محمد الورداشيكنا قد بدأنا مناقشة بعض النقاط في دراسة الدكتور حجازي حول البنية النفسية للإنسان المتخلف في مقالة سابقة، وسنحاول مناقشة النقاط الأخرى في ما سيرد في هذه المقالة الثانية.

 - حلل الدكتور مصطفى حجازي البنية النفسية للإنسان المتخلف بناء على التعميم، في حين أن هذا التعميم يبدو لنا أن منطلقه محلي، وهو لبنان خاصة؛ بحيث إن "الحديث يدور حول الإنسان المتخلف بشكل عام، إلا أن المادة مستقاة أساسا من واقع الإنسان اللبناني خاصة، والعربي عامة. بالطبع لا ينطبق كل ما سيقال على كل لبناني أو كل عربي"(1) هذا من جهة. ومن جهة ثانية، نجد أن الكاتب يذهب إلى أن العنف المتفجر في لبنان والأشكال التي اتخذها، تعد، في نظره، فرصة للكشف عن العوامل والدوافع التي تعتمل في البنية النفسية للإنسان المتخلف. إلا أن هذه العوامل الاجتماعية والسياسية والثقافية قد تلتقي عند نقطة الصراع الطائفي، والسياسي بين فئات وجماعات مجتمع من المجتمعات العربية التي تعيش تعددا دينيا وثقافيا، والتي تعاني سلطتها خللا في بنيتها ومؤسساتها وأجهزتها المختلفة والمتعددة. كما أن الواقع اللبناني قد ينسحب ما قيل فيه على مجتمعات عربية أخرى، وقد تختلف معه قليلا أو كثيرا حسب الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية التي تشكل بنية الفرد أو الجماعة فيها.

- يقول الكاتب: "نظرة  إلى مختلف المجتمعات المتخلفة تبين بجلاء انقسامات داخلية، شبه أكيدة في كل منها. ينقسم السكان إلى جماعات وطوائف، مختلفة الانتماءات العرقية أو القومية أو الدينية متصارعة فيما بينها"(2). لكن ثمة مجتمعات عربية قد تكون متصارعة بناء على الاختلاف العرقي العنصري، أو أخرى متصارعة بسبب الانتماءات الدينية، في حين أن مجتمعا، كالمجتمع المغربي، لا نكاد نرى حربا بين طوائفَ مختلفةِ الانتماء حول الدين والمعتقد؛ كأن يظهر من يريد دينا خاصا به، وفي حدود المنتسبين إلى الإسلام، باستثناء الشيعة الذين يشكلون أقلية لا تكاد تبين، ثم إن كتبها ليست منتشرة لأسباب ملغومة، كما أن باقي المعتقدات الدينية الأخرى تمارس من قبل غير المسلم بدون اضطهاد. وحتى إن وجدت هذه الانقسامات في المغرب، فإنها لم يترتب عليها صراعٌ لعواملَ قد تكون ظاهرة أو مضمرة، إلا أننا نجد خلافا سياسيا، ثقافيا لغويا بين المدافعين عن اللغة العربية، وأنصار اللغة الأمازيغية، أو بين اللغة العربية واللهجات المغربية. ولئن كان ثمة اختلاف في اللغة، مثلا، فإن هناك توحدا في المعتقد الديني. وهذا قد ينقص من نسبة الصراعات. فالعنف السياسي والديني والطائفي لا يمكن أن يكون بنسبة واحدة في كل المجتمعات النامية المتخلفة، بل إنه يتخذ صورا مختلفة؛ فالمتظاهر المغربي، على سبيل المثال، يتعرض إلى قمع جهاز الدولة بشتى الطرق، لكنه في حالة دفاعه عن نفسه لا يكسر الممتلكات العمومية مثلا، باعتباره تعبيرا عن الدفاع عن التوازن النفسي والاجتماعي على السواء، وهذا المواطن المحتج والمتظاهر، يصعب أن تنطبق عليه صفة الاستكانة المطلقة ما دام يعي مأزقه الاجتماعي، ومن ثم يعمل على تغييره من خلال التظاهر والرفض والاحتجاج والنضال.

- علاقة المواطن بالسلطة تكاد تكون واحدة في المجتمعات العربية، ومكمن الخلل هنا هو أن الحوار بين الطرفين يكون منعدما؛ لأنه غير متساو نظرا لكونه يأتي من جهة الاستعلاء بحيث يأتي المواطن ليسمع اقتراحات ممثل السلطة فقط، لا ليدخل معه في حوار بناء يقوم على التساوي، وينطلق من أرضية جدلية تتأسس على الاعتراف بالحق الإنساني، ولا من نقاش للمشكلة بهدف الخروج بحلول ترضي كلا الطرفين. كما أن انعدام الحوار مصدره، حسب الكاتب، هو كون "السلطة لا تريد مواطنين، بل أتباعا، إنها تخشى المواطنية التي تعبر عن ذاتها، تخشى المواطنية التي تنزلها من مكانتها الجبروتية إلى مستوى اللقاء الإنساني"(3).

- الإنسان الذي يدرسه حجازي يبدو إنسانا سكونيا مستلبا، لا إرادة له، ولا حرية، ولا آفاق وآمال في الارتقاء نحو الأحسن؛ أي أنه مسلوب إرادة التغيير، بيد أن هذا الإنسان لم يكن هو نفسه الذي ظهر في ثورات ما اصطلح عليه بالربيع العربي، وما تناسل عنها من ثورات أخرى، وهذا يدل على حركية الإنسان العربي وطموحه إلى التغيير طلبا للكرامة والعدالة الاجتماعية رغم متاريس القمع والاضطهاد التي تنصب أمامه. فسواء أَنجحت تلك الثورات وغيرها أم لم يحالفها النجاح، فإنها قد أعربت لنا عن إنسان له طموح تغيير وضعيته المأزومة، عكس إنسان حجازي. كما أنه لم يترك المياه راكضة، وإنما وضع، ويضع، وسيضع حبة حصى لتحرك المياه الأسنة. بيد أن حجازي لم يتحدث عن دور المثقف في حياة الشعوب المقهورة، وعن وضعيته داخلها؛ لأن المثقف هو الشمعة التي تضيء ليل الشعوب أو السلطة، أو هما معا في إطار المصلحة العامة، فضلا عن كونه يعرف حدود مهمته التي لا ينبغي أن يتجاوزها حتى لا يصاب بخيبة أمل ما من قبل الجماهير أو الدولة.

- ثمة ظاهرة ذكرها حجازي في سياق الدلالة الاجتماعية للطعام عند الشعوب المتخلفة، حيث قال: "يظهر الخوف واضحا من خلال الأزمات حين يقبل الناس، على اختلاف مستوياتهم، على التخزين بشكل مفرط لا تبرره الظروف الموضوعية مطلقا. وكأن كلا منهم في إسرافه في استهلاك المواد الغذائية وفي تخزينها يود أن يدفع عن نفسه شح الفقر"(4). ولعمري إننا قد لاحظنا ما يعزز هذه الظاهرة في مجتمعنا المغربي، إثر فرض حالة الطوارئ بسبب الوباء، حيث أقبل المترفون وكل من لهم قدرة على الشراء، إلى المحلات التجارية محملين بمواد غذائية، غير مكترثين بالمحرومين والمعدومين، فرحين بما أتاهم الوضع من تميز وقدرة على الإسراف في التخزين. وهذا حال الإنسان المتخلف الذي سبق له أن عايش تجربة الجوع في بدايات حياته، محاولا محو هذه التجربة بالإقبال على الاقتناء المفرط، ومخافة العودة إلى الوضعية التي تجعله متساويا مع غيره في الإنسانية، والحق في الحياة.

- بقي لنا أن نختم هذه المقالة ببعض الأسئلة التي ستدفع بنا إلى مزيد من البحث، سواء داخل دراسة حجازي أو خارجها، والأسئلة هي: هل كل ما قدمه الدكتور مصطفى حجازي في أطروحته النفسية الاجتماعية، ينسحب بحذافيره على كل المجتمعات النامية والمتخلفة؟ ألا يعد هذا التعميم ضربا في الخصوصية والتنوع في كل مجتمع على حدة؟ أليست لكل مجتمع عربي بنية اقتصادية واجتماعية تنتج بنيته النفسية المتخلفة، بوسائلَ منظمة وموجهةٍ عبر مسار طويل؟ ما دور الإعلام في إنتاج البنية الاجتماعية والنفسية المتخلفة؟ في الانشطار الوجداني والعاطفي، في تدهور البنية الذهنية، في ازدواجية الشخصية، في العنف الجماعي والفردي، في الإرهاب؟ ما البديل الذي قدمه حجازي كيما تتجاوز برامج التنمية تعثراتها في المجتمعات المتخلفة؟

 

محمد الورداشي

..................

(1) مصطفى حجازي: التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، المركز الثقافي العربي، ط9، 2005، ص11.

(2) نفسه، ص179.

(3) نفسه، ص196.

(4) نفسه، ص118.

 

 

الطيب النقرإنّ الدين الإسلامي الخالد الذي أقرّ التفاوت بين أخياف البشر في المعايش والأرزاق نتيجة للتفاوت في العلم والملكات، والعزم والطاقات، سعى جاهداً لتضييق الشقة بين من ترنو إليه المادة بطرف مريض الجفون، وسنان النظر، وبين من بعدت به الدار، وشطّ به المزار عن خفْضِ العيش ورغده، لم يترك الإسلام قبيلة الفقراء تشرب من كؤوس الذل على قذاتها، وتتأقلم على حياة المشقة والعنت على علاتها، بل تدخل هديه «بتشريعاته القانونية، وتنظيماته العملية، ووصاياه الترغيبية والترهيبية، لتقريب المسافة بين هؤلاء وأولئك، فعمل على الحد من طغيان الأغنياء، والرفع من مستوى الفقراء».

لقد دعا الدين الخاتم الذي أمسى هدفاً لسهام الراشقين، وغرضاً لأثل الطاعنين، لمعاضدة من أضرهم ريبُ الزمان، واغتالتهم غوائل الدهر، ٍفالزكاة التي لا تغيب عنّا مراميها تنشد أن يتوهج الإحساس بين طبقات المجتمع المسلم، فلا شك «أن الطامة الكبرى التي تزلزل المجتمع وتهز كيانه هزاً أن يوجد الثراء الفاحش إلي جانب الفقر المدقع.. أن يوجد من يملك القناطير المقنطرة، ومن لا يملك قوت يومه، أن يوجد من يضع يده على بطنه يشكو زحمة التخمة، وبجواره من يشكو عضة الجوع»، ولعل علالة المتعلل، وحجة الشره الحريص أن الله عزّ وجلّ قد شيد موازين الدنيا على هذا الشكل، وذرأ عباده على هذه الهيئة، أغنياء يتهالكون على الجياد المطهمة، والقصور المشيدة، والصروح الممردة، وفقراء حباهم القدر بمنن متواترة من الجدب والفاقة، وحظوظ كاملة من البؤس والحرمان، ضحالة التفكير وحدها هي التي تدفع هؤلاء إلى مثل هذا الاعتقاد، فالزكاة الكتاب الخليق بالعناية تطهر النفس من داء الحسد والكراهية، فالفقير المعدم الذي عضته أنياب الفقر، ودهته دواهي المسبغة، إذا أبصر طائفة الأغنياء ترتع في سهول الثراء الطائل، ولا تلقي له بالاً، فسوف يدب إليه داء ينخر في جسده حتى يفنيه، داء أخبرنا عن شره الوبيل الصادق الأمين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حينما قال: «دبّ إليكم داء الأمم من قبلكم، الحسد والبغضاء، والبغضاء هي الحالقة، أما إني لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين».رواه البيهقي، لأجل ذلك لم يحارب دين الله الخاتم هذه «الآفات النفسية الاجتماعية الخطيرة بالوعظ والإرشاد المجرد بل عمل على اقتلاعها واستئصال جذورها من المجتمع بالزكاة التي تهدِّئ من دبيبه وسريانه في مواطن الأسرار، وجعلته بدلاً من أن ينبض كراهية وغيظاً ونقمة، يخفق حباً وإجلالاً وتقديراً للباذل الغني».

ومما لا يند عن ذهن ويغيب عن خاطر أن الزكاة التي فرضها الإسلام وبيّن حدودها، هي البلسم الشافي، والدواء الناجع، لجل مشكلات المجتمع، إذا أخرجها كل غني مقتدر من حُر ماله تامة غير مخدجة، وصرفتها الدولة على النحو الذي أمرت به المحجة البيضاء، حينها لن نبصر من أشفت أقدامهم على هوة الموت، يرتادون تلك الدور التي صوّب إليها الضعفاء مناجيق الدعاء، لن نرى من نهكتهم العلة، وهدّهم المرض، يجوبون الطرقات يسألون الناس إلحافًا مع تلك الفئات التي اعتادت أن تتبلغ من محسني المدينة، لن نرى أنماط المشردين يقتتلون على جيفة، أو يختصمون على فتات، لن نشاهد المخازي التي تنعى الشرف، وتندب الأخلاق، فيحق لنا أن نجزع جزع الثكلى على ما يعز الصبر عليه، فالفقر المدقع الذي أغرى الحرائر بالمعصية، تبدِّد الزكاة جموعه إذا أخرج من هودتهم المطامع، وتمسكوا بأهداب الفانية زكاتهم ففي إخراجها إعانة الضعيف، وإغاثة الملهوف، وإطعام الجائع، إن الغني الذي يغطي جسمه بالثوب الأملد، ويرصع أصبعه بالجوهر النفيس، يعيش هو وأقطاب الدولة في أبراج من العاج، ولا يكترث السواد الأعظم منهم للأحقاد التي تفتت الأكباد، لقد نسي هؤلاء أو تناسوا أجسامًا ضامرة، وبطونًا خاوية، وأجسادًا عارية، يثورون عليهم ثورة العاقل الحصيف عند كل ليلة تُطفأ فيها الأنوار، وتبتهل الأكف داعية العزيز الجبار، سوف تكون هذه المناصب والأموال حتماً حُساف عليهم في يوم تذهل فيه كل مُرضعةِ عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، فالخير كل الخير أن يقرّب هؤلاء المسافة بينهم وبين الفقراء، وذلك بجلب النفع إليهم، ودفع الضير عنهم، فتميل أنفسهم التي أضناها العوز والحرمان إليهم، فالمهج والقلوب قد جُبِلت على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها، والفقراء إذا علموا أن صاحب الغنى والضِياع يصرف إليهم طائفة من ماله خصُّوه بالدعاء وأثنَوا عليه وأكثروا من ذكره في نواديهم ومجالسهم، وسألوا الله القادر الوهَّاب أن يمنَّ عليه بنعمة الصحَّة والعافية والسداد.

 

الطيب النقر

 

محمد بنيعيشلكل علم قواعده ولكل مجال ثوابته، ولا يمكن البحث من فراغ ولا البناء على سراب.وهذا أول مبدأ لمصداقية العلوم والأفكار والقوانين والأحكام. ومن دون هذا المسلك فليس إلا رمي في عماية ونزع نحو غواية وثرثرة بغير دراية.وهو الداء الوبيء الذي أصبحنا نعاني منه في حياتنا اليومية، والأدهى منه في حقلنا العلمي، الذي كان من المفروض أن يبقى ممنعا ضد هذه العفونات والترهلات الفكرية والإعلامية ولم لا السياسية...

وبعودة إلى التراث الذي يستهين به بعض المتقحلين والمتمحلين فسيبدو لنا مبدئيا أن الغزالي  قد كان ذا منهجية دقيقة في دراسته النفسية والأخلاقية،  تتحدد في تحديد الثوابت أولا ثم الوقوف عند التخصصات العلمية أساسا، إذ أنه سيعمل على تقسيمها إلى منهجين وموضوعين متكاملين ومتداخلين هما:

أ) الدراسة النفسية الخاصة بالبحث في جوهر النفس وماهيتها مع تحديد صلتها بالجسد وتقسيم قواها ومجالاتها، ويتسم هذا الجانب من الدراسة بالسمة الفلسفية أكثر منها بالدراسة القائمة على الملاحظة والتجربة، بحيث قد أودع هذا النموذج في كتابه "معارج القدس في مدارج معرفة النفس".

من هنا فقد كان جل كلامه ينصب على معالجة الجوهر النفسي من حيث إثبات وجوده بالبراهين الشرعية والأدلة العقلية...، و سيكون الهدف من هذه الدراسة نظريا أكثر منه عمليا .

بحيث سيقتصر على تحديد المفاهيم الخاصة بالنفس ودراسة ما هو كائن في حدود كينونته، بالانتقال من الأدنى إلى الأعلى كما يقول:"ونحن نعرج في هذا الكتاب من مدارج معرفة النفس إلى معرفة الحق جل جلاله، ونذكر ما تؤدي إليه البراهين من حال النفس الإنسانية ولباب ما وقف عليه البحث الشافي من أمرها وكونها منزهة عن صفات الأجسام،  ومعرفة قواها وجنودها ومعرفة حدوثها وبقائها وسعادتها وشقاوتها بعد المفارقة، على وجه يكشف الغطاء ويرفع الحجاب ويدل على الأسرار المخزونة والعلوم المكنونة المضنون بها على غير أهلها، ثم إذا ختمنا فصول معرفة النفس فحينئذ ننعطف على معرفة الأول الحق جل جلاله[1]".

فلئن رأينا الغزالي يتعرض للجانب الأخلاقي في هذا الكتاب إلا أنه لم يعالجه سوى من الباب النظري وتحديد مركزه من القوة الناطقة في النفس[2]وذلك على صورة إجمالية فلسفية نوعا ما،  وهذا الجانب من الدراسة يبدو فيه مقلدا لابن سينا في بعض أفكاره.

لهذا فإن خاصيته في هذا المضمار تبدو ضئيلة الحضور، بل تكاد تكون مفقودة باستثناء ذلك العرض المتسلسل والانتظام الذي سلكه على شكل تدرج من النظر في النفس كنفس إلى أقصى الغايات المعرفية وهي: معرفة الله تعالى .

ب) الدراسة النفسية المتعلقة بالظواهر والسلوك الإنساني إذ تبدو هذه الخصوصية المنهجية بشكل واضح في كتابه "إحياء علوم الدين" وخاصة في جزئه الذي سماه بربع المهلكات والذي يمثل في حد ذاته كتاب طب نفسي وأخلاقي بمعنى الكلمة، وهو ما سيعني في مصطلح الصوفية الجانب الخاص بالتخلي،  والذي يمثل العقبة الرئيسية في طريق التربية الروحية قد يليها بعد تخطيها: التحلي،  الذي هو بمثابة الترقي الروحي واكتساب المقامات العالية في الفضيلة.

في هذا الجزء من كتاب الإحياء سنرى التزاوج بين علم النفس وعلم الأخلاق مفتوحا على مصراعيه، كما سيقول فيه بحال منهجه :أنه قبل الخوض في دراسة الأخلاق كطب نفساني لابد من معرفة الظواهر النفسي وتحديد الحركات والأنشطة والخلفيات مع الوعي بمراحلها، ابتداء من المعرفة والإرادة والقدرة[3] كشرائط أساسية لإنجاز  العمل الأخلاقي.

فلقد كان الغزالي في تحديده لصفات النفس والدعوة إلى معرفتها يسعى إلى الوقوف على إمكانيتها لأن تساعد أو تعرقل نمو الإنسان وقدرته على معرفة الحقيقة، وكذلك كيفية أن يتمكن من استخدام شخصيته كلها في أداء الأمانة الموكولة إليه[4]، ألا وهي طاعة الله تعالى و اتباع شريعته على أحسن وجه.

من هنا فإن الغاية كانت إصلاحية وتربوية بالدرجة الأولى، وفيها سعي  للتدرج بها من مستوى الظهور بمظهر الإنسان السليم إلى الحصول على حالة استقرارها في أعماق النفس ترسخا و تجدرا، وهذا هو حد الخلق كما رآه الغزالي ويعرفه بأنه "عبارة عن هيئة في النفس راسخة عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلا وشرعا سميت تلك الهيئة خلقا حسنا، وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي المصدر خلقا سيئا.

إنما قلنا إنها هيئة راسخة لأن من يصدر منه بذل المال على النذور لحاجة عارضة لا يقال خلقه السخاء ما لم يثبت ذلك في نفسه ثبوت رسوخ... و ليس الخلق عبارة عن الفعل،  فرب شخص خلقه السخاء ولا يبذل إما لفقد المال أو المانع،  وربما يكون خلقه البخل وهو يبذل إما لباعث أو لرياء..."[5].

من هذا البعد ودقة الموضوع الذي تمثله الدراسة الأخلاقية عنده إذن،  كان لابد من تحديد للثوابت النفسية المكونة لعمق الجوهر الإنساني وانضباط عناصره.

إذ المقصود هنا هو تلك الحركات الآلية المتسلسلة للنفس الإنسانية عند موضوع معين أو حركة خارجية وردت على النفس فاحتاجت إلى التعامل معها بما لديها من قوى،  وما تحتمله بنيتها من عناصر مترابطة.

هذا النوع من التحديد قد أودعه الغزالي في كتاب"شرح عجائب القلب"من ربع المهلكات في الإحياء، عرض فيه للبنية النفسية بتحديد المصطلح النفسي أولا ؛ثم تحديد وظائف النفس وارتباط عناصرها ببعضها البعض وصلتها بالمعارف وطرق اكتساب النفس لها .

بحيث إن هذا الفصل قد شكل دراسة نفسية محضة تعرض فيها لأهم الحركات النفسية وثوابتها ومتغيراتها، وفيه أودع أهم  أفكاره النفسية، مما دعاه إلى القول بأن هذا النوع من الدراسة صعب الإدراك بالنسبة إلى العامة، لأن التصريح بعجائبه وأسراره الداخلية يدخل في جملة علم الملكوت مما يكل عن دركه أكثر الأفهام [6].

لكن هذه الدراسة وإن كانت عميقة وصعبة على العوام فإنها لا تختص في الغالب إلا بدراسة الظواهر النفسية، من هنا سيصرح بأن إدراك علاقة الروح بالجسد شيء قد يحير جل العلماء الباحثين، لهذا فسيضرب صفحا عن الخوض فيه وسيقتصر على الحديث عن أوصاف النفس وأحوالها لا ذكر حقيقتها وجوهرها، إذ "علم المعاملة يفتقر إلى معرفة صفاتها  وأحوالها ولا يفتقر إلى ذكر حقيقتها[7]".

على هذا النهج سار في دراسته للبنية النفسية وذلك ليتسنى له توظيف عناصرها في دراسته الأخلاقية توظيفا يجعل من الخلق حركة نفسية وانعكاسا لها.

من هنا يبدو الغزالي قد سبق علم النفس الحديث الذي عدل عن الخوض في دراسة النفس من الجانب الغيبي والفلسفي إلى دراستها من جانب ظواهرها[8]الملاحظة حركة وسلوكا، بمعنى دراسة ما هو كائن، وذلك بالاعتماد على الملاحظة الحسية والاستنتاجات العقلية المستقاة منها .

غير أن منهجه ونتائجه قد تختلف كثيرا عما درج عليه علم النفس الحديث في شتى المجالات والمستويات.

أما من جهة المنهج فنراه لم يسقط من حسابه العناصر الغيبية كلية وتأثيرها على الحالة النفسية،  وكذلك تفاعل هذه الأخيرة معها وهو ما خصص له كتبا ذات طابع فلسفي أو كلامي مستقل به كما سبق وبينا.

وأما من حيث الهدف فمعرفة النفس لديه كان هدفها دائما هو الوصول إلى معرفة الله تعالى :"إذ ليس أقرب إلى الإنسان من نفسه، فإذا لم يعرف نفسه فكيف يعرف ربه، وإن ادعى الشخص-غير المتخصص-أنه يعرف نفسه فإنما يعرف الجسم الظاهر الذي هو اليد والرجل والرأس والجثة ولا يعرف ما في باطنه من الأمر الذي به إذا غضب طلب الخصومة وإذا اشتهى طلب النكاح وإذا جاع طلب الأكل وإذا عطش طلب الشرب...وقد  جمع الإنسان في باطنه صفات: منها صفات البهائم ومنها صفات السباع ومنها صفات الملائكة.

فالروح حقيقة جوهر الإنسان وغيرها غريب منه وعارية عنده،  فالواجب عليه أن يعرف هذا ويعرف أن لكل واحد من هؤلاء غذاء وسعادة"[9].

وهنا يتجلى الانضباط والمسؤولية العلمية التي من خلالها يمكن البدء في مشروع إصلاحي قوامه الدقة والتمثل والتفريع والدوران مع العلة لتنقيح المناط وتحقيقه واستخلاصه، فهل يا ترى لنا أمل في المراجعة والتصحيح ؟هذا ما نتمناه...

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

.................................

[1] الغزالي :معارج القدس في مدارج معرفة النفس ص6-7

[2] نفس  ص77

[3] الغزالي: الإحياء ج3ص46

[4] الدكتور علي عيسى عثمان:الإنسان عند الغزالي، تعريب خيري حمادي مكتبة الأنجلو المصرية ص117

[5] الغزالي: إحياء علوم الدين ج3 ص3

[6] نفس  ج3ص3

[7] نفس  ج3ص3

[8] جميل صليبا :علم النفس      ص58

[9] الغزالي: المنقذ من الضلال (رسالة كيمياء السعادة)، ص75

 

 

رجاء موليومقدمة: إن مسألة تنظيم النسل في السابق، كانت مسألة مزاج تحدث في أوساط اجتماعية، وعلى نطاق ضيق وبمقتضى ظروف اختيارية صرفة يتفق فيها الزوجان لمبررات خاصة. لذلك لم يكن البحث فيها ملحا وضروريا.

أما اليوم وبعد أن تجاوزت المسألة نطاقها المزاجي الاختياري الضيق، وأصبحت عامة وشاملة تدفعها الأزمات والضغوط الاقتصادية والاجتماعية وتحمل طابع التحديد القهري والإلزامي فلا بد من إباحة وجهة النظر الإسلامية فيها، لكي يكون المسلم المؤمن على بينة من الحكم الشرعي ملتزما به متقيدا بنهجه وإرشاداته وتعليماته الحقة، التي هي وحدها القادرة على تحقيق السعادة والنعيم له، وتجنبه البؤس والانحراف والضياع والشقاء.

إن تحديد النسل لا يتم بوسيلة واحدة وكيفية واحدة حتى يتمكن المؤمن من معرفة الحكم الشرعي باختصار (مسموح به أو غير مسموح) وإنما يتم بوسائل متعددة وكيفيات مختلفة، ويختلف الحكم الشرعي حسب الوسيلة المستعملة وكيفيتها.

تحديد النسل: معناه تنظيم الولادات للحد من تضخم السكان في العالم، وهو علم غايته دراسة الشروط الفضلى للتناسل وتحسين الجنس البشري والتقليل من عدد أفراد الأسرة بصورة تجعل الأبوين يستطيعان القيام برعاية أبنائهما رعاية متكاملة بدون عسر أو حرج أو مشقة.

الأصل في الدين الحث على الزواج، وهو من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية التي تدعوا إلى كثرة سواد الأمة ونموها على مر الزمان حتى تستطيع مواجهة الأحداث بقوى عاملة.

فالإكثار من النسل مطلوب في ذاته وهو غاية الزواج الفضلى في الإسلام، وذلك هو الفطرة، والإسلام دين فطرة كما يقول عز وجل: ﴿فاقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾[1]

فالشريعة الإسلامية عندما تدعو للكثرة، تقصد الكثرة القوية لقوله عليه السلام "تزوجوا الودود الولد فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة"[2] وقوله تعالى: ﴿ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ليسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾[3]

إن الكثرة التي دعا إليها الإسلام لا تنشد لذاتها، ولكن لما يترتب عليها من صلاح الأسرة والمجتمع والأمة، والتكاثر الخليق بالمباهاة هو التكاثر الذي يتفاعل بالقوة، ويزخر بالخير، وينبض بالعطاء، فالمؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف.

لا ريب أن بقاء النوع الإنساني من أول أغراض الزواج، وبقاء النوع إنما يكون بدوام التناسل، وقد حبب الإسلام في الكثرة لكنه رخص للمسلم في تنظيم النسل إذا دعت الضرورة لذلك، وقد كانت الوسيلة الشائعة التي يلجأ إليها الناس هو القذف خارج الرحم روي عن جابر في الصحيحين "كنا نعزل في عهد رسول الله عليه السلام فبلغه فلم ينهانا" .[4]

إن مسألة تحديد النسل بغير وجه حق أو ضرورة ملحة يعد مكيدة غربية؛ اغتر بها المسلمون من أجل تنظيم أسرهم خوفا من الفقر والجهل والمرض والعجز المادي وذلك بغية منهم لإضعاف نسل لمسلمين وتشتيت قوتهم وطعنا في دينهم الذي يوصي بالكثرة الايجابية. ومن بين النتائج التي أسفرت عنها الدعوة إلى تنظيم النسل يمكن رصدها كالآتي:

قلة النسل: يقول تقرير اللجنة الملكية في انجلترا "إن الذي تشهد به الحالة الاجتماعية في انجلترا وفي البلاد الأخرى أن انخفاض نسبة المواليد إنما هو نتيجة ناتجة من منع الحمل".

ويقول الأستاذ في علم الاقتصاد: "إننا كنا نرتكب حماقة المحافظة على قلة السكان فلتعلم حسب العلم أنه ليست قلة السكان حلا لمشكلة البطالة في بلادنا، كما أنه من المحال أن يرتفع بها مستوى معيشة السكان، إن مؤثراتها الاقتصادية لا بد أن تكون سيئة للغاية إذ لابد بسببها ترتفع عندنا نسبة العجائز وبذلك يضطر المنتجون أن يظلوا يشغلون المتقاعدين.

لكل ذلك لا بد أن نستعين بكل طريق ممكن للقيام في وجه خطر قلة النسل".

والحقيقة التي لا مراد فيها إن الثروة البشرية فيما يقرره علماء الاقتصاد عنصر أساسي للتنمية وزيادة الانتاج ولا يكون استغلال هذه الطاقات البشرية بإهدارها أو العمل على إقلالها[5].

ولهذا فالدعوة إلى تقليل النسل ليس هو الحل الأنسب لحل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية وغيرها، بل الحل الإيجابي هو العمل على توفير أحسن الأجواء والمتطلبات لكي يواجه المجتمع التدفق السكاني أو ما يسمى بالانفجار السكاني لأن تقليله يؤدي إلى مشاكل عدة تعود على المجتمع بالهلاك والتأخر.

ثانيا: عدم التوازن بين الطبقات

لما كان اهتمام الإسلام كبيرا بالأسرة باعتبارها الحجر الأساسي للمجتمع كان حرصه شديدا على الإكثار من النسل إلا أن حركة تحديد النسل في البلاد الغربية قد أوجد نوعا من عدم التوازن بين الطبقات، وقد أثبت تقدير اللجنة الملكية في إنجلترا: أن أسر العمال الصغار منهم حسب الإحصائيات أكبر من أسر غيرهم بمعدل 40% على الأقل ويقول الأستاذ "واين تامس" الخبير الأمريكي الشهير بإحصائيات السكان: "إن الذين هم أقل ثقافة أسرهم كبيرة، والذين هم أكثر ثقافة، أسرهم صغيرة.

إن قلة الطبقات ذات القدرة والاستعداد الفني وتضاؤل حجمها وانحطاط المعيار الفكري والعقلي العام وقحط الرجال... تلك هي الأخطار التي تواجهها اليوم البلاد الجارية على خطة تحديد النسل، وأن أرباب الفكر والعلم من أهلها في غاية من القلق والاضطراب لأجلها.

ويقول الدكتور "تامس" أن ارتفاع نسبة العجائز ذو تاثير كبير وعاقبة مزرية، لأن معناه تزايد معدلات الوفيات وانخفاض معدلات المواليد وكل ذلك مرده إلى عدم التوازن بين الطبقات الذي أوجدته حركة تحديد النسل.

وهكذا فإن التوازن بين الطبقات يحدث فيه الاختلاف الشديد لأجل تحديد النسل، ولا يزال العنصر الذكي الحيوي النشيط ينقرض لأجله شيئا فشيئا.[6]

أضرار تحديد النسل:

أولا: انتشار جريمة الزنا

ويمكن تعريف الزنا في الشريعة الإسلامية بأنها: "كل صلة جنسية محرمة بين رجل وامرأة"[7] قال الله عز وجل: ﴿ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا﴾[8]

وقد عرفه فقهاء الشريعة الإسلامية بأنه "وطئ مكلف عامد عالم بالتحريم من قبل محرم العينة مشتهى طبعا مع الخلو من الشبهة".

والزنا من أفضح الجرائم الاجتماعية، لما له من المضاعفات السيئة التي منها تسرب الخيانة إلى الأسرة، وسلب احترام أولادها، وعدم حب الأب لأولاده، وجميع قوانين البشر تعاقب عليه، ومن المؤسف انتشاره بصورة هائلة في هذا العصر، يقول محمد فريد وجدي: "ومما يؤسف له أن جريمة الزنا أخذت في الانتشار، وزاد مرتكبوها في هذا العصر زيادة كبيرة بما قام في وجه النوع البشري في أدوار من العادات لا تتفق مع الحياة الصحيحة".

كما أن الزنا نكسة حيوانية تذهب بجميع معاني الإنسانية، وتسمخ الإنسان، وتهبط به إلى مستوى سحيق.

قال الله تعالى: ﴿ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تاخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تومنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المومنين﴾[9]

ومن هذه الآية الكريمة نجد أن كل من اقترف هذه الخطيئة لا بد له من الجزاء الوخيم، وهذا العقاب يجب أن يكون في الملأ ليكون عبرة وموعظة لغيره ولكل من تسول له نفسه الوقوع في الغلط والانجرار إليه.

والسؤال الذي يتبادر إلى المسلم الحق ما علة تحريم الزنا؟

تجيب الدكتورة ابتسام عبد الحليم في مجلة منبر الإسلام على هذا السؤال ببحثها:"جريمة الزنا بين الطب والدين" تقول الدكتورة عبد الحليم: إن الله تعالى بحكمته الإلهية نهانا عن الزنا لما فيه من أضرار على ذريتهم أيضا، كما وأن له نتائجه السيئة على المجتمع وعلى الأخلاقيات عامة... فمن الأمراض التناسلية التي تصيب كل من الزاني والزانية مرض الزهري وهو نوعان نوع يصيب الإنسان عن طريق الملامسة ونوع آخر وراثي.

ومن الأمراض التناسلية التي تصيب الزناة أيضا القرحة الرخوة والعدوى تتم بواسطة الجرثومة العضوية، وهي تظهر في الرجل في جسم القضيب أو الصفن أو العانة أو عند الشحفة، أما في الإناث فتكون في الشفرين والشوكة والفخدين.

وكذلك مرض السيلان عن طريق الملامسة الجنسية.

وتختم الدكتورة عبد الحليم بحثها بقولها يكفي قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "وبشر الزاني بالفقر ولو بعد حين" فمعنى هذا أن الله يمهل ولا يهمل.[10]

نهى الإسلام الحنيف عن الانقياد وراء أي رذيلة واعتبر الزنا جريمة قانونية تستحق أقصى العقوبة لأنه وخيم العاقبة ومفضي إلى كثير من الشرور والجرائم فالعلاقات الخليعة والاتصال الجنسي الغير المشروع، مما يهدد المجتمع بالفناء والانقراض، فضلا عن كونه من الرذائل المحقرة، ولأنه سبب مباشر في انتشار الأمراض الخطيرة التي تفتك بالأبدان، وتنتقل بالوراثة من الآباء إلى الأبناء، وأبناء الأبناء، كالزهري والسيلان، والقرحة.

كما أنه من أحد أسباب جريمة القتل، إذ إن الغيرة طبيعية في الإنسان، وقلما يرضى الرجل الكريم، أو المرأة الشريفة العفيفة بالانحراف الجنسي فيجده الوسيلة التي يغسل بها العار الذي لحقه ولحق أهله.

والزنا يفسد نظام البيت، ويهز كيان الأسرة، ويقطع العلاقة الزوجية ويعرض الأولاد لسوء التربية مما ينتج عنه: التشرد والانحراف والجريمة، وفيه من ضياع النسب وتمليك الأموال لغير مستحقيها.

وجملة القول أن للزنا ضرر عظيم وهذا لأنها من أكبر الأسباب الموجبة للفساد وانحطاط الآداب، فهي مروجة للعزوبة ولاتخاذ الخليلات وأكبر باعث على الترف والعهر والفجور.

ولهذا جعل الإسلام عقوبة الزنا أقسى عقوبة لأنه يوازن الضرر الواقع على المذنب، والضرر الواقع على المجتمع، ويقضي بارتكاب أخف الضررين، وهذه هي العدالة.

إن عقوبة الزنا وإن كان فيها ضرر للمجرم نفسه، فإن في تنفيذها حفظ للنفوس، وصيانة للأعراض، وحماية للأسر، التي هي اللبنات الأولى في بناء المجتمع وبصلاحها يصلح وبفسادها يفسد.[11]

ولهذا خصها الخالق عز وجل بعقوبة مخصصة لها في القرآن الكريم قال الله تعالى:

﴿ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ﴾[12]

  

ثانيا: انتشار الأمراض الفتاكة

هناك أكثر من عشرين مرضا ينتقل بالاتصال الجنسي، وحتى القريب كان هناك مرضان يستوليان على الساحة الجنسية وهما:

السيلان والزهري، وتراجعت هذه الأمراض نظرا للعلاجات المختلفة بالمضادات الحيوية، ولكن ظهرت أمراض أخرى ولا تقل أهمية: كلاميدبا وارسب وتريكوموناس وغيرها.

نشرت مجلة الصحة في العالم الناطقة بالمنظمة العالمية للصحة في عام 1986، وقالت الأمراض الزهرية تتكاثر بشكل مدهش وبالخصوص في الشباب ما بين 18و 24 سنة وهناك حوالي 3 ملايين مصاب بهذا المرض وذلك راجع إلى التدهور الأخلاقي الذي تفشي في كثير من المجتمعات ونتطرق باختصار لهذه الأمراض:

المرض الزهري الأول (النوار): لا زال في الانتشار ويساعد على ذلك كثرة الحرية في الاتصال الجنسي واللواط وانتشار الزنا بشكل مدهش، ولا يزال هذا المرض يشكل خطرا شديدا على المستوى العالمي، ويتمثل المرض في ثلاث مراحل[13]:

السيلان: المسبب لهذا المرض الخطير هو الكونوكوك، والسيلان يعتبر من أقدم الأمراض التناسلية في العالم ينتقل بالاتصال الجنسي في أغلب الأحيان وعلامات المرض تكون مختلفة في الجنسين، تختلف كذلك حسب الأماكن: الأعضاء التناسلية والسرج وأماكن أخرى.

ويصيب الطبقات الضعيفة حيث تقل النظافة وتتوفر شروط العدوى.

مرض نيكولافابر أو التهاب الغدد اللمفاوية: لأسفل جدار البطن وهو مرض تناسلي للغاية يسببه فيروس، وهذا المرض يتطور إلى ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: تمتاز بقرحة ذات شكل أوبيس في الأعضاء التناسلية.

المرحلة الثانية: يكون مصحوبا بولسيس ذي شكل انتفاخي حول الأعضاء التناسلية.

المرحلة الثالثة: تمتاز بحصار الجهاز اللمفاوي والغددي، فتكون النتيجة إصابة غشاء الخصيتين مرض الفيل وكذلك المهبل، ومع تقدم الطب هذا الطور الثالث أصبح نادرا.[14]

ثالثا: الدعوة إلى تحديد النسل دعوة إلى الوأد المحرم

لقد كفانا القرآن الكريم مئونة الرد على هذه الشبهة فلقد كان الوأد المحرم هو الاعتداء بالقتل على مولود استقبل الحياة وبرز إلى الوجود بعد استيفاء أطوار نموه.[15]

كما جاء في قوله: ﴿وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون﴾[16]

وهذا ما نهى الله عنه وقال تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم من إملاق﴾[17]

وقد حكم القرآن على مرتكب هذا القتل بالخسران المبين ووصفه بالسفه والجهل.

قال الله عز وجل: ﴿وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت æ﴾[18]

فهذه كلها آيات تدل على حرمة قتل الولد، كبيرا كان أم صغيرا، ذكرا كان أم أنثى ناقص الخلقة كان أم كامل الخلقة وعليه فإن الطفل الذي يولد أعمى أو أصم أو مجذوذ اليد أو ناقص العقل مجنونا أو مبتلى بأي نقص أو عيب لن يمتلك أحد الحق في القضاء عليه لا أباه ولا أمه، ولا الهيئة الطبية ولا غيرهم، سواء كان قتله بإعطائه مصلا ساما أو استعمال أشعة مهلكة لأنه مخلوق من مخلوقات الله فلم يرخص أو يأذن في قتله لأحد لأن فاعل ذلك جزاؤه جهنم.

ومن ذلك أيضا أنه كان يجب على الآباء في كثير من الشعوب البدائية وغيرها قتل أولادهم أو بعضهم في جميع الحالات أو في حالات خاصة لاعتبارات دينية أو اقتصادية وكثير من العشائر البدائية باستراليا وغيرها كانت تسير على هذا النظام، ولكنها كانت تختلف فيما بينها في وجوه تطبيقه ففي عدد غير يسير منها كان يصطفى البنات ولا يقع القتل على البنين وفي بعضها كان يصطفى البنون ولا يقع القتل على البنات وفي عشائر كانت الأمهات يتخلصن من بعض أولادهن بدون نظر إلى جنسهم ولا تفرقة بين ذكورهم وإناثهم وكانت بعض قبائل العرب في الجاهلية تلجأ كذلك إلى قتل أولادها بدون تفرقة بين ذكورهم وإناثهم تحت تأثير الفقر ورغبة في التخلص من واجب تربيتهم.

وكانت الطريقة السائدة في الوأد، أن يحفر بجانب الموضع الذي اختير لولادة الأم حفرة عميقة، فإذا ظهر أن المولود أنثى قذف بها حية عقب ولادتها مباشرة في هذه الحفرة وهيل على جسها التراب.

ومنهم من كان يئد من البنات من كانت زرقاء أو سوداء أو بشراء أو كسحاء، ويمسكون على البنات من كانت على غير تلك الصفة مع ذل وعلى كره منهم وهذا المذهب كان عليه قليل من العرب ولم يأخذ به الأكثرون ومنهم من كان يقتل أولاده خشية إملاق وخوفا من الفقر، وهم فقراء من بعض قبائل العرب،[19]  وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقهم وإياكم ﴾[20]. وفي كتاب بلوغ الأوب في معرفة أحوال العرب للسيد محمود شكري الألوسي أخبار كثيرة من ذلك.

ويرى هؤلاء أن تنظيم الأسرة بأية وسيلة هو قتل غير مباشر للأطفال ولذلك قال تعالى: ﴿إن قتلهم كان خطئا كبيرا ﴾[21].

ثم إن المسلمين يستندون إلى حديث نبوي آخر سال بعض الصحابة النبي عليه السلام : هل يمارسون الوأد أي القذف خارج الرحم، فأجاب: "لا عليكم إلا تفعلوا فإنه ليس من نسمة قضى الله لها أن تكون إلا وهي كائنة".[22]

وختاما فإن للعلماء موقفين موقف إجازة تحديد النسل منها الخوف على حياة الأم من الضرر والخوف على الأولاد أن تسوء صحتهم وتفسد تربيتهم وكذلك على المجتمع من الفساد بسبب الكثرة السلبية.

وموقف المنع الذي يستند إلى تحريم قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وذلك أن الله ما يخلق من خلق إلا ومعه رزقه.

أن أعداء الإسلام أرادوا تقليل نسل المسلمين لأنهم أدركوا أن عزتهم في كثرتهم.

إن لتحديد النسل أضرار وخيمة على الفرد والمجتمع وتتمثل في انتشار جريمة الزنا التي تعد من أفظع الجرائم الاجتماعية لما لها من سلبيات على الدين والأخلاق، وكذلك انتشار الأمراض الفتاكة من الزهري والسيلان.

 

رجاء موليو

......................

[1] - سورة الروم، الآية: 29.

[2] - السنن الكبرى للبيهقي، كتاب النكاح، باب استحباب التزوج بالودود الولود، ص: 82/ج، 7.

[3] - سورة الروم، الآية: 21.

[4] - صحيح مسلم في كتاب النكاح، باب العزل، 138-1440، ص: 1065.

[5] - حركة تحديد النسل، لأبي الأعلى المودودي، الطبعة الأولى، 1965م_ 1385ه، دار الفكر بدمشق، ص: 40.

[6] - حركة تحديد النسل، لأبي الأعلى المودودي، الطبعة الأولى، 1965م_ 1385ه، دار الفكر بدمشق، ص: 13-14-15.

[7] - الحلال والحرام في الإسلام، الشيخ أحمد محمد عساف، دار إحياء العلوم بيروت، الطبعة الثانية 1409ه- 1989م، ص: 77-96-29-30.

[8] - سورة الإسراء ،الآية: 32.

[9] - سورة النور، الآية: 2.

[10] - الحلال والحرام في الإسلام: الشيخ أحمد محمد عساف، ص: 101.

[11] - فقه السنة، السيد سابق دار الكتاب العربي، بيروت الطبعة الشرعية الثامنة 1407ه- 1987م، ص: 340-358-359.

[12] - سورة النور، الآية: 2.

[13] - تأملات حول السيدا والأمراض التي تنتقل بالجنس، الدكتور عبد السلام البقالي، الطبعة الأولى 1989، طبع بدار النشر زنقة بيروت بلفدير- الدار البيضاء، ص: 11-12.

[14] - تأملات حول السيدا والأمراض التي تنتقل بالجنس، الدكتور عبد السلام البقالي، الطبعة الأولى 1989، طبع بدار النشر زنقة بيروت بلفدير- الدار البيضاء، ص: 11-12.

[15] - الإسلام وتنظيم الأسرة، للشيخ خلف السيد على وإبراهيم دسوقي مرعي،  ج/ ،ص: 123.

[16] - سورة النحل، الآية : 58-59.

[17] - سورة الأنعام، الآية: 152.

[18] - التكوير، الأية : 8-9.

[19] - الإسلام وتنظيم الأسرة للاتحاد العالمي لتنظيم الوالدية، المكتب الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا، بيروت لبنان 1973، ص: 48.

[20] - سورة الإسراء، الآية: 31.

[21] - سورة الإسراء، الآية: 31.

[22] - صحيح مسلم، كتاب النكاح باب احكم العزل125- (1438) ص: 1061.

 

 

قاسم حسين صالحالحدث

في (17 / 5/ 2020) رفعت بعثة الأتحاد الأوربي علم (قوس قزح) الخاص بالمثليين على بنايتها في بغداد، واحتجت وزارة الخارجية العراقية واصفة هذا التصرف بأنه يشكل (مساسا بالمباديء والقيم الأخلاقية)، وردت البعثة بأن رفع العلم جاء للأحتفال بـ(اليوم العالمي ضد رهاب المثلية الجنسية ورهاب التحول الجنسي).. واثار هذا التصرف جدلا في العراق على المستويين الرسمي والشعبي بين مؤيد له بحجة أن المبنى يعد تابعا للدولة ولها حق التصرف مثل ما يحق لمبنى السفارة العراقية في اية دولة كانت رفع ما تشاء، وبين من ادانه عبر تغريدات نشرت على وسائل التواصل الاجتماعي مرفقة بهاشتاغ "#كلا_لعلم_المثليين_بالعراق، وبين ساخر يقول:إن على العراقيين مراقبة "ميول الحكومة للسرقات" بدلا من "مراقبة حرية وميول الآخرين الجنسية".

واراد حكّام الأسلام السياسي بهذا الأجراء اظهارنا للعالم باننا نظيفون مما يعدّونه دعارة وفاحشة مستوردة من الغرب الكافر، مع أن هذه الدعارة والفاحشة كانت شائعة في زمن الدولة الاسلامية العباسية والعثمانية، وفي بغداد تحديدا.

واحد اهداف هذه الدراسة هو الكشف عن الحقيقة التي شوهها التاريخ. فنحن لسنا مع هذا او ضد ذاك، ولسنا ملتزمين بالمحرّمات في التفكير.. فلا قضية محرّمة على الفكر وله ان يعمل فيها ما يشاء بهدف الوصول الى الحقيقة، ولا يهمه ان يرجمه المتعصبون بحجر او يكفّرونه.. وكثيرون في تاريخنا قتلوا وآخرون أحرقت كتبهم بتهمة الكفر والزندقة، لأنهم ظلوا مخلصين للحقيقة.. وصاروا شهداءها، بمن فيهم من استشهد بكاتم الصوت في زمن حكم أحزاب الأسلام السياسي.

خلفاء عرب.. مثليون

يوثق التراث الأسلامي بمراجع توصف بالثقة والمصداقية ( الأمام الطبري، السيوطي، شمس الدين الذهبي، والمسعودي) روايات عن خلفاء عرفوا بممارستهم الجنس مع الغلمان بل وعشقهم للصبيان المرد.ويتفق أغلب المؤرخين على أن زمن حكم الدولة العباسية شهد شيوع (أزدهار بتعبيرهم) المثليين الجنسيين، اذ يذكر الطبري أن الخليفة الأمين "طلب الخصيان وأتباعهم وغالى بهم وصيّرهم لخلوته في ليله ونهاره، ورفض النساء الحرائر والإماء"، وأن والدته حاولت، بعد ان عجزت عن نصحه، أن تبعده بأن جاءت له بفتيات يشبهن الغلمان وفشلت ايضا.والأكثر أنه كان يتباهى بعشقه لغلام يدعى "كوثر" ويتغزل به شعرا :

(كوثر ديني ودنياي وسقمي وطبيبي.. أعجز الناس الذي يلحى محبا في حبيب.)

ولم يكن الأمين بن هارون الرشيد هو أول المثليين من الحكّام المسلمين العرب، اذ سبقه خلفاء امويون، اشهرهم الوليد بن يزيد بن عبد الملك الذي وصفه السيوطي بـ(الخليفة الفاسق)، واقبح فسقه أن اخاه سليمان قال عنه بعد مقتله "لقد راودني عن نفسي".لكن الخلفاء العباسيين كانوا الأشهر، فرغم ان المأمون عرف بعشقه للنساء فانه يشاع عن تعلقه بغلام يدعى "مهج"، فيما كان للخليفة المتوكل عشيق يسمى "شاهك".. وكذا الحال مع الخليفة المعتصم، الذي كتب عنه المسعودي في (مروج الذهب) انه كان لديه اربعة آلاف غلام من الأتراك ألبسهم "أنواع الديباج والمناطق والحلي المذهبة".

ولم يتوقف الأمر عند حُب الخلفاء للغلمان والمُرد، بل تصفه مراجع التراث بأنه كان اتجاهًا جنسيًا شائعًا بين النخبة والعامة ايضا. وقد خاض الشعراء والأدباء في المقارنة بين اشتهاء الغلمان واشتهاء النساء، بينهم ابن أبي بغل بقوله : "وإلا فالصغار ألذ طعمًا.. وأحلى إن أردتَ بهم فعالًا" يقصد تفضيله للمُرد في المواطأة، وأبو نوّاس الذي له رأي يُنصف المُلتحين بقوله: "قال الوشاة: بدت في الخد لحيته.. فقلت: لا تكثروا ما ذاك عائبه/ الحسن منه على ما كنت أعهده.. . والشعر حرزٌ له ممن يطالبه".

ومن مفارقات ذلك الزمان ان وصل الذوق الى تفضيل الغلمان على النساء وقياس جمال المرأة بجمال الغلام!، كقول بن الحباب:( لها زيّ الغلام ولم أقسها، اليه ولم أقصّر بالغلام). ويعلّق الجاحظ على ما شاع بين شعراء وأدباء عصره في تفضيلهم للغلمان على النساء بقوله:" "إن من فضل الغلام على الجارية، أن الجارية إذا وُصفت بكمال الحسن قيل‏:‏ كأنَّها غلام ووصيفةٌ غلامية".

وهناك روايات تفيد ان المثلية الجنسية كانت موجودة لدى العرب قبل الاسلام ويستشهدون بما ورد في القرآن (ويطوف عليهم ولدان مخلدون كأنهم لؤلؤ مكنون) ليؤكدوا ان العرب قبل الآسلام كانوا يشتهون الغلمان، فيما يعزوها باحثون الى الفتوحات الاسلامية واختلاطهم بحضارات فارسية وهندية واوربية وافريقية.. مع أنه لا يوجد ما يؤكد عن شيوع المثلية الجنسية في تلك الأقوام.

استطلاع رأي

من عادتي انني استطلع الرأي في الظواهر الاجتماعية والاخلاقية.. والخلافية ، فتوجهنا بهذا الاستطلاع:

(كان الخليفة الأمين بن هارون الرشيد، مثلي الجنس "رفض النساء الحرائر والإماء"، وأن والدته حاولت، بعد ان عجزت عن نصحه، أن تبعده بأن جاءت له بفتيات يشبهن الغلمان وفشلت ايضا.

ورغم ان المأمون عرف بعشقه للنساء فانه يشاع عن تعلقه بغلام يدعى "مهج"، فيما كان للخليفة المتوكل عشيق يسمى "شاهك".. وكذا الحال مع الخليفة المعتصم، الذي كتب عنه المسعودي في (مروج الذهب) انه كان لديه اربعة آلاف غلام من الأتراك ألبسهم "أنواع الديباج والمناطق والحلي المذهبة"

ما أسباب ذلك من وجهة نظرك؟)

تحليل الاجابات

ساهم في الأجابة اكثر من (450) بينهم اكاديميون ومثقفون عرب. وتوزعت الأجابات على خمسة مواقف.

الأول: يقر بوجود تلك الظاهرة ويعزوها لجملة اسباب اليكم نماذج منها:

- د. جلال الجبوري . يبدو ان القضية مرتبطة بالترف المادي والفكري وتجربة اشياء جديدة ولا علاقة لها بالتفكك والانحلال حسب معايير تلك المرحلة بدليل ان الدولة كانت من اكثر مناطق المعمورة تقدما وتطورا.

- جليل الجشعمي. 1.خليفة الله على الارض تعني كل شيء مباح له ما دام هناك رجال دين يشرعون له ما يحب. 2 . المتع والاستمتاع في الجنس لا حدود له، فبعد ان اكتفى من الجواري توجه نحو الغلمان. 3 .طبيعة حياة الملوك والامراء وعامة الناس كانت مدعاة للتفاخر من خلال وجود اسواق بيع الغلمان والجواري.

- صلاح عباس. كانت في العصر العباسي بنات جميلات يضعن خطوطا بلون اخضر غامق بمكان الشارب عند الفتيان يطلق عليهن الغلاميات.

- عبد الامير الزاملي. هؤلاء هم الطغاة والذين لا يستحقون المنصب يكون سلوكهم غير اخلاقي.

- متعب خلف الريشاوي. ما خفي كان اعظم. الخلفاء العباسيون من اسوأ الناس خلقا . والمصيبة البعض يدافع عنهم ويقول الشعوبيين الفرس.. السيوطي عربي دمشقي، الذهبي عربي مصري، والطبري افضل المؤرخين. هل قراتم كم انفق المأمون في زواجه من بوران، وكم تكلف حفلات الزواج من الاموال. تاريخهم يخجل الانسان من سرده.

- حسين رحيم. انا لا ارى ما يخجل في هذا التاريخ لسبب بسيط انها السلطة تبيح لنفسها اشياء وتمنعها عن العامة وهي امور ما زالت موجودة الى الان ولكل تاريخ معطياته الاخلاقية.

- موفق خضر ولي. الاسباب.. الثراء الفاحش الذي يوصل الى جنون العظمة، ولكن هل هكذا تصرفات تخرج من مؤمن ملتزم دينيا؟. بالتاكيد لا، وبذلك استنتج ان عظمة الدولة الاسلامية في عصرهم لم تكن نتاج الالتزام الديني بل نتاج الانفلات الديني.

- د ثائر الدباغ. هذه حقيقة وليست خيالا، وقلتها بربط الواقع. اغلب ساسة العراق هم مثليون لما فيهم من عدوانية وعنف وكره لشعبهم.

- طالب الزبيدي. اغلب الملوك يتمتعون بهذه النزوات، واصبحت موروثا واتكيت لهم. وفي القرون الاخيرة من ملوك الدولة العثمانية، يمتازون بحضور المثليين ويعملون مع النساء في القصر ومنهم من يمتاز بالدهاء.

الموقف الثاني: انكر وجود تلك الظاهرة.. اليكم نماذج منها:

- د.عبد الحميد عرعور – السعودية. هذه هرطقة يا استاذي الفاضل من هراطقة الشعوبيين لا اصل لها من الصحة على الاطلاق.

- د. احمد المعمري- اليمن . كثير مما ورد في مروج الذهب لا يعتد بها، وكثير من كتب التاريخ كانت تقولات وتخرصات، ولكن هذا لا يمنع من وجود فساد واستبداد.

- هدى العزاوي. لا اصدق.هذا تشويه صريح، واكيد هذا كيد ومكر من الفرس المجوس.

- اياد الهاشمي. لقد افلح الفرس حقا بان جعلوا العرب يتهمون اجدادهم الذين افنوا حياتهم بالفتوحات ونشر الحضارة الاسلامية، وهذا ما يغيض الفرس لأن العدو الاول ومروغ انوفهم بالتراب وكسر شوكتهم ومبدد امبراطوريتهم هو الاسلام وقادته.

الثالث: قدم تفسيرات علمية لتلك الظاهرة.. مثل:

-  حسين محمد الجبوري. الانحرافات الجنسية اسبابها فسلجية وتربوية وهي قديمة قدم الزمان.

- دكتور فراس -اخصائي نفسي. احد الاسباب هو التعرض للتحرش الجنسي اذ ان الغالبية من المثليين كانوا ضحايا للتحرش الجنسي في طفولتهم.

- عدي الخالدي. الشذوذ جينات، وكل شخص عنده هرمونات انثوية وذكرية اذا تغلب احدها على الاخر حصل الشذوذ، واحياتا تكون بسبب البيئة، والخلفاء كانت لهم الجاريات وما ملكت ايمانهم، واعتقد الملل وحب التغيير كان السبب.

الموقف الرابع: كان له موقف الناقد لما كتبه المعلّقون.. هذه نماذج منها:

- سالم بخشاي المندلاوي. قراءة سريعة للمداخلات نستشف منها حجم الخلافات والضغائن، وفقدان البوصلة بين الجماهير، وهذا هو سر الضعف فينا. لو كنا نمتلك الشجاعة ونضع النقاط على الحروف ونعطي كل ذي حق حقه لما وصلنا الى هذه الفوضى في الطروحات والرؤى.

- رعد احمد خضر. الى السادة المعترضين على توصيف بعض الخلفاء بالمثلية الجنسية.لماذا علينا ان نعتقد بان كل الخلفاء من معاوية لآخر خليفة عباسي هم ملائكة ومثاليون، وان اي اعتراض لحقيقتهم السيئة -ان وجدت -هو مس بالامة والدين!

وضمن هذا الموقف.. عتب علينا أساتذة كانوا طلبتي، ومحبون رأوا ان هذا المنشور لا يليق بنا وبتاريخنا العلمي والثقافي.

الموقف الخامس: سب وشتم وكلام بذيء يدل على ان الانفعالات تتحكم بفئة واسعة من العراقيين، وانهم دوغماتيين ومتطرفيين في التعصب المعتقدي، وتلك من افرازات حكومات ما بعد التغيير.

تعليقات ساخرة

- طالب الصراف. هذولة من زمان رافعين علم القوس قزح

- طه رشيد. فاسدين من البيضه.. هههه للمزاح فقط

الحلقة الثانية عن الأسلام والمثلية الجنسية وموقف العلم منها.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

 

جواد بشارة"على الرغم من محدودية الطبيعة البشرية في الحقيقة، إلا أنها تحمل داخلها بذرة الشك والتساؤل والخوف من المجهول واللانهاية، فهي متأصلة، وخاصة من اللانهاية."

جورج كانتور (1883)

هاك الكثير مما لا يعرفه الإنسان عملياً وتجريبياً وإنما يدركه بالحدس والتفكير والتأمل والتجارب النظرية والعقلية وليس المختبرية كما هو الحال، على سبيل المثال، بشأن النجم النابض، لكن هذه النقيصة لا تعني أن النجم النابض غير موجود، فقط، التجربة التي تثبت وجوده لم يتم إجراؤها بعد. ترتبط العديد من التجارب الفلكية بالأجرام السماوية التي تنبعث منها أشعة بشكل ضعيف للغاية. ومن الصعب رصدها، مما يدفع بأحدث التقنيات إلى أقصى الحدود الممكنة التي  توفرها التكنولوجيا للقيام بالتجارب. إذ أن نسبة الخطأ كبيرة جدا. علينا أن نأخذ بعين الاعتبار ما هو حقيقي في السماء وما تم إنشاؤه بشكل مصطنع بواسطة أدوات القياس لدينا. فكيف يتأكد الفلكي وعالم الكونيات من صحة استنتاجاته؟ من خلال تكرار التجارب، أو الأفضل من ذلك، التحقق المستقل للتجربة التي أجرتها فرق أخرى من الباحثين باستخدام مقاريب مختلفة وأدوات قياس أخرى.

هذه هي مشكلة مصداقية وصلاحية التجربة. يمكننا القول إن التجربة العلمية تكون صحيحة إذا استطعنا تكرارها وإذا أعطتنا نفس النتائج. ومع ذلك، قد يطرح السؤال على نحو مختلف. بالنسبة للمخاوف البشرية، ماذا يعني، على سبيل المثال، أن الطرف الآخر من المجرة يبعد 75000 سنة ضوئية؟ على نطاق حياتنا فإن رقم 75000 سنة ضوئية، رقم ضئيل لا معنى له. صحيح أن دراسة اللامتناهي في الكبر تجعلنا نشعر بالدوار. لإنه يقوض حدسنا وحسنا العام المرتبط بواقعنا اليومي ومحدوديته. لكن الأمر مختلف مع علماء الفلك والكونيات الذين يتعاطون يومياً بالأعداد الرياضياتية الضخمة، التي لا يمكن للشخص العادي تخيلها أو إدراكها حيث يجد صعوبة في ذلك بسبب قصور (شعوره الحدسي). تصور هذه المجرة كمياه نهر يتدفق، ويبتعد عن موجات الماضي ويقرب موجات المستقبل. الزمن يلبس حالة أخرى، الماضي ضاع في حياتنا، الذكريات تغدو منكمشة وآيلة للاندثار، بينما المستقبل، حامل الأمل والوعد، لم يأت بعد. لم يعد من الممكن تغيير الماضي البائد بينما لا يزال من الممكن تشكيل المستقبل من خلال أفعالنا. نشعر جميعًا بمرور الزمن هذا، وحركته فيما يتعلق بوعينا غير المتحرك. ومع ذلك، فإن الحديث عن مرور الوقت وحركة الزمن لا معنى له بالنسبة للفيزيائي الكوني أو الفيزيائي الفلكي. فلو سأل أحد عالم فيزياء أو كونيا ما إذا كان للزمن حركة، فما هي سرعته؟ فسوف يعتبره هذا الأخير سؤال سخيف إذ من الواضح أنه لا توجد سرعة للزمن. من ناحية أخرى، حطمت نظرية النسبية المفاهيم الكلاسيكية للماضي والمستقبل. هدم أينشتاين شمولية عالمية الزمن. علمنا أن ماضي شخص ما يمكن أن يكون حاضرًا لشخص آخر أو مستقبل شخص ثالث.

بالنسبة للفيزيائي، كما كان حال آينشتاين، لم يعد هناك تمييز بين الماضي والحاضر والمستقبل: كل لحظة متساوية. لم يعد الزمن المادي بحاجة إلى الحركة. لم يعد يتدفق، إنه موجود فقط، بلا حراك، مثل خط مستقيم يمتد نحو اللانهاية في كلا الاتجاهين.

الزمن؟ معضلة لم تحل بعد ولغز كوني دائم. ربما لأن الفيزياء لا تعرف حتى الآن كيفية وصف العمليات العقلية والنفسية. هناك رابط مفقود. لن يتم الكشف عن سر مرور الزمن حتى نفهم كيف نشعر ونفكر ونبدع ونتعاطى مع الواقع. نبدو كأننا خرفان. لكن هذا لا يمنعنا من التفكير فكريا. الزمن معطى كوني لا مفر منه لكننا ما زلنا بعيدين جداً عن توضيح كل ألغازه. 

ماذا يمكننا أن نقول عن سهم الزمن؟ هذا السؤال يتعلق باتجاه الزمن. ولكن عن أي زمن نتحدث؟ هناك الزمن النفسي الذي يمضي دائمًا. فنحن نعاني جميعًا من سهم الزمن الذي يقودنا بشكل لا يرحم من المهد إلى القبر وهو المسؤول عن هوسنا بالموت. يولد المرء طفلاً ويصبح مراهقا ويعيش ويموت. لا أحد يستطيع إيقاف أو عكس مسار الزمن النفسي. فهو لا رجعة فيه. توجد هذه اللارجعة أو اللاعودة أيضًا في العالم الماكروسكوبي، في الفضاء الخارجي الشاسع، الذي يحيط بنا والذي يحكمه ما يسمى بالديناميكا الحرارية، والديناميكا الحرارية هي العلم الذي يدرس خصائص الحرارة. في العالم الماكروسكوبي، تجري الأحداث في اتجاه واحد. يبرد كوب من الشاي الساخن على الطاولة. قطعة من الجليد تذوب في الشمس. انهارت كاتدرائية تركت لنفسها أطلالا. يتساقط الزجاج المتساقط على الأرض إلى ألف قطعة. هذه كلها مواقف في الحياة اليومية تحمل معها اتجاهًا زمنيًا. لن ترى كوب الشاي يسخن من تلقاء نفسه، ولن يعيد تكوين الماء على شكل جليد تحت أشعة الشمس، ولا أنقاض تتخلص من نفسها وتعود لتتشكل في كاتدرائية جميلة، ولا الألف قطعة من الزجاج المكسور تتجمع لإصلاح الكوب الزجاجي المتهشم.

يملي اتجاه الديناميكا الحرارية ما يسمى مبدأ الديناميكا الحرارية، الذي يقول إن الاضطراب والتقلب سمة هذا الكون (هذا ما يقوله الفيزيائيون الكونيون) ويزداد دائمًا باضطراد. الأمور تتدهور دائمًا. وتزول بمرور الوقت. البيوت المتداعية والورود تذبل. يسير هذا الزمن الديناميكي الحراري في نفس اتجاه الزمن النفسي: كل شيء يميل نحو الموت والاندثار. ستقول لي وماذا عن مبدأ حفظ المادة والطاقة؟ تكون مكونات المادة الأساسية متجانسة وموحدة للإشعاع وتنتمي الجسيمات الأولية`` الابتدائية '' إلى هذه الحالة المنظمة بشكل استثنائي والتي تتفاعل وتتطور لتخلق تكوينات أكثر تعقيداً وسمواً مثل الدماغ البشري القادر على فهم روعة الكون وطرح أسئلة حول أصله وتاريخه. في الواقع، لا يحظر المبدأ الثاني للديناميكا الحرارية ظهور زوايا النظام في الكون، طالما أن التعويض عن هذا النظام، ينم عن إنتاج اضطراب كبير. لذا، لخلق الحياة على الأرض، نحتاج إلى طاقة من الشمس. الشمس، التي تشع ضوءها الدافئ في برد الفضاء بين النجوم، تخلق الفوضى، ولكن ليس بالمعنى السائد البدائي عن الناس. هذا الاضطراب أكبر من الترتيب الضروري لظهور الحياة والوعي، بحيث تكون النتيجة الصافية زيادة في الاضطراب. هناك اتجاه ثالث للزمن وهو بالنسبة لنا غير محسوس وغير مدرك نظرا لتوسع الكون. فقد حان الوقت لتغيير الرؤية الكونية. يتحدد هذا الاتجاه الزمني من خلال حقيقة أن الكون ينتقل من الأصغر إلى الأكبر، وأن المجرات تتحرك بعيدًا أكثر فأكثر عن بعضها البعض. العلاقة بين الأزمنة الكونية والنفسية والديناميكية الحرارية ليست مفهومة جيدًا. وهنا تثار الأسئلة الأخرى. لا نعرف بعد ما إذا كان توسع الكون سيكون أبديًا. افترض أن هناك ما يكفي من المواد داخل الكون المرئي لعكس حركة التوسع. وتباعد المجرات، بدلاً من الابتعاد والتوسع إلى مالانهاية، وتلك المواد غير المكتشفة بعد هي التي ستقوم بعملية تقريب المجرات من بعضها البعض. هل سيعكس الزمن الكوني اتجاهه؟ وتتحول كومة الأحجار غير المشكلة والمنظمة، هكذا لوحدها، مع مرور الزمن، إلى كاتدرائية مهيبة؟ ماذا عن الزمن النفسي؟ هل ستكون لأدمغتنا ذكريات المستقبل بدلاً من الماضي؟ وإذا تم عكس كل عمليات الدماغ، ألن يؤمن سكان الكون المتعدد بأنفسهم بكون متسع؟ تبقى هذه الأسئلة في الوقت الحاضر دون إجابة. لقد تطرقنا حتى الآن إلى ثلاث حالات للزمن: أحادي الاتجاه والذي يكون اتجاهه هو نفسه، الزمن النفسي الذي يحكم دماغنا، الوقت الديناميكي الحراري الذي يحكم العالم الماكروسكوبي والزمن الكوني الذي يحكم الكون ... سأصف الآن الزمن المادي، الذي يحكم عالم الجسيمات التي تشكل المادة. فعلى نطاق مجهري أو ما دون ذري، لم يعد هذا الزمن المادي أحادي الاتجاه. يتقارب بروتونان، ويتصادمان، ثم يغادران. اعكس فيلم الأحداث وسيكون لديك نفس التسلسل بالضبط. القوانين الفيزيائية لم تعد تحمل داخلها سهم الزمن على المستوى دون الذري، تصبح الأوضاع قابلة للعكس تماما. يجب أن أذكر استثناءً بسيطًا فيما يتعلق بتفكك جسيم يسمى كاون kaon والذي لا رجعة فيه في أقل من 1 ٪ من الحالات والذي يحدد سهمًا "صغيرًا" من الزمن. لكن هذا الاستثناء ليس مهمًا جدًا لأن الــ kaon هو الوحيد من بين آلاف الجسيمات التي لديها مثل هذه اللارجعة أو اللاعودة. من جهة أخرى، فهي ليست موجودة في التركيبة المألوفة من الجسيمات الأولية التي تكوننا والتي تُصنع منها المجرات والكون المرئي، ولا تظهر إلا في التصادمات العنيفة داخل مسرعات الجسيمات.

هل  يفقد الزمن المادي خاصية الإنعكاس ، أي اللارجعة أو اللاعودة في المستوى  أو النطاق مادون الذري في اللامتناهي في الصغر وفي ميكانيك الكموم، وهل  يستسلم على نطاق أو مستوى الجسيمات الأولية؟ الجواب  نعم أو ربما ولكن لا أحد يعرف حتى الآن لماذا. يتم وصف سلوك الجسيمات الأولية التي تتكون منها المادة جيدًا بواسطة ميكانيكا الكموم أو الكوانتوم. لكنها، في جميع الاحتمالات، مجرد تمثيل جزئي للواقع. علاوة على ذلك، هناك مشاكل مفاهيمية في ميكانيكا الكموم لم يتم توضيحها بالكامل. نحن لا نعرف لماذا لا تطيع الجسيمات عدم رجوع الزمن، تمامًا كما لا نعرف لماذا يتبع دماغ الإنسان مرور الزمن الذي لا يرحم، من الماضي إلى المستقبل. هذا فيما يتعلق بالزمن. وهناك المكان الذي هو ليس بمعزل عن الزمن، أي الزمكان الآينشتايني.

تغير مفهومنا للمكان أيضًا منذ بداية هذا القرن العشرين. وكان آينشتاين مرة أخرى هو الذي أدخل هذه الثورة. يختلف مفهوم المكان الآينشتايني بعمق عن مكان نيوتن. كان الفضاء النيوتوني ثابتًا وغير متحرك. كان مجرد مشهد مسرح سلبي تدور فيه الدراما الكونية مع ممثليها من الكواكب والنجوم والمجرات. يمنح أينشتاين الفضاء دورًا فاعلًا. تتخلى المساحة عن طابعها السلبي وتصبح ديناميكية. يمكن أن يمتد، يتقلص، يتشوه، ينبعج، أو يتلاءم ويتواءم وفقًا للجاذبية أي إنه زمكان ديناميكي. فهناك تفاعل بين المادة والفضاء. في مجال الجاذبية الشديدة كما هو الحال في الثقب الأسود، حيث يتم طي الفضاء على نفسه بحيث لا يمكن للضوء أن يخرج. لماذا يدور القمر حول الأرض؟ يقول نيوتن إنه بفضل قوة الجاذبية التي تمارسها الأرض على القمر. بينما يقوم آينشتاين بعملية مسح واضحة لمفهوم القوة. ووفقًا له، ينحني مجال جاذبية الأرض في الفضاء حوله ويرغم القمر على أن يتبع مداره الإهليلجي حول الأرض لأنه أقصر مسار في هذا الفضاء المنحني.

يمكن أن يمتد الفضاء أو يتقلص وفقًا للسرعة التي تتحرك بها مكوناته. على سبيل المثال، ولتوضيح الصورة، إذا لاحظت وجود سفينة واقفة على الأرض، ومركبة فضائية تنتقل بسرعة 89٪ من سرعة الضوء، ستظهر لك المركبة الفضائية كأنها تقلصت لنصف حجمها عندما يكون الفضاء مشوهًا، فإن الزمن خارج المركبة ليس كما هو في داخلها. فهو أيضا يطول أو يقصر، في هارمونية مع تشوهات الفضاء. الزمن والمكان في الواقع تشكلان زوجين محكمين تكون حركاتهما مكملة دائمًا. متى يتقلص الفضاء ويمتد الزمن، ويمر على نحو أبطأ: الشخص الذي يتواجد على متن المركبة الفضائية التي تخترق الفضاء بنسبة 89 ٪ من سرعة الضوء سيمر عليه عامين هي فترة الرحلة بينما يمر الزمن على نحو أبطأ بكثير على شخص يعيش على سطح الأرض قد تصل إلى عقدين من الزمن. ويكون قد مر عليه نحو 20 عاماً. تتحول مساحة الانكماش إلى زمن يطيل ويمر ببطء أكثر. يتم التحويل بين المكان والزمان بسرعة الضوء، والثانية تعادل 300000 كم من الفضاء. لم يعد الزمان والمكان قابلين للفصل كما هو الحال في عالم نيوتن، ولكنهما مرتبطان بشكل لا ينفصم في كينونة تسمى الزمكان. نحن نعيش الآن في كون ذي أربعة أبعاد: ثلاثة أبعاد مكانية وبعد زماني واحدة. إن زمننا الشخصي البشري ليس هو زمن النجوم والمجرات ولا زمن الجسيمات الأولية. من يدرس ويستوعب نظرية النسبية الخاصة والعامة لآينشتاين عن المكان (والزمان) سيتغير إدراكه لطبيعة الزمان والمكان، كما وصفتهما النسبية، فنحن بعيدون عن الكون الأرسطي التطبيقي، فقط، نحن لا نشعر بمرونة الزمان والمكان في حياتنا اليومية، لأنه لا توجد حقول جاذبية كبيرة على الأرض (جاذبية الأرض أقل 28 مرة من جاذبية الأرض الشمس) فما بالك لو قارناها بجاذبية ثقب أسود مثلاً، ونحن نتحرك بسرعات أقل بكثير من سرعة الضوء. حتى لو أخذت طائرة الكونكورد، الأسرع من الصوت، فإنك تسافر بسرعة تقرب قليلاً من جزء من المليون من سرعة الضوء. مع مجال الجاذبية وسرعات الأرض، تكون تشوهات الزمان والمكان صغيرة وغير محسوسة. تختلف الجاذبية التي تمارسها الأرض علينا باختلاف معكوس مربع المسافة الذي يفصلنا عن مركز الأرض. الجاذبية الأقل تعني أن الزمن يصبح أقصر ويزداد سرعة. من حيث المبدأ، إن الشخص الذي يعيش في الطابق العلوي حياته أقصر من زميله في الطابق الأرضي. لكن الفارق الزمني المتراكم على مدى حياة الإنسان بأكمله ضئيل وغير مدرك، على الأكثر جزء من المليار من الثانية. بالكاد بقدر واحدة من ضربات القلب! لنأخذ مثالاً آخر. الزمن يتباطأ بالنسبة لشخص يتحرك، مقارنة بالزمن لشخص ثابت. لذلك أولئك الذين يمارسون رياضة الركض يمر الزمن عليهم بطريقة ابطأ أي يبطئ من تقدم العمر عندهم مقارنة بالآخرين. الثانية عند الشخص الذي يعمل بسرعة 1 م في الثانية تعادل 1.000000000000000005 ثانية من الشخص الثابت. يصل الرقم الأول غير الصفر إلى العلامة العشرية الثامنة عشرة. هذا الاختلاف غير محسوس حتى بالنسبة للساعات الذرية الأكثر تعقيدًا لذلك لا نشعر بمرونة الزمان والمكان في الحياة اليومية لأن التشوهات صغيرة جدًا. ولكن عندما يتعلق الأمر بمسافة 75000 سنة ضوئية يمكن أن ندرك ماهية الزمان والمكان. هذه هي مشكلة العمق الكوني. يصبح الفلكي مساحًا للكون. لتأسيس جغرافية الكون، كان عليه نشر كنوز من الإبداع من أجل تطوير تقنيات لقياس المسافات المتنوعة للغاية. لنبدأ بالمسافات بين الكواكب. هذه معروفة بدقة كبيرة من خلال مسح الرادار. مع التلسكوب الراديوي الكبير Arecibo (بقطر 300 نانومتر)، في بورتوريكو، نرسل موجات راديو تنعكس على أسطح الكواكب. يتم الحصول على المسافة بضرب سرعة الضوء بمقدار نصف وقت ذهاب وإياب الموجة الراديوية. تتيح هذه التقنية أيضًا عمل خرائط تفصيلية للكواكب وأقمارها. في الواقع، إذا انعكست الموجة الراديوية على جبل عالٍ على الكوكب، فسوف تعود بشكل أسرع، في حين ستطول مدة رحلتها ذهابًا وإيابًا إذا انعكست الموجة من وادي. بهذه الطريقة تمكنت وكالة ناسا من دراسة الجبال والأودية والوديان على القمر والمريخ بدقة عالية. لكن مسح الرادار هذا لا يتجاوز حدود نظامنا الشمسي. بلوتو، الكوكب البعيد، يبعد عنا 5.2 فقط ساعة ضوئية من الأرض، وهي ليست مسافة بعيدة. بالمقارنة مع مسافات مجرة درب التبانة، فإن نظامنا الشمسي هو مجرد ميكروب مقارنة بمدى المحيط الهادئ. لكن كيف يمكننا أن نتعمق في أعماق الكون؟

لقياس المسافة إلى أقرب النجوم، في غضون 100 سنة ضوئية، يستخدم الفلكيون ما يسمى بطريقة المنظور الكوني، والتي تستخدم الحركة السنوية للأرض حول الشمس. نلاحظ النجم في وقتين مختلفين، يفصل بينهما ستة أشهر، على سبيل المثال في يناير ويوليو، عندما قامت الأرض بنصف دورتها حول الشمس. نلاحظ أن النجم القريب يتحرك بالنسبة للنجوم البعيدة. لا ترجع هذه الحركة إلى حركة فعلية للنجم القريب، ولكن إلى حقيقة أن موقع المراقب تغير أثناء سفر وحركة الأرض. بمعرفة المسافة التي تفصل بين مواقع الأرض في يناير ويوليو (حوالي ضعف المسافة بين الأرض والشمس) والزاوية التي تحرك النجم القريب تحتها، يمكننا استنتاج المسافة بين النجم والأرض عن طريق حساب المثلثات البسيط. في الواقع، بعد مرور 100 عام ضوئي، تكون الإزاحة الواضحة للنجم بسبب حركة الأرض صغيرة جدًا لدرجة أنها لم تعد ملموسة. يجب أن يلجأ الفلكي بعد ذلك إلى طرق أخرى لاستعادة المنظور الكوني.

المنارات الكونية، تتجلى من خلال نوع من النجوم يسمى السيفيد. لدى السيفيدات خاصية استثنائية: فهي تختلف في السطوع بشكل دوري. فهي تلتمع بكل سطوعها. لبضعة أيام، ثم يخفت ضوءها؛ لبضعة أيام أخرى، ومن ثم تعود مشرقة كما كانت من قبل. يعتقد علماء الفلك أن هذا الاختلاف في السطوع ناجم عن تقلص دوري وتوسع في سطح النجم. لا يتم هذا الاختلاف بشكل عشوائي، ولكنه يتبع نمطًا دقيقًا جدًا: يرتبط الزمن بين وحدتي سطوع قصوى أو اثنتين من السطوع المتتالي (تسمى الفترة)، بالسطوع الداخلي للسيفيد. فكلما كان أكثر إشراقا، كلما طالت مدتها. تفتح هذه الخاصية باب السماوات لعلماء الفلك: يكفي تحديد فترة السيفوية لاستخلاص تألقها الجوهري. هذا، مجتمعة مع اللمعان الظاهر، ليعطي ذلك المسافة الفاصلة  بدقة.

السيفيدات هي نجوم ساطعة إلى حد ما يمكن رؤيتها إلى أقاصي المجرة، وحتى أبعد من ذلك. باستخدام هذه المنارات الكونية، يمكن للفلكي من تحديد أن مجرتنا درب التبانة على شكل قرص رفيع جدًا، بقطر 90.000 سنة ضوئية ويحتوي على 200 مليار شمس أو أكثر قليلاً. هذا القرص، الذي نرى حافته في ليالي الصيف الجميلة، يعطينا المشهد الرائع للقوس الأبيض الجميل الذي يعبر السماء. ولكن أين نحن من هذا الفضاء  الشاسع والمرعب؟

يستمر شبح كوبرنيكوس في صنع نفسه: فهو لا يكتفي بإزاحة الإنسان والأرض من مكانهما المركزي في الكون، بل سيجعلنا نكتشف أيضاً أن الشمس ليست في مركز درب التبانة. هارلو شابلي، عالم فلك أمريكي، درس في العشرينيات التوزيع المكاني للمجموعات الكروية، مجموعات كروية من100000 نجم مرتبط بالجاذبية، اكتشف أن هذه العناقيد مرتبة حول درب التبانة في حجم وشكل كروي، ولكن مركز كل هذه المجموعة ليس في موقع الشمس، ولكن في موقع يبعد 30000 سنة ضوئية. تصبح الشمس نجمًا بسيطًا في الضواحي، يقع عند ثلثي نصف قطر القرص المجري، نحو الحافة. ما يجعل دورته حول مركز المجرة تتم كل 250 مليون سنة، وكانت شمسنا ومنذ ولادتها قد أتمت 18 دورة حول مجرة درب التبانة التي تنتمي إليها. المسالة باتت أكثر تعقيداً عندما اكتشف العلماء أن هناك مليارات المليارات من المجرات الأخرى لكن كيف اكتشفنا وجود مجرات أخرى؟ منذ نهاية القرن التاسع عشر ولغاية بداية القرن العشرين، لم نكن نعرف ما إذا كانت مجرتنا هي الوحيدة في الكون، أو إذا كانت هناك مجرات أخرى. بالرغم من أن التلسكوبات الكبيرة التي تم إنشاؤها حديثًا كشفت وجود العديد من بقع السدم في السماء، والتي لم تكن نجومًا، ظلت طبيعتها غامضة. إيمانويل كانط، الفيلسوف الألماني، اعتقد بالفعل، في عام 1775، أن مجرة درب التبانة لا تشغل الكون بأكمله وأنه يجب أن تكون هناك أنظمة أخرى في الكون، -جزر كونية أخرى، أبعد بكثير من مجرتنا. لكن هذه كانت تكهنات فلسفية محضة: لم تُثبت علمياً آنذاك. كان إدوين هابل هو الذي وجد مفتاح المشكلة. باستخدام النجوم السيفيد في مجرة أندروميدا، إذ تمكن من تحديد أن هذه الأخيرة تبعد 2 مليون سنة ضوئية عن مجرتنا، أي تتجاوز حدود درب التبانة. ندرك أن ضوء أندروميدا الذي يأتي جنبًا إلى جنب في مقاريبنا بدأ رحلته في بداية البشرية، عندما ظهر الإنسان الأول على الأرض. لقد أثبت الحدس الكانطي اللامع لـ الأكوان – الجزر أنه كان صحيحًا. منذ ذلك الحين، استمر العالم خارج المجرة في النمو. اليوم، تضيع مجرة درب التبانة بين 200 مليار مجرة في الكون المرئي أو ربما أكثر، يمتد نصف قطرها إلى 15 مليار سنة ضوئية. لقد تقلص الإنسان في الفضاء. نحن أصغر من مجرد جسيم مادي مادون ذري في الكون. وبالمثل، تقلص موقع البشر وأهميتهم إلى حد كبير بمرور الوقت. وهذا ليس مفاجئًا لأن الفضاء يسير جنبًا إلى جنب مع الزمن، حيث يرتبطان معًا بسرعة الضوء. لإثبات عدم أهمية التاريخ البشري في تاريخ الكون، لنتفحص تقويمًا كونيًا يعزى إلى كارل ساغان، حيث يتم ضغط 15 مليار سنة من الكون في عام واحد. سيحدث الانفجار الكبير في 1 يناير. سيحدث تشكيل درب التبانة في 1 أبريل-نيسان. لن يتشكل النظام الشمسي حتى 9 سبتمبر-أيلول. ستظهر أول خلية حياة على الأرض في 25 سبتمبر. أقدم الأحافير (تلك الخاصة بالبكتيريا ريس والطحالب الزرقاء) من 9 أكتوبر. سيتم اختراع الجنس عن طريق الكائنات الحية الدقيقة في 1 نوفمبر كل ارتقاء للإنسان سيحدث في الشهر الأخير من العام. دخلت أول سمكة المشهد في 19 ديسمبر. ستصل الزواحف الأولى في 21 ديسمبر. ستظهر الأشجار الأولى في 23 ديسمبر، أول الديناصورات في 24 ديسمبر، أول الثدييات في 26 ديسمبر والطيور الأولى في 27 ديسمبر.

سيشهد 28 ديسمبر إبادة واختفاء الديناصورات، ربما بعد تأثير اصطدام كويكب أثار سحابة كبيرة من الغبار، مما يحجب ضوء الشمس. ثم يغطي البرد الأرض ويقتل النباتات والحيوانات العاشبة. لن يظهر الإنسان المتحضر حتى الدقيقة الأخيرة من اليوم الأخير من السنة. سيتم إنتاج لوحات كهوف ليسكو Lascaux في الساعة 11.59 مساءً 31 ديسمبر. الحضارات الرافيدينية كالسومرية والبابلية والآشورية والحضارة المصرية ظهرت على الأرض وعلم الفلك سوف يرى ضوء النهار فقط في آخر 10 ثوانٍ من العام الساعة 11:59:59 مساءً أن بوذا والمسيح سيظهران فقط خلال الثواني الخمس الأخيرة (تاريخ ميلادهما هو 31 ديسمبر في

11.59.55 مساءً و11.59.56 مساءً، النهضة ستحدث في أوروبا وولادة العلم خلال الثانية الأخيرة من العام وغزو الفضاء، والبحث عن حياة أخرى على كواكب أخرى، ولأن الذكاء سيف ذو حدين، فإن قدرة الإنسان على التدمير الذاتي لن تحدث إلا في آخر جزء من الثانية من السنة. لذلك ترى أن الإنسان تقلص إلى حد كبير في الوقت المناسب. تسارع صعود التعقيد تدريجيًا نحو النهاية، ويمثل الإنسان المتحضر جزءًا بسيطًا من مدة التطور الكوني.

تطور علم الفلك بشكل جيد منذ ذلك الحين. لم تكن هذه الإسقاطات المجسمة في السماء علمية للغاية. اكتشفنا ألمع النجوم في الأبراج. لقد ربطناهم عقليًا بخطوط مستقيمة وحددنا الأشكال الهندسية التي تم الحصول عليها مع الأشكال المألوفة من الحياة اليومية. لم تكن هذه التشكيلات المخصصة للأبراج عالمية، ولكنها اختلفت وفقًا للمجتمعات والثقافات. لم تكن الأبراج الصينية مماثلة لتلك التي لدى الإغريق. الفلكي الحديث لم يعد يتوق وينقاد لرغباته ونبضات في السماء. بفضل الضوء الذي يحمل معلومات تم جمعها في تلسكوباته، قام بتفكيك رسالة السماء بطريقة علمية. بفضل قوانين الفيزياء والملاحظات الفلكية، يعرف أن النجوم التي تتكون منها الأبراج تتحرك وأن أحفادنا في غضون بضع مئات الملايين من السنين لن يروا نفس الأنماط. الظواهر غير العادية التي نكتشفها في الكون، النجوم الزائفة، النجوم النابضة، الثقوب السوداء، سوف نتفهمها كحقائق جديدة، ولكن بالتأكيد ليست إسقاطات لأوهام ورغبات وعينا البشري. العالم موجود بشكل مستقل عن دماغ الإنسان الذي يكتشفه. الكون ليس نتاج نشاط الدماغ البشري. غالبًا ما تكون أبسط الأحداث هي الأكثر إفادة. تم صياغة مشكلة ظلام السماء بالرغم من مليارات النجوم في عام 1823 من قبل الألماني هاينريش أولبرز Olbers وغالبًا ما يُعرف باسم "بار دوكس دولر"، على الرغم من أن آخرين، مثل كيبلر، كانوا مهتمين بذلك قبله. كان لدى أولبرز المنطق التالي: وفقًا لنيوتن، كان الكون لا نهائيًا، يسكنه عدد لا نهائي من النجوم. هذا يعني أنه، أينما تحولت النظرة، يجب أن تلتقي دائمًا بنجم ذو سطوع يضاهي نجم الشمس. يبدو الأمر كما لو كنت في وسط غابة كثيفة للغاية. أينما نظرت، سيتم إيقاف بصرك من خلال جذع شجرة. يجب أن يكون الليل مشرقاً مثل النهار. ومع ذلك فهو أسود معتم ومظلم. كانت هناك محاولات عديدة لتفسير هذه الفقرة، وقد ثبت أنها غير صحيحة. كان علينا أن ننتظر حتى ظهور نظرية الانفجار العظيم في القرن العشرين لحل المشكلة. في الواقع، الانفجار العظيم يحدد للكون المرئي بداية مفترضة، لأنه لم يكن موجودًا دائمًا قبل الانفجار العظيم. تم إنشاؤه قبل 13.8 مليار سنة فقط. لأن انتشار الضوء ليس لحظيًا ويستغرق وقتًا للوصول إلينا، يمكننا فقط رؤية النجوم والمجرات التي تكون على مسافة تساوي أو تقل عن 14 مليار سنة ضوئية. فالضوء القادم من الأجرام السماوية الواقعة خارج هذا الأفق لم يكن لديها الوقت حتى الآن للوصول إلينا. لأن رؤيتنا لا تمتد إلى ما لا نهاية، لا يمكن أن يكون هناك عدد لا نهائي من النجوم. بالإضافة إلى ذلك، نحن نعلم اليوم أن النجوم لا تتألق إلى الأبد. فهي تولد وتسطع وتتفاعل طاقوياً وتموت عندما ينفد الوقود. وذلك يقلل عددها مع مرور الزمن إلا إذا افترضنا استمرار عمليات ولادة نجوم أخرى على الدوام. ومع ذلك يمكن أن تكون السماء مظلمة لأنه لا يوجد عدد لا نهائي من النجوم. كانت هذه مشكلة حيرت إدغار آلان بو بشكل كبير. لقد كتب بعض الصفحات اللطيفة للغاية حول هذا الموضوع.

فكر إدغار ألان بو بجدية شديدة في مشكلة الليل المظلم والسماء المظلمة التي تنبأ بها: لقد كتب عنها بطريقة شعرية للغاية: بدلاً من النجوم التي أوقفت المنظر أينما تحولت، تحدث عن الجدران الذهبية للكون الذي أغلق العين. حتى أنه اقترح في عام 1848 (بعد خمس وعشرين سنة فقط من بيان المفارقة من قبل Olbers) حلاً يشبه بشكل مدهش الحل الحديث للمشكلة. في مقال بعنوان "يوريكا"، قصيدة نثرية، أطلق العنان لتأملاته الكونية، وتحدث عن كون في حالة التمدد والانكماش الإيقاعي والليل المظلم لأن الفضاء شاسع جدًا لدرجة أن الضوء من الجدران الذهبية لم يكن لديه الوقت للوصول إلينا. لم يكن إدغار ألان بو مجرد خبير في فن التخيل وكتابة القصص المثيرة، وبهذه الطريقة اخترع القصة البوليسية. كان لديه أيضًا حدس مذهل حول الكون، والذي تم تأكيده بعد ذلك بقرن من خلال اكتشاف توسع الكون ونظرية الانفجار العظيم التي تلت ذلك. تتحدد علاقة الإنسان بالكون من خلال المبدأ الأنثروبي anthropie وهنا يجب أن نوضح أولاً أن مصطلح الإنسان يأتي من الكلمة اليونانية anthropos التي تعني الإنسان. المبدأ الأنثروبي anthropie الإنسي، كما أسماها عالم الفيزياء الفلكية الأسترالي براندون كارتر، يتحدث عن الرابط الذي يوحد الإنسان بالكون. إنه يحتج على رؤية الموت للمفكرين مثل عالم الأحياء الفرنسي جاك مونود، الذين لا يوجد لديهم هذا التوجه والاعتقاد. ظهر الإنسان بالصدفة في كون لا يبالي به. وهذه هي النسخة الضعيفة من مبدأ الأنثروبي لكنها واضحة: خصائص الكون أن تكون متوافقة مع وجودنا. يجب أن تمتلك كل ذرة ونجم ومجرة وقوانين فيزيائية تحكمها، تمامًا، وهي الخصائص المطلوبة لتوليد كائن قادر على الوعي والذكاء. إذا كان الكون أكثر سخونة أو برودة، أكبر أو أصغر، إذا كان توسعه أسرع أو أبطأ، فلن نكون موجودين للحديث عنه. نحن نعلم أننا موجودون وأن خواص الكون يجب أن تنظم من أجل تفضيل وجودنا. إن المبدأ الأنثروبي البشري الضعيف واضح لدرجة أنه مقبول من جميع العلماء. لكن الأمر الأكثر إثارة للجدل هو النسخة القوية من هذا المبدأ. يفترض المبدأ الأنثروبي القوي وجود نية في الطبيعة؛ يقول إن الكون يميل نحو الإنسان. في حين أن المبدأ الضعيف يرضى بالقول إن وجودنا يعتمد على كون صالح للسكن ليس إلا، فإن المبدأ القوي يقول إن الكون يجب أن يكون بالضرورة صالحًا لظهور الحياة وهو موجود ومصمم لهذه الغاية بالذات. لقد عبر الفيزيائي الأنجلو أمريكي فريمان دايسون بإيجاز عن المبدأ الأنثروبي القوي: " في مكان ما، عرف الكون أن الإنسان قادم " أود هنا توسيع مبدأ الأنثروبولوجيا. وأتحدث عن الإنسان، ولكن ربما يكون من الأدق التحدث عن الوعي أو الذكاء القادر على فهم جمال الكون وتناغمه. حتى إشعار آخر، يمثل الإنسان (مع بعض الأنواع الحيوانية القريبة منه) الشكل الوحيد للوعي والذكاء الذي نعرفه، ولكنه ذكاء إضافي. الحضارات البشرية الأرضية قد تكون موجودة أيضاً على كوكب آخر يدور، حول نجم آخر مثل شمسنا. أنا مندهش دائما عندما أعتقد ذلك فهناك 100 مليار خلية عصبية في دماغي قادرة على تحقيق درجة كافية من التنظيم المعقد ومعدة لاكتشاف القوانين الفيزيائية والرياضية التي تحكم الكون. كيف تم ترتيب هذا النظام العصبي حتى نتمكن من إدراك الكون الذي أنتجنا؟ لأننا مجرد غبار نجمي، مصنوع من عناصر كيميائية متموضعة في بوتقات نجمية، تطرد في الوسط النجمي بواسطة المستعرات الكبرى السوبرنوفا supemovas. اجتمعت هذه العناصر معًا لتشكل كواكب وملاذات الحياة. لا يوجد سبب، بداهة، يمكننا من اكتشاف قوانين تبدو جيدة لتبني الخطوط المتعرجة للطبيعة. وهذه القوانين التي نضعها في زاوية صغيرة من العالم، على حبة الرمل الصغيرة في الكون، يمكن أن تفسر الظواهر التي تحدث على بعد مليارات السنين الضوئية. يمكنني أن أفسر الخواص الفيزيائية للأجرام السماوية حتى الآن لأن ضوءها انطلق حتى قبل أن تصنع الذرات في جسدي.هذا هو الذهول الذي أراد آينشتاين أن يعبر عنه بقوله "أن ما هو غير مفهوم هو أن الكون مفهوم"  ، أو حتى الفيزيائي الهنغاري الأمريكي يوجين وينر عندما تحدث عن" الفعالية المذهلة للرياضيات"  في وصف العالم. باختصار، يمكننا تلخيص المبدأ الأنثروبي القوي بالقول إنه هدية من الوعي للسماح لنا بالتفكير في كيفية خلق العالم. نعم. أعتقد أن للكون معنى فقط إذا كان هناك مراقب يصبح مدركًا له. لا يوجد سبب لوجود كون خالي وعقيم. ما هو الأساس العلمي للمبدأ الأنثروبي؟ يرتكز مبدأ الأنثروبي على ملاحظة أن الكون يبدو منظمًا بدقة استثنائية حتى يظهر الوعي فيه. كيف نعرف؟ بالطبع، لا يمكنك إعادة الانفجار الكبير في المختبر للتحقق من هذا الإعداد، لأن ظروف الكون عند ولادته كانت شديدة للغاية. لقد كانت ساخنة وكثيفة لدرجة أنه لإعادة إنتاج الطاقة في اللحظة الأولى، سنحتاج إلى معجل للجسيمات بحجم الكون المرئي برمته، فمن المستحيل تحقيق ذلك. ولكن، من ناحية أخرى، يمكن للفيزيائيين الفلكيين وعلماء الكونيات الكوزمولوجيين أن يلعبوا دور الإله الإبداعي باستخدام أجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم ومعادلاتهم لبناء نماذج الكون عن طريق المحاكاة، والتي أسميها أكوان اللعب. لفهم كيفية تطوير هذه الأكوان الافتراضية، يجب أن تعرف أن كوننا يتحدد بأربع قوى أساسية وجوهرية وخمسة عشر رقمًا تسمى الثوابت الفيزيائية. تحكم القوى الأربع (قوة الجاذبية، والقوة الكهرومغناطيسية، والقوى النووية القوية أو الشديدة والقوة النووية الضعيفة) أي تفاعل بين جسيمين في الكون. تحدد الثوابت الفيزيائية، من بين أشياء أخرى، حجم وكتلة الأشياء في الحياة. هذه هي الأرقام التي تحدد وزنك، حجمك، وزن الأرض أو كتلة النجوم. كان من الممكن أن تختار الطبيعة بالفعل أن تجعلنا بحجم النمل ووزن الريشة بدلاً من أن يبلغ ارتفاعنا في المتوسط 1.60 م ووزننا 65 كغم. هذه الأرقام، على سبيل المثال، سرعة الضوء، كتلة البروتون أو الإلكترون، ثابت بلانك الذي يحدد حجم الذرات، أو ثابت الجاذبية الذي يحدد شدة قوة الجاذبية. تم تحديد قيمة هذه الأرقام بدقة كبيرة في مختبراتنا، ولكن ليس لدينا نظرية لتفسير سبب امتلاكها تلك القيم بدلاً من أخرى. لا نعرف لماذا ينتشر الضوء بسرعة 300000كم في الثانية، بدلاً من 3 م في الثانية. هذه الأرقام مقدمة لنا وعلينا أن نعيش معها وهي موجودة في الأساس قبل وجودنا ونحن اكتشفناها. يقوم علماء الفيزياء الفلكية ببناء سلسلة من أكوان المحاكاة الافتراضية مع قوانين وثوابت فيزيائية مختلفة في كل مرة. والسؤال النهائي هو بالطبع: هل ينشأ الوعي في نهاية 15 مليار سنة؟ أخيرًا، الوعي كما نعرفه، الذي تكون ركائزه مادة عضوية، استنادًا إلى الكيمياء الحيوية للكربون والمصنوعة من اللوالب المتشابكة للحامض النووي DNA. هذا النوع من الدراسة هو بالضرورة مجسم، وهذا هو النقد الموجه ضدهم بشكل عام، ولكن، حتى إشعار آخر، نحن الشكل الوحيد للحياة الذي نعرفه في الكون.

هل ما هو موجود في هذه الأكوان الافتراضية وهم أم يمكن أن يكون حقيقة؟ الجواب مدهش: الغالبية العظمى منها عقيم. إنها تخلو من الحياة والضمير والوعي. ولو قمنا بتغيير الثوابت المادية قليلاً لن تظهر الحياة. لنأخذ بعض الأمثلة. دعونا نزيد من كثافة القوة النووية القوية بنسبة قليلة. لن تظل البروتونات، في نوى الهيدروجين، قادرة على البقاء حرة. سوف تتحد مع البروتونات والنيوترونات الأخرى لتكوين نوى ثقيلة. بدون هيدروجين، لا يوجد ماء، لا حمض نووي ولا حياة. فلنخفض بعد ذلك كثافة القوة النووية القوية. لن يتمكن الهيدروجين من الاندماج في الهيليوم، ولن تكون التفاعلات النووية قادرة على البدء في قلوب النجوم. لن تكون هذه قادرة على توفير الطاقة والعناصر الثقيلة الضرورية للحياة. بما أن القوة النووية القوية ترفض السماح لنفسها بالتغيير، فلنقم بضرب كثافة الجاذبية في 10. الكون سيكون أصغر، وسوف تتسارع حياة النجوم. لن يكون للنجوم سوى جزء واحد من المليون من كتلة الشمس، أي أن كتلة أقل بـ 10 ملايين مرة من كتلة شمسنا، تعني أن الكائنات الحية ستعيش فقط لمدة عام وتستهلك الشمس كل وقود الهيدروجين الخاص بها بسرعة كبيرة جدًا ما يعني عدم توفر الزمن اللازم للسماح بالتطور الكوني لتسلق سلم هرم التعقيد الذي يؤدي إلى الحياة. حتى لو كان من الممكن تشكيل هياكل الحياة، فإنها لا يمكن أن تنمو لأنها ستنكسر بسبب الجاذبية. في وضع اليأس، دعونا نخفض شدة قوة الجاذبية. تصبح الجاذبية ضعيفة جدًا لدرجة أن السحب بين النجوم لم تعد قادرة على الانهيار لتولد النجوم. بدون نجوم، لا معادن ثقيلة ولا حياة. يمكنك تغيير أي ثابت مادي آخر، والنتيجة هي نفسها دائمًا: إن أكوان المحاكاة الافتراضية التي تختلف قوانينها وثوابتها الأساسية قليلاً عن قوانيننا هي دائمًا عقيمة وخالية من أي مراقب. باختصار، تمت تسوية   هذه الثوابت مسبقاً قبل وقوع الانفجار العظيم، كل هذا يستغرق وقتًا، على الأقل بضع مليارات من السنين. وهذا هو سبب كون الكون المرئي كبير جدًا، يمتد نصف قطره لأكثر من 15 مليار سنة ضوئية. الكون كبير في الزمان والمكان لأنه كان بحاجة إلى هذه العظمة لتحضير ظهور الوعي. لا ينبغي أن يكون باسكال حريصا أمام "الصمت الأبدي لهذه المساحات اللانهائية" المساحات التي لا حصر لها هي التي جعلت الكون صالحًا للسكن وفق مبدأ الأنثروبي. فمركزية الكينونة. ليس في المكان أو الزمان، ولكن في تصميمات الكون وهندسته. هناك خياران ممكنان يتمثل الأول في القول بأنه لم يكن هناك تعديل وأن كل شيء حدث صدفة. في هذه الحالة يمكننا استحضار نظرية الأكوان الموازية للفيزيائي الأمريكي هيوغ إيفريت ، وكلها منفصلة عن بعضها البعض ولا يمكن الوصول إليها لرصدها. يتم تمكين هذه النظرية بواسطة ميكانيكا الكموم. في هذه الأكوان المتوازية، سيكون هناك كل مجموعات ممكنة من الثوابت والقوانين الفيزيائية. الغالبية العظمى من الأكوان ستكون عديمة الجدوى باستثناء كوننا، الوحيد ربما الذي فاز بالجائزة الكبرى على حد تعبير العالم بول ديفيز! وهكذا فإن علم الكونيات الحديث يعطي الأمل للإنسان. يخبرنا أننا في تعايش مثالي مع كون لم يعد غير مبال لنا وقد تم إنشاؤه بطريقة دقيقة للغاية للسماح لنا بأن نكون هناك. واليوم، لكي يظهر الإنسان، يجب على النجوم الضخمة أن تصنع العناصر الثقيلة الأساسية للحياة (مثل النيتروجين أو الأكسجين)، التي في نهاية وجودها، في عذابها المتفجر، تنشر هذه العناصر في الوسط النجمي لتوليد الكواكب التي ستنشأ فوقها الحياة. يتألف أحد أشكال هذه الفكرة من الأكوان الموازية، بفضل الفيزيائي الأمريكي جون ويلر ، في القول بأن الكون يمر بسلسلة من التوسعات والانقباضات والانكماشات، وأنه يعيد قوانين مختلفة وثوابت فيزيائية مع كل توسع جديد. نحن، بالصدفة، في دورة توسع حيث يؤدي الجمع بين الثوابت الفيزيائية إلى ظهور الوعي. مرة أخرى، هذا السيناريو، في الوقت الحاضر، يصنف في عالم الخيال العلمي. لا نعرف ما إذا كان الكون سينهار أم لا. لقد تحدثنا بالفعل عن ذلك. وحتى إشعار آخر، فإن توسع الكون أبدي. الخيار الثاني هو رفض فكرة الصدفة. ونعتقد إن كوننا فريد من نوعه، وكان هناك تعديل دقيق للغاية، تم إجراؤه بواسطة مبدأ الخلق لإحضار ذكاء قادر على فهم هذا الكون. لنستخدم عنوان كتاب مونود الشهير، علينا أن نختار بين "الصدفة والضرورة"!

لا يمكن للعلم أن يقرر بين هذين الخيارين. هناك من يراهن على الاحتمال الثاني ، مثل العالم الفيزيائي الفرنسي من أصل فيتنامي تران هيوان ثيوان ، البوذي المتدين، لأنه يجد أن من السهل جدًا افتراض ما لا نهاية من الأكوان التي يتعذر الوصول إليها للمراقبة والتحقق التجريبي. وهذا يسيء إلى بساطة واقتصاد القوانين الطبيعية. لماذا تخلق مليارات الأكوان التي تكون كلها عقيمة ولا تحصل إلا على كون واحد خصب؟ أيضا، القول بأننا هناك بالصدفة يعني أن الكون ليس له معنى وهذا يؤدي إلى اليأس. شاهد صرخة الضيق للعالم الحاصل على جائزة نوبل الأمريكية في الفيزياء ستيفن واينبرغ: "كلما زاد فهمنا للكون، كلما بدا لنا بلا معنى".  فلماذا لا تراهن على المعنى والأمل بدلاً من ذلك؟ علماً أنه لا يمكن أبدًا إثبات المبدأ الانثروبي القوي علميًا. يعمل المبدأ الأنثروبي في الاتجاه المعاكس للنهج المعتاد للعلوم. يتوقع العلم أنه خلال 4.5 مليار سنة، تصبح الشمس عملاقًا أحمر، سوف تنتفخ لتغمر عطارد والزهرة، ثم تنهار لتصبح قزمًا أبيض ما يعني نهاية كل أشكال الحياة على الأرض. إن المبدأ الأنثروبي هو بيان خلفي: نحن هناك. ماذا يمكننا أن نقول عن الظروف الأولية للكون؟ في حد ذاته، لا يمكن للمبدأ الأنثروبولوجي أن يحمل حقائق عظيمة. حتى أن بعض العلماء يتهمه بأن يكون له تأثير ضار. ولإثارة فكرة النهاية، لمشروع الكون، فإن المرء يخاطر بفقدان اكتشافات عظيمة. في الواقع، إذا رضينا، لأي ظاهرة غير مفسرة في الطبيعة، أن نرد: "يجب أن تكون الأمور على هذا النحو حتى يصبح الوجود البشري ممكنًا!»، لن يتقدم العلم. لا، أعتقد أن المبدأ الأنثروبولوجي يمكن أن يوجه حدسنا إلى توجيهنا إلى الطريق الصحيح الذي سيقودنا إلى كشف أسرار الطبيعة، ولكن لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يحل محل النهج العلمي الكلاسيكي. لم يجلب لنا التفكير الأنثروبي حصادًا من الاكتشافات العلمية، ولكن هناك حالة واحدة على الأقل في سجلات العلوم حيث جعل هذا النوع من التفكير من الممكن اتخاذ خطوة كبيرة إلى الأمام.

القصة تستحق الرواية، لأنها جميلة. في الخمسينيات من القرن الماضي، كانت نظرية الانفجار الأعظم لا تزال في مهدها. لقد علمنا بالفعل أنه لا يمكن إنتاج الهيدروجين والهيليوم إلا في الانفجار الكبير، وأن جميع العناصر الأخرى تدين بوجودها للكيمياء النووية للنجوم. لكن كان هناك لغز كبير: كيف صنعت النجوم الكربون من الهيليوم، الكربون الذي هو أساس الحياة؟

لصنع نواة كربونية، يجب لحام ثلاث نوى هيليوم معًا. اللحام الثاني سهل. يتم تسخين الغاز الموجود في قلب النجم إلى عشرات الملايين من الدرجات، وهي درجة حرارة تؤدي إلى تصادمات شديدة بين نوى الهيليوم. خلال هذه التصادمات، يمكن الجمع بين نواتين بفضل القوة النووية القوية التي تعمل كغراء. لكن احتمال لقاء ثلاثة في نفس الوقت منخفض للغاية. ربما يصنع النجم بعد ذلك نوى الكربون على مرحلتين: الجمع بين نواتين من الهيليوم لتكوين نواة البريليوم، ثم دمج نواة البريليوم مع نواة الهيليوم لإنشاء نواة الكربون. ولكن لأجل ذلك، فإن مستويات الطاقة لهذه العناصر الثلاثة يجب أن تكون متوافقة. قام عالم الفيزياء الفلكية البريطاني فريد هويل (الشخص الذي اقترح نظرية الكون الثابت) بالحسابات ووجد أن مستوى طاقة الكربون الذي حصل عليه لا يتوافق مع أي من تلك المستويات المعروفة. ثم قام بعمل تجربة فكرية: نحن موجودون ومصنوعون من الكربون، لذا يجب أن يكون هذا المستوى من الطاقة موجودًا! كان قادرًا على إقناع ويليام فاولر بالذهاب إلى مختبره، ووجد مستوى طاقة الكربون بالضبط حيث تنبأ هويل! لقد استرشد التفكير الأنثروبي بحدس هويل، لكنه لم يستطع التوقف عند هذا الحد. لكي يتم قبول النظرية، يجب اختبارها تجريبيًا. لقد تحدثنا أعلاه عن هذه الثوابت التي تم تنظيمها بدقة بحيث يمكن أن يظهر نوع معين من الذكاء أو الوعي داخل الكون. من المدهش أن نرى تفاعلهم مع بعضهم البعض. هناك تضامن بين القوانين الفيزيائية بنفس الطريقة التي يوجد بها تضامن بين الألواح الأولية. علم الكون الحديث أعاد الإنسان إلى الكون. إنه يشعر بالتضامن مع العالم لأنه يعرف أن الكون هو الذي خلقه. من فراغ مملوء بالطاقة، على مدى 14 مليار سنة تقريباً، تسلق الكون خطوة بخطوة هرم التعقيد لينتج بدوره الكواركات والبروتونات والإلكترونات والذرات والجزيئات، النجوم والمجرات والكواكب والرجال. لقد ذهبت الرؤية اليائسة للقرن التاسع عشر لكائن غريب فقد في الكون منذ فترة طويلة.

إن ظهور الوعي هو بالنسبة للعديد من العلماء بمثابة  استمرارية من نفس نوع الانفجار الكبير ، وهذا يعني قطيعة جذرية مقارنة بما كان موجودًا من قبل (على الرغم من أن الجزء الأمامي من الانفجار الكبير هو فكرة غير محددة) أو حتى عندما ظهرت الحياة ، عندما كان هناك نوع من حساء البريبايوتك مع تركيبات خفية من العناصر الكيميائية؟ هل هناك عنصر مختلف جذريًا عن لحظة ظهور الوعي؟ يشدد علماء البيولوجيا على صعوبة التحديد الدقيق للحظة التي نشأ فيها الوعي خلال التطور الدارويني. يبدو أن الذكاء بين أنواع الحيوانات مرتبط بنسبة كتلة الدماغ إلى كتلة الجسم. هذه النسبة أعلى بكثير بالنسبة للثدييات (التي ننحدر منها) والطيور منها للأسماك والزواحف. على سبيل المثال، يمكن أن يزن الديناصور 10000 كغم ولديه دماغ واحد فقط لا يتعدى الــ 50 غرامًا، بينما يمكن للدماغ البشري أن يزن 10مرات أكثر، أي 500 غرام، في حين أن وزن جسده 70 كغم فقط. ليس هناك شك في أن الإنسان أذكى من الديناصور. لكن التمييز أقل وضوحًا عندما يتعلق الأمر بالحيوانات الرئيسية مثل الشمبانزي أو الدلافين الذين لديهم علاقة دماغ / جسم قريبة جدًا من العلاقة الموجودة لدى البشر. هل لدى إنسان الغاب البدائي أو الدلفين ضمير؟ هل هناك حقا تقارب بين هذه الأنواع الحيوانية والبشر؟ لا شيء مؤكد. تظهر الدراسات ذلك حيث تتواصل قردة الشمبانزي والدلافين من خلال لغة خاصة لديها يمكننا تعليم لغة إشارة الشمبانزي، ونتواصل بها معها لكنها بدائية ومحدودة وبواسطتها تظهر هذه الحيوانات مشاعر إنسانية تمامًا مثل الحب أو الحزن أو الفرح أو الشفقة أو الألم. بالطبع، لا نراهم يبنون الكاتدرائيات، أو كتابة رواية الحرب والسلام أو لتأليف السيمفونيات، لكن القرد أو الشمبانزي لا يفهم ألا يملك جمال الكون بطريقته الخاصة؟ رأينا عصابات من الشمبانزي مصدومة أمام غروب الشمس. فالإنسان هو كائن واعٍ لنفسه وبيئته، قادر على فهم الكون من حوله، ويطرح أسئلة حول وجوده ومصيره. فرسومات كهف لاسكو، على سبيل المثال، دليل على إنسانية البشر،وممارسة الفن طريقة لتجاوز الوجود الحيواني البحت. كان لدى الرجل في كهوف لاسكو بالفعل قشرة جديدة متطورة مكنته من القيام بأنشطة لم تعد مخصصة حصريًا لبقائه على قيد الحياة أو لإرضاء غرائزه الأساسية، الغرائز التي حافظ عليها دماغه كما لدى الزواحف. ربما كان لديه بالفعل شعور بقوة خفية سامية وخالقة. إن هذا الشعور بوجود السمو هو، أحد أعمق خصائص الإنسان. هذا لا يعني تصديق قصة الخلق الدينية التوراتية المسيحية الإسلامية وخلق الإنسان على صورة الله وخلق هذا الأخير لآدم وحواء من ضلع آدم وارتكاب الخطئة بعصيان أوامر الله وأكل ثمرة شجرة معرفة الخير والشر كما تقول الأديان السماوية. دعونا نعود إلى وقت ظهور الحياة. تم إجراء تجارب لصد مزيج من الأمونيا والميثان مع الصدمات الكهربائية. وقمنا بإعادة إنتاج الأحماض الأمينية. لكنها لا تزال بعيدة عن الحمض النووي الأصلي المرتبط بالحياة. خاصة وإن الأمر يحتاج إلى طفرة وراثية وقفزة نوعية من حيث مظهر الحياة ونشأتها. كيف يمكن أن تنشأ الحياة والوعي من الجزيئات والذرات الجامدة؟ علم الأحياء الحديث لا يزال بعيدًا عن الإجابة على هذا السؤال.

 من الناحية الفلسفية، هناك حالة انقطاع أو حلقة مفقودة. أعتقد أنه كان هناك نوع من قفزة كمومية في التطور الدارويني سمحت للعقل بالظهور. يمكنني أن أتخيل أن المادة النقية يمكن أن تولد الوعي، هذا يمكن للشبكات العصبية، التي تجاوزت عتبة معينة من التعقيد، أثناء التطور المستمر، أن تولد شرارة الحياة. علاوة على ذلك، فإن وجهة نظر التطور المتقطع هذه هي وجهة نظر علم الأحياء الحديث. الفكرة، العزيزة على داروين، أن التطور يسير بخطوات صغيرة، وبدرجات لا يمكن إدراكها، باستمرار، يبدو أنها موضع تساؤل منذ السبعينيات من قبل علماء الأحياء البارزين مثل ستيفين غولد ونييلز إلدردج. وبالاعتماد على علم الحفريات، تظهر هذه أنه إذا كان التطور مستمرًا، فيجب أن نجد العديد من الأحافير التي تمثل جميع الأشكال الوسيطة بين مجموعات كبيرة من الكائنات الحية. دحض داروين هذه الحجة، بحجة أن السجلات الجيولوجية كانت غير مكتملة للغاية، وأن كل ركن من أركان الكوكب لم يتم حفرها أو التنقيب فيها، وأن جميع الأنواع القديمة لم يتم حفظها في شكل أحفوري. ولكن بحسب غولد وإلدردج ، إذا كان هناك الكثير من الروابط والحلقات المفقودة ذلك أنها قد تكون غير موجودة! التطور الدارويني يتقدم بسرعة فائقة!] "أحب أن أتخيل أن الحياة ظهرت مع إحدى هذه القفزات.

لذلك لاضرورة للاعتقاد بأن الكيمياء يمكن أن تنزلق إلى علم الأحياء بشكل مستمر.  بل قد يكون هناك حقا جدار بينهما. تعود الكلمة الأخيرة إلى أخصائيي الأعصاب. والأمر متروك لهم ليثبتوا لنا علميا ما إذا كانت المادة يمكن أن تولد العقل، أو تتجاوز درجة معينة من التعقيد.

هذا يقودنا إلى أكثر المواضيع مضاربة وإثارة للسجال علم الكون الحديث: والمستقبل البعيد للكون المرئي. لا يوجد مفهوم رومانسي أكثر من اللانهاية، ولكن في العلم يمكن أن يؤدي المفهوم بسهولة إلى الارتباك. تخيل أن الكون لا نهائي في امتداده المكاني. دعونا نتخيل أيضًا أن نفس القوانين صالحة في كل مكان، ولكن تم اختيار الشروط الأولية بشكل عشوائي. إنها صورة الكون النهائي التي صاغها بولتزمان Boltzmann، أي الكون البولتزماني. كل شيء تقريبًا في هذا الكون اللامتناهي موجود في توازن ديناميكي حراري. أي شيء مثير للاهتمام يحدث هناك نتيجة التقلبات fluctuations. ولكن أي شيء يمكن أن يحدث في التذبذب سيحدث في مكان ما، وإذا كان هناك عدد لا نهائي من "مكان ما" متاح، فإن كل تذبذب، بغض النظر عن مدى احتمالية حدوثه، سيحدث عددًا لا نهائيًا من المرات. وهكذا، فإن كوننا الذي يمكن ملاحظته ورصده يمكن أن يكون فقط تقلبًا إحصائيًا كبيرًا. إذا كان الكون لا نهائيًا حقًا، فإن كوننا الذي يمكن ملاحظته، والذي يبلغ قطره 93 مليار سنة ضوئية، سيعيد نفسه لعدد لا نهائي من المرات من خلال اللانهاية للفضاء. لذلك، إذا كان الكون لانهائي وبولتزماني، فنحن موجودون، تمامًا كما نحن، ونكرر الأفعال، تمامًا كما نتصرف، عدد لا نهائي من المرات. وهذا اليقين يتناقض مع مبدأ الفيلسوف لايبنيز الذي يقول أنه لا يمكن أن يكون هناك مكانان متطابقان في الكون. ولكن أي تغيير ولو كان طفيفاً في القيم والثوابت قد يصل بنا إلى تكوين مختلف للكون. كل من هذه التكوينات الحالية هي طريقة ممكنة لتنظيم الذرات في جوارنا. لذلك يحدث كل واحد منا بعدد لا نهائي من المرات والنسخ في اللانهاية للفضاء.

إنه سيناريو رهيب. يثير أسئلة أخلاقية، فلماذا يجب أن أهتم بعواقب الاختيارات التي أتخذها، إذا تم اتخاذ جميع الاختيارات الممكنة الأخرى بواسطة إصدارات أخرى مني في مناطق أخرى من الكون اللامتناهي؟ يمكنني اختيار رعاية طفلي في هذا العالم، ولكن ألا ينبغي أن أقلق بشأن مصير أطفالي في العوالم الأخرى الذين يعانون نتيجة لقرارات سيئة اتخذتها نفسي الأخرى؟ بالإضافة إلى هذه الأسئلة الأخلاقية، هناك أسئلة تتعلق بفائدة العلم. إذا كانت الحقيقة الحقيقية للعالم أن كل شيء من المحتمل أن يحدث، ثم يتم تقليل مجال التفسير بشكل كبير. يتطلب مبدأ لايبنيز للسبب الكافي أن يكون هناك سبب منطقي وراء كل حالة يكون فيها الكون قد وجد بطريقة ما ولكن يمكن أن يكون كوناً آخر. ولكن إذا كان الكون ممكنًا على أي حال، فلن يتبقى شيء لتفسيره. يمكن للعلم أن يمنحنا لمحة عن الظروف المحلية، ولكن في نهاية التمرين سنتعاطى مع كون عقيم، لأن القانون الحقيقي سيكون ببساطة أن كل ما يمكن أن يحدث سيحدث لعدد غير محدود من المرات الآن. إنه شكل من أشكال اختزال النموذج العبثي للنموذج النيوتوني الممتد إلى علم الكونيات - ومثال آخر على الخطأ الكوني. أسميها مأساة اللانهائية البولتزمانية. أحد أسباب هذه المأساة هو أن القوة التنبؤية للفيزياء تنخفض بشكل كبير، لأن الاحتمالات لا تعني ما تعتقد أنها تعني. لنفترض أنك تجري تجربة تتوقع ميكانيكا الكموم أن النتيجة أ محتملة بنسبة 99٪ والنتيجة ب 1٪. لنفترض أنك كررت التجربة 1000 مرة. ثم يمكنك الانتظار حتى حوالي 990 من هذه المرات تكون النتيجة أ. ستكون واثقًا في الرهان على أ ، لأنه يمكنك بشكل معقول توقع حوالي 99 نتيجة أ لكل نتيجة ب. سيكون لديك فرصة جيدة لتأكيد توقع ميكانيكا الكموم. لكن في الكون اللامتناهي، هناك عدد لا نهائي من النسخ منك تدرك التجربة. في عدد لا نهائي من هذه النسخ، تلاحظ النتيجة أ. ولكن هناك أيضًا عدد لا حصر له من النسخ التي تلاحظ النتيجة ب. لذلك، فإن توقع ميكانيكا الكموم بأن إحدى النتيجتين هي 99 مرات أكثر تكرارا من الآخر لا يمكن التحقق منها في الكون اللانهائي. وهذا ما يسمى مشكلة القياس في علم الأكوان الكمومي. بعد القراءة والاستماع إلى الأشخاص الرائعين الذين يعملون في هذا الموضوع، رأيي هو أنه غير قابل للذوبان. أفضل النظر إلى ميكانيكا الكموم كدليل على أننا نعيش في كون محدود يحتوي على نسخة واحدة فقط مني. يمكننا تجنب آثار مأساة كون لانهائي من خلال إنكار أن الكون لانهائي في الفضاء. بينما، لا يمكننا أن نرى أبعد من مسافة معينة، يبدو من المعقول أن نفترض أن الكون محدود في امتداده المكاني - كما هو الحال في اقتراح آينشتاين "فالكون منتهي ولكن بلا حدود. هذا يعني أن الكون له طوبولوجيا سطح مغلق عالمي، مثل كرة أو كعكة على شكل حيدة. هذا الاقتراح لا يتعارض مع ملاحظاتنا. الطبولوجيا الصحيحة تعتمد على متوسط انحناء الفضاء. إذا كان الانحناء إيجابيًا، مثل الكرة، فهناك احتمال واحد فقط، وهو التناظرية ثلاثية الأبعاد للطبولوجيا ثنائية الأبعاد للكرة. إذا كان متوسط انحناء الفضاء مسطحًا، مثل الطائرة، فهناك أيضًا خيار واحد فقط للكون المحدود، وهو التناظرية ثلاثية الأبعاد للطبولوجيا ثنائية الأبعاد للدونات. إذا كان الانحناء سلبيًا، مثل السرج، فهناك عدد لا حصر له من الاحتمالات للطبولوجيا. إنها مفاهيم معقدة وغامضة للغاية. اللانهاية للفضاء أو اللانهاية للزمن، فاللانهايات الموصوفة هنا هي عقدة العلماء، وكان تجميعها في كتالوج انتصارًا للرياضيات في أواخر القرن العشرين.

اقتراح أينشتاين هو فرضية يجب تأكيدها إذا كان الكون مغلقًا وصغيرًا بما فيه الكفاية، فينبغي أن يكون الضوء قادرًا على "الدوران الكامل". ويجب أن نرى بعض المجرات البعيدة في عدة صور. وقد تم البحث في ذلك، وحتى الآن، لم يتم الكشف عنه. ومع ذلك، هناك سبب قوي لتفضيل نظرية كونية على غرار الزمكان المكاني المغلق. إذا لم يكن الكون مغلقًا مكانيًا، فيجب أن يكون لانهائيًا في الامتداد المكاني. هذا يعني، بشكل غير بديهي، أن المساحة محددة بحدود. هذه الحدود بعيدة كل البعد عنا، ومع ذلك فهي حدود يمكن أن تعبرها المعلومات. وبالتالي، لا يمكن اعتبار الكون اللامتناهي كنظام قائم بذاته. يجب أن يُنظر إليه كجزء من نظام أكبر يشمل أي معلومات تدخل عبر الحدود.

إذا كانت الحدود على مسافة محدودة، فسوف تضحك على تصور أن هناك مساحة أكبر بالخارج. يمكن تفسير المعلومات حول الحدود من حيث ما يأتي من العالم خارج الحدود، لكن الحدود اللانهائية لا تسمح لنا بتخيل عالم أبعد. نحتاج فقط إلى تحديد المعلومات التي تدخل وتخرج، لكن الاختيار عشوائي تمامًا. لا يمكن أن يكون هناك تفسير إضافي للمعلومات التي تدخل الكون من الحدود اللانهائية: يجب أن يتم الاختيار، والاختيار تعسفي. لذلك علينا أن نعترف بأنه لا يمكن تفسير أي شيء في أي نموذج للكون له حدود لانهائية. يتم انتهاك مبدأ الإغلاق التوضيحي ومعه مبدأ السبب الكافي.

هناك تفاصيل فنية دقيقة في هذه الحجة لن أذكرها هنا. لكن هذه الحجة حاسمة، على الرغم من أنها، على حد علمي، يتم تجاهلها من قبل علماء الكون الكوزمولوجيين الذين يتكهنون بأن الكون لا نهائي مكانيًا. لا أرى أي طريقة للهروب من الاستنتاج بأن أي نموذج للكون يجب أن يكون مغلقًا مكانيًا، بلا حدود لكن هذا ينطبق على الكون المرئي فقط. ونتيجة لذلك ، لا يوجد شيء بعيد إلى ما لا نهاية ، ولا توجد مساحات لا نهاية لها للتعامل معها. الآن دعونا نركز انتباهنا ليس على المسافة اللامتناهية ولكن على المستقبل اللامتناهي.

إن أدب علماء الكونيات مليء بالقلق بشأن المستقبل. إذا كان الكون حتى الآن أكثر لايبنيزي  Leibnizian منه بولتزماني Boltzmannian ، فهل يمكن أن يكون مؤقتًا فقط؟ ربما على المدى الطويل سوف نموت جميعًا ولكن أيضًا الكون المرئي سوف يموت.

إن تقييد الأكوان المحدودة من الناحية المكانية يعفينا من العديد من المآسي والمفارقات في كون بولتزماني لا نهائي. ومع ذلك، فإنه لا يعفينا جميعًا. يمكن للكون المكاني والمغلق أن يستمر لفترة طويلة، وإذا لم ينقبض أو ينكمش أبدًا، فسيتمدد إلى الأبد. هناك بعد ذلك كمية لا حصر لها من الوقت المتاح للسماح له بالوصول إلى التوازن الحراري. إذا حدث ذلك، وأيًا كان الوقت الذي يستغرقه، فسيكون هناك قدر لا نهائي من الزمن، بالإضافة إلى مساحة متزايدة باستمرار، للسماح للتقلبات بإنشاء هياكل غير محتملة. لذلك، يمكننا أن نجادل هنا أيضًا أن كل ما يمكن أن يحدث سيحدث بالفعل بعدد لا نهائي من المرات. هذا يؤدي مرة أخرى إلى الفقرة من دماغ بولتزمان. إذا كانت مبادئ العقل الكافي وهوية ما لا يمكن تمييزه راضية، فيمكن للكون أن يجد طرقاً لتجنب النهاية في مثل هذه الحالة المتناقضة. تحدد هذه المبادئ خيارات المصير المحتمل للكون. هناك مؤلفات علمية صغيرة تحاول للذهاب إلى الاعتراف بالمستقبل البعيد للكون. هذا العمل تخميني بالكامل، لأن التفكير في المستقبل البعيد يتطلب أن تضع افتراضات كبيرة. أحدها هو أن قوانين الطبيعة يجب ألا تتغير أبدًا، وإلا فإن قدرتنا على التنبؤات سوف تتعطل. ولا يجب أن توجد ظاهرة غير مكتشفة يمكن أن تغير مسار تاريخ الكون. قد تكون هناك، على سبيل المثال، بعض القوة الضعيفة لدرجة أنها ما زالت تنتظر الكشف عنها، ولكن مع ذلك تبدأ في لعب دور عبر مسافات شاسعة وعلى مدى فترات أطول بكثير من العمر الحالي. ولكن هذا يمنع أي تنبؤ من المعرفة الحالية. ولا يجب أن تكون هناك مفاجآت أخرى، مثل جدران الفقاعات الكونية التي تسرع فينا بسرعة الضوء ولكن في الوقت الحالي يخفيها أفقنا. بافتراض أن القوانين والظواهر الراسخة هي كل ما هو ممكن، يمكننا أن نستنتج بكل ثقة ما يلي: سيأتي زمن تتوقف فيه المجرات عن صنع النجوم. المجرات هي أنظمة ترانس عملاقة التي تشكل الهيدروجين وتحوله إلى نجوم. إنها ليست فعالة للغاية. المجرة الحلزونية النموذجية تصنع نجمًا واحدًا سنويًا. بعد ما يقرب من 14 مليار سنة، لا يزال معظم الكون المرئي يتكون من هيدروجين وهليوم بدائيين. على الرغم من كل شيء، هناك الكثير من الهيدروجين منتهي الفعالية، بحيث لا يمكن للكون في أفضل الأحوال أن يحسب عددًا محدودًا من النجوم. حتى لو تم تحويل كل الهيدروجين إلى نجوم، في يوم ما، سيكون هناك تصنيع النجم الأخير. وهذا هو الحد الأعلى فقط. والأرجح أن عمليات خارج التوازن التي تدفع تكوين النجوم ستنفد من البخار قبل وقت طويل من تحول كل الهيدروجين إلى نجوم. عند ذلك ستولد النجوم الأخيرة. فالنجوم لها مدة حياة محدودة. يعيش الأكثر ضخامة لبضعة ملايين السنين ويموت بشكل كبير في شكل مستعرات عظمى. يعيش الجزء الكبير من النجوم المليارات من السنين وينتهي فجأة كأقزام بيضاء. سيكون هناك وقت يتوقف فيه النجم الأخير عن التألق. ثم ماذا؟ بمجرد موت النجوم الأخيرة، يمتلئ الكون بالمادة والمادة المظلمة أو السوداء والإشعاع والطاقة المظلمة أو المعتمة. إن ما سيحدث للكون المرئي على المدى الطويل سيعتمد بشكل أساسي على المكون الذي نعرفه على الأقل: الطاقة السوداء أو المظلمة. الطاقة المظلمة هي الطاقة المرتبطة بالفضاء الخالي. وقد لوحظ أنها تمثل حوالي 73٪ من كتلة الطاقة في الكون. طبيعتها مجهولة وماهيتها لا تزال غير معروفة، ولكن قد لوحظت آثارها على حركة المجرات البعيدة. على وجه الخصوص، يتم استخدام الطاقة المظلمة لشرح تسارع التوسع الكوني، الذي تم اكتشافه مؤخرًا. بصرف النظر عن سبب التوسع الكوني، لا نعرف شيئًا عن ذلك. يمكن أن يكون ببساطة ثابتًا كونيًا، أو يمكن أن يكون شكلًا غريبًا من الطاقة بكثافة ثابتة. على الرغم من أن كثافة الطاقة المظلمة أو السوداء تبدو ثابتة إلى حد ما، إلا أننا لا نعرف ما إذا كان هذا هو الحال بالفعل أم أنه بسبب تغيرها أكثر ببطء مما رصدته الملاحظات حتى الآن. سيكون مستقبل الكون مختلفًا جدًا اعتمادًا على ما إذا كانت كثافة الطاقة المظلمة تظل ثابتة أم لا.

يعم الظلام مع نمو الكون. إذا كانت كثافة الطاقة السوداء أو المظلمة ثابتة، فإنها تتصرف تمامًا مثل ثابت آينشتاين الكوني. لا ينقص عندما يستمر الكون في التمدد. فيما كل شيء آخر - كل المادة وكل الإشعاع - تخف عندما يتوسع الكون، وتتناقص كثافة الطاقة الإجمالية لهذه المصادر باستمرار. بعد بضع عشرات المليارات من السنين، سيكون كل شيء ضئيلًا باستثناء كثافة الطاقة المرتبطة بالثابت الكوني. ولأن هذه القضية بسيطة جدا، لدينا إلى حد ما فكرة جيدة عن ماذا سيحدث. إحدى نتائج التوسع الأسي هي أن مجموعات المجرات تنفصل بسرعة كبيرة بحيث لم تعد قادرة على رؤية بعضها البعض. لا تتحرك الفوتونات التي تغادر العنقود وتتنقل بسرعة الضوء بما يكفي للحاق بالمجموعات الأخرى. المراقبون في كل عنقود محاطون بأفق يخفي ما حولهم. كل كتلة هي نظام معزول. وبالتالي فإن كل أفق داخلي هو هيكيلية ، تحدد نظامًا فرعيًا لبقية الكون. لذا فإن أساليب الفيزياء - تنطبق على كل عنقود - مما يعني أنه يمكننا استخدام طرق الديناميكا الحرارية • للتفكير في ذلك. عند هذه النقطة في تاريخنا ، حدث تأثير جديد بتدخل ميكانيكا الكم ولعبها دورًا جوهرياً، مما يجبر الداخل كل أفق يملأ بغاز الفوتونات في توازن حراري - نوع من الضباب الناتج عن عمليات مماثلة لتلك التي تخلق إشعاع هوكينغ في الثقوب السوداء. يطلق عليه إشعاع الأفق. درجة حرارته منخفضة للغاية ، وكثافته أيضًا ، لكنها تظل ثابتة مع نمو الكون. وفي الوقت نفسه ، يصبح كل شيء آخر ، بما في ذلك المادة والأشعة الخلفية الأحفورية الميكروية للكون البدئي CMB أكثر فأكثر ، وعندما يمر وقت كاف ، فإن ما يملأ الخط الصلب هو إشعاع الأفق. ما يعني وصول الكون إلى حالة التوازن.

ستستمر حالة التوازن هذه إلى الأبد. لا توجد طريقة لتجنب نهاية مثل كون بولتزماني الأبدي. ستكون هناك تقلبات وتكرارات، وأحيانًا واحد أو آخر من التكوينات سينتج الكون بالضبط - بما في ذلك مفارقة دماغ بولتزمان التي وصفتها عند الحديث عن التوسع الكوني، لذلك إذا كان هناك ما يكفي من المادة، فإن الكون المرئي سينهار إلى تفرد نهائي، أي سيتحول إلى فرادة كالتي أنتجت الانفجار العظيم. أو ربما ستوقف التأثيرات الكمومية الانهيار وتحدث "ارتدادة" للكون، وتحويل الانكماش إلى توسع يؤدي إلى كون جديد وهكذا وعلى نحو تعاقبي. ولكن لا يبدو أن هناك ما يكفي من المواد لعكس مسار التوسع، ناهيك عن موازنة اتجاه الطاقة المظلمة لتسريعها.

ولتجنب موت مستقبلي لا نهائي، لا ينبغي أن يكون الثابت الكوني ثابتًا حقًا. في حين أن لدينا مجموعة من الأدلة تخبرنا أن الطاقة المظلمة - والتي لجميع الأغراض والمقاصد هي الثابت الكوني - لا تتغير على نطاق العصر الحالي للكون المرئي، ومع فإننا لا نعرف شيئًا بشأنهاعلى نحو يقيني. فيما يتعلق بصورته الرمزية، فإن مبدأ هوية اللامتناهي يفترض أيضًا أن هذا السيناريو خاطئ. السؤال هو: كيف يمكننا تجنب ذلك؟ لتجنب حدوث الكون الميت إلى الأبد، سيكون من الضروري قراءة الكون ليكون لديه كثافة كافية من وعاء المادة تفجر توسعها، وتجبرها على الانهيار. المسألة تسحب الجاذبية المادة، وهذا يبطئ من نفاذها، وقد يكون هذا التغيير بسبب قانون أعمق، يعمل ببطء شديد بحيث لا يمكن ملاحظة آثاره إلا على نطاقات زمنية كبيرة جدًا. أو يمكن أن يكون التغيير ببساطة تأثير الاتجاه العام لقوانين للتطور. في الواقع، يشير مبدأ غياب الإجراءات المتبادلة إلى أن الثابت الكوسمولوجي أو الكوني يجب أن يتأثر بالكون الذي يعمل عليه بشكل حاسم. يمكن أن يصبح الثابت الكوني صفرًا. إذا تم ذلك، سوف يتباطأ التوسع ولكن من المرجح ألا ينعكس. يمكن أن يكون الكون أبديًا ولكنه ثابت. هذا على الأقل يتجاوز مفارقة دماغ بولتزمان. في النهاية، الكون المرئي بدون ثابت كوني يتوسع إما إلى الأبد أو سينهار، اعتمادًا على الظروف الأولية. إذا كانت الطاقة في التوسع كافية لموازنة الجاذبية المتبادلة لجميع الأشياء في الكون، فلن ينهار أبدًا. لكن حتى لو كان الكون أبديًا، فهناك احتمال كبير للولادات الجديدة، حيث أن كل ثقب أسود، من خلال القضاء على تفرده أو فرادته، يمكن أن يؤدي إلى ولادة كون طفل كما قال ستيفن هوكينغ، هناك أدلة نظرية جيدة على أن هذا يحدث. إذا كان الأمر كذلك، فإن كوننا المرئي، الذي لا يزال بعيدًا أن يكون ميتًا، قد ولد بالفعل مليار مليار بيبي – كون أو الأكوان الوليدة على الأقل. كل هذه الأكوان الجديدة سوف تلد ذرية جديدة. حقيقة أن كل كون يمكن أن يموت في وقت معين، بعد أن ولّد الكثير من الآخرين، لا يبدو لها أي نتيجة. هناك أيضا إمكانات ولادة جديدة تشمل الكون كله وليس مجرد ثقوبه السوداء. هذه هي الفرضية التي تمت دراستها في فئة من النماذج تسمى النماذج الدورية. نوع من النموذج الدوري، الذي اخترعه بول شتاينهاردت من جامعة برينستون ونيل توروك من معهد ماسوشيست، يحقق ذلك بافتراض أن الثابت الكوني ينخفض إلى الصفر ثم يستمر في قيم سلبية للغاية. لأسباب يطول توضحها هنا، يتسبب ذلك في انهيار دراماتيكي للكون بأكمله. لكنهم يجادلون بأن هذا الانهيار يعقبه انتعاش والمزيد من التوسع. يمكن أن يكون هذا الارتداد بسبب تأثيرات الجاذبية الكمومية، أو سيكون من الممكن الهروب من التفرد النهائي بفضل القيمة القصوى للطاقة المظلمة. القرائن النظرية تقول أن التفردات الكونية، والارتدادات المنطقية النهائية بسبب التأثيرات الكمومية التي تؤدي إلى إعادة توسع الكون، هي أقوى مما كانت عليه في حالة فراغات الثقوب السوداء، كما تقول نظرية الجاذبية الحلقة الكمومية، العديد من نماذج التأثيرات الكمومية بالقرب من الفرادات تمت دراستها من قبل علم الكونيات، والنتيجة هي أن الارتداد ظاهرة كونية. لا يزال عليك أن تضع في اعتبارك أن هذه مجرد نماذج، وحتى الآن يقومون بافتراضات جذرية. الافتراض الرئيسي هو أن الكون متجانس مكانيًا. ما نحن على يقين أكثر منه هو أن المناطق المنتظمة جدًا للكون - مناطق بدون موجات ثقالية - جاذبية أو ثقوب سوداء - تنتعش لإحداث أكوان جديدة. وفي أسوأ الحالات، فإن المناطق غير المتجانسة للغاية لن تنتعش. إنها تنهار وتتحول إلى غرائب ، حيث لا يزال الزمن ثابتًا. ومع ذلك، حتى هذه الحالة الأسوأ لها جانب جيد، لأنها توفر لنا مبدأ اختيار لتحديد مناطق الكون التي ترتد وتتكاثر. إذا انتعشت أكثر المناطق تجانساً فقط، فإن الغرسات الأولى للكون الجديد، بعد فترة وجيزة من الارتداد، ستكون أيضًا متجانسة للغاية، من هذا يتبع التنبؤ: في اللحظات الأولى، بعد الارتداد مباشرة، يكون الكون متجانساً للغاية – لن تكون هناك ثقوب سوداء، ولا ثقوب بيضاء، ولا موجات ثقالية جاذبية، بالضبط كما نلاحظ في كوننا. ولكن لكي يصبح سيناريو الأكوان المرتدة علمًا، يجب أن يكون هناك توقع واحد آخر على الأقل يمكن من خلاله اختبار الفرضية. هناك نوعان على الأقل، يتعلقان بطيف التقلبات في الإشعاع الخلفي الأحفوري المكروي CMB. يقدم السيناريو الدوري تفسيرا لهذه التقلبات، والتي لا تتطلب فترة وجيزة من التضخم الشديد الذي تم التذرع به في كثير من الأحيان لشرحها. طيف التقلبات التي تمكنا من ملاحظتها حتى الآن مستنسخة بشكل جيد ، ولكن هناك اختلافان بين تنبؤات النماذج الدورية وتوقعات التضخم ، ويمكن اختبار هذه التنبؤات في التجارب التي يمكن إجراؤها اليوم و في المستقبل القريب. وأقصد به اختبار الكشف عن موجات ثقالية  أو موجات الجاذبية في الإشعاع المكروي  الخلفي  للكون البدئي CMB ؛ يقول التضخم نعم ، والنماذج الدورية تقول لا. تتنبأ النماذج الدورية أيضًا بأن نصف قطر CMB ليس عشوائيًا تمامًا - في اللغة التقنية، يتنبأون بغيابه للغوسية.

النماذج الدورية هي أمثلة حيث يعتبر الزمن أساسيًا - أي أن الزمن لم يبدأ مع الانفجار الكبير ولكنه كان موجودًا قبله - يؤدي إلى علم الكونيات الذي يكون أكثر تنبؤية. مثال آخر هو النظريات التي يفترض فيها أن سرعة الضوء كانت مختلفة - في الواقع، أكبر بكثير - في الكون البدئي الصغير جدًا. تختار هذه النظريات، مع سرعة الضوء المتغيرة، فكرة الزمن المتميز بطريقة تنتهك مبادئ النسبية. لهذا السبب، فهي بالكاد تحظى بشعبية، لكنها تعد بشرح تقلبات CMB دون اللجوء إلى التضخم.

اقترح روجر بنروز سيناريو آخر للسماح للكون أن يولد كونًا جديدًا. يقال تقريبًا، إنه يقبل سيناريو كون بولتزمان الأبدي بثابت كوني ثابت، ثم يتساءل عما سيحدث في نهاية فترة زمنية غير محدودة. (فقط بنروز يمكن أن يطرح مثل هذا السؤال). ويفترض أنه بعد مرحلة معينة، ستتفكك جميع الجسيمات الأولية ذات الكتلة، بما في ذلك البروتونات، والكواركات، والإلكترونات وفوتونات وغيرها، فقط ستبقى الجسيمات عديمة الكتلة. إذا كان الأمر كذلك، فلن يكون هناك شيء للكشف عن التدفق اللانهائي للأبدية، لأن الفوتونات، التي تسير بسرعة الضوء، ليس لديها خبرة بالزمن. بالنسبة للفوتون، لا يمكن تمييز الفرق بين الكون القديم جدًا عن الكون الوليد. سيكون الفرق الوحيد هو درجة الحرارة. المسلم به، فرق درجة الحرارة كبير، لكن هذا مقياس واحد فقط. يقول بنروز أن مقياسًا واحدًا لا يحسب. في غاز الفوتون الموصوف بطريقة علائقية، فقط المقارنات، أو العلاقات، بين الأشياء الموجودة في لحظة مهمة؛ حيث لا يمكن الكشف عن المقياس ككل. لذلك، لا يمكن تمييز الكون المسن المملوء بغاز الفوتونات الباردة والجزيئات الأخرى الخالية من الكتلة من الغاز الساخن المكون من نفس الجسيمات التي ملأت الكون المتلعثم. وفقًا لمبدأ هوية ما لا يمكن تمييزه، فإن الكون القديم هو أيضًا منبع لولادة كون جديد. لا يحدث هذا السيناريو حسب بنروز إلا بعد زمن لا نهائي وبالتالي لا يحل مفارقة دماغ بولتزمان. لكنه يتنبأ، مع ذلك، أنه ستكون هناك أحافير من الكون السابق في بقايا الانفجار العظيم، وبفضل ذلك يمكننا جمع بعض المعلومات عنه. بينما تمحى الكثير من المعلومات بسبب الكون الذي ينفق في التوازن الحراري، فإن ناقل المعلومات الذي لا يتم تشويشه أبدًا هو إشعاع الجاذبية. المعلومات التي تحملها موجات الجاذبية تنجو أيضًا من ارتدادات النماذج الدورية وتصل دون أن تصاب بأذى في الكون الجديد.

أقوى الإشارات التي تحملها موجات الجاذبية هي صور الاصطدام بين الثقوب السوداء الكبيرة التي تكمن في يوم ما في قلوب المجرات منذ فترة طويلة ثم تختفي. أنها تسبب الدوامات، التي انتشرت في دوائر كبيرة في السماء. تتنقل إلى الأبد وتعيش حالة الانتقال إلى الكون الجديد. لذلك، يتنبأ بنروز، يجب أن تكون هذه الدوائر الكبيرة مرئية في إشعاع خلفية الميكروية، الذي تم قفل هيكله في وقت مبكر في كوننا المرئي. هذه هي ظلال الأحداث بالإضافة إلى ذلك، يتوقع بنروز أنه يجب أن يكون هناك العديد من الدوائر المتحدة المركز. قد تأتي هذه من مجموعات من المجرات التي، بمرور الوقت، تصطدم أكثر من زوج من الثقوب السوداء المجرية. وهذا يعتبر تنبؤ مذهل، يختلف تمامًا عن أنواع الأنماط التي تنبأت بها معظم سيناريوهات الأشعة الخلفية الأحفورية CMB. إذا تم تأكيد شيء واحد بشكل فريد في يوم من الأيام، فسيتم احتسابه كمؤشر لصالح السيناريو الذي أنتج هذا التنبؤ.

حتى كتابة هذه السطور، هناك جدل حول أن الدوائر المتحدة المركز التي تطرق إليها بنروز يمكن رؤيتها في الأشعة الأحفورية المكروية الخلفية للكون البدئي CMB.. ومع ذلك، يتبين مرة أخرى أن السيناريوهات الكونية التي تطور الكون من انفجار كبير قبل إجراء تنبؤات يمكن التحقق منها أو تزويرها بالملاحظة. هذا على النقيض من السيناريوهات حيث يكون الكون واحدًا من مجموعة عوالم متزامنة - سيناريوهات لا، وربما لا يمكنها أبدًا، أن تصدر أدنى توقع صحيح. أن التفسير العقلاني للقوانين والظروف الأولية الخاصة التي تم الحصول عليها في عالمنا يتطلب أن يحدث الاختيار أكثر من مرة، والذي بدونه لا يمكننا تفسير أي شيء من الاختيار المحدد الذي تم - بينما إذا كانت نفس الشروط والقوانين الأولية موجودة عدة مرات، فقد يكون هناك أسباب لذلك. لقد فكرت في طريقتين يمكن من خلالهما تنظيم العديد من الانفجارات الكبيرة - بشكل متزامن أو متسلسل - وقد بينت أنه في الحالة الثانية فقط يمكننا أن نأمل في تطوير علم الكونيات القادر على الإجابة على السؤال لماذا هذه القوانين في الكون؟ من خلال البقاء على رؤيتنا علميًا، بمعنى أننا سنتمكن من عمل تنبؤات قابلة للخطأ. ثم عدت إلى هذه المقارنة بين البديلين، ورأينا بالتفصيل أنه في حالة الأكوان المتسلسلة فقط يمكننا عمل تنبؤات حقيقية للتجارب الواقعية. وهكذا، نرى أن علم الكونيات يصبح أكثر علمية، وأفكارنا أكثر عرضة أو قابلية للاختبار، إذا عملنا في إطار يكون فيه الزمن حقيقيًا وأساسيًا، وحيث يكون تاريخ الكون عنصرًا ضروريًا لفهمنا. من حالتها الحالية. أولئك الذين يغمرهم الافتراضات الميتافيزيقية المسبقة بأن هدف العلم هو اكتشاف الحقائق الخالدة التي تمثلها الأشياء الرياضياتية الخالدة، قد يعتقدون أن القضاء على الزمن، وبالتالي جعل الكون مثل كائن رياضي، كما يعتقد ماكس ستيغمارك، هو الطريق إلى علم الكونيات العلمي. ولكن اتضح أن العكس هو الصحيح. كما فهم تشارلز ساندرز بيرس قبل أكثر من قرن، يجب أن تتطور القوانين لتصبح قابلة للشرح. مطلب داخلي وعميق للوعي البشري، فمفهوم اللانهائي ليس من اختصاص أي من علماء الرياضيات أو الفيزيائيين. فقد سبق أن واجه الفلسفة واللاهوت والفن. لكن اللانهائيين يخيفون الفيزيائيين. قد يكون لأسباب تجريبية مبررة تمامًا، مثل الجسم الأسود أو عدم استقرار النموذج الكلاسيكي للذرة؛ لأسباب رياضياتية، لأن الطابع اللامتناهي يمنع أي حساب فعال؛ ولكن أيضًا لأسباب ميتافيزيقية معلنة أكثر أو أقل، مثل رفض اللانهائي للزمان والمكان.

هل ينبغي لنا بعد ذلك القضاء على الأنواع المختلفة من اللانهاية على غازين في محاولات لوصف الطبيعة؟ وكيف نفعل ذلك؟ الإجابات متنوعة، وأحيانًا متناقضة تشتهر بتصميم الجدول الدوري للعناصر، لم يعد من الممكن أن تكون مستمرة أو موجية فقط ولكنها حبيبية، مثل المادة والطاقة. اقترح مندليف أن الفضاء يتكون من جزيئات أصغر مليون مرة من ذرة الهيدروجين. يمكننا بعد ذلك تفسير مقياس بلانك هذا مثل "الأفق المجهري" الذي يحجب الجاذبية اللانهائية للخصوصية. هذا بالطبع ليس مرضيا تماما، لأن هذا الأفق هو فقط نابع من جهلنا.

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

عامر صالحالأداري والمالي في العراق وما يمكن للحكومة أن تقوم به

أصبح الحديث عن محاربة الفساد الاداري والمالي في العراق مادة دسمة "رغم انعدام ثقة المواطن" لمن يرغب ان يفوز في انتخابات برلمانية أو يكون في منصب رئيس وزراء أو حتى ان يكون مسؤول صغير في الدولة لأن حجم مشكلة الفساد وسعته واستعصاء حلها لا يمكن تصديقه، وقد اخفقت كل الحكومات المتعاقبة على الحكم ما بعد 2003 في الحديث عن رموز الفساد علانية، بل ان جميع تلك الحكومات بطواقمها متهمة بالفساد إلا ما ندر. ولأن الأمل معقودا على من يستطيع تقديم الفاسدين الى العدالة واسترجاع المال العام فأن الشعب يترك هامشا من المناورة وزرع ثقة أولية لمن يدعي محاربة الفساد.

ويتحدث الكثير من السياسيين، إن "الفساد المالي والإداري في العراق ليس مسألة ارقام، فما خسره العراق يفوق بأضعاف ما تتحدث عنه هيئة النزاهة والجهات المختصة"، مؤكدًا أن "الموازنات الفلكية ذهبت في جيوب الأحزاب عبر تقسيمها، حيث كل همهم كان، كيف يسرقون أكثر". أن "الفساد لم يترك بابًا إلا وطرقه في كل القطاعات والمؤسسات والملفات، وخلف لنا كمًا هائلًا من المشاريع الوهمية ومليارات الدولارات كديون خارجية، فضلًا عن تحطيم الاستثمار والبنى التحتية وتدمير كل إمكانات الدولة".

تجاوزت الواردات المالية للعراق منذ الغزو الأميركي وسقوط النظام السابق، في نيسان/إبريل 2003، 1000 مليار دولار، ذهب نصفها إلى الموازنة الاستثمارية الوهمية، رمز "الفساد الأعظم"، وفق لجنة النزاهة النيابية. خسر العراق، كما تقول اللجنة، أكثر من 350 مليار دولار من خلال تهريب العملة ومزاد البنك المركزي، والعقود والمشاريع الوهمية والمتلكئة منذ العام 2003 حتى اللحظة. وفي تصريح سابق لرئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي، قال ان "الفساد أفقد البلاد 450 مليار دولار مع وجود ناتح محلي للموظفين الحكوميين بمقدار 6%، أي بمقدار 20 دقيقة عمل في اليوم"، مؤكدًا أن "موازنات العراق منذ العام 2003 وحتى العام الجاري بلغت 850 مليار دولار"، وقد سلم ميزانية الحكومة فارغة الى خلفه مصطفى الكاظمي.

يواصل الفساد نخر العراق، حيث كشفت إحصائيات برلمانية في فترة سابقة عن وجود أكثر من 6 آلاف مشروع وهمي منذ عام 2003 كلفت العراق ما قيمته 178 مليار دولار. في هذا السياق، قال مسؤول عراقي في مكتب رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي، إن المشاريع الوهمية 30 بالمائة منها تمت برعاية الأميركيين، وهناك ضباط وحلقات أميركية مختلفة إبان الاحتلال تتورط معها. وأضاف  أن النسبة المتبقية من المشروعات الوهمية، البالغة 70 بالمائة، تمت في زمن الحكومات العراقية المتعاقبة بعد رحيل الأميركيين، وأكثر الفترات التي شهدت مشاريع وهمية كانت في عهد حكومتي نوري المالكي الأولى والثانية، بينها مجمعات سكنية وسياحية وأخرى خدمية قام هو بنفسه بوضع حجر الأساس لها لكنها انتهت إلى المجهول ولم تر النور، رغم أن مبالغها تم صرفها من الموازنة العامة. وفي محصلة جنونية رقمية فأن العراق اهدر ما بعد 2003 الى وقتنا الحاضر أكثر من تريليون و 400 مليارد دولار، وهي مبالغ تبنى فيها مدن وعواصم حضارية وتشيد فيها ابراج وناطحات سحاب وتضمن مستقبل اجيال وتؤسس منها صناديق ضمان للمستقبل.

وفي أول جلسة للبرلمان العراقي من فصله التشريعي الثاني، والتي عقدت في 9 من مارس/آذار للعام 2019، كشف رئيس الحكومة المستقيل عادل عبد المهدي "خارطة للفساد"، شملت 40 ملفا، غالبها في مفاصل ومؤسسات الدولة. وشملت القائمة: "تهريب النفط، ملف العقارات، المنافذ الحدودية، الجمارك، تجارة الذهب وتهريبه، السجون ومراكز الاحتجاز، النقاط الأمنية الرسمية وغير الرسمية، المكاتب الاقتصادية بالمؤسسات والمحافظات والوزارات، تجارة الحبوب والمواشي، الضرائب والتهرب منها، الأتاوات و الكومشن (العمولة)، مزاد العملة والتحويل الخارجي، التقاعد، ملف السجناء، ملف الشهداء، المخدرات، تجارة الآثار، الزراعة والأسمدة والمبيدات،  تسجيل السيارات والعقود والأرقام،  الإقامة وسمات الدخول".

وتضمنت أيضا: " الأيدي العاملة الأجنبية، الكهرباء، توزيع الأدوية، توزيع البطاقة التموينية، الرعاية الاجتماعية، السلف المالية المصرفية، التعيينات، بيع المناصب، العقود الحكومية، تهريب الحديد والخردة وغيرها، الامتحانات وبيع الأسئلة، المناهج التربوية وطباعة الكتب،  المشاريع المتوقفة، المشاريع الوهمية، القروض المالية، شبكة الاتصالات والإنترنت والهواتف النقالة، الإعلام والمواقع الإلكترونية، شبكات التواصل الاجتماعي، ملف النازحين، الاتجار بالبشر".

تُضاف هذه القطاعات الأربعين الرئيسية إلى الكثير من ملفات الفساد المُكتشفة بالأساس سابقا، لكن لم يتم تفعيل الأدوات والمؤسسات القضائية والتنفيذية لمتابعتها. تقدر الحكومة العراقية تلك الملفات بحوالي 13 ألف ملف للفساد، يقدر المتورطين فيها بقرابة مليون مشتبه، بين فاسدين ومتعاونين ومرتشين ومعطلين للقانون العام. تتراوح دائرة المؤسسات والإدارات المتورطة بها من التعليم والقضاء، وتمر بالتهريب والرشاوي، ولا تنتهي بوزارتي النفط والدفاع، اللتان تُعتبران من أكثر وزارات العراق فسادا على الإطلاق. خارطة الفساد هذه تعكس بوضوح استباحة العراق شعبا وأرضا ووطنا ومواردا للعيش. فلا نستغرب عنما تشير الأرقام الدولية بأن موقع العراق هو بالمرتبة 166 من أصل 176 دولة على سلم الدول في مستوى الشفافية في العالم. أي أن العراق من أكثر الدول فسادا في العالم.

ترتبط بدايات جذور ظاهرة الفساد في العراق بمجمل سياسات النظام السابق الاقتصادية والاجتماعية والحروب المدمرة، والتي أدت بمجملها إلى إفقار المواطن وحرمانه من ابسط مقومات الحياة الإنسانية الكريمة، إضافة إلى ما أدت من تفتيت للبنية الأخلاقية والقيمية وضعف الوازع الداخلي، إلا إن سطوة النظام وقمعه حصرت ظاهرة الفساد، وخاصة الإداري والمالي برأس النظام وأطرافه، وحولت بنفس الوقت الفساد إلى ما يشبه الفيروس الخامل تحمله قطاعات اجتماعية واسعة، وجدت في إسقاط النظام والطريقة أو السيناريو التي هوى فيها النظام فرصة مواتية لينشط هذا الفيروس ويتحول من حالة الكمون أو الخمول إلى حالة الفعالية أو النشاط الكامل ليتحول إلى وباء شامل ينشط بطرائق أخطبوطية وبمدى يصعب التحكم والسيطرة عليه أو تحديد سقف له، وقد وفرت الظروف السياسية ما بعد السقوط وطريقة أداء الحكم بيئة صالحة لنشاط فيروس الفساد ليلتف بدوره حول السياسة ويضربها في الصميم ويعيد بعث ظاهرة الفساد السياسي المتمثلة بالاستئثار بالسلطة واستغلال النفوذ السياسي وتكريس قيم الحزب الواحد عند الكثير من الكيانات السياسية، ولعل المثل الصيني "الماوي" القائل: "رب شرارة أحرقت السهل كله" يلقي مصداقية كبيرة في تفسير الفساد في العراق.

أن إحدى تجليات الخوف من الفساد الإداري والمالي هي تحوله إلى ثقافة سائدة أو ما يسمى " ثقافة الفساد " مضفيا على نفسه الشرعية في الشارع وفي المعاملات الرسمية اليومية، ومن ترسخه كنمط سلوكي لإشباع الحاجات المختلفة والاكتفاء الذاتي، وبالتالي يتحول الفساد من كونه عمل منبوذ اجتماعيا وقيميا إلى عمل يلقي الاستحسان ويندمج ضمن المنظومة الايجابية للأخلاق والأعراف، ويعتبر نوعا من الشطارة أو الدهاء الشخصي لصاحبه، وأحد معايير الشخصية الدينامية والمتكيفة القادرة على حل المعضلات بطرائق سحرية.

وعلى هذا الأساس يتحول الفاسد من شخص مجرم يجب أن يساق إلى العدالة إلى شخص قاضي حاجات أو "حلاًل مشاكل ". ففي الوقت الذي كان فيه الفاسد يسير منحنيا بإذلال يخشى أن يعلم به احد جيرانه أو أبناء منطقته،ويذكرني ذلك في نهاية الستينات وبداية السبعينات عندما كانت تعلق صور الفاسدين" السرَاق منهم" في مراكز الشرطة ويكتب أعلاهم بخط عريض " أحذروا هؤلاء "، اليوم يفتخر الفاسد بمكتسباته وبمهاراته وماله الحرام، ولم يعد الفاسد يخشى المواطن بل انتقل الخوف إلى المواطن وأصبح الجميع يحسب آلف حسابا له، لأنه يمتلك السلطة والمال والقرار السياسي، فهو الكادر الحزبي أو القيادي في حزب ما،وهو المدير العام،وهو الموظف الصغير والوزير أو عضو البرلمان وهو أيضا حامل المفخخات والأحزمة الناسفة، بل نبحث عن الفاسد لتسهيل معاملاتنا مهما كانت صعبة، وهو الذي يأتي لنا بالماء والكهرباء والخدمات المختلفة، ويضمن لنا التعيين في أي موقع وفي أي دائرة نرغب بعد أن يمنحنا الشهادة المزورة ويصدر لنا أمر التعين ،وكل ذلك مقابل هدية بحجمه، وإذا لم نقبل بشروط الفاسد فأنه قادر على أن يفرض عليك حصارا لا تقوى الأمم المتحدة على رفعه، فلا غرابة من أن 80% من مراجعي دوائر الدولة العراقية يدفع رشوة لانجاز معاملته.

وبالتالي يتحول الفساد كسلوك وأداة تفضي إلى بلورة جماعات واسعة من المنتفعين ورعاة المصالح الذاتية التي تعمل على توطيد دعائم نظام ما بعد 2003 ولكن بشروط الفساد حفاظا على أوضاعها ومكانتها من الانهيار، وبهذا يطرح الفساد نفسه كطريقة وبديل عن التنمية الاقتصادية الشاملة وفقا للضوابط القانونية والأخلاقية، وتعزيز فكرة أن الفساد يعجل بقضاء المصالح والحوائج وتبسيط الإجراءات وتسير المعاملات مع الجهاز الحكومي، كما انه يعمل على إعادة توزيع الثروات بشكل مشوه من خلال خلق طبقة من أصحاب المال الصغار المستفيدين من رشاوى الحيتان الكبار، كما يزج الطبقة الوسطى" الطبقة المطلوبة رقم واحد في المشروع الوطني الكبير، فكرا وثقافة ومهنية " قي آتون الفساد فيحولها من طبقة إنقاذ إلى طبقة متعايشة مع ظروف الفساد ومكملة له،وعلى خلفية ذلك تنشأ قناعات سلوكية واضحة تفضل الاستقرار و"التنمية " مع الفساد على اللااستقرار بدونه.

وبهذا يتحول الفساد من ظواهر فردية متناثرة هنا وهناك إلى عمل مافيوي مخطط يدخل سوق العمالة ويقدم خدماته من خلال اختراقه كل القطاعات الإنتاجية والخدمية،ويخضع لمبادئ العرض والطلب والمنافسة الكمية والكيفية ويتحكم بمفاصل تشغيل العمالة، وهذا ما نشهده اليوم من تسهيل معاملات على مختلف المستويات،فهناك تسعيرات محددة لشغل مختلف المناصب من مدرس إلى ضابط ، إلى شرطي أمن، إلى مدير دائرة والى مدير عام ، وتسعيرات للحصول على مختلف الوثائق والمستندات الشخصية من وثائق دراسية وشهادة جنسية وبطاقة أحوال مدنية وجواز سفر وغيرها، طبعا جنبا إلى جنب مع الفساد الكبير الذي يخترق مختلف العقود والمشاريع والمخصصات والاستثمارات الإنتاجية والخدمية التي تستهدف إحياء البنية التحتية المدمرة.

أن القبول بالفساد كأمر واقع شكًل احد عوامل الضغط على المنظومة القيمية والتربوية لدى أفراد المجتمع العراقي وفي تبديد قناعاته الأخلاقية والوطنية، فقد انتشرت اللامبالاة والسلبية بين أفراد المجتمع، وبروز التطرف والتعصب في الآراء وشيوع الجريمة كرد فعل لانهيار القيم وعدم تكافؤ الفرص، كما شاعت قيم فقدان احترام العمل والتقبل النفسي لفكرة التفريط في معايير أداء الواجب الوظيفي وتراجع الاهتمام بالحق العام والشعور بالظلم لدى الغالبية مما يؤدي بدوره إلى الاحتقان الاجتماعي وانتشار الحقد بين شرائح المجتمع وانتشار الفقر،وقد جاء ذلك على خلفية التراكمات التي افرزها النظام السابق متبوعة ومعززة بالإفرازات السلبية التي سببتها الاستقطابات السياسية والتحالفات المشوه والاعتبارات الفئوية والطائفية والقبلية حيث غياب مفهوم المواطنة ومصالح البلاد العليا.

وهكذا لعبت المحاصصة بمختلف مظاهرها سببا في شيوع الفساد الإداري والمالي، ولعبت دور الحاضنة الأمينة له ،فلم يتم اختيار أفراد السلطة ولا الوظائف العامة على أساس النزاهة والعصامية والتكنوقراط وإنما جرى ذلك وفقا لتوافقات سياسية واستحقاقات غير متوازنة ولا معقولة، وعلى هذا الأساس استخدم الفساد كطريقة وجزء من منظومة " الحوافز الإيجابية"، "فالمظلوم" من النظام السابق يقوم باسترداد "حقوقه بطرق غير قانونية كردة فعل على القمع والإقصاء، ويصبح بدوره ظالما وسارقا للمال العام كاحتلاله منصبا سياسيا أو وظيفيا لا يحمل له أي مؤهل وتحت واجهات ومبررات مختلفة: خطية يستاهل، وصاحب عائلة وأطفال وين يروح، خوش آدمي صائم مصلي،أحسن ما يمد أديه للناس، أو يعتبر نفسه مفصول أو مضطهد سياسيا من النظام السابق فيقوم بتزوير الوثائق والمستندات اللازمة لذلك لكي يسترجع " حقوقه ". أما المظلوم الحقيقي من النظام السابق فيعاني الأمرين لانتزاع حقوقه، بل الكثير تنازل عن جدوى الادعاء بحقوقه تحت وطأة سوء المعاملة’كاصتدامه بموظف كارها له في الفكر أو بعثي سابق احتمى بطائفته ويشغل منصبا جديدا تكريما" لمظلوميته ". وهكذا وفرت المحاصصة غطاء لسرًاق المال العام وللمفسدين بصورة عامة، والجميع بعمل على قاعدة أضرب (أسرق) وأهرب إلى طائفتك أو قبيلتك أو حزبك أو إلى قوميتك، أو هذا لك وذاك لي، بل وصل الأمر إلى العبث في تفسير النصوص القرآنية التي لا خلاف على تفسيرها،في محاولة لانتزاع "الاعتراف الإلهي" بأهلية الفاسد وفساده،فعلى سبيل المثال لا الحصر مثلا يرون في النص القرآني: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله" لا تشمل العقوبة سرًاق المال العام، وأن السارق له حصة في هذا المال فهو يأخذ من حصته، والسارق يعرف تماما أن السرقة من المال العام يعني السرقة من أكثر من 38 مليون عراقي، وبالتالي يستحق ليس قطع اليد،بل تقطيع الأوصال (حسب بعض المفسرين)، أما اللهاث وراء الفتاوى الدينية لتحريم الحلال وتحليل الحرام فلا حدود لها، وعلى قاعدة " ذبه برأس عالم وأخرج منها سالم " وما أكثر العلماء في عراق اليوم.

ويتقاطع الفساد الإداري والمالي مع الفساد السياسي ليشكل مقدرة استثنائية في التحكم في الأمن وبعث " الاستقرار " وفي انهياره أيضا،وتلجأ العديد من الفصائل السياسية في التعبير عن قوتها وقدرتها على العبث في الاستقرار عبر ممارسة الفساد المقترن بالقوة المسلحة لاختراق مؤسسات المال العام وقتل حراسه، ثم إعادة المال واختفاء المجرمين، وهي شبيه بالمناورات العسكرية لاستعراض القوى" ولتأديب " الحليف السياسي عند الضرورة، ناهيك عن الإرهاب المعلن بغير أقنعة والمدعم خارجيا والقائم على خلفية عقائدية في العداء للديمقراطية بدون رتوش. أن اقل ما تتركه هذه الأساليب من آثار تربوية ونفسية سلبية هو فقدان الأمل في الاستقرار والخضوع لتفاعلات الأمر الواقع وعدم الثقة بالنظام السياسي باعتباره بديلا عن النظام الديكتاتوري السابق،إلى جانب ما يتركه من حالات إحباط وقنوط تتضح آثارها بصور مختلفة من الاضطرابات النفسية لعل أبرزها مظاهر الاكتئاب والعدوان وإلحاق الأذى بالذات وبالمصلحة العامة.

ومن الضروري الإشارة هنا إلى أن في كل تجارب البلدان التي مرت في محنة الفساد بقيت لديها فسحة من الأمل في بعض من قطاعاتها خالية نسبيا من الفساد،نظرا لارتباط هذه القطاعات بأهداف إنسانية كبرى ذات صلة وطيدة بمستقبل مجتمع بالكامل من حيث الأعداد والتربية والتأهيل وغرس روح المواطنة ونشير منها على سبيل المثال إلى قطاع التربية والتعليم باعتباره قطاعا مصدرا لنماذج القيم المتقدمة وإعادة توليد ما هو ايجابي ومشرف في ذهنية الدارسين، إلى جانب كون العاملين فيه من النخب الاجتماعية والتربوية التي يفترض أن تكون نماذج ومعايير يقتدى بها ويسمع رأيها ،خاصة في الأزمات العامة ،إلا انه مع الأسف كان هذا القطاع من الضحايا الأولى للفساد بمختلف مظاهره من تزوير وسرقة أموال الدارسين وإفساد للعملية التربوية والتعليمية، منهجا وطرائفا وكادرا ومؤسسات، بل أن المحاصصات السياسية والحزبية والطائفية والقومية دخلت بكل حمولتها السيئة لهذا القطاع لكي تحي في ذاكرتنا الآثار السيئة للتبعيث،وبهذا حرم هذا القطاع من دوره الحقيقي في محاربة الفساد بتحويله إلى قطاع مُصدر للفساد.

وتبقى محاربة الفساد وتجفيف منابعه إحدى المهمات الصعبة التي تقف عائقا أمام تطور مجتمعنا وديمقراطيته السياسية، وأن المدخل اللازم للقضاء عليه يتجسد في بناء دولة المؤسسات ألحقه القائمة على سلطة القانون لا سلطة الحزب أو الطائفة أو القبيلة والقومية، والعمل على تفعيل النزاهة والمسائلة والعدالة ضمن آليات عمل مفوضية النزاهة المستقلة ويجب أن تقوم بدورها بملاحقة المتورطين بقضايا الفساد وتقديمهم للعدالة باختلاف مناصبهم ووظائفهم ومسؤولياتهم وأنتمائاتهم الحزبية والطائفية والقومية، والجرأة الكاملة والواضحة في مكافحة الإرهاب بشدة باعتباره لونا من ألوان الفساد وخاصة عندما يستخدم للوصول إلى أهداف سياسية، والحفاظ على قطاع التربية والتعليم وتخليصه وتحًيده من الصراعات الطائفية والحزبية والسماح له بأداء دوره الإنساني والوطني في محاربة الفساد على نطاق واسع، فهو صمام الآمان لخلق جيل مؤمن بقيم النزاهة والحق والعدالة،وإعادة توليد القيم الايجابية في أذهان رجال المستقبل.

مصطفى الكاظمي رئيس الوزراء العراقي الحالي و رجل المخابرات العراقية ورئيس جهازها كما يقال عنه، يفترض أنه كان عارفا بكل شاردة وواردة وهو الحارس الأمين للمعلومة الأمنية في حفظ حياة الشعب، وعليه أن يفهم إذا رغب، أن الفساد في العراق وهو نتاج لفساد نظام المحاصصة الدينية السياسية والأثنية، وعليه استغلال الوقت للشروع بالخطوات الفعلية للأصلاح الشامل، بعيدا عن مضيعة الوقت وضغوطات الأحزاب الطائفية والاثنية او الارتهان الى اجندة تفكيك العراق. ومن هنا ومن برنامج الكاظمي عليه البدء بما يلي: إجراء انتخابات مبكرة بعد استكمال القانون الانتخابي، وتفعيل مفوضية الانتخابات وتطبيق كامل لقانون الأحزاب بالتعاون مع الأمم المتحدة. فرض هيبة الدولة من خلال حصر السلاح بيد المؤسسات الحكومية والعسكرية. فتح حوار وطني بهدف الاصغاء لمطالب حركة الاحتجاج السلمي والشروع بحملة شاملة للتقصي والمساءلة بشأن أحداث العنف التي رافقتها وتطبيق العدالة بحق المتورطين بالدم العراقي. إعداد مشروع قانون موازنة استثنائية لمواجهة الأزمة الاقتصادية وتداعيات انهيار النفط، فضلا عن تسخير إمكانات الدولة لمكافحة جائحة كورونا. حماية سيادة العراق وأمنه وإنتاج رؤية وطنية مشتركة للتفاوض بشأن مستقبل وجود القوات الأجنبية ضمن نطاق عمل أمن البلاد واستمرارية مكافحة فلول الإرهاب وخلاياه. إجراء مفاوضات جادة مع قيادات دول التحالف الدولي بما يضمن تحقيق تطلعات الشعب بالسيادة الوطنية الكاملة في ضوء مصالح العراق وعدم المساس بأمنه الداخلي. عدم استخدام أرضي العراق للاعتداء على أي من دول الجوار جيران وعد السماح بتحويلها الى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. تتعاطى الدولة مع مؤسسات رسمية في علاقاتها الخارجية وفي نطاق قواعد الدبلوماسية الدولية وليس مع أشخاص أو جهات غير رسمية. تؤسس الحكومة العراقية مجلسا استشاريا شبابيا تطوعيا مرتبطا بمكتب رئيس الحكومة يمثل المحافظات كافة ويتم التنسيق مع هذا المجلس بشأن الخطوات الحكومية الخاصة بمجال الإصلاح، ويكون له دور في صياغة آليات دائمة لحماية الحق في التظاهر وضمان سلميته. مكافحة الفساد وتفعيل الملفات المعطلة وتطبيق القانون على الفاسدين مهما بلغ نفوذهم. البدء الفوري بتدقيق السجلات المالية للشركات الحزبية والشخصيات وأصحاب رؤوس الأموال المشكوك بحصولها على أموال بطريقة غير مشروعة.

أن البلاد تقف اليوم على مفترق طرق بسبب الازمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والصحية التي انهكتها، وان انتشالها يستلزم الإسراع في معالجة ملفات الإصلاح والتغيير التي طرحتها الانتفاضة وشدد عليها المنهاج الحكومي والمذكورة بعض من نقاطه اعلاه وهي مقدمات لازمة لمحاربة الفساد على نطاق واسع واقتلاع جذوره ورموزه السياسية. فهل هناك غطاء برلماني للسيد الكاظمي كي يفي بوعوده لفتح واثارة مختلف الملفات والتأسيس لمعالجتها موضوعيا، أم ان الأوضاع مفتوحة لمختلف الاحتمالات وان الوقت يجري سريعا ليست لمصلحة الكاظمي فقط، بل لكل العملية السياسية في البلاد، وقد تندفع البلاد الى حافة المجهول وعندها لا يوجد رابح من خيارات لا تحمد عقباها.

 

د.عامر صالح

 

 

الطيب النقرلا يخالجنا شك في أن ديمقراطية الغرب قد نظرت وأطالت النظر في مضامين الحكم في الإسلام وكيفية معاملة الرعايا، فليست هذه الديمقراطية رغم نكباتها قد أتيحت للغرب عفواً، فليست أوربا هي التي اتسع عقلها وهضمت معاني الحرية والوطنية والعدل والمساواة، واشتدت عزيمتها لبسط هذه المعاني في أنحاء المعمورة، هذا محض افتراء، لقد اصطنع الإسلام هذه الأداة ليرحم بعضنا بعضا ويقدر بعضنا بعضا، وفي الحق أن هذه الأداة ليست حكراً على من يؤمنون بهذا الدين، فليس لهم أن يتصرفوا وحدهم فيها، أو يقومون وحدهم من دونها، إذن من السخف أن نعتقد أن فضيلة العدل قد خُلقت وتمت خلقتها من أجل المسلمين وحدهم فضلاً عن غيرهم، فنحن نعتقد أن الله قد أوجده في الأرض ونشره للناس كافة، فلماذا يقتحم الغرب هذا الشرف ويدعيه لنفسه؟ وما ينبغي أن نظل في هذه الحيرة المتصلة بسبب جماعة تتدعي أنها تخفض لنا جناح رحمتها وتتضامن معنا في حمل أثقال الحياة والنهوض بأعبائها، وهي التي أصابت غنىً موفوراً، وعيشاً غضاً، وثراءً عريضاً من مواردنا، فكل هذه الحقائق لا تدل على شيء ولا تنتهي إلى شيء سوى أن البون شاسع بين عدل الإسلام وحيف الغرب، وأن منظومة الإسلام الأخلاقية التي صاغها الغرب صياغة حديثة لم يمس جوهرها البسطاء ولم تخلب ديباجتها نفوسهم عندما يملأ الطغاة أفواههم بها، ولعل الحقيقة التي يجب أن نعمل على حمايتها وحياطتها والنهوض بها أن الإسلام هو من منح الشعوب أدق ما يستطيع من العناية، وأعظم ما يملك من الإنصاف، رغم ترصد الفرق لتفريق شمله، وتمزيق حبله.

ولنا أن نلقي إلى الدكتور حيدر إبراهيم نظرة دهشة واجمة على غرابة زعمه، فلو كان الإسلام دين ودعوة وليس دين ودولة لما كان له حظ من ثبات واستقرار، ولما قدم به العهد، وطال به الزمان، ولكانت رسالته غامضة غير بينة المدى، ولا واضحة الحدود، ولكانت خانقة مهلكة ليس إلى احتمالها من سبيل، ولما استطاع هديه أن يغير بطبيعة الحال من غرائزنا شيئاً، ولما تمكن أن يلين قلوبنا أو يهذب نفسونا، وأبشع من هذا كله، وأنكى من هذا كله، أن يظل الباطل على سيرته الأولى فلا يجوز على قول العميد إنكاره، ولا يباح نقده، ولا يصح أن يلام فيه الذين يقترفونه، ولكن من نعم الله علينا أن الإسلام دين ودولة، والشيء المحقق أن الدولة هي التي منحته القوة والإيد وحب الجهاد والاستشهاد، والإسلام الآن يجد الألم الممض، والعناء الثقيل، لأنه يعرف للغرب خبثه، وإفكه ونكثه، ولا يستطيع أن يروي السيوف العطاش، ولا أن يقمع جحافل الأوباش، فأمته خائفة مضطربة لا ترضى عن شيء، ولا تطمئن إلى شيء، وهي في خزاية لا سبيل إلى إصلاحها، ومما لا مرية فيه أنها ليست شديدة الحرص على الرفع من أمر قديمها، فمن أعسر الأشياء وأبعدها عن متناول فكرها أن تتقمص رداء الأنفة وتستوفي شروط الكرامة كلها أو بعضها، فهي الآن ترفض خبر الجهاد ولا تصغي إليه، وترضخ بأن ينازعها الغير على ما في يديها، كل الذي يعنيها أن تنهمك في اللذات وتتهالك عليها، هذا هو الواقع الذي ترزح تحت نيره أمة الإسلام.

 لكن كل هذا لا ينفي أن الإسلام دين ودولة، والدولة أثيرة عند الدين الخاتم، محببة إلى نفسه، ولا يستطيع كل من أنكر هذا الود أو جحده أن يقطع ما بينه وبينها من أسباب، والدليل على ذلك أن الإسلام لو ظل يؤثر العافية ويتعمد الملاينة مع أمم الأرض خشية أن يحيط به الخطر، أو يسعى إليه المكروه، لانقصف سهمه، وانثلم رمحه، واستسرّت آثاره، ولكنه لم يبلغ ما بلغ بالرجاء الكثير والأمل الواسع، ولكن بالجهد والبذل والتضحية، ولم يظفر بكسب حينها إلاّ حرص على أن يبلغ كسباً أكثر منه، ولم يكد يفرغ من جهاد إلاّ وتهيأ لجهاد أعنف منه، هذه هي الأصول التي ضمنت بقاء الإسلام، الجهاد والرباط الدائم، الجهاد الذي قال عنه الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه ناصحاً قومه:" لا يدع أحد منكم الجهاد في سبيل الله، فإنه لا يدعه قوم إلاّ ضربهم الله بالذل". لقد شخّص الصديق رضي الله عنه سر هذه الغواشي والنكبات التي تجتاحنا من المحيط إلى الخليج، فانتظام أمور الدولة وعلو سلطانها مرهوناً بالدأب على هذه الفضيلة التي تدفع المكاشح على ترك المنازعة، والجنوح إلى الموادعة، الجهاد الذي يخرج الغرب عن طوره ويدفعه إلى الحنق الدواي، والغضب العنيف، ولكن الأمة تتقاعس عن مزاولة هذه الفريضة حينما تنظر إلى وجه سيدها الضخم الجهم فتعرف ما تضمر لها الأيام من شر إذا سعت أن تنتصر لكبرياء جريح في فلسطين المحتلة، فهي سيئة الظن بربها، ولا تراقبه مراقبة دقيقة متصلة مثل ما تراقب الغرب الذي تخشى بطشه وصولته، كما أن جرائمها الشنيعة، وآثامها القبيحة، تنتهي بها إلى يأس مظلم، وقنوط شديد، ولعل حال الأمة وواقعها المذري لن ينسينا أن نذكر ماضيها التليد، فقبل مجيء الإسلام بقرون كان للعرب حكومات هم الذين أنشأوها، وحضارات هم الذين شيدوها، وكما ذكر الأستاذ خالد محمد خالد نقلاً عن كتاب تاريخ الإسلام السياسي للدكتور حسن إبراهيم حسن:" كان في الجزء الجنوبي الغربي من الجزيرة العربية مملكة سبأ وحمير وقد بلغت هذه البلاد قبل الميلاد بألفي سنة درجة من الحضارة تدل عليها أطلال المباني الضخمة، والنقوش الكثيرة، وهناك شواهد كثيرة لهذه الشهرة والعظمة والأبهة التي وصلت إليها مملكة سبأ، كذلك كان هناك من العرب مملكة الحيرة ومملكة الغسانيين، وكان في جزيرة العرب نفسها ملوك من قبيلة كندة، وكان موطنهم بلاد حضر موت الواقعة في الجنوب الشرقي، وكان هناك مملكة" معين" وقد سبقت مملكة سبأ في الظهور وكانت على جانب عظيم من البأس والقوة، وتلتها في الظهور مملكة سبأ التي اشتهرت بالثروة والقوة بين ممالك العالم في ذلك الحين، وبلغ من قوتها أن ردت جيوش" أوغسطس قيصر" عن أسوار مأرب ودحرتها.....وكذلك كانت هناك مملكتا الحيرة وغسان، قامتا على حدود بادية الشام، وكانت الإمبراطورية الفارسية تستعين بمملكة الحيرة على حرب الروم، كما كان الرومان يستعينون بأمراء غسان على الفرس، وقد استمرت مملكة الحيرة من القرن الثالث الميلادي حتى ظهور الإسلام، وكان لأهلها أثر كبير في الحضارة العربية، وتعاقب على ملكها خمسة وعشرون ملكاً".

إذن لم يكن العرب حديثي عهد بالأنظمة والدول، وأكبر الظن أن الإسلام قد انتفع بانتسابهم إليها، وأنهم قد مضوا فيها قبل كل شيء وبعد كل شيء ملتمسين نصرة هذا الدين وتمدده وانتشاره، فلم تكن الإمارة هي التي تشغل خاطرهم ولا المجد ولا الترف، كلا ليست هذه الأشياء قد أرادوا إليها أو فكروا فيها، كانت غايتهم فقط أن يبصروا رقعة الإسلام واسعة متينة وأن تمتزج هذه الشعوب التي انضوت تحت لوائه امتزاجاً صلداً حتى يغدو مقوماً لشخصيتها، وأن تمس تعاليمه الخالدة حياتهم مساً رفيقاً فهي التي تتيح لهم التغيير الذين ينشده حماة الدين والذي من أجله ضحوا بالغالي والنفيس، هذه هي الدولة التي يعرفون لوازمها، ويقيمون فرائضها، ولا تزيدهم العقبات والمصاعب إلا قوة واندفاعاً من أجل رفعتها وسموها.

من هنا نعلم أن العرب قد عرفوا الممالك والحكومات بينما كانت أوروبا تغط في سباتها العميق وأن البيئة التي" نزل عليها الإسلام كانت ذات ماض عريق وتجربة عريقة، وممارسة طويلة الأمد مع الحكم والحكومات، ونحن نعلم أن الإسلام جاء ليحدث تغييراً وتصعيداً، تغييراً للباطل، وتصعيداً وتعلية لكل ما هو ضروري وحق، ولم يكن العرب في عصور الجاهلية الموغلة في البعد، بقادرين على ما يعجز عنه أسلافهم في ظل الإسلام بكل قوته وعظمته ورشده، وحتى مكة فيما بعد والتي لم تكن فيها حكومة، نجدها قد قامت بتوزيع مسؤوليات الحكومة على قبائلها وبيوتاتها وأفذاذ رجالها، فكانت قوى المجتمع هي التي تحكم وتقود في تنظيم جديد وسديد، والمدينة كانت قبل ذهاب الإسلام إليها تتهيأ لتتويج ملك عليها، وإذا قام الملك قامت حوله الحكومة على نحو ما. وهكذا لم يكن الإسلام يعمل في خواء، ولا يبدأ من فراغ حين يدعو أتباعه لتأسيس حكومة، بل وحين يبدأ بالفعل في تأسيس دولة وقف على رأسها إمام المتقين وخاتم المرسلين وخير خلق الله أجمعين".

 

الطيب النقر

 

 

للإسلام في روسيا اهمية خاصة، سواء من ناحية تنوعه العرقي والمذهبي وتاريخ تجذره في الجغرافية الروسية منذ 1300 عام وحتى يومنا هذا. والاهم من ذلك هو حجم تأثيره في صناعة القرار السياسي في روسيا الاتحادية.

الفرق الكبير في الإسلام بين روسيا، والدول الأوروبية الأخرى هو أن المجتمعات المسلمة في روسيا لم تتشكل من قبل المهاجرين الاجانب كما هو الحال في اوربا وامريكا، فسكان روسيا المسلمون، يعيشون فيها منذ قرون، وهم بمثابة السكان الاصليون في معظم مناطق الحكم الذاتي في الاتحاد الروسي، والأكثر إثارة للدهشة أن الإسلام كان قد ظهر في روسيا قبل ان تنتشر المسيحية فيها.

فقد تغلغلت العقيدة الاسلامية في المساحة الجغرافية التي تكونت منها روسيا الاتحادية فيما بعد منذ منتصف القرن السابع (داغستان)، بينما اعتنق الروس المسيحية متأثرين بالحملات التبشيرية، في القرن التاسع للميلاد. وان لم يجعل التاريخ من روسيا دولة اسلامية فانه جعلها دولة مسيحية أرثوذوكسية بثقل مجتمعي اسلامي لا يمكن تجاوزه. فمن مجموع 146 مليون نسمة، هي تعداد سكان الاتحاد الروسي، (15٪) منها، أو بما مجموعه 20-22 مليون نسمة يعتنقون الاسلام (حسب احصاءات مختلفة).

المجتمعات الاسلامية في روسيا تتميز بانجذابها منذ القدم إلى التاريخ الإسلامي وتمسكها التقليدي بالشعائر والعادات الاسلامية. وهي تنتشر جغرافيا في عدة مناطق في الاتحاد الروسي، مثل شمال القوقاز والأورال ومنطقة الفولغا) وهناك ما يقرب من 10000 مسجد في روسيا، افتتح أكبر مسجد في أوروبا في عام 2015 في موسكو التي يتجاوز عدد المسلمين فيها المليون نسمة.

ومع إن للإسلام مكانته في المجتمع الروسي كديانة تقليدية، الا انه يعاني، كما هو حاله في جميع انحاء العالم، من الفرقة الاثنية والمذهبية التي هي واحدة من اهم اسباب ضعف تأثيره في صناعة القرار السياسي للدولة الروسية. عدا ذلك فان للإسلام علاقات مضطربة وغامضة (غالبا تناحرية) مع السلطات الروسية على مدار التاريخ. ويبدو ان تاريخ العلاقة بين الدولة الروسية والاسلام ساهم، من بين امور اخرى، في تشكيل الوعي الروسي وترسيخ مشاعر الحذر بين الدولة الروسية والمجتمعات الاسلامية فيها.

في القرن الثامن عشر، تحت تأثير إصلاحات الإمبراطورة كاترين الثانية، خضع جزء من الإسلام في روسيا (الذي كان يمثله في المقام الأول التتار والبشكير) للتحول نحو الحداثة وتبني قوانين الدولة الروسية والاندماج النسبي بالمجتمع الروسي. لذا فمن نواحٍ عديدة، يعتبر نموذج "كازان" (عاصمة تتارستان) نموذجًا للإسلام الحديث الليبرالي المستنير. علما بأن التتار والبشكير يعتبرون أنفسهم أحد الركائز التاريخية للدولة الروسية منذ روسيا القيصرية.

المسلمون الروس هم، على العموم، من الطوائف السنية. يعيش معظمهم في اربعة مناطق رئيسية: تتار ستان، باشكورتوستان وجمهوريات شمال القوقاز (الشيشان، إنغوشيا، داغستان ...)، أما منطقة الانتشار الرابعة للمسلمين في روسيا فهي مدن وقرى روسيا الاوربية (موسكو وبيتربورغ ويروسلافل وغيرها).

من ناحية الانتماء المذهبي، تلتزم تتارستان وباشكورتوستان بالمذهب الحنفي، وهي أكثر ليبرالية لأنها تسمح بتفسير منطقي معين للمسائل القانونية والعلاقات الاجتماعية. اما شمال القوقاز، فينتمي في الغالب إلى المذهب الشافعي، الذي يترك مساحة أقل للتفسير المنطقي العقلي للنص الديني بما من شأنه ان يوسع الفجوة بين الالتزام الديني والواقع الذي يفرضه التطور العلمي وانعكاساته على الوعي الاجتماعي. بالإضافة إلى ذلك، فإنه يحمل بصمة التقاليد الصوفية. اما الاسلام في المناطق الاوربية من روسيا فانه متعدد الانتماءات للمذاهب الاسلامية المعروفة، بما فيها المذهب الشيعي، تبعا للانحدار القومي، وهم في تصرفاتهم وانماط حياتهم لا يختلفون كثيرا عن حال اقرانهم من المسلمين الذين يعيشون في الدول الاوربية الغربية وامريكا.

على الرغم من هذا التنوع في الانتماءات المذهبية والعرقية لمسلمي روسيا فان القيادة الروسية منذ العهد القيصري فضلت ان تتعامل مع مركز واحد للمسلمين بكل ترتيباته الهرمية وممثلياته المحلية، مهمته إدارة دور العبادة وتهيئة وتعيين الائمة. وليس من شك بأن مراكز دراسة واعداد الائمة وأداء دور العبادة تراقب عن كثب من قبل السلطات سواء في الحقبة القيصرية او السوفيتية وحتى وقتنا الحاضر لكي يكون الخطاب الديني منسجما مع الانتماء الوطني للمسلمين في روسيا.

ولابد من الاشارة هنا الى ان الاتحاد الروسي تبنى سياسة سيادية بشأن الإسلام في روسيا وطرد الأئمة الأجانب في أوائل التسعينات من أراضيه، كما حظر أي تمويل خارجي، ولا سيما من دول الخليج. بالإضافة إلى ذلك، فإن الوهابية وأنشطة الإخوان المسلمين محظورة في البلاد. ويتم تدريب الأئمة الروس في الجامعات المحلية (قازان وموسكو ...). أي أن الأئمة الذين يدرسون في الشرق الأوسط، وخاصة في المملكة العربية السعودية، غير مرحب بهم لتولي ادارة مساجد المسلمين في روسيا، إلا بعد فترة إعادة تأهيل طويلة تحت إشراف يقظ. وفي نهاية المطاف، فإن مثل هذا الإجراءات غير المتساهلة مع الائمة والدعاة الدارسين خارج روسيا يجعل الأغلبية من الراغبين في الدراسة في المعاهد الدينية الاجنبية، تتخلى عن هذه الفكرة وتفضل التسهيلات الممنوحة لها في الدراسة داخل روسيا.

ورغم ذلك، لم تنج روسيا من تصاعد المشاعر الانفصالية التي اختلفت حدتها من مكان الى اخر في الدولة الروسية التي عانت من حالة ضعف بنيوية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. كان خطر الإرهاب الإسلامي موجودًا دائمًا على الأراضي الروسية، وقد فهم الكرملين منذ فترة طويلة حجم المشكلة التي تطورت الى حرب دموية قاسية في جمهورية الشيشان، تمكنت روسيا في النهاية من اخمادها وتحقيق الانتصار فيها، مقدمة لقاء ذلك الالاف من الضحايا والدمار الشامل.

الا ان تجربة حرب الشيشان لم تكن كافية، على قساوتها، لتردع المشاعر الراديكالية السلفية عند مسلمي روسيا، خاصة بعد الاضطرابات التي شهدتها المنطقة العربية، فترة ما يسمى بالربيع العربي، التي وضعت الدولة الروسية امام اختبار اخر لكبح مشاعر التطرف الديني بعد تجربتها القاسية في مواجهة الانفصال الشيشاني القوقازي المستند الى العامل الديني اضافة الى العوامل الاثنية.

حاولت سلطات موسكو في البداية ان تقلل من تأثير ما جرى في المنطقة العربية على الشباب من المسلمين الروس، وقد نجحت جزئيا عندما كانت الاضطرابات في المنطقة العربية متجلية في بداياتها كحراك شعبي ضد حكومات بعض البلدان العربية، قبل ان تتحول الى ارهاب منظم تقوده قوى مسلحة دينية ومذهبية ممولة من دول عربية رجعية ومدعومة من دوائر غربية، كما هو الحال في سوريا.

عندها غيرت السلطات الروسية من سياستها الاولى بمنع مشاركة المسلمين الروس في الاحداث العربية الى ان اصبحت تغض النظر عن هجرة الشباب الروس المسلمين للمشاركة في الاحداث الدموية في سوريا. وكانت النتيجة انضمام أكثر من 5000 مسلم روسي إلى صفوف الجهاديين في سوريا. وتبين فيما بعد ان السلطات الروسية اعتمدت هذه السياسة لإبعاد التهديد عن البلاد والحصول على فرصة للتعامل مع الارهابيين من المسلمين الروس في منطقة أخرى.

في الوقت الحاضر، في روسيا، يشارك الأئمة والمفتون واللاهوتيون والعلماء والمؤسسات الدينية مثل جامعة موسكو الإسلامية على أعلى مستوى في مكافحة التطرف الديني وانتشار الإسلام السلفي بين الشباب المسلمين الروس. بالتوازي مع هذا، تعمل السلطات والمنظمات الدينية معًا للجمع بين الإسلام والوطنية. في عام 2015، أصدر مجلس الافتاء للمسلمين الروس، وثيقة وطنية تشير إلى مكان ودور المسلمين في حياة روسيا، يحدد العلاقة بين مصادر الشريعة الإسلامية والقانون الروسي. مؤكدة على ان من يحكم على التزام المسلمين بعقيدتهم الدينية هو الله في اليوم الاخر اما من يحكم على تصرفاتهم في وطنهم فهو القانون الروسي والعقد الاجتماعي (الدستور) المقر من قبل اغلبية سكان روسيا على اختلاف اعراقهم ودياناتهم.

وعلى العموم، يبدو أن روسيا أفضل حالا في مواجهتها لتهديدات التطرف الاسلامي من الديمقراطيات الغربية. وربما يكون العامل الاهم في نجاح روسيا هو تمسك الدولة بالعقيدة السياسية الوطنية منذ بداية القرن الحالي، وما تضمين الدستور الجديد (ألمهيأ للاستفتاء العام) مفردات هذه العقيدة السياسية الا دليلا على نجاحها في تحقيق السلام الاجتماعي.

 

د. جاسم الصفار

30/05/2020

 

عبد الصمد البلغيثي(185هـ/256هـ)

قد يتسائلُ البعضُ أينَ تكمُنُ راهِنيةُ أبو يوسف يعقوب ابن أسحاق الكندي اليوم بالنسبة للمسلمين، وما الحاجةُ لهُ في زمننا وهو الذي عاش في بداية القرن الثالثِ الهجري والتاسعِ الميلادي، ويبدُوا هذا الإعتراضُ مقبُولا ومنطقيا بالنظر إلى المسافةِ الزمنيةِ التي تفصلُنا عنهُ. وقد يقول البعض: الكندي عاش في زمانه وفي ظروفٍ تختلفُ عن حاضرنا اليوم، ولا فائدة في العودة لهُ. لذلك سنُوضحُ حاجة المسلمين للكندي من خلال مشكلتين أساسيتين نعيشُها اليوم:

- المشكلةُ الأولى: تكمُنُ في التخلفِ الحضاري الذي يعيشهُ المسلمون والعرب في جميع الميادين، مما جعلهم في مأزقٍ حقيقيِ مع المجتمعات المتقدمة، فلاهم قادرُون على المساهمة في هذا التقدم ولا هم استطاعوا الإستفادة منه.

- المشكلة الثانية: وهي نتيجةٌ طبيعيةٌ للأولى، تَقَوقُعُ المسلمين والعرب على الذات وتمجيدُها بشكلٍ مَرَضِي، مما أدى إلى انتشار ميولاتِ التطرف الديني والقومي ورفضُ الأخر، بسبب الجهل به وغيابُ حوارٍ معه.

ولكن، هذا التشخيصُ لحاضرِ المسلمِينَ والعربِ اليوم معروفٌ، ولا ينكرهُ إلا جاحدٌ أو متعصبٌ لهويةٍ قاتلةٍ حسب تعبير أمين معلوف في كتابه الهُوياتُ القاتلةُ، فأين تكمُنُ علاقةُ الكندي بحاضر المسلمين والعرب؟

لمعرفةِ علاقةِ الكندي بحاضِرِ مجتمعاتنا العربية والإسلامية التي شخصنا بعض مشاكلها سابقا، لا بد من المقارنة بين مجتمعاتنا في الماضي والحاضر الذي نعيشهُ وسنجِدُ الكثير من عناصرِ التشابُهِ، والتي نلخصُها في النقط التالية:

-عاشَ الكندي في بدايةِ تشكُلِ المجتمع العربي الإسلامي الذي لم تكُن لهُ معرفةٌ علميةٌ حقيقيةٌ ما عدى تعاليمُ الدينِ الجديد، ومع توسُعِ العربِ المسلمين وغزوهُم للحضاراتِ المجاورة إكتشفُوا تأخرهُم العلمي أمام تقدُمِ غيرهم من أتباع الدياناتِ الأخرى، وهو ما جعل الجو متوترا بالصراعات المذهبية والعقدية.

- ترأس الكندي المشروع التنويري للخليفةِ العباسي المأمون وعكفَ على ترجمةِ ودراسةِ الفلسفة اليونانية وعُلومها، من خلال إشرافه على بيت الحكمة الذي جمع فيه الخليفةُ أعلام الفلسفة وعُلومَ الاوائلِ من الأقطار التي فتحها المسلمُون، وهو ما ساهم في ظُهور ِحضارةٍ عربية إسلامية أبدعت في ميادين كثيرة.

هكذا يبدُوا التشابهُ واضحاً بين زمنِ الكندي وحاضِرنا، فنحنُ أيضا نعيشُ اليوم أكثر أوقاتِ تخلفنا وعجزنا، بعد صدمةِ الحداثة والتقدم العلمي الذي يعيشه العالمُ المتحضرُ، كما أننا لم نستطع تجاوز عُقدةِ الذاتِ والبُكاءِ على الماضي، مما ولد لنا حِقداً على الأخر المختلفِ عنا وكُرهاً لِكُل ما أنتجهُ من علومٍ أو قيمٍ إنسانية، وازداد التطرفُ الديني والتعصبُ القومي حتى أصبح سمتاً تميزنا بين الأمم.

أعتقدُ أن الكندي يمثلُ خير نموذجٍ لمحاولة تجاوز بعضِ هذه العوائق الحضارية، لأنهُ أنتبه في بعض كتبهِ إلى ميل المسلمين في بدايتهم لرفضِ عُلوم وإنجازات الحضارات السابقةِ، وهُو ما رفضهُ مُعتبرا أن الإستفادة منهم واجبةٌ، وقد عبر عن ذلك في نصٍ ما أحوجنا لقراءتهِ اليوم يقول فيه:"وينبغي لنا أن لا نستحِي من استحسانِ الحقِ واقتناءِ الحق من أين أتى، وإن أتى من الأجناسِ القَاصِيةِ عنا والأمم المباينةِ لنا، فإنه لا شيء أولى بطالب الحق من الحق، وليس ينبغي بخسُ الحق، ولا تصغيرٌ بقائلهِ ولا بالأتي بهِ، ولا أحدٌ بخسَ بالحقِ، بل كلٌ يشرفهُ الحقُ." (رسائل الكندي الفلسفية، تح:ع.ه. أبوريدة، ط2، القاهرة، ص.33)

يدعُوا الكندي مِن خلالِ هذا النصِ المسلمينَ في زمنهِ إلى الإنفتاحِ على غيرهم، من خلالِ الإستفادةِ منهُم وعدمُ الإستحياءِ من ذلك، ولو كانُوا من دياناتٍ مختلفةٍ وأجناسٍ مخالفةٍ لنا، وهي نظرةٌ تَعتبرُ أن الحق لا دين لهُ ولا جنس لهُ، لأن العرب المسلمين زمن الكندي إستضَمُوا بعُلومِ وتراثِ الأقوامِ المخالفينَ لهُم واختلفُوا في التعاملِ مع هذا التراثِ اليوناني والمسيحي واليهودي والفارسي والمصري وغيره، فكان الكندي واضِحا في ضَرُورةِ أخذِ ما يُفيدنا من هؤلاءِ وأن لا نبخسهُ أونحتقره، وهو العملُ الذي قام به الكندي نفسه بتشجيعٍ من الخليفةِ المأمون، الذي شجع على نقل علُومِ الأوائلِ ودراستها وتعلمِها، ما سيجعل الحضارة العربية الإسلامية حضارة متقدمة لقُرون من الزمن.

ثُم يُضيفُ الكندي أنهُ لا يجبُ ذَمُ المخالفينَ لنا إذا قصرُوا في بعضِ الأحيانِ عن الحقِ أو خالفُونا، ويقُول في نفسِ الكتاب:"ومِن أوجبِ الحقِ ألا نذُم مَن كانَ أحدَ أسبابِ منافعِنا الصغارِ الهزلية، فكيفَ بالذِينَ هُم أكبرُ أسبابِ منافعِنَا العِظام الحقيقيةُ الجديةُ، فإنهُم، وإن قصرُوا عن بعضِ الحقِ، فَقَد كانُوا لنَا أنسَاباً وشركاءَ فِيما أفادُونا من ثمارِ فكرهِم التي صارت سُبلا وآلات مؤديةً إلى علمِ كثيرٍ مما قصرُوا عن نيل حقيقته."(م.ن.ص.32)

نُلاحظُ مستوى الخِطابِ الذي يستعملهُ الكندي للكلام عن الأخر المخالفِ، فهُو يعتبرهُ شريكاً ونسيباً في الحقِ، وأفكارهُم ثمارٌ تفيدُنا يَسرت لنَا سُبل العيشِ والرقي الحضاري، وهُو ما حدث بالفعل فقد كانَ للحضارةِ اليونانيةِ الفضلُ الكبيرُ على العربِ والمسلمينَ في تطورهم وتقدمهم لقرون، في زمنٍ أزدهرت فيهِ حضارتهُم وصارت مركز العالمِ، كُل ذلكَ كانَ بسببِ هذا الحوار والأخذ من اليونان، وهُو ما أنتجَ شخصياتٍ علمية مرموقةٌ أفادت الإنسانية إلى اليوم منها ابن سينا والخوارزمي والرازي وابن النفيس والفارابي وابن طفيل وابن باجه وابن رشد...، ولا يفُوتُ الكندي أن يدعُوا لشُكرِ من سبقُونا وأفادُونا من ثمار فكرهم ويقول:"فينبغيِ أن يَعظُمَ شُكرُنا للآتِينَ بيسيرِ الحقِ، فضلاً عَن من أتى بكثيرٍ من الحقِ، إذ أشركُونَا في ثمارِ فكرهِم وسهلُوا لنَا المطالبَ الحقِيَةَ الخَفِيةُ، بمَا أفادُوناَ مِنَ المقدمَاتِ المسهلةُ لنَا سُبُلَ الحَقِ..."(ن.م.ص.32)

بعدَ عرضِ هذهِ النصُوصِ نجدُ أن الكندي بالفعل ضرُوريٌ لزَمانِناَ، وكأنهُ يقدمُ حلُولاً لحاضِرنَا هذا الحاضرُ الذيِ نسينَا فيهِ تُراثنا وماضينا الزاخر، نسينا أن سبب تخلفناَ هُو رفضُنا للعُلوم والبحث العلمي، وانغلاقُناَ على الذاتِ وتحقِيرنا للغير، لم نستطِع أن نفهَمَ أن أي فِعلٍ حضارِي للخُروجِ من وضعِ التخلُفِ، لا بُد أن ينطلقَ من الغيرِ المختلفِ، والتعاونِ والشراكةِ معهُ وقبُولُهُ أولاً، لأنهُ بدُونِ قبُولٍ لاَ يتحققُ حوارٌ ولا شراكةٌ، خاصةً ونحنُ نعيشُ في زمن التطرفِ الديني والتعصُبِ المذهبي الذي إبتُلِيت بهِ مجتمعاتُنا العربية والإسلامية، هذا التعصُب كان نتيجةٌ لتخلُفنَا الذي إكتشفناهُ متأخرينَ مع صدمَةِ الحداثة، وعِوَضَ أن نبني جسُور حوارٍ وشراكة ٍمع الأممِ المتقدمة، نَصبنَا لها العداءَ وأنقلبنَا على الذاتِ نمجدُها ونبكيِ على الأطلالِ، لذلِكَ تبقى تجربةُ الكندي الملقبُ بفيلسوفِ العرب، علامةٌ مُتميزٌ فيِ تاريخناَ العربي الإسلامي لابد من العودةِ إليهَا لتعلُمِ الدُرُوسِ والعِبَرِ. 

 

عبد الصمد البلغيتي

 

بليغ حمدي اسماعيلهذه السطور ليست موجهة للقارئ المهتم بجائحة كورونا التي تعصف بكافة مناشط الحياة وسط قصور وفشل بل وتخاذل علمي عربي يؤكد أن كافة الكليات العلمية ما هي إلا معامل تدريسية خارج نطاق التطبيق حتى باتت منتهية الصلاحية لا تجعلها بأصحابها كفيلة للبقاء وسط سباق علمي محموم من أجل القضاء على أسطورة كوفيد ـ 19، لاسيما وأن هذه السطور لا ولن تهتم بك وبقضاياك السياسية والاجتماعية والدينية، ولربما هي سطور بعيدة تماما عن اهتماماتك واهتمامات أصدقائك اللهم إن كنت متطرفاً مغاليا مرهونا بأفكار وقضايا وفتاوى أمراء التكفير والهجرة المعاصرة ومن متابعي جبهة النصرة وجماعة الإخوان والسلفية الجهادية، فهي بالطبع تخصك وتتحدث عنك بالأولوية المطلقة . فإن حديثي هذا موجه بالدرجة الأولى المميزة بلغة السكك الحديدية إلى المتطرفين دينياً على السواء، وبالأخص الذين يجدون هوساً وهوى في اللحاق بفتاوى أمراء الفتنة وشيوخ النساء وهؤلاء الذين نصبوا أنفسهم وكلاء الله في الأرض .

ولأن معظم المقالات في الشأن السياسي حاليا تتعلق غالبا بعد جهود الدول والحكومات في مواجهة جائحة كورونا، تهتم أيضا بتحليل الخطاب الديني المعاصر، وكذلك نقد مسار التيارات الدينية الأكثر تطرفا والتي خرجت طواعية عن سياج سماحة الإسلام الحنيف، والتي أدمجت فعل السياسة بالدين فإن المواطنين غير المنتمين لهذه الجماعات عادة لا تكترث بمثل هذه القضايا وربما لا تفطن خطورة الفتاوى الإلكترونية المتوالية والمتواترة كل صباح على شبكات التواصل الاجتماعي، لأنها بحكم انتفاء انتمائها لجماعات التطرف والغلو والتكفير لا تمارس أي نوع من الإقصاء السياسي أو الاستبعاد الاجتماعي لأي فصيل ديني أو سياسي أو اجتماعي .

ولأن لبعض المتطرفين وداً قائماً فأحببت أن أقول لهم أن ثمة جريمة لا إنسانية بشعة قد حدثت في بورندي حينما ذبحت ثلاث راهبات إيطاليات داخل دير هناك، ويطيب لي أن أخبرهم بأن الكنيسة في الفاتيكان تحذر من مخاوف تكرار حوادث الاستغلال الجنسي للأطفال، علاوة على غضب بابا الفاتيكان من تستر الباباوات على الجرائم غير الأخلاقية الأخرى .

ولهم أقول مجددا هل مثل هذه الأخبار أعزت إسلامكم ؟ بالقطع لا، وهل مثل هذا الانحلال والانفلات الأخلاقي والقيمي أودى بمتطرفي تنظيم داعش في العراق لكي يقدموا للعالم صورة إنسانية للإسلام ؟ الجواب يأتي بالنفي أيضاً، وفى صباح الأول من سبتمبر 2009 وجد العاملون بكنيسة المسيح المقدس بأوكلاهوما، جثة الراهبة "كارول دانيالز" العارية، وممدودة على شكل صليب، وظنت الشرطة وقتها أن ملابس الجثة أزيلت لإخفاء دليل الإدانة، و قد ماتت إثر رش مادة كيميائية على جسدها لتدمير أدلة الحمض النووى فى مسرح الجريمة، ويعتقد أنها تعاركت مع قاتلها ولم تستلم بسهولة، وقيدت القضية ضد مجهول.

كل هذه الحوادث المثيرة وكفيلة بتحقيق انتصار مؤقت لدى المتطرفين دينياً المرابطين على الشاطئ الآخر، ولو أفردت حديثاً عن مثالب الحكام المسلمين الذين سموا أنفسهم بالخلفاء أولئك الذين حكموا العرب وغيرها من الأمصار في الدولة الفاطمية والأيوبية والإخشيدية لما انتهينا ولا انتهت صفحات الكتابة، لكن القضية التي أركز عليها هنا في حدود مساحة المقال أن أنا دوما في مواجهة حربية مع الآخر، دون أن يكترث هو بالبناء والتعمير وإنشاء حضارته وتحقيق إنسانيته، وكم من مرة سمعت من بعض أولئك المتطرفين عبارة مفادها أن المخالف في الرأي والمعتقد (يستحق ما يحدث له) ولم أرَ في تراثنا الإسلامي الصائب والقويم والبعيد عن التحريف والتصحيف وخزعبلات المتهوكين ما يفيد تلك الشماتة وهذا الإغراق في الوحشية .

مشكلتنا الإنسانية هي بحق ليست في الدين، وليست في المخالفين لعقائدنا نحن، إنما تكمن في فهمنا للدين ووعينا المعرفي لقواعده، وإدراك حجم السماحة المطلقة لقبول الآخر هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كان موضوع مقالي السابق عن التنوع الثقافي الذي بالضرورة يرتبط بالإنسانية المحضة وهي الجانب الذي نحتفظ به اسما فقط دون الصفة، لأننا بالفعل غابت عنا الإنسانية بقيمها وأفعالها الحميدة وطفقنا نتفاخر بالكوارث التي تقع للآخرين وكأننا بذلك حققنا انتصاراً يفوق عبورنا لقناة السويس وقت حرب أكتوبر المجيدة، وليتنا أفلحنا في تحقيق إرادتنا وعبرنا صوب الإنسانية .

وهذه الإنسانية المفقودة لن تتحقق إلا بمزيد من رؤيتنا لأنفسنا من الداخل، مناقبنا ومثالبنا، أخطائنا ومحاسننا ونواقصنا المستعرة، لماذا هذا الغضب الإنساني المحتدم داخل أنفسنا وأصبحنا اليوم مؤهلين تماما للنيل من الآخر على حساب تنمية الذات والاهتمام بنواقصنا الشخصية؟ .

المشكلة الراهنة أننا استمرأنا النظر في مرايا الآخرين وقمنا طوعاً بتحطيم مرايانا التي يجب أن نرى فيها أنفسنا أولا ثم نهتم بالآخر، ورغم أننا بالضرورة مطالبون بالاهتمام بتنمية الآخرين لكننا مصرين على الاستمرار في عمليات الهدم والتحطيم غير مبالين بأننا نسير في طريق واحد . وربما نعرج قليلاً عن موضوع المقال لنشير أن هناك أناساً يأملون في فشل نهضة هذا الوطن، فنراهم ليل نهار على شبكات التواصل الاجتماعي يهللون فور سماعهم لأي إخفاق يواجه الحكومة المصرية على سبيل المثال، وأبواقهم الإعلامية بتركيا الخائبة سياسيا تستهزئ طويلاً أمام أية أنباء تتعلق بأخبار إصابة المصريين بفيروس كورونا المستجد، وتراهم سعداء وأكثر شماتة وغبطة حينما يقرأون أخباراً تتصل بتعرقل العلاج الوقائي لمرضى الكبد، وآخرين يقيمون الأفراح والليالي الملاح وهم يتابعون انقطاع الكهرباء والمياه في بعض بقاع مصر .

ولهؤلاء جميعاً الذين غشيتهم السياسة بممكنها ومستحيلها واغتروا باتباع الآلاف من الجهلاء والبسطاء وفقيري المعرفة الفقهية، نقول إنه تكفيهم من الحسرة والخسارة النفسية حجم الوعي والإدراك ومساحات الفطنة المتوافرة الآن لدى المواطن من أجل مواجهة كافة الأفكار المغلوطة والتيارات الإرهابية، وإذا كان أمراء وشيوخ وقيادات جماعات التطرف والتكفير يطبقون باقتدار الحكمة الفارسية التي تشير إلى أنه لكي تحكم باقتدار اجعل مجتمعك منقسماً ومختلفاً ومتمايز الثقافات وعشائرياً إن ابتغيت السيادة، وقبليا إن أردت، وعرقيا وإقليمياً أن ارتضيت لشعبك العزلة من أجل مزيد من السيطرة والتحكم، وطائفياً إذا سعيت نحو البقاء والتوريث . وهذه هي حكمة فارسية ضاربة في القدم تناقلها ملوك الفرس على مر قرون بعيدة قبيل قيام الثورة الإسلامية هناك وانتهاء حكم الشاه وقيام ما عرف بالثورة الإسلامية الإيرانية، فاليوم المواطن العربي والمصري على وجه الاختصاص والتحديد أصبح يدرك معنى الوطن والانتماء له وأفطن كنه الوطنية وضرورة التمسك بالأرض في مواجهة كل من يحاول زعزعة استقراره .

وهؤلاء الذين تطرفوا دينياً بغير فهم حقيقي للدين ومعالمه وبدون هدى لمقاصد الشريعة الإسلامية لم ينتبهوا أننا جميعاً نأمل في إيجاد حلول سريعة لعلاج مرضى فيروس كورونا بل ونستجدي العلماء والباحثين بضرورة إيجاد حل طبي سريع، وهو ما دفع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى حث العلماء واستنهاض طاقاتهم البحثية لتوفير علاج ممكن لمواجهة الجائحة الكونية ، لكن حالة العمى والغفلة التي اكتسبها أعضاء وأنصار الفرق والتيارات والجماعات المتطرفة والتي جاءت مصر منتصف السبعينيات لظروف استثنائية، هؤلاء نتيجة الإقصاء والاستبعاد الاجتماعي لهم بفضل ممارساتهم الإرهابية جعلتهم غير مبالين للإنسانية التي ينتمون إليها . وإذا كانوا يهللون لانقطاع مؤقت للكهرباء والمياه ببعض المناطق الحيوية دليلاً على فشل الوطن، فإن ذلك يأتي ـ التهليل ـ متوافقاً تماماً مع حالاتهم النفسية التي تأبى الحياة في الضوء وداخله .

وإذا كانت التيارات والجماعات ذات الصبغة الدينية السياسية الآن تشهد توترات اجتماعية راديكالية رغم كونها في بدايات التأسيس رجعية سلفية في الأصل، إلا أنها بالفعل تعاني حركة واسعة من التصدعات لاسيما في ظل تراجع التمويل الخارجي وقنوت بعض الأصوات الإعلامية الموصوفة بالمرتزقة وهم المتنعمين بتركيا المريضة، ، فإن مصر بالفعل نجحت أن تعبر بامتياز حقبة التنظيرات والطروحات المملة التي طرحتها قيادات الجماعات الراديكالية والتي لم تفلح سوى في مزيد من الانقسامات النوعية العميقة بين أنصار هذه الجماعات وزيادة فجوات الفهم والاستيعاب لإحداثيات المرحلة الراهنة .

وفي الوقت نفسه لم يعد الوطن بحاجة اليوم إلى بروتوكولات الفصائل الدينية السياسية التي أدخلتنا في دوائر جدلية لا متناهية راحت وصالت وجالت تفتش عن علاقة الدين بالسياسة، وكيفية الفرار من علمانية الدولة، أو تلك الرهانات السوفسطائية حول ماهية الدولة ومفهوم السلطة أو بحقيقة التراث الإسلامي وعلاقته بالسياسة، وهؤلاء وهؤلاء أجبروا الوطن والمواطن على التمييز بين الحكم الأوتوقراطي السلطوي وبين ديموقراطية العصر من ناحية وشورى السلف من ناحية أخرى .

إن ممكن ومستحيل جماعات الإسلام السياسي التي كنا نظن لعقود بعيدة أنها أكثر تنظيماً باستطاعته الحشد والاستقطاب والقدرة على اقتناص فئات كثيرة من أفراد وطوائف المجتمعات العربية مستخدمة في تحقيق هذه المطامح دولاً كتركيا وقطر وجنوب أفريقيا ومنظمات دولية لعرض قضية العودة للمشهد السياسي بعد الخروج الكبير لها، وهذا دليل قاطع على أن شعبيتها الواهمة في طريقها إلى المحو اللهم سوى البسطاء وأعضاء ومريدي الفصائل المتطرفة كجماعات التكفير والهجرة والتبليغ والدعوة وأنصار بيت المقدس التي ترى وحدها أنها الأجدر بالحديث عن الإسلام في الشرق الأوسط وأن وجودها يعد الخطوة الأساسية لتطبيق الشريعة الإسلامية في الوطن العربي الكبير ، رغم أن الإسلام بخير وباق ولا يحتاج إلى تنظيمات متطرفة سرية لإعلانه أو أمير وشيخ مطعون في علمه وفقهه ليصلح من شأنه في الأرض.

لم تدرك الجماعات الراديكالية خطورة المشاركة في الديموقراطية، ولم تفطن أن السياسة فن الممكن دوماً لأنها عزفت فقط على أوتار المستحيل مما أفقدها القدرة على التنبؤ والاستشراف، ومشكلة الجماعة الحقيقية أنها لا تجيد العمل إلا في آوان الاضطراب والتوتر الاجتماعي والسياسي، لذلك فهي تعمد منذ إسقاط دولة جماعة الإخوان في مصر إلى إحداث القلق والتوترات الداخلية لأن هذا هو المناخ المناسب والطبيعي لظهورهم من جديد على المشهد السياسي . الممكن أن تظل الجماعة على منصة تتويج المعارضين، والمستحيل هو الانضمام إلى صفوف الأغلبية .

وما يتم ارتكابه من أعمال تخريبية ومشاهد مسلحة بحق جنودنا البواسل بشبه جزيرة سيناء وما تتضمنه من أحداث عنف وتخريب موجه وعشوائي قامت به بعض فصائل الإسلام السياسي على أيدى أنصارها من البسطاء الذين تم الزج بهم في معركة سياسية بحتة لهو مدعاة للوقوف طويلاً أما الحدث مرة، ووراء الأفكار التي بثت في عقول وصدور هؤلاء مرات عديدة، وأجد أسفاً وحزناً حينما أقول إن ثمة تصرفات وأكاذيب ارتكبها وانتهجها وروج لها فصيل سياسي تحت شعارات دينية تحريضية بأن الإسلام في خطر وأن الدولة بأجهزتها ومؤسساتها تسير في طريق الضلال .

والمشكلة الحقيقية التي لم يبصر إليها أمراء وقيادات معظم حركات الإسلام السياسي في مصر في أنهم على سعي مستدام بضرورة السيطرة على مفاصل الدولة والتحكم القهري في مجريات الشارع المصري، وهم بذلك لا يفطنون إلى أهم وأعمق بل وأقدم حقيقة تاريخية وهي أن مصر عصية على الترويض وأنها عادة ما تلفظ الاقتناص بها وهذه حكمة تاريخية ولدت مع ولادة مصر نفسها .

الحكاية كلها تتعلق بالإنسانية المفقودة التي نطمح إليها، وكم من آية قرآنية تحث على ذلك، وكم من حديث شريف لرسولنا الكريم يؤكد هذا المعنى، ونهاية الحكاية أن تهتم بنفسك أولاً حقق إرادتك الإنسانية حينما تنجح مع ربك، وتنجح في عملك وتنجح وسط أسرتك الصغيرة، أن تكون إنساناً وقتما تدرك أنك تعيش على هذه الأرض الطيبة، ويكفي من العجب أن نرى مصريين يأملون أن يشاهدوا الوطن ضعيفاً ومنكسراً .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

 

سيكند هاند، أو اليد الثانية، محلات حضورها كبير في أستراليا، ولعله ينافس في رخص الثمن المصنوعات الصينية المعروفة بذلك. في تلك المحلات بضائع مختلفة تبدأ من دبوس الشعر، لتنتهي بأثاث المطبخ، وكل ما لا يخطر لك على بال، أما أن تنسب فئة من البشر إلى ذاك التصنيف، فهنا رؤية خاصة، ومن حق من يعترض أن يدحضها، ولكن بالحجج المقنعة!   كيف لإنسان أن يُحشر مع تلك المعروضات، وهو المسيّد على الأرض، وخليفة الله في دنياه، هي بالطبع نقيصة، تعود في مجملها إلى المنافقة، والمراءاة، وارتضاء المرء أن يكون سلعة يُسوّق لها تحت شكل أو آخر.

 إلى دول الانفتاح المطلق وصل الإنسان البسيط من بلدة قد تكون نائية، أو قرية ما يزال يجلّلها الوسن، أو من مدينة عرفت انفتاحا لكنه ظل مقيّدا بالعادات والتقاليد، وقبلها الأعراف الدينية. بعض من البشر رجلا كان، أو امرأة تأتيه الصدمة هنا، وما أكثر من عاش مع أفكاره وما جلبه معه سدّا منيعا، حتى وإن مرت به سنوات وسنوات، غير أن المستغرب أن الانفتاح على المحايلة، وتبريرها كان أسرع، ومن أوسع الأبواب، وأقصاها. هنا حيث يعيش بعض البشر بشخصيتين مزدوجتين، هو أمر تطبعوا به من كثرة المعاشرة، وصار من غير الطبيعي أن يشذّ عن تلك القاعدة فئة، استوعبت ذلك الانفتاح، والتمازج الإنسانيّ الكثيف، ونهلت منه، ثم مزجته مع ما تثقفت به، وتربت عليه في نفسها، ثم خرجت بثوب يليق الخروج به في المستوطن الجديد.

أشعر بأن قارئي للوهلة الأولى قد اعتقد أن المقصود بالعنوان، ما استُعمل من البشر للمرة الثانية، وأنا حقا أريد أن أنحى هذا المنحى الذي لا يخرج عما قدمت له!

  ممارسة الحرية حين تسنح الفرص، وحتى أقصاها، وأول المبتدأ يكون بما تميل إليه نفس المرء، ولا سيما مما ورد تحت باب المباح، والمحلّل، وإن كانت لي رؤية أخرى في المحلل والمحرّم لا تخرج مطلقا عما ورد في كتاب الله، بل هي توسّع مظلّته لأستفيء سياق آية كريمة في ذلك دون اقتطاع، أو اجتزاء، لا كما يحلو لبعض الأنفس الاجتزاء، والتغريد خارج السّرب بما يوافق ذاك الهوى.

 قانون البلاد هنا يصرّ الفردانية في الزواج، فلا يسمح بالتّعددية، ومثنى، وثلاث، ورباع والتي هي الأجنحة المرفرفة في عقل من ينطلق من ذكورته، أمر يمكن أن يصير واقعا، وببساطة، ولكن بالاحتيال على القانون. فكم من نكاح يتخذ شكلا أو آخر، فتتعدد أوراق اللعب في يد السلطان، ويكتنز أكثر من جارية برغبتها، وهنا يستطيع المُريد حصد أكثر من امرأة في الوقت نفسه تحت توقيع المزوّج الذي يطبق الشرع، شرع الدين، لا شريعة الدولة، وكم من رجل احتفظ بالأولى وقد طلقها رسميا، ليأتزر بالثانية حين يستقدمها من الخارج، ويسجلها عليه، وكم من امرأة توافق على أن تكون رقما يتكرر في عصمة زوج يرفدها بمبلغ لا يذكر من المال، فتفوز برضا القانون، ورضا الغايات التي تدركها تماما. مَن حولها لا اعتراض لهم على ذلك الارتباط بما أنه شرعي، وإن احتاجت إلى تبريره أمام جهة مسؤولة، فالجواب حاضر في دولة تؤمن بالعلاقات المفتوحة. هو، أو هي "البوي فريند، أو الجيرل فريند"  الصّاحب، أوالصّاحبة، ولن يقف في الدرب من الأشواك شوك.

  ولعلّ السّائل يستفسر لمَ تلك الطرق، ليصل الجواب سريعا: الحصول على معونة الدولة، إعانة مالية، نوع من التّسهيل، تخصّ به اللواتي يعشن وحدهن، ويأتي في الرأس الـ "سينغل مام"، أو وضع "الأم الوحيدة" التي لها حق كبير من رعاية دولة تهتم بمواطنيها، وتحرص على حياة كريمة لهم.

 أرفد هنا ما أذهب إليه بردّ صبية ثلاثينية، وقد تكررت زواجاتها سرّا، وفي كل مرة تخرج بطفل، أو أكثر، فقد استفسرت منها عن تقيّدها بالعدة الشرعية، وأذكر أنها ابتسمت، وهي تجيبني قائلة: "إنها عدّة مودرن يا عزيزتي!". صدقت، فلا بد من عدّة مودرن لتناسب الانفتاح في هذه الأرض، تسمح للمرأة بألا تعتدّ، ولا بأس أن يكون هناك خاطب في الانتظار!

   لا يُستعاب الحلال لمن يبحثون عنه، ولكن ليس بتلك السّبل الملتوية، والتي تربط كل شيء بالمنفعة والمصلحة، المادة التي طغت على كل شيء هنا، وأفنيت في سبيلها أرواح صارت تدور بالبعض مثل الثيران في السواقي، فلا هي تهدّئ، ولا هي توقظ حين تتوجّب اليقظة، ومن قنع سعد، ولكن اللاهث وراء المتعة سيبقى ذاك الغائب المغيب أبدا. في أوطاننا الأمّ ما يزال الحلال مقيدا بطقوس وأعراف وتقوّلات اجتماعية، أما هنا، فقد غضّ الطرف، ورفع القلم عن الكثير، وتبدّلت المفاهيم حول كثير مما تُؤبّط في حقيبة الرحيل.

 ومن وجوه تلك الممارسات الغريبة في الكذب والنفاق للحصول على رغيبة من الرغائب المادية حادثة كنت شاهدا عليها، حيث جلست أنتظر دوري في مكان يختص بالمطالبة بالسكن الحكومي، وقد كانت المرأة التي تلاصقني في الجلوس امرأة حييّة، أما الرجل المقابل لنا، فقد كان لا يرعوي عن الحديث بصوت مرتفع غير آبه بمن تنحشر بهم القاعة، يناوشها، ويحاورها ويحتال ليعرف إن كانت قد سجّلت على "سكن حكومي"، أو إن كانت ستستلمه قريبا. الرجل يريد الزواج بامرأة لديها سكن حكومي، حتى وإن كانت تجرجر وراءها خمسة أطفال، وفي ذلك يحلّل كلّ الرياء، والكذب. كان الرجل حينذاك يوقّع ألحان الحنان الأبوي، فهو سيعين المرأة في أطفالها، وهو سيؤنس وحدتها، كل ذلك، والحديث بدا لي أقل من عادي، ومتكرّرا في مثل تلك الأمكنة التي أشعرتني بأنها من دور اصطياد المعروضات في السيكند هاند. كانت مصادفة جيدة لمثلي أن أتعرف وجها من وجوه التّعامل الاجتماعي في الوطن الجديد، وألتقط ما ألتقط. للعلم، والله يشهد، فقد تحاملت المرأة صامدة لفترة أمام مناوراته الذكريّة المفتعلة، تصدّه تارة بأنها لا ترغب بالزواج، وتارة بأنّ لها أهلا معينين على الشدائد، إلى أن سقطت في الفخّ، وانتهت المحادثة بتبادل أرقام الهاتفين. لكن من إن خرجت المرأة حتى تمنيت أن ألحق بها، لأخبرها بما استباحه الرجل من وضاعة السلوك، فجعلني أتخيّل قيمة الحنان الأبوي الذي سيهبه الرجل لأطفال المرأة متى تحوّل أبا بديلا لهم. هدفه الأول والأخير سكنها الحكومي الرخيص ليس غير، وأن يعيش معتاشا عليها وعلى أطفالها بما تهبهم الدولة من المساعدات البسيطة، تقوم على أمره امرأة مقابل ما يهبها من معسول الكلام. ظل صراخ الرجل يتعالى على الموظفين أمام النافذة الواصلة بينهم، وقد ملأه الغيظ، وهو يفتن على أحد جيرانه الذي استطاع بأسلوب ما أن يكتري سكنا حكوميّا، رغم أنه مالك لبيت خاصّ!

 العلاقات المفتوحة هنا، ليست مؤرّقا لمن لا يخضعون إلى معتقد ديني يحلل أويحرم، لذا سيبقى الحديث قائما عن أولئك الذين يقبلون أن يكونوا سلعا تباع وتشترى، بما يصدر عنهم من ممارسات، هنا حيث تغاير النظرة إلى الجسد ما تداولناه معتقدا وإرثا، إلا عند فئة من الخلق ما تزال تتشبّث بقيم ظاهريا، رغم اختلالها في نفوسهم، فيسود من السلوك التفاف وتحايل يدفعان إلى الدهشة والاستنكار. الـتفكير الـ "أوبن مايد"، ما يزال يستنكره في عائلاتهم كثير من العرب، والمسلمين بالتحديد، لكن هناك من رضخ راغبا مستسلما، وغير راغب، ومتجاهلا، وغير متجاهل، ومنهم من وضع للعلاقة إطارا مشرعنًا هو أبعد ما يكون عن الشرع، واقتنع بما سنّ ونهج، والغربيّ يرى أن أبناءه بحاجة إلى أطباء نفسيين حين تفتقر حياتهم إلى علاقات جنسية مع الطرف الآخر، لا يمنعه عن ذلك أنه ما يزال حدثا، والمثلية قد أقرت رسميا، والعرب، والمسلمون بين هذا وذاك يتلاطمون، فالحياة في الغرب لا بد وأن تزعزع في الشخص أركانه المتوارثة، ولكن الأدهى حين نعرف الخطأ ونمارسه بإرادتنا، فأن تكون المرأة تعدادا رقميّا سريّا في حياة رجل ما، لا لشيء إلا لمتعة عابرة مصحوبة بدولارات معدودة تحافظ من خلاله على مساعدة "السنتر لينك" أو المركز الحكومي المخوّل بمساعدة المواطنين، فيحمل مئات من الاستفسارات، وعلامات الترقيم. فما الدافع إلى تلك الدونية، وأن نكون اليد الثانية، ما دمنا نستطيع العمل بكرامة، ومنهم من يعمل حقا، ولكن لديهم إيمان ويقين أن الاحتفاظ بتلك المساعدة حق شرعي، في حين أن ممارساتهم تمنعها عمن يستحقونها من كبار السن، أو الذين اقتربوا من سن التقاعد، أو المتضررين حقا، أومن قضوا دهرا في كدح ونصب، وما الدافع لاكتراء سكن حكومي تحت سلسلة من نفاق واحتيالات لا تنتهي، والآلاف من المحتاجين الحقيقين ينتظرون أن يكون لهم مأوى يقدرون على دفع أجرته؟!

 أين من أولئك مضمون قوله سبحانه وتعالى في سورة النساء "يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيّتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا" الآية 108، وكأني بـ"المهاتما غاندي" يسبح في ملكوت الله حين قال: "النفوس العظيمة لا تسمح لك أن تعمل في السرّ شيئا لا تجرؤ على عمله في الجهر". بعض من  الممارسات البشرية يكون رفعًا لها تنسيبها إلى السيكند هاند، فعلى الأقل هي سوق تعلن بضائعها أن  آخرين مروا بها مرور اليد الثانية، بل أكثر، غير أنها لا تلج إلى زبائنها خفاء، ولا تحايلا، وتفي احتياجاتهم بوجه مكشوف صريح، فمن وافق نال، ومن لم تعجبه أعرض صفحا، لكن من يلفّ ويدور على امرأة وأكثر في الوقت نفسه، ومن ترخّص نفسها وهي مدركة لوضعها في ارتباط وهميّ، محلل كما يرتئيه من يماشونه، فلا نسيء الوصف أنه لا يتجاوز أن يكون سلعة تتداولها الأيدي للخراب.

 خراب النفوس ذاك فظيع فظاعة  التعوّد، واستمراء اللامبالاة، واللاكتراث!

 

أمان السيد

كاتبة سورية أسترالية

 

 

عبد السلام فاروقالعالم اليوم أمام مشهد جديد ومختلف

عشرات ومئات الأخبار يتم تناقلها وبثها عبر أثير الإعلام العالمى خلال لحظات على مدار اليوم. الغريب فى هذا المشهد أن الجمهور صار لاعباً أساسياً فى هذه اللعبة الصعبة.

الصحافة الإليكترونية واليوتيوب أتاحا الطريق والطريقة المثلَى لأى شخص عادى يملك أدوات التصوير والتقنيات التى باتت فى كل يد، أن يتحول إلى جهاز بث ينافس أعتى وأعرق المؤسسات الإعلامية الكبري!

تابع إذا شئت أرقام المتابعات على فيديوهات اليوتيوب لتصدمك أرقام تصل إلى المليارات . بينما بطل الفيديو ليس إلا شخص عادى استطاع اقتناص اللحظة التى يخطف بها خبر الموسم!

إنها نفس آليات الإعلام الناجح قديماً وفى كل عصر. لكنها باتت اليوم فى أيدى العامة من الجمهور.

فهل هذا معناه انتهاء عصر الإعلام التقليدى؟ أم أنه الإعلام التقليدى نفسه بثوبٍ جديد؟

وإذا كان مستقبل الإعلام- فى ظل تلك التغيرات الجذرية لموازين اللعبة- على كف عفريت، فهل هناك فرصة لدى الإعلام المصرى للتنافس إقليمياً أو دولياً، بينما يعانى مشاكل كبري وتحديات عظمى متراكمة، ناهيك عن الأزمة العالمية للإعلام عموماً وللصحافة الورقية على وجه الخصوص؟

نحن التاريخ.. ورياح التغيير فى صالحنا

أشهر وأعرق الأسماء اللامعة فى سماء الإعلام مصريون ..

طارق حبيب، فهمى عمر، حمدى قنديل، ممدوح الليثى، يوسف شريف رزق الله، عمر بطيشة، آمال فهمى، نادية صالح، سهير الإتربي، أحمد سمير، حمدى الكنيسي .. وعشرات غيرهم.

اليوم هناك محطات فضائية عربية تنافس وتتصدر المشهد.. لكن الباحث المدقق يكتشف أن تلك المحطات نفسها قامت على أكتاف مبدعين مصريين. فالإعلام حتى وقت قريب كان مصرياً خالصاً.

بل إنك لو بحثت فى أروقة الإعلام العربي المتصدر اليوم ستكتشف أن أكثر العاملين به مصريون.. بدءاً من الإعداد إلى التحرير إلى الإخراج إلى التصوير.. الأطقم الفنية خلف الشاشات أغلبهم كفاءات مصرية هاجرت بحثاً عن رزق أوفر وأجور أعلى ليس إلا .

غير أن واقع الإعلام لا يعترف إلا بالتطور ومواكبة الحدث والمعلومة والخبر.  فالسبق الصحفى يظل سبقاً مهما كان اسم وجنسية صاحب السبق.

هناك إعلام جديد نشأ على الهامش والحواشى، ثم إذا به يتحول إلى غول يلتهم الجميع. الإعلام الرقمى هو البطل اليوم الذى تسعَى إليه كل وكالات الإعلان .. ومن المألوف اليوم أن ينشئ أحد اليوتيوبرز قناة، فتشتهر، فتشتريها شركة بألوف الجنيهات، ثم تستغلها إعلانياً لتربح الملايين . المسألة لم تعد مجرد عمل صحفى روتينى يرصف الأخبار رصفاً، وإنما حرفة وفن صعب فى كيفية اجتذاب اهتمام المتابعين والفانز بكل طريقة ممكنة، لأن تلك الحرفة تُترجم إلى تلال من الأموال.

وعلى الناحية الأخرى ينفق الإعلام التقليدى ملايين الجنيهات ولا يربح إلا القليل لو كان ما يزال يحقق ربحاً بالفعل!

العالمية هى الكفاءة .. لا التكلفة

هناك تجارب صحفية رقمية عديدة تؤكد حقيقة هامة قد تقلب الموازين ..

هذه الحقيقة هى أن الطريق للجمهور لم يعد رهناً بالتكلفة المرتفعة للخدمة الإعلامية. وأن هناك من استطاعوا تحقيق رواج جماهيري واسع المدَى بأقل التكاليف.

وهى تجارب بالعشرات . أفراد أو مؤسسات، سيان.

المطلوب إذن هو النزول من البرج العاجى الذى يصر الإعلام التقليدى على المكوث فيه إلى هذا الجمهور البسيط وملاحظة ما يستهويه حقاً . رصد الذوق الشعبي الإعلامى بعد أن تغيرت أنماطه وتبدلت أهواؤه وأمزجته .

لا بد من دراسة ذوق السوق قبل خوض سباق يتصدره الجمهور نفسه!

عشرة فى واحد!

مهمة الإعلامى المتميز لم تعد مهمة واحدة كالأمس القريب .. أبداً ..

الإعلاميون أصحاب الريادة والتميز لديهم عشر مهمات تجرى فى آن واحد .. بدءاً من اقتناص الخبر إلى التقصي والمتابعة، ثم التجاوب والتفاعل، ثم الرد على الجمهور، ورصد ردود فعله، بالإضافة للمنافسة والتسابق مع المؤسات الإعلامية الأخرى ووكالات الأخبار المحلية والعالمية والإقليمية . ثم تدريب الكوادر وتحديث المنظومة .. والأهم تطوير الذات لمواكبة ركب التقدم الذى يتسارع بطريقة مخيفة .. فكم عدد الإعلاميين القادرين على تحقيق النجاح والتطوير فى مؤسساتهم وفقاً لهذه الآليات؟

التساؤل تم طرحه فعلاً على الإعلامين والمتخصصين والأكاديميين. وجاءت الإجابة متشابهة ومكررة: أننا فى حاجة لتطوير شامل يواكب الطفرة التكنولوجية الحادثة فى الكيان الإعلامى العالمى، بدءاً من تطوير مناهج التدريس الجامعى فى كليات الإعلام وأقسام الصحافة والمعاهد والأكاديميات الإعلامية المتخصصة .. مروراً بصياغة برامج التدريب المكثفة للعاملين بالحقل الإعلامى طبقاً لأحدث لمستجدات التقنية فى المجال الإعلامى والصحفى. وانتهاءً بإنشاء المراكز البحثية ومراكز الصحافة الاستقصائية وبنوك المعلومات وشبكات المراسلة والتحرير المتطورة القادرة على متابعة الأخبار لحظة بلحظة .

ربما تكون أمور مكلفة .. لكنها أيضاً مربحة .

والأهم أن التطوير صار بديلاً لاغنى عنه .. إما هذا أو الاستسلام لطوفان الإعلام الرقمى  الذى سيلتهم الإعلام التقليدى يوماً ما.

الطريق للعالمية يبدأ من هنا

نحن فى حاجة اليوم إلى الإعلامى السوبر.. صاحب أفضل المواصفات القياسية، لأن المنافسة باتت صعبة وقاسية ولارحمة فيها . إما أن تُدهش الجمهور فيحبك، أو تهمله فيهملك.

لا بد للإعلامى اليوم أن يجيد لغة أجنبية أو عدة لغات حتى يتاح له الإطلاع على أحدث المستجدات الغربية بشكل مباشر وطازج، لا نقلاً عن جهة ما . مع إجادته التامة لأدوات التقنية والتكنولوجيا.

لابد له ثانياً أن يجيد اختيار طاقم العمل المساعد له مع إجادة توظيفهم فيما يجيدونه، مما يساعده على سرعة الإنجاز والتجاوب مع المعلومة والخبر الصحفى .

مواصفات أخرى عديدة لا بد من توافرها فى الإعلامى الذى يقود ركب الإعلام للعالمية .. كسعة الإطلاع، وطول الخبرة، وقوة التأثير، والحصافة والذكاء والمرونة، بالإضافة لتمتعه بشبكة علاقات اجتماعية وإعلامية محلياً وخارجياً .

نحن فى حاجة إلى ألف إعلامى بهذه المواصفات حتى يتسنى لنا التقدم فى ركب التطور الإعلامى محلياً ودولياً، لأن الصحافة اليوم لا يصلح فيها نهج الروتين والتقليدية الذَين يتسمان بانعدام روح التنافس، وانتفاء القدرة على التكيف ومواكبة التطور.

نعم لدينا كفاءات بالألوف .. ونعم نستطيع أن نصل للعالمية ..

فهل لدينا الإرادة الحقيقية لاتخاذ تلك الخطوة؟

 

عبد السلام فاروق

 

 

علي محمد اليوسف- في توّقف العلم ليلتقط أنفاسه يبدأ أفق الفلسفة..فالعلم فضاء نسبي محدود والفلسفة مطلق بلا حدود.

- لغة الرياضيات منطق لا يمكننا فهمه ولا شرحه بغير مرموزات المعادلات الرياضية.على العكس من لغة الفلسفة فهي افق مفتوح النهايات يتسم بالمنطقية لكنه يحيد عنها في العديد من مباحث فلسفة اللغة.

- فهمنا حقائق الحياة والميتافيزيقا يتطلب أكثر من قدراتنا العقلية المحدودة .

- من السذاجة تصور امكانية بناء الواقع بالكلمات المجردة في حين يطلب منا تغييره على الارض بالعمل.. حقيقة معرفية جعلت ماركس في القرن التاسع عشر يتحول في تفكيره الفلسفي 180 درجة، وأتجه نحو الاقتصاد السياسي تاركا التفلسف خاصيته الشبابية قبل نضجه الفلسفي -  السياسي.

وكانت لهذه المقولة أثرا بالغا جدا على الفلسفة البراجماتية الامريكية.

- أن نكون أمة الفصاحة اللغوية والكلام ليس سببا كافيا أن نكون آخر قائمة الامم بالتخلف.

- لم أكن الشجرة الوحيدة المثمرة ولن أكون الاخيرة التي تناوشتها حجارة حثالة من الفاشلين بالحياة.

-    مفارقة مؤسية أن يجد المثقف العربي غير الازدواجي حريته ومكانته خارج مجتمع ومثقفين نكرات يحكمهم النفاق والخبث حتى نخاع العظم لذا أصبحت هجرة الاوطان غاية نبيلة يسعى لها كل عربي.

- لا يمكننا ترويج ثقافة عربية حقيقية في وسط ثقافي موبوء بكل تافه وضحل معادي لها.

- أبشع الاخطاء التي لا ينفع معها تداركها هي منح ثقتك لشخص غير جدير بها ولا مؤتمن عليها..والثقة بالآخر هبة قلبية تمنحها ولا تاخذها من أحد ولا يمكنك أسترجاعها من لئيم.

- ثبت لي أن شتائم الشاعر العراقي المغترب سعدي يوسف بحق المثقفين العراقيين الرسميين وغير الرسميين ليست شطحة فكر ولا نقص في ضميرأخلاقي وشاعرية بلا أدب..بل كانت كلمات مطابقة الضمير مع واقع الحال المنحرف الميئوس من أصلاحه.

- اذا اكلت مرحلة الانحطاط في القرون الوسطى الاوربية عصورا طويلة فنحن أمة العرب سنعيش الانحطاط الحضاري حتى قيام نهاية الانسان على الارض.

- سكرات الموت الحقيقية يتجرعها الانسان الغني ساعة الاحتضارفقط في حين يتجرع الفقير كؤوس سكرات الموت ومرارتها كل يوم  مدى الحياة.

- لا تعرف حقيقة الحياة وأنت تعيشها بل تعرفها حين يداهمك الخطرأو المرض.

- لم تكن أرادة السماء خاطئة أو الطبيعة غير العاقلة ساذجة حين منحت اوربا ومعظم دول العالم طبيعة هي جنّة الله على الارض وحرمت منها شعوب عقولها التخلف والخرافات وتصديرمنتجاتها الى العالم عنفا ودماء وقتل وارهاب.

 

- لا بأس أن تكون جنة السماء الموعودة من حصة بؤساء الارض الذين لم يشتروا الضلالة بالهدى في الحياة حين باعوا سعادة الارض في وهم قيمة الخلود في السماء .

 

- العقل تفكير بموجود انطولوجي أو موضوعا من الخيال وليس تفكيرا بفكر تجريدي فقط، والعقل لا يوّلد الافكار المجردة من تجريد فكري سابق عليه بعيدا عن موضوع يتحدث عنه لغويا، لذا تكون هنا اللغة تعبيرا عن معنى قصدي ملزم لها، وبخلافه تكون لغة التفكيك التي لا تعنى بفائض المعنى، تلتقي بالصوفية في أعدامها المقصود المباشر لمعاني اللغة في دلالاتها الاشارية التواصلية المعهودة.

 

- أخطر التعابير اللغوية هي زلات اللسان في اللاشعور حينما يجعل التفسير الاعمى منها حقائق دوغمائية يقينية تقود الى تدمير بالحياة لا يمكن تصوره.

 

- الانحطاط والتخلف والفساد في حياة الشعوب لا يمكن تصديره للغير كما لا يمكن استيراده من الغير، فأجد من السخافة ملامة غيرنا في سبب تخلفنا خارج مسؤولية عقولنا القاصرة التي لا يروق لها العلم والتقدم في الحياة.

 

- أحترام الرأي الآخر ليس في التماهي معه أو التوازي والتغاضي عن عيوبه، بل أحترام الرأي الاخر في الدخول معه بنقاش مثمر يقود الى تصحيح القناعات الخاطئة في الناقد والمنقود.

 

- لا يمكن للفكرة أن تكون صادقة وكاذبة في وقت واحد. وحسب تعبير امبرتو ايكو الشيء الصحيح هو الذي لا يمكننا شرحه، وفي تقديري أن السبب في ذلك هو أن التاويل اللغوي يحمل فائض معنى غير مفصح عنه على الدوام فلا يوجد ما هو صحيح مقفل على نفسه.

 

-  بداية كل شيء صحيح بالحياة هو أذا رغبت معرفة حقيقة قيمتك عليك معرفة قيمة غيرك أولا.

 

- التفكير الخيالي هو اللامتناهي في محدودية القدرة الانسانية على معرفة وفهم العالم ليس كل العالم . فالتفكير بموضوع في مكان وزمان معينين يجعلان من التفكير الخيالي موجودا كونه يستنفد نفسه استهلاكيا كتفكير تجريدي متموضع في أدراكه لمواضيعه المستمدة من الذاكرة.

 

- العدم لا يسبقه وجود ولا يعقبه وجود لكنه مزامن لكل موجود، ولا يكون العدم بلا موجود يفنيه ويعدمه في ملازمته له. فالعدم بالمعنى التصوري العقلي هو أفتراض لوجود غير موجود بمعزل عن موجودات أفنائه لها. والعدم لا يفني نفسه فهو لا شيء يمتلك صفات ولا ماهية بذاته.(حين قال هيدجر العدم لا يعدم نفسه أصبح في موضع تندّر من قبل فلاسفة غيره فالعدم لا شيء ).

 

- من الاخطاء الشائعة فلسفيا ان العدم يفني الموجودات و الاشياء الحيّة، والحقيقة أن كل الاشياء بالحياة محكومة بالفناء والعدم الذاتي في نهاية دورة حياة دائرية ولا وجود لعدم خارجي من غير طبيعتها يستهدفها بالفناء..

 

- الموجودات في حقيقتها الجوهرية وجود فيزيائي بمعنى هي عدم مؤجل، وكينونات مادية في طريقها الى حتمية الزوال والفناء. والعدم أفتراض لا نستطيع معرفة ماهيته ألا في نتائج أفنائه الموجودات الحيّة.

 

- التزامن هو وقوع أكثر من حدث واحد بالتعالق المكاني والزماني الجدلي بينهما في حقبة زمنية واحدة، وهذا يؤكد أن التزامن قطع تزامني تحقيبي بمقياس الزمن الذي هو مطلق سرمدي لا نهائي وغير محدود والا أصبح الزمن في محدوديته تزامنا حدثيا مؤقتا بين الاشياء وليس زمانا سرمديا لا محدودا يحكمنا كوجود وموجودات. وهذه الخاصية يحتكرها الزمن ولا يستطيعها التزامن كتحقيب زمني لوقائع.

 

- ما جاء به انشتاين في نسبية الزمان باعتباره قانون فيزيائي محكوم بالكتلة والسرعة والمسافة بالقياس الكوني، وبذلك وضع حدّا لما جاء به نيوتن في الزمان المطلق ايضا بالقياس العلمي الفيزيائي، لكننا عندما نقول الزمان مطلق في المنهج الفلسفي أنما نقصد هذه الاطلاقية خارج منطق الرياضيات الفيزيائية، فالزمن بالمعنى الفلسفي هو وسيلة العقل الانساني في ادراك الموجودات والعالم الخارجي من حولنا ليس بمنطق المعادلات الرياضية والفيزيائية.وأنما بمطلق الوجود الانساني على الارض والا أصبحت الفلسفة منطق رياضي.

 

- لا يتساوى العلم والفلسفة في معرفتهما الانسان ولا في خدمة مستقبله ، فلكل منهما طريقه الخاص به، واذا ما حدثت صدف التكامل والتكافل بينهما فهذا لا ينفي الاستقلالية لكل منهما.

 

- عمل فيلسوف الهورمنطيقا بول ريكور على تحرير البنيوية من بعدها الاطلاقي الذي هو تعال لغوي بلا ذات وعمل بذات الوقت على تحرير الظاهراتية (الفينومينولوجيا) من بعدها النفساني حيث جعل منها ذاتا مجردة بلا تعال على موضوعها.

 

- يوضّح فريجة التمييز بين المغزى والاحالة، بما نفهمه نحن على أن   المغزى هو الدلالة المستحصلة من المضمون الفعلي الذي ينقله الخطاب، أما الاحالة فهي المدلول الخارجي الذي يحال عليه الخطاب كمرجعية معرفية أو مرجعية تأويلية.

 

- البديهيات هي كلمات شيئية حصيلة أجماع كلي على مصطلح ينطبق الملفوظ عنه بالكلمات مع شيئيته الموجودية في عالم الاشياء، والبديهية هي سبب ونتيجة معا ولم تعد بحاجة برهان يدعم موثوقيتها ويصوّب حقيقتها الناجزة. فأنت مثلا لست بحاجة البرهنة على أن الانسان موجود في الطبيعة جزءا منها متمايزا عنها.

 

- بحسب ريتشارد رورتي ما هو صادق ليس بالضرورة يكون مطابقا للحقيقة

The truth is not the fact . الصادق ليس هو الحقيقي في كل الاحوال فالصدق قد لا يمكنه الالمام الكامل بالحقيقة، فما نحسبه صادقا ربما يفتقد برهان حقيقته. والصدق حالة متغيّرة متجددة من حالات النفس والوجود، بينما تكون الحقيقة حالة مستقرة متواضع عليها رغم نسبيتها، ولا تتساوى الحقيقة مع الصدق الا في تعبيراتنا أن ماهو صادق يكون حقيقيا.

- مثلما لا يمكننا القول أن ما يعقب مابعد الحداثة هو ليس حداثة كذلك الحال لا يمكننا القول أن مابعد الفلسفة لن يكون فلسفة بالمعنى الشيئي الدقيق للكلمة.

- كل موضوع يكون ملزما اللغة التعبير عنه، والا فقدت اللغة ميزتها الاساسية على أنها جوهر ماهيته التعبير عن الاشياء الواقعية والخيالية معا وأنها وعاء الفكر، ولا يمكننا تصور موضوعا بلا دلالة لغوية تعبيرية عنه، وكذلك لا يمكننا تصور تعبيرات لغوية لا معنى لها وألا فقدت ميزتها اللغوية التواصلية وتصبح هذاءات صوتية فوضوية لا تدل على معنى كما هي هذاءات الجنون.

- اذا كان العقل جوهرا ماهيته التفكير واللغة ، فأن العلم الاصطناعي (الكومبيتر) والريبوت الصناعي هو عقل آلي يتسم بتلقينه المفردات اللغوية الشيئية لكنه يعجز تماما عن أمكانية توليده الاشتقاقات اللغوية التعبيرية الذكية كما يفتقد قدرة الذكاء التوليدي التي هي فطرة عقلية لا تمتلكها الآلة وهو ما أشار له الفيلسوف وعالم اللغات نعوم جومسكي أن الآلة لا تفكر لغويا توليديا ذكيا.

- العقل والجسم جوهران متلازمان ،فما الفرق بينهما؟ العقل جوهر بيولوجي فيزيائي وجوهر تجريدي معا خاصيته اللغة والافكار والوصاية على الجسم والنفس، بينما الجسم جوهر بيولوجي فيزيائي خاصيته الحفاظ على كينونة الانسان وتطوير قدراته التكيّفية بالحياة ولا وصاية له على العقل.

- العقل جوهر غير فيزيائي خالد كخلود النفس ولا مادي ماهيته التفكير حسب ديكارت لكنه علميا ليس خالدا في كل الاحوال، وعنما ربط ديكارت خلود العقل بخلود النفس بعد فناء الجسم فلا برهان علمي يؤكد ماذهب له الا فقط ما تذهب له بعض الاديان والتيارات الفلسفية المنقادة لها في التبعية.

- الافكار التصورية للعقل أنما هي مرتبة ثانية في تراتيبية الادراك العقلي وهي (التمّثلات). فالعقل يدرك الاشياء المادية كموجودات حسيّة قبل الاهتمام بالتعبير عنها تصوريا لغويا تجريديا. ومخرجات العقل ليست تعبيرات تجريدية لا تؤثر بالموجودات فأدراك العقل لأي موجود في الطبيعة في الواقع أو الخيال أنما يكون من أجل التاثير به تغييريا وليس التعبير عنه لغويا فقط.

- الظاهراتية هي ما يظهر ذاته بنفسه، والمظهر هو صفات الشيء الخارجية التي تدرك بمعزل عن ماهيته، عليه تكون الصفات البائنة لا تفصح عن ماهية الشيء الا في القليل جدا عندما تكون بعض الصفات الخارجية لبعض الاشياء هي بعضا من الماهية لذلك الشيء.

- دفعت ضريبة أفكاري بصمت وصبر، وحزن الذين يولدون في غير أزمانهم.

- يقول سارتر ينبغي على الانسان أن يموت كي يحيا الانسان ، فالانسان عذاب بغير جدوى.معنى ذلك أو بعضه لو لم يكن الموت لم تكن الحياة وليس العكس كما أن الانسان محكوم بالموت والفناء لحظة ولادته وصرخته الاولى في الحياة فهو يأتي الحياة لا يتصور فناؤه الحتمي.

- الانسان ضمير أخلاقي وليس سلوكا لا أخلاقيا بلا ضمير.

- كنت أشرت في أكثر من موضع في مقالاتي أن جاك دريدا فيلسوف اللاشيء، ولازمني القلق أن اكون مخطئا  في فهم فلسفة التفكيك الى أن تنفست الصعداء حين قرأت للمفكر الكبير فؤاد زكريا قوله في أحدى لقاءاته أن دريدا لم يأت بشيء يدعى فلسفة.

- الفلسفتان المادية والمثالية كلتاهما يعتبران العقل مرجعية لهما.

- الفكر والوعي جوهران ماديان في العقل قبل تحولهما الى مدرك واقعي في الموجودات والاشياء. ويستطيع الوعي اللغوي التعبير عن المادي والروحي والنفسي والقيمي في تجريد معبّر عنه منطقيا معجزا.

- الوجود مفهوم مطلق تجريدي غير محدود الصفات ولا معروف الماهية، والوجود يفهم بدلالة الموجودات، ولا تفهم الموجودات بدلالة الوجود، ..

- الوجود كمفهوم تجريدي هو افتراض مطلق، اما الموجودات فهي اشياء ومواضيع ادراكية مستقلة بذاتها وتتداخل مع غيرها بعلاقات بينية يحتويها الوجود.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

حيدر جواد السهلاني (ليس الفن مجرد صناعة يدوية، إنما هو نقل إحساس اختبره الفنان).. تولستوي

يعتقد تولستوي(1828- 1910)، أن المفكرين والفنانين والفلاسفة يرون الجمال من زاويتان، الأولى من يرى الجمال هو شيء موجود بذاته وهو أحد مظاهر الكامل المطلق، الثاني يفيد بأن الجمال هو نوع من أنواع المتعة التي يحصل عليها المرء والخالية من غايات شخصية، ويعتقد تولستوي أن التعريف الأول صوفي ويوحد مفهوم الجمال مع العالي الكامل الله(جل جلاله)، وهو تعريف خيالي وغير مدعم بشيءً أبداً، أما التعريف الثاني فهو على العكس بسيط جداً وهو مفهوم ذاتي ويعد الجمال الشيء الذي ينال على اعجابنا. ويرى تولستوي الجميل يمكن أن يكون حصاناً، إنساناً، بيتاً، منظراً، ولكن التصرفات والأمزجة والموسيقى فبوسعنا أن نقول أنها جيدة إذا أعجبنا بها جداً، أو غير جيدة إذا لم تعجبنا، إذ بإمكاننا أن نقول فقط عن تلك الأشياء التي تعجب أنظارنا بأنها جميلة، لذلك فإن كلمة الجيد ومفهومه يحتويان على مفهوم الجميل، ولكن ليس العكس، إن مفهوم الجميل لا يعبر عن مفهوم الجيد، إذا قلنا عن شيء يقوم من حيث مظهره الخارجي بأنه جيد، فنعني في الوقت ذاته بأن هذا الشيء هو جميل أيضاً، ولكن إذا قلنا أنه جميل فهذا لا يعني اطلاقاً إنه شيء جيد، أذ من الناحية الذاتية تسمى الأشياء التي توفر لنا لذة معروفة بأشياء جميلة، أما من الناحية الموضوعية فإننا نعني بالجميل ذلك الشيء الكامل المطلق الموجود خارج ذواتنا، ولكن بما أننا ندرك الشيء الموجود خارج ذواتنا والكامل المطلق، وتعترف به جميل، لأننا نحصل من هذا الشيء الكامل المطلق على متعة مميزة، فإن التعريف الموضوعي ما هو إلا تعريف ذاتي يتم التعبير عنه على نحو آخر ومن حيث الجوهر فإن هذا التعريف أو ذاك للجمال يقود إلى تلك المتعة المعروفة التي نحصل عليها، أي أننا نقول عن الأشياء جميلة إذا كانت تعجبنا دون أن تثير فينا الشهوة، وبذلك يعتقد تولستوي أنه لا يوجد تعريف موضوعي للجمال، أما التعريفات الموجودة سواء الميتافيزيقية منها، أو الحسية فتعود إلى التعريف الذاتي، وللغرابة فإنها تقود إلى الفكرة القائلة بأن الفن هو الشيء الذي يعكس الجمال، أما الجمال فهو الشيء الذي ينال الإعجاب دون أن يثير الشهوة، ويكمن علم الجمال في أنه طالما اعترفنا بأن هذا النوع من النتاج هو جيد لأنه يعجبنا، فلابد من وضع نظرية للفن تدخل على أساسها كل النتاجات التي تنال إعجاب الوسط المعروف إلى هذه النظرية، وبذلك يرفض تولستوي أن يكون الفن هدفه وموضوعه هو الملذات، وأن يكون الاعجاب هو قاعدة لقياس الجمال، فليس بوسعها أن تكون بمثابة أساس لتحديد الفن أو تعريفه، وأن العديد من المواد التي توفر المتعة لنا، ليس بوسعها أن تكون نموذجاً يقتدي به الفن، ويرفض أن يكون مقياس الفن اللذة، فهم هنا يشبهون أولئك الذين يقفون في أدنى درجات التطور الأخلاقي، ويشبهم هنا تولستوي بأولئك الذين يرون بأن هدف الطعام هو يكمن في اللذة، وبذلك لا يستطيعون معرفة مغزى الطعام، وكذلك الناس الذين يعدون هدف الفن هو اللذة، لا يستطيعون إدراك مغزى الفن وأهميته، لأنهم ينسبون إلى النشاط المتعلق مغزاه بظواهر الحياة، هدفاً باطلاً وشاذاً، ولقد أدرك الناس أن مغزى الطعام هو تغذية الجسد عندما كفوا عن جعل اللذة هدفاً للنشاط المذكور، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الفن، إذ أن الناس سيدركون مغزى الفن عندما يكفون عن جعل هدف الفن على أنه الجمال أو نوع من التلذذ الذي يوفر هذا الفن، لا ينسجم مع ذلك التعريف الخاص بالفن، إنما على العكس ينتقل إلى موضوع بعيد وإلى مجال غريب جداً عن الفن إلى مجال الآراء الميتافيزيقية والنفسية والجسدية بل والتاريخية التي تناقش سبب كون بعض النتاجات تحوز على إعجاب البعض. وقد ظهر أدعاء كما يرى تولستوي بأن الفن بوسعه أن يكون فناً وأن يكون غامضاً في آن واحد بالنسبة للعامة، ويمكن أن يكون مفهوماً لأقل عدد من المختارين فقط، أو أن يكون مفهوماً بالنسبة لأثنين فقط، أو لواحد أو لصديق، يرفض هذا النظرية تولستوي ويرى أن التأكيد على أن الفن بوسعه أن يكون فناً جيداً، وأن يكون غير مفهوم في الوقت ذاته بالنسبة إلى عدد كبير من الناس، هو تأكيد بعيد عن الصحة كل البعد، وعواقبه مدمرة إلى حد كبير ومع ذلك فقد أنتشر هذا التأكيد كثيراً، وأشتبك في أذهاننا إلى درجة كبيرة بحيث بات من المحال أن تشرح كل سخافاته شرحاً كافياً، فلقد بات شيئاً شديد الاعتياد أن تسمع عن النتاجات الفنية المرابطة على أنها جيدة جداً، ولكنها عصية الفهم، فلقد اعتدنا مثل هذا التأكيد، ولكن أن تقول في غضون ذلك بأن النتاجات الفنية جيدة غير أنها غير مفهومة، شبيه بأن تقول عن طعام ما بأنه جيد للغاية غير أن الناس لا يستطيعون تناوله، وبذلك أن الفن المشوه يمكنه ألا يعجب الناس، غير أن الفن الجيد مفهوم دائماً بالنسبة إلى الجميع. ويرفض تولستوي أيضاً الرأي القائل بأن أفضل النتاجات الفنية هي تلك التي لا تستطيع أكثرية العامة فهمها، والتي هي سهلة الفهم بالنسبة إلى النخبة المهيأة لاستيعاب هذه الأعمال العظيمة، ولكن أذا كانت الأكثرية لا تفهم فلابد من توضيح الأمر لها، وإبلاغها تلك المعارف الضرورية من أجل الفهم. (لا نتفق مع تولستوي برؤيته الفنية وأن الفن مفهوم للجميع وغير ذلك هو فن مشوه، أن للفن أقسام فن للعامة وفن لطبقة معينة من المثقفين، وقد أمتزج الفن واستعمل بكثير من العلوم والفلسفة، أذ هناك فن يحمل رؤية فلسفية أو فكرية أو فن يعبر عن قضية معينة، أو سرد رواية ويراد منها مغزى ثاني غير المغزى الواضح، فالفن هو تعبير الإنسان، أي يعبر عما في داخل الإنسان سواء كانت أمور دينية أو دنيوية، لكن يبدو أن تولستوي والذي يرفض أن تكون هناك مدارس للفن هو يطرح الفن البسيط ويعتقد بأن الفن البسيط هو الفن الحقيقي وهذا نابع من شخصية تولستوي الذي عايش الفلاحين وعاش معهم ويؤمن ببساطة الحياة).(1) وينتقد تولستوي نظرية الفن للفن ، وأن الفن تعزية وتسلية، فيؤمن بأن الفن شيء عظيم وهو وسيلة الحياة البشرية كل البشرية، وليست جماعة دون جماعة، أو طبقة دون طبقة أخرى في المجتمع، أذ هو يحول حياة الناس المنطقية إلى أحاسيس، كذلك يحمل على القائلين العلم للعلم، لأنه كان يرى العلم الحقيقي وغير الكاذب هو ذلك العلم الذي يحل مشكلات الإنسان بعامة، ويقلل من معاناته في الحياة. وأنتقد نيتشه وآرائه القائلة بأن الفن عمل لا يمكن أن يبدعه أو يفهمه إلا من هم فوق مستوى البشر الاعتياديين، وكذلك سخر من القائلين بأن الفن الراقي لا يمكنه أن يفهمه الشعب الكادح، لقد أكد تولستوي أن فن الطبقات يثير الاشمئزاز لأنه معزول عن تطلعات الجماهير الواسعة، وأن الفن الحقيقي هو ما تبدعه تلك الجماهير وما يعبر عن أحاسيسها.(2) 

يعتقد تولستوي أنه من أجل تعريف الفن تعريفاً دقيقاً، لابد قبل كل شيء أن نتوقف عن النظر إليه كوسيلة للمتعة، وأن ننظر إلى الفن كشرط من شروط الحياة البشرية، وإننا إذا نظرنا إلى الفن هذه النظرة، فلن يكون بوسعنا إلا أن نرى بأن الفن أحدى وسائل اختلاط الناس مع بعضهم البعض، وأن أي نتاج فني يعمل على دخول المتلقي في نوع من الاختلاط بمنتجي الفن في الماضي والحاضر وبكل أولئك الذين تلقوا معه أو بعده سيتلقون الانطباعات الفنية ذاتها، أذ الكلمة وسيلة تنقل أفكار الناس وتجاربهم والفن وسيلة لنقل المشاعر، وبواسطة الفن يتبادل الناس أحاسيسهم، وإن النشاط الفني مبني على أن الإنسان الذي يتلقى بواسطة السمع أو البصر، أحاسيس إنسان آخر بوسعه أن يعاني من تلك الأحاسيس نفسها التي عاناها الإنسان الذي عبر عنها، وأبسط مثال إنسان ما يضحك فيشعر الآخر بالفرح، أو يبكي فيصبح الإنسان الذي يسمع هذا البكاء حزيناً، وبذلك أن أساس الفن هو المشاعر، ويبدأ الفن عندما يقوم الإنسان، بهدف نقل الأحاسيس التي تختلج في داخله إلى الآخرين، بأثارة هذه الأحاسيس في ذاته ثم التعبير عنها بإشارات خارجية معروفة، والفن هو نقل المشاعر التي عانى منها المؤلف، إلى المشاهد والمستمع فهذا هو الفن ذاته، وإذا استحضر إنسان ما في ذاته احساساً كان قد عايشه سابقاً، وبعد استحضاره له بواسطة الحركات والخطوط والألوان والأصوات والصور المعبر عنها بالكلمات قام بنقله إلى الآخرين وجعلهم يعيشونه فهنا يكمن نشاط الفن، فالفن هو نشاط إنساني يكمن في أن يقوم إنسان ما بوعي وبواسطة اشارات خارجية معروفة، بنقل الاحاسيس التي يعاني منها إلى الآخرين، والآخرون يعدون بهذه الأحاسيس ويعايشونها، والفن ليس كما يقول الميتافيزيقيون إنه ظهور أفكار ما سرية أو جمالية، وهو ليس كما يقول العلماء الفيزيولوجيون لعباً حيث يصرف الإنسان طاقاته الزائدة، وهو ليس ظهور الانفعالات بواسطة الإشارات الخارجية، وليس بنتاج المواد الشيقة، والأهم إنه ليس لذة إنما هو وسيلة اختلاط بين الناس ضرورية من أجل الحياة ولصالح تطور الإنسان والإنسانية نحو الأفضل. وهناك فن جيد وفن رديء مثل الذي ينقل احاسيس الخنث والكآبة فسيكون فناً رديئاً، أما الفن الذي ينقل احاسيس التضحية بالصالح الخاص لصالح الشعب أو تمجيد الأجداد ودعم تقاليدهم المأثورة سيكون فناً جيداً، ومقياس الفن ليس الجمال أو اللذة، هو التعبير عن وضع من أوضاع الحياة، أو نقل صورة عن الحياة أو نقل صورة مستقبلية أو ميتافيزيقية أو غير ذلك، فالفن هو ليس أساسه درجة الجمال أو التلذذ أو مطابقة الفن للخير، بل هو تعبير عن أمو الحياة وغيرها، والفن في بعض الأحيان تعبير عن وقائع مثل تصوير قضية إنسانية، وقبل أن يتشعب الفن إلى فئتين، كان الفن الديني ينال التقدير والاعجاب، وأما الفن الغير مكترث فلم يكن يلاقي التشجيع، إلى ذلك الحين لم يكن ثمة أي فن مزيف، وأن وجد فكان يسقط في الحال لكونه مداناً، من  قبل الشعب كله، ولكن ما أن حدث هذا التشعب، وما أن عد الأغنياء أي فن يوفر لهم اللذة فناً جيداً، وما أن ذهب هذا الفن الذي يوفر اللذة ينال مكافأة أكثر من أي نشاط اجتماعي حتى  كرس عدد كبير من الناس أنفسهم لهذا النشاط، وأخذ هذا النشاط طابعاً آخر يختلف كلياً عن طابعه السابق وصار حرفة وما أن صار الفن حرفة، حتى ضعف ضعفاً واضحاً، وانهارت في بعض الأحيان صفة الفن الرئيسية والثمينة والتي هي صدق الفن، ويرى تولستوي أن هناك ثلاث عوامل تساعد على انتاج الفن المزيف في مجتمعنا وهي: 1-  المكافأة الهامة التي ينالها الفنانون لقاء أعمالهم والتي تؤدي إلى احتراف الفنان. 2-  النقد الفني. 3-  المدارس الفنية. (نتفق مع تولستوي بهذا الطرح، فالفن أخذ يدرس في المدارس ويمارس عليه كثير من الضوابط، وقد أدت هذه الضوابط إلى ظهور الفن الشعبي، وفي الحقيقة أن الفن الشعبي بكل أقسامه قد نجح أكثر من الفن الذي تمارس عليه ضوابط، ومن المفارقات في وقتنا الحاضر كثيراً ما نرى هناك من يسمى "يوتيوبر" يطرح أفكار ويحاكي الواقع أكثر من الفن الملتزم، ويلاقي كثير من المشاهدات وفي بعض الأحيان ترى بعض اصحاب الفن الملتزم يستعينون بطرح وبمشاركة "اليوتيوبر")، ويعتقد تولستوي أن هذه العوامل الثلاث، حرفية الفنان والنقد الفني والمدارس الفنية، قد سببت في أن بات معظم الناس في وقتنا لا يدركون بتاتاً ما هو الفن، وأخذوا يتقبلون أكثر الأعمال المزيفة فظاظة على أنها فن حقيقي، ويمكن تميز الفن الحقيقي من الفن المزيف وإن سمة تميز الفن الحقيقي عن الفن المزيف هي واحدة كما يعتقد تولستوي وهي عدوى الفن وحدها، إذا عانى إنسان ما من هذا الاحساس وتأثر بحالة المؤلف الروحية، وشعر باندماجه مع الآخرين، فإن الموضوع الذي أثار هذه الحالة هو الفن، وإذا لم تكن هذه العدوى، ولا الاندماج مع المؤلف ومتلقي النتاج، فليس ثمة أي فن، ولكن وفضلاً عن أن العدوى هي دون ريب سمه من سمات الفن فإن مقدار هذه العدوى يعد المقياس الوحيد لقيمة الفن، وبقدر ما تكون العدوى أقوى، بقدر ما يكون الفن أفضل كفن دون الحديث عن مضمونه، أي بغض النظر عن قيمة الاحاسيس التي ينقلها، ويصبح الفن أكثر عدوى أو أقل،  نتيجة الشروط التالية:

1-  نتيجة المزايا الكبيرة أو الصغيرة للاحساس الذي ينقله.

2-  نتيجة الجلاء الكبير أو الصغير  في نقل هذا الاحساس.

2-  نتيجة مصداقية الفنان، أي القوة أو الضعف  في معاناة الفنان ذاته مع الاحساس الذي ينقله.

أن تولستوي يرى في الفن هو الأثر الذي يتلقاه المشاهد أو المستمع، ولكن كثير من الفنون الجميلة، لا تأثر في بعض الناس، فالفن هو حالة إنسانية، أما كونه جميل أو لا فهو حالة، فردية خاصة بالإنسان وبظروفه الاجتماعية والحالة النفسية للشخص، فكثير ما في يوم ترى الشيء جميل وفي يوم لا، وكثير ما يرى بعض الاشخاص شيءً جميل وآخرون يرونه غير كذلك. ويشكل الفن مع الكلام وسيلة للاختلاط، وبالتالي وسيلة للتقدم أي أنه الوسيلة التي تدفع حركة البشرية إلى الأمام ونحو الكمال. ويرى تولستوي أن أفضل الفنون هو الفن الديني ويرى أن مصيبة الأغنياء أنهم لا يملكون فناً دينياً، بل في أنهم اختاروا بدلاً من الفن الديني الرفيع، الذي يتميز عن كل الفنون الاخرى، اختاروا أكثر الفنون وضاعة ومضرة والذي لا غايه له سوى الملذات لبعض الناس، فقد استبدلوا الفن الديني بفن تافه ومنحرف، وبذلك أخفوا عن الناس الحاجة إلى ذلك الفن الديني الحقيقي الذي ينبغي أن يكون في الحياة.(3) ويعتقد تولستوي أن الفن يجب أن يوجه الناس للأخلاق الفاضلة، وأن يعمل على تحسين أوضاعهم ولابد أن يكون الفن بسيطاً يخاطب عامة الناس، والفن يجب ألا يتعارض مع الدين.(4) ويحدد تولستوي ثلاثة عوامل يجب توفرها في العمل الفني الحقيقي وهي:

1-  يجب احتواء العمل الفني على الجيد والجديد.

2-  يجب أن يكون هناك انسجام وتوافق بين المحتوى والشكل.

3-  يجب أن يكون الفنان مقتنعاً بما يكتب تماماً.

ويؤكد تولستوي على أن واجب الفن هو التعبير عن أحاسيس الناس، فالفن ليس تعبيراً عن أحاسيس الناس، بل وعن أفكارهم وهذه ناحية مهمة، وكذلك أكد تولستوي أن الدين هو الذي يحدد محتوى الفن، وهنا يبرز تولستوي الواعظ والمبشر الديني، لكن التوجه نحو الشعب والواقعية وربط الفن بالأخلاق ودوره في الحكم على الحياة، كل هذه الجوانب حولت آراء تولستوي في الفن قريبه جداً من تقاليد الفن الروسي الواقعي. وقد حدد تولستوي مستقبل الفن فأكد أنه سيكون مرتبطاً بنشاط الإنسان الكادح من خلال صراعه من أجل حياة أفضل، أما فنان المستقبل فليس الفنان المحترف، بل الإنسان الذي يحصل على لقمة العيش من أية حرفة أخرى لكنه ليس بالحاجة للتعبير عن أحاسيس وجدانه فيصبها في أحد آطر الفن ومجالاته، وهذا هو الفن الإنساني الأصيل. والفن له تأثير على الحياة يجعله غير مستقل عن مجال الدين والأخلاق، أنه قوة فعالة يمكن أن ترفع الإنسان إلى الآفاق  وتنحط به إلى أحط المستويات، والعمل الفني ليس أداة لتقديم الواقع، وإنما هو حقيقة مستقلة علينا أن نتباعد بينه وبين الحياة الواقعية لنفهم الفكرة الخاصة بالفنان أنه أسلوب وفكرة جديدة، أنه ليس صورة للواقع وإنما هو بدوره واقع آخر يضاف إلى واقع الحياة.(5) 

 

حيدر جواد السهلاني

.......................

الهوامش:

1- ينظر ليف تولستوي: ما هو الفن، ترجمة محمد عبدو النجاري، دار الحصاد، دمشق، ص51- 25- 26- 53- 54- 55- 57- 58- 59- 123- 124- 125.

2- ينظر محمد يونس: تولستوي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ص108.

3- ينظر ليف تولستوي: ما هو الفن، ص61- 62- 63- 64- 65- 66- 70- 147- 189- 190- 191- 194- 199.

4- ينظر ليف تولستوي: حكم النبي محمد، دراسة وتقديم وتعليق محمود النجيري، مكتبة النافذة، مصر، ص6.

5- ينظر محمد يونس: تولستوي، ص107- 108.

 

 

سامي عبد العالهناك سمةٌ مشتركةٌ في خطابات الإسلاميين المتطرفين: أنَّها كلام ينحدر بأهدافها من أعلى إلى أسفل حيث ضجيج التفاصيل، وحيث إيراد المبررات الواهية فيما ينحدر إليه تداول الخطاب من أهدافٍ. ذلك بسرعة خاطفةٍ تُجاري سرعةَ الضوء بلا إنذارٍ. كما أنَّ تعقد الواقعٍ وصعوبة ترويضه يجعل الأهداف تتقلص في المعنى والأهمية. فإرضاء الله- كما يقولون - هو الهدف الأكبر لمجمل أعمالهم (تحديد الغاية)، ثمَّ يتلُوه الموت في سبيل الله (وهو الجهاد)، ليأتِ السيرُ على خطى الرسول إلى نهايتها (توحُداً بالمثال الاعلى القابل للممارسة) وعليه ينشدون تطبيق الشريعة وصولاً إلى المجتمع الإسلامي بمعناه التاريخي (الامتداد الزماني الأفقي).

لكن محطات كهذه تنحرف عكسياً إلى درجة التفاهةِ عند الانشغال الدائم بفتاوى المصافحة بين الجنسين وحلق اللحية وتقصير الجلباب وارتداء النقاب وآداب خروج المرأة إلى الحياة. أي أنَّ الجهاد السابق كان تمسكاً بالدين الشكلي لفرز الناس فرزاً مادياً ودمغ العقول بمفاهيم حرفية لا تقبل النقاش. وفوق هذا وذاك يُوفر ملاذاً آمناً لتقاليد ثقافية بائدة في المجتمع الأبوي. هذا المجتمع الذي شكل الأبنية التاريخية لمفاهيم الآخر، لأن المتشدد يحل محل الأب الآمر الناهي ويتقمص دوره إزاء المرأة.

بل ربما يستدعي هذا الحال معالم النزعة الأبوية بكل حفرياتها المتصلة بالتراتب والسلطة والعلاقات بين الأفراد والطبقات ضمن عصور التاريخ. إذ ذاك تنقلب علاقة الوسائل والغايات إلى فوضى دون اهتمام بالأولويات الإنسانية التي هي مقاصد الدين. فتصبح الغاية (إقامة الشريعة) وسيلة لاقتناص مُتع الحياة وملذاتها، وتمسي الوسيلة (العلاقة بين الجنسين) غاية بذاتها (كثرة التزاوج وانجاب الأطفال والهوس الجنسي). تكون المرأة محورها في الدنيا والإستيهام الخيالي حول الحور العين في الآخرة[1].

والتساؤل المهم: كيف تمثل هشاشة التفكير أداءً خطيراً لقضايا حيوية كقضايا المرأة ؟ هل الدين الشكلي نوعٌ من التحلُّل (كتحلُّل الجيف) لخلافة سياسية تسوس أجساد الناس دون العقول؟! هل تُكَّوِن المعتقدات ظواهر هامشية تحتل متن الحياة بحيث يدافع عنها معتنقوها كأنَّها الدين كلُّه؟!

إذا أردنا توضيحاً لذهنية التطرف، فالحال مثل كائن خرافي يُولد عملاقاً بارتفاع السماء، لكنه فجأة يتقزَّم بفعل القصور الذاتي (كحيوان القنفذ). وقصور الإسلاميين ذاتياً أنَّهم يمارسون إدارة الحياة وشؤونها بصورة عنيفةٍ ساذجة. إنَّ مفاهيم الإله والنبي والشريعة لا تنضح بجوفها مباشرة. فيلزم وجود ممارسات يومية يُعاد تدويرها بحسب قهر المعايير والآليات الخطابية. والمرأة أبرز من تتلقى الأثر الإقصائي للمتشددين.

إذ في العادة يردد الإسلاميون عبارات مثل: رفقاً بالقوارير، وأنَّهن خُلقن من ضلعٍ أعوج، وأنَّهن شقائق الرجال، وأنَّه لا يكرمهن إلاَّ كريم ولا يهينهن إلاَّ لئيم. ورغم ذلك لم يتراجعوا عن تحطيمها أو تعبئتها بسموم الكراهية. فهم يدركون أنَّ المرأة موازيةٌ لبناء المجتمع وتحولاته، وإذا امتلكوها- بضربةٍ واحدة - رغبةً وحساً وكياناً، فلقد ضمنوا إخضاع باقي العناصر وضمنوا أجيالاً تاليةً تحمل أفكارهم.

ولتأكيد إعادتها إلى دائرة الذكورة، دوماً يبادر الإسلاميون بوصم المرأة أخلاقياً داخل الحضارة المعاصرة لدرجة الاتهام. على سبيل المثال المرأة برأي سيد قطب أصبحت آلة للغواية والزينة والغريزة والبهرج القتال والإيقاع بالذكور في حبائلها. وأنَّ العلاقة بين الجنسين مردُّها إلى النزوة والانفعال. وحين تترك المرأة رعاية الجيل، وحين يُؤثِر لها المجتمع عملاً آخر، وحين تنفق طاقتها في الإنتاج المادي ولا تنفقها في صناعة الإنسانية، لأنَّ إنتاجاً مادياً يومئذ أغلى وأعز وأكرم من الإنتاج الإنساني، عندئذ يكون التخلف الحضاري بالقياس الإنساني... أو تكون هي الجاهلية بالمصطلح الإسلامي[2].

الاتهام المفترض هنا، يعدُّه المتشددون حقيقة ثابتة كونياً لا لبس فيها. وسيد قطب بهذا يجر المرأة إلى مخالب الذكورة باسم الشريعة ويغيِّب كيانها الفاعل تبعاً لتوجهات أصحاب الغلبة والتقاليد الأبوية. ولا يترك لها مخرجاً حُراً، لأنَّ مجتمعها كلَّه مجتمعٌ جاهلي بالنهاية. مع أنَّ الفكرة إجمالاً " وسيلة عاطفية أخلاقية " لبث الخوف في روع النساء وضمان دخولهن خلف بابٍ لا يمتلك احدٌ بالأرض فتحه. وبالتوازي لم يقل أحدٌ إنَّ إنتاجاً مادياً أعز وأكرم من الإنسانية هكذا بسذاجة مفرطةٍ. فالفكرة تشكل ثنائية حادة غير صحيحة بالمرة. ولا ننسى أنَّ ذلك ضمن جماعة الإسلام التي تواجه (تُكَّفِر) مجتمعات الجاهلية[3].

وحتى لفظة " النساء أو النسوان" فهي مفردة يلحقها الازدراء والسخرية في العبارات العربية الدارجة. وتقترن عادة بالأطفال والصغار باعتبارهم قليلي الحيلة والعقل والإرادة وعادةً يوضعون تحت وصاية الكبار. يقول أحد شعراء العرب: بأبي أَنْتَ إِنْ أَخِذْنَ وأُمِّي...ضَاقَ عَيْشُ النسْوان والصبيان. وكنوع من التفرقة بين محبوبته وغيرها أشار: خُلِقْتِ غير خِلْقةِ النسوانِ... إنْ قُمتِ فالأعلى قضيبُ بانِ. ويرصد شاعر آخر معنى مختلفاً: رأت حولَّها النسوانَ يرفلْن في الثرى.. مقلدةً أعناقها القلائدُ.

وعلى نطاق أوسع كثيراً ما أورد ابن خلدون مفردة (النساء والنسوان) كعلامة على انحدار العمران وتبدل الأحوال...عندئذ يصبح الرجالُ من جملة العيال والنسوان!! ودولة الخلافة بمعطاها الإرهابي الراهن تعد علامةً لأفول الحضارة وخراب العمران. مما يُبرز تصوراً غير مباشر يلاحق النساء: أنَّهن مقعدات بفعل فاعل ثقافي له إرادة اجتماعية على نطاق تأسيسي، سواء في محراب الدين أم في المجتمعات.

ويأتي ذكر النساء خلدونياً في مواضع متدنيَّةٍ بنفس النبرة الأخلاقية المستندة إلى رواسب سلفية محافظة. ففي كلامه عن كون(أهل البدو أقرب إلى الشجاعة من أهل الحضر) يعبر: " أهل الحضر أهل راحة ودعة وانغمسوا في النعيم والترف ووكلوا أمرهم في المدافعة عن أموالهم وأنفسهم إلى واليهم الحاكم الذي يسوسهم والحامية التي تولت حراستهم... وقد ألقوا السلاح وتوالت على ذلك منهم الأجيال وتنزلوا منزلةَ النساء والولدان الذين هم عيال على أبي مثواهم حتى صار ذلك خلقاً ينزل منزلة الطبيعة"[4].

إنَّ صاحب المقدمة يحدد نمط الثقافة العربية الإسلامية التي تُوالِّي تأكيد ذاتها برؤيتها للعالم واعتبار النساء كائنات فارغة المضمون. وأنَّهن مقولات حيوية بيولوجية لضرب من الانهيار الاجتماعي والوجودي. في مقابل تغذية نزعة ذكورية مرتهنة بالغلبة استطاعت وضع تأويلاتها للنص الديني لإدارة التصنيفات الاجتماعية إزاء الحكم والسلطة والآخر. بالتالي بدت مفردة النساء طُعماً سياسياً للتغلغل في المجال العام والهيمنة عليه[5].

يؤشر هذا إلى أنَّ مشكلة الإسلاميين تجاه المرأة ليست عملاً عارضاً ولن تكون، إنما تتولد المشكلة بالتواتر الثقافي، لأنَّ الموضوع مرتبطٌ أوثق الارتباط بفشلهم في بناء الدولة والمجتمع، وهي المسألة الأوضح على المدى البعيد. إنَّ أهدافاً كبري عندما تنكمش من تأسيس رؤى حضارية للحياة إلى مراقبة أجساد النساء أمرٌ يدعو للرثاء والتنكيت.

وربما الفكرة تكشف ذهنية الإسلاميين التي تقتل الإنسان بدعاوى التكفير، ومع ذلك تتداول الفتاوى تلو الأخرى حول نزع شعر الإبط والعانة وقتل الذباب والبعوض أثناء العبادات. لقد تحول المسلم باسم الشريعة من " كائن عاقل " إلى "خفير " درك لنسوانه العاطلات من الحياة. ولو كانت القضية بإرادته لخلقهن بنقاب غليظ يحُول دون رؤيتهن، ولجعلهن كائنات عديمة الكتلة ضد قوانين الجاذبية والحركة والتجسُد. وكأنَّه يريد جنيّات مجهولة من جنس آخر يأتيها سراً ويتركها سراً في عالمها الخفي!!

أيضاً الأمر يوضح أنَّ الأدمغة التي تصْفُر بها الريح تطلُعاً إلى خلافةٍ دينيةٍ بحجم العالم دون مقدمات تنتهي إلى حكم سرير الزوجية تحت مبررات فقهية!! وكأنَّ سرير الزوجية هو كرسي العرش. فقد تجد أحدَّهم بليغاً في مقارعة الحجة بالحجة والحديث بالحديث والإسناد بالإسناد باعتبار النساء أشد فتنةً على أمة الإسلام من اليهود والنصارى!! بينما تدور حياته حول كونه مزواجاً مثنى وثلاث ورباع غارقاً في توزيع الأوقات والمشاعر والأحوال والرغبات عليهن. والأدهى أن تراه سطحياً في فهم المجال العام والتعامل مع الآخر. لأنَّه ينظر إليه بأفكار بدائيةٍ تهدم التنوع الفكري والعقائدي والسياسي. وبدلاً من الاندماج في حركة الحياة يعلن توقيفها عند حدود فاصلةٍ أساسها التفرقة الأيديولوجية إزاء المختلفين عنه.

طوال تاريخهم رفع الإخوانُ المسلمون شعاراً مراوغاً: " الله غايتنا والرسول قدوتنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا ". وعندما جاءت بهم التجارب السياسية – في أكثر من دولة عربية- إلى السلطة كانت الدولة بالنسبة إليهم كـ" امرأة لعوب" يجب وضعها تحت الوصاية، ونزع تمردها، ولا مناص من إلباسها النقاب الشرعي خوفاً من الغواية العلمانية. ولقد تكرر الشعار بصيغ مختلفةٍ لدى السلفيين والجهاديين وأنصار السنة، بجانب أنَّه كان يلازم دولة الخلافة بمضمونها الكوني. ولم يكن هذا ليشوِّه فقط علاقات الأفراد بالجماعة، بل ترك بصماته على علاقتهم بالعالم... لأنَّ ثمة تقسيماً حتمياً لهذه المساحة أو تلك من الجغرافيا بين دار الكفر ودار الإيمان، دار الشر ودار الخير.

هكذا اندفع الإسلاميون يطالبون بدولة الشريعة ويجاهدون على كافة المستويات. فهذا جهاد الحرب مع الأعداء وهو النوع الأصغر، وذاك جهاد نوازع النفس وغرائزها وهو النوع الأكبر، ليأتِ سواهما وهو جهاد تطهير المؤسسات والقوانين والدساتير دون تصنيف... ثم ريثما تتحقق الدولة الإسلامية وتحل في الواقع(الغايات والوسائل مرة أخرى)، تهبط من مكانتها لتمنع اختلاطاً بين الشباب والشابات وتحرِّم التلصص على عورات النساء وتحول دون مصافحتهن. لتواصل الخلافة وضع المرأة داخل أسوار عالية من الحظر والمنع ليل نهار. حتى بات وقوف الرجل على أبواب الحياة وأمام السلطان والمؤسسات مثل وقوفه بين يدي زوجاته ... كلها تعاليم عنيفة وراء أخرى أشد عنفاً بلا توقف. وبدت المرأة أكثر خطورة من النكوص يوم الزحف إذا حمي الوطيس وأشد خطورة من الكفار!!

بالنتيجة تعاطى الخطابُ الإسلامي المتطرف مع المرأة  - وتلك مفارقة - بوصفها كائناً لا قيمة له ويجب احتكاره لصالح النكاح المتواصل. حتى قيل إنَّ الله يغضب بقدر ما يغضب، لا لشيء في الدنيا إلاَّ لفراغ الأرحام من النُطَّف. وأنَّ ذلك سبب بلاء الأمة وكربها المتواصلين!! وكأنَّ المسلم لا مكان له طوال حياته إلاَّ بين خدور النساء وأفخاذهن. لأنَّ حرصاً على امتلاء الأرحام يقضي بالعيش الدائم في ممارسة النكاح. إنَّ مسألة (حُكم النساء) كتجسيد لتلك الذهنية كان وراء استعمالهن في جهاد النكاح، واعتبار المرأة آلة زواج وانجاب متواصل، ونكاح القاصرات المائعات. وهي كذلك وراء الخيال الشهوي الذي يعتبر الجنة متعاً حسية أبرزها الجماع الذي يفوق قوة سبعين رجلاً والطواف الليلي والنهاري على الحوريات.

ربما يعدُّ هذا أكبر عائق مدمر لأيَّة دولة ينشدها الإسلاميون تحت أية عناوين سواء سلفية أو وهابية أو داعشية انتظاراً لعناوين أخرى. وأكاد أجزم أنَّ الذهنية التي تستعمل كافة سلطتها لحكم (النساء)، لن تقدم شيئاً سياسياً ومعرفياً واجتماعياً يفيد الإنسانية. لأن منطق تبريراتهم ينقلب على الأفكار الكبرى بنفس الطريقة، فكما أنَّهم يبنون الخلافة لتصبح " سلطة جندرية " ضد النسوان، فإنَّ تصوراتهم المحتقِرة للمرأة تنعكس على تفاصيل الدولة ضاربةً بنيانها من الجذور.

ولئن كان ذلك يبرز شيئاً، فهذا السلوك يعتبر الدولة (غطاء الخلافة) دائرةً لشهوة مركزية خاصة بالرجال. هي شهوة ذكورية حسية أساسها التسلط والمتع العنيفة مهما تمَّ نفي ذلك. فالحاكم (الفقيه، الجماعة، التنظيم، الخطاب) الذي يقتل الآخرين بمنطق الأوامر الإلهية والتكفير هو نفسه الذي يدمن إتيان النساء و استخدامهن في جهاد النكاح. ويعتبر ركوب صهوة حصانه موازياً للمرور عليهن واحدةً واحدةً. وليس أوضح من تعامل الدواعش مع النساء تعاملاً قذراً... تأجيرهن وبيعهن في أسواق النخاسة وإهدائهن والاشتراك في وطئهن واستعمالهن للترويح عن المجاهدين... واعتبارهن جائزة تُعطى لمن يحفظ جزءاً أو آخر من القرآن كما حصل بمُوصل العراق والرقة السورية أثناء شهور الصيام!![6]

هل تلك المرأة هي ذاتها الكائن الأكثر حساسية وإنسانية؟ كيف لتصور حيواني بغطاء الدين أنْ يحتل أدمغة دموية حول حياة الإنسان؟ إنَّ المرأة هي الفضاء الوجودي البارز الذي يكشف مدى تحضر المجتمعات من عدمه، ولعل الممارسات بحقهن توضح إلى أي مدى يعتبر الإنسان حيواناً أو يعامل الآخرين على هذا الأساس. والحيوانية قد تكون لاهوتية وأشد وطأة من سواها. وقد تأخذ درجة خفية نحو المجتمع، فتلتحف بالرؤى الاجتماعية لتغدو قاتلة بأسماء متباينة دون فاعل ملموس.. كما تتم باسم الشرف والأخلاق والعائلة والقبيلة والجنة والنار والحقيقة والكراهية والأيديولوجيا... إلى أخره.

إنَّ هناك – كما تقول جوديث بتلر- صناعة لهوية نسوية feminist identity تقوم على تكرار الأفعال بأساليب مقصودة stylized repetition of actions. وهي هوية زمنية تتشكل بحسب صياغة علامات الجسد الأنثوي ودلالتها في الواقع الذي تفرزه ظواهر المجتمعات. وبالتالي يصبح فهم المسألة مرتبطا بتاريخ المعتقدات وأدائها لمضامين السلوك والأفعال[7]. وهذا ما ينطبق على صناعة الهوية الدينية من خلال المرأة كعلامة يمكن تحميلها بمدلول متعالٍّ تهيمن عليه جماعة المؤمنين أو من يقوم مقامهم كما في إطار الإسلام السياسي.

لم تتخلص الثقافة الإسلامية السائدة من تحقير المرأة ووضعها في مرتبة أدنى من الرجل. ففي دولة الخلافة - كدولة هوية - لن تنال وضعاً مميزاً. لأن المرأة كشهوة تعدُّ أحد حدودها الحسية والغرائزية. فمن الشعارات الزاعقة كون الحرام يغلف الأنثى كحدٍّ من حدود الله، لا ينبغي الاقتراب منه أو انتهاكه. وسيكون شأنها شأن بغلة السلطان!! الأخيرة تؤْجر لحمل صاحبها المؤمن الذي يرعى عبيده بينما ستكون المرأة بمثابة الفتنة داخل كلِّ بيت. وهو اعتقاد صريح بأن الفتنة كامنة داخل أي إنسان.. وعليه التيقظ لما ينتظره من مجهول!! ويعنى أنَّ المرأة في كل الأحوال مطعون في شرفها سواء رضت أم أبت.

في هذا الإطار تتحول النزعة الذكورية إلى " مرجعية رمزية " من خلال تأكيد نموذج " المرأة الطائعة " الجاري اجتماعياً وسياسياً. وبالوقت نفسه تفترض خضوعاً مفارقاً لمستواها الدلالي. مما يولد قهراً - كما يذهب بيير بورديو- من نفس أبعادها غير المحسوسة واللا مرئية حتى من ضحاياها أنفسهم. ولأنَّ الخطاب الديني يرتبط بالمثل والقيم، فإنَّ عنفه يسير بـ " الطرق الرمزية للاتصال والمعرفة أو أكثر تحديداً، بالجهل والاعتراف أو بالعاطفة. هذه العلاقة الاجتماعية العادية بشكل غير عادي، تمنح مناسبة مميزة لالتقاط منطق الهيمنة الممارسة باسم مبدأ رمزي معروف أو معترف به من قبل المهيمن على المهيمن عليه، أو باسم لغة (أو لفظ) أو نمط حياة (أو أسلوب في التفكير أو القول أو الفعل وبشكل عام باسم خاصية مميزة) شعاراً كانت أو وصمة"[8].

لكن المفارقة الصارخة أنَّ التحكم  في النساء بالخلفية الماضية يفترض اعتبار الرجل كائناً شهوانياً غير عاقل وتتلاعب به المرأة كيفما تريد!! وأنَّه ليس طاقة للعمل والإبداع والإنتاج والسير في مناكب الحياة، إنما كتلة من الغرائز والشهوات تحكمها المصادفة ليس أكثر. والتجربة التاريخية أكدت أنَّ قصور الأمراء كانت مليئة بالجواري والإماء والخادمات والمغنيات والشاعرات والخليلات... جميعهن يقمن على خدمة غرائز سيدهن. وقد تحول القصر إلى إدارة شهوية لاستنزاف وجود المرأة وحريتها... وفي هذا كانت القصور الحاكمة نسخة مناظرة لبعض أنماط العيش في المجتمعات العربية الإسلامية ووضع النساء فيها.

بوضوح إنَّ سياسة نون النسوة لا تنفصل عن سياسات الخلافة إزاء السيطرة على المجتمعات. بفضل أنّ هناك تصورين ماديين متقاربان للمرأة والسلطة يرجعان معاً إلى برجماتية الخطاب الديني، وأنَّ ما يضبطهما ويستثمرهما اجتماعياً شيءٌ واحد. ألاَ وهو الغرائز التي تتلاعب بالسلطة مستعملةً الشريعة لخدمة مصالحها الخاصة، بينما تستخدم النساء لتمضية الأوقات والاغتراف من معين الحياة لنفس السبب. أي أن الرغبة بوصفها سيطرة وغلبة هي ذاتها الرغبة بوصفها سيطرة ذكورية حينما تتجليان ضمن السياسة والجنس.

وفي تاريخ فكرة الخلافة، نجد أنَّ هندسة الإسلام السياسي لمفاهيم المرأة وتصوراتها على نطاق المجتمع يحكمها هذا التسلط الذكوري على المشهد العام. وقد لُفظت المرأة على قارعة الحياة بوصفها خطاباً لا تأخذ منه شيئاً إلاَّ ما يريد ذكور المؤمنين. بكلمات أخرى.. كانت الأنوثة كلاماً مضمراً وممارساً حول التربية والطفولة والزواج والعادات والتقاليد والموروثات الفقهية التي تربط المرأة بالرجال دون تحرر. وعندما تكون كلاماً صريحاً، فإنها تعاند مرونة الواقع بشكل كلي فاضح. لأنَّ قهر المرأة لن يستمر أكثر من قهر الإنسان لنفسه على المدى البعيد.

ولهذا كانت كلُّ دولة خلافة محكومةً بمنطق: التآكل الذاتي الذي يدمر تاريخها ويحطم بنيتها. وهذا أحد الأسباب التي تجعل التقاتل بين الجماعات الدينية أمراً مؤكداً. فإنْ لم يكن ثمة عدو خارجي نحن في حروب أبدية وميتافيزيقية معه، سيتقاتل الفرقاء لا محالة حتى الفناء. ألم يتشعب المسلمون إلى بضع وسبعين فرقة... جميعهم يجزمون بأنَّهم الناجون من النار دون سواهم؟ فكانت المحصلة: لم ينجو أحد ولم يفشل أحد، بل استمر القتال إلى الآن مع جميع الأطراف بلا تمييز!! حرب الكل ضد الكل كما يقول  توماس هوبز.

 

سامي عبد العال

..........................

[1]- بصرف النظر عن معنى لفظة " الحور العين " بالجنة والتي هي أيضاً من الرغبات المشتركة المتواترة بين الجهاديين، فالتصور الشهوي للأنثى بالآخرة جزء من عتاد الجهاد وحث المجاهدين على السير في طريق  هذا التنظيم أو ذاك إلى نهايته. وصورة الأنثى تستعمل هنا لتغييب الإحساس بالواقع وتعقيده. ولذلك إذا كان الحزام الناسف ينهي حياة الجسد وإحساسه بالحياة، فإن الأخيلة الدائرة حول الحوريات وصورها كانت قد أنهته من قبل عن طريق عدة أشياء:

أولاً: تقديم الأنثى كرغبة خالصة وكلية للمستشهد. وهذا يعني أن الانهماك في الرغبات قد يحدث انفصالاً عن الحياة. والفكرة هنا تتجاوز الدين ولكنه يستعملها لأهدافه الخاصة.

ثانياً: الأنثى بهذا التصور هي الفاصلة بين الموت والحياة، لأنَّها دلالة خيالية شهوانية وبالوقت نفسه سيكون اللقاء بها بعد الموت. أي هي زناد الحزام الناسف والحاثة على الاستشهاد.

ثالثاً: تتناسب الهيمنة على الأنثى في الدنيا طرديا مع الظفر بها في الآخرة على هيئة حوريات. ولذلك فإن المرأة جزء من عتاد الخلافة وجهازها  الرمزي.

رابعاً: النقطة السابقة تطلق عنان الإسلاميين لتخيل دولة الخلافة باعتبارها  " يوتوبيا الرغبات الحلال " كما حصل مع خلافة الدواعش واستعمال النساء فيها في كل شيء.

[2] - سيد قطب، معالم في الطريق، دار الشروق، القاهرة، الطبعة السادسة 1979. ص 112.

[3] - المرجع السابق، ص 105.

[4]- ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون (الجزء الأول من تاريخ ابن خلدون)، تحقيق خليل شحادة، مراجعة سهيل ذكار، دار الفكر العربي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت لبنان، 2001. ص ص 155- 156.

[5] - أغلب تصورات الجماعات الإسلامية حول المرأة كانت في بدايتها عبارة عن فكرة نشر العفة وحفظ الحرمات ونيل السعادة في الدنيا والآخرة. ولا يخفى كون ذلك غلافاً لهيمنة أصيلة على هذا الكائن الرمزي بالأساس تمهيداً للانقضاض على الحياة العامة. حيث كان المتطرفون يدعون إلى ارتداء الحجاب ومنع الاختلاط والتعليم الديني للبنات قبل أن يدخلوا عن طريق ذلك إلى تسييس الفكرة لمآرب أكبر. ولذلك ليس مصادفة الحرص على نشر بعض الشعارات التي تنال من حق المرأة في الشعور بذاتها مثل: أنها يجب أن تحاذر حتى لا تكون مطية الشيطان وأنها تحتاج إلى طاعة الله حتى تنال رضاه، بينما هي شعارات مطروحة لتفريغها كي يقودها الرجال باسم الدين وأن تمر طاعة الله بطاعة سلطة الرجال في واقع هو الخلافة كما يتصورون.

[6]- ليس الأمر الواضح فقط هو استعمال المرأة على نحو مُهين، إنما أتصور أنها  تمثل للإسلاميين معضلة كبرى. فحتى في دولة الخلافة ستكون المرأة محل سؤال دائم، لأن التصور الحضاري والحياتي للمرأة يبقى غائباً تماماً لديهم. ولنلاحظ أنها أصبحت  خلال الممارسات الموضَّحة بالأعلى جزءاً من الغايات، وبالتالي فهي كفيلة بخلخلة أركان خلافتهم، وأن غياب وظيفتها الحضارية سيكون عامل هدم رئيس بهذا الصدد. وخاصة أن هناك ازدواجاً لدى أية جماعة دينية تجاه المرأة: التحكم فيها عن طريق مراسم التدين وفرض أنماط الاعتقاد المادي والشكلي عليها للتقليل من حريتها وفتنتها خارج قالب الحلال والحرام. وفتح مساحة حرة متعددة الأوجه للتمتع بتلك الفتنة عن طريق تعدد الزواج وتعدد أوجه التعامل معها.

[7] -Judith Butler, Performative Acts and Gender Constitution: An Essay in Phenomenology and Feminist Theory, Theatre Journal , Volume 40, No. 4. (Dec., 1988), pp. 519-520.

[8]- بيار بورديو، الهيمنة الذكورية، ترجمة: سلمان قعفراني، مراجعة ماهر تريمش (سلسلة المنظمة العربية للترجمة)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت لبنان، الطبعة الأولى ابريل 2001. ص 16.

 

 

انور الموسويالثورة الصريحة او العفوية: هي نتاج وليست سبب، لخلل ما يحصل في منظومة المجتمع الانساني وذلك الخلل يؤثر سلباً على افراد وجماعات كبيرة وتحصل انتكاسات وسلب للحقوق وظلم فتحصل تلك الثورات لإصلاح وتغيير الواقع منها يحقق اهدافه ومنها يفشل وقد تكون ذات قيادة منذ بزوغها او تتبلور فكرة القيادة عندها خلال مراحل تطورها ونموها.

كثورات الاتحاد الاوربي ١٨٤٨م والتي منها (نهاية الملكية المطلقة في الدنمارك، او إدخال الديمقراطية البرلمانية في هولندا والثورة التي أدت لسقوط حكومة الرئيس فيكتور يانوكوفيتش. بسبب مطالبة الشعب لتحقيق اتفاقية الشراكة بين اوكرانيا و الاتحاد_الأوربي وهو السبب الذي قامت من اجله تلك الثورة عام ٢٠١٤م في كييف ومن ثم اتسعت.

الثورة الكريهة: سبب وليست نتاج، هي الثورة التي تتعكز على "الثورة الصريحة" وتستخدم الإخفاقات وتتحجج في سلب حقوق المجتمع والأفراد ومن ثم تدويرها كقضية رأي عام لضرب الخصوم ليس إلا، واستهداف القيم في المجتمع والإساءة الى مقدسات الآخرين، غالبا ما تكون تلك الثورات ممولة من جهات سياسية او مدفوعة الثمن من الخارج لتحقيق مكاسب سلطوية ضيقة، بلا اهداف محورية حقيقة لإصلاح بنية الدولة لذلك تفتقر إلى التعاطف المطلق،وهي تتخذ طرق وسمات منها:

١- استغلال الظروف السيئة لواقع الأفراد وكسبهم كمرتزقة لتحقيق الأهداف واغراءهم بالمال او غيره.

٢- التحجج بالتراجع الملحوظ للبنية الاقتصادية والعمرانية لواقع البلد واستغلال ذلك التراجع لتحقيق الأهداف السلطوية لا أكثر.

٣- استغلال قضايا الشهداء والفقراء والمظلومين والترويج لقضاياهم، بهدف صناعة رأي عام فحسب.وما ان تتحقق الأهداف الشخصية، يتم ترك هؤلاء وكأن شيئاً لم يكن وهذه النقطة لا تشمل الثورات فقط فهي تشمل ايضاً من يدعي المظلومية للفقراء والشهداء والتضحيات ليحصل من خلالها على مكاسب انتخابية.

٤- توظيف الموت والقتل الممنهج والإشاعات والتضليل، وتصدير كل ذلك، كقضايا للمظلومية لكسب مشروعية اكبر.

٥- غالبا ما تكون الثورات الكريهة مشخصة من خلال فقدانها للأهداف المنطقية وعدم تبنيها مشروع واضح المعالم وخارطة طريق منظمة ومنطقية، لذلك تجدها عشوائية تفتقر إلى رؤية تقديمة كبديل ناضج لمشاكل ووضع البلد. بل تجدها " تزاحمية " مركزة على امور مثيرة للشك والريبة وتفاصيل جزئية غير ذات صلة بالواقع، لافتقارها للمحتوى، أكثر مما هي منتجة لأمور واقعية وهادفة لايجاد حلول جوهرية. وهنا يكمن الفارق بين (الثورة الكريهة) و(والثورة العفوية). فالعفوية منها تجدها صادقة ومعيارها أنها غير مؤدلجة تماماً، نقية في طرحها تحتفظ جماعتها بالبعد القيمي للمنظومة الإنسانية هادفة في محتواها رصينة في طرحها، منتجة للتعاطف والتضامن من قبل جميع افراد المجتمع لذلك تجدها تتسع دوماً، بينما الأولى تجدها مثيرة للطعن وتنحسر بعد ثبوت الأدلة.

٦- لو افتقرت الى قيادة او هدف، صارت (عشوائية) ولم تدم او لا تحقق شيئاً. لكن لو توفرت لديها قيادة ظِل غير مرئية! صارت ثورة أشباح تدار بأصابع خفية غير موثوقة المصدر او التوجه، ومعيار ذلك تجدها تستخدم الجماعات البشرية المنتفضة (البريئة منها) كحائط صد امامي للايقاع بهم في التهلكة او الموت والمتجارة باسمائهم لديمومة بقاء تلك الاصابع الخفية والتي هي اللاعب الاساسي في الرقعة لتحقيق اهداف شخصية سياسية.

٧- من المؤكد ان تلك الثورات (غير المحترمة) أنها تتخلى عن أنصارها، والمؤيدين لها فور انهزامها وكشف زيفها، او حين تبدل الوضع وتغير ستراتيجية العمل عن طريق المفاوضات او سحب اليد من الداعمين لها، او فور تحقيق أهدافها الكريهة في إسقاط منظومة القيم او تحقيق الفوضى، فترى أنصارها(المغرر بهم) بلا سند او دعم ليكتشفوا بعد حين أنهم كانوا أدوات ليس الا لتحقيق اهداف بعيدة كل البعد عن تطلعاتهم وطموحاتهم.

٨- الفرق واضح بين ثورات تستهدف السلطة لغرض السلطة فحسب. وليس لاجل غيرها. ومعيارها عدم الالتزام باي معيار اخلاقي او قيمي ولا تمتلك رؤية إصلاحية تقدمية فهي ثورات مكرسة للديكتاتورية والشمولية التي تأتي بعد حين لو نجحت كما نجح هتلر في ذلك، وبين ثورات هادفة لتغيير واقع وتحقيق إصلاح من خلال برنامج عمل سياسي صادق وطموح كما نجح الشعب الاوكراني في ذلك.

٩- هناك حد فاصل بين الثورات نعم، لا يمكن تصور ثورة على (الكتلوك) ان تسير بنسق منتظم دائم اذ لا توجد ثورة مؤدبة وثورة غير مؤدبة (الثورة هي الثورة) هي الغضب والبركان. لكن توجد ثورة نقية حقيقية وتوجد ثورة كريهة مريبة. والحد الفاصل بين تلك الثورتين الرؤية والأهداف والبرنامج الاستيعابي لحل المشاكل او برنامج المطالبة بالحقوق وتلك الأهداف مصيرية عامة يشترك فيها جميع فئات الشعب المسلوب حقه (وهم الأكثرية) بطبيعة الثورة. لكن لو وجدت عدم استيعابية وتجزئة لتلك الفئات وتشكيل جماعات وتكتلات ثورية متضادة متصارعة فيما بينها، صار واضحاً لك انها ليست ثورة (الأكثرية) بل هي الثورة الكريهة بعينها التي ذكرنا سماتها فيما تقدم.

 

انور الموسوي

٢٨/٥/٢٠٢٠

 

بليغ حمدي اسماعيلأنت مضطر بفعل سطوة الثقافة أن تسير صوب الجنوب أينما تسافر إلى أي بقعة جغرافية من أجل اكتشاف كنه المكان وعبقريته لاسيما وإن كنت زائرا للمرة الأولى، هذه قاعدة اعترف بها الرحالة المتقدمون الذين جابوا الأرض والبحر شرقا وعمقا وغربا واتساعاً، وربما أن عالم الاجتماع العربي ابن خلدون لم يتنبه وهو يسطر مقدمته الخالدة الذكر إلى خصيصة رئيسة تميز العقل العربي وليست الثقافة العربية فحسب، وهي هوس الإنسان العربي بتراثه الشعبي الساكن في جنوب الأرض حتى استحالت حكاياه الشعبية التي أسهم في تأطيرها إلى جزء أصيل من عقيدته الاجتماعية التي تتحكم في سلوكه الفردي والاجتماعي والثقافي على السواء بنسب تكاد تكون متساوية، وربما ثراء التراث الشعبي الجنوبي بقصصه وحكاياه ونوادره وطرائفه المرتبطة بواقعه وماضيه هو الذي دفع هذا المواطن العربي ولا يزال يدفعه إلى أخذه ـ التراث الشعبي ـ أساسا راسخا متينا لثقافته التي تتحكم في دوافعه واتجاهاته ومن ثم استجاباته الاجتماعية.

والفرق الحقيقي بين الجنوب كبقعة سحرية جغرافية وبين الشمال ليس في طبائع السكان وانتماءاتهم الإثينية، بل جوهر الاختلاف هو نفسه المساحة غير البينية بين الثقافة والحضارة، وهذا الفرق يشكل اتساعا وعمقا يظهران في الاختلاف بين اتجاهات المجتمع صوب التوافد الغربي الأجنبي، فالجنوب بعادته صانع للحضارة ليس فقط الحضارة المادية المتمثلة في المعمار وبعض العادات المرتبطة بمظاهر الحياة اليومية المعيشية فحسب، لأن هذا الجزء يعد قاسما مشتركا بين الثقافة والحضارة، إنما الجنوب يختلف بأنه لا يهرول مسرعا خلف كل فكرة أو اتجاه وافد لا يعبر عن هويته الأصيلة التي يتوارثها الأجيال هناك وهذا ما جعل مهمة المستعمر في العصر الحديث صعبة ومستحيلة في السيطرة على المكان وتغيير الزمان بفضل تجلي الهوية بصورة واضحة مما جعل الجنوب بالنسبة للمستعمر متاهات يصعب الدخول إليها أو الخروج منها .

وبفضل الثورة المعلوماتية والتطور التكنولوجي والتثوير الاقتصادي الذي عرف بعد ذلك بمصطلح العولمة والاقتصاد الحر تم اعتبار الجغرافيا حقلاً معرفياً وتنظيرياً فقط لاسيما حينما تعامل الجغرافيون الأوروبيون مع الجنوب وتراثه الشعبي الذي لم يكن من السهل الفصل بينه وبين المكان وساكنيه أيضا، بل إن الجغرافيين اليوم وتحديداً منذ نكسة يونيو 1967 فشلوا في تحديد دور إيجابي لهم يربطهم بالمكان والحجم والموقع لأنهم باختصار أجهدوا أنفسهم في تحليلات وطروحات فكرية وصاروا رهن ما تنبئهم به الخريطة التي لم تعد كما كانت . وبعدما كانت الجغرافيا خريطة سهلة واضحة المعالم أصبحت اليوم بفضل التدفق البشري والتغيير الثقافي المرتبط بالسلع والمنتجات جغرافيات جديدة ومعقدة يصعب فهمها وتحليلها .

والحرب التي يخوضها الجنوب  اليوم هي حرب ضد العولمة، بل إن جل همه (أي الجنوب) التاريخي مناهضة العولمة وهي في صراع ضد العقل الذي لا يعترف بالقوميات أو بالهويات الوطنية بقدر ما يسمح بالتعدد والتنوع الثقافي المرتبط بالناحية الاقتصادية فحسب . ولا شك حينما نرى صوراً للاحتجاجات ضد العولمة تحديداً في سياتل عام 1990 نتوقع أن هذه ردة فعل تجاه طمس هوية الخريطة رغم أنها احتجاجات فوضوية وعنيفة ولم يقابلها على الشاطئ الآخر أي اكتراث أو اهتمام من الجغرافيين الأكاديميين وكأنهم استمرأوا حالات الغياب المقصودة عن مشهد الصراع .

وإذا كانت الحركة المناهضة للعولمة بدأت في سياتل 1990، أي أنها نشأت غربية إلا أن ظلالها امتدت إلى منطقتنا العربية، وصارت الخريطة العربية غير عربية وأقصد الخريطة الثقافية المتمثلة في عادات وطبائع المشرب والمأكل والملبس وطريقة الحياة اليومية التي نراها لا تختلف عن مثيلاتها في الغرب الأوروبي وأمريكا على وجه التحديد .وربما هذا التماثل كان نتيجة طبيعية لمدن شيدت على ثقافات سريعة بعكس الجنوب الذي تمر فيه الساعة ببطئ شديد رغم اجتاح التكنولوجيا إحداثياتها الشخصية وتفاصيلها اليومية لكن مع هذا الاجتياح التقني الذي لا يجاوز استتهلاك المنتوجات التكنولوجية من تليفزيون وكومبيوتر وهواتف خلوية بقي مواطن الجنوب محافظاً على وجوده التاريخي كجزء أصيل مرتبط بالأرض التي استحالت عرضه وماله وحياته.

وإذا كانت العولمة بمظاهرها وسماتها غير المحمودة تسعى منذ ظهورها الرأسمالي إلى انضغاط المفاهيم والثقافات الشعبية في منظومة واحدة لا تقبل الانصهار إلى ثقافات مجزأة، وتستهدف خلق خريطة ثقافية وحضارية جديدة للعالم كونه قرية صغيرة يحكمها المال وتداولية الثقافة العالمية فقط،لذلك وصفت هذه العولمة بالليبرالية المتوحشة التي تريد أن تغير معالم الزمان والمكان والمفاهيم الشعبية تحت مظلة الاقتصاد رغم حديثها عن الحريات واحترام حق الناس في التنوع، إلا أنها ـ العولمة ـ ظلت بمنأى بعيد نسبيا عن اختراق الجنوب بحضاراته التي لا تنقضي والتي لا تزول حتى بفعل الهجرة الداخلية والخارجية لسكانه وربما النزوح النهائي بغير عودة لبعضهم.

ومع هذا الحفاظ الرائع لكنه المكان لدى أهل الجنوب، استطاعت هذه البقعة الجغرافية بكافة بلداننا العربية أن تتمتع بقدر عال ومتمايز لقبول التنوع الثقافي في بيئاته أيضا، وهذه سمة فريدة تمتع بها الجنوب العربي التي عكست القدر الكبير من المرونة في استيعاب ثقافات متباينة ومختلفة دونما استلاب أو استقطاب الثقافة الأصيلة بل يمكن القول بإن هذه الثقافات انصهرت في ثقافة الجنوب مما أدى إلى بقائها في تسامح مستدام .

لذلك وبغير ادعاء كاذب، إذا أردت أن تبحث عن ملامح التنوع الثقافي الخلاقي مع الاحتفاظ بسمات للهوية فلا تعبأ بالتنقيب والتفتيش عن أمكنة متتعدة، بل عليك أن تذهب مباشرة نحو الجنوب، هذا الجنوب الذي يعد بقعة سحرية في جغرافيا الشعوب والدول العربية، لأنه المقام العمراني والجغرافي الوحيد الذي يصر على عدم الدخول في معركة البقاء التاريخي، لا لقصور أو عجز، بل لأنه بالفعل يغرد خارج السرب، ويغني منفرداً خارج السياق .

والمستقرئ لتاريخ الثقافات الجنوبية على مستوى العالم العربي يفطن إلى حقيقة مهمة، وهي أن الجنوب منذ ولادته على أرض الأوطان وهو في حفاظ أزلي للهوية، ليس فقط لهويته الثقافية المتفردة، بل لطبيعة الوطن ذاته، لذلك نجد ثمة رهان سياسي وثقافي من النظم السياسية الحاكمة على أولئك القاطنين بالجنوب لارتباطهم الشديد بالمكان وحرصهم على بقاء السمات المميزة لطبيعة الأجداد في حياتهم اليومية .

 ومن أحدث الكتب التي تناولت جغرافية الثقافة المكانية كتاب Geographies of Globalization  للأكاديمي النيوزلندي ورويك موراي (2013) والذي تناول العلاقة بين الجغرافيا الثقافية والعولمة، وهذا الكتاب صال وجال للبحث عن إجابة حصرية وحاسمة لسؤال : هل ماتت جغرافية المكان الثقافي ؟، وفي هذا الكتاب رصد حالة انخفاص الصلة بين علم الجغرافيا الأكاديمي والمحبوس في الكتب التنظيرية الجافة والأبحاث والدراسات الكاذبة التي لا تمت للواقع بصلة وبين العولمة التي تتصاعد حدتها ويتعالى نشاطها الاقتصادي والتنويري والاقتصادي . ولا شك أن الكتاب انتهى بنتائج غير سارة بالنسبة للجغرافية ومستقبلها المعاصر لاسيما لأهل الشمال الذين بدوا أكثر انفعالا بالاتجاهات والتيارات الأجنبية الوافدة على عكس الجنوب الذي احتفظ لنفسه بمكانة مميزة جعلته لا يستجيب بسرعة ويسر إلى الثقافات الوافدة .

وفي هذا الجنوب العربي نجد أركان ومقومات الثقافة متجسدة فعلياً بغير تنظيرات أو طروحات مكرورة ومملة، فاللغة تجد مهاداً خصباً لها بغير تصحيف أو تحريف، والموسيقى كجزء من الهوية الجنوبية نجدها تحتفظ بطبيعتها التي تبعد تمام البعد عن الصخب والضجيج وهي متلازمة مع أنماط الحياة السائدة هناك . وكذلك الملامح الثابتة التي لم تعبأ بهوس الاستلاب نحو التغريب كالمأكل والمشرب، ولعل كلمة السر في هذا كله هو تقديس الموروث .

ولم يفاجأ المثقفين مما جاء ثنايا تقرير التنمية البشرية لهذا العام الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الذي جاء بعنوان (نهضة الجنوب تقدم بشري في عالم متنوع)، لاسيما وأن النخبة على علم مستدام ومعرفة مستقرة بأن الجنوب في حالة مخاض مستمرة ورغم أنه يمر بطيئاً بالحياة إلا أنه الأكثر ثباتاً والأسعد تطبيقاً بالقانون العرفي، والبيئة الهادئة التي لا تكترث بجنون التغيير الذي يحيط بالكون .

وإذا كان العالم كله في حرب ضروس مع البطالة والحصول على المال وتخطي عقبات الفقر، فإن الجنوب يرى المعركة بفلسفة استثانية، فهو يقر حقيقة أن الحرب ضد الفقر لا تكون إلا من خلال التعليم، لذا نجد حرص الآباء والأجداد على تعليم أبنائهم وأحفادهم هو معركة بقاء لهم أنفسهم في المقام الأول، وأن التعليم هو بوابة سحرية لسبر أغوار العالم المغاير لطبيعة الجنوب لذا فهم في حرص رائع على التماس أسباب الحضارة مع اليقين بضرورة الماضي وأهميته.

وإذا كان تقرير البرنامج الإنمائي يشير إلى نهضة الجنوب التي مفادها التنوع والتعدد الثقافي مع الاحتفاظ بالهوية الأم، فإن هناك ثمة عوامل هي التي تحفظ لهذا الجنوب تنوعه أولاً وتفرده وتميزه الذي يعد استثنائياً، من أبرز تلك العوامل عدم اتباع السياسات الجاهزة المقدمة من الأنظمة الحاكمة، فللجنوب أعرافه وتقاليده السياسية، وهذه الأعراف لا يمككنا القول بإنها في قوة القانون الرسمي لأية دولة، بل هي أقوى من نصوص القانون ومواد الدستور نفسها، وربما حرص أبناء الجنوب على الالتزام بأعراف وقوانين الأجداد هو الذي ضمن لهذه البيئات الاستقرار السياسي والثبات الاجتماعي على مر العصور.

لذا فلن نجد حرجاً إذا أشرنا إلى أن معظم الأنظمة السياسية تطلب ود أهل الجنوب، نجد هذا في الدول العربية، وجنوب أوروبا على سبيل المثال، وقلما نجد دستوراً أو قراراً سيادياً لدولة ما لم يضع شيئاً بسيطاً لأهل الجنوب . وربما علم الأنظمة السياسية الحاكمة في العالم بسياسات وقوانين وأعراف الجنوب النابعة من ظروف البيئة وتراثها الثقافي هو الذي يدفعها دفعاً لمراعاة البعد الجغرافي والتاريخي لهم.

ولكن رغم أهمية الجنوب وتميزه وتفرده الثقافي وحفاظه الرائع على التقاليد الاجتماعية، هل واكبت هذه الأهمية اهتماماً خاصاً من الحكومات والأنظمة الحاكمة ؟ . وقد يبدو الكلام الآن مقتصراً على مصر دون غيرها من بلدان العالم، فالجنوب المصري الذي يبدأ جغرافياً من مدينة أسيوط منتهياً بالنوبة الجميلة لم يكن محظوظاً على امتداد الحكومات المتعاقبة بالاهتمام والرعاية والكشف عن سحره وجماله الثقافي .

واكتفت الحكومات بالإشادة بمباني الجنوب، وبموسيقاها، وبالملابس المميزة سواء كانت جلابيب أو أردية بيضاء ناصعة، دون الالتفات إلى ثقافة المواطن الجنوبي وأحلامه وطموحاته وأنه لا يعد كائناً منفصلاً عن الوطن، بل هو جزؤه الأصيل منه، ويكفي أن تعي الأنظمة السياسية إلى اختراق الثقافي للجنوب في كافة أنحاء مصر بخاصة والعالم بصفة عامة، والمتتبع للمنتج الجنوبي في الخارج يدرك على الفور أن حرص الأجنبي على شراء ما ينتجه الجنوب ليس مجرد هواية أو رغبة في اقتناء شئ دخيل، بل بسؤالهم تتبين حقيقة أن رغبة الشراء هي رغبة معرفة ومحاولة جادة في التقاط تفاصيل أكثر دقة عن الثقافة التي أنتجت هذه المصنوعات.

ويعد الملمح الأبرز في ثقافة الجنوب التسامح، والتسامح في الجنوب ثقافة ولغة وموسيقى وملابس سمحة، لكن المعالجة الرسمية لتلك الملامح باتت مكرورة وباهتة تمثلت في المسابقات الثقافية عن هذا الجزء الجغرافي، أو تصوير المطربين لأغنياتهم في مناطق النوبة، أو التقاط بعض المشاهد التمثيلية بها، الجنوب ليس بحاجة إلى تعاطف بقدر ما هو بحاجة إلى مزيد من مساحات للتسامح والاعتراف الرسمي بثقافاته وهويته .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

 

جودة عمراوياكتسبت عملية القراءة أهميتها من خلال تفكيك أبنية النص والكشف عن مختلف جوانبه وما يتوفر عليه من دلائل وهذا ما ينفي صفة الحياد عن القارئ الذي لا يكتفي بالتلقي والصمت بل يساهم في إعادة إنتاج النص الأدبي باعتباره المتقبل للنص والمتذوق له وفي الآن ذاته التعامل معه اجتماعيا، فكل كتابة تتأسس على احتمال قراءة.

مفهوم القارئ وتعدد القراءات:

يطرح مفهوم المتلقي (القارئ) عدة صعوبات، إذ تتضارب حوله الآراء، فإيزر القطب الثاني في مدرسة كوستنس*، يتحدث عن القارئ الضمني وأمبرتو إيكو يخاطب القارئ النموذجي، وهناك من يتحدث عن القارئ الواقعي والمثالي والفذ والعليم، ومهما تعددت الأسماء والتصنيفات فإن القارئ موجود بالقوة والفعل إلا أنه يتعذر تصنيفه ضمن فئات محددة.

يقول أمبرتو إيكو:"أنا بحاجة إلى قارئ يكون قد مر بنفس التجارب التي مررت بها في القراءة تقريبا"[1]، ويرى إيزر أن هناك صنفين من القراء هما: القارئ الحقيقي المعروف بردود أفعاله الموثقة، والقارئ الافتراضي الذي قد يتم إسقاط كل تفعيلات النص عليه، بينما يستبعد وجود القارئ المثالي لأنه يستحيل أن يمتلك قانونا مطابقا لقانون المؤلف.إن القارئ الحقيقي أيا كان نوعه دائما ما يمنح دورا معينا لكي يلعبه، وهذا الدور هو الذي يشكل مفهوم القارئ الضمني ولهذا المفهوم جانبان أساسيان ومتداخلان، دور القارئ بوصفه بنية نصية، ودور القارئ باعتباره فعلا مركبا، والمقصود بالبنية النصية أن المؤلف حينما ينسج عمله الأدبي يبني رؤية محددة للعالم، وقد لا تكون هذه الرؤية محددة المعالم، وقد لا تكون هذه الرؤية بالضرورة رؤيته الخاصة، وبذلك فالعمل الأدبي ليس نسخة من العالم المفترض، فهو يبني عالما خاصا به يصنعه من المادة المتوفرة، لذلك فقد يأتي على درجة متفاوتة من الغرابة بالنسبة لقرائه المحتملين، إذن فلا بد للنص أن يخلق موقفا يساعد القارئ على رؤية أشياء ما كان له أن ينتبه إليها.أما الدور الثاني الذي من المفروض أن يضطلع به القارئ هو أن العمل الأدبي وخاصة الرواية يتشكل بناؤها من أربع رؤى أساسية، وهي رؤى الراوي والشخوص والحبكة والقارئ الوهمي، وقد تتفاوت في ما بينها من ناحية الأهمية إلا أنها تكون متداخلة لتتجمع كلها عند نقطة التقاء واحدة، هي معنى النص و"على القارئ أن يدرك مختلف وجهات نظر الرؤى النصية واندماجها النهائي الذي يوجه التفاعل بين الرؤى المتغيرة والاندماج التدريجي".[2]

ويبدو من خلال الآراء السابقة أن القارئ أصبح يستبد بالنص في وجوده وغيابه، وأثناء إنتاجه من طرف الكاتب، وطول مدة قراءته، فالنص إذن يعيش تحت سلطة القارئ ووعيه أكثر مما ينعم بالحياة والراحة عند صاحبه.

أما فيما يخص القراءات فيمكننا الحديث عن القراءة المضمونية "التيماتية"أو الموضوعاتية التي تجاوزت واستوعبت واختزنت القراءة السابقة عليها، وهي القراءة البيبيوغرافية والذاتية، كما أن القراءة الماركسية أو الإيديولوجية دمجت القراءة المضمونية كبعد من أبعادها، هذا على الرغم من أن هناك من اعتبر هذه الأشكال الفنية ظواهر طبقية واجتماعية، وقد استوعبت القراءة البنيوية القراءتين معا، بينما تحاول القراءة السيميائية تكوين تحليل كلي للشعر أو أدبية الأدب، بمنظور منهجي وإجرائي متبلور نتيجة تطور العلوم اللغوية والإنسانية وتحليل الخطاب.[3]

فالقراءة بوصفها عملية فك وتكوين موضوع وفهمه، يتطلب مراقبة العلاقة الغامضة والملتبسة بين الفاعل والموضوع الذي يريد بناءه وتفهمه.

وإذا كانت القراءة كمصطلح نقدي وإجرائي مفتاحا للغة الفكرية و المفهومية والمعرفية الحالية فإن العلاقة التحليلية بين القارئ والمقروء تتعقد وتتداخل إحالاتها ومرجعياتها.وتعني عملية القراءة هاهنا فك شفرة المكتوب أو المنسوخ أو المقروء اللغوية والجمالية والفكرية بوصفها مسارا تناصيا واجتماعيا يجمع داخله سياقات إنتاج خارجية أدبية ثقافية وإيديولوجية في ترابطها وتأثيراتها في ظروف التلقي والقراءة بحيث يتواشج النص باعتباره موضوع القراءة ويتفاعل ويتناص مع نصوص القراءة القبلية كبنيات خطابية ولغوية وجمالية.

العلاقة الجدلية بين القارئ والنص:

لا يكتفي المبدعون الآن بدعوة القارئ لمشاركتهم همومهم التعبيرية، فقد اقتحم المبدع عالم النقد الأدبي كرد فعل واضح تجاه تحدي النقاد بادعاء القدرة على كشف أسرار الإبداع وتعرية أدوات وميكانيزمات التعبير، وهتك أسرارها أمام جمهور القراء، لقد اعتاد السرد التقليدي على نوع من الاحتفاء بالحكاية، وتوقير خصوصياتها، ومدارات تسلسلها المنطقي الذي يأخذ في الاعتبار التدرج المتتابع وصولا إلى نهاية تنحل فيها الأزمة، ويعاد التوازن المفقود، ويلزمنا التأكيد هنا أن ذلك السرد قد تولد وتحددت وظائفه داخل منظومة خاصة من التراسل والتلقي، منظومة لها شروطها الثقافية التي فرضت ذائقة تتقبل ذلك السرد وتتبناه، بوصفه وسيلة تعبير تمثيلية عن جملة من التصورات والرؤى السائدة، وكلما تغيرت الشروط الثقافية استجدت أنماط من السرد الذي لا يولي اهتماما بالحكاية فحسب وإنما يولي اهتماما بنفسه أيضا، وأحيانا يتغلب الاهتمام بالسرد على ما سواه من أشياء أخرى.[4]

فالرواية -الحديثة- مثلا باعتبارها تعبير عن وعي متطور وتجسيد فعلي لمفاهيم أدبيه ونقدية جديدة تتصل بوظيفتها وماهيتها وصلتها بالواقع وعلاقتها بالمتلقي هي بنية أدبية كبرى متميزة تندرج تحتها بنيات أخرى يجمع بينها حس مشترك يدعو إلى الخلط وهي مصطلح السرد narration والحكي récit إضافة إلى مصطلح السردية Narrativité كما ميز الأستاذ الدكتور جمال بوطيب في كتابه"السردي والشعري"[5] كما أنها تخلف نتيجة للتفاعلات الذاتية (طبيعة العناصر الروائية وتفاعلاتها)والتفاعلات الموضوعية (علاقتها بالواقع والتراكم المحلي والعالمي وعلاقتها بجمهور القراء) الأمر الذي يحيلنا إلى الجزم أن القارئ ليس منعزلا في الفضاء الاجتماعي ولا يمكن تحويله إلى مجرد كائن يقرأ، فهو بواسطة التجربة التي توفرها له القراءة، يساهم في سيرورة تواصل تتدخل ضمنها تخييلات الفن فعليا في تكون السلوك الاجتماعي وتنقله. وسيمكن لجمالية التلقي أن تدرس وظيفة الإبداع الجمالي للفن هذه وأن تصوغها موضوعيا في نسق من المعايير ومعنى ذلك أفق توقع انطلاقا من إدراك وظيفة التوسط التي تزاولها التجربة الجمالية بين المعرفة العلمية ونماذج السلوك التواصلي حيثما تتفعل هذه وتلك.

أما عن الإنتاج الأدبي عامة وتلقيه أقول أنه مبني على افتراض نظري شديد الصلة بالابستومولوجيا، باعتبارها إجراء تجريديا يتأمل في ماهية الأدب ووظيفته، ويدرس جميع مراحل تحولاته، وطرق عمله سواء في علاقته بالمرجع أو علاقته بالذات، مع فحصه لخطابه الخاص الذي يتمرس به أي "النقد الأدبي" وباقتران الأدب الروائي بالتاريخ يمكن حصر إنتاج الأدب وتلقيه بين تصورين متباعدين، كان أولهما في الستينات والأخرى في الثمانينات.

إن المعطيات العامة والخاصة التي عرفتها هذه المرحلة بلورت تصورا للأدب يقوم على أساس: الأدب-الصدى، أي الأدب بما هو كتابة عن واقع اجتماعي وسياسي ونفسي موجود قبل فعل الكتابة، وهو ما يشكل أفق انتظار القارئ آنذاك فكان بمثابة شهادة مباشرة على واقع حافل بالتوتر على جميع الأصعدة، فيتشكل هذا الأفق من نظرة القارئ للرواية بما هي أقدر الأشكال الأدبية تعبيرا عن تطلع المجتمع إلى التغيير بحكم قدرة لغتها النثرية وغير المروية، وبنيتها الرحبة والشاملة على استيعاب "العالم" والإنصات إلى نبضه السري، وتكهن بمحتملاته وفق تصور الأستاذ رشيد بنحدو كما أن على تحليل التجربة الجمالية، الماضية أو الحاضرة للقارئ أو الجماعة من القراء أن يراعي هذين العنصرين المكونين لتفعيل المعنى أي "الأثر" الذي ينتجه العمل، وهو ذو صلة بالعمل نفسه ثم "التلقي"، ويحدده المرسل إليه هذا العمل[6]، يقول ميشال بوتور:"الروائي بالتأكيد هو قارئ نفسه، ولكنه قارئ غير كافي يتألم من عدم كفايته ويرغب كثيرا في العثور على قارئ آخر يكمله ولو كان قارئا مجهولا[7]، وعليه كذلك أن يفهم العلاقة بين النص والقارئ بما هي سيرورة تقيم صلة بين أفقين أو تحدث اتحادا بينهما.إن القارئ يشرع في فهم العمل الجديد (أو الذي كان بعد مجهولا بالنسبة إليه)بمقدار ما يعيد تشكيل أفقه الأدبي النوعي من خلال إدراك الافتراضات التي وجهت فهمه، يقول شكري عياد: "كل قراءة هي قراءة خاطئة، أي أن المعنى الذي يحصل في نفس القارئ لا يطابق المعنى الذي صدر عن الكاتب، فما دمنا نتصور الإبداع على أنه حركة فتتبثه غير ممكن وإنما الممكن في الواقع هو استمراره والعمل الأدبي الذي يتناول بقراءة خاطئة أي مختلفة مدين لهذه القراءة الخاطئة باستمرار حياته لأنه لو جمد على حاله لمات".[8]

بيد أن التعاطي مع النص هو دائما منفعل وفاعل في آن واحد، فلا يمكن للقارئ" إنطاق " نص ما، أي تفعيل معناه الكامن في دلالة راهنة، إلا بقدر ما يندرج فهمه للعالم وللحياة في إطار السند الأدبي الذي يستتبعه النص وهذا الفهم القبلي يحتوي على التوقعات الفعلية المطابقة لأفق مصالح القارئ ورغباته وحاجاته وتجاربه كما يحددها المجتمع والطبقة التي ينتمي إليها وكما يحددها أيضا تاريخه الشخصي، ويمكن لاتحاد الأفقين، أي الأفق الذي يتضمنه النص والأفق الذي يحمله القارئ في قراءته التي لابد أن تتجاوز حدود السطح وما هو معطى بشكل مباشر، عبر سبر أغوار انبناء النص وأنساقه وتعالقاته والتي تعد قراءة معرضة عن القصود والنيات، ومتجهة كما يقول ريكور نحو ما يقوله النص ونحو العالم الذي يفتح عليه، أي نحو ضرب وجودي آخر غير هذه القصود والنيات، أي نحو الإمكان أو الوجود الممكن أن يتحقق بشكل عفوي في متعة التوقعات المستجاب لها وفي التحرر من الرتابة والاكراهات اليومية وفي التطابق المقبول كما كان مقدما أو بشكل أعم في الالتحام بفائض التجربة الذي يحمله العمل، يقول الدكتور حميد الحميداني: "يتضاعف حفز القراء على التفاعل مع النصوص بمحركات تلقائية بعضها يعود إلى القراء والبعض الآخر يعود إلى طبيعة تكوين النصوص فالقراء لديهم خطاطتهم الذهنية التي تكونت في الحقل الاجتماعي والثقافي والنص له إستراتيجيته الخاصة التي تحمل معالم الطريقة التي يفترض أن تتم بها قراءته..."[9]

كما أن النص هو تثبيت بواسطة الكتابة، هذا التثبيت الذي يفترض قدرا من البنيات للحصول على المعنى، أي لابد من انتظام اللغة حتى تتمكن من تقديم معنى ما، وكما لاحظ غادامير "فإن كل خطاب ثابت هو نص والنص هو هذا الشيء الثابت والمستقر في ذاته، بواسطة الثبات الداخلي لبنيته".فالكتابة في تثبيتها تفترض خطاطة للمعنى، فلكي ينتج النص دلالة ما، فإنه يمر عبر خطوات يبني خلالها علاقات داخلية بين مكوناته وفي اختلاف هذه العلاقات ينتج المعنى.فليس هناك معنى إلا داخل الاختلاف فعناصر النص لا تأخذ دلالاتها، ولا يمكن أن تكون معرفة دلاليا إلا بواسطة لعبة العلاقات، حيث يتم التعامل مع النص بوصفه بنية مستقلة عن مؤلفه وعما يحيل إليه في الخارج، في

هذه الحالة فإن القارئ يفسر النص انطلاقا من تحليل علاقاته الداخلية، أي انطلاقا من بنيته الخاصة

إن القارئ يقرر بواسطة هذا المشروع الخاص المكوث في "مجال النص"وفي "محيط"هذا المجال.[10]

لقد أوضحت مختلف المدارس البنيوية في النقد الأدبي اليوم طريقة التفسير والاستيعاب في القراءة والتأكيد أن مقاربتها ليست ممكنة بل مشروعة فهي تنبع من الاعتراف بما أسماه بول ريكور بتعليق الإحالة الظاهرية أو كبتها وتعني القراءة، بهذه الطريقة، إطالة تعليق الإحالة الظاهرية، ونقل "الذات"إلى "المكان"الذي يقف فيه النص، في إطار هذا "الانحباس"في مكان لا عالم فيه.ووفقا لهذا الاختيار لا يعود للنص خارج ما، بل باطن فقط.[11]

وانطلاقا مما سبق فإن النص يكون في غنى عن أي مؤثر خارجي، بل يظل حبيس معطياته الداخلية من خلال مجموعة من العلاقات المختلفة التي تؤثث لاختلاف الدلالات.

إذن فالمقاربة التفسيرية للنص مقاربة اختزالية للتجربة الإنسانية في بنيات لغوية مغلقة، لا يمكنها أن تستكشف مضمون النص أو العالم الذي يشير إليه. والقراءة التفسيرية برأي ريكور، درجة من درجات الفعل الهرمينوسي، فهي تظهر مواطن القوة في النص وتمهد للفهم الهرمينوسي. لكن بإمكان العمل أيضا أن يكتسي شكلا استبطانيا (المسافة النقدية أثناء البحث، معاينة الاغتراب، اكتشاف الأسلوب الفني، الاستجابة لحافز ثقافي)، بينما يقبل القارئ أو يرفض اندراج التجربة الأدبية الجديدة ضمن أفق تجربته الخاص.

إذن فالمتلقي يلعب دورا هاما داخل الدائرة الإبداعية إذ لابد أن يقع الاندماج بينه وبين الأحداث ومن تم ينشط في المشاركة بإنتاج العالم المتخيل للنص، اعتمادا على نسبية الفهم ومحدودية التأويل شرط انفتاح النص الذي يجعله عرضة للتأويلات المتعددة.

تطور القراءة - النقد:

إن ما يميز مرحلة ظهور نظرية التلقي هو نفورها واشمئزازها مما آل إليه النقد، إذ كان وكد الناقد هو تتبع أغوار النصوص لاستجلاء معانيها، التي كان ينظر إليها في بعض الأحيان على أنها حقائق ثابتة، ومن خلال الاطلاع على ما صدر به "إيزر"كتابه "فعل القراءة" نلاحظ أن الروائي "هنري جيمس" يتصدى لمهمة الناقد، ويبين عبثية البحث عن معنى قار في روايته "الصورة في البساط"، إذ إذا كان المعنى هو لب العمل الأدبي، ويمكن بالتالي استجلاؤه وطرحه من النص، إذن فالعمل الأدبي يستنفذ أغراضه، ويتحول بالتأويل إلى سلعة استهلاكية. فما هي وظيفة التأويل لو كان هدفه الوحيد هو استخراج المعنى وترك محارة خاوية؟

من خلال استعراض هذه الحالة، يريد "إيزر"أن يلفت الانتباه إلى أن مهمة الناقد كانت تتجاوز الحدود، فقد كان ينساق وراء التأويل لاستخراج المعنى ومحاولة تجسيمه وتشييئه لكي يصير في متناول جميع القراء، غير أن هذا العمل يسيء إلى الأدب أكثر مما يستحثه على الخلق والإبداع، وبهذا الخصوص يرى عبد الله الغذامي أن النقد لم يعد مجرد تعليق على ما حدث، ولكنه صار فعالية عقلية، وهي ما يحدده "جولندر"بقوله: "إنها القدرة على تحول المسلمة إلى إشكالية، وعلى أن تبرز للملاحظة ما كان من قبل عاديا وتحول المصدر إلى موضوع، وتمتحن الحياة التي تحياها امتحانا نقديا، وهذه النظرة للعقلية تضعنا في موضع القدرة على التفكير حول تفكيرنا".كما أن "إليوث" يرى أن الناقد لا ينبغي أن يلجأ إلى القهر، ولا يجب أن يصدر أحكاما "بالسلب أو الإيجاب" بل عليه أن يوضح أن القارئ سيصدر الحكم الصحيح بنفسه". [12]

التلقي والنقد الأدبي:

الأدب والنقد صنوان يتلازمان في الأدباء كما يتلازمان في النقاد، فالموهبة تكون في الأديب كما تكون في الناقد ولا فرق، إلا أنها موجبة في الأول سالبة في الثاني، فهي في الناقد آلة تبصر، وترجمان الحدس (intuition)أو الرؤية(vision)بلغة كروتشه، فكل ناقد يحمل بين جنبيه أديبا مادام الناقد موكلا بالأدب أو الفن، فالناقد اللغوي والناقد النفسي أو المذهبي يستخدمون القواعد أو القوانين لقياس النقد، ويزيفونه على محكها، وهم إذ يفعلون ذلك يدعون أنهم أمس رحما بالأدب.

ولا يختلف الأمر عن أصحابهم إذا استظهروا لك سمة من سمات النفس أو دلالة من دلالاتها، ولا إذا وقعوا بك على ظاهرة من ظواهر الجمال أو قيمة من قيم الاستاطيقا(Esthétiques)، فأولائك أعجز بقواعدهم وقوانينهم أن ينفذوا إلى باطن الأدب، ويقعوا بك على صلب الجمال.[13]

وتلك هي طبيعة المعايير، لا تستطيع أن تقيس بها غير ظاهر الأشياء وهذا هو مصدر العيب في هؤلاء النقاد، يقول تودوروف في كتابه "نقد النقد": لقد ماتت البنيوية السطحية الظاهرية، وبقيت البنيوية الحقيقية والواقعية بقيت البنيوية كمنهجية دقيقة في الكشف والبحث بقي الشيء الأساسي فيها وزال ما هو زائف من صراخ وادعاءات فارغة[14].

الملاحظ أن تودوروف يولي اهتماما كبيرا للبنيوية باعتبارها أداة تهدف إلى تحويل الدراسة الأدبية إلى موضوع ملموس يتجلى في العناية بالأدب لا بالهوامش التي تحيط به كحياة الأديب أو الوسط الثقافي والاجتماعي ذلك بأن الجمال الأدبي كامن في الاتساق الداخلي أو الانسجام المعنوي الجامع لأطراف القول أو التعبير، أي في نمو العمل الأدبي أو (ديناميكيته) يقول الدكتور محمد أحمد حوفي:"وظيفة الفن في نظر شوبنهور هي فصل الشكل أو القالب عن المادة لا أن يحكي الشكل والمادة معا حكاية صحيحة محكمة، لأنه موكل بالصور الباقية والنماذج الخالدة لا بالكائنات التي توجد في الحياة مرة واحدة ثم تمضي، فالمصور الذي يصور إنسانا لا يعنيه من ذلك أنه فرد معين، ولكن الذي يعنيه أنه قالب يصلح أن يكون نموذجا لأفراد كثيرين أو للنوع كله، وهذا النموذج هو الذي يأخذه المصور ويفصله عن مادته ليمثله مستقلا عنها في تمثال أو صورة أو قصيدة.[15]

لابد إذن من التفريق بين الناقد الأدبي، وهؤلاء اللغويين أو البلاغيين والجماليين، فاللغة أو البلاغة والجمال بين يدي هؤلاء غايات في أنفسها، فالناقد الأدبي إذا شارك الأديب موهبة "الرؤية" فإن الخلاف بينهما ينحصر في العمل والوظيفة، فالناقد قادر على الرؤية عاجز عن التعبير.

إذا كنا نتابع الحديث عن هدف الأدب، فينبغي لنا أن نحترز من التفسير الخطأ الذي درجنا عليه في اعتبار غاية الفن مسألة نفع أو قضية فائدة...بل ينبغي أن نؤمن بأن الفن خلاف ذلك وظيفته الكشف عن الحقيقة في أشكال فنية محسوسة، والتوفيق بين التناقض في الإحساس والعقل، أو بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون أو بين الرغبة والواجب.[16]

فالكتابة ليست للعبرة أو لنقل التجربة أو مراعاة الذوق العام، وليست فعلا يدفع إلى التحريض أو التعبئة، بل هي في حد ذاتها غاية لا وسيلة، أو هي فعل عصيان ورفض أو مكاشفة جارحة.

أما ما يعطي وزنا لعلاقة الكلام بالكتابة ويساهم في تحقيقها هو فعل القراءة في علاقته بالكتابة ذلك أنها تستدعي القراءة تبعا لعلاقة ستسمح لنا بإدخال مفهوم التأويل، ويتولد عن فعل القراءة هذا قضايا لها أهميتها في تحديد مفهوم وعالم النص، لعل أبرزها مفاهيم الفهم التأويل والتفسير كما أن مقولة النص، بوصفه كل خطاب تم تثبيته بواسطة الكتابة تستوجب في نظر ريكور ضرورة إحداث تجديد في مقولتي التفسير والتأويل ويقتضي هذا التجديد وضع تصور يستبعد التعارض والتناقض الذي ساد العلاقة بين المقولتين مقابل البحث عن تكامل جزئي ومتبادل بينهما[17]

وبما أن أهم شيء في قراءة العمل الروائي هو ذاك التفاعل بين بنيته ومتلقيه، إذ أن دراسة العمل الأدبي يجب أن تهتم ليس فقط بالنص الفعلي، بل بالأفعال المرتبطة بالتجاوب معه."فالنص ذاته لا يقدم إلا (مظاهر خطاطية)يمكن من خلالها أن ينتج الموضوع الجمالي للنص بينما يحدث الإنتاج (الفعلي)من خلال فعل التحقق"فيكون بذلك للعمل الإبداعي قطبان، أحدهما جمالي والثاني فني الأول هو نص المؤلف والثاني يرتبط بما ينجزه القارئ، فالعمل لا يجب أن يكون في أحد منهما بل أن يتموضع في مكان بينهما، والتفاعل بين الاثنين يؤدي إلى زرع الحيوية والحركية في النص الأدبي حسب إيزر.

إلا أن هناك من يضعف دور القارئ بحجة أن ذاتية القارئ من صنع القراءة والنص، حاملة لانتظارات وتوقعات تمكن القارئ من تلقي النص، فلم يعد الأمر يتعلق في التأويل بإعطاء أولوية للذات القارئة على النص، فسوف لن يفيدنا في شيء أن نعوض مغالطة قصدية بمغالطة عاطفية، فالتفاهم هو التفاهم أمام النص ومن خلاله يمكننا تلقي شروط ذات أخرى مغايرة للأنا التي تأتي إلى القراءة.[18]

أما التعامل النقدي للقارئ مع التجارب الروائية مثلا قد انطلق من اعتبار الرواية عملا فنيا لا شريحة من الحياة أو الواقع، وأن الصياغة الفنية تعني أكثر مما يعني المحتوى، ولهذا كان الاهتمام منصبا على البحث عن الفنيات والتقنيات والأساليب واستخلاص الدلالات الفنية والجزئية والمبادئ والقيم الجمالية الكامنة في ثنايا التفاصيل البنائية والتشكيلات اللغوية، وهو بحث مضن لاسيما إذا أخذ المرء بعين الاعتبار جدة هذه التجارب وخصوصية منطقها الفني.

إن الناقد يتخذ من أي عمل أدبي نقطة انطلاق تعتمد عليها كل العناصر المكونة لتشكيله، لذلك فهو يرفض استخدام التشريح في عمله لأن التشريح يعتمد على دراسة كل عنصر منفصل عن الآخر، وبذلك يحول العمل الحي إلى أشلاء ميتة، في حين أن التحليل يقوم بدراسة الجزء في ضوء الكل والكل في ضوء الجزء مع تحليل مدى الارتباط العضوي والتجاوب الحي بينهما متخذا منهجا يحدده إيمانه العميق بالوجود الموضوعي للنص وبصلابة هذا الوجود بعد أن أوشك أن يتبدد في زوبعة الخطابات النقدية التي تعصف به من كل جانب، والإيمان أيضا بأن أفضل المناهج هو الذي يلائم النص نفسه دون أوهام حول الاستقلال المطلق للنقد أو لمنهجه، فاستقلال المنهج النقدي استقلال نسبي لا ينفصل عن مناهج العلوم الأخرى[19]، وثمة باستمرار ضرب من التمازج المعرفي بين مناهج النقد نفسها، وبينها وبين المناهج الأخرى.

لقد نشأ اتجاه قديم في النقد الروائي يحلل مضمون الرواية كما لو كانت دراسة اجتماعية أو إنتاجا مكتوبا ليس له شكل محدد حيث إن "الفنان إذ يجد نفسه مواجها بواقع معقد، متداخل العلاقات، لا يجد بدا من تفحص أدواته ومدى قدرتها على خلق هذا الواقع خلقا جماليا جديدا، حتى لا يكون فنه مجرد انعكاس لما يدور في هذا الواقع، بل إبداعا جديدا، يومئ ويشهد لكنه -في ذات الوقت-يفجر ويشارك في فعل التغيير".

إن النظرية النقدية ليست هدفا في حد ذاته ولكنها مجرد وسيلة لبلوغ أقرب درجة من درجات استيعاب العمل الفني وتذوقه، ومن النادر أن يكرس الناقد قلمه تماما من أجل إعلاء شأن النظرية النقدية التي ينادي بها، فعند تطبيقها على الأعمال الفنية المختلفة سيكتشف أنها غير قادرة على احتواءها تماما، وخاصة إذا كانت النظرية قائمة أساسا على فكرة سيكولوجية فقط، أو أخلاقية، أو شكلية، أو تاريخية أو سياسية، أو اجتماعية، أو حتى كل هذه الأفكار مجتمعة، وشيوع الخطاب النقدي والمحاضرات والمناظرات عمت مفاهيم أخرى في مرحلة ما بعد الستينيات ساهمت في تشكيل أفق انتظار جديد كانت منها خلق علائق مختلفة بين أفق الكتابة وبين أفق القراءة، بحيث حدثت قطيعة إبستمولوجية، تمكنت من خلالها فئة من المثقفين المعاصرين مثل "بارت" و"كريماس" و"باختين" و"ياوس" عقد تعايش غير سلمي مع من سبقوهم من النقاد تتأسس على إثره أفق انتظار فئة من القراء، تماشيا مع وعيهم بالفرق بين التجريب النصي والتجربة الواقعية[20] فمقياس النجاح أو عدمه حسب الأستاذ عبد المجيد الحسيب لا يكمن فقط في الجنوح نحو تجديد أو تجريب أشكال جديدة أو المتح من التراث أو اللعب المجاني باللغة وغيرها من المظاهر التي أضحت تقليعات الجيل الجديد، وإنما في المتعة التي يمكن أن تحققها هذه النصوص فعندما تقرأ أكثر من نص في مجموعة ما ولا تحس إلا بالضجر والملل بسبب جفاف النص وخلوه من الماء، فهذا في نظره دليل على خلل ما، ويقول أنه ليس نكوصيا أو ضد التجريب والتجديد، ولكنه مع التجديد المبدع والخلاق الذي يرج المتلقي ويبعث فيه الدهشة ويربك حواسه ويحرضه على القراءة، أما أن تغدو قراءته لنص ما وكأنه يتجرع مشروبا مرا فهذا دليل على أن الأشياء لا تبعث كلها على الاطمئنان والرضى عن الذات.[21]

واضح من خلال هذا النص أن إحدى الخصائص البارزة لهذا اللون من الممارسة النقدية، الإيمان القوي بقيمة الأدب، والسعي انطلاقا من هذا إلى خلق رغبة لدى القراء العاديين والمتخصصين-على قدم المساواة-لقراءة وتذوق المدهش والأصيل والعميق في النصوص الأدبية، بل والتحريض بهدوء على المرور من النص النقدي إلى النص المنقود من أجل قراءته ومشاركة الناقد في تذوقه.

أخيرا لابد أن نؤكد عملية القراءة لدى القارئ هي عملية تذوقية فنية لجماليات النص كما هي عبارة عن سفر ثقافي وفكري بين السطور للعالم الذي يؤثر في المبدع ويتأثر به، كما أنها ذات بعد ثقافي يفتح المجال أمام العقل النقدي للبحث في العلاقة المعقدة بين تاريخ الإنسان وتقاليد النص، أو بين تقاليد الإنسان الاجتماعية وتقاليد النص الأدبية. كما أن كل قارئ يتناول العمل الأدبي من منطلقات خاصة، مما يجعل القراءة فعلا مختلفا ونشاطا متجددا بتجدد القراء، هذا الفعل الحركي الذي يقوم به القارئ يجعل العمل الأدبي يتحرك في علاقة بحركة نفسه أيضا، لان الموقع الفعلي للعمل يقع بين النص والقارئ، إذ أن من الواضح أن تحقيق التفاعل هو نتيجة للانصهار بين الاثنين.

 

جودة عمراوي

باحثة من كلية الآداب سايس فاس

.......................

المصادر والمراجع

أمبرتو إيكو، القارئ في الحكاية، نقلا عن محمد خرماش، "فعل القراءة"، مجلة علامات، العدد10ص:55

ولفغانغ أيزر"فعل القراءة"، ترجمة عبد الوهاب علوب، المجلس الأعلى للثقافة ص40:

عمار بلحسن، "قراءة القراءة"، مدخل سوسيولوجي، -دفتر رقم3، ج1 جامعة وهران1992، ص22:

عبد الله إبراهيم"السرد والتمثيل السردي في الرواية العربية" جامعة قطر مجلة علامات العدد 16 ص 4:

جمال بوطيب "السردي والشعري"منشورات مقاربات سلسلة دراسات الطبعة2، 2009ص 21-20:

رشيد بن حدو "من قضايا التلقي والتأويل"منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة ندوات ومناظرات، رقم36 سنة1995 ص: 69

ميشال بوتور"بحوث في الرواية الجديدة"ترجمة فريد أنطونيوس، ط 1 أبريل1971 ص 13:

شكري محمد عياد "دائرة الإبداع"مقدمة في أصول النقد، شركة دار إلياس العصرية، القاهرة جمهورية مصر العربية، ص 159:

حميد الحميداني "الفكر النقدي الأدبي المعاصر"منشورات مشروع "البحث النقدي ونظرية الترجمة"الإصدار السابع، ط 1سنة2009 ص 171:

عبد الله بريمي "السيرورة التأويلية في هرمينوسيا هانس جورج غاداميروبول ريكور، دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة ط ;1 2010ص 226:

بول ريكور "نظرية التأويل"الخطاب وفائض المعنى ترجمة سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي ط ;22006ص 130:

محمد كريم "نظرية التلقي في الرواية المغاربية" مجلة ضفاف العدد1، يناير 2002 ص 108:

حلمي مرزوق"النقد والدراسة الأدبية"دار النهضة العربية للطباعة والنشر -بيروت1982، ص9:

مركز الإنماء القومي"الفكر العربي المعاصر"مجلة العلوم الإنسانية والحضارية العدد34 ربيع 1985ص 26:

محمد أحمد حوفي"أضواء على الأدب الحديث"دار المعارف ط1981 ;2ص 250:

حلمي مرزوق "النقد والدراسة الأدبية"، مرجع سابق، ص: 52

عبد الله بريمي "السيرورة التأويلية في هرمينوسيا هانس جورج غاداميروبول ريكور، دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة ط ;1 2010ص 224:

عبد الله بريمي "السيرورة التأويلية في هرمينوسيا هانس جورج غاداميروبول ريكور ;مرجع سابق ص228:

وهب رومية "الشعر والناقد من التشكيل إلى الرؤيا"سلسلة عالم المعرفة العدد331 سبتمبر2006 ص 13:

رشيد بنحدو "من قضايا التلقي والتأويل"مرجع سابق، ص 69:

عبد المجيد الحسيب "علامات من السرد المغربي"منشورات مجموعة من الباحثين الشباب في اللغة والآداب، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، مكناس، مطبعة أنفوبرانت ص 4:

الهوامش

[1] أمبرتو إيكو، القارئ في الحكاية، نقلا عن محمد خرماش، "فعل القراءة"، مجلة علامات، العدد10ص: 55

* مدرسة كوستنس نسبة إلى مدينة تقع في أقصى جنوب ألمانيا على بحيرة كوستنس على الحدود مع سويسرا، وهي تدعو إلى نوع من الربط بين علمي الجمال والتأويل وبين التقليد والتجديد في علاقات الإنتاج والتلقي والاتصال رائدها ياوس وإيزر .

[2] ولفغانغ أيزر"فعل القراءة"، ترجمة عبد الوهاب علوب، المجلس الأعلى للثقافة ص40:

[3] عمار بلحسن، "قراءة القراءة"، مدخل سوسيولوجي، -دفتر رقم3، ج1 جامعة وهران1992، ص22:

[4] عبد الله إبراهيم"السرد والتمثيل السردي في الرواية العربية" جامعة قطر مجلة علامات العدد 16 ص 4:

[5] جمال بوطيب "السردي والشعري"منشورات مقاربات سلسلة دراسات الطبعة2، 2009ص 21-20:

[6] رشيد بن حدو "من قضايا التلقي والتأويل"منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة ندوات ومناظرات، رقم36 سنة1995 ص: 69

[7] ميشال بوتور"بحوث في الرواية الجديدة"ترجمة فريد أنطونيوس، ط 1 أبريل1971 ص 13:

[8] شكري محمد عياد "دائرة الإبداع"مقدمة في أصول النقد، شركة دار إلياس العصرية، القاهرة جمهورية مصر العربية، ص 159:

[9] حميد الحميداني "الفكر النقدي الأدبي المعاصر"منشورات مشروع "البحث النقدي ونظرية الترجمة"الإصدار السابع، ط 1سنة2009 ص 171:

[10] عبد الله بريمي "السيرورة التأويلية في هرمينوسيا هانس جورج غاداميروبول ريكور، دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة ط ;1 2010ص 226:

[11] بول ريكور "نظرية التأويل"الخطاب وفائض المعنى ترجمة سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي ط ;2 2006ص 130:

[12] محمد كريم "نظرية التلقي في الرواية المغاربية" مجلة ضفاف العدد1، يناير 2002 ص 108:

[13]  حلمي مرزوق"النقد والدراسة الأدبية"دار النهضة العربية للطباعة والنشر -بيروت1982، ص 9:

[14] مركز الإنماء القومي"الفكر العربي المعاصر"مجلة العلوم الإنسانية والحضارية العدد34 ربيع 1985ص 26:

[15] محمد أحمد حوفي"أضواء على الأدب الحديث"دار المعارف ط1981 ;2ص 250:

[16]  حلمي مرزوق "النقد والدراسة الأدبية"، مرجع سابق، ص: 52

[17] عبد الله بريمي "السيرورة التأويلية في هرمينوسيا هانس جورج غاداميروبول ريكور، دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة ط ;1 2010ص 224: 

[18] عبد الله بريمي "السيرورة التأويلية في هرمينوسيا هانس جورج غاداميروبول ريكور ;مرجع سابق ص228: 

[19] وهب رومية "الشعر والناقد من التشكيل إلى الرؤيا"سلسلة عالم المعرفة العدد 331 سبتمبر2006 ص 13:

[20]رشيد بنحدو "من قضايا التلقي والتأويل"مرجع سابق، ص 69:

[21] عبد المجيد الحسيب "علامات من السرد المغربي"منشورات مجموعة من الباحثين الشباب في اللغة والآداب، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، مكناس، مطبعة أنفوبرانت ص 4:

 

 

عدنان عويدتأثير المجتمع الاستهلاكي على البنية النفسية للفرد والمجتمع:

ان ما توصلت إليه العلاقات الرأسمالية المعاصرة، من تدمير للبنية الاقتصادية والاجتماعية تحت شعار "المجتمع الاستهلاكي" استطاعت أن تمد جذور التدمير هذه إلى نسيج النفسية الإنسانية، وهذا أمر طبيعي، إذ أن من أبرز سمات هذا النظام في صيغته الاحتكارية، هو تذوب حرية الفرد وتشييئه. فالإنسان هنا لم يعد المقياس الذي تقاس إليه كل الأشياء، بل على العكس تماما، لقد أصبح يقاس هو نفسه من خلال تبعيته للآلة البيروقراطية في المجتمع البرجوازي المعاصر، فأمام هذه الآلة لم يصمد الحصن الأخير للشخصية ذات التفكير (الحر) في مجال الابداع الروحي الذي يشمل العلم والفلسفة والفن... إلخ فبعد سيطرة العلاقات الاحتكارية على كامل الوجود الاجتماعي للناس، راحت بدورها تسعى إلى اخضاع إرادة وإدراك الإنسان كليّة، وجعله أداة طيّعة بيدها. فقد عملت قبل كل شيء على تغيير اهتماماته، من حيّز الابداع، إلى حيّز الاستهلاك، وذلك من خلال التضييق الأقصى لإمكاناته في مجال النشاط العلمي، إلى التضخيم الأقصى المصطنع لغرائزه الاستهلاكية، التي تأخذ طابع الحاجة إلى أشياء أصبحت رموزاً للثراء والسمعة الاجتماعية.

بكلمات أخرى نقول: انّ العلاقات الرأسمالية الاحتكارية راحت تؤكد وتروّج لروح الانجازات الفردية، لذلك، ومن المؤكد حتماً، أنّ التنمية القائمة في إطار هذا النموذج من العلاقات الاحتكارية، ستقوم على تقويض كل القيم الإنسانية العملية السابقة. أما أوّل تقويض تحقق في بنية المجتمع، فهو اضمحلال النظام العائلي الواسع، فالأسرة تقلّصت إلى جمع ضئيل من الكائنات الإنسانية تلتف حول شخص هو رب الأسرة، كما أن مجتمع العمل أصبح مركز التقاء استلاب ومنافسات لا حدود لها. فالقوي يأكل الضعيف، والفلاح انتزع من أرضه ليدخل المصنع تحت ضغط الكدح القاسي المباشر، والحانوت انتزع من قبل "السوبرماركت"، والصناعة الصغيرة صفعتها ريح التروست والكارتل والكونسيرسيوم، مجتمع الحرية والعدالة والمساواة الذي حددت ملامحه فلسفة عصر التنوير تحت شعار "العقد الاجتماعي"، تحول إلى مجتمع العبودية الرأسمالية، والظلم، والفقر، المتوحشين، والجلفين الخائفين والمقتلعين.

إنّ هذا الافساد رافقه أيضاً افساد للذهنية التقليدية في بنية المجتمع فالذهبية التقليدية تلك، المتمثلة بالتعاون، الحب، والألفة، والصداقة... إلخ، أفسدها المجتمع الاستهلاكي ليخلق بدلاً منها قيماً ذهنية جديدة، تعبّر أدق تعبير عن مجتمع مستلب، مخرب، مدمّر من الداخل، خارج عن القانون، أو ما يمكن تسميته "المجتمع المنعزل". الموجّه من غيره والمشكّل لمجموعة لا عضوية من الأفراد فاقدة القيمة، والذي تبرز فيه تلك الشخصية المستلبة المشيأة التي وصفها "بيير باسكالون" بأنها (نقيّة كيميائياً، ذرّة موحدة النوعية، منمذجة بلا لون، أو نتوء، فارغة، مغلقة على ذاتها، منفصلة عن الآخرين، فاقدة لروحها وماهيّتها، توجهها شعارات رخيصة، انها لا تفكر قط من نفسها تقريباً، فالجهاز الاذاعي والصحافة الرخيصة والدعاية هي التي تشكل ادراكها، والتلفاز هو الذي يشكل تاريخها).

ان انسان مجتمع (الاستهلاك) والحضارة الاستهلاكية، يبقى في المحصلة إنساناً مخدوعاً يعاني من الوحدة والسأم ويكابد كافة أنواع اللاشبع والحرمان، انّه حبيس وحدته، يعيش مجازفة مأساته الخاصة بجانب كائنات أخرى، لا يسعه معرفتها في زخم المدينة الكبيرة الضائعة من حوله، هذا وكثيرا ما تدفعه الوحدة والفراغ والسأم والغربة إلى الادمان والضياع أو إلى الانتحار.

تأثير المجتمع الاستهلاكي على البيئة الطبيعية:

إنّ طبيعة المجتمع الاستهلاكي القائم على تأمين أكبر قدر ممكن من الحاجات الاستهلاكية المنتزعة من عضويتها الاجتماعية، رافقته بالضرورة مضادات استهلاك على مستويات متعددة الأشكال والصعد، وخاصة الطبيعية منها. فلكون النمو الانتاجي الكبير، المتعدد الأشكال والاتجاهات، والملتهم بشكل نهم قسماً كبيراً من موارد الطبيعة، معادن، أخشاب، مياه، أكسجين،... إلخ، لذلك فإن كل توسع في الانتاج سيؤدي بالضرورة إلى توسع في إستثمار الموارد الطبيعية، ومن ثمّ تعرضها للنفاد، وفي المحصلة تحقيق حالة من الخلل وعدم التوازن البيئي الذي ياتي التلوث في مقدمتها. والتلوث كمفهوم: هو افساد غير مرغوب للصفات الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية للهواء والتربة والمياه، والذي من شأنه أن يهدد فعليا حياة الإنسان والأجناس الأخرى من الموجودات. أما التلوث الجوي، فانّه يأتي في مقدمة الخطر الأعظم على البيئة المحيطة بالإنسان، لما يرافقه من أمراض وإصابات.

إنّ تلوث الهواء يكلف الآن الولايات المتحدة أكثر من (4) مليار دولار سنوياً، وهو مبلغ يتضمن كلفة تنظيف الواجهات المسودّة بالدخان والأضرار اللاحقة بالضواحي والسطوح المعدنية بفعل الهواء المتلوث، وتذكر أيضاً بعض المصادر حول النفقات التي تصرف في هذا الاتجاه: انّ النفقات الضرورية لإعادة تصفية الهواء، مع أخذ النمو الصناعي بعين الاعتبار، قد بلغ في أمريكا نفسها خلال الفترة الممتدة حتى العام (2000) حوالي (100) مليار دولار. أما تنقية هواء لندن فتقدر كلفتها بـ(50) مليون جنيه سنوياً، تضاف إلى هذا المبلغ النفقات التي تصرف لشراء (جبري) لأجهزة تحدّ من بث مواد ملوثة، أو لمعالجة الاصابات، وتوسيع خدمات ودراسات التحليل الجوي... إلخ. أما تلوث المياه: فإن كلفة تطهير جميع الأنهار الفرنسية من التلوث على سبيل المثال، قد قدرت بـ(10) مليار فرنك فرنسي بينما كلفة محطات التطهير اللازمة حسب الخطة الخمسية الموضوعية في فرنسا فقد قدرت بـ"مليارين وستماية مليون" فرنك فرنسي، يضاف إلى ذلك نفقات الصرف الصحي. أما في أمريكا فقد قدرت الكلفة اللازمة للعملية نفسها بـ(10) مليار دولار حتى العام (2000).

أمّا ازدحام الطرقات الذي فرضته الزيادة المفرطة في وسائل النقل، فقد فرض نفقات باهظة لكل دول العالم تقريباً. وهذه النفقات تأتي دائماً في زيادة قوات الشرطة، وشارات المرور، وخدمة الاستشفاء بسبب الحوادث الناجمة عن السير... إلخ. هذا إذا ما أردنا أن نغفل التأثيرات الجانبية على حياة الإنسان وصحته، مثل اضطرابات السمع، والتهتك النفساني واختلال الجهاز العصبي، والاضطرابات النفسية... إلخ.

خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين، راحت الاحتكارات الكبيرة تمارس على نطاق واسع ما يسمى بـ"الاستعمار الايقولوجي" عن طريق استثمار شركاتها المتعددة الجنسيات للعديد من دول العالم النامي. فتذكر بعض المصدر بأنّ المساحة المغطاة بالغابات نتيجة للاستغلال اللاإنساني لها، أخذت تتقلص سنوياً بمقدار (18-20) مليون هكتار، وأنّ القسم الأعظم من هذه الخسارة يعود إلى حصة الغابات الاستوائية الرطبة في هذه القارات الثلاث، كما تذكر المصادر بأن (40%) من الغابات الموجودة في بداية الثمانينات ستزول بحلول العام (2000).

ومن الآثار البيئية القاسية والخطرة على شعوب هذه القارات الثلاث التي ولدتها الشركات الاحتكارية أيضاً، نشوء عمليات خطرة نوعيا على "البيوسفيرا"، التي أخذت تهدد الحياة على الكرة الأرضية قاطبة من حيث تجلياتها السلبية. هذا إذا ما أغفلنا الكثير من الممارسات اللاإنسانية التي تمارسها الشركات الفوق – قومية، ضد شعوب البلدان النامية مثل تصدير الصناعات الرثّة إليها، وجعل أراضيها مقابر لبقايا النفايات النووية وغيرها.

تشير بعض المصادر إلى أن هناك مناطق ومقاطعات في البرازيل أصبح العيش فيها خطرا مثل مقاطعة (كوتابيس) التي تسمى (منطقة الموت) حيث لم يعد وجود للحياة في أنهارها الأربعة، كما أنّ الأعشاب والأشجار لم تعد تنمو، بينما السكان تفشت بينهم أمراض نفسية لم تكن معروفة من قبل، ويولد الكثير من الأطفال ومعهم أمراض وعاهات جسدية بسبب منتجات البتروكيمياء والزجاج... إلخ. إذ يجرى سنويا بث (275) طنا من الغازات السامّة.

إنّ من يطلع الآن على اللوحة الجغرافية لدول القارات الثلاث النامية ليجد تلك الصورة المحزنة لما حل بهذه اللوحة الجميلة سابقاً، حيث ساد تفتت التربة، وانتشار المستنقعات والتصحر، وخراب للأراضي الزراعية، وزيادة في ملوحة التربة، وما يرافق ذلك بالمقابل من تدمير للبيئة الاجتماعية من جوع، وفقر، وأمراض، وأمية، وجهل... إلخ، كل ذلك يعود كما قلنا إلى التطبيق العملي لتلك الصرخة التي اعلنها "ساي أنتجوا": دون حدود فكان من وراء انتاجهم اللامحدود بزوغ وتبلور المجتمع الاستهلاكي فيما بعد بكل أبعاده وتجلياته.

 

عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية