علي المرهجلا أقصد هنا بالبناء العقائدي، ما تفرضه العقائد الدينية، أو الرؤى الأيديولوجية فقط، إنما هي خليط من هذا وذاك بفعل هيمنة أي منها (الديني العقائدي) أو (الأيديولوجي العقائدي)، مُضافاً لهما تأثير البيئة الاجتماعية التي ينشأ فيها الفرد، "التنشئة الاجتماعية" أو ما أسماه الوردي "القوقعة الاجتماعية" وهي قيود تفرضها تقاليد وعقائد وقيم وأيديولوجيا الجماعة التي تُغرس في ضمير الفرد منذ نشأته، فهي ليست ببناء عقائدي محض ديني، ولا ببناء عقائدي محض أيديولوجي، صنعته رؤى إنسان يوتوبي حالم أو واقعي ينهل من اليوتوبيا ببُعدها الحالم، وهي ليست محض قيم وتقاليد موروثة فقط.

إنها خليط عجيب من هذا وذاك يكون للجغرافية والمكان، أو البيئة ببعدها المناخي ومُتغيراته تأثيرها الفاعل في بناء الشخصية، ويبدو أننا نحن العرب أو الشرقيون لم نستطع التخلص أو الفكاك من هيمنة البناء العقائدي بكل تمظهراته الاجتماعية (السياسية والأيديولوجية)، بل والثيولوجية، التي انعكست سلباً في الحياة السياسية التي جعتنا ننوء بحمل الماضي و"الإنهمام" توظيفه، بل واستلهامه في بناء الدولة العربية والإسلامية التي لا علاقة بنظريات بناء الدولة الحديثة بالماضي ومورثاتنا التي تستقي ادارتها بأفضل ما يُمكن من خبث دُعاة بناء الدولة الإسلامية وفق نموذج "الأحكام السُلطانية". التي ليست هي بفلسفة تاريخ كما يظن أو يحسب بعض دارسي فلسفة التاريخ على ما فيها من بعد (حكمي)، إلَا أنه لا تعدو أن تكون وصايا لإدامة بقاء الحاكم على كُرسيه، وليست بناءاً لرؤية معرفية مُستمدة من الواقع واستشراف لمُستقبل أفضل يستقرأ الفكرون فيه مُتغيرات المُجتمع وتحولاته.

ربما يكون لابن خلدون (732م ـ 808م) فضل تنشيط الوعي بفلسفة التاريخ و"العمران البشري" وفضل سبق على مونتسكيو وتوينبي وشبنجلر في استقراء حركة التاريخ، وطرحه للتفسير الدوري لهذا التاريخ، الذي يمر بأدوار، أهمها: الطفولة، والصبا أو الشباب، والكهولة، وظنَ أن هذه مراحل "حتمية" لا بُد أن تمر بها أية حضارة، لمدة أقصاها مئة وعشرين سنة.

كان من اهتمامات ابن خلدون تأكيده على دور البيئة في بناء الوعي العقائدي والمعرفي، ولكن مع اختلاف الأدوار، فقد أكد على أن إعتدال المناخ وإضطرابه يؤثر في نفوس الأفراد.

وسيبقى في البناء العقائدي بأثر البيئة إقصاء للآخر، وفي البناء المعرفي إنتماء للخصوصية و"إنهمام" بدور الفكر في تنمية الوعي بمُتبنيات "الآخر" والإفادة منها، كما دعى إلى ذلك ابن رشد من قبل في النهل من علوم الأمم الأخرى وإن كانت مُغايرة لنا في الملَة، أو في المُعتقد، وقد تنبه لذلك د.حسن العبيدي في كتابه (جغرافية التفلسف).

لم يكن اشبنجلر (1880ـ 1936) مُتسقاً في رؤيته مع توينبي في موقف الأخير من الحضارة الغربية، فقد ذهب اشبنجلر إلى القول بـ "تدهور الحضارة الغربية" مُخالفاً في ذلك نظرة توينبي التي تؤمن بمركزية الحضارة الغربية، إلَا أنه أيضاً يؤمن بالتفسير الحتمي للتاريخ وفق رؤية ابن خلدون وتوينبي في الاعتقاد بأن للتاريخ بداية ونهاية، وكل حضارة ستمر بمراحل أساسية ثلاث هي: الطفولة، والشباب في نُضجه، والكهولة، أو الشيخوخة. فالحضارات بالنسبة لإشبنجلر كما الإنسان، هي كائنات حية، ودورة في الحياة تولد فيها حينما تستيقظ الروح، وتموت بعد أن حققت هذه الروح جُلَ ما تبتغيه في حياتها، الأمر الذي يعني كما ذهب إلى ذلك ابن خلدون وتوينبي من قبل أن لكل حضارة عمر أو زمن، كما الإنسان، والخاتمة هي الفناء أو الموت.

رغم أن أرنولد توينبي (1889ـ 1975) يؤمن بمركزية الحضارة الغربية ودورها، إلَا أنه يُشابه ابن خلدون في تفسيره الحتمي للتاريخ، وتحديده لأدوار تمر بها الحضارة من النشوء إلى الارتقاء وصولاً إلى الأفول والانحلال.

وقد تشابه توينبي مع ابن خلدون في تأكيد الأخير على مفهوم البيئة، وفق نظريته في "التحدي والاستجابة"، فللبيئة تحدياتها التي تفرض رؤية تستدعي الاستجابة، على قاعدة لكل (فعل ردَ فعل)، فظروف التحدي تستدعي ايجاد سُبل جديدة يُسميها شبنجلر "الاستجابة".

نجد في كل الحضارات التي اهتم بدراستها توينبي، بدءاً من الحضارة العراقية القديمة مروراً بالحضارة الفرعونية (المصرية) القديمة، والحضارة اليونانية، ومن ثم الحضارة الإسلامية، يتخذَ من عاملي البيئية والجُغرافية أساساً لفهم طبيعة تقدم الحضارات وأفولها.

وضع توينبي الأديان في مكانة تجعلها سبباً في منح الشعوب فرصة أمثل للارتقاء ـ حسب ظنه ـ لأنها ساعدت البشرية على الخلاص من سطوة النزعة المادية، وهو في هذا الرأي لا يختلف كثيراً عن ابن خلدون، رغم نزوع ابن خلدون للتفسير الاجتماعي للدين، ونزوع توينبي للبعد الروحاني للدين الذي لم يغب عن ناظري ابن خلدون، ولكنه وجد في عصبية الدين ما يؤثر على بُعده (الجواني) في الانقاذ.

لم أكن أروم في مقالي هذا شرح نظريات فلسفة التاريخ وتفسيرت فلاسفتها الحتمية، بقدر ما كان همَي تأكيد دور البناء العقائدي في تأطير الرؤية الإنسانية للوجود والعالم والحياة لأن همَ الفلسفة هو كسر القيود وفكَ هذه الأطر التي صيَرها هؤلاء الفلاسفة التاريخانيون ـ بعبارة بوبرـ في كتابه (عُقم المذهب التاريخي) أو (بؤس التاريخانية) على أنها تفسيرات حتمية تحكم حركة التاريخ ولا مناص لنا للفكاك منها أو الخلاص من رؤاهم المُؤطرة بـ "أسيجة دوغمائية" ـ بعبارة محمد أركون.

يؤكد بوبر في كتابه هذا على أن الإيمان بتفسير حتمي للتاريخ رداً على الماركسية، لا يعدو أن يكون مُجرد خُرافة، لأن التاريخ هو سجل لأحداث الماضي، ولكنه يتأثر بنمو المعرفة العلمية والإنسانية، ولا يُمكن لنا بأي حال من الأحوال أن نضبط قرائتنا للتاريخ كي تكون كالعلوم الطبيعية في تطورها المعرفي، وكل مُحاولة لفرض رؤية لا قيمة علمية لها، على ما في العلم من تغيَر، إنما تُعدَ انتهاكاً صارخاً لقيمة العلوم التجريبية في حال ربط حركة التاريخ بها، أو توقع إنعكاس التاريخ على الحاضر أو المُستقبل رغم مُغايرة ما في المُستقبل بكل ما فيه من ديناميكية وسرعة في تغير وتقدم العلوم التقنية والمعلوماتية والإحيائية ما لا ينطبق بأي حال من الأحوال على حوادث التاريخ في "المُطابقة" بقدر ما يتعارض مع هذه الأحداث في "الاختلاف".

يكتب لنا بوبر كتاباً بعنوان "المُجتمع المفتوح وأعداؤه" ليشرح فيه وينقد في الوقت ذاته رؤى دُعاة الحتمية التاريخية وتهالك مُتبنيات أصحابها، لأنها بصريح القول فرضيات لم تصمد أمام "التفنيد" أو "التكذيب" الذي يتخذ منه بوبر منهجاً لقبول فرضية أو رفضها، وبالتجريب المُتحقق حياتياً وبتلمس وبعد تطبيق وممارسة لرؤى القائلين بالحتمية التاريخية تبيَن لنا خطأ وخطل مُتبنياتهم، وأن التاريخ لا تحكمه رؤية عقائدية أو أيديولوجية واحدة، ولا نهاية للتاريخ، إنما النهاية يكتبها "الدوغمائيون" لفكرهم، فلا مقبولية لفكرة الخلاص التي يتبناها هؤلاء ولا بقاء لها ولا استمراية، لأنها فرضية لا تصمد أمام النقد و"التفنيد"، لذا يطرح (بوبر) رؤيته الفلسفية النقدية لطرق التفكير ضد من يعيشون "أسطورة الإطار" ويظنون بأن رؤاهم أو أطرهم الفكرية إنما فيها الحل الأمثل والناجع لتحقيق "مُجتمع أفضل".

المُجتمع المُغلق الذي خلقه دُعاة (الشمولية) من الذين يتبنون التفسير الحتمي للتاريخي الذي يُصيَرُ الناس فيه وكأنهم "قطيع" لا دراية لهم ولا علم، إنما هُم يسيرون بهدي "الوصاية" و"الهداية"، فلا تنافس في مجتمع مثل هذا، لأنه مُجتمع "سكون" و"انتظار" لخروج هادي ومُخلص، فيما نجد في "المُجتمع المفتوح" فرص أكبر لتفعيل الفكر وحيويته، واتاحة للفرص وفق مبدأ التنافس في العمل وإنتاج ما هو أفضل، فالعقل حُر لا تقييد لإبداعه، والنقد ففيه سمة وخاصية لأفراده، على قاعدة (أن ليس للإنسان إلَا ما سعى)، و(لا تزر وازرة وزرة أخرى)، و(كل نفس بما عملت رهينة)، وهذه هي من مناط الحرية الفردية والمسؤولية الوجودية للإنسان عن نفسه وعن الآخرين في هذه الحياة وفق مبدأ الصراع والتنافس الذي يرنو دعاته لتنمية المعرفة العلمية شحذ الذهن والعقل للعمل على الخلاص ليس بالاستعاننة بآخر قادم من عالم ميتافيزيقي (غيبي)، بل بالاعتماد على مهارات العقل الإنساني في تحقيق الخلاص في عالمه الأرضي باندكاكه بالواقع واقتحام عوالمه الخفية بالاعتماد على الذات على قاعدة أن "الحُرية لا تُعطى إنما تؤخذ".

الفضاء المعرفي فضاء حُر لا مكان فيه لمن يُقيد عقله، في متبنيات أصحابه مقبولية للرأي الآخر وتشكيك بقدرة الإنسان على إمتلاك الحقيقة، ولكن أصحابه شغوفون بالمعرفة و"البحث عن اليقين" للعيش في عالم أفضل، ولكنه ليس عالم للفردوس، إنما هو عالم للتعايش وقبول للآخر (المُغاير) لا تفضلاً ومكرمة بل إنها طبيعة وجود إنسانية تفرضها التحديات والمُتغيرات...

عالم الفردوس يصنعه دُعاة عقيدة الخلاص، وعالم التعايش يصنعه الأحرار الذين يعترفون بأن التاريخ لا نهاية لحركيته و(دينامكيته)، وكل ما جاء في أطروحة (فوكوياما) حول (نهاية التاريخ) إنما هي "اعتراف" منه بأن أحداث التاريه لا تنقطع إنما مقبولية المجتنع لفكرة (التعددية) والإيمان بالليبرالية بأنها الحل الأنجع للعيش معاً هي التي تُشكل نهاية التاريخ) لرؤى دُعاة الحتمية التاريخية..

 

ا. د. علي المرهج – أستاذ فلسفة

 

محمود محمد علينعود للجزء الثاني من مناقشة بحث "أندرو ماك عن "لماذا تخسر الدول الكبري الحروب؟، حيث يمكن القول بأن دراسة "أندرو مارك" كان لها تأثير كبير علي صناع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث نبهتهم إلي تغيير استراتيجيات وتكتيكات نمط الحروب، إذ بدأوا يلجأون إلي نوع جديد من الحروب، وهو الحرب بالوكالة أو ما يسمونها حروب الجيل الرابع، وهي حروب تستهدف تحطيم القدرات العسكرية عن طريق نشر الفتن، والقلاقل، وزعزعة الاستقرار، وإثارة الاقتتال الداخلي، بحيث تقوم تلك الحروب على تفتيت الأمة من الداخل، فالجيش ينقسم على نفسه، والشرطة والقضاء تكون ضد الجيش وضد بعضه ؛ أي عملية شرذمة للجميع واقتتال داخلي بحيث تنهار الأمة من الداخل.

ومن هنا حروب الجيل الرابع هي عبارة عن استراتيجية تم وضعها خصيصا لإفشال الدول، ويتم تنفيذها ببطء عبر العمل على إنهاك الدول المستهدفة، والنخر فيها من الداخل إلى أن تتآكل وتصاب بالعجز، وينتهي بها الأمر إلى الركوع والخضوع، لإرادة وهيمنة الدولة المستهدفة. لذلك حرب الجيل الرابع يعرفها الخبراء، بأن من ضمن أهدافها، إشعال الفوضى في الدولة المستهدفة، لتتحول إلى دولة فاشلة، يسهل زعزعة استقرارها، وإن حرب الجيل الرابع لا يمكن إشعالها، إلا باستخدام وكلاء محليين، ويكون ذلك إما بترتيبات للتعاون مع قوى خارجية، سواء عن وعي بما تريده هذه القوى، أو أن تكون المنظمة الإرهابية جاهلة بالهدف الحقيقي للجهات الأجنبية، وغافلة عن أن ما تفعله، يخدم في النهاية هدفاً استراتيجياً أعم وأشمل، وأن هذه المنظمات مجرد أدوات للتنفيذ .

ويستخدم في هذه الحروب ما يُعرف بحرب المعلومات وتعتمد على شقين : الأول دفاعي يحمى أنظمة الدولة، والثاني هجومي مُوجه ضد أنظمة الدولة المعادية، وتستخدم الحرب، والعمليات النفسية، والاستخبارات، ومهاجمة الوسائط، والهاكرز، وأعمال التجسس، وزرع العملاء إلي أن يتكون مناخ عدائي بين أطراف الأمة ومؤسساتها ونسيجها الوطني ليبدأ الصراع الداخلي.

كما أن حروب الجيل الرابع تمثل “حالة من الحرب تمتاز بدمويتها وطول مدتها وتعدد جبهاتها، ويصعب فيها التفريق بين المقاتلين وغير المقاتلين، والجندي، والمدني، والسياسي، والحرب”، وهناك من يعتبرها ” حرباً تقوم إرغام العدو على تنفيذ إرادتك – أي حرب بالإكراه، والإكراه يقوم على مصادرة إرادة الخصم بغض النظر عن الوسائل، والأساليب، والأدوات المستخدمة في الوصول إلى هذه النتيجة، لذلك يمكن الوصول إليها دون حاجة إلى استخدام جيوش وأسلحة وقوات كبيرة ؛ بمعنى أنه يمكن الوصول إليها دون اللجوء إلى استخدام النيران والسلاح “.

فمنذ نهاية حقبة الرئيس بوش الابن، بدأ الحديث عن جيل جديد من الحروب، يغنى عن الجيوش والطائرات والمدافع، حيث يتم تسخير إرادات الغير في تنفيذ مخططات العدو، ومع بداية القرن الحادي والعشرين، تحددت ملامح هذا الجيل في بعض دول أوربا الشرقية المعادية للولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك في بعض الدول في بعض البلاد العربية، حيث تم التخطيط لما يسمي بالثورات الملونة وثورات الربيع العربي، حيث تقوم الولايات المتحدة بالتخلي عن الأنظمة بعد العمل على إسقاطها شعبيا، واستباق الخروج المفاجئ لهذه الأنظمة في ثورات شعبية، تأتى بأنظمة وطنية لا تخدم المصالح الأمريكية، وتفجير هذه الثورات ودعمها، وفق حسابات دقيقة لتنصيب أنظمة جديدة لا تخدم الولايات المتحدة.

والغرض من هذه الثورات ليس إصلاح حال تلك الدول، وإنما هو زعزعة الاستقرار، وزعزعة الاستقرار لدولة ما له عدة أشكال وأنواع، كما يمكن الوصول إليه بعدة طرق، وأساليب تختلف عن بعضها البعض؛ ومن أبرز هذه الأشكال والأساليب؟

1- العمل على أن تصبح الدولة دولة شعوبية، حيث يمكن استغلال الاختلافات الدينية والمذهبية، والاختلاف في العرق والأصول والمنابت، من أجل تقوية إشعال فتيل وجذوة التعصب.

2- من خلال العمل على تحويل مناطق وأراضي الدولة المعنية إلى مسرح للجريمة من قتل، وخطف واغتيال، وقنص تقوم بها عصابات ومجموعات مسلحة ومتمردة، الأمر الذي يخل بأمن المواطنين ومؤسسات الدولة على اختلاف الدولة على اختلاف أنواعه، وينال من السلطة المركزية، وبالتالي فتح الطريق بسهولة أمام تحويل الدولة إلى دولة فاشلة .

3- يمكن استخدام بعض مواطني الدولة نفسها لتحقيق هذا الهدف، عبر تضليلهم وإغرائهم بالمال وتقديم السلاح لهم بعد تدريبهم عسكرياً وشحنهم بأفكار متطرفة وحاقدة، وهذا ما يغنى عن الحاجة إلى تحريك قوات نظامية أو جيوش أو قطاعات عسكرية من مكان إلى آخر، كذلك يمكن أن يشترك في هذه الأعمال من المواطنين: الرجال، والنساء، وحتى الأطفال.

4- يمكن استخدام ما يسمى بالطابور الخامس في هذا الإطار، وهذا الطابور هو الذي يملك استعدادات للتعاون مع أي جهة ضد دولته مقابل مكاسب معينة يحصل عليها مالية أو غيرها .

وعندما يتحقق مثل هذا الهدف المنشود تصبح الدولة فاشلة، وبالتالي تكون مهيأة للتدخل الخارجي بكل أشكاله ودرجاته السياسية، والاجتماعية، والثقافية، والعسكرية، والأمنية المخابراتية، حتى يمكن أن تكون مهيأة لما هو أكثر، لأن الهدف الذي يرتكز على شل إرادة الخصم، وجعلها غير قادرة على الاستقلال، وغير قادرة على امتلاء القدرة اللازمة لاتخاذ القرار الوطني المستقل، يجعلها فريسة للتدخل، والإملاء، وعرضة للارتهان للأجنبي أو بالأحرى للآخر .

إذن في مثل هذه الحالة التي يكون فيها المجتمع في أية دولة منقسما على نفسه، طائفياً أو عرقياً، ومذهبياً، ودينيا وتسوده الخصومات السياسية، والاختلافات المتعددة الأوجه، يكون الوصول إلى الدولة الفاشلة أسهل بكثير، ويقود بالتالي إلى إسقاط هذه الدولة بشكل نهائي.

كذلك توصف حروب الجيل الرابع بأنها تمثل حرب اللاعنف، وهي حرب يراد بها إسقاط الانظمة بلا سلاح مباشر عبر المظاهرات، والإضرابات، والاعتصامات، والعصيان المدني، وتعطيل سير الحياة اليومية، وإقامة حكومة بديلة، ومحاصرة المقرات السيادية للدولة واحتلالها سلمياً، هي حرب سياسية محضة، ليس فيها جانب عسكري حرب نجحت في أوروبا الشرقية وابتدأت في النجاح في الدول العربية، التي قامت فيها ثورات، لكن الأنظمة الدكتاتورية استطاعت تحويل وجهة هذه الحروب إلى الجيل الرابع (حروب الارهاب والحروب الأهلية).

ويعد الإعلام أهم أسلحة حروب الجيل الرابع على الإطلاق، وذلك باستخدام أجهزة الإعلام التقليدية مثل قناة الجزيرة أو تجنيد الإعلاميين أنفسهم لقيادة الرأي العام والتأثير عليه وغيرها من القنوات وأجهزة الإعلام الجديدة، مثل مواقع التواصل الاجتماعي، بهدف تشتيت الرأي العام، وتوجيهه والسيطرة عليه، والتجسس عليه ولاكتشاف من يمكن تجنيدهم كعملاء من خلال أفكارهم التي يطرحوها على مواقع التواصل، وقد تم تجنيد العديد من منظمات المجتمع المدني، والمعارضة، والعمليات الاستخبارية، لتشمل جميع الأدوات التي من شأنها زيادة النفوذ الأمريكي في أي بلد، لخدمة مصالح الولايات المتحدة الأمريكية وسياسات البنتاجون .

ولذلك تستخدم وسائل الاتصال المختلفة كإحدى أدوات حروب الجيل الرابع وما تلاه من أجيال، وتعمل الدول المُحاربة على تجنيد أكبر عدد من إعلاميي وصحفيي الدول المستهدفة، وممن يمتلكون القدرة على التأثير في الجهور وصناع القرار،وأصبح صناعة الخبر وبث الشائعات والفتن وتضخيم أحداث بعينها في مقابل تجاهل خبر آخر أمراً يسيراً، ويستغل الإعلام في التأثير على مواطني الدولة المستهدفة وكسب تعاطفهم مقابل التنفير من الحرب والنظام الحاكم، الأمر الذي من شأنه زعزعة أركان الدولة وجعل الإعلام أداة أكثر فتكاً من الجيوش العسكرية .

وازدات الأهمية التي تلعبها شبكات التواصل الاجتماعي في هذا الصدد، لتميزها بسهولة الاستخدام وسرعة الانتشار ومساهمتها في نشر الأفكار عالميا، وتوفير مادة معلوماتية – كتابة، أو صوت، أو صورة، أو فيديو – والتي قد تكون مغلوطة ومفبركة لتوجيه الأذهان، نحو قضية ما وكسب التعاطف، لصالح طرف بعينه،استغلت ولازالت تستغل الولايات المتحدة الأمريكية سيطرتها على الإنترنت وجميع وسائل التكنولوجيا الحديثة في إحكام قبضتها على العالم ومحاصرة من يعارض مصالحها، فأهم وأغلب محركات البحث، وشبكات التواصل الاجتماعي، والتطبيقات الالكترونية، ومشغلات الهواتف الذكية أمريكية الجنسية .

في كل ما تقدم من استنتاجات يمكن الجزم بأن أمريكا أصبحت من خلال الإعلام قادرة علي إسقاط أي دولة من خلال التكتيكات التالية:

1- أمريكا تسيطر علي وسائل الإعلام الجديد من الإنترنت، وشبكات التواصل الاجتماعي، وجميع وسائل التكنولوجيا الحديثة، حيث إن أهم محركات البحث الإلكتروني أمريكية، وجميع شبكات التواصل الاجتماعي أمريكية وجميع البرامج والتطبيقات الإلكترونية أمريكية وجميع مشغلات الهواتف الذكية.

2- أمريكا تتحكم وتسيطر علي أكبر المؤسسات الإعلامية التقليدية ووكالات الأنباء العالمية الرئيسية حول العالم حيث تتحكم في صناعة الخبر وتوجيهه أيضا.

3- أمريكا أصبحت النموذج العالمي للشباب، بواسطة السينما، والبرامج الفنية، وأصبحت النمط للحياة العصرية أو ما يسمي بــ (Life Style) .

4- أمريكا من خلال عولمة العالم حسب معاييرها ومقاييسها وقوانينها، أصبحت السلطة التشريعية للعالم أو بما يسمي العولمة، وبالتالي أخضعت المنظمات الدولية بما فيها منظمات الأمم المتحدة، ومنظمة التجارة العالمية، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي ..الخ – حسب مزاجها، وقوانينها، ومصالحها.

5- كل منظمات المجتمع المدني العالمية، انبثقت من أمريكا، وتخضع للقانون الأمريكي وتتصرف حول العالم حسب المعايير الأمريكية وقوانينه.

6- أمريكا تمول قوي المعارضة المختلفة حول العالم في أمريكا وخارج أمريكا وتستخدمها بمزاجها وحسب مصالحها وفي الوقت المناسب الذي تختاره .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

علي المرهجباستعارة واضحة ومُمميزة من عبدالكريم سروش يستخدم أحمد القبانجي مفهومي "الإسلام المدني" = (الدين العلماني) عند سروش، و(الإسلام الأيديولوجي) كمقابل لمفهوم "الدين الأيديولوجي" الذي أشار إليه سروش في كتابه "الدين العلماني" وهو ما استعاره أحمد القبانجي في تسميته لكتابه "الإسلام المدني".

في الإسلام الأيديولوجي (السلفي ـ الراديكالي ـ "الإسلام السياسي") يقتصر همَ القائمين عليه على استلام الحُكم وتطبيق الشريعة بغض النظر عن افرازات هذه الأعمال على روح الإنسان وتكامله المعنوي، فليس المهم هو التكامل المعنوي والأخلاقي للإنسان بل اقامة الجمهورية الحكومة الإسلامية التي تُطبق الشريعة وتهتم بظواهر الإسلام وظواهر الأعمال لا الباطن.

بينما تجد عند أصحاب الإسلام المدني سعي حثيث للالتزام بالقيم الأخلاقية والبهجة الباطنية والنزوع نحو احترام القوانين، ولا يُضمر أصحابه عداء للمُخالفين لهم في الرأي والدين والمذهب على وفقاً لقول ابن عربي:

لقد كُنت قبل اليوم أُنكر صاحبي

إذا لم يكُن دينه إلى ديني داني

وقد صار قلبي قابلاً كُل صورة

فمرعى لغزلان وبيتٌ لأوثــان

وديــرٌ لرُهبان وكــعبة طــائف

وألواح توراة ومُصحفُ قــرآن

أُدين بـدين الحُـب أنى توجــهت

ركائبـه أُرسـلت ديني وإيمــاني

وهذه الرؤية تقتضي أن يُجازي الله كل إنسان وفق ما توصل إليه من عقائد وأفكار وسلوكيات مع الأخذ بنظر الاعتبار تأثير عوامل البيئة والوراثة والتربية.

هنا يكون الدين ذا نزعة إنسانية تقبل التنوع "أرحب من الأيديولوجيا" بحسب عبدالكريم سروش ليكون الدين أداة بناء لا هدم، فالدين في فكر (الثوريين الراديكاليين) غايته التقويض والهدم، لأن أصحابها يعتقدون أنهم يمتلكون الحقيقة والتصور الحقيقي للدين!! لذا تجدهم جازمين حاسمين ييتخذون من الحلول الجذرية (المتطرفة) طريقة لهم وأسلوب أمثل لحسم الصراع مع (الآخر (المُغاير) لهم في الدين والمُعتقد، ولا تردد عندهم في ممارساتهم، ولا تشكيك بأنها يُمكن أن تكون خاطئة!!.

938 سروش

إنهم يفترضون أن الآخر عدو لأن أيديولوجية وجودهم لا تكتمل بنيتها النظرية ولا العملية من دون وجود هذا الآخر (العدو)، لأن جُلَ غاية أصحابها إنما هو تفعيل نشاطهم الحركي لا طلب الحقيقة، ففي طلب الحقيقة تفكر وتأمل وتحليل وتمحيص، وتلك غاية لا يصل لناصيتها سوى القلَة من البشر الذين إذا مسهم الشر قالوا سلاماً، فصبروا وصابروا، والصبر يقتضي السكون والعيش في عالم التأمل والبصيرة، لتجد في الفلسفة والتصوف الفلسفي محطة لأهلها، بينما هي عند (الأيديولوجيين الثوار) مرحلة ترتبط بحالة الاستقرار التي لا مكان فيها لهم، فهناك فرق كبير بين التنظير للثورة ساعة الحاجة للخلاص وبين وجود الثور في الدولة ليكونوا هُم قادتها.

ستجد الأمر مُختلفا، لأن الثوار اعتادوا وجود العدو، ولم يتعودوا أن يكونوا ـ لربما ـ هُم أعداء المجتمع، ليكونوا هُم العدو، لتجد أغلب الثوار الذين يقودون الدولة بعد انتصارهم يفشلوا في إدارة الدولة، لأن الدولة تحتاج لبناة حقيقيون يُدركون التنوع الفكري والسياسي والديني والمذهبي فيها، ويعرفوا أن إدارتها سياسياً لتحقيق النجاح إنما تكمن في كسب (الآخر) المُغاير، لا في مُناصبته العداء وتهميشه!!.

التغيير يصنعه الثوار، ولكن الدولة يقودها الأحرار الذين بالقدر الذي يدعون به لأن يكونوا هم أحراراً عليهم أن يتقبلوا أن هُناك (آخر) مُغاير لهم في المُعتقد وفهم الحرية يرغب أن يكون حُراً على طريقته!!.

لذا فالنزعة الثورية لا تصلح في قيادة الدولة بعد أن يُحقق الثوار مراميهم في التغيير.

لا نفع ولا تغيير إن استمر (مجلس قيادة الثورة) في إدارة الدولة بطريقة الثوار لا بطريقة الأحرار، ولربما يقول مُنتقد أن الثوار يبغون الحرية، وهذا صحيح، ولكن الحرية التي بغونها هي لجماعة مُشابهة لهم بطريقة التفكير والممارسة والتعبير، ولا مقبولية لـ (آخر) يُخالفم أو ينتقد طريقة إدارتهم للدولة بعد الإنتصار.

إن قبول (الآخر) يقتضي من (مجلس قيادة الثورة) الذي يُصر أصحابه على قيادة سفينة نجاة الدولة أن يتحولوا من نزعة الرفض والتقويض والهدم إلى نزعة جديدة هدفها البناء وتجديد الثقة بقيادة الدولة على أنها لا تُمثل جهة أو أيديولوجيا أو عقيدة أو دين بعينه، إنما هدفها بناء المجتمع وتحصينه بكل تنوعاته وإن اختلفت مُتبنيات مكون ما في الدولة وتناقضت مع مُتبنيات (مجلس قيادة الثورة)!.

لذا فالحل سيكون بقبول "التعددية" الفكرية والدينية والمذهبية بما لا يمس أمن الدولة العام.

إن تحويل الدين إلى أيديولوجيا عند جماعة (الإسلام السياسي) لم يجن منه أهل هذه المُجتمعات التي نشطت فيها حركات الإسلام السياسي هذه سوى الدمار والخراب!.

ليسعى من عنده بقية عقل ودين من جماعة (الإسلام السياسي) الذي تمكن أصحابه من السلطة للتخلص من الرؤية أحادية الجانب والنظر للدين على أنه عبودية بشر لبشر وتقديس فرد لفرد، وتخليص المجتمع من نزعة التقديس للاأشخاص وتصنيم بعضهم وتحويله لطوطم ليكون هو المعبود لا الخالق!.

إن غاية كل دين إنما هي تخليص الإنسان من عبودية البشر للبشر، ولا مقبولية لدين أو مذهب يُصير الإنسان فيه نفسه عبد لإنسان آخر مهما على شأنه، فالدين مليء بالأسرار، ولا مقدرة لإنسان طبيعي أن يدعي إمتلاك أسرار دين ما، أو إمتلاك مفاتيح الغيب!.

القرآن حمَال أوجه، هكذا قال الإمام علي (ع) وهذا قول يحمل بين طيَاته أن لا أحد يمتلك مفاتيح الإجابة عن سرَه المكنون، وكل مُتبنياتنا وتفسير المُسرين إنما هي رؤى بشرية ـ لربما ـ هي مُلزمة لمن يجد في التفسير وجهة نظر حقة، ولكنها في الوقت ذاته غير مُلزمة لمن لا يعتقد بها.

يُشبه سروش الدين مثل الهواء، بينما الأيديولوجيا هي مثل الرداء، فالهواء من حق الجميع التمتع باستنشاقه، ولكن الرداء هو من حق صاحبه أن يشعر بقيمة التمتع به، فالدين عام للجميع والأيديولوجيا خاصة لجماعة أو فرد.

 

ا. د. علي المرهج

 

مجدي ابراهيمإلى هنا؛ نكون قد استكملنا أركان الذاتية الخَاصَّة للقرآن الكريم (الحضور، والفهم، والحَلاوة، ووحدة القصد، والإيحاء، والعقل البصيري، والإيمان والعقل، وتحويل النفس، والتجلي) تلك كانت ركائز الذاتيّة الخاصَّة للقرآن فيما نرى، ودعائمها الأساسية باستناد التفسير الإشاري عليها، ولكن ليس معنى هذا أنه لا توجد خواص ذاتية للقرآن غير هذه التي تكلمنا عنها؛ لأننا لو رجعنا إلى ما قد رَسَمَه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صَوَّرَ لنا القرآن في صورة بديعة بل ومنقطة النظير، وهو صاحب القرآن؛ حين يتكلم عنه يتكلم عن حقيقة، لا بل يتكلم عن حقائق : حقائق جليلة حواها القرآن بين دفتيه؛ إذْ كانت ألفاظُه ألفاظ "حقائق" وليست هى بألفاظ "لغة".

ليس أصدق من قول رسول الله صلوات الله وسلامه عليه في القرآن الكريم:" فيه نبأ ما قبلكم، وخَبَرُ ما بعدكم، وحكمُ ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل. مَنْ تركه من جبار قصمه الله، ومن أبتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبلُ الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تشبع منه العلماء، ولا يُخْلَق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجن إذْ سمعته حتى قالوا إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به. مَنْ قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومن حكم به عدل، ومن دعي إليه هُدي إلي صراط مستقيم".

وبغض النظر عن خلاف العلماء في نسبة هذه الألفاظ : أإلى رسول الله حقيقةً أم إلى الإمام على بن أبي طالب؛ فهى ألفاظ "حقيقة" وليست ألفاظ "لغة"؛ فالذي وصف به سيدنا رسول الله القرآن إنمّا هو حقائق كلها يجمعها قوله تعالى:" وإنّه لكتاب عزيز. لا يأتيه البَاطلُ من بين يديه ولا من خلفه؛ تنزيل من حكيم حميد" (فصلت : آية 41- 42).

على أن خلاف العلماء في هذا الحديث : أهو منسوب إلى رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه، أم هو من كلام عليّ بن أبي طالب، رضوان الله عليه، لا يقدح في كون ألفاظ القرآن ألفاظ حقائق وليست هى بألفاظ لغة. هذه واحدة. أما الثانية؛ فإن المحققين اعتمدوا صدور الحديث عن رسول الله، صلوات الله عليه، فجاء اعتمادهم هذا مستنداً على الآية الكريمة من سورة فصلت. ومادام في القرآن ما يؤيد نصّ الحديث فلا يعني اختلاف اللفظ فيه تضعيفه وترك العمل به.

فإذا رجعنا إلى الغزالي في كتاب آداب تلاوة القرآن من الإحياء ( ج 1 ص 323) وإلى السيوطي في (الإتقان في علوم القرآن، م2، ج4، ص396). نجد السيوطي تكلم في هذا الحديث، وإنْ ضعَّفه كثيرون؛ فقال : أخرجه الترمذي والدَّارميَّ، وغيرهما من طريق الحارث الأعور، عن عليّ مرفوعاً: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ستكونُ فِتَنٌ "؛ قلتُ: وما المخرج منها يا رسول الله؟ قال:" كتاب الله ....".. ثم ذكر بقيّة الحديث بلفظه؛ بما يتبيَّن منه خواص القرآن ذاتية وخاصَّة.

ألفاظ القرآن إذن ألفاظ "حقائق"، وليست مُجَرَّد عبارات وضِعَتْ في قوالب لغوية. غير أن هذه الخَاصَّة النبوية الفريدة يستنبطها القشيري فلا يتركها بغير إشارة، وذلك في معرض حديثه عن كثرة العبارات كونها للعموم، والرموز والإشارات للخصوص حيث يقول:" أَسْمَعَ موسى كلامه في ألف موطن، وقال نبيَّنا صلى الله عليه وسلم : " أوتيت جَوَامع الكلم فاختُصرَ لي الكلام اختصاراً " (لطائف الإشارات؛ جـ 1، ص 30).

فلكأنما يُشير من بعيد إلى أن ألفاظه عليه السلام إنمّا هى ألفاظ "حقائق" مادام قد أُعطىَ "جوامع الكلم"، وليست مُجَرَّد لغة تتردد على الألسنة دون تنفذ بين شغاف القلوب، بيد أنها تعبير عن "حقيقة" ربما يجهلها المرء لبعده عن ذوق طريق الله، ولكونه ممَّن لا يدركون من الكلم سوى شكله البَرَّاني لا حقيقته الخبيئة، لكنه من المؤكد يعلمها فيما لو كان داخل رحاب المعيّة الإلهية.

ومن جانب آخر، يصف الأديب الكبير مصطفي صادق الرافعي في كتابه "إعجاز القرآن والبلاغة النبوية"، هذه البلاغة النبويّة فيقول :" لقد رأينا هذه البلاغة النبويّة قائمة على أن كل لفظ فيها هو لفظ الحقيقة لا لفظ اللغة، فالعناية فيها بالحقائق، ثم هى تختار ألفاظها اللغوية على منازلها، وبذلك يأتي الكلام كأنه نطق الحقيقة المُعَبّر عنها. ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لا يتكلف ولا يتعمّل ولم يكتب ولم يؤلف، ومع هذا لا تجد في بلاغته موضعاً يقبل التنقيح، أو كلمة تقبل التغيير، كأنما بين الألفاظ ومعانيها في كل بلاغته مقياس وميزان".

ولكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن من أول وهلة: هل هذا يكفي؟ هل كل ما كان الرافعي ذكره يكفي لإماطة اللثام عن الفرق بين لفظ الحقيقة ولفظ اللغة؟ عندي أن ذلك وحده لا يكفي، ولا يُقرِّر غور هذا الفرق في واقعه المُقرَّر في التاريخ وفي التجربة؛ فألفاظ الحقيقة توضحها التجارب ويثبتها التاريخ بل تثبت بالتجربة وتثبت للتاريخ؛ فنحن هنا بإزاء ثلاثة مستويات: مستوى اللفظ، ومستوى المعنى، ومستوى الحقيقة.

والحقائق في عظمتها وجبروتها لا تدرك كل الإدراك ولا يُحاط بها كل الإحاطة وليس يشم منها أحد رائحة سوى ما تتجلى به عليه.

هنالك معاني لها، هذا صحيح، لكنها معاني تقريبية للحقيقة، أو هى صور ضئيلة جداً للحقائق تماماً كما أن الألفاظ في مستواها إنْ هى إلا صور ضئيلة جداً للمعاني؛ فاللفظ في ذاته يصور جزءاً من المعنى ولا تصور الألفاظ المعاني كلها.

والمعاني في مستواها كذلك لا تصور الحقائق من جميع أطرافها وجوانبها؛ ولا تدركها كل الإدراك ولا تحيط بها كل الإحاطة . والدليل على أن الألفاظ تقدّم صوراً ضئيلة جداً من المعاني: أن أبا الفتح عثمان ابن جنّي، صاحب "الخصائص"، كان يعتقد " أن اللغة، بأصولها وأصواتها التي تمثلها الأبجدية، إنمّا تقدم احتمالات لا نهاية لها من الألفاظ التي ترمز إلى معاني؛ وأن تقلبات اللفظ الواحد تؤدي إلى معان متقاربة اعتماداَ على ما كان قرَّره من وجود علاقة بين اللفظ ومدلوله".

وأنت حين تقول لفظة "التاريخ"، مطلق التاريخ؛ قلت حقيقة. وحين تقول كلمة "التجربة"، مطلق التجربة؛ قلت حقيقة. ولكن الذي ينقصك التَّحقق بالتجربة والثبوت في التاريخ؛ فإذا تحققتَ بالتجربة وثبتَّ في التاريخ بلغت الحقيقة. لكنك حين تقول:" التاريخ المصري ليس هو التاريخ الذي يُدرَّس الآن في المدارس والجامعات! "؛ قلت " لغة"، ولم تقل "حقيقة"، أو قلت لفظاً بلا معنى وبلا حقيقة. هذه اللغة يصدق عليها الخطأ كما يصدق عليها الصواب، يصدق عليها الباطل كما يصدق عليها الحق؛ وحين تقول:" تجربتي عن هذه الحياة إنها عابثة، وكل من فيها يعبث!"؛ قلت "لغة"، ولم تقل "حقيقة" أو قلت لفظاً بلا معنى وبلا حقيقة، هذه اللغة تقبل الكذب كما تقبل الصحة.

والخطاب النبوي ليس كذلك، ولكنه خطاب حقائق، صحيح على الدوام، صادق على الدوام، حق على الدوام.

ولنا أن نتأمل قوله تعالى :" وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغَوْا فيه لعلكم تغلبون "؛ فماذا تجد ؟ تجد اللغة هنا إتيان بالباطل من القول، واللغو الصاخب في أثناء القراءة صرفاً للناس عنه وطلباً للغلبة، ومثاله في القرآن كثير: أعني مثال اللغو الذي ذكرت فيه اللغة اللاغية بسخيف الأقوال بله الأفعال، نماذجه في أكثر من عشرة مواضع في الكتاب الكريم. نأتي على خمسة منها فقط، وبقيتها توضيح يفرضه سياق الآية في مناسباتها الواردة فيها.

ففي "القصص" آية (55) قوله تعالى:" وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهليين"؛ فاللغة هنا لغو يلحق السماع؛ فبمجرد سماعه يستحق أن يُلغى من فوره بالإعراض عنه، والاكتفاء بالعمل خالصاً حين يشهده الله من المخلصين، ثم إبداء السلام على شرعة الإعراض أيضاً؛ طلباً للسلامة وتحقيقاً للإخلاص، لكنه هنا إعراض عن العبث وسخف القول وهما بُغية الجاهليين.

وفي "المؤمنون" آية (3) قوله تعالى:" قد أفلح المؤمنون. الذين هم في صلاتهم خاشعون. والذين هم عن اللغو معرضون". فاللغة هنا لغو أيضاً ليس فيه فائدة لا من قول ولا من عمل، فليس اللغو هنا مقصوراً على اللفظ وكفى، ولكنه أيضاً يتضمن العمل. ولن يفلح مؤمن وهو في صلاته ليس بخاشع، وهو عن اللغو ليس بمعرض.

وفي"البقرة" آية (225) قوله تعالى:" لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم". اللغة فيه سبق اللسان لغواً ممَّا لم يقصد به جزم اليمين؛ فسبق اللسان باللغو بالحلفان لغة صادرة عن اعتقاد الصدق وهى تتضمن البطلان!

وفي"الفرقان" آية (72) قوله تعالى:" والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراماً": مرٌّوا كراماً على ما ينبغي أن يُطرح بعيداً من قول أو فعل، مرُّوا كراماً لأنهم ارتفعوا عن اللغة التي تصيبهم بالدُّون ممَّا ينبغي أن يُلغي من الأفعال والأقوال، مرُّوا كراماً فما ينالهم إلا ما ينال الكريم من العزوف والإعراض، مرُّوا كراماً والكريم إذا مَرَّ باللغو لم يبال بصاحبه ولا بما يلغو فيه، مرُّوا كراماً فكرمت لديهم أنفسهم، وهان عندهم اللغو، وسقطت لديهم لغة المحجوبين.

وفي" الطور" آية (23) قوله تعالى:" يتنازعون فيها كأساً لا لغوٌ فيها ولا تأثيمٌ". نعم! يتنازعون في الجنة ويتجاذبون فيها الكؤوس تنازع محبة وأنس لا تنازع شقاق وخلاف، كلٌّ منهم يجذب الكأس من يد صاحبه تلذُّذاً وتأنُّساً، فليس المقام مقام لغو ولا تأثيم، ولا هو بمقام لغة فاحشة وكلام قبيح، كما تفعل كؤوس الدنيا بذويها فتمنع ألسنتهم عن الصواب بعد أن تعقل عقولهم عن الصحة والسلامة بل: (لا تسمع فيها لاغية) من باطل ولا لاهية من لغو.

وعليه يتبين؛ أن ألفاظ اللغة ليست في كل حال صادقة، بل من اللغة ما هو باطل وقبيح، وما هو شاذ وساقط، ومنها ما يشتمل على سخيف القول وفضول الكلام. كما أن ألفاظ اللغة تلك ليست في كل حال صادقة على الواقع التاريخي الذي يشهد الحالة كما يشهد الواقعة تجربة وحدثاً في مجراه العميق الطويل، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أختاره الله لرسالته واصطفاه لدعوته وأرسله إلى الناس كافة مبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، لم تكن دعوته مجرَّد لغة، ولم تكن ألفاظه كلمات كسائر الكلمات، ولكنها كانت "حقيقة"؛ كما كانت دعوته واقعاً تجري فيه حقائق الحياة والكون وتشهدها وقائع التاريخ وتجاربه الحيَّة، ممارسة وفعلاً وحياة.

عدد الخواص الذاتية للقرآن في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة عشر خاصة؛ ما كان يمكن أن تستشعر قيمة هذه الخواص ولا واحدة منها ولا صفاتها بغير تجربة عملية فاعلة ومباشرة مع القرآن، كيما تستطيع أن تنفذ إلى أغوارها الدفينة في واقع التجربة الإنسانية أو في التاريخ الماضي أو في استشراف المستقبل.

الحركة الإنسانية كلها ممثلة في تجاربها المتطورة المنظورة من الماضي إلى الحاضر فالمستقبل كلها في القرآن؛ فالإنسان في علاقته مع الله هو هو الإنسان لا يتغير ولا يتبدل، جرت به سنة الله من زمن إلى زمن، ومن عصر إلى عصر، وتعاقبت عليه الأطوار والأجيال وهو هو الإنسان لا يتبدل:" سُنَّةُ الله في الذين خلوا من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلاً". والذي خلقه سبحانه وسواه لهو  أعلمُ بطبيعته؛ فالنموذج الذي كان بالماضي لهو هو النموذج الحاضر وهو هو نموذج المستقبل: روح وجسد، عقل وضمير، خير وشر، إيمان وضلال، عاطفة وشعور، قلب ووجدان، ضعف وقوة، حياة وموت، الإنسان إنسان في كل زمان ومكان لا يتغير ولا يتبدل.

فإذا خاطبه رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه بلفظ الحقيقة لا لفظ اللغة، ولم يستطع فهم الخطاب، كان هذا الخطاب خطاباً لحقيقته الباطنة المجهولة بالنسبة له، وليس بخطاب لغة يَتَصَرَّف فيها اللسان ويلغو بقبيح القول والفعل كيفما اتفق وكيفما صَار. فالمطلوب فيما لو أراد فهم الحقيقة أن يَتَجَرَّد ويصفو ويكون أهلاً لمستوى فهم الخطاب النبوي.

تلك الحقيقة الإنسانية المُعدَّة من قبل الخالق لتلقي الخطاب النبوي لهى أجدر بارتقاء النظرة وشعور التهذيب من أن يجيء الخطاب إليها مجرد لغة وكفى، لغة لا تمس الحقيقة في شيء.

وإنما هى فوق كل شيء، وقبل كل شيء، وبعد كل شيء، تتكشف مع قراءة الإيمان للقرآن ومعايشته وطول التدبر فيه؛ فحبلُ الله المتين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم، الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تشبع منه العلماء، ولا يُخْلَق على كثرة الردِّ، ولا تنقضي عجائبه. هذه كلها "حقائق" أنت لا تشم منها رائحة ولا تدرك لها معنى بمجرد اللفظ وكفى، ولو ظللت كل يوم تردد اللفظ ألف ألف مرة، ما استطعت أن تصل فيه إلى قرار ما لم ينقلك اللفظ إلى مستوى المعنى فترتحل تباعاً من المعنى إلى مستوى الحقيقة.

وبما أن الفكر الفلسفي يسلك على التعميم طريقة للوصول إلى الوحدة المنشودة، إلى الله، فإن الصوفية من بين أنواعه المتعددة هم الذين يلجئون إلى اللقاء المباشر بالوجود العيني بدل أن يلجئوا إلى "الأقوال" التي قيلت عن ذلك الوجود.

من أجل ذلك؛ أريد أن أقول قولاً فاصلاً أنه مادمنا نعتمد في بحثنا عن الحقيقة الإلهية على الكلمات باعتبارها الأقوال التي قيلت عن هذه الحقيقة لا الحقيقة ذاتها؛ فإن إيماننا بها لا يزيد على كونه إيمان "لغة" لا إيمان "حقيقة"، إيمان لفظي لا إيمان عيني، ومن هنا يخفق الذين يبحثون عن الله من خلال ما قيل عنه من أقوال ويساورهم الشك دوماً في وجوده؛ لأنهم يعتمدون إيمان اللغة وإيمان القول وإيمان الكلمة مما توارثناه طيلة أجيال متعاقبة من تراث الفرق والمذاهب والنظريات والمباحث على اختلاف استخدامها تعبيراً عن الحقيقة بالوجود اللفظي وكفى.

وكل هذا كله كلام فارغ لا يصور الحقيقة الإلهية ولا يمثلها ذوقاً في بؤرة الشعور؛ ربما يجريها لفظها نعم، ويصورها قولاً غير أنه لا يعمقها في الباطن ويفعلها مطلقاً في قلوب المؤمنين. لكن إيمان الحقيقة شيء آخر يختلف عن إيمان اللغة، هو نفسه اللقاء المباشر بوجودها العيني والدخول فيها مباشرة بغير اعتماد على قول يُقال عنها. وهذا هو إيمان الأولياء والعارفين : لقاءُ مباشر بالوجود العيني على التحقيق.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

محمود محمد عليمن غير المستغرب أن تكون حرب فيتنام هي الأكثر دراسة في تاريخ الحروب الحديثة؛ إذ إنّ الأدبيات الهائلة التي تناولت الحرب ترتبط بشكل مباشر بالفشل الذريع الذي منيت به الولايات المتحدة الأمريكية، ومن قبلها فرنسا، في تحقيق الأهداف السياسية المنشودة من الحرب. وفي الجهة المقابلة، شكّلت هذه الحرب نموذجاً حياً لثوار جنوب العالم من جميع التيارات السياسية والأيديولوجية، ودرساً ناجعاً لخصمٍ ضعيفٍ يواجه جبروت إمبراطورية عظمى ويخرج منتصراً.

استمرت الحرب على مدى أكثر من عشرة آلاف يوم، نالت فيتنام بعدها حريتها من الاستعمار الفرنسي، وأعادت توحيد طرفيها في دولة واحدة، مُسقِطَةً بذلك المشروع الأمريكي؛ الذي هدف إلى الإبقاء على فيتنام الجنوبية دولة تابعة وقابلة للحياة في قلب الهند الصينية. وقد أسفرت الحرب عن مقتل أكثر من ثمانية وخمسين ألف جندي أمريكي وما بين ثلاثة إلى أربعة ملايين فيتنامي.

لقد تركت الحرب الفيتنامية، أثراً غائراً في المجتمع الأمريكي بأكمله، فظهرت الأعراض النفسية علي الجنود، وكذلك علي الأفراد العاديين، تعكس حالة من عدم الشعور بالأمان. وقد ظلت الأفلام السينمائية الأمريكية زمناً ” تتعرض للحرب الفيتنامية ضمن أحداثها، ويظهر بها الجحيم الذي تعرضت له الجيوش الأمريكية، وسط أحراش فيتنام التي يتصاعد من جنباتها ألسنة النار التي تصل إلي عنان السماء، حتي أنها تطول الطير في السماء فتحرقه، والجنود في داخلها كالجرذان داخل المصيدة لا يكاد الواحد فيهم يطمئن لموضع قدمه هل سيطأ الأرض سالماً أم سيسقط في كمين .

وقد ظلت عقدة فيتنام تلاحق الشعب الأمريكي فضلاً عن أفراد الجيش من الجنود أو القيادات العسكرية ذاتها، رغم المحاولات المتعددة التي قامت بها الولايات المتحدة لإزالة هذه الذكري المؤلمة من نفسية أفراد الشعب الأمريكي، ففي أعقاب المعركة، تم طرح عد كبير من الأفلام التي تمجد من المحارب الأمريكي الشجاع الذي لا يخاف من الأهوال مهما تكاثرت عليه، بل إن منها ما مس العصب مباشرة بعرض قصة الكتيبة الأمريكية التي حققت نصراً مؤزراً في حرب فيتنام نفسها أو الجندي الأمريكي الذي عاد لفيتنام بعد نهاية الحرب، لإنقاذ زميل له أو إنجاز مهمة ما، وتتوالي المشاهد وهو يفرغ رشاشه في جموع الفيتناميين الذين يتساقطون أمامه بالعشرات صرعي من غير أن يتمكن أحدهم من أن يلحق بالأمريكي مجرد خدش بسيط.

هذا علي المستوي الشعبي ، أما بالنسبة للسياسيين الأمريكيين فقد صار لديهم “حالة من الرفض لأي شكل من أشكال التورط العسكري للولايات المتحدة في نزعات العالم الثالث، حتي إن كثيرين “أطلقوا علي هذه الأعراض Vietnamic Syndtome ومعناها الحرفي الأعراض الفيتنامية أو ما اشتهر باسم ” عقدة فيتنام” ، وعقب التسوية التي تمت عام 1973 ظلت الإدارة الأمريكية ملتزمة الصمت لسنوات تجاه ما يحدث علي الساحة الدولية، وبقي الوضع كذلك حتي نهاية السبعينات لدرجة أن كثيراً من الأمريكيين أنفسهم انتقدوا هذا الصمت.

ومن هؤلاء الذين خرجوا من هذا الصمت ” أندرو مارك ” Andrew Marc وهو أحد المحللين السياسيين ، الذين أخذوا يحللون أسباب انتصار الدول الضعيفة على الدول القوية، وذلك من خلال بحث صدر له في سنة 1975 بعنوان ” لماذا تخسر الأمم الكبيرة الحروب؟” . وفي هذا البحث يتساءل “مارك” : لماذا خسرت الولايات المتحدة الحرب في فيتنام ؟ ، وذكر أن هذا سؤالٌ طالما شغل رجالات الدول والباحثين، العسكريين والسياسيين؛ فقد تكشفت حروب النصف الثاني من القرن العشرين، من الهند الصينية والجزائر، إلى فيتنام وأفغانستان، عن حقائق مذهلة: إنهزام جيوش كبرى أمام تنظيمات شبه عسكرية، صغيرة العدد، ضعيفة التجهيز، محدودة الوسائل، في نمطٍ جديد من المواجهات العسكرية أطلقت عليه تسمية: الحرب اللا تماثلية .

ثم قدم ” مارك ” في هذا البحث محاولة لفهم ديناميكيات الصراعات غير المتكافئة؛ حيث يقول :” بأنه كلما زادت الفجوة بين أطراف الصراع من حيث القوة زادت فجوة المصالح وتوقعات الجماهير، حيث إن القوة العظمى تكون لها مصالح واسعة، وتوقعات جماهيرية عالية، ورغبة في إنهاء الصراع بقوة وحسم. هذه التوقعات تضع السلطة السياسية والعسكرية في حالة من الضغط الدائم لتحقيق النصر العسكري؛ فإذا طال أمد الصراع فإنه يُسبب نوعاً من الغضب الجماهيري في النظم الديمقراطية، أو يعطي ثقلاً لحركات المعارضة؛ فكلما زادت قوة الدولة الاقتصادية والعسكرية، تقل مصالحها خاصة في الصراعات غير المتكافئة. ولذلك الحساسية السياسية تجاه تأخر النصر أو أمام الخسائر البشرية والاقتصادية، تؤدي بالعامة وحركات المعارضة إلى الضغط علي قيادتها لإنهاء الحرب، ووفقاً لهذا المنطق فإن الفاعل القوي لديه أسباب أقل للنصر من الفاعل الضعيف الذي تقع حياته نفسها علي المحك.

ويفسر “مارك” هذه الحساسية السياسية عند الفاعل القوي، بأن الجماهير أو حركات المعارضة سوف تجبر الفاعل القوي علي الانسحاب من الحرب أو إنهائها قبل انتهاء أهدافها الاستراتيجية، نظراً لكثرة الخسائر العسكرية أو الاقتصادية، بينما الفاعل الضعيف تمثل الحرب له نقطة حشد معنوية، واقتصادية، وحياتية للدفاع عن وجوده ذاته؛ حيث تصبح حياته نفسها علي المحك مما يدفعه لأخذ الحرب إلى نهايتها .

ويذكر “مارك” أنه حتى الحرب العالمية الثانية، كان السائد أن التفوق في القدرات العسكرية يؤدي تلقائياً إلى الفوز في الحروب، بيد أن المواجهات الدراماتيكية التي شهدتها الساحات الدولية في الحقبات اللاحقة، والتي انتهت بمعظمها إلى انهزامات مروعة لجيوش جبارة، أثبتت أن التفوق العسكري الكبير للقوى العظمى لا يمكن الاعتداد به للانتصار ضد دولٍ أضعف، كما أدت إلى سقوط المفهوم التقليدي للحرب، حين تتورط الجيوش الكبرى في صراعات مسلحة خارج أراضيها ضد قوى محلية، محفزة بدوافع مختلفة، ومستعدة للانخراط في قتال مديد ذي طابع مختلف، يحمل القدرة على قلب المعادلات وتغيير النتائج .

فعلى المستوى التكتيكي، يقول مارك :” تسقط في الحرب اللاتماثلية معظم الاعتبارات التي ترتكز عليها الحرب التقليدية، لمصلحة منظومة قتالية مختلفة، تصبح الأفضلية فيها لقوى التمرد المنخرطة في مواجهة الجيش الدخيل، وعلى النحو الذي يسمح لتلك القوى بإجهاض وتعطيل مكامن القوة والتفوق عند الطرف الأقوى، وجره إلى مواجهات من النوع الذي يلائمها، تسمح باستغلال نقاط ضعفه واستنزاف قواه في معارك مباغتة، وضربات خاطفة تضع القوات النظامية، بطلائعها وخلفياتها، بوحداتها القتالية كما الإسنادية واللوجستية، ضمن دائرة الاستهداف وتحت تأثير أشكال مختلفة من الصدمة والرعب” .

ومن هنا تصبح القاعدة الأساسية للحرب اللاتماثلية كما يري ” مارك”، “رفض قوى التمرد مواجهة العدو النظامي وفقاً لشروطه، بل وفقاً للقواعد التي تناسبها والظروف التي تختارها، وفي هذه القدرة على تغيير قواعد الصراع، ما سمح لقوات التمرد الفيتنامي بأن تتحول إلى أسوأ كوابيس الجيش الأمريكي الجرار في فيتنام، من خلال هجمات تنفذها أرهاط صغيرة مجهزة بعبوات ناسفة محلية الصنع، قادرة على إنزال خسائر قاسية بالوحدات الأمريكية المتحركة رغم تفوق أسلحتها وتجهيزاتها.

ومن جهة أخري يذكر “مارك” أنه في الحرب التقليدية يتم تقويم الصراع على أساس الخسائر العسكرية للأطراف المتحاربة، وهي التي ترسم اتجاهات الحرب ونهاياتها. أما في الحرب اللاتماثلية فإن الحسابات تتجاوز ذلك لتأخذ في الاعتبار تأثيراتها الاستراتيجية ومفاعيلها السياسية عند الطرف الأقوى، ذلك لأن الغاية الرئيسة لقوى التمرد، ليس تدمير القدرات العسكرية للعدو الأقوى، ولا ضرب معنوياته وإرادته القتالية؛ بل نقل تأثيرات الحرب ومفاعيلها النفسية والسياسية، إلى ما يتعدى المسرح الميداني للصراع، ليصيب الدولة العدوة في عقر دارها، بكل ما ينطوي عليه التعبير من معنويات واقتصاديات ومؤسسات سياسية. وعلى النحو الذي يربك مراكز القرار فيها ويحرض الرأي العام ضدها، بما يؤدي إلى إعادة الحسابات وتجريد خيار الحرب من أهم مرتكزاته، أي القبول الشعبي به .

ويستطرد ” مارك” فيقول “في ظل انعدام القدرات المادية، والتقنية، والوسائل الكفيلة بتدمير القدرات العسكرية للعدو، يصبح الهدف كسر إرادته السياسية على متابعة الصراع؛ ذلك هو جوهر ما كشفته الحروب التي خاضتها القوى العظمى ضد دول أقل منها شأناً وإمكانات، فالولايات المتحدة لم تخسر قدراتها العسكرية في فيتنام، بل إرادتها السياسية على متابعة الحرب. ذلك أن التأثيرات النفسية والمعنوية لتورطها العسكري في “هانوي” تخطت في الداخل الأمريكي تأثيرات الحروب التقليدية التي خاضتها، وإلى الحد الذي جعل الإدارة الأمريكية آنذاك، تستسلم أمام عاصفة الرأي العام المعارض للحرب، وتنسحب من فيتنام مهزومة، ما دفع وزير خارجيتها يومذاك، “هنري كيسنجر”، إلى القول “نحن خضنا في فيتنام حرباً عسكرية، وأخصامنا خاضوا حرباً سياسية”. هذه النتائج السياسية التي أفضت إليها حرب الفيتنام شكلت في الواقع الانتصار الأكبر لقوى الفيتكونغ.

ثم أخذ “مارك” يسأل سؤالاً خطيراً : كيف تتصرف القوى الكبرى والحال كذلك؟ كيف تردع قوة أضعف منها لا تخشى الهزيمة ولديها ميول انتحارية ؟ وكانت الإجابة هي أن “نجعل العدو يقتل نفسه بنفسه. لماذا أقتله، وهو يمكن أن ينتحر؟ لماذا أوحده ضدي، وانقسامه في مصلحتي؟ لماذا أطلق عليه الرصاص والقنابل، فى حين أننى لو استثمرت واحد بالمائة من التكلفة على الإعلام الخبيث والشائعات  المضرة لتمزقه كل ممزق؟ .

وهذا لا يكون إلا من خلال حرب يتم فيها احتلال عقلك لا احتلال أرضك.. وبعد أن يتم احتلالك ستتكفل أنت بالباقي.. ستجد نفسك في ميدان معركة لا تعرف فيها خصمك الحقيقي.. إنها حرب ستطلق فيها النار في كل اتجاه.. لكن يصعب عليك أن تصيب عدوك الحقيقي.. وبالأحرى هي حرب من يخوضها يكون قد اتخذ قراراً بقتل كل شيء يحبه.. إنها “حرب تستخدمك أنت في قتل ذاتك وروحك.. وفى النهاية ستجد نفسك كنت تحارب بالوكالة لصالح رجل جالس في مكان أخر اختار أن يخرج مشهداً سينمائياً جديداً لفنون الانتحار الجماعي.. حرب المنتصر فيها لم يدخلها ولم ينزل الميدان” . وللحديث بقية!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

اياد الزهيريمن المعروف ان العشيره عباره عن نمط تنظيمي تأسس منذ البدايات الأولى لتأريخ الأنسان، هذا التنظيم قائم على أساس رابطة الدم والقرابه. هذا النوع من التنظيم أقتضته الحاجه قبل قيام الدوله، وهو الحاجه الى الحمايه والتكافل والتعاون بين أبناء العشيره في وسط قاسي وتنافسي وفي وسط متوحش عاشته الأنسانيه في بداياتها الأولى. نحن لا نريد ان نؤرخ لهذا اللون من التنظيم البشري بقدر ما يهمنا النمط العشائري وتأثيره وانعكاس أثره على تطور الحياة العامه على بلد مثل العراق.

تاريخيآ أحتل العثمانيون العراق عام 1534 م بقيادة سليمان القانوني، وكانت قبضة الدوله العثمانيه عليه تتأرجح بين القوه والضعف، ولكن خلال نهايات القرن الثامن عشر أخذت قبضتها تضعف على الأقاليم والمناطق العربيه عامه والعراق خاصه،حتى باتت سيطرتها تتمركز على المدن فقط، وحتى في المدن يكاد يكون صوريآ . وكان من مظاهر ضعف الحكم العثماني هو سيطرت المماليك في هذه الفتره على بغداد، وهم بالأصل عبيد جلبتهم الدوله العثمانيه من مناطق جورجيا والقوقاز وغيرها مما يعرف اليوم بالدول المستقله بعد أنحلال الأتحاد السوفيتي. كان نفوذ هؤلاء يتركز على بغداد، ولم يستطيعوا أن يبسطوا سيطرتهم على باقي مدن وأراضي الريف العراقي، هذا الوضع هو من شجع وساهم في بروز قوة القبائل وزدياد نفوذها كقوه بديله أو منافسه للدوله على مناطقها، وبات من المعروف كلما قويت الدوله ضعفت العشيره، والعكس صحيح . بروز قوة العشيره تصحبها لاشك قوة وهيمنة عرفها وتقاليدها العشائريه كبديل للقانون وسيادة الدوله. من المهم أن نتعرف بأن هناك هجرات كبيره قدمت الى العراق في هذه الفتره وكان أكبرها هو هجرة قبيلة شمر وعنزه باتجاه العراق من موطنها الأصلي بالجزيره العربيه لأسباب ليس ذكرها الآن فأستوطنت في الجزيره الغربيه للعراق وصولآ الى منطقة ربيعه في شمال غرب الموصل، ومع الزمن أخذ جزء منها يستوطن المدن على نهر الفرات . هذه العشائر تتميز بقيم عشائريه راسخه وقويه لأنها جاءت من قلب الصحراء موطن البداوه . هذه العشائر لا تعرف نظام ولا كيان ولا شيء أسمه دوله . أنها لا تعترف ولا ترى شيء خارج حدود العشيره، ولا تخضع لمنظومه غير العرف والمنظومه العشائريه . هذا الواقع هو من دفع السلطات العثمانيه ومن يمثلها من المماليك الى كسب ود رؤساء العشائر في محاوله للسيطره عليهم وتجنب الدخول معهم في صراعات وحروب لا طاقه للدوله بها، كما يمكن أستخدامهم في تأمين الطرق ومنع حوادثها المتكرره المتمثله بالسلب والنهب والتي أغلبها تقوم العشائر هي نفسها بها . كانت محاولة جذبهم تتمثل بتوزيع الأراضي على رؤساء القبائل على أسس نظام الطابو الذي طبقه أنذاك الوالي مدحت باشا، والذي يكون بمستويات وأصناف مختلفه، والمهم أن الدوله لم تعطيهم صفة الطابو الصرف ولكن فوضتهم بالطابو وتسمى بالميريه وهو نظام تكون فيه مرجعية الأرض للدوله، وهذا النوع من الطابو يستخدم لربط هذه المشايخ بالدوله وضمان عدم تمردها ودفعها للضريبه لأن العكس تجرد العشيره من الأرض وتعطى لقبيله أخرى تظهر الولاء والطاعه للحكومه. هذا النظام أستمرت في تطبيقه بريطانيا عند أحتلالها العراق 1918م وكرسته وأعتبرته كعصا غليظه على رؤوس رجالات القبائل ومنع تمردهم، وهذا هو المهم لأن بريطانيا ليس من مهامها تنمية البلد وتطويره ودخول الحياة المدنيه له، بل لغايه أستعماريه الغرض منها نهب وأستغلال ثروات هذه الشعوب وسرقتها.

هنا العشائر كانت بأوج نفوذها حتى أنها دخلت كنسق في العمليه السياسيه، فقد دخل رؤساء القبائل في مجلس الأعيان وفي البرلمان وحتى كوزراء، ومنهم على سبيل المثال رايح العطيه، وعبد المهدي المنتفكجي وسلمان البراك وأمير ربيعه أنذاك،ولكن حدث تطور بعد ثورة 14 تموز 1958م قلل كثيرآ من النفوذ العشائري وهذا يرجع لسببين هو قانون الأصلاح الزراعي الذي أصدره الزعيم عبد الكريم قاسم، وكذلك تأثير الثقافه الحزبيه للاحزاب العراقيه في ذلك الوقت من قوميه ويساريه، وخاصه الحزب الشيوعي العراقي الذي أعطى أهتمامآ كبيرآ للمسأله الزراعيه وواقع الريف في نشراته الحزبيه وثقف في الوسط الفلاحي وخاصه في المناطق الوسطى والجنوبيه من العراق . أخذ النفوذ العشائري والقيم العشائريه بالضعف التدريجي حتى بلغت أضعف حالاتها في نهاية الثمانينات في القرن الماضي وذلك يرجع لسياسة البعث التي عملت على أضعاف كل القوى الأجتماعيه مقابل قوة الحزب والدوله، ولكن عاد حزب البعث نفسه المظاهر العشائريه الى الحياة العامه ولكن بطريقه هو أختارها عن طريق أختيار أشخاص أغلبهم لا تاريخ لهم في المشيخه العشائريه،حتى سموا هؤلاء بمشايخ التسعينات، محاوله كانت من النظام لتعويض الضعف الذي أصاب القوى الأمنيه والحزبيه ورغبه في كسب العشائر لجانب الدوله بسبب التهديدات بأمكانية نشوب حرب مع أمريكا وحلفاءها والنظام يحتاج الى من يقف معه من الشعب في أزمته مع أمريكا لتلافي ما أحدثه النظام البعثي من فجوه كبيره بينه وبين الشعب العراقي بسبب أساليبه الوحشيه والبوليسيه والطائفيه .

هذا البروز العشائري تضخم بشكل غير مسبوق بعد سقوط النظام 2003م بعد أن أحلت سلطات الأحتلال منظومة الجيش والشرطه وكل القوى الأمنيه . هنا جاءت المعادله التي تقول أذا ضعفت الدوله قويت العشيره والعكس صحيح. أن ظاهرة العشائريه ظهرت بابشع صورها،فقد أكتسحت مظاهرها تقريبأ كل المدن العراقيه،حتى وصل الامر الى العاصمه فتريفت وأصبحت بغداد عباره عن قريه كبيره . من المعروف أن الظاهره العشائريه تعتبر حاله نقيضه ومزاحمه للمدنيه، وتعتبر ظاهره معرقله للتطور الحضاري وذلك بحكم ما تصطبغ بلون التعصب وما تتمتع به من تقاليد وأعراف عشائريه غايه في التعصب والتخلف . كما ان العرف العشائري يزيح فاعلية القانون ويقصى حتى الشريعه في فض النزاعات والأحكام، وتكون السياده للأقوى من العشائر، وعندها يعيش المجتمع بحاله من الفوضى والأضطراب وشعور الناس بالاامن، وهي حاله تمثل نكوصآ اجتماعيآ مخيفآ وتعبر عن تراجعآ خطرآ للدوله والمجتمع لأن سيادة العرف العشائري تتآكل امامه الروح الوطنيه،لأن العشائريه لا تعترف ولا ترى أكثر من حدود ومصالح العشيره . هذه الظروف والأوضاع وضعت البلد على كف عفريت وجعلته قابل للقسمه على عدد عشائره وأحزابه لأن حتى الأحزاب التي هي مدنيه أساسآ أصطبغت كذلك باللون العشائري بسبب أختراقها من قبل أبناء العشائر وهؤلاء بدورهم لا يمتلكون ثقافه حزبيه مدنيه، فقط الأعراف والنمط العشائري مما حولها الى تجمعات ذات صبغه عشائريه في مراكز المدن . في وقت ينتقل العالم من طور الحداثه الى ما بعد الحداثه يتراجع المجتمع والدوله العراقيه الى النمط العشائري الذي ينبغي ان يختفي تمامآ في عصر مركزية الدوله الحديثه وما يحدث من تطور في عالم المدنيه .

أن أستمرار الوضع العراقي على ما عليه اليوم من سيادة العرف والتقاليد العشائريه، سوف يلغي أي فرصه حقيقيه للتحول للحياة المدنيه ونفقد الكثير من الفرص التنمويه التي نحن بأمس الحاجه اليها، ويفقد المجتمع الحضري الكثير من عناصره الحضريه لصالح العناصر والسمات العشائريه، أضافه الى ما فقده العراق من فرص تاريخيه تنمويه بفعل حروب النظام السابق، يجعل الأمر أكثر تعقيدآ في أرجاع العراق الى الحاله الطبيعيه . ان مغادرة الطور العشائري هي مهمه يشترك فيها الجميع أبتداءآ من الدوله ومؤسساتها الى الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني الى المؤسسه الدينيه لأن النمط العشائري كما هو معروف يتقاطع من نظام الدوله كما  يتقاطع من الشريعه الأسلاميه في الكثير من الأمور، وهذا ما جعل الرسول ص  يمنع الهجره المعاكسه الى الصحراء في حديثه النبوي المشهور (التعرب بعد الهجره) والذي أعتبر فيه الرجوع الى الباديه من الكبائر لأنه يمثل حاله من النكوص في المجتمع والقيم الأسلاميه، كذلك حذر القران الكريم من مفاهيم هذه البيئه لما تتميز به من همجيه وفقد للقانون وأبتعاد عن الحضاره فجاء في الذكر الحكيم (الأعراب أشد كفرآ ونفاقآ وأجدر الا يعلموا حدود ما أنزل الله).

 

أياد الزهيري

 

عزالدين عنايةتُطرح في أوساط المهتمّين بالقضايا الدينية تساؤلات بشأن الدور الوظيفي للمخزون الروحي للأديان في بثّ السكينة في مجتمعات تعاني من حالات الثوران، وذلك في ظرف مشوب بالارتباك والاضطراب. فهل بوسع نهج التصوف وسائر التجارب الروحية، الإسهام في تخفيض منسوب القلق والخوف والعنف الذي يجتاح عالمنا؟ صحيح أن التجارب الدينية متنوعة، ولكن يبقى التطلّع الجوهري لمختلف أصنافها متلخّصا في السعي لدحض القلق العميق الذي يكتنف عالم الإنسان، أو بحسب تعبيرة هايدغر لتخفيف وطأة الوجود الذي قُذف فيه وأُسلم للموت.

ففي أدبيات الدراسات الدينية المنضوية تحت علم الأديان، صيغت جملة من التفسيرات بشأن طبيعة التجربة الدينية وفحواها، هل هي فطرية أم اجتماعية أم نفسية؟ بلغ فيها الأمر حدّ اعتبار الدين حالة باثولوجية، لكن ما هو ثابت وملازم في هذه الرحلة الوجودية، التصاقها بأطوار الكائن البشري، منذ أمد بعيد، وهو ما أوحى بنعت الإنسان بالكائن المتدين (homo religiosus). لكن التجربة الروحية، في خضمّ التجارب الطقوسية والتشريعية والاجتماعية، هي ما يعنينا بالأساس، بوصفها تجربة ذوقية تجلى من خلالها الدين، فهل ثمة حاجة فعلية لذلك الخيار في راهننا؟ إذ صحيح أن مجمل الأديان، وحتى التي لا ينطبق عليها مفهوم الدين المتكامل، قد شهدت في أحضانها منشأ ظاهرة التسامي الروحي بين صفوة من أتباعها، ممن يذهبون إلى غور الإيمان، يبتغون وجهه الكريم ولا يقفون عند حدود المرئي الطقوسي أو التقعيد العقدي، وقد رُصد ذلك سواء لدى شامان سيبيريا أو لدى نساك الصحارى، مرورا بتقاليد دينية أخرى.

موسيقى الروح الجامعة

حيث يسود في أوساط تلك الصفوة انسجام مع الكون، وتغمر حلقاتهم أجواء سكينة وفيض محبة، ما يشي بوحدة نبضات قلب الروحاني وتوهّج روحه وإن تناءت المسافات وتباينت المجتمعات. ويتلخّص عمق التجربة في حضور فاعل في الوجود، عماده المحبة والإجلال للكون وما حواه، وليس حضورا سلبيا باهتا. إذ ثمة انسجام للأنا مع الكون، يصحبه رضا السالك. ولو تمعّنا الأمر، فمفردة (mystique) في اللغات الغربية، التي عادة ما تترجَم إلى العربية بالتصوف، هي معراج نحو العجيب ومرقى مؤداه إلى الجليل، تطبع سالكه روح شفافة يضنيها العشق، لما يكابده من شجن من شروط عيشنا وضيق تصوراتنا مدفوعا في ذلك بالشوق والوله عبر تطوافه.

في هذا السياق، تمثّل "موعظة الجبل" في التراث الإنجيلي مشروعا روحيا خالصا، يتأسس في ضوئه الترقي الروحي الأكبر. فلا يمكن الحديث عن قرب لله تعوزه المحبة. حيث تحدد تطويبات موعظة الجبل: طوبى للمساكين.. طوبى للحزانى.. طوبى للودعاء.. طوبى للجياع والعطاش.. طوبى للرحماء.. طوبى لأنقياء القلوب.. طوبى لصناّع السلام.. طوبى للمطرودين، التي صدح بها المسيح، المنطلقَ الجوهري لتطهير الكائن. ولذلك منذ عهد الإمبراطورية الرومانية التي عايشها الناصري إلى لاهوت التحرر الحالي في أمريكا اللاتينية ثمة محورية روحية لموعظة الجبل.

من جانب آخر، تبدو صرخة المسيح وهو يُجرّ إلى الصليب آسرة لعديد الصوفيين في التراث المسيحي: "إيلي إيلي لِم شبقتني"، أي "إلهي إلهي لِم تركتني"، وهي صيحة جزع وفزع تقرع مسمعيْ السالك الرباني في خياره الروحي وفي معراجه الطهري. حيث يتحوّل التسامي إلى تجربة يكابد فيها المرء الفزع الأكبر، وهو عمق الاختبار وِفق جون دي لاكروا. لكن تلك التجربة ترفقها حالة وجْد يعيشها الصوفي، "نحن في نعمة لو علمها الملوك لجالدونا عليها" كما لخّص فحواها إبراهيم بن أدهم في قوله المأثور. إذ ثمة كبَدٌ مرفوق بوجْد جارف يستحوذ على الصوفي، "ركعتان في العشق لا يصح وضوءهما إلا بالدم" كما قال الحسن بن منصور الحلاج. وهي أوضاع كونية ارتوى أهلها من نبع واحد، حيث نجد تريزا الآفيلية تصف تلك الحالة بقولها: "الوجْد قضاءٌ لا مردّ له، تُنتزع فيه الروح من الثرى بيدِ الله كما تختطِف الكواسر طريدتها دون أن تدري إلى أين المساق. وبالتالي لا بد من رباطة جأش لمتابعة المسار، إذ غالبا ما حاولتُ دفع الوجْد، مقدّرةً أنه وهْم، ولكني أجدُ نفسي صريعة كأني أغالب ماردا".

في هذا الترقي الروحي ميّز المفكر الكاثوليكي روبرت شارل زاهنر بين تصوف طبيعي منقوص، وتصوف ما فوق طبيعي مكتمَل. حيث الأول وإن لازمه تسامي الروح التي تعانق الحرية والانفتاح على المعرفة، فهو ينتهي إلى حدود الخلط بين ذات الكائن المحدودة وذات الألوهية المطلقة؛ في حين الثاني فهو تصوّف يخرق حجب الأسرار في علاقة المحبة الواصلة بين الباري وعبده، بما يشبه الصحراء الساكنة التي لا مكان فيها للاختلاف، كما تجلى الأمر للمعلم إيكهارت.

بحثا عن الغنى الأكبر

من هذا الباب أغوى الزهد طائفة الصوفيين، ليس إعراضا عن عرض الحياة الدنيا، وهو في متناول أيدي كثيرين، بل احتجاجا على عالم يدنّسه الحيف ويستنزفه الجشع. القديس الكاثوليكي فرانسيس الأسيزي، سليل الأثرياء، تركزت دعوته في مستهل تجربته الروحية في الزهد بوصفه نمط حياة المسيح. سعى جاهدا في تقليد الناصري والسير على منواله أملا في الإمساك بروح المسيحية. هكذا توهّم الأسيزي، أو سمع، أو أوحي له: "قم يا فرانسيس ورمّم بيتيَ المتداعي للسقوط"، ناداه المسيح بتلك العبارات في كنيسة سان داميان، فانقلبت حياته رأسا على عقب وهجر حياة الفرسان مختارا أن يكون في كوكبة "فرسان الودعاء" ليفوز بالملكوت، وهو ما دفعه إلى هجران زينة الحياة والعيش في فاقة. ولعل ما فاقم أزمة فرانسيس حينها عودته الخائبة من بلاد "الميرامولينو"(أمير المؤمنين) في المغرب، التي طلب فيها الشهادة على أيدي "المحمّديين" فلم يفز بمراده، فارتد عنفا وقمعا على هيكل جسده لإنهاكه. لكن الأسيزي، وِفق فرويد، ليس ضحية جنون بل ضحية وهْم، فالاعتقاد الآسر في المسيح ليس مثبَتا ولا مدعما بل يستجيب ويتلازم مع رغبة باطنية، ولا أحد منا قادر على أن يعيش بدون أوهام.

بَيْد أن ذلك الشجن الآسر المستحكم بذات الصوفي جعل ثلّة من علماء النفس يصنفون الأمر ضمن الباثولوجيات المرضية؛ ولكن التصوف مرضٌ جميلٌ في عالم نحسبه معافى، وفي واقع يطبعه خواء روحي ينفتح على هوة غائرة لا يراها إلا أصحاب الأرواح الشفافة ممن يسعون بنور الحقّ.

والجلي أن الصوفي خلال رحلته تلك غالبا ما يغرق في هاجس إنهاك الجسد بالرياضات الروحية، بدعوى التطهر والتسامي، وهو بالأساس احتجاج عميق على انحصار الإنسان في الظاهر وغفلته عن جوانيته وعلوه. لذلك مثّل التصوف من منظور سوسيولوجي زفرة احتجاج للروح في عالم مضطرب يبحث عن تماسكه. فأثناء تفاقم أزمة الإمبراطورية الرومانية انتشرت ظواهر الزهد والنسك والاعتكاف. وفي الشرق، مهْد التصوف المسيحي، نشأت أكثر الأشكال غرابة في ترويض الجسد وكبح جماح النفس. يروي لنا المؤرخ الإيطالي جورج رافينياني صفحات جميلة عن ذلك الفوران في كتابه "الحياة اليومية في نهاية العالم القديم". فقد كان يعقوب السوري يقف تحت الثلج المتساقط أياما حتى يغمره؛ وكان أحد مجايليه يقيم الليل حاملا على كاهله جذوع الشجر. أما ماكاريوس الإسكندري، فكان يطلّق النوم بقصد تعزيز قدرات التزهد لديه. وصادف أن لسعته بعوضة وهو قابع في صومعته، فسحقها بيده: لكنه أدرك للتوّ أنه مذنب فأدان نفسه بالوقوف ساكناً عارياً في مستنقع، فريسة للبعوض. أما القدّيس سمعان العمودي، ففي بداية موسم الصوم الكبير، عزل نفسه داخل صومعته بجدار ومعه عشرة أرغفة خبز وإبريق ماء، وبعد أربعين يوماً، وجدوه على وشك الهلاك، ولم يكن مسّ طعامه طيلة الوقت.كانت الغاية من تلك المعاناة تهدف إلى التحكم بالعواطف.

الرياضات الروحية فنون

كما يعود الفضل إلى الشرق في نشوء مختلف أشكال الترويض للجسد على غرار الرهبان "آكلو النباتات" (boskoi)، الذين يهيمون في الصحارى كالأنعام، و"الشجريون" الذين يتخذون من الأشجار سكناً، و"العموديون" الذين تنحدر تسميتهم من العبارة اليونانية (stylos)، أي العمود. فقد اختار هؤلاء الخلوة فوق الأعمدة على علو شاهق طلبا للتزهد. كانت الممارسة قد نشأت في سوريا بمبادرة من القدّيس سمعان الكبير، الذي اعتلى عمودا قرب أنطاكية عام 422 ومكث هناك حتى وافاه الأجل عام 459م. وكما كان العهد بالكثير من معاصريه، صُعق يوماً بفقرة من الإنجيل فقرر الانعزال. بعد قضاء ثلاثة أعوام في صومعة، تحول سمعان إلى تلة قريبة (تدعى اليوم قلعة سمعان) فشيّد جداراً دائرياً تموضع بداخله مكبِّلاً قدمه بسلسلة طويلة مثبتة بحجارة ضخمة من طرفها الآخر: هكذا حبس نفسه ليكرّس وقته للتأمل، وما فتئ أن خطر بباله يوما تسلّق عمود، فكانت هذه البداية العرضية لشكل من التزهد صار تقليدا يحتذيه كثيرون في بيزنطة، حتى استحوذت العمودية على الرهبان البيزنطيين. فالقدّيس سمعان العجوز قارب السبعين عاماً، أمضى منها تسعة وثلاثين على العمود، وكذلك القدّيس دانيال الذي عاش أربعة وثمانين عاماً، في ثلاثة وثلاثين منها مسكنه العمود، والقدّيس سمعان الشاب الذي وافته المنية عام 597م بعمرٍ يناهز الستة والسبعين عاماً، قضى منها ثمانية وستين عاماً فوق أحد الأعمدة.

ولفرط وعورة ذلك الدرب أحيطت حياة المتصوفة بالخوارق والمعاجز شرقا وغربا، فبوذا الذي يقتات بحبة أرز يقابله الروحاني المسيحي القانع ببرشام (خبز القداس)، وهو ما لا يسدّ رمق حشرة. ولكن هذه الغرائبية في السلوك الصوفي ووفرة الكرامات المذهلة إلى حد الريبة، ينبغي ألا تحول دون البحث عن جوهر التصوف وسط ركام العجائبي بوصفها ظواهر تتفسر ضمن أدوات الأنثروبولوجيا والسيكولوجيا. فالقديسة تريزا الآفيلية المولودة سنة 1515، عقب ثلاثة قرون من وفاتها وُجد قلبها معافى، والراهبة مارت روبين، المولودة 1906، عاشت خمسين سنة دون أن يغازل جفنها النوم كما يروى.

يلوح دربُ الروح الواصل بين شتى التجارب الدينية الأوفرَ حظا في التقريب بين مختلف المؤمنين. وفي الغرب المعاصر تهفو قلوب كثيرة للتصوف الإسلامي، وللروحانيات البوذية والطاوية والهندوسية، برغم الاضطرابات الجارية في فضاءات تلك التقاليد والمتشظية في العالم رعبا وهولا. ما يعني أن هناك وردا مورود يطلبه الجميع وإن حجبته الأضاليل وسدته العراقيل، إنه درب المحبّة والتطلع إلى سنا وجهه الكريم.

 

د. عزالدين عناية - أستاذ بجامعة روما

 

عبد الرضا حمد جاسمالنموذج السادس: [في عام 2016 سجلت دائرة النجدة(251) حالة انتحار، منها(128) حالة في بغداد وكانت نسبة انتحار النساء أكثر من الرجال] انتهى.

تعليق: *السؤال التقليدي: من أين حصل أ. د قاسم حسين صالح على هذا الخبر؟ * وهل الرقم (251) بخصوص حالات الانتحار أم "بشكل عام" حالات ومحاولات الانتحار؟ هل يعني هذا الرقم ما سجلته النجدة في كل العراق؟ إن كان، فهو يعني ان حالات الانتحار في باقي ال (17) محافظة هي (251 -128=123) حالة خلال عام 2016 منها (52) في ذي قار حسب "النموذج رقم 3) فالباقي:( 123-52=71) حالة انتحار في(16) محافظة خلال عام 2016 بحدود (4) حالات في عام 2016 وهذا رقم متدني جداً عن الأرقام المحلية والإقليمية والعالمية. ماذا يعني هذا؟ يعني طرح سؤال وهو: لماذا تؤثر العوامل الدافعة للانتحار في مدينة دون أخرى وهي تعيش نفس الظروف بحيث تصل الى أكثر من مائة حالة في محافظة والمحافظة المجاورة لها أربعة محاولات وربما لم تحصل أي محاولة؟ فما الفرق بين كربلاء والنجف او بين ذي قار والمثنى مثلاً؟ وهذا يدفع للشك بالأرقام والأسباب وانتباه الباحث /الكاتب" وتدفع الى الغاء كل قول ورد في مقالتي أ. د قاسم حسين صالح اللتان ناقشتهما في هذه السلسلة عن أسباب الانتحار وارتفاع نسب الانتحار في العراق. وإن كان لا، فعلى أ. د قاسم وكل من اعتمد هذه الأرقام وهمُ كثر ٌتفصيل ذلك للقارئ والمتابع وبالذات بالمهتمين من الأجانب افراداً ومنظمات.

 ورد "كانت نسبة انتحار النساء أكثر من الرجال"...هذا يدفع للسؤال كم هي النسب الحقيقة؟ حيث أكيد هناك بعض الدوافع الخاصة لكل جنس توَّلدت من الدوافع العامة! وهذا التفصيل مطلوب عند/من الباحث الجاد المترفع عن الهوس والتطبيل الإعلامي حيث لمست ان البعض من المختصين لا يتميزون عن الإعلاميين المستجدين.

ثم هل "دائرة النجدة" تعني هنا شرطة النجدة ام نجدة الطوارئ/الإسعاف الفوري؟ حتى يمكن لمن يريد اعتماد الأرقام والتأكد من كونها حقيقية وصادرة عن دوائر مختصة التوجه لتلك الدوائر للاستفسار، فالرقم عند الباحث يتكلم بل يصرخ. إذا كانت شرطة النجدة فهي تابعة لوزارة الداخلية وإذا كانت نجدة الطوارئ/الاسعاف فهي تابعة لوزارة الصحة ذات العلاقة مع منظمة الصحة العالمية. والوزارتان كان لهما علاقة بالدراسة و "لجنة الدكاترة" وهذه المعلومة كانت متيسرة كما أتوقع امام "لجنة الدكاترة"

*والسؤال الأهم هو: هل يمكن قبول مثل هذا النموذج بهذه الصيغة واعتباره حقيقة ومن مصادر تتمتع بمصداقية ومدعوم بالمنطق؟

اليكم عن/من مصادر هذا النموذج. ((في التاليات سأشير الى "النماذج" التي وردت فيها التصريحات والارقام ))

# من الويكيبيديا: https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D8%B1_%D9%81%D9%8A_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82

 [1.في عام 2013 سجلت المفوضية العليا لحقوق الانسان في العراق(439) حالة انتحار وسجلت محافظة ذي قار النسبة الأكبر" النموذج الأول"

2.في عام 2016 سجلت دائرة النجدة(251) حالة انتحارمنها(128) في بغداد وكانت نسبة انتحارالنساء أكثرمن الرجال] انتهى."النموذج السادس"

ملاحظة: الرقمين وردا في نموذجين من نماذج أ. د قاسم حسين صالح، ومن مقارنة الرقمين نستنتج ويستنتج أي متابع حريص ان هناك انخفاض كبير في حالات الانتحار في العراق في عام 2016 بالمقارنة مع عام 2013 وكما التالي:

(439-251=188 حالة!!!اي بنسبة أكثر من 57%) وهذا ينفي أي قول بتزايد حالات الانتحار ومحاولات الانتحار...السؤال هنا: كيف يُفسر أ. د قاسم حسين صالح هذه النقطة للمتابع العراقي والعربي والأجنبي؟

اليكم من الكاشف نيوز الدولية 08/05/2019 قاسم الغراوي في مقالة "وقيدت ضد مجهول"

http://www.alkashfnews.com/28680

في عام 2013 سجلت المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق(439) حالة انتحار وسجلت محافظة ذي قار النسبة الأكبر. "النموذج الأول"

وفي عام 2016 سجلت دائرة النجدة(251) حالة انتحار، منها(128) حالة في بغداد وكانت نسبة انتحار النساء أكثر من الرجال. "النموذج السادس"

ملاحظة: يبدوا ان عمليات القطع واللصق هي عماد مقالاتنا وابحاثنا ودراساتنا عن الانتحار في العراق...وما خفي كان أعظم!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

النموذج السابع:

[شهد المجتمع العراقي ارتفاعاً في نسب الانتحار، خصوصاً بين الشباب والمراهقين] (الحياة، كانون الثاني 2016) [مكرر]

تعليق: نعود الى "النموذج السادس" وكيف عبرت الأرقام عن عدم دقة هذا الطرح حيث ظهر ان هناك انخفاض كبير في حالات الانتحار في العراق وليس كما ورد في هذا "النموذج".

* لو كنتُ في ندوة او لقاء يتحدث فيه أ. د قاسم حسين صالح عن الانتحار في العراق أمام مختصين محليين واجانب وطرح هذا النموذج وسألته: كم كانت الزيادة واين الوثائق التي تؤيد ذلك؟ او من أين حصلت على هذه المعلومة؟ وهل "صحيفة الحياة" مصدر يتمتع بمصداقية أو مصدر حكومي او ما تنشره حقائق او دراسات جامعية عراقية؟ ماذا سيكون الجواب؟؟؟؟

يتبع لطفاً

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

علي المرهجصورة الآخر هي ليست الآخر (كما يقول الطاهر لبيب). صورة الآخر بناء في المخيال وفي الخطاب". لذلك فمفهوم الذت الآخر هو من اختراع الذات، لا بمعنى إنكار وجوده الواقعي، وإنما وجوده هو وجود تصوري " من وحي المُخيَلة "مُخيَلة الأنا".

من النادر القليل أن ترى الذات في الآخر خيارها الإيجابي في الوجود وفي التكامل المعرفي، وأغلب الأمم تُعاني من تضخم النظرة للذات "القومية" أو "الوطنية" أو "الدينية" وتحصيل الحاصل"الطائفية"، وكلما ازدادت الذات تضخماً، إزداد حضور "الآخر"، في الغالب سلباً، إن كان هذا "الآخر" مُغايراً للذات في المعتقد الأيديولوجي أو الديني أو الطائفي، ويكون الحضور إيجابياً في حال كان هذا "الآخر" مُتماهياً مع مقولات "الأنا" المتضخمة أو مُدرك لسيكالوجيتها المرضية القائمة على النظر للذات بوصفها أكثر نقاءً في الأصل "الوجود" وفي "المعرفة" وإدراكها للـ "اليقين".

هذا الوعي المتضخم للذات هو الذي أنتج ما يُسمى "الهويات الفرعية" التي تأتي كرد فعل للممارسة الاقصائية للذات الشمولية التي تدعي أو يتبنى دُعاتها مقولة "الاصطفاء" ووصف الجماعة الذين هم منها أنها "شعب الله المُختار" أو "سُفن النجاة" من الذين اصطفتهم الإرادة الإلهية، أو اقتضت وجودهم "الحتمية التاريخية" ليكونوا "المخلصين" أو مُلًاك الحقيقة ورُبَانيي "سفينة النجاة"، وأصحاب "الفرقة الناجية" بالمفهوم الإسلامي، الذي تجسد في خطاب بعض الحركات واالأحزاب الدينية مثل "حزب الله".

وقد وظف هذه الرؤية كثير من الأحزاب العلمانية ومنها الأحزاب (القوموية) التي  صيَر بعض مُنظَريها حزبهم بمصاف "الحزب القائد" وأن قائد الحزب والدولة هو الحاكم الفليسوف أو الفيلسوف الحاكم أو "القائد الضرورة" الذي أنجبه التاريخ كي يكون "المخلص" للأمة العربية من هيمنة الاستعمار والتبعية للغرب!!.

الجدير بالذكر أن هذه المفكرة تختلف في مضانَها عن فكرة "البطل" الفرد، أو دور الأبطال في التاريخ، لأنك في التاريخ شواهد لها، ولكن هذا (البطل) لا يُمثل حزباً بعينه، ولا يُدافع عن جماعة بعينها ويُقصي جماعة أخرى، ولا يُعامل مواطنيه على أنهم في مراتب هرمية، فهُناك الكثير من هؤلاء القادة في التاريخ العربي والإسلامي والدولي من الذين آثروا على أنفسهم واتخذوا من أنفسهم أضاحي من أجل تحقيق الحرية لشعوبهم.

من أمثال هؤلاء هُناك مُصلحون ومنهم الأنبياء، ومُفكرون إحيائيون من أمثال "كونفشيوس" و"لاوتزه" و"مارتن لوثر" و"أراسموس" و"مارتن لوثر كنك"، و"الأفغاني و"محمد عبده" و"الكواكبي، وآخرون. وهُناك قادة سياسيون أمثال: "غاندي" و"نلسن ماندلا" و"جيفارا" و"لنكولن" و" عبدالناصر" وآخرون. وهُناك فلاسسفة أمثال: "جون لوك" و"كانت" و"جان جاك روسو" و"فولتير"، وماركس.

وهؤلاء وغيرهم كُثر ممن تنطق عليه صفة "البطل التاريخي" من الذين غيَروا تاريخ أمم بكاملها بتخليصها من تشضي الهوية والتكور حول "الهوية الفرعية" إلى الإنتماء للـ "الهوية الوطنية" والحُلم ببناء هوية أشمل ألا وهي "الهوية القومية" ومن ثم "الهوية الإنسانية" بحثاً عن مُجتمع إنساني أفضل.

لكن فكرة "القائد الضرورة" هي على النقيض من ذلك، فيها تصنيف لهذا القائد هذا على أنه خُلق من طينة غير طينة بني البشر من أبناء جلدته، وهو يفوقهم بدرجات من حيث القوة والحكمة التي حباها الله له دون غيره من البشر، على قاعدة التصنيف الإفلاطوني الثلاثي للناس على أن بعضهم خُلق من (ذهب) وآخرون من (فضة) وغيرهم من (النُحاس)، لذا سيكون الحاكم هو وجماعته من الصنف الأول وباقي الناس بدرجات حسب صيغة الولاء له ولجماعته لا للوطن، فهو الوطن والوطن هو، فيُشبه نفسه بالأولياء والأنبياء، ويُسمي نفسه بأسماء الله الحُسنى!.

إن مثل هكذا رؤية تدفع باتجاه تنمية "الهويات الفرعية"، للمستوى الذي يجعل منها هوية مُباينة لـ "الهوية الوطنية" تحت مظلة "الأنظمة الشمولية"، فبدل من أن تبني هذه الأنظمة ذات الطابع "التوتالتاري" في الحكم وطناً ذا بُعد قومي، غيبت "الهوية الوطنية" بامتدادها القومي، فصار البعض يبحث عن مُماثلات لـ "هويته الفرعية" خارج حدود الوطن كي يحتمي بها، ولربما نكون سدَها المنيع ضدَ كل من لا يرتضي لرؤييتها الأيديولوجية وجوداً، الأمر الذي أدى إلى غياب "الوعي المواطني"، فتخلت بعض الأقليات عن انتمائها "الأثني" لا لقناعة منها بأيديولوجيا "الحزب القائد"، بل لأنها لن تجد لها موطئ قدم في المُشاركة في إدارة الدولة إن لم تُعلن ولائها للحزب والقائد، وإن كان فيهم بعض الشخصيات مؤثرة، فليس لأنها لها القُدَرة على أن تُعلن ولائها الوطني أو القومي أو الديني أو الطائفي، بل لأنهم أمعنوا  في القساوة على أبناء جنسهم لصالح تحقيق وتنفيذ مرامي "الحزب القئد" و"القائد الضرورة"!.

إن وعي الهوية المتضخم يؤدي بالضرورة إلى تنامي "الهويات الفرعية"، وكلما إزدادت "الذات المُهيمنة" تعالياً، ازدادت "الهويات الفرعية" عناداً في إعلانها عن وجودها سواء أ كان هذا الوجود يُمكن تحققه بالمماثلة أو بالرفض والممانعة، وستزداد "الهويات الفرعية" تماسكاً كلما ازدادت "الذات الشمولية" الحاكمة توهماً بأنها تمتلك آليات "الخلاص" بوصفها المالكة للحق والوصية على تطبيقه، لتبحث "الهوية الفرعية" عن تشاكل هوياتي لها خارج المُحيط الجُغرافي والتفاعل الاجتماعي "المواطني"، بل خارج هيمنة السلطة الحاكمة "التوتاليتارية".

إن خطاب "الأنا" أو الذات "المُتضخمة" ينتج بالضرورة خطاباً مُغايراً، يجعل "الآخر" ضداً نوعياً يُهدد وجود "الأنا"، كما هو حاصل اليوم في في خطاب القومويين والإسلامويين، و"المتفرنجين"، بعبارة علي الوردي.

"الآخر" بوصفه مكمل للذات:

هناك من يرى أن صورة "الأنا" لا تكتمل إلَا بوجود الضد "الآخر"، سلباً أو إيجاباً، ففي نفي "الأنا" بترٌ لوجود "الآخر" وحضوره.

نجد (ريكور) يؤكد أن لا اكتمال لوجود الذات "الأنا" من دون وجود "الآخر"، لأن وجود "الذات عينها كآخر"، ومع (ديكارت) نجد أن وجود الذات كذات مُفكرة هو الوجود الحقيقي بمعزل عن وجود "الآخر"، بينما نجد (تشارلس ساندرس بيرس) يصف هذا "الشك الديكارتي" بأنه "شك لا منهجي" بل ليس سوى شك مُفتعل، لأن وجودنا الحقيقي يُدَرك عبر وجودات أخرى، فهُناك كثير من الكائنات الحية مثل "الحيونات" موجودة، تأكل وتتنفس، والشك بوجوودها لا يُمكن أن يكون شكاً منهجياً، "لأنه شك مُختلق لأن ينطلق من بديهية اختلقها هو وسلم بها هو وأنكر من خلالها وجود الأشياء جميعاً والشك في كُل شيء إلَا في كونه إنساناً يُفكر"، لذلك فكل إدعاء للشك في وجودات في واقعنا إنما هو مُعاندة شكية لا منهجية، لأنها خارج مُقتضيات التجربة الحسية.

قيل في المثل العربي "أن الناس أعداء ما جهلوا"، لذلك يُبادر الكثيرون منهم في رفض "الآخر" لمُجرد عدم معرفتهم به، ولكنني أرى أن معرفة "الآخر" تكون في بعض الأحيان أحد أسباب رفضه، وجهل "الآخر" به سبب أكبر للرفض، فمعرفة "الآخر" تعني الغوص أكثر في أنماط تحولاته المعرفية وجذور مُتبنياته الأيديولوجية التي ـ ربما ـ فيها اختلاف في التبني، فعادةً ما يكون أساس التبني عند "الآخر" قائم على الاستنباط والمعرفة البرهانية، فيما يكون نمط المعرفة عندنا قائم على الوجدان والمعرفة الباطنية أو "العرفانية"، وربما يكون هذا الفارق المعرفي أحد أسباب الرفض لا القبول لـ "الآخر"، لمعرفتنا باختلافنا وافتراقنا في الرؤية والمنهج، بل وفي نزوعنا العقائدي والأيديولوجي. أما في جهلنا له ففيه قصد واضح وإمعانٌ في الرفض، فليس من ثقافتنا قبول المُعارض وليس منَا من كان مُخالفاً لنا في الرأي والمُعتقد بحكم "الألفة" مع مُتبنياتنا المعرفية والأيديولوجية التي ورثناها من مُحيطنا البيئي والاجتماعي والتاريخي فجعلنا منها مناط الحُكم على صواب الرؤية المُغايرة لرؤانا من خطئها!، ولم نُكلف أنفسنا فحصها وفق مبدأ "التفنيد" البوبري نسبة لـ "كارل بوبر" أو للتشكيك الديكارتي، فصيَرناها مُسلمات أو بديهيات لا يأتيها الباطل لا من أمامها ولا من خلفها!.

إن وجود "هويات فرعية" ذلك من طبيعة الوجود الإنساني، وهو ليس مُشكل بحد ذاته، ولكن تناميها للمستوى الذي تغيب فيه "الهوية الوطنية" ذلك هو المُشكل الأكبر والأعظم، فلكل منَا انتماء هوياتي فرعي، إما أن يكون عرقي "أثني" أو "ديني" أو "مذهبي"، وأميزها في قبول التنوع هو "الهوية الثقافية" والهوية الثقافية هذه يُمكن أن تكون هوية بلد وتاريخ حضارة ويُمكن أن تكون هوية جماعة مُعينة، ولأنها "هوية ثقافة" فهي بطبيعة وجودها هوية تقبل التنوع والمُغايرة في الرؤية والتوجه الفكري، وحينما تنحو باقي "الهويات الفرعية" باتجاه تفعيل وجودها الحضاري بوصفها "أيقونات" للتنوع الوطني والتكوين المُجتمعي الأشمل، فهي إغناء معرفي وإضافة تنويرية للـ "الآخر" المُختلف، ولكن حينما ينغلق أصحابها على هويتهم ولا يقبلون بوجود "آخر" مُشاركاً لهم في الوجود الاجتماعي والجغرافي المُسمى وطن تلك هي العقبة الكُبرى في بناء "هوية ثقافية" جامعة.

لقد تحولت بعض الجماعات المُتعايشة في الوطن الواحد إلى جماعات مُتصارعة بسبب شيوع الفكر "الدوغمائي" في مُجتمعاتنا سواء في غباء أحزاب السلطة المُنكفئة على رؤاها الأيديولوجية وسوء تقديرها لكيفية إدارة الدولة، أو بسبب تفشي الحركات "الراديكالية" = (الاقصائية) ذات التفكير الأحادي الذي لا يقبل دُعاته ولا مُريدوهم بوجود "آخر" يتبنى وجهة نظر مُغايرة لمُتبنياتهم "العقائدية"، الأمر الذي دفع الكثير من "الأقليات" إما للهجرة، أو الاحتماء بهوية مُماثل لـ "هويتهم الفرعية" فصنفهم البعض بـ "العُملاء" للأجنبي، أو "الولائيين" وتلك صورة لتشظي "الهوية الوطنية" إلى "هويات فرعية" بدَت جليَة وواضحة في المجتمع العراقي بعد الاحتلال الذي مهد لفكرة تشظية "الهوية الوطنية" في العراق إلى "شيعة" و"سُنة" و"كُورد"، وكل مُكون مُجتمعي من هؤلاء إنما صار يُدين بالولاء لجماعة أُخرى مُتضامنة مع نزوعه في التوجه "العرقي" أو "المذهبي" فصار العراق هويات لا هوية واحدة له، وازاد تشضي الهوية إلى أقليات صغيرة صارت تبحث لها عن ملاذات آمنة للخلاص من "داعش" مثل "المسيحيين" و"الأيزيديين" و"التركمان" وكل يبكي على ليلاه، ليلى "الجريحة" = (العراق) أو ما أطلق عليه سليم مطر "الذات الجريحة"، ألا وهي "الهوية الوطنية" التي غيبتها النُخبة السياسية العراقية وتجريحها وتشظيتها بحسب انتماءات هذه النُخب "الولائية" للمُحيط الخارج وطني.

كان بامكننا الاستفادة من "تجربة "مصر" ـ كما يقول سليم مطر في كتابه "الذات الجريحة"ـ ونجاح النُخبة المصرية في خلق "هوية مصرية" تعترف بديمومة الشعب المصري منذُ الفراعنة والأقباط حتى التكوين العربي الإسلامي. أي مُحالولة المُجانسة بين الأصالة المصرية من ناحية، والانتماء العربي الإسلامي من ناحية ثانية". لكن الذي حصل عندنا نحن العراقيين هو العكس تماماً غياب تأثير النُخبة في بلورة وعي وطني حقيقي، الأمر الذي جعل الكثير من العراقيين يشعرون أنهم في واد والنخبة الثقافية في واد آخر.

النتيجة أن صراع الهويات الفرعية بدأ بالأفول لا لأن النُخبة تمكنت فعلاً من إيصال رسالتها، بقدر ما كان لتوازن قوى العُنف وإيمان المكونات المُتصارعة بأن لا إمكانية من إلغاء الآخر المشارك له في الوطن، فالشيعة يمتلكون آلية السطو والغلبة بامساكهم بالسلطة والدعم الخارجي، والسُنة يمتلكون الامكانية على رد الفعل وفض سياسة التهميش بالقوة والدعم الخارجي، وكذا الحال مع الأكراد، وبما أن الديمقراطية لم تفعل فعلها في تهدئة الصراع لأنها (ديمقراطية توافقية) تحمل في مضانها نسفاً للديمقراطية ذاتها، فآثر قادة المكونات الرجوع للصف الوطني بعد أن فعلت قوى العُنف أفاعيلها في تشظي الهوية الوطنية

 

ا. د. علي المرهج

 

محمود محمد عليننتقل للحديث عن الجزء الخامس من مقالنا غواص في كتاب سيبويه، حيث نختم حديثنا عن التحليل البنيوي للمصطلحات التي استخدمها سيبويه، وفي هذا يمكن القول بأن سيبويه نقل إلي الأجيال مصطلحات "الخليل بن أحمد "واستعمالات أسانيده، وأضفي عليه من ذكائه وفطنته وقدرته علي التحليل والاستنتاج، فحاول أن يجعل أبواب كتابه واضحة، سهلة المنال ووضع المصطلحات النحوية وضعا أشرف علي الاستقرار، وفسر بعض المصطلحات ببعض، أو قل عبر عن بعضها بأكثر من تعبير، وحاول صناعة المصطلح النحوي ليستقر في صورته النهائية، وما لم يسعفه جهده بالظفر به لجأ إلي وصفه وتصويره بالأمثلة الكثيرة الموضحة، فكان شأنه في ذلك شأن المعلم القدير الذي يفتن في طرق تدريسه، فتارة يسلك سبيل الاستقراء، وتارة يتبع طريقة الاستنتاج، وهكذا، بل إن سيبويه يري في بعض الأحيان أن المصطلح الذي وضعه يقصر عن تحقيق الغرض، فيردفه بالتصوير والوصف .

ومن الملاحظ أن سيبويه يقتصر في أكثر حدود مصطلحات الكتاب علي التعريف بالمثال، قاصدا به إيضاح المعرف، فيقول في تعريف الاسم : " فالاسم رجل وفرس وحائط " ، وعلل النحاة بعده عدم تعريفه الاسم بالحد بأنه " ترك تحديده ظنا منه أنه غير مشكل " . وفي تعريف الضمير :" وأما الإضمار فنحو هو وإياه وأنت وأنا ونحن  "، وفي تعريف الإشارة يقول :" وأما الأسماء المبهمة فنحو هذا وهذه وهذان وهاتان  " والنصب في المضارع من الأفعال لن يفعل والرفع سيفعل والجزم لم يفعل " ، وافتقاد التعريف بالحد كان أمرا تفرضه طبيعة المرحلة التي يجتازها العلم زمن سيبويه، فقد كان النحو في بدايته، وكان هم النحاة حينئذ جمع المادة العلمية لحفظها وتفهمها، ولم تكن الدراسة آنذاك قد بلغت المستوي الذي يؤهلها لتثبيت المعاني الاصطلاحية بشكل حدود دقيقة .

وفي أمور كثيرة نلاحظ أن كتاب سيبويه يخلو من التعريف المنطقي إلى حد ما ، فهو مثلا لم يعرف الفاعل، ولم يعرف الحال، ولم يعرف البدل، ولا غير ذلك من أبواب النحو، ويكتفي في الأغلب بذكر اسم الباب، ثم يبدأ مباشرة بعرض القواعد المستخلصة من الاستعمال، فيقول مثلا :" هذا باب الفاعل الذي يتعداه فعله إلي مفعوله، وذلك قولك :" ضرب عبد الله زيدا، عبد الله ارتفع هاهنا كما ارتفع في (ذهب)"، وهذا باب ما يرتفع فيه الخبر لأنه مبني علي مبتدأ، أو ينتصب فيه الخبر؛ لأنه حال لمعروف مبني علي مبتدأ "، أو أن يقول :" اعلم أن النداء كل اسم مضاف فيه فهو نصب علي إظهار الفعل المتروك إظهاره، والمفرد رفع وهو في موضع اسم منصوب ". ومن النادر جدا أن نجد عنده تعريفا كالتعريف الذي قدمه عن الفعل بأنه " أمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء، وبنيت لما مضي، ولما يكون، ولم يقع، وما هو كائن لم ينقطع ."، وإنما جل تعريفاته تقوم علي التمثيل كقوله :" الاسم: رجل وفرس وحائط " . أو تمييز المعرف بشئ من خواصه كقوله :" والتضعيف أن يكون آخر الفعل حرفين من موضع واحد، وذلك نحو رددت، واجتررت، وانقددت، واستعددت .." ، وهكذا فإن كتابه كله علي شموله لا يخرج عن هذه الأمثلة من التعريف، وهو دليل علي أنه لم يطبق المنهج الأرسطي فيه وقد يكون دليلا على أنه لم يعرف هذا الأصل في المنطق الأرسطي معرفة كان من الجائز أن يبدو لها أثر في الكتاب قبولا أو  رفضا " .

ولذلك من النادر جداً أن نجد عند سيبويه تعريفا دقيقا، كالتعريف الذي قدمه عن الفعل بأنه " أمثلة أخذت من لفظ أحدث الأسماء، وبُنيت لما مضي، ولما يكون، وما لم يقع، وما هو كائن لم ينقطع " ؛ أي أن الأفعال أبنية أو صيغ مأخوذة من المصادر، فهي تدل بمادتها علي المصدر، أو الحدث، وبصيغتها علي زمان وقوعه من ماضٍ أو حاضر أو مستقبل، ويفرق بين هذه الأقسام بالتمثيل، وجل تعريفاته في الكتاب تقوم علي التمثيل، أو تمييز المعرف بشئ من خواصه، كقوله :" والتضعيف أن يكون آخر الفعل حرفين من موضع واحد، وذلك نحو : رددت، وددت، واجتررت، واستعددت "، وهذا التعريف يعد من قبيل الحد بالرسم، وفي هذا النوع من التعريف تحصر خواص التعريف أو علاماته أو تذكر علامته البارزة التي تميزه عن غيره، وهنا ذكر خواص المعرف وفرق بين أقسامه بالمثال لا بالتعريف .

وفي بعض الأحيان يذكر سيبويه حدودا إذا اشتبه بغيره، فيميزه، أو يجمع صفاتهما معا في تعريف واحد ليخلص لقاعدة النحو تجمعهما في مثل تعريفه لنون التوكيد الخفيفة والتنوين، إذ يقول : " النون الخفيفة والتنوين من موضع واحد، وهما حرفان زائدان، والنون الخفيفة ساكنة كما أن التنوين ساكن، وهي علامة توكيد كما أن التنوين علامة المتمكن فلما كانت كذلك أجريت مجراها في الوقف، وذلك قولك اضربا إذا أمرت الواحد وأردت الخفيفة " .

ويستخدم سيبويه أحيانا الحد بالنقيض أو الضد في قوله في حد الحرف :" وحرف جاء لمعني ليس باسم ولا بفعل " . وفي مثل هذا التعريف لن تستطيع معرفة الحرف دون أن تكون مدركا لمفهومي الفعل والاسم، وهكذا في الحدود في كتاب سيبويه لا تخرج عن المثال أو العلامة، أو الوصف، أو الضد.

من كل ما سبق يتضح لنا أن سيبويه لم يتجاوز المرحلة التجريبية في كتابه، ويمكن أن نجمل مظاهر هذه النزعة لديه علي النحو التالي :-

المظهر الأول:  أن الحدود النحوية المرتبطة بالمصطلح النحوي، والمصطلح النحوي في زمن سيبويه لم تستقر بعد، وصياغة الحدود أو التعريفات   لا تستقر إلا باستقرار المصطلح، والمتتبع لمصطلحات كتاب سيبويه يواجه صعوبة كبيرة في تحديد أطرها، وجمع المتشابه منها إلي بعضه، وذلك للأساليب التي كان يسلكها في التعبير عن هذه المصطلحات، فهو إما يحوم حول المصطلح بالوصف، والتصوير، والتمثيل بالنظير، وذكر النقيض، وإما يورد المصطلح بصور وأشكال مختلفة من  التعبير، ولهذا لم تصغ التعريفات الأولي للمصطلحات النحوية الصياغة نفسها التي صيغت فيها فيما بعد.

المظهر الثاني:  تخلو الحدود النحوية في هذه المرحلة من الحدود المنطقية الأرسطية، وقد كان اهتمام النحاة في هذه المرحلة الوصول إلى إدراك فهم المصطلح النحوي وعناه دون أن يهتموا بالأسس الفلسفية في صياغة هذا المعني، أو المفهوم، لهذا نجد الحدود النحوية في هذه المرحلة حدودا لغوية وصفية تمثيلية في أغلبها.

المظهر الثالث:  ارتباط الحدود النحوية باستنباط القواعد، والأحكام النحوية وتطبيقها، فعندما يعرف سيبويه الاسم بالمثال ويقول "الاسم رجل وفرس وحائط" نجد في مثاله قاعدة يقاس بها بمعرفة الشبه بينها، وبين المثال فنميز بين الاسم وسائر الكلمات إلي حد ما، إلا أن بعض الأسماء لا نستطيع قياسها علي هذا المثال كأسماء الاستفهام وصياغة الحدود بالمثال تناسب مرحلة الاستقراء والتحليل التي يمر بها النحو العربي مع سيبويه قبل أن يصل إلي الصياغة العلمية الموضوعية المنظمة .

المظهر الرابع:  لا يهتم سيبويه بشكل الكلمة في التركيب اللغوي قدر اهتمامه بمعناها ووظيفتها وصلتها بغيرها من مفردات الجملة ؛ ومعني هذا أن التصنيف النحوي المؤسس علي شكل الكلمة الإعرابي لم يعرف بطريقة حاسمة إلا فيما بعد، حينما تحول الحديث عن الإسناد، وأنواعه، وأجزائه، وخواصه إلي حديث عن الأشكال الإعرابية : مرفوعات، ومنصوبات، ومجرورات، ومجزومات . وهذا موقف طبيعي ؛ إذ إن الحديث عن الشكل أو عن القاعدة النحوية مجردة من النص اللغوي لا يتأتي إلا بعد فترة زمنية تسمح للتفكير المنطقي – لا السليقة اللغوية – أن يتدخل فيصيغ القاعدة النحوية لنظرية تجريدية ولا يتلاءم هذا عقليا مع عصر سيبويه .‏

المظهر الخامس: عند تتبعنا للحدود النحوية في كتاب سيبويه وجدناها قليلة جدا، وما ذكر منها اعتمد علي التمثيل في أكثره، وهذا النمط من التعريفات هو السائد بين النحاة زمن الخليل وسيبويه وتلاميذهما، فالأخفش (215 هــ) مثلا يحد الاسم فيقول :" الاسم ما جاز فيه نفعني وضريني"، وسار المبرد" في المقتضب علي نهج سيبويه، غير أنه يضيف على حدود سيبويه في بعض الأحيان كما في حده للاسم، وينقلها كما هي في أحيان أخري كما في حده للضمير .

المظهر السادس: المصطلحات النحوية المألوفة في الكتب النحوية لا نعثر عليها إلا نادرا عند سيبويه، وهذا بدوره موقف طبيعي يتفق مع أولويات البحوث العلمية قبل أن تستقر أوضاع العلوم وتثبت مصطلحاتها . ومن أجل ذلك نجد سيبويه يلجأ إلي مصطلحات فجة بدائية ؛ وقد يستعيض عن ذلك بالدوران حول القضية، أو المسألة علي الظاهرة النحوية ؛ مثل هذا باب ما ينتصب من الأماكن والأوقات، وذاك لأنها ظروف تقع فيها الأشياء، وتكون فيها، فانتصب لأنه موقوع فيها، ومكون فيها، وعمل فيها ما قبلها، كما أن إذا قلت أنت الرجل علما عمل فيه ما قبله، وكما عمل في الدرهم عشرون إذ قلت : عشرون درهما، وكذلك يعمل فيها ما بعدها، وما قبلها، ولقد صيغ هذا كله فيما بعد بهذه المصطلحات الثلاثة : ظروف الزمان، وظروف المكان، والتمييز .‏

المظهر السابع:-  ظاهرة الاستطراد شائعة عامة في كتاب سيبويه ؛ فالمسألة الواحدة تستدعي مسائل أخرى، والموضوع قد يتشعب إلى موضوعات عديدة، وصنيعة هذا يعد صورة مصغرة لما كان يجري بين العلماء، وفي مجالسهم سواء كان الدرس اللغوي أو النحوي شفويا ؛ غير أن استطراد سيبويه لا يبعد القارئ في هذا الاستطراد نوعا من المتعة العلمية حيث يعرض عليه نماذج من النصوص اللغوية مصحوبة بالبيان والشرح، وذلك عكس ما نجده في الكتب النحوية المتأخرة؛ حيث يكون الاستطراد مصحوبا بذكر الخلافات، والمناقشات،وتعارض الأفكار، وتشابك الآراء  .‏

المظهر الثامن: يكثر سيبويه من الأمثلة والشواهد بدرجة لا نظير لها عند غيره من النحاة ؛ ويتضح من ذلك أنه يريد جمع المتشابهات، وعرض النماذج، رغبة في توضيح الفكرة، وبيان ما يلازم استعمالها من اطراد ؛ ومصدر سيبويه في التمثيل آيات القرآن الكريم. وكلام العرب شعرا ونثرا، ثم ما يصطنعه هو من التراكيب اللغوية لأغراض خاصة .

المظهر التاسع : قلما يلجأ سيبويه إلي التعليل لبعض القواعد النحوية، أو الظواهر اللغوية، وهو – إن فعل – لا يلجأ إلي التعليل المنطقي المتسم بالتجريدية، ولا إلي التعليل العقلي المتعب ؛ وإنما هو تعليل فطري في متناول الكثير، تعليل مستمد من فهم النص اللغوي فهماً لا تكلف فيه، ولا صنعة ؛ وذلك مثل :" ومن ثم قال يونس امرر علي أيهم أفضل إن زيد وإن عمرو، ويعني إن مررت بزيد أو مررت بعمرو" .‏

من كل ما سبق يتبين لنا أن كتاب سيبويه حمل نزعة تجريبية، وهذه النزعة تمثل المرحلة الثانية من نشأة النحو، وهي تلك المرحلة التي تبدأ بالخليل بن أحمد وتنتهي بسيبويه، فتمتد بذلك قرناً ونصف القرن من المرحلة التي شهدها النحو العربي لدى أبي الأسود الدؤلي، وقد بينا أن هذه المرحلة من أهم المراحل التي مر بها النحو العربي، إذ شهدت تحولاً كبيراً في التعامل مع مادته المستمدة – في أغلب الظن – من منهج وصفي – علي وفق ما وصفت به المرحلة الأولي إلي منهج تجريبي . وإذا كانت الآلية الشفاهية هي الطريقة الوحيدة في النظر إليه في المرحلة الأولي، فإن الأمر انقلب تماماً عند سيبويه الذي أنتج لنا نظرية نحوية مدونة ومؤسسة علي منهج تجريبي واضح يشير إلي نضوج التفكير النحوي عنده، الأمر الذي يعني أن المرحلة التي سبقته كانت مرحلة ناضجة أيضاً، ولكنها لم تفلح في تأسيس نظرية مدونة، ليصبح سيبويه – فيما بعد – رائداً لعملية التدوين وبداية لمرحلة جديدة في تاريخ النحو، إذ إن النظر إلي الكتاب ينبئ عن رصانة التفكير النحوي، وتمكن العقل العربي من الانقلاب به من مجرد المشافهة إلي مشروع فكري ناضج خاضع لمنهج تجريبي ناضج أيضاً .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل- جامعة أسيوط

 

عدنان عويدإذا كانت العلمانية في أبسط صورها هي فصل الدين عن السياسة وتركها لشؤون الناس واختياراتهم كما تذكر الآية الكريمة: (وأمرهم شورى بينهم)، سورة الشورى: آية 38.  فهي أيضاً في سياقها العام، فصل الدين عن مسارات التطبيق العملي للكثير من القضايا العلمية والحياتية في حياة الدولة والمجتمع انطلاقاً من قول الرسول الكريم في حديث تأبير النخل:  (أمور دنياكم أنتم أدرى بها).

إن الدين جاء قبل كل شيء دعوة أخلاقية: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). هذا إضافة لكونه دعوة عقيديّة، أي دعوة إلى التوحيد (قل هو الله أحد...)، ورفض الشرك بالله. والدين عقيدة تقوم الدعوة لها على الإقناع بالحسنى وليس بالقوة، (إدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن.) (النحل125))، وعدم إكراه الناس فيها. (أفأنت تكره الناس على أن يكونوا مؤمنين.) (يونس99).

أما الآيات التي تحدد الأحوال الشخصية في الزواج والطلاق والإرث وآيات الجزاء المتعلقة بالسرقة والغش والتعدي على الآخرين فهي بمجموعها لا تتجاوز في متن القرآن الكريم الـ (124) آية. وبعد حذف المكرر منها، تصل إلى (84 آية). ومع ذلك يطغى الجانب الأخلاقي على القانوني أيضاً في التعامل مع الجزاءات، حيث يمكن العفو عن المخطئ بحق الناس من قبل الناس أنفسهم من باب التسامح والعفو كما تذكر الآية الكريمة: - وقال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّـهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران:133-134

إذن إن القرآن لم يكن كتاباً علمياً أو كتاب سياسة، أو كتاباً يدعو إلى  تقديسٍ للإنسان والأشخاص، أو رافضاً للعقل والتمسك بالنقل، أو تحكيم العاطفة والركون إلى التصورات المثالية والحدسية في تحليل آليات عمل الطبيعة والمجتمع، أو قمعاً للإرادة الإنسانية ودفع الإنسان للخضوع والاستسلام لقدره من باب الجبر واللوح المحفوظ، أو غير ذلك من آراء وأفكار ظلاميّة بشر بها العديد من فقها وعلماء الدين الجموديين الاستسلاميين الرافضين لفتح باب الاجتهاد، وبالتالي اعتبار ما قاله أو قرره هؤلاء وفقاً لمناهجهم التي تجاوزها الزمن هي أمور مقدسة أيضاً جبت النص المقدس ذاته (القرآن) وأقصته، وفّرض علينا التمسك بما قالوه شرحاً وتفسيراً وتأويلاً ورواية وقصصاً، على أنها أقوال وأفعال مقدسة قالها ومارسها أهل السلف الذين لم يضلوا الطريق الصحيح، وهم كالنجوم الهادية، بغض النظر عن كل صراعاتهم، وما تحقق من سفك لدماء المسلمين في عصرهم بسبب هذه الصراعات التي تهدف بالغالب إلى تحقيق مصالح أنانية ضيقة وخاصة في البعد السياسي، وبالتالي هي لا تخدم الدين ومقاصده الإنسانية التي جاء من أجلها،.!!.

إن الإنسان في ديننا الإسلامي هو خليفة الله على الأرض، كلفه الله بهذه الخلافة كي يعمر هذه الأرض ويعمل الخير لدنياه وآخرته وفقاً لمقاصد الدين الإنسانية، ووفقاً لظروف العصر التي انوجد فيها هذا الإنسان، وهذه الخلافة لا تعطى لجاهل وأمي ومسلوب العقل والإرادة والتفكير والمسير كالأعمى من قبل غيره.

إن ما يهما هنا هو التأكيد على أنه: في الإسلام لا يوجد عند قوم سلطة دينية (كنسية) بوجه من الوجوه، والسلطة الدينية في الدين هي سلطة الموعظة الحسنة والدعوة إلى الخير والتنفير من الشر، وما للخليفة أو القاضي أو المفتي أو الشيخ مهما يكن في الإسلام  من سلطة على الناس إلا بالموعظة الحسنة. فالإسلام لم يجعل لأحد من هؤلاء من سلطة على العقائد وتقدير الأحكام من عنده فيها إلا بما يتفق ومقاصد الشرع ومصالح الناس، أو تجعل منه رجلاً مقدساً نزحف على ركبنا للوصول إليه أو نستنجد بكراماته عند الضيق. (ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون) (الزخرف -2). فالذين يخلفون هم بشر من لحم ودم يخطئون ويصيبون، وليسوا ملائكة مقدسين.

أما بالنسبة للموقف الفكري ألعقيدي العقلاني التنويري والجدلي من الحياة الاجتماعية والطبيعية، فقد حددها الشيخ الإمام "محمد عبده" بقوله الرائع: (نعم إن الإنسان إنسان بفكره وعقائده، إلا أن ما ينعكس إلى مزايا عقله من مشاهد نظره ومدركات حواسه يؤثر فيه أشد التأثير، فكل شهود يحدث فكراً، وكل فكر يكون له أثر في داعية، وعن كل داعية ينشأ عمل، ثم يعود من العمل إلى الفكر، ولا ينقطع الفعل والانفعال بين العمال والأفكار ما دامت الأرواح في الأجساد، وكل قبيل هو للآخر عماد.). (1). أو بتعبير آخر: من المشاهدة الحيّة للظواهر، إلى التفكير المجرد بها، إلى ممارستها وفق حاجات الإنسان. فيهذا الفهم الجدلي بين الفكرة والواقع يفهم الإنسان الحياة في سيرورتها وصيرورتها التاريخيتين، ويفهم الدين (العقيدة) كسلطة معرفية لا تمارس قسرها وجبرها على الناس، وإنما تترك للناس حرية فتح النص على كل دلالاته الإنسانية خمة للإنسان نفسه ومصالحه الخاصة والعامة التي لا تتضارب مع مصالح الاخرين.

أما المفكر الإسلامي الكواكبي، فقد كان من أول الذين نادوا بتطبيق العلمانية وفق هذا الفهم التنويري ،عندما نادى بفصل الدين عن الدولة في مجتمعه المتعدد الديانات والطوائف والمذاهب، و ضرورة تحقيق روح الإخاء والمحبة بين مكونات المجتمع حيث يقول: (هذه أمم استراليا وأمريكا قد هداها العلم لطرائق شتى وأصول راسخة للاتحاد الوطني دون الديني، والوفاق الجنسي دون المذهبي... دعونا يا هؤلاء نحن نتدبر شأننا ونتفاهم بالفصحاء ونتراحم بالإخاء... دعونا ندبر حياتنا الدنيا، ونجعل الأديان تحكم بالأخرى فقط...دعونا نجتمع على كلمة سواء، ألا وهي: فليحيا الوطن، فلنحيا للقاء أعزاء). (2).

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث – ديرالزور –سوريا

.............................

1- محمد عبده – الأعمال الكاملة – تحقيق محمد عمارة-  ج2 – ص35- المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت – 1979

- راجع . د. عدنان عويّد. (إشكالية النهضة في الوطن العربي من التوابل إلى النفط). دمشق . دار المدى. ط1. 1977. ص 94.

 

 

 

مجدي ابراهيمليس من شئ أهم ولا أولى بالعناية في القرآن من العقل، ولكن أي عقل؟ وبأي معنى؟ هل هو العقل المنطقي الاستدلالي أم العقل الإيماني الذي عن البصيرة ينشأ فيكون؟ إننا إذا تأملنا آيات القرآن الكريم نجد الحِثَّ على استخدام العقل بما يقرب من الخمسين موضعاً؛ فطلب المعقول إذن فريضة قرآنية. وبنور العقل عُرف الشرع. هذه بديهةٌ لا ينكرها أحد، لكنها من جانب آخر بديهة موقوفة على الإدراك العلوي والاستبصار الذوقي، وليست هى البديهة التي تتقرَّر في القرآن كما تتقرَّر حقيقتها في الفلسفة النظريّة.

رسالة العقل في الإسلام مع كل ما أشارت إليه آيات الكتاب هى حضور العقل فهماً عن الوحي، والعقل ها هنا ليس هو بعقل الفلاسفة، ولا هو بالحجة التي يستند إليها الفيلسوف في محاولة توفيقه بين الفلسفة والدين، إنمّا العقل هنا هو "نور الغريزة" الفطري، كما أراده الحارث بن أسد المحاسبي (ت 243ه)، جاعلاً إيّاه أساساً نستخدمه لفهم القرآن وللعلم به وللعمل على السواء.

وحضور العقل معناه حضور العلم في صدر العالم، ولا يتمُّ علم العلماء لهم، ولا لغيرهم، ممَّن يريدون منهم المعرفة ويستنبطون أحكامها ويتلقطون إشاراتها، فيتلّقون عنهم لطائفها حتى يكون العقل قائداً لهم وهادياً: " فأهلُ العلم بكلام ربهم عزّ وجلّ هم أهلُ الصفاء من الأدناس، وأهل الخاصّة من الله عزّ وجلّ الذين أشعروا فهمه قلوبهم وتدبروا آياته عند تلاوته بألبابهم". إنما العزلة عن العقل من قلة الدين، والبعد عنه هو بعدٌ عن التفهيم والتنوير، وهو كذلك بعدٌ عن التدين الرشيد. فإذا أحضر الإنسان عقله، وهو نور الغريزة لدى المحاسبي، فإنه متلقٍ مع ما في القرآن من نور ورحمة، وموعظة وبيان، وحق وبصائر. وحضور العقل على الحقيقة من جانب الإنسان يؤهله إلى أن يعظم عنده قدر ما ينال بفهمه من النجاة، وما في الأعراض عن فهمه من الهلكة.

ونحن لا تستغرب حين تجد كلمة العقل ومشتقاته ترد في القرآن تسعاً وأربعين مرة وتكرر مثل هذا التكرار على اختلاف الآيات التي ذكرت فيها مثلما تتكرر كلمة " النور" ومشتقاته، بنفس العدد تسعاً وأربعين مرة ممّا يحيطك علماً بأن العقل هنا هو نور الغريزة، وأن مدلول النور في القرآن قد يترادف مع مدلول العقل على المعنى الذي يكون فيه العقل فيضاً من الأنوار الإلهيّة.

وربط العقل بفهم القرآن من الضرورة العمليّة بمكان، بحيث لا ينفصل العقل البصيري عن أداء وظيفته العلويّة : شهود الفعل الإلهي في كل حال، واستبصار المرء للأشياء كونها من فعل الله. ومن شدّة توكيد القرآن على نور العقل في الهداية إلى الإيمان، أن الله قد جَعَلَ الرّجسَ على الذين لا يعقلون، والرجسُ هو السخط أو العذاب، فكأنه بهذا الاعتزاز بنور العقل كقيمة علوية تهدي الإنسان إلى حقيقة الإيمان يقرِّر بأن الذين لا يعقلون فلا يهتدون، هُم من ثمَّ أهلُ السخط من الله، وهم أهل للعذاب بما غيَّبوا العقل فمنعوه من الهداية وحجبُوه عن الإيمان:

(وما كان لنفس أن تؤمن إلّا بإذن الله ويجعلُ الرِّجس على الذين لا يعقلون).

لكأنما تعلقُ الإذن بالإيمان على المشيئة الإلهيّة هنا إنما هو إذن للعقل بتعَقُّل الإذن المعلّق على الله، وفي غياب إذن العقل لفقه الحكم (حكم المشيئة) يكون السخط ويحل العذاب؛ لأن في هذه الغيبة تعطيلاً للعقل لا يرضاه القرآن فيقرِّر السخط والعذاب على الذين لا يعقلون!

ولك إنْ شئت أن تسحب من فورك هذا المعنى لتطبِّقه على خصائص الحياة العقلية كما عرفتها العقول الرشيدة على وجهتها المثلى، وكما ينبغي أن تعرفها عقول الأمة الإسلامية في واقعها الفكري الراهن، فهل ترى في هذا الدين ما من شأنه أن يكبِّل حريّة العقل والتفكير، أو يقيِّد دور الفكر خاصَّة في حياتنا العقلية والروحيّة والثقافيّة ؟

فإذا أنت لم ترْ شيئاً من هذا كله، فقل: سبحان الله في أسرار هذا "الكتاب" الذي هو نعمة عظمى لقوم يؤمنون.

هذه الخاصيّة ( خاصية العقل البصيري) من الأهمية بمكان كونها ذاتية خاصّة للقرآن، وهى خاصيّة مستنبطة من الحارث بن أسد المحاسبي في كتابه الممتاز "العقل وفهم القرآن"؛ إذ أشار فيه إلى تعريف العقل كونه غريزة في طبيعة الإنسان، ولكنه مع ذلك لم يجعله غريزة وكفى بل نراه يقضي بأن العقل قوة متفاوتة على درجات ومراتب ولم يقصره على الغريزة فقط. يتدرج الإنسان من عقل الغريزة إلى عقل البصيرة والإشراق : عقل الغريزة بدايةُ من بداية الطريق، وعقل البصيرة نهاية إدراك العقول والألباب؛ لأن الإنسان ينتهي به إلى مراحل الكشف والمشاهدة كما فعل الغزالي بعده وحَدَّد بما فعل طرائق السير ثم طرائق الوصول.

غير أن المحاسبي ينقلنا من عقل الغريزة إلى عقل البصيرة؛ لتجيء مراحل السلوك عنده تبدأ من "الطاعة" التي فهمها عقل الغريزة وتولّاها بالرعاية والعناية، ولا يزال الإنسان يتدرج فيها حتى يُسلمه عقل الغريزة إلى عقل البصيرة :" ففي هذا الطريق يتعرَّف الإنسان؛ كما يقول، على عظيم قدرة الأشياء النافعة في الدنيا والآخرة، وهنا موطن العقل عن الله، حيث تتجلى للإنسان خلال التجربة العقلية الفاعلة بالذات، قدرة الله في هذا الكون، وتسخيره الأشياء لمنفعة الإنسان، بشكل تكون فيه هذه البصيرة في النهاية سبباً لطاعة الله طاعة عقليّة؛ ذلك أن الإنسان لدى المحاسبي إنمّا بالعقل وحده يطيع الله، وهو عقل البصيرة، الذي عن عقل الغريزة يكون.

ولا يبلغ الإنسان ذروة الكمال إلاّ حين يستشعر المعرفة من الله، ومعرفة الله أكبر من مستطاع العقل الكامل، ولأجل ذلك؛ كان الله هو أول المعارف، ففيه تاهت الألباب عن تكييفه وتحيرت العقول عن إدراكه". فعلى هذه المعرفة سوف تنبني المعرفة العقليّة القرآنية، وسوف يصير العقل موصولاً بالله أجلّ اتصال وأكرمه.

فكامل العقل هو الذي يعقل عن الله معرفته، ويقرُّ بعقله أنه عاجز عن إدراك كُنْهِ معرفته. وقصور العقل البشري عن إدراك حقيقة الله لا ينقص قيد أنملة من قيمة العقل لا عند المحاسبي ولا عند غيره من أقطاب التصوف السُّني خاصّة. وإنما هو على العكس من ذلك تماماً : اكتمالٌ لهذا العقل وتحديدٌ ممتاز لقيمته. فإن هذه القيمة تتبلور من غير شك في وعي العقل لحدوده، وأولها عجزه عن الإحاطة بموضوع "الله".

فالعقل البصيري يستوعب عقل الغريزة ويكون نتيجة لجهوده في الطاعة، وثمرة من ثمار الفهم وتتويج المجهود. وبهذا الجمع المتقن تتحقق معاني العقل عند المحاسبي : النظريّة والعمليَة، ولا أهمية لعقل الغريزة دون أن يُفضي إلى عقل البصيرة والإشراق، ولا غنى لأحدهما عن الآخر في بداية الطريق وفي منتهاه.

وإذا ذُكرَ العقل ذكرت من فورها المعرفة، وبناءً عليه يحدد المحاسبي طبيعة المعرفة التي يعقلها الإنسان عن ربه وتتضمن ثلاث خِلال :

(1) الخوفُ من الله تعالى، والقيام بأمره، وقوة اليقين به، وبما وعد وتوعد.

(2) حُسنُ البصر بدينه بالفقه عنه فيما أحبّ وكره من علم ما أمر به وندب إليه.

(3) الوقوفُ عند الشُّبَهات التي سمى الله الوقوف عندها رسوخاً في العلم.

وينبّه على أهمية الفرائض الشرعية وأداء التكاليف؛ لأن المعرفة بدون العمل والعبادة لا فائدة منها؛ إذْ يقول في كتابه "الوصايا" :" ألا فانكمشوا في الفرائض التي يسخط الله على من يضيعها، ويفوز العباد بأدائها".

ولكن مع هذا كله؛ ينبغي أن نتذكر أن العقل مطلق العقل هنا محدود، وبخاصة إذا تعلق الأمر بمجال التفسير الإشاري : وأن التفسير الإشاري لا يعتمد اعتماداً كلياً أو مُسْرفاً على العقل مطلق العقل، كما تعتمد الفلسفة النظريّة عليه اعتماداً كلياً، لا إنمّا هو يعني بالأمور العقليّة بالقدر الذي يُعْنَي به الصوفية بالعقل، ونعني به أن الذهن آله لتصحيح الإيمان في مراحل البداية، أمّا فيما فوق ذلك وفيما هو حثيث الخطو نحو المعارف العليا؛ فهناك ملكات أخرى يُنَاط بها حمل هذا العبء؛ وهى في مذهب القشيري تتدرج صعوداً من القلب إلى الروح ثم السّر أو عين السر . وهكذا؛ فالصعود لا نهاية له.

معنى هذا أن استنباط الإشارات اللطيفة من النَّص القرآني ليس عمليّة عقليّة صرفة إلاّ في الحدود التي تتضمن عدم افتيات الإشارة على العبارة، فلا تخرج بها عن مألوف ما ينسجم مع الأسلوب العربي سواء من حيث اللغة أو النحو أو الاشتقاق أو الفنون الأدبية، ولا تخرج بها عن الدلالات التي توافق أسباب النزول والأخبار الموثوقة وعلوم الحديث والأصول والفقه؛ فكأن الإشارة، فيما يقول الدكتور إبراهيم بسيوني في دراسته لكتاب لطائف الإشارات للقشيري، ليست انبعاثاً تلقائياً محضاً ولكنها مقيّدة منذ البداية بالكثير من العلوم العقلية والنقلية؛ فما أشبه موقف اللفظة القرآنيّة في هذا المجال بموقف من يتهيأ لارتياد الطريق الصوفي نفسه؛ فكلاهما يتعرى عن ظاهره، وكلاهما يخضع لما تتطلبه المعارف العقلية والنقليّة من شرائط البداية، وكلاهما يصبح صافياً رائقاً يشف درجة بعد درجة كلما زاد الصعود وارتقى القصود؛ فاللفظة القرآنية فيها حياة وفيها نموّ، وفيها عوالم مضيئة متألقة تشبه تلك العوالم التي يتدرج فيها العابد الزاهد المريد العارف المحبّ".

وهناك على الجانب الآخر دراسة مهمة نوهت إليها في مقدمة هذه الحلقات القرآنية، تسمح بالقول إنه ليس من شك أن التمرّس على مواجهة القرآن يحتاج إلى معرفة عميقة بالثقافة العربية الإسلاميّة تظهر في المناقشات العلمية المتعمقة لقضايا متشعبة في الدين الإسلامي والتفسير وعلم الكلام والفلسفة الإسلامية واللغة العربية والأدب العربي القديم، وهو الأمر الذي فعله صاحب الدراسة الممتازة عن "الله والإنسان في القرآن : علم دلالة الرؤية القرآنية للعالم" العلامة الياباني الدكتور توشيهيكو إيزوتسو . وبصرف النظر عن اختلافنا أو اتفاقنا في بعض المسائل التي طرحها، والآراء التي أخذ بها وتم تكييفها تكييفاً دلاليّاً، فإن الجانب الوضئ في دراسته هو ترجمته الدقيقة للشواهد الوافرة التي اقتبسها من القرآن الكريم ومن الشعر الجاهلي (الذي استغرق فيه فوق الكفاية)، ويمتاز بلغة غريبة أحياناً، ربما يصعب حتى على العربي المتخصص فهمها وشرحها بدقة ممّا يعكس تمكنه من العربية وفنونها وتراثها الثقافي عامة.

عندي أن العقل في مجال الإشارة المستنبطة من العبارة محدود إلّا أن يكون بصيرياً كاشفاً عن ذوق البصيرة، دالاً من الوهلة الأولى على الإحالة الناقلة من محدوديّة العقل إلى عمل الكشف والبصيرة، وإلّا فهو ضرب في عماية؛ لذلك توجّب على العقل أن يعرف حدوده وحدود ما يعمل فيه، وأن يحيل إلى مراتب أعلى من مدركاته المحدودة؛ هى بلا شك مدركات الاستبصار ومراتب العقل البصيري.

(وللحديث بقية)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

سليم مطرلا يمكن فهم تاريخ الاوطان، دون فهم جغرافيتها..

من ينظر الى الخرائط الطبيعية للعالم، يلاحظ ان جميع القارات والمجموعات الاقليمية والبلدان، بل حتى المدن والقرى، لم تخلقها إرادة ملوك او دول، بل ظروف الجغرافية هي التي حتمتها. 

931 سليم 1

 (طبعا لكل قاعدة استثناء، فـ(دولة إسرائيل) مثلا، خلقتها أساسا ولا زالت تحميها إرادة جماعات ودول لها مصلحة بها). 

931 سليم 2

مثلا، قارة اوربا، لولا البحر المتوسط لما تميزت عن عالم الضفة الشرقية (العالم العربي). لولا (جبال البيرنة)، لما تميزت (اسبانيا) عن (فرنسا).  لولا (جبال الالب) العملاقة الشاسعة لما تميزت وانفصلت هذه البلدان: ايطاليا وسويسرا وفرنسا والمانيا والنمسا.  لولا (الخليج العربي)، لما تميزت (ايران وإفغانستان وباكستان) عن (الجزيرة العربية). لولا مضيق (جبل طارق) لما تميزت (المغرب) عن (اسبانيا). ان (شبه القارة الهندية) التي تضم عدة بلدان، رغم اختلاف لغاتها وحتى أديانها، فانها تشترك بتاريخ سياسي وحضاري وعرقي تراثي وعاطفي. لانها جغرافيا منفصلة عن ما يجاورها، بحدود كبيرة: جبال الهملايا وجبال افغانستان وجبال الكاراكورام والمحيط الهندي وبحر العرب. (مؤرخنا ـ ابن خلدون ـ اول من ربط التاريخ بالجغرافيا).

شبه القارة العربية

931 سليم 3

تتميز جغرافيا (العالم العربي)، أي العالم الذي يقع في (الضفة المقابلة للعالم الاوربي)، ويمتد جنوبا، في القسم الافريقي الى (جنوب الصحراء وحدود افريقيا السوداء)، وفي القسم الآسيوي حيث ضفاف (بحر العرب) في الجزيرة العربية:

اولا، ليست هنالك حدود وموانع طبيعية بين بلدانه مثل (الجبال والبحار والأدغال)، بل هي اراض سهلية تتخللها بعض الانهار الداخلية (مثل دجلة والفرات والنيل) وكذلك الجبال الداخلية (مثل جبال الشام والمغرب واليمن). بالاضافة الى تشابه كبير في المناخ المعتدل والطبيعة شبه الصحراوية. كذلك ان هذا التشابه في البيئة يخلق تشابها في النباتات والحيوانات (مثال انتشار النخيل والجمال)، كذلك تشابها في التقاليد والامزجة والقدرات البدنية.

ثانيا، ان هذا (العالم العربي) منفصل بموانع طبيعية جبارة عن محيطه الآسيوي والافريقي والاوربي: عن آسيا بـ(جبال زاغاروس) و(الخليج العربي) و(المحيط الهندي). عن اوربا ـ الاناضول ـ بجبال(طوروس) والبحر المتوسط. اما عن (افريقيا السوداء) فبـ(البحر الاحمر) وجبال وادغال وسط افريقيا.

التجانس والتقارب عبر التاريخ

931 سليم 4

نتيجة هذه الوحدة الجغرافية وتجانس البيئة والمناخ، طيلة التاريخ، ظلت شعوب (شبه القارة) هذه تتنقل في هذه السهول المفتوحة وتختلط وتؤثر ببعضها البعض. يمكن اعطاء بعض الامثلة:

1ـ التأثيرات المشتركة بين اول واقدم حضارات هذه المنطقة: المصرية والعراقية والشامية. ولقد لعبت الشام دائما دور الوسيط الجغرافي الحضاري بين العراق والشام. اسطع مثال على هذا التجانس الحضاري، إنبثاق الكتابة الابجدية في (الشام) نتيجة تمازج المسمارية العراقية والصورية المصرية. كذلك إنبثاق (العرفانية) وذروتها (المسيحية) نتيجة تمازج الاديان القديمة. ليس صدفة ابدا، ان الاسلام اعتبر نفسه مكملا للاديان السابقة للمنطقة، ولم يعتبر نفسه مثلا مكملا للبوذية او الهندوسية او المجوسية او الاوربية!

2 ـ انتقال الشاميون الفينقيون (الكنعانيون) الى سواحل شمال افريقيا(منذ الالف الاخير ق.م)، وتأسيسهم اول واكبر حضارة شمال افريقية هي (الحضارة القرطاجية) (الكنعانية ـ الامازيغية)، التي بسقوطها على يد (الرومان) في القرن الثاني ق.م، سقطت آخر قلاع الدفاع امام الغزو الاوربي. وهذا التواجد الشامي الفينقي هو الذي مهد وساعد فيما بعد المسلمين في عملية تعريب شعوب شمال افريقيا. (على حد قول المؤرخ الفرنسي غوتيهE.F. GAUTIER  ـ المصدر تحت)

3ـ ان جميع شعوب المنطقة، من العراق حتى المغرب الاقصى، قبل الاسلام تبنت المسيحية وصنعت مذاهبها وكنائسها الوطنية الرافضة للكنيسة الرومانية المستعمرة: الدوناتية والآريسية في شمال افريقيا، والقبطية في مصر، واليعقوبية في الشام، والنسطورية في العراق.

4ـ ليس صدفة، الاتفاق العلمي على اعتبار اللغات السامية(في المشرق) واللغات الحامية(المصرية والامازيغية و النوبية) هي من نفس العائلة اللغوية(السامية ـ الحامية). لان اختلاط هذه الشعوب عبر التاريخ جعلها تختلط وتتشابه لغويا وثقافيا.

من اجل فهم انساني تاريخي لا عنصري!

931 سليم 5

ان الفهم (العروبي العرقي / القومي ـ البعثي) الذي ربط تقارب شعوبنا بمفهوم العروبة العرقية القبائلية، ساذج وعنصري، ويقدم خدمة كبيرة لأصحاب الطروحات العنصرية المعادية للعرب والمسلمين.  وهذا الفهم القومي هو الذي اخاف وعزل القوميات غير الناطقة بالعربية، مثل الامازيغ والاقباط والاكراد والسريان والتركمان، وغيرهم.

من الضروري الادراك بأن (التقارب الحضاري واللغوي والمصالحي) بين (أمم العالم العربي) اساسه جغرافي تاريخي، وليس قومي عرقي قبائلي. انه شبيه تماما بحال (أمم قارة اوربا)، و(قارة امريكا اللاتينية)، و(شبه القارة الهندية). كان من المحتّم ان يحصل هذا التقارب تحت راية دين آخر مثل المسيحية او الصابئية او حتى اليهودية، ولغة أخرى مثل السريانية او القبطية او الامازيغية. وان العربي، ليس بدمّه وجيناته (المفترضة) بل كل من نطق العربية وعاش في هذا (العالم العربي) الذي يستحق ان يسمّى بـ(شبه القارة العربية).

 

سليم مطر

..............

لمزيد من التفاصيل، طالع:

ـ  مقال جيد يشرح تأثير الجغرافية في نشوء الامم وتاريخها.

http://www.discoverlebanon.com/en/panoramic_views/history_geography.php

ـ كتاب تأسيسي لتأثير الجغرافيا في التاريخ: المتوسط والعالم المتوسطي/ موجود في المكتبات وفي الانترنت.

ـ عن دور الاساس الفينقي في تعريب شمال افريقيا، طالع كتاب: ماضي شمال افريقيا/ غوتيهE.F. GAUTIER / المعلومة ص 100

ـ عن تاريخ المسيحية في الشرق قبل الاسلام: https://urlz.fr/9T4g

ـ عن تاريخ قرطاجة وحضارتها طالع:

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE_%D9%82%D8%B1%D8%B7%D8%A7%D8%AC

 

 

محمود محمد عليفي هذا الجزء الرابع من مقالنا غواص في كتاب سيبويه، حيث ننتقل إلى مناقشة النوع الثاني من الكلمات، وهو المصطلحات النحوية الأربعة التي قال الذاهبون بالفرضية اليونانية إنها مأخوذة عن النحو اليوناني، يقول جيرار تروبو:" ثم يجب علينا أن نتساءل، هل كان من الممكن من الناحية اللغوية أن يكون النحاة العرب القدامى أخذوا من النحو اليوناني تلك المصطلحات الأربعة التي هي : الإعراب، والصرف، والتصريف، والحركة "، ثم يرد علي التساؤل بأن يعرض لهذه الكلمات كلمة في النحو اليوناني، مبيناً ما يقابلها ومعناها واستعمالها، ثم يعرض لها عند علماء العربية،كابن جني، وسيبويه، والأنباري، وغيرهم، ويستخلص في كل منها أنها اصطلاح نحوي عربي، وينتهي إلي القول بأن " النحو اليوناني لم يستطع النحاة العرب القدامى أن يعرفوه بطريفة مباشرة، إذ إنهم كانوا يجهلون اللغة اليونانية، ولم يكن لديهم كتاب في النحو اليوناني مترجم إلى اللغة العربية، فلم يستطيعوا إذن أن يعرفوا النحو اليوناني إلا بواسطة النحو السرياني "، يضاف إلي أن النحاة السريان من جهة أخري يختلفون اختلافًا تامًا "، وأن النحو اليوناني لم يستطع أن يؤثر علي النحو العربي بواسطة النحو السرياني .

وكان أبلغ رد قال به قيامه بإحصاء المصطلحات النحوية واللغوية والصوتية والصرفية في كتاب سيبويه خارج الشواهد الشعرية والقرآنية، فوجد أن عدد ما استعمل منها في العلم بمعناه الاصطلاحي ألف وستمائة لفظ، منها ما يتعلق بالمفاهيم النحوية العامة كأقسام الكلام، وأنواع الألفاظ وأحوالها، ومنها ما يتعلق بالمفردات المختصة بتركيب الجمل وتشمل الألفاظ التي تعني بمواقع الألفاظ في الكلام ومجراها من ناحية العمل،ومنها المفردات المتعلقة بالتصريف، ومنها التي تتعلق بالأصوات،وأخيرا المفردات التي تتعلق بالمنهاج، وهي أكثرها، واستخلص من هذه الأعداد الكبيرة للألفاظ والمصطلحات المستخدمة في أصناف علم العربية الواردة في كتاب واحد هو كتاب سيبويه خطأ المستشرقين، ومن تابعهم الذين اعتمدوا على بضعة مصطلحات وصلت إلى العشرة عند الجميع ليبرهنوا علي مضارعة النظام العربي للنظام اليوناني، وقال ما معناه : فما تعني تلك العشرة بالنسبة للمئات والمئات من المصطلحات التي كانت متداولة في لغة العرب ؟ إن كل واحد من هذه المصطلحات الألف والستمائة جزء من نظام معقد ليس له معني خارج عن هذا النظام .

وهكذا استطاع "تروبو" أن يثبت أنه من المستحيل أن يكون النحو العربي القديم في نشأته، الأصيل في وجوده قد اقتبس مصطلحات معدودة لا تتجاوز أصابع اليدين عدا من النحو اليوناني، وقد أثبت ذلك بطريقة عملية علمية، ولم يكتف بهذا،وإنما كرر في ختام بحثه اعتقاده بأصالة النحو العربي وعروبته واستقلاله عن العلوم الأخرى وعدم تأثره بالعلوم الأجنبية، فقال :" وفي الختام، فأنا اعتقد أن علم النحو أعربُ العلوم الإسلامية، وأبعدُها عن التأثير الأجنبي في طوره الأول، كما حاولتُ أن أُبيِّن ذلك في ضوء كتاب سيبويه، ذلك الكتاب المشهور الذي هو أقدم كتب العرب في النحو .

ولقد ساير  "تروبو" العديد من المستشرقين والباحثين العرب، فنجد أن المستشرق الألماني "فيشر" W.Fischer،يري أن سيبويه يمثل بداية لمرحلة عربية خالصة، وقد نشر ذلك بالإنجليزية فيما بعد تحت عنوان : The chapter on Grammer in The kitab Mafatih al- ulum، in :ZAL15،(94-103) 1985. والنصوص المقتبسة تعود إلي نسخة خطية بيده مكتوبة بالعربية.

أ- يقول : " إن البحث في نشأة النحو العربي لم تحقق نجاحا كبيرا حتى الآن، ولم يدرك كثير من المعلومات الصالحة لتوضيح ما حدث فيما بين بدايات النقاش النحوي في عهد أبي الأسود وظهوره في صورة متكاملة في كتاب سيبويه ". ويقول:" نسلم بأن الحوار المحتمل بين النحاة العرب واليونان قد وقع فعلاً في بداية الأمر " . ويجعل فيشر من الخليل بن أحمد نهاية مرحلة التأثر الناجم عن هذا الحوار، فقال، :" إن موقف الخليل في تطور النحو قريب إلى حد ما من النحو اليوناني، في أن موقف سيبويه بعيد عنه " .

ب- يتضح من هذا أن "فيشر" يعد كتاب سيبويه بداية مرحلة جديدة لتنقية النحو العربي من الآثار اليونانية .قال :"ومن هنا نفهم أهمية كتاب سيبويه وأثره الباهر في تطور علم النحو في العصور اللاحقة له . إذ إن سيبويه كان النحوي الذي أبعد ما يكون في النحو العربي من آثار الفكر اليوناني، وأقام بذلك النحو العربي طريقة علمية مستقلة، وطوي النسيان كل ما كان العلماء قبله يفكرون في اللغة " .

ونفس الرأي أكد عليه كل من المستشرقين اليهوديين : رافي طلمون R.Talmon وريفيل E.J.Revell  اللذين يؤكدان نفس ما قاله "فيشر" علي أن النحو العربي قد تأثر بمؤثرات أجنبية في مرحلة مبكرة في نشأته . أما ما وصل إلينا من هذا النحو ممثلا في كتاب سيبويه فهو عربي . ويفترق فيشر عن الآخرين في أنه يرى أن التأثر باليونان قد تم بالفعل في فترة مبكرة من ظهور الإسلام، ثم انتهت فترة التأثر هذه بالخليل بن أحمد لتبدأ مرحلة أخرى بسيبويه، وهي مرحلة تخليص النحو العربي من المؤثرات الأجنبية . أما " رافي طلمون" وزميله اليهودي "ريفيل" فيذهبان إلي أن النحو العربي في صورته التي وصلت إلينا من خلال كتاب سيبويه لا تعكس تأثرا خارجيا، ولكن قبل ذلك مر بمراحل التأثر الخارجي، وهما يردان بداية هذا التأثر إلي القرن السابع الميلادي، بل إلي القرن السادس الميلادي أو قبله، وهما يفسحان المجال في كلامهما إلي تأثير عبري إلي جانب التأثير السرياني، بل يذكر أن العبريين قبل السريان في هذا الشأن ؛ يقول " إن أولي مراحله كانت قد اتسمت بتأثير أجنبي، بينما كان ما يليها خلال القرنين الإسلاميين الأوليين عبارة عن تطور إسلامي داخلي محض .

أما المستشرق ليتمان فيأخذ موقفاً وسطاً حين يقول: ونحن نذهب في هذه المسالة وسطا، ونقول بأن النحو من أبدع العرب وعلم النحو في الابتداء، وأنه لا يوجد في كتاب سيبويه إلا ما اخترعه هو والذين تقدموه‏" .‏

والحجة التي يستند إليها ليتمان  هي أنه من الناحية التاريخية يعرف الجميع أن منظِّر النحو العربي سيبويه، بعد أنهى – طبعا -كتابة مؤلَّفه "الكتاب" الذي يعد مرحلة متطورة و ناضجة من مراحل التفكير النحوي العربي. بمعنى أن سيبويه كان مسبوقا إلى هذا العلم (النحو) بعلماء قبله كأبي الأسود الدؤلي (القرن الأول الهجري)، وأبي عمرو بن العلاء (154هـ)، ويونس بن حبيب (182هـ)، وأستاذه الخليل بن أحمد الفراهيدي (175هـ)، الذي يشير إليه دائما في كتابه بقوله : "قال شيخنا رحمه الله " و هذا إن دلَّ على شيء فإنما يدلُّ على أن كتاب سيبويه أُلف ـ من الناحية التاريخية ـ ما بين تاريخ وفاة أستاذه الخليل (175هـ) وتاريخ وفاته هو نفسه (180هـ)، وفي مقابل هذا لو بحثنا عن الفترة التي تمت فيها ترجمة المنطق الأرسطي إلى العربية سنجد أن حنين بن إسحاق قام بهذه الترجمة سنة 264هـ !! وهذا يبين بما لا يدع مجالا للشك بأنه لا علاقة بكتاب سيبويه بالمنطق الأرسطي .

ونحن نؤيد هذا الرأي، فكتاب سيبويه بحكم نزعته التجريبية خلا تماماً من العناصر اليونانية ؛ وبالأخص المنطق الأرسطي، بدليل أنه إذا ما نظرنا إلي العناصر المحددة التي تختص بالدرس النحوي عند سيبويه اختصاصا مباشرا، وهي أنّ التعريف عند أرسطو يختلف عن التعريف عند سيبويه ؛ حيث أن سيبويه الذي تأسس عنده منهج النحو لم يطبق التعريف الأرسطي، ولا يظهر من كتابه ما يؤكد أنه كان علي معرفة قوية به؛ " فالكتاب كله على شموله لا يخرج عن هذه الأمثلة من التعريف، وهو دليل على أنه لم يطبق المنهج الأرسطي فيه وقد يكون دليلاً علي انه لم يعرف هذا الأصل في المنطق الأرسطي معرفة كان من الجائز أن يبدو لها أثر في الكتاب قبولاً أو  رفضاً " .

فمثلا حين ننظر إلى " تعريف الاسم anoma عند أرسطو نجد أنه يعني بأنه: صوت يدلّ دلالة عرفية على معنى، ولا يدل على زمن وليس لجزئه معنى. وأما سيبويه فعرّفه في كتابه عندما ذكر أن (فرس وإنسان)، وهي من الأمثلة التي يستعملها دائما عند تقديم الأمثلة، لتأييد القول أن هناك عدم تأثّر بالفكرة اليونانية، إذ إن استعمال سيبويه للفعل في "الكتاب" يختلف عن استعماله عند أرسطو، حيث استخدم كلمة "ضرب" و "كتب" و "فعل". أما أرسطو فلم يستخدم كلمة tuptein  أي (ضرب) في بعض ما كتبه بل استخدم hugiainein (to be healthy) و  badizein (to walk) ؛ أي لا "ضَرَبَ" ولا "كَتَبَ" ولا "فَعَلَ" .

وللحديث بقية!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل- جامعة أسيوط

 

عبد الرضا حمد جاسمالنموذج الثالث: [خلية ازمة الانتحار في محافظة ذي قار، كشفت عن تسجيل مناطق المحافظة(26) حالة بشكل عام منذ بداية عام 2017، فيما سجلت احصائيات العام 2016 حالة انتحار واحدة اسبوعياً، وأن معظمهم من المتعلمين] انتهى.

تعليق:

1- لم يذكر لنا أ. د قاسم من اين جاء بهذه النموذج / التصريح، هل سمعه مباشرةً من مسؤولي لجنة الازمة او نقله عن وسيلة اعلام "صحيفة، قناة تلفزيونية، موقع الكتروني" او حصل على وثيقة رسمية تضمنت ذلك او ورد في دراسة جامعية عراقية؟

2- في أي شهر صدر هذا التصريح/النموذج ليتمكن المتابع من معرفة الفترة المقصودة؟

3- ورد: [(26) حالة بشكل عام منذ بداية عام 2017] ...السؤال: ما ذا تعني "بشكل عام" هنا؟ هل تعني محاولات الانتحار وحالات الانتحار أم تعني اُناث وذكور ام تعني من كل الاعمار...أم ماذا؟

4- ورد: [سجلت احصائيات العام 2016 حالة انتحار واحدة اسبوعياً ]..السؤال: هل هذا منطق احصائي او حقيقة يتم اعتمادها؟

5.اليكم بعض ما ورد عن هذا التصريح/النموذج لتتبينوا "الدقة" عندما يُتداول في الاعلام العراقي والعربي! سأضع ما يهمنا بين قويسات(()):

# من موقع المربد 24/07/2017

https://www.almirbad.com/Details/25208

[اتخذت خلية ازمة الانتحار في محافظة ذي قار، ((اليوم الاثنين))، عدة توصيات لمواجهة تنامي ظاهرة الانتحار في المحافظة ((خلال شهر تموز الجاري))، وتسجيل مناطق المحافظة ((26 حالة بشكل عام)) منذ بداية عام 2017.ولفت الى ان ((احصائيات العام الماضي 2016 كانت تشير الى تسجيل حالة انتحار واحدة أسبوعيا))] انتهى

ملاحظات:

* يُفْهَمْ من هذه العبارة ان ظاهرة الانتحار قد تفاقمت في شهر تموز وخلية الازمة اجتمعت لاتخاذ توصيات لمواجهتها وتدارس أسباب تسجيل(26) حالة انتحار منذ بداية العام.

* هذه الصيغة تختلف عن صيغة "النموذج". هنا حدد موقع "المربد" تاريخ التصريح واسم الشهر ويمكن ان نفهم منه ان (26) حالة حصلت في الفترة الممتدة من بداية عام 2017حتى بداية شهر تموز أي النصف الأول من العام 2017 ...ثم أن هذا النص لا يتضمن عبارة:" وأن اكثرهم من المتعلمين" التي وردت في النموذج.

#. من صحيفة درر العراق الالكترونية

https://www.dorar-aliraq.net/threads/769801-26-

[اتخذت خلية ازمة الانتحار في محافظة ذي قار اليوم الاثنين 24تموز2017 عدة توصيات لمواجهة ((تنامي ظاهرة الانتحار في المحافظة خلال شهر تموز الجاري))، وتسجيل مناطق المحافظة 26 حالة ((بشكل عام)) منذ بداية عام 2017 وقال النائب الأول لمحافظ ذي قار و رئيس اللجنة عادل الدخيلي ((للمربد)) ان الخلية عقدت جلستها الدورية اليوم و اتخذت عدة توصيات...من جانبه كشف رئيس منظمة التواصل و الاخاء الإنسانية وعضو خلية ازمة الانتحار علي الناشي عن تسجيل 26 حالة انتحار منذ مطلع العام الجاري 2017وقال الناشي للمربد ان ((معظم حالات الانتحار تم تسجيلها بين صفوف شريحة الشباب و المتعلمين))، ولفت الى ان احصائيات العام الماضي 2016 كانت تشير الى تسجيل ((حالة انتحار واحدة اسبوعياً))...] انتهى

 ملاحظات:

* "درر العراق" نقلت من "المربد" ونقلت معها:" لمواجهة تنامي ظاهرة الانتحار في المحافظة خلال شهر تموز الجاري"!!!!

* من هذا التصريح عرفنا من اين جاءت "وأن اكثرهم من المتعلمين" حيث وردت بالصيغة التالية:" ان معظم حالات الانتحار تم تسجيلها بين صفوف شريحة الشباب والمتعلمين".

* "حالة واحدة أسبوعيا" تعني"52" حالة سنوياً ولو قسمنا هذا الرقم الى "نصفين"/ على"2" لظهر العدد"26" الذي يمثل عدد حالات الانتحار في النصف الأول لعام 2017 وهو عدد أسابيع النصف الأول.ماذا يؤشر هذا؟ انه قـــــــد يؤشر الى ان خلية الازمة لم تقل الحقيقة أو لا تعرفها وإنها نقلت هذا الرقم، أو ان هذا الرقم كان قد نُشر سابقاً فلا يرغبون بتغييره، ولتقول ان النصف الأول لعام2017 لم يشهد زيادة في عدد حالات الانتحار إنما بنفس العدد عن العام السابق "مجرد شك وان كل الشك حلال في مثل هذه الظروف" ربما فيه ميزة لمجلس المحافظة.

# من موقع بغداد اليوم في 24/07/2017

https://baghdadtoday.news/ar/news/8907/%D8%B8l

[كشف رئيس خلية الازمة في محافظة ذي قار عادل الدخيلي الاثنين عن تسجيل 26 حالة انتحار ((خلال الشهر الحالي)) ((مؤكدا انها النسبة الأكبر مقارنة بالنصف الأول من العام الحالي)) ((ويذكر ان خلية الازمة في ذي قار قد أعلنت في 24 نيسان 2017 ان عدد حالات الانتحار الموثقة رسميا خلال العام الماضي بلغت 52 من ((كافة الاعمار)) ومن كلا الجنسين))] انتهى.

ملاحظات:

* هنا ورد ان رئيس خلية الازمة يقول" 26 حالة انتحار خلال الشهر الحالي "أي شهر تموز، وأكد انها النسبة الأكبر مقارنة بالنصف الأول من العام الحالي. دققوا في العبارة لطفاً.

* ورد ايضاً:" ان الخلية أعلنت في 24 نيسان2017 ان عدد حالات الانتحار الموثقة رسمياً خلال العام الماضي بلغت(52) من كافة الاعمار ومن كلا الجنسين. يعني أن هناك تصريح في 24/نيسان ويعني ليس حالة واحدة اسبوعياً ويعني ليس أكثرهم من الشباب والمتعلمين وليس اغلبهم من المتعلمين. انما من كافة الاعمار ومن الجنسين.

هل هذا النموذج يمكن ان يُعتبر من الحقائق او من مصدر رسمي يتمتع بمصداقية ومنطقي؟ ماذا يقول من يطلع عليه من الأجانب المتابعين لحالة الانتحار في العراق وعندما يعرف انه ورد في انتقاد لدراسة ومن أستاذ متحصص وله خبرة في الدراسات العلمية؟؟

النموذج الرابع: [سجلت جمعية "الأمل" لحقوق المرأة في محافظة كركوك، (20) حالة انتحار خلال شهر واحد داخل المحافظة"] انتهى.

تعليق:

1- هنا يُطرح سؤال: في أي شهر وأي سنة تم تسجيل هذا العدد؟ من هي جمعية الامل لحقوق المرأة في كركوك واين بحوثها ودراساتها ووثائقها التي تفرض اعتمادها؟؟؟

2- اليكم عن مصادر هذا الخبر:

#السومرية نيوز 30/08/2017

https://www.alsumaria.tv/news/214451

[كركوك السومرية نيوز: كشفت جمعية الامل لحقوق المرأة الاربعاء عن تسجيل 20 حالة انتحار خلال شهرواحد داخل المحافظة ،داعية الحكومة الاتحادية الى اطلاق برنامج للحد من هذه الظاهرة وقالت رئيسة الجمعية سرود محمد فالح في حديث للسومرية نيوز ان كركوك شهدت في الآونة الأخيرة ارتفاعاً مخيفاً في حالات الانتحار ففي شهر واحد تم تسجيل 20 حالة انتحار توزعت مناصفة بين الرجال والنساء لافته الى ان مستشفى آزادي التعليمي امس قد استقبل في يوم واحد ستة حالات أشخاص احرقوا انفسهم ثلاثة فارقوا الحياة والاخرون مصابون بحق شديدة] انتهى

ملاحظات:

* هل الستة المحروقين من ال(20)؟ * الآونة الأخيرة ماذا تعني؟

* هل السومرية نيوز من المصادر التي تتمتع بمصداقة ام ان جمعية الامل مصدر حكومي ام ان المنطق يقول هذا؟

النموذج الخامس: [افادت وزارة حقوق الإنسان بأن أحد الباحثين أجرى في 2015 دراسة عن الظاهرة لمدة 11 شهراً سجل خلالها أكثر من 120 حالة انتحار أو محاولة انتحار في مدينة كربلاء غالبيتها بين الفتيات الشابات والمراهقات] انتهى. [مكرر]

تعليق:

* لم يخبرنا أ. د قاسم حسين صالح تفاصيل عن ال "120".. كم عدد حالات الانتحار وكم عدد محاولات الانتحار؟ كم عدد الشبان وكم عدد الشابات؟

* هل يتوقع أ. د قاسم ان "لجنة الدكاترة" لا تعرف الطريق الى مفوضية حقوق الانسان او ان المشاركين فيها من الأساتذة الممارسين لا يعرفون هذه الأرقام والتصريحات...او لم يطلعوا عليها؟

* هل من المنطق والحقيقة والمصداقية ان يُقال:(120) حالة انتحار أو محاولة انتحار؟ الدراسة واعتراض أ. د قاسم حسين صالح عليها تتكلم عن حالات انتحار وليس عن محاولات انتحار.

* كيف ورد (2015) هنا؟؟؟؟؟

* ذكر أ. د قاسم حسين صالح هذا النص بصيغة تختلف في مقالته التي ناقشتها سابقا: "انتحار الشباب "مهداة الى من يريد بناء اسيجة على جسور بغداد" حيث كتب التالي: [حصلت وزارة حقوق الإنسان على ((معلومات مؤكدة)) بزيادة حالات الانتحار بمحافظة كربلاء غالبيتها من الشباب والفتيات، وسجّل أحد الباحثين في دراسة لمدة 11 شهراً أكثر من 120 حالة انتحار أو محاولة انتحار، (الناطق باسم وزارة حقوق الانسان)] انتهى.

ملاحظات:

* في النص الأول وردت كلمة: "أفادت" وهنا وردت عبارة: "حصلت على معلومات مؤكدة". في النموذج ورد: "عام 2015" وهنا لم يُذكر. في النموذج ورد: "غالبيتها بين الفتيات الشابات المراهقات" وهنا ورد: "غالبيتها من الشباب والفتيات" أي من الجنسين.

السؤال هنا: هل أطلع أ. د قاسم حسين صالح على ما تأكدت منه وزارة حقوق الانسان عن تلك الدراسة وما ورد فيها من معلومات؟ يبدو ان أ. د قاسم حسين صالح عندما قال عن الدراسات الجامعية العراقية كأحد مصادرة اعتمد هذا القول المبهم ...هل حاول أ. د قاسم حسين صالح الاطلاع على دراسة هذا "الباحث المجهول" أو هل حضر مناقشة هذا البحث؟

# اليكم نص ما نشرته الصحيفة الحياة بتاريخ 19يناير2016تحت عنوان: "الانتحار في العراق ظاهرة تصعب دراستها"[.... الناطق باسم وزارة حقوق الإنسان العراقية، كامل أمين (أن وزارة حقوق الإنسان ((حصلت)) ((قبل أعوام))، على ((معلومات مؤكدة)) بزيادة حالات الانتحار لدى الشباب في محافظة كربلاء، وأن ((أحد الباحثين)) أجرى دراسة عن الظاهرة لمدة 11 شهراً سجل خلالها أكثر من 120 ((حالة انتحار أو محاولة انتحار، غالبيتها بين الفتيات الشابات والمراهقات)).] انتهى.

الملاحظات: * هنا ورد: "حصلت قبل أعوام على معلومات مؤكدة" لم يبين لنا أ. د قاسم معنى عدة سنوات أو أي السنوات تلك ف"عدة سنوات" مفتوح من عام النشر رجوعاً الى عام 2003؟؟؟؟ "" واليكم مثال على عدة سنوات: ["العربي الجديد" "تحت عنوان: "زيادة حالات الانتحار في العراق...احتلال وعنف وبطالة بتاريخ 26 فبراير 2016" والذي ورد فيه نص ما تفضل به أ. د قاسم حسين صالح: [سجلت محافظة المثنى جنوب العراق، 24 حالة انتحار خلال العام 2014، ليرتفع العدد بذلك إلى 188 حالة ((خلال تسعة أعوام))، ما يجعلها تتصدر ((المحافظات الأعلى في عدد حالات الانتحار في العراق))] انتهى

https://www.alaraby.co.uk/society/2016/2/26/%D8%B2%D9%8A%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D9%84%D8%A7%D9%84-%D9%88%D8%B9%D9%86%D9%81-%D9%88%D8%A8%D8%B7%D8%A7%D9%84%D8%A9

عليه فأن هذا النموذج لا يقبله المنطق ولا هو حقيقة ولا هو من مصادر حكومية. ولا هو من "تقارير تتمتع بالمصداقية. "ولا هو من الدراسات الجامعية العراقية" ولا يمكن ان يقتنع به أحد ومُعيب حين يُطرح على منظمات دولية.

 

 

منى زيتونهناك مبدأ رئيسي في السياسة يقول: (فرّق تسُد). فكيف والفُرقة قائمة أصلًا؟ ولطالما استثمر ‏السياسيون عبر التاريخ الاختلاف العقدي والتمذهب الفقهي في تدعيم دولهم.‏

منذ حدثت الفتنة الكبرى بين المسلمين، وما تلاها وصولًا إلى بغي معاوية بن أبي سفيان على سيدنا عليّ، تصدّعت وحدة المسلمين، وانقسموا إلى حزبين، ثم ظهر الخوارج وافترقوا فرقًا، وظهر تصنيف السُنة والشيعة في مرحلة تالية على خلفية الحوادث السياسية والموقف منها، ثم ظهر أئمة الإسلام وتحلّق الناس حولهم لينتفعوا بعلمهم، وأصبح لكل واحد منهم أتباعًا، ثم دَرست مذاهب بعضهم، وبقيت مذاهب آخرين، وصار البيت الإسلامي ممزقًا إلى فرق، بين كل منها والأخرى درجات من التقارب من حيث العقيدة والفقه تزيد وتقل، ليتحدد من خلالها درجة التطرف المحتملة بين أتباع كل منهما.

وبالحديث عن التطرف، سنجده ينقسم من حيث الفاعلين له، إلى تطرف عوام الناس، وتطرف كبرائهم؛ الذين هم الأمراء والعلماء. وحقيقة الأمر أن العوام لولا هؤلاء الكبراء ما تطرفوا. ولكل مذهب عقدي أو فقهي رأيه في كل مسألة، بل وأحيانًا يختلف العلماء تحت مظلة المذهب الواحد؛ ومن ثم فالتنافر بين العلماء قد يكون مفهومًا، خاصة مع نقص التسامح، وزيادة التحاسد فيما بينهم. أما بالنسبة للسياسيين، فأحيانًا يسلكون مسلك عوام الناس في التعصب لمذاهبهم، والتطرف ضد مخالفيهم، بسبب ما فهموه من مشايخهم، وأحيانًا يستغلون التمذهب لتوطيد ملكهم؛‏ فكثيرًا ما كانت تبرز الخلفيات السياسية وليست الدينية وراء دعم الخلفاء والأمراء لمذهب واضطهاد آخر. كما اختلفت أساليب السياسيين في الترويج لما يرغبون من مذاهب، ما بين أساليب تعليمية تثقيفية بإقامة المدارس وترسيم كبار العلماء لتدريس العقيدة والمذهب الفقهي، وأساليب قمعية بفرض ‏المعتقدات جبرًا، أو موالاة من يدينون بعقيدته أو مذهبه، ورأينا عبر تاريخنا أمثلة على كل أسلوب ‏منها.‏

في عهد الأمويين، اُضطهد أهل العراق باعتبار أغلبهم متشيعين لسيدنا علي –رغم أنه لم يلق منهم نُصرة حقيقية تليق بالمسمى الذي أطلقوه على أنفسهم-، وأرسل إليهم الأمويون المُبير الحجاج الثقفي حاكمًا ليُخرس أي ثورة ظنوا أنها قد تنشب من بينهم. وكانت المذاهب الدينية لم تتشكل بعد، حيث كان مسمى الشيعة مصطلحًا سياسيًا ليس له مدلول ديني. كما حارب الأمويون الخوارج، مثلما فعل كل خلفاء وملوك المسلمين بدءًا من سيدنا علي، وكانت حربهم ضد الخوارج، لتكفير الأخيرين إياهم.

ثم بزغ نجم بني العباس، وملكوا. وكان أساس دعوتهم لأنفسهم أن العم أولى من البنت؛ لذا فهم أحق بالخلافة –والتي لم تكن في حقيقتها سوى ملك-. من ثم، كان من مصلحتهم أن ينتشر علم الأئمة من غير العلويين، كي لا ترتفع أسهم العلويين لدى العامة، وربما كان للعباسيين قدم السبق في تشكيل ونحت وبلورة مفهوميّ (السُنة/الشيعة) ببعديهما الدينيين.

وفي العصر العباسي الذهبي توالى ظهور المذاهب الإسلامية السُنية والشيعية، كما عرف المسلمون عقائد المعتزلة والأشعرية والماتريدية والحنابلة وغيرها. وقد ظهر أئمة السُنة أصحاب المذاهب المتبوعة تباعًا في عهود خلفاء بني العباس الأوائل، فكان الأخيرون يطلبونهم، ويراسلونهم، ولم يكن التقليد قد فشا بين المسلمين ليُقال أنهم تمذهبوا بمذاهبهم.

وكانت لاعتقادات الخلفاء والأمراء والوزراء أثرها على العوام؛ فعندما اعتنق الخلفاء المأمون والمعتصم والواثق بعض عقائد المعتزلة، وأهمها اعتقادهم بخلق القرآن، وامتلأ بلاطهم بحاشية معتزلية، أرادوا فرض معتقدهم ذاك على عموم المسلمين؛ علمائهم قبل عوامهم. ولم يكونوا بِدعًا من الخلفاء، عندما فرضوا ما يعتقدون.

وبعد تولي المتوكل، وانقشاع محنة خلق القرآن، ساد التسنن، ودعمه خلفاء بني العباس، ثم نشأ بعد ذلك سبب آخر لدى العباسيين ليدعموا التسنن، وهو قيام كثير من الدول الشيعية حولهم، وأهمها دولة الفاطميين (296- 567ه‍)، والتي رأي فيها العباسيون أكبر خطر محدق بهم من بين كل الدول التي كانت قد بدأت تتشكل في أرض الخلافة. وقد قابلها العباسيون بعدة طرق؛ منها الطعن في نسب الفاطميين، والتشديد على شيعة بغداد، وإطلاق يد الحنابلة فيهم لترويعهم، والذي جعل بغداد مسرحًا متجددًا للفتن بدءًا من القرن الرابع الهجري.

في العصر العباسي الثاني، كانت قد ضعُفت الدولة العباسية، وأصبح منصب الخليفة منصبًا شرفيًا، حيث ظهرت دول ببعض المناطق التابعة لسلطان العباسيين، استقل بها أصحابها تحت مظلة ورعاية شرعية الخلافة، وكان لأمراء تلك الدول –بل ووزرائهم- الأمر والنهي بعاصمة الخلافة، رغم وجود الخليفة. وكان من بين ما يتحكمون فيه هو مذاهب الرعية.

لم تعرف الشيعة في القرن الرابع الهجري الاضطهاد سوى في بغداد، وكان اضطهادهم من جانب الحنابلة. أما في خارج بغداد فكانوا في أحسن حال، بالرغم من ذلك كان العداء باديًا بين صنوف الشيعة عندما سادت دولهم في القرن الرابع. وإذا أردنا تتبع القصة من أولها، فإنه في نهاية القرن الثالث الهجري ظهرت الدولة الحمدانية في حلب والموصل، تحديدًا سنة 293هـ، وكان بنو حمدان من الشيعة الإمامية، ثم تبعتها الدولة الفاطمية سنة 296هـ، حيث ظهرت في المغرب العربي، وكانوا شيعة إسماعيلية، وكان أمر القرامطة الخوارج، الذين أقاموا دولتهم في البحرين، قد بلغ من الفسق مبلغه، حتى أنهم نزعوا الحجر الأسود من مكانه، وأخذوه إلى بلادهم سنة 317هـ، وهؤلاء القرامطة كانوا قد انشقوا عن الفاطميين الإسماعيلية، وفي سنة 321هـ علا شأن بني بويه في بلاد فارس، وكانوا شيعة إمامية وفيهم اعتزال، ودخلوا بغداد سنة 334هـ، ولانشغال البويهيين بمعارك على جبهتهم الشرقية لم يتمكنوا من توسيع نفوذهم ودخول الشام، وإذا بالفاطميين سنة 358هـ يملكون مصر، ثم بعدها بعامين يملكون الشام. ولم يحدث بين هذه الدول الشيعية الأربع تحالف وتآزر، وإلا لكانوا قضوا على الخلافة العباسية، بل على العكس تناحروا، بسبب المصالح السياسية أولًا، ولأنهم لم يروا أنفسهم فريقًا واحدًا بسبب الاختلاف بينهم على الإمامة.

كانت بين البويهيين والحمدانيين صراعات، فلمَّا دخل الفاطميون دمشق في صفر سنة 360هـ، اصطلح أبو تغلب ابن حمدان مع بختيار عز الدولة البويهي، وعقد على ابنته وعمرها ثلاث سنين!! في الشهر نفسه، ثم حدثت بين الفاطميين والخوارج القرامطة حروب، واللافت هو ما حكاه ابن كثير من مساعدة البويهيين للقرامطة ليأخذوا الشام ومصر من الفاطميين أواخر سنة 360هـ. قال ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج15، ص327) "وكان رئيس القرامطة وأميرهم الحسين بن أحمد بن بهرام، وقد أمده عز الدولة –البويهي- من بغداد بسلاح وعُدد كثيرة". وذكر ابن كثير في البداية والنهاية (ج15، ص405) أنه في سنة 371هـ "قد سُرق شيء ‏نفيس لعضد الدولة البويهي، ولم يُعرف من أخذه. ويُقال أن صاحب مصر –الفاطمي- بعث من ‏فعل هذا!!".

ووصل العداء إلى حد الاستنجاد بالروم على بعضهم البعض. يذكر محمد جمال الدين سرور في "تاريخ الدولة الفاطمية" (ص372) أن "أبا الفضائل ابن حمدان، لمّا علِم بتوغل الفاطميين في بلاد الشام، استنجد بإمبراطور الروم باسيل الثاني؛ فأمدّه الإمبراطور بحملة"، ثم أنه بعد أن انتصر الفاطميون على حملة البيزنطيين سنة 381هـ، ثم حاصر الفاطميون حلب، "اضطر أميرها إلى الاستنجاد بالإمبراطور البيزنطي مرة ثانية".

وكان حكام كل دولة من تلك الدول الشيعية ينشرون مذهبهم بين رعيتهم، ويحاربون ما عداه، كما بدأ الشيعة أواخر القرن الثالث الهجري إنشاء مدارس للعمل على نشر علوم مذهبهم، وغيرها من العلوم. أورد ابن الجوزي في "المنتظم" (ج14، ص366) أنه في سنة 383هـ "ابتاع أبو نصر سابور بن أردشير دارًا في الكرخ –محلة للشيعة ببغداد- بين السورين، وعمرها وبيَّضها وسمَّاها: دار العلم، ووقفها على أهله –يعني الشيعة-، ونقل إليها كتبًا كثيرة ابتاعها وجمعها وعمل لها فهرستًا"أهـ. كما ذكر من ترجموا للشريف الرضى أنه قد أنشأ مدرسة لطلبة العلم ببغداد. وكذا نشر الفاطميون التشيع بمصر من خلال إسناد المناصب العليا والقضاء للشيعة، ونشر دعاة المذهب في سائر ربوع مصر، كما ذكر المقريزي في "الخطط" (ج2، ص342) أنه في سنة 395هـ "فُتِحت دار الحكمة بالقاهرة، وجلس فيها القرّاء، وجُلب الكتب إليها من خزائن القصور، ودخل الناس إليها، وجلس فيها القرّاء والفقهاء والمنجمون والنحاة وأصحاب اللغة والأطباء، وحصل فيها من الكتب في سائر العلوم ما لم يُر مثله مجتمعًا، وأُجرِي على من فيها من الخدّام والفقهاء الأرزاق السنية"أهـ. وكانت تلك طريقتهم السلمية في نشر التشيع، وإن كان لم يخل الأمر من فتن وطرق غير سلمية. وسيكون لهذه الأساليب التعليمية أثرها في نشر التشيع، وسيقابلها السُنة بعد ذلك في منتصف القرن الخامس بمشروع مضاد لنشر التسنن، بإنشاء النظاميات وما تلاها من مدارس سُنية.

منذ وطئت أقدام البويهيين الشيعة بغداد سنة 334هـ، معلنين نهاية العصر الذهبي لبني العباس، استقوى بهم شيعة بغداد أمام الحنابلة الذين كانوا قد أفرطوا غاية الإفراط في تطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفقًا لمفهومهم بما حوّله إلى غوغاء وفوضى. ظهر هذا الاستقواء في أجلى حالاته خاصة في السنوات الأولى للبويهيين قبل وفاة معز الدولة البويهي، وكذا في سنوات حكم عضد الدولة البويهي. وبدأت في عهد البويهيين طقوس الشيعة في النواح بعاشوراء والاحتفال بالغدير، واستمر حكمهم في العراق وما يتصل به من بلاد فارس حتى سنة 447هـ، ولكن قواهم قد ضعُفت من أواخر القرن الرابع، وكان لهذا الضعف أثره على مسرح الحوادث.

وقد غلب على الخلفاء العباسيين في العصور المتأخرة لبني العباس، الميل إلى الحنابلة، فدعموهم، وربما كان هذا من أسباب إطلاق أيدي الحنابلة على الشيعة، ولم يكن هذا اقتناعًا فقط من أغلب الخلفاء بالمعتقد بل كان أيضًا تحقيقًا لمصالح سياسية؛ بسبب تربص الفاطميين للانقضاض على الخلافة، فرأى الخلفاء العباسيون ضرورة قمع الشيعة كي لا يتواطؤوا معهم. وقد رأينا مثالًا بما حدث في فتنة البساسيري منتصف القرن الخامس الهجري؛ ومحاولة تسليم بغداد للفاطميين، ومؤازرة الشيعة لهذا التحرك. كما أن البويهيين الشيعة المائلين للاعتزال، عندما دخلوا بغداد أهانوا مقام الخلافة بما لم يحدث له نظير من قبل ومن بعد، ووصل الأمر لخلع وسجن الخلفاء –وإن كان السلاجقة السُنة أيضًا قد حدثت منهم خطوب تسببت في مقتل الخليفة المسترشد وابنه الراشد، وغيرها-؛ لذا وبناء على هذه المقدمات، فقد تعدى الأمر من مجرد الدعم الخفي من الخلفاء للحنابلة إلى أن صرّح الخليفة القادر بالله بأنه على عقيدة الحنابلة، واستقوى على البويهيين بالغزنويين من بيت سُبكتكين الذين برزوا في بلاد فارس، وكانوا سُنة كرّامية ذوي عقيدة تجسيمية، كما كتب القادر بالله محضرًا بالطعن في نسب الفاطميين سنة 402هـ، وأشهد عليه الأشراف. كذا استتاب ‏القادر بالله المعتزلة والشيعة‏ من عقائدهم، ومنعهم من تدريسها سنة 408هـ، ثم ‏كتب كتابًا عُرف باسم "العقيدة ‏القادرية"، يوافق عقيدة الحنابلة، ألزم فيه الرعية بأن هذا هو ‏اعتقاد المسلمين الصحيح. وكان ابنه القائم ‏بالله أيضًا حنبليًا، ‏وقد جاوزت مدة خلافتهما معًا خمسًا وثمانين سنة؛ وربما كانت شدة القادر والقائم على الشيعة، سببًا أساسيًا في تمرد الشيعة ومؤازرة البساسيري في فتنته، والتي استهدفت خلع القائم بالله، ومبايعة الخليفة الفاطمي.

وقد شكّلت وفاة القائم بالله خسارة كبيرة للحنابلة، خاصة في الوقت الذي دعم فيه وزير السلاجقة نظام الملك العقيدة الأشعرية. وقد دارت الأيام بعد ذلك، حتى حلّ وقت زمن سقوط بغداد في أيدي التتار، في القرن السابع الهجري، وأظهر التتر فيه التشيع بالعراق، فأمروا الخطباء أن لا يأتوا على سيرة أحد من ‏الصحابة إلا علي بن أبي طالب وولديه رضي الله عنهم، واضطروا بذلك الخطباء والفقهاء الحنابلة ‏ببغداد أن يفعلوا ما كانوا يقيمون الدنيا على الشيعة لأجله!

دخل السلاجقة بغداد سنة 447هـ، وكانوا سُنة أحناف، ولكن كان وزير السلطان ألب أرسلان، والذي وزر من بعده لابنه السلطان ملكشاه هو الوزير نظام الملك الأشعري الشافعي، واستمر بالوزارة 29سنة متصلة، لم يُنكب فيها. أنشأ في مدة وزارته المدارس النظامية ببغداد ونيسابور وبلخ وهراة وأصفهان والبصرة والموصل ومرو وطبرستان، وأجرى الرواتب على الفقهاء وطلاب العلم، وكانت تلك المدارس مخصصة لتدريس العقيدة الأشعرية والمذهب الشافعي، ورغم أن أغلب المالكية أشاعرة إلا أنه كان يُشترط لتعيين مدرس في مدرسة نظامية أن يكون شافعيًا، ثم وزر من بعده الوزير تاج الملك أبو ‏الغنائم، والذي كان قد أنشأ المدرسة التاجية أيضًا لتدريس المذهب الشافعي، فكان على نهج نظام الملك فيما يخص المذاهب رغم كونه من خصومه السياسيين –وإن كان لم تطل مدته في الوزارة فمات بعد نظام الملك والسلطان ملكشاه بشهور-، فارتفع نجم الأشاعرة ومعها المذهب الشافعي ببلاد فارس والعراق. وسبحان مغير الأحوال، لأنه قبلها بعشر سنوات، عندما وزر عميد المُلك الكندري المعتزلي للسلطان طُغرلبك السلجوقي لُعن الأشاعرة على المنابر بنيسابور وسائر بلاد فارس!

وقد أثرّت المدارس التي أنشأها الخلفاء والأمراء والوزراء في نشر بعض المذاهب، خاصة الشافعي، حيث لم يكن يتعلم بأي مدرسة إلا من أراد التمذهب بمذهب علمائها، أصولًا وفروعًا. كانت النظاميات جزءًا أساسيًا من مشروع نظام المُلك لنشر التسنن في مقابل التشيع الذي كان قد ساد بمذاهبه المختلفة في أواخر القرن الثالث وطوال القرن الرابع الهجريين. وقد أدرك حنابلة بغداد بعد فترة أنه قد نشأ لهم معارض جديد من جنسهم، فالنظاميات تنشر العقيدة الأشعرية التي تختلف اختلافًا كبيرًا عن عقيدتهم التجسيمية، وإن كانوا سُنة. وسنرى أنه عندما حدثت الخلافات بين الخلفاء العباسيين والسلاجقة، واستقوى العباسيون، ولّى الخليفة المقتفي لأمر الله الوزارة الوزير الحنبلي ابن هُبيرة، والذي حدثت في عهده الكثير من المضايقات لعلماء المدرسة النظامية ببغداد الأشاعرة.

وقد سار الزنكيون، وكانوا عمال السلاجقة في الشام على هديهم، فبنى نور الدين محمود زنكي، أكبر دار للحديث في دمشق في القرن السادس الهجري، وولّاها للحافظ الأشعري ابن عساكر، كما بنى نور الدين محمود المدارس الكثيرة للحنفية والشافعية، وبعض المدارس للمالكية والحنابلة. كما شرع نور الدين محمود في إنشاء مدرسة كبيرة للشافعية بدمشق ‏‏سنة 568هـ، فأدركه الأجل قبل ذلك، وهي العادلية الكبيرة التي عمرها بعده الملك العادل أبو ‏‏بكر بن أيوب.

وعندما ملك السلطان صلاح الدين يوسف الأيوبي مصر، كان من خدامه: عماد الدين الأصفهاني وبهاء الدين شداد الذين كانا ممن تتلمذوا في المدرسة النظامية ببغداد. وفي سنة 566هـ، عزل صلاح الدين قُضاة مصر؛ لأنهم كانوا ‏‏شيعة، وولّى القضاء بها لصدر الدين عبد الملك بن درباس الماراني الشافعي، واستناب ‏‏في سائر الأعمال الشافعية، وبنى مدرسة للشافعية، وأخرى للمالكية. واشترى ابن أخيه تقي ‏‏الدين عمر بن شاهنشاه دارًا كانت تُعرف بمنازل العز، وجعلها مدرسة للشافعية، وأوقف عليها ‏‏الروضة وغيرها. كما أمر الناصر صلاح الدين ببناء مدرسة للشافعية على قبر الإمام الشافعي ‏‏بمصر سنة 572هـ. ذكر الأخبار ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج16، ص447-519).‏ وتتابع بناء المدارس الشافعية بمصر في العصر الأيوبي حتى بلغ عددها 14 مدرسة، وبهذا وجدت العقيدة الأشعرية والمذهب الشافعي فرصة ذهبية للانتشار بين العامة في مصر والشام. كما خُصصت عشر مدارس للمالكية، وهم أيضًا أشاعرة، ومدرسة تدرس كلا المذهبين الشافعي والمالكي، وست مدارس للحنفية، وفي نهاية العصر الأيوبي بنى الملك الصالح نجم الدين أيوب المدرسة الصالحية، وهي أول مدرسة تُدرِّس المذاهب الأربعة.

وعلى ذكر مصر، يُقال إنه لم يُعرف الحنابلة بمصر إلا في عهد الأيوبيين، لأن العقيدة والمذهب الحنبليين لم يبدآ في الانتشار خارج بغداد إلا في القرن الرابع الهجري، وكانت مصر وقتها تحت الحكم الفاطمي، وإن لم ينتشر المذهب بها إلا عندما ولي القضاء للحنابلة موفق الدين عبد الله الحجاوي لما يزيد عن الثلاثين عامًا (738-769هـ)، وكان ذلك في دولة المماليك.

وكان من تلاميذ المدرسة النظامية ببغداد أيضًا عبد الله بن تومرت مؤسس دولة الموحدين، والذي عمل على نشر العقيدة الأشعرية بطرابلس الغرب وما تلاها من بلاد المغرب العربي. فسادت بها لكن مع المذهب المالكي؛ ذلك أن المعز بن باديس لمّا خلع طاعة الفاطميين في القرن الخامس الهجري، أنهى الوجود الشيعي في شمال أفريقيا، ولم يكتف بذلك، بل أصرّ على إعادة الناس إلى مذهب الإمام مالك تحديدًا من بين مذاهب أهل السُنة، وكان المذهب المالكي الأكثر شيوعًا في الشمال الأفريقي قبل ظهور الفاطميين، كما كان أغلب الأحناف بالمغرب العربي معتزلة، وهو متحول للتبعية للخليفة العباسي القائم بأمر الله الحنبلي، ابن الخليفة القادر بالله، والمذهب الحنفي لا يستقيم وهذا التغيير السياسي الذي أحدثه، فاختار مذهب مالك. يقول الذهبي في ترجمته بـ "السير" (ج18، ص140) "وكان مذهب الإمام أبي حنيفة قد كثُر بإفريقية، فحمل أهل بلاده على مذهب مالك حسمًا لمادة الخلاف"أهـ.

‏ وعودة للعقائد فنقول: إن نظام الملك قد تسبب ببنائه النظاميات في نشر العقيدة الأشعرية من أقاصي بلاد فارس شرقًا وحتى بلاد المغرب بالعلم وليس بحد السيف، كما تسبب في نشر المذهب الشافعي، وتحول كثير من العلماء والفقهاء إليه ليحظوا بفرصة التدريس بالمدارس النظامية. ولكن هذا لا ينفي أنه قد انتشرت مدارس كثيرة لتدريس باقي المذاهب السُنية بخلاف الشافعي.

ثم بأمر السلطان الظاهر بيبرس انحصرت المذاهب الفقهية السُنية المتبوعة في المذاهب الأربعة المعروفة لنا الآن فقط. وصار لأهل كل مذهب قاض، وقد يصل التعصب بينهم لحد الافتراق في الصلاة، فتُصلى الجماعة أربع مرات في المسجد الواحد، واستمر الحال إلى زماننا. وكان لحصر مذاهب أهل السُنة في تلك المذاهب قصة، تدور في جزء كبير منها حول السياسة.

روى الإمام السبكي في "طبقات الشافعية" (ج8، ص215) في ترجمة سلطان العلماء الإمام العز بن عبد السلام "ولمّا مرت جنازة الشيخ عز الدين تحت القلعة، وشاهد الملك الظاهر بيبرس كثرة الخلق الذين معها، قال لبعض خواصه: اليوم استقر أمري في الملك، لأن هذا الشيخ لو كان يقول للناس اخرجوا عليه لانتزع الملك مني".

كانت وفاة سلطان العلماء العز بن عبد السلام عام 660 هـ. وبعد وفاته بأقل من أربع سنوات، حصر الظاهر بيبرس مناصب القضاء في قضاة المذاهب السُنية الأربعة المعروفة لنا الآن، واقتصر التدريس بالمدارس على تلك المذاهب، وأبطل ما سواها. حدث هذا بمصر أواخر سنة 663هـ، ومثله حدث بالشام سنة 664هـ. قال ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج17، ص464): "ثم دخلت سنة أربع وستين وستمائة، استهلّت والخليفة: الحاكم العباسي، والسلطان: الملك الظاهر، وقضاة مصر أربعة. وفيها جُعل بدمشق أربعة قضاة، من كل مذهب قاض، كما فُعل في العام الماضي في ديار مصر".

وكان هذا تغييرًا سياسيًا أكثر منه دينيًا؛ إذ أنه منذ عزل صلاح الدين الأيوبي قضاة مصر الشيعة، صار من يتولى منصب القضاء في مصر في عهد الأيوبيين قاض واحد على المذهب الشافعي، وله أن يعين من ينوب عنه في الأقاليم، وكان الأيوبيون يستنيبون الشافعية في كل الأعمال، بينما وبعد قرار بيبرس لم يعد علماء الشافعية يستأثرون بأمور السلطة، ولا مقابلة العوام. وكان الغرض ألا يعلو نجم عالم من العلماء بين عموم الناس فيصير في مرتبة العز بن عبد السلام. كان هذا أول استغلال من بيبرس للتمذهب لتفريق المسلمين السُنة. سنّه بيبرس، واستخدمه من بعده مئات من رجال السياسة.

وحتى اختيار المذهب الحنبلي ليكون رابع تلك المذاهب تدخلت فيه السياسة؛ فالمذاهب الحنفية والمالكية والشافعية كانت أشهر مذاهب أهل السُنة، وأغلب الناس عليها، لكن الحنبلي اُختير معها بسبب فتاوى الحنابلة القوية فيما يخص الجهاد ومعاملة الأسرى، وكان خطر التتار لا زال قائمًا.

ثم آل الأمر للعثمانيين، واستحسن الأتراك المذهب الحنفي، حتى أصبح المذهب الرسمي للدولة العثمانية؛ والسبب هو فتوى الإمام أبي حنيفة التي أجاز فيها الخلافة لغير قريش. بل وصل الأمر إلى أن فرض العثمانيون قراءة حفص عن عاصم، لأن أبا حنيفة كان يقرأ بها. ونظرًا لطول فترة حكم الدولة العثمانية، والتي استمرت من سنة 699: 1342ه- 1299: 1924م، ولما يزيد عن ستة قرون، أصبح المذهب الحنفي هو الأكثر انتشارًا بين المسلمين.

وفي جزيرة العرب، فرض الوهابيون مذهبهم على سائر المناطق التي حكموها واستخلصوها بالسيف، ولأول مرة في تاريخ الإسلام ينفرد أهل مذهب بعينه بالإمامة والتدريس في الحرمين. وأصبحت آراء ابن تيمية وابن عبد الوهاب الفقهية دستورهم، وما عداها من علوم سائر علماء المسلمين غير ذات أهمية، فتعصبوا لهما بأكثر مما تعصب الشيعة الإمامية لأئمتهم.

في حين نشأت جمهوريات إسلامية في إيران، وباكستان، وأفغانستان، وموريتانيا، وجامبيا. وهذا عجيب لأن الجمهورية تقوم على أساس مبدأ سيادة الشعب بصرف النظر عن أي اعتبارات دينية أو أيدولوجية، بينما هذه الدول قائمة على التمييز المذهبي بين المواطنين. في إيران على سبيل المثال، يُشترط في رئيس الدولة أن يكون مسلمًا شيعيًا إماميًا. إضافة إلى أن منصبه فخريًا، والمرشد الأعلى للثورة هو رئيس الدولة الفعلي، وهو شخصية دينية اُختيرت من قبل مجلس الخبراء، وليس باقتراع الشعب؛ لذا لا نتعجب من تآكل السُنة ببلاد فارس، وأن يكون 90% من المسلمين بها من الشيعة الإمامية، خاصة بعد مجازر الصفويين من قبلهم في حق السُنة.

والأمثلة كثيرة، وصدق من قال: "الناس على دين ملوكهم". وتدخل السياسة في الدين لا يقتصر على الدول، فقد ظهرت جماعات أُسست على أساس ديني، ولكن بدا أن الغرض من ورائها تحقيق أهداف سياسية.

كانت أولى تلك الجماعات هي: جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وقد نشأت في ‏نهاية العشرينات من القرن العشرين على يد الشيخ حسن البنا، وكانت أول أمرها جماعة دينية ‏يمكن أن توصف بالوسطية، فهي لا تعادي المجتمع ولا تهدف لتغيير قيمه ولا تهجره أو تتبرأ ‏منه وتكفره، وكانت لها أنشطة اجتماعية لا زالت بقاياها في مدينة الإسماعيلية بمصر إلى يومنا هذا، ‏وكانت تكتفي بممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحسنى، ولكن حدث تحول في ‏أفكار الجماعة بدءًا من أربعينات القرن الماضي؛ فتطرفت حتى دخلت في صراع مع المجتمع؛ ‏إذ لجأت إلى العنف والاغتيالات السياسية، ثم حدث تطرف مضاد ضدها في نهاية عهد الملك ‏فاروق وطوال عهد عبد الناصر أدى إلى مزيد من العنف من قبل جماعة الإخوان والجماعات ‏الإسلامية التي خرجت من رحمها، وقد أدت النكسة إلى سقوط زعامة عبد الناصر في عيون ‏كثير من الشباب، ومن ثم وجدوا العزاء في الانضمام للجماعات الدينية، كجماعة التكفير والهجرة، وقاموا بتكفير الحاكم ‏والمجتمع ككل واعتبروه جاهليًا، ودعوا -كما دعت الخوارج قديمًا- إلى تحكيم شرع الله، ووصل ‏الأمر إلى ذروته باغتيال الرئيس السادات رحمه الله.‏

وبهذا التغيير والتحول إلى التكفير أصبح توجه الإخوان مشابهًا لتوجه الوهابية، وإعلانًا ‏لتسلف الفكر الإخواني، وإن جاهدوا لإخفاء هذا التوجه وإظهار وسطية زائفة ساهمت الحوادث ‏في السنوات الأخيرة في مصر على إبرازه.‏

وبعد انتشار السلفية، وانتشار التطرف معها، وُلدت القاعدة، وتبعها ظهور خوارج زماننا المسمون بأصحاب الدولة الإسلامية (داعش)، وكما تلقت القاعدة دعمًا من المخابرات الأمريكية، فإن داعش، ولا شك تتلقى كافة أشكال الدعم لتبقى؛ ولا يعجبنّ أحد أن يقبل هؤلاء دعمًا ممن يحكمون قطعًا بكفرهم. إنها السياسة تُطل علينا برأسها دائمًا. ولا يربح في تلك اللعبة غالبًا المتدينون بل الدجّالون؛ فينبغي أن نتذكر أنه في لعبة السياسة تكون للمصالح اليد العليا دائمًا وليس المباديء والاعتقادات، ولا مكان للتفكير في أمر المذاهب إن اقتضى الأمر التحالف مع المخالف مذهبيًا، أو اقتضى الصراع مع المتفق في المذهب، فكما ذكرنا كان هناك صراع بين البويهيين ببغداد والحمدانيين بالموصل والفاطميين بمصر، رغم كون أمراء الدول الثلاث من الشيعة. والحال ذاته بالنسبة للسُنة، فكانت الحروب على أشدها بين الغزنويين والسلاجقة.

وخلاصة القول إننا عندما نتحدث عن التطرف الديني، لا بد أن ندرك أنه قبل كل أمر، ومعه، يكون أثر السياسة ظاهرًا.‏

 

د. منى زيتون

 

مجدي ابراهيمالقرآن الكريم قانون الله في أرض الله. معرفته سهلة، ولكن العمل به عسير . والناس لا يتفاوتون كثيراً في معرفة القانون، ولكنهم يتفاوتون جدَّ التفاوت في تطبيق القانون. ووحدة القصد هى غاية الغايات من عمل الناس في رحاب هذا القانون، وهى التي يؤدي إليها كل شيء وينتهي عندها كل شيء، ولا شئ يسلم في النهاية على القصد من شرف البقاء معها على الدوام. ولا تنفصل "الحلاوة" مُطلقاً عن "وحدة القصد"، بل تكاد تشملها جميعاً؛ لأنها تشمل روح القرآن كله:

أُثر عن "الوليد بن المغيرة "؛ أنه قال حين سمع شيئاً من القرآن: "والله .. إنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمغدق، وإن أسفله لمثمر، وما يقولُ هذا بشر..!".

ونحن نسأل: من أين؟ من أين لك - يا وليد - بهذه الحلاوة وبتلك الطلاوة؛ وأنت من بعدُ لم تسلم، ولم تعتقد عقيدة الرجل الذي نَزَلَ عليه هذا القول حين وصفته بالحلاوة وبالطلاوة؟ إن الوليد حينما عَبَّر عن حلاوة القرآن بهذه الكلمات اللطيفة النافذة، كان يَتَّجه مباشرة إلى"وحدة القصد" لما في القرآن من تأثير على الشعور والوجدان. وأن سليقته الجُوَّانيَّة الباطنة التي يتغلب فيها حكم الطبع لم تستطع أن تقاوم "وحدة القصد" الغلابة لوقع القرآن: وَقْعُهُ على بؤرة الضمير وعلى شغاف القلب، وَوَقْعُهُ على الشعور الدفين وعلى الإحساس بالغيب.

كلام لا ككل كلام ولا كأي كلام، كلام ألفاظه من لغة العرب بيد أن معانيه الغريبة تُمَيِّزه عن أجناس الكلام البليغ. هذا الوقع ليس شيئاً ! لا بل هو كل شيء فيه : خَاصَّة ذاتية تتجه إلى وحدة القصد بالمباشرة. ويمكن القول أن التفسير الإشاري وبخاصّة لدى القشيري قائم على تلك الوحدة القصدية : لأنه كان حرص أشد الحرص على النص القرآني، وأنه ألتزم بالنظر إليه نظرة اعتبار وتقديس؛ وكان عمل القشيري في لطائف الإشارات أشبه بمن يقتبس قطفات من الضوء من مشكاة كبيرة ينير بها الطريق أمام الأولياء والعارفين، دون أن يتورط في تعسف أو ينزلق في درب من دروب الشطط، والسبب الهام الذي يعود إليه هذا المنهج أنه سني حريص على سنيته بقدر ما هو صوفي حريص على صوفيته، فكان عليه أن يرضي أوساط أهل السنة في الوقت الذي كان عليه أن ينفع الصوفية، وأن يوضح لكلا الطرفين أن الأصول والفروع في الحالتين مستمدة من كتاب الله الكريم .

والوصول إلى وحدة القصد بالمباشرة منهج عامل ذو فاعلية وحياة، جاءت أمثلته تصور منهج القشيري في التفسير الإشاري وتعطينا نموذجاً من هذا التفسير؛ فقد نسمعه يقول في العبادات مثلاً عند قوله تعالى:" كتب عليكم الصيام"، "الصوم على ضربين صوم ظاهر وهو الإمساك عن المفطرات مصحوباً بالنية، وصوم باطن وهو صون القلب عن الآفات، ثم صون الروح عن المساكنات، ثم صون السر عن الملاحظات؛ ونهاية الصوم إذا هجم الليل، ولكن من أمسك عن الأغيار فصومه نهايته أن يشهد الحقَّ. والصوم لرؤية الهلال والإفطار لرؤيته كما يقول عليه السلام، فالرؤية عائدة على الهلال، وعند أهل التحقيق عائدة إلى الحق؛ فصومهم لله حتى شهودهم، وفطرهم لله، وإقبالهم على الله، والغالب عليهم الله".

هذه هى وحدة القصد تعتمد منهجاً فاعلاً وتتخذه طريقاً في التعبد وفي النظر على السواء، ولك أن تنظر في قوله تعالى:" والله غالب على أمره "؛ لترى وحدة القصد تتحقق بهذه "الغلبة" : نفوذ القرآن في الضمائر والقلوب، وفناء ما دونها من مظاهر الغلبة الظاهرة، تلك التي تبدو (أي الغلبة الظاهرة) وكأنها من جنس الغلبة، وهى في الحقيقة لا غلبة لها ولا سلطان.

إنما الغلبة لله في قوله وفي فعله، وفي كل صفة يتجلى بها على عباده بنسب ومراتب لا يعلمها إلا هو، لكنها على الجملة في حكم الغلبة على وجه التحقيق. الله غالب على أمره بشرف التجليات الإلهية في حضراته الخمس : حضرة الذات، وحضرة الأسماء، وحضرة الصفات، وحضرة الأفعال، وحضرة الأحكام. وكلها حضرات مباركة تعطي قوة الغلبة الظاهرة والباطنة في قوله تعالى: "والله غالب على أمره". فإذا شاء الحق تبارك اسمه أن يعطي مثل هذه الغلبة لكلمته العليا، ويمنع ما سواها أن تكون له على الحقيقة غلبة أو سلطان قال:"ما فَرَّطنا في الكتاب من شيء".

والدلالةُ فيه صارمةٌ بحكم الغلبة على احتواء القرآن على أصول العلوم والمعارف في كلمته المقدسة:"ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء"؛ ما استثنى شيء ولا فاته شيء ولكنه بيَّن كل شيء في كل شيء، وأحصى كل شيء في كل شيء، ثم إنه لهُدَى، ورحمة، وبشرى للمسلمين. فإذا وجدت وحدة القصد في شعور أحد يريد أن يعرف من تجليات المراتب والحضرات الإلهية شيئاً، كان كل ما يريد أن يعرفه من علوم ومعارف مَجْلَىَ من هذه المجالي الإلهية، وكان كل ما يطلبه من هذه المعارف والعلوم موجوداً في الكتاب :" مَاَ فَرَّطْنَا في الكتَاب من شَيء "!

ذلك هو حكم الغلبة، وذلك هو هو حكم الإعجاز الباهر الوضَّاء؛ خاصَّة ذاتية لا نملُ من تكرارها أبداً تتجه إلى وحدة القصد بالمباشرة . أين موطن"الحلاوة" فيما سمع الوليد، وأين موطن "الطلاوة" فيما شعر به من قوة هذه الوحدة القصْديَّة في ذلك القول؟ ذلك ما لم يقدر الوليد على الإجابة عنه سوى أنه قال : ليس بقول بشر..! (والله .. إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمغدق، وإن أسفله لمثمر؛ وما يقولُ هذا بشر !).

كُلُّ ما هنالك أنه استسلم لحكم السليقة فيما تصيبه السليقة من وقع على الشعور والوجدان، وأن تذوّقه الرفيع - مجرد التذوِّق - لمعاني هذا القول الغَلاَّب قد أصاب منه كوامن النفس الصَّفِيَّة وبواطن البؤرة الدفينة في منْبَت الشعور. لقد اتجه الوليد بالسليقة الذواقة والشعور الوجداني اتجاهاً مباشراً إلى وحدة القصد في القرآن. هذه الوحدة التي تشمل روح القرآن كله، وهى روح عليا : ذاتية خاصَّة له، لا توجد في سواه، روح عليا لا وصف لها عندنا ولا حدَّ سوى سرَّ قوله تعالى:"والله غالب على أمره ". لقد قدرَّ وحكم أزلاً أن تكون كلمته تعالى هى العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، وبهذا التقدير الإلهي وبتلك القدرة النافذة تسري حضرات التجليات الإلهية في الكون كله على ما يشاء، وفيما يشاء الله أن يُسْريها:" قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي، لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً".

سبحان الله! الكون كله بما فيه ومن فيه عاشقُ لله بالضرورة إلا الإنسان فعشقه بمقتضى الفهم والتَّدبُّر والرويَّة ووهب التوفيق .. الله .. الله على القرآن ساعة أن ينفذ بسلطانه إلى شغاف القلوب. ويا ألطاف الله على هاته "الحلاوة" التي تخرق أسجية الضمائر وتقوِّى معادن النفوس.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

علي المرهجهي (الملاحم والفتن) في الهند القديمة أو ما أطلق عيها "أغنيات السماء" وسجل تاريخ الهند، أو (أوذيسة الهند الكبرى) وربما (إلياذتها) وقل عنا أنها (ملحمة كلكامش) عراقية بآلاف أبيات الشعر، وفيها مُشتركات في احتدام الصراع والانتصار للخير . فيها من الميثولوجيا بقدر ما فيها من ثقافة تُعرفنا بطبيعة الحياة والعلاقات الاجتماعية في الهند.

هي نص سردي ونثري مُكتنز بالمعاني الفلسفية والدفاع عن القيم الأخلاقية الخيَرة ونبذ مُضاداتها.

أعدَها المخرج البريطاني (بيتر بروك) بالتعاون مع الفرنسي (جان كلود كاريير) لتكون عرضاً مسرحياً بحلقات مُتلفزة وحوارية مُبهرة وتلخيص أخَاذ للملحمة.

ترجم هذا العمل المُترجم العراقي حسن ناصر عن مركز دراسات الكوفة، منشورات جامعة الكوفة ـ العراق ط1، 2018م، مراجعة الدكتور حسن ناظم.

ملحمة الهند الكُبرى هي "المهابهارتا"، هي ملحمة حيَةٌ لا زالت نابضة، وهي منبع الكتابات المُقدسة عند "الهندوسية". إنها روح الهند التي تسري بين سطورها، وفهمهم للكون والعالم والحياة وعلاقة الإنسان بالوجود والقيم والدين.

أبطالها مزيج من آلهة وبشر، وهي الأساس لجُلَ المُعتقدات والأساطير والتعاليم والشخصيات التي لا تزال تُحرك الحس الديني والفكري في الهند حتى يومنا هذا.

تعني كلمة "مها" في السنسكريتية الكامل والعظيم، فالـ "مهاراجا" تعني الملك العظيم. أما "بهارتا" فهو اسم أول الشخصيات التي ورد ذكرها في هذه الملحمة.

لهذا تكون الترجمة الأدق لمعنى "المهابهارتا" هو "الكامل في تاريخ البُهرة" كما يؤكد (جان كلود كاردييه) في ترجمته للملحمة بالاشتراك مع (بيتر بروك).

ترجم الملحمة عن الإنكليزية كملحمة هندية لا علاقة لها بنص (بيتر بروك) و (كاردييه) عبدالإله الملاح تحت عنوان (ملحمة الهند الكبرى)، منشورات دار الورود بدمشق، ط1، 2002.

926 المهابهارتاأشتقت من الملحمة ما كُتب عن (أفتار) وما اشتغلت عليه السينما العالمية في استلهام ما جاء في ملحمة (المهابهارتا) من معارك تُشير إلى آلات طيارة ومعرك هي أشبه بالمعرك بالسلاح النووي اليوم رغم أن تاريخ كتابة الملحمة يعود لألفي سنة قبل الميلاد، وبعض الدارسين يعتقد أنها حرب جرت في القرن العاشر قبل الميلفاء قداسة لاد، أو في القرن الخامس عشر. ولكن المهم أن أغلب الدارسين يؤكد وجود هذه الحرب وبأنها وقعت بالفعل، ولكن صياغتها ميثولوجياً واللعب على (دارامتيكية) الصراع بين (الخير والشر) واضفاء قداسة لفريق الخير مُستمدة من الآلهة، وكل ما في الفريق الثاني من شر إنما هو كامن في أنفسهم.

الملحمة تنتصر لأهل الخير حتى وإن حقق أهل الشر بعضاً من الانتصار المؤقت في قليل من الحروب.

في الملحمة انصاف للخير الذي يرتجيه الضعيف في خاتمة المطاف، فستمنحه الآلهة قوة يستمد كبرياؤه فيها من شغفه بالخير ومداد الآلهة على قاعدة "يضع سرَه في أضعف خلَقه".

الملحمة تدوين لحرب ضروس بين عائلتين من أصل واحد، (آل كورو) و (آل بانشالا) يحتدم فيها الصراع الدموي بين أبناء العم، لينتهي الصراع بين العائلتين بحرب ضروس كل فريق فيها يدَعي أنه هو من له الحق بالحُكم.

الملحمة عبارة عن تدفق معاني وحياة روحية وانسانية تبدو القيم الأخلاقية الخيَرة ناصعة بها على لسان (أرجونا) (الإنسان صاحب القيم المُثل) و(كريشنا) (الفيلسوف الحكيم الذي أدرك تجليات الصراع في الواقع، ولكنه في الوقت ذاته يستمد خيَريته وقوته من الإله (فيشنو) (إله الحُب) كي يُحافظ على هندسية ونظام الكون (الدارما) أو (الفضيلة) الذي وضعته الآلهة و(قائد المركبة).

حوَل جان كلود كارييه وبيتر بروك هذه الملحمة لعمل مسرحي ملحمي، وقد ترجمه من قبل عام 1996 ممدوح عدوان، طبع وزارة الثقافة السورية، وكُنت أتمنى على المترجم حسن ناصر أن يُبيَن أسباب ترجمته لهذه الملحمة مرة أخرى، هل في ترجمة عدوان بعض الثغرات؟ أو هل فيها بعض الضعف والارتباك على مستوى الأسلوب؟ أم فيها خلل في الأمانة العلمية؟، ولربما فيها ايجاز مُخلَ، لكن المُترجم والمُراجع لم يُشيرا لأسبقية هذه الترجمة!!.

تروي الملحمة سردية الصراع في سلالة "البهارتا"، وبعبارة مؤلفها الأول "فياسا": "إنها التاريخ الشعري لكل البشر".

رغم أن تأليفها يُنسب إلى "فياسا" أو "الفيدا فايسا" وهو من الذين نسخوا كُتب الفيدا، ومن كهنة "الفيشنو"، ويعدَه الكثير من الهندوسيين أنه من الخالدين. لكن تبقَ "المهابهارتا" من الأساطير التي ورثتها الشعوب عبر الرويَ والحكاية الشفاهية، لذلك لا يُمكن الجزم بأن ياسنا هو المؤلف الوحيد لها.

في الملحمة يبدو "كريشنا" وكأنه يُمثل شخصية "فياسا" بوصفه التجلي البشري للإله "فشنو"، وهو الذي يُسير الأحداث ويُغيَر المصائر.

يعتقد الهندوسيين أن قراءة "المهابهارتا" والتعلم منها إنما فيه صفاء للقلوب لأنها، أي، "المهابهارتا" كما يقول (فياسا): "صافية مثل الكريستال...إنها تغسل الذنوب وتشحذ العقول وتُطيل الحياة".

927 المهابهارتافي الملحمة بطولة تمثلت في إيثار وتضحية (بيشيما) ونزعة للحُب بين الإبن والأب وفق مبدأ الاعتراف بجميل التربية الذي يقتضي الإيثار والطاعة، "فمن أجل أبي الحبيب أُقسِم على أن أعيش زاهداً بكل شيء وألَا يعرف حُبَ النساء طريقاً إلى قلبي أبداً". هذا لأن أبيه أحب فتاة لم يقبل أبوها بتزويجها منه إلَا إن أصبح أولادها هم الحاكمون، فآثر (بيشيما) التضحية بالمُلك من أجل سعادة أبيه، لتصل تضحيته بعد أن يتزوج أبيه ويشب له ولد من بنت كبير الصيادين أن يُحارب بالنيابة عن كبيرهم الذي لم يكن فارساً ولا مُحارباً، وبعد انتصاره في المبارزة أهدى النساء اللواتي ربحهن لأخيه "الملك الشاب ابن أبي".

لم يكن (فايسنا) راوٍ للـ "مهابهارتا" إنما كان هو من يُمثل سبب الصراع فيها واحتدامه، لأنه تزوج من الفتاتين اللتين كسبهنا (بيشيما) في المُبارزة = (المباراة) ولأن أخيه مات قبل أن يدخل بهنَ، فأختير (فايسنا) ليكون زوجاً لهنَ، واحداهن أغمضت عينيها، حين الدخول بها، فكان الأسطورة تؤكد بأنها ستلد ولداً أعمى، والأخرى خائفة منه ولكنها ستلد ولداً آخر شاحباً!.

يبدأ الصراع بين ولديَ (فايسنا) الأعمى والشاحب، من هو الملك؟.

في حوار دراماتيكي بين باندو الشاحب وغزالة كان يرنو لصيدها:

ـ الغزالة: "الحكمة لا تدحض القدر بل القدر يدحض الحكمة.

ـ باندو: إلى ماذا ترمين أيتها الغزالة؟.

ـ الغزالة: كيف تُقَدِم يا باندو، وأنت ذو علمٍ عظيم، على قتلنا، حبيبي وأنا؟.

ـ باندو: للبشر الحق في صيد الغزلان، البشر عامة والملوك خاصة فما لومك؟.

ـ الغزالة: ألومك على جهلك بقيمة مُتعة الحُبَ.

ـ باندو: أصبتي في لحظةٍ تستلذها الكائنات جميعاً.

ـ الغزالة: وأنت تعلم أن لذَة الأناث تعلو على غيرها من اللذَات.

الملك الأعمى

في الملحمة يرد إسم (دريتاراشترا) الأعمى أخ (باندو) الذي يُقلَده (باندو) الحُكم بوضع وشاح حريري على كتفه بطريقة ملكية.

(كَانداري) زوجته المُستقبلية لم تعرف أنه أعمى، إلَا بعد أن أخبرتها خادمتها بالأمر، فتعجبت وقالت: "إذا كان أعمى فليس له أن يحكم إلَا في الليل...

الخادمة: إنه أعمى يا سيدتي.

كَانداري: لمن أصباغي إذاً، ولمن ثوبي إذا كان زوجي لا يراني، لمن ضفائري وحُمرة شفتي، لمن جسدي ولون عيني؟ أعطني وشاحي.

احتدام الصراع

في حوار (دراماتيكي) مُفعم بالأسى والحُب معاً بين (باندو) و (مادري) مع شخصيات أخرى ينتهي (فاياسا) بعد أن تذكر له أمه خبر إلقاء (مادري) لنفسها في النار بالقول: "لأن الأرض فقدت صباها يا أمي. ذلك الصبا الذي مرَ مثل حلم. كُل يوم إنما يمر بنا الآن نحو الاضمحلال والدمار.

أم (فاياسا): تُرى أي صراع رهيب ذلك الذي تتنبأ به يا ولدي؟".

تظهر شخصيتان في الملحمة هما (بيشيما) و (دورونا) وهما يبدوان مُماثليَن لشخصيتي (كلكامش) و (أنكيدو)، فكلاهما يُتقن الحرب والقتال، وكلاهما يُتقن الحُب والحكمة، ولكن اللقاء بين (بيشيما) و (دورونا) هو لقاء تعاون من أجل فض الصراع بين المُتنازعين.

الصراع يحتدم ولا خلاص منه، بين (دوريودانا) و (كارنا) كل واحد منهما يُمثل قوة من طرفي الصراع في العائلة، ورغم حكمة (دورونا) و (فاياسا) إلَا أنهما لم يتمكنا من منع القتال بين الأخوين غم اعلانهما الصداقة والاعجاب المُتبادل بينهما. ليختم (دورونا) بالقول: "القدر وحده الذي لا يُقهر".

الآلهة في الملحمة ثلاث:

ـ براهما: الخالق الذي لن نراه أبداً.

ـ شيفا المُدمر: المُشتعل الحاضر دوماً عند نهاية التاريخ.

كريشنا يظهر على هيأة بشر، وأفعاله خبيئة وسرَانية ولكنها تصبح واضحة بطريقة غامضة. يقول أن بإمكانه أن يوجد في كُل مكان هُنا وهُناك هو الماء وهو رجفة وريقة الشجر. إنه أنت في الُلبَ من كُل ذلك اللامرئي.

كريشنا يظهر في الملحمة وكأنه المُخلص للبشر من سوء أفعالهم، ليُبلغ البشر أن حياتهم في الأرض لن تكون بين حرب وسلام، بل "بين حرب وحرب". والحرب ربما تكون في داخل النفس، وربما تكون حرباً مع آخر. "دمار طريق الحق ودمار نظام العالم..ودمار الدراما العظيم، وهذا هو الأسوء"..

 

ا. د. علي المرهج

 

قاسم حسين صالحالأستماع لرأي الناس وذوي الأختصاص.. واجب وفضيلة

تنويه: كنا نشرنا مقالا بعنوان (المرجعية الموقرة مع التحية.. ما هكذا تحلل وتعالج مصائب الناس).. خلاصته ان الشيخ عبد المهدي الكربلائي دعا في خطبة الجمعة الأولى من رمضان المبارك (10 مايس 2019) الى (توظيف معطيات هذا الشهر المبارك لأجراء التغيير لاصلاح النفوس للفرد والمجتمع)، وشخّص سبب (كثرة حالات الانتحار والطلاق والتفكك الأسري بالخواء الروحي والمعنوي)، وقدم رؤيته في علاجها بأننا (نشكو في مجتمعنا من حالة الجفاف الروحي والمعنوي، نحتاج الى إغنائه، اذا قويّت الاتصال والارتباط بالله تعالى وهذا يعني انني اعتقد ان لي رب قادر وحكيم ورحيم وعطوف بي وحنون عليَّ هو سيعينني على ان اتجاوز هذه المشاكل والازمات واتخلص منها بنجاح ولا اقع في الفشل والاخفاق واليأس والاحباط وغير ذلك من هذه الامور النفسية..).. ما يعني أن فضيلة الشيخ الكربلائي، يطلب من الشاب الذي يقرر الانتحار ان يتوجه الى الله سبحانه ليحلها له أو يصبّره عليها.. في بلد نهب ثرواته (حيتان الفساد) باعتراف سابق للمرجعية، وان فيما قاله ما هو اخطر، لأن ما يفهم من كلامه انه يدعو الشباب لتفويض أمرهم الى الله سبحانه وترك الفاسدين من السياسيين يستمرون بسرقة ثرواتهم ومستقبلهم، فضلا عن ان فيه تخديرا يصرفهم عن دورهم في التغيير بتحقيق العدالة الأجتماعية التي أمر بها الاسلام، وعمل أمير المؤمنين الأمام علي على تطبيقها في خلافته واوضح تفاصيلها ومواصفات الحاكم في عهده لمالك الأشتر.

 وكنا استطلعنا رأي اكاديميين ومثقفين وقرّاء فيما قاله فانتقدت الغالبية المطلقة حلّ فضيلته وشخّصوا الاسباب في العملية السياسية وفي احزاب اسلامية محسوبة على المرجعية وفي تغير مواقف المرجعية من الطبقة السياسية.

 الاستماع لرأي الناس واجب وفضيلة

 تفترض المرجعية الموقرة أن على الناس ان تستمع لها وتعمل بما تقوله، وهذا صحيح في الجانب الديني والشرعي لأنه تخصصها المتعمقة فيه وعلى المتلقي الألتزام بما يقوله من بلغ رتبة الأجتهاد.غير انها اذا تحدثت في ظواهر اجتماعيىة (انتحار، طلاق، تفكك أسري) فان عليها ان تستمع لما يقوله علماء النفس والأجتماع، واذا تحدثت في السياسة فان عليها أن تستمع لما تقوله الناس فيما تدعو اليه.. وتلك هي مهمة هذا المقال، نورد فيه نماذج من التعليقات بشأن الحل الذي اقترحه فضيلة الشيخ الكربلائي ومداخلتنا العلمية عليه في المقال المنشور سابقا:

- الدعاء وسيلة مساعدة تمدنا بالعزيمة والاصرار للتغيير، اما ان تكون هي وسيلة التغيير الوحيدة كما تدعونا المرجعية فهذا خواء من نوع اخر يدل على حرج موقف المرجعية بعدم قدرتها على تغيير الامور وعدم قدرتها على الاعتراف بذلك حتى لا تخسر مكانتها امام الناس.

- سلمت أناملك وعقلك استاذنا الفاضل على هذا التحليل والكلام الدقيق والجريء عسى أن يلقى استجابة من مرجعتنا المحترمة.

- تحليل دقيق سيدي الفاضل ينير العقل.. ولكن لاحياة لمن تنادي

- يتحدثون عن زهد الأمام علي عليه السلام ويعيشون ترف معاويه وبني العباس.

- احسنتم دكتور قاسم. تشخيص ورؤية علمية دقيقة للوضع المرتبك والمتشابك وهذا ما يجول في خاطرنا.. وأعتقد أن الأمور اعقد بكثير مما تتصور، فوضع الخدر والكلام من فوق الابراج العاجية لا يقدم ولايؤخر شيئا .. ويبقى الحال كما هو عليه وقد ينحدر للأسوأ.

- على المرجعيه المشاركه الفعليه بادارة الامور مثل فتح مكاتب لتسجيل العاطلين عن العمل وتعين وجبة منهم كل ستة شهور.

- صراحة ودقة عالية في التشخيص وجرأة بمكانها. نعم لابد من فعل صريح للمرجعية يخيف السياسيين.

- لقد وضعت النقاط على الحروف في هذا المقال الرائع وتكلمت بدلا عن اغلب العراقيين ومعاناتهم الحقيقية.

- مقال جريء.. النفق المظلم جدا طويل، في بلد المصلحة الضيقة.

- ان تحسس المرجعية لهذه الظواهر الاجتماعية الخطيرة ليس كتحسس الاختصاصيين، ولذلك لن يشعروا بالحاجة العملية لعلاجها، فضلا عن ان كل حاجاتهم مشبعة.

- هل يحق للمرجعية الكريمة ان تصادر الاختصاصات العلمية وتجتهد في غير اختصاصها الشرعي؟وهل جميع الاحزاب الدينية الحاكمة في العراق لها ايديولوجية فكرية وطنية تعالج احوال المواطن والامور الانسانية الاخرى؟ ومتى نفهم الأدوار والحدود لكل منظمة او حزب او حتى المرجعية.. ماهي حدودها؟

- لا اذن تسمع، لانها تمس مصالحهم.اي رجل دين هذا ياخذ راتب برلماني وراتب جهادي واموال الزكاة بحوزته!. انهم يسكنون بروجا عاجية ويطلبون من فقراء القوم الذهاب الى الله وكاننا بعيدين عن الله.

 المرجعية والسياسة

 يمتد تاريخ المرجعية الى عام 448 هجرية يوم اضطر كبير علماء الشيعة الشيخ ابو جعفر محمد بن الحسن الطوسي النزوح من بغداد الى النجف اثر هجوم السلوجوقيين على داره واحراق كتبه لتتحول النجف الى جامعة كبرى ايضا يقصدها طالبو العلم من معظم بلدان العالم، وثّقها الرحالة ابن بطوطه بتعريف لمدارسها ونظام منح الاجازات العلمية. وكان أبرز مواقفها التاريخية هو (ثورة العشرين) حيث افتى علماؤها بالجهاد ضد هجوم الانجليز على العراق بالحرب لعالمية الاولى الذي وصفته بالتدخل السافر على الوطن.

 ما يهمنا هنا هو موقفها من السياسة بعد 2003، وحوله تختلف الأراء.فهناك من يرى ان الضرورة اقتضت ان تتدخل لأنها المرة الأولى بعد اكثر من الف عام يستلم فيها الشيعة السلطة وان عليها دعم احزابها الاسلامية الشيعية، فدعت الى المشاركة بالأنتخابات وساهمت في كتابة الدستور واصدرت فتوى الجهاد الكفائي.. ويحسب لها انها حافظت على وحدة العراق ودعت لقيام دولة مؤسسات مدنية، فيما يحسب عليها دعمها لقائمة الائتلاف العراقي الموحد في انتخابات (2005) التي ادانتها فيما بعد ووصفت قادة فيها بـ(حيتان الفساد). وهناك من يرى انه كان من الأفضل لها ان تبتعد عن السياسة لأنها لعبة لا تحكمها قواعد ولا دين ولا اخلاق، وان دخولها فيها يحتم عليها ان تلعبها لصالح الناس، الذين انتظروا ان يصدر منها موقف حاسم، لكن معظمهم اصيبوا بالخيبة لأنها غالبا ما تخرج في خطبها بتلميحات، وتعدد مواقف فسّرها كثيرون بأن السياسيين وضعوا المرجعية في (ورطة). فبعد ان (بح صوتها) من نصح (قوم كانوا يجتمعون على الباطل ويتفرقون عن الحق – بتعبير أحدهم)، اضطرت الى ان تبتعد عن السياسة، واضطرها سوء الحال الى ان تعود اليها ، وانها كانت قبل( 2010) قد التزمت الصمت ازاء الفاسدين الكبار فيما حصل في (2015) تحول صريح بمطالبتها حكومة السيد حيدر العبادي بالضرب بيد من حديد على الفاسدين بغض النظر عن أي انتماء كان.. وتلك التقلبات في المواقف كانت مآخذ عليها حتى من مقلديها.. وأحد أهم أسبابها انها ما كانت تستمع للناس وذوي الأختصاص في العلوم الأنسانية من المستقلين سياسيا.

والحل.. ؟

 علينا ان نعترف بوجود ثلاث اشكاليات، الأولى:موقف المرجعية من العملية السياسية، والثانية:موقف المرجعية من ذوي الأختصاص والمثقفين في الظواهر الاجتماعية الخطيرة التي تضاعفت في زمن حكم احزاب الاسلام السياسي، لاسما: الآنتحار، الطلاق، التفكك الأسري، تعاطي المخدرات، الأنحرافات الجنسية، الألحاد، والثالثة:ازمة الثقافة والمثقفين العراقيين ووصول الناس الى (راحة) اليأس.

 وللوصول الى حلول عملية لصالح العملية السياسية والمرجعية والناس، فأننا ندعو لعقد مؤتمر تتبناه المرجعية ويشارك فيه اكاديميون ومثقفون وخبراء في علم النفس والاجتماع مستقلون سياسيا، ومنظمات مجتمع مدني.. يضع استراتيجية تنفّذ على مراحل، ويخرج بتوصيات تلزم الأطراف الرسمية والأهلية العمل بها.. وبدونها تبقى الغيبيات وتمنيات اليأس وعزاء الذات تتحكم بالناس، ويبقى الفاسدون ينهبون ما تبقى من ثروات وطن.. اعتبروه غنيمة لهم فتقاسموه، وما خافوا.. ولن يخافوا الا متى شعروا ان المرجعية والناس والمثقفين.. قد توحّدوا.

 

أ.د.قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

احمد شحيمطعمر الخيام (1123- 1047م) شاعر وعالم فارسي ولد في نيسابور بخراسان. بارع في تخصصات أخرى كالرياضيات والفلك والفلسفة . تكثر الأقوال في حقه في مجال السلوك والأخلاق والعقيدة. وما يدعو إليه الخيام من الإقبال على الملذات والمجون. وبين قائل أن الخيام في ندائه من أجل الحق والحقيقة تكشف أشعاره عن الميل إلى طلب الاستغفار وإعلان التوبة من الله.

شهرته فاقت حدود فارس إلى العالم الغربي في ترجمة أشعاره خصوصا الرباعيات. فاختلف العلماء في تصنيفه من الجانب الخاص بالعقيدة الإسلامية. واتهامه من قبل أطراف بالإلحاد والزندقة . ويشهد الطرف الآخر أن الخيام مات مسلما. وكان فيلسوفا مشككا في الحقائق ولا يكتفي بالجاهز وأنه ذاق من زعاف الواقع ومرارة الدنيا ما جعله يزداد عشقا للحياة في مجون ولذة بالخمر في نشوة ابيقورية. ولذة عابرة وباقية في نسيان الهموم وأعباء الحياة وقلاقل العصر ومشاكله.

تعرضت الرباعيات للنقد بالقول أنها تحريض على المجون والزندقة ودعوة للانحلال والفسق. والحقيقة أن في كتب التاريخ لم تسجل الأقوال السلبية المغالية في القدح للشاعر عمر الخيام بل العكس أنها تنم عن ذكاء وعبقرية الرجل في الوصف والتغني. والنداء الوجودي في حالة القلق وعدم الشعور بالراحة والاستكانة . بحثا عن الذات خارج سياق الجماعة. لحظة صمت وقول في صميم الوجود الأصيل. ولحظة التعبير عن الحقيقة في مناجاة الحق وطلب الرحمة والمغفرة . قلة الإخلاص في الطاعة لله كما يقول الخيام فالرحمة الإلهية أوسع في نيل الرضا والمحبة لكل التوابين .

نفحات صوفية عميقة في شعر الخيام. لا يلمسها إلا من يتأمل في مرامي الفكرة النابعة من عمق الباطن. في صفاء القلب والفطرة التي تعني أن الخيام لم يكن كذلك بالأقوال السلبية التي قيلت عنه. لكن الخيام ابن بيئته. عبر عن ما يخالج الذات من إحساس وجمال بعظمة الحق. وما في الذات من أسرار إلهية في بلوغ الكمال. وما يعيشه داخل مجتمع يعاني الانقسام والتصدع. في نفاق وجشع وصراعات.

القلب قد أضناه عشق الجمال. ولا يهتدي العاشق إلا عندما يخفق القلب ويدق في صدق المشاعر وطيبوبة النفس. في ظل التوتر بين الذات والوجود تصبح الأنا في ولع شديد للبحث عن الحقيقة. أمل الإنسان في الغد كبير. وعمر الإنسان يقاس بالساعات واللحظات . لا نوم بعد اليوم. والحيرة شديدة بلغت حد التفكير بعمق في أسرار الوجود. وزيف العالم. في حيرة وقلق من الرتابة والوجود المزيف. والحيرة تولد التفكير في الحياة. والتأمل في معنى الوجود الانساني . هذا الانسان لم يختر الوجود بل قذف الى العالم كما تقول الوجودية . يزيد الإثم وتتعاظم الخطايا. ولا سبيل إلا بالرحيل والتفكير في الموت. وقوة الحق في رحمة أوسع واشمل. فالخيام عاش لا يشرك في وحدة الله ولا أمل إلا في التوبة والعفو عن البائسين.

في الواقع اكتب هذه الكلمات وفي أدني رنين الموسيقى والكلمات وصوت أم كلثوم في رباعيات الخيام التي ترجمها بدقة وجمالية الشاعر المصري أحمد رامي. ترفعنا الكلمات من مستوى الواقع المزيف والوجود البسيط إلى عالم السمو في الكلمات واللغة الشعرية التي تتدفق عذوبة وجمالا. صوفية عالية في كلمات تلامس المعنى والحقيقة . في عالم يكشف فيه الخيام الإدراك ومعانقة الحق بالقلب والعشق .

عاشق للحقيقة النابعة من صفاء الرجل وسريرته في مناجاة الحق. أن يقلع الرجل عن الخطايا والحياة الرتيبة التي كان الخمر واللذة من سماتها. واللجوء إلى عالم أكثر سموا في حيرة فكرية لا يرقى إليها سوى الفلاسفة وأصحاب الذوق. صوت ونداء في السحر” بالفتحة والتشديد”. صدى النداء ينزل من الأعلى في تلبية النداء والشعور بامتلاء الوجدان. وصفاء القلب في الاندفاع نحو القول والتعبير بالكلمات والجمل المفعمة بالحكمة عن الوجود الأصيل. وحالة الاغتراب والتيه الذي يعاني منه الإنسان في عصر القلاقل والصراعات.

ويمكن القول أن نفور الخيام من الناس. ومن عالمهم المزيف من العوامل التي ساهمت في شهرته على مستوى الكتابة. حتى أن الرباعيات منعت في عصره. وبقيت موجودة ومحفوظة عند تلاميذه. وزاد من شهرته في الغرب ترجمة الشاعر فيتز جيرالد للرباعيات. والى العربية ترجمت أكثر من 15 مرة علما ان جزء منها بالعربية والاخر بالفارسية . كما ترجمت من الفرنسية والانجليزية الى اللغة العربية . أحمد رامي واحد من المترجمين .

إعجاب الكتاب بالخيام فاقت الحدود والتوقعات دون أن يختزل الشاعر الفارسي في الزندقة والمجون بل في عمق الكلمات ودلالتها وحكمة تفيض معنى ضد عالم هيمنة الملل والنحل. أتقن اللغة العربية وهام بالشعر. وكتب من أعماقه شعرا عميقا. فمن بين الأبيات في سر الوجود والانهمام بالذات للتأمل في الغايات البعيدة وفي الحياة والموت.

سمعت صوتا هاتفا في السحر … نادى من الغيب غفاة البشر

هبوا املأوا كاس المنى … قبل أن تملأ كأس العمر كف القدر

صوت من السماء . في نداء الحقيقة التي لا تأتي الا بالكشف . في صيحة مفاجئة في الاقلاع عن الملذات . حياة الزهد والعلم . وحيرة العاشق الذي لا يعيش حياة العبث . بل ما وصل الينا من شعر بترجمات مختلفة الا وينطوي على قيمة هذا العالم في نسج ابيات من عشق الحياة والتفكير في الوجود والموت . قراءات متنوعة في رباعيات الخيام . هناك من وجد في عمر الخيام سوى رجل خرج عن جادة الصواب والايمان . ومن تأمل في اعماق الرباعيات ومرامي التفكير في معنى الحياة وفي زمانية الكائن وحقيقة الكينونة . ادرك المعنى بالقلب والعقل . تأملاته الفلسفية في الرباعيات تعني ان عمر الخيام كان بالفعل فيلسوفا يطرح اسئلة عن الوجود والموجود . فكتب عن سر الوجود . وعن حيرته في الكون وما صدر عن الحق .

لبست ثوب العيش لم أستشر  ***   وحرت فيه بين شتى الفكر

وسوف أنضو الثوب عني ولم  ***  ادرك لماذا جئت . أين المقر

نداء الحقيقة في تأملات الخيام عن الوجود والحياة . في ضجر العالم والشاعر من العيش واكراهات الزمان . في واقع قاتم حيث عاش الخيام في عهد السلاجقة . وفي علاقته بحسن الصباح . في الصراع على السياسة والملك . تبدو القضية في غاية الصعوبة للقول الفصل بالانفصال أو الاتصال على تنوع الآراء في ذلك . أما في المجال العلمي كثيرة تلك المواقف القائلة بقوته وذكائه في الرياضيات والفلك والفلسفة . وان المصادر التي تؤرخ لذلك تعرضت للنهب والحرق والسرقة ... وفي الحياة الخاصة للخيام . ان الانصراف نحو اللذة وشرب الخمر والميل للهو في مرحلة ما من العمر . فهذا يعني ان الاختيار لم يكن نابعا من قناعة ثابتة بل هي الدنيا التي تجر اهلها نحو افعال عرضية . وما وراء الاعراض توجد الجواهر والماهيات .

لم أشرب الخمر ابتغاء الطرب  ***  ولا دعتني قلة في الادب

لكن احساسي نزاعا الى   ***   اطلاق نفسي كل السبب

أفنيت عمري في اكتناه القضاء  ***  وكشف ما يحجبه في الخفاء

فلم أجد أسراره وانقضى   ***   عمري وأحسست دبيب الفناء

يبقى عمر الخيام شعلة تضيء طريق السلام والمحبة في رسائل الخيام. وتأملاته في الوجود والإنسان. وفي الحياة والموت وفي الاغتراب وضياع الأمل. ينير الشاعر طريق العبور والالتقاء بين الشرق والغرب. ونقطة الالتقاء بين العرب وبلاد فارس. وصلة وصل بين الامم في نشر رسالة التسامح والمحبة لما يجمع الامم في المشترك . من الانسانية والمصير . ففي ترجمة الرباعيات دليل على حسن الإنصات للشعر الذي يلامس فيه الخيام حاجتنا للسير وفق خطى القلب والعقل. وحاجة الغرب للشرق في الروحانيات والاشراق.

فالخيام وليد عصره. شعوره بالغربة في بيئته ونزعة التشاؤم ومقاومة الحياة بالانصراف نحو اللهو نوع من الهروب من الأوضاع السائدة. ومشاهدته للدسائس والتعصب المذهبي. فجاءت أشعاره انعكاسا للبيئة . وتأملاته في الحياة وغايات الإنسان في العيش. وانعكس هذا الفكر على الشعر. ليعبر الخيام عن الوجود الأصيل.

الروائي والأديب اللبناني أمين معلوف في عمله «سمرقند» ينقلنا إلى عالم الشرق. من مدينة الخيام وفي أمكنة وأزمنة مختلفة يعثر على حل للمشاكل العالقة بين الشرق والغرب. وبين الشرق ذاته في الهويات القاتلة والمدمرة للتعايش وحسن الجوار. ويستلهم في الحل شخصية عمر الخيام وأفكاره. في عملية الدمج للهوية المشتركة. في نقطة متصلة للاتقاء بين الروح الشرقية وما في الشرق من روحانية. والغرب في العقلية المادية. وفي سرديات أمين معلوف بحث عن الخيوط الناظمة في عملية التثاقف بين الشرق والغرب . وتفكيك الهويات القاتلة في مجتمعات منقسمة ومتشظية .

 

بقلم : أحمد شحيمط  من المغرب