، فكثير من الفلاسفة اعتمد على الطرح العلمي في بناء فرضية فلسفية، اما العلماء فكثير ما اتبعوا المنهج الفلسفي والفرضيات الفلسفي في صياغة نظرياتهم) وبذلك يرى كثير من الباحثين ان العلاقة متلازمة بين الفلسفة والعلم في الفكر الفلسفي، فالعلم يخدم الفلسفة من خلال محاولة حل بعض الاشكاليات التي تطرحها في الواقع، ان الفلسفة كثيرآ ما يستندون الى العلم، كما ان الفلسفة كثيرآ ما الهمت العلماء وهذا ما اكده كارل بوبر "ان المشكلة الفلسفية الوحيدة هي عينها المشكلة العلمية وهي مشكلة فهم العلم" وظهر الانفصال تدريجيآ من القرن السادس عشر، (ويبدو ان هذا الرأي غير صحيح فأبقراط كان طبيبآ ولم يكن فيلسوفآ واقليدس لم يكن فيلسوفآ كان عالمآ بالهندسة ورياضيآ، وكثير من كان مختصآ بالفن، اذا الانفصال بين الفلسفة والعلم وجد من بدايات التفكير لكن عدم دقة التجربة هي من دعت للعمل بالنظريات الفلسفية، وعند اختراع الآلة ودقتها جعل البعض يلتجأ الى الآلة لأثبات الحقيقة) ان فلسفة العلم هي من تتكفل في البحث عن تاريخ العلم وتظطلع بالتفكير في ذات العلم، في منهجه ومنطقه وخصائص المعرفة العلمية، فالعلم على حد قول هايجر(1889- 1976) لايفكر بذاته، أي لايعني بذاته ولايلتفت الى ماضيه، اما الفلسفة فتاريخ الفلسفة هو ذات الفلسفة.(7)

هناك فرق بين الفسفة العلمية وفلسفة العلم، وهو كل عمل يتناول تحليل المفاهيم والطرق المعرفية والمنطقية فهو في صلب فلسفة العلم، وكل عمل يتوسل بالنتائج العلمية من اجل رسم صورة شاملة فهو في صلب الفلسفة العلمية. وايضآ الفرق بين العلم وفلسفة العلم، ان العلم عبارة تتحدث عن الظاهرة حديثآ مباشرآ، اما اذا تناولنا العبارة العلمية بالتحليل والتعليق، فعندئذآ لا يكون مدار كلامنا هو الظواهر الخارجية، بل يكون مداره هو العبارات العلمية ولهذا فهو فلسفة العلم وليس علمآ، اذ تهتم فلسفة العلم بالدراسة والتحليل والنقد المعرفة وانواعها، امثال المعرفة الحسية والمعرفة العقلية والمعرفة التجريبية والمعرفة الحدسية، وغيرها من المعارف العلمية لبيان درجة اليقين فيها وحدودها في الوصول الى الحقيقة والموضوعات التي تتعامل معها هذه المعارف ومدى امكانية تحقيق اليقين فيها وبيان الشروط المنطقية الصحيحة، وتتناول ايضآ بالدراسة والتحليل والنقد ومناهج البحث العلمي التي تعتمدها تلك المناهج في الوصول الى الحقيقة، ولهذا تتوجه بالمناقشة والتحليل لموضوعات مثل القياس والاستقراء والاستدلال وبيان درجة اليقين فيها، ومدى امكانها في الوصول الى المعرفة العلمية.(8)

حيدر جواد السهلاني

........................

الهوامش

1-  ينظر باتريك هيلي: صور المعرفة (مقدمة لفلسفة العلم المعاصرة)، ترجمة نورالدين شيخ عبيد، المنظمة العربية للنشر، ص11.

2-  ينظر يمنى طريف الخولي: فلسفة العلم في القرن العشرين، عالم المعرفة، ص129.

3-  ينظر محمد محمود الكبيسي: فلسفة العلم ومنطق البحث العلمي، بيت الحكمة بغداد، ص38- 39.

4-  ينظر أليكس روزنبرج: فلسفة العلم (مقدمة معاصرة)، ترجمة احمد عبدالله السماحي وفتح الله الشيخ،المركز القومي للترجمة، ص12- 13.

5-  ينظر محمد محمود الكبيسي: فلسفة العلم ومنطق البحث العلمي، ص39.

6-  ينظر المصدر نفسه، ص11.

7-  ينظر يمنى طريف الخولي: فلسفة العلم في القرن العشرين، ص9- 10.

8-  ينظر محمد محمود الكبيسي: فلسفة العلم ومنطق البحث العلمي، ص135- 136.

 

محمد كريم ابراهيمفلسفة الفن هي دراسة لطبيعة الفن، بما في ذلك مفاهيم مرتبطة به مثل تفسير الفنون، كيفية تعبير وتمثيل الفنون، وأشكال الفن. وهو يختلف عن فلسفة الجمالية (هي دراسة للجمال بشكل كامل، طبيعياً كان أم متصنعا) بعامل البشري، أي أن فلسفة الجمالية لا يأخذ الانسان المكون للفن وكذلك الانسان المتحسس به بالأعتبار ويركز فقط على الفن المصنوع وجماليته بذاته فقط . ويختلف فلسفة الفن أيضاً عن النقد الفني والذي يهتم بتحليل وتقييم أعمال فنية معينة. الفن كما هي الفلسفة هو متعدد التخصصات. يأخذ ويعطي لكل مجال في الحياة قيمته المعينة المصور من خيال المعبر. مع مرور الزمان، لقد جسد الفن تجارب ومشاعر الانسان (كما في لوحات يوهانس فيرمير وبالاخص فتاة ذات قرط اللؤلؤي بالنسبة لي)، ويمكن أن يعبر الفن عن الإيمان والعقائد عن طريق أناشيد الدينية وقصائد مدحية للشخصيات الدينية، وكذلك مثل الفنون الأفكار والمعارف كما في قصائد وأبيات الشعرية لتعلم قواعد اللغة العربية كألفية بن مالك أو لحفظ معرفة معينة في مجالات العلوم المختلفة كأشعار المتنبي عن الفلك.

تغيرت الفلسفة نحو الفن على مر التاريخ. ففي عصر النهضة كان يعتقد أن الفن هو مجرد متعة أو شهوة للأحاسيس لا غير، فهي لم تنقل افكاراً ولم يجسد تجارب أناس ولا يمكن تعلم منه. ثم تغير اتجاه الفلسفة في قرن العشرين نحو الفن عند المعرفيين ((Cognitivismللأعتراف به كأداة بشرية قابل للخضوع على تجارب علمية لدراسته وفهمه تجريدياً عما يحمله من رسائل ومشاعر. وبعدها في قرن الثامن عشر غرق الفن مع بقية اختراعات البشرية في حركة الرومانسية (romanticism) فأشتهر الفن وأصبح تعبيراً لمشاعر الفنان وشخصيته والتجارب الذي عاش فيه والمعاناة الفردية الذي أدى به إلى التعبير، بعد ان كان مجرد آلة لنقل الأفكار والعبر للمجتمع في السابق.

لكني أرى قلة قليل من الشخصيات والفلاسفة القدامى تكلموا عن مضار الفنون بقدر ما تحدث فيه الفيلسوف أغريقي أفلاطون (428- 348 قبل ميلاد)، فأفكاره عن الفن كانت تعتبر واحد من أميز وأكثر تأثيراً على فلسفة الفن في تاريخ الفلسفة الغربية. ظن أفلاطون أن الفنون بأنواعها الشاملة هي سيئة للبشرية كمجتمع وللشخص كفرد من المجتمع ويمكن هذه الفنون أن يتلاعب في مشاعر الفرد ويغير افكاره ويغريه بالخروج من طريق الحق والصواب والمنفعة إلى طريق السيء والضار وهلوسة.

من أجل فهم كامل لنظرية أفلاطون عن الفن، من ضروري على المرء أن يفهم أحد أفكاره المبدئية الذي خطط فلسفته بشكل كامل اتجاه الفنون بأنواعه.

يبدأ كل هذه النيران الذي أشعلته أفلاطون ضد الفن من شرارة نظرية تعلمه من معلمه سقراط ( 470- 399 قبل ميلاد) وهذه النظرية هي الخط المقدس:  يتكون خط المقدس من خط مستقيم عمودي يقطعه ثلاث خطوط أفقية بشكل غير متساوي فيصبح اربع خانات فيه من أعلى إلى الأسفل. في أعلى الخانة يوجد عالم الحقيقة والمنطق او ما يسمى بالعالم الوجود او المثالي، فهي أعلى أماكن العلم والحقيقة التي يمكن ان يصل إليه الأنسان ويوجد في داخله كيانات أو كائنات مثالية غير قابلة لتغيير مثل الآلهة، أما في الخانة الثانية يوجد أرقام وأشكال الهندسية وهي عالم الرياضيات فهي عالم منسوخ من عالم المثالي ويكون العالم الأشياء الطبيعة الموجودة في كوننا، والخانة الثالثة سماهُ أفلاطون عالم الأشياء والمعتقدات ويوجد فيه كل أشياء الذي نراه ونتحسس به أو نأخذ فقط فكرة عنه ونتصور هذه أشكال في عقولنا كشكل الكلب فنحن نعرف شكل كلب اينما ذهبنا ونقدر أن نفصله من باقي الاشياء لأن صورة كلب المعتقد مطبوع في عقولنا وهذا العالم هي نسخة من العالم الرياضيات كما قلنا، ونأتي أخيراً إلى خانة الرابعة وسفلى وهي خانة الخيال والأوهام، يتكون عالمه من لوحات وأشعار ونحوت فنية، عالم الخيال والاوهام هي نسخة من العالم طبيعة، فهي عالم الظلال لا يوجد في الواقع الكون وانما ينمو في داخل عقل الانسان ويرتبط بمشاعره بدلا من عقلانيته ومنطقه، فيتهاوى الفرد ويمشي على هوى هذه كائنات الموجودة (أي اداة يستهدف المشاعر بدلاً من المنطق) في هذا العالم. اذا أستمر الشخص في رؤية هذه الوحوش مضادين للحقيقة (فهم في الأساس انعكاس للعالم الحقيقة لأنهم يصورنه فالرسام يرسم صور من الطبيعة والواقع، ومؤلف الروايات يستنبط القصص من الواقع او جزء من الواقع، وكذلك المنحت ينحت اشكال الانسان من حقيقة الترشيحية للفرد المصور وهكذا الفنون كلها هي تقليد للعالم الطبيعة عند أفلاطون)، إذاً فهو يؤدي إلى هلاك نفسه ولا يستطيع أن يفهم الواقع ويكون مع انسجام معه. لكن لا يوجد أمل من الهروب من هذا العالم أعتقد أفلاطون، كل البشر موجودين في عصره واناس الذين أتوا قبله ويولودون بعده سوف يقعون في هذا العالم لا محال. الطريقة الوحيدة للإرتقاء من هذا العالم السفلي هو فقط عن طريق التعلم والخبرة،التعلم عن طبيعة الاشياء الموجودة في الحياة وأكتساب الخبرة في تعامل مع الظروف، والتعلم عن أسس الاشياء ورؤية مكونات الكون على شكل انماط رياضياتية يتعرض عقل الفرد فيه للإشياء ما وراء الطبيعة (ميتافيزيقيا) والسمو للأعلى للوصول إلى عالم الحقيقة وعالم المثالية في الخانة أولى.

إن كنت قد قرأت وفهمت الفقرة السابقة والخط المقدس لأفلاطون، فأنت عزيزي القارئ تدرك الآن لماذا يحمل أفلاطون كل هذه الضغينة ضد الفنون بأنواعه المختلفة. كلما تعرض الفرد للفنون، للوحات الجميلة والمؤثرة، للموسيقى والغناء عذبة والرومانسية، لأشعار وقصائد، وقصص وروايات، وأفلام ومسرحيات، كلما بقي شخص في هذا العالم الوهمي الذي لا نفع فيه ويشرده ويلهيه عن العالم الحقيقي الخارجي فيغذي المرء نفسه من أنعكاسات وظلال عالم الطبيعة الأعلى من هذا العالم ويؤخر رحلته للتحول من أدنى مستويات الادراك والمعرفة إلى مستويات أخرى من الرقي والحكمة. ولربما كلمة (دنيا) عند العرب قد أتي جذوره من هذه الفلسفة، فلا شك أن الدنيا هي ادنى مستويات الحقيقة.

بعيداً عن كتابات أفلاطون العتيقة، يمكن تعريف الفن في الوقت المعاصر على أنه: أي شيء يتم تصويره وتجسيده من واقع الطبيعة من خلال العقل والجسم البشري لخلق مشاعر وأفكار أو تجارب (في الفنان نفسه وفي جماهير)، من خلال الحواس (سواءاً كانت بصرية كاللوحات أو سمعية كالموسيقى أو ذوقية كالطعام أو تحسسية كالرقص وغيره) والتي يصعب على الطبيعة الخامة غير الملومسة أن يشكل مثل هذه الفنون (أو على الأقل نادرة في الوقت والمكان المناسب).

والفن يعتبر أداة من صنع الأنسان تماماً مثل أي تكنولوجيات الأخرى. ينقل الفن خلاصة التجارب الحسنة أو السيئة التي يشعر بها الأنسان، ويحفز المشاعر مناسبة عند جمهوره تجاه موضوع الذي يتلمسه، ويقوم بتسيط أفكار الصعبة للذهن ويحاول تيسير التعليم. على سبيل مثال، يمكنك قراءة قصة مكتوبة بشكل جيد تتضمن درساً أخلاقياً أو تتعلم منه سلوك معيناً والذي يكون من المحتمل أن يكون صعباً بمحاولة أكتسابه من تجارب حياتك الشخصية أو من الطبيعة. أو على سبيل مثال يمكنك الشعر بمشاعر وعواطف روحانية من خلال النظر إلى لوحات الإلهية لليوناردو دافنشي، أو يمكنك تعلم أفكار التجريدية الصعبة مثل مواضيع الرياضياتية عن طريق رسوم متحركة أو محاكاة حاسوبية أو ألعاب رياضيات المسلية. كما يمكن للفن أن يجعل الناس يتهيأون عن طريق هذه القصص والعبر لأخذ أجراءات صحيحة عند مواجهة تجارب حياتية مماثلة، والشعور بمشاعر ملائمة بأتجاه مواقف شخصية مشابهة لموضوع الذي يجسده الفن. مدعماً بهذا التعريف وبالمعارف السابقة يمكننا البدء بنظر حول نقد أفلاطون للفن.

المناقشة

لكي يتمكن المرء من الخروج من مظاهر العالم وأختطاف نظرة على عالم المثالي والمعرفة، يجب عليه أن يذهب خطوة بخطوة من عالم الادنى إلى عالم الأعلى من الخط المقدس. بدا الفن لأفلاطون يكسر هذه العملية ويتجاوز عديد من نقاطها فقط للوصول إلى نهايات العوالم. هذا المشكلة كانت معضلة حقيقة لأفلاطون، كيف يمكن للمرء أن يصل إلى أعلى المراتب أويقتبس منه أو يظهره في تصرفاته وهو لم يتعلم أي من العلوم ولم يكتسب أي من المعارف السابقة ولم يفهم لغات الرياضيات ويستنتج أسسه؟ كيف يصل الشخص إلى عالم المثالي وهي عالم الآلهة وأشكال المثالية بمعلومات قليلة وجهد أقل؟ كيف يصبح المرء حكيماً ويفهم التجارب ويستخلص قيمه وهو آخذ طريق المختصر؟ لا يمكن، أفلاطون يجيب مع مثال. يجادل أفلاطون أن أي يشخص يمكن أن يحفظ الشعر ويلقيه بسلالسة أو يحفظ قانون من قوانين الرياضياتية ويطبقه بمرونة دون أي معرفة للكتاب هذه الشعر أو سبب كتابتهم من وراءه أو معنى الشعر أو القانون العميق. يمكن على المشاهد أن يرى لوحة يتعجب فيها بألوانه وأشكال المصورة فيه وتفاصيل الدقيقة التي يجسد طبيعة السيناريو بأكمله دون معرفة فكرة وراءها وعن مصوره. هؤلاء الناس إذاً لم يصلوا إلى نهايات العلوم ولم يفهموا حكمة الأمور وإنما هم يدعون بذلك ويظهرونه في مظاهرهم لغايات أخرى (كمثل أن يتظاهر الشخص بالحكمة والمعرفة لجلب أنتباه الناس أو لجلب المال) وليسوا دارسين للطبيعة لأستيعاب واقعه. يمكننا رؤية هذا في زمن عصرنا. الطلاب الموجودين في المدارس والجامعات أغلبهم يدرسون المواد ويحفظونه للنجاح بالأختبارات بدلاً من فهمه بعمق وتطبيق حكم هذه الكتابات بكفاءة على واقعهم وعلى تغيير من حال أنفسهم إلى الأفضل، فهم ما زالوا كما كانوا، لم يغير ولن يغير هذه العلوم من أفكارهم شيئاً لإنها أصبحت وسيلة للغايات مادية ونفسية بدلاً من أن تكون الغاية نفسه. لا شك أن هؤلاء الطلبة سوف يعانون بشكل الكبير في مستقبلهم العملي لقلة معلوماتهم وفهمهم للمادة.

كل هذا التعرض للفنون يمثل مشكلة كبيرة للفرد، لأنه يجعله يتحرك بدافع أنفعالات عاطفية للمواضيع وأشياء التي يجسده أو يتمثله الفن دون اللجوء إلى طرق التفكير المنطقية وتحليل وتأمل طبيعتهم. المشاهد الذي يرى لوحة المسيح المصلوب لدييغو فلايسكيز يتأثر برسم الفنان لمشاعر المسيح وآلام مسامير مثبتة في يديه وقدمه ولكن هذا المشاهد يعجز تفكير منطقياً بهذه اللوحة وعن حياة المسيح ومعيشته وسبب صلب الروم للمسيح وكذلك دوافع الفنان دييغو لرسم هذه اللوحة (فاللوحة تظهر المشاعر ويخفي كثير من الحقائق والمعارف). يمكن للمرء أن يستمع إلى نشيد وطني أو أغاني عن الوطن ويتأثر به نفسيته وينفعل فيه عواطفه أتجاه ذلك الوطن أو الشخص الذي يمجده هذه الفنون من دون أن يعلم الدافع السياسي من وراءه، وهكذا لبقية الفنون. أن كنت تقرأ هذا فأنت الذي أخترته لتفهم يا عزيزي مدى غفالة هؤلاء المحررين عن مستوحى المقالات التي تصلهم، وكسالتهم السخيفة عن قيام بواجبهم وقراءة ما يوجد في طي الأسطر. هؤلاء هم الذين أخذوا على عاتقهم من دون حياء حكم ونقد لكتاب أتعبوا في البحث على الحقيقة ليروا في آخر المآل جهدهم قد وسم بوسمه المادية لجيوب المحررين. إن كنت تقرأ هذا في أي صحيفة كانت فأعلم أن هذه الموقع ليس آمننا لك، يجدي عليك أن تحاول في طريق آخر.

عرف أفلاطون قوة الفن في التلاعب بمشاعر الجماهير الجاهلة عن الحقيقة الموضوع المصور مباشرتاً من واقع عصره. نذكر هنا مسرحية أريستوفنيس "الغيوم" الذي كان أحد الشخصيات الساخرة فيه سقراط معلم افلاطون حيث جسد كشخص متغطرس  يرفض تقاليد الاغريقية القديمة ويؤمن بآلهة غير آلهة الاغريق، فساهم هذا بشكل كبير في كسر سمعة سقراط عند جماهير الأغريق وحرض على اكتساب قبول الاغلبية بمحاكمته وأعدامه (والمدعي للسخرية هو أنه أتهم برفضه للأيمان بآلهة الأغريق بالضبط كما ألفه أرييستوفنيس في مسرحيته).

يتأمل أفلاطون: هل كان هذا عدلاً؟ هل عرف الجمهور حقيقة وصدق سقراط كما عرفه أفلاطون؟ هل فهموا فلسفة معلمه ليحكموا عليه بتهم باطلة هذه؟ كلا، فهم تأثروا بالفن المسرحية وأداءه بدلا من أن يفكروا بمنطق بشأن التهم الذي أسقطوه على معلمه. هنا يبدأ المرء بالتعاطف مع سلبية أفلاطون أتجاه الفن.

بالأضافة إلى ذلك كما قلنا سابقاً، لم يعمل الفنانون بأخلاص من أجل فنهم لتمثيل حقيقة الموقف المصور أو الفكرة المرسلة، بل أقاموا فنهم من أجل سلع المادية أو من أجل حصول على أعتراف وشهرة أجتماعية.

بالطبع لقد كان معروفاً على مر التاريخ أن الدافع من الفن تم بناؤه لتحقيق مكاسب الشخصية للفنانين أولاً (والمثال المعروف هو كتابات شكسبير)، ثم للأرستقراطيين أغنياء (لوحة عرس أرنولفي) والسياسيون النفوذيين(كأشعار أعشى القيس في مدح ملوك العجم) ثانياً. الفن كله أصبح يعبر عن أراء وسلطة أفكار هؤلاء الراعيين للفنانين، ولخلق شعور معين في نفوس الجماهير لأسباب شخصية.

في ذاك الزمن، نعم يمكننا القول هذا على الفنانين، أما في زماننا، فأنقلبت أتجاه الرياح لعدة فنانين فأصبحوا يتوافقون مع الرأي العام وأغلبية الجماهير بدلاً من أرستقراطيين الأغنياء لبيع سلعهم الفنية التي تكون متناغمة مع ايديلوجيا الأكثرية ومشاعر البدائية الموجودة مسبقاً في الأفراد المجتمع. ولم تأت الإلهام الفن لأغلبية فنانين كما يدعونه وإنما فنهم هي نتاج لتحليل دقيق وتفكير في موقف الناس فيما يحرك مشاعرهم وما الذي يخلق النشوة والتوافق في نفوسهم، ففنونهم هي أستمداد لأفكار وتجارب الغالبية العظمى.

هذه القوة الخلابة موجودة في الفن أقلق أفلاطون ومعلمه سقراط فعلموا خطره على الجماهير عامة وخاصة الجهلة ومنهم الأطفال.  من سهل جداً أن يمتص الأطفال ما ينقله الفنون من مشاعر الكراهية ضد مجموعة ما مثلاً عن طريق سماع أغاني يحتقر ذلك الفئة، وما ينقله الفن من أفكار مؤذية أو ضارة للنفس وللمجتمع للأطفال عن طريق القصص وروايات سيئة لا تعد ولا تحصى، وكذلك ما ينقله من تجارب يحض على محاكاة الأساليب والمواقف ومثالها أفلام الأكشن وبما يقوم أبطاله من تفجير وقتل وتدمير وكذلك افلام الكوميديا التي تلين بعض سلوكيات غير لائقة في المجتمع. لأن عقل الطفل لا يمتلك معلومات وتجارب حقيقية كافية ومعارف عن ما هو الضار وما هو النافع للنفس،وما هو المقبول وما هو غيرالمقبول في المجتمع، وهم غير قادرين على المقارنة والحكم على ما هو حقيقي وما هو مجازي. إذا أن هذه الأمثلة عن الفن كلها ينطبع في عقل الطفل ولا شك بأن الطفل يتأثر ويقوم بتقليد هذه التصرفات في آنِ وفي المستقبل. نرى أن هذا الفكرة قد شغل تفكير أفلاطون وقد قام بنفي الشعر الملحمي والشعراء منتسبين إليه من مدينته المذكورة في كتاب الجمهورية (الكتاب العاشر)، والسبب في ذلك يدعي أفلاطون هو أن القصص المذكورة في هذه الأشعار عن قتال الآلهة للبعض هي قصص تحريفية مثله مثل لوحة لا يعكس الموضوع الذي يتلمسه أو الشخص الذي يرسمه، هذه الأشعار يتلاعب بمشاعر المستمعين ويجذبهم إلى هذا التحريف بدلاً من الحقيقة.

يحذر سقراط أيضاً من خطريين آخرين: عندما يروج هؤلاء الشعراء في شعرهم الخوف من الموت وعندما يظهر رجال نبيلون من الطبقة عليا يتصرفون بطريقة غير لائقة. إذا تعود وترعرع هؤلاء الصغار على مثل هذه الأنواع من العبر فمن المحتمل أن يتصرفوا بذلك الأسلوب، من المحتمل أن يشعروا بالحزن والشفقة على أنفسهم في مواقف عندما تكون هناك حاجة ماسة للقوة والثبات (في مثل أوقات الحرب والدفاع عن المدنية).

بالعودة إلى النقطة الأساسية، ووضع قليلاً من الكلمات في فم أفلاطون (آملاَ أن لا أخلق مشكلة مع القراء الأكادميين): رأى أفلاطون أن من الصعب على الأنسان أن يكتسب الخبرات أو الحكمة عن طريق الكتب وقيل وقال من أناس آخرين، فلا يمكن للحكيم أن يصبح حكيماً إلا بالتجارب، ولا يمكن للمسافر (مجازياً) أن يصل إلى غايته إلا بأخذ طريق أساسي مباشر من دون أخذ دروب المختصرة. ولا يمكن للفرد أن يصل إلى عالم المعارف وعالم المثالي من الخط المقدس إلا بالمرور بعوالم الدنيا وتحمل مشقاتها وأختبار تجاربها.

كذلك بالنسبة للفن، فهو يوعد مشاهده وسامعه وقارئه والمتحسس به أن يوصله إلى الهدف الذي يريده من دون أخذ عناء ومشقة الوسائل ومشاكل الطريق الرئيسي، ويعطيه أحاسيس مثل الروحانية من دون عبادة أي شيء (كما سماه البابا غريغوري "الفن هو الأنجيل للأميين")، ويتلاعب بأفكاره ومعارفه عن الحقيقة والواقع الذي أكتسبه زائداً إليه ما يراه الفنان وأنصاره مناسباً، وناقصاً منه ما يعتبرونه مناقضاً للأهدافهم المتنوعة.

الفن لأفلاطون هو كالظل لا يعرف مشاهده أي شيء عن حقيقية الأشكال الثلاثية وطبيعته الذي يكون عالم الظلال، فهو نسخة رديئة من الواقع، يتجاهل في هذا العالم كثير من الحقائق والتفاصيل الهامة مثل عالم الفنون وينبت فيها فقط ما يريد الفنان زراعته من أفكار وأحاسيس وتجارب.،فهُم هؤلاء الفنانون وجماهيريهم ساكني هذا العالم قد حفظوا شيئاً وغابت عنهم أشياءٌ.

 

 الخاتمة

 بإختصار؛ في ذهن أفلاطون، الفن هو سيء بسبب:

1- الفن يربك الجمهور بين ما هو حقيقي وما هو مزيف. لا يمكنك أن تعرف بين الفضيلة الحقيقية والفضيلة المقلدة المزيفة.

2- لأننا مهما تعلمنا من الحقيقة ومهما أكتسبنا من معارف الدنيا، فنحن ما نزال بشر طبيعيون، ولأننا أناس ننجذب إلى المشاعر أكثر من المنطق، إذا يمكن أن تؤثر الفن حتى أفضل شخص بيننا ويمكنه أن يرشدنا إلى فعل أفعال المجنونة ما كنا لنفعله من دون تأثير وأحياء هذه المشاعر، ويجعلنا في كثير من الأحيان نفعل ما يمكن أن يؤذينا ويؤذي المجتمع الذي هو نحن ومن نحبهم جزء منهُ.

3- يمكن للفن أن يجعل مشاهده وسامعه وقارئه مطوي على ذاته، على طبيعته، ويمنعه عن الشعور بمشاعر حقيقية، وأختبار تجارب حقيقية، وتفكير بأفكار حقيقية. يمكن للشخص أن يصبح مهووساً بالفن لدرجة أنه لا ينظر إليه كناقل الرسالة وكأداة بشرية ينقل التجارب والاحاسيس، وأنما يقوم بدراسة الفن من أجل الفن أو من الأجل حصول للمتعة من الفن دون النفع منه. تماماً مثل تناول الأفيون: لا يعطي صاحبه سوى المتعة المزيفة عن طريق التلاعب بكميائية الدماغ من دون خروج منفعة من المتعاطي.

4- يعتقد أفلاطون إذا كان الفن يقلد الواقع والواقع هو تقليد لعالم المثالي المعرفي الحقيقي. عندها سيكون متعرض للفن بعيدًا عن عالم المعرفة الحقيقية الذي يجب أن يحاول روحه تحقيقه.

5- يمكن أستخدام الفن للتلاعب بالناس لفعل أي شيء يريده الفنان أو راعي الفنان من دون أي مبررات أو النظر إلى حقيقة الموقف والموضوع الذي يتحدث عنه الفن. مثل تحفيز مشاعر سيئة عند الجماهير من قبل حزب السياسي ضد خصوم السياسية آخرى من أجل الحصول على منصب معين وبالرغم من أن هذين الحزبين كلاهما كفوئيين للمنصب.

من الجديرللقارئ أن ينتبه أن أفلاطون لم يكره الفن بحد ذاته وإنما كره قوة التي يحمله الفن لتلاعب بعامة الناس. وكيف يقوم بكراهيته وأفضل كتابه (الجمهورية) مبني على شكل محاورات مسرحية فنية يقوم فيه الشخصية الرئيسية (معلمه سقراط) على مخاطبة وأختبار معرفة المقابل في مواضيع مختلفة من أجل نقل أفكار فلسفية الرئيسية على نحو سلس مع أختيار مناقشات ومعاني وعبارات ملفتة للأنتباه للقارئ العادي بدلا من مجرد وضع النقاط الأساسية وخلاصة المواضيع الفلسفية بطريقة واضحة.

الفن لأفلاطون إذاً هو سيف ذو الحدين يمكن أستخدامه للخير وللشر ولكنه لا يحمل الشر ولا الخير بداخله. أن كان الخيريمكن ان يتعرف ويدرك من خلال العقل الواعي والتفكير المنطقي والفلسفي وأن كان للشر يمكن أن ينبذ ويكره من خلال نفس التحاليل المنطقية. فأذاً العلوم المنطقية وأستخدام الذهون المعرفية يصبح بديلاً يفضل على الفنون من أجل أقناع الأفراد بفائدة أو بمضار موضوع معين.

إلى جانب ذلك، يمكن أستعمال الفن لأغراض شريرة في كثير من الأحيان أكثر من أستخدامه لفائدة الناس. ويمكن أن يأتي من قبل الطغاة والأرستقراطيين الذين يحاولون وضع فكرة أو إدخال مجادلة في عقول الجماهير الجاهلة عن هذه المواقف المتجسدة حيث يمكن أن يقع الشخص غير المتعلم في فخه. وحتى لو كان للفن خير، فيجب للمرء أن يأخذ حيطة حذر، فبعض أحيان أعظم شر يأتي على شكل ملاك.

 

 أسمي : محمد كريم إبراهيم

 

 

عدنان عويدهناك فرق شاسع بين الإنسان التاريخي واللاتاريخي. فالأول، إنسان عقلاني، يؤمن بالعياني والملموس، والنسبي، والتاريخي الذي يعيش الحركة والتطور والتبدل. والعقل لديه هي معارفه التي اكتسبها من خلال نشاطه وكدحه عبر علاقته مع الطبيعة والمجتمع تاريخياً، وبالتالي راحت تشكل ذاكرته وتراثه وثقافته، ومقومات وجوده ومرتكز انطلاقته نحو المستقبل. والإنسان التاريخي، لا يتكئ كثيراً على الماضي إلا بما يخدم حاضره ومستقبله ومستقبل أجياله القادمة. وهو من يؤمن بأن سعادته في حريته وعتقه من كل ما يكبل عالمه الإنساني ويحول دون تحقيق ما يطمح إلى تحقيقه من قيم إيجابية. وفردوسه هو واقعه الذي يعشه فيه الآن، أو ما يحلم بإقامته مستقبلاً. ليس لديه رموز أو طقوس أسطورية ينتمي إليها، وبالتالي يؤديها كي تشعره بتمايزه واختلافه عن الآخر، وليس لديه انتماءات ضيقة يشعر أن خلاصه فيها. (عشيرة قبيلة مذهب طائفة). فرموزه هي ما يحققه من إبداع يفجر عبره كوامن عوالم إنسانيته وكشف أسرار مجاهيلها التي توصله إلى جوهر إنسانيته. أما انتماءاته الحقيقية فهي وطنه أولاَ، وعقله الحر ثانياً، وحرية إرادته في صنع مستقبله ثالثاً. وعالمه الذي يجد فيه ذاته أخيراً، وهو عالم الإنسان الرحب الذي ليس له حدود إلا حدود الابداع والمحبة والعدل والسعادة للجميع. الإنسان التاريخي هو من ينظر دائماً إلى الماضي من خلال ما يخدم الحاضر والمستقبل... وهو من يبحث عن  قوس قزح يجد في تعدد ألوانه سر جمالية حياته وحياة الآخرين.

أما الإنسان اللاتاريخي أو الجمودي، فهو إنسان لاعقلاني، يرفض قبول العياني والملموس على أنه عالمه الحقيقي الذي ينتمي إليه، وهو سر وجوده، ليعيش عالمه الافتراضي، عالم الوهم والخيال. هو إنسان لا تاريخي، وبالتالي هو يؤمن بالمطلق المشبع بالسكون والجمود، الرافض بالضرورة للنسبي المشبع بقوانين الحركة والتطور والتبدل. والعقل لديه ظاهرة فيزيائية تتحرك بقدرة من خارج التاريخ، أو من داخل عقله المعزول عن محيطه، أي عقل يحمل معارفه المنجزة والعالمة بتابوت من خارج التاريخ أو من عالمه الذاتي، وبهذا العقل الفيزيائي اللاواقعي واللاجدلي، يمارس نشاطه لكسب الماضي والحوز على أسراره الأبدية، وكسب أوهام سعادته التي يجدها فقط في استعادة ماضيه  حيث يكمن فردوسه الذي لا يتوانى عن قتال وسفح دماء كل من يحول بينه وبين رغبته في هذه الاستعادة. وهو الذي تكثر لديه الرموز والطقوس في حديثه ولباسه وسلوكه كي يشعر الآخرين المختلفين عنه، بتمايزه عنهم، وتعاليه عليهم ... الإنسان اللاتاريخي، لا يرى كل ما حوله إلا من خلال أيديولوجيته الماضوية الجمودية المفوّته تاريخياً، وأن هذه الرموز والطقوس والأيديولوجيا، هي التي  تشكل بالوقت ذاته انتماءاته، ،شارداً عن حياته الدنيوية ومندمجاً في عالم الروح والقداسة وكل ما هو متعال على الواقع. إنه ينظر إلى الأسفل من خلال الأعلى، وإلى الحاضر من خلال الماضي، ويقيس الشاهد على الغائب. وهو يبحث دائماً عن لون رمادي يعتقد أنه صالح لكل زمان ومكان.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور – سورية

 

بكر السباتينيحتفل العالم باليوم العالمي للغة العربية في الثامن من ديسمبر من كل عام.. جاء ذلك من خلال ما بذله أنصار هذه اللغة العظيمة من جهود مضنية لتثبيت حقوق لغة الضاد على صعيد أممي.

لقد اتخذت منظمة الامم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "يونسكو، بتاريخ 18 ديسمبر 1973 قرارها التاريخي بأن تكون اللغة العربية لغة رسمية سادسة في المنظمة..

مقرة بذلك بأن اللغة العربية تعتبر من اللغات الحية وتمثل إحدى أركان التنوع الثقافي للبشرية. وهي إحدى اللغات الأكثر انتشاراً واستخداماً في العالم، إذ يتكلمها يومياً ما يزيد على 290 مليون نسمة من سكان المعمورة.

وجاء التعامل مع اللغة العربية عالمياً بمثابة الاختبار المفتوح والتقييم الفني من خلال المعنيين بها، كونها تحمل في طياتها إرثاً ثقافياً متنوعاً، وأنجبت عمالقة في كل الصعد، وتجلى إبداع اللغة العربية بمختلف أشكالها وأساليبها الشفهية والمكتوبة والفصيحة والعامية، ومختلف خطوطها وفنونها النثرية والشعرية، آيات جمالية رائعة تأسر القلوب وتخلب الألباب في ميادين متنوعة تضم على سبيل المثال لا الحصر الهندسة والشعر والفلسفة والغناء والأديان السماوية.

وخضعت اللغة العربية لتقييم "فلسفة اللغة" بشكل غير رسمي، من قبل مؤسسات أكاديمية ومفكرين تعاملوا معها بموضوعية في الجوانب المختلفة للغة مثل الكلمات ودلالاتها، واشتقاق الكلمات والمصطلحات المستحدثة، بما في ذلك العلاقة بين المبنى الفكري للتعبير اللساني وقدرة اللغة على التعبير عن حقيقة معنى الكلمات والجمل التي يستعملها الإنسان في حياته، إلى جانب قدرة الترجمة من وإلى العربية على نقل دقيق للمعنى، ناهيك عن المفارقات اللغوية.. حيث ثبت للمهتمين باللسانيات بأن اللغة العربية قادرة على أن تكون لغة إبداعية في كافة المجالات وخاصة الأدب والفنون والعلوم.

وأتاحت اللغة العربية إقامة الحوار بين الثقافات على طول المسالك البرية والبحرية لطريق الحرير من سواحل الهند إلى القرن الأفريقي. وكانت اللغة العربية حافزاً إلى إنتاج المعارف ونشرها، وساعدت على نقل المعارف العلمية والفلسفية اليونانية والرومانية إلى أوروبا في عصر النهضة، لا بل مثلت طليطلة شمال الأندلس منطقة تفاعل حضاري قائم على القبول بالآخر ورفد الحضارة الغربية بخلاصة التجربة الفكرية والمعرفية والإبداعية العربية الإسلامية وتقديم الترجمات اللاتينية لأهم المخطوطات الفلسفية والمعرفية فاتحة الطريق أمام الغرب ليقيموا قاعدة نهضوية على النتائج والمخرجات.

ومن أهم التطورات التي طرأت على تقنيات استخدام اللغة العربية هي تطويعها للحوسبة وبرمجتها لتناسب تطورات علم لحاسوب والذكاء الاصطناعي.

وتحتفي منظمة اليونسكو باليوم العالمي للغة العربية لعام 2019 تحت عنوان: "اللغة العربية والذكاء الاصطناعي" في مقرها الكائن بباريس اليوم.

وستنظم في هذا اليوم الدولي عدة موائد مستديرة، تناقش دور الذكاء الاصطناعي في صون اللغة العربية وتعزيزها، كما ستتعرض لمسائل متعلقة بحوسبة اللغة العربية.

ولكن هذا لا يمنع أيضاً قيام مجمع اللغة العربية برفد هذه الدوائر المستديرة بتقديم دراسات حول المخاطر التي تكتنف اللغة العربية (لغة القرآن الكريم) سواء بتسطيحها عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو محاولة تهميشها والتعامل معها على أنها لغة القرآن الكريم فقط، وإعطائها الصبغة الدينية الإسلامية فقط، دون احتسابٍ لما احتوته هذه اللغة العظيمة من موروث ثقافي متنوع (فكري وديني) ضم في طياته مخرجات الحضارة الإغريقية والفارسية والهندية والفرعونية وغيرها.. أي أنها لغة ثرية جداً وقادرة على استيعاب المستقبل بكل نتاجه على كافة الصعد.

 

بقلم بكر السباتين..

18 ديسمبر 2019

 

 

هناك وعي مغربي وعربي بالتراث الشعبي أو الثقافة الشعبية، وما تتضمنه من ألوان تعبيرية  مختلفة . ويتضح هذا الاهتمام من خلال الدراسات والبحوث والتخصصات، سواء على الصعيد الأكاديمي أو غير ذلك. والثقافة الشعبية كظاهرة اجتماعية تاريخية تعد من أهم رموز التراث الحضاري لأي أمة أو حضارة من الحضارات، لما تحمله من رؤية للوجود وللعلاقات الإنسانية وللقيم وللآخر المختلف عقديا وفكريا. كما أن هذه الألوان الثقافية الشعبية بما فيها الأدب الشعبي هي تشخيص لواقع الصراع بين مكونات المجتمع وأطيافه أو طبقاته. حيث لكل طبقة قيمها وتمثلاتها ؛ على اعتبار أن المجتمع الإنساني تاريخيا تأسس على الصراع بين المراكز والهامش . وللأدب الشعبي خاصة والثقافة الشعبية عامة جملة من السمات يمكن أن نرصد بعضها في ما يلي:

- عاش التراث الشعبي عامة والأدب الشعبي خاصة فترة طويلة وعميقة من الشفهية، حيث كان يتم تداوله في الهامش بعيدا عن المركز . ويتداول شفهيا قبل أن يصبح مكتوبا وموثقا من خلال آلية الكتابة. لقد غطت الشفهية أوالشعبية فترة طويلة من تاريخ هذه الثقافة / الأدب قبل أن يعاد لها / لهما الاعتبار ويحظيا  بالاهتمام. والشفهية هنا ليست صفة قدحية أو مذمة في هذه الثقافة أوالأدب، كما أنها ليست سبب وضاعته أو ضعفه وتهميشه . قد تكون كذلك في نظر الثقافة العالمة  المحروسة  والمدعومة من طرف المركز كسلطة تنتج المعرفة والمعايير التي على ضوئها يتم تصنيف  الألوان الثقافية والأدبية وبالتالي الاعتراف أو الإقصاء والتهميش .

- أشارت كثير من الدراسات والأبحاث إلى أن الكتابة ليست أصلا، بل هي حدث طارئ ولاحق، لكن أصبح لها وضع اعتباري خاص، بلغ درجة السلطة أو القانون الذي له حق التقرير في مصير كثير من مظاهر الإبداع الإنساني: تصنيفا واعترافا، إقصاء أو إدماجا  ...بينما الشفهية هي الأصل، لكن تم تهميشها ووضعها في مرتبة لاحقة وتالية ومبعدة أو مهمشة . إن التأمل في تاريخ الكتابة يفيد كونها وسيلة نقل لاحقة للمضامين التي يفكر فيها الإنسان، في حين التعبير الشفهي أسبق عن الكتابة. وهذا ما تؤكده الدراسات في تاريخ اللغة والكتابة .

- في وضع الكتابة يتم مراعاة جملة من التدابير والإجراءات مثل التعديل والحذف والمحو والإضافة ...تبعا لمقصدية وإرادة الكاتب أو السلطة / المركز. أما في وضعية الشفهية، فهي متأسسة على الاستعمال الفطري للغة، أي التوظيف العفوي والطبيعي لهذه الملكة . حيث الإنسان يعبر عن انفعاله أو تفاعله مباشرة بالموضوعات والوقائع أو التجارب الحياتية التي يعيشها .

- في الكتابة، يتم تأسيس الخضوع للمعيارية، والمعيارية تؤسس الثبات والصيرورة على نفس النمط أو المنوال (نموذج الشعر العربي التقليدي)، بينما في الشفهية، والتي هي روح وجوهر الثقافة الشعبية هناك حرية في الإبداع والتصرف، مما يجعل من التحول والتغيير طابعا يسم ألوان التعبيرات الشعبية : أزجال، أغاني، حكايات، أمثال، الوشم... وهذا ما جعل كثيرا من الدارسين يرون في الكتابة استمرارا لهيمنة السلطة (ميشال فوكو  مثلا) سواء كانت هذه السلطة دينية أم لائكية. وكأن الكتابة وما اشتق منها – الكاتب والكتاب – أداة من أدوات بسط النفوذ وحماية المركز من الأخطار التي قد تأتيه من الهامش والمنسي .

- في الكتابة والمكتوب خضوع للرقابة، وإرضاء للسلطة / المركز. ودعاية وتشهير لهما، بينما في الثقافة الشفهية يتسع المجال للحرية أكثر، وتتاح فرص الانفلات من الرقابة أكثر، والذي يساعد على ذلك أن المؤلف في الثقافة الشعبية أو الأدب الشعبي جماعي أي الشعب، وبالتالي لا يمكن محاكمة الشعب أو الزج به في سجون السلطة لتمرده وعصيانه . إن هذا اللون التعبيري صادر عن عامة الناس ومتداول  بين الطبقات الاجتماعية التي لم تصنف كنخبة. هذا الوضع الذي يسم الثقافة الشعبية وما يتفرع عنها من ألوان تعبيرية تنتقل بسلاسة من جيل إلى جيل دون حاجة إلى مؤسسات مثل المدرسة والمعهد والجامعة ....

- في الكتابة قد يحدث الانفصام بين المتكلم / الكاتب وخطابه، إذ من الممكن أن ينتج خطابا دون أن يتكلمه . عكس الأمر في تجربة الثقافة الشعبية ؛ حيث هناك اتصال مباشر وقوي بالحياة وبالمعيش وباليومي أو بما يعانيه المتكلم من آلام وأحلام وطموحات ...

في قراءة المكتوب أي الإبداع الخاضع للكتابة والمتأسس على المعيارية، تنكشف درجات الانفصال عن الخبرة الحياتية، فالنخبة مثلا أو الانتلجنسيا مفصولة عن معترك الحياة، بينما في الثقافة الشعبية، الأفراد يعبرون مباشرة عن آلامهم وأحلامهم ....

هكذا، يتبين لنا مدى قوة الثقافة الشعبية  من خلال ألوانها التعبيرية المختلفة، ومدى قيمة المعاني والمضامين المنضوية في تلك الألوان المسماة شعبية . وهذا يبين أيضا الثقافة الشعبية ليست ترفا، بل هي مادة حيوية ضاربة بجذورها في عمق التاريخ الإنساني، ومصدر إغناء للذاكرة الإنسانية ولمتخيلها . وانطلاقا من أهمية الذاكرة الاجتماعية وأولويتها وجب الاهتمام بالثقافة الشعبية أو بالأدب الشعبي من خلال جمعه وتوثيقه أولا ثم دراسته وتحليله ثانيا .

 

د. المصطفى سلام

 أستاذ مبرز في اللغة العربية

...........................

مراجع معتمدة:

- د عبد الصمد بلكبير: في الأدب الشعبي: مهاد نظري – تاريخي، نشر اتصالات سبو، طبعة أولى 2010 .

- البشير بن سلامة: اللغة العربية ومشاكل الكتابة، الدار التونسية للنشر، تونس 1971 .

- مجلة آفاق، العدد 77- 78 يناير 2010 .

 

محمد كريم الساعديلقد اتخذت فكرة الخطر الاسلامي مكانه أوسع في تنظيرات (صومائيل هنتنجتون 1927-2008) كون أنّ الصراع حضاري وليس صراع مصالح، لذا يرى بأن كل الصراعات التي حصلت في أوربا وغيرها من المناطق الغربية منها أمريكا وغيرها، هي صراع مصالح ولابد أنّ ينتهي ولا يستمر طويلاً، ويضرب مثالاً الحربين العالميتين، قد انتهت بين أبناء الحضارة الواحدة، بينما الصراع الحضاري مع الآخر الشرقي (الإسلامي) مازالت مستمرة، وستستمر الى أزمان أخرى، بسبب اختلاف البنى الاجتماعية والثقافية والدينية والاخلاقية لكلا الحضارتين، الاسلامية والغربية (المسيحية) ومن بعدها أتت أنظمة الحكم الأوربية والامريكية بعد أنتهاء الحكم البابوي، لذلك فهو يقدم في كتابه (صِدام الحضارات) أنّ الموضوع الرئيسي هو أنّ الثقافة والهويات الثقافية والتي هي على المستوى العام هويات حضارية، هي التي تشكل أنماط التماسك والتفسخ، والصراع في عالم ما بعد الحرب الباردة، مزاعم الغرب في العالمية تضعه بشكل متزايد في صراع مع الحضارات الاخرى وأخطرها الاسلام، والاسلام فكراً وديانة وحضارة في قبالة الغرب بكل ما تحويه الكلمة من التصادم وعدم التوافق بين الحضارتين، لكن لماذا الاسلام أولاً، ثم تأتي بعده في الخطورة الحضارات الأخرى مثل الحضارة الصينية، لمنافس الاقتصادي العملاق للحضارة الغربية، أنّ النظرة العامة للإسلام في الغرب تأتي من كون هذا الدين دين إرهاب وهذا الدين مشحون بالكراهية تجاه الغرب بكل مسمياته، وله توصيفات مشحون بالحقد في العقلية الإسلامية على وفق ما يتصوره الغرب ذاته، لذلك فأن الاعتقاد لدى (هنتنجتون) بأن الصراع ليس اقتصادي، أو صراع مصالح وينتهي يوماً ما، بل أنّ الصراع مع الحضارة الاسلامية هو صراع طويل مستمر منذ عهود قديمة وسالت ودماء غزيرة بين الحضارتين، لذلك فأن الاسلام اخطر على الغرب من الحضارات الأخرى، والاقرب تأثيراً من الحضارات الأخرى، وهذه الخطورة تأتي من الاعتقاد بهمجية هذا الدين حسب المعتقد الفكري لديه، فينقل (هنتنجتون) عن (دانييل بيبس) الذي يقدم نعوتاً عن التخلف الاسلامي والتشدد في مواجهة التقدم الغربي، اذ يرى (دانييل): وحدهم الأصوليون المتشددون هم الذين يرفضون التحديث والتغريب، ويلقون بأجهزة التلفزيون في الأنهار، ويحرمون ساعات المعصم، ويرفضون ماكينة الاحتراق الداخلي، وهذه النعوت التي يوصف بها الجماعات المتشددة، وكأنما اصبح الاسلام هو من انتجها فكرياً، وكأن تعاليم الرسول (ص) هي التي اصبحت الدافع لهذه الجماعات المتشددة، وكان هذه الجماعات هي العينة الممثلة للإسلام، لكن لو سألنا (دانييل بيبس) كم تشكل هذه الجماعات من عدد السكان الاصلي للإسلام ؟، وهل الاسلام هو فقط هذه الجماعات المتشددة وأخرها (داعش) وقبلها (القاعدة) التي أوجدتها امريكا في افغانستان ؟، أم أنّ الاسلام هو أوسع وأكبر من هذه الجماعات التي تحاول أنّ تسيء للإسلام ولرسول الاسلام محمد(ص)، وهل أنّ المسيحية او اليهودية خالية من الجماعات المتشددة ما حصل في اوربا من مذابح بأسم المسيح هي ليست كافية حتى يصبح الدين المسيحي دين إرهاب كما يوصف الاسلام الآن ويوصف الرسول بأنه (ارهابي)، لذلك فأن افكار (هنتنجتون) في جعل (الاسلام) الحضارة الاخطر، هو يريد أنّ يتوج الافكار الغربية عن الاسلام تاريخياً، بأن يلغي الحضارة الاسلامية تحت مبدا التحديث والتغريب، حتى يكون الغرب هو السيد المطلق في العالم، وهنا يستعين أيضاً (صامويل هنتنجتون) بمثال آخر في كتابه عن (توينبي) التي يرى فيها استجابة ثانية اخرى بالنسبة للغرب وهي (هيروديانية) (توينبي) لتبني كل من التحديث والتغريب، هذه الاستجابة تقوم على افتراض أنّ التحديث أمر مرغوب فيه وضروري، وأنّ الثقافة المحلية تتعارض مع التحديث وغير قابلة للامتزاج ويجب تجنبها، أو الغاؤها، وأنّ المجتمع لابد أنّ يتغرب بكامله لكي ينجح تحديثه، وهنا نجاح التحديث يعني التغريب ونجاح التغريب يعني التحديث، والامران لا يتمان الا بإلغاء الثقافات المحلية، والغاء هوية الشعب الذي يتم تحديثه وتغريبه، ومن العقبات الواقفة أمام هذا التحديث هو (الاسلام) ومفاهيمه الأصيلة المستمدة من رسوله الكريم (ص) وأفضل طريقة لأبعاد الشعوب عن الإسلام ضربه بالصميم . أنّ الاسلام منذ أنّ وجد كديانة، كانت هناك حضارات تعارضه، وحاولت تشويه صورته، وجعلت من يعتنق هذه الديانة كافر مقابل الايمان، ومن ثم غير متحضر مقابل المتحضر، ومن ثَم بعيد عن العالمية الغربية ، وبعيد عن الغربنة والتحديث في العصر الحديث، فما هو العمل الذي يجب ان يقوم به العقل الغربي من أجل الغاء الاسلام من اصله، وافضل هذه الوسائل هي الطعن بمؤسس الاسلام وواجده، وهو الرسول محمد(ص) بتشويه صورته وعقيدته وأصول ديانته وتوحيده، وبالتالي سلخ أبناء هذه الامة من التواصل مع الاسلام ومع رسول الاسلام (ص)، حتى يتم التحديث والتغريب، ومن أمثلة الاستجابة لهذه المؤامرة ضد الرسول (ص) والتشوية ما قام به (سلمان رشدي) في (آيات شيطانية)، والتي سنتناولها فيما بعد .

وعودة الى (هنتجتون) الذي يشير أيضاً في كتابه (صدام حضارات) الى أنّ الاسلام والمسلمين شعوب تقوم ببناء حدودها بالدم من خلال عنوان في كتابه، إذ يقول (تصادف: الحدود الدموية للإسلام)، ويسرد في هذه الفقرة الصراعات الدموية التي وقعت بين الحضارة الاسلامية وباقي الشعوب المجاور لها في أوربا وأسيا وغيرها، إذ يرى أنّ الصراع القائم هو صراع بين الاسلام والآخرين . العداوات الحادة والصراعات العنيفة متغلغلة بين الشعوب الاسلامية المحلية والشعوب غير الاسلامية، ويسرد مجموعة من الحروب التي يجعل الاسلام فيها هو المتسبب، كون هذه الصراعات وقعت بسبب وجود الاسلام والمسلمين، ومن أمثله: حرب (البوسنة والهرسك) و(كوسوفو)، والصراع بين (اليونان والبانيا)، و(الاتراك واليونان)، و(تركيا وأرمينيا)، و(الأذريون والارمن)، و(الشيشان والانجوش وشعوب اسلامية اخرى)، و(روسيا والشيشان)، و(الافغان والروس)، و(الباكستان والهند)، و(المسلمين والهندوس)، والتمييز الديني في (بنجلادش وماينمار)، وفي جنوب (تايلند)، والصراع بين (اليهود والمسلمون)، وغيرها من الامثلة التي يضربها (هنتجتون)، ويعدها حدود دموية يعمل الاسلام على رسمها ضد الشعوب الاخرى، وكل هذه الامثلة من أجل اقناع القارئ بأن الاسلام هو دين حرب ودماء، ودين يعامل الشعوب الاخرى بقسوة، ولو أستعرضنا مع (هنتجتون) طبيعة الصراعات نجد في اغلبها لا دخل للإسلام فيها كديانة، فهل الحرب بين الارمن وتركيا هي بين المسلمين وغيرهم، أم هي من بقايا الحرب العالمية الاولى، وكانت الشعوب في تلك المنطقة مستقرة قبل دخولها بصراعات عالمية لتقسيم النفوذ الاستعماري بين الفرنسيين والانكليز وغيرهما من الدول المتحالفة معهما في هذا المجال، وهل أنّ الحرب في كوسوفو والبوسنة والهرسك، هي من بقايا انهيار النظام الاشتراكي في اوربا وقبلها كانت هذه القوميات متعايشة وبسلام وأنّ التقسيم الذي حصل بين الهند وباكستان والصراع المستمر حول كشمير وغيرها هي من بقايا النظام الاستعماري الذي جعل في كل تقسيم بين الدول مناطق متنازع عليها، وهل أنّ الصراع بين اليهود والمسلمين في فلسطين هو بسبب (وعد بلفور) وغيرها من الامور التي اقحم فيها اسم الاسلام دون أنّ يكون له مبرر في ذلك، كل هذه الامثلة هي بعيدة عن اتهام الاسلام، بل هو مبرر استعماري لجعل شعوب المنطقة في صراع مستمر من أجل السيطرة عليها واستغلال ثرواتها، بل حتى أنّ بعض الانظمة العربية التي استلمت زمام الامور في الحكومات الاسلامية كانت مدعومة بسياسات غربية ساعدها الغرب في قمع شعوبها، .

وفي كتابه الثاني بعنوان (من نحن؟) لـ(هنتنجتون) الذي يرى فيه بأن هجمات (11 سبتمبر)، والتي قام بها (اسامة بن لادن) جعلت من أمريكا تزداد في تحديد هويتها اكثر من السابق، فإن هذه الهجمات ساعدت على تحديد ملأ الفراغ الذي احدثه (جورباتشوف) مع عدو جديد خطير أكيد، وقد حدد بدقة هوية امريكا بأنها امه مسيحية وقد استهدفت امريكا باعتبارها عدواً، لأنها قوية ومسيحية وتنشر قواتها المسلحة في ارض الاسلام، وهذا الامر قابله الرئيس الامريكي (جورج بوش الابن) بأنها حرب صليبية ضد اعداء امريكا، فالسياسة الامريكية هي معتقدة بهذا الشيء، قبل أنّ يراه (هنتنجتون)، وحتى أنّ الحرب التي قامت بها امريكا ضد الدول الاسلامية جزء منها يدخل تحت هذا التفسير المعلن من قبل امريكا، لأن العقلية الغربية وكما ضربنا بالأمثال السابقة أنّ عدد من رجال الدين الامريكان أنفسهم يرون ذلك، فأن امريكا المسيحية هي من تقود العالم الغربي بالضد من الأخر الاسلامي، ويؤكد هذا المفهوم بأن قرأت (هنتنجتون) على وفق الرؤية الامريكية والعقلية الجمعية للأمريكيين، بأنها مكملة للنظرة العدائية للإسلام، أي أنّ المتشددين الإسلاميين، من المتدينين والعلمانيين يعتبرون امريكا وشعبها ودينها وحضارتها عدو للإسلام، ولا يمكن للأمريكيين الا أنّ يروا في المتشددين الاسلاميين عدواً لأمريكا، فالعداء الاسلامي يشجع الامريكيين على تعريف هويتهم في سياق ديني ثقافي، ومن هنا فان تحديد هوية امريكا الثقافية والدينية لا تأتي في سياق ردات الفعل ضد (11 سبتمبر) فقط، بل هو يقع تحت صراع حضاري طويل كان آخره في الهجمات المتبادلة بين (اسامة بن لادن ) و(جورج بوش الابن) . لذلك فأن اطروحتي (هنتنجتون) في (صدام الحضارات، ومن نحن؟) احداهما انتجت الثانية، فالصدام الحضاري مع الاسلام جعل من الهوية المعلنة لأمريكا- حسب رأيه- هي هوية دينية تقابل هوية الآخر الاسلام .

وفي الانتقال الى (فرانسيس فوكوياما 1952) ونظريته في (نهاية التاريخ)، التي حملت نفس عنوان كتابه (نهاية التاريخ والانسان الاخير)، إذ يرى في مقدمة الكتاب بان فكرة (نهاية التاريخ ) تكمن في طريقة حكم ونظام يعيش فيه الفرد والمجتمع يكون هو النظام القادر على أنّ يصمد إذ ما طُبق بشكله السليم، وهنا يركز (فوكوياما) على الديمقراطية الليبرالية كنظام حكم لأنها اقتصرت على الايديولوجيات المنافسة - كالنظام الملكي الوراثي والفاشية، واخيراً الشيوعية . لقد اشرت فضلاً عن ذلك الى أنّ الديمقراطية الليبرالية بإمكانها أنّ تشكل فعلاً (منتهى التطور الايديولوجي للإنسانية) ولـ(الشكل النهائي لأي حكم انساني)، أي انها من هذه الزاوية (نهاية التاريخ)، الا ان الذي اشرت الى نهايته لم يكن بالطبع التاريخ كتتابع للأحداث، وإنما التاريخ كمجرد مسار متماسك للتطور الذي يأخذ في الحساب تجربة جميع الشعوب في انٍ معاً . هذه النظرة للتاريخ تقترب كثيراً من نظرة الفيلسوف الالماني الكبير (هيغل)، لكن ماهي النظرة التي يقدمها (فوكوياما) للإسلام كدين وشعوب في (نهاية التاريخ ) و( الانسان الاخير) وما هي طبيعة وجود النظام الاسلامي في دائرته المعرفية، بالعودة الى كتاب (نهاية التاريخ) ومدى اقتراب فكرته من فكرة الفيلسوف الالماني (هيغل ) كان ينظر الى العلاقة في السيرورة التاريخية، وكيف كان ينظر الى أنّ هذه العلاقة في تكوين التاريخ البشري لا تعتمد على اقامت المجتمع المدني المرتكز على العنصر الاجتماعي كما عند (جون لوك) بل تعتمد على تحديد العلاقة بين السيد والعبد، اي عندما تكون العملية مقترنة بطبيعة حياة الانسان وكيف أنّ هذه العلاقة تحدد على وفق من هو الاقوى الذي يسيطر والآخر الضعيف الذي يخضع للقوي، لكن هذه العلاقة تبقى غير مستقرة بسبب عدم الرضى ولأسباب مختلفة، فأن (السيد ) كما يرى (فوكوياما) في نظرة (هيغل) هو اكثر انسانية لأنه تجاوز طبيعته البايولوجية نحو غائية غير بايلوجية، أي أنّ يكون مُعترفاً به، أما العبد فيتخلى عن انسانيته خوفاً من الموت العنيف، لهذا السبب خضع على الرغم من كون هذا الخضوع لا يعني الرضا لكن يبقى ضحية لحاجة الخوف التي بداخله وخضوعه للسيد، والسيد يكون ذو انسانية كاملة، بينما العبد يبقى ذو انسانية ناقصة برغم الاعتراف به كسيد، وهذا الاعتراف يبقيه انسان ناقص ويبقيه عبد.

ويرى (فوكوياما) بأن الشعوب الاسلامية التي خضعت للسيد بحاجة الى أنّ تتحرر حتى تشارك في النهاية التاريخ . والخضوع هنا متعدد، أما أنّ يكون الخضوع للقوى الخارجية كالغرب مثلاً، أو أن يكون على وفق مفهوم (هيغل) في (الروح المطلقة) والمرحلة الرمزية الاولى التي خضع فيها ابناء الشعوب الشرقية الى حكام ديكتاتوريين مثلوا أنصاف آلهة، وكانت التضحية والخضوع جزء من هذه المعادلة، ومن هنا يرى (فوكوياما) بأن النظام الاسلامي المكمل للأنظمة الشرقية قديماً، لابد أنّ يتعرض لمفهوم التحديث حتى يكون من ضمن طبيعة الانظمة الديمقراطية الليبرالية وهو ما يطرحه في كتابه الثاني عن (الاسلام والحداثة والربيع العربي)، إذ يرى بأن على الاسلام الراديكالي أنّ يكون هو الأنموذج الحقيقي لدفع الركود الاسلامي نحو التحديث والتجدد، وكأنما يريد أنّ يقدم الاسلام المتشدد بدلاً عن الاسلام المعتدل، يقدم الاسلام المشوه ويثبت صفاته ويؤكد عليها في ذاكرة ابناء الغرب الذي تعود على أنّ يرى الاسلام غير قابل للتعايش، إذ يطرح (فرنسيس فوكو ياما، وناداف سامين) في مفهوم (عصرنة الاسلام) ما يأتي : مهما كان المقصد الحالي للحركات الاسلاموية، فان وظيفتها النهائية هي وظيفة ليبرالية تحررية، ولا تبدو المسافة بعيدة من هذه النقطة لمناقشة أنه ينبغي علينا أنّ نرحب باستلام الاسلامويين السلطة، وذلك لتسريع عملية الانبعاث، أو الإحياء المحتومة، هي محاولة لدمج (اسامة بن لادن) في تيار التحديث العالمي، وأنّ لم تكن هي نفسها قوة معصرنة، حسب قولهما، فالاسلاموية في الاقل تلعب دور الجرافة الثقافية التي تمهد الطريق لليبرالية عن طريق تقويض المؤسسات التقليدية لمجتمع المسلمين، وهذه الجرافة الثقافية التي تمهد الطريق ليس لليبرالية وكما يعتقد (فوكو ياما)، بل تمهد الطريق الى استبدال الاسلام الحقيقي بإسلام متشدد تنطبق عليه فكرة الارهاب، وكما هو التحديث الذي ارادوه في (أبن لادن) وقاعدته، وداعش واخواتها، هل هذا التحديث الذي يريده (فوكو ياما)، حتى يكون الاسلام ومنظومته الجديدة من ضمن (نهاية التاريخ)، وهنا اصبحنا امام صور جديدة غايتها تثبيت الافكار المشوه عن الاسلام، وعن رسول الاسلام، وها هو الخليفة الجديد الذي يزعم بانه يمثل الرسول (ص) في تحديثه الجديد، والبغدادي هو الصورة المزيفة التي أرادوها أنّ تكون مثبتة في اذهان شعوبهم عن الاسلام، حتى يصبح دين إرهاب واقعي يتلاءم مع صورة الاسلام لديهم .

إذن، ماهي الصورة الاخيرة التي ارادها كل من (صامويل هنتجتون، وفرنسيس فوكوياما) في (صدام الحضارات) و(نهاية التاريخ)، فصورة الاسلام ورسوله (ص) لديهم تقوم على ما يأتي:-

اولاً- إنّ الهوية الثقافية للغرب، هوية تقوم وتفصح على شكل العدو المنافس الذي حاول هدم المدنية من خلال افعاله الوحشية والبربرية القائمة على هدم كل حضارة وتطور والبقاء في دائرة التخلف، وهذه هي صورة الاسلام التي روجوا لها، وهم يصورونه بأنه دين ارهاب وخير دليل لديهم ما حدث في (11 سبتمبر) .

ثانياً – إنّ الصراع حضاري، يجب أنّ يأخذ مساحة كبيرة من الزمن، لأن الحضارات لا تقبل الهدنة، وبالتالي فان الاصلح هو الذي يبقى، لذلك وضعوا صورة للإسلام بأنه دموي، ويرسم حدوده بالدم مع الشعوب والحضارات الاخرى.

ثالثاً- الحرية والديمقراطية التي تعيشها الشعوب الغربية تقابلها الشعوب التي ترفض التغريب والتحديث، ويحرمون كل اشكال التقدم والحضارة، وفيهم متشددون هم من يسيطرون على توحيدهم ويصنعون لهم احكامهم وعقائدهم.

رابعاً- إنّ العدو الذي يهدد امريكا لآن، هو نفسه من واجهة الغرب المسيحي في الحروب الصليبية وقتل وشرد ابناء الديانات الاخرى من موطنهم الاصلي، لذلك كان لابد من اعادة الكَرة مرة اخرى وبنفس التسمية (حرب صليبية)، فصورة المسلم اصبحت في امريكا تأخذ طبيعتها من واقعة صورة المسلم في حقبة الحروب الصليبية بكل صفاتها ونعوتها.

خامساً – إنّ على المسلم أنّ يتخلى عن الصور التي يريد أنّ يكون عليها من الاعتدال والمعايشة الحسنة مع الآخر، لأن ذلك يمثل ركود للأمة الاسلامية، وعليه أنّ يقبل بالصورة المركزة والثابت الاوصاف في الذهنية الغربية حتى يستحق التحديث والاندماج في فلسفة نهاية التاريخ والانسان الاخير.

سادساً- على مر التاريخ اصبح السيطرة للسيد الذي يحدد على وفق انسانيته الكاملة شكل وحياة العبد الخاضع، وعلى شاكلة هذه الصورة بنيت مسيرة التاريخ، الذي كان فيه الاسلام واقع في خانة العبيد، والغربي يقع في خانة السيد ذو الانسانية الكاملة، والذي يرسم صورة العبد ذو الانسانية الناقصة على وفق الحضارة العالمية الجديدة.

سابعاً- صورة الاسلام التي يرغبون بضمها الى نهاية التاريخ لابد أنّ تكون على وفق الصورة المتشددة حتى تكون جرافة ثقافية تقضي على كل الركود لتمهد الطريق الى الحضارة العالمية الجديدة، حضارة (السيد) المتفوق والانسان الاخير .

 

الاستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي

 

ميثم الجنابيالقضية الكردية- أفق مغلق وبدائل محتملة (3)

إن الأحداث التاريخية الكبرى تقاس بنتائجها. وما جرى ويجري في العراق هو دون شك أحداث تاريخية كبرى من حيث مقدماتها ونتائجها بالنسبة له وللمنطقة عموما. بل يمكننا القول، بأن ما جرى ويجري في العراق هو أحد الأحداث التاريخية الكبرى التي وضعت وسوف تضع مع مرور الزمن الجميع على محك الامتحان الاجتماعي والسياسي. والقضية هنا ليست فقط في أن ما جري ويجري في العراق هو صراع عالمي من حيث قواه المتصارعة، بل ومن حيث غاياته.

وقد يكون من الصعب أن تدرك القوى السياسية الفاعلة في العراق الحالي حجم ومستوى استقلالها الفعلي في إدارة شئون الصراع السياسي الداخلي، إلا أنها تساهم في الإبقاء عليه "محررا" من تأثيرها الفعلي. بعبارة أخرى، إن الصراع الدائر في العراق لا يتمثل حقيقة مصالحه الجوهرية. والقضية هنا ليست فقط في أن اغلبها هو نتاج تدخل خارجي (أمريكي)، بل ولعدم ارتقائها إلى مصاف الإدراك الفعلي لحجمها الواقعي ضمن المسار العام للسياسة الأمريكية في العراق. وعموما يمكن القول، بأنها جميعا تبدو كالنملة السوداء على صخرة صماء في ظلام السياسة الأمريكية. أما إدراكها الذاتي فانه لا يتعدى أوهام "السيادة" المزيفة. وهي سيادة يمكن بلوغ الكثير من مقوماتها في حال التمتع بالقدر الضروري من الرؤية الواقعية المستندة إلى إدراك واقع العراق الحالي ومتطلبات انتقاله الفعلي من التوتاليتارية إلى الديمقراطية.

غير أن تجربة السنوات الاولى عما يسمى بمحاولات تذليل التوتاليتارية والدكتاتورية تكشف عن عمق الخلل البنيوي في المجتمع عموما وفي قواه السياسية بالأخص. فقد كشفت الانتخابات الاولى في العراق عام 2005 ونتائجها السياسية عن التناقض المثير في هذه الظاهرة. إذ كانت الانتخابات خطوة تاريخية هائلة إلى الأمام في مسار الحرية، وخطوتان إلى الوراء في مجال المسار السياسي. بمعنى أنها أشركت الجماهير للمرة الأولى في تقرير شئون الدولة، إلا أن "انتخابها" كان محكوما بمستوى الخراب الشامل. مما أدى بالضرورة إلى ارتقاء قوى عاجزة من حيث إمكانياتها وأيديولوجياتها على تحقيق مشروع الانتقال العقلاني إلى الديمقراطية.

وهو تناقض سوف يطبع مجمل المسار العام والخاص للعملية السياسية في العراق. وبالقدر الذي يثير هذا التناقض حساسية بالنسبة للضمير والوجدان العراقي المعذب في انتظار تحقيق آماله الفعلية في البديل الديمقراطي، إلا انه كان اقرب إلى وهم الآمال الشعبية المتربية بنفسية التأمل العاطفي "للأمام المنتظر". وهو تأمل يشكل الخطوة العملية الأولى لتذليل نفسية الوهم والتأمل الخادع. والقضية هنا ليست فقط في أن العراقيين سوف يدركون خلال فترة بسيطة أن "الإمام المنتظر" ليس أكثر من قوى سياسية محترفة في إتقان صناعة الوهم، بل ومتمرسة أيضا في لعبة الرذيلة السياسية المغلفة بلباس التدين والورع الكاذبين. وتجسدت هذه الظاهرة بصورة نموذجية في شكل ومضمون "المساومات" السياسية التي عملت من اجلها القوى "الفائزة" في الانتخابات. بمعنى أنها عوضا عن أن تتوجه إلى الناخب الفعلي، فإنها اختبأت وراء تاريخها المقدس "الشيعي" و"الكردي"، أي الطائفي والعرقي لتحيك منهما نموذجا جديدا لنفسية المؤامرة والمغامرة. وجعلت هذه الممارسة منهما بالضرورة قوى "خارجية" عن العراق، بمعنى أنها أخذت تخرج أكثر فأكثر عن المسار الضروري للانتقال من التوتاليتارية إلى الديمقراطية. ومن ثم إعادة إنتاج قيم الصدامية بلباس جديد.

فقد كان تاريخ العراق المعاصر، خصوصا بعد انقلاب تموز عام 1958 وحتى اليوم هو زمن الانتقال من دكتاتورية إلى أخرى. وبهذا المعنى لم يكن أكثر من زمن الانتهاك الدائم لفكرة الدولة الشرعية والمجتمع المدني والثقافة العقلانية. أما الآمال التي وضعت على إمكانية البناء الواقعي والعقلاني للدولة الشرعية والمجتمع المدني بعد سقوط الصدامية، فإنها تقف أمام امتحان تاريخي غاية في التعقيد.

فالوقائع الفعلية ما بعد الانتخابات الاولى التي جرت بعد سقوط الدكتاتورية، تشير إلى حقيقة واحدة جلية ألا وهي استمرار زمن المساومات الخفية، أي المؤامرات والمغامرات الجزئية التي تضع مصالح الأحزاب والقوى التقليدية فوق مصلحة البناء الضروري للدولة الشرعية والنظام الديمقراطي الاجتماعي. وإلا فمن الصعب فهم طبيعة ومستوى "المساومة" السياسية بين الحركات السياسية الشيعية والحركات القومية الكردية. فهي قوى تختلف من حيث مكوناتها وغاياتها القومية والسياسية والأيديولوجية. لكنها التقت في الممارسة العملية. وهو أمر يشير إلى أن القوة الفاعلة في أساليبها تقوم في غلبة المصالح الضيقة، أي المصالح التي لا علاقة جوهرية لها بفكرة البديل الديمقراطي في العراق.

وكشفت هذه النتيجة من الناحية السياسية عن ضحالة هذه القوى، ومن الناحية التاريخية عن طابعها العابر والمؤقت. وليس مفارقة أن تسود في رغباتها وأعمالها وأقوالها فكرة المؤقت. تماما كما يمكننا القول، بأن ما توصلت إليه هو عقد مؤقت اقرب ما يكون إلى زواج متعة محكوم بحساب العد والنقد. وشأن كل متعة مؤقتة عرضة للزوال السريع لأنها محكومة بمشاعر الغريزة ومتطلبات الجسد. بينما الدائم في تاريخ الدول والأمم والثقافات هو إبداع الروح.

وليس هناك من معنى للروح في العراق المعاصر غير الطاقة العقلية والأخلاقية الساعية لنقله من مستنقع التوتاليتارية والاستبداد إلى فضاء الحرية والديمقراطية المحكومة بقوة القانون والشرعية. ويشكل هذا الانتقال مضمون الغاية الكبرى التي يعاني العراق منها وفيها لكي تكون تضحياته الجسيمة وآماله الكبرى على قدر من الوفاق لا يمكن حجبها "بوفاق وطني" هو اقرب ما يكون إلى طائفية مبطنة وقومية مغلفة بعباءة التدين المزيف والوطنية الكاذبة.

إن الوفاق الضروري والحقيقي بالنسبة للعراق المعاصر لا يمكن إرسائه على أسس الخروج المغامر على منطق الديمقراطية الاجتماعية، كما رأيناه ونراه في "زواج المتعة" الذي جرى للمرة الأولى بين القوى السياسة الشيعية والقومية الكردية، والذي كان يكمن في كل الخراب الشامل للنظام السياسي الذي أرست اسسه من حيث الجوهر طغمة عائلية قبلية لأقلية جبلية (محكومة ومسيرة بقوى خارجية ومعادية للعراق مثل الولايات المتحدة واسرائيل) لا علاقة لها بفكرة الدولة والنظام الديمقراطي بالمعنى الدقيق للكلمة. انها لم تكن مستعدة ولا راغبة ولا قادرة على العمل بمعايير العقد الاجتماعي السياسي الجديد. فقد ادت هذه السياسية وكشفت في الوةقت نفسه بشكل لا يدع مجالا للشك، بأن القوى الطائفية (الشيعية) والقومية العنصرية (الكردية) في العراق لا تفعل في الواقع إلا على إنتاج صدامية جديدة. أما مصيرها النهائي فهو السقوط في مزبلة جديدة!

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

حيدر جواد السهلانيالدين عند وايتهد (1861 - 1947) واقعة حاضرة وقائمة في كل مكان على المدى التاريخ الانساني، والدين هو قوة الايمان وهو الذي يصفي الدواخل، وبسبب ذلك صارت الاستقامة هي رأس الفضائل الدينية، وهي استقامة داخلية عميقة، فالدين يتمثل في الاعتراف بأن وجودنا ليس مجرد احداث تتوالى، اذ الدين هو نظام للحقائق العامة التي تؤدي الى تغيير في الاخلاق والسلوك، اذا اخذت على محمل الجد واذ عاشها المؤمن بأقتناع عاطفي وحي. وهنا نتذكر قول الرسول (ص) " انما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق" فالدين هو جاء لتغير في سلوك الانسان الى الحق والعيش السليم والحد من التصرفات السيئة في المجتمع. وبذلك ان الدين هو في الاصل واقعة داخلية وهي تعلل ذاتها بذاتها، ثم انها بعد ذلك واقعة خارجية تتصل بالاخرين، فالدين هو قوة الايمان التي تنظف داخل الانسان، والحياة الدينية هي الفن والنظرية للحياة الانسانية الداخلية بقدر ماتتعلق بالانسان ذاته، وبقدر ماتتعلق بطبيعة الاشياء، اذ يرى وايتهد ان عقائد الدين ومقولاته تظهر في تجربة الانسان بأعتبارها كشفآ واضحآ عن الحقائق المستورة، والدين يتأسس بنتيجة عوامل وتواصل ثلاثة مفاهيم في لحظة من لحظات الوعي الانساني، وهي مفاهيم تكون علاقتها بالوقائع والاشياء في حد ذاتها متغيرة :

1- القيمة الذاتية للفرد الانساني.

2- القيمة التي تظهر للأفراد فيما بينهم في هذا العالم.

3- قيمة العالم الموضوعي بأعتباره جماعة والعلاقات المتبدلة والخصبة الصانعة للعالم وافراده التي تبدو ضرورية لوجود كل فرد.

أن الدين عند وايتهد يتطور وهو في مرحلة تطور مثل الانسانية، فالبداية كانت الشعائر والاضحيات والاساطير تلعب دورآ لما تثيره من عواطف ومشاعر. فالدين يتشكل بأشكال جديدة ويتبدى لنا بمظاهر شتى، ربما يضل جوهر الدين ثابتآ، وبقيت اسسه ازلية راسخة، لكن المظاهر تتبدل والشكل يتغير من حين الى آخر. (الانسان دائمآ يغير من موقفه ازاء الدين، وليس في الدين وحده فكثيرآ مايغير من ارائه العلمية او الامور الاجتماعية او السياسية، وذلك نابع من التجدد في المواقف والاطر الجديدة، لكن مع ذلك يوجد هناك مواقف ثابته من الدين، لكن يوجد بعض الجزئيات تتغير) ومدار الحديث عن الدين يظهر في التاريخ الانساني من خلال اربعة ابعاد او تعبيرات وهذا الابعاد هي هي الشعائر والمشاعر والايمان والعقلنة، فالفكرة الدينية ظهرت بالتدرج في الحياة الانسانية. (أن ظهور الدين في الشريعة الاسلامية هي بدأت مع آدم(ع) وجاء مع الانبياء وتعرف بالاديان السماوية اما الاديان الغير سماوية فهي من وضع الانسان، ويفسر بعض الباحثين أن الدين في بدايته ظهر للأحتماء من المخاطر والخوف من الحيوانات والطبيعة، لذلك وضعوا الى كل قضية إله مثل إله البحر وإله الهواء والخ ... ثم بدأ يبني لها اصنام على الاغلب على شاكله الانسان)

يرى وايتهد ان الدين يصبح عقلاني ويلجأ الى العقلانية بفعل الوعي الاجتماعي، فالدين العقلاني هو عبارة عن رد الفعل الواعي للأنسان على مجريات الكون والمحيط الذي يجد نفسه فيه، وان العالم الديني يتأثر بأعمال رجال الدولة وعمالقة الصناعة والمصلحين الاجتماعيين، وان العقل الانساني هو الضمان الحقيقي لموضوعية الدين، فهو يضمن له الاتساق العام، والمرجع الحقيقي للدين لابد ان يكون العقل، وليس الحدس المباشر او الاحساس او العاطفة، فالدين الحق هو الدين العقلاني، والدين العقلاني هو الذي اقيمت مقولاته الاعتقادية وعباداته او طقوسه واعيد ترتيبها لتكون عنصرآ مركزيآ في نظام حياة متماسكة، انه نظام يتصل من جهة بالنصوص الفكرية ويتصل من جهة ثانية بالسير نحو هدف محدد يستند الى واجب اخلاقي ويتطلب الاتساق والتماسك بين الفكر والعمل والهدف، وبذلك يكون الدين العقلاني هو الذي تنتظم عقائده وشعائره، والتي جرت اعادة ترتيبها بهدف ان تتحول الى عنصر اساس في نظام حياة، وهو نظام حياة يتمتع بالفكر المستنير وبالتركيز على السلوك من أجل غاية عليا تقتضي مصيرآ اخلاقيآ وتظل متناسقة العناصر.

أن التحولات الدينية أنما تحدث  بالارتباط مع المتغيرات العلمية، فالدين يمكن ان يكون اداة رئيسية للتقدم الانساني، وقد كان كذلك بالفعل. (الدين جاء لمساعدة الانسان في الامور الحياتية من اجتماعية واخلاقية فهو منظومة حياة مرتبة، فمثلا في القران الكريم نجد كثير من الآيات القرانية تشير الى تنظيم الحياة، واخرى تشير الى العلم، فكثير من النظريات العلمية يوجد اشارة واضحة لها في القران الكريم، ولعل نظرية الانفجار العظيم من اهم النظريات العلمية التي نجد فيها اشارة او ذكر لها في القران الكريم كما اكد الكثير من الباحثين، لكن مع ذلك يمكن ان يكون الدين اداة للتخلف والدمار، اذ فسر بطريقة تخدم المصالح الشخصية او لغرض التعصب القبلي او للأمور السياسية) أن الدين عند وايتهد ينطلق من تعميم الحقائق النهائية، والتي يجري ادراكها في تجارب ذاتية منفردة، وهذا الحقائق تتطور الى نظام متسق، وتستخدم في تفسير الحياة وفهمها، فأن تقدم الحقيقة او الدينية انما هو في الحقيقة و بشكل رئيسي تقدم في تشكيل المفاهيم وفي تجنب الانحراف نحو تجريدات مزورة او مجازات، وفي تطوير تصورات تمضي بأتجاه اعماق الواقع فهمآ وحكمآ، والدين يصر على ان العالم يتضمن نظامآ معرضآ للتبدلات في الاشياء، والذي يقود في النتيجة الى القيمة الذاتية، وهذا النقطة بالذات هي التي يتناساها العلم دائمآ. ويرى ايضآ ان العلم لايستطيع الاستغناء عن الميتافيزيقا، لأنه لايستطيع الاكتفاء بالوصف السطحي للظواهر ولو موقتآ، فالميتافيزيقا هي العلم الذي يطمح لأكتشاف الافكار العامة والتي تكتسب أهمية فائقة عندما نعمد الى تحليلها، وان الدين يحتاج الى دعامة ميتافيزيقية، وذلك لأن سلطته تظل مهددة بالأحاسيس القوية التي يشيرها، وهذا المشاعر هي تعبير عن نوع حي من انواع الخبرة، لكن هذا المشاعر تظل ضمانآ ضعيفآ للتفسير الذي يمكن اضافته اليه. اذ الميتافيزيقا هي امر وصفي، ولذا فأن نقاشها بهدف اختبار دفتها وصوابيتها يبقى ضروريآ لكنها تبقى ظاهريآ في نطاق الوصف. (يبدو ان وايتهد يؤمن بوجود الميتافيزيقا، لكن البرهان العقلي على وجود الميتافيزيقا هذا امر غير وارد)

يرى وايتهد ان الله(جل جلاله) يظل خارج العقلانية، وانه لايمكن الاستدلال عليه أو البرهنه على وجوده، وان الله(جل جلاله) هو ضمانة النظام في الكون والعالم، والنظام نفسه فيه العناصر المادية التي تجري فيها العمليات الخلاقة بأتجاه التطور الى الاعلى او البقاء في الحد الادنى من التطور وبالتالي الزوال، والله(جل جلاله) ليس هو العالم، مثلما تقول الرؤية الشرقية ورؤية وحدة الوجود، لكن هو قيمة العالم ومعناه، وهو يحضر في العمليات الخلاقة، كما انه الذي بحكمته يشترط ويحدد كل اشكال النظام، اذ ان الله(جل جلاله) يظهر في الاشكال المنظمة وذلك نابع من كونه رياضي وفيزيائي، الله(جل جلاله) هو مقياس الديمومة في هذا العالم، وفي تأثيره الخلاق تظهر استقامه منطقية معينة، والنظام هو علة هذا العالم، وليس صحيحآ انه يمكن ان يكون هناك عالم واقعي، يشكل مصادفة نظامآ للطبيعة، اذ هناك عالم حقيقي لأن هناك نظامآ للطبيعة. والنظام هو دليل كافي لأثبات وجود الله، فالنظام لابد ان يكون وراءه حقيقة، والحقيقة الدينية تبحث عن النظام، والنظام ليس مصادفة، فليس هناك شيء حقيقي بدون قدر معين من النظام، والحقيقة الدينية هي عبارة عن ادراك هذه الحقيقة، وهي ان نظام العالم هو عمق واقع العالم، قيمة العالم في شموليته واجزائه، وان الكون هو ابداع مع حريات لاتنتهي وافق من الاشكال التي تثير الى امكانيات غير محدودة، بيد ان هذه العملية الابداعية وهذا الاشكال جميعآ ليست في المقام الملائم لتوصل الى الحقيقة بدون الانتظام المثالي وهذا الانتظام هو الله(جل جلاله) اذن الله(جل جلاله) في العالم هو المنظر او المشهد الضروري للطريق التي تقود الى العمق الواقعي، وهو الفاعل في العالم، واستنادآ الى هذا الفعالية تتحدد غايتنا واهدافنا التي تكون وعينا ومن اجل مصالحنا بدون استباق ولا افتئات، انه العنصر او العامل في الحياة، والذي يقدر على اصدار احكام تتجاوز وقائع الوجود الى قيمة الوجود، أنه الذات الذي يقدر على مد رؤانا عن القيم الخاصة، وهو العالم الفاعل القادر على تحويل تلك القيم التي يحملها الاخرون الى قيم لنا، وبدون الله(جل جلاله) لا امكان لقيام العالم واستمراره، وبذلك ان الله(جل جلاله) ليس هو العالم بل هو قيمة العالم.

والشر عند وايتهد غير مستقر في الدنيا ، وذلك ناجم عن طبيعة الدنيا الغير متطورة والمعاكسه للمثالات والاشكال العالية، وهو وان لم يوافق ديكارت في ان الشر عرض والخير جوهر، وبالنظر لطبيعة الله(جل جلاله) فأنه يضع في ثقته في امرين، العملية الخلاقة اوالتطور المستمر او الخلق المستمر بأتجاه الاعلى وبضمانة الله (جل جلاله) وعنايته. اما السحر فيفرق وايتهد بين السحر والدين، فأذا كان البطل شخصآ فأننا نسمي الشعائر والطقوس التي تقام دينآ، اما اذا كان البطل شيئآ فأننا نسمي ذلك سحرآ، وفي الدين المرء المتعبد يتصرف بأعتبار تعبده الطقسي هو الذي يحدث الاثر المتوخي، اما اذا كان الامر سحرآ، فأن المتعبد يعتبر مايقوم به مرغمآ على احداث الاثر، اذن الفرق بين الدين والسحر، السحر لاينظر الى الامام، بينما الدين يشكل تقدمآ او نظرة الى الامام.

 

حيدر جواد السهلاني

......................

ينظر ألفرد نورث وايتهد: كيف يتكون الدين، ترجمة رضوان السيد.

 

بليغ حمدي اسماعيلمَاذَا تُمَثِّلُ لَنَا اللُّغَةُ ؟: إنَّ لِلغةِ دَوراً مُهِمَّاً في حَيَاةِ الشُّعُوبِ الإنْسَانيَّةِ؛ فهِي أداةُ التَّفْكِيْرِ والتَّعبيرِعن حَاجَاتِ الإنسانِ وأحَاسِيسِه وعواطِفه مُنذ أقدمِ العُصُورِ حَيث لا يستطيع الإنسانُ أنْ يُفكرَ بدونِ اللُّغَةِ. وهِي أداةُ اتصالٍ بين الأفْرادِ، فعَن طَريْق الكَلامِ والاسْتِمَاعِ يَسْتَطِيع أفْراد الجَمَاعَةِ تَعَرُّفَ ما لَديهم من أفكارٍ ومعارف وآراء ومَشَاعِر.  وعَن طَرِيْقِ القِراءَةِ والكِتابَةِ يسْتطِيع الفَردُ أنْ يخرجَ عن حُدودِ الجمَاعةِ الصَّغِيرةِ ويتصل بالمجْتَمعِ الكَبيرِ ليحققَ مطالِبَه.

وتُعتَبر اللُّغةُ مِرآةً صَادقةً تَعكس صُورةً واضِحَةً لما عَلَيه الأفْرَاد فِى المجْتَمعِ، من ثَقافةٍ ونظم ٍوعاداتٍ وتقَاليد واتجاهات.  ومِن خِلالِها يَتَذوق جَمَالَ التَّعبيرِ، وهِي أداةُ التَّأثيرِ والإقناعِ ووسِيلة لتَحصيلِ الثَّقافاتِ والمعَارفِ . فاللغةُ هي الوعاءُ الذي يحفظ مِيْراثَ الأمةِ وتَاريخها الفِكريِّ والثَّقَافي والفلسفي والديني، وتعتبر عنصراً من العَناصرِ التي تَتحكم في سُلوكِ الفَردِ فهي جزءٌ مِن كيانه لا يستطيع الاستغناء عنها فهو يستخدمها كَما يَستخدم الماءَ والهواءَ وإن لم يُدرك مكنونها وأهميتها وتعقيداتها.

ولُغتُنا العَربيَّة لُغَةٌ عَرِيْقةٌ عَظيمةُ القَدرِ والمنزلة، يكفي شَرفاً أنها لغة القرآن الكريم وشرفها بأنْ جَعلَ اللُّغةَ العَربيَّةَ لِسان رسَالةِ الإسْلامِ، ولم تكن لتحْملَ مَشَقةَ هذه الرِّسَالة لولا المميزات التي منحها الله لها والتي امْتَازتْ بها عن سَائرِ اللُّغاتِ . كما أن الله تعالى أكرم اللغة العربية وبلغت بإكرامه ذروة المجْدِ والكَمَالِ والمنزلة العَظيمة لم تصلها أى لغة فى العَالم، لا فى مَاضِيها وحاضِرهَا ومستقبلها.وذلك لأنَّ الله سبحانه أنزل بها لغة القُرآنِ الكريمِ الذى جاء للبشرية كافة،مما أكسبها صِفة العالمية،  يقول تَعالى: (إنَّا أنْزَلْنَاه قُرْآناً عَربِيَّاً لَعَلكم تَعْقِلُون) (يوسف: 2) .

ويقول أبو الفَتح عُثمان بن جني (1960) عن اللُّغةِ العَربيَّةِ: " إنني تَأملت حَالَ هذه اللُّغة الشَّريفة الكَريمة اللَّطِيْفَة، فوجدت فيها من الحِكْمةِ والدِّقَّة والرِّقَة، ما يملك على جانب الفكر، حتى يكاد يطمح به أمام غلوة السحر، فعرفت بتتابعه وانقياده على بعد مراميه وآماده، صحة ما وفقوا لتقديمه منه، ولطف ما أسعدوا به، وفرق لهم عنه، وانضاف إلى ذلك وارد الأخبار المأثورة بأنها من عند الله، فقوى في نفسي اعتقاد كونها من الله تعالى، وأنها وحي" .

ويُؤكِّد ابن فارس أنَّ لغةَ العربِ أفضل اللُّغاتِ وأوسعها، قَال تعالى  (بِلِسانٍ عَرَبيٍّ مُبِيْن) (الشعراء -195)، فوصفه بِأبلغ مَا يوصف به الكَلام وهو البَيَان، وقال تعالى: (خَلَق الإنسان . عَلَّمه البيان) (الرحمن – 3، 4) .

وقد تَأكد أنَّ القرآنَ الكَرِيم هو الكِتاب الوَحيد الذي احْتفظ بلغتِه الأصْليَّةِ وحفظها علَى قيدِ الحياةِ، وسيحفظها على مرِّ الدُّهورِ، وستموت اللُّغات الحية المنتشرة اليوم في العالم، كما ماتت لغات حيَّة كثيرة في سَالف العصورِ، إلا العَربية فستبقى بمنجاةٍ من الموتِ وستبقى حيةًّ في كلِّ زمانٍ مخالفة النواميس الطَّبِيعيَّة التي تَسري على سَائرِ لُغاتِ البَشرِ، ولا غرو فهي متصلة بالمعجزة القرآنية الأبدية، فالكتاب العربي المقدس هو الحصن الذي تحتمي به اللغة العربية وتقاوم أعاصير الزمن وعواصف السياسة المعادية ووسائلها الهدامة.

اللغة العربية وتحديات البقاء:

ووصلَ الحَالُ بلغتِنا العَربيَّةِ -لغةِ القُرآنِ الكَريمِ- أنَّها أمْسَتْ تُواجهُ تَحَدِّياتِ البَقاءِ، وأصبحتْ تُكافحُ شَبَحَ الفناءِ، وقدْ أحسنَ منطمو هذا المؤتمرِ العلميِّ بعقدِهِ في هذا الوَقتِ المأزومِ، تحتَ هذا العنوانِ الدالِّ بِذاته على خُطورةِ الحالِ التي هَوَتْ لُغةُ الضَّادِ إليه؛ بِتقصيرِ أصحابِها وغفلتِهم، وكيدِ أعدائها وتَربصِهم!! .

وقد شهد في الجَامعات، ضَعفاً مَلحُوظاً في أوساط الطلبة في اللغة العربية؛ ضعفاً علمياً ووظيفياً؛ في القراءة والكِتابة والتَّعْبير والاسْتيعاب والتواصل، وفي تحصيل علوم اللغة العربية، وفي الإقبال عليها. وقد زادت مشكلة ضَعفِ الطلبة في اللغة العَربيَّةِ وتَفشَّتْ حَتى أصْبحَت ظَاهرةً مُقلقةً من ظَواهر التَّردِي الثَّقافي والعِلمِي الذي يلف أمَّتنا العَربية مِن المحِيطِ إلى الخَليجِ.

وفي حقيقةِ الأمر، فإنَّ الشَّكوى من تدني مُستوى الأداءِ اللُّغَوي لَدى بعض المتحدثين بِاللغةِ العربية قَديمة ولَيسَتْ بالحديثة. فقد لاحَظَ ابْن الجوزي شيوعَ اللحنِ في عصره، مما دفعه إلى تأليفِ كِتابه "تقويم اللِّسان"، حيث قال في مقدمته: "إني رأيت كثيراً من المنتسبين إلى العلمِ يتكلمون بكلام العوام المرذول جرياً منهم على العادة، وبعداً عن علم العربية، فعزمت على تأليف كتابي هذا.

كما أن ما لاحظه ابن منظور من ذيوع اللحن في العربية كَان سبباً في تأليف كتابه العظيم "لسان العرب"، إذ يقول في مقدمته: "وذلك لما رأيته قد غلب في هذا الأوان من اختلاف الألسنة والألوان، حتى لقد أصبحَ اللَّحن في الكلام يعد لحناً مردوداً، وصار النطق بالعربية من المعايب معدوداً، وتنافس الناس في تصانيف الترجمانات في اللغة الأعجمية، وتفاصحوا في غير العربية فجمعت هذا الكتاب في زمن أهله بغير لغته يفتخرون".  .

مشكلات تعليم اللغة العربية:

من خلال الاطلاع المستمر على كتابات الأكاديميين اللغويين وجدت أن الطرح الثقافي المتسلل في السياق يدور بهوس شديد في فلك العلاقة التاريخية بين الهوية واللغة، الأمر الذي لا يحتاج إلى مراجعات أكاديمية مكرورة بفضل الشهود الحضاري للغة ذاتها، وتظل ظاهرة عولمة الثقافة والاقتصاد عالقة بأذهان هؤلاء وحدهم يبحثون عن سبل يقين لمواجهة تحديات العولمة في الوقت الذي ينبغي أن تتراهن الجهود بعد تكاتفها في البحث عن مساحات وظيفية حقيقية لممارسة اللغة بصورتها الصحيحة الفصيحة .

ومسألة الريادة الحضارية من المباحث اللغوية التي أرهقت أباطرة التنظير اللغوي بعيدي الصلة عن تطبيقاتها الفعلية، وهؤلاء المُرْهَقُون أزهقوا روح اللغة بالبحث عن ضرورة للحاجة اللغوية وتوصيف مهاراتها مقارنة بلغات أخرى غير مرتبطة لا في الطبيعة الصوتية أو الصرفية فقط من باب الدراسات اللغوية المقارنة الباهتة عديمة النفع، وكان ينبغي على هؤلاء المهمومين بتنظير اللغة وتعقيدها بعد تقعيد قوانينها الحاكمة الاهتمام بالمنتج اللغوي الذي يظهر في الكتابة أو التحدث، وعلينا ألا ندفن رؤوسنا في رمال الصحراء الغربية الشاسعة ونحن نستقرئ ملامح الإنتاج الكتابي لدى بعضنا البعض لاسيما في مؤسساتنا التعليمية، كذلك علينا ألا نذهب صوب البحر طلبا للغرق ونحن نستمع إلى حديث الشباب ببعض الفضائيات الفراغية نسبة إلى الفراغ .

ولطالما اجتهد المخلصون والقائمون على أمر العربية في تعضيد الفكرة القائلة بأن النهوض بالممارسة اللغوية  ـ لا اللغة ـ يحتاج إلى تدخل رسمي مباشر من حكومات الدول العربية، لكن تظل مشكلة ممارسة اللغة احتفالية أو يتم استخدامها بصور رسمية تخضع لبروتوكولات مقيدة في الاجتماعات أو المؤتمرات أو المحافل ذات الصبغة الأكاديمية رغم أن ممارسة اللغة بصورتها التداولية أمر بسيط ويسير ولا يتطلب جهدا أو مشقة .

ولاتزال جهود الحكومات واللغويين منحصرة وقاصرة على كيفية مواجهة حملات التغريب الاجتماعية التي تجتاح مجتمعاتنا العربية بفضل استلابها للتيارات الوافدة، وأصبحت القضية الأكثر حضورا وشهودا هي كيف يمكن للغة العربية بأنظمتها التوافق مع إحداثيات العولمة ثقافيا واجتماعيا ؟ . هذا الصراع أدى بالقطع إلى نشوب حرب باردة بين اللغة وأهلها من ناحية، وبين اللغة والنظريات الثقافية الأجنبية من ناحية أخرى، وصار الصراع ليس من أجل ريادة اللغة وشهودها الحضاري كما كانت عليه منذ قرون، بل من أجل البقاء .

مَشَاهِدُ مُعَاصِرَةٌ:

هذا البقاء هو الذي دفع مجمع اللغة العربية في أبريل 2015 أن تعقد مؤتمرا لغويا دوليا تحت عنوان " اللغة العربية وتحديات البقاء "، ولقد شرفت بالمشاركة في فعاليات هذا المؤتمر المنعقد بمجمع الخالدين ليس دفاعا عن اللغة، ولا عن البحث عن آلية لمواجهة النظريات الثقافية المؤدلجة والتي تحاصر اللغة العربية منذ سنوات ليست ببعيدة، بل من أجل اكتشاف لحظة راهنة وسريعة لتوظيف اللغة ومهاراتها بصورة تداولية تمكن المواطن العربي من التحكم بها قراءة وكتابة واستماعا وتحدثا، هذا الدافع الذي ينبغي أن يجد صدى ورواجا لدى المؤسسات اللغوية الأكاديمية التي بحاجة إلى ثمة سلطات واسعة لتطبيق اللغة في كافة الأوساط المجتمعية ولا تعد قاصرة الاستخدام في قاعات للبحث والتدارس .

وإذا كانت العولمة تتفاخر وتتباهى بأنها سمحت للإنسانية الثقافية فرصة التعدد والاختلاف الثقافي، فإن اللغة العربية ـ وحدها ـ كلغة إنسانية انفردت بقرون بعيدة زمنيا بعدم الإكراه الثقافي لها وسط شعوب وأمم لا تتحدث العربية، بل إن انفراد اللغة وريادتها الحضارية وصلت إلى ذروة الشهود بدخول ملايين البشر إلى الإسلام دون كونهم يتحدثون العربية أو يجيدونها . فالمستشرق جرونباوم  يقول فى مقدمته لكتاب "تراث الإسلام: "إن اللغة العربية هى محور التراث العربى الزاهر، وهى لغة عبقرية لا تدانيها لغة فى مرونتها واشتقاقاتها، وهذه العبقرية فى المرونة والاشتقاق -اللذين ينبعان من ذات اللغة- جعلتها تتسع لجميع مصطلحات الحضارة القديمة؛ بما فيها من: علوم، وفنون، وآداب، وأتاحتْ لها القدرةَ على وضع المصطلحات الحديثة لجميع فروع المعرفة" .

نهايات التربية اللغوية العربية:

نقطة الصفر الغالبة على سياساتنا التربوية تجعلنا نؤكد على ملمح رئيس للتربية العربية التي تشارف على النهاية ؛ أحادية الرؤية التربوية، فمشكلة التخطيط لا تزال تقف عند عائق الأحادية وجنوحها بغير اكتراث أو اقتناع للأخذ بفكرة المشروع الجماعي للتخطيط، حتى ورش العمل والندوات الجمعية التي تعقد ليل نهار بمؤسساتنا التربوية العربية نجدها تدور حول فكرة محددة سابقا وهو أمر محمود، لكن غير المحمود أن هناك ثمة محاور ثابتة لا يمكن الخروج عنها رغم كوننا نردد صباح مساء بضرورة إمطار الأدمغة وتكريس ثقافة العصف الذهني للرؤى والطروحات النقدية البناءة .

ولا يمكن اقتناص أزمة المؤسسة التربوية العربية في المنتفع الأول بها، ألا وهو الطالب نفسه، الذي يظل المصطلح حائرا على تسميته ؛ فمرة يدعى طالبا، ومرة أخرى تلميذا، ومرة ثالثة متعلما بحجة الالتزام بتطبيق استراتيجيات التعلم النشط . وهو في الحقيقة رغم شغبه واستمرائه الفوضى مسكين يستحق الشفقة ؛ لأنه ضحية بعض الإدارات التعليمية الفاشلة التي قد تعاني من فقر الإعداد التربوي المهني، ومعلم خائب لم يكترث بالحصول على درجات علمية تتخطى حاجز الشهادة الجامعية الأولى، ومناهج بائسة انتهت صلاحيتها التعليمة في ظل عالم تربوي متسارع ومتصارع معرفيا ومهاريا.

وإذا كنا نتحدث عن نهاية وشيكة للتربية اللغوية إذا ما لم نتحرك بصورة سريعة لجعل اللغة أكثر وظيفية،  فإن هذا يدفعنا إلى تحديد أبرز عوامل النهاية، وهو التغيرات التربوية المفاجئة والمتسارعة، فإذا كنا نعتقد بأننا على اتصال مستدام بالفكر التربوي الغربي فإن هذا الاتصال حقيقي فعلا لكنه بات اتصالا متأخرا زمنيا، فالترجمة التربوية عادة تقتصر على أطروحات أكاديمية مقرها ومقامها الرسائل العلمية التي لا توظف في ميدانها الحقيقي، وحركة الترجمة تتجه غالبا في هذه الأحايين إلى مجالات الطب والهندسة والفيزياء وكثيرا ما يكون الاتجاه صوب ترجمة إنسانيات النظريات النقدية أو تحليل النفس الإنسانية إلى مكوناتها التي لو فكر المترجمون قليلا لوجدوا علاج النفس وأصول تفسيره في القرآن الكريم .فالترجمة بالفعل قائمة لكنها باهتة وتتناول ما أنتجه العقل الغربي منذ سنوات بعيدة، رغم علم القائمين على القرار التربوي بأن التربية اليوم متسارعة وتصعب متابعة كل جديد بها .

ووجود حركة بطيئة للترجمة، مع تزامن عقدة التخطيط الصفري التي أشرنا إليها منذ قليل، يجلعنا نقف أمام ظاهرة تربوية عربية وهي تقليدية الإدارة، فإذا كان القرار التربوي الفوقي في بعض الأنظمة التعليمية العربية لا يهتم بفكرة التخطيط للمستقبل أو جماعية اتخاذ القرار، فإن الإدارة التنفيذية التي تدير المشهد التعليمي على مستوى المدرسة تتسم بالتقليدية وغياب الحضور عن الاستخدام الإلكتروني، والاستخدام الإلكتروني لا يعني أن المدرسة بها معمل يشتمل على كثير من أجهزة الحاسوب المتطورة فالأمر لا يتعد حد الاستخدام والاستهلاك لا الإنتاج أو تطوير التقنية ذاتها . لكن الإدارات التربوية المعاصرة تطبق اليوم فكر الإدارة إليكترونيا وتسعى لربط المؤسسة التعليمية بالطلاب والمجتمع والمؤسسات ذات العلاقة بالتربوية عن طريق شبكة معلوماتية متخصصة تسهم في رفع الوعي المعلوماتي والمهاري لدى العاملين بالمدرسة وبالتلاميذ وتجعل شركاء المجتمع على علاقة وطيدة بإحدى المؤسسات الوطنية ألا وهي المدرسة .

حسنا، هذا هو العرض في الإدارة، فماذا عن العلاج ؟ العلاج يبدو بسيطا عن طريق تفعيل الإدارة الإلكترونية من ناحية، ومن ناحية أخرى يكمن العلاج في سؤال فعن طريق الأسئلة يعمل العقل ويتفجر بالإبداع، والسؤال هو: ماذا يحدث لو جعلت المدرسة طلابها يشاركون في إدارة المدرسة ولو لمدة يوم واحد كل أسبوع ؟ ليس الأمر بكارثة لأننا في الأصل نجرب ونطور ونعدل ونحذف هذا ونعيد تجديد هذا، وشراكة الطلاب في الإدارة سيجدد شبابها ويحيي شرايينها المتصلبة .

التربية اللغوية ورهانات المستقبل:

وإذا كانت المؤسسات السياسية العربية تسعى منذ وقت إلى التأكيد على قيم الوطنية والعمل الجاد وتوافر الهمم لدى المواطنين الأمر الذي نجم عنه تدشين مشروعات عربية خالصة التخطيط والتنفيذ وتحقيق النجاح أيضا مثل قناة السويس الجديدة على سبيل المثال وغير ذلك من ملامح تستدعي الالتفات وتسترعى الانتباه، فإن المؤسسات التعليمية والثقافية العربية  بات من أولوياتها الآن بعد شهود استقرار أوضاعها السياسية والاجتماعية الأخذ بمبادرة تعليمية عربية تطبق ولو لمدة بسيطة تعقبها مسابقة بين المؤسسات التي تستخدم اللغة الفصيحة بصورة وظيفية .

الأجمل والأرقى والأروع والأدهش حقا حينما أخبرني طلابي بمأساة اللغة الوظيفية، تلك المأساة التي يمكن رصدها واقتناصها في مسابقات غنائية تضرب بالوطن العربي من المحيط القارس إلى الخليج الأكثر دفئا، وهذا الهوس العجيب في اهتمام والتفات الشباب حول تلك المسابقات التي لا تخرج لنا بالفعل صوتا غنائيا حقيقيا، وكان العلاج السحري والحصري لمشكلة تآكل استخدام اللغة الفصيحة وظيفيا هو إطلاق مسابقة وطنية لغوية في المفردات اللغوية ذات الشجرة أو العائلة اللغوية المتماثلة أو المشتركة، وكذلك مسابقة أخرى في المتضادات اللغوية والاشتقاق اللغوي للمفردات .. جميل حقا أن نرى بعضا من أحلامنا المشروعة تتحق وتجري على أرض خضراء، أقصد لغة سائغة تنطلق من ألسنة عصماء .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

كلية التربية ـ جامعة المنيا

.........................

المراجع

- بليغ حمدي إسماعيل (2015): مِنْ مُشْكِلاتِ تَدْرِيْسِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وطُرُقِ عِلاجِهَا عَلى المُسْتَوَى الجَامِعِيِّ دِرَاسَةٌ تَطْبِيْقِيَّةٌ عَلَى عَيِّنَةٍ مُخْتَارَةٍ مِن طُلابِ كُلِّيَّتَيّ التَّرْبِيَةِ ودَارِ العُلُوْمِ بِجَامِعَةِ المِنْيَا. (مُؤتَمَر اللُّغة العَربية وتحَديات البَقاءِ ـ مجمع اللغة العربية بالقاهرة ـ المَعْهَدُ العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن ـ أبريل 2015 م).

- تشومسكي (1996):  اللغة والعقل، ترجمة بيداء العلكاوي، دار الشئون الثقافية العامة، بغداد- العراق.

-  جودث جرين (1990): التفكير واللغة . ترجمة: عبد الرحمن بن عبد العزيز.الرياض

- ابن خلدون (1981): مقدمة ابن خلدون. القاهرة. دار نهضة مصر. الطبعة الثالثة.

- داود عبده  (1979): نحو تعليم اللغة العربية وظيفياً . مؤسسة دار العلوم ـ الكويت. ط1

-  ربيكا أكسفورد (1996): استراتيجيات تعلم اللغة. ترجمة السيد محمد دعدور. مكتبة الأنجلو    المصرية . القاهرة.

- مجمع اللغة العربية (1972): المعجم الوسيط .بيروت. دار إحياء التراث العربي.

- مجمع اللغة العربية (1990): المعجم الوجيز. القاهرة. الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية.

- محمد بن أبي بكر الرازي (1993): مختار الصحاح. بيروت. مكتبة لبنان.

 

علي اسعد وطفة"أعني بالحكمة: النظر في الأشياء بما تقتضيه طبيعة البرهان" أبن رشد.

يحاول أفلاطون عبر "أسطورة الكهف" أن يحدد لنا طبيعة العلاقة بين عالمي الظلام النور. في هذه الأسطورة يحدثنا أفلاطون عن كهف مظلم فيه أسارى مثقلون بأصفادهم مشدودين بأغلالهم يستمتعون بالنظر إلى غور الكهف حيث ترتسم لهم ظلال وأشباح تلقيها نار مشبوبة في الخارج، وهم يخالون ما يرونه على الجدار من إسقاطات وخيالات وأظلة وأشباح حقائق كونية لا تحول ولا تزول. وحين يتاح لأحد الأسرى (وهو الفيلسوف المنور) أن يتحرر من أغلاله وأن يكسر أصفاده ليخرج من بوابة الكهف، فيرى ضياء الشمس حقيقة مشرقة بضيائها وسحرها الكوني، يعود إلى الكهف ليساعد المخدرين بالأوهام على تحطيم أغلالهم وتبديد أوهامهم والخروج من عالم الظلام إلى عالم الحق والجمال والخير والنور، يأبى المنومون ويرفضون الخروج لمواجهة الحقيقية ورؤية النور ويفضلون البقاء في ظلام الكهف تحت سطوة أهوائهم وغرائزهم وأوهامهم على العيش في الأنوار التي تفيض بها شمس الكون الساطعة.

هذه الأسطورة الأفلاطونية تكاد تختصر قصة الصراع الوجودي بين النور والظلام بين العقل والجهل، وتكاد تحكي لنا قصة التنوير في مختلف أصقاع الحياة الإنسانية. ولكن ما قد فات أفلاطون أن بعض الشعوب استيقظت وخرجت فرادى وزرافات إلى عالم النور والتنوير، بعض الشعوب خرج إلى عالم النور والتنوير وكثير منها ما زال يعيش في فضاء الظلام والأوهام. وما يمكننا قوله أن بعض الحكماء الذين خرجوا من العتمة ومن عمق الظلام استطاعوا أن يوقظوا شعوبهم بقوة الحجة وسحر البيان على خلاف الفيلسوف الأفلاطوني الذي انكر أمام إرادة النزوع الجماهيري إلى الجهل والظلام.

التنوير كما تدل أسطورة أفلاطون هو الحالة التي يدك فيها الإنسان جدران الأوهام، ويخرج من دائرة الظلام ليدمر أركان الوصاية على العقل بوصفه الجوهر الإنساني في الإنسان. إنها الوضعية التي يخرج فيها الإنسان من دائرة الخرافات والأوهام والسحر والأساطير ليحطم كل أشكال العطالة والجمود الإنسان مقاليد الوصاية على العقل، بل هي الحالة التي غالبا ما يستخدم مفهوم التنوير للإشارة إلى سيادة العقل وبرهانه، إذ تكون إمامة العقل وسلطانه المطلق فلا يعلو على العقل إلا العقل نفسه في الحضارات الإنسانية المضيئة، ولذا غالبا ما يقترن مفهوم العقل بمفهوم النور أو التنوير في الحضور والغياب، ويقابل هذا الاقتران الكبير والجوهري بين الجهل والظلام، وضمن توجهات هذه المعادلة يكون حضور العقل حضورا للتنوير وغيابه حضورا للجهل والظلام. ومن الواضح تاريخيا في هذا السياق أن حضور العقل والعقلانية كان في أصل كل حضارة وتقدم، حيث كان العقل وما ينتجه من حكمة وعلم وبرهان هو أداة الإنسان في السيطرة على الكون وإخضاع الطبيعة بكل مقدراتها لسيادته وهيمنته. فالعقلانية هي التي منحت الإنسان القدرة على التحرر من غوائل الطبيعة والانتصار على كل أشكال الضعف والقصور من أجل بناء حضارة الإنسان والإنسانية.

لقد أطلق المؤرخون على العصر الوسيط في الغرب عصر الظلام وأحيانا عصر الظلمات لأنه العصر الذي هزم فيه العقل وانتصرت الخرافات والأوهام التيولويجية من كل حدب وصوب ومكان. ثم جاء عصر الأنوار في القرن الثامن عشر ليسجل العقل الغربي انتصاره الكبير على الأساطير والخرافات والأوهام، فانتصر الإنسان الغربي على الوهم وانتصرت فيه الدلالة الإنسانية فتشكلت الحضارة على ركائز العلم والمعرفة الإنسانية فأصبح الإنسان السيد المطاع في الكون حيث أخضع الطبيعة لبرهان العقل والعلم فشيد ممالكه الحضارية علما ومعرفة وقوة وأنسنة.

وعندما نتأمل ملياً في القرن الثامن عشر، في عصر التنوير تحديدا، يمكن أن نرى عن كثب الكيفية التي انطلق بها العقل ليحطم أصفاد العبودية، ويحضّر العالم الغربي لأعظم حضارة عرفتها الإنسانية في العصور الحديثة. هذا التاريخ - بما ينطوي عليه أحداث وفعاليات وآليات اشتغال- يعلمنا الكيفية التي تنتصر بها الحضارة والكيفية التي ينبثق بها النور من عمق الظلام. إنه يعلمنا أسباب التصدع الحضاري وانهيار الحضارات، كما يعلّمنا أسباب التقدم والازدهار، كما يعلّمنا أن غياب العقل يرمز إلى غياب الحرية، وأن غياب الحرية يعني موتا شاملا لنسغ الحق والعدل والخير والجمال.

والسؤال الكبير الذي يطرح نفسه أين نحن العرب اليوم من أسطورة الكهف عند أفلاطون؟ أين نحن من عصر الأنوار في صورته الزاهية؟ هل ما زلنا في قعر الظلمات وقاع والأوهام؟ أم أننا استطعنا الخروج أفرادا وجماعات إلى عالم الحق والنور والخير والجمال؟ وما الدور الذي قام به المفكرون العرب لإخراج العقل العربي والإنسان من عالم الظلام إلى عالم الحق والخير والفضيلة والجمال؟

إنها حالة مأساوية في حقيقية الأمر عندما نستعرض الواقع لتقديم إجابات موضوعية حول هذه التساؤلات الحضارية المريرة! حيث تأخذنا المؤشرات الإحصائية العالمية الموظفة عادة في قياس مدى تقدم الأمم وتحضرها إلى استحضار صورة التخلف التي تعيشها أمتنا العربية في مختلف مستويات الحياة والوجود، فالمجتمعات العربية تصنف وفقا لهذه المؤشرات بين أكثر المجتمعات الإنسانية تخلفاً وجهلاً وعسكرةً وتسلطاً ودمويةًً واستبداداً وغرقاً في مستنقعات الظلام. فالدول العربية تأتي دائما في أدنى سلم التحضر الإنساني من حيث التعليم والإبداع والبحث العلمي والتصنيع والديمقراطية وحقوق الإنسان !

وبعيدا عن هذه المؤشرات المقننة بخلفياتها السياسية وتنوعانها المنهجية، تكفي وقفة تأمل خاطفة في واقع الحياة العربية المعاصرة لتكشف لنا ظلامية المشهد الذي يرتسم على صورة غياب مخيف لكل معطيات العقل والعلم والابداع والعقلانية في حياتنا الثقافية والاجتماعية، حيث تنوء الثقافة العربية اليوم تحت أثقال التشبع بأعظم خرافات العصر وأوهام الوجود.

إنها صورة صادمة حقاً، عندما نتأمل في مدى غياب العقل والنقد والتنوير والعقلانية في العقلية العربية، وفي مستوى انحسار العلم وتراجع المعرفة العلمية والنظرة العقلانية إلى الوجود، وهذه الصورة تكون أكثر صدماً ومأساوية عندما نتأمل في مستوى الانحدار الأخلاقي والقيمي، وفي مستويات انتشار الفساد والرشوة والتسلط والظلم والخرافة والأوهام والتعصب والتسلط والطائفية والحروب الدموية والانقسام، وغياب حقوق الإنسان، وتغييب حقوق المرأة والطفل، إنه عالم متخلف بنيوي التخلف بامتياز.

لقد أبلى المفكرون والباحثون في الكشف عن عوامل هذا التخلف الأسطوري الذي تعيشه الأمة اليوم، وقد أجمعت غالبيتهم أن غياب العقل وتغييبه كان أبرز عوامل تخلف هذه الأمة وأكثرها أهمية وخطورة، وقد بين كثير منهم أن تخلف هذه الأمة يتم تحت تأثير استبداد سياسي يقوم على محاصرة العقل والعقلانية بتغييب كل أشكال الحرية والديمقراطية وإخضاع الأمة لحالة من الاستبداد الوجودي الشامل.

فالعقل العربي وتحت تأثير جملة من العوامل غارق في الظلمات منذ أكثر من ألف عام أي: منذ اللحظة التي تولى فيها  أبو الفضل جعفر المتوكل على الله الخلافة العباسية في عام 847 ميلادية، حيث يكاد يجمع كثير من المؤرخين على أن هذه اللحظة تشكل بداية فعلية لانحطاط الحضارة العربية الإسلامية، وقد بلغ هذا الانحطاط جلله في اللحظة التي سقطت فيها بغداد عاصمة الأنوار بيد المغول عام 1258، ومنذ ذلك التاريخ لم تشهد هذه الأمة نقلة حضارية حقيقية، وبقيت حتى اليوم غارقة في لجة الظلام.

وفي مواجهة هذه الوضعية المتردية، حاول المفكرون والمصلحون العرب، منذ عصر النهضة حتى اليوم، اختراق جدار الظلام الحضاري للأمة، وتفجير أعتاب العتمة الوجودية التي لحقت بها، وفي دائرة هذه المواجهة الحضارية ولدت المشاريع التنويرية الكبرى التي أضاء شعلتها رواد النهضة الأولى أمثال: عبد الرحمن الكواكبي، ومحمد عبده، ورفاعة الطهطاوي، وبطرس البستاني، وجمال الدين الافغاني ولم تنقطع شعلة الأوائل حيث رفدتها جهود كبيرة لمنورين كبار محدثين من أمثال: محمد أركون، ومحمد عابد الجابري، وعبد الله العروي، وطيب تيزيني، ونصر حامد أبو زيد، وحسن حنفي، ومما يؤسف له أن المساعي التنويرية لهؤلاء المفكرين التنويريين لم تؤت أكلها، كما كان يتوخى أصحابها، وبقيت الأمة غارقة في الظلام. ويعود هذا الإخفاق إلى نسق من العوامل الموضوعية والتاريخية التي حالت دون نهوض هذه الأمة وتحضرها، وحالت دون استحضار الحالة التنويرية العامة في المجتمعات العربية على غرار الحالة التي شهدتها أوروبا في القرن الثامن عشر، إذ بقي الفكر التنويري سجين النخب، ولم يتحول إلى حالة تنويرية جماهيرية فاعلة في العالم العربي، وهذا يعني أن التنوير الحقيقي لم يلامس العقلية السائدة لدى الجماهير العربية، وبقي سجين دوائر النخب الضيقة، وهذا هو برأينا أحد أهم العوامل التي أدت إلى إخفاق النهضة وتراجع مشاريع التنوير في العالم العربي في الماضي والحاضر على حدّ سواء.

وضمن هذه الوضعية خفتت أضواء التنوير، وتراجع تأثيره، وبقيت الساحة الثقافية غارقة في العتمة، وأخذت هذه الوضعية الظلامية حضورها الكبير في مختلف مناحي الفكر والممارسة والعمل في الحياة الثقافية العامة للجماهير والنخب على حدّ سواء. ويمكن إيجاز هذه الوضعية بالقول :إن محاولات النهضة في العالم العربي أخفقت تحت تأثير الطابع النخبوي للتنوير فلم تستطع هذه المحاولات أن تخترق حجب الظلام فبقيت لحمة الجماهير العربية تحت سيطرة الغرائز والعواطف والميول البدائية المناوئة بطبيعتها لكل أشكال العقلانية والتنوير. وكانت قوى الظلام في هذا المشار أكثر قدرة على تدمير منصات التنوير، وحجب أضوائه، ومحاصرة مريديه، وتجريدهم من القدرة على التأثير حضاريا في الحياة والمجتمع.

وفي دائرة الصراع بين حركة التنوير وخصومها، أدركت القوى المناوئة للتنوير، أن التربية هي الوسيلة الأنجع في مواجهة الأضواء والأنوار وتكثيف الجهالة في العقول، فوظفوها بفعالية في عملية توليد عقلية جماهيرية متصلبة جامدة ظلامية من أجل المحافظة على وضعية الركود، وتمكين الجهالة الفكرية في عقول الجماهير العربية، ومن ثم العمل على إغراقها في مستنقع العتمة والظلام. لقد دأبت الأنظمة التربوية على تكثيف الجهالة في العقول عن طريق الشعارات المضادة للعقل والتفكير، لقد أفنى معلمونا في المدرسة أنفسهم وهم يعلمون الأطفال والناشئة أن يصبوا اللعنة على التفكير والعقل وأن يبرمجوا عقول الأطفال بالشعار المضاد للتجديد وقوامه: كل تجديد بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، والشعار المضاد للتفكير بالقول: من تفلسف تمنطق ومن تمنطق تزندق وكل زنديق في النار. لقد تعلمنا في المدرسة العربية أن التفكير حرام والسؤال جريمة أخلاقية وأن الفلسفة زندقة وأن العقل شيطان وأن العلماء ملحدون وزنادقة وكفار، عداك عن مئات الشعارات والأقوال المأثورة التي تمجد الجهل وتحقّر العلم وتزدري العقل.

وفي الوقت الذي آمنت فيه القوى الظلامية بأهمية التأثير في الجماهير واكتساح عواطفها ومشاعرها ومحاصرة عقولها، انقطع دعاة التنوير إلى عالمهم النخبوي، فلم يأبهوا كثيرا بالجماهير وقضاياها، ولم يحاولوا التأثير في مكونات تفكيرها وطبيعة نظرتها إلى الوجود، بل وعلى خلاف ما هو مطلوب منهم، أعلنوا في كثير من المواقف احتقارهم للعامة وازدراءهم لجهلها، فانقطعوا عنها، ليحيطوا أنفسهم بهالة عاجية وأبراج عليّة بعيدا عن الآخر والناس والمجتمع، إذ اكتفوا بالدوران حول أنفسهم في مدارات أخذتهم إلى نشوة السكر بملذات الأنوية وتضخم متورم في النرجسية؛ وذلك في الوقت الذي انصرف دعاة الفكر التقليدي المنغلق إلى التفاعل مع الآخر يستلبون عقله ويمتلكون عاطفته من أجل البناء لوضعية اجتماعية تساعدهم في تعطيل العقل والعقلانية وتحويل الشباب والمتعلمين إلى طاقة جمود وانغلاق ايديولوجي متشبع بتعنت التطرف في السلوك والوجود والحياة والعمل. وضمن هذه الممارسات الخبيثة الذكية لهذه القوى، أصبح المجتمع كتلة ايديولوجية منغلقة بعقلية بربرية صماء، تمت برمجتها كليا وفقا لأهواء أيديولوجية وتطلعات فكرية سوداء، تعاند كل ما هو مبتكر جديد، وتناهض كل ما هو عقلاني ومدني وتنويري وخلاق، وبرمجوا العقول البازغة على أبجدية الصد والرفض لكل ما هو نبيل وجميل وحضاري متمدن ضمن حالة من الجمود الذهني والانغلاق الأيديولوجي الذي أحال عقولهم إلى مجرد ردود أفعال عاطفية ووجدانية في مختلف وضعيات الحياة والوجود.

وهنا يجب علينا أن نعترف، ومن جديد، بأن القوى الظلامية فرضت وجودها في الساحة بقوة واقتدار، وأن هذه القوى تواجه وتصد كل المحاولات التي تمكّن المجتمع من امتلاك قدرته الإنسانية على النهوض والنقد والتنوير. وغني عن البيان أن هذا الاستلاب الظلامي يأتي وفق استراتيجيات متقنة فرضتها الأنظمة الاستبدادية الشمولية العمياء ورسختها القوى السلفية المتطرفة المنغلقة على أصول معادية للإنسانية فارغة هوجاء، وكلاهما – العلمانيون الشموليون والمتطرفون التقليديون - يريد تحقيق السيطرة السياسية والاجتماعية وفرض الهيمنة السياسية الظالمة في المجتمع ضمن نطاق الأفراد والجماعات على حدّ سواء .

وفي دائرة هذا الصراع المستميت على استباحة العقل واستلاب الوعي كان الحقل التربوي محالا للفعل والصراع، حيث عملت القوى الظلامية العلمانية منها والسلفية على انتزاع العقل وتدمير العقلانية في الحقل التربوي، وذلك من منطلق الإيمان بأن المؤسسات التربوية هي الأنجع في مصادرة العقل واستلابه. ومن الواضح بمكان اليوم أن القوى الظلامية والقوى ذات المزاعم الليبرالية كلاهما وظفا في التربية، واستثمرا فيها، من أجل السيطرة على العقول وتدميرها، ومحاصرة كل أشكال العقلانية، وتكثيف أيديولوجيا التجهيل، ومن أجل هذه الغاية عملت هذه القوى على تكثيف برامجها وتعزيز أنشطتها من منطلق الهيمنة على المؤسسات التربوية وتحويلها إلى منصات للقصف ضد العقول، فجعلوها قوة تعمل على تفريغ العقل من قدرته على التأمل والفعل أولا، ثم العمل على إعادة برمجته غرائزيا وعاطفيا بما يخدم مصالحهم وبما يساعدهم على تكوين قوة أيديولوجية هائلة لا يشق لها غبار.

ومن يلاحظ ويتأمل في الاستراتيجيات التربوية للأنظمة الشمولية، سيرى بأم العين كيف احتكرت هذه الأنظمة المؤسسات التربوية، ومنعت على غيرها من القوى السياسية الحضور في هذا الحقل الذي يعد حكرا على الأحزاب السياسية ذات الطابع الشمولي، كما كان هو الحال في سورية والعراق وليبيا. وهذا النهج نجده لدى الأحزاب والتيارات الظلامية المتشددة التي فرضت حصارها المطلق على مختلف مؤسسات التربية فجعلت منها أداتها الأيديولوجية الجبارة في السيطرة على الشباب والناشئة وتكوين عقلية ظلامية مخيفة بأبعادها الأيديولوجية.

ومع الأسف ومنذ عهد بعيد بقي معسكر التنوير الحقيقي هامشيا خارج سياق الـاثير في التربية، واكتفى اصحابه بالدوران حول الأنا النخبوية بما يكتنف هذه الأنا من نزعة نرجسية فاقدة للجاذبية والتأثير. ولم يستطع أصحاب هذا التوجه أن يشكلوا أي مدار مستقل أو اي ثقل كوني ففقد هذا التيار مع الزمن تأثيره، وخفت تنويره فأصبح خارج دائرة الفعل الاجتماعي يعيش حالة اغترابية بعيدة جدا عن مراكز التأثير والفعل والقرار الثقافي.

ومع الزمن وبفعل هذه العزلة التنويرية، تكاثفت في المجتمع عقلية سحرية خرافية ظلامية تنتفض إيمانا بكل أشكال الخرافة والأساطير، وتحولت إلى عقلية عمياء تتميز بخصائص الانصياع والاتباع والخضوع والقبول الصاغر لكل الإيحاءات التقليدية التي تفرضها نصوص وتعاليم مفرغة تماما من قيمتها وجداوها إلى درجة نجد أنفسنا اليوم في دائرة ثقافة جماهيرية استلابية بنيوية التخلف والمصير تعاند كل توجه عقلي وعقلاني.

ومن المدهش أن هذه الموجة الاغترابية استطاعت أن تدك معاقل التفكير لشرائح واسعة من دعاة الثقافة وحملة الألقاب والأكاديميين والمتخصصين والضالعين في حمل الشهادات العلمية العالية. حتى أنك لَتُذْهل عندما تجد أن جوهر ثقافة الأكاديميين قد لا تختلف كثيرا عن ثقافة العامة، ولاسيما في مدى قبولها لمختلف أشكال وأنماط التفكير الخرافي الأسطوري النصي المنغلق على الأصول الذ فرض نفسه في عقولهم كمقدسات غير قابلة للنقد والنقض والتحليل. ويبقى هذا دليلا على أن الانتاج الثقافي التربوي ما زال يعمل بقوة على انتاج أجيال مصممة على القبول الصاغر لشكليات النص المنغلق على التأمل والتفكير، وإضفاء الطابع القدسي على كل ما تعلموه من خرافات ونصوص وتعاليم وأوهام وأساطير.

ومن المؤكد أن أيديولوجيا التطرف والانغلاق قد دمرت في صميم التكوين الفكري لحملة الشهادات العلمية كل قدرة على المبادهة والابتكار والتحليل، والقدرة على النظر والتأمل بمعيار العقل والتأمل والنقد والتنوير. ومن هنا يمكن لنا تفسير موجة التعصب التي تجتاح الشرائح الواسعة من المثقفين والمفكرين في مختلف أصقاع الوطن العربي في ظل ما يسمى بالربيع العربي المنصرم. ومن أبرز تجليات هذه الظاهرة الاغترابية اندفاع الشباب والمثقفين كثيرا إلى الانتصار لحركات متطرفة مجنونة تحت شعارات الدعوة إلى المزيد من القتل وسفك الدماء. وها هو الإعلام بكثير من رجالاته، والمؤسسات الدينية بأغلب علمائها، والأحزاب السياسية بأبرز سدنتها، والمؤسسات الثقافية في كثير من مفكريها، يدعون بقليل وكثير إلى التعصب الطائفي والعنصري والسياسي كما يدعو بعضهم إلى الفتنة والقتل والاقتتال تحت شعارات طائفية وعرقية ومذهبية ما أنزل الله فيها من سلطان. وعلى إيقاعات هذا الجنون يتم اليوم تدمير شواهد التاريخ والإنسان وتحطم الآثار التاريخية، وتدمر ذاكرة الإنسان والإنسانية في سوريا والعراق وفي ليبيا وتونس ولبنان واليمن والسودان.

بارقة أمل :

في مواجهة هذا الواقع الفكري العربي الذي يجأر بكل دلالات التخلف ومؤشرات السقوط في مستنقع العدمية، ما زالت فئة واسعة وكبيرة من النخب تحمل شعلة التنوير والضياء، طائفة من المفكرين الشباب ما زالوا يستلهمون شعلة البطل الأسطوري بروميثيوس الذي نزع الشعلة المضيئة من أيدي الآلهة ليضيء بها أركان الأرض فلا يترك منها ركناً خافياً في عتمة الظلام، فكثير من المفكرين والمنورين العرب يضحون اليوم من أجل الإمساك بقبس النور بشعلة بروميثيوس من أجل رسالة التنوير تبديدا للظلام الذي يغرق هذه الأمة في ظلماته العميقة. وفي قلب هذا الظلام بدأت حركة من الشموع المضيئة تتلألأ هنا وهناك، حيث انبرى عدد كبير من المفكرين - من كل الاختصاصات والمشارب العلمية والفكرية - يعملون بصمت وصبر وإيمان وعمق وتُؤَدَةٍ من أجل تشكيل حزمة هائلة من الضوء قادرة على تبديد الظلام الذي تعيشه الأمة، وكل شراب من مورد العلم والنور عندهم سائغ من أجل رسالة التنوير والنهضة.

فالساحة العربية تفيض بأصحاب التنوير ومريديه الراغبين في عملية البناء الحضاري للأمة، ولكن تفرقهم وتشرذمهم في الأنحاء يضعف مسيرتهم التنويرية ويقلل من دورهم الحضاري الفاعل، وهم اليوم في أمس الحاجة إلى تشكيل حزمة ضوء كبيرة قادرة على ممارسة الدور الحضاري في مهاجمة ظلام العقول وبناء الطاقة التنويرية للأمة. ومن هذا المنطلق التنويري حملت مجلتنا مجلة نقد وتنوير مصباج ديويجين ليس بحثا عن الحقيقة هذه المرة بل بحثا عن ينابيعها الكامنة في المفكرين أصحاب الرؤية النقدية والرسالة التنويرية. ومن هذا المنطلق نشأت فكرة المجلة التي تريد تشكيل حزمة ضوء ونقد تضيء الجوانب المظلمة الفكرية في حياتنا الثقافية والفكرية.

فما أكثر ما يكتب وما أقل ما يفيد في عالم الفكر في العالم العربي المعاصر، فالمطابع العربية تضخ أطنانا من الكتب سنويا، ودور النشر تقذف بعدد هائل من المنشورات والمطبوعات التربوية في مختلف أصقاع البلدان العربية. ولكن نظرة خاطفة في هذه الانتاج الضخم ستكشف عن الخواء الكبير في قيمته النوعية ومضامينه الفكرية، فأغلب ما نقع عليه من انتاج يفتقر إلى الأصالة والجزالة والعمق لا يعدو أن يكون خواء وأضغاث فكر يترنح في فضاءات عدمية فاقدة للجدوى والمعنى والدلالة. فالإنتاج الفكري ولاسيما في مجال التربية يفتقر إلى الأصالة العلمية والروح الإبداعية والقدرة على استكشاف الجدة للقضايا الاجتماعية والتربوية وما هي في أغلبها إلا تكرار مسطح واجترار استلابي يغشاه التبسيط والتلقين والاجترار والتكرار. وليس أقله أن هذه الكتابات تعاني في منهجها وفي غاياتها وفي القيم التي تبشر بها وفي الوظيفة التي تدانيها وتقاربها.

ومن يتأمل في الشريحة الكاسحة من الكتاب والمفكرين في مجال الفكر التربوي سيجد بوضوح أن جلّهم يفتقر إلى ثلاثة أمور أساسية أولها القدرة الإبداعية وثانيها الطاقة النقدية وثالثها المنهجية العلمية التي تقارب بها القضايا التربوية والاجتماعية. ومن يتأمل أكثر في الكتابات القائمة سيجد التكرار والعدمية والتناسخ والاجترار.

فالساحة الفكرية التربوية تعاني من غياب النقد التربوي بأبعاده المختلفة، وهذا الغياب النقدي يشكل بدوره ظاهرة عامة في مختلف مستويات الحياة التربوية فكرا ومنهجا وممارسة. فالممارسات التربوية بما تنطوي عليه من مضامين فكرية تحتاج اليوم إلى فعالية نقدية متمرسة للكشف عن أبعاد ومضامين هذا الركام التربوي الذي بدأ يشكل بذاته خطرا داهما على مجمل الحياة الفكرية والتربوية في العالم العربي. فنحن في أمس الحاجة إلى هذه الممارسة النقدية للكشف عن الجذور والحفر في الأعماق لتحرير العقل العربي من صدأ الوجود وأورام الكينونة. ومثل هذه الممارسة النقدية يجب أن تنطلق لتشكل تيارا فكريا عاصفا يكنس غبار الزمن وأوهام الممارسات السطحية في التربية والفكر التربوي على حدّ سواء. ومثل هذا التوجه النقدي يمكن أن يتحول في المستقبل إلى طاقة تنويرية هائلة تنطلق بالحياة والإنسان العربي إلى مراكز الفعل الحضاري ليكون قادرا على تفجير طاقاته الإبداعية حضاريا وإنسانيا.

إننا اليوم في أمس الحاجة إلى قراءة نقدية للواقع الفكري والثقافي، قراءة تضعنا في مواجهة التحدي الظلامي الذي يعصف بوجودنا وهويتنا. قراءة جديدة تجعلنا أكثر قدرة على رصد حركة العقل بكل ما تفيض به هذه الحركة من جمال. وكمربين علينا أن نجعل طلابنا يدركون عوامل العطالة والجمود التي تؤدي إلى محاصرة العقل وإضعاف الخيال وجمود ملكة الحكم والنقد. نريد لهم أن يدركوا إدراكا علميا الكيفية التي يتصلب بها العقل ويتصدع ويتآكل ويعلّب، كما نريد لهم أن يعرفوا الآليات والفعاليات التي تعتمدها التربية لوضع العقل في الأوصاد والأغلال والأصفاد، كما نريد لهم أيضا أن يدركوا الأسباب التي يمكنها أن تطلقه مضيئا ينشر ومضه إلى آفاق بعيدة. بل علينا أن نناشد عقل الطالب، ونستلهم قدرته على التفكير في الصيرورة التاريخية، والاستفادة من دروس التاريخ وأحكامه وقوانينه لتأصيل اتجاهات العمل على بناء عقل عربي منفتح، يمتلك القدرة على امتلاك الحقيقية وتفجير طاقة العقل التنويرية نحو مزيد من العطاء والإبداع في مسار الحضارة الإنسانية.

 

علي أسعد وطفة

 

حيدر جواد السهلانيظهر مصطلح فلسفة الدين في بداية القرن التاسع عشر، بحيث بدا شيوعه واستعماله للدلالة على مجال فلسفي مستقل ومنفصل، ويرجع الفضل في ذلك الى حد كبير الى الفيلسوف الالماني هيجل في كتابه (محاضرات في فلسفة الدين) المنشور عام(1832)، ويدل مصطلح فلسفة الدين اليوم على فرع من الفلسفة يقوم بتأملات عقلية حول حقيقة الدين والظواهر الدينية. ويرى البعض ان مصطلح فلسفة الدين يحل محل مصطلح الالهيات الطبيعية الذي كان رائجآ انذاك، وكان المراد من الالهيات الطبيعية صنفآ من الالهيات التي تستعمل مناهج البحث ومعايير العقلانية. اذ فلسفة الدين حينما وضع واستعمل كان يدل على فرع من اللاهوت، وجل اهتمامه اثبات عقلانية وبرهانية التعاليم المسيحية، لهذا كان يتراوح بين الفلسفة والالهيات، فهو من جهة يعتبر لاهوتآ ومن جهة اخرى فلسفة.(1)

الدين ظاهرة وجدت مع البشر وستبقى مع البشر، فالدين كان دائمآ مع البشر ومن صميمهم، انه اقدس واقوى مؤسسة في حياة البشر وارسخها اصالة، وانه من الظواهر القديمة المولودة بولادة الانسان، والدين عاملآ قويآ ومؤثرآ بشكل مباشر وغير مباشر في القضايا الاجتماعية، حتى في البلدان العلمانية  التي تفصل الدين عن المشاركة في رسم مصائر الشعوب، فالدين ظاهرة اصيلة تنبع من صميم الانسان، والدين ذو صلة وثيقة بالعلو والقداسة، وبعبارة اخرى جوهر الدين حالة مقدسة متعالية، فلو سلخنا القداسة والتعالي من الدين لنزعنا الدين عن كونه دينآ.(2) اذآ الدين هو مجموعة من المعتقدات والافكار لدى الشخص وهو الايمان بمجموعة من السلوكيات والفرائض والقبول بها في الحياة واتباع دين معين والاخلاص له يعتبر تدينآ. ويعرف كانت الدين" هو معرفة الواجبات كلها بأعتبارها أوامر الهية". ويعرفها هيجل " الدين هو روح واعية جوهرها، وهو ارتفاع الروح من المتناهي الى اللامتناهي". ويعرفها دوركهايم" الدين هو منظومة متماسكة من المعتقدات والممارسات المتعلقة بأمور مقدسة، وهي معتقدات وممارسات تجمع في ايلاف اخلاقي واحد". اما اريك فروم" أي مذهب للفكر والعمل تشترك فيه جماعة ما، ويعطي للفرد اطارآ للتوجيه وموضوعآ للعبارة". ويعرفها لالاند" مؤسسة اجتماعية متميزة بوجود ايلاف من الأفراد المتحدين، بأداء بعض العبادات المنتظمة وبأعتماد بعض الصيغ، وبالاعتقاد في قيمة مطلقة" وايضآ " الدين نسق فردي لمشاعر واعتقادات وافعال مألوفة موضوعها الله".(3)

أن التأمل الفلسفي حول الدين والعقائد الدينية قديم بقدم الدين نفسه الى درجة يمكن القول معها أنه توأم الدين، اذ ظهرت المدارس الكلامية المختلفة في احضان الاديان الالهية الكبرى لتساعد المتدينين على استيعاب وفهم معارف اديانهم بنحو اعمق وتسلحهم بأسلحة المنطق والفكر حيال معارضيهم، اذ كان هناك دومآ من اشكل على العقائد الدينية تارة بهدف معارضة الاديان المنافسة، وتارة بقصد البحث عن الحقيقة، واحيانآ بنيه بث الشبهات وممارسة الدين، وقد حث هؤلاء المشككون المتدينين على مزيد من التفكير والتعمق، ومع ذلك وأن كان البحث الفلسفي عن الدين وان كان يضرب بجذوره في عمق التاريخ، لكنه بمعناه الجديد حديث الولادة لم يمض عليه الابضعة قرون، وبالظبط بعد عصر التنوير، وقد توسع نطاق مباحث فلسفة الدين وانتشرت بين الباحثين ولاقت اقبالآ ورواجآ بسبب التقدم العلمي والتقني وما احدثته من تطورات معرفية وظهور نزعات ومدارس فكرية متنوعة، اظهرت القطيعة مع الماضي او حاولت عقلنته او قولبته بقوالب جديدة تواكب التقدم والتحضر.(4) وبذلك ان فلسفة الدين تتيح لنا قراءة تاريخنا الروحي، ومعرفة كيفية انتاج المعنى في هذا التاريخ والعلاقة بين السلطة وانتاج المعنى.(5) وتعد فلسفة الدين واحدة من الفلسفات المضافة، ويحددها بعض الباحثين بأنها التفكير الفلسفي في الدين، وعقلنة المعتقد الديني، والتأمل الفلسفي حول الدين، لذلك فهي بمثابة الفلسفة، أي انها تتحرر من النزعات الايديولوجية في البحث وتتسلح بمنطق ابستيمولوجي.(6) وتعد فلسفة الدين التفسير العقلاني لتكوين وبنية الدين عبر الفحص الحر للأديان والكشف عن الطبيعة الدين من حيث هو دين، أي عن الدين بشكل عام من حيث هو منظومة متماسكة من المعتقدات والممارسات المتعلقة بأمور مقدسة ومن حيث هو نمط للتفكير في قضايا الوجود وامتحان العقائد والتصورات الدينية للألوهية والكون والانسان وتحرير طبيعة العلاقة بين كل مستوى من مستويات الوجود والبحث في الطبيعة الكلية للقيم والنظم واللمارسات الدينية ونمط تطور الفكر الديني في التاريخ وتحرير العلاقة بين التفكير الديني وانماط التفكير الاخرى، بغرض الوصول لتفسير كلي للدين، يكشف عن منابعه في العقل والنفس والطبيعة واسسه التي يقوم عليها وطبيعة تصوره للعلاقة بين المتناهي واللامتناهي والمنطق الذي يحكم نشأته وتطوره واضمحلالة، وتستعين فلسفة الدين على تحقيق ذلك بمنجزات العلوم الانسانية والاجتماعية، مثل علم النفس الديني وتاريخ الاديان ومقارنة الاديان وعلم الاجتماع الديني والانثروبولوجيا الدينية، لكنها لاتقبل نتائج هذا العلوم قبولآ مطلقآ، بل تختبرها وتمحصها للتميز بين اليقين والمحتمل نتائجها، وفي كثير من الاحيان تستعين بنتائج العلوم الطبيعية.(7) وتعد فلسفة الدين احد اهم مجالات النشاط الفلسفي، هذا الى جانب ان بعض ضروبها تؤدي وظائف هامة في اطار المركب اللاهوتي للمذاهب المسيحية الغربية وتبدي تبعآ لذلك تأثيرآ كبيرآ على الحياة الدينية في بلدان الغرب، اذ فلسفة الدين هي مجموعة التوجهات الفلسفية فيما يخص الدين.(8)

وفي مدار الحديث عن فلسفة الدين، تعني في احد ابعادها التعريفية البحث الحر المفتوح في مناشئ ومقومات وطبيعة النظرة الى الدين، وكذلك التي يحملها الدين الى العالم، من موقع معرفي، فأن هذا المعنى هو اقرب الى التوصيف الحيادي والموضوعي، اذ فلسفة الدين هي التفكير الفلسفي حول الدين، فتكون بهذا البيان جزءآ من الفلسفات المضافة وفرعآ من علم المعرفة بالمعنى الاعم، ذلك لأنها تتطرق بالانطلاق من موضوعآ أي استقلالية الدين، ومن الخارج الى البحث والتحقيق في الأمور والموضوعات الدينية. وبذلك ان فلسفة الدين هي الدراسة العقلية للمعاني والمحاكمات التي تطرحها الأسس وتفسيراتها للظواهر الطبيعية وماوراء الطبيعة.(9)

فلسفة الدين مفهوم يراد به امكانية الدرس الفلسفي لمقولة الدين، وفلسفة الدين هي دراسة اللامعقول بآليات عقلية، وفلسفة الدين هي البحث العقلي غير المقيد بالمسلمات الدينية ذاتها على نحو قبلي، كما هو الحال المعهود في علم الكلام، بحيث لايتحرك نحو هدف مرسوم مسبقآ من اجل اعادة انتاجه بطريقة تدفع شبهات الخصم، وانما يجد عبر المقارنات والنقد الى تأويل يشبع فضول العقول ويحل اشكالات ملحه في الواقع الراهن، فلا يفترض في فلسفة الدين الانطلاق من أي ادعاءات مسبقة او معتقدات وتهدف الى فحص اساس المعتقد الديني، ومن اجل هذا لاتستطيع الادعاء بأن اي معتقدات دينية هي صادقة او كاذبة.(10) اذ فلسفة الدين لاعلاقة لها بأيمان فيلسوف الدين والباحث والدارس في هذا الحقل او عدم ايمانه، كما هو حال المتكلم او اللاهوتي في اللاهوت وعلم الكلام، ذلك ان الباحث في فلسفة الدين يفترض ان يكون محايدآ،  اذ فيلسوف الدين باحث يتحرى الحقيقة، كما هو الباحث في اي حقل من حقول الفلسفة، فربما يكون الفيلسوف مؤمنآ وربما يكون ملحدآ او لا ادريآ.(11) ان فلسفة الدين ليست الدفاع العقلاني عن الدين، اي الذي يعني الدفاع الاستدلالي والفلسفي عن المعتقدات الدينية، لأن الهدف النهائي من الدفاع ليس سوى تبرير واثبات حقانية دين ما او مذهب خاص، بينما فلسفة الدين كأحد فروع الفلسفة هي الحركة العقلية والتفكيرية الحرة، في نطاق الدين والمذهب.(12) وبذلك ان فلسفة الدين تختلف عن علم الكلام او علم اللاهوت الذي يهتم بالدفاع عن العقائد الدينية ضد العقائد المضادة ومحاولة تفنيد العقائد المخالفة، فضلآ عن عقائد فرقة دينية من الفرق داخل الدين الواحد ضد الفرق الاخرى في نفس الدين، فعلم الكلام يبدأ من نقطة بدأ يقينية تقوم بالتسليم المطلق بصحة العقيدة، اذ يسير علم الكلام على وفق مبدأ (آمن ثم اتعقل) ويتخذ من فهمه للنص الديني معيارآ للتميز بين الحق والباطل ويعتمد على المنهج الجدلي، الذي يبدأ من مقدمات ضنية وليست يقينية بالتجربة والعقل، اما فلسفة الدين فتختلف عن علم الكلام او اللاهوت فهي ليست دفاعية ولامشغولة بدين دون اخر، بل هي معنية بالدين ككل من حيث هو دين وليس بدين محدود وهي تسعى لتفسير الشعور والتفكير الديني وتبدأ من نقطة بدأ موضوعية وعقلانية خالصة، أي تبدأ بداية غير منحازة، لكنها ربما تنحاز في نهاية التحليل لدين ما فبناء على اسس عقلانية محض، لأنها تنتج الاسلوب البرهاني، والعقل الواضح والواقع المتعين هما المعيار للتميز بين الحق والباطل وتبدأ من مقدمات يقينية بحكم التجربة او بحكم العقل، اما علم الكلام فهو منحاز من البداية الى النهاية وينتهج اساليب تبريرية وجدلية في اكثر الاحيان وهذا مالاتفعله فلسفة الدين.(13) وبهذا المعنى فأن ماطرحه فلاسفة العصور الوسطى في غالبيتهم هو ليس فلسفة دين بل هو لاهوت  او علم الكلام، فتوما الاكويني بالاصل رجل دين لكنه كان يتفلسف لعقلنة الدين او جعله مقبولآ، اما الفلاسفة المسلمون فأرادوا التوفيق بين الفلسفة والدين، ويبدو لنا ان عقلنة الدين هذا امر غير وارد للعقل الانساني فالعقل الانساني غير قادر على اكتشاف كل الحقائق لذلك يرى كانت ان التسليم بوجود الله وخلود الروح هو واجب اخلاقي، وبذلك ان العقل الانساني غير قادر لعقلنة الدين وماتريده فلسفة الدين هو شرح الدين بطريقة عقلية موضوعية، لا لعقلنة الدين.

تتحدث فلسفة الدين، وهي البحث الفلسفي في مجال الدين، عما يتعلق بشؤون الدين، منشأ الدين، ضرورة الدين، حقيقة الدين، اهداف الدين، المعرفة الدينية، واقعية القضايا الدينية.(14) ان التفكير الفلسفي لم يغادر بحث وتحليل قضايا الدين، منذ نشأة هذا التفكير حتى اليوم، فليس هناك من فيلسوف لم يتناول هذا القضايا ويعالجها اثباتآ او نفيآ، وقد صنف الفلاسفة مباحثهم في الحكمة النظرية الى الالهيات والرياضيات والطبيعيات. ويحصي الدكتور عبدالجبار الرفاعي اهم القضايا التي تناولتها فلسفة الدين وهي:

1-  ماهية الدين، مفهوم الدين ومناشئ وبواعث الدين، واثر الدين في حياة الفرد والمجتمع.

2-  وجود الله، طبيعة وجوده وبراهين وجود الله وصفاته وافعاله، وطبيعة علاقة الله بالانسان.

3-  مشكلة الشر، كيف يتكون الشر، وتحديه لقدرة الله القادرة على كل شيء.

4-  الايمان والعقل والقلب، هل الايمان منبعه العقل والقلب، ام العقل فقط او القلب فقط، وهل يتعزز الايمان بالعقل او ان العقل يقوض الايمان.

5-  التجربة الدينية، بيان ماهية التجربة الدينية، وانماط التجربة الدينية.

6-  الوحي والايمان، حقيقة الايمان، وهل هو نقل الحقائق الالهية للبشر، او هو تجسيد للأله في الانسان.

7-  المعجزات والكرامات والخوارق، طبيعتها واثرها في الايمان الديني وثبوتها في مختلف الاديان.

8-  الخلود والبعث والقيامة، مصير الانسان بعد الموت، مفهوم الموت، وهل الموت هو انعدام للشخص البشري، او انتقال من نشأة الى نشأة.

9-  الدين والعلم، هل ينتميان الى حقل واحد، او ان كل منهما ينتمي الى حقل آخر.

10-  المعرفة الدينية، هل المفاهيم الدينة ذات معنى، او انها تفوق المعارف البشرية، وما العلاقة الدينية والمعارف البشرية، وهل المعرفة الدينية ثابتة او متغيرة.

11-  الدين والاخلاق، هل الاخلاق تنشأ من الدين، او ينشأ الدين من الاخلاق، او ان احدهما جزء من الاخر، او لا علاقة بينهما.

12-  التعددية الدينية، هل الاديان متنوعة لحقيقة الله الواحدة، بمعنى ان هناك حقيقة متعددة تبعآ لتعدد وتنوع الاديان.

13-  لغة الدين، هل لغة الدين عرفية.

14-  التأويل، يعرف الانسان بكونه كائنآ تأويليآ، ويستعمل التأويل في تأويل النصوص الدينية.(15)

 

حيدر جواد السهلاني

......................

1- ينظر مصطفى ملكيان: فلسفة الدين المجال والحدود، ضمن كتاب فلسفة الدين، اعداد وتحرير عبدالجبار الرفاعي، ص247.

2- ينظرمحمد خاتمي: الدين في العالم المعاصر، ضمن كتاب فلسفة الدين، اعداد وتحرير عبدالجبار الرفاعي، ص237- 238.

3- ينظر محمد عثمان الخشت: مدخل الى فلسفة الدين، ص14- 19.

4- ينظر محمد فتح علي خاني: فلسفة الدين عند هيوم، ص16وص18.

5- ينظر عبدالجبار الرفاعي: تمهيد لدراسة فلسفة الدين، ص22.

6- ينظر ابويعرب المرزوقي: فلسفة الدين من منظور الفكر الاسلامي، ضمن كتاب فلسفة الدين، اعداد وتحرير عبدالجبار الرفاعي.

7- ينظر محمد عثمان الخشت: مدخل الى فلسفة الدين، ص35.

8- ينظر يوري اناتوليفتش كميليف: فلسفة الدين الغربية المعاصرة،ترجمة هيثم صعب، ص4- 5.

9- ينظر عامر عبد زيد: فلسفة الدين في فكر عبدالكريم سروش، ضمن كتاب فلسفة الدين، اشراف وتحرير علي عبود المحمداوي، ص425.

10- ينظر صلاح فليفل الجابري: الدين والاسطورة والعلم (مستويات مختلفة للفهم والتأويل)، ضمن كتاب فلسفة الدين، اشراف وتحرير علي عبود المحمداوي، ص11.

11- ينظر عبدالجبار الرفاعي: تمهيد لدراسة فلسفة الدين، ص15- 16.

12- ينظر مصطفى ملكيان: فلسفة الدين المجال والحدود، ضمن كتاب فلسفة الدين، اعداد وتحرير عبدالجبار الرفاعي، ص247- 248.

13- ينظر محمد عثمان الخشت: مدخل الى فلسفة الدين، ص37.

14- ينظر محمد فتح علي خاني: فلسفة الدين عند هيوم، ص15.

15- ينظر عبدالجبار الرفاعي: تمهيد لدراسة فلسفة الدين، ص6- 7وص17- 19.

 

مالكة عسال(بحث تدفق من خلال السم الذي شكته مهزلة المقررات في جسدي حول اللغة العربية، وهو موضوع شائك حاولت التطرق إلى بعض نقاطه بشكل متواضع، مستندة على بعض المراجع الورقية والإلكترونية، لملامسة أهمية اللغة العربية عبر التاريخ.. وسأذيل نهاية المقال بالمراجع والمصادر التي أثرَت بحثي ..أتمنى أن يدغدغ المقال فضول الجميع)..

وسينشر على مراحل ...

ـ فتح مبين

نظرا لما يلحق اللغة العربية من تهميش وتحقير من قبل بعض الناطقين بها من جهة، ومن أعدائها من جهة أخرى، أبذلتُ ما في وسعي لأبين نشأة اللغة العربية، ومراحل تطورها، ومدى أهميتها بالنسبة للشعوب العربية، وعلاقتها ببعض المعارف، وكيف تعامل معها بعض العلماء والمهتمين منذ نشأتها إلى اليوم .. وماذا علينا فعله نحو اللغة العربية لتنمو وتتطور وفق العصور، باعتبار اللغة العربية هي الهوية، والرافعة الأساسية للنمو والتنمية؟ هل ندرك على وجه التحديد ماهية اللغة العربية؟؟ وهل من تعريف مستقل يميزها عن باقي اللغات؟؟.. وما علاقتها بالمعارف الأخرى؟؟

1) هل من تعريف محدد للغة العربية؟؟

اللغة العربية هي مجموعة من النظم والعلامات والطرق المصاحبة، التي يستخدمها الفرد في الكلام للتواصل والإبلاغ والشرح والتفسير، من عناصرها:

الصوتي، والهمس والصرفي والنحوي، والإشاري والتلميحي والترميز والملغز والمباشر والمعبر وغيرها، لإيصال المعنى بغرض الإفهام، وهذه النظم المتماسكة المتضافرة، سواء كانت مكتوبة، أو مسجلة، أو محفوظة أو مفهومة، صالحة للتطبيق الكلامي، فهي إذا جهاز من الحروف والعلامات والصيغ، والأساليب والطرق، والعلاقات النحوية والصرفية والتركيبية في المجتمع العربي، يتعلمها الفرد اكتسابا، وليس غريزيا أو بالفطرة، ليدخل بها في زمالة اجتماعية، ويمكن القول بصيغة أخرى: اللغة العربية هي مجموعة من عناصر منسجمة ترتبط علاماتها بالمعاني والدلالات وما توحي إليه، ارتباطا اعتباطيا كجسد لنقل الأفكار، تضم في دائرتها حمولات ووحدات ذهنية، يستطيع المتكلم بمساعدتها، أن يستعمل علامات الكلمات في كل أوضاعها للتعبير، أو للتوضيح، أو لنقل الأفكار ..

وعموما فالتعريف للغة العربية على هذا المنوال: أنه طريقة إنسانية مكتسبة وغير غريزية لنقل الأفكار، والتعبير عن العواطف والرغبات، بواسطة نظام من رموز وعلامات تستعمل حسب الإرادة، قد ينطبق بصورة مثلى على أية لغة، وفي أي مجتمع آخر..

2) تضارب الآراء حول نشأة اللغة العربية..

كيف نشأت اللغة العربية، وكيف تطورت؟؟ وهل سارت على نفس الدرب مع أخواتها اللغات؟؟ أم انفردت بطريقة خاصة؟؟ وكيف حالها اليوم؟؟ جملة من الأسئلة تتشابك في أذهان اللغويين والباحثين والمهتمين، ومن لهم غيرة على اللغة العربية كهوية، وكرافعة أساسية للنمو والتنمية ..لا أحد يستطيع على وجه التحديد أن يحدد كيفية نشأة اللغة العربية خصوصا، ولا اللغات عموما ؛ في خضم النظريات التحليلية المتناسلة منها ما هو أقرب نسبيا إلى الموضوعية، ومنها الخرافية السطحية غير منطقية، اختلاف وتنوع واسع في الرؤى والأفكار والتنظيرات حول مسألة نشوء اللغة، واللغة العربية حصريا على امتداد الحضارات القديمة والحديثة..

لقد أجمع البعض على أن الفضل في إنشاء اللغة العربية كما الشأن في جميع اللغات، يعود إلى المجتمع نفسه، وإلى الحياة الاجتماعية، حيث اجتماع الأفراد بعضهم ببعض، يحتاج إلى التعاون والتشاور والتفاهم وتبادل الأفكار وإبداء الرأي، والحُكم واتخاذ القرارات، والتعبير عما يجول في الخاطر؛ تنظير أقرب نوعا ما إلى المنطق .. وعلى غرار هذه النظرية تناسلت آراء وأفكار وبحوث أخرى، تدلي بدلوها حول أسباب نشوء اللغة العربية وأصلها، والعوامل المساهمة في تطورها ونموها كما سأوضح:

ـ أفكار ترى في نشأة اللغة العربية هبة من الله، أي توفيقية من وحي إلهي، حيث علّم الله الإنسان النطق بالأشياء، معتمدين في ذلك على بعض الآيات القرآنية (علم آدم الأسماء كلها)، وإذا رجعنا إلى النص القرآني والتراث القديم، وكيفية خلق آدم، وما يمتاز به عن غيره من البشر من قدرات عقلية، تمكنه من اضطلاع بالأمانة الربانية، وما تمتلكه اللغة العربية من أسرار، وهندسة لغوية متينة على جميع المستويات، نخلُص إلى أن اللغة العربية نشأت بتعليم رباني، يتجلى ذلك في ما تملكه حمولتها من خيال وإدراك، وذكر وتداعٍ وتعبير وآفاق ممتدة لا حصر لها، تستدعي نشاطا عقليا مكتملا؛ يلزم التعمق فيها، وما هيأه سبحانه من أعضاء وجينات، قادرة على النطق بها .. ومصطلح التوفيق كما تستدعيه هذه النظرية يعتمد على مسلمات مطلقة /ثابتة /مقدسة، لا يمكن الخوض في نقاشها، ولا التغيير في نصوصها بالزيادة أو النقصان .. بل تبقى على حالها، أو قد تتطور تدريجيا حسب الظاهرة الإنسانية دون المساس بجوهرها ..

ـ وبحوث ترى أن اللغة العربية قديمة قدم الإنسان نفسه، أم اللغات إن صح التعبير، وأعلى وأرقى لغة سامية عرفتها الإنسانية، تستوعب التراث العربي القديم، وما في رحمه من حقائق علمية؛ بل وكانت اللبنة الأولى لأغلب الحضارات..

- ونظريات ترى أن اللغة العربية كما سائر اللغات، ابتُدعت واستُحدثت بالتواضع والاتفاق، أي بارتجال ألفاظها بالمواضعة، وبوضع أسماء للأشياء بالإجماع.. وبالتداول لهذه الألفاظ والأسماء نشأت اللغة العربية كما اللغات الأخرى...

- وغيرها ترى أن اللغة العربية فرع كما اللغات الأخرى نشأت وتطورت عن اللغة الأم الأولى أثناء الخلق، عن طريق التقليد ومحاكاة الإنسان لأصوات الطبيعة على اختلافها، من حفيف أوراق الشجر، وخرير المياه، وشدو العصافير، وأصوات الحيوانات، فسارت في سبيل الرقي شيئا فشيئا، مع ارتقاء العقلية الإنسانية وتقدم الحضارة، وتعدد حاجات الإنسان، واتساع نظام الحياة

ـ وآخرون يرجحون أن إنشاء اللغة العربية مثل كل اللغات، يعود إلى تعلم الإنسان والاكتساب، انطلاقا من المحيط /من الجماعة، للتعبير عن انفعالاته بإشارات، وتغيير ملامح، وحركات جسمية وأصوات بطيئة، وعن طريق الدربة والمراس، بدأت اللغة تتطور وتتنوع باكتساب مفردات جديدة، فاهتدى الإنسان إلى أساليب أخرى في تركيبها واستعمالها بالقدرة عن الكلام..

كانت جل هذه النظريات والبحوث والآراء تتقاطع أحيانا في بعض النقاط، وتختلف أحيانا أخرى، فمهما كان الترجيح صحيحا لأية نظرية، تبقى هذه مجرد خطوط ضيقة حول نشأة اللغة العربية، لكن الموضوع المثار هنا، هو كيف كانت اللغة العربية وعاء لاستيعاب الفكر الإنساني، وهل هي فعلا وعاء نصُبّ فيه الأفكار، كما نصب الزيت في جرة؟؟ أم أنها كائن حي تتفاعل وتتنامى وتتطور وتواكب؟؟ وكيف استطاعت التفاعل مع المعارف الإنسانية في مختلف المجالات الاقتصادية والعلمية والديداكتيكية؟؟وهل استطاعت اللغة العربية أن تواكب التجديد في هذه المعارف؟؟؟ وما هي أوجه التعثرات؟؟وهل وضْعُها حاليا على أحسن ما يرام؟؟ وهل تزاول وظائفها باقتدار؟؟

3- مواكبة اللغة العربية للظاهرة الإنسانية في تطورها

اللغة العربية شأنها شأن أي عمل فني، وأي عمل إبداعي، خاضعة للسيرورة التاريخية، وقابلة للتجدد حسب العصر بطرح شوائب تخلق تشويشا على مسارها، أو بإضافات تثريها وتغنيها ولا تُقِلّ من شأنها، أو تدني من قيمتها ؛ وجاهزة لأن تستوعب أية حمولة ثقافية بكل مصطلحاتها ومفاهيمها ومعانيها ودلالاتها، ومهما منطق العرب اللغة العربية بالحيطة والحذر باعتبارها لغة القرآن المقدسة المتكاملة، التي لا يجوز المساس بها حماية لجهازها من تسرب بعض الدخائل الأجنبية إليها، أو الحيلولة دون تدفق مالم يطبع بطابع الفصحى، فاللغة العربية عبر تاريخها تنصلت من هذا القيد الجبار، ورمت عنها غلالة الحصار، وتفاعلت واحتكت، واكتسبت أشياء أثرتها وأغنتها، وطرحت أخرى زائدة لم تضف إليها أية أهمية، مما يبين بجلاء أن اللغة العربية ليست عذراء يُخشى افتضاضُ بكارتها، ولا بناؤها وتشكيلُها حسب المواضيع المطروحة وما يجوش في الخاطر، قد يخلخل قصدها ويضلل معناها ؛ والدليل على ذلك أنها عبر التاريخ تلبست حللا فلسفية وميتافيزيقية وسريالية وصوفية ودينية وعلمية حسب المرامي والغايات، وتشكلت وتوشحت بالإضافات أو النقصان من عصر إلى آخر بشكل هادف ومتميز؛ وإن إعلاء الأسوار حول اللغة العربية، وإغلاق جميع الشرفات عليها من أجل تحصينها، لم يمنعها من مواكبة الظاهرة الإنسانية في تطورها وسيرها التاريخي كما سيأتي لاحقا ...

ـ اللغة العربية والتعاليم الدينية والإسلامية

إن انتقاء خالق العالمين اللغة العربية للوحي، كخاتمة لرسائله إلى البشرية، يعني أنها كانت أفصح وأشد اللغات وأرقاها، وأكثرها قدرة على استيعاب تعاليم أحاديث الوحي، بما تمتلكه من خصائص ومميزات، وتمتاز به من ثراء ومقومات، وأنها أقرب إلى أذهان المسلمين للفهم والتلقي والاستيعاب والتأثير. لتبقى خالدة بخلود القرآن للأجيال البشرية اللاحقة، فيلتموا تحت لوائها كلغة عالمية شاملة لكل المقاصد، تجمع شملهم وتشد أزرهم، والقرآن الكريم وصف نفسه بأنه عربي، وأكد ذلك في أكثر من آية وسورة (نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين)، وقد اختار الله تعالى أن يخاطب البشرية خطابه الأخير باللغة العربية، التي هي لسان الرسول العربي الخاتم الأصيل، لتصبح لسانا ثقافيا عالميا للخاص والعام ولجميع الشرائح البشرية وعلى مر العصور ...إذا اللغة العربية جزء من الإسلام، وكانت السبيل الأقوى لنهضة المسلمين ورقيهم في صدر الإسلام، مما ساعد على ذيوعها وسيادتها في جميع الأقطار العربية و الأعجمية.. والفهم السليم والإدراك الصحيح للقرآن، واستيعاب مقاصده و أحكامه، والتشبع بتعاليمه وقيمه، لا يتأتى إلا بتعلم لغته العربية الأصلية التي نزل بها بكافة عناصرها ومكوناتها وعلى جميع الأصعدة، ولا يمكن لأي كان أن يستوعب معاني القرآن ودلالاته، إلا إذا أحكم القبض على اللغة العربية بكل أطيافها ؛ وعلى الذين يحثون على إدراك القرآن، وتجديد الفهم لـه على ضوء الدراسات اللسانية الحديثة، أن يتقنوا أولا اللغة العربية التي هي لغة القرآن؛ وغير ذلك لا فائدة ترجى، بل على العكس قد تطبعها الفوضى وعدم الإتقان، ولا تعبر التعبير الحق عن كنهه وأسراره، ولا تتوغل في أعماق القارئ بما يقوى إيمانه، ويحبب إليه الدين الإسلامي، فاللغة العربية لها دور أساسي في استنباط ما ترمز إليه الأحكام الشرعية والحقائق العلمية من النصوص القرآنية، لذا لِفهم الخطاب الإلهي يجب إتقان اللغة العربية صَرفا وتحويلا ومعنى، ومن لا يملك ناصية متينة لهذه للعلوم، لن يستوعب البتة ما في القرآن من مقاصد ..

- اللغة العربية والاحتكاك بالفلسفة والمنطق الأرسطي

لقد عاصرت اللغة العربية في البلاد الإسلامية تدفق سيول خصبة من الأنشطة العلمية المتعددة، سهلت الترجمة من اللغات الأجنبية لبعض فروع الثقافة والمعارف التي تخدم اللغة العربية كالفلك والرياضيات ؛ فأصبحت العقلية العربية في احتكاك مباشر بالأمم والديانات الأخرى، مما أذكى شرارة تأثر العرب بهذه الأمم، والتشبع بالثقافة اليونانية، والارتواء من معينها، حيث كان لأرسطو نصيبُ الأسد في سيادة منطقه في البلاد الإسلامية إبان العصر العباسي ـ الذي كان عصر ازدهار العلوم ـ عن طريق الكتب المترجمة إلى اللغة العربية، كما كان الدور أشد وأقوى بشكل ملموس، احتكاك اللغة العربية بالتفكير الأرسطوطاليسي الذي يخلط بين المنطق والميتافيزيقا، فيظهر ذلك واضحا في الدراسات اللغوية عند العرب .. إذا فاحتكاك العرب بالإغريق، وتواصل المسلمين برجال الدين من المسيحيين الذين أغلبهم من الدولة الإسلامية، والذين كانوا يتقنون أكثر من لغة، كانا الحافز الأقوى على خلق علم الكلام، والأدلة التي كانت تستمد بالطبع من منطق أرسطو كمرجعية، والذي لم تتخلص اللغة العربية من قبضته السحرية، بل وامتد المنطق الأرسطي حتى إلى الفقه الإسلامي، وبذلك يتضح بجلاء، أن النفوذ الإغريقي بفلسفته وما يطبعها من علل وأقيسة ظل مهيمنا على اللغة العربية ...

- اللغة العربية والأجناس الأدبية

كما كانت للغة العربية علاقة بالفلسفة والمنطق، فقد كان لها حراك قوي في مجال الأدب على اختلاف أجناسه، فتنقلت وتشكلت حسب الظواهر الأدبية على امتداد العصور، حيث حرصت اللغة الكلاسيكية على جودة الصياغة اللغوية وفصاحة التعبير، والقرائن التقليدية، معتمدة في ذلك على العقل الواقعي، وما تراه العين بالمباشرة، وفق معنى واحد وواضح لا اختلاف فيه لدى الجميع، تنتهي صلاحيته بمجرد فهمه، معنى، يلتقي فيه التفكير والإحساس.. الاهتمام كل الاهتمام بالتنميق اللغوي والزخرف اللفظي، فتعددت المحسنات البديعية، وترادفت الأجناس، وتتالت الاستعارات، و تقافزت التشبيهات، حيث وجهت العناية الكبرى إلى الشكل على حساب المضمون.. ثم خطت اللغة العربية خطوة أخرى أرقى لتسمو بنفسها، فاقتحمت المذهب الرومانسي، بقفزة نوعية ملموسة من الواقع إلى الخيال، اقتصرت على مناجاة الطبيعة بكل تلاوين الفلسفة والميتافيزيقا، في صياغات فنية وتركيبات دلالية، بكل ما تعنيه الكلمة من إيحاء وترميز، جاوزت تماما أسلوب المباشرة المنصرم، والحس الواقعي إلى عالم الحدس والتأمل ... والمتمعن في تاريخ الأدب، سيلمس بالمباشر أن قاموس اللغة اليوم، ليس هو ما كان عليه سابقا في العصر العباسي، أو الأموي أو الجاهلي، لأن حياة اليوم أدخلت إلى معجمها مفردات جديدة أنبتتها حقول العصر، وزخِرت بها الهموم اليومية ؛فخلعت اللغة العربية أذيالها القديمة المبنية على المباشرة والوضوح، لترفل في المجازي والإيحائي بشكل جديد، يستعصى معه استيعاب المعنى من قبل القارئ، مما يبين أن اللغة العربية قد تحررت تدريجيا من قيود الاستعمال البسيط المتداول، كظاهرة من ظواهر الحياة الإنسانية، ليصيبها التغيير مختارة ألفاظا للحياة الجديدة، وإن كانت بعض الخيوط مازالت لحد الآن، تشد بحنين قوي إلى الماضي، عن طريق القوالب السحرية المتمكنة من العروض والقافية، والموسيقى الخارجية ؛ ومن هنا نستخلص أن اللغة العربية ليست جامدة وثابتة ومطلقة كما يبدو للبعض، يستحيل إضافة إليها أشياء أو حذف منها أخرى، كما يقول: ميخائيل نعيمة (فتحسبها واقية كاملة وليس لمستزيد في دقتها زيادة)..

وعليه نجد المبدع في مادته الإبداعية في قلق وانفعال دائمين مع اللغة، فإما أن تكون مطواعة، يكيّفها حسب مستجدات العصر ومتطلباته، فيرقى بالأدب إلى أعلى مستوى، أو تعاسره وتستعصي عليه، فيخونه التعبير مما يؤدي بها إلى الجمود والتردي ...فمبدعو الحداثة من شعراء وقصاصين وروائيين، يتولون اللغة العربية بعد كتابة نصوصهم بالقص والتشذيب، والحذف والإضافة والتغيير، في ما يسمى بالنقد الذاتي، للتمكن من النصوص قبل تقديمها للقراء، أو بغربلة التراث، وانتشال الألفاظ البليغة المعقدة والغريبة، لإبراز إشعاعها وتقريبها من مفاهيمها بصياغة أخرى، تكون مرآة للعصر، بمعجم جديد مناسب للتجربة الحداثية، ضمن قوالبَ وصيغ جديدة نابضة باليومي على حد قول محمد مندور (وإن ما يعيب الأسلوب عدم التجديد) ..

وهكذا نخلُص بوضوح، إلى أن لغة الأدب هي النبض الحقيقي للحياة، تتطور تبَعاً لتطورها، مترجمة سلوك ومواقف وتخمينات المبدع، وأحلامه وطموحاته، في صراع محتد ودائم مع ما يأمله، وما تعتريه من عراقيل لتحقيقه.. وبهذه المواجهة من قبل المبدع للحياة، تستجيب اللغة لكل ما يروج في خلد الذات المبدعة، فتحمل الجديد من الهزات التعبيرية المدهشة، بشكل حداثي صرف يتوخى جزالة اللفظ، واتساع المعنى، وفخامة الدلالة، في لغة متينة مكثفة وموحية وممتعة في آن واحد..

وهذه اللغة هي المناسبة والقابلة لتشخيص قضايا العصر الملتبسة، التي تغوص هي الأخرى في إبهام صرف، وهكذا تلامس فكر القارئ، وتدغدغ أفقه المعرفي، وتثير بركان وجدانه، مخاطبة فيه جانبه الرمزي والانفعالي، مستنهضة ذكرياته وأحلامه وآماله وتجاربه، كل ذلك في قالب لغوي رمزي إيحائي تلميحي دلالي متين، يبعث الهزة ويحدث الربكة ...

وما يجري على الشعر يجري على القصة والرواية، حيث اكتست اللغة فيها حللا جديدة مناسبة للظرفية، وهكذا تُخيِّب اللغة أمل مَن اتهموها بالقصر، ورأوا فيها الجمود، فهمشوها بحجة أنها غير مطواعة، ولا يمكن أن تتكيف مع أحداث العصر، والهدف من ذلك تكسير رقبتها لغرض في نفس يعقوب..

- اللغة العربية ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة

لقد كانت اللغة العربية سابقا، تُستَخدَم للأخبار شفويا عن طريق حفظ الرسائل، أو مكتوبةً عبر الورق، أو في خطبة يجهر بها الخطيب وسط حشد من الناس في المساجد، أو الساحات العمومية، وهذه الطريقة اندثرت اليوم، بفضل تعدد وسائل التبليغ والإبلاغ بطرق مختلفة ومتعددة، من ندوات ومحاضرات، ولقاءات، وملتقيات، ومهرجانات ثقافية، بالإضافة إلى الكتب والمجلات والجرائد، والقنوات الإذاعية والتلفزية، وأجهزة الحواسيب، والهواتف العادية والذكية وغيرها، حيث ساهمت هذه الآليات المتنوعة والمتطورة في استيعاب اللغة العربية، وتوسيعها وانتشارها على المدى الرحب بما يتدفق من مصطلحات أدبية، وعلمية، وسياسية، وفنيةن ورياضية، الشيء الذي يكسبها صياغات فنية متنوعة، إن على مستوى الثروة المعجمية، أو على مستوى تركيب الألفاظ، وتنظيمها في سلاسل من الجمل والفقرات، أو على مستوى اختيار النسيج الأسلوبي، أضف إلى ذلك ما لعبته القنوات الفضائية من دور في انتشار وتنوع البرامج باللغة العربية، حيث استطاعت اختراق الجدار العربي إلى دول الغرب، لتنفذ في أعماق الجالية العربية، بما تملكه هذه الأجهزة من قدرات توصيلية محكمة وهائلة، في مجال استخدام اللغة العربية الفصحى، وتقديم أصناف المعرفة بلسانها ..لكن ما يلاحظ في هذا الشأن هو أن دودة ناخرة، أخذت تتغلغل في جسد اللغة العربية، لتسيء إليها وتنحو بها نحو الضعف والتردي، ألا وهو تطعيم اللغة العربية بالدارجة، تحت ذريعة إيصال المعنى للفهم إلى الذين لم يساورهم الحظ في القراءة والكتابة.. بينما العكس هو الحاصل، أن هؤلاء المشار إليهم بالبنان يتابعون المسلسلات المكسيكية والتركية والهندية المدبلجة باللغة العربية ويفهمون، بل يستوعبون الأحداث حدثا حدثا دون عسر في الهضم، ويتشبعون بمصطلحات عربية محضة، وكذلك الأطفال في بعض الرسوم المتحركة، فنجد هذه الشريحة قد تمكنت من اكتساب رصيد هائل باللغة العربية، ويوظفونها بسهولة أثناء اللعب مع بعضهم البعض (كريندايز ..مثلا) (أنا الرمح الصاعد) (أنا الرشاش) وغيرها .. إذا فذرائع الفهم لا أساس لها من الصحة جملة وتفصيلا، بل انسياق بعض وسائل الإعلام إلى العامية، ومعارضة الفصحى خاصة في بعض البرامج الإذاعية والتلفزية، هو موقف ناخر للغة العربية، ويدعو بالمباشر إلى تخريبها، والنزوع بها إلى الدونية ..من هذا المنطلق فأنا لست ضد بعض الجمل بالعامية، التي قد لا يوجد لها مكانا في اللغة العربية، أو حشر بعض المصطلحات الصعبة غير مفهومة، لتقريبها من المتلقي للتوضيح، ولكن أن تندس اللغة العامية غازية، لتتبوأ عرشها على حساب اللغة العربية، وتحل بدلها الشيء الذي يساهم في قتلها، فهذا مرفوض تماما، لذا فمن واجب المسؤولين على وسائل الإعلام، حماية اللغة العربية، وذلك بإعداد أعمالهم إعدادا متينا، بكل ما تستدعيه السبل والأدوات، من منطلق إحساس قوي بأهمية اللغة العربية، كوسيط للتفكير والتعبير والوحدة القومية والتنمية، وأن يقدموا لها من خلال برامجهم ما يجعلها في القمة ...

- اللغة العربية كعمود فقري للاقتصاد

إذا تصفحنا تاريخ اللغة العربية في هذا الجانب، نجد أن اللغة العربية نشأت وترعرعت، بين أحضان التجارة عن طريق القوافل العربية، والتجارة في الأسواق لتلمس الرزق، أو بين القبائل من بقاع مختلفة، وهذه العوامل أفسحت المجال لتحريك اللغة العربية كرافعة أساسية في العمليات التجارية، وبالتالي تنتشر انتشارا واسعا بتنمية ألفاظها، وتعدُّد مفرداتها، وتنوعها تبعا لهذا الميدان، وبالتوازي كان العرب إلى جانب عرض البضائع في الأسواق للبيع والشراء، يعقدون محافل أدبية وفنية كتقليد، تتشكل من عدة فقرات متنوعة ومتكاملة، مثل مبارزة فنون القول بكل أشكالها وألوانها، إما عن طريق المدح، أو الذود عن القبيلة التي ينتمي إليها الشاعر، أو عرض مواد أدبية ولغوية للتنافس والتباحث لحل إشكالها، للحكم على جودتها من رداءتها ؛ فينساق أهل اللغة إلى عرض خزانهم اللغوي بكل أجناسه على المتلقي.. ومن هنا يتضح، أن اللغة العربية كانت هي الوسيلة الأساسية في المجالات التجارية والاقتصادية، إن على مستوى ترويج الأدب أو ترويج السلع والبضائع، أو على مستوى التفاخر والمبارزة، لكن والحال اليوم حيث الثورة المعلوماتية متدفقة، والانفجار التكنولوجي ينتشر جارا وراءه وابلَ الاستثمار، ووباء الخوصصة، أصبحت اللغة العربية كعنصر أساسي وهام من عناصر الاقتصاد والتنمية مجرد صورة نمطية، وغُيِّبَ دورُها بتسرب المصطلحات الغربية، وهنا أفتح قوسين: لا أقصد اندساس بعض المفردات الأجنبية والتصاقها بجذع اللغة العربية، فهذا لا يضير في الأمر شيئا إن حصل من أجل التكملة، لكن أعني هيمنة اللغة الأجنبية، وخاصة الفرنسية والإنجليزية، واحتكارهما للبحوث والدراسات والإعلانات واللافتات واللوائح الإشهارية، بالتلفزة أو معلقة على الجدران، وتداول اللغتين نطقا، وكتابة في بعض المؤسسات، مما يشكل باعثا حقيقيا على زحزحة اللغة العربية من مكانتها إلى الهامش، ومصادرة هويتها .. والأخطر من ذلك هو إقصاء اللغة العربية تحت يافطة ضعفها، والحكم عليها بعقم رحمها من استعداد حمل جينات المصطلحات الاقتصادية ...

وعليه مادامت اللغة العربية هي الوسيلة المثلى للنهوض بالمجتمع، والسير به نحو التنمية، وبما أنها ظاهرة اجتماعية تتبادل التأثر والتأثير بالاقتصاد، إن لم نقل هي المحرك الأساسي له، وجب أن نرقى بها عن طريق النفخ في صورها، وضخ دماء جديدة في جسدها بحوسبتها وإدخالها إلى عالم الكمبيوتر، وتزويدها بالتقنيات، وتوجيه الاستثمار نحو مشاريع، تعالج اللغة العربية بتطويعها على استيعاب هذه التقنيات، وبناء معاجم في هذا الشأن بكل تجلياته ومصطلحاته، مع تشكيل برامج الترجمة وإعادة الهيكلة، لخلق منها حقلا للدراسات التنظيرية اللغوية، مما يساعد على ترويجها وانتشارها في الحركات التجارية، وتخصيص لها حيزا في الاقتصاد قد تكون له أهلا، لكن لا بلوغ هذه الغاية دون تحسين اللغة العربية، وتطويرها وتجديدها حسب ما يستدعيه العصر ...

- اللغة العربية والحوسبة وعالم الكمبيوتر

حيث أن العولمة احتكرت كل بقاع العالم، وتدفقت الثورة المعلوماتية بغزارتها المعرفية وتنوعها، وأصبحت بلمسة أيقونة يصبح العالم بين يديك، من خلال شاشة صغيرة لا تتعدى مساحتها شبرا، أصبح لزاما على اللغة العربية كجهاز للتنمية، أن تمْتَثل لهذه الثورة، وأن تدخل المغامرة للتفاعل والتطور والتجديد، لتواكب مستجدات العصر وتدفقاته وتعبر عن كل ماجد في هذا العالم، فتدخل للمعركة في صميم هذه التقنيات، وتؤكد قدراتها في أن تكون أداه للتخاطب والتواصل في جميع القطاعات، وعبر كل الآليات لتُستَثمر كأي سلعة اقتصادية، تستفيد منها التنمية باعتبارها عنصرا من عناصر التنمية، إضافة إلى كونها وسيلة لحمل المعارف، واللغة العربية قادرة على أن تستقبل هذه التقنيات بكل مصطلحاتها، وأن تسير في الركب الحضاري باستيعاب المصطلحات الحسوبية، وتدخلَ غمار البحث العلمي على اوسع نطاق، كلبنة أساسية لبناء الأمة العربية والنهوض بها .. يكفي من القيمين على الإعلام أن يتداولوا ما عربته مجامعنا العربية ..غير أنه يلاحظ مؤخرا تهجين اللغة العربية وتدنيها وتهميشها، بالانسياق وراء لغتين مهيمنتين، هما اللغة الفرنسية والإنجليزية وما جاورهما، تحت رؤية هشة جاهلة، تقصي، وتستثني قدرة اللغة العربية عن استخدام المصطلحات التقنية العلمية الحديثة، والتأكيد على عجزها في ذلك، رغم أنه يتضح لنا وبيقين تام، أن اللغة العربية قادرة على التطور واستيعاب الرموز والعلامات العلمية، شأنها شأن أية لغة أخرى، مادامت هذه المصطلحات غريبة كليا عن جميع اللغات ؛ وإذا جارينا تاريخ اللغة العربية، يثبت لنا أن اللغة العربية على مرّ العصور، ومنذ ان خرجت من أفواه أهل البدو، قد أثبتت حيويتها وتفاعلها، وقدرتها على التطور والتجديد، ومواكبة مستجدات العصر على اختلاف ينابيعها:علم فلك /طب /رموز رياضية/فلسفة منطقية / أو إسلامية، وأنها قابلة لتبادل التأثر والتأثير في أي مجال، وعلى أي مستوى، وفي أي عصر، وما يجري في ميدان الاقتصاد، إذا من خلال النظرة الدونية إلى اللغة العربية كيف يمكن حماية اللغة العربية وبالتالي كيف نرتقي بها؟؟

4) تحقير اللغة العربية من قبل خصوم الإسلام

خصوم الإسلام وأعداؤه أدركوا الترابط الوثيق، والأواصر المحكمة بعهودها ومواثيقها بين الإسلام واللغة العربية، وتيقنوا من مدى تمسك المسلمين بعقيدتهم بما تحمله من شعائر وطقوس، وعبـادات عميقة نابعة من الإيمان الراسخ كدين متماسك الحلقات، فسعوا إلى إضعاف اللغة العربية، والتقليل من أهميتها والإطاحة من شأنها، مع تحقير واسع للمسلمين، والمتشبثين بدينهم الحنيف، فأشاعوا أن اللغة العربية، ليست لغة العلوم العصرية الحضارية، من هندسة ورياضيات وفيزياء وطب وغيرها، ولا لغة العقل والفكر والثقافة والحضارة، وإنما هي لغة العبادات والطقوس الدينيـة، لغة الزوايا والأولياء، والكتاتيب القرآنية، فكرة استعمارية دخيلة حقيرة سياسيا، رُوِّجَ لها ليظل النهج الاستعماري اللغوي والثقافي مهيمنا على الحياة الفكرية والعلمية، وتمرير ثقافة الإحساس بأن اللغة العربية ليست لغة علوم وفنون، بقدر ماهي لغة شعائر دين، وفقه وعبادات، أسلوب خطير في توجيه الأنظار والأفهام إلى اللغة العربية، على أنها مجرد لغة الكهنة والخرافات والقصص والأساطير؛ متناسين التلاقح الفكري الثقافي، والتفاعل الحضاري عبر التاريخ، وأنها من اللغات العريقة، حيث خصّها بعض العلماء (أولستهوزن) بدراسة خاصة، كلغة سامية ..

انطلاقا من هذه النقطة بالذات، وجه العرب أصابع الاتهام بدقة إلى أعداء اللغة العربية، الذين يريدون الإطاحة بقيمتها، وزعزعة كيانها، كحبل متين يعتصمون به للحفاظ على هويتهم، وكرافعة أساسية للتنمية كباقي اللغات، فتضافرت الجهود، وانطلقت المساعي لحمياتها...

5) حماية اللغة العربية من قبل الغيورين عليها

وبتظافر جهود بعض العلماء والمثقفين، والمتعاطفين الغيورين على اللغة العربية تعددت الأفكار، وتتالت النظريات، وأُنشِأت آراء متكاملة ومتناسقة لحمياتها، والذود عنها من الأيادي الآثمة التي تسعى لإلحاق الضرر بها ..

 ـ فهناك من اكتفى بحظ قليل من فصاحة القول وبلاغة التعبير تبعا للتقاليد وموروثاتها الخاصة، وبيئاتها الجغرافية المحدودة في صياغة جملها، وتركيب مفرداتها وفق قرائن متداولة لا يمكن البتة الخروج عن إطارها ..

ـ وهناك من تطلّع إلى صقل اللغة العربية وتحسينها، لتسمو في تعابيرها إلى مستوى أرقى من مستوى التخاطب العادي، باعتبارها أقدم اللغات السامية، فنمقوها بالمحسنات البديعية، وعمقوها بالمجازي والإيحائي والتلميحي ..

ـ وهناك من انشغل بها كلغة فصحى نزل بها القرآن، تستند دراستهم على منهج علمي دقيق، ينبني على الملاحظة والاستقراء، مع الإفراط في الحيطة والحذر، حتى تبقى اللغة العربية محضة لا يشوبها شائب، يمكن إفساح المجال لتطويرها وتجديدها، لكن دون الخروج عن الحدود ..

لكن ما ينبغي التأكيد عليه، هو أن اللغة العربية مهما حصّنّاها وأحطناها بأسوار فاصلة بينها وبين اللغات الأخرى، لابد من تبادل التأثر والتأثير، شأنُها شأن لغات العالم كلها، التي تتفاعل وتتلاقح ألفاظها مع بعضها البعض، فتندس في هيكل كل لغة .. وحصر اللغة العربية في حدود الفصحى، وإقفال جميع الشبابيك عن تعريب بعض المصطلحات الحضارية في حدود المعقول، وتطعيمها به، يوجه السداد لقتل اللغة العربية، والتوجه بها نحو الانقراض، إذا علينا حماية لغتنا العربية، ولكن بطرق حضارية تقوي جسدها، وتُمتّن ألفاظها، وتمكن من تعددها وتناسلها، وضخ دماء جديدة في أوردتها، لتحيا وتنمو، ولا نحرمها من سيرورتها التاريخية التي تزحف بها لغة التعامل والجوار، الشيء الذي لا يستطيع أحد منا أن يوقفه أو يتصدى له..

لذا على المثقفين أن يهتموا باللغة العربية، شكلا ومضمونا وقيمة وتطويرا، من حيث الخاصية النحوية الصرفية والتركيبية، وتنامي ألفاظها وتطويعها حسب لغة العصر، وإبعادها عن القنوات التي قد تجرفها نحو التدني، كالانعطاف نحو العامية، والتصدي لتحريض الغزاة على إهمالها، باعتبارها ليست أهلا للعلم؛ وإغلاق المجال في وجه سطْو اللغات الأجنبية على المؤسسات، والتفاعل معها كأساسيات، مع تهميش وإقصاء اللغة العربية ..

6) التوصيات الضرورية لحماية اللغة العربية

اتخذت تدابير إجرائية سياسية وميدانية وإعلامية توصيات ضرورية يجب العمل بها لحماية اللغة العربية من ضمنها:

ـ أن ينهض الكوادر من لهم باع طويل في أمهات المعارف للنهوض بحماية اللغة العربية والعمل على تطويرها ..

ـ نهج سياسة تعليمية تستند على اللغة العربية، ونشر ثقافتها في المعاهد والجامعات، والمدارس والبرامج التلفزية والإذاعية والإدارات والمؤسسات العمومية ..

ـ تنقية اللغة العربية من شوائب العامية، اللهم ما تستدعيه الضرورة للإفهام عند مصادفة أشكال، لا مخرج لها غير توظيف العامية، أو توظيفها للتزين أو التنميق ليس بشكل أساسي ..

ـ التصدي للألفاظ الأجنبية بوضعها في قوالب عربية متينة، لا تساهم إلا بتكسير جذع اللغة العربية، أما إذا كانت مكملة ومغنية ومفسرة لإبهام ما، فلا ضير في ذلك ..

ـ العمل على توظيف المصطلحات العلمية والبحوث والتقنيات باللغة العربية، خاصة وأن اللغة العربية طيعة وتحمل في رحمها بذور النماء والتجديد، وقادرة على احتضان المستجدات..

ـ تفعيل مجامع اللغات العربية في الميدان العلمي، والتصدي بشدة لهيمنة اللغات الأجنبية واحتكارها الميادين ..

ـ هدم جدار الاختلاف السياسي بين الدول العربية، وتفرد كل واحدة بتوجهاتها وغاياتها من منظورها الشخصي، وتوحيد الرأي في تطبيق هذه المجامع خاصة وأن اللغة العربية هي لغة الكل ..

ـ التنسيق بغض النظر عن الاختلاف في مجال اللغة العربية لتكوين رؤية قومية واحدة، تشد عضد اللغة العربية لمواجهة التحديات وفق نهج مُحكَم للنهوض بها وتطويرها ..

* الخلاصة:  

وحتى تصبح اللغة العربية أكثر إشعاعا من أي وقت مضى، وتؤدي دورها المنوط بها حسب العصر، تحتاج إلى تجديد منهجي وإغناء معرفي، يقومان على أسس علمية بكل ما تحمله الكلمة من طرائق وأساليب حضارية سليمة، تستند على المنطق كالملاحظة والتجريب والتحليل والتطبيق، مع الانفتاح على المنهجيات الغربية المتقدمة في البحث وتعليم اللغات، واتباع المنهج العلمي الذي يُستَعمل في دراسة العلوم، كالمنهج التجريبي وعلم الأصوات، والتصدي للتحقير الصارخ بنظرة التمييز التي تُعلِي من شأن اللغات الأجنبية، وتُدنِي من قدرات اللغة العربية، وكسر وتحطيم الجدار الشاهق بين اللغة العربية والعلوم، الذي هو في حد ذاته تحقير ملموس للعرب والمسلمين، بنظرة دونية افتقد فيها الإنسان العربي المسلم الإحساس بالكرامة والعزة والقوة، ترتبت عنها هزائم نفسية أضعفت الشخصية العربية في إحدى مقوماتها التي هي اللغة، وحطت من قدرها. وخلَقَ شروخا واسعة في جذعها، لكن بما أن اللغة العربية هي القاسم المشترك بين الشعوب العربية، والإسلام هو الجناح الدافئ الذي يحمي بفيئه الكل، سيظلان دون شك الرابطين أشد توحيدا بين مكونات الأمة العربية وشعوبها ومجتمعاتها، لِلَمّ شتاتها وبناء وحدتها، والوعي بلغتها أنها لغة عربية لها مقومات وأسس غير قابلة للاختزال، وأنها السلاح الأوحد للتعبير عن مشاعر هذه الأمة العربية، وأحاسيسها، وأفكارها وأهدافها، ويدركوا عن وعي أن اللغة العربية ليست وعاء أو قالبا تصب فيه المعاني والأفكار فقط، وإنما هي محور للتفكير وقطب للتعبير، بينهما ترابط متين، بفضلهما يبقى التفكير سليما معبرا عما يحسه العمق، ويدور في الخلد، و يختلج في النفس، مما يعني أن سبيل وحدة هذه الأمة، يبدأ بتوحيد لغتها وثقافتها واستراتيجيتها المعرفية، والحط منها معناه المس بكرامة الناطقين بها ..

من خلال ما سبق نلاحظ أن اللغة العربية أقوى الروابط التاريخية التي تشد أواصر الأجيال في الشعب الواحد، ضمن وحدة ملموسة رغم اختلاف العصور، لكونها سجلا يختزل تجاربهم، وأرشيفا يحتفظ بمكوناتهم الثقافية: من عادات وتقاليد وعقائد التي يتوارثها الأجيال، مما يضمن الاستمرارية لهذه الثقافة؛ وإحساس الخلف بأهمية ما تركه السلف لا يتأتى إلا بتقاسم اللغة بينهما، والكل يعي أن اللغة العربية أقوى حافز، له الكثير من الفضل على تشبث العرب بعروبتهم في أنسابهم ودمائهم، والعلاقات الرابطة في ما بينهم، وتعد أقوى سلاح للسيطرة على الأفكار والأشياء، الناقلة للقيم النبيلة، خاصة وأنها نابعة من جذور عربية أصلية؛ والأسف كل الأسف حين نصادف آراء مغلوطة من أطراف خارجية وداخلية، تنعتها باللغة الجامدة التي لا حركة فيها، أو ترى فيها اللغة العقيمة العاقر، التي لا تنجب بحوثا علمية، أو التي ترى في العامية أفضل منها لتقريب المفاهيم إلى المواطنين، أو التي أغلقت أبواب الاجتهاد، باعتبار أن الأجداد أتوا بالكمال الذي لا يمكن خلخلته بالحذف منه أو الإضافة إليه، أو التي ترى وجوب احترامها وتقديسها لأنها مرتبطة بالقرآن، مما أدى إلى تحريم الترخيص جملة وتفصيلا بالزيادة أو التوليد.. وحتى أنهي أوجه ندائي إلى الغيورين على اللغة العربية، أن يعتنوا بها، ويتصدوا لمن يحاول العبث بها ..

 

مالكة عسال

10/09/2018

...........................

المراجع والمصادر

ـ مناهج البحث في اللغة /للدكتور تمام حسان

ـ مباحث في النظرية الألسنية وتعليم اللغة للدكتور مشال زكريا

ـ بنية الشعر الجديد للمؤلف محمد عزام

ـ لغة الشعر العربي الحديث للدكتور السعيد الورقي

ـ بعض أقوال الأديب ميخائيل نعيمة

ـ بعض أقوال الأديب محمد مندور

ـ آيات من الذكر الحكيم (سورة البقرة)

ـ علم اللغة للدكتور علي عبد الواحد وافي

ـ دراسات في فقه اللغة للدكتور صبحي صالح

ـ البنيوية في اللسانيات للدكتور محمد الحناش

ـ واقع اللغة العربية بين المتفائلين والمتشائمين للدكتور عبد العزيز مقالح ..

ـ وسائل الإعلام والفصحى والمعاصرة للدكتور عبد العزيز مقالح ..

ـ اللغة العربية والنشاط الاقتصادي للدكتور سعيد بيومي

***

عناصر البحث في اللغة العربية

* فتح مبين

1) هل من تعريف محدد للغة العربية؟؟

2) تضارب الآراء حول نشأة اللغة العربية

3ـ مواكبة اللغة العربية للظاهرة الإنسانية في تطورها

ـ اللغة العربية والتعاليم الدينية والإسلامية

ـ اللغة العربية والاحتكاك بالفلسفة والمنطق الأرسطي

ـ اللغة العربية والأجناس الأدبية

ـ اللغة العربية ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة

ـ اللغة العربية كعمود فقري للاقتصاد

ـ اللغة العربية والحوسبة وعالم الكمبيوتر

4) تحقير اللغة العربية من قبل خصوم الإسلام

5) حماية اللغة العربية من قبل الغيورين عليها

6) التوصيات الضرورية لحماية اللغة العربية

* الخلاصة

 

العربية لغة الملايين من المتحدثين بها من الوطن العربي أو الناطقين بها في العالم الإسلامي وبعض أرجاء المعمورة، وقد فخرت العربية قديماً بلسانها وبيانها، كما افتخرت بأنسابها، فهي مرآة لحياة الأمة، ووعاء فكرها، والسجل المُعبِّر عن خصائصها وأساس التواصل الاجتماعي بين أهلها، فلما شُرِّفت العربية بنزول القرآن الكريم بها أصبح الاعتزاز منوطاً بتلك الكرامة الإلهية خاصة، وباعثاً لدراستها لفهم آيات الذكر الحكيم، وإدراك أسرار البلاغة فيها، وفهم الأحاديث النبوية، وعمق دلالتها في أحكام الشريعة، وفي آداب السلوك وحكمة الحياة وقيمتها!

إلى أن قال المستشرق الفرنسي وليم مرسيه: «العبارةُ العربية كالعود، إذا نقرتَ على أحد أوتاره، رنّت لديك جميع الأوتار وخفقت، ثم تُحرّك اللغة في أعماق النفس من وراء حدود المعنى المباشر موكباً من العواطف والصور». أما الأديب الفرنسي جول فيرن في إحدى قصصه الاستشرافية جعل من شخصيات الرواية من ينقشون على الصخر باللغة العربية، ولما سُئل عن اختياره للغة العربية قال: إنها لغة المستقبل

حتى وقت قريب، كان الاهتمام بتعليم اللغة العربية في فرنسا مقتصرا على بعض الجمعيات والأوقاف الإسلامية وكان الهدف الأساسي هو مساعدة الدارسين على قراءة القرآن الكريم،، بدأ نوع من الاهتمام من جانب الفرنسيين بتعليم اللغة العربية فظهر كثير من المراكز لتعليم العربية بعضها تطور إلى أكاديميات تمنح شهادات جامعية بموازاة خطط الحكومة للتوسع في تعليم العربية إلى أن تطور الأمر إلى إدخالها في المدارس الابتدائية العام الماضي فضلا عن التوسع في أقسام اللغة العربية في الجامعات.

وعندما حدثت موجة التدفق الكبير للعرب، على فرنسا بدأت تنتشر على نطاق واسع جدا مراكز تعليم اللغة العربية من جانب العرب الذين بدأوا يجدون في هذا المجال فرصة جيدة للعمل مع زيادة إقبال الفرنسيين على تعلم اللغة العربية وتقدم هذه المراكز الخيارين معا لراغبي تعلم العربية من الفرنسيين وراغبي تعلم الفرنسية من العرب

يذهب الكثير إلى أن الإقبال على تعلم هذه اللغة يعود إلى أن وجود الجالية العربية والإسلامية في الغرب لم يعد ظرفيا أو هامشيا بل إن هذا الوجود غدا اليوم ظاهرة دائمة وواقعا حيا تلمسه وأنت تزور بعض الأحياء في دول أوروبا وخاصة فرنسا. إن العرب المسلمين وغيرهم قد صاروا جزء من مجتمعاتهم الجديدة غير أن اندماجهم شابته حواجز كثيرة. ولعل أبرز المشاكل التي تعيشها هذه الجالية ما يتعرض له أطفالها من الصعوبات اللغوية التي تشكل عائقا هاما في حياتهم المدرسية، مما جعلهم ممزقين بين ثقافتين: فلا هم نجحوا في التأقلم والاندماج الطبيعي والواعي مع محيطهم،ولا هم عمقوا جذور التواصل مع حضارتهم وهويتهم. . يساند هذا الرأي ويزيد عليه أسبابا أخرى الدكتور الحبيب العفاس صاحب منهج (أحب اللغة العربية) وقبلها منهج (أتعلم العربية) حين سألناه: إن الإقبال على تعلم العربية في ازدياد سنة بعد سنة فمنذ سنة 2007 وقبل عشر سنوات من هذا التاريخ لو تأملنا لوجدنا أن عدد المقبلين على عربية قد ازداد بكثرة، و يكفي اليوم أن نذكر أن عدد تلاميذ مدرسة النجاح مثلا يقترب من الثمانية مائة تلميذ بينما كان في سنتها الأولى ستين تلميذا كان هذا قبل ثلاث عشرة سنة أو مثلا معهد اللسان اليوم يحتضن ما يقرب على المائتي تلميذ وهو في سنته الأولى. ويواصل الدكتور العفاس: مع كل سنة هناك إحساس متنام بأهمية العربية فربط الآباء أبناءهم بهذه اللغة هو ربطهم بدينهم وحضارتهم وهذا أمر أساسي له أسبابه فكل العائلات لها تواصل يومي مع الفضائيات العربية كقناة الجزيرة والقناة المغربية والجزائرية وغيرها كثير أو مع الإذاعات المحلية مثل إذاعة الشرق وغيرها. وهذا مما يجعل الحديث عن اللغة العربية أو وبها هاجس الآباء.

وهناك أسبابا كثيرة تدفع الفرنسيون للإقبال على تعلم اللغة العربية. الآن باتت هناك حاجة أكبر من جانب الفرنسيين لتعلم العربية وأصبحت هذه اللغة تجذب الكثير من الشباب لتعلمها اذ يجدون فرص عمل في مجال الترجمة للسياح والتجار والشركات التي بدأت العمل في فرنسا على نطاق واسع.

اما على صعيد الحكومة

قررت وزارة التربية والتعليم في فرنسا الثلاثاء 31 مايو/أيار إدراج اللغة العربية بشكل رسمي في المناهج ابتداء من العام المقبل 2017، وسيتمكن التلاميذ الفرنسيون من اختيارها كلغة أجنبية.

وكان وزير التربية الفرنسي ميشال بلانكير قد أعلن أنه "يدعم فكرة تعليم اللغة العربية مثل باقي اللغات الأخرى ابتداء من الإعدادي". وأضاف هذا الوزير الذي يريد أن يعيد للعربية "مجدها" أن "تدريس هذه اللغة لن يكون حكرا للتلاميذ ذوي الأصول العربية والإسلامية بل لجميع الأطفال الفرنسيين".

وفيما يتعلق بطريقة تدريس اللغة العربية، أكد الكاتب حكيم القروي على ضرورة وضع إستراتيجية محكمة لمعرفة احتياجات بعض الأحياء والمدن في هذا المجال، مشددا على تكوين مدرسين أكفاء بإمكانهم تدريس اللغة بشكل أكاديمي وصحيح، موضحا أن 56 بالمئة من العائلات المسلمة تساند فكرة تعليم اللغة العربية في المدارس.

أما الصحافي فريديريك بيغن الذي ألف كتابا عنوانه "العلمانية في المدرسة" فرأى أن تطوير اللغة العربية في المدارس الفرنسية "خطوة "إيجابية". وقال: "بالطبع هناك دروس باللغة العربية تعطى في المدارس الفرنسية لكن التلاميذ وعائلاتهم يقولون بأنها ليست اللغة التي يريدون تعلمها وبالتالي يتوجهون إلى المساجد".

وأشارت الوزيرة إلى أنّه سيتمّ تقييم عمل المدرسين كباقي الأساتذة للغات الأخرى، وسيحضرون دورات تدريبية وفق برنامج "بيداغوجي" محدد يسهر على تجهيزه مشرفون متخصّصون.

والبيداغوجي - هو الجانب التربوي من التعليم من كتب وأجهزة رقمية علمية تساعد التلميذ على تعلم اللغة إضافة إلى تدريب وتكوين المعلمين على أسس تربوية أوروبية من خلال دورات تدريبية خاصة في فرنسا.

وقال بشير العبيدي مدير المرصد الأوروبي لتعليم اللغة العربية في باريس في تصريح لـ" هافينغتون بوست عربي" إن "الخطوة إيجابية جداً وتنم عن استعداد رسمي لإعطاء اللغة العربية مكانتها في فرنسا بعد تهميش طالها سنين عديدة".

وكان وزير التربية الفرنسي ميشال بلانكير قد أعلن أنه "يدعم فكرة تعليم اللغة العربية مثل باقي اللغات الأخرى ابتداء من الإعدادي". وأضاف هذا الوزير الذي يريد أن يعيد للعربية "مجدها" أن "تدريس هذه اللغة لن يكون حكرا للتلاميذ ذوي الأصول العربية والإسلامية بل لجميع الأطفال الفرنسيين".

وفيما يتعلق بطريقة تدريس اللغة العربية، أكد حكيم القروي على ضرورة وضع إستراتيجية محكمة لمعرفة احتياجات بعض الأحياء والمدن في هذا المجال، مشددا على تكوين مدرسين أكفاء بإمكانهم تدريس اللغة بشكل أكاديمي وصحيح، موضحا أن 56 بالمئة من العائلات المسلمة تساند فكرة تعليم اللغة العربية في المدارس.

وإلى ذلك، اختلفت ردود الفعل إزاء هذا الاقتراح بين مؤيد ومندد. فرئيس حزب "انهضي فرنسا"نيكولا دوبون إنيان (أقصى اليمين) والذي وصف وزير التربية بـ "الديماغوجي"، قال إن "هناك خطة لتعريب فرنسا باسم فكرة محاربة التطرف الديني".

أما الصحافي فريديريك بيغن الذي ألف كتابا عنوانه "العلمانية في المدرسة" فرأى أن تطوير اللغة العربية في المدارس الفرنسية "خطوة "إيجابية". وقال: "بالطبع هناك دروس باللغة العربية تعطى في المدارس الفرنسية لكن التلاميذ وعائلاتهم يقولون بأنها ليست اللغة التي يريدون تعلمها وبالتالي يتوجهون إلى المساجد"... طاهر هاني

واكد وزير التعليم في فرنسا جان ميشيل بلانكر إنه يسعى لتطوير تعليم اللغة العربية في المدارس الفرنسية، وذلك من خلال اتباع استراتيجية نوعية جديدة تعطي لهذه اللغة حقها كواحدة من كبرى اللغات وأكثرها تحدثاً في العالم وفرنسا.

وقال بلانكر في مقابلة على BFMTV : "اللغة العربية لغة هامة ويجب أن يتم تعلمها ليس فقط من قبل الأشخاص ذوي الأصول المغاربية أو البلدان الناطقة بالعربية".

وجاء كلام الوزير رداً على توصيات مركز الأبحاث الليبرالي "l’institut Montaigne " الذي أكد في تقرير نشره مؤخراً ضرورة إفساح المجال لتعلم اللغة العربية في المدارس بدل المساجد تجنباً لانتشار التطرف الديني وما وصفه " بانتشار الأسلمة في فرنسا" قدر الإمكان.

وقال الكاتب حكيم القروي في تقرير معهد مونتيني: "نعلم أنه سيتم تعليم اللغة العربية بناء على نصوص علمانية وتاريخية وليس بناء على صورة معينة من خلال الدين".

وتم الاعتراف باللغة العربية كلغة من لغات فرنسا منذ العام 1999. حيث تحتل المركز الخامس في فرنسا والرابع في العالم كأثر اللغات تحدثاً. وتحتل كذلك المركز السادس بين اللغات الرسمية في الأمم المتحدة.

أسباب الإقبال على تعلم اللغة العربية:

يذهب الكثير إلى أن الإقبال على هذه اللغة يعود إلى أن وجود الجالية العربية والإسلامية في الغرب لم يعد ظرفيا أو هامشيا بل إن هذا الوجود غدا اليوم ظاهرة دائمة وواقعا حيا تلمسه وأنت تزور بعض الأحياء في دول أوروبا وخاصة فرنسا. إن العرب المسلمين وغيرهم قد صاروا جزء من مجتمعاتهم الجديدة غير أن اندماجهم شابته حواجز كثيرة. ولعل أبرز المشاكل التي تعيشها هذه الجالية ما يتعرض له أطفالها من الصعوبات اللغوية التي تشكل عائقا هاما في حياتهم المدرسية، مما جعلهم ممزقين بين ثقافتين:

- فلا هم نجحوا في التأقلم والاندماج الطبيعي والواعي مع محيطهم

- ولا هم عمقوا جذور التواصل مع حضارتهم وهويتهم

وفي إطار العناية بهذا الجيل ومحاولة تخليصه من حالة التأرجح التي يعيشها وسعيا وراء تحسس مشاكله والعوائق والصعوبات التي تحول دون دمجه الدمج الصحيح في بيئته الجديدة دون فصله عن حضارة آبائه وأجداده وتعميق هويته بدأ تدريس العربية يشق طريقه هنا في الفضاء الفرنسي وفي كثير من البلدان الأوربية متجاوزا البدايات المحتشمة التي كانت مقصورة على بعض الطلاب في بعض الجامعات ليشمل كل الأعمار بدء بالروضة وانتهاء إلى الجامعات. وفي هذا تقول المدرسة سيدة قدسي التي قضت عشرين سنة في تدريس العربية: سبع سنوات في تونس وثلاث عشرة سنة في فرنسا عن أسباب العودة إلى تعلم العربية:{إن الجيل الأول كان وحيدا في الغرب وبوعي هذا الجيل بضرورة وجود عائلته معه جاء الوعي بضرورة تعليم أبنائه اللغة العربية خوفا من الذوبان في نسق الحياة الغربية. يساند هذا الرأي ويزيد عليه أسبابا أخرى الدكتور الحبيب العفاس صاحب منهج {أحب اللغة العربية} وقبلها منهج {أتعلم العربية} حين سألناه: {إن الإقبال على تعلم العربية في ازدياد سنة بعد سنة فنحن الآن في سنة 2007 وقبل عشر سنوات من هذا التاريخ لو تأملنا لوجدنا أن عدد المقبلين على عربية قد ازداد بكثرة} و يكفي اليوم أن نذكر أن عدد تلاميذ مدرسة النجاح مثلا يقترب من الثمانية مائة تلميذ بينما كان في سنتها الأولى ستين تلميذا كان هذا قبل ثلاث عشرة سنة أو مثلا معهد اللسان اليوم يحتضن ما يقرب على المائتي تلميذ وهو في سنته الأولى. ويواصل الدكتور العفاس:{مع كل سنة هناك إحساس متنام بأهمية العربية فربط الآباء أبناءهم بهذه اللغة هو ربطهم بدينهم وحضارتهم وهذا أمر أساسي له أسبابه فجل العائلات لها تواصل يومي مع الفضائيات العربية كقناة الجزيرة والقناة المغربية والجزائرية وغيرها كثير أو مع الإذاعات المحلية مثل إذاعة الشرق وغيرها. وهذا مما يجعل الحديث عن اللغة العربية أو وبها هاجس الآباء}.

وأما ما يلفت الانتباه حقيقة وهو حري بالدراسة والتحليل هو هذه الموجة من الجيل الثاني ممن ولودوا وتربوا في الغرب فقد وجدنا عندهم اهتماما بالغا بالعربية جعل الكثير منهم يسافر إلى بعض الدول العربية كمصر وسوريا واليمن لدراسة العربية وإتقانها وفي هذا يقول العفاس:{إن الكثير من هذا الجيل يفكر وابنه لم يتجاوز العامين كيف سيوفر له تربية إسلامية وليس هناك مدخل لهذه التربية غير اللغة العربية. وهذا حقيقة ما يعطي قوة لهذا التعليم رغم أنه لا يعطى في مؤسسات رسمية. وقد لمسنا هذا حتى من خارج العائلات المثقفة أو الملتزمة}. إن بعض المدارس والمعاهد والمساجد تعرف يوم الأربعاء والسبت والأحد حركة وحيوية حيث يتوافد عليها المئات من الآباء أو الأمهات يتكبدون زحمة المواصلات وتعب الطريق أسبوعيا من أجل أن حمل أبنائهم وبناتهم إلى مدرسة العربية.

وعن الأسباب الموضوعية التي كانت وراء هذه العودة هي مسألة البحث عن الهوية وانتشار العنصرية والتفرقة والتمييز بين الأعراق يقول العفاس:{هناك اليوم فكل المجتمعات الأوروبية تبحث عن هويتها فالفرنسيون يبحثون عن هويتهم وكيف يدعموها وهذا البحث جعل الجاليات الأخرى هي بدورها تبحث عن هويتها بعد أن كانت سابقا قد ذابت داخل الثقافة الفرنسية حتى أن الكثير من المهاجرين قد غير اسمه وانقطع تماما عن أصوله وكان لهذا سلبيات كثيرة نرى نتائجها الآن في الضواحي الباريسية. هذا البحث عن الهوية والشعور اليومي بالعنصرية في المدارس والمعاهد والجامعات أو خارجها ذهب بهذا الجيل للبحث عن معاقل تحميه وتحمي أطفاله فقاد إلى تعلم العربية قصد أن يبني الطفل هويته على أسس مرتكزة ومتوازنة تصله بثقافته الأصلية التي ستعينه على بناء شخصيته على أساس صلب تميزه عن الآخر وفي نفس الوقت تجعله منفتحا عليه لأن الإنسان لا يستطيع أن ينفتح على مجتمع ويندمج فيه إذا كان ممسوخ الهوية. وهذا نجده حتى لدى العائلات التي ليس لها أي علاقة بالدين وطلبة معهد العالم العربي أكبر شاهد على ذلك

 

م.م. فكتوريا مناتي محمود