جواد بشارةشكل الزمن لغزاً كبيراً ومحيراً لدى الكثير من رجال الدين والفلاسفة فالجميع كان يبحث في طبيعة الزمن وماهيته وأصله واتجاهه وتدفقه. وكانت المسألة الأساسية هي معرفة ما إذا كان الزمن هو خلفية مطلقة وثابتة للأحداث الكونية دون أن تؤثر الأحداث وتعاقبها على الزمن نفسه، باعتباره مستقلاً عنها وكأن له كينونة مستقلة. أو أن الزمن ليس سوى مفهوم ثانوي أو مجرد تعبير لغوي ناجم عن الوعي البشري يمكن حرفه عن العمليات الفيزيائية، ما يعني أن هذا الوعاء يتأثر بالأحداث. فلو تبنينا الوصف الأول للزمن يمكن لنا أن نتحدث عن عملية " خلق الزمن الفيزيائي" ومناقشة مسألة الزمن. والحال إن الحديث عن أحداث سابقة لخلق الكون وما يمكن أن يحدث " بعد اختفائه، لن يكون له معنى. فالزمن في هذه الحالة مفهوم يتعالى على الواقع، ليس له بداية ولا نهاية قابلة للتصور. وهذا الطرح ينتمي للمفهوم الأفلاطوني عن الحقائق الأبدية أو الخطوط والمخططات المسيرة التي يستقي منها الواقع الزمني خصائصه. من هنا نجد أن هذا " الزمن" يتمتع بصفات تنسب عادة للكينونة الإلهية . أما المفهوم الثاني فهو مفهوم أرسطوطاليسي، ينتمي لكتابات فلاسفة الطبيعة الإسلاميين واستلهمها القديس أوغسطين وفيلون الاسكندراني وقالا بأن الزمن ولد مع ولادة الكون ولم يكن موجوداً قبل ظهور الكون لأن التفكير بذلك يكون عبثي بقدر عبثية التفكير بمفهوم الــ "قبل " لأنه ذريعة أو حجة أو تبرير سكولائي قروسطي للالتفاف على صعوبة وغموض الألغاز المتعلقة بإشكاليات ماقبل خلق العالم والنشاط الرباني قبل وخلال تلك الفترة، إذ أن تلك المفاهيم تعتبر عامل الزمن بمثابة ظاهرة منحولة ومزاحة وترتبط عضوياً بخصائص الكون وبالتالي فإن بداية الزمن هي اللحظة التي ظهرت فيها ثوابت وقوانين الطبيعة من العدم في حالة من الاتقان القصوى، فآرسطو يعتبر المكان محدود في حين لايعدو الزمن أن يكون سوى " رقم" في حالة حركة وبالتالي فهو لامحدود، أي بإمكاننا دائماً أن نزيد ونظيف عليه وحدة قياسية للدرجة أو المستوى الذي بلغه الزمن، خاصة وإن آرسطو يعتقد أن حركة الأجرام السماوية أبدية وفق تعريفه لمفهوم الحركة، فالزمن بالنسبة له هو أحد خصائص الحركة . لا يجب أن ننسى أننا نقيس الزمن بالساعات اليدوية أو الجدارية وهي مصنوعة من المادة التي تخضع لقوانين الطبيعة. ونستخدم الحركات النظامية المنتظمة سواء دورات الأرض أو الكواكب وذبذبات رقاص الساعة وغيرها والتي تؤشر مرور الوقت . فلايمكننا إضفاء أي معنى للزمن خارج الأدوات والعمليات التي تقيسه أي تبني وجهة نظر عملياتية يعرف فيها الزمن من خلال طريقة قياسه. في حين أن هناك إمكانية لتحديد الزمن من خلال حركة الأشياء . في المفهوم الأول نعرف بالضبط أين نتواجد وإن الزمن ثابت لايتغير فهو نفسه في كل الأحوال والأوقات، اليوم والأمس ودائماً، في حين أن الفرضية الثانية أو المفهوم الثاني للزمن تظهر تعاريف جديد ومفاهيم جديدة للزمن من شأنها أن تلغي مفهوم الزمن التقليدي، إذ أن المضمون المادي للكون يعيق على نحو متنوع، طبيعته، وبالتالي، في كون يتوسع ويتمدد، ويتغير باستمرار، يمكن للمفهوم العملياتي للزمن أن ينطوي على مفهوم حاذق وماكر ومتقن ومتنوع أو متغير.

يقودنا ذلك إلى إمعان النظر في طبيعة الزمن وماهيته مرة أخرى، ومحاولة إدراك واستيعاب مفهوم المكان والزمن المطلقين، والنسبيين، أو الزمكان المطلق والزمكان النسبي. لم يغفل إسحق نيوتن عن معضلة الزمن . فصورة زمن " مطلق" ومتسامي غير مقيد بالأحداث الكونية، لانهائي وثابت، يشكل أسس الوصف النيوتني للعالم. فعندما نعرف المعادلات التي تدير التحولات الزمكانية للعالم، عندها يمكننا تحديد كيفية وقوع الحوادث المستقبلية، إنطلاقاً من الظروف البدئية.

الفهم الجديد للزمكان الآينشتيني، الذي حل بديلاً عن المكان والزمن النيوتني، قلب على عقب موقفنا من الشروط والظروف البدئية الأساسية الأولية للنشأة الكونية، وإمكانية وجود بداية للكون. وبفعل الجمع بين بنية الزمكان والمادة، فإن كل " فرادة" في المحتوى المادي للزمكان( على سبيل المثال، الكثافة اللانهائية للمادة التي تتجلى في المفهوم ألتقليدي للبغ بانغ الانفجار العظيم) تشير إلى أن هذا الزمكان بلغ أوجه. وبات علينا أن نتعاطى مع " فرادات" للزمن والمكان، بدلاً من " فرادات" في الزمان والمكان . بمعنى أن " الزمكان" الذي اقترحه آينشتين يغطي الكون المرئي برمته، على عكس النظرية النيوتنية عن المكان والزمان المنفصلين والتي تصف وجود الأجسام والأشياء في مشهد ثابت لفضاء أو مكان خارجي . وتبعاً لذلك فإن " فرادات" النسبية العامة تمثل خواص أو خصائص الكون المرئي بمجمله، وليس فقط موقع معين منه، وفي لحظة زمنية من تاريخه.

فلو درسنا الكون المرئي المتوسع والمتمدد حسب هذا الوصف الآينشتيني ونعرض ماضيه وتاريخه السابق فمن الممكن اعتباره ناجم عن " فرادة" وهذا الاستنتاج يثبت أن للكون المرئي بداية وعمر محدد. إن هذه الخاتمة الاستنتاجية، كأي حدس منطقي، تنجم عن عدد من الفرضيات التي تحتاج إلى فحصها وتدقيقها بعناية. إحدى تلك الافتراضات تقول أن " الثقالة " دائماً جاذبة . وإن نظريات الجسيمات الأولية المعاصرة تدرس عدد من أنواع الجسيمات المختلفة، وأشكال متعددة للمادة، والتي لم يتم بعد التحقق من صحة هذه الفرضية حيالها. والحال إن نموذج " الكون التضخمي univers inflationnaire مبني على مطلب أن تكون تلك الفرضية غير صحيحة ففي هذه الحالة فقط إن فترة التوسع التضخمي الهائل القصيرة وما شابها من تسارع، هي التي تتجلى، وبالتالي فإننا بتفادينا للفرادة يمكننا التخلي عن مفهوم بداية للزمن لكن ذلك لا يعفينا من التفكير وتحديد الشروط الأساسية والظروف الأولية البدئية التأسيسية في لحظة ما من الماضي، لو تعين علينا أن نختار كوننا المرئي الحالي إنطلاقاً من تعدد لانهائي من العوالم الممكنة الناجمة كلها عن " فرادات خاصة بكل واحد منها "، وحتى في حالة وجود " الفرادة" فعلينا أن نأخذ بالاعتبار أنها تختلف من عالم لآخر فهناك أنواع متعددة ومختلفة من الفرادات . فتحديد خصائص تلك الفرادة يعتبر من الشروط الأولية الأساسية التي يجب الإشارة إليها بحدود فضاءنا وزمننا في الكون المرئي.

عود على بدء:

هل نستطيع فصل الزمن عن عناصر الكون التكوينية الأخرى؟ ولو كان ذلك ممكناً فبماذا نفسر عمر الكون الذي يقدر حالياً بــ 13.8 مليار سنة ؟ فنحن نتأمل في هذا الأمر الذي نسميه " الزمن" دون أن نعرف على وجه الدقة أي نوع من الكينونات هو. هل هو جوهر؟ هل لديه وجود فيزيائي ملموس، سائل أو هلامي أو أي حالة أخرى؟ هل هو وهم أم حقيقة فيزيائية؟ أم هو مجرد نتاج لحالة سيكولوجية، أم بنية مجتمعية؟ هل هو ثمرة لــ اللاشعور أو اللاوعي، أم مفهوم ثقافي أم جانب من جوانب السيرورة الطبيعية؟

من يستطيع أن يؤكد، إنطلاقاً من معرفة يقينية، أن الزمن وعاء يحتوي وقوع الأحداث وتعاقبها، أم بالعكس هو نتاج وقوع تلك الأحداث؟ هل يتوقف الزمن إذا " لم يحدث أي شيء في الكون، أو لا يتغير أي شيء موجود؟ أم إن الزمن مستمر في مروره وتدفقه حتى لو لم يحدث أي شيء في الكون؟ وهل هناك إيقاع ثابت للتدفق الزمني أم يمكن أن يحدث تسارع زمني على غرار التسارع المكاني في حالة التوسع والتمدد؟ وهل يمكننا أن نعتبر الزمن حقلاً من حقول العلم ومجال تخصصي علمي كما هو حال الفضاء أو المكان الهندسي؟ كيف يبدو الزمن للإنسان العادي؟ هل هو كما تصفه لغتنا اليومية أو كما نعتقد أننا ندركه ونفهمه ونعيشه، أو كما يفرض الزمن نفسه علينا حاملاً الموت والنهاية النسبية لكل واحد منا في أفقه ؟ هناك ثلاث فئات من البشر ممن تصدوا للإجابة على مثل هذه التساؤلات. العلماء والفلاسفة ورجال الدين. فقد استحوذ الزمن على لباب واهتمام الفلاسفة منذ العصور القديمة إلى يوم الناس هذا، ومن هؤلاء آرسطو، والقديس أوغسطين، وكانط، و هوسرل، وبيرغسون، وهيديغر الخ، ممن وضع أسس التفكير والتحليل والتعريف للزمن ومفارقته، بيد أن الإكتفاء بما قدمه الفلاسفة بخصوص الزمن من نصوص ومقاربات لا يحل مشكلة ومعضلة ومفارقات الزمن، خاصة وإن الفلاسفة ليسوا متفقين حول مفهوم الزمن وماهيته وطبيعته، فلكل واحد منهم مفهومه وفهمه الخاص . بعضهم لديه خطاب يجعل من الزمن مجرد مبدأ للتغيير، أو مغلف لايتغير لأي تعاقب في الأحداث الخ، البعض الآخر يعتبره كينونة فيزيائية مستقلة، أو مجرد منتج للوعي والشعور البشري. البعض يعتبر الزمن مجرد نظام لــ " ما قبل وما بعد "، دون الإشارة للحاضر، و لا حتى لوعي المراقب بل و لا حتى حضوره، الشيء الوحيد الموجود حسب منطقهم هو العلاقات الزمنية القائمة بين الأحداث وبذلك يبدو الزمن بمثابة نظام للتعاقب يستخدم التسلسل الزمني الموضوعي على نحو نهائي وقطعي. فيما يعتبره البعض الآخر الزمن مجرد " معبر" للحظة معينة إلى لحظة أخرى أي الناقل من الحاضر للماضي ومن المستقبل للحاضر. أي تعاقب موضوعي للأحداث، وربما لن يكون فقد مجرد تسلسل زمني فقط بل ديناميكية لا تتوقف يكون محركها الشعور الذاتي. فالعلماء حددوا زمنياً عمر الكون بــ 13.8 مليار سنة وإن الكرة الأرضية تشكلت قبل 4.45 مليار سنة وإن ظهور الكائن البشري عل سطح الأرض يعود إلى 2 أو 3 مليون سنة ما يعني أن الكون كان موجوداً بدون أن يكون بحاجة لوجود البشر على الأرض ومستقلاً عنهم وبالتالي فهو ليس بحاجة لوجودهم لكي يوجد خاصة وإن هناك فرضيات بخصوص وجود كائنات بشرية أو غير بشرية أخرى عاقلة ومتطورة منتشرة في أرجاء الكون ومنها ما هو قديم جداً يعود تاريخ ظهور إلى بضعة مليارات من السنين. فالأوميون ظهروا على كوكب أومو قبل البشر بخمسة ملايين سنة . تطلب الأمر كما قال الشاعر بول فاليري " عملية تنظيف للموقف اللفظي أو الكلامي، والتحول إلى لغة أخرى تتعاطى مع الزمن وهي لغة الرياضيات والفيزياء أي لغة العلم وأول من قام بذلك هو إسحق نيوتن الذي أدخل عامل الزمن في معادلاته الرياضياتية سنة 1687 وأصبح يعرف بالمتغير t في معادلات الديناميكية وأعطاه سمة " الزمن" ويقصد هنا به " الزمن الفيزيائي" وليس الزمن النفسي أو الفلسفي أو اللغوي أو الديني. وهو نفس المفهوم العلمي الذي قصده آينشتين في صيغته المعروفة بإسم ّ الزمكان l’espace-temps" وما علينا سوى إضفاء خصائص فيزيائية لهذا المصطلح الذي نحته آينشتين واعتبار زمن الفيزيائيين هو الزمن الحقيقي وأكثر أصالة من باقي المفاهيم الزمنية الأخرى والأكثر اتصالاً وارتباطاً بالواقع الفيزيائي للعالم. وعلينا أن نفهم معنى تدفق ومسار الزمن وسهم الزمن أو اتجاهه وقابلية عكس الزمن وتحوله إلى مكان، وحقيقة الزمن خارج الأفق الكوني وفي الثقوب السوداء والثقوب الدودية، وذلك في الحلقة القادمة.

 

يتبع

د. جواد بشارة

 

حسن العاصيالهزائم التي تمنى بها الأحزاب اليسارية والاشتراكية الأوروبية، تدفع للتساؤل مرة أخرى عن درجة عمق الأزمة التي تعانيها هذه الأحزاب سياسياً وتنظيمياً، والجفاف الذي أصاب افكارها وعلاقتها مع الناس، بعد أن فقدت توهجها ونفوذها في عصرها الذهبي خلال الستينيات حنى نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، وتستوجب التوقف أمام أوضاع اليسار بصورة عامة في عصر تصاعد القوى اليمينية واتساع رقعة الأفكار العنصرية المتطرفة في أوروبا. 

في عصر غاب عن المشهد الشخصيات اليسارية التي تمتع بالحضور والمهارة والبلاغة، والمقدرة على خوض المعارك السياسية. بل أن بعض قادة اليسار الأوروبي أصبح يتبنى بعض الأفكار والمواقف اليمينية التي كان يحاربها في الأمس القريب. في وقت تفرض فيه الأحزاب والجماعات اليمينية هيمنتها على المشهد السياسي والانتخابي في مختلف بقاع القارة الأوروبية، ويسعون لترويض الناخب بواسطة القوة الناعمة وإحضاره إلى صناديق الاقتراع.

أدرك هذا اليمين الأوروبي مبكراً طبيعة التحولات والتغيرات التي تحصل في المجتمعات، وأن سمة العصر هي الاستهلاك والفردية واندثار القيم التضامنية بين البشر، عصر الثورة الرقمية والتطور الهائل في وسائل الاتصال، والشركات العملاقة، والمؤسسات الإعلامية المرعبة. مجتمع فيه كل واحد يسعى للحفاظ على مصالحه الخاصة.

أمام جميع هذه التحولات السريعة والكبيرة وشديدة التأثير والمتواصلة، فقدت ليس فقط الأحزاب اليسارية والاشتراكية الأوروبية البوصلة، بل يشمل هذا التحليل اليسار العربي وأحزابه وجماعاته، الذين يلهثون خلف تسارع الأحداث، بحثاً عن الحقائق في السراب والأوهام التي تسببها الأيديولوجيا والأفكار التي لم تتجدد، والمفاهيم والمعايير التي لا تصلح للعصر الحالي، وحالهم كحال المستجير من الرمضاء بالنار، وهو ما يعلل هزائمهم المتكررة.

الأسئلة الحرجة

يسعى هذا المقال إلى طرح الأسئلة النظرية حول مفاهيم اليسار العربي والأوروبي، وعلاقته بالحرية، وكيف يكون المرء يسارياً في الزمن المعاصر؟ وهل هناك يسار تحرري ويسار ستاليني جائر؟ ما هي علاقة اليسار بالحرية؟ هل يستطيع اليسار في الوقت الراهن تغيير الواقع، وتقديم أجوبة على أسئلة الجماهير؟

لا أدعي امتلاك الحقيقة، لكنني أتمنى أن أساهم في فتح النوافذ المغلقة، في محاولة تلمس صياغة الأسئلة الحرجة المركبة، وهي مهمة صعبة وشاقة. قد لا يتفق معي بعض اليساريين، لكن رهاني أن يجدوا ما يدفعهم للقراءة والتفكير والنقد والتفاعل والحوار، وهذا غاية ما أسعى إليه هنا.

عوضاً عن إجراء المقاربات والمراجعات الفكرية والسياسية الحقيقية لتجربتهم الشيوعية ودورهم وواقعهم الراهن، ينبري غالبية اليساريين العرب للرد المتشنج غير الموضوعي، على أي نقد لهم ويكيلون الاتهامات المرتبطة بالانحرافات الفكرية والتروتسكية، ومحاباة الرأسمالية الغربية.

 ليست لدى هؤلاء رغبة في التوقف ورؤية ما يجري في الكون من تحولات غيرت الكثير في ملامح هذا العالم على كافة المستويات. كل ما يفعلونه هو خطاب تبريري قاصر عن ملاحظة أن لا أحد سواهم ما زال يطالب بتحقيق الاشتراكية بمفهومها الماركسي، ولا أحد غيرهم يرغب في القضاء على الامبريالية المتوحشة عبر إقامة "ديكتاتورية البروليتاريا" التي لم تعد موجودة غير في الكتب الحمراء.

الامتحان الشاق

طويت صفحة الحرب العالمية الثانية العام 1945 بانتصار الولايات المتحدة الأمريكية التي بسطت نفوذها على دول غرب أوروبا، فيما روسيا الستالينية سيطرت على أوروبا الشرقية. وانتصرت الثورة الصينية العام 1949، وتبلورت القوى اليسارية في أوروبا الغربية وانتعشت بفعل إسهامها في مقاومة النازية والفاشية، وتأثرت بهذه التطورات حركات التحرر الوطني في الدول النامية، التي تحالفت فيما بعد مع الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي لتحقيق استقلالها السياسي.

استمرت التجربة الماركسية بوجود الاتحاد السوفيتي ومنظومة المعسكر الشرقي الذي ضم دول شرق أوروبا لغاية العام 1991، ثم جاءت مرحلة الانهيار السريع والتفكك إلى دويلات انفصلت عن الاتحاد، وبذلك انتهت مرحلة الحرب الباردة مع الولايات المتحدة والغرب.

إن كانت مادية ماركس التاريخية تقوم على صراع النقيضين الذي يؤسس لتقدم التاريخ، هي مادية صحيحة، فإن نهاية الصراع بين الرأسمالية والاشتراكية، وانتصار الديمقراطية الليبرالية وهزيمة المشروع الماركسي، يعني أننا في مرحلة نهاية التاريخ، ونهاية صراع الطبقات، وأن المرحلة المقبلة سوف تكون صراع الثقافات كما يذكر منظر صراع الحضارات المفكر الأمريكي "صامويل هنتغتون".

أم أن نظرية ماركس الاقتصادية صمدت بعد أفول شمس الاشتراكية، وهو الذي اعتبر أن السوق الرأسمالية لا تضبط نفسها تلقائيًّا، بل تُنتج بفعل تناقضاتها الداخلية أزمات دورية تؤدي إلى انهيارها. فهل هذا ما حصل في الأزمة الاقتصادية المالية العام 2008؟

حسناً، ماذا لو أجرينا مقاربة بين ما يجري في العالم العربي في هذه المرحلة، من تناقضات وتناحر وصراعات بين الجماهير والأنظمة، بين شرائح وطبقات اجتماعية فيما بينها، وبين ما جرى في الحالة الأوروبية خلال فترة تحولها من الإقطاع الزراعي نحو الثورة الصناعية، فماذا ستكون نتيجة هذه المقاربة، وإلى أية استخلاصات تصل بنا؟ إن اتبعنا المنهج الماركسي والذي يعتبره الشيوعيين الصيغة الأرقى في دراسة التحولات الثورية، فإن حالة الصراع بين نقيضين واضحة جلية في الحالة العربية. إذن ما الذي يفسر وقوف معظم الشيوعيين واليساريين العرب في وجه الجماهير، وانحيازهم للأنظمة. ألا يعني هذا أنهم يقفون في وجه التطور؟

هل كان ماركس المفكر والفيلسوف والثوري مخطئاً في نظرية المادية التاريخية التي تقوم على صراع بين نقيضين وهو ما يؤدي إلى تطور وتقدم التاريخ، أم أن معظم اليساريين العرب الفاشلين العاجزين المنافقين اختاروا أن يكونوا خارج التاريخ؟

الأزمة المبكرة

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عمد ستالين إلى ترسيخ نظام قيصري أبوي قمعي يرتكز على الولاء الشخصي وعبادة الفرد في روسيا المنهكة من الحرب. وتسبب انتصار الجيش الأحمر في دول وسط وشرق أوروبا إلى تعزيز سلطة الشيوعيين. وأدت عمليات التطهير التي جرت وطالت الأحزاب غير الشيوعية إلى اضطرابات كبيرة، ظهرت بداية في برلين العام 1953، ثم في بولندا العام 1956 وتم معالجتها بصورة سلمية. ثم في نفس العام واجهت موسكو تحدياً تمثل في الثورة المجرية، حيث تم تشكيل مجالس عمالية مستقلة عن سيطرة روسيا بعد إضرابات عامة واحتجاجات شهدتها المدن المجرية، لكن موسكو تعاملت مع هذه الأزمة بطريقة مختلفة، حيث تم قمع وسحق الانتفاضة بالقوة العسكرية والاعتقالات والإعدامات.

 أدت هذه الأحداث إلى انشقاق مثقفين شيوعين في أوروبا عن أحزابهم وعن توقف عدد من الأحزاب الشيوعية في العالم أمام هذا الحدث، نتيجة خسارتهم لبعض عضويتهم، لكن اليساريين العرب كان الولاء لديهم ضريراَ بحيث لم يتوقفوا عند هذه الأحداث. ولم تستوقفهم جرائم ستالين التي جرى نقاشها في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي العام 1956 أي بعد ثلاث سنوات على وفاة ستالين، حين ندّد "نيكيتا خروتشوف" الأمين العام للحزب بعبادة شخصية ستالين، وأساليبه الديكتاتورية التي جعلت منه طاغوتاً، حيث أقدم على إعدام ونفي مئات الآلاف من معارضيه، وتم الإعلان عن القطيعة مع الستالينية، لكن مع ذلك استمر الشيوعيين العرب في دفاعهم عن مواقف وأفكار ستالين.

ولم يتغير الوضع نسبياً إلا مع اشتداد الصراع الناعم السوفيتي الصيني في ستينيات القرن العشرين، لا سيما خلال المرحلة التي قادها كل من الزعيمين "نيكيتا خروتشوف" في روسيا و"ماو تسي تونغ" في الصين، حيث انتهت الأحادية القطبية، والمرجعية النظرية للحركة الشيوعية العالمية، وصار بالإمكان فتح أبواب السجالات والنقاشات والحوارات الفلسفية والنظرية فيما يتعلق بالفكر الشيوعي برمته، داخل الأحزاب الشيوعية أو فيما بينها. وهو ما أسهم في انتعاش الفكر الماركسي النقدي الغربي، الذي تحرر من سطوة الأحزاب الشيوعية وخطابها الحجري.

ظهور ماريشال البيروقراطية

تم عزل خروتشوف عن زعامة الحزب الشيوعي السوفيتي ورئاسة الدولة في واحد من تجليات الأزمة الداخلية المتصاعدة التي كان يعيشها الحزب، وصعد ماريشال الاتحاد السوفيتي البيروقراطي "ليونيد بريجنيف" لقيادة الحزب.

كانت أزمة الحزب الشيوعي السوفيتي واضحة ومع ذلك استمر اليساريين العرب في التنظير الذي يفيد أن الاتحاد السوفيتي كان حينذاك في مرحلة الانتقال من طور الاشتراكية إلى الشيوعية!. ولم يكن أحداً غيرهم يعتقد ذلك حتى أعضاء الحزب الشيوعي السوفيتي. كما واصل اليسار العربي نشر النظرية البائسة حول مقدرة الدول النامية – ومن ضمنها الدول العربية- على التطور غير الرأسمالي، بواسطة دعم البرجوازية الصغيرة الراديكالية، وهي غالباً تعني دعم الانقلابات العسكرية في العالم العربي.

لقد قضى قيام جيوش حلف وارسو بسحق انتفاضة براغ العام 1968، على كل أمل للإصلاح داخل الحزب الشيوعي السوفيتي وداخل مؤسسات الدولة، وأدى هذا الفعل إلى اعتراضات من عدة أحزاب شيوعية أوروبية، لكن الولاء المطلق لموسكو أبداه اليساريين العرب وأحزابهم، وبعض القوى الشيوعية في دول العالم النامي. وما زال للآن الكثير من غلاة اليساريين العرب يعتبر أن أي نقد للأرثوذكسية السوفيتية يعود إلى واحدة من اثنتين، إما مؤامرة امبريالية، وان صدقت النوايا فهو مرض المراهقة اليسارية. حتى الثورة الثقافية في الصين نظر لها اليساريين العرب على أنها إجراء وقائي من خطر الرأسمالية. ومن المفارقات أن صعود "دنغ شياو بينغ" بعد وفاة ماو تسي تونغ في العام 1978 شكل انعطاف حاسم في توجه الصين نحو الرأسمالية في ثمانينيات القرن الماضي، وهي التي جعلت الصين على ماهي عليه الآن.

ومع كل التطورات وتصاعد الأزمات الداخلية في الحركة الشيوعية العالمية في السبعينيات، لم يرغب أحد في التوقف والتقييم. لقد كان معظم الأحزاب الشيوعية العربية مصابة بعمى عقائدي حال دون أن تدرك أن ميزان القوى العالمي يشير إلى انحسار الأيديولوجية الماركسية وتحولها من كونها أداة التغيير الثوري، إلى حالة من البيروقراطية وعبادة الفرد الزعيم منذ منتصف السبعينيات.

وحين انهار جدار برلين العام 1989 وسقطت الأنظمة الاشتراكية، تسابقت شعوب دول أوروبا الشرقية التي كانت تحكمها أنظمة يسارية، إلى تبني الرأسمالية والاستمتاع ببعض منافعها، واقتنعت شعوب أوروبا الغربية أن النظام الرأسمالي مهما كان سيئاً فهو أفضل من جنة الاشتراكية.

ماذا حل بالشيوعيين العرب

في مرحلة ما بعد انهيار المعسكر الشرقي، بعض اليساريين العرب تمسك بشيوعيته مسروراً، ومعظمهم ارتد إلى الأفكار القومية المتطرفة أو الدينية المتشددة، والقلة اليسيرة منهم تبنوا الليبرالية المدنية الغائمة المائعة الملتبسة. أما اليساري الكلاسيكي فهو منكفئ عن الجميع، يتأمل حائراً في عزلته هذا الواقع العربي بأبعاده المختلفة، التي لا يجد هذا اليساري في الكتب التي قرأها ما يكفي لفهم وتحليل الارتدادات الطاحنة للمتغيرات المهمة التي يشهدها هذا الواقع خلال العقدين الأخيرين.

فخلال السنوات الثلاثين التي أعقبت انتهاء الحرب العالمية الثانية، كان اليساريين العرب مؤمنين أن تحقيق الانتصار على الرأسمالية مسألة وقت، وأن الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية في الدول الغربية قادرة على تحجيم الرأسمالية ثم تفتيتها.

ولم يدرك اليساريين العرب كما غيرهم أن الفكر اليساري كان يعاني من أزمة عميقة المنشأ، متشعبة وشائكة، اشتدت حدتها بعد سقوط النظام الاشتراكي، وهيمنة الأيديولوجية الليبرالية الحديثة على العالم.

لا يمكن ليساري حقيقي، الإنكار أن الأزمة المركبة التي أصابت الاتحاد السوفيتي وبقية دول المنظومة الاشتراكية، وانتقلت عدواها إلى الأحزاب الشيوعية في بقية أنحاء العالم بما في ذلك الأحزاب العربية، كانت أزمة عميقة وجادة وخطيرة في البنية والقيادة والتطبيق والأدوات والنقل وسفر النظرية وتصدير الثورة والعلاقة بين الاتحاد السوفيتي وبقية دول المنظومة، وبينه وبين الأحزاب اليسارية، وبينه وبين الحزب الشيوعي الصيني. لكن أولوية التصدي للرأسمالية الاستعمارية وتغولها في أماكن مختلفة من العالم، والتأييد غير المشروط للحزب الشيوعي الروسي ومواقفه ورؤيته للصراع في العالم، أعاق اليساريين العرب عن التوقف لحظة والتقاط الأنفاس، وإجراء نقد عميق وحقيقي للتجربة ومقاربتها وتحليل نتائجها، والجواب على السؤال المركزي فيما إن كانت الاشتراكية والنظرية الماركسية تتوافق مع الواقع العربي بكافة أبعاد مشهده المعقد الشائك والمتداخل الذي يختلط فيه الدين بالأعراف، والجهل بالعالم، والأساطير بالحقائق، ويتسم بالسكينة وغير معتاد على أفكار تأتي من خارج موروثه الثقافي، ولا تساءل اليساريين العرب إن كانت الاشتراكية تنسجم مع غاية نضالهم وأهدافهم التي يسعون لتحقيقها، ولم يمنحوا أنفسهم فرصة الاطلاع على الأفكار والأدبيات اليسارية المخالفة للرؤية الشيوعية الروسية. وإن ظهرت بعض المقاربات السطحية حول البيروقراطية الستالينية على سبيل الذكر، والتنديد بجرائمه بحق المعارضين. ومر البعض على الأدبيات التروتسكية مروراً، والبعض كان أكثر جرأة في التناول النقدي للتجربة اللينينية ومجمل أحداث الثورة البلشفية. ومما أسهم أيضاً في إحجام اليساريين العرب عن المضي بعيداً في نقد التجربة الروسية، هي شبكة العلاقات الرفاقية التي كانت تجمعهم مع الشيوعيين في العالم أفراداً وأحزاباً ومؤسسات ونقابات.

انحسار اليسار الأوروبي

في القارة الأوروبية معقل الرأسمالية والبروليتاريا، تواجه الأحزاب اليسارية خطر الاندثار، حيث كانت المنافسة تاريخياً في الدول الأوروبية الغربية بين الأحزاب اليمينية الوسطية، وأحزاب اليسار الوسط، وهي أحزاب ديمقراطية اجتماعية، ولكن تغير الحال خلال السنوات الأخيرة، إذ تكبدت هذه الأحزاب خسائر انتخابية كبيرة لصالح الأحزاب اليمينية المتطرفة، في عدد من الدول الأوروبية وأبرزها في فرنسا وهولندا وألمانيا وإيطاليا والمجر وسلوفينيا والنمسا والسويد والدانمرك.

كثيرة هي الأسباب التي أدت إلى تراجع اليسار في أوروبا، لعل أهمها اختفاء الطبقة العاملة بصورتها التقليدية، والأثر الذي خلفه انهيار الاتحاد السوفيتي على مجمل الأحزاب اليسارية العالمية، والانقسامات الداخلية في هذه الأحزاب نتيجة الخلافات على قضايا غالباً غير مبررة، وغياب الشخصيات القيادية التي تتمتع بالكاريزما عن الأحزاب اليسارية، ثم أن العديد من تلك الأحزاب تحول تدريجياً خلال العقدين المنصرمين من اليسار إلى الوسط، وهناك أيضاً الأثر الذي تركته العولمة والنظام العالمي الحديث بعد الثورة الرقمية، النظام الذي كسب أنصاراً له على حساب الأيديولوجيات ومفهوم العدالة الاجتماعية. ومن الأسباب المهمة أيضاً لتراجع الأحزاب اليسارية الأوروبية، تمدد الأفكار اليمينية في المجتمعات واتساعها، وقدرتها على اكتساب المزيد من المؤيدين، الذين استطاعت القوى اليمينية المتشددة من استقطابهم عبر دغدغة مشاعرهم القومية، واستغلال الوضع الاقتصادي السيء في عدد من الدول الأوروبية، ثم ظهر خلال السنوات الأخيرة عامل جديد مرتبط بالموقف من الهجرة ومن اللاجئين في هذه الدول، إذ أن عدد الناخبون الأوروبيون الذين يعارضون الهجرة في ازدياد، وهؤلاء لا يعتقدون أن اليسار قادر على وقف الهجرة أو الحد منها.

ولا تستطيع الأحزاب اليسارية الأوروبية أن تجري تغييراً جذرياً في خطابها ومواقفها، وبات من الواضح أنها لا تمتلك الجرأة -للآن- على نسخ وتبني الوصفات والمقاربات القومية المتشددة لليمين العنصري، لأن من شأن هذا لو حصل، أن يكون له آثار اقتصادية على المجتمع، وفيه تناقض صارخ مع قيم العدالة الاجتماعية، وسوف يؤدي إلى سقوط أخلاقي تام لهذه الأحزاب.

يسار جديد

منذ سقوط الاتحاد السوفيتي وكثير من المفكرين اليساريين طرح قضية "يسار جديد"، فهل نحن فعلاً بحاجة إلى يسار جديد، وما الذي فعله اليسار القديم حتى نراهن على آخر جديد؟

بظني أن الناس كانت وماتزال تخوض صراعها للحصول على حقوقها بدون حاجتها لليسار، فالناس قبل الشيوعية كانوا يدافعون عن مصالحهم وهويتهم وحقوقهم، وسوف يظلون هكذا بعد انهيار الاشتراكية. ناهيك عن أن لا أحد الآن في هذا العالم يفكر ويناضل من أجل استبدال النظام الرأسمالي بأخر اشتراكي، ثم أن الكثير من القضايا المطلبية التي تناضل من أجلها اليوم الهيئات والمنظمات والجماعات، لا تحتاج مطلقاً أن يكون الإنسان خبيراً بالمادية الديالكتيكية.

من جانب آخر يلاحظ اندثار المعاني الكونية الأممية للفكر اليساري، الذي كان يجعل الناس في أفريقيا وأمريكا الجنوبية وآسيا وأوروبا شركاء في الصراع ويتضامنون فيما بينهم. جميع الصراعات في الوقت الراهن تأخذ طابع المحلية، وتكون مقتصرة على قضايا محددة، ليس لأن القضايا الكبرى التي آمن بها اليساريين وغيرهم من المفكرين والمثقفين لم يعد لها وجود، إنما لم يعد هناك صراعاً يمكن قياسه بلغة اليسار الماركسي، واختلطت مسببات وغايات الصراع وتعقدت، بحيث أنك أصبحت تتحالف مع أحد يساري على قضية ما، ثم تتصارع معه على قضية أخرى، إذ لم يعد هناك معيار مرجعي.

في العالم العربي لم يعد لليسار أي دور في المشهد السياسي الذي تسيطر عليه قوى سياسية فاعلة شديدة التأثير في المشهد من خارج أطر الدولة، وهي التي تحدد هوية الصراع، مثل الشركات العملاقة عابرة القارات متعددة الجنسيات، والمنظمات المدنية الأممية، وكذلك القوى وجماعات الإسلام السياسي. وفي مجتمعات تتسم بالتعدد القومي والعرقي والطائفي والمذهبي يصبح الفكر اليساري أشبه ما يكون بقبعة أكثر منه انتماء وأيديولوجيا، حيث يُقدم عليه العديد من أبناء الأقليات العرقية العربية لارتدائه كدرع واق في مواجهة الأغلبية التي يجمعها عرق ودين ومذهب واحد.

آمن ماركس بأن مهمة الفلسفة تغيير العالم، لكن الفكر اليساري لم يعد صالحاً لرؤية العالم ولا فهمه وشرحه ولا تغييره، وأصبح الفكر الماركسي بمثابة موروث نضالي وقيمة ثورية يتم الاحتفاظ بها في صندوق نعود إليه حين يغلبنا الحنين.

لم يعد الصراع السياسي بظني بين اليسار واليمين، ولم يعد التمييز قائماً وواضحاً بين اليمين واليسار كما كان أيام الثورة الفرنسية، فاليوم نرى أصحاب فكر يساري وأصحاب فكر يميني يجتمعون على مواقف عديدة في هذا العالم.

قيادة معصومة

لا زال اليسار العربي -أحزاباً وأفراداً- عاجزاً عن القيام بمقاربات نقدية حقيقية لتجربته، وللتجربة الشيوعية التي انهارت في موطنها، فيما يظهر اليساريين العرب أشبه باللاهوتيين في مقاربتهم للماركسية ولبعض الأفكار التي لم تعد ترتبط بواقع الناس في ظل التغييرات والتحولات العالمية، ولا يزال هذا اليسار متخبطاً حائراً، دون مقدرة على صياغة مشروعه السياسي في ظروف تاريخية عاصفة هائجة تموج في البحر العربي، وتهدد حاضر ومستقبل المنطقة وشعوبها.

البعض من المفكرين الماركسيين أشاروا بوضوح إلى المأزق الذي وصل له الفكر الماركسي في مرحلة ما قبل انهيار الاتحاد السوفيتي، حيث أصيب بالجمود نتيجة قناعة الماركسيين بأن الفلسفة الماركسية ألغت ما قبلها من فكر فلسفي، ولم تتمكن أية فلسفة أخرى من التفوق عليها. هذا تماماً جوهر الخطاب السلفي، وهنا يلتقي هؤلاء اليساريين في خندق واحد مع الأصولية الدينية التي ترفض التحديث والتنوير.

اليسار العربي، وخاصة قيادته ورموزه لم يتمكنوا من فهم واقعهم سابقاً وقراءته قراءة صحيحة، واليوم هم أنفسهم لم يغادروا مربعهم، وبالتالي عاجزين ما زالوا عن مقاربة الواقع الراهن، ورؤية التحولات الهائلة التي حدثت في العالم خلال ربع القرن الأخير، ولم يكلف أحداً منهم نفسه بالاطلاع على الفكر والفلسفة الحديثين.

الكارثة أنهم القيادة نفسها التي كانت تؤمن وتنظّر بأن الاتحاد السوفيتي السابق في طور الانتقال من الاشتراكية إلى طور الشيوعية، في ثمانينيات القرن العشرين، بينما كان الفكر الماركسي وأحزابه يعانيان من أزمات عميقة، هؤلاء المحاربين القدامى اليساريين الذين تربعوا على قمة القوى والأحزاب اليسارية العربية طيلة نصف قرن، ما زالوا غارقين في أوهام إمكانية لوي عنق التاريخ وإرغامه على العودة إلى الوراء.

أدركت شعوب الأرض أن للرأسمالية الامبريالية جانبها المضيء، اعترف اليساريين بهذا أم رفضوا. وفي عصر التقنيات الحديثة والثورة المعلوماتية والرقمية الذي أصبح واقعاً حقيقياً وليس افكاراً راقدة في الكتب، على اليساريين العرب أن يدركوا هذه الحقيقة ويقوموا بإجراء مقاربات واقعية معها. في الراهن الزمني لم يعد مطلب تغيير العالم مهمة الطبقة العاملة التي فقدت ملامحها في الغرب، نتيجة التغيرات والتطور في وسائل الإنتاج والتحولات الاقتصادية والاجتماعية.

في هذه التحولات أرى أنه من الفطنة ملامسة الواقع بصورة حقيقية هذه المرة، وتقديم قراءة جديدة تسهم في بلورة رؤية مختلفة، ومن ثم صياغة أهداف تتوافق مع التغيرات العالمية، وتحظى بواقعية والتفاف الناس حولها، مثل قضايا الديمقراطية والحقوق العامة ومواجهة الاستبداد السياسي للأنظمة، والديني للحركات المتطرفة، والدعوة لبناء الدولة المدنية التي تكفل قيم الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

لا مهرب من الاعتراف بأننا

لم نعد نلحظ أي نشاط وفاعلية وتأثير للأحزاب والقوى اليسارية العربية، ولم يعد لها أي دور سياسي ولا اجتماعي، وستظل هذه الأحزاب في انسحال اندثاري ما لم تدرك طبيعة التحولات العالمية التي بدّلت الطابع الاجتماعي للبشر، وكلما تأخرت ومكثت أكثر في مثلث الكتب والنظريات الفلسفية، والغرف المغلقة، وحالة الاغتراب عن الجماهير، كلما تراكمت فوق مفاصلها المتغيرات، إلى أن يأتي يوم -ليس بعيداً كثيراًـ سوف تصاب فيه هذه الأحزاب بالشلل التام قبل أن تصبح شيئاً من الماضي البهيج.

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

صالح الرزوقبقلم: ستافروس د. مافرودياس*

ترجمة: صالح الرزوق

شقت ما بعد الحداثة في العقود الأخيرة طريقا لها نحو حقل الاقتصاد. وهذا ليس غريبا لأنها تضع بعين الاعتبار أن للاقتصاد أولوية في دراسة العلاقات الاجتماع اقتصادية لأنه أساس جوهري في اقتصاد ما يسمى خطابات الحداثة (الكلاسيكية الجديدة، الماركسية، إلخ...). ولكن من الصعب أن تصنف اتجاهات اقتصاد ما بعد الحداثة، لأن هذا التصنيف بمعنى من المعاني، هو "بعد حديث" ومختلف بأصوله وتحليلاته ومجاله. وقد اقترح سكريبانتي (2000)* انطلاقا من رؤية بعد حداثية، تصنيفا خاصا به. وأكد أن كل النظريات الاقتصادية السابقة( الكلاسيكية، الماركسية، والكلاسيكية الجديدة) هي حداثية لأنها تشترك بنفس الافتراضات، فهي:

1- أنطولوجيا إنسانية، ذلك أن الاهتمام الشاغل للعلوم الاقتصادية يشمل "الوسيط العقلاني" وهو الذات الفاعلة في العمل الاجتماعي. وتقترح الكلاسيكية الجديدة الإنسان الاقتصاديhomo economicus ، بينما تقترح الماركسية النشاط البشريhomo faber .

2- نظرية قيم مادوية، ذلك أنه وراء مشكلة الأسعار الظاهرة (بالمصطلح الماركسي للظواهر) يوجد دوافع وأسباب حتمية خفية، وهي القيمة (جوهر أو مادة). وبالنسبة للكلاسيكية الجديدة، هي قيمة الميول الذاتية؛ ذلك أنه بالنسبة للماركسية والكلاسيكية، هي القيمة الموضوعية للعمل.

3- تحليل التوازن.

4- ما وراء السرديات الخاصة بالجنس البشري، حيث يسود اعتقاد أن الذات الإنسانية قادرة على قيادة الواقع باتجاه هدف كوني يمكن استيعابه منطقيا.

وبالنسبة لسكرابانتي يمكن تلخيص كل ذلك في توأم الخطيئة الأصلية: وهما الحتمية والجوهرية. فأفضل أمل برأيه لإعادة بناء الاقتصاد موجود في التيارات المختلفة التي تتضمن باقة  ناشئة من اقتصاديات ما بعد الحداثة . وهي تشترك  في رفض توأم الخطيئة الأصلية هذا. ويضع في هذا الحقل  المدرسة النمساوية الجديدة،  وأساليب معالجة الأنظمة المعقدة، وما بعد الكنزية. ثم يضع المؤسساتية الجديدة وما بعد الماركسية في حقل آخر ينم عن التفاؤل والتبشير. ومن السهل أن تفهم أنه يهدف لبناء مؤسسة جديدة، وهي على ما يبدو تحتوي  كل الاتجاهات المختلفة تقريبا. وينفي سكريبانتي بلا تردد عن المؤسسة الكلاسيكية الجديدة أنها تمثل  ميول ما بعد حديثة محدودة فقط. ويؤكد أن المؤسسة الراديكالية الجديدة هي نتاج لجهود تأتي من اقتصاديات الماركسيين وما بعد الكنزيين وناشطي المؤسسات التقليدية، وهي كلها ضد القداسة الأنطولوجية الأصلية لتقاليدهم، ومتقبلة لرؤية تشاركية جديدة. وأساسها أنطولوجيا ضعيفة وجديدة تعتمد على ملاحظة الناس، حيث أن الأفراد يكونون وسائط مقصودة ولكن لديهم عقلانية  وانضباط، أو أن أساسها مؤسسات هي أخطاء تبسّط اختيارات البشر وترعى تثبيت العلاقات الاجتماعية. وباتجاه مماثل، ذكر غرانيت (1999) أن ثورة ما بعد الحداثة في الاقتصاد ترتكز على حوار متعدد الأطراف بين المؤسسات الماركسية والشيوعية. وجدول هذا الحوار ينطلق من رفض نظرية قيمة العمل واستبدالها "بالقيمة الاجتماعية" التي قامت على المؤسسات الاجتماعية العارضة (النقود، الثقافة، إلخ...). وذلك حسب رؤية ميروفسكي (1991) لبنية المؤسسة. ولو هناك شيء بحاجة مؤكدة للتفكيك، فهذا تجده في مخطط سيكريبانتي.

لقد تسرع في خلق وسيط لثورته الاقتصادية الجديدة - وهو وسيط أكثر راديكالية من ثلاثة أنماط سابقة (الماركسيون الكلاسيكيون، الهامشيون، والكنزيون) - وذكر اتجاهات مختلفة تماما ووضعها في ما بعد الحداثة.  بعض الاتجاهات كانت غير هامة وتعمل مثل الترويج لمساحيق تجميل وليس مثل "وسائط" حقيقية. وكان أيضا متسرعا في خلق "العدو". وعليه، وضع معا تحت معاييره الحداثية الأربع: الكلاسيكيات، الماركسية، والكلاسيكية الجديدة بغض النظر عن الفروقات التي لا يمكن غض النظر عنها.

أولا، المفهوم الماركسي عن العمل الاجتماعي (و لحد معين الكلاسيكيات) لا يمكن تخفيضه إلى عمل بشري لأنه قريب من الإنسان الاقتصادوي الكلاسيكي الجديد. وأرى أن سكريباني يرتدي بلا مبرر الماركسية بحلة أفراد ينتمون للكلاسيكية الجديدة وذلك بدوافع شخصية. وفوق ذلك، كما سنرى أدناه، إن ما بعد الحداثة تشترك بالكثير مع استقلالية أفراد الكلاسيكية الجديدة.

ثانيا، ديالكتيك الماركسية بين الشكل والمضمون ونظريته الموضوعية عن قيمة العمل لا علاقة لها بتجريدات الكلاسيكية الجديدة ونظرية التوظيف الذاتي للقيمة اللتين تفتقران للمضمون (انظر مافرودياس: 1999-أ).

الأول يضفي مادة على فضاء الانتاج وشكلا على فضاء الدورة الطبيعية. ويوظف التجريد للانتقال من ظاهرة يمكن ملاحظتها (فضاء دورتها الطبيعية) إلى مسبباتها غير المرئية (في فضاء الانتاج). وبالعكس، إن نظرية استعمال القيمة تتأرجح بين الأسعار والأذواق الفردية. ولكن ينقصها التفريق الواضح بين الفضاءات، وإن تجريداتها تكون حقا بلا محتويات لأنه هناك تجد مشاكل معروفة جيدا تواجهنا خلال تعريف أو تحديد معنى وشكل الوظيفة. أضف لذلك، أن منهجية التجريد الديالكتيكي تكون مختلفة راديكاليا عن التجريد النشيط (الفعال أو الموجب). وأخيرا، ولكن ليس آخرا، إن الاقتصاد الكلاسيكي الجديد توقف من فترة طويلة عن استعمال أي نوع من أنواع نظرية التوظيف. وما أن باشر مفهوم الانتاجية الهامشية لم تعد هناك حاجة لمرجع يحيل إلى أي نظرية عن القيمة (انظر غراهام 1998).

ثالثا، إن نقد سكريبانتي للتوازن مناسب على وجه الاحتمال لأنماط التوازن العامة في الكلاسيكية الجديدة ولكنه ليس ذا علاقة مع استخدام الماركسية لتحليل التوازن داخل مجال عمل النماذج الديناميكية.  والاقتصاد الكلاسيكي الجديد يقلل من ميول الاقتصاد للتوازن. وعليه، يفترض أن تحليل التوازن يعكس آلية الاقتصاد الحقيقية. وحتى إن معظم نماذج اللاتوازن الكلاسيكية الجديدة هي ببساطة نسخ دقيقة وحساسة من هذه المقاربة. وبالمقابل، إن تحليل الديالكتيك الماركسي يستعمل التوازن بمعنى مختلف تماما. ويعكس مراكز جاذبية طويلة الأجل (بمعنى قوى توازن) ظهرت نتيجة نظام في اللاتوازن. ولكن التوازن ليس قضية حقيقية، وإنما العكس. وتعامل ماركس مع علاقة القيمة - السعر لها معايير: فالقيم تحدد الأسعار(وهي لفترات طويلة مراكز جاذبية للأسعار). ولكن التسعير في الحقيقة لا يتوافق معها فعليا. ومنه، حيثما بحثت أنماط الكلاسيكية الجديدة عن توازن مفترض مسبقا (استقرار)، إن النماذج الماركسية تحلل بالعادة الأزمات والاضطرابات (اللاثبات وعدم الاستقرار).

وأخيرا، انتهى سكريبانتي إلى ما وراء سرد من عندياته: قدم لنا فكرة اقتصاد بعد حديث بشكل مشروع تحليل راديكالي للاقتصاد يستوعب ويعكس ضمنا أخطاء ما قبله. وبمقاربة أكثر توازنا تكشف أنه هناك أساس ضعيف ولكن شائع ويخدم مختلف اتجاهات الاقتصاد بعد الحديث.  وهذا يتوفر في رفض (أو إضعاف راديكالي) للسببية، أو أولويات الخطاب، ورفض ( أو إضعاف راديكالي) لفكرة البنية. وهذا يدعمه استعادة لفردانية منهجية أو مؤسساتية.  ويمكن تصنيف طرق ما بعد الحداثة في الاقتصاد في ثلاث فئات نظرية عريضة:

1- اتجاه في وسط الطريق، مرتب في قطاع الاقتصاد السياسي الثوري حول بقايا بعض النظريات الأحدث "متوسطة المدى" وغير الأرثوذوكسية: الضبط ( أغلبتا 1979، لايبيتز 1983)، والتخصص المرن ( بيور وسابيل 1984).

2- تيار مشتق من التقاليد الألتوسيرية (أماريغوليو وروكيو 1994، كالاري وكولينبيرغ وبيوينير 1994).

3- مضيفون يأتون من الكينزية وما بعد الكنزية والنظم المؤسساتية، ولكنهم أيضا خليط من تيارات كلاسيكية جديدة (صامويلز 1990، 1991، ميروفسكي 1991، مكلوسكي 1985، كالمير وماكلوسكي وسولو 1998، واينتروب 1991).

 

..........................

* المقصود هو سكريبانتي E. Screpanti ودراسته عن أزمة ما بعد الحداثة المنشورة عام 2000 في مجلة Rethinking Marxism  ، مجلد 12، عدد 1. 

ستافروس د. مافرودياس Stavros D. MavRoudeas يعمل في قسم الدراسات الاقتصادية، جامعة مقدونيا، سالونيك، اليونان.

 

 

الوعي هو اعمال العقل في جميع شوؤن الحياة، بل هو غائية الوجود. فهذا ديكارت يثبت الوجود الانساني بمقولة" انا افكر اذا انا موجود"، اما انسان العصر فيقول" انا استهلك اذا انا موجود" وشتان بين الوجودين.

فلا يشك عاقل في ان التحلي بالوعي بات ضرورة ملحة، فالكوارث التي نحياها والهزائم التي نكتوي بنارها انما هي بسبب غياب الوعي المناسب للتحديات المفروضة والامال المعلقة.

فنحن اليوم نعيش حالة من التأزم على مختلف المستويات سياسيها واجتماعيها واقتصاديها وفكريها، إلا أن أقل الأزمات عناية بها أزمتنا على مستوى الفكر والوعي، فبلد كالعراق بضخامة موارده، واستراتيجية موقعه، يستغرب المرء من تأزم حاله وتردي أوضاعه، كما أن أغلب الحلول تتجه إلى معالجة أعراض الداء دون أصله، فسبب وصولنا لهذه الحالة من التزعزع والاختلال ليس الصراع على السلطة، وإنما سببه قلة الوعي.

ولذا شكا الغزالي من غياب الوعي عند الامة، فقال: الضمير المعتل والفكر المختل ليسا من الاسلام في شيء، اذ الغباء في ديننا معصية.

ولكي يباع الغباء ويسوق الشقاء يكفي ان نجد لذلك صيغة. هكذا غنى الغرب سمفونية الحداثة على وجه القمر.

والشمس التي رافقت ابن رشد الى ان تجاوز وادي الشرق الكبير تركته في مغيب الغرب يغرق في التنوير ويتمتع بنعومة الحداثة السائلة.. جعلته يحاور الوجود بلغة الوعي، ولذلك يتعين علينا استعادة هذه اللغة ومنحها الكلمة من اجل الشهادة على جرائم التيار الظلامي الذي قام بتخريب روح العصر. فقد ظل سؤال الوعي مقلوبا لان العدمية مزقت الكينونة ولم يعد الوجود سوى مصدر للوهم والفزع.

   ففي عالم مشحون بظواهر الظلم التي تمزق كبد العاقل كما يتمزق قلب المؤمن من دلالات الفسوق والتفريط في المقدسات على مذابح الشهوات، يستهلك الضمير ويصبح العرى الفكري والأخلاقي سمة العصر بامتياز.

تحول العالم إلى لعبة كونية خطيرة تحكمها القوانين السائلة ونهايات اللايقين.  بيع الضمير العالمي في العلن، وحين سرق رغيف الجوع اجمع الساسة على استباحة طينه واجزموا بمصيره إلى سجون العذاب.

وها هي الارض تفرش عناءها على منصة الزمن تتقصى خطى الضمائر وتحمل الإنسان فينا أمانة.

فحين رمى عقل الحداثة الغربية موقفه من الوجود استيقظ نتشة قائلا:

أين الإله؟ أنا سأقول لكم ذلك! لقد قتلناه أنتم وأنا!! لكن كيف فعلنا ذلك؟ ألم نندفع في منحدر لا قرار له؟ ألسنا نتيه صوب عدم لانهائي؟

لذلك تبدو العودة إلى مراجعة الوعي بالذات ضرورة ملحة لبحث جذور الازمة التي نعانيها.

فمعظم الرؤى والتصوران التي يتبناها خطابنا الفكري متطرفة وغير مكتملة بل ومثيرة للسخرية..

 لذلك بقيت انسانيتنا مهدورة من قبل الطاغية المتسلط. وهذا كله تحركه الخلفية المعرفية للغرب بكافة ابعادها السلطوية وتغذيها النزعة الامريكية العابرة للقارات.

وهكذا نتيجة الشعور بالياس يحاول وعينا المؤدلج ان يخضع حياتنا للمصادفة وينفي لدينا الشعور بالمسوؤلية والوعي بحقيقة الوجود.

كل هذا ادى الى انهيار المستقبل ذلك البعد الانساني المهم واصبحنا نحكم الظن والاحتمال.. وهذا ما يفسر عداواتنا وحروبنا الطائفية وقلة وعينا وحيلتنا وهواننا على العالم.

هكذا تنتصر العقلية الامريكية وايديولوجياتها... اما نحن فبقينا نجتر نفايات الفكر الغربي ونعمل على تسويق بضاعته المستهلكة. ولو تم رفع هذه الوسائل والتقنيات لانكرنا الزمن ذاته ولثبت شرعا وعقلا اننا لا نستحق العيش.

فمن دموع ضحايا القتل والتهجير تغتسل الحرية لتصلي صلاة الغائب على العقل الشرقي..

من دماء الشهداء والمعذبين ترسم خارطة العرب والمسلمين... من حيرة المثقف الناظر في وجه السياسة البغيض يكتب مستقبل الامة..

كما ان واقعنا الغائب اللاجيء الى الغرب مرجعيتنا فيه جحافل النازية وخليفتها الفاشية، نتقمص على اسواره بشاعة الشوفينية ووظاعة الليبرالية الصهيو أمريكية...

ونحن في وسط هذا التيار العنيف نتنفس الالم من بشاعة الكوارث التي سببتها اسطورة اللاوعي المدمر.. فمن الصعب ان نعقل في حضارة الجنون الوحشي المستعر.

ونحن امام المسرح العالمي المخيف نشاهد على خشبته الاحداث المرعبة من تطرف وعنف وارهاب... جماعات وعصابات منظمة وممولة لاثارة الفتن والمشاكل، شركات احتكارية عابرة للقارات، شعوب مهددة بالابادة والتهجير.

وهكذا تتبدد أوهامنا في قصة الحضارة، حتى النظام الأخلاقي والروحي تزيحه فوضى اللاحتمية، فالكون عقلاني بنسبة ضئيلة جدا.

اما التقنية والتكنولوجيا المعاصرة والتي افلتت من كل السلطات بدأت تستهدف جينات الانسان الحقيقي ، تستهدف كل ما هو اخضر وجميل..

وليس مستغربا ان يكون التكبر والتجبر والظلم شعار الأخر، لكن المستغرب والأغرب وعينا المعطل بحقيقة الواقع. نغني الحرية وصدورنا تتشظى أنينا من أعظم أنواع القهر والأسر والعبودية. تنهشنا وحشية الإيديولوجيات بأفكارها الهدامة المحظورة إنسانيا. والتي لا يمكن النيل منها وكشف أسرارها وأبعادها ومخططاتها إلا عندما نحمل شعار " فلنتفكر" بمداد " العقل والايمان"، الوعي والانسان.

إذا نحن بحاجة الى الوعي روحيا وماديا لنتمكن من اليات النهوض، نستثمر الذات الانسانية في الوجود فنتوسع داخل فلك الحضارة.

وبذلك نتخلص من حتمية السقوط والانحدار الى حتمية النهوض في مسار الحياة العالمية.

هذا التحول يتزامن مع رؤية عقلية عالمية تمتلك بصرا حادا يغوص في الاعماق لينتشل سر كينونتنا الغامض ...

خاصة ان الوعي حالة من الاستنفار العقلي والذهنية الثائرة التي تتجاوز الاعتبارات الظرفية إلى رحاب المسائل الكلية..

إن الوعي الحقيقي هو ذلك المرتكز على الشمولية والعمق التفسيري, إنه ذلك الذي يبحث عن النواميس والسنن الناظمة لهذا الكون, ويربط بين العلل ومعلولاتها.

نعم العقل الواعي القادح لزناد فكره لا يملك تجاهل دهشته ومناهضة حب الفضول المغري باقتحام المجاهيل ومقاومة التوق الجبلي نحو سبر أغوار الأشياء ، لكن ان لم يضبط ويقنن فمصيره إلى التيه والتخبط.

فطعم الحقيقة المطلقة أسعد وألذ من طعم الحيرة المعذبة مهما طرء على الحيرة من التمجيد.

 إنها دعوة للخروج بالعقل الغربي من ازمة اللاوعي، حين يكون العقل انتقائيا حين يكون عقلا للاحتلال، والبحث الدؤوب عن عقلنة التوسع من أجل السيطرة والأسواق، بل حين يتحور العقل إلى ملكة وأداة باعثة على التدمير والتخريب.

ولهذا فان علينا أن نسعى دائما إلى تفحص برامجنا وقراءة أحوالنا وإقامة علاقات نقدية مع ذواتنا ومع العالم.

لنقلب صفحات العالم ونقراها من جديد علنا ننتج في قاموس الحضارة. انبعاث ونهضة تحتضن الحياة وتجعل من الإنسان وعيا جديدا يحتمل سعة العالم اللاواعي اللامنتمي وثقله المطرد... لا بد من تحديد بعدنا الذاتي في ارض الواقع، وننسى أثرنا المعكوس تحت الوصاية سنين طويلة.

 لنتذكر ان مصادر طاقتنا موجودة في منظومتنا الفكرية. فنشهد عندئذ وعي وانسجام تام مع سائر مفردات الحياة.

لنتذكر اخيرا اننا امة واعية قادرة على النهوض رغما عن جميع ما يعتريها من عارض المحنة الحاضرة.

 

ا. م. د. سامي محمود ابراهيم

رئيس قسم الفلسفة/ كلية الاداب/ جامعة الموصل/ العراق

 

وليد كاصد الزيديبدأ جاري بالقول: هل تؤمن بالروح؟ أنا أشكك في وجودها.

أجبته: أنا أؤمن بها كما جاء بها القرآن، وهي التي لم تنكرها الاديان السماوية كالمسيحية واليهودية.

فالمسيحية ترى الروح هي الكينونة الخالدة للإنسان، وأن الخالق بعد موت الإنسان إما أن يكافئ الروح أو يعاقبها، وفي العهد الجديد من الكتاب المقدس وعلى لسان السيد المسيح ذكر الروح وشبهها برداءٍ رائعٍ أروع من كل ما كان يملكه الملك سليمان.

أما لدى اليهودية فإن أهم تفاسيرها هو "كبالا" Kabbalah، الذي قسّم الروح الى ثلاثة أقسام، ويرى البعض أن هناك تشابهاً كبيراً بين هذا التقسيم، وما سار عليه "سيغموند فرويد" في وصفه لللاوعي حينما قسمه إلى الأنا السفلى، والأنا، والأنا العليا.

قاطعني متلهفاً، وكأنه نصب لي فخاً لأقع فيه، قائلا: ماذا قال عنها القرآن؟

قلت له: هنالك عدة آيات عن الروح في القرآن تثبت وجودها، منها: قول الله " فاذا سويته ونفخت فيه من روحي ".

عاد ليقاطعني: أسألك تحديداً عن ماهية الروح في القرآن.

فعرفت ما يروم اليه، وأجبته دون تردد، يجيب القرآن عن سؤالك: " ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ".

فابتسم صاحبي، وهو يقول: هذا يعني أن ماهية الروح غير مُعرّفة في الاسلام ولاسيما في كتابه.

رددتُ عليه: ألستَ تؤمن بأّن الكثير من الاشياء يكشفها العقل والمنطق وليس فقط الماديات الملموسة؟

قال: بلى.

فأردفتُ في حديثي: هل تذكر جيداً حوارنا الأول عن الامام علي وصاحبك باسكال؟

قال: أذكر ذلك جيداً، ومازلت أحمل صورة طيبة عن شخصية (علي) من خلال حجته التي سبقت باسكال بعدة قرون، وما أرسلتَ لي من حكم رائعة له.

فقلتُ له: حسناً، مادامت لديك قناعة بهذه الشخصية فدعني أروي لك ما قاله للملحدين في زمانه حينما سألوه عن الله، فتطرّق في حديثه الى الروح أيضاً.

قال: كلي آذانٌ صاغية، فأنا أستمع لك.

بدأت بالقول: سأل الملحدون الدهريون الامام علي:

في أيّ سنة وُجـِد ربّك؟

قال: الله موجود قبل التاريخ والأزمنة لا أول لوجوده.

وأردف: ماذا قبل الأربعة؟

قالوا: ثلاثة.

قال: ماذا قبل الثلاثة؟

قالوا: إثنان.

قال: ماذا قبل الإثنين؟

قالوا: واحد.

قال: وما قبل الواحد؟

قالوا: لا شئ قبله.

قال: إذا كان الواحد الحسابي لا شئ قبله فكيف بالواحد الحقيقي وهو الله ! إنه قديم لا أول لوجوده.

قالوا: في أي جهة يتجه ربك؟

قال: لو أحضرتم مصباحا في مكان مظلم إلى أي جهة يتجه النور؟

قالوا: في كل مكان.

قال: إذا كان هذا النور الصناعي فكيف بنور السماوات والأرض؟

قالوا: عرّفنا شيئا عن ذات ربك؟ أهي صلبة كالحديد أم سائلة كالماء؟ أم غازية كالدخان والبخار؟

فقال: هل جلستم بجوار مريض مشرف على النزع الأخير؟

قالوا: جلسنا.

قال: هل كلمكم بعدما أسكته الموت؟

قالوا: لا.

قال: هل كان قبل الموت يتكلم ويتحرك؟

قالوا: نعم .

قال: ما الذي غيره؟

قالوا: خروج روحه.

قال: أخرجت روحه؟

قالوا: نعم.

قال: صفوا لي هذه الروح، هل هي صلبة كالحديد أم سائلة كالماء؟ أم غازية كالدخان والبخار؟

قالوا: لا نعرف شيئا عنها!

قال: إذا كانت الروح المخلوقة لا يمكنكم الوصول إلى كنهها فكيف تريدون مني أن أصف لكم الذات الإلهية.

وهكذا فان الروح غير مرئية ولا ملموسة بل ولا معلوم كنهها. لذلك فإن جوابي هو ليس سوى جواب الله في الآية القرآنية التي سبق لي وأن ذكرتها لك، حينما قال:"ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا".

بدا لي ان جاري حاول التهرب من إجابتي أو لم يستطع الرد عليها، فقال لي: إن كبار مفكري الغرب المتنورين لا يؤمنون بالروح، فماذا تقول في ذلك؟

وكنت قد قرأت ملياً عن الخلافات حول الروح من وجهة نظر عدة مفكرين غربيين، فأجبته:

أنت تعرف جيداً "ديدرو" أحد أبرز مفكري عصر التنوير في فرنسا.

فقاطعني قائلاً: بالـتأكيد قرأت له كثيراً وأنا من المعجبين بكتاباته وآرائه.

فقلت له: ألم تقرأ ما قاله عن الروح؟ حينما قال: " الروح هي الكهف الذي تسكنه جميع الحيوانات النافعة والضارة، والرجل الشرير يفتح باب الكهف ويسمح الحيوانات الصارة وحدها بالخروج، اما الرجل صاحب الإرادة الطيبة فهو الذي يفعل عكس ذلك" . بل وحتى من سبق من المفكرين مثل هلفشيوس من مؤلفاته " عن الروح" De l'esprit، المنشور في 1758.

فرد جاري: ولكنه مُنِعَ من النشر في حينه وأُتهم مؤلفه بالهرطقة وحرقت نسخ مؤلفه هذا في شوارع باريس.

فأجبته: نعم، لقد اتهم بالالحاد الذي لم يكن مسموحا به في تلك الفترة، ولكنه رد على مهاجميه ومنتقديه بالقول: "بأي لون من الإلحاد والكفر يتهمونني؟ أنا لا أنكر في أي جزء من الكتاب التثليث أو ألوهية المسيح أو خلود الروح أو بعث الموتى أو أية ناحية أخرى من نواحي العقيدة البابوية، ومن ثم فإني لم أهاجم الديانة بأي شكل من الأشكال". وهو بذلك يؤكد عدم إنكاره للروح.

أجابني جاري: هناك من يؤمن بتناسخ الأرواح أيضاً، وهو رأي جاء منذ الحضارات القديمة كما لديكم في بابل ولدى المصريين القدماء واليونانيين وحتى الهندوسية والبراهمانية، جميعها كانت تؤمن بذلك، وجاءت بعدها في ايطاليا المدرسة الفلسفية الفيثاغورية وغيرها.

قلت لجاري: إذن، أنت ترى أن الأمم التي تؤمن بوجود الروح هم الأغلبية عبر القرون، فلماذا تنكرها.

فرد: ليست العبرة بالأغلبية، بل بما توصل اليه العلم الحديث.

بعد هذا الرد الذي لم يأت بجديد، بقدر ما هو أحد أسلحة جاري في التهرب من الحوار، لذا فضلت انهاء حوارنا هذا المساء، فإستأذنت من صاحبي وعدت الى داري بعد أن أسدل الليل ستاره وجاء البرد بما لا يأتي به مثيله في بلداننا.

 

د. وليد كاصد الزيدي – باريس

28 يناير 2017

 

حسين سرمك حسنعبر أربع مقالات سابقة عن معجزات الطب العراقي القديم (السومري الأكدي البابلي الآشوري) وكان عنوانها (حول أكاذيب وتلفيقات هيرودوتس "أبو التاريخ" عن بابل ، وكيف شوّه الأغريق منجزات الطب العراقي القديم) ، قدّمتُ للسادة القرّاء شذرات ذهبية من مخطوطة كتابي الذي أنجزته مؤخرا عن "موجز تاريخ الطب العراقي القديم والطب العربي الإسلامي" والذي تمنيتُ على السيّد وزير التعليم العالي والبحث العلمي النظر في إقراره للتدريس في الصفوف الأولى من كليات الطب في جامعاتنا لأنني وضعته أصلا لهذا الغرض عرضاً وأسلوباً ومحتويات ولأننا كأطباء تخرّجنا من كليات الطب ونحن نعرف كل شىء عن الطب الغربي ولا نعرف أي شىء عن الطب العراقي القديم الرائد في تاريخ البشرية وعن الطب العربي الإسلامي الذي أنار سماوات العصور المظلمة.

وقد انتقلتُ بعد ذلك إلى عرض شذرات ذهبية من المنجزات المذهلة للطب العربي الإسلامي الذي علّم الغرب أسس الطب في عصوره المظلمة وحتى أسس النظافة الشخصية (كانت الملكة إيزابيلا ملكة اسبانيا تفخر بأنها لم تغتسل سوى مرّتين في حياتها عند التعميد بعد الولادة وقبل ليلة الزواج!!) .

وفي القسم الأول عرضتُ جانباً من المنجزات المذهلة للطب العربي الإسلامي ، وأواصل في هذا القسم الثاني عرض منجزات عجيبة أخرى مع ملاحظة ذكرتها في القسم الأول وهي ان مصادر هذه المعلومات مُثبّتة في مخطوطة الكتاب:

* أول عملية قيصرية في العصور المظلمة

ملاحظة مهمة:

في كل الصور أدناه لاحظْ من أي مكان من بطن الأم يُخرج الطبيب المسلم الطفل.

لقد ذكر بعض المؤرخين الطبيين في القرن الماضي خطأً أن العملية القيصرية محظورة تماماً بين المسلمين. وقد تم اقتباس هذا الرأي مراراً دون فحص صحته أو مصداقيته. يمكن أن يؤدي البحث في المصادر العربية القديمة المُتاحة إلى أدلة مخالفة لمثل هذا الرأي. في الواقع ، كان علماء الإسلام في العصور الوسطى أوّل من كتب ليس فقط عن هذه العملية ، بل ليوضحها في الصور ويصفها بالشِعر. بالنظر إلى طبيعة العصور القديمة التي عاشوها ، من غير العدل مقارنتهم بالعلماء في تاريخ لاحق ؛ لكن يجب تقييم إنجازاتهم.

626 سرمك 1

(صورة منمنمة من شاهنامة الفردوسي تشير إلى ولادة رستم بطل الملحمة بالعملية القيصرية. المصدر: مكتبة قصر توبكابي)

- الأدلة من المصادر التاريخية الإسلامية

لكن أهم وأثرى وأثبت الأدلة المتعلقة بالعملية القيصرية في الأدب العربي تأتي من البيروني الذي توفي عام 1048 م عن عمر يناهز 78 عاما والذي كان مؤلف العديد من الكتب حول التاريخ والطب والفلسفة. أحد مخطوطاته الفريدة المعروفة باسم "الأثار الباقية من القرون الخالية" ، وهو موجود في جامعة أدنبرة ، رقم MS 161. وقد تم تحريره وترجمته إلى الألمانية والإنجليزية من قبل البروفيسور إي. ساشاو في عام 1879.

في هذا التاريخ الزمني للأمم ، أعطى البيروني ثلاث إشارات إلى الولادة القيصرية. وكتب أن قيصر أوغسطس (63 قبل الميلاد - 14 ميلادية) وُلد بعملية قيصرية بعد وفاة والدته. هذا هو عكس الاعتقاد الخاطئ بشكل عام أن يوليوس قيصر وُلد بهذه الطريقة ، حيث كانت والدته لا تزال على قيد الحياة عندما غزا بريطانيا. 

626 سرمك 2

(الولادة القيصرية كما هو موضح في مخطوطة البيروني ، الأثار الباقية من القرون الخالية، 160، جامعة أدنبرة)

- أول تفسير صحيح للنبض ورائد قياس النبض عند الرسغ

كان ابن سينا من روّاد دراسة النبض بعد أن صقل نظرية جالينوس في النبض وأعطى أوّل تفسير صحيح للنبض. ففي كتابه “القانون” في الطب كتَبَ ما يلي:

(كل نبضة من النبض تضم حركتين واثنين من توقف. وبالتالي فإن مراحل متابعة: التوسع، وقفة، انكماش، وقفة. […] النبض هي حركة في القلب والشرايين … والتي تأخذ شكل التوسع المناوبين والانكماش)

وكان ابن سينا أيضا رائدا في المفهوم الحديث لأخذ النبض عند الرسغ من خلال اللمس الذي لا يزال يُمارس في العصر الحديث. والأسباب التي دفعته لاختيار المعصم كمكان مثالي لأخذ النبض هو لأنه يمكن الوصول إليه بسهولة، ولا يحتاج المريض للكشف عن جسده.

طريقة جس النبض والقرع بإصبعه فوق جسم المريض، وهي الطريقة المتبعه حاليا في تشخيص الأمراض الباطنية، والتي نُسبت إلى “ليوبولد أينبرجر” في القرن الثامن عشر، هي الطريقة التي ابتكرها إبن سينا قبل أكثر من الف سنة.

626 سرمك 3

(تمثال الطبيب والفيلسوف المسلم ابن سينا في مكتب الأمم المتحدة في فيينا)

 - منجزات إبن سينا المسلوبة واسم الطبيب الغربي الذي نُسبت إليه

(1)  وصف تغيير شكل المنكب وامتناع رفع اليد في حالة الانخلاع نُسِب إلى Cervia de Theodore 1288_1205

(2)  تدریب المفصل على الحركة بعد حل الربط نُسِب إلى Chaulac de Guy 1368 _1300

(3)  كسر العظم وإعادة تسویته في كسر العثم نُسِب إلى Dalchamp J 1588 _ 1513

(4)  الفحص السریري للعضوالمريض نُسِب إلى Leopaul In Berger (XVIII eme siècle)

(5)  عزل علاج الكسور وإصابات الأطراف عن باقي الجراحات نُسب إلى Andry Nicol 1741_1668

(6) قطع العظام المتعفنة وإزالة الشظایا العظمية في الكسر المفتوح نُسِب إلى Moreau Victor 1800 _ 1749

(7) ربط العضو العلوي إلى الصدر في حالة كسر العضد نُسِب إلى Desault Jacqu 1800_1749

(8) كسر قاعدة الإبهام نُسِب إلى Edward Bennett 1837-1907

(9) رد المنكب المتخلع نُسِب إلى Theodor Emil Kocher (1841_1917

(10) علاج القروح نُسِب إلى    Erb Heinrich W 1921_1840

(11) التجبير المتأخر نُسِب إلى George Perkins 1892-1979

626 سرمك 4

(صفحة من نسخة إيطالية لكتاب ابن سينا، القانون في الطب)

- أول من أسّس طب العيون كمنهج جديد بالبحث العلمي

هو الطبيب علي بن عيسى الكحال المتوفي 430هـ/1039م الذي اشتهر إلى جانب حذقه مهنة الكحالة بكتابه المعروف "تذكرة الكحّالين" ، الذي يعتبره المستشرقون أكبر طبيب للعيون أنجبته العصور الوسطى، وترجموا كتابه إلى اللاتينية مرتين. واعتُبر كذلك أوّل من أسّس طب العيون كمنهج جديد بالبحث العلمي. وكتاب علي بن عيسى يحتوي على ثلاث مقالات: الأولى في حد العين وتشريحها، وطبقاتها، ورطوباتها، وأعصابها، وعضلاتها، ومن أين يأتي غذاؤها. أما الثانية ففي أمراض العين الظاهرة للحسّ ، وأسبابها وعلاماتها وعلاجاتها. والثالثة في أمراضها الخفية عن الحسّ وعلاماتها وعلاجاتها ونسخ أدويتها. أما مجموع ما ألفه من كتب في طب العيون فيبلغ 32 كتابًا. وبلغ مجموع ما وصفه من أمراض العيون في (تذكرة الكحالين) وحده 130 مرضًا. وهو أول من وصف التهاب الشريان الصدغي والقحفي والعلاقة بين هذين الالتهابين واضطراب الرؤية في مرض الشقيقة. ولقد سبق الكحال (جونثان هجتنسن 1980م) بما يزيد على ثمانية قرون، كما ذكر (د. هاملتون)، وبيّن في تذكرته المشهورة هذه العلاقة في بحثه عن سلّ الشرايين وكيّها والذي قال ((أنها يمكن أن تعالج أوجاع الشقيقة والصداع والذي تعرض لهم نزلات مزمنة في الأعين أو نزلات الأصداغ، حتى ربما خيف على البصر من التلف)). ووصف كما يؤكد د. هاملتون في بحث عن التهاب الشريان في الخلايا العملاقة مراحل التهاب الشريان الصدغي والذي نشره في مجلة الطب الأمريكية العدد الأول سنة 1971. 

626 سرمك 5

- أقدم كتاب في طب العيون

بعد قيام المترجمين بتشجيع من خلفاء الدولة العباسية لترجمة ما وصلهم من كتب طب العيون، ألّف حنين بن إسحاق المتوفي عام 873م (260هـ) تلميذ الطبيب والمترجم ابن ماسويه، كتاب "العشر مقالات في العين" ، الذي يُعد أقدم كتاب في طب العيون أُلّف بطريقة علمية.

والكتاب موسوعة علمية كبيرة مطبوع باللغتين العربية والانجليزية وربما كان يُستخدم في مدارس الطب في ذلك الوقت، ويتكون الكتاب من عشر مقالات. المقالة الأولى في طبيعة العين وتركيبها، والثانية في طبيعة الدماغ ومنافعه، والثالثة في أمر البصر، والرابعة فيها جملة ما يُضطر إلى معرفته من أراد شيئاً من علاج الطب، والخامسة في علل الأمراض الحادثة في العين، والسادسة في علامات الأمراض التي تحدث في العين، والسابعة في جميع قوى الأدوية المفردة عامة، والثامنة في أدوية العين وأجناسها وفنون استعمالها، والتاسعة في علاج أمراض العين، والعاشرة فيما ذُكر من الأدوية المُركبة المذكورة في المقالة التاسعة على ما ألفها القدماء للعلل الحادثة في العين.

626 سرمك 6

(صورة لصفحة من مخطوطة تصف تشريح عين الانسان رسمها عام ١٢٠٠م العالم المسلم ابوزيد حنين بن إسحاق العبادي)

626 سرمك 7

(رسم المقطع العرضي للعقل والعيون الذي قام به في القرن الثالث عشر خليفة بن أبي المحاسن الحلبي (من حلب) في كتابه "الكافي في الكحل").

... وإلى الحلقة المقبلة

 

الدكتور حسين سرمك حسن - بغداد

19- كانون الثاني- 2019

 

نايف عبوشلا ريب أن الإنسان بحكم طبيعته البشرية، ومحدودية أفقه العقلي، على قاعدة (وما اوتيتم من العلم إلا قليلا)، يظل شديد التعلق، والتيقن بالمحسوس، بما هو منظور أمامه، من عوالم الكون المشاهدة، حيث تترسخ مرئياتها بتجلياتها المختلفة بسهولة في ذهنه، وبدرجة يقين أعلى من نظيراتها غير المرئية،خاصة وأن إدراكه لحقيقية وجودها،بما هي متجسدة موضوعيا، وماثلة أمامه عيانا، لا يحتاج منه لمزيد من البحث الفلسفي، والتنظير العلمي، للبرهنة على إثبات حقيقة وجودها .

 ولذلك فإن الإيمان بحقيقة موجودات الكون، والحياة فيما هو منظور، ومتجسد منهما، على الصورة التي أوجدهما الله تعالى عليها، تأتي في حكم البداهة، لاسيما وأن النصوص القرآنية، قد كفت الإنسان بالإخبار الإلهي، مشقة استكناه حقيقة الوجود، وبالتالي فلم تعد هناك ثمة حاجة للخوض في جوهر ماهيات الوجود، سواء تمكن العقل الإنساني من إدراك تلك الحقيقة بما يتاح له من إمكانات، أم لا.

 ومن هنا فإن إحكام الربط العضوي، بين عملية الخلق الإلهي للموجودات المحسوسة، في العالم المشهود، وبين التفكر في كيفيات خلقها، باعتبارها آية لذوي العقول اللبيبة، يظل أمرا مطلوبا، ليس لمجرد ترسيخ اليقين بإلهية الخلق المحسوس، والتسليم بتلك الحقيقة الملموسة، وحسب، بل ولترسيخ الإيمان بقدرة الخالق المطلقة في الايجاد الحسي، والغيبي معا، بالكيفية التي يشاؤها كموجد لكل الموجودات، على قاعدة( افلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت)، حيث يظل المطلوب من الإنسان، إمعان النظر في كيفيات الإيجاد،وليس إضاعة وقته في البحث في جوهر الماهيات .

ومع أن معطيات العصرنة بتداعياتها المادية الجارفة، قد بلدت الحس الروحي، وجففت البعد التأملي عند الإنسان المعاصر، يوم اختزلت رؤاه باليقين، بحقائق العالم المشهود فقط، وحرمته من نفحات التطلع، الذي يتجاوز حقائق مرئيات الوجود المحسوس، إلا أن الوحي الإلهي القائم على حقيقة علم الله تعالى المطلق بالغيب، وما هو مشهود، يظل، مع كل ذلك، أفضل وسيلة لإعانة الإنسان، وهدايته إلى تلمس صراط الله المستقيم، للوصول إلى حقيقة الوجود الحسي، والغيبي معا، ومن دون حاجة إلى مماحكات فلسفية، او تنطعات كلامية، قد تكون مع محدودية العقل الإنساني، وعجزه عن سبر كل حقائق الوجود، نوعاً من العبثية المقرفة .

ولذلك فإن المطلوب من الإنسان المعاصر اليوم، والمسلم بالذات، تفعيل استثمار معطيات النصوص القرآنية الجلية، في التعامل مع المنظور من حقائق الوجود الكونية، وتنشيط التفاعل مع حقائق الوجود الغيبية في نفس الوقت، وذلك من خلال ترسيخ اسلوب البحث في كيفيات الايجاد، واعتماد النظر في طرائقيات الخلق، والعمل على استنتاج القوانين التي تحكمها، بما يحقق تعزيز الإيمان بحقائق الغيب، كفضاء لعالم الشهادة، وبما يرسخ التواصل مع آفاقه، بيقينية مطلقة، تناظر يقينية الوجود الحسي، وبالشكل الذي يفيد في إنقاذ الإنسان من تداعيات ضياع العصرنة، وينتشله من عبثية استلابها الروحي له .

 

نايف عبوش

 

عزالدين عنايةتبدو الكنيسة في تونس، التي ينطبق عليها بحقّ نعت الكنيسة العابرة جراء التبدّل الدائم لرأسها ولقاعدتها، قد تخطّت مرحلة التوجّس، بعد أن مرّ زهاء العام على تسنّم "حركة النهضة" ظهر السلطة في تونس. فبعد أن أدمنت الكنيسة ريبة من بلوغ حزب إسلامي مقاليد الحكم، وعملت على إشاعة تلك الريبة في الغرب، ها هي تتخلّص من مخاوفها، وتشهد تغيرا في الخطاب يتجه نحو الرصانة، بعد تبنّيها طويلا رؤية التقتْ فيها مع مقول نظام بن علي. مع أن الكنيسة في تونس لم تشهد أي مظهر من مظاهر التلاسن أو التصادم، مع الحركة الإسلامية في تونس، أو مع رموزها، بشأن قضية مّا، منذ مطلع السبعينيات، تاريخ طفْو تلك الحركة على الساحة.

ويمكن القول إن الكنيسة في تونس، التي تأتمر بأوامر المؤسسة الأم حاضرة الفاتيكان، قد اتخذت موقفا نافرا مبكرا من الحركة الإسلامية في تونس، تجلى بالخصوص في النأي عن رموز حركة النهضة، طيلة العهد الدكتاتوري. فمثلا لم تدع أي من رجالات تلك الحركة إلى مؤسسات الكنيسة العلمية أو منابرها الأكاديمية في روما، مثل "المعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية" التابع لتنظيم الآباء البيض، للحديث عن المسألة الدينية في تونس، رغم حرص الآباء البيض على تمتين صلاتهم بالأكاديميين التونسيين، أكانوا من مجموعة "إسلاموكريستيانا" البائدة أو مع مجموعة أساتذة الزيتونة النوفمبريين.

وحتى تتضح الصورة أكثر، ما هي أهم مفاصل النشاط الكنسي في تونس؟ تنتظم علاقة الكنيسة الكاثوليكية بالجمهورية التونسية وفق اتفاقية "modus vivendi" التي تنظّم علاقة حاضرة الفاتيكان بتونس، في بلد يبلغ عدد الكاثوليك المقيمين فيه في الوقت الراهن 22 ألف نفر، جلّهم من الأجانب يتوزعون بين ستين جنسية. كما توجد على التراب التونسي أبرشية واحدة على رأسها أسقف وحيد، يسنده 40 قسّا، وتعضدهم أكثر من 100 راهبة. ليس هناك قساوسة من أصول تونسية ولكن هناك ثلّة من العرب، وأما باقي القسّيسين فهم أوروبيون. ويبلغ عدد الراعويات 11 راعوية، أربع منها متواجدة في العاصمة. وبشكل إجمالي تتوزع الخدمات التي تقدمها الكنيسة بين مشفى في العاصمة وعشر مدارس كاثوليكية خاصة، يؤمها ستة آلاف تلميذ مسلم من أبناء العائلات الميسورة لا من ذوي الفاقة.

في مطلع صائفة 2012، يومي 18 و 19 جوان، انعقد المؤتمر السنوي لمركز الواحة الكاثوليكي في تونس تحت شعار: "الدين والمجتمع في مرحلة انتقال، تونس تسائل الغرب"، وقد هدف المؤتمر الذي جرى في أجواء مغلَقة إلى متابعة مسارات التحول العميق في تونس. شارك فيه رئيس الجمهورية المنصف المرزوقي، وعن حركة النهضة كل من العجمي الوريمي ورياض الشعيبي، إلى جانب مدعويين تونسيين آخرين. أعرب المؤتمرون الكاثوليك عن انشغالهم بمجريات الأحداث في تونس وحرصهم على متابعة تطوراتها عن كثب. ولأن المؤتمر وقع في ظل حكومة يغلب عليها الطابع النهضوي، يمكن القول إن المبادرة كانت للنهضويين في احتضان الكنسيين بعد سنوات من الجفاء والقطيعة، رغم أن المؤتمر كان متواضع النتائج بما هدَفَ إليه بالأساس لتبادل الآراء، حيث تحدث فيه كل من منظوره عن مستقبل تونس.

وقد جاء مؤتمر الواحة في أعقاب انعقاد اللقاء السنوي لمجلس أساقفة شمال إفريقيا في تونس، للتباحث بشأن الأوضاع الاجتماعية والسياسية للبلدان المطلة على أوروبا. بمشاركة أساقفة من تونس والجزائر والرباط ونواكشوط والقاصدين الرسوليين بطرابلس وبنغازي، فضلا عن أسقف مازارا دِل فالّو في صقلية. ففي بلاد المغرب الكبير يعيش زهاء الخمسين ألف مسيحي، السواد الأعظم منهم من الرعايا الأجانب.

لقد ميزت سمتان بارزتان تاريخ الكنيسة في تونس في الزمن المعاصر: الصمت أمام الطغاة –كما كان الشأن مع زين العابدين بن علي- تحت مبرر التزامها بـ"دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، فتغاضت بشكل مفزع عن انتهاكات النظام البائد؛ وفي الآن نفسه المساهمة الفعّالة في نشر الرعب في الغرب من الإسلام السياسي الذي تنتمي إليه النهضة، إلى أن جاء الفرز من الغرب العلماني، الذي جرّ الكنيسة للتحول. ربما كانت تنقص الكنيسة شجاعة الوجود لتجاوز إرث الدهور. وحتى نيافة الأسقف الأردني مارون لحام، الذي تفاءل كثيرون بتقليده مهام الكنيسة في تونس في العام 2005، غرّته تلك الأجواء وأخطأ التقدير في قراءة مستقبل تونس. ففي مقال منشور له في مجلة "ميسيوني أوجّي" الإيطالية (التبشير اليوم) عدد فبراير 2008 ورد ضمن قوله: "لو ارتقى حزب إسلامي سدة الحكم [في تونس] فسنعود خمسين سنة إلى الخلف، لذلك نعيش بذلك الخوف حيث لا ندري ماذا سيحدث بعد". لكن مما يلاحظ أن تصريحات غبطة المطران قد باتت أكثر اتزانا عقب الثورة، وأعلى جرأة في التصريح بمواقفه وواقع كنيسته، مثل ما ذكره عن عدد المتحولين التونسيين إلى المسيحية بين ثلاثة وأربعة أنفار من البالغين سنويا، يُعمّدون وفق الطقس الكاثوليكي.

يبدو الطريق طويلا أمام الكنيسة في تونس لتتصالح مع هوية هذا البلد، ففي القرن الحادي عشر حين هاجم النصارى النورمان تونس، قادمين من صقلية، كان الصد لهم مسيحيا ومسلما من المهدية (ما فتئ الجنوب التونسي حينها مأهولا بالمسيحيين). فهل تستطيع الكنيسة في تونس أن تبتعد قيد أنملة عن استراتيجية الكنائس الغربية وتكون كنيسة عربية؟ ربما يكون ذلك متيسرا "لو كانت الثقة في الله أكبر"، على حد قول القديس أوغسطين.

 

د. عزالدين عناية

 

لكي يباع الغباء ويسوق الشقاء يكفي ان نجد لذلك صيغة. هكذا غنى الغرب سمفونية الحداثة على وجه القمر.

والشمس التي رافقت ابن رشد الى ان تجاوز وادي الشرق الكبير تركته في مغيب الغرب يغرق في التنوير ويتمتع بنعومة الحداثة السائلة.. جعلته يحاور الوجود بلغة الوعي، ولذلك يتعين علينا استعادة هذه اللغة ومنحها الكلمة من اجل الشهادة على جرائم التيار الظلامي الذي قام بتخريب روح العصر. فقد ظل سؤال الوعي مقلوبا لان العدمية مزقت الكينونة ولم يعد الوجود سوى مصدر للوهم والفزع.

   ففي عالم مشحون بظواهر الظلم التي تمزق كبد العاقل كما يتمزق قلب المؤمن من دلالات الفسوق والتفريط في المقدسات على مذابح الشهوات، يستهلك الضمير ويصبح العرى الفكري والأخلاقي سمة العصر بامتياز.

تحول العالم إلى لعبة كونية خطيرة تحكمها القوانين السائلة ونهايات اللايقين. استخدمت في ذلك آليات التشتيت والتشكيك والاختلاف والتغريب والفوضى والعدمية واللامعنى واللانظام. حداثة مجنونة تعمل في فضاءات اللامعنى تتميز بقوة التحرر من قيود التمركز، والانفكاك عن التقليد وما هو متعارف عليه، وممارسة الاختلاف والتفكيك والهدم والتشريح ، والانفتاح على الغير عبر الحوار والتفاعل والتناص، ومحاربة البنية والانغلاق والتكامل، وتعرية الإيديولوجيات، والاهتمام بالمدنس والهامش والغريب والمتخيل والمختلف، والعناية بالعرق، واللون، والجنس، والأنوثة، وخطاب المابعديات المفتوحة.

يتفق الفلاسفة الالمان على أن مشروع الحداثة لم ينته بعد، حيث يواصل هذا المشروع سعيه لتحقيق أهدافه ، حيث الدور الفعال لوسائل الإعلام. فكل شيء هو النص والصورة ، إقناع المشاهد بكابوس من عالم الخيال العلمي او العالم الافتراضي، فهذا العالم هو بمنزلة استعارة أو مجاز عن حالة الواقع.

كما ترتبط مابعد الحداثة بفلسفة التفكيك والتقويض، وتحطيم المقولات المركزية التي هيمنت على الثقافة الغربية من أفلاطون إلى يومنا هذا. فهي موقف متشكك لجميع المعارف البشرية، وقد أثرت هذه المواقف على العديد من التخصصات الأكاديمية وميادين النشاط الإنساني.

كما تعد مابعد الحداثة عدمية تقوض أي معنى للنظام والسيطرة.... حداثة سائلة بمنتهى السيولة.

لذلك اعتمدت على التناص واللانظام واللاانسجام والنسبية، وإعادة النظر في الكثير من المسلمات التي تعارف عليها الفكر الانساني. ومن ثم، تزعزع ما بعد الحداثة جميع المفاهيم التقليدية المتعلقة باللغة والهوية.

هذا يعني ان نصوص مابعد الحداثة لا تتقيد بالمعايير المنهجية، وليست ثمة قراءة واحدة للنص، بل قراءات مفتوحة.

خاصة ان فكر مابعد الحداثة جاء كرد فعل على المقولات التي تحيل على الهيمنة والسيطرة والاستلاب. كما استهدفت مابعد الحداثة تعرية المؤسسات الرأسمالية التي تتحكم في العالم، وتحتكر وسائل الإنتاج، وتمتلك المعرفة العلمية. كما عملت مابعد الحداثة على انتقاد اللوغوس والمنطق عبر آليات التشكيك والتشتيت والتشريح والتفكيك.

هذا، وقد ظهرت مابعد الحداثة في ظروف سياسية معقدة ، وذلك بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وخاصة في سياق الحرب الباردة، وانتشار التسلح النووي، وإعلان ميلاد حقوق الإنسان، وظهور مسرح اللامعقول، وظهور الفلسفات اللاعقلانية كالسريالية، والوجودية، والفرويدية، والعبثية ، والعدمية… وقد كانت التفكيكية معبرا رئيسا للانتقال من مرحلة الحداثة إلى مابعد الحداثة. ومن ثم، فقد كانت مابعد الحداثة مفهوما مناقضا ومدلولا مضادا للحداثة. ولذلك، احتفلت مابعد الحداثة بأنموذج التشظي والتشتيت واللاتقريرية كمقابل لشموليات الحداثة وثوابتها، وزعزعت الثقة بقوانين العقل والسببية والأنموذج الكوني ، حاربت العقل والعقلانية، ودعت إلى خلق أساطير جديدة تتناسب مع مفاهيمها التي ترفض النماذج المتعالية، وتضع محلها الضرورات الروحية والتغيير المستمر، وتبجيل اللحظة الحاضرة المعاشة. كما رفضت الفصل بين الحياة والفن واتخذت التاؤيل والتاؤيل المضاعف قاعدة ومنهج.

وقد غزت نظرية مابعد الحداثة جميع الفروع المعرفية، كالأدب، والنقد، والفن، والفلسفة، والأخلاق، والتربية، وعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا ، والسياسة.

تستند مابعد الحداثة في الفلسفة الغربية إلى مجموعة من المكونات والمرتكزات ، ويمكن حصرها في المبادىء التالية:

- التقويض: تهدف نظرية مابعد الحداثة إلى تقويض الفكر الغربي، وتحطيم أقانيمه المركزية ، وذلك عن طريق التشتيت والتأجيل والتفكيك. بمعنى أن مابعد الحداثة قد تسلحت بمعاول الهدم والتشريح لتعرية الخطابات الرسمية، وفضح الإيديولوجيات السائدة المتآكلة، وذلك باستعمال لغة الاختلاف والتضاد والتناقض.

- التشكيك: أهم ما تتميز به مابعد الحداثة هو التشكيك في المعارف اليقينية، وانتقاد المؤسسات الثقافية المالكة للخطاب والقوة والمعرفة والسلطة.

- العدمية: من يتأمل جوهر فلسفات مابعد الحداثة، فإنه سيجدها فلسفات عدمية وفوضوية، تقوم على تغييب المعنى، وتقويض العقل والمنطق والنظام والانسجام. بمعنى أن فلسفات مابعد الحداثة هي فلسفات لا تقدم بدائل عملية واقعية وبراجماتية، بل هي فلسفات عبثية لا معقولة، تنشر اليأس والشكوى والفوضى في المجتمع.

- التفكك واللاانسجام: إذا كانت فلسفة الحداثة أو تيارات البنيوية والسيميائية تبحث عن النظام والانسجام، وتهدف إلى توحيد النصوص والخطابات، وتجميعها في بنيات كونية، وتجريدها في قواعد صورية عامة، من أجل خلق الانسجام والتشاكل، وتحقيق الكلية والعضوية الكونية، فإن فلسفات مابعد الحداثة هي ضد النظام والانسجام، بل هي تعارض فكرة الكلية. وفي المقابل، تدعو إلى التعددية والاختلاف واللانظام، وتفكيك ماهو منظم ومتعارف عليه .

- هيمنة الصورة: رافقت ما بعد الحداثة تطور وسائل الإعلام، فلم تعد اللغة هي المنظم الوحيد للحياة الإنسانية، بل أصبحت الصورة هي المحرك الأساس للتحصيل المعرفي، ومعرفة الحقيقة. لهذا نجد جيل دولوز يهتم بالصورة ، ويعتبر العالم خداعا، كخداع السينما .

- الغرابة والغموض: تتميز مابعد الحداثة بالغرابة ، والشذوذ، وغموض الآراء والأفكار والمواقف، فتفكيكية جاك ديريدا – مثلا- مازالت مبهمة وغامضة، من الصعب فهمها واستيعابها، حتى إن مصطلح التفكيك نفسه أثار كثيرا من النقاش والتأويلات المختلفة في حقول ثقافية متنوعة، وخاصة في اليابان والولايات المتحدة الأمريكية. كما أن فلسفة جيل دولوز معقدة وغامضة ، من الصعب بمكان تمثلها بكل سهولة.

- التناص: يعني التناص استلهام نصوص الآخرين بطريقة واعية أو غير واعية. بمعنى أن أي نص يتفاعل ويتداخل نصيا مع النصوص الأخرى امتصاصا وتقليدا وحوارا. ويدل التناص في معانيه القريبة والبعيدة على التعددية ، والتنوع ، والمعرفة الخلفية، وترسبات الذاكرة. وقد ارتبط التناص نظريا مع النقد الحواري .

- تفكيك المقولات المركزية الكبرى: استهدفت مابعد الحداثة تقويض المقولات المركزية الغربية الكبرى كالدال والمدول، واللسان والكلام، والحضور والغياب، إلى جانب مفاهيم أخرى كالجوهر، والحقيقة، والعقل، والوجود، والهوية...

- الانفتاح: إذا كانت البنيوية الحداثية قد آمنت بفلسفة البنية والانغلاق الداخلي، وعدم الانفتاح على المعنى، والسياق الخارجي والمرجعي، فإن ما بعد الحداثة قد اتخذت لنفسها الانفتاح وسيلة للتفاعل والتفاهم والتعايش والتسامح. ويعد التناص آلية لهذا الانفتاح؛ ، كما أن الاهتمام بالسياق الخارجي هو دليل آخر على هذا الانفتاح الإيجابي التعددي.

- قوة التحرر: تعمل فلسفات مابعد الحداثة على تحرير الإنسان من قهر المؤسسات المالكة للخطاب والمعرفة والسلطة، وتحريره أيضا من أوهام الإيديولوجيا والميثولوجيا، وتحريره كذلك من فلسفة المركز، وتنويره بفلسفات الهامش والعرضي.

- الدلالات العائمة: تتميز نصوص وخطابات مابعد الحداثة بخاصية الغموض والإبهام والالتباس. بمعنى أن دلالات تلك النصوص أو الخطابات غير محددة بدقة، وليس هناك مدلول واحد ، بل هناك دلالات مختلفة ومتناقضة ومتضادة ومشتتة تأجيلا وتقويضا وتفكيكا. وبتعبير آخر، يغيب المعنى ، ويتشتت عبثا في فلسفات مابعد الحداثة.

- التخلص من المعايير والقواعد: ما يعرف عن نظريات ما بعد الحداثة في مجال الفلسفة والنقد والأدب تخلصها من النظريات والقواعد المنهجية، فميشيل فوكو يسخر من الذي ينطلق من منهجيات محددة يكررها دائما، ويحفظها عن ظهر قلب، فيرى أن النص أو الخطاب متعدد الدلالات، يحتمل قراءات مختلفة ومتنوعة، كما أن ديريدا يرفض أن تكون له منهجية محددة ؛حيث لا يوجد المعنى أصلا مادام مقوضا ومفككا ومشتتا، فما هناك سوى المختلف من المعاني المتناقضة مع نفسها كما يقول جاك ديريدا.

- مافوق الحقيقة: تنكر فلسفات مابعد الحداثة وجود حقيقة يقينية ثابتة، فنيتشه مثلا ربط غياب الحقيقة بأخطاء اللغة وأوهامها. وجان بودريار الفيلسوف الفرنسي ينكر الحقيقة، ويعتبرها وهما وخداعا، كما يربط الحقيقة بالإعلام الذي يمارس لغة الخداع والتضليل والتوهيم والتفخيم.

ومن ثم، فقد أدلى جان بوديريار بمجموعة من المفاهيم، كالحقيقة العائمة، ومافوق الحقيقة، والاهتمام بالخيال العلمي، والعناية بالعوالم الافتراضية غير المتحققة. ومن هنا، فقد انتقد العلاقة بين الدال والمدلول عند فرديناند دوسوسير ، حيث أنكر كجاك ديريدا وجود معنى واضح، بل قال بالمعنى المغيب... ، حيث لايمكن لأحد أن يعيش أي تجربة ، وأصبح للعبث لهجة واضحة تلك التي تمتلكها الولايات المتحدة الأمريكية.

وهو القائل أن حرب الخليج لم تكن حقيقية، بل كانت حدثا إعلاميا ، إنها حرب دون أعراض الحرب. وهذا ماقاد العديد للشك في أن بودريار نفسه قد ابتعد إلى مافوق الحقيقة، ولم يعد يسكن جسدا دنيويا.

وعليه، فقد دفعه مفهوم مافوق الحقيقة إلى الاهتمام بالعوالم التخييلية والافتراضية.. وكما سبق الإشارة إليه وجدت رؤيته للعالم أصداء في السينما، وخصوصا في ذلك النوع من الأفلام الذي يصبح فيه الواقع الافتراضي غير مميز عن العالم الحقيقي.

ونستدعي أيضا من رواد فلسفة مابعد الحداثة  المفكر الفرنسي جان ليوتار، الذي أنكر الحقيقة مثل: نيتشه، فالمعرفة برايه لا يمكنها أن تقدم الحقيقة ؛ لأنها تعتمد على ألاعيب اللغة التي هي دائما ذات صلة بسياقات محددة.

وأهم مايطرحه جان فرانسوا ليوتار في إطار مابعد الحداثة  هو التحرر من الالتزام بالقواعد المنهجية والمعايير المسبقة.

ويعد جاك ديريدا كذلك من أهم فلاسفة مابعد الحداثة ، حيث اهتم بتفكيك الثقافة الغربية ، وتقويض مقولاتها المركزية بالنقد والتشريح، بغية تعرية المؤسسات الغربية المهيمنة. ومن ثم، فقد ثار دريدا على مجموعة من المقولات البنيوية كالمدلول والصوت والنظام والبنية، وغيرها من المفاهيم ، ودعا إلى تعويض الصوت بالكتابة ، وأن المعنى لا يبنى على الإحالة المرجعية، بل على الاختلاف بين المدلولات المتناقضة. كما أن دريدا ينكر القواعد والتعاريف والمعايير والمنهجيات الثابتة. لذا، فالتفكيكية منهجية وليست منهجية، لها خطوات وليس لها خطوات، هي ما بين بين، بين الداخل والخارج. ما يهمها هو تفكيك الفكر والنص والخطاب ، وذلك عبر آلية التشتيت والتقويض والهدم،  لبناء المعاني المختلفة والمتناقضة، والتشكيك في المسلمات اليقينية ، ودحضها عن طريق النقد والتشريح والاختلاف.

هذا، وقد انتقد جاك ديريدا الميتافيزيقا الغربية التي تمثل الحضور واللغة والدال الصوتي. ومن ثم، قوض مجموعة من المفاهيم السائدة، مثل: الهوية، والجوهر، واللوغوس، والعلامة، والمدلول، والظاهرة، والنظام، والكلية، والعضوية، والجوهر، والواقعية، والحقيقة، واليقين.

هذا، ويعد ميشيل فوكو كذلك من رواد مابعد الحداثة ، وقد اهتم كثيرا بمفهوم الخطاب والسلطة والقوة ، حيث كان يرى أن الخطابات ترتبط بقوة المؤسسات والمعارف العلمية. بمعنى أن المعارف في عصر ما تشكل خطابا يتضمن قواعد معينة يتعارف عليها المجتمع، فتشكل قوته وسلطته الحقيقية. هذا، ولقد اهتم فوكو كثيرا بتحليل الخطاب ، ورفض التقيد بالمناهج الجاهزة، واستعمال آليات مكررة ، واعتبرها بمثابة علبة للمفاتيح. فالنص منفتح ومتعدد، لايمكن قراءته قراءة أحادية فقط. ويعني هذا أن فوكو يؤمن بتعدد  القراءات واختلافها من قاريء إلى آخر.

ومن جهة أخرى، اهتم جيل دولوز  بالتعددية والانفتاح على الآخر إدراكا وتفاعلا، حيث اعتبر الفلسفة بأنها فلسفة التعددية. ومن ثم، فقد انتقد الهوية وفلسفة الواحد والتطابق.

بيد أن من أهم سلبيات ما بعد الحداثة اعتمادها على فكرة التقويض والهدم والفوضى، إذ لا تقدم للإنسان البديل الواقعي والثقافي والعملي، فمن الصعب تطبيق تصورات مابعد الحداثة واقعيا لغرابتها وشذوذها. وبذلك، استهلكت مابعد الحداثة قدرتها الإستراتيجية الفعالة في إبراز التحيزات المجحفة دون أن يكون لها موقف أخلاقي أو سياسي أو اجتماعي. ويعجب المرء من المفارقة بين قوتها العدائية ضد التحيزات والنهاية المحايدة التي تنجم عن مثل هذه الحرب الضروس. ولعل مثل هذه النهاية هي التي دعت الكثير إلى توجيه أصابع الاتهام. فهناك من يقول: إن هذه السمة ذاتها هي التي تجعل ما بعد الحداثة متواطئة مع الأشكال الشمولية القمعية التي تسعى إلى الهيمنة والسيطرة والظلم الاجتماعي الاقتصادي. لاغرو والحالة هذه أن تدخل ما بعد الحداثة  مجال العلوم الإنسانية حديثا جدا، وحتى هذا الدخول لم يتسم بالفعالية نفسها التي عرفتها في الفن والأدب والموسيقا والاستعراضات المسرحية وغيرها من مشارب الحياة اليومية التي لايترتب عليها اتخاذ قرارات حاسمة تمس حياة الإنسان مباشرة. ولعل المفارقة القارة التي تجعلها عاجزة هي معاداتها للثنائية الضدية، إذ إن التضاد أساس المعرفة وأساس التحيز، وبدون التضاد لايمكن معرفة ما إذا كان توجه ما أفضل من غيره. ولذلك، فإن دفاع مابعد الحداثة عن الهامش جعلها تتقمص خصائصه، إذ انقلب على أهميتها، فأصبحت هامشية لا تغير من الواقع شيئا. وككل هامشي، أصبحت مابعد الحداثة تتمنى أن يتحقق الوئام فجأة ، فتسود العدالة، وتختفي الطبقية الهرمية، ويختلط المركز بالهامش، وتلغى الفوارق من غير تحيز أو غاية. هذه هي الطوباوية التي تحلم بها كل المثاليات: حداثية كانت أو مابعد حداثية.

ويلاحظ أن نظرية مابعد الحداثة تقوض نفسها بنفسها ؛ نظرا لطابعها الفوضوي والعدمي والعبثي. وفي هذا السياق، يقول دافيد كارتر:" وقد اجتذبت مابعد الحداثة نقدا إيجابيا وسلبيا على حد سواء. فيمكن أن ينظر إليها على أنها قوة محررة إيجابية تزعزع استقرار الأفكار المسبقة عن اللغة وعلاقتها بالعالم، وتقوض جميع لغات الذات التي تشير للتاريخ والمجتمع. ولكن تعد حقبة مابعد الحداثة أيضا أنها تقوض افتراضاتها الخاصة، وتحجب جميع التفسيرات المترابطة. وبالنسبة للكثيرين تعد غير مؤثرة وغير ملتزمة من الناحية السياسية.

الى هذا الحد نجد أن مايهم الإنسان في واقعه العملي هو التأسيس والتأصيل، وليس التفكيك والتقويض، مع السعي الجاد إلى البناء الهادف بدلا عن الانغماس في عوالم افتراضية عبثية وعدمية وفوضوية.

 

ا. م. د. سامي محمود ابراهيم

رئيس قسم الفلسفة/ كلية الاداب/ جامعة الموصل/ العراق

 

مادونا عسكرإنّ سرّ فرح الإنسان هو لقاؤه بالله. ولا يدرك هذا الفرح إلّا الّذين اختبروا عميقاً حضور الله السّعيد في أعماق نفوسهم. الله السّعيد أو الله السّعادة، ذلك هو فرح الإنسان الحقيقيّ والباقي تفاصيل تمهّد لهذا اللّقاء الّذي يستلزم نقاء القلب المحبّ. "طوبى للأنقياء لأنّهم يعاينون الله" (متّى 8:5).

لم يجد الإنسان تعريفاً حقيقيّاً للسّعادة؛ لأنّها غير مدرَكة في هذا العالم. ولعلّ مفهومها هشّ وسطحيّ عند الّذين يربطون السّعادة بالمادّة أو العاطفة أو النّجاح. إنّ هذه السّعادة ليست سوى حالة سرور مؤقّت ما تلبث أن تخمد في انتظار حالة جديدة. وأمّا اللّقاء بالله فهو حالة السّعادة الحقيقيّة الّتي لا تنتهي؛ لأنّ هذا اللّقاء يأسر الإنسان ويخرجه من ذاته ليغرق في القلب الإلهيّ. ومن يلج هذا القلب لا يمكنه العودة. فإذا كان الإنسان يدخل السّعادة في لحظة لقاء المحبوب الإلهي فكيف يمكن وصف السّعادة الإلهيّة؟ الإنسان ينتقل من حالة البؤس إلى حالة السّعادة عند اللقاء بالله، كما هو الحال في لحظة الخلق. بمعنى آخر، كان الإنسان حاضراً في الفكر الإلهيّ ثمّ خلقه الله على صورته كمثاله. وكما أنّه خُلق من صلب المحبّة الإلهيّة كذلك يُخلق من جديد من صلب السّعادة الإلهيّة. حين تلد الأمّ ابنها تشعر بسعادة لا يعرفها إلّا هي، ولا يدرك مكنونها إلّا الأمّ كمانحة للحياة. وترافقها هذه السّعادة كلّما التفتت إلى ثمرة أحشائها، وكلّما أعطت من ذاتها ليحيا ولدها وتظلّ تتنعّم بها إلى أن تلفظ أنفاسها الأخيرة. هذا الشّعور غير الموصوف الّتي تعجز اللّغة عن وصفه ويعجز العقل عن شرحه يمكن أن يجعلنا نتلمّس السّعادة الإلهيّة لحظة الخلق.

لقد خلق الله كلّ شيء بسعادة؛ لأنّه يرى أنّه حسن، أي أنّ فيه جمالاً خاصّاً. لكنّه لمّا أراد أن يخلق الإنسان قال: "لنصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا" (تكوين 26:1). والقول مرتبط بالصّنع، فدلالة القول تشير إلى أنّ الإنسان كان حاضراً في الفكر الإلهيّ والصّنع دلالة على ارتباط الفكر بالحبّ الإلهيّ، لأنّ الله صنع الإنسان على صورته، بعد أن خلق كلّ شيء بفعل "كن". (ليكن نور...) لكنّه لم يقل ليكن الإنسان، ما يدلّ على ارتباط مباشر وخاص بالصّورة الإلهيّة. وبعد خلق الإنسان نظر الله ورأى أنّ ما صنعه حسن جدّاً. تؤكّد عبارة (حسن جدّاً) سعادة اللّحظة، لحظة الخلق، اللّحظة الّتي خرج فيها الإنسان إلى نور الأرض. إنّها سعادة الله بالحضور الإنسانيّ، ولحظة انفجار الحبّ الإلهيّ الّذي أوجد الإنسان الّذي على صورة الله.

إذا كان في الأبناء شيء من صورة والديهم، فلا بدّ من أنّ في الإنسان صورة خالقه. ولا نقف عند الصّورة الماديّة، بل ندخل إلى عمق الصّورة وتفاصيلها. ففي الإنسان ما هو إلهيّ، وهنا ينبغي التّوقّف عند مفهومنا لله حتّى نتلمّس بعضاً من السّعادة الّتي ملأت الكون لحظة خلق الإنسان. كما يلزمنا أن نبتعد وننسى كلّ ما صُدّر إلينا عن الله  من إسقاط الفكر الإنسانيّ على الفكر الإلهيّ. ويعوزنا أن نرتقي ونرتفع إلى مستوى الكلمة الإلهيّة لندرك معنى السّعادة الإلهيّة.

الله ينظر إلى الإنسان بدهشة (ورأى أنّ ما صنعه حسن جدّاً). إنّها دهشة الحبّ الّتي تنعكس على الإنسان المتعطّش إلى جماله الأوّل (على صورته كمثاله). فيمسي في ذات الدّهشة عندما يلتقي بالنّور الإلهيّ. لذلك نرى كلّ العاشقين لله في حالة صمت وفرح واحتمال؛ وذلك لأنّهم يعاينون الصّورة الأصل والجمال الّذي خُلقوا على صورته. إنّها الدّهشة السّعادة الّتي تنمّي الحسّ الإنسانيّ الحقيقيّ. وإلّا فكيف نفهم سعادة الحلّاج المصلوب الّذي تفنّن في قتله مُعادو الجمال والحبّ؟ وكيف نتبيّن سعادة القدّيس أغناطيوس الأنطاكي وهو يخطو نحو الوحوش كما يطأ الملكوت؟ وكثيرون ممّن غمرتهم السّعادة الإلهيّة وأخرجتهم فعليّاً من العالم فتمازجت أرواحهم بالله، أدركوا السّعادة الّتي يبحث عنها كلّ إنسان. لكنّ الإنسان غالباً لا يعرف كيفيّة البحث، أم إنّه ينجذب إلى سعادة وهميّة فيبني حاجزاً بينه وبين السّعادة الإلهيّة.

الله السّعادة حقيقة يكتمل بها الإنسان وسيظلّ يتخبّط في قلقه وخوفه وفوضويّته ما لم يدرك هذه الحقيقة الّتي تعرّفه على سبب وجوده في العالم، ألا وهو اللّقاء بالسّعادة الإلهيّة.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

احمد الكنانيحظي كتاب مدارات عقائدية ساخنة.. حوار في منحنيات الأسطرة واللامعقول الديني، للأستاذ الصديق ماجد الغرباوي، ومحاوره الاستاذ طارق الكناني، على اهتمام بحثي ونقدي من قبل المهتمين بالشأن الديني حاله حال اغلب الدراسات التي تتخذ من اللامعقول الديني محورا لها في محاولة منهم لإيجاد فهمٍ اكثر واقعية لموضوعات الدين او المذهب، وكونه بحثا شموليا يجيب على تساؤلات تحمل الكثير من الهمً الشيعي المعاش كقضية المهدي ونوابه الأربعة وما يتوقف على ذلك من مسألة الخمس وولاية الفقهاء .

ولعلنا نجد قارئا للكتاب مطلعا على محتوياته لا يرى فيه ايً جديد يستحق الإشادة  او حتى استعراض بعض من فقراته دراسة او نقدا، اذ ان الحديث عن الولاية التكوينية او الرجعة او الشفاعة او حتى قضية المهدي هو اجترار للكلام دون جدوى .

وقد اتفق مع هذا القارئ فيما ذهب اليه، نعم هو اجترار للكلام دون جدوى، فعقيدتي ان بعض مما يسمونه عقائدا و متبنيات او حتى أصول مذهبية لا تناسب فكر وتطلعات المتلقي اليوم، وانها كانت تحاكي عقلية وسذاجة أبناء ذاك الزمان، ولذا النقاش في العقائد لا يستهويني كثيرا واراه مضيعة للوقت والجهد. غير أن الكتاب يعالج قضايا هي من صميم العقيدة، والناس بأمس الحاجة لمعرفة الحقائق الدينية، فاكتسب من هذه الجهة أهمية خاصة. كما أن الغرباوي كان بصدد الإجابة على أسئلة محاوره الاستاذ طارق الكناني.

لكن ما دعاني الى تسجيل بعض الملاحظات على كتاب مدارات الصديق ماجد الغرباوي رغم انه يدور في ذاك المدار هو بعض ردود الأفعال المتشنجة على الكتاب واتهام الكاتب بركوب موجة الإصلاح، وان كتابه يفتقر الى المنهج في دراسة الثوابت العقائدية .

ليس انتصارا للكاتب كصديق ونصرته ظالما اومظلوما، وانما لألفات النظر الى المنهج الذي اتبعه الأستاذ ماجد الغرباوي في مناقشته قضية المهدي والسفراء الأربعة الذي يجعل من الوقائع التاريخية حاكمة على صحة الواقعة وليس الرواية والخبر رغم ان قصة النواب الأربعة لا تسعفها لا رواية ولا خبر.

وهذه من أمهات المصائب التي ابتلي بها الفقهاء سنة وشيعة؛ اذ جعلوا استدلالاتهم مبتنية على الروايات واستنطاقها وقصر النظر عليها دون غيرها؛ فكل ما يحتاجونه يجدونه مسطورا في الروايات، حتى تعدى ذلك الاحكام الشرعية الى العقائد والتفسير، ودليل ذلك: ان القرآن لو اختفى عن الوجود  سوف لن يختفي الفقه بل يبقى كما هو بتفاصيله وتفريعاته طالما البخاري والكافي بين أيديهم .

ينقل الدكتور سروش حوارا دار بين الشيخ الصادقي ـ وهو من دعاة الاستناد الى القرآن في الاستدلال على الاحكام الشرعية ـ وبين السيد الخميني ، يعترض فيه الشيخ الصادقي على فتوى الخميني حول جواز الزواج بالمرأة الزانية وانها لا تناسب  الآية ٢٦ من سورة النور وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ، وفي الجواب يقول السيد الخميني انه لم يلحظ هذه الآية اثناء الفتوى .

وهذا الامر واضح جدا لمن خبر مجالس الفقهاء فالكتاب الوحيد الذي بين أيديهم هو وسائل الشيعة للحر العاملي .

وعلى الرغم من ان المنهج التاريخي في مناقشة ما تسالم عليه في العقائد على الخصوص في الوسط الشيعي ليس بالأمر الجديد، فقد دعى اليه الدكتور على شريعتي في الستينيات واتخذه منهجا في دراسة الاثمة الاثني عشر تحت عنوان "الامام التاريخي لا الروائي" فكان ينظر الى الامام من خلال الوقائع التاريخية وليس من خلال بحار الانوار، فالإمام التاريخي بشر ضمن حقبته الزمانية، وامام بحار الانوار كائن خارق للعادة، يتمتع بمعجزات تفوق معجزات الأنبياء.

وبقي منهج شريعتي هو السائد لمن جاء بعده فتبناه عبد الكريم سروش ودافع عنه اشد الدفاع وكذلك شبستري وملكيان وغيرهما من المفكرين الإيرانيين، وذهبوا به بعيدا حتى أصبحت الدراسات المذهبية لا تعنيهم كثيرا بقدر ما تعني رجال الدين ووعاظ المنبر ممن يعتاش على تلك التصورات ، فالمهدي انما يعني شيئا لرجل الدين وحده ولا يعني شيئا للفرد الشيعي.

وعليه فلإصلاح في المذهب الذي رفع لوائه شريعتي اصبح عند المفكرين المنتمين الى خطه مجرد ديكور على نافذة الاطلال .

يذكر أن المعروف عن ماجد الغرباوي أنه يوظّف مجموعة مناهج نقدية في بحوثه ودراساته، قد يغفل عنها غير الخبير، كالمنهج التحليلي، المقارن، الوصفي، والتأمل الفلسفي، ويرتكز دائما للتفكيك والحفر المعرفي. اضافة للمنهج التاريخي، وارتكازه للعقل قبل النقل، والقرآن دون الحديث في الاستدلال على آرائه في هذا الكتاب. 

75 madarat2 600

احمد الكناني

 

مقدمة صغيرة: تكوَّنتَ أسس مدارس كتابة التاريخ عند العرب منذ بداية الإسلام، حيث تبلورت خلال عقود قصيرة تطور رؤى منهجية تاريخية من وجهة نظر التَّفَكُر الإسلامي عامة؛ خلال الفترتين الهجريين من سيادة الخلافة الأموية والعباسية (أي من القرن السابع حتى الثاني عشر الميلادي)، فظهر عدد من كتَّاب التاريخ عرضوا تطور تاريخ البشرية حسب المفهوم الإسلامي، وركزوا على تعبير"الأُمَّة" بمفهوم إسلامي واحد يشمل الإعتقاد والسلوك الذاتي (كان إبراهيم أُمة) والإجتماعي (الصلاة جامعة) والإيماني(إلآه واحد خالق وتوالي الرسالات كما ذكرها القرآن الكريم).

يعتبر إبن خلدون أحد أبرز كُتَّاب تاريخ العرب في عصره من الجيل الرابع، ومُبدع استكشاف القوانين الاجتماعية (بين البداوة والتمدن) التي تتحكم بمصير الدول والمجتمعات.

1- مَنْ هو إبن خلدون؟

 هو أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي الملقب بولي الدين، وأصله من قبيلة كنده.وهو غير أخيه يحيى (أبو زكريا). وهما من أسرة أندلسية،

ولِد المُتَفَكَّر العربي المسلم عبد الرحمن ابن خلدون في1 غرة شهر رمضان732 هـ/27 مايو 1332م في مدينة تونس من أحد أبناء عائلة غنية قدمت من حضرموت أي جنوب اليمن؛ ثُمَّ هاجرت في القرن التاسع إلى الأندلس فدخلت الأندلس بعيد الفتح واستوطنت ( قرمونة ) ثم ( أشبيلية ) ولعبت دورا مهما في إدارة قصر مدينة غرناطة وغيرها.

رجعت عائلته إلى شمال أفريقيا.عندما تقلص الحكم العربي الإسلامي وخسر الحُكم العربي القسم الأكبر من الأندلس في القرن 12 م.

كان ابن خلدون- وأخوه يحيى- من كتاب التأريخ حيث تعلما من والدهما وعلماء عصرهم مختلف العلوم (الدينية والنقلية) مما أهلته للعمل كاتباً في سن العشرين عاما من عمره عند سلطان تونس لعامين.ثم دخل عام 1354 م في خدمة سلطان مدينة فاس الذي أغدق عليه نعمه وقربه إليه مما أغاظ حساده فكادوا له عند السلطان فحبسه. خرج إبن خلدون من السجن بعد وفاة السلطان عام 1359. فذهب إلى أشبيلية وغرناطة عام 1362 حيث عُرِفَ فيها شاعراً ومؤرخاً.  توطدت علاقة صداقة بينه ووزير بلاط غرناطة تسلم فيها ديوان الكتابة بعض سنين حتى 1365 ليتركها بسبب منافسة مع الوزير ابن الخطيب ومؤيديه؛ وتبع تلك بعض سنين انتقل ابن خلدون بين، سلاطين شمال أفريقيا. لقد عمل في التدريس في الزيتونة بتونس وفي جامع القيروان والقرويين والأزهر في القاهرة وعمل قاضيا. في عام 1375 ترك مواصلة طموحاته السياسية وأعتزل أربع سنين في قلعة ابن سلامة بالقرب من تونس في شمال غرب الجزائر لكي ينصرف لكتابة كتابيه العبر والمقدمة في علمي الإجتماع والتأريخ خلال ثلاث سنين في وقت نضجت معلوماته وخبراته ومعايشاته في ظرفه التأريخي أيام ضعف الحكم العربي وانتشار حكم السلاطين في الأندلس وشمال أفريقيا. فكتب تأريخ العرب والبربر؛ فلكي يكمل ابن خلدون كتابه هذا إحتاج لمراجعة مصادر عديدة من الكتب؛ يمم وجهه لتونس عام 1378 حيث استقبله سلطانها بود؛ هنا أكمل ابن خلدون كتابه التأريخي وفي نفس الوقت قدَّم دروسه؛ قام معارضيه بتحريضات ضدَّه مما اضطره لترك تونس فقرر الذهاب للحج إلى مكة عام 1382؛ في طريق سفره وصل إلى مدينة الاسكندرية ولما توجه إلى القاهرة؛ سبقته شهرته كعالم فتمَّ تعيينه أستاذاً في جامع الأزهر؛ بعد وقت قليل عينه سلطان مصر رئيس القضاة لمدرسته الدينية؛ من خلال شدة عدله في الأحكام العامة وسوء استغلال القوانين فأضحى هنا كذلك غير محبوبا. عندما غرقت سفينة كانت توصل عائلته في سفرها من تونس إلى الإسكندرية؛ رجا إعفائه من العمل فبقي سنة قبل أن يسافر إلى الحج عمل فيها على إكمال كتابه العلمي لنهاية عام 1394.

عُيَّنَ إبن خلدول بعد رجوعه من الحج بعد عدة سنين قاضي القضاة في القاهرة وأضحى له دور في مهم في السياسة؛ فشارك في عام 1400 في الدِّفاع ضد غزو المغول بقيادة تيمور لنك(1336-1405) الذي حاصر دمشق؛ واعتقل هناك لمدة 35 يوما؛ كتب معاصريه بأنه قد شارك في عقد الصلح مع تيمور لنك الذي طلبَ منه أن يرافقه الى سمرقند؛ لكنه رفض ذلك ورجع الى مصر؛ وتوفى في القاهره ودُفن فيها يوم 26 من رمضان 808 هـ/16 مارس 1406 عن عمر بلغ 76 عاماً.  

آرآء مختلف العلماء في أعمال إبن خلدون: 

عاش إبن خلدون في عصر تداعى السلطان العربي وبضمنها الثقافة  العربية الإسلامية في القرن الثاني عشر في اسبانيا وشمال أفريقيا، فكان يُغَيِّر مكان عمله خلال التغيرات السياسية المحيطة به؛ فلم يستطع في واقع ظرفه تكوين مدرسة خاصة به ولذلك بقي هو العالم العربي الاجتماعي الحضاري الوحيد الذي لم يكن له طلاب يحملوا  آراءه مباشرة ويوسعوها بحثا ونشرا، (كما هو واقع الحال في الفقه الاسلامي ومدارسه والحركات السياسية المُبرقعة بتأويلات دينية توسعت بشكل كبير وفرقت المجتمع الاسلامي بهدف تنظير التأويل للنص الديني لواقع متغير كما ذكره القرءآن الكريم (وتلك الأيام نداولها بين الناس لعلهم يعقلون)، في حين ظل فترة طويلة غير معروف بين العرب والأوربيين؛ ذكرت أنا ماري شِمل* "أنَّ كتاب تأريخ العرب والبربر في كتاب المُقدِمة قد تُرجِمَ في بداية القرن 18 الى اللغة التركية وبعد مائة عام ترجم الى اللغة الفرنسية ثم ترجم بعد خمس سنين الى اللغة الانكليزية".[2] سُمِّيَ إبن خلدون ب "مونتيسيكيو العرب" عند المستشرق النمساوي ج هَمَرْ بوركشتال فبدأ مختلف العلماء الكتابة عنه من وجهات نظر متعددة. إكتشفه علماء الإجتماع من خلال روبرت فلينتس في كتابه " تأريخ الفلسفة" عام 1893؛ منذ هذا التأريخ نمت وتعمقت الاهتمامات بكتابات ابن خلدون الاجتماعية وتأريخ الفلسفة. لاحظت أنا ماري شِمل:" ....يمكن التثبت مَنْ مُقارنته ب ميكيافلي وفيكو وجيبون ومونتيسيكيو وجوبيناو وأبَّادي مابلي  و هيردر وهو بجانب برجسون وكوندورسة وكومبتَ وبولين؛  وله علاقة مخصوصة بنظريات كل من  تاردس ووجهة نظر في تفكير تاريخ الفلسفة عند بريسنجس؛ وفلسفة الدين بافكار وليام جيمس. مرة قورن ابن خلدون بممثل لما يسمى عِلم خصائص الشعوب؛ وآخرون سموه 

بأنه فَهِم تأريخ الاقتصاد؛ في حين عَدَّهُ فون كريمر المُدافع عن الفكرة القومية في التأريخ بمعنى أنَّهُ المؤيد لفهم تأريخ السياسة.3) أيقظت كل مؤلفات ابن خلدون اهتماما واسعا في اوساط العلماء الاوربيين؛ وهذا يبين الرأي السائد عندما عبَّر فيليب هيتي برأيه عن ابن خلدون"مكتشف الحقائق وعلم التأريخ ومؤسس علم الاجتماع  وأنه أكبر مؤرخ لكل العصور". أما كريستيان رابوبورت فاعتبر ابن خلدون رائدا قبل كارل ماركس. 

زمن إبن خلدون: 

فقد العرب قوتهم المركزية ببغداد بعد الغزو التتري في القرن الحادي عشر؛ وخسر العرب قوتهم المركزية في الأندلس وشمال أفريقيا في القرن الثاني عشر؛ فحدث إنكسار الحضارة العربية في هذا العصر. عندما ولد ابن خلدون في تونس؛ كانت قد تواجدت بعض بقايا صعود قوة الخلافة العالمية؛ ففي مصر حكم سلاطين المماليك؛ وفي اسبانيا بقي ناصر الدين فقط في غرناطة من الحكم الاسلامي؛ وتواجدت عمليا ثلاث دول في شمال أفريقيا: المغرب تحت حكم المارينيدن وتلمسان تحت حكم عبد الواديدين وافريقيا تحت حكم حافظ الدين وتوجد حروب متقطعة بين هؤلاء الحاكمين الثلاث .

ساهم البربر سكان شمال افريقيا الاصليين (ذوو الأصول اليمانية القديمة جدا[3]) في القرن السابع الميلادي بتوسيع قوة الفتح العربي الى شمال افريقيا واسبانيا واضحى العرب تدريجيا المقيمين رقم اثنين في هذه البلاد ففي القرن الثالث عشر تكوَّن مجتمعا عربيا مغلقا. قامت الأُسر مرور الزمنالبربرية في شمال افريقيا بدور سياسي مع العشائر العربية فكونت قوة كبيرة تؤخذ بنظر الاعتبار فحكمت دولاً فتونس كانت في ذلك الوقت مركزا للعرب والاوربيين  في البحر الابيض المتوسط ولها علاقات مع بيزا وفينيسيا ومارسيليا واسبانيا المسيحية 6) 

نظرة على تمهيد المقدمة: 

كتب ابن خلدون كتاب "المقدمة" المشهورة في عام 1375 ميلادية من خلال تجارب حياته المتغيرة؛ فبحث التأريخ الاسلامي أي تأريخ العرب والبربر والفرس وأكثر الأمم التي لعبت دورا مهما في التأريخ. وعلَّق بجانب ذلك على شروط سابقة لكتاب التأريخ االعربي وإعتمد غالبا على مؤلفات المؤرخ الطبري (الفارسي العربي) 839-923  والمؤرخ العربي إبن الأثير 1169-1234 كمصادر لتحليله العلمي حول حياة البدو والتمدن. أنا ماري شِمل تواصل رأيها: يقول هاميلتون جيب: "المقدمة تعرض تحليلا علميا لعوامل للحياة السياسية  والاجتماعية  والاقتصادية التي    هي اسس التشكيل السياسي ونهاية تطور الدولة".7)

إعتبرت أنا ماري شمل إبن خلدون فيلسوف الحضارة.8) لأنه شرح القوانين الاجتماعية التي تتحكم بمسار التأريخ برؤيا دروات أزلية تحيط  بكل حضارة؛ فأعتبروه مؤسس علم الإجتماع وعلوم الفِكر؛ لأنه عرض كل تطور التفكير الحضاري الانساني (للمجتمع  الرجالي) كما هو  يسميه الى عصره يتكون خلال حياة: خارج المدينة (البادية)  والمدينة من خلال الاقتصاد والفنون والعلوم  بنشأة الدولة وانهيارها .

يضم كتاب المقدمة سبعة اجزاء وكل جزء يعرض عددا من المواضيع على سبيل المثال كتاب العِبَرْ يعرض ثلاثة فصول : المقدمة وتأريخ العرب وتأريخ البربر.

يرى سيمون 9) من وجهة النظر التاريخية يكون الفصل الثالث تاريخ البربر له قيمة عالية لما قدمه ابن خلدون من مادة ممتازة فكتابته تعرض ما لدية بكثرة معرفته الخاصة  فهو يشرح افضل مصادر فهم  سلوك سكان شمال افريقيا.

استخدم ابن خلدون تعبير "العصبية" كمحور لتحليل نظريته الفلسفية التي تلعب دورا مهما في نشاة وسقوط الحضارات.

ماذا يعني هذا التعبير او المصطلح في العربية عموما  وعند ابن خلدون في مجال فلسفته التاريخية؟ 

ما هي العصبية: 

قدم المترجمون لمصطلح المركزي ل "العصبية" معاني متعددة؛ ففي دائرة المعارف الاسلامية باللغة الألمانية عرَّفت " العصبية"  ب (باتريوتِسمُسْ) بمعنى: (وطني)  وب (برتاي كايست) 10)  بمعنى: "عَقْلِيَّة التَّحَزُبْ)؛ أما المستشرقة أنا ماري شمل ذكرت بأنها ترجمت كذلك مُصطلح العصبية بهذه التعابير الفرنسية والألمانية: (أسبيرت دي كوربس؛ و ناتسينال إيده " الفِكْر القَومي"؛ و بارتاي كايست "عَقْلِيَّة التَّحَزُبْ)؛ كَماينْ زِنْ " الحَدَسْ القومي" 11)  وتُعرَفها بأنها: القوَّة الرابطة فيما بين قرابة الأصل. أما سيمون 12) فيعتمد على أياد محمد كامل وعلَّقَ أهميَّة كبرى على مُطلق " قرابة الأصل" بمعانيها المتعددة وهي: 

1- التحزُّب لقرابة الأصل

التزام التَآزر بين قرابات الأصل أي العشيرة والعائلة

تمثل قوة حياة العشيرة أو الشعب الذي يقول كلمته المُتَّحِدة.­ في الحاشية (كذلك في ص 50) يُسمي سيمون:"العصبية"غريزة أو سلوك واعٍ بنفسه؛ فتبعث نوعا شعوريا يظهر بظروف معينة طبيعة ناس باستثارة تناسب طريقة سلوكهم  فسيمون يسميها "التضامن" بما  يتناسب مع ال. عدد كبير من العلماء مصطلح الألماني.

أضاف المستشرق كريمر رأيه بعد سيمون:"يمكن ظهور العصبية عند اشخاص هم ايضا اعضاء بمجموعة دخلت في علاقة فيما بينها منذ فترة طويلة ومنغلقة.

تفسير مصطلح العصبيَّة:

يستخدم ابن خلدون مصطلحا مهما جدا بتعبير"العصبية" يكوِّنُ مفتاحا لنظريته في التأريخ؛ يُترجم عدد كبير من الباحثين تعبير" العصبيَّة  ويُفسروها على سبيل المثال:لغوياً العصبية إشتُقَتْ من العَصَبْ بمعنى"الجماعه" كما سبق أنْ ذُكِرَتْ.

كانت العصبيَّة سابقا قبل العصرالاسلامي تعني عند العرب حقيقة مهمة لعدم تواجد قوة اخرى تستطيع صد العدو وحماية الجماعة في تماسكها؛ رأي شمل أنَّ ابن خلدون طوَّر وثبَّتَ هذا التعبير ليتناسب فقط مع المفهوم الاسلامي أي أنَّ العصبيَّة ستقود إكتمالها فقط خلال الدّيِن الذي سيوسع طاقتها لتؤسس حقيقة إستحقاق حكم الله 14) في الأرض.

فصَّلَ سيمون أصل هذا التعبير بأنَّه يقودنا أن كلمة العصبيَّة وردت في مصادر الحديث النبوي "وأنَّ الإسلام يرفضها؛ لأنها تتعلق بالخُلق العشائري البدوي قبل الاسلام؛ ليربطها مع جماعة العشيرة خلال فكرها وسلوكها كتأكيد فردي 15)

الاسلام يرفض عصبية العشيرة؛ ويبدلها بتعبير"الأُمَّة" وفق التصورات الاسلامية. تأمل ابن خلدون أتى من منطلق سهولة ترابط العلاقات  العائلية على نمط مستويات ترابط العشائر فيما بينها. كتبت شمل"...أنَّ الذي وُلِدَ في عائلة معينة؛ اشترته عائلة أُخرى يمكن أن يُثقل بالمسؤلية تبعا لذلك ميل لقسم؛ لحالات أمراض  أو لأنه هروبه من عشيرته بسبب عمل اجرامي16)

ابن خلدون يعبر كذلك أنَّ المرء خلال جماعة العصبية اوأقاربه يمكنه اجتياز معادات عصبية الآخرين. دفاعهم ورد بقوة كافية عندما تكون عندهم عصبية من قوم عشيرتهم.

يأتي الأقربون جدا بالدرجة الأُولى فتربطهم قرابة مُصاهرة العشائر.

توجد العصبية كذلك في المدن الكبيرة؛ الشخص الموما اليه يمكنه  ان يعد نفسه من اجداده المعروفين بالاحترام لأنه إبنهم أو قريبهم لكي يرفع شأن قيمته أمام الآخرين من خلال عشيرته ويفتخر بحياته فهدف العصبية هو السيادة العصبية الحالية أقصد بها عصبية لبلده أو مدينته أو حزبه أو جماعته أو أرآءه التي تنادي لإتجاه أُحادي بمحور ذاتي متضخم ونبذ ما عداه بكل وسيلة. هذا مرض محور الصدامات المستمرة حول صغائر الأمور كما لو أنها أهم عدو لا يجوز التسامح معه إلاّ في حالة خاصة. فعصبية البلد هي اليوم تقسيم الدول العربية تحت أسماء كما كانت قبائل بأسمائها قبل الاسلام وتبدل المحتوى بفعل تغيرات الظروف. فأضحى مواطن كل بلد عربي يعتز بشكل ما لبلده كما كان البدوي ينتمي لعشيرته؛ وقد استولدت هذه العصبية عصبيات متجددة أصغر محورا هو عصبيته لمدينته ومحلته وحزبه وجماعته ولآرائه الشخصية أو التعصبية لجهة ما يمثلها أمام نفسه أو المجتمع حسب دوره الذي يسمح له الظرف ومميزات أخرى للظهور كممثل لما يدعوا له ، فالعصبية المعاصرة تطفو على سطح العيون يوميا بألوان شتى وتحت إمكانيات متطورة جدا.وتُدار من محاور خارجية وداخلية مرتبطة بمصالح مشتركة بغض النظر عن مصالح الأمة كأُمة عربية شخصيتها الإسلام أي وحدة الروح والعمل الايجابي.

 

بقلم د. سامي حسين عبد الستار الشيخلي - سويسرا

.........................

 

Anmerkungen:

Bel،Alfreed:Ibn Khaldun، in: Enzyklopädie des Islam B.2 Leipzig 1913. 419.F

Schimmel، Annemarie: Ibn Khaldun، Schriften zur Soziologie und Kulturphilosophie Hrsg. von Max Graf zu Solms، Tübingen 1951 .S.XVII

XVI

Hitti، Ph.K.:History of the Arabs، London 1937 S.568

Rappoport،CH.:La philosophie de I`histoire comme sience de I°evolution. Paris 1925.(études sur le devenir social، XX.) S.84

Simon، Heinrich: Ibn Khaldun، Wissenschaft von der menschlichen Kultur، Hrsg. VEB Otto Harrassowitz Leipzig 1959 S.17.ff

Schimmel، A. S.XVII

ebda S.XVIII ff

Simon H. S.30

10.Enzyklopädie des Islam B.2 Leipzig 1913. S. 412)

Schimmel، A. S.XVIII f

12.Simon، H. S.50 ff u.Ayad،M.Kamil: Die Geschichts- und Gesellschaftslehre Ibn Halduns. Stuttgart u.Berlin 1930 S.234.

13.Simon، H.S.48 f

14.Schimmel، A. S.XVIII f

15.Simon، H. S.48 f

16.Simon،H. S.50 f

17.Pareto،Vilfredo (1848-1923)  spricht ebenfalls von einer Herrschenden Klassen und Beherrschten. Die Asabiya (bzw.Elite) als Träger der Kultur wird bei Sesshaftigkeit zu einer herrschenden Minderheit، die durch Interessenverschiedenheit gegenüber den rivalisierenden Gruppen Konflikte in der Gesellschaft herbeiführt. siehe Brockhaus Enzyklopädie B.14 Wiesbaden 1972 S.234.

18.Simon،H S. 61f

19.Lexikon der arabischen Welt، Hrsg.Stepfan u.Nandy Ronort Aetemis Verlag Stuttgart 1972 S. 1032

قُدِّم هذا البحث الى قسم دراسة انثروبولوجي في جامعة هايدلبرك في عام 1984 ثم نشر في مجلد كتاب جامعة صوفيا 2/2003 ص403-450 وفي مجلة الفجر في هامبورغ2007 وفي كتاب السبيل مجلد تحت عنوان أوروبا والإسلام 2007 ص 105- 112؛ ونُشر مرة رابعة في مجلة الأخبار الإجتماعية الصادرة في ألمانيا باللغة الألمانية العدد 2008.4 ص 16-23  ويُنشر باللغة العربية لأول مرة.

. 2Bel،Alfreed:Ibn Khaldun، in: Enzyklopädie des Islam B.2 Leipzig 1913. S.419.F

لي زميل سويسري  قدم بحثا الى جامعة بيرن بحث فيه الترجمات والكتابات الصادرة بالغات الاوربية حول مقدمة ابن خلدون قدمه لي ولم يطبعه وما زال لدي للحفظ. وتوجد بحوث عديدة قد تتجاوز الألف بحث بين كتاب ومقالة بعدة لغات حول مقدمة ابن خلدون.

[3]- حسب معلوماتي في الموضوع بأنَّ أصول البربر من بلاد اليمن حيث قد هاجروا منذ فترات طويلة جدا الى شمال أفريقيا وسكنوا جبالها المشابهة لتضاريس بلادهم ، ثم انقطعت اواصر الاتصال بينهم وبين موطنهم الأصلي وتغيرت لغتهم بمرور الزمن، ولم يتأقلموا مع أي غاز لبلادهم ما عدى الفتح العربي الإسلامي ، حيث اندمجو في الاسلام بعد مرور قرنين من الفتح لشمال أفريقيا، وهم اليوم جزءا من الشخصية العربية الاسلامية في كل مكوناتها.وتوجد محاولات كثيرة من الغرب بالتاثير عليهم باحياء تقاليدهم القديمة المضادة لروح الاسلام والعروبة لكي تنبثق روح القومية  الامازيرية لزعزعة الاستقرارالسياسي والاجتماعي في شمال افريقيا.

 

 

620 توفيق التونجي 1اللغة تحمل دوما سمات التراث وكنت قد تناولت في مادة سابقة السياسة الثقافية من منطلق الفكر القومي مقارنة بالفكر الوطني والمؤسساتي وسأحاول في كتابتي هذا التطرق الى اللغة وخط الكتابة والعلاقة بين تأسيس الدول والكيانات السياسية الوطنية. الوطنية لاحقة محبوبة لقلوب الكتلة الواسعة من عموم الشعب لما فيه من تجرد وسعة في المنظور العام لشعور المواطن العادي بالانتماء الى جغرافية سياسية معينة.  منطلقا مرة اخرى من دولة العراق، تلك الواحة الثقافية التعددية البديعة، بلغاتها المتعددة ولهجاتها البديعة هنا نجد ان للهجة طعم جديدا في البصرة والموصل والعمارة وطبعا اللهجة البغدادية ثم نرى لهجات اللغة الكردية والتركمانية والسريانية. العراق متحف الثقافات وملتقى الحضارات والأمم. سأحاول طرح الموضوع منطلقا من المجتمع العراقي لما في كلمة "العراق" الجغرافية محتوى شامل تنصهر في بوتقته كافة ابناء النسيج السكاني العراقي من قوميات وعقائد واتجاهات فكرية اجتماعية، ادبية، سياسية ودينية انتجتها حوار حضاري انساني سلمي مستمر على ثراه منذ الألف السنين. الشعوب تغير ديناميكيا هذا التغير اما يكون زمانيا أي تتغير اللغات واللهجات وتموت. كلمات تزول بينما تظهر كلمات جديدة أخرى. أي اللغة مثل الكائنات الحية لها دورة حياة.

620 توفيق التونجي 2

هذا شمل خط الكتابة كذلك أي ان لغة ما قد يكون كتبت بخط غير ما هو عليه الان كاللغة التركية الحديثة مثلا. تتغير لغات الشعوب اثر دخولها دين جديد كالمستعربين من الشعوب الإسلامية وحتى مسيحيي الشرق المتحدثين بالعربية. الاحتلال عامل اخر من عوامل تغير اللغة وهذا نراه اليوم في الدول التي نست لغاتها الوطنية وتستعمل لغة المستعمر خاصة في القارة الامريكية من الإنكليزية والفرنسية والاسبانية. الهجرات الكبيرة تؤدي أيضا الى تغير اللغات وكذلك الحروب لذا نرى مثلا لغات غريبة عن بيئتها ك الرومانية الهنغارية الفنلندية ولغات أخرى في اوربا. كما ان هيمنة قوم ما على السلطة والحكم تغير لغات الناس ان كان تقربا بلغة الحاكم او بالقوة. كذلك نرى ان الكيانات السياسية قد تفرض لهجة معينة وتحولها الى اللغة الرسمية للدولة بهدف توحيد اللهجات وتسهيل التواصل بين أبناء الوطن الواحد كتوحيد اللغة الألمانية وانتخاب لهجة اللغة الفرنسية. يبقى ان نعلم ان لغة النص المقدس الأكثر تأثيرا على الناس في جميع الأديان حيث استخدمت حصرا لرجال الدين في العصور القديمة. نرى كذلك ان هناك عقائد منعت أبنائها من القراءة والكتابة كي تبقى اللغة المقدسة حصرا بيد رجال الدين كما كانت عليها في حضارات العراق القديم. هذا نرى ان معظم الأديان تستخدم اللغة كأساس للتعبد.

العراق ومنذ تأسيسه كدولة حديثة بعد الحرب العالمية الأولى وتكوين كيان سياسي اعتمد مبدأ التعددي في التكوين فكانت تسمية الدولة ب" الدولة العراقية " جامعة وشاملة بالقياس مع بعض الدول الحديثة التي الحقت باسمها كلمة "العربية" حتى بعد الجمهورية وابان سيطرة الأحزاب القومية السلبية على سدة الحكم. لا ريب ان مجمل تشكيلات البرلمان الوزارات في الحكومات العراقية في العهد الملكي منذ تأسيسها كانت تعكس تركيبة المجتمع العراقي واتجاهاته المختلفة اذا استثنينا الخط الفكري الماركسي اليساري الذي استثني وابعد عن المشاركة في الحكومات المتتالية ابان العهد الملكية حيث كان الحزب محذورا. رغم وجودها الفعال بين ابناء العراق. هذا الحزب انتشر مع نهايات الحرب العالمية الاولى خاصة في مناطق التماس مع الجيش السوفيتي على خط الحدود العراقية الايرانية حيث مدينة خانقين وانتشر الفكر اليساري في كوردستان انطلاقا من المدن الكوردستانية في ايران الى مدينة السليمانية و حلبجه متجها الى الغرب حيث مدينة اربيل وفي الجنوب العراقي كان للفكر اليساري الاثر الاعظم في توجهات الثقافية لابناء الجنوب المحافظ والمتدين حيث نرى ان الجغرافية الفكرية اليسارية انتشرت في مدن كالناصرية والعمارة وحتى العتبات المقدسة في كوفة، كربلاء والنجف. بقى ان نعلم بان التوركمان لم يتاثروا بالفكر اليساري بصورة عامة وبقوا محافظين على فكرهم المحافظ والتقرب من الفكر العثماني وبالبعض منهم توجه الى فكر التجديد "الكمالية" الذي حمله مصطفى كمال المعروف بكنيته "اتاتورك" والقسم الاخر تبنى الفكر القومي السلبي المسماة "الطورنية" نسبة لبحيرة طوران في أواسط اسيا حيث الموطن الأصلي للعرق التركي. اما في إقليم كوردستان ففي مناطق بهدينان فكان التوجه الفكري القومي الكوردي اكثر انتشارا وبقى الفكر اليساري منحصرا بين ابناء الطائفة الايزيدية على الاكثر في حين كانت في منطقة كرميان منحصرا بالطائفة الكاكائية المتصوفة والمثقفين من الكورد والتوركمان.

ان اتجاهات الفكرية والسياسية لابناء الدين المسيحي بكل طوائفه انقسمت بين كل تلك الافكار وباتت حاضرة بين معظم الاحزاب السياسية من يسارها الى يمينها حيث يفتخر الحزب الشيوعي العراق بمؤسسه الشهيد يوسف سلمان "فهد". كان لمؤسسي الفكر القومي من المسيحيين خاصة في سوريا ولبنان الاثر الاعظم في اتجاه مسيحيي العراق الى الفكر القومي العربي والاشتراكي الذي حاول جاهدا ربط اللغات السامية عموما بالقومية العربية وبذلك اصبحت شعوب العراق القديم جزء من "الامة العربية" بمساعدة من آثاريين عراقيين حاولوا جاهدا الخلط بين اللغة والقومية "انظر الى توجهات الاستاذ احمد سوسة في العراق" متناسين بان فقط المسيحين يتحدثون بالسريانية، الكلمة استخدمت للدلالة على جميع اللهجات،  ولذا أرى بان اللغة ليس الا لغة دين كما عليها اللاتينية في الغرب والتي اندثرت وماتت وبقت فقط في النصوص المقدسة واليوم لا يوجد الكثيرين مما يجيدون هذه اللغة.  ولا اعتقد بوجود علاقة لها بلغة الشعوب العراقية القديمة ك الاشوريين والسومرين والاكدين واهل بابل ولا حتى ب الحضارة الحثية في الأناضول وهذه الشعوب لم تكن مسيحية لان وببساطة هذه الحضارات جاءت قبل ميلاد المسيح عليه الصلاة والسلام بألاف السنين. التاريخ يخبرنا بوجود اليهود في العراق القديم حيث تم سبيهم مرتين من ديارهم في فلسطين. لا ريب ان اللغة السريانية المستخدمة فقط من قبل مسيحي الشرق لها جذورها في الآرامية الشرقية.

اما الف باء الكتابة او الخط فذلك موضوع اخر ليس له علاقة باللغة أي ان لغة أي شعب يمكن كتابتها باي و الف باء. لا يجوز الخلط بين الخط الذي يكتب به لغة ما وأصول الاثني لتك الأقوام والشعوب وكما اسلفت بالإمكان استخدام الخطوط لكتابة أي لغة ولأي شعب. الخط المسماري القديم استخدم في الشرق بصورة عامة من قبل جميع شعوبها دون استثناء.

620 توفيق التونجي 3

رموز الكتابة الصورية الفرعونية

تطور الخط من كتابة صورية ومسمارية الى مجرد خطوط ونقاط ويعود الفضل الى الفينيقيين في اكتشاف الكتابة اللاتينية الحديثة المستخدمة في معظم لغات الغرب. كما ان الكتابة العثمانية أي الخط كانت بالأبجدية وتغيرت الى الخط اللاتيني بعد إعلان مصطفى كمال أتاتورك النظام الجمهوري اثر انهيار الدولة العثمانية عام 1922 مما أدى الى صعوبة فهم الجيل الجديد للنصوص القديمة رغم ان بعض الكتب قد ترجمت كتابة الى الاحرف اللاتينية.  وكما هو معروف ان نصوص القران العربية انزلت شفويا على رسولنا الكريم وبلهجة قريش وليس مكتوبا لذا كان هناك كتبة للقران الكريم وحفظة. ويذكر التراث الإسلامي ان للقران قراءات متعددة نظرا لان المسلمين جميع لم يفهموا اللهجة القريشية آنذاك. يعزى جمع الآيات في قران متكامل الى الخليفة عثمان ابن عفان رضي الله عنه وكتب باستخدام الخط الارامي ان كانت من النصوص العبرية في التوراة أو الآرامية من الانجيل حورت تلك الحروف فيما بعد وكونت الأساس للكتابة الكوفية الغير منقطة والغير مشددة التي أضيفت اليها لاحقا في العهد العباسي. اما ما نشاهده اليوم هو كتابة للقرآن وما يسمى بالخط العثماني ويعزى التسمية الى احد الخطاطين وكان يسمى عثمان وهو الأكثر رواجا بين المسلمين اليوم رغم وجود كتابات بخطوط أخرى واعتقد ان هناك قران في السودان لا يزال يكتب بخط اليد واعتقد انه يسمى ب "سعفان" ومن المعروف تاثر الكتابة العربية الحالية بمعظم اشكال خطوطها بالخط الفارسي و الهندي السنسكريتي في كتابة الخط العربي. اليوم نرى الشباب يتواصلون على شبكة الإنترنت باستخدام الاحرف اللاتينية للكتابة العربية، الفارسية والكردية وريما لغات أخرى ك اليابانية والصينية كذلك.

620 توفيق التونجي 4

كتابة كوفية غير منقطة من الأندلس

لا ريب ان مهد الديانة المسيحية تقع في فلسطين وتاريخيا انتشرت الى اقصاع الدنيا كدين ولا توجد هناك لغة مسيحية مقدسة كما هي عليها في اليهودية والإسلام. اذ كان الناس يتحدثون بالعبرية في عهد ظهور المسيح وان كانت هناك لغة رسمية فقد كانت لغة المحتل الروماني آنذاك. أي ان العبادات المسيحية يمكن اجرائها باي لغة كانت. الا انه ومن فلسطين اتجه احد الحواريين الاثنا عشر الى الجنوب الى سيناء مصر حيث اقدم الاديرة والكنائس "المرقصية" نسبة الى اسم الحواري مرقص. حيث بدا انتشار المسيحية بين أقباط مصر. لكن كدين وليس كلغة. هؤلاء الذين يعتبرون انفسهم ولحد يومنا هذا الأقرب تعاليما إلى تعاليم سيدنا المسيح ولم يجري عليها ما جرى عند انتشار المسيحية فيما بعد في الغرب.  انتشر الدين المسيحي في الجزرة العربية و افريقيا كذلك حيث كانت هناك طوائف يهودية قد سبقت المسيحين في الانتشار في الجزيرة واثيوبيا . لا توجد للديانتين أي اثر في الوقت الحاضر في الجزيرة العربية. بينما اتجه حواريون اخرون شمالا الى انطاكية وقبرص وصولا الى القسطنطينية و روما حيث يعتقد ان القديس بطرس نشرها ولاحقا انتشرت نور الديانة المسيحية في كافة انحاء أوربا و العالم  بعد اكثر من نصف دهر على بزوغها في بيت لحم في القارة الأوربية ومن ثم في معظم انحاء العالم. اتجه الفكر المسيحي في أوائل السنوات الى سوريا الحالية والى الأناضول حيث الكنائس في مدن تركيا الحالية في مدن مثل حكاري ونصيبين و ماردين ، طور عابدين ومدن أخرى كثيرة دليل عل انتشار المسيحية في هذه المناطق ومن ثم انتشارها جنوبا الى العراق ومعظم الكتابات الدينية والاشعار التي وصلتنا بالآرامية وتعود الى شعراء وعلماء دين من هذه المنطقة. وللمزيد حول هجرات المسيحيين الطوعية والقصرية انظر الى كتاب العراق الشمالي لمؤلفه الاستاذ شاكر خصباك.

وهناك اساطير كثيرة حول الموضوع وكيف وصل اول صورة لسيدنا المسيح الى المنطقة والتي تعتبر اصل جميع ايقونات الكنائس القديمة التي صورت المسيح في جميع الكنائس رغم ان الصورة تغيرت لاحقا و لست بصددها ها هنا. وهناك انتشار مسيحي بين الأرمن كذلك وطبعا بين الروم حيث كانت انطاكيا والقسطنطينية حاليا استانبول من اهم الحواضر المسيحية لمئات السنين. بقت المسيحية ديانة للرهبان والناسكين سنوات طويلة وبقى النص الديني المقدس يكتب ويرتل بالارامية القديمة لغة سيدنا المسيح وبعيدة عن لغة العامة. الا انه يعتقد بان اللغة لا تزال حية يتحدث  بها بعض مسيحيي تركيا في جنوب شرق البلاد بينما احتفظ الأرمن بلغتهم ولحد يومنا هذا وزيارة الى كهوف ومغاور الشعوب الاناضولية القديمة وجبال كوردستان حيث الاديرة والكنائس خير دليل على ذلك. نرى كذلك انتشار مسيحي في الشرق في الحدود المتاخمة لدولة سوريا الحالية حيث انتشرت الديانة المسيحية وقصة الملك النعمان بن المنذر واعتناقه للمسيحية ومن ثم الغدر به وقتله من قبل كسرى معروفة. لذا نرى ان الحفريات الاثارية في المنطقة تدل على وجود اثار للأديرة وكنائس حتى في المناطق المحاذية لمدينة المقدسة "نجف الاشرف". لا ريب لا يمكننا الحديث عن وجود اللغة الارامية بين ابناء الشعوب الاناضولية القديمة قبل الميلاد او حتى شعوب وادي الرافدين القديمة. ثم جاء السلاجقة فأسسوا دولتهم في المنطقة على اسس دينية بحته كمثيلتها التركية العثمانية المغولية الاصل. هنا يجب التأكيد على حقيقة مفادها ان الدين المسيحي لم ينتشر كلغة بل بقى النص المقدس يترجم الى لغات الشعوب التي دخلت المسيحية وهذا عكس ما نشاهده في انتشار الإسلام واللغة العربية المتلازمين حيث النص القرآني العربي المقدس لا يترجم.

620 توفيق التونجي 5

الصورة من الانترنت

هذا الارث الثقافي الديني واللغوي الغني في منطقة ما يسمى ب "الهلال الخصيب" استغل من قبل الفكر القومي العربي السلبي في بلورة "رسالة خالدة" انيط منحصرا للعرب فقط بحيث اصبح الغير عربي في المنطقة مضطرا الانشاد بمفاخر الامة العربية والادعاء بالانتماء الى القومية العربية لا لشيء وانما لكونه منتميا ثقافيا إلى لغة تلك الامة أي انه يعيش في وطنه الأصلي لكن يجيد التحدث بلغة العرب.

وكان مقولة :

"كل من تكلم العربية، عربي".

سائدة في أجواء المد القومي العربي. هنا يجدر الإشارة الى ان مؤسس البعث ميشيل عفلق مسيحي رغم ما اشيع لاحقا باعتناقه الإسلام وتسمية ابنه ب محمد وكذلك نرى بان رجال الحزب في القيادة كانوا مسيحيين، شبلي شميل، شبلي العيسمي ، الياس فرح وفي لبنان، أنطوان سعادة، وهو أي عفلق طبعا متاثر بافكار الفاشية الإيطالية  وقد نسخ أفكارهم بالكامل وترجمتها الى العربية وكنت قد كتبت عن الموضوع بإسهاب في مادة سابقة . لكن حين وصلت الفكرة الى العراق كان العرب بالدرجة الأولى ومن كافة الطوائف يسعون لحمل فكرها القومي.  

620 توفيق التونجي 6

اللغة الدينية المقدسة أي النصوص في لغة القران الكريم انتشرت بين امم لم تعرف العربية قط مع انتشار الاسلام في اسيا وشمال افريقيا. هذا ما نشاهده اليوم في اكثر الدول الإسلامية الغير مستعربة "هناك مصطلحات يطلق على المتحدثين بالعربية وهما عرب العاربة والعرب المستعربة" . اما شعوب دول ك تركيا و ايران وبعض الدول الافريقية بقت محافظة على لغاتها القومية كذلك دول أخرى مثل باكستان وأفغانستان وبنغلادش ماليزيا والفلبين و بوسنيا وجميع مسلمي الشرق الأدنى وحتى مسلمي الصين و روسيا ودول بحر قزوين ودول اسيا الأخرى. اما دول شمال افريقيا فأنها استعربت تماما وتعد العربية ثقافتها الاصلية اليوم. لكن الجدير بالذكر ان الامبراطورية العثمانية كمثيلتها الفارسية لم تكن ثقافية بمعنى الكلمة حيث لم تتمكن من نشر اللغة التركية حتى في تركيا الحالية أو في ايران حيث ملايين الاكراد والعرب والسريان والارمن والشركس و الارناؤوط والاظ يتحدثون بلغاتهم القومية في تلك الدولتين لحد يومنا هذا. الا ان انتداب الاستعماري للدول الإسلامية بعد انهيار الدولة العثمانية نشر المستعمر لغاتها بين تلك الدول وكان اشدها وطئه في دول المغرب العربي حيث الفرنسية والإيطالية لغت المستعمر تلك الدول كانت تتحدث بلغاتها من امازيغية وبربرية ولغات أخرى اندثرت واذا عدنا إلى التاريخ نرى بان الساسانيين لم ينشروا الفارسية ولم تكن الدولة السلجوقية كذلك قومية بل كانت تتسامح كذلك حتى مع جميع الاديان من مسيحية وبوذية والدليل وجود اثار في كهوف اناضول تجمع رفاة مسيحيين بجانب المسلمين والبوذيين المغول القادمين من اواسط اسيا. اما جبل نمرود، في تركيا الحالية، فعلى قمتها تماثيل للالهة الغربية اليونانية يواجه الشرق والآلهة شرقية تواجه الغرب. في حين نرى ان الاستعمار الفرنسي كان الاكثر ثقافيا حيث تحول جذري للغة شعوب عديدة في افريقا الى اللغة الفرنسية وقد اضمحل لغاتهم الوطنية لحد يومنا هذا. كانت الانكليزية لغة رسمية في الهند ابان 150 عاما من الانتداب البريطاني ولا تزال اللغة منتشرة في الهند وبنغلاديش وباكستان وتحول دول ك استراليا وكندا، جزئيا، وحتى الولايات المتحدة الى دول ناطقة باللغة الانكليزية اثر سيطرة العنصر الانكلو- ساكسوني مقاليد الحكم في تلك البلاد وانزواء اللغات القومية لشعوبها الاصلية وتهميشها الى درجة اختفائها تماما. كما كانت للغة الاسبانية الاثر الاعظم في زوال لغات شعوب القارة الامريكية الجنوبية ولا يزال اكثر من نصف مليار يتحدثون بها رغم انها لغة المحتل. لكن اثر اللغة العربية لا تزال باقية في المفردات والنطق والحروف اللغة الإسبانية وجدران قصور الأندلس تزينها نصوص من القران واشعار عربية و مقولة " ولا غالب الا الله " .

620 توفيق التونجي 7

 ان سيطرة لغة الحاكم ليس غريبا فنحن غيرنا لغاتنا عبر التاريخ واختفت لغات كالسومرية والاشورية واللغة الفرعونية ولغات حضارة السودان واثيوبيا ولغات اخرى كثيرة تماما بينما بقت نصوصها شاهدا عليها محفورة على الصخر والرخام والفخار ناهيك ان هناك مفردات من تلك اللغات لا تزال تستخدم في لهجات محلية او على شكل مفردات في اللغة المحكية. هناك مئات اللغات التي اندثرت تماما ولا نجد لها اثرا فمثلا في رومانيا يتحدثون لغة غريبة على المحيط السلافي حيث تحيط رومانيا دولا تتحدث لغات تنتمي الى العائلة السلافية ولكن الرومانية تنتمي الى اللاتينية وهي الاقرب الى اللغة التي كان الرومان يتحدثون بها في روما. طبعا هناك تفسيرات تاريخية لتحول شعب رومانيا الى اللغة الرومانية وهجر لغاتها الام الداجية مثلا. ان ما احاول طرحه هو عدم ارتباط اللغة المتداولة لشعب ما مع اصولها الاثنية والعرقية وارتباط اللغة بلغة الكيان السياسي الحاكم أو النص الديني المقدس او اللغة الثقافية السائدة راجع مادتنا حول اللغة الثقافية في مدينة كركوك.

مما سبق يمكن الاستنتاج بان اللغة مكتسبة والاوطان تغيرت لغات شعوبها ولكن الوطن كجغرافية ثابتة يبقى وطنا. بينما نرى ان شعوب هاجرت اوطانها واليوم يستوطنون أوان احتلوها وربما بات شعوبها الاصلية اقلية مضطهدة. ناهيك عن الهجرات الكبيرة عن طريق الحروب أو الازمات الاقتصادية أدت الى انتشار الشعوب بعيدا عن موطنهم الأصلي أي ان ليس كل متحدث بالعربية عربي النسب وليس كل من تحدث التركية تركي وكذلك ليس كل ن تحدث الاسبانية اسبانيا لذا نرى ان شعوب القارة الامريكية المتحدثين بالإسبانية ينعتون انفسهم بأسماء أوطانهم كقولنا مكسيكي، شيلي، ارجنتيني، كوبي اما برازيل فتحدث البرتغالية وهي كذلك لغة المستعمر.

هناك عدد كبير من الشعراء والادباء الذين يكتبون بلغات ليست بلغة امهم الأصلية بل تعلموها لاحقا في المدارس وفي البيئة والمجتمع. هذا ينطبق على ثقافات معظم دول العالم ولا ريب ان اصول الاثنية للكاتب ليس له أي علاقة بإجادته احدى اللغات. هذا الاتجاه أي كون الكاتب لا ينتمي الى اللغة التي يكتب بها محور من محاور التناقض لدن القوميين المتعصبين لقومهم ولغتهم. انظر مثلا ادباء العراق من أمثال نسيمي، فضولي، الزهاوي ، الرصافي ، عبد الرزاق عبد الواحد، لميعه عباس عماره،، بلند الحيدري ،زهدي الداوودي ، حسين مردان، سركون بولص ، صلاح فائق ، جان دمو وعبد الطيف بندر اوغلو وحتى البياتي الذي ينتمي الى عشيرة بيات المغولية ومئات الاخرون. ناهيك عن ذلك نجد اسماء اللغويين من امثال نفطوية وسيبويه والفراهيدي وابن سينا ينتمون الى مجاميع عرقية لا يزال يدار نقاش وجدال على اصولهم الاصلية رغم تقديمهم خدمات جليلة للغة العربية. ناهيك عن المنتمين إلى الديانات الاخرى كأدباءنا من اليهود والمسيحيين والصابئة والايزيدية والكاكئين والشبك ويمكن رؤية هذا بين معظم ادباء الأقطار العربية ك مصر و سوريا  وأدباء المغرب العربي و المنفى لهم دور كبير في انتاج الادبي بلغات اوطانهم الجديدة والتعبير عن واقع حياتهم بلغة بيتهم الجديدة موضوع جدير بالدراسة والتمعن خاصة هؤلاء المتواجدون خاصة في فرنسا ودول اوربية أخرى.

الدولة القومية في واقع الحال تلفظت انفاسها الاخيرة مع انهيار الرايخ الثالث في المانيا النازية وبقت تردداتها الزلزالية تسمع هنا وهناك في الغرب والشرق ومع الأسف لحد يومن هذا. الدولة القومية تعتمد على اسس تمجيد ماضي الامة والمبالغة في قوة الامة العسكرية وإمكانية الفكرية لشعوبها ومدى هيمنتها وسيطرتها على الامم الاخرى أي هي "امبراطورية" التفكير ان كانت في بريطانيا او في اليونان او ايطاليا او اليابان وتركيا او حتى في ايران. طبعا سينعكس هذا المفهوم على مجمل النشاطات الانسانية لتلك الامة وبين صبح وضحاها يتحول كل شيء الى عربي حتى "الارض" تبدا بالنطق بالعربية مثلا. الجدير بالذكر ان هناك العديد من الدول يتكلم أبنائها عدد من اللغات خاصة في و اوربا ك سويسرا ، بلجيكا ، السويد ، اسبانيا ، رومانيا ودول أخرى كثيرة تعددي القوميات والثقافات.

الدولة القومية التي تنطلق من افكار قومية نرى امتدادها في مجمل الحركات السياسية القومية في اوربا اليوم. الجدير بالذكر ان الفكر القومي السياسي الأوربي السلبي وجد ضالته في المهاجرين كي يلقي اللوم عليهم في كل ما يصيب المجتمع من ويلات حتى لو كانت "ازمة اقتصاديه عالمية " فان المهاجر المعذب يقف ورائها. عزيزي القارئ التاريخ يذكرنا بان كانت الهند قد عانت ما عانت من ويل الانتداب البريطاني حتى بدا الشعب الهندي يعزون الخلاف بين اسماك البحر من اعمال الانتداب أي يقف ورائها البريطانيين. نرى كذلك تأثير الاستعمار الثقافي الفرنسي في دول المغرب العربي ودول افريقية أخرى هاجرت تماما لغاتها وبات الفرنسية لغتها الوطنية. لا ريب ان الاتحاد الأوربي قد جمع شعوب الدول الأوربية وقسمها الى مناطق ثقافية وبقى الوطن الأوربي للجميع أي انك نرى احد الدول الاوربية في الاتحاد فيها اكثر من منطقة او حتى إقليم ثقافي وبهذا نجح في إعطاء الحقوق الثقافية للمجاميع العرقية والاثنية المختلفة.

مجتمعات الدول الاوربية تحمل صفات عددية ايجابية ولكن الصفة السلبية القومية منها ترتبط دوما بوجود نسبة لا تقل عن 10% من حملة الفكر القومي السلبي المتعصب للغة قوم او لحضارة قديمة كانت واندثرت وتنعكس تلك النسبة في معظم الانتخابات البرلمانية بين فترة واخرى. ان حملة تلك الافكار يحاولون دوما تجديد اسماء احزابهم ويختارون اسماء حزبهم بما يتناغم والروح القومية العاطفية. هذا الاتجاه القومي جاء الى الشرق مع نهايات الحرب العالمية الاولى في عملية تخريبية ساعدت في انهيار الدولة العثمانية ولكن الفكر القومي العربي الذي وجد اسسه في الفكر الفاشي الايطالي جدد جلده بتطعيم الفكر الاسلامي والرسالة المحمدية الخالدة لضمان التايد الشعبي الواسع في المجتمعات العربية. هذا من ناحية ومن ناحية اخرى تزاوج مع الفكر الاشتراكي حاله حال الحزب النازي" الحزب الاشتراكي القومي الالماني" أي حزب ادولف هتلر. انتشرت الفكرة أي تفتيت الدولة العثمانية انطلاقا من الحجاز ابان الحرب العالمية الاولى بقيادة ضابط المخابرات البريطاني توماس أدورت والمعروف ب لورنس العرب.

لا بد من الاشارة الى ان انتشار الفكر القومي في الشرق لم يقتصر على العرب بل انتشر الى الاتراك والاكراد والفرس. ولكل قوم تجربته القومية الفاشلة في السلطة والحكم ولكننا يجب ان لا ننسى بان الفكر القومي سيبقى لدهور عديدة وينمو كالفطر بين الحين والآخر ثم تختفي لتعود بهيئة جديدة وملبس جديد. ان تركيب الثقافي التعددي للمجتمعات البشرية عامل اسسي وضمان لسيادة روح التسامح بين البشر ولا يمكن في أي حال من الاحوال وحتى في المستقبل ان يسود فكر قومي ويحكم منفردا ويهمش الاخر المختلف. ناهيك بان الإنسان بنفسه لا يختار قومية عند الولادة كما لا يتمكن من اختيار وطنه وزمن ولادته.

ان تجارب القومية الفاشلة في الحكم تجربة انسانية يجب ان يأخذ بعين الاعتبار من قبل الشعوب التي تناضل من اجل نيل حقوقها وانشاء دولتها المستقلة. فهي من ناحية مظلومة ومهمشة من قبل سلطة قومية متسلطة ولكنها تدعوا الى انشاء سلطة قومية رافعا شعارا قوميا وعلما قوميا وحتى يردد اغاني قومية مهمشة تماما وناسية وجود شعوب اخرى تعيش معها جنبا الى جنب. ان الدولة القومية يرأسها قائد قومي ومن الطبيعي ان يفضل قومه على الجميع ناسيا الوطن لان الوطن فيه قوميات متعددة وهذا الفراغ يؤدي لاحقا الى زيادة الشعور القومي عند ما يسمى ب الأقليات. ان رئيس الدولة يجب ان يكون وطنيا ويمثل كافة شرائح وقوميات المجتمع. يجب ان لا ننسى ان اسماء العديد من دول العالم تمثل قوميات معينة كفرنسا والمانيا وبريطانيا وتركيا بينما هناك اسماء اخرى تمثل جغرافية سكانية او سياسية او مكانية ك العراق مثلا.

ان تأسيس أي كيان سياسي على اسس قومية سيؤدي عاجلا او اجلا الى نشوء صراعات طائفية وعرقية بين أبناء الشعب التعددي ويتحول المظلوم بين يوم وضحاها الى متسلط جلاد يهمش ويقتل وينهش بالأقوام الاخرى. ان تجارب الانسانية كثيرة فربما العودة الى صحف التاريخ تقية وضمان لعدم تكرار الماسي مرة اخرى. لا ريب ان الفكر القومي يرى في انتشار قومه في المعمورة عاملا توسعيا أي اينما وجد احدهم من قومه فهناك يمتد حدود دولته القومية وكنت قد اشرت الى العديد من الحواضر والمدن غيرت قومياتها تاريخيا وما كان يوم ما عاصمة للأرمن مدينة وان في تركيا الحالية لا يوجد فيه اليوم الا القليل ممن يزور تلك المدن من الارمن وهذا حال العديد من مدن الدنيا. ناهيك عن التغيرات الاثنية فان هناك عوامل اخرى سياسية ودينية لانصهار بعض الشعوب وزوالهم واختفاء لغاتهم وجزء كبيرا من ثقافته انظر الى دول شمال افريقيا مثلا فاللغة المصرية الفرعونية قد انمحت من بكرة ابيها الا بعض الكلمات في اللهجة المصرية واسماء بعض المناطق والحواضر وحل محلها اللغة العربية. هذا طبعا حال جميع الدول العربية ما عدا دول الجزيرة العربية. تاريخيا لم يكن أي انتشار عربي أو هجرات قبل نزول الرسالة المحمدية الا حالات انفرادية. ان انتشار لغة قوم ما له ارتباط بوجود كيان سياسي كما اشرت سابقا فلغة وثقافة الحاكم تسود دوما.

اما السلطة الوطنية، الغير قومية، فتنطلق من مبادئ توحد شعوبها في قاسم مشترك يعتز به كل الاقوام وقد يكون ذلك عاملا مرتبطا بالجغرافية أو ما يسمى ارض الوطن ويرفع راية تمثل الجميع وليس فقط حزبا واحدا أو فئة معينة. وهنا تجدر الإشارة بان العراق كان يمكنها تغير علمها مع سقوط النظام لكن قادتها الجدد حوروا العلم القديم قليلا ولا يزال العلم العراقي يترجم اشعار صفي الدين الحلي وكان علما للوحدة العربية الثلاثية ومن ثم الثنائية على أساس ان الوانها كانت مرفوعة في علم الثورة العربية الحجازية ضد الدولة العثمانية. الوطن يوحد الناس ذو الآمال المستقبلية المشتركة مهما كان انتمائهم القومي او العقائدي. تلك الاوطان التي تحتضن جميع القوميات وبمختلف عقائدهم في بوتقة حضارية واحدة هي أوطان المستقبل. لذا يجب مراعات وجود شعوب يتكون من عدد من القوميات والعقائد وعلى دساتير تلك الدول عدم ذكر تلك القوميات وان تم تعدادها في الدستور فلا يجب ان تهمل قومية او عقيدة. ختاما اعيد ما ذكرته أعلاه ان الشعوب قد تغير لغاتها واوطانها ويبقى العيش المشترك والحوار الحضاري المبدأ الأساسي لبقائنا احياء على الثرى لحد يومنا هذا.

ان اي تفرقة عرقية او فصلا عنصريا يفضل قوم على اخر سيؤدي حتما إلى انفصال وتفتيت تلك الدول في المستقبل. وان مستقبل الإنسانية مرتبط بحتمية العيش المشترك لجميع شعوب المعمورة في سلام ووئام وفي وطن كبير اسمه الثرى دون حرب ونزاعات والا لا يرى النور أحفادنا في المستقبل على ما نسميه اليوم الكرة الأرضية.

 

د. توفيق آلتونجي

 

احمد شحيمطيمنحنا خطاب النهايات في الفكر المعاصر رؤية جديدة للمعرفة لانبثاق معطيات أخرى تتجاوز فلسفة الأمس عن الإنسان والنزعة الإنسانية في النظر للذات كوعي وحرية وإمكانيات الكائن الإنساني في قدرته على الفعل والتغيير . صورة نمطية مستمرة من اليونان وعصر النهضة والأنوار وأخيرا نزعات الفكر الفلسفي والتاريخي في الوجودية والماركسية والمثالية نحو اختزال الإنسان في طابعه الايجابي الذي يعني القدرة والفعل والحرية وصناعة التاريخ . هذا الكائن المميز ليس سوى صورة جديدة وانعطاف في تاريخ الفكر. يتلاشى بفعل الحتميات والبنيات المتحكمة في خطابه . عمره يقاس باللحظات المفاجئة والعابرة والتي ترسم ملامحه من جديد . ليس كائنا منفعلا أو صورة سلبية بل ذات تتلون بألوان العصر وفلسفته . خطاب النهايات يعكس صورة عن أفول النزعة الإنسانية وتشخيص للواقع الإنساني يعيد تكرار فكرة "موت الإنسان " ونهاية التاريخ والأيديولوجيا والمثقف والدولة ...

خطاب النهايات يعلن عن الاكتمال ويفتح افقأ جديدة للتفكير في ميلاد الإنسان برؤية أخرى . منتج الأدوات والأشياء ومحاط برموز وعلامات يجيد توظيفها في منح الدلالة والمعنى للعالم , ويصبح في قلب السؤال عن محدودية هذا الإنسان إزاء أفكار جديدة تجرفه نحو ما ترمي إليه من مرامي وأهداف.  فالايدولوجيا التي تعتبر نتاج الوعي المزيف في ظل هيمنة النظام الرأسمالي وفق تأويلات ماركس للعالم المادي مصيرها الزوال والتلاشي لأنها أضحت منفتحة على فلسفة جديدة شاملة الغايات والنوايا. والإعلان عن موت الايديولوجيا بمثابة النهاية للفكر الطوباوي والتصورات الحالمة . وان كانت الايديولوجيا في سياقها العام أفكار وتمثلات وتصورات سائدة في لغة السياسة والقانون والاقتصاد والفن والأخلاق أو تطابق بين البنية التحتية والبنية الفوقية في تعريف كارل ماركس فان الأفكار في نسبيتها لا تعبر بالشكل المطلق عن الواقع أي قابلية الفكر للتطبيق والممارسة أو يمكن أن تعكس الأفكار عالما مثاليا في تحديد النهايات كما في النماذج الحالمة من التصورات الخاصة بالقرون الوسطى عن الدولة المثالية في فلسفة القديس اوغوسطين(مدينة الله) وكامبانيلا (مدينة الشمس) أو المدينة الفاضلة في تصور أبو نصر الفارابي في الفلسفة الإسلامية. وجمهورية أفلاطون العادلة . نماذج لما يمكن أن يسعى إليه الفكر الإنساني في إقامة العدالة وتخليق السياسة ونزع الشر والحروب من العالم .

فرانسيس فوكوياما يترك للقارئ الانطباع من الوهلة الأولى أن نهاية الايديولوجيا يعني بداية عصر جديد للفكر المنفتح , وهيمنة الفلسفة الليبرالية في شقها السياسي والاقتصادي والثقافي يعني نهاية الحروب والصراعات وعولمة النموذج الممكن في التقليل من التوترات والحروب والزيادة في قدرات الدول وتمكينها من استلهام الفلسفة الليبرالية في خلق مناخ ديمقراطي وتوسيع مجال الحريات . يتشبع فوكوياما كثيرا بالفكر الغربي من ميادين متنوعة في فلسفة هيجل وسوسيولوجيا ماكس فيبر عن الفعل الاجتماعي والبيروقراطية والسلطة العقلانية الشرعية في تكريس بعد دينامي للممارسة والحكم ويفند آراء كل من نيتشه وكارل ماركس وما يتعلق بالفكر المضاد لليبرالية أي يلتمس جذور الفكرة من التراث الفلسفي والاجتماعي ويعتبر نهاية الايديولوجيا بداية اعتراف العالم بالحاجة للثقافة الجديدة التي تنقل العالم نحو الأمان والسلم دون صراعات وقلاقل . فالقراءة المادية للتاريخ والواقع ينهي الايديولوجيا الليبرالية وينعي الرأسمالية كنهاية حتمية . وعند فوكوياما نهاية التاريخ يعني القبول بالليبرالية كفلسفة في منتهى الإبداع لأجل الرفاهية والحرية وتخليص الشعوب من نيرالأنظمة الفاشية.

فالعالم مطالب أن يختار بين الخير والشر , إذن الديمقراطية الليبرالية انتصرت أخيرا والدولة الليبرالية وليدة عصارة أفكار الفلاسفة ورجال القانون من طوماس هوبس وجون ستيوارت مل وهيجل وجون لوك وماكس فيبر. أفضل عالم ممكن للعيش في سلام بمبادئ الديمقراطية الليبرالية. وإذا كانت النهايات حتمية بالنسبة للتاريخ والأيديولوجيا . فكيف يمكن الإعلان عن موت المثقف واختفائه؟ هل النهاية حتمية أم مجرد توسيع هامش الثقافة في عصر العولمة؟ يبدو أن صورة المثقف الحقيقي ذاك  الذي يحمل قضايا تخترق الحدود والحواجز . يدافع عن الإنسان ويطالب بالحرية في كل مكان يحس فيه الكائن الإنساني بالغبن والحيف . فالفيلسوف الوجودي سارتر في فرنسا تعاطف مع الثورات في العالم . في الجزائر كمثال ونقده الشديد لبلده فرنسا وشجبه للاستعمار والاستغلال في كتابه "عارنا في الجزائر " موقف يثمن المبدأ وثقافة الرفض للظلم . مواقف الفيلسوف سارتر استمرت بالفعل حتى في رفضه جائزة نوبل للآداب في 1964 بدعوى انه لا يكتب من اجل الجوائز بل يكتب للإنسان والإنسانية . فالمثقف إنسان حامل لهموم الأمة والمشاريع الكبرى في التغيير. هذا النوع من المثقف أصبح من زمن الماضي بدليل التحولات التي طرأت على أدواره . المناضل والناقد والرافض لكل هيمنة ووصاية سرعان ما تحول إلى أداة في خدمة الدولة والشركات المتعددة الجنسيات . يقدم دراسات واقتراحات عملية مفيدة في فهم السلوك والعقليات الخاصة بالاستهلاك . ويقوم بدراسات ميدانية واستطلاعية ويعمل في الأجهزة الأمنية كخبير أو مستشار للرصد والمراقبة .

فحينما يتحدث المفكر الفلسطيني ادوارد سعيد في كتابة  "خيانة المثقفين " عن صورة المثقفين في صرخة جوليان بندا عن المثقف الذي تستهويه المصلحة الذاتية والمنفعة . عن الصورة التي تتداعى بفعل الواقع المر. هذا المثقف الذي نطلبه أضحى صورة من الماضي . أصبح الناشط السياسي والفاعل الجمعوي والحقوقي يتمتع بأولوية عند الجماهير . هذا الكائن الذي يعبر بالرفض والكلمات المسموعة في شبكات التواصل الاجتماعي هي الصورة المقبولة في ذهن الجماهير الواسعة . انه يتحرك من مكان لآخر . غير قابع في كهفه وعالمه الليلي بين طيات الكتب يقرأ ويرسم العوالم الممكنة لما ينبغي أن يكون . فالإعلان عن نهايته يعني نهاية صورة للمثقف وإعادة تشكيل صورة جديدة وفق مقياس ما ترسمه سياسة العولمة من تغيرات شملت الإنسان في كل أبعاده الفكرية والنفسية والاجتماعية وشملت أيضا نمط الحياة . وعلى العموم مهما قيل في خطاب النهايات فان للمثقف مكانة في توجيه العقول وبنائها باليات كالنقد والهدم والتفكيك وكل ما يميز الفكر الفلسفي المعاصر في رسم الممكنات للكائن الإنساني . هذا المثقف الذي يحمل في ذاته هموم الشعوب وحنين نحو التغيير وتثبيت مستقبل واعد يعتبر نفسه منبه للسياسة والممكن في الفعل والممارسة . المثقف التقليدي ينتهي ويختفي, فأصبح هذا المثقف يبحث عن ذاته في ركام الأحداث وينتقد العولمة والزمن الضنين في رتابته وانهيار قيمه الإنسانية . ويبكي الأطلال والزمن الماضي الذي كانت الوقائع مفهومة من ذاتها والعالم منقسم بين معسكرات وتيارات أما العالم الآني فهو أشبه بغابة التيه والدروب المعتمة والمتاهات.

عالم اللامعنى والفوضى والتفكيك للبنى وإعادة تشكيلها وفق ما ترسمه النخب وذوي السلطة والنفوذ في عالم السياسة والمال . فالعولمة تيار يخترقنا في بيوتنا وعاداتنا وتفرض علينا تجديد آليات الفهم للواقع والعالم وللشبكة المعقدة من العلاقات الإنسانية. "افعل مثلي إن كنت تتشبث بحقك في الوجود" وان كان المثقف يرفض هذه الشعارات فان الأمر كذلك يصبح مبالغة وتهويل من مخاطر العولمة والصواب يبقى قائما في حاجتنا للمثقف الأصيل وليس ذوي الميولات الانتهازية في اللعب والمراوغة لأجل مصالح البورجوازية والشركات المهيمنة وتمويه الرأي العام بخدمة المجتمع المدني والفئات المقهورة . نهايته بمثابة إعلان جديد عن مواصفات المثقف في زمن العولمة واقتصاد السوق وزمن التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية . كل الناس مثقفون وفق ما يقول انطونيو غرامشي على الوظيفة التي يؤديها الإنسان في المجتمع  والتي تمنحه صفة المثقف . أما المثقف المتعالي (التقليدي) القابع في أبراج عالية فهو مثقف سلبي لا ينخرط في العمل والتغيير نحو الأفضل ولا يعير اهتماما لإيقاع المواطن ونبض الشعوب التواقة للحرية والتحرر من نير الاستعباد والاستبداد بأشكاله . ويجب القول أن هذا النوع من المثقفين انتهى بالفعل وعودته مسألة مستبعدة. أما وضعية المثقف في العالم العربي فهي بالتأكيد وضعية صعبة يعيشها لذاته وبانخراطه في الواقع الاجتماعي . مثقف قطري ينشد التغيير للوطن ويتماهى في غالب الأحيان مع الدولة القومية في الدفاع عن الشعارات والتوجهات بالتزكية والقول الصائب أو نقد الآراء المضادة للخطاب الرسمي أو يعيش في برجه العاجي يرسم الخطط والأماني والأحلام في الأوهام وينتهي في غالب الأحيان إلى الاستكانة والانكماش على الذات .

يترك المثقف العربي الانطباع أن دوافع التغيير في إحلال الديمقراطية وفلسفة حقوق الإنسان يفتح علينا مجالا من الاحتجاجات وانفلاتا في الأمن أو يشعل شرارة العنف. ونعثر على المثقف الذي ينتمي لأحزاب لها مرجعيات ايديولوجية يسارية ويمينية وإسلامية تنطلق من قراءة الواقع بأمل أو مخاوف من الآني والمستقبلي . فالإرادة في التغيير للأوضاع الحالية التي يمر منها العالم العربي من عدم الاستقرار والتشتت من جراء تحالفات وتباين الرؤى والمواقف. هذا الاختلاف يترك المثقف العربي يعيش أوهام مخالفة بتعبير علي حرب. أوهام النخب أو المثقف العربي في استلهام ما في التراث من وميض يمنح الإنسان العربي العودة للجذور أو الانفتاح بشكل كلي على الحداثة الغربية والقطع مع التراث. فالمثقفون مشارب وتوجهات ينادي كل منهم بما يمكن أن يكون اجتراحا لمشاكل بنيوية يعاني منها العالم العربي من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية ونفسية. وينشد هذا المثقف التغيير دون عملية جراحية استئصالية بمعنى طلب الإصلاح واللعب على أوتار السياسي والاجتماعي والقيمي دون انكسار البنية وخلخلتها في العمق من ترسبات الأزمنة المختلفة وتراكمات التاريخ . مطلب مستعجل في إصلاح ما يرمي إليه الواقع من اكراهات جمة أصبحت تهدد وحدة المجتمع وتماسكه . الإصلاح يملي على المثقف أن يكون حريصا في توصيل الفكرة والثبات عليها . لا بديل عن الإصلاح والالتفاف وراء الخطاب الهادف دون السعي وراء تقويض أركان المجتمع في شعارات راديكالية تنقلنا نحو حرب الكل ضد الكل والصراعات المميتة . فالطموحات التي يرسمها المثقف العربي كبديل عن الواقع ليست أوهاما على طريقة دون كيخوتي بل السعي الحثيث نحو فعل أشياء تنير الوعي العربي في أفق تحقيق الممكن للدخول في العصر . واستنبات ثقافة التغيير.

 

بقلم : احمد شحيمط - كاتب من المغرب

 

جواد بشارةهناك مقولة مكسيكية قديمة تقول :" إن الزمن هو أداة الله لمنع حدوث الظواهر في آن واحد" ماهو الزمن؟ هل هو مجرد مفهوم معنوي مرتبط بسيكولوجية الإنسان ورؤيته؟ هل هو كينونة مادية حقيقية موجودة تعتبر جزءاً من نسيج الكون؟ ماهي علاقته بالمكان أو الفضاء؟ هل يمكن للزمن أن يتحول إلى مكان وبالعكس؟ هل هما مرتبطان على نحو عضوي لا ينفصم كما قال آينشتين ودمجهما في تسمية واحدة هي الزمكان؟ هل هو موجود قبل إنبثاق الكون المرئي وظهوره، أي أزلي وأبدي، أم محدود المدة وله بداية ونهاية مرتبطة ببداية الكون المرئي ونهايته؟

كل شيء في الكون مرتبط بما يسمى " الظروف الأولية الأساسية البدئية " التي تحكمت بعملية انبثاق وظهور الكون المرئي منذ لحظة الإنفجار العظيم بالنسبة للكون المرئي، وهي تشكل أحد أهم المعضلات والمشاكل والتحديات التي يواجهها علماء الفيزياء والكونيات. إن معرفة تلك " الظروف الأولية البدئية الأساسية les conditions initiales أمر في غاية الأهمية في علم الكوسمولوجيا ــ الذي يدرس تركيبة وبنية وهيكيلية وهندسة وشكل وتطور الكون المرئي باعتباره كل لايتجزأ. فبدون إمتلاك المعلومة الحقيقية سيبقى فهمنا للكون المرئي ناقصاً . وتركز كافة النظريات الفيزيائية على هذه الناحية لمعرفة أصل وبداية الكون مكانياً وزمانياً . وفي نفس الوقت إن ما يميز تلك الظروف الأولية البدئية الأساسية أو التأسيسية" الكونية هو أنها تؤدي إلى نشوء تبعات وتداعيات ميتافيزيقية ماورائية أو غيبية ، فلو كانت مثل تلك الشروط الأولية موجودة بالفعل لتشرح لنا تطور الكون، فإنهها ستثير عدد من الأسئلة الجوهرية من قبيل من الذي أوجدها بهذه الدقة المتناهية هي وثوابتها وقيمها اللوغارتمية؟، ولماذا جاءت بتلك الصيغة وليس بغيرها؟ فهي تحدد تطور الكون في حركته التي قادته إلى ما هو عليه في الوقت الحاضر. كما تحدد بالإجمال بنية الكون في أبعاده على أكبر نطاق ــ في اللامتناهي في الكبر ــ كما تساهم في تحديد حجمه وشكله ودرجة حرارته ومكوناته، ما يعني أنها هي التي تقف وراء ما بات عليه الكون المرئي في الحاضر كما هو مرصود ومنظور ومرئي، وما علينا سوى العثور على طبيعتها وماهيتها، ولكن المهمة ليست سهلة إن لم نقل شبه مستحيلة في الوقت الحاضر، لأنها وجدت قبل أكثر من 10 مليار سنة عندما كان الكون المرئي بمثابة مختبر كوني هائل للفيزياء بطاقات لامحدودة. وإن أخذها بالحسبان يولد توافقاً وتلاقي بين الكوسمولوجيا ومفاهيمنا عن البنية القصوى للجسيمات الأولية المكونة للكون المرئي. فمسألة طبيعة وماهية تلك الظروف أو الشروط الأولية التأسيسية البدئية والحالة الراهنة للكون المرئي متشابكة لايمكن الفصل بينها وهي التي تتعاطى مع الوضع الحاضر للفيزياء الجوهرية la physique fondamentale .

عندما اكتشف هابل في عشرينات القرن الماضي أن الكون المرئي في حالة توسع شامل اضطر العلماء ، ومن بينهم آينشتين نفسه، إلى قبول فكرة أن للكون المرئي بداية . إن حقيقة التوسع لايمكن أن تمتد إلى ما لا نهاية في الماضي. وبالتالي سوف نجد أنفسنا أمام فكرة أن الكون في لحظة ما في ماضيه السحيق كان ذو كثافة لانهاية ومادته كلها مضغوطة في حجم شبه معدوم ــ في اللامتناهي في الصغرــ وهو ما أطلق عليه حدث " البغ بانغ أو الإنفجار العظيم" . وفي ستينات القرن الماضي تعزز هذا الطرح النظري باكتشاف حقل أو مجال للإشعاع الحراري الذي برد مع استمرار التوسع وغدا آثراً للحالة الساخنة جداً للمرحلة البدئية للكون المرئي. جاءت نظرية النسبية العامة لآينشتين منذ العام 1915 لتؤكد التنبؤءات المفصلة عن الحالة البدئية الأولية للكون المرئي التي افترضتها نظرية الإنفجار العظيم عندما لم يتجاوز عمر الكون بضعة ثواني. ومن ثم تبنى علماء الكونيات الكوسمولوجيين حقيقة الكون المرئي منذ الثانية الأولى لوجوده لغاية الوقت الحاضر بعد مرور 13.8 مليار سنة ضوئية هي عمر الكون المرئي التقديري أو الافتراضي. لكن ذلك لا يعني أننا فهمنا ماحدث في الماضي الكوني، فنحن لانعرف سيرورة نشوء المادة وتحولاتها وتشكيلها للمجرات والسدم والحشود المجرية والنجوم والغازات والأغبرة أو السحب الكونية ، فبعد ثانية من بداية ظهور الكون للوجود وجد العلماء الذين يدرسون تلك الحقبة أنفسهم على أرضية متموجة كالرمال المتحركة، فهم لايمتلكون سوى " الخلفية الإشعاعية الميكروية الأحفورية المنتشرة للكون" كمصدر للدراسة والتحليل للطيف الضوئي القادم من الماضي السحيق للكون لتخمين ما كان يوجد بالفعل آنذاك، و ليعيدوا صياغة تاريخه. ولمعرفة ذلك يتعين معرفة سلوك المادة والجسيمات الأولية المكونة لها في الطاقات العليا القصوى وهو الأمر الذي لا تسعفنا فيه التقانة أو التكنولوجيا البشرية الحالية لتحقيقه. تجدر الإشارة إلى أن نظرية الإنفجار العظيم لا تتضمن ولا تدلنا حقاً على بداية للكون المرئي فيمكن أن يكون توسعه أبدياً وأزلياً مع متوسط سرعة ثابت . ويمكن لنظرية موحدة شاملة أن تقترح لنا كوناً بدون بداية في الزمن ويتوافق توسعه وامتداده مع نظرية الكون الساكن والثابت لأن التوسع سيكون محلياً وليس شاملاً . ومع ذلك لاتقدم مثل هذه النظرية أجوبة لعدد آخر من الألغاز والظواهر التي لم يجر تفسيرها لحد الآن مثل سرعة التوسع والتسارع والتضخم والخلل في التوازن بين المادة والمادة المضادة وأصل المجرات الخ ..

إن هذه اللاتكاملية المنطقية توسم كل النظريات والنماذج الكونية التي تصف كوناً لانهائي القدم حتى لو لم توجد لحظة بدئية تأسيسية أساسية بالمفهوم الزمني. ففي كون لانهائي في قدمه فإن الظروف الأولية البدئية يجب أن تتحقق في ماضي زمني لانهائي أيضاً. ولقد حاول الفلاسفة القدماء ورجال الدين والثيولوجيين أن يحلوا هذه المعضلة بخصوص القدم اللانهائي للكون وتوصلوا إلى لامعقولية التفكير بزمن لانهائي في القدم، فهذه الصفة لا تنطبق إلا على الله الخالق للكون، وهي نفس المسألة التي يتذرع بها العلمانيون فيما يخص لانهائية أو أزلية وأبدية الله، خاصة بعد أن وثب الثيولوجيون ورجال المؤسسات الدينية على مفهوم الانفجار العظيم ليجيروه إلى جانبهم ، وفرحوا بمسلمة أن لا بد من بداية للكون المرئي في مسار الزمن وبالتالي ضرورة وجود خالق لهذا الكون الذي حدد بدايته بأية طريقة كانت. وحجتهم أن لكل شيء سبب لوجوده وفق مبدأ السببية والعلة والمعلول وبالتالي فإن للكون سبب وعلة لوجوده ولا بد من موجد له هو الذي يعرف سبب وجوده وغايته. ولهذا ظهرت مدارس كوسمولوجية تحدثت بعدم ضرورة معرفة الظروف الأولية البدئية الأساسية أو التأسيسية وأنها قد لا تكون موجودة أو لا تلعب دوراً أساسياً وجوهرياً في نشأة وتطور الكون المرئي لكنهم لم يفلحوا في فرض نظرياتهم في الوسط العلمي الذي ظل متمسكاً بأهمية الشروط التأسيسية الأولية البدئية للكون المرئي وتأثيرها الجوهري على مسيرة وتطور وتاريخ الكون وتركيبته. إلى أن اقترح أحد العلماء حلاً سحرياً وهو آلان غوث Alan Guth بخصوص سرعة التوسع والتمدد الكوني، تمثل بفكرة " التضخم الكوني الهائل والمفاجيء Inflation" الذي يقلل من أهمية الظروف والشروط الأساسية الأولية بدون القلق من الإنتاج الهائل للحرارة. سميت هذه النظرية بالكون التضخمي Univers inflationnaire.

من هنا نشأ مفهوم " الثقالة الجاذبة التي تحدث عنها نيوتن وآينشتين ، والثقالة النابذة أو الطاردة " والتي يعتقد البعض أنها نوع من الطاقة الغامضة غير المرئية سميت بالطاقة السوداء أو المظلمة أو المعتمة أو الداكنة. حيث يوجد معها مادة خفية غامضة هي الأخرى سوداء أو مظلمة أو معتمة أو داكنة ويشكلان معاً الجزء الأكبر من مكونات الكون حوالي 95%.

كشفت عمليات الرصد والمراقبة والمشاهدة الكونية ، في إطار نظرية البغ بانغ " الإنفجار العظيم الكلاسيكية" أن الكون المتوسع يشهد حالة من الإنتظام uniformité النسبية في مناطق مختلفة من الكون مما يشكل لغزاً، ولفهم هذا اللغز علينا أن نفرق بين " الكون الكلي Univers Entier" والذي يفترض أنه ممتد إلى اللانهائية و"الكون المرئي univer visible" الذي يشكل جزءاً ضئيلاً جداً من الكل الشامل المطلق وقد يكون اصغر من الجسيم الأولي الذي يشكل بنية المادة للكون المرئي نفسه. مانراه ناجم عن الضوء الذي ينتقل عبر الزمن بمقياس السنوات الضوئية ــ أي ما يقطعه الضوء خلال سنة أرضية بسرعة 300000 كلم في الثانية ـــ منذ بداية التوسع الكوني إلى يوم الناس هذا. ويمكننا تشبيه الكون المرئي ككرة تحيط بنا وبكل الموجدات المادية القابلة للرصد والمشاهدة والقياس في نصف قطر يصل إلى 15 مليار سنة ضوئية تقريباً إلا أن نجوم بعيدة جداً لم يصلنا بعد الضوء الصادر منها وقد يحتاج الأمر إلى مليارات السنوات الضوئية الأخرى أيضاً فهي تقع خارج نطاق الأفق الكوني . يمكننا القول أن الكون المرئي محدود وله حواف ونهايات لكن الكون الكلي المطلق غير محدود و لا توجد له نهايات ، لا في المكان و لا في الزمن، ومن هنا يمكننا حل معضلة أو مشكلة " الأفق الكون le problème d’horizon cosmique للكون المرئي.

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

 

صالح الطائيصدر العدد الخامس، شتاء ٢٠١٩ من كانون الثاني/ يناير من مجلة (همس الحوار) اللندنية، Vol 5, Winter (January) 2019 الخاص بمحور: الطبيعة: دمارها وحمايتها ~ Nature. Destruction. Protection. زاخرا بمواضيع شتى، منها:

 1ـ توحش الإنسان وعقوق الطبيعة الأم/ الدكتور صالح الطائي

2ـ استراليا: البيت أم الارض؟ ~ Aboriginal Art / Emily Porter

3ـ الصحارى والجبال ~ Desert Versus Mountain / الدكتورة منى العلوان

4ـ تطور الأنسان الفكري والنفسي وأثره على البيئة والطبيعة/ أحمد بسيوني

5ـ  Basra and its Culture ~ تنوع التراث الشعبي بالبصرة/ Ali Abu-Iraq

6ـ الطبيعة والبيئة في الموصل/ سالم صالح سلطان

7ـ الحفاظ على البيئة من الحروب والبشر/ حواس محمود

8ـ  Wild Geese/ By the American poet Mary Oliver

8ـ  Wars on Nature  The Effect of ~ الحروب وأثرها في الطبيعة/ شاكر عبد القهار الكبيسي.

وقد جاء في خلاصة بحثي الموسوم "توحش الإنسان وعقوق الطبيعة الأم":

قد يبدو للبعض أن موضوع الحفاظ على البيئة أحد القضايا التي اهتم بها الغرب، وأخذناها عنهم، وتعلمناها منهم، لسبب بسيط وهو أن الغرب اهتم بالبيئة بقدر اهمالنا لها، وهذه معلومة ليست حقيقية، فالإنسان في كل مكان أسهم بأعماله الهمجية في تدمير البيئة حتى وصلت إلى درجة تقلص طبقة الأوزون التي تهدد الأرض بالخطر الماحق، وألا بماذا نفسر تلك المحاولات المحمومة لتلويث البيئة وتدميرها منذ آلاف السنين، ومع جهلنا فيما كان يفعله الإنسان الأول إلا أن هناك مؤشرات يقينية على أن الهنود كانوا أول من استخدموا في حروبهم التي خاضوها قبل الميلاد بألفي عام حواجز كثيفة من الدخان والأبخرة السامة التي تسبب الارتخاء والنعاس كنوع من أنواع الحروب الكيمياوية.

وفي وقت مبكر من تاريخ العالم، وتحديدا قبل الميلاد، استعملت مملكة سونج تشاو الصينية في عصر الممالك المتحاربة، أبخرة الزرنيخ في حروبها، لتسجل هذه الأسرة أول استخدام معروف للبارود في الحروب.

621 صالح الطائي

ولم يستخدم قدماء اليونان الغازات السامة إلا في سنة 431 ق.م استخدموها على شكل لهب يطلق بواسطة قاذفات كبيرة ( المنجنيق ) وكانت على شكل الكبريت والفحم والقطران، وهذا يتعارض مع ما ذهبت إليه موسوعة المعرفة بادعائها أنهم اول من أستخدم الغازات السامة في الحروب.

وهكذا يتضح التاريخ القذر للحروب، وتسببها في تدمير البيئة منذ بدايات الوعي الإنساني، وهو أمر كان على الإنسانية أن تتجاوزه في خلال سيرورتها التاريخية، ولكنه للأسف لم يتوقف بل استمر ينمو ويتطور مع تطور الأمم حضاريا، فمنذ ذلك التاريخ، وصولا إلى القرن العشرين، كانت الحروب أحد أكثر عوامل التأثير السالب على البيئة، ولاسيما بعد أن طوع الإنسان معطيات التحضر ليستخدمها كأدوات للتدمير الممنهج الشامل. وكم هو جالب للدهشة أن تجد أكثر الشعوب رقة ورقيا وحبا للجمال والثقافة تنبري من بين الجموع لتكون الأولى في خرق نواميس الطبيعة باستخدام ما يقتل الطبيعة، حيث كانت فرنسا أول دولة حديثة تستخدم الأسلحة الكيمائية إبان الحرب العالمية الأولى عام 1914، حيث استخدمت الغازات المسيلة للدموع ضد القوات الألمانية في محاولة لوقف تقدمها، وهو الأمر الذي شجع الألمان على استخدام الغازات المسيلة للدموع ضد الروس، ثم ما لبثوا أن استخدموا غاز الفوسيجين ضد القوات الإنجليزية عام 1915، واكتشفوا بعد ذلك غاز الخردل واستخدموه ضد الجيوش الأخرى، فتسبب بقتل مئات الآلاف من البشر، وترك آثارا مدمرة على البيئة.

وحتى بعد أن شعرت الإنسانية بالأثر التدميري لهذه المواد، فإنها بدل أن تسعى إلى وقف هذا التخريب الممنهج، بدأت في تطوير صناعاتها، لتتمكن بعد ذلك في مرحلة الحرب البيولوجية من استخدام أسلحة الدمار الشامل التي تسبب أضرارا جسيمة للإنسان والحيوان والطبيعة، والمصيبة الكبرى أن أكثر البلدان المعاصرة حبا للسلام ودفاعا عنه كانت السباقة في هذا المضمار، حيث كانت اليابان أول من أنتج  القنبلة البيولوجية التي تحتوى على ميكروبات تسبب أمراض التيفوئيد والكوليرا والطاعون والكثير من الأمراض الأخرى. وهذا ما حفز الدول الأخرى لتبدأ في إنتاج الأسلحة البيولوجية؛ التي ضمت أنواعا أخرى من مسببات الأمراض مثل مسبب مرض الجمرة الخبيثة، ومرض الكوليرا، ومرض الطاعون، ومرض الحمى القلاعية، ومرض التيفوس الوبائي وغيرها.

فعاش العالم رعب الخوف من الأسلحة الكيميائية التي تحوي غازات الأعصاب مثل غاز الزاراين، والغازات الكاوية مثل الخردل، والغازات الخانقة مثل الفوسيجين، وغازات الهلوسة، وغازات الدم كالحامض الهيدورسيانيك وغيرها. ورعب الخوف من السموم الكيميائية مثل الصوديوم والبوتاسيوم والأبخرة السامة جدا التي تهاجم أجهزة التنفس أو الهضم وتؤدى إلى موت الخلايا والوفاة، فضلا عن الأثر الذي تتركه على الحيوانات والطبيعة بشكل عام. وصولا إلى استخدام الذرة الذي ابتدئ بتفجير قنبلتين ذريتين على مدينتي هيروشيما ونكازاكى اليابانيتين في الحرب العالمية الثانية، والتي راح ضحيتها بين موت وإصابة وتشويه مئات الألوف من البشر، ولا زالت آثارها التخريبية على البيئة فاعلة لغاية هذا التاريخ. وللأسف حتى مع حديث العالم عما يعرف بالردع النووي، إلا أن السعي لإنتاج أسلحة دمار شامل أخرى أشد ضراوة من القنابل الذرية بقي فالعلا إلى أن توصلوا إلى صنع القنابل الفراغية، وأنواعا أخرى لم تصرح عنها الجهات المنتجة.

ومن المآسي الكبيرة أن الطبيعة نفسها وظفت لتدمر ذاتها بذاتها بمساعدة وتدخل الإنسان، مثلما حدث في منطقة الخليج بعد حرق آبار البترول أثناء الغزو العراقي للكويت، وقيام داعش بحرق الآبار النفطية والخزانات في المناطق التي أجبرت على الانسحاب منها مثل مصفى بيجي والقيارة وعين زالة، مما تسبب في تساقط أمطار حامضية تركت أثرا تدميريا على التربة والمزارع والحيوانات والحياة النباتية والمائية.

وحتى مع كل هذا التدمير الواسع كان موقف الأمم المتحدة ومنظماتها الدولية دون المستوى المطلوب، فمع استخدام تقنيات التغيير في البيئة، التي عرفتها "اتفاقية حظر استخدام تقنيات التغيير في البيئة لأغراض عسكرية أو لأية أغراض عدائية أخرى 1976" في المادة الثانية منها على أنها: أية تقنية لإحداث تغيير – عن طريق التأثير المتعمد في العمليات الطبيعية – في دينامية الكرة الأرضية أو تركيبها أو تشكيلها، بما في ذلك مجموعات أحيائها المحلية (البيوتا) وغلافها الصخري وغلافها المائي وغلافها الجوي، أو في دينامية الفضاء الخارجي أو تركيبه أو تشكيله. حتى مع ذلك نجد نوعا من التهاون الدولي ففي الوقت الذي تأخر فيه صدور إعلان مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة البشرية الذي أقر في استكهولم في 16 يونيه/حزيران 1972، إلى هذا التاريخ، لم تُقر اتفاقية حظر استخدام تقنيات التغيير في البيئة لأغراض عسكرية أو لأية أغراض عدائية أخرى إلى عام 1976، وحتى مع توقيع الأعم الأغلب من الدول الأعضاء عليها، ونصها في المادة الأولى منها على:

1- تتعهد كل دولة طرف في هذه الاتفاقية بعدم استخدام تقنيات التغيير في البيئة ذات الآثار الواسعة الانتشار أو الطويلة البقاء أو الشديدة لأغراض عسكرية أو لأية أغراض عدائية أخرى كوسيلة لإلحاق الدمار أو الخسائر أو الأضرار بأية دولة طرف أخرى.

2- تتعهد كل دولة طرف في هذه الاتفاقية بألا تساعد أو تشجع أو تحض أية دولة أو مجموعة من الدول أو أية منظمة دولية على الاضطلاع بأنشطة منافية لأحكام الفقرة (1) من هذه المادة.

إلا أن استمرار تطوير الأسلحة المدمرة للبيئة، واستخدامها المتكرر في جغرافيات مختلفة لا زال فاعلا ومؤثرا، وتكاد دول العالم الثالث والدول المتأخرة بما فيها الدول العربية التي تعاني من أزمة في تحديد الهوية وتطويع ثقافة التعايش أن تكون الضحية الأشهر لها وأن تستخدمها بنفسها يوميا حتى ضد شعوبها، مع وجود تهديدات خارجية بتدمير المنشآت النفطية وضرب المفاعلات الذرية الذي ممكن أن ينفذ في أي وقت، دون اعتبار للإنسان والحيوان والطبيعة.

وفي العودة إلى مقدمة الموضوع التي ورد فيها قولي: " قد يبدو للبعض أن موضوع الحفاظ على البيئة أحد القضايا التي اهتم بها الغرب، وأخذناها عنهم، وتعلمناها منهم، لسبب بسيط وهو أن الغرب اهتم بالبيئة بقدر اهمالنا لها". أود الإشارة إلى أن دين الإسلام وضع قواعد مهمة للتعامل مع الطبيعة وموجوداتها، ابتداءً من المهمة الأولى التي أعطاها الرب للإنسان، إذ هناك في كتاب الله آية تقول: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}﴿البقرة: 30)

وهي حوارية بين الرب وملائكته، يخبرهم الرب فيها بأنه سيخلق إنسانا، ويسكنه الأرض، وأشار إلى هذا المخلوق بلفظ "الخليفة"، والخليفة لغة: من يخلف غيره ويقوم مقامه! بمعنى أن لهذا المخلوق أهمية قصوى، وستوكل له مهمة الحفاظ على الكون المحيط به، باعتبار أن الأصل الذي هو الله تعالى، خلق ذلك المحيط من أجل منفعة هذا المخلوق، كما في قوله: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (البقرة: 164)، وان الرب رتب أمور الكون العامة لتصب في مصلحة المخلوق الخليفة المبتكر، كما في قوله: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ  (*) وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ  (*) وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ  (*) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} (الأنبياء: 30ـ 33) ولذا أمره بأن يحافظ على البيئة ويتعامل معها باحترام كبير ويبتعد عن تلويثها حتى ولو من خلال التلوث الضوضائي البيئي، ومن هنا خاطب الربُ الإنسان بقوله: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ{(لقمان: 19).

أما على مستوى السنة النبوية فهناك منظومة حديثية وتشريعية واسعة ومهمة، تُقيد الإنسان ضد أي تعامل قاسِ مع الطبيعة، فعلى سبيل المثال، أعطى الإسلام للحيوان (113) حقا لا يجوز انتهاكها، كما في قول النبي(ص): "من قتل عصفورا عبثا عجّ إلى الله يوم القيامة يقول: إنّ فلانا قتلني عبثا، ولم يقتلني منفعة".

وقال(ص): "دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض".

وقال(ص): "غُفر لامرأة مومس مرت بكلب على رأس ركي يلهث كاد يقتله العطش، فنزعت خفها، فأوثقته بخمارها، فنزعت له من الماء، فغفر لها بذلك".

وفيما يخص البيئة، أمر بالحفاظ عليها، وحثهم على تجميلها، كما في حديث جابر أن رسول الله(ص)، قال: " ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منو طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة". وحديث أنس بن مالك، قال: "كانت شجرة في طريق الناس تؤذي الناس، فأتاها رجل، فعزلها عن طريق الناس. فقال النبي (ص): "لقد أ ريته يتقلب في ظلها في الجنة". وأجمل تلك الآراء بقوله(ص): "ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أُكل منه له صدقة، وما سُرق منه له صدقة، وما أكل السبع منه فيه له صدقة، وما أكلت الطير فهو له صدقة، ولا يُرزؤُه أحد إلا كان له صدقة".

فضلا عن ذلك، أمر(ص) بزراعة الأرض الصالحة، وإصلاح الأرض الميتة والإفادة منها، كما في قوله: " من أحيا أرضا ميتة فهي له". وقوله: "من كانت له أرض فليزرعْها، أو ليمْنحْها أخاه". بل وصل الأمر أنه أمر بالزراعة على كل الأحوال حتى عند أكبر المصائب، فقال: "إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها".

وأمر بإكرام الأشجار المثمرة، فقال(ص): " أَكْرموا بني عمّاتكم النّخل"

وفي جوانب أخرى، نهى رسول الله (ص) عن الاغتسال في الماء الراكد حتى لا يلوث فقال: "لا يغتسلنَّ أحدكم في الماء الدائم وهو جنب". وفي رواية أخرى، قال: "لا تبل في الماء الدائم الذي لا يجري ثم تغتسل منه".

وأمر بترشيد استهلاك المياه حفاظا على البيئة، فقد "توضأ ثلاثا، وقال: من زاد فقد ظلم وأساء". وفي حادثة أخرى: "إنه(ص)، مرّ بسعد وهو يتوضأ، فقال: ما هذا السرف يا سعد؟ فقال: أفي الوضوء سرف؟ قال: نعم، وان كنت على نهر جار". ثم أجمل الرؤية الإسلامية بقوله: "ارحم من في الأرض، يرحمك من في السماء"

 

صالح الطائي

 

 

بمرور العمر وازدياد الخبرة بالتعامل مع الناس من حولنا اصبحت اقسم شكل او نوع علاقاتي مع من حولي من الناس الى اصدقاء وزملاء واهل واقارب ومعارف وقائمة ديليت وقائمة النسيان.

- الاصدقاء هم الذين تختارهم من الفئات الاخرى وهم الاقرب الى نفسك وهم من تستطيع أن تقيم معهم علاقة تفاهم وانسجام الى حد كبير وبينكم تواصل دائم ولقاءات مريحة وقد يكون سفر وهم الاقرب الى الصفات التي تختارها لمن ترتاح معهم وتستطيع الى حد ما أن تستشيرهم وتسر اليهم بما في نفسك واقرب الناس الى ميولك الفكرية والثقافية واهتماماتك وقد تختارهم من فترة الطفولة وتبقى على علاقة معهم او من فترة الدراسة او من فترة الجامعة او من زملاء العمل الذين توطدت معهم العلاقة واصبحوا الاقرب الى عمرك وادخلتهم الى خانة الصداقة بعد أن كانوا في خانة الزمالة.

- الزملاء وهم زملاء اللعب والدراسة والعمل جمعتك بهم المراحل العمرية المختلفة وقد تكون اقتربت منهم الى حد كبير ودخلوا في الاصدقاء او ابتعدت عنهم فيما بعد .ويعتمد ذلك على مدى الانسجام والارتياح بينكم .فمن لم تتوطد علاقتك به وتتطور الى صداقة سيتحولون مع الزمن الى قائمة النسيان او قائمة الديليت وبشكل عام تنتهي علاقاتنا مع زملاء اللعب والدراسة والعمل بمجرد انتهاء المرحلة او الانتقال الى عمل جديد وقد لا تجمعنا بهم الا المناسبات المتباعدة او (الري- يونين) او لم الشمل للكروبات الجامعية التي بدأ البعض من زملاء الدراسة او العمل يقيمونها دوريا او سنويا بفضل الفيس بوك والفايبر والواتس ساب وبقية وسائط التواصل الاجتماعي.

- الاهل وهم الاب والام والاخوان والاخوات والابناء والزوجة والاحفاد والاجداد وهم من لا تستطيع أن تنفصل عنهم لاسباب شخصية او اجتماعية لأنهم كما يقال من لحمك ودمك واذا تركتهم او اهملتهم ستأكل الناس وجهك كما أن الدين والاعراف فرضت عليك مواصلتهم ورعايتهم وسواءا ارتحت اليهم ام لم ترتاح فمجاملتهم والتواصل معهم واجب لابد منه .

- الاقارب وهم الاعمام والعمات والاخوال والخالات وابناءهم والنسباء والنسيبات وقديما قيل الاقارب كالعقارب وغالبا لا تكون علاقاتنا بهم كما كنا نتوقع في شبابنا خصوصا في هذا الزمان الاغبر حيث الناس لا تحترم علاقة القرابة وما اكثر البوريات التي أتتك من اقاربك وكنت تظن بهم خيرا، ولكن فاجئوك بموقف لم تكن تتوقعه منهم او بعضة كلب مكلوب جعلتك تتخذ منهم الحذر وتتجنب التواصل معهم لكي لا تنال عضة اخرى.

- المعارف هم الناس الذين تعرفت عليهم وبينك وبينهم سلام او تعارف ولكن لا توجد علاقة تواصل بينكم وقد يكونون من الجيران او زملاء العمل او الجامعة، تعرف وجوههم وتسلم او يسلموا عليك من باب المجاملة ولم تتطور بينكم العلاقة لاكثر من هذا .

- قائمة ديليت وهم الناس من الذين مروا بك وسواءا كانوا في يوم من الايام من الاصدقاء او الزملاء او الاقارب او المعارف وحدث موقف قررت من بعده وضعهم في قائمة ديليت، لاسباب قد تكون عضة او بوري او احراج او مشكلة او صفات فيهم لا يستطيعون تغييرها وقررت على اثرها قرارك الهام بوضعهم في قائمة ديليت لتخرجهم من حياتك وتتجنب ازعاجاتهم ومشاكلهم، ووضعت بلوك عليهم في موبايلك وفي وسائط التواصل الخاصة بك.

- قائمة النسيان وهم ناس من الاصدقاء اوالزملاء او المعارف او حتى الاقارب اصبحوا في طيات النسيان اما لسفرهم وابتعادهم عنك او بسبب ظروف الزمان والمكان او البعد وفقدت التواصل معهم بالرغم من ان البعض منهم كنت ترتاح اليهم ولكن الظروف حكمت وابتعدت او ابتعدوا عنك.

علاقاتنا بالأخرين لا نقررها نحن فقط، بل تتدخل الظروف والصفات الشخصية من كرم او بخل ووفاء وخيانة وصدق وكذب وتقدير واحترام في احداث الانسجام والتفاهم الذي يؤدي الى تطور العلاقة او تدهورها وتحديد الخانة التي يمكن أن توضع فيها العلاقة.

 

د. احمد مغير / طبيب وباحث

 

عزالدين عنايةتجربة الحوار الكاثوليكي مع البلدان المغاربية تجربة متفرّدة، من ناحية تعويل الكنيسة على نتائجها ومقاصدها، ما جعل تلك التجربة واعدة من طرف واحد. فالطرف المغاربي، المفتقد لاستراتيجية علمية أو دينية، قد جُرّ جرّا إلى ما يسمّى بالحوار، على مدى أربعة عقود. ولم تنبع المثاقفة من مطلب أكاديمي أو استعداد مؤسّساتي له، بل كانت استجابة للمواكبة والمجاراة. كان أوج تلك المثاقفة بتأسيس مجلة "إسلاموكريستيانا" المسماة بـ"إسلاميات مسيحيات" سنة 1975، بإشراف وتسيير لاهوتيين من الآباء البيض. حُشِدت لها طائفة من الجامعيين من تونس بالخصوص، بغرض صنع وعي ديني ليّن وطيّع. غير أن الآباء البيض، الذين ارتبط منشأهم ودورهم بالكنيسة الاستعمارية، لم يوفّقوا في تجاوز الحوار العُصابي مع الإسلام، عبر ذلك التجمّع، الذي سعوا في تشكيله.

كان الطرف المغاربي ولا يزال، يحسب الدخول في حوار مع الكنيسة "جلسة شاي"، يعرب فيها عن اعتداله وسماحته وتقبّله للآخر، يَجري فيها حديثٌ عن الأخوة الإنسانية ووحدة العائلة الإبراهيمية. ولم يُدرَك حتى الراهن أن الكنيسة الكاثوليكية، لا تزال تنظر بعين الغيرية للإسلام والمسلمين، وأن الجامع الذي يجمعها أساسا هو بأتباع التوراة، بناء على مفهوم "الإخوة الكبار"، الذي اصطنعته وأزاحت منه الطرف الإسلامي، متجاوزة في ذلك الواقع الإناسي والأصول اللاهوتية في الدينين، فضلا عن التأسيس التوراتي "لأباركنَّك –إبراهيم (ع)- وأكثرنّ ذرّيتك فتكون كنجوم السماء وكرمل شاطئ البحر، وترث ذريتك مدن أعدائها" التكوين (22: 18).

لمتسائل أن يسأل عن مغزى التقارب الكاثوليكي من الإسلام المغاربي، أو بعبارة أدق مفاوضاته، التي لا يخفى ما ترنو له من استعادة للمواقع القديمة بعد رحيل الكنيسة الاستعمارية؛ وأرض المغرب تخلو من أهالي أصليين مسيحيين، وحتى إن تواجد أنفار من الناكصين مع تحوّلات العقود الأخيرة، فإن الكنيسة لا تجرؤ على عرضهم وخوض الحوار باسمهم ولأجلهم؟ فقد سعت الكنيسة لتقريب المسيحية من الأهالي، لاستبدال وكلائها في بلاد المغرب برجال دين مسيحيين عرب، المطران مارون لحام أسقفا في تونس، خلف الأسقف فؤاد طوال، وغالب بدر أسقفا في الجزائر، بدل الفرنسي هنري تيسيي. كل ذلك لإخفاء الطابع الغربي عنها، وتيسير تمرير الحوار التفاوضي عبرهم، الذي يدور حول نقطة محورية تدعو لانفتاح الواقع المغاربي، في تشريعاته وواقعه بحسب ما ترنو له الكنيسة، لا الحوار المعرفي.

فالجانب المغارببي يرى أن حرية التديّن مصونة ومتضمَّنة في التشريعات، غير أن ذلك الاستيعاب والاحتضان، بحسب الرؤية الكنسية، غير كاف. وعادة ما يتلخص المطلب الكنسي في الدعوة إلى المناداة بحرية دينية أوسع وأبعد غورا، تبلغ أقصاها في مطلب حرية الانقلاب الديني. بعبارة جليّة، ترك الخيرة للمغاربي أن يبدّل دينه ويدخل في المسيحية بكل أريحية، هذه النواة اللاهوتية الأساسية للحوار مع الإسلام المغاربي. وفي مقابل ذلك تُنتَقَد التشريعات السائدة، والتوجهات الدينية، بأنها تتهدّد وتتربّص بمن يجرأ على تجاوز الأمر السائد. كما جرى ذلك أثناء شن حملة على الجزائر خلال العام الماضي، على إثر محاكمة شبّان جزائريين اتهموا بأنهم بدّلوا دينهم، أو لدى إصدار محكمة وهران حكما يقضي بسجن المبشر الكاثوليكي الفرنسي بيار والز، لممارسته أعمال منافية للقانون. كما تحاول الكنيسة أن تبرّر حضورها في البلدان المغاربية، من خلال التعلّل بالخدمة الاجتماعية، بين المسلمين، وهو مبرّر صادق أحيانا، في بلدان ما زالت تعاني الفقر والخصاصة، على المستويات الاجتماعية والصحية والمعرفية؛ وتتعلّل كذلك بحجّة تقديم خدمات تربوية ودينية للمسيحيين المقيمين أو العابرين، الذين لا يجدون احتضانا في أداء شعائرهم. والواقع أن المسألة أعقد مما يُتصوَّر، فحاجة المسيحيين الأجانب إلى دور عبادة، في البلدان المغاربية، هو مطلب غير واقعي، فلو أخذنا تونس مثلا، التي زارها خلال العام 2008 أكثر من سبعة ملاييين سائح، جلّهم من المسيحيين، ويقطن بها زهاء الخمسة وعشرين ألف كاثوليكي، من أصول أوروبية، فإن أماكن عبادتها الكاثوليكية، البالغ عددها 12 كنيسة، هي مزارات سياح وليست دور عبادة، ويمكن التثبت من ذلك مثلا من خلال رصد أعداد المشاركين في القدّاس في الكاتدرائية الكبرى في العاصمة. فنسبة المسيحيين الممارسين للشعائر في تونس هي نسبة متدنّية جدا، تقلّ عن اثنين بالمئة، من العدد الجملي للكاثوليك المقيمين بالبلد، ناهيك عن نسبة المحافظين على الشعائر الدينية من السياح العابرين، الذين يأتون للمتعة والاستجمام، ولا يبالون بالحفاظ على الشعائر.

ولكن المغزى الرئيسي للكنيسة يبدو متجاوزا لهذا وذاك، عمل الإحسان الموجَّه للمسلمين أو الخدمة الطقسية الموجَّهة للمسيحيين، إلى هدف استراتيجي، وهو بناء جسور تغلغل في تلك المجتمعات، تطمح إلى الإلمام بسير شؤون الحياة، ومنها الاندساس في التأثير على بعض قطاعاتها الهشة، كالادعاء تارة بخدمة القطاع النسوي، المهضوم الحقوق، أو العناية بالأقليات والشرائح المتدنّية الحظوظ، المهملة من طرف السلطة المركزية أخرى. فتحاول الكنيسة الاقتراب من الكتّاب والصحفيين المغاربة الذين يحملون رؤى مغتربة عن الإسلام، ونعني بذلك الذين لهم ميولات فرنكفونية في قراءة التاريخ والوجود الإسلاميين، أو الذين يقترحون حلولا اجتماعية وسياسية غربية للخروج من مآزق الاجتماع المغاربي، يفتقدون فيها لرؤى معايشة ونقد للغرب أو للكنيسة. فتدنو منهم الكنيسة بالقدر الذي ينتقدون به الأوضاع الدينية في المغرب العربي أو العالم الإسلامي. خصوصا إذا ما كانت تلك الانتقادات تخدم المصالح الغربية، أو تعاضد المصلحة الاستراتيجية للكنيسة. فيجدون الترحيب من المؤسسات الكنسية، ويُدعَون للمشاركة في الملتقيات في الغرب لشرح رؤاهم على منابر الجامعات والترويج لها، ويُعرَضون بوصفهم يمثلون الإسلام المعتدل والمتنوّر والديمقراطي والعلماني.

عادة ما تحوز الجزائر المثل السيء، لدى رجال الدين الكاثوليك، عند حديثهم عن أوضاع المسيحيين في بلاد المغرب، وغالبا ما يتناول الحديث أمرين: عدم توفّر أماكن عبادة بالقدر الكافي في هذه البلدان، وعدم تواجد مناخ لحرية النكوص عن الإسلام. مفّسرين الأمر بأن السلطات في تلك البلدان تخشى تعاليم الإنجيل، ولذلك لا تسمح بحضور مبشّرين بين ظهرانيها، والواقع أن الناس لا يبالون بذلك الوعظ، بل ينجذبون لسراب حياة الدعة الخادعة في الغرب. ولذلك لم نسمع عن ناكص بدّل دينه، بلغ درجة معرفية عالية في التعمّق في المسيحية، بل ما بلغ مسامعنا هو تهافت بسطاء من العامة، ممن جثّته في الشرق وروحه في الغرب.

تاريخ الكنيسة الغربية في البلاد المغاربية تاريخ إشكالي، لعل أصدق خطوات تنقيته، البدء بتلمّس الصفح عما اُرتكِب من انتهاكات في سابق عهده. لعل أبرز تلك الأحداث واقعة جامع كتشاوة بالجزائر سنة 1932م، التي ذهب ضحيتها زهاء أربعة آلاف من المعتصمين بالجامع، احتجاجا على قرار تحويله إلى كنيسة. والتي خلّدها شاعر الثورة مفدي زكريا بقوله:

 

وجامع كتشاوة المستعا       د، ما انفك رمزا لإجلالنـا

وهل لافيجيري وطول الســنين استطاع المروق بأطفالنا؟

ومهما يقيمون فيه احتفالا      فقد عاد يهفو لأكبادنا.

 

د. عزالدين عناية

 

اغلب المعتقدات والافكار والممارسات البشرية، لاتمتلك اسساً موضوعيّة لاثبات صوابيتها وحقانيتها . والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: اذا كانت معظم هذه المعتقدات التي عرفها الانسان واعتقدها، والافكار التي تبنّاها، والممارسات التي رسّخها التكرار، وعززتها التقاليد والاعراف، وكرّسها العقل الجمعي، لاتمتلك اسساً موضوعيّة، فهل هناك اسسٌ اخرى تستمد منها مبرراتها؟

نعم، هناك اسسٌ اخرى، تشكل ارضيّة لهذا الاعتقاد والتبنّي والسلوك، وهذه الاسس هي الاسس السيكولوجية .

الالحاد -على سبيل المثال- الذي ينتشر في بلداننا انتشار النار في الهشيم، لانجد له تبريرا موضوعيا، وليس هو نتاج دراسات جادة، اوصلت الذين ينكرون وجود الله الى هذه النتيجة . واذا فتشنا في اعماق نفس الملحد، لوجدنا ان الجذور النفسيّة للالحاد؛ هي التي تمثل الاسس والارضيّة لبروز هذه الظاهرة .

ولقد رصد القران هذه الظاهرة، ظاهرة الجحود، وبيّن جذورها النفسية، يقول الله تعالى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) النمل:14

اي ان الايات التي جاء بها موسى عليه السلام من ربه، هي ايات حقة تدل دلالة لالبس فيها على ان موسى مرسل من ربه . وهذه الايات هي التي واجه بها موسى فرعون، وان فرعون كان يعلم ان منزل هذه الايات هو الله تعالى، ولكنّه الظلم والعلو والتي هي عوامل نفسيّة للجحود، يقول الله تعالى على لسان موسى (ع) وهو يخاطب فرعون:

(قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا) الاسراء: الاية: 102 . العلو والظلم سبب الجحود، وهذه اسباب نفسية، وليست اسباب موضوعية . الظلم سبب الجحود كما جاء في قوله تعالى:

( قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ )الانعام: الاية: 33، والظلم سبب نفسي لاعلاقة له بالموضوعيّة من قريب او بعيد . وكذلك الكفر سببه التعصب الى القوم والدين . فبنو اسرائيل الذين هاجروا الى شبه الجزيرة، وسكنوا المدينة، ليكونوا اول المؤمنين بالنبي (ص)، الذي سيبعث في جزيرة العرب، ليكونوا اول الناس ايمانا به وتصديقا .يقول الله تعالى:

(وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) البقرة: الاية: 89، في حين ان بني اسرائيل يعرفون النبي بصفاته وبالتفاصيل التي جاءت في توراتهم، ويعرفونه كما يعرفون ابناءهم حسب التوصيف القراني، ولكن الانكار سببه سبب ذاتي نفسي، وهو كتمان الحق، يقول الله تعالى:

(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) البقرة: الاية: 146 . وحتى ابليس كان سبب رفضه السجود لادم، ليس لعلة معرفية، فابليس يعرف ان هذا المخلوق مكرّم عند الله، ولكنه رفض استكباراً وعلواً، وهذه مشكلة نفسيّة عند ابليس لا قضية معرفية تمتلك اسسا موضوعية . يقول الله تعالى:

(قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ) الاعراف: الاية: 12 . وكتمان الشهادة ممارسة اسبابها ذاتية نفسية، وليست موضوعية تتعلق بالحق والباطل، والله يشير الى قضية كتمان الشهادة في كتابه الكريم:

(وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ ۖ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) البقرة: الاية: 283 . وهناك ظاهرة اخرى اضافة الى كتمان الحق، وهي الباس الباطل لبوس الحق للتضليل، وحجب الحقيقة عن اعين الناس، يقول الله تعالى:

(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) ال عمران: الاية: 71 .، وقد اعتبر القران الكريم كتمان الحق جريمة ؛ يستحق صاحبها لعنة الله ولعنة الناس، يقول الله تعالى:

(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) البقرة: الاية: 159 .

وفي الختام، ان اغلب الناس في اعتناقهم للافكار، وتبنيهم للمارسات، لاينطلقون من اسس موضوعية، كالحق والباطل، وانما من اسس نفسية يحكمها التعصب، والتقليد، والمواقف المسبقة، والحب والبغض، فالبعض يقف مع الصديق حتى ولو كان على باطل، ويقف موقفا ضد العدو وان كان على حق، والقران حذّر من ذلك بقوله تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) المائدة: الاية: 8 .

 

زعيم الخيرالله

 

كم كبّلنا هذا الجسد، يحمل على كتفيه رأسا يعجّ بأسئلة وإشكالات تحوم حوله.. يمشي هامدا، متثاقلا يجرّ أذيال خيبته؟

دعنا ننزع عنه كلّ ما يؤرقه ويخنقه لنعرّيه ونجلّيه من ثياب لطالما كسته وغطّته فحجبت عنه الرّؤية ومنعته من الطّيران، لا أتحدّث هنا عن الثياب من بنطال أو سترة أو تنّورة بل أتحدّث هنا عن ثياب ثقيلة ثقل الحجر عاتمة أشدّ عتمة من ليلة شتاء ديسمبريّ، ثياب حاجزة مانعة تضع جدارا مانعا عازلا بينه وبين الحياة الورديّة...

لطالما ارتدى هذا الجسد وحمل على عاتقه ما لا تستطيع الجبال حمله، فمال الكتف الأيمن منحنيا للأرض لفرط ثقل العادات، أمّا الكتف الأيسر فيصارع ويكافح محافظا على التوازن من أجل الشّموخ وقد تثاقلت الخطى والأرجل الحاملة لهذا الجسد فقد فاق الحمل وزنه، حمل الماضي...

تراني أبصر هالة مشعّة آتية من السّماء، بصيص أمل ... وبدا الجسد يتجرّد من مكبّلاته ويكشف نفسه للنّور للشّمس يلاقيها يعانقها كعناق مشتاق  لحبيبته ...إنّي أرى الجسد فنّا.

أرى جسدا خرج من المقنّن والمدجّن والمؤطّر، أرى جسدا تحرّر من إكراهات الفضاء المغلق متّجها نحو الرّحابة نحو الطّبيعة أين يحتكّ وجها لوجه مع الآخر فيلتحما جسديّا وفنيّا أين يتعالق الجسدي بالفنّي والفكري.  إنّ وعينا بقيمة أجسادنا في مجتمعاتنا العربيّة يسهّل رؤيتنا للقضايا التي تُعالج فنيّا خاصّة فيما يتعلّق بالأنماط الفنيّة المعاصرة من عروض أدائيّة "Performance" و "هابنينغ" Happening" "فيبدو الجسد دائما وأبدا من أجل أن يكون أكثر من كومة من المادة، إذ يمكن له أن يكون أكثر كثيرا وأقل قليلا من مجموعة أجزائه…الوجه والعينين بوصفها مرايا الروح هي أعضاء التعبير بامتياز. لكن روحانية الجسد لا تقطن قدرته على التعبير عن الداخل، الجسد لا يعبر عن الحدث إنّه هو نفسه هذا الحدث " .

إنّ مؤدّي البرفورمونس يمكن اعتباره راو لسيرة ذاتيّة يركّز فيها على حيويّة الفرجة وأثرها ووقعها على المتفرّج، إذ يمكننا التّحدّث هنا عن المعنى المخفي إن صحّ التعبير وهو الذي يكون في علاقة وطيدة بما هو ثقافي أو معرفي يمرّ عبر تمظهراته في المكان والجسد تعطي شحنات للممارس والمتقبّل في الآن ذاته ليمارس لعبة الكشف عن كلّ ممكنات العرض ورمزيته فيكون الفنّان بمثابة السّاحر أمّا المشاهد فيمارس فكّ الغموض وإزالة كلّ ما من شأنه أن يحجب الرّؤية ومحاولاته في استكشاف المزيد من المخفي والسّرّي وفكّ رموز اللّغة، لغة الجسد واللّغة غابة من "الاستعارات القريبة جدّا من أعماق وجودنا – الرّمزيّة- استعارات تدين بأسبقيتها في الكشف عمّا هي عليه الأشياء، إلى انتظامها في شبكة ومستويات متدرّجة"  ، لا يعني ذلك أنّنا نتحدّث عن زيف في العلاقة بل بالعكس فذلك من شروط تحقيق رؤى مفتوحة للعالم الذي يحيط بالفنّان وبنا وتكشف عن آفاق واسعة، فماهو ثقافي فنّي وأدبي يثير، يشغل وعي الناقد والمتقبّل ويبدأ ذلك مع سرد للتفاصيل والأسرار وسريّة الجسد واليوميّات والعلامات وكلّ ما يخصّ الإنسان واليومي فتصل إلى ماهو أبعد فتتخطّى العمومي نحو الخصوصي والخروج من الحشد  نحو الانطوائي .

يعدّ تعميم الحقّ في الفعل من أهمّ مقوّمات المعاصرة ومبادئها التي نادت بها فالسّماح لذلك وإعطاء التّأشيرة للآخر من شأنه أن يعزّز بالضّرورة لانتمائه المشروط ضمن مشروع "الأنا" ومساهمة منه في إكمال وتعزيز الدّائرة التّفاعليّة وفق منظومة التلقّي حيث يتّحد كلاهما في إدماج الفنّ وقيم الفنّ في اليومي والمعيش ضمن نسق حياتيّ، "أليس الجسد هو أساس الإحساس بالهويّة ألا نثبت ذواتنا في هذه الحرارة الفريدة التي تنبثق من جسدنا قبل تفتح الأنا الذي يستدعي التميز عن الجسد؟" ، هذا الجسد الذي يكون محور العرض به يتأسّس وعليه، هو الوسيط الفنّي في التجربة الأدائيّة بأكملها. اندرج الجسد الأنثوي وتجذّر في الفنّي فانزاحت الأنوثة من الطّريق وتجرّدت لتصبح علاقة المرأة بجسدها خالصة  وما حاجتنا للأنوثة إذا ما كانت جسدا يمكن معرفة قدراته جهرا بل في الحقيقة هي انطواء على الذات محدّدة  للمصير، وما نظرة الرّجل لجسد المرأة إلاّ اكتمال لرجولته إنّها المأوى إذ يقول ليفناس بما معناه أنّ الذات الرجولية لا تقدر على انجاز هويتها إلا باكتشاف غيريتها في الأنثى وكلّ ذلك يكون في الكواليس تحت سطوة المعتّم والخفاء وراء الجدران... إلى أن تاق هذا الجسد وتحرّر نحو الخلاء تعايش جسدها وتتعايش معه وبه وتمدّد أوصاله في علاقات أبديّة سرمديّة فنيّة أين العمق بعيدا عن الخواء والهباء والمفرغ.

المصالحة مع الجسد الأنثوي لذاته بدأت مع منحى استطيقا الصّدمة وكذلك مراجعة مفهوم "الجسد المقدّس" والمرور نحو الجراحات التجميليّة والتحوير وهي خطوة جريئة في تحوير الجسد وتغيير هيئته الذي يعتبر في حدّ ذاته جرأة وقد عالج بارت هذه النّقطة مقرّا "بأنّنا نشهد اليوم نوعا من إحياء لمسألة المقدّس في الجسد عبر مظاهره العلمانيّة جدّا، والمعاصرة جدّا لحياتنا: كلّ ما يمسّ ثقافة الجسد العقلانيّة، كالرياضيات، وتجارب اليوغا أو تربية الجسد من الدّاخل من خلال طرق متعدّدة، وكلّ ما نلقّنه في الرياضة البدنيّة على أنّه تفكيرنا العميق بالجسد دون الممارسة المحضة. وأنا أرى هنا ترجمة علمانيّة لفكرة دينيّة، تقضي بوضع الجسد البشري في حالة من التوازن والانسجام، ليس في حواسه الطّافية على السطح، بل في فيزيولوجيته العميقة، وفي حساسيته العضويّة ( أي مجموع الحواس الداخليّة) المتضامنة مع الطّبيعة، أيّا كانت الطّريقة التي نصيغها بها".

 إنّ التّغيّرات التي طرأت على المجال الفنّي سواء في الخروج عن دور العرض والتوجّه نحو الفضاءات المفتوحة والمواضيع الشّائكة والصّادمة المعروضة كلّها نفذت من مفاهيم وأفكار واستعانت باختصاصات وأطروحات نظريّة وجماليّة فأصبح المجال الفنّي يندرج بالضّرورة ضمن مجال معرفي لعلّ من أهمّه علم الاجتماع، الأنثروبولوجيا، علم الجمال وكذلك السّوسيولوجيا. إنّ الأنثروبولوجيا كعلم ثقافة المجتمع يدرسه من كلّ زواياه أخلاقه، عاداته، سلوكه، رموزه، علاماته كلّ شيء بالاعتماد على مخلّفاته الماديّة والحضاريّة ويكون الجسد هنا "جسد الإنسان" موطنا فكريّا باعتباره كيانا متعدّد الدّلالات والوظائف يخترق جملة من العلوم، من الفلسفة، العلوم الإنسانيّة دون أن ننسى علاقته بالأنثروبولوجيا وإذا كان الجسد فهو بهذا المعنى يعتبر مفهوما ثقافيّا (بالمعنى الأنثروبولوجي للكلمة) قابلا للتفكير الفلسفي النظري وللتّحليل الثقافي في الآن نفسه وهو ما يؤكّد خصوبة البحث فيه.

 

ياسمين الحضري

باحثة دكتوراه اختصاص علوم وتقنيات الفنون/ نظريات الفنون