مصطفى غلمانالضمير الأخلاقي أو الذات الأخلاقية صنوان لفعل قيمي، باعتبارها إحدى أهم تجليات وعي الذات الشخصية للواجب والمسؤولية تجاه المجتمع والعالم.

وحسب معجم علم الاخلاق قد "لا يتجلّى الضّمير في صورة إدراك عقلي لقيمة الأفعال الأخلاقيّة، فقط، بل وفي صورة معاناة عاطفيّة، كما في الشّعور بتأنيب الضّمير، أو في أحاسيس " راحة الضمير الإيجابية". فالمحسوس أحيانا لا يشي بالحقيقة المدركة عقليا، ولهذا يمكن تشكيله عبر تمفصلات أخرى، بفعل تقدير وفهم الفرد للسلوك أو الفعل الخاص والاستجابة الإيجابية للتغيير، بما هو تهذيب وارتفاع وجداني وأخلاقي.

إذا كان الضمير المقصود جملة من المعارف الباطنية الضامة للمشاعر والعواطف والانفعالات والسرائر فإن ثمة ما يجسد حضوره الميتافيزيقي على مستوى الحواس، وهو رابط فلسفي جوهري بالدلالة على شحن الوعي الأخلاقي وتقديره وتحفيزه أن يكون كيانا وجدانيا متعاليا يضطلع بمهام الشّعور المتاخم بين الخير والشّرّ، ومحاكمة الذّات ومحاسبتها، ومراقبتها وفق الأبعاد والخلفيات النفسية والعقلية.

ألا يستدعي ذلك مقاربة جملة من الاعتبارات الخاصة بسلطة الضمير وتقاطعاته الروحية والوجدانية.

كيف يكون للضمير يد على الآخر؟ ما علامات تصاعد مقدرات الضمير وعائدات هدمه للأفعال المرفوضة أخلاقيا؟ كيف يستعيد الضمير شخصيته الكاريزمية؟ وهل هو معصوم من الخطأ والردة الاخلاقية؟ وهل هناك ضمير راشد وضمير طائش فاسد؟

الحقيقة أن أسئلة سوسيولوجية كثيرة تستنتج درجة معقولة من التفكير بين شقين للضمير. واحد مفرد يتقاطع مع آخر جمعي. وبينهما شعرة معاوية، حيث يمكن ترسيم حدود للوعي الشقي بينهما.

إن الغاية الأخلاقية هي من تثير جدلا الفصل بين الضميرين، حيث يمكن استيعاب درجات المعايير السلوكية، ما بين الواجبات والسلوك الملزم.

وسلطة الإلزام تلك صادرة عن مصدرين، الوازع الداخلي وسلطة المجتمع. وهو ما يؤكد من فرضية استمداد قوة القيم الأخلاقية من الطابع الإلزامي للضمير الفردي قبل الجماعي.

كما يمكن تفسير علاقة القيم الأخلاقية بالحرية الشخصية انطلاقا من حتمية تصريف مجموعة من السلوكيات والمواقف اعتبارا للعلاقة بين العقل والواقع، وانشداد الإرادة بالوعي إلى بلوغ الهدف، باعتبار الإرادة قدرة على الاختيار والتصرف وفق ما يمليه تفكير الفرد، وحسب قناعته.

من أجمل ما انطبع في الدلالات الأخلاقية لدى فلاسفة التصوف اجتراح الضمير الأخلاقي لوحدتي الوجود والمعرفة. لهذا كان ابن عربي يستنفر قيمتي الذوق والمحبة، لتحويلهما إلى قيمة أخلاقية كبرى، ضمن إواليات قيم الإيثار الصوفي الراسخ.

فالمجاهدة التي هي الأخلاق العملية المرتبطة بالسلوك البشري، هي تهذيب النفس وإعدادها لبلوغ الكمال والشعور بالسعادة. ولا يتأتى ذلك إلا باقتفاء أثرين صميمين: سياسة النفس ظاهرا وسياسة النفس باطنا.

وكم هو صعب هذا التوق إلى مسايسة النفس وترويضها وتعميدها بماء الصد والرد والإغارة.

وإذا كان الأمر معقودا على النظر في النفس قبل التدبر فكيف بها وهي منفلتة خاضعة للهوى والضعف الدنيوي المادي!؟ .

لكنها مع ذلك تدرك أصلانيتها في جوهرها ومادتها المتحلقة، حيث تصطلي الحكمة عند الإشراق وتكمن في الظلمة عند الإخفاق. يقول الشاعر :

إنما النفـس كالزجاجة والعقـل

سراج وحـكمـة اللـه زيـت

فـإذا أشـرقـت فـإنّـك حـي

وإذا أظـلمـت فـإنّـك مـيْـت

 

د . مصــطفى غَــلْمَـان*

 

 

عدنان عويدكثيراً ما تتداخل المفاهيم السياسية والفلسفية والثقافية والأخلاقية... الخ مع بعضها بعضاً، الأمر الذي يؤدي إلى خلق إشكال معرفي وسلوكي لدى المتلقي أو المتبني لهذه المفاهيم. ومن هذه المفاهيم التي تداخلت مع بعضها يأتي تداخل مفهومي المجتمع الأهلي والمجتمع المدني، الأمر الذي يدفعنا هنا لفك الارتباط أو التداخل بين المفهومين، بغية الوصول إلى معرفة كل منهما ودوره وأهدافه وآلية عمله، وبالتالي امتلاك القدرة في التعامل مع كل منهما وفقاً للظرف التاريخي المعيوش.

إذن هناك فرق بين المجتمعين الأهلي والمدني، فالمجتمع الأهلي هو مجموعة من المتحدات التضامنية ذات الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، والتي غالباً ما يصب نشاطها بالضرورة بشكل مباشر أو غير مباشر في مساعدة الأنظمة السياسية القائمة لتحقيق التنمية في الدولة والمجتمع. وذلك من خلال تحالف وتضامن بعض المتطوعين من المواطنين ورجال الخير، الذين يضعون لعملهم أهدافاً غالباً ما تأخذ وجهاً إنسانياً خيرياً، حيث يتجلى عمل هذه المتحدات في الاشتغال مثلاً على حقوق المرأة، والطفولة، والمعوقين ذهنيا أو جسدياً، كالمكفوفين والعجزة وذوي الأمراض المستعصية وغير ذلك.

إن أهم ما يميز عمل هذه المتحدات الاجتماعية الخيرية، هو حالة التنظيم في سريان عمل لجان هذه المتحدات، ووصول أعضائها إلى تسلم المهام فيها. حيث نجد أن هناك عملاً يقوم على خطط ممنهجة قابلة للتطوير والتجديد دائماً، مثلما نجد هناك خطاً ديمقراطياً واضحاً في سير عملها، إن كان على مستوى وصول قيادات هذه المتحدات عبر الترشح والانتخاب، أو عبر اتخاذ القرات الحاسمة في شأن هذا المتحد أو ذاك.

أما بالنسبة للمجتمع المدني : وهو مشتق هنا من المدينة، والمدنية. أي مشتق بتعبير آخر من الوضعية التاريخية لتطور المجتمعات التي وصل فيها المجتمع والدولة إلى مرحلة لم يعد فيها ذاك الدور الكبير والفاعل للمرجعيات التقليدية (عشيرة وقبيلة وطائفة ومذهب) في ضبط آلية حركة المجتمع من جهة، مثلما أصبح لمكونات بنية المجتمع والدولة في هذه المرحلة دلالاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية من جهة ثانية.

فعلى المستوى الاقتصادي: تأتي دلالات المجتمع المدني في التوجه نحو اقتصاد قادر على تحقيق تنمية مستدامة للدولة والمجتمع معاً. أي التوجه لتجاوز اقتصاد السوق العينية والصغيرة والريعية، إلى سوق اقتصادية أكثر سعة وشمولية ومنهجية قادرة على خلق دخل إضافي لميزانيات الدولة ينعكس إيجاباً على حياة الفرد والمجتمع.

وعلى المستوى الاجتماعي: تأتي دلالات المجتمع المدني في السعي لتحقيق دولة المواطنة والقانون والمؤسسات، بدلاً عن دولة العشيرة والقبيلة والطائفة والحزب الواحد.

أما دلالاته على المستوى السياسي: فتأتي بالدعوة إلى التعددية السياسية وتداول السلطة والمشاركة فيها واعتبار الشعب هو مصدر السلطات.

وعلى المستوى الثقافي: فدلالاته تكمن في محاربة كل الفكر الرجعي المثالي والامتثالي الاستسلامي الوثوقي، والتأكيد على دور العقل النقدي وحرية الإنسان في صنع حياته وحياة الأجيال القادمة. ويدخل في هذا الاتجاه تنمية عقل الفرد والمجتمع على ضرورة التعامل مع خصوصيات الحاضر دون نكران الماضي والمستقبل. فالماضي يظل يحمل في مضمونه جوانب عقلانية لولاها لما استمر التاريخ أصلاً، ومن هنا تأتي عملية الربط بين الأصالة والمعاصرة.

إن أهم مرتكزات المجتمع المدني هنا، هي أن المتحدات الاجتماعية التي تواجدت في المجتمع الأهلي تظل قائمة، مع دخول متحدات جديدة ذات طابع سياسي (أحزاب)، هدفها الوصول إلى السلطة، من أجل المشاركة فيها وبالتالي تداولها.

إن المجتمع المدني يعني في المحصلة الدولة المدنية، التي تأسست فيها قواعد بناء المجتمع والدولة الحديثين، وأهم ما تأسس فيها في هذا الاتجاه، هو العلمانية والديمقراطية، ففي الديمقراطية تتحقق المشاركة، وفي المشاركة يقضى على التفرد بالسلطة، وعبرها يتساوى الناس في الحقوق والواجبات، وفي الديمقراطية يُفرض احترام المرأة، والرأي والرأي الآخر. أما العلمانية وهي الوجه الاخر للديمقراطية، ففيها يسود العقل والمنطق في تطبيق سياسية الدولة الداخلية والخارجية بما يخدم مصلحة الدولة وهيبتها وحماية المجتمع ووحدته وتجذير فكرة المواطنة فيه .. في العلمانية تتم عملية ضبط الديمقراطية ذاتها بحيث لا تتحول الديمقراطية إلى أداة لتفجير المرجعيات التقليدية واستخدامها في صراعات داخلية من أجل الوصول إلى السلطة و والحصول على الغنيمة. فالعلمانية هنا ترسم الحدود بين مصلحة المجتمع ومصلحة الفرد، وبين مصلحة الدولة المؤسساتية، أو المواطنة، وبين دولة العشيرة والقبيلة والطائفة.

إن المجتمع المدني في المحصلة هو الدولة المدنية.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور- سورية

 

محمود محمد علينعود إلي الجزء الرابع من التفسير الابستمولوجي لنشأة وتطور الفكر السياسي عند المسلمين ، فنقول :

إذا ما انتقلنا إلي ابن رشد في القرن السادس الهجري، وذلك في كتابه "الضروري في "السياسة في السياسة"، والذي يحاول من خلاله أن يدشن قطيعة معرفية مع كل من "الفارابي" و"ابن سينا"، لكونه خلافًا لما شاع وذاع، لم يعمل على التوفيق بين الدين والفلسفة بدمج الدين في الفلسفة كما فعل الفيلسوفان المشرقيان، بل عمل بالعكس من ذلك على الفصل بينهما؛ وهنا نستشهد بقول الدكتور "محمد عابد الجابري" بأن: " ابن رشد يرى أن للدين مبادئ وأصولًا خاصة، وأن للفلسفة كذلك مبادئ وأصولًا خاصة، الشيء الذي ينتج عنه حتمًا اختلاف البناء الديني، عن البناء الفلسفي، ولذلك كان من غير المشروع في نظره دمج أجزاء من هذا البناء في البناء الآخر، أو قراءة أجزاء من هذا البناء بواسطة أجزاء من ذلك. إن النتيجة ستكون … تشويه تلك الأجزاء والتشويش على البنائين معًا .

فلاشك في أن ابن رشد في كتابه الضروري قد قطع مع نوع "الكلام" الذي تكلمه الفارابي في السياسة والمدينة الفاضلة،" ليدشن خطابًا جديدًا في العلم المدني، يواجه السياسة بموقف سياسي صريح وشجاع، وهو هذا الكتاب يمارس فيه ابن رشد نقدًا صريحًا وجريئًا للحكم في عصره، مفضلاً ترك الأمثلة التي يعطيها أفلاطون عن زمانه ومكانه، ليعطي هو أمثلة أخرى معاصرة له: عن زمانه هو ومكانه هو".

ويذكر ابن رشد بأن كتاب "السياسة" لأرسطو غير متوفر لديه، لذلك يلجأ إلي تلخيص كتاب السياسة لأفلاطون .

وفي هذا الكتاب حرص "ابن رشد" على تقسيم وتصنيف العلوم، واهتم بتحديد موضوع السياسة، والأسس التي يقوم عليها. فهو يرى أن هناك اختلافًا جوهريًا بين العلوم العملية والعلوم النظرية، ذلك أن موضوع العلم العملي الذي يتضمن السياسة، والأخلاق هو الأفعال الإرادية التي تصدر عن البشر ومبادئه التي، تتمثل في الإرادة والاختيار، أما موضوع العلم النظري فيشتمل على علم التعاليم بأقسامه، كذلك يشمل الفلك وكل ما يتعلق بالأمور الطبيعية.

وقد انتقد البعض الفكر السياسي عند الفارابي، وابن سينا، وإخوان الصفا، وابن رشد؛ مؤكدين بأن " المرجعية الفكرية، والفلسفية، والدينية التي اتخذها هؤلاء الفلاسفة مستندًا ومتكأ، ثم على تصورهم السياسي المنبثق من عقيدتهم وموقفهم الإيماني؛ وأعرضنا مطلقًا عما رُموا به من قبل العامة والخاصة، من انتماء باطني أو صابئي أو أصول يهودية، مما لا يُدفع عنهم بشغب سوفسطائي يثيره أنصار لهم، لأهواء مشتركة أو جذور متقاربة أو نزعات طاغية. علمًا بأن فكرهم السياسي، لم يتبلور قط إلي مستوى صياغة نظام للحكم متكامل، بمنهجه ونظمه للإدارة، والمال، والتدبير العام ؛ وإنما كان مبثوثًا في كتبهم الفلسفية التي التزموا فيها بالنهج الأفلاطوني شكلًا ومضموناً، فوردت أفكارهم ضمن رسائل حول قضايا الغيب والشهود، والمادة، والروح، والطبيعة وما وراءها، والاجتماع البشري، والسعادة، والشقاوة؛ مثلما هو حال رسائل إخوان الصفا والفارابي، وما صنفه ابن سينا في القضاء والقدر والفيض الإلهي والمبدأ والمعاد والأخلاق والحكمة  .

علاوة على أن البعض يرى بأن أنصار الاتجاه اليوناني يرتكزون على قاعدة أساسية متينة، وهي أن النظام السياسي الإسلامي ما كان منبثقًا من مرجعية الكتاب والسنة، عقيدة وأصولًا وفروعًا. وما عدا ذلك يُحتمل أن يكون متأثرًا بالإسلام، أو ملتقيًا به في بعض جزئياته أو كلياته ؛ إلا أنه لا يمثل النظام السياسي الإسلامي الحق تمثيلاً صادقاً.  ذلك لأن بوصلة التوجه إلي أي هدف هي التصور الإيماني السليم الواضح. وكل شغب يشاغب على هذا التصور ينعكس سلبًا على التصرفات، عقلية كانت أو سلوكية .

وهذا يفرض علينا ألا نغفل ملاحظة اهتزاز عقيدة هؤلاء الفلاسفة، واضطراب مرجعيتهم الفكرية؛ وإن التقت في بعض جزئياتها بالعقيدة الإسلامية، التقاءً عفويًا بسبب انتمائهم إلى المجتمع الإسلامي وثقافته، أو التقاءً إراديًا بقصد التمويه على انحرافهم  الديني باعتناقهم آراء وثنية لفلاسفة من الفرس والهند واليونان، في نظرتهم إلي عالمي الغيب والشهود، وبدعوتهم إلى نظم للحياة الاجتماعية، والسياسية، والثقافية منبثقة عنها .

ثالثًا: المرحلة الاستنباطية.

وهي المرحلة التي أفضى فيها التراكم المعرفي الذي حققه تطور العلم أو الفكر في المرحلتين الوصفية، والتجريبية، وقد أدى هذا التراكم الكمي إلى تغير كيفي على ثلاثة مستويات محددة: مستوى الوسائل العقلية المنهجية من جانب، ومستوى مفاهيم العلم أو الفكر ومبادئه من جانب آخر. أما المستوى الثالث فهو مستوى نظرية العلم أو الفكر، التي تحدد البنية أو الشكل الذي سيجئ عليه العلم أو الفكر في هذه المرحلة. وفي المرحلة الاستنباطية يتم صياغة الحد الأدنى من قواعد العلم ومبادئه،  التي تمكن المختصين من الانتقال من مبدأ، أو أكثر داخل العلم أو الفكر، إلى مبدأ جديد، كما هو الحال في المنطق، والرياضيات، أو تمكنهم من التنبؤ بما سيحدث مستقبلًا –

بحسب مبدأ عام مستقر – كما هو الحال في العلوم الطبيعية، أو تؤهلهم أخيرًا لاستنباط أحكام معينة من قواعد عامة لحل مشكلات اجتماعية جزئية معينة، وهذا هو مثلاً شأن علم القانون .

والمرحلة الاستنباطية تمثل المرحلة التي تسعي إلي قطع الصلة بالمرحلة التجريبية التي قام بها الفارابي، وابن سينا، وإخوان الصفا، وابن رشد؛ والتي ثبت فشلها، بعد أن تبين أنها غير مقنعة ولا ترضي كل الأطراف، وبالتالي فهي نوع من القطيعة المعرفية، أو المغايرة النسقية.

والمغايرة النسقية هي " التغير الذي ينتج عنه أمراً جديداً كل الجدة، ولكنها عبارة عن مسار معقد متشابك الأطراف تنتج عنه مرحلة جديدة متميزة في تاريخ العلم " ؛ ومعالم المغايرة النسقية يمكن تتبعها على ثلاثة مستويات كما ذكرنا: مستوي لغة العلم من جانب، ومنهجه من جانب آخر، ومستوي نظرية العلم من جانب ثالث .

ويمكن تطبيق هذا المبدأ المعرفي على "السياسة الشرعية" التي لجأ إليها كل طوائف الفقهاء والعلماء عوضًا عن السياسية المدنية، والسياسة النفسية، التي لجأ إليها الفلاسفة في المرحلة التجريبية، فإذا كانت السياسة المدنية هي" تدبير شؤون الجماعة على وجه يتنظم بها أمرها، أي على وضع من الأوضاع، بقطع النظر عن موافقة هذه الأوضاع للشرائع السماوية أو عدم موافقتها ، بقطع النظر عن كونها سببًا في نجاة الجماعة في الآخرة أو عدم نجاتهم" ؛ وإذا كان هدف السياسة النفسية هو" تهذيب نفوس الناس واستصلاح بواطنهم  بتطبيق قواعد الأخلاق. والتزام الناس بتهذيب أنفسهم وأخلاقهم بدون سائس، وما يعرف "بالمجتمع الفاضل"، والمكان الذي يقيمون فيه" بالمدينة الفاضلة"، فهذا أمر بعيد الوقوع، والكلام فيه على سبيل الفرض والتقدير كما قال ابن الأزرق .

ولما ثبت أن السياسة المدنية ، والسياسة النفسية التي لجأ إليها الفلاسفة في المرحلة التجريبية فاشلة في تحقيق أغراضها،  ولا تواكب مستجدات الواقع الإسلامي خلال القرن السادس، والسابع، والثامن الهجري، لذلك لجأ العلماء والمفكرون خلال تلك المرحلة إلي السياسة الشرعية ، والآداب السلطانية، ونصائح الملوك، المتأثرة بالفقه، والشريعة الإسلامية، وحالوا أن يضعوا لها لغة ومنهجًا ونظرية مختلفة، عما كان متداولاً في المرحلة التجريبية، فقد تلاشت في تلك المرحلة فكرة الحاكم الفيلسوف وفكرة المدينة الفاضلة، التي يجب أن نسعي إلي تطبيقها على الأرض،  إلي الرجوع للواقع نفسه، ومعالجة مستجدات واقعه السياسي تبعاً للعقيدة والشريعة الإسلامية، لذلك وجدنا في تلك المرحلة الكثير من الفقهاء يكتبون كتباً مفردة تعالج نظم الدولة الإسلامية، على أساس فقهي، ومنها الأحكام السلطانية للقاضي الشافعي "أبي الحسن على الماوردي"، وكتابًا آخر بنفس الاسم للقاضي الحنبلي "أبي يعلى محمد بن الفراء" ( ت: 458هـ) . وأعقب ذلك في زمن لاحق كتاب الإمام تقي الدين أحمد بن تيمية ( ت: 728هـ) " السياسة الشرعية " ، الذي تظاهره كتابات متعددة أخرى تتصل مباحثها بالدولة والحكم ومنها " الحسبة " و" الجهاد " وغيرهما . فمثلًا نجد كتاب " تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام " ، كذلك كتب الإمام ابن قيم الجوزية ( ت: 751هـ) كتابه الضخم المتميز " أحكام أهل الذمة " وعرض للسياسة الشرعية في كتابه الممتع الكبير "إعلام الموقعين" ، وفي كتابه الصغير " الطرق الحكمية في السياسة الشرعية " الذي اتجه أساسًا لبحث " الحكم" بمعناه الأخص وهو القضاء وعني به إيضاح البينات والقرائن في الدعاوي والأقضية .

كذلك عني بعض المؤرخين بتتبع تطور نظم الدولة الإسلامية على أرض الواقع التاريخي، مثل " الجهشياري ( ت: 330هـ)  في كتابه " الوزراء والكتاب "، والصابي ( ت: 448هـ) في كتابه "تاريخ الوزراء"، والكندي ( ت: 350هـ) في " كتاب الولاة وكتاب القضاة"، وابن طباطا المعروف بابن الطقطقي ( ت: 709هـ) في "الفخري"، هذا إلى جانب متفرق في كتب التاريخ والتراجم. وقد جاءت مقدمة ابن خلدون المعروفة والتي كتبها ابن خلدون ( ت: 808هـ)، تجمع بين جانبي التأصيل الفقهي والتطور التاريخي في عرض نظم الدولة الإسلامية .

وفي هذه المرحلة سار الفقهاء والمتكلمون على نهج تشريعي، لما ينبغي، وما يجب وما يجوز، وما لا يجوز في نظام الخلافة وتدبير أمر الدولة. واستوفت أبحاثهم نظم الملك، والوزارة، والإدارة، والقضاء، والحسبة، والأموال، وتنظيم الجيوش، والعلاقات مع داري الحرب والمهادنة. كما بذلوا جهودًا جبارة من أجل تبرير تصرفات الملوك وإضفاء الشرعية عليها، وإرشادهم إلى ما يحفظ عروشهم ويحببهم إلى الرعية  .

علاوة على أنه في هذه المرحلة التي بدأت فيها تتشكل القاعدة، والقاعدة هي حكم كلي ينطبق على جميع جزئياته أو أكثرها،  لتعرف أحكامها منها، وفي تلك المرحلة بدأت تظهر القاعدة الفقهية لكثير من القضايا السياسية ، ومن أمثلتها:" الأمور بمقاصدها"، "العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني"،" الأصل في الكلام الحقيقة"، "إذا تعذرت الحقيقة يُصار إلى المجاز"، "لا يُنسب إلى ساكت قول"، "لا اجتهاد في مورد النص"، " اليقين لا يزول بالشك"،" الأصل براءة الذمة"، "المشقة تجلب التيسير"،" الضرورات تبيح المحظورات"،" الضرورات تُقدر بقدرها"،" لا ضرر ولا ضرار، درء المفاسد أولى من جلب المصالح"،" البينة حجة متعدية والإقرار حجة قاصرة"، "الغرم بالغنم"،" الحدود تُدرأ بالشبهات"، "إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام"، "الأصل في الأشياء الإباحة"، "ما لا يتم به الواجب فهو واجب"، "الإسلام يجُب ما قبله، للأكثر حكم الكل"، ... إلى غير ذلك من القواعد الفقهية التي كان تأصيلها نتيجة استقراءات الفقهاء والمجتهدين .

والقاعدة الفقهية كما نلاحظ هنا هي " المبادئ العامة للفقه الإسلامي التي تتضمن أحكاما شرعية عامة تنطبق على الوقائع والحوادث التي تدخل تحت موضوعها، أما النظريات الفقهية فهي المفاهيم الكبرى التي يُؤلف كل منها على حدة نظامًا حقوقيًا موضوعيًا ينبثق من الفقه الإسلامي ومُتحكمًا في كل ما يتصل بموضوعه. والفرق بين القاعدة الفقهية والضابط الفقهي: أن القاعدة تجمع فروعًا من أبواب شتي، والضابط يجمعها من باب واحد. من أمثلة الضوابط في السياسة الشرعية "تصرف الولاة منوط بالمصلحة "، "العقوبة لا تكون إلا على ذنب ثابت أما المنع والاحتراز فيكون مع التهمة" ،" ضبط المصالح العامة واجب ولا ينضبط إلا بعظمة الأئمة في نفس الرعية "،" يجوز في الجهاد ما لا يجوز في غيره، يراعي في كل ولاية الصلح لها" ،" الجهاد مشروع في الجملة ويمنع منه في مواضع "، "لا يجوز الافتيات على الأئمة وأصحاب الولايات فيما يخصهم ،الأصل في الدماء العصمة" .

وبعد أن تشكلت القاعدة الفقهية لكثير من القضايا السياسية، أضحت السياسة الشرعية علما له لغته ومنهجه الخاص به، حيث يعرف بأنه هو "علم يبحث فيه عن الأحكام والنظم التي تدبر شؤون الدولة الإسلامية التي لم يرد فيها نص أو التي من شأنها التغير والتبدل، بما يحقق مصلحة الأمة، ويتفق مع أحكام الشريعة وأصولها العامة ؛ أو " العلم الذي يُبحث فيه عن الأحكام والنظم التي تدار بها شؤون الأمة بما يحقق مصلحتها ويكون متفقًا مع أحكام الشريعة وقواعدها العامة. وهذا يقتضي وجود سائس وهو الحاكم ، سواء كان خليفة، أو ملكاً، أو أميراً، أو وإلياً، ويقتضي وجود مسوس ، وهم أفراد الرعية المحكومون، وشيء تساس به الأمة، وهو النظم والأحكام التي تدبر بها شؤون هؤلاء المحكومين في إطار ولايات متمايزة، يختص كل ولاية بمرفق من مرافق الدولة، مثل الوزارة، والإمارة على الأقاليم والبلدان، وإمارة الجيش وولاية المظالم، وولاية الحسبة، وولاية القضاء، وغيرها من الولايات التي أوصلها الماوردي في كتابه "الأحكام السلطانية" إلى ثماني عشرة ولاية".

وبناء على ذلك تكون مباحث السياسة الشرعية وموضوعاته على النحو التالي:

1- الوقائع المتعلقة بعلاقة الحاكمين بالمحكومين بتحديد سلطة الحاكم، وبيان حقوقه وواجباته، وحقوق الأفراد وواجباتهم ، وبيان السلطات المختلفة في الدولة، من قضائية، وتنفيذية، وغيرها، وهذه المباحث أُطلق عليها اسم: نظام الحكم في الإسلام، ويطلق عليها بعض المعاصرين: السياسة الدستورية الشرعية، ويقابلها في القوانين الوضعية القانون الدستوري .

2- الوقائع المتعلقة بعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول في حالتي السلم والحرب، وقد أطلق على هذه المباحث: النظام الدولي في الإسلام، ويسميها بعض العلماء المعاصرين باسم: السياسة الخارجية في الإسلام، ويسميها بعض آخر باسم: السياسة الدولية في الإسلام، ويقابل هذه المباحث في القوانين الوضعية القانون الدولي العام .

3- الوقائع المتعلقة بالضرائب، وجباية الأموال وموارد الدولة ومصارفها، ونظام بيت المال، وقد أطلق على هذه المباحث اسم: النظام المالي في الإسلام، ويسميها البعض باسم: السياسة المالية في الإسلام، ويقابل هذه المباحث في القوانين الوضعية: القانون المالي، أو علم المالية .

4- الوقائع المتعلقة بتداول المال، وكيفية تنظيم استثماره، وتدخل الدولة في ذلك، والآراء والنظم الجديدة، كالاشتراكية، والشيوعية، والرأسمالية، وقد أطلق على هذه المباحث اسم: النظام الاقتصادي في الإسلام، ويسميها البعض باسم: السياسة الاقتصادية في الإسلام، ويقابل هذه المباحث في القوانين الوضعية: علم الاقتصاد .

5- الوقائع المتعلقة بالنظم القضائية وطرق القضاء والإثبات، وقد أطلق على هذه المباحث اسم: السياسة القضائية في الإسلام، ويسميها البعض باسم: علم القضاء، ويقابل هذه المباحث في القوانين الوضعية: قانون المرافعات، وقانون الإثبات، وبعض مباحث القانون الدستوري .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

جميل عودةإن الإمام علي انطلق صوتا للعدالة الإنسانية من قاعدة الإسلام، سواءً في القرآن الكريم، أو سنة الرسول (ص) ناهيك عن سمات الإمام الحميدة من الإيمان والتقوى، والمعطيات العلمية والفقيهة التي أدت إلى إقامته العدل بين الناس، والذي يعد الدعامة الرئيسة في إقامة المجتمع الإسلامي، والحكم الإسلامي، إذ لا وجود للإسلام في مجتمع يسوده الظلم ولا يعرف العدل.

 حظي كل من مفهوم (المُساواة) ومفهوم (العدالة) بالأهمية البالغة، عند المجتمعات البشرية كافة، سواء أكان ذلك في تأريخها أو حاضرها، وستعنى بهما الأجيال القادمة قطعا، لأهميتهما في التعبير عن الكرامة الإنسانية؛ والحرية؛ والأمان؛ والاستقرار النفسي والمجتمعي.

 والمُساواة في اللغة هي مصدر الفعل ساوى، يُقال: ساوى بين شخصين؛ أي أنه جعلهما متعادلين ومتماثلين، وساوى بين الناس يُقصد أنه عادَلَ بينهم وأصلح. والمُساواة في الاصطلاح هي أن يحصل المرء على ما يحصل عليه الآخرون من الحقوق، كما عليه ما عليهم من واجبات، دون أي زيادة أو نقصان، وهي قيمة عظيمة تجعل جميع الأطراف سواء.

 أما العدل في اللغة هو ضِدّ الجَوْر، وهو في الحُكم أن يُثاب المرء على الحسنة بالحسنة، وعلى السيئة بالسيئة، وهو التسوية بين الشيئين أيضاً. والعدل في الاصطلاح هو استخدام الأمور في مواضعها وأوقاتها الصحيحة من دون تقديمٍ أو تأخير.

 وإن مفهوم العدل يعبر عن الإنصاف، كما يُعبر عن معاملة الناس بشكل متساوٍ، وعدم الانحياز لفئةٍ معينة، أو تعريضهم للظلم أو التعامل معهم بعنصرية، وذلك من خلال سن القوانين الاجتماعية، والسياسية، والجنائية، والتي من شأنها تحقيق الإنصاف بين أفراد المجتمع في مختلف المجالات الصحية، والتعليمية، وحتى في مجال الأعمال، وبصرف النظر عن أجناسهم وأعراقهم، كما يتجلى دور هذه القوانين في منح أفراد المجتمع الفرص المتساوية في الحياة، بالإضافة إلى حمايتهم في مختلف المجالات الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية.

 ومن القواعد الأساسية للقانون الدولي لحقوق الإنسان، أن كل الناس سواسية أمام القانون، ولهم الحق في التمتع بحماية متكافئة دون أية تفرقة. وفيما يتعلق بالحق في المساواة؛ فإن المادة (٧) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص على ما يلي: (الناس جميعا سواء أمام القانون، وهم يتساوون في حق التمتع بحماية القانون دونما تمييز، كما يتساوون في حق التمتع بالحماية من أي تمييز ينتهك هذا الإعلان ومن أي تحـريض على مثل هذا التمييز).

 ولا شك أن الشريعة الإسلامية وضعت مبادئ المساواة والعدالة والحرية في خط واحد يكمل أحدهما الآخر، لأن هذه المبادئ هي التي تعبر حقيقة عن كرامة الإنسان، التي تنشدها حقوق الإنسان في الدساتير والصكوك الدولية، فالمجتمع الذي لا مساواة فيه لا حرية فيه؛ ولا عدل؛ ولا سلام، ويكون مجتمعًا عنوانه الظلم والطغيان وسيطرة القوي على الضعيف والغني على الفقير.

 يتجسد الأصل العام في البشر في حكمة الله سبحانه وتعالى الذي خلق جميع البشر متساوين في أصل الخلقة، أي في الإنسانية؛ فكل الناس لآدم وآدم خلق من تراب، لا فرق بين أبيض وأسود وأحمر، ولا طويل ولا قصير، ولا عربي ولا عجمي، ويدل على ذلك عدة نصوص منها: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}، فالمساواة في الإنسانية التي أقرها الإسلام أسقطت كل نظريات الأجناس والأعراق والألوان واللغات، وقد جعل الإسلام المفاضلة بين الناس بالتقوى، فقال تعالى: (إِنَّ أكرمكم عِنْدَ اللَّهِ أتقاكم)، وقال رسول الله (ص): (لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أحمر إلا بالتقوى)، وقال أيضا (إنّ الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم).

 ولا شك أن ربيب الرسول وأخاه الإمام علي بن أبي طالب (ع) الذي نال من الأفضال والمكارم والمعارف ما لم يناله أحد من أصحاب الرسول (ص) كان القدوة الحسنة في زمنه في تجسيد المساواة الإنسانية والعدالة الاجتماعية في تلك العهود الغابرة، وكان المثل الأبرز للمجتمعات الإنسانية التي تلته.

 ومن الجدير بالذكر إن الإمام علي (ع) انطلق صوتا للعدالة الإنسانية من قاعدة الإسلام، سواءً في القرآن الكريم، أو سنة الرسول (ص) ناهيك عن سمات الإمام الحميدة من الإيمان والتقوى، والمعطيات العلمية والفقيهة التي أدت إلى إقامته العدل بين الناس، والذي يعد الدعامة الرئيسة في إقامة المجتمع الإسلامي، والحكم الإسلامي، إذ لا وجود للإسلام في مجتمع يسوده الظلم ولا يعرف العدل، وكانت مسائل العدالة والحكومة هي من أكثر ما أهتم به الإمام (ع)، ولعل أهم ملامح المساواة والعدالة التي طبق الإمام علي (ع) تتلخص في الآتي:

1- العدالة الإنسانية مبدأ: لقد شكلت العدالة في منظور الإمام هاجسا حيا يتفاعل معه، ويسعى إلى تحقيقه، ويشدد على المشتغلين معه في إتباع العدالة وتنشيط مفاصلها، يوجههم في ذلك ويراقبهم عليه، ويعزلهم إذا قصروا، ويشيد بهم إذا تتبعوا منهج الحق في ذلك. لذا لم ينشغل فكر الإمام في شيء بقدر انشغاله في موضوع العدل والإنصاف وتطبيق برنامج المساواة.

 إن منظور الإمام علي (ع) لتطبيق العدالة ينطلق من كون المساواة لا تتحدد بالمساواة في المعيشة والرزق فحسب، إنما يتعداه إلى إنصاف الناس في كل شيء. وانطلاقا من هذا المفهوم، شدد الإمام على تطبيق المساواة في كل شيء، كي يشعر الناس بالعدل، ويسود المجتمع مظاهر الحق والعدل والمساواة. ووجب ذلك على الحكام أنفسهم، إذ تتحقق العدالة الاجتماعية حينما يكون الحكام عدولا. ولهذا كتب الإمام عهدا إلى محمد بن أبي بكر حين قلده مصر هو بمثابة برنامج عمل لتطبيق مبدأ العدالة الإنسانية: (فاخفض لهم جناحك، وألن لهم جانبك، وابسط لهم وجهك، وآس بينهم في اللحظة والنظرة، حتى لا يطمع العظماء في حيفك لهم، ولا ييأس الضعفاء من عدلك عليهم...) وقد تجسد ذلك بقوله لما عوتب على التسوية في العطاء: (أتأمرونني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه! ... لو كان المال لي لسويت بينهم، فكيف وإنما المال مال لله).

2- العدالة مفتاح الحقوق الأخرى: كان الإمام علي (ع) يدرك إن العدالة مفتاح لدخول الحقوق الأخرى، فلو انعدمت العدالة في المجتمع لانعدم ما دونها، لذا شدد على تحقيقها منطلقا من كون الناس جميعا أحرارا، يولدون ويموتون، وليس من حق أي كان أن يسلبهم هذا الحق فقد قال: (أيها الناس! إن آدم لم يلد عبدا ولا أمة، وإن الناس كلهم أحرارا) كما حذر من انجرار الناس إلى بعضهم حتى يصل بعضهم إلى أن يتنازل عن حريته ليكون في موضع العبودية، فيفقد غاية وجوده، ويتحول إلى مسلوب الإرادة. وقد يتمثل ذلك في خضوع الناس إلى الحكام الظلمة الذين يسلبون الناس حرياتهم ويحولونهم إلى عبيد وجواري، ليصبحوا هم أسياد وأحرارا بينما يعاني الناس الذل والهوان. لذا نجد الإمام (ع) يحذر من وقوع الإنسان في موقع العبودية لغير الله (لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا).

3- العدالة للجميع دون تمييز: لم يفرق الإمام (ع) بين رعيته على أساس الانتماء والعقيدة، فقد شكلت المواطنة غايته في سياسة الناس، فلم يكن الاختلاف يؤذي الإمام ما دامت المواطنة جامعا كليا للأمة، فكل ما عداها يدخل دائرة الجزئية والفرعية المحددة التي لا يمكن لها أن تكون مقياسا لوجودية الإنسان على الأرض. فالناس في منظوره متساوون على أساس العطاء والتفاعل الإنساني، فمقدار ما يقدمه الإنسان للأمة يكون مقدار لاحترامه، وحفظ وجوده على أساس التعايش السلمي. وهذا المعنى يجسده في عهده لمالك الأشتر عندما ولاه مصر قائلا: (وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم؛ فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق).

4- العدالة ليست شعارا فقط بل هي عمل دائم: لم يكن الإمام علي (ع) مثل الكثير من الحكام والناس تحدثون عن العدالة والمساواة في المجالس والدواوين، وينصحون الآخرين بتطبيقها، ولكن يستثنون أنفسهم وذويهم منها، إنما كان الإمام (ع) يعتبرها جوهرية في حفظ الحقوق، فلم يكن المحسن والمسيء في منزلة واحدة عنده، إنما حرص على التفريق بينهم، وحث ولاته على التمييز بينهم، حيث يثاب المحسن ويعاقب المسيء، لان في ذلك حفاظا للحقوق، ولكيلا يتمادى في تكرارها، فتهدم حقوق الناس، ويتجاوز على كرامتها. لذا تجسد هذا المعنى في وصايا الإمام إلى ولاته: (لا يكونن المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء، فان في ذلك تزهيدا لأهل الإحسان في الإحسان، وتدريبا لأهل الإساءة على الإساءة، وإلزام كل منهم ما الزم نفسه) وأشار إلى ولاته بوجوب الإنصاف وعدم التعدي على حقوق الناس والتجاوز على حرياتهم واستخدام السلطة استخدام غير عادل والانحراف بها عن مبادئ الشريعة الإسلامية فقد جاء في عهده لعماله: (أنصف الله، وأنصف الناس من نفسك، ومن خاصة أهلك، ومن لك فيه هوى من رعيتك، فأنك إلا تفعل تظلم).

5- العدالة تتطلب محاربة الظلم: حرص الإمام على تطبيق مبدأ العدالة بين الناس من خلال محاربة الظلم، وأخذ الحق من الظالمين، وإرجاعه إلى أصحابه، لذا لم يترك مناسبة إلا وأعلن فيها أنه يسعى إلى تطبيق مبدأ إحقاق الحق، وإن أنكره عليه الناس؛ لان الحق طريق موحش وعر، يتطلب من سالكيه الصبر والتحمل، كما يتطلب من الناس إعانة الإمام على تنفيذ العدالة؛ لان تطبيق العدالة هم مشترك، فالظلم الاجتماعي يلحق الجميع، ولا يميز بين إنسان وآخر. لذا قال (ع): (أيها الناس! أعينوني على أنفسكم، وأيم الله لأنصفن المظلوم من ظالمه، ولأقودنّ الظالم بخزامته، حتى أورده منهل الحق، وإن كان كارها).

6- العدالة تبدأ من محاربة الفقر والفساد: أولى الإمام علي (ع) اهتماما منقطع النظير بالفقراء والمحرومين، حيث كان الإمام ينظر إليهم نظرة الحريص على تضييق مساحة الفقر، ورفع مستواهم المعيشي، لأنه يعلم أن الفقر يمكن أن يسبب تدهورا أخلاقيا وانحطاطا نفسيا، لذا عمل منذ الساعات الأولى من تسنمه الخلافة على إيقاف تضخم الثروات بسبب التمييز في توزيع الثروة الذي سبب فوارق طبقية بين أبناء المجتمع، فصارت طبقة تملك المال الذي يكسر بالفؤوس، وطبقة لا تملك ثوبا تلبسه. لذا كان الإمام من الوهلة الأولى يعلن القسمة بالسوية، وان الناس متساوون في الثروة لا يمكن لأحد أن يحصل على أكثر من غيره في العطاء مادام الجميع يخضعون لقانون المواطنة. فقد أعلن الإمام برنامجه الأول لمحاربة الفساد المالي وإعادة الحق إلى أصحابه: (ألا إن كل قطيعة أقطعها عثمان، وكل مال أعطاه من مال الله، فهو مردود في بيت المال، فإن الحق القديم لا يبطله شيء، ولو وجدته وقد تزوج به النساء، وفرق في البلدان، لرددته إلى حاله، فإن في العدل سعة، ومن ضاق عنه الحق فالجور عليه أضيق).

7- مراقبة تطبيق العدالة هي الاختيار الحقيقي للأقوال: كان اهتمام الإمام (ع) بالعدالة جعله يراقب تطبيقها وإنصاف المظلومين، وقد وضع آليات كثيرة لمراقبة سير العدالة، وعدم تعرض الناس للظلم، ناظرا بعين الاعتبار إلى إن البعض يخشى أن يصرح بظلمه خوفا من الحكام وجورهم. لذا اتخذ الإمام (ع) ما يعرف ببيت القصص، وهو مكان ترمى فيه قصص أهل الظلامات، إذ يكتب الناس الرقاع بمن ظلمهم من الولاة ويلقوها في هذا البيت، ثم يخرجها الإمام، ويعالج المشكلات. حيث كان حريصا على حفظ كرامة الناس وصيانتها من المسألة. لذا كان يقول: (من كانت له إلى منكم حاجة، فليرفعها في كتاب؛ لأصون وجوهكم عن المسألة).

 

جميل عودة/مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات

 

زهير الخويلدي"كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق"

السيدة خديجة بنت خويلد

تمثل عملية تشكيل قصة متساوقة ومعقولة عن الخلق في القرآن صعوبة كبرى وتحديا بالغا إذا آخذنا بعين الاعتبار البنية المعقدة للنص القرآني وتواتر عدة روايات صادرة من مواقع مختلفة حول بدايات الكون.

تتمحور بنية الوحي حول كلمة القرآن التي وردت في سبعين مرة في الكتاب المقدس عند المسلمين وتم اشتقاقه من الفعل إقرأ والمصدر قراءة والتي تعني تلاوة وإجادة القول بعد حفظ وتمعن وتجويد عن تدبر.

ينقسم القرآن إلى مائة وأربعة عشر سورة وهي كلمة من أصل سريالي وتعني النص المكتوب أو الفصل ويمكن أن يختلف طول كل سورة حسب عدد الآيات التي تتكون منه وقد تبلغ سورة عدد من الصفحات وتصل إلى 286 آية وقد توجد صور صغيرة في نصف صفحة بعدد قليل من الآيات خمسة أو ستة فقط. وتعتبر التقسيمات في المصحف إلى سور وآيات وإسناد أسماء للسور وتقسيمها إلى مكية ومدنية من الأمور التالية على نزول الوحي على الرسول الأعظم وتواصل جمعها وتدوينها إلى حد القرن الخامس هجري وقام بها كتبة الوحي والقراء والعلماء والفقهاء والصحابة والتابعين من حفظة الوحي وأهل البيت.

جمالية النص القرآني تستمد من بنيته الشكلية وتركيبة الصور وترتيب الآيات المنجمة وبلاغة اللغة التي كتب بها والتسلسل المنطقي والترابط الدلالي والقوة الاقناعية والبناء الصوتي ومتانة الأسلوب السردي.

بيد أن المضمون الذي تحتوي عليه السور ملغز وعسير ويتطلب التأويل والتثبت والتدبير والتعمق في الفهم وذلك للفائض في المعنى الذي يتوفر عليه وللخصوبة في الدلالة التي يتشكل منه ولتطرق المقطع الصغير الواحد إلى العديد من المواضيع والكثير من الأحداث وتنوعها حسب الزمان وبالنسبة إلى المكان.

يمكن ملاحظة وجود شخصية محورية أو أكثر في كل سورة تدور عليها الأحداث التاريخية والقصص السردي بشكل منتظم وتتكرر نفس الشخصية في سور أخرى بصورة مختلفة وبطريقة مختصرة أحيانا.

لقد ترتب عن الطابع الاعجازي من الناحية اللغوية البيانية قيام قراءة متأنية وصبورة تتابع رحلة تشكل المعنى والسفر الوجودي الذي تنخرط فيها الشخصيات المحورية للخروج من التيه والظن نحو اليقين.

اللافت للنظر أن التفسير من خلال الكلمة والتأويل انطلاقا من الآية والفهم من خلال السورة مسارات في الطريق المفضي إلى المقاصد الكبرى والكليات العامة والغايات المطلقة التي يتضمنها الوحي القرآني ولكن التدبير السديد ينبني على التعامل مع الكتاب المقدس من زاوية  جدلية الأجزاء والكليات والسياق.

عندما يهتم الوحي بتاريخ شخصية معينة فإن منظورية الصورة السردية تتيح استخلاص العبر الخلقية.

من الواضح أن قصة الخلق في الوحي القرآني هي مثال ساطع عن هذه الخصائص التي يتميز بها الكتاب المقدس عند المسلمين عن الخطوط الكبرى للتكوين العالمي وبدء الخليقة الآدمية عند الأديان والمعتقدات.

بيد أن الأهم هو الوقوف عند التفاصيل والجزئيات التي ينفرد بها النص القرآني عن غيره وتمنحه الطابع الاعجازي والقيمة المعيارية المطلقة من حيث رمزيته وصلته بالدين القيم وتثمين البعد المنظور للخطاب.

يمكن للمرء تخطي الاعتقاد بوجود فراغات ومقاطع وانفصال في المكتوب بالبحث عن التناغم والترابط والوحدة على مستوى الأسلوب والشكل والمرور إلى تصور قصة الخلق كمصدر الاتساق في الوحي.

لقد بقي الخلق هو المصطلح الرئيسي الذي عبر به الله في المصحف عن لحظة البدء وقصة التكوين بدل الإنشاء والتشكيل والإحداث والصنع والخروج من العدم إلى الوجود وبدل التنظيم من الفوضى إلى النظام.

لقد شمل فعل الخلق منح الحياة لكل الكائنات وإدخال معظم أرجاء الكون في حير الكينونة وميدان التحقق ولقد اختص الله لنفسه فعل الخلق من خلال الأمر القطعي" كن فيكون" وإدخال الموجودات تحت قدرته. بهذا المعنى ارتبط فعل الخلق بالكلام الإلهي وتلازم الإرادة بالتقدير والانبثاق بالانبساط والفتق بالرتق.

من أجل البرهنة على قدرة الله اللاّمتناهية على الفعل والقول قامت ذاته العلية بإيجاد كل شيء وفق إرادته وأمره وتجسد ذلك من خلال قصة الخلق المذكور في القرآن من حيث الزمن والعدد والكيفية والعناصر وتوجد مراوحة بين أن يكون فعل الخلق تجربة وجودية في الزمان وأمر الهي ينتمي الى المطلق الأزلي.

لم يختلف فعل الكينونة "كُنْ" في الإسلام عن أفعال الكينونة في الديانات التوحيدية الأخرى التي تعبر عن وجود الأكوان بواسطة الكلام الأبدي حيث يتم المناداة على الأشياء بالقدوم إلى الحياة بصورة إعجازية.

لم يكن النص القرآني تعبيرا عن فكر ديني بكر يختلف بصورة جذرية عن التأثيرات الخارجية، فهو قد عكس الكثير من العناصر الاعتقادية التي كانت سائدة في الجزيرة العربية وما يجاورها في بلاد الرافدين والشام وفلسطين والحبشة وفارس وبلاد النيل  فيما يتعلق بحزب الفضول وآثار الابراهمية واليهودية والمسيحية والصابئة والزرادشتية والمزكية والمانوية وبالتالي لم يكن مخلوقا بالرغم من تطرقه للخلق.

لقد ولد الإسلام وترعرع في وسط ثقافي وديني معقد جدا تلاقحت فيه الحضارات الكبرى وتفاعلت من خلال التجارة والتبادل بين بيزنطة وفارس كان كل واحد منها له ديانته الخاصة ولكنه نطق بلغة العرب.

أن يكون الوحي ملقى على الناس بواسطة النبي بلغته وهي لغتهم فتلك هي الواقعة التاريخية المهمة والتي لعبت دورا كبيرا في دخول العرب للشعوب التي تمتلك كتابا مقدسا وحملهم رسالة نشره للبشرية جمعاء.

هل تكمن ميزة الإسلام في العقائد والأركان التي حملها أم في اللغة العربية التي تم ترتيل الوحي بها؟

لقد حوّل الإسلام عن طريق النبي محمد ومن خلال القرآن والحديث الكلام العربي من لهجة محلية دارجة تستخدم في التجارة وفي التواصل الشفوي أثناء مواسم الصيد وأداء الطقوس والشعائر القبلية إلى لغة رسمية عالمية وجعل من مكة أهم ملتقى للناس في جزيرة العرب وأسس المدينة على أنقاض يثرب القديمة التي تم نعتها بأم القرى وكتب فيها الرسول الصحيفة وهي أهم نص دستوري يحدد العلاقات الشرعية بين مكونات الملة وصارت المركز الروحي الأبرز في الدولة الجديدة التي هيمنة على العالم بالفتح المبين.

لقد تم توحيد الأرض المقسمة بين القبائل والأقاليم باسم الإسلام وتحت راية القرآن بعد أن وقع توحيد الربوبية في السماء والقضاء على الآلهة المتعددة عند الأعراب في الديانات الجاهلية وتحطيم الأصنام.

غير أن تعايش الدين الجديد من المكونات الثقافية السابقة سواء داخل المحيط الجغرافي الذي انتشر فيه بداية من الحجاز واليمن أو في المساحة الممتدة إلى الشرق والشمال مع العناصر الثقافية الوافدة والمغايرة تثبت مرونته وقابليته لإعادة التشكيل في كل أرض يزورها وإمكانية توطينه الفعلي دون تعسف وإكراه.

لقد نظرة إلى العقائد المخالفة من زاوية السياسة والحرب وليس من زاوية العقيدة والإيمان وتعامل معها بذهنية متسامحة ومتفهمة إلى أبعد الحدود وترك لتباعيه حرية الاختيار والاعتقاد وسمح لهم بممارسة طقوسهم في أمان وضمن حماية الدولة الصاعدة ولقد جسد بذلك خيار الهوية المركبة على أرض الواقع.

بهذا المعنى يمثل الإسلام دينا عالميا تعود أسسه المتجذرة إلى ماضي ثقافي وديني بعيد يتجاوز العرب إلى حدود بعيدة تصل إلى إبراهيم ونوح وآدم وتتخطى الأطر الضيقة للقبائل العربية والشعوب المجاورة لها.

لقد تضمن دين الإسلام فلسفة سياسية في درجة أولى وفلسفة أخلاقية في درجة ثانية تجعلا من الإنسان في حاجة ما إلى النفوذ ويحترم السلطان وترتكز فلسفة الإسلام الأولى على نفي الإله المشخص ونفي الخلود.

بيد إن إعطاء الأخلاق مرتبة ثانية بالمقارنة مع السياسة قد جعل الفلاسفة في تناقض ومواجهة مع الفقهاء وعلماء الدين وخاصة الغزالي وفخر الرازي وابن حزم وابن تيمية الذين تم التعامل معهم كمفكرين دينيين يمنحون تعليما أخلاقيا ويحبذون التربية الدينية التي تعكس الإيمان والتقوى والنزعة الطهرية والصفاء.  لقد عملوا على تطوير جملة من المبادئ السلوكية والقواعد الأخلاقية المستنبطة من الدين وليس من العقل والتجربة والطبيعة وارتكزوا على المنابع الروحية والمصادر العقدية في إصدار الأحكام والتصورات.

دون التقليل من أهمية الدين وأصوله المتعالية يمكن الأخذ بعين الاعتبار الفوارق الهامة بين الصناعة الفلسفية من حيث هي بحث مرتكز على معطيات العقل البشري فحسب والهدف من علوم الدين الذي يتمثل في الدفاع على الإيمان وصدق الرسالة واثبات النبوة والبرهنة على وجود الله وخلود الروح واليوم الآخر.

لا يخفي علماء الدين إعجابهم بالحكمة المتأتية من القدماء والمنحدرة من الشرق والإغريق والمصريين والرومان ويبدي بعض الفلاسفة احترامهم لعدد من التعاليم الدينية التي لا تتناقض مع العقل والطبيعة وحرصوا على إدخال جملة من القضايا باعتبارها مسلمات ضرورية لتأسيس الأخلاق وتلاحم المجتمع.

لقد أقام جميع الفلاسفة دون استثناء علاقة مع الدين حسب القراءة التي قدموه له وتراوحت بين التوفيق والتفريق بين الحكمة والشريعة وبين التقديم والتأخير وبين المفاضلة والمنازلة وبين الفصل والوصل ولقد بدأ ذلك كل من الكندي والفارابي وابن سينا وأبي بكر الرازي وواصل التمشي ابن طفيل وابن باجة وابن رشد وابن عربي ومسكويه وإخوان الصفاء والطوسي وابن الهيثم وابن خلدون والبيروني والشيرازي.

لقد تم اعتبار الأنبياء والرسل أطباء للروح والحضارة وهداة للإنسانية نحو طريق الرشد والعمل الصالح ولكنهم في ذات الوقت حملوا على الجهل وحاربوا الخرافة والطقوس البالية وحطموا الأوثان والأصنام وبشروا برؤية جديدة للكون وأعادوا تعريف الإنسان وأوجدوا توازنا مرنا بين الفرد والأسرة والمجتمع.

لقد اعتبر المسلمون مدينة السماء هي المثال الذي ينبغي أن يتم تشييد مدينة الأرض على منواله وتعاملوا مع النبي بوصفه طبيب الأرواح والمرشد نحو النجاة بعد تخليصها من الذنوب والآثام وطالبوا بأن يكون الحاكم السياسي طبيب الأجسام وجالب الصحة والاعتدال بعد تركها المعاصي والكف عن إتباع الشهوات.

لم يكن الإسلام دينا قوميا للعرب فحسب بل كان دينا عالميا يخاطب كل إنسان وموجه للبشرية عامة ولكنه ساهم في توحيد العرب وتشكل الأمة الناطقة بلغة الضاد وتحويلها من مجموعة من القبائل والجماعات إلى مجتمعات منفتحة وهوية ذات مخزون رمزي وإرث ثقافي ثقيل ونواة سردية ايتيقية زاخرة بالقيم والدلالة.

لقد اقتضى توحيد كل العرب عن طريق رابطة واحدة هي الإسلام التعبير عنه بلغة حية تتخطى اللهجات المتداولة واللغات الميتة وتكون سلسة ومقبولة من كل الأفهام ومستساغة في الأذهان وتقشعر لها الأبدان.

لقد اندرج قبول الحدث القرآني ضمن إطار جمالية تلقي القول البياني والاحتفال بميلاد لغة الضاد في ثوب الدين الجديد وجاء التصديق الإيماني في سياق الفعل الكلامي واقترن الخطاب القرآني بالتفاعل اللساني.

صحيح أن اللسان العربي ينتمي إلى سلالة لغوية سامية عريقة تضم الكلدانية والآرامية والعبرية والحبشية ولكن النبي محمد حينما قرأ بها الوحي الرباني ومارس بها فعل تسمية الأشياء والأشخاص على نحو جديد أطلقها من عقالها وأرسلها عبر الآفاق لتجوب جميع البلدان وترسل أصوات الآذان وتتكلم بلسان الميزان.

لقد سكنت روح القرآن جسد العربية ونطق العربي بلسان الكوني واجتمع في شعاب مكة وجبالها الإنس على الهدي العظيم وسجد الشعر العربي للإعجاز القرآني وشهدت المدينة المنورة أكبر عملية تبادل لساني تعزف أنشودة الكون الكبرى وتنشد لحن الخلود ضمن سيمفونية تفيض بالقوة وتلوح بالمجد وتنشد الأبدية.

لقد اعتنى الخطاب القرآني بالمسألة القيمية وأعطى قيمة كبرى للعملية التربوية وأكد على أهمية الكدح والمحاولة والتعلق بالأمل والتغلب على اليأس والإحباط بالرغم من الضعف البشري وحالة الهشاشة التي يتكون منها الإنسان والتمزق بين القسم الجسماني والقسم الروحاني والتنافر الداخلي بين التعلق بالسماء والانشداد إلى الأرض الذي يهزه من الداخل ويدفعه دوما إلى الخارج ويجعله في حركتي تجاذب وتدافع.

يقر المنهج القرآني على المسلك الايتيقي الذي يمكن السير عليه للخروج من العصيان وبلوغ التوبة ويبين أن تاريخ البشرية هو تاريخ تدارك الضياع والاسترجاع بعد التلاشي والتذكر بعد الفقدان والاستبصار بعد الغفلة ويمنح النبي دورا مركزيا لقيادة البشرية للتخلص من الظلم إرساء العدل والحق والإحسان والحرية.

ان التطهير من الرجس على الصعيد الجمعي والمعالجة من الآثام على الصعيد الفردي هي عملية نفسية تشتغل عليها التربية والأخلاق من الناحية السلوكية وتنظمها السياسة والاقتصاد من جهة القانون والمال وتطلب التأليف بين احترام الواجبات والالتزام بالتكاليف والجمع بين استكمال الأفعال وتحقيق الأغراض.

جملة القول أن الأخلاق مركزية في الإسلام وأن الخطاب القرآني ما لبث يحث على القيام بالأفعال الحسنة والابتعاد عن الأفعال الضارة والالتزام بالقيم الكونية وتطبيق المبادئ التوجيهية الصالحة للوضعيات الخاصة وعزز الحديث الشريف هذا التوجه التصحيحي للسلوك البشري وتضمن الكثير من المأمورات في هذا الاتجاه التربوي وعمل على تنبيه الغافلين بضرورة الارتقاء بالبشرية عن حالة الطبيعة والتوحش.

يقول الله عزل وجل في سورة الجمعة، الآية الثانية: " هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم "، وربما ترمز الأمية هنا الى الجهل والبداوة وتدل التلاوة والتزكية على التربية والأخلاق.

إن خصائص الرؤية الأخلاقية في الإسلام تكمن في تجميل الوجود الاجتماعي واستحسان الكائن العلائقي واعتبار الوجود الدنيوي هو غاية الفعل العقلاني والمسلكية الخيرة هي الحياة السعيدة بمقتضى الفضيلة. لكن لماذا مثلت الفضيلة على المستوى الأخلاقي والعدل على المستوى السياسي غاية التشريع الإسلامي؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

جعفر عبدالمهدي صاحبمقدمة مكثفة: استغل أعداء الأمة العربية حالة الضعف والوهن الحالي الذي تعيشه، كي يشنوا الهجوم عليها ويسفهوا كل ما هو عربي، وتبع المغفلون من شباب الأمة أولئك الأعداء كي يستهينوا بالعقل العربي والوجود العربي برمته. فكثر طعن وسب وشتم بالعرب وتراث العرب وحضارة العرب.

كثير من أنصاف المثقفين يشنون، في هذه الأيام، هجوماتهم المسعورة على أمة العرب بأنها أمة قتل واحتراب وغنائم، ولا ينتبهوا الى طبيعة العلاقات الدولية التي كانت سائدة آنذاك.  في حقبة القرون الوسطى، كان مَنْ لم يغزُ يغزى في عقر داره، ومن لم يوسع رقعة دولته فسيصبح جزءاً من رقعة إقليم امبراطورية مجاورة. فعليه، لا يمكن أن نلجأ لقواعد القرن الحادي والعشرين لنحاكم بها أخلاقيات دول دالت منذ قرون.

نقول: أما في عصرنا الحالي، فواقع الحال يفرض علينا أن نمقت الاحتلال والضم والعدوان بكل أنواعه لأن ذلك لا يتناغم مع أخلاقيات العصر الذي نعيشه. إذاً، فليخرس كل أعداء الأمة العربية الجهلة الذين يرغبون النيل من كرامتها بحجج واهية لجأوا إليها بسبب إصابتهم بالحول السياسي وبالطرش المفاهيمي والعمى الذهني.

نرى بأن العامل الأساسي الذي أدى الى ضعف ووهن العرب ودينهم، هم رجال الدين والمؤسسات الإسلامية التي اهتمت بطلب الشفاء من السرطان ببول البعير (العام الماضي نوقشت رسالة ماجستير بهذا الشأن في جامعة عراقية رسمية) وجرى الاهتمام بجواز نكاح القصَّر وبالتبرك بالقبور ومفاخذة الرضيعة، وارضاع الكبير...الخ من الأمور القشورية الساذجة الظلامية ونحن نعيش عصر النور.

مقتنعون أن أمتنا يقف قوامها على دعامتين أساسيتين هما:

أولاً: اللغة العربية، كعامل توحد جوهري.

ثانياً: الدين الإسلامي، مع مراعاة وجود بقية الإديان التي هي جزء من كينونة الأمة.

فإذا فقدنا إحدى الدعامتين أو كليهما ينفرط عقد الأمة وتصبح في مهب الريح. أو تصبح أمة عرجاء لا تستطيع تحمل طعنة رمح تأتيها من أعدائها المتربصين.

بالنسبة للدعامة الأولى، لحسن الحظ،لازالت صامدة بوجه من حاول تخريبها، منها الدعوة الى استبدال الحروف العربية  بالحروف اللاتينية عند الكتابة كما فعل اتاتورك مع اللغة التركية أو الدعوات الى استخدام اللهجات العامية في الكتابة لتحل محل الفصحى "المعقدة"...الخ. لكن جميع تلك المحاولات باءت بالفشل. واللغة العربية رسمياً تعد أحدى اللغات العالمية الخمس المعتمدة في منظمة الأمم المتحدة وفروعها الإقليمية، وذلك تنفيذا لقرار الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة 3190 في 18 ديسمبر 1973.

وملخص القول هو أن حماة اللغة العربية قد سجلوا انتصاراً على أعدائها. والمصيبة الحقيقية التي نواجهها اليوم هي محنة الدين الإسلامي داخلياً ونمو ظاهرة الإسلاموفوبيا خارجياً.

أما بخصوص الدين فقد سجل الواقع على الأرض انتكاسات كبيرة في عالم اليوم، وسبب ذلك هو سلوكيات وفتاوى رجال الدين أنفسهم. لوغضضنا النظر عن الانقسامات الطائفية البغيضة، رغم خطورتها، فلا يمكن تصديق ما طُرحت من سفاهات تم تسويقها على أساس أنها اجتهادات وفتاوى إسلامية، مثل جواز ارضاع الكبير، والتفخيذ، وتعدد الزوجات وذوات اليمين، وجواز نكاح الصغيرات، وجواز ختان الأناث، ووجوب سفر المرأة مع محرم، وطول وقصرعدة الحيض عند المرأة، وقوامة الرجال على النساء، وشروط تحجب الأنثى،  ... ووو....فقد كتب رجال الدين عن المرأة  أكثر من أي موضوع فقهي آخر، حتى اصبحنا نستطيع أن ننعت الدين برمته بأنه (علم النساء).

في محاضرة لنا، العام الماضي، في ندوة أقامتها منظمة موزائيك المغربية، حول واقع المرأة العربية في المجتمع النرويجي، تطرقنا لهذا الموضوع، وحملنا رجال الدين والمؤسسات الإسلامية مسؤولية تشويه صورة الإسلام وضعفه وذلك لعدم اجتهادهم في عصرنة الدين وتقوية الإيمان به بدلاً من التحجر والتقوقع داخل قوقعة رؤى "السلف الصالح" بحجة وجود (مورد النص) في الوقت الذي يتم تجاهل قاعدة مقابلة  "الضرورات" تبيح محظورات التجديد الواعي درءاً لخطر الانقراض.

القضية لا تتعلق بالحاجة الى إفتاء لإيجاد حكم فقهي جديد يحلل ما حرم ويحرم ما حلل، بل نحن اليوم بحاجة الى ما هو من باب تغيير الفتوى بتغيير الحال، و يمكن الاستدلال من سيرة الصحابة التي تخدم موضوع البحث في هذا المجال. فقد عطّل الخليفة عمر بن الخطاب حد السرقة عام الرمادة  رغم وجود النص الإلهي الصريح الواضح ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ). لأن عمر قد احتج بحجة أن شرط قطع اليد غير متوفر، عملاً بقاعدة (الضرورات تبيح المحظورات) فالضرورة تبيح أكل لحم الخنزير وأكل الميتة لوجود شبهة وما لحق بالناس من مجاعة في عام الرمادة دفعتهم للسرقة من أجل إنقاذ أطفالهم من الموت جوعاً، ولم تكن السرقة من أجل الطمع في المال.  المتعجرفون رأوا بأن الخليفة قد خالف حكماً إلاهياً واضح النص، وفي هذا الصدد نرى أن الخليفة قد عمل بروح النص القرآني وليس في محتوى النص الشكلي. وفي كل الأحوال نرى بإمكان الفقيه أن يفتي وفق المصلحة الراجحة.

نحن نعيش عصر تقدم علمي هائل، لم يستطع العقل المجرد استيعابه، لأن الاختراعات في عالم التقنية الرقميةالمذهلة والسبرنتيكا والهندسة الجينية وتقنية الفضاء وغيرها من الميادين العلمية التي قد اذهلت البشرية، وحصل هذا التقدم بفضل العقل البشري الذي منحه الخالق للمخلوق.  لذا ينبغي مخاطبة المسلمين والخارج من لأممالأخرى (عالمية الإسلام) بلغة العصر مع عدم التفريط بجوهر وأساسيات العقيدة الإسلامية، أكرر عدم التفريط، عدم التفريط، عدم التفريط بجوهر العقيدة الدينية.

وقد ضربت مثلاً افتراضياً ضمن المحاضرة وقلت: لو قدر لمسيلمة الكذاب أن يخترع الهاتف النقال ( وهو معجزة علمية حقاً) لكانت الجزيرة العربية برمتها تؤمن به ليس نبياً فحسب بل رباً خالقاً.

 وفيما يتعلق بلاستدلال بامكانية الاجتهاد بتكييف حكم النص: لنأخذ بفتوى الإمام أحمد بن حنبل الذي اجتهد  خلافاً لنص الحديث النبوي في خروج النساء في العيدين، فيقول: " لا يعجبني في زماننا ، لأنه فتنة، ولأن الحال تغير بعد النبي -ص". وهو يفتي بالتشديد بعدم خروج النساء في العيدين وأعتبر الوجه والكفين عورة يجب سترها.

في تحليل النص: في رأينا، أن الإمام بن حنبل من المتشددين في إطلاق الفتاوى فإذا كان قد افتى في التشديد سلباً خلافاً للنص فقد فتح باب الإفتاء في التكييف بالإيجاب تخفيفاً، خلافاً للنص أيضاً. هذا هو الإجتهاد في حكم النص.

النص الثيوقراطي الميثولوجي، عند رجال الدين، هو نص ستاتيكي جامد لا يقبل الإجتهاد إنطلاقاً من قاعدة وجود نص. في الوقت الذي من الممكن تكييف الحكم الديني وفق قاعدة المصلحة العامة. لأن الحياة البشرية في حالة حركية مستمرة تتطلب تعاقب الناسخ والمنسوخ، وبخبارة أخرى فأن ستاتيكية النص تعد حجر عثرة أمام ديناميكية المجتمع.

وفق المنطق، فأن كل حكم قابل للتكيف وفق إطار العقل البشري، حتى النصوص المقدسة والمقولات المعتبرة يمكن تكييفها، على سبيل المثال مقولة (قاعدة الضرورات تبيح المحظورات) هي الأخرى لا تخلو من محظورات فرعية.

مثال عملي: لو أن مجموعة من الأفراد تاهت في الصحراء هل يصح لها ذبح طفل رضيع من أجل سد رمقهم وإنقاذ أنفسهم من الموت جوعا؟ المنطق السليم والحس الإنساني يرفض ذلك قطعاً، فتتراجع القاعدة الشرعية وتصبح من المحرمات في التطبيق.

الى هنا أكتفي بهذه المقدمة المكثفة لأدخل في الغاية من وراء كتابة هذا الموضوع.

 الموضوع: يتلخص في دعوتي لقراء مقالي هذا، والمهتمين بمصير ومستقبل الأمة، أن يفتحوا الرابط  الوارد في أدناه للاطلاع على طروحات مفكر سوري مسلم يطرح قضايا  الإسلام المعاصر بشكل علمي ورصين، ويعطينا دروساً بليغة في تسفيه أصحاب الجماجم المتحجرة التي حولت الدين الى خرقة بالية من الأقوال والأفعال التي ينفر منها الفكر والعقل السليم.

سوف لا أنقل ما يذكره الدكتور السوري محمد شحرور بل أدعو القاريء الحريص على مستقبل أمته فتح الرابط ادناه ومن خلاله ستظهر له كافة الفديوات الأخرى.

https://www.youtube.com/watch?v=EMvjJoMS828

وختاماً نقول أن أفكار الدكتور شحرور جديرة بالقراءة والاطلاع لأنها أفكار طاهرة غير ملوثة بفايروس التحجر الديناصوري ولحى الدجالين أصحاب دكاكين الدين. أنه يسفه موقف رجال الدين  السائد حول حجاب المرأة، وحول وقوامة الرجال على النساء، والأرث وغيرها من القضايا التي كنا نعتقد بأنها من ثوابت الدين لوجود نصوص صريحة فيها. وهذا الرجل لم يخرج أويتمرد على ما ورد من نصوص في القرآن والسنة بل يقرأ النصوص المقدسة ويفسرها تفسيراً واعياً ليثبت بأن حجاب المرأة المتعارف عليه عبر القرون لا وجود له في الشريعة، ويثبت بالحجة والدليل بعدم صحة قوامة الرجل على المرأة بل يثبت بالدليل والمنطق قوامة الرجل على المرأة وقوامة المرأة على الرجل بشكل متوازن.

 

 بروفسور دكتور جعفر عبد المهدي صاحب

أوسلو – مملكة النرويج

 

صادق السامرائيهذا قرن شديد ومدوي في أعماق القرون والأجيال العربية، وهو مغفول تأريخيا وغير مدروس، وما أستُخلِصت منه الدروس والعِبر، ولا أدركت الأجيال مفرداته وعناصره وما أصاب الأمة فيه، وكيف تمكنت الخروج من قبضة الهلاك والفناء الأكيد، ولا يمكن تفسير ذلك إلا بآليات الإزاحة والنكران والكبت والتبرير والتوهم بغير الذي كان.

قرن نصفه الأول مضطرب، ونصفه الثاني أشد إضطرابا ودمارا وتأثيرا، ففي سنة 1258 إحترقت بغداد عن بكرة أبيها، وقتل عشرات أو مئات الآلاف من الأبرياء فيها دون ذنب إلا لكي يعبّر المتوحشون عن وحشيتهم، فيزعزعون نفوس القِوى الأخرى في الدنيا تمهيدا لإستباحتها.

وسقوط بغداد تم تبريره بأكاذيب وتعليلات ساذجة لتخدير الأجيال وعقرها في أماكنها، فتم تهويل قوة الهولاكيين وإضفاء الأساطير والخرافات عليهم، حتى صار ذكر إسمهم يثير الرعب والموت ويشيع الذعر والفرار المهين.

وما فكر الناس في بغداد بالمجابهة ورفع رايات الجهاد، ولا برز فقيه أو مفكر أو قائد ينادي " حي على الجهاد"، ويأتي على رأسهم الخليفة العباسي الذي شله الذعر وأجبنه الخوف، وتوطنه الإستسلام، بعد أن تحققت الهزيمة النفسية في داخله وإنعكست على الذين من حوله.

فبرغم قوته الكبيرة وجنده الخبير وقادته المهرة، لكنه أذعن لنفسه المهزومة وإنتهى إلى نهايته المشينة، تحت سنابك خيول المتوحشين المتوهمين بالقوة، وما هم إلا مهرة في بث الإشاعات وزعزعة الإرادات والقدرة على قتل الأبرياء، وما أجادوا الثبات في المواجهات.

لكن الذي يقرأ التأريخ ستتكشف أمامه أكاذيب وتصورات وتعليلات هذيانية مبعثها الخوف ومحاولة الحفظ على ماء الوجه، فيُتهم هذا أو ذاك بأنه قد فتح أبواب بغداد، والقراءة السلوكية تشير إلا أن العديد من أبناء القبائل والمسلمين كانوا مع الغازين، وأنهم هم الذين مهدوا الطريق للفتك ببغداد.

أي أن الخيانة قد بلغت ذروتها في هذا القرن، وتآمرُ العرب على العرب في أوجه، وتحالف المسلمين مع أعداء الإسلام أيضا على أشده.

وهذه العوامل قد تجسدت في بغداد وما بعد بغداد، وبسببها تواجد أفراد في الأمة إستجمعوا طاقاتها الفكرية والإيمانية وأعلنوا الجهاد والمواجهة، وبهذا تحققت هزيمة الهولاكيين (التتر ومن إنضم معهم من العرب وغيرهم) والفتك بهم.

وبسبب جبن فقهاء بغداد، برز فقهاء في سوريا حتمت عليهم الظروف وضرورات الحفاظ على الأمة والدين أن يتخذوا طريقا مناسبا للتحدي، فكانت الأصولية الشديدة والتمسك بالنص الديني وعدم التأويل والتفسير، لأن في ذلك إضعاف للأمة والدين، وقد نجح هذا التوجه في رص صفوف الأمة ومحاربة المتعاونين مع أعدائها، وضمها في وحدة جهادية فاعلة حققت إنتصارات واضحة.

وفي مصر نهض قطز ورفع راية الجهاد وهاجم الأعداء بقوة إيمانية مطلقة، برغم ظروف الدولة الصعبة التي تنخر فيها التناحرات والإنشقاقات، لكنه تمكن من صب قدراتها في سبيل المواجهة والجهاد الأكبر، فانتصر لكنه قتل بعد ستة أشهر من إنتصاره على الهولاكيين، وتم إغفال دوره وتأثيره وطمس ذكره في التأريخ العربي، والتقليل من أهمية وقيمة معركة عين جالوت التي خاضها.

أي أن الأمة أوجدت قادة سياسيين وعسكريين ودينيين أخذوا على عاتقهم التصدي للهولاكيين وإنقاذها من الفناء والإنتهاء، وهذا ما كان على بغداد أن تفعله، لكن قدراتها تهالكت بسبب تهالك خليفتها الذي أسلم أمره للمجهول.

بمعنى أن الأمة في أماكن أخرى منها قد تدارست أسباب سقوط بغداد، وتعلمت أن لا بد من المقاومة والتحدي والتصدي والمواجهة المستميتة للحفاظ على الوجود العربي وصون الدين من الدمار والإندثار، وبهذا تمكنت من إسترداد وجودها والتواصل عبر الأجيال.

تلك أحداث أساسية في القرن الثالث عشر تتلخص بسقوط بغداد في (8\2\1258)، ومعركة عين جالوت في  (9\3\1260) ومعركة شقجب أو معركة برج الصُفر في (20\4\1303) التي كان فيها قائد فقيه يحث على الجهاد والمقاومة والتصدي والنصر الأكيد قبل ذلك بعدة سنين، وفي المعركتين تمازج الفقه مع الإيمان والتفاؤل بالنصر والإصرار على هزيمة الأعداء.

ولشدة التوجه الفقهي وقوته وقدرته على المنازلة وإستعادة هوية الأمة وعزتها وكرامتها، تواصل مؤثرا في القرون التي تلته، فأوجد العديد من الفرق والجماعات التي تستقي منه وتترجم منطلقاته الصائبة في وقتها، لكن تطبيقها أو إستحضارها في هذا العصر يسيئ إليها ويتسبب بخسائر حضارية كبيرة.

فالعيب ليس بالمنطلقات الفقهية التي أدت دورها في القرن الثالث عشر، وإنما العيب في العمل بها في غير زمانها، والرجوع إليها كلما إشتدت الهجمة على الأمة، التي تعلمت أن هذه المنطلقات الفقهية طوق نجاتها، بعد أن إحترقت بغداد، وإستجبن فقهاؤها أو لم يشمروا عن سواعدهم ويعلنون الجهاد، والتصدي للعدوان الغاشم الذي أفناهم.

بغداد التي أزيلت منها آثار بني العباس وأحرقت معالم مسيرتهم الحضارية فيها، بسب عدم التصدي والتحدي والإذعان للضعف والخوف والرعب، الذي بثته الإشاعات والدعايات العاصفة في أرجاء البلاد والمحنطة للعباد، حتى ليقال أن الهولاكي كان يقول للرجال قفوا في مكانكم حتى أأتي بسيفي لأقتلكم، ويأتيهم وقد تجمدوا في مكانهم فيحصد رؤوسهم.

هذا التهديد المرعب للذات العربية وللإسلام قد أوقد روح البقاء والغيرة على الأمة والدين، فإنطلقت رؤى أفذاذ الفقهاء والمجتهدين ليتخذوا من الدين قوة باعثة وطاقة محفزة وإرادة متوثبة للقضاء على الغازين، وقد تم لهم ذلك وتحققت البسالة والتضحية والتعبير الأمثل عن الإيمان الصادق بالعروبة والدين.

ومن هنا فأن طاقة التعبير الديني بذلك الأسلوب الخارق والنادر في التأريخ هو الذي أمده بصيرورة بقائية عاتية وتأثيرات قوية في مسيرات الأجيال، وجعل منه مولدا وباعثا للأمة من رماد إحتراقها ودمارها وخرابها العظيم.

ولهذا فأن الأصولية قوة مطلقة لا يمكن الجزم بالقضاء عليها ومحقها، لأنها ستندلع كلما إنتكست الأمة وتحطمت أركان وجودها وتوالت إنكساراتها وهزائمها، ولكي تهدأ الأصولية أو تغيب، على الأمة أن تتجاوز الهزائم وتنتصر على الضعف وتؤمن بقدرات التفاعل المعاصر، الذي يحققه التفكير العلمي والبحث العلمي والثقافة العلمية الرصينة.

فالتوجه نحو العلم هو الطوق الأقوى للنجاة من أهوال الأصوليات والإتجاهات المتطرفة العاصفة في أرجاء الأمة.

وما يعزز ولاداتها المتكررة في حالات ضعف الأمة وإنهيارها، أنها كان لها دور فعال في هزيمة الهولاكيين ورفع المعنويات، وتأهيل الأمة للبقاء والنماء والتحدي والتواصل الأمين.

والتأريخ يؤكد أن الأصولية تولد من رحم الأمة الموجوعة والمفجوعة بذاتها وموضوعها، وكانت بداياتها عندما قاتل المسلمون بعضهم في صفين، ومضت بين صعود وهبوط توافقا مع أحوال الأمة، وكلما سقطت بغداد تعاظمت الأصوليات الدينية، وكلما نهضت بغداد وتقوت إندحرت الأصوليات الدينية، وتلك علاقة كيانية بقائية متلاحمة.

والعجيب أن المقارنة تكاد تكون متماثلة ما بين سقوط بغداد في 1258 وسقوطها في ألفين وثلاثة، وما أنجبته من معطيات ربما تكون متشابهة، ولهذا برزت الحركات الأصولية كرد فعل على هذا الحطام الحضاري والنفسي والفكري، وهي متواصلة ما دامت الأمة في محنة الوجيع الدائب والخسران الناكب.

والخلاصة أن ديناميكيات التفاعلات وعناصرها المتداخلة في النصف الثاني من القرن الثالث عشر، هي التي رسمت معالم وجود الأمة في القرون التي تلته، ولا تزال مؤثرة في الواقع وفاعلة في صناعة التيارات المقررة للمصير.

فتلك الفترة كانت متطرفة جدا وغير مسبوقة، إذ تأرجحت بين هزائم مدوية ومرعبة وإنتصارات كبيرة ومدمرة للأعداء وماحقة لوجودهم العدواني السافر، وما عرفت الوسطية والإعتدال في جميع مناحيها ومواقعها.

وكان للأصولية دورها الواضح في المساهمة ببناء العزائم وشحذ الإرادات وتقوية النفوس وحثها على الصمود والإستبسال.

لكن ذلك زمان، ولكل زمان رجاله ومفكروه وفقهاؤه وقادته، ولا يمكن إستحضار الذي كان في دنيا يكون.

 

د. صادق السامرائي

 

محمود محمد علينعود إلي الجزء الثالث من التفسير الابستمولوجي لنشأة وتطور الفكر السياسي عند المسلمين ، فنقول : انطلق الفارابي في فكره السياسي من منطلق آخر مختلف ومخالف تمامًا، عما كانت عليه المرحلة الوصفية، ألا وهو منطلق "علم الكلام" في الإسلام؛ فهو يبدأ بـ "القول في الموجود الأول" (الله)، و"القول في نفي الشريك عنه"، و"القول في نفي الضد عنه"، والقول في "نفي الحد عنه"، و"القول في أن وحدته عين ذاته وأنه تعالى عالم وحكيم وأنه حق وحي وحياة"، و"القول في عظمته وجلاله ومجده تعالى"، حتى إذا استوفى القول في بابي "الذات والصفات" انتقل إلي ثالث أبواب علم الكلام، باب "الأفعال" الذي موضوعه الأساسي هو خلق الله للعالم والعلاقة بين الله والإنسان. وهكذا نقرأ العناوين التالية: "القول في كيفية صدور جميع الموجودات عنه"، "القول في مراتب الموجودات"، "القول في الأسماء التي ينبغي أن يسمى بها الأول"، "القول في الموجودات الثواني وكيفية صدور الكثير".

ويستمر الفارابي القول في الموجودات السماوية والأرضية، الروحانية والجسمانية، إلي أن نصل إلي الإنسان "والقول في أجزاء النفس الإنسانية وقواها"، والقول في خصائص هذه القوى التي منها القوة الناطقة، والقوة المتخيلة، والقوة النزوعية، لنصل إلي "القول في احتياج الإنسان إلى الاجتماع والتعاون" ومنه إلى "القول في العضو الرئيس" لهذا الاجتماع، و"القول في خصال رئيس المدينة الفاضلة"، ومنه إلى "القول في مضادات المدينة الفاضلة"، التي تصنف هي الأخرى حسب آراء أهلها: إلي مدينة جاهلة، لم تسمع قط بـ"الآراء الفاضلة"( وهي الآراء السابقة في السبب الأول، والعقول الفلكية وصدور الموجودات ...إلخ، وهي أصناف، هي في الجملة، تلك الذي ذكرها أفلاطون، وعرفها اليونان)، ويضيف الفارابي من عنده المدينة الفاسقة، وهي التي تعلم الآراء الفاضلة كلها، ولكن أفعال أهلها أفعال غير فاضلة ( والفسق مصطلح إسلامي)، والمدينة الضالة، وهي التي "تعتقد في الله، وفي الثواني، وفي العقل الفعال، آراء فاسدة … ويكون رئيسها الأول، ممن أوهم أنه يوحى إليه من غير أن يكون كذلك" ... إلخ.

ويطنب الفارابي في وصف أحوال وآراء أهل هذه المدن المضادة للمدينة الفاضلة، وصفًا عامًا فيه ما أخذه عن أفلاطون، وفيه ما يعود إلي مطالعاته واستنتاجاته. أما الواقع العربي، والتجربة، أو التجارب السياسية في الحضارة العربية الإسلامية، فحضورها باهت جدًا. ويحتاج المرء إلي تأويل وتكلف، إذا هو أراد أن يتبين فيما كتبه الفارابي شيئًا عربيًا إسلاميًا، ما عدا أمرين اثنين" أولهما: انخراط مدينته انخراطًا مباشرًا في "علم الكلام" كما أوضحنا أعلاه (الانطلاق من الكلام في ذات الله وصفاته وأفعاله). ثانيهما إضافته النبي، كرئيس مؤسس للمدينة الفاضلة، وعدم قصر هذه المهمة على الفيلسوف (كما فعل أفلاطون). وقد كتب الفارابي رسالة بعنوان "كتاب الملة" عقد فيها مقارنة بين المدينة التي يؤسسها النبي (مدينة النبوة في الإسلام) والمدينة الفاضلة الفلسفية، فسوى بينهما على أساس نظريته في العلاقة بين الدين والفلسفة، والتي تتلخص في القول: ما تعطيه الملة هو محاكيات لما في الفلسفة: فـ "كما أن الفلسفة منها نظرية ومنها عملية، كذلك الملة، والشرائع الفاضلة كلها تحت الكليات في الفلسفة العملية، والآراء النظرية التي في الملة براهينها في الفلسفة النظرية، وتؤخذ في الملة بلا براهين".

ومن الملاحظ أن السياسة في رأي الفارابي تعد قسمًا من الفلسفة، أو حلقة في مجموعة مترابطة ومنسجمة، يطرحها الفيلسوف ضمن منظومته الفلسفية، ويدور الحديث في السياسة حول ما يجب أن يكون، وعن سلوك الإنسان في المجموع. أما ( ما يجب ) محاطًا بالحقائق ومسبوقًا بأوامر موجودة فهو السياسة في إطار نظام من القيم الموجودة أيضًا، إلا أنها ضمن نظام الوجود المعقول. ويمكن أن يقال: إن مبادئ السياسة لدى الفارابي هي: نتيجة مترشحة عن مقدماته في معرفة العالم ورؤيته الكونية، لذا فإن أي خلل في تلك المقدمات، سيظهر أيضًا في نظامه السياسي العظيم وقد اعتمد الفارابي خلال طرحه للفكر السياسي على تراث كبيري فلاسفة اليونان وفلاسفة التاريخ البشري- أفلاطون وأرسطو، والتصورات السياسية لفيلسوف المسلمين، كأفكاره عن معرفة العالم التي هي منسوخة من الفلسفات اليونانية. ويعتبر الفارابي، تواضعًا وعرفانًا بالجميل أفلاطون وأرسطو أئمته في الفكر، بل أئمة جميع الحكماء.

وإذا انتقلنا إلي "ابن سينا" فنجد أن الكثير من الباحثين قد تغافلوا دراسة الموضوعات السياسية التي أثارها الرجل، انطلاقاً من قلّتها قياساً إلي الكمّ الـهائل من الموضوعات السينويّة في الأبواب الفلسفية الأخرى؛ ومن الملاحظ أن ابن سينا في كتاب نشر له بعنوان  "السياسة" كان متأثرًا بأستاذه الفارابي، حيث يُظهر ابن سينا في هذا الكتاب كما يذكر البعض "عبقرية عالية، في فهم الأسس الجوهرية، التي يقوم عليها الخطاب السياسي، بمعناه الفلسفي العميق، لكن السياسة من وجهة نظره قائمة على الوجود، بمعني أنه يجعل السياسة مساوقة لطبيعة الموجودات، ليس فقط من حيث كينونتها العادية، بل من حيث وجوب وجودها على المستوي الأخلاقي، فيبدأ بسياسة المرء لما حوله ولنفسه، لينتهي إلي رؤية عامة تصدق على الحياة كلها".

ولذلك نراه في الكتاب لا يعترف بأية رئاسة على الإطلاق إلا برئاسة الفيلسوف، فالفيلسوف هو الملك. والدليل على ذلك أن ابن سينا ينبه في إلهيات الشفاء إلي أن معيار اختيار الخليفة هو عقله فقط . كما يشدد على أهمية تدبير الإنسان لأوضاع منزله. وهو في واقع الأمر إن تدبير المنزل هو علم قائم بنفسه ومن قام بتأسيسه بشكل تام هو أرسطو. كما يشدد ابن سينا بذكاء حاد إلي أن أحق الناس بالمشورة وأحوجهم إليها هم الرؤساء، فهؤلاء لأنهم لا يرون أن أحدا فوقهم، اعتقدوا أن آراءهم هي فوق الجميع، وأن تصرفاتهم تمثل الصواب الكامل، ولا يمكن لأحد أن يقدر على التشكيك في ذكائهم ونبوغهم، بل وعبقريتهم. ومن جراء مدحهم وتقريظهم، بل والركوع لهم وتقديسهم من قبل حاشيتهم، وخدامهم، وعبيدهم، وجندهم، والذين يطلبون المنافع منهم، ازدادوا جهلًا بمعايب أنفسهم. وما زاد في الطين بلة، أن من يواجههم بعيوبهم، قد يكون مصيره السجن، أو التنكيل، أو القتل، أو التعذيب، أو الإهانة، والتحقير، فامتنع من يقدر على نصحهم عن ذلك، فظنوا أنهم فوق البشر لا يمكن لأمثالهم أن يقاربهم الخطأ .

والحقيقة أن هذا الوضع يسري في كل زمان ومكان، وعندما يظهر الرئيس الذي يقبل المشورة، فإن هذا يعني أن الله اكتنف البلاد برحمة واسعة منه. لكن السؤال هو: من يقدم المشورة في هذا الزمان، بل في كل زمان . وهنا نجد أن المستشارين أنفسهم سبب البلاء. وعلى أية حال يحاول ابن سينا أن يمدد أساليب العمل المتاحة للإنسان، فيقسم الناس إلي قسمين قسم موفور الرفاهية  من جراء الوراثة أو العمل، وقسم يفتقر إلي المال. وهنا يشير ابن سينا أن "الصناعة هي خير من التجارة، والأفضل أن يختارها المرء، نظرًا  لأن احتمالات الخسارة في التجارة أكبر من الصناعة " .

والأعمال الشريفة في رأي ابن سينا تقسم إلي ثلاثة أنواع هي :

أ- نوع يكون من قبل المعرفة الذاتية والمؤهلات الفردية للإنسان مثل عمل الوزراء وأرباب السياسية .

ب- نوع من خير الأدب مثل الكتابة والبلاغة وعلم النجوم وعلم الطب .

جـ- نوع من قبل الشجاعة ، مثل عمل رجال الحرب .

وبالجملة يسهب ابن سينا في تفصيل كيفية وجوب أن يكون سلوك المرء على المستوي الاقتصادي.

ثم ينتقل ابن سينا بعد ذلك إلي تبيان الأسلوب الذي يجب أن يتخذ في التعامل مع المرأة، من حيث هي زوجة، وقوام هذا الأسلوب هي أمور ثلاثة: الهيبة الشديدة، والكرامة التامة، وشغل خاطرها بالمهم. ويأتي في المرحلة التالية تعامل الرجل مع ابنائه والطرق الناجعة في تربيتهم، ثم يليهم العبيد، وهنا تكتمل الدائرة في السياسة، حيث تشمل مختلف ضروب الناس في السياقات كافة.

وفي منتصف القرن الهجري الرابع ـ العاشر الميلادي ( 373 هـ / 983 م )، ظهرت الكتابات السياسية لجماعة " إخوان الصفا وخلان الوفا "، متأثرة بالمؤثرات نفسها. وكانت السياسة لديها تمثل علمًا مستقلًا بذاته، له خمسة أقسام: السياسة النبوية، والسياسة الملوكية، والسياسة العامية، والسياسة الخاصية، والسياسة الذاتية .

والفكر السياسي عند إخوان الصفا يدور حول المدينة الفاضلة المدينة الفاضلة غاية الاجتماع السياسي تنحصر أنواع الاجتماعات عند إخوان الصفا في ثلاثة أنواع هى: المدينة ، الأمة ،الدولة العالمية؛ ويرون أن المدينة، تمثل مركز وحدة اجتماعية متكاملة، متأثرين بآراء أفلاطون وأرسطو، إلا إنهم رأوا أن هناك وحدات اجتماعية أكبر من المدينة، تتمثل في الأمة، والدولة العالمية، وهو شيء لم يخطر على بال فلاسفة اليونان، الذين اغترفوا كثيرًا من فلسفاتهم، ونظرياتهم على الأرجح، ولعل ذلك يرجع إلي تأثرهم بتعاليم الدين الإسلامي الذي يهدف إلي إخضاع العالم كله إلي حكومة واحد.

والأمة في رأى الإخوان هى تلك التي تختص، بصفات، وطبائع، وسجايا، وموقع جغرافي، ووحدة تاريخية، وعادات وتقاليد موحدة؛ بحيث تميزها عن الأمم الأخرى. ويتصور الإخوان أن هناك اجتماعًا أكبر من الأمة، يمكن تحقيقه في شكل دولة عالمية يشملها دين موحد وشريعة واحدة. ورأى الإخوان أن أول لبنة في تنظيمهم، هو بناء المدينة الفاضلة إخوان الصفا والمدينة الفاضلة: لقد دعا إخوان الصفا إلي المدينة الفاضلة، وكانوا كثيرًا ما يذكرون أن لهم مدينة فاضلة، يصفونها بالمثالية والروحانية، والحق أنها كانت مجتمع سرى مغلق، ولم يكن هؤلاء أول من تكلموا عن المدينة الفاضلة، وإنما كانت الشغل الشاغل لفلاسفة اليونان، كما علق الفلاسفة عليها آمالًا كبيرة. وقد تأثر إخوان الصفا بأفلاطون في هذه المدينة، لأنهم كانوا يعرفون أفلاطون جيدًا، ويسمى الإخوان مدينتهم بدولة أهل الخير ويقولون"، يبدأ أولها من قوم علماء وحكماء وخيار فضلاء، يجتمعون على رأى واحد، ويتفقون على مذهب واحد، ودين واحد، ويعقدون بينهم عقدًا، وميثاقًا، ألا يتجادلوا، أو لا يتقاعدوا عن نصرة بعضهم بعضًا، ويكونوا كرجل واحد في جميع أمورهم، وكنفس واحدة في جميع تدبيرهم فيما يقصدون عن نصرة الدين وطلب الآخرة، لا يبتغون سوى وجه الله ورضوانه، ولا يريدون جزاءً ولا شكورًا" .

ثم يذكر إخوان الصفا أن للمدينة الفاضلة عدة خصائص منها:

1- يذكرون أن مدينتهم مرتفعة في الهواء، وهذا رمز أنها مليئة بالتعاون في الدين والمعاش، وقد يسمح بعضهم بتلف جسده لنصر الدين، أو الأخ، لأن الجسد فان مظلم لا ينبغي الحرص عليه.

2- وفي المدينة تعاون علمي، وأدبي، ومادي، وعلى كل فرقة أن تهيئ لنفسها مجلسًا خاصا بها يجتمع فيه أعضاؤها وقتًا معينًا، ولا يسمح لغيرهم بالحضور، ويتذاكرون في المجلس علومهم، ويبوحون فيه أسرارهم.

3- وللمدينة قانون العقل الذي جعله الله تعالى رئيسًا على الفضلاء من خلقه، ومن لم يرض به، فعقوبته المقاطعة وطي الأسرار عنه.

4- وللمدينة أربعة أيام لكل يوم شأنه:" فيوم خروج أول القائمين منهم يوم عيد، ويوم فيه تصرم دولة أهل الجور، وثالث فيه مقاومة الباطل الحق، ورابع يوم الحزن والكآبة بالرجوع إلي كهف التقية والاستتار وكون الأمر على ما قال صاحب الشريعة "أن الإسلام ظهر غريبا وسيعود غريبًا" ومن هنا يتضح الهدف السياسي تمامًا، ألا وهو الثورة على نظام الحكم، وأنهم مازالوا في طور الستر، وأنهم ينتظرون قيام الثورة، ويوم قيامها عيد عندهم، ولكنهم يعلمون أن الهزيمة ستلحق بهم، وسيعودون إلى الستر مرة أخرى".

ثم يذكر إخوان الصفا مراتب أهل المدينة الفاضلة، وذلك على النحو التالي : المرتبة الاولى: مرتبة الأبرار، ويتراوح أعمارهم ما بين خمسة عشرة سنة، إلي ثلاثين سنة، وهم أرباب صنائع ونفوسهم جيدة التصور سريعة القبول، وكثيرًا ما توجه الخطاب في رسائل إخوان الصفا إليهم.

2- المرتبة الثانية :مرتبة الأخيار، وهم الرؤساء ذوو السياسة الذين يشفقون على إخوانهم وأعمارهم ما بين الثلاثين والأربعين.

3- المرتبة الثالثة: مرتبة الفضلاء الكرام ، وهم الملوك ذوو الأمر والنهي، وأعمارهم بين الأربعين والخمسين.

4- المرتبة الرابعة: مرتبة الذين بلغوا سن الخمسين، وهي التي يدعون إليها إخوانهم في أي مرتبة، وهم هنا يرمزون إلى ما يتمنونه من صعود سياسي لا روحاني، والتقسيم في جمهورية أفلاطون بحسب المهنة لا السن، كما هو لدى إخوان الصفا .

وعن الفرق بين المدينة الفاضلة ،والمدن الأخرى عند إخوان الصفا؛ فلقد وصف إخوان الصفا المدن الأخرى بالجائرة، وأوضحوا الفرق بين المدينتين (أى المدينة الفاضلة، والمدينة الجائرة) فيما يلي:

أ- المدينة الفاضلة لا يدخلها إلا من توافر فيه حد أدنى من العلم، أما المدن غير الفاضلة فلا يشترط أن يكون سكانها علماء فضلاء، بل تجمع الأخيار، والأشرار، والعلماء، والجهلاء، والمصلحين، والمفسدين، وأقوامًا مختلفي الطباع، والأخلاق، والآراء، والأعمال، والعادات.

ب- المدينة الفاضلة تشبه جزيرة مخصبة كثيرة النعم يسود بين أهلها المحبة والرحمة والشفقة. أما المدينة الجائرة فتشبه جزيرة وعرة جبلية مليئة بالسباع الضارية.

بعد أن انتهينا من المدينة الفاضلة نأتي إلي رأس الحكم، وهو الإمام ورأي الإخوان فيه؛ فقد اهتم إخوان الصفا بموضوع الإمامة أو الخلافة ،وأكدوا ضرورة الوصية فيها فالتصرف دون توقيف من الرسول كان سبباً في انقسام الأمة الإسلامية واختلاف الآراء فيها فليس هناك خلاف، إذن بين أخوان الصفا وبين الشيعة في ذلك، وهذا تلويح منهم بالموافقة على رأي الإمامية الذين رأوا وجوبها بالنص على الإمام على رضي الله عنه  .

وأما عن فائدة الإمام عند إخوان الصفا؛ فهم يرون أن فائدة الإمام حفظ الشريعة، وإحياء السنة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، اجتماع الأمة على رأي واحد ونصب نواب عنه في الأقاليم، ورجوع فقهاء المسلمين إليه في المشكلات من فقه، وأحكام، وحدود، وفتاوى، وبذلك يكون تنصب الإمام عندهم واجباً . وللحديث بقية!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

 

نبيل عودةفلسفة مبسطة:

في مقال للأستاذ حاتم حميد محسن في موقع "صحيفة المثقف"، كتب مقالا هاما بعنوان: "ماركس ونيتشة.. رؤيتان مختلفتان للدين"* المقال يثير الكثير من التساؤلات الهامة، تعقيبا على مقاله اطرح وجهة نظري بموضوع الموقف من الدين، ومن علاقة نيتشه بالنازية وليس بمختلف القضايا التي نشأت بناء على موقف الفيلسوفين، نيتشه وماركس.

***

نيتشه ينتقد النازية: " أرتجف عندما أفكّر في كل هؤلاء الأشخاص غير الجاهزين بعدُ لتلقّي أفكاري، ومع ذلك سوف يستغلّونها لسلطتهم"

نيتشه: "أشعر بخوف في الأيام الأخيرة، من كثرة الرسائل والمواقف التي تصلني حول معاداة السامية، وأشعر باشمئزاز وبكلّ ما تعنيه كلمة اشمئزاز من معنى من ذلك الحزب"

***

تركت فلسفة نيتشة أثرًا بالغًا في الفكر الإنساني، والكثيرون تأثروا بأفكاره، الأمر الذي لا يعرفه الكثيرون انه لقب بصغره ب "القسيس الصغير"، فوالده كان قسيسا في الكنيسة الانجيلية (اللوثرية)، لكنه عندما بدأ يتشكل وعيه الخاص انقلب تماما على الفكر الديني لدرجة قوله ان "الله قد مات" (الجنائني مات). هناك اخطاء شائعة حول علاقته بالنازية، العكس هو الصحيح، ما جر لهذا الخطأ فكرته عن الرجل السوبرمان (وهو لم يقصد هتلر اطلاقا)، بل رفض النازية وعنفها ضد اليهود أيضا وكانت له علاقات مع يهود المان، إشادته بالإنسان السوبرمان، يقصد الانسان غير التابع لفكر قديم ماضوي، بل الانسان المتحرر من كل الفكر الديني والملتزم بالعلم وليس بخرافات الدين.  انتقد المسيحية من منطلق نقده للدين، ودور الدين السلبي اجتماعيا. وله قول مشهور: "الخطيئة بحق الله كانت من أكبر الخطايا، لكن الله قد مات، بذلك ماتت الخطايا أيضا، الشيء المخيف أكثر الآن ان تخطئ بحق الأرض". هذا موقف عقلاني وانساني. عدم ارتكاب الخطيئة بحق الأرض.

قام نيتشه بنقد جذري للفكر الفلسفي الغربي. من مؤلّفاته " ولادة المأساة "، " هكذا تحدّث زرادشت "، " ما وراء الخير والشرّ"،" ضدّ المسيح " و" إرادة القوّة ".

يؤكّد نيتشه في فلسفته تقلّص التأثير للقيم التقليديّة، لأن "اللّه قد مات" (الجنائني مات) ويجب التّأسيس لقيم جديدة تعبّر عن القوّة والشّجاعة والنبل وتعبّر عن إرادة الإنسان الأعلى أو بالأحرى عن إرادة القوّة. وهو كما افهم يقصد القوة العقلية، وليس قوة القمع والاستبداد!!

جرى الربط بين فلسفة نيتشه والأيديولوجيا النازية، وان النازية اقتبست فلسفتها من النيتشية، عن الإنسان الأعلى والقوة والشجاعة والنبل، وهذه الفلسفة أنجبت شخصيّة هتلر. الباحثين بفلسفته يرفضون الربط بينه وبين الفكر النازي، ويعتمدون على قوله " أرتجف عندما أفكّر في كل هؤلاء الأشخاص غير الجاهزين بعدُ لتلقّي أفكاري، ومع ذلك سوف يستغلّونها لسلطتهم" ويؤكدون ان نيتشه كان يكتب لإنسان المستقبل.

في احدى رسائله نجده يرفض المواقف اللاسامية المعادية لليهود والتي كانت ضمن الفكر النازي، فقد كتب في احدى رسائله: "أشعر بخوف في الأيام الأخيرة، من كثرة الرسائل والمواقف التي تصلني حول معاداة السامية، وأشعر باشمئزاز وبكلّ ما تعنيه كلمة اشمئزاز من معنى من ذلك الحزب (القصد على الأغلب من الحزب النازي).

نقد ماركس للفكر الديني وجملته الشهيرة "الدين افيون الشعوب" لم تفهم بشكلها الصحيح. بالفعل ماركس كان ملحدا (لا دينيا) لكن جملته لم تقال للتحريض على الدين والمتدينين انما كانت موجهة لموقف فلاسفة ومفكري التنوير البرجوازيين من الدين. اذ ان عدم رؤيتهم الدور الرجعي للكنيسة والجهاز الديني في العلاقة مع مسيرة التطور الاجتماعي والفكري والعلمي (معاداة الكنيسة للمفكرين والمخترعين بدءا من الكاهن وعالم الفلك الأهم في التاريخ "كوبرنيكوس" وصولا الى "غاليليو" ورفضهم وتكفيرهم للكثير من علوم تطور الانسان، خاصة أبحاث دارون، دفعته لهذا القول.

من الجدير ذكره ان القرن الثامن عشر، شهد حربًا لا هوادة فيها ضد الدين شنه فلاسفة التنوير، خاصة في فرنسا، إذ رأوا فيه عقبة امام التقدم الإنساني نحو الحرية والعقلانية. 

من الجدير بالتنويه ان موقف الماركسية من الدين لم يكن عدائيا اسوة بموقف الفلاسفة التنويريين، بل كان أكثر تفهما وتسامحا. كان يعتبر ان معركته الأساسية في موضوع الدين هو ضد الظلامية الدينية، وقوله التالي هو إشارة لذلك: "الدين هو متنفس المخلوقات المضطهدة، قلب العالم الذي بلا قلب وروح الظروف التي بلا روح. انه مورفين الجماهير" وهو لم يكن معاديا لهذه الفئات الاجتماعية، بل يدفعها نحو التوعية بدل التضليل الديني!!

موضوع صراع الطبقات هو موضوع يقع في ملعب آخر لا يتعلق مباشرة بالدين رغم ان التأثير الديني واقع قائم وسلبي في التطور الذي حلم به ماركس بفكرة الصراع الطبقي/ المادية التاريخية.

ان فكرة الصراع الطبقي كانت صحيحة نسبيا في الظروف التاريخية التي عالجها ماركس خاصة بعد كومونة باريس. لكن هذا الأمر سرعان ما تلاشى، والرؤية الماركسية التي طرحت عن الأممية العمالية (يا عمال العالم اتحدوا) لم تثمر، وظلت القومية سائدة.

فكرة المادية التاريخية (الصراع الطبقي) كطريق لقضاء طبقة العمال على الطبقة البرجوازية، وبناء نظام اشتراكي/ شيوعي، لم تثبت صحتها، وكان لا بد للفلاسفة الماركسيين من تطوير فكرة الصراع الطبقي بل اسقاطها نهائيا. لكن يبدو ان الماركسية تحولت الى ما يشبه الدين لكوادر الشيوعيين، خاصة بتشوية الماركسية بفترة ستالين، لدرجة قبرها وتطوير نهج سوفييتي مناقض لكل الفكر الماركسي، حتى ان الدولة في الاتحاد السوفييتي لم يتغير مبناها الفكري من دولة رأسمالية الى دولة اشتراكية، هذا الموضوع لم يعالجه ماركس ولم يعالجه لينين أيضا، وظلت الدولة الرأسمالية بمؤسساتها، هي التي تطبق النظام الاشتراكي وهنا أحد أسباب، ربما اهم سبب، وراء سقوط هذا النظام!!

 

نبيل عودة

...................

http://www.almothaqaf.com/a/aqlam2019/936705

 

قاسم حسين صالحتتعدد وجهات النظر في الصوم، ولا يعنينا هنا أمره من منظور الأديان الثلاثة: اليهودية، والمسيحية، والأسلام، التي تختلف اختلافا كبيرا في طريقة الصوم ومدته التي حددها الاسلام بشهر رمضان بكف النفس عن اللذات الثلاث (الطعام، والشراب، والجماع) في اوقات الامساك والترخيص بها في الافطار.واختلافها ايضا في فلسفة الصيام التي حددها الأمام الغزالي بقوله: (اعلم ان الصوم ثلاث درجات: صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص. اما صوم العموم فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة، واما صوم الخصوص فو كف السمع والبصر واللسان والرجل وسائر الجوارح عن الآثام، واما صوم خصوص الخصوص فصوم القلب عن الهمم الدنيئة والأفكار الدنيوية.." الغزالي:اسرار الصوم، ص:40").

ما يعنينا هنا هو التحليل السيكولوجي للصوم، نوجزه في القول بوجود موقفين متضادين من الصوم: ألأول يتبناه كتّاب وأطباء نفسانيون عرب، يرون ان الصوم يؤدي الى انخفاض مستوى الجلوكوز في المخ، فينجم عنه اضطراب في عمل الدماغ، واختلال في افرازات الهرمونات وتوقيتات الساعة البيولوجية..لأن جسم الانسان اعتاد على ان ينشط في النهار ويستهلك طاقة، وان النوم في الليل يعمل على ترميم ما اهترأ في الجسم..ما يعني أن الصوم، وفقا لهذا الرأي، مضر بجسم الانسان لأنه يضطره الى ان يسهر في الليل وينام كثيرا في النهار، وانه يسبب السمنة، وله انعكاسات نفسية سلبية يكفيك منها التوتر العصبي، وتعكر المزاج، والنرفزة، والصداع، والدوخة، الناجمة عن انخفاض نسبة السكر في الدم، والخلل في ايقاع الساعة البيولوجية..فضلا عن ان الصوم يؤدي الى ضعف الأداء الوظيفي، وانخفاض الأنتاجية على مستوى الفرد والمؤسسات الحكومية والأهلية..وقضايا اجتماعية اوجعها حسرات اطفال الفقراء واليتامى في العيد.

الموقف الثاني نبدأه بما قاله الحائز على جائزة نوبل في الطب الدكتور ألكسيس كاريك بكتابه (الإنسان ذلك المجهول) ما نصه: (إن كثرة وجبات الطعام وانتظامها ووفرتها تعطّل وظيفة أدت دورا عظيما في بقاء الأجناس البشرية، وهي وظيفة التكيف على قلّة الطعام)..بمعنى ان الصوم يدرّب جسم الانسان على التكيّف في الأزمات الأقتصادية.ووفقا لما يراه هذا الطبيب فان خلف الشعور بالجوع تحدث ظاهرة اهم هي ان سكر الكبد سيتحرك، وتتحرك معه أيضا الدهون المخزونة تحت الجلد، وبروتينات العضل والغدد، وخلايا الكبد..ليتحقق في النهاية الوصول الى كمال الوسيط الوظيفي للاعضاء..ويخلص الى القول بأن الصوم ينظّف ويبدّل أنسجتنا ويضمن سلامة القلب.

وحديثا، يرى علماء نفس وأطباء نفسانيون في اميركا وانجلترا واوربا، ان بقاء الانسان على نفس الروتين والايقاع في عمل الجسم، يؤدي الى الكسل والخدر والموت قبل الآوان، فيما التغيير يؤدي الى تنشيط البدن ويمنحه حيوية تطيل العمر. وتوصل آخرون الى نتائج سيكولوجية مدهشة بأن الصوم ينمّي قدرة الانسان على التحكّم في الذات، ويدرّبه على ترك عادات سيئة، ويمنحه الفرصة على اكتساب ضوابط جديدة في السلوك تنعكس ايجابيا على شخصيته هو والمجتمع ايضا. مثال ذلك، ان الصائم الذي اعتاد على تدخين علبة كاملة في اليوم فأن تدربه على الامتناع عنها في النهار قد يدفع به الى تركه. وقل الشيء ذاته عن آخر اعتاد على ان يغتاب او يكذب ودرّبه صيامه على الامتناع عنهما شهرا لا يوما او اسبوعا، معللين ذلك بقانون نفسي، هو: ان كثرة التدريب على سلوك جديد يؤدي الى ثباته..وأن الصوم، بهذا المفهوم، وسيلة علاجية لمن يعانون القلق النفسي والاكتئاب..والأغتراب الأجتماعي، والسياسي ايضا!..غير ان ذلك قد ينطبق على المصريين ولا ينطبق على العراقيين! .

في السياق ذاته تخلص دراسة الدكتور (باري شوارتز) الى نتيجة أخرى مدهشة، هي أن نفسية الاكتئاب والإحباط ترتبط بالإفراط في الانسياق مع تيار الاستهلاك الذي اصبح ظاهرة بالعصر الحديث وصفها ايريك فروم و هربرت ماركيوز بأنها سلبية خطيرة تنخر في نفسية الانسان، وأن كبح الشهوات الغريزية والسيطرة على الرغبات عن طريق الصوم يؤدي الى خفضها. ولك ان تطلع على ما يدهشك في كتب: "الصوم" لهربرت شيلتون، و"الجوع من أجل الصحة" لنيكولايف بيلوي " و"الصوم" لجيسبير بولينغ، "..مستندين الى ما أكدته أبحاث أنثربولوجيا الأديان بأن فعل الصوم يكاد يكون سلوكا مشتركا بين جميع الملل الدينية.

والمدهش اكثر أن مجلة (سيكولوجست) تؤكد ظهور عشرات المراكز الطبية في دول العالم، (الجمعية العالمية للصحة، وجمعية الطبيعة والصحة بكندا، والجمعية الأميركية للصحة الطبيعية، واخرى في اليابان والهند والصين..) اعتمدت الصوم وسيلة علاجية..تسهم في ضبط الشهوات والتحكحم بالانفعالات (الغضب مثلا).. وضبط اللسان حين يهم بقضم سمعة فلانه او فلان.

ان الغالبية المطلقة من العراقيين، والعرب ايضا، يفهمون الصوم على انه فرض ديني واجب ولا يمتلكون فهما بهذه القضايا السيكولوجية التي نأمل من وسائل الأعلام والبرامج الدينية في الفضائيات ان تلتقط افكارها وتوصلها للصائمين بلغة سهلة ليتحقق صوم رمضان بدرجاته الثلاث:صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص.

 

أ.د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

أمين عام تجمع عقول

واحد رمضان – 6/5/2019

  

علاء اللاميارتكزت كتابات الباحثين العرب القائلين بالجغرافية التوراتية العسيرية أو اليمنية، والتي تجعل إقليم عسير أو اليمن وليس فلسطين مسرحا وحاضنة لقصة اليهود وبني إسرائيل وتوراتهم، ارتكزت ومنذ بداياتها مع د. كمال صليبي على أساس واحد هو المقابلة اللغوية التأثيلية "الإتيمولوجية" والصوتية " الفونولوجية". تقوم هذه المنهجية على تطويع أو قلب أو حذف أو تقديم أو تأخير بعض حروف المفردات في النصوص الدينية كالتوراة أو غير الدينية كالنُّصُب والألواح والبرديات القديمة للوصول الى جذر مشترك لها يجمعها بقريناتها المعاصرة في جغرافيا معنية.

بدأت هذه المنهجية مع الراحل الصليبي وبلغت ذروتها مع كتابات فرج الله ديب وفاضل الربيعي حيث أصبحت هذه المنهجية الإتيمولوجية أقرب اللعبة اللغوية التي يمكن لأي شخص لا علاقة له بعلوم التاريخ واللغة والجغرافي من أن يمارسها ليثبت مثلا أن يسوع المسيح ولد في مدينة الناصرية جنوب العراق، وليس في بيت لحم الفلسطينية. وبمقابلة اسم "الناصرية" مع لقب "الناصري"، والذي هو أحد ألقاب يسوع المسيح، مقابلة خارجة عن سياقها التاريخي وعن عمر المدينة الحقيقي، يغدو ممكنا تصديق هذه الطرفة، غير أن المعروف هو أن عمر مدينة الناصرية العراقية لا يزيد على قرنين ونصف فقد تأسست في عهد الشيخ ناصر الأشقر باشا السعدون شيخ المنتفك "اتحاد قبلي عربي عراقي" المولود سنة 1772م خلال العهد العثماني وسميت تيمناً باسمه، وقيل لأنه بناها على نفقته الخاصة.  فأي علاقة يمكن أن تجمعها بيسوع المسيح قبل أكثر من ألفي سنة؟! أمثلة كهذا المثال مبثوثة بالعشرات إنْ لم تكن بالمئات في مؤلفات الباحثين القائلين بيمنية أو عسيرية الجغرافية التوراتية وتاريخية فلسطين الكنعانية ككل. لعل من أبرز الأمثلة عليه المقابلة اللغوية التي أجراها الصليبي بين ما سماها"قرية آل شريم" في عسير والتي اعتبرها هي أورشاليم القدس. ولكن باحثا سعوديا هو حمد الجاسر مؤلف (المعجم الجغرافي التاريخي للبلاد العربية السعودية) أثبت أن آل شريم (ليس اسم قرية بل هو اسم فخذ صغير من أفخاذ قبيلة "الحَجْر"، وآخر من قبيلة بالقرن، وهما حادثان - جديدان - لم يكونا معروفين في شيء من كتب الأنساب التي أُلِّفَتْ قديماً)[1]

ولعل من أنضج ما قيل من نقد لهذه المنهجية التي تعتمد التحليل والمقابلة اللغوية هو ما كتبه صقر أبو فخر في معرض قراءته النقدية لكتاب فرج الله ديب "اليمن وأنبياء التوراة"، وقد كنت قد اقتبسته في دراسة أخرى، حيث كتب أن الباحث فرج الله ديب (يكتفي باستخدام طريقة المقابلة اللغوية وتطويع أحرف التصويت في الأسماء للوصول إلى جذر أو صيغة لفظية يمكن إقرانها بأحد المواقع الجغرافية في اليمن. إن هذه النظرية الخطرة فعلاً، يلزمها عدة بحثية متكاملة كي تصل عملية الاستدلال والإثبات إلى غايتها العلمية القصوى. إنَّ الاعتماد على اللغة فقط، ثم إسنادها بالجغرافيا، يمدنا بآراء مختلفة في هذا المجال، ومتضاربة في أكثر الأحيان، وفيه تعسف كبير، ولا يمكن الركون إلى هذه النتائج إلا إذا أنجدتها الأحافير واللقى والنقوش الأثرية. وحده علم الآثار"الأركيولوجيا" يمكنه أن يحسم، إلى حد كبير، الجدل والتناقض والاضطراب والبلبلة. ...وهكذا، فلكي تكون النتائج التي توصل الكاتب إليها يقينية وعلمية وتاريخية في آن، يجب أنْ تؤكدها الحفائر، فتبرهن على أنَّ هذه القرى ذات الأصل التوراتي، من ناحية التسمية، كانت آهلة حقاً في التاريخ المفترض لظهور قبائل التوراة؛ والحال، أنَّ الكتاب لا يفصح عن ذلك بتاتاً، بل إنه لا يستخدم علم الآثار ومكتشفاته في اليمن في جملة وسائله المنهجية)[2].

لقد اهتم بعض الباحثين العرب القائلين بالجغرافية التوراتية العسيرية أو اليمنية بكتاب الباحثين إسرائيل فنكلشتاين وزميله الأقل شهرة منه نيل سيلبرمان "التوراة اليهودية مكشوفة على حقيقتها" اهتماما كبيرا، وكتبوا عنه واقتبسوا منه في مؤلفاتهم، محاولين توظيف بعض ما ورد في هذا الكتاب للبرهنة على صحة فرضياتهم العسيرية واليمنية التي تقف على قدم لغوية إتيمولوجية واحدة. ولكنهم للأسف لم يكونوا دقيقين في قراءة هذا الكتاب البسيط والواضح، ما جعلهم يتعسفون عليه ويخرجونه من سياقه بل ويمسخونه مسخا شديدا. فالباحث فرج الله  ديب، في كتابه "اليمن وأنبياء بني إسرائيل -هل جاء المسيح إلى صنعاء؟" يسجل أنه اعتمد على ما قدمه علم الآثار في دولة الكيان الصهيوني "إسرائيل" وخصوصا في "تسفيه لنظرية أرض الميعاد في فلسطين".

والواقع فإنَّ هذه العبارة شديدة الغموض، ويمكن تأويلها تأويلات عدة، ولكنَّ المتابع لما طرحة علم الآثار "الإسرائيلي" في فلسطين المحتلة لم يسفِّه، ولم يكن هدفه قط تسفيه جغرافية التوراة في فلسطين، ولم يقل أحد من العلماء "الإسرائيليين" بذلك، وإنما هم سفَّهوا شيئاً آخر، هو تأريخية التوراة. ومن خلال انعدام الأدلة الآثارية الأركيولوجية الواضحة والقاطعة، أكدوا أنَّ التوراة كتاب خرافي وأيديولوجي في معظمه، وليس كتاباً أو سجلاً تاريخياً مضبوطاً بكامله. كما شككوا بمكانة أورشليم -القدس، وعلاقتها بالسردية اليهودية العبرانية، وبأحداث توراتية كبرى، وشخصيات توراتية ضخمة، بينهم أغلب أنبياء وملوك بني إسرائيل المشهورين. ولكنهم من جهة أخرى، وخصوصاً في كتاب إسرائيل فنكلشتاين وزميله سلبرمان، قدموا مكتبة ضخمة وهائلة من الأدلة الآثارية الموثقة والمقروءة جيداً، والمعروضة بشكل بحثي دقيق، لتكون دليلاً أركيولوجيا يؤكد فلسطينية الجغرافية التوراتية، دون أن يجرؤوا على الاعتراف بأنها الجغرافية التاريخية لفلسطين الكنعانية واليبوسية الشاملة والتي لا تشكل السردية اليهودية العبرية إلا هامشا صغيرا فيها، وهذا ما فشل دعاة "الجغرافية التوراتية اليمنية والعسيرية" العرب في إنجاز واحد بالمائة منه.

لقد توصل فنكلشتاين وزملاؤه إلى القول إنَّ شخصيات مهمة من أنبياء وملوك وقضاة كإبراهيم وموسى وسليمان ...الخ، الذين ورد ذكرهم في التوراة، لم يتأكد قط وجودهم الحقيقي في الماضي، ولم يعثر على أدلة مادية واضحة على وجودهم. أدلة من النوع الذي جعلتنا - مثلا - نتأكد من أنَّ سرجون الأكدي ملك له وجود حقيقي، بدليل المسلة الحجرية التي تسجل وتخلد أعماله على سبيل المثال! إنَّ ما قدمه علم الآثار، وخصوصاً من علماء "إسرائيليين" ذكرهم ديب، لم يسفِّه مباشرة موضوعة "أرض الميعاد"، كموضوعة دينية وردت في التوراة وجل ما قاله أن هذا الوعد التوراتي لا دليل أثاريا عليه حتى الآن، فهو إذن وعد ديني وليس تاريخيا، ولم ينفِ فنكلشتاين أو يسفِّه فلسطينية الجغرافية التوراتية، ولا يوجد نص يدل على هذا التسفيه، بل لقد شكك الباحث الإسرائيلي بكون أورشليم - القدس الحالية ليست هي أورشليم التي تحدثت عنها التوراة، بالطريقة التي تكلمت بها عنها، لعدم العثور على أدلة آثارية حاسمة في هذا الصدد. وما قفز عليه ديب، هو أنَّ هناك أدلة ولكن تم التشكيك بها وبطريقة قراءتها وتصويتها، حتى من قبل كمال الصليبي.

أما أورشليم اليبوسية الكنعانية فهناك الكثير من الأدلة الأركيولوجية عليها، بل أن هناك مخططا آثاريا كاملا لها. وبهذا الصدد يمكن تسجيل التالي: عندما بدأت التنقيبات الأثرية في العصر الحديث، اتجهت الى مدينة القدس بموقعها الحالي، فلم يجدوا فيها شيئا ذا علاقة باليهود أو العبرانيين أو بني إسرائيل، ثم اكتشفوا أن أورشليم اليبوسية ( نسبة إلى اليبوسيين وهم فرع من الكنعانيين الجزيريين) تقع بكاملها الى جنوب المدينة الحالية على سلسلة تلال القدس الشرقية. وقد تطابقت جغرافية وطوبوغرافية المدينة المكتشفة مع أوصافها كما وردت لاحقا في التوراة التي كتبت بعد سيطرة العبرانيين على المدينة بطريقة التسلل السلمي على الأرجح، وكما تؤكد بعض أسفار التوراة نفسها. وأثبتت التنقيبات أن المدينة ترجع إلى العصر البرونزي المبكر منذ مطلع الألف الثالث ق.م، أي في فترة نشوء دويلات المدن في فلسطين. وقد استطاعت بعثة المنقِّبة الشهيرة وذات الصدقية العلمية القوية كاثلين كينيون رسم حدود ومخطط مدينة أورشليم اليبوسية بشكل واضح ودقيق. غير أن الباحثة الهولندية مارغريت شتاينر في كتابها " القدس في العصر الحديدي" قللت من أهمية بعض الخلاصات والمكتشفات التي حققتها كينون، وتوصلت الى أن أورشليم التي نقبت فيها كينون كانت مجرد مدينة صغيرة على أحد تلال القدس ولم تكن لها أهمية تذكر في العصر البرونزي المبكر أو الوسيط وكان عدد سكانها آنذاك يتراوح بين ألف وألفي ساكن.

هناك فرق كبير إذن، بين نقض حقيقي يطاول تاريخية التوراة والأنبياء الوارد ذكرهم فيها، وبكون أورشليم-القدس الحالية هي نفسها أورشليم التوراتية القديمة، وبين نقض يعتقد ديب، أنه يطاول الجغرافية التاريخية للتوراة ككل. أما قوله بأنه يفعل ذلك بهدف (نقض الأيديولوجية الصهيونية حول أرض الميعاد)، فهو قول ملتبس تماماً، لأنَّ هذا النوع من النقض ينطوي ضمناً على الاعتراف بجوهر الوعد التوراتي، حول أرض الميعاد. إنَّ نقض الأيديولوجية التوراتية ولاحقا الصهيونية لا يتم بطريقة رمي الرضيع مع ماء الغسيل القذر والطست الذي يحتويهما، بل إنَّ افتراضاتهم البحثية تنسف حتى الوجود الكنعاني والفلسطيني القديم في فلسطين، وتجعل قرية الفلسة العسيرية هي أصلهم وموطنهم، كما يقول الصليبي، أو أن اسم فلسطين يعود إلى إله الفلس الوثني اليمني كما يقول الربيعي، وإنما يكون التصدي الصحيح والعلمي للأيديولوجية الصهيونية الرجعية، بالبحث العلمي الصارم والدقيق والموثق والمعتمد على جميع العلوم التجريبية وغير التجريبية ذات المساس بحقول التاريخ والإناسة "الانثروبولوجيا"، وبعيداً عن طريقة البحث عن "الخبطات" الإعلامية والفرقعات والصرعات التي لا سابق لها، وبأيِّ ثمن علمي كان.

لنقرأ التفاصيل التي يطرحها الباحث فرج الله ديب في مقدمة الفصل الأول، من كتابه سالف الذكر، فهي تختزل ما عنيناه في ملاحظاتنا السالفة حول القراءة التعسفية وغير الأمينة لكتاب فنكلشتائن، كتب ديب يقول (مرة أخرى يكذِّب علم الآثار في إسرائيل أسطورة "أرض الميعاد وخطأ إسقاط جغرافية التوراة على فلسطين، فبعد تحقيق مجلة التايم بتاريخ 18.12.1995 بعنوان هل التوراة واقع أم خيال؟ جاءت مجلة لو نوفيل أوبزرفاتور الفرنسية عدد 18 – 24.7.2002 لتنشر تحقيقا على امتداد عشر صفحات بعنوان (الطوفان، إبراهيم، موسى، الخروج. التوراة الحقيقة والأسطورة...)، فحتى من خلال هذه الفقرة الصغيرة والمتعلقة بالعناوين، يتبين لنا أنَّ ديب يحاول خلط فرضيته البحثية، التي خلاصتها "خطأ إسقاط جغرافية التوراة على فلسطين"، وبما ورد في بعض التحقيقات الصحفية التي كانت تدور حول موضوع آخر تماماً، هو موضوع خيالية وخرافية التوراة وبعض أنبياء وأحداث وشخصيات التوراة الكبرى، كإبراهيم، والطوفان، فهل يتساوى الأمران مضموناً؟ وهل هذا الخلط من الأمانة العلمية في شيء؟ ولا يقتصر الأمر على العناوين، بل إننا نجده مبثوثاً في التفاصيل، وفي جميع الاقتباسات التي يقتبسها ديب، وسنعرض بعض الأمثلة عليها:

*الاقتباسات التي أوردها ديب عن مقابلة مع عالم الآثار إسرائيل فنكلشتاين، تتحدث عن عدم العثور على أدلة آثارية تؤيد تاريخية التوراة،في فترات معينة في فلسطين. ولا يعني كلام فنكلشتاين هذا تأييداً منه لجغرافية التوراة اليمنية أو العسيرية التي يقول بها ديب وغيره. لقد كان علم الآثار "الإسرائيلي"، يبحث ويستقرئ أدلة مادية آثارية تدعم روايات التوراة عن الأحداث المهمة والشخصيات الكبرى التي تحدث عنها. وفنكلشتاين يعترف في المقتبس الذي أخذه عنه ديب، بأن النص التوراتي كتب أولاً عند نهايات مملكة يهوذا، أي بحدود القرن السابع قبل الميلاد، وأكمِل خلال فترة السبي البابلي بعد ذلك، وخلال العودة الأولى من بابل في القرن السادس ق.م، ويخلص من ذلك إلى القول إنَّ (قسماً كبيراً من التوراة كان دعائياً وأسطورياً).أما القسم الذي كتب من التوراة في زمن يوشيا، فكان بهدف دعم مملكة هذا الأخير، وليس المقصود - كما يؤكد فنكلشتاين - عدم تطابق الأثاريات في المحيط، في مصر وآشور مع نص التوراة، وإنَّ النص - التوراتي اليوشاوي - كان مبتدَعاً كلياً. ذلك أنَّ التاريخ ينفع في الأيديولوجيا، وكان على كاتب النص الإشارة إلى أساطير مبنية حول أبطال سابقين انتقلت أخبارهم من جيل إلى جيل). إنَّ فنكلشتاين، كما يتضح من هذا المقتبس، في واد، وديب وزملاءه في وادٍ آخر؛ فالأول، يشكك بتاريخية التوراة، وبأنه كتاب أيديولوجي كتبته سلطات الملك يوشيا في فلسطين -هو يوشيا بن أمون من القرن السابع ق.م، وليس يوشع بن نون الذي عاش في القرن الثاني عشر أو الثالث عشر ق.م - ويهدف لدعم الملك والمملكة بأساطير توراتية سابقة، ولا علاقة لهذا الكلام بما يريد فرج الله ديب إثباته أو مقاربته، وجميع المقتبسات التي جاء بها ديب هي على هذا المنوال.

دعونا نختم بهذا المقتبس، الذي يوضح فيه فنكلشتاين الهدف من كتابه، فيقول (يسعى هذا الكتاب لرواية قصة إسرائيل القديمة، وولادة كتبها المقدسة من منظور آثاري جديد. هدفنا هو فصل التاريخ الحقيقي عن الأسطورة من خلال الأدلة التي أثبتتها الاكتشافات الأخيرة. سنبني تاريخاً جديداً لإسرائيل القديمة)[3] ولكي يكون مقصد المؤلف واضحاً أكثر، نقتبس هامشه بخصوص كلمة "إسرائيل" في الصفحة نفسها، حيث يقول (في كافة أنحاء هذا الكتاب، نستعمل اسم "إسرائيل"، في معنيين مميزين وبديلين، الأول هو اسم المملكة الشمالية، والثاني هو اسم جماعي لجالية كلِّ الإسرائيليين. وفي أغلب الحالات نشير إلى المملكة الشمالية كـ "مملكة إسرائيل" وإلى الجماعة الأوسع كـ "إسرائيل القديمة" أو شعب إسرائيل"... المؤلف)؛ وهنا، فلا مجال للتشكيك في اقتناع فنكلشتاين بجغرافية التوراة الفلسطينية في مملكة إسرائيل الشمالية وعاصمتها السامرة، وبمملكة يهوذا جنوباً وعاصمتها أورشليم -القدس، وبوجود الأدلة الآثارية التي يعرضها ويناقشها بمهارة الباحث الآثاري المتخصص، وهي أدلة بالمئات في كتابه.  وقد أكد فنكلشتاين أيضاً، في كتابه أنَّ (علم الآثار الحديث، لم يثبت صحة القصة التوراتية بكل تفاصيلها، بل أثبت أنَّ العديد من أحداث التاريخ التوراتي لم تحدث لا في المكان ولا في الطريقة التي وصفت بها في الكتاب المقدس العبري، بل إنَّ بعض أشهر الحوادث في الكتاب المقدس العبري، لم تحدث مطلقا أصلا)[4]. فهل يعني هذا التشكيك، والنفي، للعديد من أحداث التاريخ التوراتي، أن أحداث التوراة وقصة بني إسرائيل حدثت خارج فلسطين، وفي اليمن أو عسير تحديدا، كما يزعم بعض المستشهدين بأقواله، أم أنه قد يعني أيضاً، أنها وقعت في أماكن أخرى في فلسطين ذاتها، ولكن ليس في المكان الذي ذكرته التوراة؟ أيهما أقرب إلى المنطق، بوجود الأدلة الكثيرة الآثارية، وبوجود تفاصيل وأحداث أخرى، تأكدت صحتها، كما نفهم ضمناً من هذه الاستنتاجات التي يقدمها فنكلشتاين؟ ألا توجب النزاهة والأمانة العلمية على الباحثين العرب، وخصوصاً القائلين بالجغرافية التاريخية العسيرية واليمنية، أخذ كافة الاحتمالات التي ينطوي عليها كلام فنكلشتاين، بدلاً من توظيفها، لدعم سياق آخر وجغرافية تاريخية أخرى مختلفة، ولا دليل آثارياً عليها بالمرة؟

ومن كتاب فنكلشتاين وسيلبرمان "التوراة مكشوفة على حقيقتها" والذي قرأه بعض الباحثين العرب ومنهم الربيعي والصليبي بشكل غير أمين بحثيا، استعرض فنكلشتاين وزميله سيلبرمان مئات الأدلة الآثارية، وانتهى به الأمر إلى تقديم قراءة جديدة وآثارية للتوراة كلها. ومن هذا الكتاب فائق الأهمية، والذي كان بمثابة زلزال علمي وثقافي وحتى ديني في دولة الكيان الصهيوني هزَّ الكثير من القناعات التوراتية والصهيونية الموروثة والراسخة، وهدَّت بعضا منها هدّاً تاما. وقد أكثر القائلون بالجغرافية التوراتية العسيرية واليمنية من الاقتباس منه والاستشهاد به، ولكن بطريقة غير دقيقة ولا تتصف بالموضوعية كما قلنا، حيث أخرجوه عن سياقة ووضعوه في سياق تاريخي وجغرافي آخر لا علاقة له به ووظفوه لإثبات فرضياتهم العسيرية واليمنية، فإلى هذه المقتبسات القليلة، والتي لا تغني عن قراءة هذا الكتاب كاملا:

وعن مدينة أورشليم القدس نقرأ (كم تبدو مدينة أورشليم الملكية الواقعية صغيرة جدا في أنظار المراقبين العصريين! لقد كانت تمتد على مساحة لا تزيد على مائة وخمسين هكتارا فحسب! أي حولي نصف الحي القديم في مدينة أورشليم (القدس) الحالية! وسكانها الذين كانوا حوالي خمسة عشر ألف نسمة). في حين يذهب آثاريون آخرون إلى القول إن مساحة أورشليم لم تكن تتجاوز ستة عشر هكتارا مربعا، فلنقارن مساحة أورشليم هذه بمساحة بابل، أو بمساحة العاصمة الآشورية نينوى والتي كانت تبلغ سبعمائة وعشرين هكتارا مربعا، وكان عدد سكانها بمئات الآلاف، لنفهم أن أورشليم في عهد مملكة يهوذا، أو في عهد المحمية الفارسية "اليهودية"، والتي نفخ في صورتها التضليل التوراتي القديم والصهيوني المعاصر، لم تكن سوى قرية، أو "بلدة سوق صغيرة" بعبارة فنكلشتاين نفسه! واللافت، والمهم، هو ما يقوله الآثاري رولي خاريش من (أن التنقيب الأثري في مدينة أورشليم القدس أبان أن عدد سكان المدينة خلال فترة النفي – السبي البابلي- لم يتناقص،  فهل يعني ذلك أن النفي لم يكن صحيحا، أم أن المنفيين كانوا قلة بعكس ما تقوله التوراة؟).

و عن المنهجيات الأركيولوجية المستعملة يكتب (لقد أصبح الوصول إلى عالم الكتاب المقدس العبري  واستكشافه كليا سهلا وممكنا بفضل عمليات التنقيب الآثارية وأصبحنا نعرف تماما ماذا كان يزرع الإسرائيليون من حبوب وثمار وماذا كانوا يأكلون وكيف كانوا يبنون مدنهم ومع من كانوا يتاجرون "..." واستخدمت طرق تنقيب حديثة، وتشكيلة واسعة من الفحوص والاختبارات المختبرية لتحليل تاريخ وحضارة الإسرائيليين القدماء، وحضارة جيرانهم الفلسطينيين والفينيقيين والآراميين والعمونيين والمؤابيين والفيدوميتيين وتم – في العديد من الحالات - اكتشاف أختام تواقيع، ونقوش، يمكن أن ترتبط بأفراد ذكروا في النص التوراتي  بنحو مباشر. ولكن هذا لا يعني أن علم الاثار أثبت صحة القصة التوراتية بكل تفاصيلها، بل على العكس، أصبح واضحا - الآن - أن العديد من أحداث التاريخ التوراتي لم تحدث لا في المكان ولا بالأوصاف التي رويت في الكتاب المقدس العبري، بل بعض أشهر الحوادث في الكتاب المقدس العربي لم تحدث مطلقا أصلا).  وقد توقفنا عند هذا المقتبس الذي اقتبسه بشكل مقلوب وغير أمين القائلون بالجغرافية التوراتية العسيرية واليمنية فحذفوا، أو لم يكترثوا بالأدلة الآثارية الوفيرة فيه، على صحة الجغرافية التوراتية الفلسطينية، وكرروا وركزوا فقط على العبارة الأخيرة التي تشكك بصحة (بعض أشهر الأحداث في التوراة) لأنها لم تؤيد بأدلة آثارية مادية وقد شرحنا مغزى ذلك في صفحات سابقة.

وعن السمات الدعائية والسياسية لنصوص التوراة يكتب (لقد ساعد علم الآثار على إعادة بناء التاريخ الحقيقي الكامن خلف نصوص التوراة، سواء على صعيد الملوك والممالك العظيمة او على صعيد الحياة اليومية. وأصبحنا نعرف اليوم أن الأسفار أو الفصول المبكرة من الكتاب المقدس العبري وقصصه المشهورة حول التاريخ المبكر لبني إسرائيل، تم تصنيفها أولا واعدت في نواحيها الرئيسية في مكان ووقت مميزين: أورشليم (القدس) في القرن السابع قبل الميلاد). وهذا يعنين أن كتابة التوراة في القرن السابع ق.م، تعني أن الأحداث والشخصيات والقصص التي يسردها التوراة والتي وقعت أو عاشت في القرون الخوالي، وعلى امتداد أكثر من ألف عام، إنما تم تدوينها وتنظيمها بالاعتماد على الذاكرة الجمعية والتراث الشفاهي المتوارث، ما يجعلها عرضة للتشكيك والنقض. وسوف يخرج الباحثان لاحقا بنتائج مدهشة حول الدوافع والأسباب اللاتاريخية وإنما السياسية السلطوية والدعائية من وراء إيراد وتدوين تلك القصص والأحداث خدمة للحاكمين في مملكة يهوذا المنقرضة.

ويضيف فنكلشتاين بخصوص بعض ملوك الدويلة العبرية القديمة (تم التعرف على عدد من الملوك التوراتين المهمين في الأرشيفات المسمارية لبلاد ما بين النهرين، مثل ملوك مملكة إسرائيل، عُمري وآحاب وياهو، وملوك مملكة يهوذا، حزقيا و مِنَسَّى من بين آخرين).

ولكنه يسجل بعض الأحداث التي وردت في التوراة وأكدت الأركيولوجيا حدوثها كهذا المثال (كما وجدت نقوش متفرقة في المناطق الأقرب لأرض إسرائيل (يقصد فلسطين المحتلة - المترجم) قدمت ارتباطات محددة ومفيدة أكثر. ففي وصف الانتصار الذي دونه الملك الموآبي ميشا والذي اكتشف في القرن التاسع عشر في الضفة الشرقية لنهر الأردن ذُكر انتصار الملك ميشا على جيوش إسرائيل معطيا شهادة خارجية على حرب وقعت بين إسرائيل وموآب رواها سفر الملوك الثاني 3 /  4 -26 . وفي عام 1993 تم اكتشاف نقش فريد ذي أهمية بالغة في التوثيق والتحقيق التاريخي في موقع تل دان يسجل على ما يبدو انتصار الملك الآرامي حزائيل على ملك إسرائيل في القرن التاسع قبل الميلاد).

ولكن ورغم وجود كل هذه الأدلة الآثارية الموثقة بأحدث الطرق العلمية ومن قبل باحثين وخبراء معروفين ومشهود لهم بالموضوعية والحياد العلمي فإننا نجد د. كمال الصليبي والقائلين معه بالجغرافية التوراتية العسيرية واليمنية كالباحث فاضل الربيعي وفرج الله ديب وغيرهما ينكرونها بطريقة غريبة ولا علمية. فالصليبي مثلا قال في لقاء معه أجرته صحيفة السفير اللبنانية سنة 2010، أي قبل أقل من عام من وفاته، ما نصه (هذه الآثار أو النقوش التي تحدثت عنها، والتي ذكرتها الأخبار عثر عليها في بلاد بابل وليس في فلسطين... لم يعثر على أي أثر من هذا النوع في فلسطين حتى الآن، ولا تزال أعمال الحفر والتنقيب مستمرة بلا طائل. وأنا على استعداد للتراجع علنا عن نظريتي في أي وقت يثبت فيه علماء الآثار المرموقون، وبشكل قاطع، ان مثل هذه الآثار موجودة فعلا في فلسطين. واعتقد ان الحفريات لن تكشف عن أي شيء في هذا الميدان).

ولا يمكن تفسير هذا الإنكار المؤسف إلا بالعناد ورفض النزول عن البغلة البحثية لأي سبب كان.

وختاما، فقد توقفتُ عند هذا الكتاب لفنكلشتاين وسلبرمان بما يتسق مع استراتيجيتي البحثية الهادفة لنقض الجغرافية التوراتية اليمنية والعسيرية، وتبيان القراءة غير الدقيقة لهذا الكتاب من قبل القائلين بها، ولم أخصص هذه المقالة لنقد هذا الكتاب الذي يبقى رغم أهميته يعاني من الكثير من المبالغات والاستخدام السيئ للمكتشفات الأركيولوجية وإسقاط بعض الآراء التوراتية والقناعات المسبقة لديهما كإسرائيليين على واقع الحال التاريخي رغم أن المؤلفين يعلنان تكرارا أنهما قد قطعا مع التوراة والكتاب المقدس قطعا بحثيا نهائيا، وهذا قول غير دقيق أيضا، ويتطلب وقفة نقدية أخرى لهذا الكتاب برمته، ولهذا السبب فإن الحذر المنهجي خلال التعامل النقدي مع هذا الكتاب يبقى مطلوبا لتفادي الوقوع في بعض الخلاصات الخاطئة التي حاول المؤلفات إمرارها في نصوص الكتاب بطريقة غير منهجية.

*هذه المقالة هي خلاصات مكثفة ومختصرة من الجزء الثاني من دراسة مطولة بعنوان (نقد الجغرافية التوراتية اليمنية عند فاضل الربيعي" والتي ستنشر كاملة في كتابي الجديد (نقد الجغرافية التوراتية العسيرية واليمنية) الذي سيصدر في المستقبل القريب. وقد نشر جزء آخر منها في يومية "الأخبار" اللبنانية عدد 2 نيسان- أبريل 2019 إضافة إلى الجزء الذي نشر في العدد السابق من " الآداب".

  

علاء اللامي*

............................

[1]- مجلة العرب الصادرة عن مركز حمد الجاسر الثقافي  – العدد 2 – مقالة بعنوان : أغاليط الدكتور الصليبي الجغرافية – حمد الجاسر – الرياض. نسخة رقمية على شبكة الانترنيت.

[2]- "مجلة الدراسات الفلسطينية"، العدد 27 (صيف 1996)، ص 2،

[3]- التوراة مكشوفة على حقيقتها – م.س - ص 26.

[4]- م.س -... ص 28.

 

محمود محمد علينعود إلي الجزء الثاني من التفسير الابستمولوجي لنشأة وتطور الفكر السياسي عند المسلمين، فنقول : لقد تعددت وتنوعت طرق اختيار الخليفة في الدولة الإسلامية من عصر إلي آخر، ومن خليفة إلي آخر خلال تلك المرحلة الوصفية التي نحن بصددها، فمن أهم الطرق التي اتبعت في الدولة الإسلامية لاختيار الخليفة ما يلي:

1- طريقة الاختيار أو الانتخاب الاستشاري :- وهي الطريقة التي اُختير بموجبها أول الخلفاء الراشدين "أبو بكر الصديق" وقد انعكس هذا الأمر جلياً في بيعة السقيفة (انظر الجدل الذي دار في السقيفة بين المهاجرين والأنصار) فقد تم انتخاب "أبو بكر" على أسس الصفات الذاتية التي تميز بها.

2- الاختيار غير التام: وهي الطريقة التي اختير بموجبها رابع الخلفاء الراشدين، عند مقتل الخليفة "عثمان بن عفان" بويع "على بن أبي طالب"، بالخلافة وممن بايعه "الأشتر النخعي" ومن معه، ولكن بيعة على هذه كانت شرعية ومبتورة (ناقصة) جراء رفض أغلبية الصحابة لها فقد تردد في بيعته بعض الصحابة : كسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وكذلك لم تبايعه عائشة أم المؤمنين، ولذلك سميت بالبيعة غير التامة.

3- العهد: وهي الطريقة التي اختير بموجبها ثاني الخلفاء الراشدين "عمر بن الخطاب" إذ عهد له "أبو بكر" بالخلافة قبل وفاته خوفاً من حدوث فتنة بين المسلمين (تفكك المسلمين)، مثلما حدث بعد وفاة الرسول، في حين كانت الجيوش الإسلامية تحارب الفرس والروم. من الجدير بالذكر معرفة أن "أبي بكر" كان قد استشار كبار الصحابة مثل "عثمان بن عفان"، و"أبي عبيدة بن الجراح"، و"على بن أبي طالب، وغيرهم في مسألة عهده لعمر بن الخطاب بالخلافة فوافق جميعهم على العهد بالخلافة للفاروق عمر .

4- الشورى: وهي الطريقة التي اختير بموجبها ثالث الخلفاء الراشدين "عثمان بن عفان"، فعندما كان "عمر بن الخطاب" على فراش الموت دخل عليه بعض الصحابة، فقالوا له يا أمير المؤمنين لو استخلفت، فقال لهم لو كان "أبو عبيده بن الجراح" حياً لاستخلفته. لذلك أشار "عمر بن الخطاب" إلي ستة من الصحابة، وهم من بقي من العشرة المبشرين بالجنة، لكي يختاروا من بينهم خليفة وهم:- عثمان بن عفان، على بن أبي طالب، سعد بن أبي وقاص، عبد الرحمن بن عوف، الزبير بن العوام، وطلحة ابن عبيد الله، وأضاف إليهم ابنه عبد الله، شريطة أن ألا يختار خليفة، بل لترجيح إحدى الكفتين في حالة التساوي، فاجتمع أهل الشورى بعد وفاة "عمر"، وجرت مشاورات بينهم، ثم انحصر الأمر بين "عثمان"، و"على" فتولى "عبد الرحمن بن عوف" أمر الحسم بينهما، وبعد مشاورات قام بها جميع الناس في المسجد، ثم سألوا كل واحد منهما سؤالاً حول طريقة حكمه، فتعهد "عثمان" بالحكم بكتاب الله، وسنة نبيه، وسنة الخليفتين "أبو بكر" و"عمر" من بعده .أما "على" فقال إنه يحكم بالكتاب والسنة، ولكنه يجتهد الرأي فحسم "عبد الرحمن بن عوف" الأمر لصالح "عثمان"، مخافة أن يشق "على" على المسلمين، فتم انتخاب "عثمان بن عفان" فبايعه "عبد الرحمن" وبايعه الناس.

5- التوريث: ظهرت هذه الطريقة في العصر الأموي، وكان أول من انتهج هذه الطريقة "معاوية بن أبي سفيان" مقلداً قياصرة الروم، وأكاسرة الفرس؛ فقد قام "معاوية" بتولية العهد لابنه "يزيد"، وأخذ له البيعة قبل وفاته فهكذا سار الخلفاء الأمويون إذ أصبحوا يعينون ولاة عهدهم قبل وفاتهم وانتقلت الخلافة من الأب إلي الابن، ومن الأخ إلي الأخ، وانحسرت الخلافة في البيت الأموي فقط. وقد سار الخلفاء العباسيون على مبدأ الوراثة ذاته حتى إنهم بالغوا في ذلك، وقاموا بتوليه العهد لأكثر من واحد اثنين، أو ثلاثة .

وقد اختلفت الخلافة الأموية عن الخلافة الراشدية بعدة مميزات منها:-

أ- أصبحت الخلافة في العصر الأموي أقرب إلي السياسة منها إلي الدين، وقد انعكس هذا الأمر بصورة واضحة في ولاية العهد؛ إذ أصبح الخلفاء الأمويون يعينون ولاة عهدهم قبل وفاتهم ويأخذون لهم البيعة.

ب- ابتعدت الخلافة الأموية عن البساطة، فأصبح الخلفاء الأمويون، يتظاهرون بمظاهر الفخامة، والعظمة، تقليداً للملوك، والقياصرة، وقد انعكس هذا الأمر في الأمور التالية:

- بناء القصور.

- اتخاذ المقصورة في المسجد.

- استحداث وظيفة الحاجب.

أما بالنسبة للخلافة العباسية، فقد حدث تغيير جوهري على معنى الخلافة، خلال الفترة العباسية؛ بحيث استحدث الخلفاء العباسيون " نظرية التفويض الإلهي"، والتي تعني أن الله لا الرعية، هو الذي يختار الحاكم، ليتولى أمور الدولة. فمن أبرز الأمثلة التي تعكس هذا الأمر، قول الخليفة العباسي "أبو جعفر المنصور"، الذي قال: "إنما أنا سلطان الله في أرضه ". بالإضافة إلي ذلك أصبح نظام الحكم في العصر العباسي مماثلًا لنظام الحكم الفارسي، بحيث ادخل الخلفاء العباسيين بعض الأمور مثل:

أ‌-       الاستبداد بالسلطة والتسلط بأرواح الرعية.

ب‌-     الاحتجاب والعزلة عن الرعية.

جـ- استحداث وظيفتي الوزير والسياف.

د- ظهور الأزياء الفارسية والاحتفال بالأعياد الفارسية.

هـ- اتباع حياة الترف والبذخ.

و- التظاهر بمظاهر العظمة، والانحناء أمام الخليفة وتقبيل الأرض بين يديه .

ثانيًا- المرحلة التجريبية:

ذكرنا في المرحلة السابقة أن الفكر في نشأته وتطوره، يمر بالمرحلة الوصفية، فالمرحلة التجريبية، وينتهي إلي المرحلة الاستنباطية. وبينا أن المرحلة الوصفية لنشأة الفكر السياسي الإسلامي، استمدت مشروعيتها من خلال التراث السياسي الإسلامي المتمثل في كتابات المؤرخين، وأصحاب التراجم، وأنصار الفرق الكلامية والعقدية، والشعر، والأدب السياسي، وهذا التراث ناقش من خلال أحداث الواقع السياسي ثلاث قضايا مهمة شغلت الفكر السياسي الإسلامي في مرحلته الوصفية، وهذه القضايا تجسدت في استعارة بعض القضايا السياسية في العصر الجاهلي، ثم إشكالية نشأة الدولة الإسلامية، والنظام السياسي، وقضية الخلافة، وقد بدأت هذه المرحلة الوصفية منذ دعوة النبي (صلى الله عليه وسلم)، واستمرت حتي أواخر القرن الثاني، وأوائل القرن الثالث الهجري، لتبدأ بعد ذلك مرحلة جديدة بدأ فيها التدوين السياسي، فانتقل من خلالها الفكر السياسي الإسلامي، من مصنفات أدبية وأخبارية، على هيئة مواعظ ونصائح، وأساطير مقتبسة من تجارب الإنسان، وتقاليد الأمم، إلي مرحلة ثانية هي مرحلة المصنفات المستقلة الخاصة به؛ ولكن على غير يد الفقهاء ومن مرجعية غير إسلامية بدأت تستعين بالفكر السياسي الفارسي واليوناني ؛ وذلك للاستفادة من مضامين كل منهما من أجل تنظير الفكر السياسي الإسلامي، لمعالجة مستجدات الواقع السياسي الإسلامي. وقد شملت هذه المرحلة كبار المفكرين والفلاسفة المسلمين من أمثال "الفارابي"، و"أبي على بن سينا"، و"أبي حيان التوحيدي"، و"أبي سليمان السجستاني"، و"الصاحب بن، عباد" و"أبي على بن مسكويه"، و"ابن العامري"، و"إخوان الصفا"...إلخ، وقد شكلت هذه الحقبة الزمنية قمة نمو الفلسفة السياسية في الإسلام.

وننتقل هنا إلي المرحلة التجريبية في تاريخ العلم أو الفكر، وهي المرحلة التي تلي في التطور المرحلة الوصفية. والعملية العقلية المنطقية التي تقوم عليها هذه المرحلة، هي الاستقراء. ونحن نفهم الاستقراء هنا بمعنى واسع للغاية، فهو "لا يعني فقط – وكما هو شائع – تلك العلاقة السببية التي توجد بين ظاهرتين، وإنما يعني أيضاً قدرة العقل على تحديد شكل من الأشكال، أو مسار من المسارات، أو دالة من الدالات الرياضية، وبعبارة أخرى فإن الاستقراء لا يعني فقط تعميم خاصية مباشرة يمتلكها بعض أعضاء الفئة على كل الأعضاء، ولكن يعني استخلاص مجرد فكرة تمكننا من فهم الإدراكات المتفرقة وغير الدقيقة، التي حصلناها عن الأشياء. والسبب الذي جعل معنى الاستقراء يرتبط في أذهان بعض العلماء بالتعميم، هو أن العالم متاح لملاحظاتنا الحسية في صورة فئات واقعية . ولكن حينما ننتقل – وعلى نحو دقيق – من تحديد العلاقة بين أعضاء الفئة إلي فكرة الفئة نفسها في ميدان علم الكيمياء – مثلاً- فإننا نجد أنفسنا مضطرين إلي تعريف الاستقراء – أولاً – عن طريق العلاقات التكوينية التي توجد بين الأشياء ذاتها" .

فالمعنى الذي نحدده لمفهوم الاستقراء هنا قريب من المعنى الذي أعطاه له الفيلسوف الألماني "ليبنتز" Leibniz، كما قال أحد فلاسفة العلم المعاصرين: "ومعني الاستقراء عند " ليبنتز" يتساوي – دون تمييز- مع المعرفة التي حصلنا عليها عن طريق التجربة، على أن يكون مفهوم " التجربة " هنا عاما للغاية، بحيث تدخل فيه كل الأبعاد الحدسية، وكذلك تلك الخاصة بالمحاولة والخطأ، والتي تصاحب تطور المعرفة بحكم طبيعة المرحلة التي نتحدث عنها" .

ومن هذا المنطلق برزت المرحلة التجريبية في الفكر السياسي الإسلامي كأهم عنصر يمثل نقلًا من التراث الفارسي عقب انتصار الثورة العباسية، واحتلال عناصر من أصل فارسي مواقع هامة في الدولة، كتابًا ووزراء ومستشارين؛ بينما ظهر الصنف الثالث، في أول الأمر، في صورة نصوص منحولة لبعض فلاسفة اليونان، كنوع من رد الفعل على هيمنة الأدبيات السلطانية الفارسية على ساحة التفكير السياسي في أوساط النخبة، ثم كجزء من فلسفة توفيقية تدمج الدين في الفلسفة مع الفارابي بصفة خاصة.

لقد عرف التراث العربي الإسلامي ثلاثة أصناف من الفكر السياسي: صنف يدور أساساً حول الخلافة والإمامة، وصنف موضوعه الآداب السلطانية ونصائح الملوك، وصنف أقرب إلي الفلسفة منه إلي السياسة .

الأول : ويمثل المرحلة الوصفية (التي تحدثنا عنها من قبل)، والذي نشأ من خلال النقاش حول أزمة الخلافة التي تفاقمت بعد مقتل "عثمان"، ثم انتصار "معاوية" على "على"، وتحويله الخلافة إلي ملك وراثي، وهو النقاش الذي استمر قروناً مديدة كموضوع من موضوعات علم الكلام والفقه .

والثاني : برز كأهم عنصر نقل من التراث الفارسي عقب انتصار الثورة العباسية واحتلال عناصر من أصل فارسي مواقع هامة في الدولة، كتابًا ووزراء ومستشارين، وقد برز هذا العنصر في صورة " الآداب السلطانية "، أو " الأدب الساسي السلطاني " بدءً من " ابن المقفع "(145هـ) الأب الروحي المؤسس لهذه الآداب، إلي الفقيه الشوكاني (1250هـ) في المشرق العربي" .

والمقصود بالآداب السلطانية هي " تلك الكتابات التي تزامن ظهورها الجنيني بحدث انقلاب الخلافة إلي ملك، وكانت في جزء كبير منها نقلاً واقتباساً من التراث السياسي الفارسي، واستعانة به في تدبير أمور الدولة الإسلامية الوليدة، وهي كتابات تقوم في أساسها، على مبدأ نصيحة أولي في تسيير شؤون سلطتهم، إذ تتضمن كل موادها مجموعة هائلة من النصائح الأخلاقية، والقواعد السلوكية الواجب على الحاكم اتباعها، بدءاً مما يجب أن يكون عليه في شخصه إلي طرق التعامل مع رعيته مروراً بكيفية اختيار خدامه واختبارهم وسلوكه مع أعدائهم".

وفي عرضها لنصائحها الهادفة إلي تقوية السلطة ودوام الملك، تتبع هذه الآداب منهجية، أو لنقل تصورًا عمليًا براجماتيًا يجعل منها في النهاية "فكرًا سياسيًا آداتيًا لا يطمح إلي التنظير بقدر ما يعتمد التجربة، ولا يتوق إلي الشمولية بقدر ما يلزم حدود الواقع السلطاني، دونما قفز على ما يتيحه من إمكانات" .

فمثلاً نجد أن كل المقدمات العديدة من الإشارات إلي أن الكتاب السلطاني، هو بمنزلة "دليل عمل " أخلاقي – سياسي يوضح الصفات الخلقية، والقواعد السياسية اللازمة على صاحب السلطة الاهتداء بها، تحقيقًا لهدف مركزي، يتمثل في دوام الحكم وتقوية دعائمه، يقول المرادي في مقدمة كتابه :"فهذه ثلاثون بابًا، إذا حفظ الفطن منها كل يوم بابًا، لم يأت عليه الشهر، إلا وقد حفظ صدرًا كبيرًا، من الحكمة، وتعلم أصلًا عظيمًا من السياسة " ؛ ويذهب " الطرطوشي" إلي أن دراسة كتابه تعني " الملك عن مشاورة الوزارء" . وفي مقدمة وصيته السياسة يشير " أبو حمو الزياني " إلي أنه ضمن كتابه " وصايا حكمية وسياسية علمية، مما يختص به الملوك وتنتظم به أمورهم انتظام السلوك " . ويوضح ابن رضوان أنه ألف " الشهب اللامعة " ليقع بها الانتفاع، ولتكون عونًا على تعلق الأحكام السياسية بالخواطر، واطلاعًا على حظ عظيم من سير الأوائل والأواخر "؛ كما يشير ابن الأزرق إلي أن محتويات كتابه تتجلي في "قواعد حكمية وفوائد شرعية " . ومن جهته يهدف "ابن طباطا" من وراء تخصيص كتابه بموضوع " الأمور السلطانية والسياسات الملوكية" أن يبين للحاكم " ما يجب له على رعيته وما يجب لهم عليه "، وهو الهاجس نفسه الذي يشغل بال "القلعي" (620هـ) الذي يعتبر كتابه تدقيقًا لـ" ما يجب استعماله أو تركه من الأمور التي يحمد متبعها عاقبة إصدارها وإيرادها " . كما أوضح " الثعالبي" أنه تضمن كتابه " ما يصلح للملوك وأصحابهم، وذكر مالهم وما عليهم ". وفي السياق نفسه يخاطب "أبو حامد الغزالي " في مقدمة " التبر المسبوك" السلطان محمد بن ملكشاه بقوله" ...فإذا طلعت الشمس فأمر قارئًا يقرأ عليك هذا الكتاب في كل جمعة ليحصل في محفوظك".

هذه بعض الاستشهادات التي تؤكد الطابع العملي للتأليف السلطاني، والمفهوم التقني للسياسة المهيمن عليها . وبغض النظر عن أي استشهاد نصي، وحتي لو لم يصرح المؤلف، فإن " الطابع العملي والتقني يظل أمرا مستفاداً في الكتابة السلطانية؛ إذ يكفي أن تتأمل عرض المؤلف لمحتويات كتابه لتتأكد من ذلك".

3- أما الصنف الثالث، فقد ظهر في أول الأمر، في "صورة نصوص منحولة لبعض فلاسفة اليونان، كنوع من رد الفعل على هيمنة الأدبيات السلطانية الفارسية على ساحة التفكير السياسي في أوساط النخبة، ثم كجزء من فلسفة توفيقية تدمج الدين في الفلسفة مع الفارابي بصفة خاصة. وقد ظهرت أولى بواكير هذا الصنف على شكل رسائل مستقلة تبحث موضوع "السياسة" بمفهومها الذي هو حسن التدبير والحكمة في التسيير، وكان من أول مؤلفيها تحت عنوان "رسالة في السياسة" كل من الفارابي، وأبو القاسم المغربي، وابن سينا".

ولئن اختلفت بعض مضامين هذه الرسائل التي تطابقت عناوينها، فإنها اتفقت كلها في ثلاث هي :

1 ـ أن السياسة حاجة ملحة لكل البشر رفيعهم ووضيعهم، ولكن الملوك ثم أعوانهم أشد حاجة إليها .

2 ـ لم يعتمدوا في تصانيفهم على الكتاب، والسنة مرجعاً، أو استشهاداً .

3 ـ كانت منطلقاتهم الفكرية والفلسفية، معتمدة اعتمادًا مطلقًا على الفكر اليوناني.

ثم بعد ذلك أخذت تظهر مصنفات فلسفية موجهة للملوك فقط، ترشدهم إلي ما ينبغي عمله وإقامته في سياستهم، مثل كتاب " سلوك المالك في تدبير الممالك " لابن أبي الربيع.

لذلك فالمرحلة التجريبية تمثل المرحلة التي انتقل فيها الفكر من مصنفات أدبية وأخبارية على هيئة مواعظ، ونصائح، وأساطير، مقتبسة من تجارب الإنسان، وتقاليد الأمم، إلي مرحلة المصنفات المستقلة الخاصة به؛ ولكن على غير يد الفقهاء ومن مرجعية غير إسلامية. فقد ظهر أول المصنفات فيه ترديدًا للفلسفة الإشراقية، هندية وصينية وبابلية وآشورية وفـارسية ويونانية. وكان ذلك على يد الفـارابي، المتأثر بالآراء السياسية لأفلاطون وأرسطو ؛ حيث تناول الفلسفة السياسية في عدة مؤلفات منها: " رسالة تحصيل السعادة "و" السياسة المدنية " و "رسالة السياسة " و" الفصول المدنية "و" آراء أهل المدينة الفاضلة ". وللحديث بقية!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

 

عبد الرضا حمد جاسمخامساً: وتحت عنوان دوافع الانتحار كتب أ. د قاسم حسين صالح عن الاسباب التقليدية للانتحار، وكالتالي:

1- [في قراءتنا للأدبيات والتحقيقات الصحفية، تتلخص اسبابه بثلاثة: - البطالة في قطاع الشباب، -تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، عادات وتقاليد اجتماعية متخلفة].

* تعليق: النقاط الثلاثة التي حددها أ. د قاسم حسين صالح يمكن ان تكون نقطة واحدة هي "الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية "لأن البطالة والعادات والتقاليد تقع ضمنها... الغريب ان الدكتور لم يؤشر الى الانحراف السياسي و "الانحراف" النفسي.

 نعم دراسة الادبيات والتحقيقات الصحفية...لكن أي تحقيقات صحفية أُنْجِزَتْ عن الانتحار في العراق؟ لا أدري هل يعتبر أ. د قاسم حسين صالح ان ما نشرته الصحافة التي استعار منها، تحقيقات صحفية؟ أنا اعتبرها وكل ما ورد عنها في مقالة أ. د قاسم حسين صالح لا تتعدى "كلام جرايد" وأي "جرايد"؟ هي "جرايد العراق الجديد أو العظيم".

 يتكلم الدكتور عن البطالة في قطاع الشباب وهو يعرف ان شباب ما بعد 2003 عاشوا البطالة منذ ما قبل 2003 هم وعوائلهم فكل مولود منهم قبل 2003 حتى1970 كان شخصيا خارج دائرة العمل ومنهم مواليد منتصف الثمانين من القرن الماضي حتى "التغيير" عاشوا البطالة هم وعوائلهم، ويمكن لي ان اطرح السؤال التالي: هل البطالة في قطاع الشباب الأن أكثر مما كانت عليه خلال الفترة من 1990 الى 2003؟ الجواب كــــــــــلا والسبب ان الشعب العراقي جميعه كان في بطالة بكل الاعمار بسبب تعثر الصناعة والزراعة وترشيق دوائر الدولة، وحتى الموظفين بما فيهم أساتذة الجامعة كانوا في بطالة كون رواتبهم لا تكفي توفير الطعام لعوائلهم لمنتصف الشهر.

 اما العادات والتقاليد الاجتماعية المتخلفة، لا اعرف هل هي جديدة على المجتمع العراقي؟ الجواب أيضاً كــــــلا فقد نَشَّط نظام ما قبل 2003 ومنذ منتصف الثمانينات دور العشائر العراقية لحماية الداخل ومتابعة الهاربين من الخدمة العسكرية وشَّكَلَ لذلك مؤسسات رسمية، ثم بعد ذلك نَشَّطَ دور رجال الدين مع استمراره في تنشيط دور العشائر بما أسماه الحملة الايمانية. اليوم يمكن للناس ان ترفض او تعترض لكن في تلك الأيام يعتبر الاعتراض والرفض مخلاً بأمن الدولة وحساب ذلك عسيرجداً في ظروف حالة الطوارئ خلال الحروب او الحصار.

2- ورد: [والذي حصل بعد التغيير، تزايد شدة وحدة الاسباب التقليدية هذه، إذ أشارت التقارير الى ان نسبة البطالة بمحافظة ذي قار بلغت (34%)، فيما تعدى عدد من هم دون مستوى خط الفقر سبعة ملايين عراقي] انتهى

*تعليق: هنا الدكتور بعد ان حدد الاسباب التقليدية كما ورد أعلاه من قراءته للأدبيات والتحقيقات الصحفية وعَّددها يأتي هنا ليحصرها في الجانب الاقتصادي عندما كتب "والذي حصل بعد التغيير، تزايد شدة وحِدَّةْ الأسباب التقليدية إذ إشارت التقارير الى ان نسبة البطالة بمحافظة ذي قار بلغت (34%) فيما تعدى عدد من هم دون مستوى خط الفقر سبعة ملايين عراق" والغريب هنا انه تكلم عن البطالة بشكل عام وهناك حصرها في قطاع الشباب. وهذه كما اعتقد غير صحيحة/ دقيقة!!لم يخبرنا عن "أشارت التقارير" أي تقارير تلك التي أشارت؟ أو تقارير مَنْ؟ كما ذكر عن عمليات الانتحار وقالت الصحيفة الفلانية وصرح الناطق الفلاني عليه ان يشير الى بعض تلك الإشارات الخاصة بنسب البطالة.

عندما يتكلم الأستاذ الفاضل عن العراق يجب ان تكون الأرقام تخص العراق وعندما يتكلم عن جزء منه يجب ان تكون الأرقام تخص ذلك الجزء...فلا اعتقد ان من الصح و الدقة ذكر الفقر في العراق والبطالة في ذي قار، المفروض اما الرقمين عن العراق او عن ذي قار.ومع ذلك اسأل أ.د قاسم حسين صالح: هل كانت البطالة قبل "التغيير" اقل من (34%)؟ وهل كان عدد من كانوا تحت خط الفقر في العراق قبل التغيير اقل من (7) ملايين؟ ، اليوم عدد العاملين في الدولة والذين يتقاضون رواتب يفوق ربما بثلاثة اضعاف عددهم في زمن "الترشيق" قبل 2003 والرواتب تعادل عشرات اضعاف الرواتب قبل السقوط حيث كانت البطالة عامة وحتى العاملين بالدولة هم "بطالين" لأن راتب المهندس كان لا يكفيه معيشة عائلته لأيام قليلة وراتب الأستاذ الجامعي لا يساوي قيمة "طبقة بيض واحدة" وكان بعض أساتذة الجامعة الأستاذ يعملون سائقي تاكسي بسيارتهم الخاصة بعد الدوام الرسمي او قبله وأصبح بعضهم سائق عند طلابه بأجور لا تسد رمق عائلته...والناس كانت تبيع بعض الحصة التموينية و تبيع ممتلكاتها الشخصية وباع البعض حتى أبواب وشبابيك غرف بيوتهم بعد ان باعوا كل غالي و ثمين حتى ذكرياتهم و مكتباتهم و مصوغات و حلي  ازواجهم وباع البعض افرشته و أعضاء من جسده ليشتري حليب لأطفاله. والموضوع بالنسبة لغير العراقيين أقول إن ما ورد هنا لا يخص شخص او اشخاص وإنما عامة الشعب أو السواد الأعظم من الشعب، كان راتب الكثير من الموظفين لا يعادل دولار واحد في الشهر... يعني شخص مثل الدكتور الراحل علي الوردي لا يملك المال الكافي لوصوله للأردن للعلاج و أ. د قاسم حسين صالح يعلم علم اليقين وبشكل دقيق جداً كل ذلك وربما يفوق الجميع في معرفة عن تلك الحالات.

ثم كتب أ.د قاسم حسين صالح مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية التالي: [وزاد عليها ظهور أسباب عراقية جديدةّ! للانتحار نوجزها بالآتي] انتهى:

*تعليق: هذه العبارة تُذَّكِرُني ب "إبداعات" الدكتور علي الوردي له الذكر الطيب...ذَّكرتني ايضاً بأقوال الوردي عن "الانحراف الجنسي في العراق"

أ.دقاسم حسين صالح مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية عَّدَدَ الأسباب العراقية الجديدة كالتالي:

1-[توالي الخيبات. صبر العراقي خمس سنوات بعد (2003) ثم خمسا، ثم خمسا...ولأن للصبر حدود، وقدرة على التحمل، فان البعض من الذين نفد صبرهم عمد الى الانتحار بوصفه الحل الأخير لمشكلته.] انتهى

*تعليق: وهل كان صبر العراقيين قبل التغيير قليل؟ صبروا ثمانِ الحرب مع إيران وثمانِ الحصار الاولى والثمانْ الثانية للحصار والحرب حتى عام 2004...أي ثمانٍ ثم ثمان ثم ثمان وهنا الصبر فاق الحدود لأنها بكل دقائقها تلك الفترة الطويلة كالذل والإهانة والإرهاب والتنكيل والاستفزاز والمراقبة والحرمان ...لا متنفس للناس لا في سفر من خلال القوائم الطويلة العريضة للممنوعين من السفر ولا في البوح حتى همساً بين الاهل والأصدقاء وحتى الرسائل البريدية الصادرة والواردة مراقبة. كيف كانت "خيبات العراقيين فيها"إذن والدكتور على بينة بكل تلك الأمور من خلال موقعه العلمي والوظيفي وعلاقاته الاجتماعية الواسعة؟ اما بعد 2003" الاحتلال" "التغيير" أصبحت هناك وسائل للتنفيس كالتظاهر والاعتصام والسب العلني للحكومة والحاكمين في الشوارع ومن على شاشات التلفزيون وامام كل العالم عبر وسائط التواصل الاجتماعي...

2-[الشعور بالحيف والندم. تجري لدى بعض الشباب مقارنة بين شخصه وقدراته وقيمه وبين آخرين يحتلون مناصب بمؤسسات الدولة يقلّون عنه خبرة وكفاءة وقيما، مصحوبا بشعور الندم على اضاعة الفرصة..فيعاقب نفسه بقتلها.] انتهى

*تعليق: هل ممن انتحر أساتذة جامعة وأطباء ومهندسين حتى يقارنوا شهاداتهم وقدراتهم وشخوصهم ومواقعهم مع من احتلوا المناصب في مؤسسات الدولة؟ كم عدد المنتحرين من الاميين علمياً واجتماعياً؟ كم عددهم من النساء المحجبات المنقبات الاُمَّياتْ؟ كم عدد المنتحرين من الفاشلين في حياتهم؟ كم عدد المنتحرين من "المحششين" و "المعاقرين"؟ كم عدد المنتحرين من المصابين بأمراض نفسية نتيجة سنوات الحصار والحرب المدمرة والاضطهاد والتسلط التي جرت منذ 1980حتى 2003 ولا أتكلم عما قبلها، ذلك الحصار المُذل الذي جعل الابن يسرق اهله والدكتور الفاضل يعرف قصص لو نُشرت لهزت العالم ...ثم بعد(2003) حرب الطوائف التي اشعلتها أمريكا واذنابها المحليين والاقليميين.

3-[الاكتئاب واليأس والوصول الى حالة العجز. حين يجد الفرد أن الواقع لا يقدم له حلّا لمشكلته، ويصل مرحلة اليأس والعجز، فانه يلجأ لإنهاء حياته. وهنالك أكثر من حادثة بينها انتحار ست نساء في النجف قبل سبعة أعوام جاءت بسبب وضع اطفالهن الصعب، ولأنهن لم يستطعن اعالتهم فإنهن اخترن الانتحار بشكل جماعي.] انتهى

تعليق: أبدأ بعبارة: "اخترن الانتحار بشكل جماعي"...الانتحار الجماعي كما افهم يتم باتفاق مسبق مع تحديد ساعة التنفيذ والأداة والمكان وربما اضيف على ذلك ان لهم هدف واحد وربما سبب واحد... فهل هذا الذي جرى بالنسبة للنساء "النجفيات" الستة؟؟؟ هذا الموضوع يحتاج الى وثائق دامغة وليس كلام "جرايد" ونحن نتكلم عن مقالةأعدها ونشرها أستاذ متخصص...ارجو نشر الوثيقة التي تقول بهذا الانتحار الجماعي لطفاً.

اما عن الاكتئاب واليأس والعجز. هل كان الشعب العراقي منذ منتصف الثمانينات من القرن الماضي حتى """التحرير""التغيير" لا يعاني من الاكتئاب واليأس والعجز؟ ماذا يقول علم النفس عن شعب عاش أكثر من ثلاثة عقود في حروب عسكرية واقتصادية واجتماعية وهو مكبل يُقاد كالقطيع الى اذلاله وقتله وإهانة كل اعتباراته وهذا شمل الجميع بما فيهم المنتسبين للخط السياسي للسلطة حيث اُجبروا على إهانة اهاليهم واصدقائهم وجيرانهم واحبتهم و"رفاقهم" والقصص في ذلك لاتُعد ولا تُحصى يعرفها الأستاذ الدكتور جيداً وعميقاً.

4- [فشل السلطة واستفرادها بالثروة. تعرّف السياسة بأنها فن ادارة شؤون الناس، وما حصل في العراق ان الطبقة السياسية عزلت نفسها مكانيا ونفسيا في عشرة كيلومتر مربع لتعيش حياة مرفهة وتركت الناس يعيشون حياة الجحيم، ولم تستجب لمطالبهم وتظاهراتهم من شباط (2011) والى الآن.]

*تعليق: أعتقد هذا التعريف للسياسة غير دقيق.ومع ذلك،وفق أي"فن" كان نظام ما قبل عام 2003 يدير شؤون الناس.

ثم من انتخب هذه السلطة وأعاد انتخابها لأكثر من مرة وسيعيد انتخابها؟؟؟ هل كانت السلطة قبل التغيير أكثر انفتاحاً على الناس وأكثر إحساساً بما تعانيه عامة الشعب من السلطات الحالية؟ وهل كان عناصر سلطة ما قبل 2003يعيشون وسط الناس؟ وهل كانوا يعيشون حياة غير مرفهه؟ الم تكن هذه العشرة كيلو مترات هي نفس المنطقة تلك التي عزل فيها النظام السابق نفسه بحدودها؟ اقل ما يمكن ان نقول ان الناس اليوم اي بعد "التغيير/التحرير/التحيير" أصبحت تُنَّفِسْ عن دواخلها بالصراخ واللعن والتظاهر والاعتصام والكتابة وتُفَرِغْ ما يعتمل في صدورها بعكس الحال قبل التغييروهذه أمور يعرف تأثيرها وأهميتها الأستاذ الدكتور قاسم. يكفي اليوم ان الناس في تظاهر منذ شباط 2011 كما تفضلت به... ونحن ندرس مجتمع وحالة...أجد إن هذا الطرح يلغي هذه النقطة عندما ربطها الدكتور بالحالة "السياسية"...كم عدد المتظاهرين؟؟؟ هل يشكلون شيء عددياً من شعب من أكثر من 30 مليون نسمة؟ مع اقراري بعدالة تحركهم وتضامني التام معهم لكنهم لا يشكلون وزناً اجتماعياً ولولا ان السلطات تريدهم كذلك حتى يتناسب تحركهم اعلامياً من شكل النظام لتم القضاء عليهم ولن يخرج خلفهم من يُشَّيَّعَهُمْ الى المقابر وربما على ذويهم تسديد ثم رصاص قتلهم كما كان يحدث في النظام السابق.

5- وختم أ. د قاسم حسين صالح مقالته هذه باقتراح الى الحكومة العراقية والبرلمان ومجلس محافظة بغداد لخصه بالآتي:

[توحيد جهود المؤسسات المعنية بالصحة النفسية، والجمعية العراقية للبحوث والدراسات الطبية في البصرة، وجمعية الأطباء النفسيين العراقيين، والجمعية النفسية العراقية، بوضع خطة علمية تستهدف الحد من ظاهرة الانتحار في العراق. ودعوة اقسام علم النفس والارشاد التربوي والنفسي وعلم الاجتماع في الجامعات العراقية الى التنسيق فيما بينها للتعامل مع ظاهرة الانتحار في الاوساط الجامعية بشكل خاص. وعقد ندوة تدعو الكتّاب والمثقفين ووسائل الأعلام الى التوقف عن اشاعة ثقافة التيئيس، ونشر الثقافة التي تشيع التفاؤل والتعلّق بالحياة، وتقديم برامج تخصصية تستهدف حل المشكلات برؤية سيكولوجية وكيفية التعامل مع الضغوط النفسية على غرار البرنامج الدرامي (حذار من اليأس) الذي كنّا نقدمه من اذاعة بغداد على مدى سبع عشرة سنة وما يزال العراقيون يتذكرونه] انتهى

*تعليق: اولاً لا اعرف لماذا خص الأستاذ الدكتور مجلس محافظة بغداد من دون كل مجالس المحافظات؟ لماذا اصلاً التقدم بهذا الاقتراح الى الحكومة والبرلمان؟ بدل دعوة تلك المنظمات والجمعيات والأقسام للالتقاء خارج اُطُرْ الحكومة والبرلمان لأن المفروض بالدكتور الذي أشار كثيراً الى السلطات الحالية بما يناسبها وهو يعرف إنها إن تدخلت في هذا الموضوع ستنقل اليه كل عيوبها ويكون هذا التجمع مجال للمزايدات والمحاصصة والاختلاف على مع من يرتبط مع الحكومة ام مع البرلمان ومجال لكل من يبحث عن موقع يتقرب به من السلطات والأحزاب التي تسيطر على البلد؟ أن مجرد هذه الدعوة/الاقتراح تثير علامات استفهام كبيرة تُعرقل عمل تلك اللجنة او المجلس المقترحين وتدعوا البعض الى التشكيك بالنوايا لأن هذه الدعوة دلالة على عكس الغرض المعلن منها على افتراض ان الداعي يعرف الكثير من الأمور عن حال البلد وكيف تسير الأمور فيه.

 ثم لماذا لا تقوم الجمعية النفسية العراقية التي أسسها ويرأسها أ. د قاسم حسين صالح بدعوة تلك المؤسسات والجمعيات والفعاليات، لمثل هذه الفعالية العلمية، لدراسة حال مجتمعهم ليقدموا خدمة للمجتمع الذي هم جزء مهم منه؟ لماذا لا تتداعى تلك المنظمات والمؤسسات والطريق مفتوح امامها للقاء وعقد الندوات واعداد الدراسات وطرحها في وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي وحتى تُرسل نتائجها وبحوثها وتعليماتها الى الحكومة والبرلمان والمنظمات الدولية التي تقول انها تهتم بالشأن العراقي لتقدم للمجتمع بعض خدمة ورد بعض جميل.

 مع ذلك أسأل: لو تم قبول هذا الاقتراح من قبل الحكومة او البرلمان، هل تتمكن هذه الجمعيات او الفعاليات والندوات والدعوات والنشاطات من: معالجة الأسباب التقليدية للانتحار التي حددها دكتور قاسم حسين صالح وهي: (البطالة في قطاع الشباب -تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية -عادات وتقاليد اجتماعية متخلفة) وكذلك الغاء (الأسباب العراقية الجديدةّ! للانتحار) التي ذكرها الدكتور قاسم حسين صالح: (توالي الخيبات-الشعور بالحيف والندم-الاكتئاب واليأس والوصول الى حالة العجزـ فشل السلطة واستفرادها بالثروة-اشاعة الإحباط)؟

شخصياٍ لا اُشكك فقط إنما أقول: لا...لا ولن تستطيع تحسين أي حالة من تلك الحالات وبالمطلق مهما حصلت على الدعم من كل الأطراف وبصموا لها بال"عشرة"...لماذا؟ لأن هذه الاجتماعات واللقاءات ستكون شكلية وتلعب بها امراض العملية السياسية...وتدخلات الأحزاب والاصطفافات التي قد تكون موجودة او تلك التي ستُفرض. وهنا تذكرت اقتراح الراحل الدكتور الوردي لمعالجة "داء الشخصية المزدوجة في الفرد العراقي كما يدعي" الذي ورد في ص74 من كراسة شخصية الفرد العراقي حيث قال: [اولاً: إزالة الحجاب عن المرأة وثانياً: تقليل الفارق بين اللغة الدارجة واللغة الفصحى وثالثاً: هيأوا للأطفال ملاعب ورياض تحت اشراف مرشدين اكفاء] ...لكن كيف يتم تنفيذ ذلك؟ لم يخبرنا أحد او كيف تزبل الحجاب ؟

 فمثل هذا الاقتراح /الاقتراحات لا استطاعت ولا تستطيع أي دولة مهما كانت، بما فيها دول كبرى مثل الولايات المتحدة الامريكية أو فرنسا أو اليابان أو السويد أو أي دولة في العالم وفي أي عصر من القيام به او تنفيذه. للأسباب الكثير تلك التي تدفع الى التفكيربالانتحار او تنفيذ الانتحار وربما من بينها سبب بيولوجي." قيل ان الرئيس أوباما شكل غرفة طوارئ عام 2002 لدراسة ارتفاع محاولات الانتحار بين صفوف المراهقين في الولايات المتحدة حيث بلغت ثلاثة ملايين محاولة لأعمار بين 12 و17 عام..."

ملاحظة أخيرة: أ. د قاسم حسين صالح أشار الى البرنامج الدرامي الذي كما قال "كنا نقدمه من إذاعة بغداد" (حذار من اليأس)... أقول و يعذرني الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح...هذه أم مشاكلنا، مشكلتنا اننا نقيس على الماضي دون حس الانتباه لظروف الماضي والحاضر ...نحن نركب القطار او كلما ركبناه نجلس  بارتياح و نشوة باتجاه عكس سيره ،حيث لا نرى الا المحطات التي فاتت و ربما نرى بعض ما في المحطة التي نحن فيها حيث سيحجب الكثير منها صعود ونزول الركاب و لكن لا نرى المحطات القادمة حتى ولو نعرف شيء عنها/اسمائها و هذا يريحنا و يسعدنا فننشغل بالصعود و النزول...استاذي الفاضل : ذاك زمان وهذا زمان. ذاك زمان القرن العشرين و هذا زمان القرن الواحد و العشرين...ذاك زمان القائد الملهم و المعلم الأول و القاضي الأول و بالروح بالدم و احنة مشينا للحرب،زمان الحزب الواحد و الرأي الواحد والتوجه الواحد، زمان قواطع الجيش الشعبي و التدريب الصيفي و العمل الشعبي ومحطة التلفزيون الواحدة ولو اختلفت الأسماء و الصحيفة الواحدة و نشرة الاخبار الواحدة الموحدة، ذاك زمان الهاتف المنزلي المراقب وزمن التقارير و التجنيد الاجباري ومنع السفر من الداخل و الخارج وزمن الطائرات التي تحوم بحثاً عن صحن لاقط خبأه صاحبه في سطح المنزل، ذلك زمان "الأسباب التقليدية" للانتحار كما تفضلت بعَّدِها...أما هذا الزمان، فهو زمان الرئاسات الثلاثة و عشرات الأحزاب و مئات التوجهات ومئات بل الاف المحطات التلفزيونية ، ، زمان وسائل التواصل لاجتماعي السريعة والمتنوعة المفتوحة ، زمان الريال و البرشا... زمان السفر و السياحة زمان رجل الدين ،زمان الاطلاع على كل حديث من البرامج و الملابس و قصات الشعر و الزواج المثلي وووووو...وزمان "الأسباب العراقية الجديدة للانتحار" فليس من المعقول ان يتم الطرح بهذا الشكل.

 لفت نظري قول أ. د قاسم حسين صالح عن "ظاهرة الانتحار في الأوساط الجامعية بشكل خاص"!!...هل هذا حصل ويحصل بالدرجة التي تصل لأن يصفها أستاذ متخصص بعلم النفس ب "ظاهرة؟ هذه تُفَسَرْ/تعني أن هناك حالات انتحار او محاولات انتحار كثيرة جداً بحيث أصبحت ظاهرة والدكتور الفاضل يعرف جيداً معنى ان تتحول حالة الى "ظاهرة" والغريب انه خلال كل مقالته المهمة هذه لم يتطرق الى "حالات الانتحار في الأوساط الجامعية".

أختم بأن اُقدم شكري وتقديري للأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح لمحاولاته الكثيرة في دراسة المجتمع العراقي وما يعيشه اليوم واُقدر ايضاً صعوبة ذلك في وضع مثل وضع العراق...لكن اعتقد ان علينا جميعاً وبالذات من يتمكن او تُتاح له الفرصة ليدلوا بدلوه في هذا الجانب ان يتفضل، فالعراق في محنة قاسية تامة شاملة لا يظهر في الأفق أي بصيص امل في حتى الاقتراب من مجرد التفكير بمعالجتها.

الوضع خطير جداً داخلياً واقليمياً وعالمياً...والموضوع خارج الامنيات هو البحث عن حلول او حتى التفتيش عن شيء يمكن إصلاحه في ركام الدمار التام وأكثر شيء مقدور عليه وهو فردي بأن نكتب بانتباه عسى ان يقرأ احداً ذلك وينتفع...لنخرج كما ارخميدس ونقول وجدنا من انتبه واستفاد ...فتعالوا نتعلم منه عسى ان يتراكم ذلك ومع مرور الوقت تتراكم المعرفة لتُحدث تغيير نوعي.  ما نحن فيه هو نتيجة لدمار العقول وجمودها بكل مستوياتها و من الأسباب الرئيسية لذلك هي التناقضات و عدم الدقة و قال فلان و قال الأخر. ولي عودة الى مواضيع أخرى نشرها الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية.

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

علي المرهججُل الثورات التي تنتهي بانتصار الثوريين إنما تكون خاتمتها أو لحظة أوجها حينما توشك على فجر جديد بلون ضياء أحمر تُعمده دماء رجالات الحُكم السابق التي بعد سفكها تُنشد ألحان النصر ويتغنى الثوريون بانتصاراتهم لأنهم نحروا رقاب أناس ظلموا وبنصرهم هم فرحون وبقتل الظالمين يتفاخرون!.

تنطبق على الثوريين مقولة (لاو تسه) فيلسوف الصين في كتابه "التاو": "إن من يفرح بالنصر (في الحرب) يفرح بالقتل".

الثورة هدم لنظام، وليس شرطاً لازماً أن يبني دعاتها والقيمون عليها نظاماً أصلح منه، بل هي في الأعم الأغلب تبديل نظام جديد بنظام قديم ليصبح الطريق مفتوحاً أمام التجديد الذي يدَعيه الثوريون الجُدد أوالذي كان يحلم به الناس المُستضعفين قبل الثورة ويأملون حدوثه طويلاً ويعملون على تحقيقه.

الثوريون بتصور اليمينيين أصحاب السلطة إنما هُم أناس فاشلون في ظروف (ما قبل الثورة)، ولاهمَ لهم سوى نقد رجالات السلطة الناجحين، لا لأن رجالات السلطة فاشلون فقط، بل لأن المعارضين يحلمون بأن يكونوا هُم القادة.َ

لكن بحسب تبدل الأدوار ـ لربما ـ تتغير وجهة النظر، لا بموافقة اليمنيين (المحافظين) السابقين على طريقتهم في الحُكم، ولا بالرضا عن اليساريين (المُعارضين) الذين أصبحوا من رجالات السلطة، فكلا كفتي الميزان تختل بحسب التمكن من الامساك بالسلطة، فلا يبقى اليمين يميناً ولا اليسار يساراً!! (ولله في خلقه شؤون).

أما الصورة الايجايبة عن الثوريين، فهُم بحسب التصور اليساري (المُعارض) الذين تحملوا القهر والفقر والحرمان في ما قبل الثورة، فكانوا أصدق الناس في مُعاضدتهم لرجالات الثورة، ولكن في كل الثورات هُناك صنفان من الثوريين، بعضهم صادقون في دعواهم وخيَرون، وهم قبل الثورة أناس ناجحون، والبعض الآخر فاشلون مجهولون تمنحهم الثورة فرصة الصعود.

يُمكن التمييز بين الفئة الأولى والثانية بعد مرور مدة ليست بالطويلة للثورة، لترى عبر الكشف عن ممتلكات الثوريين قبل وبعد الثورة، لتجد الانتهازيين دعاة الفئة الثانية قد تضخمت أموالهم مئات الأضعاف إن لم تكن آلافاً، هذا إن كانت لهم أمولاً قبل الثورة، فيما تجد أصحاب الفئة الأولى على ذات الحال قبل الثورة وبعدها...

"الثورة تأكل أبناءها" بعبارة الثوري الفرنسي المعرف (جورج جاك دانتون)، وأكُمل مقولته بالقول: ودوام الرغبة في البقاء بالسلطة إنما تأكل الدولة برمتها.

 

ا. د. علي المرهج

 

حسن خليل حسن(الأمة التي لا تنتج تموت، ولو كانت جبالها من الفضة وسهولها من ذهب.. قول مأثور)

يستعد العالم في قابل الايام لاصطفاف اقتصادي وتجاري جديد سيحدث هزة اقتصادية كبيرة وستكون له انعكاسات هائلة في المكانة الجيو- سياسية والتكنولوجية لمجموعة من الدول التي تقع على نقاط ارتباط مشروع النقل العالمي الذي يُدعى (طريق الحرير الجديد) الذي ينطلق من قلب التنين الصيني ليربط الشرق بالغرب بحرياً وبرياً، يأتي هذا المشروع المعاصر في ظل عالم تحكمه ثورة المعلومات والحوسبة والذكاء الصناعي، وسوف تكون منطقة الجزيرة العربية والخليج العربي حلقة الوصل لأطراف هذا المشروع نظراً لموقعها الجغرافي في قلب هذا المشروع، اذ تعمل الصين منذ سنوات على اعادة امجاد طريق الحرير القديم الذي كان يمتد بين المراكز التجارية في شمال الصين، كان حينئذ يسير في طريقين: أحدهما شمالى والآخر جنوبى. فالفرع الشمالى يمتد من “بلغار-كيبتشاك “ويعبر شرق أوروبا وشبه جزيرة القرم ويصل إلى البحر الأسود وبحر مرمرة والبلقان، وينتهى بالبندقية، بينما كان يمر الفرع الجنوبى من تركمانستان وخُراسان مرورًا ببلاد النهرين والأناضول وسوريا وصولاً إلى أنطاكية إلى البحر الأبيض المتوسط أو عبر دمشق وبلاد الشام إلى مصر وشمال أفريقيا، اذ كانت تسمية طريق الحرير تشير إلى شبكة الطرق البرية والبحرية التي ربطت بين الصين وأوروبا مرورا بالشرق الأوسط، بطول يتعدى 10 آلاف كيلومتر، وهو اسم اطلقه الجغرافى الألمانى فرديناند فون ريتشهوفن فى العام 1877، ويعود سبب التسمية إلى الحضارة الصينية التي أبدعت في صناعة الحرير منذ 3000 قبل الميلاد، اذ كانت صناعة الحرير الصينية متميزة للغاية، وبلغت ذروة النجاح الصناعي على يد أسرة “تانج” ومن بعدها أسرة” مينج “وكان الجميع يتنافس على الحصول على الحرير الصيني عالي الجودة بأي مقابل.

ويتضمن المشروع الجديد، الصورة(1)، بناء طرق ومرافئ وسكك حديد ومناطق صناعية في 65 بلدا تمثل 60 بالمئة من سكان العالم بكلفة قد تصل الى ترليون دولار ( 1000 مليار دولار) وتوفر نحو ثلث إجمالي الناتج العالمي، وبالنسبة للعرب فأن اهمية المشروع تأتي من رغبة الصين برفع رصيدها من الاستثمار في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية (غير المالية) في الدول العربية من 10 مليارات دولار إلى أكثر من 60 مليار دولار خلال الـ 10 سنوات القادمة عن طريق تيسير المعوقات وتبسيط الإجراءات الجمركية وتحديث البُنى التحتية في اجزاء من العالم العربي، كما يعد طريق الحرير الجديد طريقاً منافساً للقوى المسيطرة على الطرق المحورية الاخرى وبالاخص قناة بنما التي تربط

889 الحرير 1

الصورة 1: طريق الحرير والمسارات الاساسية المتوقعة 

المحيط الأطلسى بالهادى،اذ تُعد قناة بنما المعبر العالمي الحيوي الذي تتدفق من خلاله البضائع بين اليابان واستراليا ودول امريكا الجنوبية والساحل الشرقي لأمريكا الشمالية وتلك القناة تسيطر عليها الولايات المتحدة، وسوف يكون المحور البحري للمشروع الصيني منافساً كبيراً لطريق قناة السويس، اذ من الممكن ان تغير الصين وجهتها في النقل التجاري وتعمل على خلق طرق رديفة لتقليل زمن النقل والكلف، اذ يبلغ حجم تجارة الصين من البضائع العامة العابرة لاوربا والساحل الشرقي للولايات المتحدة حوالى 107 %من إجمالي البضائع العامة العابرة من قناة السويس.

وانطلق المشروع الصيني تحت مسمى مبادرة (الحزام – الطريق) في العام 2013 خلال فترة رئاسة شي جينبينغ صاحب المبادرة، (التي تستمر لغاية العام 2022)، واعُلنَ عن البدء بأكبر مشروع استثماري عالمي للمواصلات سيعيد إحياء طرق الحرير التاريخية ويوسعها بشبكات جديدة من الطرق التجارية التي تربط آسيا وأوروبا وأفريقيا وفق مبادرة صينية لخطة تنمية عالمية تحت اسم«حزام واحد - طريق واحد»، لإنشاء طريقين بحرى و برى وخطوط سكك حديدية وطيران وخطوط أنابيب لنقل المواد البترولية وشبكات نقل الكهرباء، وكابلات إتصالات وتأمين مناطق لوجستية وتطوير موانئ استراتيجية كبرى، وقد رافقَ الاعلان تأسيس بنك للتنمية والتجارة بواسطة العملات المحلية، وتوفير وحدات إنتاج صناعي وتخفيض تكاليف المعاملات التجارية، حيث تتضمن المبادرة نحو ألف مشروع ستُنفذ تدريجياً لربط المناطق اللوجستية التي يمر بها الطريق، اذ يهدف الصينيون الى الحفاظ على معدل نمو مرتفع يتحقق بزيادة الإنتاج والتصدير وذلك لا يتم إلا بزيادة الطلب على المنتجات الصينية بإيجاد أسواق جديدة بما فيها الدول الحبيسة (التي لا تطل على البحر و لا يوجد لديها موانئ، وسوف يتبع المشروع الصيني مسلكين عالميين هما :

أولاً: طريق الحرير البحري: يبدأ من “فيوجو” بالصين فيتجه غرباً عبر بحر الصين إلى فيتنام ثم جنوباً عبر بحر “جافا” إلى إندونيسيا، فغرباً إلى ماليزيا وسنغافورا فالهند وسيريلانكا، لتسافر غرباً مرة أخرى عبر المحيط الهندي إلى كينيا، لتتجه شمالاً عبر البحر الأحمر وقناة السويس إلى مصر، ومنها عبر المتوسط إلى اليونان ثم إيطاليا عبر “البحر الأدرياتيكي” ثم إلى فرنسا.

ثانياً: طريق الحرير البري (الجسر البري الأوراسيوي) يبدأ من وسط الصين (مقاطعة جيان) وجنوب غرب آسيا الوسطى إلى شمال ايران قبل أن يتحول غربا عبر شمال العراق وسوريا وتركيا نحو أوروبا، وهناك يذهب عبر بلغاريا ورومانيا وجمهورية التشيك، وألمانيا، وصولا إلى روتردام فى هولندا ثم جنوبا إلى إيطاليا حيث يلتقى طريق الحرير البحري، وهذان الطريقان يمران بالقوى الكبرى والقوى الصغرى لتحقيق مساواة انسانية وسلام عالمي، وبناء نظام اقتصادي عالمي جديد يلغي النظام المالي عبر الأطلسي، وتغيير من خريطة العالم الاقتصادية والثقافية والسياسية خلال الأعوام المئة القادمة، وبغض النظر عن التغيرات في حلقات الربط في الحزام الاقتصادي لطريق الحرير والمنافذ البحرية التي من الممكن ان يمر بها (الخليج العربي او البحر الاحمر)، فان الملامح الاساسية للمشروع تتمحور في الاتجاه من الصين مروراً بآسيا الوسطى وروسيا عبر ايران ثم منطقة الخليج والبحر الأبيض المتوسط مروراً بالعراق وغربي آسيا عابراً الموانئ الساحلية الممتدة على هذا الخط، واتجاهاته لأوروبا وأفريقيا، بدائرة تقدّر مساحتها بحوالي 1000 كم 2، فو عدد سكانها 150 مليون نسمة.

وبالرغم من تحفظ بعض الدول من المشروع وتخوف دول اخرى الا ان هنالك دول كثيرة تشجّع الربط العالمي للاستفادة من قدرات المارد الصيني في الصناعة والتكنولوجيا، وقد تحفظت ألمانيا وعارضت الهند هذا المشروع بينما استجابت مجموعة من الدول الاخرى لهذا الجسر العالمي البحري-البري العظيم واعتبرته المشروع العالمي الاستراتيجي، وبدأت دول اخرى تتسابق لحجز موقعها فيه، ومن اهم تلك الدول الداعمة: روسيا وبريطانيا وتركيا، ومن الدول العربية المرحبة الكويت والسعودية والامارات والسودان، وهنالك تذبذب في القبول والرفض من قبل مصر لأنها تتوقع ان يفرض المشروع تحدياً لقناة السويس، وهنالك غياب لموقف دول سواحل شمال إفريقيا (دول المغرب العربي).

وللأهمية العالمية للمشروع الصيني فقد اصدرت مؤسسة إكزكتف انتلجنس ريفيو (Executive Intelligence Review) في العام 2014 تقريراً عالمياً بعنوان من طريق الحرير الجديد إلى الجسر البري العالمي (The New Silk Road Becomes the World Land-Bridge) وتم ترجمة التقرير الى العربية في العام 2016 ليكون دليلاً للتنمية العالمية لمبادرة «الحزام والطريق» ويهدف التقرير الى عرض اهمية ومزايا وعوائد الانخراط في هذا المشروع، وحجم الدعم الذي سيتمثل بإنشاء البنى التحتية والمشروعات الكبرى.

وما يهمنا من مجموع الدول الداخلة في التحضيرات لهذا المشروع هو موقف العراق والدول المجاورة له، فبالنسبة للكويت وهي الجار البحري الاقرب للعراق وضعت خططاً ضخمة للعمل والدخول كشريك اساسي مع الصين في مشروع طريق الحرير الجديد، اذ تستعد الكويت لإنجاز اكبر مشروع استثماري عالمي في الشرق الاوسط وقد خططت لإقامة مدينة استثمارية كاملة تخص المشروع اطلقت عليها (مدينة الحرير)، وحجزت مساحة واسعة في الطرف الشمالي الشرقي من اراضيها ضمن خطة (الامل – العمل) التي انطلقت ضمن استراتيجية وطنية للفترة 2010-2035 لمدة 25 عام، وكانت الكويت أول دولة عربية خليجية توقع مذكرة تفاهم للتعاون مع الصين في إطار المبادرة الصينية على مستوى اعلى سلطة في الكويت، وبهذا فتحت افاق خطة تطويرية انطلقت في بدايات اعلان المشروع ليس فقط لتحقيق دور في مرور طريق الحرير عبر الكويت، فحسب بل لتكون بؤرة انطلاق هذا المشروع في الشرق الاوسط وجنوب غرب اسيا واطلقت لطموحها العنان ليكون الاستثمار في هو البديل الرئيس لمدخلاتها القومية المتأتية من عوائد تصدير النفط (البناء بعيداً عن النفط)، وقد خصصت اراضي واسعة استعداداً للعب دور محوري بعد وضع خطط متكاملة لإقامة (المنطقة الشمالية للصناعات الصينية في الكويت) واختارت خمس جزر تقع قبالة الساحل الشرقي للكويت (بوبيان، وربة، فيلكا، مسكان، عوهة لإقامة منطقة متحررة وبنى تحتية جاذبة (الصورة 4)، وكانت البداية من تأهيل جزيرة بوبيان الكويتية لتكون مدينة استثمارية انموذجية، وتهدف الكويت من هذه الاجراءات لإنشاء استثمارات بقيمة 600 مليار دولار بأرباح متوقعة تبلغ 35 مليار يساهم فيها القطاع الخاص بنسبة 40% وسندات الاكتتاب بنسبة 40% وبمساهمة حكومية لا تتجاوز 20%، اذ تخطط الكويت لجعل المعيشة في هذا الجزء ليبرالية حرة، تحكمها أطر تشريعية وتنفيذية مرنة ومستقلة تبتعد عن بيروقراطية القرار والاجراءات، من اجل لتوفير 200000 وظيفة سنوياً لسد حالات البطالة التي انتشرت في الكويت خلال السنوات الاخيرة.

ويضم المشروع مناطق سياحية وترفيهية ومدينة إعلامية وصناعة أفلام، ومدينة رياضية تستقطب منافسات دولية وممرات مائية لتجعل من بوبيان مدينة ساحلية تشبه فينيسيا الإيطالية، وبدأت

889 الحرير 2

صورة (2) الخطط العراقية التي سبقت الكويت في  طريق الحرير الجديد

889 الحرير 3

الصورة 3: مشروع تطوير الجزر الشمالية في الكويت

الكويت خطوات عملية في هذا المشروع التي تمثلت بالقيام بأعمال استحداث انشاءات وتطوير مناطق مختلفة ومتصلة على جزيرة بوبيان المنطقة الحرة للتجارة والمنطقة الصناعية في بوبيان وخطوات عملية تتمثل بالتالي:

1- تطوير ميناء مبارك والمناطق اللوجستية التي تسهم في النمو المتميز للصادرات غير النفطية على نمط الموانئ المتطورة في سنغافورة ولوكسمبورغ وهونغ كونغ وجبل طارق، ونشير هنا الى التوسع المحتمل في هذا الميناء وانشاء كاسر الامواج يمكن ان يتسبب بمصادرة خط الملاحة البريء في خور عبدالله، وهذا ما تشير اليه وقائع العمل بتوسعة البُنى التحتية في جزيرة بوبيان مؤخراً .

2- التخطيط لإنشاء ميناء جوي دولي على أحدث وأعلى المعايير العالمية يشكل منصة الانطلاق والوصول إلى الجزر الكويتية وتعزيز عمليات الشحن الجوي.

3-التخطيط لإقامة مركز التجارة والمال والأعمال يهدف الى استقطاب الاستثمار الأجنبي.

4-التخطيط لإنشاء منطقة ترفيهية ورياضية شاسعة تهدف إلى استقطاب المنافسات العالمي والتخطيط لإقامة منطقة سياحية على الممرات المائية البحرية.

889 الحرير 4

صورة (4) سيناريوهات طريق الحرير الجديد واستعدادات الدول للتنافس على موقع فيه

5- وضع تصاميم لمحمية طبيعية للحياة البرية والبحرية تقع شمال الجزيرة، وتشتمل على فنادق ومرافق سياحية بيئية وسوق لمنتجات آسيا والصين.

6- التخطيط لإقامة منطقة تراثية يتم تصميمها بما يتطابق ومعايير البناء القديمة ترسم في جملتها نسخة مصغرة من الكويت القديمة بالإضافة الى خطط تنمية بيوت التراث والمراكز العلاجية والمجمعات تجارية والمراكز الاعلامية.

7- التخطيط لإقامة مشاريع الممرات المعلوماتية الجوية (الأقمار الاصطناعية) وبناء شبكة كابلات الألياف الضوئية العابرة للقارات والتعاون في الطاقة الكهرونووية والطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وهنا نشير الى ان عزم الكويت انشاء محطات توليد طاقة كهرونووية يعيد الى الاذهان ما المحت اليه الكويت في العام 2017 عن انشاء محطة نووية شمال جزيرة وربه المقابلة للبر العراق في خور عبدالله وما لهذا الانشاء من تداعيات امنية وبيئية على العراق.

8- الاعلان الاهم في هذا المشروع هو انجاز جسر الشيخ جابر الأحمد الذي يسميه الكويتيون (الطريق فوق الخليج) وهو يربط الجزر الشمالية المهجورة والنائية (وربة وبوبيان) بمركز الكويت، وهو رابع أطول جسر في العالم وكان الموعد المحدد لافتتاح الجسر هو تشرين الاول من العام 2018 وقد افتتح في نيسان 2019 وهو اللبنة الاولى في مشروع الحرير، وبنظرة واقعية على مشروع الجسر الكويتي لا نجد مبررات لانفاق 3 مليار دولار كويتي في انشاء جسر بطول 36 كم من اجل اختصار مسافة طريق نقل المارة ليوفر وقتاً بمقدار 25 دقيقة للانتقال من مركز المدينة الى منطقة نائية مهجورة، والحقيقة التي اعلنت عنها بعض وسائل الاعلام بتحفظ شديد هي احياء طريق الحرير البري والبحري والذي يمر بدول مجاورة للكويت للعب دور كان ممكن ان يكون للعراق لو تم تنفيذ مشروع ( القناة الجافة ) التي ترتبط بميناء الفاو ليكون مشروعاً حيوياً يربط التجارة العالمية بين الشرق والغرب.

وبحسب مصادر استثمارية كويتية فمن المحتمل ان تُسفر هذه الاجراءات عن اضافة 35 مليار دولار للناتج سنوياً، واستقطاب 1.5 مليار دولار استثماراً أجنبياً سنوياً، وستساعد على جذب 3 إلى 5 ملايين سائح سنوياً. واستقدام ما يقارب من 400 ألف نسمة من الوافدين سنوياً، وهنا نتساءل هل ان الكويت التي تمتلك اموال فائضة عن الحاجة واستثمارات خارجية تفوق400 مليار دولار قياساً بمجموع سكانها الذي لا يتجاوز 3.9 مليون نسمة تحتاج فعلاً لهذا المشروع المينائي الضخم؟ والاجابة ان هذا المشروع سيوفر للكويت بدائل لمدخولاتها الوطنية لتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة ولمواجهة أي طارئ بسبب صراعات المنطقة التي تتفاقم يوماً بعد يوم، وسوف تكون الاجراءات ركيزة اقتصادية في اقتصاد ما بعد النفط في الكويت الذي يمثل ما يصل إلى 90 في المائة من إيراداتها، ولهذا سعت الكويت لتطوير وتوسيع الموانئ في بوبيان بشكل يجعلها قابلة لاستقبال السفن ذات الغاطس كبير والربط السككي وتوفير السلع وايصالها بشكل اسرع وأقل كلفة بما يتيح لها تحقيق رغبتها في تطوير المنطقة الشمالية النائية، لخلق استثمار تجاري بحري كبير يوفر الإكتفاء الذاتي لها، بالاستفادة من رغبة الصينيين بإنشاء نقاط محورية في العالم تشتمل على موانئ و مناطق لوجستية ومحطات طاقة ومدن صناعية كبرى، وهذا قد يفيد الصين جيوسياسياً بالتمركز في مناطق ربط هامة بين القارات مما يتيح لها أدوارا أكبر مستقبلاً، واستفادت الكويت من هذه الرغبة لامتلاكها جزيرة بوبيان النائية والغير مستغلة بالسكن او الانشطة التجارية وهي جزيرة هامشية وذات ظروف قاسية لذا وضعت خطة استثمارية لها وربطتها برؤيتنا الاستراتيجية في جعل الكويت مركزاً اقتصادياً ومالياً عالمياً.

وعلى ما يبدو ان ما عملت عليه الكويت حديثاً هي عبارة عن خطط عراقية قديمة جدا كانت مطروحة للعمل بتطوير الساحل العراقي على اعتبار ان العراق وسوريا هما الدولتان الوحيدان في مشروع طريق الحرير الجديد اللذان من الممكن ان يلتقي على اراضيهما الطريقان البري والبحري،(الصورة3)، غير ان ظروف عدم الاستقرار منذ مطلع الثمانينات لغاية الفوضى الكبيرة(احداث داعش) التي انتهت اجمالاً في العام 2017 عندما انجز العراقيون تحرير الاراضي العراقية بأجمعها شكلت عائقاً مصيرياً ضد المشروع، اذ ان العراق يمكن ان يكون البلد الاكثر اهمية في هذا المشروع اذا ما تم انجاز مشروع القناة الجافة، الذي يستند على مشروع الفاو الكبير المتعثر منذ 14 عام (العام 2005). بينما تمضي الكويت بأنشاء ميناء منافس يتمثل بمشروع ميناء مبارك الكبير وهو الجزء الاصعب في بقعة نائية مهجورة ذات ظروف لا تطاق من طغيان بحري ومعدل عواصف وحرارة ورطوبة، بمعنى ان ميناء مبارك الكبير هو رأس مشروع الحرير في الكويت، وربما كانت الخطط الكويتية اعمق غوراً اذ لم يُدرج موقع الميناء الكويتي على الخرائط الملاحية، وهذا مؤشر لاحتمالية توسيع الميناء في المستقبل، فهذا الميناء يُبنى بوتيرة متسارعة بينما تراوح مراحل انجاز ميناء الفاو في مكانها اذا ما قورنت بالزمن ( ولان وجود ميناء الفاو يعني لا وجود لميناء مبارك..!!)، وبهذا يصدق رأي بعض الباحثين من ان 68% من سكان العراق سيعتمدون على ميناء مبارك والمستهدفون بهذه الدراسة سكان الوسط والجنوب،وان نسبة 80% من حجم تجارة الميناء في بداية عمله ستكون مخصصة للعراق.

ومما تقدّم يظهر ان الجميع يحارب من اجل مكاسب ومنافذ تجارية جديدة، وان المعارك التي لم تُحسم على الارض امتدت ساحتها الى جلسات التفاوض ما بعد الحروب، وذهبت بعض الحروب الى ساحات العمل الاقتصادي والخطط التجارية، فهل يحجز العراق مكانه المهم في طريق الحرير الجديد ويتحقق حلمه البحري البعيد..!!

889 الحرير 5

الصورة 5: الموقع المحوري للعراق كمعبر اساسي في مشروع طريق الحرير الجديد

ومن اجل ان نفتح رؤية لإدراج العراق ضمن هذا المشروع الاكبر في العالم والذي سيغير وجه الاقتصاد في المنطقة والعالم يجب ان يخطو العراق الخطوات التالية للحاق بركب الامم التي تنوي حجز موقعها في مشروع المارد الصين والتي تتلخص بما يلي:

1- وضع خطط طويلة الامد لتطوير البيئات الساحلية العراقية ترتكز على نظرة استراتيجية تأخذ بنظر الاعتبار المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية الاقليمية والعالمية، على ان تضع تلك الخطط في اولى حساباتها الاندماج مع مشروع طريق الحرير الصيني

2- اطلاق برنامج بحري عراقي للمنافسة المينائية مع دول الجوار لمواجهة المشاريع التي تهدف الى تضعيف او الغاء دور الملاحة البحرية للعراق .

3- الاسراع بإنجاز مشروع ميناء الفاو الكبير واعتباره جزء من الامن القومي العراقي واعادة تفعيل خطط مشروع القناة الجافة المنسي وتنفيذها لربط ميناء الفاو بأوربا لإكمال الحلقة المفقودة في خطة عبور مشروع الحرير الصيني عبر العراق وهذا سيوفر مردود مالي هائل للبلد وسوف يوفر فرص عمل لآلاف العاطلين في جنوبي العراق.

4ـ فتح آفاق الاستثمارات الاجنبية في قطاع تطوير الموانئ العراقية وطرح المشاريع الكبرى للقطاع الخاص العراقي.

5- تعميق الصلات البحثية والاستشارية بين قطاعات الجامعات ووزارة النقل والهيئات العاملة في مجال الاستثمار البحري والساحلي.

6- تعزيز دور القرار البصري في الاستثمارات الساحلية والبحرية كونه الاجدر باتخاذ ومتابعة تلك القرارات.

 

ا.د. حسن خليل حسن - مركز علوم البحار

....................

المراجع:

- التوبـي، حاكـم هيـال جاسـم (2015)ميناء مبارك الكويتي وتأثيراته على العراق، رسالة ماجستير- كلية الاداب جامعة البصرة، ص21

- النجار، الهام (2018) طريق الحرير الصيني وإنعكاساته على أنماط التجارة ‏الدولية وحركة النقل العالمية، المركز العربي الديموقراطي https://democraticac.de/?p=57474

- احمد، ريهام (2011) بوبيـان .. بانوراما طبيعية لبيئة عالية الحساسية، الهيئة الامة للبيئة الكويتية، مجلة بيئتنا

(http://www.beatona.net/ar/knowledge-hub/article/content-39782).

- مجلة بيئتنا - الهيئة العامة للبيئة – الكويت، العدد 199946.

- صحيفة النبأ المصرية (2017)

http://www.beatona.net/ar/knowledge-hub/article/content-39782

- صلاح الدين، محمد (2017) طريق الحرير ومخاطره على قناة السويس، صحيفة مصر تلاتين

 (https://www.misrtalateen.com/?p=65863)

- سلامة، عبدالمحسن (2018) الممرات البديلة، الاهرام اليوم (http://www.ahram.org.eg/NewsPrint/665050.aspx)

- صحيفة الاتحاد (2018) طريق الحرير.. صراع جديد. (https://www.alittihad.ae/wejhatarticle/97818/%)

- رضا حبيشي (2018) اعرف طريق الحرير وممراته ودور قناة السويس فيه،صحيفة اليوم

 السابع(https://www.youm7.com/story/2018/9/27C3%97-17/3967688)

 https://staffsites.sohag-univ.edu.eg/stuff/posts/show/776?p=posts

 https://www.google.com/imgres?imgurl=httpCUwJXoECAEQKw&iact=mrc&uact=8 https://www.google.com/imgres?imgurl=https%3A%2F%2Fwww.indec&uact=8

 https://twitter.com/lywpybntzhf2ire

 https://www.google.com/imgres?imgurl=https%

 https://www.google.com/imgres?imgurl=http8

 

محمود محمد علينعود هنا لنعرض الجزء الثاني من مقالنا عن مفهوم الوطن عند حسن البنا، حيث نقول بالإشارة لما ورد في رسائل حسن البنا، هناك رسالة بعنوان "غاية وطنيتنا"، حيث يقول:" هذه واحدة . والثانية أن الوطنيين فقط، جل ما يقصدون إليه تخليص بلادهم، فإذا ما عملوا لتقويتها بعد ذلك اهتموا بالنواحي المادية كما تفعل أوربا الآن، أما نحن فنعتقد أن المسلم في عنقه أمانة عليه أن يبذل نفسه ودمه وماله في سبيل أدائها تلك هداية البشر بنور الإسلام، ورفع علمه خفاقاً في كل ربوع الأرض، لا يبغي بذلك مالاً ولا جاهاً وسلطاننا على أحد ولا استعبادا لشعب، وإنما يبغي وجه الله وحده وإسعاد العالم بدينه وإعلاء كلمته، وذلك ما حدا بالسلف الصالحين رضوان الله عليهم إلى هذه الفتوح القدسية التي أدهشت الدنيا وأربت على كل ما عرف التاريخ من سرعة وعدل ونبل وفض . "

في هذا النص نجد أن حسن البنا  (يتهم) الوطنيين، بأنهم سيخلصون البلاد، ويعملون على تقويتها، وسيهتمون بالنواحي المادية، ولا نعرف ماذا يقصد بالنواحي المادية: هل تطوير المجتمع وبناء الصناعة والمدارس والمستشفيات ...الخ لتصبح الدولة متطورة كالدول الاوربية أم ماذا ؟!

علاوة علي أن حسن البنا يري من خلال النص السابق بأن الانسان عنده ليس مواطنا يعمل ويبني أسرته وبلده، بل (حسب قوله )" أن يبذل نفسه ودمه وماله في سبيل أدائها، تلك هداية البشر بنور الإسلام "؛  أي يصبح مجاهداً في أصقاع الأرض،  وهذا فعلاً ما رأيناه في السنة التي قضاها الإخوان المسلمون (من خلال حكم الرئيس مرسي في عام 2012 )، حيث تم زرع مجموعة من الجهاديين في سوريا، وفي سيناء، وربما في أماكن أخرى ليس لمحاربة مغتصبو أولى القبلتين في الإسلام وثالث الحرمين الشريفين، بل لمقاتلة غيرهم من المسلمين ؛ وهو ما عبر عنه "حسن البنا" نفسه بغرس "مبدأ البراء" ؛ حيث يذكر في رسائله- رسالة " موقفنا من الدعوات المختلفة"، حيث يقول:"  وموقفنا من الدعوات المختلفة التي طغت في هذا العصر، ففرقت القلوب، وبلبلت الأفكار أن نزنها بميزان دعوتنا، فما وافقها فمرحبا به، وما خالفها فنحن براء منه، ونحن مؤمنون بأن دعوتنا عامة محيطه لا تغادر جزءً صالحاً من أية دعوة إلا ألمت به وأشارت إليه  ".

وهنا نلاحظ من كلام البنا أن من يوافق دعوته هو براء منه، وهذا غيض من فيض من أفكار هذه الفئة الضالة والمضللة، وبهذه الافكار لن ينتجوا بناة دولة حديثة، وجل ما سينتجونه مجاهدون ليس للجهاد الحقيقي ضد أعداء الإسلام؛ بل جهاد من لم يتبع عقيدتهم، وبالتالي فمن ضمن هذه المفاهيم لن يستطيع الإخوان المسلمون بناء دولة مبنية على المواطنة، لأنهم لا يعترفون بالدولة ولا يعترفون بالمواطنة. إذن من سيحكمون؟ وماذا يحكمون؟ ولماذا ينشؤون تنظيماً سياسياً ؟ هم أنفسهم لا يعرفون ذلك!. ولكن هناك من يعرف!

إن هذه الحقائق وغيرها، تؤكد لكل منصف، أن حقوق الوطن عند الإخوان المسلمين مهدرة، لأن الوطن في حد ذاته، لا قيمة له عندهم، ولذلك لا نتعجب بعد ذلك من «نقص المناعة الوطنية» عند قيادة جماعة الإخوان المسلمين، ولا نتعجب حين نسمع عن اتهامات بتخابر مع الولايات المتحدة الأمريكية، وارتباطات أمنية ومالية مع تركيا وقطر، ولا نتعجب من التزام الرئيس "محمد مرسي" حين تعهد لحركة حماس بإعطائهم 60 كيلو متراً كمرحلة أولى لتوطين الفلسطينيين فى سيناء فى نظام مشروع توسيع نطاق مدينة غزة لمساحة ألف كيلومتر داخل أراضي سيناء المصرية .

وهنا في هذا المقال أبعث برسالتي لجماعة الإخوان المسلمين، ومعهم جماعات الإسلام السياسي في العالم شرقه وغربه فأقول لهم اسمعوا مني: إن الوطنية لاتباع ولا تشتري فهي متأصلة في النفس من الداخل، وهي شعور يخرجه الأنسان . إن الوطنية هو أن يكون لديك تضحية لوطنك وانتماء له، وهذه التضحية تكون تضحية بالدم والروح والفكر والثقافة ؛ وذلك من خلال أن تكون بلدك ودولتك مستواها يصل إلي أبعد حدود التقدم والرقي، بحيث تمثل الدرة المكنونة وسط الدول الموجودة والنجمة التي تضيئ للكل .

الوطنية ليس تخريب وتكسير وهدم وحرق، وإنما هي الاحساس بمشاكل المواطنين واحساس بالشعور الذي يشعر به المواطن البسيط، حيث إن من أبسط حقوقه أن نجعله يعيش بكرامة وعزة وبمقدرة علي الانفاق في شتي الأمور الخاصة كلها . لذلك يجب أن نحظي بقدر كبير من الاحترام لأنفسنا لأننا عرب وأن العرب يجب أن يشعروا بالفخر وبالعزة وبالكرامة، وذلك لأن الدول العربية بدأت إلي حد كبير تسترد قوتها وكرامتها وعزتها.

إن حب الوطن يفرض علينا معرفة تاريخ بلادنا كي نستخلص العبر من سير العظماء، وأن نتعلم الوفاء والعطاء والتضحية والتعاون، وأن نتعرف علي أرض بلادنا وثرواتها الطبيعية، من خلال معرفة المعالم السياحية في بلادنا، فهناك شخصيات عظيمة أدت خدمات جليلة للوطن، وأن هذه الشخصيات ترد بعض أفضال الوطن لأنهم شربوا من ماءها وعاشوا في كنفها ووجدوا فيها السكينة والأمان .

وإذا سألتموني سؤالاً: هل تحب وطنك ؟ والإجابة بكل تأكيد نعم أحب وطني، لأن وطني هو بيتي وشارعي وأهلي وجيراني، وكل مكان في الوطن ملك لي من آثار ومدارس ومستشفيات ووسائل مواصلات وغيرها كثير، ولذلك كان الوجب علي أن أحافظ علي ممتلكات الوطن وأضحي بروحي ونفسي من أجل الوطن والمواظبة والإصرار علي العمل الجاد .

إن الوطن هو المكان الذي أنتمي إليه وأعيش علي أرضه وتحت سمائه، فحق علي أن أحافظ علي وطني الذي شربت من ماءه، وعشت في كنفه، ووجدت فيه السكينة والأمان . إن حب الوطن غريزة مغروسة في النفوس وفطرة جُبلت عليها وما من إنسان مخلص إلا وهو يعتز بوطنه لأنه مهد صباه، ومدرج خطاه، ومرتع طفولته، وملجأ كهولته، ومنبع ذكرياته، وموطن آبائه وأجداده، ومأوي أبناءه وأحفاده.

فالحيوانات نفسها لا ترضي بغير وطنها بديلاً ومن أجله تضحي بكل غالي ونفيس، فالطيور تعيش في أماكنها وأوكارها لا ترضي بها بديلاً ولو وضع تحتها الحرير. وأنظر إلي الأسماك تجدها أحيانا تقطع آلاف الأميال لتعود إلي أماكنها وإلي مواقعها الأولي، بل إن بعض المخلوقات إذا تم نقلها عن موطنها الأصلي فإنها تموت، فالكل إذن يحب وطنه، والجميع يحن إلي الصبا ومراتع الشباب ولو كانت بلاده قد ينقصها شئ من حسن الطبيعة وجمال المغاني إلا أن الحب قد تعلق بهذه الأرض وبتلك الديار، ولقد صدق قول القائل:- بلادي وإن جارت علي عزيزة.. وأهلها وإن ضنو علي كرام.

وأعلموا أن مفارقة الوطن قطعة من العزيز لا يعرف هذا إلا من جربه، فحين يسافر المرء عن وطنه وعن أهله وأحبابه وأبنائه، ولو أوتي الدنيا كلها يبقي حنينه وشوقه إلي بلاده وأهله، ولذلك كان النبي صلي الله عليه وسلم شديد الشوق إلي مكة حسن غادرها إلي المدينة بعد أن أذن الله له في الهجرة وكان حبة صلي الله عليه وسلم لمكة بادياً طافحاً يعلمه كل من حوله .

وقد قال أهل الأدب إذا أردت أن تعرف الرجل فأنظر كيف تحننه إلي أوطانه وتشوقه إلي إخوانه وبكاءه علي ما مضي من زمانه، وهذا يوضح لنا بجلاء ويبين لنا أن الوطن وحب الوطن قضية لا نزاع فيها، وأنها فطرة فطر الله عليها، وشئ مغروس في داخل النفوس، وهذا يعني أن للوطن حقوق عظيمة يجب علينا أن نتعرف عليها حتي ندرك كيف يمكن لنا أن نحافظ علي الوطن وعلي ممتلكات الوطن .

إن هناك لصوصاً يتاجرون باسم الوطن نعرفهم في لحن القول يتشدقون بحب الوطن وهم يطعنون الوطن في خاصرته، هؤلاء يضربون ثوابت الدين ويستهزءون بقيم الإسلام ويحاولون أن يدمروا البلاد ويرجعوها إلي ما كانت عليه قبل الإسلام - الجاهلية الجهلاء التي لا تراعي ذمة ولا تحفظ عرضاً ولا تقوم بأمر الله كما يريد الله.

ينبغي للمواطنين القاطنين الذين يستظلون بنعمة الوطن وأمنه الوارف أن ينظروا إلي الآخر الذي افتقد هذه النعمة، وذلك بأن يعظموا هذه النعمة في نظرهم بالنظر إلي اللاجئين، وإلي المشردين، وإلي الغرباء، وإلي البعداء عن أوطانهم، والنظر إلي الفلسطيني الذي لا يستطيع أن يتحصل علي جنسية بلد ما وإلي الصومالي الذي زرع الأرض زرعاً، وإلي السوري الذي يهتف بأبيات نزار قباني من قاهرة المعز، وعمان الأردن، وجبال الأناضول، وتخوم بني غازي، وصنعاء اليمن، يهتف بما هتف به نزار سابقا: احتَضنّي .. ولا تناقش جنوني .. ذروة العقل يا حبيبي الجنونُ.. أهي مجنونةٌ بشوقي إليها .. هذه الشامُ أم أنا المجنونُ.. آه يا شام كيف أشرح ما بي .. وأنا فيك دائماً مسكون. وقال ابن الرومي: وحبَّب أوطانَ الرجالِ إليهمُ.. مآربُ قضَّاها الشبابُ هنالكا.. إذا ذكروا أوطانَهُم ذكَّرته.. عُهودَ الصبا فيها فحنّوا لذلكا.

يجب علينا أن نعرف نعمة الله عز وجل بالوطن من خلال الذين حرموا هذه النعمة، فهم يتوقون إليها وينتظرونها وينظرون إليها، ولذلك حب الوطن هو عمل بلا كلل فللأوطان كما الشاعر أحمد شوقي: في دم كل حر يد سلفت ودينا مستحق .. وللحرية الحمراء .. باب بكل يد مصرخة يدق.

إن الوطنية الحقة بناءً دؤوب، وسعي أكيد، وارتقاء بالعلم، وإحسانا في العمل ومراقبة لله في كل شئ، إن المواطنة الحقة هي انتماء لا ارتقاء، إيثار لا أثره للنفس، حماية وذود عن حياضه وبيضته . وما أجمل قول القائل: – رِجالَ الغَدِ المَأمولِ .. إِنّا بِحاجَةٍ إِلى قادَةٍ تَبني وَشَعبٍ يُعَمِّرُ.. وإِلى عالِمٍ يَدعو وَداعٍ يُذَكِّرُ … فَسُدّوا النَقصَ فينا وَشَمِّروا.. لا تَترُكوا غَداً يَمُرُّ مُرورَ الأَمسِ وَالعَيشُ أَغبَرُ .. إِنَّ بِلادَكُم تُناشِدُكُم بِاللَهِ أَن تَتَذَكَّروا.. عَلَيكُم حُقوقٌ لِلبِلادِ أَجَلُّها تَعَهُّدُ رَوضِ العِلمِ فَالرَوضُ مُقفِرُ.. قُصارى مُنى أَوطانِكُم أَن تَرى لَكُم يَداً تَبتَني مَجداً وَرَأساً يُفَكِّرُ.. فَكونوا رِجالاً عامِلينَ أَعِزَّةً وَصونوا حِمى أَوطانِكُم وَتَحَرَّروا.

إن حب الوطن قيمة أخلاقية تظهر علي السلوك، فهي ليست ادعاء ولا التواء، إن حب الوطن أكبر من قصيدة عصماء . كيف يدعي حب الوطن من لا يري منه إلا الهنات ولا يقف منه إلا علي الجروح لا تراه مثنيا علي الوطن أبدا، إنما يقف علي هناته، وعلي عوراته، وعلي عيوبه، وإن لبس مسوح الاصلاح، وإن خلع خلعة النقد الهادم .

كيف يدعي حب الوطن من لا يشده إليه إلا الدوام أو الوظيفة أو مكتسب العيش وما عدا ذلك فتراه محلقاً شرقاً أو غرباً حتي في يوم الوطن لا تكاد تراهم في الوطن، كيف يدعي حب الوطن من يجني منه خيراته ويستثمرها في الغير وهو يحلبه حلباً ولا ينتمي إليه انتماءً.

إن حب الوطن أفعال لا أقوال، انتماء لا التواء، حب الوطن علاقة خاصة تكفر بمفسدات أي علاقة وتؤمن بقضايا أهمها أن الوطن جميل وإن لم يكن كذلك، كريم وإن لم يكن كذلك، إنها قضية الحب الأعمي الذي لا يجعلك تصير إلا لمحاسنه ولا تقف إلا علي عذباته وتستعذب الأرض التي لا هواء بها ولا ماء ولكنها وطني . نعم هي علاقة خاصة تعميك عن مساوئه وتجعلك تبصر ما تكون علي محاسنه ومكارمه .

إن حب الوطن هي أن تبذل من دمك ومالك .. من أجل حرية هذا الوطن، أن تقدم روحك من أجل هذا الوطن، فالوطنية الحقيقية أن تكون غيورا على هذا البلد أن تحزن من قلبك عندما تراه يضيع يوميا أمام عينيك ..ولا تحرك ساكنا …ولا يتحرك فيك عرق ولا ينبض فيك نبض.الوطنية هي أن .. تحافظ على مكتسبات هذا الوطن من الضياع .الوطنية أن تتقن عملك وتحب أبناء بلدك بالتسامح وأن تعمل على رفعة شأن الوطن ولا تحط من قدرة، ولا تستخف بجهود العاملين بجد وإخلاص، وأن لا تكون سلبيا في حياتك، وأن لا تقل “ما يخصنيش” المهم رأسي سالم وليذهب الساسة للجحيم .. نعم كن وطنيا بحق ولا تقبل دون ذلك ولا تكن تاجرا يبيع الوطن في الليل ويدعي الوطنية في النهار …!!

واختم كلامي بتلك الكلمات التي غناها المطرب التونسي المبدع لطفي بشناق:" مواطن وحائر أنتظر منكم جواب.. منزلي في كل شارع.. كل ركن وكل باب.. وأكتفي بصمتي وصبري ثروتي حفنة تراب.. ما أخاف الفقر لكن كل خوفي من الضباب.. لا حروب ولا خراب لا مصائب لامحن.. خذو المناصب والمكاسب لكن خلولي الوطن.. خذو المناصب والمكاسب بربي خلولي الوطن.. يا وطن وأنت حبيبي وأنت عزي وتاج رأسي.. أنت يا فخر المواطن والمناضل والسياسي.. أنت أجمل وأنت أغلى وأنت أعظم من الكراسي.. ومن غياب الوعي عنكم كم أخاف من الغياب .. سادتي وأنتم حكمتم حكمكم حكم الصواب.. وثورتي كانت غنيمة وافرها الحضرة جناب.. لا يهموا لا أبالي الدنيا دائسها بمداسي.. لكن خلولي بلادي .. لكن خلولي بلادي.. لكن خلولي بلادي.. وكل ما قلتم على رأسي يا هنايا إن كان مثلي لا يهمه من ومن .. انتم أصحاب الفخامة والزعامة وأدري لن أكون يوم منكم يشهد الله والزمن.. انا حلمي بس كلمة أن يظل عندي وطن"

حفظ الله الوطن .. وحفظ الله مصر والعراق وكل دول الوطن العربي .. اللهم استجب.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل- جامعة أسيوط

 

محمد عبد الكريم يوسفإدارة الشكوى من العلوم الحديثة في الإدارة  لأنها تعزز العلاقة بين الإدارة والعاملين وبين الإدارة والزبائن . تهدف إدارة الشكوى إلى تحقيق رضا المتعاملين مع الإدارة وحفظ التواصل والعلاقة الطيبة وبالتالي الحصول على أفضل خدمة ممكنة . تتضمن إدارة الشكوى الموضوعات التالية:

1- فريق إدارة الشكوى

2- تقديم الشكوى

3- تلقي الشكوى

4- معالجة الشكوى

5- إدارة الشكوى

6- ابلاغ المشتكي بحل شكواه .

7- التشجيع والحث على العمل الجيد .

8- تجميع الأفكار والحصول على نتائج  جيدة .

كانت الإدارات في الماضي تتلافى وجود شكاوى من العاملين أو الزبائن أو المواطنين وتعتبر الشكوى نقطة ضعف في الإدارة وفي بعض الحالات كانت الشكوى تحل بطريقة سرية أو غير مؤهلة بعيدا عن الاعلام أو معرفة الإدارة العليا.

أما خلال السنوات القليلة الماضية فقد أدركت الإدارة أهمية شكوى العاملين أو الزبائن أو المواطنين وسماع أرائهم وتعليقاتهم المختلفة فيما يتعلق بالمنتجات والخدمات التي تقدمها الإدارة وبالتالي دراسة هذه الآراء والاستفادة والمقترحات وحلها وتطوير المنتجات المقدمة بما يحقق الرضى والمردودية العالية .

وقد أظهرت الدراسات والمسوحات أن نسبة قليلة من العاملين أو الزبائن أو المواطنين يشتكون للإدارات على المنتجات والخدمات التي تقدمها الإدارة . يجب أن نعلم أن تقديم الشكوى فرصة نادرة للإدارة لتصحيح الأخطاء ومعالجتها والاطلاع على الأفكار الجديدة .

تشجيع العاملين والزبائن والعملاء على تقديم الشكوى:

على الإدارة أن تشجع العاملين والزبائن والعملاء على تقديم الشكوى والاستماع إليها ومعالجتها بشفافية وسرية ومصداقية لأنها وسيلة جيدة لمعرفة نظرة الآخرين للإدارة وكيف يقيمون نشاطها وأدائها . إن تعبير العاملين أو الزبائن أو العملاء عن أرائهم واقتراحاتهم خطوة أولى نحو بناء الثقة بين الإدارة والمتعاملين على اخلاف أنواعهم وثقافتهم ودرجاتهم وأصنافهم . ويمكن للإدارة تشجيع الزبائن والعملاء والعاملين لتقديم الشكوى أو المقترحات باتباع الاجراءات التالية:

1- المتابعة الحثيثة للمشكلات التي تصل إلى الإدارة بأي طريق ممكنة .

2- تأسيس مدونة سلوك يوقع عليها جميع العاملين المسؤولين عن تنفيذ الأعمال والتعامل مع الزبائن والمراجعين .

3- إنشاء منبر تواصل الكتروني مباشر بين الإدارة أو العملاء  بحيث يستطيع من يشاء من المواطنين أو الزبائن أو العملاء على التواصل المباشر مع الإدارة  بهدف تطوير العمل والاستماع إلى الآراء المختلفة والاستجابة لها ضمن مدة محددة من الوقت .

4- تحديد يوم كل اسبوع للمقابلات الشخصية مع الإدارية وتدوين محتوى المقابلات مع الإدارة وابلاغ صاحب العلاقة ( المشتكي ) أو المراجع بجواب مناسب لشكواه خلال مدة محددة من الزمن .

5- منح الزبائن عند منافذ البيع أو نقاط التماس مع المواطنين بطاقات تحمل الطابع والتاريخ وعنوان الإدارة المختصة الالكتروني لتدوين ملاحظاتهم عليها حول الخدمات والمنتجات التي تقدمها الإدارة .

6- توفير أرقام هواتف ساخنة مجانية للتواصل مع الإدارة  على مدار 24 باليوم.

7- تقديم خدمة الترحيب على الموقع الإلكتروني للإدارة لتشجيع الزوار على الحديث والتواصل مع الإدارة .

8- تقديم خدمة ما بعد البيع وتعزيزها عبر استبيانات وخدمات وأسئلة ومسابقات وعروض .

9- تقديم مراكز خدمة الزبائن عند نقاط البيع أو نقاط التواصل مع الإدارة .

10- التقرب من العاملين والزبائن والعملاء للتحقق من مدى الرضى.

11- تقديم عروض بإعادة المبالغ المدفوعة في حال عدم رضا الزبون عن الخدمة أو المنتج (خلال مدة زمنية معلنة) .

12- تعزيز خدمة ما بعد البيع وتوفير قطع الغيار والصيانة والمعلومات والحلول والحلول البديلة .

فريق إدارة الشكوى:

يجب أن يكون فريق إدارة الشكوى من  الكفاءات المدربة جيدا في ميادين علمية شتى في القانون والفكر والاقتصاد وعلم النفس والإدارة ويجب أن يمتلكوا الخبرة الكافية لدراسة الشكوى واحالتها للجهات المعنية في الإجابة . تقوم الإدارة بتشكل فريق سري وفريق معلوماتي كفؤ مجهول للأخرين ومعلوم جيدا للإدارة بحيث تظهر الإدارة وكأنها من يعالج الشكوى شخصيا .

تقديم الشكوى:

تقدم الشكوى هو الخطوة الأولى في العلاقة بين الإدارة والزبون أو العامل. يجب التعامل مع الشكوى بجدية وسرية بحيث يتم تسجيلها واحالتها إلى الأقسام المعنية للإجابة خلال مدة زمنية محددة ثم نشر الرد بالطريقة المناسبة . وفي حال تقديم الشكوى على الإدارة أن تعلم أنها صارت على الطريق الصحيح لبناء الثقة بينها وبين العامل أو الزبون أو العميل. وعلى الإدارة أن تعلم المشتكي أنها استلمت الشكوى في الوقت المناسب وأنها سترد على الشكوى خلال مدة زمنية تحددها الإدارة وتعلمه بها . وفي أقصى الحالات يجب أن يتم اعلام المشتكي بتلقي شكواه خلال مدة زمنية لا تتجاوز /5/ أيام .

معالجة الشكوى:

معالجة الشكوى خطوة فورية ومطلوبة لبرمجة الشكوى ومشكلة العامل أو الزبون أو العميل والبدء بتخفيف المشكلة أو الخلاف أو المعاناة . إن شعور العامل أو الزبون أو العميل بأن هناك من يهتم بمشكلته يعطيه الشعور بالرضى التام تجاه الإدارة، وفي حال استجابت الإدارة للشكوى خلال مدة محددة يمنحه الشعور بالسعادة التامة . يمكن أن تتم معالجة الشكوى وجاهيا عن طريق المقابلات التقليدية  أو  منبر تواصل محددة لهذه الغاية  أو من خلال الموقع الإلكتروني للإدارة ويجب اعلام المشتكي بالمدة المتوقعة لمعالجة الشكوى بحيث لا تتعدى معالجة الشكوى مدة /20/ يوما .

أما قواعد معالجة الشكوى المقدمة فيمكن أن نلخصها بما يلي:

1- الاصغاء.

2- التحقق من وجود المشكلة .

3- تقديم حل مقبول .

4- الالتزام بالحل.

5- المتابعة .

6- تنفيذ اجراءات تصعيدية عند الضرورة .

الاصغاء عامل مهم عند معالجة الشكوى لأن عدم الاكتراث بالمشكلة هو أكثر ما يثير غضب العامل أو الزبون أو العميل . يتحقق الاصغاء باتباع القواعد التالية:

1- اصغ إلى ما يقال.

2- لا تقاطع.

3- دوّن الملاحظات .

4- أظهر التعاطف.

5- المحافظة على الهدوء .

6- الاتزان عند مقاربة الحل أو مناقشته .

7- وفي حال كان الاصغاء بالوسائل الإلكترونية يمكن ابلاغ المشتكي بأن شكواه قيد الدراسة من الإدارة .

ويمكن تشجيع تقديم الشكوى الإلكترونية عبر الوسائل المتاحة . الشكوى الالكترونية تتيح للشخص الوقت الكافي والحرية التامة في كتابة شكواه وهي أكثر سرعة في الوصول وأكثر حيادية ويمكن الرد الشخصي والتأكد من حل المشكلة  والقيام بالتغذية الراجعة .

على الإدارة أن تبحث عن حلول سريعة ومنطقية للمشكلات المعروضة وعليها أن تعالجها  قبل الدخول في تسويات. التسويات خلاصة المساومات بين الأطراف وهي ليست حلا للمشكلة القائمة وإنما حل مؤقت لمشكلة محددة بعينها. على الإدارة أن تستقصي أسباب الشكوى وتعالجها من جذورها حتى لا تتكرر وعليها اتخاذ الإجراءات المناسبة لمنع تكرارها .

الإدارة الجيدة هي التي تأخذ كل شكوى بمفردها على محمل الجد وتحيلها للمختصين للمعالجة وايجاد الحلول أو التطوير أو الأخذ بالمقترحات .

يحض علماء السلوك على ضرورة دراسة الإنسان وطريقة تعامله مع الشكوى  بالإضافة إلى دراسة سلوك الإدارة وطريقة مقاربتها  للشكوى المقدمة . إن تقديم الشكوى اعتراف بالإدارة وثقة فيها وأنها قادرة على الاستجابة بعادلة لشكوى المواطن أو الزبون أو العميل . ومعالجة الإدارة للشكوى المقدمة ضمن مدة محددة دليل جدية وشفافية يعمل على تشجيع العامل على العمل الجيد ويحث الزبون أو العميل على التصرف بمسؤولية تجاه الخدمات أو المنتجات التي تقدمها الإدارة . ويجمع علماء السلوك على أن العوامل التي تحفز الإنسان للقيام بعمله هي:

1- التفاعل والتعاطي والارتباط بالآخرين .

2- الإنجازات الكبيرة .

3- الاعتراف.

4- التقدير .

5- الشعور بالانتماء للمؤسسة الني يعمل بها .

أما التعاطي فيتم عن طريق احترام أفكار الآخرين والعمل بها إذا كانت جيدة والاهتمام الصادق بها ومعالجتها بحكمة وعقلانية ويمكن تحقيق التفاعل عن طريق:

1- الدعوة إلى اجتماعات مناقشة صغيرة .

2- الاقتراحات الرسمية لمخططات ومشاريع صغيرة.

3- مجموعات عمل نوعية .

4- دورات تجميع الأفكار.

5- تطبيق سياسة الباب المفتوح في العمل.

6- اسناد مهمات فعالة وعملية متعددة للعاملين .

7- الاصغاء وتبادل الحديث مع العاملين .

8- الاتصالات الصريحة والواضحة .

الانجازات هي ما يسعى إليه كل الناس . على الإدارة أن تشجع ثقافة الانجاز في المؤسسة بحيث يسعى الجميع إلى تحقيق أعلى وأفضل انتاج وربحية .

الاعتراف والتقدير هما الكلمات السحريتان وبهما يتم التعبير عن الشكر للمؤسسة والعامل والمشتكي والزبون . وهذا يعتمد على الوضع القائم والحالة المتوقعة .

الاطراء في أجواء العمل شيء جميل يبحث عنه الجميع، ويمكن اتباع الخطوات التالية لنشر الاعتراف والتقدير في المؤسسة:

1- الاطراء من خلال الاجتماعات العامة .

2- نشر رسالة الاطراء والتقدير على الموقع الالكتروني أو في لوحة الاعلانات.

3- نشر مقالة أو بحث عن الموضوع المثار على الموقع الالكتروني للمؤسسة أو في المجلة الدورية الخاصة بالشركة .

4- تهنئة العامل بحضور زملاء العمل.

5- تسمية الفكرة الناجحة باسم صاحبها .

6- دعوة الموظفين الناجحين وزوجاتهم لحفلة تكريمية .

7- تقديم المكافآت المالية .

إن تعزيز الشعور بالانتماء من أهم الحاجات الأساسية للإنسان والشعور بالانتماء للمؤسسة يساوي في الأهمية الانتماء للوطن. ويمكن تعزيز الشعور بالانتماء باتباع الخطوات التالية:

1- حرية التواصل والتعاطي مع الإدارة.

2- التخلي عن عبارة "هم" واستبدالها بعبارة " نحن " .

3- التقدير العلني لإنجازات العاملين .

4- تأمين النشاطات الرياضية والاجتماعية للعاملين .

وعلى الإدارة أن تدرك جليا أن إنجاز المدير هو انجاز للعاملين، ويجب أن يتم توجيه الاطراء حتى أصغر موظف  ساهم في انجاز العمل المطلوب .

الشكوى والاستجابة للشكوى من مؤشرات مكافحة الخلل والفساد داخل المؤسسة وهي مؤشر على جودة الخدمة التي تقدمها الإدارة للآخرين . هناك نقاط يتم احتسابها وفق الأعراف الدولية عند معالجة الشكوى والاستجابة لها وفقا لما يلي:

شريحة القياس                               النقاط

معالجة الشكوى خلال 15 يوما            20

المعالجة الفردية خلال 10 أيام             15

المعالجة خلال 20 يوما                     10

المعالجة خلال 25 يوما                    5

عدم المعالجة                              صفر

وعلى الإدارة توثيق الشكوى والاستجابة للشكوى بالطرق التقليدية إما بالطرق التقليدية أو الالكترونية . يمكن للإدارة أن تؤسس منبرا للتواصل بينها وبين الآخرين من عاملين أو زبائن أو عملاء يتيح لمن يريد التواصل المباشر مع الإدارة  من دون وسيط حيث يتم تسجيل الدخول الصحيح من بريد الكتروني واسم شخصي و رقم هوية ورقم هاتف ومعطيات تدل على مصداقية ووجود المشتكي الحقيقي وتوثيق الشكوى وعرضها بالتفصيل والوثائق ثم الاستجابة للشكوى وفق المدة المحددة في الجدول أعلاه .

تعتبر الشكوى نوعا مميزا من استطلاع الرأي تقوم به الإدارة وتستفيد منه في تقوم الخطأ ومراجعة القرارات والتوجهات بما يحقق الرضا المتبادل بين الإدارة والعامل والزبون والعميل .

تساعد الشكوى في رفع كفاءة الخدمة المقدمة وتطوير سرعة الخدمة وتعزيز مستوى الشفافية في المؤسسة وتزيد سرعة الاستجابة كما تطور الجوانب التنظيمية واللوجستية داخل المؤسسة

رضا العامل أو الزبون أو العميل هو أقصى ما تريده إدارة المؤسسات في عملها لأن ذلك يؤثر بإيجابية على المنتج أو الخدمة المقدمة . يتحقق رضا العامل أو الزبون أو المتعامل من خلال اشراكه في توجيه المؤسسة نحو ما يحقق الفوائد المتبادلة . ويمكن تطوير رضا العامل داخل المؤسسة من خلال تحسين بيئة العمل والتحفيز وتكافؤ الفرص وتلاؤم العمل مع التأهيل الاداري والتخصص العلمي والتدريب الجيد والتأهيل الأكاديمي والمعرفي المتخصص والتقويم والقياس والتغذية الراجعة . ويمكن قياس مستوى رضا العامل داخل المؤسسة من خلال استطلاعات تنشر  في الوسائل الاعلامية داخل المؤسسة أو على الموقع الإلكتروني  أو من خلال استطلاعات الرأي  والجولات والزيارات الميدانية .

تلجأ الكثير من المؤسسات الدولية التي تنتشر في مناطق واسعة من العالم أو الشركات متعددة الجنسيات إلى تأسيس منبر تواصل بينها وبين الآخرين يستطيعون من خلاله التواصل الفعال والشفاف حول المشكلات التي يواجههاالعاملون أو الزبائن أو العملاء . يقوم منبر التواصل على تطبيق الكتروني ذكي يتيح للمتعامل امكانية تقديم الاقتراح أو الشكوى من خلال نافذة على سطح المكتب . يمثل منبر التواصل صلة وصل ونافذة تفاعلية تسمح بقياس معايير الأداء الإداري ومعايير الرضا عن الخدمات والمنتجات والاجراءات ومقياس لمعرفة مواطن الخلل داخل المؤسسة والكشف عن مواطن الفساد ومعالجتها بدقة وموثوقية . ويعتبر منبر التواصل جسرا بين الإدارة والعامل أو الزبون أو العميل  أو أهل الاختصاص والخبرة .

منبر تواصل:

يتم استعمال خدمة منبر تواصل وفق الاجراءات التالية:

1- الدخول إلى الواجهة الرئيسية لخدمة منبر تواصل وتسجيل الدخول عن طريق إدخال بريد الكتروني صحيح واسم صحيح وكلمة مرور .

2- نختار ايقونة مستخدم جديد للدخول كمستخدم جديد عند الدخول لأول مرة حيث يتم جمع المعلومات الشخصية التالية: الاسم الثلاثي، البريد الالكتروني، تاريخ الميلاد، مكان الولادة، الرقم الوطني للهوية الشخصية، المحافظة، رقم الهاتف، المدينة ويجب ملء هذه الحقول لأنها ليست خيارية . ويتم التحقق من صدقية المعلومات لأنها مرتبطة بالجهات التي تمتلك معلومات شخصية عن المواطن .

3- يتم حفظ المعلومات والتأشير على مربع تذكر إذا كنت تريد حفظ المعلومات دائما وتذكرها عند الدخول في المرات التالية .

4- يتم الضغط على زر متابعة في حال الرغبة في تقديم اقتراح أو شكوى .

5- يتم وضع عنوان للمادة التي تريد أن تقدمها: شكوى بعنوان ...أو اقتراح بعنوان.....  ثم الانتقال إلى مربع الكتابة حيث يتم لصق المادة التي تريد تقديمها إذا كانت مكتوبة على معالج النصوص ورد أو كتابتها مباشرة على الموقع . ثم نضغط ايقونة ارسال . سيظهر لك عبارة تم الارسال وهي قيد المعالجة . عند الدخول مرة ثانية ستجد أن المادة التي قدمتها قد نشرت وبجانبها ايقونة قيد المعالجة .

6- لا يتم قبول المادة المقدمة إلا إذا كانت مرفقة بالرقم الوطني في كل مرة لتقليل الخطأ .

7- يتم اتباع سياسة الخصوصية عند معالجة الشكوى أو الاقتراح بحيث يتم معالجتها الكترونيا ومن دون عرض الأسماء .

8- يتم نشر نتيجة معالجة الشكوى والتحقق منها باتباع سياسة الخصوصية المتبعة في مثل هذا النوع من البرامج .

9- يتم اتباع سياسة الحماية للمعلومات والبيانات الخاصة بالمستخدمين .

10- على المستخدم أن يتبع سياسة المصداقية في التعامل مع منبر تواصل تحت طائلة الحظر من التعامل مع المنبر في المرات القادمة أو اتخاذ الاجراءات المناسبة بحق من يسيء استخدام المنبر أو يستخدم عبارات نابية بحق الآخرين أو رسوم ساخرة أو أي تصرف ينافي الذوق العام والانضباط الأخلاقي تجاه المستخدم والأخرين .

11- لا يجوز للمستخدم أن يسجل في المنبر بأكثر من حساب وفي حال اكتشاف ذلك يعد ذلك انتهاكا لقوانين المنبر ويلغى حساب المشترك .

12- لا يجوز استخدام نفس الحساب من شخص أو أشخاص آخرين . الحساب شخصي ولا يحق لأحد غير المستخدم استعماله . كما لا يجوز انتحال أسماء رمزية لسياسيين أو رجال فكر أو اعلام أو فن . يتم الدخول بالاسم الشخصي الثلاثي فقط .

13- لا يجوز التعرض للشخصيات العامة أو الحكومية تحت أي ظرف من الظروف . ويجب التقيد بحدود الأدب العام في عرض أي قضية تمس هذه الشخصيات من دون اساءة أو تجريح أو قدح أو ذم .

14- لا يجوز الاستهزاء بالآخرين مهما كان لونهم أو جنسيتهم أو انتمائهم.

15- الالتزام بأصول وقواعد وقوانين النشر .

16- يجب استخدام اللغة العربية الفصحى وعدم استخدام اللهجات والأمثال والعبارات غير المفهومة .

17- لا يجوز استخدام المنشورات السياسية أو الدينية أو الطائفية أو العرقية .

18- لا يجوز استخدام منشورات مخالفة للقانون .

19- لا يجوز كتابة تعليقات غير مفهومة أو غير مفيدة أو الترويج لأفكار أو منتجات أو خدمات .

20- يلتزم منبر التواصل بحماية السرية الخاصة بالمستخدمين .

الشكوى مقياس عمل المؤسسة تجاه المتعاملين معها من زبائن وعاملين وعملاء  وكلما كانت المؤسسة ناجحة في الاستجابة للشكوى ومعالجتها تكون قد انتهزت فرصة سانحة لتصحيح الخطأ ومكافحة الفساد وتعزيز صورتها الايجابية .

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

.........................

المراجع

PHP Applications

أدبيات وزارة التنمية الإدارية في سورية  2017-2018

Stress Management, Ravette Publishing ,1999

Customer Care , J.Wellemin,Hodder&Stoughton,1998

 

عدنان عويدمدخل: كثيراً ما نتداول مفردة (العقل) في أحاديتنا وكتاباتنا وحواراتنا ونتحاجج به محاولين إقناع بعضنا بأن ما نطرحه هو أمر عقلاني، أو قريب من العقل، أو بعيد عنه.. فرجل الدين يحاجج بالعقل، وكذلك السياسي ورجل الفكر الوضعي والرجل العادي.. الخ. ولكن يظل السؤال المشروع الذي يطرح نفسه علينا هنا وهو: أي عقل هذا الذي نتكئ عليه ونتحاجج به في حواراتنا، ونشهره كمعادل للحقيقة بوجه الآخرين؟. ثم ما هي المرجعية التاريخية والفلسفية لهذا العقل؟. وما هي آلية عمله؟. وأسئلة أخرى كثيرة تتوارد هنا حول هذا العقل الذي نعتز به جميعاً ونفتخر بأننا من حملته والمبشرين به.

سأحاول في هذه الدراسة المتواضعة أن أجيب عن تلك الأسئلة قدر فهمي وقدرتي على التعامل مع هذا الموضوع الشائك، مع إيماني بأن للحوار والرأي الاخر دوراً في إغناء هذا الموضوع الاشكالي.

لا شك أن هناك فرقاً بين العقل من الناحية الفلسفية والتاريخية، في تكوينه ودلالاته وآلية عمله، وبين الدماغ من الناحية العضوية والفيزيولوجية في تكوينه وآلية عمله أيضا.

فالدماغ هو العضو الرئيس في الجهاز العصبي لدى الإنسان والحيوان، ومكانه في أعلى هرم جسد الإنسان، مهمته جمع المعلومات وتحليلها، إضافة إلى سيطرته على معظم أعضاء الجسم وإدارته، وكذلك تخزينه للمعلومات المكتسبة، وإعادة إنتاجها من هذا المخزون.

والدماغ يتألف من عشرات المليارات من الخلايا العصبية وكل عصبة فيه ترتبط أحيانا مع الآلاف من الأعصاب المجاورة لها. هذا ويتألف دماغ الإنسان من عدة أقسام: هي المخ والمخيخ والبصلة السيسائية. (1).

أما العقل النظري أو الفكري، فهو مجموعة من القوى الإدراكية التي تتضمن الوعي، والمعرفة، والتفكير، والحكم، واللغة والذاكرة والتقويم والرغبات والتخيل، هذا إضافة إلى التعبير عن السمات الشخصية للفرد والجماعة، والتي استطاع الدماغ بآلية عمله الفيزيولوجية، وعبر حواس الإنسان تشكيلها بعد إجراء عمليات طويلة من التحليل والتركيب والمطابقة الحسية مع الظواهر التي يتعامل معها. هذا مع تأكيدنا بأن العقل المعرفي نفسه ظاهره تخضع للدراسة وتكوين المعرفة عنها. وغالبًا ما يعرف العقل بملكة الشخص الفكرية والإدراكية.

يستطيع العقل المعرفي عبر آلية عمل الدماغ وبعد كسب أو تحصيل الملومات أو المعرفة، التخيل في عالم افتراضي، والتمييز بين الظواهر المتشكلة لديه ذهنياً من خلال الواقع المحيط به طبيعياً واجتماعياً، إضافة لتقدير هذه الظواهر والحكم عليها. وهو مسؤول أيضاً عن معالجة المشاعر والانفعالات، وهو الدافع والمحرك لممارستها عبر الواقع.

أمام هذا المعطيات المعقدة لمكانة العقل، كان وما زال هناك جدل في الفلسفة، والدين، والعلوم، حول العقل وماهيته وصفاته، ووظيفته وأشكاله ومرجعياته الفلسفية والتاريخية.

فهناك من ربط هذه المرجعية باللاهوت، وهناك من ربطها بالروح أو النفس أو الحدس، أو الواقع المعيوش أو الدماغ... إلخ. وهو جدل يعود في حقيقة أمره إلى ما قبل الميلاد مع كبار الفلاسفة اليونانيين مثل افلاطون، وسقراط، وأرسطو، (2)، ومع كبار الفلاسفة الإسلامين مثل الفارابي، والكندي، وابن سينا، وابن رشد، ثم مع معظم مفكري العصور الوسطى وما تلاها في أوربة مثل اوغست كونت، وكانت، وهيوم، وسبينوزا، وديكارت، ثم فلاسفة عصر التنوير، وهيجل، والهيجلين الشباب، وماركس، ومفكري مدرسة فرانكفورت، وأوغست كونت، وصولاً إلى مفكري وفلاسفة التاريخ المعاصر.

وبناءً على ذلك سنقوم بتحديد بعض الرؤى الأساسية التي وصلت إلى تحديد مرجعيات العقل ومكانته وسماته وخصائصه، وبالتالي دوره في حياة الفرد والمجتمع، مثل:

العقل اللاهوتي:

يعتبر هذا العقل نتاج المرحلة الاولى من التطور البشري، حيث كان الانسان يفكر فيها بطريقة غيبية، لاعتقاده بأن الطبيعة تسير وفق أهواء ورغبات قوى خفية مفارقة للطبيعة بشقيها الطبيعي والإنساني وتتحكم فيها، وهذا يعني أن هناك حتمية غيبية (مفارقة للواقع) تتحكم في سيرورة وصيرورة هذه الطبيعة، مع وجود اعتقاد أيضا لدى البعض في مرحلة لا حقة بأن للصدفة دوراً هاماً في تحديد هذه السيرورة والصيرورة. والعقل في الفكر اللاهوتي الديني وخاصة في الفكر الإسلامي الأصولي منه على سبيل المثال لا الحصر، لا يخرج في الحقيقة عن هذا التصور اللاهوتي في مرجعية العقل. حيث ورد حديث للرسول أورده أبو هريرة يقول فيه عن مرجعية العقل ودوره ومكانته في حياة الإنسان:" لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْعَقْلَ قَالَ لَهُ : قُمْ، فَقَامَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : اقْعُدْ فَقَعَدَ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : مَا خَلَقْتُ خَلْقًا خَيْرًا مِنْكَ، وَلا أَكْرَمَ مِنْكَ، وَلا أَفْضَلَ مِنْكَ، وَلا أَحْسَنَ مِنْكَ، بِكَ آخُذُ، وَبِكَ أُعْطِي، وَبِكَ أُعِزُّ، وَبِكَ أُعْرَفُ، وَإِيَّاكَ أُعَاتِبُ، بِكَ الثَّوَابُ، وَعَلَيْكَ الْعِقَابُ " .) (3).

إن العقل هنا معطى الهياً فرضته حتمية جبرية من خارج التاريخ البشري، أي منحه الله وجسد فيه القدرة على تحديد مسار الإنسان ومآله. وبالتالي لا يوجد أي دور لحياة الإنسان ونشاطه، في تشكيل هذا العقل، أو تحديد مساره ومآله. (وعلم آدام الأسماء كلها). وهذا ما يسمى فلسفياً بالمثالية الموضوعية.

العقل الميتافيزيقي:

إن العقل وفق هذه المرجعية يمثل قدرة قائمة بذاتها، ومفتوحاً على كل الأفق، وهو منذور لحدوسه وتأملاته الباطنية الفردية، ومنذوراً لفكره الشخصي، ولأصالته ككائن متفرّد، ولا يمنع هذا من استرشاده واستفادته من فكر الآخرين. لكنه في كل الأحوال، غير ملزم بما يقوله هؤلاء وأولئك، أو ما يجري في الواقع من أحداث وتأثيرها على الإنسان ذاته وفكره، بل هو سيد تأملاته، حتى لو لم توصله هذه التأملات لشيء ذي بال. (أنا أفكر إذاً أنا موجود). وهنا تتجسد المثالية الذاتية في هذا العقل الميتافيزيقي، وهي عقلية معرفية تقوم بإنتاج المعرفة من ذاتها كما أشرنا أعلاه.

لقد انتقل الانسان مع العقل الميتافيزيقي (المثالي الذاتي) من التفكير بطريقة غيبية تعتمد الخيال والاستسلام للقدرات الغيبية في العقل اللاهوتي، الى التفكير بطريقة (تأملية) مجردة تعتمد على العقل في صيغته المثالية الذاتية، وفي هذه المرحلة كف العقل البشري في نموذجه هذا عن تفسير الظواهر بقوى غيبية مفارقة لها، وافترض أن هناك قوى خاصةً بكل ظاهرة منفردة، كامنة فيها وملازمة لها. فاذا كان الانسان في مرحلة العقل اللاهوتي يعتقد أن ظاهرة ونمو النبات أو احتراق الخشب ترجع الى إله النماء أو إله النار أو إلى الله في مرحلة لاحقة، فانه في مرحلة العقل الميتافزيقي يفسر ظاهرتي النمو والاحتراق بقوى كامنة فيهما، فالنبات ينمو لان فيه قوة النماء، والخشب يحترق لان فيه قوة الاحتراق ..الخ. ومع ذلك لم يستطع العقل هنا أن يتخلص من أسر الوهم والخيال للخروج إلى عالم الحياة الحقيقة، عالم نشاط الإنسان ودوره في تكوين العقل وتحديد سماته وخصائصه الواقعية.

العقل الوضعي:

في هذه المرحلة التاريخية التي وصل فيها العقل الإنساني إلى أنموذج التفكير الوضعي، يكون قد وصل العقل إلى مرحلة متقدمة من نضوجه، حيث ترك أو تجاوز العقل الوضعي فيها الطرق القديمة في تفسير الظواهر (اللاهوتية والميتافيزيقية) وبدأ يفسرها بطرق قائمة على المعطيات العلمية التي أنجزها الإنسان، وهي معطيات قائمة على الملاحظة والتجربة ومسترشدة بالعيني والمحسوس.

إن العقل في المرحلة العلمية "الوضعية" يطرح على نفسه سؤالاً أساسياً وهو: ماهي العلاقة السائدة بين الظواهر الطبيعية؟ والسبب في هذا الطرح هو الوصول الى معرفة وتحديد القوانين المتحكمة في الطبيعة والمجتمع موضوعياً، بيد أنه لم يستطع الخروج من أسار خضوع الطبيعة الى (حتمية) ما تتحكم في سيرورة وصيرورة هذه القوانين، وبالتالي يظل الهاجس المعرفي في هذا العقل الوضعي قائماً ومشروعاً لديه من خلال التأكيد على أن معرفتنا لشروط هذه الحتمية ستمنحنا قدرة التأثير على الظواهر أو التنبؤ بما قد يطرأ عليها من تغير. فإذا كان العقل مثلا يفسر ظاهرة "الندى" في المرحلة اللاهوتية تفسيرا أسطوريا باعتباره (دموعا لآلهة الصباح)، ويفسرها في المرحلة الميتافزيقية بأنه يتساقط من السماء ليلاً، فإن العقل في المرحلة الوضعية (العلمية) استطاع أن يدرك بأن العلاقة العلمية بين اختلاف درجات الحرارة في الليل والنهار، وبين تولد الندى في النبات، هي من يسبب طاهرة الندى. وهكذا يكون الحال بالنسبة لتفسير ظواهر الطبيعية الأخرى.(4) .

إذن لقد سيطرت أو فرضت روح القوانين العلمية بحتميتها هذه نفسها على مسألة التعامل مع الظواهر الخاضعة للبحث، وبالتالي فقد العقل اللاهوتي والميتافيزيقي دورهما بالبحث وتقويم الظواهر  هنا.

العقل الوضعي المنطقي:

إن أبرز ما يطرحه دعاة هذا التيار الوضعي المنطقي الحديث الذي جاء مع نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، هو التأكيد على أن معرفتنا الفلسفية للعالم المحيط بنا تقوم على (التحليل أو الاستنتاج المنطقي) المجرد، بينما المعرفة الوضعية المنطقية لهذا العالم فتقوم أو تأتي عن طريق (التجربة) وحدها، وأن شأنها شأن بقية العلوم في هذه المعرفة، معتمدين في ذلك على المنطق الرياضي الرمزي المعاصر، وهو أحد حقول الرياضيات المتصل بأساسيات الرياضيات، وعلوم الحاسوب والكهرباء النظرية، والمنطق الفلسفي.

على العموم يظل (العقل الوضعي) بالمعنى الأنطولوجي (الوجودي) جوهرا مفارقا متفردا، وأزليا ومطلقا.

العقل الأداتي:

يقصد في الفلسفة المثالية بالعقل الأداتي، ذلك النمط من التفكير الذي يعرف مشكلة ما ويسعى لحلها مباشرة دون تساؤل عن مضمون هذه الحلول والغايات وما إذا كانت إنسانية أو معادية للإنسان . .

ففي محاولة تفسير هيمنة العقل الأداتي على المجتمعات الغربية الصناعية البرجوازية الحديثة، يرى ممثلو مدرسة فرانكفورت أن أحد أهم أسباب ظهور هذا النمط من التفكير ( العقل الأداتي)، هو آليات التبادل (المجردة) في المجتمع الرأسمالي. وذلك تأثراً بتبَادُل السلع في السوق الحرة، الذي يعني تساوي الأشياء المُتبادَلة، فما يهِم في السلعة ليس قيمتها الاستعمالية المتعينة وإنما ثمنها المجرد وما تحققه من ربح.

إن الأيديولوجيا النابعة من هذا التبادل المجرد، هي أيديولوجيا واحدية، مادية، تمحو الفروق وتُوحِّد معطيات الواقع بكل تناقضاته ومعطياته، مساويةً بين الظواهر المختلفة، بحيث يصبح الواقع كله مادة لا سمات لها، وتأتي نمذجة وتذرير الإنسان في مقدمة هذه الأيديولوجيا الواحدية، حيث يتحول الإنسان إلى ذرة ليس لها لون أو طعم أو رائحة، إلا لون وطعم ورائحة اقتصاد السوق والتبادل الحر المجرد من أي قيمة إنسانية. وهذه (النمذجة) لم تستطع في الحقيقة حتى الأيديولوجيات التي تحمل الفكر الاشتراكي المشبع بالقيم الإنسانية أن تتجاوزها، فهي الأخرى سيطر عليها (العقل الأداتي) متمثلاً في سياسة رأسمالية الدولة، وتكنوقراطيات الطبقة أو القوى الحاكمة..

إن هذا المثال للعقل الأداتي ظلت مرجعيته مبهمة، مع ظهور استقلاليته أو حياديته أمام مرجعيات العقل اللاهوتي أو الميتافيزيقي، إلا انه ساهم كثيراً في فصل الإنسان ليس عن الطبيعة المحيطة به فحسب، وإنما ساهم بشكل فاعل في انفصال المثال عن الواقع، وانفصال الجزء الإنساني عن الكل الطبيعي. وبذلك أصبح الإنسان يعيش بعقله الأداتي هذا في مواجهة هذه الطبيعة بشقيها المادي والاجتماعي، محاولاً استغلالها دون أن يتفاعل معها ويعمل على أنسنتها. أي أن الإنسان الكلي الحي يموت هنا، ليحل محله إنسان اقتصادي إمبريالي ميت، لأنه لا يحوي داخله الجوهر الإنساني المتكامل.

العقل النقدي:

لقد تبين من خلال المعطيات العلمية القائمة على التجريب والملاحظة والاستقراء والاستنتاج، في العلوم البيولوجية والأنثروبولوجية والسيكولوجية وغيرها، البرهنة على أن الإنسان لا يولد ومعه عقل وإنما (يكتسب العقل) بفعل التنشئة الثقافية الاجتماعية، مما يعني أن العقل لا يمثل ملكة فطرية وهبتها العناية اللاهوتية، أو اية قدرة أخرى خارج النطاق الطبيعي، (أي هو خارج التحديدات الجوهرانية السكونية)، بل كان العقل ولم يزل نتاج للحياة الاجتماعية التاريخية، وهو ظاهرة إنسانية حيّة موسومة بالنسبية والتغير، إنّه يقيم في التاريخ ويؤثّر ويتأثّر بتطوّراته وتراجعاته، وينظر إليه باعتباره قدرات ومهارات وتقنيات ومناهج تمكن من الاستدلال والبرهنة، وهي تختلف باختلاف مراحل التاريخ والتنشئة الثقافية المتشكلة فيها، ومع مجالات البحث.

إن العقل في أعلى تجلياته هنا وفقاً لمرجعته السوسيولوجية، وفي صيغته الفلسفية العلمية هو شكل من اشكال الثقافة الروحية للبشرية، وشكل من اشكال الوعي البشري (الاجتماعي)، تكمن وظيفته المتميزة في وضع نظرية قادرة على خلق فهم معلل نظرياً ومنهجياً لأكثر القوانين عمومية في الطبيعة والمجتمع والتفكير المنطقي. هذا وتقوم الأصول الفلسفية للعقل النقدي في الممارسة الاجتماعية الواقعية، وهي تعكس على نحو متميز قضايا وتناقضات الممارسة الاجتماعية، وقضايا عملية معرفة الواقع وتحويله، وتؤثر بالإضافة إلى لذلك على تطور المجتمع والتاريخ وعلى تطور الإنسان ومعرفته. أو بتعبير آخر إن المهمات الأساسية للعقل النقدي فلسفياً، هي النظر في مسيرة العملية التاريخية، وآلية عمل القوانين التي تتحكم في ميول وسنن هذه المسيرة من جهة، ثم العمل على توجيه الميول والسنن الموضوعية في الوجودين الطبيعي والاجتماعي من جهة ثانية.

لا شك أن هناك الكثير من النقد قد وجه لهذا العقل النقدي من قبل مفكري وفلاسفة الطبقة البرجوازية في صيغتها الاحتكارية، على اعتبار أن هذا العقل يتجاوز كثيراً المرجعيات الجوهرانية الروحية والنفسية واللاهوتية والميتافيزيقية، التي تتكئ عليها هذه الطبقة كون هذه المرجعيات العقلية تساهم كثيراً في تغييب العقل البشري وتجهيله وإبعاده عن معرفة مرجعيات تشكله الواقعية القئه في نشاط الإنسان أثناء إنتاجه لخيراته المادية والروحية. وبالتالي لا يمكن لهذه الطبقة الرأسمالية الاحتكارية أن تحافظ على وجودها دون نشر هذا الوعي الفوضوي غير العقلاني أصلاً بين المجتمعات.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور- سورية

.......................

الهوامش:

1- الويكيبيديا – الموسوعة الحرة.

2- إن العقل عند أرسطو هو القدرة على إدراك الصور الكلية والماهيات المجردة إدراكا مباشرا وصورة توحد بينه وبين جميع أفراد النوع. وهذا ما يقول به ابن رشد أيضا. راجع كتاب - مقام العقل عند العرب – تأليف – قدري حافظ طوقان – منشورات وزارة الثقافة السورية – دمشق – 2003 ص.

3- حديث قدسي. رواه أبو هريرة).

4- للاستزادة في معرفة العقل في صيغه (اللاهوتية والميتافيزيقية والوضعية ) راجع النظرية الوضعية عند أوغست كونت).

 

 

الحسين اخدوشيتسم المجتمع المعاصر بكونه حالة مدنية مبنية على الاستهلاك، وتسمه ميزة فقدان الاستمرارية والثبات، حيث التحوّل الدائم المقرون بغياب الإحساس بالسلام والطمأنينة سمة أساسية لشرط الإنسان المعاصر. ففي ظلّ ديمومة المؤقّت وغياب الإحساس بالأمن والطمأنة، يبدو أنّ الإشباع الفوري قد أصبح إستراتيجية مغرية ومعقولة لهذا الوضع البشري الهش، ومن ثمّ يكون أيّ شيء وقع في يد الإنسان إلاّ وتوجّب عليه استثماره واستنفاذه فورا مادام لا أحد يعلم ما سيحدث غدا.

إنّه قلق الحضارة كما وصفه الطبيب النفسي سيكموند فرويد، حيث رغم تعاظم التجمعات البشرية المعاصرة وكبر حجمها، وبالرغم من كلّ ما تعجّ به الأمكنة من صخب وتجمهر البشر في المحطات المختلفة والساحات العامّة والملاعب والشواطئ، فرغم كلّ هذه الرفاهية ظلّ القلق متعاظما وازداد الخوف وتمدّد ونمى متخذا أبعادا ثقافية وصحية خطيرة.

كذلك، أصبحت لقاءات المصادفة التي تعجّ بها الأماكن العامّة منها لا تحول دون تحقيق التساكن الاجتماعي، كما أفرغ النزوع الفردي اجتماعيات الإنسان المعاصر من أيّة حميمية أو تواصل حقيقي، بل وجعلها سطحية وقصيرة حتى أصبح الجميع يجهل كيفية الحديث إلى الآخر. المستهلكون غالبا ما يلتقون في فضاءات استهلاكية مختلفة: في قاعات الحفلات والمعارض والمنتجعات السياحية ومواقع الأنشطة الرياضية والمجمّعات التجارية والمطاعم، لكنّهم لا يحقّقون أدنى تفاعل اجتماعي تواصلي فعّال في واقع الأمر.

لقد عملت طفرة الصناعة والابتكار التنكنولوجي على تذويب الزمان والمكان والقيم والأشياء والعلاقات والعواطف (وتسليع كلّ شيء تقريبا)، وذلك في صيغ نسبية لا نهائية من السيول الفاقدة للضوابط الأخلاقية وللمعاني الأصيلة للوجود البشرية. في هذا السياق، استخدم الفيلسوف والسوسيولوجي المعاصر "زيكمونت باومان" مفهوم السيولة لنقد هذه الحالة الثقافية المعاصرة بكيفية لا تحصر دلالة هذا المفهوم في مجرّد الحركة والتنقل نتيجة تطور وسائل الاتصال والانتقال، وإنّما لإفادة معنى مُيُوعَة المشاعر وتفاهة العلاقات والمعاني المقترنة بعدم التحديد الذي أصبح يسم نمط عيشنا الراهن، فجعل حاضرنا يعرف فيضا من التحولات المختلفة والتي قاسمها المشترك هو استهلاك كل شيء.

اعتبر "باومان" "الخوف السائل" (La peur liquide)  حالة تهديد مطلق بالمعاناة جرّاء القلق المتأتي لا من أجسادنا التي كتب عليها الموت والفناء فقط، بل والتي لا يمكنها أن تعمل من دون الألم والقلق باستمرار، وكذلك نتيجة تهديدات العالم الخارجي المستمرة والذي يمكن أن يصب جمّ غضبه علينا بقوى تدميرية ساحقة في أيّ وقت وحين، وأيضا من علاقاتنا المتوترة بالناس الآخرين باستمرار. إنّ المعاناة التي تأتينا من هذه العلاقات هي الأكثر إيلاما من غيرها، ومع أنّنا عادة ما نعتبرها زيادة مجانية لا مبرّر لها، إلاّ أنّها ليست أقلّ حتمية وقدرية من المعاناة التي تأتينا من مصدر آخر.

 جعل الخوف بهذا الحجم المتعاظم الشر يتسيّد تاريخ الإنسان المعاصر ليهدّده بأوخم العواقب. يبدو هذا الشرّ الذي تسبب فيه إنسان هذا الزمن غير متوقع ولا مسبوق، نوعا وحجما، مقارنة بشرور الطبيعة المعروفة. فتآكل الفطرة الأخلاقية، وخفوت تأنيب الضمير وانعدام الرحمة وتزايد الكراهية والرغبة الجامحة في إيذاء الآخرين، كلّ ذلك جعل الوضع البشري المعاصر هشّا للغاية، كما تقول الفيلسوفة "حنة آرندت". ولعلّ ما يزيد الطين بِلّة أنّ الحضارة المعاصرة قد مكّنت الإنسان الحالي من تطوير تقنيات التدمير الشامل وممارسة العنف الذي من شأن استخدامه الفتك بالإنسانية من جديد.

يسائل هذا الوضع مدى إمكانية مقاومة الشرّ المتأصّل في طبيعتنا؛ الواقع أن من الأسباب الذاتية المبرّرة لهذا الشرّ غريزة الخوف التي تعترينا ككائنات محدودة ومسكونة بهواجس الضعف. ونتيجة لهذه الهواجس، أصبح الإنسان المعاصر يعتقد جازما أنّ الشر أصبح معطى تاريخيا لا يقهر، بل ينمو عبر تلك الفراغات التي يتركها جهلنا بحقيقة وضعنا البشري المحدود والمكبّل بحتميات مختلفة. وإزّاء هذه الوضعية المقلقة، أصبح جهلنا بهشاشة وضعنا الحالي (أي عرضتنا الدائمة لنكون في خدمة  الشر انطلاقا من قلقنا المستمر) عنصرا خطيرا يخصّب أبخرة الخوف التي تشكّل المنبع الخطير للشرور الوخيمة. 

تحفّز هذه الوضعية المحيّرة للعصر الراهن القلق المستمر الذي  يغذّي الهلع والرهاب الجماعي للبشرية المعاصرة، وهذا ما لا يستطيع الإنسان إدارته ولا التحكّم فيه. الواقع أنّ تقنيات استدامة أسباب الخوف قد تطوّرت ودخلت في عجلة الاقتصاد، حيث تخصيب عوامل القلق أصبح أداة فعالة لتنشيط تجارة السلاح والردع والتخويف الاستراتيجي للجميع ضد الجميع. وهكذا، أصبحت المفارقة الكبرى المسجّلة بهذا الخصوص، أنّ الذي جعل هذه الكارثة مدمّرة وعسيرة على التحكّم، هو أنّ حصولها بمثابة نتيجة مباشرة للجهود الرامية إلى جعل الكوكب أكثر راحة للبشرية.

لقد غدا الظلم المتزايد في عالمنا المغاصر، نظرا لهذه المفارقة، تجسيدا فعليا لاختلال ميزان القوى؛ وهو بذلك ليس فقط أثرا جانبيا قابلا للإصلاح في منظومة سليمة في جوهرها، بل جزء متمّم لتصوّر السعادة البشرية وللحياة المريحة. إنّه جزء متمّم للإستراتيجية التي يستلزمها هذا التصوّر ولا يمكن الاهتمام بالتصوّر والإستراتيجية وقبولهما إلاّ باعتبارهما امتيازات لا يمكن بسطها بكل وضوح، وتعميمها على البشرية بأسرها. والمشكلة الكبرى الوشيكة التي ما فتئ يعجّل بها المنطق الداخلي للحداثة المعاصرة (حروب كونية فضيعة) يصعب تجنّب وقوعها ما دامت الحياة المعاصرة نفسها تدين بقدرتها الرهيبة والانتحارية للسمات التي تستمدها منها عظمتها وروعتها.

أخرجت التصورات الحديثة للأمن الوحش من قمقمه، حيث مكّنت الإنسان من الانفصال عن جذوره الروحية وصلته الأخلاقية بالطبيعة. ولذلك، فكلّما زاد عَزْوُ المسؤولية عن الشرّ للبشر بدا أنّهم ليسوا أهلا لتحملّها، لذلك بقي هذا الإنسان المعاصر من دون اتجاه حيث فقد بوصلته، كما لم يعد بإمكانه العودة إلى الوصاية الفكرية كخيار استراتيجي لنمطه عيشه. ويبقى الأخطر من كلّ هذا، أنّ آمال النضج قد غدت لاغية اليوم بفعل عمليات التحديث التقني التي انخرطت فيها أساليبنا المعاصرة في الحياة.

الظاهر أنّ الخوف والشر قد أصبحا وجهان لعملة واحدة، حيث يستدعي التفكير في الواحد منهما التفكير في الآخر، علاوة على ذلك أصبحا غير قابلين للتجاوز والتخطّي. يفضي هذا الموقف إلى مناقشة فكرة مخاطر العولمة، وأهوالها، عبر مساءلة الجوانب الشائكة للمخاطر الكبرى التي تتناسل وتجعل الخوف سائلا في ظلَ عالم تسوده العولمة، وتغدو فيه مصائب قوم عند قوم فوائد.

الخوف والقلق بهذا المعنى جعلا الحياة لا تطاق بالنسبة للنفوس المتعبة والوجلة؛ وللأسف الشديد لم تعمل العولمة التكنولوجية إلاّ على تسريع صناعة الخوف بالترويج أكثر للحروب المختلفة، مستثمرة في حالة الإحساس بالهلع والفزع المعمّم وذلك لتحقيق المزيد من الأرباح وراء ذلك. والبيّن أنّ هذه المسألة وليدة الطفرة النوعية التي سجّلها سيطرة اقتصاد السوق البارع في إنتاج وإبداع المزيد من المستهلكين (الوجلين المفزوعين) عبر استخدام آلة التسويق الضخمة والدعاية الكبيرة التي يستثير بها إحساسات وغرائز البشر.

 

الحسين أخدوش

 

محمود محمد عليشهدت العصور الحديثة تيارات إسلامية متعددة تغذيها وتطورها أجهزة خفية مكنتها من السيطرة على مناطق عدة في الوطن العربي، وأثبتت الأحداث أن هذه التيارات تلعب دوراً تخريبياً خطيراً في المنطقة العربية، لأنها تتسلل إلى الجسد العربي من قدسية أفكاره، فتربط المقدس بأفكارها وتجعلها تعم بين الناس وتنتشر لضعف الوعي تارة، ورغبة الناس من الخروج من حالة التخلف والضياع بالعودة إلى التاريخ الغابر تارة أخري.

من أهم وأخطر هذه الحركات حركة الإخوان المسلمين التي أسسها حسن البنا، الذي ظل الرأي العام التابع في مصر منذ العقد الرابع من القرن العشرين ينظر لدعوتها على أنها إحدى روافد الفكر المصري الإسلامي الحديث الذي كان يمثله آنذاك الشيخ عبد العزيز جاويش، ومحمد رشيد رضا، ومحمد فريد وجدي، وعلى الرغم من إدراكنا للسمات التي تميز الخطابات الثلاثة عن بعضها، إلا أن تجديد الخطاب الديني- والدفاع عن الثوابت العقدية وإحياء  فكرة الجامعة الإسلامية وإصلاح المجتمع وتنقية الأخلاق من العادات المرزولة وتوجيه ولاءات الشباب إلى الجمع بين حب الوطن والفناء في طاعة الله والزود عن شرعته، والتأليف بين الأصالة والمعاصرة في أمور السياسة – كان السياج الذي يجمعها في تيار واحد، وقد انضوى الفكر الإخواني تحت غايات كثيرة تبعاً لأهواء قياداته، فتارة يبدو أقرب إلى الاتجاه المحافظ المستنير مدافعاً عن الحكومة المدنية ذات المرجعية الإسلامية -في الفترة الممتدة من أوائل الخمسينيات إلى أواخر الثمانينات من القرن الماضي-، وتارة أخرى ينحاز إلى من أطلقوا على أنفسهم الجهاديين وأصحاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتارة ثالثة يدنو من الصوفية، وتارة رابعة ينخرط في العمل الاجتماعي وجمعياته التي أطلقت على نفسها السلفية وأنصار السنة المحمدية والجمعية الشرعية (وذلك حسب ما أكد عليه الدكتور عصمت نصار في مقالته ماذا ربحت مصرمن حكم الإخوان؟).

أما الرأي العام القائد فكان مدركا هشاشة الخطاب الإخواني وافتقاره إلى عمد الفكر الإسلامي (العلوم الشرعية، الفقه، التوحيد) وكان يعرف المتخصصون مدى تأثر جماعة الإخوان بالماسونية في هيكلها التنظيمي من جهة، والجمعيات السرية في تنشئة أعضائها وتربيتهم والتواصل معهم وتوجيه ولاءاتهم من جهة أخرى، ذلك فضلاً عن تبنيهم العديد من المبادئ والمذاهب الفلسفية دون علم لهم بخلفياتها وحقائقها فأخذوا من مكيافيللي شعار (الغاية تبرر الوسيلة)، وأخذوا من أبو حامد الغزالي، وابن رشد، وكانط، وويليام جيمس اعتقادهم بأن انتحال الخطاب الديني من أفضل السبل لإقناع العوام بصحة القيم المراد غرسها في المجتمع، وذلك لأن السذج والبسطاء لا يفقهون لغة المنطق ولا النظريات العلمية، وأخذوا من الفرق الشيعية وإخوان الصفا فكرة "المرشد" الواجب طاعته ومبدأ التقية (أظهر غير ما أبطن) والكذب على الأغيار مباح ( التعريض) الأمر الذي كان وراء عزوف جل الأزهريين وأصحاب الرأي من المجددين الإسلاميين عن تلك الجماعة بعد انتمائهم لها .

ولعل السبب يرجع أن فكر جماعة الإخوان المسلمين أخذ يقوم على خلق كينونات وكهوف مستترة بديلة للوطن من خلال تنظيمات سرية تعمل وتخطط في سراديب الأقبية المظلمة. هدف جماعة الإخوان هو نشر التأسلم السياسي والغلو في مفهوم “الأمة” على حساب " الوطن"، كما أن فكر الإخوان المسلمين يقوم على محورين: الاغتيالات السياسية وإنكار الأوطان، وهدف جماعة الإخوان المسلمين هو السيطرة على كراسي الحكم تحت وهم إرجاع الخلافة التي أبطلها كمال أتاتورك عام 1924.

والسؤال الآن : لماذا يُقدم الإخوان المسلمون علي هذه الخطوة ؟ هل مسألة وطن والتراب لديهم لا تشكل أي اهتمام بأي حال من الأحوال كما يقال وكما يتردد علي ألسنة أصدقائهم ومفكريهم ؟

لو تطرقنا إليها بشكل مستفيض فنجد أن هناك نوعين من مفهوم الدولة، هناك الدولة الوطنية، وهناك الدولة الأمة، والدولة الأمة بالإنجليزية Nation State، والدولة الوطنية بالإنجليزية National State، وهناك فرق بين المصطلحين، بالطبع جماعة الإخوان المسلمين ينتمون إلي فكرة الدولة الأمة، والدولة الأمة هي عبارة عن مفهوم تجنيس العقيدة وجعلها الهوية والجنسية والنواة الصلبة للتعريف بالمواطن وهذا الفكر لعله كان في بذوره مع تيودور هيرتزل مؤسس المنظمة العالمية الصهيونية في عام 1897 من خلال مؤتمر بازل بسويسرا .

لو نظرنا لهذه الفكرة نجد أن مرشد الجماعة ومؤسسها حسن البنا كان من رأيه كما ورد في مجلة النذير، حيث رأي أن القومية يجب أن تكون علي بنيان الدين وبنيان العقيدة، ومن هنا مسألة أن الدولة الوطنية أو الهوية الوطنية هي مسألة أراد أن يرد بها علي حزب الاتحاد والترقي بدعم من المخابرات البريطانية لما حدث من إسقاط الخلافة في عام 1923 من خلال مصطفي كمال أتاتورك، وأتاتورك تعتي أبو الأتراك، حيث نجد أن مصطفي كمال أتاتورك قد بتفعيل ما نادي به الاتحاد والترقي بفكرة القومية التركية أو الوطنية التركية، (وذلك حسب ما ذكرة معتز محسن في كتاباته)

ومن هنا أرادت المخابرات البريطانية لتفتيت فورة وحماس ثورة 1919، والتي ساهمت في تكوين الهوية المصرية الحديثة، حيث نجد أنها أرادت التفتيت لأبناء الوطن بعد أن تم التوحيد بين الهلال والصليب وفشلوا في ذلك فأرادوا إحياء فكرة مفهوم الخلافة، ولكن بشكل مختلف عما كانت في الماضي فكانت من خلال تأسيس جماعة الإخوان في الإسماعيلية وتحديدا يوم 22 مارس لعام 1928 .

ولذلك كان الهدف من إنشاء الإخوان المسلمين هو كيف نحرف أنظار الشعب العربي عن مأساته الحقيقة، وكيف نجعل عقله مسدود وموجه باتجاه خاطئ، وكيف نجعله أداة يمارس فيها دور حمار طروادة لتمرير أي مخطط استعماري لسرقة ثرواته وجعله مجرد مستهلك لسلع يريدها او لا يريدها. وحرف انظاره عن سرقة ثروات وطنه من قبل الدول الاستعمارية الكبرى (وذلك حسب ما ذهب إليه الأستاذ عمر سلام في مقالته الرائعة عن مفهوم الوطن في فكر حماس) .

وجماعة الإخوان المسلمين لا تمتلك مفهوم الوطن لأن أدبياتها تنفي هذه الفكرة من أساسها، وبالتالي لا يهمها بناء الإنسان الذي يناضل من أجل وطنه، بقدر ما يهمها تنفيذ مشروع تجهيل الإنسان لخدمة أهداف معادية، وهذا ما أثبتته التجربة عند قامت جماعة الإخوان المسلمين بإرسال مقاتلين إلى سوريا وليبيا ومصر وربما إلى دول أخرى، في حين أن شعبنا في غزة والمشروع الوطني التحرري الفلسطيني بحاجة إلى كل قطرة دم.

إن فكر "الإخوان المسلمين " قائم في أساسه على إنكار الأوطان، وترسيخ روح المعاداة لها، ومن وسائلهم لهدم الأوطان، إيجاد كينونات بديلة للوطن، بإنشاء التنظيمات السرية، وإقامة البيعات الحزبية، وكسر روح الولاء والانتماء للوطن الحقيقي، وصرف الولاء من الوطن إلى التنظيم، وجعل التنظيم هو الوطن البديل، فاختلقوا وطناً غير الوطن، كما اختلقوا أيضاً أُسَراً غير الأسر، فاخترعوا نظام الأسر، والذي يتم فيه توزيع الأتباع على مجموعات صغيرة، يقود كل مجموعة شخص يسمى بالنقيب، وهو ما يعرف أيضاً بنظام الخلايا السرية، وسموا كل تشكيلة من هذه التشكيلات أسرة، ليكون للشخص أسرة غير أسرته، ووطن غير وطنه.

وكان الإمام حسن البنا طرح طريقة انتقال الجماعة من واقع "الاستضعاف" إلى قوة "التمكين" عبر ست مراحل تبدأ بالفرد، ثم الأسرة، ثم المُجتمع، ثم الدولة، ثم الخلافة الإسلاميَّة، وأخيراً "أستاذية" العالم.

ومن الواضح أنَّ "الوطن" لا يُمثل بالنسبة لحسن البنا السقف النهائي الذي يجب أن تتوجه كافة جهوده لخدمة مصالحه بل هناك تقاطعات ومصالح أهم من الوطن يسعى البنا وجماعته لخدمتها من أجل الوصول لهدفها النهائي المتمثل في الخلافة الإسلاميَّة ومن ثم أستاذية العالم ؛  بمعني أن البنا وجماعته قد تعلقت أبصارهم بفكرة " الخلافة" و" أستاذية العالم " فأضحوا مؤمنين بأن الإسلام بذاته وطن، وأنه لا نجاة للمسلمين بغير خليفة لهم جميعاً. ذلك أن الإسلام كعقيدة هو فى نظرهم " محتوى سياسي" والمجتمع الإسلامى هو بذاته الكومنولث أى ( مجموعة الشعوب المسلمة)، والأمة الإسلامية تكوين سياسى متكامل .

وهنا نجد أن حسن البنا وجماعته يعتنقون "رؤية كونية" ونظرة عالمية للتغيير، ولا تحظى "الدولة الوطنية" الحديثة باعتراف غير مشروط من قبلهم ما لم تكن وسيلة لخدمة هدف أعلى، وهو إعادة إحياء مفهوم "الأمة الإسلامية"، وبالتالي "الوطنيَّة" عندهم ليست سوى "نعرة جاهلية"، وأنَّ الولاء الوطني يُخالف الولاء الديني، وهذا ليس صحيحاً لأنَّ الوطنيَّة حبٌ وانتماء وولاء حقيقي لا يجب أن يوضع في موضع التعارض والتناقض مع العقيدة الدينية.

إن الوطن عند البنا وجماعته، لهما مفهومه الخاص، فهو لديهم ليس مرتبطا بحدود وجغرافيا وإنما مرتبطة بالعقيدة . لذا هم لا يعترفون بالحدود ويعتبرونها مؤقتة وشكلية وكل وطن في نظرهم مجرد إمارة إسلامية ضمن دولة الخلافة الإسلامية المزمع إقامتها، إنها ستؤدي حتما إلي عزلة وانكفاء كل وطن علي نفسه، وسيكون ولاء كل مواطن للوطن فقط فينكفئ علي ذاته ولا يهتم بشأن باقي إخوانه المسلمين في الأقطار الأخري، كما أن المواطنة التي تعني تساوي الحقوق والواجبات لمجرد الانتماء للوطن بغض النظر عن الدين يجعل من الممكن أن يولي أمر المسلمين لغير مسلم، أما الوطنية التي هي ولا شك أعمق من المواطنة، فالإنسان يكتسب صفة المواطن بمجرد انتمائه لوطن، بينما الوطنية التي هي حب الوطن والاستعداد للبذل من أجله يخشون أن تؤدي إلي أن يكون الولاء للوطن وليس للدين، فيٌقدس الوطن و يصير الحب فيه والبغض لأجله.

والدليل علي ذلك أن من يقرأ أدبيات الإخوان المسلمين يستنتج أن عقيدتهم لا تتقبل مفهوم الوطنية وبالتالي لن تتقبل مفهوم المشاركة مع أحد في الوطن؛  فمن كتاب الرسائل لحسن البنا - رسالته عن " حدود وطنيتنا " قوله :"  أما وجه الخلاف بيننا وبينهم فهو أننا نعتبر حدود الوطنية بالعقيدة وهم يعتبرونها بالتخوم الأرضية والحدود الجغرافية، فكل بقعة فيها سلم يقول ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) وطن عندنا له حرمته وقداسته وحبه والإخلاص له والجهاد في سبيل خيره، وكل المسلمين في هذه الأقطار الجغرافية أهلنا وإخواننا نهتم لهم ونشعر بشعورهم ونحس بإحساسهم".

ويستطرد حسن البنا فيقول:" ودعاة الوطنية فقط ليسوا كذلك فلا يعنيهم إلا أمر تلك البقعة المحدودة الضيقة من رقعة الأرض، ويظهر ذلك الفارق العملي فيما إذا أرادت أمة من الأمم أن تقوى نفسها على حساب غيرها فنحن لا نرضى ذلك على حساب أي قطر إسلامي، وإنما نطلب القوة لنا جميعاً، ودعاة الوطنية المجردة لا يرون في ذلك بأساً، ومن هنا تتفكك الروابط وتضعف القوى ويضرب العدو بعضهم ببعض ."

إذن يفهم من النص أن الوطن في فكر حسن البنا هو مجرد حدود جغرافية واهية صنعها البشر والسلطة الزمنية الحالية، أما "الأمة" فهي أمة الإسلام المنتشرة بطول وعرض الكرة الأرضية. و«جماعة الإسلام» هى الفرقة الناجية، وتلك الفرقة هى جماعة الإخوان، لذلك لا معنى للحرص على أى قوى بشرية أخرى غير الجماعة.

وحتي لا نظلم حسن البنا أو نجور عليه فيما قاله، فنود أن نتساءل : ما الذي جعله يقول بمثل هذا الكلام ؟

اعتقد أن حسن البنا ربما كان يري أنه منذ بداية الدين الاسلامي وانتشاره لم تحدد حدود جغرافية معينة ولم يوضع مفهوم معين للدولة، وبالتالي لم يكن للوطن مفهوم سوى ما ورد في معجم لسان العرب أنه: " الوَطَنُ المَنْزِلُ تقيم به وهو مَوْطِنُ الإنسان ومحله.... وأَوْطَنَهُ اتخذه وَطَناً يقال أَوْطَنَ فلانٌ أَرض كذا وكذا أَي اتخذها محلاً ومُسْكَناً يقيم فيها " لسان العرب؛ ونفس الشئ ورد عن الوطن في معجم مختار الصحاح : الوَطَنُ مَحَل الإنسان وأَوْطَانُ الغنم مرابضها وأَوْطَنَ الأرض ووَطَّنَها واسْتَوْطَنَها واتَّطَنَها أي اتخذها وطنا " مختار الصحاح.

وهنا نقول صحيح أنه في المعاجم العربية لم يأخذ الوطن المفهوم المتقدم للدولة. وبالتالي بقيت مفاهيم من يريد العودة الى الوراء قاصرة ضمن هذا المفهوم، ومن ضمنهم حسن البنا ولكن البنا أضاف لهذا المكان بعداً إسلامياً. فالوطن لا يحدد (بالتخوم الأرضية والحدود الجغرافية) وبالتالي أي حاكم من الإخوان المسلمين سيأتي لأي بلد لن يعترف بحدودها. وبالتالي سيكون رئيساً لبلد بلا حدود، وهذا يتنافى مع أبسط مفاهيم الدولة الحديثة. وأقل ما توصف به الدولة بأنها ذات سيادة. إذن أين السيادة لوطن بلا حدود؛ (مع أن هذه الحدود رسمتها دول استعمرت هذه المنطقة، ولكن هذا لا ينفي على أي رئيس أن يقر بحدود دولته وسيادتها ضمن هذه الحدود).

وإذا كان البنا وأتباعه يعتبرون حدود الوطنية بالعقيدة “، إذن ما الداعي لإيجاد تنظيم سياسي يناحر لاستلام السلطة. إذ يمكن لأي امرؤ أن يمارس عقيدته ويمارس وطنيته بالعقيدة دون السعي إلى السلطة في بلد معين؛ بل يمكن ممارسة العقيدة حتى في بلد غير إسلامي، وهناك من كان يمارس العقيدة حتى في الدول الشيوعية السابقة. والآن يمارسها أصحاب العقيدة في أوربا وأمريكا وأي مكان في العالم.

إن أزمة الإخوان المسلمين هى في جوهرها أزمة بنيوية تتولد عن التصورات والمفاهيم والعقائد (الأيديولوجيا) وما تنتجهُ من تنظيم وممارسات لن تكون نتيجتها النهائية سوى الفشل بغض النظر عن نوع النظام الذي تعمل فيه- ديموقراطية أو شمولية.

لذلك لا يمكن بناء الدولة المدنية في ظل الدولة الدينية، لأن العقيدة، أية عقيدة كانت، لا تؤمن بحق جميع المواطنين على قدم المساواة، طالما أن القانون الديني يميز بين العقائد، وهنا بالتحديد مكمن مشكلات التمييز ضد الأقباط في مصر سواء في تقلدهم للوظائف العليا والسيادية أو في بناء دور العبادة وترميمها أو عدم المساواة أمام القانون، وفي العرف العام. في حين أن الدولة المدنية تسمح لجميع المواطنين بممارسة عقائدهم بحرية ودون تمييز وبالشروط نفسها، علي أساس حق الجميع في المواطنة بالتساوي. وللحديث بقية!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل- جامعة أسيوط