حيدر جواد السهلانيمصطلح العلمانية ترجمة لكلمة (Secularism) ويعد جون هوليك (1817- 1906) اول من نحت المصطلح عام (1851)، والعلمانية في العربية مشتقة من مفردة العالم، ومن يقول انها اشتقت من العلم ويراد بها أن العلم هو من يسير أمور الناس السياسية والاجتماعية والدينية.وعرفت العلمانية بأكثر من تعريف ومن التعاريف الاكثر شيوعآ (هي فصل الدين عن الدولة)، وعرفتها دائرة المعارف البريطانية (حركة اجتماعية تتجه نحو الاهتمام بالشؤون الدنيوية بدلآ من الاهتمام بالشؤون الاخروية، وهي تعتبر جزءآ من النزعة الانسانية التي سادت عصر النهضه الداعية لأعلاء شأن الانسان) ويعرفها بيتر بريغر (1929- 2017) (العملية التي يتم بواسطتها نزع وفصل قطاعات المجتمع من سيطرة الرموز والمؤسسات الدينية) وعرفها محمد حسين فضل الله (العلمانية تعتبر الدين حالة روحية لاعلاقة لها بالحياة) وعرفها محمد البهي (هي نظام من المبادئ والتطبيقات، وترفض كل صوره من صور الايمان الديني) وعرفها محمد عمارة (مصطلح العلمانية فأنه عني ويعني اولئك الذين رفضوا تدخل الكنيسة اوسيطرتها، ورفضوا ايضا تدخل اللاهوت المسيحي ومعاييره في شؤون الدولة ومؤسساتها وفكرها الدنيوي). (1) وعرفها محمد احمد خلف الله (العلمانية حركة فصل السلطة السياسية والتنفيذية عن السلطة الدينية، وليست فصل الدين عن الدولة) (2)

العلمانية هي نظام حكم طرح بديلآ عن حكم الدين الذي كان سائدآ في الغرب، وهو احد الانظمة التي طرحت للتخلص من حكم الدين الجائر في وقتها، والحقيقة ان العلمانية دفعت الكثيرمن الدماء والثورات، (ولانتناسا موقف غاليلو عندما قال بحركة الارض، اذ كانت هذه الفكرة تتعارض مع مايؤمن بها المسيحي في الكنيسة، اذ كان يؤمن بأن الارض مسطحة وهي مركز الكون، فتعرض غاليلو الى محاكمة وفي نهاية المحاكمة اقره قصرآ بأن الارض لاتدور، وعندما خرج من المحكمة ضرب الارض بساقه وقال مع ذلك هي تدور، وحادثة العالم جوردانو برونو (1548- 1600) وحرقة لانه خالف معتقدات ماتؤمن به الكنيسة، ويقام له اليوم تمثال في مكان حرقه، ومن الطرافه الكاهن اورجل الدين بالمسيحية عند اختراع التلسكوب، لم يكن ينظر بالتلسكوب خوفآ من ان تتبدد الحقائق التي آمن بها)

العلمانية هي مجموعة من المعتقدات التي تشير الى أنه لايجوز أن يشارك الدين في المجالات السياسية، وهي النظام الذي يرفض كافة الاشكال الدينية من خلال فصل المسائل السياسية عن الدين، اذ كانت الكنيسة لها السيطرة على الدولة، وكانت الغالبية العظمى من الروم، وكانوا على درجة كبيرة من الضحالة الفكرية نتيجة للخضوع المستمر لسلطة الكنيسة، وفي عهد حكم الكنيسة ساد كثير من الانغلاق الفكري والتخلف سائر في انحائها، وقد تمثل هذا الحكم بممارسة الكنيسة في حق الفرد والاسرة بصورة مباشرة، اما في حقل المجتمع والمؤسسة السياسية فكانت تمارس سلطتها بشكل مباشر من خلال شبكة العلاقات القائمة بين نظام الاقطاع وهو مايمثل السلطة السياسية والمدنية واجهزتها الادارية، وبين الجهاز الكنسي من جهة اخرى، حيث كان للكنيسة في حقل المجتمع ومؤسساته السياسية الدور الكبير. (3) ومن اهم الاسباب التي أدت الى ظهور العلمانية، هو طغيان الكنيسة في كافة المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، اذ كانت تسيطر على جميع مفاصل الدولة، فكانت تبيع الاراضي وتعطي صكوك الغفران بمبالغ كثيرة ويبعون المناصب في الدولة، ومن الاسباب ايضآ هو انحراف المسيحية، اذ اعطوا الحق فقط لرجل الدين ان يفسر الانجيل ولايجوز ايضا ترجمته ( علمآ ان هذا التعاليم الجائرة ادت ليس فقط لثورة المفكرين على الكنيسة، لكن من الكنيسة من ظهر ونادى باصلاحها مثل مارتن لوثر (1483- 1546) الذي قام بحركة اصلاح في الكنيسة وقد ظهرت على يده البروتستانتية، كرد فعل على الكنيسة وقام بترجمة الكتاب المقدس الانجيل ورأى ان الحصول على الخلاص أو غفران الخطايا هو هديه مجانية ونعمة من الله من خلال الايمان بيسوع المسيح، ورفض السلطة التعليمية للكنيسة الكاثوليكية، وكانت المدارس تسمى السكولائية Scolastique اي فلسفة المدرسة وتطلق على فلسفة المدارس الكاتدرائية في العصر الوسيط، واعطى لكل امرئ الحق في التفسير، والكتاب المقدس هو المصدر الوحيد للمعرفة المختصة بأمور الايمان وعارض سلطة الكهنوت، وسمح للقس ان يتزوج) ومن الاسباب ايضا تطور العلم ومعارضته من قبل الكنيسة، اذ كانت الكنيسة تعارض العلم، لأن الكنيسة قد تبنت الكثير من النظريات العلمية القديمة وربطتها مع الدين، واعطت للنظرية صبغة دينية فلا يجوز معارضة النظرية، لذلك أنشأت الكنيسة محاكم التفتيش (من أشهر من وقف في محاكم التفتيش غاليلو وبرونو، اما كوبرنيكوس (1473- 1543) صاحب كتاب (حركات الاجرام السماوية) فلم ينشر كتابه الا بعد وفاته)

تعددت الاسباب والتعاريف في نشأة العلمانية، فمنهم من راى أن لها جذور مع الفلسفة اليونانية، ومنهم من راى أنها تعود الى القرن الثالث عشرالميلادي، لكن الاكيد أن ثمرة العلمانية حصلت تدريجيآ من القرن السابع عشروتعالت الصيحات بعد الثورة الفرنسية (1789) . وقد دعا جون لوك (1632- 1704) الدولة الى التسامح، وعلى الدولة أن تتسامح مع جميع اشكال الاعتقادات الدينية، وراى توماس جيفرسون (1743- 1826) أن الاكراه في مسائل الدين، أو السلوك الاجتماعي هو خطيئة واستبداد، وأن الحقيقة تسود اذا ماسمح للناس بالاحتفاظ بأرائهم وحرية تصرفهم، ويذهب سبينوزا (1632- 1677) الذي راى بالدين يحول قوانين الدولة الى مجرد قوانين تأديبية، وأن الدولة هي كيان متطور وتحتاج دومآ للتطور والتحديث عكس شريعة ثابته موحاة. وكان المصطلح في البداية لايتسم بأي نوع من انواع الشمول، اذ تمت الاشارة الى علمنة بعض ممتلكات الكنيسة (أي نقلها الى سلطات غير دينية)، ومن ثم اتسع المفهوم في الخطاب السياسي والاجتماعي والفلسفي الغربي، فعرفت العلمانية الايمان بأمكانية اصلاح حال الانسان من خلال الطرق المادية، دون التصدي لقظية الايمان سواء بالقبول او الرفض (4) وقد مرت العلمانية بعدة مراحل، مرحلة العلمانية المعتدلة وهي تدعو الى أن تكون سلطة الدولة معتدلة، ومرحلة العلمانية المادية وظهرت في القرن التاسع عشر واعتمدت على الغاء كلي للدين وليس فصل الدين عن الدولة، واعتبار الاشياء المحسوسة هي الموجود بشكل حقيقي

ومن اهم خصائص العلمانية، هو الفصل بين الدين والدولة، والمساواة بين الجميع سواء كان رجل دين أو غير ذلك، والحرية الدينية للأشخاص سواء اختار الالتزام بالدين أو التحرر منه، الاعتماد على الديمقراطية والانصاف بين المواطنين بغض النظر عن انتمائهم الديني، وايضآ حرية التعبير عن الرأي.

العلمانية مفهوم سياسي اجتماعي، نشأ ابان عصر النهضة والتنوير في اوربا، عارض ظاهرة سيطرة الكنيسة على الدولة وهيمنتها على المجتمع، وراى أن من شأن الدين أن يعني بتنظيم العلاقة بين البشر وربهم، ونادى بفصل الدين عن الدولة. ومع ذلك يرى بعض الغربيون، ان العلمانية لم تشبع رغبات الانسان الغربي، فعادوا يحتمون بالدين مرة اخرى بعد ان جرفتهم العلمانية بعيدآ عنه، أن جعل الدين امرآ اخرويآ مقطوع الصلة بالواقع، ادى الى تفسخ المجتمعات وحلول الامراض وكثرة اللقطاء والمخدرات الايدز، ادت العلمانية الى ظهور النازية والفاشية والى عمليات ابادة في البوسنه. (5)

ويبدو لنا ان العلمانية هي ليست فصل الدين عن الدولة، بدليل أنهم يعتمدون في القضاء واداء القسم للرئيس، لكن انظمة الحكم في الغرب هي انظمة مهنية (تكنوقراط) قانونية، اما في مجتمعاتنا العربية وبعد تطور الغرب عن العرب ظهرت عدة تيارات لمعالجة الوضع المتأخر عن الغرب (من اهم المشاكل التي طرحت في الفكر العربي هي مشكلة الاصالة والمعاصرة) منها، التيار السلفي الذي ينادي بالرجوع الى السلف الصالح لكي نتماشا ونتطور مثل الغرب، والتيار التوفيقي الذي يرى علينا أن ناخذ من الماضي والحاضر، والتيار التقدمي التحرري والذي يرى بأن علينا التخلص من الماضي، وقد يرى البعض بأن العلمانية حققت انجازات عظيمة في اوربا الحديثة، ذلك أن فصل الدين عن الدولة والالتجاء الى القانون كان من شأنه تعزيز سلطة الدولة من ناحية، واشاعة التسامح بين اصحاب العقائد المختلفة، وقيام المجتمع المدني المستقل، وتحقيق حرية الافراد بعيدآعن سلطان الدين ومؤسساته من ناحية ثانية، هذه التجليات العلمانية مكنت من اوربا أن تعيش في اجواء صحية، معتبرين العلمانية (ملة) مطهرةمن كل شائبة ومنزه عن كل غلط، وذهب البعض الى حد اعتبار أن الجمود والشر كامن في الثقافة الاسلامية، بينما الخيروكل الخير موروث في العلمانية التي تتسم بالتسامح.ومن يرى في العلمانية هي تهتم بالامور الدنيوية، وتبتعد عن الدين، وهي تعني المادية بكل اشكالها. ويبدو أن سبب مزامنة العلمانية للالحاد، ورؤية كثير من المفكرين الغربين والعرب هي من جاءت بالالحاد، لأنها دعت للتخلص من الكنيسة وصورت الدين على أنه الحل الاسوء في تمشية الامور السياسية والاجتماعية، لذلك نلاحظ بعد حركة العلمانية ظهر الكثير من الفلاسفة يجهر بالقول والفعل بالالحاد، ويبدو أن المفكرون تصوروا أن الدين هو ماموجود بالكنيسة وهذا خطأ، مثلما نتصور اليوم في عالمنا العربي أن العلمانية هي الحل الانجع في حل مشاكلنا، لأننا اخطأنا في تصور الدين الاسلامي هو ماموجود من مذاهب وطوائف تتقاتل فيما بينها، علينا مراجعة الدين الاسلامي ونرى كيف الرسول (ص) اتخذ من قوله تعالى (لكم دينكم ولي ديني) شعار للعيش بسلام مع كل الطوائف. وفي الحقيقة أن مصطلح العلمانية خضع لعمليات تشويه ليس في الفكر العربي فقط لكن في الغرب ايضآ، اذ خضع للتأويل والتفسير والاتساع، في بادئ الامر نشأت العلمانية للحد من سلطة الكنيسة الجائرة في وقتها، ولم يدعو الى اقصاء الدين، بل راى انه من اهم مصادر التشريع لقانون الدولة، اضافه الى الحرية والمساواة بين جميع الطوائف، وفي الحقيقة هذا موجود عندنا، اذ نحن نطبق جزء من العلمانية بما تعرف بالمعتدلة، لكن في مجتمعاتنا العربية يوجد لدينا حب التعالي ونرى في انفسنا اسيادآ (قديمآ ابن خلدون فسر عدم اهتمام العرب كثيرآ بالعلم، اذ معلوم ان اكثر العلماء هم من غير العرب، اذ يرى ابن خلدون بعد استلام السلطة بعد الرسول والسيطرة على العالم اهتم العرب بأمور السيادة، وهذه الحقيقة التي يرفضه كثيرمن مفكرينا، وان كان العلماء ليس عربآ الا انهم يحملون الثقافة العربية ولعل رأيهم صحيح) وايضا لاتوجد لدينا ثقافة التنازل للمصلحة العامة، اذ نرى كثيرآ ما يحترق الشعب ويموت الالف ولم يقدم الوزير او الرئيس على الاستقالة، واخير وأن كنت اؤمن بأن العلمانية موجوده بجزئها المعتدل في مجتمعنا، وان الرسول (ص) طرح هذا المفهوم قبل تسميته ومعرفته، اذ عاش وساواة بين المسلمين وغيرهم (ولاننسى أن جار الرسول (ص) كان يهوديآ وقصته مع اليهودي معروفة للجميع) لكن المشكلة ليست في العلمانية تطبق او لاتطبق، المشكلة هي القانون يحتاج الى التطبيق وكيف نطبقه، ونحن الروح البدوية متجذرة فينا (البدو كانوا يؤمنون بأن الرجل الحق هو من يأخذ حقه بيده، لذلك كانوا يسمون الاعمال بالمهنة (أي المهانة) وكانوا يؤمنون بأن السؤال عيب ولو أين الطريق) مثل ماراى رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده سابقآ عندما رأوا في الديمقراطية هي الحل لكن لابد من ان يروض لها المجتمع لاتأتيه دفعة واحدة (علينا ان نروض مجتمعاتنا على التنازل والتسامح وحب القانون)

 

حيدر جواد السهلاني

......................

الهوامش

1- ينظر انعام احمد قدوح: العلمانية في الاسلام، ص10- 18.

2- ينظر عبدالوهاب المسيري وعزيز العظمة: العلمانية تحت المجهر، ص63.

3- ينظر انعام احمد قدوح: العلمانية في الاسلام، ص20.

4- ينظر عبدالوهاب المسيري وعزيز العظمة: العلمانية تحت المجهر، ص11- 12.

5- ينظر فهمي هويدي: المفترون (خطاب التطرف العلماني في الميزان)، ص243- 244.

 

 

 

محمود محمد علينعود مرة أخري للحديث التفسير السوسيولوجي لحروب الجيل الرابع في هذا المقال الخامس ؛ حيث نكمل كلامنا عن الطبيعة السياسية لحروب الجيل الرابع، وفي هذا يمكن القول: إن أهم خصائص حروب الجيل الرابع عدم التناظر أو اللاتماثل بين الأطراف المتقاتلة في إطارها، بمعني وجود تباين شاسع في القدرات والمنطلقات والأهداف بين الأطراف، فهي حروب بين جيوش وجماعات مقاتلة من غير الدول . هذه الجماعات المقاتلة قد تكون عابرة للقوميات، والأغلب ألا تكون ذات انتماءات قومية أصلاً؛ فهي لا تُعرف نفسها من خلال" الانتماء لدولة معينة، ولكن بكونها جزءاً من تكوينات تقوم علي أساس فكري أو ايديولوجي معين يوظف أساليب جماعات التمرد وحروب العصابات" .

ومن المعتاد أن تضم هذه الجماعات المقاتلة تكوينات من المتطوعين المدنيين ممن يحملون جنسية الدولة الخصم نفسها، كما أن "المقاتلين هنا لا يلتزمون بزي رسمي، ويصعب تمييزهم في كثير من الأحيان من المدنيين، كما يصعب تمييزهم عن بعضهم البعض من حيث الهرمية، وبشكل عام لا توجد قيادات ثابتة لهذه التكوينات المقاتلة، وإنما هناك سيولة ومرونة كبيرة تعوق الخصم عن استهداف رموز هذه الجماعات " .

وتستخدم هذه الجماعات وسائل غير تقليدية في القتال، ولا تلتزم في إطاره بالاتفاقيات أو الأعراف المعمول بها بين الدول والجيوش المتحاربة؛ إذ تعمد إلي استخدام كافة أشكال الضغط علي الخصم، من خلال ضرب أهدافه السياسية والاقتصادية والهجوم المباشر علي رموزه الثقافية (علي اعتبار أن الثقافة هي الوقود الحقيقي الذي يغذى هذا النوع من الحروب)، كما قد تستهدف المدنيين (لإرغامهم علي ممارسة ضغط علي حكوماتهم لوقف القتال)، وذلك علي امتداد المجتمع الذي يصبح بأكمله ساحة للمعارك.

وتتميز الجماعات المهاجمة في إطار هذه الحرب بأنها ليست ذات كثافة عددية، ولكنها تكتيكية وسريعة، الأمر الذي يضمن لها القدرة علي المناورة والتحرك بسهولة وسرعة علي الأرض، كما يحرم خصومها من الاستفادة من زيادتهم العددية وقدرتهم علي الحشد .ولا تعتمد هذه الجماعات عن أي دعم (إمداد وتموين) مركزي، وإنما علي الإمدادات اللوجستية التي يمكنها حملها حتي ساحة المعارك .

أيضاً ستضمن هذا النوع من الحروب استخداماً واسعاً لأساليب الحرب النفسية والتلاعب الإعلامي والتدخل المعلوماتي، لتوجيه الرأي العام في اتجاهات بعينها، ولهذا افترض البعض أن شاشة التلفاز قد تكون أكثر تأثيراً من الوحدات المدرعة في إطار هذا النوع من الحروب .

ومن ناحية المدي الزمني تعد حروب هذا الجيل طويلة المدي، ومن ثم لا يمكن حسمها من خلال ضربات استباقية أو مركزة، لعدم وجود مراكز لقوة الخصم. وإذا كان الاستراتيجي الشهير " كلاوزفيتز" قد "افترض أن الطرف المهاجم عليه ان يرد باستهداف مراكز قوة الخصم، لإخراجه عن توازنه وكسر شوكته، فإن المشكلة في حروب الجيل الرابع أنها مصممة بحيث تحرم الطرف المهاجم من أن يجد مركزاً يستهدفه بضرباته المضادة" .

ولقد أطلقت علي حروب الجيل الرابع عدة مسميات نذكر منها: إنها الحرب حرب المخابرات حرب الذكاء والدهاء والمكر والخديعة حرب الخداع والمؤثرات والدسائس، حرب استنزاف الطرف الآخر، وإفقاره، وإهانته، وتحقيره، وجعله شحاذاً يستجدي الآخرين بعد أن كان غنياً عن العوز والحاجة، حرب تدمير الكبرياء وتدمير الكرامة، وتدمير الإرادة، حرب تحويل الفاعلين إلي مفعول بهم وجعله مغلوباً علي نفسه، حرب التفتيت والانقسام التي يمكن إدارتها من الخارج ومن الداخل، حرب الانقسام علي درجة تجزئة المجزأ، وتقسيم المقسم، حرب إرباك وإزالة الدولة، حرب الكراهية السوداء والحقد الأسود الدفين، حرب إثارة النعرات واستخدام الحيلة والخديعة بأساليب مختلفة ومتطورة لبث الفرقة وروح الانقسام، واستخدام كافة صور الإرباك والطغيان والاستبداد والظلم بكافة أشكاله وطرقه وأساليبه . حرب المخابرات !! حرب استخدام المعلومات والبيانات التي تم جمعها وإعدادها وتحليلها طوال سنوات طويلة عن الطرف الآخر، واستخدامها لإحداث المعرفة لدي متخذي القرار، واستغلال الحاكم الظالم من تغييب دور الدولة، ومن أجل إنهاء سيطرة الدولة، واستخدام المنظمات المتعددة للتقسيم وتغييب الإرادة.. إرادة التنمية الآملة فيها، وجعل الهاجس الأمني، هو كل شئ، حيث الهلع والرعب من كل شئ .حرب التوجس، والخيانة، والشك، وعدم اليقين من أي شئ، بل استسهال الانقلاب علي كل شئ .حرب استخدام الدولة بكامل مؤسساتها،خطورة حروب تدمير الدولة ذاتيا، حروب استخدام أبناء الوطن الواحد لتدمير هذا الوطن، استخدام الخونة والجواسيس والعملاء. "استخدام علم المخابرات بأبشع صوره، مع تغييب جميع أجهزة الأمن، أجهزة حماية الدولة، وإشغال هذه الأجهزة عن متابعة الخونة والجواسيس والعملاء، وترك الميدان أمامهم مفتوحا وهو ما يحتاج إلي فهمه وعلمه والتحذير منه .

حرب تستخدم فيها الكلمات أقوي من الرصاص، وتستخدم فيها الأكاذيب أقوي من المدافع، وتستخدم فيها المؤامرات أقوي من البوارج والطائرات، وتستخدم فيها الدسائس أقوي من أسلحة الدمار الشامل . حرب استخدام كافة القوي المتصاعدة التى أمكن تجنيدها، واستخدام المصالح والمكاسب الشخصية من أجل إحكام الصراع الذي يدمر البلاد، ويوجد الحقد والحقد المتبادل بين الطرفين، حرب الانقسام والتفتيت والتشتيت وضياع الحقوق - ضياع حق الحياة الآمنة – ضياع ما أحدثته البشرية من إنجازات وحضارة – حرب الدمار الشامل لكل شئ حيث لا يتبقي شئ- حرب تدمير الجهاز المصرفي وتدمير عقل وقلب الأمة – حرب المكر والدهاء – حرب تدمير العقول والخبرات – حرب تدمير الولاء والانتماء –حرب تدمير النظم وتدمير الوعي الإدراكي الشامل لدي قطاعات البنك المعنية، وجعل البنك غير مترابط فاقد الإدراك بأهمية التمويل المصرفي، والذي تحول إلي عجز مصرفي، وتحولت القدرة التمويلية إلي فاقد تمويلي، وغابت القدرة التمويلية إلي فاقد تمويلي، وغابت عن رؤية البنك الفرص الاستثمارية في مشروعات متكاملة .

إنها حرب التجنيد والزرع من أجل تدمير الطرف الآخر والسيطرة علي مقدراته وإلحاق أقصي وأشد الأذى به، وجعل شعبه يقتتل وجعل شعبه يقاتل بعضه بعضاً قتالاً ليس من أجل الحياة، بل سلب هذه الحياة . إنها حرب الاصطياد .. اصطياد من لديه استعداد للخيانة، وتعهده بالتدريب والإعداد، حرب التجنيد والزرع للخونة والمغفلين والمصدقين لدعاوي الحرية وسط الاستبعاد.. والديمقراطية وسط الاستبداد .. حرب امتلاك الإرادة وسط طغيان السلطة.. إنها حرب ضد كل ما يحبه البشر ضد الحقد الأسود الدفين الذي تم زرعه وإيجاده بدهاء ومكر وخبث في وسطهم .

كما توصف حروب الجيل الرابع كذلك بأنها حرب تأجيج الثورات تحت شعار الاستبداد والفساد؛ لقد أدي طغيان الاستبداد والتطاحن والحقد والضغائن ونشر الفساد المنظم واستخدام الرشوة والتزوير والجهل والتزوير والتزييف وإشاعة العطالة والبطالة والفاقد في ربوع الاقتصاد إلي سيادة أوضاع شديدة القسوة .. أدت إلي اشتياق الأفراد لنسيم الحرية والديمقراطية وامتلاك الإرادة.. امتلاك الوعي الإدراكي الشامل بحرية الإنسان، والعمل في إطار تجسيد إرادة التنمية الشاملة وصنع المستقبل واقتسام العائد .. الحلم باقتصاد السعادة. إن هذا قد وضع للثورة معايير، وأوجد لها نظام، وأوجد مقاييس .. فعلاقات الارتباط القوية ما بين أوضاع الإرباك المصنوعة لإيجاد وتنمية أوضاع الفوضى العامرة، وزيادة الحنق والضيق في العديد من الدول التي أدت إلي الثورة . فقد هانت اعتبارات فقد الحياة علي اعتبارات الحياه في حجم من الذل والمهانة ومحاولات كسر الإنسانية .. إن هذا الطغيان قد أدي إلي انتشار الثورة .. انتشار قوة الإرادة الشعبية علي قوة الاستبداد المدعم بالسلاح .. فإرادة السلطة الفاحشة عمياء عن أن تنظر إلي الشعب.. سوي نظرة السلب والنهب والسرقة.. واستخدام أسلحة القتل والاعتقال لمن يجرؤ علي مجرد الحديث العابر. إن هذا هو البداية الحقيقية للثورة.. إن الثورة ليست عملاً منظماً .. بل عمل فوضوي شديد القوة .. كفيضان مدمر لا يقف أمامه شئ .. لكن بعد أن يمكن من قتل من كانوا في السلطة يعيد تنظيم نفسه، ويعيد توازنات أفكاره وقواه.. وعندئذ تبدأ الثورة تحت شعار ضد الظلم وضد الطغيان وضد الاستبداد والوقوع في فخ الإفساد والفساد بأشكاله وطرقه وأدواته المختلفة .

وتستخدم حروب الجيل الرابع الدعاية ضد الخصم بالإضافة إلي استخدام وسائل أخري لها طابع النشاط الحزبي أو الاقتصادي أو السياسي علي النحو الذي يكون مكملاً لنشاط الدعاية وإذا أخذنا في ذلك أن الحرب النفسية هي لون من النشاط الدعائي الذي استجد بعد الحرب الكونية الثانية. وتوجه الحرب النفسية لشل معنويات العدو وتقليل عزيمته علي القتال وإلقاء الرعب في قلبه ودفعه إلي الاستسلام .والحرب النفسية حرب شاملة توجه إلي القوات المسلحة وتمتد إلي الجبهة الداخلية، إلي الشعب كله عسكريين ومدنيين، وهي حرب متصلة ومستمرة في زمن الحرب والسلم علي السواء ..إنها تشن قبل الحرب الفعلية لتحطيم معنويات العدو، وتتغلغل الحرب النفسية في جميع شؤون ونواحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية .

وتقوم حروب الجيل الرابع علي الهجوم والدفاع في وقت واحد وتستخدم أوسع نطاق الحرب الخاطفة ؛ فحروب الجيل الرابع هي تحطيم قوة الجيش وانهزامه عن طريق نفسه، وإن الحرب النفسية أقل كلفة من الحرب المادية، وباستطاعة أي جيش أن ينتصر بواسطة الحرب النفسية بأقل عدد، فهي وسيلة لإضعاف معنويات الأعداد العسكريين والمدنيين وتقوية معنويات القوات الضاربة والجبهة الداخلية .

وتعد حروب الجيل الرابع من أخطر أنواع الحروب لأنها تستهدف في الإنسان عقله وتفكيره وقلبه لكي تحطم روحه المعنوية وتقضي علي إرادة القتال والمواجهة لديه تقوده نحو الهزيمة كما أن الحرب النفسية هي أخطر الحروب التي تواجه الحركات الثورية والإصلاحية في كل زمان ومكان فهي تحاول أن تصيب الأفكار والتعاليم الناهضة وتحول بينها وبين الوصول إلي العقول والرسوخ في القلب وهي تعمل علي بذر بذور الفرقة والانقسام بين أبناء الشعب أو المجتمع الواحد وتضع العقبات أمام مسيرة التقدم والتطور وتعمل في الظلام وتطعن من الخلف .

كما تلجأ حروب الجيل الرابع إلي تشويش الأفكار وخلق الأقاويل والإشاعات المغرضة ونشر الإرهاب وإتباع وسائل الترغيب والترهيب مما يجعل هذه الحرب أشد خطورة من حرب المواجهة العسكرية في ميادين القتال .كما تفعل إسرائيل الآن في الشارع الفلسطيني من حرب نفسية تعتمد علي بث الإشاعات التي يقف وراءها الطابور الخامس وخفافيش الظلام بهدف خلق البلبلة في المجتمع الواحد وشق الصف الوطني ووضع العقبات أمام مسيرة البناء والتقدم الاجتماعي مستخدمة كل ما تستطيع من أدوات كعمليات غسيل للدماغ ودعايات وإشاعات وغيرها من أدوات الحرب النفسية.

وتوجه الحرب النفسية لشل معنويات العدو وتقليل عزيمته علي القتال وإلقاء الرعب في قلبه ودفعه إلي الاستسلام والحرب النفسية حرب شاملة توجه إلي القوات المسلحة وتمتد علي الجبهة الداخلية، إلي الشعب كله عسكريين ومدنيين، وهي حرب متصلة ومستمرة في زمن الحرب والسلم علي السواء .

وتدخل حروب الجيل الرابع ضمن ما يُطلق عليه " نظرية الحرب بلا قتال"، حيث لكل جيش في العالم مصدران للقوة معنوي ومادي، والمصدر المعنوي أهم بكثير من المصدر المادي لإحراز النصر بتوجيه ضربات نفسية قوية إلي معنويات العدو لأنها مصدر القوة لديه وأفضل سلاح لتوجيه الضربات النفسية للعدو هي الحرب النفسية التي تستهدف عقل وتفكير قلب المقاتل بهدف تحطيم معنوياته والقضاء علي رغبته وقدرته علي القتال لأن الشخصية هي ميدان الحرب النفسية، لأن الحرب المادية ليست العامل الوحيد ولا الأول في كسب الحرب .

لذلك تعد حروب الجيل الرابع هي عبارة عن "استراتيجية تم وضعها خصيصاً لإفشال الدول، ويتم تنفيذها ببطء عبر العمل على إنهاك الدول المستهدفة، والنخر فيها من الداخل إلى أن تتآكل وتصاب بالعجز، وينتهي بها الأمر إلى الركوع والخضوع لإرادة وهيمنة الدولة المستهدفة".

لذلك حرب الجيل الرابع يعرفها الخبراء، بأن من ضمن أهدافها،" إشعال الفوضى في الدولة المستهدفة، لتتحول إلى دولة فاشلة، يسهل زعزعة استقرارها، وإن حرب الجيل الرابع لا يمكن إشعالها إلا باستخدام وكلاء محليين، ويكون ذلك إما بترتيبات للتعاون مع قوى خارجية، سواء عن وعي بما تريده هذه القوى، أو أن تكون المنظمة الإرهابية جاهلة بالهدف الحقيقي للجهات الأجنبية، وغافلة عن أن ما تفعله، يخدم في النهاية هدفاً استراتيجياً أعم وأشمل، وأن هذه المنظمات مجرد أدوات للتنفيذ".

كذلك توصف حروب الجيل الرابع بأنها تمثل حرب اللاعنف وهي حرب يراد بها إسقاط الأنظمة بلا سلاح مباشر عبر المظاهرات، والإضرابات، والاعتصامات، والعصيان المدني، وتعطيل سير الحياة اليومية، وإقامة حكومة بديلة، ومحاصرة المقرات السيادية للدولة واحتلالها سلمياً، هي "حرب سياسية محضة ليس فيها جانب عسكري، حرب نجحت في أوروبا الشرقية، وابتدأت في النجاح في الدول العربية التي قامت فيها ثورات، لكن الأنظمة الدكتاتورية استطاعت تحويل وجهة هذه الحروب إلى الجيل الرابع (حروب الإرهاب والحروب الأهلية) " .

ويعد الإعلام أهم أسلحة حروب الجيل الرابع على الإطلاق، وذلك باستخدام أجهزة الإعلام التقليدية مثل قناة الجزيرة أو تجنيد الإعلاميين أنفسهم لقيادة الرأي العام والتأثير عليه وغيرها من القنوات وأجهزة الإعلام الجديدة، مثل "مواقع التواصل الاجتماعي، بهدف تشتيت الرأي العام، وتوجيهه والسيطرة عليه، والتجسس عليه ولاكتشاف من يمكن تجنيدهم كعملاء من خلال أفكارهم التي يطرحونها على مواقع التواصل، وقد تم تجنيد العديد من منظمات المجتمع المدني، والمعارضة، والعمليات الاستخبارية، لتشمل جميع الأدوات التي من شأنها زيادة النفوذ الأمريكي في أي بلد، لخدمة مصالح الولايات المتحدة الأمريكية وسياسات البنتاجون" .

ولذلك تستخدم وسائل الاتصال المختلفة كإحدى أدوات حروب الجيل الرابع وما تلاه من أجيال، وتعمل الدول المُحاربة على تجنيد أكبر عدد من إعلاميي وصحفيي الدول المستهدفة، وممن يمتلكون القدرة على التأثير في الجمهور وصناع القرار،وأصبح صناعة الخبر وبث الشائعات والفتن وتضخيم أحداث بعينها في مقابل تجاهل خبر آخر أمراً يسيراً، "ويستغل الإعلام في التأثير على مواطني الدولة المستهدفة وكسب تعاطفهم مقابل التنفير من الحرب والنظام الحاكم، الأمر الذي من شأنه زعزعة أركان الدولة وجعل الإعلام أداة أكثر فتكاً من الجيوش العسكرية" .

وازدادت الأهمية التي تلعبها شبكات التواصل الاجتماعي في هذا الصدد، لتميزها بسهولة الاستخدام وسرعة الانتشار ومساهمتها في نشر الأفكار عالمياً، وتوفير مادة معلوماتية – كتابة، أو صوتاً، أو صورة، أو فيديو – والتي قد تكون مغلوطة ومفبركة لتوجيه الأذهان، نحو قضية ما وكسب التعاطف، لصالح طرف بعينه، استغلت ولازالت تستغل الولايات المتحدة الأمريكية سيطرتها على الإنترنت وجميع وسائل التكنولوجيا الحديثة في "إحكام قبضتها على العالم ومحاصرة من يعارض مصالحها، فأهم وأغلب محركات البحث، وشبكات التواصل الاجتماعي، والتطبيقات الالكترونية، ومشغلات الهواتف الذكية أمريكية الجنسية.

من كل ما تقدم يمكن القول بأن موضوع حروب الجيل الرابع يثير من الجدل والأسئلة أكثر مما يؤدي إلي اتفاق أو توافق أو يوفر إجابات، حيث يصعب الفصل بين أجيال الحروب المختلفة لأنها لا تأتي بصورة متعاقبة؛ بمعني أن الجيل الجديد من الحروب لا يكون إذن حتماً بانتهاء الجيل السابق فكل جيل من الحروب جاء ليعالج سلبيات الجيل السابق والاستفادة من دروسه وخبراته؛ حيث "يمثل الجيل الرابع من الحروب نوعيه جديدة وصوره مختلفة عن أجيال الحروب المتعارف عليها، إلا أنها لا تلغي وجود الحروب التقليدية واستمرار الحروب غير المتماثلة بأشكالها وأبعادها المختلفة" .... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

ميثم الجنابيإن تجربة ما بعد الصدامية وما آلت إليه الأحداث اليوم، بما في ذلك رد الفعل الجماهيري العارم في وسط العراق وجنوبه، تكشف عن حقيقة جلية، ألا وهي عدم إقناع النظام السياسي الحالي للمجتمع. وان نقطة الضعف الجوهرية فيه هي منظومة الحصص الحزبية الضيقة، التي لا تختلف من حيث الجوهر ووظيفتها عن "النظام البائد" من حيث تأديته إلى نفس المآل- الأزمة والتحلل والانحطاط..

لقد كشف نظام المحاصصة والدستور الداعم له، من انه نظام بدائي ومتخلف. وهو في الأغلب نتاج افرازات "الأقلية الكردية" المنتعشة بتقاليد المحاصصة القبيلة والحزبية التي جرى تجريبها وتهذيبها في "الإقليم" قبل سقوط الصدامية. الأمر الذي أعطى لهذه الظاهرة طابعها المدمر، وتغليب فكرة الأقلية المستفحلة، رغم خوائها المادي والمعنوي، وضعفها البنيوي وفسادها الشامل بالنسبة لفكرة الهوية الوطنية العراقية وفكرة النظام السياسي الحديث.

ولم يكن ذلك معزولا عن الاحتلال وضعف المجتمع العراقي العربي وقواه الاجتماعية. فقد كان الجميع يعاني من ضعف جلي في تأسيس فكرة الدولة الشرعية وفكرة الوطنية العراقية. مما جعل من آلية "المحاصصة" كما ظهرت في أول تشكيل "شرعي" لإدارة "مجلس الحكم" نتيجة حتمية لهذا الضعف. وفي هذا يكمن أحد الأسباب الجوهرية لنفسية المؤامرة والمغامرة في نشاط اغلب الحركات السياسية المعاصرة. وهي نفسية ملازمة لضعف تقاليد الشرعية والديمقراطية السياسية. من هنا إنتاجها لبيئة المتسلقين والمتملقين، التي عادة ما ترافقها نفسية المؤقتين، الذين تشكل بالنسبة لهم فكرة "انتهاز" الفرص الأسلوب الوحيد للتعويض عن انعدام أو ضعف الاحتراف. فالعراق ما قبل انهيار الدكتاتورية كان يفتقد للنخبة والاحتراف. بينما هي القوة الوحيد القادرة على اللمعان في سمائه وأرضه في ظروفه الحالية.

وليس اعتباطا أن تكون فكرة ونموذج "مجلس الحكم المؤقت" هي الصيغة الوحيدة الممكنة بالنسبة للنخب السياسية التي تحولت بين ليلة وضحاها من قوة مغتربة ومشردة إلى عمود الصنعة الجديدة للسلطة. وتعكس هذه الحالة طبيعة وحجم الشذوذ الهائل الذي رافق زمن الدولة، أي افتقادها لتاريخها الذاتي فيما يتعلق ببنية المؤسسات الشرعية، وتداول السلطة، وتراكم الخبرة، والكفاءة الضرورية للسلطة والمعارضة.

فعوضا عن أن يكون مجلس الحكم الانتقالي مرحلة منفية في الوعي السياسي للأحزاب والنخب السياسية، نراه يتحول تدريجيا إلى أسلوب لتأسيس فكرة المؤقت من خلال تفريخ مختلف ظواهر الحزبية الضيقة والطائفية والعرقية والجهوية في بنية الدولة ومؤسساتها وأساليب عملها. فعندما نتأمل تاريخ ظهور "مجلس الحكم الانتقالي" وكيفية فعله على الساحة العراقية والعربية والدولية، فإننا نقف من جديد أمام اغلب الإشكاليات الكبرى وبالأخص إشكالية الوعي السياسي الوطني والاجتماعي للأحزاب في مواجهة المصير المأساوي الذي تعرض له. ولعل أهم عوارض ومظاهر هذه الإشكالية تقوم في سيادة نفسية وذهنية المؤقت المشار إليها أعلاه. من هنا تعمق واتساع مدى الانحسار الفعلي لهذه القوى عندما ننظر إليه بمعايير الرؤية المستقبلية والعقلانية. وهو انحسار جلي في تناقض ادعائها الأيديولوجي بتمثيل "الشعب العراقي" وتعارضه شبه التام مع سلوكها العملي في كل شيء! وهو تعارض يستعيد في الكثير من عناصره الخطر الكامن بالنسبة لتدمير الشخصية الوطنية، واقصد بذلك إمكانية انتقال الأطراف إلى المركز، وصعود الهامشية إلى هرم السلطة، واستحواذ الأقلية على مقاليد الأمور. فهي الظاهرة التي تفسد في نهاية المطاف الجميع وتجعل من الدولة والمجتمع ضحية حماقات يصعب تفسيرها بمعايير المنطق والأخلاق! وتعادل هذه النتيجة من حيث رمزيتها فعل الأعاصير والزلازل والجراد. بمعنى إننا نرى صورة الجحيم دون إدراك مغزى العقاب فيه!

وعندما نتأمل تجربة ما بعد الصدامية وحتى اليوم فإننا نقف أمام ضعف الإدراك السياسي والتاريخي لماهية الوطنية العراقية وحقيقتها من جانب القوى والأحزاب السياسية المكونة "لمجلس الحكم الانتقالي". من هنا انتشار وتوسع وترسخ الحزبية والعرقية والقومية الضيقة والجهوية والطائفية في كل ما تقوله وتفعله. وهو سلوك يعبر عن انغماسها العميق في بقايا ومكونات البنية التقليدية. مما يعني بدوره، أنها لم تستفد شيئا من تجربة القرن العشرين، وأنها مازالت من حيث الجوهر خارج إدراك حقائق التاريخ العراقي ومعاناته الفعلية. الأمر الذي حدد مفارقة تعامل "مجلس الحكم الانتقالي" مع حالة الانتقال أو المؤقت في وجوده السياسي. أما "الاتفاق" السياسي حول ضرورة إلغائه فقد كان تعبيرا معقولا عن إدراك قيمة المؤقت والعابر فيه.

بعبارة أخرى، إننا نقف أمام ظاهرة تقول، بأن ظهوره وزواله يمتلكان نفس القيمة "التاريخية". وهي قيمة زهيدة للغاية. والمأثرة الايجابية الوحيدة الممكنة التي يمكن الحديث حولها بهذا الصدد كانت مرهونة في حال تحولها إلى فعل سياسي عقلاني يؤسس لقيام الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي. وفي هذا التأسيس فقط كان يمكن "لمجلس الحكم الانتقالي" أن يحتل موقعه التاريخي في حياة الدولة والمجتمع بوصفه الحلقة الضرورية (والأضعف أيضا) في إرساء أسس وقواعد الانتقال السلمي والحقوقي للسلطة. وبالتالي التأسيس لإمكانية إعادة إرساء أسس الوحدة الوطنية.

غير أن ما جرى هو إلغاء "مجلس الحكم المؤقت" وبقاء نفسية وذهنية المؤقت!! بينما الجوهري بالنسبة لإلغاء فكرة المؤقت لا تقوم في "حل النفس"، بقدر ما تقوم في تأسيس وإرساء أسس الثبات الديناميكي في بنية الدولة والنظام السياسي والحياة الاجتماعية. وهو فعل لم يكن مميزا للقوى السياسية التي شكلت عناصر "مجلس الحكم الانتقالي". وهي عناصر مختلفة جدا، إلا أن ما يوحدها بهذا الصدد هو نفسية وذهنية المؤقت. فعندما نتأمل"المأثرة التاريخية" لمجلس الحكم الانتقالي، فإنها لا تتعدى في الواقع أكثر من محاولة إرساء أسس المؤقت من خلال ترسيخ وتأسيس فكرة المساومة الحزبية الضيقة، والإلغاء التدريجي لفكرة القانون والشرعية والمضمون الاجتماعي المتنور بمعايير المصالح الوطنية العليا.

طبعا إن ذلك لم يكن معزولا عن النقص الفعلي المرتبط "باستحقاقات" ظهوره واستلامه السلطة. إلا انه واقع لا يفسر كل حيثيات الظاهرة. وذلك لأن "مجلس الحكم الانتقالي" كان يعاني من ضعف بنيوي يبرز في التعامل مع النفس ومع الإشكاليات الكبرى التي واجهت وما تزال تواجه العراق وبالأخص ما يتعلق منها ببناء الدولة الشرعية والمجتمع المدني، بوصفها أساس الفكرة الوطنية السليمة. الأمر الذي وضعه من الناحية التاريخية أمام مفترق طرق، أما السير صوب تحقيق فكرة الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي وإما السقوط في هاوية الانقراض السياسي. وذلك لأن معاداة ومحاربة الدكتاتورية الصدامية بحد ذاته ليس ضمانة لترسيخ أسس الديمقراطية، كما أنها لا تحتوي بالضرورة على إدراك لقيمة الدولة والشرعية والمجتمع المدني. وهو واقع كان يمكن رؤيته بوضوح على مثال تنامي ضعف الحس السياسي الديمقراطي، وتنامي ضعف الشفافية في المناقشة والقرارات، والانزواء المتزايد صوب "الاتفاقات" الحزبية الضيقة والجزئية، وتعاظم ميوعة الخطاب السياسي والاجتماعي والوطني وعدم وضوحه واقتضابه المزيف وانعدام المسئولية أحيانا فيه. وهي ظواهر لها أسباب عديدة منها ما يتعلق بضعف التجربة السياسية العلنية وتقاليدها الديمقراطية والكفاءة الشخصية والنزعة الأبوية والوراثية الناتئة أحيانا عند أغلبية الأحزاب والحركات السياسية، إلا أنها لا تبرر ما أسميته بالنقص البنيوي في النظام السياسي ككل.

ولعل تجربة ما يقارب العقدين من الزمن ما بعد سقوط الدكتاتورية الصدامية، يكشف عن الضعف البنيوي في النظام السياسي الحالي. لقد بقي النظام السياسي "الديمقراطي" و"الدستوري" من حيث الجوهر هو نفس نظام "مجلس الحكم الانتقالي". الأمر الذي يضع مهمة تهديمه من اجل إرساء أسس البناء الضرورية للثبات في الدولة والنظام السياسي والتكامل الاجتماعي والوطني.

إذ لا يمكن بلوغ حالة الثبات الديناميكي في العراق من خلال إعادة بناء الدولة والنظام السياسي الحالي، بل عبر إعادة تأسيس شامل لهما. فقد كشفت تجربة ما بعد الصدامية بأن النظام السياسي الحالي ليس بديلا إصلاحيا للماضي بل استكمال له. الأمر الذي يفترض تحقيق البديل المنظومي الشامل بهذا الصدد من خلال

- إرساء أسس نظام سياسي محكوم بالدستور الثابت

- إلغاء الدستور الحالي، بعد تبين حجم وآلية الخلل فيه، وكتابة دستور جديد يتمثل حصيلة التجربة العراقية منذ تأسيس الدولة الحديثة ولحد الآن.

- إعادة توحيد العراق على أسس وطنية (عراقية) متجانسة وشرعية

فهي الشروط الضرورية لإعادة تحرير العراق من التدخل الأجنبي أيا كان شكله ومحتواه وقواه. كما أنها المقدمة الضرورية لإعادة بناء نظام اجتماعي اقتصادي فعال وحديث يعتمد على برنامج ينفي بصورة جذرية وتدريجية كل نمط الحياة الاقتصادية والاجتماعية السائد لحد الآن فيه. وهي مهمة لا يمكن للقوى السياسية الحالية القيام بها وانجازها، وذلك لأنها عاجزة عقليا وأخلاقيا وعمليا عن تنفيذ هذه المهمة. إنها مهمة القوى المستقبلية التي نرى بعض ملامحها وعناصرها في بركان الاحتجاج المتنامي. وما جرى ويجري لحد الآن هو مجرد ترامي حممه وليس رغوته النهائية التي ينبغي أن تكتسح ما هو عابر وعالق وطفيلي، مع الإبقاء على أرضية الدولة والوطن. بمعنى العمل بمعايير الإصلاح الثوري وليس بمعايير الراديكالية الثورية. 

أنها قوى الإرادة الشعبية الآخذة في النمو. والمهمة تقوم في أن تتكامل بذاتها في تيار سياسي اجتماعي بديل يكنس طبقة الحراشف الطفيلية التي نمت على أرضية وخلفية الانحطاط الموروث من زمن السلطة الدكتاتورية والأيديولوجية البعثية التي لم تبعث غير الموت والدمار.  

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

عبد الحسين صالح الطائيبعد تصاعد حدّة المواجهة بين اسلوب السلطة العنفي الدموي والإصرار الجماهيري على سلمية التظاهرات التي انطلقت في الأول من أكتوبر 2019، تتوج المشهد السياسي الثقافي العراقي، بإنتفاضة اكتوبر، رغم معرفة الجميع بأن هذه الإنتفاضة لا تسقط النظام، بل هي جرس إنذار يمهد لإنتفاضات مستقبلية تهز عرش النظام من جذوره، هذه الإنتفاضة الشبابية العفوية عكست واقع الوعي الجماهيري الباطني، لشريحة إجتماعية واسعة من الشباب الذين تفتحت عيونهم على نماذج من السياسين الفاسدين العابثين بأموال الوطن، مصحوبة بقراءة واعية لتوجهات السلطة بكل أذرعها ومؤسساتها الأمنية. هذه المعادلة البعيدة عن كل القيم الأخلاقية، جعلت بعض الأطراف الإقليمية والدولية تقف إلى جانب الجماهير العراقية وتنبذ العنف، ناهيك عن دور المثقف العراقي، الذي كان في سبات طويل، أصبح في حالة حراك وصيرورة مع مجتمعه ومحيطه الإنساني، حيث أكدت الأحداث حقيقة موقف المثقف المنحاز لشعبه بأنه، يملك القدرة على تغذية الحراك الجماهيري بالتصورات والأفكار. ومهما تعقدت الأحداث يبقى المثقف المنحاز لشعبه، غير خاضع لأية سلطة، يمثل قوة محركة اجتماعية، تعكس معاناة الشعب، تكشف زيف المتسترين بغطاء الدين، ويتفاعل بالعمل بين الشباب لإعادة ترتيب الأمور بشكل منظم.

لقد ميزّ المفكر الإيطالي غرامشي (Gramshi)، نوعين من المثقف، المثقف العضوي والمثقف التقليدي، وفي تحديده لمفهوم المثقف تخطى جدلياً وتاريخياً المفهوم، الذي كان سائداً في القرن التاسع عشر الأوروبي، الذي يمييز بين العمل الفكري والذهني، والعمل اليدوي، حين قال أن كل البشر مثقفون، مستدركاً في الوقت عينه، ولكن ليس لكل البشر لديه وظيفة المثقفين في المجتمع.‏ المثقفون العضويون هم على علاقة أكثر مباشرة بأجهزة الدولة، وبالطبقة الإجتماعية المهيمنة، وبالبنية الاقتصادية الخاصة بمجتمعهم، ويعطي المثقف العضوي طبقته انسجاماً وادراكاً لوظيفتها في كل المجالات السياسية والإجتماعية والإقتصادية.

والمثقف كما عرفه غرامشي من أن كل إنسان مثقف، وإن لم تكن الثقافة مهنة له، فاتسع مفهوم المثقف ليشمل العلماء والمفكرين والأدباء والكتاب والمبدعين والفنيين والأطباء والمهندسين والمديرين ورجال القانون والموجهين والإعلاميين والصحفيين والطلبة وما أشبه ذلك. بهذا التعريف أرجع غرامشي العناصر المكونة لمفهوم المثقف إلى نقطتين، الأولى بأن المثقف يعّرف من منطلق المكانة الوظيفية والدور الذي يقوم به داخل البنية الإجتماعية، والثاني بأن كل طبقة اجتماعية تفرز وتنتج شرائح من المثقفين لا يقومون بوظيفة تمثيلها فقط بل يرتبطون بها عضوياً.

فالمثقف الحقيقي هو القادر على بلورة الواقع الإجتماعي والتأثير المباشر في قيمه وتغيره نحو الأفضل، وأينما تتبلور مفاهيم الحرية الخلاقة، تتبلور الثقافة الحقيقية المنسجمة مع الواقع الإجتماعي، والاختلاف في الرأي تجسيد لحقيقة الحرية، ولهذا تتجسد مهمة المثقف بشكل أساسي على إظهار الأفكار الداعية إلى التغيير والتنوير. وما يميزه هي وظيفته كفاعل أخلاقي لا يتقيد بحالات الانتماء لهذا الموقف أو ذاك، وبالتالي وضعه المميز داخل المجتمع يفرض عليه انتمائه إلى مبادئ الإنسانية.

 ويشير الباحث د. محمد عابد الجابري بأن وظيفة المثقف تتجسد في تحرير المجتمع من هيمنة السلطات المستبدة، سواءً أكانت سياسية، دينية، ايديولوجية. ومن ثم تحرير الثقافة من هيمنة السياسة، أي تحقيق استقلال مجالات الحياة الإجتماعية وتكاملها، ولا يوجد تكامل دون استقلال، الثقافة وحدها لها هذه القيمة التحريرية، حين تكون ثقافة ذات محتوى إنساني وعقلاني وعلماني وديمقراطي بالتلازم الضروري بين هذه الصفات. ولكي نعطي المسألة الثقافية أهميتها نحتاج إلى المزيد من التطلعات الحضارية أو إلى كشف أزمة العقل والتفكير. إن نقد العقل جزء أساسي وأولي من كل مشروع للنهضة، لا يمكن بناء نهضة بعقل لم يقم بمراجعة شاملة لآلياته ومفاهيمه وتصوراته.

فمن خلال التعاريف المتعددة، يتبين أن المثقف يتميز عن غيره في نواح عديدة، وهناك أصناف متباينة، المثقف رفيع الثقافة، متوسط الثقافة، ذو ثقافة دنيا. فنقول فلان مثقف، وفلان ذو ثقافة عالية، وآخر ذو ثقافة سطحية. وكذلك يتميز في حدود معرفته وخصائصه عن الآخرين، وبالتأكيد ليس كل متعلم  أو يحمل شهادة سواء جامعية أو عليا هو مثقف، فالمجتمع فيه الكثير من حاملي الشهادات وهم أنصاف متعلمين. وبما أنه ليس أي مثقف يستطيع أن يفعل ويؤثر في حركة تطور المجتمع، فقد شخص الباحث خزعل القاسمي ثلاثة أنواع من المثقفين: مثقف رسمي، حكومي، يعمل دائماً ما تمليه عليه الدولة وسلطة الحاكم، ومثقف واع، مناهض للسلطة، يناضل دفاعاً عن الحقيقة بكل قواه، ومثقف يخضع لمحاولات السلطة الاحتوائية.

لقد أشار أكثر من باحث بأن حدث التاسع من نيسان 2003، قد وضع مقدمات نظام سياسي جديد يختلف عن الأنظمة التي تعاقبت على حكم العراق في العهدين الملكي والجمهوري، هناك تغيير جذري في طبيعة السلطة، والمشروع السياسي والإجتماعي، والقوى الفاعلة في مجريات العملية السياسية. نظام قائم على مفاهيم مغايرة لمفهوم الوطنية، تغلبت فيه الهويات والإنتماءات الفرعية، جاءت هذه المفاهيم منسجمة مع التركة الثقيلة للنظام السابق، الذي كرس الطائفية والتخلف الإجتماعي، لاسيما الاعتماد على القيم القبلية، والانتماء الحزبي وشبكة كبيرة من الديون، التي أفقرت المواطن والمجتمع.

إن الثقافة العراقية اليوم مبنية على مفاهيم المذهب، القبيلة، العائلة، المنطقة، الحزب، وغيرها من المفاهيم التي تسهم في ضياع الثقافة الوطنية وقيمها ومفاهيمها الأخلاقية والإنسانية، كالحرية والعدالة الإجتماعية والشعور بالمسؤولية واحترام الحقوق العامة والخاصة للمواطنين، وغيرها من القيم التي تشكل الهوية الثقافية لمجتمعنا العراقي الذي يواجه تحديات كبيرة وخطيرة على مختلف الأصعدة، جرى التعبير عنها بحركات احتجاجية ذات طابع شعبي شبابي، جاءت في اعقاب الهبات الجماهيرية، التي حصلت بأكثر من بلد عربي عام 2011،  إنهارت على آثرها الكثير من الأنظمة العربية، ونتج عنها بروز لأحزاب الإسلام السياسي المتطرف، وتدخلات فاضحة للدول الكبرى في رسم خريطة تلك البلدان.

كل المؤشرات تشير إلى ضرورة تفعيل دور المثقف الواعي لمطاليب شعبه، بأن يساهم في المطالبة بتحقيق المزيد من المنجزات والخدمات التي تصب في مواجهة معوقات تقدم العراق، وتقع عليه مهمة تشخيص ونقد السلبيات والتوعية بضرورة التمسك بالهوية الوطنية وتغليبها على الهويات الفرعية، الحد من التكوينات القبلية والعشائرية، تقوية الترابط الإجتماعي، وتعزيز ثقة الأفراد بالدولة ومؤسساتها الإدارية والوظيفي.

وأخيراً، لابد من التأكيد بأن المثقف الواعي ومدى تأثيره على الواعين من افراد المجتمع له الدور المميز في عملية التغيير أو الإصلاح التي تهدف إلى الخلاص من نظام المحاصصة الطائفية والاثنية، وتنقية الأجواء السياسية بتشكيل حكومة تكنوقراط وطنية ديمقراطية على أساس المواطنة والكفاءة والنزاهة والعدالة الإجتماعية، وحماية حقوق وحريات المواطنين في إطارالدستور، ومن الطبيعي أن يكون إصلاح الإقتصاد الوطني من بين الأولويات مصحوباً بتعزيز قطاعي الصناعة الزراعة ومختلف المجالات الأخرى، مع رقابة مشددة لعمل مؤسسات الدولة الخدمية والوزارات الأساسية كالتعليم والصحة والبيئة وغيرها لكي تنهض بمهامها بما يخدم قطاعات المجتمع كافة.

 

د.عبد الحسين صالح الطائي

أكاديمي عراقي مقيم في  بريطانيا

 

محمود محمد علينعود مرة أخري للحديث التفسير السوسيولوجي لحروب الجيل الرابع في هذا المقال الخامس ؛ حيث يكون كلامنا هنا منصباً عن الطبيعة السياسية لحروب الجيل الرابع، وفي هذا يمكن القول: لا شك في أن نظرية حروب الجيل الرابع"، قد خرجت عن كونها نظرية في الاستراتيجية العسكرية، لتصبح ذات "طبيعة سياسية" أيضاً، فإذا كانت الأجيال الثلاثة الأولي من الحروب قد تضمنت قرارات تأخذها سلطات مركزية لدول ذات سيادة، فإن ما تؤكده النظرية – فضلاً عن أن ثمة نمطاً رابعاً من الحروب يأخذ طريقه إلي التشكل – هو أن هناك فواعل سياسية جديدة أصبحت تمتلك اتخاذ قرار الحرب الذي كان محجوراً من قبل للدول؛ وبعبارة أخري "فإن ما تتنبأ به النظرية ليس أن الدول ستلجأ في المستقبل علي نحو متزايد، لاستخدام هذا النمط من الحروب للتدخل في شئون دول أخري، ولكن الحروب ما بين الدول ستتراجع لصالح نزاعات تنشب بين الجيوش النظامية وجماعات أو فواعل من غير الدول" . ونظرية " حروب الجيل الرابع" تنبثق بهذا المعني عن نزعة غير تداخلية لدي مطوريها، فالنظرية "تناقش سبل الحفاظ علي الداخل الأمريكي من خلال استراتيجيات لصد هجمات الجماعات المتمردة المناوئة للثقافة الغربية، بعبارة أخري تقدم النظرية مفهوما دفاعياً بدرجة كبيرة، وهو عكس الانطباع الذي تستخدم في إطاره من قبل الأنظمة العربية التي تستحضر النظرية للإيحاء برغبة الآخرين (أمريكا وحلفائها) في الهجوم عليها والتأثير في شئونها الداخلية".

بشكل عام يتفق منظرو حروب الجيل الرابع مع الطرح الذي يعتقد بتراجع "الدولة القومية"، وخصوصاً  في إطار منظومة دول العالم الثالث أو أنظمة ما بعد الاستعمار. ومن بين الأسباب التي تُطرح لتفسير ذلك التخصص تختار النظرية ذلك المتعلق يتعثر التحديث في العديد من هذه الدول، الأمر الذي أفرز عدداً من الأنظمة الفاشلة التي لم تستطع أن تفي بمتطلبات وشروط الدولة الحديثة، وخصوصاً ما يتعلق بشرط المواطنة، فهذه الأنظمة لم تنجح في أن تقدم لشعوبها من الحقوق والامتيازات ما تستحوذ به علي ولائهم السياسي، ولم تنجح في جعل رابطة المواطنة تعلو علي غيرها من الروابط، ما أدي إلي تراجع الولاء السياسي للأفراد إلي الدوائر الأولية (ما قبل السياسة)، مثل الدوائر الدينية، والعرقية، والعشائرية. وهكذا " لم تعد المواطنة هي قوة الجذب المركزي، كما كان الحال إبان نشأة دولة ما بعد الاستقلال، وإنما أصبحت ثمة مراكز جذب أخري، تتمثل في الدين والعرق والعشيرة" .

ومما سهل من عمليات " الجذب" في مواجهة عمليات " الطرد" تنامي وسائل الاتصال وتبادل المعلومات بين الأفراد بعيداً عن أعين الأنظمة، بحيث " أصبح في مقدور الأفراد أن يجدوا المتشابهين معهم مهما تناءت بهم السبل، ليشكلوا معاً تكوينات لا تخضع لسلطة الدولة ولا لسيادتها، بل ويمارس (بعضها) العنف ضد الدولة، في إطار فواعل جديدة من غير الدول، تزاحم الدول في صلاحيتها وتوجه لها تهديداً عسكرياً ووجودياً في بعض الأحيان" .

وعلي هذا الأساس تفترض النظرية أن الدولة الحديثة قد فقدت – ضمن ما فقدت – احتكارها لقرار الحرب، وأصبحت "مضطرة للدخول في مواجهات أو حروب ضد تكوينات غير نظامية، منتشرة عبر العالم، تستخدم إلي جانب " قوة السلاح"، وسائل "القوة الناعمة"، وعلي رأسها المعلومات، وتتمتع بالمقدرة علي شن حروب، لا تستهدف من خلالها هزيمة خصومها عسكرياً، ولكن تحطيم إرادتهم السياسية، وإقناعهم بعدم جدوي الاستمرار في مواجهة هذه التكوينات المقاتلة، وهو ما تحقق فعلياً في العديد من الحالات" .

ففي الوقت الذي لم تتمكن فيه أي دولة عادية من أن تحارب، فضلاً عن أن توقع الهزيمة بأي من الدول الكبرى في إطار النظام الدولي المعاصر، فإنه من خلال هذا النوع من الحروب ذاق عدد من هذه الدول الهزيمة علي يد جماعات أضعف منها بالمقاييس التقليدية للقوة. فتعرضت أمريكا للهزيمة (وفقاً لتعريف النظرية لمفهوم الهزيمة) في كل من فيتنام، ولبنان، والصومال، وأفغانستان، والعراق. كما تعرضت القوات الفرنسية للهزيمة في كل من فيتنام والجزائر، وتعرض الروس للهزيمة في أفغانستان، ثم لانكسارات خطيرة في الشيشان. الأمر الذي يعكس وفقاً للنظرية تغيراً في علاقات القوة، وفي الطريقة التي بات يُنظر من خلالها إلي كيفية إحراز النصر، ففي كل هذه الأمثلة تمكن الطرف الأضعف، من إجبار الطرف الأقوى علي العدول عن هدفه، وإقناعه (قسراً) بعدم جدوي الاستمرار في محاولة تحقيقه. وفيما لا يمثل هذا انتصاراً وفقاً للمعني التقليدي، فإنه علي الأقل يمثل غلبة لكفة الطرف الذي تبني هذا النوع من الاستراتيجيات .

وفي عام 1994 صدر بحث للكولونيل المتقاعد، الضابط السابق بالجيش الامريكي والمخابرات المركزية "توماس هامز" بعنوان The Evolution of War: The fourth Generation ، وقد نشر هذا البحث بمجلة  Marine Corps Gazette ؛ حيث أوضح أن التمردات والاحتجاجات الشعبية، قادرة على هزيمة الدولة من الداخل؛ حيث يمكنها ضرب الشبكة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والعسكرية للدولة، ومهاجمة عقول صانعي القرار وهزيمة إرادتهم السياسية، مع تأكيده أن حركات التمرد من الصعب هزيمتها سياسياً .

وذكر "هامز" أن "التاريخ الإنساني شهد تطور الحرب خلال أربعة أجيال، ولا يرجع ذلك إلي التقدم التكنولوجي فقط كما ادعي "وليم ليند" ورفاقه، لأن محركات التغيير تكمن في تطور البني السياسة والاقتصادية والمجتمعية، والتي لعبت دوراً في إحداث تلك النقلات بين الأجيال، واتسم الجيل الأول بالتحول في طريقة الحرب نفسها عن العصور القديمة والوسطي، حيث استُخدمت الجيوش الضخمة والمسلحة النارية المباشرة بشكل كثيف، وبلغ هذا الجيل ذروته مع انتهاء الحرب النابليونية، وقد تلاها الجيل الثاني مكثفا القوة النارية والتطور في وسائل الاتصال، وبلغ مداه إبان الحرب العالمية الأولي، أما الجيل الثالث فقد غلب علي الصراعات الممتدة من الحرب العالمية الأولي، وحتي الحرب العالمية الثانية، وتطورت التكتيكات العسكرية ليظهر تكتيك جديد وهو "حرب المناورة" .

الجيل الرابع من الحروب – وفقاً لهامز – يمتد منذ الحرب العالمية الثانية وحتي وقتنا هذا، ويعتبر من أشكال التمرد المتطورة، وفيه تُستغل الشبكات المتاحة كلها – سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية- "لإقناع صانعي قرار العدو بأن أهدافهم الاستراتيجية مستحيلة التحقيق أو مكلفة للغاية، ولا يُستهدف بالأساس الفوز عبر هزيمة القوات المسلحة للعدو، ولكن مهاجمة عقول صانعي القرار وتحطيم الإرادة السياسية".

وذكر "هامز" بأن حرب الجيل الرابع، تعتمد من الناحية الاستراتيجية علي التأثير علي نفسية وعقل مخططي العدو، وليس عبر الوسائل العسكرية فقط كما كان الحال  سابقاً، ولكن كذلك عبر استعمال كل الوسائل الإعلامية والشبكات المعلوماتية المتوفرة في هذا العصر للتأثير علي الرأي العام، ومن ورائه النخب الحاكمة. أما من الناحية التكتيكية، فقد ذهب "هامز" إلي أن حروب الجيل الرابع ستكون عبارة عن حروب صغيرة الحجم تسعر في مناطق مختلفة من الأرض ضد عدو شبح يختفي ويظهر . وهذه الحرب، وإن استعملت فيها تكتيكات وتقنيات متبقية من الأجيال السابقة، إلا أنه "سيتم التركيز فيها علي كافة الأصعدة السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والعسكرية، وسيخوضها أطراف دولية ووطنية وجهوية –  قبلية بل ومنظمات كذلك" .

ومن جهة أخري يري "هامز" أن حروب الجيل الرابع تعتمد أيضاً على تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات والتي تعد من العناصر الرئيسية بدأتها بما يسمى بـ "الإعلام الجديد"، مثل المدونات، ثم الصفحات، وشبكات التواصل الاجتماعي كـ"فيسبوك" و"تويتر" لاستغلالها في إطلاق الشائعات، وحشو الأخبار بكل مضلل كاذب لإفقاد الوعي والهوية والانتماء، وتتم بوساطة مجندين وجواسيس لتتمكن في النهاية من تكوين مجموعات، لإثارة الفتن، والمشاكل والصراعات الداخلية، لتفتيت الدولة وإضعافها، وتفكيك مؤسساتها.

كما يبين لنا "هامز" في هذا الكتاب كيف تطورت أساليب الجيل الرابع، وذلك من خلال استخدام حزمة متعددة الوسائل تتضمن أعمال التخريب والإرهاب واستهداف المنشآت، والقوات العسكرية، والشرطية، والمرافق، والبنية التحتية، والمنظومة المعلوماتية،وكذلك الحرب الاقتصادية، وإشاعة الفوضى، وذلك لإنهاك مؤسسات الدولة وجعلها تبدو عاجزة وبث الإشاعات وزعزعة الروح المعنوية من خلال وسائل وتقنيات الاتصال الحديثة باختلاف أنواعها. وتجد الجيوش والقوات النظامية والشرطية التقليدية، مهما بلغ تسليحها وتدريبها صعوبة كبرى في مواجهة هذا النوع من الحروب، لأنها تحارب عدواً أغلبه غير ظاهر يعمل بنظام لامركزي، ويعتمد جزئياً على مبادرات ذاتية متجددة الوسائل، ولا يقوم علي ميدان محدد للمعارك، ولا يتطلب لتحقيق أهدافه بالضرورة عتاداً كثيفا وأسلحة تقليدية ثقيلة، ويستخدم عنصر المفاجأة وكون أفراده لا يمكن تمييزهم بين جماهير المواطنين. ومن الصعوبة بمكان أن يتوقع التغلب على هذا العدو المنتشر والمتعدد الأوجه والانتصار في هذا النوع من الحروب باستراتيجيات الأمن والحرب التقليدية وتكتيكاتها التي وقفت عند حدود الجيل الثالث الذي يعتمد في أفضل حالاته على المناورة والخداع والإبداع الاستراتيجي والسرعة وتغيير ساحة ومكان المعارك واستخدام تقنيات وأسلحة الحرب والقتال المتقدمة والمتطورة، لتحقيق انهيار العدو (وليس بالضرورة القضاء عليه)، لأنها في حالة الجيل الرابع "تصبح غير ذات جدوى أمام عدو متخف ومنتشر ومتنوع العناصر وأفراده متغلغلون بين السكان ويصعب حصرهم وساحة معاركه تقع في قلب المجتمع ذاته، وحيث يتم استخدم تقنيات اتصال متقدمة متاحة للجميع وأدوات قتال وتخريب وإرهاب مصادر الحصول عليها واستخدامها ميسرة ومتاحة" .

وفي عام 2004 صدر لتوماس هامز كتاب "الحبال والصخرة: بحث حول حروب القرن الحادي والعشرين " The Sling and the Stone: On War in the 21st Century، وفي هذا الكتاب استأنف حديثه بشكل واسع عن حروب الجيل الرابع ؛ حيث أبان أن تلك الحروب "جاءت تعويضاً عن الفشل الذريع الذي منيت به إدارة الرئيس بوش (الابن) في حرب العراق"، ولذلك جاءت حروب الجيل الرابع لتسقط الأنظمة المستهدفة بلا سلاح مباشر عبر المظاهرات، والإضرابات، والاعتصامات، والعصيان المدني، وتعطيل سير الحياة اليومية، وإقامة حكومة بديلة، ومحاصرة المقرات السيادية للدولة واحتلالها سلمياً، كما أوضح هامز أن التمردات والاحتجاجات الشعبية قادرة على هزيمة الدولة من الداخل، حيث "يمكنها ضرب الشبكة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والعسكرية للدولة، ومهاجمة عقول صانعي القرار وهزيمة إرادتهم السياسية، مع تأكيده أن حركات التمرد من الصعب هزيمتها سياسياً " .

ويري " هامز" أن حروب الجيل الرابع لا تنشأ بين دولة وأخري، ولكن تنشأ من خلال الاقتتال الداخلي في الدول الأخرى، وبالتالي ليست حروبا نظامية تقليدية تتم بين جيوش نظامية، ولكنها نوع خاص من الحروب تدار من خلال أجهزة مخابرات لجعل الدول المستهدفة يتقاتل أبناؤها مع بعضهم دون أن تخسر الدولة التي تشن الحرب جندياً واحداً. إن حروب الجيل الرابع موجهة لكامل الدولة، حيث تعمل علي تآكلها من خلال استخدام الجواسيس والعملاء، واستخدامهم في استراتيجية هدم الدولة من الداخل؛ حيث تعمل علي عدم استقرارها، وإفشالها، وجعلها غير قادرة علي حماية حدودها، وعدم قدرتها علي فرض الأمن والاستقرار، وعدم قدرتها علي تحقيق التنمية الاقتصادية؛ وبالتالي كسر إرادتها وإجبارها علي الخنوع، وعلي الرضوخ، وعلي الإذعان.

كما يري "هامز" أن حروب الجيل الرابع تنفذ بالوكالة، حيث تدار عن بعد، ويتم تنفيذها عن قرب من خلال زرع وتجنيد العملاء في كل مكان بغرض هدم الدولة، وزعزعة استقرارها، وتدمير أدواتها.

وجاء بعد كتاب توماس هامز الكثير من الباحثين الذين أفاضوا في الحديث عن حروب الجيل الرابع، فنجد الأستاذ "مجدي كامل"، يري أن حروب الجيل الرابع تستهدف تحطيم القدرات العسكرية عن طريق نشر الفتن والقلاقل وزعزعة الاستقرار، وإثارة الاقتتال الداخلي، بحيث "تقوم تلك الحروب على تفتيت الأمة من الداخل، فالجيش ينقسم على نفسه، والشرطة والقضاء تكون ضد الجيش وضد بعضه ؛ أي عملية شرذمة للجميع واقتتال داخلي بحيث تنهار الأمة من الداخل".

وكان أول من استخدم هذا المنهج عمليا "جاريد كوهين " Jared Cohen الذي يعمل بموقع جوجل الشهير، والذي " لعب دوراً بارزاً في إثارة القلاقل داخل إيران عام 2009م، وفشلت هذه المحاولات نتيجة كشف المخابرات الإيرانية لمخططه عن طريق مكتبها في لبنان، لكن تجربته تم الاستفادة منها في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى فيما بعد ، ولم تخف الولايات المتحدة حقيقة ما كانت تخطط له، فقد أعلنت "كوندالزارايس " وزيرة الخارجية ومستشارة الأمن القومي سابقاً منذ 2005م مصطلحاً جديداً كبيراً في المجتمعات العربية، وهو مصطلح الفوضي الخلاقة " في إشارة لطريقة التغيير التي ستشهدها المنطقة، ولكن رغم كل هذا الجدل لم ندرك أننا أمام مخطط ضخم لإقامة الشرق الأوسط الجديد الذي يخدم الأهداف الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة عن طريق تفتيتها إلي دويلات.

والسياسة الأمريكية مستمرة، فقد أعلن الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" في أحد خطاباته : "أننا نشهد نهاية عقد جديد من الحروب"، وفسرها البعض بأن أوباما رجل سلام لا يريد التوريط في حروب جديدة، ولكن التجربة أثبتت أنه كان يقصد أن إخضاع الشعوب سيتم فيما بعد بدون جيوش وحروب تقليدية، ولكن عبر التدمير الذاتي لهذه الشعوب، فقد أعلن أيضاً عقب سقوط نظام الرئيس المصري "حسني مبارك" في الرابع من مارس 2011م أن الانتفاضات التي تشهدها المنطقة العربية تخدم سياسات الولايات المتحدة الأمريكية، وقال أيضاً :" إن القوي التي أطاحت بمبارك يجب أن تتعاون مع الولايات المتحدة وإسرائيل" .

ويعتمد نجاح الجيل الرابع من الحروب علي عدة عوامل رئيسية لدي الدول المستهدفة، أهمها انتشار الفساد، والركود الاقتصادي، وسوء الأحوال المعيشية، وانخفاض مستويات التعليم، وتفشي الجهل، والتضييق السياسي، وسوء التعامل الأمني، وعدم نزاهة الانتخابات، وهو ما يسبب احتقاناً داخل المجتمع، وهو ما يؤدي بالطبيعة إلي ظهور رغبة حقيقية من الشعب في التغيير . وهذا المناخ يمثل بيئة صالحة جداً لنمو بعض المنظمات، والحركات، والجمعيات، والجماعات الدينية، والنشطاء الحقوقيين، والسياسيين؛ وبخاصة " الذين لا يمانعون في استخدام التمويل الأجنبي، ويتمكنون عبر وسائل الإعلام والاتصال التقليدية وغير التقليدية من هز ثقة المجتمع في نفسه وفي قياداته السياسية والدينية، وتسود الفوضى، وينتهي الأمر بتفكيك مؤسسات الدولة؛ وبخاصة القضاء والشرطة، أما القوات المسلحة فيكون الهدف اختزال دورها في مكافحة الإرهاب، ومحاولة شغلها عن مهمتها لحماية وتأمين حدود الدولة . وبالتالي تضعف قدرات الدولة علي المدي البعيد، وتتمكن الدول الكبرى من افتراس الدولة المستهدفة وإخضاعها بعدما تكون قد دمرت قدراتها ذاتياً دون الحاجة لتدخل عسكري من الدول الكبرى، ودون حاجة للمغامرة بأرواح أبنائها بنفسها" ... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا في مقالنا الرابع عن بزوغ حروب الجيل الرابع؛ حيث  نكمل حديثنا عن أهم مفاهيم حروب الجيل الرابع، وفي هذا يمكن القول بأن الجيل الرابع من الحروب هو نوع جديد من الحروب سيكون القتال فيه حسب تصورهم مشتتا بشكل أكبر، فساحة المعركة ستشمل المجتمعات، ولن تقتصر الأهداف العسكرية علي تدمير الجيوش النظامية، بل ستتعداها لتشمل تدمير المساندة الشعبية للمقاتلين في مجتمع العدو. وفسر هؤلاء الخبراء تصورهم أكثر حين ذكروا في مقالهم  أن " نشرة الأخبار ستصبح سلاحا أكثر فتكا من عدة لواءات مدرعة"، كما ذكروا أن الفرق بين الحرب والسلم سيتلاشى لدرجة أنه "لن يبقي هناك تحديد علي الإطلاق لميدان المعركة أو جبهة الحرب".

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة يؤكد عليها هؤلاء الخبراء، وهي أن حروب الجيل الرابع تعتمد من الناحية الاستراتيجية علي التأثير علي نفسية وعقل مخططي العدو، ليس عبر الوسائل العسكرية فقط كما كان الحال سابقا، ولكن كذلك عبر استعمال كل الوسائل الإعلامية والشبكات المعلوماتية  المتوفرة في هذا العصر للتأثير علي الرأي العام ومن ورائه النخب الحاكمة .

أما من الناحية التكتيكية، فقد ذهب هؤلاء إلي "أن حروب الجيل الرابع ستكون عبارة عن حروب صغيرة الحجم تسعر في مناطق مختلفة من الأرض ضد عدو شبح يختفي ويظهر. وهذه الحرب وإن استعملت فيها تكتيكات وتقنيات متبقية من  الأجيال السابقة إلا أنه سيتم التركيز فيها علي كافة الأصعدة السياسية والاجتماعية والعسكرية، وسيخوضها أطراف دولية ووطنية وجهوية – قبلية بل ومنظمات كذلك . ثم عاد "وليم ليند" بمفرده للكتابة حول هذا الموضوع في مقال بعنوان  Understanding Fourth Generation War، نشرة المجلة Military Review، في عام 2004 .

وفي هذا البحث قام "ليند" بتقسيم أوسع للحروب إلي أجيال، وانتهي إلي أن العالم يتجه إلي جيل جديد وهو الجيل الرابع، والذي يعنى كيفية تجنب دولة ما لأكبر قدر ممكن الخسائر مع إيقاع الدول المعادية بأكبر الخسائر الممكنة؛ حيث يتم استغلال نقاط الضعف وضرب الركائز الأساسية في الدول المعادية لتكبد الخسائر بها دون المواجهة المباشرة .

وقد ذكر "ليند" أن هناك ثلاثة أجيال سبقت حروب الجيل الرابع، وهي علي النحو التالي:

حرب الجيل الأول: يعرفها ليند بالحرب التقليدية : Conventional War بين دولتين لجيشين نظاميين .وهذا الجيل يعتمد علي القوة البشرية الهائلة جيدة التنظيم والتي تحارب باستعمال الجيل الأول من البنادق الملساء غير الملحزنة في مساحات ضيقة إلي حد ما وضرب مثل بهذا بالحروب الأوروبية ما بعد معاهدة (ويستفاليا) 1648م وانتهي هذا الجيل من الحروب بعد الاعتماد بصورة واسعة علي البندقية المحلزنة والمدفع الرشاش ويري "ليند" أن أشهر قادة حروب الجيل الأول وصاحب أبرع التكتيكات كان القائد الفرنسي الشهير (نابليون بونابرت).

حرب الجيل الثاني: يعرفها ليند بحرب العصابات (بالإنجليزيةGuerilla War) والتي كانت تدور في دول أمريكا اللاتينية، الخبير الأمريكي ويليام ليند يعرفها بالحرب الشبيهة بالجيل الأول من الحروب التقليدية ولكن تم استخدام النيران والدبابات والطائرات بين العصابات والأطراف المتنازعة . ويعتمد الجيل الثاني: وهي الجيوش المحاربة بالبندقية المحلزنة والمدافع الرشاشة والأجيال الجديدة من المدافع العملاقة ذات المديات الكبيرة وتنتشر الجيوش في خطوط دفاعية وهجومية متوازية ويري ليند أن الحروب الجيل الثاني استمرت علي هذا المنوال حتي بدايات الحرب العالمية الأولي .

حرب الجيل الثالث: ويعرفها "ليند" ويوصفها بأنها طوُرَت من قبل الألمان في الحرب العالمية الثانية وسميت بحرب المناورات وتميزت بالمرونة والسرعة في الحركة واستخدم فيها عنصر المفاجأة وأيضاً الحرب وراء خطوط العدو. يري "ليند" أنها هي التكتيكات التي استعملها الألمان في نهايات الحرب العالمية الأولي وبدايات الحرب العالمية الثانية من إسقاط خلف خطوط العدو واستعمال الألوية المدرعة بكثرة للتقدم بسرعة صوب المدن (البليتز كريج) وضرب المدن والتجمعات المدنية بطرق مباشرة . ويري الكاتب ان الولايات المتحدة مازالت تنتهج حروب الجيل الثالث (وقتها بالطبع).

حروب الجيل الرابع: فيؤكد " ليند" أنه نوع جديد من الحروب، سيكون القتال فيه حسب تصورهم مشتتاً يشكل أكبر مساحة ستشمل المجتمعات، ولن تقتصر الأهداف العسكرية علي تدمير الجيوش النظامية بل ستتعداها لتشمل تدمير المساندة الشعبية للمقاتلين في مجتمع العدو. وفسر هؤلاء الخبراء تصورهم أكثر حين ذكروا في مقالهم أن "نشرة الأخبار ستصبح سلاحاً أكثر فتكا من عدة لواءات مدرعة " كما ذكروا أن الفرق بين الحرب والسلم سيتلاشى لدرجة أنه " لن يبقي هناك تحديد علي الإطلاق لميدان المعركة أو جبهة الحرب" .

ويؤكد "ليند" أن الأجيال الثلاثة السابقة من الحروب كانت تعتمد على الاستخدام المباشر للقوة الصلبة أي القوة العسكرية لتحقيق أهداف الدولة المعتدية أما حروب الجيل الرابع فليست نمطية كحروب الأجيال السابقة، فهي تعتمد على استراتيجية الهدم من الداخل للدولة المستهدَفة، بهدف تحويلها إلى دولة فاشلة غير قادرة على حماية حدودها، ولا إدارة مؤسساتها تمهيداً لفرض الإرادة عليها لاحقا، لافتاً النظر إلى أنه برغم خطورة هذا النوع من أجيال الحروب، فإن مواجهته ليست مستحيلة؛ فمواطنو الدولة المستهدفة هم المكوِّن الداخلي الذي سينفِّذ بنفسه الجزء الأكبر من هدم الدولة، ولذلك يجب أن يكونوا مدركين للخطر الموجَّه ضد بلادهم، وأن يستوعبوا هذا الشكل الجديد من أشكال الصراع وسماته، وأدواته، وأساليبه، وطبيعته التي تختلف كلياً عن أجيال الحروب السابقة.

ثم يستطرد قائلاً:" إن حروب الجيل الرابع ستشمل جميع أركان العدو الاقتصادية والثقافية والعسكرية بالطبع، وأن حروب الجيل الرابع لا بد وأن تتميز بالانتشار الكثيف واستعمال أعداد بسيطة من القوات علي الأرض (بدلاً من الجموع البشرية الهادرة) وتقليل المركزية والاعتماد علي الدعم اللوجيستي بوسائل أخري (لم يذكرها الكاتب) .... وفي النهاية يصف الكاتب حروب الجيل الرابع بأنها مكانة ما بين الحرب والسلام.

ويقول "ليند" :" إنها تحتاج لأنواع جديدة من السلاح تمتاز بالقدرة علي إحداث تدمير كبير بواسطة أسلحة صغيرة فائقة الطاقة (مثل أسلحة الليزر الجديدة والمدفع الكهرومغناطيسي) واستعمال الأنظمة الروبوتية وغير المأهولة بكثرة، بالإضافة إلي وسائل الاتصال التي يصعب اعتراضها (رادارات الـLPI) ـ) وأن تلك الأسلحة الجديدة لن يتم توجيهها فقط إلي أهداف عسكرية، بل إلي الأهداف السياسية والثقافية كذلك" .

ثم يضيف "ليند" قائلاً :" إن علي الغرب البدء بتطبيق نظريات حروب الجيل الرابع، لأنه إن لم يفعل فقد تسبقه إليها بعض الدول الأسيوية (يقصد الصين علي الأرجح) أو الإسلامية ... وقال ليند أنه رغم أن حروب الجيل الرابع تحتاج لإمكانات تكنولوجية كبيرة لا تمتلكها الدول الإسلامية حالياً، إلا أنها قد تلجأ لطريقة جديدة للحروب، وقال ليند أنها الإرهاب؛ حيث إن المنظمات الإرهابية والإرهابيين تستعمل بعض خصائص الجيل الرابع التي ذكرها ... فهي تنتشر عبر مساحات واسعة من الأراضي باستعمال عدد قليل من الأفراد كما أنهم لا يحتاجون لي دعم لوجيستي مركزي من وطنهم الأم، وهم يحاولون التأثير علي المقومات السياسية والثقافية للمجتمعات الغربية، وهم كذلك قد يستعملون في المستقبل وسائل تكنولوجية معقدة لتحقيق أهدافهم" .

ويتميز الإرهاب كما يذكر "ليند" باستعماله مميزات العدو لضربه ويقصد الكاتب بمميزات العدو (بالطبع العدو هنا هو المجتمعات الغربية) "الديموقراطية، وحقوق الإنسان، وحرية التعبير، وسيادة القانون، فهو يستطيع القيام بعملية قتل كبيرة وسيجد من يدافع عنه" .

وقد اكتسب المفهوم شهرته منذ مطلع التسعينيات بسبب تداعيات حرب العراق، وما تزامن معها من هجمات حملت توقيع تنظيم القاعدة في العديد من دول العالم، ثم تأكد استخدام المفهوم مع تورط الولايات المتحدة في الصومال، ثم تعرضها لهجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001م، وأعلاها الحرب علي حركة طالبان في أفغانستان، ثم شنها حرب العراق الثانية، وهي الأزمات التي تحول بسببها المفهوم إلي ما يشبه النظرية التفسيرية كما يري بعض الباحثين .

ملخص المفهوم أو النظرية، أن الحرب الحديثة قد تطورت من استخدام "القوة البشرية المكثفة"، إلي استخدام "قوة النيران"، إلي استخدام " المناورات"، وأخيراً إلي استخدام "توليفة من الأدوات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية " لإقناع الخصم أن أهدافه إما غير قابلة للتحقيق أو مكلفة للغاية . والأمر المهم أن الطرف الذي يشن الحروب في جيلها الرابع – وفقاً للنظرية – هو فاعل من غير الدول، ميليشا أو جماعة مسلحة.

كما يذكر ليند أن هذه الحروب تعمل على تجنُّب السلبيات التي تخلِّفها عادة الحروب التقليدية، ولاسيما مشاعر العداوة التي تنتاب شعب الدولة المغلوبة، تجاه الدولة الغالبة وللوصول إلى هذه الغاية يتم استعمال جملة أدوات داخلية وخارجية، وتتم الاستعانة بوسائل الاتصال الحديثة، ويقع توظيف التطور التكنولوجي، لتشديد الخناق على الدولة المستهدَفة وحرمانها، أي مساعدات إقليمية أو دولية.... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

 

عزالدين عنايةيشكّل مطلب "الأَجُورْنامِنْتو" (التجديد) تحدّياً عويصاً للمسيحية المعاصرة، بوصفه الرهان الملحّ لإخراج اللاهوت من ربقة البراديغم القروسطي وولوج عصر الحداثة، بعد أن باتت الكنائس خاوية والساحات عامرة، كما يتردد في أوساط المراقبين للشأن المسيحي. فمنذ اعتلاء البابا بنديكتوس السادس عشر (جوزيف راتسينغر) كرسي البابوية، وإلى حين تخلّيه المباغت والصادم عن مهامه في الثامن والعشرين من فيفري 2013، تمحورَ هاجسُه في الإلحاح على خوض غمار تحوير مؤسسة الكنيسة. بقصد تحريرها من براثن المؤسساتية الطاغية وجهازها البيروقراطي الجاثم، الذي يوشك أن يخنق روح الدين، كما أوضح راتسينغر في كتابه "نور العالم" (روما، 2010). بعد أن تحوّلت الكنيسة إلى مؤسسة دنيوية متلهفة على الربح والسطوة والجاه. فقد لمس راتسينغر، خلال فترة بابَويته، أزمة الكنيسة، الأمر الذي جرّه إلى أن يعلن أمام الكوريا الرومانية -هيئة كبار الكرادلة- قبل اتخاذ قرار الاستقالة "إن جوهر أزمة الكنيسة هي أزمة لاهوتية. وفي حال تعذّر إيجاد حلول، وعدم استعادة الإيمان حيويته، لِيصبح قناعة عميقة وقوة حقيقية بفضل اللقاء مع يسوع المسيح، فإن مجمل الترقيعات الأخرى لا معنى لها".

لكن راتسينغر غادر حاضرة الفاتيكان بغتةً وأعقب وريثه الأرجنتيني فرانسيس (ماريو برغوليو) تركةً ثقيلة. وما إن اعتلى الأخير سدّة بطرس، حتى بادر بتشكيل مجلس حكماء متكون من ثمانية كرادلة، بقصد سنّ تحويرات لاهوتية تتعلق بإصلاح الكوريا الرومانية (الجهاز السلطوي داخل حاضرة الفاتيكان)، وإلغاء "الإيور" (أي حلّ الجهاز المالي الكَنَسي بعد تفشّي الفساد فيه)، وترسيخ التسيير الصائب للكنيسة (بما يجنّب الانفراد بالسلطة وتبني نهج رشيد)، والالتزام بالإنجيل (بما مفاده العودة إلى تعاليم المسيح السمحة)، ومراجعة المهام الكنسية (لا سيما ما تعلق منها بالتكوين والأدوار)، وتسوية علاقة كنيسة روما بالشرق (أي مراجعة السياسات المتشددة على غرار موقف الفاتيكان من كنيسة الصين الوطنية)، والهدنة مع الإسلام (بما يعني إرساء صلح فعلي يتخطى المجاملات الشكلية)، بما يؤدي إلى السير صوْب عقد مجْمَع مسكوني تُطرح فيه قضايا الكنيسة المصيرية.

هذه الحزمة من المطالب هي في الحقيقة عناوين لورشات إصلاحية كبرى، لاهوتية ومؤسساتية، برزت ملحة منذ صدور "تقرير الكنيسة الإحصائي" (روما، 2016). بما لاح من تراجع في أعداد المنضوين في سلك الرهبنة، الذي مسّ بالخصوص بولندا التي شهدت تراجعا بـ10 بالمئة، وبريطانيا تراجعا بـ11،5 بالمئة، وألمانيا بـ7،7 بالمئة، والنمسا بـ10،9 بالمئة، وفرنسا بـ3،5 بالمئة وإسبانيا بـ1،8 بالمئة. وأما ما تعلّق بالراهبات، فإن تكن أعدادهن قد ناهزت 682.729 راهبة سنة 2014، فقد شهد العدد مقارنة بالعام 2005 تراجعا بنسبة 10،2 بالمئة، وهو ما مسّ بالأساس أوروبا وأمريكا. ليُبرز التقرير بوجه عام تدحرج أوروبا على المستوى القاري كنموذج مرجعي مسيحي، بعد أن كانت مركز الدوران الذي يطوف العالم الكاثوليكي حوله، هذه المؤشرات وغيرها تكشف عن نزيف حقيقي يؤرق الكنيسة.

وفي الواقع منذ أن تحدّث عالم الاجتماع الإيطالي سابينو أكوافيفا عن "أفول المقدس في الحضارة الصناعية" (1961)، كان الرجل يلمّح إلى تراجع دور المسيحية الفاجع الذي لم تقف قرارات مجمع الفاتيكان الثاني (1962-1965) حائلا دونه. لكنْ سعياً للحدّ من ذلك التراجع، أنشأت حاضرة الفاتيكان طوق نجاة، هو عبارة عن جهاز من "المتديّنين العَلمانيين"، أوكلت له مهام شدّ أزر الكنيسة في استراتيجية أنْجَلة العالم، وجعْل خطابها الديني مقبولا على نطاق اجتماعي، ومن ثمة تقليص حدة النفور من تصلّب الإكليروس. لكن ذلك الجهاز بقي محدود الأثر، نظرا للضغوطات المسلَّطة عليه في مجالي النشاط الاجتماعي والسياسي من قِبل الأساقفة.

اللاهوتي الألماني السويسري المنشق هانس كونغ في كتابه: "المسيحية.. الروح والتاريخ" (ميلانو، 1997) اختزل أزمة الكنيسة البنيوية في الارتهان إلى براديغم القرون الوسطى في التعامل مع مجتمعات حداثية ومعلمَنة. بما أفرز تناقضات تعدّت حيز الكنيسة إلى مجال المجتمعات المسيحية، ناهيك عن تشظي تلك التناقضات مع الأديان والحضارات الأخرى في ضروب شتى من التصادم. فقد جعلت الدغمائيةُ المستحكمة باللاهوت المسيحي مطالبَ التجديد عصيّةً، ولعلّ أوكدها مسألتين أساسيتين: إحداهما على صلة وثيقة بالأحوال الشخصية، سواء ما تعلق منها برجل الدين والراهبة أو كذلك ببِنية الأسرة. إذ لا تزال الكنيسة تصرّ على "قانون كنسي" (diritto canonico) عتيق ينصّ على العزوبة القسرية في أوساط الإكليروس، وهو ما جرّ إلى انحرافات خُلقية، أبرزها في الوقت الراهن أحداث الاعتداءات الجنسية على القاصرين في عدة دول من قِبل رجال دين، ما أجبر كاتدرائيات أمريكية إلى إعلان إفلاسها، تفاديا للتتبعات القضائية المنهكة؛ وأما المسألة الأخرى فهي رفْض الكنيسة، حدّ الراهن، السماح للمطلّقين بإعادة بناء حياة زوجية. وكلما طُرحت مسألة ضمّ هؤلاء للكنيسة مجددا، لاقت معارضة من شق لاهوتي متشدّد، لعل آخرها توقيع لفيف يزيد على ستين شخصا من رجال الدين والمقرَّبين من الدوائر الكَنَسية على عريضة، تتّهم البابا فرانسيس بالهرطقة وذلك منذ أسابيع قليلة، لتلميحه إلى إمكانية احتضان جحافل المطلّقين في الكنيسة، الوارد في الإرشاد الرسولي "فرح الحب" (Amoris laetitia).

وبالتوازي مع مطالب التجديد المتوجهة إلى مسائل على صلة بالداخل المسيحي، ثمة مطالب أخرى لا تقلّ شأنا تتعلق بضرورة تجديد نظرة المسيحية للعالم والأديان الأخرى. فـ"لاهوت الأديان" الناشئ لا يزال في أخذ وردّ، بين اعتبار الأديان الأخرى سُبلا للخلاص أو نفي تلك الصفة عنها، كون الرأي السائد لايزال رهينا للمقولة الشهيرة "لا خلاص خارج الكنيسة" (Extra ecclesiam nulla salus). ولايزال "الاستبعاد" المتأسس على مركزية المسيحية طاغيا على "الاستيعاب"، رغم أن مجمع الفاتيكان الثاني قد مهّد الطريق لذلك الاستيعاب، سواء حين أورد بشأن المسلمين "أن الكنيسة تنظر بعين الإجلال إلى المسلمين الذين يعبدون الله الواحد، الحيّ القيّوم، الرّحمن القدير خالق السّماء والأرض، ومكلّم النّاس"، أو كذلك ما تعلق بالهندوس بقوله: "إن الناس في الهندوسية يتحرون أسرارَ الألوهية، التي يعبّرون عنها بوساطة الأساطير والاجتهادات الفلسفية الثاقبة؛ ساعين للتحرر من القلق الذي يكتنف وجودهم، سواء عبر أشكال الزهد، أو عبر التأمل العميق، أو كذلك عبر اللجوء إلى الله، بمحبة وثقة". إذ من المخاتلة الزعم بالتحاور مع الآخر إذا ما كان الاعتراف اللاهوتي به مصادَرا. ولو أخذنا على سبيل الذكر مفهوم "التراث اليهودي المسيحي" وهو بالأساس مفهوم كَنَسي، فهو لا يتسع ليشمل كافة مكونات التراث الإبراهيمي، والإسلام أُسّ لا غنى عنه في ذلك. إذ من السخف أن يجري الحديث عن تراث يهودي مسيحي مشترك، دون ردفه بالجانب الإسلامي وتعمّد إقصائه. فالأمر فيه إجحاف ولا يستقيم تاريخيا وعلميا، فالمكوّن اليهودي في الحضارة الغربية بات معترَفا به لأسباب سياسية، ويوازيه مكوّن إسلامي في الحضارة الغربية غدا مطموسا ومبعَدا لأسباب سياسية أيضا.

يرد في إنجيل لوقا على لسان المسيح (ع): "إذا رأيتم السحاب يطلع من المغارب، فللوقت تقولون: المطر آتٍ* وهكذا يكون. وإذا رأيتم ريح الجنوب تهب، تقولون سيكون حرٌّ* وهكذا يكون. يا مراؤون* تعرفون تمييز وجه الأرض والسماء، وأما هذا الزمان كيف لا تميزون؟". القول موجه إلى الفرّيسيين حينها، لكن الكنيسة اليوم هي أحوج ما يكون إلى هذا الخطاب الإنجيلي لخوض تجديد متين يتوجه للذات والعالم.

 

عزالدين عناية أستاذ تونسي بجامعة روما لاسابيينسا

 

مقدّمةٌ: يعدّ التعليم – بدون أيّ منازعٍ – العنصر الأهمّ في تأمين وصول الأفكار وترسيخها في ذهنيّة المخاطبين، بل ومن أكثر الآليّات الفاعلة والمؤثّرة في تكوّن قناعات الناس وسلوكيّاتهم، فمجال التعليم الّذي تنشأ في أحضانه عقول الأجيال وتنمو كفاءات المجتمع وقياداته، له الدور الأبرز في عمليّة صياغة الشخصيّة المجتمعيّة؛ لأنه يمثّل كمًّا معرفيًّا وتراكمًا مفاهيميًّا يتلقّاه المتعلّمون منذ نعومة أظفارهم حتّى كهولتهم؛ فالتعليم هو من أبرز الأدوات الّتي ترسم سلوكيّة أفراد المجتمع وتفكيرهم الّذي ينعكس على مجمل تعاطيهم مع قضاياهم المختلفة وبلورة مواقفهم.

وبهٰذا تكون الممارسة التعليميّة وطبيعة المنهج المتّبع فيها من العناصر الأكثر تأثيرًا وفاعليّةً في عمليّة بناء الأمن الفكريّ والمجتمعيّ؛ لذا ينبغي لكلّ من يتصدّى لرسم استراتيجيّة الأمن الفكريّ والمجتمعيّ أن لا يُغفل - بحالٍ من الأحوال - الجانب التعليميّ والمنهج المتّبع في هٰذا المجال، بل لا بدّ من البدء بدراسة المفردات التعليميّة، سيّما مادّة الدرس الدينيّ من حيث المنهج والمضمون، وطبيعة الأساليب المتّبعة في إيصال تلك المضامين، ومن ثمّ العمل على تنقيتها، وتعديل المنهج أو تبديله بما يتناسب والأهداف، وإلّا سوف تنمو الشخصيّة المتعلّمة بنحوٍ مشوّهٍ فتعيش الحيرةَ والتردّدَ في كلّ مفاصل حياتها.

فالسعي للإصلاح والتقدّم في أيّ مجتمعٍ كان، لا بدّ أن يسبقه تحديد الرؤية الّتي يراد لها أن تكون محوريّةً في الذهنيّة المجتمعيّة، ومن البدء في إصلاح عمليّة التفكير من خلال التركيز على المنهج الّذي يؤمّن لنا وصول تلك الفكرة والرؤية بسلامةٍ ودون تشويهٍ إلى الذهنيّة المجتمعيّة وتثبيتها فيها؛ فإذا ما تمكّنّا من ذٰلك حينها نتمكّن من إنتاج نظامٍ مجتمعيٍّ متماسكٍ فكريًّا.

فالاستقرار والأمن الفكريّ يتأثّر بمدى انسجام الرؤية مع المنهج الموصل إليها، فمن كان يؤمن - مثلًا - بفكرة مبدئيّة المادّة وأصالة المنفعة المادّيّة ومحوريّة اللذائذ الحسّيّة، فإنّ ما يناسبه هو تكريسُ حالة الحسّ والاتّكاء على المنهج التجريبيّ والاستقرائيّ؛ باعتباره الطريقَ المؤدّيَ إلى تحصيل تلك الأهداف المنسجمة مع رؤيتهم.

أمّا من كان يؤمن بالرؤية الإلٰهيّة، ويهدف إلى تشييد نظامٍ قائمٍ على أساس أنّ الواقع أعظم من المادّة، وأنّ الأهداف تتجاوز أفق المنافع المادّيّة، فينبغي عليه البحث عن منهجٍ معرفيٍّ يؤدّي إلى هٰذه الرؤية وإلى تلك الأهداف وينسجم معها؛ لأنّ المنهج الحسّيّ التجريبيّ قاصرٌ عن الإيفاء بهٰذه المطالب والحكم عليها نفيًا أو إثباتًا.

لذا فإنّ أكثر ما ينبغي التركيز عليه ومعالجته في الواقع التعليميّ هو المنهج الّذي تقوم على أساسه عمليّات التفكير، والّذي يطلق عليه (المنهج المعرفيّ)، فبإصلاحه تسهل عمليّة إصلاح المنظومة الفكريّة بالنحو المطلوب، وتنشأ الشخصيّة وفق المعادلات المتّزنة والسليمة المنسجمة مع الرؤية الفلسفيّة أو الفكرة المحوريّة، وبالتالي تكون ذات تأثيرٍ إيجابيٍّ فاعلٍ في الحركة التكامليّة للمجتمع والسلوك الفرديّ والعامّ.

واقع التعليم الدينيّ

إنّ الناظر للواقع التعليميّ في بلداننا العربيّة والإسلاميّة - لا سيّما التعليم الدينيّ - يرى بوضوحٍ حالة الهزالة وفقدان بوصلة الهدف، وكأنّ المناهج الدينيّة كتبت لإيصال رسالةٍ واحدةٍ، وهي أنّ هناك شيئًا ما اسمه "دينٌ"، ولٰكن ما هي حقيقة هٰذا الدين؟ وما هي مبادئه؟ وهل هو علمٌ أو ليس بعلمٍ؟ وهل له منهجٌ في إثبات مسائله؟ وهل لمنهجه قيمةٌ علميّةٌ؟ كلّ هٰذه الإسئلة لا يجد المتعلّم أجوبةً عنها إطلاقًا؛ الأمر الّذي يؤثّر سلبًا على بناء شخصيّته الفكريّة والعلميّة، ويجعلها تعيش حالةً من الاضطراب والازدواجيّة، فمن جهةٍ يرى العلوم الطبيعيّة الّتي يدرسها تخضع لمعيار الحسّ والتجربة، وهو منهجٌ رصينٌ في إثبات الواقع المحسوس أو المادّيّ، ومن جهة مسائل الدين يرى أنّه ملزمٌ بالتصديق بنصوصٍ يكون الطريق إلى مؤدّاها شيئًا مجهولًا اسمه "الوحي"، فليس لهٰذا الوحي طريقٌ حسّيٌّ، ولا يقع تحت التجربة لكي يتعاطى مع المعارف الناتجة عنه، فمسألة الإيمان بتلك المعارف تحتاج إلى طريقٍ غير الحسّ والتجربة، وأيّ طريق غير الحسّ والتجربة ليس له قيمةٌ علميّةٌ بنظر المتعلّم، خصوصًا وأنّه قد تعلّم منذ الصفوف الأولى - في درس العلوم بالتحديد - أنّ العالم عبارةٌ عن وجوداتٍ أربعةٍ لا خامس لها (الجماد والنبات والحيوان والإنسان)، وليس ثمّة وسائل إدراكٍ لهٰذه الوجودات غير الحسّ والتجربة؛ فلم يعهد منهجًا علميًّا يتمّ تحصيل المعارف به غير الحسّ والتجربة، وبالتالي فإنّ أيّ فكرةٍ وراء هٰذا تُعدّ خروجًا عن الضوابط والمعايير العلميّة حسب منظاره.

وفي الواقع أنّ الدين - بوصفه مفردةً تعليميّةً - أُقحم في التعليم المدرسيّ دون دراسةٍ مسبقةٍ وبدون تحديد هدفٍ استراتيجيٍّ، ويبدو أنّ سبب طرح الدين مادّةً علميّةً جاء لإرضاء المجتمعات الإسلاميّة الّتي رفضت إرسال أبنائها إلى المدارس الحديثة إبّان غلق التعليم التقليديّ (الكتاتيب) من قبل الاستعمار الاستيطانيّ؛ فالتعليم التقليديّ كان يعتمد القرآن واللغة العربيّة أساسًا في التعليم، بينما المدارس الحديثة لم تأخذ في حسابها تعليم الدين؛ لأنّها تهدف إلى نشر النزعة المادّيّة، والمنهج الوضعيّ الّذي لا يرى أيّ قيمةٍ للمعرفة الدينيّة الميتافيزيقيّة والقيم الإنسانيّة العليا.

ولأنّ الدين أُقحم بشكلٍ غير مناسبٍ بين الموادّ العلميّة في المدارس الأكاديميّة؛ فقد أصبح مادّةً هجينةً غير منسجمةٍ مع النظام المدرسيّ؛ الأمر الّذي جعل هٰذه المادّة مصدر إزعاجٍ للمتعلّمين وليس لها أيّ جاذبيّةٍ؛ لذا نجد أنّ الّذي يكلّف بتدريس التربية الدينيّة من أضعف المعلّمين، وليس بالضرورة أن يكون متخصّصًا بهٰذه المعرفة، ولا ضرورة لإيمانه بالدين، وكثيرًا ما شاهدنا وسمعنا أنّ هناك من يدرس التربية الإسلاميّة ولديه نزعةٌ ماركسيّةٌ مادّيّةٌ! وقد لا يؤمن بوجود إلٰهٍ فضلًا عن الدين! وليس من المستبعد أن تكون ثمّة نوايا مسبقةٌ لكلّ هٰذه المفارقات؛ وذٰلك لإظهار الدين بصورةٍ هزيلةٍ مشوّهةٍ، لا يعتنقه إلّا المتخلّفون الّذين لا تهمّهم المعايير العلميّة.

والمشكلة تكمن – من وجهة نظرنا – في عدم وضوح الرؤية لدى المتصدّين لكتابة المناهج الدينيّة في المدارس الأكاديميّة، والشاهد على ذٰلك هو عدم تفريقهم بين الدين كطقوسٍ ومواعظ وتعاليم ينتفع بها المؤمنون في سلوكهم، وبين الدين كعلمٍ له معياره ومنهجه الرصين في إثبات مسائله، وله علمٌ آليٌّ يتقدّم عليه ويتكفّل إثبات مبادئه.

فما يطرح اليوم في المدارس عبارةٌ عن مواعظ وطقوسٍ لا يجد المتعلّم فيها جاذبيّةً ولا يحفظها إلّا لأداء الامتحان ونيل الدرجة، فليس لما يطرح أيّ علاقةٍ بالعلم الدينيّ؛  لافتقاره لأهمّ العناصر المقوّمة للعلم، ألا وهو المنهج المتّبع في إثبات مسائله.

فالمناسب للتعليم المدرسيّ الأكاديميّ هو أن يكون التعليم الدينيّ علمًا معياريًّا يتمّ فيه إثبات مبادئ الدين ومسائله، وهٰذا ما يتطلّب تشخيص المنهج في مراحل التعليم الديني كافّةً.

رؤيتنا في التعليم الدينيّ

في الحقيقة لدينا رؤيةٌ مقترحةٌ في التعليم الدينيّ، وهي أن تكون مادّة التربية الإسلاميّة على مستوياتٍ ثلاثة هي: التربية الفكريّة، والتربية الدينيّة، والتعليم الدينيّ.

المستوى الأوّل: التربية الفكريّة، وهٰذا يعدّ من أهمّ المستويات على الإطلاق، حيث يدرس الطالب فيه أصول التفكير وقواعده ومناهجه، وبنحوٍ يتناسب مع كلّ مرحلةٍ عمريّةٍ، وذٰلك لتعريف الطالب بأنّ المنهج العلميّ الموصل للحقائق غير منحصرٍ بالمنهج التجريبيّ الحسّيّ؛ تمهيدًا له لقبول المسائل الإلٰهيّة وتفاصيل العقيدة، ومن الخطإ الفادح أن يدرس الطالب العقيدة والدين قبل أن يدرس أصول التفكير ومناهجه؛ لأنّه سوف يكون بعد ذٰلك أحد شخصين: إمّا مفرطٌ متزمّتٌ متعصّبٌ، وإمّا مفرّط متنكّرٌ للدين وزاهدٌ فيه، والسبب ما أشرنا إليه سلفًا؛ لأن الطالب إمّا أن يتشبّث بما تلقّاه تقليديًّا، فيعيش الانغلاق ولا يتحمّل أيّ نقاشٍ فيما اعتقده، وإمّا أن يتمسّك بالمعيار التجريبيّ الحسّيّ والمنطق الوضعيّ؛ فيستخفّ بالمسائل الماورائيّة ويعتبرها قضايا ليس ذات معنًى، ولا قيمة علميّةً لها.

لذا ينبغي أن تبدأ التربية الفكريّة من المرحلة الأولى وتستمرّ إلى الأخيرة، وأن يلزم الطالب بامتحاناتٍ فيها؛ لأنّها المادّة الخام والأساس لبناء الرؤية الفكريّة العقديّة بعد ذٰلك.

المستوى الثاني: التربية الدينيّة، وهي عبارةٌ عن النشاط الدينيّ والممارسة العمليّة للدين، وتشمل الأخلاق والعبادات والنشاطات القرآنيّة من حفظٍ وتلاوةٍ. وإنّ التربية الدينيّة لا بدّ أن تستمرّ في طول المسيرة التعليميّة من المرحلة الأولى إلى المرحلة الأخيرة في الإعداديّة، ويفضّل أن لا يلزم الطالب بامتحاناتٍ فيها، بل تكون عبارةً عن ممارسةٍ ضمن مسجد المدرسة تحت إشراف أحد المعلميّن الّذين يشهد لهم بالالتزم الدينيّ والأخلاقيّ، أو من رجال الدين بالصفة المذكورة، المهمّ أن يكون المشرف مرشدًا دينيًّا وخلوقًا.

المستوى الثالث: التعليم الدينيّ، يتعلّم الطالب في هٰذا المستوى كيفيّة تفعيل السلوك الفكريّ حسب ما أخذه في المستوى الأوّل للاستدلال على أصول الرؤية الدينيّة وأحكامها، ومصادر الشريعة وأصولها وأحكامها، وأصول التفسير وأحكامه، كلّ هٰذا يعلّم بنحوٍ يتناسب وكلّ مرحلةٍ عمريّةٍ.

والتعليم الدينيّ يبدأ من مراحل متأخّرةٍ نسبيًّا كالمرحلة المتوسّطة مثلًا؛ لأنّها تحتاج إلى مقدّماتٍ يطويها الطالب في التربية الفكريّة في المستوى الأوّل، فمرحلة التعليم الدينيّ من أصعب المراحل على الطالب، ولا بدّ أن يكون فيها امتحاناتٌ.

وممّا تجدر الإشارة إليه هو ضرورة تجنّب إقحام النصوص الدينيّة بدون منطق فهم النصّ؛ لأنّه يؤثّر سلبًا على البناء الفكريّ للمتعلّم، فمع كون المنهج التعليميّ المدرسيّ قائمًا على الحسّ والتجربة، لا ينفع أن نقحم النصوص الدينيّة؛ لأنّ الطالب لا يأخذها إلّا بنحوٍ تقليديٍّ ساذجٍ، ولا يرى في نفسه بحسب الواقع إيمانًا بهٰذه المعارف بقدر إيمانه وتصديقه بالمعارف الحاصلة لديه من طريق الحسّ والتجربة. نعم، قد يتعاطف ويتعصّب للمعارف الدينيّة لأنّها تمثّل رمزيّةً معيّنةً في نفسه؛ إذ توارثها من آبائه وممّن يحبّهم ويرتبط بهم ارتباطًا عضويًّا، ولٰكن في المحصلة قد يصبح هٰذا النمط وبالًا على مجتمعه، ولعلّنا نشاهد الكثير من هٰذه النماذج في ساحتنا العربيّة عمومًا والعراقيّة خصوصًا، من الّذين هم ضحيّة الانحدار المنهجيّ في التعليم.

فإذا ما أردنا إيصال المعارف الحقّة الّتي ترتبط بما وراء الطبيعة، فعلينا أن نوجّه ذهن المتلقّي إلى تلك الجهة من خلال بناء عمليّة التفكير لديه وفق المنهج العقليّ الواقعيّ، ضمن إطار (التربية الفكريّة) الّتي أشرنا إليها سلفًا، بعد ذٰلك لا نحتاج إلى عمليّة تكثيف النصوص الدينيّة، بل إنّ المتعلّم سوف يصل إليها بشكلٍ طبيعيٍّ وممنهجٍ.

من هنا ندعو إلى ضرورة إعادة النظر في التربية الدينيّة، وأن نطلق مشروع التربية الفكريّة كمقدّمةٍ للتربية الدينيّة؛ ليتنبّه المتعلّم إلى أنّ الحسّ واحدٌ من مصادر معرفته، وليس هو المصدر الوحيد، وقد وضعت هٰذه الفكرة قيد الدراسة الجدّيّة في المشروع الواعد لمؤسّستنا (مؤسّسة الدليل للدراسات والبحوث العقديّة).

ونهيب بالمعنيّين وأصحاب الشأن أن تكون لهم وقفةٌ جادّةٌ لإعادة النظر في مفردة التعليم الدينيّ؛ ليتسنى طرحه ضمن رؤيةٍ واقعيّةٍ وفي قالبٍ علميٍّ متينٍ؛ ليكسب ثقة المتعلّم أوّلًا ويحظى باحترام المعلّم ثانيًا.

 

د. صالح الوائلي

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا في مقالنا الثالث عن بزوغ حروب الجيل الرابع؛ حيث يكون حديثنا منصبا في هذا المقال حول مفهوم حروب الجيل الرابع، وفي هذا يمكن القول: حروب الجيل الرابع أو الحروب بالوكالة، أو الحروب اللامتكافئة أو اللامتناظرة أو حروب ما بعد الحداثة أو حروب اللاعنف ..هي بعض المفردات التي راج تداولها منذ " ثورات الربيع العربي" في 2011، فهي ليست حروباً بين جيشين لدولتين تتواجهان في حيز جغرافي واضح المعالم، وإنما هي "حروب تتميز بتعدد الجبهات وسيولتها وهلاميتها، كما تتميز بتعدد أطرافها، وبأن أطرافاً أساسية فيها ليست حتي من الدول، وبأن أدواتها ليست عسكرية من الأساس، إذ يتداخل فيها الحيز العسكري مع الأمني، والاستخباري مع الجماهيري، والسياسي مع الإعلامي، ويتداخل فيها الحيز الحقيقي مع الافتراضي، والحيز المحلي مع الإقليمي والدولي، لتتمخض كل هذه التداخلات عن لوحة سريالية من الفوضى والتوحش والدمار المنظم كأنها شكلت بريشة فنان عبقري مجنون سُرقت أصابعُه علي غفلة من الزمن، مفاتيح الوجود والعدم".

نتعامل إذن مع ظاهرة جديدة، فهي حرب تخاض بأدوات واستراتيجيات غير تقليدية، ولو أن حواياها تشتمل علي عناصر مألوفة من حروب سلفت .فالقتل هو القتل، ولطالما تداخلت مع العوامل غير العسكرية منذ الميدان الأول، فهل جديدها ليس إلا مزيجا محدثا من عناصرها القديمة؟ أو أن تطور تكنولوجيا الاتصالات والتكنولوجيا العسكرية هو ما يُلبس "مارس "إله الحرب، درعا جديدا فوق لحمه وعظمه التليد؟ أم أن في النمط الجديد ما يكفي من العناصر الجديدة لكي تُصنف في فئة مختلفة نوعيا عما سبقها من حروب.

إن الفكرة الأساسية التي تحوم حولها حروب الجيل الرابع كما لاحظناه في دول الربيع العربي، هي تحويل نقطة قوة المقاومة وحركات التحرر الوطني إلي نقطة ضعف، أو الاستيلاء علي هذا السلاح وتوجيهه ضد المقاومة، وبما أن "السلاح الاستراتيجي للمقاومة هو الجماهير واستعمالها في تخريب أوطانها"، فعوضاً عن تحمل التكاليف الباهظة للحرب من دماء وضحايا وملايين، أو تريليونات الدولارات وترسانات الأسلحة، تقوم الإمبريالية بتحريك الشارع وتوجيهه في إطار صراع تناحري وعملية تآكل ذاتي، "فيصبح الدم المهرق عربيا 100 %، والأرض المحترقة عربية 100 % والمصاريف المنفقة عربية 100 %. وبدا ذلك فعلاً في مخابرة وكالة المخابرات الأمريكية، وتجند لأجل ذلك عدد من الباحثين والاستراتيجيين، وخلصوا إلي فكرة مفادها إعادة تقسيم الوطن العربي علي أسس عرقية وطائفية وإدخاله في حالة من الفوضى والدموية" .

وبالتالي تستنزف موارد العالم العربي وطاقاته وثرواته أيضاً، وتفني نسبة كبيرة من شبابه بسلاح النسبة الأخرى حتي ينتهي الأمر إلي شرق أوسط جديد ضعيف ومتهالك، دون أية قدرة في الحاضرـ أو أمل في المستقبل، وهكذا لا يتبقى في الشرق الأوسط سوي قوة واحدة انشغلت القوي العربية كلها بصراعاتها عنها- إسرائيل.. وعندما تسود إسرائيل في النهاية، ويكون لديها وحدها مفتاح إعادة تنظيم الفوضى التي أحدثتها ونمتها وغذتها الإدارة الأمريكية- ترتاح أمريكا؛ لأن هذا بالفعل ما يخدم مصالحها، ويضمن استمرارها علي عرش العالم لأطول فترة ممكنة .

كما تعد حروب الجيل الرابع بشهادة البعض أكبر نقلة نوعية في تاريخ التخطيط العسكري منذ "معاهدة وستفاليا" عام 1648؛ حيث أن هذا الجيل من الحروب ينهي نسبيًا احتكار الدولة القومية لشن الحروب، إذ أصبحت التنظيمات والميليشيات والجماعات تشن حروباً ضد دول، فالمقصود من هذه الحروب هو وصول الدولة للحالة التي تفقد فيها احتكارها للعنف والسيادة والقوة المركزية الموجهة، والعودة إلى نماذج صراع كانت سائدة قبل الدولة المعاصرة ؛ حيث تشير الأدبيات السياسية والعسكرية إلى أن مصطلح الجيل الرابع من الحروب ظهر للمرة الأولى في دائرة النقاشات داخل الولايات المتحدة عام 1980، ثم تكرس تدريجياً بعد سنوات عبر مقالة نشرها بعض ضباط الجيش الأمريكي بعنوان: "الوجه المتغير للحرب: إلى الجيل الرابع"، وبدا الأمر في ذلك الوقت وكأنه تفكير خارج السرب أو أقرب إلى التصورات منه إلى الحقائق. حيث كان يشير إلى كسر احتكار الجيوش للحروب والعودة إلى ما قبل الحروب الحديثة من حيث نظريات القتال وأوضاع الصراع .

وترتبط نظرية حروب الجيل الرابع أساساً بالفكر السياسي الذي ساد العالم منذ نهاية الثمانينيات وتفكك الاتحاد السوفيتي، وتوغل العولمة وسيطرتها على مجالات الحياة كافة، ومن ثم شيوع فكرة "النمذجة" أو "القولبة" في مختلف مجالات الحياة العالمية، والمجال الثقافي في القلب من ذلك على وجه التحديد. ثم جاء انتشار الإرهاب والحروب التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية في العراق، ليؤكد طبيعة حروب الجيل الرابع واختلافها عن أجواء الصراع السابقة برغم وجود أوجه تشابه عديدة بين طبيعة الصراع في العراق، وظروف أخرى مثل الحرب الأمريكية في فيتنام، وأفغانستان، والحرب السوفيتية في أفغانستان في مرحلة الثمانينيات وغير ذلك .

كما يؤكد الخبراء أن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) قد اكتشفت عقب الهزيمة في "فيتنام"، وأفغانستان والعراق، بأن نموذج حرب الناتو "Nato -model" المبنى على القطاعات الضخمة المزودة بالآليات، غير فاعل إلى درجة كبيرة أمام قوات العصابات المدعومة من قبل الأهالي، وهذا جعل الولايات المتحدة الأمريكية تبحث عن نموذج آخر مؤسس على عدم توريط الجيوش الأمريكية في اشتباكات عسكرية مباشرة، وبالتالي أهمية الاعتماد على قيمة ومنطقية القوات الخفيفة (Lighter Forces) التي كانت منبوذة في السابق من قبل ألوية الجيوش التي تزحف عبر الأنهار والوديان على سكان القرى، وبالتالي التخلص من "الفشل العسكري" وتقليل المخاطر البشرية والاقتصادية لأي تدخل من قبل الجيوش الكبرى .

من هنا وجدنا الولايات المتحدة الأمريكية قد استغلت أحداث 11 سبتمبر 2001 ؛ حيث بدأت من خلال هذا الحدث عمليات الإرهاب وبداية فكرة تقسيم المنطقة إلى دويلات صغيرة، والأداة التي كانت تتم بها تقسيم الشرق الأوسط كله تنبع من الداخل واستراتيجيات الهدم بدأت من الداخل، وكل هذه الأمور تقع تحت مظلة كبيرة تسمى حروب الجيل الرابع، وهي لا تعتمد على المباغتة أو على الزمن القصير، مثل الحروب المتعارف عليها في الجيلين الثاني والثالث، وإنما هي حروب طويلة الأمد تستغرق وقتاً طويلاً وتعتمد على التآكل البطيء للدولة وبأيدي أبنائها أنفسهم بدون تكلفة أو مجهود وأسلحة ومعدات، حتى أن تصبح الدولة ميتة، فهي عملية وليس مجرد حدث واضح وجلي وصريح، مثل الحروب السابقة، وتعد "حروب الجيل الرابع المثلى هي التي لا يشعر بها أحد على الإطلاق، وإذا فعلت هذا بطريقة جيدة ولمدة كافية وببطء مدروس يستيقظ عدوك ميتاً؛ أي تسرق من الشعب دولته وكيانها علماً أنها غير نمطية، تعتمد على التقدم التكنولوجي لا تستخدم فيها الطرق التقليدية بشكل واضح، فضلًا عن اتسامها بعدم وضوح الخطوط الفاصلة بين الحرب والسياسة، وبين العسكريين والمدنيين لذلك تسعى العناصر المخربة باستخدام الجيش، والشرطة، والقطاع المدني" .

لذلك تقوم حروب الجيل الرابع علي افتراض وجود خطر داهم يتهدد الأمن القومي الأمريكي في كل لحظة، وقد يكون هذا التهديد ليس حاصلاً بالضرورة بالفعل من دولة أو منظمة إرهابية لكي "تخاض ضده الحرب الوقائية، وإنما يكفي أن يتم تصوره من جانب مراكز التخطيط الاستراتيجي في البيت الأبيض والبنتاجون للمبادرة إلي تلك الحرب، ولكي تأخذ هذه الاستراتيجية مسارها التطبيقي، عكف الكثير من منظري ومفكري المحافظين الجدد علي وضع فلسفة متكاملة لتبرير الحروب" .

ولعل نظرية " الفوضى الخلاقة"، التي شكلت أهم وأبرز منجزات هؤلاء، وإنما تعني في حقيقتها السعي الاستباقى نحو تفكيك كل المواقع والجغرافيات، المفترض أنها "تشكل مصادر تهديد لأمن ومصالح أمريكا في العالم . ولئن كانت نظرية الفوضى الخلاقة تتأسس نظريا علي ثنائية التفكيك والتركيب، فذلك يعني أن الفكر الاستراتيجي الأمريكي بصيغته الراهنة لم يعد لديه اليقين إلا بعالم تكون الفوضى فيه سبيلا لإعادة تشكيلة وفق مهمة أمريكا في بناء العالم الجديد" .

وفى أعقاب سقوط الاتحاد السوفيتي وبداية ظهور الثورات الملونة في أوربا الشرقية، شاعت بشكل واسع نظرية الجيل الرابع من الحروب، حين بدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها في تحقيق مخططها لبناء الشرق الأوسط الجديد من خلال إثارة الفتن وتقليب الشعوب ضد مؤسسات الدول المستهدفة و إثارة حالة من الفوضى العارمة، بحيث "تدمر الدولة نفسها بنفسها، من خلال إنهاك مؤسساتها وإرباكها والسعي لتحطيم اقتصادها، مستغلين بذلك الانفلات الأمني الحادث، ثم سقوطها لإعادة البناء بما يلائم المصالح الأمريكية والغربية" .

وتستعين أمريكا بأعوان لها من الداخل علي مقدرة عالية لاستقطاب أكبر عدد من التابعين الذين تستقطبهم من خلال "سيطرة العمليات السيكولوجية علي العقول وتأثيراتها، فتكون بمثابة قنابل تغزو العقول لاجتذاب أكبر عدد ممكن من المتبنين لهذا الفكر المدمر وهذا ما يعرف بالأسلحة الذكية، وتعد وسائل الإعلام المأجورة والعميلة أهم آليات التنفيذ" .

والنواة الصلبة في حروب الجيل الرابع تتمثل في أن الفاعل الرئيسي في هذه الحروب ليس الدولة، بل التنظيمات والجماعات والأفراد، وهو ما يمثل الوجه العسكري للنظام العالمي الجديد في مظهره السياسي القائم على الفرد، وما يعرف بالفرد المعولم بدلاً من الدولة القومية، وهي " فكرة فلسفية كان من الصعب فهمها من قبل كثيرين في بدايات ظهورها، ولكنها وجدت طريقها إلى ميادين الحياة الواقعية، وبات العنصر الفردي يحرك الكثير من الأحداث فعلياً في مناطق شتى من العالم عبر توظيف منظمات المجتمع المدني، والضغوط الدولية، والجمعيات الأهلية، ومؤسسات النظام العالمي الجديد، التي ربطت نفسها بقوة بمجالات إنسانية مثل حقوق الإنسان والحريات العامة وغير ذلك من مفاهيم وفرت بدورها مساحات شاسعة للأفراد كي يمثلوا عنصراً فاعلاً جديداً في حياة الدول وتحديد مصير العالم خلال القرن الحادي والعشرين" .

وقد اتفق الخبراء العسكريون بأن حرب الجيل الرابع هي حرب أمريكية صرفة طُورت من قبل الجيش الأمريكي حين أُغرقت مركبين تابعتين لفيتنام الشمالية القطع البحرية الأمريكية المتواجدة في خليج تونكين في أغسطس من عام 1964، ليتخذ "ليندون جونسون Lyndon Baines Johnson " قراره بقصف الشمال بالطائرات الأمريكية ؛ وقد أسفرت النتائج في هذه الحرب بالفشل الذريع الذي منيت به الولايات المتحدة الأمريكية، ومن قبلها فرنسا، في تحقيق الأهداف السياسية المنشودة من الحرب. وفي الجهة المقابلة، "شكّلت هذه الحرب نموذجاً حياً لحرب العصابات، ودرساً ناجحاً لخصمٍ ضعيفٍ يواجه جبروت إمبراطورية عظمى ويخرج منتصراً " ؛ وقد استمرت الحرب على مدى أكثر من عشرة آلاف يوم، نالت فيتنام بعدها حريتها من الاستعمار الفرنسي، وأعادت توحيد طرفيها في دولة واحدة، مُسقِطَةً بذلك المشروع الأمريكي؛ الذي "هدف إلى الإبقاء على فيتنام الجنوبية دولة تابعة وقابلة للحياة في قلب الهند الصينية"، وقد أسفرت الحرب عن "مقتل أكثر من ثمانية وخمسين ألف جندي أمريكي وما بين ثلاثة إلى أربعة ملايين فيتنامي " .

وكان للتجربة الأمريكية في فيتنام أثرٌ عميقٌ على النهج الأمريكي في الحرب، وعلى ثقة النفس الأمريكية في فعاليتها وقدرتها على استخدام قوتها العسكرية لتحقيق أهداف سياسية وفرض نتائج سياسية تناسبها، كما "أصبحت التجربة الأمريكية في فيتنام متلازمة نفسية (Vietnam Syndrome)، ما تزال حتى اليوم تؤرق صانع القرار الأمريكي، وتؤثر في منحى القرارات المتعلقة بدخول حروب جديدة أو الامتناع عنها " .

وهنا برز لأول مرة مصطلح حروب الجيل الرابع في أواخر ثمانينيات القرن الفائت، في إطار تفكير معاهد الأبحاث الأمريكية " المحافظة" في أنسب الطرق لمواجهة الجماعات المقاتلة غير النظامية ( مثل حزب الله وحماس)، وذلك بعد التجارب شبه الفاشلة للعسكرية الأمريكية في كل من فيتنام، وشبه الجزيرة الكورية. وكان أول ظهور للمفهوم في مقالة لكل من "وليم ليند"، و"جون شميث"، و"جوزيف سارتون، و"جاري ويلسون"، في عام 1989 بعنوان" الوجه المتغير للحرب: إلى الجيل الرابع"، The Changing Face of War: Into the Fourth Generation، وقد استشرف هؤلاء في هذه المقالة حدوث تغيير جذري في نمط الحرب وكيفية إدارتها، والتي رأوا أنها ستكون الشكل الغالب في حروب القرن الحادي والعشرين. أطلق هؤلاء علي هذا النمط اسم " الجيل الرابع من الحروب The Fourth Generation Warfare .

وفي نظر هؤلاء فإن حروب ما بعد النهضة الصناعية عرفت ثلاثة تطورات أساسية. ففي الجيل الأول من هذه الحروب اعتمدت الحرب علي كثرة الجنود الذين كانوا يأخذون أشكال صفوف ويتسلحون ببنادق بدائية. أما في الجيل الثاني الذي ظهر في الفترة ما بين الحرب الأهلية الأمريكية ( 1861-1865) والحرب العالمية الأولي، فقد اعتمدت الحرب علي استنزاف اقتصاد العدو والنيل من أكبر عدد من جيوشه باستغلال كثافة إطلاق النيران المتمثل في البنادق ثم البنادق الآلية فيما بعد. فيما تمثل الجيل الثالث من الحروب في تغيير تكتيكي شامل برع فيه الجيش الألماني خلال الحرب العالمية الثانية، وهو "تكتيك يتمثل في الالتفاف علي العدو باستعماله تشكيلة من الدبابات والطائرات، ومهاجمة مؤخرته عوض الاصطدام مع مقدمته كما كان الحال في حرب الخنادق في الحرب العالمية الأولي" ...... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

اسماعيل ايت حمو"المرض النفسي بين الاخصائي والراقي"

مما لا شك فيه فمن الطبيعي جدا أن يلجأ الأفراد للطبيب عند تعرضهم للمرض العضوي، ولكن الأمر يختلف تماما عندما يكون المرض نفسيا، فلا مجال للاستغراب أن تجد زيارة الطبيب أو الأخصائي النفسي مستغربة ومستهجنة في مجتمعاتنا العربية، بل يذهب بعضهم إلى القول إن الذي يراجع طبيبا نفسيا يعتبر مجنونا ومعقدا ومختلا!

إذن ماهي الخلفية التي تشكل أرضية إلى هذا النوع من التمثل حول الاضطراب النفسي..!؟

التمثل العامي للمرض النفسي "المرض النفسي كوصمة عار":

لحد بعيد، نخاف المرض ربما لأنه يزيد ضعفنا أضعافا؛ وإذ يفرض المرض "العضوي" نفسه علينا فيجبرنا على الاعتراف به وبحث سبل علاجه، نواجه المرض "النفسي" بكلّ طاقة الخوف المكنونة بداخلنا والتي تترجم لقوة رافضة ومناهضة له، بل ومتنصلة من وجوده. ومع ذلك، لا يتوانى المرض النفسي ولا يتوارى عن فرض تأثيره حتى يصل به الأمر أحيانا لإزهاق الأرواح. بحسب منظمة الصحة العالمية "ينتحر حوالي 900 ألف شخص على مستوى العالم سنويا، والأكثر من ذلك أن معظمهم حسب المنظمة تتراوح اعمارهم مابين (15-40 سنة) وتصنف الأمرض النفسية كأحد أبرز أسباب الانتحار بل وغالبيتها تتميز بالقابلية للعلاج والتدخل، فيما يحرمنا الجهل، بإمكانية الشفاء من بعض الأمراض النفسية، من طلب العلاج، يعد الجهل وصمة العار التي ترافق المرض النفسي. فما زال المريض النفسي ـفي منظور قطاعات اجتماعية واسعة هو ذاك "المجنون" ضعيف القدرات الذي تعتزله الناس وتخافه...

و ربما يرجع ذلك أيضا لجهل عامة الناس لذلك الإختلاف القائم بين المرض النفسي والعقلي.. إن الجهل إذا يمثل بؤرة التخلف المكرسة في مجتمعنا العربي فهو بمثابة حجر عثرة عتيدا في طريق الصحة النفسية، إذ كثيراً ما تصنف السلوكيات المرضية للمريض النفسي على إنها "عار"، لذلك تواجه من قبل مختلف بنيات المجتمع (الأسرة، الاقارب، الاقران...) بالسعى الدؤوب للردع العنيف والاستنكار المتعالي...و كثيرا ما يتم توجيه المريض للتشكيك في مبدأ الايمان لديه وأن المرض ناتج عن نقص في المناعة الدينية نظرا لخلفية هذه الاخيرة وماكنتها داخل المجتمع.

وهنا يمكن أن طرح السؤال : هل الدين مناقض حقا للعلاج النفسي أم الدين تم ترويضه لما يخدم مصلحة بعض رجال الدين؟

اذن كما سبق وأشرنا فان التشكيك في مبدأ المناعة الدينية من أبرز الاسباب التي تشكل البنية الاولية الى اقتناع الفرد بلا شك بالتوجه للرقاة على حساب الاخصائي والطبيب النفسي وكثيرا ما يستهلك المريض في وصفات الدجالين التي تلخص شكوى المريض على إنها محض "مس شيطاني أو عين أو سحر..."

ان الرقية الشرعية تأخذ أبعاد مخيفة وخطيرة بالمغرب على وجه الخصوص نظرا لانتشار شريحة عريضة من ممن يتزعمون العلاج بالرقية . فممارسوها لا يترددون في الجمع في نشاطهم بين العنف الجسدي والجنسي، مشكلين خطرا كبيرا على صحة من يلجأون إليهم...

ففي غرفة تشبه حجرات المستشفيات العقلية، يعكف رجل بقميص أبيض، وبلحية مبعثرة، وميكروفون موضوع بعناية أمام كاميرا، على ترديد تعويذات لطرد السحر.. في جانب من هذه الزنزانة المؤثثة بالوسائد، تقوم امرأة مغطاة بالكامل بحركات مرتجلة تحاول مسايرة إيقاع ما يردده الشيخ، وتطلق صرخات حادة وتنطق كلاما غير مفهوم. تحتد المواجهة الماسوني" بمغادرة جسد هذه "المسكونة".

ويرى يونس لوكيلي، الباحث الأنثروبولوجي الذي حضر أطروحة للدكتوراه حول الرقية الشرعية تمت مناقشتها بجامعة محمد الخامس بالرباط، "في المغرب، توجد الرقية لدى الفقهاء والزوايا والأضرحة منذ قرون طويلة. ولكن الرقية الشرعية ظاهرة جديدة، رأت النور مع بروز الفكر السلفي الوهابي، وانتشارها بدأ مع وصول هذا الفكر إلى المملكة في الثمانينيات من القرن الماضي". ثم يضيف "تمت هيكلة هذه الممارسة الجديدة سريعا من خلال إنشاء مراكز متخصصة وكذا عبر الشبكات الاجتماعية". وبالفعل فقد حصلت هذه الظاهرة الجديدة على منصات رقمية متطورة للحديث عن كل شيء: السحر وأنواع السرطان، والعجز الجنسي... إلخ. ويصادف أصحاب الرقية الشرعية نجاحا كبيرا....و مما لاشك فيه كما اشار الباحث هنا على أن الرقية الشرعية تستهوي الكثير من المرضى نظرا لخلفيتها الدينية بالتالي فمن المسلمات جدا أن شريحة كبيرة من المرضى جربوا أولا الرقية الشرعية قبل اللجوء إلى الاخصائي النفسي. فهم لا يستعينون بهذا الاخير سوى كحل أخير فقط.

إن هذه الممارسات المشينة، التي تدخل في نطاق الدجل، لها عواقب وخيمة. فهؤلا الرقاة يستغلون هشاشة المصابين باختلالات نفسية من أجل تدجينهم". بالتالي جني أرباح مغرية من وراء هذا التدجين...فسواء كانوا أغنياء أو فقراء، متعلمين أو أميين، يعتقد زبناء هذا "الطب الغيبي" أنهم "مسكنون" بأرواح شريرة، ويترسخ في أذهانهم أن "الابتهال والدعاء" سيحررهم. والرقية تبدأ أولا بالتشخيص، لتحديد إن كان المريض مصابا بمس، أوضحية للسحر أو العين الشريرة، ثم بعد ذلك ينطلق العلاج او الاستثمار الذي قد يستغرق عدة حصص والتي غالبا ما تكون مكلفة جدا

فهذه التجارة تقوم أساسا على بيع المنتوجات المتعددة، بل إن عدة رقاة تحولوا إلى متخصصين في العلاج بالنباتات، ولا يترددون في وصف الأعشاب، والأبخرة، وأنواع أخرى من المياه التي يفترض فيها طرد الجن.

ففعلا استطاع هؤلاء الفئة أن "يؤسسوا خيالا دينيا حول هذه المنتوجات الفرعية التي تساعد، حسب زعمهم، على التخلص من الأرواح الشريرة"، وتكمن قوة وخطورة الرقية الشرعية في كونها تستعين بما هو إلهي، ومن يلجأون إليها لا يمكنهن الشك في فعالية كلمة الله ولا في وصفات من يحمل هذه الكلمة". إذ في أفضل الحالات يصرحون بأنهم تعافوا، وفي أسوئها يتظاهرون بذلك. بهذا الخصوص،  وفي هذا الصدد يشير عبد الحليم أوتريد، المتخصص في الطب النفسي والعصبي، حكاية حدثت له: "في التسعينيات، كانت لدي مريضة تعاني من 'الهوس الاكتئابي' (bipolaire)، وقد أصيبت بانتكاسة بعد توقفها عن تناول الأدوية بنصيحة من أحد الرقاة. وأخبرني أحد أبنائها أن هذا الراقي أوضح لوالدته أن الجني الذي يسكنها كان مدمنا على الأدوية وبالتالي عليها التوقف عن تناولها حتى يتسنى طرده".

إن متاجرة الرقاة لا تتوقف على مبدأ الماديات فقط، فقد يتم تجاوز ذلك إلى حد بعض الممارسات الشنيعة والمدانة من خلال تنائية العنف والجنس فبعض الرقاة يلجأون إلى العنف الجسدي والجنسي لطرد الجن المزعوم. "إنهم يعتقدون أنه يجب تعذيب الروح الشريرة وبالتالي المريض للحصول على أحسن النتائج الممكنة"...ولا يترددون في استغلال الهشاشة النفسية للمريضات للاعتداء عليهن جنسيا...وهذا ما يبرره الرقاة يما يسمونه 'الاشتباك الجسدي'، كأحد انواع طرد الجن، وهناك من الرقاة من يطلب من المريضات خصوصا صورا إيروتيكية أو ملابسهن الداخلية "للقيام بالتشخيص الدقيق"، بينما أخرون يفرضون عليهن أخذ حمامات بين أيديهم والسماح لهم بلمس أعضائهن الحساسة، بل وحتى القيام بوصال جنسي "لطرد الجن".

إن المعطى الذي نعمل على صياغته من ما سبق لا يهدف إلى الضرب العرضي في المعتقدات الدينية أو التشكيك فيها لكن الأمر الذي يطرح نفسه كضرورة ملحة، ويدفعنا بقوة الى التساؤل، لماذا المجتمعات المتقدمة وبناءا على استغلالها المعقلن لمختلف الدراسات والأبحاث العلمية وخاصة الأبحاث السيكولوجية استطاعت من خلالها أن تنهج لنفسها طرق علاجية موضوعية تتصف بالمصداقية العلمية، وقد نجحت فعلا في تحقيق طفرة نوعية في مجال التشخيص والعلاج النفسي، في حين ما تزال الممارسات الفقيهية عاجزة لحد الساعة عن تقديم أي تطور يذكر إذا لم نقل أنها تكرس المرض وفقط؟.

 

اسماعيل آيت حمو

 

ميثم الجنابيإن احد المؤشرات الجوهرية على الأثر المدمر لزمن التوتاليتارية والراديكالية السياسية هو صعود فكرة المؤقت بعد سقوط الدكتاتورية الصدامية. إذ برزت بصورة قوية وسريعة مختلف كوامن الخلل الفعلي في بنية الدولة والمجتمع والثقافة. ولعل أشدها وضوحا هو خلل الفكرة الوطنية والهوية العراقية. وليس مصادفة أن تطفو إلى السطح ظاهرة المؤقتين، بوصفها الصيغة الأدبية للطفيلية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية. وهي ظاهرة ملازمة في الأغلب لحالة التفكك الاجتماعي والوطني في مراحل الانتقال الراديكالي. وهي ظاهرة دائمة في تاريخ المجتمعات والدول. لكنها تتخذ في مراحل الانتقال طابعا فجا وفاجعا بسبب انهيار مؤسسات الدولة الرادعة وتشتت المجتمع في صراعات جزئية هائلة مع ما يترتب على ذلك من ضعف للتكامل الاجتماعي والوطني. وهو الأمر الذي يجعل منها قوة عابرة، أي مؤقتة بكافة المعايير. وليس هناك من شيء يحكم وجودها غير الاعتياش الدائم على حالة المؤقت في النظام والحقوق. وبهذا المعنى تشكل "الوريث" الفعلي لبقايا الماضي

فمن المعلوم أن الرشوة والابتزاز كانتا تشكلان الأدوات العملية لآلية فعل وبقاء وعمل الأجهزة المتعددة والسائبة للمرحلة السابقة. فقد  كانت الرشوة والابتزاز أدوات الربط الفعلية لأجهزة السلطة والداعمة لديمومتها. وهو واقع جعل من العراق في المرحلة الدكتاتورية جمهورية الرشوة والابتزاز. وفي هذا الواقع وبقايا استمراره ينبغي البحث عن آلية التحكم والتسلط. وفيه أيضا ينبغي رؤية ارث الموروث في ظهور واستفحال المؤقتين. وذلك لان الإرث الأكبر للتوتاليتارية بهذا الصدد يقوم في إفراغها الفرد من وسطه الاجتماعي، بحيث جعلت منه مجرد أداة فارغة لا هم لها سوى الهموم الصغيرة، وحاصرته بالشكل الذي جعلته مستعدا لاقتراف الرذيلة مهما كان حجمها دون أي شعور بالذنب في الوقت الذي يصلي فيه ويصوم. وهي حالة أكثر تخريبا وتدميرا لأنها تجعل من "الروحي" عاملا إضافيا في تزييف أفعاله. مما أدى في النهاية إلى إفراغ الإنسان من محتواه الاجتماعي والوطني وجعله كيانا سائبا ومؤقتا في الأقوال والأفعال والهواجس والأحاسيس والعقل والضمير والشك واليقين.

بينما تفترض الدولة والمجتمع والثقافة والفرد والجماعات نوعا مناسبا من الثبات. فالدولة تفترض ثبات مؤسساتها، والمجتمع يفترض ثبات قواعد العيش والعمل بموجبها، والثقافة تفترض ثبات مرجعيات الإبداع الحر، ووجود الفرد يفترض ثبات كينونته الاجتماعية، كما يفترض وجود الجماعة ثبات قدرتها واستعدادها على التطوع والاختيار. بينما كان الثابت، أو مطلق التوتاليتارية والدكتاتورية هو المؤقت في كل شيء. مما جعل منها مجرد آلة مخربة لكل شيء وفي كل شيء. من هنا انتقال نفسية وذهنية وآلية المؤقت بكامل عتادها، كما نراه بوضوح في عمل الإدارات الموروثة. فهي نموذج للفساد والإفساد والخراب والتخريب، يستحيل معها بناء العراق الجديد. كما يستحيل بناء دولة  قوية على أسس هشة وإرساء أسس الفضيلة على الرذيلة.

فقد جعلت هذه المقدمة  أغلب الأحزاب السياسية "الكبرى" والناشئة حديثا أسيرة نفسية المؤقت، كما نراها بوضوح في "النشاط المحموم" لجميع القوى السياسية، المكونة في بداية الأمر لمجلس الحكم الانتقالي في ممارسة "تداول السلطة" و"المحاصصة". وإذا كان لهذه الظاهرة ما يبررها من الناحية التاريخية والسياسية، فان تحولها إلى أسلوب "المساومة السياسية" كان الخطوة الأولي وغير المرئية لترسخ وتوسع وتعمق وتأسيس نفسية وذهنية المؤقتين الجدد في عراق ما بعد الدكتاتورية الصدامية. وليس غريبا أن تتفاقم منذ ذلك الوقت ظاهرة النهم "غير الطبيعي" عند النخب والأحزاب السياسية "الكبرى" كما لو أنها قوة غازية خارجية. وهي حالة لا تصنع في الواقع شيئا غير حالة المؤقت في كل شيء، كما نراها بجلاء في النخبة السياسية السائدة حاليا. وفي هذا تكمن طبيعتها المفارقة بشكل عام وفي حالة العراق بشكل خاص.

إن المفارقة الذاتية للمؤقتين، أي لأولئك الذين لا تربطهم بالماضي سوى علاقة الاستلاب المعنوي، وبالحاضر سوى علاقة السرقة المادية، وبالمستقبل سوى علاقة اللامبالاة المطبقة، تقوم في كونهم يجهلون حقيقة التاريخ، مع أنهم أكثر من يتطفل على مسرحه السياسي العلني. وهي مفارقة عادة ما ترميها إلينا مجريات وأحداث المراحل الانتقالية. فهي "الحلقة" المفقودة من تاريخ الأمم، لأنها عادة ما تتخذ صيغة الزمن الضائع، أو الزمن الذي تتداخل فيه الرؤية التاريخية المتفائلة ومصالح الأحزاب السياسية والكتل الاقتصادية الضيقة.

وهو قدر عانت وتعاني منه الشعوب والأمم والدول جميعا حالما تمر بمرحلة الانتقال. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار طبيعة ونوعية وأسلوب الانتقال العاصف الذي يمر به العراق حاليا، فسوف يتضح حجم وسعة القوى المستعدة لان تكون مؤقتة، أي عابرة في مجراه، ككل أولئك الذين يجرون يوميا مثلهم مثل عابرو السبيل في طرقات تعادل كمية وحجم المطامع والمصالح ومتطلبات الحياة أيضا. غير أن للحياة كما هي، والسياسية كما هي، مقدمات ونتائج مختلفة، مع أنهما يلتقيان في نهاية المطاف فيما ندعوه بالمصير التاريخي للأمم.

ويقف العراق الآن أمام هذا المصير، بمعنى وقوفه أمام كيفية عبور مرحلة الانتقال بالشكل الذي يجعل من حياته وحياة أفراده وجماعاته وطوائفه وقومياته جزءا فعالا وعضويا في صنع قواعد الثبات الضرورية في الدولة والمجتمع والثقافة. الأمر الذي يجعل من مرحلة الانتقال هذه مرحلة صراع عنيف. وذلك بسبب كونها المرحلة التي تطرح فيها للمرة الأولى في تاريخ العراق الحديث إشكالية "المؤقت" و"الثابت" تجاه فكرة الدولة والسلطة والمجتمع والقانون والدستور. ذلك يعني أنها المرة الأولى التي تطرح فيها قضية الثابت والثبات في كل ما هو ضروري لجعل الزمن تاريخا. ومن ثم تحرير التاريخ من أن يكون مجرد تيار عابث في المصير. لاسيما وأنها حالة ليست غريبة أو مستغربة.

فالتطور التاريخي للأمم يجبرها بالضرورة على أن تقف أمام إشكالية الثبات والؤقت في مكونات وجودها. كما أن تجارب التاريخ ومصير الأمم والحضارات تبرهن على أن عدم الإجابة على هذا السؤال في الوقت المناسب يؤدي بالضرورة إلى انقراض الدولة وخمول الأمة أو غيابها من مسرح التاريخ العالمي. وهي حقيقة تعطي لنا إمكانية رؤية تاريخنا الذاتي بمعاييرها. لاسيما وأنها ليست المرة الأولى التي يقف أمامها العراق، شأن كل تاريخ عريق في المدنية. فهي الحالة التي شقت لنفسها الطريق في كل تاريخنا القديم والمعاصر كما هو الحال بالنسبة لتاريخ الأمم جميعا. وفيها وحولها تتكتل القوى المؤقتة والدائمة، التي يتحصن كل منها بيقينه الخاص. المؤقت يعتقد بأنه لا شيء غيره وأن ماله وسلطته هو الشيء الوحيد الحق. بمعنى أنه يعيش بمعايير ومقاييس المؤقت أو الرؤية "الجاهلية". وهي رؤية لا تصنع في نهاية المطاف غير منظومة العبث، التي شكل تاريخ العراق الحديث، و بالأخص في مجرى العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين نموذجها التام. كما برهن في الوقت نفسه على أنها مجرد هباء. وفيه نعثر أيضا على اعتراف وتقرير ضمني بان الشيء الوحيد الباقي هو الحق، بوصفه المرجعية المتسامية عن الابتذال مهما كان شكله ولونه ومعتقده. وسبب ذلك يقوم في أن "المؤقت" لا يصنع تاريخا. ومن ثم فهو عرضة للزوال المحكوم أما بعقاب النسيان وإما بعقاب القانون. وكلاهما من أصل واحد ونتيجة واحدة تؤدي بالضرورة إلى رميه أما إلى "سلة المهملات" وأما إلى سجون الفضيحة. وهي حالة "برهن" عليها الزمن التوتاليتاري للدكتاتورية الصدامية بصورة نموذجية لم يعرفها تاريخ العراق منذ أن هج جلجامش باحثا عن الخلود في براريه وأهواره. وهو بحث يرمز إلى أن حقيقة الخلود في العراق ينبغي البحث عنها في براريه وأهواره وليس في ردمها وتجفيفها. وهو أمر يفترض كحد أدنى الارتقاء إلى مصاف الاندماج الوجداني بالخالد فيه، أي المجرد عن كل ما يمكن ابتذاله في الأقوال والأعمال.

وتجربة ما بعد الدكتاتورية، تكشف عن أن العراق لم يحل هذه المشكلة بعد. وان المؤقت والقوى العابرة مازالت تتحكم في مساره بوصفه صرفا لزمن عابر. بمعنى إننا لم نضع بعد أسس التاريخ الفعلي للمستقبل. الأمر الذي يشير إلى فقدان البوصلة السليمة عند النخب السياسية، وضعف الوعي الاجتماعي الفعال والبديل عند المجتمع. وهذا بدوره نتاج مرحلة سابقة لانحطاط وتخريب هائل. إلا أن الأحداث الأخيرة العفوية للاحتجاج الاجتماعي ومسارها اخذ للمرة الأولى يدفع أولوية وفاعلية الرد الاجتماعي المنظم أما لتحطيم أسس النظام السياسي البائد (للدكتاتورية) وأسس نظام "المحاصصة الديمقراطي"، أو لإصلاحهما عبر تنظيم للبدائل الاجتماعية السياسية التي تنفي فاعلية واثر النخبة السياسية الحالية، والقوى "الميتة" القديمة التي وجدت متنفسا لها مما يسمى بالعلمانية والليبرالية وما شابه ذلك.

إن البديل الفعلي والضروري بهذا الصدد يكمن في قوة الحراك الاجتماعي المستقل، أي القادر على تذليل النخب المتطفلة والمترهلة بقوة الاحتلال والفساد الناتج عنه.

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

مادونا عسكر"وهْمَان كبيران يقودان الحياة؛ في أحدهما يحسبُ المرء نفسه حرّاً في العبودية على شرط أن تُغيِّر اسمها وشكلها وإن ظلَّ جوهرها ثابتًا لا يتغيَّر. وفي الآخر يعتقد المرء بصلاح البشر الفطري اعتقادًا مطلقًا. فهل تستطيع أن تقول الآن بعد أن شفَّت بصيرتك بنور الخلود أيُّ الوهمين أقلُّ خطرًا؟ وأنت الذي كنت زعيم الوهم الثاني، هل تستطيع أن تُنبِّئنا لماذا لا نفتأ نؤلم بعضنا بعضًا؟ ولماذا ــ ما دام الناس صُلَّاحًا ــ قضيتَ أنتَ عمرك في محاربة  الصالحين؟ "(مي زيادة)

إذا كان كلّ كتاب يُقرأُ من عنوانه الّذي يضبط فحواه أو يحدّد المحور المراد الحديث عنه، فهذا الكتاب "المساواة" لمي زيادة  يُستدلّ إلى ينبوعه في الفصل الأخير. لا كخلاصة تغني عن قراءة الكتاب، وإنّما كمرحلة سابقة للكتابة بلغتها مفكّرة وفيلسوفة وهي تجول بطرفها متأمّلة عالماً غارقاً بمفاهيم ملتبسة، أو متناقضة، أو غامضة. ولعلّ هذا الفصل أتى كباكورة الأفكار والتّأمّلات والقناعات القابلة للتّبدّل والتّطوّر.

تستعرض ميّ في كتاب "المساواة" الّذي صدر سنة 1923، الطّبقات الاجتماعيّة، والأرستقراطيّة، والعبوديّة والرّقّ، والدّيموقراطيّة، والاشتراكيّة السّلميّة والاشتراكيّة الثّوريّة، والفوضويّة والعدميّة، ومناقشةً سياقها التّاريخيّ والاجتماعيّ والإنسانيّ. وتختتم بفصلين متخيّلين على الأغلب (يتناقشون ورسالة عارف)، لكنّهما فصلان يدلّان القارئ على طريقة ميّ في التّفكير والتّأمّل وأسلوب تفاعلها مع القارئ؛ لتجسّد له رؤيتها ومعرفتها إضافة إلى الواقع بشكل عام.

في الفصل ما قبل الأخير الّذي عنوانه "يتناقشون" تعيد ميّ صياغة الكتاب لكن بشكل حوار بين أشخاص يمثّلون غالباً الطّبقات الاجتماعيّة والمناهج الحكميّة والسّلطويّة ولكن بطريقة أقرب إلى القارئ من النّظريّات والأفكار الفلسفيّة والاستعراض التّاريخيّ. وفي ذلك إشارة إلى طرح التّأمّل الفكريّ بصورة أعمق من تلك الّتي نقرأها في النّظريّات. فيظهر في النّقاش المعلّمة وفتاتان تبدوان سطحيّتان  والأديب والاشتراكي المتحمّس والعالم الفيلسوف وأحد الوجهاء وذاك الّذي يعتنق كل رأي عابر ويمتدح الجميع، وميّ. لكنّ ميّاً لا تدخل النّقاش بشكل مباشر وإنّما تديره دون أن تتبنّى رأياً خاصّاً أو تعطي حكماً أو حلّاً. وتعترف ضمناً أنّ بحثها لم يقُدْها إلى يقين أو حلّ أو سبيل إلى المساواة فتقول: "إذا دلّ بحثي على أنّ لديّ شيئاُ معيّناً أقوله فقد فشلت حتّى في التّعبير عن رغبة ساقتني إلى معالجة هذا الموضوع الجموح"، لكنّي أرى أنّ ميّاً عالجت موضوع المساواة بطريقة مغايرة عن السّائد. لقد عرضت بحثها وجعلت القارئ يحلّل ويستنتج بل ويتبيّن أنّ المساواة وهم أو حلم من العسير تحقيقه مهما بلغت الأنظمة من سعي لتحقيقه. وبهذه الطّريقة يتحرّك العقل ويحضر السّؤال ويهدأ الاندفاع والحماس غير المجدي ليحلّ مكانه التّعقّل والتّأمّل ولينتهِ إلى ما ينتهي إليه. فميّ ليست بصدد طرح حلول، وإنّما هي بصدد تحريك العقل.

الفصل الأخير هو الأهم (رسالة عارف). وعارفٌ أديب وهو أحد المناقشين في فصل (يتناقشون) ولعلّه يرمز إلى ميّ أو إلى فكرها. فعلى لسانه وضعت تطلّعاتها وأفكارها وألمها النّاتج عن مراقبة الواقع الأليم الّذي يتطوّر ويتقدّم على جميع المستويات لكنّه يتراجع إنسانيّاً. وما ذلك إلّا نتيجة غرق في عبوديّة عميقة كامنة في النّفس الإنسانيّة إمّا طارئة على الإنسان وإمّا اختياريّة وإمّا لا واعية. ولعلّ ميّاً في هذه الرّسالة تناقش مع نفسها المساواة وتطرح تصوّراً لإمكانيّة وجودها.

"ما هي المساواة، وأين هي، وهل هي ممكنة؟ هذا ما أرغب في استجلائه في الفصول الآتية دون اندفاع ولا تحيُّز، بل بإخلاص من شكّلت من جميع قواها النّفسية والإدراكيّة محكمة "محلِّفين" يستعرضون خلاصة ما تقوله الطّبيعة والعلم والتّاريخ، ليثبتوا حُكمًا يرونه صادقًا عادلًا". هكذا استهلّت ميّ بحثها في موضوع المساواة. وفي "رسالة عارف" تطوّر فكريّ وإنسانيّ غايته إبراز تدرّج التّفكير عند ميّ ونموّه وتطوّره. فتقول على لسان عارف: "كنت في البدء أرى الحاجة كلَّ الحاجة في فراغ اليد فأنادي بالمساعدة دون حساب، وأتمنَّى أن يكون لحمي للجائع قُوتًا ودمي للظامئ شرابًا، والخلل حولي كنت أظنه خللًا فيَّ فقط، وزعمت جميع النّفوس من درجة واحدة فمضيت أجاهد لإعلائها إلى أوجٍ قطنته تلك النفوس القليلة التي وضعتها الحياة على طريقي فأثار النّبل منها احترامي وإعجابي. شببت فإذا بي مخطئ، وأن ما فيَّ من خلل مَنشَؤُه الطّبيعة البشريّة المتوازنة أجزاؤها نقصاً وكمالاً، ورأيت أنّ أنانيةً تسربلت بالحرير ليست بأطمع من أنانية ارتدت الأطمار، وأنّ كبرياءَ بدت في التّشامخ والصّمت والتّألُّه ليست بأكرهَ من كبرياءَ توارت في التذلُّل والتوسُّل والنحيب. وتبيَّنتُ في كل مرتبة أثرةً وتحيّزاً واستعداداً قصيّاً للجور والطغيان، بل تبيَّنتُ ذلك في كلّ فرد من أفراد المرتبة الواحدة والأسرة الواحدة. وعلمت أنّ بعض العقول قفر، وبعض القلوب صخر، وبعض النّفوس رموز حية لليأس والنكد، وبعض الصّور البشريّة انعكاس لتمثال الشّقاء الدائم، وأدركت للحرمان معانيَ جمَّة".

الحاجة الأساسيّة للإنسان هي تلك الكامنة في أعماقه، في ذاته المتأرجحة بين النّقص والكمال. وفي هذه النّفس تجتمع النّزعات والميول والعبوديّة والتّمرّد والنّزعة إلى الوحشيّة، وأخرى إلى الارتقاء بالنّفس الإنسانيّة، إلى ما هنالك من تناقضات في النّفس. العوز الإنسانيّ الحقيقيّ يكمن في الدّاخل. فالعوز الماديّ مقدور عليه إذا تضافرت الجهود، وأمّا العوز الإنسانيّ إلى التّحرّر من قيود النّفس فمن ذا الّذي بمقدوره أن يسدّه؟ ومن ذا يسدّ العوز الاجتماعيّ كالخلل في العلاقات أو الحرمان العاطفيّ أو الحرمان الحسّيّ كفقدان النّظر أو السّمع أو الصّحة أو النّسل؟ "فإذا تيسّرت معالجة الفقر ــ ولو معالجة نسبيّةــ بالنّشاط والعمل، فكيف تعالج أخرى ليس لموهبة أو صفة مهما شرفت وسمت أن تتغلّب عليها؟ وما هذا النّظام الّذين يزعمون فيه الإنصاف والمساواة، وهو لا يتناول سوى الظّاهر الممكن تعديله بلا سلب ولا فتك، في حين تظلّ جميع الحرمانات الأخرى تنشب في القلب أظافرها؟" وفي هذا القول إشارة إلى أنّ كلّ المناهج أيّاً كانت اتّجاهاتها وأيّاً كان سعيها الدّؤوب إلى سدّ العوز الإنسانيّ فإنّها لا تقوى على سبر أغوار النّفس العميقة وتحريرها.

بالمقابل، فإنّ هذه المناهج حين تظهر في المجتمعات منادية بالحرّيّة والمساواة على شكل تمرّد تتشكّل فيها الطّبقات، ولعلّه يزداد في النّفس الإنسانيّة العوز إلى المساواة. وقد تخرج عن السّيطرة وتعيد الإنسان إلى همجيّته الأولى فيفتك وينتهك بحكم التّمرّد والرّغبة في الحرّيّة المطلقة والتّفلّت من القوانين والشّرائع.

وتتساءل ميّ على لسان العارف: "هل يمكن الاقتناع بغير الاختبار الشّخصي؟ وهل يكون اليقين يقيناً إن لم يُبْنَ على اقتناع فردي؟" ولعلّ في هذا التّساؤل إشارة إلى اختبار الفكر أو النّظريّة أو المنهج على المستوى الفرديّ أوّلاً بدل الانخراط الأعمى في منهج ذا طابع إيجابيّ يزدهر نظريّاً لا تطبيقيّاً. أو تبنّي نظريّات أو فلسفات لمجرّد أنّها تحدث في النّفس رغبة في تحقيقها وهي في الواقع ليست كاملة ومحكمة. كأن يرفض نيتشه الدّيموقراطيّة والاشتراكيّة وينبذهما. أو كأن يقول أفلاطون إن أسوء أنواع الحكم الدّيمقراطيّة، ولا ريب أنّ ذلك تمّ عن اختبار تحليليّ منطقيّ أدّى إلى نتيجة رفض هذا المنهج أو ذاك.

يقود الاختبار الفرديّ المعتمد على العقل والمنطق والتّأمّل في الذّات أوّلاً إلى اكتشاف الّذات وثغراتها ونواقصها ورغبتها إلى الكمال. ففيها يجتمع كلّ شيء ومنها بفعل التعقّل والحكمة والاختبار يتكوّن الرّأي الشّخصيّ بدل الانجرار في موجة تحرّك الرّغبات والغرائز. "أعرف الحياة صالحة محسنة جميلة من الجانب الواحد وخادعة غادرة قبيحة من الجانب الآخر. إلّا أنّي "زرادشتي" من حيث إيماني بأنّ الغلبة النّهائية للخير والصّلاح والجمال. ولو أردت أن أعرِّف الحزب السّياسيّ أو الاجتماعيّ الّذي أنتمي إليه، لقلت إنّي أرستقراطيّ، ديمقراطيّ، اشتراكيّ سلميّ، اشتراكيّ ثورويّ، فوضويّ، عدميّ … إلى آخره. كلّ ذلك دفعة واحدة وبوقت واحد."

أليست هذه حقيقة الإنسان حيث تجتمع فيه كلّ التّناقضات؟ أليس الإنسان المستعبد للوقت والعمل والمال يظنّ نفسه حرّاً؟ أليس الدّاعي إلى الدّيمقراطيّة يرغب في السّيطرة والحكم فيستبدّ أحياناً؟ أليس المطالب بقوانين تضبط المجتمع هو نفسه يتوق إلى التّفلّت من القانون والشّريعة والعادات والتّقاليد؟

المساواة موضوع مؤجّل البحث فيه بعيداً عن الكلام المستهلك والأقوال الرّنّانة والمناقشات الفارغة والحماس المفرط. المساواة وهم أو لنقل حلم بعيد ما لم تقف النّفس الإنسانيّة أمام ذاتها محمكة النّظر إلى نواقصها وضعفها، معترفة بعدم قدرتها على السّيطرة على الطّبيعة. ولنقل إنّه ينبغي استبدال مصطلح المساواة بمصطلح آخر، ينطلق من الدّاخل إلى الخارج، ولا يكون حركة تمرّديّة وحسب ما تلبث أن تنقلب إلى حزب، أو سلطة حاكمة. يبدو المعنى الظّاهريّ للمساواة حسب تأمّل ميّ هشّاً أمام عمق المعنى وتمدّده في الإنسانيّة. لكنّ ميّاً لا تترك مجالاً لليأس أو الاستسلام، فتنتهي رسالة عارف بنفحة أمل:

"كفانا أن نرقُب سير الحوادث متّكلين على نفوسنا، محدِّقين في وجه الحياة بلا وجل، مستعدِّين لتبيُّن الصّلاح والحقيقة. ونحن أبداً كالأرض أمّنا الّتي تقبل البذور الصّالحة ثُمّ ترسلها غلَّة وخيراً، وإذا هوت عليها الأشجار اليابسة تجمَّدت في حضنها مادّة للنّار واللّهيب. ولنكن أبدًا مطلقين هذا الهتاف الجامع بين الإخلاص والحيرة، بين الزّفير والابتهال: ها أنا ذا وحدي أيّها اللّيل، فعلِّمني ما يجب أن أعلم! ها أنا ذا مستعدُّ أيّتها الحياة، فسيِّريني حيث يجب أن أسير!"

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

توطئة: أود أن أؤكد أن هذه الدراسة تتعلق بتاريخ المسيحيين في العراق قبل وبعد الإسلام والى يومنا هذا، ولا علاقة لها بالمعتقدات الدينية، فقد وجدت من الضروري تسليط الضوء على ذلك، لاسيّما ما تعرّض له المسيحيون من اضطهاد وانتهاك وتنكيل في ظلّ هجمة إسلاموية طائفية متعصّبة ومتطرّفة وأعمال عنف وإرهاب تحت مزاعم وأقاويل وشعارات شتى، ناهيك عن أهداف معلنة ومستترة لاستهدافهم، فضلاً عن أوهام وأخطاء شائعة ماضوية وراهنة تتعلّق بوجودهم ومواطنتهم ومستقبلهم الذي يُراد به تفريغ المنطقة منهم فمن المستفيد من ذلك وما هي المستلزمات للحيلولة دون حصوله ؟

ولم يأتِ الحديث عن استهداف المسيحيين من جماعات إسلاموية متطرفة فحسب، بل ورد صادماً عن مصدر رسمي رفيع المستوى يتعلّق بفهم خاطئ لفكرة المواطنة ولمبدأ المساواة وللشراكة والمشاركة الأساس في قيم العدالة الإنسانية، وهو ما جاء في كتاب من مكتب رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي حين وصف مسيحيي العراق بـ"الجالية المسيحية"، الأمر الذي زاد التباساً وغموضاً ولغطاً، لاسيّما وقد ترافق ذلك مع ما تعرّض له المسيحيون من اضطهاد وتشريد في جنوب وشمال العراق، بدءًا بتهديم دور عباداتهم وإجلائهم من منازلهم وانتهاءً بقتلهم ورمي جثثهم بالمزابل أو دفعهم قسراً إلى الهجرة.

ولعلّ ما فعله تنظيم القاعدة الإرهابي وربيبه تنظيم داعش بهم، خصوصاً بعد احتلاله للموصل في 10 حزيران (يونيو) 2014، وخلال وجوده الذي دام نحو 4 سنوات حتى تم هزيمته عسكريا في نهاية العام 2017، كأنه جاء متساوقاً مع النظرة الدونية لهم ومطالبتهم بدفع الجزية أو الدخول في الإسلام أو الرحيل، وعدا ذلك فإن المقابر ستكون بانتظارهم، على حد تعبير عبد الحسين شعبان في كتابه " المسيحيون ملح العرب" .

أصل المسيحيين في بلاد الرافدين:

مسيحيو العراق اليوم قوميا وبمختلف كنائسهم ينتمون إلى خمس قوميات هي: العربية والآشورية والكلدانية والسريانية والأرمينية، وطائفياً إلى الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية والأرثوذكسية ويقول المؤرخ البيزنطي اريوس في كتابة معجم الآثار المسيحية في الزيارة التي قام بها في المنطقة الواقعة في ما وراء الفرات بانه وجد له إخوة من المسيحيين وكانت هذا الزيارة في نهاية القرن الثاني وبدايات القرن الثالث الميلادي في حين تشير بعض المصادر "التي لم نستطع التوثق منها" بان أهل بلاد الرافدين قد اعتنقوا الديانة المسيحية في بداية القران الأول الميلادي على أيدي مبشرين جاءوا إلى العراق من بلاد الشام في (عام 224 ميلادية) بعد إطاحة اردشير الأول الساساني بالحكم الأرشافي وتأسيس دولة السلالة الفارسية الساسنية التي ستحكم بلاد الرافدين إلى أربع قرون، وقد فوجئ الساسانيون بانتشار المسيحيين في شتى أرجاء بلادهم وبتغلغلهم في مختلف ميادين الحياة، الأمر الذي كان يهدد معتقدات الساسانيين الوثنية وقد جاء ذكر الصراع المسيحي الوثني الفارسي في التاريخ السعردي وفي كتابين احدهما لشابور الأول والأخر إلى موبير كريتير وقد حفظت في نقش رستم وهذه الآثار موجودة بقرب من برسه بوليس الإيرانية الواقعة أطلالها على بعد خمسين كيلو متر من مدينة شيراز الحالية

في عهد شابور الأول 241 إلى 272 وهو أعظم ملك في السلالة الساسانية في القرن الثالث الميلادي وكان في بداية عهده متسامحا باتجاه المسيحيين بسبب الظلم والتعسف الذي كان المسيحيون يتعرضون له من قبل أتباع الديانة الزردشتية السائدة بين الساسانين وبالرغم من تسامحه فأنه قتل زوجته لاعتناقها المسيحية وقد ساهم هذا الملك بنشر المسيحية في مملكته من حيث لا يدري وذلك بواسطة السبايا الذين أتى بهم من المنطقة الرومانية في حروبه الكثيرة مع بلاد بيزنطة فقد غزا منطقة إنطاكيا "تركيا الحالية" مرتين وجلا الكثير من سكانها إلى بلاد بابل (العراق الجنوبي) وكان بين السبايا ديمتر بانس مطران إنطاكيا وذلك سنة 257 ميلادية، وقد ورد على لسان شابور العبارة المحفوظة في نقش رستم:" إننا استولينا على كل الناس وأتينا بهم سبايا وأسكناهم في مملكتنا إيران وفارس وفرثية وهوزتان واثورستان (منطقة بابل) وفي جميع البلدان الأخرى حيث ممتلكات آبائنا وأجدادنا الأقدمين" .

و توالى ملوك الساسانين بعد شابور وجاء هرمزد الأول 272 _ 273 وبرهان الأول 273 – 276 وبهرام الثاني 276 – 293 وبهرام الثالث 293- 303 وهرمزد الثاني 303 – 309 وفي كل هذه العهود كان ياتي ذكر تواجد المسحيين في بلاد الرافدين إلا انه في عهد هرمزد الثاني بدأ المسيحيون في المملكة الساسانية يوطدون ويرسخون شؤون كنيسة المشرق حيث كانت هذه الكنائس مشتتة ولا يجمعها جامع سوى ارتباطات ضعيفة بانطاكيا ولكن سرعان ما أخذ نفوذ أسقف المدائن في الازدياد حتى اعتبر نفسه المسؤول الأول والأعلى على أساقفة المشرق والمدائن كانت حسب ما هو معروف لدى الجميع عاصمة الساسانيين وهذا يعني بأنة أسقف المدائن اعتبر نفسه الحبر الأعظم على كنيسة الشرق (بمثابة البابا اليوم) .

اضطهاد المسيحيين في الشرق

بعيدا عن الأساطير التي كانت تقال وتروى عن اضطهاد المسيحيين في قلب الإمبراطورية الرومانية تعرض مسيحيو الشرق لاضطهادات متكررة وكان هذا الاضطهاد يأخذ الطابع السياسي والمذهبي ولكن بتقديري كان الطابع السياسي للاضطهاد هو الأكثر والأعمق ففي بداية ظهور المسيحية كانت القوى السياسية والعسكرية في الشرق والعالم هي:

الإمبراطورية الرومانية

الإمبراطورية الفارسية

وكان المسيحيون منتشرين في هاتين الإمبراطورتين ولم يتعرض المسيحيون في الإمبراطورية الفارسية إلى الاضطهاد إلى بعد ظهور مرسوم ميلانو سنة 313 ميلادية الذي أعلن فيه الملك قسطنطين الكبير قيصر الإمبراطورية البيزنطية شرعية الديانة المسيحية في الإمبراطورية لا بل أشهر هذا الإمبراطور النافذ في عالم ذلك الزمان مسيحيته ويقول دان بروان في كتابه الشهير دافنشي كوود (لغز دافنشي) الذي أصبح أحد أفلام هوليود الشهيرة كان هذا القرار سياسياً وأمنياً أكثر منه إيمانا فقد اشتد الصراع المسيحي الوثني في الإمبراطورية البيزنطية مما تطلب تدخل السلطة لحزم هذا النزاع فتدخل الإمبراطور قسطنطين وصاغ ديانة تمزج بين تقاليد وعقائد الوثنين وعقائد المسيحيين واختار يوم الأحد كيوم مقدس وهو يوم الشمس الذي كان إلها للوثنيين، الأمر الذي أثار ضغينة الملك شابور الثاني 309- 379 فطالب الرومان بإعادة المقاطعات الخمسة الذي سيطر عليهاالرومان في عام 305 – 311 التي كانت جزءًا من الإمبراطورية الساسانية الثانية وسرعان ما تحولت هذه المطالبات إلى خصومات وحروب طائفية ودينية وقد اشتبك شابور الثاني وقسطنطين في حروب أخذت الطابع الديني ويسجل التاريخ إن الامبراطور قسطنطين اخذ مع جيشه كنيسة متنقلة لإقامة الصلوات أثناء الحملة.

وقد توفي قسطنطين أثناء الحملة وأكمل ابنه قسطنطين الثاني وانتصر في هذه الحرب وقد انعكست نتائج الحرب على مسيحيي العراق عن طريق فرض الضرائب المضاعفة عليهم برسالة وجهها شابور الثاني بتاريخ 341 ميلادية إلى رئيس كنيسة الشرق البطريرك مار شمعون وكانت هذه الضرائب قاسية بحيث لم يستطيع الغالبية من أدائها ولهذا السبب بدأ التنكيل بهم وكان من ضحايا هذا التنكيل مار شمعون نفسه مع 130 من أتباعه فقد القي القبض عليهم واخضعوا إلى التعذيب واتهموا بالخيانة والتمرد بالضد من الملك وعصيان أوامره وكذلك احتقار النار والشمس ورفض السجود لملك الملوك (شابور) وقد قتل ما شمعون وكان مقتلة بداية اضطهاد المسيحية فكل من صرح بأنه مسيحي ذاق الموت دون استجواب أو محاكمة.

واستمرّ هذا الاضطهاد في المناطق الشمالية من بلاد الرافدين وبالذات في مدينة بيت كرماي (كركوك) واربيل الذي يطلق عليها الفرس حدياب وذلك لوجود القوات الفارسية على الخطوط مع القوات الرومانية واستمر الاضطهاد في عهد يزدجرد الثاني 438 – 457 وقل زوجته التي كانت ابنته واخذ يقصي المسيحيين من دوائر الدولة وطلب منهم جحود دينهم والسجود إلى الشمس وإلا سينزل بهم اشد العقوبات .

و لا أريد أن أطيل في مجال أحوال المسيحيين في ظل الإمبراطورية الفارسية الساسانية إذا إنهم كانوا في حالة مد وجزر في كل عهود الملوك الفرس وقد انتهت معاناتهم بعد مقتل كسرى على يد ولده المولود من أمه البيزنطية واندحار الجيوش الفارسية من قبل الإمبراطور البيزنطي الشهير هرقل في الربع الأول من القرن السادس (625م) وقد انتهت الإمبراطورية الفارسية بزمن الإمبراطور الساساني يزدجرد الثالث وقائده العسكري الأسطوري رستم الذي لم يستطيع بالرغم من قدراته وذكائه العسكري بقيادة المعارك أن يوقف أو يصد زحف العرب المسلمين الذين استولوا سنة 633 على البحرين وقطر وميسان والحيرة والانبار واحتلوا كل البلاد الواقعة غرب الفرات .

وقبل أن انهي الكلام عن المسيحيين في العهد الساساني أود أن اذكر بان أتباع هذه الديانة استفادوا لا بل استغلوا الخلل الذي عاشته الإمبراطورية الفارسية فنقلوا مركز ثقلهم من شمال العراق نينوى بالذات أي من دير متى شمال الموصل إلى تكريت وسط العراق.و في (عام 636 ميلادية 15 هجرية) التقى الجيش الفارسي بالجيش العربي الإسلامي بقيادة سعد بن أبي وقاص في موقع القادسية القريب من الحيرة وانتصر العرب وقتل رستم القائد الفارسي وقد اتخذ المسيحيون ظاهريا الموقف المحايد ولكن بالسر ساعدوا الجيش العربي الإسلامي وشارك الكثيرون منهم في القتال مع الجيش العربي الإسلامي .

المسيحيون في العهد الإسلامي العربي

تميّز فجر الإسلام بوجود ثلاثة إمبراطوريات هي:

الفارسية

والبيزنطية

والحبشية

و كانت الديانة السائدة في الإمبراطورتين البيزنطية والحبشية هي المسيحية في حين كانت الديانة الزردشتية سائدة في الإمبراطورية الفارسية، وكانت الإمبراطورية البيزنطية تسيطر على القسم الشمالي من الشرق الأوسط وآسيا الصغرى ويورو آسيا وبلدان الدانوب والجزء الأكبر من أوربا الغربية والبلاد الأفريقية الواقعة جنوب البحر المتوسط أما الإمبراطورية الفارسية فتسيطر على أعالي وادي الرافدين حتى المحيط الهندي . وكانت الحدود التي تفصل بين هاتين الإمبراطورتين واهية وكثيرا ما كانت تثار بينهما الحروب والنزاعات، الأمر الذي أنهك هاتين الإمبراطورتين في المرحلة الأخيرة من عمرهما أي سنوات حروب كسرى الثاني الفارسي وهرقل البيزنطي الروماني .

في حين كانت الجزيرة العربية وخاصة قلبها بعيدة عن هذه الأحداث ومنطوية على ذاتها ومنشغلة بنزاعاتها القبلية أما ديانة ساكني الجزيرة العربية السائدة قبل الإسلام في ذلك الوقت فهي أشكال متنوعة من الوثنية الشرقية المرتكزة على عبادة الشمس والقمر والكواكب وكذلك الديانة التوحيدية التي كانت تدعى بالحنفية وقد تطورت هذه المعتقدات إلى عبادة القوى الخفية المتمثلة بالحجارة .

وقد كان الحجر الأسود المحفوظ بالكعبة كرمز لوجود القبائل العربية وكعلامة للحفاظ على الوحدة بين القبائل والحفاظ على شعورهم بالانتماء إلى عرق مشترك وعلى هذا الشعور الجماعي العميق بنا النبي محمد بالإسلام امة عربية إسلامية متحدة وكانت الكعبة موجودة منذ القرن الثاني قبل الميلاد وتقع قرب بئر زمزم الذي كان محطة طبيعة لتوقف البدو للتزود بالماء وقد وضع الحجر الأسود وحفظ بالكعبة الذي أضحى موضع الإكرام والعبادة لأصله السماوي وقد أصبحت الكعبة في القرن السادس الميلادي مركزا زاخرا بالأصنام حيث وضعت كل قبيلة معبودها وأصبحت الإلهة على عدد أيام السنة وذكر القرآن أسماء الآلهة في سورة النجم (أفرأيتم اللات والعزة ومناه .....الخ)   وقورنت اللات بآلهة الشمس والعزة بافروديت ويلاحظ المؤرخون بان تعدد الآلهة قد تطور تحت تأثير المسيحية واليهودية إلى نوع من التوحيد.

و إلى فكرة الإله فوق سائر الآلهة وكان الاسم الذي أطلق على كبير الآلهة هو هبل (أصل الكلمة هو هبعل أي بعل الإله في اللغة الآرامية) .

المسيحية في الجزيرة العربية

دخلت المسيحية إلى اليمن في القرن الثالث الميلادي وقد يكون دخولها انطلاقا من الحبشة وهناك عدة أساطير تنسب التبشير بالمسيحية في السواحل الجنوبية للجزيرة العربية إلى الرسل متى وتوما وهناك من يعتقد بان المسيحية دخلت إلى اليمن ونجران من سوريا وبلاد مابين النهرين وأن اللغة السريانية كانت اللغة الطقسية فيها ومع هذا فلم تكن الكنيسة في اليمن منظمة ولم تشمل جميع القبائل العربية وفي نجران كان طبقة برجوازية (غنية) من المسيحيين النساطرة تدفع الجزية إلى الملك الحميري .

أما في الحجاز فيشير الطبري وابن هشام وابن خلدون إلى تواجد المسيحيين فيها ويروي الطبري أن مسلة جنائزية اكتشفت قديما في جبل عقيق القريب من المدينة تحمل حروف سريانية كانت تعلو احد قبور رسل المسيح .

و كانت تبوك حصنا يسكنه نصارى قضاعة وجاورهم بني كلب من قبيلة تغلب النصرانية وفي غزوة تبوك لم يتمكن النبي محمد والمسلمون من اقتحامها لحصانتها فحاصروها عشرون يوما ثم قفلوا راجعين عنها، أما يثرب فقد كانت شبه يهودية في حين كانت مكة مدينة للتعايش بين القبائل العربية وكانت قريش تشكل نواة سكان مكة وتتعايش شتى الأديان والمذاهب فيها أما السلطة فلم تكن بيد احد بل بيد مجالس تبت في الأمور حسب أهميتها وقد أخذت مكة أهميتها لوجود الحجر الأسود هذا المركز الديني الهام الذي يستقطب القبائل العربية مهما كان انتمائها الديني أو المذهبي وكانت إضافة إلى المركز الديني المركز التجاري الأهم إذ كانت القبائل المختلفة تأتي إلى الحج والتجارة في إن واحد ومثال على ذلك كان هناك شعراء مسيحيون مثل عدي بن زيد والأعشى كانوا يقسمون أمام الحجر الأسود برب مكة والصليب في إن واحد، وكان اليهود أيضا يكرمون هذا المعبد ويعيدون تاريخ تشيده إلى جدهم الأكبر إبراهيم الخليل وكانت منذ تلك العهود القديمة ترتفع في قلوب العرب عقيدة بموجبها إن الإله الذي عبده إبراهيم وإسماعيل هو الربّ الأعلى إلى السماء والأرض والخالق الذي هو ربّ العالمين والمسيطر على جميع آلهة المعبد هذه العقيدة التي بلورها النبي محمد بشعره السياسي الديني.

و كانت المسيحية كما أسلفنا قد تغلغلت في الجزيرة قبل ظهور الإسلام في قلبها وفي مناطقها الحدودية (اليمن وبلاد الشام وبلاد ما بين النهرين) ويقول ابن قتيبة إن النصرانية كانت في ربيعة وغسان وبعض قضاعة، ويشهد الجاحظ فيقول كانت النصرانية قد وجدت سبيلها في تغلب وشيبان وقضاعة وسليح والعباد وتنوخ ولخم (كتاب الحيوان للجاحظ) وبالرغم من هذه الشواهد إلا أن المسيحية كمعتقد لم تترسخ في نفوس العشائر العربية حتى أن حسب قول الأب ألبير توما في كتابه تاريخ الكنسية السريانية يقول إن شخصا لعب دورا هاما في تاريخ العرب المسلمين وهو الأمام علي ابن أبي طالب قال عنهم "أنهم لا يعرفون من دينهم المسيحية سوى إنها تسمح لهم بشرب الخمر وأكل لحم الخنزير فكانت مسيحيتهم سطحية وضحلة" وهذا يعني بان الأمام علي كان ضليع في فهم المبادئ الأساسية التي تقول عليها المسيحية .

المسيحيون العرب في بلاد مابين النهرين

بعد انهيار سد مأرب في أواخر القرن الأول الميلادي الأمر الذي أدى إلى نزوح القبائل العربية وقد اتجهت القبائل نحو المناطق الشمالية الشرقية وكان بين النازحين رهط من أولاد معن بن عدنان الذين وصلوا ارض الرافدين وكان معهم أبناء من قبيلة قضاعة واتفقوا مع أفراد من قبائل الأسد وتحالفوا معهم وسمي هذا التحالف بتنوخ وأسسوا مملكة التنوخين الأولى في القرن الثاني الميلادي وأعقبهم اللخميون في بدء العهد الساساني ودام حكمهم حتى مجيء الإسلام وسميت مملكتهم بمملكة التنوخين او اللخميين او المناذرة وكانت الحيرة عاصمة هذه المملكة وتقع جنوب الكوفة واختلف المفسرين لمعنى كلمة الحيرة إلا إن أكثر التفسيرات تقول إن أصل الكلمة حيرتا وهي كلمة أرامية وتعني الحصن أو المعسكر أو الدير وعرفت الحيرة بمعالمها المعمارية ويذكر التاريخ قصر الخور نق وكان هذا القصر يشرف على النجف الأشرف وما يليه من بساتين ويعتقد إن الخورنق اسم فارسي يعني موضع الأكل والشرب واللهو ودامت المملكة التنوخية واللخميون المناذرة من عام 138 ميلادية ولغاية 628 ميلادية وحكمها 26 ملكا وكان ابرز ملوكها النعمان بن المنذر.

و قد افتتح خالد ابن الوليد الحيرة في العام 623 ميلادية وأصبحت الديانة السائدة في الحيرة هي المسيحية ويقول الطبري إن امرؤ ألقيس الأول 288-328 ميلادية هو أول من تنصر من اللخميين بينما يقول ابن خلدون ان النعمان ابن الشقية  (الأعور) 402- 431 هو اول من تنصر من ملوك المناذرة وهو الملك التاسع وقد أصبحت الحيرة منذ القرن الخامس الميلادي مركزا دينيا هاما بالإضافة إلى كونها مركزا مرموقا للتجارة والثقافة وقد شيدت فيها كنائس جميلة ومزخرفة بالنقوش وقد ذكر أبو الفرج الأصفهاني في كتابه الشهير "الأغاني" عن بيعة توما وكنيسة الباعوثه وبيعة دير اللج وكنيسة دير هند وقد كشفت التنقيبات الأثرية بعض هذه الآثار وقد سمعنا مؤخرا بان التنقيبات الأثرية قد كشفت أطلال كنيسة في مدينة النجف .

المسيحيون في العراق والإسلام

قبل أن أتحدث عن العلاقة التاريخية بين الإسلام والمسيحية في العراق أود أن أبين مدخلا إلى الظروف والأسباب التي أدت إلى نجاح الفتوحات الإسلامية كما ذكرها المؤرخ فيليب حتى في كتابه الموسوم تاريخ العرب صفحة 143 الطبعة العربية

أولا- إن فارس وبيزنطة كانتا قد وهنتا بسبب الحروب التي استمرت بينهما أجيال طويلة مما أدى إلى إرهاق رعاياهما بالضرائب القاسية.

ثانيا- استيطان القبائل العربية فبل الإسلام في بلاد الشام وارض النهرين وفي المناطق الواقعة على حدود الهلال الخصيب.

ثالثا- ظهور الخلافات داخل الكنيسة المسيحية حيث نشأت النسطورية في العراق وفارس والمنوفيزية في سوريا ومصر مع ما لابس ذلك من عداوات طائفية خاصة عندما بدء البيزنطيون يضطهدون المنشقين عن كنيستهم.

رابعا- كان الروم قد أهملوا تحصيل الثغور بعد غزوة مؤته الواقعة شمال البتراء التي انتصر فيها عرب الشام الأمر الذي أبطل القائد الروماني هرقل دفع الهدايا التي كان يوزعها على قبائل الشام العربية إضافة إلى أن الأقوام العربية الساكنة في الشام يعتبرون الفاتحين قوم من بني جنسهم .

و قد استقبل مسيحيو بلاد الرافدين الفاتحين العرب المسلمين في عهد الخلفاء الراشدين بايجابية لا بل ساعدهم على الانتصار بسبب معاناتهم ولقرون من عسف العهود الفارسية الساسانية على مدى خمس قرون وقد ساهم في صفوف جيوش الفتح الإسلامي قبائل عربية نصرانية من الحيرة ومن مناطق أخرى حقدا على إجرام الفرس الساسانيين وكان العرب المسلمين الفاتحين يخيرون النصارى بين قبول الإسلام أو دفع الجزية وقد دفع أجداد مسيحيو العراق المعاصرين الجزية واحتفظوا بديانتهم ومما لا شك فيه من لم يكن له قدرة أو من لا يريد دفع الجزية قد اسلم وأنهى المشكلة .

وعلى هذا المبدأ تعايش المسيحيون مع المسلمين في عصر الخلافة الراشدية وكذلك الأموية وتأكيدا على دور المسيحيين في العهد الأموي كان شعراء بني أمية الكبار جرير والفرزدق والأخطل ثالوث الشعر في العصر الأموي وكان الأخطل وهو أعظم هذا الثالوث نصرانيا وقد تمتع أهل الكتاب أي النصارى واليهود والصابئة في العصر الأموي بوافر الحرية لقاء تأديتهم الجزية والخراج وارتبطت قضاياهم في الأمور الدينية والمدنية برؤسائهم الروحانيين ولم تطبق عليهم الشريعة الإسلامية ومع هذا التسامح لم يمنع حدوث حالات استثنائية كتلك التي أمر بها الوليد الأول 705 – 715 بقتل زعيم بني تغلب القبيلة العربية المسيحية لأنه ابا ان يعتنق الإسلام (كتاب الأغاني ص 99)

و قد فرض الخليفة عمر بن عبد العزيز قيوداً صعبة على رعاياه المسيحيين إلا أن هذه القوانين لم يعمل بها طويلا حيث أمر خالد بن عبد الله العزي عامل هشام بن عبد الملك الخليفة الأموي الرابع على العراق ببناء كنيسة لأمه المسيحية تتعبد بها كما انه منح النصارى واليهود حق بناء المعابد والكنائس (كتاب الأغاني ص 99) وللعلم وفي العام 886 ميلادية دخلت الفلسفة الفكر الإسلامي وظهر مذهب المعتزلة والقدرية وكان ذلك خلال سنوات العهد الذهبي العباسي أي خلال خلافة هارون الرشيد وأبنائه الأمين والمأمون والمعتصم والخلافة العباسية دامت 508 من 750 ميلادية الى 1258 ميلادية وفي عهد العباسيين انتهت الخلافة العربية الإسلامية لتكون خلافة لأقوام المسلمين من كافة القوميات خاصة العربية والفارسية والتركية.

والحقيقة إن المؤسس الحقيقي إلى الخلافة العباسية كان أبو جعفر المنصور الذي بنى مدينة بغداد سنة 758 ميلادية وقد كانت قرية صغيرة في عهد الساسانين ومعناها "عطية الله" وقيل إن الاسم من (باغ) بستان و (داد) الإله وهو أسم فارسي أو إنه أسم مركب من (بيث) مكان و (غداد) الحظيرة أي موضع الحظيرة وهي تسمية آرامية وفي نظر الكنيسة الشرقية كان تأسيس مدينة بغداد يعني أنها ستعيد مركزها التقليدي في الأرض الآرامية (بيث ماري) وكانت الأرض التي أراد الخليفة أن يبني فيها مدينته لتكون زاخرة بالأديرة وكان للرهبان دورا كبيرا في الأساطير الدائرة حول التنبؤات عن تأسيسها.

شرع المنصور في عام 762 ميلادية في بناء مدينة بغداد واستغرق بنائها 4 سنوات وصرف عليها بما يعادل 18 مليون دينارا واستخدم نحو 100000 مهندس وعامل وأهل المعرفة بالبناء وسميت بالإضافة إلى بغداد بمدينة السلام والمدينة المدورة وأكثر الحجارة التي دخلت في بنائها نزعت من أنقاض طاق كسرى وفي 7 تشرين أول سنة 775 ميلادية وتوفي المنصور وهو في طريقه إلى الحج وحفر له 100 قبر تضليلا لأعدائه لئلا يمتهنوا قبره.

ومنذ مجيء المنصور لسدة الخلافة ومرورا بهارون الرشيد وأبناءه الأمين والمأمون والمعتصم كانت الحياة الفكرية مزدهرة ومن ضمنها الدينية اذ انه وخلال تلك الحقبة الذهبية كان الجدل الفكري قائما بين أهل السنة والشيعة والمعتزلة، فظهر أبي حنيفة النعمان (توفي سنة 767 ميلادية) وابن حنبل (توفي عام 855ميلادية) ثم البخاري الذي توفي في البصرة (عام 878ميلادية) واستنبط كل منهم طريقته الخاصة بتفسير القران والشريعة فانبثقت المذاهب الأربعة المعترف بها وغير المعترف بها كالمعتزلة والشيعة وكان اخطر هذه المذاهب هو مذهب المعتزلة الذي يؤمن بالعقل ويقول بان القرآن مكتوب وغير منزّل وكل شي في القران لا يفقهه العقل لا يعترف به وفي هذه المرحلة الخطيرة من تطور الفكر الإسلامي دخلت الفلسفة بجنب علم الكلام .

وقد استفادت الفئات غير المسلمة من هذه الحرية الفكرية وكان المسيحيون يمتازون في ذلك الوقت بمستوى ثقافي ملحوظ وكانوا من أهل العلوم والحرف وحسن التكلم باللغات غير العربية كالسريانية والآرامية واللاتينية وكان منهم والفلاسفة والأطباء والفلكيين.

ودخلت كنيسة المشرق عصرا جديدا بمجئ العباسيين للحكم وقد استعان الخلفاء والأمراء المسلمون بأبناء هذه الكنيسة ويعتبر المؤرخون المسيحيون بان العصر الذهبي العباسي كان عصرا ذهبيا لإتباع هذه الكنيسة الذي كان من احد أهم أدوارهم هو نقل وتعريف الثقافة والفلسفة الإغريقية والعلوم الغربية إلى المجتمع العباسي آنذاك ويقول المسعودي في "مروج الذهب" جزء 3 صفحة 379 جمع البرامكة حولهم العديد من المترجمين النصارى وفي عهدهم أي البرامكة تأسست خزانة الحكمة التي أصبحت في عهد المأمون نواة لأكاديمية الترجمة التي عرفت بدار الحكمة.

وكان أشهر أطباء العهد العباسي جبريل بن بختيشوع وماسويه الذي عالج هارون الرشيد من مرضه وأصبح أول مدير لأول مستشفى في بغداد وصار ابنه يوحنا ماسويه (أبو زكريا) رئيس المترجمين في عهد المأمون) وسعى الرشيد لجمع المخطوطات وشرائها من المنطقة البيزنطية وكان للمسيحيين الدور البارز في شراء هذه المخطوطات وترجمتها إلى العربية وكان أشهر المترجمين هو حنين بن اسحق (810- 873) م وهو أهم من نقل العلوم الإغريقية إلى العربية .

وللعلم كان الطب في بلاد مابين النهرين يرقى إلى عهود موغلة في القدم فقد اهتم به السومريون والبابليون والأشوريون وازدهر الطب في العهد العباسي وفتحت وأسست المستشفيات وكانت كتب جالينوس الإغريقي تشكل أساسا للمنهج الطبي وقد ترجم حنين بن اسحق الكثير من الكتب الطبية من السريانية إلى العربية في دار الحكمة وكانت شهرة الطب المسيحي المنبثق من مدرسة جند بسابور من السعه بحيث أصبح عامة الناس تعتقد بان المسلم ليس بإمكانه أن يصبح طبيبا ماهرا وهذا ما قاله الجاحظ في كتابه "البخلاء" (سأل احدهم الطبيب المسلم اسعد بن جاني هذه السنة وبأه والأمراض متفشية وأنت عالم ولك بيان ومعرفة فمن أين يأتي هذا الوباء ولا تستطيع إيقافه . قال: واحدة فاني عندهم مسلم وقد اعتقد القوم قبل أن أتطبب لا بل قبل أن اخلق إن المسلمين لا يفلحون بالطب واسمي اسعد وكان ينبغي إن يكون صليبا....)

و كانت سلالة جرجس بن جبريل وابنه بختيشوع بن جرجس وأولادة وأحفاده العشرة أشهر أطباء العصر الذهبي العباسي إضافة إلى أطباء كثر لا يسمح المجال لذكر أسمائهم ولأبد من الإشارة إلى أن المسيحيون في العهد العباسي كانوا أيضا في مد وجزر ولعل اخطر جزرا عايشوه هو عهد الخليفة المتوكل وهو الخليفة العباسي العاشر (747 – 861 م) وكان سنيا متعصبا وفي سنة 850 ميلادية اصدر أمرا بهدم ضريح الحسين في كربلاء ثم أقام قاضيا سنيا ومنع دراسة علم الكلام وتعليمه وقد اشتهر بموجات غضبه التي كانت تنصب على المسيحيين والمسلمين ولقي أهل الذمة منه الكثير من الظلم والأذى ويقول المسعودي في مروج الذهب بان الخليفة المتوكل اصدر أمرا بتأثير من المعمم الفتح بن خاقان التركي الأصل من شقين يقضي الأول بمعاقبة المسيحي والذمي الذي يخرق العهود إذا تهجم بالأقوال على المسلمين أو على القرآن أو على النبي محمد ومارس أي ظلم على أي مسلم سواءً عليه كشخص أو على ممتلكاته أو أمواله وممارسة أي صلة بامرأة مسلمة ولا فرق إن كان للزواج أو للفجور ومساعدة أعداء المسلمين أما الثاني فهو منع قرع النواقيس وعدم عرض الخمور والخنازير والصلبان أمام الأنظار ومنع ركوب الخيل واستمال السرج إلى ركوب البغال والحمير ومنع استخدام أسماء وألقاب إسلامية.

ونتيجة لهذه القوانين اعتنق الإسلام الكثير من المسيحيين وغيرهم من أهل الذمة تخلصا من الظلم والتعسف وكانت هذه الأحوال مؤشرا إلى بدايات السقوط إلى الخلافة العباسية فقد كان الخلاف قائما بين العرب المسلمين وغير العرب المسلمين وكان يطلق عليهم "الشعوبيين" و"أهل الذمة" وكان العصبية القبيلة متأصلة في نفوس العرب، وكان هناك صراعا بين الشمال والجنوب ولم يكن هناك انسجاما ولو بالحد الأدنى بين مكونات المجتمع العباسي كان هنالك صراعا بين الفرس والأتراك الطورانيين والبربر الحاميين والعرب الساميين وظهر ضمن الدين الإسلامي نفسه نزاعات طائفية أدت إلى تمزيق الأواصر العامة التي تجمعهم ومن هذه النزاعات كان بروز الشيعة والقرامطة وجماعة الحشاشين واجتاحت أراضي الإمبراطورية العباسية ثورات مثل ثور الزنج والثورة المزدكية ذات الطابع الاجتماعي وقد سقطت بغداد في عام 1258 ميلادية بعهد الخليفة المستعصم وبعد دخول هولاكو بغداد وخسر الخليفة المستعصم المعركة الأساسية وحاول أن يصل إلى حل سلمي بعد فوات الأوان فأرسل وزيره ابن العلقمي مع رئيس الطائفة المسيحية النسطورية للمفاوضة والصلح ولعل سبب اختياره لرئيس الطائفة النسطورية هو إن زوجة هولاكو كانت مسيحية وتدعى دقوس خاتون إلا إن هولاكو رفض مقابلتهم وأمر بانتهاك مدينة بغداد مما اضطر الخليفة المستعصم إلى تسليم نفسه إلى هولاكو دون قيد أو شرط ولكن هولاكو أمر بقتل الخليفة ومن استسلم معه.

وكان هولاكو وثنيا ولكن نكاية بالإسلام وارضاءً لزوجته المسيحية وبدوافع سياسية وأمنية اظهر بعض العطف على المسيحيين واليهود وبالرغم من حماية زوجة هولاكو لمسيحيي العراق في ذلك الزمان إلا أنهم لم يكونوا في وضع مستقر بل غالبا ما شاطرو إخوانهم المسلمين بنفس المصير وتعرضوا إلى القتل والنهب من قبل السلطات المغولية.

واستمر حال المسيحيين في العهد العثماني بين مد وجز أيضا وكان الظلم يمارس على كل رعايا السلطنة العثمانية وقد قام السلطان مراد الرابع (1623 _1640) بإصلاح واسع النطاق وكان من القرارات المثيرة غلق المقاهي ومنع التدخين وإغلاق أماكن شرب وبيع الخمور .

وأصدر فرمانا خاصا يقضي على الفئات غير المسلمة بلبس الغبار وهو لباس خاص يميز الذمي عن المسلم وخلال هذه القرون الطويلة كانت الأقلية المسيحية بمختلف كنائسها تبحث دوما عن الطرق الكفيلة التي تحفظ كيانها واستمرارية حيويتها ونشاطها وقد تعرضت لكثير من الانتهاكات من جراء التغيرات المستمرة على الأنظمة السياسية

المسيحيون بعد تشكيل الدولة العراقية الحديثة عام 1921

كان من نتائج الحرب العالمية الأولى سقوط وتفككّ الإمبراطورية العثمانية وووقوع الولايات العراقية الثلاثة تحت سيطرة الإمبراطورية البريطانية التي كانت متحالفة مع الشريف علي بن الحسين (شريف مكة) الذي تعاون مع الإمبراطورية على وعد منها بإقامة الدولة العربية الموحدة ولكن الأمور سارت وفق المصالح البريطانية وحدث ما حدث وليس هو موضوعنا في هذا المجال.

وكانت نتيجة لما حدث هو التوليفة العراقية الحالية التي تحققت بعد إرهاصات دامت ثمانية سنوات 1917 – 1925، من انتهاء الحرب العالمية الأولى وأربعة سنوات من تأسيس الدولة العراقية الحديثة (عام 1925) الذي وصفها السياسي البريطاني الشهير ونستون تشرشل حيث قال " ولد العراق في ساعة مجنونة" ويقول د. عبد الخالق حسين في مقاله الذي نشرته صحيفة عراق الغد الالكترونية الموسومة "العراق والانتخابات الأمريكية": إن الدولة العراقية الحديثة بنيت أساسا على التمييز الطائفي والعرقي امتداداً لنهج الحكم العثماني وكان عالم الاجتماع العراقي علي الوردي قد نبّه وحذر مراراً منذ الخمسينيات من القرن الماضي بان هناك بركانا تحت السطح سينفجر يوما ما , ما لم تتخذ الحكومات إجراءات ووطنية حقيقية مناسبة لتلافي الكارثة وقال نصا في كتابه " دراسة في طبيعة المجتمع العراقي" (ص 382- 383) ما يلي :

" إن الشعب العراقي منشق على نفسه وفيه من الصراع القبلي والطائفي والقومي أكثر من أي شعب عربي آخر باستثناء لبنان وليس هناك طريقة لعلاج هذا الانشقاق أجدى من تطبيق النظام الديمقراطي فيه حيث يتاح لكل فئة منه أن تشارك في الحكم وعلى أهل العراق أن يعتبروا بتجاربهم الماضية وهذا هو أوان الاعتبار فهل من يسمع" .

لقد كان مسيحيو العراق يتبنون إستراتيجيتين وواضحتين الأولى هي إستراتيجية الكنيسة أي السلطة الدينية بمختلف طوائفها وهذه الإستراتيجية منطلقة من الحكمة التي قالها المسيح قبل ألفي عام ونيّف وهي (أعطي ما لقيصر لقيصر وما لـ لله لـ لله) أي معناه مجاراة الحكومة الرسمية ومحاولة الحصول على ما يمكن عليه من مكاسب خدمة لإتباعها ومريديها وعدم التدخل في الشأن السياسي، بل النشاط في مجال تقديم الخدمة الاجتماعية والمساعدات الإنسانية للناس مهما كان الانتماء الديني والقومي .

أما الإستراتيجية الثانية فهي إستراتيجية المسيحيين كمواطنين عراقيين أصيلين ومخلصين لبلدهم وتتمثل هذه الإستراتيجية برفع جميع الحواجز بينهم وبين إخوانهم في الوطن، سواءً كانوا على دينهم أو طائفتهم أو من غيرها والمساهمة الجادة في النشاط السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي يخدم تقدم الوطن وعزته وتسخير إمكانياتهم لخدمة البلد، وقد ثمن هذا الدور المؤرخ والعالم العراقي سيّار الجميل في مقاله المهم الموسوم وقفة تاريخية عن دور المسيحيين العراقيين الوطني والحضاري ولحسن الحظ إن الموجة الدينية السياسية الضيقة السائدة في يومنا هذا لم تغري أي مسيحي لإقامة كيانات سياسية طائفية تستغل الدين والطائفة لتحقيق مكاسب سياسية كما هي الموضة السائدة هذه الأيام، بل إن أغلبية العاملين في الحقل السياسي من المسيحيين كانوا ولا يزالون يعملون في إطار الأحزاب الوطنية العلمانية.

و لقد ذكر الجميل في مقاله المشار إليه أعلاه أسماء لامعة من المسيحيين لعبت دورا في تاريخ العراق السياسي والاجتماعي والاقتصادي مثل الياس بن حنا الموصلي الذي انطق من بغداد إلى روما وإلى أمريكا الشمالية وكان أول رحالة من الشرق يصل العالم الجديد وكذلك العالم يوسف عتيشة الموصلي المولد عام 1599و الرحالة خضر بن الياس الموصلي 1679 – 1755 الذي كتب رحلة من الموصل إلى روما وبسبب تواجد البعثات التبشيرية الفرنسية تحول الكثير من مسيحيي العراق إلى المذهب الكاثوليكي وأعلنوا اتحادهم بكنيسة روما المركزية رسميا وبهذا الأعلام أصبح بابا روما هو الحبر الأعظم إلى أغلبية مسيحيين العراق .

برغم من عهود القهر المار ذكرها فقد تعايشت الثقافتين الإسلامية والمسيحية في العراق واستطاعتا التغلب على المصاعب التي كان يؤججها متطرفو الطرفين بين الحين والأخر وكان لكل منهما خصوصيتها وأدواتها، ففي الوقت الذي كان العلماء والاختصاصيون المسلمون العراقيون ينشطون باسطنبول كانت أديرة الموصل تنشر العلم في الموصل وبقية الولايات، وقد ذكر سيار الجميل بأنة كشف عن سجلات مهمة تبرز اتصالات أدبية كانت تجري بين أدباء عراقيين ولبنانين في القرن التاسع عشر واتضح من هذه المراسلات إن العراق عرف المطابع منذ عهد طويل عل أيدي المسيحيين العراقيين، وقد أسس هؤلاء مدارس تعلم فيها المسلمون والمسيحيون وبقية العراقيين ويكفي بروز العلامة اقليمس يوسف داود 1890 – 1925 وكان بحرا باللغة العربية، إضافة إلى اللغات الأخرى وألف 85 كتاب في مختلف العلوم وقد انتخب عضوا عاملا في الجمعية الأسيوية الملكية البريطانية عام 1890 ويؤكد الجميل بأنة لا يبالغ عندما يقول بان العراق هو الموطن الحقيقي للمسيحية الشرقية وإن مدينة الموصل هي مركز لاهوت الشرق على الإطلاق نظرا إلى ما اجتمع بها من مطرا نيات وكنائس وأديرة

ولعل ما يؤكد هذا القول هو رسم بطرياك طائفة الكلدان الكاثوليك عمانوئيل يوسف دلي كاردينال وحسب علمي بأنه الكريدنال الوحيد في العالم العربي وكان هذا التكريم قبل أقل من سنة.

لقد كان ولا يزال لمسيحيي العراق مكانة اجتماعية مرموقة في نهايات العهد العثماني وفق ما تعهدت به السلطنة العثمانية في خط شريف همايون وقد انتهج الحكم الملكي المؤسس في عام 1921م خطاً يضمن حقوق هذه "الأقلية" الصامدة بالمشاركة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في الدولة والمجتمع فكان منهم عددا من الوزراء والنواب والمدراء العامون وضباط الجيش والمحامين والقضاة.

واقتطف هنا مرّة أخرى من الدكتور سيّار الجميل "سنة 1963 عند مجيء البعثيين وعبد السلام عارف إلى حكم البلاد بدأت تحولات من نوع آخر بعد أن هيمنوا بالقوة وبانقلاب دموي على أمتداد40 سنة" وخصوصاً عندما ابتدأ العزف الجديد على كل من اسطوانتي "القومية الشوفينية" وبأساليب مرعبة وعلى "التعصب الديني" بأشكال مثيرة وبدائية، فانكمشت المشاركة الفعلية للمسيحيين العراقيين وبدأت عمليات الهجرة تأخذ لها مديات واسعة وخطيرة وللأسف الشديد ازدادت في هذه الأيام الأخيرة بسبب السياسات الحزبية الضيقة والطائفية التي أصبحت في أيامنا هذه شكلا من إشكال السياسة الرسمية للدولة العراقية الحديثة بعد العام 2003.

أما الدور السياسي لمسيحيي العراق فيجب أن نذكر أسماء لامعة في الحركة السياسية العراقية مثل: داؤود يوسفاني الذي كان له دور أيام الاتحادين وبداية تشكيل العهد الملكي ونيقولا عبد النور ورؤوف الوس والشخصية الشيوعية البارزة يوسف سلمان فهد ورفاقه في الحزب الشيوعي العراقي آرا خاجادور ويوسف متى وشخصيات في الحزب الوطني الديمقراطي مثل الشهيد كامل قزانجي وخدوري خدوري ونائل سمحيري وكان الأخيران نائبين في البرلمان العراقي عن الحزب الوطني الديمقراطي.

ولا يفوتني أن اذكر وأنا بصدد إنهاء هذا السجل بعض الأسماء اللامعة مثل الأب انستاز ماري الكرملي الذي يعتبر من ابرز علماء اللغة العربية والذي ساهم مساهمة جدية باغناء اللغة العربية ومجلته المشهورة والمعروفة بلسان العرب وكانت علامة بارزة في تاريخ النهضة العربية وقد ساهم مسيحيو العراق في الحقل الصحافي حيث ساهموا منذ نشأة الصحافة في القرن التاسع عشر والقرن العشرين ولا يزالون.

ولا بد أن نذكر أسماء لامعة في هذا المجال أصدروا الصحف وكانوا رؤساء تحريرها ومحرريها مثل روفائيل بطي وتوفيق سمعاني وفتح الله سرسم سليم حسون وفائق بطي .

أما في مجال العلم فلابد من ذكر أسماء لامعة ليس على نطاق العراق بل على نطاق العالم العربي والعالم مثل د.متى عقراوي أول رئيس لجامعة بغداد والمؤرخ مجيد خدوري والأستاذ فؤاد سفر والدكتور وليد خدوري والدكتورة روز خدوري والباحث بشير فرنسيس.

أما في المجال الرياضي فلا بد من ذكر أسماء عمو بابا ويورا وباسل كوركيس وأكرم عمانؤيل وعمو يوسف وشدراك يوسف وناصر جكو وكوركيس إسماعيل وأيوب اوديشو.

وقد ساهم مسيحيو العراق في النهضة الثقافية والفنية والأدبية ويكفي إن نذكر أسماء منير بشير واخيه جميل بشير وسيتا هاكوبيان وعازفة البيانو العالمية بياتريس اوهانسيان والشاعر الفريد سمعان ويوسف متى وناظم بطرس المذيع الاول في اذاعة بغداد والمخرج عوني كرومي والمخرج عمانوئيل رسام والشاعر جان دمو وسركو بولص والمصور أرشاك والمغنيتين الشهيرتين عفيفة إسكندر وأختها أنطوانيت اسكندر والمغنية الخالدة زكية جورج.

وقبل أن أختتم هذه الدراسة أود أن اطرح إشكالية خطيرة تعيش معنا منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، وهذه الإشكالية هي هل المسيحيون "أقلية" ؟ أو أن ما نعيشه الآن من صراع طائفي هو مرض زرعه الأجنبي في بلادنا ولا استثني بالدور الأجنبي هذا أي قوة خارجية لها مصالح في العراق وأعني إيران والولايات المتحدة ودول الجوار العربي، وغير العربي وسبق أن أشرت إلى ما ذكره الباحث الدكتور علي الوردي توصيفاً للمجتمع العراقي، وأرجو أن يكون الحوار بعيداً عن الطائفية والتحزّب السياسي والديني، وأن يتّسم بالعقلانية ويبتعد عن العدوانية، كما أرجو أن أكون قد وفقت في توضيح الظلم الكبير الذي وقع على هذه الشريحة الأصيلة من المجتمع العراقي، بل أهل البلاد الأصليين، الذين أصبحوا هذه الأيام في قاموس بعض رجالات الحكم الحالي محوراً لتناقل الإخبار وللتسلية أحياناً "للقيل والقال"، وبصفتي مواطناً عراقياً فإنني لست جزءًا من "جالية" مثلي مثل غيري من العراقيين بغض النظر عن الدين والقومية واللغة والجنس والانحدار الاجتماعي والمعتقدات الفكرية، والكل كما يفترض وحسب الدستور "مواطنون عراقيون" لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات، فالمسيحيون هم عراقيون أقحاح مصرّون على تقديم كل إمكانياتهم لخدمة هذا البلد العزيز على قلوبنا جميعاً، كما آمل أن يصل كلامي هذا إلى حكومتنا الوطنية لعلها تنصف شعبنا المناضل بكل قومياته وأديانه وطوائفه وتمنحه حقوقه بالكامل وتكف عن طلبها منهم تقديم الواجبات كما قال الصديق محمد سعيد الصكار في دعائه (اللّهم امنع الحكام عن الطلب من رعاياهم القيام بالواجبات فقط وسهل منحهم الحقوق).

وقبل أن أختم هذه الدراسة بودي أن أنوه بالجهد الذي بذله عدد من المثقفين والحقوقيين العراقيين في الدفاع عن المسيحيين في محنتهم وما تعرضوا له من قسوة ومحاولات استئصال وتهميش وحسبي هنا أن استعرض ما كتبه المفكر العراقي الذي أصدر ثلاث كتب عن المسيحيين ليسلّط الضوء على المأساة التي يعيشونها، فقد كتب تحت عنوان "المسيحيون والهويّة" إن هناك سبع رسائل لاستهداف المسيحيين، أولها- دفعهم للهجرة، وثانيها- تمزيق النسيج الاجتماعي لمجتمعات وشعوب ظلّت متعايشة على الرغم من النواقص والثغرات والسلبيات التي تتعلق بالحقوق وبمبدأ المساواة والمواطنة الكاملة، وثالثها- إظهار عدم رغبة المسلمين في التعايش مع الغرب المسيحي، ورابعها - تقديم دليل آخر على أن المسلمين لا يقبلون بالتنوّع والتعددية وهم ماضون في استئصال الأديان الأخرى وهو ما تردده "إسرائيل"، وخامسها- تأكيد جديد على أن العرب والمسلمين هم ضد الديمقراطية، وسادسها - استنزاف طاقات علمية وفكرية وفنية وأدبية يمتلكها المسيحيون، وسابعها- خسارة العرب والمسلمين المسيحيين المدافعين عن القضية الفلسطينية وعن عروبة فلسطين، وفي ذلك تفاعل بين المطامع الخارجية والقصور الفكري الداخلي .

أما عن الأخطاء الشائعة فيذكر المفكر شعبان أن الخطأ الأول هو تجاهل كون أغلبية المسيحيين عرب، والعرب أغلبية في بلدانهم، وبهذا المعنى هم ليسوا أقلية ويقترح مصطلح " التنوّع الثقافي" أو " المجموعات الثقافية " بدلاً من مصطلح "الأقلية" الملتبس والغامض والذي يستبطن عدم المساواة والاستتباع .

أما الخطأ الثاني، هو السعي لفصل غالبية المسيحيين عن عروبتهم، في حين إن الخطأ الثالث هو استصغار دور المسيحيين في إطار نظرة موروثة سائدة تارة لعددهم وأخرى لدينهم وثالثة للامتداد المسيحي في الغرب ورابعة التشكيك بولائهم، بل إن البعض يعدّهم " طابوراً خامساً" .

والخطأ الرابع هو محاولة عزل المسيحيين الحاليين عن حركة التنوير التي ساهموا فيها، فضلاً عن المشروع الحضاري الراهن الذي ساهموا في بلورته للانعتاق من نير الكولونيالية ولتحقيق الاستقلال. ويتعلّق الخطأ الخامس بإنكار مساهمة المسيحيين في نضال أمتهم وشعوبها وهو ما يروّج له التيار الإسلاموي الاستئصالي الشمولي .

ويقول شعبان في كتابه "أغصان الكرمة - المسيحيون العرب" صفحة 50 :" لعلّ بعض المتعصّبين لم يقرأوا تاريخ المسيحيين العرب في المنطقة، وإن كانوا قد قرأوا التاريخ فإن قراءتهم مغلوطة أو إغراضية أو قاصرة، فقد كان المسيحيون باستمرار يضعون الانتماء الوطني والعروبي " القومي" فوق انتمائهم الديني، مع اعتزازهم بتاريخهم وثقافتهم وخصوصيتهم، سواءً كانوا متدينين أو غير متدينين، مثلهم مثل المسلمين، لكنهم في الوقت نفسه لا يشعرون بأنهم كاملو المواطنة مثلهم، حيث عانوا من التمييز واللّامساواة والتهميش الشيء الكثير، قانونياً ومجتمعياً، ولسبب مختلف عن أسباب إقصاء أو تهميش الآخرين لنزعات استبدادية، وذلك ما يتعلّق بنزعات استعلائية تعصبية باسم الدين أو تستخدمه وسيلة للهيمنة".

وأخيراً رغم ما جرى من تعسف وإرهاب وتخويف ضد المسيحيين، فإنهم ظلّوا يتمسكون بعراقيتهم ومواطنتهم ويتعاملون على أساس الدفاع عن حقوقهم، علماً بأن حملة الهجرة الاضطرارية طالت مئات الآلاف منهم، وهو الأمر الذي يحتاج إلى معالجة أوضاعهم على أساس المواطنة الكاملة والحيوية وإلغاء جميع أشكال التمييز دستورياً وقانونياً، ووضع الكفاءة في مكانها الصحيح خارج دائرة الولاءات الدينية والطائفية والمذهبية والإثنية، من أعلى المستويات في الدولة وحتى أدناها على أساس شرعة حقوق الإنسان الدولية التي وقّع عليها العراق.

  

د. موفق فتوحي

اقتصادي وكاتب ومدير عام سابق في وزارة التخطيط (بغداد) وحالياً رئيس الجالية العراقية في جمهورية التشيك- براغ

.....................

* الأصل في هذه المادة محاضرة ألقيت بتاريخ 18/12/2008 في براغ بدعوة من المنتدى العراقي، ومحاضرة ألقيت في فيينا في العام 2009 بعنوان: مسيحيو العراق عبر التاريخ.

المصادر

1- تاريخ العرب (د.فليب حتي, د.أدور جرجي, د.جبريل جبور)

2- تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية ثلاثة أجزاء (الأب ألبير توما)

3- المؤرخ البيزنطي (أبرسيوس)معجم الآثار المسيحية

4- مروج الذهب (المسعودي)

5-الأغاني (لأبي فرج الأصفهاني)

6- دراسة في طبيعة المجتمع العراقي (د.علي الوردي)

7- د.سيار الجميل (المسيحيون العراقيون وقفة تاريخية عند أدوارهم الوطنية) مقالة نشرت في صفحة عراق

الغد الالكترونية.

8- د.عبد الخالق حسين (العراق والانتخابات الأمريكية)مقالة نشرت في صفحة عراق الغد الالكترونية.

9- ألجاحظ (كتاب الحيوان)

10- دافنشي كود (لغز دافنشي) قصة روائية للكاتب الأمريكي دان براون.

ثانيا:أن هذه الدراسة لا علاقة لها بمسألة الأيمان واللاهوت لأنني غير مؤهل للحديث بعمق عن مسألة الإيمان.

11- د. عبد الحسين شعبان - المسيحيون ملح العرب، دار ضفاف، الشارقة، 2013.

12- د. عبد الحسين شعبان - أغصان الكرمة - المسيحيون العرب، مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية، دار المحجة البيضاء (بيروت)، بغداد، 2015.

13- د. عبد الحسين شعبان - سبعة أسباب لاستهداف المسيحيين، جريدة السفير "اللبنانية" 17/3/2011

14- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، المجلد الأول، الأمم المتحدة، نيويورك وجنيف، 2002.

15- د. عبد الحسين شعبان - ماذا بعد تفريغ المنطقة من المسيحيين، جريدة النهار، 29/10/2010.

 

محمود محمد عليعندما أقدمت الولايات المتحدة الأمريكية علي مساعدة المجاهدين الأفغان بالمال والسلاح في حربهم ضد الاتحاد السوفيتي، فذلك للرد علي ما فعلوه السوفييت في الأمريكيين في حربهم ضد فيتنام، حيث دخلت أمريكا تلك الحرب لمنع استيلاء السوفييت على فيتنام الجنوبية كجزء من استراتيجيتهم الأوسع للاحتواء، وقد خسرت أمريكا الحرب، بسبب لجوء الفيتناميين لاستراتيجية حرب العصابات.

وحرب العصابات هي حرب غير تقليدية، بين مجموعات قتالية يجمعها هدف واحد وجيش تقليدي، حيث تتكون هذه المجموعات من وحدات قتالية صغيرة نسبياً مدعمة بتسليح أقل عدداً ونوعية من تسليح الجيوش. وتتبع أسلوب المباغتة في القتال ضد التنظيمات العسكرية التقليدية في ظروف يتم اختيارها بصورة غير ملائمة للجيش النظامي، ومقاتلوا حرب العصابات يتفادون الالتحام في معركة مواجهة مع الجيوش التقليدية لعدم تكافؤ الفرص، فيلجأون إلى عدة معارك صغيرة ذات أهداف استراتيجية يحددون هم مكانها وزمانها بحيث يكون تأثيرها موجعاً للخصم.

وهذه الاستراتيجية تمثل شكل من أشكال القتال بين مجموعات مسلحة وقوات نظامية، وقد تقوم بها مجموعات محلية ضدَّ محتل أجنبي، فهي أسلوب عسكري يلجأ إليه الطرف الأضعف، للتغلب على خصم قوي عندما يجد أن المواجهة النظامية ليست في مصلحته.

وهذا النوع من الحروب يتطلب عاملين:

أ- ملجأ طبيعياً “كالجبال أو الغابات” أو ملجأ سياسياً كحدود ضعيفة ومتهاوية، أو طرفها الآخر دولة متعاطفة مع أعمال المقاومة.

ب- والأمر الثاني هو حاضنة شعبية قوية لإمداد المقاتلين بالمعلومات واللوجيستيات والمقاتلين.

والحقيقة أن تطبيق استراتيجية حرب العصابات، تشمل دفع ثمن باهظ؛ حيث إنها لا تتضمن تحقيق نصر حاسم وسريع أمام العدو، ولا تتضمن أيضاً حماية السكان والمنشآت. وتزداد هذه التكلفة وفقاً لطبيعة العدو وأهدافه؛ فإذا كان العدو غير مدرب على التحكم في إطلاق النار، أو كان يهدف لتدمير الحاضنة الشعبية من السكان عندها تزداد تكلفة هذه الحرب.

وعلي كل حال فقد تركت الحرب الفيتنامية، أثراً غائراً في المجتمع الأمريكي بأكمله، فظهرت الأعراض النفسية علي الجنود، وكذلك علي الأفراد العاديين، تعكس حالة من عدم الشعور بالأمان. وقد ظلت الأفلام السينمائية الأمريكية زمناً " تتعرض للحرب الفيتنامية ضمن أحداثها، ويظهر بها الجحيم الذي تعرضت له الجيوش الأمريكية، وسط أحراش فيتنام التي يتصاعد من جنباتها ألسنة النارالتي تصل إلي عنان السماء، حتي أنها تطول الطير في السماء فتحرقه، والجنود في داخلها كالجرذان داخل المصيدة لا يكاد الواحد فيهم يطمئن لموضع قدمه هل سيطأ الأرض سالماً أم سيسقط في كمين" .

وقد ظلت عقدة فيتنام تلاحق الشعب الأمريكي فضلاً عن أفراد الجيش من الجنود أو القيادات العسكرية ذاتها، رغم المحاولات المتعددة التي قامت بها الولايات المتحدة لإزالة هذه الذكري المؤلمة من نفسية أفراد الشعب الأمريكي، ففي أعقاب المعركة، "تم طرح عد كبير من الأفلام التي تمجد من المحارب الأمريكي الشجاع الذي لا يخاف من الأهوال مهما تكاثرت عليه، بل إن منها ما مس العصب مباشرة بعرض قصة الكتيبة الأمريكية التي حققت نصراً مؤزراً في حرب فيتنام نفسها أو الجندي الأمريكي الذي عاد لفيتنام بعد نهاية الحرب، لإنقاذ زميل له أو إنجاز مهمة ما، وتتوالي المشاهد وهو يفرغ رشاشه في جموع الفيتناميين الذين يتساقطون أمامه بالعشرات صرعي من غير أن يتمكن أحدهم من أن يلحق بالأمريكي مجرد خدش بسيط!" .

هذا علي المستوي الشعبي، أما بالنسبة للسياسيين الأمريكيين فقد صار لديهم "حالة من الرفض لأي شكل من أشكال التورط العسكري للولايات المتحدة في نزعات العالم الثالث، حتي إن كثيرين "أطلقوا علي هذه الأعراض Vietnamic Syndtome ومعناها الحرفي الأعراض الفيتنامية أو ما اشتهر باسم " عقدة فيتنام"، وعقب التسوية التي تمت عام 1973 ظلت الإدارة الأمريكية ملتزمة الصمت لسنوات تجاه ما يحدث علي الساحة الدولية، وبقي الوضع كذلك حتي نهاية السبعينات لدرجة أن كثيراً من الأمريكيين أنفسهم انتقدوا هذا الصمت" .

ومن هؤلاء الذين خرجوا من هذا الصمت " أندرو مارك " Andrew Marc وهو أحد المحللين السياسيين، الذين أخذوا يحللون أسباب انتصار الدول الضعيفة على الدول القوية، وذلك من خلال بحث صدر له في سنة 1975 بعنوان " لماذا تخسر الأمم الكبيرة الحروب؟" . وفي هذا البحث يتساءل "مارك": لماذا خسرت الولايات المتحدة الحرب في فيتنام ؟، وذكر أن هذا سؤالٌ طالما شغل رجالات الدول والباحثين، العسكريين والسياسيين؛ فقد تكشفت حروب النصف الثاني من القرن العشرين، من الهند الصينية والجزائر، إلى فيتنام وأفغانستان، عن حقائق مذهلة: إنهزام جيوش كبرى أمام تنظيمات شبه عسكرية، صغيرة العدد، ضعيفة التجهيز، محدودة الوسائل، في نمطٍ جديد من المواجهات العسكرية أطلقت عليه تسمية: الحرب اللا تماثلية .

ثم قدم " مارك " في هذا البحث محاولة لفهم ديناميكيات الصراعات غير المتكافئة؛ حيث يقول:" بأنه كلما زادت الفجوة بين أطراف الصراع من حيث القوة زادت فجوة المصالح وتوقعات الجماهير، حيث إن القوة العظمى تكون لها مصالح واسعة، وتوقعات جماهيرية عالية، ورغبة في إنهاء الصراع بقوة وحسم. هذه التوقعات تضع السلطة السياسية والعسكرية في حالة من الضغط الدائم لتحقيق النصر العسكري؛ فإذا طال أمد الصراع فإنه يُسبب نوعاً من الغضب الجماهيري في النظم الديمقراطية، أو يعطي ثقلاً لحركات المعارضة؛ فكلما زادت قوة الدولة الاقتصادية والعسكرية، تقل مصالحها خاصة في الصراعات غير المتكافئة. ولذلك الحساسية السياسية تجاه تأخر النصر أو أمام الخسائر البشرية والاقتصادية، تؤدي بالعامة وحركات المعارضة إلى الضغط علي قيادتها لإنهاء الحرب، ووفقاً لهذا المنطق فإن الفاعل القوي لديه أسباب أقل للنصر من الفاعل الضعيف الذي تقع حياته نفسها علي المحك" .

ويفسر "مارك" هذه الحساسية السياسية عند الفاعل القوي، بأن الجماهير أو حركات المعارضة سوف تجبر الفاعل القوي علي الانسحاب من الحرب أو إنهائها قبل انتهاء أهدافها الاستراتيجية، نظراً لكثرة الخسائر العسكرية أو الاقتصادية، بينما الفاعل الضعيف تمثل الحرب له نقطة حشد معنوية، واقتصادية، وحياتية للدفاع عن وجوده ذاته؛ حيث تصبح حياته نفسها علي المحك مما يدفعه لأخذ الحرب إلى نهايتها .

ويذكر "مارك" أنه حتى الحرب العالمية الثانية، كان السائد أن التفوق في القدرات العسكرية يؤدي تلقائياً إلى الفوز في الحروب، بيد أن المواجهات الدراماتيكية التي شهدتها الساحات الدولية في الحقبات اللاحقة، والتي انتهت بمعظمها إلى انهزامات مروعة لجيوش جبارة، أثبتت أن التفوق العسكري الكبير للقوى العظمى لا يمكن الاعتداد به للانتصار ضد دولٍ أضعف، كما أدت إلى سقوط المفهوم التقليدي للحرب، حين تتورط الجيوش الكبرى في صراعات مسلحة خارج أراضيها ضد قوى محلية، محفزة بدوافع مختلفة، ومستعدة للانخراط في قتال مديد ذي طابع مختلف، يحمل القدرة على قلب المعادلات وتغيير النتائج .

فعلى المستوى التكتيكي، يقول مارك:" تسقط في الحرب اللاتماثلية معظم الاعتبارات التي ترتكز عليها الحرب التقليدية، لمصلحة منظومة قتالية مختلفة، تصبح الأفضلية فيها لقوى التمرد المنخرطة في مواجهة الجيش الدخيل، وعلى النحو الذي يسمح لتلك القوى بإجهاض وتعطيل مكامن القوة والتفوق عند الطرف الأقوى، وجره إلى مواجهات من النوع الذي يلائمها، تسمح باستغلال نقاط ضعفه واستنزاف قواه في معارك مباغتة، وضربات خاطفة تضع القوات النظامية، بطلائعها وخلفياتها، بوحداتها القتالية كما الإسنادية واللوجستية، ضمن دائرة الاستهداف وتحت تأثير أشكال مختلفة من الصدمة والرعب" .

ومن هنا تصبح القاعدة الأساسية للحرب اللاتماثلية كما يري " مارك"، "رفض قوى التمرد مواجهة العدو النظامي وفقاً لشروطه، بل وفقاً للقواعد التي تناسبها والظروف التي تختارها، وفي هذه القدرة على تغيير قواعد الصراع، ما سمح لقوات التمرد الفيتنامي بأن تتحول إلى أسوأ كوابيس الجيش الأمريكي الجرار في فيتنام، من خلال هجمات تنفذها أرهاط صغيرة مجهزة بعبوات ناسفة محلية الصنع، قادرة على إنزال خسائر قاسية بالوحدات الأمريكية المتحركة رغم تفوق أسلحتها وتجهيزاتها" .

ومن جهة أخري يذكر "مارك" أنه في الحرب التقليدية يتم تقويم الصراع على أساس الخسائر العسكرية للأطراف المتحاربة، وهي التي ترسم اتجاهات الحرب ونهاياتها. أما في الحرب اللاتماثلية فإن الحسابات تتجاوز ذلك لتأخذ في الاعتبار تأثيراتها الاستراتيجية ومفاعيلها السياسية عند الطرف الأقوى، ذلك لأن الغاية الرئيسة لقوى التمرد، ليس تدمير القدرات العسكرية للعدو الأقوى، ولا ضرب معنوياته وإرادته القتالية؛ بل نقل تأثيرات الحرب ومفاعيلها النفسية والسياسية، إلى ما يتعدى المسرح الميداني للصراع، ليصيب الدولة العدوة في عقر دارها، بكل ما ينطوي عليه التعبير من معنويات واقتصاديات ومؤسسات سياسية. وعلى النحو الذي يربك مراكز القرار فيها ويحرض الرأي العام ضدها، بما يؤدي إلى إعادة الحسابات وتجريد خيار الحرب من أهم مرتكزاته، أي القبول الشعبي به .

ويستطرد "مارك" فيقول "في ظل انعدام القدرات المادية، والتقنية، والوسائل الكفيلة بتدمير القدرات العسكرية للعدو، يصبح الهدف كسر إرادته السياسية على متابعة الصراع؛ ذلك هو جوهر ما كشفته الحروب التي خاضتها القوى العظمى ضد دول أقل منها شأناً وإمكانات، فالولايات المتحدة لم تخسر قدراتها العسكرية في فيتنام، بل إرادتها السياسية على متابعة الحرب. ذلك أن التأثيرات النفسية والمعنوية لتورطها العسكري في "هانوي" تخطت في الداخل الأمريكي تأثيرات الحروب التقليدية التي خاضتها، وإلى الحد الذي جعل الإدارة الأمريكية آنذاك، تستسلم أمام عاصفة الرأي العام المعارض للحرب، وتنسحب من فيتنام مهزومة، ما دفع وزير خارجيتها يومذاك، "هنري كيسنجر"، إلى القول "نحن خضنا في فيتنام حرباً عسكرية، وأخصامنا خاضوا حرباً سياسية". هذه النتائج السياسية التي أفضت إليها حرب الفيتنام شكلت في الواقع الانتصار الأكبر لقوى الفيتكونغ".

ثم أخذ "مارك" يسأل سؤالاً خطيراً: كيف تتصرف القوى الكبرى والحال كذلك؟ كيف تردع قوة أضعف منها لا تخشى الهزيمة ولديها ميول انتحارية ؟ وكانت الإجابة هي أن "نجعل العدو يقتل نفسه بنفسه. لماذا أقتله، وهو يمكن أن ينتحر؟ لماذا أوحده ضدي، وانقسامه في مصلحتي؟ لماذا أطلق عليه الرصاص والقنابل، فى حين أننى لو استثمرت واحد بالمائة من التكلفة على الإعلام الخبيث والشائعات المضرة لتمزقه كل ممزق؟" .

وهذا لا يكون إلا من خلال حرب يتم فيها احتلال عقلك لا احتلال أرضك.. وبعد أن يتم احتلالك ستتكفل أنت بالباقي... ستجد نفسك في ميدان معركة لا تعرف فيها خصمك الحقيقي.. إنها حرب ستطلق فيها النار في كل اتجاه.. لكن يصعب عليك أن تصيب عدوك الحقيقي.. وبالأحرى هي حرب من يخوضها يكون قد اتخذ قراراً بقتل كل شيء يحبه.. إنها "حرب تستخدمك أنت في قتل ذاتك وروحك.. وفى النهاية ستجد نفسك كنت تحارب بالوكالة لصالح رجل جالس في مكان أخر اختار أن يخرج مشهداً سينمائياً جديداً لفنون الانتحار الجماعي.. حرب المنتصر فيها لم يدخلها ولم ينزل الميدان" .

وهنا بدأت الولايات المتحدة تكتشف أنها تطبق فكرة حروب الجيل الرابع بشكل عفوي وتلقائي من خلال الصراع السوفيتي – الأمريكي والذي أسفر عن سقوط الاتحاد السوفيتي خلال الثمانينات، وذلك من خلال ثلاثة مستويات، فكان المستوي الأول متمثلاً في فكرة الحرب النفسية، وهي إحدى أدوات حروب الجيل الرابع التي اتخذتها الولايات المتحدة الأمريكية بشكل عفوي، لمواجهة المد الشيوعي في أوربا، ثم جاء المستوي الثاني من خلال حرب العصابات، حين قام الاتحاد السوفيتي باحتلال لأفغانستان في السادس والعشرين من ديسمبر عام 1979 . المستوي الثالث وقد بلغ هذا المستوي أعلي ذروته في تصدير فكرة الدولة الفاشلة، والتي ظهرت بشكل واضح خلال فترة حكم "جورباتشوف" للاتحاد السوفيتي من سنة 1985-1991، الأمر الذي نتج عنه سقوط الاتحاد السوفيتي وتقسميه إلي دول عديدة منها: جمهوريات السلاف وتشمل: روسيا البيضاء، وروسيا، وأوكرانيا. وجمهوريات البلطيق وتشمل: إستونيا، ولاتفيا، وليتوانيا. وجمهوريات الأتراك وتشمل: كازاخستان، وقيرغيزستان، وتركمانستان، وأوزبكستان. وجمهوريات القوقاز وتشمل: أرمينيا، وأذربيجان، وجورجيا. وجمهوريات أخري وتشمل: مولدوفا، وطاجيكستان.... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

نجيب طلالقبل الوقفة: نشيربأن أية إضافة نوعية في المشهد المسرحي والفني فهي ضرورية ومحمودة ومبارك بتفعيلها؛ لأن المهرجانات والتظاهرات الفنية والثقافية، تقليد سائد في كل دول العالم .ويساهم في الحراك المسرحي نفسه ترسيخ هذا الفن الانساني الذي يفوق الطاقة الانسانية اعتبار أن التفاعلات الابداعية والثقافية بين الفاعلين فيما بينهم وبين المنفعلين والمهتمين جزءا لا يتجزأ من الحراك الاقتصادي والاجتماعي محليا وجهويا وعالميا. لكن الإشكالية كم كانت لدينا من مكاسب وضاعت على أيدي وتصرفات المسرحيين أنفسهم .وفي سياق هذا نؤكد كما اكدنا مرات ومرات بأننا لا نحمل تصورا سوداويا لمجريات ما يقع في المشهد المسرحي المغربي؛ ولا نمتلك تموقفات عَدائية أو سياسية تجاه أي جهة أو هَيئة؛ بقدرما نسعى اسهاما تقديم صورة لما يقع وتحليل مظاهر الخلل الذي أصاب الجسد الفني والإبداعي . ولاسيما أنه الآن يلاحظ وبشكل جلي بأن الأغلبية التزمت صمت العاجزين في الكتابة وإبداء الرأي؛ لسبب بسيط؛ أنها انخرطت بوعي أو دونه في لعبة السمسرة والانتهازية الفاضحة؛ فابتلينا بشكل فاضح بمرتزقة المسرح؛ الذين نجدهم في كل المواقع يشرعون وفي التظاهرات يتكلمون زورا وتشويها للتاريخ الإبداعي وتزوير عطاء وتضحيات فعاليته . هؤلاء نؤكد أن الساحة المسرحية طفحت بهم وأمست كسرطان يتحرك بين شرايين المشهد؛ ففي الوﻻئم والجنائز وحتى في اﻷعْراس والحفلات منوجدون بالقوة أو مدسوسين ! نتيجة التحولات التي أفرزت تأسيس نقابات مسرحية وإعْلان (الاحتراف) بدون شروط ومقومات الاحتراف. وطبيعي أن يكون الصراع والجَدل البناء وليس المجاني والاعتباطي، وطبيعي أن يكون الوجه الآخر والكتابة المضادة؛ من أجل خلق موازنة في تشريح الحالة أو الظاهرة التي انصب عليها القول والدعاية؛ لأن الكتابة الأحادية والرواية الصادرة من معمعان أصحاب القرار؛ غير معمول فيها كتدوين للتاريخ وليست سندا للتأريخ . وبالتالي فأي تظاهرة معرضة للنقد والتشريح؛ شريطة المصداقية والموضوعية؛ لتحقيق الصوت الحقيقي الذي يسعى قدر المستطاع أن يشخص الهنات والسلبيات؛ وإن كان يعلم مسبقا أن سيحارب وسيقصى بجهد الوجوه الخفية التي تسخرالمطبلين والمتملقين كواجهة لمحاربة صوت الحقيقة، إما بطمسها أو تزويرها والبحث عن نقط الضعف لشويه صاحبها أو إقصائه من المشهد كلية :وبما أن كتابة الحقيقة أمر صعب، لأنها تضطهد في كل مكان، تعتقد الأغلبية أن كتابة الحقيقة أو كتمانها هي مسألة ضمير، واعتقادها هذا، أمر يحتاج لجرأة فقط (1) والتي تفرضها الاختيارات الثقافية والفكرية لمواجهة الانعكاسات السلبية والدنيئة التي تنغرس ليست بقدرة قادر بل بأيادي الغثيان - اللوبي- الذي يهدف للمنافع والمصالح الشخصية؛ إذ في بعض الأحيان يجمعهم الفساد أو الخط الحزبي وتارة ضعف الشخصية والجهل المركب؛ من هنا يتأطرون كحربائيين وكائنات مشوهة التي تتفنن في التملق وممارسة (السُّخرة) في الليالي وإخضاعهم للترويض لتشويه الأهْداف ولباس الأقنعة بكل ألوانها، صانعين مضحكات على ذواتهم ومسخرة لتصرفاتهم في المشهد الثقافي عموما .

وقفة :

قبيل انطلاق ما يسمى بمهرجان [مسرح الهواة] بمدينة - آسفي - في [دورته الثانية] تحت إشراف وزارة الثقافة الاتصال والهيئة العَربية للمسرح؛ نظم مسرحِيو المدينة وقفة احتجاجية ضد ما أسموه بالإقصاء والتهميش في حقهم . ورغم أن الوقفة كانت ضعيفة من حيث العدد والسند؛ لكنها أعطت مؤشرات لا تخلو من تساؤلات وتأملات مثل : لماذا لم يحضر وزير الثقافة للافتتاح؟ هل هناك مهام أهم من مهرجان المسرح الذي هو تحْت إشرافه؟ هل تلافيا للأحراج كمسؤول دبلوماسي أمام رئاسة الهيئة العربية للمسرح؟ أم أنه لا يهمه المسرح الهاوي؟ وهذا مستبعد لأن القرينة أنه حضر في الدورة الأولى(2018) التي نظمت بمراكش.

كشفت الوقفة أن المسرحيين بكل أصنافهم وأطيافهم؛ يعيشون لذاتهم وليس لغيرهم؛ نظرا للامبالاة لما يجري وكيف جرى؛ بحيث لم يسرق سمعي بين جموع الشباب والكهول أن أحدا طرح سؤالا عفويا أو فتح هامشا للنقاش عَن أسباب هاته الوقفة المسفيوية؛ علما أن الوقفة بدورها تفرض سؤالا مباشرا عليها هل من حقها أن تكون أم لا؟ وبالعودة للبيان الذي نشروه (2) يشير بصريح العبارة: ندين بشدة الطريقة التي تم اعتمادها في الإعداد للمهرجان والتهميش والإقصاء الذي طال الفاعلين في الحركة المسرحية من جمعيات ونقابات مسرحية وممارسين. إذ نعتبر الخطوة التي اتخذتها وزارة الثقافة والهيئة العَربية للمسرح ومهندسيها هي ضرب للديمقراطية التشاركية وتعامل غير سليم يميل إلى نبذ مجهودات كل المكونات المسرحية بالمدينة وهذا ما نرفضه جملة وتفصيلا (3) هنا السؤال الجوهري الذي لم يستطع حتى المحتجون الإجابة عنه من خلال تصريحاتهم عبر قنوات (اليوتيوب) من أقصاءهم ومن مارس التهميش في حقهم هل المجلس البلدي أم الوزارة أم الهيئة أم أطراف مسكوت عنها في الهندسة واستراتيجية الاختراق؟ ولماذا لم تتحرك النقابات المسرحية؛ مادامت مطروحة في البيان؛ هل الأمر لا يعنيها مادام (هو) مهرجان لما يسمى (الهواة)؟ لكن الحيرة الواردة لماذا بعض أعضائها انوجدوا في فضائه ودواليبه وساهموا بشكل أو آخرفي محاولة إنجاحه؛ ولم يعط النتائج المتوقعة ورغم ذلك نالوا حقهم من (الدولار) لأن هناك اتفاقيات مع الهيئة العربية للمسرح ! مما تم إغفال طرح المقتضيات القانونية والتنظيمية ولو بسؤال كترويج : هل الجمعيات المشاركة في مهرجان الهواة- الدورة (2) تابعة: لوزارة الثقافة والاتصال؟ أم لوزارة الشبيبة والرياضة؟ أم للهيئة العربية للمسرح؟ أم للنقابة الوطنية للمسرح؟ أم لوزارة السياحة؟ أم للمجالس البلدية؟ أم لأحزاب سياسية؟ (4) وفي نفس الحدث لا أحد تساءل عن دخول الهيئة العربية للمسرح على خط المسرح المغربي؛ ولماذا أمست تحَوم على مسرح (الهواة) هنا في المغرب/ موريطانيا / فلسطين/ الجزائر/ الأردن/هل لأن الكل أصبح بقدرة قادرتابعا لها؛ باخسا تمواقفاته وإرادته وشخصيته؟ أم كما أشار أحدهم: هل انطفئت شمعة الهيئة العربية للمسرح ...؟؟ إذن مالي أرى الجوقة قد خفت صوتها بعد أن كان صادحا ...!! عجبي (5) فهاته التدوينة وإن كانت لها قيمتها في محاولة الفهم . فلا مناص :في هذا العصر، عصر التعقيدات والتغييرات الكبيرة، بحاجة لمعرفة المادية الديالكتيكية والاقتصاد والتاريخ. ويمكن الحصول على هذه المعرفة من الكتب وعن طريق المشاركة العملية، هذا إذا توفرت الجدية الضرورية (6) لكي يمكن فهم ما يجري في الساحة المسرحية. وبالتالي فالمسرحييون المحتجون هل هم هواة أو محترفين؟ فمن الطبيعي أن أغلبية المسرحيين المغاربة (هواة) مع وقف التنفيذ ومتطاولين على [الاحتراف] البعيد كليا عن المنظور اللوجستيكي والقانوني؛ وبناء على هاته الحقيقة المتجلية في الساحة المسرحية فاحتجاهم مقبول؛ لكن السؤال لماذا لم تنخرط معهم جمعية – جسور- في الوقفة الاحتجاجية؛ هل لأنهم مستفيدين من قاعة (دار الثقافة) بمنطقة [كاوكي] أم أنهم محترفون؟ فإن أشرنا بأنهم كذلك سنكون أمام خلل في الجهاز المفاهيمي؛ لكن حضورهم في المهرجان شيء طبيعي؛ لمحاولة تكسير وتشويه الصراع بين الأطراف؛ لأن المضحك بعض من المحتجين التحقوا لمشاهدة العروض المسرحية وإن كان البيان يؤكد: كما نرفض أيضا أشكال التبخيس؛ وأساليب النيابة عنا بالوكالة ولو من باب التحجير من طرف هيئات وغرباء لا علاقة لهم بهموم الفعل المسرحي بآسفي. إن اختياراتنا التاريخية (...) لا تتلخص في مهرجان عابر بصفقات عابرة. وإنما تنبني على بعْد استراتيجي... (7) تموقف ورقي ليس إلا؛ وهذا يذكرني بالعديد من الأحداث والوقفات الاحتجاجية في مسرح الهواة؛ والتي لم يترها من يتكلمون عن تاريخ المسرح المغربي؛ ولن يستطيعوا لأن أغلب الذين يتحدثون بدون خجل عن الهوية / الهواية/ الاحتراف/ التوثيق/ التأريخ/.../ كانوا أعضاء في دواليب ودهاليز [الجامعة الوطنية لمسرح الهواة] ويطبخون الطبخات مع الإدارة؛ وهم الذين أهدروا دم مسرح الهواة ليصبح مبثورالامتداد التاريخي؛ والعطاء الإشراقي . ليعاد لدرجة الصفربصيغة بئيسة على يَد وزارة الثقافة التي كانت سابقا وفي عهد وزيرها - سعيد بلبشير- (1981-1985) يحاول تبني ملف (الهواة) لكن كانت هنالك أطراف حربائية مدسوسة . منهم من يرفض تسليم ملف مسرح الهواة من هنا كطرف أول؛ وهناك من يمانع ويعارض إمساكه هناك في كطرف ثاني؛ ليظل المسرح بقرة حلوب عندهم. وبالتالي فأغرب احتجاج قامت به عناصر وجمعيات من – الدارالبيضاء- تحديدا ضد انوجاد جمعية دكالة في مهرجان الفنون الدرامية الذي نظمته الجامعة الوطنية لمسرح الهواة سنة (1992) بالجديدة؛ لكن رئاسة الجامعة بمناوراتها وأساليبها هدأت الأوزار بالأموال؛ وتم تمرير المهرجان في دورات أخرى لتدعيم انوجاد جمعية – دكالة – أنذاك – باعتبارأن رؤية الجمعيات الكبرى التي كان يطلق جمعيات {السهول والوديان والجبال }في إطار الصراع السياسي أنذاك : كجمعية: رباط الفتح /أبي رقراق / البحر الأبيض المتوسط/ الأطلس الكبير/فاس سايس/ إيليغ/ أنكاد/.../ كانت تجد حضورها وقوتها في الأنشطة المسرحية وتنظيم تظاهرات فنية التي يغلب عليها طابع الشباب. حتى أنها كانت تنوب عن وزارة الشبيبة والرياضة .فلماذا هاته المرحلة ذات الاحتقان السياسي يقفز عليها الجميع وخاصة الذي يتحدثون عن التاريخ والتوثيق والتأريخ المسرحي؟ بكل بساطة لأن تلك الجمعيات بسخاوتها وقوتها الاعتبارية ساهمت في تدجين العَديد من المسرحيين؛ ودفعت بشكل أو آخر لإنجاز الملاحم الوطنية؛ حتى أنه لم يعُد لجُل المبدعين تموقفات نبيلة وواضحة ورصينة لخدمة المسرح ولا شيء غير العطاء الفني والإبداعي. ولكن المؤسف أن هنالك مزايدات؛ ومن ضمنها ما ورد في البيان: نعلن للرأي العام المحلي والوطني مقاطعتنا لهذا المهرجان في صيغته الحالية كجمعيات مسرحية ونتبرأ منه من منطلق غيرتنا على مسرح جيء به إلى مدينتنا (....) وقد تعرف الوقفة تمديدا طيلة أيام المهرجان في التوقيت المشار إليه أعلاه (8) وهذا لم يتم فلماذا؟ ولماذا قبلوا حوارا في الشارع العام مع [مدير إدارة المهرجانات] الذي مارس المواربة في حق المحتجين لحظة اختتام المهرجان؟ وهذا موضوع آخر سيناقش في ورقة أخرى.

 

نجيب طلال

.......................

الإحالات:

1) خمس صعوبات لدى كتابة الحقيقة لبرتولت بريشت ترجمة: نبيل حفار في مجلة أكسجين ع- 184

بتاريخ 6 /12/ 2015

2) نشر بتاريخ 23/09/2019 بتوقيع : فرقة نوارس المحيط للفنون الدرامية- محترف مسرح أسيف –

محترف الوفاء للإبداع – جمعية فضاءات الثقافة والفن.

3) الفقرة الثانية من البيان المنشور في المواقع الإلكترونية؛ ولم يوزع على المشاركين وغيرهم؟

4) انظر للتعليقات حول هاته التدوينة في جداريتنا المؤرخة بتاريخ 30/09/2019

5) شطحة مسرحية تدوينة حمد الرقعي الرقعي (دبي) بتاريخ 25/09/2019

6) خمس صعوبات لدى كتابة الحقيقة - لبريشت -

7) بيان إلى الرأي العام المحلي والوطني في شأن المهرجان الوطني لمسرح الهواة - الفقرة - 5 –

8) نفسها الفقرة - 6 /7 -

 

عزالدين عنايةتُعدّ "نوسترا آيتات": -Nostra aetate- أو "مجلس الحوار مع الأديان غير المسيحية" المؤسسةَ الأهمّ التي أنشئت عقب مجمع الفاتيكان الثاني (1962-1965)، بوصفها المرجع النظري والعملي لعلاقة الكاثوليكية مع الأديان والتقاليد غير المسيحية. وضمن هذا السياق حازت اليهودية موضعا متقدّما في علاقتها بكنيسة روما. في الفترة الأخيرة، وبمناسبة مرور ما يزيد عن نصف قرن على حصول ذلك التحوّل في الكاثوليكية، جرت حوصلة لتلك التطورات مع الجانب اليهودي وردت في عرض صادر من قِبل الكردينال كورت كوش والمونسنيور بريان فارل ورجل الدين نوربارت هوفمان على أعمدة صحيفة "الأوسرفاتوري رومانو" لسان حاضرة الفاتيكان، نورد فحواه كالآتي:

تأثير "نوسترا آيتات" على مدى الخمسين سنة الأخيرة

ساهمت "نوسترا آيتات"، إضافة إلى وثائق مجمع الفاتيكان الثاني، في إرساء توجه جديد للكنيسة الكاثوليكية، طبع علاقة الكنيسة بالشعب اليهودي وباليهودية بأهمية بالغة مقارنة بما ساد سابقا من تحفظات من كلا الجانبين، لا سيما وأن تاريخ المسيحية قد شابه تمييز في مقابل اليهودية بلغ حدّ محاولة القلب الديني القسري لليهود. وعلى أساس هذه العلاقة الشائكة، ما كانت العلاقة سوية بين الطرفين، فقد بقي اليهود دائما في وضع الأقلية أمام الأكثرية المسيحية المتنفذة. ولكن ما انجر عن أوضاع المحرقة في أوروبا أثناء الحقبة النازية، دفع الكنيسة للتفكير من جديد في علاقتها بالشعب اليهودي.

فقد ساهم التقدير العميق لليهودية، الوارد في "نوسترا آيتات"، في تحويل الريبة التي رانت في الماضي على الجانبين إلى تعاون مشترك، إلى حد إرساء علاقات صداقة، يُقدّر أن بوسعها مواجهة الأزمات والتحكم في الصراعات بقصد إرساء علاقات أفضل بين الكاثوليك واليهود.

ولغرض تفعيل حقيقي لنوسترا آيتات شُكّلت في الثاني والعشرين من أكتوبر 1974، من قبل البابا المطوَّب بولس السادس، لجنةُ العلاقات الدينية مع اليهودية، التي أُلحقت بالمجلس البابوي لتطوير وحدة المسيحيين، وهي لجنة مستقلة على مستوى تنظيمي، تولّت مهام متابعة تطور الحوار الديني مع اليهودية. بالإضافة، وعلى مستوى لاهوني، أي بشأن العلاقة بين اللجنة والمجلس البابوي، هدفت اللجنة إلى تطوير الوحدة، لأن الفصل بين البيعة والكنيسة في الزمن الأول عُدّ بمثابة الشرخ.

في السنة نفسها لتأسيس تلك اللجنة، نشرت لجنة الكرسي الرسولي، بتاريخ واحد ديسمبر 1974، أولَ وثيقة رسمية بعنوان: "توجيهات ومقترحات لتطبيق الإعلان المجمعي نوسترا آيتات"، هدفت أساسا إلى تجديد تلك الوثيقة، بقصد التقرب من اليهودية لمعرفتها بالشكل التي هي عليه، والتعبير عن التقدير العميق من المسيحية، وتأكيد أهمية مساهمة الكنيسة الكاثوليكية في الحوار مع اليهود. فكما نقرأ في الوثيقة: "يقتضي الأمرُ من المسيحيين، وبشكل عملي، البحثَ عن فهم أفضل لمكونات التقليد الديني اليهودي والإحاطة بالخاصيات الرئيسة التي يعرّف بها اليهود أنفسهم في ضوء الواقع الديني الحالي". وعلى أساس شهادة إيمان الكنيسة بيسوع المسيح، ركّزت الوثيقة على الطبيعة الخاصة للحوار بين الكنيسة واليهودية. حيث يحيل النص على الجذور الليتورجية للمسيحية في ظل اليهودية، كما يشير إلى فرص التقارب في مجالات التدريس والتعليم والتكوين، وبالنهاية يقترح النص أنشطة مشتركة في المجال الاجتماعي.

وعلى مسافة إحدى عشرة سنة من ذلك التاريخ، نشرت لجنة الكرسي الرسولي، في الرابع والعشرين من يونيو 1985، وثيقةً ثانيةً بعنوان: "بشأن العرض الصائب لليهود واليهودية في التبشير والتعليم الصادرين عن الكنيسة الكاثوليكية". كان لها توجهٌ لاهوتي، بشكل عكس طبيعة العلاقة بين العهدين، القديم والجديد، وحدّد الجذور اليهودية للإيمان المسيحي، وصوّر الشكل الذي عُرض به اليهود في العهد الجديد. مبرزة الوثيقة ما يجمع ليتورجيا الديانتين، خصوصا في الاحتفالات الكبرى للسنة الليتورجية. وتتوقف الوثيقة باقتضاب عند علاقة اليهودية بالمسيحية عبر التاريخ. وبخصوص "أرض الآباء"، أكدت الوثيقة أن "المسيحيين مدعوون لفهم هذا الارتباط الديني، الذي يرمي بجذوره في التراث الكتابي، دون القيام بتفسير ديني خاص لهذه العلاقة... وفي ما يخص وجود دولة إسرائيل وأبعادها السياسية، حثّت على التعامل مع المسألة بنظرة غير دينية، بما يراعي مبادئ القانون الدولي".

في الأثناء صدرت وثيقة ثالثة عن لجنة العلاقات الدينية مع اليهودية عُرضت في 16 مارس 1998، تعلقت بالمحرقة، وهي بعنوان: "لنتذكّر.. تأملات في المحرقة". يفصح فحوى نصها عن حكم جريء، حيث بيّنت أن نتائج ألفيْ سنة من علاقات اليهود بالمسيحيين هي للأسف سلبية. إذ يدعو النص إلى استعادة الذكرى لبلورة موقف للمسيحيين تجاه اللاسامية وتجاه النظامين النازي والفاشي. تمحورت الوثيقة حول دعوة المسيحيين لتذكر تراجيديا المحرقة. وفي رسالة بارزة ضمن فقرات الوثيقة، عبّر الحبر الأعظم يوحنا بولس الثاني عن أمله "في تضميد جراح اللاتفاهم، بما يحفّز الذاكرة ويؤهّلها لأداء مهامها في كنف تشييد مستقبل مشترك، لا مكان فيه البتّة لظلم المحرقة المجحف".

الحالة اللاهوتية الخاصة للحوار اليهودي الكاثوليكي

لا شك أنّ الحوار مع اليهود هو حوارٌ متفرّدٌ بالنسبة إلى المسيحيين، لأنّ جذور المسيحية موغلة في اليهودية، وهو ما يحدد وحدة العلاقة بين التقليدين. فبرغم القطيعة التاريخية والصراعات الأليمة، تبقى الكنيسة واعية بعميق صلتها بإسرائيل. ولا يمكن في هذا السياق أن تُعدّ اليهودية مجرّد دين آخر؛ بل اليهود هم "إخوتنا الكبار"، كما عبّر البابا يوحنا بولس الثاني، وهم "آباء إيماننا"، كما أعرب البابا بندكتوس السادس عشر أيضا. فالمسيح كان يهوديا، نشأ في حضن التقليد اليهودي لعصره وتشكّل ضمن ذلك الواقع الديني. والحواريون الأوائل الذي تحلّقوا حول المسيح نهلوا من النبع نفسه، وحياتهم طبَعَها التقليد اليهودي ذاته.

ومع مراعاة الأديان الأخرى، فإن الحوار مع اليهودية، من وجهة نظر لاهوتية، له معنى مغاير وهو يتموضع في مكان سام. لأنّ إيمان اليهود الوارد في الكتاب المقدس بالنسبة إلى المسيحيين، ليس معبّرا عن دين آخر، بل هو الأسّ لدينيهما... فالحوار مع اليهودية يحوز لدى المسيحيين موضعا متفردا؛ نظرا لجذور المسيحية الموحدة مع اليهودية بما يفوق أي دين آخر. وضمن هذا السياق فالحوار اليهودي المسيحي يمكن تعريفه كونه حوارا "داخليا في الدين"، بالمعنى الضيق، بل ينبغي الحديث عن الحوار الموحّد أو بالأحرى "الحوار العائلي". والعهد الذي قطعه الرب لإسرائيل لا معقّب له. "ليس الله إنسانا فيكذب" (سفر العدد23: 19)، والإخلاص الدائم المختار للرب، المعبر عنه في العهود السالفة لم يجر نسخه (الرسالة إلى مؤمني روما9: 4)، والميثاق الجديد لا يلغي الميثاق السابق ولكن يتمّه.

أهداف الحوار مع اليهودية

- يهدف الحوار في المقام الأول إلى تعميق المعرفة المشتركة بين اليهود والمسيحيين. إذ لا تتيسر محبة إلا من جرى التعرف عليه بالتدرج، ولا يمكن معرفة بعمق سوى من جرت محبته. تترافق هذه المعرفة المعمقة دائما بغنى مشترك، يغدو من خلاله طرفا الحوار شركاء في مقصد موحّد. يتحدث الإعلان المجمعي "نوسترا آيتات" عن التراث الروحي الغنيّ الذي يُستوجَب اكتشافه خطوة تلو أخرى، عبر الدراسات الكتابية واللاهوتية وعبر الحوار. وبهذا المعنى ثمة هدف مهمّ، من وجهة نظر مسيحية، ذلك المتعلق بإبراز الثراء الروحي المختزن في اليهودية للمسيحيين. علاوة على ذلك، ينبغي الإشارة إلى تأويل النصوص المقدسة. ففي التمهيد الذي كتبه الكردينال جوزيف راتسينغر لوثيقة "الشعب اليهودي وأسفاره المقدسة في الكتاب المقدس المسيحي"، الصادرة سنة 2001 عن اللجنة البابوية الكتابية، يوضّح بجليّ العبارة احترام المسيحيين لتفسير اليهود للعهد القديم. كما يعرب من خلال ما دوّنه "يمكن للمسيحيين تعلّم الكثير من التفسير اليهودي للعهد القديم على مدى ألفيْ سنة؛ كما يتمنى المسيحيون من جانبهم أن يستخلص اليهود نفعا من تطورات التفسير المسيحي". ففي مجال التفسير، حشدٌ من الدارسين اليهود والمسيحيين يتعاونون في الراهن، مؤمنين بجدوى التعاون المثمر، مع انتمائهما إلى تراثين دينيين مختلفين.

- لا ينبغي أن يبقى التعارف المشترك في حدود المتخصصين، بل المهم أن يشمل المؤسسات التعليمية الكاثوليكية، لا سيما في مجال تكوين الرهبان، وذلك بتوعيتهم بتعاليم "نوسترا آيتات" وبالوثائق اللاحقة الصادرة عن الكرسي الرسولي بقصد تفعيل تصريحات المجمع. في الأثناء ينبغي إدراج التغييرات الجوهرية في علاقات المسيحيين واليهود، الواردة في "نوسترا آيتات"، ضمن اهتمامات الأجيال اللاحقة والعمل على إشاعتها.

- يتمثّل هدف من أهداف الحوار اليهودي المسيحي الرئيسة في الالتزام المشترك بتحقيق العدالة والسلام والحفاظ على الخلق وإرساء الصلح في كافة أرجاء العالم. فمن الجلي في الماضي أن مختلف الأديان، وعلى أساس الإصرار على حيازة الحقيقة في مدلولها الضيق، قد ساهمت في تأجيج الصراعات. والحال أنه فقط حين تتحاور الأديان على بينة، تساهم بشكل ما في تشييد السلام، وهو ما يمكن تحقيقه على مستويات مختلفة اجتماعية وسياسية. ومما ينتج عن ذلك الحوار وعن ذلك السلام هو الحرية الدينية التي تضمنها السلطات المدنية، وهو ما ينعكس على احترام الأقليات الدينية ومراعاة حقوقها. وفي الحوار اليهودي المسيحي، ثمة أهمية لحالة الجماعات المسيحية في دولة إسرائيل، لأن هناك، كما في غيرها من مناطق العالم، ثمة أقلية مسيحية تجد نفسها أمام أكثرية يهودية. والسلام في الأرض المقدسة –هو حوار مفقود وهو ما نصلّي من أجله على الدوام- يلعب دورا مهما في الحوار بين اليهود والمسيحيين.

- ثمة هدفٌ آخر مهمّ للحوار اليهودي المسيحي يتمثّل في النضال المشترك ضد أي شكل من أشكال الميز العرقي نحو اليهود، وضد أي شكل من أشكال اللاسامية، وإن لم يتم اجتثاثه، إذ يطلّ بأشكال مختلفة ضمن عديد السياقات. حيث يعلّمنا التاريخ إلى أين تقود تلك الأشكال من اللاسامية: إلى تراجيديا بشرية على غرار "المحرقة"، التي أبادت ثلثين من يهود أوروبا. ومن هذا الباب كلا تراثيْ الإيمان، اليهودي والمسيحي، مدعوان لليقظة الدائمة والتنبه في المجال الاجتماعي. ولمتانة العلاقة الرابطة بين اليهود والكاثوليك، تشعر الكنيسة بواجب القيام بما في وسعها، رفقة الأصدقاء اليهود، لدفع التوجهات اللاسامية، وذلك إيمانا بالجذور اليهودية للمسيحية.

- لا ينبغي أن يكون السلام والعدالة مصطلحيْن مجرّدين في الحوار؛ بل ينبغي أن يكونا مفعّلين بشكل عملي. إذ يوفر الفضاء الاجتماعي المشترك حقلا ثريا للنشاط، لأن كلا الضربين من الخُلق: الأخلاق اليهودية والأخلاق المسيحية، يضمنان حوافز لمعاضدة الفقراء والضعاف والمرضى. وعلى سبيل المثال، عملت لجنة العلاقات الدينية مع اليهودية في الكرسي الرسولي واللجنة اليهودية للتشاور بشأن حوار الأديان (IJCIC)  معا خلال العام 2004 في الأرجنتين، في الفترة التي كان يمرّ فيها البلد بضائفة مالية، لمدّ يد العون للفقراء وفاقدي المأوى ولمساعدة الأطفال الذين يفتقرون لأي سند لارتياد المدارس، لأجل توفير المأكل لهم. فمجمل الكنائس المسيحية لها منظمات إنسانية، شبيهة بتلك التي نجدها داخل الأوساط اليهودية؛ يمكنهما معا التعاون لتقليص بؤس البشرية. تعلّمنا اليهودية وصية السير في كافة سُبل الرب (سفر التثنية11: 22) وهو ما يقتضي تقليد صفات الألوهية عبر العناية بالمحتاجين والمعوزين والمعذبين (التلمود البابلي، سوتاه 14أ). يلتقي هذا المبدأ مع تعاليم المسيح حول ضرورة مساعدة المحتاجين (متّى25: 35-46). إذ لا يمكن لليهود والمسيحيين أن يرضوا بالفقر الذي يرهق البشرية ولا بالعذابات المترتبة عنه؛ ينبغي أن يعملا معا لتخطّي تلك المصاعب.

- حين يتكاتف اليهود والمسيحيون لترسيخ التعاون البشري، فإنهما يساهمان معا في إرساء العدالة والسلام في العالم. وبذلك يقدّمان شهادة على محبة الرب، ليس عبر الخلاف، بل عبر التعاون جنبا إلى جنب، فاليهود والمسيحيون ينبغي أن يتكاتفوا معا من أجل عالم أفضل.

 

عزالدين عناية

أكاديمي تونسي مقيم بإيطاليا

 

"لا يوجد شيء.. أسوأ من الخوف نفسه.. ومواجهة العرب لخوفهم العميق على حقيقته.. بصدق ووضوح وشجاعة.. هي السبيل الأوحد إمامهم.. لأجل إدراك النمو والوعي والنضج الإنساني!!"

تشعر الكثير من الشعوب العربية بالقلق المتفاقم إزاء الأوضاع السياسية والحياتية لأوطانها التي هوت أحوالها واحتضرت بسرعة متناهية، والتي لم يعد لها ولا حتى جذوة أو بصيص أمل في نهاية النفق الحياتي لأي تحسن في مستويات ومجريات الحياة اليومية، وتفاقم فيها الفساد المتشبث بمفاصل حكوماتها وبطرق علنية ونكرة ومنكرة ونكيرة، ولأني منكم واليكم وتابعتكم مليا فلذا اسمحوا لي إن اقول إنه وأمام كل ذلك، فلم يتبقى لنا ولكم سوى العمل على تشكيل مستقبلنا بأنفسنا بدلاً من الاستمرار في أجبار ذاتنا على التكيف مع الوضع السياسي الخانق، ولذلك ينبغي لنا أن تتوقع حتما وقوع بعضا من المآسي الرهيبة لأن المسار الذي اتخذته حكوماتنا يتطلب اجترار دعم الأغلبية الساحقة والمسحوقة والمحفوفة بالمخاطر والقهر بشكل مفرط، ومع اضمحلال الحلول والتغيرات وتقاعس ساستنا واحزابهم وكتلهم عن فعل شيئا يذكر حتى لو كان بسيطا! فنرى إن الحل الاوحد يتمحور بضرورة إيجاد سبل ووسائل حضارية وواقعية لمعالجة الأزمات، وهناك وسيلة حضارية ملائمة عبر تنظيم حملة لتوضيح خطر مجريات السياسات والثقافات المائعة المرتهنة والملتحفة بالدول الاجنبية المتسيدة للواقع السياسي العربي، كما ويمكن لحملة كهذه أن تؤثر على تشكيل ندية الرأي العربي العام، ولكنها ستتطلب أموالاً هائلة ولا يمكن أن تكون النتائج المرجوة منها فورية بينما الشعوب العربية بحاجة إلى تحرك وفعل حاسم وحازم وسريع!!

 ولذا فقد يقترح البعض استخدام القوة ولكن هذا امرا مستبعد تمامًا إذ يمكن للعنف أن يخرج عن نطاق السيطرة وأن ينفرنا وينفر بعضا من جماهير الشعب والذين نحن وهم نعتبره غير مقبول إذ يمكن للعنف إن يستخدم بيد الإرهابيين أو الفوضويين في محاولاتهم لتقديمنا كجمهور بنماذج همجية ومتطرفة، وبالتالي فنحن بحاجة إلى إستراتيجية تقوم على الاعتراف بأن الاستمرار في تنفيذ سياسات استعباد واستبعاد الشعوب ستزيد من مخاطر العنف السياسي والجسدي وتزيد من تحجيم المكانة الدولية لبلادنا ولذلك فإن البديل الوحيد المقبول هو : "حملة العصيان المدني اللا عنفي". وهنا يتبادر لذهننا السؤال المنطقي في ماهية العصيان المدني اللاعنفي؟ يتمثل العصيان المدني اللا عنفي في رفض الامتثال للقوانين التي تتعارض مع مبدأ العدالة الأخلاقية وفي انتهاك القوانين والنظام العام لتغيير سياسة الحكومات غير الأخلاقية، وينظر إلى هذا النوع من الاحتجاج في العالم ككل على أنه حق الفرد في مجتمع حر، والذي يدفعنا لان نرى انه من الضروري إن تسمح المدارس والجامعات العامة والخاصة بوجوب تدريس ونشر فكرة ونظرية أنه يجب انتهاك القوانين في بعض الأحيان إن تنافت تلك القوانين مع مبدأ العدالة لان العدالة فوق القانون، وعلى كل فرد فينا أن يتصرف وفقا لمبادئ العدالة حتى لو تعارض ذلك مع سياسات وقوانين الدول، والفرد حر في التصرف وفقا لإملاءات ضميره وضمير المجتمع العام حتى لو كان على حساب إزعاج النظام العام!! وإن مسؤولية الافراد تتحدد في حماية الحرية ومكافحة الظلم من خلال العصيان المدني غير العنيف الذي يمكنه أن يضمن وجود مجتمع حر، فالعصيان المدني المطبق بدرجة مناسبة من ضبط النفس والحكمة يساعد في الحفاظ على مؤسسة العدالة وتعزيزها ومن خلال التصدي للظلم في إطار سيادة القانون يتم منع انتهاكات العدالة وتصحيحها إن وجدت وبذلك يتترجم الاحتمال الأساسي لحملة العصيان المدني بجلب عنصر الاستقرار إلى المجتمع.

ان العصيان اللا عنفي لا يعني المقاومة المدنية لان المقاومة تعني الانقسام والمعارضة وذلك يعني وبشكل منهجي رفض أساسي للنظام والحكومة، وهنا نبين إن العصيان المدني اللا عنفي هو ليس مقاومة ولا تمرد، أنما عملية سلمية تتم في سياق المجتمع المدني ويجب أن يلتزم الأشخاص الذين يقررونه بالقانون المعقول والنظام السلمي على إن يشترك به وبصدق معظم ابناء الشعب فعلا وصوتا كما ويجب على الجميع السعي وبحرص للحفاظ على الاستقرار والامن في البلاد، وإضافة لما تقدم فأنه يجب على كل شخص يشارك في العصيان السلمي ألا يتصرف من منصب مراقب خارجي بل كعضو نشط في المجتمع الذي يحاول اصلاحه وتغييره ويجب أيضا عليه الالتزام بالقواعد الأخلاقية والديمقراطية حتى وان كان رافضًا قوانين أو سياسات محددة يعتبرها غير أخلاقية وغير عادلة، وكما نؤكد أنه لا يجب أطاعة أي قانون ظالم، لكن كيف يمكن لنا إن نميز القانون العادل عن القانون الظالم؟ إن القانون العادل هو قاعدة قانونية أنشأها الإنسان ومتسقة مع قانون أخلاقي أو هو من شريعة الله، بينما القانون الظالم فلا ينسجم مع الشرائع السماوية ولا حتى مع القوانين الأخلاقية.

إن جميع الاستنتاجات توحي بأن الاستجابة الممكنة والفعالة الوحيدة للتكتيكات الحكومية غير الأخلاقية وغير الشرعية هي حملة ضخمة من العصيان المدني اللا عنفي وتبرز هذه الحملة بوضوح التناقض بين الإيديولوجية والقلق بشأن مصير البلاد والشعوب، ومثل تلك الحملة ستجعل الجمهور يدرك أن المشكلة تتعدى مسألة ما إذا كانت الدساتير والقوانين سيئة أو جيدة، وان العمل المباشر اللا عنفي هو بحقيقته يسعى إلى صنع مثل تلك الضغوط والأزمات التي من شأنها أن تجبر المجتمع إن يلاحظ المشكلة وإن يسعى لمواجهتها، وسياسيا فأن ذلك العمل سيكشف الحقيقة، وإنه كإجراءً مباشراً قد يُجبر الحكومات على دحض التهم الموجهة إليها علناً وربما حتى اتخاذ بعض الإجراءات لإقناع الجمهور بزيف تلك التهم ولربما سيجبرها على قول الحقيقة لإنقاذ سمعتها، ومن المستحيل تحقيق الهدف من دون إظهار الاستعداد للتضحية بالذات، فلذا علينا اليوم أن نجعل من إعتصامات السلم حقيقة والبحث عن طرق أخرى للتعبير عن رأي الشعب وتطبيقها بلا عنف وأن نكون مستعدين للذهاب لتطبيقها وتفعيلها لأسابيع وأشهر متواصلة وعبر ذلك سيشاهد الجميع الوجه الحقيقي للحكومات وهي تنتهك وتحطم حقوق الشعوب، كما ويجب استبعاد رد المعتصمين على العنف الموجه ضدهم ومن الضروري أن نوضح مراراً وتكراراً أنه يجب ألا يشاركوا بمساقات الظلم والوحشية في النضال السياسي لأن النصر لا يمكن تحقيقه إلا من خلال التفوق الأخلاقي للمعتصمين وإن الرد بالعنف على العنف لا يحقق الأهداف الشعبية وإنما فقط يلحق الأذى بالقضايا الوطنية وأرواح المعتصمين، وتجاه ذلك يجب أن يفهم العالم أننا كشعوب مضطهدين ونحن لسنا إرهابيين ولا نقاوم بالعنف بل باللا عنف، وان نجحنا بتعميم ونشر ذلك فإن سلاح الدعاية الذي كان يوجه ضدنا سيخرج من أيدي أعدائنا ليكون في صالحنا وستكون هذه الحملة اللا عنفية أداة قوية للتغيير الاجتماعي والسياسي.

واخيرا لا يجب تفسير هذه المقالة على أنها خطة لحملة مفصلة إذ يجب تطوير هذه النظرية الاستراتيجية بعناية من قبل مجموعة من النشطاء كل حسب دولته ومجتمعه والذين سيتحملون مسؤولية بدء الحملة اللا عنفية وتحويلها إلى إستراتيجية اجرائية وتطبيقية، ولا يمكن تحقيق النجاح من دون الصدق والوطنية والمثابرة، ونوصي المعتصمين إنه لا ينبغي الخوف ويجب عليهم أن انسحبوا، إن يعودوا إلى موقع الاعتصامات مراراً وتكراراً، وليطمئنوا فلن يكون أمام السلطات الحاكمة من خيار سوى الرضوخ لمطالبهم المشروعة، أو استخدام القوة والتي كل نوع منها يستخدم سيعني ويترجم في النهاية عن انه شهادة انتصار للمعتصمين ودليل موثق على وجوب الأيمان بحق رفض الخوف والتواصل الجاد لتحقيق أهداف الشعوب بصنع أنظمة حكم رشيدة،،، ولنوقن أبدا: " ان العدالة دوما... فوق كل قانون !!!"

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

عبد الجبار نوريالحديث عن العدالة الأجتماعية من الناحية النظرية بمقارباتها البورجوازية وأهم منظريها في فلسفة الأخلاق الذين يعتمدون المقبولات الأربعة (الحكمة والشجاعة والعفة والعدالة) والتي تشكل العدالة الأجتماعية أحدى أضلاعها المهمة ومن نظريات منظري البورجوازية : نظرية (جون رولس) Theory of gustice التي نُشرتْ عام 1971 يعتبر " العدالة الأجتماعية " فكرة فلسفية لا سياسية، أنها تعتمد الوثائق الأممية للأمم المتحدة في الحرية والمساواة بين بني البشر وأعتمدتها جميع أحزاب الخضر في العالم، أنها نظرية رثة في نظري لكون الوثائق الأممية أصبحت غير (ملزمة) في عصر العولمة الحداثوية، وكانت من مخرجات أفكارهم:

1- المدرسة التوفيقية فهي تعتمد المهارة الشخصية والأبداع فيكون توزيع المكافأة المالية حسب المهارة الفردية، أي أن المال والمكافأة يجذبان الأفراد نحو أنجاز الأعمال والذي في أفتراضهم : أنعدام العدالة الأجتماعية يؤدي إلى أستقرار النظام الأجتماعي، فأن هذه المدرسة التوفيقية خالية من الواقعية في الكثير من طروحاتها الآيديولوجية بحجة المنافسة بين الأفراد وغيبوا حقيقة الأنسان وخلجاته النفسية بحصرهم قيمة الأنسان بماله ومكانته الأجتماعية .

2- نظرية "ماكس فيبر2--" نظرته الفلسفية تتلخص ب(أن فكرة نشوء الطبقات الأجتماعية لا تحصل نتيجة الصراع الطبقي كما يقول كارل ماركس بل تحصل نتيجة عوامل ثلاث (الثروة والقوّة والمكانة الأجتماعية) فهو بالضد من النظرية الماركسية .

والذي أكتشفتهُ في قراءاتي لهذه المدارس البورجوازية: أن هم الطبقة الرأسمالية تجميع الثروة الفائضة من الأنتاج الأجتماعي الكلي من جشعها أصبحت مصدر من مصادر أنعدام " العدالة الأجتماعية كما في نموذج اللبرالية الأقتصادية الجديدة القائمة على نموذج السوق الأجتماعي الذي يقوم به الأفراد والشركات بحرية تبادل السلع حسب العرض والطلب، وهو نظام أقتصادي رأسمالي ولبرالي كلاسيكي ظهر بعد الحرب الثانية وكان العالمان الألمانيان من أبرز منظريها هما (الفريد أرماك و ولودفيغ أرهارت) وحسب رأي أنهُ رديف للرأسمالية لكونها تعتمد الملكية الخاصة في وسائل الأنتاج، ولن ينسى العالم بتسببهِ لأزمات وهزات أقتصادية التي عصفت ببعض دول الغرب وأمريكا، وثم لعبت الرأسمالية لعبتها الشيطانية مع طبقة العمال بسياسة (الترضية) بتقليل ساعات العمل وزيادة الأجور لتمتص نقمتها وزاد الأنتاج بشكل تراكمي وثورة صناعية التي أدت إلى تقليل البطالة وتحسين ظروف العمل إلى ظهور (دولة الرفاه) كما يحلو لهم تسميتها فهي طُبقت في بعض دول الغرب بعد الحرب الثانية حسب تنظير رأسمالي لبرالي، ووجدتُ فيها عيوباً مثل : الفساد الأداري والهدر الذي لا مبرر لهُ، وسوء أستخدام الموارد وهو تحميل عبأ ثقيل للمواطن، أهتزاز النظم عند تعرضها للأزمات الأقتصادية وهبوط أسعار النفط، الألتجاء إلى القبضة الحديدية للسيطرة الأمنية، مما تؤثر، على الخدمات المجانية التي تقدمها دول الخليج المعنية بدول الرفاه الأجتماعي، لأنها لا تسمح بالمشاركة في صنع القرار لحماية النظام أولا، كما أن منطق (الشمولية) لبعض الأنظمة العربية يتعارض كلياً مع قيم المجتمع المدني، ولنأخذ النموذج التركي الحديث لحزب التنمية والعدالة القائمة على الأخونة الذي يجسد الممارسة السياسية من منظور أسلامي ويقوم على أساس الجمع بين معطيات الحداثة المفروضة من الواقع الدولي الجديد وبين الخصوصية الحضارية الأسلامية بيد أنها أوصلت أردوغان إلى التخبط السياسي داخليا وأقليميا لكون الحزب ينادي بالشعبوية العثمانية وقيادة البلاد بعيداً عن نظامها العلماني نحو أسلمة المجتمع، وبأعتقادي حزب التنمية والعدالة الوجه الثاني في عملة الأرهاب فلا ينتظر منهُ " عدالة أجتماعية ".

العدالة الأجتماعية من وجهة نظر يسارية ماركسية:

يمكن تناول هذا الموضوع من ناحية مجتمع أنساني أكثر عدلا وأنصافاً في مواجهة الظلم والأستغلال والتمييز بين البشر وبين الجماعات في سياقات الصراع على الخيرات العامة الثروة والسلطة، وأنهُ من بين الأقتراحات الأكثر رواجاً حتى يومنا هذا " العدالة الأجتماعية " التي تقوم على أعادة توزيع الثروة والديمقراطية التي تتأسس على تفويض السلطة القائمة على أساس الحرية والكرامة الأنسانية بعدالة أجتماعية تواجه الفساد والحرمان ومواجهة الأستبداد والطغيان.

ويمكن معالجة الموضوع من ناحيتين (منظور ماركسي أشتراكي ثوري ومنظور اليسار الديمقراطي)

الأول /مأخوذ من رأي ماركس في البيان الشيوعي 1848 ويتلخص :بزوال الأغتراب والظلم والأضطهاد، والملكية الخاصة تؤدي إلى الأستغلال الطبقي، الثروة مجتمعية من حق كل فرد .

الثاني/ هو المذهب الأشتراكي الديمقراطي، كلما كان توزيع الدخل أكثر عدلا كلما عجّل وسهّل النمو الأقتصادي، ولا يختلف عن الماركسية لأنهُ يؤكد على الديمقراطية وهو الأكثر تطبيقا في عالمنا اليوم .

وعلى كل حال أن المدرستين اليساريتين يؤكدان على الحرية في تحرير جوهر الأنسان، بتطبيق الديمقراطية السياسية، وهي أحدث النظريات لمعالجة " العدالة الأجتماعية " وكان من أبرز منظريها (جون راولز) في قوله : عما أذا كانت المجتمعات تقدم لشعوبها فرص كافية للمشاركة في الأنشطة الأنتاجية حسب أختيارها في سياق عالمي يسود فيه النسبية الأخلاقية والتعددية والثقافية .

العدالة الأجتماعية مغيّبة في العراق تواجه معوقات وتحديات عديدة أهمها :

- سلطة العشيرة هي الغالبة على سلطة القانون، لا زالت مناطق عدة في العراق من مما يسمى بسلطة (الدكة العشائرية) والتي أستقوت بعد 2003 حيث أنهارت المؤسسات الأمنية والقانونية .

- عدم المساواة بين الجنسين أن معدل النشاط الأقتصادي للمرأة أقل من الرجل بلغ 5-14 %مقارنة بالرجل 1-72%، وتعتبر المرأة الأعلى نسبة في البطالة 2-32 %مقارنة بالرجل 21% .

- الفساد الأداري والمالي، حسب التقارير الأممية للأمم المتحدة وصول العراق إلى المركز 169بين 180 دولة فاسدة، سببه عدم الرقابة المالية للمال العام السائب وغياب القوانين الرادعة، حيث فقد العراق حوالي 380 مليار دولار في السنوات ال15 الماضية .

- التمييز على أساس المكون الديني والطائفي والأثني، وزاد الأمر سوءاً خصوصاً بعد ما تعرضت هذه المكونات إلى الأرهاب الداعشي.

- الأقتصاد الريعي الذي وضح جلياً غياب العدل الأجتماعي أفراد الجيل الحالي الذين يعملون مع الحكومة يحصلون على جزءمن العدالة الأجتماعية أما باقي الفئات الأجتماعية من كسبة وشغيلة اليد فأنها محرومة من هذه الثروة التي تشكل 90% من موازنتها التشغيلية، وبهذا الوضع المزري يصبح شعار مقولة النفط ثروة وطنية عامّة للجميع فارغة المحتوى.

- غياب الأستقرار السياسي بفعل تدخل الميليشيات والأحزاب وتدوير الأزمات وغياب الدولة المؤسساتية وعشوائية في توزيع الخدمات بل أحياناً تهافتها وغيابها .

- عشوائية المدن : وقد تجاوز سكان العشوائيات 5-2 مليون نسمة حصة بغداد منها 40% ما يقارب 800 ألف نسمة تداعياتها تفقد وجود العدالة الأجتماعية عندما تكون سبباً لتعطيل مشاريع الأستثمار، وأحتمال كبير أنها تبنى فوق خدمات البنى التحتية كالمجاري والصرف الصحي والماء وكيبلات الكهرباء والمواصلات، أضافة إلى النزوح من الأرياف إلى المدن والذي يعمل على أضطراب التوازن السكاني .

التغيير هو الحل في "العراق" دولة مدنية ديمقراطية أتحادية بعدالة أجتماعية

 أن الطريق إلى الدولة المدنية دولة المواطنة والديمقراطية الحقة المفلترة من شوائب الديمقراطية المتأمركة الأستحواذية والمستلبة لحقوق الشعوب المقهورة يتحقق عبر نضال متواصل وتحالفات وأصطفافات وطنية عابرة للطائفية والأثنية والمناطقية، وتسعى لترسيخ المصالحة الوطنية والوحدة الجغرافية، وعدم توظيف الدين لأغراض سياسية، والتأكيد على مبدأ ترسيخ متطلبات الأنسنة والسلام العالمي، والأستبعاد الكلي عن أي شكلٍ من أشكال التعصب، ورفض الترويج للعنصرية والشوفينية والأنغلاق والتخندق الطائفي والأثني، وترسيخ ثقافة المواطنة الحقة والسلم المجتمعي، فتتكوّن الدولة المدنية الديمقراطية وهو المطوب .

فالدولة المدنية الديمقراطية وبنظامها العلماني توفر جميع مسلماتها من حرية الرأي وحقوق الفرد في الدولة المدنية بشرط توفر قناعة آيديولوجية في عدم الجمع بين الدين والسياسة مطلقاً، أن من أهم ما حققتهُ العلمانية على الصعيد الحضاري هو أنّها{أنهتْ الصراعات والحروب الدينية بين البروتستانت والكاثوليك في بعض دول أوربا، والخلافات الطاحنة في نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا ودكتاتورية (بينوشيت) في تشيلي والنازية في ألمانيا والنظام الشمولي الصدامي

أما الدولة الدينية الثيوقراطية تعني : حكم الكهنة أو رجال الدين، وهو نظام حكم يستمد الحاكم سلطته مباشرة من الآلهة، أي أدارة شؤون العباد آخروياً، وهم مندوبون لتوصيل تعاليم سماوية مثل : دولة الخلافة الأسلامية والأمبراطورية البيزنطية، ودول معصرة تحمل سمات الحكم الثيوقراطي مثل : الفاتيكان وجمهورية أيران الأسلامية والسعودية والباكستان .

إذاً الدولة المدنية الديمقراطية وحدها المتمكنة من حماية الفرد ومعتقده، وهي مظلة مشرعنة قانونية يتعايش تحتها الجميع دون أقصاء أو تهميش أو ألغاء، لكون هذا النظام السياسي يستند على التعددية السياسية والحزبية والتداول السلمي للسلطة وفيها الأحزاب السياسية ركيزة النهج السياسي، الديمقراطي، وحرية تكوين الأحزاب مكفولة .

أن تطبيقاتها في العراق سوف تواجه تحديات في رهانات الواقع العراقي بعد الأحتلال منها موروثات أشكالية مزمنة وأحتدام الصراعات الفئوية المزمنة، ومئات من دكاكين الأحزاب بعضها ذات ولاءات أقليمية ودولية .

فعلينا فلترة هذا النظام ونحته من حيث:

-الحذر من الوجه الآخر للعلمانية المؤدلجة بالطائفية والعرقية وهي تتجه إلى الدكتاتورية .

- الحذر من أستبداد الأغلبية بالسلطة والثروة كما هو في النموذج السيء للحكم الراديكالي في العراق ما بعد 2003 .

- رفض أعتماد قانون سانت- ليغو 9-1 والذي رُفض من قبل غالبية الشعب العراقي في حراكهِ المدني، ومن المحررالسياسي لجريدة طريق الشعب الغراء .

- الخلاص من المحاصصة إلى تشكيل حكومة كفاءات المؤهلة قيادياً، وبشرط أن تشمل الهيئات المستقلة والدرجات الخاصة .

- تشكيل مجلس الخدمة لتطبيق ضوابطها ومعايرها في أختيار العناصر الكفوءة والنزيهة .

- أعادة هيكلة مؤسسات الدولة في أبعاد الجيش والمؤسسات الدينية من التحزب .

- مكافحة الأرهاب الداعشي، وأستثمار الأنتصارات الأخيرة لجيشنا الباسل في حب الوطن والولاء التام له.

- تبني أعلام ذو خطاب موحد في الولاء للوطن فقط والتأكيد على وحدة جغرافبة تراب العراق، والوقوف بحزم أمام تقسيم البلاد، وأرجاع النازحين إلى مواطن سكناهم، وأعمار المناطق المحررة المدمرة، ودمج التشكيلات الميليشاوية مع الجيش وحصر السلاح بيد الحكومة المركزية .

- الترشيق الوزاري والنيابي وتقزيم المستشارين وألغاء الأيفادات العبثية وتخفيض رواتب ومخصصات الدرجات الخاصة وتقليص حماياتهم .

- أصدار قانون أنتخابي عادل ونزيه ومنصف، وتشريع قانون من أين لك هذا ؟ وتفعيله ليشمل الجميع، وتأسيس مفوضية مستقلة للأنتخابات .

- أبعاد ظاهرة البيروقراطية عن مؤسسات الدولة لكونها من الطفيليات المدمرة للدولة، وكما يعاني منها المواطن العراقي االيوم .

- تأطير دولتنا المدنية الديمقراطية بالتخطيط المركزي والأشتراكية العلمية والملكية الجماعية لوسائل الأنتاج .

 

 عبد الجبار نوري

كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد        

..................................

بعض الهوامش والمصادر

محمد فايز عبد أسعد/ الأسس النظرية لعلم الأجتماع السياسي / بيروت

العدالة الأجتماعية/إميل كيري- ترجمة سهيل ألياس –طبعة ألكترونية

كتاب ما بعد الرأسمالية/ د-سمير أمين

لينين / الدولة والثورة – موسكو1970

 

ميثم الجنابيتقديم: إن الثبات هو احدى القيم الضرورية في الوجود الإنساني، بحيث جرى رفعه إلى مصاف الفضائل الكبرى كما في قولنا الثبات في المواقف، والثبات في العزيمة، والثبات في الصراع والمواجهة وكثير غيرها. وفيها وفي غيرها تبرز أولا وقبل كل شيئ ملامح الشجاعة في المواقف. وللشجاعة مظاهر عديدة جدا، لكنها مقبولة من جانب كل ذي عقل سليم وروح حرة. بل هي الصفة التي تجمع عليها تجارب الأمم وقيمها الأخلاقية. والثبات في الشجاعة والشجاعة في الثبات وجهان لحقيقة واحدة ألا وهي الإقرار والاحتكام إلى الحق والحقيقة. إذ ليس هناك من شيئ أكثر ثباتا من الحق والحقيقة. كما أنهما يتمثلان أفضل السبل والوسائل في الثبات، بما في ذلك العمل من اجل التغيير والإصلاح. بمعنى نفي التغير والتبدل المفرّغ من قيم الاصلاح الفعلي.

والدولة هي الكائن الأكثر حيوية وضرورة للوجود الإنساني المعاصر. بل إن الوجود الإنساني هو الصيغة المنظمة لأثر الدولة ووجودها. كما أنها تجسّد جميع الفضائل المتراكمة في تجارب الأمم، وبالأخص منها تلك التي تدير شئون المجتمع والأفراد والجماعات بمعايير القانون والحق. ومن ثم فيها تتجلى حقيقة العقل الفعال والرؤية المستقبلية.

ذلك يعني أن للدولة أيضا قيمة في الثبات. وبدون ذلك تتعرض إلى خلل بنيوي دائم، مع ما يترتب عليه بالضرورة من خلل في كل موازين الوجود الاجتماعي. وبالتالي إمكانية التفكك والاحتراب والدمار الذاتي.

وفيما لو نظرنا إلى واقع العراق الحالي (بل والعالم العربي ككل)، فإننا نرى سبب كل ما يتعرض له من احتراب داخلي وتفكك وتخلف وانحطاط هو نتيجة لفقدان الثبات في الدولة. وعوضا عنها يجري "الثبات" في السلطة. وهي مفاهيم ليست مختلفة فقط، بل ومتناقضة. فالثبات في السلطة يعادل معنى "الثبات" في التخريب والانحطاط. وهو ما نصطلح عليه بمفاهيم الحكم الفردي والعائلي والقبلي والدكتاتوري. فجميعهم من فصيلة واحدة.

وعندما ننظر إلى واقع الدولة الحالية في العراق، فإن أول ما يبدو للبصر ويتبادر إلى البصيرة هو وجود واقع الازمة الفعلية في بنية النظام السياسي، وواقع الازمة الفعلية في بنية النظام الاجتماعي والاقتصادي، وواقع الازمة الفعلية في بنية النظام الوطني، أي إننا نقف أمام أزمات في بنية النظام السياسي والاجتماعي الاقتصادي والفكرة الوطنية. وبالتالي يمكننا الحكم بوجود ازمة بنيوية شاملة بالنسبة لمفهوم الدولة الحديثة. بعبارة إخرى، إننا نقف أمام ازمة بنيوية في إدارة شئون الدولة والتنمية الاجتماعية والاقتصادية والفكرة الوطنية.

هذه الازمات الثلاث تعيق وتعرقل كل إمكانية للنمو والتطور الفعلي الشامل والمستديم. وليس مصادفة أن نرى مظاهر الاحتجاج المتكررة تعود من حيث بدأت. الجمهور يتعب لفترة والسلطة تساوم وتعمل على التسويف والرشوة. كما انه ليس مصادفة أن نرى وجود نظام سياسي وديمقراطي بلا معارضة سياسية وديمقراطية؟! وهي حالة تشبه من الناحية الشكلية والرمزية ببناء خزان الخراء الأرضي، لا يغير من "قيمته" ورائحته استبدال حجرة من الأسفل بأخرى من الأعلى وبالعكس. وعندما نتأمل زمن السلطة الحالية ما بعد الاحتلال الامريكي فإننا نرى امثلة عديدة لها. فقد طردوا أياد علاوي من رئاسة الوزارة وعاد إلى السلطة من جديد، ابعدوا الجعفري عن رئاسة الوزارة وعاد إلى السلطة مرة أخرى، وأزاحوا المالكي وعاد إلى السلطة من جديد، وعنفوا واحتقروا وأهانوا الصدر وها هو يعود إلى السلطة مرة أخرى، ولكموا الحكيم وها هو ما زال يصارع في حلبات "البيت الشيعي" وخارجه ويتغنج في حضن السلطة، وركلوا النجيفي وما زال متمسكا كأخيه في أذيال السلطة، وقمعوا البرزاني واجبروه على الاستقالة من رئاسة "الإقليم" وها هو من جديد يتغزّل ويغازل السلطة ويتآمر. وكلهم متآمرون كل بطريقته الخاصة. كل ذلك يشير ويبرهن على أن حجارة المراحيض لا تصلح لبناء هياكل الروح! وهو واقع يبرهن أيضا على إننا بحاجة إلى حقيقة الثبات والثبات على الحق.

والمقال الحالي وما سيليه يسعى للكشف عن أهمية الثبات الديناميكي في مواجهة إشكاليات الازمة البنيوية الشاملة في عراق ما بعد الدكتاتورية لكي لا تصبح "الديمقراطية" مقيتة شأن الدكتاتورية ومن ثم تلاقي نفس نهايتها.

***

لم يعرف العراق في تاريخه الحديث والمعاصر فكرة ونموذج الحكم الثابت. فقد كان تاريخه منذ عشرينيات القرن العشرين سلسلة من "الانقلابات" الحادة التي جعلت منه ميدانا لمختلف التجارب الراديكالية، التي تتوجت بصعود التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية. وفيهما تجسدت بصورة "فاضحة" فكرة ونموذج "المؤقت" في كل شيء. بحيث تحول "المؤقت" فيه إلى ثبات دائم. وفي هذا تكمن إحدى السمات الجوهرية للخراب السياسي والاجتماعي الذي تعرض له المجتمع والدولة. إذ لا يعني "المؤقت" هنا سوى طابعه العابر والزهيد. الأمر الذي كان يسحق بصورة متتالية فكرة التراكم، بوصفها جوهر التقدم والتطور العقلاني والعملي للدولة والمجتمع. إذ لا يعني "الدستور المؤقت" و"القانون المؤقت" سوى الصيغة الأكثر تدميرا للدستور والقانون. وذلك لأنه تصور يوهم بوجودهما، لكنه يمتهن حقيقتهما من خلال تحوليهما إلى "لا شيء". ويتحول "التجريب" الخارج على القانون إلى أسلوب وجود الأشياء. وتؤدي هذه الممارسة بالضرورة إلى الخروج على كل قانون. مما جعل من العنف والإكراه أسلوبا لتصنيع وهم الثبات الدائم. لأنه الشيء المفقود فعلا في بنية الدولة والمجتمع. ولعل تجربة "ثبات" الدكتاتورية الصدامية هو أحد النماذج "الكلاسيكية" بهذا الصدد. فقد تحولت بين ليلة وضحاها إلى "هباء منثور". وتحول كل أشخاصها وأصنامها ومرجعياتها إلى "لا شيء"! وهي نتيجة تبرهن على أن امتهان الحقوق والدستور والشرعية وتحويلهما إلى "لا شيء" يؤدي بالضرورة إلى نخر الأرضية التي تستند إليها السلطة والدولة والوحدة الوطنية. وفي هذا يكمن أحد الدروس التاريخية والسياسية والاجتماعية الكبرى لفكرة الثابت والمؤقت في السلطة والدولة والأمة.

إن انعدام الثبات الحقيقي في الدولة العراقية وتاريخها المعاصر يقوم في عدم استنادها إلى أرضية الحق الدائم والدستور الدائم. فهو الأساس الوحيد القادر على أن يضفي على تغير السلطة وتبدل أشخاصها قوة إضافية بالنسبة لترسيخ تقاليد الحق والشرعية وتراكم قوتها الذاتية في كافة الميادين. وفي حال النظر إلى واقع العراق بعد سقوط الدكتاتورية، فإننا نقف أمام نفس الضعف الفعلي المميز لنفسية وذهنية “الانتقال"، أي المؤقت. طبعا أن لهذه الحالة مقدماتها القائمة في انعدام مؤسسات الدولة في المرحلة الدكتاتورية، إذ لم توجد دولة بالمعنى الدقيق للكلمة. أما "الجمهورية الثالثة" فقد كانت دولة بدون مؤسسات شرعية، أي مجرد جغرافية متهرئة لسلطة خشنة. الأمر الذي يفسر سيادة "العابر" فيها. فقد كان كل ما فيها انتقالي بالمعنى السياسي والاجتماعي والأخلاقي. من هنا انعدام إمكانية التراكم، وبالتالي تأسيس التقاليد الضرورية للدولة العصرية.

وضمن هذا السياق يمكن فهم مقدمات ومحددات ظهور وعمل "مجلس الحكم الانتقالي" والتشكيلات الحكومية المؤقتة اللاحقة حتى الآن. فهي كيانات عابرة وجزئية لا توليف فيها لغير الترقيع الضروري الناتج عن كيفية ظهورها للوجود بوصفها "قوى مساومة" لا غير. وفي هذا فقط تكمن قيمتها السياسية. بمعنى أنها تمثل للمرة الأولى في تاريخ العراق المعاصر صيغة سياسية معقولة للمساومة، رغم أنها جرت في ظروف حرجة وبضغط قوى خارجية، أي لم تكن نتاجا تلقائيا للإدراك السياسي من جانب قواها المكونة. لكنها استطاعت للمرة الأولى في تاريخ العراق الحديث من جمع اغلب القوى السياسية تحت مظلة تقر بجودها المؤقت في السلطة، وان ما تعمل ضمنه هو مجرد كيان عابر وكينونة انتقالية إلى أن يجري نقله إلى الوضع الدستوري الدائم. ذلك يعني إقرارها السياسي بضرورة الحصول على صيغة شرعية لحق "الثبات" في الحكم، وان هذا الثبات مقرون وملازم لثبات الدستور والقانون.

إننا نعثر في هذه الحالة على قيمة تاريخية مهمة بالنسبة لتطور الوعي السياسي والحركات والأحزاب السياسية. إلا أن قيمة هذا الإدراك مازالت ترتبط بمدى استعداد القوى السياسية الحالية على تجسيد ماهية ومدى ووظيفة "الانتقال" المرهونة حاليا بها. لاسيما وان خصوصية هذه المرحلة الانتقالية تقوم في كونها الصيغة السياسية المعبرة عن النقص الجوهري في تاريخ ومسار الدولة العراقية الحديثة وكيفية سقوط "الجمهورية الثالثة". وهو الامتحان التاريخي العسير أمام الحركات والأحزاب السياسية الكبرى الفاعلة في ظروف العراق الحالية. وذلك لأن السؤال الجوهري القائم أمامها يقوم فيما إذا كانت هي قادرة فعلا على نقل العراق من واقع التجزئة إلى رحاب الوحدة، أم أنها تعمل "بمنطق" ونفسية التجزئة، أي هل أن "الانتقالي" بالنسبة لها ينبغي أن يتطابق مع فكرة الانتقال من مستنقع التجزئة والخراب إلى عالم الوحدة والبناء، أم أنها ستعيد إنتاج حالة المؤقت بوصفها حالة الثبات الوحيد؟! وهو امتحان اقرب ما يكون إلى إشكالية الفكرة السياسية والأحزاب السياسية والفكرة الوطنية. وذلك لأن حصيلة المعطيات العامة والخاصة لسلوك الأحزاب السائدة حاليا ونمط تفكيرها يقوم في سيادة نفسية المؤقت (رغم وجود ما يسمى بالدستور الدائم). وهي أتعس أنواع النفس وأكثرها رذيلة. إذ حالما تتغلغل في الوعي السياسي فإنها تصنع وعيا عادة ما يتسم بالنهب والالتهام السريع ومختلف أنواع المغامرة والمؤامرة.

وهي نتيجة يمكن رؤية "مآثرها" الأولى في الصراع من اجل رسم مواد "قانون إدارة الدولة" للمرحلة الانتقالية، واستمرارها اللاحق في المواجهة الخفية والعلنية حول "الدستور الدائم". وهو سلوك كان محكوما بنفسية وذهنية المؤقت، بمعنى الحصول على اكبر قدر ممكن من "الانجازات". وهي انجازات محكومة بدورها بالرؤية الحزبية الضيقة، بمعنى خلوها الفعلي من هواجس أو غاية الفكرة الوطنية العامة. وهو سلوك يشير إلى طبيعة الانعزال والانغلاق الذاتي للقوى والأحزاب السياسية. من هنا تماسك الأحزاب السياسية على ذاتها وانغلاقها بمعايير الوحدة الوطنية. وهو تماسك لا يتصف بالفضيلة، لأنه مبني على رذيلة الخوف، ومن ثم نفسية العبودية الهلعة أمام مواجهة التحديات الكبرى. وعادة ما تميز هذه الصفات الرخويات السياسية، التي برزت بوضوح للمرة الأولى في السلوك العملي للقوى السياسية المكونة آنذاك لمجلس الحكم الانتقالي في كيفية وأسلوب إعدادها وموافقتها على "قانون إدارة الدولة المؤقت". وهو أسلوب يتسم بالعداء للديمقراطية والتخوف منها من جهة، وسيادة ذهنية التجزئة ونفسية الغنيمة من جهة أخرى. فحتى خلافاتها الخفية والمعلنة لم تتصف بالمبدئية. وفي حصيلته الباطنية يمكن القول، بأن أسلوب الاتفاق والاختلاف على "قانون إدارة الدولة" بين القوى السياسية لم يكن محكوما بفكرة الوطنية العامة وفكرة تأسيس الرؤية الشرعية والمصالح العليا للمجتمع، بل "بإنزال" ما تراه مناسبا لنفسها. وهي نفسية مميزة للقوى المؤقتة.

إننا نرى في حصيلة التنازلات والمساومات والاعتراضات حول مواد "قانون إدارة الدولة" الملامح الأولية لسحق براعم الفكرة الشرعية للدولة وقواعد اللعبة الديمقراطية وأولوية المجتمع المدني في النشاط العملي للأحزاب السياسية. مع ما يترتب عليه من انهماك في تجزئة الفكرة الوطنية. كما أنها ممارسات تعكس نمو وازدياد نفسية التنازلات والمساومات الضيقة، بمعنى الانحدار من القومية الضيقة إلى العرقية، ومن الجهوية إلى الطائفية، وتصاعد نفسية المؤامرات والمغامرات في "الاتفاقات" و"الجبهات". مع ما كان يرافقه من شبه انعدام للمحاسبة الذاتية والمكاشفة العلنية أمام المجتمع، وغياب النقد العلني والصريح، وترقيع كل شيء تحت حجاب "الوحدة"، وخلط القيم والمفاهيم والمبادئ دون منهجية واضحة عن حد وحقيقة الوطنية العراقية.

وقد أدى ذلك بدوره إلى محاولات ترسيخ فكرة وأسلوب ومبدأ "المحاصصة"، بمعنى الخروج على فكرة الديمقراطية واستحقاقها السياسي، بوصفه الأسلوب الوحيد للقضاء على نفسية وذهنية المؤقت. وذلك لأن الهاجس الفعال عند القوى السياسية المكونة آنذاك لمجلس الحكم الانتقالي لم يكن محكوما بالرغبة الصادقة في بناء الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي والمجتمع المدني، بل للحصة الممكنة في النظام المقبل. وهي حصص وهمية تكشف عن عدم نضج الوعي السياسي الوطني والدولتي والاجتماعي. وهو ضعف كانت تتقاسمه كل القوى المكونة لمجلس الحكم الانتقالي دون استثناء. مما يعني أنهم جميعا كانوا يشاركون بوعي أو بدون وعي في نفسية المؤقت ومحاولة جعلها مبدأ سياسيا يحكم سلوك الدولة. ووجدت هذه النفسية تعبيرها النموذجي في التحضير والإعداد لكتابة الدستور الدائم وأسلوب ونوعية تأييده ومعارضته.

وبعد مرور ما يقارب العقدين من الزمن ظهرت بوضوح معالم الطريق المغلق لنفسية وذهنية المؤقت. بمعنى انغلاق آفاق النظام السياسي الحالي وموته المحتوم.

إن البديل الوحيد الممكن والمستقبلي هو بديل النظام الشرعي الثابت المحكوم بدستور وطني ثابت ورؤية إستراتيجية تؤسس لدولة مدنية حديثة تنفي وتطرد منه الطائفية السياسية (السنية-الشيعية) والقوى العرقية الضيقة (الكردية) وتستعيض عنها بفكرة الوطنية العراقية والقومية العربية والنظام المدني العقلاني

***

ميثم الجنابي

 

عدنان عويدبعد هذا العرض الذي يشير إلى أسباب التطرف الفكري والمادي، وإلى مظاهره وكيفية توظيف دعاته للنص الديني، نأتي الآن لنبين كيف أن الدين وعبر نصه المقدس يبين لنا بأنه دين تسامح ومحبة قائمة دعوته على اللين والحسنى والمجادلة بالتي هي أحسن.

الآيات والأحاديث التي تدعوا إلى عدم الغلو في الدين:

(وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  (109). (البقرة)

(إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا).  (149) (النساء)

(وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ  (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ).  (35) (فصلت)

(وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ).  (37) (الشورى)

(وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ).  (40) (الشورى)

(وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُور).ِ  (43) (الشورى)

﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ - الأعراف – 157.

﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّـهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾. النساء- 171.

﴿وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّـهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّـهِ ۚ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [سورة الأنعام، الآية 140].

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّـهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾[سورة المائدة، الآية 87].

﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّـهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّـهُ أَذِنَ لَكُمْ ۖ أَمْ عَلَى اللَّـهِ تَفْتَرُونَ﴾[سورة يونس، الآية 59].

قول تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّـهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [سورة البقرة، الآية 185].

يقول تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [سورة الحج، الآية 78].

يقول تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّـهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [سورة النساء، الآية 28].

ب - الأحاديث:

وفي السنة النبوية الشريفة نجد أبوابًا تضمّ عددًا من النصوص في مصادر الحديث تحت عنوان:

1- (الدين يسر). الإمام أحمد في مسند المكيين، حديث رقم 15593.

2- (يسّروا ولا تعسّروا) . صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب الدين يسر، ج1، ص17.

3- ومن تلك النصوص ما ورد عن رسول الله  أنه قال: «أَحَبُّ الدِّينِ إلى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ». نفسه، كتاب الآداب، باب قول النبي : يسروا ولا تعسروا، ج4، ص 115.

4- وعنه أيضاً : «خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ» . سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني، حديث 881.

5- وعنه  أنه قال لأبي موسى ومعاذ حين بعثهما إلى اليمن: (يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا) . فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج1، ص127.

6- وعن عائشة أنها قالت: (مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ). صحيح البخاري. حديث6124

7- وورد أنَّ (أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي المَسْجِدِ، فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ ليَقَعُوا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ A: دَعُوهُ، وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ) . صحيح البخاري. حديث3560.

8- وقال : (لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدَّدَ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ). صحيح البخاري. حديث6128.

9- وعنه : (إِيَّاكُمْ وَالتَّعَمُّقَ فِي الدِّينِ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ مَا دَامَ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا)[10]. صحيح البخاري، حديث 1865.

الإسلام دين المحبة والتسامح

إن مشكلتنا ليست مع الدين كعقدية وشريعة... أي ليست مع الكتاب المقدس في آياته البينات الواضحات في دلالاتها، والقائمة على المقاصد الخيرة للناس، أي على قيمه النبيلة. ولا مع الحديث الذي يتفق في نصه أو متنه مع مقاصد الدين الأساسية الداعية إلى المحبة والتسامح كما ورد معنا في النصوص التي جئنا عليها اعلاه، وإنما مشكلتنا مع المتنطعين من الذين اعتبروا أنفسهم حماة الدين وحصنه المنيع وفقاً لما فهموه هم من هذا الدين، وكذلك مشكلتنا مع من راح يوظف النص المقدس لإصدار أحكام لمصالحه أو مصالح أسياده في السلطة ممن يبحثون عن شرعنة ما يمارسونه من فساد في الأرض، وكذلك مع الذين فقدوا بصيرتهم في القراءة العقلانية التنويرية للنص الديني، وأخذوا يفسرونه ويؤولونه خارج الواقع التاريخي الذي يعشون فيه، أي ممن تمسك بما فسره وأوله السلف في القرون الهجرية الثلاثة الأولى، دون مراعاة  لاختلاف الزمان والمكان، الأمر الذي جعلهم يعملون على لي عنق الواقع كي ينسجم مع النص وليس العكس، وهم بذلك أساؤوا ويسيؤون للنص الديني والواقع مع.

إن من يتابع النص الديني الإسلامي في مقاصده الإنسانية يراه دينا يدعو إلى اليسر وليس إلى العسر كما تريده القوى الأصولية التكفيرية. حيث جاء في نص الآيات التالية وغيرها الكثير مما يشير إلى بساطة الدين وانفتاحه على المحبة والخير الإنساني، وتذكير الرسول أن يدعو الناس للدين بالحسنى كما هو وارد في الآيات التالية:

(فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر ) الغاشية 22.

و(ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ.). (125) النحل.

و﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ [آل عمران: 159].

و﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128].

و﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107]

و(فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ). ﴿١٤٧ الأنعام﴾

هذا وقد أشرنا أيضاً في موقع سابق إلى الكثير من الآيات البينات التي تبين أن هذا الدين ليس دين قتل وتدمير وتكفير للمختلف في الدين أو الرؤية في العقيدة والشريعة.. وهو ليس الدين الذين يقوم بعض دعاته بنسخ الآيات من عندهم كالتي تختلف مع فهمهم للدين أو لا تلتقي مع مصالهم، كما قال بعضهم بأن الآية الخامسة من سورة التوبة الدالة على مقاتلة الكفار في كل زمان ومكان قد نسخت (500) آية من السور المكية الداعية إلى التعامل بالحسنى مع الناس، وهي الآية التي جئنا إليها في موقع سابق: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). (التوبة ٥﴾.

هذه الآية التي أسيئ فهمها، قد ساهم من نسخها وتبناها عن خصوصية تنزيلها، في تحويل الدين الإسلامي على يد القوى السياسية السلفية الجهادية منذ الخوارج حتى اليوم، إلى دين قتل وإرهاب، أو حوله إلى سرير بروكست، فكل من لا يتفق مع فهمهم للدين هو كافر وزنديق وملحد.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور - سورية