خلاصة الحكمة النبوية في مجال التواصل الاجتماعي تكمن في عبارة "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"؛ فالكل يريد أن يُعامَل بشكل جيد، لكن هل هو يُعامِل الآخرين بشكل جيد؟! سؤال يستحق أن يقف كل منا أمامه ويجيب بصراحة؛ لأنه كثيرًا ما تكون سلوكيات الآخرين نحونا ردود أفعال لسلوكياتنا نحن غير اللائقة!

ومن المهم أيضًا أن ندرك أن طريقة تعامل الآخرين معنا يتوقف جزء منها عليهم، وجزء يتوقف علينا فلا أحد بإمكانه أن يسيء معاملتك ما لم تسمح له بذلك. ولأنه لا يمكن أن تكون سعيدًا ومن حولك تعساء -فهذه قاعدة أساسية في العلاقات الاجتماعية- فمن المهم للغاية عندما يحدث خلاف بيننا وبين الآخرين أن نحاول فهم الموقف من جهة الآخر. كيف رآه؟ لا أن نُصِّر على رؤيتنا الضيقة ولا نقرأ القصة من الجهة الأخرى. وهذا لا يعني أن نكون نحن المخطئين بالضرورة. قد يكون الطرفان مخطئين، وقد يكون طرف واحد هو المخطئ. المهم أنني عندما أقرر أن الآخر هو المخطئ لا أكون أتجنى عليه، بل أكون قد فهمت كيف رأى الأمر، وما هي دوافع سلوكه، ومع ذلك فهو بمنتهى الموضوعية المخطئ أو ربما أنا، وأقر بذلك إن لزمتني الحجة.

ومن المهم أيضًا أن نعي ما هي حدود إساءة التعامل؟ فشكوى بعض الناس من سوء المعاملة تأتي لعدم توافق توقعاتهم من الآخرين مع ما يقوم به هؤلاء؛ بمعنى أنه لا إساءة تحدث تجاههم، ولكن ليس هذا ما يتوقعونه! توقعاتنا من الآخرين كثيرًا ما تكون سبب افتقادنا السعادة معهم، وكلما قللنا التوقعات وانتظرنا تصرفاتهم نحونا كما لو أنها مفاجآت، كلما كانت فرصتنا في السعادة معهم أقوى. لنكن واقعيين.

إن أغلب مشاكل البشر اجتماعية وليست نفسية. وبالرغم من أهمية التواصل غير اللفظي إلا أن كثيرًا من مشاكل التواصل الشائعة بين الجنسين تلعب فيها مهارات التواصل اللفظي غير المتوازنة دورًا كبيرًا. وهو ما سنخصص الحديث عنه في هذا المقال.

مشكلات التواصل اللفظي بين الجنسين

تكاد تتفق الدراسات التي أُجريت عبر مختلف الثقافات لتحديد الفروق بين الجنسين في المهارات الاجتماعية أن النساء أعلى من الرجال بدلالة في مهارات التعبير اللفظي والتعبير الانفعالي والحساسية اللفظية والحساسية الانفعالية والضبط اللفظي. فإذا ما تعلق الأمر بالعلاقات الشخصية تكون الفروق أوضح.

مشكلات معدل الحديث (ندرة الحديث والثرثرة)

تعد مشكلات معدل الحديث (ندرة الحديث والثرثرة) أهم المشكلات التي تتصل بالتواصل اللفظي بين الجنسين، وأكثرها شيوعًا.

يمكن توصيف الجناح الأول للمشكلة بحالة الخرس التي تعتري كثير من الرجال في علاقاتهم الشخصية بالنساء، وعدم قدرتهم على المبادرة بالحديث، أو الحديث في أشياء ليست هي التي تتوقعها المرأة من الرجل في موقف اجتماعي محدد، وهي حالة معروفة وشائعة، ويكاد لا يُستثنى منها رجل لكن مع اختلاف التوقيت، فبعض الرجال يعاني منها قبل الزواج، وبعضهم الآخر يصيبه الخرس الزوجي بعد الزواج؛ فهناك صنف من الرجال لا يجيد التعبير عن مشاعره لفظيًا، والدوران حول محور الكرة الأرضية أسهل لديه من مصارحة المرأة التي يحبها برغبته في الزواج منها، أما الخرس الزوجي فقد تلعب الفروق الثقافية واختلاف الميول بين الزوجين دورهما فيه، لعدم وجود موضوعات تصلح كمادة لحوار مشترك بينهما، لكن لضغوط الحياة على الرجال أثرها أيضًا في هذه الظاهرة؛ فالرجل المصري المعاصر يدخل "غرفة اللا شيء" في مخه وينعزل فيها بمجرد دخوله المنزل، وكأنه اكتفى من الضغوط خارج المنزل. كما لا يكاد يُستثنى رجل على ظهر الأرض من الشكوى من ثرثرة زوجته وحديثها فيما لا يفيد على حد وصف الرجال. وهذا هو جناح المشكلة الثاني.

فالمشكلة تبدو مزدوجة لدى كل من النساء والرجال، كما أنها مزدوجة من حيث علاقتها بكلتا نوعيتيّ المهارة (التعبير- الحساسية)؛ حيث أن مشكلات معدل الحديث (ندرة الحديث – الثرثرة) لا تعكس مشكلة في مهارة التعبير فقط، بل غالبًا تتزامن الثرثرة مع ضعف مهارتي الحساسية اللفظية والانفعالية عند الفرد، فهي تعكس انعدام الحساسية لردود أفعال الآخرين وللقواعد المعيارية للسلوك الخاص بالمواقف الاجتماعية؛ فالثرثار لا يدرك التأثيرات السلبية لمعدلات حديثه المرتفعة على من يتواصلون معه. لكن، هل معدل حديث أغلب النساء بالفعل يستحق توصيفه بالثرثرة؟!

أما ندرة الحديث فقد تكون أيضًا بسبب ضعف مهارتي حساسية الفرد لردود أفعال الآخرين اللفظية وغير اللفظية، وما يتوقعونه منه، لكن السبب الرئيسي لظهورها هو ضعف مهارة التعبير اللفظي لدى الفرد، واستخدامه أشكالًا مختلفة من قنوات التواصل غير اللفظي الانفعالية كتعبيرات الوجه والعينين وغيرها لإيصال مشاعره واتجاهاته؛ ظانًا أن القنوات غير اللفظية كافية لإيصال المشاعر والاتجاهات، رافضًا الإذعان لحقيقة أن اللغة كانت وستبقى وسيلة التواصل الأساسية بين البشر. فإن كان كلا طرفي التواصل يعاني ندرة الحديث ويصر على استخدام التلميحات غير اللفظية فلا شك أننا أمام مشكلة اجتماعية عويصة.

ولعل أحد جوانب مشكلة تفاوت معدلات الحديث بين الرجال والنساء ومسبباتها أيضًا أن التنشئة الاجتماعية في مجتمعنا التي تُفضل الذكور على الإناث، وتحرص على تدليل الأبناء الذكور، تسهم في تربية نسبة لا بأس بها من الرجال، يكاد يكون التواصل الاجتماعي عندهم مع الزوجة أحادي الاتجاه، وطبعًا ليسوا هم الطرف النشط فيه أبدًا؛ ليس فقط لأنهم لا يعرفون كيف يعبرون عن مشاعرهم، بل لأن لديهم رفضًا للتعبير قولًا أو فعلًا؛ أنانيون وحبهم لأي شخص بمثابة ابتزاز عاطفي بكل معنى الكلمة، ويفتقدون القدرة على العطاء المتبادل، مهما كان العطاء المتطلب بسيطًا.

لكن غالبًا يكون توصيف المشكلة على النحو الذي ذكرناه أولًا؛ فالرجال كأنهم أصنام لا ينطقون، رافضين الإقرار بوجود مشكلة كبرى لدى أغلبهم في التعبير عما يحبون وعما يبغضون بسبب الفروق البيولوجية، والنساء تتحدث أكثر من اللازم وفقًا لهم، وهم فوق ذلك لا يستمعون لهن؛ فغالبًا ما يدخلون كهفهم العقلي يتقوقعون فيه عند مواجهتهم ضغوطًا قوية. أي إن لديهم مشاكل كبيرة فيما يخص الإفصاح عن الذات وكذا في الاستماع في علاقاتهم مع النساء!

وسبق أن ذكرنا –في مقال آخر- أن التراث ‏الحضاري والثقافي للمجتمعات يؤثر أيضًا في اختلاف الأدوار الجنسية للذكور والإناث بها، وما يترتب عليه من سلوكيات، لكن العجيب أن التاريخ لا يذكر لنا أن الرجال العرب في مراحل سالفة من تاريخنا كانوا يعانون من عدم القدرة على المبادأة في التقرب للأنثى ولعب الدور الجنسي الذكري وما يترتب عليه. في علاقته بالنساء كان العربي ينظم الأشعار لتعبر عن مكنون قلبه، بينما كثير من الحالات المعاصرة التي درستها كانت لرجال يفتقدون الثقة بالنفس في ‏مواجهتهم هذه النوعية من المواقف الاجتماعية، وسلوكياتهم تعتبر غير لائقة وغير مناسبة فيها باعترافهم!

والحقيقة أنها ظاهرة محيرة بالفعل لأنه يستحيل عزو هذا التغير السلوكي عبر الأجيال إلى الانفتاح على الثقافة الغربية، كما أن انتشار هذه الظاهرة في المجتمع المصري خاصة يبدو محيرًا لتزامنها مع انتشار ظاهرة اجتماعية أخرى شديدة الانحلال، وهي التحرش الجسدي واللفظي من بعض أشباه الرجال!

أخيرًا فإن ما لا يعلمه كثير من الرجال أن الثرثرة -أو الفضفضة كما تسميها النساء- قد تكون من أكبر المنبئات والدلائل على تعاسة المرأة وافتقادها الإحساس باهتمام الرجل؛ فالمرأة توهم نفسها عندما تتحدث معه أن لها قيمة عنده وأنه يستمع لما يشغلها، والرجل برفضه الإنصات لها يعظم المشكلة ويفاقم الهوة بينهما. كما أنها قد تكون أحيانًا دليلًا على وجود مشكلة لدى المرأة لا علاقة للرجل بها، فالمرأة عندما تُوضع تحت ضغط تتكلم كثيرًا على العكس من الرجل. وسنتناول هذه النقطة بالشرح في مبحث "أسلوبا التواصل الذكري والأنثوي".

مشكلات معالجة المعلومات في مخي الرجل والمرأة

ذكرنا في مقال سابق وجود اختلاف بيولوجي في المعالجة المخية للمعلومات بين الذكور والإناث، وأن مخ المرأة ذو معالجة متعددة للمعلومات، ويعمل كشبكة مترابطة تستطيع تأدية العديد من المهام في وقت واحد، بينما مخ الرجل أكثر تدقيقًا وتركيزًا على مهمة واحدة يؤديها، وتكون معالجته للمعلومات انعزالية كما لو كان يعالج المهمة التي يعمل عليها في غرفة مغلقة لا اتصال بينها وبين باقي الغرف في مخه، وبسبب نقص الترابط العقلي هذا فهو يحتاج إلى وقت كي ينتقل تركيزه من معالجة نوعية من المهام إلى معالجة نوعية أخرى.

كما أن الرجل بإمكانه أن يطفئ مصباح تفكيره، ولا يفكر في أي شيء، وهي طريقته المستخدمة للتخلص من الضغوط، على العكس تمامًا من المرأة.

وهاتان النقطتان الخاصتان بنظام معالجة المعلومات يسببان إشكالية في التواصل اللفظي بين الجنسين بسبب سوء اختيار المرأة لزمن التواصل اللفظي، وظنها أن بإمكانها أن تفاتح الرجل في أمر هام في أي وقت يكون هو مشغول فيه في أمر آخر، أو غير مهيأ للاهتمام بالمهمة التي تطلب منه الانتباه لها، والرجل من جانبه لا يُقصر فإن اتصلت الزوجة وهو في العمل لا يرد أو يرد لكن لا يكاد يسمع شيئًا مما قالت، وإذا ما تمت المفاتحة في الموضوع المتطلب فور عودته من العمل فهو يظهر الاستماع بينما لا يسمع فعليًا أو قد يصل الأمر إلى الشجار الذي يبدأه هو. لكن اللافت أنه حتى لو لم يتشاجر الرجل، فإن الزوجة هي التي قد تتشاجر بعد فترة عندما تكتشف أنه لم يكن ينصت لها لأنه لم يفعل ما كان يتطلب عليه فعله لو كان قد أنصت لما أخبرته!

وهناك إشكالية أخرى يُسببها اختلاف نظامي معالجة المعلومات لدى كلا الجنسين تنشأ عن غرفة اللا شيء التي يتقوقع فيها الرجل عندما يمر بضغوط، ولا يكاد يتكلم مع المرأة أو يُفهمها سبب ضيقه، وهي من جانبها لا تستطيع أن تتقبل هذه الحالة التي يعزف فيها عن الكلام معها وتوضيح سبب ضيقه. حتى لو فهمت أن هذا طبيعي بالنسبة له كرجل لن تستطيع أن تتقبل! هذه هي طبيعة المرأة!

المقاطعة والتحكم أثناء المحادثة

تعتبر المقاطعة من أهم أنماط المشكلات التي تظهر أثناء الحوار اللفظي بين الجنسين. وتحدث المقاطعة سواء التقط الذكر خيط الحديث أثناء توقف الأنثى عن الحديث بين جزء وآخر وهو يدرك أنها لم تنهِ كلامها، أو عندما يجبرها على عدم إكمال جملتها من الأساس، وهنا تكون المقاطعة أوقع أثرًا.

كثير من الدراسات التي أُجريت لدراسة الحوارات بين الذكور والإناث في نطاق العمل وليس العلاقات الشخصية ذكرت أن المقاطعة تحدث غالبًا من قِبل الرجال، ورُؤيت كشكل من أشكال إظهار التحكم والسيادة. لكن، في العلاقات الشخصية يندر وجود هذه المشكلة، فالنساء تتشكى من قلة كلام الرجال وليس من مقاطعتهن أثناء الحديث.

هذا ويجب التأكيد على أن الفرد بامكانه إحداث تأثير أفضل في الآخرين أثناء التفاعل الاجتماعي بإحداث التوازن بين كونه متحدثًا وكونه مستمعًا.

الحساسية اللفظية تجاه المخالفة في الرأي

كما يقاطع الرجال النساء في المحادثات الثنائية في مجال العمل كأحد صور الهيمنة الذكرية فإن مشاكل التواصل قد تنشب في العلاقات الشخصية بين الجنسين عندما يتضح للرجل أن للمرأة رأيًا يخالفه في بعض الموضوعات والرؤى.

يمكن توصيف أشهر حالات رد الفعل الذكري في هذا المضمار في أنه إما أن يتوقف الأمر عند إعلان الرجل عدم تقبل الاختلاف، وغضبه من مخالفتها إياه الرأي، واعتباره شكلًا من أشكال عدم الولاء والخذلان له. ويكون هذا الإعلان لفظيًا أو غير لفظي بالخصام لإظهار تأثره من جراء فعلتها الطائشة! أو يتعدى رد الفعل إلى إبداء تقبل ظاهري للخلاف، ثم الدخول في نقاش حول الموضوع بهدف محاولة تقريب وجهة نظره لزوجته.

وترجع ردود الفعل تلك إلى ارتفاع شديد في الحساسية اللفظية لدى الرجال تجاه مخالفة شريكة الحياة في الرأي في الموضوعات الهامة، ولنتذكر أن الدنيا كلها لو ساندت الرجل لن تغنيه عن مساندة زوجته، وفقدان مؤازرتها يشق على الرجال. أم المؤمنين السيدة خديجة رضي الله عنها سُمي عام موتها عام الحزن، وذُكر أمر زوجتي سيدنا نوح وسيدنا لوط في القرآن تخصيصًا من بين قوميهما المشركين لأن وقوفهما ضد زوجيهما لا شك أحزنهما.

لكن، هذه ليست فقط ردود الفعل الممكنة، فقد يكون النقاش عريضًا لا يكاد ينتهي من قِبل الزوج، مدعيًا أنه يعبر عن رأيه! ويحاول إفهامها وجهة نظره! بينما حقيقته فرض رأيه عليها والحجر ‏على حريتها في التعبير، والغرض منه إقناع المرأة أنها على خطأ وإلزامها بتغيير موقفها. وهو نوع من الخداع يظهر إلى أي حد يسيء بعض العرب إلى ثقافة الاختلاف والنقاشات الفكرية.

وكثير من الرجال عامة يتعاملون مع النساء على هذا النحو، وكأن صورة الزوجة المرآة لا زالت تحاصر ‏تفكيرهم رغم ادعاءات الحداثة.‏ ربما يظن زوجته طفلة –كما في زمن جدته- أخرجوها من المدرسة ليزوجوها إياه وتتطبع بطبعه وتتشرب أفكاره فليس ‏يُتوقع أن تخالفه!‏

وقد نجد أمثال هذه النقاشات الإلزامية في العالم الافتراضي على الشبكة العنكبوتية؛ حيث يكثر من لا يريدون أن يحاوروك بل أن يخضعوك لرأيهم! فإن كان صاحب أحد الرأيين امرأة فلن تعدم من يعطي نفسه حق النقاش معها ليخبرها ما الذي يجب عليها أن تعتقده، وإن كانت لا ترغب في محاورته من الأساس، وغالبًا لا تعرفه! والتصرف الأمثل هو تجنب هذه السفاهات التي تُلبس زورًا لباس الفكر بالحظر.

القمص!

قَمَصَ يَقْمُص ويَقْمِص، قَمْصًا وقِماصًا، فهو قامِص، ومنه قَمَصَ الْوَلَدُ: قَلِقَ فِي نُفُورٍ، وقَمَصَتِ الدَّابَّةُ: نَفَرَتْ وَضَرَبَتْ بِرِجْلَيْهَا.

والقمص مشكلة لفظية هامة، رغم أن من عوارضها نقص الكلام! هذه المشكلة تنتشر أكثر لدى الذكور، وتزيد في سن المراهقة لارتفاع الحساسية اللفظية في هذا العمر، وقد تختفي بعد ذلك، وقد تستمر بين الذكور البالغين، وتوجد بدرجة أقل لدى الإناث.

معروف أن مهارة الحساسية اللفظية لا تقتصر على امتلاك الفرد القدرة على تفسير الكلمات أثناء التفاعل الاجتماعي، وإنما تشتمل الوعي بآداب السلوك الاجتماعي وفهم القواعد والمعايير التي تحكم السلوك الاجتماعي الملائم، والالتزام بها. ولأنها مهارة استقبال وليس إرسال فإجادتها تستلزم الانتباه للآخرين والإنصات الجيد لهم وملاحظة سلوكهم لأجل استقبال أي تلميحات أو إشارات لفظية تصدر عنهم مهما كانت بسيطة.

عادة فإن الشخص مرتفع الحساسية اللفظية يلاحظ إشارات يغفل عنها من تنخفض عنده تلك المهارة، لكن المشكلة أن ارتفاع الحساسية اللفظية عندما يتلازم مع انخفاض التعبير اللفظي –وأحيانًا انخفاض الضبط اللفظي أيضًا- يكون عائقًا كبيرًا أمام الفرد للمشاركة في التفاعلات الاجتماعية.

هذا الصنف الحساس لفظيًا يغضب لأي إشارة –قد تكون خاطئة- تصدر عن الآخر في التفاعل الاجتماعي، وتزيد الحساسية كلما كان طرف التفاعل قريب من قلبه، ولأن التعبير اللفظي لديه منخفض فهذا يؤدي إلى تفاقم المشكلة لأنه لا يعبر عما أزعجه؛ فيحدث النفور السلوكي ممن يحب، المعروف بـ "القمص"، والذي قد يؤدي به لعلاقات سيئة مع من يتواصل معهم بشكل يكاد يكون مستديمًا، فما أن تنصلح حتى تتدهور!

أحد جوانب المشكلة الأساسية يتمثل في أن هذا الشخص ولضعف قدرته على التعبير تزيد توقعاته من الآخر وتقل توقعاته من نفسه، فهو لا يرى أنه يجب عليه لعب دور موازٍ لما يقوم به الآخر؛ فدائمًا على الآخر أن يقوم بعدة خطوات في مقابل خطوة واحدة منه، ويجد لنفسه من المبررات ما يكفي لتحصينها من الاتهام بالتقصير.

والأهم، أن الشخص القامص يعتبر أن سلوكياته النافرة هي رد فعل لما أزعجه من الآخر، لكن ولأن الآخر لا يفهم بالأساس لماذا هو غاضب منه، فتلك السلوكيات النافرة الصادرة من القامص تمثل بالنسبة لذاك الآخر فعلًا وليس رد فعل، ويتحير تمامًا في رد الفعل الملائم الذي يجب أن يصدره نحوها، خاصة لو كانت العلاقة بين الطرفين لا تسمح بالتقارب والسؤال المباشر الصريح عن سبب هذا الغضب والنفور غير المبرر!

مع تكرار تلك المواقف قد يحدث تدمير العلاقة تمامًا، خاصة في العلاقات الشخصية التي لا تحمل رباط الدم، فأي صديقين أو زوجين أو حتى شريكي عمل يكون أحدهما قمّاصًا سيشعر الآخر أن الاحتفاظ بالعلاقة يستهلكه ذهنيًا ونفسيًا، وفجأة تأتي عليه اللحظة الفارقة التي يقرر فيها إنهاء علاقته بذلك الشخص الذي يلوي بوزه بلا سبب واضح! رغم أنه يعلم جيدًا أن هذا الشخص الحساس هو شخص طيب للغاية وحنون جدًا رغم تصرفاته التي تبدو قاسية.

النصائح البسيطة التي تُقال لأي شخص قمّاص:

* خفِّف من حساسيتك تجاه الإشارات الاجتماعية، ولا تجعل من إساءة الظن سببًا لتخريب علاقاتك بمن تحب.

* عبّر عن نفسك، ولا تتصور أن من تتعامل معه سيفهم سبب غضبك من تلقاء نفسه.

* حاول أن تستمتع بعلاقاتك الاجتماعية التي تعيقك حساسيتك عن الاستمتاع بها، فأنت تحول حياتك وحياة من تتعامل معهم إلى دراما دائمة ذات فصول، ومعرفتهم بطيبتك ليست ضمانًا لاستمرار علاقتهم بك.

التوحد مع الدور المهني ومحاولة نقله إلى العلاقات الشخصية

هناك مشاكل تواصل لفظي شائعة أخرى تنشأ بسبب عدم ضبط محتوى الحديث وليس بسبب معدله؛ وهي مشكلات تتعلق بمهارة الضبط اللفظي، أي عدم القدرة على لعب الدور الاجتماعي المناسب؛ فكثيرون يفتقدون المهارة في ضبط الاتجاه والمحتوى في حواراتهم؛ بمعنى معرفة كيفية الخطاب الصحيحة وما ينبغي أن يُقال، والتي تختلف باختلاف شريك الحوار. وكثيرًا ما نرى مشاكل تحدث من جرّاء إخبار أشخاص بموضوعات لم يكن يصح إخبارهم بها!

وتتسبب هذه الإشكالية في فشل الفرد في لعب الأدوار الاجتماعية المختلفة بجدارة في حياته بوجه عام، وليس فقط في فشله عاطفيًا. والدراسات التجريبية في هذا الميدان أثبتت وجود علاقة طردية موجبة بين مهارة الضبط اللفظي (إجادة لعب ‏الأدوار) وبين الثقة بالنفس.

ولعل أشهر مشاكل إساءة لعب الأدوار الاجتماعية هي مشكلة التوحد مع الدور المهني ومحاولة نقله إلى العلاقات الشخصية. والأسئلة الهامة التي تطرح نفسها هي: لماذا يتوحد بعض الأشخاص مع دورهم المهني ويمارسوه بلا وعي في علاقاتهم الشخصية ما يؤثر سلبًا على الصحة النفسية لهم ولمن يتعاملون معهم على المستوى الشخصي؟ ولماذا يستطيع آخرون فك الاشتباك بين الدور المهني والأدوار الاجتماعية الشخصية، ويستطيعون أن يقيموا علاقات اجتماعية ناجحة ويحافظوا على صحتهم النفسية هم وشركائهم في العلاقات الشخصية؟

الملاحظ أن هذه الإشكالية تحدث غالبًا لدى من يعملون في أعمال قيادية أو حققوا نجاحًا مهنيًا كبيرًا، خاصة لو صاحبه شهرة. كما تظهر هذه الإشكالية أكثر لدى كبار السن ممن حققوا نجاحًا مهنيًا عندما يحاولون الاندماج في مجتمعات جديدة أو مع أشخاص جُدد.

لكن لا يعني هذا أن كل من له تلك الظروف سيقع ضحية هذا التوحد في الدور المهني، وما يجره من مشاكل اجتماعية، كما وليس بالضرورة أن يكون للعمر أثر. ولعل أشهر حالة مثلت عكسًا للصورة النموذجية لهذا التوحد هي حالة الفنان عادل أدهم.

تزوج عادل أدهم في شبابه من زوجته الأولى، وكانت شابة مقاربة له في العمر، وتركته وعادت إلى بلدها اليونان لسوء معاملته لها بعد أن كان قد بدأ يشعر بالنجومية، في حين أن زوجته الثانية التي تزوجها بعد أن صار نجمًا بحق، لكن بعد أن كان قد تعلم ووعى الدرس متأخرًا، ورغم فارق العمر الكبير بينهما، قد أحسن معاملتها لدرجة انفطارها في الحزن عليه بعد موته.

ولعل العلاقة الارتباطية بين التوحد في الدور المهني والعمر الكبير يرجع إلى النموذجين الشهيرين اللذين قدمتهما السينما المصرية، وكانا إضافة لذلك غاية في التنفير من فكرة فارق العمر الكبير بين الزوجين. هذان النموذجان هما فيلم "أين عمري؟" الذي لعبت بطولته ماجدة، و "نهر الحب" لفاتن حمامة، وفي الحالتين كان البطل زكي رستم، والذي تفنن في إظهار قسوته الشديدة وعدم مراعاته لمشاعر زوجته، كما كان في الفيلمين شكل من أشكال التوجيه من كاتب الحوار لإظهار أن هذه القسوة ومعاملة الزوجة من علٍ، كان لفارق السن دور فيها، إضافة لمكانة الزوج الاجتماعية.

الحقيقة أن هذين النموذجين السلبيين يمكن أن يُوجدا، لكن ليس بالضرورة؛ بمعنى أن فارق العمر الكبير بين الزوجين منبيء سيء باحترام وحسن معاملة الزوجة أو عدم احترامها، وأغلب الشكاوى التي تأتي من زوجات لهذه الأسباب يكون فارق العمر لا يكاد يُذكر بينها وبين زوجها.

لكن بعيدًا عن مبالغات الدراما السينمائية فإنه قد تحدث بالفعل إشكاليات أحيانًا عند زواج الناس في عمر كبير، أو محاولتهم بناء صداقات جديدة، خاصة من حققوا منهم نجاحًا مهنيًا كبيرًا في حياتهم، يكون له تأثيره السلبي أحيانًا على نجاح علاقاتهم الاجتماعية؛ ذلك أن مشكلة التوحد في الدور المهني قد تظهر؛ فهو ببساطة لا يستطيع أن يقيم علاقات إنسانية بسهولة يتعامل فيها مع الناس بصفته الشخصية. هو يرى نفسه فلان بيه. لأجل ذلك فإن كثيرًا من كبار السن يحاولون استرجاع صداقاتهم القديمة عندما يكبرون لأن من يعرفونهم من قديم هم الوحيدون الذين يقدرون أن يتعاملوا معهم على سجيتهم وطبيعتهم كبشر من غير صفتهم المهنية.

لكن هذا لا يحدث مع الجميع، وقصة عادل أدهم مع زوجتيه الأولى والثانية تثبت أن الإنسان هو من بيده أن يقرر أن يعيش حياة شخصية يتمتع فيها بالصحة النفسية، أو يعيش حياة شخصية معوقة تفقده السعادة هو والمحيطين به، والعمر لا دخل له، كما أن فارق العمر بينه وبين زوجته لا دخل له.

***

د. منى زيتون

 

الكبير الداديسيإذا كانت كتب التاريخ تعج بإشارات لأيام العرب باعتبارها أياما تؤرخ لحروب، أزمات، وقائع وأحداث كان لها تأثير على من عاشها، وربما استمر تأثيرها إلى من بعدهم يذكـرُها، يتندر، يتعظ منها ويؤرخ بها، فإن المغاربة استعاضوا عن اليوم بالعام في التأريخ لأحداث ميزت تاريخهم الحديث، وظلت أعوام بعينها موشومة بالذاكرة الجمعية، لها وقعها ودلالاتها في الثقافة الشعبية ما أن تذكر حتى تجر خلفها جبالا من الأوبئة، الكوارث، المجاعات والأزمات التي زعزعت كيان البنى الاجتماعية الاقتصادية والديموغرافية، وجعلت سحب الأيام السود تغطي في التاريخ المغربي الحديث لمعان أيام الرخاء البيض، ويكفي الإشارة منها إلى عام الجوع، عام بوڴليب، عام بونتاف، عام يرنة أو أيرني، وعام البون... وغيرها من الأعوام التي لا زال العوام يرددونها ويتذكرون من خلالها مدى قسوة الزمان أمام قلة ذات اليد، ويحذرون من خلالها الأجيال التي لا تعرف حقيقة تلك الأعوام من تقلبات الزمن، ولتقريب القارئ العربي من بعض تلك الأعوام العجاف سنكتفي بالتركيز على أهم سنوات القحط والجفاف في التاريخ المغربي الحديث بالإشارة إلى تسمية العام و السياق التاريخي لكل عام، وبعض مظاهر الأزمة، وكيف تمكن المغاربة وقتئذ من تجاوز أزمة تلك السنوات العجاف.

على الرغم من تعدد سنوات الجفاف والقحط والأوبئة في تاريخ المغرب الطويل، فإن المصادر ركزت بقوة على التاريخ الحديث خاصة تاريخ ما بعد منتصف القرن الثامن عشر حين ضرب المغرب جفاف قضى على الأخضر اليابس وجعل المرحلة (أشبه بكابوس عّمر طويلا، حيث باع المغاربة أبناءهم لإخماد نار الجوع، وكان أول عهد للعديد منهم بالسطو والتسول والبغاء، واضطر آخرون لافتراس الكلاب والقطط ...) حسب المؤرخ محمد الأمين البزاز. وكانت حلقة ضمن سلسلة من الأعوام/ الأزمات والمجاعات والأوبئة التي زعزعت المجتمع المغربي الحديث وغيرت الكثير في بنيته الاجتماعية والثقافية، والتزاما بطبيعة المجلة نكتفي بالإشارة إلى الأعوام التالية:

1 - عام الجوع: يطلق عام الجوع على مرحلة في تاريخ المغرب الحديث استمرت ثلاث سنوات من سنة 1779 إلى سنة 1782 كان سلطان المغرب قبل ذلك قد قام بتصدير 30 سفينة من القمح المغربي لكل من فرنسا إسبانيا والبرتغال ما بين سنة 1766 و 1774 مما أثر على مخزون هذه المادة وساهم في تضاعف ثمنها ثلاث مرات، فلما حل جفاف 1779 كان تأثيره عميقا، وزاد من حدته هجوم أسراب الجراد على معظم مناطق المغرب، ليعجز المغاربة عن إيجاد ما يسد رمقهم ويقضي الكثير منهم حياته جوعا لا يعيش إلا على ما طالته أيديهم من( حشرات كالجراد مشويا ومقليا) أو نباتات ك"يرنة"، التي أضحت منذ ذلك الحين رمزا للجوع عند المغاربة.

2 - عام الطاعون: يطلق هذا الاسم في المغرب الحديث على سنتين الأولى: كانت نهاية القرن 18 والثانية بداية القرن 19:

أ – طاعون 1798 : ربط المغاربة دخول الطاعون للمغرب آنئذ بوفود الحجاج القادمين من الشرق فقد كان الوباء قد أصاب مصر بعد حملة نابليون على مصر وروع أهلها يقول الجبرتي (فلما ظهر الوباء انزعج الفرنساوية من ذلك، وجردوا مجالسهم من الفرش، وكنسوها وغسلوها، وشرعوا في عمل كرنتيلات، وأمروا بحرق الثياب التي على أجساد الموتى من الوباء...) كما كان الوباء منتشرا في الجزائر المستعمرة من قبل فرنسا لذلك كان من اليسير انتقاله بين المدن المغربية عبر وفود الحجيج ويرى المؤرخ محمد الأمين البزاز أن الطاعون أفنى العديد من المغاربة وكاد أن يقضي على باقي المغاربة، الذين نجوا من ( عام الجوع) وقدم إحصائيات مخيفة منها قوله : كان يموت بالمدن حوالي 700 شخص يوميا جراء الطاعون، و أن مدينة تارودانت مثلا كانت تضم فرقة عسكرية تتكون من 120 جندي، لم ينجو منها إلا جنديان اثنان. وعلى مستوى البوادي والأرياف فكانت المأساة أفظع، إذ أورد المختار السوسي في ( المعسول) أن الطاعون أدى لانقراض أسر بكاملها، حيث لم يكن ينجو سوى شخصين من أصل 500 شخص.

ب – طاعون 1818 وهو المعروف عند المغاربة ب(طاعون طنجة) وسبب هذه التسمية هو كون السلطات حاولت جهد المستطاع وقاية مدينة طنجة من هذا الوباء بفرض نظام صارم للرقابة الصحية بهدف منع دخول الوباء لجهة الشمال، لكن إدارة الميناء تساهلت مع أميرين من عائلة السلطان وسمحت لهما بدخول المدينة دون فحص فكانا السبب في انتشار الطاعون بين خدم العائلة السلطانية ومنهم انتشر في المدينة والجهة برمتها، في انتشار سريع وكاسح بشمال المغرب إلى حدود سنة 1920،مخلفا وراءه آلاف الضحايا.

 3- عام الكوليرا: عند النبش في كتب التاريخ تبين أن اسم (عام الكوليرا) يطلق عند المغاربة على عدة سنوات وأن هذا الوباء كان يعاود المغرب خلال القرن الثامن في كل عقد من الزمن تقريبا ولعل أخطر ضرباته كانت سنوات / 1834/1854 1858 / 1868 / 1878 ويعرف عند عوام المغربية بعام (بوڴليب) وتكاد ترتبط أسبابه بقلة النظافة والحملات الاستعمارية الفرنسية والإسبانية المتلاحقة على المنطقة ووفود الحجاج الذين لا يتخذون أية احتياطات وقائية في مرورهم عبر: مصر وتونس والجزائر. وقد حاول صاحب (الاستقصا) تصوير ما أصاب المغرب والمغاربة من جراء هذا الوباء فقال: (تعددت فيها المصائب والكروب وتكونت منها النوائب والخطوب، لا أعادها الله عليهم فكان فيها غلاء الأسعار... ثم عقب ذلك انحباس المطر، لم ينزل منه قطرة من السماء.. وهلكت منه الدواب والأنعام. وعقب ذلك الجوع ثم الوباء على ثلاثة أصناف، كانت أولا بالإسهال والقيء في أوساط الناس بادية وحاضرة ثم كان الموت بالجوع في أهل البادية خاصة، هلك منه الجم الغفير، وبعد هذا كله حدث الوباء بالحمى "التيفويد" في أعيان الناس وأماثيلهم فهلك عدد كثير).

4 - عام البون: وهو من أحدث "الكوارث " الاجتماعية التي ضربت المغرب منتصف القرن العشرين ( 1944 ـ 1945) والمغرب تحت الحماية الفرنسية غداة الحرب العالمية الثانية، فبعد انهزام فرنسا واجتياح قوات هتلر لفرنسا، غدت المستعمرات الفرنسية الجبهة الخلفية للحرب، والممون الأساسي لكل ما تحتاجه من مواد غذائية، ومعدنية، ومواد الصناعة التقليدية. فكان استنزافا للخيرات قلت معه المؤن في المستعمرات مما جعل السلطات الفرنسية تفرض نظاما في التعامل مع أزمة الغذاء سيعرف في المغرب بنظام (البون) والكلمة ليست سوى تحويرا للكلمة الفرنسية BON أو POUR BON وتعني (وصل) أو (ورقة لأجل) وهي (بطاقات تموين) وهي بطائق لا تسمح لحاملها بالحصول على مؤن معينة مجانا وإنما تعطيه فقط حق الوقوف في الطابور أمام مخازن المادة المطلوبة، كإجراء فرض على المغاربة أمام ندرة المؤن. فكانت السلطات توزع بطاقات تغير لونها كل ستة أشهر، وكل بطاقة تصلح لاقتـناء مادة من المواد المعروضة للاستهلاك (سكر، زيت، صابون، وقود، أثواب...). وقد شهد المغرب خلال هذه الفترة جفافا حادا ومجاعة قاسية. فأطلق المغاربة على هذا العام أسماء أخرى تعبر عن فداحة الجلل منها (عام الجوع) (عام يرنة) وهو يستحضرون مجاعة عام الجوع، عام بونتاف لبوار الفلاحة واكتفاء الفلاحين بنتف ما أنبتت الأرض، عام التيفوس وهي تحوير التيفويد بالفرنسية، كما أطلقوا أسماء أخرى مرتبطة بالنباتات القليلة التي جادت بها الأرض منها (عام الكرنينة) و(عام الحميضة) و(عام الحرودة)، (عام الحريڴة) ووصفوه بأوصاف أخرى تعكس معاناة الناس منها (عام لحفا) لأن معظم الناس أصبحوا يسيرون حفاة، و(عام لعرا) لقلة الثوب وسير الناس في الطرقات عراة... عام الصندوق لأن الناس أضحت تخفي الخبز- الذي أصبح عملة ناذرة- في الصناديق كما تخفى الحلي والمعادن النفيسة، وقد أكدت مصادر كثيرة أن عام البون شهد ضحايا كثر وظهرت فيه أمراض متعددة حصدت أرواحا كثيرة فقد (حصد مرض السل أزيد من 8760 شخص، وعرف مرض الحصبة ارتفاعا ملحوظا، وقد أصاب مرض الرمد أزيد من 126911شخص، كما أن مرض الزهري ارتفع بحوالي 5000 حالة عن السنة التي قبلها. ومن النتائج البارزة لهذا التطور الصحي انتشار الجثث في العديد من الشوارع والأزقة، حتى أن الكلاب كانت تنهش الجثث المتهالكة والمنتشرة في كل مكان...)

يستنتج من خلال هذه الأعوام التي لا زال صداها يتردد في الثقافة الشعبية المغربية أن تاريخ المغرب ومنه تاريخ العرب هو تاريخ أزمات ومحن جعلت المغاربة يعانون جراءها الأوبئة وشظف العيش، لكنهم كانوا ينبعثون من جديد نتيجة قدرتهم على التحمل والتكيف مع تقلبات الزمن بإعداد وجبات بديلة عند ندرة المؤن. وقد استطاعت الثقافة الشعبية من أغان، زجل، أمثال وحكايات شعبية تخليد هكذا أزمات في الذاكرة الجمعية رغم النقص الكبير في الثقافة العالمة، ولا زالت هناك جوانب مظلمة كثيرة تجهلها الأجيال المعاصرة اليوم عن محطات قاسية عاشها الأجداد تكالبت فيها قوى الطبيعة (شح الأمطار، هجوم الجراد،الفيضانات ...) والاستعمار وضعف الدولة في حماية وتأمين غذاء رعاياها، مع غياب الأمن وانتشار النهب والسلب، ليجد المقهورون أنفسهم يصارعون من أجل البقاء، يقاومون الجوع، والأوساخ والقمل الذي غزى الرؤوس والأسمال لمن استطاع لقطعة قماش سبيلا في عصر اضطر البعض لنبش القبور وانتزاع الأكفان عن الموتي واستعمالها لباسا، مع العلم أن الأكفان والإبر هي الأخرى كانت توزع بنظام البون وبالمحسوبية والزبونية...

 

ذ. الكبير الداديسي

 

نايف عبوشلاشك أن الدين الإسلامي قد اكتمل تماماً في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، شريعة ومنهاجا، وذلك مصداقا لقوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم). في حين أن الاجتهاد لفهم القرآن الكريم، واستنباط الأحكام الشرعية منه، ومن السنة النبوية، ظل مفتوحا أمام الفقهاء ، وذلك لغرض استيعاب حركة الحياة، ومراعاة متطلبات التطور على الأرض مع الزمن .

وتجدر الإشارة أيضاً، إلى أن وحي الله لعباده فيما يعرف بالإلهام، هو الآخر، لا ينقطع، على قاعدة (وأوحينا إليهم فعل الخيرات)، وذلك ما بات يعرف بالعلم اللدني، باعتباره كل علم يوهب من الله تعالى على سبيل الخصوصية لبعض عباده المخلصين، ومن ثم فإن العلم اللدني علم ثابت، وحقيقة قرآنية لا يمكن جحدها على قاعدة (وعلمناه من لدنا علماً) .

على أن من الضروري التنويه في هذا المجال، إلى أن العلوم البحتة، المتعلقة ببحث الظواهر الكونية، والفيزياوية،هي علوم تحقيقية ، وتجريبية، وهي لا تتعارض مع الدين، بل إنها تتناغم معه على طول الخط، تساوقا مع قوله تعالى (واتقوا الله ويعلّمكم الله)، وهو ما اثبتته الاكتشافات العلمية والتقنية المعاصرة.

لذلك فإن ما كان من الحقائق وهباً من الله على سبيل الاختصاص، فإنها تكون عندئذ علماً لدنيا محضا . ومعلوم أن الله تعالى يعلّم عباده عن طريق وسائل كثيرة، منها الرؤيا والإلهام والكشف والإلقاء والفهم. ولذلك فإن ألالمام  بعلم الحقائق عن طريق الدراسة، أو القراءة، أو التفكير، والاستنباط لايقع ضمن مفهوم العلم اللدني، باعتباره معرفة إنسانية تتراكم مع الزمن عبر الملاحظة والتجربة العملية.

ومن هنا يتطلب الأمر، التميز التام، بين العلم اللدني الموهوب من الله لخاصة من عباده المتقين، وبين العلم التجريبي الذي  يرتكز في استكشافاته على التجربة والملاحظة، وعدم الخلط بينهما.

وما دام العلم اللدني هو ناتج التقوى الخالصة لله الوهاب، فإن المطلوب ان يتم النأي به تماماً عن الشعوذة، والخرافات، والادعاءات الباطلة بالكشف، والاستبطان لبعض الادعياء، مما يشوه نقاء هذا العلم الوهبي النبيل، كما عرضته وقائع قصة النبي موسى عليه السلام مع العبد الصالح، ويجعله عرضة للتخريف، والتضليل .

 

نايف عبوش

 

حامد الحمدانيالجيش حسبما تنص عليه كافة دساتير الدول هو حامي الوطن، مهمته الدفاع عنه من أي عدوان خارجي يتهدده، وهو بطبيعة الحال واجب مقدس على كل مواطن عسكرياً كان أم مدنيا، لكن الأنظمة المتتابعة التي حكمت العراق لم تلتزم بهذه المهمة، بل استخدمت الجيش لأغراض داخلية تتعلق بحماية أنظمتها، وغالباً ما استخدمته ضد الشعب.

 كان تأسيس الجيش العراقي في 6 كانون الثاني 1921، على أثر  ثورة 30 حزيران 1920 ضد الاحتلال البريطاني للعراق تلك الثورة التي انتشر لهيبها ليشمل كافة أنحاء العراق من أقصى جنوبه حتى أقصى شماله، والتي كلفت بريطانيا ثمناً باهظا في الجنود والمعدات، واضطرت على أثرها تغيير أسلوبها في حكم البلاد المباشر، فقررت الإتيان بالأمير فيصل ابن الحسين ملك الحجاز ونصبته ملكاً على العراق، وإقامة ما سمي بالحكم الوطني.

وقد رأت بريطانيا أن تنشئ جيشاً عراقياً يأخذ على عاتقه حماية الأمن الداخلي لدعم الحكم الملكي، مستعينة بمجموعة من الضباط الذين كانوا يسمون بالشريفيين[نسبة للشريف علي بن الحسين ملك الحجاز] الذين خدموا في الجيش العثماني والبالغ عددهم 62 ضابطاً، والذين اعترفت [المس بيل] بأنهم كانوا موالين صادقين لبريطانيا.

لقد أنيط بهم تشكيل وقيادة جهاز الحكم، وكان في مقدمتهم نوري السعيد، وجميل المدفعي، وعلي جودت الأيوبي، وياسين الهاشمي، محمد أمين زكي، وأمين العمري، وجعفر العسكري، بكر صدقي، ورشيد عالي الكيلاني، وعبد المحسن السعدون، وتوفيق السويدي وشاكر الوادي، ومصطفى العمري، الذين تداولوا على السلطة طيلة الحكم الملكي.

وقد أناطت بريطانيا تشكيل الجيش العراقي بنوري السعيد الذي تولى رئاسة الوزارة 14 مرة، وكان يحتفظ في اغلب وزاراته بمنصب وزارة الدفاع، وحتى لو لم يتولى هذا المنصب فإنه كان يحتفظ بمنصب المفتش العام للقوات المسلحة الذي أناطه به الملك فيصل الأول، وبذلك كان يشرف عملياً على شؤون الجيش.

لقد أرادت بريطانيا من هذا الجيش الذي شكلت وحداته الأولى في 6 كانون الثاني 1921 ليكون حامياً للنظام، وقامعاً للحركات الثورية التي كانت تندلع بين حين وأخر، وقد استخدم نوري السعيد الجيش لقمع مظاهرات الشعب احتجاجاً على معاهدة 1922، وقمع ثورات العشائر في الفرات الأوسط، وثورة الأكراد في كردستان، كما جرى استخدام الجيش بقمع ثورة الآشوريين في سميل، والأيزيدية في سنجار.

ولم يكد الجيش العراقي يشتد عوده حتى بدأ العديد من قادته ينشدون لهم موقعاً مميزاً في مراكز الحكم في البلاد، وكان باكورة تلك النشاطات الانقلاب الذي قاده الفريق بكر صدقي  في 27 تشرين  الأول 1936 بالاتفاق مع الإصلاحيين الذين كان على رأسهم السيد حكمت سليمان، الذي تولى رئاسة الوزارة بعد نجاح الانقلاب، وإسقاط حكومة ياسين الهاشمي، والسيد جعفر أبو التمن، والسيد كامل الجادرجي، وقد جاءت الوزارة بأغلبية من الإصلاحيين.

لكن بكر صدقي بدأ يتجاوز حكومة الإصلاحيين محاولاً فرض إرادته وهيمنته على السلطة، مما دفع الوزراء الإصلاحيين إلى الاستقالة باستثناء رئيس الوزراء حكمت سليمان، لكن بريطانيا ما لبثت أن دبرت له عملية اغتيال في الموصل، وتحريك بعض قطعات الجيش في الموصل وبغداد، لإجبار حكمت سليمان على الاستقالة. وقد لعب نوري السعيد والعقداء الموالين له صلاح الدين الصباغ  وفهمي سعيد الدور الرئيسي في الانقلاب.

واستمر الجيش في لعب دوره في سياسة البلاد على اثر حركة رشيد عالي الكيلاني الذي استعان بالعقداء الأربعة قادة الجيش وهم كل من صلاح الدين الصباغ وفهمي سعيد، وكامل شبيب، ومحمود سلمان، حيث جرى إقصاء [الوصي عبد الإله] وتعيين [شريف شرف] بدلاً عنه، وتشكيل حكومة برئاسة رشيد عالي الكيلاني .

لكن بريطانيا سارعت إلى إنزال جيوشها في البصرة، والتي زحفت إلى بغداد وأسقطت حكومة الكيلاني، وهرب الكيلاني والعقداء الأربعة واستطاعت بريطانيا إلقاء القبض على قادة الجيش في إيران، وتم إحالتهم إلى المحكمة العسكرية التي حكمت عليهم بالإعدام، وجري تنفيذ الحكم بهم في ساحات بغداد، أما الكيلاني فقد وصل إلى ألمانيا، وبقي برعاية هتلر حتى نهاية الحرب حيث تمكن من الهرب والوصول إلى السعودية التي منحته اللجوء السياسي هناك.

وفي عام 1952 تم استخدام الجيش ضد وثبة الشعب، حيث تم تشكيل وزارة برئاسة رئيس أركان الجيش نور الدين محمود وتم إنزال الجيش في   الشوارع، وتصدى للمتظاهرين وأوقع فيهم الكثير من الضحايا، والقبض على المئات منهم حيث تم إحالتهم للمجالس العرفية، وتم الحكم عليهم بالسجن لمدد مختلفة.

كما تم استخدام الجيش وقوات الشرطة السيارة لقمع انتفاضة عام 1956 على أثر العدوان الثلاثي على مصر، والتي امتدت لتشمل مدن وقصبات العراق كافة، وتم قمع الانتفاضة بالحديد والنار.

كانت تلك السياسات الرعناء قد حفزت العديد من ضباط الجيش لتشكيل منظمات ثورية تهدف إلى إسقاط النظام الملكي، واستطاعت تلك المنظمات أن توحد جهودها في اللجنة العليا للضباط الأحرار بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم، والتي استطاعت تفجير ثورة 14 تموز 1958 وتسقط النظام الملكي، وتعلن الجمهورية بالتعاون والتنسيق مع جبهة الاتحاد الوطني.

كان عبد الكريم قاسم وعدد من رفاقه الضباط في اللجنة العليا يمثلون نوعاً ما، ولحد ما،  الوجه الديمقراطي لثورة 14 تموز، لكن الأغلبية كانت ذات توجهات قومية ضيقة الأفق، وطامعة بالسلطة، ولا يعنيها خدمة الشعب، وكان على رأسها عبد السلام عارف الشخص الثاني في قيادة الثورة، وقد سعى هؤلاء الضباط منذ الأيام الأولى للثورة للتآمر عليها والوثوب إلى السلطة، فكانت محاولة انقلاب العقيد عبد الوهاب الشواف في الموصل، ومحاولة عبد السلام عارف اغتيال  الزعيم عبد الكريم، ومحاولة رشيد عالي الكيلاني الانقلابية، ومحاولة حزب البعث اغتيال الزعيم في رأس القرية،والاستيلاء على السلطة.

وأخيراً تكللت مؤامرات القوى القومية والبعثية بانقلاب 8 شباط 1963 الفاشي بتخطيط وإسناد ودعم من قبل الإمبريالية الأمريكية، وبالتعاون مع عبد الناصر مع شديد الأسف. ثم أعقب ذلك انقلاب عبد السلام عارف وزمرته من الضباط القوميين في 13 تشرين الثاني 1963ضد حلفائه البعثيين الذين أتوا به إلى قمة السلطة.

 لكن عبد السلام عارف ما لبث أن دُبرت له مؤامرة لقتله على أيدي البعثيين الذين زرعوا له قنبلة في طائرته السمتية في طريقه إلى البصرة انتهت بموته، حيث تولى أخوه عبد الرحمن عارف السلطة بدعم وإسناد من الجناح العسكري القومي العروبي المهيمن على السلطة في البلاد من أتباع عبد السلام عارف.

 اتسم حكم عبد الرحمن عارف بالضعف وتخللته الصراعات بين مختلف الكتل العسكرية القابضة على السلطة، وجرت محاولات لانقلابات عسكرية من قِبل أعوان عبد الناصر، وكان أبرزها محاولة عارف عبد الرزاق الذي كان يشغل منصب رئيس الوزراء.

 وجدت الولايات الأمريكية وحليفتها بريطانيا أن الوضع الهش لنظام عبد الرحمن عارف، والمخاطر التي كانت محدقة بالنظام من قبل القوى اليسارية من جهة، والقوى الناصرية من جهة أخرى، لا يطمئن، وحرصاً منهما على مصالحهما في العراق والمنطقة، حيث أقدمتا على تدبير انقلاب عسكري بالتعاون مع زمرة [عبد الرزاق النايف] و[إبراهيم عبد الرحمن الداود] ، و[سعدون غيدان] من جهة، وحزب البعث من جهة أخرى، فكان انقلاب 17 تموز1968 الذي أطاح بنظام عبد الرحمن عارف.

لكن البعثيين لم يكونوا مرتاحين للشراكة مع النايف وزمرته، ولاسيما وان لهم تجربتهم مع عبد السلام عارف الذي نصبوه رئيساً  للبلاد في انقلاب 8 شباط الفاشي عام 1963، ثم انقلب عليهم بعد تسعة اشهر واسقط حكمهم، وتولى السلطة المطلقة في البلاد، فبادروا إلى تنفيذ انقلاب ثانٍ في 30 تموز [أي بعد 13 يوماً من انقلابهم الأول] ضد حكومة رئيس الورزاء عبد الرزاق النايف، وتسفيره إلى خارج البلاد،  ومن ثم اغتياله في لندن بعد أن فضح علاقات البعثيين بالأمريكان، واستولى البعثيون على السلطة الكاملة في البلاد بزعامة العميد أحمد حسن البكر، وبمعاونة صدام حسين.

بدأ البعثيون يعيدون النظر في تركيبة الجيش من أجل فرض هيمنتهم المطلقة عليه، فاخترعوا مؤامرة مدبرة ضد نظام حكمهم، وقاموا بحملة إعدامات واسعة  بعد محاكمات شكلية غير قانونية طالت عدداً  كبيراً من الضباط القوميين، في مسرحية استهدفت إرهاب الضباط ومنعهم من القيام بأي تحرك ضد حكمهم .

واستمروا في عملية تدجين الجيش وإبعاد كل ضابط يُشك في ولائه لهم  وفرضوا هيمنتهم المطلقة عليه من خلال فرض الانتماء للحزب على جميع الضباط وحتى المراتب، وأكثر من هذا منعوا أي نشاط سياسي أو حزبي داخل الجيش ما عدى حزب البعث، وفرض النظام البعثي حكم الإعدام على كل من يُشك في انتمائه لأي حزب سياسي، وبوجه خاص الحزب الشيوعي، وجرى إعدام أعداد غفيرة من الشيوعيين طيلة مدة حكمهم.

وبعد أن انقلب صدام حسين على سيده أحمد حسن البكر، وتولى السلطة المطلقة في البلاد، وفرض نفسه قائداً عاماً للقوات المسلحة، ومنح نفسه أعلى رتبة عسكرية [مهيب ركن] وبدأ يفرض سطوته على الجيش بأقسى الوسائل الإرهابية تمهيداً لشن الحرب على إيران بالنيابة عن الولايات المتحدة، تلك الحرب التي دامت 8 سنوات، وقد جيّشَ صدام حسين خلالها كل أبناء الشعب بالقوة، وخلق له جيشاً عرمرماً، ومنح الرتب العسكرية لحزبيين من دون مؤهلات، ومنح ارفع الرتب العسكرية لحسين كامل، وصدام كامل، وعلي حسن المجيد، وعزت الدوري، وأعداد كبيرة من أبناء عشيرته التكارتة الأميين، بغية إحكام سيطرته على الجيش، وجرى تنفيذ أحكام الإعدام بحق الكثيرين من الضباط بحجة عدم تنفيذ أو مخالفة الأوامر الصادرة منه، وهو الذي يجهل العلم العسكري جهلاً تاماً.

كما سخر كل مدخرات وموارد البلاد للتسلح مما أدى ذلك إلى نتائج وخيمة على اقتصاد البلاد، وتراكم الديون الهائلة على العراق، وبغية معالجة أزمته الاقتصادية أقدم على غزو الكويت في 2 آب 1990، تلك الجريمة التي ساقت الجيش العراقي إلى حرب مع الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، وبعض الحلفاء العرب، وأدت إلى كارثة للجيش العراقي لم يعرف لها مثيلاً من قبل.

وأندحر جيش صدام، وتم فرض شروط وقف إطلاق النار في خيمة صفوان، وتم فرض نزع أسلحة الدمار الشامل على نظام صدام الذي  قبلها صاغراً من أجل بقاء نظامه، وبقائه على رأس النظام.

 لكن مراوغاته المستمرة، ولعبة القط والفار التي مارسها مع الولايات المتحدة جعلها تقرر إسقاط حكمه، وبذلك تحقق هدفين في آن واحد، التخلص من نظام صدام حسين الذي احترقت أوراقه، وفرض هيمنتها المطلقة على العراق طالما يطفو العراق على بحر من النفط،  فكانت الحرب التي شنتها في 20 آذار 2003، والتي انتهت بانهيار نظام صدام في 9 نيسان بعد أن دامت الحرب الدموية عشرين يوماً، وجاءت على الأخضر واليابس كما يقول المثل، حيث دمرت البنية التحية للعراق بكاملها، ولم تسلم أية منشأة مدنية كانت أم عسكرية من التدمير، ومن نهب الميليشات ، وكان أخطرها سرقة أسلحة الجيش العراق من قبل الميليشيات التابعة للأحزاب القومية الكردية، والعصابات البعثية بعد أن أصدر الحاكم المدني الأمريكي [ بريمر] قراراً بحل الجيش، وسائر الأجهزة الأمنية، تاركاً البلاد لعصابات الجريمة من جهة، وتحول إعداد غفيرة من منتسبي الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية إلى حمل السلاح والقيام بنشاط إرهابي بعد أن تم طردهم من وظائفهم دون مورد، وبذلك اقترفت الولايات المتحدة خطأً جسيماً، بل جريمة كبرى بحق الشعب والوطن، حيث تركت البلاد دون جهاز أمني يتولى حماية الأمن والنظام العام، ويحمي سيادة البلاد مما تسبب في وقوع وتواصل الأعمال الإرهابية في البلاد، وبعد أن شكلت قوات الاحتلال مجلس الحكم، وأصدرت قانون إدارة الحكم الذي نصت إحدى مواد القانون على تولي شخصية مدنية لوزارة الدفاع في خطوة لأبعاد العسكر من الهيمنة على الحكم من جديد لمنع أي محاولة لقيام انقلاب عسكري في البلاد، وإبعاد الجيش عن السياسة والانتماءات الحزبية كما أدعت!!.

لكن الذي جرى بعد أن سلم المحتلون الأمريكان مقاليد الحكم لقوى الإسلام السياسي جاء على العكس من ما أعلن عنه المحتلون عند حلهم الجيش فتحول الجيش من جيش صدام إلى جيش يضم كافة ميليشيات أحزاب الإسلام السياسي، وتولي عناصر أمية لا علاقة لها بالجيش مناصب عسكرية عليا، وكان لهذا الإجراء نتائج وخيمة عند ما شنت ميليشيات الإسلام السياسي الشيعية الحرب الأهلية بين عامي 2006 و2007، واقترفت من الجرائم الوحشية البشعة ما فاقت كل تصور، وأدت على تشريد اكثر من 4 ملايين مواطن من بيوتهم ومدنهم هرباً من بطش الميلشيات تلك، وكانت تلك الميلشيات تمارس جرائمها وهي تلبس اللباس العسكري للجيش والشرطة.

إن الجيش العراقي بتركيبته الحالية بات أشبه ببرميل بارود، لا يلبث أن ينفجر عند أية أزمة سياسية يمكن أن تعصف بالبلاد، طالما بقي مرتعاً لعناصر ميليشيات أحزاب الإسلام السياسي، حيث يهدده الانقسامات بسبب ولاء أفراده لأحزابهم السياسية.

ولقد وضح غزو عصابات داعش للعراق عام 2014 هشاشة هذا الجيش، وضحالة قياداته، وقيادة السلطة الحاكمة التي سلمت نصف العراق لهذه العصابات، حيث القت 3 فرق عسكرية كامل أسلحتها لهذه العصابات، ونزعت لباسها العسكري، وولت هاربة تاركة محافظات الموصل والانبار وصلاح الدين، وديالى تحت رحمة تلك العصابات المجرمة التي دمرت البنية التحية وسائر المدن وأشاعت أبشع أنواع الإرهاب والتعذيب والذبح والاغتصاب تاركة أكثر من 4 ملايين مواطن يعيشون في الخيام هرباً من بطش عصابات داعش، ودمار مساكنهم. وتمت دعوة السيد السيستاني الشعب إلى التطوع لمحاربة داعش، وابلت جموع غفيرة من أبناء الشعب  بلاءاً حسناً في الحرب ضد داعش، وبمساعدة قوى أجنبية بإمرة الولايات المتحدة استطاع الجيش العراقي الذي جرى أعادة تدريبه وتسليحه من القضاء على عصابات داعش، وتحرير كافة المدن من طغيانها.

لكن أحزاب الإسلام السياسي استغلت هذه الجموع التي هبت لقتال داعش، وهي المهيمنة على البرلمان، لإصدار قانون لخلق جيش رديف للجيش ودعوه ب[الحشد الشعبي] تحت قيادة أحزاب الإسلام السياسي الموالين لإيران. 

أن معالجة هذا الوضع الخطر للجيش والقوى الأمنية يتطلب إعادة النظر الجذرية بتكوين الجيش على أساس الولاء للشعب والوطن، وليس للأحزاب السياسية، ولا بد من إبعاد عناصر الميليشيات هذه عنه، ومنع أي نشاط سياسي داخل الجيش، وتثقيف أفراده بالثقافة الديمقراطية، وحقوق الإنسان، واحترام حقوق وحريات المواطنين.

 أما مصير الحشد الشعبي فالحل إما أن تضم العناصر غير المنتمية لأحزاب الإسلام السياسي منه لقوات الشرطة والجيش وتسريح كل من ينتمي من قريب أوبعيد لأحزاب الإسلام السياسي، أو إعادة العمل بقانون خدمة العلم لجميع المواطنين من أعمار 18 حتى 35 عاماً، حرصاً على الأمن والنظام العام في البلاد، والحيلولة دون وقوع صراع مسلح أو حرب أهلية مرة اخرى، فقد كفى الشعب العراق ما عاناه طيلة عقود طويلة.

 

حامد الحمداني

 

 

قاسم حسين صالحالفساد في العراق لا يشبهه فساد في العالم ولا حتى في التاريخ، فوفقا لصحيفة (واشنطن بوست) فان الفساد تسبب بسوء صرف أكثر من ترليون دولار أميركي خلال المدة من ٢٠٠٣ الى ٢٠١٧ . وان احدهم (كمثال) هو مدير شركة التجهيزات الزراعية السابق (عصام جعفر عليوي) المحسوب على احدى القوى الاسلامية الشيعية المشاركة في الحكومة والبرلمان، اعترف للجنة النزاهة بأنه دفع مليار ونصف المليار دينار لنائب سابق لغرض تهريبه (2017). ولا احد يشهد ان بين المسؤولين الكبار من هو نزيه، بدليل ان رئيس الوزراء الأسبق السيد نوري المالكي اعلن أن لديه ملفات فساد لو كشفها لانقلب عاليها سافلها، وانحاز للفاسدين على حساب الشعب..لثلاثة اسباب:حماية فاسدين من حزبه، ويقينه بأن الشعب عاجز عن ان يفعل ما يخشاه، ودفع شر خطير في تقديره.ففي لقاء قبل ايام مع مقرّب من السيد المالكي قال: لو انه امر بمحاسبة الفاسدين وقتها (كان صارت دمايات)..وفي هذا مغالطة، لأن اكثر من عشرين مليون عراقي، بينهم سبعة ملايين تحت خط الفقر، والمرجعية ايضا سيكونون معه..فضلا عن ان سكوته عن نهب مليارت من خزينة الدولة يعد خيانة ذمة كونه المؤتمن عليها.

ومعروف للجميع تصريح السيد مشعان الجبوري لمراسل صحيفة الغارديان مارتن شولوف (جميعنا فاسدون بمن فيهم انا)..وبمن فيهم حيتان معممون ورجال دين في احزاب الأسلام السياسي، ومسؤلون كبار سرقوا ملايين الدولارات، وآخرون بينهم ثلاثة وزراء وتسعة مدراء عامين و779 من افراد عائلات واقارب مسؤولين في الحكومة والبرلمان (الديمقراطيين!) نهبوا عشرين مليار دولارا، لو استرجعت منهم لما بقي في العراق سبعة ملايين آدمي دفعهم تحت خط الفقر من اعتبروا العراق غنيمة لهم فتقاسموه..ولما شكونا من عجز ميزانية 2019 بـ(19) مليار دلار وقبلها عجز ميزانية 2018 بـ(11) مليار دولار، ولما بقيت اغنى مدينة في العالم يشرب اهلها ماءا مرّا ويتنفسون هواءا عفنا من سواقيها الاسنة.وان الاستهانة بالشعب بلغت بمن وضعها أنه لم يكترث بمعالجة الحال المزري لأهل البصرة، ما دفع أهل البصرة وبابل بعد يومين من اقرار الميزانية (25/1/19) الى التظاهر واصفينها بأنها (ضحك على الذقون) وانها ستذهب الى جيوب الفاسدين، فيما وصفها متخصصون بانها ستذهب كما ذهبت سابقاتها الى جيوب الفاسدين. ونتذكر هنا ما قاله الراحل احمد الجلبي تلفزيونيا: (ما دخل العراق بين 2006 الى 2014 من واردات النفط بلغ 551 مليار و800 مليون دولار..فيما بلغ مجموع استيراد الحكومة 115 مليار دولار..طيب..وين راحت افلوس البقية..وقد وجدنا ان هناك عصابات في البنوك تحميها مجموعات من الفاسدين السياسيين).

ومن شباط 2011 طالب العراقيون بمحاكمة الفاسدين، وهتفوا في ساحات الحرية (باسم الدين باكونه الحراميه)، وحاول بعض كبار المسؤولين العراقيين بقيادة رئيس الوزراء السابق السيد حيدر العبادي وبتشجيع من رجل الدين آية الله علي السيستاني شن حملة ضد الفساد، لكنهم فشلوا..ولم يفي (العبادي) بوعد قطعه على نفسه بأنه سيضرب الفساد بيد من حديد.

ان تحليل عدم محاسبة الفاسدين، وحيتان الفساد بوصف المرجعية، يقوم على اعتماد آليتين سيكولجيتين:

الأولى: الهاء الناس بانتاج الأزمات

والثانية: اعتماد سيكولوجيا التغافل

وتحليل ذلك، ان ترويض الناس بتعويدهم على خلق ازمة وخروجهم منها ودخولهم في اخرى على مدى خمس عشرة سنة، فان عقولهم تتبرمج على الخوف والقلق من المستقبل، ويتكيفون نفسيا للواقع الذي يعيشونه، ويلهيهم عن المطالبة بمحاسبة الفاسدين..وهذا ما حصل لغاية انتهاء حكومة السيد العبادي. اما الان فان السيد عادل عبد المهدي وجد الحال ممهدا الى ان يعتمد سيكولجيا التغافل عن محاسبة الفاسدين بالعمل على تحقيق ما يراه أهم للناس بتوفير الخدمات واعمار المدن المتضررة.

ومع ان السيد عادل عبد المهدي شكّل مجلسا لمكافحة الفاسدين فانه يعرف مسبقا انه لن يستطيع ان يحقق شيئا ما لم تكن هنالك ارادة سياسية حقيقية وخطط علمية لمكافحة الفساد..تتولى فتح اخطر ثلاث ملفات فيه:ملف تهريب الاموال، وملف بيع العملة، وملف وزارتي الكهرباء والدفاع.ولنا ان نتذكر ان السيد العبادي استدعى محققين دوليين متخصصين بمكافحة الفساد جاءوا وذهبوا ولا نعرف عما فعلوه شيئا..ما يعني ان تغلغل الفساد في احزاب السلطة يجهض أي تحرك يستهدف حيتانها ما لم يتم اعتماد اجراء قانوني يجرّم كل حزب سياسي يثبت عليه انه تستر على فاسد يحتل موقعا متقدما في الحزب او السلطة.

ما يجري في العراق يذكرنا بقول لأبن خلدون :حين تنهار الدولة يكثر المنجمون والمتسولون والمنافقون والمدعون والقوالون والانتهازيون وقارعو الطبول والمتصعلكون، وتظهر وجوه مريبة وتختفي وجوه مؤنسة، وتزداد غربة العاقل ويضيع صوت الحكماء.

ولو شهد ابن خلدون ما يحصل الان في العراق لأضاف:

ويصبح الحاكم سارقا لقوت شعبه، ويشيع الفساد بين الناس ليتحول من فعل كان يعدّ خزيا الى شطارة، وتصبح خزائن احزاب السلطة مثل جهنم يسألونها هل امتلأت تقول هل من مزيد..ويصبح الناس عاجزين امام حكّام هم جاءوا بهم ليسلطوهم على مالهم وحياتهم فيدارون انفسهم بالتغافل!.. مع انهم لو توحدّوا لأسقطوهم!.

 

أ.د.قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

امين عام تجمع عقول

 

عزالدين عنايةاتخذت الكنيسة الكاثوليكية استراتيجيات إعلامية اختلفت باختلاف المواسم، وفي الراهن الحالي الذي يقضّ مضجع اللاهوتيين، ما عاد الإعلام الكنسي أساسه القول القائل إن قوة الحقيقة كفيل بعرضها، بل بات الأمر يتطلب مهنية وخبرة ودربة. غدت الكنيسة في عصرنا شريكا إعلاميا بارزا في الأوساط الغربية بشكل عام وفي الساحة الإيطالية بشكل خاص، حيث تعددت الوسائط الإعلامية ذات المنحى الكاثوليكي بغرض ترويج مراد الكنيسة الديني والثقافي، وكذلك موقفها السياسي أيضا من العديد من القضايا الساخنة. وقد تولدت الحاجة الماسة إلى هذا الحضور في أعقاب تقلص الحضور الفعلي للكنيسة في الواقع، حيث باتت "الكنائس خالية والساحات عامرة"، على حدّ التعبير الشائع، الأمر الذي دعاها إلى تكثيف حضورها في عدة مجالات إعلامية، وحتى الافتراضية منها، في محاولة لاستغلال القدرات التي يتيحها الإعلام البديل، كل ذلك لفائدة ترويج رسالة الكنيسة التي باتت تعتمد "التبشير بالإنجيل في عالم متغير".

ومن الوثائق التأسيسية التي صدرت عن مجمع الفاتيكان الثاني (1962-1965)، والتي أولت الشأن الإعلامي اهتماما، جاء قرار (Inter mirifica) المتعلق بوسائل الاتصال الاجتماعي والمصادق عليه في الرابع من ديسمبر 1963، فكان من أبرز القرارات التي حثّت الكنيسة على ألا تبقى خارج الانشغال والتوظيف والاستغلال للشأن الإعلامي. ورد في نص القرار: "تقرّ الكنيسة أن الاستغلال المحكم لهذه الوسائل يمنح العائلة البشرية مغانم جمة، لأنها تسهم بشكل فعال في تسامي الروح وإغنائها، فضلا عن دعم مملكة الرب. لكنها تدرك أيضا أن الإنسان يمكن أن يوظِّف تلك الوسائل لهلاكه وضدّ مراد الخالق... كما تؤمن الكنيسة بواجبها في استغلال وسائل الاتصال للتبشير بالخلاص وتعليم البشر الاستعمال الصائب لهذه الوسائل". وقد تدعّم ذلك بالعديد من الرسائل البابوية لعل من أهمها رسالة البابا الراحل بولس السادس بشأن الإعلام المسماة بـ"إيفنجلي نونتياندي" رقم: 45، مبينا من خلالها أن الكنيسة "تشعر أنها مذنبة أمام ربها إن لم توظف هذه الأدوات لفائدة الأنْجَلة".

وفي ضوء ذلك الحرص على الحضور في المجال الإعلامي، يمكن تقسيم وسائل الإعلام الكاثوليكية إلى ثلاثة أصناف رئيسية:

أ‌- الإعلام المكتوب:

الذي تحوز فيه الكنيسة الكاثوليكية مجموعة من الصحف والمجلات، ذات الانتشار الواسع، والتي لا يقتصر قراءها على رجال الدين والمتدينين، بل تتوجه إلى عامة الناس وتغطّي حاجات شرائح متنوعة داخل إيطاليا وخارجها. لعل أبرز تلك العناوين في الصحافة المكتوبة:

صحيفة "لوسّرْفاتوري رومانو" –المراقب الروماني- وهي صحيفة يومية، تعد اللسان الرسمي لحاضرة الفاتيكان، بُعثت في يوليو 1861 وقد احتفلت في المدة الأخيرة بمرور قرن ونصف على تأسيسها. ويتميز محتوى هذه الصحيفة بالتحاليل المعمَّقة للأحداث والوقائع بناء على وجهة النظر الكاثوليكية، كما تضمّ إلى طاقمها مجموعة من الصحفيين والكتّاب من خارج الأوساط الدينية، ممن يسمون بالعلمانيين ولكن من الموالين إلى خط الكنيسة. تليها في المتابعة والاهتمام صحيفة "أَفِنيري" –المستقبل- التي بُعثت إبّان انعقاد أشغال مجمع الفاتيكان الثاني سنة 1968، وهي صحيفة يومية ناطقة باسم المؤتمر الأسقفي الإيطالي، الذراع النافذة لحاضرة الفاتيكان داخل الأوساط الإيطالية، بما أن المؤتمر تتركّز مهامه بالأساس على رصد المسارات الدينية والاجتماعية والسياسية داخل إيطاليا، وتداوُلها ومُراجعتها مع كبار الكرادلة والأساقفة في دولة الفاتيكان.

ومن جانب آخر تبقى المجلة الأسبوعية "فاميليا كريستيانا" –الأسرة المسيحية- أكثر المجلات الأسبوعية توزيعا وقراءة في إيطاليا، وهي مجلة عقائدية تربوية، فضلا عن اهتماماتها الاجتماعية والسياسية من زاوية نظر كاثوليكية، وهي المجلة الأكثر تأثيرا في الطبقات الشعبية وفي الشرائح العمرية المتقدمة. تعضدها كوكبة من المجلات الدينية مثل: المجلة الشهرية "30 جورني" –ثلاثون يوما- التي أسسها السياسي الراحل جوليو أندريوتي، وهي مجلة توزّع بخمس لغات؛ كذلك مجلة "يسوع" ومجلة "فيفيري" –حياة- الشهرية، ومجلة "غازيتا دالبا" الأسبوعية. وتستقي هذه العناوين مضامينها وأخبارها بالأساس من "وكالة الفاتيكان للخدمات الإعلامية" –Vatican Information Service-، فضلا عن "وكالة الأنباء فيدس" –Agenzia Fides- التابعتين للفاتيكان. تعضد تلك العناوين شبكة نشيطة من دور النشر والتوزيع الكاثوليكية، لعل أشهرها دور نشر "مكتبة النشر الفاتيكانية"، و"سان باولو"، و"جاكا بوك"، و"دار التبشير الإيطالية".

ب‌- الإعلام التلفزي والإذاعي:

يتمحور هذا النشاط بالأساس حول "مركز تلفزيون الفاتيكان" –Centro Televisivo Vaticano– الذي انطلق في عمله سنة 1983، وهو إلى حد الآن لا يحوي في جنباته قناة بث بل هو عبارة عن مركز إنتاج وتوزيع؛ لكن يبقى، على المستوى المحلي، تواجد عديد المحطات التلفزية الكاثوليكية، جلها ذات تغطية محدودة. ولسدّ ذلك النقص بعث المؤتمر الأسقفي –أعلى هيئة كنسية في الداخل الإيطالي- تليفزيون –TV2000- الذي انطلق بثّه في مرحلة أولى عبر القمر الصناعي ثم توسع في مرحلة لاحقة عبر بثّ أرضي، رغم ذلك تبقى الكنيسة تنقصها قناة كبيرة تضاهي الشبكات العالمية.

ذلك في المجال التلفزي، أما في مجال البثّ الإذاعي، فيبقى "راديو الفاتيكان"، الذي تأسس في الثاني عشر من فبراير من العام 1931، الأبرز في الساحة المحلية والدولية، وهي محطة تتناول القضايا السياسية والاجتماعية من منظور حاضرة الفاتيكان. المحطة ناطقة بعدة لغات منها العربية، وقد اُحتفل بمرور ثمانين سنة على إنشائها. ونظرا لطبيعة التقسيم الإداري الكنسي للتراب الإيطالي إلى أبرشيات، بما يضاهي توزع مقاطعات الدولة الإيطالية، فليست هناك أبرشية تخلو من محطة بث إذاعي خاصة بها. وضمن هذه الشبكة الواسعة من البث الإذاعي يمثل "راديو ماريا" –راديو مريم- ظاهرة إعلامية مسيحية على حدة. حيث انطلقت هذه المحطة في البداية كراديو خاص بخورنية محددة في منطقة ألتا برييانزا في شمال إيطاليا لتتطور وتصبح محطة بث عالمي، تولدت عنها العديد من المحطات المحلية، بلغ عددها حتى الراهن خمسين محطة، منتشرة في شتى أنحاء العالم لتُشكّل ما يعرف بـ"الأسرة العالمية لراديو مريم"، وآخرها إنشاءً كان راديو ماريا في البوسنة، وراديو ماريا في غينيا الجديدة، وراديو ماريا في سويسرا. وهي إذاعات في العموم ذات منحى أصولي، أثارت العديد من القلاقل في بعض البلدان نظرا لخطابها المنغلق والمتشدّد.

ج- الإعلام الإلكتروني

تبقى سنوات الثمانينيات فترة التحول العميق في الاستراتيجيا الإعلامية للكنيسة وقد عُدّ البابا يوحنا بولس الثاني رمز هذا التحول، من خلال الإصرار على إحضاره وسط الضجة الإعلامية بشكل دائم ومتتابع. ولا شك أن مؤسسة الكنيسة الكاثوليكية في روما، في مساعيها لتجديد دورها وتطويره في الساحة الإعلامية، تستند إلى خبرة عريقة في العمل الإعلامي، ما عادت تقنع فيها بالوسائل التقليدية. ومن هذا الباب برز اهتمام حاضرة الفاتيكان بالإعلام البديل بعد تعيين كلاوديو ماريا شالي رئيس المجلس البابوي للإعلام الاجتماعي. ويعد الموقع الرسمي للكرسي الرسولي (www.vatican.va) الذي انطلق في العام 1997 أبرز المواقع الكاثوليكية على مستوى عالمي. فالموقع يقدّم خدماته بثماني لغات: اللاتينية والإيطالية والفرنسية والإنجليزية والألمانية والإسبانية والبرتغالية والصينية، ويرتاد صفحاته خمسون مليون زائر شهريا. وربما الميزة البارزة لهذا الموقع وهو الطابع التوثيقي لكل ما يتعلق بالشأن الفاتيكاني، لذلك بات مرجعا للعديد من الكتّاب والصحافيين والباحثين المهتمين بالشأن الديني الكاثوليكي.

لكن أمام تزايد الحاجة إلى الإعلام المواكب للأحداث المتتالية والأخبار المتسارعة، تقرر منذ فترة وجيزة بعث موقع "نيوز.فا" بخمس لغات، وهو موقع إخباري بالأساس، تعبّر من خلاله حاضرة الفاتيكان عن سياستها الخاصة تجاه القضايا المحلية والدولية. ما زال الموقع يشقّ طريقه من حيث التطور والمهنية، رغم ذلك يبلغ عدد زواره بين ثمانية آلاف وعشرة آلاف زائر يوميا. وقد ناهز زواره يوم عيد الميلاد الفارط 16 ألف زائر، وقاربت مدة المكوث بالموقع زهاء الدقيقتين، ما يعني أن الدخول ليس عفويا، لكن لغرض البحث أو الاطلاع أو استقاء المعلومة.

ولكن أمام تعدد المواقع، التي تعرّف نفسها أنها كاثوليكية، تخشى كنيسة روما فقدان احتكار المعلومة الدينية بالأساس، وهو ما مارسته طيلة عهود. فهناك مزاحمة في هرمنوطيقيا النصوص ومزاحمة في ترويج المعلومة، ما يهدد بانفراط احتكار المعنى الديني. كما تخشى الكنيسة من الإعلام المناهض بشكل مباشر، وهو ما تجلى بالخصوص في استغلال قضايا مثل قضية راتسبونا والعالم الإسلامي، وقضية وليامسون اللوفبرياني ونفيه للمحرقة اليهودية، أو استغلال مسائل الفضائح الجنسية بين رجال الدين.

بالفعل لقد هزت الكنيسة الكاثوليكية ثورة إعلامية حقيقية، حيث جرت العادة في السابق بالسماح للأعلى رتبة في الأبرشية أو الخورنية بحقّ مراقبة مراسلات التابعين له، ولكن مع الثورة الإعلامية تقلص ذلك الامتياز، فكيف تُراقَب الإرساليات القصيرة والسكايب والبريد الإلكتروني والدردشة وغيرها؟ أمام ذلك التحدي تسعى الكنيسة جاهدة لإقرار ما يشبه الوفاق الخلقي بين العاملين في الحقل الديني علّها تحد من المنافسة القوية والمناهضة، في بعض الأحيان، وعلّها تعوّض عن تلك الرقابة المفتقدة.

 

د. عزالدين عناية

 

حسين سرمك حسنعبر أربع مقالات سابقة عن معجزات الطب العراقي القديم (السومري الأكدي البابلي الآشوري) وكان عنوانها (حول أكاذيب وتلفيقات هيرودوتس "أبو التاريخ" عن بابل ، وكيف شوّه الأغريق منجزات الطب العراقي القديم) ، قدّمتُ للسادة القرّاء شذرات ذهبية من مخطوطة كتابي الذي أنجزته مؤخرا عن "موجز تاريخ الطب العراقي القديم والطب العربي الإسلامي" والذي تمنيتُ على السيّد وزير التعليم العالي والبحث العلمي النظر في إقراره للتدريس في الصفوف الأولى من كليات الطب في جامعاتنا لأنني وضعته أصلا لهذا الغرض عرضاً وأسلوباً ومحتويات ولأننا كأطباء تخرّجنا من كليات الطب ونحن نعرف كل شىء عن الطب الغربي ولا نعرف أي شىء عن الطب العراقي القديم الرائد في تاريخ البشرية وعن الطب العربي الإسلامي الذي أنار سماوات العصور المظلمة.

وقد انتقلتُ بعد ذلك إلى عرض شذرات ذهبية من المنجزات المذهلة للطب العربي الإسلامي الذي علّم الغرب أسس الطب في عصوره المظلمة وحتى أسس النظافة الشخصية (كانت الملكة إيزابيلا ملكة اسبانيا تفخر بأنها لم تغتسل سوى مرّتين في حياتها عند التعميد بعد الولادة وقبل ليلة الزواج!!) .

وفي القسمين الأول والثاني عرضتُ جانباً من المنجزات المذهلة للطب العربي الإسلامي ، وأواصل في هذا القسم الثالث (والأخير) عرض منجزات عجيبة أخرى تتعلق هذه المرة بالعالم والطبيب العربي أبو القاسم الزهراوي مع ملاحظة ذكرتها في القسم الأول وهي ان مصادر هذه المعلومات مُثبّتة في مخطوطة الكتاب:

الإنجازات الطبّية الريادية المُذهلة للزهراوي

- أول عملية لإستئصال الغدة الدرقية في العالم

أجرى الزهراوي عملية استئصال الغدة الدرقية. وهي عملية لم يجرؤ أي جراح في أوروبا على إجرائها إلا في القرن التاسع عشر أي بعده بتسعة قرون وقد شرح هذه العملية بقوله:

(هذا الورم الذي يسمى فيلة الحلقوم يكون ورما عظيما على لون البدن وهو في النساء كثير وهو على نوعين إما أن يكون طبيعيا وإما أن يكون عَرَضِيأ، فأما الطبيعي فلا حيلة فيه وأما العرضي فيكون على ضربين أحدهما شبيه بالسلع الشحمية والضرب الآخر شبيه بالورم الذي يكون من تعقد الشريان وفي شقه خطر فلا ينبغي أن تعرض لها بالحديد البتة إلا ما كان منها صغيرا أن سبرتها وفتشتها بالمدس فألفيتها تشبه السلعة الشحمية ولم تكن متعلقة بشيء من العروق فشقها كما تشق على السلع وتخرجها بما يحويها من الكيس إن كانت فى كيس وإلا فاستقص جميعها ثم عالج الموضع بما ينبغي من العلاج)

قارن ذلك بما كتبه صامول كروس، أحد مشاهير الجراحين الأمريكيين خلال القرن التاسع عشر- كتب كروس سنة 1866 ” هل يمكن إزالة الغدة الدرقية المتضخمة بالجراحة؟ إن التجربة تبين لنا أن الإجابة هي على وجه التأكيد بالنفي. أما إذا كان الجراح، طائشا لدرجة محاولة هذه الجراحة فسوف يكون محظوظا لو عاش ضحيته حتى يكمل هذه المجزرة. ان أي جراح أمين وعاقل ينبغي له أن يتجنب إجراء هذه العملية”.

لقد مرّت تسعة قرون كاملة منذ أن أجرى الزهراوي أول جراحة على الغدة الدرقية قبل أن يحدث تقدم حقيقي في هذا الفرع الهام من الجراحة على يد كل من هالستد والذي اعترف بفضل الزهراوي وسَبَقِه ، وتيودور كوخر.

- أحسن وصف لعملية استئصال اللوزتين

إستئصال اللوزتين هي عملية جراحية لإزالة كلتا اللوزتين من التجويف الذي على جانبي البلعوم والذي يُدعي بالحفرة اللوزية وتُجرى عملية الاستئصال في حالات التهاب اللوزتين الحاد والمتكرر. 

637 سرمك 1

وقد برع الكثير من الأطباء المسلمين في علاج اللوزتين الملتهبتين، واستئصالهما، مثل الطبيب والجرَّاح علي بن عباس والجرَّاح الشهير ابن القف.

أما أحسن وصف لعملية استئصال اللوزتين فيحدثنا عنه الزهراوي وهو يتكلم عن طريقته في استئصال اللوزتين، فيقول: 

(قد تَعرِض في الحَلق غدد تشبه الغدد التي تعرض في خارج، تسمَّى: لوزتان، إذا عالجتهما بما ذكرت في التقسيم فلم تبرأ، فانظر فإن كان الورم أبيض اللون مستديرًا، وكان أصله رقيقًا، فهذا الذي ينبغي أن يُقطع، والعمل فيه: انتظر قبل العمل، إذا كان قد سكن ورمه الحار سكونًا تامًّا، أو نقص بعض النقصان، فحينئذٍ أَجلسِ العليل بحذاء الشمس، ورأسه في حجرك، وتفتح فمه، وتأخذ خادمًا بين يديك فيكبس لسانه إلى أسفل، بآلة تصنع من فضة أو نحاس، تكون رقيقة كالسكين، فإذا كبست بها اللسان وتبين لك الورم، ووقع عليه بصرك، فخذ صنارة واغرزها في اللوزة، وتجذبها إلى خارج ما أمكن من غير أن تجذب معها شيء من الصفاقات، ثم تقطعها بآلة تُصنع من الحديد الهندي، أو الفولاذ الدمشقي، فإن لم تحضر هذه الآلة فاقطعها بمبضع حاد من جهة واحدة، وغير حاد من الجهة الأخرى، وبعد أن تقطع اللوزة الواحدة تقطع الأخرى على هذا النحو من القطع بعينه، ثم بعد القطع فتُغرغِر العليل بماء بارد، أو بخل وماء، فإن عرض له نزيف دم تغرغر بماء قد أُغلِي فيه قشور الرمان، أو ورق الآس، أو نحو ذلك من القوابض حتى ينقطع النزيف، ثم تعالجه حتى يبرأ.واخترع لهذه العملية الآلات اللازمة لذلك) 

637 سرمك 2

- أول من وصف كيفية غسيل المثانة واخترع لذلك آلة (المِحقّنة / الزرّاقة / السرنجة) ستحدث فيما بعد ثورة فى عالم الطب

637 سرمك 3

يُعتبر الزهراوي "أبو الجراحة" ، وهو أول من وصف كيفية غسيل المثانة واخترع لذلك آلة ستحدث فيما بعد ثورة فى عالم الطب ، حيث يقول:

(إذا عَرضَ في المثانة قرحة أو جمد فيها دم أو احتقن فيها قيح وأردت أن تقطر فيها المياه والأدوية فيكون ذلك بآلة تُسمى الزرّاقة تُصنع من فضة أو من عاج مجوفة لها أنبوبة طويلة على رقة الميل مجوفة كلها إلا الطرف فإنه مُصممٌ فيه ثلاثة ثقوب اثنان من جهة وواحد من جهة أخرى كما ترى والموضع الأجوف الذي فيه المدفع يكون على قدر ما يسده بلا مزيد حتى إذا جذبت به شيئا من الرطوبات انجذبت وإذا دفعت إلى بعد على ما تصنع النضاحة التي يرمي بها النفط في حروب البحر، فإذا أردت طرح الرطوبات في المثانة أدخلت طرف الزراقة في الرطوبة ، وجذبت بالمدفع إلى فوق فإن الرطوبة تنجذب في جوف الزراقة ثم تُدخل طرفها في الإحليل على حسب ما وصفنا في القثاطير ثم تدفع الرطوبة بالمدفع فإن تلك الرطوبة تصل إلى المثانة على المقام حتى يحس بها العليل) 

637 سرمك 4

ومن الجلي أن زرّاقة الزهراوي هي الحقنة العادية التي نستخدمها اليوم، فإذا أضيف إليها الإبرة يمكن إدخال الأدوية بواسطتها إلى داخل الجسم. ترى هل من المبالغة أن نقارن أهمية هذا الاختراع في الممارسة الطبية بأهمية اختراع العجلة في تطور الحضارة الإنسانية؟

يقول عالم وظائف الأعضاء الكبير هالّر: "كانت كتب أبي القاسم المصدر العام الذي استقى منه جميع من ظهر من الجراحين بعد القرن الرابع عشر

* أول من وصَف طُرُق التوليد، وشرَح طرُق تدبير الولادات العَسيرة

 إستطاع الاطباء العرب أن يجمعوا معلومات قيمة عن أمراض النساء والقبالة (التوليد) ، والذين كتبوا عن هذه الامراض كثيرون وأهمهم الرازي وعلي بن عباس وإبن سينا والزهراوي ومهذّب الدين وإبن القف. 

637 سرمك 5

الا أن الزهراوي أشهر جراح مسلم في العصور الوسطى كان أكثرهم إبداعاً.

وما كتبه في التوليد والجراحة النسائية ليعتبر كنزًا ثمينًا في علم الطب، حيث يصف وضعيتي

(TRENDELEMBURE – WALCHER)

المهمَّتَيْن من الناحية الطبية، إضافةً إلى وصف طرق التوليد واختلاطاته، وطرق تدبير الولادات العسيرة، وكيفية إخراج المشيمة الملتصقة، والحمل خارج الرحم، وطرق علاج الإجهاض، وابتكر آلة خاصة لاستخراج الجنين الميت.  

637 سرمك 6

وسبق (د. فالشر) بنحو 900 سنة في وصف ومعالجة الولادة الحوضية، وهو أول من استعمل آلات خاصة لتوسيع عنق الرحم، وأول من ابتكر آلة خاصة للفحص النسائي لا تزال إلى يومنا هذا.

 

الدكتور حسين سرمك حسن - بغداد المحروسة

19- كانون الثاني- 2019

......................

المصدر

المصدر الرئيسي لهذا القسم عن منجزات الزهراوي هو الموقع العلمي المهم الذي استقى منه المؤلف معلومات كثيرة وهو : إسهامات المسلمين في أكثر من مائة تخصص علمي – موقع إلكتروني.

 

 

جواد بشارةقبل الإجابة على هذا السؤال  دعنا نفكر بعقولنا وفق المنطق  والعلم  والفلسفة، بل وحتى الدين، ونستجوب عقولنا حول حقيقة تحتاج إلى برهان:" هل من المعقول أن هذا الكون المرئي الهائل بكل ما فيه من محتويات (غازات وأغبرة وسحب وسدم وتجمعات وحشود وأكداس مجرية ومجرات وكواكب وأقمار الخ..) خالي من الحياة إلا في ركن لامتناهي في صغره ولا قيمة له، هو الأرض، وحدها التي تحتضن الحياة  العاقلة والذكية؟ هل الكون  أو خالقه، إذا كان له خالق، من العبثية بمكان، أن يوجد كل هذه المكونات والمحتويات التي يستحيل تخيلها بما فيها من مسافات ومساحات، لتكون فقط أكسسوارات لكوكب يكاد يكون غير موجود على خارطة الكون، أن يغدو الوحيد الذي يحتضن الحياة فيه؟ من العبث الاعتقاد بذلك فالكون ليس عبثياً  لكيتفي بحياة على الأرض فقط .

عالم الفيزياء الفرنسي ــ الأمريكي، من أصل فيتنامي، وهو تران كسوان ثيوان، صاحب الكتب العديدة عن الكون،  قال في كتابه " قاموس العشق المصور للسماء والنجوم" : من غير المحتمل أن نكون وحيدين في هذا الكون". وفي معرض شرحه وتفسيره وعرضه للكون المرئي، ليس فقط من خلال الكتابة فحسب، بل وكذلك من خلال الصور الرائعة للكون المرئي، التي تكشف عن أسرار وألغاز الكون، وولادة النجوم .

تحدث هذا العالم عن أقدم نجم في الكون المرئي، وهو 2MASS J18082002-5104378  الذي ولد قبل 13.5 مليار سنة، أي قبل  ظهور الأرض للوجود بما يزيد على الثمانية مليار سنة، وهناك ما هو أقدم منها كثير لكننا لم نرصد وجودها بعد أو لم يجد الضوء الصادر منها الوقت الكافي لكي يصل إلينا بعد. هناك اعتقاد سائد بين العلماء أن النجوم الأولى انبثقت في الكون المرئي بعد مرور بضعة مئات الملايين من السنين بعد الإنفجار العظيم البغ  بانغ، وهي التي تشكل أصلنا وأسلافنا لأننا جميعاً ثمرة أغبرة النجوم، أو بتعبير آخر نحن جميعاً أبناء النجوم، كما جاء في عنوان كتاب العالم الفرنسي أندريه براهيك  : أبناء الشمس" وهي إحدى نجوم مجرتنا درب التبانة وقلب  نظامنا الشمسي وأرضنا جزء منها. فالنجوم وتفاعلاتها النووية هي التي تصنع الكيمياء الذرية  وتتعامل مع العناصر التي نجمت عن الإنفجار العظيم وهي الهيدروجين والهليوم وكميات قليلة من الديوتريوم والليثيوم  وإنتاج عناصر أخرى أثقل وكلها موجودة في أجسامنا ومكوناتنا  البيولوجية والكيميائية. فهذه العناصر الكيميائية للطبيعة تنشأ جراء التفاعلات النووية في قلب النجوم الضخمة وإثر موتها وانفجارها في عمليات عرفت بإسم المستعرات الكبرى السوبرنوفا التي تقذف تلك العناصر في الأوساط ما بين المجرية ومابين النجمية . . فهذا النجم القديم لا يحتوي على عناصر ثقيلة إلا القليل جداً منها لأنها تشكلت بعد مرور زمن قصير في أعقاب الانفجار العظيم أي بعد 300 مليون سنة من ولادة الكون المرئي. وهناك جيل آخر من النجوم ممن ولد قبل نجم 2MASS J18082002-5104378  فشمسنا احتاجت لخمسين مليون سنة لتتشكل من غبار وغازات منهارة على نفسها بفعل ثقالتها  الجاذبة في حين أن نجمة أصغر منها بعشر مرات  والتي تكون ثقالتها الجاذبة أضعف عشر مرات من ثقالة وجاذبية شمسنا، تحتاج لمليار سنة لكي تنهار ثقالياً قبل أن تبلغ حرارتها المركزية وسحبها الغازية، درجة الحرارة الحرجة  وهي 10 ملايين درجة الضرورية لإحداث الإندماج النووي la fusion nucléaire  النجوم تنبثق عن سحب جزيئية  ما بين نجمية لكنها لاتولد على نحو انفرادي ومنعزلة بل دائماً على هيئة مجموعات نجمية وكانت شمسنا جرماً وحيداً قذفته سحابته الغازية الأصلية من خلال تفاعل ثقالي مع نجم آخر أو سحابة جزيئية غازية أخرى.

وبالرغم من الكم الهائل من المعلومات العلمية المتوفرة لدينا عن الكون المرئي إلا أننا في حقيقة الأمر  نجهل 95% من مكوناته فهناك المادة العادية والمادة المضادة التي نجهل عنها كل شيء تقريباً، وهناك 27% من المادة السوداء أو المظلمة أو المعتمة، و 68% من الطاقة السوداء أو المظلمة أو المعتمة واللتين نجهل كلياً ماهيتهما وطبيعتهما . ففي تسعينات القرن الماضي سعت فرق علمية بحثية دولية لقياس وحساب معدل تباطؤ التوسع والتمدد الكوني، لأنهم اعتقدوا أن ذلك يجب أن يحدث بفعل جاذبية الثقالة الكونية التي تتولد عن المجرات والنجوم والكواكب  الخ.. مما سيعمل على كبح قوة الدفع الأساسية الناجمة عن الإنفجار العظيم. ولكن في سنة 1998، بعد سنوات من الجهد والتجارب والحسابات المضنية توصل فريقان من الباحثين إلى نتائج مذهلة وهي أن الكون شهد بالفعل فترة وجيزة من التباطؤ في توسعه وتمدده خلال المليارات السبعة الأولى ولكن ابتداءاً من المليار الثامن حصل سلوك مغاير ومناقض أو معاكس تماماً وصار الكون في حالة تسارع في توسعه وتمدده وهو تسارع مفاجيء وسريع وهذا أمر غير ممكن إذا أخذنا بالاعتبار فقط مادته الطبيعية المرئية لأن ذلك يعني أنه كان يجب أن يستمر في التباطؤ في توسعه وليس العكس، وبالتالي تطلب الأمر اللجوء إلى تفسير آخر وافتراض وجود شيء آخر مارس قوة مضادة للجاذبية force anti-gravité تكون طاردة ونافرة أو نابذة répulsive تدفع بالاتجاه المعاكس بدلا أن تجذب وقد يكون ذلك جراء حقل أو مجال  طاقة تغمر الكون برمته وتمارس جاذبية مضادة طاردة أو نابذة تفوق قوة الثقالة الجاذبة للمادة العادية . وقد لوحظ ذلك منذ العام 1933 واعتبر العلماء أن  الجزء الأكبر من مادة الكون معتمة أو سوداء أو داكنة  أو مظلمة وغريبة بالمقارنة مع خصائص المادة العادية المرئية المؤلفة من البروتونات  والنيترونات والإلكترونات، التي تشكل كل شيء موجود وملموس ومادي في الكون المرئي بما فيه نحن البشر والكائنات الحية برمتها والنجوم والكواكب والمجرات، وفي نفس الوقت تكونت قناعة لدى العلماء أن الكون بأكمله، والفضاء والكواكب والنجوم والمجرات تسبح في محيط من الطاقة السوداء أو الداكنة أو المعتمة أو المظلمة حيث سيكون اكتشافنا لطبيعتها وماهيتها حدثاً من أهم  الأحداث والاكتشافات في الفيزياء الجوهرية . ولكن لماذا ظهرت بعد مرور 7 مليار سنة ؟ في الحقيقة كانت موجودة منذ البداية لأن الكون المرئي كان اصغر حجماً وأكثر كثافة وكانت قوة الثقالة الجاذبة أقوى ولكن بتوسع الكون وتمدده تباعدت المجرات عن بعضها البعض مما أضعف القوة الجاذبة في الثقالة وباتت القوة الدافعة أو الطاردة للطاقة السوداء أو المظلمة أقوى وهي المهيمنة، 

عندما دقت ساعة الكون في  المليار الثامن من عمره . وفي حركته وتفاعلاته تضخم الكون وازداد عدد مكوناته، فمجرتنا درب التبانة تضم ما بين 200  إلى 300 مليار نجمة من بينها شمسنا، وهناك 300 مليار مجرة تم إحصاؤها ورصدها  مع اكتشاف كواكب أخرى جديدة في أنظمة شمسية مماثلة لنظامنا الشمسي ومنها كواكب قابلة لاحتضان الحياة كأرضنا ويعتقد أن نجم من بين نجمين  يمتلك كواكب تدور في فلكه ما يجعل عدد الكواكب التقديري في مجرتنا وحدها حوالي  100 مليار كوكب ما يعني  مجموع 100 مليار  كوكب  مضروبة بــ 300 مليار مجرة هو عدد الكواكب في الكون المرئي، فهل من المعقول أن تنحصر الحياة في كوكب  واحد لا يتميز بأية خصوصية منفردة عن غيره من الكواكب المماثلة التي لا تعد و لاتحصى؟ وأن الحياة غير موجود في كواكب أخرى، سواء داخل درب التبانة أو في المجرات الأخرى؟ أمام هذه الأرقام المهولة لايمكن التفكير بعبثية الوجود واقتصاره على كائن عاقل وحيد هو الإنسان فالحياة لا بد أن تكون موجودة في أماكن أخرى فمن غير المحتمل على الإطلاق أن نكون نحن البشر الكائنات العاقلة الوحيدة في هذا الكون المترامي الأطراف وهذه الفكرة ليست وليدة اليوم، فمنذ العصر الإغريقي في 610 – 546 قبل الميلاد، تحدث الفيلسوف الإغريقي آناكسيماندر عن التعدد الكوني pluralité cosmique، وأن عددها كبير جداً وربما لانهائي وفيها عدد لامتناهي من الكواكب المأهولة وهي الحقيقة التي أكدها تلسكوب كبلر واكتشف عدد كبير يعد بالآلاف للكواكب الواقعة في المنطقة القابلة لظهور الحياة على غرار الأرض . وفي سنة 1600 حكمت الكنيسة الكاثوليكية على الراهب المفكر الدومنيكاني  جيوردانو برونو بالإعدام حرقاً وهو حي لأنه تجرأ على القول أن الكون لامتناهي ومسكون بعدد لانهائي من العوالم والحضارات والكواكب المأهولة بالسكان وبالمجتمعات العاقلة والذكية والمتطورة . البشر يفكرون بأن الكائنات الأخرى، إن وجدت لابد أن تكون على صورتهم وحسب شروط عيشهم ومعاييرهم وهي تلك التي نعرفها  و لانعرف غيرها. ولكن لاشيء يقول لنا أن الحياة لايمكن أن توجد بأشكال أخرى لا تخطر على بالنا و لا تستطيع مخيلتنا تصورها لقد أرسل البشر رسائل لمجموعة تقدر بعدة مئات الآلاف  من النجوم المرتبطة ببعضها بالجاذبية وتبعد عنا بمسافة 23000 سنة ضوئية  وبالتالي لم تصل إشارتنا ورسالتنا إليها بعد فما بالك بالجواب عليها الذي سيستغرق نفس المدة الزمنية، فيما يعتقد قلة من علماء البيولوجيا أن الحياة ظهرت بالصدفة مرة واحدة فقط على الأرض على نحو إعجازي، وإننا النموذج الوحيدة للحياة العاقلة في الكون.

نحن نتحدث هنا عن كوننا المرئي  أو المنظور  و لا نعرف ماذا يوجد خارجه أو ماورائه فهناك فرضيات ونظريات كثيرة عن تعدد الأكوان des multivers . وهي تتحدث عن عدد لانهائي من الأكوان المتوازية أو المتداخلة أو المجاورة أو البعيدة جداً عن كوننا . ومن بينهم عالم الفيزياء الروسي الأصل أندريه ليند الذي قدم نظرية تقول كل واحدة من التقلبات fluctuations الكمومية أو الكوانتيه في الرغوة الكمومية الكونية الأصلية الأولية la mousse quantique originelle (وهو الفضاء أو المكان على المستوى ما دون الذري أو النطاق المجهري حيث يوجد رغوة غير واضحة المعالم وفي حركة دائمة ومتغيرة دوماً) هي التي تؤدي إلى ولادة ما يعرف بالفقاعة الكونية  أو الفقاعة – الكون une bulle-univers، من خلال سيرورة  التضخم للفضاء الكوني وتمدد أسي مع الزمن، ما يعني أن كوننا المرئي ليس سوى فقاعة صغيرة جداً لامتناهية في الصغر من بين عدد لامتناهي من الأكوان الفقاعات داخل هذه الرغوة الكونية المطلقة وقبل ليند تجرأ عبقري آخر هو عالم الفيزياء الأمريكي هيوغ إيفريت Hugh Everettالذي عرض نظريته في أطروحة دكتوراه  فصل فيها أركان نظريته وقال بأن الكون ينقسم أو نشطر إلى شطرين في كل مرة يكون هناك خيار ما أو قرار يتخذ وهي عملية انقسام دائمة وثابتة تقودنا إلى وجود عدد لامتناهي من الأكوان المتوازية  التي تحدث عنها عالم الفيزياء السوفياتي أندريه زاخاروف أيضاً . السيناريو الثالث جاءت به تطرية الأوتار الفائقة التي بنيت على فكرة أن الجسيمات الأولية ليس كينونات نقطية في الفضاء بل ناتج لذبذبات أوتار في غاية الصغر 10-33 من السنتمتر وهو ما يعرف بطول بلانك . وهي نظرية تطمح إلى الجمع بين وتوحيد النسبية العامة والفيزياء الكمومية وهي الهدف الأقصى الذي ترنو إليه الفيزياء الجوهرية المعاصرة وهي الغاية التي لم ينجح العلماء والفيزيائيين بلوغها بعد أكثر من نصف قرن من البحث والتجريب . وتتحدث النظرية عن وجود 11 بعداً عشرة منها مكانية وواحد زمني ما يقودنا إلى التنبؤ بوجود عدد يصعب تصوره وهو 10500 من الأكوان المتعددة المتجاورة والمتداخلة والمتوازية بيد أنها نظرية لايمكن في الوقت الحاضر اثباتها مختبرياً وإخضاعها للتجربة أو التحقق منها رصدياً فلا قدرة لتلسكوباتنا الحالية ــ وهي شبه بدائية ــ مقارنة بتكنولوجيا الحضارات الكونية المتطورة والمتقدمة علينا علمياً، على رؤية أو رصد كون آخر خارج ما تراه وترصده من جزء ضئيل من كوننا المرئي نفسه .

لنتوقف إذن عن طرح السؤال بهذه الصيغة " هل نحن وحيدون في هذا الكون" ونتقبل هذه البدبهبة بأننا قطعاً لسنا وحيدين ولكن مالعمل الآن وكيف سنتصرف في حالة ثبت لنا وجود حضارات عاقلة ومتطورة ومتفوقة علينا؟  فلو اقتنع سكان الأرض أننا لسنا وحيدين في هذا الكون وإن هذه من البديهيات فإن تداعيات  هذا الاعتقاد الثقافية والفكرية واجتماعية والأخلاقية ستكون كبيرة في مجتمعاتنا البشرية. فلو تيقنا أننا لسنا سوى شكل من أشكال الحياة من بين أشكال أخرى متعددة، قد يؤدي ذلك إلى تقارب البشر والتخلص من الخرافات والمؤسسات الدينية والمعتقدات البالية التي خدثتنا عن الخطيئة الأولى وعن العقاب والثواب والجنة والنار، وفهم أعمق وعلمي للواقع الذي نعيش فيه وحقيقة الكون وما فيه .

 

يتبع

د. جواد بشارة

 

عبد السلام فاروقخارطة طريق جديدة لإنقاذ الحضارة المصرية

لا أحد يعشق تراثه كما يفعل المصريون، لكنّ هذا العشق لا تصاحبه دوماَ، للأسف، ممارسة كافية للتعبير عنه. كيف نعبّر عن عشقنا هذا؟ الإجابة سهلة، إنها فقط تكمن في «أن نقرأ تاريخ الأجداد ».

أن نقرأ تاريخنا المصري القديم باعتزاز وتقدير، هذا هو أكبر عمل وأقوى فعل يمكن أن نقوم به لخدمة الآثار المصرية. ما سوى ذلك من أعمال وأقوال وجهود وبحوث، هي كلها خدمات مكمّلة للفعل الأساسي الذي هو أن « نقرأ».

المديح والإطراء.. للآثار المصرية الفريدة، لا يجدي كثيراً لا في اكتساب المزيد من المحبين لها ولا في استرجاع المسروق منها. وقد تكون آثاره عكسية خصوصاَ عندما يتم ذلك على ركام كثيف من مئات السرقات وعشرات المشكلات التي أصابت عمليات الترميم والتطوير للمواقع والمتاحف المصرية .

المدخل الحقيقي والفعال لرفع الوعي بقيمة الآثار وضرورة حمايتها وحفظها هو ليس في كثرة مديحها... بل في صيانتها وحمايتها من كل سوء أكان بفعل البشر أو بسبب الطبيعة .

إذن كيف نحمي أثارنا وتاريخنا من الزوال والنسيان؟

بشيء واحد فقط، نكرره مرة أخرى، هو بكل بساطة: أن نتعلم كيف نقرأ تاريخ أجدادنا الفراعنة، وأن نتباهى بذلك .

هنا يكون دور وزارة الآثار فى الحفاظ على هذه الثروة القومية، لا غني عنه مطلقا، خصوصا وأن مصر هي عبارة عن متحف أثري مفتوح، حيث لا يوجد شبر على أرضها إلا ويحكي قصة ما، أو يحتوي على أثر ما يدل على عظمة ورقي الأمة المصرية الخالدة، ومن هنا فإن لمصرَ مكانة خاصة على مرّ التاريخ، وهي مركز تجمع الآثار بامتياز، وهي على رأس قائمة المقاصد السياحية العالمية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

 كما صارت بعضُ الآثار المصرية مع الزمن أيقوناتٍ دالّة عليها، نالت شهرة عالمية لا نظير لها بسبب أهميتها ومكانتها العالية، فمنها ما أصبحَ من عجائب الدنيا السبعة، حيث إنها تمثّل اليومَ ثروة قومية لا نظير لها لمصر، بل وللمنطقة العربية بأسرها. من أشهر المعالم الأثرية في مصر الأهرامات الثلاثة، والتي تخفي خلف حجارتها أسراراً هائلة، حيث صارت مضرباً للأمثال من حسنِها، وبهائها، وإعجازها، وقد خلّدت الأهرامات عبقريّةَ الفراعنة، والتقدم الذي كانوا يعيشون فيه، كما خلدت أيضاً حكايات تاريخية مهمة، وحفظت للأجيال اللاحقة وسائلَ ليتعرفوا على عظمة مَن عاشوا يوماً ما على هذه الأرض.

 

خارطة طريق جديدة

لا يعرف الدكتورمحمد عبد المقصود الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار بمصر، أنصاف الحلول، ولا يعترف أيضا، بأن الرأي الذي يتبناه هو رأيه وحده، بل يراه معبرا عن أغلب علماء المصريات داخليا وخارجيا، ولهذا نجده قاطعا كالسكين، أو حادا كمشرط الجراح، قائلا : إن الآثار المصرية تعرضت في السنوات الأخيرة، خاصة بعد ثورة يناير في عام 2011، إلى هزَّة عنيفة وأحداث جسيمة كالت المواقع الأثرية والمتاحف والمخازن, إضافة إلى تراجع مواردها، نتيجة تراجع عوائد السياحة التي تعتبر مصدر الدخل الرئيسي للآثار، الأمر الذي أدى إلى صرف وديعة مالية ضخمة تقدر بأكثر من 2 مليار جنيه.

وبما أن وزارة الآثار كانت فيما مضي تمول ذاتياً، أي من دخل الزيارات السياحية والمعارض الخارجية للآثار المصرية، وبالتالي كانت تتولي الانفاق علي تنفيذ المشروعات الأثرية، وكذلك دفع مستحقات العاملين المالية ومرتباتهم، لكن سنوات ما بعد ثورة 25 يناير 2011 وما صاحبها من اضطرابات أدى إلى أستدانة أكثر من ثمانية مليار جنيه، لأن وزارة الآثار لا تتبع الموازنة العامة للدولة.

مما أدَّى بالطبع، إلى تراجع الأنشطة، وتوقف المشروعات، وتجميد خطط تطوير المناطق الأثرية والمتاحف والحفائر والترميم والصيانة, فضلا عن تراجع أداء العاملين، وتزايد عمليات تهريب الآثار، ثم والأخطر كثافة التعديات الكارثية على المواقع الأثرية.

التساؤل الذي يطرحه هنا الدكتور محمد عبد المقصود، هو "هل الآثار المصرية تلك الثروة التي تميز مصر عن بلاد الدنيا تحتاج إلى خارطة طريق جديدة"؟

الإجابة هي: ب" نعم" خاصة أن كل المؤشرات الحالية تدل على أهمية ذلك، والتي يحددها الدكتور عبد المقصود في ثلاثة عشر بندا، يمكن لو طبقت بإخلاص أن تشكل نواة أجندة عمل لإنقاذ تاريخ وحضارة مصر .. وهي:

أولاً: مشروع المتحف المصري الكبير الجاري إنشاؤه والمنتظر الانتهاء منه في عام 2020 وهو أكبر المتاحف في العالم، والمشروعات الثقافية والأثرية التي بحاجة إلي مزيد من الدراسة من أجل رؤية مستقبلية واضحة وطموحة خاصة أن منطقة آثار الهرم والمتحف بعد انتهاء هذا المشروع، تحتاج إلى إدارة موحدة وخدمات ليست للمتحف فقط، وإنما للمنطقة ككل, وهنا يجب أن نوضح أن إدارة المنطقة من الناحية الأثرية شيء، وإدارة المشروعات والخدمات الموجهه لخدمة السائح شيء آخر. وكل ذلك يتطلب وضوحا في الرؤية، وتخطيطا شاملا ومحددا حتي تتحقق الاستفادة من هذا المشروع الموجود ضمن خريطة أهم منطقة أثرية في العالم موجودة على قائمة التراث العالمي والمهددة بالزحف العمراني والتعديات، مما يؤثر بالسلب على وضعها في قائمة التراث العالمي كموقع مسجل رقم واحد.

ثانياً: يجب الاستفادة من البعثات الآثرية الأجنبية العاملة في مصر، وعددها أكثر من 250 بعثة، بالإضافة إلى المعاهد الأجنبية للآثار بحيث يجب أن تشارك هذه البعثات في مشروعات ترميم الآثار وتقديم التسهيلات لمثل هذه المشروعات وتحديدها كأولوية بالنسبة للبعثات الأجنبية، وذلك من خلال خطة واضحة ومحددة، ربما تمتد لعدة سنوات ولمواقع محددة في جميع أنحاء مصر، وليس في منطقة واحدة.

ثالثاً: ضرورة إعادة النظر في سياسة إنشاء المتاحف الكبرى بالمحافظات والتي تضيف عبئاً مالياً على وزارة الآثار دون أن يكون لها أي مردود حتى لصرف رواتب العاملين بها، لذلك يجب الاكتفاء بنماذج من المتاحف الصغيرة بالمحافظات، والتركيز على المتاحف الكبرى الجاري إنشاؤها في : الغردقة وشرم الشيخ والمنيا ومتحف الحضارة والمتحف المصري الكبير.

رابعاً: إن آثار مصر بحاجة ماسة إلى إنشاء جهاز متكامل للمشروعات تكون مهمته الأساسية تطوير المناطق الأثرية والقيام بأعمال الترميم المعماري والدقيق، واستكمال الخدمات والمرافق بهذه المناطق حتى تصبح مزارات سياحية تسهم في تنمية موارد الآثار.

خامساً: إعادة النظر في منظومة الحراسة والأمن في المناطق الأثرية والمتاحف والمخازن، والتوسع في إنشاء المخازن المركزية، وإلغاء المخازن الفرعية بالمحافظات، لأنها تهدر الكثير من الجهود والإمكانات بلا طائل .

سادساً:  يعتبر توقف قطاع النشر العلمي والمطابع الحديثة بوزارة الآثار لغزا محيرا، وهو الأمر الذي يثير العديد من الأسئلة حول لماذا لا تطبع حاليا سوي تذاكر الزيارات السياحية والدعوات التذكارية؟، ولماذا لا تستخدم هذه المطابع في تنمية الموارد المالية للوزارة أو في طباعة دوريات ( أو حوليات) الآثار في مصر؟، علما بأن هناك نحو 250 بعثة آثرية أجنبية تعمل في البحث والتنقيب بمصر، وهي ملزمة بنشر نتائج ما تقوم به من حفائر في الدوريات المصرية أولا، وقديما كانت تلك الدوريات تحظي بسمعة دولية محترمة وانتشار واسع على مستوى العالم .

سابعاً: أعمال الحفائر وما يصرف عليها من ميزانيات ضخمة، يجب أن تكون محددة في الأماكن التي يوجد بها خطورة على المواقع الأثرية، بشرط أن يواكب الترميم أعمال الحفائر، وأن تعقد لجنة على مستوى كل قطاع لمناقشة خطة الحفائر بالقطاع وأولويات العمل به، إضافة إلي أهمية عدم توجيه الحفائر لأغراض الدعاية، لأن الأولوية القصوي والعاجلة هي حماية وصيانة وترميم وإنقاذ الأثار المصرية، والعالم كله يقوم بالدعاية لها .

ثامناً: ضرورة إعادة النظر في سياسة المعارض الخارجية للآثار، بحيث لا يؤثر اختيار القطع الآثرية للذهاب إلي المعارض الخارجية على عرضها بالمتاحف المصرية، وبأن يكون هناك قطاع مسئول عن المعارض الخارجية والتجهيز لها، وليس العمل بالقطعة مع كل معرض.

تاسعاً: أما بالنسبة للتمويل الذاتي لوزارة الآثار لن يحل المشكلة حالياً ولسنوات قادمة، ويمكن أن تُضَم وزارة الآثار للموازنة العامة للدولة حتى تتعافى، وتنفذ مشروعاتها كاملة، خصوصا وأن الآثار تعتبر موردا أصيلا من مصادر الدخل القومي لمصر، وهذا لا يمكن أن ينفذ تحت مظلة التمويل الذاتي.

عاشراً: يجب تشجيع البحث العلمي في وزارة الآثار لإعداد كوادر علمية مدربة، وإيفاد المبعوثين المصريين إلي دول العالم للاستفادة من المدارس المتقدمة في صيانة وترميم الآثار والحفائر وعلم الآثار، وذلك بتشجيع بعثات الآثار والمعاهد الأجنبية في مصر على تقديم المنح لدراسة الدكتوراه للأثريين وأخصائي الترميم بوزارة الآثار، وهو أمر يساهم في إعداد كوادر مطلعة عل أحدث الأبحاث العلمية في العالم .

الحادي عشر: إن عملية إعادة هيكلة وزارة الآثار بعد تحويلها من مجلس أعلى للآثار إلي وزارة، لم تنفذ حتي الآن، والعمل الحالي يوجود بع ازدواج بين هيكل الوزارة وهيكل المجلس الأعلى، نتيجة شيوع المسئولية ووجود العديد من الدرجات الشاغرة، مما يشكل إحباطا للعاملين بسبب ازدواجية المناصب وتعقد الإجراءات، وهذا يعود بالسلب على العمل الأثري والإداري.

الثاني عشر: مطلوب جهاز مختص بمتابعة إزالة التعديات على الأراضي والمواقع الأثرية، وسرعة التصرف إزاء التعديات في المهد بالإزالة الفورية مع تغيير الآلية المتبعة حاليا في تنفيذ قرارات الإزالة، وبالتالي تحديد مسئولية كل جهة من تلك الجهات كي يتم تنفيذ الإزالة في وقت محدد.

الثالث عشر: إعادة النظر في مرتبات وحوافز ومستحقات العاملين بالآثار، لأن معظمها يصرف استنادا إلي لوائح أو تعليمات متضاربة لا ترتبط بمعدل التنفيذ لمن توكل إليهم المهام والأعمال، الأمر الذي يضاعف الإحباطات وكثرة الشكاوى بينهم .                

قوانين وتشريعات

الغريب أنه حتى منتصف القرن التاسع عشر، لم يكن هناك أى تشريع يخص تجارة الآثار بمصر، فقد كانت هناك آلاف القطع الأثرية من مجوهرات وتماثيل ونقوش وحتى آثار بأكملها قد نزعت من بيئتها الأصلية لتنضم إلى مجموعات خاصة أو مجموعات متاحف مختلفة حول العالم. وقد بدأ الولع الغربي بالآثار المصرية مع قدوم الحملة الفرنسية (1798-1801م) ونشر مجلدات متعاقبة من كتاب "وصف مصر" الذى خلق اهتمامًا عالميًا بمصر وآثارها القديمة.

كانت الخطوة الأولى للحد من إخراج الآثار المصرية خارج البلاد قد تمت في يوم 15 أغسطس من عام 1835م، عندما قام محمد علي باشا وإلي مصر بإصدار مرسوم يحظر تمامًا تصدير جميع الآثار المصرية والاتجار بها، وشمل أيضًا هذا المرسوم إنشاء مبنى بحديقة الأزبكية بالقاهرة استخدم كدار لحفظ الآثار. ولسوء الحظ كانت تلك القطع الأثرية عادة ما يمنحها حكام مصر لوجهاء أوروبا كهدايا، ومع منتصف القرن التاسع عشر تضاءلت مجموعة القطع الأثرية حتى نقلت إلى قاعة صغيرة بالقلعة. وفي عام 1855م، حينما زار الأرشيدوق النمساوي ماكسميليان (أحد أفراد العائلة المالكة فى النمسا) هذه القاعة وهو بالقاهرة، أعجب بالمجموعة الأثرية فأهداها له والي مصر عباس باشا ونقلت إلى فيينا.

رؤية ورسالة

المهم أن حماية وصيانة الآثار التي خلفتها الحضارات المتعاقبة على أرض مصر من أجل مستقبل الأجيال القادمة، دور أصيل للوزارة لا ينازعها فيه أحد، وكذلك نشر الوعي الأثري تأكيدًا على تميز الهوية المصرية وإبرازًا لدور مصر المحوري في نشأة الحضارة الإنسانية، والسعي لجعل مصر مركزًا متميزًا للسياحة الثقافية دعمًا للاقتصاد المصري وتعزيزًا لقوة مصر الناعمة في محيطها الإقليمي والدولي.

بالتالي تأخذ وزارة الآثار على عاتقها مسؤولية حماية التراث الأثري المصري من خلال حصر الآثار بكل أنحاء الجمهورية، والتنقيب عنها، وتسجيلها، وصيانتها، وترميمها، آخذة في الاعتبار أن تكون الأولوية للمناطق المعرضة للمخاطر البيئية أو الزحف العمراني، بالإضافة إلى الإشراف على جميع البعثات الأثرية الأجنبية العاملة في مصر.

 والمأمول أن تسهم الوزارة أيضًا في دعم الاقتصاد المصري من خلال دورها في إثراء السياحة الثقافية، ومن عائدات المتاحف والمناطق الأثرية بما يتضمنه ذلك من إنتاج وبيع المستنسخات الأثرية المطابقة تمامًا للقطع الأصلية.

 

عبد السلام فاروق

 

صادق السامرائيهل أن العدل، أو أبو لؤلؤة قتله، أو المتغيرات والمستجدات، أم أن السياسة قتلته؟؟!!

وهل وهل؟!!

تساؤلات عديدة عليها أن تخضع لمعيار التمحيص العقلي والنفسي والسلوكي، لكي تتحقق القراءة الموضوعية العلمية الرصينة للتأريخ، بدلا من التيهان في أنفاق الثوابت والرواسخ التي تم وضعها وإختصار الأجوبة بها.

فالمرويّات المتوارثة تتراكم وهي ذات طبيعة تجريدية أي تعزل الحدث عن مكانه وزمانه وآليات السلوك السائدة آن حصوله.

وهذا المنحى التجريدي الإقترابي التضليلي الغرضي تمكن من حشر ما لا يقبله العقل من الصور والوقائع وربطها بما جرى في مكان ما وزمان ما، إنما يشير إلى إرادة التشويه المغرضة الفاعلة في كتابة التأريخ البشري عموما والعربي خصوصا الذي تولت كتابة معظمه أقلام غير عربية، وبهذا إستوجب الإقتراب العلمي العملي  المتنوع القراءات والتمحيصات وفقا لمنظار سلوكي سليم.

عمر بن الخطاب ثاني خليفة تولى الخلافة بعد وفاة أبو بكر الصديق، وهو من أشداء قريش وأغنيائها ومن بني عدي، وكان يتولى السفارة بين قريش وغيرها من البلدان والقبائل، أي أنه كان يتولى السياسة الخارجية لشؤون مكة.

وقد رافق الرسول الكريم بعد إسلامه، الذي أعز الإسلام ومنحه القوة والهيبة بعد عناء السنين، وكان إسلامه متأخرا، لأنه كان معاديا للإسلام قبل ذلك، وهو المُهاب العنيف في قريش.

وفي زمنه توسعت رقعة الخلافة وإنضمت إليها أقطار عديدة كالعراق ومصر وإيران، أي أن إرادته قد بُسطت على رقعة جغرافية وديمغرافية غير مسبوقة، فهو الذي يقرر ويعين ويحكم، كما أن الواردات والغنائم قد تعاظمت وطغت.

وفي زمنه أصبح العشرات بل المئات من أصحاب الملايين بمقاييس هذا العصر، وأكثرهم من الأنصار والمهاجرين، الذين إستحوذوا على ضياع ومزارع بآلاف الدونمات، وصار الذهب عندهم يحسب بالكيلوغرامات في مفاهيم عصرنا، ولا أدري إذا كان البعض منهم قد جمع القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، وصار لهم نفوذ وسطوة وقدرة على التحكم بمصائر الناس، فما وجد الخليفة عمر بد من وضعهم تحت الإقامة الجبرية في المدينة، ومنعهم من الخروج منها والتأثير على الناس وحرفهم عن سواء السبيل.

وصار الحال في زمنه تصارع قوى ومصالح تريد الخروج عن ضابط الدين، وهو يحاول أن يتواصل على هدي مَن سبقه في تقوية عماد الدين وإدامة زخمه ومعاييره السلوكية، التي تستدعي بذل التضحيات الجسام على المستوى الشخصي والجمعي، والتزهد بمغريات الدنيا التي إندلعت فياضة على الديار التي صارت تحت إمرته وإرادة حكمه.

أي أن الخليفة عمر وجد نفسه في مرحلة إنتقالية سريعة ومتدفقة التطورات، والتي تستلزم الحزم والصلابة والقوة للمحافظة على العقيدة والمنهج والدين، وتقديم السلوك القدوة الذي ينفع الدين ويرسخ قيمه ومبادءه في النفوس والسلوك.

فالمسؤولية التي وجد عمر نفسه أمامها، جسيمة وعظيمة ومتنوعة ومتجددة، ومتحركة بإتجاهات مطلقة وتكنز قدرات فائقة التأثير والتغيير، وكان عليه أن يحكم بما يرضي الله ورسوله وما جاء في الكتاب الذي هو الدستور والضابط السلوكي القويم، وأن يتواكب مع التطورات المتسارعة ويجيب على أسئلتها وتحدياتها.

وفي خضم التبدلات المتصاخبة توجّب تحفيز قدرات اليقظة والتفكير والعمل الجاد المجتهد لمواجهة ما يدور في أحضان الأيام، وهذا الضغط التغييري الدفاق أوجب الإجتهاد الحصيف والعمل المتواكب مع المكان والزمان الذي يتبدل في كل يوم.

ففترة خلافة عمر من أكثر الفترات تجددا وتبدلا وتسارعا وإنسكابا في ربوع الدنيا ومجتمعاتها وثقافاتها، والتحكم بثرواتها ونشاطاتها الإقتصادية والإجتماعية كافة، وكانت تستدعي قادة مؤهلين لإستيعابها والعمل على الإستثمار فيها لصالح الدين القويم المعبَّر عنه بالسلوك المنضبط المحكوم بإرادة الآي المبين.

وليس من السهل توفر القادة الأكفاء الذين يصلحون للقيام بالمهام التي تستدعيها الفتوحات والتوسع السريع وتوافد الملايين إلى دين الإسلام.

وهذه التطورات الهائلة تمكن عمر من التواصل معها بصرامة وثبات وعزيمة راسخة وإصرار على إحقاق الحق ومنع الباطل والظلم، وحفظ حقوق العباد وبلدانها التي أظلها جناح خلافته.

وما تحقق أوجد قوى شرهة ذات رغبات مطلقة تريد الإستحواذ والغنيمة، وتحسب أنها ذات حق لأنها من المهاجرين والأنصار وغيرهم، فكلٌّ منهم يرى أنه صاحب حق وعليه أن يدلو بدلوه ويغنم ويمتلك ويتسيّد على البقاع التي تم فتحها والسيطرة عليها.

والمشكلة أن المجتمعات قد توافدت للدين الجديد ليس عن وعي ومعرفة، وإنما هي هَبّة جماعية قد نسميها في مفاهيم العصر موجات هستيرية، كما يحصل للجموع البشرية في معظم العصور حتى في القرن العشرين والقرن الحالي، حيث حصلت العديد من موجات الإنتماء لحالات تتعارض مع أبسط المعايير السلوكية، فكيف لحالة ذات هدف ساطع منير.

فما جرى في زمن خلافة عمر لم يحصل في تأريخ البشرية وبهذه السرعة، أن توجه الناس بإندفاعية فائقة نحو إرادة الخير، ذلك أن البشر يكون ميّالا بهذه الإندفاعية نحو الشر، كما حصل على مر العصور، وفي أوربا في القرن العشرين.

لقد إنضم للإسلام الملايين في ظرف عقد من الزمان ومضى تدفق المنتمين بإندفاعية لا محدودة، وتمكن عمر من وضع المعايير الضابطة وأبدع في بناء القاعدة السلوكية الكفيلة بالحفاظ على قوة الدين وإرادة الحياة، وهذه القدرة تكاد تكون خارقة ولا يقدر عليها إلا الأفذاذ من البشر، فلولا قدرات عمر القيادية لما تواصل الإسلام بهذه القوة والحيوية إلى اليوم.

والواقع الصعب الذي واجهه عمر هو القوى الداخلية الناهضة الجشعة التي تأبى أن ترضخ لإرادته، التي تمنعها من الإنظلاق والتعبير عن رغباتها المفلوتة، وهي قوى لا تزال جديدة عهد بالإسلام  وفي أعماقها تغلي نوازعها القبلية ومعاييرها السلوكية التي ورثتها عبر الأجيال، ومعظمها لم يتثقف إسلاميا، وإنما أدرك الإسلام في وقت نماء قوته وصار فهمه للدين على أنه قتال وغنائم وسطوة على الآخرين وضمهم للدين، أو فرض ما يُفرض عليهم من الأموال وغيرها من الإجراءات.

وهذه الحالة ذاتها واجهها الخليفة أبو بكر وأوجبت حروب الردة المعروفة، لأن الداخلين في الدين الجديد لم يتعرفوا عليه حق المعرفة ولم يستوعبوه، وإنما كان عامل الخوف والحفاظ على السلامة هو الحافز لذلك القبول بالدين، فحسبوه كأي غزوة يأتي الغازي فيفرض إرادته وعلى الذين قبض على مصيرهم أن يطيعونه ويرضحون لإرادته حتى يزول عنهم.

إن الذين دخلوا الإسلام لم يكونوا ملائكة وإنما هم من البشر بما فيه من رغائب ونوازع وتطلعات مطمورة تتحين فرصة للإنطلاق.

ولم يكن من المسلمين مَن إستوعب الدين كما يجب ثقافة وسلوكا إلا المهاجرين، الذين أمضوا ثلاثة عشر سنة مع الرسول في مكة يتأملون ويتفكرون بالآيات ويتعلمون من النبي الكريم معاني وأصول الدين، ودلالات السور والآيات، وهم العارفون الحقيقيون بالدين، أما الأنصار فأنهم ما أن إنضموا للدين بعد هجرة النبي إلى المدينة، حتى بدأت مرحلة المواجهات القتالية والغزوات بعد أقل من سنتين، وبهذا فأن فرصتهم الثقافية والمعرفية للدين لم تكن بمستوى المهاجرين، فالفرق بينهم ثلاثة عشر سنة، وهذه الفترة تعني أن المهاجرين صاروا فقهاء أو علماء بالدين، والأنصار طلاب دين أو تلامذة عليهم أن يتعلموا الدين من المهاجرين، لكن المشكلة التي ربما يغفلها المؤرخون والمفكرون أن الأنصار يحسبون أنفسهم قاعدة القوة والإنطلاق، ولهم الفضل الأكبر في سطوع الدين وإمتداده في أرجاء الدنيا القريبة والبعيدة، فالأنصار منبع قوة مادية وعسكرية والمهاجرون كينونة إنبثاقية تسعى لرسم المعالم السلوكية والأخلاقية والثقافية والفكرية للدين.

وفي هذه المعتركات التفاعلية برز أعداء عمر من جميع الاصناف خصوصا الذين صارت مصالحهم المادية وأطماعهم المتنوعة مهددة أو محاصرة، والذين عاقبهم وصادر أموالهم وممتلكاتهم وأجبرهم على الإقامة في بيوتهم، وراح يفكر بمحاسبتهم على ما يمتلكونه، بل أنه كان يريد توزيع ما عندهم على المسلمين المحتاجين.

ويبدو أن عمر أصبح في مواجهة طوفان عارم وشديد من الأطماع والتطلعات التسلطية والتنفذية والإستحواذية، وقد نمت وتوسعت القوى المتآزرة أو السائرة في هذا الإتجاه، خصوصا أبناء قريش الذين يجيدون التجارة وجمع المال وحبه حبا جما، وقد إنفتحت لهم أبواب جمعه على مصراعيها وبلا حدود، ولم يكن عائقا أمامهم إلا عمر، الذي صار في مفهومهم لا يصلح للمرحلة التي عليهم أن يقطفوا ثمارها ويجنوا غنائمها.

وكأن الواقع آنذاك قد صار مشطورا إلى حالتين، الأولى متمثلة بالطامعين بالسلطات والثروات، والثانية بروح الثورة والإرادة المعبرة عن رسالة الدين، والتي صار يقودها عمر وعلي معا في السنوات الأخيرة من خلافة عمر، أي أنهما قد نزعا نحو إعادة روح الدين والرسالة وتعزيز المعاني النقية الطاهرة المجاهرة بجوهر نداء الآيات وما بشر به النبي الكريم.

أي أن التقارب ما بين عمر وعلي أصبح كبيرا وعزوما فكلاهما ثوري الطباع، ومن الذين تشربت فيهم روح الإسلام النقية الجوهرية الخالصة التي تألقت بسلوكهما وعبرت عنه قراراتهما، وكان علي مستشار عمر وشريكه في القرار ورؤية الأمور وتقديرها والتحسب للإجراءات الكفيلة بمعالجتها، فكانت خلافته خصوصا في سنواته الأخيرة وكأنها شراكة بينه وبين علي.

وفي هذا الموضوع توجد مسألة لم يتطرق إليها الباحثون، وهي المعرفة بالحكم، فالعرب لم يمتلكوا خبرة سياسية ومهارات إدارية، ووجدوا أنفسهم في ظرف بضعة عقود في خضم حكم رقعة جغرافية شاسعة تضم أمما وشعوبا وثقافات متنوعة بمعتقداتها وأجناسها وثرواتها وعاداتها وتقاليدها، وخصوصا في زمن عمر الذي دانت له الولايات والدول والأقطار، ووجد نفسه مسؤولا على كل صغيرة وكبيرة فيها، مما دفعه إلى إجتهادات متواصلة ومتواكبة مع سرعة الفتوحات وضرورة القرارات، ولهذا فقد أخطأ وأصاب لكنه إستخدم حكمته ومعرفته وخبرته التي إكتسبها من رفقة الرسول الكريم والخليفة الأول أبو بكر ومشورته لعلي، ومع ذلك فأن الواقع الذي واجهه لا يمكن لرجل أن يديره لوحده ويحسم ويجزم في مواضيعه المتوافدة، ولهذا كان من الضروري أن يكون حازما حاسما شديدا ملتزما بمرتكزات أساسية وثوابت جوهرية، لكي يستقيم الحكم ويسود العدل والأمان ويتأكد الوعي الديني وتتجسد المعرفة الدينية الصحيحة.

ولهذا فأن عمر إن لم يكن عارفا بالحكم لكنه تعلم الحكم وأرسى دعائم أسلوب قويم لسياسة البلاد والعباد وتوطيد خيمة الدين في ربوع الفتوحات المتزايدة.

ومن الموضوعات الأخرى التي أغفلها الخلفاء الراشدون هي عدم توفير الحماية والإعتماد على القدرية  وفقا لمفهوم إذا جاء أجلهم، ولهذا كانوا بلا درع حصين يحميهم من الأعداء، وكان إيمانهم وقوة ثقتهم بإرادة ربهم هي التي توفر لهم الحماية النفسية والروحية والفكرية، ولهذا ذهب جميعهم قتلا إلا الخليفة الأول، ولو إمتد به العمر لإنتهى إلى ما إنتهى إليه الخلفاء من بعده، لأن الواقع المتجدد كان بحاجة إلى قوة ودريئة وإرادة تأريخية وقدرات إيمانية مطلقة.

ويبدو أن الإهمال وعدم الإحتياط من أهم الأسباب التي أدت إلى مقتل الخلفاء ومنهم عمر.

ذلك أن البشر تتفاعل فيه نوازع القتل، ولديه ميل عجيب لقتل البارزين والمؤثرين والدعاة والمصلحين والأنبياء، ولهذا فأن معظم الأنبياء إنتهوا بالقتل أو بغيره، وإغفال هذه النوازع تتسبب بالإقدام على القتل والنيل من القادة والمؤثرين في المجتمع، وهذه النزعة لا تزال فاعلة في السلوك البشري، ولهذا تتوفر الحمايات لجميع قادة الدنيا، ومع ذلك فلا يسلموا من القتل.

والقضية الأخرى التي قد لا تتطرق إليها الدراسات والكتابات، أن عهد الخلفاء الراشدين هو أول تجربة ديمقراطية في تأريخ البشرية، وكانت ديمقراطية سائبة وتائهة تعتمد على الإيمان المطلق بإرادة الله ولا تحسب حسابا لإرادة البشر، وكان الخليفة يمشي بين الناس كواحد منهم، لكنه الخليفة والحاكم بأمر الدين والمقرر لمصير الحالات والأحوال، فهو بشر يسعى ويمشي في السوق ويبيع بضاعته لكي يعيش، والناس عليها أن تطيعه وتأتمر بأمره، وكم منهم تعرض للأذى والمواجهات المتنوعة والتي جاء بعضها في المرويات، وقد تأسست الديمقراطية وفقا لمبادئ التشاور التي إجتهد فيها كل خليفة وفقا لمعرفته، وما تعلمه من فترة تواجده في المدينة حتى وفاة النبي الكريم.

قلت لو لم يمت أبو بكر لتم قتله حتما، بل أن النبي الكريم قد تعرض لمحاولات قتل متعددة، فالقتل سلوك معتاد في تلك المجتمعات، ومن دواعي عدم الحيطة والحذر أن تفتح بلدا وتثق بأهلها وتقربهم إليك، وكأنهم تغيروا في ليلة وضحاها وأصبحوا مسلمين ومؤمنين بالدين الجديد، وهذا يناقض الطبيعة البشرية، والصيرورات التربوية التي تعني أن المنغرسات القائمة في البشر لا يمكنها أن تموت فجأة، ولا يمكن إحلال مغروسات جديدة مكانها بهذه السرعة والفورية.

إن القول بقتل عمر بسبب أحقاد ونوازع وغيرها من التفسيرات اللاموضوعية فيه الكثير من عدم الصحة والإفتراءات المتكررة، التي تحولت إلى ثوابت ورواسخ في وعي الأجيال المتعاقبة.

فالإسلام في جوهره ثورة قامت وترسخت مبادؤها وقيمها وأخلاقها ومنطوقها السلوكي والفكري، وتمكنت من زعزعت كيانات موجودة وتغيير مناهج الحياة وبناء ما جاءت به من المبادئ والمنطلقات، ومضت هذه الثورة بعنفوانها الأصيل، حتى مقتل عمر الذي أعلن سقوط الثورة وقيام النظام السياسي بكل ما تعنيه كلمة نظام بعيدا عن المعايير والأسس والثوابت، التي مضت عليها الثورة على مدى ما يقرب من نصف قرن منذ أن تنزل الوحي.

وبولادة هذا النظام السياسي صارت القوة للأقوياء الذين هم أصحاب ثروات هائلة بسبب وفرة الغنائم وتعاظمها وسيطرة المسلمين على مجتمعات ثرية ومتمكنة.

أي أن عمر كان في محتدم صراعات متنامية وقوى متصاعدة حاول أن يضغطها ويسلط عليها قدرات عدله وإنصافه، لكنها كأية قوة تماسكت وتعاضدت وقاومت، ولم يتخذ الحذر المطلوب واليقظة الواجبة للتوقي من شرورها.

فبعد توسع الفتوحات وإمتداد الرقعة الجغرافية كانت الحالة تستدعي نظام حماية ووقاية، وآليات أكثر تعقيدا لتسيير الأمور وتسيسها وإقرار الضوابط السلوكية والقوانين الرادعة ، وقد أبدع المسلمون في حينها بما إستطاعوا وأدركوا وتعلموا، لكن إبداعهم الإداري والسياسي كان فيه قصور، خصوصا الأمني والمحافظة على الرئيس أو القائد والخليفة.

ولهذا لم ينجو من القتل إلا أبو بكر لقصر فترة حكمه ، حتى محمد النبي كان معرضا للقتل، فكم قتل الناس أنبياءهم، لكن صحابته كانوا على يقظة وحذر بدوافع غريزية حافظت على حياته من الأعداء والمتربصين.

وما فعله عمر أنه صادر أموال أشراف وأثرياء قريش وخصوصا غنائم الحروب التي صارت ذات طبائع مليونية، وليست كما كانت في عهد النبي وخليفته أبو بكر، ولم يكتفي بذلك بل فرض عليهم الإقامة الجبرية لحماية المسلمين من شرورهم ونوازعهم وجشعهم، فهم بشر من قبائل قريش لم يتشرب الإسلام إلى نفوسهم وقلوبهم وأرواحهم بالدرجة الكافية خصوصا الذين إقترن إسلامهم بالغنائم الوفيرة، فحسبوا الإسلام حروبا وغنائم وسبايا وحسب.

ولم يدرس المؤرخون والمحللون ظاهرة فريدة من نوعها لم تحصل في مسيرة السلوك البشري منذ الأزل وحتى اليوم، وهي ما جرى عند فتح مكة، فلم ولن يحصل سواها، أن تتمكن قوة من السيطرة على مدينة أو دولة وتجعل أسيادها المتنفذين فيها أو القائمين على أمرها طلقاء، كما حصل عند فتح مكة والذي تلخص بنداء: " مَن دخل بيت إبي سفيان فهو آمن"!!

أي أن المسلمين عند فتح مكة حافظوا على كيانها الإجتماعي وقيمها وهيكليتها القيادية، فأسيادها بقوا أسيادا، فبقيت الإمرة عند بني سفيان وغيرهم من أسياد قريش وقادتها، بل وبإسلامهم إزداد نفوذهم وتعاظمت ثرواتهم، ووجدوها فرصة مواتية لم تخطر على بالهم في الثراء والإستقواء والسطوة، ولهذا أبلوا بلاءً شديدا في الحروب والغزوات التي تلت فتح مكة، وقادوا فتوحات الشام وباقي البلدان.

ولهذا التفاعل الغير مسبوق تأثيراته على مجرى الأحداث والتطورات فيما بعد، لأن السادة إزدادوا سيادة، ومن المعروف أن معظم المهاجرين من الذين كانو في مكة كانوا تحت رحمة أسيادها قبل الإسلام وبعده، وهذا يعني ان السبق في الإسلام فقد دوره وتأثيره لبروز دور السادة والمتنفذين في مكة.

ويبدو أن الإعتزاز العربي والتكريم الكبير الذي يحمله النبي لقريش هو الذي جعله يتفاعل معهم بهذا الإحترام والتقدير، ولم يهنهم ويذلهم ويعاقبهم على ما فعلوه معه وبأصحابه، وإنما حافظ على هيبتهم وزادهم عزة بإسلامهم.

إن إغفال الحراك السياسي المتأجج الذي بدأ يدب في ربوع المسلمين منذ أن إنطلق الإسلام من المدينة فاتحا للرقع الجغرافية القريبة والبعيدة، يتسبب في قراءة غير موضوعية لأحداث التأريخ، كما أن رهنها بآليات عاطفية وإنفعالية إنما فيه إعتداء سافر على الحقيقة والتأريخ.

فمقتل عمر ربما كان فعلا سياسيا مدبرا من قبل جهابذة القوة والمال والقدرة على التحكم بمفردات الحياة، وما عادت كلمة عمر تعنيهم وتؤثر في سلوكهم، وتمنعهم من نوازعهم المطمورة الضاغطة التي تدفعهم نحو المال والأملاك والثراء الفاحش.

فكانت معركة عمر الحقيقية مع طبقات المليونرية الصاعدة وأثرياء قريش من جميع القبائل والأفخاذ، والذين صارت ثرواتهم خيالية من ذهب وفضة وضياع وجواري وغيرها الكثير جدا من الممتلكات، ورأى عمر في ذلك ظلما وأمعن في نصرة العدل والحق والدين المبين.

فعمر كان يواجه ثورة إرستقراطية رأسمالية بقيادة المئات من أصحاب الملايين من الأموال والفدادين، والذين ما عاد يعنيهم من أمر دينهم ودنياهم إلا كنز الأموال وجني الغنائم والنزوع إلى الثراء إلى حد التخمة والهلاك.

وعندما نتساءل عن القاتل وأصله ولماذا قام بفعلته، وكيف تم تغييب آثار الجريمة وشواهددها وأدلتها، يتبين الموقف بوضوح أكثر، فلم يخضع قاتل عمر لمحاكمة ومساءلة لكي تنكشف حقائق عن جريمته، وإنما تعرض للقتل الفوري، وحيكت القصص والروايات عن سبب ودوافع الجريمة، وهي من الخيال والتصور والتأويل والتبرير الذي لا يستند إلى أدلة موضوعية كافية.

فالقول بأنه فارسي وقتله لأنه أسقط دولة فارس لا يركن إلى قوة إسناد، إذا كان العديد من أبناء فارس في المجتمع المكي والمديني ومنذ بداية الإسلام ، ويبدو أن عمر سيقتل بهذا الشخص أو بغيره لأنه ما عاد مرغوبا به من قبل الأثرياء الذين صادر أموالهم ووضعهم تحت الإقامة الجبرية، كما أن السرعة التي توسعت بها الرقعة الجغرافية للمسلمين تجاوزت قدراتهم الإدارية والتنظيمية، وهم لا يملكون الخبرة والدراية بالحكم والتنظيم، ومعظمهم قبلي النزعات والدوافع، وما كان قائما في مكة يصلح لرقعة جغرافية صغيرة ذات بضعة آلاف من البشر.

ودليل عدم الخبرة وقلة الإطلاع على أنظمة الحكم في المجتمعات الأخرى أن الخليفة كان بلا فصيل حماية، وإنما يتحرك بين الناس كواحد منهم، فلا بيته محروس ولا تنقله من مكان لأخر تحت الحماية والدراية، وإنما كل شيئ موضوع على تقدير القادر القدير، وأن الأجل إذا جاء لا يمكن تأخيره ساعة أو تقديمه ساعة، فكانت هذه الرؤية الإيمانية ربما السبب في عدم وجود فصائل حماية للخليفة، ولو أن النبي كان لديه مَن يحميه دون تعين أو توصية، فهو ذو مقام وتأثير آخر في النفوس البشرية من حوله، ومع ذلك أفشل أصحابه محاولات عديدة للنيل منه، لكن المسلمين لم يتعلموا ويتحذروا، وما أوجدوا أسسا لحماية الخليفة من الأعداء والمغرضين والمتآمرين.

بينما جميع أنظمة الحكم في التأريخ البشري ومنذ أقدم الحضارات يكون للملك أو الحاكم مَن يذود عنه ويحميه من شرور الآخرين، ذلك أن الطبيعة البشرية تميل إلى قتل المعروفين والمؤثرين والمشاهير من البشر، ومعظم الأنبياء قتلهم البشر، والعديد من البارزين تم قتلهم والتآمر عليهم، فهذه نوازع بشرية كامنة لا يمكن لجمها إلا بالقوة والسطوة، ولهذا لن تجد مشهورا يمشي لوحده أو رئيسا يتحرك بين الناس، لأنه سيتعرض للقتل حتما، وفي عصرنا الحالي الأمر واضح وأكيد، ولا فرق بين الطبيعة البشرية منذ أن خطى البشر فوق التراب، فالنفس البشرية واحدة وغرائزها ما تغيرت أبدا، وإنما إمتلكت الوسائل الكفيلة للتعبير عن فظائعها بشراسة غير مسبوقة، فبعد أن كان السيف والخنجر والرمح والحجارة صارت تمتلك ما يبيد الآلاف في رمشة عين.

أي أن قتل عمر كان بسبب قصور إداري وتنظيمي  وعدم توفر الحماية اللازمة من الأخطار، فالحذر من ضرورات الحياة منذ الأزل.

ولا نعرف الحالة النفسية لقاتله، هل هو معتوه أم مصاب بمرض نفسي أم يعيش حالة من الكآبة ولديه نوازع إنتحارية، فالمرويات تشير إلى أنه يعاني من ضنك ومحنة مالية وإجتماعية ويبدو كالمشرد الحائر الذي لا يجد ما يأويه ويرضيه، وقد يكون من اليائسين البائسين الذين لا يفقدون شيئا، أو من موالي الأثرياء الذين صادر أموالهم عمر وراحوا يحشدونه ويجعلونه يتصور بأن ما يعانيه من شظف العيش بسبب عمر الذي صادر أموالهم ومنعهم من الغنائم وحاصرهم في اماكنهم.

فهناك أسباب عديدة ودوافع شديدة غير الذي إنحصرت فيه الرواية وكأن الفرس قد أعادوا كرامتهم وهيبتهم وإنتقموا لسقوط مملكتهم بقتلهم لعمر، وفي هذا شك وتبرير ضعيف وغير مقنع، فكيف لشخص عادي أن يفكر بهذا المستوى ويقدم على هذه الفعلة وكأنه من المفكرين والعقائدين وأصحاب المبادئ والعقائد الوطنية والقومية الصارخة، إذ يبدو أن في الأمر دس لرفع الروح الفارسية وإستعادة الهيبة والقوة والعزة والشعور بالقدرة على القبض على مصير الأمور.

فالقاتل كان أداة أو آلة للتنفيذ ولا يمكن لقاتل خليفة أو ملك أو قائد أن يقوم بفعلته من ذات نفسه إلا إذا كان في عقله لوثة أو جنوح سلوكي، فالقتل نتيجة لتراكمات ودوافع متنامية تعززها قوى وتسوغها مؤثرات جماعية تحفز القائم بها، وتجعله يستشعر بضرورة وأهمية ما يقوم به، وأن حياته تستأهل الهدر في سبيل تنفيذ الأمر، وهذا لا يكون إلا بضغوط جماعية كما يحصل اليوم في الذين يندفعون نحو القتل ويبررون جرائمهم المذهلة التنفيذ والتدمير.

وقد يكون القاتل قد غرر به بوعود ومكافآت سخية من قبل الأقوياء الأثرياء الذين حاصرهم عمر، ولا خيار عندهم سوى قتله، وهم يعدون بالمئات، ولهذا إنفلتوا حال قتله وتمتعوا بثرائهم وسطواتهم وما كنزوه من المال الكثير، وبعده حصل الذي حصل، وهو سياسي بحت وتدخلت فيه أسباب خفية وجلية ومعوقات إدراكية أودت بحياة الخليفة الثالث وذلك بقتلة بآليات وتفاعلات يصعب تصديقها وتفسيرها، لكن السياسة ذات شجون وأغراض ووسائل ودسائس ومؤامرات وفنون.

والخلاصة أن مقتل عمر يؤرخ للنقلة المدوية العاصفة التي إجتاحت المسلمين فأخمدت روح الثورة، وألهبت جمرات السياسة والحكم وصارت السلطة هي الدين، وما جرى من تداعيات بعد ذلك ما هو إلا إستمرار للصراع العنيف ما بين الثورة والنظام والذي قاده علي بعد إثني عشر سنة، وإنتهى إلى ما إنتهى إليه عمر.

 

د. صادق السامرائي

.............................

* هذه قراءة نفسية سلوكية خالصة تحاول تسليط الأضواء على بعض الأحداث والمنعطفات التأريخية التي زعزعت أركان العرب، وقد تكون ذات درجة من الصوابية أو المخطوئية لكنها محاولة إدراكية معرفية تفسيرية قد تكون ذات قيمة ثقافية.

 

عبد الرضا حمد جاسمعمر بن الخطاب والقرطبي ونسخ آية من القرآن: حول دعوة أبي ذر في موضوع الكنز والذي اُعتبرت حسب ما ورد عن الوردي الشرارة التي اشعلت الثورة/ الانتفاضة/  الفتنة/ المؤامرة/ المعركة التي راح ضحيتها الخليفة الراشد الثالث الشيخ عثمان بن عفان...قال القرطبي في تفسيره لدعوة أبا ذرٍ الغفاري حسب ما كتبه الراحل الوردي في ص93 وعاظ السلاطين: [يقول الامام القرطبي في تفسيره: إن أبا ذر انفرد وحده بمذهبه الخاص في تحريم الكنز. والقرطبي يعتقد ان مذهب ابي ذر هذا من المذاهب الشديدة التي لا يُلزم المسلمون بأتباعها. ويتطرق القرطبي بعد ذلك الى امر تحريم "الكنز" الذي جاء في القرآن فيأخذ في تأويله تأويلاً يجعله منافياً لمصلحة المسلمين في أيام عثمان يقول القرطبي: "ويُحتمل ان يكون مجمل ما روي عن ابي ذر في هذا ما روي أن الآية نزلت وقت شدة الحاجة وضعف المهاجرين وقصر يد رسول الله(ص) عن كفايتهم، ولم يكن في بيت المال ما يشبعهم وكانت السنون الجوائح هاجمة عليهم، فنهوا عن إمساك شيء من المال إلا على قدر الحاجة، ولا يجوز ادخار الذهب والفضة في مثل ذلك الوقت، فلما فتح الله المسلمين ووسع عليهم اوجب (ص) في مائتي درهم خمسة دراهم وفي عشرين دينار نصف دينار ولم يوجب الكل واعتبر مدة الاستنماء فكان ذلك منه بياناً(ص)] ثم يضيف الوردي الى هذه الاستعارة: [يتضح من هذا ان الامام القرطبي يرى ان الكنز كان محرما في بدء الدعوة الإسلامية وذلك لما كان عليه المسلمون آنذاك من عوز وفاقة، أما بعد استغناء المسلمين واستنماء أموالهم فالكنز في نظره جائز] انتهى

 ويُكمل الراحل الوردي في ص 94: [ونحن نستغرب على كل حال من رأي الامام القرطبي حيث نسخ آية محكمة من القران وجَوَّزَ إبطالها وعدم العمل بها بحجة تَغَيَّرْ الظروف. اننا لندهش حقا من هذا الراي فالقرطبي يجَّوز به اهمال الاحكام القرآنية والسنة النبوية إذا كانت غير ملائمة لمقتضيات الظروف المستجدة....] انتهى

تعليق: هنا يندهش الراحل الوردي من رأي وتفسير القرطبي الذي أجاز فيه حسب فهم الوردي اهمال/ نسخ آية قرآنية وجَّوز إبطالها وعدم العمل بها بحجة تغيًّر الظروف.

لكن الوردي بعد حوالي (32) صفحة من نفس الكتاب أي في ص126 وعاظ السلاطين كتب التالي: [لم يكتف عمر بهذه الاهانات التي وجهها الى قريش اذ سلط عليها عبيدها السابقين. إنه فَعَلَ شيئاً اخر أدهى منه، ذلك انه أبطل نصيب "المؤلفة قلوبهم" من الفيء وحرم قريش بهذا من عطاء كانت تتنعم به في أيام النبي وأيام خليفته أبو بكر. إن نصيب المؤلفة قلوبهم مذكور في القرآن ومفروض فيه حيث لا يجوز ان يعبث به عابث لكن عمر لا يبال بهذا فلقد نسخ امراً صريحا جاء به القرآن احتقاراً لقريش وإضْراراً بها وقال عمر تبريراً لعمله هذا: ان رسول الله كان يعطيهم يوم كان الدين ضعيفا محتاجا الى نصرهم اما اليوم فقد أصبح الدين قويا لا يحتاج الى تأليف قلوبهم او استرضاهم. ومن الغريب ان نجد عمر ينسخ اية من القرآن ولا يبالي... ان عمر نظر في ذلك الى مصلحة الإسلام فهو لم يتقيد بالشكليات او يتمسك بحرفية الدين كما يفعل اصحابنا من رجال الدين في هذه الأيام.] انتهى

تعليق: هنا الوردي يعتبر التَّقَيُدْ بالنص القرآني والسنة النبوية من قبل الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب هو تَّقَيُدْ بالشكليات ومدح الخليفة على عمله ذاك وأثنى عليه واعتبره في مصلحة المسلمين وأكد على ذلك حيث كتب في ص 192 وعاظ  السلاطين التالي: [فقد وجدنا عمر اثناء خلافته من أحرص الناس على مصلحة المسلمين وكثيرا ما كان يخالف أمرا صريحا جاء به القران او قال به النبي اجتهادا منه في سبيل الصالح العام] ... ثم أكمل الوردي في نفس الصفحة: [وهذه عبرة لنا نحن المسلمين في عهودنا الحاضرة حيث يجب علينا ان ننظر في مصالحنا العامة نظراً موضوعياً ونكون بذلك مجتهدين لا نتقيد بما ورد في القران او الحديث من احكام قد تنافي مقتضيات ظروفنا الراهنة] انتهى

لكن بالمقابل فأنه اعتبر تفسير القرطبي لدعوة ابا ذر في موضوع الكنز على زمن الخليفة الراشد الثالث الشيخ عثمان بن عفان هي دعوة للخروج على/ عن النص القرآني وهي مستنكرة رغم ان سبب تجاوز الراشد الثاني ودعوة القرطبي للتجاوز كما فسرها الوردي كان واحد هو حاجة الرسول...في الأولى حاجته للمؤلفة قلوبهم عندما كان الدين ضعيفاً وفي الثانية حاجته الى المال / عدم الكنز عندما كان الدين فقيراً.

فكيف يمكن تفسير هذا؟

اعتقد ان من يريد تفسير ذلك او التعليق عليه ان يأخذ بنظر الاعتبار الامور التالية:

1- إن التجاوز على النص القرآني والسُنة النبوية غير مسموح به مهما كانت الاسباب وبالذات في بداية التشكيل لأن النص موحى به والسُنة لا تنطق عن الهوى.

2- ان التجاوز الاول "الحالة الاولى" على النص القرآني والسنة النبوية كانت من طرف الخليفة أي انه جرى/ نُفِذْ / عُمِلَ به على أرض الواقع حيث كان الحال في بداية ظهور دولة الاسلام وكان القرآن والسنة هما دستور وقانون المجتمع الاسلامي وكانا محل اختبار ومقارنة مع ما حاربه الاسلام ونهى عنه فالتجاوز في تلك الفترة يمكن اعتباره هزة كبيرة تضعضع الثقة بالنص القرآني والسنة وتُنزله من السماء الى الارض وتشكك بقدسيته وبالذات كونها وقعت في موضوع يهم معيشة/ اقتصاد المجتمع وافراده وحصلت بعد وفاة النبي محمد بفترة قصيرة جداً أي لم يكن هناك هذا الكم من المنسوب للسُنة النبوية والمُختلف على البعض او الكثير منه كما هو الحال اليوم وكانت حالة يمكن ان تُشكك بأصل الرسالة وصحة النبوة.

اما تفسير القرطبي لتصرف أبا ذر الذي جاء بعد اكثر من ستة قرون على وفاة النبي محمد فلم، يُنَفَذْ بل كان مجرد تفسير لا غير، أي أنه لم يُطبق عملياً ولم يؤخذ به وإن اُخذ به في زمن القرطبي فربما ذلك لم/ لا يتعدى المحيطين بالقرطبي او المتتلمذين على يديه.

3- ان تجاوز الخليفة الراشد الثاني الشيخ عمر بن الخطاب فسح المجال لتجاوزات لاحقة حيث اعتبر من سنن الاولين "السلف او أصحاب السابقة" وفتح باباً للتجاوز على النص القرآني والسُنة النبوية أدى الى / وَّلَدَ تجاوزات كبيرة كان من بينها تجاوز او رأي القرطبي في تجاوز النص وإجازته ذلك.

4- اننا نتكلم عن تأثير حالة تاريخية على المجتمع وليس تسجيل حالة تاريخية. كانت الحالة الاولى قد اوجدت شرخ في المجتمع الاسلامي أمكن او تمكن من جاء من معالجته أو كان يمكن ذلك، والحالة الثانية هزت المجتمع الاسلامي هزاً عنيفاً فتحول الشرخ الى شق لم يُرْتًقْ لليوم حيث سالت فيه دماء وتمزق فيه "قميص" أصبح راية خفقت في سماء الاسلام ومستمرة لليوم وستستمر.

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

حسن العاصيتتردد كثيراً في السنوات الأخيرة على لسان بعض المفكرين الغربيين، مصطلحات "ما بعد" ما بعد الرأسمالية، ما بعد الاستعمار، ما بعد الامبريالية، ما بعد العولمة، ما بعد الحداثة، ما بعد التاريخ. إن العولمة التي سعت من خلالها مراكز رؤوس الأموال الضخمة والشركات العملاقة، أن تجعل العالم أمريكياً، بحسب ما قال مرة الرئيس الأمريكي الشهير "فرانكلين روزفلت" الذي وصل إلى البيت الأبيض العام 1933 ومكث فيه 12 عاماً، في أصعب مرحلة واجهتها الولايات المتحدة، حيث شهدت الكساد الاقتصادي العظيم حينها، قبل أن يتمكن روزفلت من إحداث الإصلاحات الاقتصادية الكبيرة، هذا الرجل قال ذات مرة إن قدر العالم في النهاية هو أن يتأمرك.

السؤال الكبير: هل تمكنت العولمة من حذف الحدود والهويات وبناء عالم بلا جدران؟ الإجابة بظني نجدها في الارتدادات على ثقافة العولمة، من خلال عودة الشعوب في كثير من الأماكن، إلى جذورها القومية للدفاع عن مصالحها، فانفجرت الصراعات الإثنية والقومية والمذهبية والطائفية، التي أصبحت سمة العصر.

إذن حين يتحدثون عن مرحلة ما بعد العولمة، فهذا لا يعني أن العولمة كنظام عالمي قد أكملت وظيفتها وتطورت، بل على العكس إن ما يجري في العالم يؤكد أن العولمة شأنها شأن كافة مراحل الرأسمالية، ما هي إلا وسيلة لسرقة خيرات الدول النامية، حتى لو اضطر الغرب إلى استعمال القوة المفرطة، باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان حيناً، وصيانة حقوق الأقليات حيناً، أو الدفاع عن الحلفاء ومحاربة الإرهاب أحياناً أخرى.

بذرة الرأسمالية

في الحقبة التاريخية الممتدة ما بين انهيار الإمبراطورية الرومانية في القرن الخامس، وحتى القرن السادس عشر، كان الإقطاع يفرض سيطرته على ما يقارب من 95 في المئة من الأراضي في أوروبا والصين واليابان والهند. إن الرأسمالية نمت في أحشاء الإقطاع بوقت مبكر من ظهورها، حيث يذكر التاريخ انتفاضات متعددة قام بها المزارعين والعبيد ضد الإقطاع. كما يمكن آنذاك ملاحظة نشوء مراكز الإنتاج اليدوي في المدن الإقطاعية مترامية الأطراف، وكانت تضم جمعيات الحرفيين من نسّاجين وحدادين وصناع الأحذية والسيوف وسواهم، مما كان سبباً من أسباب تطور الرأسمالية لاحقاً. ترافق ذلك النشاط مع نمو مضطرد في عدد التجار واتساع رقعة تجارتهم وتنوعها.

الجشع وحب المال والرغبة في مراكمة الثروات، دفع التجار إلى بناء مدن قريبة من وسائل النقل النهرية والبحرية، مما أسهم في اتساع الأسواق الوطنية ثم العالمية، وفي زيادة الإنتاج، ونشوء شريحة من التجار الأثرياء الرأسماليين، وتراكم رأس المال بين أيدي هؤلاء أضعف الإقطاع، ولذلك كان الانتقال من شكل الإنتاج الإقطاعي مثيراً، حيث أصبح المنتج هو التاجر الرأسمالي، وانتقل الحرفيين تدريجياً إلى شريحة الأثرياء، مما أدى إلى توسيع وزيادة الإنتاج، وقاموا بتوظيف أموالهم لمضاعفة الأرباح، وبذلك يكون كبار التجار قد دفعوا مسيرة الاتجاه الرأسمالي خطوات للأمام نحو التشكل.

لأن النظام الإقطاعي كان يدافع عن بقاءه واستمراره ضد التطورات التي تحصل، كان للتاريخ رأي مختلف، حيث قامت الثورات البرجوازية ضد النظام الإقطاعي الذي كان يعيق نموها وتطورها، فأصحاب الرأسمال لم يستسلموا للقيود التي كانت الإقطاعية تفرضها على الأسواق المحلية، لأن التجار كانوا يتطلعون إلى الأسواق الخارجية. فتمت تصفية الإقطاع عبر ثورات رغم مقاومته العنيدة.

وهنا نشأ النظام الرأسمالي القائم على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج والأرض. فمنذ نشأتها كنظام عالمي، والرأسمالية تسعى لأن تُخضع الكون لمتطلبات نموها، فعمدت إلى تكييف واقع الدول النامية كي تتلاءم مع شروط حركة الرأسمالية المتغيرة، وأزماتها المختلفة، بما يضمن استمراها وتضخمها. وبدأت مرحلة جديدة من الاستغلال ضحيتها هذه المرة الطبقة العاملة التي توسعت نتيجة الهجرة من الريف للمدينة، بعد أن فقد المزارعين الصغار مصدر رزقهم، فتحولوا إلى عمال في مصانع المدينة، حيث يراكم الصناعيين رأس المال، نتيجة الاستغلال البشع الذي يتعرض له العمال. الرأسمالية نفسها التي أوجدت الطبقة العاملة وجعلتها حطباً للموقد، جلبت الطبقة التي ستثور عليها لاحقاً مطالبة بحقوقها الاقتصادية والسياسية.

قبل الثورة الصناعية

شهدت فترة نهاية القرن الخامس عشر اكتشافات جغرافية يسّرت تشكل سوق عالمية، وأسهمت في نشوء الرأسمالية فيما بعد، فقد تمكن عدد من البحارة مثل "كولومبوس، كريستوفر، فاسكودي جاما" من الوصول إلى الهند، واكتشاف العالم الجديد الذي سمي القارة الأمريكية. وكان التجار الإسبان والبرتغال، الذين عانوا من الهيمنة والسيطرة التجارية التي كانت تفرضها الإمبراطورية العثمانية، قد مولوا الرحلات التي قام بها البحارة وأدت إلى هذه الاكتشافات، ثم اندفع التجار عبر أساطيل لا تتوقف إلى عرض البحار والمحيطات، وتمكن الأوروبيين من نهب خيرات المناطق المكتشفة من الذهب والفضة، وأقاموا فيها محطات تجارية، واستطاع المستوطنين البيض من فرض سيطرتهم على تلك البقاع الجغرافية بواسطة القوة والقمع للسكان المحليين، وعبر عمليات القرصنة وقتل الناس.

هكذا بدأ رأس المال التجاري الأوروبي بالسيطرة على أسواق العالم ابتداء من القرن السادس عشر الذي شهد ولادة نظام جديد في الإمبراطورية البريطانية، حيث تم تأسيس مشاريع ضخمة مثل "شركة الهند الشرقية، شركة هدسون باي، شركة البحر الجنوبي، بنك إنجلترا" وتم إنشاء العديد من الشركات المساهمة، وكان للتجار حصة مالية في الشركات الجديدة، وهكذا كانت الحركة التجارية البريطانية وانفتاحها على الأسواق الجديدة بمثابة المقدمة لظهور طبقة الرأسماليين التجاريين.

واستطاعت هذه الشركات الاحتكارية تكديس الأرباح الضخمة من خلال تجارتها، وما كونته من مراكز تجارية لم تستثني شيء من نشاطها، فعمدت على سرقة خيرات تلك البلدان، وتاجرت حتى بالبشر، الذين كان يتم اصطيادهم من أفريقيا وبيعهم لأصحاب مزارع السكر والتبغ في شمال وجنوب أمريكا وفي أوروبا. أرست تلك الشركات نمط الإنتاج الكولونيالي الذي حقق فوائض مالية للقارة الأوروبية. هذه العائدات المالية الضخمة تحققت عبر إسالة الدم والسرقة والنخاسة والخداع الذي مارسته الرأسمالية التجارية على الشعوب.

بعد الثورة الصناعية

ظهور الآلات، واختراع آلة الغزل، والتطور الهام في صناعة الأقمشة الذي ساهم فيه الإنجليزي "إدموند كارترايت" باختراعه للآلة الكهربائية لصناعة الخيوط. ثم تطورت صناعة الحديد، وتم في بداية القرن الثامن عشر البدء باستخراج المعادن بواسطة فحم الكوك بدلاً من الفحم النباتي الذي كان مستخدماً من قبل، وفي خمسينيات القرن التاسع عشر تم تطوير صناعة الصلب الذي أصبح في جوهر كافة الصناعات والأدوات والسفن والمباني. كذلك ساهم اختراع المحرك البخاري وتطويره في سبعينيات القرن الثامن عشر في اكتمال دائرة الثورة الصناعية.

الثورة الصناعية والتطور الكبير في المكننة أسهما في النمو الهائل الذي تحقق في الإنتاج الصناعي، فبدأ البحث خارج الحدود القومية للدول الرأسمالية، عن أسواق جديدة لهذه السلع الفائضة.

شهدت تلك المرحلة التفاوت الواضح غير المتكافئ بين الدول الرأسمالية الصناعية وبين المستعمرات، فبينما أسهمت الثورة الصناعية في التطور الهائل لوسائل الإنتاج، ومراكمة رأس المال في أوروبا، ظلت المستعمرات في أفريقيا وآسيا وجنوب أمريكا على حالها من التخلف والفقر، ولم تتوفر فيها ظروف نشوء الصناعة والتطور الاقتصادي، نتيجة توفر فائض من السلع والبضائع الغربية الرخيصة التي نافست الإنتاج المحلي وقضت عليه، ثم تحولت هذه الدول إلى مُصدر للمواد الخام، ومستورد للمنتجات المصنعة غربياً. وبذلك تم دمج الدول التي كان اقتصادها بسيطاً لكنها مكتفية ذاتياً بالاقتصاد الرأسمالي العالمي، فتحولت إلى سوق كبيرة للمنتجات الصناعية الغربية.

الاستعمار والامبريالية

في النصف الثاني من القرن التاسع عشر شهد العالم مركزية الإنتاج وبالتالي تركز رأس المال الاستعماري، وتغولت الشركات الصناعية الضخمة، فابتعلت المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وانتهى عصر المنافسة، وظهرت قوة رأس المال المالي المستخدم في الصناعة، الذي تسيطر عليه البنوك التي تحالفت مع المؤسسات الصناعية الهائلة. ما حصل أنه بدأت هذه القوة المالية تبحث عن استثمارات لها خارج الحدود الوطنية تحقق لها عوائد أعلى من الداخل، بعد أن احتدم التنافس في الدول الرأسمالية الصناعية. فشهدت الفترة الممتدة من الربع الأخير للقرن التاسع عشر إلى بداية الحرب العالمية الأولى، تنافساً محموماً بين الدول الصناعية الرأسمالية لتصدير رأس المال، فالتحقت المؤسسات الأمريكية والفرنسية والألمانية بالأسواق التنافسية وكسرت الاحتكار البريطاني.

وتميزت هذه المرحلة بالصراع والتنافس الطاحن بين المراكز الرأسمالية الاحتكارية، بهدف اقتسام مناطق العالم. وأخذ رأس المال يبحث عن أماكن جديدة للاستثمار في إنتاج المواد الخام. هذا الصراع بين القوى الاستعمارية على المصالح وبهدف مراكمة رأس المال، والحفاظ على الاستثمارات الخارجية، أدى إلى نشوب الحرب العالمية الأولى.

الحرب العالمية الثانية

بروز ألمانيا النازية وسعيها للسيطرة على مزيد من الأسواق العالمية بقوة السلاح، يعكس في أحد جوانبه طبيعة الأزمة العميقة التي أصابت النظام العالمي الرأسمالي، والتناقض المتصاعد بين القوى الاحتكارية. وهو ما أشعل فتيل الحرب العالمية الثانية، التي أعقبها ظهور وتطور حركات التحرر الوطني في كل من آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، واستطاعت أن تُخرج الاستعمار وتحقق الاستقلال السياسي الشكلي، وانتهى عصر الاستعمار العسكري في المستعمرات وبدأ استعمار اقتصادي جديد، من خلال تحالف الامبريالية مع أصحاب رؤوس الأموال الزراعية والتجارية المحليين.

أدركت الرأسمالية العالمية التي تقدمت الولايات المتحدة لقيادتها بعد الحرب العالمية الثانية، أنها تحتاج إلى أنماطاً جديدة للاستغلال، وإعادة إنتاج علاقات الهيمنة، وفقاً للمتغيرات التي حدثت في العالم، هذه الأنماط هي ما جسّد مرحلة الامبريالية. اعتمدت الامبريالية الجديدة إلى إحداث علاقات خاصة مع مستعمراتها السابقة، واستخدمت المعونات الاقتصادية والقروض كسلاح لإعادة إنتاج السيطرة، ثم أقامت علاقات مع كبار الملاك والتجار والوجهاء، وكبار الموظفين والعسكريين الذين أصبحوا عبيداً للإمبريالية لاحقاً. ثم أقدمت الرأسمالية العالمية على استعمال القوة العسكرية لوقف نمو بعض البلدان النامية، والعمل على تفكيكها حتى تظل خاضعة، وقدمت المعونات البوليسية للأنظمة الديكتاتورية لقمع المعارضين لها، وأقامت قواعد عسكرية في بعض تلك البلدان. في المحصلة بقيت هذه الدول أسواقاً استهلاكية للبضائع الغربية، وقطاعاً مربحاً للاستثمارات، وتعززت تبعية الأنظمة الحاكمة للهيمنة الامبريالية.

العولمة الرأسمالية

شهد العالم مرحلة جديدة بدءًا من ثمانينيات القرن العشرين، من أهم معالمها التركز الشديد في رأس المال المالي، وزيادة هائلة في اتساع نشاط الشركات عابرة للقارات متعددة الجنسيات، وانهيار جدار برلين، وسقوط المعسكر الاشتراكي في بداية التسعينيات، وتداعي منظومة التحرر القومي، والانسحال المريع للبنية الأيديولوجية والفكرية للأحزاب الاشتراكية والليبرالية، والتطور الهائل الذي حققته تكنولوجيا الاتصالات والثورة الرقمية. هذه المتغيرات أوجدت واقعاً تاريخياً أخلّ بتوازنات المصالح والقوة التي كانت سائدة طوال الفترة التي أعقبت انتهاء الحرب العالمية الثانية. وأدى إلى مرحلة أحادية القطبية أو العولمة، التي مكّنت الولايات المتحدة من تسيّد المشهد السياسي والاقتصادي والثقافي العالمي، على اعتبارها الطرف المنتصر الذي يمتلك الحق في تحديد نمط العلاقات الدولية وفق مفاهيم الليبرالية الجديدة.

تحررت الرأسمالية العالمية من قيود الانتشار والتوسع بسبب التطور النوعي الضخم في التقنيات وثورة المعلومات، وبسبب قيام التكتلات الاقتصادية العالمية العملاقة، فكان لابد من أن يترافق مع هذه المتغيرات الهامة، تطوير النظم المعرفية والسياسية والاقتصادية، التي من شأنها تعزيز سيطرة هذا النظام العالمي الجديد أحادي القطبية.

عالم جديد تفرض فيه قوة وحيدة شروطها ونمطها ورؤيتها على الجميع باسم العولمة، التي لم يتصدى لها أحد، خاصة في الدول النامية المنهزمة التابعة، التي أطاعت التوجه الجديد حفاظاً على مصالحها، واستجابت للعولمة عبر تحرير التجارة، وإعادة هيكلة الاقتصاد، وتبني نظام الخصخصة، والتكيف مع المتغيرات.

هذه العولمة ظهرت نتيجة ظروف دولية وإقليمية، وتطوراً في السيرورة التاريخية. إن العولمة هي بمثابة امتداد تاريخي وسياسي واقتصادي لتطور الرأسمالية التي لم تكف عن النمو منذ كانت جنيناً في القرن الخامس عشر، ثم ولدت في القرن الثامن عشر، ثم تحولت الرأسمالية إلى شكلها الامبريالي في نهاية القرن التاسع عشر.

لقد بلغ النظام الرأسمالي العالمي الامبريالي في مرحلة العولمة طوراً، يسعى فيه باستخدام القوة، لإعادة شعوب العالم إلى القواعد التي كانت تحكم الفترة الأولى لنشوء الرأسمالية، القواعد التدميرية التي كانت قائمة على أساس المنافسة الموحشة، التي تضمن سيطرة الأقوى على مقدرات الدول ومصير الشعوب. فالهيمنة هي التي تشكل محور نشاط المراكز الرأسمالية بثوب العولمة في الفترة المعاصرة. ويتم ضمان استمرار السيطرة واتساعها إما عبر استعمال القوة العسكرية، أو من خلال الأنظمة التابعة والخاضعة لنفوذ الغرب.

هذه هي طبيعة الرأسمالية في طور ما بعد الامبريالية. فما تحاول خلقه الامبريالية ليس نظاماً جديداً للكون، بل إن ما يجري هو امتداد طبيعي وتواصل تاريخي لتطور الرأسمالية التي تقوم بالأساس على التوسع والانتشار ومراكمة رأس المال، وتستفيد الرأسمالية الامبريالية- بثوبها الأمريكي السافر بشكل خاص، والأوروبي المحتشم بدرجة أقل- من المتغيرات الدولية لتفرض مزيداً من استبدادها المتوحش على الدول الأخرى، والضحايا الرئيسيين هنا هم الدول النامية وشعوبها.

قوم لا يحتاجون الديمقراطية

الكارثة الكبرى تراها جلية واضحة في العالم العربي، الذي لا يزال يصر أن يكون منطقة خالية من الديمقراطية ومن العولمة، حيث تبحث معظم الأنظمة العربية عن المبررات لتفسير غياب الديمقراطية وعدم حاجتهم إليها.

في مفارقة مبكية يتذرع بعض العرب بالصين التي حققت نمواً في غياب نظام ديمقراطي، نعم هذا صحيح لأن الصين طبقت سياسة رأسمالية الدولة بدلاً عن رأسمالية السوق، وهي الاستثناء الوحيد.

 لكن العرب لم يتبعوا لا النظام الصيني، ولا النظام الديمقراطي، ولا الاشتراكي، ولا الليبرالي، ولا الوسطي، ولا نظام السوق الحر. لم يتبعوا أي نظام ولا أي نظرية، وليست لديهم أية خطط استراتيجية لا اقتصادية ولا سياسية ولا أمنية ولا قومية. كل ما تفعله معظم الأنظمة العربية هو مواصلة السياسات الاستبدادية لإخضاع شعوبها، واستمرار السياسات الاقتصادية الفاشلة، التي لم تثمر إلا خراباً وخواء، ولم تستطع معظم الأنظمة العربية تحقيق نتائج واضحة على صعيد التنمية المستدامة. وهذا ليس موقفاً نظرياً، بل معطيات تستند إلى الأرقام التي لا يمكن نفيها.

حسب تقارير منظمة العمل الدولية في جنيف، التي صدرت في النصف الأول من العام 2018، فإن نسبة العاطلين عن العمل من الشباب العرب بلغت 30 في المئة، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف المتوسط العام لبطالة الشباب في العالم. أما المعدل العام للبطالة العربية فهو ضعف المعدل العام العالمي.

 وفيما يتعلق بحجم الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية في العام 2017 فقد بلغ حسب تقدير صندوق النقد الدولي 2.65 تريليون دولار، وهو ما يمثل 2.5 في المئة من الناتج العالمي، لكن أكثر من نصف هذا الناتج يأتي من دول الخليج نتيجة بيع النفط. فيما على سبيل المقاربة بلغ حجم الناتج المحلي الأمريكي 20.4 تريليون دولار، وهو ما يمثل حوالي ربع الناتج العالمي. ومفيد أن نذكر هنا أن عدد سكان الولايات المتحدة الأمريكية قد بلغ في العام 2017 حوالي 327 مليون مواطن. فيما يبلغ عدد السكان العرب 407 مليون مواطن.

فيما يتعلق بالأمية فقد أكدت تقارير المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم "الألسكو" في العام 2018 أن معدل الأمية في الدول العربية لا يزال مرتفعاً مقارنة مع دول العالم النامي، حيث بلغ 26 في المئة، يصل عند الإناث حوالي 50 في المئة، وترتفع هذه النسبة عند الإناث في بعض دول المنطقة إلى أكثر من 60 في المئة. فيما يبلغ المعدل العالمي 13.6.

وحسب إحصاءات منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة "فاو" العام 2017 فإن 40 مليون عربي يعانون من نقص التغذية، وأن نحو مائة مليون عربي يعيشون تحت خط الفقر. إن أكثر من 13.6 في المئة من السكان العرب لا يجدون ما يأكلونه.

على الأبحاث العلمية تصرف الدول العربية مجتمعة معدل 0.4 في المئة من ناتجها المحلي على البحوث، فيما تصرف إسرائيل 2.6 في المئة من ناتجها على الأبحاث غير العسكرية. بينما تصل النسبة في الدول الغربية إلى 4-5 في المئة. ورغم أن العرب يشكلون حوالي من 5 في المئة من سكان العالم، إلا أن مساهمتهم في نشر الأبحاث العلمية لا يتجاوز 0.02 في المئة من النشر العالمي.

نكوص حضاري

يبدو المشهد وكأن الولايات المتحدة وبعض الغرب الأوروبي مقبلون على مرحلة ما بعد الديمقراطية الليبرالية، أو ما بعد العولمة والحداثة التي سادت المجتمع الغربي طوال العقود الماضية. مرحلة تنتشر فيها الشعبوية والاتجاهات غير الليبرالية، ويعلو صوت الأفكار اليمينية العنصرية المتشددة.

هل هذا الاستنتاج صحيحاً، أم متسرعاً؟ هل الأفكار اليمينية أصبحت تشكل القاعدة، أم إنها ما زالت استثناءات رغم حجمها وخطورتها؟  في الواقع أنه على الرغم من كون الديمقراطية لا زالت تنمو في العديد من الأماكن في هذا الكوكب خاصة في القارة الافريقية وأمريكا الجنوبية، وفي دول جنوب شرق آسيا، إلا أن الاستبداد ما زال يبسط مخالبه على أعناق الشعوب في أماكن عديدة.

هناك القليل من الديكتاتوريات في العالم تحولت إلى نظام انتخابي ديمقراطي خلال العقدين أو الثلاثة عقود الأخيرة، حيث الآن هناك 69 دولة غير ديمقراطية من أصل 192 دولة.

إن السياسات الحمائية الانعزالية التي تحاول إدارة الرئيس الأمريكي "ترامب" اتباعها لحماية وظائف الأمريكيين، لا تبدو أنها إجراءات واقعية بقدر ما هي خطاب ديماغوجي، إذ أن العولمة لا تعتمد فقط حرية التجارة، بل أيضاً -وهذا الأهم- على التكنولوجيا الحديثة التي مكنت شركة "أوبر" أن تصبح أكبر شركات التاكسي في العالم، رغم أنها لا تمتلك سيارة واحدة، وجعلت من شركة "أمازون" أكبر شركة للتسوق، وهي لا تمتلك متجراً واحداً.

هل نحن على أبواب مرحلة ما بعد العولمة، أم دخل العالم مرحلة من الفوضى عديمة الملامح، أم أن الأمر لا يعدو كونه إننا ما زلنا نتأقلم مع العولمة وما أفضت إليه من نتائج تظهر في جانب منها على أنها مبشرة لخدمة الإنسان المعاصر، وفي جانبها الآخر تظهر أنها مدمرة في قدرتها على النهب والقتل والإخضاع، وجعل الإنسان المعاصر يعود إلى فطرته البدائية الموحشة، في إشارة بائنة للنكوص الحضاري.

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

 

محمد عرفات حجازيتعتبر شخصية جحا من الشخصيات المثيرة للجدل في التاريخ العربي والإسلامي، إذ يتراوح ما بين الحقيقة والأسطورة، في حين يصعب التأكيد بشكل دامغ على مصدر هذه الشخصية: من أين بدأت تحديدًا، ولمن تنسب، حيث تتعدد الروايات حولها وتتناسل الحكايات.

ويتوالى ظهور الشخصية الجحوية التي تروي الطرائف وتنطلق بالنوادر المضحكات في أغلب الآداب العالمية تقريبًا، فهو معروف في الكوفة، وفي اليمن، ومصر، وجحا التركي، كما عرف في الأدب الفارسي، وألمانيا وغيرها.. وقد اشتركت هذه الشخصيات الجحوية في إبراز التناقض الذي تحفل به النفس الإنسانية، ونسب إليها من الطرائف التي كانت في حقيقتها تعبيرًا عن آراء منتحليها وأفكارهم أكثر من نسبتها إلى هذه الشخوص الحقيقية، ومع مرور الزمن، اختلطت هذه النوادر وأصبح من الصعب التمييز بين الأصل والتقليد.

ويمكننا القول: أنه لعل تعدد شخصيات جحا في بلدان مختلفة دلالة على ذلك الوجود الحقيقي لتلك الشخصية، وهو أمر منطقي في النهاية بالنظر إلى أن السخرية كانت وستظل دائمًا أقصر وأذكى الطرق لتمرير النقد اللاذع.

لقد ربط باحثون ظهور شخصية جحا بالعصور التي اشتدت فيها الصراعات القومية، وذهب محمد رجب النجار في كتاب "جحا العربي" إلى أنه في ضوء هذه المتغيرات وما تفرزه من تناقضات خاصة في عصور الكبت السياسي والقهر العسكري والقمع الفكري، يصبح استدعاء الرمز الجحوي محاولة شعبية للتغلب على تلك التناقضات من ناحية، أو مقاومة الانحراف والتسلط من ناحية أخرى، وتصبح النكتة ذات وظيفة سياسية أو اجتماعية مباشرة، غايتها النقد السياسي أو الاجتماعي. لذلك لم يكن غريبًا ولا عبثيًا أن يربط الوجدان الشعبي بين نموذجه الجحوي وتيارات الحياة العامة السياسية والاجتماعية، وأن يقول رأيه على لسانه فيما يدور حوله من أحداث.

وقد ذهب الباحثون إلى إدراج نوادر جحا تحت ما يسمى بـ "السخرية الإيجابية"، فكل منها يدور حول سلبية تكشف عيبًا أخلاقيًا أو سلوكيًا يحاول المرء إخفاءه، لكنه ما يلبث أن يكشف عنه في زلة لسان، ولا يتوقف الأمر عند السخرية من الآخرين، بل يمتد إلى سخرية جحا من نفسه، وهو ما نجده كثيرًا في نوادره التي يبدو فيها متحامقًا أو متكاسلًا أو أنانيًا بخيلًا حتى على أقرب الناس إليه، الأمر الذي يمكن اعتباره تقنية روائية متقدمة، تشبه الوقوف أمام نفسك في المرآة لترى عيوبك من خلال شخصية البطل في كتاب تقرأه.

لقد عاش اسم جحا عبر العصور لأن نوادره تكشف النقاب دائمًا عن حقيقة النفس الإنسانية، وتتجلى في شخصيته كل مواطن التحرر من القيود والتقاليد المقيتة التي تمنع من مواجهة الحقائق واستخلاص الحكمة المصفاة ولو بشيء من الغفلة الظاهرة من جانبه.. عاشت نوادر جحا لأننا لو جردنا هذه النوادر من الأشخاص والأماكن فحتمًا سنجد فيها شبيهًا في كل عصر.. عاشت نوادره الضاحكة لآن الضحك يجدد نشاطنا ويرفع معنوياتنا ويعيد ثقة المرء بنفسه وفقًا لتحليل الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون لوظيفة الضحك.

إن المنهج الساخر في نوادر جحا يكشف عن بنية الحكيم الذي يهزم صرامة الواقع وصلفه بالانتباه، والذي بدلًا من أن ينسجم مع هذا المألوف، يعمل على تهشيمه وتعريته بالسخرية منه. وبذلك فإن هذه الشخصية تعبر عن الناقد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ولكن بأسلوب ساخر ضاحك، ذلك الذي يهون على الناس ما يعانون..

لقد طالت سخرية جحا وتهكماته ونقده كافة أشكال ومظاهر الحياة، فسخر من الوعي الديني والخطاب الديني السائد وقتذاك، وهزأ من الثقافة والعادات الاجتماعية المنتشرة، وعبر أحيانًا عن سخريته من رجال القضاء وتكبر السلاطين، كما طالت سخريته عادات الأفراح وثرثرة النساء والخيانة الزوجية وتطاول الزوجات على أزواجهن.. وغيرها الكثير.

سخر جحا ممن يحكمون على الناس بالعلم من خلال المظهر فقط؛ حيث عرض عليه رجلًا كتابًا بالفارسية ليقرأه له، فتعلل جحا برداءة الخط، فقال صاحب الكتاب: فعلام إذن تضع العمامة فوق رأسك؟، فخلعها جحا وقال له: هذه العمامة فاسألها فإنها صاحبة العلم الذي تبتغيه..

كما سخر من سرعة تصديق الناس لمن يعظهم، عندما جلس يأكل على قارعة الطريق وسخر منه أحد المارة بأن هذا لا يليق بمكانته أن يراه الناس يأكل، فأجابه جحا بأن هؤلاء الناس ليسو بناس بل بقر... وأسرع جحا وارتقى الأرض ونادى بأعلى صوته أنه واعظ الناس، ولما أقبلوا، قال: أيها الناس أنتم حطب جهنم يوم القيامة، فما بقي أحد منهم إلا وقد انحدرت دمعة على خده، ثم أفاض عليهم بحكمته الباهرة حتى قال: لقد جاء في الكتب أن من أخرج لسانه، فضرب به أرنبة أنفه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.. فما لبث كل واحد منهم إلا وقد أخرج لسانه محاولًا أن يضرب أرنبة أنفه.. وهذا إنما يدل على الجهل العام وسرعة التصديق وإلغاء العقل في تمحيص ما يصل لمسامعنا..

كذلك فقد سخر ممن لا يعبدون الله إلا في أوقات الشدة، أو التدين الشكلي والبعد عن روح الدين؛ حيث هبّت يومًا رياح شديدة، فأقبل الناس يدعون ربهم بالتوبة، فصاح فيهم: يا قوم.. لا تتعجلوا بالتوبة.. إنها زوبعة فقط.

أيضًا، فقد احتوت نوادر جحا جانبًا كبيرًا من ثقافات وعادات المجتمع، وسلوكيات البشر؛ فنراه ساخرًا من الأندال. فقد حضر إليه رجل يبدو عليه الجبن والندالة، وقال له: لقد رأيت رجلًا يقبل زوجتي فماذا أفعل به؟، فقال جحا: لا تصنع شيئًا.. واطلب من زوجتك أن تقبله كما قبلها، فإن المثل يقول: والجروح قصاص.. وفي هذا نقد صارخ وسخرية حادة ممن لا يملكون أدنى غيرية على أعراضهم. كذلك فقد انتقد البخلاء (خذ وليس هات)، وانتقد التسول؛ حيث وقف شحاذ ببابه وجعل يقول: رغيف لله.. حسنة لله... فأطلّ جحا من النافذة وقال له: اذهب يا ملعون.. أطلب منك الله أن تطلب هذه الأشياء؟!.. كذلك فقد سخر من الاستخفاف بالآخرين (بيض الديك)، كما سخر من عادة الناس في لبس الأسود حدادًا على موتاهم (المرحوم بدجاجة/ والد ابني)، كما انتقد وسخر من تجسس الجيران على بعضهم البعض (رائحة الأماني)، كذلك فقد سخر من الانجراف وراء الشائعات، أو ما يمكن تسميته بأوهام السوق؛ حيث وقع أحد الناس مغشيًا عليه، فغسلوه وكفنوه وحملوه إلى النعش وساروا به.. وفي الطريق أفاق الرجل وصاح في جحا طالبًا منه أن يخلصه.. فقال جحا: عجبًا.. أأصدقك وأكذب كل هؤلاء المشيعين..

ومن جانب ثالث، فلم تسلم السلطة الحاكمة من سخرية جحا، فنراه يسخر من الفكر الديني للأغنياء أو موقفهم من العبادة (صلي من أجلي)، وسخر من تكبر السلاطين (منزلة الأكابر)، أيضًا سخر من نفاق وخداع رجال القضاء (جبة السكير).

علاوة على ما سبق، فقد حظيت المرأة (الحماة/ الزوجة/ الأم) بمكانتها من سخريته الباسمة. فقد سخر من سلوكيات وأفعال الحماة (مساء الخير)، وتطاول الزوجات على أزواجهن (اشتمي بلغة أخرى)، ونقد تقصير الأم في تربية أبنائها (عجل سيء الأدب)، كما سخر من الأسباب والعادات التي تؤدي لخيانة الزوجة (متى ينجب ابن الثمانين)، كما عالج ثرثرة النساء (الطريقة الوحيدة).

أخيرًا وليس بآخر، فقد انتقد جحا التنجيم والمنجمين (جحا والمنجم)، كذلك فقد سخر ممن يلهثون وراء الطالع والأبراج الفلكية؛ حيث سألوه يومًا: ما هو طالعك؟، فقال برج التيس.. فقالوا: ليس في علم النجوم هذا الاسم.. فقال: لما كنت طفلًا علمت أن برجي الجدي.. والآن قد مضى على ذلك أربعون عامًا فلا شك أن الجدي من ذلك الوقت قد صار الآن تيسًا!!..

لقد امتازت شخصية جحا الفذة بالتعبير عن حكمة فقدان المعايير الصحيحة في المجتمع، وسخريته من بعض الكبراء الذين لا يستحقون المكانة التي وصلوا إليها. وكان حكيمًا من الحكماء؛ لأنه اكتشف بطريقته العبقرية أن الإنسان في مواجهة أعباء الحياة لا بد أن يتحلى بالضحك وروح الدعابة..

إن جحا تراث يؤثر الحكمة أينما وجدت وما أحوجنا إليها الآن.. ونوادر جحا فيها بلاغة إذا استنطقتها، وإمتاع يعمر النفس، وجدّ يحتمل الهزل، وتناقض لا تخلو منه النفس..

وأخيرًا، ونحن إذ نبحث عن أخلاقنا وقيمنا النبيلة المفقودة، لا يسعني إلا أن أذكر جحا حينما ضاع حماره وأخذ ينادي في الناس: من وجد حماري فليأخذه.. فقالوا: إذن لماذا تجهد نفسك في البحث والسؤال عنه؟، فقال: لأن العثور على المفقود لذة لا تعدلها لذة..

 

محمد عرفات حجازي/ كاتب من مصر

 

جواد غلومكثرت الاقاويل المشوبة بالاتهامات التي وصلت الى حدّ الإدانات بشأن الفتوحات الاسلامية العابرة للقارات واتخذ البعض منها وسيلة ومادة دسمة لتوصيف الاسلام كدينٍ فرض نفسه بالقوة واعتباره توسّعا وغزوات اعتمد عليها على حدّ السيف وحده لنشر رسالته وبثّ الذعر والخوف في نفوس الشعوب التي ابتليت بالغزو وويلاته وماتبعه من حالات السبيّ والأسر والإذلال ودفع الجزية والاستحواذ على اراضي الغير بالقوة والعنت والإرغام حتى ان الكثير من الباحثين من العرب والمستشرقين عدّوا الاسلام رافعا راية الحروب ومنبتا من منابت الارهاب اعتمد السيف والقوة الصلبة لنشر مبادئه وكأن الديانات الاخرى قدّمت براءتها وتنزّهت من كل مايمتّ الى العنف بصلة ؛ فقانون الكرّ والفرّ واكتساح اراضي الغير والقوّة الغاشمة كانت هي السائدة، ولايخفى ماكان للفرس والروم من مدّ وجزر في إدارة المعارك واتساع وانحسار في بقاع كثيرة من العالم القديم، وعليه فالديانات التي انبثقت وقتذاك قد حذت حذو نفس الجيوش في بسط سيطرتها بالقوة الصلبة الماردة، فليس الاسلام وحده من تمدّد واستعمر وطغى وتجبّر وجاش في المعمورة وأشبعها غزوا وفتحا، فما كان للاسلام من نصيب في الادانة قد سبقته المسيحية وليس أدلّ من ذلك قول السيد المسيح في الاصحاح / 10 الفقرة / 34 : ” لاتظنّوا اني جئت لألقي سلاما على الارض، ماجئت لألقي سلاما على الارض بل سيفا ” .

فلا ” للناس المحبة والمسرّة ولا على الارض السلام ” ولا من يحزنون ويتبين هذا الموقف بشكل اكثر وضوحا حينما عمد السيد المسيح الى التكرار في عبارته ليؤكد هذا المسعى العنفي دون لبس او إيهام، فكل الديانات التي انبثقت في اول عهدها لبست لبوس الحمّل الوديع المسالم الجميل الرافض للظلم والمرشد الى الصراط المستقيم والمبشّر بالفردوس وما ان تترسخ ويقوى عودها حتى بدأت تنشب أظفارها وتصقل مخالبها إيذانا لمعارك مقبلة واستعدادا لنشر الدماء وإثارة الرعب واشاعة المجازر وبثّ الخوف في نفوس من لاينضوي تحت خيمتها ولسنا في حاجة للتذكير بما عمله القساوسة ورجال الدين المسيحيين من مجازر دموية تجاه المخالفين سواء كانوا اتباع ديانات سماوية أو أرضية وضعية أو ممن عاقروا الوثنية عقيدة لهم في القرون الوسطى وماقبلها، ولنضع امام انظارنا ماقامت به الحملات الصليبية من دمار وفتك بكل الاراضي التي اكتسحتها حتى وصولها الى القدس .

وكلنا يدرك كيف كان الاسلام منذ اول ظهوره في مكة مسالما داعيا الى الحكمة والموعظة الحسنة مخاطبا الكافرين بان لكم دينكم وانتم احرار فيما عبدّتم ولنا ديننا الذي يتيح لنا العبادة والإخلاص له فلا إكراه في الدين، نفترق فيما نعتقد ولكننا لانتخاصم، وداعيا اتباعه المسلمين الى الصبر على مايقول اعداؤه طالبا منهم العفو والصفح فيما لو لقوا ظلما او أذى من لدن الاخرين المختلفين معهم .

غير ان الامر تغيّر كثيرا في حقبة المدينة المنورة وبدأت شكيمة النزوع الى الحرب تقوى تدريجيا وبرزت الاستعدادات لتشكيل حملات عسكرية للتحرك ضمن الجزيرة العربية وتأديب القبائل فيها اولا ورفع راية العداء ضد مساكني المدينة من اليهود ؛ بعدها برزت أنياب العنف اكثر بعد الفوز الساحق في فتح مكة ثم توالت حتى بدأت تتحرش بالجوار في بلاد الساسانيين والروم مثلما حصل في معركة ” مؤتة ” رغم الهزيمة التي مُنِي بها المسلمون وقتل قادتهم في تلك المدينة وقد عززت الآيات التي تسمى آيات القتال المدنية لتغير الواقع رأسا على عقب حيث بدا الاسلام المكيّ مسالما اول الامر وتدريجيا اعلن القتال ضد المشركين من غير اهل الكتاب ثانيا وقد جاءت معظمها بصيغة الامر ونورد هنا آيتين صريحتين مثالا لاحصرا ؛ (قاتلوا الذين لايؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ” س التوبة آية 27 وقاتلوهم حتى لاتكون فتنة ” س الانفال آية ” 39 لتأتي إثر ذلك شرعنة الجهاد الذي أتاح المجال للتوسّع والامتداد بشكل طاغٍ ومتعسّف وصارت الفتوحات هجومية كاسحة بعد ان كانت دفاعية وأضفى عليها المنتفعون ومثيرو النزعات القتالية اسماء مثل الفتوحات الكبرى وفتح الفتوح والفتح الاكبر ووصفه بانه باب من ابواب الجنة مع ان الجهاد اصلا ليس من اركان الاسلام الخمسة الذي بُنَي عليها ركائزه لكنهم عظّموه أيّما تعظيم وصنّفوه انواعا ومراتب متعددة لحاجةٍ في نفس يعقوب لأشباع رغبات هذا البدويّ القاحل في أرضه الصحراوية لدفعه حتى ينفلت من الجدب الذي يعيشه الى الرخاء المقبل الذي يتطلع اليه وما الداعي لبقائه في الحجاز الخانقة ونجد الرمال والقحط والربع الخالي .

والحقّ انه لم يثبت ان الرسول (ص) قد غزا أقواما مسالمة لم تعلن عداءها للمسلمين ولم تشكل خطرا متوقعا على الاسلام بل حتى لم نقرأ ان الرسول قد أغار على مدن آمنة تعدّ من وجهة نظر الاسلام كافرة دون سبب او مبرر باستثناء فتح مكة، اما بقية الحملات التي قام بها النبي فهي عبارة عن حروب دفاعية محضة كانت غايتها التصدي ومواجهة الكافرين في ” أحُد ” وتشتيت تجمّع اعداء المسلمين في معركة الخندق، لكن الطامة الكبرى والغزوات الهمجية والاكتساح العارم جاء بعد وفاة الرسول وفي زمن الخلفاء الراشدين وماتلاه ايام الامويين والعباسيين وماحصل من دمار واحتلال وهمجية وصَمَتْ الاسلام بأشكال من البداوة والشراسة والصلف والدناءة بما لايحتمل ذكره حتى اصبحت تلك التي يسمونها فتوحات غدت غزوات توسعية ذات اهداف طامعة ونوايا غريزية في الاستحواذ على خيرات الشعوب وسلب حريتها وكرامتها وتدنيس اعراضها من خلال التوسع في خلق اسواق النخاسة وبيع الجواري السبايا وانتقاء الجميلات منهن خادمات في بلاط الخلفاء والوزراء والميسورين وتحقيق المتعة، وتحدثنا كتب التاريخ ان كل خليفة كان يمتلك اكثر من الف جارية في قصره المنيف شغلهن الشاغل امتاع السيد الرأس بالفراش وتطريبه بالغناء والرقص والعزف مع قيان مفعمات بالغنج جميلات الوجه واللسان ولم يكتفوا بذلك بل شاركهن المخنثون والولْدان في جلسات سمر دائمة وشعراء من رعيل المتفكّهين البارعين في سرعة البديهية لترتيب قصائد تغنّى لينتشي الخليفة مع سمّاره طربا وسكرا غير آبِهٍ بما يعاني شعبه من ظلم وجور ومجاعة وحنق ولايعبأ بالشعوب الاخرى التي استحوذ على جميلاتها وسلب خيراتها وعيّن ولاةً من رعاته ليعيثوا فسادا ونهبا وجورا باسم الاسلام وبذريعة نشر العدالة ومبادئ وقيم الدين الحقّ حتى ان احد الشعراء استهزأ وهو يلفت انظار الناس الى الترف واللامبالاة التي لازمت الخليفة العباسي المهديّ وانشداده لحفلات الطرب وتعلّقه الدائم بالجواري والقيان .

ضاعتْ خلافتكم ياقومُ فالتمسوا

 خليفة الله بين النايِ والعُودِ

ولو أحصينا مافعله قادة الفتوحات من دمار وسبيّ وأسر وسرقات خزائن المدن المغزوَّة ونهب أراضيها وفروض الجزية التي كانت معظمها تذهب الى جيوب قادة العساكر لفاض بنا الكيل وامتلأت صحائفنا شرورا لاتنتهي بفعل تلك الغزوات وأورد هنا كلاما لعلي بن ابي طالب حينما بَلغَهُ قتل والي مصر محمد ابن ابي بكر الصديق على يد جماعة عمرو بن العاص الذي كان يُوصف من قبل عمر بن الخطاب وعثمان بن عفّان بانه يحبّ الرئاسة ويسعى اليها بقولهِ ” الا وان مصر قد افتتحها الفجرة أولياء الجور والظلم الذين صدّوا عن سبيل الله وبغوا الاسلام عوجا ” ناهيك عن حالات يندى لها جبين البشرية من المجازر والنيل من ابناء المدن المحتلة مثلما فعل اهل الفتوحات المسلمون ضد أمازيغ شمال افريقيا في عمليات سبيّ كبرى وصلت الى 600الف أسير من الرجال وسبايا النساء من البربر مقيدين بالسلاسل على يد هارون بن موسى بن نصير اذ كانت حصته وحده امتلاكا للرجال كعبيد والإناث كملْك يمين 50 الف اسير وسبيّة وحده يتصرف بهم كيفما يشاء وحيثما يريد .

وهناك حتى الان من الكتّاب ورجال الدين بما في ذلك المعتدلين منهم من يعتبر الفتوحات مشروعة باعتبار ان عددا من صحابة الرسول قد شاركوا فيها، ومنهم من يبرّر الخطأ في الحاكم وفي الوالي وحاشيتهما من الذين انحرفوا عن النهج الاسلامي المتمثل في نشر الدعوة الاسلامية بالإقناع والحجة والرضا، فما جرى من اعداد جيوش كبيرة للإنفلات خارج الجزيرة العربية في حقبة الخلفاء الراشدين ليس وفقا للضوابط الاسلامية والتي اساسها نشر التوحيد بالدعوة الحسنة من خلال اقامة الحجة انما لتمزيق شباك البداوة والخروج من حالة التصحّر في النفس العربية لإشباع الحاجة العربية القاحلة المجدبة من الرقيّ والتحضر على العكس من فارس والروم التي كانت في اوج ازدهارها الامبراطوري ومن ازهى حواضر العالم القديم بدليل ان الفتوحات تلك بدأت تتطلع الى الشمال الحلُم في مرابع ساسان وفي ارض السواد وبلاد الشام اليانعة حاضرة بني الاصفر كما يسمي العربُ اهل الروم بجزيل خيراتها واخضرار ارضها وحلاوة نسائها ولم تتجه ولم تبدأ في الجنوب حيث الفقر والفاقة والظلام الحضاري والنسوة السود التي لايطيب لها العربي ولاتشبع مناه بقدر ماكان لنساء فارس والروم من جمال ودلال كان يفتقر اليها الفرد العربي.

لايخفى ان اكثر سهام النقد ايلاما واشدّ الالسن وخزا وشتيمة للإسلام هي ظاهرة الفتوحات المشينة بمسالكها الوعرة وتوجهاتها الخرقاء لكل ماهو انساني بحق الشعوب الاخرى خاصة تلك التي لم تتعرض للإسلام بأيّ اذى ماحق .

 قرأنا عن سبيٍّ بالجملة وقتل عام حصد الصغار قبل الكبار واستعباد للفتية والشباب واستحواذ على اراضي الغير بالقوة واستيطان اجباري واستعمار مدنٍ بكاملها وضياع خصبة وبساتين مثمرة استحوذ عليها القادة الغازون مع اتباعهم وحاشيتهم ونهبوا ممتلكات حتى من أسلم وكبّر لله، وجنّدوهم ضمن جيوشهم ليكونوا حطبا وضحايا، اما من بقي على دينه وهم القلة القليلة فقد استنزفوا ثرواتهم المتبقية التي لم تنهب لاجل دفع الجزية طوال حياته .

ففي قصص التاريخ ان احد المتنفذين في رأس السلطة كان مر على احد الاسواق فرأى ذميّا هرما لايكاد يقف وقد انهكه الكبر يعيش متسوّلا هذا العابر وذاك القاصد لأجل سدّ رمقه فتأثّر لحال الشيخ فصاح بهم قائلا وكأن نبرة من تأنيب الضمير قد صرخت في حنجرته وهو يشير الى بقايا هيكل الذميّ السائل : ” أكلتموه في شبيــــــبته وتركتموه في شيبته ! “

ولأن التاريخ عبر ودروس للحاضر والمقبل الذي سيأتي حتما، ها هو يعيد نفسه مرة اخرى متمثلا بما يسمى الآن داعش التي احتلت بقاعا واسعة من بلاد الشام والعراق ؛ نراها نسخة كاربونية مما كانت عليه الفتوحات الاسلامية قبلا وكأني بها امتداد لما سبق من احداث مريرة وصفحات سود من التنكيل والتهجير والنزوح والبشاعة وكل هذا جرى في المناطق التي تسيطر عليها الجماعات الاسلامية المتمثلة في داعش وطرائق تهجير مسيحيي الموصل وحادثة راهبات معلولا في سوريا وما حيق بالطائفة الايزيدية في سهل نينوى من ويلات وكوارث في منطقة سنجار فمازال الطوفان في اوّله وسيبقى الحبل طويلا ولم نصل الى بدايته .

فما عدا مما بدا !!، هي نفس المشاهد المرعبة والسيناريو القديم، الصورة ذات الصورة، فتوحات قديمة تناظر الجديدة شكلا ومضمونا في الفعل والسلوك والعنجهية والوحشية، ألِفَ اجدادنا القادسية الاولى وألفْنا نحن القادسية الثانية كما سماها الدكتاتور المرعب في ثمانينات القرن الماضي وستأتينا قادسية ثالثة وربما يرموك اخرى وذات صواري وبلاوي حمر وشوهاء فيما ينام السلام كسيرا مخدّرا ولا من باعث يوقظه فكلهم امراء حروب ومقاتلون ومجرمون وجزّارون ودعاة حروب وتجار سلاح ونهّابو أموال الزكاة والخمس والجزية وما يقدمه الفقراء السذّج من نذور وأضاحي وأموال ترمى في الاضرحة ومغرمو فراش وجنس مما ملكت أيمانهم من سبايا وجوارٍ ومن حليلات المتعة والمسيار وتعدد الزوجات على طريقة المثنى والثلاث والرباع ولا يعنيهم نشر الاسلام وتوسيع رقعته بقدر ما تعنيهم اشباع نزواتهم وهلعهم للمال والجنس والحظوة والقيادة .

ومما يلفت النظر حقا ان الكثير من الشعوب التي غزاها الاسلام بالسيف قد ارتدّت لاحقا حين ضعف ساعد الفتوحات اما من اعتنق الاسلام عن قناعة ودون ارغام او خوف فقد ظلّ مسلما والغريب ايضا ان الدولة الاسلامية في فترتها المظلمة الواهنة كانت هي الاخرى عرضة للغزو حيث كانت اكثر الغزوات عنفا وتدميرا من قبل قبائل المغول الهمجية من اواسط آسيا وصولا الى بغداد عاصمة الخلافة الاسلامية لكن الاغرب ان هؤلاء المغول قد اعتنقوا الاسلام عقيدة راسخة فيهم وأخذوا مبادئ وشريعة المسلمين نهجا لهم في حكمهم وهم في اقوى شكيمتهم بينما اصحاب الاسلام من العرب ينخر فيهم الضعف والهوان مما يدلل ان الفتوحات رغم قوتها الصلبة وقوة ساعد سيفها لم تؤتِ أكلها بل على العكس كان تأثير الاسلام واضحا في نفوس المغول ليس في بقاعنا العربية فحسب وانما في كل الاراضي التي احتلّوها فانتشر الاسلام انتشارا ملحوظا على يد المغول وأكثر بكثير مما فعلته الفتوحات التي يتباهى بها المتعنتون .

ونفس الامر حصل حينما اكتسح العثمانيون الاتراك الاراضي العربية وأخضعوها لسلطانهم وعيّنوا الولاة منهم في كل البقاع المحتلّة وتبنّوا الاسلام عقيدة راسخة في بلاط القسطنطينية والمستعمرات التابعة لها ونصّبوا من رجالهم السلاطين خلفاء على الملأ العريض من الناس في كل الاراضي الشاسعة التي كانت تحت سيطرتهم وعلى غرار النظام الاسلامي في مسك الحكم وقيادة الدولة فصار الاسلام دين الدولة الرسمي في عهدهم مع ان العرب المسلمين اصلا كانوا في اوهن حالاتهم وأشدّ حالات ضعفهم فصاروا اتباعا للبدو الهمج من العثمانيين العتاة الغزاة وانتســـبوا للإسلام نهجا وشريعة.

يتبيّن من هذا الموقف ان الفتوحات والغزوات اثناء القوة الصلبة للدولة الاسلامية حينما رفعت سيفها تخويفا وارغاما للشعوب المحتلة على اسلمة الملأ المنهزم عنوة لم تجدِ نفعا بينما الوهن والضعف كان خير عون لها في اتساع الاسلام وانتشاره في تخوم معظم اسيا زمن احتلال المغول لأراضينا ونفس الحال جرى حينما توسعت الدولة العثمانية وامتدت اراضيها اماكن شاسعة جدا في المشرق فانتشر الاسلام اكثر مما انتشر بالسيف والقوة على يد خلفاء بني عثمان الجدد، ولو كنا دعونا الى سبيل ربنا بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلنا المختلفين بالحكمة والموعظة الحسنة واتخذنا من القوة الناعمة نهجا والعقل والحوار مسلكا صائبا ونبذنا اشكال الفتوحات وويلاتها وماخلّفته من دمار شامل بسبب النــــــــزعات العدوانية التي استغلها القادة العسكريون لاشباع شهواتهم في حب المال والإثراء والنفوذ والنساء باسم الاسلام والفتوحات المبينة وخزعبلاتها التي أساءت للإسلام كثيرا فقد تحوّلت الفتوحات عن هدفها في الهداية الى الجباية ومن الدعوة الى يقظة الضمير والنفس الى امتلاك النساء واللهفة للجنس .

لم يجانب الصواب الفيلسوف الالماني هيغل حينما قال ان التاريخ سوف يعيد نفسه لمرتين، المرة الاولى جاءت على هيئة تراجيديا مأساة والمرة الاخرى بهيئة مهزلة وملهاة وهذا مافعلت بنا داعش ومن سار على منوالها وسلك نفس طريقها، وللفتوحات القديمة – الجديدة العائمة الان في خلقها شجون وشؤون فقد اختلط الحابل بالنابل والمثقل باللحم وبالناحل والناهض بالسافل .

 

جواد غلوم

 

صادق السامرائيوالنفس طاقة وتنطبق عليها قوانين الطاقة، وأن الحالة النفسية لأي مخلوق مرهونة بفكرة ذات قدرة على التسيّد والتملك الذاتي، وما نسميه بالأنا والأنا العليا والإد، ما هي إلا مستويات تصارعية ما بين طبقات فكروية حالّة في الأدمغة ومتراكمة في أوعيتها، وتتناسب قوتها مع ما يعززها ويراكمها وينميها، فقوة ألف لتر في وعاء أكبر من قوة عشرة لتر في وعاء.

وقد لا تحتوي النفس على أفكار بمستويات ثلاثة، لكنها الاصناف الرئيسية التي تمكنا من تحديدها، بينما الواقع الوعيوي يشير إلى أن النفس مجال كهرومغناطيسي لأفكار لا تعد ولا تحصى،

ولهذا فأنها لا تتطابق أو تتشابه، وإنما هي كبصمات الأصابع التي لا يمكنها التطابق في شخصين.

فالطاقة تلد أفكارا، أو تنعكس في فكرة تسعى لكينونة مادية أو طاقوية، وتتسبب في حث مجالها الكهرومغناطيسي الذي يمكن القول بأنه النفس.

وعليه فأن العقود القادمات ستشهد إنقلابات وتطورات نوعية حادة في علوم الدماغ، وستصل إلى أعماق العُصيبات وستتمكن من تنميتها وتأهيل الأدمغة لإعادة ترتيب إرتباطاتها العُصيبية، وتحقيق التفاعلات المطلوبة التي تساهم في الحفاظ على أبجدية الحياة.

فالدماغ فيه خلايا يمكنها أن تلد دماغها أو أي جزء يتلف أو يُصاب بمرض وعَرض، شأنه شأن باقي الأعضاء الموجودة في الجسم.

ومن الملاحظات المتكررة أن النباتات تسعى للحياة وتقاوم الموت، ولهذا عندما تقطع جزءً منها وتغرسه في التراب فأنه ينمو ليكون شجرة كالتي قُطع منها، وكذلك البذور، وهذه الإرادة الصيروراتية يمكنها أن تنطبق على الخلايا الدماغية، إذا تعلمنا أو إكتشفنا الخلايا ذات القدرة التوالدية والخلقية.

فيبدو أن في كل مخلوق مهما كان نوعه إرادة تكوّنية تقاوم الإنقراض، وتسعى للتعبير عن ملامحها ودورها ورسالتها المحكومة بسلطة الدوران.

إن المهتمين بالنباتات يعرفون كيف أن في الغصن المقطوع من النبتة أو الشجرة قدرة لا محدودة على صناعة الحياة، وإستحضار صورة الشجرة التي كان فيها أو النبتة التي قُطِع منها.

وقبل بضعة سنوات وجدتني أقف واجما أمام طوابير من العقول الشابة المتخرجة حديثا، وهي تسعى للتخصص بعلوم الدماغ وتبحث في ماهيته وأسرار ما فيه، ومَن يتأملها يدرك بأنها ستكشف الغطاء عن حجب توارثتها الأجيال.

(6)

ترى هل تنطبق هذه القاعدة أو القانون النباتي الصيروراتي على الأفكار؟!

بمعنى أن الفكرة كالثمرة الساقطة من شجرة كونية كبرى، ويمكنها أن تتحقق إذا وجدت الوعاء البيئي المناسب وتصنع شجرة أصلها وترتقي بوعائها إلى قِوى أخرى ذات مروج مكتظة بالفِكر والصور والخيالات الواعدة.

وهل أن الأفكار آلات جديدة يمكن تسخيرها للقيام بالأعمال الصعبة، فطاقات الأفكار ذات قدرات كونية كبرى ومطلقة، وهذا ربما يفسر بناء الشواهق الخارقة في الأزمان الساحقة، كالأهرامات والأبراج والزقورات والنصب العالية كما في الكرنك، وربما أن طاقة الأفكار وما تتمكن منه نطلق عليه بالخوارق وغيرها من التسميات.

ويبدو أن الحالة التنافرية القائمة ما بين الأفكار تؤسس لفلكية كونية ذات تفاعلات تكوّنية.

فالفكرة مثل الأرض لها طاقات جذب إنضمامية كابسة قادرة على التصنيع والتنويع والتسرمد في ذاتها المُدرَكة بالمجال الكهرومغناطيسي، ومتى ما فقدت الفكرة هذا المجال الحاني الحامي الراعي فأنها تحقق موتها .

والفكرة ذات قدرات دفاعية وعدوانية وإنتحارية أي أن الأفكار تنتحر!!

(7)

والأفكار تتدامج والطاقة المتحررة من السلوك الإندماجي للأفكار تكون مدوية ومتوالدة، وهذا ما تحققه العقائد، وحالما تسعى للإنفلاق أو التفلّق فأنها تحرر طاقات مضادة لوجودها، وبهذا فأنها تفقد قدرات التدامج وتسقط في مهاوي التغالق والتماحق.

وهكذا نرى سلوك الأحزاب المنغلقة أو المنشقة التي تتحول إلى صيرورات طاقوية إستنزافية وتمترسات إستضعافية إندحارية إنتحارية، مجردة من القيمة الحضارية والدور المؤثر في صناعة المسيرة الأفضل.

والأفكار تتدحرج على السطوح ولكي يتم القبض عليها لابد لها من التأخدد أي الوقوع في أخدود، وهذا يفسر أخاديد القشرة الدماغية، ففيها يتم إصطياد أو قنص الأفكار، ولو أن الدماغ تسطح لفقد قدرات التفاعل مع الأفكار التي يزدحم بها فضاء الوجود الكوني، ولا يُعرف هل يمكننا قياس النشاطات الكهرومغناطيسية في أخاديد الأدمغة وقدراتها على الجذب أو الإصطياد الفكروي.

(8)

إن الغوص في مجاهيل الدماغ يأخذنا إلى مجاهيل الكون البعيد، وكلما إزدادت معارفنا بالكون كلما إقتربنا من فهم الدماغ وما يدور في عوالمه الظلماء.

فليس من العبث أن يكون الدماغ في ظلمة، لأن الكون معظمه ظلام دامس، وهذا يعني أن الظلام لابد أن يكون طاقة، ونحن ما زلنا بعيدين عن إدراك طاقات الظلام.

لكن وضع الدماغ في غرفة ظلماء يشير إلى أنه في محيط طاقوي عظيم، يمده بالقدرات اللازمة لإستحضار الأفكار من ظلمات عليائها أو توفير البيئة المناسبة لتفاعلاتها، وإنباتها ونموها والتعبير الرمزي والمادي عنها.

أي أن الفكرة تأتي من فضاءاتها الظلماء إلى صناديق صيرورتها الظلماء في جماجم الأحياء، وهذا يعني أن الفكرة تنتقل من كونها الأظلم الأكبر إلى كون أظلم آخر أصغر، وهذا يمنحها طاقة هائلة للتعبير عن ذاتها وجوهر ما فيها.

فالفكرة بحاجة لوعاء مغلق تتخلق فيه وتتبرعم وتتوالد، وتندمج وتنفلق وفقا للحالة التي تمكنها منها العُصيبات التواصلية بدوائرها، وحلقاتها النشطة التعبيرات والتخاطبات والتكونات المتجددة لعناصر ما تحتويه، وآليات إطلاقها بجسيماتها الطاقوية التي تمدها بنسغ التبرهن والتصدح والوضوح.

والخلاصة هذه خواطر أولية متفرقة عن طبائع الأفكار والعقول، بحاجة إلى مزيد من الإفاضة والتعمق والبحث، والإستظهار العلمي للكينونات الطاقوية للأفكار وآليات تفاعلها مع الأدمغة، وهي إقترابات فيزياء - نفسية، تهدف إلى وعي جوهر الأفكار وكنه العقول.

ويبقى السؤال الغريب العجيب الذي مفاده هل أن الأفكار كائنات حية؟!

وهل أنها جسيمات موجية لا بد من التوصل لقياسها وقوانينها ومعادلاتها التفاعلية؟!

ستجيب على هذه الأسئلة وغيرها الأجيال المتبحرة في علوم الدماغ، وسيكون جوابها حاضرا في القرن الحادي والعشرين حتما!!

 

د. صادق السامرائي

 

مصطفى غلمانتعاني مناهج البحث العلمي في علوم الاتصال مشكلات التطوير وغياب الكوادر المتخصصة في مجالات المعرفة الاتصالاتية وشبكات الاتصال الإعلامي الأكثر قدرة على معالجة البحوث والدراسات ذات المقاربات الشاملة في صنوف الجمع والتخزين ومعالجة الظواهر ونشر الأخبار وتفكيك براديجمات الصور والتقارير، ما يضع المتلقين أمام وضعيات معرفية تشاركية مفتوحة على كل الاحتمالات والانتظارات، منها ما يتصل بالمجتمع عامة، والآخر بالتطورات المتلاحقة التي تشهدها الساحة الإعلامية بعد سلسلة من طفرات الانتشار المهول والفسيح لوسائط الاتصال ومتلاحقات الأنترنيت والفضائيات المعولمة.

ومما يزيد من اتساع الهوة بين واقع تحديث تلك المناهج واتساع وظائف الاتصال وتراكماتها، إن على مستوى القيم الجديدة التي أصبحت تعاني انكماشا وتضعضعا، خصوصا في ما يتعلق بوازع التنشئة الاجتماعية وتحللات المسألة التعليمية وفواعل التثقيف ونظم الحوار وآلياته، أو التوجهات الجديدة للاتصال الخدماتي ومباعثه المخيفة في قطاعات الماركوتينج والدعاية والإشهار، التآكل المهول لأخلاقيات استعمال أساليب الممارسة الإعلامية بأشكال مؤرقة تستدعي التفكير في مآلات المعرفة الاتصالية وجهود مناهج البحث العلمي في استتباب وتحقق التراكم بما هو حقيق بالتطور والإيجابية والتراكم والتحفيز.

وقد نظرت العديد من الأبحاث العلمية في الحاجة الملحة إلى إعادة تأصيل نظرية جديدة لمناهج البحث الإعلامي، تقوم أساسا على تعميق فهومنا للاختيارات والاستخدامات من أجل التمكن من مواضعات المشكلات البحثية و" تحديدها وصياغة فروضها ووضع أنسب الأساليب لدراستها والتوصل إلى نتائج يوثق في صحتها "ـ 1ـ

وتقوى هذا الاتجاه مؤخرا وصار هاجسا استراتيجيا في منظومة التكوين والتأطير الإعلامي، كما حققت بعض الدراسات في مجال البحث الإعلامي انتقالا مدهشا، من استشعار خطر التأثيرات المتلاحقة لدور وسائل الاتصال في القضايا ذات الأبعاد الشخصية وارتباطاتها بمظاهر السلوك الفردي والجماعي.

ويرقى الاهتمام بمجال البحث الإعلامي كلما اتسعت النوافذ المنسوجة على معابر الفورة الأنترنيتية وصرعات الفضائيات ووسائط الاتصال المهولة. ولعل ذلك مما يفرد جوانب هامة وأساسية في بنية البحوث الاجتماعية وعينات موازية في جملة من التطبيقات بتماثل مع مناهج البحث العلمي.

ومن نافلة القول التأسيس على النظر بقيمة المنهج ونتائجه عند دراسة الحالات المعنية، ما يجعلنا تواقين لكشف المشكلات والمثالب التي تفصح عن بروز عناصر خارج سياق الزمن وتوقعات عدم الاستجابة ومتغيرات ترتبط بمستويات التفكير والقيم والمعتقدات والاتجاهات والآراء.

من ثمة يستدعي الإيمان بالبحث الإعلامي في أول الخطوات النظرية أن يتعامل " مع المفاهيم على أنها تجريدات" ـ 2 ـ وهي القواعد البنائية الصلبة التي تقوم عليها النظريات والقوانين العلمية بغرض تحقق المعارف وتطوير العلاقة بها.

ويتوق خبراء الاتصال إلى تجسير علاقتنا بالمفاهيم، بما هي وسائل تساعد على تنظيم الخبرة العقلية بخيارت عديدة مباشرة وغير مباشرة وذلك عن طريق استخدام الوسائل التعليمية والنظم البيداغوجية المختلفة. وعلى أساسها ينجلي البحث الإعلامي كبرنامج مفتوح على كل البديهيات التي تقوم عليها علوم الاتصال والمجتمعات الرقمي " وهو المجال الذي أفردت له الباحثة السورية فريال مهنا دراسة علمية عميقة، جعلت من أهم زواياها بسط جملة من النظريات في الاتصال والاعلام الجماهيري وتأثيراته الثقافية والاتصالية والسيميولوجية والأنساق الحديثة لأنظمة الاتصال. إلخ ـ 3 ـ

إن الحاجة اليوم إلى تقدير سلطة رمزية دامغة لتشكلات قيم مندورة لتصحيح مناهج البحث العلمي الإعلامي، تواكب عمليات التغيير والتنقل الفجائعي الذي تعرفه تطبيقات وسائل الإعلام ووسائط الاتصال، من مجرد استعمال ميكانيكي جاف، مغيب عن الواقع ومجافي لطبيعة التحديث وآليات الاندماج المطلوب، تعوزها التأطير الواسع من داخل المبادئ الكبرى لمنهج البحث العلمي وموضوعات التصنيف وأنماطه وتوجهاته النظرية والاعتبارية وخصائصه واستخداماته الدقيقة في مجالات البحوث الاجتماعية والثقافية والنفسية.

ولن تقوم لتوابع تلك القيم الإعلامية الممهورة على أعتاب انسلاخات ومسالخ تغرق يوما بعد يوم في متاهات الانحراف عن الأهداف الرئيسة التي خلقت لأجلها، إلا باستعادة ترسيم حدود لا فكاك منها في خريطة البحث الإعلامي ومجنساته القادرة على المراجعة وتمكين واجهة التخصص والمعرفة الإعلامية من مواكبة وتحميس المجتمع من مواجهة المعضلات القيمية التي تكرس لدونية الإنسان وانغلاق أفق تفكيره.

 

د. مصــطفى غَــلْمَـان

................

هوامش

1 ـ " مناهج البحث الإعلامي " بركات عبد العزيز ـ دار الكتاب الحديث ط1 القاهرة ص16

2 ـ " التفكير العلمي" فؤاد زكريا ـ عالم المعرفة الكويت 1978 ـ ص 78

3 ـ انظر " علوم الاتصال والمجتمعات الرقمية" فريال مهنا ـ المطبعة العلمية دمشق 2002 / ط 1 .

 

سارة طالب السهيللاشك ان تعليم المرأة في العصر الحديث قد أتاح لها فرص تشكيل وعيها وإدراكها بقيمة ذاتها ووفر لها فرص العمل لتحقيق قدر من الاستقلال المادي في مواجهة ما تكابده من تمييز اجتماعي وثقافي.

وبالرغم من المكاسب الظاهرية التي حققتها المرأة في تولي العديد من المناصب القيادية العلمية والثقافية والاقتصادية، غير ان تمثيلها السياسي لا يتجاوز1% ، وهو ما يؤشر علي تهميش دورها في صنع القرار، وتراجع دورها في سوق العمل، حيث ترتفع البطالة في صفوف النساء في العالم العربي ولا تزيد نسبتهن عن 25% بينما النسبة عالمياً أكثر من 40%.

فالمرأة لم تستطع حتى اليوم حماية نفسها من قهر وتسلط الثقافة الاجتماعية التي تميز بين البنت والولد في التنشئة، وكذلك العنف المسلط على رقبتها بسيف العادات والتقاليد والمورثات التي تتعامل مع الأنثى على انها انسان من الدرجة الثانية لابد وان تظل تابعا مما عرضها للعنف بشتى أنواعه.

ذهنية القهر

الغريب في الامر، الكثير من الرجال مهما اختلفت مستويات طبقاتهم الاجتماعية ومفاهيمهم الثقافية والاجتماعية وتباين تعليمهم داخل الأوطان العربية او في الخارج، فانهم يتشابهون كثيرا في ممارسة اضطهاد المرأة من تعنيف وضرب، والتضييق عليها في العمل، وإغفال حقوقها العمالية والمالية وحرمانها من الترقي الوظيفي وغيرها.

ويبدو هنا التناقض جليا بين الطبقة المثقفة العربية في مناداتها بتحرير المرأة وحقوقها وبما ما قد يمارسه بعضهم من استلاب حقوق المرأة واقعيا، وهذا يرجع الى اثر التربية الاولى التي تلقاها الرجل العربي على يد أمه بكونه مميزا عن المرأة، وان هذا المكتسب في الطفولة ليس من السهل التخلي عنه مهما تلقى من تعليم وثقافة.

أزمة في الطفولة

تعاني المرأة من ثقافة اجتماعية تضعها في مرتبة أدنى من الرجل منذ الطفولة، مما يعرضها وهي في مراحل نشأتها وتربيتها داخل المؤسسة الاسرية للعنف الجسدي والمعنوي والاجتماعي .

فالبيت يمارس موروثا ثقافيا يعتمد على العنف والتمييز بحق صغار الفتيات، ويبدأ منذ ان تعلم الاسرة بان المولود أنثى، فالثقافة السائدة ترى ان الطفل الذكر يحافظ على كيان الاسرة ويحافظ على اقتصادها، بينما الأنثى فهي تابعة ضعيفة وقد تجلب العار للأسرة، ولذلك خرجت العديد من الأثار الشعبية المعبرة عن مفهوم العقل الجمعي الشعبي الذي يرى في انجاب البنات هم حتى الممات، وضرورة ممارسة العنف ضدها كما يقال في الأثر " اكسر للبنت ضلع اثنين" هذه الموروثات الاجتماعية تؤهل الطفلة على خدمة أفراد الأسرة بما فيهم إخوتها الأصغر والأكبر منها، فبينما تترك الطفل والصبي يلهو ويلعب بكل حرية، تجبر الطفلة على الطاعة الكاملة لذويها واخواتها الصبيان وتكريس تفانيها في خدمتهم واجبارها على القيام بأعمال المنزل وانزال العقاب  بها عند اية غلطة.

وفيما تتشرب الفتاة معاني هذا التمييز في الحقوق والواجبات، فإنها تنشئ وهي تشعر بالدونية والنقص قد تصاب بالانطواء والخجل الزائد ، وقد تصاب بنوبات من الاكتئاب الحادة،  وينمو بداخلها مشاعر التبعية وعدم القدرة على اتحاذ القرار، وعندما تشب عن الطوق وتتزوج تحاكي نموذج أمها في تربيتها لأبنائها دون وعي وادراك الى انها تعيد كرة المآسي على طريق " هذا ما ألفينا عليه آبائنا ".

فهناك اصناما فكرية تربوية واجتماعية لا تزال للأسف راسخة في العقل الجمعي للشعوب ومنها الشعوب العربية التي لا تريد حتى الان ـ رغم انتشار التعليم وعصر السماوات المفتوحةـ ان تكسرها، لانها ترى في الهيمنة الذكورية قوة لا تريد التنازل عنها رغم انها تناهض قيم المساواة والعدل، ورغم أهميتها هذه المساواة في نهضة الأمم لان الأمم تنهض بنهوض الذكر والأنثى  معا.

ولاشك ان هذه المفاهيم التربوية والاجتماعية المغلوطة في تنشئة البنات تتنافى مع كل القيم الإنسانية والدينية التي تحث على وجوب معاملة الانثى بالرحمة والعطف ومنحها حقوقها الإنسانية، وذلك مصدقا لما قاله رسول الله صل الله عليه وسلم :(استوصوا بالنساء خيرا فإنما هن عوان عندكم، إن لكم عليهن حقا، ولهن عليكم حقا). وكذلك قوله " ص" ( فأتقوا الله في النساء, فإنكم أخذتموهنّ بأمان الله, واستحللتم فروجهن بكلمة الله). وكذلك حديثه (ص): (إنما النساء شقائق الرجال، ما أكرمهن إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم)

كما جاء في القران الكريم

(الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ )

التي يفهم منها ان القوامة لمن انفق ولمن كان الأفضل (فضل الله بعضهم على بعض) اَي بعض الرجال تفضل من بعض النساء وبعض النساء أفضل من بعض الرجال وليس التفضيل بالجنس كذكر او أنثى وإنما العقل والصلاح والأهلية

فمثلا السيدة مريم العذراء أفضل بكثير من اكثر الرجال والسيدة خديجة كذلك والسيدة عائشة والسيدة آسيا .

مسئولية المرأة

لاشك ان المرأة نفسها مسئولة عما تتعرض له من تهميش والانكار لدورها، لأنها من ناحية تجهل حقوقها المشروعة بالقوانين الدينية او الوضعية الانسانية، وان عرفتها فإنها لا تعرف كيف تحافظ عليها وتجني ثمارها.

ولعلي احمل المرأة مسئولية الإشكالية الكبرى وهي إصرارها على الحفاظ على المورث الثقافي الاجتماعي الذي يهدر كرامة المرأة ويضيع حقوقها ويضعها في خانة الاستلاب الدائم، وكأن هذه الموروثات الاصنام بمثابة عقائد دينية ثابتة لا تقبل الشك او الكسر.

فالمرأة هي التي تنقل لأبنائها هذه المورثات اللاإنسانية العفنة وتعيد انتاجه عبر الأجيال بما يقيد حرية المرأة ويعرقل تطور نموها العقلي والاجتماعي والإنساني.

لذلك، فإنني اعتقد ان اية جهود لنهوض المرأة وتمكينها اجتماعيا لن تتحقق بمعزل عن إعادة وعي المرأة بحقوقها المشروعة دينيا وثقافيا وقانونيا، وهو الوعي  الذي يتشكل منذ الطفولة المبكرة خلال عمليات التنشئة والتربية والتفاعل الإنساني داخل مؤسسة الاسرة المتعمد على قيم المساواة والتقدير الذاتي لكل من الفتى والفتاة دون أي تمييز في المعاملة او العطايا، ثم تنتقل معطيات هذا العدل والمساواة داخل مؤسسة التعليم ثم المؤسسة الزوجية عندما تتحول الفتاة الى زوجة ومن ثم أم تعرف كيف توازن بين حقوقها وواجباتها دون اهدار لأي منهما.

هنا فقط تستطيع المرأة ان تربي جيلا متوازنا ثقافيا وتربويا لا يعرف معنى للتمييز او الاقصاء او تهميش لأي من افراده، وكل فرد فيه من ذكر أو أنثى ينعم بالمساواة في الحرية والعمل والتلقي الثقافي ويكتسب فنون الاختيار الناضج في معترك الحياة المتلاطم الأمواج.

 

سارة السهيل

 

عمار حميدسواءا في السرد او الواقع هناك اشارات مهمة تنطبق على المكان تعتمل في النفس والعقل لتختزن في النهاية في لاوعي الانسان وهذا ما تنبهت له اثناء قراءة لكتاب الدكتور والناقد مالك المطلبي (حفريات في اللاوعي المهمل) والذي يثير من خلاله علاقة الذاكرة مع المكان واستعادتها له عبر احداث مختزنة في الماضي يبدأ بأنتزاعها من مكانها كما هي عن طريق (أزميل) لغوي يُنتج مايقرأ كما تبين مقدمة الكتاب.

بداية لابد من التعريف بمعنى الأطار المكاني فهو الحيز البصري الذي من خلاله نستطيع ان نميز مكانا معينا بذاته، او هو كل ماتقع عليه عيني الانسان فيثير بداخله جملة من المشاعر والأحاسيس والأفكار المعينة، وفي رأيي هناك ثلاثة أنواع من الأطر المكانية التي تترك الأنطباع لدى الأنسان:

النوع الأول هو الأطار المكاني الذي يراه الأنسان لأول مرة حيث يستجمع افكاره وأحاسيسه للتعرف عليه والتواصل من خلاله وأستكشافه وسأطلق على هذا النوع من الأمكنة (المكان الحسّي)، اما النوع الثاني من الأطر المكانية هو ذلك الذي عايشه الأنسان لفترة معينة ثم أنقطع عنه ثم عاود الرجوع اليه فيعمل عقل الأنسان على استرجاع الذكريات لمحاولة الأتصال من جديد مع المكان وسأدعو هذا النوع من الأمكنة (المكان المخزون) لأنه مخزون في الذاكرة، والنوع الثالث من الأطر المكانية هو أجتماع النوعين الأول والثاني حيث يرى الأنسان مكانا عايشه لفترة محددة ثم أنقطع عنه وعندما يعود الى المكان من جديد سيعمل على استرجاع الذكريات ويستجمع الأفكار والأحاسيس الجديدة للتعرف على التغيرات الكبيرة التي طرأت على المكان وأحدثت فيه أمورا جديدة وسيكون اسم هذا النوع من الأمكنة (المكان المتفاعل) كونه يعمل على زيادة المؤثرات داخل النفس بسبب الصراع بين الذاكرة والأستكشاف.

تتغير أنماط المكان بالنسبة للشخص الذي لايترك مكانه مابين النوعين الأول والثاني فمع الوقت يتغير المكان المخزون ويتحول تدريجيا الى مكان حسّي، اي انه كان مكانا ثابتا لاتغيير فيه ولكن مع مرور الوقت سيبدأ بالتغير الى مكان جديد تدريجيا يختلف تماما عما كان عليه والفترة التي يتغير فيها هي فترة (تفاعل الأحاسيس مع المكان) وهذا يمكن ان يُشار اليه بأنه تفاعل أيجابي حيث يكون دلالة على خلق احداث جديدة في المكان تحفز على الأبداع والأبتكار فيما اذا لو كان المكان حسيّا اي انه جديد على الحواس لدى الشخص ثم يتحول الى مكان مخزون (اي لاتحدث فيه احداث جديدة ويبقى كما هو) فيُشار الى هذا التفاعل انه تفاعل سلبي فيأخذ حالة أشبه بالركود فلا تعمل على اثارة الأحاسيس والأبداع في العقل.

وفي النهاية فأن الجامع لكل ماتقدم هو (الفضاء) او الحيز الذي يشغله المكان والذي ندعوه ايضا (أجواء المكان) فهذا العنصر يختلف تأثيره في الأحاسيس والحالة المكانية فهو يعطي اشارات متوازية مع نوع المكان سلبيا او ايجابيا فغالبا مانستخدم تعبير (الأجواء مثقلة) في وصف حالة مكان ذي تفاعل السلبي او ان (المكان يعج بالحيوية والنشاط) في حالة مكان ذي تفاعل ايجابي.

 

عمار حميد مهدي

 

عام 1953، نحت هافيجهرست Havighurst مفهوم مطالب النمو، محاولًا تحديد الخطوات الضرورية التي ينبغي أن يمر بها نمو الإنسان منذ لحظة ميلاده وحتى نهاية عمره لأجل تحقيق حاجاته وإشباع رغباته الإنسانية العامة، ومنذ ذلك الحين أصبح هذا المفهوم من المفاهيم الأساسية في علم نفس النمو، كما أن له تعلقه الواضح بكثير من المشاكل الاجتماعية والتربوية.

وتتفاوت مطالب النمو لكل مرحلة عمرية ما بين مطالب أساسية ومطالب عامة ومطالب فرعية، وهي أشبه بدرجات السُلم، نخطوها تباعًا. ولا يعنينا تصنيف مطالب كل مرحلة. ما يهمنا فقط أن نفهم أن هناك ما يحتاجه كل فرد إنساني في كل مرحلة عمرية ليعيش سعيدًا في تلك المرحلة وما بعدها من مراحل عمرية؛ ذلك أن تحقيق مطلب من مطالب نمو المرحلة يؤدي إلى تسهيل تحقيق المطالب الأخرى في المرحلة العمرية نفسها وما يليها من مراحل.

كما تتفاوت مطالب النمو في الدوافع الكامنة خلفها؛ فمنها ما يأتي كاستجابة لمظاهر النمو العضوي السليم مثل تعلم الطفل الصغير للمشي، ومنها ما يتأثر بالتنشئة الاجتماعية وثقافة المجتمع كتعلم القراءة والكتابة في المجتمعات غير البدائية، ومنها ما يتأثر بمستوى طموح الفرد فمطلب نمو مثل مزاولة مهنة كالطب أو التدريس الجامعي لا يساوي مزاولة مهنة بسيطة لا تحتاج جهدًا سابقًا في تعلمها كالبيع والشراء.

وجميع مطالب النمو لو دققنا فيها لها صلة بتواصل الفرد الاجتماعي، حتى المطالب ذات الصبغة البيولوجية كتعلم المشي بشكل سليم أو تعلم الكلام أو ضبط الإخراج؛ لأنها ستؤثر حتمًا على تفاعله الاجتماعي مع الآخرين.

في مرحلة الطفولة تتركز مطالب النمو على المطالب البيولوجية كبداية؛ فيلزم الفرد تعلم المشي وتعلم استخدام عضلاته الصغيرة للقبض على الأشياء وغيرها، وتعلم الأكل، وتعلم الكلام، وتعلم ضبط الإخراج، وتعلم المهارات الحركية اللازمة للألعاب والأنشطة البسيطة التي يقوم بها، لكن لا يخلو الأمر من تعلم اجتماعي، فالطفل ومنذ طفولته يتعلم أن يرتبط انفعاليًا بوالديه وعائلته.

لكن في مرحلة لاحقة تظهر أهمية تعلم أشياء أخرى غير بيولوجية، كتعلم القراءة والكتابة، وتعلم معايير السلوك الاجتماعي السليمة، والتمييز بين الصواب والخطأ، وتكوين مفاهيم بسيطة عن الحقائق الاجتماعية وعناصر الطبيعة من حوله.

ويشتد التوجه نحو التعلم الاجتماعي كلما ارتفع سن الطفل فيتعلم الفروق بين الجنسين، ويبدأ إدراك مفهوم الدور الجنسي في الحياة، ويتعلم مصاحبة الأقران وليس فقط أن يكون في جماعة يلعب معهم، والأهم أن يُكوِّن اتجاهًا إيجابيًا نحو نفسه في هذه المرحلة، ويبدأ تكوين الضمير وتعلم القيم الخلقية والمعايير السلوكية المقبولة في المجتمع.

بدخول الإنسان مرحلة المراهقة يكون قد أتم نضجه الفسيولوجي، لكنه لا زال قاصرًا اجتماعيًا، لذا فإن مطالب النمو في مرحلة المراهقة تركز على كل ما يؤدي بالفرد إلى تحقيق التوافق النفسي والاجتماعي، ومن أهم تلك المطالب تقبل التغيرات التي تحدث له نتيجة نموه الفسيولوجي وأن يتوافق معها، وأن يتقبل مظهره الجسماني، ولهذه المطالب دورها الهام في تحقيق مطلب نمو هام من مطالب المرحلة وهو تحقيق الثقة في الذات، ولهذا أثره القوي على تفاعله الاجتماعي. وهناك مطالب اجتماعية أخرى في المراهقة لها أيضًا تأثيرها على تواصل الفرد الاجتماعي وهي: تكوين علاقات جيدة مع الرفاق، وتقبل الدور الجنسي في الحياة كذكر أو أنثى، والتصرف بما يلائمه. ومن مطالب النمو في المراهقة أيضًا استكمال التعليم واختيار مهنة والاستعداد لها على كل المستويات الجسمية والعقلية والاجتماعية، وتكوين المفاهيم العقلية الضرورية للإنسان الصالح في المجتمع.

ثم يبلغ الإنسان الرشد الاجتماعي، فتتزايد مطالب النمو الاجتماعية، وأهمها اختيار الزوجة أو الزوج، ثم الحياة مع شريك الحياة بنجاح وتحقيق التوافق الأسري، ثم تربية الأطفال والمراهقين والإشراف على عملية تنشئتهم وتطبيعهم اجتماعيًا.

في سن الرشد ثم الشيخوخة تبرز مطالب نمو اجتماعية أخرى تتناسب مع التقدم في العمر، فالأمر لا يقتصر على التوافق للضعف الجسمي أو المتاعب الصحية التي تزيد مع زيادة العمر، بل تتضمن مطالب النمو القيام بنشاطات ملائمة لفترة منتصف العمر وكبر السن، والتوافق مع فكرة ترك الأبناء للمنزل، والاستعداد نفسيًا لتقبل المساعدة من الآخرين، ثم التوافق النفسي بسبب الإحالة للتقاعد.

ويعتبر عدم تحقيق نسبة كبيرة من البشر لمطالب النمو الخاصة بالمرحلة العمرية أو عدم تقبلهم لمرحلتهم العمرية من أسباب حدوث مشاكل تواصل اجتماعي لهم وللمحيطين بهم؛ فأصدقاء عمرك ينتظرون صحبتك بينما أنت تصادق من هم أقل منك عمرًا وتتركهم! وزوجتك وأطفالك يفتقدونك بينما أنت تعيش كالمراهقين وتقضي وقت فراغك بالكامل مع أصدقائك على المقهى! أما عن تصابي بعض النساء في المظهر والسلوك فيترتب عليه الكثير من مشاكل التفاعل الاجتماعي كالغيرة ممن هن أصغر سنًا، وكثير من المشاكل التي تفتعلها الحموات تأتي من عدم تحقيق مطلب النمو بتقبل استقلال وانفصال الأبناء.

بالرغم من ذلك ينبغي ألا يُفهم كلامي أن قطار العمر يفوت، ويُفوِّت على الإنسان نجاحات لا يمكنه تحقيقها سوى في مرحلة معينة، فإن مضت المرحلة العمرية فلنقتل الأمل! وهذا ما لم أقصده. أغلب الأشياء في الحياة لا يُفترض أن ترتبط بالعمر، بل العمر أكثر منبئ سيء بنجاحها أو فشلها. على سبيل المثال فقد كثُر الحديث وبسبب الأحوال المتردية في الكثير من بلادنا عن عمر القادة، وفائدة الاستعانة بالشباب، بينما نجد في التاريخ من حكم بلدًا بأكملها في سن الكهولة كعبد الناصر، الذي حكم مصر وعمره 32 سنة، وتدهورت أوضاع مصر الاقتصادية في عهده، ولكن هذا لا يصلح للتعميم؛ فقبله الملك فاروق حكم وهو لم يكمل 18 سنة ميلادية وكان أفضل عهد حكم في مصر طيلة القرن العشرين، والإسكندر قبله ملك الدنيا وهو شاب صغير. قد ينجح الشاب في الحكم وقد يفشل، مثلما قد ينجح الشيخ كبير السن وقد يفشل. والشيء نفسه يُقال في الإيمان؛ أهل الكهف كانوا (فتية آمنوا بربهم) وسيدنا إبراهيم كان (فتى) لمّا كسّر الأصنام، وسيدنا يوسف أُعطي النبوة في البئر وهو فتى، بينما أهل زمانهم ممن هم أكبر سنًا كانوا لاهين غافلين، لكن سيدنا نوح كان شيخًا كبيرًا، وأكبر أهل زمانه عمرًا وأرشدهم! والإيمان وطلب الهداية لا هو حكر على الشباب ولا الشيوخ. وحتى في الزواج لا يكون العمر منبئًا إطلاقًا بنجاحه أو فشله؛ يمكن أن يكون فارق السن بسيطًا بين الزوجين ويكون الزواج ناجحًا، ويمكن أن يكون أفشل زواج في العالم، والعكس. وقد يتزوج إنسان في سن مناسب وفقًا لمعايير المجتمع وينجح، وقد يفشل، والعكس.

العمر ليس المعيار الأمثل لكل شيء في الدنيا، كثيرًا ما يكون آخر معيار ينظر إليه العقلاء، وأكثر معيار يركز عليه الفاشلون اجتماعيًا، وربما كان من أهم أسباب فشلهم، لكن الإنسان الناجح أيضًا يحب كل مرحلة من مراحله العمرية ويتوافق معها. أنت رائع وأنت طفل، ثم وأنت مراهق، ثم وأنت شاب فكهل، رائع أيضًا في شيخوختك، ويمكنك أن تجعلها أجمل سنين عمرك. تنقل بين مراحل عمرك واستمتع بالتغييرات المصاحبة لها كما تتنقل النحلة من زهرة إلى أخرى، وتذوق كل زهرة واستمتع بها، فلكل عمر جماله.

 

د. منى زيتون

 

معراج احمد الندويإن فكرة الحوار بين الثقافات والحضارات وأتباع الأديان قد تبلورت اليومأكثر من أي وقت مضى، انتشرت هذه الفكرة على أوسع نطاق حتى أضحت مثار الاهتمام لدى قطاعات واسعة من المفكرين والمثقفين. إن التحديات التي تواجه الأسرة الدولية في هذه المرحلة من التاريخ والأزمات والصراعات والمشاكل التي يعرفها العالم اليوم، كل ذلك بلغ مستوى من الحدة والضراوةوالخطورة، لا سبيل إلى التعامل معها ومواجهتها، لا يمكن الآن الحلول والتسوية لهذه النزعات والصراعات إلا بالحوار الذي يفضيإلى التفاهم والتقاربوالتوافق مع الآخرين على أساس الاحترام المتبادل.

إنَّ اختلاف الناس في أديانهم وعقائدهم سنة قدرها وقضاها رب العالمين, لحكمة عظيمة وغاية جليلة. خلق الناس وجعلهم شعوبا وقبائل ايتعارفوا ويتعاونوا على البروالتقوى وعلى ما فيه خير الإنسان ومصلحة العاجلة والآجلة.قال الله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند الله أتقاكم.﴾ (سورة الحجرات 13) وقال جل من قائل: ﴿ يا أهل الكتابتعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بضنا يعضا أربابا من دون الله﴾. (أل عمران 64)وبذلك قرر الإسلام أن التعددية سمة من سمات المجتمعات البشرية، يجب التعامل معها بإيجابية ، لا تفرق بين الناس حسب أعراقهم وألوانهم، لأن أكرم الناس عند الله أتقاهم.وإن التنوع العرقي واللغوي مدعاة تعارف بين الشعوب والأقوام وليس مدعاة تنابذ، والتعارف تواصل حضاري بين الشعوب، فيه اعتراف بالآخر وتواصل معه ليقوم على البر والتقوى والكلمة السواء والمجادلةبالتي أحسن والحوار مع الأحترام المتبادل.

الحوار بفهومه العام يختلط على السامع الغاية من الحوار بين الدعوة وإقامة الحجة إلى التقريب والتعاون المشترك, أو التعايش أو الوحدة أو التوحيد بين الأديان. الحوار بين الأديان وهو وسيلة من وسائل دعوة أهل الأديان عموماً, وأهل الكتاب بشكل خاص إلى الإسلام، والدعوة إلى الله تعالى موجهةٌ لكل الناس، وإقناعهم بالحق هدف شرعي مطلوب. الحوار بين الأديان اسم عام يطلق على كل مخاطبة ومحاورة تتم بين طرفين أو أكثر من أهل الأديان والمؤمنين بها، فكلمة "حوار" كلمة عامة تشمل كل ما يقع عليه معنى التجاوب والتراجع والتخاطب. إن الحوار بين الأديان الموجودة متنوع, منه حوار الدعوة والتعايش والتقارب والوحدة والتوحيد ولكل واحد خصائصه وأحكامه.

فكرة التعايش والتسامح:

 لقد أصبحت فكرة التعايش والتسامح دعوة فكرية تحمل في طياتها مضامين فكرية وثقافية وحضارية واجتماعية, وقد تبنى هذه الفكرة ونظر لها من الطرف الإسلامي بأنها هو احترام الآخرين وحرياتهم والاعتراف بالاختلافات بين الأفراد والقبول بها, وهو تقدير التنوع الثقافي, وهو الانفتاح على الأفكار والفلسفات الأخرى في الأديان.

إن موقف الإسلام من التعايش بين أتباع الأديان بحسبان التعايش قيمة راقية من القيم الإنسانية، وباعتباره قضية بالغة الأهمية ، ولأن هدفه هو تعزيز التعايش السلمي المشترك بين البشر من أحل تحقيق الأهداف النبيلة. ولقد أكد الإسلام على الوحدة الإنسانية بالمساواة بين أجناس البشر وشعوبهم وقبائلهم بقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند الله أتقاكم.﴾ (سورة الحجرات 13)هذه الوحدة الإنسانية تتضمن الدعوة إلى التألف بالتعارف وإلى ترك التعادي بالتخالف. فإن ذلك يؤكد تأكيدا على عالمية الرسالة الإسلامية, وعالمية الإسلام تجعل الثقافة والحضارة الإسلاميتين منفتحتين على حضارات الأمم متجاوبتين مع الثاقفات الشعوب،لأن الإسلام يريد أن تكون في العالم حضارات متعددة ومتميزة ، كما يريد الإسلام هذه الحضارات المتعددة أن تتفاعل وتتساند في ما هو مشترك إنساني عام.

ومبدأ عالمية الرسالة هو من مبادئ الإسلام الراسخة، وهو الأساس الثابت الذي تقوم عليه علاقة المسلم مع أهل الأديان, ومن هذا المبدأ تنبع رؤية الإسلام إلى التعاملمع غير المسلمين، فلا تكتمل عقيدة الإسلام إلا إذا آمنبالرسل جميعا، لا يفرق بين أحد منهم ، وهذا هو البعد الإنسانيالذي يعطي للتسامح في الإسلام مساحات واسعة. فهذا التسامح لا يلغي الفارق والاختلاف، ولمنه يؤسس العلاقات الإنسانية التي يريد الإسلام أن تسود حياة الناس، فالتأكيد على الخصومات العقائدية والحضارية والثقافية، لا سبيل إلى ألغائه، ولكن الإسلام لا يريد لهذه الخصومات أن تمنع التعاؤف بي ن الأمم والشعوب والتعاون فيما بينها. إن مفهوم التعارف ذو سعة، يمكن أن يشمل كل المعاني التي تدل على التعاونوالتساكن والتعايش، ويمكن أن يستوعب التعارف قيم الحوار والجدل بالتي هي أحسن والاحترام المتبادل.

التسامح والحوار:

 إن التسامح يفتح آفاقاً جديدة في فهم حقوق الآخرين وواجباتهم تجاه غيرهم وعدم فرض قيود على الآخرين ما يتيح تحول الأفراد والمجموعات لمزيد من التمدن ويؤصل من قيمة الحرية. لا بدأن ينطلق الحوار بين الطرفين من أرضية مشتركة أولا ثم يتدرج منها إلى مواضيع الخلاف لكي تحقق الأهداف من الحوار. فقد حاور القرآن الكريم مع الآخرين بأرضية متفقة عليها، مما يدل على هذا قوله تعالى:﴿ يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بضنا يعضا أربابا من دون الله. ﴾ ( أل عمران 64) لأن الإسلام في الأصل دين يتوجه بالخطاب للعالم كله، وعلى هذا الأساس الحوار والتواصل مع الآخرين ليست مسألة همشية ونما محورية لكونه دين للناس أجمعين.

 

دكتور معراج أحمد معراج الندوي

جامعة عالية، كولكاتا- الهند