عامر عبدزيد الوائليإن من يطالب بالعقل والدقة فهو كائنا يخاطب أهل الحكمة بالعقل والبرهان ويخاطب الناس بالجدل والخطابة؛ لأنه ينطلق في استدلاله مما اعتادت عليه ذائقتهما ويخاطب أهل الوجد والعشق بالقلب لما للتجربة العرفانية من أفاق حدسية وهي أوساط تتنوع بتنوع المخاطب، وقد كان الدكتور نعمة محمد إبراهيم أهل لكل هذا لما قدمه في: (البرهان والجدل والتصوف والعرفان) إذ تنوعت طرقه إلى الحقيقة الواحدة في تجربته المعرفية والذوقية .

لقد استحق الدكتور نعمة محمد إبراهيم هذا العنوان في مقالنا هذا؛ نظراً لما قدمه إلى العلم وطلبة المعرفة وهو يشيد الدرس الفلسفي في حاضرة الكوفة الفلسفية بكل جاذبية تاريخها وعمق حاضرها الفقهي والكلامي .لقد كانت له من الدراسات الفلسفية والكلامية والعرفانية ما تستحق النظر والتدبر وهنا نحن نحاول ان نقف عند هذا التنوع فيما قدمه من إنتاج معرفي في قاعة الدرس والإشراف والمناقشات؛ فهي تجارب معرفية تركت أثرها في طلابه ومريديه؛ لكنها كانت شفاهية، إما ما حوته المؤلفات التي تركها فهي الأخرى سجل صادق عما كان الرجل يحمله من خزين معرفي .

إن كل ما يفعله أي إنسان في كل حياته من قول وفعل سواء كان في مجال الدرس في الدراسات العليا أم في مجال الحوار أو في مجال حلقات البحث والكتابة يبقى كل مترابط لا يمكن وضع فصل بينه بل هي تجارب غنية تحتاج إلى النظر والتدبر من أجل خلق تواصل حي معها، اتفاقا أو اختلافا، فهي في كل الأحيان تجارب معاشة إنسانية، تحتاج إلى التدوين لما لها من أثر طيب وأفق يستحق التواصل والإصغاء .نعم في كل ما مر أو يمر ليس هناك تواصل بل أحيانا يحدث فراق أو اختلاف يخلق فجوة تحول من دون إدراك بعضنا البعض؛ إلا أنها على الرغم من هذا تبقى غنية بذلك التذكر الجميل للآخر، وهذا ما اشعر به بعد غياب أستاذي الدكتور نعمة محمد إبراهيم؛ فهو رجل له حضوره ومكانته في قسم الفلسفة في الكوفة، الذي يجمع ملاك مميز من الأساتذة وطلبة العلم، قد ترك فيهم اثرا طيبا بما حمله من خلق وعلم في أثناء وجوده بيننا والذي نشعر به اليوم بعد تقاعده فقد ترك فراغا كبيرا .

لكن معرفة الآخر تتطلب منا الإحاطة بفكره ولغته، فالمعرفة تسلم العقل الذي هو الآخر يشحذها ويسددها ويطلقها ويفجرها في كل الأفاق من أجل تحقيق ما يريد منها من أهداف وغايات، وسوف نحاول إن نقف على تلك المعرفة من خلال الوقوف عند مؤلفات الدكتور نعمة محمد إبراهيم في هذا المقال . اذ هناك ثلاث نقاط أساسية نحاول أن نتخذ منها عتبة في إدراك المنتج المعرفي للدكتور . فهي في مجملها تخوض في الفلسفة الإسلامية، لكن في ثلاثة آفاق هي: (الوجود، والمنطق، والعرفان)، وهي حقول مهمة على الرغم من إن للدكتور اهتمامات متنوعة غنية الآفاق، يضيق المقال عن الإحاطة بها فضلا عن الإشارة اليها .

أولا، في مجال الوجود:

في هذا الحقل المعرفي نجد أن هنالك مجموعة من النشاطات العلمية على صعيد التأليف والمحاضرات والإشراف في مجال الطبيعيات والميتافيزيقا إما على صعيد التأليف فهنالك رسالة الماجستير وأطروحة الدكتوراه اتجهتا معا نحو شخصية مهمة في تاريخ الفلسفة الإسلامية هو أبو البركات البغدادي: (علم مابعد الطبيعة فلسفة ابي البركات البغدادي 1995م) إما على صعيد المحاضرات في تاريخ الفلسفة الإسلامية والفلسفة عامة؛ فهنالك ثلاثة كتب هي: (الفلسفة الإسلامية ج 1-2،2007م) الذي تطرق في الجزء الأول منه في الفصل الأول، إلى الموضوعات الفلسفية الآتية: (الفلسفة والعلوم الأخرى) من حيث تعريفها وفروعها وعلاقتها بالدين، وأصالة الفلسفة الإسلامية، أما الفصل الثاني فقد تضمن الموضوعات على التتالي:(الفلسفة اليونانية) قبل سقراط وسقراط وفلسفته وفلسفة أفلاطون وأرسطو .وجاء الفصل الثالث تحت عنوان (الترجمة والمترجمون) وقد جاء فيه ذكر عصر الترجمة فقال: (لاشك في أن التراث اليوناني الفلسفي قد اطلع عليه العرب، وتأثروا به إلى حد بعيد؛ ولكن كما بينا أن من الخطأ القول إن هذا العلم كان الدافع الرئيس للنهضة العلمية الفلسفية الإسلامية ...) (الفلسفة الإسلامية ج1، ص85) أما الفصل الرابع فقد درس فيهأعلام العرب من الفلاسفة من أمثال (الكندي 26ه، والرازي أبو بكر 313ه، والفارابي 339ه،وأخوان الصفا التي ظهرت حوالي 360ه). وجاء الفصل الخامس ليستذكر فيه المؤلف كلا من: (مسكويه 412ه،وابن سينا 428ه، وأبو بركات البغدادي 547ه،)والكتاب الثاني (مقدمة في الفلسفة القديمة والوسيطة والحديثة والمعاصرة، 2008 ه) .

نحاول هنا أن نركز على (علم ما بعد الطبيعة ...) الذي اشتمل على: (مقدمة وتمهيد وأربعة فصول)، وقد جاء الفصل الأول، بموضوع " الوجود وأحكامه الذي "درس انقسام الموجود إلى: (جوهر وعرض، علة ومعلول، ما هو بالقوة وما هو بالفعل، والوحدة والكثرة)، وقد أشتمل هذا الفصل على تمييز واضح ببن القائلين والقدم والحدوث .ويختتم هذا الفصل بالقول ولا يستطيع أي باحث أن يوفق بين المدرستين في هذه المسألة (ص56)

أما الفصل الثاني،" العلة الغائية للموجودات "،فقد تضمن تحديد أنواع العلل وغائية الموجودات، وتناهي العلل وختمها في التطرق إلى مسالة: في بداية الخلق والإيجاد عن المبدأ الأول .ويقول في هذه القضية الأخيرة: (ومن أمهات المسائل الإلهية مسألة بداية الخلق والإيجاد عن المبدأ الأول الذي كرس فيها أبو بركات منهجه النقدي للتيار المشائي، بعد إيراد البيانات والحجج بمقتضى الفكر والنظر لدحض هذه النظرية الفلسفية، التي تبناها الفلاسفة المشائيون.)(ص84)

إما الفصل الثالث، " في الزمان والحركة على وجه يليق بعلم ما بعد الطبيعة "، وقد اشتمل على: (المقدمة والحركة تعريفها والأمور التي تقتضيها وأنواعها، وأيضا على مفهوم الزمان ومذاهب الزمان والتناهي واللاتناهي في الزمان) .

إما الفصل الرابع،"التوحيد "وأشتمل على موضوعات منها: (معرفة الله، علم الله للموجودات، الأدلة علة وجود الله، وفي إثبات الصفات الذاتية). وقد عرف الحركة بقوله: (التعريف الأرسطي العام للحركة هو الخروج من القوة إلى الفعل في زمان.)(ص103) ويبين تصور الزمان عند أبي البركات بالقول: الواقع أن نظرية الزمان في فلسفة أبي البركات، بها شقان أساسيان، شق يدخل في مجال الطبيعيات وهو ليس غرضنا، وشق آخر يعد أكثر أهمية من الأول هو بحث في مسالة قدم العالم وحدوثه، وهذه تدخل في صلب علم ما بعد الطبيعة)(ص120) والعمل (علم ما بعد الطبيعة ...) هذا من الأعمال المميزة في مجال الميتافيزيقا .

ثانيا، في مجال المنطق:

هنالك ثلاثة حقول ثلاثة يمكن من خلالها أن نستعرض جهود الدكتور نعمة محمد إبراهيم؛ فهو قد كان أولها المحاضرات التي ألقاها على طلبته في الدراسات الأولية والعليا وهي تمثل جهدا علميا في التدريس أما الجانب الآخر؛فهو يتعلق بجهوده العلمية في الإشراف على كثير من الأطاريح والرسائل في مجال المنطق قد تعددت تلك الجهود في الجانب الثالث الذي أشتمل على كثير من البحوث المنشورة في المجلات العلمية ومنها كتابان في مجال المنطق هما: (الصناعات الخمس دراسة في علم المنطق 2015م) و(المنطق الصوري عند الفلاسفة المسلمين 2015م) وهما يظهران جهدا علميا واضحافي مجال الدرس المنطقي الصوري، إذ تطرق في الكتاب الأول إلى ثلاثة فصول في الفصل الأول تناول: (البرهان من حيث صناعة البرهان،ومفهوم البرهان، والصورة البرهان وأصناف البرهان ومبادئ البرهان)، فيما جاءت دراسته في الفصل الثاني لكل من: (صناعة الجدل وتعريفه ومساره التاريخي وفوائد الجدل وعناصره ومقدمات الجدل ومسائل الجدل ومطالبه وأدواته ومنافعه)، أما الفصل الثالث فقد تناول: (صناعة الخطابة والمغالطة والشعر)، وقد جاء في الحديث عن البرهان (وما دامت هذه الصناعة تنتج اليقين لابد أن تنظوي تحت موضوع القياس وقد تسمى قياساً وبحسب هذا الاعتبار ينقسم البرهان على قسمين "البرهان اللمي"و"البرهان الآني".)(الصناعات الخمس دراسة في علم المنطق 2015م، ص15) ثم انه يتناول موقف ابن رشد من اليقين إذن تعدد القول واليقين هما المقياسان اللذان استعملهما ابن رشد في تحديده، لمفهوم البرهان، فمن دلالة المعنى الاصطلاحي للبرهان –عنده – هي أنالبرهان يتكون من أكثر من قول يقيني، إذ حده بأنه قياس يقيني، والقياس مؤتلف من أكثر من قول . (المصدر نفسه، 17-18) ثم نجد في استنتاج آخر أن ابن رشد وافق كلا من الفارابي وابن سينا فيمذهبه هذا، فأما الفارابي ,فذكر أن أغلب براهين السبب والوجود تكون في الشكل الأول من أشكال القياس؛ لأن أكثر البراهين التي تعطي السبب والوجود , انما تنتج الموجبات الكلية، وتؤلف من موجبات فيالشكل الأول .(المصدر نفسه، ص19) وفي تطور مفهوم الحجاج الجدلي نجد إن الدكتور نعمة محمد إبراهيم يبين حدود الإضافة التي جاءت مع زينون فيقول: (فمساهمة زينون في المدرسة الأيلية مساهمة سلبية للغاية بمعنى من المعاني؛ فهو لم يضف أي شيء ايجابي إلى تعاليم برمنيدس، ولكن الجديد عند زينون هي الأسباب التي طرحها للتدليل على هذه النتائج) . (المصدرنفسه، ص96) وفي هذا الجانب الحجاجي الجدلي يشير الدكتور: (يرى أرسطوأن المقدمة الجدلية مشهورة أما عند جميع الناس أو عند أكثرهم أو عند جماعة الفلاسفة , أو عند أهل النباهة منهم). (المصدر نفسه، ص146)

نجد إن البحث في الصناعات أشار إلى الجهود الإسلامية إلى جانب اليونانية وما أحدثه المسلمون من إضافة وهذه الإشارة إلى جهود المسلمين تكون أكثر سعة في كتابه الثاني (المنطق الصوري عند الفلاسفة المسلمين)

ثالثا، في مجال العرفان:

إما في مجال العرفان والتصوف قال أهل التصوف (فأعظم الوسائل إلى الله سلوك طريق الأدب والتربية، وأقرب ما يوصل العبد إلى مولاه صحبة العارفين ذوي الهمم العالية والتربية النبوية) (الفتوحات الإلهية في نصرة التصوف الحق الخالي من الشوائب البدعية، ص3)

فالتصوف والعرفان من المباحث التي اهتم بها الدكتور نعمة محمد إبراهيم، وكانت له رؤية عميقة تركت أثرها في مجموعة طيبه من طلبة الدراسات العليا، وقد تمخضت عنها رسائل وأطاريح مميزة اصطبغت بفكر الدكتور إذ تركت أثرا واضحا في تلك الأعمال،وقد اشرف على بعضها،وهي من المباحث المميزة في قسم الفلسفة - جامعة الكوفة، وقد ظهرت له أيضا بحوث علمية في أكثر من مجلة محكمة علمية وكان له مشتركات في بعض الكتب الجماعي التي كانت من تحريري وقد اخترت احد هذه البحوث حتى نعرض لما قدمه الدكتور نعمه محمد إبراهيم من رؤية صوفية عميقة بالتحليل على صعيد المنهج والرؤية ومنها هذا المبحث المعنون:"تجليات الإنسان في الخطاب الصوفي ابن عربي أنموذجا" في المقدمة إشارةإلى مفهوم الإنسان إذ يقول: (الإنسان: هو صورة الله أو هو محور هذا الكون، وهو عبارة عن جواهر متآلفة قامت بها أعراض مخصوصة، والجواهر المتآلفة هو أعيان تلك الجواهر مفردة غير مركبة وهي ليست بإنسان) ثم يورد تفصيل اكثر في معنى الانسان فيقول: والإنسان هو الصورة الجامعة. فعندما أراد الله الظهور جمع أسماءه التي هي صفاته فحصرها في دائرة وعين لها وجودا ونفخ فيها فكان الإنسان.ثم يقول: والإنسان، ظاهر وباطن فجسده وما لهذا الجسم من آلات، ومنها أيضا عقله الذي هو جزء من كيانه.. ولكن هذا العقل كان ضربا من الإطلال على جزئه الباطن وهو محل الإلوهية فيه. فالإنسان مركب لله على الحقيقة، وعليه استوى وتمكن وبث أوامره وحيا وإلهاما وخواطر أسمائيةشتى. لذلك تقدس الإنسان ورفع فوق الملائكة.(محمد غازي عرابي، النصوص في مصطلحات التصوف، ص31ـ32.)

ثم يعود الى ابن عربي فيقول: (ويقول الشيخ ابن عربي: سماه إنسانا لأنه أنس الرتبة الكمالية فوقع بما رآه الإنس فسماه إنسانا.)(الشيخ ابن عربي، الفتوحات المكية: 2/643.)

وفي القسم الثاني من البحث يتناول مفهوم: (الكون والفكر العلمي) إذ يحدد الدلالة للمفهوم بالقول: ويعني هذا أن الله تعالى يحكم بكون هذا الأمر فيكونه ويظهره إلى الوجود.ويعتقد قسم من المتكلمين أن الكون مرادف للوجود، ومجموع أجزاء الكون هو"العالم" .(التهانوي، الكشاف، مادة"الكون"،ومادة"تكوين".).

ثم نجد الدكتور في خاتمة بحثه يشير: (حاولت دراستنا هذه الكشف عن جهود فلاسفتنا وعلمائنا فيما يتعلق بالإنسان، والكون معتمدين على نصوصهم العلمية التي اشارت إلى كثير من الآيات الكريمة المتضمنة معرفة الله عن طريق التدبر والتفكر في مختلف صنوف خلقه،استعمال القوانين العلمية؛ لإثبات الباري جل شأنه بوصفه خالقا لهذا الكون) البحث من ضمن كتاب(جدلية العلاقةبين التصوف والعرفان في الاسلام) وقد أشار الدكتور أيضا: (ما يهمنا من كل هذا،هو أن الإسلام قد ارشدنا إلى الطريقة السديدة في البحث،ووضع لنا أسس المنهج العلمي السليم.هذه الأسس التي تقوم على النظر والملاحظة والتحقق والتقصي وتحكيم الفكر والتأمل في حصيلة كل ذلك للوصول إلى الحقائق والقوانين بتركيب الجزئيات والتفاصيل).

وفي تناوله لمفهوم العالم نجده يحدد آفاق منهجه بالقول: (إذا أخذنا نتائج علم الفيزياء فيما يتعلق بنظريات هذا العلم حول الكون لكانت الحقيقة واضحة أن المادة لابد من أن تكون مخلوقة من قبل مدبر لهذا الوجود.وما حقيقة اكتشاف الإنسان لظاهرة الإشعاع إلا دليل واضح لأبطال نظرية أزلية المادة، فما دامت الشمس وجميع النجوم الأخرى مشتعلة وتبعث الإشعاعات، لابد من أن تكون هناك بداية لها، لأنها لو كانت عكس ذلك لانتهت تلك الإشعاعات كون عمرها ملايين السنوات.)

 

د. عامر عبد زيد

 

نبيل عودةأصبحت الكتابة النقدية في ثقافتنا نهجا مضادا للثقافة. اتابع ما ينشر من ادب نثري وشعري. أجد أحيانا صعوبة في فهم دافع كتابة النظم او النثر لدي الكثيرين. بنفس الوقت هناك من يستحق ابداعه القراءة والاشادة. لكني اصمت بحيرة من الفجوة الهائلة بين الابداع الثقافي والتفاهة الثقافية، فاكتفي بسطر او سطرين للدلالة على جمالية نصوص معينة، واهرب من تناول ما أرى انه مجرد ثرثرة لا تقود الى أي فكرة ثقافية او جمالية. لدرجة أني افتقد الوسطية بين ابداع حقيقي يمكن نقده، والنقد ليس شرطا رفضا سلبيا للنص، او تصفيق ومديح، يمكن ان يكون في النقد تنوع واسع، بين ملاحظات سلبية وملاحظات ايجابية أيضا، لكن بالمفهوم الإبداعي، يعتبر العمل عملا ابداعيا، حتى لو لاحظ الناقد نقاط سلبية يمكن تطويرها، حسب وجهة نظره، وهو ليس حكما لا استئناف عليه، بل حوارا ثقافيا بين المبدع والناقد بهدف تطوير الابداع فكرا وجمالا. ان دافع النقد ليس المديح والتصفيق كما تعودنا في الأكثرية المطلقة من النقد الذي ينشر، والذي يفتقد للمسؤولية الثقافية بأبسط اشكالها، وهو نقد بدون وعي من الناقد لدوره واهمية ان يمارس النقد برؤية جمالية للنص.

أصبح النقد نوعا من الاستعراض الذي يفتقد الى رؤية ثقافية وفكرية، النقد هو فكر أولا، وهو رؤية جمالية للنص ثانيا، وهو مفهوم فلسفي يرتبط بادراك العلاقة بين الابداع، النقد الأدبي والرؤية الفلسفية لمضمون النص.

 السؤال ما علاقة النقد الأدبي بالفلسفة؟

 الجواب البسيط والحاسم ان الفلسفة هي ام كل العلوم، ان ربط التطور الأدبي والنقدي بالفكر وحركة التطور الاجتماعي المادية (انتاج الخيرات المادية) والروحية (الابداع الأدبي والفني بكل مجالاته) هو موضوع حاسم في تطوير الابداع وتعميق مضامينه الفكرية والجمالية.

هناك دراسات متخصصة لمفهوم النقد وعلاقته بالرؤية الفلسفية، وأبرز الأمثلة على ذلك كتاب "الجذور الفلسفية للنقد الادبي الحديث"، للمفكر المصري محمود امين العالم، و"كتاب الاستشراق" لادوارد سعيد، الذي طور فلسفة نقدية يمكن تسميتها بالمنهج التاريخاني الحديث وهو الآن يعتبر من أبرز الدراسات النقدية، وربما مشكلة عدم اختراق فكرة ادوارد سعيد التاريخانية النقدية للثقافة العربية هي الترجمة المعقدة جدا للكتاب والتي تحتاج الى ترجمة عربية بلغة سهلة الفهم. كذلك يتطور اليوم في النقد الغربي أسلوب جديد، يتناول النص الأدبي بدون أي علاقة بالواقع الذي انطلق منه الكاتب، وقد لاحظت ان هذا النهج له تأثيره على أوساط تفتقر للرؤية الفلسفية التي تنطلق من رؤية التفاعل بين الواقع والابداع الأدبي. 

 كذلك لا بد ان ننتبه لمسالة هامة مصيرية في ممارسة النقد، الموضوع ليس نزوة شخصية لكتابة نص تحت صيغة نقد، وهو فارغ من أي فكر نقدي او جمالي. طبعا لا انفي ربط التطور الأدبي والنقدي بالهوية القومية، لسبب بسيط ان الأدب يحمل كامل خصائص اللسان الذي يصاغ فيه. وكامل خصائص المجتمع الذي ينطلق منه، ويحمل بالتأكيد الرؤية الفلسفية لكاتب النقد. ان الادب ليس حدثا يُروى، بل هو فكر قبل كل شيء، علاوة أن هناك فرق بين النقد الادبي ونظريات النقد الادبي، مثلا ما زال العديد من النقاد متأثرين بالمدرسة الواقعية الاشتراكية التي لم تصمد تاريخيا، وكانت مدرسة أيديولوجية مغلقة لنظرية فُرضت في فترة النهج "الستاليني – الجدانوفي" في الاتحاد السوفييتي السابق والحركات السياسية الدائرة في فلكه. مثلا النظرية الماركسية للنقد الأدبي تعتمد علم الاجتماع الجدلي، وترى ماهية الأدب والنقد ووظيفتهما في احداث التغيير الاجتماعي، لكن بالتطبيق فرض نهجا تعسفيا يناقض الفكرة الماركسية نفسها.

ان فهم الناقد للرابط الفلسفي للنقد مع الواقع الاجتماعي الذي انطلق من العمل الإبداعي، يشكل المنصة الأكثر مصداقية نقدية، لذا يفترض ان تكون للناقد رؤية اجتماعية وفكرية وفلسفية حول مكانة النقد الأدبية، واهمية المصارحة وليس التضليل الذي اراه ينتشر بتعظيم اعمال (نقد مجازا) هي تجارب أولى لأدباء ناشئين، او ادباء بجيل متقدم لكن نصوصهم كأنها صيغت لمجتمع آخر لا اعرف مكانه الجغرافي ولا جمهور الهدف الذي صيغ النص من أجله.

ان التعظيم يقود حتما الى تضليل المبدعين الشباب خاصة. ومعظمه ينطلق من علاقات شخصية، ومن فقدان من يكتبون هذا النقد لأي مفهوم نقدي بسيط. أي يزرعون فوضى نقدية لا جذور فكرية لها ولا رؤية تربط المضمون بالواقع.  فهل يستوعب كتاب النقد المضمون الذي يتناولونه بنقدهم؟ ام هي كتابة عشوائية لا جذور لها في النص او فلسفة النقد، حين يصيغون صفحات نقدية لا شيء من النقد او الفكر في مضمونها؟ هنا اذكر قولا لماركس يناقض النهج الذي عرفناه باسم "النهج الواقعي الاشتراكي" يقول: "ليس وعي البشر هو الذي يحدد وجودهم بل إن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم". اذن هذه هي وظيفة الأدب ووظيفة الناقد التي لا تقل أهمية لكنها تستثمر في ثقافتنا بصياغات تفتقد لأي مضمون فلسفي او فكري او جمالي او ثقافي، او حتى لغوي سليم.

زميل ماركس إنجلز مثلا يؤكد برسائله الشهيرة المكتوبة في تسعينيات القرن التاسع عشر "أنه كان هو وماركس ينظران إلى الفن والفلسفة وغيرهما من أشكال الوعي بوصفها أشكالا لها استقلالها الذاتي النسبي وقدرتها المستقلة على تغيير حياة البشر" – طبعا مرحلة ستالين ووزيره الثقافي جدانوف، الحقوا بالفكر الماركسي تشويهات ساهمت بتقليص دوره الفكري وبالتالي انهيار بنيانه النظري المعروف باسم "المذهب الواقعي الاشتراكي". واليوم لم نعد نسمع هذا الاصطلاح الا لدي بعض الذين توقف تفكيرهم في حدود تاريخية لم تستوعب التغييرات العاصفة التي تجتاح عالمنا، سلبا او إيجابا منذ نهاية القرن العشرين. 

أكثر من ذلك توصف الرواية انها نتاج عصر الاستعمار، اذ تطورت الروايتان الإنكليزية والفرنسية مع تطور الاستعمارين الفرنسي والبريطاني، بينما الرواية الأمريكية تأخرت عنهما، وكان هدف الفن الروائي هو تبرير استعمار الشعوب، أي جهاز اعلامي لتسويق الاستعمار، وعالج ادوارد سعيد في كتابه "الثقافة والامبريالية" هذا الموضوع. طبعا الثقافة الاستعمارية اوجدت ثقافة مضادة لدى الشعوب المستعمرة، ويمكن مثلا وصف ادب المقاومة الذي تطور في المجتمع العربي الفلسطيني داخل إسرائيل بأدب مضاد للنهج الثقافي الصهيوني الاستعماري.

أن النقد يتطور بناء على التراكم الفكري، وموضوعه ليس الاعجاب الشخصي بنص ما، او بشخص كاتب النص او كاتبته، كما الاحظ فيما يسمى مجازا نقد ادبي في ثقافتنا المحلية خاصة والعربية عامة. إنما النقد يبنى على أساس قدرة الناقد ان يبنى تقييمه للنص على أسس من الفكر الابستمولوجي (نظرية المعرفة) في تحليل الأدب.

 ان تبجيل صياغات يبرز فيها الاجترار الفارغ من المضمون، ومن أي ملامح جمالية، هو تصرف أحمق له دوافع شخصية لإبراز الذات، وهذا ليس نقدا بل تنمية علاقات شخصية، او كسب موقف لدى صاحب او صاحبة العمل.

من جهة أخرى هناك اعمال إبداعية تبرز فيها تجربة صاحب العمل، يجري على الأغلب تجاهل تلك الأعمال لأنها تحتاج الى جهد نقدي – فكري وليس كتابة نقدية عشوائية، والنقد الفكري لا يتوفر للناقد الذي يفتقد لأي مضمون فكري نقدي، ترهق عقله وفكره، ولا تكسبه "شهرة" مقابل صياغة تحت تسمية نقد، لا نقد فيها. الناقد في هذه الحالة اما لا يفقه مهمة النقد، (وهذا مؤكد في الكثير من الحالات) او ان له هدف يمكن ملاحظته من إصراره على تناول اعمال أولى لأدباء (او اديبات على الأغلب)، وبالتالي لا أرى ضرورة لأتوسع بالتفسير.  من هنا لم أجد نقدا، بل صياغات توهم القارئ انها نقد ادبي وهي خلو من أي ثيمة أدبية ونقدية، لا بالنص ولا بنقده وهي نصوص لا تستحق النشر.

الظاهرة المضحكة المبكية، واختتم موضوعي بها، ان بعض كتابنا الذين ينتجون مواد إعلامية يومية، بمستوى معظمه ما دون المتوسط، لاحظت في الفترة الأخيرة انهم أيضا باتوا عاشقين للكتابة الشعرية، ولم انجح ان اقرأ من شعرهم أكثر من جملتين. تفاهة يستحقون عليها جائزة نوبل. لكن نوبل لم يخصص جائزة للتفاهة حتى لا يلحق الإفلاس بأمواله.

المضحك المبكي ان بعض وسائل الاعلام تنشر دون فهم وتقييم لجودة العمل، بسبب غياب المحرر الأدبي، توفيرا طبعا للمعاش. وهو امر مؤلم، افهمه تماما بسبب الواقع الاقتصادي الذي يضيق الخناق على اعلامنا كله.

 

نبيل عودة

 

زهير الخويلدي"نجح الفيلسوف في جذب رجل من الحشد إلى الأعالي.. وأن يرتفع إلى اعتبار العدالة والظلم".. أفلاطون- محاورة ثياتات

مهما كانت الفلسفة التي يتحرك ضمنها المرء فهي تنتمي إلى هذا العالم وترتبط بالضرورة بذوات إنسية ومهما كان الفيلسوف الذي يفكر وينظر ويقارن ويلتزم ويفعل فهو مسؤول عن أقواله وأفكاره وأفعاله عند اختراقه أطر هذا العالم وتجاوزه حدود المعرفة وضربه على الحائط قوانين المدينة ودنوه نحو آفاق بعيدة. على الرغم من الاستهجان الكبير الذي تتعرض له الفلاسفة من الجمهور وبعض المناوئين المعاندين مثل رجال الدين والعلم والمال والخبراء الجدد في البرمجيات ومنظومات الاتصال إلا أن الفلسفة موجودة بقوة في برامج التعليم وتدرس في مراحل متقدمة وتمتلك أقساما مستقلة في كليات الآداب وتقدم كدروس عامة في كليات العلوم ومعاهد التربية والصحافة والطب ولكنها غائبة بشكل ملحوظ عن كليات الهندسة والتقنية. الفلسفة هي مادة صعبة وتتكلم لغة غامضة وتعتمد مناهج معقدة وتوظف مجموعة من المفاهيم المجردة ولذلك ظهر تعارض بينها والمجتمع وناصبها العامة العداء وحاولت السلطة السياسية توظيفها لصالحها وخارج إرادة الفلاسفة ورغبتهم في التغيير نحو الأفضل وإيمانهم بالتقدم وطرحهم السؤال الأساسي للحياة. كما تريد الفلسفة قول الحقيقة في عالم مليء بالأكاذيب والظلم ويسعى الفيلسوف لإنارة الرأي العام وسط دعاية مضادة تسعى لتنويم الناس والتلاعب بالعقول وتصنيع الغباء المبرمج وغسل الأدمغة بالإشهار والدمغجة ولذلك يتسلح بالنظرية الثورية لكي يدافع عن الحق في وجه القوة وينتصر للعدالة ضد التفاوت والتمييز ويحاول إنقاذ كرامة الإنسان من كل سلعنة وتشيىء ويرفض السلطة ويرفع اللا ضد للبلاهة والحماقة. من جهة ثانية يعي الفيلسوف وضعه البسيط في العالم ويدرك منزلته العادية ويعرف صعوبة مهمة تغيير النظام وفقدانه للسلطة التي تخول له نمذجة العالم حسب مشروعه العقلاني ولكنه يتدخل في الشأن العام تاركا اليأس جانبا ويغامر بإلقاء نفسه ضمن التجربة التاريخية حاملا فانوسه معه مخاطرا بحريته ومعرضا حياته للتهديد الجدي ولكنه يتمسك بالحبال الديمقراطية التي تشده إلى المدينة المتحضرة وتساعده على مواجهة مصيره. زد على ذلك اللافلسفة هي جزء من الفلسفة بما أن المعقول هو محاربة لللامعقول وطالما أن التفكير مضاد للاعتقاد والنقد سلاح منهجي لتفكيك التعصب للآراء الجاهزة والقناعات الموروثة ودعوة لاستعمال العقل بحرية. بطبيعة الحال الرواق الفلسفي هو ميدان حوار وأرضية نقاش وميدان للمبارزة الفكرية بالحجة المنطقية والحقيقة الدامغة وفضاء تجريبي للذكاء البشري ومراكمة التجربة ومحاولة مستمرة للوعي بالعالم والتفاني في الارتقاء به للأفضل ومخاطبة متواصلة للإنساني في الإنسان وبحث عن الفردي في المجموعة وتشجيع على الابداع. كما تخوض الفلسفة معركتها الرسالية ضد العنف المسلط عليها من كل جانب وتستنجد بنقاء الحقيقة وطهارة الحق ونبل التسامح وتلوذ بقلعة الحكمة ومنطق المعنى وسمو الواجب لكي تريد الحياة من أجل المدنية فقط ولكي تظل وفية للتجربة البشرية والواقع الموضوعي ولكي تعيد ترتيب الأشياء في العالم بطريقة منصفة. علاوة على ذلك لا تحقق الفلسفة المعجزات بالنسبة للبشرية ولا تتضمن المنفعة المطلقة ولا توفر للجمهور القناعة التامة ولكنها تصون الكرامة زمن التدهور وتنقذ الحرية في أوقات الاغتراب وتعارض الاستغلال والاستبداد وتأمر بالثورة في وجه الظالمين وتقدس الإخلاص للشعب والوفاء للقيم والصدق في الأقوال والأعمال. صحيح أن الفيلسوف يخوض مطالب بالتغلب على الكثير من التحديات وتعترضه جملة من العراقيل ويجد نفسه أمام عدة خيارات متناقضة ولكنه يمارس الاحتراس والحذر والحكمة ويلزم الحيطة والفطنة والذكاء ويرفض الاختفاء والتواري في اللحظات الحاسمة والمعارك المصيرية ويتحلى بالشجاعة والفعل الثوري. كما تبقى الفلسفة متاحة للجميع ويظل هدفها الأبرز تحقيق إنسانية الإنسان وترك حرية القرار للفرد في نحت كيانه وللمجموعة من أجل تقرير مصيرها وتبقى تقوم أي غياب تراجيدي يمكن أن تتعرض له من التاريخ وتراهن على ظهور الفيلسوف في كل عصر لكي يجدد شبابها ويعيد الاعتبار للعمل الهادئ الذي تقوم به. من هذا المنطلق تكمن المنفعة التاريخية من وجود الفلسفة في مجتمع معين في مساهتمها في التخلص من الخرافة والشعوذة واعتماد المنهجية العلمية في الرؤية المعرفية وتشغيل الحكم العقلي في اختيارات الحياة والأبعاد العملية وفي القضاء على الهمجية والغرابة التي تسم الوضع البشري وتأسيس التحضر والمدنية والتلاقي بالعالم. على هذا الأساس يشتغل الفيلسوف على تحويل البديهيات التي يؤمن بها القطيع الى مشاكل محيرة وأسئلة مستفزة ويذهب في اتجاه القطع مع الرضوخ والاستسلام للتقاليد والعادات لكي يشق طريقه نحو الحقيقة بنفسه ويرنو إلى الخلاص الجماعي من العبودية الطوعية للفساد والتسلط ويلوح بالإطار العقلاني للحق. كما لا يجب على الفيلسوف أن يأتي متأخرا ولا يقبل من أي تبرير عند تأخره عن قول الحقيقة والشهادة على ما يحصل في عصره ولا يجوز البقاء في حالة الحياد والجلوس على الربوة في المنعطفات التاريخية وإنما يمكن التبكير ويجوز المبادرة وتقبل الاستفاقة قبل الجميع شرط أن يتبع القول الفعل ويصير الفكر التزما. غني عن البيان أن يتراوح وجود الفيلسوف بين الجد والهزل وينتقل من الاعتراف بالجهل إلى البحث عن المعرفة ويتعفف عن حقارات الحياة التي ينهمك فيها العامي ويرتفع بنفسه إلى عالم الأفكار والمثل والمبادئ ولكنه ما يلبث أن يعود إلى الحياة الاجتماعية لكي يمارس دوره الطليعي في التثقيف والتوعية والإرشاد إلى الأحسن. فَيَا تُرَى من يشكل صورة الفيلسوف في مجتمع استهلاكي وتعصف به تجاذبات السلطة والتراث والميديا؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

معراج احمد الندويالمقاومة السلمية هي وسيلة لحماية الحقوق، وتحقيق المطالب من خلال اظهار المعاناة الإنسانية، والاعتماد على قوة الروح وعلى القوة المعنوية.  تعتمد المقاومة السلمية على تحميل العواقب مع الصبر والثبات، تتوافق مع فكرة التضحية وتحمل المعاناة وعدم مواجهة الخصوم، وعدم استعمال أي نوع من أنواع العنف، بل الاعتماد على اللاعنف مع الاستقامة في تحقيق الأهداف المنشودة.

تتخذ هذه السياسة للمقاومة عدة أساليب ومن أهمها الصيام، والمقاطعة، والاعتصام، والعصيان المدني، والقبول بالسجن، وعدم الخوف من الموت. والحركات التي آمنت باللاعنف كمنهج أساسي للصول إلى أهدافها السياسية والاجتماعية، كان لها مساهمة كبيرة في اللاعنف والأمن والسلام، وتجسيد كمثال لباقي الحركات السياسية والاجتماعية التي تسعى للوصول إلى أهدافها المشروعة.

.... لقد اشتهرغاندي بلمقاومة السلمية واللاعنف من خلال الأهميسا" وهي دعوة للمحبة والسلام وفعل الخير حتى مع الأعداء،ومعارضة سياسة الحكومة وعدم الانصياع لأوامرها، دون اللجوء لأي نوع من أنواع القوة. رأى غاندي أن القوة في حقيقة هي قوة الحق واللاعنف، والصبرعلى الأذى،وتحمل المكارة وضبط النفس.

لقد كرس المهاتما غاندي حياته لنشر سياسة المقاومة السلمية واللاعنف واستمر على مدى أكثر من خمسين عام. اعتمد تكنيك غاندي على أساس "الساتياجراها" التي تعني الاصرار على الحق. تتألف "الساتياجراها" من كلميتين  باللغة السنسكريتية "ساتيا" معناها الحقيقة، و"جرها" التي تعني الاصرار على الالتزام. وكانت "الساتيا جرها" بالنسبة لغاندي هي قوة روحية وأخلاقية.

تتضمن "الساتيا جراها" ثلاثة نقاط مهمة:

- عدم التعاون مع السلطة الانجليزية ضد الاستعمار البريطاني في جميع الستويات. وذلك من خلال اللجوء للاضرابات في العمل، والمظاهرات الشعبية، والاستقالة من الوظائف الحكومية، والتخلى عن الألقاب، والرجوع عن الجوائز معربا بأن الجماهير ضد سياسة الحكومة.

-   النقطة الثانية من "الساتياجرها" هي حركة العصيان المدني التي تتضمن عدم دفع الضرائب واجبار الحكومة أن تركز اهتمامها في مصالح الجماهير.

-   والأسلوب الثالث والأخير هو اللجوء إلى الصيام حتى الموت،قد استمعل هذا الاسلوب لدعم "الساتياجراها" كلما اقتضى الحال.

وكان غاندي يهدف إلى استقال القومي، ثم يأتي بعده  بالقيام المجتمع المثالي  على  أساس العدل والمساوات. وكانت لغاندي رؤية جديدة للوطن والذي لا يمكن تحقيه إلا عن طريق التقدم الاجتماعي والاقتصادي. أسس غاندي ما عرف في عالم السياسية بـ"المقاومة السلمية" أو فلسفة اللاعنف "الساتياراها"، وهي مجموعة من المبادئ تقوم على أسس دينية وسياسية واقتصادية.  كل هندي  حسب غاندي أن يلتزم بثلاث مبادئ أساسية وهي اللاعنف،ورفض الاضرار بالآخرين مع الالتزام بالحق الذي يعني التحلى بالروح العسكرية والتضحية، واحترام الذات والكرامة الإنسانية والابتعاد عن التمييز العنصري.

رأى غاندي أن اللاعنف هو المنهج السياسي لعامة الناس. وتعكس هذه النظرة لاستخدام التاريخي اللاعنف اعتمادا على قوة الجماهير. ومن أشهر الصراعات التي استخدم فيها اللاعنف في التاريخ هي حملة عدم التعاون التي قادها المهاتما غاندي لاستقلال الهند. دعا هذا القائد العظيم إلى السلام والمحبة والاحترام المتبادل بين الناس. قام بنشر اللاعنف لأجل تحقيق أهدافه السياسية، وفي إطار هذه النظرية اختار النضال السلمي ضد الاحتلال وعدم التعاون معه بدلا من التعذيب والإضطهاد.

لقد أستطاع غاندي أن يحطم فكرة الامبراطورية الانجليزية التي لا تغيب الشمس عنها بأسلوبه وأفكاره وأعطى من أسلوبه اللاعنف عبرة لمن يرى في المقاومة السلمية أسلوبا عقيما في محاربة الاحتلال. تغلب غاندي على الاستعمار الانجليزي بعد صراع طويل وصبر متواصل استمر نصف قرن من الكفاح الهادئ الصامت الذي هدف القضاء على القوة القاهرة. أكد غاندي أن "الساتياجراها" أسلوب بسيط لاسترجاع حقوق المستضعفين والمقهورين في معاركهم الإنسانية من أجل الحق والسلام.

 

ا. د. م. معراج أحمد معراج الندوي

جامعة عالية ،كولكاتا - الهند

 

طالب عبدالاميرإلى جانب موضوعين رئيسيين، وهما الاحتفاء بأدب كوريا الجنوبية - وهذا تقليد دأب عليه معرض الكتاب في غوتنبرغ غرب السويد، سنوياً، باختيار أدب دولة من الدول ليكون ضيفاً رئيسياً في المعرض - إلى جانب موضوع المساواة، سلط معرض الكتاب في غوتنبرغ، هذا العام، في نسخته الخامسة والثلاثين التي انتهت قبل يومين، الضوء على «الوعي الإعلامي» الذي يعد واحداً من أهم المواضيع الشائكة التي تشهدها المجتمعات كافة، والصناعية منها على وجه الخصوص، والتي تتسارع فيها وتيرة التحولات نحو مجتمع المعلوماتية، أو المجتمع الرقمي، كما تسميه أدبيات هذا العالم الإلكتروني، الذي تتوازى أو تتشابك مساراته مع العالم المادي.

وخصص المعرض إحدى منصاته لمناقشة موضوع مدى إدراك الفرد للمتغيرات المتسارعة، الجارية في البنى المجتمعية، التي تتوغل من خلالها وسائل نشر المعلومات، وتحشر نفسها في حياة الإنسان، دونما استئذان، وبطريقة توحي بالقبول والتفاعل الإيجابي. فيجد المرء نفسه منخرطاً فيها دون تفكير متمعن، فتؤثر على حياته اليومية، وتغير من عاداته وسلوكه الاجتماعي.

وخلال المناقشات في هذه المسألة المهمة والضرورية، طرح مجموعة من تلامذة المدارس أسئلة على عدد من الإعلاميين، لمعرفة آرائهم فيما يجري في مجال الإعلام والمعلوماتية.

وأغلب الأجوبة ركزت على أن الثورة التقنية التي انطلقت منذ عقود، استطاعت أن تقلب المفاهيم التقليدية السائدة في المجتمعات، وتوفر للأفراد إمكانية التواصل، بعضهم مع بعض، بصورة سلسة وخارقة للزمن، عابرة للحدود الجغرافية السياسية، وأن مشاعية استخدام الإنترنت، من قبل الأفراد والمؤسسات وغيرها، منذ أكثر من أكثر من عشرين عاماً، بعد أن كانت تعد أدوات سياسية استخدمت في الصراع الدول المهيمنة، وضعت حجر الأساس لأفكار جديدة، تتحرر بموجبها الجماهير الغفيرة من القيود التي تكبلت بها جراء ممارسات السلطات التعسفية ضدها. فتنطلق في هذا الفضاء الذي لم يعد فيه للحكومات المحلية الدور الواسع في السيطرة على حرية مواطنيها في التعبير.

لكن سرعان ما اصطدمت القضايا المتعلقة بالإنترنت بمصالح القوى العالمية المتحكمة في الاقتصاد العالمي، الأمر الذي "قوض حلماً في فضاء حر بلا حدود"

كما يشير جاك جولدسميث، وتيم وو، مؤلفا كتاب: من يحكم الإنترنت؟ أوهام عالم بلا حدود.

 «Who Controls the Internet? Illusion of Borderless World»

 إلى أن كثيرين، خلال منتصف التسعينات، ظنوا أن الدول لن يتسنى لها التحكم في الآثار المحلية للاتصالات غير المرغوب فيها عبر الإنترنت، تلك التي نشأت خارج حدودها. لكن السنوات الأخيرة أثبتت «أن الحكومات الوطنية لديها كم هائل من الوسائل والطرق التي تتحكم من خلالها باتصالات الإنترنت التي تتم خارج حدودها».

واليوم، تشهد المجتمعات تطورات هائلة ومتسارعة في وسائل الإعلام والاتصالات، أخذ، من خلالها، تدفق المعلومات وغزارتها مَدَيات لم تشهدها المجتمعات من قبل، خلال مسار تطورها ووسائل تقدمها عبر التاريخ. وكنتيجة لذلك بات الإنسان الفرد اليوم محاطاً؛ بل محاصراً بالمعلومات التي لم تعد حكراً على فرد أو فئة دون أخرى؛ بل هي سوق مفتوحة لكل من يود الإدلاء ببضاعته. غير أن الفارق ما زال هو نفسه فيما يتعلق بقدرة من يملك أدوات الوسائل، لجعل هذه الجهة أو تلك بمقدورها التأثير على العقول، وصياغتها بطريقة تبدو مخملية ناعمة.

وتأخذ النقاشات الخاصة والعامة اليوم مساحات واسعة، عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي المتعلقة بهذه المسألة التي تحتوي المجتمع بكل مؤسساته وأفراده. فالفرد العادي يستخدم الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي كـ«فيسبوك» و«تويتر» وغيرهما، تماماً كما تستخدمه الشركات الأهلية والعامة ومؤسسات الدولة وسلطاتها التقليدية المعروفة؛ لكن المنافسة على التأثير في وعي المتلقي، الذي لم يعد بدوره أحادي الاتجاه، بمعنى أنه لم يعد متلقياً فحسب؛ بل ومرسلاً أو مصدراً للمعلومة بالوقت ذاته، ستكون في النهاية لصالح من يملك أدوات التأثير على الرأي العام، والأساس فيها الدعاية والإعلان بحلته الرقمية الجديدة.

وفيما يتعلق بمعرض الكتاب في غوتنبرغ الذي أنهى أعماله الأحد 29 سبتمبر (أيلول) 2019، فقد ركزت المنصة الخاصة بالوعي الإعلامي، على دور المؤسسات البحثية والتعليمية في إشاعة المعرفة حول المعلوماتية ووسائل الإعلام والاتصال الجماهيري، مع التركيز على الشبيبة والناشئة، وحتى الأطفال في المدارس، في إفساح المجال للنقاشات الهادفة إلى خلق إدراك لمغزى التطورات الجارية في تقنية المعلومات في المجتمع، وتأثيراتها على حرية التعبير، التي ستظل بالنسبة للسويد - باعتباره بلداً ديمقراطياً - حجر الأساس في نظامه الاجتماعي. فالمجتمع يتغير، ولكن مبادئ الديمقراطية فيه تبقى، ويبقى دور وسائل الإعلام الجماهيرية: الكتب، والصحف، والإذاعة، والتلفزيون، ووسائل التواصل الاجتماعي، والتحولات الرقمية، وغيرها، في التأكيد على تطبيق تلك المبادئ في حرية التكلم والاستماع والكتابة والمشاهدة والتعبير، من خلال حيادية هذه الوسائل، ومراقبة عمل الحكومة، والتحقق من سلامة إدارة السلطات لمهامها، إضافة إلى توفير أماكن في الفضاء العمومي للنقاشات في تلك المتغيرات.

غير أن حرية التعبير ليست خالية من الحدود، كما أن حدودها غير ثابتة، وتتأثر بالتغيرات الحاصلة في السياقات الثقافية والاجتماعية، وهذا ما تفرزه بعض النقاشات الحادة والشديدة في هذا المجال.

 

طالب عبد الأمير

 

محمد عبد الكريم يوسفتتعامل غالبية المجتمعات مع الاغتصاب على أنه عار يلتصق بالضحية أكثر من الجاني لذا تتجاهله وتغض الطرف عنه وهو ما يجعل توثيق حالات الاغتصاب أثناء الحروب أمرا بالغ الصعوبة إذ تأبى معظم الضحايا ذكر الواقعة. ونحن ننسى حقيقة أن "الاغتصاب سلاح أقوى من قنبلة أو رصاصة، فبالرصاصة على الأقل تموت ولكن إذا تعرضت للاغتصاب فإنك تظهر للمجتمع مثل شخص ملعون لا يتحدث إليك أحد ولا يراك أحد. إنه موت حي".

تعريف الاغتصاب

اغتصاب النساء في الحروب نوع من العنف الجنسي يستخدم كسلاح حرب وظاهرة متفشية في الصراعات الداخلية والخارجية منذ زمن طويل وهو من الأسلحة الصامتة صمتا جعل ضحاياها غير مرئيين ولا يهتم بهم أحد .

وعادة ما يشار إلى العنف الجنسي باسم "اغتصاب الحرب ". العنف الجنسي هو إستراتيجية عسكرية أو سياسية في حد ذاتها ، وهو يُقرّر من أعلى السلطات بنفس الطريقة التي يقرّر بها قصف قرية أو إبادة شعب أو إطلاق الغاز على جماعة أو استخدام أي نوع من الأسلحة . وقد تحول الاغتصاب للأسف إلى أداة حربية وصار استخدامه مزمنا ومنتظما في الصراعات والحروب المعاصرة كما تحول إلى طريقة للإذلال والهدم واتخاذ السلطة وهي أداة مستعملة ليس ضد النساء فقط كما حدث في جمهورية الكونغو الديمقراطية وكينيا والبوسنة ورواندا والعراق وسورية بل أيضا ضد الرجال في ليبيا وأوغندا والأطفال مثلما حدث في العراق وسورية وجمهورية الكونغو الديمقراطية وأفغانستان .

الاغتصاب والقيم العسكرية للجنود:

وحيث أن الجندي في المعركة يدافع عن قيم بلاده في الحرية ورفع الظلم عن المقهورين لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يتخلى عن هذه القيم ويتبع النزوات ويمارس أفعالا لا يرضى عنها الضمير والواجب والقيم العسكرية التي يتربى عليها من ولاء وشهامة وإغاثة ملهوف . إن ممارسة الاغتصاب من قبل الجنود ينافي الأخلاق العسكرية التي يتربى عليها المقاتلون وهى الخصال التي تميزهم وتفصلهم عن الميليشيات والتنظيمات المسلحة التي تمارس أعمالا غير مشروعة ولا تخضع لقانون أو قيم محددة . ويمكن أن نلخص القيم العسكرية للجنود المشتركة بين معظم جيوش العالم الرسمية بما يلي:

أنا الجندي ، أمثل بلادي ، وأعطي أجمل صورة عنها.

أنا محارب محترف وعضو في فريق.

أخدم شعبي وحكومتي وأعيش وفق قيمي العسكرية .

تأتي المهمة الموكلة لي أولا.

لا أقبل الهزيمة.

أو الفرار من المعركة .

ولا يمكن أن أترك زميلا لي في ساحات الوغى.

أعيش بنظام وانضباط شديدين وأتدرب يوميا على تنفيذ مهامي العسكرية .

اعتني بلياقتي البدنية والعقلية.

أصون سلاحي ونفسي والمعدات التي استخدمها .

احترف مهنتي إلى حد العشق المقدس.

وأنا على أهبة الاستعداد للدخول في المعارك التي تحددها بلادي.

أدافع عن الحرية والحياة والعرض .

فأنا جندي.

الجندي الحقيقي مصدر آمان لا مصدر خوف وإرهاب . لكن تاريخ الحروب كان دائما بعيدا عن هذه القيم ومارس الجنود أشياء تتنافى وعقيدتهم العسكرية . أما القيم العسكرية للجيوش فيمكن أن نوجزها بما يلي:

- الولاء للدولة وسمعة الوطن .

- الواجب بكل معانيه .

- الاحترام .

- التفاني في العمل.

- الشرف وتطبيق القيم.

- الأخلاق والالتزام بالقانون .

- الشجاعة .

- عدم إهانة الآخرين.

- الثقة بالسلوك.

- تقديم حاجات الآخرين على الحاجات الشخصية.

- إغاثة الملهوف .

- المساعدة الإنسانية.

- احترام العادات الاجتماعية للشعوب.

- عدم التحرش الجنسي.

- احترام الصغار.

- المحافظة على الممتلكات العامة والخاصة.

ومتى فقدت الجيوش هذه القيم العسكرية تحولت إلى ميليشيات وتنظيمات مسلحة .

الاغتصاب جرم أخلاقي ودولي:

كان الاغتصاب على مدى قرون مسألة جدلية داخل المحافل القانونية الحكومية والدينية والدولية رغم أنه مسألة محسومة من الناحية الأخلاقية . وكما تتناقض القوانين مع الأخلاق أحيانا كثيرة يتناقض الدين مع الأخلاق في كثير من الأحيان خاصة وأن بعض الأديان يعتبر الاغتصاب من غنائم الحرب وتبيح الجواري والسبايا .

المشكلة في الاغتصاب هي أن ضحاياه يلوذون بالصمت خوفا من العقاب الاجتماعي الذي يلوم الضحية ولا يلوم الجاني . وحتى عام 1998 سجلت الجهات المختصة في الأمم المتحدة نتائج مخزية تشير إلى اعتبار الجيوش الاغتصاب جزءا مشروعا من غنائم الحرب ولم تُعتبر النساء والفتيات والقصّر أمانة بعنق الجنود يجب المحافظة عليها في فترات الحروب . وفي عام 2000 م صدر القراران رقم 1325 و1820 عن مجلس الأمن يعتبران أن ممارسة التحرش الجنسي والعنف والجنس والاغتصاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وركنا أساسيا من أركان الإبادة الجماعية .

خلال الحرب العالمية الثانية، اتهمت جميع أطراف النزاع بالاغتصاب الجماعي إلا أن المحكمتين اللتين أنشأتهما دول التحالف المنتصرة لمقاضاة مرتكبي جرائم الحرب في طوكيو ونورمبرغ لم تعترف بالطابع الإجرامي للعنف الجنسي ضد النساء .

وفي عام 1992 أعلن مجلس الأمن أن الاحتجاز واغتصاب النساء الجماعي والمنظم والمنهجي وفي الخصوص النساء المسلمات في البوسنة والهرسك يشكلان "جريمة دولية لا يمكن تجاهلها".

كما شمل النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في وقت لاحق والخاص بيوغوسلافيا السابقة الاغتصاب كجريمة من الجرائم ضد الإنسانية إلى جانب جرائم أخرى مثل التعذيب والإبادة وذلك عندما ترتكب في نزاع مسلح موجه ضد السكان المدنيين . وسعت المحكمة إلى اعتبار الرق جريمة ضد الإنسانية واعتبرت أنه يشمل الرق الجنسي أيضا .

كما أخذت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في اعتبارها حالات الاغتصاب في الصراع البوسني ومنذ عام 2000م بدأت محاكمة “معسكرات الاغتصاب” في فوكا في البوسنة وقامت المحكمة بتكييف الاغتصاب كجريمة ضد الإنسانية وحكمت على مرتكبيها بالسجن مدة 40 و45 و39 عاما. لقد أدين أكثر من ثلث المتهمين من قبل المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة بجرائم تتعلق بالعنف الجنسي.

ثم شملت المحكمة الجنائية الدولية لرواندا أيضا الاغتصاب في نظامها الأساسي. وفي سنة 2001 أصبحت المحكمة الدولية الأولى والوحيدة التي تعتبر أن أفعال الشخص المتهم بارتكاب جريمة الاغتصاب تمثل جريمة إبادة جماعية . وقد اعتبر الحكم الصادر ضد العمدة السابق جان بول أكايسو أن الاغتصاب والاعتداء الجنسي يمثلان أعمال إبادة جماعية من حيث أنها ارتكبت بقصد تدمير جماعة التوتسي الإثنية كليا أو جزئيا.

ويعتبر نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الذي دخل حيز التنفيذ منذ عام 2002 أن الاغتصاب والرق الجنسي والبغاء القسري والحمل القسري والتعقيم القسري أو أي شكل آخر من أشكال العنف الجنسي ذات الخطورة المماثلة بين الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية عندما ترتكب بصفة واسعة ومنهجية . وتتضمن مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية عدة تهم بالاغتصاب معتبرة إياها كجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

وفي عام 2016 ، حكمت المحكمة الجنائية الدولية على الكونغولي جان بيير بيمبا بالسجن لمدة 18 عاما بسبب سماحه وتغاضيه عن ممارسة الاغتصاب في جمهورية أفريقيا الوسطى معتبرة أنها جريمة ضد الإنسانية. وهذه هي المرة الأولى التي لا تتناول فيها المحكمة الجنائية الدولية مسألة الاغتصاب في الحرب فحسب بل أيضاً التي تدين جان بيير بيمبا كقائد وليس المرتكب المباشر للجريمة. وهذا يبرهن على أن اغتصاب الحرب ليس مسألة تتعلق فقط بمن يرتكبون الاغتصاب مباشرة ، بل تمس القادة الذين يأمرون باستخدام هذا السلاح ضد المدنيين .

يمهد قرار المحكمة الجنائية الدولية الطريق نحو المزيد من التشدد في معاقبة ممارسي وداعمي الاغتصاب في الحرب على اعتبار أن:

- اغتصاب النساء وفي الحروب قرار سلطة وقيادة وليس مسألة نزوة جنسية .

- اغتصاب النساء في الحروب هجوم على الجماعات ويندرج تحت مسمى الإبادة الجماعية له أهداف محددة ومتعددة .

- اغتصاب الحرب ليس مسألة جنسية بل جريمة دولية يعاقب عليها القانون وإهانة للضمير الإنساني .

الأهداف الحقيقية لممارسة الاغتصاب في الحروب:

يهدف الاغتصاب في كثير من الأحيان إلى إرهاب السكان وتفكيك الأسر وتدمير المجتمعات المحلية وفي بعض الحالات تغيير التكوين العرقي للسكان. كما يمكن أيضا أن يستغل لنقل فيروس نقص المناعة المكتسب الإيدز عمدا إلى النساء أو جعل النساء المستهدفات غير قادرات على الحمل. وقد تبين للمراقبين أن ممارسة الاغتصاب يتم التحضير لها مثل أي عمل عدواني أو هجوم مسلح . هناك من يفكر فيه ومن يخطط له بهدف تحقيق أهداف كثيرة منها:

1- التطهير العرقي في البوسنة والهرسك ورواندا أو اليوم ضد العرق الأيزيدي في العراق أو ضد أقليات الروهينجا في بورما أو بعض الطوائف في سورية.

2- تحقيق الإستراتيجية السياسية والاقتصادية في جمهورية الكونغو الديمقراطية أو في جمهورية إفريقيا الوسطى حيث تتركز مناطق الاغتصاب في مناطق انتشار مناجم الألماس والذهب والمعادن الثمينة وهدفها تخويف السكان والسماح للميليشيات والعصابات المسلحة باستغلال المعادن وسرقتها لصالح أناس نافذين .

3- الاغتصاب وسيلة للإرهاب والتعذيب كما في العراق أو ليبيا أو سورية أو في جنوب السودان على يد مجموعات مسلحة وتنظيمات إرهابية وخاصة ضد الأقليات.

4- الاغتصاب وسيلة للقمع السياسي في غينيا أو سريلانكا أو زمبابوي أو كينيا.

5- الاغتصاب رسالة خالدة لبعض المنظمات الإرهابية كما حدث حين دعا أبو بكر البغدادي رئيس تنظيم الدولة الإسلامية في رسالة إلى رجاله إلى حمل الناس لاعتناق دين الإسلام عن طريق الاغتصاب. وقد جعل داعش اغتصاب النساء في الحرب أهم سلاح في إستراتيجيته العسكرية . وهذا السلاح هو أيضاً السلاح المفضل لتنظيم بوكو حرام في نيجيريا الذي يستهدف الفتيات وخاصة اللواتي يذهبن إلى المدرسة حيث يقومون باختطافهن وتكرار اغتصابهن وتزويجهن بالقوة إلى أعضاء بوكو حرام. وكانت أكبر عملية اختطاف حدثت عام 2014 إذ تم اختطاف حوالي 200 فتاة لصالح جماعة بوكو حرام .

6- يستخدم الاغتصاب كإغراء للتجنيد من قبل داعش وبوكو حرام حيث يكون ضمان ممارسة الجنس أداة هامة للتجنيد بالنسبة لمعظم المنظمات الجهادية المتطرفة. في الآونة الأخيرة تم تجنيد العديد من الأفراد في السودان بمقتضى واجب ضمان وجود "النساء" وفي كثير من الأحيان تقل أعمارهم عن 10 سنة . (جهاد النكاح)

7- الاغتصاب مصدر جديد للمال عن طريق الاتجار بالبشر و"أسواق الجنس" وطلبات الفدية وهذه الممارسات هي شكل جديد للحصول على الموارد المالية على غرار النفط.

8- الاغتصاب سياسة للتحريض الطائفي ضد الأقليات كما حدث في حمص وبعض القرى التي تسكنها الأقليات في سورية ووسيلة للتأجيج الطائفي .

وقد مارس كل من بوكو حرام في نيجيريا والساحل الأفريقي وتنظيم داعش في العراق وسورية جعل الاغتصاب ناموسا مقدسا وأصدرا الفتاوى التي تحلل هذه الممارسات وأقاموا أسواقا تباع فيها النساء استنادا إلى جدول أسعار حسب السن والجمال والعذرية والمجتمع الذي تنتمي له الضحية . كما دمجت هذه المجموعات الاغتصاب في إستراتيجيتها الإرهابية لأنها فهمت مقدار التأثير الذي يشكله الاغتصاب على انضباط أفرادها وأحلت ما يسمى بجهاد النكاح .

الاغتصاب سلاح مشين:

تقود الصراعات المسلحة وغياب القانون إلى حالة يسود فيها انعدام الأمن وانتشار قانون الغابة والإفلات من العقاب . وبذلك يصبح الاغتصاب قضية جريمة جماعية وربما هذا ما يدفعنا لزيادة الوعي به وبمخاطره وتأثيراته السلبية على المجتمع .

ومع صعوبة الوصول إلى العدالة أو الرعاية أو انعدامهما كلياً لا يمكن معالجة أثار الصدمة التي يولدها الاغتصاب بصفة فورية بسبب صمت الضحايا فتزول الأدلة وتصبح هذه الجريمة جريمة مثالية من المستحيل إثباتها. ويتولد نوع من الصمت الجماعي المقترن بالمحرمات المرتبطة بالعنف الجنسي التي لا تسمح بإعطاء صوت للضحايا وبالتالي لا تسمح بإعطائهم أية إجابة أو راحة نفسية أو معاقبة للمجرمين الفاعلين . وتشير الإحصاءات الدولية إلى أن حوالي 90 % من ضحايا الاغتصاب يعيشون في مناطق يتعذر الوصول إليها أو تحقيق العدالة فيها أو محاسبة الفاعلين .

عواقب الاغتصاب في الحروب:

الاغتصاب في الحرب جريمة مثالية أركانها: الخداع والمخاتلة والتكلفة الزهيدة ويترتب عليها آثارا واضحة على المدى الطويل ويحميها الإفلات من العقاب.

الاغتصاب أثناء الحرب له أثر مدمر ليس على الضحايا فحسب بل أيضاً على المجتمع . وإذا لم يتم التصدي لمرتكبي الاغتصاب بمحاكمتهم وملاحقتهم قضائياً فإن العنف سوف يزداد وتنتشر ثقافة الاغتصاب في البلدان التي وقع فيها اغتصاب أثناء الحرب حتى بعد فترة طويلة من انتهاء النزاع لأن أصحابه حين يفلتون من العقاب ينشرون ثقافة الفوضى والاستباحة . يقول شهود عيان أن الاغتصاب غالبا ما يحدث في الأماكن العامة وأمام أفراد الأسرة إن كانوا أطفالا أو شبابا والهدف من ذلك هو زراعة بذور العنف وتهيئة الأرض الخصبة لاستمرار العنف المتواصل.

طبقًا لتقرير اليونسيف لعام 1996 عن أحوال أطفال العالم فإن "تحطم العائلات وانحلالها" نتيجة خروج الرجال للحروب . يترك النساء على وجه الخصوص ضِعافًا وعُرضة للعنف ففي الحرب العالمية الثانية تم اختطاف النساء وسجنهن وإجبارهن على تلبية الاحتياجات الجنسية للجنود . وفي حرب فيتنام أيضًا تم إجبار النساء على ممارسة البغاء القسري واستمر هذا الاتجاه في صراعات اليوم وأصبحت هذه هي السمة الأساسية بالنسبة للنساء: أن يصبحن عُرضة للاغتصاب والبغاء القسري والاتجار بهن بتواطؤ من الحكومات والسلطات العسكرية في فترات الحروب. تقول إحدى المغتصبات لابنتها التي سألتها عن أبيها: " يا بُنيتي ارحلي إلى كرواتيا واسألي كل رجل تجدينه في الشارع: هل أنت أبي؟"

تم استهداف النساء والفتيات من " البوسنة والهرسك إلى رواندا وبيرو والعراق وسورية في النزاعات والحروب المختلفة وكان الاغتصاب هو الأكثر ألمًا وتدميرًا للمرأة وللمجتمعات التي عانت منه " كما أن العنف ضد المرأة وخاصة الاغتصاب أصبح "وصمة عار" خاصة بالحروب في الأزمنة الأخيرة. ولا ترجع أسباب استخدام الاغتصاب كسلاحٍ في الحروب فقط لكونه إستراتيجية عسكرية تتبعها بعض أطراف النزاع لفرض قوتها وإذلال الطرف الآخر ، وقد أصبح هذا التصرف شبه متعارف عليه بين الجيوش فالفتيات والنساء في معسكرات الاعتقال والسجون ومعسكرات اللجوء أصبحن "غنائم حرب" وأصبح من حق الطرف المنتصر التصرّف فيها كما يشاء ويجري كل ما يجري تحت أعين الحكومات أو القيادات ومباركتها. بل وأصبحت مخيمات اللاجئين كذلك هي جزء من الصراع على الفوز بالغنيمة الأكبر من الحرب وهو ما حدث كذلك في البوسنة والهرسك ومخيمات اللجوء السوري في دول جوار سورية

يؤثر الاغتصاب على الضحية حيث يتأذى من الناحية النفسية والفيزيولوجية ثم العائلة ثم المجتمع وبالتالي يفقد المجتمع توازنه مما يؤدي إلى استبعاد الضحايا ورفضهم مجتمعيا والتسبب بالفقر ووصم الأطفال المولودين نتيجة الاغتصاب بأنهم أولاد حرام . كما يتسبب في تصاعد العنف والتوتر وضعف الاقتصاد العائلي والمجتمعي والوطني وتكريس مفهوم أن الجريمة سهلة الوقوع. يقود الاغتصاب إلى سلسلة لا تنتهي من العواقب وعلى مستويات مختلفة .

أسئلة وإجابات لا بد منها:

السؤال الأهم الذي يفرض نفسه هو كيف يمكن التصدي بقوة وحزم لظاهرة الاغتصاب في الحروب . للتصدي لهذا السؤال يحب تضافر جهود مؤسسات دولية ومحلية عديدة تشمل الطب وعلم النفس والإرشاد والاقتصاد والقانون والتحليل والتحقيق والتعاون الدولي والتأهيل المجتمعي للجاني والضحية .

ضحايا الاغتصاب في الحروب:

من الصعب تأكيد وجود إحصاءات عالمية ومحلية لضحايا الاغتصاب بسبب "الصمت" الناجم عن القيود الاجتماعية والدينية . هناك إحصاءات خجولة شبه رسمية لضحايا الاغتصاب في الحروب يمكن أن نلخصها بما يلي:

الصين سنة 1937 =80000 ضحية .

بنغلادش سنة 1971 = 20000 ضحية .

غواتيمالا سنة 1994 = 100000 ضحية .

رواندا سنة 1994 = 500000 ضحية .

سيراليون سنة 2008= 60000 ضحية .

البوسنة والهرسك سنة 2008= 3000 ضحية .

كينيا سنة 2008 = 5000 ضحية .

زيمبابوي سنة 2008 = 6000 ضحية .

غينيا سنة 2008 = 10000 ضحية .

الكونغو سنة 2008-2010 = 200000 ضحية .

السودان سنة 2008 ولا يزال النزيف مستمرا = 600000 ضحية .

العراق بعد الاحتلال وحتى الآن (تقديرات) = 7000 ضحية .

الروهنينجا 2008 وحتى الآن = 50000 ضحية .

وحتى اليوم تجد الجهات التي تقوم بالإحصاءات وتأمين شهادات الضحايا صعوبة بالغة في الوصول إلى أماكن النزاع وصعوبة أكبر في إقناع الضحايا بتسجيل اعترافاتهم . ويجدر بنا أن نذكر أن المحكمة الجنائية الدولية تعتبر الاغتصاب عنصرا أساسيا في جرائم الحرب الموجهة ضد الإنسانية ونوعا من الإبادة الجماعية.

الاغتصاب وصمة عار بحق الجاني:

الاغتصاب في الحروب قديم قدم الحروب ذاتها ، لكن نادرا ما يلقى عليه الضوء ونادرا ما تخرج "ناجية" إلى العلن لتضع الجميع في مأزق أخلاقي بين ما يصنفونه جريمة وما يمكن تناسيه وتجاهله للحفاظ على صورة المجتمع المحافظ . يقول أحد مجرمي الحرب في غينيا: " نحن لا نقتل النساء والفتيات وإنما نغتصبهن ونقتل أولادهن وأزواجهن حتى لا يصبحوا مقاتلين في المستقبل " . يشار دائما إلى جرائم الحرب بقوة على أنها قتل وإبادة جماعية وعلى استحياء يذكر الاغتصاب كسلاح أقل ضررا يوجه إلى النساء وكأنهم يسدون خدمة إليهن.

إن تفشي ظاهرة " الإفلات من العقاب هو الذي ساهم في تطبيع العنف ضد النساء والفتيات" وعدم قبول قادة الجيوش ورجال الدين والحكومات بفرض عقوبات رادعة على الجناة لا يزال وصمة عار بحق الإنسانية يجب إعادة النظر بها .

السكوت عن جريمة الاغتصاب في الحرب جريمة:

تتعامل غالبية المجتمعات مع الاغتصاب على أنه عار يلتصق بالضحية أكثر من الجاني وتتجاهله وتغض الطرف عنه. وربما هذا هو السبب الذي يجعل توثيق حالات الاغتصاب أثناء الحرب أمرا بالغ الصعوبة إذ ترفض معظم الضحايا ذكر الواقعة أو الاعتراف بها .

نتائج الاغتصاب على المجتمع:

إذا تابعنا حالات الاغتصاب في العصر الحديث من البوسنة والهرسك إلى رواندا وبيرو مرورا بالعراق والسودان وسورية نجد أنه تم استهداف النساء والفتيات في النزاعات المختلفة . ومن بين السجن والتعذيب والإعدام كوسائل عقابية كان الاغتصاب هو الأكثر ألمًا وتدميرًا للمرأة وللمجتمعات التي عانت منه خاصة في المجتمعات المحافظة التي لا تستطيع المرأة الاعتراف بما حصل معها .

المشكلات النفسية التي تواجهها الفتيات والنساء نتيجة الحرب من جهة ، ونتيجة كونهن المتضررات من الاغتصاب بعد انتهاء النزاعات من جهة أخرى حيث يُنظر للأمر بطريقة شخصية وتعتبر النساء أن ما حدث هو جريمة ضدهنّ فقط وليس ضد المجتمع وتتجاهل المشكلات المجتمعية والاضطرابات الناتجة عن استغلال النساء في الحروب وكونهن مقياسًا لقيم المجتمع ومصدر التربية فيه . فالمشكلات الأسرية والعنف ضد المرأة الناتجين عن شعور الرجال بفقدانهم لقدرتهم على حماية نسائهم وبيوتهم والموت نتيجة الانتحار أو نتيجة العنف ضد المرأة سواء في فترات الحروب أو الفترات التي تليها . كل هذه النتائج وأكثر تخرج بها الدراسات والتقارير الدولية كآثار مترتبة على سلاح الاغتصاب وكيفية تدميره للمرأة وللأسرة وللمجتمع بأكمله . كل هذا يجعل التساؤل مطروحًا عما يفعله المجتمع الدولي للخروج من هذه الأزمات التي يُسببها الاغتصاب والعنف ضد المرأة في الحروب والنزاعات. وهل ترتبط سمعة الجيوش في الحروب الحديثة بقدرتها على إحداث أكبر تدمير ممكن بخصومها عن طريق الاغتصاب أم أن الأمر يرتبط أكثر بالصراعات العرقية وبكونه وسيلة لفرض بعض الجماعات المسلحة هيمنتها على الطرف الآخر؟

وكشف تقرير لمنظمة العفو الدولية ، أنه تم استبدال أعمال السلب والنهب التي كانت تميز الحروب والنزاعات في قرون سابقة ، بالاعتداء الجنسي واغتصاب النساء والفتيات والبغاء القسري والاتجار بالبشر في الحروب الحديثة.

وتؤكد المنظمة أن الاغتصاب أصبح إستراتيجية عسكرية متعمدة تهدف لزعزعة استقرار المجتمعات وبث الرعب وفرض السيطرة في المناطق المتصارع عليها.

وتقول منظمة العفو الدولية "تواجه النساء الناجيات عذابا عاطفيا وأضرارا نفسية وإصابات جسدية ونبذا اجتماعيا والعديد من العواقب الأخرى التي يمكن أن تدمر حياتهن. لقد كانت حياة النساء وأجسادهن شيئا غير معترف به في الحروب لفترة طويلة".

كيف واجه المجتمع الدولي العنف ضد المرأة في فترات النزاع والحرب؟

تذكر الباحثة نيكولا هنري في كتابها الجميل " الحرب والاغتصاب: القانون، الذاكرة والعدالة" أن المجتمع والقانون الدوليين قد تجاهلا العنف ضد المرأة وما يشمله من اغتصاب وإجبار للنساء على البغاء القسري في فترات الحروب لسنواتٍ طويلة ولأسباب إما شخصية أو سياسية وأن التعامل مع مثل هذه القضايا كان يتمُّ في صمت رهيب وتجري محاولات لطمس ملامح تلك القضايا وإسكاتِ الضحايا باعتبار أن مثل هذه الجرائم "خسائر ثانوية " ونتيجة حتمية يفرضها الصراع الدائر في أي بلد من البلدان . ولكن طرأ تحول جذري على تلك النظرة لقضايا الاغتصاب في الفترة ما بين عامي 1940 إلى 1990 وما بعدها وتُرجِع أسباب ذلك إلى أن النساء اللاتي تعرضن للاغتصاب وممارسة البغاء القسري لسنواتٍ طويلة قد أصبحن أكثر قدرة على التعبير عن معاناتهن وأكثر قابلية للحديث عنها علانية وإخبار العالم عما واجهنه من ألم خلال فترات الصراع وأن ذلك منح قضايا الاغتصاب بُعدًا آخر في المحاكمات الدولية التي كثيرًا ما تم تجاهلها في مثل هذه القضايا نتيجة لامتناع النساء عن الإدلاء بشهادتهن.

 

بقلم: محمد عبد الكريم يوسف

.........................

المراجع

الاغتصاب «كسلاح» في حروب العصر الحديث - ساسة بوست

https://www.sasapost.com › rape-as-a-weapon-in-moder

أهداف اغتصاب الحرب

| NotAWeaponOfWar - We Are Not Weapons of War

https://www.notaweaponofwar.org

إغتصاب-الحرب

ما العمل لمواجهة جرائم الاغتصاب في الحروب الدائرة اليوم؟ -

https://www.swissinfo.ch › ara › politics

العنف الجنسي.. سلاح الحروب المدمر - الحرة

https://www.alhurra.com ›

العنف-الجنسي-ضد-النساء-س..

Rape as a weapon of war - Dr. Denis Mukwege Foundation

https://www.mukwegefoundation.org › the-problem › rape-as-a-weapon-o.

Sexual violence as a weapon of war - Unicef

https://www.unicef.org › sex violence

In Depth | How did rape become a weapon of war? - BBC NEWS

news.bbc.co.uk › .

 

معراج احمد الندويإن المهاتما غاندي رمز للوطنية الهندية وروح الإستقلال. دعا هذا القائد العظيم إلى السلام والمحبة والاحترام المتبادل بين الناس. قام بنشر اللاعنف لأجل تحقيق أهدافه السياسية، وفي إطار هذه النظرية اختار النضال السلمي ضد الاحتلال وعدم التعاون معه بدلا من التعذيب والإضطهاد.

إن غاندي يعتبر الشخصية الأكثر الهاما للحركات الداعية للحرية وجمعيات الحقوق الدينية. يحمل غاندي العديد من الألقاب الدالة على سمو مكانته ومنزلته عند المثقفين. فهو في الهند لقب أبوالهند، بجانب لقبه الشهير "المهاتما" الذي يعني الروح العظيم.

لقد كرس المهاتما غاندي حياته لنشر سياسة المقاومة السلمية أو اللاعنف واستمر على مدى أكثر من خمسين عام. أسس غاندي ما عرف في عالم السياسية بـ"المقاومة السلمية" أو فلسفة اللاعنف "الساتياراها"، وهي مجموعة من المبادئ تقوم على أسس دينية وسياسية واقتصادية في آن واحد ملخصها الشجاعة والحقيقة واللاعنف، وتهدف إلى إلحاق الهزيمة بالمحتل عن طريق الوعي الكامل والعميق بالخطر المحدق وتكوين قوة قادرة على مواجهة هذا الخطر باللاعنف أولا ثم بالعنف إذا لم يوجد خيار آخر.

"ساتياغراها" كلمة من سنسكريتية، معناها "النضال السلمي في سبيل الحق". إنها قوة الروح، أو قوة الحب من أجل الحصول على الحق. ويمكن أن يستخدمها الأفراد كما المجتمعات. وهي قوة لا تقهر. يقول غاندي، «اللاعنف هو أعظم القوى في خدمة الجنس البشري، وأقوى سلاح ابتدعته عبقرية الإنسان. إن استخدام "ساتياغراها" يتطلب الصبر، وترويض النفس على عدم الاهتمام بأمر الكساء والغذاء، ومجابهة البغضاء بالمحبة، والباطل بالحق، والعنف بالعذاب الطوعي، حتى يشعر الطغاة بخستهم وحقارتهم.

بدأ غاندي تجربته المقاومة اللاعنف في مواجهة سياسة التمييز العنصري التي كانت قائمة في جنوب أفريقا .وقد عاد عاد إلى الهند وهو يحمل بين جنبيه عبء القضية الهندية. وقد قرر التفكير العميق القيام بحملة ضد الاحتلال في الهند.

رأى غاندي أن اللاعنف هو المنهج السياسي لعامة الناس. ونعكس هذه النظرة لاستخدام التاريخي اللاعنف اعتمادا على قوة الجماهير. ومن أشهر الصراعات التي استخدم فيها اللاعنف في التاريخ هي حملة عدم التعاون التي قادها المهاتما غاندي لاستقلال الهند. وهذه الأفكار الأساسية لمنهج اللاعنف تظهر في من الأديان على وجه الأرض.

إن فكر غاندي منفتح لكل الديانات،إنه كان مخلصا ونقادا في آن واحد، وفي آن واحد معا ملتزما ومتحررا من الأحكام المسبقة، مرتبطا ومتجردا في نفس الوقت. لقد كان غاندي مولدا هندوسيا ولكن من حيث الفكر مسيحيا أو مسلما. في الواقع كان الدين عند غاندي هو الحب والوئام لكل البشرية. هذا التحول في المواقف يبرز بجلاء المشوار الذي قطعه غاندي خلال مسيرته الفكرية والوجدانية.

غلبت النزعة الإنسانية في فكره واحتلت هموم الإنسانية في فكره وعقله وعمله. وقد لخص غاندي موفقه من الديانات قائلا: " كل الأديان تمثل كشفا عن الحقيقة، ولكن جميعها مشوبة بالنقص، ومعرضة للخطأ" ينبغي ألا يمعينا احترامنا للديانات الأخرى عما تنطوي عليه من شوائب، لو أننا نفكر في الديانيات لرأينا من واجبنا أننا نضم إلى إيماننا كل ما في الديانات الأخرى من حسانات.

فقد كان الدين المحرك الأساسي في فكره وعمله. وكانت مثل الدين العليا هي معايير كل أعماله،إلا أن الدين لم يكن عنده طقوسا، ولا تقاليد جامدة أوتعاليم مفروضة،بل كان بحثا جاهدا عن الحقيقة التي خالق الكون والإنسان.

تميزت شخصية غاندي بمسحة عقلانية قوية جعلته يستطيع وضع فلسفة دينية خاصة، ولو أن هذه الفلسفة تأصلت في الهندوسية أنها اكتسبت طبيعة إنسانية وعالمية. ولا يخلو من أهمية أن غاندي أبرز تلك العناصر للهندوسية والتسامح في العلاقات مع اتباع الأديان الأخرى في الجانب الآخر لأنه رأى أن كافة الأديان المختلفة أوراق كثيرة متنوعة لشجرة واحدة ، ولوأنها تبدو مختلفة ولكنها واحدة عند الجدع. إن الأشكال المختلفة التي يتم صياغتها من الذهب تنال أسماء مختلفة ولكنها جميعها بأصلها ليست إلا الذهب.

لقد أكد غاندي أنه ليست هناك سياسة بدون الدين وأوضح أنه لا يعني الدين الذي يكره ويقاتل وإنما يعني الدين العالمي للتسامح. وهذا الدين يفوق الهندوسية والمسيحية والإسلام وكل الأديان في العالم. إن رسالة غاندي هي بطبيعتها أخلاقية وإنسانية وعالمية. لقد استمد المهاتما غاندي في فطره الحق والعدل من الإسلام كما استمد فكرة تجسيد الألوهية في  صورة الإنسان من المسيحية.

ظل غاندي يدعو طيلة حياته إلى الحرية وعدم إستغلال الغنى للفقير أو القوي للضعيف وعدم التفرقة العرقية ودعا إلى إلى الاتحاد والتسامح والسلام والمحبة والوئام. لقد عرف غاندي ما عرف في عالم السياسة بالمقاومة السلمية أو فلسفة اللاعنف "الساتغريه".وهي مجموعة من المبادئ تقوم على أسس دينية وسياسية واقتصادية.

ولا يعرف إلا  قليل من الناس بمساهمة غاندي العظيمة في مفهوم العلمانية في الهند. لقد عارض غاندي أي اقتراح بأن يكون هناك دين للدولة حتى لوكان الشعب الهندي بالجملة يعتنق ذلك الدين. وإنه كا ن يعتبر الدين مسالة  شخصيةـ وأكد الحرية الحرية الدينية لكل مواطين الهندو وقرر أن الدولة ستقف موقف الحياد بخصوص كافة الأديان. وهذا المبدأ نال مكانا في دستور الهند المستقلة.

إن البشرية تعيش اليوم عصر العنف، وأما التوصل إلى السلام عن طريق الوسائل الخالية من العنف فتؤيده كل الأمم والدول الأعضاء للأمم المتحدة التي ترسل لحفظ السلام إلى مختلف أنحاء العالم مما يدل على أن البشرية تصبو للسلام. وسوف يسود السلام العالمي إذا لم يكن هناك عنف، فلا بد من نشر تعاليم غاندي في العالم إذ أن فكرته لعدم العنف لم تنشر بعد في جميع أنحاء الأرض على رجال الدولة والساسة العالميين أن يتحول إلى فلسفته حتى يكون لدينا عالم يسود السلام واللاعنف. فلا بد أن نجعل من فلسفة غاندي الروح العظيمة منارة الهدى والإرشاد.

 

ا. د. م معراج أحمد معراج الندوي - الهند

 

مادونا عسكرنشرت مي زيادة في صحيفة الأهرام سلسلة من المقالات تحت عنوان "كبار يعلّمون وصغار يتعلّمون" سنة 1929. وأتت هذه السّلسلة كرؤية شاملة لمنظومة التّعليم، تحدّثت فيها ميّ عن أصول التّعليم وكيفيّة ممارسة هذه المهنة الصّعبة المرتبطة ارتباطا وثيقاً بالإنسان. وتشدّد ميّ على سيكولوجيّة المعلّم وقدرته على الولوج عميقاً في ذات الطّالب ليبني إنسانيّته، فلا يكون المعلّم مجرّد ملقّن للمنهج التّعليميّ. ولا ريب في أنّ ميّاً كتبت هذه المقالات لتكون مرجعاً تعليميّاً ليستفيد منها كلّ معلّمٍ ومربٍّ. ومن يقرأ هذه المقالات اليوم، وخاصّة من المعلّمين والمعلّمات، فسيرى أنّ هذه المقالات موجّهة له في مجتمعاتنا الّتي ابتعدت في غالب الظّنّ عن التّربية والتّعليم، واكتفت بالتّلقين العلميّ. وإلّا فما هو تفسير خمول العقل في المجتمع العربيّ، وعدم قدرة الطّالب على التّحليل والجدل وتدريب العقل على السّؤال والاستنتاج؟ وكيف نفسّر قلّة وعيه الثّقافيّ وعدم محبّته للمدرسة وسعيه للحصول على درجات عالية بمعزل عن الفهم؟

تقول ميّ: "سرّ التّربية  والتّعليم في أن تثير الاهتمام وتحرّك الرّغبة وتحمل النّاشئ على طلب ما يفيده ويثقّفه ويحسّنه. وسرّ النّجاح للمدرّس والمهذِّب يقوم في معرفة الطّبائع والمواهب الملقاة بين يديه ومعرفة معالجتها ذاكراً تلك الكلمة الحكيمة الجامعة الّتي أورثناها العرب وهي "أثبت العروش ما ارتكز على القلوب". ما يعني أنّ هذه المهمّة الملقاة على عاتق المعلّم صعبة وشاقّة ولا تحتمل التّلكّؤ والاستهتار واعتبار مهنة التّعليم مجرّد وظيفة بدوام محدّد. وإنّما التّعليم يرادف تعبيراً خطيراً قد لا يلتفت إليه أغلب المعلّمين ألا وهو بناء البشر. وفي قول ميّ إشارة إلى أنّ على المعلّم أن يكون مثقّفاً، عارفاً بشتّى العلوم النّفسيّة والاجتماعيّة والتّربويّة... ولا تنحصر معرفته بالمعلومات الّتي خوّلته الحصول على شهادته أو بالمادّة الّتي يدرّسها. فبحسب ميّ زيادة التّعليم علاقة مباشرة مع كلّ طالب، من خلالها يستفزّ المعلّم ملكات التّلميذ ويحرّك رغبته في العلم والمعرفة مثيراً فيه السّؤال الّذي يؤدّي إلى هذه المعرفة، ليمسي العلم متعة لا عبئاً على المتعلّم.

ولا تفصل ميّ التّعليم عن التّربية بل إنّ بينهما وحدة هي سرّ نجاح العمليّة التّعليميّة، فتقول: "أمّا أنا فلا أستطيع فصل التّربية عن التّعليم. أليس أنّ ما يتعلّمه المرء يهذّب ناحية من شخصيّته لأنّه ينمّيها وينيرها؟ فالمعلّم مهذّب بطبيعته، وبمعاملته، وبمثله، ولا أرى خيراً من آداب اللّغة (أعني الآداب الرّفيعة النّاصعة الشريفة) كوسيلة للتّهذيب العلميّ." بمعنى آخر، تقول ميّ إنّ التّعليم بمعزل عن التّربية يصبح جافّاً ويفقد غايته الّتي هي بناء الإنسان. وأمّا التّربية فهي المتابعة والاهتمام والمعالجة والدّخول في تفاصيل من نربّي والأهم أنّها فعل محبّة عميقة بها يمنح المعلّم ذاته للطّالب. لذلك نرى معلّمين مؤثّرين في طلّابهم لأنّهم زرعوا فيهم شيئاً من ذاتهم. ما يجعل المعلّم متمدّداً في طلّابه من جيل إلى جيل. إنّ المعلّم ينقل النّاشئ من مشروع إنسان إلى إنسان إذا أيقن أهمّيّة تربية وتهذيب العقل والنّفس معاً.

ولم تهمل ميّ أيضاً الإشارة إلى أهمّيّة التّكامل في العمليّة التّربويّة التّعليميّة، تقول: "فلتّربية والتّعليم مهمّة هي الأخذ بيد النّاشئ والخروج به من حالة عقليّة ونفسيّة وجسديّة منحطّة، على ما يقولون، إلى حالة عقليّة ونفسيّة وجسديّة راقية، على ما يقولون أيضاً. فمجرّد تقرير وجوب التّربية والتّعليم يثبت وجود غاية يذهب إليها النّاشئ ويثبت وجود مثل عال يتلمّسه الطّالب في ما يتيسّر له من وسائل التّحصيل العلميّ والثّقافة الفكريّة والأخلاقيّة." وعمليّة النّقل هذه تفترض معلّماً مدرّباً على التّعامل مع النّاشئ، كما تفترض معلّماً يعي أنّه يهيّئ إنسان المستقبل، لا النّاشئ الجالس على مقعده الدّراسيّ لبضع ساعات، وهنا تكمن الصّعوبة وقد أقول الخطورة. فإمّا أن يبني المعلّم النّاشئ فكريّاً ونفسيّاً مؤهّلاً إيّاه ليكون إنساناً فاعلاً في المجتمع، وإمّا أن يهدمه من أساسه.

لكنّ المعلّم لا يتحمّل وزر هذا البناء وحده، لأنّه يحتاج إلى أدوات تمكّنه من هذه العمليّة، ألا وهي تجديد كتب الدّراسة والمطالعة، على أن يكون ذلك التّجديد مطابقاً لأصول العلوم الّتي تدرّس ولعقلية النّاشئ، كما تقول ميّ. كما تضيف: "التّجديد محتّم بحكم تطوّر العالم وتطوّر البيئة، وبحكم نموّ العلم الإنسانيّ الّذي يفاجئنا كلّ عام بل كلّ شهر بنتيجة مجهود جديد يضيفها إلى مباحثه ومعارفه واختباراته واكتشافاته واختراعاته، في سعيه المتواصل للتّعرّف بطبيعة الكائنات على مختلف أنواعها وللسّطو على مكنونات الخليقة والتّوغّل في أسرار النّفوس."إنّ هذه المشكلة الّتي تعالجها ميّ ممتدّة إلى عصرنا هذا. ولعلّنا نفتقد إلى هذا التّجديد الّذي ينقل الطّالب من حالة التّلقين إلى حالة البحث عن المعرفة.

تثير ميّ في إحدى هذه المقالات ضمن سلسلة (كبار يعلّمون وصغار يتعلّمون/ سنة 1929) موضوع قانون التّعليم الإجباريّ الّذي عمل عليه أولي الأمر في وزارة المعارف المصريّة  الّذي نصّ عليه نصّ الدّستور وعرضه البرلمان الجديد آنذاك لإصدار مرسوم ملكيّ به وتنفيذه مطلع عام 1930. مع أنّ وزارة المعارف  كانت تعدّ عدّتها لتنفيذ هذا المشروع تدريجيّاً في عشرين عاماً.  ولعلّه أسيء فهم ميّ في ما قالته وأبدت فيه وجهة نظرها فقوبلت بهجوم عنيف واتُّهمت بالرّجعيّة.

برأي ميّ زيادة أنّ التّعليم الإجباريّ بهدف دفن الأمّيّة وحسب دون قيد أو شرط عمليّة عبثيّة، ينتج عنها تفاقماً في البطالة. ولعلّ من هاجم ميّ لم يفهم بدقّة أنّ رؤيتها للموضوع ليست آنيّة بل إنّها ترى مستقبل أؤلئك المتعلّمين الّذين إذا لم يتمّ توجيههم بشكل صحيح بالغين البطالة والإحباط لا محالة. فالتّعليم ليس عمليّة عشوائيّة هدفها تخريج طلّاب متعلّمين وحسب. بل ينبغي بحسب ميّ التّنبّه إلى توجيه الطّالب وتبيّن قدراته نظريّة كانت أم تطبيقيّة. وتربط ميّ العلم بالعمل وإلّا واجه المجتمع مشكلة متعلّمين عاطلين عن العمل. ولا يخفى على أحد الكوارث الّتي تنتج عن البطالة على المستوى الاجتماعيّ والاقتصاديّ. وتعرض ميّ حلّاً لهذه المشكلة على الشّكل الآتي:

- وجوب مراعاة حالة التّعليم الاجتماعيّة وغايته المباشرة من التّعليم.

- وجوب إيجاد مدارس موافقة لليقظة الاقتصاديّة والتّجاريّة – تلك اليقظة المتحققّة في الواقع من بعض جهاتها ومن واجب الحكومة أن تنشّطها وترهفها عن طريق المدارس والتّعليم.

- وجوب عدم نسيان عند إعداد قانون التّعليم الإجباريّ وأيّ منهج دراسيّ أنّ مصر بطبيعتها بلاد زراعيّة وأنّ أكثر المتعلّمين يجب أن يبقوا في قراهم ومزارعهم فيكون تعليمهم اليسير أو الوفير وسيلة لتحسين حياتهم وتحسين وسطهم من مختلف نواحيه. ومن لا يذكر منّا حاجة الرّيف إلى الإصلاح والتّرقية؟

لا ريب أنّ ميّاً ليست ضدّ التّعليم، لكنّها مع التّعليم كمنظومة شاملة. فالهدف من التّعليم ليس تخزين المعلومات والدّراية بالكتابة والقراءة، بل إنّها نهضة الشّعوب وارتقاؤها وتقدّمها وتطوّرها. فما حال مجتمع أغلب المنتمين إليه عاطلين عن العمل؟ ممّا تقوله ميّ: "لو كانت الغاية من التّعليم جعل كلّ متعلّم أفنديّاً معسكره العام في القهاوي والبارات في انتظار وظيفة تهبط عليه من السّماء على أجنحة ملائكة الرّحمن، إذن لكان الجهل خيراً. ولو كانت الغاية من التّعليم قذف المتعلّمين إلى العواصم والمدن وتضخيمها وإرهاقها في حين يفقر الرّيف وتشلّ عنه الأيدي والجهود المطلوبة، إذن لكان الجهل خيراً..."، وهنا ترى ميّ البعد الكارثيّ لخطورة التّعليم الأوّليّ. أي التّعليم بشكله الظّاهري بهدف محو الأمّيّة وحسب. لا التّعليم التّنويريّ الذي يقود الشّعوب ويطوّرها. ما سيحوّله إلى داء للأمّة  في حال لم يقترن بالعمل بدل أن يكون دواء لها. وما حال بلادنا ومجتمعاتنا إلّا نتيجة لهذا الخلل القائم في التّعليم. فالتّعليم ليس رفاهيّة، وإنّما حقّ يقابله واجب الاندماج في المجتمع والنّهضة به، فينمو العقل ويتطوّر ويبني هذا المجتمع. ولكي تُفهم وجهة نظر ميّ أكثر ينبغي إلقاء نظرة سريعة على حال مجتمعاتنا الغارقة في البطالة والطّافحة بالمتعلّمين الّذين لا يسهمون في نهضة المجتمع. وذلك لأنّ هذه المجتمعات تفتقد إلى توجيه الطّالب والاستدلال إلى قدراته الّتي يمكن أن تخدم هذا المجتمع. وبحكم البطالة يتوجّه المتعلّم إلى أيّ عمل بهدف كسب القوت بالدّرجة الأولى لا بهدف خدمة مجتمعه بعلمه. وإذا انشغل مجتمع بكسب القوت وحسب فكيف له أن يتقدّم علميّاً واقتصاديّاً وسياسيّاً؟

يشير الأديب طه حسين إلى الفكرة ذاتها في "مستقبل الثّقافة في مصر" سنة 1937 أي بعدما نشرت مقالات ميّ زيادة في صحيفة الأهرام بثماني سنوات قائلاً: "هؤلاء الشّبان الّذين يقبلون في المدارس والكلّيات بغير حساب، ثمّ يخرجون منها وقد ظفروا بالإجازات والدّرجات، ما عسى أن تصنع بهم الدّولة؟ إنّ مناصبها محدودة لا تزداد إلّا في بطء شديد جدّاً، وفي فترات متقطّعة، وهؤلاء الشّبان يكثرون، ويضخم عددهم في كلّ عام، وهم لا يقبلون على الأعمال الحرّة. والأعمال الحرّة نفسها محدودة، وتوشك أن تضيق بهؤلاء الشّبّان إذا اطّرد توسّع الدّولة في نشر التّعليم العام. فأمر هؤلاء الشّباب صائر إذن إلى البطالة، والبطالة منتجة للقلق، ثمّ إلى السّخط، ثمّ إلى اضطراب النّظام الاجتماعيّ، ثمّ إلى هذه العواقب الّتي قد لا نتصوّرها الآن، ولكنّها شديدة الخطر على كلّ حال".

وتجب الإشارة إلى بروز شخصيّة ميّ في هذه السّلسلة من المقالات بشكل أوضح. فتبدو لنا مفكّرة  صارمة ثاقبة النّظر. كما نستدلّ على عناد ومثابرة  لتعزيز وجهة نظرها وتحقيقها وشخصيّة فذّة تفرض ذاتها بقوّة بالكلمة والمناقشة والجدل المنطقيّ والرّؤية الشّاملة، وأنّها لم تكن سابقة لطه حسين وحده في طرح أفكار متقدّمة جدّا عن التّعليم وفلسفته، بل إنّ كلّ النّظريّات الحديثة حول التّعليم تراعي في خطوطها العريضة حاجات المجتمع من التّعليم والاهتمام بالمتعلم، والابتعاد عن التلقين، والسعي إلى إيجاد الطالب المفكّر المشارك في صنع المعرفة، وليس متلقّيا فقط، وهذا هو نفسه ما تحدّثت به ميّ زيادة في هذه المقالات الّتي أشرتُ إلى بعض ما فيها، مستعينة ببعض المقتبسات منها، ولا تغني بأية حال عن قراءة تلك المقالات والتّأمّل في أفكارها.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

عبد الله الفيفي3- في الرواية: من المعروف أن المؤلِّف الأميركي والناقد في الأدب الإلكتروني، (ميشيل جويس Michael Joyce)، أصدر أوَّل "رواية تفاعليَّة" في العالم، بعنوان "الظهيرة، قصة Afternoon, a story"،1987، مستخدمًا برنامج المسرد Story space، وهو برنامجٌ لكتابة هذا النوع من النصوص. ثمَّ ظهرت برامج أخرى، كبرنامج اسمه: "الروائي الجديد"، وصولًا إلى التقنيات الراهنة على اختلافها.

وفي العالم العربي تجربةٌ معروفةٌ للأردني (محمد سناجلة)، من خلال روايةٍ بعنوان "ظلال الواحد"، 2001، و"شات"، 2005، ورواية أخرى بعنوان "صقيع". وكان قد أطلق موقعُ (اتحاد كتاب الإنترنت العَرَب)، رواية "شات"، وغيرها.(1)

ولا تختلف "الرواية التفاعليَّة" عن "القصيدة التفاعليَّة"، في أنها توظِّف خصائص البرمجيَّات الإلِكترونيَّة لإنتاج نصٍّ سرديٍّ متفرِّع، يسمح بالربط بين النصوص، والأعمال الفنِّيَّة، عبر وصلاتٍ وإيقونات، ترتبط بنصوص، أو بصورٍ ثابتةٍ أو متحرِّكة، أو بأصواتٍ حيَّة، أو بموسيقى، أو بأشكالٍ جرافيَّةٍ متحرِّكة، أو بخرائط، أو برسومٍ توضيحيَّة، إلى غير ذلك. في غابةٍ متداخلةٍ بين المتون والحواشي، وما يرتبط بالموضوع، أو يضيئه. 

4- آفاق النـقد:

يُعَدُّ كتاب (سعيد يقطين)، تحت عنوان "من النصِّ إلى النصِّ المترابط، مدخلٌ إلى جماليَّات الإبداع التفاعلي"(2)، الكتابَ العَرَبيَّ الأوَّل، فيما نعلم، في هذا الموضوع.

والسؤال المتبادر إزاء هذا الحراك الأدبي والنقدي:

تُرى ماذا يمكن أن يضيف النصُّ الإلِكترونيُّ التفاعليُّ إلى المشهد الأدبيِّ العَرَبي، حسب نموذجَيه المشار إليهما؟

يبدو أن النصَّ الإلِكترونيَّ التفاعليَّ لا يشتغل على البنية الداخليَّة للنصوص، بمقدار اشتغاله على طريقة عرض النصوص. ويمكن القول، إذن: إنه وريث محاولاتٍ تفاعليَّةٍ سابقة، لن أُعَرِّج عليها في السياق الغربي، بل في تجارب بعض العَرَب المحدثين، وذلك محاولة منهم لإحداث ضروبٍ من الحواريَّات النصوصيَّة. وهناك غير اسمٍ خاضَ مثل هذه التجربة عبر أعمال كاملة، يمكن أن يشار منها، مثلًا، إلى: (الشاعر علي الدميني)، من السعوديَّة، في مجموعته الشِّعريَّة بعنوان "رياح المواقع"، (1987)، التي أبدَى فيها جرأةً لافتةً في التجريب، والإفادة من الأجناس الأدبيَّة والفنيَّة، منتقلًا من (الاستعارة-القصيدة) إلى ما أسميته، في مقاربة سابقة بـ"الاستعارة-الديوان"(3). وكذا فعلَ الشاعر (علاء عبد الهادي)، من مِصْر، في مجموعته الشِّعريَّة "الرغام: أوراد عاهرةٍ تصطفيني"، (2000)، ومجموعته "شَجِن"، (2004)، ومجموعة "مهمَل.. تَسْتَدِلُّونَ عَلَيْهِ بِظِلّ"، (2007). غير أن تلك التجارب إنَّما كانت تحاول ما تحاول على الوَرَق، في حين تخطو التجارب الإلِكترونيَّة التفاعليَّة إلى نوعٍ جديد، يتخاطب مع العين والأذن مباشرة، وعبر تقنية العصر الإلِكترونيَّة. 

إنَّها محاولاتٌ تستهدف تقديم النصِّ الأدبيِّ إلى جيلٍ ما عاد يتعامل مع الوَرَق، دَعْ عنك أن يَفْرُغ لقراءة ديوانٍ شِعريٍّ أو رواية. وفي هذا مسعًى لنَقْل النصِّ الأدبيِّ بطريقةٍ مدهشة، وطريفة، تتواصل مع حساسيَّةٍ إنسانيَّةٍ راهنةٍ في التعبير والتلقِّي، مثَّلتْ منذ أكثر من عِقدَين من الزمن انقلابًا تاريخيًّا في التراسل المعلوماتي، صاحبَ الثورة الكُبرَى في الاتصالات وتقنية المعلومات، ولاسيما بعد بروز الشبكة العنكبوتيَّة "الإنترنت"، وسيلةً كونيَّةً أُولَى في بثِّ المعلومة، ضِمن منظومةٍ تُؤْذِن بنهايات عصر المدوَّنات الورقيَّة، أو على الأقل بوضعها على الرفِّ، مفسِحةً الميدان واسعًا لنوافذ إبستمولوجيَّة لا نهائيَّة، بفضاء العالم أجمع. 

وبذا فإنَّ النصَّ الإلِكترونيَّ التفاعليَّ يتَّكئ بالضرورة على شِعريَّاتٍ معاصرةٍ شتَّى إلى جانب شِعريَّة الكلمة- وهي شِعريَّات ما تزال غُفلًا من التناول النقديِّ- وتُطَوِّعها للتعامل مع قارئٍ مختلفٍ تمامًا، من جيل متصفِّحات الحواسيب وشاشات الجوَّالات، لا جيل الصحائف والدواوين.

وعليه، فإن هذه التجارب- على قلَّتها- تُمثِّل رافدًا للحركة الأدبيَّة، الآنيَّة والمستقبَلة، في عصرنا الإلِكترونيِّ هذا، الذي يُشاع أنه لم يَعُد عصر أدب؛ لتأتي هذه النصوص فتنغرس في نسيجه العالمي؛ كي تُثبِت أن الأدب- وقد صحبَ رحلةَ الإنسانيَّة منذ الأزل- قادرٌ على مسايرة العصور، وصولًا إلى روح الإنسان أَنَّى كان.   

وإذا كان شأن القصيدة الإلكترونيَّة التفاعليَّة كما وصفنا، فإنه يمكن أن يضاف في شأن الرواية الإلكترونيَّة التفاعليَّة ما يحمله جنس الرواية، بطبيعته أصلًا، من طاقات أكثر مواتاة للتفاعل، وهو ما يجعل النصَّ الروائيَّ الإلكترونيَّ التفاعليَّ أكثر ثراءً بعوالم حيَّة، ما كان للرواية الورقيَّة قِبَلٌ بها. إن التقنية هنا تُحوِّل الرواية إلى فيلمٍ سينمائيٍّ على نحوٍ جد يد، يجعل المتلقِّي بطلًا من الأبطال، لا مجرد مشاهد.

يبقَى القول:

1- إنَّ التقنية لا يمكن أن تكون مطيَّةً لنصوص خداج. فلا يُغني عن القصيدة ولا عن الرواية كونُهما إلِكترونيتَين تفاعليتَين شيئًا في عالم الأدب، ما لم تكونا أوَّلًا على درجةٍ جيِّدةٍ، من حيث جنسهما الأدبي. لتضيف التقنيةُ التفاعليَّةُ على جماليَّاتهما جماليَّاتٍ جديدة.

2- إنَّ النصَّ التفاعليَّ قد يغدو منزلَقًا إلى شتات النصِّ وتلاشيه بين يدَي متلقِّيه، ضائعًا بين النوافذ والإيقونات. قد يحدث ذلك كثيرًا، ما لم يأخذ المبدعُ من تلك الوسائل التعبيريَّة بمقدار ما يناسب عمله، دون إسراف. وإلَّا آلَ الأمر إلى ضربٍ من العبث الشكلاني، الذي عرفَه الأدب العَرَبيُّ قديمًا، خلال عصور الانحطاط الأدبي، من تحميل النصوص بأغلال المحسِّنات، أو تحويل العمل الأدبيِّ إلى ميدان لهوٍ وتلاعبٍ بالكلمات والأشكال والزخارف، على حساب المعنى، والرسالة، والقيمة الأدبيَّة.

3- إنَّ مستقبَل الأدب الإلِكترونيِّ التفاعليِّ ما يزال مرهونًا بحالة التقانة العَرَبيَّة المتواضعة، والقلقة، والمهدَّدة، لسببٍ أو لآخَر. وما لم تتأسَّس أنظمةٌ شبكيَّةٌ مأمونة، ولها صفة الثبات والاستمرار في عالمنا العَرَبي، فسيظلُّ النشاط في هذا الميدان، إبداعًا ونقدًا، في إطار التنظير، واستشراف المستقبل المنشود، وغير المتحقِّق، هاهنا والآن. ذلك أن وجودَ نصٍّ أدبيٍّ تفاعليٍّ خارج شبكة "الإنترنت"، أو باشتراطات تقنية خاصَّة غير متوافرة لغالبيَّة المتلقِّين، لا معنى له (تفاعليًّا). من حيث إن التفاعل هنا ليس بتفاعل عناصر النصِّ بعضها مع بعض فحسب، ولكنه أيضًا تفاعل المتلقِّي مع النصِّ، بالتعليق، أو الإضافة، أو النقد. ثمَّ إنَّ من ضِمن القنوات التفاعليَّة لتلك النصوص ارتباطها بخلايا الشبكة العنكبوتيَّة نفسِها، بمفاتيحها المعلوماتيَّة، وإلَّا بات النصُّ- الذي يسمَّى تفعاليًّا- مغلَقًا على نفسه، وغير تفاعليٍّ أصلًا، بما تعنيه هذه الكلمة من دلالة في هذا العصر.

 

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيْفي

..................................

(*) يمكن الاستماع إلى ملخَّص الورقة البحثيَّة عبر موقع "اليوتيوب"، على الرابط:

https://www.youtube.com/watch?v=XC4085k_8qA

(1) هذه الأعمال لم أعد أستطيع التوصل إليها بالبحث على شبكة "الإنترنت". وكنت قد اطَّلعتُ عليها منذ حين. وهي على كلِّ حال تتطلَّب لقراءتها وجود برنامج (الفلاش ميكروميديا).

(2) (الدار البيضاء: المركز الثقافي العَرَبي، 2005).

(3) انظر: الفَيفي، عبدالله بن أحمد، (2005)، حداثة النصِّ الشِّعريِّ في المملكة العربيَّة السعوديَّة: قراءةٌ نقديَّةٌ في تحوُّلات المشهد الإبداعي، (الرياض: النادي الأدبي)، 97.

 

منى زيتونمما يؤثر عن المسيح عليه السلام أنه كان جالسًا مع حوارييه، فمرت به جماعة من اليهود فسبّوه، فسلّم عليهم، فتعجب حواريوه أيما تعجب، وقالوا: يا كلمة الله، أيسبونك وتسلم عليهم؟! فرد عليه وعلى نبينا السلام قائلًا: "كل إناء بما فيه ينضح".

والمسيح عليه السلام هنا يحدثنا عما يقوم به فضلاء الناس عندما يبثون ما بداخلهم من خير إلى العالم، ولهذا ارتباطه الواضح ببحوث الطاقة المعاصرة، والتي تؤكد على أن كل ما يخرج منك وتبثه في الكون يتفق مع ما في داخلك إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، وهو في النهاية مردود إليك وعليك!

ولكن لما ذكره عليه السلام أيضًا تعلقًا واضحًا بحيلة نفسية شهيرة، يستخدمها الآثمون من الناس للدفاع عن النفس، تُسمى الإسقاط، فما بداخلهم سيجد طريقه إلى الكون، فإن لم يكن خيرًا فهو الشر وتوهم الإثم لدى الآخرين، وإن كانت الحقيقة أنه يوجد داخل أنفسهم.

ما هو الإسقاط؟

في نظريته الشهيرة عن التحليل النفسي، وضع سيجموند فرويد حجر الأساس لمصطلح من أشهر المصطلحات النفسية، وهو مصطلح الحيل الدفاعية.

والحيل الدفاعية هي استراتيجيات نفسية لا واعية، يستخدمها العقل الباطن للإنسان لحمايته من التوتر الذي يصاحب أفكاره ومشاعره المرفوضة، والتي تسبب الضغط النفسي والتهديد للذات. من ثم فأغلب هذه الحيل ليست علاجًا لمشاكل الفرد الحقيقية وإنما مسكن يساعد الفرد على التخلص من التوتر بطرق بسيطة مع بقاء العلة.

وكي يحدث ذلك فإن العقل الباطن يعمد إلى تشويه الواقع أو إنكاره وإقناع الإنسان بواقع مشوه يرضيه ويقلل التوتر الذي يمكن أن يحدثه الاعتراف أمام النفس ومواجهتها بالأفكار والمشاعر الحقيقية المنكرة المرفوضة، ومن ثم يحافظ الفرد الذي يستخدم هذه الحيل على ذاته من ذلك التهديد الداخلي.

ويُعد الإسقاط أحد أشهر تلك الحيل الدفاعية، ويُصنف ضمن أحد مستويين من الحيل النفسية؛ إما المستوى المرضي أو المستوى غير الناضج، وفقًا لدرجة خطورته؛ حيث يقوم فيه اللاوعي لدى الإنسان بالتهرب من مواجهة الواقع، بنسبة الأفكار والمشاعر غير المقبولة الموجودة داخله إلى غيره!

لكن هذا لا يمنع من وجود حيل دفاعية يستخدمها الأفراد الأسوياء نفسيًا، تمثل دفاعات ناضجة، وتساعدهم على التحكم في ذواتهم بصورة إيجابية، ومن أمثلتها الكبح والتسامي والعفو والفكاهة وغيرها مما لا مجال للحديث عنه الآن. 

لماذا يسقط الخُطاة آثامهم على غيرهم من الخلق؟!

يقول الحق سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَاتَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: 30]. ولأن الإنسان مفطور على تعرف الخير والشر، فكل منا يعرف الخير ويرغب في نسبته إليه، وينكر ويكره الشر حتى وإن كان فيه، حتى لنجد أشد الناس ظلمًا يكره أن يُوصف بأنه ظالم! والكذاب الأشر ينفعل وتحمر أوداجه رافضًا أن يوصف بالكذب بينما هو متلبس به!

ورسولنا عليه الصلاة والسلام يقول: "الإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ". ولأنه يحيك في الصدر، وتأنفه النفس، لا يرتاح المذنب إلا بإلقائه خارج نفسه، وإقناع نفسه زورًا أن غيره هو الذي أثم، ويوهم نفسه بالبراءة، أو على الأقل فإنه يقنع نفسه أن كل الناس مثله وإنما يستخفون بذنبهم مثلما يستخفي، وهو ما يُعرف بالتماهي الإسقاطي.

ذات مرة شاهدت مقطع فيديو لعالم عراقي كبير كان يستخفي بإلحاده، قبل أن يهديه الله، كان يحكي فيه قصة هدايته، ولكن كان أكثر ما شدني حين قال إنه كان يظن أن كل الناس مثله لا يقتنعون بوجود الإله، وإنما يسايرون المجتمع مثلما كان يفعل! وكان يُسقط ذلك الإحساس حتى على أشد الناس تدينًا ممن يعرفهم، ويظن بهم أنهم يتقنون دورهم ويمثلون جيدًا!

ومنذ شهور وقعت جريمة قتل في أحد أرقى أحياء القاهرة، كانت القتيلة شابة جميلة مطلقة ومحجبة -على عكس الشائع في طبقتها الاجتماعية-، وتم الكشف عن الجاني بسرعة، ليتضح أنه سائس سيارات بالمنطقة التي تسكن فيها القتيلة، ظن أنها تريد أن تقيم علاقة محرمة معه، فاستغل فرصة وجودها في بيتها بمفردها في أحد الأيام، حيث ذهب أطفالها إلى بيت طليقها لقضاء اليوم معه، وصعد هذا القاتل لشقة القتيلة وأخذ يحدثها بطريقة لا تليق من أمام الباب، فسبته وحاولت إغلاق الباب، فدفعها إلى الداخل وأغلق الباب عليهما، وحاول اغتصابها وقاومته بشدة، حتى اضطر للإجهاز على حياتها وخنقها كي لا تكشف أمره.

وعندما سُئل القاتل عن الأسباب التي جعلته يظن خطأ أن القتيلة تتودد إليه، رد بأنها كانت تمنحه بقشيشًا سخيًا كلما مسح لها سيارتها، وأحيانًا كانت تبعث له بطعام جيد، ولأنه هو لا يمكن أن يعطي محتاجًا مما في يده أسقط ما في داخله عليها، فلا بد أنها تعطيه لغرض، وبما أنها مطلقة وهو شاب، فلا بد أنها تريد إقامة علاقة محرمة معه! كان هذا رده وفقًا لما أدلى به في التحقيقات ونقلته عنه الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي.

ومن اللافت بالنسبة لي أن القاتل رفض مواجهة نفسه بأن ظنه في القتيلة خاطئ، عندما سبته ونهرته وحاولت إغلاق الباب، ومحاولته اغتصابها -في تفسيري- كانت رغبة منه في استمرار التهرب من مواجهة الواقع، ومحاولة إثبات ما في ذهنه زورًا، ولو كان قد تمكن منها لأقنع نفسه أنها كانت تتمنع عليه لا أكثر، وأنها خاطئة مثله تبالغ في ادعاء الشرف.

وبعد جلسة جمعتني مع بعض الصديقات والمعارف تحدثنا فيها عن هذه الحادثة المؤسفة فوجئت بإحداهن تحكي لي –على انفراد- حادثة تكاد تكون مشابهة لحادثة الشابة القتيلة من حيث دوافع إساءة الظن غير المبررة. وصاحبتنا هذه المرة هي امرأة ثرية طيبة وكبيرة في السن، فهي أم لشباب وبنات بعضهم في الجامعة، وبعضهم تخرج فيها، ولأن وزنها زائد، ولأنها قضت أغلب عمرها مغتربة في الخليج، فهي تلبس عباءات واسعة محتشمة مثل عباءات الخليجيات، ومن ثم فهي من وجهة نظري أبعد ما تكون عن أن يُساء بها الظن، سواء باعتبار المخبر أو المظهر. فضفضت معي هذه المرأة يومها بأن هناك نوعية من البشر جعلتها تحذر من فعل الخير مع من تعرفهم، فبعضهم دومًا يبحثون عن دوافع أخرى سيئة وراء عطائها وكرمها.

كان أشد موقف أحزن هذه المرأة الطيبة أنها في أوائل شهر رمضان منذ سنوات قريبة صرفت من حسابها البنكي عشرة آلاف جنيه مصري، وقررت أن توزع مائتي جنيه منها على من تقابله من الفقراء حتى ينتهي المبلغ. وأخذت تلف بسيارتها وتتوقف لتعطي من تقابله من عمال النظافة وبوابي العمائر وصاحبي الأكشاك البسيطة وبائعي المناديل ومن شابههم، ولم تخبر أحدًا لا زوجها ولا أبنائها بما فعلت لتكون صدقة سرية عنها وعنهم في الشهر الفضيل، وإذا بها بعد أيام تجد معاملة عجيبة من واحد ممن أعطتهم المال! فما كان منها إلا أن منعت عنه صدقتها، وقللت من إعطاء الصدقة لمن تعرف، فصارت تخرجها في أماكن بعيدة عن مسكنها، كما صارت تصطحب أحد أبنائها معها في سيارتها أثناء توزيعها النقود أو الأطعمة.

ومن الواضح في المثالين الحقيقيين الأخيرين الذين ضربتهما أن هناك خسيسًا في كل حالة رأى في كرم كلا المرأتين سببًا للتشكيك في عفتيهما! والحقيقة أن من يشكك في عفة الناس دون بينة ربما كان هو الزاني، أو على الأقل فإنه لو توافرت له الظروف التي يحيون فيها لفعل هذه النوعية من الذنب، وكان ممن لو اختلى بمحارم الله انتهكها.

بالمثل يمكن أن نرى حالات لفقراء قد يتهمون كل من تظهر عليه نعائم الله بالسرقة والفساد، والحقيقة أن من يتهم الأغنياء دون تمييز بينهم ودون بينة، فعلى الأغلب إن أتيحت له الفرصة سيكون أفسد الناس.

ويمكننا أن نرى الإسقاط في أبسط مواقف حياتنا. إحدى صديقاتي كانت تتحدث معي قريبًا عن امرأة كانت زميلتها في العمل قبل أن تنتقل كل منهما للعمل في مكان مختلف، وأنها كلما اتصلت بها في مناسبة لتعايدها أو لتسأل عنها، سألتها المرأة إن كانت تريد منها شيئًا؟! فلأنها لا تتصل بأحد سوى لمنفعة لا يتقبل عقلها أن غيرها يفعل!

ولا نريد أن نبالغ ليفهم بعض الناس أن كل من اتهم أحدًا بشيء فهو لا شك المذنب وأنه يتهمه لأنه يحيك في صدره فيسقطه على الآخر! وإنما الحقيقة أنه ما لم يكن صاحبه المذنب وتوجد بينات حقيقية على صحة اتهامه بما نُسب إليه، فعندها فإن من اتهم أحدًا بلا بينة هو صاحب الإثم، والبعرة تدل على البعير.

وقد روى الإمام البخاري في صحيحه (6045) عن أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "لا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بِالْفُسُوقِ، وَلا يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ، إِلا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ".

وروى الإمام مسلم في صحيحه (60) عن عبد الله بن عمر أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لأَخِيهِ يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا، إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ وَإِلا رَجَعَتْ عَلَيْهِ".

والقصد أنه إما أنه توجد بينات حقيقية على صحة ما وصفت صاحبك به، من الكفر أو الفسوق أو أي من التهم، والتي جعلت أصابع الاتهام توجه إليه، وإما أنه برئ وقد رميته بالاتهامات الباطلة دون دليل، وربما كانت نوعية الأدلة التي تراها عليه من أمثال بقشيش صاحبتنا القتيلة عليها رحمة الله، فهذا دليل فقط عند من يأكل الإثم قلبه، فيلقيه على غيره من الناس، وعندها فمن رمى التهمة كان هو المستحق للوصف المذكور.

أسأل الله أن ينظف قلوبنا وينقي سرائرنا ويبيض وجوهنا يوم تُبلى السرائر. 

 

د. منى زيتون

 

عدنان عويدتأتي الآيات الواردة في السور المدنية الداعية إلى قتال الكفار وغير المسلمين من أهل الكتاب الذين لم يدفعوا الجزية، من الآيات التي لم ينظر إليها تفسيراً وتأويلاً من قبل القوى المتشددة الأصولية الجهادية وفقاً لأسباب نزولها، وإنما نظروا إليها وطبقوها بناءً على عموم اللفظ أو الظاهر من النص ، وبالتالي فإن استمرارية العمل بهذا التفسير الظاهري دون النظر إلى خصوصيات العصر وظروفه الذي نزلت فيه هذه الآيات، ودون مراعاة أيضاً لخصوصيات المراحل التاريخية اللاحقة، قد ساهم في زيادة حدة التطرف وظهور التنظيمات الجهادية التي أساءت للإسلام والمسلمين معاً. مع تأكيدنا أن معظم هذه الآيات تدخل في نطاق الآيات المتشابهات التي حذرنا الله في القرآن الاتكاء عليها أو اتباعها، حتى لا تكون الفتنة وسفك دماء الناس دون حق. على اعتبار أن للقتال شروطه الأخلاقية، فمن لا يعتدي عليك لا تعتدي عليه، ويأتي العفو في الإسلام سيد الأحكام.

إن الآيات المتشددة التي تأمر بقتال من يسمى بالكفار وأهل الكتاب، قد جاءت موافقة لعصر نزولها، حيث أن لكل آية سبب نزول، ففي الوقت الذي نجد فيه آيات تحض المسلمين أو تدعوهم إلى القتال لها خصوصيتها، نجد أيضاً آيات أخرى  اتخذت طابعاً عاماً دون تحديد السبب المباشر لها كالآية التي تقول على سبيل المثال لا الحصر : (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). (البقرة 244). فالقتال في سبيل الله مفتوح هنا على دلالات كثيرة لم يحددها النص المقدس، ولكن يظل  لكل مرحلة تاريخية خصوصياتها التي تحدد دواعي الجهاد وأشكاله، وتحديد هذه الدواعي مرتبط بالجهات الرسمية وليس بأشخاص أو تنظيمات محددة. فالقتال زمن الرسول كان يأتي بأمر من الله ومن الرسول ذاته، وبعد وفاة الرسول جاء القتال بأمر من خليفة الرسول كما هو الحال في حروب الردة وغيرها.

أما آيات القتال التي وردت في النص القرآني فهي:

(وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ). (البقرة 191).

(وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ). (البقرة 193).

(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة 216)

(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ). (البقرة 217).

(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). (البقرة 244).

(فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا). (النساء 74).

(الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا). (النساء 76).

(فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا). (النساء 84).

(وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) (النساء 89).

(إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ). (المائدة 33).

(إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) (الأنفال 12).

(فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). (الأنفال 17).

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ). (الأنفال 65).

(فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ). (التوبة 5).

(وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ).(التوبة 12).

(أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ). (التوبة 13).

(قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ). (التوبة 14).

(إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ). (التوبة 36).

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِير ). (التوبة 73).

(وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا). (الأحزاب 26 و 27).

(فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ). (محمد 14)

(فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ). (محمد 35).

إن ما يتطلبه العقل والمنطق والموقف الفقهي من هذه الآيات، هو العودة إلى تحديد مسالتين أساسيتين في هذه النصوص كنا قد اشرنا إليها أعلاه، الأولى: معرفة الظروف التاريخية التي نزلت فيها هذه الآيات، وهل الظروف التاريخية التي نعيشها اليوم، تتطابق تماماً مع الظروف التاريخية التي نزلت فيها هذه الآيات من حيث طبيعة الكفر وموقف الكفار من الدعوة.؟. وثانيا : النظر في آيات القتال التي تقبل التجاوز الزمني أو التاريخي لأسباب نزولها من حيث اتخاذها دليلاً شرعياً على قتال المخالف لمقاصد الدين الأساسية، وشكل هذا القتال ودرجة عنفه. بيد أن الاقرار في اعتماد هذه الآيات لا يعني من حيث المبدأ أن يقوم أي إنسان أو حزب أو تنظيم بممارسة القتل بإسمها، فقضية تطبيق الجزاءات أو العقوبات وشكلها ودرجاتها هو أمر من اختصاص مؤسسات الدولة المعنية فقط كما أشرنا في موقع سابق. أما اتخاذ بعض الأحاديث الظنية ذريعة أو دليلاً على مشروعية منح القتال لمن يدعي بأنه حامي الدين من مبدأ (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته)، كالحديث الذي يقول: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، وإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه، وهو أضعف الإيمان. ). فهذا أمر أو تصرف لم يعد يتفق مع وجود الدولة ومؤسساتها المعنية، وإلا ستتحول طبيعة علاقات المجتمع إلى شريعة غاب.

دعونا أخيراً في هذا الاتجاه أن ننظر في دلالات هذه الآية المتعلقة بأهل الكتاب، فلها شأن آخر يتطلب منا الوقوف عندها كثيراً.

تقول الآية: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة 29).

ما يلفت الانتباه في هذه الآية، هو أن (دفع الجزية) من أهل الكتاب تجب أو تعفوا عن أسباب قتالهم، وأن أساب قتالهم تتعلق بما ذكرته الآية وهو: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ). فالجزية إذن هي البديل عن قتال الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ. والسؤال المشروع هنا هو: كيف يكون التفريق في التعامل بين الكفار وفقاً لدينهم،إذا كان الدين عند الله هو الإسلام، والإسلام هنا ليس الدين الذي بشر به محمد (ص) فحسب، بل هو كل الديانات التي نزلت من السماء كما تذكر بعض آيات القرآن.؟. ثم هل من المعقول أن الجزية تعفوا مقاتلة اهل الكتاب الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ.؟.

يتبع في الحلقة الثالثة والأخيرة

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور- سورية

 

احمد شحيمطلا أمل في الخلود بفضل الثراء. مقدمة معبرة في كتاب عالم الاقتصاد والفيلسوف الهندي امارتيا صن "التنمية حرية" للتعبير عن اشياء مهمة في الحياة تتعلق بالحرية الفردية وبناء الانسان وتحريره من الحاجة، وأشياء اخرى تتعلق بالثروة والمال والنفود والسلطة . في عالم الامس واليوم . فالثروة ليست الخير الذي ننشده، ذلك لأنها مجرد اداة نافعة للحصول على شيء في فلسفة أرسطو، ولا تؤدي الثروة الى تحصيل السعادة الحقيقية، حيث يميز الفيلسوف بين السعادة الحقيقية في الكمال الفكري والحكمة النظرية والعملية واستقامة الاخلاق. وموجبات السعادة في النسب والحسب والمال والابناء . وبالزيادة في السعادة كنوع من الرضا الذي ينتاب الذات. في صلاح الناس وحسن طبائعهم لا بد من العيش في تناغم والاحساس بالانتماء للجماعة المتماسكة. دون العيش في العوز والهشاشة. حياة طيبة وكريمة بكرامة المواطن دون المساس بالحرية الطبيعية، ودون اقصائه من التنمية، ولذلك اعتبر المفكر الهندي امارتيا صن التنمية حرية، ضد الحرمان والفقر، واشكال الاستبداد والقوة. تنمية اقتصادية صمام الامان في وجه المجاعة والحروب الداخلية، ومبعث على الاستقرار. تنمية مجالية ومشاركة اوسع في اتخاد القرارات والمشاركة في الحياة الاجتماعية والسياسية من اولويات الحياة الديمقراطية . هذا الثراء الفعلي في عالم اليوم يمنح المهام للفاعل في مؤسسات فاعلة . وفي نظر امارتيا صن افتقاد المجتمعات للحرية يعني غياب التنمية. الحرية الفردية جوهر العملية التنموية، واساس تحقيق التوازن الاجتماعي في توسيع هامش الاعمال الابداعية وترك الفرد يفعل، وينتج بدعم من القوانين المرنة، والمؤسسات المنتجة في المجتمع .                                    

 التقييم والفعالية شروط في الاداء والرقابة والتحفيز عناصر مهمة في الابتكار والتجديد. النجاح والفشل يبدأ من عملية واسعة في تقييم الانجازات والاعمال الكبرى. والثراء وتكديس الاموال لا يؤدي لميلاد الافكار، والبحث عن عقول وطاقات في الشغل وانتاج المفيد . برغماتية ممزوجة بالفكرة الصائبة والادوات الممكنة في تحويل المستحيل الى ممكن، أفكار من عالم الواقع تجرب في الميدان وتؤدي للخير العميم. الدخل المنخفض والتعليم الضعيف المردودية والاقتصاد الهش، اختلال التوازن بين الطبقات الاجتماعية وصعوبة خلق بورجوازية حقيقة من الاسباب الواضحة في تلاشي النجاعة والفعالية وحدود التنمية يعني غياب الحرية والعكس كذلك . مؤسسات وازنة في العمل. العناية بالمرافق العامة، وتحسين جودة التعليم والصحة يولد في نفوس الناس حيوية للعمل، والعيش بكرامة وحرية. الضيق والفقر. مؤشرات النجاح والفشل تنطلق من واقع الحال، ويعيد الانسان ترميم المجتمع من خلال تكريس ثقافة جديدة للربط المتين بين التنمية والحرية . فالفقر في مجتمعنا ليس وليد النقص والخصاص في الحاجيات الضرورية بل وليد تفاوت في القدرات واختلال طبقي . بين الثراء الفاحش والفقر المدفق . الذي يتسع ويزداد شرخا بدون معالجة . وجوه شاحبة وبطالة مزمنة، واحتجاجات مستمرة على الغلاء . وقلة فرص الشغل وعدم التوازن بين القطاع الخاص والعام، ناهيك عن عمل المؤسسات في وظائفها المختلفة. هذا النقص والحرمان يعتبر سببا في غياب الحرية والاستبعاد الاجتماعي الذي يولد مجتمعات منقسمة، وحالات من عدم الثقة بين الفرد ومؤسساته، ويندر بإشعال حروب طبقية في العالم عند اتساع الهوة بين الاغنياء والفقراء، وعند تملص الدولة من الخدمات الاساسية . فالقدرة على البقاء والصمود في وجه تكاليف واعباء الحياة يفرض على الكيانات السياسية معالجة اختلال الواقع، ويلقي على السياسة العالمية اعادة النظر في العلاقة بين الشمال والجنوب . هذا التطور اللامتكافئ كما سماه المفكر المصري سمير أمين يعود بالدرجة الاولى الى تقسيم العمل وفشل الرأسمالية كنظام للاستلاب والاستغلال في رأب الصدع بين الاثرياء والفقراء .                                                                                         

 فالتركيز على الحياة الموضوعية يعني بالدرجة الاولى تنمية الموارد وتحفيز الناس على الابداع، وتأمين الحاجيات الاساسية من التعليم والصحة وكل الخدمات والمستلزمات . الثروة والمال لا تعكس دائما قوة المجتمعات النامية . الخدمات وجودة المؤسسات مؤشرات واقعية في تقدم الامم . الاقتصاد العالمي اتجه نحو الدخل وتكديس الثروة، وتحقيق المنفعة واملاء السوق ونصائح الخبراء في المؤسسات المالية العالمية في تعميم النموذج الرسمالي في كل المجالات. ونتج عن ذلك ازمات مالية واقتصادية واغفال القيم الاساسية للحرية . والذين يدركون توجهات النظام العالمي الجديد، الخبراء والمفكرين يستشعرون بداية ازمات اجتماعية، ومؤشرات دالة على الصراع الذي يمكن ان ينتهي الى حروب شاملة ومدمرة في جنوح البلدان الصناعية للبحث عن اسواق عالمية جديدة، والتحكم في الموارد الطبيعية، والزيادة في الاستهلاك والاستغلال وتكريس النفود وتبعية الضعفاء للأقوياء وبالتالي انهيار الفكرة القائلة بنهاية الأيديولوجيا، وزوال الصراعات والحروب . فالتنمية التي يراها عالم الاقتصاد مارتيا صن عملية توسيع في نطاق الحريات، وليس دائما تؤخذ التنمية في صيغة الدخل القومي والناتج الاجمالي أو التصنيع . تعكس التنمية قدرة الكائن الانساني في تنمية القدرات والملكات، وتحفيزه في الابداع والمشاركة السياسية والاجتماعية في ظل أنظمة ديمقراطية. هذا الثراء في الحرية، وهذا الغنى في القدرة بمثابة الرؤية الواقعية في عالم اليوم الذي يزداد تعقيدا، وبذلك تنمية الحريات من اولويات الدولة في الالفية الجديدة. في التسهيلات الاقتصادية والحريات السياسية، والفرص الاجتماعية، وضمان الشفافية وتحقيق الامن الوقائي . موضوعات وأهداف تنمي حس الوعي بالمسؤولية والانتماء . حرية التعبير السياسي في القول وابداء الرأي، والحق في تأسيس الصحف والمجلات والقنوات الاعلامية، والالتزام بالقوانين وأداء الواجب، يعني المساواة في دولة تكرس المواطنة، وتعلي من قيمة المواطن كشخص يمتثل للقيم والقانون دون اكراهات خارجية أو اسباب تعرقل نماء الحرية .                                      

 ترتيبات اجتماعية موازية لكل تقدم اقتصادي . وخدمات اجتماعية وبرامج الدعم الاجتماعي، وليونة المساطر القانونية وهذا الاستثمار في الرأسمال البشري والعناية بكل مستلزماته، يساهم في تنمية ذاتية، ويرفع من مستوى الاداء الخاص بالدول. في العالم يتجلى التباين بين الدول الفقيرة في النفقات عن الخدمات الاجتماعية ومستوى التعليم والرعاية الصحية، ترصد الدول الغنية امكانيات مادية وكفاءات في الميدان والعمل على تحسين جودة الخدمات . ليس الثراء والغنى محددات قصوى في الاهتمام بالخدمات . التي تستدعي التعجيل وليس الانتظار والتبرير بدعوى محدودية الدولة في تقديم الخدمات والزيادة في جودتها عند الوفرة في الرساميل. نوعية الحياة مقياس للتقدم والرخاء الاقتصادي . والثراء الفاحش والتملك اللامحدود لا يولد مؤشرات دالة على الربط بين التنمية والحرية، ولا يعني بأي حال الخلود والمكانة العالية للفرد والدولة . سنوات المجاعة في القرن الافريقي كانت بسبب غياب المؤسسات، وبسبب غياب التنمية والحرية، وبصعود كفاءات سياسية تحولت اثيوبيا الى دولة صاعدة تحاول بكل جهد الثبات على خطوات التنمية البشرية، والقطع مع سياسية فرنسا وتحويلها لشراكة حقيقية. سنغافورة التي تحولت من مستنقع للفقر والحرمان الى دولة رائدة في الاعمال والمال، وغنية في مجال الخدمات الاجتماعية والامن الغذائي، بفعل سياسية التقويم واعادة النظر في البرامج المختلفة، والقضاء على جذور الفساد .

 ومن الاسباب الواضحة في التحولات العالمية معالجة الملفات الاجتماعية، وقوة العمل والانضباط، واختيار الديمقراطي أنسب نظام في الحكم. فلا توجد مجاعات بالمعنى الموضوعي في نظام ديمقراطي مهما كان البلد فقيرا . وبسبب ذلك تنهض الحكومات في رفع الضرر وتحسين الاوضع الاجتماعي وتأمين الحرية والتنمية . قطب الاشياء في عملية التطور من خلال اهمية التفاعل بين مكونات المجتمع، والنظرة السياسية البعيدة المدى الضامنة للحقوق والحريات . العمل والانتاج في الفكر الرأسمالي يؤدي للإشباع وازالة أشكال من الحرمان أو كما قال الفيلسوف جان بودريار أن الاشباع والاستهلاك ينطوي على ممارسة مثالية . مجتمع العمل والمنفعة، ومجتمع الحريات الفردية، وهكذا لا يمكن الحديث عن تنمية المجتمع من دون عدالة اجتماعية، وبدون دولة ديمقراطية وثقافة يعكس هذا النوع من القيم والرغبة في تحقيقها بالوسائل والادوات المناسبة . بناء نظرية في العدالة وفق ما يرمي اليه الفكر الفلسفي الامريكي مع جون راولز الذي ينصب في الاطار نفسه عند تمثل العدالة كإنصاف، في مجتمع يطمح اليه الشخص لأجل الحد من نواقص الرأسمالية، وانفلات الرأسمال نحو تكريس طبقية وشرخ في الجسم الاجتماعي مما يزيد في قتامة الاوضاع، ويفتح نيران الصراع الطبقي، وتعود الماركسية كفلسفة للقول بالحرية المزيفة في العالم الرأسمالي. الامر الذي يساهم في تأجيج الاحتقان الطبقي، ويقوض من أسس الرأسمالية في الحرية الفردية والمنافسة، والانتاج والرفع من قيمة الفرد والخدمات الاجتماعية. أما في واقعنا المغربي الحرمان والبطالة واختلال العلاقة بين الحرية والتنمية، وحدود التدبير يكشف لنا عن حجم الحاجة والرغبة في العبور نحو مجتمع ديمقراطي حداثي ، والسير بخطى للقضاء على اوصال الفساد، وتنمية المجتمع بالخدمات اللازمة وخصوصا التعليم والصحة، قطاعات نالت نصيبا من النقد في التقارير العالمية والمحلية . والمال المكدس عند الاغنياء والطبقة البورجوازية يستحسن تحويله الى وسيلة في بناء مؤسسات صناعية وتجارية، وتحويل قسط كبير منه الى ضرائب مستحقة للدولة معا العمل على الفصل التام بين المال والسلطة. 

 التنمية التي تنعم في نعيمها دول معينة تعود الى اصلاحات جمة في ميدان السياسة والاقتصاد والمجتمع، وبفضل نهج علمي ومقاربات في الصميم . وخلود بعض العقول بفعل افكارهم وأعماله العظيمة على المجتمع . التي تترك الصدى والمصداقية، والتي تنم عن عبقرية هؤلاء في خدمة اوطانهم . رؤى في الاقتصاد تمنح العقول المبدعة خدمة للتعبير عن الممكن في تنمية اجتماعية عند العناية بالرأسمال البشري، وتنمية سياسية عند الفصل مع الممارسات السلبية، تجاوزا للعوائق وتفعيل المساطر القانونية، ولن يجرؤ على الفعل السياسي الا من يمتلك القدرة والكفاءة، ويخشى المعاقبة والمحاسبة. فلا أمل في التنمية والحرية بالثراء والغنى الفاحش، بل بالتقييم والقدرة على الفعل والابداع، وتقديم الخدمات للناس وتحويل المستحيل الى ممكن . فالمبالغة في لغة الكلام ولغة الارقام . وتسويف الخطاب في وعود غير صادقة تأتي الحقائق من الميدان لتعيد تكذيبها وتنسف البناء الهش الذي لا يستند على معطيات مادية . ويبقى الحرمان والخصاص قائمين الى تحويل الثراء المادي الى معطى واقعي يحقق الربط بين التنمية والحرية .      

 

 احمد شحيمط 

 

حسن العاصيفشلت جميع التيارات الفكرية القومية واليسارية والليبرالية والإسلامية العربية في تحقيق تطلعات الشعوب العربية بالتحرر والتقدم والتنمية، وأخفقت في مشروعها وشعاراتها، ولم تتمكن من إنجاز نموذج واحد بنجاح. هذه التيارات ما زالت تصر على اجترار افكارها وتكرار فشلها في راهن عربي ملتبس وشائك بات يتطلب إعادة طرح الأسئلة الأساسية، ونقد قواعد التفكير ومراجعة المسلمات والبديهيات، وتفكيك المقولات والشعارات الكبرى لإعادة مقاربتها بصورة مغايرة.

في القرن الحادي والعشرين، قرن التطور التقني وثورة المعلومات والتحولات الكبرى، بات النقد الفكري ضرورياً للتفكيك وإعادة جدولة التصنيفات الأيديولوجية التي طغت على أحداث القرن العشرين. في عالم لا أيديولوجي أصبحت الأفكار والثقافة والمعرفة سائلة تتجاوز كافة جدران الأيديولوجيا. في مشهد عربي ملتبس مربك لم يعد التقدمي صاحب رؤية تنويرية حداثية، ولم يعد اليساري صاحب موقف يدافع فيه عن المضطهدين، ولم يعد اليميني هو الرجعي الذي يسعى لإعاقة التقدم. لقد خسر اليسار العربي التقدمي مصداقيته في القرن الحادي والعشرين عبر مواقفه التي بررت كافة المظالم.

حاولت الشعوب العربية هدم جدران الرعب والاستبداد في بلدانها، والخروج من المعتقلات الجماعية وانتزاع حقوقها بحياة بسيطة وبكرامة شأن جميع شعوب الأرض، لكن فرسان اليسار التقدمي أصحاب الأيديولوجيا الخالدة وقفوا بين الشعوب وبين مستقبلهم. هذه المواقف للمثقفين اليساريين العرب الذين يسعون للسلطة دون مشروع حقيقي للتطور، ليست تقدماً بل تخلفاً بقبعة ليبرالية. والتيار الديني الإسلامي فشل في مقاربته ولا يزال عاجز عن الخروج من حالته النظرية اللاهوتية، ولم يدرك بعد أن متطلبات البشر الوضعية كالحريات العامة والغذاء والتعليم والعمل والأمن، لا تقل أهمية عن حاجتهم التعبدية الإيمانية، وبالتالي ليس مقبولاً مطالبة الناس أن يحافظوا على إيمانهم والصمت على الفقر والقمع والخوف.

القومية واليسار العربي

جزء مهم من حركة اليسار العربية خاصة في المشرق خرجت من رحم التيار القومي العربي. بعد النتائج الكارثية التي أعقبت هزيمة حزيران العام 1967، والخذلان الذي أصاب الجماهير العربية والقوى الوطنية من عجز الأنظمة العربية على مواجهة الكيان الصهيوني، الذي انتصرت قواته على جيوش ثلاثة دول عربية، وقامت باحتلال شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية وهضبة الجولان، عقب هذا الانكسار المرعب خرج تيار ماركسي من حركة القوميين العرب ومن حزب البعث العربي الاشتراكي، في ظروف لم تكن للحركة الشيوعية العربية التقليدية أي يد أو تأثير بهذا التحول التاريخي. اعتنق اليساريون الجدد فكر ماركسي مختلف عن أفكار الشيوعيين العرب القدامى، فأصبحت الماركسية هي الأيديولوجية الجديدة لهؤلاء بعد أن رموا القومية خلف ظهورهم. منهم من تبنى أفكاراً هي خليط من الماركسية والشعبوية، وبعضهم تحول من الشيوعية إلى القومية بنكهة بعثية. وجميع اليساريين العرب -وهم قلة- الذين حاولوا إحياء فكرة القومية في صفوف الحركة الشيوعية تم اتهامهم بخيانة الماركسية. ثم إن بعض الشيوعيين العرب في المشرق انشقوا عن أحزابهم لأسباب أيديولوجية تتعلق بمفهوم الأمة العربية.

 ومن اللافت بصورة عجائبية أن التيار اليساري الذي تكوّن داخل الحركة القومية العربية قد حوّل مفهوم القومية إلى قضية قطرية وفي خدمتها. فيما بقية الأحزاب الشيوعية العربية أخفقت في إدراك أهمية تشكيل حركة عربية بامتداد أممي للنضال ضد الحركة الصهيونية في فلسطين، وأصبحت ذيلاً للمركز في الاتحاد السوفيتي، وبدلاً من دعم ومؤازرة الشعب الفلسطيني وقواه الثورية في قتالهم لاستعادة وطنهم المسروق، تحول الشيوعيين العرب إلى أبواق متحركة للسياسة الخارجة السوفيتية.

هذا الخلل في تيار اليسار العربي الماركسي يعود في الأصل إلى أنه لم يتشكل نتيجة تطور مجتمعاتنا العربية في سياقها التاريخي، ولا ارتباطاً بالتحولات الاجتماعية، ولا بناء على تراكم فكري ونضالي، ولا خبرة نظرية وثورية وسط الجماهير في ميادين العمل والشوارع. بل ظهر هذا التيار نتيجة صعود موجة الماركسية الثورية في ستينيات القرن العشرين، وانتشار تجارب الأحزاب الشيوعية العالمية وشيوع أسماء قادة حركات ثورية وصلت إلى كافة بقاع الأرض، في الصين وفيتنام وكوبا وكمبوديا وفي دول أمريكا اللاتينية. في هذه الأجواء الثورية الرومانسية التي تلاقحت مع غضب الشارع العربي على الأنظمة العربية نتيجة فشلها وكشف عجزها، ظهر التيار الماركسي العربي.

ماركسية بلا عمال

هناك قضية أخرى بالغة الأهمية من حيث التوصيف والدور والمكانة، هي مصطلح الطبقة العاملة الذي يحتل المكانة الأبرز في أفكار النظرية الماركسية، باعتبار العمال هم الحلقة المركزية بين الطبقة البرجوازية مالكة وسائل الإنتاج، وبين الإنتاج نفسه، هم القوة العضلية التي يستغلها مالك المكننة لإحداث القيمة المضافة التي تؤدي إلى تكديس الثروات لدى أصحاب المصانع.

في الحالة العربية، هل وجدت طبقة عاملة متبلورة علمياً؟ وكيف في الأصل تنشأ طبقة للعمال في البلدان العربية التي تعتمد الاقتصاد الريعي بمعظمها؟ ثم هل تتوفر ظروف مواتية في الحالة العربية لتشكيل تيار يساري ثوري دون الطبقة العاملة؟ وما هو التكييف النظري لدول ثرية دون اقتصاد حقيقي مثل دول الخليج التي يعتمد وجودها على بيع النفط أساساً، ولا يوجد بها طبقة عاملة محلية، بل يتواجد بها عمالاً مهاجرين من دول فقيرة ذات طابع خدمي لا إنتاجي.

في المجتمعات الصناعية الحديثة حيث توجد دولة المواطنين ومجتمع مدني وأحزاب سياسية تتنافس ونقابات غير تابعة وقضاء نزيه ومنظمات أهلية فاعلة وإعلام مستقل، يوجد مواطنين يتمتعون بحريتهم، وهم شركاء سياسيون ويساهمون في إيرادات الدولة من خلال تسديد الضرائب، لذلك يمتلكون حق محاسبة الحكومات وحق اختيار وإسقاط ممثليهم في البرلمانات، وهي حقوق محمية بدساتير وقوانين الدول الديمقراطية.

في الأنظمة العربية الريعية فإن الدولة تنفق على المواطنين لذلك ينطبق على المجتمعات العربية القول بأن من يأكل خبز السلطان يضرب برمحه، ولذلك لا يستطيع المواطن العربي القول لا للحكومة لأنها تصرف عليه، بينما في الغرب فإن المواطنين يدفعون لمؤسسات الدولة.

وفي هذا تستوي جميع الأنظمة العربية بمشرقها ومغربها، الدول الثرية والفقيرة، وتلك القومية العروبية ومن آمنت بالاشتراكية والإصلاح الزراعي، أو الليبرالية أو تلك الدول التي اعتنقت النظام الإسلامي السياسي.

إن الأنظمة العربية بمعظمها تعتاش على الاقتصاد الريعي الذي يعتمد بيع مواد خام كالبترول، أو عبر القطاع الخدمي السياحي والدعارة وتبييض الأموال وتجارة المخدرات، أو من خلال مساعدات خارجية ومن التحويلات المصرفية للأبناء المهاجرين. معظم هذه الأنظمة العربية تتكون في بنيتها إما من تحالف السلطات القبلية والعشائرية والممالك الخاصة مع رأس المال الاستثماري، أو تكون دولاً بحكومات تدير مصالح جماعات وطوائف ومذاهب متصارعة متوافقة، أو أنظمة غير مكتملة لشروط الدولة. وبالرغم من التماسك النسبي والتعايش التاريخي لهذه المجتمعات، إلا أنه لم تتطور بصورة عميقة منذ الدولة العربية الأولى الراشدة وما تبعها من تعاقب، كانت ولا زالت دولة ريعية بمهام حربية حالت دون أن يتحول التجار إلى رأسماليين وأعاقت الحرفيين في انتقالهم للصناعة.

فكيف يتأسس تيار يساري ثوري في مثل تلك البلدان العربية، وبأي أدوات سيتمكن اليساريين العرب من تطبيق شعار النظرية "سلطة العمال والفلاحين" و "ديكتاتورية البروليتاريا"؟

 في غياب عمالي طبقي، قام أبناء الفلاحين من الريف بوأد التجارب الديمقراطية التي كانت بدأت تتشكل ملامحها بجهود أبناء التجار في المدن، من خلال تشكيل البرلمانات في المشرق العربي. وتسلقت البرجوازية على أكتاف الجميع لتصادر السلطة عبر الانقلابات العسكرية غالباً. ثم خضع الفلاحين وما يمكن تسميته العمال للتفاهمات التي فرضها العسكر لشراء ولاءهم السياسي، فقدمت هذه الأنظمة لهم التعليم المجاني ووزعت بعض قطع الأراضي على الفلاحين.

كيف لليسار الحقيقي أن يكون وأن يوجد وأن يتطور ويؤثر في هكذا دول مشوهة وخارج أي تصنيف علمي. وقامت الأنظمة العربية العسكرية والمدنية التي تشكلت عقب نيل الاستقلال بالقضاء على أية إمكانية لفعل يساري، من خلال رفعها شعارات الحركة اليسارية نفسها، من التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية والحرية والاشتراكية. اللافت أن اليسار العربي اقام علاقات تحالفية مع عدد من الأنظمة العربية الاستبدادية وحصل منها على مساعدات مالية، وكان بمعظمه صوتاً مدّاحاً لهذه الديكتاتوريات.

اليسار العربي بفلسفة وضعية تبسيطية

في القرن الثامن عشر أقدم فلاسفة التنوير "فولتير، ديدرو، جان جاك روسو" وغيرهم على تفكيك العقائد الدينية المذهبية، وقدموا تفسيراً وقراءة جديدة للمسيحية وتأويلاً عقلانياً ليبرالياً للدين، يختلف جذرياً عن المفاهيم القديمة المتشددة. وهو ما مهّد الطريق فكرياً أمام الثورة الفرنسية التي انبثقت بسبب هذا الانقلاب الثوري في العقلية والفكر التنويري الحديث.

صاحب الفلسفة الوضعية عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي "أوغست كونت" الذي حاول وضع دستور للإنسانية ونظرية أخلاقية ودينية للبشرية يجنبها النزاعات ويسهم في إرساء دعائم السلام الاجتماعي. واعتبر أن الحضارات تمر بثلاث مراحل، المرحلة اللاهوتية الدينية ثم المرحلة الميتافيزيقية ثم المرحلة الوضعية العلمية التي اعتبرها ذروة التطور البشري. وقال إن المجتمعات الأوروبية هي وحدها التي اجتازت المرحلتين وانتهت معها المسحية المتزمتة، ووصلت أوروبا أعلى درجة ودخلت عصر العلم والعقل، وبقية الشعوب لا تزال تعيش في مجتمعات لاهوتية غيبية.

الفيلسوف كونت الذي ولد بعد الثورة كان يعترض على الثورات لأنها برأيه تؤدي إلى الدمار. رغم أنه رأى أن ما قام به فلاسفة عصر التنوير من النقد والتفكيك كان فعلاً ضرورياً. ودعا إلى تأسيس دين صالح لجميع البشر لأن المسيحية بظنه عجزت في أن تصبح ديناً عالمياً لأنها عنصرية ومتعصبة فقط للمسيحيين.

معظم اليساريين العرب يشبهون "أوغست كونت" في تحليلهم وفلسفتهم الوضعية ومواقفهم الملتبسة ومعاندة حركة التاريخ، وقراءتهم التبسيطية للأحداث التي تؤكد انعزالهم عن الواقع.

قبل الثورة الفرنسية كانت الكنيسة تنظر للفلسفة على أنها منافس لها، ولم تتحرر الفلسفة من سلكة الكهنوت إلا بعد بروز فلسفة "ديكارت، سبينوزا، فولتير، كانت". لذلك فإن الفلسفة قد تطرفت بعد الثورة الفرنسية وطالبت بإلغاء المسيحية تماماً واستبدالها بدين العقل، كخطوة اعتبرت رد فعل على محاكم التفتيش المسيحية الأصولية المتشددة. هنا ظهرت فلسفة "أوغست" التي حاولت التوفيق بين التيارين الفكريين حينذاك، فهو رفض التعصب المسيحي وأيضاً رفض النزعة المادية والإلحاد. ونادى بدين جديد قائم على المحبة وبعيد عن الأنانيات والمصالح الشخصية. ثم نظر للفلسفة الوضعية على أنها مهمة لفهم قوانين العالم الموضوعي وتحقيق التقدم والتطور، لكنها لا تقدم لنا تفسيراً عن الحياة قبل وبعد الموت، وهذه مهمة الدين كما يرى.

إن الدين في فلسفة "أوغست" في عصر العلم هو غير الدين في العصور الوسطى. لكنه لم يكن ملحدا كالفلاسفة الآخرون الذين عاصروه مثل "ماركس، فورباخ، نيتشه" ولكن اتفق معهم على أن المسيحية الكلاسيكية الأصولية لا تصلح للعصر الحديث، وأن العلم الحديث هو الذي يحقق تقدم وتطور البشرية، واختلف عنهم بأنه كان صاحب قيم روحانية.

اليساريون الهلاميون

التمييز بين اليساري من اليميني والرجعي من التقدمي في المشهد العربي بات أمراً غير يسيراً. والتيار اليساري العربي بهيئته الكلاسيكية انقرض وتم التحفظ على أدبياته الفكرية وحفظها في المتاحف. وحتى لا أتهم بالعداء للشيوعية والأمة الخالدة، اقر أنني أعرف بعض اليساريين الحقيقيين بصفة شخصية وأشعر بالاسى لحالهم، لكنني هنا لا أخصص بل أتعرض للحركة اليسارية العربية التي غابت عن الساحة. وهذا ما أصاب أيضاً الحركة القومية العربية التي عجزت عن تحقيق شعاراتها وأصيبت بالتهاب مزمن في المفاصل اقعدها طريحة الفراش منذ عقود خلت. ولا أستثني هنا قوى التيارات المتأسلمة التي اقتصر نشاطها سابقاً على الدعوة ونشر القيم الإسلامية والإصلاح والإرشاد، كما أنها امتهنت توجيه النقد اللاذع للقوى اليسارية والقومية العربية. ثم حين انهزم المشروعان القومي واليساري في الحالة العربية، تقدمت القوى الإسلامية نفسها لتتصدر المشهد السياسي، ارتدى رجل الدين ثياب العمل السياسي فتحول من فاعل زاهد لأجل الله والدين وأجر الآخرة إلى مُضارب أناني ضيق الأفق وجشع ومتشدد لا يقبل الآخر ويدعو للإقصاء. وأصبح يصدر قرارات تحرم الناس من رحمة الله بعد تكفيرهم.

القوميون أيضاً ليسوا أفضل حالاً، فما أن غادروا الميدان حتى ارتدّوا إلى بدائية عصبوية وتحولوا إلى الأفكار العشائرية والقبلية والمذهبية، فأصبح خطابهم الذي كان يدعو للوحدة العربية ورص الصفوف، إلى خطاب يستحضر المظلومية الشيعية، فارتدوا الأسود وتقلدوا المناصب المهمة. أو لبسوا العمائم البيضاء واستبدلوا خطابهم الوطني القومي بأخر مذهبي. وأهملوا جميعاً شعارات الوحدة والحرية والاشتراكية التي كانت تعني كل الأمة بكافة طوائفها ومذاهبها وأديانها، واستبدلوه بفكر انقسامي تشتيتي يعمق الخلافات ويعزز الكراهية.

أما اليسار العربي فقد تم إصدار شهادة وفاته بعد معاناة طويلة مريرة مع الرجعية التي أثبتت أنها قادرة على التجدد والاستمرار والتكيف مع التحولات، مما دفع عدداً غير قليل من اليساريين للانتقال إلى ضفتها ولا زالوا يدعون أنهم ماركسيون. فهل بعد هذا التيه تيه؟

 في وسط النضال الذي تلتحم به ومعه شرائح واسعة من الجماهير العربية المضطهدة لاستعادة حقوقها المنهوبة من الأنظمة العربية الطاغية، لا نرى مثقفاً يسارياً تقدمياً واحداً في الشوارع العربية يعاضد ويؤازر المطالب الشعبية، كما كان يفعل المثقفين والفلاسفة الغربيين التقدميين التنويريين.

حالياً لا وجود ولا فعل ولا أثر للحركة الشيوعية، ولا الاشتراكية، ولا لحركات التحرر المناهضة للاستعمار، ولا لحركة التضامن الأممي والسلم والصداقة بين الشعوب. غابت هذه الحركات وحل مكانها منظمات وجماعات متشددة لا تؤمن بالتضامن والتسامح، بل تدعو إلى الكراهية وتأجيج نيران البغضاء بين شعوب وأمم المنطقة. إن ذُكرت إيران يتم وصفها بالمجوسية، وهنا إن كنت تتفق مع سياسة إيران أو تختلف، فإيران ليست آية الله فقط، فهي جلال الدين الرومي، وعمر الخيام وجمال الدين الأفغاني. وتركيا أصبحت عثمانية وحسب في خطاب اليسار الجديد، ولا أحد يذكر ناظم حكمت وعزيز ينسين ويونس إمره وجاهد عرف وخوجة يسوي ونامق كمال.

لا يمكن إشاعة الصداقة بين الشعوب بخطاب الحقد والريبة. كيف ننجز التحرر الحقيقي من الاستعمار ونبدأ بمشاريع تنموية وطنية، والأنظمة العربية تتسابق لبيع القطاع العام والاتجاه نحو اقتصاد السوق وتشجيع الاستثمار الغربي. كيف نحقق تنمية مستدامة وبلداننا مثقلة بخدمة الديون الخارجية بعد أن قمنا برهن الأوطان للحصول على قروض من البنك الدولي. وما الفائدة المتوقعة من حركة التحرر الوطني العربية في الواقع الراهن الذي يشير بوضوح أن كافة بلداننا العربية هي دول محتلة أو شبه محتلة أو في طريق الاحتلال. هل ثمة نظام عربي واحد مستقل بصورة فعلية وحقيقية ويمتلك شأنه وقراره بنفسه؟

ضباع الثقافة

في الشرق الوحشي الذي تتصاعد فيه أصوات الدعوة إلى الكراهية ورفض الآخر المختلف، ومحاصرته وتصفيته، وينقسم جماعات وكيانات ودولاً، وتتفسخ شعوبه قومياً وطائفياً ومذهبياً يتصارعون وينغمسون في نزاعات وحروب دامية تقضي على مقدراتهم وأوطانهم. في هذا الواقع البائس يُترك المواطن العربي وحده يواجه ظروفاً طاحنة، يتنازعه فيها قهر وقمع الأنظمة من جهة، وضنك الحياة لتوفير لقمة العيش من جانب آخر. ولا يرى يساري واحد يدافع عن حقوقه، ولا مثقف حقيقي يتحدث باسمه ولا حتى يميني استغلالي بمنافع وأضرار محدودة. أصبح الإنسان العربي يعيش في وطنه مثلما يقيم النزيل في الفنادق، يعتبر وجوده مؤقتاً بعد أن بترت الأنظمة كل انتماء له للوطن.

بعض مثقفي المرحلة من بقايا اليسار يشبه الضباع التي تتكاتف في مواجهة نمر اصطاد حيواناً برياً ليقتات به، وتسرق منه الطريدة بالغدر والخسة. لكن القانون هنا ينص على أن من لا يشارك في المعركة لا يحق له اقتسام الغنائم. يبدو أن معظم المثقفين العرب ينتظرون الحصول على مكاسب من معارك لم يخضها أحداً منهم.

هذه المجموعة من المثقفين أسوأ من الأنظمة العربية الحاكمة لأنها تتميز بالجشع وعدم الوفاء وبالغدر، وهي تحتال وتخادع حتى تظل على قيد التواصل والاستمرار تقوم بأكل الجيفة ولا تقوم بالاصطياد. وما تتقنه هو حديث المقاهي وجدال الصالونات المغلقة، وتوجيه الانتقادات دون بديل ورفض كل شيء، والتعامل مع الناس باستعلاء غير مبرر، فتحولوا من مناضلين إلى دعويين ثرثارين، يشبهون جرس الكنيسة يدعو الناس للإيمان لكنه لا يدخل قاعة الصلاة.

حالياً لم يعد صالحاً ذلك المعيار الذي يعتبر أن كل يساري هو مناضل فاضل مثقف معاصر، وأن كل يميني محافظ رجعي. في المشهد الفلسطيني سقط اليسار في ترف الأيديولوجيا الملتبس، فاعتبر أن نضاله ضد قوى اليمين الفلسطيني هو أنبل وأسمى أشكال النضال، واحتل عنده الصراع الطبقي العدمي -ولو كان تنظيرياً فقط- المكانة الرئيسية. بينما اليمين الفلسطيني هو الذي بادر وأطلق شرارة الكفاح المسلح لتحرير فلسطين، وقاد – ولا يزال- الثورة الفلسطينية المعاصرة ونضال الشعب الفلسطيني. ثم حين اشتد عود هذا اليمين وتصلب في غمار العمل الثوري، تسلل جزء من اليسار إلى تنظيم اليمين، وتمكن بعضهم الوصول إلى قمة الهرم القيادي. وبعد التحولات المهمة في مسار القضية الفلسطينية التي أدت إلى انحسار مفاعيلها ثم التوقيع على اتفاقيات أوسلو البغيضة، تم إنشاء السلطة الفلسطينية التي وفرت الوظائف للمناضلين. فجأة صار الحرام حلالاً عند اليسار الفلسطيني، وأصبح التحالف مع اليمين ضرورة وطنية، وسعى معظم اليسار نحو السلطة والحصول على الامتيازات بكل عزم، داس في دربه كافة المبادئ والقيم التي اختبئ خلفها طوال عقود.

التحدي القادم

الثورة الصناعية في أوروبا بدأت مع صناعة أول محرك بخاري محدث بواسطة الإسكتلندي "جيمس وات" العام 1765. الذي أعاد تصميم محرك نيوتن القديم المستخدم حينها لضخ المياه من المناجم، وقام بتغييرات مهمة في تصميم المحرك وجعله أكثر كفاءة وأقل تكلفة.

إن الثورة الصناعية التي انطلقت من بريطانيا في القرن التاسع عشر مع المكننة، هي الأم الشرعية لكافة الثورات المعاصرة. لولاها لما ظهر ماركس ولينين ولا الماركسية والشيوعية.

إن أبرز ملامح الثورة الصناعية الأولى في القرن الثامن عشر أن الآلات التي تعمل بالبخار قد أخذت تحل مكان اليد العاملة. كما تطورت صناعة الفحم والحديد والنسيج. وبدأت الهجرة من الأرياف إلى المدن. الثورة الصناعية الثانية أحدثها اختراع الكهرباء، وظهور السيارات وتطور صناعة النقل، ودخول النفط أسواق الطاقة. الثورة الصناعية الثالثة بدأت مع الكمبيوتر ونظام الرقمنة ومعالجة البيانات والانترنت والبرمجة. الثورة الصناعية الرابعة هي ثورة المعلومات والذكاء الاصطناعي والروبوتات وتقنية النانو والطباعة ثلاثية الأبعاد.

يحتاج الواقع العربي الراهن إلى مكتشفين وإلى اكتشافات واختراعات تُحدث ظروفاً جديدة وتعبد الطريق أمام إجراء تغيرات وتحولات في بنية وعقلية المجتمعات العربية. نحتاج ثورة على كل ما هو نمطي وسائد في الفكر العربي وفي الثقافة والعلوم والاقتصاد والسياسة والتعليم. في هذا السديم العربي لا خيارات سوى الإصلاح والنهوض، وإعادة تشكيل الدولة والمجتمع على أسس مدنية وعصرية تضمن حق المواطنة لجميع الأفراد.

السؤال الهام الذي لا نكل ولا نمل من التذكير به، أين نحن كعرب أنظمة ودولاً وأحزاباً وشعوباً من هذا التطور الهائل العاصف في العلوم والتكنولوجيا؟ ومن هذا الاتساع الذي يتضاعف في العلم والمعرفة بيننا وبين الغرب والمجتمعات المتطورة. بلداننا العربية لا زالت تعيش في مرحلة البدائية الجاهلية، وهي بعيدة عن أي ثورة صناعية، في حين أن العالم المتطور قد دخل مرحلة ما بعد الصناعة، مما يجعل الهوة بين العرب والغرب عميقة وتتسع بصورة مرعبة، ونحتاج سنوات ضوئية كي نلتحق بمسيرة التقدم.

إن ثقافة التطور والتغير والتحول والتأقلم مع شروط التطور المعرفي لم يعرفها العرب بعد. إننا بأمس الحاجة إلى أعادة مقارباتنا لمفاهيم متعددة مرتبطة بحياتنا وعليها يتوقف تطورنا من عدمه، ومنها مقاربة وتحديد فهمنا للعلوم والمعرفة والفلسفة، وتسهم في خلق وعي يدرك دورهم ومكانتهم باعتبارهم روافع الانتقال من مرحلة التخلف إلى عصر التطور، أو سيكون العرب أعضاء دائمين في نادي الدول الفاشلة.

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

قاسم حسين صالحبدءا، انا كنت شيوعيا، وسجنت سنتين لأنني رفضت طلب رئيس المجلس العرفي العسكري الأول (شمس الدين عبد الله) سبّ الحزب الشيوعي، مع ان اكثر من مئة من رفاقي فعلوا ذلك واطلق سراحهم. وكنت وما زلت صديقا محبا للحزب.. دعيت من قياداته لألقاء محاضرات في مقره، وحظيت باكثر من تكريم منهم. لكن غياب دوره في تظاهرات واحد اكتوبر/تشرين اول 2019 أثار لوم، عتب، استغراب، استياء، الكثير من محبيه، وأدانة وسخرية وتعليقات غير مهذبة من آخرين.وما يهمنا هنا ان موقفه هذا كشف عن حقيقة ان بين الحزب وقطاع الشباب فجوة كبيرة.

ولأن من عادتي ان استطلع الرأي عبر وسائل التواصل الاجتماعي في احداث كهذه، ولأن الحزب الشيوعي بقي متفرجا على المشهد وكأنه ينتظر ما ستؤول اليه الأحداث، فقد كتبت الآتي:

(تساؤل الى الحزب الشيوعي وقوى اليسار:

في ثورات الشعوب، في انتفاضات المقهورين، تكون القوى اليسارية في المقدمة.. فلماذا اختفت في تظاهرات سالت فيها دماء الشهداء في واحد اكتوبر، تشرين اول؟)

كانت الغالبية المطلقة قد ادانت هذا الموقف.. اليكم نماذج منها:

- ليس للقوى اليسارية جمهور من فئة الشباب، ولا تمتلك قاعدة جماهيرية،

- مستفيدون وعندهم حصة بالحكومة.. وبعيدون عن الفقراء،

- باعوا المباديء واشتروا الكراسي،

- دعهم لتنظيراتهم دكتور فهم بعيدون عنّا نحن الشباب،

- لم تعد لهم مكانة كسابق عهدهم،

- الحزب غيّر حتى ايديولوجيته، فقد راينا قيادات شيوعية تمتدح اميركا، والكثير منهم يمدحون تيارات اسلامية راديكالية،

- لأنهم تحت خيمة سائرون،

- أليس الذي قتل شيوعيا؟ ام ان هذا لا يكفي؟

- عيب من السيد.. خاف يزعل عليهم!.

شهادة للتاريخ

منذ بداية التظاهرات في شباط 2011، شارك الحزب فيها وقام هو بتنظيم عدد منها. وفي اضخم تظاهرة مليونية عام 2014 كان للحزب دور رئيس شهدته بنفسي حيث كنت يومها مشاركا في التظاهرة بساحة التحرير.وكانت قيادات من الحزب تقف على المنصة ولحظة رأوني مدوا ايديهم لي لاصعد معهم والقي كلمة.. وحين نزلنا توجهت كوادره وانصاره نحو جسر الجمهورية وحالت قوى الأمن دون عبورنا.. واستمر الحزب ينظّم ويشارك في تظاهرات الاحتجاج بعضها كانت تضم كوادره ومحبيه فقط.. رغم مخاطر تعرضوا لها وتهديدات تحدوها.. الأمر الذي اثار الاستغراب كيف لا يشارك الحزب الشيوعي في أجرا وأشجع واخطر تظاهرة لا تقف وراءها جهة سياسية.. بل جماهير شبابية في عشر محافظات تجمعهم .. صرخة مقهورين؟!!

مشكلة الحزب.. الماركسية الكلاسيكية

ثمة تطبيقان للماركسية: المرونة في تطبيق المباديء، والتطبيق النصي لها.. وكان الحزب الشيوعي العراقي من هذا النوع، واليكم الدليل.

في العام 2004، كنت اتمشى مع صديق في ساحة الاندلس فصرنا قريبين من مبنى مقر الحزب الشيوعي العراقي، فقال لي: الا تحن الى جماعتك أيام زمان؟ قلت: بلى والله احنّ. ودخلنا المقر .

كانت قاعة الجلوس أشبه بمقهى شعبية.. كرويتات بسيطة مفروشة بحصران من الخوص، فقلت في نفسي: يا سبحان الله، مكتوب على البرولتاريا ان تجلس على حصران الخوص من زمن ماركس الى يوم يبعثون . وحصل حين جلست، ان شغّلت الذاكرة فلما" قديما اليكم منه هذه اللقطة.

كنّا معصوبي الأعين وواقفين وواقفين فجرا بمكان لا نعرفه في مدينة الناصرية، فجاء دوري بأن سألني أحدهم (تبين بعد ذلك أنه نعيم حداد) قائلا": هو انت فلان الفلاني؟ اجبت: نعم . فصفعني بيده اليمنى ادار بها وجهي الى "اليسار!". وتابع يسأل.. ويسب ويشتم، ثم جرى ما جرى!.

رموني في غرفة صغيرة، فجيء بشاب أسمر نحيل الجسم، كان ظهره لوحة سوريالية من الخطوط السود الملطخة بالدم الاحمر . وكان فاقد الوعي، أو ربما في نفسه الاخير، فتركت ما بي واخذت انقّط الماء بفمه وأنعش قلبه بتمارين تعلمتها من الرياضة . كان هذا الشاب هو القاص البصراوي المعروف " محمد خضير" المعلّم في الناصرية حينذاك .

لمحني صديقي الذي رأى الدمعة تسقط وهو يأتي لي باستكان الشاي، فعلّق قائلا" (ها يبين أخذتك الدنيا لبعيد، بس تريد الصدك: احلى شي سويته أنك طلّقت السياسة وتزوجت العلم) .

ونأتي الى بيت القصيد، فقد نظرت الى أعلى الجدار فوق رأس "القهوجي " فرأيت صورا" كبيرة لكل من ماركس وانجلس ولينين، وكأنهم يحّيون الضيوف القادمين الى المقر . تغير مزاجي تماما" فطلبت من صديقي ان يأتي لي بـ "الرفيق" المسؤول.. فجاء .

قلت له: يبدو انكم ما تزالون تعيشون مزاج الخمسينيات في وسائل تثقيفكم، وان المسؤولين عن الثقافة عندكم من الذين صار المستقبل وراءهم، اعني، تجاوزت اعمارهم الخمسين والستين، وانهم ليسوا على دراية بأن النظام السابق حكم العراق (35) سنة، وان جيلا" عراقيا" كاملا" كان لايعرف عن الشيوعيه شيئا" الا كونها "ضد الدين"، وأن هذا الجيل يشكّل أكثر من نصف الشعب العراقي .

تساءل بشيء من عدم الرضا: خير أستاذ..؟

قلت له: لو ان شابا"من هذا الجيل جاء وجلس هنا وسألك: من هذا وذاك؟ ستجيبه: هذا ماركس العظيم .. الماني واضع النظرية الماركسية، وذاك لينين الخالد.. روسي ابو الثورة البلشفيه، وتظل تشرح وتنّظّر له عن افكارهم وشعارهم " يا عمال العالم اتحدوا " فهل هذا أفضل ام انكم لو وضعتم صور: فهد وسلام عادل وجمال الحيدري.. . وحين يسألك فتجيبه بأن هؤلاء قادة الحزب الشيوعي العراقي الذين اعدموا من اجل ان يكون وطنك حرا"، وان تكونوا انتم جيل الشباب الذين ضاعت أعماركم في الحروب والكوارث .. تكونوا سعداء مرفهين؟.

ايهما اوقع بالله عليك، ماركس الالماني ولينين الروسي (الذي قد يخجل الشاب ان يقول لك: وما شأني بهما وأنا الخريج العاطل في بلد الخيرات) ام فهد وسلام عادل وجمال الحيدري، الذين ضحّوا بحياتهم من اجل العراق والعراقيين، وكانوا لمّة واحدة من السنّة والشيعة والعرب والكورد والمسلمين والمسيحيين .. ؟ .

أسفي انكم ما تزالون لا تجيدون فن الدعاية، واسفي انكم تجيدون هضم الثقافة لكنكم لا تجيدون فن التثقيف .

ربت بيده على كتفي وقال: دكتور.. الأسبوع القادم سيكون الذي تريده.

وحصل.. استبدلوا الصور.. لكن الذي لم يحصل انهم لم يتبنوا الشباب رغم اننا اسدينا لهم النصيحة قبل خمسة عشر عاما، وكررتها عليهم يوم وجدت جمهور المحاضرة التي قدمتها في مقره كانوا بالمطلق من الذين تجاوزوا الخمسينات.. اي من الجيل الأقل حجما في المجتمع ومن الذين وضعوا المستقبل وراء ظهورهم.

اكيد ان للحزب وجهة نظر في موقفه من تظاهرات واحد اكتوبر/تشرين.. غير البيان الذي اصدره المكتب السياسي.. واكيد ان لقيادته رؤيتها السياسية، لكن المؤكد ان الفجوة بينه وبين جيل الشباب قد ازدادت الآن عمقا وبعدا.. وأظن لو ان فهد وسلام عادل وجمال الحيدري وأبو سعيد كانوا شهدوا ما حصل.. لقالوا لهم: ما لهذا الموقف استشهدنا!

 

أ. د. قاسم حسين صالح

 

رحيم الساعديالكاتب: ماثيو لويس بلانشي

 ترجمة: د. رحيم الشياع الساعدي

***

هل هناك أساس معرفي أو عملي لأخلاقيات التاريخ في نهاية القرن العشرين؟ هذه الرسالة تركز على الأعمال المختارة ضمن الميتافيزيقيا الغربية وتقاليدها التي سمحت لمثل هذا السؤال بأن يصبح معتدا به ويمثل اشكالية في الوقت الحالي.

ان تفاصيل إشكالية مثل هذا السؤال تصبح واضحة بسهولة. لأنه يثير فكرة عن تاريخ العالم - او عملية غائية التاريخ - والتي تعتبر بشكل لا جدال فيه كلها ذات أهمية راهنية، باعتبارها تذكير لماذا يعرّف الحاضر نفسه بأنه عصر "ما بعد الحداثة.

 علاوة على ذلك، يثير مفهوم أخلاق التاريخ فكر القانون الأخلاقي عند كانت والذي وصفه جورج لوكاك في وقت مبكر من عام 1914 كمصدر استنفد ضوؤه ولم يعد بمثابة "خريطة لجميع المسارات الممكنة.

 ولكن إلى جانب فلسفة التاريخ كما تصورها هيردر وهيغل وماركس، ورث الحاضر نقدًا لهذا التقليد الذي تكمن أصوله في النظام الكانتي.

ويستكشف الفصل الأول كيف يعرض كانت أخلاقيات التاريخ وقد افتقرت في الواقع لهذا النوع من التدابير الموضوعية وقابليتها للتحقق تجريبياً والقدرة على توفير ما يشبه خريطة الطريق للعمل الإنساني.

بالنسبة إلى كانت، فإن مهمة فرض قانون غير مكتوب وغير قابل للتمثيل تُحسب على الخيال البشري. ويركز الفصل الثاني بعد ذلك على كيفية تنظيم نقد كانت المنطقي للقوة الملحة التي لا حدود لها والتي تقوم بأضعاف الخيال من خلال وضع اضافة لاهوتية للقانون الأخلاقي.

وتشير عبارة "الملحق اللاهوتي" بالذات إلى أنه قد تم إدخال مفهوم لاهوتي غير تقليدي من أجل إنشاء وتقييد حدود قدرات الإرادة البشرية

فهل يمكن تمثيل هذا الحد "اللاهوتي"؟ وقد كان هذا هو السؤال الذي يستند إليه الفصلان الثالث والرابع. ففي الفصل الثالث، يتم تفسير برنامج فريدريش شيلر الخاص بـ "التعليم الجمالي" على أنه ملحق بالقانون الأخلاقي

وفي الفصل الرابع، كان هناك نقاش وجدال حول محاولة فريدريش نتشه لإحلال ما يسد القانون الأخلاقي والذي نجح في تنشيطه

 

.............

* ملخص أطروحة من جامعة ماساتشوستس أمهيرست -2000

* ماساتشوستس أمهيرست: هي جامعة أهلية أمريكية تتألف من منظومة مقسمة على خمسة مقرات موزعة على مدن ولاية ماساتشوستس .

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا في مقالنا الخامس والأخيرة عن التجارب الحاسمة ودورها في تطور النظريات العلمية، حيث نتحدث عن موقف إمري لاكاتوش من التجارب الحاسمة، وفي نقول : في الوقت الذي جاءت فيه أطروحة بيير دوهيم القائلة بأنه لا يجب اختبار الفرض علي حده وبصورة منفصلة بل النسق ككل، كان إمري لاكاتوش يصمم نوعا فريدا من العقلانية، وهذه العقلانية تتمثل في نقد وتغيير برامج البحث أو المعرفة العلمية (من مفاهيم وقوانين ونظريات علمية) عبر تاريخ العلم، فلقد رفض

لا كاتوش فكرة تبرير المعرفة التي تشكل النمو العقلاني للمعرفة العلمية وتسعي إلي أن تحول التاريخ الداخلي للعلم مجرد وقائع تجريبية وعبارات صلبة تعقبها تعميمات استقرائية أو قوانين علمية كما هو واضح عند التجريبية المنطقية أو التيار الاستقرائي بشكل عام الذي ينصرف إلي صدق القضايا الواقعية والأولية وصحة الاستدلالات الاستقرائية، أي أنهم انشغلوا بالمشكلات المعرفية والمنطقية إلي الدرجة التي صرفتهم عن الاهتمام المناسب بالتاريخ الواقعي .

وبالتالي لم تعد فلسفة العلم عند لاكاتوش مجرد تبرير المعرفة العلمية من خلال التأييد وعدم التأييد أو الصدق والكذب بعيداً عن تاريخ العلم، وهذا ما جعله يرفض النزعة الاستقرائية عموماً والتجريبية المنطقية علي وجه الخصوص .

ومن ناحية أخري، اعترض لا كاتوش علي بوبر بشأن التقدم العلمي، فقد أكد بوبر  علي اختبار الفرض علي حده وبصورة منفصلة، وأعد ذلك مسألة جوهرية لتقدم العلم وقياس ما يضاف إليه حقيقة، فالذي لا شك فيه أنه لا يمكن أن يقرر أحد إذا كانت نظرية جسورة مهما كانت وذلك عن طريق اختيارها علي انفصال، لكن فقط عن طريق اختبارها في ضوء سياقها المنهجي التاريخي .

وهذا معناه أنه إذا كان بوبر في محاولته للتقدم العلمي يؤكد عمومية النظرية العلمية، مع وضع في الاعتبار تكذيب النظرية اللاحقة للنظرية السابقة عند تناقضها، فإن لاكاتوش يؤكد علي أن أي نظرية تتمثل وتولد في خضم هائل من التناقضات، ومن ثم يمكن عمل تعديل في النسق النظري العلمي، وطبقا لذلك رأي لاكاتوش أن أي برنامج بحث يتألف من قواعد منهجية، حيث أن البعض منها يخبرنا بطرق البحث تجنباً للموقف السلبي، والبعض الآخر يوضح لنا طرق تبني الموجه المساعد علي الكشف أو الإيجابي . بيد أن الموجه السلبي لبرنامج البحث دائماً ما يعزل النواة الصلبة للقضايا التي لا تعرض للتكذيب، وهذه القضايا يتم التوافق عليها اصطلاحاً، ومن ثم فهي غير قابلة للتفنيد عن طريق برنامج البحث . أما الموجه الإيجابي فيعد بمثابة استراتيجية لبناء سلسلة من النظريات والاقتراحات الإجرائية للتعامل مع الشواذ المتوقعة، وبينما يتضح برنامج البحث، نجد أن حزاماً واقياً من الفروض المساعدة يلتف حول النواة الصلبة .

ويعطينا " لاكاتوش" مثالاً علي ذلك من برنامج البحث النيوتوني؛ حيث يلاحظ أن النواة الصلبة لهذا البرنامج تتمثل في الجاذبية، وأنه لا شك في أن بين النواة والظواهر الحزام الواقي من الفروض المساعدة التي تحتك بالاختبار والتكذيب . ومن هنا قبل الحزام الواقي التعديل والتطوير ليحمي النواة، وهذا التطوير يتم بناء علي الموجه الإيجابي المساعد علي الكشف ؛ أي أننا حين اكتشفنا أن كوكب يورانوس لا يتفق مع التنبؤات الخاصة بنظرية نيوتن لم نستنتج من هذا أن النظرية كاذبة، بل علي العكس، فالنظرية أو برنامج البحث النيوتوني عامة لا يزال تقدمياً . وبعد فترة من الزمن أصبح هذا البرنامج متفسخاً ومتدهوراً لظهور برنامج أخر، وهو لأينشتين الذي فسر حركة الكوكب عطارد التي لم يستطع برنامج نيوتن حلها . هذا فضلاً عن أن برنامج أينشتين قد تنبأ بانحراف الأشعة الآتية من النجوم تحت تأثير مجال الجاذبية.

فاختبار أي برنامج يعول مباشرة علي الحزام الواقي للفروض المساعدة , ومن هنا أكد "لاكاتوش" أن أي نتيجة اختبار سالبة مفردة لا تفند برنامج البحث ككل، الأمر الذي جعله ينتقد "بوبر" عندما عول علي أهمية النتائج السلبية، حيث أن وجود أي نتيجة اختبار سلبية، إنما هي استراتيجية مثمرة لتعديل الحزام الواقي للفروض المساعدة ليعدل أو يسوي الشاذ .

وعلي هذا رفض "لاكاتوش" أن يكون نمو العلم مجرد واقعة نافية أو بينة تجريبية معارضة تكذب نظرية علي حده بصورة مستقلة، ليتم رفضها هي فقط في حد ذاتها ويستبدل أخري تعرض بدورها علي محكمة التجريب !! وهنا يؤيد لاكاتوش، بيير دوهيم لا سيما عندما رأي أن المعقبات أو النواتج التي تلزم الفرض العلمي الجديد، والتي تكون محكمة للتجريب لا تخص الجديد وحده، بل تخص النسق المعرفي بأسره الذي انتمي إليه الفرض  .

وهنا يمكننا أن ندلف إلي موقف لاكاتوش من التجارب الحاسمة، حيث ينكر أهمية ودور التحارب الحاسمة في برامج البحث العلمي، فهو يقرر أن التجارب الحاسمة ليس لها قوة كي تنحي برنامج بحث، حيث يؤكد التسامح المنهجي، فلا وجود للبت القاطع، إذ أن إلغاء برنامج يستغرق زمناً، كما أن قبول برنامج جديد يستغرق زمناً أيضاً  ؛ وفي هذا يقول لاكاتوش :" " لا يوجد هناك تجارب حاسمة إذا عنينا بذلك تجارب تؤدي مباشرة إلي القضاء علي برنامج معرفي معين . وفي الحقيقة فإنه في حال انهزام برنامج بحث معرفي واستبداله ببرنامج معرفي آخر، يمكننا مستفيدين من مرور فترة طويلة من الزمن " تسمية تجربة حاسمة إذا ظهرت جلياً أنها كانت مؤيدة للبرنامج المنتصر وداحضة للبرنامج المهزوم "، " وبعبارة أخري لا يعير العلماء آذانهم بسهولة إلي نتائج التجارب السلبية بادئ الأمر ولابد من مرور فترة طويلة من الأبحاث والاختبارات كي يقبل سوادهم بفشل النظام المعرفي الذي دحضته التجربة، فلا تصبح هذه الأخيرة حاسمة في انهزامه إلا بعد أن تكون قد ترسخت النظرية الجديدة في الأوساط العلمية، فيمكننا فقط عندها القول بأنها تجربة حاسمة .

وقد تأخذ الأمور منحي أكثر تعقيداً حسب لاكاتوش :" فإذا وضع عالم من أنصار المعسكر المهزوم بعد بضع سنوات تفسيراً علمياً لما دعي بـ " التجربة الحاسمة " يجعلها متفقة مع البرنامج المهزوم، فإن صفة الشرف يمكن نزعها عن تلك التجربة وتتحول بذلك " التجربة الحاسمة " من هزيمة إلي نصر للبرنامج  القديم .

وهكذا قد تستمر نظرية ما في مقاومة التغيير لفترات طويلة، وقد تصبح عائقاً أمام أي محاولات جدية لدحضها فتسد آذان العلماء عن صوت البني الطبيعية المناقض لها وتخلق انقطاعاً مرحلياً في المسار العلمي نحو الحقيقة . وقد يطول هذا الانقطاع أو يقصر جاعلاً من مفهوم التقدم نحو البني الموضوعية مفهوماً تاريخياً لا تندرج فيه أية حقبة منعزلة من تطور المعرفة، بل المسار التاريخي برمته .

ومن ناحية أخري يؤكد لاكاتوش أن هناك علاقة حميمة بين التجربة الحاسمة من جهة والعقلانية الفوريةInstant Rationality  . فالإيمان بالتجربة الحاسمة هو إيمان بالعقلانية الفورية والعكس صحيح كذلك، ذلك أن مفهوم التجربة الحاسمة يقوم علي تمكين العالم من الاختبار الفوري بين النظريات والبرامج العلمية المتنافسة لجأ إليها بصورة يوتوبية كل من التجريبيين المناطقة وكارل بوبر، وفي هذ يقول لاكاتوش :" أن فكرة العقلانية الفورية يمكن أن تكون مثل المدينة الفاضلة " يوتوبيا " . لكن هذه الفكرة التي يحلم بها هي خاتم دامغ لكل أنواع نظرية المعرفة . التبريريون يريدون إثبات النظريات حتي قبل نشرها والاحتماليون يأملون في وجود آلة تستطيع أن تعطي في لمحة قيمة النظرية (درجة التحقيق) التي أعطيت البرهان والمكذبون السذج يأملون أن يكون الاستبعاد هو النتيجة العاجلة لتحقيق التجربة علي الأقل" .

وهذا النص يوضح أن لاكاتوش ليس استقرائيا ولا تكذيبيا، إن لاكاتوش يميز المعرفة العلمية وفقاً لكشفيات برامج الأبحاث العلمية، ففي داخل برنامج البحث ليس هناك صوتا واحدا هو صوت التكذيب أو التحقيق (الجدليان) هما أحد تلك  الأصوات، ولكن حين يتم تقديم صوت واحد علي بقية الأصوات، فهذا يكون بواسطة عملية انتقائية من قبل التجريبين  المناطقة والتبريرين وكذلك التكذيبين، يقومون بها بعد انتهاء الأحداث، وليس العكس . ومن ثم لاكاتوش يرفض التجربة الحاسمة، والعقلانية الفورية في أن واحد، وذلك بصورة عقلانية، دون نفي امبريقية المعرفة العلمية.

ونجده من أجل هذا، يخصص مساحات من أبحاثه ودراساته لمناقشة التجربة الحاسمة " . فهو قد كتب مقالتين مستقلتين بذاتهما بخصوص " التجارب الحاسمة " : الأولي بعنوان " دور التجارب الحاسمة في العلم "، أما الثانية والأهم لأنها تشمل ردود لأطروحته عن التجارب الحاسمة، بعنوان " الشواذ في مقابل التجارب الحاسمة ".

ويرفض لاكاتوش، في العملين المذكورين سلفاً، سواء في حاضر أو ماضي المعرفة العلمية، وجود تجربة معيارية، تخضع لقواعد الميثودلوجيا، ويمكن لها أن تفصل بين نظريتين متنافستين، ودليله علي ذلك عدم وجود تلك التجارب فعلاً في ماضي العلم . أي أن بعض التجارب العلمية في ماضي العلم، والتي يزعم بعض فلاسفة العلم أنها شكلت تجارباً حاسمة، لم تكن تجارب حاسمة  علي الإطلاق في حينها، بل هي كذلك فقط عن طريق استردادها بمناهج الميثودلوجيا، علي أرضية حاضر المعرفة العلمية، وينتج عن هذا الرأي إنكار وجود معيار فوري في الماضي أو المستقبل قادر علي تقديم معايير لرفض أو قبول النظريات العلمية في الحال، ولكن النتيجة الأكثر أهمية هي عدم  شرعية الجانب الإرشادي في الميثودلوجيا علي الرغم من استبقاء الجانب القيمي لها .

ومن أجل البرهنة علي رفضه للتجارب الحاسمة، يقسم لاكاتوش التجارب الحاسمة إلي نوعين من التجارب : التجارب الحاسمة الصغري " minor crucial experiments " ثم التجارب الحاسمة الكبري " major crucial experiments ".

التجارب الحاسمة الصغري هي تجارب علمية تحدث في إطار برنامج بحث محدد، وهي التي ربما تفصل بين نسختين مقترحتين لبرنامج البحث ذاته، ولا يصفها لاكاتوش بأنها " عمل روتيني " يحدث بصورة دورية داخل برنامج البحث العلمي، وهي بالتأكيد التجارب التي تؤكد الطابع الأمبيريقي للمعرفة العلمية، ومع ذلك يصف لاكاتوش ذلك العمل الروتيني بأنه نسبي، بمعني أنه من السهولة بمكان الهروب من التكذيب لتلك التجارب لصالح إحدى نسخ البرنامج . ولعل هذه الإشارة تعني وضع لاكاتوش للتجارب الصغري كحقيقة موضوعية بين قوسين، والتشكك في مدي تعبيرها عن حقائق العالم الثالث، ولعله لم يتعمق في دراستها لأنها ليست هي التجارب الحاسمة التي يدور حولها النزاع بينه وبين الوضعيين .

إن الهروب من التكذيب سوف يؤدي في  نهاية الأمر إلي " التصادم بين برامج الأبحاث وبعضها مع البعض الأخر "، وإذا وصل مستوي البحث العلمي إلي هذه الدرجة، تبدأ الحاجة إلي التجارب الحاسمة الكبري، وهي التي يدور حولها النزاع بين لاكاتوش والوضعيين. وتلك التجارب الحاسمة الكبري من وجهة نظر لاكاتوش ، هي التي يفترض أن تحكم أو تفصل بين برامج الأبحاث المتنافسة .

ويعطينا لاكاتوش  مثالا علي ذلك من خلال تفسيره للنظرية الجسيمية والنظرية الموجية في الضوء، فيقول :" إن التجارب الحاسمة المشهورة لن تكون لها قوة إلغاء برنامج بحث أو أي شئ يفيد ... فمن خلال منهج البحث للتجارب الحاسمة الصغري بين الصياغات المتتالية نجد أن التجارب تقرر بسهولة بين  bth، (n+)th الصيغة العلمية، بما أن (n+)th ليس فقط متناقضة مع bth لكنها أيضاً تحل محلها، إذن (n+)th كان لها محتوي متحقق أكثر ضوء نفس البرنامج،وفي ضوء نفس نظريات الملاحظة الثابتة جداً، فإن الاستبعاد يكون علمية روتينية نسبياً . وإجراءات الاستئناف أيضاً غالباً ما تكون سهلة : ففي حالات كثيرة نجد أن النظرية الملاحظة المتحداة، بعيد عن أن تكون ثابتة جيداً، فهي في الحقيقة افتراض مختلف ساذج غير مصاغ، والتحدي هو الوحيد الذي يكشف وجود هذا الافتراض المختفي، ويسبب صياغته واختباره وسقوطه . فإن الزمن وأيضاً النظريات الملاحظة تكون راسخة في أحد برامج البحث : وفي مثل هذه الحالات يمكننا أن نحتاج إلي تجربة حاسمة كبري .

ويستطرد لاكاتوش فيقول:" وعندما يتنافس برنامجان للبحث، فإن نماذجهما العليا الأولي عادة تعالج مظاهر مختلفة من الميدان خذ مثلاً، المثال الأول للمرئيات الشبه كروية عند نيوتن وُصفت علي أنها انكسار ضوئي، والمثال الثاني للمرئيات الموحية عند هويجنيز وُصفت علي أنها تداخل ضوئي . وأثناء توسع البرنامجين للبحث، نجد أنهما بالتدرج يتجاوزان حدود كل منهما الآخر وصيغة nth (النظرية الجسيمية) للأول نجدها متناقضة بكل وضوح وبطريقة مثيرة مع mth (النظرية الموجية) الثانية . وأجريت تجربة عدة مرات، وكنتيجة لذلك هزمت الأولي في المعركة، بينما انتصرت الثانية . لكن الحرب لم تنته، فأي برنامج بحث مسموح له ببعض الهزائم . وكل ما يحتاجه لكي يعود هو أن يقدم صيغة { n1)th أوth   n+))} وإثبات لبعض محتوياته الجديدة .

ويختم لاكاتوش حديثه فيقول :" لكن إذا لم تكن هذه العودة متوقعة الحدوث، بعد الجهد المعلن، فإن الحرب تكون خاسرة، وتري التجربة الأصلية بتفهم للماضي علي إنها تجربة " حاسمة " . لكن بصفة خاصة، إذا كان البرنامج الخاسر ناضجاً، وكان سريع التطور، وإذا قررنا أن نسلم بصحة نجاحاته العلمية السابقة، ونعترف بفضله العلمي، فإن التجارب الحاسمة المزعومة تتلاشي واحدة بعد الأخري في صحوة الاندفاع نحو الأمام بثورة هائلة .

والسؤال الآن، ماهي مبررات لاكاتوش في رفض التجارب الحاسمة؟

يمكن أن نحدد السبب الرئيسي لهذا الرفض  من تاريخ العلم نفسه، فقد سرد لاكاتوش بصورة مجملة، العديد من التجارب العلمية  التي لم تؤخذ علي أنها حاسمة، إلا بعد عقود من إجرائها . ومن هذه التجارب تجربة  " ميكلسون – مورلي Michelson – Morley Experiment "، والتي يزعم التكذيبيون أنها كانت حاسمة بين برنامج بحث نيوتن  من جهة، وبرنامج بحث أينشتين من جهة أخري . ويري لاكاتوش أن التجربة سوف تكون كذلك فقط، إذا نظرنا إليها من وجهة نظر الوضعية . فلقد مرت تلك التجربة بمراحل عديدة من التمحيص والنقد والتعديل، ربما لا يجعلها تستقر علي نتيجة ثابتة وفاصلة . بالإضافة إلي هذا لم تكن الملهم الرئيسي لأينشتين، فهو لم يبدأ منها، بل كانت مجرد نتيجة بعدية  من نتائج نظريته .

لقد كان الهدف الرئيسي والمعلن من تجربة ميكلسون هو اختبار كل من نظريتي " فريزينل " Fresnal من جهة و"ستوك" Stock من  جهة أخري، وهما النظريتان المتنافستان بخصوص حركة الأرض نسبة للأثير . فقد ذهب فرينل في نظريته إلي أن تلك الحركة إيجابية، سواء قرب سطح الأرض، أو علي بعد ملايين الأميال . أما ستوك فقد ذهب إلي  التأكيد أن تلك الحركة تساوي صفراً قرب سطح الأرض، لأن الأثير يتحرك تبعاً لحركة الأرض، لذا فهو ثابت كما هو الحال بالنسبة للأجسام الثابتة علي سطح الأرض، لذلك فليس هناك ضرورة لافتراض وجود الريح الأثيرية التي افترضها فرينل .

وتزعم الاستقرائية والتكذيبية أن النتائج السلبية الفورية التي انتهت إليها تجربة ميكلسون، قد أدت إلي نبذ برنامج البحث النيوتوني، ومحاولة استبداله ببرنامج أينشتين، مما يجعل تجربة "ميكلسون – مورلي " تجربة فاصلة في وقتها، لدرجة أن نتائجها المكذبة لنظرية الأثير تعد الأساس الذي انطلقت منه نظرية النسبية .

لقد قدم لاكاتوش تحليلاً تاريخياً لتلك التجربة، جعلته يبين أن أن اعتبارها تجربة فاصلة، هو أمر استردادي قائم علي اسقاط تلك الفكرة نفسها من تاريخ العلم . فالعلم لم ينمو فعلاً بسبب التجارب الحاسمة، ولكنه سيبدو وكأنه نما هكذا بسبب استرداد تاريخ العلم علي هذا النحو، وهو استرداد لا يؤيده تاريخ . فلقد أكد لاكاتوش حقيقة المراجعة المستمرة والتنقيح، بل والبلبلة المستمرة التي مرت بها تجربة " ميكلسون – مورلي " مما يجعلها تجربة ذات  نتائج إشكالية، أكثر منها نتائج دوجماطيقية ، فلاكاتوش يؤكد أن ميكلسون قد أجري تجربته ثلاث مرات قبل سيادة برنامج أينشتين، وهو أجراها فيما بعد من جديد بعد السيادة العلمية لهذا البرنامج، وفي كل مرة كان يخرج بنتيجة مختلفة . فلقد ذهب ميكلسون في تجربته الأولي لعام 1881 – إلي تأكيد أنها قد أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك نظرية ستوك، ودحضت نظرية فرينل بصورة قاطعة، وهو الأمر الذي تخلي عنه في تجربته الثالثة . والحق أن الاختلاف الموضوعي لنتائج تجربة ميكلسون، لا يدع مجالاً للشك في سخف الرأي الذي يؤكد أن تخلي العلماء عن نظرية الأثير، وفقا لنتائج تجربة " ميكلسون – مورلي " هو الذي أدي إلي ظهور نظرية النسبية . فالمشكلة بالنسبة لميكلسون ليست نفي أو تأكيد الأثير الذي ترتكز عليه نظرية البصريات النيوتونية، بل توكيد نسخة معينة من برنامج الأثير .

لقد ذهب ميكلسون في أحد كتاباته " إلي أن يصف تجربته بأنها فاشلة، وأن النتائج الصفرية أو التي تأكد تقترب من الصفر لتلك التجربة مناقضة لكل التوقعات، ولعل هذا الرأي لميكلسون، هو الذي أضعف موقف الوضعيين، وجعلهم يعتبرون أن تجربة ميكلسون قد أدت إلي الفشل في إدراك الأثير الذي هو خطوة ضرورية للنسبية، ولكن عبارة ميكلسون تعبر عن موقف إشكالي، أكثر من كونه موقفاً باتاً وقطعياً في صالح نظرية ضد أخري . وأية ذلك – أن أينشتين نفسه فكر، أي تأثير لتجربة ميكلسون عليه . بناء عليه، فإن لاكاتوش ينتهي إلي حقيقة أن  التجارب الحاسمة هي اختراع سيكولوجي بعدي، من ابتكار أصحاب العقلانية الفورية .

وهناك تجارب أخري علي غرار تجربة ميكلسون - مورلي، يشرحها لاكاتوش بتفصيل دقيق، ليثبت أنها  لم تؤخذ علي أنها تجارب حاسمة، إلا بعد عقود من إجرائها، منها تجارب العالمين الألمانيين " أوتو لومر Otto lummer " و " إرنست برنجشايم Ernst Pringsheim " التي فندت بصورة دامغة النظرية الكلاسيكية للإشعاع وأدت إلي نظرية الكم (88) ؛ وتجربة "بيتا " التي ظن كثير من العلماء أنه سيصل بها الأمر إلي أن تقف ضد قوانين البقاء والحفاظ، لكنها في الحقيقة انتهت إلي كونها أكبر دليل دامغ لانتصارها .

ومن جهة أخري لقد أثار رأي لاكاتوش في التجارب الحاسمة حفيظة كثير من فلاسفة العلم وعلي رأسهم " أدولف جرونباوم A. Grunbaum"، فهو علي الرغم من كونه فيلسوفا غير تكذيبي، فإنه شعر بوطأة نفي نمو العلم بواسطة التكذيب الصريح والمباشر، مما جعله يقول عن موقف لاكاتوش بخصوص التجارب الحاسمة  إنه " سيؤدي إلي نفي امبريقية المعرفة العلمية، خصوصا وأن لاكاتوش فيلسوف غير توكيدي " . لقد بين لاكاتوش أنه لا يرفض التكذيب كمفهوم منطقي، ولكنه يرفضه كمفهوم مفسر لنمو المعرفة العلمية . إن التكذيب المنطقي للمعرفة العلمية يتم عبر تاريخ طويل لبرنامج البحث، وتلعب فيه التجارب الدرامية دوراً كبيراً دون أن تكون تجارباً حاسمة، ولهذا فإن لاكاتوش يضع مفهوماً للتكذيب التاريخي للنظريات العلمية، وهذا المفهوم هو مفهوم " التأكل الاحتكاكي Attrition " للنظريات العلمية .

والمقصود بالتأكل الاحتكاكي للنظريات العلمية أثناء تطور المعرفة العلمية هو نمو العلم من خلال الصراع الحاد والعنيف، وكذا الحوار والنقاش بين مختلف النظريات العلمية . ولعل هذا التأكل الاحتكاكي للنظريات العلمية يشابه من وجوه كثيرة الأنموذج الذي قدمه لاكاتوش لتطور الرياضيات، من خلال تقديم الفروض، ثم نقدها ومحاولة تفنيدها، ثم الدفاع عنها باستخراج الفروض المستترة منها، وتوجيه سهام التكذيب إلي تلك الفروض المستترة أو الحالات المعاكسة المحلية، وإذا كان هذا الرأي صحيحاً، فهو من ثم متسق مع القول بأن لاكاتوش لا يفهم الإنجاز النيوتوني، إلا من خلال فهمه للتطور الكشفي للمعرفة الرياضية لمفهوم التأكل الاحتكاكي – الذي لم يجد للأسف الشديد عناية فكرية من قبل لاكاتوش أو حتي من قبل تلاميذه – هو المعادل الكشفي للمنطق الجدلي والكشفي لشروط تطور المعرفة الرياضية، ولذلك يقول لاكاتوش :" إنه حين يري التكذيبيون تجارب سلبية حاسمة، أري أنا وأتنبأ خلف أية مبارزة ضارية بين النظرية والتجربة بـ : " حرب معقدة بين برنامجي بحث متنافسين بواسطة التأكل

"in the war of attrition between two Programmes  " .

وهنا يستبدل  لاكاتوش مفهوم التجربة المعيارية  الفورية الحاسمة بين النظريات العلمية أو برامج الأبحاث، بمفهوم التأكل الاحتكاكي الذي يؤكد تاريخية نمو المعرفة العلمية، وتشبث العلماء بقضاياهم، هذا بالإضافة إلي تأكيده صعوبة التكذيب السريع لقضايا المعرفة العلمية، وذلك دون أن يذكر استبعاد العلم لبرامج الأبحاث ومن ثم للقضايا والنظريات العلمية، فقبول برنامج بحث معين ليس نتيجة للتكذيب الفوري لمنافسه أو التوكيد الفوري لنواته الصلبة، بل هو " نتيجة تاريخية يتخذها العلماء، بعد فترة طويلة من دراسة المعطيات المتاحة من بينات تجريبية وقوي تفسيرية للبرنامج .. الخ .

نخلص مما سبق أن لاكاتوش ينكر وجود التجارب الحاسمة، كحقيقة فعلية في مسيرة تقدم المعرفة العلمية , وهو حين يقبل التجارب الحاسمة، فهو يقبلها فقط كحقيقة استردادية زائفة – مثلها مثل الوقائع الإستردادية للأساطير – تطرحها المنهجيات الاستقرائية والتكذيبية بطريقة ايديولوجية، من خلال تدعيم منطقهما الكشفي، وبالتالي فهو  كما يري بعض الباحثين يرفض اعتبار التجارب الحاسمة كبناء عقلي قويم للمعرفة العلمية . وعلي هذا، يمكننا النظر إلي عمل لاكاتوش  كإعادة بناء كشفية في مقابل إعادة البناء التي قدمتها كل من الاستقرائية والتكذيبية للتجارب الحاسمة .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

 

المجوسية دين قديم، نشأ في بلاد فارس قبل حوالي 3000 سنة، هذه العقيدة هي في الاصل خليط من عقائد فيدية هندية موغلة في القدم، منها تناسخ الارواح ومعتقدات غريبة اخرى.

 والمجوس يعبدون النار ويقيمون لها المهرجانات كل عام، ويؤمنون بوجود إلهين في الكون، احدهما إله الخير والاخر إله الشر، لهذا يعدًون من المشركين بالله تعالى.

والمجوسية تزعم ان عقيدتها هي مصدر الديانات، وقد تفرعت منها كل من: المانوية والمزدكية والزرادشتية.

واحد هذه المهرجانات التي كان المجوس يحتفلون بها كل عام في بغداد زمن العباسيين هو عيد نوروز. فكانوا يمارسونها طبقا لتقاليدهم الموروثة، حيث كانوا يخرجون الى الغابات والبساتين المحيطة بمدينة بغداد قبل حلول العيد بايام، يجمعون منها الاحطاب ليشكلوا منها اهرامات خشبية عالية، يشعلونها ساعة غروب الشمس يوم العيد، فتحوًل المكان من شدة حراراتها الى جهنم.

 وامام هذا المشهد الساطع الوهاج والجو الساخن الذي لا يطاق، يبدأ جماعات المجوس بملابسهم الزاهية البراقة بالرقص حول كتل النار المضطرمة فرحين مبتهجين، يصخبون بالغناء بالعبارات التالية:

 قد قابلتنا الكؤوس * * * ودابرتنا النحوس 

 واليوم هرمزدا روز *  * قد عظمته المجوس

فالنار معبودة في دين المجوس ! هكذا يقضي الاتباع ساعات ليلهم منهمكين في ممارسة طقوسهم العبادية. هذا ما يذكره المؤرخ شوقي ضيف في العصر العباسي الاول.

أما في سياق العقيدة، يروي المفكر هادي العلوي في (شخصيات غير قلقلة في الاسلام) بان شاعرنا بشار بن برد، الذي كان يُعد من الزنادقة المجوس في بغداد زمن العباسيين والذي قُتل بسبب هذه العقيدة رجما من قبل الخليفة المهدي، كان يخاطب المسلمين العرب بالابيات الاربعة التالية:

ابليس اشرف من ابيكم آدم * * * فتنبهوا يا معشر الفجار

ابليس من نار وآدم من طينة *  * والارض لا تسمو سمو النار 

الارض مظلمة والنار مشرقة * * والنار معبودة مذ كانت النار

النار عنصره وادم طينه * * ** والطين لا يسمو سمو النار

لكن العقيدة الزرادشتية تختلف اختلافا جوهريا عن الدين المجوسي، كونها تعتبر لدى بعض المؤرخين احدى الرسالات السماوية، حتى تمادوا في مغالاتهم فجعلوا من الداعي زرادشت نبيا. وان العقيدة التي جاء بها، موغلة في القدم، كان قد اسسها حوالي القرن السابع قبل الميلاد. وكتابه المقدس (الأفستا) ومعناها ( التفسير). يحوي الثوابت الاساسية الثلاث في هذه العقيدة وهي :

 ( الفكر الصالح، و العمل الصالح، و القول الصالح ).

والزرادشتيون يعتقدون ان – اهورا مزدا – (الاله العاقل) هو اكبر الالهة. تعاونه ستة آلهة تعبر عن بعض المعاني المجردة مثل الاستقامة والتقوى والاخلاص والخلود.

وصلب دينهم يتشكل من الهين هما – سيتامانيو – إله الخير، ويرمز له بالنور،  و- انجرامانيو – إله الشر ويرمز له بالظلمة.

ومن يمشي في خطى اله الخير يذهب الى الجنة، لكن من يختار اله الشر فسوف ترمى جثته بعد موته في حريق هائل. يحدث كل ذلك بعد فناء الأرض. هذا ما جاء في كتاب (الحضارة الساسانية حضارة عالمية) لموسى مخول.

 فالعقيدة الزرادشتية في اساسها ضرب من الاصلاح الروحي والاجتماعي لشعب بلاد فارس ترمي الى تنمية الحصاد والرفق بالحيوانات الأليفة ما يؤدي الى توفير الغذاء.

ولم يكن للزرادشتية معابد خاصة بل مجرد مصليات، ثم ظهرت بالتدريج بعض الطقوس. ولرب الالهة اهورامزدا، منافس آخر، هو الاله أهريمان، والنضال بينهما يلخص الفلسفة الزرادشتية ويبين الوعد والوعيد.

فتاريخ العالم في ماضيه وحاضره ومستقبله ينقسم الى اربع فترات متساوية، كل فترة منها 3000 سنة. في الفترة الاولى لا وجود للمادة وتسبق الثانية ظهور زرادشت وفي الثالثة تنتشر عقيدته – وطوال هذه الفترات الثلاث يستمر النضال بين الخير والشر – ويعين اهورامزدا الاخيار من البشر، في حين يقف اهريمان الى جانب الاشرار – ويعبر المرء بعد موته جسر الفصل الذي يمتد فوق جهنم فيضيق بالعاصي حتى يسقط. ويتسع للطائعين، كي يدخلوا الى عالم النور - - - وفي الفترة الرابعة يظهر مخلّص اسمه ساوشيانت يبعث الحياة في الموتى من جديد، ويرسل الصالحين منهم الى جنات النعيم ويرسل الاشرار الى جهنم، حيث العذاب الاليم، ثم يسود الخير الى الابد.

 ويقدس اتباع زرادشت النار، فهي في نظرهم رمز النقاء والصفاء لكنهم لا يعبدونها، بل جعلوها شعارا في مناسباتهم الدينية. ومن صفاتهم انهم بحرصون على التدقيق الزائد في وسائل التطهير.

 قرأت حديثا كتاب (هكذا تكلم زرادشت) للفيلسوف الالماني نيتشة، فعلمت انه كان يعظم تعاليم زرادشت القيمة وافكاره الاصلاحية النيًرة التي ابتكرها لبني جنسه لكي يتفاعل مع عصره، وهي اصلاحات روحية تهذيبية، تحررهم من عاداتهم الاجتماعية البالية و معتقداتهم الغيبية الضالة.

 وعندما دخل الاسلام بلاد فارس في منتصف القرن السابع الميلادي حارب اتباع زرادشت. لكن الجدير بالاهتمام ان الخلفاء عمر والامام علي كانا يقبلان الجزية منهم، فقد اعتبراهم من اهل الكتاب، بينما المجوسي لم تقبل منه الجزية لانه كان مشركا. 

وقد ادى الاضطهاد الديني والسياسي بالزرادشتيين في بداية الامر وفي مراحل تاريخية متلاحقة الى ترك موطنهم الارومة والهجرة الى الهند، فاستقروا هناك وكثروا بمرور الزمن فاصبحوا يلقبون ب (البارسيين).

اما الزرادشتيين الذي بقوا في ايران وتكيفوا مع الظروف الصعبة، عاشوا ولا يزالون يعيشون دون مضايقة تذكر، وان مركز عبادتهم هي مدينة يزد، ففيها معبدهم الكبير، وعندما قامت ثورة أية الله الخميني عام 1979 وانشأت جمهورية ايران الاسلامية، لم تتعرض الزرادشتية بأذى.

والجدير بالذكر انه خلال عملي في جامعة طهران في تسعينيات القرن الماضي، علمت عن طريق بعض الزملاء، بان شخص الزرادشتي والذي يدعى عندهم (زردشتي) يحظى بالاحترام اللائق من قبل المجتمع، فقد اصبح سلوكه العام المتصف بالخلق القويم مضرب الامثال.

لم يبقى لشعلة النار (المقدسة) سلطانها الروحي مقتصرا على اتباع المجوس ومعتنقي الزرادشتية في إطارها الديني فحسب انما اصبحت لدى الطبقات المثقفة والمتحمسة لقوميتها الفارسية، رمزا لمجد حضارتهم الساسانية ونظامها الكسروي العتيد، فلا عجب لو شاهدت انهم يتوًجون مناسبات افراحهم واعيادهم و حفلات اعراسهم الفخمة بمشاعل النار الوهاجة، تزين موائد العشاء وتبقى مشتعلة طوال ساعات الليل.  

 

د. رضا العطار

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا في مقالنا الرابع عن التجارب الحاسمة ودورها في تطور النظريات العلمية، حيث نتحدث عن موقف بيير دوهيم من التجارب الحاسمة، وفي نقول: شهد القرن العشرين في فلسفة العلم ظهور مجموعة من الفلاسفة والعلماء أطلق عليهم دعاة المذهب "الأداتي - الاصطلاحي"، فقد نظروا إلى القوانين والنظريات والأنساق العلمية بوصفها أدوات أو اصطلاحات للربط بين الظواهر والتنبؤ بها والسيطرة عليها، توصف بالصلاحية أو عدم الصلاحية، وليست تعميمات استقرائية أو قضايا إخبارية ذات محتوى معرفي عن العالم التجريبي لتوصف بالصدق أو الكذب . فتقاس قيمة النظرية العلمية بقدرها على أداء وظائف العلم، وليس بقدرتها على التعبير عن الواقع بصدق .

بمعني أن القوانين العلمية والنظريات والأنساق العلمية ليس صورة عقلية طبق الأصل من الطبيعة، بل الأمر فى مجملة أشبه بصياد رمى بشبكة فى بقعة ما من البحر يريد صيداً، فهل ما تخرج به الشبكة يعبر عن حقيقة ما يوجد فى أعماق البحر، أم أن ذلك يتوقف على المكان الذى اختاره الصياد للصيد ونوع الشباك واتساع فتحاتها وغير ذلك، ولو تغير أحد هذه الأشياء لتغير لذلك الصيد كما وكيفا . وهكذا فمفاهيم وقوانين العلم عندهم كشبكة الصياد، أى اصطلاحات متعارف على معانيها بين العلماء، إنها مجرد وسائل مفيدة لفهم الطبيعة . فإذا صادفنا ما هو أفضل منها "وظيفياً" بادرانا بالتخلص منها كأي شئ استهلاكي عادي. بيد أن هذا لا يعنى أن قوانين الطبيعة هى قرارات عشوائية يتفق عليها العلماء اليوم ليختلفوا غداً . بل لها بالتأكيد مضمون واقعي .

كما أصر الأداتيون – الاصطلاحيون على أنه لا يمكن اعتبار القانون العلمى مشتقا من الاختبارات التجريبية، لأن القانون عام والتجربة جزيئه، والقانون محدد بدقة والتجربة تقريبية تحتوى على كثير من التعقيدات يستبعدها القانون . والتجربة منتهية والقانون قابل دائما للتطور والتقدم . فكيف تكون النظرية العلمية نتاجا للواقع التجريبي؟! إنها نتاج العقلية العلمية المبدعة وتكشف عن عمليات منطقية أكثر مما تكشف عن وقائع تجريبية . فقد تتكيف النظرية وفقا لمقتضيات التجربة التى لا تمثل أكثر من مرشد، فدورها استشاري فقط لتحديد أنسب الفروض العلمية والأكثر ملاءمة، أى الأدق فى التنبؤ والأوسع فى العمومية، من دون الزعم أن القانون حقيقة متمثلة فى الواقع التجريبي.

وقد جاء بيير دوهيم ليسحب التفسير الأداتي - الاصطلاحي على العلم بأسره، وذلك فى كتابه " هدف وبنية النظرية الفيزيائية " رأى أن النظرية العلمية تمدنا بنظام صوري عام لضم عدد كبير من القوانين الجزئية وهى بهذا بنية من كيانات مجردة، ليست وصفا ولا تفسيرا لوقائع العالم التجريبى، بل هى مجرد أدوات اصطلحنا عليها للتنبؤ، صيغت لتكون أكفأ وتنبؤاتها أدق، كل ما يبدو وصفا هو مجرد تعيين لعلاقات تجعل التنبؤ أسهل وأدق .أما التفسير فليس له قيمة ولا دور، مهمة العلم تنحصر فى تحديد العلاقات بين الظواهر .

كما يعتقد دوهيم إضافة لما سبق أن الفكرة الاصطلاحية في العلم قد أتت من تحليله لاستحالة التأييد العلمي . وهذا بالطبع، هو ما جعله يفكر في كون هذا الفرض صادقاً أو كاذباً . والسبب هو أن العالم منشغل – وبحرية في أن يغير أي الفروض الماثلة في مقدمات النظرية وهنا يأتي اصطلاح الفرض أي أن عملية الصدق والكذب ليست واردة هنا وبناء علية فإن دوهيم قال أن التجربة الحاسمة تبدو مستحيلة في الفيزياء .

A " Crucial Experiment " Is Impossible in Physics

وقد برهن علي ذلك من خلال عدة توجهات:

التوجه الأول: ويتمثل في التحفظات الخاصة بالتجربة الحاسمة التي أجرها فوكولت عام 1850 والتي حسم بها النظريتين الجسيمية والموجية، حيث تبين له أن سرعة الضوء أقل سرعة في الماء عنها في الهواء ومن ثم تأيدت النظرية الموجية وأهملت الجسيمية لم تكن تجربة حاسمة بالمعني الدقيق وإنما كانت إجراء فوري وهذا الإجراء لم يثبت علي طول الخط، فقد جاء العالم الألماني " ماكس بلانك Max Plank " ( 1858 – 1947 ) ليعلن أن النظرية الجسيمية للضوء لم تكن بالنظرية الفاشلة في تاريخ العلم، فلقد أثبت بلانك أن الضوء يتآلف من جسيميات هي الفوتونات وهذه الفوتونات تتكون من طبيعة جسيمية لا موجية . لقد اكتشف بلانك أن الفوتون يسافر عبر الخلاء في خطوط مستقيمة إستدل علي ذلك بتجربة بسيطة: حين يمر إشعاع في غاز ما فإن عدداً قليلاً من جزيئات هذا الغاز تتبعثر بينما لا يتأثر عدد كبير من الجزيئات بمرور الإشعاع: فإذا كان الإشعاع مؤلفاً من موجات تسير عبر الأثير كنا نري كل جزيئات الغاز تبعثرت، ومن ثم أيد بلانك نظرية نيوتن في النظرية الجسيمية في الضوء . وكان " أينشتين " متابعاٌ لنتائج أبحاث بلانك في " الفوتونات Photon "، فقد أعلن سنة 1905 أن الإشعاع يتألف من وحدات جسيمية منفصل بعضها عن بعض وهذه الوحدات تسمي بالفوتونات .

وهنا يعقب دوهيم بأنه إذا كان نيوتن قد قال أن الذرات والضوء من طبيعة جسيمية، وإذا كان هويجنز قد قال أن الذرات والضوء من طبيعة موجية . وظل الخلاف حاسماٌ حتي جاء فوكولت بالتجربة الحاسمة في صف النظرية مؤيداُ لهويجنز . لكن لما جاء القرن العشرون عاد بلانك وأيده ألبرت أينشتين إلي النظرية الجسيمية للضوء، وظل الأمر كذلك حتي جاء العالم الفرنسي " لوي دي بروي Louis de Broglie " المولود عام 1892 , والعالم النمساوي " إيرفين شرودنجر Erwin Schrodinger " ( 1887 – 1961 ) وعاد إلى النظرية الموجية للضوء والمادة وعاد الخلاف الحاسم بين النظريتين من جديد . لكن الأمر الآن استقر علي موقف تبناه العالم الألماني " فيرنر هيزنبرج V.Heisenberg " والعالم " بورن Born " ، وهو أن الذرة والضوء يمكن أن يفسرا بالتصور الموجي والجسيمي معاً – لكن ليس في لحظة واحدة، المادة والضوء يفسران تفسيراً جسيمياٌ في السرعات المحدودة لحركة المادة، ويفسران تفسيراُ موجياٌ حين تصل سرعة المادة إلي سرعة الضوء .

وأخيرا يختم دوهيم حديثه بأنه لا توجد ثمة تجربة حاسمة حقيقية في علم الفيزياء، قد تكون هناك تجارب حاسمة في علوم أخري مثل علم الفسيولوجيا، أما في الفيزياء فإن التجربة الحاسمة تكون مستحيلة . ذلك لأن – أي التجربة بدلاً من ذلك تبدو رحبة بحيث تقبل الأنساق النظرية   (فروض ونظريات) لنفس الظاهرة موضع التساؤل . فإذا كنا قد ركزنا اهتمامنا علي فرضين بصدد الضوء، فإن هذا ليس معناه أنه إذا وجد أكثر من ذلك فتكون غير مقبولة، بل علي العكس فإن الاصطلاحية تعلمنا كيف يمكننا طرح أكثر من فرضين متباينين ليغطي ذات الظاهرة، وليس لنا الحق في الحكم علي أحد من هذه الفروض بأنه هو الصادق دون الآخر طالما أن التجربة المرنة قد رحبت وأقرته باعتبارها مرشدا فقط .

التوجه الثاني: ويتمثل في التحفظات التي أبداها دوهيم في مسالة الفروض المساعدة، حيث طرح دوهيم هذا السؤال: ماذا نفعل عندما تتمثل أمامنا صعوبة تحول دون إتمام الاختبار الحاسم ؟ هل يتطلب الأمر دخول فروض جديدة تحل هذه الصعوبة أو تلك ؟ وإذا كان ذلك كذلك فما هي الفروض الجديدة، هل هي فروض مساعدة تخل بمعيار التكذيب وتبطل التجربة الحاسمة؟

يري دوهيم أن الفيزيائي حين يقوم بإجراء تجاربه لا بد له أن يخضع في عملية التجريب لقاعدة الفروض المتعددة Multiple hypotheses، أي أن العالم لا بد أن يضع أكبر عدد من الفروض، تظل كلها مائلة أمام الذهن أثناء التجربة، ونتائج التجربة وحدها هي التي تقرر الفرض في النهاية، علي حين تكذب نتائج التجربة الفروض الأخري، ومن ثم نستبعدها ويتضح لنا هذا المعني من نص " دوهيم " القائل: " إن الفيزيائي لا يمكنه أن يخضع فرضاً واحداً بمفرده للاختيار التجريبي، بل مجموعة كاملة من الفروض "، وهذا يعني أن التجارب الفيزيائية هي ملاحظة للظواهر مصحوبة بتأويل لها في ضوء النسق المعمول به، لذلك فإن الفيزيائي لا يخضع فرضاً منفرداً للتجريب، بل مجموعة فروض معا.

ومن ناحية أخري يري دوهيم أنه عندما تكون التجربة علي عدم وفاق مع تنبؤاتهم أو نتائج النظرية تخبرنا بأنه علي الأقل، واحداً من هذه الفروض المؤلفة لهذه المجموعة خطأ أو تحتاج إلي تعديل، ولكنها – وهذه هي المشكلة لا تخبرهم بالفرض تحديدا الذي هو موضع الخطأ الذي يجب تغييره ... ويستطرد دوهيم قائلاً " كلا، الفيزياء لم تكن ألة تضع نفسها في فوضي وتفكك... الفيزياء يجب أن تكون كائنا عضويا قائماً، في قطعة واحدة يستحيل أي عضوا في هذا الكائن أن يقوم بوظيفة دون الإجراءات الأخري، وبالتالي فإن ثوب أي نظرية فيزيائية يشكل كلاً غير قابل للتجزئة ... كما أنه لو افترضنا أن تأييداً تجريبياً لتنبؤ أو نتيجة من نتائج هذه النظرية أو تلك، فإن هذا الـتأييد لهذا التنبؤ أو ذلك لا يكون البتة برهاناً حاسماً للنظرية ... ولا يكون ذلك بمثابة تأكيد علي أن النتائج الأخري لهذه النظرية غير متناقضة عن طريق التجربة، وعندما يقول دوهيم أن ثوب النظرية كل متكامل، فهذا معناه أنه لم يكن ممكناً أن تخضع أجزاء النظرية علي انفصال لاختبار التجربة، ومن ثم نبعد التحقيق التجريبي المهلهل عن اختبار النظرية، وبالتالي لا يمكن أن يعد الدليل التجريبي في حد ذاته تكذيبا حاسما للفرض، وليس هناك تجربة حاسمة بصورة قاطعة .

خلاصة القول فإنه في هذا التوجه يتمسك دوهيم بضرورة أن تكون جميع فروض النظرية ماثلة أمام الذهن (وهو ما كان بفعله العلماء قبله) حين يقوم العالم بإجراء عملية حذف أو إسقاط بعض الفروض . بيد أن حذف فرض ما يعني الانتقال من هذا الفرض إلي الآخر، إلي أن يتم حذفها جميعاً . وهذا إن أدي إلي شئ، فإنما يؤدي إلي فشل التجارب تماماً، ومن ثم لا ننتهي إلي نتيجة ما في حينها , بل الأمر يتطلب تمثل الفروض جميعاً أمام الذهن مما يتيح لهذا العالم الفرصة في الكشف عن تفسير الظاهرة موضع التساؤل .

التوجه الثالث: ويتمثل في التحفظات التي أبدها دوهيم في مسالة صدق وكذب النظريات العلمية، حيث يتساءل: كيف نبني النظرية العلمية ؟

وهنا يري دوهيم أن النظرية العلمية تتآلف من نسق من القضايا الرياضية المستنبطة من عدد قليل من المبادئ التي تفضي بنا في النهاية إلي مجموعة من القوانين التجريبية ومن ثم فإنه يميز لنا أربع خطوات تتركب بمقتضاها النظرية العلمية: -

- انتخاب الخصائص الفيزيائية التي نجد أنها تمثل مجموعة المبادئ البسيطة، التي تتحكم في اختيار ما يليها من مبادئ . وعن طريق " القياس measurement يمكن أن نرمز لهذه المبادئ برموز رياضية Mathematical Symbols ليست بينها وبين الخصائص الفيزيائية (علاقات داخلية) Internal Relation، بل تستخدم كدلالات .

- إيجاد عملية الربط بين مجموعة في قليل من القضايا، التي نستخدمها كمادئ أساسية في استنباطتنا، وهذه المبادئ لا تمثل بدورها علاقات حقيقية بين الخصائص الأساسية للأجسام، بل أننا نتفق أولياُ علي صحتها، والاتفاق المنطقي يحكمها، وهذه المبادئ هي ما يسميه " دوهيم " بالفروض .

- التأليف بين هذه الفروض، وفق قواعد التحليل الرياضيMathematical Analysis  وهنا يتدخل المنطق والرياضيات، وتصبح عملياتها الأساسية هي التي يسير وفقاً للتحليل الرياضي .

والنتائج التي نستخلصها من الفروض يتم ترجمتها إلي قضايا، تعبر عن الخصائص الفيزيائية للأجسام . وعن طريق مقارنتها بالنتائج التي نحصل عليها من التجربة، يمكن لنا أن نتبين ما إذا كانت صادقة - إذا ما جاءت مطابقة للنظرية – أو كاذبة – إذا لم تتفق معها .

من خلال هذه الخطوات التي يحددها دوهيم، نجد أن الفرصة الحقيقية تقدم لنا بطريقة مقنعة، مجموعة من القوانين التجريبية . والاتفاق مع التجربة يعد بمثابة " المعيار الوحيد " Sole Criterion للصدق بالنسبة للنظرية .

لكن إذا افترضنا أن هدف العلماء يكمن في الاكتشاف في ضوء الوقائع المطردة في الجزء الملاحظ من العالم، فإن هذا يحتاج بالطبع إلي التجريب ... بيد أن هذه الاطرادات كثيراً ما نجدها معقدة، وهذا ما يجعل التصميم التجريبي في غاية الصعوبة والغموض . وهنا تأتي الحاجة إلي بناء نظريات ترشد البحث التجريبي . فالمعرفة مفترضة، فيما يري دوهيم، بحيث تكون الملاحظة العلمية نظرية محملة Theory Loaded – مثل القياسات، وقرارات الخبرة في أو لفهم الشئ علي العكس من الفكرة المطروحة عند التجريبية المنطقية وغيرها التي تؤكد علي أن الملاحظة – بدلاُ من ذلك – تبدو كافية للبرهان علي صدق أو كذب النظرية – أو بعبارة أخري، حل لمشكلة وليس إثارة . لكن المطلوب منها أن تكون السبب لمشكلات لا لحلولها . ومن منطلق أن نظرياتنا العلمية يستحيل أن نبرهن عليها بكونها صادقة أو كاذبة، ذلك لأنها غير مستنبطة من النتائج التجريبية . من هذا المنطق فإنه من غير الممكن أن يكون هناك تجربة تحكم علي الفرض من فروض النظرية أو النتائج منفصلاً ... والسبب أنه من الصعوبة بمكان أن نجد فرضاٌ بذاته يمتلك حيثياته من نتائج تجريبية ... فإذا رمزنا إلي فرض نظري بصدد نظرية بـ "ك" فإنه من غير الممكن أن يكون هذا الفرض أو ذاك قابلاً للتكذيب – مثلاً، وذلك عن طريق فصله عن كل الفروض الأخرى للنظرية بغرض اختياره ... الفروض النظرية ينبغي ألا تكون منفصلة لغرض الاختيار .

هذه أهم التوجهات والدواعي والتي جعلت دوهيم يصر علي أن التجربة الحاسمة مستحيلة في الفيزياء، ولا شك أن هذا الموقف قد كانت له ردود فعل واسعة النطاق، من قبل كثير من فلاسفة العلم، لنذكر منهم، موقف كارل بوبر، حيث رفض فكرة تجنب التفنيدات التجريبية والتملص من التكذيب، وذلك بأن نضيف للنظرية فروضاً مساعدة تتلافي في ضوئها مواطن الكذب أو بأن ننكر التجارب المفندة، وفي هذا يقول :" أما بالنسبة للفروض المساعدة، فإننا نقترح أن نضع القاعدة القائلة: إننا نقبل الفروض المساعدة التي لا يكون إدخالها مفضياً إلي تقليل درجة قابلية التكذيب، أو قابلية اختبار النسق موضع التساؤل، وإنما علي العكس من ذلك نقبل الفروض المساعدة التي تزيد من قابلية التكذيب أو قابلية الاختبار ... وإذا زادت درجة قابلية التكذيب، فقد أثر إدخال الفروض في النظرية فعلاً . لقد كان النسق الآن محكماً أكثر مما كان، ويمكن أن نوضح ذلك كما يلي: إن إدخال فرض مساعد يجب وأن ينظر إليه دائماً علي أنه محاولة لبناء نسق جديد، وهذا النسق يجب الحكم عليه دائماً في ضوء الاتجاه بأنه يؤلف تقدماً حقيقياً في معرفتنا عن العالم ".

وفي موضع آخر يصب جام غضبه علي المذهب الاصطلاحي ورواده بما فيهم دوهيم، فيقول " لقد أدرك كل من بوانكارية ودوهيم استحالة تصور نظريات علم الطبيعة علي أنها قضايا استقرائية . وقد تحقق لهما أن المشاهدات القياسية التي قيل أن التعميمات تبدأ منها، هي علي العكس من ذلك، تأويلات في ضوء نظريات .. ومن ثم فالنظرية العلمية لا تحوي معرفة صادقة أو كاذبة، فهي ليست إلا أدوات لنا أن نقول عنها فقط إنها ملائمة أو غير ملائمة، مقتصدة أو غير مقتصدة، مرنة، دقيقة أو جامدة، لذلك نجد دوهيم يقول انه لا توجد أسباب منطقية تمنعنا من أن نقبل في وقت واحد نظريتين متناقضتين أو أكثر ... وعلي الرغم من أنني أوافقهما علي ذلك، إلا أنني أختلف معهما عندما اعتقدا باستحالة وضع الأنساق النظرية موضع الاختبار التجريبي، فلا بد أن تكون قابلة للاختبار – أي قابلة للتفنيد من حيث المبدأ وليست أدوات.

ومن ناحية أخري يؤكد بوبر في كتابه براهين وتفنيدات أنه:" إذا كان فرنسيس بيكون قد أعتقد أن التجربة الحاسمة يمكن أن تؤسس أو تثبت النظرية، أما نحن فنقول بأنها يمكن أن تفند أو تكذب النظرية ثم يعلق بوبر بأن " دوهيم في نقده المشهور للتجارب الحاسمة نجح في توضيح أن التجارب الحاسمة لا يمكن بحال أن تؤسس النظرية، ومن ثم فقد أخفق في توضيح أنها لا يمكن أن ترفض النظرية" .

ومن جانب آخر، يري "وارتوفسكي أن التجارب الحاسمة في رأي "دوهيم " ليست ممكنة، وهذا ما جعل "دوهيم" يشبه الفيزيائي النظري بالطبيب بدلا من صانع الساعات .

إلا أن فليب كواين يفند دعوي "بوبر" في ثلاثة أدلة متصلة توضح فساد رأيه في نقد "دوهيم". فالحجة الأساسية التي يستند إليها "دوهيم " تقوم علي أن التجربة الحاسمة لم توضع لتحقيق فرض نظري واحد، بل لاختبار مجموعة من الفروض، هذا من جهة . كما أن "دوهيم " كان معنيا في المقام الأول بتوضيح أنه لا يمكن أن نبطل فرضاً نظرياً واحدا عن طريق الملاحظات هذا من الجهة الثانية . وأخيرا فإن "دوهيم " اهتم في الجزء الثاني من كتابه هدف وبنية النظرية الفيزيائية ببيان أنه يمكن عن طريق التجربة إبطال الفروض النظرية، ومن ثم فإن حديث "دوهيم " عن التجارب الحاسمة يعني أنه بالإمكان رفض النظرية والفروض كلها عن طريق التجربة وللحديث بقية!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

الحسين اخدوشقدّم الباحث الفرنسي داني- روبير ديفور (Dany-Robert Dufour) في كتابه حول "الفرد الآتي.. بعد الليبرالية" (L’individu qui vient … après le libéralisme) الصادر عن دار النشر الفرنسية (Denoël) سنة 2011 مجموعة من الانتقادات الوجيهة للمنحى العولمي للاقتصاد السياسي المعاصر، معتبرا الليبرالية الجديدة متطرّفة في تقديسها للسوق وتنصيبه اله جديدا (Dufour: Le Divin marché). والواقع أنّ الطفرة الإنتاجية الصناعية المترتّبة عن التقدّم العلمي والاقتصادي قد اتّجهت ناحية التأثير السلبي في الإنسان والبيئة، من حيث هي دعوة جامحة لاستثارة غرائز الإنسان واستغلال الموارد الطبيعية المحدودة.

أما بالنسبة لاستغلال للطبيعة، فالبيّن أنّ كوكبنا الأرضي لم يعد يستحمل الاستهلاك المفرط، نظرا لمحدودية موارده الطبيعية. وقد ظهر للناس، اليوم، أن إحراز مستوى التنمية الأعلى في الشمال (أمريكا، كندا، أوروبا) بالنسبة لسكان الجنوب (أفريقيا، أسيا، وأمريكا الجنوبية) يتطلّب ستّ أضعاف الموارد الطبيعة الحالية، ممّا من شأنه أن يلحق ضررا فادحا بالأنظمة البيئية كلّها. وهذا ما يجعل مقولة الزيادة في الإنتاج والاستهلاك تصطدم حتما بمحدودية موارد الطبيعة.

الظاهر من ذلك أنّ هناك تعارضا بين متطلبات اقتصاد السوق الحالي (القائم على النمو الدائم) ومحدودية الموارد الطبيعية. إنّ التغاضي عن هذه الحقيقة والاستمرار على نفس النهج الاستهلاكي القائم، حاليا، قد يعجّل بالصدامات والحروب حول المصادر الطبيعية للماء والزراعة ومختلف مصادر الطاقة الطبيعية الأخرى. لذلك، يلزم نقد نمط عيشنا الراهن وتجاوزه إلى نمط رفيق بالبيئة، بحيث يقوم على ترشيد للموارد واستدامتها وتجاوز النزعة الاستهلاكية المعاصرة.

لكن، يظهر من خلال الوقائع أنّ الانتقال من نمط الإنتاج السائد، منذ عقود من التنمية الاقتصادية القائمة على التصنيع والإنتاج المدمّر للبيئة، إلى نمط اقتصاد بديل يحتاج إلى تجاوز نموذج فكر برمّته (النموذج الراهن الموروث عن الحداثة الأنوارية) إلى فلسفة جديدة للحياة تكون قادرة على تجاوز نزعة التحديث القائمة على فكرة السيطرة على الطبيعة. إنّه يلزم تخطّي تلك التصورات الكلاسيكية لعقلانية الأنوار المتواطئة مع نزعة المنفعة الآنية التي تنظر إلى الطبيعة كما لو كانت موضوعا للسيطرة البشرية الدائمة.

هكذا، فقد ثبت للمفكّرين النقديين في أقطار العالم المختلفة (أوروبا، أمريكا، إفريقيا، البرازيل، كندا، أستراليا، أسيا..) بأن منطق الإنتاج المادي الحالي لا يمكنه أن يطول لكونه يصطدم بحقيقة بيئية وطبيعية واضحة، ألا وهي محدودية الموارد البيئية والطبيعية. لذلك، فإنّ تبرير المنافع الخاصة للشركات المتعدّدة الجنسيات، يجب أن تأخذ بعين الاعتبار استدامة الطبيعة وتحقيق العدالة المناخية ومراعاة حقوق الشعوب الضعيفة في موارد طبيعية هشّة ومحدودة.

يتعيّن علينا تغيير منظورنا للطبيعة مرّة أخرى، كما سبق أن فعل المفكرون المحدثون في مطلع العصر الحديث، عندما جدّدوا نظر الإنسان إلى الطبيعة واعتبارها موضوعا وامتدادا قابلا للاستغلال. لكن التغيير المطلوب اليوم، هو تغيير المنظور الحديث السابق نفسه، أو كما قال الفيلسوف الفرنسي ميشيل سير (M. Serres) يجب التحكّم في التحكّم الحديث في الطبيعة لصالح تعديل تصوّرنا لها وفق ما يجعلها دائمة ومستدامة.

تماشيا مع هذه الدعوة، ظهرت منظورات فكرية نقدية جديدة، أخذت على عاتقها الدعوة إلى مراجعة العقلانية الأنوارية المستبدة بالطبيعة، ونقدها وتعرية خلفياتها الإيديولوجية لصالح بناء منظورات مختلفة للتنمية والاقتصاد والتقدم، بحيث تكون أكثر اعتدالا ورأفة بالطبيعة. أُطْلِق على بعض هذه المنظورات الجديد تيارات الجنوسة، والبيئة، والتنمية المستدامة؛ وهي كلّها تيارات نقدية تنهض بنقد الفكر التنموي الاقتصادي الكلاسيكي، وذلك لإبراز حدود العقلانية الحديثة ولجمها ووضع حدود أخلاقية وابيستيمولوجية لها. وبالنسبة لهذه التيارات الجديدة؛ فإنّه لا يمكن تعزيز مكانة الطبيعة ما لم يهذّب العقلانية الأنوارية سواء في ثوبها الاقتصادي، أو في شكلها السياسي الليبرالي.

تقيم هذه التيارات النقدية حججها في رفض العقلانية الحديثة، سواء بالنسبة للسياسة أو الاقتصاد، على أطروحة جديدة تزعم بأنّ الفكر الحديث في شكله العقلاني الموروث عن الأنوار الغربية عبارة عن أداة شرسة للتحكّم في الطبيعة. ولكي يعرّي هذا التوجّه النقدي الجديد تحكّمية العقلانية الحديثة في الاقتصاد السياسي، تمّ تعرية النموذج التنويري للاقتصاد السياسي الذي يهمّه فقط التحكم في الطبيعة لاستغلالها اللامحدود. ولمّا غدا النموذج الحديث للتحكّم مُقَادًا بتصورات إيديولوجية تعتبر مبادئ الطبيعة خارج نطاق سائر الثقافات الإنسانية؛ فقد ترتّب عن تصوره هذا اعتبار أنّه لا يمكن تفسير نظام الطبيعة الفريد إلا من خلال علم ذي صلاحية كونية، ومن ثم مشروعية الدراسة التحكّمية للطبيعة والتعامل معها على أنها موضوع قابل للاستغلال إلى ما لانهاية.

ولأنّ الأيديولوجية الأنوارية الحديثة لا تريد أن تسمح بتفسير العلوم الطبيعية على ضوء الثقافة الاجتماعية التي أنتجتها، فقد زعمت أنّها موضوعية وكونية، حيث تريد أن تتعالى على المنفعة والمصلحة والثقافة التي أنتجتها، بينما الحقيقة هي أنّها تبقى في عمقها وليدة الظروف التاريخية والاجتماعية التي نشأت فيها خلال القرن الثمن والتاسع عشر. ولهذا الأمر، تمّ نقد نزعة الأنوار الحديثة باعتبارها هي المسئولة عن ترسيخ دعائم نظرة تحكّمية للطبيعة والبيئة؛ بالتالي، لا تحمل في نموذجيتها شروط إمكان فهم الطبيعة خارج دائرة الموضوعية، من ثم فهي محكومة بهاجس التحكم فيها واعتبار الإنسان سيدها ومستغلها.

انطلاقا من هذه الاعتبارات، تحاول بعض التيارات النقدية الجديدة، خاصّة منها ذات التوجهات البيئية، إظهار محدودية أديولوجيا العقلانية الحديثة للثقافة والطبيعة. ولقد تمّ تحديد جوهر هذه المشكلة في كون النموذج السياسي للاقتصاد الحديث قائم على نظرة ضيقة للنمو والرفاه الإنساني، حيث أسّس لوهم الاستغلال اللامحدود للثروات الطبيعية من خلال ربط تراكم رأس المال بنمو الثروة الربحية المتأتية من هذا الاستغلال الدائم للموارد الطبيعية. أوقع هذا الوهم بأديولوجيا الأنوار الحديثة للاقتصاد (الليبرالية) في قصور منهجي خطير، عماده اعتبار الطبيعة "قَرْن وَفْرَة"1  من حيث هي مصدر تلبية كل الرغبات اللامحدودة، تماما مثلما يظن الطفل الرضيع في ثدي أمّه طلبا لتلبية رغبته الدائمة في الرضاعة.

هكذا، يلزم من هذا الأمر اعتبار تصوّر العقلانية الحديثة للطبيعة مستوجبا للتفكيك والنقد والتجاوز، وذلك بالنظر إلى حجم الضرر الذي تسبّبت فيه النزعة الليبرالية للاقتصاد للطبيعة والبيئة من استغلال مفرط بداع تسريع نمو الاقتصاد من خلال تشجيع الإنتاج والاستهلاك. وفي سياق هذا النقد، سبق أن نبّه الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر (M. Heidegger)، في إطار الفلسفة المعاصرة، إلى خطورة هذا المنحنى التحكّمي للنزعة التقنية الحديثة، ناظرا إلى ماهية التقنية، في صيغتها الحديثة، كمجرّد وسيلة لإرغام الطبيعة على التطويع والاستجابة الدائمة لسيطرة الإنسان. وتجاوزا لهذا الطابع التحكُّمي للنزعة التقنوية الحديثة والمعاصرة، نبهت المفكّرة المعاصرة ساندرا هاردينغ (Sandra Harding)، بدورها، إلى ضرورة تهذيب فلسفة التنوير الحديثة، وذلك لكي تنحو منحى مفيدا في إرشاد إنتاج المعرفة النافعة لاستدامة الطبيعة.

هكذا، يستشفّ من وجهات النظر النقدية هذه أنّ عقلانية الأنوار الحديثة، التي طالما تغنى بها الليبراليون، قد تشبّعت بنظرة استغلالية مفرطة للطبيعة؛ بينما هي في عمقها متأتّية فقط من تغليب نزعة مادية نفعية للسياسة والاقتصاد لصالح فئات اجتماعية تريد هيمنة لا محدودة وسيادة مطلقة على كلّ شيء في الكوكب الأرضي. كان هذا التوجّه الأيديولوجي في الاقتصاد والسياسة الحديثين بمثابة النزوع الإمبريالي الذي حفّز آلة الاقتصاد الرأسمالي القائم على تشجيع الإنتاج والاستهلاك المطلقين حتى يتحقّق النمو بصفة دائمة. لكن، منظورا كهذا سرعان ما اصطدم بحدوده الطبيعية التي تجد في التغير المناخي الحالي تعبيره الأبرز؛ بالتالي، كان ولابد أن يتم نقده انطلاقا من نتائجه السلبية على الطبيعة والثقافة الإنسانية معا.

 

الحسين أخدوش- كاتب وباحث مغربي.

...............................

* قرن الوفرة «Cornucopia»: انتشر تداوله في الميتولوجيا وفي قصص الأطفال الأوربية؛ وهو قرن أو قرطاس يحتوي على كل ما تشتهي الأنفس من فواكه نضرة وزهور جميلة وحبوب يانعة، ومهما أخذ منه لا ينفذ محتواه أبدا. لذا يقال إن الأم تبدو لوليدها ك"قرن الوفرة" الذي يشبع رغباته بلا حدود.

 

جواد بشارةقال الفيلسوف والعالم الإغريقي العظيم آنكسيماندر :" كل الأشياء تولد من رحم بعضها البعض وتختفي إحداها داخل الأخرى حسب الضرورة، وتخضع لقانون الزمن ونظامه"

فما هو الزمن؟...

هل الزمن واقعي وحقيقي، أي كينونة حقيقية كونية موجودة، أي جزء من المادة، أم وهم مختلق ومفهوم بشري ؟ وما تأثير ذلك على صورة وحقيقة وطبيعة وماهية الكون؟ ما هي المعاني الحقيقية لمفاهيم القبل والبعد، الماضي والحاضر والمستقبل، و الآن وفيما بعد؟

في الأساطير القديمة التي تبنتها الأديان هناك أشخاص يعيشون حالة من الخلود . فهم إما إله للزمن، أو سيد الزمان، أو صاحب الزمان، أو خالق المكان والزمان، والمحيط بماضي وحاضر ومستقبل الوجود، ويعرف كل ما جرى ويجري و سيجري من أحداث، أي هو مستقل عن الزمن وسيده والمتحكم به.

السؤال عن الزمن، الذي يعتقد غالبية البشر أنه بسيط ولا يحتاج للتساؤل والمناقشة، يأتي على رأس قائمة المشاكل والتحديات المهمة التي يواجهها العلم والدين على حد سواء، خاصة عندما نسبر أغوار الأسس الجوهرية للكون ولعملية الخلق الرباني.

جميع الألغاز التي واجهها الفيزيائيون وعلماء الكونيات الكوسمولوجيون، من الانفجار العظيم البغ بانغ إلى معضلة نهاية ومصير الكون، ومن صداع الرؤوس الذي أحدثته الفيزياء الكمومية أو الكوانتية والنسبية الخاصة والعامة الآينشتينية عند العماء والمفكرين والفلاسفة، إلى محاولات توحيد القوى الجوهرية الكونية، وعالم الجسيمات الأولية البدئية، كل ذلك يقودنا نحو طبيعة وماهية وحقيقة الزمن كمعضلة يجب حلها.

اتسم تطور العلم بإزالة الأوهام ورفع الغشاوة عن حقيقة الواقع، واتضح للباحثين والعلماء أن المادة مكونة من الذرات، التي كان يعتقد في السابق أنها غير قابلة للانقسام والتقسيم. وتبين فيما بعد أنها مكونة من مكونات أصغر، مادون ذرية، بروتونات، ونيوترونات وإلكترونات، وإن البروتونات والنيوترونات مكونة من جسيمات أولية أصغر تسمى الكواركات . واتضح أن مفهوم الحركة والتطور هو السمة الغالبة على الكون. وثبت بأن الأرض هي التي تدور حول الشمس وليس العكس كما كان يعتقد القدماء لغاية القرن السابع عشر. وكل شيء يتحرك بالنسبة إلى أشياء أخرى متحركة أيضاً فالأرض تدور حول نفسها وحول الشمس والشمس تدور حول نفسها وحولها تدور كواكب المنظومة الشمسية والنظام الشمسي برمته يدور حول مركز مجرة درب التبانة الذي يتواجد في أحد أطرافها، والمجرة تدور حول نفسها وحول مركز لحشد من المجرات أو السدم وهكذا. وكل ذلك يجري ضمن امتداد زمني لا نعرف له سوى بداية افتراضية تقديرية هي بداية عمر الكون المرئي 13.8 مليار سنة، وإن الزمن هو المفهوم الأكثر حضوراً وتأثيراً في حياتنا اليومية وتجاربنا الحياتية، فكل ما نفكر به ونقوم به ونشعر به يذكرنا بوجود الزمن. فنحن ندرك العالم كدفق من الأوقات المتراكمة التي تبني وتحكم حياتنا. والحال إن كل علماء الفيزياء والفلاسفة يقولون منذ وقت طويل، ومعهم عدد كبير من الناس يعتقد بذلك، أن الزمن ما هو إلا وهم ومروره وهمي، وكل ما نعرفه، الحقيقة، والعدالة، والإلوهية، والقوانين العلمية، كلها تتواجد خارج منظومة الزمن، وهذا الاعتقاد ظل قاسماً مشتركاً للفلسفة والأديان على مدى آلاف السنين. فإله الأديان موجود خارج الزمن وبمعزل عنه، والفلاسفة قالوا بعدم واقعية الزمن منذ أفلاطون، والعديد من العلماء وعلى رأسهم آينشتين علمونا أن الواقع ليس زمنياً INTEMPOREL، أي أبدي خالد. لا بداية له ولا نهاية، وإنه يجب تسامي وهم الزمن إذا أردنا معرفة الواقع والحقيقة. وساد لدى معظم العلماء تقبل فرضية لا واقعية جوهر الزمن، حيث لايمكن للوجود أن يكون حبيساً أو سجيناً لدى الزمن . وإذا أردنا أن نحرر أنفسنا من هذه العقدة لابد أن نحسم الأمر إما بالاعتقاد أن الزمن أمر واقعي وحقيقي أو اعتباره مفهوماً لاواقعيا irréel وغير حقيقي.

الزمن بصيغته البشرية هو مدة بين حركتين أو تغيرين يحدثان تعاقبياً ويقاس بالثواني وأجزائها أو بالدقائق ومافوقها، الساعات والأيام والأسابيع والأشهر والسنين إلى أن نصل إلى السنوات الضوئية. وهذا الزمن وصفه نيوتن بالزمن النسبي أو البشري المعبر عنه بلغة البشر، الذي هو غير الزمن المطلق أو الزمن الكوني الذي يجري بمعزل عما يحدث في المكان النسبي، والمعبر عنه بلغة الرياضيات، وهذا الأخير هو غير المكان المطلق الذي تصوره نيوتن بلا حدود، ثابت لايتغير ولا يتأثر بمحتوياته. فأي الزمنين حقيقي وواقعي وأيهما وهمي متخيل أو مختلق؟

جاء آينشتين وغير رؤيتنا ونظرتنا وفهمنا وإدراكنا للمكان وللزمن واستحدث مفهوم " الزمكان" الديناميكي المتغير والمتحرك والمتأثر بالكتل، حيث يمكن للزمن أن يصبح مكان وبالعكس تحت ظروف معينة. فلو كان الضوء الصادر من الأرض في فترة محددة من التاريخ البشري، يحتاج إلى 1500 سنة ضوئية لكي يصل إلى إحدى النجوم في مجرتنا درب التبانة ولأحد كواكبها المأهول بالحياة الذكية المتطورة، ولو افترضنا أن ذلك الضوء الصادر من الأرض قبل 1500 سنة يحمل صوراً سينمائية عن الحياة الاجتماعية الأرضية لتلك الفترة فسوف يرى سكان الكوكب البعيد عنا حالة الأرض قبل 1500 أي يشاهدون شريطاً سينمائياً واقعياً يعرض ما يجري على الأرض التي يكون قد مر عليها 1500 سنة في حاضرها الحالي، أي يشاهدون وقائع الدعوة المحمدية على سبيل المثال ويمكن أن يسجلوها على أقراص كومبيوترية لحفظها ودراستها. ففي حاضر ذلك الكوكب يوجد ماضي الأرض، وهذا هو المقصود بنسبية الزمن. فلا وجود لنفس الزمن في جميع بقاع الكون. بعض العلماء المعاصرين، وعلى رأسهم لي سمولين، يعتقد بأن الزمن وتدفقه حقيقي وواقعي بامتياز وعلى نحو جوهري في حين أن الآمال والمعتقدات بحقائق أبدية غير خاضعة للزمن ما هي إلا خرافات. فتبني مسلمة أن الزمن يعني الاعتقاد بأن الواقع يتكون فقط مما هو حقيقي وواقعي في كل لحظة، وهذه مسلمة راديكالية تنطوي على إنكار لكل شكل من أشكال الوجود الأبدي أو الحقائق الأبدية والأزلية في كافة المجالات . ويترتب على ذلك أيضاً أن جميع الفرضيات التي تؤسس طريقة عمل الكون في المستوى الأكثر جوهرية، هي فرضيات غير كاملة . فعندما نتقبل فكرة أن الزمن حقيقي وواقعي فذلك يعني أن كل شيء حقيقي في كوننا هو حقيقي فقط في لحظة زمنية معينة، وهي واحدة من بين عدد لامتناهي من اللحظات المتعاقبة. فالماضي كان واقعياً وحقيقياً لكنه لم يعد كذلك و لا نتعاطى معه إلا من خلال آثار عملياته الماضية في الحاضر. والمستقبل غير موجود بعد لكنه مفتوح على كافة الاحتمالات، قد نقوم ببعض التوقعات المحتملة لكننا لايمكن أن نتنبأ بالمستقبل وكيف سيكون وضعه، فهذا الأخير يمكن أن ينتج ظواهر أصيلة وجديدة بمعنى، أن أية معرفة بالماضي لا يمكنها توقع حدوث تلك الظواهر المستقبلية، علاوة على أن قوانين الطبيعة لن تكون أبدية أو لا زمنية، فهي كباقي الموجودات، هي من سمات الحاضر ويمكنها أن تتطور وتتغير في المدة الزمنية. وبالتالي لا وجود لشيء إسمه المصير المكتوب أو القدر المحتوم . فلو أعتقدنا بأن وظيفة ومهمة الفيزياء هي اكتشاف المعادلة الرياضياتية الأبدية التي تقتنص كل لحظة كونية وكل جانب من جوانب الكون، فذلك يعني أننا نعتقد أن الحقيقة عن الكون تقبع في مكان ما خارج الكون، فلو كان الكون هو كل ما يوجد، فكيف يمكن لما يصفه ألا يكون جزءاً منه؟ ولكن لو تقبلنا مسلمة أن واقع وحقيقة الزمن بديهية، عندها سوف نتقبل إمكانية عدم وجود مثل تلك المعادلة الإعجازية الشاملة اللازمنية، الكاملة التي تحيط بكل جوانب وملامح ومظاهر العالم. وعلى النقيض من ذلك هناك من يعتقد بأبدية البدء من جديد وأن مفهوم الزمني ليس خطي بل دوري تعاقبي وحقبي. فهؤلاء اقترحوا نموذجاً كونياً يقول أن كوننا الحالي ولد من إنهيار كون سابق له على نفسه وانبثق من جديد في حالة من التوسع، وفي كل عملية " ارتداد " ينطلق الزمن من جديد في سيرورة دائمية متعاقبة دون أن يعني ذلك تكرار الأحداث. ويمكن العثور على آثار لتلك الأكوان السابقة لكوننا ولكن الأمر يحتاج لتكنولوجيا عالية ومتقدمة جداً لم نتوصل إليها بعد. فيما تتحدث فرضية علمية أخرى نشرت سنة 2004 تعرف بفرضية "أدمغة بولتزمان les cerveaux de Boltzmann"، في خضم البحث عن المصير المفترض للكون، عن كائنات كونية مفترضة ومتخيلة بدون أجسام وبدون كيانات مادية، لكنها تمتلك حياة ووعي وذكاء مفرط، حيث تقول لنا النظرية أن الكون، رغم نظامه الظاهر إلا أنه ينحو باتجاه الفوضى واللانظام، وإنه، أي الكون، ليس سوى انبثاق استثنائي عن كون أوسع وأشمل وفوضوي هائج وإن انبثاق كينونة كونية منظمة تتطلب طاقة لامتناهية يجعل احتمال ظهورها ضعيف جداً، أي غير محتملة الولادة، فحتى تلك الكينونات الكونية اللامادية المسماة " أدمغة بولتزمان" لديها فرصة أكبر للظهور من الناحية الإحصائية من فرصة ظهور كوننا المنظم، ومع ذلك ها نحن موجودون في تلك الكينونة الكونية المنظمة ونقوم بدراستها ما يعني أن وجودنا ليس عبثياً. 

يتبع

 

 د. جواد بشارة