عزالدين عنايةتبدو الكنيسة في تونس، التي ينطبق عليها بحقّ نعت الكنيسة العابرة جراء التبدّل الدائم لرأسها ولقاعدتها، قد تخطّت مرحلة التوجّس، بعد أن مرّ زهاء العام على تسنّم "حركة النهضة" ظهر السلطة في تونس. فبعد أن أدمنت الكنيسة ريبة من بلوغ حزب إسلامي مقاليد الحكم، وعملت على إشاعة تلك الريبة في الغرب، ها هي تتخلّص من مخاوفها، وتشهد تغيرا في الخطاب يتجه نحو الرصانة، بعد تبنّيها طويلا رؤية التقتْ فيها مع مقول نظام بن علي. مع أن الكنيسة في تونس لم تشهد أي مظهر من مظاهر التلاسن أو التصادم، مع الحركة الإسلامية في تونس، أو مع رموزها، بشأن قضية مّا، منذ مطلع السبعينيات، تاريخ طفْو تلك الحركة على الساحة.

ويمكن القول إن الكنيسة في تونس، التي تأتمر بأوامر المؤسسة الأم حاضرة الفاتيكان، قد اتخذت موقفا نافرا مبكرا من الحركة الإسلامية في تونس، تجلى بالخصوص في النأي عن رموز حركة النهضة، طيلة العهد الدكتاتوري. فمثلا لم تدع أي من رجالات تلك الحركة إلى مؤسسات الكنيسة العلمية أو منابرها الأكاديمية في روما، مثل "المعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية" التابع لتنظيم الآباء البيض، للحديث عن المسألة الدينية في تونس، رغم حرص الآباء البيض على تمتين صلاتهم بالأكاديميين التونسيين، أكانوا من مجموعة "إسلاموكريستيانا" البائدة أو مع مجموعة أساتذة الزيتونة النوفمبريين.

وحتى تتضح الصورة أكثر، ما هي أهم مفاصل النشاط الكنسي في تونس؟ تنتظم علاقة الكنيسة الكاثوليكية بالجمهورية التونسية وفق اتفاقية "modus vivendi" التي تنظّم علاقة حاضرة الفاتيكان بتونس، في بلد يبلغ عدد الكاثوليك المقيمين فيه في الوقت الراهن 22 ألف نفر، جلّهم من الأجانب يتوزعون بين ستين جنسية. كما توجد على التراب التونسي أبرشية واحدة على رأسها أسقف وحيد، يسنده 40 قسّا، وتعضدهم أكثر من 100 راهبة. ليس هناك قساوسة من أصول تونسية ولكن هناك ثلّة من العرب، وأما باقي القسّيسين فهم أوروبيون. ويبلغ عدد الراعويات 11 راعوية، أربع منها متواجدة في العاصمة. وبشكل إجمالي تتوزع الخدمات التي تقدمها الكنيسة بين مشفى في العاصمة وعشر مدارس كاثوليكية خاصة، يؤمها ستة آلاف تلميذ مسلم من أبناء العائلات الميسورة لا من ذوي الفاقة.

في مطلع صائفة 2012، يومي 18 و 19 جوان، انعقد المؤتمر السنوي لمركز الواحة الكاثوليكي في تونس تحت شعار: "الدين والمجتمع في مرحلة انتقال، تونس تسائل الغرب"، وقد هدف المؤتمر الذي جرى في أجواء مغلَقة إلى متابعة مسارات التحول العميق في تونس. شارك فيه رئيس الجمهورية المنصف المرزوقي، وعن حركة النهضة كل من العجمي الوريمي ورياض الشعيبي، إلى جانب مدعويين تونسيين آخرين. أعرب المؤتمرون الكاثوليك عن انشغالهم بمجريات الأحداث في تونس وحرصهم على متابعة تطوراتها عن كثب. ولأن المؤتمر وقع في ظل حكومة يغلب عليها الطابع النهضوي، يمكن القول إن المبادرة كانت للنهضويين في احتضان الكنسيين بعد سنوات من الجفاء والقطيعة، رغم أن المؤتمر كان متواضع النتائج بما هدَفَ إليه بالأساس لتبادل الآراء، حيث تحدث فيه كل من منظوره عن مستقبل تونس.

وقد جاء مؤتمر الواحة في أعقاب انعقاد اللقاء السنوي لمجلس أساقفة شمال إفريقيا في تونس، للتباحث بشأن الأوضاع الاجتماعية والسياسية للبلدان المطلة على أوروبا. بمشاركة أساقفة من تونس والجزائر والرباط ونواكشوط والقاصدين الرسوليين بطرابلس وبنغازي، فضلا عن أسقف مازارا دِل فالّو في صقلية. ففي بلاد المغرب الكبير يعيش زهاء الخمسين ألف مسيحي، السواد الأعظم منهم من الرعايا الأجانب.

لقد ميزت سمتان بارزتان تاريخ الكنيسة في تونس في الزمن المعاصر: الصمت أمام الطغاة –كما كان الشأن مع زين العابدين بن علي- تحت مبرر التزامها بـ"دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، فتغاضت بشكل مفزع عن انتهاكات النظام البائد؛ وفي الآن نفسه المساهمة الفعّالة في نشر الرعب في الغرب من الإسلام السياسي الذي تنتمي إليه النهضة، إلى أن جاء الفرز من الغرب العلماني، الذي جرّ الكنيسة للتحول. ربما كانت تنقص الكنيسة شجاعة الوجود لتجاوز إرث الدهور. وحتى نيافة الأسقف الأردني مارون لحام، الذي تفاءل كثيرون بتقليده مهام الكنيسة في تونس في العام 2005، غرّته تلك الأجواء وأخطأ التقدير في قراءة مستقبل تونس. ففي مقال منشور له في مجلة "ميسيوني أوجّي" الإيطالية (التبشير اليوم) عدد فبراير 2008 ورد ضمن قوله: "لو ارتقى حزب إسلامي سدة الحكم [في تونس] فسنعود خمسين سنة إلى الخلف، لذلك نعيش بذلك الخوف حيث لا ندري ماذا سيحدث بعد". لكن مما يلاحظ أن تصريحات غبطة المطران قد باتت أكثر اتزانا عقب الثورة، وأعلى جرأة في التصريح بمواقفه وواقع كنيسته، مثل ما ذكره عن عدد المتحولين التونسيين إلى المسيحية بين ثلاثة وأربعة أنفار من البالغين سنويا، يُعمّدون وفق الطقس الكاثوليكي.

يبدو الطريق طويلا أمام الكنيسة في تونس لتتصالح مع هوية هذا البلد، ففي القرن الحادي عشر حين هاجم النصارى النورمان تونس، قادمين من صقلية، كان الصد لهم مسيحيا ومسلما من المهدية (ما فتئ الجنوب التونسي حينها مأهولا بالمسيحيين). فهل تستطيع الكنيسة في تونس أن تبتعد قيد أنملة عن استراتيجية الكنائس الغربية وتكون كنيسة عربية؟ ربما يكون ذلك متيسرا "لو كانت الثقة في الله أكبر"، على حد قول القديس أوغسطين.

 

د. عزالدين عناية

 

لكي يباع الغباء ويسوق الشقاء يكفي ان نجد لذلك صيغة. هكذا غنى الغرب سمفونية الحداثة على وجه القمر.

والشمس التي رافقت ابن رشد الى ان تجاوز وادي الشرق الكبير تركته في مغيب الغرب يغرق في التنوير ويتمتع بنعومة الحداثة السائلة.. جعلته يحاور الوجود بلغة الوعي، ولذلك يتعين علينا استعادة هذه اللغة ومنحها الكلمة من اجل الشهادة على جرائم التيار الظلامي الذي قام بتخريب روح العصر. فقد ظل سؤال الوعي مقلوبا لان العدمية مزقت الكينونة ولم يعد الوجود سوى مصدر للوهم والفزع.

   ففي عالم مشحون بظواهر الظلم التي تمزق كبد العاقل كما يتمزق قلب المؤمن من دلالات الفسوق والتفريط في المقدسات على مذابح الشهوات، يستهلك الضمير ويصبح العرى الفكري والأخلاقي سمة العصر بامتياز.

تحول العالم إلى لعبة كونية خطيرة تحكمها القوانين السائلة ونهايات اللايقين. استخدمت في ذلك آليات التشتيت والتشكيك والاختلاف والتغريب والفوضى والعدمية واللامعنى واللانظام. حداثة مجنونة تعمل في فضاءات اللامعنى تتميز بقوة التحرر من قيود التمركز، والانفكاك عن التقليد وما هو متعارف عليه، وممارسة الاختلاف والتفكيك والهدم والتشريح ، والانفتاح على الغير عبر الحوار والتفاعل والتناص، ومحاربة البنية والانغلاق والتكامل، وتعرية الإيديولوجيات، والاهتمام بالمدنس والهامش والغريب والمتخيل والمختلف، والعناية بالعرق، واللون، والجنس، والأنوثة، وخطاب المابعديات المفتوحة.

يتفق الفلاسفة الالمان على أن مشروع الحداثة لم ينته بعد، حيث يواصل هذا المشروع سعيه لتحقيق أهدافه ، حيث الدور الفعال لوسائل الإعلام. فكل شيء هو النص والصورة ، إقناع المشاهد بكابوس من عالم الخيال العلمي او العالم الافتراضي، فهذا العالم هو بمنزلة استعارة أو مجاز عن حالة الواقع.

كما ترتبط مابعد الحداثة بفلسفة التفكيك والتقويض، وتحطيم المقولات المركزية التي هيمنت على الثقافة الغربية من أفلاطون إلى يومنا هذا. فهي موقف متشكك لجميع المعارف البشرية، وقد أثرت هذه المواقف على العديد من التخصصات الأكاديمية وميادين النشاط الإنساني.

كما تعد مابعد الحداثة عدمية تقوض أي معنى للنظام والسيطرة.... حداثة سائلة بمنتهى السيولة.

لذلك اعتمدت على التناص واللانظام واللاانسجام والنسبية، وإعادة النظر في الكثير من المسلمات التي تعارف عليها الفكر الانساني. ومن ثم، تزعزع ما بعد الحداثة جميع المفاهيم التقليدية المتعلقة باللغة والهوية.

هذا يعني ان نصوص مابعد الحداثة لا تتقيد بالمعايير المنهجية، وليست ثمة قراءة واحدة للنص، بل قراءات مفتوحة.

خاصة ان فكر مابعد الحداثة جاء كرد فعل على المقولات التي تحيل على الهيمنة والسيطرة والاستلاب. كما استهدفت مابعد الحداثة تعرية المؤسسات الرأسمالية التي تتحكم في العالم، وتحتكر وسائل الإنتاج، وتمتلك المعرفة العلمية. كما عملت مابعد الحداثة على انتقاد اللوغوس والمنطق عبر آليات التشكيك والتشتيت والتشريح والتفكيك.

هذا، وقد ظهرت مابعد الحداثة في ظروف سياسية معقدة ، وذلك بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وخاصة في سياق الحرب الباردة، وانتشار التسلح النووي، وإعلان ميلاد حقوق الإنسان، وظهور مسرح اللامعقول، وظهور الفلسفات اللاعقلانية كالسريالية، والوجودية، والفرويدية، والعبثية ، والعدمية… وقد كانت التفكيكية معبرا رئيسا للانتقال من مرحلة الحداثة إلى مابعد الحداثة. ومن ثم، فقد كانت مابعد الحداثة مفهوما مناقضا ومدلولا مضادا للحداثة. ولذلك، احتفلت مابعد الحداثة بأنموذج التشظي والتشتيت واللاتقريرية كمقابل لشموليات الحداثة وثوابتها، وزعزعت الثقة بقوانين العقل والسببية والأنموذج الكوني ، حاربت العقل والعقلانية، ودعت إلى خلق أساطير جديدة تتناسب مع مفاهيمها التي ترفض النماذج المتعالية، وتضع محلها الضرورات الروحية والتغيير المستمر، وتبجيل اللحظة الحاضرة المعاشة. كما رفضت الفصل بين الحياة والفن واتخذت التاؤيل والتاؤيل المضاعف قاعدة ومنهج.

وقد غزت نظرية مابعد الحداثة جميع الفروع المعرفية، كالأدب، والنقد، والفن، والفلسفة، والأخلاق، والتربية، وعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا ، والسياسة.

تستند مابعد الحداثة في الفلسفة الغربية إلى مجموعة من المكونات والمرتكزات ، ويمكن حصرها في المبادىء التالية:

- التقويض: تهدف نظرية مابعد الحداثة إلى تقويض الفكر الغربي، وتحطيم أقانيمه المركزية ، وذلك عن طريق التشتيت والتأجيل والتفكيك. بمعنى أن مابعد الحداثة قد تسلحت بمعاول الهدم والتشريح لتعرية الخطابات الرسمية، وفضح الإيديولوجيات السائدة المتآكلة، وذلك باستعمال لغة الاختلاف والتضاد والتناقض.

- التشكيك: أهم ما تتميز به مابعد الحداثة هو التشكيك في المعارف اليقينية، وانتقاد المؤسسات الثقافية المالكة للخطاب والقوة والمعرفة والسلطة.

- العدمية: من يتأمل جوهر فلسفات مابعد الحداثة، فإنه سيجدها فلسفات عدمية وفوضوية، تقوم على تغييب المعنى، وتقويض العقل والمنطق والنظام والانسجام. بمعنى أن فلسفات مابعد الحداثة هي فلسفات لا تقدم بدائل عملية واقعية وبراجماتية، بل هي فلسفات عبثية لا معقولة، تنشر اليأس والشكوى والفوضى في المجتمع.

- التفكك واللاانسجام: إذا كانت فلسفة الحداثة أو تيارات البنيوية والسيميائية تبحث عن النظام والانسجام، وتهدف إلى توحيد النصوص والخطابات، وتجميعها في بنيات كونية، وتجريدها في قواعد صورية عامة، من أجل خلق الانسجام والتشاكل، وتحقيق الكلية والعضوية الكونية، فإن فلسفات مابعد الحداثة هي ضد النظام والانسجام، بل هي تعارض فكرة الكلية. وفي المقابل، تدعو إلى التعددية والاختلاف واللانظام، وتفكيك ماهو منظم ومتعارف عليه .

- هيمنة الصورة: رافقت ما بعد الحداثة تطور وسائل الإعلام، فلم تعد اللغة هي المنظم الوحيد للحياة الإنسانية، بل أصبحت الصورة هي المحرك الأساس للتحصيل المعرفي، ومعرفة الحقيقة. لهذا نجد جيل دولوز يهتم بالصورة ، ويعتبر العالم خداعا، كخداع السينما .

- الغرابة والغموض: تتميز مابعد الحداثة بالغرابة ، والشذوذ، وغموض الآراء والأفكار والمواقف، فتفكيكية جاك ديريدا – مثلا- مازالت مبهمة وغامضة، من الصعب فهمها واستيعابها، حتى إن مصطلح التفكيك نفسه أثار كثيرا من النقاش والتأويلات المختلفة في حقول ثقافية متنوعة، وخاصة في اليابان والولايات المتحدة الأمريكية. كما أن فلسفة جيل دولوز معقدة وغامضة ، من الصعب بمكان تمثلها بكل سهولة.

- التناص: يعني التناص استلهام نصوص الآخرين بطريقة واعية أو غير واعية. بمعنى أن أي نص يتفاعل ويتداخل نصيا مع النصوص الأخرى امتصاصا وتقليدا وحوارا. ويدل التناص في معانيه القريبة والبعيدة على التعددية ، والتنوع ، والمعرفة الخلفية، وترسبات الذاكرة. وقد ارتبط التناص نظريا مع النقد الحواري .

- تفكيك المقولات المركزية الكبرى: استهدفت مابعد الحداثة تقويض المقولات المركزية الغربية الكبرى كالدال والمدول، واللسان والكلام، والحضور والغياب، إلى جانب مفاهيم أخرى كالجوهر، والحقيقة، والعقل، والوجود، والهوية...

- الانفتاح: إذا كانت البنيوية الحداثية قد آمنت بفلسفة البنية والانغلاق الداخلي، وعدم الانفتاح على المعنى، والسياق الخارجي والمرجعي، فإن ما بعد الحداثة قد اتخذت لنفسها الانفتاح وسيلة للتفاعل والتفاهم والتعايش والتسامح. ويعد التناص آلية لهذا الانفتاح؛ ، كما أن الاهتمام بالسياق الخارجي هو دليل آخر على هذا الانفتاح الإيجابي التعددي.

- قوة التحرر: تعمل فلسفات مابعد الحداثة على تحرير الإنسان من قهر المؤسسات المالكة للخطاب والمعرفة والسلطة، وتحريره أيضا من أوهام الإيديولوجيا والميثولوجيا، وتحريره كذلك من فلسفة المركز، وتنويره بفلسفات الهامش والعرضي.

- الدلالات العائمة: تتميز نصوص وخطابات مابعد الحداثة بخاصية الغموض والإبهام والالتباس. بمعنى أن دلالات تلك النصوص أو الخطابات غير محددة بدقة، وليس هناك مدلول واحد ، بل هناك دلالات مختلفة ومتناقضة ومتضادة ومشتتة تأجيلا وتقويضا وتفكيكا. وبتعبير آخر، يغيب المعنى ، ويتشتت عبثا في فلسفات مابعد الحداثة.

- التخلص من المعايير والقواعد: ما يعرف عن نظريات ما بعد الحداثة في مجال الفلسفة والنقد والأدب تخلصها من النظريات والقواعد المنهجية، فميشيل فوكو يسخر من الذي ينطلق من منهجيات محددة يكررها دائما، ويحفظها عن ظهر قلب، فيرى أن النص أو الخطاب متعدد الدلالات، يحتمل قراءات مختلفة ومتنوعة، كما أن ديريدا يرفض أن تكون له منهجية محددة ؛حيث لا يوجد المعنى أصلا مادام مقوضا ومفككا ومشتتا، فما هناك سوى المختلف من المعاني المتناقضة مع نفسها كما يقول جاك ديريدا.

- مافوق الحقيقة: تنكر فلسفات مابعد الحداثة وجود حقيقة يقينية ثابتة، فنيتشه مثلا ربط غياب الحقيقة بأخطاء اللغة وأوهامها. وجان بودريار الفيلسوف الفرنسي ينكر الحقيقة، ويعتبرها وهما وخداعا، كما يربط الحقيقة بالإعلام الذي يمارس لغة الخداع والتضليل والتوهيم والتفخيم.

ومن ثم، فقد أدلى جان بوديريار بمجموعة من المفاهيم، كالحقيقة العائمة، ومافوق الحقيقة، والاهتمام بالخيال العلمي، والعناية بالعوالم الافتراضية غير المتحققة. ومن هنا، فقد انتقد العلاقة بين الدال والمدلول عند فرديناند دوسوسير ، حيث أنكر كجاك ديريدا وجود معنى واضح، بل قال بالمعنى المغيب... ، حيث لايمكن لأحد أن يعيش أي تجربة ، وأصبح للعبث لهجة واضحة تلك التي تمتلكها الولايات المتحدة الأمريكية.

وهو القائل أن حرب الخليج لم تكن حقيقية، بل كانت حدثا إعلاميا ، إنها حرب دون أعراض الحرب. وهذا ماقاد العديد للشك في أن بودريار نفسه قد ابتعد إلى مافوق الحقيقة، ولم يعد يسكن جسدا دنيويا.

وعليه، فقد دفعه مفهوم مافوق الحقيقة إلى الاهتمام بالعوالم التخييلية والافتراضية.. وكما سبق الإشارة إليه وجدت رؤيته للعالم أصداء في السينما، وخصوصا في ذلك النوع من الأفلام الذي يصبح فيه الواقع الافتراضي غير مميز عن العالم الحقيقي.

ونستدعي أيضا من رواد فلسفة مابعد الحداثة  المفكر الفرنسي جان ليوتار، الذي أنكر الحقيقة مثل: نيتشه، فالمعرفة برايه لا يمكنها أن تقدم الحقيقة ؛ لأنها تعتمد على ألاعيب اللغة التي هي دائما ذات صلة بسياقات محددة.

وأهم مايطرحه جان فرانسوا ليوتار في إطار مابعد الحداثة  هو التحرر من الالتزام بالقواعد المنهجية والمعايير المسبقة.

ويعد جاك ديريدا كذلك من أهم فلاسفة مابعد الحداثة ، حيث اهتم بتفكيك الثقافة الغربية ، وتقويض مقولاتها المركزية بالنقد والتشريح، بغية تعرية المؤسسات الغربية المهيمنة. ومن ثم، فقد ثار دريدا على مجموعة من المقولات البنيوية كالمدلول والصوت والنظام والبنية، وغيرها من المفاهيم ، ودعا إلى تعويض الصوت بالكتابة ، وأن المعنى لا يبنى على الإحالة المرجعية، بل على الاختلاف بين المدلولات المتناقضة. كما أن دريدا ينكر القواعد والتعاريف والمعايير والمنهجيات الثابتة. لذا، فالتفكيكية منهجية وليست منهجية، لها خطوات وليس لها خطوات، هي ما بين بين، بين الداخل والخارج. ما يهمها هو تفكيك الفكر والنص والخطاب ، وذلك عبر آلية التشتيت والتقويض والهدم،  لبناء المعاني المختلفة والمتناقضة، والتشكيك في المسلمات اليقينية ، ودحضها عن طريق النقد والتشريح والاختلاف.

هذا، وقد انتقد جاك ديريدا الميتافيزيقا الغربية التي تمثل الحضور واللغة والدال الصوتي. ومن ثم، قوض مجموعة من المفاهيم السائدة، مثل: الهوية، والجوهر، واللوغوس، والعلامة، والمدلول، والظاهرة، والنظام، والكلية، والعضوية، والجوهر، والواقعية، والحقيقة، واليقين.

هذا، ويعد ميشيل فوكو كذلك من رواد مابعد الحداثة ، وقد اهتم كثيرا بمفهوم الخطاب والسلطة والقوة ، حيث كان يرى أن الخطابات ترتبط بقوة المؤسسات والمعارف العلمية. بمعنى أن المعارف في عصر ما تشكل خطابا يتضمن قواعد معينة يتعارف عليها المجتمع، فتشكل قوته وسلطته الحقيقية. هذا، ولقد اهتم فوكو كثيرا بتحليل الخطاب ، ورفض التقيد بالمناهج الجاهزة، واستعمال آليات مكررة ، واعتبرها بمثابة علبة للمفاتيح. فالنص منفتح ومتعدد، لايمكن قراءته قراءة أحادية فقط. ويعني هذا أن فوكو يؤمن بتعدد  القراءات واختلافها من قاريء إلى آخر.

ومن جهة أخرى، اهتم جيل دولوز  بالتعددية والانفتاح على الآخر إدراكا وتفاعلا، حيث اعتبر الفلسفة بأنها فلسفة التعددية. ومن ثم، فقد انتقد الهوية وفلسفة الواحد والتطابق.

بيد أن من أهم سلبيات ما بعد الحداثة اعتمادها على فكرة التقويض والهدم والفوضى، إذ لا تقدم للإنسان البديل الواقعي والثقافي والعملي، فمن الصعب تطبيق تصورات مابعد الحداثة واقعيا لغرابتها وشذوذها. وبذلك، استهلكت مابعد الحداثة قدرتها الإستراتيجية الفعالة في إبراز التحيزات المجحفة دون أن يكون لها موقف أخلاقي أو سياسي أو اجتماعي. ويعجب المرء من المفارقة بين قوتها العدائية ضد التحيزات والنهاية المحايدة التي تنجم عن مثل هذه الحرب الضروس. ولعل مثل هذه النهاية هي التي دعت الكثير إلى توجيه أصابع الاتهام. فهناك من يقول: إن هذه السمة ذاتها هي التي تجعل ما بعد الحداثة متواطئة مع الأشكال الشمولية القمعية التي تسعى إلى الهيمنة والسيطرة والظلم الاجتماعي الاقتصادي. لاغرو والحالة هذه أن تدخل ما بعد الحداثة  مجال العلوم الإنسانية حديثا جدا، وحتى هذا الدخول لم يتسم بالفعالية نفسها التي عرفتها في الفن والأدب والموسيقا والاستعراضات المسرحية وغيرها من مشارب الحياة اليومية التي لايترتب عليها اتخاذ قرارات حاسمة تمس حياة الإنسان مباشرة. ولعل المفارقة القارة التي تجعلها عاجزة هي معاداتها للثنائية الضدية، إذ إن التضاد أساس المعرفة وأساس التحيز، وبدون التضاد لايمكن معرفة ما إذا كان توجه ما أفضل من غيره. ولذلك، فإن دفاع مابعد الحداثة عن الهامش جعلها تتقمص خصائصه، إذ انقلب على أهميتها، فأصبحت هامشية لا تغير من الواقع شيئا. وككل هامشي، أصبحت مابعد الحداثة تتمنى أن يتحقق الوئام فجأة ، فتسود العدالة، وتختفي الطبقية الهرمية، ويختلط المركز بالهامش، وتلغى الفوارق من غير تحيز أو غاية. هذه هي الطوباوية التي تحلم بها كل المثاليات: حداثية كانت أو مابعد حداثية.

ويلاحظ أن نظرية مابعد الحداثة تقوض نفسها بنفسها ؛ نظرا لطابعها الفوضوي والعدمي والعبثي. وفي هذا السياق، يقول دافيد كارتر:" وقد اجتذبت مابعد الحداثة نقدا إيجابيا وسلبيا على حد سواء. فيمكن أن ينظر إليها على أنها قوة محررة إيجابية تزعزع استقرار الأفكار المسبقة عن اللغة وعلاقتها بالعالم، وتقوض جميع لغات الذات التي تشير للتاريخ والمجتمع. ولكن تعد حقبة مابعد الحداثة أيضا أنها تقوض افتراضاتها الخاصة، وتحجب جميع التفسيرات المترابطة. وبالنسبة للكثيرين تعد غير مؤثرة وغير ملتزمة من الناحية السياسية.

الى هذا الحد نجد أن مايهم الإنسان في واقعه العملي هو التأسيس والتأصيل، وليس التفكيك والتقويض، مع السعي الجاد إلى البناء الهادف بدلا عن الانغماس في عوالم افتراضية عبثية وعدمية وفوضوية.

 

ا. م. د. سامي محمود ابراهيم

رئيس قسم الفلسفة/ كلية الاداب/ جامعة الموصل/ العراق

 

مادونا عسكرإنّ سرّ فرح الإنسان هو لقاؤه بالله. ولا يدرك هذا الفرح إلّا الّذين اختبروا عميقاً حضور الله السّعيد في أعماق نفوسهم. الله السّعيد أو الله السّعادة، ذلك هو فرح الإنسان الحقيقيّ والباقي تفاصيل تمهّد لهذا اللّقاء الّذي يستلزم نقاء القلب المحبّ. "طوبى للأنقياء لأنّهم يعاينون الله" (متّى 8:5).

لم يجد الإنسان تعريفاً حقيقيّاً للسّعادة؛ لأنّها غير مدرَكة في هذا العالم. ولعلّ مفهومها هشّ وسطحيّ عند الّذين يربطون السّعادة بالمادّة أو العاطفة أو النّجاح. إنّ هذه السّعادة ليست سوى حالة سرور مؤقّت ما تلبث أن تخمد في انتظار حالة جديدة. وأمّا اللّقاء بالله فهو حالة السّعادة الحقيقيّة الّتي لا تنتهي؛ لأنّ هذا اللّقاء يأسر الإنسان ويخرجه من ذاته ليغرق في القلب الإلهيّ. ومن يلج هذا القلب لا يمكنه العودة. فإذا كان الإنسان يدخل السّعادة في لحظة لقاء المحبوب الإلهي فكيف يمكن وصف السّعادة الإلهيّة؟ الإنسان ينتقل من حالة البؤس إلى حالة السّعادة عند اللقاء بالله، كما هو الحال في لحظة الخلق. بمعنى آخر، كان الإنسان حاضراً في الفكر الإلهيّ ثمّ خلقه الله على صورته كمثاله. وكما أنّه خُلق من صلب المحبّة الإلهيّة كذلك يُخلق من جديد من صلب السّعادة الإلهيّة. حين تلد الأمّ ابنها تشعر بسعادة لا يعرفها إلّا هي، ولا يدرك مكنونها إلّا الأمّ كمانحة للحياة. وترافقها هذه السّعادة كلّما التفتت إلى ثمرة أحشائها، وكلّما أعطت من ذاتها ليحيا ولدها وتظلّ تتنعّم بها إلى أن تلفظ أنفاسها الأخيرة. هذا الشّعور غير الموصوف الّتي تعجز اللّغة عن وصفه ويعجز العقل عن شرحه يمكن أن يجعلنا نتلمّس السّعادة الإلهيّة لحظة الخلق.

لقد خلق الله كلّ شيء بسعادة؛ لأنّه يرى أنّه حسن، أي أنّ فيه جمالاً خاصّاً. لكنّه لمّا أراد أن يخلق الإنسان قال: "لنصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا" (تكوين 26:1). والقول مرتبط بالصّنع، فدلالة القول تشير إلى أنّ الإنسان كان حاضراً في الفكر الإلهيّ والصّنع دلالة على ارتباط الفكر بالحبّ الإلهيّ، لأنّ الله صنع الإنسان على صورته، بعد أن خلق كلّ شيء بفعل "كن". (ليكن نور...) لكنّه لم يقل ليكن الإنسان، ما يدلّ على ارتباط مباشر وخاص بالصّورة الإلهيّة. وبعد خلق الإنسان نظر الله ورأى أنّ ما صنعه حسن جدّاً. تؤكّد عبارة (حسن جدّاً) سعادة اللّحظة، لحظة الخلق، اللّحظة الّتي خرج فيها الإنسان إلى نور الأرض. إنّها سعادة الله بالحضور الإنسانيّ، ولحظة انفجار الحبّ الإلهيّ الّذي أوجد الإنسان الّذي على صورة الله.

إذا كان في الأبناء شيء من صورة والديهم، فلا بدّ من أنّ في الإنسان صورة خالقه. ولا نقف عند الصّورة الماديّة، بل ندخل إلى عمق الصّورة وتفاصيلها. ففي الإنسان ما هو إلهيّ، وهنا ينبغي التّوقّف عند مفهومنا لله حتّى نتلمّس بعضاً من السّعادة الّتي ملأت الكون لحظة خلق الإنسان. كما يلزمنا أن نبتعد وننسى كلّ ما صُدّر إلينا عن الله  من إسقاط الفكر الإنسانيّ على الفكر الإلهيّ. ويعوزنا أن نرتقي ونرتفع إلى مستوى الكلمة الإلهيّة لندرك معنى السّعادة الإلهيّة.

الله ينظر إلى الإنسان بدهشة (ورأى أنّ ما صنعه حسن جدّاً). إنّها دهشة الحبّ الّتي تنعكس على الإنسان المتعطّش إلى جماله الأوّل (على صورته كمثاله). فيمسي في ذات الدّهشة عندما يلتقي بالنّور الإلهيّ. لذلك نرى كلّ العاشقين لله في حالة صمت وفرح واحتمال؛ وذلك لأنّهم يعاينون الصّورة الأصل والجمال الّذي خُلقوا على صورته. إنّها الدّهشة السّعادة الّتي تنمّي الحسّ الإنسانيّ الحقيقيّ. وإلّا فكيف نفهم سعادة الحلّاج المصلوب الّذي تفنّن في قتله مُعادو الجمال والحبّ؟ وكيف نتبيّن سعادة القدّيس أغناطيوس الأنطاكي وهو يخطو نحو الوحوش كما يطأ الملكوت؟ وكثيرون ممّن غمرتهم السّعادة الإلهيّة وأخرجتهم فعليّاً من العالم فتمازجت أرواحهم بالله، أدركوا السّعادة الّتي يبحث عنها كلّ إنسان. لكنّ الإنسان غالباً لا يعرف كيفيّة البحث، أم إنّه ينجذب إلى سعادة وهميّة فيبني حاجزاً بينه وبين السّعادة الإلهيّة.

الله السّعادة حقيقة يكتمل بها الإنسان وسيظلّ يتخبّط في قلقه وخوفه وفوضويّته ما لم يدرك هذه الحقيقة الّتي تعرّفه على سبب وجوده في العالم، ألا وهو اللّقاء بالسّعادة الإلهيّة.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

احمد الكنانيحظي كتاب مدارات عقائدية ساخنة.. حوار في منحنيات الأسطرة واللامعقول الديني، للأستاذ الصديق ماجد الغرباوي، ومحاوره الاستاذ طارق الكناني، على اهتمام بحثي ونقدي من قبل المهتمين بالشأن الديني حاله حال اغلب الدراسات التي تتخذ من اللامعقول الديني محورا لها في محاولة منهم لإيجاد فهمٍ اكثر واقعية لموضوعات الدين او المذهب، وكونه بحثا شموليا يجيب على تساؤلات تحمل الكثير من الهمً الشيعي المعاش كقضية المهدي ونوابه الأربعة وما يتوقف على ذلك من مسألة الخمس وولاية الفقهاء .

ولعلنا نجد قارئا للكتاب مطلعا على محتوياته لا يرى فيه ايً جديد يستحق الإشادة  او حتى استعراض بعض من فقراته دراسة او نقدا، اذ ان الحديث عن الولاية التكوينية او الرجعة او الشفاعة او حتى قضية المهدي هو اجترار للكلام دون جدوى .

وقد اتفق مع هذا القارئ فيما ذهب اليه، نعم هو اجترار للكلام دون جدوى، فعقيدتي ان بعض مما يسمونه عقائدا و متبنيات او حتى أصول مذهبية لا تناسب فكر وتطلعات المتلقي اليوم، وانها كانت تحاكي عقلية وسذاجة أبناء ذاك الزمان، ولذا النقاش في العقائد لا يستهويني كثيرا واراه مضيعة للوقت والجهد. غير أن الكتاب يعالج قضايا هي من صميم العقيدة، والناس بأمس الحاجة لمعرفة الحقائق الدينية، فاكتسب من هذه الجهة أهمية خاصة. كما أن الغرباوي كان بصدد الإجابة على أسئلة محاوره الاستاذ طارق الكناني.

لكن ما دعاني الى تسجيل بعض الملاحظات على كتاب مدارات الصديق ماجد الغرباوي رغم انه يدور في ذاك المدار هو بعض ردود الأفعال المتشنجة على الكتاب واتهام الكاتب بركوب موجة الإصلاح، وان كتابه يفتقر الى المنهج في دراسة الثوابت العقائدية .

ليس انتصارا للكاتب كصديق ونصرته ظالما اومظلوما، وانما لألفات النظر الى المنهج الذي اتبعه الأستاذ ماجد الغرباوي في مناقشته قضية المهدي والسفراء الأربعة الذي يجعل من الوقائع التاريخية حاكمة على صحة الواقعة وليس الرواية والخبر رغم ان قصة النواب الأربعة لا تسعفها لا رواية ولا خبر.

وهذه من أمهات المصائب التي ابتلي بها الفقهاء سنة وشيعة؛ اذ جعلوا استدلالاتهم مبتنية على الروايات واستنطاقها وقصر النظر عليها دون غيرها؛ فكل ما يحتاجونه يجدونه مسطورا في الروايات، حتى تعدى ذلك الاحكام الشرعية الى العقائد والتفسير، ودليل ذلك: ان القرآن لو اختفى عن الوجود  سوف لن يختفي الفقه بل يبقى كما هو بتفاصيله وتفريعاته طالما البخاري والكافي بين أيديهم .

ينقل الدكتور سروش حوارا دار بين الشيخ الصادقي ـ وهو من دعاة الاستناد الى القرآن في الاستدلال على الاحكام الشرعية ـ وبين السيد الخميني ، يعترض فيه الشيخ الصادقي على فتوى الخميني حول جواز الزواج بالمرأة الزانية وانها لا تناسب  الآية ٢٦ من سورة النور وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ، وفي الجواب يقول السيد الخميني انه لم يلحظ هذه الآية اثناء الفتوى .

وهذا الامر واضح جدا لمن خبر مجالس الفقهاء فالكتاب الوحيد الذي بين أيديهم هو وسائل الشيعة للحر العاملي .

وعلى الرغم من ان المنهج التاريخي في مناقشة ما تسالم عليه في العقائد على الخصوص في الوسط الشيعي ليس بالأمر الجديد، فقد دعى اليه الدكتور على شريعتي في الستينيات واتخذه منهجا في دراسة الاثمة الاثني عشر تحت عنوان "الامام التاريخي لا الروائي" فكان ينظر الى الامام من خلال الوقائع التاريخية وليس من خلال بحار الانوار، فالإمام التاريخي بشر ضمن حقبته الزمانية، وامام بحار الانوار كائن خارق للعادة، يتمتع بمعجزات تفوق معجزات الأنبياء.

وبقي منهج شريعتي هو السائد لمن جاء بعده فتبناه عبد الكريم سروش ودافع عنه اشد الدفاع وكذلك شبستري وملكيان وغيرهما من المفكرين الإيرانيين، وذهبوا به بعيدا حتى أصبحت الدراسات المذهبية لا تعنيهم كثيرا بقدر ما تعني رجال الدين ووعاظ المنبر ممن يعتاش على تلك التصورات ، فالمهدي انما يعني شيئا لرجل الدين وحده ولا يعني شيئا للفرد الشيعي.

وعليه فلإصلاح في المذهب الذي رفع لوائه شريعتي اصبح عند المفكرين المنتمين الى خطه مجرد ديكور على نافذة الاطلال .

يذكر أن المعروف عن ماجد الغرباوي أنه يوظّف مجموعة مناهج نقدية في بحوثه ودراساته، قد يغفل عنها غير الخبير، كالمنهج التحليلي، المقارن، الوصفي، والتأمل الفلسفي، ويرتكز دائما للتفكيك والحفر المعرفي. اضافة للمنهج التاريخي، وارتكازه للعقل قبل النقل، والقرآن دون الحديث في الاستدلال على آرائه في هذا الكتاب. 

75 madarat2 600

احمد الكناني

 

مقدمة صغيرة: تكوَّنتَ أسس مدارس كتابة التاريخ عند العرب منذ بداية الإسلام، حيث تبلورت خلال عقود قصيرة تطور رؤى منهجية تاريخية من وجهة نظر التَّفَكُر الإسلامي عامة؛ خلال الفترتين الهجريين من سيادة الخلافة الأموية والعباسية (أي من القرن السابع حتى الثاني عشر الميلادي)، فظهر عدد من كتَّاب التاريخ عرضوا تطور تاريخ البشرية حسب المفهوم الإسلامي، وركزوا على تعبير"الأُمَّة" بمفهوم إسلامي واحد يشمل الإعتقاد والسلوك الذاتي (كان إبراهيم أُمة) والإجتماعي (الصلاة جامعة) والإيماني(إلآه واحد خالق وتوالي الرسالات كما ذكرها القرآن الكريم).

يعتبر إبن خلدون أحد أبرز كُتَّاب تاريخ العرب في عصره من الجيل الرابع، ومُبدع استكشاف القوانين الاجتماعية (بين البداوة والتمدن) التي تتحكم بمصير الدول والمجتمعات.

1- مَنْ هو إبن خلدون؟

 هو أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي الملقب بولي الدين، وأصله من قبيلة كنده.وهو غير أخيه يحيى (أبو زكريا). وهما من أسرة أندلسية،

ولِد المُتَفَكَّر العربي المسلم عبد الرحمن ابن خلدون في1 غرة شهر رمضان732 هـ/27 مايو 1332م في مدينة تونس من أحد أبناء عائلة غنية قدمت من حضرموت أي جنوب اليمن؛ ثُمَّ هاجرت في القرن التاسع إلى الأندلس فدخلت الأندلس بعيد الفتح واستوطنت ( قرمونة ) ثم ( أشبيلية ) ولعبت دورا مهما في إدارة قصر مدينة غرناطة وغيرها.

رجعت عائلته إلى شمال أفريقيا.عندما تقلص الحكم العربي الإسلامي وخسر الحُكم العربي القسم الأكبر من الأندلس في القرن 12 م.

كان ابن خلدون- وأخوه يحيى- من كتاب التأريخ حيث تعلما من والدهما وعلماء عصرهم مختلف العلوم (الدينية والنقلية) مما أهلته للعمل كاتباً في سن العشرين عاما من عمره عند سلطان تونس لعامين.ثم دخل عام 1354 م في خدمة سلطان مدينة فاس الذي أغدق عليه نعمه وقربه إليه مما أغاظ حساده فكادوا له عند السلطان فحبسه. خرج إبن خلدون من السجن بعد وفاة السلطان عام 1359. فذهب إلى أشبيلية وغرناطة عام 1362 حيث عُرِفَ فيها شاعراً ومؤرخاً.  توطدت علاقة صداقة بينه ووزير بلاط غرناطة تسلم فيها ديوان الكتابة بعض سنين حتى 1365 ليتركها بسبب منافسة مع الوزير ابن الخطيب ومؤيديه؛ وتبع تلك بعض سنين انتقل ابن خلدون بين، سلاطين شمال أفريقيا. لقد عمل في التدريس في الزيتونة بتونس وفي جامع القيروان والقرويين والأزهر في القاهرة وعمل قاضيا. في عام 1375 ترك مواصلة طموحاته السياسية وأعتزل أربع سنين في قلعة ابن سلامة بالقرب من تونس في شمال غرب الجزائر لكي ينصرف لكتابة كتابيه العبر والمقدمة في علمي الإجتماع والتأريخ خلال ثلاث سنين في وقت نضجت معلوماته وخبراته ومعايشاته في ظرفه التأريخي أيام ضعف الحكم العربي وانتشار حكم السلاطين في الأندلس وشمال أفريقيا. فكتب تأريخ العرب والبربر؛ فلكي يكمل ابن خلدون كتابه هذا إحتاج لمراجعة مصادر عديدة من الكتب؛ يمم وجهه لتونس عام 1378 حيث استقبله سلطانها بود؛ هنا أكمل ابن خلدون كتابه التأريخي وفي نفس الوقت قدَّم دروسه؛ قام معارضيه بتحريضات ضدَّه مما اضطره لترك تونس فقرر الذهاب للحج إلى مكة عام 1382؛ في طريق سفره وصل إلى مدينة الاسكندرية ولما توجه إلى القاهرة؛ سبقته شهرته كعالم فتمَّ تعيينه أستاذاً في جامع الأزهر؛ بعد وقت قليل عينه سلطان مصر رئيس القضاة لمدرسته الدينية؛ من خلال شدة عدله في الأحكام العامة وسوء استغلال القوانين فأضحى هنا كذلك غير محبوبا. عندما غرقت سفينة كانت توصل عائلته في سفرها من تونس إلى الإسكندرية؛ رجا إعفائه من العمل فبقي سنة قبل أن يسافر إلى الحج عمل فيها على إكمال كتابه العلمي لنهاية عام 1394.

عُيَّنَ إبن خلدول بعد رجوعه من الحج بعد عدة سنين قاضي القضاة في القاهرة وأضحى له دور في مهم في السياسة؛ فشارك في عام 1400 في الدِّفاع ضد غزو المغول بقيادة تيمور لنك(1336-1405) الذي حاصر دمشق؛ واعتقل هناك لمدة 35 يوما؛ كتب معاصريه بأنه قد شارك في عقد الصلح مع تيمور لنك الذي طلبَ منه أن يرافقه الى سمرقند؛ لكنه رفض ذلك ورجع الى مصر؛ وتوفى في القاهره ودُفن فيها يوم 26 من رمضان 808 هـ/16 مارس 1406 عن عمر بلغ 76 عاماً.  

آرآء مختلف العلماء في أعمال إبن خلدون: 

عاش إبن خلدون في عصر تداعى السلطان العربي وبضمنها الثقافة  العربية الإسلامية في القرن الثاني عشر في اسبانيا وشمال أفريقيا، فكان يُغَيِّر مكان عمله خلال التغيرات السياسية المحيطة به؛ فلم يستطع في واقع ظرفه تكوين مدرسة خاصة به ولذلك بقي هو العالم العربي الاجتماعي الحضاري الوحيد الذي لم يكن له طلاب يحملوا  آراءه مباشرة ويوسعوها بحثا ونشرا، (كما هو واقع الحال في الفقه الاسلامي ومدارسه والحركات السياسية المُبرقعة بتأويلات دينية توسعت بشكل كبير وفرقت المجتمع الاسلامي بهدف تنظير التأويل للنص الديني لواقع متغير كما ذكره القرءآن الكريم (وتلك الأيام نداولها بين الناس لعلهم يعقلون)، في حين ظل فترة طويلة غير معروف بين العرب والأوربيين؛ ذكرت أنا ماري شِمل* "أنَّ كتاب تأريخ العرب والبربر في كتاب المُقدِمة قد تُرجِمَ في بداية القرن 18 الى اللغة التركية وبعد مائة عام ترجم الى اللغة الفرنسية ثم ترجم بعد خمس سنين الى اللغة الانكليزية".[2] سُمِّيَ إبن خلدون ب "مونتيسيكيو العرب" عند المستشرق النمساوي ج هَمَرْ بوركشتال فبدأ مختلف العلماء الكتابة عنه من وجهات نظر متعددة. إكتشفه علماء الإجتماع من خلال روبرت فلينتس في كتابه " تأريخ الفلسفة" عام 1893؛ منذ هذا التأريخ نمت وتعمقت الاهتمامات بكتابات ابن خلدون الاجتماعية وتأريخ الفلسفة. لاحظت أنا ماري شِمل:" ....يمكن التثبت مَنْ مُقارنته ب ميكيافلي وفيكو وجيبون ومونتيسيكيو وجوبيناو وأبَّادي مابلي  و هيردر وهو بجانب برجسون وكوندورسة وكومبتَ وبولين؛  وله علاقة مخصوصة بنظريات كل من  تاردس ووجهة نظر في تفكير تاريخ الفلسفة عند بريسنجس؛ وفلسفة الدين بافكار وليام جيمس. مرة قورن ابن خلدون بممثل لما يسمى عِلم خصائص الشعوب؛ وآخرون سموه 

بأنه فَهِم تأريخ الاقتصاد؛ في حين عَدَّهُ فون كريمر المُدافع عن الفكرة القومية في التأريخ بمعنى أنَّهُ المؤيد لفهم تأريخ السياسة.3) أيقظت كل مؤلفات ابن خلدون اهتماما واسعا في اوساط العلماء الاوربيين؛ وهذا يبين الرأي السائد عندما عبَّر فيليب هيتي برأيه عن ابن خلدون"مكتشف الحقائق وعلم التأريخ ومؤسس علم الاجتماع  وأنه أكبر مؤرخ لكل العصور". أما كريستيان رابوبورت فاعتبر ابن خلدون رائدا قبل كارل ماركس. 

زمن إبن خلدون: 

فقد العرب قوتهم المركزية ببغداد بعد الغزو التتري في القرن الحادي عشر؛ وخسر العرب قوتهم المركزية في الأندلس وشمال أفريقيا في القرن الثاني عشر؛ فحدث إنكسار الحضارة العربية في هذا العصر. عندما ولد ابن خلدون في تونس؛ كانت قد تواجدت بعض بقايا صعود قوة الخلافة العالمية؛ ففي مصر حكم سلاطين المماليك؛ وفي اسبانيا بقي ناصر الدين فقط في غرناطة من الحكم الاسلامي؛ وتواجدت عمليا ثلاث دول في شمال أفريقيا: المغرب تحت حكم المارينيدن وتلمسان تحت حكم عبد الواديدين وافريقيا تحت حكم حافظ الدين وتوجد حروب متقطعة بين هؤلاء الحاكمين الثلاث .

ساهم البربر سكان شمال افريقيا الاصليين (ذوو الأصول اليمانية القديمة جدا[3]) في القرن السابع الميلادي بتوسيع قوة الفتح العربي الى شمال افريقيا واسبانيا واضحى العرب تدريجيا المقيمين رقم اثنين في هذه البلاد ففي القرن الثالث عشر تكوَّن مجتمعا عربيا مغلقا. قامت الأُسر مرور الزمنالبربرية في شمال افريقيا بدور سياسي مع العشائر العربية فكونت قوة كبيرة تؤخذ بنظر الاعتبار فحكمت دولاً فتونس كانت في ذلك الوقت مركزا للعرب والاوربيين  في البحر الابيض المتوسط ولها علاقات مع بيزا وفينيسيا ومارسيليا واسبانيا المسيحية 6) 

نظرة على تمهيد المقدمة: 

كتب ابن خلدون كتاب "المقدمة" المشهورة في عام 1375 ميلادية من خلال تجارب حياته المتغيرة؛ فبحث التأريخ الاسلامي أي تأريخ العرب والبربر والفرس وأكثر الأمم التي لعبت دورا مهما في التأريخ. وعلَّق بجانب ذلك على شروط سابقة لكتاب التأريخ االعربي وإعتمد غالبا على مؤلفات المؤرخ الطبري (الفارسي العربي) 839-923  والمؤرخ العربي إبن الأثير 1169-1234 كمصادر لتحليله العلمي حول حياة البدو والتمدن. أنا ماري شِمل تواصل رأيها: يقول هاميلتون جيب: "المقدمة تعرض تحليلا علميا لعوامل للحياة السياسية  والاجتماعية  والاقتصادية التي    هي اسس التشكيل السياسي ونهاية تطور الدولة".7)

إعتبرت أنا ماري شمل إبن خلدون فيلسوف الحضارة.8) لأنه شرح القوانين الاجتماعية التي تتحكم بمسار التأريخ برؤيا دروات أزلية تحيط  بكل حضارة؛ فأعتبروه مؤسس علم الإجتماع وعلوم الفِكر؛ لأنه عرض كل تطور التفكير الحضاري الانساني (للمجتمع  الرجالي) كما هو  يسميه الى عصره يتكون خلال حياة: خارج المدينة (البادية)  والمدينة من خلال الاقتصاد والفنون والعلوم  بنشأة الدولة وانهيارها .

يضم كتاب المقدمة سبعة اجزاء وكل جزء يعرض عددا من المواضيع على سبيل المثال كتاب العِبَرْ يعرض ثلاثة فصول : المقدمة وتأريخ العرب وتأريخ البربر.

يرى سيمون 9) من وجهة النظر التاريخية يكون الفصل الثالث تاريخ البربر له قيمة عالية لما قدمه ابن خلدون من مادة ممتازة فكتابته تعرض ما لدية بكثرة معرفته الخاصة  فهو يشرح افضل مصادر فهم  سلوك سكان شمال افريقيا.

استخدم ابن خلدون تعبير "العصبية" كمحور لتحليل نظريته الفلسفية التي تلعب دورا مهما في نشاة وسقوط الحضارات.

ماذا يعني هذا التعبير او المصطلح في العربية عموما  وعند ابن خلدون في مجال فلسفته التاريخية؟ 

ما هي العصبية: 

قدم المترجمون لمصطلح المركزي ل "العصبية" معاني متعددة؛ ففي دائرة المعارف الاسلامية باللغة الألمانية عرَّفت " العصبية"  ب (باتريوتِسمُسْ) بمعنى: (وطني)  وب (برتاي كايست) 10)  بمعنى: "عَقْلِيَّة التَّحَزُبْ)؛ أما المستشرقة أنا ماري شمل ذكرت بأنها ترجمت كذلك مُصطلح العصبية بهذه التعابير الفرنسية والألمانية: (أسبيرت دي كوربس؛ و ناتسينال إيده " الفِكْر القَومي"؛ و بارتاي كايست "عَقْلِيَّة التَّحَزُبْ)؛ كَماينْ زِنْ " الحَدَسْ القومي" 11)  وتُعرَفها بأنها: القوَّة الرابطة فيما بين قرابة الأصل. أما سيمون 12) فيعتمد على أياد محمد كامل وعلَّقَ أهميَّة كبرى على مُطلق " قرابة الأصل" بمعانيها المتعددة وهي: 

1- التحزُّب لقرابة الأصل

التزام التَآزر بين قرابات الأصل أي العشيرة والعائلة

تمثل قوة حياة العشيرة أو الشعب الذي يقول كلمته المُتَّحِدة.­ في الحاشية (كذلك في ص 50) يُسمي سيمون:"العصبية"غريزة أو سلوك واعٍ بنفسه؛ فتبعث نوعا شعوريا يظهر بظروف معينة طبيعة ناس باستثارة تناسب طريقة سلوكهم  فسيمون يسميها "التضامن" بما  يتناسب مع ال. عدد كبير من العلماء مصطلح الألماني.

أضاف المستشرق كريمر رأيه بعد سيمون:"يمكن ظهور العصبية عند اشخاص هم ايضا اعضاء بمجموعة دخلت في علاقة فيما بينها منذ فترة طويلة ومنغلقة.

تفسير مصطلح العصبيَّة:

يستخدم ابن خلدون مصطلحا مهما جدا بتعبير"العصبية" يكوِّنُ مفتاحا لنظريته في التأريخ؛ يُترجم عدد كبير من الباحثين تعبير" العصبيَّة  ويُفسروها على سبيل المثال:لغوياً العصبية إشتُقَتْ من العَصَبْ بمعنى"الجماعه" كما سبق أنْ ذُكِرَتْ.

كانت العصبيَّة سابقا قبل العصرالاسلامي تعني عند العرب حقيقة مهمة لعدم تواجد قوة اخرى تستطيع صد العدو وحماية الجماعة في تماسكها؛ رأي شمل أنَّ ابن خلدون طوَّر وثبَّتَ هذا التعبير ليتناسب فقط مع المفهوم الاسلامي أي أنَّ العصبيَّة ستقود إكتمالها فقط خلال الدّيِن الذي سيوسع طاقتها لتؤسس حقيقة إستحقاق حكم الله 14) في الأرض.

فصَّلَ سيمون أصل هذا التعبير بأنَّه يقودنا أن كلمة العصبيَّة وردت في مصادر الحديث النبوي "وأنَّ الإسلام يرفضها؛ لأنها تتعلق بالخُلق العشائري البدوي قبل الاسلام؛ ليربطها مع جماعة العشيرة خلال فكرها وسلوكها كتأكيد فردي 15)

الاسلام يرفض عصبية العشيرة؛ ويبدلها بتعبير"الأُمَّة" وفق التصورات الاسلامية. تأمل ابن خلدون أتى من منطلق سهولة ترابط العلاقات  العائلية على نمط مستويات ترابط العشائر فيما بينها. كتبت شمل"...أنَّ الذي وُلِدَ في عائلة معينة؛ اشترته عائلة أُخرى يمكن أن يُثقل بالمسؤلية تبعا لذلك ميل لقسم؛ لحالات أمراض  أو لأنه هروبه من عشيرته بسبب عمل اجرامي16)

ابن خلدون يعبر كذلك أنَّ المرء خلال جماعة العصبية اوأقاربه يمكنه اجتياز معادات عصبية الآخرين. دفاعهم ورد بقوة كافية عندما تكون عندهم عصبية من قوم عشيرتهم.

يأتي الأقربون جدا بالدرجة الأُولى فتربطهم قرابة مُصاهرة العشائر.

توجد العصبية كذلك في المدن الكبيرة؛ الشخص الموما اليه يمكنه  ان يعد نفسه من اجداده المعروفين بالاحترام لأنه إبنهم أو قريبهم لكي يرفع شأن قيمته أمام الآخرين من خلال عشيرته ويفتخر بحياته فهدف العصبية هو السيادة العصبية الحالية أقصد بها عصبية لبلده أو مدينته أو حزبه أو جماعته أو أرآءه التي تنادي لإتجاه أُحادي بمحور ذاتي متضخم ونبذ ما عداه بكل وسيلة. هذا مرض محور الصدامات المستمرة حول صغائر الأمور كما لو أنها أهم عدو لا يجوز التسامح معه إلاّ في حالة خاصة. فعصبية البلد هي اليوم تقسيم الدول العربية تحت أسماء كما كانت قبائل بأسمائها قبل الاسلام وتبدل المحتوى بفعل تغيرات الظروف. فأضحى مواطن كل بلد عربي يعتز بشكل ما لبلده كما كان البدوي ينتمي لعشيرته؛ وقد استولدت هذه العصبية عصبيات متجددة أصغر محورا هو عصبيته لمدينته ومحلته وحزبه وجماعته ولآرائه الشخصية أو التعصبية لجهة ما يمثلها أمام نفسه أو المجتمع حسب دوره الذي يسمح له الظرف ومميزات أخرى للظهور كممثل لما يدعوا له ، فالعصبية المعاصرة تطفو على سطح العيون يوميا بألوان شتى وتحت إمكانيات متطورة جدا.وتُدار من محاور خارجية وداخلية مرتبطة بمصالح مشتركة بغض النظر عن مصالح الأمة كأُمة عربية شخصيتها الإسلام أي وحدة الروح والعمل الايجابي.

 

بقلم د. سامي حسين عبد الستار الشيخلي - سويسرا

.........................

 

Anmerkungen:

Bel،Alfreed:Ibn Khaldun، in: Enzyklopädie des Islam B.2 Leipzig 1913. 419.F

Schimmel، Annemarie: Ibn Khaldun، Schriften zur Soziologie und Kulturphilosophie Hrsg. von Max Graf zu Solms، Tübingen 1951 .S.XVII

XVI

Hitti، Ph.K.:History of the Arabs، London 1937 S.568

Rappoport،CH.:La philosophie de I`histoire comme sience de I°evolution. Paris 1925.(études sur le devenir social، XX.) S.84

Simon، Heinrich: Ibn Khaldun، Wissenschaft von der menschlichen Kultur، Hrsg. VEB Otto Harrassowitz Leipzig 1959 S.17.ff

Schimmel، A. S.XVII

ebda S.XVIII ff

Simon H. S.30

10.Enzyklopädie des Islam B.2 Leipzig 1913. S. 412)

Schimmel، A. S.XVIII f

12.Simon، H. S.50 ff u.Ayad،M.Kamil: Die Geschichts- und Gesellschaftslehre Ibn Halduns. Stuttgart u.Berlin 1930 S.234.

13.Simon، H.S.48 f

14.Schimmel، A. S.XVIII f

15.Simon، H. S.48 f

16.Simon،H. S.50 f

17.Pareto،Vilfredo (1848-1923)  spricht ebenfalls von einer Herrschenden Klassen und Beherrschten. Die Asabiya (bzw.Elite) als Träger der Kultur wird bei Sesshaftigkeit zu einer herrschenden Minderheit، die durch Interessenverschiedenheit gegenüber den rivalisierenden Gruppen Konflikte in der Gesellschaft herbeiführt. siehe Brockhaus Enzyklopädie B.14 Wiesbaden 1972 S.234.

18.Simon،H S. 61f

19.Lexikon der arabischen Welt، Hrsg.Stepfan u.Nandy Ronort Aetemis Verlag Stuttgart 1972 S. 1032

قُدِّم هذا البحث الى قسم دراسة انثروبولوجي في جامعة هايدلبرك في عام 1984 ثم نشر في مجلد كتاب جامعة صوفيا 2/2003 ص403-450 وفي مجلة الفجر في هامبورغ2007 وفي كتاب السبيل مجلد تحت عنوان أوروبا والإسلام 2007 ص 105- 112؛ ونُشر مرة رابعة في مجلة الأخبار الإجتماعية الصادرة في ألمانيا باللغة الألمانية العدد 2008.4 ص 16-23  ويُنشر باللغة العربية لأول مرة.

. 2Bel،Alfreed:Ibn Khaldun، in: Enzyklopädie des Islam B.2 Leipzig 1913. S.419.F

لي زميل سويسري  قدم بحثا الى جامعة بيرن بحث فيه الترجمات والكتابات الصادرة بالغات الاوربية حول مقدمة ابن خلدون قدمه لي ولم يطبعه وما زال لدي للحفظ. وتوجد بحوث عديدة قد تتجاوز الألف بحث بين كتاب ومقالة بعدة لغات حول مقدمة ابن خلدون.

[3]- حسب معلوماتي في الموضوع بأنَّ أصول البربر من بلاد اليمن حيث قد هاجروا منذ فترات طويلة جدا الى شمال أفريقيا وسكنوا جبالها المشابهة لتضاريس بلادهم ، ثم انقطعت اواصر الاتصال بينهم وبين موطنهم الأصلي وتغيرت لغتهم بمرور الزمن، ولم يتأقلموا مع أي غاز لبلادهم ما عدى الفتح العربي الإسلامي ، حيث اندمجو في الاسلام بعد مرور قرنين من الفتح لشمال أفريقيا، وهم اليوم جزءا من الشخصية العربية الاسلامية في كل مكوناتها.وتوجد محاولات كثيرة من الغرب بالتاثير عليهم باحياء تقاليدهم القديمة المضادة لروح الاسلام والعروبة لكي تنبثق روح القومية  الامازيرية لزعزعة الاستقرارالسياسي والاجتماعي في شمال افريقيا.

 

 

620 توفيق التونجي 1اللغة تحمل دوما سمات التراث وكنت قد تناولت في مادة سابقة السياسة الثقافية من منطلق الفكر القومي مقارنة بالفكر الوطني والمؤسساتي وسأحاول في كتابتي هذا التطرق الى اللغة وخط الكتابة والعلاقة بين تأسيس الدول والكيانات السياسية الوطنية. الوطنية لاحقة محبوبة لقلوب الكتلة الواسعة من عموم الشعب لما فيه من تجرد وسعة في المنظور العام لشعور المواطن العادي بالانتماء الى جغرافية سياسية معينة.  منطلقا مرة اخرى من دولة العراق، تلك الواحة الثقافية التعددية البديعة، بلغاتها المتعددة ولهجاتها البديعة هنا نجد ان للهجة طعم جديدا في البصرة والموصل والعمارة وطبعا اللهجة البغدادية ثم نرى لهجات اللغة الكردية والتركمانية والسريانية. العراق متحف الثقافات وملتقى الحضارات والأمم. سأحاول طرح الموضوع منطلقا من المجتمع العراقي لما في كلمة "العراق" الجغرافية محتوى شامل تنصهر في بوتقته كافة ابناء النسيج السكاني العراقي من قوميات وعقائد واتجاهات فكرية اجتماعية، ادبية، سياسية ودينية انتجتها حوار حضاري انساني سلمي مستمر على ثراه منذ الألف السنين. الشعوب تغير ديناميكيا هذا التغير اما يكون زمانيا أي تتغير اللغات واللهجات وتموت. كلمات تزول بينما تظهر كلمات جديدة أخرى. أي اللغة مثل الكائنات الحية لها دورة حياة.

620 توفيق التونجي 2

هذا شمل خط الكتابة كذلك أي ان لغة ما قد يكون كتبت بخط غير ما هو عليه الان كاللغة التركية الحديثة مثلا. تتغير لغات الشعوب اثر دخولها دين جديد كالمستعربين من الشعوب الإسلامية وحتى مسيحيي الشرق المتحدثين بالعربية. الاحتلال عامل اخر من عوامل تغير اللغة وهذا نراه اليوم في الدول التي نست لغاتها الوطنية وتستعمل لغة المستعمر خاصة في القارة الامريكية من الإنكليزية والفرنسية والاسبانية. الهجرات الكبيرة تؤدي أيضا الى تغير اللغات وكذلك الحروب لذا نرى مثلا لغات غريبة عن بيئتها ك الرومانية الهنغارية الفنلندية ولغات أخرى في اوربا. كما ان هيمنة قوم ما على السلطة والحكم تغير لغات الناس ان كان تقربا بلغة الحاكم او بالقوة. كذلك نرى ان الكيانات السياسية قد تفرض لهجة معينة وتحولها الى اللغة الرسمية للدولة بهدف توحيد اللهجات وتسهيل التواصل بين أبناء الوطن الواحد كتوحيد اللغة الألمانية وانتخاب لهجة اللغة الفرنسية. يبقى ان نعلم ان لغة النص المقدس الأكثر تأثيرا على الناس في جميع الأديان حيث استخدمت حصرا لرجال الدين في العصور القديمة. نرى كذلك ان هناك عقائد منعت أبنائها من القراءة والكتابة كي تبقى اللغة المقدسة حصرا بيد رجال الدين كما كانت عليها في حضارات العراق القديم. هذا نرى ان معظم الأديان تستخدم اللغة كأساس للتعبد.

العراق ومنذ تأسيسه كدولة حديثة بعد الحرب العالمية الأولى وتكوين كيان سياسي اعتمد مبدأ التعددي في التكوين فكانت تسمية الدولة ب" الدولة العراقية " جامعة وشاملة بالقياس مع بعض الدول الحديثة التي الحقت باسمها كلمة "العربية" حتى بعد الجمهورية وابان سيطرة الأحزاب القومية السلبية على سدة الحكم. لا ريب ان مجمل تشكيلات البرلمان الوزارات في الحكومات العراقية في العهد الملكي منذ تأسيسها كانت تعكس تركيبة المجتمع العراقي واتجاهاته المختلفة اذا استثنينا الخط الفكري الماركسي اليساري الذي استثني وابعد عن المشاركة في الحكومات المتتالية ابان العهد الملكية حيث كان الحزب محذورا. رغم وجودها الفعال بين ابناء العراق. هذا الحزب انتشر مع نهايات الحرب العالمية الاولى خاصة في مناطق التماس مع الجيش السوفيتي على خط الحدود العراقية الايرانية حيث مدينة خانقين وانتشر الفكر اليساري في كوردستان انطلاقا من المدن الكوردستانية في ايران الى مدينة السليمانية و حلبجه متجها الى الغرب حيث مدينة اربيل وفي الجنوب العراقي كان للفكر اليساري الاثر الاعظم في توجهات الثقافية لابناء الجنوب المحافظ والمتدين حيث نرى ان الجغرافية الفكرية اليسارية انتشرت في مدن كالناصرية والعمارة وحتى العتبات المقدسة في كوفة، كربلاء والنجف. بقى ان نعلم بان التوركمان لم يتاثروا بالفكر اليساري بصورة عامة وبقوا محافظين على فكرهم المحافظ والتقرب من الفكر العثماني وبالبعض منهم توجه الى فكر التجديد "الكمالية" الذي حمله مصطفى كمال المعروف بكنيته "اتاتورك" والقسم الاخر تبنى الفكر القومي السلبي المسماة "الطورنية" نسبة لبحيرة طوران في أواسط اسيا حيث الموطن الأصلي للعرق التركي. اما في إقليم كوردستان ففي مناطق بهدينان فكان التوجه الفكري القومي الكوردي اكثر انتشارا وبقى الفكر اليساري منحصرا بين ابناء الطائفة الايزيدية على الاكثر في حين كانت في منطقة كرميان منحصرا بالطائفة الكاكائية المتصوفة والمثقفين من الكورد والتوركمان.

ان اتجاهات الفكرية والسياسية لابناء الدين المسيحي بكل طوائفه انقسمت بين كل تلك الافكار وباتت حاضرة بين معظم الاحزاب السياسية من يسارها الى يمينها حيث يفتخر الحزب الشيوعي العراق بمؤسسه الشهيد يوسف سلمان "فهد". كان لمؤسسي الفكر القومي من المسيحيين خاصة في سوريا ولبنان الاثر الاعظم في اتجاه مسيحيي العراق الى الفكر القومي العربي والاشتراكي الذي حاول جاهدا ربط اللغات السامية عموما بالقومية العربية وبذلك اصبحت شعوب العراق القديم جزء من "الامة العربية" بمساعدة من آثاريين عراقيين حاولوا جاهدا الخلط بين اللغة والقومية "انظر الى توجهات الاستاذ احمد سوسة في العراق" متناسين بان فقط المسيحين يتحدثون بالسريانية، الكلمة استخدمت للدلالة على جميع اللهجات،  ولذا أرى بان اللغة ليس الا لغة دين كما عليها اللاتينية في الغرب والتي اندثرت وماتت وبقت فقط في النصوص المقدسة واليوم لا يوجد الكثيرين مما يجيدون هذه اللغة.  ولا اعتقد بوجود علاقة لها بلغة الشعوب العراقية القديمة ك الاشوريين والسومرين والاكدين واهل بابل ولا حتى ب الحضارة الحثية في الأناضول وهذه الشعوب لم تكن مسيحية لان وببساطة هذه الحضارات جاءت قبل ميلاد المسيح عليه الصلاة والسلام بألاف السنين. التاريخ يخبرنا بوجود اليهود في العراق القديم حيث تم سبيهم مرتين من ديارهم في فلسطين. لا ريب ان اللغة السريانية المستخدمة فقط من قبل مسيحي الشرق لها جذورها في الآرامية الشرقية.

اما الف باء الكتابة او الخط فذلك موضوع اخر ليس له علاقة باللغة أي ان لغة أي شعب يمكن كتابتها باي و الف باء. لا يجوز الخلط بين الخط الذي يكتب به لغة ما وأصول الاثني لتك الأقوام والشعوب وكما اسلفت بالإمكان استخدام الخطوط لكتابة أي لغة ولأي شعب. الخط المسماري القديم استخدم في الشرق بصورة عامة من قبل جميع شعوبها دون استثناء.

620 توفيق التونجي 3

رموز الكتابة الصورية الفرعونية

تطور الخط من كتابة صورية ومسمارية الى مجرد خطوط ونقاط ويعود الفضل الى الفينيقيين في اكتشاف الكتابة اللاتينية الحديثة المستخدمة في معظم لغات الغرب. كما ان الكتابة العثمانية أي الخط كانت بالأبجدية وتغيرت الى الخط اللاتيني بعد إعلان مصطفى كمال أتاتورك النظام الجمهوري اثر انهيار الدولة العثمانية عام 1922 مما أدى الى صعوبة فهم الجيل الجديد للنصوص القديمة رغم ان بعض الكتب قد ترجمت كتابة الى الاحرف اللاتينية.  وكما هو معروف ان نصوص القران العربية انزلت شفويا على رسولنا الكريم وبلهجة قريش وليس مكتوبا لذا كان هناك كتبة للقران الكريم وحفظة. ويذكر التراث الإسلامي ان للقران قراءات متعددة نظرا لان المسلمين جميع لم يفهموا اللهجة القريشية آنذاك. يعزى جمع الآيات في قران متكامل الى الخليفة عثمان ابن عفان رضي الله عنه وكتب باستخدام الخط الارامي ان كانت من النصوص العبرية في التوراة أو الآرامية من الانجيل حورت تلك الحروف فيما بعد وكونت الأساس للكتابة الكوفية الغير منقطة والغير مشددة التي أضيفت اليها لاحقا في العهد العباسي. اما ما نشاهده اليوم هو كتابة للقرآن وما يسمى بالخط العثماني ويعزى التسمية الى احد الخطاطين وكان يسمى عثمان وهو الأكثر رواجا بين المسلمين اليوم رغم وجود كتابات بخطوط أخرى واعتقد ان هناك قران في السودان لا يزال يكتب بخط اليد واعتقد انه يسمى ب "سعفان" ومن المعروف تاثر الكتابة العربية الحالية بمعظم اشكال خطوطها بالخط الفارسي و الهندي السنسكريتي في كتابة الخط العربي. اليوم نرى الشباب يتواصلون على شبكة الإنترنت باستخدام الاحرف اللاتينية للكتابة العربية، الفارسية والكردية وريما لغات أخرى ك اليابانية والصينية كذلك.

620 توفيق التونجي 4

كتابة كوفية غير منقطة من الأندلس

لا ريب ان مهد الديانة المسيحية تقع في فلسطين وتاريخيا انتشرت الى اقصاع الدنيا كدين ولا توجد هناك لغة مسيحية مقدسة كما هي عليها في اليهودية والإسلام. اذ كان الناس يتحدثون بالعبرية في عهد ظهور المسيح وان كانت هناك لغة رسمية فقد كانت لغة المحتل الروماني آنذاك. أي ان العبادات المسيحية يمكن اجرائها باي لغة كانت. الا انه ومن فلسطين اتجه احد الحواريين الاثنا عشر الى الجنوب الى سيناء مصر حيث اقدم الاديرة والكنائس "المرقصية" نسبة الى اسم الحواري مرقص. حيث بدا انتشار المسيحية بين أقباط مصر. لكن كدين وليس كلغة. هؤلاء الذين يعتبرون انفسهم ولحد يومنا هذا الأقرب تعاليما إلى تعاليم سيدنا المسيح ولم يجري عليها ما جرى عند انتشار المسيحية فيما بعد في الغرب.  انتشر الدين المسيحي في الجزرة العربية و افريقيا كذلك حيث كانت هناك طوائف يهودية قد سبقت المسيحين في الانتشار في الجزيرة واثيوبيا . لا توجد للديانتين أي اثر في الوقت الحاضر في الجزيرة العربية. بينما اتجه حواريون اخرون شمالا الى انطاكية وقبرص وصولا الى القسطنطينية و روما حيث يعتقد ان القديس بطرس نشرها ولاحقا انتشرت نور الديانة المسيحية في كافة انحاء أوربا و العالم  بعد اكثر من نصف دهر على بزوغها في بيت لحم في القارة الأوربية ومن ثم في معظم انحاء العالم. اتجه الفكر المسيحي في أوائل السنوات الى سوريا الحالية والى الأناضول حيث الكنائس في مدن تركيا الحالية في مدن مثل حكاري ونصيبين و ماردين ، طور عابدين ومدن أخرى كثيرة دليل عل انتشار المسيحية في هذه المناطق ومن ثم انتشارها جنوبا الى العراق ومعظم الكتابات الدينية والاشعار التي وصلتنا بالآرامية وتعود الى شعراء وعلماء دين من هذه المنطقة. وللمزيد حول هجرات المسيحيين الطوعية والقصرية انظر الى كتاب العراق الشمالي لمؤلفه الاستاذ شاكر خصباك.

وهناك اساطير كثيرة حول الموضوع وكيف وصل اول صورة لسيدنا المسيح الى المنطقة والتي تعتبر اصل جميع ايقونات الكنائس القديمة التي صورت المسيح في جميع الكنائس رغم ان الصورة تغيرت لاحقا و لست بصددها ها هنا. وهناك انتشار مسيحي بين الأرمن كذلك وطبعا بين الروم حيث كانت انطاكيا والقسطنطينية حاليا استانبول من اهم الحواضر المسيحية لمئات السنين. بقت المسيحية ديانة للرهبان والناسكين سنوات طويلة وبقى النص الديني المقدس يكتب ويرتل بالارامية القديمة لغة سيدنا المسيح وبعيدة عن لغة العامة. الا انه يعتقد بان اللغة لا تزال حية يتحدث  بها بعض مسيحيي تركيا في جنوب شرق البلاد بينما احتفظ الأرمن بلغتهم ولحد يومنا هذا وزيارة الى كهوف ومغاور الشعوب الاناضولية القديمة وجبال كوردستان حيث الاديرة والكنائس خير دليل على ذلك. نرى كذلك انتشار مسيحي في الشرق في الحدود المتاخمة لدولة سوريا الحالية حيث انتشرت الديانة المسيحية وقصة الملك النعمان بن المنذر واعتناقه للمسيحية ومن ثم الغدر به وقتله من قبل كسرى معروفة. لذا نرى ان الحفريات الاثارية في المنطقة تدل على وجود اثار للأديرة وكنائس حتى في المناطق المحاذية لمدينة المقدسة "نجف الاشرف". لا ريب لا يمكننا الحديث عن وجود اللغة الارامية بين ابناء الشعوب الاناضولية القديمة قبل الميلاد او حتى شعوب وادي الرافدين القديمة. ثم جاء السلاجقة فأسسوا دولتهم في المنطقة على اسس دينية بحته كمثيلتها التركية العثمانية المغولية الاصل. هنا يجب التأكيد على حقيقة مفادها ان الدين المسيحي لم ينتشر كلغة بل بقى النص المقدس يترجم الى لغات الشعوب التي دخلت المسيحية وهذا عكس ما نشاهده في انتشار الإسلام واللغة العربية المتلازمين حيث النص القرآني العربي المقدس لا يترجم.

620 توفيق التونجي 5

الصورة من الانترنت

هذا الارث الثقافي الديني واللغوي الغني في منطقة ما يسمى ب "الهلال الخصيب" استغل من قبل الفكر القومي العربي السلبي في بلورة "رسالة خالدة" انيط منحصرا للعرب فقط بحيث اصبح الغير عربي في المنطقة مضطرا الانشاد بمفاخر الامة العربية والادعاء بالانتماء الى القومية العربية لا لشيء وانما لكونه منتميا ثقافيا إلى لغة تلك الامة أي انه يعيش في وطنه الأصلي لكن يجيد التحدث بلغة العرب.

وكان مقولة :

"كل من تكلم العربية، عربي".

سائدة في أجواء المد القومي العربي. هنا يجدر الإشارة الى ان مؤسس البعث ميشيل عفلق مسيحي رغم ما اشيع لاحقا باعتناقه الإسلام وتسمية ابنه ب محمد وكذلك نرى بان رجال الحزب في القيادة كانوا مسيحيين، شبلي شميل، شبلي العيسمي ، الياس فرح وفي لبنان، أنطوان سعادة، وهو أي عفلق طبعا متاثر بافكار الفاشية الإيطالية  وقد نسخ أفكارهم بالكامل وترجمتها الى العربية وكنت قد كتبت عن الموضوع بإسهاب في مادة سابقة . لكن حين وصلت الفكرة الى العراق كان العرب بالدرجة الأولى ومن كافة الطوائف يسعون لحمل فكرها القومي.  

620 توفيق التونجي 6

اللغة الدينية المقدسة أي النصوص في لغة القران الكريم انتشرت بين امم لم تعرف العربية قط مع انتشار الاسلام في اسيا وشمال افريقيا. هذا ما نشاهده اليوم في اكثر الدول الإسلامية الغير مستعربة "هناك مصطلحات يطلق على المتحدثين بالعربية وهما عرب العاربة والعرب المستعربة" . اما شعوب دول ك تركيا و ايران وبعض الدول الافريقية بقت محافظة على لغاتها القومية كذلك دول أخرى مثل باكستان وأفغانستان وبنغلادش ماليزيا والفلبين و بوسنيا وجميع مسلمي الشرق الأدنى وحتى مسلمي الصين و روسيا ودول بحر قزوين ودول اسيا الأخرى. اما دول شمال افريقيا فأنها استعربت تماما وتعد العربية ثقافتها الاصلية اليوم. لكن الجدير بالذكر ان الامبراطورية العثمانية كمثيلتها الفارسية لم تكن ثقافية بمعنى الكلمة حيث لم تتمكن من نشر اللغة التركية حتى في تركيا الحالية أو في ايران حيث ملايين الاكراد والعرب والسريان والارمن والشركس و الارناؤوط والاظ يتحدثون بلغاتهم القومية في تلك الدولتين لحد يومنا هذا. الا ان انتداب الاستعماري للدول الإسلامية بعد انهيار الدولة العثمانية نشر المستعمر لغاتها بين تلك الدول وكان اشدها وطئه في دول المغرب العربي حيث الفرنسية والإيطالية لغت المستعمر تلك الدول كانت تتحدث بلغاتها من امازيغية وبربرية ولغات أخرى اندثرت واذا عدنا إلى التاريخ نرى بان الساسانيين لم ينشروا الفارسية ولم تكن الدولة السلجوقية كذلك قومية بل كانت تتسامح كذلك حتى مع جميع الاديان من مسيحية وبوذية والدليل وجود اثار في كهوف اناضول تجمع رفاة مسيحيين بجانب المسلمين والبوذيين المغول القادمين من اواسط اسيا. اما جبل نمرود، في تركيا الحالية، فعلى قمتها تماثيل للالهة الغربية اليونانية يواجه الشرق والآلهة شرقية تواجه الغرب. في حين نرى ان الاستعمار الفرنسي كان الاكثر ثقافيا حيث تحول جذري للغة شعوب عديدة في افريقا الى اللغة الفرنسية وقد اضمحل لغاتهم الوطنية لحد يومنا هذا. كانت الانكليزية لغة رسمية في الهند ابان 150 عاما من الانتداب البريطاني ولا تزال اللغة منتشرة في الهند وبنغلاديش وباكستان وتحول دول ك استراليا وكندا، جزئيا، وحتى الولايات المتحدة الى دول ناطقة باللغة الانكليزية اثر سيطرة العنصر الانكلو- ساكسوني مقاليد الحكم في تلك البلاد وانزواء اللغات القومية لشعوبها الاصلية وتهميشها الى درجة اختفائها تماما. كما كانت للغة الاسبانية الاثر الاعظم في زوال لغات شعوب القارة الامريكية الجنوبية ولا يزال اكثر من نصف مليار يتحدثون بها رغم انها لغة المحتل. لكن اثر اللغة العربية لا تزال باقية في المفردات والنطق والحروف اللغة الإسبانية وجدران قصور الأندلس تزينها نصوص من القران واشعار عربية و مقولة " ولا غالب الا الله " .

620 توفيق التونجي 7

 ان سيطرة لغة الحاكم ليس غريبا فنحن غيرنا لغاتنا عبر التاريخ واختفت لغات كالسومرية والاشورية واللغة الفرعونية ولغات حضارة السودان واثيوبيا ولغات اخرى كثيرة تماما بينما بقت نصوصها شاهدا عليها محفورة على الصخر والرخام والفخار ناهيك ان هناك مفردات من تلك اللغات لا تزال تستخدم في لهجات محلية او على شكل مفردات في اللغة المحكية. هناك مئات اللغات التي اندثرت تماما ولا نجد لها اثرا فمثلا في رومانيا يتحدثون لغة غريبة على المحيط السلافي حيث تحيط رومانيا دولا تتحدث لغات تنتمي الى العائلة السلافية ولكن الرومانية تنتمي الى اللاتينية وهي الاقرب الى اللغة التي كان الرومان يتحدثون بها في روما. طبعا هناك تفسيرات تاريخية لتحول شعب رومانيا الى اللغة الرومانية وهجر لغاتها الام الداجية مثلا. ان ما احاول طرحه هو عدم ارتباط اللغة المتداولة لشعب ما مع اصولها الاثنية والعرقية وارتباط اللغة بلغة الكيان السياسي الحاكم أو النص الديني المقدس او اللغة الثقافية السائدة راجع مادتنا حول اللغة الثقافية في مدينة كركوك.

مما سبق يمكن الاستنتاج بان اللغة مكتسبة والاوطان تغيرت لغات شعوبها ولكن الوطن كجغرافية ثابتة يبقى وطنا. بينما نرى ان شعوب هاجرت اوطانها واليوم يستوطنون أوان احتلوها وربما بات شعوبها الاصلية اقلية مضطهدة. ناهيك عن الهجرات الكبيرة عن طريق الحروب أو الازمات الاقتصادية أدت الى انتشار الشعوب بعيدا عن موطنهم الأصلي أي ان ليس كل متحدث بالعربية عربي النسب وليس كل من تحدث التركية تركي وكذلك ليس كل ن تحدث الاسبانية اسبانيا لذا نرى ان شعوب القارة الامريكية المتحدثين بالإسبانية ينعتون انفسهم بأسماء أوطانهم كقولنا مكسيكي، شيلي، ارجنتيني، كوبي اما برازيل فتحدث البرتغالية وهي كذلك لغة المستعمر.

هناك عدد كبير من الشعراء والادباء الذين يكتبون بلغات ليست بلغة امهم الأصلية بل تعلموها لاحقا في المدارس وفي البيئة والمجتمع. هذا ينطبق على ثقافات معظم دول العالم ولا ريب ان اصول الاثنية للكاتب ليس له أي علاقة بإجادته احدى اللغات. هذا الاتجاه أي كون الكاتب لا ينتمي الى اللغة التي يكتب بها محور من محاور التناقض لدن القوميين المتعصبين لقومهم ولغتهم. انظر مثلا ادباء العراق من أمثال نسيمي، فضولي، الزهاوي ، الرصافي ، عبد الرزاق عبد الواحد، لميعه عباس عماره،، بلند الحيدري ،زهدي الداوودي ، حسين مردان، سركون بولص ، صلاح فائق ، جان دمو وعبد الطيف بندر اوغلو وحتى البياتي الذي ينتمي الى عشيرة بيات المغولية ومئات الاخرون. ناهيك عن ذلك نجد اسماء اللغويين من امثال نفطوية وسيبويه والفراهيدي وابن سينا ينتمون الى مجاميع عرقية لا يزال يدار نقاش وجدال على اصولهم الاصلية رغم تقديمهم خدمات جليلة للغة العربية. ناهيك عن المنتمين إلى الديانات الاخرى كأدباءنا من اليهود والمسيحيين والصابئة والايزيدية والكاكئين والشبك ويمكن رؤية هذا بين معظم ادباء الأقطار العربية ك مصر و سوريا  وأدباء المغرب العربي و المنفى لهم دور كبير في انتاج الادبي بلغات اوطانهم الجديدة والتعبير عن واقع حياتهم بلغة بيتهم الجديدة موضوع جدير بالدراسة والتمعن خاصة هؤلاء المتواجدون خاصة في فرنسا ودول اوربية أخرى.

الدولة القومية في واقع الحال تلفظت انفاسها الاخيرة مع انهيار الرايخ الثالث في المانيا النازية وبقت تردداتها الزلزالية تسمع هنا وهناك في الغرب والشرق ومع الأسف لحد يومن هذا. الدولة القومية تعتمد على اسس تمجيد ماضي الامة والمبالغة في قوة الامة العسكرية وإمكانية الفكرية لشعوبها ومدى هيمنتها وسيطرتها على الامم الاخرى أي هي "امبراطورية" التفكير ان كانت في بريطانيا او في اليونان او ايطاليا او اليابان وتركيا او حتى في ايران. طبعا سينعكس هذا المفهوم على مجمل النشاطات الانسانية لتلك الامة وبين صبح وضحاها يتحول كل شيء الى عربي حتى "الارض" تبدا بالنطق بالعربية مثلا. الجدير بالذكر ان هناك العديد من الدول يتكلم أبنائها عدد من اللغات خاصة في و اوربا ك سويسرا ، بلجيكا ، السويد ، اسبانيا ، رومانيا ودول أخرى كثيرة تعددي القوميات والثقافات.

الدولة القومية التي تنطلق من افكار قومية نرى امتدادها في مجمل الحركات السياسية القومية في اوربا اليوم. الجدير بالذكر ان الفكر القومي السياسي الأوربي السلبي وجد ضالته في المهاجرين كي يلقي اللوم عليهم في كل ما يصيب المجتمع من ويلات حتى لو كانت "ازمة اقتصاديه عالمية " فان المهاجر المعذب يقف ورائها. عزيزي القارئ التاريخ يذكرنا بان كانت الهند قد عانت ما عانت من ويل الانتداب البريطاني حتى بدا الشعب الهندي يعزون الخلاف بين اسماك البحر من اعمال الانتداب أي يقف ورائها البريطانيين. نرى كذلك تأثير الاستعمار الثقافي الفرنسي في دول المغرب العربي ودول افريقية أخرى هاجرت تماما لغاتها وبات الفرنسية لغتها الوطنية. لا ريب ان الاتحاد الأوربي قد جمع شعوب الدول الأوربية وقسمها الى مناطق ثقافية وبقى الوطن الأوربي للجميع أي انك نرى احد الدول الاوربية في الاتحاد فيها اكثر من منطقة او حتى إقليم ثقافي وبهذا نجح في إعطاء الحقوق الثقافية للمجاميع العرقية والاثنية المختلفة.

مجتمعات الدول الاوربية تحمل صفات عددية ايجابية ولكن الصفة السلبية القومية منها ترتبط دوما بوجود نسبة لا تقل عن 10% من حملة الفكر القومي السلبي المتعصب للغة قوم او لحضارة قديمة كانت واندثرت وتنعكس تلك النسبة في معظم الانتخابات البرلمانية بين فترة واخرى. ان حملة تلك الافكار يحاولون دوما تجديد اسماء احزابهم ويختارون اسماء حزبهم بما يتناغم والروح القومية العاطفية. هذا الاتجاه القومي جاء الى الشرق مع نهايات الحرب العالمية الاولى في عملية تخريبية ساعدت في انهيار الدولة العثمانية ولكن الفكر القومي العربي الذي وجد اسسه في الفكر الفاشي الايطالي جدد جلده بتطعيم الفكر الاسلامي والرسالة المحمدية الخالدة لضمان التايد الشعبي الواسع في المجتمعات العربية. هذا من ناحية ومن ناحية اخرى تزاوج مع الفكر الاشتراكي حاله حال الحزب النازي" الحزب الاشتراكي القومي الالماني" أي حزب ادولف هتلر. انتشرت الفكرة أي تفتيت الدولة العثمانية انطلاقا من الحجاز ابان الحرب العالمية الاولى بقيادة ضابط المخابرات البريطاني توماس أدورت والمعروف ب لورنس العرب.

لا بد من الاشارة الى ان انتشار الفكر القومي في الشرق لم يقتصر على العرب بل انتشر الى الاتراك والاكراد والفرس. ولكل قوم تجربته القومية الفاشلة في السلطة والحكم ولكننا يجب ان لا ننسى بان الفكر القومي سيبقى لدهور عديدة وينمو كالفطر بين الحين والآخر ثم تختفي لتعود بهيئة جديدة وملبس جديد. ان تركيب الثقافي التعددي للمجتمعات البشرية عامل اسسي وضمان لسيادة روح التسامح بين البشر ولا يمكن في أي حال من الاحوال وحتى في المستقبل ان يسود فكر قومي ويحكم منفردا ويهمش الاخر المختلف. ناهيك بان الإنسان بنفسه لا يختار قومية عند الولادة كما لا يتمكن من اختيار وطنه وزمن ولادته.

ان تجارب القومية الفاشلة في الحكم تجربة انسانية يجب ان يأخذ بعين الاعتبار من قبل الشعوب التي تناضل من اجل نيل حقوقها وانشاء دولتها المستقلة. فهي من ناحية مظلومة ومهمشة من قبل سلطة قومية متسلطة ولكنها تدعوا الى انشاء سلطة قومية رافعا شعارا قوميا وعلما قوميا وحتى يردد اغاني قومية مهمشة تماما وناسية وجود شعوب اخرى تعيش معها جنبا الى جنب. ان الدولة القومية يرأسها قائد قومي ومن الطبيعي ان يفضل قومه على الجميع ناسيا الوطن لان الوطن فيه قوميات متعددة وهذا الفراغ يؤدي لاحقا الى زيادة الشعور القومي عند ما يسمى ب الأقليات. ان رئيس الدولة يجب ان يكون وطنيا ويمثل كافة شرائح وقوميات المجتمع. يجب ان لا ننسى ان اسماء العديد من دول العالم تمثل قوميات معينة كفرنسا والمانيا وبريطانيا وتركيا بينما هناك اسماء اخرى تمثل جغرافية سكانية او سياسية او مكانية ك العراق مثلا.

ان تأسيس أي كيان سياسي على اسس قومية سيؤدي عاجلا او اجلا الى نشوء صراعات طائفية وعرقية بين أبناء الشعب التعددي ويتحول المظلوم بين يوم وضحاها الى متسلط جلاد يهمش ويقتل وينهش بالأقوام الاخرى. ان تجارب الانسانية كثيرة فربما العودة الى صحف التاريخ تقية وضمان لعدم تكرار الماسي مرة اخرى. لا ريب ان الفكر القومي يرى في انتشار قومه في المعمورة عاملا توسعيا أي اينما وجد احدهم من قومه فهناك يمتد حدود دولته القومية وكنت قد اشرت الى العديد من الحواضر والمدن غيرت قومياتها تاريخيا وما كان يوم ما عاصمة للأرمن مدينة وان في تركيا الحالية لا يوجد فيه اليوم الا القليل ممن يزور تلك المدن من الارمن وهذا حال العديد من مدن الدنيا. ناهيك عن التغيرات الاثنية فان هناك عوامل اخرى سياسية ودينية لانصهار بعض الشعوب وزوالهم واختفاء لغاتهم وجزء كبيرا من ثقافته انظر الى دول شمال افريقيا مثلا فاللغة المصرية الفرعونية قد انمحت من بكرة ابيها الا بعض الكلمات في اللهجة المصرية واسماء بعض المناطق والحواضر وحل محلها اللغة العربية. هذا طبعا حال جميع الدول العربية ما عدا دول الجزيرة العربية. تاريخيا لم يكن أي انتشار عربي أو هجرات قبل نزول الرسالة المحمدية الا حالات انفرادية. ان انتشار لغة قوم ما له ارتباط بوجود كيان سياسي كما اشرت سابقا فلغة وثقافة الحاكم تسود دوما.

اما السلطة الوطنية، الغير قومية، فتنطلق من مبادئ توحد شعوبها في قاسم مشترك يعتز به كل الاقوام وقد يكون ذلك عاملا مرتبطا بالجغرافية أو ما يسمى ارض الوطن ويرفع راية تمثل الجميع وليس فقط حزبا واحدا أو فئة معينة. وهنا تجدر الإشارة بان العراق كان يمكنها تغير علمها مع سقوط النظام لكن قادتها الجدد حوروا العلم القديم قليلا ولا يزال العلم العراقي يترجم اشعار صفي الدين الحلي وكان علما للوحدة العربية الثلاثية ومن ثم الثنائية على أساس ان الوانها كانت مرفوعة في علم الثورة العربية الحجازية ضد الدولة العثمانية. الوطن يوحد الناس ذو الآمال المستقبلية المشتركة مهما كان انتمائهم القومي او العقائدي. تلك الاوطان التي تحتضن جميع القوميات وبمختلف عقائدهم في بوتقة حضارية واحدة هي أوطان المستقبل. لذا يجب مراعات وجود شعوب يتكون من عدد من القوميات والعقائد وعلى دساتير تلك الدول عدم ذكر تلك القوميات وان تم تعدادها في الدستور فلا يجب ان تهمل قومية او عقيدة. ختاما اعيد ما ذكرته أعلاه ان الشعوب قد تغير لغاتها واوطانها ويبقى العيش المشترك والحوار الحضاري المبدأ الأساسي لبقائنا احياء على الثرى لحد يومنا هذا.

ان اي تفرقة عرقية او فصلا عنصريا يفضل قوم على اخر سيؤدي حتما إلى انفصال وتفتيت تلك الدول في المستقبل. وان مستقبل الإنسانية مرتبط بحتمية العيش المشترك لجميع شعوب المعمورة في سلام ووئام وفي وطن كبير اسمه الثرى دون حرب ونزاعات والا لا يرى النور أحفادنا في المستقبل على ما نسميه اليوم الكرة الأرضية.

 

د. توفيق آلتونجي

 

احمد شحيمطيمنحنا خطاب النهايات في الفكر المعاصر رؤية جديدة للمعرفة لانبثاق معطيات أخرى تتجاوز فلسفة الأمس عن الإنسان والنزعة الإنسانية في النظر للذات كوعي وحرية وإمكانيات الكائن الإنساني في قدرته على الفعل والتغيير . صورة نمطية مستمرة من اليونان وعصر النهضة والأنوار وأخيرا نزعات الفكر الفلسفي والتاريخي في الوجودية والماركسية والمثالية نحو اختزال الإنسان في طابعه الايجابي الذي يعني القدرة والفعل والحرية وصناعة التاريخ . هذا الكائن المميز ليس سوى صورة جديدة وانعطاف في تاريخ الفكر. يتلاشى بفعل الحتميات والبنيات المتحكمة في خطابه . عمره يقاس باللحظات المفاجئة والعابرة والتي ترسم ملامحه من جديد . ليس كائنا منفعلا أو صورة سلبية بل ذات تتلون بألوان العصر وفلسفته . خطاب النهايات يعكس صورة عن أفول النزعة الإنسانية وتشخيص للواقع الإنساني يعيد تكرار فكرة "موت الإنسان " ونهاية التاريخ والأيديولوجيا والمثقف والدولة ...

خطاب النهايات يعلن عن الاكتمال ويفتح افقأ جديدة للتفكير في ميلاد الإنسان برؤية أخرى . منتج الأدوات والأشياء ومحاط برموز وعلامات يجيد توظيفها في منح الدلالة والمعنى للعالم , ويصبح في قلب السؤال عن محدودية هذا الإنسان إزاء أفكار جديدة تجرفه نحو ما ترمي إليه من مرامي وأهداف.  فالايدولوجيا التي تعتبر نتاج الوعي المزيف في ظل هيمنة النظام الرأسمالي وفق تأويلات ماركس للعالم المادي مصيرها الزوال والتلاشي لأنها أضحت منفتحة على فلسفة جديدة شاملة الغايات والنوايا. والإعلان عن موت الايديولوجيا بمثابة النهاية للفكر الطوباوي والتصورات الحالمة . وان كانت الايديولوجيا في سياقها العام أفكار وتمثلات وتصورات سائدة في لغة السياسة والقانون والاقتصاد والفن والأخلاق أو تطابق بين البنية التحتية والبنية الفوقية في تعريف كارل ماركس فان الأفكار في نسبيتها لا تعبر بالشكل المطلق عن الواقع أي قابلية الفكر للتطبيق والممارسة أو يمكن أن تعكس الأفكار عالما مثاليا في تحديد النهايات كما في النماذج الحالمة من التصورات الخاصة بالقرون الوسطى عن الدولة المثالية في فلسفة القديس اوغوسطين(مدينة الله) وكامبانيلا (مدينة الشمس) أو المدينة الفاضلة في تصور أبو نصر الفارابي في الفلسفة الإسلامية. وجمهورية أفلاطون العادلة . نماذج لما يمكن أن يسعى إليه الفكر الإنساني في إقامة العدالة وتخليق السياسة ونزع الشر والحروب من العالم .

فرانسيس فوكوياما يترك للقارئ الانطباع من الوهلة الأولى أن نهاية الايديولوجيا يعني بداية عصر جديد للفكر المنفتح , وهيمنة الفلسفة الليبرالية في شقها السياسي والاقتصادي والثقافي يعني نهاية الحروب والصراعات وعولمة النموذج الممكن في التقليل من التوترات والحروب والزيادة في قدرات الدول وتمكينها من استلهام الفلسفة الليبرالية في خلق مناخ ديمقراطي وتوسيع مجال الحريات . يتشبع فوكوياما كثيرا بالفكر الغربي من ميادين متنوعة في فلسفة هيجل وسوسيولوجيا ماكس فيبر عن الفعل الاجتماعي والبيروقراطية والسلطة العقلانية الشرعية في تكريس بعد دينامي للممارسة والحكم ويفند آراء كل من نيتشه وكارل ماركس وما يتعلق بالفكر المضاد لليبرالية أي يلتمس جذور الفكرة من التراث الفلسفي والاجتماعي ويعتبر نهاية الايديولوجيا بداية اعتراف العالم بالحاجة للثقافة الجديدة التي تنقل العالم نحو الأمان والسلم دون صراعات وقلاقل . فالقراءة المادية للتاريخ والواقع ينهي الايديولوجيا الليبرالية وينعي الرأسمالية كنهاية حتمية . وعند فوكوياما نهاية التاريخ يعني القبول بالليبرالية كفلسفة في منتهى الإبداع لأجل الرفاهية والحرية وتخليص الشعوب من نيرالأنظمة الفاشية.

فالعالم مطالب أن يختار بين الخير والشر , إذن الديمقراطية الليبرالية انتصرت أخيرا والدولة الليبرالية وليدة عصارة أفكار الفلاسفة ورجال القانون من طوماس هوبس وجون ستيوارت مل وهيجل وجون لوك وماكس فيبر. أفضل عالم ممكن للعيش في سلام بمبادئ الديمقراطية الليبرالية. وإذا كانت النهايات حتمية بالنسبة للتاريخ والأيديولوجيا . فكيف يمكن الإعلان عن موت المثقف واختفائه؟ هل النهاية حتمية أم مجرد توسيع هامش الثقافة في عصر العولمة؟ يبدو أن صورة المثقف الحقيقي ذاك  الذي يحمل قضايا تخترق الحدود والحواجز . يدافع عن الإنسان ويطالب بالحرية في كل مكان يحس فيه الكائن الإنساني بالغبن والحيف . فالفيلسوف الوجودي سارتر في فرنسا تعاطف مع الثورات في العالم . في الجزائر كمثال ونقده الشديد لبلده فرنسا وشجبه للاستعمار والاستغلال في كتابه "عارنا في الجزائر " موقف يثمن المبدأ وثقافة الرفض للظلم . مواقف الفيلسوف سارتر استمرت بالفعل حتى في رفضه جائزة نوبل للآداب في 1964 بدعوى انه لا يكتب من اجل الجوائز بل يكتب للإنسان والإنسانية . فالمثقف إنسان حامل لهموم الأمة والمشاريع الكبرى في التغيير. هذا النوع من المثقف أصبح من زمن الماضي بدليل التحولات التي طرأت على أدواره . المناضل والناقد والرافض لكل هيمنة ووصاية سرعان ما تحول إلى أداة في خدمة الدولة والشركات المتعددة الجنسيات . يقدم دراسات واقتراحات عملية مفيدة في فهم السلوك والعقليات الخاصة بالاستهلاك . ويقوم بدراسات ميدانية واستطلاعية ويعمل في الأجهزة الأمنية كخبير أو مستشار للرصد والمراقبة .

فحينما يتحدث المفكر الفلسطيني ادوارد سعيد في كتابة  "خيانة المثقفين " عن صورة المثقفين في صرخة جوليان بندا عن المثقف الذي تستهويه المصلحة الذاتية والمنفعة . عن الصورة التي تتداعى بفعل الواقع المر. هذا المثقف الذي نطلبه أضحى صورة من الماضي . أصبح الناشط السياسي والفاعل الجمعوي والحقوقي يتمتع بأولوية عند الجماهير . هذا الكائن الذي يعبر بالرفض والكلمات المسموعة في شبكات التواصل الاجتماعي هي الصورة المقبولة في ذهن الجماهير الواسعة . انه يتحرك من مكان لآخر . غير قابع في كهفه وعالمه الليلي بين طيات الكتب يقرأ ويرسم العوالم الممكنة لما ينبغي أن يكون . فالإعلان عن نهايته يعني نهاية صورة للمثقف وإعادة تشكيل صورة جديدة وفق مقياس ما ترسمه سياسة العولمة من تغيرات شملت الإنسان في كل أبعاده الفكرية والنفسية والاجتماعية وشملت أيضا نمط الحياة . وعلى العموم مهما قيل في خطاب النهايات فان للمثقف مكانة في توجيه العقول وبنائها باليات كالنقد والهدم والتفكيك وكل ما يميز الفكر الفلسفي المعاصر في رسم الممكنات للكائن الإنساني . هذا المثقف الذي يحمل في ذاته هموم الشعوب وحنين نحو التغيير وتثبيت مستقبل واعد يعتبر نفسه منبه للسياسة والممكن في الفعل والممارسة . المثقف التقليدي ينتهي ويختفي, فأصبح هذا المثقف يبحث عن ذاته في ركام الأحداث وينتقد العولمة والزمن الضنين في رتابته وانهيار قيمه الإنسانية . ويبكي الأطلال والزمن الماضي الذي كانت الوقائع مفهومة من ذاتها والعالم منقسم بين معسكرات وتيارات أما العالم الآني فهو أشبه بغابة التيه والدروب المعتمة والمتاهات.

عالم اللامعنى والفوضى والتفكيك للبنى وإعادة تشكيلها وفق ما ترسمه النخب وذوي السلطة والنفوذ في عالم السياسة والمال . فالعولمة تيار يخترقنا في بيوتنا وعاداتنا وتفرض علينا تجديد آليات الفهم للواقع والعالم وللشبكة المعقدة من العلاقات الإنسانية. "افعل مثلي إن كنت تتشبث بحقك في الوجود" وان كان المثقف يرفض هذه الشعارات فان الأمر كذلك يصبح مبالغة وتهويل من مخاطر العولمة والصواب يبقى قائما في حاجتنا للمثقف الأصيل وليس ذوي الميولات الانتهازية في اللعب والمراوغة لأجل مصالح البورجوازية والشركات المهيمنة وتمويه الرأي العام بخدمة المجتمع المدني والفئات المقهورة . نهايته بمثابة إعلان جديد عن مواصفات المثقف في زمن العولمة واقتصاد السوق وزمن التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية . كل الناس مثقفون وفق ما يقول انطونيو غرامشي على الوظيفة التي يؤديها الإنسان في المجتمع  والتي تمنحه صفة المثقف . أما المثقف المتعالي (التقليدي) القابع في أبراج عالية فهو مثقف سلبي لا ينخرط في العمل والتغيير نحو الأفضل ولا يعير اهتماما لإيقاع المواطن ونبض الشعوب التواقة للحرية والتحرر من نير الاستعباد والاستبداد بأشكاله . ويجب القول أن هذا النوع من المثقفين انتهى بالفعل وعودته مسألة مستبعدة. أما وضعية المثقف في العالم العربي فهي بالتأكيد وضعية صعبة يعيشها لذاته وبانخراطه في الواقع الاجتماعي . مثقف قطري ينشد التغيير للوطن ويتماهى في غالب الأحيان مع الدولة القومية في الدفاع عن الشعارات والتوجهات بالتزكية والقول الصائب أو نقد الآراء المضادة للخطاب الرسمي أو يعيش في برجه العاجي يرسم الخطط والأماني والأحلام في الأوهام وينتهي في غالب الأحيان إلى الاستكانة والانكماش على الذات .

يترك المثقف العربي الانطباع أن دوافع التغيير في إحلال الديمقراطية وفلسفة حقوق الإنسان يفتح علينا مجالا من الاحتجاجات وانفلاتا في الأمن أو يشعل شرارة العنف. ونعثر على المثقف الذي ينتمي لأحزاب لها مرجعيات ايديولوجية يسارية ويمينية وإسلامية تنطلق من قراءة الواقع بأمل أو مخاوف من الآني والمستقبلي . فالإرادة في التغيير للأوضاع الحالية التي يمر منها العالم العربي من عدم الاستقرار والتشتت من جراء تحالفات وتباين الرؤى والمواقف. هذا الاختلاف يترك المثقف العربي يعيش أوهام مخالفة بتعبير علي حرب. أوهام النخب أو المثقف العربي في استلهام ما في التراث من وميض يمنح الإنسان العربي العودة للجذور أو الانفتاح بشكل كلي على الحداثة الغربية والقطع مع التراث. فالمثقفون مشارب وتوجهات ينادي كل منهم بما يمكن أن يكون اجتراحا لمشاكل بنيوية يعاني منها العالم العربي من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية ونفسية. وينشد هذا المثقف التغيير دون عملية جراحية استئصالية بمعنى طلب الإصلاح واللعب على أوتار السياسي والاجتماعي والقيمي دون انكسار البنية وخلخلتها في العمق من ترسبات الأزمنة المختلفة وتراكمات التاريخ . مطلب مستعجل في إصلاح ما يرمي إليه الواقع من اكراهات جمة أصبحت تهدد وحدة المجتمع وتماسكه . الإصلاح يملي على المثقف أن يكون حريصا في توصيل الفكرة والثبات عليها . لا بديل عن الإصلاح والالتفاف وراء الخطاب الهادف دون السعي وراء تقويض أركان المجتمع في شعارات راديكالية تنقلنا نحو حرب الكل ضد الكل والصراعات المميتة . فالطموحات التي يرسمها المثقف العربي كبديل عن الواقع ليست أوهاما على طريقة دون كيخوتي بل السعي الحثيث نحو فعل أشياء تنير الوعي العربي في أفق تحقيق الممكن للدخول في العصر . واستنبات ثقافة التغيير.

 

بقلم : احمد شحيمط - كاتب من المغرب

 

جواد بشارةهناك مقولة مكسيكية قديمة تقول :" إن الزمن هو أداة الله لمنع حدوث الظواهر في آن واحد" ماهو الزمن؟ هل هو مجرد مفهوم معنوي مرتبط بسيكولوجية الإنسان ورؤيته؟ هل هو كينونة مادية حقيقية موجودة تعتبر جزءاً من نسيج الكون؟ ماهي علاقته بالمكان أو الفضاء؟ هل يمكن للزمن أن يتحول إلى مكان وبالعكس؟ هل هما مرتبطان على نحو عضوي لا ينفصم كما قال آينشتين ودمجهما في تسمية واحدة هي الزمكان؟ هل هو موجود قبل إنبثاق الكون المرئي وظهوره، أي أزلي وأبدي، أم محدود المدة وله بداية ونهاية مرتبطة ببداية الكون المرئي ونهايته؟

كل شيء في الكون مرتبط بما يسمى " الظروف الأولية الأساسية البدئية " التي تحكمت بعملية انبثاق وظهور الكون المرئي منذ لحظة الإنفجار العظيم بالنسبة للكون المرئي، وهي تشكل أحد أهم المعضلات والمشاكل والتحديات التي يواجهها علماء الفيزياء والكونيات. إن معرفة تلك " الظروف الأولية البدئية الأساسية les conditions initiales أمر في غاية الأهمية في علم الكوسمولوجيا ــ الذي يدرس تركيبة وبنية وهيكيلية وهندسة وشكل وتطور الكون المرئي باعتباره كل لايتجزأ. فبدون إمتلاك المعلومة الحقيقية سيبقى فهمنا للكون المرئي ناقصاً . وتركز كافة النظريات الفيزيائية على هذه الناحية لمعرفة أصل وبداية الكون مكانياً وزمانياً . وفي نفس الوقت إن ما يميز تلك الظروف الأولية البدئية الأساسية أو التأسيسية" الكونية هو أنها تؤدي إلى نشوء تبعات وتداعيات ميتافيزيقية ماورائية أو غيبية ، فلو كانت مثل تلك الشروط الأولية موجودة بالفعل لتشرح لنا تطور الكون، فإنهها ستثير عدد من الأسئلة الجوهرية من قبيل من الذي أوجدها بهذه الدقة المتناهية هي وثوابتها وقيمها اللوغارتمية؟، ولماذا جاءت بتلك الصيغة وليس بغيرها؟ فهي تحدد تطور الكون في حركته التي قادته إلى ما هو عليه في الوقت الحاضر. كما تحدد بالإجمال بنية الكون في أبعاده على أكبر نطاق ــ في اللامتناهي في الكبر ــ كما تساهم في تحديد حجمه وشكله ودرجة حرارته ومكوناته، ما يعني أنها هي التي تقف وراء ما بات عليه الكون المرئي في الحاضر كما هو مرصود ومنظور ومرئي، وما علينا سوى العثور على طبيعتها وماهيتها، ولكن المهمة ليست سهلة إن لم نقل شبه مستحيلة في الوقت الحاضر، لأنها وجدت قبل أكثر من 10 مليار سنة عندما كان الكون المرئي بمثابة مختبر كوني هائل للفيزياء بطاقات لامحدودة. وإن أخذها بالحسبان يولد توافقاً وتلاقي بين الكوسمولوجيا ومفاهيمنا عن البنية القصوى للجسيمات الأولية المكونة للكون المرئي. فمسألة طبيعة وماهية تلك الظروف أو الشروط الأولية التأسيسية البدئية والحالة الراهنة للكون المرئي متشابكة لايمكن الفصل بينها وهي التي تتعاطى مع الوضع الحاضر للفيزياء الجوهرية la physique fondamentale .

عندما اكتشف هابل في عشرينات القرن الماضي أن الكون المرئي في حالة توسع شامل اضطر العلماء ، ومن بينهم آينشتين نفسه، إلى قبول فكرة أن للكون المرئي بداية . إن حقيقة التوسع لايمكن أن تمتد إلى ما لا نهاية في الماضي. وبالتالي سوف نجد أنفسنا أمام فكرة أن الكون في لحظة ما في ماضيه السحيق كان ذو كثافة لانهاية ومادته كلها مضغوطة في حجم شبه معدوم ــ في اللامتناهي في الصغرــ وهو ما أطلق عليه حدث " البغ بانغ أو الإنفجار العظيم" . وفي ستينات القرن الماضي تعزز هذا الطرح النظري باكتشاف حقل أو مجال للإشعاع الحراري الذي برد مع استمرار التوسع وغدا آثراً للحالة الساخنة جداً للمرحلة البدئية للكون المرئي. جاءت نظرية النسبية العامة لآينشتين منذ العام 1915 لتؤكد التنبؤءات المفصلة عن الحالة البدئية الأولية للكون المرئي التي افترضتها نظرية الإنفجار العظيم عندما لم يتجاوز عمر الكون بضعة ثواني. ومن ثم تبنى علماء الكونيات الكوسمولوجيين حقيقة الكون المرئي منذ الثانية الأولى لوجوده لغاية الوقت الحاضر بعد مرور 13.8 مليار سنة ضوئية هي عمر الكون المرئي التقديري أو الافتراضي. لكن ذلك لا يعني أننا فهمنا ماحدث في الماضي الكوني، فنحن لانعرف سيرورة نشوء المادة وتحولاتها وتشكيلها للمجرات والسدم والحشود المجرية والنجوم والغازات والأغبرة أو السحب الكونية ، فبعد ثانية من بداية ظهور الكون للوجود وجد العلماء الذين يدرسون تلك الحقبة أنفسهم على أرضية متموجة كالرمال المتحركة، فهم لايمتلكون سوى " الخلفية الإشعاعية الميكروية الأحفورية المنتشرة للكون" كمصدر للدراسة والتحليل للطيف الضوئي القادم من الماضي السحيق للكون لتخمين ما كان يوجد بالفعل آنذاك، و ليعيدوا صياغة تاريخه. ولمعرفة ذلك يتعين معرفة سلوك المادة والجسيمات الأولية المكونة لها في الطاقات العليا القصوى وهو الأمر الذي لا تسعفنا فيه التقانة أو التكنولوجيا البشرية الحالية لتحقيقه. تجدر الإشارة إلى أن نظرية الإنفجار العظيم لا تتضمن ولا تدلنا حقاً على بداية للكون المرئي فيمكن أن يكون توسعه أبدياً وأزلياً مع متوسط سرعة ثابت . ويمكن لنظرية موحدة شاملة أن تقترح لنا كوناً بدون بداية في الزمن ويتوافق توسعه وامتداده مع نظرية الكون الساكن والثابت لأن التوسع سيكون محلياً وليس شاملاً . ومع ذلك لاتقدم مثل هذه النظرية أجوبة لعدد آخر من الألغاز والظواهر التي لم يجر تفسيرها لحد الآن مثل سرعة التوسع والتسارع والتضخم والخلل في التوازن بين المادة والمادة المضادة وأصل المجرات الخ ..

إن هذه اللاتكاملية المنطقية توسم كل النظريات والنماذج الكونية التي تصف كوناً لانهائي القدم حتى لو لم توجد لحظة بدئية تأسيسية أساسية بالمفهوم الزمني. ففي كون لانهائي في قدمه فإن الظروف الأولية البدئية يجب أن تتحقق في ماضي زمني لانهائي أيضاً. ولقد حاول الفلاسفة القدماء ورجال الدين والثيولوجيين أن يحلوا هذه المعضلة بخصوص القدم اللانهائي للكون وتوصلوا إلى لامعقولية التفكير بزمن لانهائي في القدم، فهذه الصفة لا تنطبق إلا على الله الخالق للكون، وهي نفس المسألة التي يتذرع بها العلمانيون فيما يخص لانهائية أو أزلية وأبدية الله، خاصة بعد أن وثب الثيولوجيون ورجال المؤسسات الدينية على مفهوم الانفجار العظيم ليجيروه إلى جانبهم ، وفرحوا بمسلمة أن لا بد من بداية للكون المرئي في مسار الزمن وبالتالي ضرورة وجود خالق لهذا الكون الذي حدد بدايته بأية طريقة كانت. وحجتهم أن لكل شيء سبب لوجوده وفق مبدأ السببية والعلة والمعلول وبالتالي فإن للكون سبب وعلة لوجوده ولا بد من موجد له هو الذي يعرف سبب وجوده وغايته. ولهذا ظهرت مدارس كوسمولوجية تحدثت بعدم ضرورة معرفة الظروف الأولية البدئية الأساسية أو التأسيسية وأنها قد لا تكون موجودة أو لا تلعب دوراً أساسياً وجوهرياً في نشأة وتطور الكون المرئي لكنهم لم يفلحوا في فرض نظرياتهم في الوسط العلمي الذي ظل متمسكاً بأهمية الشروط التأسيسية الأولية البدئية للكون المرئي وتأثيرها الجوهري على مسيرة وتطور وتاريخ الكون وتركيبته. إلى أن اقترح أحد العلماء حلاً سحرياً وهو آلان غوث Alan Guth بخصوص سرعة التوسع والتمدد الكوني، تمثل بفكرة " التضخم الكوني الهائل والمفاجيء Inflation" الذي يقلل من أهمية الظروف والشروط الأساسية الأولية بدون القلق من الإنتاج الهائل للحرارة. سميت هذه النظرية بالكون التضخمي Univers inflationnaire.

من هنا نشأ مفهوم " الثقالة الجاذبة التي تحدث عنها نيوتن وآينشتين ، والثقالة النابذة أو الطاردة " والتي يعتقد البعض أنها نوع من الطاقة الغامضة غير المرئية سميت بالطاقة السوداء أو المظلمة أو المعتمة أو الداكنة. حيث يوجد معها مادة خفية غامضة هي الأخرى سوداء أو مظلمة أو معتمة أو داكنة ويشكلان معاً الجزء الأكبر من مكونات الكون حوالي 95%.

كشفت عمليات الرصد والمراقبة والمشاهدة الكونية ، في إطار نظرية البغ بانغ " الإنفجار العظيم الكلاسيكية" أن الكون المتوسع يشهد حالة من الإنتظام uniformité النسبية في مناطق مختلفة من الكون مما يشكل لغزاً، ولفهم هذا اللغز علينا أن نفرق بين " الكون الكلي Univers Entier" والذي يفترض أنه ممتد إلى اللانهائية و"الكون المرئي univer visible" الذي يشكل جزءاً ضئيلاً جداً من الكل الشامل المطلق وقد يكون اصغر من الجسيم الأولي الذي يشكل بنية المادة للكون المرئي نفسه. مانراه ناجم عن الضوء الذي ينتقل عبر الزمن بمقياس السنوات الضوئية ــ أي ما يقطعه الضوء خلال سنة أرضية بسرعة 300000 كلم في الثانية ـــ منذ بداية التوسع الكوني إلى يوم الناس هذا. ويمكننا تشبيه الكون المرئي ككرة تحيط بنا وبكل الموجدات المادية القابلة للرصد والمشاهدة والقياس في نصف قطر يصل إلى 15 مليار سنة ضوئية تقريباً إلا أن نجوم بعيدة جداً لم يصلنا بعد الضوء الصادر منها وقد يحتاج الأمر إلى مليارات السنوات الضوئية الأخرى أيضاً فهي تقع خارج نطاق الأفق الكوني . يمكننا القول أن الكون المرئي محدود وله حواف ونهايات لكن الكون الكلي المطلق غير محدود و لا توجد له نهايات ، لا في المكان و لا في الزمن، ومن هنا يمكننا حل معضلة أو مشكلة " الأفق الكون le problème d’horizon cosmique للكون المرئي.

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

 

صالح الطائيصدر العدد الخامس، شتاء ٢٠١٩ من كانون الثاني/ يناير من مجلة (همس الحوار) اللندنية، Vol 5, Winter (January) 2019 الخاص بمحور: الطبيعة: دمارها وحمايتها ~ Nature. Destruction. Protection. زاخرا بمواضيع شتى، منها:

 1ـ توحش الإنسان وعقوق الطبيعة الأم/ الدكتور صالح الطائي

2ـ استراليا: البيت أم الارض؟ ~ Aboriginal Art / Emily Porter

3ـ الصحارى والجبال ~ Desert Versus Mountain / الدكتورة منى العلوان

4ـ تطور الأنسان الفكري والنفسي وأثره على البيئة والطبيعة/ أحمد بسيوني

5ـ  Basra and its Culture ~ تنوع التراث الشعبي بالبصرة/ Ali Abu-Iraq

6ـ الطبيعة والبيئة في الموصل/ سالم صالح سلطان

7ـ الحفاظ على البيئة من الحروب والبشر/ حواس محمود

8ـ  Wild Geese/ By the American poet Mary Oliver

8ـ  Wars on Nature  The Effect of ~ الحروب وأثرها في الطبيعة/ شاكر عبد القهار الكبيسي.

وقد جاء في خلاصة بحثي الموسوم "توحش الإنسان وعقوق الطبيعة الأم":

قد يبدو للبعض أن موضوع الحفاظ على البيئة أحد القضايا التي اهتم بها الغرب، وأخذناها عنهم، وتعلمناها منهم، لسبب بسيط وهو أن الغرب اهتم بالبيئة بقدر اهمالنا لها، وهذه معلومة ليست حقيقية، فالإنسان في كل مكان أسهم بأعماله الهمجية في تدمير البيئة حتى وصلت إلى درجة تقلص طبقة الأوزون التي تهدد الأرض بالخطر الماحق، وألا بماذا نفسر تلك المحاولات المحمومة لتلويث البيئة وتدميرها منذ آلاف السنين، ومع جهلنا فيما كان يفعله الإنسان الأول إلا أن هناك مؤشرات يقينية على أن الهنود كانوا أول من استخدموا في حروبهم التي خاضوها قبل الميلاد بألفي عام حواجز كثيفة من الدخان والأبخرة السامة التي تسبب الارتخاء والنعاس كنوع من أنواع الحروب الكيمياوية.

وفي وقت مبكر من تاريخ العالم، وتحديدا قبل الميلاد، استعملت مملكة سونج تشاو الصينية في عصر الممالك المتحاربة، أبخرة الزرنيخ في حروبها، لتسجل هذه الأسرة أول استخدام معروف للبارود في الحروب.

621 صالح الطائي

ولم يستخدم قدماء اليونان الغازات السامة إلا في سنة 431 ق.م استخدموها على شكل لهب يطلق بواسطة قاذفات كبيرة ( المنجنيق ) وكانت على شكل الكبريت والفحم والقطران، وهذا يتعارض مع ما ذهبت إليه موسوعة المعرفة بادعائها أنهم اول من أستخدم الغازات السامة في الحروب.

وهكذا يتضح التاريخ القذر للحروب، وتسببها في تدمير البيئة منذ بدايات الوعي الإنساني، وهو أمر كان على الإنسانية أن تتجاوزه في خلال سيرورتها التاريخية، ولكنه للأسف لم يتوقف بل استمر ينمو ويتطور مع تطور الأمم حضاريا، فمنذ ذلك التاريخ، وصولا إلى القرن العشرين، كانت الحروب أحد أكثر عوامل التأثير السالب على البيئة، ولاسيما بعد أن طوع الإنسان معطيات التحضر ليستخدمها كأدوات للتدمير الممنهج الشامل. وكم هو جالب للدهشة أن تجد أكثر الشعوب رقة ورقيا وحبا للجمال والثقافة تنبري من بين الجموع لتكون الأولى في خرق نواميس الطبيعة باستخدام ما يقتل الطبيعة، حيث كانت فرنسا أول دولة حديثة تستخدم الأسلحة الكيمائية إبان الحرب العالمية الأولى عام 1914، حيث استخدمت الغازات المسيلة للدموع ضد القوات الألمانية في محاولة لوقف تقدمها، وهو الأمر الذي شجع الألمان على استخدام الغازات المسيلة للدموع ضد الروس، ثم ما لبثوا أن استخدموا غاز الفوسيجين ضد القوات الإنجليزية عام 1915، واكتشفوا بعد ذلك غاز الخردل واستخدموه ضد الجيوش الأخرى، فتسبب بقتل مئات الآلاف من البشر، وترك آثارا مدمرة على البيئة.

وحتى بعد أن شعرت الإنسانية بالأثر التدميري لهذه المواد، فإنها بدل أن تسعى إلى وقف هذا التخريب الممنهج، بدأت في تطوير صناعاتها، لتتمكن بعد ذلك في مرحلة الحرب البيولوجية من استخدام أسلحة الدمار الشامل التي تسبب أضرارا جسيمة للإنسان والحيوان والطبيعة، والمصيبة الكبرى أن أكثر البلدان المعاصرة حبا للسلام ودفاعا عنه كانت السباقة في هذا المضمار، حيث كانت اليابان أول من أنتج  القنبلة البيولوجية التي تحتوى على ميكروبات تسبب أمراض التيفوئيد والكوليرا والطاعون والكثير من الأمراض الأخرى. وهذا ما حفز الدول الأخرى لتبدأ في إنتاج الأسلحة البيولوجية؛ التي ضمت أنواعا أخرى من مسببات الأمراض مثل مسبب مرض الجمرة الخبيثة، ومرض الكوليرا، ومرض الطاعون، ومرض الحمى القلاعية، ومرض التيفوس الوبائي وغيرها.

فعاش العالم رعب الخوف من الأسلحة الكيميائية التي تحوي غازات الأعصاب مثل غاز الزاراين، والغازات الكاوية مثل الخردل، والغازات الخانقة مثل الفوسيجين، وغازات الهلوسة، وغازات الدم كالحامض الهيدورسيانيك وغيرها. ورعب الخوف من السموم الكيميائية مثل الصوديوم والبوتاسيوم والأبخرة السامة جدا التي تهاجم أجهزة التنفس أو الهضم وتؤدى إلى موت الخلايا والوفاة، فضلا عن الأثر الذي تتركه على الحيوانات والطبيعة بشكل عام. وصولا إلى استخدام الذرة الذي ابتدئ بتفجير قنبلتين ذريتين على مدينتي هيروشيما ونكازاكى اليابانيتين في الحرب العالمية الثانية، والتي راح ضحيتها بين موت وإصابة وتشويه مئات الألوف من البشر، ولا زالت آثارها التخريبية على البيئة فاعلة لغاية هذا التاريخ. وللأسف حتى مع حديث العالم عما يعرف بالردع النووي، إلا أن السعي لإنتاج أسلحة دمار شامل أخرى أشد ضراوة من القنابل الذرية بقي فالعلا إلى أن توصلوا إلى صنع القنابل الفراغية، وأنواعا أخرى لم تصرح عنها الجهات المنتجة.

ومن المآسي الكبيرة أن الطبيعة نفسها وظفت لتدمر ذاتها بذاتها بمساعدة وتدخل الإنسان، مثلما حدث في منطقة الخليج بعد حرق آبار البترول أثناء الغزو العراقي للكويت، وقيام داعش بحرق الآبار النفطية والخزانات في المناطق التي أجبرت على الانسحاب منها مثل مصفى بيجي والقيارة وعين زالة، مما تسبب في تساقط أمطار حامضية تركت أثرا تدميريا على التربة والمزارع والحيوانات والحياة النباتية والمائية.

وحتى مع كل هذا التدمير الواسع كان موقف الأمم المتحدة ومنظماتها الدولية دون المستوى المطلوب، فمع استخدام تقنيات التغيير في البيئة، التي عرفتها "اتفاقية حظر استخدام تقنيات التغيير في البيئة لأغراض عسكرية أو لأية أغراض عدائية أخرى 1976" في المادة الثانية منها على أنها: أية تقنية لإحداث تغيير – عن طريق التأثير المتعمد في العمليات الطبيعية – في دينامية الكرة الأرضية أو تركيبها أو تشكيلها، بما في ذلك مجموعات أحيائها المحلية (البيوتا) وغلافها الصخري وغلافها المائي وغلافها الجوي، أو في دينامية الفضاء الخارجي أو تركيبه أو تشكيله. حتى مع ذلك نجد نوعا من التهاون الدولي ففي الوقت الذي تأخر فيه صدور إعلان مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة البشرية الذي أقر في استكهولم في 16 يونيه/حزيران 1972، إلى هذا التاريخ، لم تُقر اتفاقية حظر استخدام تقنيات التغيير في البيئة لأغراض عسكرية أو لأية أغراض عدائية أخرى إلى عام 1976، وحتى مع توقيع الأعم الأغلب من الدول الأعضاء عليها، ونصها في المادة الأولى منها على:

1- تتعهد كل دولة طرف في هذه الاتفاقية بعدم استخدام تقنيات التغيير في البيئة ذات الآثار الواسعة الانتشار أو الطويلة البقاء أو الشديدة لأغراض عسكرية أو لأية أغراض عدائية أخرى كوسيلة لإلحاق الدمار أو الخسائر أو الأضرار بأية دولة طرف أخرى.

2- تتعهد كل دولة طرف في هذه الاتفاقية بألا تساعد أو تشجع أو تحض أية دولة أو مجموعة من الدول أو أية منظمة دولية على الاضطلاع بأنشطة منافية لأحكام الفقرة (1) من هذه المادة.

إلا أن استمرار تطوير الأسلحة المدمرة للبيئة، واستخدامها المتكرر في جغرافيات مختلفة لا زال فاعلا ومؤثرا، وتكاد دول العالم الثالث والدول المتأخرة بما فيها الدول العربية التي تعاني من أزمة في تحديد الهوية وتطويع ثقافة التعايش أن تكون الضحية الأشهر لها وأن تستخدمها بنفسها يوميا حتى ضد شعوبها، مع وجود تهديدات خارجية بتدمير المنشآت النفطية وضرب المفاعلات الذرية الذي ممكن أن ينفذ في أي وقت، دون اعتبار للإنسان والحيوان والطبيعة.

وفي العودة إلى مقدمة الموضوع التي ورد فيها قولي: " قد يبدو للبعض أن موضوع الحفاظ على البيئة أحد القضايا التي اهتم بها الغرب، وأخذناها عنهم، وتعلمناها منهم، لسبب بسيط وهو أن الغرب اهتم بالبيئة بقدر اهمالنا لها". أود الإشارة إلى أن دين الإسلام وضع قواعد مهمة للتعامل مع الطبيعة وموجوداتها، ابتداءً من المهمة الأولى التي أعطاها الرب للإنسان، إذ هناك في كتاب الله آية تقول: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}﴿البقرة: 30)

وهي حوارية بين الرب وملائكته، يخبرهم الرب فيها بأنه سيخلق إنسانا، ويسكنه الأرض، وأشار إلى هذا المخلوق بلفظ "الخليفة"، والخليفة لغة: من يخلف غيره ويقوم مقامه! بمعنى أن لهذا المخلوق أهمية قصوى، وستوكل له مهمة الحفاظ على الكون المحيط به، باعتبار أن الأصل الذي هو الله تعالى، خلق ذلك المحيط من أجل منفعة هذا المخلوق، كما في قوله: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (البقرة: 164)، وان الرب رتب أمور الكون العامة لتصب في مصلحة المخلوق الخليفة المبتكر، كما في قوله: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ  (*) وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ  (*) وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ  (*) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} (الأنبياء: 30ـ 33) ولذا أمره بأن يحافظ على البيئة ويتعامل معها باحترام كبير ويبتعد عن تلويثها حتى ولو من خلال التلوث الضوضائي البيئي، ومن هنا خاطب الربُ الإنسان بقوله: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ{(لقمان: 19).

أما على مستوى السنة النبوية فهناك منظومة حديثية وتشريعية واسعة ومهمة، تُقيد الإنسان ضد أي تعامل قاسِ مع الطبيعة، فعلى سبيل المثال، أعطى الإسلام للحيوان (113) حقا لا يجوز انتهاكها، كما في قول النبي(ص): "من قتل عصفورا عبثا عجّ إلى الله يوم القيامة يقول: إنّ فلانا قتلني عبثا، ولم يقتلني منفعة".

وقال(ص): "دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض".

وقال(ص): "غُفر لامرأة مومس مرت بكلب على رأس ركي يلهث كاد يقتله العطش، فنزعت خفها، فأوثقته بخمارها، فنزعت له من الماء، فغفر لها بذلك".

وفيما يخص البيئة، أمر بالحفاظ عليها، وحثهم على تجميلها، كما في حديث جابر أن رسول الله(ص)، قال: " ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منو طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة". وحديث أنس بن مالك، قال: "كانت شجرة في طريق الناس تؤذي الناس، فأتاها رجل، فعزلها عن طريق الناس. فقال النبي (ص): "لقد أ ريته يتقلب في ظلها في الجنة". وأجمل تلك الآراء بقوله(ص): "ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أُكل منه له صدقة، وما سُرق منه له صدقة، وما أكل السبع منه فيه له صدقة، وما أكلت الطير فهو له صدقة، ولا يُرزؤُه أحد إلا كان له صدقة".

فضلا عن ذلك، أمر(ص) بزراعة الأرض الصالحة، وإصلاح الأرض الميتة والإفادة منها، كما في قوله: " من أحيا أرضا ميتة فهي له". وقوله: "من كانت له أرض فليزرعْها، أو ليمْنحْها أخاه". بل وصل الأمر أنه أمر بالزراعة على كل الأحوال حتى عند أكبر المصائب، فقال: "إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها".

وأمر بإكرام الأشجار المثمرة، فقال(ص): " أَكْرموا بني عمّاتكم النّخل"

وفي جوانب أخرى، نهى رسول الله (ص) عن الاغتسال في الماء الراكد حتى لا يلوث فقال: "لا يغتسلنَّ أحدكم في الماء الدائم وهو جنب". وفي رواية أخرى، قال: "لا تبل في الماء الدائم الذي لا يجري ثم تغتسل منه".

وأمر بترشيد استهلاك المياه حفاظا على البيئة، فقد "توضأ ثلاثا، وقال: من زاد فقد ظلم وأساء". وفي حادثة أخرى: "إنه(ص)، مرّ بسعد وهو يتوضأ، فقال: ما هذا السرف يا سعد؟ فقال: أفي الوضوء سرف؟ قال: نعم، وان كنت على نهر جار". ثم أجمل الرؤية الإسلامية بقوله: "ارحم من في الأرض، يرحمك من في السماء"

 

صالح الطائي

 

 

بمرور العمر وازدياد الخبرة بالتعامل مع الناس من حولنا اصبحت اقسم شكل او نوع علاقاتي مع من حولي من الناس الى اصدقاء وزملاء واهل واقارب ومعارف وقائمة ديليت وقائمة النسيان.

- الاصدقاء هم الذين تختارهم من الفئات الاخرى وهم الاقرب الى نفسك وهم من تستطيع أن تقيم معهم علاقة تفاهم وانسجام الى حد كبير وبينكم تواصل دائم ولقاءات مريحة وقد يكون سفر وهم الاقرب الى الصفات التي تختارها لمن ترتاح معهم وتستطيع الى حد ما أن تستشيرهم وتسر اليهم بما في نفسك واقرب الناس الى ميولك الفكرية والثقافية واهتماماتك وقد تختارهم من فترة الطفولة وتبقى على علاقة معهم او من فترة الدراسة او من فترة الجامعة او من زملاء العمل الذين توطدت معهم العلاقة واصبحوا الاقرب الى عمرك وادخلتهم الى خانة الصداقة بعد أن كانوا في خانة الزمالة.

- الزملاء وهم زملاء اللعب والدراسة والعمل جمعتك بهم المراحل العمرية المختلفة وقد تكون اقتربت منهم الى حد كبير ودخلوا في الاصدقاء او ابتعدت عنهم فيما بعد .ويعتمد ذلك على مدى الانسجام والارتياح بينكم .فمن لم تتوطد علاقتك به وتتطور الى صداقة سيتحولون مع الزمن الى قائمة النسيان او قائمة الديليت وبشكل عام تنتهي علاقاتنا مع زملاء اللعب والدراسة والعمل بمجرد انتهاء المرحلة او الانتقال الى عمل جديد وقد لا تجمعنا بهم الا المناسبات المتباعدة او (الري- يونين) او لم الشمل للكروبات الجامعية التي بدأ البعض من زملاء الدراسة او العمل يقيمونها دوريا او سنويا بفضل الفيس بوك والفايبر والواتس ساب وبقية وسائط التواصل الاجتماعي.

- الاهل وهم الاب والام والاخوان والاخوات والابناء والزوجة والاحفاد والاجداد وهم من لا تستطيع أن تنفصل عنهم لاسباب شخصية او اجتماعية لأنهم كما يقال من لحمك ودمك واذا تركتهم او اهملتهم ستأكل الناس وجهك كما أن الدين والاعراف فرضت عليك مواصلتهم ورعايتهم وسواءا ارتحت اليهم ام لم ترتاح فمجاملتهم والتواصل معهم واجب لابد منه .

- الاقارب وهم الاعمام والعمات والاخوال والخالات وابناءهم والنسباء والنسيبات وقديما قيل الاقارب كالعقارب وغالبا لا تكون علاقاتنا بهم كما كنا نتوقع في شبابنا خصوصا في هذا الزمان الاغبر حيث الناس لا تحترم علاقة القرابة وما اكثر البوريات التي أتتك من اقاربك وكنت تظن بهم خيرا، ولكن فاجئوك بموقف لم تكن تتوقعه منهم او بعضة كلب مكلوب جعلتك تتخذ منهم الحذر وتتجنب التواصل معهم لكي لا تنال عضة اخرى.

- المعارف هم الناس الذين تعرفت عليهم وبينك وبينهم سلام او تعارف ولكن لا توجد علاقة تواصل بينكم وقد يكونون من الجيران او زملاء العمل او الجامعة، تعرف وجوههم وتسلم او يسلموا عليك من باب المجاملة ولم تتطور بينكم العلاقة لاكثر من هذا .

- قائمة ديليت وهم الناس من الذين مروا بك وسواءا كانوا في يوم من الايام من الاصدقاء او الزملاء او الاقارب او المعارف وحدث موقف قررت من بعده وضعهم في قائمة ديليت، لاسباب قد تكون عضة او بوري او احراج او مشكلة او صفات فيهم لا يستطيعون تغييرها وقررت على اثرها قرارك الهام بوضعهم في قائمة ديليت لتخرجهم من حياتك وتتجنب ازعاجاتهم ومشاكلهم، ووضعت بلوك عليهم في موبايلك وفي وسائط التواصل الخاصة بك.

- قائمة النسيان وهم ناس من الاصدقاء اوالزملاء او المعارف او حتى الاقارب اصبحوا في طيات النسيان اما لسفرهم وابتعادهم عنك او بسبب ظروف الزمان والمكان او البعد وفقدت التواصل معهم بالرغم من ان البعض منهم كنت ترتاح اليهم ولكن الظروف حكمت وابتعدت او ابتعدوا عنك.

علاقاتنا بالأخرين لا نقررها نحن فقط، بل تتدخل الظروف والصفات الشخصية من كرم او بخل ووفاء وخيانة وصدق وكذب وتقدير واحترام في احداث الانسجام والتفاهم الذي يؤدي الى تطور العلاقة او تدهورها وتحديد الخانة التي يمكن أن توضع فيها العلاقة.

 

د. احمد مغير / طبيب وباحث

 

عزالدين عنايةتجربة الحوار الكاثوليكي مع البلدان المغاربية تجربة متفرّدة، من ناحية تعويل الكنيسة على نتائجها ومقاصدها، ما جعل تلك التجربة واعدة من طرف واحد. فالطرف المغاربي، المفتقد لاستراتيجية علمية أو دينية، قد جُرّ جرّا إلى ما يسمّى بالحوار، على مدى أربعة عقود. ولم تنبع المثاقفة من مطلب أكاديمي أو استعداد مؤسّساتي له، بل كانت استجابة للمواكبة والمجاراة. كان أوج تلك المثاقفة بتأسيس مجلة "إسلاموكريستيانا" المسماة بـ"إسلاميات مسيحيات" سنة 1975، بإشراف وتسيير لاهوتيين من الآباء البيض. حُشِدت لها طائفة من الجامعيين من تونس بالخصوص، بغرض صنع وعي ديني ليّن وطيّع. غير أن الآباء البيض، الذين ارتبط منشأهم ودورهم بالكنيسة الاستعمارية، لم يوفّقوا في تجاوز الحوار العُصابي مع الإسلام، عبر ذلك التجمّع، الذي سعوا في تشكيله.

كان الطرف المغاربي ولا يزال، يحسب الدخول في حوار مع الكنيسة "جلسة شاي"، يعرب فيها عن اعتداله وسماحته وتقبّله للآخر، يَجري فيها حديثٌ عن الأخوة الإنسانية ووحدة العائلة الإبراهيمية. ولم يُدرَك حتى الراهن أن الكنيسة الكاثوليكية، لا تزال تنظر بعين الغيرية للإسلام والمسلمين، وأن الجامع الذي يجمعها أساسا هو بأتباع التوراة، بناء على مفهوم "الإخوة الكبار"، الذي اصطنعته وأزاحت منه الطرف الإسلامي، متجاوزة في ذلك الواقع الإناسي والأصول اللاهوتية في الدينين، فضلا عن التأسيس التوراتي "لأباركنَّك –إبراهيم (ع)- وأكثرنّ ذرّيتك فتكون كنجوم السماء وكرمل شاطئ البحر، وترث ذريتك مدن أعدائها" التكوين (22: 18).

لمتسائل أن يسأل عن مغزى التقارب الكاثوليكي من الإسلام المغاربي، أو بعبارة أدق مفاوضاته، التي لا يخفى ما ترنو له من استعادة للمواقع القديمة بعد رحيل الكنيسة الاستعمارية؛ وأرض المغرب تخلو من أهالي أصليين مسيحيين، وحتى إن تواجد أنفار من الناكصين مع تحوّلات العقود الأخيرة، فإن الكنيسة لا تجرؤ على عرضهم وخوض الحوار باسمهم ولأجلهم؟ فقد سعت الكنيسة لتقريب المسيحية من الأهالي، لاستبدال وكلائها في بلاد المغرب برجال دين مسيحيين عرب، المطران مارون لحام أسقفا في تونس، خلف الأسقف فؤاد طوال، وغالب بدر أسقفا في الجزائر، بدل الفرنسي هنري تيسيي. كل ذلك لإخفاء الطابع الغربي عنها، وتيسير تمرير الحوار التفاوضي عبرهم، الذي يدور حول نقطة محورية تدعو لانفتاح الواقع المغاربي، في تشريعاته وواقعه بحسب ما ترنو له الكنيسة، لا الحوار المعرفي.

فالجانب المغارببي يرى أن حرية التديّن مصونة ومتضمَّنة في التشريعات، غير أن ذلك الاستيعاب والاحتضان، بحسب الرؤية الكنسية، غير كاف. وعادة ما يتلخص المطلب الكنسي في الدعوة إلى المناداة بحرية دينية أوسع وأبعد غورا، تبلغ أقصاها في مطلب حرية الانقلاب الديني. بعبارة جليّة، ترك الخيرة للمغاربي أن يبدّل دينه ويدخل في المسيحية بكل أريحية، هذه النواة اللاهوتية الأساسية للحوار مع الإسلام المغاربي. وفي مقابل ذلك تُنتَقَد التشريعات السائدة، والتوجهات الدينية، بأنها تتهدّد وتتربّص بمن يجرأ على تجاوز الأمر السائد. كما جرى ذلك أثناء شن حملة على الجزائر خلال العام الماضي، على إثر محاكمة شبّان جزائريين اتهموا بأنهم بدّلوا دينهم، أو لدى إصدار محكمة وهران حكما يقضي بسجن المبشر الكاثوليكي الفرنسي بيار والز، لممارسته أعمال منافية للقانون. كما تحاول الكنيسة أن تبرّر حضورها في البلدان المغاربية، من خلال التعلّل بالخدمة الاجتماعية، بين المسلمين، وهو مبرّر صادق أحيانا، في بلدان ما زالت تعاني الفقر والخصاصة، على المستويات الاجتماعية والصحية والمعرفية؛ وتتعلّل كذلك بحجّة تقديم خدمات تربوية ودينية للمسيحيين المقيمين أو العابرين، الذين لا يجدون احتضانا في أداء شعائرهم. والواقع أن المسألة أعقد مما يُتصوَّر، فحاجة المسيحيين الأجانب إلى دور عبادة، في البلدان المغاربية، هو مطلب غير واقعي، فلو أخذنا تونس مثلا، التي زارها خلال العام 2008 أكثر من سبعة ملاييين سائح، جلّهم من المسيحيين، ويقطن بها زهاء الخمسة وعشرين ألف كاثوليكي، من أصول أوروبية، فإن أماكن عبادتها الكاثوليكية، البالغ عددها 12 كنيسة، هي مزارات سياح وليست دور عبادة، ويمكن التثبت من ذلك مثلا من خلال رصد أعداد المشاركين في القدّاس في الكاتدرائية الكبرى في العاصمة. فنسبة المسيحيين الممارسين للشعائر في تونس هي نسبة متدنّية جدا، تقلّ عن اثنين بالمئة، من العدد الجملي للكاثوليك المقيمين بالبلد، ناهيك عن نسبة المحافظين على الشعائر الدينية من السياح العابرين، الذين يأتون للمتعة والاستجمام، ولا يبالون بالحفاظ على الشعائر.

ولكن المغزى الرئيسي للكنيسة يبدو متجاوزا لهذا وذاك، عمل الإحسان الموجَّه للمسلمين أو الخدمة الطقسية الموجَّهة للمسيحيين، إلى هدف استراتيجي، وهو بناء جسور تغلغل في تلك المجتمعات، تطمح إلى الإلمام بسير شؤون الحياة، ومنها الاندساس في التأثير على بعض قطاعاتها الهشة، كالادعاء تارة بخدمة القطاع النسوي، المهضوم الحقوق، أو العناية بالأقليات والشرائح المتدنّية الحظوظ، المهملة من طرف السلطة المركزية أخرى. فتحاول الكنيسة الاقتراب من الكتّاب والصحفيين المغاربة الذين يحملون رؤى مغتربة عن الإسلام، ونعني بذلك الذين لهم ميولات فرنكفونية في قراءة التاريخ والوجود الإسلاميين، أو الذين يقترحون حلولا اجتماعية وسياسية غربية للخروج من مآزق الاجتماع المغاربي، يفتقدون فيها لرؤى معايشة ونقد للغرب أو للكنيسة. فتدنو منهم الكنيسة بالقدر الذي ينتقدون به الأوضاع الدينية في المغرب العربي أو العالم الإسلامي. خصوصا إذا ما كانت تلك الانتقادات تخدم المصالح الغربية، أو تعاضد المصلحة الاستراتيجية للكنيسة. فيجدون الترحيب من المؤسسات الكنسية، ويُدعَون للمشاركة في الملتقيات في الغرب لشرح رؤاهم على منابر الجامعات والترويج لها، ويُعرَضون بوصفهم يمثلون الإسلام المعتدل والمتنوّر والديمقراطي والعلماني.

عادة ما تحوز الجزائر المثل السيء، لدى رجال الدين الكاثوليك، عند حديثهم عن أوضاع المسيحيين في بلاد المغرب، وغالبا ما يتناول الحديث أمرين: عدم توفّر أماكن عبادة بالقدر الكافي في هذه البلدان، وعدم تواجد مناخ لحرية النكوص عن الإسلام. مفّسرين الأمر بأن السلطات في تلك البلدان تخشى تعاليم الإنجيل، ولذلك لا تسمح بحضور مبشّرين بين ظهرانيها، والواقع أن الناس لا يبالون بذلك الوعظ، بل ينجذبون لسراب حياة الدعة الخادعة في الغرب. ولذلك لم نسمع عن ناكص بدّل دينه، بلغ درجة معرفية عالية في التعمّق في المسيحية، بل ما بلغ مسامعنا هو تهافت بسطاء من العامة، ممن جثّته في الشرق وروحه في الغرب.

تاريخ الكنيسة الغربية في البلاد المغاربية تاريخ إشكالي، لعل أصدق خطوات تنقيته، البدء بتلمّس الصفح عما اُرتكِب من انتهاكات في سابق عهده. لعل أبرز تلك الأحداث واقعة جامع كتشاوة بالجزائر سنة 1932م، التي ذهب ضحيتها زهاء أربعة آلاف من المعتصمين بالجامع، احتجاجا على قرار تحويله إلى كنيسة. والتي خلّدها شاعر الثورة مفدي زكريا بقوله:

 

وجامع كتشاوة المستعا       د، ما انفك رمزا لإجلالنـا

وهل لافيجيري وطول الســنين استطاع المروق بأطفالنا؟

ومهما يقيمون فيه احتفالا      فقد عاد يهفو لأكبادنا.

 

د. عزالدين عناية

 

اغلب المعتقدات والافكار والممارسات البشرية، لاتمتلك اسساً موضوعيّة لاثبات صوابيتها وحقانيتها . والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: اذا كانت معظم هذه المعتقدات التي عرفها الانسان واعتقدها، والافكار التي تبنّاها، والممارسات التي رسّخها التكرار، وعززتها التقاليد والاعراف، وكرّسها العقل الجمعي، لاتمتلك اسساً موضوعيّة، فهل هناك اسسٌ اخرى تستمد منها مبرراتها؟

نعم، هناك اسسٌ اخرى، تشكل ارضيّة لهذا الاعتقاد والتبنّي والسلوك، وهذه الاسس هي الاسس السيكولوجية .

الالحاد -على سبيل المثال- الذي ينتشر في بلداننا انتشار النار في الهشيم، لانجد له تبريرا موضوعيا، وليس هو نتاج دراسات جادة، اوصلت الذين ينكرون وجود الله الى هذه النتيجة . واذا فتشنا في اعماق نفس الملحد، لوجدنا ان الجذور النفسيّة للالحاد؛ هي التي تمثل الاسس والارضيّة لبروز هذه الظاهرة .

ولقد رصد القران هذه الظاهرة، ظاهرة الجحود، وبيّن جذورها النفسية، يقول الله تعالى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) النمل:14

اي ان الايات التي جاء بها موسى عليه السلام من ربه، هي ايات حقة تدل دلالة لالبس فيها على ان موسى مرسل من ربه . وهذه الايات هي التي واجه بها موسى فرعون، وان فرعون كان يعلم ان منزل هذه الايات هو الله تعالى، ولكنّه الظلم والعلو والتي هي عوامل نفسيّة للجحود، يقول الله تعالى على لسان موسى (ع) وهو يخاطب فرعون:

(قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا) الاسراء: الاية: 102 . العلو والظلم سبب الجحود، وهذه اسباب نفسية، وليست اسباب موضوعية . الظلم سبب الجحود كما جاء في قوله تعالى:

( قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ )الانعام: الاية: 33، والظلم سبب نفسي لاعلاقة له بالموضوعيّة من قريب او بعيد . وكذلك الكفر سببه التعصب الى القوم والدين . فبنو اسرائيل الذين هاجروا الى شبه الجزيرة، وسكنوا المدينة، ليكونوا اول المؤمنين بالنبي (ص)، الذي سيبعث في جزيرة العرب، ليكونوا اول الناس ايمانا به وتصديقا .يقول الله تعالى:

(وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) البقرة: الاية: 89، في حين ان بني اسرائيل يعرفون النبي بصفاته وبالتفاصيل التي جاءت في توراتهم، ويعرفونه كما يعرفون ابناءهم حسب التوصيف القراني، ولكن الانكار سببه سبب ذاتي نفسي، وهو كتمان الحق، يقول الله تعالى:

(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) البقرة: الاية: 146 . وحتى ابليس كان سبب رفضه السجود لادم، ليس لعلة معرفية، فابليس يعرف ان هذا المخلوق مكرّم عند الله، ولكنه رفض استكباراً وعلواً، وهذه مشكلة نفسيّة عند ابليس لا قضية معرفية تمتلك اسسا موضوعية . يقول الله تعالى:

(قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ) الاعراف: الاية: 12 . وكتمان الشهادة ممارسة اسبابها ذاتية نفسية، وليست موضوعية تتعلق بالحق والباطل، والله يشير الى قضية كتمان الشهادة في كتابه الكريم:

(وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ ۖ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) البقرة: الاية: 283 . وهناك ظاهرة اخرى اضافة الى كتمان الحق، وهي الباس الباطل لبوس الحق للتضليل، وحجب الحقيقة عن اعين الناس، يقول الله تعالى:

(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) ال عمران: الاية: 71 .، وقد اعتبر القران الكريم كتمان الحق جريمة ؛ يستحق صاحبها لعنة الله ولعنة الناس، يقول الله تعالى:

(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) البقرة: الاية: 159 .

وفي الختام، ان اغلب الناس في اعتناقهم للافكار، وتبنيهم للمارسات، لاينطلقون من اسس موضوعية، كالحق والباطل، وانما من اسس نفسية يحكمها التعصب، والتقليد، والمواقف المسبقة، والحب والبغض، فالبعض يقف مع الصديق حتى ولو كان على باطل، ويقف موقفا ضد العدو وان كان على حق، والقران حذّر من ذلك بقوله تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) المائدة: الاية: 8 .

 

زعيم الخيرالله

 

كم كبّلنا هذا الجسد، يحمل على كتفيه رأسا يعجّ بأسئلة وإشكالات تحوم حوله.. يمشي هامدا، متثاقلا يجرّ أذيال خيبته؟

دعنا ننزع عنه كلّ ما يؤرقه ويخنقه لنعرّيه ونجلّيه من ثياب لطالما كسته وغطّته فحجبت عنه الرّؤية ومنعته من الطّيران، لا أتحدّث هنا عن الثياب من بنطال أو سترة أو تنّورة بل أتحدّث هنا عن ثياب ثقيلة ثقل الحجر عاتمة أشدّ عتمة من ليلة شتاء ديسمبريّ، ثياب حاجزة مانعة تضع جدارا مانعا عازلا بينه وبين الحياة الورديّة...

لطالما ارتدى هذا الجسد وحمل على عاتقه ما لا تستطيع الجبال حمله، فمال الكتف الأيمن منحنيا للأرض لفرط ثقل العادات، أمّا الكتف الأيسر فيصارع ويكافح محافظا على التوازن من أجل الشّموخ وقد تثاقلت الخطى والأرجل الحاملة لهذا الجسد فقد فاق الحمل وزنه، حمل الماضي...

تراني أبصر هالة مشعّة آتية من السّماء، بصيص أمل ... وبدا الجسد يتجرّد من مكبّلاته ويكشف نفسه للنّور للشّمس يلاقيها يعانقها كعناق مشتاق  لحبيبته ...إنّي أرى الجسد فنّا.

أرى جسدا خرج من المقنّن والمدجّن والمؤطّر، أرى جسدا تحرّر من إكراهات الفضاء المغلق متّجها نحو الرّحابة نحو الطّبيعة أين يحتكّ وجها لوجه مع الآخر فيلتحما جسديّا وفنيّا أين يتعالق الجسدي بالفنّي والفكري.  إنّ وعينا بقيمة أجسادنا في مجتمعاتنا العربيّة يسهّل رؤيتنا للقضايا التي تُعالج فنيّا خاصّة فيما يتعلّق بالأنماط الفنيّة المعاصرة من عروض أدائيّة "Performance" و "هابنينغ" Happening" "فيبدو الجسد دائما وأبدا من أجل أن يكون أكثر من كومة من المادة، إذ يمكن له أن يكون أكثر كثيرا وأقل قليلا من مجموعة أجزائه…الوجه والعينين بوصفها مرايا الروح هي أعضاء التعبير بامتياز. لكن روحانية الجسد لا تقطن قدرته على التعبير عن الداخل، الجسد لا يعبر عن الحدث إنّه هو نفسه هذا الحدث " .

إنّ مؤدّي البرفورمونس يمكن اعتباره راو لسيرة ذاتيّة يركّز فيها على حيويّة الفرجة وأثرها ووقعها على المتفرّج، إذ يمكننا التّحدّث هنا عن المعنى المخفي إن صحّ التعبير وهو الذي يكون في علاقة وطيدة بما هو ثقافي أو معرفي يمرّ عبر تمظهراته في المكان والجسد تعطي شحنات للممارس والمتقبّل في الآن ذاته ليمارس لعبة الكشف عن كلّ ممكنات العرض ورمزيته فيكون الفنّان بمثابة السّاحر أمّا المشاهد فيمارس فكّ الغموض وإزالة كلّ ما من شأنه أن يحجب الرّؤية ومحاولاته في استكشاف المزيد من المخفي والسّرّي وفكّ رموز اللّغة، لغة الجسد واللّغة غابة من "الاستعارات القريبة جدّا من أعماق وجودنا – الرّمزيّة- استعارات تدين بأسبقيتها في الكشف عمّا هي عليه الأشياء، إلى انتظامها في شبكة ومستويات متدرّجة"  ، لا يعني ذلك أنّنا نتحدّث عن زيف في العلاقة بل بالعكس فذلك من شروط تحقيق رؤى مفتوحة للعالم الذي يحيط بالفنّان وبنا وتكشف عن آفاق واسعة، فماهو ثقافي فنّي وأدبي يثير، يشغل وعي الناقد والمتقبّل ويبدأ ذلك مع سرد للتفاصيل والأسرار وسريّة الجسد واليوميّات والعلامات وكلّ ما يخصّ الإنسان واليومي فتصل إلى ماهو أبعد فتتخطّى العمومي نحو الخصوصي والخروج من الحشد  نحو الانطوائي .

يعدّ تعميم الحقّ في الفعل من أهمّ مقوّمات المعاصرة ومبادئها التي نادت بها فالسّماح لذلك وإعطاء التّأشيرة للآخر من شأنه أن يعزّز بالضّرورة لانتمائه المشروط ضمن مشروع "الأنا" ومساهمة منه في إكمال وتعزيز الدّائرة التّفاعليّة وفق منظومة التلقّي حيث يتّحد كلاهما في إدماج الفنّ وقيم الفنّ في اليومي والمعيش ضمن نسق حياتيّ، "أليس الجسد هو أساس الإحساس بالهويّة ألا نثبت ذواتنا في هذه الحرارة الفريدة التي تنبثق من جسدنا قبل تفتح الأنا الذي يستدعي التميز عن الجسد؟" ، هذا الجسد الذي يكون محور العرض به يتأسّس وعليه، هو الوسيط الفنّي في التجربة الأدائيّة بأكملها. اندرج الجسد الأنثوي وتجذّر في الفنّي فانزاحت الأنوثة من الطّريق وتجرّدت لتصبح علاقة المرأة بجسدها خالصة  وما حاجتنا للأنوثة إذا ما كانت جسدا يمكن معرفة قدراته جهرا بل في الحقيقة هي انطواء على الذات محدّدة  للمصير، وما نظرة الرّجل لجسد المرأة إلاّ اكتمال لرجولته إنّها المأوى إذ يقول ليفناس بما معناه أنّ الذات الرجولية لا تقدر على انجاز هويتها إلا باكتشاف غيريتها في الأنثى وكلّ ذلك يكون في الكواليس تحت سطوة المعتّم والخفاء وراء الجدران... إلى أن تاق هذا الجسد وتحرّر نحو الخلاء تعايش جسدها وتتعايش معه وبه وتمدّد أوصاله في علاقات أبديّة سرمديّة فنيّة أين العمق بعيدا عن الخواء والهباء والمفرغ.

المصالحة مع الجسد الأنثوي لذاته بدأت مع منحى استطيقا الصّدمة وكذلك مراجعة مفهوم "الجسد المقدّس" والمرور نحو الجراحات التجميليّة والتحوير وهي خطوة جريئة في تحوير الجسد وتغيير هيئته الذي يعتبر في حدّ ذاته جرأة وقد عالج بارت هذه النّقطة مقرّا "بأنّنا نشهد اليوم نوعا من إحياء لمسألة المقدّس في الجسد عبر مظاهره العلمانيّة جدّا، والمعاصرة جدّا لحياتنا: كلّ ما يمسّ ثقافة الجسد العقلانيّة، كالرياضيات، وتجارب اليوغا أو تربية الجسد من الدّاخل من خلال طرق متعدّدة، وكلّ ما نلقّنه في الرياضة البدنيّة على أنّه تفكيرنا العميق بالجسد دون الممارسة المحضة. وأنا أرى هنا ترجمة علمانيّة لفكرة دينيّة، تقضي بوضع الجسد البشري في حالة من التوازن والانسجام، ليس في حواسه الطّافية على السطح، بل في فيزيولوجيته العميقة، وفي حساسيته العضويّة ( أي مجموع الحواس الداخليّة) المتضامنة مع الطّبيعة، أيّا كانت الطّريقة التي نصيغها بها".

 إنّ التّغيّرات التي طرأت على المجال الفنّي سواء في الخروج عن دور العرض والتوجّه نحو الفضاءات المفتوحة والمواضيع الشّائكة والصّادمة المعروضة كلّها نفذت من مفاهيم وأفكار واستعانت باختصاصات وأطروحات نظريّة وجماليّة فأصبح المجال الفنّي يندرج بالضّرورة ضمن مجال معرفي لعلّ من أهمّه علم الاجتماع، الأنثروبولوجيا، علم الجمال وكذلك السّوسيولوجيا. إنّ الأنثروبولوجيا كعلم ثقافة المجتمع يدرسه من كلّ زواياه أخلاقه، عاداته، سلوكه، رموزه، علاماته كلّ شيء بالاعتماد على مخلّفاته الماديّة والحضاريّة ويكون الجسد هنا "جسد الإنسان" موطنا فكريّا باعتباره كيانا متعدّد الدّلالات والوظائف يخترق جملة من العلوم، من الفلسفة، العلوم الإنسانيّة دون أن ننسى علاقته بالأنثروبولوجيا وإذا كان الجسد فهو بهذا المعنى يعتبر مفهوما ثقافيّا (بالمعنى الأنثروبولوجي للكلمة) قابلا للتفكير الفلسفي النظري وللتّحليل الثقافي في الآن نفسه وهو ما يؤكّد خصوبة البحث فيه.

 

ياسمين الحضري

باحثة دكتوراه اختصاص علوم وتقنيات الفنون/ نظريات الفنون

 

 

عدنان عويدإذا كانت المواطنة لغة، مشتقة من الوطن، الذي اشتق بدوره من الفعل وَطِنَ أي أقام أو استقر، ويأتي منها، استوطن ومستوطن وغير ذلك.

فإن المواطنة مجازاً، هي الانتماء في صيغته القانونية، أو الجنسية لوطن محدد، كان نقول سوري أو مصري، أو فرنسي، أو أمريكي، وله صيغته أو دلالته السياسية أيضاً كأن نقول عربي أو أوربي أو أفريقي، وله دلالته العقيدية كقولنا مسلم أو مسيحي، سني أو شيعي، كاثوليكي أو بروتستانتي... وغير ذلك.

إن ما يهمنا في المواطنة هنا هو دلالاتها السياسية، (أي المواطنة في مشروع الدولة)، وهي موضوع بحثنا هنا، ليست كحالة عرضية أو مؤقته في حياة الفرد أو المجتمع، بل كحالة تاريخية، لها سيرورتها وصيروتها التاريخيتين، حيث تتشكل عبر مراحل طويلة من حياة الفرد والمجتمع، بدءاً من لأسرة مروراً بالقبيلة فالعشيرة فالمجتمع وصولاً إلى الدولة، وهي الشكل الأرقى، أو الحالة الأكثر تطوراً من حالات الانتماء السابقة.

إن المواطنة عندما تصل إلى مرحلة الدولة، وأقصد هنا الدولة في وضعيتها أو صيغتها التاريخية العقلانية، أي الدولة التي تجاوزت فكراً وممارسة كل الانتماءات التقليدية السابقة، لتمثل فعلاً الدولة المدنية، أو دولة القانون وليست دولة الغنيمة. .. هي الدولة التي تجاوزت بناها التقليدية القائمة على الاقتصاد العيني أو الريعي وتحول نمط اقتصادها إلى الاقتصاد المحقق للإنتاج التنموي وللعمالة والربح الذي يدعم ميزان مدفوعات الدولة بقيمة إضافية... أي هي الدولة التي تجاوزت في بنيتها الاجتماعية بنىة العشيرة والقبيلة والطائفة والمذهب والحزب الواحد الشمولي... هي الدولة التي استطاعت في بنيتها السياسية أن تجعل من الشعب وحده مصدر السلطات، وتتجاوز أي سلطة تحد من سلطة الشعب ... وهي الدولة التي استطاعت في بنيتها الثقافية أن تتجاوز ثقافة الخضوع والذل والاستسلام والوصاية، ولكل ما يحد من القيم الإنسانية التي غيبتها عقلية القرون الوسطى، أي بتعبير آخر في هذا الاتجاه، تجاوزت ثقافة التمسك بالنقل على حساب العقل، وتجاوزت ثقافة الأساطير والكرامات والخرافة وكره الحياه واحتقار الجسد وتحميله مسؤولية الرذيلة، وبالتالي إذلاله وتحطيمه تحت ذريعة تنقيته من دنس الحياة ... ثقافة الدعاء والاستسلام والامتثال للمطلق، وتوسد الكتب الصفراء التي تحمل بين طياتها الكره والضغينة للآخر المختلف... الثقافة الداعية إلى الهروب من الأرض إلى السماء... ثقافة القتل والصلب والحرق وقطع الرؤوس .. ثقافة المسواك والتمسك بقشور الدين المتمثلة بلباس الكلابية القصيرة وحف الشارب وإطلاق الدقون ونبش القبور والتدخل في تفاصيل الحياة اليومية كالدخول أو الخروج من المرحاض.

إن دولة المواطنة الحقيقة هي فعلاً تلك الدولة التي تجاوزت كل تلك البنى التقليدية السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية. أي ليست هي تلك الدولة التي أصبح لها علم ومؤسسات ونقد وأعترف بها المجتمع الدولي فحسب، في الوقت الذي لم تزل بناها وآلية عملها قائمة على العشيرة والقبيلة والطائفة ومفرداتها التي جئنا عليها أعلاه... وهي ليست دولة الحزب الواحد الذي يمارس وصايته على الجماهير واعتبارها قاصرة لا بد لها من نخبة تقودها وتخطط لها كيف تعيش في حاضرها وترسم لها مستقبلها، وأنها وحدها من يحدد لهذه الجماهير حقوقها وواجبتها، كما هو حال الكثير من دولنا العربية. وإنما هي في حقيقة أمرها دولة المجتمع المدني، أي الدولة التي حاز فيها الفرد على حقوقه الطبيعية، (حق الحياة والعيش الكريم، وحق الملكية، وحق الرأي)، وعلى حرية إرادته ... وهي الدولة التي حاز فيه الشعب على حقه باختيار مؤسساته التشريعية التي تشرع لعدالته ومساواته، وحق المشاركة في قيادة الدولة والمجتمع، بعيداً عن أي استئثار لأحد بالسلطة وفرض نفسه وصياً على الشعب واعتباره قاصراً... وهي الدولة التي فُصلت فيها السلطات عن بعضها وراحت كل منها تعمل وفق الدستور الذي أقره الشعب بإرادته، بما يخدم تطور المجتمع وأمنه واستقراره وعدالته ... هي الدولة التي تسودها التعددية الحزبية وحرية الصحافة والإعلام واحترام الراي والرأي الآخر.. وهي الدولة التي تسود فيها الكفاءة والقدرة وتكافئ الفرص في قيادة الدولة والمجتمع، وليس الثقة والولاء والمحسوبيات لهذه العشيرة أو القبيلة أو الطائفة أو الحزب أو الحاكم، هي الدولة التي يحاسب فيها الفاسد أخلاقياً وإدارياً أمام القانون، ويسأل من راكم الثروات على حساب أموال الشعب من أين لك هذا؟. هي الدولة التي يؤمن فيها المواطن بأن عليه واجبات اتجاه الدولة مثلما له حقوق أيضاً وعليه أن يؤدي واجباته بمحض إرادته ويدافع عن حقوقه.

إن دولة المواطنة هذه لم يزل وطننا العربي يفتقد إليها، أو هي لم تحوز بعد على كل شروطها.

لا شك أن السلطات الحاكمة في عالمنا العربي قد بذلت الكثير من أجل تثبيت أركان دولها (الماقبل) الدولة، وهي دول في حقيقتها هشة وضعيفة وقابلة للانكسار عند تعرضها لأزمات حادة، بيد أن هذه القوى الحاكمة قادرة على تقوية هذه الدول وتنميتها وتحويلها إلى دول مجتمع مدني، أو دول مواطنة وقانون إذا ما تخلت عن أنانيتها وحب استئثارها في السلطة، وهذا يتطلب تحولاً تاريخياً في بنية الدولة ذاتها، فالأماني وحدها لا تحرك أصغر نبتة في الأرض إذا لم ترتبط بالوعي والمسؤولية والممارسة، وهذه مسؤولية الجميع.

 

د. عدنان عويّد - كاتب وباحث من سورية

 

قاسم حسين صالحمن عام (2003 لغاية 2019) يعيش العراق اغرب ظاهرة سياسية ما حدثت في تاريخه باختلاف أنظمة حكمه.

ولأن من عادتي ان استطلع الرأي في مثل هذه القضايا، فأنني توجهت بهذا التساؤل عبر وسائل التواصل الاجتماعي:

 (من 15 سنة والسياسيون يتقاضون رواتب وامتيازات ما حصلت بتاريخ العراق والعالم. الفاسدون منهم تحولوا من فقراء الى اصحاب مليارات..هم يزدادون ثراءا والشعب يزداد فقرا، ومع ذلك هم باقون فيما التاريخ يكتب عن العراقيين بأنهم ما انبطحوا لظالم ولا استسلموا لسلطة. افيدونا بتفسير علمي يرحمكم الله).

 ساهم في الاجابة على الاستطلاع (357) بينهم أكاديميون ومثقفون واعلاميون.. لحضراتكم ما شخصوه من اسباب مصنفة ومرتبة بحسب اهميتها عندهم.

1- الشعب العراقي

غالبية الاجابات عزت السبب الرئيس الى الشعب العراقي ووصفته بأنه:

- شعب مهيض الجناح سحقته العهود البائدة فالتهمه هؤلاء لقمة سائغة

- شعب نايم خدران بالطائفية والخوف من الاخر

- لا يوجد تفسير سوى ان هذا الشعب في غيبوبة عميقة

- الطبقة السياسية ما هي الا عينة من الشعب ولذلك ترى الشعب ينتخبهم

- وجود قاعدة شعبية عريضة من الطفيليات المنتفعة

- الشعب تم تجهيله لعقود طويلة.هنا في امريكا مثلا الطفل يتم تشجيعه على الادلاء برأيه وقول الحقيقة مهما كانت.عدم السكوت على الظلم حتى لو كان من الاهل والمعلم..ويتعلم ان سلطة القانون هي الاعلى.

- التفسير المنطقي الوحيد هو اننا شعب يصنع الطغاة ويسكت على الظلم بتبرير (شعليه)، فعبدنا المسخ صدام بأهزوجة (بالروح بالدم) وجئنا بهؤلاء بأهزوجة (علي وياك علي).

- هؤلاء مرآة مجتمع اغلبه فاسد

- العراقيون تاريخهم كله استسلام للسلطة وانبطاح للظالم..همج رعاع، ينعقون مع كل ناعق.

- العربي..جينيا يحترم ويخاف اثنين: القوي والثري.

- تحت الاسوار ولدنا وبين الاسوار نموت، لا نعرف في بابل غير القتل لأجل القوت.

وهنالك من رأى، وهم قلّة:

- الشعب العراقي نفسه طويل وعنده امل بالاصلاح يقول بلكي هالمرة يتحقق الامل، ولكنهم حين يفقدون الامل ويظلمون فان اقل شي يسويه هو السحل.

- ستاتي ساعتهم وسترى اي فيض يخرج من قلوب العراقيين، انها لحظة ترقب لن تدوم طويلا.

ثانيا: الدين والمذهب:

- نجح الفاسدون في الدخول الى عقول المعدمين عن طريق الدين والمذهب فاستحوذوا على سكوتهم.

- نجحوا بان جعلوا عقيدة الناس مبنية على القبول والطاعة العمياء.

- الاحزاب الطائفية احزاب شمولية بكل المقاييس والاعتبارات.

- كل ما حصل ويحصل ناجم عن تغييب الوعي المجتمعي للاستحواذ على السلطة من قبل الفاسدين.

- استاذي العزيز طالما اكو لطم بالديرة يبقى الحال كما هو عليه.

- تم ذلك بجعل الطبقات الاكثر جهلا تنتمي لميليشيات تابعة لأحزاب السلطة ، وبمباركة الجهات الدينية سرّا وعلنا.

- من وجهة نظري العلمية، مادام في السلطة رهبان يعطون للسلطان شرعيته فإن العراقيين يقدسون مايقوله الرهبان.

- الاحزاب عملت على عسكرة المجتمع كما كان سابقاً ولكن بأديولوجية جديدة (عقدة عقائدية) بخلاف الاديولوجية (القومية)، استهدفت جيلا كاملا وستمتد لاجيال اذا لم تعالج بإفكار وطنية عصرية.

- بسبب سيطرة الثقافة المذهبية.يقول احدهم ما دام الاذان يصدح بكلمة علي ولي الله في التفلزيون فاي شيء لا يهم.

طبيعة السلطة وأنظمة الحكم

- النظام المؤسساتي كله مختل في العراق ودول الشرق العربية، ساعات العمل قليلة وفيها كثير من التسيب، رواتب مرتفعة، الرشا والواسطة منتشرة في مختلف المستويات الوظيفية..لذلك هي مقبولة في العقل الباطن عند الموظفين الكبار والمسؤولين.

- إن إدارة الصراع بين السلطة والشعب مختلة، فالسلطة تملك النفوذ والمال والاجهزة الأمنية والميلشيا والدعم الخارجي، فيما الشعب لا يملك أي قيادة يلتف حولها في مسيرة النضال، وحين ظهور بعض القيادات يتم أما تصفيتها أو شراؤها أو تحييدها.

- المشكلة في المثقفين الذين يمتلكون الوعي واهمهم الاعلامين والمحامين وأساتذة الجامعات، لا يقومون بواجبهم النضالي والاجتماعي وعزلوا أنفسهم في خانات ضيقة.

- بعد سقوط النظام حدث امران:محاربة المثقفين والطبقة العلمية وابعادهم عن دورهم الفعلي، وهجرة الكفاءات خارج البلاد.

تخطيط خارجي

- العمل ممنهج من البداية، ضرب وقتل الكفاءات وتهجيرهم والذي لم يهاجر انكفأ في بيته، ومن ثم تسليم الامور بيد الجهلة والمارقين الذين اصبحوا يمتلكون المال والسلطة وجماعات مسلحة.

- هذا ما تريده اميركا لتحقيق مصالحها الاقتصادية والأستراتيجية، وما تريده ايران ان تكون السلطة بيد شيعة موالين لها.

- الامر اكبر مني ومنك، الامر بيد الماسونية

استنتاج

 توحي الأجابات بأن اسباب اغرب ظاهرة سياسية يشهدها العراق في تاريخه.. متعددة، مركبة، معقدة، شمولية، وفيها مفارقات تخالف المنطق وغير معقولة.وما يعنينا هنا هو التحليل السيكولوجي..نلخصه بأربع قضايا،

 الأولى:تثبت الأحداث أن تاريخ السلطة في العراق هو تاريخ العنف والدم وقطع رؤوس الخصوم منذ أن تحولت الى وراثية عام 61 هجرية، وأنها اعتمدت السيف لحلّ النزاعات واجبار من يخالفها على الطاعة والخضوع، وانها كانت على مدى أكثر من ألف وثلاثمائة سنة لا تلجا الى التفاوض والحوار إلا بعد أن تقطف السيوف رؤوس افضل من في القوم.

 وحديثا تعمق الشعور بأن السلطة في العراق تكون للأقوى بدءا من انقلاب بكر صدقي عام (1936) الذي يعدّ اول من فتح الطريق نحو انقلابات عسكرية امتلك قادتها شعورا وطنيا، مصحوبا بفقر في نضجهم السياسي ودوغماتية لا تطيق الرأي الآخر. ولم تفهم ان السياسة تعني فن ادارة شؤون الناس بل انها غنيمة وعلى الحاكم أن يعتمد شعار (الأقربون أولى..) وان كانوا لا يفهمون..ما يعني أن العراقيين معبئون سيكولوجيا في لاشعورهم الجمعي بان السلطة تكون للأقوى وان يعظ عليها بأسنانه ويقطف رأس من ينافسه عليها وان كان على حق.

 الثانية: يختلف المجتمع العراقي عن المجتمعات الأخرى بأنه شعب منتج لأصناف متضادة من البشر بمواصفات عالية الجودة.فنحن منتجون لمبدعين ومفكرين وشعراء ورجال دين وشيوخ عشائر من طراز رفيع.. وبالمقابل نحن منتجون لطغاة وقتلة ورعاع وغوغاء بمواصفات "عالية الجودة".ونحن منتجون لمن يفلقون رؤوسهم بالحراب فداء لمن ماتوا قبل ألف سنة، ومنتجون لمعتقدين عن يقين بأن تاريخهم مزوّر وأسود ومعرقل للتقدم يجب غلق غلافه الأخير.ونحن منتجون لمن يعرفون بالغيرة العراقية والأنفة، ومنتجون أيضا لناهبين من طراز رذيل ، ولا أرذل من سلوك ينهب الناس فيه وطنهم.والمحصلة السيكولوجية لها هو ضعف او انعدام الشعور بالأنتماء للوطن، والتعلّق بالانتماء الذي يؤمن للفرد بقاءه الوجودي ومصلحته الشخصية.

الثالثة:يغيض جيران العراق أن يروه مستقرا سياسيا وأمنيا وفيه نظام ديمقراطي يعتمد مبدأ العدالة في توزيع الثروة واستشمارها، ويعز على أغلبهم أن يروا العراقي المميز بالذكاء والشخصية مرفها ماديا، وادراكهم أن العراقيين اذا توحدوا فانهم سيجعلون من العراق وطنا مزدهرا بعمارات ومطارات وجامعات ومصانع..بين جبال وأهوار وأنهار ونخيل وأرض خضراء كأنها الجنة، ويجعلون من بغداد مركزا للثقافة والإبداع وقبلة أنظار العالم.

الرابعة: قيام تشكيلة مجلس الحكم على ثنائيتين سيكولوجيتين: المظلومون مقابل الظالمين، عراقيو الخارج مقابل عراقيّ الداخل.. نجم عن الأولى (ثقافة المظلومية) شاعت بين الشيعة والكورد مقابل (ثقافة الاجتثاث) استهدفت من كان محسوبا" على النظام السابق وغالبيتهم من السّنة، بمعادل نفسي يقوم على سيكولوجية " الضحية " و"الجلاّد" تجسّدت بانتقام الضحية بـ" اجثتات " أقرب الى الثأر الجاهلي دفع بـها "الضحية" الى التعبير بانفعالية في تضخيم ما أصابها من ظلم، وشرعنة الاقتصاص حتى ممن كان محسوبا" بصفة أو عنوان على الجلاّد.

 ان تفاعل هذه المتغيرات هي التي اوصلت العراقيين الى ان يعيشوا اغرب ظاهرة سياسية في تاريخهم، بمفارقات انهم ينتخبون فاسدين وفاشلين سياسيا، اشاعوا الفساد بطريقة هرأت الضمير الوطني والاخلاقي عند من صار ولاؤه لحزب او طائفة او قومية، نجم عنها سيكولجيا الأسقاط بتحويل سبب ما يحصل الى (ان العراقيين ما تصيرلهم جاره، السلطة تمتلك القوة والمال، مليشيات، تدخل خارجي..) لتوصل الكثير من الوطنيين والمثقفين والمنتمين صدقا للعراق الى التيئيس من اصلاح الحال، الذي كان يحصل بانقلاب عسكري او بثورة شعبية تم تعطيلهما لأن النظام ديمقراطي.

 ان علم النفس والاجتماع السياسي يفيدنا بحقيقة(ان المراحل التاريخية لا يمكن حرقها).. وان ما يمر به العراق الجديد من عام (2002) تحتاج مرحلة التغيير فيه الى جيل..وكنّا توقعنا في مقالة موثقة نشرت عام 2014 بأن التغيير سيبدأ في 2022، وسيحصل بالتاكيد.. (اذا ما صار شي!).

 

أ.د.قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

أمين عام تجمع عقول

 

فيصل غازي مجهوليذكر أمين الريحاني (1876 - 1940) أنه لما علم أصدقاؤه أنه سيلقي موضوعاً دينياً ذاعَ الخبر في الجالية السورية وأخذ كل منهم يفسر الموضوع ويستخرج النتائج، وقد اتفقوا على أنه سيتعرض للدين تعرضاً خبيثاً، وكانوا ينوون توقيفه عن الخطابة، لكنهم حكموا قبل أن يسمعوا.  يقول الريحاني: "وقد يظن البعض أن البحث في الأمور الدينية متعلقٌ برجالِ الدين ومحرمٌ على سواهم وهذا عين الضلال. فالمرء لا يرى مساوئ ذاته ولا ينتقد الحرفة التي يتوقف عليها معاشه. ورؤساء الأديان لا يتكلمون عن الدين شيئاً مشيناً على مسامع الشعب ولو كان متفقاً مع العدل والإصلاح بل كل مباحثهم وشعارهم هو: "الدين اعتناقه واجب وتعزيزه أوجب وإذا أفسده الزمان فلا يعلن الفساد للشعب". فإذا كان هذا شعارهم فهل يرجى منهم انتقاد جهري يكشف للعلماني الحقائق. ذلك لا يكون. فالرؤساء لا يرجى منهم إصلاح جهاري في الدين إذ إن ذلك يضرب بمصالحهم ويضعف سلطتهم ويسقط سيادتهم". وقد جاء هذا الكلام في خطبة ألقاها الريحاني عن "التساهل الديني" في احتفال "جمعية الشبان المارونيين" في نيويورك، 9 شباط 1900.

أمين الريحاني مفكر خصب الإنتاج، كاتب اجتماعي رحالة مؤرخ أديب مصلح... يجيد لغات عدة، كتب بالعربية وبالإنجليزية، وصفه الفاخوري بأنه راح "يعالج أمراض الشرق التي رآها في التقاليد العمياء، وفي الجهل المتعصب، وفي الظلم المستبد والمستعمر؛ ودعا إلى الأخوة الكبرى التي تحملها الأرض وتظللها السماء".

وإذا لم يكن الريحاني رجل دين فهل يحق له أن يبحث أو يتكلم في الدين؟ يقول: "إذا سألتموني لماذا تبحث في الدين وأنت لست من رجاله فأجيبكم كما أجاب روسو لما سئل عن تعرضه للسياسة وهو ليس أميراً ولا حاكماً قال: "أنا لست أميراً ولا حاكماً ومن أجل هذا كتبت فإني لو كنت أميراً أو حاكماً لما أضعت الزمان بكتابة ما ينبغي أن أفعل بل كنت أفعله وألزم السكوت". وأنا لست قسيساً أو مطراناً ومن أجل هذا أخطب بموضوع ديني، فلو كنتُ قسيساً أو مطراناً لأصلحتُ وحسنت واستغنيت عن الخطابة ولزمت السكوت".

نكتبُ عن الريحاني وعن أشخاصٍ كتبوا قبل أكثر من قرن، وقد ننسى الزمان والمكان.. ونُطالِب بفهمٍ أعمق أو وضوح أو جرأة... ونسأل: ما أهميةُ أقوالهم؟ وما الجديد الذي أتوا به؟ ناسين أن كلمةً بسيطة في بيئة متعصبة قد تدمر مستقبل قائلها تدميراً، وتفتح الطريق أمام آخرين، وأن مجرد النطق بها يُعد إنجازاً عند سكوت الآخرون. كل هذا لا يخص الريحاني، لكني أردتُ أن أنبه إلى أن إنجاز الرواد يحكمه زمان ومكان.

يشير الريحاني إلى أن موضوع التسامح أو التساهل متشعبٌ الطرق جليلُ الشأن ذو فائدة وأهمية في المجتمع، وهو الموضوع الذي اختلف فيه الناس في "العصور المتوسطة"، فدافع عنه العلماء والفلاسفة والأحرار وعارضه الرؤساء والملوك... ويعرفه بالآتي: "التساهل هو التسامح بوجود ما يخالفك وهذا تحديد عام. أما الخاص فهو إجازة العقائد والطقوس الدينية التي تخالف العقائد والطقوس المألوفة". أما التساهل الديني فهو "الاعتبار والاحترام الواجب علينا إظهارهما نحو المذاهب المتمسك بها آخرون من أبناء جنسنا ولو كانت هذه المذاهب مناقضة لمذاهبنا".

ولا يقصر التساهل أو التسامح على الأمور الدينية فقط، "التساهل غير مطلوب في الأمور الدينية وحدها بل في كل الأمور التي تطرأ على عقول البشر ويعمل بها الكبار والصغار. ولا نستطيع أن ندخل هذا الباب دون أن نطرق باباً آخر. فالتساهل نجم عن التعصب. وهاتان الكلمتان ضدان وهما ثنوية من ثنويات الطبيعة كالنور والظلمة والخير والشر والعدل والظلم. فلولا أحدهما ما كان الآخر. فالتعصب إذن ولد التساهل والتساهل ولد السلام والسلام ولد النجاح والنجاح ولد السعادة. والتعصب يسبق في كل الأحوال ليستوجب التساهل".

يتكلم الريحاني عن انتصار التساهل على التعصب، فقد مات التعصب لكنَّ موته إلى حين، فقد خرجت روحه من جسمه الديني وتقمصت بالجسم السياسي. وأصبح التعصب سياسياً عوضاً عن الديني. مثالُ هذا الحروبُ التي تشهرها الدولُ الأوربية على الشعوب الضعيفة والصغيرة، وتعتقد انكلترا أنها أصلح من فرنسا وفرنسا أعظم من ألمانيا وألمانيا أقوى من الاثنين... ويستغرب من هذا فيقول: "إذا راقبنا حركات الدول ودرسنا سياستها وكشفنا الحجاب عن خفاياها واستعرضنا الحروب العديدة التي تهدم هيكل المجتمع الإنساني وقفنا حيارى نتساءل، أحقاً نحن من القرن التاسع عشر، قرن التمدن والنور والمبادئ والديموقراطية والاشتراكية والرحمة المسيحية؟ أحقاً نحن على باب القرن العشرين؟".

وأقول له بعد أكثر من قرن: ماذا كنتَ ستقول لو أنك عشتَ في القرن العشرين أيام الحروب العالمية وأسلحة الدمار الشامل، أو في مطلع القرن الحادي والعشرين والتفنن في القتل؟! ما الذي يقوله أكثر من: "أحقاً نحن نعيش في القرن الحادي والعشرين؟"، وفي المستقبل أظن أنهم سيقولون: "أحقاً نحن نعيش في القرن الثاني والعشرين؟"... ستبقى هذه الحيرة والاستغراب والأسف مصاحبةً للإنسان كلما تقدم الزمان وتقدمت العلوم وتطورت التكنولوجيا وتراجع السلام وذبل الحب وتدهور كثيرٌ من القيم الأخلاقية... ونحن مرةً حكماء ومراتٍ حمقى!.. ذلك إذا كان الحبُّ حكيماً والكراهيةُ حمقاء كما يقول راسل.

عندما يتكلم عن التساهل الديني يقول إنه يشمل الدول الأوربية بين بعضها مع بعض ولكنه لا يشمل الشعوب التي يدعوها الأوربيون متوحشة، أو كما يُقال اليوم "الكيل بمكيالين"، "فالدول لا تتساهل مع هؤلاء المساكين الضعفاء بل تتساهل بعضها مع بعضٍ لأنها تضطر إلى ذلك وليس حُباً بالمبدأ الشريف. وكثيراً ما تراها تشهر الحروب على القبائل الضعيفة وتدعوها حروب الانجيل وذلك كي يعتنق "البرابرة" الدين المسيحي كرهاً وجبراً. هذا هو التعصب الديني الدولي، هذه هي الاضطهادات التي كانت تمارسها الدول الاوروبية المسيحية بعضها ضد بعض، والآن تمارسها ضد "البرابرة" كما تزعم والبرابرة قوم يشعرون ويتألمون مثلنا".

يذكر حروب شارلمان واضطهادات الملكة حنة الانكليزية والملك شارل الفرنسي، فهذه هي "مذبحة ليل القديس برتلماوس، فعوضاً عن حدوثها في باريس وفي القرن السابع عشر تحدث الان في فيافي آسيا وصحاري افريقيا وتلول السودان وفي آخر القرن التاسع عشر. يا للعار! عبثاً يكتب العلماء ويندد المصلحون ويبحث الفلاسفة. عبثاً أتى السيد المسيح إلى الأرض".

فالدول المسيحية – كما يرى - بمعاملاتها بعضها مع بعض لا وجود للتعصب الديني فيها، الكاثوليك بأمان في الجزائر البريطانية، والبروتستانت آمنون في اسبانيا وفرنسا وايطاليا، واليهود لا خوف عليهم من الأخطار والطرد في أي بلادٍ حلوها ما عدا "الروسية". وصار البروتستانت والكاثوليك واليهود يجلسون جنباً إلى جنب في مجلس اللوردات البريطاني، "أما في الدولة العثمانية فنرى الموظفين على اختلاف نحلهم ومذاهبهم من المسلمين والمسيحيين والدروز. فالتساهل في الدولة موجود غير أنه بين الشعب مفقود. لأنه حتى في هذه البلاد الحرة الكاثوليك كطائفة لا يحبون البروتستانت والبروتستانت يكرهون الكاثوليك الخ. وذلك في كل الأمم لاسيما في الأمة السورية. فلو كان بوسعنا نحن السوريين أن نضطهد ونشهر الحروب الدموية بعضنا على بعض لفعلنا. ولكن الدولة لا تساعدنا على الاضطهاد الديني".

على الرغم من أنه يعترف بتساهل الدولة العثمانية وأنها وصلت إلى نتيجة حسنة بفضل التساهل، فإنه يفسره تفسيراً آخر، يرى أن الدولة تستميل الرؤساء "والرؤساء قادة الشعب، فتصبح البلاد بفضل هذه السياسة براحة وطاعة – راحة لا تشكر وطاعة لا تحمد. على أني أفضل الاضطراب والعذاب على هذه الراحة المصطنعة. إني أفضل الثورة على هذه الراحة الممقوتة، راحة الذل والجهل والعبودية". ويضرب مثلاً من الدولة الرومانية أيضاً، وكانت قد اتخذت هذه الخطة قبل الدولة العثمانية، إذ كانت تتساهل بوجود الأديان في الأجيال الأولى للمسيح. وقد وصف أحد المؤرخين هذا التساهل – كما يقول - بكلام وجيز مفيد: "إن أنواع العبادات على اختلافها كانت سائدة في العالم الروماني. وكان الشعب يعتقدها كلها صحيحة والفلاسفة يعتقدونها كلها خرافية والحكام يعتقدونها كلها نافعة مفيدة". وهكذا ينتشر التساهل والسلام والراحة والائتلاف الديني... ويستنتج بعد ذلك أن "الدولة العثمانية تتساهل مع النصارى كي تبقيهم أذلاء شاكرين ولرؤسائهم مطيعين ولسلطتها خاضعين".

ويعجب من المسيحيين في عدم تساهلهم بعضهم مع بعض! "إن الدولة تتساهل مع النصارى. ولا أظن أحداً منكم يشك في تساهل المسلمين مع النصارى ولكن عجباً كيف أن النصارى لا يتساهلون بعضهم مع بعض. الآخرون يتساهلون معنا ونحن لا نتساهل مع إخواننا في الوطن الواحد ولا نواري اختلافاتنا ولا نتناسى ضغائننا عند مصلحة امتنا".

يفترض أمين الريحاني سؤالاً من بعض اللاهوتيين: "كيف نتساهل مع من لا صحة لدينهم ولا حق في معتقدهم"؟ فيجيب: "إن التساهل قائمٌ على الخلاف ولو لم يكن ذاك لما تساهلت الحكومة مع الطوائف المخالفة لمذهبها. إن الغاية القصوى من غايات الحكومة المتعددة هي أن تحامي عن كل مبدأ صحيح وتكفل لكل رجل حرية القول والفعل إذا لم تمس حرية غيره".

يرفض الريحاني فكرة الشعب المختار أو الأمة المفضلة على الأمم، ذلك أن الله كما يرى الريحاني "لا يفضل أمة ولا طائفة على أخرى. الله لم يصطف له في الأرض شعباً خاصاً. ويخطئ من يفهم أن الله اختار الاسرائيليين ليعضدهم ويهديهم دون غيرهم. فلو كان هذا هو المفهوم لبقيت عجائبه فيهم بعد مجيء المسيح أيضاً. ولكن عدل الله أرفع من أن يحصر خلاصه بذرية دون غيرها. ولذلك قال: اذهبوا وبشروا كل الامم. إن من سار حسب الشرائع الطبيعية فعمل الخير وابتعد عن الشر كما يرشده عقله، ولو لم يتوصل إلى معرفة الدين الحقيقي، فإنه لا يهلك. لأن الله رؤوف ورأفته لا منتهى لها. وما الدين التوحيدي إلا دين واحد فكلنا نتحد بالرب وكلنا نعبد إلهاً واحداً".

في نهاية الفقرة السابقة يستعمل جملاً نسمعها الآن بكثرة، عن الدين الواحد والإله الواحد... وهي جملٌ يستعملها الدعاة في فض النزاعات وفي التخفيف من الخلاف أو سذاجةً.. وإلا فإن القتل والتكفير والتهجير والقمع لا يخفف منه الاعتقاد بإله واحد ولا دين واحد. ولا علاقة بين الإله الواحد والتسامح.

يتكلم عن الشك واللاأدرية بشكل إيجابي، فالعلماء والحكماء كما يرى "يفتخرون بقولهم لا ندري جواباً عن المسائل التي تفوق مداركهم والكنوه الالهية التي يعجز عن تحديدها العقل البشري. فلِمَ نتعصب ما دمنا نتذبذب من ضعفنا عن تفهم أمور دينية كثيرة لم يصل العقل إليها؟ من قال لا أدري جواباً عن مسألة لا علم له بها فقد برهن على صحة عقله، وحسن رأيه وعمق حكمته وثاقب فطنته وسلامة ذوقه". ويضرب أمثلة على أهمية "اللاأدرية" من التراث العربي والأجنبي...  إذ لا يرى مشكلةً إذا ما قُلنا لا ندري. مثلاً العلامة الشيخ ابراهيم اليازجي الذي يرى أن قول القائل لا أدري خيرٌ من أن يقال له أخطأت، وعدَّ ذلك من مآثر ذوي العلم. وقد كتب السيوطي فصلاً في من سئل من العلماء عن شيء وقال لا أدري، وذكر من مشاهيرهم الأصمعي وابن دريد والأخفش... وثعلب والشعبي... ليصل من هذه الأمثلة إلى ما يُعزز فكرته عن التسامح؛ "فلنتساهل إذن في الدين إذ إننا لا ندري. والذي يدعي المعرفة هو الذي لا يدري بأنه لا يدري. فليبقَ كلٌّ على دينه إذا دله عقلُه على صحتهِ بعد التنور الكافي والترفُّع عن الأهواء. ولا ينتظرن أحدٌ رؤيةَ دينٍ واحد مقبولاً عند الجميع كما يرى الحقائق الرياضية والعلمية مثلاً". وهذه إشارة من الريحاني إلى أن معيار قبول الحقائق الدينية يختلف عن معيار قبول الحقائق العلمية.

يتساءل الريحاني عن معنى الوحي بأسئلةٍ عدة تبدأ بـ "هل أوحي الدين..." من أجل كذا وكذا؟ وينتهي إلى "لو نظر الله كما ينظر البشر إلى نتيجة وحيه لما كلم الأنبياء. ولو نظر إلى أن عاقبة الدين الذي أنزله ستكون الاضطهاد والطرد والحروب لكان أبقاه عنده في السماء ولكن الله... الله أعلم".

ويتساءل لماذا نستخف بالدين ونتخذه ألعوبة؟ نحن بإخراجنا الدين من الكنائس لغاية عالمية نرذله ونجدف عليه "ومن التعصب الممقوت أن نميز كل حانوت وكل بيت تجارة وكل جمعية بدين مخصوص فنقول: هذا التاجر ماروني وذاك الطبيب أرثوذكسي. ما هذه الحالة التي وصلنا إليها. أينقصنا شيء إلا أن نضيف إلى أسمائنا أسماء طوائفنا ونقول: زيد الماروني وعمر الأرثوذكسي ومحمد المسلم".

كان يدعو إلى جمعية خيرية سورية بدلاً من الجمعيات الخيرية المارونية والأرثوذكسية والكاثوليكية... ليست الجمعيات فقط بل يذكر التجار من الطوائف المختلفة والمطاعم والجرائد... فهل يتعامل هؤلاء مع القديسين؟ وهل ينزل طعامها من السماء؟ "متى نؤلف جمعية التساهل ونبني كنيسة التساهل ونشيد مدرسة التساهل ونؤسس جريدة التساهل ونفتح نزل التساهل وتصير أعمالنا كلها تساهلاً بتساهل؟ متى تشملنا هذه الحالة السعيدة؟".

كان الريحاني يدعو إلى التساهل أو التسامح: "التساهل أيها الشيوخ الأجلاء. التساهل أيها ... لو كان لي ألف لسان وتكلمت من الآن إلى يوم الدين لما عييت من ترداد هذه اللفظة العذبة السهلة اللطيفة. لفظة كرهتها القرون الوسطى وكلف بها القرن التاسع عشر. لفظة عززتها الجمهورية في هذا الجيل. لفظة انفتحت لها قلوب المتمدنين المخلصين لأبناء جنسهم وتأهلت بها الضمائر الحرة والعقول الصحيحة. لفظة طيب شذاها يملأ الفضاء وذكاء عرفها ينعش الصدور. هي أحسن وألطف وأبدع وأجمل وأرفع وأسهل لفظة في معاجم اللغة".

وقد ختم الريحاني خطبته بالجمل الآتية:

"التساهل هو أساس التمدن الحديث وحجر زاوية الجامعة المدنية.

التساهل شدد عزم الأحرار فبرزت من عقولهم أسمى الافكار.

التساهل أوجد الترقي والتقدم في كل فروع العلم والدين والفلسفة.

التساهل أيد سلطة الضمير ومحق السلطة التي لم ينزل الله بها من سلطان.

التساهل أعطى لكل امرئ حقه فتمتع به ومارسه بحرية واستقلال.

التساهل وضع حداً للاضطهادات الفظيعة وكسر السيف الذي استخدمته الدول لاستئصال شأفة من خالفها بالمذهب.

التساهل جعل كل رجل صحيح العقل والجسم أهلاً للوظائف في الدولة وأهلاً للانتخاب.

التساهل قال للكنيسة: أنت سلطانة وقال للإنسان: أنت أيضاً سلطان بذاتك. وكل له حدود وأينما وجدت الحدود كانت الحقوق وأصبح الأمر خارجاً عنها ظلماً.

التساهل هو اللين والرفق والحلم والسلام.

التساهل يزيد الإنسان غبطة وسعادة ونجاحاً في الحياة الدنيا ولا يضيره في الآخرة.

التساهل هو الطريق الوحيد الذي من تحته تجري الأنهار وعن يمينه ويساره الأشجار. طريق يدر لبناً وعسلاً. طريق مستوٍ مستقيم لا يميل بنا عن روض السماء.

التساهل معنى أصيل لا ينكره الإنجيل ولا القرآن".

 

د. فيصل غازي مجهول

 

ميثم الجنابيالعبرة التاريخية ووعي الأمم: إن الفكرة القائلة، بان التاريخ هو عبرة الأمم مازالت تحتوي على حيويتها النظرية والعملية. غير أن التاريخ الحديث بدأ يتجاوز ما فيها من قيمة عملية بسبب "تكنولوجيا السرعة" التي بدأت تقرّب المستقبل وتجعله اقرب إلى "الحاضر". مع ما يترتب عليه من تقليص درامي أحيانا بين الحاضر والمستقبل. بحيث يجعل من المستقبل حاضرا ومن الحاضر مستقبلا. وهو تداخل كان وما يزال يحكم المسار التاريخي للأمم. انطلاقا من أن حاضر الأمم هو مستقبلها. بمعنى توقف احدهما على الآخر.

وإذا كانت هذه الحصيلة تبدو فيما مضى جزء من "الخيال العلمي"، فإن السرعة الخارقة التي رافقت وما تزال ترافق الثورة العلمية والتكنولوجية والمعلوماتية قد اختزلت تفاوت الأزمان. فالمسار الفعلي لتاريخ الأمم لم يعد مجرد ترابط حلقات مترامية للماضي والحاضر والمستقبل، بل وحدتهم الحية في الأفعال المبدعة. مما أدى إلى بلورة إحدى الحقائق المنطقية والمثيرة القائلة، بأن الإبداع هو معيار المستقبل. الأمر الذي يجعل من الضروري إعادة النظر بحقيقة فكرة العبرة في تاريخ الأمم، ومن ثم توظيفها بما يخدم المستقبل. وليس المقصود بذلك سوى تحويل وجهة النظر السياسية للدولة والنخب صوب المستقبل. فالاهتمام بالعبرة الماضية يعني أن الدولة والأمة لم يتخلصا بعد من ثقل الماضي، مع ما يترتب عليه من ضعف أو فقدان للرؤية الإستراتيجية. وذلك لأن الإستراتيجية تخطيط للمستقبل. مما يفترض بدوره النظر إلى إشكاليات الحاضر بمعايير المستقبل.

ولا يعني ذلك تجاهل الماضي، بقدر ما يعني توظيفه العقلاني، أي نفيه بمشاريع مستقبلية نابعة من إدراك نقدي وعملي لتجارب الماضي. ومن ثم بناء وتأسيس مرجعيات كبرى بهذا الصدد. ولعل تأسيس مرجعية ما أدعوه بهندسة التاريخ والمستقبل في المثلث العربي  الإيراني التركي من بين أكثرها أهمية. فهو المثلث الذي يمكنه أن يكون مختبرا لتوظيف تجارب الماضي في خدمة المستقبل. والمقصود بالمثلث العربي الفارسي التركي هو وحدة التاريخ الثقافي، والجغرافيا السياسية، ومشروع المستقبل للعرب والأقوام الفارسية والتركية.

فالتاريخ الثقافي المشترك هو الإرث الاممي العام، أي ما فوق القومي. وفي الوقت نفسه هو احد مصادر الوعي القومي. بمعنى انه يحتوي بقدر واحد على وحدة القومي والأممي. كما أن قيمته المتسامية بالنسبة للجميع تستمد مقوماتها من طبيعته الثقافية العامة. فقد كانت الثقافة الإسلامية نتاجا مشتركا حيا لمختلف شعوبها، وبالأخص العربية والفارسية والتركية. كما انها كانت نتاجا مشتركا ومتراكما في مجرى صيرورة الخلافة وصراعاتها الداخلية. فقد كانت الخلافة الغلاف الروحي الذي وّحد التاريخ الذاتي للعرب والفرس والأتراك. أما الصراع السياسي وتبدل الدول ومراكز الخلافة والحروب العنيفة أحيانا والدرامية فيما بينها، فقد كانت جزء من تاريخ الخلافة السياسي. ولم يقف هذا التاريخ في كل مجراه المتنوع في يوم ما بالضد من وحدة الهموم الثقافية الكبرى. على العكس، لقد كان يمدها ويسندها بحرارة البيان وصدق الوجدان وقوة البرهان بالبقاء ضمن مرجعياته المتسامية. والسبب يكمن في أن مرجعيات الثقافة الإسلامية الكبرى هي مرجعيات متسامية بسبب طبيعتها الثقافية العامة وهمومها الكونية. والاستثناءات القليلة صغيرة من حيث القيمة والمعنى والتأثير. بل انها كانت تظهر وتذوب كما لو انها ومضات عابرة للغلو الروحي والعقائدي على ضفاف المجرى العام للثقافة الإسلامية. وفي هذا يكمن سبب بقاء الكلّ الثقافي الإسلامي حيا في جميع مكونات الوعي التاريخي والذاتي للعرب والفرس والأتراك.

التاريخ الثقافي والجغرافيا السياسية

أما الجغرافيا السياسية، فإنها بقت كما كانت فيما مضى تدور حول المشرق العربي (الهلال الخصيب والجزيرة) وإيران وتركيا. وهي مكونات مترابطة لما قبل التاريخ الإسلامي بوصفها جغرافية مفككة لا يجمعها غير صيرورة الدول وانحلالها. لكنها كانت محكومة بالوحدة الإمبراطورية وبالأخص ما يتعلق منه بالعلاقة العربية (وادي الرافدين) والفارسية. وقد أعطت الخلافة العربية الإسلامية لهذه العلاقة بعدا روحيا ثقافيا يتسامى على أزمان الصراع والخلافات القديمة والمعاصرة أيضا. وفي مجرى هذا الصيرورة الثقافية الروحية جرى الاندماج العضوي للشعوب التركية في عالم الإسلام السياسي والثقافي. مما جعل من أراضي الأتراك (ما وراء النهر، ثم تركستان وأخيرا آسيا الوسطى) كواكب دائرة في أفلاك "دار الإسلام". وتوجت هذه العملية في صعود وانحلال السلطنة العثمانية. والنتيجة هي الرجوع إلى حالة تتسم بقدر هائل من التفكك الجيوسياسي للدول والقوميات. بمعنى إننا نقف أمام دول عديدة مختلفة ومتصارعة ومتناحرة أحيانا بين العرب (الدول العربية) والفرس (إيران وطاجكستان) والأتراك (دول آسيا الوسطى وتركيا). وتعكس هذه الحالة المسار المعقد لانحلال الإمبراطوريات الإسلامية، والصعود الأوربي، وظاهرة الاستعمار الغربي (الأوربي ثم الأمريكي)، والصعود القومي الحديث. لكنها أبقت على مكونات البؤرة الجيوسياسية للكل الإسلامي في تماس جغرافي سياسي حيوي. من هنا اتسامه أيضا بقدر كبير من الحساسية أحيانا والخلاف أحيانا أخرى، بحيث بلغت في حالات معينة درجة الحرب المدمرة (كما جرت على امتداد عقود بين إيران والعراق) والتوتر الحامي (كما كان لفترة طويلة بين تركيا وسوريا) والتوتر الدفين (بين إيران والعراق، وبينها وبين دول الخليج العربية بشكل عام والإمارات العربية المتحدة بشكل خاص). ولكل خلاف وحرب وتوتر أسبابه الخاصة. لكنها أسباب جزئية، حالما يجري النظر إليها بمعايير التاريخ الثقافي والجغرافيا السياسية. بمعنى حالما يجري النظر إليها بمعايير البدائل المنطلقة من أهمية وجوهرية التاريخ الثقافي والتماس الجغرافي بالنسبة لتعايش الأمم والمصالح. فهما المكونان الجوهريان الذي يجبران اشد القوى المتصارعة في نهاية المطاف للبحث عن صيغة تبرد حرارة الاحتكاك التاريخي.

فالتجربة التاريخية للأمم تكشف عن أن اشد أنواع الصراع تكمن في مناطق التماس الجغرافي والتاريخي والثقافي. وكلما تكون الأمم متباعدة فيما بينهما كلما تخف إمكانية الخلاف بسبب انعدام التاريخ المشترك بينها. والاستثناء الوحيد هو حالة العالم المعاصر بسبب القدرة الكامنة للتكنولوجيا في تذليل المسافة والزمن. بحيث يمكنها أن تجعل الخلاف والصراع المادي والمعنوي عنيفا في ظل التماس المباشر أو الفرضي.  (كما جرى بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة).

وبما أن تاريخ الدولة هو تاريخ القوة والسيطرة، من هنا تراكم شحنات الخلاف الكبرى في مجرى التماس السياسي والقومي للدول. وبالتالي ليس الخلاف العميق أحيانا، والمتغلغل في أعمق أعماق النفس البشرية والوعي السياسي واللاوعي الاجتماعي بين العرب والفرس والأتراك يكمن أولا وقبل كل شيء في عمق التاريخ السياسي والثقافي المشترك.

فقد كان التاريخ العربي والفارسي والتركي على امتداد آلاف السنين يتمثل بصورة نموذجية ما أسميته بالاحتكاك التاريخي الثقافي والقومي للأمم والدول. وكلما يكون التاريخ المشترك بين الأمم أكثر عمقا وأطول زمنا واشد تداخلا كلما يكون الخلاف أوسع وأكثر تغلغلا. وفي الوقت نفسه ليس هذا "الأثر الطارئ" سوى النتاج السيئ الذي عادة ما يرافق ويلازم الفضائل الكبرى القائمة في وحدة التاريخ الثقافي والسياسي المشترك. وليس مصادفة أن تكون كمية ونوعية الخلافات بين العرب والفرس أوسع وأكثر تغلغلا. وهو "الأثر الطارئ" الذي رافق ويرافق عمق، وطول، وسعة التداخل التاريخي الثقافي بينهما. إذ يمكننا القول باستحالة فصم أو تفرقة التاريخ الثقافي والسياسي للعرب والفرس على امتداد ألوف السنين. كما يصعب فصم عرى المستقبل الكامن فيه. وفي هذا يوجد أحد المصادر الكبرى للخلافات الحادة أحيانا بين مكونات هذه المثلث.

لكن إذا كانت الخلافات السابقة جزء من صيرورة الإمبراطوريات وإعادة توطين "المركز السياسي"، فإنها الآن جزء من صيرورة البنية الخاصة للدولة والقومية. من هنا يمكن رؤية سبب الخلافات الأشد حدة بين العالم العربي والإيراني، بسبب التماس الجغرافي الاكبر، ومن ثم التماس الأوسع للمصالح المتنازعة والملازمة للدولة الحديثة والقومية ما لم يتكاملا بمعايير الحقوق والاقتصاد. وهي العملية التي لم تكتمل في كل من العالمين العربي والإيراني. كما تعاني من نواقص جدية في تركيا. من هنا الإثارة الكامنة والحساسية الكامنة في كل منهم تجاه الآخر. وإذا كان التوتر في اغلبه بين إيران والدول العربية، فان السبب يقوم أولا وقبل كل شيء في أن إيران دولة موحدة لكنها متعددة القوميات والأجناس، بينما الدول العربية عادة ما تتصف بالقومية الواحدة كما هو الحال في (الجزيرة وسوريا) أو شبه قومية واحدة (العراق) لكنها مجزأة على مستوى الدولة والنظم السياسية. فهي تعاني من ضعف تكامل وتجانس الدولة والنظام السياسي والمجتمع والثقافة العصرية على مستوى "الدولة القطرية" وفيما بينها ككل، أي انها لا تشعر ولا تعمل بوصفها كلا قوميا واحدا.

وإذا كانت إيران وتركيا كل منهم على التوالي يمثل من حيث الرغبة والإمكان "العالم الإيراني" ككل و"العالم التركي" ككل، فان الكل العربي دول متنافسة لم تتكامل وحدة الوطني والقومي فيها بمعايير الرؤية الواقعية والإستراتيجية الجاذبة للدول العربية في كل واحد (على مستوى النظام السياسي والقوانين والاقتصاد والتربية والتعليم والمواصلات وغيرها). الأمر الذي جعل وما يزال يجعل من الدولة العربية المعاصرة دولا "قومية" بلا قومية بالمعنى الدقيق للكلمة. فهي أما قومية أيديولوجية (كما كان الحال في العراق وما يزال في سوريا وليبيا وأمثالهما) أو قومية محلية (مصر وتونس والجزائر والمغرب) أو قومية طائفية غريبة (لبنان) أو قومية محلية تقليدية (دول الخليج العربية) أو تجمع بين المحلية والتقليدية (اليمن). وهي كلها مظاهر لنزوع قومي لم يكتمل، بسبب عدم تكامل النظام الاجتماعي والسياسي والثقافي بمعايير الفكرة القومية الحديثة. أما إيران فإنها كانت دولة قومية عنصرية (شاهنشاهية) أصبحت بعد "الثورة الإسلامية" دولة قومية مذهبية (إسلامية). بينما كانت تركيا وما تزال دولة قومية عنصرية أرست الاتاتوركية عناصرها الداخلية ومعالمها الخارجية. استطاعت توحيد الدولة والأمة عبر "فك الارتباط" بالإرث الثقافي الخاص. لكنها تتجه الآن صوب معالمها وجذورها الثقافية الخاصة. وهي في عملية صراع ومن ثم احتمالات متنوعة ومختلفة.

وبغض النظر عن كل هذه الاختلافات الجدية بين مكونات العالم العربي والإيراني والتركي، فان ما يجمعها بهذا الصدد هو أن الفكرة القومية فيها ليست فكرة تلقائية. بعبارة أخرى، إن الفكرة القومية فيها نتاج الأزمة التي استتبعت زمن انحطاط الحضارة (الإسلامية) وسقوط الدولة، والاحتلال الأجنبي (الأوربي)، والسيطرة الغربية (الأمريكية). وهي عملية معقدة كان يصعب عليها إنتاج فكرة إستراتيجية في بداية القرن العشرين (على خلفية الصراع السياسي والمذهبي والتخلف الاجتماعي) قادرة على تمثل مبادئ وقيم التنسيق الشامل بين الأطراف (العربية الفارسية التركية). على العكس لقد كان الخلاف والصراع وفك الارتباط التاريخي أسلوب التكامل الواقعي والعقلاني للفكرة القومية. وهي عملية لم يجر انجازها بصورة تامة بعد مرور قرن من الزمن. لكنها استطاعت أن ترسي أسسها العامة من خلال ظهور وتعايش الدولة العربية (الخليج والعراق وسوريا) والدولة الإيرانية والدولة التركية. وإذا كان القرن العشرين قد تجاوز في مجرى صراعاته الملازمة لصعود الدولة والقومية اغلب المراحل والعقد الدموية، فان القرن الحادي والعشرين يضع خيارات الماضي أمام اختبار مستقبلي كبير. بمعنى انه يضع مهمة إعادة النظر بتاريخ فك الارتباط التاريخي من خلال ما يمكن دعوته بادراك القيمة الإستراتيجية للرجوع إلى النفس بوصفه استمرارا نوعيا جديدا للتكامل الواقعي والعقلاني للدولة والقومية. بعبارة أخرى، أن العالم العربي والفارسي والتركي يقف كل منهم بطريقته الخاصة أمام مهمة الرجوع إلى النفس، بوصفه رجوعا إلى "المثلث التاريخي الثقافي" العربي الفارسي التركي.

 "المثلث التاريخي الثقافي" العربي الإيراني التركي ومشروع المستقبل

إن نجاح أي مشروع يفترض تحديد مقدماته وغاياته ووسائله. وهذه بدورها تتوقف على منظومة المرجعيات الكفيلة بتوجيه الطاقة الذاتية صوب تجسيدها الفعلي. فقد كشفت تجربة قرن من التاريخ الحديث للعالم العربي والتركي والإيراني عن أن الانفكاك المحكوم بمقدماته التاريخية قد أدى وظيفته الكبرى فيما يتعلق برسم حدود الدولة وطاقاتها الداخلية. ومع أن وظيفة هذا الانفكاك لم يستنفذ طاقاتها بصورة كاملة بعد لكي يتم "التخلي" الكامل عن فكرة الحدود القومية للدولة، إلا أن تأمل المستقبل ضمن شروط وتأثير العولمة المعاصرة، يكشف عما في إعادة النظر بمثلث المستقبل العربي الفارسي التركي من قيمة إضافية كبرى بالنسبة لدعم مشروع الدولة القومية واستتبابها ومن ثم تفعيل طاقاتها الكامنة. بمعنى التخلي عن نفسية وذهنية المنافسة والهيمنة التي ميزت تاريخ الماضي. رغم أن هذه الظاهرة نفسها لم تكن معزولة عما يمكن دعوته بحب الزعامة والهيمنة الفاعلة. وهي عملية متضاربة تعكس من حيث مقوماتها وغاياتها السعي من اجل احتلال موقع اللاعب المركزي والفاعل الاكبر. لكنها كانت وما تزال محكومة بالتماس الجغرافي والثقافي. ومن الممكن العثور على صداها القوي بما في ذلك في الصراع والتنافس الحاد أحيانا بين الكتل العربية والإيرانية والتركية للقيام بلعب دور إقليمي في العالم المعاصر بعد أن ضعف كل منها من إمكانية القيام بدور عالمي كما كان الحال في الماضي.

ولا تخلو هذه العملية المتناقضة من فضائل في حال توظيفها العقلاني على المدى البعيد، أي في حال توجيه التنافس صوب التنسيق والتكامل. ومن ثم توجيه الطاقة المهلكة للتنافس من اجل التمتع بلعب الدور الإقليمي صوب التكامل في قوة قادرة على المدى البعيد على لعب دور عالمي. وهي مهمة ممكنة التنفيذ من خلال تحول طاقة التنافس المهلكة صوب توحيد القوى والطاقات الكامنة في هذا المثلث. وهو تحول ومثلث يمتلكان مقوماتهما الفعلية في وحدة الإرث الروحي الذي صنعه التاريخ الثقافي الإسلامي، بوصفه احد المرجعيات الكبرى لهذه المشروع.

فقد أدى تداخل وتتابع الإمبراطوريات العربية والفارسية والتركية التي توجت في مرحلة الإسلام بوحدة الكلّ الثقافي، إلى صنع إحدى أهم المنظومات الثقافية الفاعلة لحد الآن في الوعي القومي بوصفها مرجعيات ثقافية روحية كبرى. الأمر الذي يعطي لنا إمكانية الإقرار بوجود مثلث تاريخي ثقافي عربي – فارسي – تركي على امتداد قرون عديدة. وهو مثلث تاريخي ثقافي مقترن ايضا بتماس الجغرافيا السياسية. وبغض النظر عن أن هذا الاحتمال ليس حتميا، لكنه الأكثر واقعية بسبب ما فيه من وحدة التاريخ المشترك، ووحدة الجغرافيا، ووحدة المصالح حالما يجري ربطها برؤية مستقبلية. وليس المقصود بالرؤية المستقبلية سوى تلك التي تستند وتنطلق من إدراك قيمة التطور الحر والعقلاني والمستقل لكل من أطراف المثلث وفي وحدتهم. وهي الحالة التي يمكن تأمل ماضيها الدموي وحالتها الاقتصادية والسياسية والحقوقية والثقافية في مشروع "الاتحاد الأوربي". فهو يشترك مع حالة المثلث العربي التركي الإيراني بتنوع القوميات ووحدة التراث والتماس الجغرافي. ومن ثم وحدة المصالح. فقد أوصلت التجارب القومية المتصارعة الدول الأوربية إلى حالة الانكفاء الذاتي ثم الانفتاح بوصفه مصدر القوة الإضافية للكل بأجزائه. وهي عملية معقدة ومتناقضة لكنها مستقبلية.

وبالتالي يمكن النظر إلى المشروع الأوربي عن "المتوسطية" بوصفه شكلا من إشكال استباق الوحدة الضرورية للمثلث العربي والفارسي التركي. بمعنى محاولته الاستفراد بتركيا من خلال وضعها في حال "الانتظار القلق" وإخراجها من مشروع المتوسطية، والعمل من اجل "ضم الدول العربية القائمة على حوض البحر المتوسط، ومن ثم عزل دول الخليج العربية والعراق عنه. إضافة إلى محاصرة إيران. بعبارة أخرى، إننا نقف أمام إستراتيجية، قد لا تكون محكومة بخبائث "الرؤية الشيطانية" لكنها تؤدي هذا الدور بفعل سلوكها العملي بمعايير السياسة النفعية وصراع المصالح. بعبارة إننا نقف أمام إحدى الصيغ الخطرة لتنافس الأمم والمصالح، بالشكل الذي يستعيد ماضي النزوع الكولونيالي للغرب من خلال توظيف التجزئة المستمرة للعالم العربي التركي الفارسي (الإيراني)، أو على الأقل استباق إمكانية توحيده من خلال جعل أطرافه أضلاعا سائبة وليس أضلاعا مكونة لمثلث المستقبل. 

هندسة المستقبل في مشروع المثلث العربي الإيراني التركي.

إن الرؤية الإستراتيجية تفترض الانطلاق من تأمل العبرة التاريخية والعمل بمعايير المستقبل. وفي الحالة المعنية ليس المقصود بهندسة المستقبل في مشروع المثلث العربي الإيراني التركي سوى العمل من اجل رسم مرجعيات ومبادئ وقواعد التنسيق المشترك والتوحيد اللاحق. لاسيما وانه مشروع له تاريخه الذاتي في تاريخ الإمبراطوريات الإسلامية (الخلافة) وما فيها من صيغ متنوعة ترتقي إلى مصاف المنظومات الفكرية والأخلاقية والروحية والفقهية الرابطة لوحدة الأقوام والبشر. وهي منظومات ساهم في بلورتها التاريخي نشاط متنوع ومتداخل، لا يخلو من مراحل درامية وعقد عنيفة، المكون العربي والفارسي والتركي. وهي مكونات تراجعت إلى ثلاثة أضلاع مفككة من خلال انحسارها في الدولة التركية والدولة الإيرانية والدولة السورية والعراقية ودول الخليج العربية، بوصفها دول التماس الجغرافي السياسي. رغم انها تحتوي على أبعاد عالمية (افريقية وآسيوية وما وراء البحار). وإذا كانت هذه الأبعاد تبدو أشبه بكويكب كوني قادر على إثارة زوبعة الموت، فان القوة القادرة على تحويله من "كتلة الفوضى" إلى قوة النظام المقبل تقوم فيما إذا كان بالإمكان توجيهه صوب هندسة المستقبل بمعايير الحداثة والتقدم الاجتماعي. وهي هندسة يستحيل تحقيقها دون التخطيط لترشيد القوى الذاتية صوب التكامل. فقد حلت الأمم الأوربية، على سبيل المثال فوضاها الداخلية في مجر عملية معقدة ودامية وتتصف أيضا بأقدار متنوعة وهائلة من المعاناة الإنسانية عبر إرساء منظومة التنمية الدائمة والشاملة وتصدير الفائض البشري (إلى الخارج). أما العالم الإسلامي، وفي الحالة المعنية مكونات المثلث العربي الإيراني التركي، فانه يعمل ضمن شروط قاسية. وقد يكون أقساها هو تمتعه بإمكانيات هائلة وضغوط خارجية فاعلية، تعمل من اجل ألا تتكامل هذه الأضلاع في مثلث متناسق. وهو مثلث قد لا يكون متساوي الأضلاع من حيث مقدماته الأولية والحالية، لكنه متساوي من حيث أهميته بالنسبة للمستقبل. وذلك لان أية محاولة للإبقاء على أضلاعه المفككة أو جعلها مختلفة الأبعاد لا تؤدي في أفضل الأحوال إلا إلى "مثلث" يصعب عليه الاندماج السليم في هندسة العالم المعاصر. ومن ثم يفقده، كما افقده في الماضي القريب إمكانية التحصن الذاتي. مما يفترض بدوره القيام بما يلي:

- الخروج من مأزق المصالح الضيقة

- الانطلاق من أن المكون التاريخي الثقافي هو بؤرة الاحتمال العقلاني لهندسة المستقبل.

- إن هندسة المستقبل بحاجة إلى رؤية نقدية ايجابية قادرة على تفعيل الأبعاد الجيوسياسية للتاريخ والثقافة المشتركة.

- هندسة الذهنية السياسية للدولة، والذهنية الثقافية للنخبة.

- هندسة الرؤية الإستراتيجية من خلال بلورة منظومة مستقبلية متكاملة لها مبادئها الكبرى في السياسة والاقتصاد والثقافة.

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

الحديث عن الأدب الفلسفي يعني الحديث عن حقل من حقول الثقافة تجمع بين حقلين يكاد تواصلهما حاضرا ومؤثرا منذ زمن طويل، إلا إن المفهوم من المفاهيم المعاصرة، التي حاولت البحث عن حقل يجمع بين الأدب والفلسفة بنسب متفاوتة، إذ ارتبطت الفلسفة  ومازالت ترتبط بمجالات  فكريّة متعددة  من  ضمنها مجال الأدب.

على الرغم من  الاختلاف الكبير بين المجالين من حيث اللغة والهدف ومجال الرؤى هناك سمات مشتركة تجمع بين هذين العالمين أهمها: أولا البحث عن الوجود وماهيته، والذات وسبر أغوارها، وثانيا في مدى ارتباطها بالكون وبأحداث عصرها المتغير.

على مستوى التعريف

1- كلمة الأدب عبارة عن كتابة ''إبداعيّة'' أو ''تخيليّة'' ومنها الكلام البليغ الذي يؤثر في نفوس القرّاء سواء كان شعراً أم نثراً، ولقد تطوّر هذا المفهوم على مر العصور واتّخذ العديد من المعاني حتى تكوّن بهذه الصياغة وهذا المعنى.

2- فيما مفهوم الفلسفة مصطلح الفلسفة هو مصطلح يونانيّ، إذ تعني الفلسفة حب الحكمة، وهي النظرة العقلانيّة والفكرة التجريديّة، والمنهجيّة في الواقع بشكلٍ عام، فضلاً عن الأبعاد الأساسيّة للوجود البشري والخبرة، وهي عنصر أساسيّ في التاريخ الفكري للكثير من الحضاراتكما أنها دراسة لفهم كيفيّة الوجود، ومعرفة ما هو حقيقي وصادق، وجميل، ويشار إلى اهتمامها بكيفيّة تواجد البشر لمعرفة الحقيقة والأمور الصحيحة. إذ يعد القلق الوجودي، جسراً رابطاً بين الأدب والفلسفة، وقد جعل من رابطتهما، أكثر ثراء وحيويّة، في سياق البحث والسؤال، على صعيد التخيل الجامح أو التأمل العميق الراسخ سواء في أعماق الذات الإنسانيّة أم الموجودات  .وفي كل هذا يستعين بجماليّة الصور وبراعة الاستعارة بعيداً عن المباشرة في التناول .

3- فالأدب الفلسفي هو المنطقة الوسطى الجامعة بين مضامين فلسفيّة وأشكال تعبيرية تخيليّة شعراً أو نثراً . إن التكامل بين الأدب والفلسفة، يعد ظاهرة ملموسة في سياق ما هو منجز من الواقع الفلسفي، بوصفه علامة دالة على إنهما وجهان لعملة واحدة، مهما تباين الأفق بينهما ؛ إلا إنهما في تواصل وتكامل: توصيفاً، وتشخيصاً، ونقداً ؛ لما هو إنساني ثقافي على صعيد متخيل يأخذ  بجماليّة المكان و المشاعر والعواطف  الشفافة ؛ عميقةً برموزها واستعاراتها وتناصاتها التي تفتح أفقا كبيراً، للقراءة والتأويل لتكشف ما هو مسكوت عنه و إنه ليس من الممكن البوح فيه .

ويمكن دراسة العلاقة بين الأدب والفلسفة من خلال نظريّةالأجناسالأدبيّة إذ يعزى الاهتمام في استعمال مصطلح الجنس الأدبي في الدراسات الغربيّة الحديثة إلى ظهور أجناس جديدة من التأليف الأدبي في اللغات الأوربيّة، وذلك في بواكير النهضة الأوربيّة في القرن الثالث عشر الميلادي في ايطاليا،ليتوسع فيما بعد إلى نظريّة الأجناس الأدبيّة التي تترجم بالفرنسيّة genres liter Aires يقابلها في الانكليزيّة literary speiesثم عدلوا عنها إلى   literary genres

ويعد نورثروب فراي التقسيم الثلاثي الذي وضعه القدامى الملحمي والدرامي والغنائي) هو المنطلق لنظريّة الأجناس الأدبيّة، وهكذا أصبحت نظريّة الأجناس المكان الذي يتحدد فيه مجال الأدب وتعريفه.

وهذا يقودنا إلى مفهوم الجنس الأدبي بوصفه مجموعة من الخصائص التي تحكم الممارسة الإبداعيّة .

أما نشأة الجنس الأدبي فهي قضيّة قديمة حديثة، تبدأ بالحديث عنه بوصفه رغبة فرديّة، ناتجة بصفة أساسيّة عن رغبة اجتماعيّة. وقد ظل الجدل دائرا حول إمكانيّةتحديد ضوابط معينه يمكن أن تسجلها من خلالها إن مهمة تمييز خصوصيّة جنس أدبي معين من غيره عسيرة ولكن يمكن الوقوف على مرحلتين أساسيتين:

المرحلة القديمة: التي بلغت ذروتها بالكلاسيكيّة الجديدة التي دعت إلى فصل الأنواع الأدبيّة بعضها عن بعض، إذ ينكفئ كل نوع من ضمن أسوار مغلقه لا يتراسل فنياً مع غيره وهذا هو المذهب الشهير ب”نقاء النوع”  .

المرحلة الوصفيّة: التي ظهرت حديثاً والتي تفترض بإمكانيّة المزج بين الأنواع لتوليد أنواع جديدة . وهي المرحلة التي تميّزت بها الكتابات الحديثة التي تعطي انفتاحاً للنوع الأدبي كي لا يبقى منغلقاً على نفسه، بل تنظر إليه بوصفه نظاماً منفتحاً قابلا للتجدد والتكيف مع المستجدات. ؛لذلك يمكن القول إن الجنس الأدبي الذي يزاوج بين أجناس متغايرة هو من أابرز منجزات الحداثة، التي تعلن إمكانيّة التلاقح بين أجناس مختلفة مما يدعو إلى إعادة النظر في توسيع حدود الجنس الأدبي وتكييف محدداته مع ظهور كل نتاج جديد  بل والأكثر من ذلك الكشف عن الطرق التي تنتج وفقها النصوص وتستقبل وتتداول في المجتمع، ولاسيما أن الضغوط المستمرة التي تمارسها الأفكار المتصلة بالخلق والابتكار والذوق،ومتطلبات التلقي، تؤدي إلى تعديل تطوير هذا الدور باستمرار.

لعل في ظل هذه الظروف ظهر أيضاًالأدب الفلسفي الذي يدرس العلاقة بين الأدب بأشكاله الثلاثة والفلسفة من خلال التمييز بين الشكل / والمضمون إذ يعرفالأدب  بشكله الجمالي فيما  يتناول المضمون البعد الثقافي الفلسفي .

فدراسة الأدب في الأشكال الثلاثة: (الملحمي والدرامي والغنائي)، وتداخله مع الفلسفة ولد الأدب الفلسفي

أما المرحلة القديمة:

فالبحث عن التمايز بين الطرفين نجده من الناحية التاريخيّة يظهر في الثقافة اليونانيّة لدى كل من أفلاطون وأرسطو، إذ كان أفلاطون قد أكّد على التمايز والاختلاف بينهما على الرغم من انه كان كاتباً عظيماً في مجال الأدب كما يظهر في المحاورات، إلا انه  على الرغم  من هذا الأمر ؛ إلا إننا نجده يعبر عن حالة من التضاد بين الأدب والفلسفة كونه رفض وجود الفن والشعر والشعراء في مدينته  ؛بحجة أن الفن عموماً والشعر خصوصاً يقومان على مفهوم المحاكاة واتخذ مفهوم المحاكاة مفهوماً دونياً؛ لأنه يحاكي العالم الحسّي والشعر عنده إيهام بالحقيقة، بينما الفلسفة ترتبط بالعلم أي بالحقيقة فأخذ مفهوم الأدب مفهوما دونياً قياسا على هذا المفهوم الذي بقي تأثيره في الفكر الإنساني لمدّة زمنيّة طويلة. يقول أفلاطون عن الشعر: (أن الشعر الجميل ليس من صنع الإنسان و لا من نظم البشر، لكنه سماوي من صنع الآلهة . وما الشعراء ؛ إلا مترجمون عن الآلهة).

فيجب أن تكون الملهاة "الكوميديا" متجهة إلى السخريّة من الأخلاق الذميمة، ولا يجب أن تظهر فيها إلا الطبقة الدنيا، أما الطبقة الارستقراطيّة، فيجب أن إلا تتمثل معلقاً في الملهاة، أما المأساة "التراجيديّة" فيجب أن تمثل العواطف النبيلة، وأن يكون كل أشخاصها ممن ينتسبون إلى الطبقة الارستقراطيّة لكل تمثلهما فيها من عواطف نبيلة .

إماأرسطو فقد نظر إلىالأمر من زاويّةأخرى في كتابه " فن الشعر"، عندما قدّم تصنيفاًإلىأشكال التفكير جعل البرهان في المقدمة ثم الجدل وتأتيالسفسطة والتخيل في المرتبة الأخيرة فهذا التوصيف الأرسطي قد اثر كثيراً في الفكر الوسيط بعد أرسطو وقد تمت محاكاته .

واستناداً على هذا التصنيف تكون التراجيديا، أولا لأنها تحاكي بوساطة اللغة،وثانيها عملاً جليلاً لأنها تحاكي أناساً فضلاء وتظهرهم بأخير مما هم عليه،وثالثاً: دراما لأنها تقوم بتصوير الشخصيّات، وهي تفعل وتنشط  دونما تدخل من قبل الأدب . ونجد أن التأثير اليوناني ترك اثرا في الفلسفة الإسلاميّة ؛ فان مفهوم المحاكاة فقد فهم نقاد العرب المحاكاة أنها مرادفة للمجاز إي: (التشبيه والاستعارة والكنايّة) يقول ابن رشد " والمحاكاة في الأقاويل الشعريّة تكون من قبل ثلاثة أشياء من قبل النظم المتفقة ومن قبل الوزن ومن قبل التشبه نفسه وهذا قد يوجد كل واحد منها مفرداً عن صاحبه مثل وجود النغم في المزامير والوزن في الرقص، والمحاكاة في اللفظ . وقد تجتمع هذه الثلاثة بأسرها، مثلما يوجد عندنا في النوع الذي يسمى الموشحات والأزجال .

أما البحث عن المشتركات بين الأدب والفلسفة نجد إن العلاقة بين هذين المجالين المعرفيين قديمة قدم بدايات التفكير الإنساني وإدراك الفكر قضايا الوعي بالذات والعالم . مثلما نجد إن الإنسان قد مارس التفلسف منذ القدم، وذلك سعياً منه لفهم أبعاد وجوده بكافة مستوياته الأخلاقيّة والمعرفيّة والاجتماعيّة، بالمقابل نجد أيضا، أن الأدب احتفظ لنفسه بإيقاع ومنطق خاص به، فالكتابة الأدبيّة باعتبارها شكلا خاصا من أشكال التعبير، سواءً كانت شعراً أو مسرحاً أو روايّة، لها تراثها ورموزها وأشخاصها الذين صاغوا معالم الفكر الإنساني بجانب الفلاسفة . وبالآتي يصح القول أن هناك تداخلاً بين المجالين على الرغم من اختلافهما في مجال التعبير فالأدب يعتمد التخييل في التعبير عن موضوعاته معتمداً على " الكلام الإشاري" كلام دال على المجاز أو مضمر لفظه أو مشتبه معناه" نجد بالمقابل أن الكتابة الفلسفيّة تعتمد على كتابة العبارة، فالعبارة هي "لفظ محكم تركيبه ودلالته"، فالعبارة -هي أساساً- كلام يلتزم بضوابط العقل المجرد، وهذه اللغة العباريّة ذات الدلالة المحدّدة والواضحة هي مدار اشتغال الفلسفة، في حين أن الإشارة التي هي بالأساس "كلام ينفتح على رحاب الخيال المجسد"، هي مدار اشتغال الأدب والشعر.

وعلى الرغم من هذا الاختلاف بين الأدب التخيلي الاشاري المجازي و الفلسفة بكلامها المعتمد على العبارة ذات الدلالة المحددة والواضحة ؛  إلاإننا نجد التواصل حاضراً وعميقاً بين الفلسفة والأدب، إذ الفلسفة باعتبارها بحثاً عن الحقيقة تتوسل باللغة والأدب يبني عالمه على اللغة أيضا.

فاللغة هي القاسم المشترك بين المجالين ولكن ليست اللغة فقط وإنما هناك علاقة أخرى تجمع بينهما وهي علاقة معرفيّة فما تتوصل إليه الفلسفة يجسّده الأدب بأجناسه المختلفة من: (شعر وقصة وروايّة ومسرح)فقد تأثّر الأدب بالرؤى الفلسفيّة  على مرّ العصور كما استعمل الفلاسفة بعض الأجناس الأدبيّة للتعبير عن نظرياتهم الفلسفيّة كما تمثّل في  محاورات سقراط  مع تلاميذه وفي غيره من الأعمال الفلسفيّة التي اتّخذت من الأجناس الأدبيّة حقلها المعرفي .في الدراسات المعاصرة  والظرف الذي انبثق فيه مصطلح الفلسفي في ظل الحداثة وسعيها إلى البحث عن العقلانيّة في الخطاب، ويحاول البحث الكشف  عن نقاط مشتركة بين الطرفين وأشكال العلاقة والتداخل بين عالم الفلسفة وعالم الأدب فهناك أشكال متنوعة بين الطرفين فهناك تداخل كلي وآخر جزئي مثال على هذا في الشعر مثلا نجد هناك تداخلاً جزئياً في الشعر الذي يعتمد على مقولات ومفاهيم مستقاة من الفلسفة ما نجدها في شعر المتنبي مثلاً، يقول المتنبي:

"خليلك أنت "لا من قلت خَلّي       وَإنْكًثُرَ التَمدّحُ والْكَلامُ

وهناك تداخل أعمق مثلما نجده في شعر المعري (973-1057)م، الذي اتّخذ بعداًأعمق حتى وصف بالموقف الوجودي، من مؤلفاته "سقط الزند:  وهو مجموعة قصائد و"اللزوميات"في الفلسفة العلائيّة و"رسالة الغفران "في قصة إلهيّة طريفة ، كان يقول:

فإني وجدتُ النفسَ تبدى ندامةً /على ما جنته حيناً يحضرها النقلُ

وإن صدئت أرواحنا في جسومنا /فيوشك يوماً أن يعاودها الصقلُ

ونجد التداخل يزداد فيضعف جماليّات الشكل ويزداد المضمون هيمنةً في  الشعر الصوفي فهو يعتمد الشعر في التعبير عن تجربة باطنيّة روحيّة تحاول التعبير عما لا يمكن التعبير عنه من رؤيّة روحيّة حدسيّة، لننظر إلى هذا القول للبسطامي:في (الأحوال)

-آخر نهايات الصديقين أول أحوال الأنبياء،وليس لنهايّة الأنبياء غايّة تدرك .

- للخلق أحوال، ولا حال للعارف ؛ لأنه مُحيت رسومه، وفنيت هويته بهويّة غيره، وغُيبت آثاره  بآثار غيره .

- نهايّة الصديقين أول أحوال الأنبياء.

ثم يزداد الأمر إذ يهيمن المضمون على الشكل في قصيدة ابن سينا في " العينيّة " ؛ إلا أننا هنا نلمس أن الشكل الأدبي غدا (وعاءً لشرح فكرة فلسفيّة ويكون العمل فلسفيا قبل كل شيء)

هبطتُ  إليك  كم  المحا  الأرفعُ           ورقاءُ   ذاتُ   تعززٍ   وتمنّعُ

محجوبةٌ عن كل  مقلةِ   عارفٍ           وهي التي سفرتْ ولم تتبرقعُ

اما المرحلة الثانية:

إذ يعزى الاهتمام في استعمال مصطلح الجنس الأدبي في الدراسات الغربيّة الحديثة إلى ظهور أجناس جديدة من التأليف الأدبي في اللغات الأوربيّة، وذلك في بواكير النهضة الأوربيّة في القرن الثالث عشر الميلادي في ايطاليا،ليتوسع فيما بعد إلى نظريه الأجناس الأدبيّة التي تترجم بالفرنسيّة genres liter Aires يقابلها في الإنكليزية literary speies ثم عدلوا عنها إلى literary genres

ويعد نورثروب فراي التقسيم الثلاثي الذي وضعه القدامى:ا(لملحمي والدرامي والغنائي) هو المنطلق لنظريّة الأجناس الأدبيّة، وهكذا أصبحت نظريّة الأجناس المكان الذي يتحدد فيه مجال الأدب وتعريفه.

وهذا يقودنا إلى مفهوم الجنس الأدبي بوصفه مجموعةً من الخصائص التي تحكم الممارسة الإبداعيّة.

أما المرحلة الثانية أي الوصفيّة:

التي ظهرت حديثا والتي تفترض بإمكانيّة المزج بين الأنواع لتوليد أنواع جديدة . وهي المرحلة التي تميزت بها الكتابات الحديثة التي تعطي انفتاحا للنوع الأدبي كي لايبقى منغلقا على نفسه، بل تنظر إليه بوصفه نظاماً منفتحاً قابلا للتجدد والتكيف مع المستجدات.لذلك يمكن القول إن الجنس الأدبي الذي يزاوج بين أجناس متغايرة هو من أبرز منجزات الحداثة، التي تعلن إمكانيّة التلاقح بين أجناس مختلفة مما يدعو إلى إعادة النظر في توسيع حدود الجنس الأدبي وتكييف محدداته مع ظهور كل نتاج جديد  بل والأكثر من ذلك الكشف عن الطرق التي تنتج وفقها النصوص وتستقبل وتتداول في المجتمع، ولاسيما إن الضغوط المستمرة التي تمارسها الأفكار المتصلة بالخلق والابتكار والذوق،ومتطلبات التلقي، تؤدي إلى تعديل تطوير هذا الدور باستمرار.

لعل في ظل هذه الظروف ظهر أيضاً الأدب الفلسفي الذي يدرس العلاقة بين الأدب بأشكاله الثلاثة والفلسفة من خلال تميز بين الشكل / والمضمون إذ يعرف الأدب  بشكله الجمالي فيما  يتناول المضمون البعد الثقافي الفلسفي .

فدراسة الأدب في الإشكال الثلاثة: (الملحمي والدرامي والغنائي)، وتداخله مع الفلسفة ولّد الأدب الفلسفي وهذا يظهر أيضا في دراسة القصة والشعر والمسرح إذ نلمس مضامين فلسفيّة على مستوى الموضوع رافقت ظهور  تلك الأجناس ونموها وخصوصاً الروايّة .

وقد ظهرت اتجاهات حديثة في العلاقة بين الشكل والمضمون منها ما جاء به " كانط "(1724-1804)م وتعد آخر المحاولات الفلسفيّة الكبرى لإرساء قاعدة نظريّة (منطقيّة) للفن الخاص أو " الفن للفن " .أساسا كل خبرة جماليّة في رأي كانط هو الانسجام القائم بين الفهم والمخيلة . لكن لو نظرنا للعمل الفني في ضوء ثنائيّة الفردي والجماعي (سوف نجد العمل الفني فردياً وجماعياً فالوقت معاً فهو تنظيم لتجارب لم تقع الا لهذا الفنان لكنه تنظيم في سياق الإطار ذي الأصول اجتماعيّة الذي يحملها الفنان ويتخذ منها عاملا من أهم عوامل التنظيم)

لكن الحديث عن الأجناس يجعلنا نتوقف عند مشكلة التجنيس بوصفها ظاهرة في التاريخ الأدبي المعاصر،وعاملا نصياً بصورة خاصة تبقى قائمة مع انتشار ظاهرة ما بعد الحداثة التي شكلت خرقاً واضحاً لكل معطيات الحداثة ولا سيما التداخل بين الأدبي والثقافي واللغوي ؛ لأن “ما بعد الحداثة صورت اختلاط الأجناس،واختلاط النصوص،واختلاط القراء والنصوص” ولاسيما أن تشكل الأجناس النظريّة في مخيلة الناقد هي جزء مما يمكن تسميته بالمنطق البراغماتي للتجنيس Hmogeneisa،هذا المنطق يشكل ظاهرة إبداعٍ و تلقٍ نصيّة تختلف من ناقد إلى أخر، إلاأنّ أي معالجة لإشكاليّة الهويّة الأجناسيّة في خضم الأعمال الأدبيّة ينبغي ان تأخذ بنظر الاعتبار عاملين أساسيين:

احدهما: إمكانيّة الاختلاف بين سياقات عملين أدبيين،حتى وإن كانا يحملان التسمية الأجناسيّة الواحدة .

ثانيهما: يتجلى في إمكانيّة تجدد النص عبر سياقات مختلفــة ومتباينة . ولذلك يمكن القول ان(الهويّة الأجناسيّة لنص ما تعد أحياناً والى درجة معينة قابلة للتغيير سياقياً بالمعنى الذي ترتهن في المجال غير النصي، وبشكل أوسع بالمحيط التاريخي الذي يحكم ولادة النص،والذي يحكم إعادة نسيجه كفعل تواصلي)

من الممكن أن نجد جذوراًلهذا الموقف عند الفيلسوف الألماني الشهير فيردريكنيتشه، الذي أشار في كتابه الذي حمل عنوان "ولادة التراجيديا" إلى أنه من الضروري على الفلسفة أن تحدّ من التفكير المنطقي الصارم، وتعود إلى الجانب الوجداني الذي يمثله أسلوب السرد الروائي، داعياً إلى (العودة إلى ما يعتمل في أنفسنا من عناصر بدائيّة للارتشاف من نبع العاطفة.. حتى ولو أدى ذلك إلى تحطيم الفكر التحليلي)

فلسفة ما بعد الحداثة:

جاء التحول في الفكر الغربي مع بعد الحداثة بتحول مهم في جدليّة العلاقة بين الفلسفة، فقد تحوّلت الفاصلة بين المجالين المعرفيين الفلسفي والأدبي قد شهدت ذوباناً وتلاشياً مع فلاسفة ما بعد الحداثة، الذين عُرفوا بنقدهم الشديد للثنائيات التي هيمنت على تاريخ الفكر الفلسفي من قبيل:  ثنائيّة الروح والجسد، والفرد والمجتمع، والحريّة والحتميّة.وجاء هذا بعد نقد ليوتارللعقل والذات العارفة . تجاوز فلسفة مابعد الحداثة، التمركز حول دوائر العقل لتهتم بالأطراف و الهوامش، فتصبح هذه المطالبات شاغلاً فلسفياً يرتبط بتجاوز التقليدي و خلخلة يقينياته . فقد احتلت اللغة مكان مهم إذ أصبحت (المفتاح السحري لأغلب الفلسفات المعاصرة، ومنها البنيويّة)، فقد مثلت اللغة النبع  الصافي للفلسفة والأدب، وهما يحققان الكثير من الأحلام البشريّة، و يؤكدان على، أدبيّة السرد الفني  في مراميه عبر التخيل والعاطفة عبر تماسكهما وانسجامهما ؛ وصولا إلى مقاصد عميقة تعبر عن رهانات عقليّة ورمزيّة.

على الرغم  من تمردهما على أشكال التعبير الفلسفي،فإن طاقة استعمالهما للغة تبقى ذات أفق إبداعي فلسفي  .وهذا اخذ أبعاداً جديدة في ظل تحولات ما بعد الحداثة التي قامت على الانتفاض على كثير من المعايير العقلانيّة الصارمة، وكان من بين تلك التحولات خصوصا في مجال الأدب إذ تم كسر الحواجز بين الأجناس وقد تم المزج بين أسلوب السرد الروائي واللغة الشاعريّة من جهة، وبين اعتبارات السؤال والمقاييس الفلسفيّة من جهة أخرى .فأصبح النص (سلسلة من العلاقات مع نصوص أخرى)، قائمة أساساً على أساس مفهوم الاختلاف وهو(مفهوم متجذر في صلب ديناميّة رحك الكائن الواحد)

ولعل هذا جعل تلك الرؤية الجديدة تنفتح على النصوص المعرفيّة كالتصوف الذي عرف (المتصوفة قد نزعوا نزعة ذاتيّة عميقة، وأنهم يتّصلون بعالم ماوراء الحسً ويحاولون أن يصلوا بقلوبهم ومشاعرهم الى ما لايتسنى للعقل والحواس الوصول إليه، او قد اطمئنوا إلى ما وافقهم به أذواقهم من معاني وما صورت به عالم مافوق الواقع من صورة أن يدللوا عليهإن عالمهم هذا العالم الحق وان ماعداه هو الباطل) فهذا الانفتاح نلمسه في نيتشه الذي مهد الطريق لما بعد الحداثة عندما كان قد قدم فلسفته بصورة سرد روائي في عمله الشهير "هكذا تحدث زرادشت"،وهكذا جاءت التحولات تلك إلى دفع الفلسفة إلى انتهاج مسار مختلف هذه المرة عندما عمدت إلى تجاوز حالة السكون والثبات صوب ماهو معاش من حياة الراهن بكل تحولاته وصيرورته مما دفع الفلسفة إلىإن تدخل فى النقد الذاتي وتتورط بالمراجعة لذاتها من أجل تجاوز غربتها عما هو معاش، وقد أسهم هذا الى حد كبير في بلورة فهم معقول للواقع وتحولاته .ونقد الدوغمائيّة العنيفة المتطرفة .وكان لابد لهذا التحول الذي أصاب الفلسفة أن يصيب الأدب ومن الشعر الذي كان يمثل لغة خاصة به .  إلا إننا نلمس ذلك على الرغم من إن التعارض بين الشعر إذ الاستعارة الشعريّة هي (ليس مجرد تغيير في المعنى، أنها تغيير في طبيعة أو نمط المعنى انتقال من المعنى المفهومي إلى المعنى الانفعالي) لكن علىالرغم من هذه التحولات العميقة ؛ إلا أن هناك من يرى أن الأدب يبقى متأثراًبأنماط التفكير (وهذا ما يفتح أمامنا ملف تطور أساليب النثر الحديث التي مازالت الآن تتنوع لا بحسب الحاجات الفعليّة، وانما بحسب نمط التفكير السائد خلفها)

 

د. ا. عامر عبد زيد الوائلي

 

السببيّة او العليّة: هي موضوع فلسفي، وبشكلٍ اخص في فرعِ فلسفةِ العلوم. وهي تعنى بالعلاقة بين حدثٍ يُسَمى السَبب وحدثٍ اخر يسمى الاثر؛ بحيث يحدثُ الحدثُ الثاني نتيجةً للأول. (قاموس المورد، البعلبكي، نقلا عن ويكيبيديا).

من اوائل المهتمّين بالعليّة، الفيلسوف اليوناني ارسطو في تفسيره لحركة الكون، ورتبها في اربع عللٍ هي:

1- العلة الماديّة 2- العلّة الصوريّة 3- العلة الفاعليّة 4- العلّة الغائيّة، واعتبرها ديكارت مبدا فطرياً، وراى الرابطة بين العلة والمعلول، رابطة ضروريّةً.

وقانون السببية له مركزيته في العلوم ؛ فهو منتجٌ لقوانين العلم. والاستقراء اساسٌ مهمٌ اعتمدتهُ قوانينُ العلم بالانطلاق من مبدأين حسب رؤية (غوبلو)، وهما:

1- مبدأ النظام في الطبيعة، اي: الثبات وعدم الاستثناء.

2- مبدأ الشمول: الذي يعني ان كل الظواهر تنتظم حسب قوانين عامّة. والحتمية ناتجة عن هذين المبدأين. ويرى كلود برنارد ان الحتمية مطلقة بقوله: (انّ الحتمية مطلقة وكاملة فهي تنطبق على الاجسام الحيّة كما تنطبق على الاجسام الجامدة. وهذا المبدأ الحتمي هو ضروريٌ جدا للعلم).

الضرورة بين العلة والمعلول

هل العلاقة بين العلة والمعلول علاقة ضرورية، وعلاقة صارمة لاتقبل التخلف، اي ان العلة التامة اذا تحققت بوجود المقتضي وتوفر الشرط وعدم المانع، لابد ان يصدر عنها معلولها صدورا ضروريا، مثاله: وصول الماء الى درجة الغليان 100 درجة مئوية، لابد من غليان الماء بمجرد وصول حرارة الماء الى درجة 100 مئوية.

هل العلاقة بين العلة والمعلول هي بهذه الصرامة، وبهذه الضرورة واللابديّة، ام يمكن ان تكون العلاقة بين العلة والمعلول علاقة فيها الكثيرمن المرونة، وليست علاقة محكومة بالضرورة والحتميّة ؟

وهل يمكن التفريق بين عليّة في الفواعل المختارة مثل الله تعالى، والانسان؟. الفاعل المختار لايصدر عنه معلوله صدورا ضروريا، بل تصدر افعال الفاعل المختار بارادته متى شاء. اما الفاعل غير المختار كالنار التي لابدّ ان يصدر منها الاحراق والحرارة بشكل قسري وضروري، والشمس التي لابد ان يصدر عنها نورها صدورا ضروريا قسريا.

هيوم ونفي الضرورة في العليّة

يقول ديفيد هيوم: (رؤية اي شيئين اوفعلين، مهما تكن العلاقة بينهما، لايمكن ان تعطينا اية فكرة عن قوّة، او ارتباط بينهما، وان هذه الفكرة تنشا عن تكرار وجودهما معاً، وان التكرار لايكشف ولايحدث اي شيء في الموضوعات، وانما يؤثر فقط في العقل بذلك الانتقال الذي يحدثه، وان هذا الانتقال المعتاد من العلة الى المعلول هو :(القوة والضرورة)، ويستمر هيوم بالقول: (وليست لدينا اية فكرة عن العلة والمعلول غير فكرة عن اشياء كانت مرتبطة دائما، وفي جميع الاحوال الماضيّة بدت غير منفصلة عن بعضها البعض، وليس في وسعنا النفوذ الى سبب هذا الارتباط. وانما نحن نلاحظ هذه الواقعة فقط، ونجد انه تبعا لهذا الارتباط المستمر فان الاشياء تتحد بالضرورة في الخيال، فاذا حضر انطباع الواحد كونّا نحن فكرة زميله المرتبط به عادة). (موسوعة الفلسفة، عبدالرحمن بدوي).

فهيوم لايؤمن بوجود علاقات عليّة في الواقع الخارجي، وانما نرى في الواقع فقط التعاقب والتتابع والتكرار، والخيال هو الذي يبتدع هذه العلاقات العليّة والروابط بينها.

وهذا الكلام سبق به الغزالي ديفيد هيوم، فالغزالي يقول:

(انّ فكرة السببية هي من ابتداعات الفكر ولايوجد في الخارج الا التعاقب والتكرار)، وبنفس الاتجاه يتحدث ابن حزم، فهو يرى العليّة ضرورة يوقعها الله في النفس الانسانيّة، يقول ابن حزم: (الاستدلال على الشيء لايكون الا في زمان ولابد ضرورة ان يعلم ذلك باول العقل لانه قد علم بضرورة العقل انه لايكون شيء في العالم الا في وقت وليس بين اول اوقات تمييز النفس في هذا العالم وبين ادراكها لكل ماذكرنا مهلة البتة، لادقيقة ولاجليلة ولاسبيل على ذلك؛ فصحّ انها ضرورات اوقعها الله في النفس، ولاسبيل الى الاستدلال). (فلسفتنا، محمد باقر الصدر).

وقد تحدث السيد الشهيد محمد باقر الصدر في كتابه (بحث حول المهدي) عن مرونة الرابطة بين العلة والمعلول، وبها فسرّ طول عمر عمر الامام المهدي المنتظر الذي يقول الشيعة الاماميّة بوجوده حيا.

هل العليّة مغلقة ام مفتوحة؟

هل العليّة مجالها عالم الطبيعة فحسب، ام انها تمتد لتشمل عالم ماوراء الطبيعة ايضا؟ وبتعبير اخر هل قانون العلية قانون مغلق على عالم الطبيعة وعالم الشهادة، ام انها تمتد لتشمل عالم ماوراء الطبيعة وعالم الغيب ايضا.

الماديون الذين لايؤمنون بعالم الغيب امنوا بسببية مغلقة، اما المؤمنون بعالم ماوراء الطبيعة، فامنوا بسببية مفتوحة.

فالدعاء علة في الشفاء وهي علة غيبية، اما الدواء فهو علة طبيعية في الشفاء. والرياضة والنظام الغذائي الصحي المتوازن علة طبيعيّة في طول عمر الانسان، ولكن صلة الرحم التي تطيل العمر هي علة غيبيّة في طول العمر. وقد اشار القران الى هذا اللون من العلل، يقول الله تعالى:

(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) الاعراف: الاية: 96. وقوله تعالى في اثار الاستغفار:

(فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا).نوح: الايات: 10-12

فقانون السببيّة قانون شامل لعالمي الغيب والشهادة، فهي سببية مفتوحة.

 

زعيم الخيرالله

 

عبد الرضا حمد جاسمموضوع الكتابة والكتابة عن الكتابة رافق الانسان طويلاً وكل من كتب يوماً فَكَّرَ بالكتابة وأراد ان يفسرها او يفسر حالاتها او أسبابها. والاهتمام بها مستمر حيث تُعرض/تُنشرْ المقالات عنها. وللمشاركة في هذا الهَّمْ أستميحكم العذر في أن اعرض عليكم وضمن سلسلة: (علي الوردي في ميزان) رأي أو ما تفضل به الراحل الدكتور علي الوردي له الذكر الطيب عن الكتابة. هنا استعين/ اقتبس /انقل ما ورد عنها في الكتب التي أصدرها الراحل الوردي والتي اثارة ضجة كبيرة في وقتها ولا تزال ...اليكم التالي:

1-كتب الراحل الوردي له الذكر الطيب في ص 314 من كتاب الاحلام بين العلم والعقيدة الصادر " في عام 1959" أي بعد ثورة 14تموز1958 التالي: [لقد كنت اتبع سبيل المراوغة والمدارات في مختلف كتاباتي ومحاضراتي أي إني كنت اتبع طريقة كليلة ودمنة الذي الفه بيدبا في قديم الزمان وقد جابهني البعض بالنقد الشديد على هذه الطريقة "البيدبانية" فكانوا يقولون عني إني ادور حول الفكرة دون ان ادخل في صميمها واخرج منها أحيانا بغير نتيجة. كنتُ في العهد البائد مخيرا بين امرين اما ان أفصح عن رأيي بصراحة تامة فاذهب الى السجن او اراوغ فيه واداري فأتخلص من السجن ومن مغبة قطع الارزاق وبعد تأمُل وتمحيص وجدت الامر الثاني أجدى وأصلح لي وللقراء] انتهى

تعليق: لا اعرف هل ان هذا النص يعني او يمكن ان يُفَسَر على انه اعلان براءة من كل ما كتبه ونشره الراحل الوردي قبل تاريخ اصدار هذا الكتاب، ام انه توصيف لحالةٍ اضطره القلق والارتباك الى البوح بها وتثبيتها في متن احدى منشوراته أو هو تفسير الوردي لِما كانت عليه محتويات إصداراته المهمة جداً والتي اثارة جدلاً كبيراً حيث شمل هذا القول ما ورد في كتبه المهمة التالية: شخصية الفرد العراقي/1951 وخوارق اللاشعور/1952 ووعاظ السلاطين/1954 ومهزلة العقل البشري/ 1955 واسطورة الادب الرفيع/1957 والاخلاق/1958.

لم أقرأ ان الدولة/ السلطة/ "النظام البائد" قد اعتراض رسمياً/اجرائياً على ما كتبه أو نشره أو طرحه الوردي او انه "الوردي" قد تعرض حتى لل"عتب" رسمياً من "النظام البائد" ذلك النظام الذي فتح له كل الفرص الممكنة سواء في الدراسة أو التعيين أو البعثات الدراسية "مرتين الأولى الى الجامعة الامريكية في بيروت والثانية الى تكساس" وفتح له أبواب الجامعة بعد عودته بعد نيل الدكتوراه وفتح له المطابع ودور النشر التي اغلقها او حاول غلقها بوجه بعض معارضيه "النظام البائد". سوى ما ذكره الوردي من ان أحد المسؤولين قال له انه "يدس السم في العسل" و لم يكن هذا القول رسمياً انما اجتماعياً حيث كتب الوردي في ص 314 من كتاب الاحلام بين العقل و العقيدة/1959 التالي: [وصفني احد المسؤولين في العهد البائد بأني في كتبي السابقة "أدس السم في العسل". ولست في حاجة الى تفسير المقصود من هذا القول في عرف ذلك العهد، فالسم كان يعني يومذاك كل ما لا يرضى عنه الحكام من آراء. واعترف إني كنت لا اتوانى عن دس "السم" دساً خفيفاً يكاد لا يبين له طعم او ينتج عنه الأثر المنشود منه] انتهى.

لكن الراحل الوردي بعد ان كتب ونشر هذا المقطع عاد بعد سبعة أعوام أي في عام 1965 في كتابه عالي الصيت: دراسة في طبيعة المجتمع العراقي الذي لو تصفحناه لوجدناه لا يختلف فيما ورد فيه عما ورد في كتبه التي صدرت في العهد البائد لا في الأسلوب ولا في المواضيع ولا في الصياغات ولا في التحريفات ولا في الامثال ولا في الحكايات...أي ان هناك تماثل شبه تام بين ما ورد فيه وبين ما تضمنته تلك الكتب...حتى قيل عن الراحل الوردي انه "صاقول" أي يعيد ويصقل.

لا اعرف كيف تحسس "أحد المسؤولين" ذلك السم الذي لا يبين له طعم ولا ينتج عنه أثر منشود منه؟؟؟؟ ويمكن لي أن اضيف بأن ذلك السم لا لون له ولا طعم حتى تحسسه ذلك المسؤول. وإذا عرف عن السم وتحسسه ذلك المسؤول فهل قراء الراحل الوردي من "بقالين وحمالين وصناع الأحذية أكثر انتباهاً او بقدر انتباه ذلك المسؤول حتى ينتفعوا ويتلذذوا بذلك "السم" الفكري الذي "دسه" الوردي في عسل طروحاته؟ يبدوا ان طروحات الوردي كانت عسلاً بالنسبة "للنظام البائد" لكن فيها بعض "السم" الخفيف الذي لا أثر منشود منه...لو دقق الراحل الوردي قوله هذا لوجده انه ضده وليس معه.

2-في ص8 اسطورة الأدب الرفيع كتب الراحل الوردي التالي: [وصفني أحد الادباء في العام الماضي باني تاجر وظن انه وصمني بذلك وصمة لا خلاص لي منها حيث ستسير بها الركبان في كل مكان ويتحدث عنها الرواة كما كانوا يفعلون بشتائم جرير والفرزدق. هولا يدري بان الزمان قد تغير وأني افتخر بان أكون في كتبي تاجرا اذ لا استحي ان أكون كصانع الأحذية وبائع البطيخ أقدم للناس ما يرغبون به او ينتفعون.الخ] انتهى

تعليق: اعتقد ان الراحل الوردي تعمد ان لا يفهم قصد منتقديه...فهم لا/لم يحسدونه كما أراد ان يظن على ما يكسب من منشوراته من الكتب...انما كان القصد من "وصمه بالتاجر" انه يستعجل النشر دون تدقيق او تحليل أو انتباه و انه يُكثِرْ و يطيل و يلف و يدور و يداري و يراوغ ولا يحدد ما يريد وهو من اعترف بذلك كما ورد في(1) أعلاه. العجيب ان الراحل الوردي وتحت تأثير الانفعال /التشنج ابتعد عن الرد الصحيح بقوله:( واني افتخر بان أكون في كتبي تاجرا اذ لا استحي ان أكون كصانع الأحذية وبائع البطيخ أقدم للناس ما يرغبون به او ينتفعون...الخ).

 اعتقد انه مهما كانت "الصيغة "او" المعنى" او مهما اسعفته اللغة العربية في تفسيره الذي أراده/ارادها الوردي هنا لا يمكن ان تغفر/يغفر له هذه "الاستعارة /التشبيه /المحاججة"...لم يكن الراحل الوردي في رده هذا كما فهمت تحت تأثير شخصية العالم /الباحث/الأستاذ الجامعي الذي يرغب بالرد او النقاش فهو يعلم ان نتاجه فكري و ليس عضلي ونسي ان صانع الاحذية يصنع للناس على مقاساتهم ورغباتهم و يعرض الرديء والجيد "كلشي بسعره" وبائع البطيخ يبيع "كوتره" و يبيع "شرط السجين" و ايضاً "كلمن بسعره"... فهل بضاعة الوردي مع الاعتذار شبيه ببضاعة صانع الأحذية او بائع البطيخ مع احترامي للجميع؟ هل فيها مختلف الألوان والاشكال والمقاسات والاوزان والمصادر؟ هل هي سريعة الاستهلاك وال "عطل" والتغَيَّر والتلف تحت تأثير الظروف المتنوعة المتقلبة سريعاً؟ وهل هناك ما فيها موسمي مثل البطيخ؟

كان على الراحل الوردي ان "يستحي" من هذه المقارنة بدل ان يقول "لا استحي" ليس انتقاصاً من الكادح صانع الأحذية وبائع البطيخ...لكن للاختلاف الهائل بين "الصنعتين" العملين و"البضاعتين" وهو يعرف ان طبيعة صناعة الأحذية تعتمد على طلب المقابل/المشتري من حيث اللون والموديل والقياس أي ان جهد صانع الأحذية الذهني يكون تحت تأثير طلب طالب الحذاء...في حين المفكر والباحث والعالم يكون فعله الذهني ليس بهذا الاتجاه على الاقل. ولو ان الوردي أوقع نفسه في المحظور عندما قال:( أما الذي يقترب الى الجمهور بفنه ويكتب له ما يريد فهو في نظرهم تاجر لا خير فيه). وقال :( أقدم للناس ما يرغبون به او ينتفعون).

انا أقول: نعم ما ينتفعون به ولكن لا خير في عالم يكتب/يقدم ما يريده هذا الجمهور لأنه في هذا يكون كالمهرج الذي يطلب/يستجدي التصفيق لحركاته...وحاشى من يوصف بالعالم ان يكون كذلك...العالم يكتب ما يُريده هو ليرتقي بالجمهور الذي يُريد ان يتعلم من العالم، لذلك يشتري كتبه فالعالم ليس مقدم برنامج " ما يطلبه المستمعين".

3-وفي ص10 من نفس الكتاب: [ولا عجب ان يمتعض الادباء من وصمة التجارة. انهم يتركون ميسم الخلود على جبين الأرض كما يزعمون ولهذا فهم اجل وارفع من البقال او الصانع الذي يكسب رزقة من عرق جبينه ثم يموت ويموت ذكره معه. وهناك سبب اخر جعل الادباء يحتقرون مهنة التجارة هو انهم عاشوا في أحضان الامراء فاقتبسوا منهم قيمهم الاجتماعية فالأمير بوجه عام يكره ان يكون كالصعاليك عاملا كادحا يكسب رزقه بعرق جبينه انه يحتقر الصعاليك ويحتقر الطريقة التي يكسبون بها وقد حذا الادباء حذو اسيادهم في ذلك طبعا] انتهى

تعليق: أعتقد أن رد الراحل الوردي هذا إهانة لأساتذة اجلاء مارسوا حقهم في الرد على ما ورد في كتبه وفق ما يؤمنون به و "تحت تأثير" ما يؤمن به الوردي في موضوع "القوقعة الفكرية والثقافة الاجتماعية". والوردي يعرف ان اغلب منتقديه مثل حالته في علاقتهم مع "الامراء" "الحكومة" فهم موظفين او أساتذة جامعة يعيشون على رواتبهم وما يحصلون عليه من كتبهم...وهو يعرف ايضاً أن سلاطين تلك الفترة لا يملكون ما "يبذخون" أو "يتصدقون" به على المطبلين لهم فلم يكن بينهم "معاوية بن ابي سفيان أو هارون الرشيد"...بالكاد كان راتبهم الشهري يسد احتياجاتهم حالهم في ذلك حال الوردي نفسه.

الحقيقة لا اعرف كيف استطاع الوردي ان يتعرف على رغبات القراء وما يتلذذون به ليقدمه لهم وينال رضاهم وهم كما يعلم "معادن"!!!!

ولتبرير ما ورد اعلاه بخصوص التجارة والتاجر كتب في ص10 من نفس الكتاب "اسطورة الادب الرفيع": [والغريب ان نجد ادباءنا يحتقرون التجارة بينما كان الإسلام يحترمها ويعتبرها اساساً للدين والايمان. يقول القرآن: (يا أيها الذين امنوا هل ادلكم على تجارة تنجيكم من عذاب اليم). ويقول (ان الذين يتلون الكتاب وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور) ويقول (أن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والانجيل والقرآن ومن اوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك الفوز العظيم) فالمسألة تجارية إذن. والمؤمن يقدم نفسه وماله بين يدي الله على سبيل المقايضة والله سيرد له ما قدم ويضيف عليه ارباحاً مضاعفة...الخ] انتهى.

تعليق: لا اعرف هل التجارة مع الله مثل التجارة مع عبد الله فيها الغش والنصب الاحتيال بأشكال لا تخطر على بال وفيها الأسعار ونفاذ الصلاحية واغلظ الايمان؟؟؟

 من يدقق في النصوص القرآنية الثلاثة يجد انها بعيدة جداً عن الموضوع ويستغرب كيف استعان بها الراحل الوردي في ردوده ...اترك التقييم للقارئ الكريم. ولكن لابد من سؤال هنا وهو: هل القرآن ومُنْزِلَهُ "الله" كان يعمل على ان ينال رضا القارئ بالمراوغة والمُدارات ودس السم الخفيف الذي لا طعم له ولا أثلا منشود منه فيعطه ما يريد وما يتلذذ به وينتفع منه؟ أي هل القرآن مثل "كليلة ودمنة"و"الله"مثل"بيدبا"أو"ايزوب "؟

4-في ص13 من نفس الكتاب كتب الراحل الوردي: [وصف أحد الادباء كتبي السابقة بأنها كجبة الدرويش ليس فيها الا الرقع. واظن سيصف كتابي هذا بمثل ذلك. ولست أرى في ذلك بأساً فخير لي ان أكون رقاعاً اخدم الناس بالملابس المهلهلة من أكون خياطاً ممتازاً اصنع الملابس المزركشة التي لا تلائم أجساد الناس ولا ينتفع بها أحد] انتهى.

تعليق: مهما نفعت اللغة العربية في تفسير قول الوردي هذا...لكن كان عليه ان ينتبه وان يتجنب مثل هذا الرد من خلال تَقَبُلْ النقد والابتعاد عن العصبية/الانفعال/التسرع/التشنج. والوردي يعلم ان الجبة تخص المتصوف نفسه ولا تخص المجتمع وهو راضي عنها وعليها والقانع بها اما كُتب الوردي فهي لا تخص الوردي انما تخص الثقافة والمجتمع. والمتصوف بجبته تلك ليس في افعاله وممارساته وأقوله مراوغات ولا يداري الاخرين ولا يعمل على ان ينال رضاهم فهو معتزل لا يقدم للناس ما يريدون وما يتلذذون به انما يُقدم ما يُريد هو. أما ذكر الناقد لها ووصف كتب الوردي بها فهو يعني ان ما ورد فيها لا جديد فيه طرحه السابقون وهي مزركشه "بالرُقَعْ" المتعددة الألوان بتعدد المصادر "الرديئة" التي أخذ منها الوردي أي انها متناقضة ومشوهة...وكان واضحاً ان صاحب الوصف هذا لم يُشِرْ الى الرَّقاع "الركَاع" انما أشار الى المرقوع "المركَوع" وراقع الجبة صاحبها ولم يعرضها على الناس او يعرض خدماته في الرقع عليهم حتى يقول الوردي: (فخير لي ان أكون رقاعاً اخدم الناس بالملابس المهلهلة من أكون خياطاً ممتازاً اصنع الملابس المزركشة...الخ). السؤال هنا: لماذا لا يطبق الوردي على نفسه ما يقترحه على الاخرين في ان يكونوا امة وسطا حين كتب في ص13 من نفس الكتاب "اسطورة الادب لرفيع" كتب الراحل الوردي: [المفروض في الادباء ان يكونوا في الناس امةً وسطاً فلا يتزلفون الى المترفين ولا يخاطبون غرائز المراهقين. أن لهم وظيفة في الحياة كبرى وهم قادرون أن يقدموا للناس ما ينفعهم ويلذ لهم في آن واحد وتلك هي التجارة التي لا تبور] انتهى

ثم ان الوردي يعرف جيداً ان الملابس المهلهلة لا ينفع فيها الرقع ومن يحاول رقعها يضحك على نفسه ويضحك على صاحبها ويسرقه لان الرقع لا يُعَمِرْ "لا يُصْلِحْ" فهي "الجبة" "خامة بايده""مهترئة" قيل فيها: "خامة بايدة ما تفيد بيها الركَعة" والوردي تحت تأثير هذا الانفعال/التشنج/ العصبية /التسرع كتب التالي في ص8 كتب التالي: [فالقارئ الحديث مشغول بهموم يومه ولا يبالي ان يشهد مناقشة بين اثنين لا مصلحة له فيها. وهويقرأ الكتاب لينتفع منه اويتلذذ به وإني لأدرك هذا فيه ولهذا تراني اسعى في كتبي لكي انال رضاه واعطيه المنفعة واللذة قدرالمستطاع] انتهى.

تعليق: اعتقد ان قارئ كتب الوردي في حينها وربما حتى اليوم يهتم بالنقاش بين الكاتب والناقد وربما البعض منهم هو ناقد ايضاً. ويزداد اهتمامهم عندما يكون النقاش بين استاذين فاضلين "الكاتب والناقد" لأن من أشترى مثل ذلك/هذا الكتاب في ظروف العوز والامية والجهل في ذلك الوقت في العراق يهتم بما ورد فيه من أفكار ووجهات نظر وطروحات. وان نقد الكِتاب والكاتب يوسع الحوار ويوضح ما يمكن ان يكون قد فات على القارئ "المشغول بهمومه"...لآن المشتري مهتم بالثقافة على الاغلب.

5-في ص 317 من كتاب الاحلام بين العلم والعقيدة وتحت عنوان فرعي هو "الادباء والتجارة" كتب: [قلت في كتاب اسطورة الادب الرفيع ان الناس يقبلون على شراء الكتاب كما يقبلون على شراء حذاء او اية بضاعة أخرى من بضائع السوق فليس في الامر تشجيع للعبقريات او تثبيط لها والمؤلف في هذا كصاحب الدكان اذ هو يخرج للناس ما يريدون منه لا ما يريد هو منهم وقد يتحول القراء من كتاب الى اخر تبعا لتغير الظروف وما على المؤلف اذن الا ان يجاريهم في ذلك او يقبع في بيته ليريح ويستريح] انتهى

تعليق: الحقيقة اترك التعليق على هذا المقطع لأنه يحتاج الى كلمات يصعب طرحها للقراء واكتفي بأن اطلب من القارئ الكريم التدقيق فيما ورد فيه وان يكون هو الحكم وهو من يختار التعليق. وأتمنى من القارئ الكريم ان يضع امامه عند التعليق ان الراحل الوردي كتب هذا بعد ان أصدر كتب مهمة "تمت الإشارة اليها أعلاه" اثارة جدلاً كبيرا وعميقاً وصل حد تهديد حياة الوردي...وهذه الكُتب لا نجد مكان فيها لطرح الوردي هذا من أنه "يخرج للناس ما يريدون منه لا ما يُريد هو" أن ما ورد في كتب الراحل الوردي تلك ما أراده الوردي نفسه لا ما "طلبه المستمعون". وكُتبْ الوردي كما اشرتُ أعلاه يشتريها/اشتراها من كان مهتماً بها ز منهم ربما من كان يشتري الكتاب ويبقى حافي القدمين.

وقول الوردي عن انتقال القارئ من كتاب الى اخر ليس له علاقة بتغير الظروف ...ثم يختم بما يثير العجب والاستغراب حين كتب: "وما على المؤلف اذن الا ان يجاريهم في ذلك او يقبع في بيته ليريح ويستريح"...هذا الطرح أتمنى ان لا يمر على الأعزاء القراء مر الكرام. فهو يطرح أسئلة كثيرة وعميقة عن/على الراحل الوردي وعن أهدافه ومراميه ويشمل كل طروحاته و"حكاويه".

6-في ص316 من كتاب الاحلام بين العلم والعقيدة الذي صدر بعد ثورة14 تموز1958 وتحت عنوان فرعي هو: "قراء عهد الثورة "كتب الوردي: [قد يظهر في بعض فترات التاريخ مؤلفون قادرون على تغيير اسلوبهم تبعا لتغيير الاحوال. لكن هؤلاء قليلون او نادرون. عثرتُ مثلا في الآونة الأخيرة على كتاب للأستاذ لينين كان قد كتبه في العهد القيصري ثم وضع له مقدمة جديدة بعد القضاء على ذلك العهد وقد كتب لينين في مقدمته يقول انه اخذ بعين الاعتبار خطر الرقابة القيصرية حين ألف كتابه وانه التزم منتهى الحذر عند صياغة الملاحظات السياسية حيث سلك فيها سبيل التلميح على طريقة "أيزوب" وقد يسال القاري عن "ايزوب هذا الذي ذكره لينين. إن "ايزوب "شخص شبه خيالي نسب اليه الاغريق القدماء حكايات رمزية من طراز حكايات كليلة ودمنة. معنى هذا ان لينين غير أسلوبه بعد الثورة عما كان عليه قبلها وهو بهذا يختلف عن المؤلفين المحترفين من أمثال كاتب هذه السطور. إننا نريد ان نكتب لكي نعيش بينما هو ويعيش من اجل حزبه ومبادئ حزبه. هو عبقري ونحن من سائر الناس حيث قد نخشى على أنفسنا وأولادنا حتى من عواء الكلاب] انتهى

تعليق: "اننا نريد ان نكتب لكي نعيش"...عبارة كبيرة يفتخر بها كما يبدو وهو "مُحق" حيث يعتبرها البعض انها صراحة ما أقدم عليها غيره...

كيف نفسر "نعيش" هنا؟ هل وفق "نحصل على الطعام" أن كان هذ: فالراحل الوردي كان استاذاً جامعياً في وقت كان الأساتذة قليلون ومثله نقاده وكانوا "يعيشون" عيشة أقرب الى "الرفاهية"... أما إذا كان المقصود ب"نعيش" هو "العيشة" "الحياة" فقد تعرض للتهديد بسبب كتاباته تلك و مرت الأمور بسلام أي لم تنفعه "المراوغات و المُدارات" مع العلم أنه لم يتعرض للتهديد من قبل السلطات بل من قبل من كان يتصور انه يقدم لهم ما يريدون و يتلذذون به و ينتفعون. أعتقد ان الوردي حقق بعض ما يريد مادياً/مالياً من كتابته ونشره الذي تدفق هائلاً في فترة قصيرة. بحيث وصل الى نشر "ورقة" كل يوم تقريباً "نشر وليس كتابة" عدى المحاضرات والمقالات والندوات والبرامج والمقابلات والتصريحات والمشاركات العلمية خارج العراق وبذلك اعتقد انه فاق الاولين والاخرين.

هنا المرة الأولى الذي يذكر فيها الوردي " الأستاذ لينين" في كل كتبه السابقة وحشره حشراً مسايرةً لظروف عام 1959 ليُبَّينَ للبعض انه مطلع على كتب لينين. وأضاف الى ذلك بعض الاقوال من هذا القبيل في صفحات أخرى هذا الكتاب مثل الديالكتيك الذي "عربه" كعادته الى"الدواليكية"!

7-في ص 24 من الاحلام كتب التالي: [فالذي لا شك فيه ان ثورة14 تموز كانت ثورة جذرية كبرى هزت عقول الناس وقلبت مفاهيمهم واعتقد ان عهد الثورة يحتاج الى كُتاب وادباء من نوع جديد يختلف عن ذلك النوع من الادباء والكُتاب الذين اعتاد الناس عليهم في عهد مضى. ورب سائل يسألني، إذا كان الامر كما تقول فلماذا لا تغير اسلوبك يا اخي؟ والجواب على هذا القول بأن ليس من السهل على الكاتب بوجه عام ان يغير أسلوبه بإرادته فالأسلوب جزء من الشخصية وهو اذن لا يتغير الا إذا تغير تركيب الشخصية كله وهذا امر عسير جدا لاسيما فيمن هو مثلي قد اجتاز طور الشباب ودخل طور الكهولة منذ زمن غير قصير...] انتهى

تعليق: ورد "ان عهد الثورة يحتاج الى كُتاب وادباء من نوع جديد يختلف عن ذلك النوع من الادباء والكُتاب الذين اعتاد الناس عليهم في عهد مضى" هذا يعني ان كتاب "العهد البائد" والوردي منهم ليس لهم مكان او دور في العهد الجديد وهذا اجحاف بحق الكثير من الكتاب والادباء المعروفة مواقفهم والذين أشاروا لما يريدون بوضوح وقوة ولم يراعوا ويداروا او في أقصاها دسوا السم في العسل بطريقة تختلف عن طريقة الوردي "لا طعم للسم ولا أثر منشود منه اي لا تأثير له". ثم يقول: "ورب سائل يسألني، إذا كان الامر كما تقول فلماذا لا تغير اسلوبك يا اخي؟ والجواب على هذا القول بأن ليس من السهل على الكاتب بوجه عام ان يغير أسلوبه بإرادته فالأسلوب جزء من الشخصية وهو اذن لا يتغير الا إذا تغير تركيب الشخصية كله وهذا امر عسير جدا لاسيما فيمن هو مثلي قد اجتاز طور الشباب ودخل طور الكهولة منذ زمن غير قصير...] انتهى

ولو نستعين بقوله السابق الذي ذكرته في بداية المقالة وهو:( [لقد كنت اتبع سبيل المراوغة والمدارات في مختلف كتاباتي ومحاضراتي أي إني كنت اتبع طريقة كليلة ودمنة الذي الفه بيدبا في قديم الزمان وقد جابهني البعض بالنقد الشديد على هذه الطريقة "البيدبانية" فكانوا يقولون عني إني ادور حول الفكرة دون ان ادخل في صميمها واخرج منها أحيانا بغير نتيجة. كنتُ في العهد البائد مخيرا بين امرين اما ان أفصح عن رأيي بصراحة تامة فاذهب الى السجن او اراوغ فيه واداري فأتخلص من السجن ومن مغبة قطع الارزاق وبعد تأمُل وتمحيص وجدت الامر الثاني أجدى وأصلح لي وللقراء] انتهى

نستنتج ان الراحل يقول انه لا يستطيع تغيير أسلوبه في الكتابة التي اعترف بأنه كان يتبع فيه سبيل المراوغة والمدارات أي طريقة "كليلة ودمنه"

وهذا يعني ان أسلوب الوردي هذا جزء من شخصيته الا إذا تغير تركيب الشخصية كله ويعترف الوردي بأن هذا الامر عسير وهو قد اجتاز طور الشباب ودخل طور الكهولة وكأني به يقول "من شب على شيء شاب عليه"...واتضح هذا فيما ورد في كتابه: دراسة في طبيعة المجتمع العراقي الذي اشرتُ اليه أعلاه. ولو قارنا قول الوردي السابق مع التالي: [المفروض في الادباء ان يكونوا في الناس امةً وسطاً فلا يتزلفون الى المترفين ولا يخاطبون غرائز المراهقين. أن لهم وظيفة في الحياة كبرى وهم قادرون أن يقدموا للناس ما ينفعهم ويلذ لهم في آن واحد وتلك هي التجارة التي لا تبور]. نجد ان الوردي لا يستطيع ان يكون في الناس "أمة وسطاً" بين العهدين وبذلك بارت تجارة الوردي.

وأكمل الوردي: [وهو يقرا الكتاب لينتفع منه او يتلذذ به وإني لادرك هذا فيه ولهذا تراني اسعى في كتبي لكي انال رضاه واعطيه المنفعة واللذة قدر المستطاع]. فهل كان السم الذي "لا طعم له ولا أثر منشود منه" يستلذ به القارئ ويرضى بذلك عن الوردي؟ ثم ما فائدته إذا كان لا أثر منشود منه؟؟؟ يمكن لمن يريد الرد على الوردي في هذا الجانب ان يقول: "أن الوردي كان يُخّدِرْ القارئ أو يضحك عليه بمثل ذلك السم الذي لا طعم له ولا أثر منشود منه...فهل قراء الوردي كانوا بحاجة الى ذلك؟؟؟؟

وتأكيداً لموضوع التجارة و شرحاً لها كتب في ص11 من الاحلام التالي:[مهما يكن الحال فقد بطلت في هذا لزمن طريقة الاستجداء لكسب العيش و بطلت كذلك طريقة الاستحواذ بحد السيف انما بقيت طريقة واحدة هي ان تنتج لتستبدل انتاجك بإنتاج غيرك...الخ] و يكمل الوردي في نفس الصفحة:[رأيت ذات يوم تاجراً يبيع السجاد في احدى المدن الغربية و كان ناجحاً في تجارته الى أبعد الحدود ،فسألته عن سبب نجاحه فأجاب: "أني لا ابيع السجاد لأحد ألا بعد ان ابيعه لنفسي" و كان يقصد من ذلك انه لا يحب للمشتري إلا ما يحب هو لنفسه و لهذا وثق الناس به و اقبلوا عليه من حيث تركوا غيره من التجار الذين يحبون ليرهم ما لا يحبون لأنفسهم. وهذا لعمري شعار ينبغي ان يضعه كل ذي عمل نصب عينيه. إنه شعار يصلح لبائع السجاد كما يصلح لناشر الأفكار...الخ] انتهى

تعليق: هل كان هذا البائع "يدس السم الذي لا طعم له ولا أثر منشود منه" في "عسل" بضاعته و"يراوغ ويداري" كما كتب الراحل الوردي؟ لو كان ذلك: كيف يبيع بضاعته هذه لنفسه قبل ان يبيعها لغيره" وهل كان ال "كاتب/مؤلف/عالم الوردي لا يبيع أفكاره لأحد إلا بعد ان يبيعها لنفسه؟ أن قول الراحل الوردي هذا تأكيد واعتراف منه وإصرار على ما سار عليه في التعامل مع الكتابة.

وأختم بما كتبه الراحل الوردي في ص242 اسطورة الادب الرفيع: [الواقع ان المال خير من الادب وان الادب يُطلب من اجل المال ولكن الادباء كثيرون وكلهم يريدون ان يصلوا الى ما وصل اليه البحتري والاخطل من رغد العيش. فاذا عجزوا عن ذلك اخذوا يسلون أنفسهم بأن الادب خير من المال. ولو كانوا فيما يقولونه صادقين لما اشتكوا من سوء حظهم او ملاوا الدنيا صراخا وأنينا...الخ] انتهى.!!!-

اعتقد ان هذا القول فيه تشنج يعكس حالة الوردي تجاه النقاد

وكتب في نفس الصفحة: [والادباء في هذا يشبهون ذلك الثعلب الذي عجز عن نيل العنب فاتهمه بغير حق بأنه حامض] انتهى!!!!!!!

 

عبد الرضا حمد جاسم