علي اسعد وطفةتشكل الثقافة العمق الوجداني في حياة الشعوب والأمم، وإذا كانت التنمية في جوهرها تعمل على تعزيز مستويات العيش المشترك بين الناس، والنهوض بحياة الأفراد في المجتمع، فإن الجهود التنموية لا يمكنها ابدا أن تنفصل عن التكوينات الثقافية للمجتمع. فالثقافة تلعب دورا محوريا في العملية التنموية، وهذا أمر لا يختلف فيه اثنان من المفكرين أو الباحثين في الميدان التنموي المعاصر.

ومن البداهة بمكان أن الباحثين يدركون اليوم وأكثر من أي وقت مضى القوة الهائلة للثقافة بوصفها حاضنا طبيعيا للرموز والقيم والشعور بالانتماء والهوية، وقد برهنوا في كثير من الدراسات والأبحاث قدرة الثقافة على إضافة أبعاد جديدة مميزة وفعالة في مجال الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات المعاصرة. وهذا ما أكدته المؤتمرات العالمية في العقود الأخيرة ولا سيما مؤتمر القمة العالمي للتنمية المستدامة الذي عقد في جوهانسبرغ في عام 2002، وكذلك ما أسفرت عنه فعاليات مؤتمر ريو +20 من تأكيد كبير على أهمية الثقافة التنموية في عملية النهوض الحضاري بالمجتمعات الإنسانية.

إذا كان تحقيق الاستدامة أولا يتمثل جوهريا في عملية الاستخدام الملائم لموارد الكوكب، فإن الثقافة يجب أن تكون فاعلة في صلب الاستراتيجيات الإنمائية، لأن الثقافة تشكل الحاضن الأساسي للعلاقات الاجتماعية بين الأفراد، كما تشكل الناظم الحيوي السلوكي لعلاقاتهم بالبيئة والموارد الطبيعية التي تحيط بهم. ومن المؤكد اليوم عبر التجارب العالمية أن المبادرات والنهج الإنمائية التي تأخذ الثقافات المحلية في الحسبان تحقق مزيدا من النجاح والتفوق في تحقيق الأهداف التنموية المرجوة. وهذا يعني في النهاية ضرورة إدماج الثقافة في السياسات والبرامج التنموية من أجل تحقيق الاستدامة التنموية والنهوض الحضاري بالمجتمع.

الطبيعة والثقافة: تلازم وجودي.

عرفت الثقافة في ديباجة الإعلان العالمي للتنوع الثقافي (2001)، بأنها "... نسق من الخصائص الروحية والمادية والفكرية والعاطفية المميزة للمجتمع وهذا يشمل الإبداعات الفنية والأدبية، وأنماط الحياة، وسبل العيش المشترك، ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات " ومما لا شك فيه أن الثقافة ترتبط جوهريا بالطبيعة والتنوع البيولوجي القائم فيها، وكلاهما يشكلان المحور الأساسي للتنمية المستدامة. فالثقافة تشكل أرومة التنمية وتضرب جذورها في الاقتصاد عبر صيرورة الزمان والمكان، ومن خلالها يمكن أن ندرك كيف يرتبط الشعب بالطبيعة وكيف يعبر عنها كما يمكن لنا أن نعي جيدا وشائج العلاقة التي تربط شعبا بالبيئة التي تحضنه والعالم الذي يعيش فيه بل والكون الذي ينتظم فيه، كما تترجم اتجاهاته وعقائده نحو مختلف أشكال الوجود والحياة على حد سواء.

ولا تقف الفعالية الثقافية للثقافة في مسارتها المحلية بل تتجذر وتأخذ فعاليتها في قلب المجتمعات العابرة للقارات، أي : في عمق الحياة الثقافية للعالم على مختلف تشعباته وامتداداته. ويتم هذا التفاعل الثقافي في المستوى العالمي بتأثير التكامل الفعال بين التنوعات الثقافية والبيولوجية في العالم، وهو نوع من التفاعل الذي لا يمكن أن تنفصم عراه، وقد تشكل هذا التكامل الثقافي من خلال عمليات التكيف الثورية المستمرة بين الإنسان ووسطه الطبيعي عبر التاريخ.

ولهذا السبب، فإن الممارسات التقليدية القديمة المتعلقة بإدارة الموارد البيئية واستخدامها، بما في ذلك تقنيات المباني، تميل إلى أن تكون خضراء - أي محافظة على البيئة بوجه عام- في تصاميمها. وهي بذلك تجسد نمطا أكثر استدامة من حيث استخدام الأراضي واستهلاكها وإنتاجها، وهذه الممارسات الثقافية تسهم أيضا في الأمن الغذائي والوصول إلى المياه، وذلك كله يأتي استنادا إلى المعارف والممارسات التي تطورت على مدى قرون من التكيف البيئي للإنسانية. ومن هنا فإن أي سياسة محلية تهدف إلى حماية البيئة الطبيعية وتحقيق التنمية المستدامة يجب عليها بالضرورة أن تأخذ بعين الاعتبار الخبرات الثقافية المتراكمة وأن تستفيد من التجارب الحيّة للمجتمعات الإنسانية.

الثقافة والتنمية الإنسانية:

تشكل الثقافة في جوهرها قوة ديناميكية للتغيير وهي ليست مجموعة جامدة متصلبة من الأشكال والصيغ التي تفرض صورتها وقيودها على الأفراد في المجتمع، بل هي حالة مستمرة من التفاعل والتناغم الدائم القائم على أساس التغير التفاعلي المستمر في مختلف مستوياتها وعناصرها. فأفكار الناس وتصوراتهم ونظرتهم وأنماط استجابتهم نحو العالم تتغير – كثيرا أو قليلا - في إطاري الزمان والمكان، وهذا التغير يشمل مختلف أشكال التعبير الثقافي وأنماطه الاجتماعية.

فعصر العولمة يعرف بتسارعه الهائل، وتكاثفه على صورة تدفقات هائلة لرأس المال والعمل والميديا والمعلومات، ويؤثر بقوة وعلى نحو متجانس في مختلف الثقافات المحلية وينحت فيها. ومع أن هذا التأثير يحقق نوعا من التكامل فيما بين الثقافات المحلية، ويوفر فرصا نادرة وجديدة لملايين الناس في مجال العمل، فإنه في الوقت ذاته يؤدي إلى تدمير المكونات الثقافية التي تتفرد بها الثقافات المحلية وتتمايز، كما أنه يفقد هذه الثقافات هويتها الخاصة وقدرتها على الاستمرار والمنافسة. وغالبا ما يكون هذا التأثير أكبر واشد وأخطر إزاء ثقافات المجتمعات التقليدية التي تتعرض لصدمة الحداثة العالمية الجديدة المدمرة وفق نماذج ثقافية جديدة خارجية مختلفة تفرض نفسها بقوة صادمة لكل معايير الخصوصية الثقافية لهذه البلدان.

يتطلب تحقيق التوازن بين فوائد الاندماج في العولمة وبين حماية الطابع الفريد للثقافة المحلية نهجا دقيقا، وإذا كانت الثقافة تلعب دورا حيويا في صميم السياسات الإنمائية فإن هذا الأمر لا يعني توظيف الثقافة بصورة تلقدية متحفظة بل يعني استثمار كل الإمكانيات والموارد والمعارف والمهارات والمواد المحلية الإيجابية في محال تعزيز الإبداع وفرص التنمية المستدامة. وهذا يعني توظيف الجوانب الثقافية الإيجابية في الثقافة المحلية في اتجاهات التنمية والتطوير والتحديث المستدام. وهذا الأمر يقتضي العمل على الاعتراف بالتنوع الثقافي وتأكيد الأهمية الكبيرة للاستفادة من مختلف المعطيات الثقافية لهذه الثقافات في الحوار والتنمية والتفاهم والتطوير الإنساني.

لا يمكن للتنوع الثقافي أن يشكل منصة لمهاجمة حقوق الإنسان والانتقاص من قيمتها الحضارية التي رسختها القوانين الدولية وعظمت من أهميتها. والمعضلة التي تواجهها عملية تحقيق التوازن بين حماية الثقافات المحلية والحرص في الوقت نفسه على احترام حقوق الإنسان العالمية وتأكيد أهمية التنوع الثقافي، لأن الثقافات المحلية غالبا ما تنطوي على مضامين ثقافية تقليدية ترسخ العنف القمع والاضطهاد وتؤصل لقيم وممارسات مضادة لعملية التنمية بحد ذاتها.

ومن الواضح أن حقوق الإنسان تتصف بالعالمية، وتتمثل في القانون الدولي ولاسيما في ميثاق الأمم المتحدة، فحقوق الإنسان عالمية لجميع البشر والثقافات والمجتمعات بدون استثناء، ويضاف إلى ذلك إن جميع الاتفاقيات والعهود الثقافية والتربوية التي أبرمتها اليونيسكو تستند إلى مبدأ العالمية الذي يؤكد نسقا متميزا من القيم العالمية التي تؤكد على أهمية الاعتراف بالثقافات الأخرى وفهمها وترسيخ قيم التسامح فيما بينها على أساس الأخلاق العالمية المستمدة من مختلف الثقافات الإنسانية جمعاء.

وتجدر الإشارة في هذا السياق أن اتفاقيات حقوق الإنسان العالمية تؤكد أهمية الحقوق الثقافية في كل المجتمعات الإنسانية على حدّ سواء، وتشمل نسقا من الحقوق الثقافية مثل: حق المشاركة في الحياة الثقافية في المجتمع، وحق الممارسة الثقافية والتمتع بمضامينها، والحقوق التي تتصل بالإبداع الثقافي، وممارسة العقائد والأفكار، واحترام العادات والتقاليد، واحترام ثقافة الأقليات... الخ. ومع ذلك فإن هذه الحقوق الدولية في المجال الثقافي لا تأخذ طابعا مطلقا أو غير محدود ولاسيما إذا كانت الممارسات الثقافية تؤدي إلى انتهاك حقوق إنسانية أخرى، وضمن هذا التوجه فإن أي ممارسة ثقافية تنتهك أي حق من حقوق الإنسان تعد انتهاكا صارخا للكرامة الإنسانية وتعد خروجا على مبدأ الحقوق الثقافية نفسها التي تكفل الحريات الإنسانية بمضامينها الثقافية لمختلف الشعوب والجماعات والأمم.

القياس الواحد لا يناسب الجميع:

يمكن القول من وجهة نظر سوسيولوجية أن النظريات التنموية المبكرة كانت تنظر إلى الثقافات التقليدية بوصفها عائقا في ي طريق الرفاه الاجتماعي والاقتصادي. ولكن الأمر لم يبق على هذه الحالة حيث شهدت تسعينات القرن الماضي تحولا كبيرا في هذه النظريات ولاسيما هذه التي تركز على الأهداف الإنمائية الاجتماعية والتربوية بدلا من الأهداف الاقتصادية البحتة. وقد أدت التصورات الجديدة إلى ظهور مفهوم "مؤشر التنمية البشرية" (Human development index) الذي كان نتاجا للجهود المبذولة في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. ومع أهمية هذا التحول الجديد إلا أن السياسات الإنمائية الرئيسية ما تزال في كثير من الأحيان تستند إلى فلسفة واحدة يراد لها أن تكون صالحة لجميع المجتمعات في كل الأحوال.

وفي سياق آخر تجدر الإشارة إلى أن نشاط الأمم المتحدة في مجال بناء "الأهداف الإنمائية للألفية" MDGs  قد أدى إلى حملة عالمية واسعة لم يسبق لها مثيل لتعبئة المجتمع الدولي في مجال العمل على وضع أهداف وأولويات واضحة ومشتركة في مجال التنمية المستدامة. وقد أسست هذه الجهود إلى تزايد الاعتراف بدور للثقافة وأهميتها في مجال التنمية كما عززت أهمية البحوث العلمية الشادة في مجال الكشف عن نسق العلاقات بين الثقافة والتنمية.. وعلى الرغم من أهمية هذه الجهود وضراوة العمل في هذا الميدان فإن قياس المعايير الثقافية وتأثيرها في التنمية بقي خارج مؤشرات الأهداف التنموية للألفية ومؤشراتها وذلك يعود إلى وجود عدد كبير من التحديات والصعوبات في مجال القياس الأمبيريقي الملموس للعوامل الثقافية وتأثيرها في العملية التنموية.

لقد تَبيّن للباحثين المهتمين بالشأن الثقافي والتنموي أن القصور في تنفيذ العديد من برامج التنمية يعود في جوهر الأمر إلى تغييب الخصوصيات الثقافية للثقافات المحلية في العملية التنموية، ولاسيما في مجال التنمية المستدامة التي ترتبط حيويا بالعناصر الثقافية للتنمية.

تؤكد الأمم المتحدة في مسارات فعالياتها الحضارية بأن جميع الثقافات والحضارات تسهم في إثراء البشرية، كما تؤكد في سياق ذلك على أهمية الثقافة التنموية ومساهمتها في تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية. ويمكن القول في هذا السياق أن الجمعية العامة للأمم المتحدة بدأت في العقود الأخيرة تولي دورا هاما وأساسيا للثقافة في العملية التنموية، وذلك بعد أن كانت النظرة إليها على أنها حالة جمالية غير مؤثرة في عملية التطور والتحول الإنمائي. ونعني بذلك أن النظرة إلى دور الثقافة كانت ثانويا في البداية ولكن هذه النظرة تطورت وبدأت تركز على الأهمية الحيوية الجبارة للثقافة في أي فعالية تنموية ونهضوية. وقد شددت قرارات الجمعية العامة على أهمية الثقافة بوصفها عاملا مؤثرا في مكافحة الفقر وتوفير النمو الاقتصادي وتحقيق أهداف التنمية المستدامة بما في ذلك الأهداف الإنمائية للألفية.

دور الثقافة في تمكين التنمية وتوجيهها:

 يمكن للثقافة أن تكون فعالية تنموية عندما يتم الاعتراف فعليا بالخصوصيات الثقافية الخاصة بالمكان والمجتمعات المحلية وعندما يتم التوظيف الأمثل للموارد الثقافية المحلية والاستفادة من منظومة المعارف والمهارات والخبرات الكامنة فيها. وهذا يعني أن تجاهل المضامين الثقافية للثقافات المحلية قد يؤدي إلى فشل العملية التنموية برمتها.

فالثقافة تمكّن أفراد المجتمع من الهيمنة على المصير، وتجعلهم أكثر قدرة على تحقيق التغيير الملموس في مجال التنمية الشاملة، وهذا يشكل أمرا بالغ الأهمية لتحقيق التنمية المستدامة في أكثر مساراتها الوطنية خصوصية وأهمية. وعلاوة على ذلك، فإن احترام وتعزيز التنوع الثقافي في إطار نهج قائم على حقوق الإنسان، يسهل الحوار بين الثقافات، ويمنع الصراعات الداخلية، ويحمي حقوق الفئات المهمشة، داخل الدول وفيما بينها، مما يهيئ الظروف المثلى لتحقيق الأهداف الإنمائية.

ومن ناحية أخرى، فإن الثقافة بوصفها قطاعا من الأنشطة يشمل ذلك المعطيات الثقافة التراثية المجردة والمجسدة تشكل بحد ذاتها محركا قويا للتنمية يترك بصمته في مختلف المجالات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية على نطاق المجتمع المحلي.

ومن هذا المنطلق يمكن القول إإن الاستثمار في الموارد الثقافية، وتشجيع الأنشطة والمعارف والمهارات التقليدية، التي يضعها البشر على مدى فترات طويلة جدا من التكيف مع البيئة، هي أيضا وسائل فعالة جدا لتعزيز الاستدامة البيئية ورأس المال الاجتماعي للمجتمعات المحلية.

فالقطاع الثقافي يشكل موردا اقتصاديا مستداما يتم فيه تمكين المجتمعات المحلية من التنمية الاقتصادية الخاصة، بها فعلى سبيل المثال: تزن الصناعات الثقافية أكثر من 3.4 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بحصة سوقية عالمية بلغت 1.6 تريليون دولار أمريكي في عام 2007. وتمثل الصناعات الثقافية والإبداعية واحدة من أسرع القطاعات نموا في الاقتصاد العالمي، حيث بلغ معدل النمو 13.9 في المائة في أفريقيا، و11.9 في المائة في أمريكا الجنوبية، و9.7 في المائة في آسيا.

فالصناعات الثقافية تتطلب استثمارات رأسمالية محدودة ولكنها فعالة في المستوى الاقتصادي، وفي الوقت نفسه فإن قطاع الثقافة يتيح الفرصة لتطوير وظائف محلية في جوهرها، تقوم على أساس تعزيز الاتصال بالبيئة المحلية وتنميتها.

وتبين الدراسات أن العوائد الاقتصادية للثقافة تأخذ خطا متصاعدا وملحوظا في مختلف مستويات التنمية الاقتصادية في مختلف أنحاء المعمورة. فالثقافة، التي تشمل كل من التراث (المادي وغير المادي) والصناعات الإبداعية، تلعب دورا حاسما بوصفها موردا لا يمكن تعويضه في مجال التنمية الاقتصادية.

إن الحفاظ على البيئة الحضارية التاريخية وإعادة استخدامها بشكل مناسب يسهم في تحسين نوعية حياة سكانها بطرق عديدة. ويعزز إحساسهم بالانتماء والتماسك الاجتماعي، كما يوفر بيئة ممتعة جذابة للسياحة العالمية، وهذا بدوره فإنه يخفف أيضا من التمدن المفرط، ويجذب السياح والزوار والاستثمارات الاقتصادية والسياحية المؤثرة في العملية التنموية.

 ويمكن القول في هذا السياق أن الصناعات الثقافية والانتاجات الإبداعية تشكل عاملا أساسيا من عوامل التجديد الحضاري، حيث أنها تعزز الصورة الحضارية للمجتمع وتساهم في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، كما أنها تحسن مستويات معيشة السكان، وتدعم الاستثمارات في الأنشطة الثقافية والاقتصاد الإبداعي وتعزز التنمية الحضرية المستدامة. كما تساهم سياسة التنمية القائمة على التراث الثقافي في التخفيف من حدة تغير المناخ والتكيف مع معطيات هذا التغير، حيث أن الحفاظ على النسيج القائم (الذي بني بالتقنيات التقليدية والمواد والمهارات المحلية) هو أكثر ملاءمة للبيئة من الهدم وإعادة البناء. ففي المملكة المتحدة، على سبيل المثال، تقدر الطاقة المتجسدة في تشييد مبنى بمعدل يتراوح بين 15 و30 ضعف استخدام الطاقة الطبيعية وفق الآليات التراثية المعتمدة في عملية البناء.

ويمكن أن توفر التقنيات التقليدية لإدارة الأراضي مصدرا كبيرا للإلهام التنموي في استخدام المياه العذبة والمحافظة عليها على نحو مستديم. إذ يمكن إعادة إنشاء تقنيات الري التقليدية في مشاريع التنمية الحديثة وضمان استخدام أكثر احتراما للبيئة. لقد أدرك سكان الواحات الصحراوية، الذين يواجهون النمو السكاني وتدهور البيئة، ضرورة العودة إلى تقنيات الري التقليدية من خلال دعم الممارسات التي تحترم البيئة.

ويعد التراث العالمي في مجال البحار والحفاظ على المحيطات جزءا لا يتجزأ من صحة الكوكب كما يشكل أيضا جزءا هاما من تراث الإنسانية وثقافة المجموعات البشرية. وتعد المعارف التقليدية من في إدارة موارد المحيطات طاقة حيوية تنموية تلعب دورا رئيسيا في تمكين السكان من كسب أرزاقهم في المجتمعات المحلية المعنية.

 قامت منظمة اليونسكو، من خلال برنامجها الخاص بتنظيم المعارف التقليدية المحلية، بجمع ونقل المعارف والآراء المحلية للموارد المائية. وتشهد هذه المعلومات على معرفة السكان الأصليين الواسعة والدقيقة لأنواع الأسماك والحيوانات المائية في البحار، وتؤكد هذه المعارف عمق واتساع الثقافات المحلية بالبيئة الطبيعية، وهذا بدوره يشكل منطلقا يعتمد عليه من منطلقات التنمية المستدامة في المجال البحري على نطاق عالمي أوسع.

ويتضح دور الثقافة في المنعطفات الصعبة والتحديات القاسية التي يواجهها أي مجتمع، فعندما تضرب الكوارث الطبيعية والحروب المجتمعات الإنسانية وتمزقها، وعندما تؤدي مشاريع التحديث الواسعة النطاق والهجرة العابرة للحدود إلى اختلالات مفاجئة في بنية المجتمع، يبرز دور الثقافة المحلية النابضة بالحياة لتلعب دورا هاما في إعادة بناء الإحساس بالمجتمع ووحدته، وهي بذلك تشكل ركيزة أساسية يعتمد عليها في عملية البناء الاجتماعي والثقافي المضادة للكوارث الطبيعة والاجتماعية. ويمكن القول في هذا السياق إن الثقافة المحلية تشكل قوة حيوية في مواجهة المخاطر والكوارث قبل وبعد وقوعها، وتساعد في معالجة مختلف المشكلات والتحديات المرافقة لها والناجمة عنها. فالتراث الثقافي المتراكم عبر التاريخ غني بالفعاليات والخبرات والممارسات التي يعتمدها المجتمع في أزمنة الكوارث والحروب والتحديات الطبيعية كالزلازل أو الظواهر الطقسية المتطرفة، لأن هذا التراث يتضمن بالضرورة المعارف التقليدية المميزة الفاعلة المتراكمة عبر قرون من التكيف مع البيئة.

ويمكن الاستدلال على هذا الجانب في أحداث الزلزال الهائل الذي شهدته كشمير الهندية في عام 2009، حيث تمكنت المباني التقليدية من الصمود وحماية أرواح ساكنيها في أتون هذا الزلزال الفظيع، وعلى خلاف ذلك، تساقطت المباني الخرسانية المسلحة على ساكنيها فأزهقت أرواحهم وتناثرت أجداثهم بين الأنقاض في نفس المناطق المتضررة.

ونظرا للأهمية الكبرى للثقافة في العملية التنموية والنهضوية للمجتمعات الإنسانية بدأ المجتمع الدولي بتأكيد أهمية هذا الجانب ولاسيما بعد مؤتمر ريو +20، حيث بدأ التركيز على الثقافة بجوانبها المختلفة والعمل على دمجها في استراتيجيات التنمية المستدامة، وضمن هذا التوجه تعمل اليونسكو اليوم، ضمن نسق من الشراكة الفعالة، مع الحكومات ووكالات الأمم المتحدة الشقيقة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، على وضع خطط مستنيرة للتنمية تأخذ بعين الاعتبار الأهمية الكبيرة للثقافة والثقافات المحلية في نجاح العملية التنموية واستمرارها. النظر في الثقافة استنادا إلى الإجراءات الاستراتيجية الرئيسية التالية:

1- دمج البعد الثقافي في مفهوم التنمية المستدامة وفي أنماط قياسها وتحديد مستويات فعالياتها وجدواها، ومن ثم الالتزام بتشجيع المعارف الثقافية والممارسات العلمية التقليدية ودمجها في سياسات التنمية المستدامة، ولا سيما فيما يتعلق بالإدارة المستدامة للموارد الطبيعية، والأمن الغذائي والحصول على المياه النظيفة.

2- أهمية المحافظة على التراث الثقافي الطبيعي وحمايته، ومن ثم وتعزيز التعاون الدولي في هذا المجال، وذلك من أجل تعزيز التنمية المستدامة في أبعادها الثقافية.

3- الاعتراف بالدور الهام للصناعات الثقافية والإبداعية، والسياحة المستدامة، ومختلف القيم الثقافية القائمة على التراث، من أجل التنمية المستدامة في مجالي والاقتصاد الأخضر والعمالة الخضراء، ومن ثم تحفيز التنمية المحلية، وتنمية الفرص التجارية، وتعزيز الإبداع والإندماج الاجتماعي.

4- التأكيد على أهمية العوامل الثقافية ومدى تأثيرها في أنماط الحياة والاستهلاك وسلوكيات الأفراد، والقيم المتعلقة بالبيئية والطرق التي نتفاعل بها مع بيئتنا الطبيعية. ومن هنا تبرز أهمية العمل الثقافي في ترشيد عادات استهلاك، والتشجيع على الإنتاج الأخضر المستديم، الذي يحتاج إلى فعالية ثقافية قادرة على الوفاء بالمتطلبات الحيوية للتنمية المستدامة.

وفي هذا السياق يمكن القول بأن الاتفاقيات الثقافية السبعة التي عقدتها اليونسكو تعد طاقة وأداة للتنمية المستدامة. وتهدف جميع الاتفاقيات السبع لليونسكو إلى حماية مختلف الجوانب الحضارية والابداعية في الثقافات المحلية التي تتعلق بالتراث الإنساني المادي والمعنوي ولا سيما فيما يتعلق بتنوع أشكال التعبير الثقافي وتعدد الصناعات الإبداعية الذكية، ومن ثم إلى مكافحة الاتجار غير المشروع بالبشر والسلع الثقافية.

وترتكز هذه الاتفاقيات الثقافية بصورة واضحة على مبادئ حقوق الإنسان والأمم، كما تعتمد مجموعة من آليات التمويل والتعاون الحكومية والدولية، فضلا عن أدوات الرصد والتقييم. وهي في النهاية تعزز برامج بناء القدرات وغيرها من المبادرات الرامية إلى حماية الثقافة (بما في ذلك التراث الطبيعي) وإدماجها في استراتيجيات التنمية الوطنية والمحلية.

ومن الأمثلة على الكيفية التي تساهم بها الاتفاقيات الثقافية لليونيسكو في التنمية يمكن الإشارة إلى ما يقرب من 1000 من ممتلكات التراث العالمي، وأكثر من 500 من المحميات الحيوية، التي توفر مختبرات مثالية لاختبار النهج المبتكرة القائمة على التراث الثقافي للتنمية المستدامة.

 وفي إطار الدعم الذي يقمه الصندوق الدولي للتنوع الثقافي وآليات التمويل الأخرى، التي أنشئت في إطار اتفاقية اليونسكو لعام 2005، بشأن حماية أشكال التعبير الثقافي وتعزيز تنوعها، يقدم هذا الصندوق الدعم إلى البلدان النامية من خلال المشاريع الثقافية، وبعثات المساعدة التقنية التي تعزز التنمية الاجتماعية والاقتصادية عبر سياسات ثقافية جديدة.

ومن خلال هذا الصندوق، تم تنفيذ ثمانية عشر برنامجا مشتركا للثقافة والتنمية في جميع أنحاء العالم بمبلغ إجمالي قدره 95 مليون دولار أمريكي، ووصلت فوائده إلى ما يقرب من مليون شخص مباشر وسبعة ملايين مستفيد غير مباشر، وهو يستهدف بوجه خاص السكان الأصليين والنساء والشباب.

وتعطي هذه البرامج دليلا واضحا على أن الثقافة قطاع اقتصادي يولد الدخول وفرص العمل، مما يسهم في القضاء على الفقر (الهدف الإنمائي الأول)؛ كما أن محتوى المناهج الدراسية المكيّف ثقافيا يسمح بتحسين نوعية التعليم وبناء المواطنة (الهدف 2). وبالتالي فأن الأنشطة الموجهة نحو الثقافة مثل تنظيم المشاريع الحرفية هي مصدر لتمكين المساواة بين الجنسين (الهدف 3 من الأهداف الإنمائية للألفية)؛ ومن المؤكد أن هذا يتضمن منهجيات التوعية الصحية (الأهداف 4 و5 و6 من الأهداف الإنمائية للألفية)؛ وأن المعرفة الثقافية والتقليدية هي موارد لا تنضب من أجل البيئة المستدامة وسبل العيش (الهدف 7 من الأهداف الإنمائية للألفية). كما عززت برامج الأهداف الإنمائية للألفية التعاون بين الشركاء على الصعيدين الوطني والدولي، مما أسهم في مع بناء ملكية وطنية قوية من خلال عمليات تشاركية عالية.

ويتمثل أحد التحديات التي تواجه دور الثقافة في التنمية الصعوبة البالغة في قياس أثر الثقافة في العملية التنموية. ومن أجل تذليل هذه الصعوبات تولت اليونسكو قيادة مبادرتين هامتين تقدمان صورة قائمة على الأدلة لدور الثقافة في التنمية. ويشمل ذلك وضع إطار للمؤشرات الثقافية التي تركز على الوزن الاقتصادي لقطاع الثقافة ودوره في التنمية، وتشمل هذه المؤشرات التماسك الاجتماعي، والمشاركة الثقافية، والحريات الفردية، والتعليم، والحكم، أو الوصول إلى وسائل الاتصال من بين أمور أخرى. وتوفر هذه المؤشرات معا صورة واضحة عن الواقع الإنمائي لمجتمع ما ودور الثقافة في العملية التنموية الشاملة.

وتوضح مجموعة المؤشرات الكمية التي اعتمدتها اليونسكو من أجل قياس الفعالية التنموية دور الثقافة في التنمية المستدامة على المستوى الوطني، وتشكل هذه المؤشرات دليلا عمليا كميا على دور الثقافة وأهميتها في تعزيز الاقتصادات الوطنية والنهوض بالسياسات الإنمائية الأخرى. ففي الإكوادور على سبيل المثال، بلغت مساهمة الأنشطة الثقافية الرسمية والخاصة في الناتج المحلي الإجمالي 4.76 في المائة في عام 2010.

 

د. علي اسعد وطفة

جامعة الكويت – كلية التربية

 

محمود محمد علي

نعود لمقالنا السابع والأخير وننهي حديثنا عن التأويلات المختلفة لتفسير أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث نقول: نجحت مجموعة المحافظين الجدد إلي حد كبير في وضع مسألة الحرب علي الإرهاب في مقدمة قضايا التعاون مع كافة الدول العربية، بحيث إن جميع هذه الدول تعاونت بدرجة أو بأخري مع الولايات المتحدة في المجالات الأمنية، سواء في التنسيق الأمني أو تبادل المعلومات الاستخباراتية، وذلك في إطار التأكيدات الرسمية الأمريكية والغربية، علي أنه لا يجب الخلط بين الإسلام والإرهاب، أو بين المسلمين والعرب وبين الإرهابين، فإنها لم تكن إلا تأكيدات ذات طابع تكتيكي تحركها دوافع عدة منها، أنها كانت تمثل مخرجاً لبعض الدول العربية والإسلامية التي كان لابد من تعبئة مشاركتها في التحالف الدولي لتوفير غطاء شرعي عربي وإسلامي .

لكن الأهم من كل ذلك أن أحداث 11 سبتمبر 2001م، قد أفرزت للولايات المتحدة المبرر للتدخل في مناطق عديدة من العالم، بذريعة محاربة العدو؛ إذ إن الحرب التي تشنها الولايات المتحدة ضد ما يسمى (بالإرهاب) لا تقيم أي اعتبار لمبدأ السيادة وسلامة أراضي الغير، فالكرة الأرضية كانت بمجملها هي بمثابة مسرح للعمليات العسكرية الأمريكية، والتي وضعت نفسها حينها في حالة الاستعداد للتدخل العسكري في أي مكان، وفى أي زمان، لمواجهة عدوها الجديد (الإرهاب).

وعلى المنوال نفسه تمكنت مجموعة المحافظين الجدد من توظيف نفوذها للحصول على حلفاء لسياستها تجاه قضية مكافحة (الإرهاب)، لكون التحالف الدولي الجديد ضد الإرهاب، قد أصبح ضرورياً للولايات المتحدة لإدامة هيمنتها على النظام الدولي وتأثيرها على مجري العلاقات الدولية، كما أن تحالفاً قائماً على قاعدة ( محاربة الإرهاب) سوف يتيح للولايات المتحدة هامشا أكبر للحركة ضد جميع الدول والمنظمات المعارضة للهيمنة الأمريكية من حيث الدوافع والمضمون والأهداف؛ فرفع شعار (محاربة الإرهاب) وحقها في الدفاع عن نفسها، سوف يتيح لها استخدام قوتها العسكرية بشكل مكثف ضد أبرز التهديدات التي تواجه الهيمنة الأمريكية أو تعيقها .

وانطلاقاً من ذلك فإن مجموعة المحافظين الجدد لم تفرط بسهولة في هذا المفتاح الفعال، مفتاح التدخل عبر أحداث 11 سبتمبر 2001م، بل عملت على خلق ثقافة عامة مضادة للإرهاب، وربما قد روعت العالم بأعمال إرهابية متقنة دبرتها وكالاتها السرية، لتوسيع قاعدة الثقافة الجديدة، ودحر الأصوات الداعية للتعقل في التعامل مع هذه القضية العالمية المقلقة، ففي غمرة أحداث 11 سبتمبر انطلقت الآلة السياسية والإعلامية الأمريكية؛ حيث أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن آنذاك قيام (حملة صلبية ) لا هوادة فيها ضد الإرهاب، كما أعلن بكل وضوح أن (من ليس معنا فهو ضدنا)، وطالب الدول بتحديد موقفها بكل دقة بالتحالف مع أمريكا ضد الإرهاب، أو اختيار الاصطفاف فيما أطلق عليه فيما بعد دول (محور الشر) الذي ضم مبدئياً (إيران، والعراق، وكوريا الشمالية)، وهى دول يمكن الإضافة إليها لاحقاً لتشمل كل دولة يعن لها معارضة السياسة    الأمريكية .

ومثلما فعل الساسة، فعلت وسائل الإعلام الأمريكية؛ حيث بدأت بشن حملة لا تخلو من الديماجوجية، ووصل بها الأمر إلى حد الدعوة لإعادة الاستعمار من جديد دون أي خجل أو حياء، فعلى سبيل المثال فقد نشرت (الوول ستريت جورنال) بتاريخ 6/10/2001 مقالاً مهما تحت عنوان (حل مشكلة الإرهاب : الاستعمار) قالت فيه : ( لا يوجد بديل أمام الغرب إلي أن يشن حرباً ضد الدول التي دأبت على دعم الإرهابيين، لقد حذر الرئيس بوش من أن هذه الحرب ستكون طويلة، ولكنه لم يدرك أن هذا قد يتطلب التزامات سياسية أمريكية طويلة المدى، وكذلك الحال بالنسبة لحلفائها، وأقرب حالة تاريخية مماثلة لما يحدث الآن هي الحرب ضد القرصنة في القرن التاسع عشر؛ إذ كانت عاملاً مهماً في توسيع الاستعمار. وقد يكون الوقت الآن قريباً جداً لظهور نوع جديد من الاستعمار وهو وضع " دول إرهابية سابقة تحت إدارة الغرب "، وكما كان الحل في القرن التاسع عشر هو استعمار دول ( القرصنة ) فإن الحل في القرن الحادي والعشرين هو إعادة الاستعمار ! .

علاوة على أن أهداف الحرب الأمريكية علي الإرهاب، تتجسد منذ إعلان الرئيس بوش الابن ضد الإرهاب بعد هجمات سبتمبر 2001م، من خلال خطاباته وتصريحاته، بمثابة إنذار أقرب إلي التهديد، فقد استغلت إدارة بوش جسامة الأحداث لشن هجوم سياسي حاد علي المخالفين لسياستها وحصارهم سياسياً، من أجل فرض إرادتها عليهم، فقد قسم الرئيس بوش العالم الي معسكرين معسكر الديمقراطية والتحضر بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ومعسكر الإرهاب بقيادة المنظمات المتطرفة، وعلي رأسها تنظيم القاعدة والدول التي تحمي أو تؤيد الإرهاب .

وافق هذا التقسيم الثنائي هجوماً مكثفاً سياسياً وإعلامياً، علي القوي والدول المستهدفة في الحملة الامريكية والمصنفة كدول شر أو دول مارقة، وأن أهم أهداف الإرهاب طبقاً للرؤية الامريكية، هو تأكيد الذات بقوة السلاح والاستعراض المفرط للقوة، لتحقيق الكثير من الأهداف، لعل أهمها رفع الروح المعنوية للشعب الأمريكي، وتجاوز أحداث سبتمبر 2001م، والتأكيد علي أن الولايات المتحدة قادرة علي الانتصار علي أي عدو مهما كانت قدراته، وأهدافه وكذا نقل حدود الخط الأقصى للدفاع عن الولايات المتحدة من حدود الشواطئ البعيدة للمحيطات حول القارة الأمريكية إلي داخل الدول التي تري الولايات المتحدة أن الإرهاب من وجهة النظر الأمريكية ينمو علي أرضها، وحتي لا يتمكن الإرهابيون من تنفيذ هجمات أخري ضد الولايات المتحدة أو مصالحها في الخارج، كما أن محاولة التخلص من أنظمة دول شكلت في الماضي تعويقا للسياسة الأمريكية وهيمنتها علي العالم، وإدارة الكثير من الأزمات في أماكن متفرقة، ولكي تتخلص من منظمات اعتبرتها إرهابية، وفي سعي الولايات المتحدة لتحقيق أهدافها من الحرب ضد الإرهاب، فقد اعتمدت في حربها علي عدد من الآليات التي اعتمدت عدة خطوات منها:-

1- الآلية العسكرية: والتي عملت من خلالها الولايات المتحدة علي:

-شن الحرب علي أفغانستان في السابع من أكتوبر 2001م، والعراق في الثاني والعشرين من مارس 2003م، وإسقاط النظم الحاكمة فيهما واحتلالهما.

- القيام بشن ضربات محدودة ضد أهداف، تعتبرها الولايات المتحدة الأمريكية أهدافاً إرهابية علي نمط ما حدث في اليمن في أغسطس 2003م.

- دعم العديد من الدول وتشجعيها علي القيام بعمليات عسكرية، للتخلص من العناصر الارهابية علي أرضها علي نمط ما حدث في اليمن، والفلبين، وإندونيسيا، وباكستان.

- الحصار العسكري للبعض الدول لعدم وصول إرهابيين فارين إليها، مثلما حدث للصومال أثناء الحرب علي أفغانستان.

2- الآلية الاقتصادية :

- تجفيف منابع تمويل الإرهابيين علي مستوي العالم من خلال تجميد إيداعات من يشتبه في تورطهم في هذا العمل، سواء كانت هذه الإيداعات لأفراد، أو منظمات، أو جمعيات خيرية، ومصادرة الأموال، أو المواد العينية المشبوهة.

- الحصار الاقتصادي للدول المناوئة التي تتهم من قبل الولايات المتحدة بمعاونة الإرهاب .

- تقيد تبادل ومراقبة السلع الاستراتيجية التي تستخدم لأغراض الإرهاب.

3-الآلية السياسية والدبلوماسية:

جعلت الولايات المتحدة الحرب ضد الإرهاب، هي المحور الرئيسي للسياسة الخارجية الأمريكية، فإن ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، كان في نظر إدارة الرئيس بوش الابن، يمثل لحظة اختيار صعب وحاسم بالنسبة للجميع، اختيار أن تكون مع أمريكا أو ضدها هكذا قالها بوش في خطابه أمام الكونجرس، وهي أكثر من ذلك، هي لحظة تدشين لمرحلة تقسيم جديدة للعالم، وهناك بعض الدول التي أعلنت أوضاعها لأنه لا سبيل أمامها لاختيار لأن التحالف مفروض عليها أرادت أم لم ترد، ولذلك لا عجب أن اجتهدت بعض الدول – وهي إسلامية- لإيجاد مبررات لإضفاء شرعية علي اختياراتها، وعلي رأس هذه المبررات ضرورة الالتزام بالمتطلبات التعاون الدولي ضد الإرهاب وفقاً لمقررات الشرعية الدولية متناسية أنه تعاون في مواجهة دول وشعوب إسلامية ستتعرض لضربات عسكرية بقيادة أمريكا وليس ما يسمي الشرعية الدولية .

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة، وهى أن إدارة الرئيس بوش الابن اعتبرت الترويج للديمقراطية عنصراً جوهرياً في ظل الحرب الأمريكية علي الإرهاب، فانعدام الحرية السياسية في بعض البلدان، ولاسيما في الشرق الأوسط، يشجع التطرف السياسي والإرهاب المعادي للغرب وتعزيز الديمقراطية في هذه الأماكن، يمكن أن يساعد علي اقتلاع جذور الإرهاب، وأكد الرئيس بوش الابن أن السير نحو عالم ديمقراطي لن يساعد علي نشر القيم الأمريكية فحسب، بل إنه سيحسن من وضع الولايات المتحدة وكلما نمت الديمقراطية في العالم العربي تتوقف المنطقة عن إنتاج الإرهاب المناهض للولايات المتحدة، ومن هنا فإن الترويج للديمقراطية في الشرق الأوسط، ليس متلائماً مع الأهداف الامنية للولايات المتحدة فقط، بل إنه ضروري لإنجاز تلك الأهداف واتخذت إدارة بوش من الترويج الديمقراطية حلاً طويل المدي للفوز في الحرب علي الإرهاب، وقد تبني الرئيس بوش الترويج للديمقراطية كجزء من حملة واسعة، وثابتة لحماية الولايات المتحدة، واستأصل شر الإرهاب فاستراتيجية حفظ السلام علي المدي الطويل تكمن في المساعدة علي تغير الظروف التي ساعدت علي ظهور التطرف التي ساعدت علي ظهور التطرف،خصوصاً في الشرق الأوسط الكبير .

لم تكن قضية الديمقراطية في الوطن العربي ضمن أولويات السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة العربية في مرحلة ما قبل أحداث 11 سبتمبر، بل إن السياسة الأمريكية بنيت علي أساس دعم أنظمة حكم تسلطية استبدادية تتفق مع أهدافها، ومصالحها، وخاصة فيما يتعلق بمحاربة المد الشيوعي، وضمان استمرار تدفق النفط لها، ولحلفائها بأسعار مناسبة، علاوة علي إنشاء القواعد وتقديم التسهيلات العسكرية لها في المنطقة، وبهذا ظلت واشنطن حريصة علي ضمان استمرار هذه الأنظمة، وسلامتها، والتغاضي عن ممارستها للديمقراطية مع قناعتها، بأن أي عملية تحول ديمقراطي حقيقي، قد تؤدي إلي حدوث حالة من عدم الاستقرار تضر بالمصالح الأمريكية، أو حتي يمكن أن تفسح الفرصة للوصول الإسلاميين إلي قواعد السلطة، وأثر هجمات 11 سبتمبر حدث تغير في نظرة واشنطن حول موضوع الديمقراطية في المنطقة، باعتبارها المنبع الرئيسي لتجفيف منابع التطرف، والإرهاب الذي أصبح يشكل تهديداً للولايات المتحدة .

وعقب أحداث 11 سبتمبر أضحت قضية الديمقراطية علي أولويات الأجندة الأمريكية، وذلك انطلاقاً من قناعة مفادها أن الأوضاع السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية التي تتمتع بها دول منطقة الشرق الأوسط، هي السبب الرئيسي في الأحداث التي شهدتها الولايات المتحدة، والتي أوضحت الخطر الجسيم للإرهاب والجماعات الإرهابية وربط الرئيس بوش في خطابته المتعددة بعد 11 سبتمبر بين غياب الأنظمة الديمقراطية في المنطقة، وتنامي ظاهرة الفقر والقهر، التي وفقاً له قادت الي التطرف والإرهاب، والذي تسبب بدوره في اعتداءات 11 سبتمبر 2001 م، وأكد أن بلاده سوف تعمل علي إحداث تغيير نحو الديمقراطية في الشرق الأوسط، واعتبر أن غياب الديمقراطية يمثل تحدياً كبيراً للولايات المتحدة، وأن غياب الحرية والتمثيل الديمقراطي في المنطقة، أدي إلي نتائج وخيمة للمنطقة والعالم، وأدي إلي غياب حقوق المرأة، وفرق بوش بين ما أطلق عليه “التحديث والتغريب” ؛ حيث أشار إلي أن حكومات وشعوب المنطقة لن تكون مضطرة لاتباع الثقافة الغربية في سبيل تحقيق الديمقراطية، وذلك في الوقت الذي كانت تستعد فيه الولايات لحربها ضد النظام العراقي علي الصعيدين العسكري والسياسي خلال عام 2002م، وبرزت فجأة قضية الديمقراطية ضمن أجندة السياسة الأمريكية تجاه المنطقة، حيث تزايدت تصريحات وخطب بعض المسئولين الأمريكيين التي راحت تؤكد علي حرص الإدارة الأمريكية علي تحرير العالمين العربي والإسلامي من الأنظمة الديكتاتورية ونشر الديمقراطية والحرية فيهما، وذلك من أجل تغير نظم ومناهج وبرامج التعليم، وبخاصة التعليم الديني، والإعلام، والثقافة، بما يسمح بنشر قيم وثقافة الديمقراطية، والمشاركة، واحترام حقوق الإنسان؛ فضلاً عن تعزيز قوي ومنظمات المجتمع المدني والمساعدة من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، حيث نبعت مبادرات الشرق الأوسط من إطار فكري تبلورت ملامحه في الولايات المتحدة بعد أحداث 11 سبتمبر .

يتحدد مضمون هذا الإطار في أن هناك مصدراً جديداً للتهديدات للولايات المتحدة، وهو ما يعرف بالتهديدات الناتجة من التفاعلات داخل ما يسمي “بالدول الضعيفة والفاشلة”، وأنه في حالة غياب سلطة مسئولة داخل حدود الدول، فإن التهديدات التي يمكن احتوائها داخل حدود الدولة، يمكن أن تمتد للعالم وتؤدي إلي حالة من الفوضى الدولية، وعن طريق هذه الدول يسهل انتشار حركة الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل .

وعلي ذلك تري الولايات المتحدة أن الشرق الأوسط، هو مثلث فاسد الأضلاع ويتكون من:

أ- استبداد سياسي: حيث إن العديد من شعوب الشرق الأوسط، ما تزال تعيش في إطار أنظمة سياسية مغلقة، وكثير من الحكومات تكافح مؤسسات المجتمع المدني باعتبارها تهديداً، وأن لغة الكراهية، والاستبعاد، والتحريض علي العنف لا تزال هي اللغة السائدة، فالدول العربية، هي دول ديكتاتورية استبدادية .

ب - تخلف اقتصادي : الفقر متأصل في كثير من دول الشرق الأوسط، وهذا التخلف يتمثل في عدم وجود وظائف، فالاقتصادات العربية لا تولد ما يكفي من الوظائف، كذلك هذه الدول غائبة إلي حد كبير عن الأسواق العالمية، فهذا التخلف الاقتصادي يعزز الإحباط الذي يولده الاستبداد السياسي.

جـ - التطرف التعليمي : فبجانب أن عدد كبير من أطفال المنطقة يفتقر إلي التعليم، إلا أن نظم وطرق التعليم نفسها تحوي قدراً كبيراً من الأفكار المتطرفة العدائية، كذلك هناك عجز عن الإلحاق بالثورة التكنولوجية التي تجتاح العالم، وهناك تهميش للمرأة في كثير من دول الشرق الاوسط .

تؤكد الولايات المتحدة أن هذا المثلث يجعل من شبابها مزرعة من إرهابيين، ولا يمكن أن تقبل الولايات المتحدة الأوضاع الراهنة بالمنطقة، وخاصة مع انتشار أسلحة الدمار الشامل، التي يمكن أن تلحق الكوارث بالولايات المتحدة وحلفائها، ولذا فلا بد من حل هذه المعضلة، وذلك عن طريق استبدال هذا المثلث بآخر؛ يتكون من ديمقراطية، وحكم صالح، وازدهار اقتصادي، وتعليم متطور، وقد سعت إدارة بوش إلي ترجمة هذه الأهداف إلي برامج وسياسات محددة، وخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وذلك في إطار ما أطلقت عليه مبادرات الشرق الأوسط .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

زهير الخويلدي"الحجر الساقط من علِ كلما كان موضع بدء هبوطه أعلى كلما كانت شدة وقعه أقسى..."

ولد أبو البركات ابن ملكا البغدادي في البصرة سنة 1087 ميلادي وتوفي في بغداد سنة1165 ميلادي ولُقِّبَ بفيلسوف العراقيين وأوحد الزمان وعرفه عام الناس باسم البلدي وذلك لتخصصه المعمق في الفلسفة ومبالغته في الاهتمام بالعلوم التطبيقية والطب النفسي وبراعته في الابتكار في الفيزياء والميكانيكا والفلك.

تتلمذ في الطب على يد كبير الأطباء في زمانه الحسن سعيد ابن الحسين وكان واسع الاطلاع على مؤلفات جالينوس وطرقه في العلاج ولكنه سار في الطبيعيات وما عدها على منهج أرسطو وابن سينا والفارابي.

لقد ترك لنا البغدادي مجموعة من المؤلفات الفلسفية وعدد من الرسائل العلمية يمكن إدراجها في باب الفلك مثل مقال في سبب ظهور الكواكب ليلا واختفائها نهارا وفي باب الطب مثل اختصار التشريح من كلام جالينوس وكتاب الأقرباذين ومقالة في الدواء الذي ألفه برشعثا ومقالة أمين الأرواح، وفي باب الفلسفة مثل رسالة في العقل وماهيته وكتاب النفس وكتاب التفسير وكتاب "المعتبر في الحكمة" الذي يعد الأكثر شهرة ويتكون من عدة أجزاء ويتناول فيه ظواهر الطبيعة مثل النبات والحيوان والإنسان والطبيعيات والإلهيات.

تميزت العمليات الطبية التي أجراها ابن ملكا البغدادي بالدقة في التشخيص والجرأة في المداواة والنجاعة في معالجة الأمور الوهمية بالطريقة النفسية واعتمد منهج جالينوس في مواضع وخالفه في مواضع كثيرة.

لقد تفجرت عبقرية ابن ملكا في العلوم الطبيعية التي أعلى من قيمتها بعد تعرضه للمنطق والماورائيات  وتأكيده على أن "الطبيعيات هي الأشياء الواقعة تحت الحواس من أحوالها وما يصدر عنها من حركاتها وأفعالها وما يفعل ذلك فيها من قوى وذوات غير محسوسة" وإقراره بأن " العلوم الطبيعية هي العلوم الناظرة في هذه الأمور الطبيعية ، فهي الناظرة في كل متحرك وساكن"، وبالتالي يعتبر "العلم الطبيعي المنسوب إلى الطبيعة، الذي يساير المحسوسات من الحركات والتحركات والمتحركات" وجملة آثارها.

 

لقد تفطن أبو البركات البغدادي إلى أن تأثير الجاذبية الأرضية في حركة الأجسام والكواكب في الفضاء وأدرك بلغة عصر قوانين الحركة التي صاغها فيما بعد كل من غاليلي وديكارت ونيوتن بصورة وضاحة وهي مسألة السقوط الحر للجسم ومسألة السرعة والتسارع ومسألة الجذب والدفع ومسألة التأثير والتأثر.

لقد ربط ابن ملكا البغدادي بين علم الطبيعة وعلم الحركة ولكنه أضاف إلى النظر العقلي والاستدلال المنطقي اعتماد التجارب العينية والحساب الرياضي والهندسة وأسس بشكل مستقل علم الميكانيكا الذي يهتم بالسرعة في الزمن والتسارع في المكان وبالقوة من الجسم وكميتها من جهة الممانعة والاحتكاك.

لقد ميز ابن ملكا بين الحركة الطبيعية التي تكون تحت تأثير قوى الجاذبية الأرضية حيث يسعى كل جسم في طلب وضعه الطبيعي عند مركز الأرض والحركة القسرية التي تحدث نتيجة تعرض الجسم لمحرك خارجي يجبره على تغيير مكانه أو وضعه، كما يميز في الحركة الطبيعية بين المناسب والمباين ويشير إلى وجود خاصية في الجسم الطبيعي تجعله يدافع على بقائه على حاله ويحافظ على موضعه الأصلي.

بعد ذلك يتطرق إلى ظاهرة التساقط الحر للأجسام ويشير إلى أن حركة الجسم تتزايد في السرعة كلما أمعن الجسم في هبوطه الحر بحيث أن تأثيره يشتد مع طول المسافة المقطوعة وينقص لما تكون المسافة قصيرة ويستخلص أن كمية الحركة  تزداد في شدة تأثيرها بازدياد المسافة المقطوعة وتنقص بقصرها. اللافت للنظر أن ابن ملكا تحدث عن الهواء بوصفه الحيز الطبيعي وانتبه إلى السقوط في خط مستقيم ومقاومة الهواء لحركة الأجسام ونقض بذلك قول أرسطو حول تناسب سرعة سقوط الأجسام مع أثقالها.

يصرح في هذا السياق:" لو تحركت الأجسام في الخلاء لتساوت حركة الثقيل والخفيف والكبير والصغير، والمخروط المتحرك على رأسه الحاد والمخروط المتحرك على قاعدته الواسعة، في السرعة والبطء..."

بعد ذلك درس ابن ملكا علاقة الحركة بالزمان ورأى أنه كلما اشتدت القوة ازدادت السرعة وقصر الزمان واستنتج من ذلك إمكانية سلب الزمان في السرعة وليس في سلب الزمان أثناء قطع المسافة وبالتالي يكون قد قال بتناسب القوة مع تغير السرعة بالنسبة إلى الزمان واقترب من قانون تناسب القوة مع التسارع.   لقد أدى اهتمامه بقانون السرعة التي تساوي المسافة مقسومة على الزمن إلى تناول بالتحليل ظاهرة سير العجلة واستنتج أن التسارع يساوى السرعة مقسومة على الزمن أي معدل تغير السرعة بالنسبة للزمان.

في مستوى ثالث تفطن ابن ملكا بشكل واضح لا لبس فيه الى أن لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه ويبرهن على ذلك بوجود جسم في حالة توازن تحت تأثير قوتين متساويتين مقدارا متعاكستين اتجاها ويقدم مثال الحلقة المتجاذبة بين مصارعين بقوله:" إن الحلقة المتجاذبة بين المصارعين لكل واحد من المتجاذبين في جذبهما قوة مقاومة لقوة الآخر، وليس إذا غلب فجذبها نحوه يكون قد خلت من قوة جذب الآخر، بل تلك القوة موجودة مقهورة، ولولاها لما احتاج الآخر إلى كل ذلك الجذب...".  لقد حقق أبو البركات سبقا معرفيا في مجال الميكانيكا حينما وصف حركة الأجسام تحت تأثير الجاذبية ووضع نفسه ضمن عباقرة العالم في المجال الفيزيائي وأسهم بذلك دون أن يعي في قيام الثورة العلمية.

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

......................

المرجع:

أبو البركات البغدادي، المعتبر في الحكمة الإلهية، دار ومكتبة بيبليون، طبعة 2011، 1038 صفحة. 

                                             

علي محمد اليوسفشذرة اولى: دي سوسير واللغة

(رغم أن وجود الاشياء يسبق فكرتنا عنها الا أنه يمكن القول بأن تصوراتنا تخلق الاشياء) دي سوسير..(1)

هذه العبارة أوقعتني بتخطئتها عندما أخذتها بالتفسير الحرفي للمعنى ودلالتها الملتبسة تأويلا لغويا، بالصيغة المثبتة أمامنا أعلاه بين مزدوجتين، وهي صيغة تشي بمغالطة لغوية تعبيرية تذهب الى أمكانية الفكر أن يخلق وجود الاشياء بعد أن لم تكن موجودة في الواقع العياني المدرك، وكنت ناقشت العبارة في معرض مقالة منشورة لي بعنوان اللغة والاشياء..

الحقيقة أني وجدت العبارة الآن بعد مصادفة قراءتي لها ثانية أنها مقولة صحيحة في حال خرجنا من فخ وشراك أسر تعبير اللغة الحرفي في أدراك المعنى، أذا فسّرناها على وجه الدقة أن سوسيرلم يكن يقصد أن الافكار تخلق وقائع الاشياء في وجودها من لا شيء مادي يكون موضوعا للفكر، في نفس وقت سوسير يقّر على أن الواقع في تكويناته المتنوعة يسبق أفكارنا وتصوراتنا عن موجودات الاشياء ..، والحقيقة الأهم برأينا هي أن الفكر وتصوراتنا الذهنية المجردة المعبّرة عن مدركاتنا لعالم الاشياء ليست جديرة أن تخلق الموجودات والاشياء من عدم وجودي سابق عليها، وهذه المعلومة الجوهرية المطروقة جدا في ادبيات الفلسفة والمعرفة.. لم تكن بتقديري غائبة عن تفكير سوسير في عبارته تلك، فالواقع المادي المستقل للموجودات هو الحافز والانعكاس الحسّي المباشر الفكري والتصوري الاساس لأدراك وجود الاشياء.. والفكرهو مجمل تصوراتنا البعدية عن شيء موجود متعيّن واقعيا سابقا عليه في عالم الموجودات والاشياء قبليا.. ولو لم تكن تصوراتنا عن الموجودات هي من نوع الادراك القصدي المعرفي للاشياء في وجوب وضرورة معرفتنا أهميتها وأسباب وجودها وعلاقاتها السببية بغيرها من الموجودات لما كان للموجودات تلك الاهمية التي تسترعي منا وجوب وضرورة الاهتمام بها ودراستها.. رغم حقيقة أن الاشياء والموجودات هي متعينات أنطولوجية سابقة على معرفتها وأدراكها من قبلنا، وسابقة على تشكيل تصوراتنا الذهنية والفكرية والتعبيرية اللغوية المجردة عنها.. وموجودات العالم الخارجي مستقلة في وجودها المتعيّن كمواضيع مؤلفة من شكل ومضمون سواء أدركنا ذلك أم لم ندركه.. فالاشياء في وجودها هي التي تبعث وتحرك أفكارنا بها، وليس أدراكاتنا لها هي التي تحدد وجودها المستقل السابق عنا..

وبهذا الفهم للوجود والافكار المجردة المتعالقة معه جدليا تكون مرجعية العقل الادراكية قسمة مشتركة تجمع بين المفهومين المادي والمثالي رغم فوارق الاختلاف الصارخ بينهما في تفاصيل آلية الادراكات وعلاقة الفكر بالواقع ومسائل خلافية جوهرية عديدة أخرى غيرها تجعل من فرز الفهم المادي عن الفهم المثالي في أدراك الوجود وتفسير العالم أكثر من ضرورة موجبة.. ..وليس هنا مجال تفصيلها، ويصبح أمامنا فهم كلا من بيركلي وهيوم ولوك المثالي لعلاقة الفكر بالواقع لا يمتلك كل الخطأ في تقاطعه مع الفهم المادي حين تكون وسيلة الادراك العقلي لكليهما المادي والمثالي لا تخرج عن أننا لا نمتلك من العالم الخارجي غير تصواتنا الذهنية وتمثلاتنا الادراكية عنه.. وعن طريق أمتلاك العقل لهذه التصورات الذهنية المجردة يكون فهمنا لموجودات العالم.. بمعنى المادة في وجودها المستقل لا يمكن أدراكها بغير تصورات الفكر الصادرة عن الذهن بالدماغ، وتمييز الفكر المادي عن الفكر والتفسير المثالي لا يحدده وجود المادة المستقل في عالم الاشياء بل تحدده التصورات المنهجية العقلية في فهم الاشياء بما يضفيه العقل عليها من مقولات تجعل من الفكر مثاليا او ماديا حسب تناول ومنهجية التفكيرالمفروزعن عالم الموجودات الواقعي والمتعالق بها ...

الحقيقة المشتركة التي تجمع التفكير المادي والمثالي أن كليهما يعالجان الواقع بتصورات الذهن التجريدية الفكرية ومرجعية الاحتكام للعقل بأختلاف نوعي جوهري في التفاصيل الخلافية على أمور كثيرة يحددها المنهج.. ومن غير هذه الادراكات التصورية الفكرية واللغوية في التعبير عن الموجودات لا يبقى معنا أهمية أستدلال معرفي قصدي يتيح لنا معرفة الاشياء والموجودات في واقعها، وفي أهمية معرفتنا الكاملة لها من زوايا رصد عديدة لا حصر لها....كما لا يبقى معنا معنى لوجود الاشياء بأستقلالية سابقة على أدراكاتنا وتصوراتنا في عدم أدراك عقولنا لها..

وهنا نضطر الاخذ بحقيقة أن الفهم المثالي للوجود عند أبرز فلاسفته التقليديين يقوم على تجريب حسّي عقلي صارم ينكر الوجود الخارجي والمادة في عجز العقل التجريبي التعبيرعنهما بتصورات العقل الذهنية الفكرية واللغوية، وما يدركه العقل موجود وما لا يدركه لا وجود له على حد تعبيرهم.. ونجد من ألمهم العودة الى ألاصل في الأقرار بحقيقة التقاء الفكرين المادي والمثالي أنّه ليس هناك فكرا ولا تعبيرا لغويا من غير الأقرار المسّبق لوجود الاشياء في أستقلالية عن تصوراتنا وعن أدراكاتنا أو عدم أدراكنا لتلك الموجودات.. فلا فرق بين الادراك من عدمه في تزامنه مع حقيقة أن الموجودات لها وجود مستقل عنا.. وجود الاشياء في عالمنا لا يقوم بناء على رغبة وأهمية وضرورة أدراكنا لها، بل في أهمية الاقرار أننا لا نمتلك أية قدرة على خلقها وأيجادها من لا شيء مادي بالفكر الذهني المجرد.... فهي موجودات واقعية من غير أهمية أدراكنا لها ومعرفتنا بها أو في تناولنا لها.. الافكار لا تمتلك قدرة خلق الموجودات بل الموجودات هي التي تخلق الافكار والتصورات والادراكات عنها..

شذرة ثانية: اللغة خاصية النوع الانساني

(دراسة اللغة بأعتبارها نسقا للعلامات كانت فتحا جديدا للنوع الانساني ) روزاليند كوارد (2)

من المهم الاقرار بالحقيقة الانثروبولوجية التي تعتبر أختراع اللغة خاصية نوعية في الانسان منذ وجوده البدائي في ملازمة محاولته ورغبته أختراع وسيلة التعبير التواصلي بغيره لغويا،، أن أول ماعرفه الانسان كما تذهب له الانثروبولوجيا وتؤكده الفلسفة البنيوية الحديثة هو الكلام الشفاهي الذي يعتبره البنيويون أصل الكتابة ومن بعدها اللغة والكلام سابق على أختراعهما.. ولم يكن الكلام قبل أختراع الكتابة هو لغة تداولية بالمعنى المعروف بأن اللغة هي مجموع الكلام والكتابة معا في رمزية الحروف والمقاطع المنطوقة الصائتة والمكتوبة.. وكان الكلام الشفاهي قبل أختراع اللغة هو أشارات رمزية وحركات جسدية ترافقها هذاءات صوتية تواصلية غير مفهومة في مصاحبتها أيماءات حركية تحاول تقريب توصيل المعنى للآخر، وقد تزامن الكلام الصوتي مع البدايات التصويرية للكتابة في أشكال لا ترقى الى مستوى الكتابة المعروفة التي قوامها الحروف والمقاطع بدلالاتها الصوتية التواصلية... التي وجدت رسوماتها البدائية على جدران الكهوف في العصور الحجرية الاولى، وهذه النقوشات الصورية البسيطة لا يمكن أعتبارها كتابة رمزية تمتلك أحرفا ومقاطع لها اصوات معبرّة عنها تحقق هدفا تواصليا...

كما وصل حال تطور اللغة في نهايات عصر الزراعة وبداية تشكيل المدن في العصر النحاسي أو البرونزي ألاول مع أختراع أبجدية الكتابة المسمارية في بلاد الرافدين حوالي ثلاثة الاف سنة قبل الميلاد لتعقبها بالتزامن اللغة الهيروغليفية الفرعونية في مصر الفين وخمسمائة قبل الميلاد وربما كانت السنسكريتية لاحقة لكليهما أو مزامنة لهما..

والمسمارية والهيروغليفية تعتبران لغتان تجمعان كتابة الحرف والمقطع على شكل صورة رمزية صامتة تعبّر عن معنى شيء ولا صوت لها حتى مع ملازمة الدلالة الرمزية والاشارية للصورة المقطعية مع أيماءة حركية جسدية.. وبقيت تلك الكتابة على أنها لغة تواصل تداولي تفي بالغرض من وجود اللغة في حياة الانسان وأهميتها في تلك العصوروما تلاها أي قبل أختراع الانسان أبجدية الكتابة واللغة بمفهومها المتطور الحديث..

أذن اللغة منذ بدايات تكوّنها وتطورها وقبل أختراعها بشكلها الحديث لم تأخذ صفة الفتح الجديد للنوع الانساني حصرا مع بزوغ فجر الدراسات الالسنية واللغوية في بدايات القرن العشرين، بمعنى بقي منجز أنسنة اللغة النوعي تحصيل حاصل التطور الانثروبولوجي للانسان في بناء الحضارة، ولا تضيف فتوحات الدراسات اللغوية الحديثة آفاقا معرفية أنسانية تتعالق باللغة لم يكن تطور اللغة عبر التاريخ يعرف بعضها متحققة في حياة الانسان...

وهنا تظهر أمامنا حقيقة أن تطور اللغة هو تطور الانسان أنثروبولوجيا ...بمعنى أيضا أننا لا نضيف جديدا مخترعا أو مكتشفا لغويا وصلته الدراسات اللغوية الحديثة بعد أن اصبحت اللغة نسقا علاماتيا أضفى على لغة الانسان بعدا آخر جعلت من وجوده الانثروبولوجي خاصية نوعية جديدة متقدمة لتوكيد خاصية أضافية أعمق مكتسبة فيه لم يكن الانسان يعرفها ويعيشها في بعضها على الاقل .. ..

مسألة توكيد الوجود النوعي للانسان في تطور اللغة تحصيل حاصل تطوره الانثروبولوجي، وهو نفسه يمنحنا الاقرار بحقيقة أن تطور اللغة في النسق العلاماتي الجديد المكتشف بالدراسات الانسانية الحديثة على أنه فتح آفاقا أمام الانسان كنوع في لغة يحتازها الانسان دون غيره من الكائنات..

وتطور اللغة النوعي في نسق علاماتي جديد تقوم عليه الدراسات الالسنية الحديثة والمعاصرة تؤكد خاصية الانسان النوعية أنثروبولوجيا التي هي خاصية أختراع القدرات النوعية في اللغة.. في جميع مراحل التاريخ الانثروبولوجي للانسان لم تكن اللغة غير لغة أنسانوية مؤنسنة بنوع الانسان تنم عن أقتدار فريد متطور خلاّق دائما يتسّم به الانسان كنوع وحده منفردا.. الشيء المذهل حقا في اللغة أن الانسان أخترع مئات الالوف من اللغات واللهجات المحلية بتنوع وثراء يغطي كافة دول العالم اليوم في توكيد أن الانسان كائن نوعي باللغة وليس نوعيا في خروجه منها أذا صح التعبير..

شذرة ثالثة: الجنس والصوفية

يذهب الفيلسوف الفرنسي جورج بتاي ألى أن لغة أشباع الأيروس الجنسي كفعالية بيولوجية غريزية تسعى الى الاشباع تلتقي بلغة التجربة الصوفية على أنهما فيضان لا تستوعبهما اللغة، ويجدر بنا التنبيه الى أن بتاي جمع نقيضين لا يجتمعان ليس على مستوى تعبير حميمية الجسد البايولوجية الحسيّة في تجربة الجنس، وفي أعدام هذه الحميمية للجسد في التجربة الصوفية،، وأنما يكون فيض الفعاليتين وعجز اللغة أستيعابهما في التعبير عنهما انما يكون على مستوى التجريد اللغوي الذي لا يجمع بينهما لأنه غير متحقق في أحداهما ولا في كليهما معا..

العلاقة الجنسية الحميمة بين الرجل والمرأة تجربة بيولوجية غريزية تلتقي في الاستعصاء التعبيري اللغوي مع عجز وأستعصاء لغة التجربة الصوفية في التعبير لكلتاهما على أنهما فيضان من الفعالية البيولوجية النوعية لا تستوعبهما اللغة.. وهي عبارة تحمل من الدلالة والعمق ما يوقف التوضيح لها عند توّخي حذر حدود الاخلال بصياغتها اللغوية الفريدة حقا في محاولتنا توضيحها..

بدءا يبدو التناقض في جمع نقيضين على مستوى الجسد ومستوى اللغة لا يجتمعان في أستحالة حقيقية،، فهي مسألة تحتاج تدعيم ومقبولية، ولا حاجة الى التذكير بأن بتاي الفيلسوف يعرف جيدا أبعاد هذا التناقض في حال محاولة جمعهما على مستوى بيولوجيا الجسد وعلى مستوى عجز اللغة التعبيرعنهما كفعاليتين للجسد خارج المعطى الحسّي، بين لغة الجسد الحسيّة الايروسية بأمتياز مطلق مع أفتراق لغة الجسد الروحية الصوفية المّحلقة بأطلاق لا محدود عنها، فتعبيرتجربة الفعالية الايروسية عن نفسها بالجسد حسيّا هي فعالية بيولوجية غريزية تنشد الاشباع لها، لذا فهي متقاطعة تماما عن اللقاء مع التجربة الصوفية التي تتسم بالتعالي الوجداني العاطفي الذي يعلو فوق لغة الجسد الحسّية وكل ما له صلة بالواقع المادي معها، والفعالية الجنسية الحميمة هي عملية أشباع شخصاني غريزي جسدي تحت وصاية العقل وحضور الحواس ومنظومة الجهاز العصبي المرتبط بهما.في حين نجد التجربة الصوفية تحررا تاما وخروجا على جميع هذه المواضعات الحسّية التي تحيط تجربة الجسد الحسّية في أشباعها أيروس الجنس الغريزية التي تتصف بها العلاقة الجنسية الحميمة،، فلا وجود لحضور عقل في تجربة التصوف ولا جسد حسّي ينشد اللذة ولا ادراك حواس ترتبط بمنظومة الجهاز العصبي.. وكل هذا التمايز لا يلزم المشابهة له في التجربة الايروسية مطلقا..

جورج بتاي جمع بين الفعاليتين الأيروسية الجنسية والتجربة الصوفية ليس على مستوى فعالية الجسد كنوع بيولوجي بل على صعيد أنهما فيضان لا تستوعبهما اللغة في التعبيرأيضا..وهو تعبير فلسفي غاية في جمال وعمق العبارة الموحية بكوامن تأويلات دفينة لا تحد، العلاقة الايروسية الحميمة في لغة الجسد وتعبيراته البيولوجية تكون فعالية تحت وصاية العقل ومنظومة الجهاز العصبي في تحقيق متعة ولذة الاشباع الغريزي للجسد وهي حتما تجربة يلازمها عجز وأستعصاء لغوي لا يختلف كثيرا عن حالة وصف أشباع الغريزة في أدراكات العقل القصدية الثلاث الاشباع الجنسي واشباع الجوع واشباع العطش فهي جميعها من نوع الاشباعات الغريزية عند الانسان... بخلاف العملية الجنسية في الاشباع حين تكون اللغة في أستعصائها عن التعبير في مرحلة متأخرة من قدرات التعبير غيرالممكن عن التجربة الصوفية.. ..

ولو نحن عدنا الى عقد مقارنة بين عملية أشباع غريزة الرغبة الجنسية مع أشباع تجربة التصوف الروحية المتعالية لوجدناهما يلتقيان كفيضين لا تستوعبهما اللغة ولا تحدّهما أيضا.. فيض حسّي أشباعي جنسي وفيض غير حسّي روحاني صوفي متعالي على بايولوجيا الجسد ومتعالي أيضا على كل ارتباطات الجسد في أنشداده الى عالم الواقع والشعور،، من عواطف وانفعالات النفس الحسية الدنيوية الأمّارة بالسوء..

عجز اللغة في تجربة العلاقة الحميمية الجنسية على أنها فيض من الفعالية الجسدية غير مسيطر عليها رغم أن العقل ومنظومة الجهاز العصبي تشرف في وصايتها عليها.. فالجسد في بعض فعالياته البيولوجية شديدة التعقيد تكون لغة التعبير عنها أو وصفها غائبة تماما ومعّطلة قصديا أو بدون قصد، فاللغة التعبيرية عند الصوفي مقصود تعطيلها لذاتها لديه وفي أهمية ووجوب تجاوزها كي لا تفسد التجربة، وتكون لغة التعبيرعفوية في الاستعصاء التعبيري غير مقصود تجاوزها في التجربة الجنسية... وتكون فعالية الجسد الحسية لا تحتاج لغة التعبيرعنها التي تحدّها حسّيا،،

فاللغة غالبا ما تكون تعبيرات تحدّ الجسد حتى عندما يقوم بأيحاءات حركية سيميائية رمزية خارج متداول اللغة التواصلي يستقبلها المتلقي ويفهم دلالاتها.. بعيدا عن لغة التوصيل المسموعة الصوتية المقترنة ببايولوجيا الجسد خارج فعالية أيروسية الجنس..

للجسد أكثر من لغة تعبير وأكثر من فعالية تلزمه عدم الحاجة الى مصاحبة وتلازم تعبير اللغة التداولية الصوتية لتلك الفعاليات العديدة... ونجد ذلك واضحا كما في أبرز وأهم مثال هو أنكفاء وعجز حضور اللغة في تفسير معنى التجربة الصوفية وكيف حدثت وماذا تبغي تحقيقه..بل في تجربة التصوف تكون اللغة بكل تنوعاتها التواصلية والدلالية خارج أهتمامات المتصوف في تغليبه لغة القلب والوجدانات والعاطفة والتسامي الروحي الذي لا يشّل حضور اللغة فقط بل يشّل العقل ويوقف كل متعلقات ألارتباط بالواقع.. وجميعها صمت موحي ومعبّر لا يحتاج لغة توصيل ولا لغة شرح تواصلية..

شذرة اربعة :توما الاكويني وحقيقة الوجود

يعتبر القديس توماس أكويناس (أن الحقيقة هي المساواة بين العقل والاشياء، بحيث يستطيع العقل أن يقرر ما هو كائن موجود وما هو غير كائن ليس موجودا)(3)، هذه المقولة الفلسفية تلقفها عن وعي وأدراك أو بدون وعي أو شعور جميع الفلاسفة المثاليين الذين توالوا من بعد القديس توما الاكويني وصولا الى قطب الفلسفة الذرائعية البراجماتية وليم جيمس قوله ( كل تجربة حسّية أو تصورية يجب أن تطابق الواقع لتكون حقيقة ).(4)

عبارة توماس الاكويني تشي بتطرف غير مسبوق في أنكاره أن يكون أدراك الوجود وعالم المادة والاشياء كما اخذها عنه بيركلي وهيوم ولوك وصولا الى مور ورسل، فجميعهم يلتقون على حقيقة أن العقل وحده رفقة وسيلة الحواس وليس الوجود هو الذي يقرر بالذهن المجرد ماهو كائن وما هو غير موجود، والوجود لا يصبح حقيقة من غير أدراكات الحواس والعقل له.. متغافلين عن حقيقة أهم مما يعتقدون به أن الوجود كحقيقة وعالم قائم بذاته هو موجود سواء أدركه بيركلي أم لم يدركه.. وما لا يدركه بيركلي يدركه الألوف غيره.. الوجود الخارجي في أستقلاليته لا يحتاج الحواس ولا العقل في أدراكه كي يثبت وجوده...فهو موجود خارج أدراكات الحواس والعقل وموجود مع أدراكات الحواس والعقل له أيضا.. ولا يتعيّن وجود الاشياء في رغبتنا أدراكها من عدم رغبتنا أدراكها.. عليه يكون أدراك الموجودات والاشياء في العالم الخارجي لا يرتبط وجودها سببيا في وجوب أدراكنا الحسّي والعقلي له وجود الاشياء في استقلالية تامة لا تلزم الحواس والعقل ادراكها،، وليس صحيحا أبدا أن ما لا يدركه العقل فهو غير موجود سوى عند بيركلي وهيوم وأشياعهما.. أن أدراك العقل للاشياء ليس لتعيين وجودها من عدمه، وأنما يقوم العقل بادراكها من أجل معرفتها بخصائصها وأهميتها وضرورة تواجدها السببي وعلاقاتها بغيرها من الموجودات وبالانسان أيضا.....ليس مهما أدراكنا وجود الاشياء بمقدار أهمية كشف معرفتنا بها ولماذا هي موجودة وما علاقتها بنا وأهميتها لنا...وتطابق مدركات العقل الآتية أليه عبر منافذ الحواس مع وجود الاشياء العياني لا يعني معرفة حقائقها وأدراكها التام، ولا كاف معرفة وجودها من عدم وجودها فهذا لا يمّثل معرفة حقائقها بشيء،، لأن ما تدركه الحواس في توصيله للعقل لأثبات وجود الاشياء يبقى أدراكا ناقصا لأنه يعتمد الحواس أولا ويعنى بالصفات الظاهرة ثانيا ولأنه أدراك شخصاني لا يمكن تعميم مصداقيته ثالثا..

لذا يكون مطابقة ما تدركه الحواس من موجودات الاشياء في عالمها الخارجي لا يلزم عنه أن يكون وعيا جمعيا أدراكيا وليس شخصانيا منفردا،، بل استحالة مثل هذا التعميم.. والادراك الشخصاني الهادف لا يكون بالضرورة وعيا قصديا هادفا لآخرين.. وهذا ما يجعل أدراك الحواس والعقل في معرفة عالم الاشياء يظل ناقصا وغير حقيقي تماما على الدوام..

نرى من المهم التأكيد على أن ألاحساسات تكون عقلية صادقة في نقل مدركاتها للعقل متى ما وجدناها متطابقة فعلا مع الاشياء في وجودها الخارجي المستقل، وفي حال عدم التطابق يكون الخطأ بالحواس وليس في وجود الاشياء..ومن هنا تبقى حقيقة أن وجود الاشياء لا يحدّها الادراك العقلي لها،، وأنما الحقيقة يحددها الوجود في حقيقة معرفته وليس حقيقة أدراكه..

شذرة خامسة :اللاوجود بين بارمنيدس وهيراقليطس

يذهب هيجل الى أن ما يدركه العقل واقعيا يتحتم وجوده الادراكي في عالم الاشياء بالضرورة السببية.. وبضوء هذا الفهم الهيجلي يكون من الخطأ معنا أن نفهم عبارة بارمنيدس (اللاوجود غير موجود، والوجود كائن واللاوجود غير كائن) متناقضة مع تعبير هيجل أن لم تكن تمّثّل أمتدادا متجانس المعنى معها،، وبضوء فهم بارمنيدس لا يمكن أن يصدر الوجود عن اللاوجود الذي يفهمه البعض خطأ أنه (عدم) لا يدركه الفكر ولا يدركه العقل...فاللاوجود ليس عدما ولا فراغا وأنما هوأفتراض وجودي غير متعيّن حدسيا ولم يدرك وجوده زمنيا ليصبح وجودا مدركا.. يمكننا القول أبتغاء التوضيح أن الادراك أربع فعاليات متداخلة ومتكاملة معا، فكل مدرك واقعي يحتاج الى وجود مكاني وحيّز متعين كموضوع للادراك أولا، ثم الى حواس تدركه ثانيا والى عقل يتمّثله بمقولاته ثالثا، والى زمن يلازمهم في تداخل معهم ثلاثتهم رابعا..

والوجود عند بارمنيدس ثابت لا تحكمه الحركة ولا يطاله التغيير،، بخلافه أذا ما أستعرنا مفهوم هيراقليطس أن الوجود تحكمه الحركة والتغيير وكل الاشياء هي صيرورة دائمة من التبدل والتغيير المستمر.. لذا من الممكن أن يصبح ما هو غير غيرموجود موجودا وعّلة وجوده هو الحركة، التي بتأثيرها على الوجود واللاموجود في كل تنوعاتهما وتمظهراتهما يصبح ماهو غير موجود موجودا في لحظة زمنية واحدة، وفي ذلك يصبح اللاوجود هو أنزياح للوجود المحكوم بالأخلاء والمغادرة زمنيا سواء في أتخاذه تمظهرات متغيّرة جديدة أو في مغادرته وأخلائه حيّزه المكاني بأنحلال عدمي يفنيه ويقصيه أن يكون مدركا في عالم الاشياء والموجودات... وبهذا يكون توضيحنا الاشكالية التعبيرية المتناقضة لهيرقليطس عند قراءتنا لها لأول وهلة قوله (اللاوجود هو وجود وغير موجود معا) يقصد كليهما وجودين في حركة آنية زمنية واحدة..

والخروج من أشكالية هيراقليطس هذه اللاوجود هو وجود ولا وجود معا،، أنما يقوم / ويكون بحل هذا التناقض في أعتمادنا (الحركة ) التي تحكم كل شيء في أننا نكون أمام عبارة هيراقليطس في أن الوجود غير موجود وغير الموجود موجود.. التي كما أشرنا تضعنا أمام أستحالة أدراكية لا يمكن التسليم بها لأننا ملزمون حسب العبارة وجوب التسليم بأدراك الوجود واللاوجود في زمنية واحدة التي هي زمنية متحركة تزيح الموجود في تراتيبيته وأسبقيته مع غير الموجود أدراكيا في أستقدام الحركة اللاوجود أن يصبح وجودا مدركا في زمنية أنزياح الموجود بحكم تأثير الحركة والزمن.. هذا الاستطراد يجعلنا نستنج على أنها تتناقض بالفهم مع عبارة هيجل السابقة..ولكن نجد في توضيحنا أمكانية عدم التناقض..

ولتوضيح نجده مقنعا في عبارة بارمنيدس يكون اللاموجود موجودا بمعنى أننا لا يمكننا تحديد وجود الاشياء كمتعينات واقعية من غير الاستدلال الافتراضي بأن اللاوجود سيكون موجودا أيضا في برهة زمنية حركية لاحقة غير مدركة ولا محسوسة حضوريا لكنها مدركة حدسيا بمقارنتها في منظومة التراتيبية الادراكية المتعاقبة للوجودات التي تأتي زمانيا بعد تأكيد حضور اللاوجود الغائب السابق على وجوده المتّعين بعاملي الحركة والزمن.. بهذا المعنى تكون جميع الموجودات التي لم تكن موجودة سابقا ووجودها الحضوري المدرك أنما يكون متوقفا على أدراكها الحركي والزمني اللذين يكونان عّلة حضورها ..أي أن كل غير موجود سيكون موجودا لاحقا في زمنية وجودية تلازمه وتحكمه بالوجود بعد أن كان غير موجودا،، وكل موجود سينزاح في أخلاء حضوره ألادراكي المكاني زمانا لما سيعقبه ويأتي بعده..الوجود هو زمن أدراكي متغّير على الدوام.. هذا الفهم يصبح صحيحا أكثر عندما ننطلق من التفريق بين اللاوجود هو ليس عدما ولا فراغا وأنما هو وجود لا يتمتع بزمنية حضوره الادراكي الغائبة..

شذرة سادسة أخيرة: هيدجر والعدم

يعرّف هيدجر العدم بأنه النفي القاطع لكل وجود أو شيء يحكمه الفناء الحتمي القطعي بالموت..

هذا التعبير أجده خاطئا غير موّفق ولا صحيح منطقيا فلسفيا،، ولا مجال تعليق هذا الخطأ على مشجب خيانة اللغة في التعبير كما يذهب رولان بارت،، فألخطأ هنا بالفكر وليس في مخاتلة وخيانة تعبير اللغة.. وتعقيبنا أن العدم ليس وجودا قبليا متعيّنا يسبق وجود الموجودات في عالم الاشياء التي يستهدفها الفناء، كما هو ليس وجودا بعديا يخلف نهاية الاشياء المحكومة بالعدم.... أي حقيقة وجوهر العدم أنه أستدلال أفتراضي يسكن جوهر الاشياء كما تسكن الدودة قلب الشيء المحكوم بالنفي العدمي على حد تعبير سارتر،، العدم هو أستدلال أفتراضي لوجود غير بائن للادراك لا كمظهر ولا كجوهر على السواء..وأنما هوحقيقة مطلقة نعرف نتائجها بالحدس ولا نعرف ماهيّاتها بالادراك.. ولمعرفة الموجودات على حقيقتها قبل أستهداف العدم الحتمي كما الموت أفنائها من الوجود.. وأبلغ تعبير عن ذلك أنما جاء على لسان سارتر في تعريفه معنى العدم بقوله أن العدم يركب ظهر الوجود المحكوم بالفناء والزوال لا يتقدمه ولا يسبقه بل يلازمه ملازمة الظل.. وهو كالدودة في باطن الموجودات والاشياء.. العدم هو غير اللاوجود أو الفراغ الذي يتوسط موجودين محكومين بالفناء بل هو يلازمهما كجزء من تكويناتهما كلا لوحده وصولا الى حتمية فنائهما لا قبليا ولا بعديا عنهما بل في ملازمة حتمية لا أنفكاك لها.. فالعدم لا يسبق الوجود ولا يأتي بعده، بل هو دلالة أفتراضية يستهدف غيره من الموجودات والاشياء بالفناء،، وهو لا يفنى بالفناء ولا يعدم نفسه كما في تعبير هيدجر، بل هو نتيجة منطقية متبقية بعد فناء الموجودات المحكومة بحتمية العدم والزوال.. أنه كالموت الذي يعدم الحياة ولا يعدم نفسه في أستمرارية بقائه كحقيقة أزلية في معايشته الحياة والانسان والطبيعة والموجودات.. ..

 

علي محمد اليوسف/ الموصل

................

الهوامش:

1- د. جعفر عبد الوهاب /الفلسفة واللغة /ص 23

2- نفس المصدر ص 27

3- نفس المصدر ص 29

4- نفس المصدر ص 34

 

 

عدنان عويدإذا كان الاستهلاك في سياقه العام يعني استخدام المنتج الاجتماعي في عملية تلبية الحاجات الإنسانية، المادية منها والروحية، فإن الاتجاه الاستهلاكي في المجتمع الاستهلاكي، كما نراه هنا اليوم، هو ليس مجرد سعي للاستهلاك من أجل أن يظل الإنسان عبر استهلاكه لحاجاته إنساناً له قيمته ومكانته الإنسانية العالية والمتميزة عن بقية ما يحيط به من مخلوقات أو كائنات، بقدر ما هو استهلاك من أجل الاستهلاك. أي استهلاك منتزع من صلته العضوية بالقيم الإنسانية، وبعملية الصرف الإبداعي للإمكانات والقوى التي يؤديها الإنسان ذاته ثمناً لحق الإبداع.

إن استهلاك الأشياء في اقتصاد السوق اللامحدود، أصبح ثمناً في مجتمعاتنا لفقدان الشخصية، فالأشياء المنتجة لم تعد تشكل شروط عيش الإنسان ونشاط، بل تحولت إلى مثيل له، إي أن الأشياء التي يملكها الإنسان أصبحت هي المقياس الذي يحدد قيمته وسمعته وثقله وتأثيره على غيره أو أمثاله. ومن نافل القول التأكيد، على أن علاقة الإنسان بالشيء (السلعة)، لا يجوز فهمها على أنها استخدام ذو اتجاه واحد من حيث امتلاكه هذا الشيء أو استهلاكه، إن علاقة الإنسان بالشيء (السلعة) في سياق هذا التصور، قد أفقدت هذه العلاقة جوهرها الإنساني، أي أن الشيء لم يعد ذا قيمة إنسانية تنطبع فيها كل عملية التطور التاريخي الطويلة. أو بكلمة أخرى، لم تعد تظهر في الشيء المنتج والمعد للاستهلاك تلك الجهود والتجارب والمعارف والأذواق والإمكانات وحاجات الأجيال العديدة من الناس.

إن الشيء المؤنسن، تتجلى فيه حظوة الإنسان وتاريخه وإبداعه الحقيقي وسيرته الاجتماعية وعناصر فرديته وحياته الإنسانية الواقعية.

إن كل هذه القيم الإنسانية النبيلة للشيء، أفقدتها طبيعة المجتمع الاستهلاكي التي أفرزتها الآلة أولاً، وما حققته هذه الآلة في اقتصاد السوق الشره الذي سلع الإنسان نفسه مادياً وروحياً وغريزيا ثانياً.

أما بالنسبة للأيديولوجيات المفوّته حضارياً، أي الايديولوجيات الظلامية الجموديّة التي تريد للواقع ان يرتقي إليها دائماً، حتى ولو اضطرت إلى لي عنق الواقع بالقوة، فقد راحت تعمل عبر حواملها الاجتماعيين على خلق إنسان جديد ذي بعد واحد، أي إنسان منمذج معلب، لا يرى نفسه والعالم المحيط به وكل تاريخه الماضي والحاضر والمستقبل، إلا من خلال ما رسمته له هذه الأيديولوجيات الظلامية السكسونية الجامدة. فأمام كلا المعطيين (الآلة والأيديولوجيا) لم يعد الشيء بالنسبة للإنسان سوى وسيلة ليس لها أية قيمة إلا القيمة التي تحقق أهداف الآلة والأيديولوجيا. أي أهداف اقتصاد السوق، وأهداف الأيديولوجيا المفوّته حضارياً، ممثلة هذه الأهداف بمصالح القوى الاجتماعية المُعَبر عنها، دينياً أوضعياً.

إن الاستهلاك المادي والثقافي يتحول هنا في النتيجة من وظيفة اقتصادية وثقافية ذات بعد إنساني/ اجتماعي، إلى عقيدة وذوق وسلوك وأسلوب حياة لإنسان معلب، أو مستهلك. أي إنسان منمذج، مذرر، مستلب، مشيئ، مغرب، ضائع في عالم منتجاته..

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

"الخندقة البشرية" لا زلنا نراها تتمتع بدلالات سلبية.. لظننا إياها غير مترابطة بالحق والصدق.. ومتشابكة بالبراغماتية والسلوكيات المتلاعبة والمعارضة للنزاهة والحرية... ومتمحورة لنا في تكتيكها الشهير "التشمس في أشعة مجد شخص آخر" !!!

إن الاستراتيجيات وتكتيكات التقديم الخندقي الذاتي تتمثل تنظيماتها في صعوبات كبيرة لأن منطق تحديدها يعتمد بشكل مباشر على المواقف النظرية للدراسات، ويرتبط مفهومها أولاً وقبل كل شيء بأساس الرغبة في التوسع والحفاظ على النفوذ في العلاقات الشخصية أي الرغبة في السلطة، وعلى هذا الأساس نميز خمسة إستراتيجيات كل منها يهدف بتخندق إلى الحصول على نوع معين من القوة، بدءا من اولها وهي إستراتيجية محاولة الإرضاء أو الحصول على موقع يلزم الآخرين بأن يكونوا لطفاء ودودين وبالتالي تتحقق قوة السحر، وان الهدف الرئيسي منها هو إعطاء انطباع إيجابي عن الشريك لتبدو له افكارنا جذابة وسحره بسحرها، ولهذا الغرض يمكن استخدام مجموعة متنوعة من التكتيكات كالتعبير عن التعاطف مع الشريك والمجاملات والإطراء المقنع والنظرات الودية وإيماءات الرأس والابتسامات الودية، كما تعتمد على محاولة ضروسة لخلق مظهر مشابه للشريك للاتصال عبره واكتساب موقعه الخندقي بمحاولته لان يبدو مشابهاً للغاية لشريكه وسيحاول بالتأكيد إجراء تقييمات ووجهات نظر مماثلة حول أحداث أو حقائق محددة وسيُظهر تشابه الأذواق في الأعمال الفنية والإدمان على الطعام وفي الأماكن المفضلة للترفيه والهوايات والرياضة المفضلة الشائعة والفرق والرياضيين وحتى الممثلين والأداء، كما ويستخدم جميع الوسائل المتاحة كالنظام الغذائي الأكثر صرامة ودروس منتظمة في صالات رياضية ونوادي اللياقة البدنية وصالونات التجميل وصالونات الدباغة كما لا يفوتنا إن نذكر كيف أصبحت الجراحة التجميلية للتشبه بشكل الشريك من العمليات الأكثر شيوعًا.

إما الإستراتيجية الخندقية الثانية فتعرف بالترويج الذاتي من قبل شخص مختص يتم تنفيذها باستخدام تكتيكات مظاهر الكفاءة لذلك يشعر فيه الشخص بأنه مؤهل حقًا ويتم توجيه محادثة مع شريك بمهارة في الاتجاه الصحيح ودعمها بحجج وحقائق مختارة جيدًا تجعله يتعرف على كفاءته واستخدام مكان اجتماع لهذا الغرض كما يجب أن يؤكد اختيار المكان على كرامة الفرد وسلطته فإذا كان الشريك رياضياً مشهوراً فسيختار بالتأكيد منشأة رياضية للاجتماع حيث سيشعر بالثقة الكافية وإذا كان مولعا بالفن سيكون مكان الاجتماع مسرحًا ومتحفًا ومعرضًا فنيًا وهكذا دواليك، ولأظهار بيانات الكفاءة لان بعض الأشخاص ليسوا واثقين جدًا من قدرتهم على الإقناع الفوري بكفاءتهم فلذا يقومون بتخزين مجموعة من خطابات التوصية التي تحدد مزاياهم ويحاولون حث الآخرين على معرفة إنجازاتهم بأستخدام سمات الكفاءة وإن الشخص الذي يسعى جاهداً للظهور بمظهر مؤهل في نظر شخص آخر يستخدم بنشاط ترسانة كاملة من سمات الكفاءة ويتسم تقويم العمل الخاص به بالعديد من السجلات وجميع أنواع الاتصالات التي تدق باستمرار وجميع تفاصيل نموذج العمل كي لا تترك لدى أحداً حتى أدنى شك في أنه رجل أعمال ذو كفاءة عالية، ومثل تلك التكتيكات غالبا ما تحقق نتائج ملموسة.

 وفي استراتيجيتنا الخندقية الثالثة نجد إن التخويف او مظاهر القوة هي التي تلزم الآخرين بالطاعة وتحقيق قوة العمل ونجاحه عبر الخوف ويُظهر الساسة باستمرار أنماط التعبير عن الذات القائمة بوضوح على التخويف والعدوان ومع ذلك فهم بحاجه إلى دروس في التواصل وأن السبب في هجماته العدوانية هو عدم القدرة على التواصل، وتبين أن عدم البناء الواضح في هذه الحالة هو استراتيجية تقديم ذاتي واعية تمامًا وكل شيء يتحدد بالهدف الذي حدده لنفسه فلا يكون الهدف هو الاتفاق وليس حل المشكلة ولكن التركيز على جلب وتوفير انتباه الآخرين لإظهار نفسه كشخص يمكنه أن يبرز من دائرة السياسيين المحترمين لاجتذاب مؤيدين جدد يتشاركون بآرائه، وان الغرض من تقديم الذات هو تحديد العلامات اللفظية والوسائل غير اللفظية كتقنيات تكتيكية، وكلما كان الشخص أقل ثقة في نفسه وفي قدراته كلما حالت مشاعره العدوانية من تفوقه وادت إلى احباطه وافشاله ولذا يجب إن ندرك انه غالبًا ما يكون الفائز هو الذي يتمكن من إثارة خوف الخصم من هزيمة محتملة حتى قبل الاتصال الأول.

 إما استراتيجياتنا الخندقية الرابعة فترتكز على التوضيح بالقدوة واقناع شريك التواصل في مكانته وقدراته الاجتماعية العالية وهي بذلك تساعد على تحقيق قوة  الارشاد ومن بين العديد من التكتيكات المستخدمة لتحقيق هذا الهدف فإن الأكثر فعالية أن تستند آلية التصور الاجتماعي على علامات موضوعية وعلامات التفوق بالملابس وطريقة الكلام والسلوك ولكن نظرًا لأن التقديم الذاتي هو إدارة انطباع الشريك فإن الشيء الرئيسي هو أن هذه العلامات المرئية حقًا والمهجنة فلن تؤثر كملابس الشباب العصرية على الآخرين إلا إذا شوهدت على خلفية أشخاص آخرين يرتدون ملابس غير عصرية، وحينما ما يقوم طالب وهو يستعد للامتحان بأفتعال رابطًا صارمًا مع زميل ما ويسعى لذلك عبر أرتداء ملابس افخم بمحاولة ليقلل من وضع زميله ويعطي نفسه ألشكل الأفضل فهنا يأتي دور الأستاذ الذي ذهب إلى نفس الامتحان مرتديا سروالاً وسترة في محاولة جدوى منه وبذات الطريقة في عرض نفسه للحد من خطأ التميز وإضعافه من أجل تحسين التفاعل مع الطلاب وبينهم.ولذلك يعد التفوق الذاتي مهمًا جدًا للأشخاص الذين تتضمن مهنتهم التواصل المهني في مجال الأعمال وهم يدركون لكنهم أنفسهم لا يستطيعون دائمًا حل مشكلة تحقيق النجاح، ولهذا السبب يوجد في العديد من البلدان شركات استشارية متخصصة في تنظيم العرض الشخصي للشخص المناسب فيعتمد عملهم على معرفة كيف يتصرف في الظروف المحددة لجماعة اجتماعية معينة وكيف يتم تمثيل ممثلي المجموعات الأخرى وكيف ينبغي أن ينظروا ويفعلوا من أجل أن تكون أنشطتهم فعالة ومع ذلك إذا كان إظهار التفوق بمساعدة الملابس أمرًا بسيطًا جدًا كما ذكرنا مسبقا إلا إن إظهار التفوق في طريقة السلوك والكلام يكون أكثر صعوبة، وكعلامة على تفوق الشخص وكفاءته يبرز استقلال الرأي ووجهة النظر المنطقية والمفردات الغنية والقدرة على بناء العبارات والاسترخاء لا الغرور الذي يقف وراء ثقة الشخص في نفسه وإن القدرة على التأكيد على تفوق الفرد بطريقة السلوك هي علامة على قدرة الفرد الاستثنائية والتي يمكن أن تجبر المحاور على إدراك تفوقها في عملية الاتصال وجعله يتعرف على دور الشخص وشخصيته. كما وسيتم الانتباه والاهتمام في تزيين الأمتعة الخاصة تدل عبر تكتيكات الاستهلاك المهدر والتي تبدو متشابهة المعنى في مختلف ارجاء العالم وخلاف ذلك يمكنه أن يسقط من دائرته ويفقد هالة التفوق، كما وتسمى أحد التكتيكات الشائعة  "بالتشمس في أشعة مجد شخص آخر" وذلك عبر اللجوء إليها ليوضحوا للناس أنهم مرتبطون بطريقة أو بأخرى بشخصيات مرموقة وجذابة وحقيقية تتمتع بوضع أو قوة على أمل أن يعزز ذلك من جاذبيتها الشخصية في عيون الآخرين والعمل على قطع الفشل المنعكس بأن ينأوا بأنفسهم عن الأشخاص ذوي المكانة الفاشلة. ولم تنته تلك التكتيكات الإستراتيجية إذ هناك تكتيك شائع آخر يتمثل في التأكيد على موقف الفرد المهيمن من خلال السلوك غير اللفظي في الموقف والإيماءات وموقف هؤلاء الناس يكون مندفعا لابراز مكانتهم العالية وفي المحادثة لا يكادون يستمعون إلى المحاور وبدون ظل الإحراج يشغلون أفضل المقاعد المرموقة في القاعة فالشيء الرئيس هو أن الجميع مقتنعين بأنهم حاضرين للتأكيد بزيف وبلا حدود على أهمية ذلك الحدث مهما كانت طبيعته وقيمته الفعلية.

واخيرا نذكر إستراتيجية الخندقة الخماسية والمتعلقة في الشعوب العربية بلا منازع وهي إستراتيجية الدعاء المتمحورة حول الضعف وطلب الرحمة، وهي في كل حال ليست اختيار دائما من قبل الناس الضعفاء حقا إذ وفي أغلب الأحيان يتم اللجوء إليها في الحالات التي لا تعطي فيها المواجهة المفتوحة التأثير المطلوب بسبب الميزة الواضحة للخصم ولكنها تستخدم لإيقاف يقظته وجعله متسامحًا واحيانا يمكن لها أن تحقق أرباحًا أكبر بكثير من نتائج الاستراتيجيات السابقة عبر التكتيك والتركيز على الضعف الجسدي، كما ويلجأ الناس عبرها إلى التأكيد على عدم أهميتهم عبر إنهم لا يعبرون عن آرائهم بشأن القضايا التي تتم مناقشتها ويتفقون مع جميع المتطلبات الخاصة بهم ويظهرون الإهمال المفرط ويحاولون التأكيد عليهم بشكل غير مرئي وغالبًا ما تعبر تعبيرات وجههم عن المعاناة ولا تجف الدموع في أعينهم من أجلها أو بدونها وبكلمة واحدة يجب على الجميع أن يروا أن الشخص يعاني وبالتالي فإنه من الضروري أن يظهروا تعاطف وتجاوب معه.

هذه القائمة لا تستنفد المجموعة الكاملة لاستراتيجيات وتكتيكات الخندقة الذاتية لكن كل منهم يفرض على الآخرين طريقة معينة في السلوك وينبغي ملاحظة إن عبارة "الخندقة الذاتية" حتى الآن لها دلالة سلبية لانها لا زالت غير مرتبطة بالصدق ونراها مترابطة بالبراغماتية والسلوك المتلاعب ومعارضة النزاهة والدين ومع ذلك فأنها مهارة تواصلية ضرورية تتجلى في مجموعة واسعة من المواقف الاجتماعية أي كقيمة إيجابية تمحي الخجل والقلق الاجتماعي والعجز واستبدالهم بالقدرة على إدارة الانطباع، وان تحليل العرض الذاتي ذو صلة وارتباط بالكشف الذاتي في الوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والإيديولوجي المعقد إلى حد ما وتزايد متطلبات الإدارة على جميع المستويات الانطباعية على الرغم من أنها تنتمي مباشرة إلى الظواهر الاجتماعية والنفسية الفعلية لكنها ترتبط أيضًا بشكل مباشر بالقدرة على تنظيم الأعمال للقيام بتنفيذ إستراتيجية محددة في التواصل، وعبرها يمكن أن يسهم التطوير النظري لمشاكل الإفصاح عن الذات والتعرف الشخصي في التواصل والاستخدام العملي للنتائج التي تم الحصول عليها بشكل نشط في حل المشكلات الاستثنائية التي تنشأ في عملية تحديث حياة مجتمعنا.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

محمد عبد الكريم يوسفيعد القرن الحادي والعشرين قرن الحروب، إذ اندلعت فيه الكثير من الحروب والانتفاضات المسلحة والحركات الإرهابية، لذا طالبت الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى بتفعيل الطرق السلمية لتسوية النزاعات لتجنب المزيد من الألم .

تعد النزاعات إحدى الإشكاليات في العلاقات الدولية، فقد اتسمت العلاقات بين الحضارات القديمة (الحضارة اليونانية، والرومانية، والحضارة الإسلامية) بالعداء والنزعة العدائية، إذ كانت كل دولة تسعى لبسط نفوذها على الدول الأخرى، وقد استمرت تلك العلاقات إلى العصور الوسطى، إذ نشبت حرب الثلاثين عاماً، وانتهت بمعاهدة وستفاليا عام 1648، تعد معاهدة وستفاليا نقطة الانطلاق في تاريخ العلاقات الدولية المستندة إلى مبدأ المساواة بين الدول، وكانت حجر الأساس في إعداد قواعد القانون الدولي.

تجدر الإشارة إلى أنه منذ نشأة عصبة الأمم في عام 1919، أقر القانون الدولي مبدأ تسوية النزاعات بالطرق السلمية، وعقد مؤتمران دوليان لاستبدال الحرب والإكراه بالوسائل السلمية، هما مؤتمر لاهاي عام 1899 وعام 1907، لكنهما لم يجرما الحرب، بينما تم الاعتراف بعدم شرعية الحرب لأول مرة في مؤتمر باريس عام 1920، وعدَّت الحرب جريمة دولية في أعقاب الحرب العالمية الأولى والثانية إثر الخسائر البشرية والمادية التي مني فيها المجتمع الدولي، كما تم حظر اللجوء إلى القوة المسلحة، فضلاً عن تشريع حل المنازعات الدولية بالطرق السلمية ضمن ميثاق الأمم المتحدة.

كثرت النزاعات في العلاقات الدولية، بل وأصبحت تطبع العلاقات الدولية بطابعها خلال هذا العصر، إذ تسعى كل دولة ولاسيما الدول ذات النفوذ القوي لبسط نفوذها على الدول الضعيفة عسكريا وذات الموقع الاستراتيجي الهام، إلا أن المجتمع الدولي ممثلا بالأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية سعى دائما لإيجاد طرق لحل هذه النزاعات بوسائل ودية، تجنبا للحرب باعتبارها الوسيلة الأخيرة، لتدافع الدول عن سيادتها على إقليمها، وبالتالي الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، إن حل النزاعات الدولية في الوقت الحالي يعتمد على قواعد القانون الدولي التي تستند إلى المعاهدات والأعراف الدولية في إطار قانوني معين، كأن يكون أمام محكمة العدل الدولية، أو محكمة التحكيم الدائمة، إلا إن ذلك يتوقف على إرادة الدول.

 

ما هو النزاع الدولي؟

عرفت محكمة العدل الدولية الدائمة النزاع الدولي: بأنه عدم الاتفاق حول نقطة قانونية أو واقعية أو تناقض وتعارض للطروحات القانونية أو المنافع بين دولتين.

أركان النزاع الدولي

يجب أن يتوفر في النزاع الدولي ثلاثة أركان يمكن أن نوجزها بما لي :

الأطراف:

يشترط في النزاع الدولي أن يكون بين طرفين على الأقل، كون النزاع بين أطراف من دولة ما، يعد نزاعا داخليا ولا ينضوي تحت مسمى النزاعات الدولية، مع العلم أنه يحق لمجلس الأمن تحت الفصل السابع التدخل في حالة النزاع الداخلي لحفظ السلم والأمن الدوليين.

الدولية:

يجب أن يكون النزاع بين أشخاص القانون الدولي بصورة عامة، كما يمكن أن يكون أحد طرفي النزاع الدولي فردا أجنبيا (شخص طبيعي) أو شركة أجنبية (شخص معنوي) تحت ما يسمى الحماية الدبلوماسية في حالات خاصة، وذلك عندما ينشأ خلاف بينهما وبين الدولة التي يستثمران فيها، ولكن يشترط في هذه الحالة استنفاد الطرق القضائية المحلية، وفي حال عدم جدواها، يحق للمضرور التظلم إلى دولته.

النزاع :

أي الخلاف وإبداء الرأي المناقض لرأي الدولة الأخرى في المسألة محل النزاع أو استخدام الوسائل المادية كالاشتباك المسلح أو القانونية أو كلاهما معا يشترط في الموضوع المتنازع عليه تمتعه بالوحدة المادية ولا يشترط في النزاع توافر وحدته القانونية.

تصنيف النزاعات الدولية

قسَّم القانون الدولي النزاعات الدولية إلى نزاعات دولية قانونية، ونزاعات دولية سياسية. وهناك وجهات نظر متعددة حول تصنيف النزاعات الدولية يمكن أن نلخصها بما يلي :

من وجهة نظر محكمة العدل الدولية

تم حصر النزاعات الدولية التي يجوز طرحها على التحكيم والقضاء من وجهة نظر محكمة العدل الدولية بالحالات التي نصت عليها المادة 36 من النظام الأساسي للمحكمة، وهي:

- تفسير معاهدة من المعاهدات.

- أي مسألة من مسائل القانون الدولي.

- التحقيق في واقعة التي في حال ثبوتها وصحتها، تعد خرقا لالتزام دولي.

- نوع التعويض المترتب على خرق التزام دولي وحجم هذا التعويض.

تجدر الاشارة الى أن الدول المنتمية للمحكمة، لا تحتاج الى اتفاق خاص في أي نزاع مع دولة اخرى، وانما يكتفى بالتصريح فقط بشرط موافقة الدولة الأخرى. بينما لو كانت كلاهما غير منضوية في النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، فلابد من اتفاق خاص بينهما للجوء للمحكمة، المادة 36 تنص على ما يلي : للدول التي هي أطراف في النظام الأساسي، أن تصرح في أي وقت، بأنها بذات تصريحها هذا وبدون الحاجة إلى اتفاق خاص، تقر للمحكمة بولايتها الجبرية في النظر بالنزاعات القانونية التي تقوم بينها وبين دولة تقبل الالتزام نفسه، متى كانت هذه النزاعات القانونية تتعلق بالمسائل الآتية:

- تفسير معاهدة من المعاهدات.

- أي مسألة من مسائل القانون الدولي.

- التحقيق في واقعة التي في حال ثبوتها وصحتها، تعد خرقا لالتزام دولي.

- نوع التعويض المترتب على خرق التزام دولي وحجم هذا التعويض.

من وجهة نظر القانون الدولي:

تعد النزاعات الدولية نزاعات قانونية، إذا تمت تسويتها وفقا لقواعد القانون الدولي، فالنزاعات القانونية تشمل إشكاليات الحدود، والمطالب المالية، والإخلال بالتزام دولي كنقض معاهدة، أما النزاعات السياسية غالبا يتم تسويتها وفقا لمبادئ العدالة والإنصاف شريطة موافقة طرفي النزاع على ذلك، بمعنى آخر كل نزاع يصلح عرضه على القضاء الدولي هو نزاع قانوني، وكل نزاع بخلاف ذلك هو نزاع سياسي، مثل النزاعات التي تتعلق بسيادة الدول.

 آليات حل النزاعات الدولية سلميا:

أكد ميثاق الأمم المتحدة على ضرورة حل النزاعات الدولية سلميا حيث نصت الفقرة الثالثة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة على ضرورة أن يفض جميع أعضاء الهيئة منازعاتهم الدولية بالوسائل السلمية على وجه لا يجعل السلم والأمن الدوليين عرضة للخطر.

وقد نصت الفقرة الرابعة من المادة الثانية على امتناع أعضاء الهيئة جميعا في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة أو على وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة.

وقد تم تعداد الوسائل السلمية في المادة 33 من ميثاق الأمم المتحدة بالترتيب "يجب على أطراف أي نزاع من شأن استمراره أن يعرض السلم والأمن الدولي للخطر أن يلتمسوا حله بادئ ذي بدء بطريق المفاوضة و التحقيق و الوساطة و التوفيق و التحكيم و التسوية القضائية، أو أن يلجأوا إلى الوكالات والتنظيمات الإقليمية أو غيرها من الوسائل السلمية التي يقع اختيارها".

الطرق الدبلوماسية لحل النزاعات الدولية:

المفاوضات:

هي تبادل وجهات النظر بين الدولتين المنازعتين ويتم ذلك عن طريق الاتصال المباشر بين رؤساء الدول أو وزراء الخارجية أو ممثلي الدول المتنازعة بقصد التوصل إلى تسوية النزاع القائم بينهما، تعد هذه الوسيلة ناجحة إذا توافرت النوايا الحسنة ولها دور كبير في كسر الحاجز بين الدول أطراف النزاع، والمفاوضات إما شفوية أو كتابية، وإما سرية أو علنية.

التحقيق:

قيام لجنة تحقيق مختصة بمهمة تقصي الحقائق حول وقائع معينة تشكل نزاعا دوليا، وإعداد تقرير يسلم لدولتي النزاع، ويعد تقرير لجنة التحقيق غير ملزم لطرفي النزاع من الناحية القانونية.

الوساطة:

تتضمن الوساطة قيام شخص محايد بالتقريب بين وجهات النظر والمصالح المتضاربة بين دولتين متنازعتين، للتوصل إلى تسوية النزاع، والوسيط قد يكون دولة أو منظمة أو رئيس دولة، وسلطة الوسيط هي اقتراح الحل وعرضه على الدولتين المتنازعتين.

المساعي الحميدة:

تعني التقريب بين دولتين متنازعتين، وحثهما على الدخول في مفاوضات لتسوية النزاع، دون الاشتراك في تلك المفاوضات مباشرة

التوفيق:

إحالة النزاع بين دولتين إلى لجان التوفيق لحله عن طريق فحص وحصر الوقائع، واقتراح التسوية المناسبة، وتقرير اللجنة غالبا ليس له صفة الإلزام، وقد يتحول التوفيق إلى تحكيم.

اللجوء إلى المنظمات الدولية والإقليمية:

أكد ميثاق الأمم المتحدة على إمكانية اللجوء إلى مجلس الأمن في حالة قيام نزاع أو خلاف يهدد السلم والأمن الدوليين، كما لمجلس الأمن الحق في التدخل بناء على قرار من المجلس، أو طلب من الأمين العام للأمم المتحدة، أو بناء على طلب عضو من أعضاء الأمم المتحدة، وفي حال عدم تمكن المجلس من حل النزاع - كأن يستخدم أحد الأعضاء الدائمين حق النقض الفيتو- يتعين على الجمعية العامة للأمم المتحدة التدخل وحل النزاع استناد إلى قرار الاتحاد من أجل السلام وأشار الميثاق إلى دور المنظمات الإقليمية في تسوية النزاعات بالطرق السلمية، إذ نصت المادة 52 على الآتي: "يتعين على الدول الأعضاء في المنظمات الإقليمية بذل جهودها لتدبير الحل السلمي لمنازعاتها المحلية عن طريق هذه المنظمات، وذلك قبل عرضها على مجلس الأمن" .

الآليات القضائية لتسوية النزاعات الدولية:

- التحكيم

- القضاء الدولي (محكمة العدل الدولية)

لقد عانت شعوب العالم منذ الحربين العالميتين الأولى والثانية من ويلات الحرب اللتان خلفتا الكثير من الدمار والخسائر البشرية والمادية، ولذلك سعت دول العالم مجتمعة إلى إيجاد آلية معينة للابتعاد عن الحرب، وحل نزاعاتها بطرق سلمية وودية وخاصة اللجوء إلى التحكيم بالإضافة العمل على إيجاد آليات واجراءات أكثر فعالية للقرار التحكيمي وخاصة تلك التي تضمن تنفيذه جبرا وبشكل ملزم وخاصة للطرف الخاسر والعمل على نشر الوعي والتأكيد على أهمية الطرق السلمية في حل النزاعات، لاسيما التحكيم، سواء في النزاعات الدولية، أو التجارية.

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

................

المراجع

- د. عصام العطية، القانون الدولي العام،ط6، بغداد،2006،ص423.

- محمد، بولحيال، الأدوات المقررة في ميثاق الأمم المتحدة لحل النزاعات الدولية، رسالة ماجستير، جامعة أمحمد بوقرة بومرداس، 2013- 2014.

- بواط، محمد، التحكيم في حل النزاعات الدولية، جامعة حسين بن بوعلي، رسالة ماجستير،2007- 2008.

- سمير جاويد،، التحكيم كآلية لفض المنازعات، أبو ظبي، دار القضاء الطبعة الأولى، 2014 .

- يوسف، محمد عبد الكريم، هل يحل التحكيم محل القضاء في حل النزاعات الدولية؟، مؤسسة الصدى الإعلامية الولايات المتحدة، 2017.

  

صادق السامرائيسأقترب من موضوع الدين والإنتحار من زاوية أخرى قد تبدو غريبة وتعارض ما هو متعارف عليه ومسطور في الكتب والدراسات، وهذا الإقتراب مصدره الملاحظة السريرية البحتة، والمتابعة الدقيقة لسلوك المنتحرين بعيدا عن الإفتراضات والدراسات التي ترى مثلما ترى، وما تمكنت من تقليل نسبة الإنتحار وما إستطاعت أن تجد الوقاية الكافية لمنع الإنتحار، فنسبة الإنتحار تكاد تكون ثابتة أو متغيرة بنسبة ضئيلة.

وبرغم تصورنا بأن الكآبة هي السبب المهم في الإقدام على الإنتحار فإن علاجاتنا للكآبة، التي تطورت وتنوعت لم تفلح بالقضاء على الإنتحار، أو تقليل نسبته بدرجة كبيرة.

كما أسلفت فأن هذا الإقتراب سيبدو غريبا ومن الصعب قبوله عند البعض، لكن الملاحظة تشير إلى ما سيأتي.

أن الإنتحار سيكون حتميا عندما يقرنه المنتحر بالدين، ولا يمكن منع أو إيقاف هذا الشخص الذي ربط بين دينه وفكرة الإنتحار العاصفة في وعيه والمهيمنة على وجوده.

فالإنتحار فكرة فاعلة في البشر وهي ليست جديدة، وإنما ترافقت معه منذ الأزل، وقد تعددت أساليبها وآلياتها ومبرراتها وتراكمت وتنوعت وتنامت مع زيادة عدد البشر، وتكاد تكون نسبتها ثابتة، مع فوارق ما بين الجنسين، ولا يُعرف مصدر الفكرة لكنها موجودة وتنتشر وقد تكون ذات وبائية معينة، فلا تشمل فردا بل مجموعة أفراد، وقد تكون عائلية ومتوارثة، وهناك أسباب أخرى نجهلها حاليا وندور حولها، ولهذا فشلنا في منع المنتحرين من تنفيذ إرادة الفكرة.

ويتناسب عمر الفكرة طرديا مع قدرات المنتحر على تنفيذها، أي إذا كانت الفكرة تدور في رأسه منذ الصغر فأنه سيكون مؤهلا أكثر لتنفيذها كلما تقدم به العمر، ولهذا فأن السؤال عن عمر الفكرة الإنتحارية له أهمية قصوى.

وليس صحيحا القول بأن الإنتحار فكرة آنية أو طارئة، فهذه مغالطة سلوكية متداولة، فالإنتحار فكرة تنمو مع الأيام وتخضع لتجارب ومحاولات وفحص دقيق من قبل المنتحر، حتى تبلغ نضجها وتكتسب المهارات النفسية والروحية والعملية لتنفيذها.

 

ومن أعجب الملاحظات في هذا الخصوص، أننا تعودنا على تصديق أن الدين يمنع الإنتحار أو يقلل منه، لكن الملاحظة السريرية تشير إلى عكس ذلك عند ذوي الأفكار الإنتحارية المزمنة، إذ يكون الدين هو المسوغ الأقوى لتنفيذها، فحالما ترتبط الفكرة بما يؤمن به الشخص وتكون ضمن جهازه الإعتقادي، فإنه ينفذها بإقدام مطلق.

ويبدو أنه يحقق تماهيا مع ربه وما يعبده ويتخلص من مسؤوليته عن الإنتحار، ويحسبه إرادة ربانية وأمر إلهي أو واجب إعتقادي عليه أن ينفذه ليفوز بما سينعم به بعد الموت.

ولا يمكن إستبعاد وجود جينات وراثية تدفع بهذا الإتجاه وترفض الإنتماء للحياة، وكأن هناك علاقة متأزمة ما بين الحيمن والبويضة تتسبب بتنمية الجينات العدوانية ضد المخلوق الناجم عن إتحادهما، ولا يُعرف إن كانت الحالة النفسية للجنسين في لحظة الجماع لها تأثيراتها وإرادتها على تشكيل الجينات المعبرة عن تلك اللحظة بما إحتوته من مشاعر وأفكار وتنافرات أو تقاربات.

ويمكن القول أن في بعض الأحيان تبدو فكرة الإنتحار وكأنها وهم يخيم على مدارك البشر ويمتلكه تماما، ويستعبد حواسه ويرسم معالم رؤاه ويأخذه إلى حيث يريد ويقرر، وكأنها لا تختلف عن أي وهم آخر، ولهذا هناك بعض الأدوية التي تقلل من الإنتحار أحيانا، لكن البحوث بخصوصها ليست مستفيضة.

فالمنظومة الإعتقادية قد تبدو وكأنها كينونة وهمية منغرسة في الوعي البشري، ومرسَّخة بالتوارد والتكرار والإمعان في تقوية الدوائر العُصيبية وتواصلاتها في الدماغ، كما أنها تتمركز في مواقع دماغية فصية تحقق أسرا تاما للإرادة البشرية وتوجهها وفقا لمشيئتها، وعندما تقترن الفكرة الوهمية الإنتحارية بها تكتسب قوة إنجازية عالية، بل أن قدرتها على التعبير عن فحواها ستتضاعف وتبلغ ذروتها.

وتساهم في تقوية السلوك الإنتحاري الثقافة الموتية السائدة في بعض المجتمعات، وبموجبها يتأهل البشر الذي فيه إستعدادات إنتحارية، وتعصف في دنياه أفكار الإنتحار، ولهذا نجد أن الإنتحار يزداد مع تنامي الثقافة الموتية وخصوصا الدينية.

فمعظم المنتحرين في مجتمعات متعددة تجدهم يستمعون إلى موسيقى وأغاني تحث على التحرر من الحياة والتخلص من عبئها وتحبب الموت إليهم، وهذا شائع بين المراهقين والشباب، مما يتسبب بسلوكيات، نتحارية فردية وجماعية، وبأساليب مبتكرة.

 

كما تساهم في الإقدام على الإنتحار الخطابات الدينية الموتية، أي التي تجرد الدنيا من قيمتها وتصفها بما هو سلبي وسيئ، وتحث على الموت، لأن الدنيا فانية وكلها مصائب وشدائد وعناء وجور وظلم، وأن الحياة الحقيقية في الموت الذي يحقق فيه الإنسان جميع أحلام يقظته، ويتحرر من بؤسه وحرمانه.

وبعض الأديان أو معظمها لديها هذا النهج الموتي، وتفقد قدرات الموازنة ما بين إرادة الحياة وإرادة الموت، فتميل إلى تقوية إرادة الموت عند البشر وتحفزه على نكران الحياة، مما يساهم في زيادة الإقدام على الإنتحار، وفي البعض يتحول الإنتحار إلى عمل جهادي ونضالي ووسيلة للإيقاع بالآخر، وفقا لما يوضع في رأسه من أفكار وتصورات  لمنطلقات الدين الذي إستحوذ على وعيه.

ومن هنا فأن العلاقة ما بين الدين والإنتحار علاقة تكافلية وترابطية، فالدين خصوصا عندما يتمكن من المجتمع المتاجرون به والمروجون لبضاعتهم الفاسدة ويغشون الناس بها ويضللونهم ويستعبدونهم، ويبرمجونهم بالتكرار والإقران لكي يحققوا رغباتهم بهم، وما هم إلا أرقام في نظر هؤلاء التجار، عندها يكون الإنتحار مشروعا مربحا ودعائيا وقوة تساهم في جني الأرباح والإستثمار الفائق بالموت.

فالموت تجارة، والإنتحار أحد وسائل الموت الفائقة الربحية!!

وعليه فأن الثقافة الموتية هي الأساس والسبب الفعال في تنمية ورعاية سلوك الإنتحار، بما يعززها من واقع حرماني وقهري وجائر يستلب من البشر أبسط مقومات الحياة ويتركه يلهث مرغما وراء الحاجات التي هي من حقه، لكنها مسلوبة منه ومأسور بها أو محكوم بوجوب توفيرها.

فالثقافة الموتية ليست خطابات وحسب وإنما كل ما يناهض الحياة، ويعكر صفو المعيشة الآدمية في أي مجتمع كان ، وقد يصح القول بأن نسبة الإنتحار تتناسب طرديا مع كثافة الثقافة الموتية المبرقعة بدين.

وفي مجتمعاتنا الإنتحار موجود وبنسب لا تختلف عن غيرها من المجتمعات، لكن السائد أكذوبة أن الدين يحرم الإنتحار وبسبب ذلك لا يوجد إنتحار في مجتمعاتنا، بينما أثناء عملي في مجتمعنا لما يقرب من عقد من الزمان عاينت عشرات الحالات الإنتحارية، التي في معظمها ينكر أقارب المنتحر بأنها كذلك، وما أكثر الحرق بالنفط أو إطلاق النار في الفم والقفز من السطوح، وغيرها من الحالات المروعة التي عاينتها، ولا زلنا نعتقد أن الإنتحار حالة شاذة وغريبة على مجتمعاتنا، وهذه خرافة وأكذوبة علينا أن نواجهها.

 

وإذا نظرنا إلى موضوع الكآبة والإنتحار، فأن الكآبة قد تكون عرضا، أي لأن فكرة الإنتحار تريد أن تسوغ لصاحبها التنفيذ، فتدفع به إلى السقوط في مهاوي الكآبة وتحفز في دماغه الذكريات الحزينة السيئة، التي تقلل من قيمة الحياة وتجعلها تبدو سيئة وأن الحياة الحقيقية في الموت.

ومن أخطر الملاحظات التي نغفلها، أن المحاولة الإنتحارية عندما تمنح المحاول أي الناجي من الإقدام على الإنتحار شعورا لذائذيا ومتعة فائقة يصفها كما عاشها، فأنه سيقدم على الإنتحار حتما وكلما تكررت المحاولات إقترب من المحاولة التي ستقضي عليه وتنهيه.

ولهذا يكون السؤال عن معنى وقيمة المحاولة الإنتحارية مهم جدا، لأنها إذا كانت ممتعة فأنها ستتكرر، وإذا كانت قاسية ومؤلمة فأنه سينفر منها ولا يكررها.

ولهذا قد دعوت مرارا في اللقاءات العلمية إلى إعادة النظر في موضوع الإنتحار، وإعتباره إضطراب سلوكي وليس عرضا لإضطرابات نفسية وعقلية وسلوكية أخرى، فلا بد من الإقتناع بالقول بمصطلح Suicide disorder (سويسايد دسأوردر)

هكذا يبدو الإنتحار الذي عجزنا في التوصل إلى آلية وقائية منه ذات قيمة سريرية كبيرة، برغم الجهود الحثيثة والبحوث المستفيضة، وقد يفسر ذلك أننا ل انعتبره إضطرابا سلوكيا وإنما عرضا لإضطرابات أخرى، فنتوهم بأن الكئيب سينتحر بسبب الكآبة وحسب، ونستكين لهذه الفرضية ونعمل بموجبها، لكن المريص بعد أن نعالجه من الكآبة ربما سيقدم على الإنتحار بعد حين، وعندما نبحث في حالته نرى أنه كان كئيبا ذات يوم، أو مصابا بغير ذلك من الأمراض النفسية والعقلية، والحقيقة أن الإنتحار فكرة يتحقق تنفيذها كأي فكرة أخرى تطغى على وعي البشر وتسخره لتنفيذها.

 

د. صادق السامرائي

 

منى زيتونتعتبر السلوكيات اللفظية (الصوتية) Verbal (Vocal) behavior من أهم قنوات التواصل غير اللفظي، وتأتي دائمًا مقترنة مع الاتصال اللفظي، حيث يستحيل عزلها عنه، وتؤثر في الطريقة التي ندرك بها الكلمات. يمكن القول إنها الطريقة التي نستخدم بها صوتنا لينقل شعورنا المصاحب لما نقوله من كلمات، وهي مصدر هام للمعلومات في عملية التواصل الإنساني.

أنماط السلوك اللفظي (الصوتي)  Verbal (Vocal) Behavior Types

غالبًا ما يُشار إلى أنماط السلوك اللفظي (الصوتي) بمصطلح الملامح اللغوية أو الصوتية أو حواشي اللغة أو ملحقات اللغة Paralanguage، ويشير هذا المصطلح عامة إلى ما يتبقى من أثر بعد إسقاط المحتوى اللفظي من الحديث. إنها ليست ما تقول بل الطريقة التي تتحدث بها.

قد تتضامن هذه الطريقة مع محتوى كلماتك لتعضيد الرسالة التي تريد توصيلها، وقد يحدث العكس فتؤثر سلبًا عندما تتعاكس مع المحتوى اللفظي.

وتتضمن السلوكيات اللفظية (الصوتية):

1- المؤثرات الصوتية المصاحبة للحديث Prosody طبقة الصوت Pitch- الضغط Stress- التوقيت  Timing- التوقف المؤقت والتأني Pauses).

2- النغمة الانفعالية للصوت (نبرة الصوت)  Emotional Tone of Voice.

 3- اللهجة Accent.

4- عيوب الكلام Speech Errors  مثل التمتمة والفأفأة.

5- السرعة في الكلام Race.

وتلعب الفروق الثقافية دورًا في تحديد الدرجة الملائمة لكل من تلك الملحقات الصوتية، كما ولا يخفى تأثر طبقة الصوت ونبرة الصوت بالنوع إن كان ذكرًا أو أنثى، بل يعتبر الصوت وما يتعلق به أهم العوامل التي تؤدي إلى إساءة الحكم على النساء مهما تنوعت الثقافات؛ لأن أصوات النساء عادة أكثر حدة من أصوات الرجال، فإن كانت في موضع قيادة ربما رأى مرءوسوها صوتها مزعجًا وأساءوا الظن بأنها تتعمد أن تتكلم بهذه الطبقة.

وترى الكاتبة من خلال خبراتها في مجال الاستشارات الاجتماعية أن العامل الأول الذي قد يسيء الرجال في مجتمعاتنا الشرقية تفسير رسائل النساء اللفظية أثناء التواصل الاجتماعي لأجله هو نبرة الصوت، ثم بالدرجة الثانية التواصل البصري واستدامة خط النظر التي تحرص عليها النساء. أغلب الرجال ببساطة لا يميزون أن المرأة تتحدث بنبرة صوت ناعمة لأن هذه نبرة صوتها، وليس لأنها تخصه بها. بعضهم قد يسيء الظن إلى درجة الاعتقاد أن امرأة ما امرأة لعوب بسبب نبرة صوتها!

وإساءة الظن بسبب الصوت لا تكون في حوارات النساء مع الرجال فقط، كثير من الشخصيات العامة تحدث لهم مشاكل عندما لا يتحكمون بأصواتهم التحكم الكافي. الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون واجه موقفًا سيئًا في أحد معارض الزراعيين بعد أشهر من انتخابه لأنه تحدث بصوت مرتفع لم يتقبله المواطن الذي كان يحدثه. ما لم يعرفه هذا المزارع أن ماكرون صوته عالٍ وليس أنه رفعه عليه! وأن عليه أن يُدرب صوته أكثر ليكون أقل شدة.

لكن، بالرغم من وجود تأثيرات ثقافية كبيرة تؤدي إلى اختلاف العديد من عناصر ملحقات اللغة الصوتية تلك بين الأفراد، وفروق جنسية أيضًا فيما يتقبله أي مجتمع من الذكور والإناث، فإن الفروق الفردية تكون حاضرة بشكل أقوى في تحديد الأثر الذي تتركه طريقة كلام المرسل على المستقبل.

إن الكلام السريع قد يُترجم كدليل على الحماس أو يعبر عن سمة شخصية للمتحدث وهي العصبية. على العكس من ذلك فإن الكلام البطئ وخاصة الذي قد يصل إلى حد التلعثم غالبًا يشير إلى القلق أو عدم الثقة أو الخوف.

كما أن لنبرة الصوت وطبقته تأثيرهما القوي على التفاعل الاجتماعي، ويعتبران من أكثر العناصر التي تُستخدم لتقييم الحالة الانفعالية للمتحدث؛ بوجه عام فإن الصوت المرتفع للغاية أو المنخفض للغاية أو الصاخب أو شديد الحدة يقلل من كفاءة رسالتك ويصرف المستقبل عن الاستماع إليها؛ فالصوت العالي والصياح يشيران للعدوانية والغضب، بينما يشير الصوت الخافت للسلبية أو الغموض، وتؤثر نبرة الصوت شديدة الانخفاض غالبًا تأثيرًا سلبيًا على التفاعل الاجتماعي. ونبرة الصوت المتوترة تشير إلى مقاومة الشخص للحديث. بينما يُفسر الهمس بالسرية والتقارب الشديد بين طرفي الحوار. والنبرة الساخرة تترجم بالاستهزاء وربما الكراهية. ولأن لكل إنسان تقريبًا طبقة صوت معينة يتحدث بها، فإن تغيرها يكون من أكثر العوامل إنباءً بأن شيئًا ما قد حدث معه حتى وإن لم يقل أو يبد أي تعبيرات وجهية تدل على ذلك.

ومن العوامل الصوتية التي تؤثر في مضمون الرسائل، ويمكن أن تغيرها جذريًا: التشديد على كلمة أو مقطع أثناء الحوار. كما أن الوقفات عندما تستخدم في مواضع جيدة من الحديث يكون لها أثر طيب في تلقي المستقبل للرسالة وفهمه لمحتواها. كذلك إصدار الأصوات مثل "آه" لإظهار المتابعة للمتحدث وربما النفخ أو مقاطع صوتية للهمهمة، فكلها تؤثر على التفاعل.

وعدم وضوح الصوت أو وجود لهجة مميزة فيه تختلف عن لهجة المحاور ربما تؤثر سلبًا في نقل الرسالة، وكذلك وجود عيب من عيوب الكلام قد يؤثر بالسلب أيضًا على التفاعل.

وكثيرًا ما يكون لتلك الملامح الصوتية المصاحبة للحديث تأثيرات درامية على التفاعل الاجتماعي، وتؤثر كثيرًا على إدراكنا لمضمون التفاعل. سرعة الكلام تحديدًا إذا زادت عن المعدل الطبيعي تتناسب تناسبًا عكسيًا مع الفهم، ويستحيل معها وصول مضمون الرسالة اللفظية.

ويمكن أن تعطي عنا الطريقة التي نتحدث بها انطباعًا باللامبالاة أو التهور أو الوقاحة أو الخيلاء أو الثقة أو الذكاء، وغيرها الكثير. بالرغم من ذلك ينبغي الحذر من تلك التقييمات لشخصية المتحدث التي تنبني على الطريقة التي تحدث بها في أحد المواقف، فليس ضروريًا أن يكون انخفاض صوته دليلًا على أنه يشعر بالنقص وضعف الثقة بالنفس، ولا أن يكون ارتفاع صوته بشدة دليلًا على أنه مغرور وشديد الزهو. كما أنه لا يلزم أن من يتحدث بسرعة أكثر ذكاءً ممن يتحدث ببطء، ربما ما يمكننا أن نكون متأكدين منه فقط أنه أكثر طلاقة لفظية من الثاني.

كما أن نبرة الصوت وطبقته وغيرها تتأثر بعوامل الموقف؛ فمن يزور مريضًا أو يواسي شخصًا في مصاب يلزمه خفض صوته، ومن يتحدث في جماعة كبيرة من الناس، خاصة مع وجود جلبة وضوضاء لن يُسمع صوته إن كان منخفضًا. وتتأثر العوامل الصوتية أيضًا بالعوامل الجسمانية؛ فالمريض أو المتعب حتى وإن تحدث عن موضوع يستثير انفعالاته فهو غير قادر غالبًا على التعبير عن تلك الانفعالات بحدة.

 

د. منى زيتون

 

 

 

مصطفى المتوكل الساحليؤقال ابن العربي في إنشاء الدوائر “...فالوجود والعدم عبارتان عن إثبات عين الشيء أو نفيه، ثم إذا ثبت عين الشيء أو انتفى فقد يجوز عليه الإتصاف بالعدم والوجود معًا، وذلك بالنسبة والإضافة؛ فيكون زيد ــ الموجود في عينه ــ موجودًا في السوق معدومًا في الدار .. فلو كان العدم والوجود من الأوصاف التي ترجع إلى الموجود كالسواد والبياض لاستحال وصفه بهما معًا...”

(***)

العدمية في التفكير و الواقع هي من مداخل إفساد الوعي والإدراك والمجتمع والسياسة، وتؤدي في مساراتها إلى إفشال وهدم كل ما هو جميل ومكتسب من تجارب تطور الإجتهاد والعطاء البشري مجتمعيا وإنسانيا وأخلاقيا، فكريا ومعرفيا، كما أنها تزور وتقلب معرفة وفهم دور العقل والدين،، إنها تتعمد صنع الفشل لإحباط وتعطيل الإبداع والعمل المتنور، وتسعى لكسر قوى الإصلاح والتغيير، ولتهميش النخب العالمة والمجتهدة والصادقة ..

إنها "منهج" في بعض السياسات يمارسها أحيانا من هم في المسؤويات والمؤسسات وفي مقابلهم من يمكن أن يطلق عليهم "الروافض" و"الخوارج" في السياسة والعمل،، ومرات يعملان بتكامل وانسجام دون سابق تنسيق أو به لإيصال غالبية الناس إلى متاهات تشبه ثقبا أسود يبتلع كل شيئ : العقل والثروة، و حتى أضواء التفاؤل عند الإنسا ن تدخلها العدم ..

إن العدمية السياسية من موقع السلطة والمسؤولية تعطل التنمية وتخضعها لبيروقراطية جوفاء مغرقة في التجزيئ والترقيع والمعالجات الهزيلة المردودية والفاقدة للصلاحية،، تشكك الناس في كل ما يقال ويتم الإلتزام به ويقدم كوعود وبرامج عمل، وتيسر حدوث أزمة مهلكة للمجتمع بفقدان الثقة في الصالح بسبب طغيان الطالح المتقمص لدور الناصح والمصحح !!، إن أثرها المدمر يبني ويحدث مزاجاً عاما تغلب عليه الكآبة والتشاؤم كرد فعل تجاه الخلط والغموض والتناقض الذي اصطبغت به السياسية من جهة، وفي توظيف " الديني" لها من جهة أخرى للسيطرة على مؤسسات الحكم وعلى المجتمع وتمييع عمل النخب ..، وتتسبب في عزوف ومقاطعة الناس للإستحقاقات بما فيها الإنتخابات - وذلك من مخططاتهم - لأن ما تفرزه وما تقوم به غير مقنع، ويشكك فيه الجميع وخاصة الذين لايعملون من أجل التصحيح والنقد البناء و لايفرحون إلا عندما يجعلون الإفساد والفشل مرسما ومحبطا لكل أشكال الإصلاح ..

وهكذا يرتفع منسوب القلق والغضب والخوف عند الشعوب بسبب تبلور موقف عام من عدم استيعاب وتفهم وتقدير الحاكمين لما يحصل في الواقع، و التجاهل والإستخفاف بأمور الناس ومعاناتهم ومشاكلهم وانتظاراتهم، مما يشكل خارطة طريق الإفلاس والفشل،وتقوي لوبيات المضاربة بالتأزيم، كما تنتشر مظاهر الإحتقار والحط بالإنسانية وبقيم الكرامة، وتطغي اللامبالاة كوجه من وجوه العدمية عند البعض من الأجيال الجديدة وحتى عند النخب،،

إنه من الواجب على الجميع التعامل بيقين، والعمل بجد لتجاوز خطورة السياسات المصالحية المتسلطة العدمية عند العديد من الدول المتقدمة والمتحضرة في علاقاتها بدول وشعوب العالم الثالث او السائرة في طريق النمو المتعثر، والتي تزداد سلطتها وقوة تحكمها لتصل إلى درجة الإخضاع والتبعية والإستعباد الجديد المغلف بالحداثة والعصرنة والتمدن ..

ومن العدمية التنظيرية و السياسية الإعتقاد المغرق في توهم أن تعطيل وتدمير النظام السياسي والإجتماعي المهيمن ومسح كل آثاره هو شرط أساسي لأي تحسن في المستقبل،، وبعلة تجديده وتغييره وتقويته بصيغ تلائم الوضع الراهن في علاقته بالمستقبل يتم السعي لجعل آثار العدمية تطال الأحزاب السياسية والمعارضات ونخب المجتمع المدني بمن فيهم المثقفة والخبيرة حتى تكون مسارات إعادة البناء متحكم فيها ولا تتعارض مع مصالح " النخب" التي تطمع في الحكم والتحكم ولا مصلحة لها في التغيير والإصلاح،، ففي زماننا هذا ثورات وحركات قامت على هذا الأساس وتحولت الى ديكتاتوريات جديدة أسوأ وأقبح من سابقاتها ..

ومن أخطرها التي تستغل توظيف الدين في السياسة ليكون الحكم لهم دون غيرهم وليس لله كما يوهمون الناس، وأن من يخالفهم أو يعارضهم وحتى من ينصحهم يعتبر خارجا عن الدين وعن الملة وكافرا، وأوجدوا لترافعهم التضليلي ترسانة من الفتاوى تهدر الدماء بمسميات مختلفة، و تفرق الأسر، وتسمي "السرقة" بالغنائم، وتسبي وتستعبد الحرائر والأطفال،، كما أن البعض الآخر يروج لرفض الآخر ولو كان من نفس المذهب والعقيدة، إنهم يبيحون لانفسهم مختلف الأساليب لجعل كل مخالف لهم في السلطة والمؤسسات والمجتمع عدما، وروادهم متشددون ومتطرفون من مختلف الشرائع السماوية والمذاهب، وهم بذلك يفسدون حياة الناس ويناقضون العقل والفطرة الإنسانسة، ويعصون الله ويعملون بأعمال المغضوب عليهم والضالين في كل الملل والنحل ..

 

إن ما هو معروف وملموس و موثق في واقع وحياة شعوب بعض الدول التي تدعي أنها تطبق الشريعة وتعمل بمقتضاها وترضي الله في كل ما تقوم به ؟؟ أن دولا غربية "مغرقة " في العلمانية كما يصفونها أرحم وأعدل وأفضل منهم في كل المجالات ويطبقون ببلدانهم كل ما فيه احترام وتقدير للإنسانية وتطوير لكل قيم وتجليات العدل في مختلف مجالات الحياة وعمل المؤسسات،

إن العدميين يؤطرون أشخاصا مستقطبون من النتائج الصارخة لسياسات اللاعدالة واللاعقلانية واللاتنمية، لتحويلهم إلى طابور يجند لتكريس تأزيم الأوضاع، وتعليمهم مكائــد وطرق التبخيس والنقد الهدام ورفض كل تغيير بناء وإصلاح نافع ولتعطيل المبادرات الطيبة الصادقة والموضوعية،، إنهم إما يسفهون أو يبدعون أو يحرمون أو يكرهون كل جديد لايروقهم، ويتخوفون من كل ما قد يدمر ريعهم وتحكمهم وتسلطهم،، إن قصدهم هو إبعاد وتيئيس وإحباط كل من ينتقد و يسعى إلى التجديد وإعادة البناء،،

إن العديد من المنظرين للعدمية السياسية هم وسطاء من صنف "الشناقة" يسعون بين الناس بالنميمة والغيبة والكذب وتزييف الأخبار ونشر المعطيات المغلوطة وصنع صراعات هامشية جوفاء للالهاء، غايتهم أن يخلو لهم المجال ليجهزوا على ما تبقـى من مكتسبات ومنجزات بناها وحققها حماها الشرفاء بالمؤسسات والمجتمعات عبر تاريخ الأوطان ... وأثناء ذلك وبعده يسبون الملة والشعب والوطن وعظماء الشعوب وكل ما هو جميل فكرا وعملا وتاريخا، فيتوارى بعضهم لتقمص أدوار الناصحين والواعظين المبشرين بما لايؤمنون به في انتظار ما يسعون إليه أي السكتة القلبية والدماغية التي تضرب كل شيئ ليشمتوا في الجميع وليعيثوا في الأرض فسادا وتجبرا، ويصدق على هذا الواقع المتردي قول الشاعر طرفة بن العبد

(يالك من قنبرة بمعمر ** خلا لك الجو فبيضي واصفري )

إن من مسؤولية كل الخيرين هو القطع الفوري مع كل من يعرف أن أعماله وسياساته ستؤدي إلى هلاك وإفلاس أي الوطن بكل ما فيه، والقطع مع الذين يفسرون مؤشرات وتجليات الأزمات العميقة والهيكلية بأنها نتيجة "منطقية " للتطور وإلإصلاح، وينعثون منتقديهم بعدم الفهم والضبابية في الرؤية، ويحاولون إقناع المتضررين بأن بصبرهم وتحملهم للإفلاس والفاقة يتحقق الخير في الدنيا والآخرة،، إنهم ينهجون سياسة إبليس الذي زين ويزين للناس أفكارا وأعمالا فاسدة يحببها لهم حتى يهلكهم، إن الشيطان بمكره وعدائه للديموقراطية والحق والعدالة بمختلف تجلياتها يتبرأ ممن اتباعه بدءا وانتهاءا،،إنهم وأمثالهم يسوقون الناس إلى فتن كقطع الليل المظلم تخرب بنيان الدول والحضارات وتشتث الإنسانية والجماعات، وتتسبب في رعب وخوف وفقر وظلم كبير لايبقي ولا يذر،، إنهم يجهرون بالكثير من الأفكار والتوجهات الحمقاء مثل قولهم ان كل المشاكل والأزمات والظلم والفشل من علامات غضب الرب على الإنسان،وهم يبعدون الناس عن حقيقة أن سياساتهم الفاشلة وغير العادلة هي سبب كل الإبتلاءات وسبب تخربب وتشويه كل ما هو جميل ونبيل،،

إن الدخول إلى عوالم الإصلاح والبناء للإلتحاق بركب الدول المتقدمة يكون بالقطع مع كل أنواع العدمية وأصحابها،، و مع كل السياسيات والبرامج التي تتآلف مع الأزمات وأسبابها المباشرة وغير المباشرة،،،

إن التأخير والإعراض عن الإصلاح والتغيير العمليين، والإلتجاء لحلول آنية محدودة الأثر ضعيفة الجدوى، يعدم المبادرات والطموحات والإرادات المترددة ويقبر النوايا الحسنة، ويكرس التخلف، ويرسخ آليات التحقير والإستخفاف والظلم، ويجعل الميوعة والإبتذال والإرتجالية والعشوائية أمورا طبيعية بل من البرامج الممدوحة،

إن إعادة بناء الإنسان والعقل وتقوية الإرادات وفق خارطة طريق وعمل مرحلية واستراتيجية بروح إنسانية وطنية راشدة في كل شيئ أمر استعجالي وملح، وحد فاصل بين الجد والعبث، وبين محبة الوطن الحقة والإستمرار في التهور ...

ان "السياسي" عندما يسعى لكسب ما يهوى لنفسه ليرضي غروره وطموحه وطمعه، وليجعل شؤون الناس والآمهم وفقرهم وهشاشتهم وأميتهم وحسن نيتهم وسذاجتهم مطية لتحقيق كل ما يريد، يهوي بهم في عدم يرفع منسوب اليأس إلى مداه لينحسر التعقل والصبر، لصالح الإستسلام للعدمية كقدر لامفر منه .

إن المجتمعات تحتاج إلى نخب و سياسيين بقلوب العارفين التي لها عيون بصيرة محبة، تدرك وتتفاعل بكل تعقل وإنسانية راقية وتبدل الجهد من أجل قضاء مصالح الناس وتنميتهم وتقدمهم،، فاللهم احفظنا ونجنا وأبعد عنا وعن مراكز الإستشارة والقرار والتخطيط والتسيير من لهم آذان لايسمعون بها،وقلوب لايعقلون بها، وأنفس لاضمائر لها ..

قال أحد الشعراء وقيل انه الشافعي :

نَعيـبُ زمانَنـا والعيـب فيـنـا

ومـا لزمانِنـا عـيـبٌ سـوانـا

ونهجو ذا الزمـانَ بغيـرِ ذنْـبٍ

ولـو نطـق الزمـانُ لنـا هجانـا

وليس الذئبُ يأكـلُ لحـمَ ذئـب

ويأكـل بعضُنـا بـعـضًا عِيـانـا

***

بقلم: مصطفى المتوكل الساحلي

تارودانت: غشت 2019 .

..............

"الشناقة" / الوسطاء: تعريف عامي للذين يحشرون انفسهم في الأسواق لافساد البيع او للتغرير بالمشترين . وهو مرتبط اكثر بسوق البهائم .

 

 

مصطفى غلمان(التاريخ يُكتب ليلاً والموظفون نائمون، يصحو الموظفون صباحاً ينفذوه ليس أكثر)... توماس بينشون

إني أقرأ التاريخ لأعرف كيف أعيش، إذ المكتوب منه معلوم بالخداع والتمويه، وليس أقل ما يستدرك من ذلك غير الحذر من أن يتسلل إلى قيم العيش تلك أغلال تمنع العقل من أداء وظيفته في إماطة الأذى وإزالة الشوائب.

كثيرا ما يستفزني سؤال المعنى من مدى قدرة التاريخ على إعادة تدوير وصياغة الحياة. فالأخطاء القاتلة التي تغطي صفحات من التدوين والتوثيق تفضي إلى حتمية إنسانية لا متوقعة، يصير فيها الباطل حقا والظلم والاستبداد عدالة وانصافا والتفرقة وحدة والشر خيرا.

ويكبر السؤال ويحتد عندما تكرس هذه الفرضيات الخطيرة في مناهج تعليمنا وخططه أسيرة النقصان والتعتيم.

ماذا يكون الحال لو اعتملت كل تلك الحروب والاحقاد وصنائع الوهم والاستخبار على مستقبل الأمة حيوات أجيال كانت تأكل عوادم التاريخ ونفاياته دون تجويد آليات القرء ونظمه النقدية.

كارثة عظمى بكل المقاييس!

طبعا هذا سيعيد التذكير بضرورة إجراء تقييمات مفصلية في روح الكتابة التاريخية، ومحاولة تقديم بدائل عن إشكاليات تحري الرواية وتقصيد اللفظ التاريخي.

لا نتردد في أسبقية ابن خلدون وتقدمه الانتلجنسي في مسألة ثورته التاريخانية، فيما يخص تأسيس القواعد المنهجية لكتابة التاريخ في شكل علمي غير مسبوق قبل أن يحل القرن التاسع عشر الذي شهد ميلاد عدد من العلوم الإنسانية. ايف لاكوست تنبه إلى ذلك وأحاطه بعناية بالغة في كتابه الهام «ابن خلدون: ميلاد التاريخ، ماضي العالم الثالث»، منطلقا من إمكانية تأصيل علم عميق البيان قوي البنيان هو علم الميتودولوجبا الذي أطاح بنظرية صناعة التاريخ دون تسوير واصل لحرفة المؤرخ. ذلك أن الصناعة تحتاج لعقول مدبرة ووحدات ميدانية عالمة بقواعد الكتابة حكيمة بنظر الوفاء والعرفان.

لقد كانت دسائس التحريف التي أصابت قطائع كبيرة من تاريخنا أحد أهم الأسباب اصطراعا وتنافرا في تشكيل العقل العربي والإسلامي، ولم نكن بعد قد وضعنا يدنا على مآلات تدحرجنا خارج الحفرة.

ولم يتبقى لنا غير الإذعان لسلطة الذاكرة كي تنعش بعض نذوبنا وأحلامنا، لأجل التردد بين الأمل والموت.

بعدها أدركنا كم نحن بحاجة لإعادة هدم ميكيافيلي، حتى نتمكن من إزاحة الشعور باليأس وعدم الثقة بالتاريخ. لقد صدق المفكر المصري أمين السعدني وهو يصف حالنا قائلا: (كيف نثق في التاريخ إذا كان الحاضر يتم تزويره أمام أعيننا !؟).

 

د. مصــطفى غَــلْمَـان

 

منى زيتونيشمل الاتصال غير اللفظي بين الناس كل السلوكيات بين الأشخاص عدا الكلمات المتحدث بها؛ فنبرة الصوت، أو تعبيرات الوجه بالابتسام أو العبوس وغيرها، أو الاتصال البصري، أو الإيماءة، أو وضعية الجلوس، أو تحديد الوقت أو المكان، أو حتى الملابس أو الشارات، كل هذه الأشياء وغيرها الكثير توصل رسائلك إلى الآخرين! وأدوات لغة المشاعر هذه تكون أحيانًا أكثر تعبيرًا من الكلام، وتتيح لنا نقل التدرج الطفيف في المعنى.

قد تُستخدم هذه الإشارات بشكل مستقل لتوصيل الرسالة الاجتماعية المطلوبة؛ وبذا هي تلغي الفكرة الشائعة عن كون الصمت علامة على عدم الفاعلية الاجتماعية، لكن هذا في حال استخدام وسائط غير لفظية لتوصيل الرسالة، وليس التقاعس عن توصيل أية رسالة في وقت ينبغي فيه أن تُرسل! فكثيرًا ما ينزعج المرسل ويكاد يفقد أعصابه إزاء المستقبل نتيجة عدم إبداء رد فعل قولًا أو فعلًا تجاه الرسالة التواصلية، وكأنه يختبئ!

وقد تتفاعل تلك الوسائط مع الكلمات، وهو النمط الأكثر شيوعًا، وسبق أن تناولنا في مقال قريب أنماط التفاعل اللفظي وغير اللفظي، وكيف يوصلان معًا رسالة الفرد التواصلية.

ينبغي الانتباه إلى أن التواصل غير اللفظي لا يتعلق بأمور سطحية، وأن ما يعتبره كثيرون أمورًا سطحية قيمتها ضئيلة يمكن في الحقيقة أن تؤثر في علاقاتنا بالأشخاص وقد تدمرها. في العالم الافتراضي الالكتروني للتواصل الاجتماعي –على سبيل المثال-  تمت إضافة رسوم تعبيرات الوجه –وهي شكل من أشكال التعبير غير اللفظي الانفعالي-  وكذلك الصور، ما أضاف حيوية كبيرة عليه، وربما دونها ما استمر، وربما تلعب هذه الرسوم والصور دورًا أكبر من الكلمات. صحيح أن الكثير من عناصر التواصل غير اللفظي تُفتقد في هذا العالم كتعبيرات الوجه الحقيقية وإشارات الأيدي ووضعية الجسم أثناء الحديث وطبقات الصوت وغيرها، لكن ألا ترسل رسوم تعبيرات الوجه التي يضعها أحد أصدقائك على منشوراتك رسالة؟ ألا يرسل عدم الرد على المكالمات رسالة؟ ألا نحزن من أصدقائنا الذين يؤخرون فتح رسائلنا الالكترونية أو يتأخرون في الرد عليها؟ ألا يشعرنا هذا بعدم الاهتمام؟ ألا تقلل تلك السلوكيات من حسن النية والثقة في طرف التفاعل؟ بل إن المداومة عليها قد تلغي الصداقة نهائيًا.

الحقيقة أن تأثيرنا في الآخرين، وكذلك تصوراتنا ورؤيتنا لهم، وما نكونه من تصور حول شخصياتهم، وطبيعة مشاعرهم نحونا، تقوم أساسًا على قنوات التواصل غير اللفظي، وأننا نتخذ قرارات كثيرة في حياتنا اعتمادًا على ما تحمله لنا الرسائل غير اللفظية.

والأهم من ذلك أن الوظيفة المفترضة للتواصل غير اللفظي في تطوير وتقوية العلاقة الشخصية لفردين لن تتم إلا إذا كان هناك تناغم بين الرسائل غير اللفظية لكل منهما، وهنا يظهر أثر التنشئة الاجتماعية والفروق الثقافية كمؤثرين هامين في تلك الوظيفة.

كما أنه حين يتناقض ما يلفظه الفرد مع ما يعبر عنه باستخدام القنوات غير اللفظية كتعبيرات الوجه ونظرات العين وحركات اليدين فإننا نصدق ما يصل إلينا من خلال الوسائط غير اللفظية لا ما تنقله لنا الكلمات. ولا يسهم الاتصال غير اللفظي في تشكيل انطباعات الناس بعضها عن بعض؛ من حيث الصدقية credibility فقط، بل ويشكل انطباعاتنا أيضًا من حيث قابلية الحب أو الكراهية Likability، والجاذبية Attractiveness، والسيطرة Dominance.

كما وتُسهم السلوكيات غير اللفظية الدالة على الإصغاء أو الرغبة في الاستمرار في الحديث أو الرغبة في أخذ الدور للحديث لأجل تنظيم التفاعل الاجتماعي بأكثر مما تُسهم الكلمات؛ حيث تُستخدم الإشارات لتنظيم الدور أثناء الحوار، كما يحتفظ المرسل بدوره في الحديث ويمنع الآخر من مقاطعته باستخدام التواصل غير اللفظي كتغيير نبرة الصوت أو سرعته والإشارة باليد للآخر لمنعه من المقاطعة، وغيرها من السلوكيات.

ومن المهم للغاية كذلك ملاحظة أن التواصل غير اللفظي أكثر غموضًا، وتفسير قنواته أكثر صعوبة من الاتصال اللفظي، وقد يختلف من فرد لآخر، وتتدخل فيه عوامل التنشئة الاجتماعية والثقافية، إضافة إلى الفروق بين الجنسين، بل وأحيانًا تتدخل حالة الإنسان الجسمانية في تفسير تلك السلوكيات، فقد تأخذ اليدان وضعًا متصالبًا للتعبير عن الضيق، وقد يقوم الفرد بهذا السلوك فقط لشعوره بالبرد!

ولا يقتصر تفسير السلوك - سواء كان لفظيًا أو غير لفظي-  بشكل دقيق على العوامل التي يمكن أن تكون قد أثرت على المرسل فقط، بل وتتداخل معها العوامل المؤثرة على المستقبل، فالمستقبل مثلًا قد يتأثر بالآراء النمطية الجامدة حول ثقافة الجماعة التي ينتمي لها المرسل لتفسير سلوكه. وقد يتعامل مع سلوك ما على أنه سلوك وقتي غير ثابت ناشئ عن عوامل طارئة كالانفعال نتيجة الإرهاق الزائد أو الإصابة بالصداع، أو على العكس يتعامل مع السلوك على أنه إشارة لسمة في شخصية المرسل، فقد انفعل سريعًا لأن هذا جانب من جوانب شخصيته! وقد يرى المستقبل ذلك السلوك الصادر عن المرسل عامًا يمكن أن يصدر عنه في تعامله مع كل الأفراد أو يخصصه. وهذا شكل من أشكال إصدار الأحكام عليه دون إدراك كامل لشخصيته ودون التعرف الكافي على منظوره للأمور؛ لذا ينبغي الانتباه إلى عدم الركون إلى الثقة المطلقة في تفسيراتنا للاتصال مهما كان حجم خبراتنا العلمية والعملية.

ولأن من أهم ما يميز التواصل غير اللفظي أنه معقد؛ حيث قنواته لا تتفاعل وحسب مع الكلمات الملفوظة، وإنما تتفاعل أيضًا مع بعضها، فلا بد أن يتم تفسيرها مجتمعة للوصول إلى رسالة غير لفظية واحدة، وهذا ما يجعل تفسيرها أصعب كثيرًا من تفسير الكلمات، خاصة وأن هناك من يتعمدون توصيل رسائل معينة من خلال قنوات التواصل غير اللفظي، لكن الخبرة والتدقيق يجعلان الشخص قادرًا على التمييز بين المتعمد وغير المتعمد منها. والأهم أننا أحيانًا نحاول تفسير إشارات غير مقصودة، فعلها صاحبها دون قصد ولا تعني شيئًا!

هذا ويختلف الأفراد بدرجات شاسعة في المدى الذي يمكن أن يُعبِّروا فيه عن انفعالاتهم؛ فمنهم من يعبرون تلقائيًا عما يجيش في صدورهم من انفعالات، ومنهم من تقل تعبيريته تمامًا وتكون درجة ضبطه لانفعالاته عالية إلى درجة يصعب قراءتها وتفسيرها. منهم الحساسون للغاية فيستشعرون أي انفعال لدى الآخرين، ومنهم من لا يكاد يحس بأي تغير يطرأ على انفعالات الآخرين.

والتعبير الانفعالي هو تلك التغيرات السلوكية التي تظهر على الفرد وتصاحب الانفعال، ويعتبر أهم مهارات التواصل التي يسبب ارتفاعها لدى الفرد انجذاب الآخرين ومحبتهم له. وإضافة إلى الاستجابات السلوكية التي نعبر بها عن انفعالاتنا توجد استجابات فسيولوجية، كسرعة دقات القلب وسرعة التنفس واضطرابات إفراز الغدد وزيادة التعرق، ولكنها ما لم تظهر في شكل سلوك ظاهري فإنها لا تكون أكثر من تغيرات عضوية لا قيمة لها في تقييم درجة التعبير الانفعالي.

كذلك ينجذب الناس إلى مرتفعي الحساسية الانفعالية، البارعين في تفسير انفعالات الآخرين؛ كونهم أكثر قابلية للتأثر وإظهار التعاطف نحو مشاعر الآخرين. والبشر بوجه عام يقتربون من بعضهم عند الفرح وعند الحزن، ويبتعدون جسديًا ونفسيًا عند الغضب. عندما ينعزل إنسان فهذا يعني أنه ليس حزينًا فحسب بل مكتئب؛ فالحزين يحتاج الآخرين حوله ليخففوا عنه. ومن المعروف أن الإنسان في أوقات الصدمات الكارثية يصعب عليه اتخاذ القرارات، ويحتاج المساعدة، كما يحتاج التعاطف إلى أقصى درجة. والناس تنجذب إلى من يتعاطف معهم ويقدر مصابهم لا إلى من يتجاهلهم أو يهون من مشاعرهم السلبية، فذلك أسوأ ما قد يفعله إنسان لتخريب علاقته بآخر.

وينبغي أن ننتبه إلى أمرين في غاية الأهمية بخصوص الحساسية الانفعالية؛ أولهما هو عمومية أو خصوصية الحساسية؛ فهناك أشخاص حساسيتهم الانفعالية مرتفعة بوجه عام، وأشخاص يكونون حساسين تجاه انفعالات أفراد معينين، ومهما بدا الشخص ضعيف الحساسية الانفعالية فهو يستشعر تغيرات مشاعر الأفراد القريبين من نفسه بدرجة ما، ويهتم بما يظهرونه نحوه لأن الحساسية لا يمكن عزلها عزلًا تامًا عن الانتباه، ونحن ننتبه أكثر للمتغيرات المتعلقة بالأشخاص الذين يعنوننا. على سبيل المثال فإن المصافحة باليد تعتبر سلامًا فاترًا يزعج الأصدقاء ويشعرهم بتغير أصدقائهم نحوهم، بينما هو كافٍ بين الغرباء. وما يُقال عن الحساسية الانفعالية يُقال نفسه عن الحساسية اللفظية فقد لا نكون حساسين لكلمات الناس بوجه عام، ولكن تعنينا كلمات وأحكام الأشخاص الذين يقعون في دائرة اهتمامنا.

الأمر الثاني هو صدق أو زيف الحساسية الانفعالية. بعض الناس يظهرون مشاركة وجدانية وتعاطفًا زائفًا مع الآخرين، وبعضهم الآخر يشعرون تمامًا بما تمر به لكنهم لا يملكون القدرة على نقل مشاعرهم إليك، فينعكس ضعف تعبيريتهم على إظهار حساسيتهم بمظهر الضعف. والمعرفة الكافية بوسائط الاتصال غير اللفظي تجعل الفرد قادرًا على كشف التعاطف الحقيقي من المزيف. كما أنه في كثير من الأحيان قد يشعر الفرد بانفعال من أمامه لكنه يسيء تفسيره!

ورغم أنه يصعب كثيرًا قراءة وتفسير الإشارات غير اللفظية لأنها لا تكون واضحة بما يكفي، بل وقد يكون من الصواب وصفها بالغامضة، لكن ينبغي مع ذلك إدراك أنه وإن كان أحيانًا يصعب تحديد الانفعال الذي يعبر عنه الفرد باستخدام قنواته غير اللفظية، ولكن يجب على الأقل أن نميز بين ما إذا كان هذا الانفعال إيجابيًا أم سلبيًا. فإن كان الشخص لا يعبر عما يدور في عقله حول موضوع ما بأي وسيلة من وسائل التواصل اللفظي أو غير اللفظي فلا سبيل لتوقع سلوكياته اللاحقة. ومن لديه خبرة جيدة في مهارات التواصل يستطيع التنبؤ بسلوك الأفراد من خلال معرفته بكفاءتهم الانفعالية في النطاقات الثلاثة (التعبير-  الحساسية-  الضبط).

على العكس من مهارتي التعبير والحساسية فإن من يتحكم كثيرًا في انفعالاته لا يجذب الناس كثيرًا، وهذا من أشد أسباب ارتياب الناس فيه وإساءة فهمه، وقد يتعدى الأمر إلى تفكك صلاته الاجتماعية بأقرب الناس إليه، وينطبق هذا على نسبة كبيرة من الرجال ويتسبب في شكوى كثير من النساء. لكن ينبغي أن نضع في اعتبارنا أن من يضبط انفعالاته ضبطًا قاسيًا يمر بخبرات شعورية، وربما يكون في كثير من الأحيان يشعر ويتأثر أكثر ممن يعبرون بتلقائية.

ويختلف انطباع الناس عن من يضبط الانفعالات بشكل ملائم ولائق اجتماعيًا؛ ذلك أن مما يجعل شخصًا ما جذابًا للآخرين وقادرًا على التأثير فيهم ليس فقط القدرة على إظهار الانفعالات حتى يمكن للناس بسهولة أن يقرأوا ما يشعر به، ولكن كذلك القدرة على ضبط وتنظيم التعبير الظاهري عن تلك الانفعالات؛ فافتقاد الضبط الانفعالي يجعل الشخص يُنظر إليه على أنه متهور، ويتصرف بعدم لياقة، فيفقد الكثير من الكاريزما التي أكسبته إياها تعبيريته المرتفعة.

وينبغي أن نعي أن التربية لا تدرب الإنسان فقط منذ صغره على طريقة التحدث اللائقة، بل وتدربه أيضًا على إصدار تعبيرات وإشارات غير لفظية لائقة، لأن البشر تعلموا أنه لا يصح أن يعرف الآخرون كل ما يدور في عقولهم، ومن أجل ذلك فقد تعلموا ضبط التعبيرين اللفظي والانفعالي؛ ونحن نتعلم منذ الصغر التحكم في تعبيراتنا الوجهية ووضعية أجسامنا وغيرها كما نتحكم في ألفاظنا، وبناءً عليه فإن جزءًا كبيرًا من لغتنا غير اللفظية هي نتاج المران والتدريب. كمثال: نحن لا نُولد بحيث نعرف أن الإشارة بالإصبعين السبابة والوسطى لتكوين حرف V هي تعبير عن النصر، ولكنها صارت إشارة للنصر منذ الحرب العالمية الثانية.

ولأن التدريب الذي يتلقاه الإنسان منذ صغره بخصوص ضبط التعبير الانفعالي يتركز أساسًا على تعبيرات الوجه فإن الخبراء يركزون على الرسائل التي تحملها باقي أجزاء الجسم ويعطون لتفسيرها أهمية لا تقل عن أهمية تفسير تعبيرات الوجه التي يسهل التحكم فيها.

ولا يتوقف التدريب على فترة الصغر؛ فيمكن لأي شخص في أي مرحلة عمرية أن يتدرب على إصدار سلوكيات لفظية وغير لفظية ملائمة توحي للآخرين بالثقة. كثيرون من البشر بحاجة لضبط إيقاع الصوت وحركات اليدين ودرجة تواصلهم البصري ليكون تواصلهم أكثر فاعلية.

ومن استراتيجيات التنظيم التي يُنصح بها للتدريب على الضبط الانفعالي - خاصة عند التعرض للمضايقة-  الاشتراك في أي نشاط من أنشطة الإلهاء كلعب لعبة، والتحدث مع صديق، وتخيل موقف أو حدث سعيد، أو تمرين تنفس عميق، والأهم من ذلك كله إدراك أن المشكلة  ليست فيمن يتعرض للمضايقة بل في الشخص الذي يحاول إيذاءه. بل ويمكن التدريب على إخفاء المظاهر الفسيولوجية المصاحبة لبعض الانفعالات.

بالنسبة للشخص الذي يصل التعبير الانفعالي لديه لدرجة ظهور مظاهر فسيولوجية واضحة تعبر عن انفعال الخوف يكون للمظهر المتأنق أثره في خلق مزيد من الثقة بالنفس، كما يمكن إرشاده للتعامل مع مظاهر الخوف وتحجيمها وعدم إعارتها أهمية بعدة طرق مثل:

- دقات القلب الزائدة: لا تهتم لها، وتنفس بعمق، وتحدث ببطء، وقلل من استدامة خط النظر مع من تقلق منه، ويمكن أن تنظر إلى صديق أو حبيب أو تخفض نظرك.

- زيادة العرق: لا تهتم به، وغالبًا لن يلاحظه أحد ما لم تظهر أنت انتباهًا له.

- رجفة اليدين: لا تقبضهما معًا، بل حاول أن تمسك شيئًا في يدك.

- برودة اليدين: لا يشعر بها الناس، ويمكنك فرك يديك لاكتساب طاقة وثقة، كما أن الاندماج في موضوع الحوار سيجعل الخوف يذهب ومعه البرودة فلا تهتم.

- رجفة الصوت: تزول سريعًا خاصة عندما تبدأ الكلام ببطء، وتحافظ على وتيرة هادئة، وتضغط على الكلمات الهامة.

- جفاف الفم: يزول مع بطء الحديث وأخذ وقفات بين الجمل، ويمكن الاستعانة برشفات من الماء.

وكثيرًا ما يكون توقع المواقف، والتدريب على مواجهتها قبل حدوثها لإظهار إشارات غير لفظية مضبوطة من أفضل ما يقوم به الفرد؛ فالضبط الانفعالي والتدريب عليه هامان للغاية في مواجهة الحياة ومصاعبها وضغوطها.

يمكنني أيضًا القول إن مستوى الوعي بالذات يؤثر في قدرة الإنسان على ضبط انفعالاته، فزيادة الوعي إلى حد ما يجعل الإنسان أكثر قدرة على التحكم في انفعالاته وإخفائها، ولكن دائمًا يحدث العكس عندما يتعاظم وعي الإنسان بذاته، فهو عندها يعبر عن نفسه ببساطة وتلقائية، ودون تخطيط!

ومثلما تختلف طرق تنشئتنا فهناك أيضًا عوامل كثيرة قد تؤثر في طريقة تعبيرنا غير اللفظية ينشأ عنها فروق فردية بين البشر؛ فنحن نختلف عن بعض فسيولوجيًا، كما تختلف ثقافة مجتمعاتنا؛ لذا فحركات أجسامنا ومستوى طاقتنا الجسمانية والتي نستكشف انفعالاتنا من خلالها قد تضللنا ما لم نراعي قراءة كل فرد كحالة خاصة.

والنصيحة الأثيرة في تفسير التواصل غير اللفظي لشخص ما في موقف ما هي تحليل سلوكياته غير اللفظية الاعتيادية في المواقف الطبيعية، وأي تغيير فيها بعد ذلك هو الجدير بالفحص والتحليل، على أن يكون التركيز على فهم أسباب السلوكيات لا وصفها، وتجنب الإسقاط ما أمكن فأحيانًا نفترض أن سلوكًا غير لفظي يرسل رسالة لمجرد أنني كمستقبل أفعل ذلك أو أنه شائع في ثقافتي لإيصال تلك الرسالة، وهو ما يمثل حاجزًا أمام فهم الرسالة الحقيقية التي عناها المرسل بذلك السلوك.

وكما أن الرسالة التي يحملها الاتصال اللفظي قد تكون مباشرة أو غير مباشرة، فإن رسائل الاتصال غير اللفظي أيضًا قد تكون مباشرة أو غير مباشرة؛ فنظر المدير إلى ساعته عند دخول أحد الموظفين متأخرًا عن موعد الاجتماع هو رسالة غير لفظية غير مباشرة توضح استيائه من ذلك التأخير.

ويمكن القول كذلك إن أغلب الفنيات المستخدمة في التواصل اللفظي لها ما يُقابلها في التواصل غير اللفظي. على سبيل المثال فإن تكنيك "إعادة صياغة المحتوى اللفظي" الذي يستخدمه المحاور لإشعار من يحاوره أنه كان يصغي لكلماته، يوجد تكنيك مشابه له يُستخدم في التواصل غير اللفظي يُعرف بـ "عكس المشاعر" فليس عليك فقط أن تُعلي من حساسيتك الانفعالية إلى القدر الذي تلتقط به انفعالات الآخر بل يلزمك أن تُعلي من تعبيرك الانفعالي بحيث تجعله يفهم أن مشاعره تنعكس عليك؛ فأنت تشعر بما يشعر به، وتتقبل مشاعره، وربما تساعده على التعامل معها.

أمر آخر لا يقل أهمية، وهو أن الطريقة التي نتصرف ونتكلم بها، والثقة التي نبديها في أنفسنا إجمالًا، وفهمنا للآخر وما يرضيه، ومحاولة التوافق معه، سواء كان هذا الآخر شريك الحياة أو زميل أو رئيس العمل، كل هذا هو جزء لا يتجزأ من اتصالنا غير اللفظي.

 

د. منى زيتون

 

زهير الخويلدي"طالما كانت هناك ديكتاتوريات، فلن يكون لدي الجرأة لانتقاد الديمقراطية"

- جان رستان، حيرة بيولوجي، 1967

استهلال: ليست الديمقراطية مجرد فكرة نظرية بل ممارسة عملية وليست نموذجا جاهزا قابل للتصدير والتبني بل هي عقلية وثقافة تقتضي احترام الخصوصيات وتراعي التقاليد والرموز الحضارية للشعوب والمجتمعات.

لقد جاءت الديمقراطية لكي تؤسس الحكم المدني وتخلص البشرية من الكثير من الأمراض السياسية على غرار الطغيان والاستبداد والشمولية وتفكك الدولة الدينية والدولة العسكرية وتنتصر للدولة المدنية التي تحتكم للقوانين والمؤسسات وتخضع السلطة للرقابة الدائمة للمواطنين وتنظم العلاقة بين الدولة والمجتمع.

غير أن التجارب الديمقراطية تعاني من الكثير من الأزمات وتواجه جملة من المخاطر ومهددة بالانقلابات والالتفاف وتحتاج دوما للتعديل والتطوير وتحاول دوما مواكبة المتغيرات والانتباه إلى الحركة التاريخية.

بهذا المعنى تم المحافظة على التعريف الإغريقي الشهير الذي يجعلها "حكم الشعب نفسه بنفسه" وأضيفت له عدد من الدلالات المستحدثة سواء في علاقة بالنفوذ والسيادة والحكومة أو في اتجاه التعايش والتسامح.

لقد حلت دولة القانون محل دولة القوة وانتصرت قيم المواطنة والحداثة على عادات القبيلة وتقاليد الراعي والرعية وما تخللها من خضوع وإتباع وسيطرة وهيمنة وبرزت مفاهيم معاصرة مثل التداول السلمي والمشاركة الشعبية والضغط على السلطة والحوكمة الرشيدة والمحاسبة والرقابة والمسؤولية والاستحقاق.

لم يعد الأمر يتعلق بالتطرق الى الديمقراطية السياسية وعلاقتها بالديمقراطية الاجتماعية وكذلك تأثيرها على الديمقراطية الاقتصادية وإنما أصبح يتطلب مراعاة مبادئ حقوق الإنسان وعلاقة الأقلية بالأغلبية وعقلنة حضور الأفراد في الفضاء العمومي وتكريس التعددية واحترام مبدأ الاختلاف والحريات الخاصة.

من المعلوم أن تاريخ الديمقراطيات العريقة شهد بروز نظريتين: الأولى اصطلح على تسميتها النظرية التمثيلية وتعود إلى مدرسة العقد الاجتماعي وتدافع على مبدأ الانتخاب، بينما الثانية يطلق عليها اسم النظرية التشاركية وتنقد العقد الاجتماعي وتسمح بالنقاش العمومي والفعل التواصلي والتوافق السياسي.

فما المقصود بالديمقراطية؟ وكيف عبرت النظرية التمثيلية عن جوهر الحداثة السياسية؟ وهل تتناقض مع الديمقراطية المباشرة أم تستقي منها البعض من عناصرها وعدد من القيم الجمهورية؟ وما الغرض من اعتماد النظرية التشاركية في الفترة المعاصرة؟ وأي مستقبل للتجارب الديمقراطية في ظل ثقافات تقليدية؟

ماهو في ميزان العقل واختبار العمل ليس الانتقال من نظرية إيديولوجية إلى أخرى ومن تصور معرفي قديم إلى تصور معرفي جديد وإنما تنضيج الممارسة على ضوء الدروس والعبر التي يقدمها التاريخ ونقد الأنساق المغلقة التي تحولت إلى حواضن للتطرف الديني والعنف السياسي والتعصب القومي وزرع إرادة العيش المشترك بين الفاعلين وتنمية التنافس بين القوى الاجتماعية الحية وممارسة التحكيم الايجابي بينها.

1- الديمقراطية التمثيلية: démocratie représentative

تعتمد الديمقراطية التمثيلية على مبدأ اختيار المواطنين ممثليهم في البرلمان ومراكز الحكم ومؤسساته عبر الانتخاب عبر عملية اقتراع علني حر ودوري يمنحهم صلاحيات لكي ينوبوا عنهم ويطرحوا قضاياهم ويعملوا على إيجاد حلول معقولة في إطار الممكن السياسي الذي يتحركون ضمنه في الجسم المواطني.

تمثل الديمقراطية التمثيلية نظرية مدنية في الحكم تنتمي إلى القيم الجمهورية وتجعل من النواب ممثلين وليسوا وكلاء وتشكل نظاما سياسيا يتم الاعتراف فيه بمجلس مقيد يمتلك الحق في تمثيل شعب أو مجتمع.

كما يتم التعبير في الديمقراطيات التمثيلية عن إرادة المواطنين من خلال الممثلين الذين يتم انتخباهم والذين يساهمون في وضع وتشريع القوانين وكتابة الدساتير وتطبيق بنوده واحترامها وتنفيذه على أرض الواقع.

والحق أن الديمقراطية المباشرة تنبثق عن الإرادة العامة وتتأسس على عقد الخضوع وعبر مبدأ التفويض للسلطات التي يهبها المواطنون لصالح ممثليهم ويقومون بالتصويت للقانون الذي ينظم العلاقات فيما بينهم.

بيد أن الشروط التي تستقيم من خلالها الديمقراطية التمثلية والتي تظل بعيدة المنال في غالب الأحيان هي: إجراء الانتخابات بشكل منتظم ودوري، تحديد ولاية الممثلين في الوقت المناسب وتجنب تقليد التوريث والتنصيب والتزكية مدى الحياة، الابتعاد عن تنصيب حكومة بشكل دائم وتثبيتها إلى الأبد، وترك باب الأمل في الوصول إلى الحكومة مفتوحا أمام الجميع، اعتبار المعارضة قوة شرعية والسماح لها للتعبير عن وجودها، تجنب عقلية الهيمنة والتوحيد وترك النزاعات بين القوى والصراعات بين الفاعلين بارزة.

اعتمدت الديمقراطيات العريقة منذ تشكلها على مبدأ التمثيل ولكن بعض التجارب ذهبت إلى الديمقراطية المباشرة التي ظلت أقل انتشارا ولكنها ترفض التمثيل وتسمح للمواطنين بأن يتخذوا بأنفسهم قراراتهم.

إلا أن الديمقراطية التمثيلية تعاني من جملة من النقائص وأمكن رسم عدد من الحدود والمؤاخذات حولها: وهي تضارب المصالح بين النواب والمقترعين بحيث لا تتطابق مصالح المسؤولين المنتخبين مع مصالح الناخبين ، التمثيلية الحزبية والدفاع عن القناعات الذاتية بدل المشاكل التي يعاني منها المواطنين ومطالبهم وتركيز أجهزة تحمي المتهربين عن دفع الضرائب وتثبيت سلطات تدافع عن الفساد والمحسوبية والولاء.

فكيف تعاني الديمقراطية التمثيلية من عدم كفاية التمثيل؟ وما الحل أمام الفوارق بين الناخبين والمنتخبين؟

2- الديمقراطية التشاركية: démocratie participative

تم الاستنجاد بمنوال الديمقراطية التشاركية من خلال إتباع جملة من الآليات ومجموعة من الإجراءات لكي يقع توسيع دوائر مشاركة المواطنين في الحياة السياسية وتضاعف من مساهماتهم في صنع القرار ولكي يتم التخلص من عيوب الديمقراطية التمثيلية التي تبرز في زيادة الامتناع عن التصويت لدى الشباب والنساء وضعف القوى المعارضة للسلطة وشعور المواطنين بالفجوة مع السلطة وظهور سوء التفاهم مع المنتخبين وتزايد عدم الثقة في السياسيين وبعدهم عن الميدان وعجز البرلمان عن تمثيل تنوع المجتمع.

الديمقراطية التشاركية هي العملية السياسية التي يتم فيها فسح المجال للمشاركة الواسعة لمختلف الشرائح الاجتماعية عبر آليات مرنة وحوافز رمزية ودعاية إعلامية مدروسة وإتاحة الفرصة للناخبين في توجيه الرأي العام وإدارة المؤسسات والأجهزة والتدخل في المجال العام والمساهمة في تنظيم العلاقات بينهم.

بهذا المعنى تنبني الديمقراطية التشاركية على مبدأ تقاسم السلطة بين الحكام والمحكومين وتتيح إمكانية مساهمة المواطنين في صناعة القرار السياسي عبر تنظيم استشارات وطنية والتشجيع على إبداء الرأي.

لقد ظهرت أشكال جديدة من الديمقراطيات ترتكز على تقاسم السلطة وممارستها بشكل جماعي وتنبذ الحكم الفردي والتسلط الشخصي وتعيد الاعتبار للتفاوض والحوار والمشاورة والتوافق بين الأفراد وتعزز مشاركة المواطنين في أدق تفاصيل الحياة العامة وفي تسيير دواليب الدولة كلما اقتضت الحاجة إلى ذلك.

اللافت للنظر أن الديمقراطية التشاركية تسمى أيضا الديمقراطية التداولية وتقوم على الممارسات الجيدة من حيث المشاركة العامة وتركز على العمليات المختلف لصناعة القرار التي يتدخل فيها الجمهور من خلال المداولة وإبداء الرأي والنقاش العمومي ويجري عبرها أشكال جديدة ومعمقة من المشاورات ضمن نشاطات جمعيات المجتمع المدني والتخطيط الحضري والبيئة والتنمية التي تلعب دور المحاور للسلطة.

تعد الديمقراطية النظام السياسي الذي يحتل فيه الشعب مركز الصدارة من جهة المشاركة والسيطرة على السلطة من خلال مبدأ السيادة واحترام منظومة المواطنة ومبدأ المساواة دون تمييز بين الناس على قاعدة الثروة واللون والدين والرتبة الاجتماعية والكفاءة ودون تفضيل بين القوى السياسية المتنافسة على الحكم.

بهذا المعنى تحترم الديمقراطية التشاركية المبادئ التالية: وجود دستور وما يرتبط به من اختصاص مثل المحكمة الدستورية والمجلس الدستوري وتقتضي إحراز استقلالية القضاء وحكم الأغلبية مع احترام حرية الأفراد وحق الأقليات وتعدد الأحزاب السياسية والتوازن بين السلطات والمشاورة الدائمة للقوي الشعبية. كما يمكن التطرق إلى الديمقراطية الاقتصادية حينما يتم ضمان الحقوق الاجتماعية مثل التعليم والصحة والشغل والسكن والنقل والترفيه ويقع التوزيع العادل للثروة بين المواطنين وإتباع منوال تنموي منصف.

لقد تم استيحاء فكرة الديمقراطية التشاركية من الشركات التي تعمل على تحسين نظام العمل عبر اعتمادها الإدارة التشاركية بعد فشل الديمقراطية التمثيلية والديمقراطية المباشرة ونظرية الحكم الفردي والمطلق. لكن الديمقراطية التشاركية هي نظام سياسي مختلط يفوض فيه الناس سلطتهم للممثلين الذين يقترحونهم ويصوتون في البرلمان على سن القوانين التي تضمن لهم مصالحهم ولكنهم في المقابل يحتفظون لأنفسهم بحق المساءلة والرقابة وسلطة الاستيلاء على سلطتهم الخاصة التي انبثقت منهم عن طريق الاقتراع العام.

تتوفر الديمقراطية التشاركية على الخصائص التالية: تنظيم حوارات ديناميكية ومناقشات حرة ومناظرات بين الفاعلين ضمن مجالس حوار ولجان استشارية حول القرارات المزمع إصدارها حول الشأن الوطني، القيام بمبادرات تشريعية الغرض منها تمديد الحق في التصويت، مع إنشاء هيئة تحكيم تتكفل بفحص فعال للأفكار الجديدة والبناءة للمواطنين، تكون التدابير المتخذة مقبولة إذا ما تماشت مع المصلحة المشتركة.

بيد أن الكلام عن الديمقراطية التشاركية هو مجرد خطاب بلاغي يصعب تحقيقه ويتعذر ملامسته للواقع المادي، وترتبط النزعة التشاركية بالنزعة الشعبوية ويقتصر دور المشاركين في اللجان على الجانب الاستشاري دون أن يتحولوا إلى جهات فاعلة وتنتصر المصالح الشخصية على الاعتبارات الموضوعية.

فماهي الإجراءات الراديكالية التي يمكن سنها لكي يتم ترشيد الفعل السياسي نحو الديمقراطية المستقرة؟

3- الديمقراطية الجذرية: démocratie radicale

الديمقراطية الجذرية تشير إلى اهتمام مستمر ودائم بالامتداد الجذري "للمساواة والحرية" وتشكل عملية مستمرة وشاملة من الناحية الأفقية في علاقة بالجمهور ومن الناحية العمودية في علاقة الناس بالسلطة.

يهتم هذه النوع بتجذير الديمقراطية عبر استكمال فعل الدمقرطة في مؤسسات الدولة والعلاقات الاجتماعية والتربوية وتؤمن بها الحركات الاجتماعية التي تحاول خلق التغيير الاجتماعي وتفجير الثورة السياسية وتتبع إستراتيجية مدنية وسلمية تقوم على العصيان المدني والحراك الاحتجاجي وتحاول تفكيك الأجهزة القمعية وتأسيس منوال جديد أكثر مرونة وانفتاح وقابل للتعديل والتطوير ويحترم الحقوق والحريات.

غني عن البيان أن تجذير الديمقراطية يكون بالقضاء التدريجي في دوائر السلطة والمعرفة والرغبة على الأنظمة السياسية الفاسدة على غرار الملكية المطلقة التي تكون فيها السلطة في يد شخص واحد والنظام الثيوقراطي حيث تكون السلطة عند الطبقة الكهنوتية والأنظمة الدكتاتورية والشمولية العسكرية والملكية.

من هذا المنطلق تتجه عملية الدمقرطة نحو خفض المصلحة الفردية وجعل الخير العمومي في متناول أكبر عدد ممكن من الناس وخلق قيمة مواطنية إضافية وتمكين الشعب من الانتصار في معركته مع التسلط والاحتكار والإقصاء وفتح مسارات جديدة للفعل السياسي ضمن نسق سيادي مفتوح ومتسامح.

كما تعمل الديمقراطية الجذرية على تغيير حالة المجتمع من التبسيط إلى التعقيد ومن الانغلاق إلى الانفتاح وتقوم بتعميم الوعي المواطني وتزيد من المطالبة بالحقوق وتعزز الفكر الحقوقي وتضع القيم والمبادئ الديمقراطية في متناول أكبر عدد ممكن من الناس ومتاحة للجميع وتلامس جميع الطبقات الاجتماعية.

الديمقراطية الراديكالية هي المحرك والمقصد وتتراوح بين فعل الدمقرطة وثمرة هذا الفعل وهي العملية السياسية التي تسمح للنظام الانتقالي بالتطور والتقدم نحو الديمقراطية الحقيقية وتعزيز شخصيته المستقلة.

اللافت للنظر أن مسار الديمقراطية الجذرية يقترن بمسار دمقرطة الحياة الاقتصادية وذلك بالتوقف عن الاقتراض والتخلص من المديونية والزيادة في الدخل السنوي للأفراد وتوفير مواطن الشغل وتخفيض الأسعار والترفيع في الاستثمار وتحقيق التساوي في الفرص والحظوظ في التعليم والمعالجة الصحية الجيدة والتركيز على إصلاح منظومة التعليم وتخفيض العلاقة بين الأصل التجاري والتعليم المدرسي.

من المفروض أن يتم التركيز في الديمقراطية الجذرية على استقلالية الدولة وسيادة الشعب وبناء اقتصاد وطني يعول على ذاته ويحسن استثمار موارده البشرية وثرواته المادية ويتمكن من التخلص من التبعية.

فكيف تمثل الثورة الاجتماعية هي الخيار المتبقي للشعوب المضطهدة من أجل دمقرطة الحياة السياسية؟

خاتمة:

جملة القول أن الطريق إلى الديمقراطية مكلل بالأشواك وبلوغ المنتهى هو من الأمور المؤجلة على الدوام وأن المجتمعات العربية تعاني من هيمنة التقاليد السلطوية والعقلية السلطانية التي تعطل كل فعل مدني وأن ما يحدث فيها من إصلاح وتحديث وتجديد هو مجرد تدريب على ممارسة الديمقراطية ولذلك السبب توقفت المسيرة العربية عند الشعارات والواجهات وأنها سقطت في فخ الديمقراطيات الشكلية والفارغة من كل محتوى وشوهت القيم المواطنية والمبادئ المدنية وحافظت على الخلفية الانقلابية وقابلية الإقصاء.

والحق أن الأفكار التشاركية والممارسات الجذرية موجودة في النظرية التمثيلية ولكن بشكل مستتر وأن الأفكار التمثيلية ظلت حاضرة بقوة في النموذج التشاركي التداولي ولكن النظرية الراديكالية يجدر بها أن تتخلص من الأمراض والآفات والمزالق التي تسببت فيها كل من النظرية التمثيلية والنظرية التشاركية.

من المعلوم أن المجتمعات التي تعيش الانتقال الديمقراطي يتعذر عليها المرور بصورة فورية إلى اتباع منوال الديمقراطية المباشرة والشاملة وإنما يلزمها أن تسترشد في الديمقراطية وتقوم بفعل الدمقرطة بشكل تدريجي وأن تحدد سلم الأولويات وتتبع منهج معالجة الأزمات وتحسن إدارة الاختلاف في زمن التقلبات.

أما المجتمعات التي عرفت ثورات سياسية وحراك الاحتجاجي ومشاركة شعبية واسعة في التغيير فإنها انتهت إلى إعادة إنتاج الشمولية العسكرية من ناحية والى تبني خيار الديمقراطية التمثيلية من ناحية أخرى وربما الاستثناء التونسي يتنزل ضمن الديمقراطية التشاركية التي تمنح الفرصة للجمعيات والأحزاب للتأثير في صناعة القرار وتكرس التعددية وتدافع على المنظومة الحقوقية والحريات الفردية والمواطنة.

غير أن هذا الاستثناء الديمقراطي في المنطقة العربية التي تحاصرها الرمال الشمولية مهدد هو الآخر بالعودة إلى الديمقراطي التمثيلية وأشكال الحكم المطلق والفردي الذي كان سائدا قبل الثورة المباركة التي فصلت بين السلطات وكتبت دستورا وبنت نظاما سياسيا مختلطا يقيد مؤسسة الرئاسة ويمنح البرلمان كامل الصلاحيات ويجعل رئيس الحكومة من حيث هو رئيس الوزراء هو الحاكم التنفيذي للسياسات. فمتى يتم نقل التجربة التونسية إلى الديمقراطية الجذرية؟ وكيف يعمم النموذج التونسي على المناطق المجاورة؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

قحطان اليابسلا مراء ان جامعة التعاريف لرمز الوعي الاصطلاحي غير مرتبط باشتغاله الموضوعي وقاصر في مرجعية الدلالة فيه بين الالية والكينونة عبر ماهية الصفة والاكتساب وعبر عمقه الطبيعي والثقافي في إشكالية التأثير الفاعل في تشكيل الواقع بتمثلاته الرمزية والافتراضية وبين كياناته في تصنيف السلطة والمجتمع والنظام، القوة والمعرفة، وبين هذا الدفق الهائل من المفاهيم النسبية في ابعادها ومستوياتها في تشكيل الوقائع وفي التماهي مع المتضادات التي لا انفكاك بينها، وديناميكية انتاج الجدليات المفتعلة والتوهمات في الانشغال الفكري الاجتماعي عن تساؤلات تفرض هيمنتها الموضوعية على الاحداث والوقائع، كيف يمكن لفعل الوعي الاجتماعي ان يتخطى ويخرق الجسد ويتحرر من النمطية التقليدية والمطابقة الافتراضية والتنظير الأيديولوجي واللاهوتي والسياسي؟ كيف يمكن المطابقة على تشكيل فاعلية الوعي بهيئته الفردية والموضوعية باتساق متوازن ليكون محركا فاعلا في الارتباط الوثيق بالواقع وان ينبثق ويتبلور كسلوك وممارسات وقواعد فكرية إنتاجية داخل هيكلية القطاعات والروابط والعلاقات الاجتماعية، وكيف يمكن حجب التخرصات والتداعيات والاصطناع الهائل الذي يخترق الوعي الاجتماعي في الأصل وبالتالي ينعدم شرط امكان الواقعة الاجتماعية بحد ذاتها، في كل هذه العوالم والذوات وما يتشكل من الافتراضات والتسارع التقني في النظام العالمي . كيف يمكن تحليل وتفكيك وتحويل كل سفر المعرفة عبر التاريخ والحدث والخيال من الاشتغال على محدودية التأسيس لطريقة التفكير والرؤى ؟؟؟، قد يكون الخوض في فعل الوعي جدلية واهمة في اصل استدلالها وجذور معناها والغاز كائنيتها، وتشابكها واشتباكها في توهم الذات ومنظومة الاجتماع ووسائل الإنتاج والأدوات المعرفية وتغايرها وتطورها عبر منظور السياسة والاقتصاد والدين والمعرفة، هذا الفضاء اللانهائي من الامتدادات والانبعاثات التي يكون فيها فعل الوعي هامشا نمطيا تابعا لما حدث ويحدث .

فليس بمقدور فعل الوعي على الانسان ان يفكر بأبعد مما هو متاح من وسائل التأثير على العالم المحيط به وليس بإمكانه ان يعي ما يمكن ان يخالف كل ما يحيط به، ولذا فانه ومنذ تمثل فعل الوعي في المعرفة البشرية فأن كل القوى والأسباب التي نظمت العالم الإنساني واللاإنساني كانت تتمثل تلقائيا حسب الأنماط والاطوار وصراع القوة والمعنى وتمثلات الواقع والخيال وأثر حاجة الفرد والمجتمع، ولكن لم يتفوق الوعي على ان يتمكن من اختراق الحدود النمطية في التعاملات والإشكاليات العقلية في مديات حدودها المرحلية، لم يخرج فعل الوعي في الاستباق بتأسيس المفاهيم والقيم من مجرد وضع الية التفكير بذاتها مقابل الواقعة الاجتماعية في تشكليها واصطناعها وتقبلها ورفضها، وبالتالي فان فعل الوعي بحد ذاته هو مجرد نمط متوهم بانه قادر على التأثير في اصل الحدث او التحولات او الثورات في البدايات القديمة، وهو عاجز تماما عن فصل إشكاليات المعنى واللامعنى في بعدها الطبيعي والإنساني , في الواقع الموضوعي والافتراضي وفي عمق الصراعات التي تنتج الحدث والواقعة والتصور، وحيث ما وجد فعل الوعي فهو نمطي تقليدي يتبع الحدث ولا يخلق إمكانات جديدة كليا في فرضه لمفاهيم او تصورات تفوق ما يتبعه، وكل انتاج الوعي هي تنظيرات تدور حول نفسها بدون انجاز ميداني حقيقي في تأسيس لاجتماع ومعرفة وسلطة ونظام، بل ان فعل الوعي انتج تداعيات كارثية في التاريخ البشري بسبب استغلال السلطة لنمطية الوعي الاجتماعي في التحولات التي سرعان ما أخذت تشكل سلطات منفصلة عن اصلها وباتت تدير النظام حسب منظومة السلطة وليس حسب تطوير وابداع الفعل التوعوي الاجتماعي وترابطه في مفهوم تنظيم الدولة،، فعصر التنوير انتج دول استعمارية،، والاشتراكية أسست دكتاتوريات، والديمقراطية انتجت خرق للتماسك الاجتماعي بفعل استغلال المفاهيم واستثمارها من قبل القوى التقليدية والاصولية، وكل هذا يجري بمحصلة عدمية فعل الوعي فعلا في أي انقلاب جوهري في العلاقات والمفاهيم والقيمة والنمط والطور، ويبقى الوعي في قصوره الذاتي من حتى تصور ماذا يحدث ولماذا يحدث، وانشغال دعاته في اللغط والسفسطة بتشكيل الوعي الذاتي بمنطلقات تقارب الهراء والانحلال والاضمحلال عن المطابقة في حدها الأدنى، وبارتدادات قد تكون كارثية في تشكيل النظام الاجتماعي وانفصال كيانه عن نظام المعرفة والسلطة .

وفي المطابقة فان فعل الوعي في حيز اشتغاله لا يمتلك الإرادة المستقلة عن البناء الاجتماعي في ثنائية التحدي والتجاوب بين الكائن والمتصور في نسق الفرد والمجتمع ووسائل المناقلة والتأثير والتحول والتغاير، فلم يستبق الوعي البناء الأيديولوجي لسمات وشخصية وقواعد واصول التكييف والتماهي الاجتماعي مع الحدث والواقعة، لانهما الأسبق في التوظيف والتأسيس للواقع المتصور والمصطنع والمفترض في الإنتاج، بل ان الحدث هو من يفرض هيمنته المطلقة على كل إشكاليات المعنى واللامعنى في الواقع بما يمتلكه الحدث من وسائل الاعلام والتسويق الذي يتم توجيهه في الغالب لخدمة اجندات معينة تحت اشتغال منهجي قائم على فرض الفكرة و الأدلجة على الاجتماع بشكل مخزون هائل من التمثلات والبداهات والخيالات ومن ثم تصبح واقع يتشكل في الفكر والسلوك كعنصر أبستمولوجيا يترسخ ويتأصل في النظام، فليس هناك عرض موضوعي مطلق للحدث في بنيته واصل دلالته وقوته واستثمار السلطة في الاشتغال عليه لصالحها، وعبر كل ما انتجه التاريخ من تقنية معرفية وسلطة، يترسخ البناء التراتبي ثم يبدأ بالدفق والانبثاث في اشكال وهيئات وصور ورموز مغايرة ومختلفة في خلق الوقائع نمطا بعد الاخر وطورا بعد الاخر في اكبر توهم وتصور وخيال ذهني بجدلية فعل الوعي في تشكيل حدث عابر يخرج من اقطاب البنى الأيديولوجية لمنظومة الاجتماع، وكل الجدل حول فعل واعي من عقل وإرادة حرة ومبدعة للإنسان قادرة على تحريك التاريخ في ابعاد غير خاضعة لبنى غابرة في المخزون البنيوي الاستراتيجي لتأسيس نظام في بعد آخر مطلق سيكون جدل غير ذي جدوى، فالتاريخ يثبت مرارا وتكرارا ان الاشتغال الذهني لا ينتج مطابقة حتمية مع فعل الوعي في نسبية الواقع، بل ان الوعي في حد ذاته هو الية متابعة وتابعة وعاجزة تماما عن منح ذاتها أي معنى عدا الخوض في ما يحدث، بلا أي تشكيل او استباق للأسباب والنتائج في الشكل والمحتوى في مختلف النسقيات الفكرية والفلسفية والأيديولوجية والثقافية والطبيعية وفقا للمدى المحدود جدا الذي يشتغل على الإحاطة به .

لا يملك فعل الوعي القدرة على تجاوز شروط امكان الواقع حتى من خلال التعامل معها إدراكا ونقدا، فالوعي بحد ذاته ليس معطى مباشر، والادراك هو معرفة وتصور وتخيل سابق على حضورنا، ونحن نبدأ في فعل الوعي من خلال سفر من المفاهيم والشروط الأولية التي سبقت الحدث والحضور، فقد كان انتاج الخيال الذهني للجنس البشري معقد جدا ومتفوق على ما هو طبيعي، وباتت هذه الخيالات واقع متراكم ومتراكب من البداهات والمسلمات صعبة التفكيك والتحليل الى أصول الدلالة في البدايات وسفرها عبر التاريخ الإنساني، ولذلك افترض العقل البشري مضمون الوعي كآلية تفكير لمحاولة فك الاشتباك الهائل من المعرفة السابقة وتأثيرها على الإمكانات الواقعة، فليس هناك من يستطيع البرهنة على ماهية الوعي خلال سفر كل هذه الاستباقات، فكما انه لا يوجد معطى قاطع على الوجود المادي، (وبذلك نقوم بالافتراض والاصطناع للتماهي مع الطبيعي)، فكذلك نقوم بافتراض فعل الوعي للتماهي مع إشكالات الواقع بروابطه واواصره الممتدة بين تمثلات السلطة والمعرفة، وبين الحدث والواقعة، ولذلك نبقى في دوامة أستدراك بين ما هو داخل وما بين هو خارج، بين الفرد والموضوع ولذلك فان كل ما نملكه من أدوات هو النقد وإعادة التفكير والفهم في المديات التي تتشكل بالواقع، وان نسعى لتوسيع المعرفة النسبية في الفضاء المتداول من اجل التعامل مع معطياته ضمن قواعد فكرية تشتغل على الإمكانات الموضوعية،، وبهذا يكون التعويل الاستباقي على فعل الوعي في التغيير بما هي الشروط الحالمة،، توهما متعالي الطور والامكان، بل مجرد ارتهان ومعالجة الهراء بالهراء .

 

قحطان اليابس

 

 

صالح الطائيتفتتح جمل هذا الموضوع بـ (إذا)، وإذا أداة شرط غير جازمة وبرأيي هي غير حازمة ولا لازمة لأنها غير حازمة، ولو كانت حازمة لتحقق المشروط ومنه:

إذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد أخبر أمته بأنهم من بعده، أي حال موته وليس أبعد من ذلك سوف، وسوف حرف تسويف واستقبال قد لا يخطر على البال: يتبعون سنن من قبلهم... ومن قبلهم كلهم خالفوا جوهر عقيدتهم، وسيخالفها المسلمون مثلهم بعد موته وربما في حياته، ويستمر هذا الخلاف إلى الأبد، وهو أمر وقع فعلا واعترف به الأولون، من خلال منظومة الحديث التي أوردوها في كتب الصحاح، ومنها ما جمعه ابن بطة في الإبانة(1). وهذا دفع محقق كتاب الإبانة إلى القول: "والواقع إن الشعور بهذا التغير في المجتمع الإسلامي لم يكن على عهد المصنف فقط، ولكنه بدأ في عهد الصحابة، فقد روى المصنف جملة من الآثار عن حذيفة وعبد الله بن بسر وأبي الدرداء وأنس وابن عباس ينكرون فيها حال الناس في وقتهم، ويذكرون أن السابقين لو نُشروا من قبورهم لأنكروا من الناس ما أنكروه، فلم يبق من المآثر السابقة إلا الشهادتان وإلا الاجتماع على الصلاة، مع ما قد أصاب الصلاة من الضياع في خشوعها وتأخيرها عن وقتها"(2).

إذا كان رسول الله قد أعلم أمته بأمر الفتن التي ستصيبهم منذ لحظة وفاته وإلى آخر الزمان! وقد يعترض البعض على هذا التحديد تبرئة لجيل الصحابة، وهذا هروب إلى الأمام مخالف للواقع، لأن النبي أمر الصحابة أن يبتعدوا عن الفتن وينأون بأنفسهم عنها وأوصى من يدرك الفتنة منهم أن يعمد إلى سيفه الذي كان يجاهد به فيكسره، ويقطع وتر نبله ويلازم بيته كحلس من أحلاسه، وأن يتخير القتل على أن يشترك بالفتنة، فهذا يعني أن الفتنة سترفع رأسها في لحظة موته مثلما رفعت رأسها في حياته، وهو ما وقع فعلا وما اشترك به صحابة كبار وصغار. أما الفتن التي حذرهم منها فهي خاصة وعامة:

الخاصة: تحاربهم فيما بينهم ابتداء من خلاف السقيفة إلى حروب مانعي الزكاة إلى مقتل الخليفتين عمر وعثمان إلى حروب الناكثين والقاسطين والمارقين مع علي ومن ثم قتله، وحرب الإمام الحسن ومقتل الإمام الحسين وإلى اليوم.

والعامة تشمل المجتمع الإسلامي كله بانحرافه عن الدين وتغير أخلاقه ومظاهر حياته، وهذه الفتن هي امتحانهم الأكبر لأنها ستأتي مُطْبِقَةً كقطع الليل المظلم يتبع بعضها بعضا تمتحن صبر المؤمن، فالقاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي والماشي خير من الساعي. ومن جانب آخر أشارت المصادر التاريخية إلى مجموعة من الصحابة الذين قيل إنهم اعتزلوا الفتنة وعدوا منهم: سعد بن أبي وقاص وأبي الدرداء وحذيفة وعبد الله بن مسعود وأبي هريرة ومحمد بن مسلمة الذي قيل إنه بعد مقتل عثمان ضرب لنفسه خيمة في الربذة وأقسم أن لا يضمه مصر من أمصار المسلمين، بل إن بعضهم استغل هذا المعنى ليتخلف عن نصرة الحق مثل أهبان بن صيفي الذي رفض دعوة علي له بقوله: لا أخرج إليك فإني سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: إذا رأيتم مثلما أنتم فيه، فاتخذوا سيفا من خشب، ولو لم يكن غير هؤلاء قد أركس في الفتنة ما كانوا ليستثنوهم دون باقي مجتمع الصحابة!

إذا كان رسول الله قد حذر أمته من قوم يتجادلون بمتشابه القرآن، فطلب الحذر من هؤلاء والابتعاد عنهم. وكان ثواب المؤمن القابض على دينه مثل صبر القابض على جمرة حتى قيل: إن أجر المؤمن العامل فيها كأجر خمسين صحابيا(3)، وكان من علامات وقوعها في آخر الزمان: كثرة الخطباء، قلة الفقهاء، كثرة السائلين وقلة الباذخين الباذلين، كثرة الأمراء، قلة الأمناء، موت الصلاة، ارتفاع البناء، كثرة الأيمان أي الحلف، انتشار الرشوة، تفقه الناس لغير الدين بل طلبا للدنيا بعمل الآخرة،

إذا كان ذلك كله قد قيل ومر علينا ولم نلتفت إليه ولم نعره أهمية، فذلك يعني أن ما بيننا وبين ما أراده الإسلام بون لا حدود له نكاد لا نلتقي من خلاله مع حدود الإسلام الخارجية، ويعني أننا بحاجة لأن نعيد ترتيب أولويات حياتنا بعيدا عن الحزبية والطائفية والقومية والمناطقية والمذهبية عسى أن ندرك شيئا من الإسلام الحقيقي، ولكن من منا مستعد لأن يتخلى عن مباهج الحياة وترف المنصب والمركز وهو بين الشك واليقين في حقيقة وجود يوم الدين؟!

 

صالح الطائي

...........

الهوامـــش

(1) ابن بطة، أبو عبد الله عبيد الله بن محمد العكبري الحنبلي، الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة، تحقيق: رضا بن نعسان معطي - عثمان عبد الله آدم الأثيوبي - يوسف بن عبد الله بن يوسف الوابل - حمد بن عبد المحسن التويجري، دار الراية، سوريا، 1415هـ - 1994م. ج1/ص93.

(2) المصدر نفسه، ج1/ص93ـ94.

(3) المصدر نفسه.

 

رحيم زاير الغانمفي كتاب (لماذا الرسول؟) للكاتب محمد كريم الساعدي

نقرأ في مقدمة كتاب (لماذا الرسول؟) للكاتب الاستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي تساؤلات عدة تُطرح، بدءاً من مسألة الاساءة وقصديتها والتشويه وما تركه من فعل في المنجز الفكري/ الفلسفي، وقصديته التي أنتجت هكذا تعميمات، تاركة في ذهن صاحب الكتاب العديد من التساؤلات، نتيجة لما طرحه المنتج الغربي من رسوم الكاريكاتير، الى افلام مسيئة لشخص الرسول محمد (ص)، وما دعت له الضرورة، سواء على مستوى الفكر او الاعتقاد، كنتيجة طبيعية للأفكار المشوهة التي حفل بها التاريخ الغربي، على اعتبار ما يمثله الغرب من مقاومة فكرية وانسانية وحضارية كمركز، والتي يخضع لها جميع الهوامش، وما قد ينتج من تساؤلات كردة فعل باتجاه مركزيتها الصارمة مع ما تدعيه من عدالة او مساواة، ويبقى السؤال، اين العيش بكرامة قبالة ما يدور من فكر اقصائي للآخر المغاير، بعدما اعتبرته ضدا وعملت على تهميشه، عبر جعله يغرد خارج سرب الفعل الانساني، تاريخا وحاضرا، ولا يقبع عند هذا الحد بل الى توجيه اصابع الاتهام للمواطن العربي/ المسلم، قبوله الرضوخ للحكم الدكتاتوري بجذره الحضاري الاول في الشرق، مرورا بظهور الدين الاسلامي في الجزيرة العربية الذي يعد امتداد لكارزما الشخصية الشرقية بحسب الغرب، و(الروح المطلقة) كما يتبنى طرحها (هيجل)، لذا وبحسب المؤلف ان الاساءة والتشوية هي افعال قصدية، وما حركات الاستشراق من قبل (800) سنة، الا محاولات لإخضاع الشرق، باستهداف الاخر المسلم، عبر ثنائية الشرق والغرب وما انتجته من ثنائيات، (الغرب المتحضر، والشرق البربري) و(الغرب المؤمن، والشرق الكافر) و(والغرب المتنور، والشرق الظلامي)، وما اعقبتها من مرحلة في القرن الحادي عشر ميلادي بفتح كراسي الاستشراق والدراسات الشرقية في الجامعات الغربية بأمر من مجمع الكنائس، توجت بأطروحة (صموئيل هنتنجتون) في كتابه (صِدام الحضارات)، وما يهدف اليه من اعادة النظام العالمي، وما يعتريها من نَفَسٍ تقويضي للآخر المسلم ممثلا بمركزه العربي، أو ترسيخ فكرة اختيار الله للشعب اليهودي، وعدَّ ديانته دين الله الاوحد.

 ان تناولنا لهذا الكتاب بوصفه يناقش الحرية المفرطة في التعامل مع معتقدات الشعوب ورموزها الانسانية، الحرية التي تتنافى الى قدر كبير مع دعوات التنوير الفكري والاعتراف بالآخر بغض النظر عن جنسه او نوعه، التي يحرص على تسويقها، من أجل بلوغ اعلى مراتب الانسانية، نتلمس من خلاله ازدواجية المعايير في الطرح النظري مقارنة بالتطبيق الذي يحرص اغلب دعاة التنوير على الحث عليه، لوقوعهم تحت تأثير الفكر الاحادي الرؤية في تشخيص الاخر، بمرجعيات تاريخية مظللة او استشراقية ملفقة، حرص المؤلف على استحصالها بالمصدر تحقيقا للأمانة العلمية في النقل سواء على مستوى النص أو الفكر.

يتلخص الكتاب في ستة فصول تناول في فصله الاول: (الصورة / الذاكرة/ التشويه/ القصدية)

وفي الفصل الثاني: الاشتغال الثقافي للصورة (حضور الخطاب المهيمن)، وفي الفصل الثالث: الذاكرة وتفعيل الحضور الميتافيزيقي، والفصل الرابع: الفكر الغربي ومرجعيات التشكيل، والفصل الخامس: الاستشراق وقصدية التشويه، والفصل السادس: مرتكزات في قراءة صور الاساءة، وسنحرص على تناول هذه الفصول الست بدراسة يستعرض فيها الساعدي أفكار وتصورات الغرب للإنسان المسلم العربي، والخلفية التي استند عليها الغرب، مفنداً ادعاءاتهم من جهة ومنزهاً شخصية الرسول محمد (ص) مما لفق له من جهة اخرى، مع مراعاة بعض الجوانب التي لا تخفى على القارئ المثقف العربي، ان بعض السلوكيات هي نتاج حراك داخلي بمحركات ومحفزات غربية، عبر اجندة تدعو الى اعادة انتاج اسلام جديد يؤكد انطباع الشعوب الغربية عما تمَّ طرحه عبر ماكنة اعلامية وثقافية هائلة من نموذج مثَّل بالنسبة لهم طبيعة العربي الشهواني القاتل.

  لقد حرص الغرب على تشويه الذاكرة الصورية للعرب وتنشئة المواطن الغربي على تصديق مقولات التشويه، لما تشكله الصورة، من رسم تشكيل على صورة مفاهيم وخبرات في الذهن، ليس من السهل محوها، لأنها نمت بفعل امتهان جميع سبل التشويه سواء على مستوى استحضار محفزات التشويه العرقِي أو السلوكي للآخر، على الرغم مما يعتريها من تلفيق او تدليس، ولهذا اعتمد الغرب تشويه الذاكرة الاصل وابدالها بذاكرة مشوهة، وهذه الذاكرة المحدثة لا تتوقف عند التصورات للأشياء والمواقف والثوابت الانسانية بل تتخطاها الى تشويه الصورة، التي يحاول الغرب ترسيخها تماهيا مع تشويه تاريخ حضارة العرب، برسوم وافلام مسيئة لرمزه الديني والانساني على حد سواء، ليبدو العربي، في عصر ما بعد الحداثة نفسه، ذاك العربي القابع في الصحراء، وللمواطن الغربي الخيار ان اراد التواصل معه حضاريا وفكريا، وان رغب بذلك فانُّه سيصطدم بالعقلية البدائية والبربرية، ان رغب بالمجازفة، فأنه من دون أدنى شكٍّ سيحمل مشعل الفدائية في هدفه التنويري النبيل أو التبشيري المصلح، بعدما أقبل على شعوب العالم الثالث وهو معبأ بتصورات وافكار لا تمت بصلة للعالم المتحضر ممثلا بالغرب ومن التحق بركب حضارته، من الامم الاخرى، اذ انه سيقدم على أمم خارج التوصيف التاريخي لدولة الانسان، حققه النهج الغربي المنظم في تحطيم أواصر التواصل المعرفي مع الاخر العربي وعده ضداً، حرصاً منه على ديمومة الصراع، قصدية انتهجها العقل الغربي، بعدما ادرك ان لا مناص من تحقيق مركزيته على العالم من دون ترسيخ ثقافة تهميش الاخر الضد الحضاري، وأدرك مبكرا بنجاعة الضد (الشرق أوسطي) وبظهور الرسول محمد (ص)، استقرت بوصلة التشويه على الوطن العربي وما شخصية الرسول محمد (ص) الا الهدف الرئيس من ادامة الصراع الحضاري الذي ظاهره صليبي / اسلامي، الا ان باطنه صراع الغرب والعرب، قد لا يدركه البعض للان وقد تستهجنه قاعدة عريضة من جمهور الأمة، لكنها الحقيقة كما تصرح بها تجاذبات الصراع الدائر من حولنا شاء من شاء وأبى من أبى.

 

رحيم زاير الغانم

 

 

نبيل عودةانبهار العالم العربي بما يعرف بشعر المقاومة، اعطى للجنار الشعري ثقافتنا داخل إسرائيل دفعة حماسية غير معهودة فتكاثر الشعر والشعراء، تكاثر ايضا منظمي الكلام تحت تسمية الشعر، فكثر الشعراء وقل الشعر، وقد انتبه محمود درويش آنذاك لهذه الظاهرة وكان محررا لمجلة "الجديد" الثقافية، فكتب افتتاحية هامة بالعدد السادس – عام 1969 بعنوان "أنقذونا من هذا الحب القاسي". ختم مقاله الهام بقوله:" آن الأوان لأن توضع حركتنا الشعرية في مكانها الصحيح، بصفتها جزءا صغيرا من حركة الشعر العربي المعاصر عامة، وذلك يستدعي تخلص الناقد العربي من الخضوع التام لدوافع العطف السياسي وحدها على أصحاب هذه الحركة، فلا يكفي هذا الشعر أن يكتب في إسرائيل. إن وضع الحركة في مكانها الصحيح هو خير طريقة لنموها وتطورها لارتياد آفاق أوسع، خاصة إذا تذكرنا دائما أنها مازالت في المراحل الأولى من الطريق الطويل". للأسف لم تقد صرخته لعقلنة الانفعال العربي بشعرنا الفلسطيني المقاوم، الذي انكشف آنذاك للعالم العربي، وانعكس ذلك الحب العربي سلبا على تطور شعرنا بعد موجة الحب العاصفة لمحمود درويش وزملائه!

كشعب بنيت ثقافته التاريخية على الشعر، ما زال الشعر مزايدة تهدف الى احتلال المكانة في رأس الصف، والحصول على المكانة بالموهبة وقوة الصوت (السنا شعوبا سماعية؟)، وهو مجد ما بعده مجد، وطموح للشهرة اسوة بشعراء المقاومة بعد ان كشف المرحوم الأديب غسان كنفاني لشعرهم وما تبع ذلك من عاصفة اهتمام ثقافية عربية، وعشق محلي للجنار الشعري بطموح الشهرة عربيا، اسوة بشعراء المقاومة، رغم ان الشعر الجيد لم يكن وقفا على الشعراء الأربعة فقط، ومن الواضح ان الاعلام الحزبي الشيوعي لعب دورا مؤثرا في رفع شان عدد قليل وتجاهل أصوات شعرية أخرى لا يمكن الاقلال من مكانتها ومن دورها في تعميق نهج شعر المقاومة أو التحدي السياسي لواقع التمييز والاضطهاد الذي عانى ويعاني منه المواطنون العرب في اسرائيل. منهم شعراء أرسوا هذا النهج وأبدعوا شعرا هاما في تاريخ مسيرتنا الشعرية، منهم على سبيل المثال وليس الحصر: عصام العباسي، حنا أبو حنا، حنا إبراهيم وغيرهم، وكانوا أيضا من أعضاء الحزب الشيوعي لفترات طويلة من نشاطهم. طبعا هناك شعراء آخرين لا يقلون بمستوى شعرهم عن الآخرين، لكنهم إعلاميا كانوا بعيدين عن الاعلام الحزبي الذي اعتمده غسان كنفاني.

                                                  ***

هل بالصدفة أن أهم شعراء وادباء العرب البارزين في العصر الحديث، قضوا جل حياتهم بعيدًا عن بلادهم وعن سلاطين بلادهم حتى لا يطولهم سيافي سلطاتهم بسيوفهم الجاهزة لقطع الرؤوس.

ان وراء شهرة شعر المقاومة، التحدي السياسي لسلطة عنصرية شرسة فرضت قيودا تعسفية عسكرية على الأقلية العربية، وجردت المواطنين العرب من أراضيهم وحقوقهم المختلفة، ودفع أدباء وقادة شعبنا الثمن من حريتهم الشخصية، ولعبوا دورا سياسيا تعبويا ضد السلطة العنصرية، وذاع صيت شعراء شعبنا بمشاركتهم بالمهرجانات السياسية والشعرية المجندة لمقاومة نهج السلطة. ودورهم في تثوير الجماهير العربية إعلاميا وثقافيا، وتعزيز الانتماء العربي داخل إسرائيل للثقافة العربية وللفكر الثوري غير المهادن.

بينما نجد الواقع المختلف تماما في العالم العربي، نجد الشعراء والكثير من المثقفين العرب مشردين في "بلاد الغرب الكافر"، او مقيدون في سجون حكامهم، تلافيا لشرهم على أمن النظام وضمان "حب الجمهور لحكامه"، عدا القيود على النشر.

اليوم تمتلئ صفحات الجرائد والأنترنت بالقصائد والنثريات والخطابات القومية التي تطفح بالاعتزاز العروبي والفلسطيني، مؤكدين بديهية انتمائهم للحضارة العربية الشرقية. أصبحت الوفرة سنة مبادئ حياتهم، ولم تعد مجاهرتهم بدعم النضال الفلسطيني وانتمائهم القومي العروبي، وشتم الصهيونية قبل وبعد الوجبات الدسمة، يجرهم الى المعتقلات او التضييق بأشكاله المختلفة.

فقدت الكلمة قيمتها، أصبحت الوطنية تقاس بعدد الكلمات وضخامة معانيها وطول القصائد الحماسية. أصبح التهريج والصراخ مقياسا للوطنية وصار كل مكتشف لسر صياغة الكلام شاعرا وكاتبا وطنيا.

كان الخرس خيار بعضهم حين كان شعبنا وطليعته النضالية يدفعون ثمنا رهيبا بحريتهم وبلقمة خبزهم. اليوم يريدون اقناعنا بمصداقيتهم الوطنية والشخصية، فابشروا وانشروا لم يعد النشر مخاطرة بالحرية الشخصية. استمعت للكثير من هذا الشعر، الصياغة، القواعد والالمام ببحور الشعر تستحق علامة كاملة، لكن المضامين فارغة وهي مجرد تكرار للشعر المنبري (المهرجاني) من سنوات الستين والسبعين من القرن الماضين، أي الشعر الذي جذب الحب العربي القاسي لشعرنا. كان شعرنا آنذاك حقا شعرا مميزا نتيجة ظروف مميزة وغير عادية اطلاقا، بل غير إنسانية عاشها شعبنا وواجهتها ثقافتنا المتحدية للخنجر باليد العزلاء. لكن المقلق ان هذا الشعر الذي يكرر شعر سنوات الستين والسبعين، بات مملا لا معنى ولا قيمة له، لا ثقافية ولا سياسية، لدرجة أني كتبت مقالا بعد ندوة استمعت فيها لعدد من تلك القصائد ان "خلصونا من هذا الشعر".

 شعراؤنا ومثقفونا ومناضلونا وشبابنا وشيوخنا ونساؤنا ورجالنا لم يهادنوا نظام القمع العنصري حتى في أحلك ايامه على شعبنا وأكثرها سطوة وتعسفا وارهابا. افتخر أني كنت صبيا يافعا بالسابعة عشر من عمري حين فرضت علي الإقامة الجبرية في مدينتي الناصرة، وكنت اسافر للعمل في حيفا بتصريح عسكري اسبوعي محدد بالوقت (صباحا وعصرا) ومحدد   بطريق الوصول لمكان العمل وعنوان مكان العمل وأي تجاوز معناه السجن والعقاب. لذا لم أكمل دراستي للهندسة الميكانيكة في حيفا، قضيت سنتين اتعلم بدون تصريح متهربا من الشرطة، ثم اقترح علي سكرتير الحزب الشيوعي في الناصرة المرحوم غسان حبيب السفر للاتحاد السوفييتي آنذاك لدراسة الفلسفة والاعلام وليس الهندسة كما كنت ارغب، وخسرت عمليا مستقبلي المهني. لأني لم أجد فيما بعد عملا مناسبا، حتى حزبي (فيما بعد جبهة الناصرة) بعد ان سيطر على بلدية الناصرة، اختار آخرين بلا أي معرفة مهنية، إدارية، إعلامية او سياسية، لوظائف مناسبة تماما لقدراتي الإعلامية او التعليمية المهنية، من الذين لهم واسطة او قرابة مؤثرة، أي تغيرت الإدارة ولم يتغير نهج المحسوبيات  الذي انتفضنا ضده، كما جرى معي ثلاث مرات مع بلدية الناصرة الجبهوية، رغم أني كنت وقتها من انشط كوادر الحزب الشيوعي والجبهة، تنظيميا وإعلاميا وانتخابيا كسكرتير لمنظمة الشبيبة الشيوعية وعضو قيادة الحزب الشيوعي والجبهة في الناصرة والإعلامي الوحيد الذي سوق جبهة الناصرة بمقالاته خلال عشرات السنين، أي حتى عام 2014 ، رغم الألم الذي لم يغادرني اطلاقا (لدي كل التفاصيل ولا انشرها احتراما للراحلين).

لا أحبائي لم نصل الى ما نحن به من دمقراطية وحقوق، رغم نقصانها الفاضح، لأن بطلا قوميا ظهر فجأة، وأرعب الصهيونية في عقر دارها. أو لأن العواصم العربية أصبح يحسب لها حساب في صهيون.

حين كان المتنعمون اليوم "يقرفصون" على عصاعيصهم أمام عتبة السلطة العنصرية، كان شعراء المقاومة وادباء ومناضلين صامدين آخرين وكوادر المثقفين والنشطاء السياسيين في فلسطين 48 يصلبون في الزنازين ويشتتوا في السجون والمنافي ويطردون من سلك التعليم وتقيد حرياتهم ويفتقدون للعمل المناسب. اين نحن اليوم من مناضلين لم يرضوا حتى بالصمت، وجاهروا بمواقفهم وطردوا من التعليم ومن العمل، وضيق السلطان مصادر الرزق عليهم، ولم يشتروا رضاء السلطان حتى بكلمة خادعة ؟!

حتى اللغة فقدت قيمتها اليوم، لا أهمية لما تنشر، المهم ان تضبط قواعد اللغة وتملأ صياغاتك بياض الجريدة أو صفحات الكتب، والويل لك إذا ألقى القبض على خطأ لغوي في نصك. مسموح لك ان تخطئ في استقامتك، ان تخطئ في مصداقيتك، ان تخطئ في شرفك، ان تخطئ في وطنيتك، ان تبيع نفسك ببعض الفضة، ببعض الشواقل، ولكن الويل إذا أخطأت بتشكيل آخر الكلمة.

هل الرأي الذي يطرح حين تزول المخاوف، له نفس قيمة الرأي الذي كان يطرح ويتعرض صاحبة لبطش السلطة؟!هل الراي الذي يطرح بتفكير واختيار صعب للمعاني، قيمته نفس قيمة الرأي الذي يقال بدون أي حساب وبدون أي تفكير وبدون ملابسات تعرضك لبطش السلطة؟!

هناك شعراء قتلهم شعرهم، واليوم تقتل التفاهة الشعر، تقتل الأدب الجيد، تقتل المواقف، تقتل العقلانية، تقتل الفكر، تقتل اللغة، تقتل الكرامة الشخصية وتقتل رغبة القراءة لدى القراء. يقول الشاعر محمود درويش: "الشعر هو الذي يعيد الحياة الى اللغة " هذا حق. والكرامة تعيد الحياة الى الأنسان، والصدق يعيد الحياة الى المجتمع البشري، والاستقامة تعيد للنفس البشرية تفاؤلها. نحتاج حقًا الى إعادة تفكير، وإعادة ترتيب بيتنا الثقافي والسياسي، والفصل بين الأدب وبين الضحالة التي اغرقتنا، بين السياسة والتهريج الذي أنزلنا الى القاع، علنا نُعيد للكلمة رونقها وللنص جماليته، وللغة معناها وقيمتها، وللشعر مكانته، وللأدب قيمته التي نفتقدها، وللعقلانية منبرها ومكانتها، وللسياسة احترامها.

امنيات، ولكن تجربتنا علمتنا انه لا شيء مستحيل !!

 

نبيل عودة

 

مجدي ابراهيميَمْتلكُ الإنسان المؤمن المسئول قدرة على الانفتاح على "المبدأ" قدر امتلاكه القدرة على الاعتقاد؛ فلئن كان الاعتقاد ممَّا يمليه الإيمان القلبي، فاعتناق "المبدأ" ممَّا يفرضه لديه التوجُّه العقلي، فهو على الدوام - عبر تاريخه الطويل - يتولى بالرعاية والتقدير مجموعة من المبادئ هى في الأصل "منظومة القيم"؛ التي تشكل وجدانه أو يفرزها عقله ويرعاها ضميره، وأنه لينظر إليها كل حين نظر التقدير والاحترام ما دامت هى التي، في كافة الأحوال، تشكل وجدانه وتحدِّد مساراته وتقوِّم شخصيته الحرة المستقلة؛ إنْ في الاعتقاد القلبي الإيماني، وإنْ في الاعتناق العقلي النظري؛ وسواء كانت هذه القيم ممّا يؤيده الدّين ويقره الشرع، وهنا يكون للاعتقاد القلبي أثره الفعَّال، أو كانت من جنس المبادئ العقلية التي لا يغفل عن الإيمان بها رجل عرف للعقل قيمته.

قد ينفق المرء من مداده - رخص هذا المداد أو غلا - فلا يستطيع أحد كائناً ما كان أن يضع له عنواناً على التقدم المعمول به في الفكر وفي الثقافة على وجه العموم حتى كأننا لم نعدْ قادرين على التكيُّف مع الواقع. فالواقع أشدُّ وقعاً على قهر النفوس والعقول والأفئدة لقبوله كما هو دون تغيير فلا كأننا درسنا، ولا كأننا تعلمنا، ولا كأننا نظرنا وفكرنا ورحنا في كل يوم وفي كل ساعة نقول: إن العلم هو الأساس فانهجوا سبيله تتحقق لكم نهضة الأقوياء العاملين؛ وإن التهذيب والتثقيف هما المقوم الحقيقي الجوهري لبني الإنسان.

حياتنا كلها لغط، منفِّر، أجوف، خربان! وهذه الأوصاف الأربع ( اللغط، المنفِّرُ، الأجوف، الخربان) هى الثمرة التي يتجرَّعها الفرد من الاجتماع والاختلاط. ليست للفردية قيمة مع الجماعة إذا كانت للجماعة قانونها الذي يقيد حرية الفرد فيطغى على كيانه واستقلاله. وليس للإنسان وجود مع أهواء الآخرين ومسايرة آفاتهم وأمراضهم النفسية. ما أجمل أن تكون منعزلاً مستقلاً بعيداً عمَّا يفرضه الآخرون عليك ممَّا لا يلق بالوعي الأدبي؛ فضلاً عمَّا لا يليق بالوعي بالآخرين. إن وعيك بالآخر ليس شرطاً أن يجيء مسايرة له فيما يفعل أو يقول وإنما هو يأتي بمقدار استقلالك عنه والنظر إليه من بعيد حسب اعتقاد الموقف واختيارك له. من بعيد قد ترى الصورة أوضح ممَّا هى عليه فيما لو اقتربت منها؛ إنك لو كنت قريباً منها لرأيت أشباحاً وظلالاً ليست هى ممَّا يمس الحقيقة في شيء، وإصلاح الجماعة إنما يكون في إتاحة الفرصة لذوي الاستقلال أن يمارسوا مهامهم الكاشفة عن عنصر" القيمة" في هذا الوجود. متى يأتي اليوم الذي يمتلك فيه المرء زمام نفسه؟ ومتى تحين "اللحظة" التي ينفرد فيها الإنسان بخالقه؛ ليعرف فتتكشفُ له - بعد المعرفة - سبلُ الحقيقة مجردة عن الزخرفة والرياء، خالصة عن كل ما هو مُبَهْرَج، مُزَركش، كاذب، خدَّاع؟ متى يمتلك الإنسان زمام نفسه فينفرد ليكون متفرِّداً؟ متى يتصل الإنسان فينا بالوعي الأسمى، بحقيقة الإنسانية فيه، ليكون سامياً في نفسه، قبل أن يسمو في نظر الآخرين، وليكتشف حقيقته الأصلية كلما رعي الوعي فيه. لماذا لا نعطي أنفسنا هنا، وهنا فقط، حَقَّها بمقدار ما نطالبها بواجباتها؟

وأول حقوق النفس هنا؛ وهنا فقط؛ أن تواجه الحقائق بمعوان "العقل البصير" والذوق النبيل والتصرف المقبول، وبمقدار مواجهتها للحقائق يكون اتصالها بمعدن القوة في ذاتها وفي طبيعتها، بل وفي وظيفتها المنوطة بها بقاؤها في هذا العالم.

نعم! حياتنا كلها لغط منفر أجوف خربان، وبعد التجارب الحقة إذا بالعلم الذي جعلناه هو الأساس فأردنا أن ننهج سبيله كيما تتحقق لنا نهضة الأقوياء العاملين، يصير هو نفسه المصيبة الكبرى التي يظل الإنسان يقاوم آفاتها وسلبياتها، وإذا بالفكر همُّ طويل، طويل، لا يخرج منه صاحبه إلا على أحوال متصارعة ومتداخلة من البؤس والشقاء والمرض والتعاسة وسوء الحال وقلة الموارد إلا أن يكون صاحبه متحذلقاً "نصَّاباً"، يجيد فنون الحذلقة "والفهلوة" بمقدار ما يجيد فنون التسلق على أكتاف الآخرين.

والجهلاء - أعازك الله من سلاطة الجهلاء! - ينعمون بنعيم الجهل؛ ولكنهم لا يشكون قط مرارة العيش وشظف الحياة! أما العلماء المفكرون المثقفون، فهم على الدوام؛ ناعون أنفسهم للتعاسة، شاكون شظف العيش وقلة الموارد التي تهيئهم أن يكونوا سعداء، وعزاؤهم الوحيد أنهم مهمومون بدرء المفاسد وإصلاح أحوال الأمة التي ينتسبون إليها ويدينون لها بالولاء. ومع ذلك؛ فهم أكثر خلق الله نبذاً من مجتمعاتهم وسلباً لمزاياهم وانتقاصاً لمواهبهم وتقديراتهم.

لقد بلغ السيل فيهم الذُّبَىَ: ماذا عليهم لو أنهم نكّسوا الراية وطووا اللواء؟ إنهم ليقولون مع الفخر الرازي مردِّدين قوله كما كان هو يردده في يأس من الإصلاح:

فأرْوَاحُنَا في وَحْشَة مِنْ جِسُوُمِنا      وَحَاصِل دُنـْيَـــانا أذَى وَوَبـَــــالُ

لمْ نَسْتَفْدْ مِنْ بَحْثِنَا طوُلَ عُـمْرنــــا       سِوَى أنْ جَمَعْنَا فيهِ قِيَل وَقَالوُا

إنه لحديث شريف ذلك الذي تقول كلماته الطاهرة:" لمدادٌ جرت به أقلام العلماء أفضل عند الله من دماء الشهداء في سبيل الله "، فهل يجوز بعد ذلك ألا تكون الكلمة العليا في المجتمع المؤمن برسالة الإسلام، لغير ما خطَّه العلماء بمدادهم الطاهر النبيل؛ كلُّ في مجال اختصاصه؟ ثم من ذا الذي يفترض فيه أن يتبع الآخر: أهل العلم يتبعون الناس أم الناس تتبع العلماء؟ وأيهما أرفع منزلة: العالم أم صاحب المنصب الذي يشوش على العالم سبحانه العلوية وينغِّص عليه حياته المباركة حين يقطع دوماً طرائق تفكيره؟

الواقع الذي تحسَّه الأيدي وتراه الأبصار: هو أن صاحب المنصب هو الذي ترفعه عيون الناس وتقدره نظراتهم، ولا تكون الصدارة في ظل أوضاع المجتمع المقلوبة إلا له، ناهيك عمَّا يتمتع به صاحب المنصب من تطاول على خلق الله واستخفاف بأهل العلم أحياناً كثيرة، ولِمَ لَمْ يستخف صاحب المنصب بأهل العلم وهو نفسه لم يصل إلى منصبه هذا إلا "بالحنجلة" والنفاق والتطبيل والتحايل على العلم وادعائه وهو مُجرَّد عنه ونبذ قيمه الظاهرة والباطنة ومطاردة العلماء الخُلَّص الذين لا يقدِّرون مطلقاً صاحب المنصب الوضيع (أو الرفيع سيان!) لأنهم يعرفون جيداً أنه لم يصل إلى منصبه إلا حين تخلى عن العلم، ولكن الواقع هو أن العلم تخلى عنه قبل أن يتخلى هو عن العلم؛ فإن للعلم أهلاً وجنوداً، وله كرامة مصانة في قلوب العلماء، وله عشائر يخدمونه بشرف البقاء في محرابه صباح مساء. له جنوده البواسل الفدائيون الذين يحرسونه من الباطل والسفيه، فيثبِّت عليهم أقدامه الراسخة في هذا العالم الغريب المأفون.

أما المنصب؛ فزائل لا يسعي إليه إلا الذين فرغت حواشيهم عن المطالب العلمية، فأثرتهم المريسة الإدارية، فصاروا يصدرون أحكامهم على العلماء خاطئة وكاذبة وهوائية، وهم في الواقع أبعد خلق الله عن الاشتغال بالعلم، وبالتالي عن تقدير رجاله.

للعلم رجاله الذين لا يخطئهم بصر الأعشى قبل المبصر، وينبغي لأصحاب المناصب أن يكونوا خُدَّاماً منقادين لهؤلاء العلماء، لا أن يضعوا أمامهم العوائق والعراقيل ويكسروا ما كان تبقى لديهم من عزائم أو يقيدوها بقيود من حديد، لتضيق حياتهم، فيشتغلوا بكل ما هو أدنى وأخس في دنيا كل ما هو فيها في الغالب خسيس ودنيء.

إن للعلم كرامة يعرفها العالم الذي يُحسن المجال الذي نبغ فيه؛ فإذا قابلته في طريقه ألوان المهانات التي يفرضها عليه أصحاب المناصب حقداً أو غيرةً أو حسداً أو كبرياء وجهالة، فقد يعز عليه أن يمضى مُعَافاً في طريق العلم لولا العزلة أو الهجرة، يأخذ نفسه بإحداها إلى حيث تكون وسائل الاحترام والتقدير. أما العزلة؛ فهى عزلة عن المجتمع الذي يعيش فيه، والناس، وانشغاله بعالم غير العالم وحياة غير الحياة، وفي تلك العزلة تكمن رياضة النفس على إبداع الجديد: متعة العالم الذي روَّض نفسه على الانعزال الإرادي لينتج وليبدع جديداً لا يبدعه ولا ينتجه وهو مهموم بشواغل الآخرين.

وأما الهجرة؛ فإلى وطن يرحم شقاءه، ويقدر عناءه، فيكفل له المواطنة الصالحة والتقدير المأمول، ولا عليه بعد ذلك لو فقد العالم المهاجر وطنه الأصلي، وظل حياته يستوطن أوطان الناس كما المتسوِّل على موائد كل لئيم.

مرة أخرى:" لمدادٌ جَرَتْ به أقلام العلماء أفضل عند الله من دماء الشهداء في سبيل الله"، لكن هذا المداد الذي تجري به أقلام العلماء ينبغي أن يعرف وجهته كيف تجري، ووحدة قصده كيف تسير في سبيل الإخلاص لله في الوجهة وفي وحدة القصد. إن صداقة العلماء لأقلامهم أغلى عندهم وأكرم من كل صداقة، وبالتالي فينبغي أن تكون أكثر إخلاصاً في سبيل الله الذي لا يعلو عليه سبيل مقصود؛ فليس هناك أوفى من قلم العالم وأفضل، وليس هناك أحفظ منه للسِّر ولا أكتم، ولا أنهج لخير الطرق ولا أبدع، هو الطريق الوحيد الذي يجيده العالم مخلصاً في علمه وعمله، ويبتغي مع الإخلاص راضياً أن يسير فيه؛ وذلك لأنه الطريق الوحيد الذي تبدو فيه الصداقة الحقة بغير زيف ولا بهتان وبغير نفاق ولا تطبيل؛ ففي القلم أبدع آيات التواصل المجيد بين عقل وعقل، وبين فؤاد وفؤاد، وفيه كذلك آيات المجد النافع وقناعات الصداقة الباقية الدائمة؛ فإذا تمَّ الحفاظ عليه، فقد تمَّت بالضرورة مصادر الثقة بكل ما هو نافع وخالد وجميل.

وعليه؛ فإذا لم تنقشع تلك الغمَّة ويسود في المجتمع نوع من الوعي والاهتمام بعقول الأمة التي ترغب في المشاركة، وتجد لديها القدرة على توجيه العقول إلى ما ينفع ويفيد؛ فلن يكون هناك إصلاح حقيقي نابع من ذوات هذه الأرض التي أرضعت أبناءها من ضرع الطين المصري الخالص الأصيل.

لا شك أن إصلاح هذا الواقع الذي تعيشه أمتنا العربية بضروبه المتناقضة حُلمٌ كبير يحتاج إلى جهاد طويل. والجهاد شأن عظيم من شئون الروح والضمير، ففيما لا يكون الجهادُ، والواقع الذي نعيشه يزخر بضروب التناقضات: الأخلاقية، والدينية، والمفارقات السياسية. فأما (الأولى) الأخلاقية: فالهيكلُ النظري غالبُ عليها، وما أبعدُ الفاعلية التطبيقية عن الواقع العملي حين يزعم لك الزاعمون أنهم يتحدثون في مجال الأخلاق.

وأما (الثانية) الدينية: فالسلوك فيها شيء لا يدلُ على الاعتقاد. والعمل الواجب تأديته غير القول الذي قيل للناس يهدفُ إلى البر، ولا عليه -  من جهة أخرى - إنْ جاء حظ النفس من مطالب البر والتقوى والسلامة والصلاح في غفلة النسيان.

وأما (الثالثة) السياسية: فقد لخصتها فطرة الشاعر العربي حين قال:

ونشربُ إنْ أردنا الماء صبواً       ويشرب غيرنا كدَراً وطيناً

فهذا هو بالضبط ما ينطبق على المفارقات السياسية في العلاقات الخارجية بين الدول. هنالك دول (= أنظمة) تنادي بأعلى صوت، بالحرية، والديمقراطية، والمواطنة، والتسامح، والأمن، والأمان، والعقلانية، والانتماء، والتعاون، والشـرعية الدولية، والسلام، والتعايش السلمي، وتحاول تطبيق هذه الأفكار الكبرى على شعوبها، أو مع الدول التي تتكافأ معها قوة وجنساً وعدة وعتاداً، حتى إذا ما خرجت تلك المفاهيم الكبرى إلى ميدان التعامل مع الشعوب العربية، تغيَّرت وأصبحت استبداداً وقهراً وظلماً وعَسَفَاً وغطرسة وعنفاً وحرباً ودماراً؛ فإذا المفاهيم مقلوبة، والكيل الذي هو بمكيالين لا يسري إلا على الدول العربية والإسلامية، وإذا بقول الشاعر حقيقية ليس فيها مجاز !

هذا الواقع المشحون بضروب المتناقضات والمفارقات .. كيف نواجهه؟ وما السلاح الذي نمتلكه ليساعدنا في فهم هذا الواقع ومحاولة إصلاحه؟ إننا نمتلك أسلحة كثيرة، لكنها مفقودة رغم وجودها الظاهر في الحياة عموماً، بل وفي سائر الحيوات التي نعيشها بأسلحة مزعومة؛ الأمر الذي يدعو المرء إلى كثير الأسف حين يجد في حياته الثقافية مثلاً أوضاعاً مقلوبة بمقدار ما يجد هذه الأوضاع المقلوبة تتواجد في غير الحياة الثقافية: اجتماعية كانت أو سياسية. أقول؛ يأسف المرء - كل الأسف - حين يرى الأوضاع المقلوبة سارية في أصلاب هذه الحيوات، ويشتدُ أسفه حيناً بعد حين عندما يشهد الفوضى والتخبط، ثم لا يقوى من دخائله على تعميم فريضة الإصلاح، ونقلها من إطار النظر إلى مستوى العمل؛ فليس أمامه - من بعدُ - إلا الاستسلام للقيود التي تَغِلّه صباح مساء، وتكتفي بالأغلال ولكنها تطالبه أن ينساق وراءها كما تساق السائمة!

وربما كانت تلك القيود قيوداً غير مفروضة عليه .. ربما، بل هى قيود داخلية قبل أن تكون قيوداً خارجية، مردَّها إلى تكبيل العقل وتقييد الضمير وامتناع الحركة عن الانطلاق الحر وفقدان الثقة الباطنة في شعور العاطفة الدينية وسيادتها في أرجاء هذا العالم الحيران. وعليه؛ فكل ما يقابله من صدود وقيود من هذه الجهة إنما هو صدود داخلية وقيود ذاتية لا يقوى على تغييرها في نفسه، ولا هو بقادر على كسر أغلالها في باطنه.

ومن عجيب الملاحظات؛ إنك ترى فئات المفترض فيها أن تقول الحق في غير بطلان، وأن تتوخى الصدق والهداية في كل حال، لكنها في أغلب الأحيان، إنْ لم يكن في كلها، لا تقول - إنْ هى قالت - غير الباطل ولا تجاهر إلا بالبهتان، لكأنما عيشها على "النفاق" هو كل الغاية من الحياة لديها. وأسلوبها الذي تسير عليه هو الأسلوب الذي لا تمتلك على الإطلاق أسلوباً غيره ترتفع به زاعمة، راغمة، إلى دنيا الإصلاح، إنْ في مجال الفكر، وإنْ في دنيا الواقع والتطبيق؛ فلا جَرَمَ أن ما يصدر عنها من كلمات وعبارات أو أفكار وآراء، هو خواء في هواء: تضييع للوقت والجهد بمقدار ما فيه تضييع للقيمة من ورائهما؛ لأنه في الحق عبارة عن فراغ كهذا الفراغ الذي يحيط بنا، فلا نرى بعده نهاية كلما نظرنا إلى السماء أو توجَّهنا بأبصارنا شاخصين نحو ما يحيطنا من فراغات الوجود.

السلاح الذي تمتلكه هذه الفئات هو بلا شك من ضمن أسلحة كثيرة نمتلكها موجودة غير مفقودة، وبمقدار ما هى موجودة لا تجد لها صدى على ضروب الحياة التي ينبغي أن نملي عليها - قادرين لا عاجزين -  فروض التغيير. هل هذا يعدُّ تقدُّماً تسير فيه دعوة المتقدِّمين إلى فروض التغيير؟ أم هو التخلف بعينه: التخلف النفسي والقلبي والمعنوي؛ فالذي لا يملك نفسه ولا قلبه ولا شئونه المعنوية والروحيّة هو يضربٌ بمعول هدم في جذور وجوده فتنهار كل القيم لديه من حيث يشعر أو لا يشعر.

هنالك أقلام شريفة تجاهد، وتسعى إلى الجهاد بطريقة أو بأخرى، صادقة في الوصول إلى الحقيقة الباطنة من وراء الزَّرْكشَات الفارغة والمظاهر الكاذبة، لكنها مع ذلك ينتابها الأسى من عراقيل تثبط الهمم، غير أنها على الدوام تؤمن بما هو أأمن لها من طريق الجهاد. وما دام الجهاد شأناً عظيماً من شئون الروح، فهو أدعى إلى بذل النفس في سبيله؛ وذلك هو "الإخلاص" الذي أشارت إليه حكمة مأثورة للإمام "محمد عبده" حيث قال:" الدليلٌ على صدق الإنسان فيما يدّعيه من "الإخلاص" أن يبذل من نفسه في سبيله؛ فإن لم يبذل فهو كاذب. ومهما يبلغ الإنسان، ولم يُظهر هذا المحك إخلاصه فهو غير مخلص"؛ لكأنما الإخلاص الذي يريده الأستاذ الإمام هو خيريَّة الصدق في العمل، والدأب على تحصيله، فلو كان صادقاً لكان مخلصاً، ولو كان مخلصاً لكان خيِّراً فيما يقوله وفيما يعمله.

واكتشاف "محك الإخلاص" هذا، والدأب على تحصيله مرة ثانية، لهو التقدُّم الروحي والنفسي والخلقي المرتهن بوعي"الذات الفردية" تجاه ذاتها أولاً ثم تجاه ذوات الآخرين .. ماذا عَسَاهَا تفعل، وماذا عَسَاهَا تترك؟ وإلى مَنْ تتوجه بما تفعل أو بما تترك؟

إن اكتشاف "محك الإخلاص" هذا لهو الرضى كل الرضى بالفعل أو بالترك، لا لشيء إلا لأجل جلال المُبتَغَى وجمال التوجُّه، ولا يتأتَّى الإخلاص عموماً بغير بذل النفس في سبيل الإخلاص كما قال الإمام عليُّ بن أبي طالب، رضوان الله عليه:

" خيرُ العَمل مَا أكرهت نفسك عليه"

هذا هو السلاح المفقود الذي نحتاجه أكثر مما نحتاج إلى غيره من أسلحة ظاهرة الوجود غير أنها في حقيقتها مفقودة: أن نكره أنفسنا في جميع الأحوال على العمل الخيّر.

إنّ وَلاءَنَا للتفكير المادي هو بلا شك سبب الكوارث الأخلاقية، والخصومات السياسية بين الأمم والشعوب، وهو كذلك سببٌ قويُّ من أسباب ضعف الوطنية والتنافس الغبي بين المواطنين على نهب خيرات الوطن، وسرقة أموال الفقراء والمحتاجين. وليس أشنع في تصوِّر العقلاء الصادقين مع أنفسهم، من أن تنقلب القشور والمظاهر، والسطحيات، والتفاهات، والأعراض الزائلة دون الجواهر الباقية، والغباوات الآدمية ... تنقلب كلها إلى "حقائق" يصدقها الأعمى والمُبصر والكاذب والصادق، وذكي العقل وبليده على حد سواء.

ليس بالإمكان مطلقاً أن تجيء "الكماليات" أولى عندنا بالعناية والرعاية من "الأساسيات"، ولا أن تكون حقيقة الإنسان الأصلية مؤخَّرة عمَّا يُقدِّمه الإنسان نفسه من تقدّم في المادة واستخدام لها، أو من إبداع فيها وتطور معها، ولا يصح أن تكون استطاعته وإرادته أولى بالرعاية من حقيقته الباطنة في جوفه، فإذا لم تكن هذه الحقيقة موطن تقدُّم وإصلاح ورفعة فلا تنتظر منه أن يقدم شيئاً ذا بال في مظاهر المادة ووسائل الواقع الذي يعيشه بحواسه الظاهرة عيش العجماوات!

يمكن للإنسان أن يستغني عن كثير من مظاهر "التمدن المادي"، ولكنه لا يستغني بحال عن المدنية الروحيّة والتقدم الفكري؛ فليس أخطر على المرء من أن يتصور أن التقدم المادي وحده كفيل بإلغاء كل تقدّم في الأخلاق، وكل تطور في الحياة الروحيّة التي من شأنها أن تفرض التسامح، وتلغي في الغالب نزعات التعصب، وتقلع من الأساس جذور التطرف، وتزيل الكراهية بين القلوب والعقول.

وإنه لمن العجب العاجب، أن ترى أناساً من بيننا اليوم يسوؤهم أن يجدوا مَنْ يدعو في عصرنا هذا، إلى مثل هذه القيم، لكأنهم يعتبرونها اليوم قيماً ساقطة بمقدار ما يَعدُّونها دعوة إلى التخلف والرجعية؛ إنما واقع هذا العصر نفسه يشي بالنقيض، ويشير من أقرب دلالة إلى أن السقوط هو فيما يبدو ظاهراً فيما يصيب الإنسان من غفلة عن حقيقته الأصلية: من انفصام داخلي وتجزئ باطني وافتقار إلى معرفة التوحيد من جرَّاء مثل هذه الانتكاسة الشعورية بين ما يعتقد في الباطن من قيم ومبادئ ويسلك في الظاهر كل ما يناقضها. هذه هى "جرثومة التخلف" الذي يمليه اليوم ولاء الفرد المعاصر للتفكير المادي.

تلك هى جرثومة التّخلف وليس فيما سواه؛ فالمتخلفون حقيقةً لا مجازاً هم الذين يقلبون الحقائق لتكون فوضى بغير قانون يحكمها أو ناموس تسير عليه: كلِّ يُدْلي بدلوه فيها على هواه، ويقلبون "القيم" لتجيء قيَمَهُم الساقطة وحدها هى الحاكمة - هذا إذا صَحَّ أن تكون القيمة ساقطة وحاكمة في نفس الوقت! - ولكن هذا هو الواقع الصحيح المشهود اليوم.  ولم تكن القيم الروحيّة أبداً في زمن من الأزمان ولا في عصر من العصور مدعاة للتخلف والرجعية، ولم تكن الدعوة إليها كذلك تعدُّ دعوة متخلفة إلا أن يكون المراد بالتخلف هو تخلف الإنسان عن حقيقته الأصلية، وعن مسائل مسيره ومصيره، فلا يدرك - من ثمَّ - على الحقيقة سوى ما تراه عيناه وتلمسه يداه ممّا عساه لا ينفذ بالمطلق وراء المحسوس الملموس.

أعودُ فأقول؛ إنّ التقدم المادي وحده، وأخصُّ بالذكر التقدم العلمي منه، لا يرشدنا في كل الأحوال إلى السعادة المنشودة؛ فهو إذا كان لا يتناقض مع الأخلاق، غير أنه لا يعطينا تصوُّراً واضحاً نتقوَّى به إلى معرفة القيم الخلقية ثم سلوك هذه القيم سلوكاً طيّباً يرضى عنه الله، بل بالعكس قد يكون عائقاً أمام التقدّم الخُلقي فيما تشهده اليوم أنظار المشاهدين لصفحات الفيسبوك والتواصل الاجتماعي التي خربت عقول الكثير من الشباب وغير الشباب، وأضاعت أوقاتهم وأعمارهم أكثر مما أفادتهم؛ فالشئون الروحيّة هى عمل القدرة الإلهية، والكشوفات العلمية هى عمل القدرة الإنسانية المحدودة. والإنسان لا يسعد نفسه بنفسه سعادة الأبد الدائمة إلا إذا أتكئ على قدرة الله الذي خلقه؛ ولا يزال مفتقراً إلى هذه القدرة ما دامت فيه أنفاس الوجود. وقديماً قال الفيلسوف الفرنسي "ديكارت" أبو الفلسفة الحديثة:" إن أولئك الذين منحهم الله عقولاً، لامناص لهم من أن يستعملوها في السعي الدائب إلى معرفة الله تعالى، وإلى معرفة أنفسهم ...".

ولك إنْ شئت أن تتأمل مثل هذه الكلمات الديكارتية البسيطة العميقة في آن؛ لترى الدلالة فيها تُوحي بأمرين: الأمر الأول؛ إنّ سلاحين أساسيين نفتقدهما في مواجهة الواقع الكدر المظلم الذي تعيشه أمتنا العربية، فلا بدَّ من استرجاع ما فقد واستعادة ما سُلب: أحدهما سلاح "النور العقلي". والآخر سلاح "النور القلبي".

الأول: يمنحنا قدرة الانفتاح على "المبدأ"؛ والمبدأ هنا هو العقل. والثاني: يهبنا الهداية الإيمانية، وكلاهما يعبِّران بالضرورة عن وعي الإنسان الهادف بحقيقته الأصلية.

والأمر الثاني: إنّ نوراً فطرياً مغروزاً للعقل في أعماقه، يصل الإنسان بمقتضاه، فيما لو عرف كيف يستخدم هذا النور، إلى معرفة الحقيقة التي هو عليها في نفسه، تماماً كما يصل بمقتضى هذا النور الباطني، فيما لو أحسن استخدامه، إلى معرفة الله تعالى.

والمعرفتان على السواء: معرفة النفس، ومعرفة الله؛ هما "اليقين" الذي لو أنطفأ معه نور العقل ما يصح له من بعد ذاك وجود، ولصارت معارف الإنسان كلها أهواء شائبة، ومظالم بينة، وأوهاماً متبعة، لا نورانية فيها ولا ضياء يهدي سواء السبيل.

 

د. مجدي إبراهيم

 

 

محمدـحسينـ الداغستانيليس بقصد التكرار الإشارة الى إعلان الأمم المتحدة الخاص بحقوق الأشخاص المنتمين إلى (أقليات) دينية أو أثنية أو لغوية.. والذي يتحدث عن مسؤولية الدول عن صون الهويات الخاصة ضمن إطار التنوع الثقافي المكون للنسيج الوطني ما يقتضي حمايتهم والمحافظة على حقهم في الوجود وفق منظومتهم الثقافية، لكنه من باب التأكيد على أهمية العمل الدؤوب من أجل تفعيل الأنشطة والمبادرات التي شهدها العراق في فترات زمنية متقطعة حول موضوعة توفير الفرص اللازمة أمام (الأقليات) للتعبير عن نفسها في واقع وجودها الجغرافي والمجتمعي دون تعسف أو ابتزاز أو اختلاق عمليات إرهابية تطالها بين آونة وأخرى لكتم تطلعاتها المشروعة أو التشكيك بانتمائها الوطني !

 والواقع أنه لا يجب أن تكون التعددية القومية أو الدينية سبباً في التناحر والتهميش والظلم الاجتماعي بين المكونات، فليس هناك أوطان كثيرة تتسم بقومياتها المتجانسة أي أنها تضم شعباً واحدا أو تضم أقلية ضئيلة العدد مثل اليابان والبرتغال وحتى بريطانيا التي تضم أكثرية إنجليزية وأقليات اسكتلندية وويلزية وإيرلندية، أو سويسرا التي تضم أربعة شعوب وهكذا، فبلدان العالم الأخرى تعج بالقوميات والأديان والطوائف لكنها في أغلبها لا تعاني مما نعاني نحن منه في بلادنا .

العصبية الدينية أو القومية

 ففي العراق وللأسف الشديد وطيلة الأعوام التي أعقبت العام 2003 لا تزال العصبية الدينية أو القومية تمارس دورها السلبي على حياة المواطن وقد تجاوز عدد ضحايا العمليات العسكرية والعنف الأهلي والإحتراب الطائفي بسبب هذا المسلك منذ ذلك الحين أكثر من مليون ونصف مليون عراقي وفق إحصائيات صادرة عن مؤسسات دولية محايدة تؤكد أن العراق فقد حوالي 3% من نسبة سكانه. فضلاً عن مغادرة الملايين لجغرافيتهم التأريخية بحثاَ عن ملاذٍ آمن في مخيمات متهالكة أو ملاجئ مغلقة أوأبنية تفتقر الى أبسط مقومات الحياة الكريمة .

 لقد أدركت القوى الاجتماعية الفاعلة في كثير من البلدان خطورة هذا العامل على تماسك مجتمعاتها، وتفتيت نسيجها الوطني فنظمت الكثير من الفعاليات الفكرية والجمعية الهادفة الى التحذير من الوقوع في هذا المنزلق الخطير، ومنها مؤتمر الأزهر المنعقد في نهاية شباط الماضي في القاهرة حيث شدد في إعلانه على تلاقي المسلمين والمسيحين على جملة من المعطيات، منها المسؤولية الوطنية المشتركة بين الجميع على أساس المواطنة ورفض إستخدام مصطلح (الأقليات) الذي يعني التمييز، وتوزع الولاءات، ومشروعية التبعية للمخططات الخارجية.

 وعلى الرغم من أن الدستور العراقي لم ينص على توزيع السلطة وفقاً للمكونات القومية أو الدينية لكن الممارسات الفعلية تتتناقض مع هذا المفهوم و تنعكس بشكل حاد على واقع المناهج الدراسية بمختلف المراحل الدراسية في العراق أيضاََ فلا تكاد تمر دورة إنتخابية جديدة، أو عند تغيير وزيرٍ للتربية أو للتعليم العالي دون أن يبادر الى إجراء تغييرات جزئية أو جذرية على بعض الكتب والمناهج لكي تتوافق مع إرادة الأغلبية البرلمانية أو الوزارة ذاتها، مما يؤدي الى تحميل موازنة الدولة كلفاََ مالية طائلة، وتلقي على كاهل الطلبة وأولياء أمورهم أعباءً جديدة فضلاً عن أن التغييرعادة يستهدف تغييب دور مكونات معينة في المسيرة التنموية والحضارية للبلاد أو التقليل من شأنها على حساب مكونات معينة اخرى تهيمن على مقاليد السلطة في البلاد .

قواعد ومعايير

 لقد تطرقت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "يونسكو" - التي تتولى مسؤولية وضع القواعد والمعايير ودعم الجهود لضمان إمتثال الكتب المدرسية للمعايير المعتمدة في شتى المجالات بما فيها التمييز والتحيز وحقوق الانسان والاحترام المتبادل - في تقاريرها الى واقع قطاع التعليم العراقي المؤسف، ففي حين كان يعد من الأكثر تطوراً بين الدول العربية خلال الثمانينات من القرن الماضي، نجدهُ اليوم وبعد أقل من ثلاثة قرون من الحروب المتواصلة والظروف السياسية المتقلبة والوضع الأمني المستمر في التدهور، يعاني من ضعف بنيوي وخلل نوعي خطير.

 ولكارثية إنعكاسات واقع تغيير المناهج الدراسية السلبي على الاجيال والمجتمعات فقد بادر المختصون في بلادنا عبر العديد من الفعاليات الى المطالبة بتحقيق العدالة والإنصاف وإحترام الآخر من خلال تضمين المناهج قضايا ذات العلاقة بالطيف العراقي والنوع الإجتماعي، وهذا ما تناولته بالتفصيل الورشة التي عقدها تحالف الأقليات العراقية في اربيل في نيسان 2012 وكذلك ندوة كلية الإعلام في جامعة بغداد المعنونة (إدخال قضايا الأقليات في المقررات الدراسية لكليات الإعلام في العراق) نهاية شهر كانون الأول من العام الماضي بمشاركة مهمة من المختصين والباحثين وممثلين عن كليات وأقسام الجامعات العراقية منطلقة من حقيقة إعتبار العراق (فسيفساء من الطوائف والأديان والقوميات والعرقيات والاثنيات مما يستوجب ذلك تثقيف الأجيال بهذا الطيف الذي أنجبه العراق منذ وجود الإنسان على أرضه) .

 لاشك أن الإلتفات الى أهمية وضرورة تفعيل مقاصد إقرار حصة عادلة عن العادات والتقاليد والتطلعات المشروعة ضمن الوطن الواحد لكل المكونات الوطنية وتأريخها على الأرض العراقية ومساهماتها في حضارة وادي الرافدين وبناء الدولة العراقية الحديثة في المناهج الدراسية للمراحل كافة وخاصة للمواد (اللغة العربية والتأريخ والجغرافية والتربية الوطنية) ستوفر أرضية صلبة أمام المواطن عامة والنشئ الجديد بالخاصة في التعامل بيسر مع التحديات السياسية و الإجتماعية التي تعصف بإستقرارنا ومستقبل بلادنا وترسخ القيم الإنسانية الرفيعة بإعتبارها المكونات الأصلية للوطن .

 إن تطوير المناهج الدراسية عبر التأكيد على سمات المكونات القومية والدينية للعراقيين فيها وحث طلبة المدارس وتنظيم زيارات لا صفية مبرمجة لهم إلى المتاحف والمواقع الاثارية الحضارية هي الوسيلة المثلى بإتجاه توحيد جميع المكونات في بودقة واحدة تحرص على التواصل مع تأريخه المشرق، وتحتكم للقانون وتلجأ الى الدولة التي هي صاحبة الشأن في أي مجتمع ديمقراطي رصين، وتقود الى بناء هوية وطنية مشتركة .

 

محمد حسين الداغستاني

 كركوك

 

1069 الوجودأفكر طويلا ولم اتردد لحظة، للإدلاء برأيي، حول كتاب مهم إلا وهو (الوجودية الجديدة عند كولن ولسن) للدكتور سليم عكيش، آخر المغادرين لحقل الفلسفة الأكاديمية المملة والقاتلة ببرودها، واحد المدافعين عن حق التفلسف في زمن اازيف.. حزنت لأنه غادر حقل الأحلام الفلسفية وانتهى إلى يقين احسده عليه .

هو يؤمن بأن الفلسفة، لا بد أن تحل في عمل معين أو سلوك أو فكرة عملية.

ولسني .. مولع حد الغيرة بمدني صالح، حتى اقارب بينهم باطروحته بلمسة كاتب محترف.. فقرا الاثنين بروح فلسفية تنهي الجدل بين الوجودية والتصوف، على اعتبار أنهما يسعيان إلى حقيقة الوجود الذاتي.

فهاله أمر الوجودية، وهو يفكر دوما بمنطق الوجودية الحيوي الذي لا يعير أهمية، سوى المعطى اليومي، وهم الحياة وقلق الوجود الملتف على نحره العدم، فاثر على نفسه أن يصوب سهام شغفه المنتمي إلى حقل اللامنتمي وسيرة العباقرة المهمشين أمثال كولن ولسن والذي بحسب رأيه، حاول أن يؤسس للوجودية اسسا جديدة، تنير له دربه بكشف المجهول الإنساني الذي سيطرت عليه النظرة الميكانيكية والتي بدورها أعطت للإرادة الإنسانية اجازة طويلة الأمد كما يصرح كولن ولسن في سقوط الحضارة.

انشغل ولسن بتحليل المشكلة ورموزها الثقافية، أدباء وشعراء وفنانون وفلاسفة ...الخ مثل هنري بارباس الفرنسي ورواية الجحيم والإنكليزي ويلز ورواية بلاد العميان والعقل في حدود الاحتمال وسارتر في الغثيان وكافكا في المسخ وهسة وهمنغواي الخ .. بل إنه درس اللامنتمي في التجربة الحية، مثلا عند لورنس العرب وفان كوخ ونجنسكي الراقص الروسي، والذين فشلوا في إدراكهم النفسي لطبيعة وقيمة حياتهم ووجودهم، لذا انتهت حياتهم بالجنون أو الموت وكلها علامة على فشل في الإدراك، لرؤية صوفية تخرجهم من ياسهم إلى تحقيق معنى حقيقة الوجود أو إدراكهم لذاتهم ..ولا يفوتني وقفته من رؤيا دوستويفسكي واختياره لما يسميه ولسن للتطرف الوجودي ..

أن كولن ولسن لامنتمي رومانسي تحكمه رؤية صوفية متفائلة فهو يعرف انه كائن منفصل عن واقعه المريض ويحاول أن يعي وجوده القاصر عبر الانتماء له وقهره في ممارسة وجودية حية تعزز الذات ومكانتها والقصدية تحرك الوعي والإرادة للنهوض بادراكه لوجوده ولوعيه الرؤيا، التي هي كشف صوفي ينهي سطوة الإدراك الموضوعي وينعش الإدراك الذاتي .

فالرؤيا تعزز الارادة ويصح العكس، المهم لا نكرر تلك الرؤى، بل الاستفادة من تعاليمهم ونظام حياتهم ..

ولا ينسى الباحث أن يذكر نماذج اعتمدها ولسن في هذا الشأن مثلا جورج غورداييف ونيتشه وغيرهم من الذين نبهوا إلى أهمية الجسد والإرادة والعاطفة لقهر اللامعنى وتحقيق التوازن النفسي.

أزمة اللامنتمي هي أزمة حضارية، اللامنتمي بطل الحضارة، وعرض من أعراضها المريضة كما يرى ولسن .اي أن القلة اللامنتمية هي من تبلغ بالمجتمع السعادة لأنها تمثل الوجود الحر والروح النقية للإنسان الحق، ولا تخلو هذه النظرة من نخبوية ومركزية عانى منها،، خطاب ولسن الذي هو، بحاجة إلى مناقشة ليس هنا محل ذكرها..

فهذه الأزمة دفعته التأثر باشبنجلر وتوينبي وبرناردشو،، ليجد حلا وجوديا ينهي بؤس المصير الغربي فردا وحضارة ..

كتاب الوجودية الجديدة، التفاته ذكية إلى منبع مهم في الكتابة الغير مألوفه، إلا وهو كيفية تجديد خطاب الوجودية على يد رموز اللامنتمي.. النوابغ، الذين انفصل كل منهم عن مجتمعه المريض، بسبب روحه الوقادة وحسه الناقد لروح عصره ومجتمعه وحضارته وقيمه،،

يعشق الانطواء الوجودي اذا صح القول فهو ولسني حد النخاع لا يرضى بالانتماء المميت، فقرر أن يجرب تجربة كشف الذات أو كما يسميها كولن ولسن، الإدراك النفسي، التي تهديه بالتالي لوضع حل لمشكلة وجوده المعدم لاسيما في بلد لا يغار على وجوده الأصيل!

الكتاب تغلفه لغة الأدب وأسلوب المتصوفة في كشف الحقيقة وفضح الزيف الذي يتجلى بروح شعرية وافق فلسفي طموح ينوي قتل اليأس وإحباط فلسفات التشاؤم عند هيدجر وسارتر،،،

فولسن لامنتمي رومانسي. يهوى تحقيق وعيه ووجوده الحق، عبر الاستفادة من نماذج الاغتراب الوجودي الواقعية والتي حضرت سرديتها في نصوص أدبية لديسكوفسكي وكافكا ولورنس النوابغ اللامنتمية، لحضارة مريضة والتي تغفل حريات الأفراد الروحية.

ما يرغب به اللامنتمي ان يحكم وجود المنتمون للحضارة المريضة والتي سادت بها رؤية قاتلة الوجود الحي . لكن اللامنتمي بفعله هذا إلا يؤدي بالتالي إلى خلق انتماء جديد إلى لا انتمائه؟.. سؤال مهم ينبغي الالتفات إليه، وسط دعوى الشمري إلى خطاب جديد، ربما يبقى همه الشاعري الحالم تحقيق الحلم الافلاطوني بترأس الفيلسوف، لكن هنا ترأس الوجودي الجديد، بملامح ولسن وتجربته الساعية إلى تشكيل نموذج نابغة يحكم أسوار المدن الصناعية الاستهلاكية ليعيد ترتيب القيمة الروحية .وليظهر دين أخلاقي يعلي من أمر الحرية والحياة المنتمية إلى حقل اللامنتمي..

يحتل هوسرل ووايتهيد مركزية مهمة في خطاب الوجودية الجديدة التي استفادت من قصدية هوسرل والوعي عند وايتهيد، ناقما وناقدا لكل أنصار الرومانسية الوجودية الضحلة عند أبرز روادها هيدجر وسارتر وياسبرز وآخرون، يقوده طموح نحو بلورة وجودية جديدة تأتي بعد اعمال العقل النقدي لكل التراث الوجودي عند أغلب روادها وفضح بنية خطابهم التشاؤمي.. أضف إلى ذلك أهمال فكرة القصدية الهوسرلية (هوسرل) عبر علائقية الوعي والاستجابة الرمزية والوعي المزدوج وكيفية عمل ميكانيكا التكرار المهلكة لهوية الكائن، كلها تجتمع في ثنايا خطاب وجودي صوفي يستلهم (الجشتالت) لفهم سيكولوجية الإنسان ووجوده وكشف حقيقة العالم وازمة معناه وتلاشي جوهره في عصر ثقافة الاستهلاك والوجود الزائف المسيطر..

 

قاسم جمعة