رائد عبيسإشكالية الإنحراف الذاتي وسلوكه: قبل الشروع في تشريح علاقة النفس بعالمها، ليكن في البال ان النفس مرتبطة بسر وجودها لا احد يعلم كنتها ولا ننتهي بها الى رضا تام عن ما نبحثه عنها. وصف الله النفس على انها أمارة بالسوء، وهذا الأمر له عوامل منها ما هو فطري ومنها ما هو مكتسب، ومع ذلك هناك من السلوكيات التي نعجز عن تفسيرها، غير مرتبط ارتباط مباشر بفعل النفس، سواء بما كان فطرياً او مكتسباً، بل يرتبط بعوالم مجهولة، كجهلنا بكنتها.

وهذا يعني أن لا نظرية تحيط بتفسير عالم النفس وما تنتجه، بل كل ما قُدم هو تفسيرات فلسفية وعلمية وروحية، تقترب من التصورات الصحيحة او تبتعد، بحسب قدرتها على تحليل الموضوع.

فكل عوامل تشكل السوئية في النفس ترجع الى التركيبة الطبيعية الأولية للنفس، والتي رجع الفلاسفة فيها إلى قوى النفس ومكوناتها الطبيعية المزاجية المرتبطة بالعناصر الأربعة، او بما يتعلق بالأخلاق التي تتكون من جراء هذه القوى وهذه العناصر، فمرة نجد شخص يحكم على ان لديه مزاج صفراوي، وآخر يحكم عليه بأن له مزاج ناري او ثالت يحكم عليه بأنه هواءي، وهناك أيضا تقسيمات تتعلق بتأثير الأفلاك والطبيعة والفضاء والرياح والرطوبة والحرارة والبرودة والاعتدال والتقلبات والخسوف والكسوف والرعد والزلازل وغيرها من الأمور الطبيعية أو الكونية بشكل عام، بمعنى لا يمكن فرز أو عزل النفس وما يصدر منها من تفكير سلبي أو إيجابي عن محيطها، سواء كان محيطاً طبيعياً أو اجتماعياً أو تربوياً أو علمياً.

هذا واضح من خلال تأكيد العلم والعلماء على تهذيب النفس وصقل قواها وتأديبها وتهذيبها وإرشادها وتقويمها ومحاسبتها ومراقبتها، إذ أن النفس من الداخل لها كيانها الخاص بحيث لنا الحق في الحديث عنها ككيان مستقل، أما من الخارج فهي كيان أيضا خاضع للتقييم الموضوعي للآخرين، فمرة يجد الآخرون في أنفسنا ما لم نعلمه منها . ومرة أخرى نجد في أنفسنا عندما ننظرها من الداخل ما لم يجده الآخرون فينا. بمعنى أننا ليس ملزمين بأن نظهر من أنفسنا ما ليس فيها تصنعاً ومحاباة للآخرين، فهذا يسمى نفاقاً، والنفاق هو من أخطر الأمراض النفسية التي يصعب السيطرة عليها والحد من جماحها.

يقول علي بن ابي طالب : سُوْءُ الخُلْقِ لَيْسَ لَهُ دَوَاءُ، وهذه السوئية ناتجة بالأساس من تذبذب آني بين قوى النفس، بحيث تنتج أفعال غير محسوبة ولا إرادية، فالفعل الإرادي للنفس داخلياً، قد يكون أقوى من فعلها خارجياً، اذا أن العقل هو شريك في التحكم بزمام النفس خارجياً، مرة يتوازن فعل العقل الضابط لها مع النفس، ومرة أخرى تفلت من زمامه وتخضعه له بتوفير قناعات مزيفة تجاه الأشياء وهذا ما يخلف الندم. ومرة ثالثة يتحكم العقل بالنفس ويسيطر عليها ويقودها، وقد تكون قيادته لها متزمتة فتنزع صوب الأحكام المتطرفة على الأشاء، ومرة قيادة معتدلة تتحكم برغباتها وفق إراداته. وهذا ما يحقق توازن سلوكي.

إشكاليتنا في هذا المقال تنطلق من البحث الذاتي عن الإنتاج الذاتي لفعل النفس الذاتي السوئي، فأنتجاها للسوئية يتعلق بالتربية بالدرجة الأساس أم بالرغبة الذاتية أو بالرغبة البايولوجية أو بالروحية أو الشذوذية.

لا يمكن ان ننتهي من أحصاء اختلاجات النفس، وحديثها عن نفسها، فالنفس لها حديث مع النفس، مطول وهو أكثر صراحة من الكلام اللساني، فالكلام الباطني هو الكلام الذي يراد له ان يظهر، والكلام الساني هو الكلام الذي يجب ان يكتم، وهذا ما ينتج الكذب، فأي حديث لا يرتبط بالتفكير النفسي و يرتبط برغبة الكلام ينتهي إلى أخلاق قصص كاذبة، ربما تدعم في ما بعد الحديث النفسي المنتج للسوئية على المدى الطويل.

اذا ما الذي يجعل النفس تميل لإنتاج السوء؟ وهل هناك سوء داخلي فيها لم يظهر بالضرورة بصيغة فعل؟ أم كل فعل سيء هو نتاج تفكير نفسي سيء؟ اذا ما علاقة التفكير بالفعل النفسي؟ هل يعني أن العقل شريك النفس في انتاج السوئية؟ وهل العقل السوي هو من يكبح سوئية النفس أم أنه يجاريها لأنه غير قابل للسيطرة علها؟ هذه اسئلة تحتاج إلى إجابة، والمشكلة الناتجة من ذلك لا يمكن بها ان نرتكن الى إجابة نهائية وحاسمة بشأنها البتة. لأننا في حالة المقارنة مع الأفعال السوية سوف نجد هناك أيضا أفعال سوية موازية، تأبى الاعتراف وتحقيق الموضوعية المشتركة.

اذاً ما الحل؟ هل لنا أن نحاكم انفسنا بعد تأديبها لتكون نفس جماعية، يتشبه بها الكل؟ نعم طمح الفلاسفة من قبل لهذا الأمر، فقالوا بان النفس العاقلة تتشبه بكمالها وبأفعال الله وصفاته، أي ان النفس التي تتأمل الكمال تجده لا شعورياً بأفعالها وأقوالها، وهذا التأمل اللا مباشر سوف يسهم في تهذيب النفس وتقوية قرارها اتجاه أمرها وافعالها الجانحة نحو السوء، فما الذي يجعل النفس تجنح نحو السوء؟ هل هي الرغبة؟ لماذا النفس المكبوتة تظهر كل قواها السلبية؟ لماذا كل النفوس السجينة تجنح نحو حريتها الداخلية لتعوض ما فقدته بالحرية الخارجة؟ وهذا ما نجده عند السجناء الذين يطلقون العنان لأنفسهم وشهواتهم ورغباتهم الشاذة. اما الأفعال المشابهة فهي تحمل البعد العكسي من ذلك، تجده حر من الخارج وسجين من الداخل، فيعوض ذلك بذلك . فالذات المتلونة بألوان مختلفة ربما يصعب معها الحديث عن الكبح الذاتي لإشكالية الإنحراف الذاتي الناتج عن الرغبة بفعل السوء دون التفكير فيه أو التخطيط له، فمن النادر أن نجد نفس ثنائية اللون، أما بيضاء او سوداء، أو ألوانها المعبرة عن صفاءها فقط. فالنفس لها لونها الذي يلون به فعلها النفسي، كا الرسام الذي يتخذ من لون ما لون لجميع لوحاته او يضمنه بها كلها على أنه لونه النفسي المميز. فالسلوك العفوي الناتج من الممارسات اليومية للفرد، تظهر شيء كبير من تلك الحقيقة المتوارية خلف المجاملات والكذب المقبول، والروتين، والرتابة وغيرها. هذه الأفعال أصبحت في مجتمعاتنا أفعال مقبولة إلى حد ما؛ لأنها تتعلق بنظام المعاملات، والتفاعلات،  والمصالح،  والتجارب، والاعتياد. ولكنها في الواقع تعلن عن أمراض اجتماعية جديدة، تخلف على المدى البعد انهيار للمنظومة القيمية المحصنة، بمحاكاة الأفعال والصفات المثالية التي دعونا إلى التشبه بها....

 

الدكتور رائد عبيس

 

احمد شحيمطالعنف والترهيب يضرب بعيدا في نيوزيلندا ويخرج من رحم المجتمع دعاة التعصب والكراهية ويستندون في أقوالهم برجال السياسة والتاريخ وفكرة صفاء العرق ونقائه . من قلب المجتمع المسالم والمتسامح والبعيد عن صخب السياسة وصراع الأمم . يخرج قاتل وينهي حياة خمسون قتيلا في مشهد رهيب .لا أخلاقي ولا إنساني . عمل منحط خال من الرحمة والإنسانية بدعوى الاجتياح الإسلامي لأوروبا وتهديد القيم المادية والنموذج الغربي . خطاب الكراهية وليد الأمس واليوم . كان في مرحلة كمون عند البعض ومن يدعي غير ذلك يمكن العودة للخطاب العام الذي تحرض عليه قنوات أخرى مناهضة للآخر . من الإعلام المرئي والمنظمات واطر في الأحزاب السياسية وفعاليات أخرى في المجتمع المدني .عندها تصبح الفاشية والنازية والحركات الراديكالية الاستئصالية الفكر الجديد في الغرب وتتلاشى القيم المادية والقوة الناعمة التي أرسى دعائمها ذوي العقول الخيرة والضمائر الحية في تكريس قيم الدولة الحديثة من الحق والمواطنة ونبد أشكال العنف والقوة وحق الإنسان في العيش المشترك بدون النزوع نحو العنف والترهيب . الآن يطرح السؤال من الذي يغذي موجة العنف في العالم ؟ وما هي الدوافع وراء الفعل الشنيع في نيوزيلندا ؟ وما هي الأسباب المساهمة في تأجيج العنف واستفحاله في العالم ؟

تتناسل الأسباب والدوافع . ذئاب منفردة كما قيل عن العنف العابر من الشرق للغرب . والإرهاب الآتي من الحركات الإسلامية الراديكالية وتبنيها خيار القوة والمواجهة الشاملة مع الغرب . لا تهدأ أصوات عدة في الغرب عن ترسيخ الفكرة في عقول الأطفال والكبار . وفي الغرب تزداد صناعة الكراهية من خلال جلد الآخر وتشويه صورته في الإعلام والبرامج وتكريس نمطية العداء التاريخي بين الشرق والغرب . وتتحمل الشعوب آفة العنف ونتائجه الخطيرة في وحدة الأمم من جهة وفي الصورة الملتصقة بشعوب وثقافات علما انه ظاهرة العنف تنتشر في كل بقاع العالم . ليس العنف ظاهرة جديدة ويخترق دولة بعينها بل العنف موجود في التاريخ وقابع في الفرد والجماعة وتغذيه أسباب جمة .من عوامل عرقية وثقافية . وعنف الطقوس والقيم والعنف الناتج عن العوامل الديمغرافية . وأقوى أشكال العنف المادي الإرهاب كنزعة تدميرية في خلق الفتنة والرعب في النفوس .

في  نيوزيلندا حالة الإرهاب بحق مواطنين يمارسون الحق في ممارسة شعائرهم الدينية في بلد بني على التعدد والاختلاف والديمقراطية . شعب متنوع الأعراق والخيرات . فالفعل الإجرامي لا يمكن تبريره بوفود عناصر متطرفة لأوروبا ونيوزيلندا واستراليا . بل نعرف أن من خيرة الأطر والكفاءات تلك التي هاجرت إلى استراليا ونيوزيلندا بحثا عن الحرية وتحسين مستوى العيش . هاجرت وتركت أمكنة وذكريات من المكان في سبيل البحث عن فضاء للتطور والعيش في الحرية . وكانت قرارات المهاجر اختيارية وقسرية نتيجة أوضاع في أوطان معينة . المثال ينطبق على الحروب التي عاشتها لبنان والعراق وسوريا والجزائر . والشتات والمنافي للشعب الفلسطيني . ورغبة المهاجر المسلم للبحث العلمي وتحصيل العلم والمعرفة. وفي سبيل ذلك قطع الإنسان مسافات طويلة فأصبح المكان وطن جديد ومستقر للعيش . لا مكان امن في العالم اليوم من العنف . الفكرة قائمة في العقول والزيادة في تبنيها يستند على نشرها وتنفيذها. في التحريض على العنف والكراهية تتعدد الآليات من الشتم والنبذ والإقصاء إلى آلية القتل والتدمير في وجدان الناس وزرع الخوف والتوتر في حياة الناس . صناعة الكراهية من وسائل التحريض وتطويع العقول وفق غايات ومقاصد معينة . الكراهية سائدة في الكتب الدراسية . والإعلام المرئي وفي شبكات التواصل الاجتماعي .وفي طبيعة الخوف المستبطن من الآخر وخصوصا من القيم الإسلامية التي تشكل نوع من التهديد الواضح للقيم المادية الغربية . الرئيس جورج بوش ودونالد ترامب ومعهم خبراء في الدراسات الدولية ورجال العلوم السياسية والقانونية ومنهم بالطبع صامويل هنتغتون فوكوياما والمحافظين الجدد ... هؤلاء من يعتبرون السنوات القادمة تحمل عداء قويا من خطر الحركات الإسلامية الراديكالية ومن كل قوى الشر في العالم المتربصة بالحضارة الغربية في بعدها القيمي والفكري . اليمين المتطرف وكل الجماعات الجديدة المؤيدة لتفوق العرق الأبيض والقوميون في أمريكا والغرب والأحزاب المدافعة عن وحدة الغرب ضد ما تسميه ب"الاسلمة" الشاملة لأوروبا وأمريكا .

أصيبت الجالية المسلمة في العالم بفزع شديد أمام هول العنف ونتائجه. الخوف يولد هواجس أمنية والاحتياط من الآخر . ويولد التقوقع عل الذات وعدم ارتياد الأماكن العامة والخاصة خوفا من الذئاب المنفردة والجماعات الراديكالية. سرطان العنف والإرهاب  يستشري في الأذهان وينتشر كالنار في الهشيم ويهدد السلم ويبدد التعايش بين الحضارات. ومن شعارات جوفاء لا يرغب هؤلاء المهاجرون من إفريقيا  واسيا في العبور من بلدانهم إلى مجتمعات جديدة .العنف يتغذى من الفكر الأحادي العنصري وحق القوة . وتحرض عليه القنوات المضادة للأجنبي المهاجر والقادم من بعيد والعابر للحدود حتى أصبح مواطنا . ومن يفكر بالمنطق السليم وبالعودة للتاريخ سيجد "الماوريون" هم السكان الأصليون لنيوزيلندا و"الابوريجين" السكان الأصليون لاستراليا والهنود الحمر في الولايات المتحدة الأمريكية وكل الوافدين على البلدان الثلاثة من أوربا وإفريقيا واسيا . لا يوجد عرق خالص في العالم . هناك تنوع ثقافي وتهجين بين الأمم والحضارات . وحدة الجنس البشري رغم التنوع الثقافي . فهل يعقل أن  يسير العالم نحو العنف والهاوية ؟

المهاجر في نيوزيلندا ساهم في تطوير البلد والرفع من مكانته في العالم من خلال الخبرات والمهارات العملية التي حملها المهاجرون من بلدانهم الأصلية ووجدوا في البلد فرصا كبيرة للنجاح والاستقرار . فمن الصعب أن يتحول هذا البلد من واحة وجزيرة للديمقراطية والتعايش إلى بلد يضربه الإرهاب والعنف. في خطوة إنسانية معبرة عن أسلوب التضامن والمساندة عبرت رئيسة الوزراء النيوزيلندية عن الإدانة والرفض والتضامن المطلق مع الجالية الإسلامية فكانت مراسيم الدفن بحضور مكثف ورفع الآذان في الإعلام دليل آخر في محاربة العنصرية والكراهية والثبات على فكرة التعايش والمواطنة الكاملة للكل .

العنف مرفوض مهما كانت دوافعه . ولا يؤدي العنف لأضرار مادية ومعنوية فقط . بل يبدد التعايش ويخلق صراعات  قيمية ويؤدي لانهيار التوازن بين الخير والشر عندما تميل جهات معينة للدفاع عنه وتبريره وتصنيف العالم بين محاور للخير وأخرى للشر . نحن اليوم  في عالم يتباهي بالحداثة والقرية الكونية والقيم الإنسانية النبيلة . التبادل للقيم والرموز . والتواصل من سمات عالم اليوم . يرفع الإعلام الغربي شعارات وكلمات من قبيل " الاسلاموفوبيا " في توليد الخوف من الآخر العابر من الشرق والحامل للقيم الإسلامية. ويتم نشر صورة معممة ونمطية  عن الآخر المخيف والحامل للعنف والتدمير. مغالطات من برامج تستهدف التعدد والتنوع وتكريس صورة نمطية عن العدو المخيف والمهدد للسلم والقيم الغربية . فقد كان المفكر الفلسطيني ادوار سعيد بارعا في تحليل أدبيات الاستشراق والاستعمار من خلال صورة الإسلام في الغرب وفي مواقف الاستشراق الذي ما فتئ يحرض ولا يبني جسورا من الثقة والمصلحة المتبادلة بين الشرق والغرب .

نحن ندين العنف والإرهاب في كل مكان ونشدد بالفعل على المثاقفة والاعتراف بالآخر ككيان يمتلك حضارة وهوية . والخوف أن يتحول سرطان العنف ويتغلغل في النفوس والقلوب . ان يجد لنفسه سلطة تدافع عن منطقه. من قبيل أن الأزمة الآنية في بعض البلدان الغربية مردها إلى تدفق المهاجرين والباحثين عن الحرية والمقهورين في بلدانهم . عوامل موضوعية ومادية من عالم يعيش اختلالا في توزيع الخيرات . فالعنف خيار بليد وإجراء متعمد في حق الآخر. وان تنوعت الأسباب والعوامل يبقى سرطان العنف يستشري في النفوس ويؤدي للضرر النفسي والمادي . سمعة الأوطان بكرامة أهلها ومواطنيها . فعندما يشار إلى بلد بذاته عن انعدام الأمن فيه . تتعالى درجات الترقب والحيطة والتحذير لأقصى درجة من التأهب فيخسر البلد كثيرا في ميدان السياحة والاقتصاد . فاللوم ينصب بالدرجة الأولى على الأشخاص وحماية الدولة للمؤسسات ومحاولة التقليل من المخاطر بالتوعية والمراقبة والضرب من حديد لكل من يحرض ويدعو للعنف والترهيب ويساهم بذلك في صناعة الحق الكراهية  .

سرطان العنف ينتشر في العالم ولا يستند على رؤى إنسانية . نزعته التقويض والهدم لأسس الأخلاق ومبادئ الضمير وأخلاق الواجب . وحماية الحق الطبيعي والمدني. وفي الزيادة في العنف وانتشاره يعتبر الفيلسوف الفرنسي "جون بودريار" أن الزيادة في حقوق الإنسان ووسائل الاتصال وتقليص المسافات بين دول العالم لم يمنع من انتشار العنف كشبح جرثومي ينتقل بانتقال الناس وينمو كالطفيليات العالقة فوق الصخور . ويستند بالأساس على انهيار ثنائية الخير والشر . وتكريس الخطاب الواحد الميال للإقصاء وتحميل المسؤولية لطرف دون غيره . مساس بالقيم والتعايش ونسف للاختلاف الثقافي والتسامح الديني . وعدم الاعتراف بالعنف والترهيب يولد ثقافة الكراهية. فالعنف والترهيب الذي شاهده العالم من الحادي عشر شتنبر إلى القتل والترهيب في الشرق والآن في نيوزيلندا عنف لا أخلاقي ولا إنساني ولا يمكن تبريره بل وجب رفضه وإدانته والقضاء عليه حفاظا على امتيازات الحضارة الإنسانية من لغة التدمير وسفك .

 

بقلم : أحمد شحيمط كاتب من المغرب

 

معراج احمد الندويفي هذا العالم المتمدن لا يمكن لأية أمة أن تعيش حياة منعزلة، والنظام العالمي الجديد يدعو الناس إلى المساهمة في الحياة الإنسانية من خلال جملة من القيم المشتركة مثل حب الخير للناس ومساعدتهم واحترام الغير وبسط سلطان العدل والمساواة والحرية. إنّ بين الإسلام والمسيحيّة علاقات فكرية وطيدة للعناصر المشتركة بينهما في الدين والقيم الأخلاقيّة. وما أحوجنا إلى ذلك في عصر نعيش فيه معًا حاضرًا مشتركًا على الصعيد العالميّ، ونسعى فيه معًا إلى بناء مستقبل مشترك.

الإنسان من بين سائر المخلوقات من يملك الأدوات والأفكار التي مكنته من عمارة الأرض وسيادتها، لقد كرم الله عز وجل بني آدم كلهم بمعزل عن لونهم أو عرقهم أو أنسابهم، يقول تعالى:"ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم". فقد جاء الإسلام ليؤكد على أصالة الكرامة الإنسانية، وليرسخ في الإنسان إحساسه بكرامته لأنهاهي جوهر إنسانيته وأساس حياته. فقد راعت المبادئ الإسلامية  تجاه الحياة الإنسانية أنه أكرم الخلق أجمعين في العالم وأنه يحمل الأمانة العظمى، وأنه خليفة الله في الأرض. فالإسلام باعثا للكرامة الإنسانية وحافظا لها، بما جا من مبادئ سامية ، تصون الإنسان حرمته وترعى كرامته. 

وفي المسيحية خُلق الإنسان على صورة الله تعالى بحيث جاء في الإنجيل:“فخلق الله الإنسان على صورته على صورة الله خلقه ذكرا وأنثى خلقهم". فالإنسان هو الصورة الحية المتحركة للإله الكائن المطلق على سطح الأرض. فالإنسان في العقيدة المسيحية هو صورة لله رب الكون، وهذا ما يجعله مميزا عن باقي المخلوقات سواء من حيث التكوين، أو من حيث الدرجة أو المنزلة التي من المفروض أن يتمتع بها لأنه مخلوق مبارك ذو شأن وقيمة عليا. إن الإنسان ينفرد بالتمتع بالكرامة الإنسانية التي تتأصل فيه ولصيقة بشخصه لمجرد كونه إنسانا مهما كان جنسه أو لونه أو عرقه. فان الكرامة الإنسانية لصيقة في كل كائن بشري وكل فرد لأن الطبيعة البشرية في الفلسفة المسيحية هي ملك مشترك لكل فرد بشري في كل زمان وفي كل مكان.

 يركز الإسلام في قيمة العدل حول مفهوم المساواة بين البشر، فهو لا يفرق بين الناس على أساس الدين أو العقيدة حال تحاكمهم وطلبهم للعدل، فكل الناس من آدم وآدم من تراب، وبذلك أوجب إقامة العدل بين جميع الناس، ومنع الظلم عامة قال الله عز وجل: "وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكّرون". فالعدل الإسلامي كائن في حال كائن في حال كان المتخاصمان مسلمين كلاهما، أو كان أحدهما مسلم، أو حتى لم يكن بينهم أحد من المسلمين في حال تحاكمهم للإسلام.

أما العدل في المسيحية فينحو نحو المحاسبة بشدة على التصرفات العدائية الأولية قبل أن تتحول إلى سلوك عدائي إجرامي، يقول النبي عيسى عليه السلام: "سمعتم أنه قيل للأولين لا تقتل. ومن قتل يكون مستوجب الحكم. وأما أنا فأقول لكم إن كل من يغضب على أخيه باطلا يكون مستجوب الحكم. ومن قال لأخيه رفا يكون مستجوب المجمع. ومن قال يا أحمق يكون مستوجب نار جهنم. فإن قدمت قربانك إلى المذبح وهناك تذكرت أن لأخيك شيئا عليك فاترك هناك قربانك قدام المذبح واذهب أولا اصطلح مع أخيك. وحينئذ تال وقدّم قربانك. كن مراضيا لخصمك سريعا ما دمت معه في الطريق. لئلا يسلمك الخصم إلى القاضي ويسلمك القاضي إلى الشرطي فتلقى في السجن. الحق أقول لك لا تخرج من هناك حتى توفي الفلس الأخير، فسيدنا عيسى يوجه بصفته نبي رعيته إلى ضرورة أن تكون أعمالهم بعيدة كل البعد عن الظلم حتى يشير إلى المراتب الدنيا من الظلم وهي الغضب، فليس العدل في قصاص القاتل فقط بل يكون ذلك حال الغضب أو الشتم وهو ما يمكن إيجازه بتجريم السلوكيات الأخلاقية الخاطئة والمحاسبة عليها قبل أن تتحول إلى تصرفات جنائية.

لقد ضمن الإسلام حرية الاعتقاد للناس كافة، ومنع الإكراه على الدين، وقرر التسامح الديني مع سائر الأديان السماوية، مما لا يعرف التاريخ له مثيلا، لأن الإسلام لا يلزم البالغ العاقل من غير المسلمين على الدخول في الإسلام،  لما ورد في قوله تعالى: "لا إكراه في الدين" فإن الإسلام يترك للإنسان حريته، واختياره في العقيدة، بالطبع مع بيان الدلائل والمعجزات الدافعة للإيمان، وتوضيح ما للموحدين والملتزمين بشرعه من حياة عامرة بالخير وآخرة في النعيم المقيم يقول تعالى: "إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا".

والحرية بصفة عامة هي من مميزات المسيحية، فالله حسب العقيدة المسيحية قد ترك الناس أحرارا حتى في الأوقات التي انحرف فيها البعض إلى إنكار الله أو إلى رفضه، فلقد جاء في الإنجيل بأنه سبحانه وتعالى قال وهو يخاطب سيدنا موسى عليه السلام: "قد جعلت أمامك الحياة والموت أمامك، البركة والنعمة. الحرية التي أكدت عليها المسيحية هي حرية في العقيدة وحرية في السلوكيات أيضا: ففي ما يخص الحرية الدينية فإنها تلك العلاقة التي تربط الإنسان بربه. وهي علاقة يحكمها الضمير ومرتبطة بالقلب من الداخل، بحيث جاء في الكتاب المقدس: "يا ابني أعطني قلبك ولتلاحظ عيناك طرقي"، فالله إذا يريد لقلب الإنسان أن يكون قلبا طاهرا ومطيعا لأن كل عمل يأتي عن طريق الإرغام لا أجر له على الإطلاق في هذه الديانة. فالحرية إذا في المسيحية مرتبطة بالانضباط وبوصايا الله وبالقانون بل وحتى بالنظام العام.

تنطلق الأخلاق العامة في الإسلام والمسيحية من المبادئ الرئيسة المشتركة نفسها وتدور على المحاور الأساس ذاتها لتشكل سلمًا للقيم والمناقب وقواعد السلوك تكاد تكون واحدا في العقيدتين. فالمُثل الإسلامية التي تنير حياة المسلم وعيشه تلتقي في العديد من المجالات بحلالها وحرامها مع المثل التي تنير وجود المسيحي وعمره وأصول حياته الأرضية هذه. فنجد أن الإنجيل يشير إلى أمثلة عديدة أرادها الوحي الإلهي نماذج لما يمكن أن يكون عليه سلم القيم والأخلاق والآداب والمثل في المسيحية.

إن المسيحية والاسلام تستهدفان توفير مناخات يعيش فيها الانسان بكرامة ويكون ذلك عندما يسود منطق الحق والقوانين العادلة. تقوم العلاقات الاسلامية المسيحية على أسس سليمة تبرز أهمية نشر قيم الدين في صلاح الافراد والمجتمعات.إن العلاقات الاسلامية المسيحية التي هي علاقات راقية ومتينة لأنها موصوفة بالود، والود في لغة العرب اكثر انواع العلاقات متانة وربطاً ومحبة واحتراماً. ترتكز هذه العلاقة الفكرية بين الإسلام والمسيحية على الاحترام المتبادل والعمل معاً على حفظ العدالة الاجتماعية والقيم الاخلاقية والسلام والحرية وتنميتها لجميع الناس. وهذه المهمة المشتركة ملحة بشكل خاص تدعو الى التضامن في اعادة بناء مجتمع مؤهل باضطراد للعيش المشترك.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

جامعة عالية ،كولكاتا - الهند

 

 

علي رسول الربيعيالخلافة وشرعيًة الحكومة السياسية: أهتم خطاب عبد الرزاق في "الاسلام وأصول الحكم" بالإجابة عن سؤالين ألحا على تفكيره: الأول، هل الخلافة أصل من أصول الدين الاسلامي؟ والثاني، هل يصلح الاسلام نظاما للحكم في العصر الحديث؟ واذا كان الطهطاوي ومحمد عبده وغيرهما قد تناول سابقا مثل هذه القضايا وقالوا بأن مفاهيم الاسلام لا تتعارض في جوهرها مع مبادئ الحداثة، وبالإمكان التوفيق بينهما، فإن لعبد الرزاق رأيا مختلفا حولها، أكثر جذرية وأبعد عمقا. أذ يدور خطابه حول هدم فكرة الخلافة من الاساس، واثبات عدم جدواها كنظام اسلامي في الحكم، والبرهنة على انها والقضاء ووظائف الحكم ومراكز الدولة جميعا ليست من الدين الاسلامي في شيء، بل هي "خطط دنيوية صرفة، لا شأن للدين بها. فهو لم يعرفها ولم ينكرها، ولا أمر بها ولا نهى عنها، وانما تركها لنا لنرجع فيها الى أحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة" (عبد الرزاق، 1925، 102 )

حدد خطاب عبد لرازق معنى "الخلافة " كما اصطلح عليها المسلمون بأعتبارها " خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به" وأنها "رياسة عامة في امور الدين والدنيا نيابة عن النبي " فالخليفة عندهم هو بمنزلة النبي له حق القيام على دينهم وعلى أدارة شؤون دنياهم، بشرط ان لا يتصرف على هواه بل هو مقيد في صلاحياته بحدود الشرع لايتخطاها، لكن أختلاف السياقات التاريخية، وتبدل الاحوال السياسية والاجتماعية ادى الى عكس ذلك، فقد تحولت الخلافة الى حكم استبدادي يدعي أن سلطته من الله وليس من الأمة كما كان الشأن في ملوك الفرس بالمشرق. (عبد الرزاق، 1978، -13-14 - 17)، ولم تعد سلطة الحاكم مقيدة باحكم الشريعة الدينية ولابالقوانين المدنية، وتحول الخليفة الى حاكم مستبد يدعي ان سلطته من الله وليس من الامة.

لقد تناول عبد الرازق ظاهرة الخلافة من زاويتي النظر التاريخية والدينية، وخلص الى نتائج خطيرة بالنسبة الى عصره وخاصة بالنسبة الى الظرف السياسي الدقيق التي كتب بها خطابه. ومن اهم تلك النتائج ان سلطة النبي في اصلها لم تكن سوى سلطة روحية قبل كل شيء (المراكشي 1980، 380)، فليس لأحد ادعاء انه خليفة للنبي في حكمه للمسلمين، وأن شيوع لقب خليفة رسول الله اوقع المسلمين في خطأ من حيث انهم اعتبروا الخلافة مركزا دينيا، وأن من ولي أمرهم عموما كان بمنزلة النبي عندهم . واستغل السلاطين المسلمين رواج هذا الخطأ فجعلوا أنفسهم بمثابة خلفاء رسول الله في الارض، يجب ان يطاعوا وأن تسلم اليهم مقاليد الامور، فيشير عبد الرزاق بهذا الموقف صراحة الى اعتبار الخلافة فاقدة لأية شرعية تاريخية أو دينية . ان الخلافة – في نظره – ليست اكثر من شكل من اشكال النظام السياسي، وما ينطبق عليها من حكم ينطبق على اي نظام سياسي اخر.

لم يسم الرسول احدا يخلفه من بعده، " وماكان لاحد ان يخلفه في زعامته، كما انه لم يكن لاحد ان يخلفه في رسالته "، وأما بيعة الخلفاء فقد كانت بيعة سياسية ملكية، وليست بيعة دينية، " (عبد الرزاق، 1978، 194). وقد ظن الناس خطأ أن الخلافة مركز ديني، " وكان من مصلحة السلاطين ان يروجوا أن سلطتهم دينية ودنيوية، حتى يتخذوا من الدين دروعا تحمي عروشهم، وتذود الخارجين عليهم، وقد أفْـهَموا الناس ان طاعة الخلفاء من طاعة الله، وعصيانهم عن عصيان الله، فالسلطان خليفة الله في ارضه (شكري، 1978، -235). وهذا ما جر على المسلمين من الظلم والقهر والاستبداد قرونا طوالا، مما دفع بعبد الرازق الى نفي فكرة الخلافة استنادا الى نصوص قرآنية، والقول بضرورة علمنة الدولة عن طريق الفصل التام بين شؤون الدين وشؤون السياسة.

حاول عبد الرزاق هدم فكرة الحكومة في الاسلام من خلال القول بعدم جدوى فكرة الخلافة، أذ لم يُـورود ذكر لها في القرآن أو سنة رسوله، كنظام سياسي ملزم للمسلمين، وأن " كل ما ذكره النبي عن الامامة والخلافة والبيعة لا يدل على شيء أكثر مما دل عليه المسيح حينما ذكر بعض الاحكام الشرعية عن حكومة قيصر "، وكذلك عندما يبين أنها ليست من شريعته حيث يقول: " فالذي نقل الينا من أحاديث القضاء النبوي لا يبلغ أن يعطيك صورة بينة لذلك القضاء، ولا لما كان من نظام، إن كان له نظام ". " وإن النبي لم يعين في البلاد ... ولاة لإدارة شؤونها وتدبير أحوالها وضبط الأمر فيها". وإن كان قد عين أميرا على الجيش وعاملا على المال أو إماما للصلاة أو غير ذلك إنما كان لوقت محدود يزول بزوال أسبابه (عبدالرزاق، 1925، 40، 45)

ثم ان الخلافة تاريخيا قامت على القهر والغلبة، ولم تقم على البيعة الاختيارية، ولا يملك احد (فقيه أو سواه) عزل الخليفة إن حاد عن شروط المبايعة وجادة الشرع، لأن سلطان الخليفة غير مشروط بعقد مكتوب كما يزعم، وهو مرهوب الجناب بحيث يعلو على اي محاسبة. ثم انها لا تنطوي على اي سلطان ديني لانها مؤسسة سياسية قهرية لا شرعية لها في الدين . تلك اهم مرتكزات رؤية عبد الرزاق الى الخلافة ساقها في سياق تاريخي وسياسي معلوم هو سياق تجدد فكرة الخلافة في الوعي الاسلامي بعد سقوط مؤسستها التاريخية في تركيا الكمالية، لكنه اراد بها اكثر من مجرد دحض أزعومة الخلافة وشرعيتها الدينية؛ أنه أراد دحض دعوى الصلة بين الديني والسياسي في نظام الحكم في الاسلام .

أذا كانت أمور أية جماعة لا تستقيم إلا بقيام حكومة فيها من أي نوع كانت، فأن شعائر الدين " لا تتوقف على ذلك النوع من الحكومة الذي يسميه الفقهاء خلافة، ولا على أولئك الذين يلقبهم الناس خلفاء، وأن صلاح أحوال المسلمين في حياتهم لا يتوقف على شيء من ذلك. فليس من حاجة الى تلك الخلافة لأمور الدين والدنيا، بل أن الخلافة كانت نكبة على الاسلام والمسلمين،واصل الشر والفساد "(عبد الرزاق، 1978،83).

وعليًه ان الخلافة عند عبد الرزاق غير ذات موضوع من وجهة نظر الدين والسياسة على السواء للاسباب التي يبسطها عندما يقول: " الواقع المحسوس الذي يؤيده العقل، ويشهد به التاريخ قديما وحديثا، أن شعائر الله تعالى ومظاهر دينه الكريم لا تتوقف على ذلك النوع من الحكومة الذي يسميه الفقهاء خلافة، ولا على أولئك الذين يلقبهم الناس خلفاء . والواقع ايضا ان صلاح المسلمين في دنياهم لا يتوقف على شيء من ذلك "، إذ: " ليس بنا من حاجة الى تلك الخلافة لأمور ديننا ولا لأمور دنيانا " (عبد الرزاق، 1978،83).

الاسلام لا ينص على نظام للخلافة

لم يشأ عبد الرازق، أن يبحث في امر علاقة الدين بالدولة او السلطة الدينية بالسلطة السياسية، قبل ان يرجع الى القرآن، والى اقوال الفقهاء وعلماء الكلام، ليتأكد اذا كان تنصيب الخليفة واجبا ام لا، وما هو الدليل على وجوبه، وهل تحمل الخلافة معنى دينيا ام سياسيا؟ ولما وجد أن رجال الدين يقولون بوجوب نصبه، ولكنهم يستندون الى اجماع الصحابة والتابعين فقط أذ " لو كان في الكتاب دليل واحد لما تردد العلماء في التنويه والاشادة به " (عبد الرازق، 1978، 39) كذلك لو انهم وجدوا دليلا واحدا في السنة او في احاديث النبي لكانوا استندوا اليه.

يرى عبد الرازق أنه لايمكن الاحتجاج ببعض العبارات، التي وردت في احاديث النبي، عن الامامة والبيعة والجماعة، لانها كلها لا تعني ان الشريعة اعترفت بوجود الخلافة، بمعنى النيابة عن النبي، أو ان "الخلافة عقيدة شرعية وحكم من احكام الدين" (عبد الرزاق، 1978، 45). واذا تبين أن القرآن لم يذكر آية واحدة تدل على ضرورة نصب الامام، واذا كانت السنة النبوية قد تركتها ولم تتعرض لها، فلمً يبقى الا مسالة اجماع المسلمين عليها بأعتبارها "حجة شرعية" ولكن هذه الحجة - من وجهة نظره - لايمكن الأستناد اليها في أثبات الشرعيًة الدينية للخلافة مسالة الخلافة سواء كا المُـراد بها اجماع الصحابة وحدهم، ام الصحابة والتابعين، ام علماء المسلمين كافة. وهذا الاجماع لم يحصل في أختيار الخليفة حتى في زمن الخليفة الاول (ابي بكر). ويرى، ايضا، حتى لو أفتراضا ان الاجماع قد حصل فعلا، فلا يجوز ان نستخلص منه حكما شرعيا وان نتخذه حجة في الدين، لانه لم تقم اية خلافة في الاسلام الا على القوة المسلحة، وليس على مبايعة اهل الحل والعقد". والخلافة القائمة على القوة ليست افضل من أيًة حكومة أخرى يمكن أن ترعى شؤون الامة، ثم أنً اقامة شعائر الدين وصلاح أحوال الرعية لايستدعي أي نوع محدد من انواع الحكومات، فالواقع الذي يؤيده العقل، ويشهد به التاريخ قديما وحديثا، ان شعائر الإسلام وصلاح أحوال المسلمين في دنياههم لايتوقف على ذلك النوع من الحكومة التي يسميه الفقهاء خلافة، فليس هناك من حاجة الى تلك الخلافة لامور الدين والدنيا  (عبد الرزاق، 1978، 86- 74 - 83) .

أنً الغاية الرئيسسية من وراء كل محاججة عبد الرازق هذه (أعلاه) لم تكن الخلافة بذاتها فقط بل كانت أنً الإسلام كنظام للعقائد الدينية لم يوجب الحكومة أصلا (عنيات، 1988، 132) اذ أنً وراء نقد الخلافة عند عبد الرزاق هدفا ابعد كثيرا من مجرد تقويض فكرتها كنظام سياسي يسند الى نفسه رسالة دينية: انه اقامة الفصل بين السياسة والدين، وتأسيس السياسة على قواعد العقل والمصلحة، وهي القواعد التي شدد عليها في نقده للأسس التي تقوم عليها الخلافة

يناقش عبد الرزاق طبيعة الخلافة الاسلامية والحكومة الاسلامية فيقول: بأن الاسلام رسالة عالمية، ودعوة النبي محمد لم تكن دعوة سياسية وانما هي دعوة لوحدة الايمان الديني. وأن شرائع الاسلام ليست أسلوبا في الحكم السياسي ولا نظاما من أنظمة الدولة المدنية، وإذا جمعت كل التشريعات الاسلامية فإنها لا تُـكوًن إلا جزءا بسيطا مما يلزم دولة مدنية من مبادئ سياسية وقوانين، ثم إن النبي محمد لم يعين قبل موته حاكما على المسلمين، ولم يحدد نظاما للشورى أو البيعة، وكل الذين تزعموا المسلمين من بعده، كانت زعامتهم سياسية وليست دينية، وإن بيعتههم كانت بيعة سياسية، وبالتالي فإن النظام الذي حكموا به هو أمر دنيوي لا علاقة له بالدين، والدولة التي أقاموها هي دولة عربية وليست اسلامية. وقد كانوا يريدون أن يقلدوا النبي، فأضفوا على دولتهم كل مظاهر الدين؛ ومن هنا تَصَورَ المسلمون" أن الخلافة مركز ديني، وأن من ولي أمر المسلمين قد حل منهم في المقام الذي كان يحله رسول الله" ثم روج السلاطين من بعد لهذا الخطأ ليحاربوا المعارضين لحكمهم وليتخذوا من الدين درعا يحمي عروشهم حتى أفهموا الناس أن طاعتهم من طاعة الله وعصيانهم من عصيانه. (عبد الرازق، 1978،، 102،84 150 – 152)

فيشدد عبد الرزاق على الاضرار الجسيمة التي تركها نظام الخلافة على الوعي السياسي للمسلمين، وكيف أن الخلفاء والسلاطين والأمراء استبدوا على لمسلمين باسم الدين، وحرموا عليهم النظر في علوم السياسة باسم الدين ايضا، وخدعوهم وضيقوا على عقولهم ايضا في فهم الدين وفي البحث في حقيقة الخلافة، فصاروا لا يرون غير الدين مرجعا حتى في مسائل الادارة الصرفة والسياسة الخالصة. وقد أدى كل ذلك الى موت ملكة التفكير والبحث العلمي الرصين عند المسلمين؛ (عبد الرزاق، 1925، 102) وعلى هذا الأساس دعى المسلمين الى الانعتاق من هذا القيد الذي جر عليهم ويلات التخلف ومنعهم من مجاراة الأمم المتمدنة، وكذلك الى الفصل بين الإجتماع الإسلامي المتدين ومؤسسة الدولة ليترك المجال مفتوحا أمام الفكر السياسي الإسلامي كي يجتهد في قضية شكل الحكم (كوثراني، 1996، 30)

لا وظيفة دينية أو دنيوية للخلافة، إذا، في ما يرى عبد الرزاق . وهي ليست لازمة للاجتماع السياسي الاسلامي كما يدعي دعاتها . فالايمان الديني للمسلمين ليس يعلو درجات بوجودها ولا هو يهبط دركا بغيابها . كما ان استقامة أمور معاشهم لا تجري بقيامها ولا هي تبطل بزوالها. انها محض تفصيل ثانوي في اجتماع المسلمين العقدي والسياسي، لا كثير تأثير له – ولا قليله – على ذلك الاجتماع – ولعلها، إن لم تكن وبالا عليهم وعلى اجتماعهم ذاك (عبد الرزاق، 1978، 83)، تكاد لا تحوز اعتبارا إلا في اذهان من دافعوا عنها.

فليست الخلافة من الدين وهي ليست في حقيقة امرها اكثر من شأن سياسي يرجع فيه الى الناس ومصالحهم لا الى نصوص الشرع وتعاليمه، وقد حددها عبد الرزاق في ثلاثة: العقل، والتجربة، ونظام السياسة (وربما ترتد الى مبدأين: العقل والتجربة)، هي الاطار المرجعي للدولة ونظام الحكم وللسياسة.

ورغم أهمية هذا الموقف الجذري الذي يقفه عبد الرازق من نظام الخلافة في الاسلام قديما وحديثا، واقراره بـجواز تعويضها بنظام سياسي حديث ومثالي مما يكفل للمسلمين الشورى والعدالة، الا انه لا يقدم نظاما سياسيا بديلا عن نظام الخلافة قد يلائم روح العصر ويستجيب لما تصبو اليه الشعوب الاسلامية في زمانه ؛ فهل " هو النظام البرلماني أي الملكي المقيد بقانون كما نادى بذلك سلفاه في تونس خير الدين أم النظام الجمهوري الرئاسي الموجود في الولايات المتحدة الامريكية أم النظام البلشفي الشيوعي الذي قام في روسيا إثر ثورة أكتوبر 1917" ؟ (المراكشي، 1980،383)؛ ولم يناقش علي عبد الرازق أمور مهمة مثل: ماهيً الخلافة؟ هل هي نظام حكم أم هي مطلق إقامة الحكومة أم هي الجماعة السياسية لعل هذه الثغرة هي التي منعت مشروع عبد الرزاق من أن يحقق نتيجة فعلية في البلاد الاسلامية، فرغم ثورية مشروعه وحداثته الاً أنه ظل مشروعا عقيما في مجال الاصلاح السياسي.

رغم أن خطاب عبد الرازق قطع الطريق من الناحيًة الفكرية على دعوات الإسلاميين، ممثلا برشيد رضا في ذلك الحين، لعودة الخلافة) Rosenthal،1965.102)) بوصفه خطاب إصلاحي يضع الفكر السياسي الإسلامي أمام موقف جديد حول طبيعة العلاقة بين الدين والدولة الا أنه بالنتيجة النهائية قد غلبه صوت السلفية الذي كان في تعارض جذري مع مشروعه، فربما بسبب دعم السلطة لما رأته من خدمة ذلك لمصالحها، وربما لأن الشعوب الاسلامية لم تكن قد أخذت المسافة النقدية اللازمة من واقعها ومن دينها بعد (الشريف، 2003، 254)؛ وثمة عامل آخر يمكن أن يكون قد ساهم في احباط هذا المشروع التحديثي وهو انحصار هذه النزعة في الاوساط العلمية النخبوية التي لم تستطع تمرير مبادئها الى قاعدة شعبية واسعة، على عكس التيار السلفي الذي استطاع التأثير في قاعدة جماهيرية هائلة عرف كيف يستقطبها خاصة بتأجيج العاطفة الدينية والتأكيد على ضرورة الاحتماء بالاسلام النقي لمواجهة هذا الخصم العنيد "الكافر" المتمثل في أوروبا الإمبريالية (جعيط، 1985، ص 24) بعد ان أثبت ان الخلافة ليست واجبة شرعا، وانها ليست سوى ملك يحصل بالقهر،تقدم عبد الرازق خطوة اخرى بمواجهة مشكلة اكثر صعوبة، لانها تتعلق بالسؤال عن رسالة الرسول محمد، وهل هو صاحب دولة سياسية ام رسول دعوة دينية ؟

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

................................

- المراكشي، محمد صالح (1980) (من سمات الفكر السياسي الثوري في كتاب علي عبد الرازق " الإسلام واصول الحكم")، مجلة الكراسات التونسية، المجلد 28، العددان 11و 12 .

- شكري، غالي (1978): النهضة والسقوط في الفكر العصري الحديث، بيروت، دار الطليعة.

- الشريف، ماهر (2003): (من غروب الإصلاح الديني الى تجديد الفكر الإسلامي) في: الشريف، ماهر، والكواكبي، سلام: تيار الإصلاح الديني ومصائره في المجتمعات العربية، دمشق، المعهد الفرنسي للشرق الأوسط .

- جعيط،هشام (1985): (اثر فلسفة التنوير على تطور الفكر في العالم العربي الاسلامي)، مجلة الفكر العربي المعاصر، العدد 37،، كانون الثاني

- عبد الرزاق، علي ( 1925): الاسلام واصول الحكم، البحث في الخلافة والحكومة في الاسلام، القاهرة، مطبعة مصر.

- عبد الرازق، علي ( 1978): الاسلام واصول الحكم، بحث في الخلافة والحكومة في الاسلام، نقل وتعليق ممدوح حقي، بيروت، دار مكتبة الحياة.

- عنيات، أحمد (1988): الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، القاهرة، مكتبة مدبولي، ترجمة (عن الفارسية) ابراهيم الدسوقي شتا

- كوثراني، وجيه (1996): الدولة والخلافة في الخطاب العربي. دراسة ونصوص، بيروت، دارالطليعة

Rosenthal (1965): Islam in the modern national state، Cambridge، Cambridge press،

 

مصطفى غلمانبغض النظر عمن تكون مآلية الدين والمقدس؟ وما شكلهما الجديد بعد أن صارت فكرة اعتبارهما مجرد حدث تاريخي، يتم تدميره ودفنه بعد أن أدى دورا وانتهى!

هل تتخلى البشرية عن معتقداتها الروحية وتعود لحياة الخرافة والمحاصصة في تجريب الماهيات الربوبية والبحث عن الذات الخالقة أو تحويل الوجود إلى صرعات، تشكلات الصدمة واللاخلق؟!

الأسئلة الكبرى التي تعاركت بين أدغال وأحراش الفلاسفة والمفكرين قرونا مقرنة، لازالت تثير عند بعض المتأخرين سحابات في غرق منون.

لقد قرأت اليوم بقليل من الدهشة والذهول جزءا طريفا من فعال الزهايمر لأدونيس وهو يفسر حتمية إبادة الدين وضرورة استيعاب خروجه من التاريخ بعد تهشمت أدواره المقيتة تحت وقع الحروب والدماء والاستبداد وظلم الإنسان لأخيه الإنسان؟ ! كأن الدين في مرجعيته التاريخية لا يجسد غير ما ادعاه أدونيس وقام بتأويله طبقا للاحتياجات البشرية وصنيعتها التدميرية القاتلة.

هل لسلطة الدين أن تغرس الأحقاد والصراعات بين البشرية وتحيل النصانية الأخلاقية والقيمية للتنصل من رافعات القدوة والمعرفة والتربية على التسامح والمساواة والحرية والتكافل الاجتماعي.

الجماعات المتطرفة دينية كانت أو فكرية أو عرقية لا تمثل قيم الدين أو شريعة ما . العقل المخزي الناطق بالسلخ والذبح والحرق والتنكيل والتطهير العرقي لا يستوعب مستوى المكاشفة بين الخلق والتخلق، الوجود القيمي للإنسان ومناشدته قوة العقل ومنطق الحياة.

فلماذا يصر أدونيس على أن ينفي عن الدين قوة التحليق والاستسلام للمبدع المنشود في كل صفات الكون ، من السجر والحجر والكائنات وأطانيب البحر والتراب والماء والهواء ؟!

هل الدين صنيعة بشرية ؟

إذا كانت كذلك، فلماذا انتهت إلى ما هي عليه الآن، من الجهل بنواصيها وصالاتها ؟

لماذا تلبست الفرق والنحل والهوامل اللقيطة بالخلافات والقشور ولم تستسغ النظارة العلية للأخلاق والآداب المبثوثة في الخرائد والألواح والصحف المقدسة؟ أليس الانصراف الى ما دونها تبخيس واغترار وجحود؟!

لا أتردد في القول إن أدونيس يوجه سلوك التدين إلى الدين، ويركب على الدين بالتدين، ويستعدي الصلة القربى بينهما. وهو تحول لا أدري كيف يوجهه بحصافة لا تقل خبثا ومكرا عمن يريد عقلا بلا منطق أو منطقا بدون عقل!

النص الديني تابت موثق والتدين متنوع متغير والاختلاف بين المتون الدينية من خلال ما تحويه من أفكار واختيارات ومناطق جذب وجدل وتراكم وتزاحم ودفع وتدافع يصاحبه ويقاربه اختلاف فيما تبثه من حماسة أو مخاطبة ‏لعاطفة المؤمنين بها.

فلا تقل لي من فضلك إن الإنسانية تعيش بلا دين او اعتقاد، مرتاحة البال مطمئنة الأحوال. إذ الدين وضع إلاهي سائق لذوي العقول باختيارهم إياه إلى الصلاح في الحال والفلاح في المآل. وإن جنح الناس به الى ما لا يصح صلاحا وفلاحا.

كما أن تحقق المدنية لا يستقيم دون ضمير أخلاقي، وسمو ذلك تتقاطع فيه المغارم والسبل القويمة والإيمان بالله . وهو أعظم درجات الحياة وأبلغها في اعتبار النفس وأمنها وائتمانه.

 

د. مصــطفى غَــلْمَـان

 

المهدي بسطيلي"إن الهدف الأساسي الذي تصبو إليه جميع التشريعات الإجرائية القانونية، أن يصيب القاضي في حكمه ووجب عليه أن يتحرى مطابقة حكمه مع منطق الواقع، كما حدثت لاكما يتصورها الخصوم وعليه أن يتبث بالأدلة لإسنادها ماديا ومعنويا"

في حقيقة الأمر تأتي هذه الورقة في سياق نقاش بسيط معه بعض الزملاء حول مسألة تزويج القاصرات بالمجتمع المغربي، بين حيثيات الاعتقاد في الذهنية المغربية والثقافة والظروف الاجتماعية والاقتصاديةّ، والأسباب التاريخية لبعض المناطق المغربية أيضا، وبين نص قانوني يجرم تزويج القاصرات ويكون القاضي باعتباره السبيل لتدبير المسألة واقعيا، بين واقع محكوم بظرفيات معينة وبين نص قانوني واضح في خطابه.

تكون السلطة التقديرية للقاضي في هذا الباب، مدخلا لفهم المسألة فيكون القاضي أمام إمكانية الاجتهاد عن النص، وتطبيق الإستثناءات التي قد لايعترف بها النص القانوني، بدعوى الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تحكم القضية، حيث نجد أن قاضي الأسرة المكلف بالزواج يمكن له أن يأذن بزواج الفتاة دون سن الأهلية بمقرر معلل يبين فيه المصلحة والأسباب المبررة لذلك، وذلك ما توضحه المادة (20)'من مدونة الأسرة' وهذا ما يعني أن هذه المادة بخلاف المادة التي تحدد سن الزواج في ((18 سنة، فتحت الباب لزواج القاصرين ما دون السن القانونية، وهي مخالفة صريحة للدستور الذي نص على سمو الاتفاقيات الدولية وعلى رأسها اتفاقية حقوق الطفل، التي نصت كون مرحلة الطفولة تنتهي بوصول الطفل إلى (18)سنة، وبالتالي هنا يتحول الاستثناء إلى قاعدة من حيث الإجراءات التي تم اعتمادها للإذن بالزواج، وهنا للأسف يصبح النص القانوني انتصارا لعقلية تشريعية عرفية محافظة كان يجب أن تنتصر للطفولة .

يكون القاضي أمام هم مراعاة الظروف الاجتماعية كما قلنا، ودراسة القضية من أبعاد مختلفة وذلك ما يتطلب دراية بالنظرة النفسية الاجتماعية قبل القانونية، وهو سؤال مطروح اللحظة، فيكون أمام خيارملزم قانونيا باحترام النص القانوني المرتبط بالمواثيق الدولية، وبين استحضار الحدث من الناحية الاجتماعية والاجرائية

في حقيقة الأمر كنت قد طرحت المسألة قبلا على أحد رجال القانون وكيف يتصرف في أمر مماثل فأقحمني أكثر وقال، "حينما يأتيك الأب يريد تزويج ابنته القاصر من رجل عجوز، وتكون الفتاة قاصر فترفض متألما كيف يحدث هذا بنوع من التعاطف مع الحدث، لكن تتفا جئ بعد أشهر بنفس الأشخاص وبينهم شخص آخر، طفل رضيع تحمله الفتاة بين يديها مطالبين بثبوت الزوجية، ومن القانون أن يعترف بجريمتهم التي يعتبرونها زواجا عرفيا تضمنه الأعراف وتباركه التقاليد، فماذا أنت فاعل؟ فلم يعد أمامك هم الفتاة فحسب بل هم رضيع آخر ماذا سيكون مصيره؟"

أقنعني في الحقيقة بل أقحمني في منطق تفكير آخر كنت أغفله وهو السؤال الجوهري هل ترك المشرع هذه الثغرات القانونية لمراعاة مثل هذا الحدث؟

لا يبدو الأمر غريب عنا وكأننا نتحدث عن غير غيرنا، إنه واقع المجتمع المغري، بين كل مناحي الواقع نعاني من إشكالية التنظير والتطبيق، أو التنزيل على أرض الواقع، فتجريم زواج القاصرات جاء في سياق دولي نصت عليه المواثيق الدولية، ووجد المغرب نفسه مضطرا للتوقيع عليها وإدراجها في القانون الخاص، لكن السؤال هل كانت هناك مواكبة اجتماعية للأفراد؟

هل استطاعت الذهنية المغربية فهم هذا القانون وخيوطه الموضوعية؟ وهنا مربط الفرس في الحقيقة، ما فائدة استقدام تغيير معيين دون استنباته ومواكبته لأنه سيتبث فشله وسيلاحقه العجز ويصبح مباركا بروح القانون فقط.

إننا اليوم أمام خيارين أحلاهما مر، إما أن نكون صارمين من خلال النص القانوني في المسألة، أمام تجريم تام ورفع جذري لهذه الإستثناءات واحترام حقيقي للقانون، ولحقوق الفئات المتضررة والضرب بيد من حديد على كل محاولات خرق هذا القانون، وذلك في الحقيقة يستدعي مواكبة موضوعية للعقلية المغربية ،وتوعية مستمرة بأهمية هذا القانون وخطورة تزويج القاصرات تفاديا للأثار الاجتماعية والنفسية الوخيمة، وإما خيار عشوائي سيروق لذهنية الكثير، عنوانه العزوف عن النص القانوني وإعلان ظاهر لقيم العرف العشوائية في المسألة، على الأقل حتى نتصالح مع أنفسنا

إن المسألة أيضا لها أصل في العلاقة بين رجل القانون ورجل العلم وخاصة الباحث في العلوم الاجتماعية، هذه العلاقة المضطربة التي تحكمها الأبعاد السياسية فرجل القانون يرى في الباحث الاجتماعي متعاليا عن الواقع وفيلسوف المعنى، ولا دور له في المسألة وهو الشيء الخطير لذلك لابد أن نعلم أولا أن المسألة تحتاج للتضامن والصلاح بين رجل القانون والسوسيولوجي بدرجة أولى، فمن خلالهما يمكن للنص القانوني أن يتصالح مع الواقع.

 

المهدي بسطيلي

 

علي رسول الربيعيغياب السياسة والموقف من الحداثة

أصدر علي عبد الرزاق (1888-1966)، أبان النقاش الدائر حول الخلافة الاسلامية، كتابه "الإسلام واصول الحكم" ويتضمن ثلاثة محاور أساسية: الخلافة والإسلام، الحكومة والإسلام، الخلافة والحكومة في التاريخ. يعرض فيه موقفا نقديا من مســألة إحياء الخلافة الإسلامية، ويعبر عن ما وصل اليه الوعي السياسي الإصلاحي الإسلامي في المناخ الليبرالي السائد في الأوساط الفكرية أنذاك.

تصدّى عبد الرازق في خطابه، إلى "الحلقة المركزية" في الإصلاح السياسي الدينيّ القائمة على ازالة الخلافة، الفصل بين الدّين، بوصفه تعبيرا عن المبادئ الروحية والقيم الإنسانيّة والأخلاقيّة، وبين الدولة بوصفها منظومة قوانين وقواعد وسلطة لإدارة شؤون المواطنين. فماهيً الحجج الواردة في خطاب عبد الرازق لإلغاء الخلافة وفصل الدين عن الدولة؟

قدم الإصلاحيون مقاربات عديدة تناولت مصدر الخلل الرئيس في تخلّف العالم الإسلاميّ والعجز عن اللّحاق بركب التقدّم والتطور، لكن لم يصل خطابهم السياسي إلى بناء منظومة فكريّة يُحسم بها وجوب الفصل بين الدين والدولة، ما عدا الكواكبي، إلا أن ذلك الخطاب كان ضروريُ للتمهيد لنظرية عبد الرازق في أنً الاسلام رسالة لا حكم، ودين لا دولة.

جاء خطاب عبد الرازق امتدادا فكريا وتاريخيا لأفكار روّاد الإصلاحيًة الإسلاميًة في القرن التاسع عشر، ابتداء من الطهطاوي الى جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، حتى عبد الرحمن الكواكبي؛ فكان خطابه تطور طبيعيا في الفكر السياسي العربي بدليل الصدى الايجابي الكبير الذي لقيه لدى" الأحرار الدستوريين الذين كان حزبهم يجمع شتات المثقفين الليبراليين المتفتحين" (المراكشي، (1980) ص 374)

يمكن رد تلك النزعة التحررية في الخطاب الاصلاحي الى أفكار الحداثة السياسية التي دخلت من اوروبا الى البلاد الاسلامية والتي كان من نتيجتها أنْ خففت من هيمنة شموليًة الوعي الديني على المفكرين ذوي النزعات التجديدية الثورية في الاصلاح؛ فتولدت من مثل هذه الظروف مواقف تدعو الى تغيير الهياكل السياسية الاسلامية وتنظر الى النظم السياسية والمجتمع الاسلامي بمنظار متأثر بالطابع الأوربي (عبد اللطيف (2000) 61 – 62) وكان من أهم أفكار الحداثة السياسية الأوربية التي تأثر بها الإصلاحيون، وأن على نحو جزئي، هي فصل الشؤون الدينية عن الشؤون السياسية، وفي هذا السياق اصدار علي عبد الرزاق كتابه "الاسلام وأصول الحكم" عام، 1925 الذي مثل منعرجا حاسما في سياق أستجابة الإصلاحيًة الإسلاميًة لتحديات الحداثة اذ قال "لا شيء في الدين يمنع المسلمين من أن يسابقوا الأمم الأخرى في علوم الاجتماع والسياسة كلها، وأن يهدموا ذلك النظام العتيق الذي ذلوا به واستكانوا اليه، وأن يبنوا قواعد ملكهم ونظام حكومتهم على أحدث ما أنتجت العقول البشرية، وأمتن ما دلت تجارب الأمم على أنه خير اصول الحكم " (عبد الرزاق، (1925)، 102)

وعلى هذا الأساس كان خطاب عبد الرزاق يركز على انتقال الفكر الاصلاحي الحديث في طرح القضايا الفكرية والسياسية من صرامة الانتقاء وشدة الاحتراس في تقبل قيم الحداثة الى المرونة في الأقتباس منها، (القاضي، وصولة1997، 51) فقد عكس خطاب عبد الرزاق ايمانه بامكان التعايش بين الدين الاسلامي والعلمانية (الشريف، (2003)، 254)

أن هذا التوجه الذي اختطه عبد الرزاق في الفكر الاسلامي ينزع عن التراث الديني قداسته، فلا يرى خوفا في التعامل النقدي مع مؤسساته ونصوصه، بل انه يرى ضرورة تطوير هياكله حسب ما يمليه العصر بمتطلباته وتحدياته الراهنة؛ ويدعم هذا التوجه في ما يكمله من جهة أخرى متمثلا في استلهام المنجزات الحضارية الأوروبية التي لا تمثل " إخلالا بالضرورات الخمس المعلومة من الدين حسب التعبير الفقهي، والتي هي: حفظ الدين والنفس والمال والعقل والعائلة، انطلاقا من أن الشريعة في أساسها هيً من أجل الحكم الصالح ومصالح الناس (الفرجاني، 2003، 186)

تمكن خطاب عبد الرزاق، رغم نقائصه المنهجية، من التخلص من العوائق الفكرية التي كانت تسـور رؤية الكثير من الإصلاحيين قبله، وهي الخوف على قداسة الاسلام من ان تمسها يد التطور بسوء فتدنسها، والخوف من الأوربي الذي قد يكون في الأخذ من منتجاته الحضارية المادية والفكرية خاصة إدخال لمنتج "كافر" الى ارض "الايمان"، واقرار بتفوقه على المسلمين، رغم أن تفوق تلمس هذه الأنا آثاره في كل مظهر من مظاهر الحياة !

لقد كان يمكن لهذا الخطاب المتحرر من تلك العوائق ان يعطي نتائج مهمة في الفكر السياسي والاجتماعي والديني الحديث في العالم الإسلامي في طريقة أستقبال الحداثة لو تهيأت له الشروط التاريخية . فهو خطاب قد تجاوز مجرد الاعجاب باوروبا الى اعتبار العلاقة بينها وبين الاسلام علاقة تطابق واندماج، حتى أنه قد اعتبر بعض "القيم التي يدعو اليها القرآن مطابقة لقيم الثورة الفرنسية"! (القاضي، وصولة،1997، ص26)

لقد جاء كتاب "الاسلام واصول الحكم" عام 1925،" لا ليعطي شهادة وفاة لميت لفظ انفاسه، مع انتصار علمانية مصطفى كمال اتاتورك و"فض" الخلافة، وانما ليعلن حكم الاعدام على نظام لازالت تتردد انفاسه" (شكري، 1978، ص234)؛ وأن يثبت لا نظام خلافة في الاسلام، استنادا الى دراسة فقهية معمقة للنص القرآني والاحاديث النبوية، وسيرة الخلفاء الراشدين، وعلى اية حال، فان "الزوبعة التي اثارها (هذا الكتاب) لم تكن مفتعلة البتة اذ هي عنوان التحول الحاسم الذي شهدته قطاعات لم ينفك تزايد عددها وتأثيرها من المفكرين العرب المحدثين الذين ضاقوا ذرعا بقيود الماضي وتجرؤوا على تقديم قراءات للتاريخ والواقع الاسلاميين لا تنسجم مع رؤى رجال الدين المتخرجين من المعاهد التقليدية والمجترين للحلول التي ارتضاها القدماء " (الشرفي (1991)،313 -314)

ومن هنا لانتفق مع رأي جدعان في قوله "ان ما يؤخذ على علي عبد الرازق... يمكن ان يرتد الى امرين: الاول رفض مبدا الخلافة استجابة لبواعث سياسية صريحة او مبطنة.. والثاني ممارسته لفضيلة "الشجاعة" في المنطقة الاقل خطرا تجنبا لسوء العاقبة ... فبدلا من ان يتصدى لخصمه الحقيقي (الملك فؤاد) ويقول له ان شروط الامامة او الخلافة غير متوافرة فيه اطلاقا، تصدى للاوساط الدينية وزعم ان فكرة الامامة باطلة اصلا، فاصابت الرمية الاسلام نفسه لا السلطان " (جدعان، ص 349). بعبارة أخرى، أنً الجهد الذي بذله عبد الرازق من أجل أثبات ان لا نظام خلافة في الاسلام يعود الى دوافع سياسية وليست فكرية صادرة عن قناعات عقلية، وانه كان يرغب في توجيه سهام النقد الى سلطان مصر، فاذا به يصيب الاسلام وليس السلطان.

انه من باب التجني تعليل نزعته العلمانيه بالاسباب السياسية الظرفية أو الشخصية المتعلقة بموقف من شخص بعينه، واغفال عامل التاثر بافكار الحداثة الأوربية، التي تلقاها من اوكسفورد بعد دراسته الازهرية، واطلاعه عن كثب على القوانين المدنية الأوربية، ومعاينتة المباشرة لانظمة الحكم الدستورية والديمقراطية هناك، ومن ثم مقارنتها بنظام الحكم الفردي المستبد في العالم الإسلامي الذي يدعي ان سلطته مستمدة من الشرع او من الله. فالمساله ابعد بكثير من كونها خلافا شخصيا مع ملك مصر في ذلك الوقت. انها مسالة نظرة جديدة الى الدين والسياسة لاترى في الدين ما يمنع المسلمين من الأستفادة من الحداثة في الإجتماع والسياسة، سماها مجيد خدوري " علمنة الاسلام" (خدوري، 1972، ص222)؛ أنها نظرة حديثة تناول فيها عبد الرازق العلاقة بين الدين والسياسة باسلوب جديد، ليس من باب البحث في المصلحة السياسية الظرفيًة للعرب، بل من باب الإستيعاب للعلمانية لا مجرد اقتباس المفهوم في صورته اللفظية ولكن من خلال " تطوير النص الخلدوني الذي يميز بين الخلافة والملك وبين الوازع الديني والعصبية، والى تأويله، منتهيا الى القول بغياب وجوب الخلافة في الاسلام، وبأنً ما يقال له "خلافة" هو سلطان زمني يتبدل ويتغير ويزول،ويقوم على القهر والغلبة " (كوثراني، 1996، 27)

أن الهدف الشامل والنهائي لخطاب عبد الرازق "الإسلام واصول الحكم" هو فصل الدين عن الدولة، أيً نزع الرداء "الثيوقراطي" للحكم وتبني القوانين الوضعيًة في الحياة السياسية؛ وبهذا خطا خطاب عبد الرازق خطوة أبعد بكثير من البحث عن "نصوص" دينية تحرم الكهنوت والديكتاتورية، وهي ايضا ابعد أيضا من "التوفيق" بين نصوص الشريعة وقوانين العصر الحديث .(شكري، 1978، 240)

فقد راى عبد الرازق أن مثل هذا البحث يتطلب معرفة باصول السياسة وانظمة الحكم الحديثة، لأن" حظ العلوم السياسية، في تاريخ الحركة العلمية عند المسلمين، كان بالنسبة لغيرها من العلوم الاخرى اسوأ حظ وان وجودها بينهم كان اضعف وجود، فلسنا نعرف لهم مؤلفا في السياسة ولا مترجما، ولا نعرف لهم بحثا في شيء من انظمة الحكم ولا اصول السياسة(عبد الرزاق، 1978، 67). وقد كان حريا بهم، من وجهة نظره، ان يهتموا بالعلوم السياسية، مثلما اهتموا بالفلسفة والعلوم اليونانية والسريانية والهندية، وان يتناولوا بالبحث انواع الحكومات ومصدر السلطة، وتحليل مذاهب الحكم ومصادره، بغية نقد الخلافة وما تقوم علية، او بغية الرد على المعارضين، أو رغبة في تطوير نظام الحكم والافادة من دراسة المباديء السياسية، وانواع الحكومات عند اليونان. وقد رأى عبد الرازق، كان المسلمون اولى من غيرهم بالقيام بهذه الافعال" فما لهم قد وقفوا حيارى امام ذلك العلم، وارتدوا دون مباحثه حسيرين ؟ ما لهم اهملوا النظر في كتاب الجمهورية الافلاطون وكتاب السياسة لارسطو، وهم الذين بلغ من اعجابهم بارسطو ان لقبوه (المعلم الاول)؟ وما لهم رضوا ان يتركوا المسلمين في جهل مطبق بمبادئ السياسة وانواع الحكومات عند اليونان... ورضوا ان يمزجوا لهم علوم دينهم بما في فلسفة اليونان من خير وشر، وايمان وكفر ؟ "(عبد الرزاق، 1978، 69).

لم ير عبد الرازق سببا لاهمال علوم السياسة الا الضغط الذي مارسه الخلفاء- الملوك على حرية العلم واستبدادهم بمعاهد التعليم، منعا لانتشار " علم السياسة [الذي] هو من اخطر العلوم على الملك، بما يكشف من انواع الحكم وخصائصه وانظمته ... لذلك كان حتما على الملوك ان يعادوه وان يسدوا سبيله على الناس " (عبد الرزاق، 1978، 76-7)، لانه حين يعرف الناس مبادئ السياسة واصول قيام الدول، وانواع الحكومات، فان ذلك يدفعهم الى المطالبه بالغاء منصب الخلافة، أو على الاقل النظر الى الخليفة كانه ملك يمارس القوة والقهر للحفاظ على سلطته، فلا يعود قادرا على اضفاء صفة القداسة على نوع الحكم الذي يمارسه بأسم الدين، على اساس أنه خليفة النبي لايجوز لاحد مخالفة رأيه او امره. من اجل الحفاظ على مٌـلكه كان الخليفة – الملك يلجأ الى القمع، فـ " الغيرة على الملك تحمل الملك على ان يصون عرشه من كل شيء يزلزل اركانه، أو ينقص من حرمته، أو يقلل من قدسيته، لذلك كان طبيعيا ان يستحيل الملك وحشا سفاحا... وعدوا لدودا لكل بحث ولو كان علميا يتخيل انه قد يمس قواعد ملكه " (عبد الرازق، 1978، 67) وحُـرًمَ على علماءِ الدين المسلمين الخوض في العلوم السياسية إبان ازدهار العلوم والفنون في الحضارة الاسلامية، مع أن الظروف كانت تستدعي ذلك لكثرة الحركات المعارضة للخلفاء منذ بداية الاسلام. ويعلل عبد الرازق اسباب ذلك بِكُـره الخلفاء لعلم السياسة واعتباره أخطر العلوم على سلطتهم، ولذلك سدوا سبيله أمام الناس. (عبد الرزاق، 1925، 28 -29)

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.........................

الشرفي، عبد المجيد (1991): الاسلام والحداثة، تونس، الدار التونسية للنشر

الشريف، ماهر (2003): (من غروب الإصلاح الديني الى تجديد الفكر الإسلامي) في: الشريف، ماهر، والكواكبي، سلام: تيار الإصلاح الديني ومصائره في المجتمعات العربية، دمشق، المعهد الفرنسي للشرق الأوسط .

الفرجاني، محمد شريف، (2003): الشريعة بين القراءة السلفية – التقليدية ومحاولات التجديد في: الشريف، ماهر،والكواكبي، سلام (تحرير): تيار الإصلاح الديني ومصائره في المجتمعات العربية، دمشق، المعهد الفرنسي للشرق الأوسط .

القاضي، محمد، وصولة وعبد الله 1997: الفكر الاصلاحي في القرن 13هـ / 19م ومطلع القرن 14هـ/ 20 م، ط1، تونس، المركز القومي البيداغوجي.

المراكشي، محمد صالح (1980) (من سمات الفكر السياسي الثوري في كتاب علي عبد الرازق " الإسلام واصول الحكم")، مجلة الكراسات التونسية، المجلد 28، العددان 11و 12 .

جدعان، فهمي (1998): اسس التقدم عند مفكري الاسلام،عمان، دار الشروق.

خدوري، مجيد (1972): الاتجاهات السياسية في العالم العربي، بيروت، الدار المتحدة للنشر .

شكري، غالي (1978): النهضة والسقوط في الفكر العصري الحديث، بيروت، دار الطليعة.

عبد الرزاق، علي ( 1925): الاسلام واصول الحكم، البحث في الخلافة والحكومة في الاسلام، القاهرة، مطبعة مصر 

عبد الرازق، علي ( 1978): الاسلام واصول الحكم، بحث في الخلافة والحكومة في الاسلام، نقل وتعليق ممدوح حقي، بيروت، دار مكتبة الحياة.

عبد اللطيف، محمد الصادق، (2000): جذور الفكر الإصلاحي بين حركة الشيخ محمد رشيد رضا والنخبة الإصلاحيًة في تونس " مجلة رحاب المعرفة، العدد 14 / نيسان (أفريل) .

كوثراني، وجيه (1996): الدولة والخلافة في الخطاب العربي. دراسة ونصوص، بيروت، دارالطليعة .

 

 

جميل عودةمشـكلة المخدرات تشـكل خطـرا كبيرا على البشـرية وسـلامتها ورفاهيتهـا، ولاسـيما الشـباب، وعلـى الأمـن الـوطني للـدول وسـيادتها، وهـذه المشـكلة تهـدد الاسـتقرار الاجتمـاعي والاقتصادي والسياسي للدول، وتهدر الصـحة العامـة للإنسـان، وتدمر الأفـراد والأسـر والمجتمعـات، وتزيد السـرعة فـي معـدلات الجريمـة والعنـف والفسـاد.

 في اللغة؛ تعني كلمة الخدر الكسل أو الفتور. والمخدر يعني المضعف والمفتر. ويقال: تخدر الشخص أي ضعف وفتر. والمخدر لغة يعني أيضا الظلمة، والخدرة الظلمة الشديدة. والخادر الكسلان. والمخدرات جمع مخدر، وهي تأتي بشكل حبوب؛ أو أقراص؛ أو كبسولات؛ أو مسحوق، وعند تعاطي هذه المواد تؤثر في جسم الإنسان، وتؤدي إلى الأمراض الصحية؛ والنفسية؛ والعقلية.

 وفي الاصطلاح؛ تعني المخدرات (كل مادة مسكرة أو مفترة، طبيعية أو مستحضرة كيميائيا من شأنها أن تزيل العقل جزئيا أو كليا، وتناولها يؤدي إلى الإدمان، بما ينتج عنه تسمم في الجهاز العصبي، فتضر الفرد والمجتمع، ويحظر تداولها؛ أو زراعتها؛ أو صنعها، إلا لأغراض يحددها القانون، وبما لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية).

 والمخدرات على نوعين هما: المخدرات النباتية (الطبيعية) وهي التي تؤخذ من النباتات المزروعة مباشرة. والمخدرات المصنوعة (الصناعية) وهي التي تعالج بصورة كيمياوية، أي يجري تحويلها من نباتات المخدرات إلى مستحضرات صناعية، سواء أكانت هذه المستحضرات مصنعة من المخدرات الطبيعية، وتعرف بمشتقات المادة المخدرة، أو تخليقية (مخلقة) وهي مواد صناعية لا يدخل في صناعتها وتركيبها أي نوع من أنواع المخدرات الطبيعية أو مشتقاتها المصنعة، ولكن لها خواص وتأثير المادة المخدرة الطبيعية.

 وقد اتخذت مشكلة المخدرات والمؤثرات العقلية مكانة متقدمة بـين مشـكلات العـالم المعاصـر، حيـث كانـت فـي الماضـي لا تهـم سـوى عدد محدود من الدول التي تعاني منها. وأصبحت هذه المشكلة في عالم اليوم تهدد بأضـرارها وأخطارها البشـر جميعـا، والمجتمـع الدولي بأسره، والدول التي ليست بها مشكلة مخـدرات ليسـت إلا اسـتثناء فحسـب. وتتضـح الطبيعـة الدوليـة للاتجـار غيـر المشـروع بالمخدرات في زراعتها في عديد من دول العالم، وتهريبها عبر دول أخرى إلى حيـث تسـتهلك.

 تشير التقارير العالمية إلى أن ظـاهرة الاتجـار غيـر المشـروع بالمخـدرات والمـؤثرات العقليـة الكيميائيـة، تعتبـر مشـكلة عالميـة لا يكـاد يسـلم مجتمـع إنسـاني مـن آثارهـا المباشـرة وغيـر المباشـرة، ويمثـل الاتجـار غيـر المشـروع بالمخـدرات والمـؤثرات العقليـة ٨٪ مـن مجمـوع التجارة العالمية، وتشكل الكميات المضبوطة من أنواع المخدرات مقارنة بما يـتم تهريبـه علـى سـبيل المثـال نسـبة ١٠٪ فـي مخـدر الهيروين و٣٠ ٪ في مخدر الكوكـايين، وتكلـف الإجـراءات الدوليـة والوطنيـة لمكافحـة انتشـار المخـدرات والتوعيـة بأضـرارها وعـلاج ٧ المدمنين نحو ١٢٠ مليار دولار سنوي.

 وتـرى الجمعيـة العامـة للأمـم المتحـدة أنـه علـى الـرغم مـن تزايـد الجهـود التـي تبـذلها الـدول والمجتمـع المـدني والمنظمـات والأجهـزة المعنيـة للتصـدي لمشـكلة المخـدرات والمـؤثرات العقليـة علـى الصـحة العامـة إلا أن المشـكلة لا تـزال تشـكل خطـرا للبشـرية وسـلامتها ورفاهيتهـا، ولاسـيما الشـباب، وعلـى الأمـن الـوطني للـدول وسـيادتها، وهـذه المشـكلة تهـدد الاسـتقرار الاجتمـاعي والاقتصادي والسياسي للدول. وتهدر الصـحة العامـة للإنسـان، وتدمر الأفـراد والأسـر والمجتمعـات، وتزيد السـرعة فـي معـدلات الجريمـة والعنـف والفسـاد، فضـلا عـن تحـول مـوارد بشـرية وماديـة عـن التنميـة الاجتماعية والاقتصادية إلى عمليات المكافح.

 وبناء على ذلك؛ تلعب المخدرات دورا كبيرا في دفع الإنسان إلى ارتكاب مختلف الجرائم، لما لها من تأثير مباشر على الجهاز العصبي والحسي للإنسان، حيث يكون المتعاطي للمخدرات مستعدا لارتكاب أية جريمة من أجل الحصول على هذه جرعة المخدر، لكي يتخلص من الآلام الجسدية والنفسية التي يتركها عدم حصوله على المخدر اللازم لتهدئته، هذا من جانب.

 ومن جانب آخر، إن المدمن قد يرتكب الجريمة، وهو في حالة التأثر بالمخدر، إذ إن المخدرات تضعف تمييز الشخص وإدراكه للأمور وحكمه عليها، وعليه، قد يرتكب الجريمة من حيث لا يعلم، كارتكاب جريمة الدعارة أو الزنا أو اللواط، وسواء أكان هذا الأمر يتعلق بالرجال أو النساء. بل إن أغلب الجرائم الإرهابية –كالتفجيرات الانتحارية– ترتكب تحت تأثير المخدرات التي تعطى لأولئك الانتحاريين.

 ويبين تقريــر المخــدرات العالمــي ٢٠١٧ بوضــوح أن هنــاك الكثيـر مـن العمـل الـذي يتعين القيام به لمعالجة الأضرار الكثيرة التــي تســببها المخــدرات علــى صعيــد الصحة والتنمية والسلام والأمن في جميع مناطق العالم. فعلــى الصعيــد العالمــي، يُقــدَر أن المخــدرات تســبب ما لا يقـل عـن (٠٠٠ ١٩٠) حالـة وفـاة مبكـرة، معظمهـا يمكـن تجنبها، يُعزى أغلبها إلى تعاطي المؤثرات الأفيونية. ويتنـاول تقريــر المخــدرات العالمــي ٢٠١٧ أيضــاً الصلات بسـائر أشـكال الجريمـة المنظمـة، والتدفقـات الماليـة غيـر المشـروعة والفسـاد والإرهاب. وهـو يسـتند إلى أفضـل الأدلة المتاحـة، ويسـلط الضـوء أساسـاً على ضـرورة إجـراء المزيد من البحوث في هذه المجالات.

 نخلص مما تقدم أن ظاهرة الإدمان على المخدرات والمؤثرات العقلية أكثر الظواهر الاجتماعية المرضية مقاومة للعلاج. فعلاجها صعب وطويل، ولابد لإنجاحه من بذل جهود مكثفة في ميدان الإجراءات الوقائية، وميدان التأهيل الاجتماعي معا.

المداخل العلاجية والوقائية

 وهنا يمكن أن ذكر بعض المداخل العلاجية والوقائية، والتي يمكن أن تسهم في تحقيق الأهداف الخاصة بالوقاية، وتدعيم الاستراتيجيات الوقائية التي تسعى إليها المؤسسات المجتمعية الحكومية وغير الحكومية بكل صورها، وهي:

١- المدخل الأخلاقي والقانوني:

 ويركز هذا المدخل على "المخدر" في حد ذاته، حيث يقسم المادة المخدرة إلى مواد خطرة وذات نتائج مدمرة، وأخرى أقل خطورة. ويستهدف هذا المدخل في بداية العمل إلى إبعاد المواد المخدرة الخطيرة عن أفراد المجتمع لما لها من تأثير فعال وقوي عليهم مثل عدم القدرة على العمل، عدم النشاط، من خلال الضوابط القانونية المحددة للأفراد الذين يقومون بزراعة المخدرات وتصنيعها أو ترويجها. ويكون ذلك بالتهديد بالعقاب، وتوقيع العقوبة الرادعة على من يضبط منهم، بالإضافة إلى التحذير المستمر من الأضرار الاجتماعية والجسمية والنفسية التي تحدث نتيجة تعاطي المخدرات.

 ٢- المدخل العلمي والتثقيف الصحي العام:

 وهو يتفق مع المدخل السابق في تركيزه على "المخدر" وتأثيره البالغ على حياة الإنسان. والاختلاف عن المدخل السابق هو أنه لا يفرق بين المخدرات القانونية وغير القانونية، أو الخطرة وغير الخطرة. وبذلك فهو يشتمـل (الكحوليات، الكافين، الكوكايين، الهيروين.. وغير ذلك) وينظر هذا المدخل إلى المتعاطي على انه "معتمد" على المادة المخدرة. ولذلك فإن الإقلال من التعاطي هو هدف هذا المدخل.

 ويمكن إن يتحقق ذلك من خلال النبذ الاجتماعي للمخدرات عدم التقبل المجتمعي، وسياسة التنفير، وارتفاع ثمن المواد المخدرة، مما قد يسهم في الحد من شرائها، وتقديم العلاج الطبي، وفاعلية الضوابط التشريعية الموجودة في المجتمع. وينظر هذا المدخل إلى المتعاطي كشخص مريض قابل للشفاء أو الانتكاسة. ولذلك يركز على العمليات الوقائية التعليمية، والتي يمكن من خلالها تقديم المعلومات المناسبة بشأن الأضرار المترتبة على تعاطي المخدرات، بالإضافة إلى استخدام العلاج الطبي في الإقلال التدريجي من الاعتماد على المخدر.

٣- المدخل النفسي الاجتماعي:

 ويركز هذا المدخل على "الأفراد" كونهم الجانب النشط في المشكلة، والجانب المعقد، حيث أنهم يتسمون بالديناميكية والتغيير، وإنه من الصعب التنبؤ بسلوكهم مباشرة، كما ينظر عليهم على أنهم المستهدفون من التدخل. لهذا يوجه هذا المدخل اهتمامه على مفهوم المخدر ووظائفه من وجهة نظر هؤلاء الإفراد، ومدى تأثير العوامل الاجتماعية المحيطة بهم على تعاطيهم للمخدرات مثل الأسرة، وجماعات الصداقة، والأقارب، والاتصال بالآخرين، كما يأخذ في اعتباره العوامل الشخصية المتصلة بالسن، والجنس، والضغوط النفسية التي يمر بها الأفراد وطبيعة المواقف التي أدت إلى التعاطي.

٤- المدخل الاجتماعي – الثقافي:

 ويركز هذا المدخل على الأوضاع الاجتماعية المحيطة بالتعاطي، والى طبيعية البيئة المحيطة، سواء أكان ذلك في المجتمع المحلي المحيط به، أم المجتمع ككل. كما ينظر إلى نوعية "الخلل" في الأجهزة والمؤسسات، ومحور اهتمامه انه ينظر إلى المتعاطي على أنه "يمارس سلوكا منحرفا"

 وإن هذا الانحراف يأتي من مصادر متعددة: قد تكون الشخص نفسه، وطبيعية السلوك، ونظرة المجتمع إلى هذا السلوك باعتبار أن السلوك يختلف من ثقافة إلى أخرى، أو ثقافة إلى ثقافية فرعية أخرى كما ينبه هذا المدخل إلى ضرورة الأخذ في الاعتبار العوامل غير المرئية أو الظاهرة التي تحيط بالعوامل الاجتماعية. ويقصد بذلك المكون "الثقافي" ويركز هذا المدخل على المشكلات الآتية: مشكلة الفقر، والبطالة، وسوء المعاملة، والتصنيع، ودرجة التحضر، وانخفاض الوازع الديني، وضعف أجهزة الضبط.

٥- مدخل البدائل المتاحة أمام متعاطي المخدرات:

 يعتمد هذا المدخل على فرضية أساسية هي: "إن الأفراد الذين يتعاطون المخدرات يرغبون في ذلك، وإن تعاطيهم للمخدرات يحقق لهم بعض الإشباع في بعض الجوانب المتصلة بحياتهم، وإنهم سوف يتوقفون عن تعاطي المخدرات إذا وجدوا بعض الأشياء التي تحقق لهم ما كانوا يستهدفون".

أساليب وقائية

 ولكي نفهم الأسباب التي من أجلها يتعاطى الأفراد المخدرات نجد أن هذه الأسباب متعددة، ولها صور مختلفة، ولها استجابات معينة تتطلب التدخل الوقائي، والعلاجي، وإعادة التأهيل الطبي.. وغير ذلك إلا أن العائق الوحيد أمام هذا المدخل هو طريقة مواجهة هذه الإشباع، وكيفية الاستجابة لخبرات المتعاطي، والتي تتطلب مهارة كبيرة في التحليل والتدخل، وتتطلب الصبر والمرونة لكي يتحقق الهدف الوقائي، وهو الحد من مواجهة مشكلة تعاطي المخدرات. وهناك عدة أساليب وقائية لهذا المدخل منها:

أ‌- انضمام المتعاطين إلى جماعات علاجية، حيث لوحظ أن متعاطي المارجوانا والحشيش قد تناقص عددهم عندما أتيحت لهم فرصة الانضمام إلى جماعات علاجية – طبيعية – تتواكب مع مشكلاتهم، وتتيح لهم فرصة التعبير الحر عن المشكلة، وبشكل صريح.

ب‌- الالتحاق ببرامج تدريبية وتوفير وظائف مناسبة للشباب: حيث لوحظ أن عدد المتعاطين من صغار السن أمكن إقلاعهم عن التعاطي، وذلك من خلال إلحاقهم ببرامج تدريبية أدت إلى حصولهم على وظائف تتناسب مع قدراتهم، وقد أدى ذلك إلى رفع روحهم المعنوية، وجعلهم يشعرون بأن المجتمع يتقبلهم مما أدى إلى إقلاعهم عن تعاطي المخدرات.

ت‌- أن تتحمل المؤسسات الموجودة في المجتمع عبء مواجهة هذه المشكلة: سواء كانت أهدافها خاصة بمواجهة مشكلة تعاطي المخدرات أم المؤسسات الأخرى (مدارس، مصانع، مستشفيات، وغير ذلك)، والتي قد يكون لها تأثير غير مباشر في مواجهة مشكلات تعاطي المخدرات.

٦- مدخل حل المشكلة (المدخل التحليلي):

 ويستهدف هذا المدخل تكوين أساس علمي واقعي لجوانب المشكلة "كما وكيفا" وتحليل المشكلات تحليلا دقيقا للوصول إلى الأسباب الحقيقية. وبالتالي المواجهة الحقيقة للمشكلة.

 ومن الأساليب الوقائية لهذا المدخل: اقتراح مفاهيم بسيطة لتحليل المشكلة، ومقارنة تأثير السياسات الوقائية والعلاجية المختلفة عليها. وتحديد العناصر الرئيسية والواضحة لمشكلة تعاطي المخدرات التي يمكن لجهود الدولة أن تقوم بالعبء الأكبر في مواجهتها، والجوانب الأخرى التي يمكن للجهود الأهلية المشاركة فيها، وتحديد وتوضيح التفاعلات المختلفة التي تسبب زيادة حجم المشكلة تطورها حسب مرور الوقت، وعدد المتأثرين بالمشكلة ومدى انتشارها بالمجتمع، ومدى تأثر أفراد المجتمع بالمشكلة.

٧- المدخل الوقائي المتكامل:

 إن الضغوط والمشكلات التي يتعرض لها المتعاطي تتضمن أسبابا عديدة مرتبطة بالفرد، والأسرة، والأصدقاء، ومجتمع الجيرة، والمجتمع ككل، وكذلك ترتبط بالمؤسسات التي يتصل بها الفرد مثل (العمل، المدرسة) ولهذا يسعى المدخل الوقائي إلى التعرف على مصادر الضغوط التي يمكن أن يتعرض لها الإنسان، والعمل على بناء قدرته على مواجهتها واكتساب الخبرة والبصيرة التي تمكنهم من مواجهة هذه الضغوط وتحقيق الأهداف الايجابية التي يسعي إليها.

 ومن الأساليب الوقائية لهذا المدخل:

أ- يقوم المدخل الوقائي على تعليم الأفراد مهارات جديدة تمكنهم من خلالها إنجاز أهدافهم وحماية أنفسهم، وهذا يعني التأثير في البيئة ككل وليس علاج فئة معينة، وترك فئة أخرى دون علاج.

ب- يعتمد المدخل الوقائي على التوقيت المناسب في التدخل "التدخل المبكر" الذي يحدد المشكلات قبل وقوعها، ويضع الخطط المناسبة. وهذا ما يميزه عن المدخل العلاجي الذي يقوم على تقديم الخدمة بعد حدوث المشكلة، ومن أمثلة البرامج الوقائية ما يمكن أن يقدم للطلاب بالمدارس من توعية حول أضرار المخدرات، وعرض نماذج للمشكلات التي نتجت عنها لتوعية الطلاب قبل حدوث المشكلة.

ج- يستند المدخل الوقائي على مجموعة من القيم تؤكد قدرة الإنسان على المواجهة٠وقدرته على المشاركة في اتخاذ القرارات التي تحقق الأهداف التي يسعي إليها، والتأكيد على أهمية الإرادة باعتبارها المحرك الأساسي في الإقلاع عن عادة تعاطي المخدرات٠

 وفي النهاية تظل الوقاية من المخدرات، وحماية الشباب والمجتمع من أضرارها مجالا يوافق الجميع عليه شفويا، ويؤكدون على ضرورته، أما كيف يترجم ذلك إلى مال وعمل وأثر...فتبقي المسألة موضع شك! وتساؤل! وتبقي الحقيقة: وهي أنه مع المعارضة الإنسانية والقانونية والمجتمعية للمخدرات من حيث (التجارة، البائعون، الموردون، الزارعون، قضايا الفقر، الاقتصاد، الجشع، الفساد... وكل ما من شأنه أن يشجع على تعاطي المخدرات) تظل هذه الأمور محور نقاش... ولن يتم مواجهتها إلا من خلال وجود فريق وطني مدرب وقوي لمواجهة هؤلاء الخصوم المستميتين.

 

جميل عودة - مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات

 

المزلاج: بداهة أية باب تحتاج لمزلاج (fermeture) من أجل صيانة ما بالداخل وحمايته من العبث/ السرقة/ التشويه/ استيلاء/ .../ وفي كلا الحالات فالمزلاج/ (قفل) مغلاق لا يفتح إلا بالمفتاح (أو) باليد، وفي إطار التشبيه، فالمسرح المغربي لا يتوفر على مزلاج لحفظ ذاكرته من المزايدات والافتراء؛ بل بابه مشرعة لكل شيء؛ ولكل تاريخ نجيب طلالمزيف؛ ولكل حدث لا وجود له، وبين المزيف واللاموجود لا يمكن أن تنفيه أو تفنيده، هكذا كلام ! نظرا لانعدام المزلاج المتحكم في خزان الذاكرة / الأرشيف، فكيف يمكن أن نضبط مسار الدعم وإشكاليته؟ بالعودة لأرشيف وزارة الثقافة ؟

هنا المعضلة، والتي يصادفها أي باحث أو مهتم، يريد إما الاشتغال أو التأكد من معلومات (ما) ! فلاوجود لأرشيف (الدعم المسرحي) من خلال موقعها الإلكتروني؛ الذي لا يتطلب إلا الصيانة والمراقبة من لدن مختص، فمثلا سنة2000 ليست ببعيدة مقارنة بالبعد التاريخي؛ فلا وجود للأعمال الفنية، المقترحة والتي استفادت من الدعم أو الترويج المسرحي؛ ومن هم أعضاء لجنة الفرز؟ وأبعد من هذا أين هي عروض وصور المهرجان الوطني للمسرح (الاحترافي) في دوراته التي كانت تقام بمدينة (مكناس) وأضعها بين قوسين؛ لأنها لم تستطع أن تحتفظ بما ترسخ كتقليد سنوي/ إبداعيا / سياحيا / معرفيا /.../بحيث لم يلتزم مسؤولو المدينة بما التزموا به، نحو المهرجان الذي عمر (16دورة) وبالتالي طار أو حسب ما يروج بين الساكنة تم تهريب المهرجان إلى تطوان؛ ولاسيما: بعد الرجوع إلى الأصل انتقلت ملكية هذه التظاهرة إلى الجماعة الحضرية بمكناس بقوة القانون؛ فيما ظلت وزارة الثقافة حسب بعض المصادر مجرد شريكة فيها.... فأقدمت وزارة الثقافة... حتى دون استشارة الطرف الأخر الرئيسي على تهريبه إلى تطوان لعقد طبعته رقم17(1) فمثل هاته الإشكاليات التي يتداخل فيها الحزبي بالمصلحي؛ والمصلحي بالسياسي؛ تضيع الذاكرة المسرحية. حتى الذين يدعون أنهم يوثقون للذاكرة المسرحية المغربية؛ أجزم أنهم لا يتوفرون على حيثيات وأطوار الدورة الأولى للمهرجان (الاحترافي) الذي انطلق في 1999 لسبب بسيط جدا؛ أنهم لم يكونوا يدونون ولايؤرشفون؛ حتى ظهرت فكرة [مركز التوثيق الوطني] الذي أبدت وزارة الثقافة في استعدادها لإنشائه كجناح ضمن مشروعها، والذي خصصت له أكثر من مليون درهم من أجل إخراجه إلى حيز الوجود وجعله وجهة لا محيد عنها للباحثين المسرحيين ومن أجل حفظ الذاكرة المسرحية؛ وهذا المشروع التي دخلت عليه الهيئة العربية للمسرح كشريك ومثمنة إياه كجزء مهم من جهود مركز التوثيق العربي . لا يمكن أن ينكر المرء أن هناك مجلة[ الإحصائيات الثقافية] ولكنها تعتمد على الأرقام والإحصائيات؛ التي ليست هي التوثيق

إذن في غياب المزلاج، الذي يساهم في نظام التخزين؛ واسترجاع البيانات عند الحاجة .فكيف يمكن أن يتم التوثيق/ الأرشفة؛ لما خلفه (الدعم المسرحي) الذي يحمل موادا دسمة . تؤرخ عمليا لحقبة فارقة في تاريخ المسرح المغربي، ولفعاليات وأسماء خلفت إنجازات وملابسات وصراعات وأوهام وردود فعل مدونة في الصحف والمواقع الإلكترونية، ناهينا عن الفوضى التي خلفها ولا زال يخلفها؟

باب احتفالية الدعم !!

فمن هاته الفوضى؛ تعلو أصوات واصوات تحتج وتهدد وترسل تظلمات وتصرخ وتعتصم بطرق كرنفاليه، حتى أن بعضها وصلت لأدراج المحاكم:!! بحيث لم ينل أي موضوع مسرحي من الاهتمام والكتابة بقدرما ناله (الدعم)؟ فإن كانت هنالك دور للنشر تهتم بمثل هاته المواضيع لجنت أرباحا مما كتب عنه ! علما أن دفتر التحملات يشير للمستفيدين من الدعم كالتالي: الفرق المسرحية بما فيها فرق مسرح الشارع، على شكل جمعيات أو شركات أو وكالات أو تعاونيات فنية، مؤسسات الإنتاج الفني ولاسيما إنتاج وترويج العروض المسرحية الاحترافية (2) ففي هذا السياق؛ فصاحب (الإحتفالية) أشرنا إليه في موضوع (3) أن عُقدته التي يتحَرك فيها هي الدعم المسرحي (؟) الذي لم يعُد يستفيد منه كل سنة وبانتظام ؟ وعقدته الثانية تتشكل في وزير الثقافة الأسبق- محمد الأشعري- فمن خلال عقدة [الدعم] نتساءل بكل أريحية: هل هو وكيل فني/ مسؤول عن شركة أو وكالة أو تعاونية فنية أم رئيس جمعية مسرحية أو متعهد حفلات، لكي يصرخ ويحتج ضد الدعم المسرحي؟ ربما (الإحتفالية) يعتبرها وكالة فنية ! وليست كما يدعي (مشروع) تنظيرا وفلسفة مسرحية، فمن المفارقة سنكون أمام (الإهتبالية) مادام يشير: أن هذا الدعم حق، وليس منحة ولا هبة ولا صدقة، وأنه أيضا ليس شكلا من أشكال الرقابة الخفية التي تتوخى التحكم في خارطة الإبداع المسرحي، بحيث يحجب هذا الدعم عن الضالين والمضلين، ويعطى لمن لا يقول من الكلام غير "آمين".. بحيث أصبح منح هذا الدعم تزكية وجزاء للتابعين ولتابعي التابعين وللمقربين في الأسرة وفي الصحبة وفي الحزب، وأصبح عقابا للفوضويين وللمهمشين وللمنبوذين ولكل الذين أجبرهم روح الفن الصادق أن يكونوا أحرارا وأن يسبحوا ضد التيار الجارف(4) من هاته الزاوية نتساءل كذلك: كيف يعقل أو نفسر لمُنظر مَسرحي، ويعلن أنه مسكون بهاجس البحث والتنظير؛ وأن احتفاليته تعَد مشروعاً مسرحيا جمالياً ومعرفياً، وكذلك موقفاً فكرياً وجدانياً انقلابياً ! أن ينزل للدرك الأسفل من الهزيمة والانكسار، حينما لم تعد نصوصه تستفيد من الدعم المسرحي؟ ورجوعا للوراء، وتحديدا بعد ظهور سياسة الدعم المسرحي تم تدعيم العديد من مسرحيات:

1998"صياد النعام" تقديم جمعية نادي المرآة " فاس"

1999 " حمار الليل" تقديم جمعية نادي المرآة " فاس"

2000" ليالي المتني" تقديم فرقة التأسيس " تازة"

2002"الحكواتي الأخير" تقديم فرقة الفوانيس" تازة "

2005" يا ليل يا عين" تقديم فرقة المبادرة" سلا"

2011"شهرزاد المراكشية " تقديم فرقة مسرح دراما" مراكش"

2015"الصعلوك" تقديم فرقة أنفاس للمسرح والثقافة "الداخلة"

2015 "يا ليل يا عين" تقديم فرقة محترف فاس لفنون العرض "فاس"

2016"المقامة البهلوانية" تقديم فرقة أبعاد " الدار البيضاء"

2017"السرجان والميزان "تقديم مسرح التأسيس "تازة"

2018"على باب الوزير"تقديم فرقة الأوركيد" بني ملال"

إذن ربما أغفلت بعض الأعمال، ولكن لنتمعن بين الحقيقة والزعيق(الإحتفالي) فكل هاته الأعمال رغم تكرارها؛ تم دعمها ! ولا فرق هاهنا بين [الدعم والترويج والتوطين والجولات] فلاشيء خارج السياق، وهذا الأخير كفيل بإنتاج المعنى .وحينما أشرنا إليه ب (الفنكوشية) بدل (الإحتفالية) ندرك منطق ما تفوهنا به، بحيث أخونا – برشيد- يمارس الهجوم لتشتيت العقل والأنظار على سلوكيات ومسلكياته؛ مؤمنا بأن الأغلبية لا تطلع على بواطن الأمور؛ عبر المتابعة والقراءة المعقلنة، لتبقى تلك (النظرية) وَهْما (فنكوشيا) مسيطرا على ذهنية الممارسين المسرحيين وغيرهم ! وإذا كانت بعض الجمعيات جريئة ولا مناص أن تكون كذلك، وتهدف لبناء مسرح مغربي له كلمته بين المسارح، تدلي بكم تفاوض معهم صاحب النص (الإحتفالي)؟ للعلم أن نصوصه تتغير عناوينها حسب الطلب؛ وهذا موضوع سنفتح له بابا خاصا.

وهنا سأعطي مقدارا تقريبيا 25000.00درهما تسلمها من إحدى الجمعيات المسرحية، لبيعه إحدى نصوصه التي باعها لهم، ورغم ذلك يهتبل قولا أكثر سخرية لمن يعرفون دهاء – برشيد- بحيث يقول بدون تحفظ: وإلى حدود هذا اليوم، فإن المبالغ المهولة التي صرفت على هذا الدعم ليس لها ما يبررها منطقيا، ولا ما يمكن أن يوازيها من إبداع كبير وخطير، لقد كنا أمام طواحين مسرحية تدور وتدور، ولكنها لا تطحن إلا الهواء(5) فلو ظل يستفيد من الدعم المسرحي؛ وبقيت غشاوة هالة المقدس تحيط به وبما يسمى (احتفالية) لما سمعنا إلا بلاغة البيان للجهات المسؤولة؛ وبلاغة البديع للفعاليات والأشخاص المساهمة في وجوده، وبالقرينة ينتفي العجب بحيث يقول عن قرار إلغاء مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي؛ بعد 22 سنة من الاستمرارية: هذا المهرجان بدأ بداية رائعة وواعدة، ولكنه أخلف وعده في السنوات الأخيرة من عمره، وأصبح مستواه في النزول، وأخذ يقدم أي شيء باسم التجريب، وأصبحت الرداءة تجريبا، وأصبحت الأمية المسرحية تجريبا، وأصبح الاعتداء على المسرح تجريبا، وأصبح تشويه إبداع أعلام الكتابة الدرامية العالمية تجريبا...ولأن ها المهرجان لم يستطع أن يجدد أسئلته، فقد انتهى إلى الموت(6) ولكن المفارقة بعد سنوات قليلة عبر بدون تحفظ أو انتباه لما قاله سلفا معلنا: عن سعادته وامتنانه لهذه الالتفاتة من منظمي المهرجان الذي دأب على حضور مختلف دوراته، حيث شارك فيه منذ دوراته الأولى.وأنه واكب ولادة ونمو وتطور هذا المهرجان منذ دورته الأولى حتى الدورة الحالية (الدورة 25) حيث تم تكريمه وشارك في لجنة التحكيم كما شارك فيه بأعمال مسرحية (7) فهذا الشكر والامتنان قابل للنقض، حينما لن يتم استدعاؤه في (الدورة26) وهاته الحربائية كيف يمكن أن يوثق لها؛ وهي من صلب الفعل والممارسة المسرحية، ونسوق رأيا/ موقفا آخر له علاقة وطيدة بموضوع – احتفالية الدعم – فحينما اختير (مولاي عبدالكريم برشيد) رئيسا للجنة التحكيم: ... راهنا نعيش فترة جديدة تتسم بتوسع فضاءات العرض، شيد مؤخرا مسرح كبير بوجدة، وهناك مسارح في طور التشييد بكل من الدار البيضاء والرباط ومجموعة أخرى من المدن المغربية، هناك معهد عالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، هناك خريجون جدد كل سنة، وهناك مجال لدعم الإنتاج والتكوين والمسرحي وغير ذلك من المبادرات الداعمة للمسرح، بذلك يمكن القول إن المسرح المغربي بعد مائة سنة استطاع أن يقف على قدميه وأن يعيش كما ينبغي(8) فمثل هاته التصريحات التي تكشف عن انتهازية فاضحة؛ ولكنها مغلفة بهالة حضوره كفاعل في النسيج المسرحي عربيا؛ ولكن هَذا لا يشفع له، بأن يتلاعب حسب ظرفية الامتيازات؛ وفرض الذاتية/ النرجسية على المشهد المسرحي؛ لأن المسرح ليس مِلكا لأحد، ولكن بمثل هاته المفارقات؛ التي ليست مزاجية، يقدر ماهي استراتيجية، ليبقى منوجدا في المشهد بالقوة، وبنواجده تظل (الاحتفالية) لعبة تحمل الوجه والقناع كمرجع ومصدر للمسرح المغربي والعربي؛ لأنه منها يستفيد (ماديا) وليس (معنويا )!

كيف نفسر أنه يكرم هنا وهناك، وأعماله تستفيد من الدعم/ المال العمومي؛ ويدعي بكل جرأة أنه محاصر:.. فعلاً تعرَّضت للحصار، ولكلِّ أنواع الإبعاد والتهميش والإقصاء، وما زالت تداعيات ذلك الحصار الجائر والظالم تلاحقني إلى اليوم، وكلُّ هذا لماذا؟ فقط لأنَّني كاتبٌ يكتب، بمداده وقلمه وبأفكاره ومعانيه (9) أليس هذا فيه نوع من الحماقات؛ والاستفزاز الوهمي؛ فماذا يقول مبدعون لهم مواقف مشرفة، و فعلا عاشوا ويعيشون أقسى أنواع التهميش والحصار؟ هل يحق لهم أن يعلنوا كما أعلن صاحب (الفنكوشية): إذا استمر الحصار؛ فأنا مستعد للنشر في إسرائيل(10) فمن منعك، هل وطنيتك أم غيرتك ونعرتك العربية ؟ أم خوفا من انسداد منابع العوائد والفوائد المستخلصة من خزائن المجالس والجمعيات ووزارة الثقافة وبعض المواقع الإلكترونية التي نصبتك رقيبا ...؟ هنا أليس هذا (الاحتفالي) مصاب بما أصاب فاوست ؟ أليس هذا (الإهتبالي) فيه مس من جنون العظمة ؟ ودائما يبحث بطرقه الخاصة؛ وبالمنظومة التي تتحكم في الإحتفالية في الخفاء، عن التوسع لبقاء تلك الهيمنة التنظيرية للإحتفالية؛ باعتبارها تخدم المشروع الليبرالي المتوحش .

وبالعودة للدعم المسرحي. نسمع كلاما غريبا وانتقادات أكثر استغرابا يوجهها صاحب (النظرية/ الإهتبالية) للجنة الدعم المسرحي: هي لجنة تقوم بدور الرقابة والعمل البوليسي؛ وهي في غالب الأحيان مركبة من أناس فاشلين في العمل المسرحي؛ وعلى افتراض أن هذا الكلام صحيح فإنه يطبق أول ما ينطبق على عبدالكريم برشيد نفسه . فقد كان عضوا في لجنة الدعم الوطنية للمسرح، وعمل فيها لسنوات ولم يتحرج في الدفاع عن دعم مسرحياته التي قدمتها أنذاك بعض الفرق المسرحية، رغم أنه عضو في اللجنة التي يجب أن تبقى محايدة . واعتبر هَذا الأمر في حينه خرقا لأخلاقيات العمل الثقافي . مما دفع وزارة الثقافية آنذاك إلى إصدار قانون ينظم الدعم المسرحي؛ ويمنع أن يكون في عضوية اللجنة (11) أليست هاته فوضى/ حماقات/ تشويه للممارسة المسرحية، من لدن من يدعي التنظير ويتبجح بإنجازاته الإبداعية ؟ أليست هاته حرب حاقدة ومريضة على الحقيقة، والأنكى من ذلك؛ أنه دائما يتهم من يبدي رأيه / موقفه من (الإهتبالية) أنه مخبر/ بوليسي؛ وهذا الهاجس الذي يسكنه ستأتي الأيام ليتم الإفصاح عنه؛ ولقد أشرنا لبعضه تلميحا بسؤال مفاده: من كان وراء اعتقال بعض العناصر النشيطة ثقافيا/ مسرحيا/ سياسيا/ في جمعية النهضة بمدينة الخميسات ؟ ومن خلال ردوده معنا عبر (الفايس بوك) الذي منح لنا بكل صدق العودة لفعل المشاغبة اللذيذة ومحاولة تصحيح ما يمكن تصحيحه، حسب قدراتي؛ فتح أبواب حول (الإحتفالية) التي تعيش هاجس الكولسة والبوليسية، بحيث رد علينا هكذا:...على الاقل عرفني بنفسك، من أنت؟ ولحساب من تشتغل؟ ومن يدفع لك أجر مهاجمة الاحتفالية؟ وكم يدفعون لك؟ واعرف انك جزء من حرب على الاحتفالية، استمرت اكثر من اربعين سنة، ومضت اسماء حقيقية وانتهت كلها الى مزبلة التاريخ، وقبلك اشتغل كثير من المرتزقة مع وزراء الثقافة المغربية، اين هم الان؟ ستربح مالا أنت ايضا، ولكنك ستخسر نفسك بكل تأكيد؛ ولم تجب عن سؤالي: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين(12) يبدو أن عامل – الزهايمر- أمسى يلاحق المناضل (برشيد) فاختلطت عليه الأمور؛ مما ظل يسألني أسئلة بوليسية؛ وليست ثقافية وفكرية ! والأعجب من كل هذا يتهم المخالفين لما طرحته (الإحتفالي) بأنهم عناصر مدسوسة في الجسم المسرحي؛ وهم جزء من مخطط فيه خيوط كثيرة خفية، وفيه حسابات لا علاقة لها بالفن ولا الفكر، وبالتأكيد فيها كثير من الكراكيز ومن الدمى ومن الذين يهرفون بما لا يعرفون. أجل لا يعرفون بأن (الاحتفالية) هي المخطط و المؤامرة . مخطط لهدم مسرح لا يراد له أن يكون؛ مسرح غير مرغوب فيه اواسط السبعينيات من (ق؛ م) وبالتالي هي التي صنعت المؤامرة؛ ضد أغلب المسرحيين؛ الذين هم الآن ملتزمين الصمت؛ لأسباب مجهولة !بعيدين عن الاسترزاق والزبونية والمحسوبية . فتلك (الإحتفالية) تمارس حربا مكشوفة على ظهر المسرح المغربي وتهاجم بأسلحتها المعروفة وغير المعروفة ؟ مقابل هذا تتشدق بلغة ناعمة / رومانسية، حسب المقام الذي تحضر فيه الاستفادة والشعور بالريادة مثل ما حَدث في الملتقى الوطني حول المسرح الاحتفالي الذي نظمته جمعية أبي رقراق بمدينة سلا؛ وتم (تكريمه) بعدما أصبح المخرج- عبدالمجيد فنيش النائب الثاني للكاتب العام للمكتب التنفيذي للجمعية في2003 فقال: إن الثقافات لا تتحارب لأن المثقف لا يحارب، وإنما هناك حوار الثقافات، لأن الحرب ليست خصلة ثقافية وإنما هي غريزة حيوانية، والحرب تعني أننا عجزنا عن التواصل والحوار وعَن الإقناع. لأن فنا بدون أخلاق وبدون مبادئ وبدون استشهاديين في الميدان ليس فنا أبدا(13)

للإشارة أن هذا الملتقى الأول والأخير؛ ولم يتم إدراجه ضمن المهرجانات الكبرى /المهمة؛ في مسار الجمعية (14)أليست هذه سخرية على أفكاره قبل سلوكه ومسلكياته، وانعكاس لفلسفته المسرحية ونوعية الإبداع المسرحي الذي ينتجه ! ولاسيما أن الذي أفسد المسرح المغربي إبداعيا وإشعاعيا وتنظيميا وتأطيرا، ازدواجية المعايير وأقنعة الظرفية؛ التي تنهج النهج الاستئصالي، من أجل للالتفاف بشكل تآمري على الجهود المضنية التي قام و يقوم بها رجال المسرح الاحترافي والمتفرغين الحقيقيين؛

إقفال الباب:

الاحتفالية (Célébration ) أو(carnavalisme) أو (cérémonie) المعاني بالفرنسية متقاربة جدا؛ بخلاف أصلها العربي؛ فهي تمارس التمويه في سياقات المعاني؛ مما تصبح زئبقية في الفهم الدقيق؛ من هنا تحضر البلاغة بمكوناتها والتي وظفها برشيد، لتعتبر نفسها مشروعا تنظيريا. حتى أنه: بلغ هيام برشيد بالاحتفال الى درجة الاعتقاد بأن المسرح العربي يدخل، بفضل مشروعه، عصراً جديداً أطلق عليه اسم (العصر الاحتفالي)! وفي سياق رفض الاحتفالية للتجربة المسرحية العربية المقتبسة من تجربة المسرح الغربي، دعت الى تغيير كل المفاهيم المتعلقة بالتمثيل والأداء والإلقاء، وذلك لأن المسرح لم يعد، من وجهة نظرها، وهماً وخيالاً(15) ولكن هذا المشروع ببياناته وجوقته التي افرنقعت لأسباب مجهولة، لقد أساء جدا للمسرح والمسرحيين؛ أكثر مما خدمهم وخدم المشهد المسرحي؛ ولكن خدم (الفقيه) الذي شيَّد أمجاده وثرواته على حساب المسرح، فيوم كانت ما يسمى (الاحتفالية) ترتاع في الساحة، وتغتنم الفرص والمناسبات والريع، كان عند (فقيهها) المسرح بخير؛ ويوم انقلبت الرؤية؛ وتبدلت الأوضاع، وانقلب السحر على الساحر؛ أضحى (شيخها)يحرض مقاطعة وزارة الثقافة ويحرض ضد الدعم: نعم، هناك ريع ثقافي، وهناك كائنات ثقافية تعيش عليه، وهناك مناخ غير صحي وغير ديمقراطي تعيش فيه الثقافة المغربية حاليا، ولعل أهم ما يميز هذه الكائنات الثقافية الريعية أنها متطفلة ومدسوسة على العمل الثقافي، ودخلت الثقافة من باب الحزبية، أو من نافذتها. ويكفي أن تلقي نظرة على الخريطة الثقافية المغربية لتعرف الحقيقة المرعبة التالية، وهي أن الصفوف الأمامية هي اليوم للوصوليين وللمُتخلفين والهتافين، وأن الفنانين الحقيقيين يموتون في صمت، وأن الذين يُدبّرون شأننا الثقافي موجودون وراء الأبواب المغلقة، ويشتغلون في المكاتب السرية، بدون إشراك المعنيين بالأمر وبدون استشارتهم (16) فمن عجائب الأمور من كان في الصفوف الأمامية ؟ أنا أو لا أحد؛ ذاك ما جاء في سهم باب احتفالية الدعم ! ولكن هذا السهم الذي نطق، هل يعد منطقا للعقلاء؛ وللذين يؤمنون بإنسانية الإنسانية؛ وللذين يستغلون المنابر والصحف للدعاية أن (الإحتفالية) جاءت لتحقق للإنسان المغربي/ العربي انتماءاته الحقيقية،انتماءه لنفسه وللآخرين معاً، وانتماءه لروح العصر الحديث: هو نوع من الاسترسال الإنشائي، أو التعبير التقليدي الفضفاض الذي نجده في العديد من البيانات، او التنظيرات الأيديولوجية التي تتضمنها دساتير الحركات السياسية في العالم العربي وبرامجها، ويرتبط بشكل أو بآخر بالحلم الطوباوي الذي أشرنا اليه؛ فبعد ربع قرن من ظهور الاحتفالية هل حققت لعدد محدود من المغاربة أو العرب تلك الانتماءات التي بشرت بها؟ (17) بالعكس فمظاهر تهافت التهافت على الدعم المسرحي؛ جواب عن أوهامها وهذا ما نطق به سهمها من شهر رجب المحتفل ببرج السرطان؛ الذي يعتبر برجا أنثويا / ليليا/ مائيا .

 

نجيب طلال

........................

الإحالات

1) أخبار مكناس 24- متابعة:نبيه عبداللطيف في 01/04/2016

2) وزارة الثقافة والاتصال – قطاع الثقافة - طلبات عروض مشاريع المسرح /2019 - ص5 -

3) انظر – باب ما جاء في احتفالية الوزير(02) لنجيب طلال - في بعض المواقع الثقافية كصوت

العروبة بتاريخ -13/02/2019

4) المسرحي ضمير المجتمع: حوار مع برشيد موقع الجزيرة حاورته: سناء القويطي في 18/02/2018

5) نفسها

6) حوار مع المسرحي المغربي عبد الكريم برشيد. حاوره: عبد الله المتقي في صحيفة- أنتلجينسيا-

في 28/05/2016

7) تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء بمناسبة تكريمه في المهرجان المسرح التجريبي بالقاهرة .

بتاريخ 24/09/2018

8) مع رئيس لجنة التحكيم عبد الكريم برشيد- جريدة – بيان اليوم في 03/11/2015

9) المسرح حاجة لكن يمكن تزييفها – حوار مع برشيد: في صفحات سورية حاوره/ أنوار محمد

في / 5 /أبريل 2009/

10) هل يريد المسرحي المغربي عبد الكريم برشيد التطبيع مع إسرائيل - لأحمد الصديق صحيفة القدس

العربي س18 عدد5325 ص16 في- 12/يوليوز/2006

11) نفسه

12) رد عبدالكريم برشيد في جدارية – جناح التهامي- في 08/10/2018

13) الملتقى الوطني حول المسرح الاحتفالي بمدينة سلا: تغطية لجريدة التجديد يوم 29 - 01 - 2004

14) افتح مزلاج الموقع الإلكتروني لجمعية أبي رقراق – وانظر لتبويبات (المهرجانات)

15) قراءة في الاحتفالية (1-2) لعواد علي - موقع إيلاف بتاريخ-22 ديسمبر 2005

16) يتحدث المؤلف المسرحي عبد الكريم برشيد عن الريع الثقافي- في جريدة المساء- حاوره الطاهر حمزاوي بتاريخ- 29 - 06 - 2012.

17) قراءة في الاحتفالية (2/2) :لعواد علي موقع ايلاف الجمعة 30 ديسمبر 2005

 

جواد بشارة

les univers parallèles

ما هي تداعيات إثبات صحة نظرية تعدد العوالم والأكوان المتعددة على البشر ومنظومتهم الأخلاقية والعقيدية أو الدينية ؟ من المفترض أن لايمر هذا الأمر مرور الكرام. فالاعتقاد بصحة وجود أكوان موازية سيكون له حتماً تأثير ديني. فمن المريح والمطمئن للبشر معرفة أن كل مايمكن أن يحدث سوف يحدث حقاً وإن الحياة ليست حظوة وفرصة وحيدة أو حظ فريد للكائنات الحية مقترن ومحصور بالأرض . فالمرء الذي يعيش تجرية تعيسة أو يعاني من نكد الحياة في عالمه الذي يعيش فيه، قد يعيش قرينه أو نسخته حياة أفضل وأكثر بهجة وسعادة. فما لم يستطع تحقيقه في هذا الكون قد ينجح في تحقيقه في الكون الموازي. فكل الفرص التي أضعناها يمكن أن نحققها في أكوان أخرى وعوالم أخرى يعيش فيها نسخ منا، فمن أنا؟ ومن نحن؟ وكم نسخة مني، ومنا، توجد في هذا الوجود أو الكون المتعدد المطلق؟ ما هي الصفات والمزايا الشخصية التي تكون مشتركة بين النسخ؟ وماهي الاختلافات؟ إنه أمر يثير الحيرة والاضطراب فما معنى أن أكون أنا والآخر الذي هو أنا؟ يبدو أننا نفقد حريتنا في العوالم والأكوان المتعددة فكل ما يمكن أن نفعله أو نرغب في فعله سوف نفعله طالما هو في حدود الممكن وليس المستحيل . كيف لنا أن نفتخر بإنجاز دون آخر ونحن نعرف أن كل شيء قد أنجز بالفعل، وكيف لنا أن نشعر بالذنب حيال أية مسألة كان يمكن تفاديها وتمنت نسخ عنا تفاديها؟ الميكانيك الكمومي أو الكوانتي يقدم لنا الكثير من الحلول والأجوبة

في هذه المقاربة الفنطازية تطرح أسئلة عديدة ذات طابع ثيولوجي وأخلاقي بشري من قبيل : هل الكون المرئي الذي نعيش فيه ونعرفه مخلوق أم أزلي ؟ وإذا كان مخلوقاً، فمن الذي خلقه ولماذا؟ ومن الذي خلق ذلك الخالق للكون المرئي؟ وهل هو داخل الكون المرئي الذي خلقه أم خارجه؟ وإن كان خارجه فأين إذن يمكن أن يتواجد؟ هل في كون آخر؟ ومن خلق ذلك الكون الآخر؟ هل هو الله نفسه الذي خلق الكون الآخر ليعيش فيه؟ وهل هناك كون واحد آخر أم عدد لامتناهي من الأكوان كما تقول النظريات العلمية الحديثة؟ ومن خلق تلك الأكوان اللانهائية العدد؟ هل خلقها إله واحد هو الذي تتحدث عنه الأديان السماوية ويسميه المسلمون "الله" أم أن هناك إله خاص لكل كون؟ الثيولوجيون لديهم إشكالية مع مفهوم الصدفة ولا يوجد لديهم جواب على سؤال لماذا يوجد العالم على هذا الشكل وهذه الهيئة وليس على نحو آخر، سوى هذا الجواب الساذج وهو إن الله هو الذي خلقه هكذا بإرادته بطريقة كن فيكون، لكنهم لايستطيعون الإجابة على سؤال لماذا خلق الله العالم هكذا بهذه الصورة؟ الفيلسوف الألماني في القرن الثامن عشر غوتفريد فلهيلم ليبنز Gotfried Wilhelm Leibniz قدم تفسيراً أعتبر منطقياً من قبل الكثير من الفلاسفة آنذاك يقول: إن الله، كلي العلم وكلي القدرة، والخير على نحو لانهائي، لا يمكن أن يكون خالقاً سوى لما هو الأفضل لجميع العوالم الممكنة،إما هذا أو لاشيء، وإلا لن يكون الله كلي العلم وكلي القدرة ولانهائي في الخير ". فكر ليبنز كثيراً وبعمق لكي يثبت أنه، بالرغم من كل الحروب والمآسي والكوارث والشرور والمجاعات والأوبئة، فإن عالمنا هو الأفضل من بين جميع العوالم الأخرى الممكنة الوجود. فالشر ضروري ولا بد منه لإنجاز وتحقيق الخير . وبالتالي فالله بالنسبة له هو الأفضل والأكثر حكمة من بين جميع الساعاتيين أو صانعي الساعات الكونية أو خالقي الأكوان الأخرى. فلو أعاد الله تركيب آلية ساعته الكونية، كما يؤكد نيوتن، فإن خلقه لن يكون مثالياً أو يتمتع بصفة الكمال . تسلح الثيولوجيون بمثل هذا الرد الفلسفي لزمن طويل لكي يثبتوا لعامة الناس قدرتهم على الإجابة على تساؤلات العامة حول الكون وبأنهم الوحيدين الكفوئين المعدين للتصدي للرد على مثل هذه التساؤلات الوجودية . استمر هذا الحال طيلة القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، إلا أن القرن العشرين سمح للعلماء بالإنطلاق والبحث بثقة في هذا المجال الذي كان حكراً على الثيولوجيين ورجال الدين والمؤسسات الدينية والبحث في المسائل الجوهرية . فآينشتين علق ذات مرة قائلاً بهذا الصدد: إن ما يهمني هو معرفة ما إذا كان لدى الله الخيار أثناء خلقه للعالم". وفي سنة 1973 صدم العالم البريطاني براندون كارتر زملائه عندما أكد أن تساؤل آينشتين يحمل في طياته جوابه". فالكون هو ماهو عليه لأننا موجودون فيه ولو كان على نحو آخر لما وجدنا لنتحدث عن ذلك ونطرح هذه الأسئلة، وأطلق على هذه المقاربة مصطلح " المبدأ الأثنروبي أو الآنسني le principe anthropique " وهو المفهوم الذي قلب على عقب التاريخ الكوسمولوجي. فكارتر قدم رؤيته هذه في مؤتمر لتكريم العالم كوبرنيكوس الذي سبق للمؤسسات الدينية الكنسية تكفيره ووصمه بالحرمان لأنه تجرأ على حرمان البشرية من موقع مركزية الكون، وربما سيكون " للمبدأ الأنثروبي" في المستقبل موقعاً رئيسياً في كوسمولوجيا المستقبل، كما يتمنى البعض، أو يسقط في بئر النسيان، كما يتوقع له هذا المصير البعض الآخر من العلماء. ويبقى السؤال لماذا صار كوننا قابلا لاحتضان الحياة ولوجودنا، مجرد مسألة إيمان، ومن لا يدري بماذا يمكن أن يعتقد فأمامه أربعة سيناريوهات:

- أن لدى البشر حظ هائل بتوافق وتوفر المعطيات والإعدادات والعوامل الموائمة في الكون المرئي لكي يكون قابلاً لاحتضاننا وكان يمكن أن يمتلك قيماً أخرى مختلفة ويكون فارغاً ومظلماً لاحياة فيه.

- ليس المقصود هنا مسألة حظ بل ضرورة، وإن نظرية كل شيء القادمة سوف تحد من هامش مناورة ودور الثوابت الكونية الفيزيائية بطريقة تجعل إمكانية ظهور عالم واحد فقط هو القابل للحياة .

- لسنا بحاجة للحظ، فهناك عدد لانهائي من الأكوان المختلفة ومن بينها عدد كبير من الأكوان القابلة لاحتضان الحياة فيها ونحن بالضرورة نعيش في أحدها فالمبدأ الأنثروبي اختار لنا ماهو ملائم لنا لكي نوجد.

- إنها الصدفة. فهناك كائن علوي خلق العالم على ماهو عليه وبالصورة التي هو فيها . ويمكن أن يكون عالمنا مجرد نتاج مختبري لحضارة كونية راقية ومتقدمة ومتطور جداً من الناحية العلمية والتكنولوجية، وربما ثمرة إرادة إلهية وآثر رباني مخلوق .

هل علينا أن نختار بين الله والتعدد الكوني؟ فالتعدد الكوني والله يغذيان الصراع المتأجج بين مختلف الثيولوجيين والعلماء الكوسمولوجيين إلا أن البعض لا يجد غضاضة في أن يتقبل مقاربة الإثنين معاً ويعتقد بهما . فالآلهة القديمة صنعت وفككت وأعادة تركيب ونظمت آلية الساعة الكونية . والآلهة التي أعقبتها قاموا فقط بخلق الساعة وإعادة تركيبها على نحو أكثر اتقاناً . ولكن في مفهوم الأكوان المتعددة، يمكن أن يكون للإله إنشغالات ووظائف أخرى،فهو خالق وصانع، وبالتالي هناك دوماً مكان ما لــ " الله" كما يؤكد العالم بول شتاينهارد " فلابد أن يكون هناك شيء ما أعد ووضع مجمل هذا التنظيم الكوني " وأضاف لايجب أن يؤخذ كلامي هذا على أنني متفق مع رجال الدين والمؤسسات الدينية في طروحاتهم فلا يجب للدين أن يقحم نفسه بالشؤون العلمية و لا للعلم أن يقحم نفسه بالقضايا والشؤون الدينية، يرد رجال الدين أن "الله" ليس شرطاً هامشياً أو فرضية ما للكون فلا يمكن للعلم أن يدحض وجود الله بواسطة قوانين ومعادلات ومفاهيم وآليات الفيزياء الكمومية أو الكوانتية، وحدها، كما لايمكنه إثبات وجوده بواسطتها. فالعلم محايد نسبة لاستنتاجات وخواتم المتدينين والثولوجيين والفلاسفة . فلا يمكن للعالم أن يطرح على نفسه سؤال هل ظهر المسيح في كواكب أخرى مأهولة بالحياة أو سوف يتم في يوم ما تعميد كائنات فضائية لا أرضية وغير بشرية . فنظرية تعدد الأكوان لا تتعامل فقط مع الانفجار العظيم الذي أوجد كوننا المرئي فحسب، بل وكذلك تنظر إلى ماهو ابعد من ذلك فلا تتوقع وجود لحظة بدئية كما قدمها أو تصورها ليبنز أو بابا الكنسية الكاثوليكية، لذلك نجد معظم رجال الدين في الأديان السماوية لايحبذون فكرة وجود أكوان متعدد على نحو لانهائية ولكن لا يمكنهم أن يرفضون ذلك وهم يؤمنون بوجود ملائكة وجن وعفاريت وشياطين ليسوا بشراً، خلقهم الله، ويتواجدون خارج الأرض في مكان ما في الكون المرئي أو ربما في أكوان أخرى خارج كوننا المرئي. يتبع

 

د. جواد بشارة

 

احمد الكنانيالتصوًّف بالمعنى المتبادر يرادف الزهد والأعراض عن الدنيا وملبسها الحريري الناعم، وبهذا اللحاظ جاءت التسمية متناغمة مع خشونة الصوف وملبسه، مستأنسة مع الحزن ومبتعدة عن ألوان الفرح والسرور .

الصوفي مهتم بالروح قبل الجسد ويسعى لتقويتها بكل الطرق على ان لا تخالف الشريعة، والموسيقى احدى تلك الطرق، فهي غذاء الروح وبأمكانها ان تحقق بعض أغراض الصوفي للوصول به الى ذاك السمو المطلوب بلوغه، إذن لابد من طريق الألفة بين الزهد والموسيقى بشرط التوازن بينهما بما لا يغضب الرب .

الزهد والحزن ليسا توأمين اذ لا تضادّ بينه والفرح بل هو الفرح كله ولا وجود للحزن، هو فرح مستدام الى ما بعد الموت، يقول مولانا جلال الدين بما معناه بالعربية:

حين تقبل زائرا قبري ستجد ضريحي المسقوف يرقص

فلا تأتي يا أخي دونما دف إلى قبري

فليس هناك من مكان للحزين في الوليمة.

يرجع الفضل في التحول الفكري الصوفي الحر وادخال الموسيقى في العبادة الى ابو الخير .

ابوسعيد بن أبي الخير بشخصيته المؤثرة حاول ادخال الموسيقى الى الخانقاه التي أسسها كمكان لممارسة الطقوس الصوفية حين اتخذ بيته مكانا للعبادة، وهي محاولة جريئة منه رغم انها ليست بالمستوى المراد اذ مازال الطريق وعراً، وبحاجة أكيدة الى شرعنته وهو غير متوافر عند ابي الخير، اذ لم يك فقيها بالمستوى الذي تركن اليه النفوس، بعد إقباله بكله الى التصوف وانصرافه عن علوم الدين والفقه.

سأقف قليلاً عند هذا الرجل العظيم …

ابو سعيد هذا هو فضل الله بن أبي الخير ولد في  7ديسمبر 967 في ميهنه من ضواحي خاوران بخراسان وتوفي بها  12 يناير من عام 1049 للميلاد،بعد مروره بمرو وسرخس لدراسة علوم الدين وانتهاءا بنيشابور حيث مجالس الشعر وحلقات الرقص والسماع الى جانب مجالس الوعظ  والإرشاد .

هكذا كان ينشد ابو الخير ما ترجمته بالعربية:

يرقص الصوفي في السماع

ليطفئ نار القلب بحيلة

والعاقل يعرف بأن المربية

تهز المهد من أجل سكون الطفل

 

كان فناناً موهوباً عارفا صوفيا شاعراً عذباً يكتب بالعربية والفارسية معا، ذو نزعة إنسانية عميقة جعلته مدارا لبحوث المستشرقين، فكتب عنه المستشرق المعروف إتى في رسالته التي وضعها عام 1878، والمستشرق إلروسي زوكوفسكي في "اسرار التوحيد في مقامات الشيخ أبي سعيد "، وكتب عنه المستشرق الانگليزي نيكسون عند بحثه موضوع التصوف الإسلامي، والمستشرق إدوارد براون في "تاريخ الأدب الفارسي".

النزعة الإنسانية التي أرسى قواعدها ابو سعيد ابو الخير سرت الى أئمة الصوفية حيث نقل عن شمس التبريزي الاستاذ والملهم لمولانا جلال الدين : لست بمسيحي ولا يهودي ولا مسلم،  وهذه النزعة هي ذات النزعة الإنسانية التي توصل إليها متصوفة أوربا في القرون الوسطى. ثم المذهب الإنساني الفلسفي الذي تمثل فيما بعد في كتابات الفيلسوف هيردر وعلى لسان الفلسفة الإنكليزية ثم الأوربية في القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر للميلاد.

لا فرق إذن بين أن يكون الإنسان مسلماً أو مسيحياً أو يهودياً عند ابي الخير وائمة الصوفية ما دامت الغاية الاتصال بالله عن طريق المعرفة فالتصوف وحده هو الكفيل بذلك.

ينسب إلى أبي سعيد أبي الخير القول : ما دامت المساجد والمدارس باقية لا تتطرق إليها أيدي البلى فإن عمل الدراويش لا يتم، ومادام هناك مؤمن وكافر فإنه لا يمكن أن يظهر على سطح الأرض مسلم حقيقي أبداً

وفي أقوال أبي سعيد وأشعاره مواضع أخرى تشير إلى هذا النوع من التفكير الحر.

وأبو سعيد أبو الخير من المبرزين في الشعر الصوفي، ويمتاز عن غيره من شعراء الفرس بابتداعه الشعر الصوفي بمنهج  جديد في النظم حذا حذوه أكثر شعراء الفرس كفريد الدين العطار وجلال الدين الرومي وعمر الخيام.

وإذا صحت نسبة الرباعيات الفارسية إليه فيكون بذلك أول مؤسس لرباعيات المتصوفة وأول مبتكر لطريقة جديدة هي الطريقة الرمزية في الشعر.

در ديده بجاي خواب آبست مرا

زيرا كه بديدنت شتابست مرا

گويند بخراب تا به خوابير بيني

اي بي خبران چه جاي خوابست مرا

*

هناك ماءٌ بدلا من النوم فى عينىّ

غيرُ صابرٍ أنا لرؤيتك

يخبرونى أن أنام حتى أراك فى حلمى

غير مدركين أنه لا مكان لى لأنام **

*

إذن ابو الخير كان ممهدا لدخول الموسيقى الى مجالس السماع الصوفية، الاّ ان امر الموسيقى بات محتوماً عندما حسم  امره الإمام ابو حامد الغزالي في بحثه الفقهي المفصل في كتابه " احياء علوم الدين "، وهناك اشهر رأيه في اشد المسائل الشرعية خلافا بين الفقهاء :

"من لم يحرّكه الربيعُ وأزهاره، والعودُ وأوتاره، فهو فاسدُ المزاج ليس له علاج"

"ومن لم يحركه السماع فهو ناقص مائل عن الاعتدال بعيد عن الروحانية، زائد عن غلظ الطبع وكثافته على الجمال والطيور، بل على جميع البهائم، فإنّها جميعاً تتأثر بالنغمات الموزونة"

وبعد نقله لآراء أئمة الفقه المتشددة إزاء الموسيقى والرقص أجاز الغزالي الموسيقى لبعض دون بعض، تفاصيل رأي الغزالي الذي فتح باب الخانقاه واسعاً للموسيقى تأتي الإشارة اليها .

 

احمد الكناني

 

رائد عبيسيتفق الأنبياء في قضايا الدين ورسالته، على ما نختلف عليه، فالدين عند الانبياء غيره عند الاتباع، الذين يختلفون على ما اتفق عليه وهو أن الرسالات تكمل أحدهما الأخرى، وهذا يحتم علينا أن لا نقف عند العناوين، بل لتجاوزها، فلكل قوم مسمى دين وليس لكل قوم دين(بالمعنى الحقيقي) ما أُريد للبشرية هو أن تؤمن بدين واحد، بعنوان واحد، لكوكب واحد، لخلافة واحدة، تلك هي موضوعية الدين وجوهره. اما حقيقة الدين عند أتباعه ومعتنقيه لم يبقى منها سوى مسمياتها وعاطفتها، وهذا يعني أن الأديان تعتنقه عاطفياً بسهولة ولم تعتنق معرفياً أو فكرياً كذلك، فالدين يحمل في طياته عمق بوصفه رسالة سماوية تمثل الحياة بكل مجالاتها الروحية والعلمية.

فهناك أسئلة يجب ان تطرح منها، ما المستثمر من الدين؟ وما المؤسس على المسمى؟ عادة ما يكمن عمق الإشكالية بين هاذين السؤالين، لان الدين اليوم يفهم بين أمرين عاطفة الجمهور، واستثمار السياسة، أما دين دور العبادة فهو لم يخرج منها وأن كان له طريق للخروج!!  وأما بالنسبة إلى دين السياسة فهو يكتفي بالشعارات، والمسميات، والخطابات التي تدغدغ مشاعر الجمهور وعاطفته، فالدين في حقيقته راهناً يكمن بين عاطفة الجمهور، وبين خطاب السياسي.

اما الدين في المدارس الدينية بكونه دين علم "فهو يستند إلى مقولة العلم علمان، علم الأديان وعلم الابدان" فمن لا يجيد علم الابدان يتحول الى علم الاديان، وهو مقتنع بهذه المقولة، فالمستجيب لهذا التوجيه والتمحور عليه لا يرى في باقي المعارف اي صفة علم يستحق.

فعاطفة الجمهور الدينية تعبر عن الاستجابة الفطرية للدين وتلقيه بطريقة تقليدية، وشعبية تعتمد عادات العائلة أو العشيرة أو العرف. وهذه العاطفة تقطع الطريق أمام البحث الموضوعي والعلمي أو حتى التوصيفي، فالحقائق الدينية العاطفية هي اقوى من الحقائق الدينية المعرفية أو المنطقية أو العقلانية، فالمتوارث من الدين أكثر اعتقادا وتقبلا من التجديد فيه، فالتراث الديني وتاريخه يعد دين جديد، يبتعد رويدا رويدا عن مصدر الدين وأصالته. العاطفة المتبلورة من دين الفطرة والمتنامية فيه عبر الشحن العقائدي المستمر، وبنفس البعد العاطفي سرعان ما ينتهي بمعتنقيه إلى التطرف أو الغلو، وقد شهد تاريخ الأديان حركات دينية مُغالية،  ومتطرفة، ومتشددة في اعتقاداتها.

ومصدر ذلك الزمن في احكام عقائدية جلها يرجع إلى الموروث، وهذا الموروث ترك أثره على السلف من الآباء والأجداد فلا يحركون العقل بالنقد او بالسؤال أو بالاعتراض عن السائد. فالعاطفة تخلق جمود وتسكن العقل، وتحرك الغضب صوب كل ناقد.

وإذا سألنا سؤال، هل فطرة الدين تشكل عاطفته؟ وهل تتولد العاطفة بعد المعرفة ؟ بمعنى محاكمة المعرفة الدينية التي نجد فيها العاطفة راكزة بين غرائز الإنسان وتكوينه.

هل كل اِنعطِافِة للدين ممكن أن تُرجعه الى نقاءه وأصالته؟

وهل كل انعطافة إيجابية ؟ سؤالنا عن الانعطافة ينطلق من ذاتية الدين نفسه، بمعنى هل هناك قابلية للدين تمكنه من الانعطافة بنجاح صوب اهدافه؟ هناك أديان غير قابلة للتراجع وقع عليها الإنحراف وانتهت قيمياً  لكن لا وجودياً،  هناك أديان رضيت بذلك الإنحراف وجعلته وعدته جزء من الدين نفسه، وهناك أديان تحاول أن تجدد نفسها على الدوام، لا تملك ثوابت دينية متفق عليها بل تمنح التاريخ مهمة تغييره، وفق مصلحة معتنقيه وسياساتهم.

وهناك أديان ربما فيها من شدة المحافظة ما يمكن أن تعد بالمغلقة والتي نسميها أديان غير تبشيرية، وهناك أديان تبشيرية تستشعر قيمة الدين في حيويته لا في سكونيته،  وهذا الدين يتملك زمام الانعطافة كلما ادرك بحق الخطر وكلما وجد أتباعه ضرورة الى تفعيله أو تفعيل أحكامه بناءً على مصلحة الدين نفسه، ومصلحة معتنقيه وسلامتهم العقائدية. وهذا يعني تحكيم العقل به وإعلان عقلانيته وموضوعيته تجاه احكام الحياة ومصلحة البشر.

هذا اذا كانت انعطافة إيجابية، أما إذا كانت سلبية وهو مكمن الخطورة، فالقرآن ذكر ذلك وقال (انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ) اي الانعطافة نحو الحاضنة الاولى للانحراف. والرجوع بشكل متقهقر نحو الاعقاب، والإيمان بالتاريخ بدل الدين، أو العودة إلى تراث السلف بدل القرآن، أو الحكم بالجاهلية بدل احكام الدين، أو استعارة معنى متجرد للدين لا يمثل له واقع أو متقابل، بمعنى تجريده من مفاهيمه العملية وتحويله إلى ميتافيزيقا صرفة.

أو قد نصل بالانعطاف إلى مرحلة جديدة، وهي لا تقل خطوة عن الانعطافة السلبية، وهي الانعطافة على مفاهيم وبنية الدين من الداخل، بمعنى تشويه معالمه الداخلية واضعاف قدرته على الانطافة الإيجابية، وحصره بزاوية أما أن ترده عن اصالته أو يسمح بتطويع مفاهيمه؟ وكلامها قاسيان، والإشكالية الكبيرة بين هاذين الخيارين أن أصحاب الدين نفسه يسهمون بشكل مباشر أو غير مباشر بتحقيق تلك الانعطافة المميته له. فتجربة الدين بالسير بشكل مستقيم كلفته وأتباعه كثير من التضحيات، وكل محاولات إشاعة نمط عقلانيته تنتهي إلى صراعات وحروب طائفية، بمعنى أن هذه المحاولات تذهب ادراج الرياح، وكل ما اُريد له أن يسود، قيد بما يخدم السياسية والمصالح الشخصية. وكل ما حاول أن ينعطف بشكل إيجابي هوى في وادي غير ذي زرع. وللأفكار بقيه .....

 

دكتور رائد عبيس

 

التأريخيَّةُ هي: (مذهبٌ أَو نزعَةٌ تُقَررُ أَنَّ القوانينَ الاجتماعيةَ تَتَصِفُ بالنِسبِيَّةِ التأريخيَّةِ وَأَنَّ القانونَ من نتاجِ العقلِ الجمعيِّ).(1)، ويُعَرِّفُ روبير (التأريخانيَّة) بانَّها:(العقيدة التي تقول: بأنَّ كلَّ شيءٍ أو كلَّ حقيقةٍ تَتَطورُ معَ التأريخ وهيَ تهتمُّ ايضاً بدراسةِ الاشياء والاحداث وذلكَ من خلال ارتباطها بالظروفِ التأريخيَةِ . (2)، وَالتأريخيَّةُ عندَ نصر حامد ابي زيد تعني: (الحدوثُ في الزمن، إنَّها لَحظَةُ الفصلِ والتمييزِ بينَ الوجودِالمُطلَقِ المتعالي (الوجود الالهي)، والوجود المشروط الزَّمانِّي (وقولُنا بأَنَّ العالَمَ حادثٌ أومُحدَثٌ يعني زمانيتَهُ وَتَأريخيَّتَهُ، فمفهومُ التأريخيَّةِ إذَن مُحايِثٌ لِوجودِ العالَمِ أو ايجاده). (3)

والتأريخيَّةُ عندَ غادامير وهيدغر تعني: (تراكماٌ لخبرةِ الوجودِ في الزمن).(4)،وَيُعَرِّفُ اركون التأريخيَّةَ بأنَّها: (التحول والتغيرُ اي تحول القيم وتغيرها بتغيُّرِ العصورِوالازمانِ) .(5)

تأريخيَّةُ النصِّ القُرآنِّي

فكرة تأريخانيّة النصوص، فكرةٌ غربيَّةٌ، وطبقها الغربيون حتى على النصوص الدينيّة عندهم، اذ لم يفرقوا بينَ نصٍ دينيٍّ ونصٍ بشري، ولابينَ نصٍ مقَدَس ونصٍ بشريٍّ ؛ فطبقت على التوراة والانجيل؛ واعتبرت كلُّ النُصوصِ نصوصاً تأريخيَةً .

وتلقف هذه الفكرةَ الحداثويونَ في عالمنا العربي، وطبقوها على القران الكريم، وقد تبناها نصر حامد ابو زيد في كتابه (مفهوم النص)، الذي اعتبر في كثيرٍ من عباراتهِ ان النص الدينيَّ تَشَكَّلَ في ارض الواقع في محاولة لتجريد النص القراني عن مصدره الالهي، بالرغم من ان ابا زيد يقول بانه يؤمن بالمصدر الالهي للقران .ومن الذين قالوا بتاريخية النص القراني، محمد اركون، والعروي، والجابري، وحسن حنفي، رغم اختلافاتهم في فهم تاريخيَّة النص القراني.

من القرائنِ والشواهدِ التي استفادها محمد اركون للاستدلال على تأريخيَّةِ النص القراني، اسباب النزول، والناسخ والمنسوخ .

المفهوم والمصداقُ في النص القُراني

الذينَ تحدثوا عن تاريخيةِ النصِ القُراني، استندوا الى ان الايات نزلت في اشخاصٍ محددين، ووقائعَ محددة، وازمنةٍ محدَدَةٍ، وامكنةٍ محددة، وهذا دليل على تاريخيةِ هذه النصوص . الا ان هؤلاء فاتهم التمييز بين المفهوم في النص القراني، وهو مفهوم متعالٍ ومفارق، وبينَ مصداق النص القراني، وهو تأريخيٌّ مشروظٌ بزمانٍ ومكانٍ وشروطِ محددةٍ.وعلى هذا الاساسِ؛ استنبط الاُصوليونَ قاعدةً متصيدَة من النصوص هي:

(العبرةُ بعمومِ اللفظِ لابخصوصِ السبب) .

فايةُ الظهارِ التي نزلت في شأنِ اوس بن الصامت وزوجته، مصداقها تاريخي محدد باوس وزوجته، اما مفهومها فهو لاتاريخي، عابر للتاريخ والزمان والمكان، فهي تنطبق على كل من تلبس بحالة الظهار . الايةُ مصداقها تاريخي ولكنَّ مفهومها ليس مفهوماً تأريخياً، بل هو مفهومٌ عابرٌ للتاريخ .وايات اللعان نزلت في عويمر وزوجته، مصداقها تاريخي، ومفهومها لاتاريخي، واية السرقة نزلت في شخص سرق رداء صفوان، مصداقها تاريخي، ولكن مفهومها عام .

الانزال والتنزيل في القران

الفرق بين الانزال والتنزيل، هو ان: الانزال يكون دفعيا، والتنزيل يكون تدريجيا . في الانزال هناك بعدٌ علويٌّ، بعدٌ متعالٍ مفارق، وفي التنزيل هناك البعد التدريجي المرتبط بالزمان والمكان، في التنزيل هناكَ بُعدٌ تأريخيٌّ، وفي الانزال هناك بعد لاتاريخي.

في الانزال المرتبط بالله، هناك جانب علوي مقدس لاتاريخي، كما في الايات الكريمة:

(نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ). ال عمران: الاية :3. وقوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) القدر: الاية: 1.

وقوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ) . الدخان: الاية :3. وفي التنزيل يقول الله تعالى:

(وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا) الاسراء: الاية: 106.

وفي الختام: في القران الكريم جانبٌ متعالٍ مفارق لاتاريخي هو المرتبط بالله وهو مايتعلق بالمفاهيم من النص القراني، وجانب تاريخي يرتبط بالناس الذين خوطبوا بهذا الكتاب.

 

زعيم الخيرالله

.........................

مصادر البحث

1- يوسف كرم، مراد وهبة، يوسف شلالة، المعجم الفلسفي، ص 33.

2- اركون، محمد، الفكر الاسلامي، قراءة علمية، ص 139.

3- ابو زيد، نصر حامد، (النص، السلطة، الحقيقة)، ص 71.

4- ابو زيد، نصر حامد، (اشكاليات القراءة واليات التأويل)، ط 4، 1996م، المركز الثقافي العربي، ص 42.

5- اركون، محمد، (من الاجتهاد الى نقد العقل الاسلامي )، ص 26 .

 

من المؤكد إن موضوع التربية والتعليم لا يخص وزارتي التربية والتعليم العالي وحدهما، إنه قضية وطنية بامتياز، ففي المدارس يتم تربية مواطني الغد ونكتشف حب الوطن ونهتف بأسمه، وفيها نبني شخصية الفرد، وفي الجامعات نكتشف ونبني المعرفة، ونصنع العقول وأصحاب الاختصاص من المدرسين والمهندسين والمحامين والأطباء والعلماء وغيرهم من أصحاب العلم والمعرفة.

ومن المؤكد أيضاً أن إصلاح التعليم لن يتحقق ما دامت باقي الوزارات والقطاعات الحكومية والقوى السياسية والمجتمعية غير معنية بإصلاحه. إصلاح التعليم أصبح ضرورة لازمة لتقدم البلاد، وأساس لردم الجهل والفساد كصفتين متلازمتين متداخلتين في المجتمع، وأهم عقبتين تحول دون الإستجابة للتطوير. فالجهل هو وجه للعبودية والخنوع، والفساد هو الوجه الآخر للفشل في الإداء.

المشكلة اليوم إننا نناقش الهوامش، ولا نعطي اهتماماً كافياً للمشكلة الرئيسة. نعيش في دوامة البنايات المدرسية، ونرى صور المدارس الطينية و اكتظاظ الصفوف، بينما يتصارع السياسيون حول من أي قوة سياسية أو طائفة سيكون وزير التربية القادم. لكن هذا ليس بغريب عن بلد يأكل الفساد جسده ويفتقد فيه المسؤولون عن إجابات شافية على تساؤلات المواطنين. أما على صعيد الجامعات فنهتم بالتصنيفات الدولية ونتسابق في ابتكار طرق جديدة للدخول فيها أو للحصول على مرتبة أعلى.

أي تعليم نريد؟

لا أحد يسأل اليوم عن أي تعليم نريد؟ ولا أحد يتحدث عن الأهداف المرجوة من التعليم، ولا عن طرق تحقيق هذه الأهداف.

فأي تعليم نريد؟ هل نريد تعليماً يحوِّل المتلقين الى خزائن للمعلومات يتم تفريغها أيام الامتحانات؟ أم نريد تعليماً يحرر الطاقات الكامنة في نفوس الطلبة ويستفز ذكاءهم، ويساعدهم على التفكير الحر الإبداعي، وحل المشاكل، ويجعلهم يركزون على ما يعنوه حقاً باستخدامهم للتعابير. الأمر الذي يحرضهم على استخدام التعبير المناسب وانتقاء الألفاظ المعبرة عن المعنى المقصود، وليس مجرد ترديد حرفي كالببغاوات ما ذكره لهم معلمهم أو ما هو مكتوب في الكتاب المقرر. لقد ذكرناها مرّات ومرّات إننا نريد تعليماً يحول الطالب الى مفكر ناقد وإنسان منطقي، غير متحيز يتمتع بمهارات تفكير عالية وهذا لن يتم تحقيقه إذا لم يتعلم الطالب التفكير المستقل وأن يتفهم وجهات نظر الآخرين. فعلى سبيل المثال فإن ممارسة الطلبة تمارين في قواعد اللغة ، أو تطبيق قوانين رياضية دون معرفة الدوافع المنطقية وراء استخدام تلك القوانين لا تسهم كثيراً في تنمية التفكير الناقد. لابد للطالب ان يعرف الهدف من التعلم، و التفكير، وان يعرف ان لكل نشاط عقلي هدف. ان طلبتنا يأخذون دروسا في العلم ولكنهم لا يعرفون ما هو العلم. كما يدرسون عن العلماء ولكنهم لا يعرفون ماذا يعمل العلماء. ولا يعرفون كيف يطرح العلماء الأسئلة كبداية لدراسة القوانين والنظريات. إنهم يعرفون طرح السؤال: ماذا نعمل؟ ولا يعرفون إن السؤال الأهم هو: لماذا نعمل هذا؟

لقد اصبح طلبتنا يدرسون ولا يتعلمون، حيث التعليم بات مجرد "نتائج للامتحان" على حد تقرير للبنك الدولي حول تقييم أنظمة أداء الطلاب بالدول العربية، والذي أكد على سيادة "منطق الاختبار" بدلاً من "منطق التعلم" في الانظمة التعليمية العربية حيث التركيز الشديد على أهمية المواضيع الأكاديمية، على حساب مهارات مطلوبٍ توفرها من خَريجي القرن الواحد والعشرين، مثل حل المشاكل والعمل ضمن الجماعة ، وإتقان تكنولوجيا المعلومات وتعلم الإدارة والتنظيم. ويتضح الاهتمام بالامتحان من خلال اشتداد الصراع حول أساليبه ونتائجه واهميتها. بالنسبة لمعظم التربويين الامتحانات ضرورية ونتائجها مقدسة لا يمكن المساس بها، وبالنسبة للدولة فإنها كلما كانت مركزية كلما كانت أفضل، وبالنسبة للعديد من الطلبة تبدو الامتحانات شراً لابد منه ولا مفر منها. فهل الامتحانات النهائية ضرورية حقأ؟ يؤكد تقرير البنك الدولي بأن أداء المنطقة سيتحسن إذا ابتعدت عن الأنظمة التعليمية الانتقائية التي تتطلب امتحاناً رئيساً نهائياً وتحريرياً، موصية الدول العربية باستخدام التقييمات المرجعية لمساعدة الطلاب والمدرسين على فهم ما تعلمه الطلاب و ما لم يتعلموه أثناء العملية التعليمية.

نوقشت مسألة الامتحانات التحريرية النهائية في عدد من جامعات العالم بضمنها جامعتي في دبلن ولعدة سنوات مضت، وتم الاتفاق على ان الامتحانات النهائية فشلت في تطوير مهارات "الاستجواب والتعلم الذاتي" وبأنها لا تعزز الفهم العميق للمواضيع العلمية، وان هذه الطريقة المعتادة غير صحيحة، أي إنها تفشل في تقييم الأهداف التي يراد من الطلاب تحقيقها في الواقع العملي. ومع ذلك، فإن هذا لا يلقي إلا مجرد نظرة ضيقة على أهمية الامتحانات. فماذا تشمل الامتحانات من الجوانب التي نريدها من الامتحان؟ وماذا نريد من الامتحان؟

تهدف برامج الامتحان الجيد إلى توفير تقييم متوازن وعادل لكل طالب. ويتم تحقيق هذا الهدف عبر طريقتين. أولاً، أنها تستخدم مجموعة متنوعة من الستراتيجيات والمهام (الامتحان التحريري ما هو إلا واحد من 15 نوعاً من أنواع الامتحانات على اقل تقدير) وهذا يعطي الطلاب فرصاً متعددة، في سياقات مختلفة، لإثبات ما يعرفونه ويمكن القيام به. كما إنها تمكن التدريسيين من أن يكونوا واثقين من دقة أحكامهم حول كل طالب. ثانياً، يجب أن تكون المهام "مناسبة لتحقيق الغرض". على افتراض أن أي موضوع دراسي لديه عدد من الأهداف منها المعرفة والفهم، والمهارات العامة والمنقولة، ويجب أن تكون كل مهمة من مهام الامتحان مناسبة لقياس الهدف المحدد أو الأهداف التي سيتم تقييمها. وهذا يعني أن مهمة تقييم المعرفة الأساسية ستبدو مختلفة عن تقييم الإبداع.

على ضوء المعلومات المتوفرة حول ضرورة واهمية وأساليب الامتحانات نعتقد أن الامتحانات الحالية بحاجة الى دراسة واسعة لنتائجها ولضروريتها، آخذين بنظر الاعتبار درجة مصداقيتها في تقييم الأهداف التربوية ومخرجات التعلم للمواضيع الدراسية والبرامج الاكاديمية. هل نتائج الامتحانات تعبير حقيقي عن كفاءة ومعرفة وإبداع ومهارات الطالب المكتسبة؟ هل يمكن على الأقل دراسة أهمية الامتحانات ولربما إلغاء بعضها واستبدالها بأسلوب تربوي حديث أو بإضافة طريقة تربوية حديثة؟

أهمية التفكير النقدي وتنمية الإبداع

ما نفتقد في تعليمنا اليوم هو الأساليب التي تدفع الطالب للتفكير وتنمية الابداع، وقدرته على إيجاد حلول لمشاكل لم يواجهها من قبل. نحن بحاجة الى أساليب لتحدي واستفزاز ذكاء الطلاب وجعلهم يفكرون بدلاً من مجرد حفظهم للمعلومات. وهذا لن يتطلب وسائل بشرية ومادية إضافية، بل يتطلب فقط تغيير طرق التعليم وتحسين توظيف ما هو موجود. وهذا يتطلب إرادة وتصور وذكاء وإبداع من طرف المسؤول واستعداده للتعلم وتطبيق الأساليب الجديدة من قبل المدرس.

ولكي تزدهر المعرفة ويثمر، العلم لابد من إشاعة حرية الدهشة والتساؤل والاكتشاف، حرية الفكر والتعبير، حرية طرح الفرضيات ومناقشتها دون خوف. إن اطفالنا وشبابنا مكبلون بأغلال بالية تحرمهم من متعة السؤال، وروعة البحث ونشوة الاختراع، فالمدرسة والجامعة ليس إلا صفوف دراسية يتلقن فيها الطالب معلومات كثيرة، إلا إنها قليلة الفائدة، ويمكن الحصول عليها بطرق الأون لاين والتعليم الذاتي. ولم أر الا نادراً جامعة او مدرسة يتعلم الطالب فيها أسلوب حل المشكلات والعمل الجماعي والتفكير النقدي والتحليلي، وليس هناك من الجامعات والمدارس ما تركز على التعلم النشط وتعتبر الطالب محور العملية التعليمية، وفيها يتم التعلم من خلال العمل والبحث والتجريب واعتماد المتعلم على ذاته في الحصول على المعلومات واكتساب المهارات وتكوين القيم والاتجاهات بدلا من التركيز على الحفظ والتلقين.

هل يمكن لأحد ما أن يدلني على جامعة او مدرسة يتم فيها التعليم على أساس تنمية التفكير النقدي والتحليلي، والقدرة على حل المشكلات ، وعلى العمل الجماعي والتعلم التعاوني؟ هل أن تعليم هذه القدرات والمهارات ممنوعة علينا كعراقيين؟ إذا كان الشاب العراقي يمتلك ذكاء وقابلية للتعلم تمكنه من اكتساب المعرفة، وتعلم المهارات وحل المعضلات، فلماذا نحرمه من حقه في تعليم ذي جودة عالية يكسبه مهارة وخبرة كبيرة، والقيام بإسهامات ذات معنى في المجتمع؟

ومن بين مفاتيح تعليم يليق بالعراقيين، هو ربط المدرسة بالمجتمع، وهنا تكمن مسؤولية كبيرة للمدرس وللمسؤول في محاولات الانخراط بالبيئة القريبة من المدرسة ومخاطبة القضايا الاجتماعية المهمة، ومشاركة الطلاب في الشأن العام والسياسي، وأيضاً تعليم ثقافة المناظرة وقبول الآخر بغض النظر عن الفروقات المجتمعية او الثقافية او الدينية ونبذ التطرف والتعصب. لابد من العمل على إخراج الطلبة من المدرسة والى المجتمع المحيط، وبرمجة العديد من الحصص خارجها، خصوصاً الحصص المتعلقة بالثقافة والرياضة والتربية على القيم الإنسانية والمواطنة. فمثلا يجب أن يتعلم الطلاب مجموعة من السلوكيات والقيم من مصادرها في المجتمع، أن يزوروا مثلاً الدوائر الأمنية ونقاط التفتيش، والدوائر الحكومية والبرلمان ومجالس المحافظات، وثكنات الجيش والمستشفيات والمراكز الرياضية، ليطلعوا على الدور الذي يقومون به.

وعلينا أن نفكر أيضا بالأطفال الذين يعانون صعوبات تعليمية واجتماعية. هؤلاء الاطفال الذين لديهم نفس الأحلام مثل الكثيرين من أمثالهم ولكن مسارهم سيكون أكثر تعقيدا وتطلباً للجهود. إنهم الاطفال المصابون باختلالات يصعب التعرف عليها وخاصة في مجتمعات بها مدارس وخدمات طبية غير مؤهلة وهي التوحد، وعسر الكلام، وعسر القراءة، وخلل الاداء، وخلل الكتابة، وخلل الإملاء، وخلل الحساب، واضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط.

واخيراً، نحب أن نؤكد على أن بناء الانسان يبدأ من نقطة الصفر، ومشكلة التعليم في هذا البلد منذ عقود، هي إصرار البعض على تفادي الإصلاح، وتجب الاستفادة من خبرات البلدان التي سبقتنا عقوداً في تعليم أبنائها، فشعارهم هو نبذ المعرفة الجديدة، ومثالهم هو "الشين الذي تعرفه أحسن من الزين الذي لا تعرفه". وهذا خطأ يؤدي إلى الجمود وعدم التقدم.

 

أ. د. محمد الربيعي

 

اكرم جلالإنّ لمنهج التربية والتّكامل الإنساني مَدرستين: الأولى هي المدرسة التي تَنطَلق من مَنهَجٍ  وتَفكيرٍ وجودي مَحض مُتّخذَة من النّظريات والآراء الوجودية المُجرّدة للإنسان أساساً وَمُتّكَأً لعملية التّكامل، أما المدرسة الأخرى فهي مدرسةُ الأنبياء والأئمة عليهم السلام والتي تَعتَمد في مَنهَجِها على البُعد الإنساني والرّوحي وتَعتَبر القَلب أو النّفس مُنطلقاً وأساساً ومحوراً في عملية التربية والتكامل. لذلك فالمدرسة الإلهية تَستَعين بالعَقل ولا تستغني عنه وتَعتَمد على القلب والروح في عملية السيرالتكاملي والوصول الى مراتب الكمال الوجودي المطلق ، وأن هذه الأسس هي وحدها الكفيلة بتربية الإنسان والأخذَ بيَده نَحو الرّقيّ والذي مِن مَظاهره السّعي لِعَمل الخَير وفِعل الصالحات. إن المنطق والإستدلال بالأدلّة العقلية والفلسفية على أهميّتها ودورها في العلم والمَعرفة لكنّها وَحدَها قاصرة في بلوغ  أعلى مراتب البناء والتكامل للإنسان، وأن المعرفة القلبية أو الروحية هي أقرب الطرق وأسرعها وأوثقها لنيل الكمال الوجودي من أجل طَيّ المَراتب والوصول الى ساحة القرب الإلهي.

إنّ العِلمَ والتَفكّر والتأمّل هيَ من مُستلزمات عمليّة التّكامل الوجودي للإنسان وأنّ أعظَم تلك العلوم والمعارف هي الإحاطة  بأسرار الوجود والرؤية الكونية ومعرفة الغاية التي من أجلها خَلَقَ الله الوجود، وأنّ الإحاطَة بعوالم الغَيب والملكوت هيَ التي تُصيغ المّعالم النّظَرية والمناهج السلوكية لحركة الأنسان، وهيَ المُرشد والدّال نَحو إدراك مَراتب الكمال الإنساني، ثُم أنّ الإلتزام بما أمرَ الباري وما نَهى عنه إنّما هي من أعظم مراتب المعرفة الإلهية وهي السبيل والطريق نحو السمو لبلوغ الإرتباط الحقيقي بالله جل وعلا وتحقيق أعلى مراتب الكمال الوجودي.

ولأنّ العلوم والمَعارف عديدة متنوعة مُتَشَعبة لذا فَلا بُدّ لِمَن يَبغي نَيل مَراتِب التَكامل أن يَختار من العلوم ما تُثير قُدراته وتُحَفّز إمكاناته وتَسير به نَحو مَدارج الرقي، ولاشكّ في أنّ العلوم الإلهية التي تربي القلب والروح وتثير في الإنسان الرغبة في الحركة والسير نحو التكامل ليدرك بذلك الحياة الحقيقية التي أرادها الله للأنسان الكلي ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 122].

إجتناب الطاغوت

قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ۚ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: 36].

والطاغوت كما عَرّفَه أهل اللّغة (هو ما عُبِدَ من دون الله عز وجل وكلُّ رأْسٍ في الضلالِ طاغوتٌ 2)،  وقال السيد الطباطبائي في الميزان (الطاغوت في الأصل مصدر كالطغيان و هو تجاوز الحد بغير حق 3) .

إنّ الإيمانَ بالله والكُفرَ بالطاغوت إنّما هيَ الأُسُس والثَوابت الرئيسية في عملية التكامل الوجودي للإنسان، والآية القرآنية حينما أمرت بالعبادة أشترطت أجتناب الطاغوت فكان أمراً ملازماً للعبادة وشرطاً لها من أجل تحقق كمال العبادة التي أرادها الله جل وعلا.

إنّ عبادة الله إذا اقتَرَنَت بطاعة الطّاغوت فهي إذن كالصّلاة على غَير طَهارة. فَحينما يَخضَع العبد لقوانينَ ومعتقداتَ ومناهجَ طاغوتية صَدَرَت عَن طُغاة وجبابرة، سراً أو عَلَناً، صَراحةً أو مواربةً، تدعو لعبادةِ غيرِ الله فهو بذلك يخرج عن مَسلك عبادة الله واتّخَذَ الطاغوت أولياء، فَهو إذن في أدنى مراتب الجهل والعمى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 257].

عن أبي عبد الله عليه السلام قال: مَرّ عيسى بن مريم عليه السلام على قرية قد مات أهلها وطيرها ودوابها فقال: أما إنهم لم يموتوا إلا بسخطة ... فقام عيسى عليه السلام بالليل على شرف من الأرض فقال: يا أهل هذه القرية فأجابه منهم مجيب لبيك يا روح الله وكلمته، فقال: ويحكم ما كانت أعمالكم؟ قال: عبادة الطاغوت وحب الدنيا، مع خوف قليل، وأمل بعيد، في غفلة ولهو ولعب .... 4).

إن المبدأ والأساس في الرسالات السماوية هي الدعوة لعبادة الله والنّهي عن عبادة الطاغوت، فَبقدر ما يَحمل أمرُ عبادة الله مَضامين فكرية وفلسفية عميقة وأبعاداً عملية تطبيقية واسعة ، فإن أمرُ الله باجتناب الطاغوت لا يَقل شَأناً من حيث المَضامين الفكرية والتشريعية والعقائدية ، فهو أمرٌ باجتناب كُلّ ما تَحملُه مُفردة الطاغوتية من معانٍ كالمنهج الطاغوتي والإعتقاد الطاغوتي والإنتماء الطاغوتي والسلوك والمواقف الطاغوتية، إنّه أمرٌ إلهي بالتَولّي المُطلق لله جلّ وعلا يقابله أمرٌ رَبانيّ بالتبري المُطلق من المنهجِ والخّط الطاغوتي بكلّ أشكاله وأبعاده، فعن الإمام زين العابدين (عليه السلام) أنّه قال: (كفانا الله واياكم كيد الظالمين وبغي الحاسدين وبطش الجبارين. أيها المؤمنون: لا يفتننكم الطواغيت واتباعهم من اهل الرغبة في الدنيا، المائلون اليها، المفتونون بها، المقبلون عليها وعلى حطامها الهامد وهشيمها البائد غداً... وان الامور الواردة عليكم في كل يوم وليلة من مظلات الفتن وحوادث البدع وسنن الجور، وبوائق الزمان، وهيبة السلطان، ووسوسة الشيطان لتثبط القلوب عن نيتها وتذهلها عن موجود الهدى ومعرفة اهل الحق الا قليلاً ممن عصم الله عزوجل، فليس يعرف تصرف ايامها وتقلب حالاتها وعاقبة ضرر فتنتها الا من عصم الله،ونهج سبيل الرشد، وسلك طريق القصد، ثم استعان على ذلك بالزهد، فكرر الفكر واتعظ بالعبر وازدجر... واياكم وصحبة العاصين ومعونة الظالمين ومجاورة الفاسقين، احذروا فتنتهم وتباعدوا من ساحتهم 5).

 إن السالكين في طريق الكمال والتكامل  والذين تَمَسّكوا وَثَبَتوا على دَرب الإنابة الى الله رَغمَ وَحشة الطريق فلم يَهنُوا وَلَم يَخضَعوا وَلَم تُضِلّهم مَكائد الطاغوت ولم يُلهِهِم لَهوَ الحياة ولم تُسقطهم المُغريات ولم تُنسهم ذكر الله، أولئك لهم  البشرى من الله العلي القدير ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى ﴾ [الزمر: 17].

إنّ مآب مَن آمن بالله وَكَفَر بالطّاغوت هوَ الفَوز والنّجاة في الدارين ، نجاة يَصفها القرآن كَمَن تَمَسّك بعروةٍ لا تَنفَصم ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 256]. لَقَد أوضَحَت الآية الكريمة المَنهَج الإلهي في البناء والتكامل حينما بَدَأت بتقديم الكُفرَ بالطاغوت على الإيمان بالله وذلك لأن الإيمان ومدارج الكمال والرقي الانساني لاتُشَيّد الّا على أساس مَتين، وَهذا الأساس هو الكُفر بكُلّ الأفكار والمناهج الطاغوتية، وهذا الرَفض هوَ بمثابة الأساس الذي سَيُقام فَوقَه بنيان الكمال، فكلّما كانَ الأساس متيناً كلّما كانَ الصرح أكثرَ علواً وثباتاً.

حكمةٌ بالغة مِن رَبٍ عليم، فالمَنهج الرّباني يَستَدعي أولاً تَصفية القَلب مِن كلّ الشبهات والمُوبقات والآثام والأصنام ورفض كل أنواع الشّر والباطل والظُلم والغِش والخِداع والنفاق والزَيف، إنّه الكفر بالطاغوت، فَعَلى المُؤمن الساعي نَحوَ الكمال أن يتّخذ من هذا الأمر الإلهي منهجاً ودليلاً ليَبدأ مسيرةَ التكامل لبُلوغ ساحَة القُدس الإلهية بثَبات وَبصيرة وَنُور.

 

د. أكرم جلال

..................

1- لسان العرب - ابن منظور - ج 8 - الصفحة 444.

2- تفسير الميزان - العلامة الطباطبائي -  مجلد 12 - ص 242.

3-  الكافي - الشيخ الكليني - ج 2 - ص 318.

4- تحف العقول -  بن شُعبة الحَرّانيّ -  ص 257، 260.

 

سالم الشمرياحتل الفقيه مكانه غير عادية في التاريخ الاسلامي، فالفقيه [قائم مقام النبي] بتعبير الشاطبي و[موقع عن رب العالمين] بتعبير بن القيم وهو بمنزلة انبياء بني اسرائيل ونائب الامام وغيرها من الرتب فوق البشرية. وواضح ان هذﻩ المنزلة او المرتبة التي يتمتع بها الفقيه لاﻳﺒﻠﻐﻬﺎ المفكر ولا الفيلسوف ولا اي عالم استثنائي اخر كانشتاين او اديسون .

ازاء هذه المنزلة فوق البشرية لايمكن لاي باحث من دراسة مفهوم الفقيه او دوره في التاريخ مالم ينتزع عنه هذه الصفات الالهية والنبوية والملائكية الزائدة ونقله من [مقدس] الى كائن بشري محسوس لامقدس، وبغير ﻫﺬﺍ الاجراء لايمكن طرح حدود واضحة بين الوهمي والحقيقي في اية دراسة. لاننا فعلا بحاجة لنكتب عن الاشياء التي نريد استيعابها والنفاذ الى اعماقها كي تصبح جزءا منا. من ذاتنا ومقومات وجودنا بدلا من ان تكون ضدنا اوشئ غامض بيننا او خارج عن وعينا .

ايضا

يستحوذ الفقيه صفة غير بشرية في عمله، فاذا اصاب فله حسنتان واذا اخطأ فحسنة واحدة .. وهذا لايحدث صدفه بل محض نتيجة ﺗﻀﻴﻴﻖ مجال الممكن وسجن عقل العوام في زاوية التلقي فقط اثناء رفع الفقيه مرتبة اعلى من البشر واقل من الله، ولهذا فان الكتابة عن اﻟﻔﻘﻴﻪ تنطوي على قدر كبير من الصعوبة هو ذاته القدر الذي تنطوي عليه مركزيتة في التاريخ الاسلامي.

احتلال الفقيه لمكانة فوقية وفي الصدارة عبر التاريخ جعله يتحكم بكل شئ دون منازع، فهو فقيه السلطة وفي مقدمة ديوان الدولة وبيده احكام الحلال والحرام والجلد والرجم والقتل والذبح . اضف الى ذلك سلطة المال عبر بيت الزكاة ودكان الخمس فيتحول الى اﻣﺒﺮﺍﻃﻮﺭﻳﺔ بامتياز . ولهذا فان اي محاولة للاقتراب من مفهوم الفقيه او الحفر في جذور هذه الشخصية الاسطورية تصطدم بجينيالوجية [علم الانساب] ﺗﻮﺛﻴﻘﻴﺔ ﻣﻨﺘﺤﻠﺔ تعمل على اقامة سدا منيعا امام القراءة التاريخية لفكرة الطوطم التاريخي الذي يمتلك سلطات الله وﻳﺤﻀﻰ بطاعة ﻋﻤﻴﺎء ﻻﻫﻞ الارض.

مع نشوء الفكر الحديث والتطور الهائل في المعرفة والتراجع غير المنظم لافكار الارض واقفة على قرن ثور، لم يعدبالامكان تجاوز المثقف والمفكر والفيلسوف والاكاديمي حتى وان استطاع تحجيم دورهما في البداية في بيئة تقليدية غارقة في الجهل والنذور والحناء . فالاشياء تعرف باضدادها وان المفكر حائز على الادوات المعرفية التي تحيط بالفقيه من ناحية معرفية صرفة بحيث تستوجب اﻟﻨﻈﺮ اليه ككائن صوري وليس غيبي او نوراني كما يتوهم الرعاع .. كائن يتصف بنوع من النمذجة والمثالية، وان تجريده من مختلف الملابسات المتداخلة في الواقع اي تحويلة الى ماهية محددة وليست ماهية متجاوزه لذاتها وللكون وعلم الاولين والاخرين .. عندئذ يمكن تحديده وفهمه وتصنيفه ومقارنته من دون مسميات عائمة عادة ما يلجأ لها الخطاب الفقهي في اطار مسرحة الشخصية الفقهية وجعلها عابرة لحدود الفهم والادراك .

لا يمكن للفقيه لبس عباءة المثقف حتى وان اراد ذلك، لان الاختلاف بين الاثنين يفرضه الاختلاف المعرفي على صعيد ثنائية النص والواقع . لان مايتولد عن النص هو ليس ذاته الذي يتولد عن الواقع، ومادام الفقيه ياخذ بالنص ولاياخذ بالواقع في مصادر التشريع وانه يبدأ بالنص نحو الواقع . فيما المثقف ينشغل بالواقع وينطلق منه . فان البون واسع .. كاختلاف الواقع  والنص .

 

سالم الشمري

الولايات ﺍﻟﻤﺘﺤﺪﺓ

 

رائد عبيس1440 هـ هو عام هجري  كان من المفترض أن يمثل للامة "العربسلامي" ذاكرة جديدة، غير تلك الذاكرة القديمة التي لا تحوي الا على تكلسات ورواسب الطوفان المعرفي الذي مرة به الأمة "العربسلامي" في العصر الذهبي لها، تاريخ تراث التلازم للأمتان "العربسلامي" يشكل ذاكرة مليئة بالفكر والمعرفة بكل مجالاتها، وبما أن "العربسلامي" يمثل اقتران كبير في هذا المستوى خلف عنه تراث عميق كبير وحضاري،كان من الواجب الحفاظ على هذا التراث واستثماره لخدمة أجيال أمة "العربسلامي" بطريقة عقلانية ومنطقية وعلمية سليمة، وأحياء هذا التراث في الذاكرة الميته لأمة "العربسلامي" واخضاع ما هو حي منه للكشف السريري والفحص والمعالجة، لأن ما مقدم منه إلى العلن هو ما يظهر البعد التخلفي لأمة "العربسلامي" بأبعاده السلوكية أو القيمية أو الفكرية أو الاجتماعية والعلمية في الغالب، بحيث أصبح أبناء هذه الأمة يقلدون الآخرين في كل شيء .صحيح هناك عوامل للحضارة المعاصرة تفرضها على واقع الشعوب،ولكن لا يعني ذلك أن تحدث تبعية كبير في استعارة هذه الأبعاد والأنماط الثقافية التي تركت أثرها وما زالت تترك آثارها على واقع الأمة "العربسلامي" بشكل خاص، وذلك لكونها مستهدفة بقصدية كبيرة،لحماية الكيان الصهيوني أو المصالح الغربية وحتى الشرقية بكل اقطابها، فضلا عن صراع الهويات والحضارات طالما يعبر عنه بصيغ مختلفة.

فثقافة التبعية أفقدتنا كثير من مقومات الأصالة وجعلتها هشة وضعيفة أمام التعريف بها. وهذه التبعية تمثلت في حماية متبنيات من عمق الذاكرة وما يُريد أن يستثمر منها، فأي استثمار للمخزون الحضاري بات يخضع لحسابات سياسية وأيديولوجية وعقائدية وهذا ما أظهر في أرضية الإسلام نتوءات بركانية،تقذف أحيانا عند ثورانها بمقذوفات خطيرة، وسامة،  وقاتلة بين عصر وآخر أو مرحلة تاريخية وأخرى،  تتمثل بجماعة متطرفة تشق في الاسلام طريق خاص بها، يتسبب بتشويه جسد الدين بكل أبعاده،وخطورة هذا الانشقاق عن ما ألف من الدين   يكون بتبعيته لأجندات خارجية، تبعية أفرطت بكل مقومات الأصالة وان كانت تحمل جزء من مسماها،مثل بعض هذه التيارات تستعمل كلمة سلفية، أو مسمى مشترك يحمل مدلول "العربسلامي" حتى يكون حجة أمام الناقدين والقائلين بتبعية بعض الجهات التي تدعي الأصالة من جهات أخرى بعيدا عن روح الأمة مثل: الفارسية أو الصفوية أو الهندية أو الماسونية أو الإسرائيلية أو الصهيونية أو غيرها من الحركات الصوفية الأوروبية التي تمر عبر هذه المسميات لجسد ثقافة أمة "العربسلامي" .

يتراشقون أبناء الأمة "العربسلامي" اليوم الاتهامات في نسب الانتماءات التي شكلت عائقا امام منافذ الحوار بين أبناء الأمة الواحدة، منهم من يحتمي بإيران، ومنهم من يحتمي بامريكا،وبعضهم يحتمي بإسرائيل،  وبعضهم يحتمي ببلدان الأصالة الاستعمارية التي تحركت على أساسها هذه البلدان في إعادة أنماط الهيمنة من جديد، مثل: تدخل فرنسا بالشأن الجزائري، أو تدخل ايطاليا بليبيا، أو فرنسا بلبنان،  أو بريطانيا بالسودان وموريتانيا والعراق وهكذا.

فالتفكير بإعادة إنتاج التبعية بصيغ جديدة، شكل نمط ثقافي عند البعض بحجة الانفتاح على العالم وما وصل إليه من تطور تكنولوجي، اما الأصالة فلم يعد لها مفهوم الا بأذهان المثل ومن يحلم بها.

هل الاصالة ممكن لها ان تنعكس على الواقع وتحوله الى أصالة جديدة؟ ام كتب عليها أن تبقى أصالة بمعنى تاريخ و لا يمكن استنطاقها؟  هل ممكن أن نحول الأصالة الى قبالة ؟ فالأصيل بمفهومنا عن تراثنا لا يعني أن مفهوم المشاركة به يتم عبر نسخه أو باستعارته أو بنقله، بل يجب أن نفهم أن الأصالة كفعل مشترك الا ما انفرد به ليكون كذلك، وهذا ما يجب أن يؤكد عليه ويقدم إلى العلن ليكون نمطا ثقافياً له سمته الخاصة بين أنماط ثقافات العالم.

فالقبالة التي قصدنا هنا هو ما يستقبل به الشيء،يعني أوله،واولنا نريد له أن يكون اولنا بمعنى يسير أمامنا ومقدمة وما يستحق ذلك،ليكون هويتنا وايقونتنا بين شعوب العالم والعلامة الفارقة لثقافتنا بين امم الكون،وليكن معرف لأمة العربسلامي وميزتها.

وعلى هذا وبه، يمكن لنا أن نقبل بقبلنا واصالتنا ونحن نفتخر بمنجزاتنا و أسلافنا ولنكون بها ما يكافئها بالحاضر وما يقبل علينا في المستقبل، ولكن لا يمكن لذلك الطموح أن يتم ونحن نعلم أن ذاكرة الاصالة ما زالت معطلة وان تراثها المادي مازال يطمر كل يوم مع أنقاض اخفاقاتنا، لدينا في دور المخطوطات والتراثيات والمتاحف ملايين الكتب التي لم تر النور بعد ولا شعاع العقول ولا طموح الاجيال بها، لدينا ملايين المخطوطات موزعة في المكتبات العالمية والمتاحف فضلا عن مكتباتنا المحلية، بعد أن نطلع على كل هذا التراث العلمي والفكري والمؤلفات التي كتبت في الحكمة والطب والدين والفقه وغيرها من المجالات عندها يحق لنا أن نعرف مفهوم الأصالة في ثقافتنا، أما غير ذلك فيبقى تعريفنا للأصالة قاصر عن أي دلالة بالوقت الحاضر، ونحن نعد ايام خلت تبعدنا عن مصدر هذه الأصالة وبيئتها.

لا مستقبل لأمة "العربسلامي" بدون الرجوع الى التراث،  وبدون إشاعة نمط موحد من ذلك التراث، ليكون أيقونة لافته في عالمها ودليل لقبالتها على مستقبلها ومستقبل اجيالها. ولا مستقبل لها كذلك بدون فك الارتباط التبعي الذي منحنا صفة غير أصيلة للثنائية المكونة "العربسلامي" والتي مكن الدول العدوة من العمل على احداث هذا الشرخ بين الاثنين، وهم يدأبون على أن يقنعوا العالم "بأن الإسلام دين لا يليق بالعرب" والعروبة لا يمكن لها ان تحتكر الإسلام، بكونه دين عربي وهو كذلك طبعا، ولكن نحن نتكلم عن الانماط الثقافية التي تصدر وتشاع تحت هذه الذريعة، فالإسلام هو دين عربي ولكن عالمي، لا حكر على جنس أو ثقافة أو قومية أو غيرها، ولكن مثل ما ذكرنا ما يصدر تحت هذه العناوين هو مكمن الخطوة والذي يقوض أسس الاصالة والحديث عنها واقناع الأجيال بها وهم لم يروا شيء ماثل أمامهم منها.

جامعة الكوفة عملت هذا العام على عد عام 1440ه عام الامام علي وهو التفاتة مهمة جدا، وهو ربط حادثة وقعت  في ٤٠ه  بعصر سنة 1440ه، هذه المسافة الزمنية والتاريخية ربما جزء من ذاكرته ميت في وعي الأجيال وتصوراتهم واحكامهم عنها، فقط التاريخ من هذا الزمن هو الحاضر في أذهان الأجيال مثل واقعة السقيفة، واقعة الجمل، واقعة صفين، واقعة اغتيال الامام علي عليه السلام، وهناك أيضا احاديث وروايات لها طابع شعبي لا تصدر عن وعي تحليلي لعمق هذا التاريخ وما سبقه. فهذه هي الملاحظة التي نريد أن نؤكد عليها. وتعني أن هناك زمن طويل يفصلنا بين تاريخنا ووعينا به. وهذا هو ما يحول من عدم سيادة نمط ثقافي ذو عمق، فيما لو تم تحويل مبادرة جامعة الكوفة مثلا الى تقليد سنوي بمناسبات أخرى مقارنة بتواريخ الأصالة وانتاجها في مؤسسات أخرى او جعلها طابع وطني عام يروج عنه حتى في وسائل الاعلام، على أن تنتج يبعدها "العربسلامي" أو المحلي أو الوطني،لا أن يرافق ذلك تحول هجين بين أنماط مختلفة تشوه البعد الثقافي المراد إظهاره من أحياء الذاكرة الاصلية للامة التي نجد أبناءها ينقلبون بين انتماء يساري، أو انتماء يميني ماركسي،أو قومي، أو سلفي متطرف،  أو داعشي أو شيوعي، أو صوفي،  أو يميني معتدل، أو ليبرالي، أو ديمقراطي، أو قبلي وغيرها من الأنماط الغير معلنة، فبلداننا "العربسلامي" مليئة بهذه الانماط التي أفقدت هذه الأمة مسماها الهوياتي والثقافي وعمق اصالتها وقبالة مستقبلها.

 

الدكتور  رائد عبيس

 

 

 

 

علي محمد اليوسفتقديم: أن منهجية الدراسات الاصلاحية المعرفية والفلسفية، في نقد وتقويم الانحرافات الطارئة في الفكر الديني، من وجهة نظر معاصرة حداثية، وحاجة الانسان للتديّن، مداميك وأسس وضعت الظاهرة الدينية على محّك المراجعة النقدية المسؤولة، بعد أن أصبح خطر ايديولوجيا التديّن الاسلامي المتطرف تحديدا، المعتاشة على الدين وبه ومن خلاله، تهدد الوجود العربي والحضاري في العالم .

أن كتابات النقد الديني الاصلاحية المنهجية في محاولتها بعث النهضة الحداثية عربيا – اسلاميا، كما جاءت في كتابات مفكرين ومصلحين كبار امثال رافع الطهطاوي، مصطفى عبد الرازق، علي عبدالرازق، محمد عبدة، جمال الدين الافغاني، خير الدين التونسي، محمد عابد الجابري، هشام جعيط، محمد اركون، حسين مروة، صادق جلال العظم، حامد ابو زيد، عبد المجيد الشرفي، عبده الفيلالي، عزيز العظمة، محمد احمد خلف، برهان غليون، عياض عاشور وعشرات غيرهم، وجدوا اشكالية الدين في حياتنا المعاصرة تتمثل في السعي لأيجاد حل توفيقي لثنائية (التراث والمعاصرة) وهي معضلة تضرب العمق الوجودي للامة العربية –الاسلامية، قطباها التجاذب الاساس في أن يعيش الانسان العربي –الاسلامي عصره، بالضد من القطب الآخر المناوىء له، ممثلا في الشد والجذب الرجعي المتخلف، ايديولوجيا الدين المجتمعي التعبوي، في جعل التراث عموما والاسلام تحديدا عبئا ينوء بحمله أحياء اليوم، بحجّة توكيد (الهوية) و(الذات) وخصوصيات الامة المغيبّة أساسا في ثيولوجيا الدين الزائف.

أصبحت المجتمعات العربية الاسلامية تجرّها منظومات التراث المتحفي - الماضوي التي فقدت غالبية مؤثراتها وبريقها بالمعيار الثقافي المعاصر، وفي تعطيلها الجوانب المشرقة التراثية أن تلعب دورها في التعايش والتلاقي مع الآخر ثقافيا، وتيار الجذب الثاني ممثلا بالمعاصرة التي يوجب حضورها سريان الحياة التمدينية ومنجزات العلم، وتطورّها وتقدمها باستمرار، وهذه المعاصرة بدلا من تعطيلها سابقا جرى تغييبها اليوم قسرا وبالاكراه الايديولوجي الديني السياسي.

في جنبة أخرى نجد اليوم من يسعى الى تجذير الخلافات الدينية مذهبيا داخل البيت الاسلامي، في الرجوع الى أحياء وبعث جوانب من التراث الاسلامي، بكتابة تاريخ منازعات دينية طائفية، في مسعى تصويب مسار تاريخي مذهبي على حساب مسار مذهبي آخر، بعيدا عن معالجة اشكالية الدين كأسلام في تقاطع غالبية مفرداته الفقهية والتشريعية مع العصر . نحن بحاجة اليوم الى معالجة قضايا الاسلام الديني، ليس كمذاهب طائفية متناحرة متطرّفة، بل في حل اشكالية فكر الدين الاسلامي وتقاطعه مع ثقافة وحضارة العالم اليوم .

ولم يعد مهمّا اليوم ما نكتبه سواء بمكابرة زائفة أم بقصدية مؤمنة، الا بمقدارحاجة ما تقربّنا تلك الكتابات الدينية من ردم هوّة السقوط والتراجع الثقافي والحضاري للمجتمعات العربية - الاسلامية في عالم اليوم، وليس بمستطاع الطائفية أن تنقذ الاسلام من جموده وتعطيل حركته، بمحاصرته وتجييره للطائفة الغارقة بالتزّمت والتطرّف بعيدا عن الاسلام كدين شامل يضم طوائف واجتهادات وثقافات واقليات واثنيات منوّعة، الأولى ايجاد مشتركات التعايش فيما بينها بدءا، وتعايشها السلمي التنويري مع بقية الديانات التي تعايش الاسلام معها عبر التاريخ، كي يكون بمقدورنا محاورة ثقافة الحاضر عالميا من منطلق اسلام جامع، وليس اسلام طوائف متفرقة واحترابات دينية مع غير المسلمين . أن في أصلاح الطائفة والاثنية مقدّمة سليمة وصحيحة لأصلاح الفكر الديني الاسلامي.

هذه التوطئة وجدتها ضرورية قبل الدخول في بسط فقرات هذه المقالة في معالجتها مجتزءات متعالقة مع الفكر الديني وليس مع الدين بثوابته، كانت أغفلتها أو تناولتها باكثر رصانة المناهج النقدية الشمولية في سعيها طرح معالجات أصلاح الفكر الديني، وحاولت كتابة تاريخ ديني مغاير للمتوارث السائد المعطّل الوجود والفاعلية الحياتية في تغيير واقع المجتمعات العربية، عندما يكون موروث الفكر الديني يعيش الماضي والحاضر والمستقبل برؤى مهيمن الماضي على حساب هامشية الوجود العربي – الاسلامي في عالم اليوم .

حاولت في هذه المقالة بسط اجتزاءات منها التديّن حاجة ملازمة للوجود الانساني، ومفردة اخرى العودة بالدين لتوكيد فردانيته التدينية العفوية الصادقة، وليس مجتمعيته التعبوية السياسية المنحرفة ايديولوجيا، كما وضعت مفردة عصرنة الدين بين الاستحالة والتحقق، كذلك مفردة خلق عوالم ويوتوبيات دينية ودنيوية، خيالية ومتحققة، كما وتطرّقت لآفة الفكر الديني في أدلجة الدين، جميعها مفردات بحاجة الى تناول مستفيض، لا يفيها حقها مثل هذا المقال، لكن حسبي اني اضعها تحت نظر ويد التناول ممن هم اكثر كفاءة تخصصية في معالجتها.

حاجة الانسان للتديّن:

لماذا كان في السابق، وبقي الى اليوم (التديّن) حاجة ازليّة مفطور عليها الانسان؟ ابتداءا من المراحل الخرافية والسحرية والميثولوجية والاسطورية التي مرت على الانسان في ابتداعه واختراعه (التديّن)، أتت وجاءت متسّقة مع التفكيرالبدائي-البدئي العقلاني غيرالساذج، في حاجة الانسان للتديّن، متجاوزا متطلباته البيولوجية الضرورية الأخرى في اسباب بقائه بعد تطمينها وتأمينها، والانتقال الى تساؤله في معنى وجوده بين هذه الكائنات المحيطة به في الطبيعة.

(ومن هنا نستطيع أن نفهم أن الطاقة الروحية التي يمتلكها الانسان دون غيره من الكائنات، هي طاقة انسانية بالاساس، لكنها متأرجحة بين الشأن البشري الأرضي من جهة، وبين التوق الى المطلق من جهة اخرى، وخاصة الألمام بعوالم ماورائية مفترضة. (1)

جوهر تلك النزعة العقلانية في استحضار حاجة الانسان التاريخية للتدّين، لاتنخلع عليها وتدمغها السذاجة توصيفا، لأن عقلانيتها الايمانية الغيبية، تتطابق مع نفس الارتباطات والمنطلقات الدينية الايمانية في وقتنا الحاضر. من حيث الالتقاء على أهمية حضور آلهة، تعطي وتوهب، تجازي وتعاقب، تمنع وتثيب، تجترح المعجزات، غير محدودة القدرات، خارقة، تلغي حواجز الزمان والمكان في الطبيعة.ذات القدرات الالهية الاسطورية نفسها التي قرأنا عنها، والى وقت ليس بعيدا جدا في عمر الشعوب كما هي عند الاغريق في اساطيرهم وقبلها في الديانات الوثنية في مصر وبلاد الرافدين.

قد لا يكون التصور الألهي وقتذاك في تلك الحقب السحيقة، مشابها لما حصل لا حقا من تطور انساني في ابتداعه تنويعات اكثر اتساقا وقبولا في مسار تطور التديّن الايماني الغيبي.لكنما الجامع هو جوهر التدّين التوحيدي الألهي في الاعتقاد بوجود الخالق.

اذن لماذا لم يكن الدين ظاهرة مفارقة لوجود الانسان؟

بالعودة الى المنظومة الفرويدية كما يدعو الباحث نبيل بن عبد اللطيف(نجد الحاجة الى الاعتقاد، هي حاجة نفسية بالاساس تنبع من محاولة الانسان الاجابة عن سؤال مركزي، لطالما أرهق تفكيره، هو ماألهدف من الحياة؟)(2).

وبحسب كانط (العقل الانساني فريد من نوعه، أنه يطرح في جانب من جوانب معارفه، اسئلة لا يمكنه الاجابة عنها البتّة، فهو يطرحها لأنها نابعة من طبيعته ذاتها لكنه يبقى عاجزا عن الالمام بها بسبب انها تتجاوز قدراته البشرية)(3)

الانسان في عديد من ظواهر الحياة التي لا يجد لها تفسيرا منطقيا شافيا، يتنازعه مؤثران اثنان هما (الارادة والقدرة) على التنفيذ، الارادة عند الانسان في تطلعه الميتافيزيقي، الذي هو رؤيه أستباقية أستشرافية مصدرها الخيال غير المحدود بطموحات معرفية معينة دون غيرها . والعقل الانساني يقود الانسان الى سلسلة من التساؤلات معظمها محرج، وأمتحان لقدرات الانسان المحدودة في فهم وتفسير الحقائق والظواهر الطبيعية وغير الطبيعية المحيطة به .

عليه يكون الدين في حياة الانسان حقيقة أيمانية بما وراء الطبيعة، ملازمة غير مفارقة للوجود الانساني، طالما هناك توالد وتوليد مستمر لتساؤلات يتعّذر الاجابة عليها بالقدرات المحدودة العقلية للانسان، ويفرضها الايمان الغيبي كمسلمّات تريحه نفسيا.

كما اشرنا سابقا أن العديد من الظواهر الحياتية والطبيعية المحيطة بالانسان، هي ظواهر وحقائق كانت وستبقى مستعصية الحل مع الانسان، تلازمه عبر الاجيال، ويصعب النفاذ الى جوهرها، واستكناه ماهيتها وتحليلها بوسائل العلم او المنطق الفكري والفلسفي، او حتى باسلوب الاستدلال العرفاني التصوفي الذي يتخطاهما – اسلوبا العلم والمنطق – ورغم هذا التقدم العلمي الهائل الذي نعيشه ونشهده، في ضروب الحياة المعاصرة، كان تقدم العلم ولا يزال موازيا لبقاء الدين خارج حيّز اهتماماته واشتغالاته، وقطع العلوم شأوا متقدما جدا في فك الكثير من مغاليق وشفرات الوجود وألغاز الحياة المحيّرة، فلا زالت قدرات الانسان العقلانية والمنهجية محدودة وقاصرة في مواجهة مشكلات وتعقيدات الوجود الميتافيزيقي للانسان، والسير ضمن نسبية الامكانات في سبر أغوار الظاهرة الدينية الملازمة للانسان، التي ترسبّت في اعماق الوجدان الثقافي والاجتماعي والسلوكي على مر الاجيال .

أن محاولة فتح مغاليق المطلق الديني هو (أرادة وعجز) هو ارادة طموحة بلا حدود عندما يجد الانسان في الدين نوعا من الراحة والسكينة النفسية من جهة، وتقاعس وعجز وتراجع في أشغال الذهن بتساؤلات صعبة عصّية على التفسير والاقتناع لكنها تتلبسّه لا يمكنه الفكاك منها كما لا يمكنه مجاوزتها من جهة ثانية.

فارادة الانسان وأمنياته في تحقيق غير الذي بالأمكان تحقيقه والوصول اليه، يجده مجسّدا في قدرات وصفات الخالق والأيفاء بتحقيقه وتطمينه، والانسان يرتاح أنه يدفع بجميع متطلباته المحمّلة بالامنيات والتي يفتقد حضورها الارضي في حياته، ويجدها متحققة ايمانيا نفسيا في أماني اعتقادية انها ممكنة التحقيق والتي في طي الغيب التعويضي المتخّيل لحياة ما بعد الموت . وفي هذه الحالة يتراجع عجز الانسان المتشكك الاقتناعي في عدم امكانية تحقيق الأرضي، الى رضى نفسي تسليمي في دفع واحالة جميع حرماناته الارضية الى مطلق الهي يضطلع تأمين تلك الحاجات .

الدين والنقد:

الدين في قدسيته وتعالي ثوابته، جعل من ارتباط النقد الدنيوي – الانسانوي لفكر الدين الاجتهادي، استحالة تحريمية، وممارسة مقموعة لا معنى لها في حضور تابوات تحريم قاطعة مستمّدة من صفات المقدّس، التي تجعل المساس بأي مفردة دينية هي المساس بصفات المطلق الالهي المعصومة العظيمة بلا حدود، في امتلاكها قدرة وارادة الحياة والافناء، ومحاسبة الفرد بالعذاب والثواب لكن بوسائل دنيوية تقوم على فتاوى الفكر الديني .

امام هذه المعضلة وغيرها نجد أن التديّن في تحريمه النقد عمد الى اخراج العلاقة الايمانية بين الخالق والمخلوق من فردانيتها السوّية الصحيحة المحكومة بالثنائية التعّبدية الايمانية، ومن شخصانيتها في أن الدين هو علاقة روحانية تربط الانسان

بخالقه فقط، تخص الانسان (النوع) وليس الانسان المجتمعي الفاني، التي جرى اخراجها وحرفها الى/نحو العلاقة الايديولوجية السياسية والتعبدية التي تسوق المجموع القطيعي المنقاد بأسم الدين.بمختصر العبارة أن التديّن الاسلامي السياسي بات اليوم اقصر الطرق للهروب من تساؤلات العقل في تغييب عوامل الحداثة والحضارة من حياة الانسان العربي.

ان العلاقة الدينية الفردانية في انتظامها بالخالق روحيا، هي العلاقة التعبدّية الصحيحة والسليمة، قبل تحريفها ونقلها الى فضاء المجتمع المعبأ بايديولوجيا ألدين السياسي، التي أخذت دور الوسيط والوصي على أيمان الفرد وعلاقته بالخالق.

وبذلك تمت مصادرة وتغييب شكل و المعنى التعبّدي الديني الذي يخرج على وصاية ورقابة وسلطة ايديولوجيا الدين. وكذلك مصادرة أدنى حد وحق في النقد الديني. حين يراد فهم او توضيح او فك شفرات بعض الممارسات المصاحبة للطقوس الدينية، وأجتهادات تفسيرات الفكر الديني، التي تجابه بالتحريم القاطع المقترن بانزال العقاب الصارم، وفي الأحالة الى مرجعيات كهنوتية باسم المطلق الذي تنعدم امامها المساءلة النقدية او الانتقادية في أبسط صورها ومعانيها.

الايديولوجيا الوضعية السياسية الدينية الاسلامية تستمد مقوّمات حضورها الديني وتأثيرها وأنتشارها، من الأحتماء بالوعي المجتمعي المضّلل المتخلف والمعبأ بايديولوجيا التسليم الدوغمائي والغنوصي المطلق، وفي تكريس المهيمن الغيبي المسّطّح في قصور فهم الدين فهما صحيحا يجاري متطلبات وروح العصر.

أن في العقلانية النقدية أن حق لنا التعبير، لبعض المظاهر والسلوكيات والممارسات الدينية المنحرفة، نصطدم بالمباشر بجدار المطلقات الدينية وحرمة وعصمة نقدها، كما نصطدم أيضا بالأحتمائية النفاقية الكاذبة مجتمعيا المساقة والمعبأة بهستيريا ايديولوجيا التدّين السياسي المنحرف.فتكون هذه الحماية الكاذبة المنافقة للدين جمعت مابين حماية الدين التعبوي المؤدلج مجتمعيا، والاحتماء بعصمة الروحي المطلق في تجريم وتحريم أن يمسّه أي نقد او انتقاد، في ادانة سلوكيات منحرفة في الفكر الديني السياسي.

لذلك نجد بقاء وتطاول البقاء لثوابت ومطلقات الفكر الديني راسخة ومتجّذّرة في حمّى التحريم وتحت جبروته القمعي، تسير بالتوازي مع سريان وتبدّل وتغيّر الحياة والعصور من حولنا، التي تضع الانسان في صلب التساؤل الدائمي بلا جدوى عن اسباب تخلفه وتغييبه عن الحياة المعاصرة، وتملي عليه عقم المراجعة النقدية ولا معناها وانعدام جدواها.

عصرنة الدين/ الاستحالة والتحقق:

اشكالية الديني المقّدس مع الارضي المدّنس، أصبحت اليوم هي اشكالية التقاطع أيّهما يقود الآخر، ولمن تكون الأرجحية في الأعتماد أو الأنقياد .؟!

أنها اشكالية التقاطع المفروض بقوة وسطوة الحياة المدنية والمتحضّرة، وأن المأزق الذي يتقاذف الانسان العربي المسلم يتمثل اليوم في مواجهته اشكالية الديني في الحياة، في تساؤل اصبح اكثر مشروعية، هو كيف يستطيع هذا الانسان أن يجد او يبتدع في الدين (معاصرة) لاتتقاطع مع (ثوابت) الديني السماوي والفكر الوضعي الديني معا؟، وهذا الاخير الفكر الوضعي المؤدلج يمانع وبشّدة وبمختلف الطرق أن يخلي دوره في وصايته على الدين، أمام رغبة الانسان العربي المسلم سعيه جعل المعاصرة الدنيوية (دينا) آخر في الحياة، او مرادفا لدين المقدس المطلق يعيش معه ويوازيه .

أشكالية الروحاني الديني مع الارضي الدنيوي الذي تفرضه الحياة المعاصرة، في الانسان الذي يرغب فهم الدين عصريا هو بالضرورة الحتمية سيكون في مواجهة المتديّن المتطرف الذي يشهر سيفه على الدوام وفي كل الاحوال وبأبشع صور الهمجية والاجرام والتخلف، في محاسبة كل من يجرؤ على التساؤل او الاستدلال لمعان معرفية تخص انحرافات الدين المسيّس . وأن كل ممارسة تحمل صبغة الاسلام الديني يجب أن تخرج من تحت عباءة وهيمنة النص الوضعي المتطرف لايديولوجيا الدين السياسي، وفي الاجهاز على كل تطلع يروم جعل الدين خارج مجرى التقاطع مع مجرى الحياة المعاصرة .

وأقصر الطرق لجعل الدين ثوابت، انتقامية جاهزة، تستمد منها وتتخلّق عنها ايديولوجيات سياسية متطرفة وغير متطرّفة، هو في ممارسة عصمة ما يراد أن يساق ويساس به المجتمع خرافيا، على وفق مسّلمات كاذبة متخلفة تنتزع منه تسليما خادعا. متقاطعة دينيا مع روحية العصر وتحديث المجتمعات العربية الاسلامية.

من هنا نجد أستحالة الجمع بين الرغبة في عصرنة الفكر الديني الى جانب عصرنة الحياة، وأن هذا التقاطع سيستمر لأستحالة خروج روحية العصر وتوقفها عن مسارها الطبيعي في التقدم الى الامام، امام استحالة اخرى تتوازى معها وتقاطعها ممثلة في ثبات وتخلف الفكر الديني الوضعي المؤدلج سياسيا.

التبشير الديني بالعوالم الاخرى:

أن التبشير الديني بجنّة وعالم سعادة وحياة ما بعد الموت، يلبّي جميع الاماني المكبوتة عند الانسان في حياته الأرضية، والتي حرم منها والاستمتاع بها، وفي أشهاره التعذيب الجسدي والنفسي على الذات في نبذه طموحات ورغبات النفس الامّارة بالسوء، التي جعلت من الانسان العربي المسلم، كينونة وجودية طارئة خالية من أية قيمة انسانية فاعلة بالحياة، سيجدها متحققة في نيله ثواب الآخرة، وان يكن تحقيق هذه الاماني المغيبّة تشي بتعويض نفسي مخاتل ومنفصم.

أن مصدر أختلاق يوتوبيات سماوية، وأخرى أرضية هو الانسان وحده لا غيره، وتأتي توصيفات الدين لأجواء وسعادة تلك العوالم اليوتوبية تعويضا، عن بؤس وشقاء الانسان بالحياة، وتعميقا استلابيا لأي قيمة ارضية تعطي الحياة معنى ان تعاش، أمام طموح الحصول على جنان الخلد في السماء الذي لا يمكن تحقيقها الا في أعدام حياة الارض.ولا يقتصر التبشير بعوالم السعادة في السماء لما بعد الحياة على الارض دينيا فقط، بل هناك تبشير خلق يوتوبيات سعادة ارضية مصدرها الانسان ايضا، كما سعت له المفاهيم والعقائد (الاشتراكية)، في محاولتها انزال جنة السماء الى/فوق الارض. أو خلق عالم يوتوبي آخر على الارض بمنطلقات دينية ايضا، لا علاقة له بيوم القيامة ولا بحياة اخرى بعد الممات، كما تبشّر به الديانة البوذية والوثنيات وتسعى تحقيقه على الارض.

كما اشرنا سابقا أن العالمين الافتراضيين، جنة السماء ويوتوبيات جنان الارض المفقودة بدايتهما ونهايتهما هو طموح الانسان على الارض والتخلص من شقاء الحياة، وحيرته في الوجود والبحث عن معنى الحياة. لكن يبقى الفرق جوهريا بين جنّة الدين في السماء، ويوتوبيا الحياة على الارض، في تطمين حاجة الانسان للسعادة والراحة الابدية، فأمام استحالة تحقيق الانسان حلم السماء على الارض، بوسائل ايمانية معجزة، يصار الأمر في بحث امكانية تحقق جنّة الانسان على الارض بقدرات انسانية وجهود واضحة ليست غيبية، ولا خارج تصورات الارضي، وتفكير وفعالية الانسان العقلية، وقدراته العملية. والعديد من يوتوبيات الارض التي اخترعها الانسان وسعى اليها، لا تخرج عن مديات الامكان في التحقق ولو جزئيا.فرق آخر يمكننا ذكره بين جنّة السماء ويوتوبيا الارض، ان الايمان الغيبي في جنّة السماء بعد الممات، تشلّ القدرات الممكنة للانسان جسديا وروحيا وتقعده عن العمل المنتج الجاد في نيل الحياة السعيدة على الارض واعتبارها نعمة زائلة وخادعة تصرف الانسان عن طموحه في السعادة الابدية التي تنتظره في السماء.

الدين بين الفطرة والتسييس:

الدين في قدسيته المتعالية وثوابته المستمدة من وحدانية الخالق وقدراته غير المحدودة، التي وردتنا عبر الرسل والانبياء وقصصهم واحاديثهم وتصرفاتهم وكتبهم السماوية المنزلة عليهم بالوحي او الألهام، وما تحمله من تشويهات طارئة عليها، ومبالغ فيها، كل ذلك جعل من الافكار الدينية المتعالقة معها بشروحات واضافات وتفسيرات غائية، تكريسا لظاهرة دينية خرافية منحرفة متناسلة الحضور عبر الاجيال.

هذا الموروث الديني الكبير له دعاته ومريدوه ومفسّروه وشارحوه، ويتنازع هذا الموروث تيّاران، احدهما اراد نقل جميع التفسيرات والاجتهادات الدينية بما يعمّق الايمان الغيبي، بأن الدين علاقة (فردانية) روحية تربط بين الخالق وعبده ولاتحتاج الى وسائط بينهما من مجتهدين ودعاة ورجال دين، وحكام اوصياء على الدين مستبدين طغاة، الا فيما يُشكِل ويلتبس على المتديّن في مسائل تحتاج الى فتوى وتشريع يسّهل أمر الناس في دنياهم كالزواج والميراث وقضايا الاحوال المدنية .هذا التيار ومنذ اعلان الخلافة الراشدية كان يروم تغليب الاجتهاد الديني في الحياة على (الدولتي)الحاكم - السلطة للحياة . يقابله بالضد منه من يجدون في الدين نظام حكم ينقاد الديني وراءه في الحياة ويدعمه سياسيا، ويسخّره لمقتضيات وضرورات الحكم الانتفاعية، بمعنى ان الأولوية للحكم الذي يسحب وراءه الدين كتزكية وتعبئة له، الذي يستمد مشروعيته ومقبوليته من فكر الدين والاجتهاد في تفسيراته المتعددة حسب مقتضيات الحال وضرورات الحكم، بل حسب مقتضيات الحاكم المستبد الواحد فقط لاغيره، الذي يقطع رؤوس معارضيه بسيف الافتاء الديني في اباحة وتمرير كل عمل يريد تنفيذه الحاكم في رعيّته، وتحت شعار مانع قاطع انه لادين في معصية الحاكم .وان ايديولوجيا التدين السياسي الضال هو في طاعة ولي الامر.

هذا الشكل المنحرف من الحكم بأسم االدين جرى تداوله عبر عصور طويلة من ظهور الاسلام، الى ان استقر به المقام اليوم في انشاء احزاب سياسية دينية تحمل ايديولوجيا الدين الذي تستمد حضورها الحاكم من مصدر السياسة تقود الدين، ولايقود الدين السياسة لا في الحكم ولا في الحياة.

أصبحت تلك القراءات المنحرفة للدين تكريسا لنوازع الانتفاع الدنيوي في تسويق نفسها كايديولوجيات دينية تحتمي بارهاب الدين، الذي تفهمه وتفسّره حسب مصالحها، لاحسب مصالح الناس في الدين والحياة، وبحسب رفاهيتها في تسويق وافشاء التخلف والفقر والحرمان للناس باسم الدين . لا بحسب حاجة الناس لدين الخق والعدل و المساواة.

كيف يكون الدين حاجة مجتمعية مؤدلجة في حين هو في جوهره حاجة فردانية ايمانية فطرية ؟!

ذلك تم و يتم بنقل الدين من طقوس عبادية تربط المتعبّد بالخالق الى جعل الدين ايديولوجيا سياسية مجتمعية بضوئها وبها يصار الى تحديد مصير الانسان على الارض قبل السماء . ولكي يكون الدين عامل اسعاد ايماني للمجتمع في الحياة، يجب ان يصاراعادته الى فاعليته الفطرية الاولى، كونه تفسيرا للحياة وموقفا ايجابيا سلوكيا واخلاقيا منها، من قبل الفرد المتديّن وليس من قبل اجماع الجماعة المخدوعة والمضّللة بمقتضى ايديولوجيا الدين .

أن مجتمعية التعبئة الدينية في ايديولوجيا التديّن المسيّس التي انشأتها مرجعيات تمدّها باسباب البقاء، عملت على تخريب العلاقة الصحيحة في معادلة ثنائية الخالق والمخلوق، واخرجت الدين من فضاء الفطرة الايمانية الاصيلة الى مفاصل الحياة التي تجعل من الدين وسيلة حكم لحكام يمتهنون السياسة والافساد في الارض.

 

علي محمد اليوسف/ الموصل

........................

هامش: (1)، (2)(3) دكتور نبيل بن عبدالطيف، موقع مؤمنون بلا حدود، الدين بين المطلق والانساني ص9

 

 

عدنان عويدسألني أحد الأصدقاء عن معنى الجدل، هل هو النقاش السفسطائي بين المتحاورين أم هو شيء آخر؟.

الجدل في صيغته اليونانية القديمة، هو الجدل السفسطائي. والسفسطة أو السفسطائية هي مذهب فكري فلسفي نشأ في اليونان إبان نهاية القرن الخامس وبداية القرن السادس ق.م في بلاد الإغريق، بعد انحسار حكم الأقلية الأوليغارشية (الأقلية) وظهور طبقة حاكمة جديدة ديمقراطية تمثل الشعب، وقد ظهر السفسطائيون كممثلين للشعب وحاملين لفكره وحرية منطقه ومذهبه العقلي النقدي، والتوجه المذكور هذا، هو الذي كلفهم كل ما تعرضوا له من هجوم وتعدي عليهم، حتى ليصدق القول، بأن السفسطائيين كانوا من أوائل المذاهب الفكرية التي تعرضت للتنكيل والنفي والقتل لمجرد كونها تخدم مصلحة الضعفاء والمساكين.

لقد قتل أغلب قادتهم وشرد الباقون، كمثل ما حصل مع هيبياسي، الذي كان من أشهر قادة الديمقراطيين، والذي تعرض فيما بعد للإعدام. وكذلك بروتاجوراس الذي أوكلت إليه مهمة وضع دستور للبلاد الإغريقية إبان الحكم الديمقراطي الجديد، حيث أحرقت كتبه ونفي من أثينا. ومنهم أيضاً "بروديقوس" الذي عذب وحوكم بالإعدام بشرب السم بتهمة إفساد عقول الشباب. (1).

أما الجدل بمفهومه المادي التاريخي:

فهو علم قوانين حركة المادة، أي ( الظاهرة)، أية ظاهرة كانت مادية أم فكرية.

إن أية ظاهرة في هذا الحياة، لها قوانينها العامة والخاصة ومقولاتها التي تسمى في المنهج المادي التاريخي، بقوانين ومقولات الجدل، التي تخضع لها الظواهر بالضرورة، فإذا كانت قوانين الجدل العامة تعني الحركة والتطور والتبدل والتطور الحلزوني، فإن مقولات الجدل هي، علاقة التأثير المتبادل بين الداخل بالخارج والجزء بالكل والشكل بالمضمون ونسبية الحقيقة والتحولات الكمية والنوعية.. الخ. أما القوانين الخاصة فهي تتعلق بطبيعة الظاهرة ذاتها معزولة عن بقية الظواهر الأخرى. فسمات وخواص النبات وآلية عملها هي غير سمات وخواص المعادن وآلية عملها، وغير سمات وخواص الإنسان وآلية عمله أيضاً. ثم أن لكل نبته ولكل معدن ولكل إنسان سماته وخواصه التي يتفرد بها عن غيره. بيد أن القوانين في عمومها وخصوصيتها، لا تقوم العلاقة بينها بطريقة عمل سكونيه، أو حتى آلية عمل ميكانيكية. بل تقوم كما بينا على علاقات تفاعلية جدلية ذات تأثير متبادل، جوهرها (الحركة) وما يترتب على هذه الحركة من قوانين ومقولات الجدل التي أشرنا إليها قبل قليل. وهذا الموقف الجدلي نستطيع مقاربته مع حديث للرسول الكريم على غاية من الطرافة في فهم العلاقة الجدلية بصيغتها الفلسفية وهو: (المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص، إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى).

فعلى هذا الفهم العقلاني للجدل في صيغته الفلسفية، نستطيع القول : إن الظاهرة بعمومها، تلعب القوانين الخاصة بها دوراً كبيراً في حركتها وتطورها، أي في سيرورتها وصيرورتها التاريخيتين، مثلما تلعب القوانين العامة (الخارجة)، الدور ذاته أيضاً في التأثير على الظاهرة كحالة منفردة من جهة، وعل العلاقة بين هذه الظاهرة وغيرها من الظواهر الأخرى المحيطة بها من جهة ثانية.

هذا هو الجدل، وهذه هي طريقة عمله وتأثيره بالظواهر، بيد أن هذه العلاقة الجدلية، يظل للإنسان في حريته وإرادته الدور الكبير في التأثير على القوانين الموضوعية بعمومها وخصوصيتها التي تتحكم بهذه الظواهر وهي قوانين موجودة أصلاً في الطبيعة والمجتمع خارج إرادة الإنسان،.. فكم غير الإنسان في أنواع النباتات والحيوانات وأكسبها سمات وخصائص جديدة بفعل تطور العلم، وخاصة علم الهندسة الوراثية، وكذا الحال عن طريق العلم استطاع أن يغير في سمات المعادن وخصائصها، بل استطاع الإنسان أن يعطل مفعول الكثير من القوانين وتأثيرها عليه. إن كان على مستوى تكنولوجيا الفضاء أو الطاقة أو الالكترون. بل وكل ما يتعلق في مجالات حياته.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

...................

1-  ويكبيديا – الموسوعة الحرة.

 

حسن العاصيتصنيع الرعب واختلاس العقول

اختلف كتّاب ومؤرخي سيرة الحزب النازي الألماني حول المقولة، منهم من اعتبرها فقرة وردت في نص المسرحية التي كتبها الشاعر الألماني النازي "هانس يوهست" وعرضت في مدينة برلين بالذكرى الرابعة والأربعين لميلاد زعيم النازية "أدولف هتلر". منهم من نسبها إلى قائد سلاح الجو الألماني الشهير "هيرمان غورنغ" أحد أبرز مساعدي هتلر. وبعضهم يدعي أن من قالها هو وزير الدعاية النازي المعروف "جوزيف غوبلز". بل أحياناً ينسب هذا القول إلى هتلر ذاته.

إنها العبارة الشهيرة "عندما أسمع بكلمة مثقف أتحسس مسدسي".

لن نكترث بشأن من قالها، الأهم هنا أن هذه المقولة تعكس أيديولوجية تسلطية، لا تعترف بغير القوة الجائرة لتمد سطوتها وتبسط هيمنتها. هي تعبير عن التزمت والتشدد الفكري، والإسهاب في المغالاة الأيديولوجية التي قد تكون جذورها دينية أو عرقية أو مذهبية أو فكرية.

لا يمكن فصل هذه الفقرة أياً كان قائلها، باعتبارها تهديداً واضحاً ومباشراً ضد كل من يختلف عنه فكرياً ومع أيديولوجيته، عما يجري في أماكن كثيرة بهذا العالم، خاصة في العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط. بالرغم من مرور ثلاث أرباع القرن على هزيمة النازية عسكرياً في الحرب العالمية الثانية، وتصفية قياداتها جسدياً في محاكمات "نورنبرغ" الشهيرة، لا تزال بعض الأنظمة العربية والشرق أوسطية تعتمد المقولة النازية. بل امتدت هذه الثقافة البغيضة إلى بعض الأحزاب والقوى والجماعات التي تستهدف الثقافة ورموزها. الفارق الوحيد أن غوبلز كان يمتشق مسدساً حول خصره، فيما القتلة الجدد لا يتورعون عن استعمال أشنع الأساليب في تصفية المفكرين والمثقفين المخالفين.

قائل تلك العبارة أدرك أن المثقف الذي يخالفه المعتقد، ويرى أن العنصرية والفاشية والدكتاتورية أعداء للقيم الإنسانية ومبادئ حقوق الإنسان، يشكل خطراً يستوجب التصفية. لا يزال هذا التهديد والعنف والتدجين قائماً ومتواصلاً ضد المثقف، وضد كل من يعارض سياسات بعض الأنظمة العربية، ولم يكن المسدس سوى إشارة إلى المعنى الأوسع للوعيد والترهيب الذي تعتمده السلطة السياسية كوسيلة لمعاقبة المواطنين المخالفين ودلالة على الاضطهاد والاعتقال والتعذيب والقتل. وإن كانت النازية تحرق وتطلق النار على رؤوس الناس، فإن ما يحصل في عصر النكوص الحضاري الحالي، لا يقل بشاعة بل إنه أكثر دموية وقبحاً.

دولة القمع

تمارس كثيراً من الدول العربية، ودولاً في منطقة الشرق الأوسط، وأماكن أخرى في العالم، قدراً ما من القمع والقهر على الأفراد، وتبدو الشعوب الشرقية وكأنها تمتلك قابلية مرنة للخنوع، إذ أن معظم هذه الشعوب لا ترفض جرعات بحدود معينة من البطش والاستعباد من قبل الأنظمة القائمة، بل أكثر من ذلك، هناك أفراداً وجماعات تقبل سياسة الإخضاع من قبل الدولة وتقوم بتبريرها. الكارثة حين نعلم أن هذا القبول بالقمع لا يرتبط بمستوى التعليم المرتفع أو التخلف العلمي للمجتمع، أو الإخفاق الاقتصادي أو الفشل السياسي للسلطة، ولا حتى بالتطور العلمي، لأن هناك دولاً تمتلك نظاماً تعليمياً يشهد له ومع ذلك خضع الناس فيها للبربرية العنصرية الفاشية مثلما حصل في ألمانيا. أيضاً هناك العديد من الأنظمة الدكتاتورية القهرية استطاعت تأسيس دولاً متطورة ومتقدمة. لعل الأمر يتصل بالتجربة والذاكرة التاريخية لتلك الشعوب التي لا تمانع درجة ما من الاستبداد.

خبايا دولة الاستبداد

تلجأ الأنظمة القهرية في سعيها لبناء قلاع القمع إلى إيجاد القائد الرمز الذي تدور حوله فظاعة الاستبداد وتخشاه الجماهير، ثم تبدأ بفبركة حكايات عن حصافة وحكمة ورجاحة عقل الزعيم الألمعي الشجاع، وخدماته المبجلة للوطن، وتضحياته المشهود لها في سبيل رفعة الشعب وعزته. ويصبح الشغل الشاغل لوسائل الإعلام الحكومية والخاصة تغطية أخبار القائد الاستثنائي، ودوره التاريخي في خدمة الإنسانية. وتخصص الصحف مساحات للتمجيد بشجاعة الزعيم العظيم المقدام الذي يخشاه الأعداء ويقدره الحلفاء.

هكذا كان الحال منذ فراعنة ما قبل التاريخ ولغاية العصر الحديث. والحالات الاستثنائية القليلة التي فشلت فيها الدولة عن إيجاد رمز للقمع، أو حين تصاب صورة القائد المستبد بالشرخ لسبب من الأسباب، يلجأ النظام حينها إلى ممارسة القمع العشوائي دون أية ضوابط، في معركة ليس مع المخالفين فقط، بل مع الشعب كله، ومن هنا تبدأ مرحلة انهيار هذا النظام المتوحش وأدواته.

ثم يعمد النظام إلى ترسيخ فكرة الربط بين الحريات العامة والأمن العام، فيجري إلصاق وهم أن الحرية تعني دوماً الفوضى والخراب في عقول المواطنين، وأن من يطالبون بالحريات السياسية والفكرية هم أناس يتسببون بعدم انضباط المجتمع، وهذا يؤدي إلى أن تفقد الدولة سيطرتها على مقاليد الأمور، وبالتالي تصبح عاجزة عن توفير الأمن والأمان للناس. هذا الربط الخبيث تعتمده دول القهر عنواناً لتبرير تصرفاتها الأمنية الوحشية بحق البشر. هنا قلاع الاستبداد تستلهم في سلوكها القاعدة المقررة التي تُظهر أن الناس يمكن أن يتنازلوا عن بعض من حرياتهم العامة إذا لمسوا أن أمنهم مهدداً.

ليس فقط في الدول النامية تنجح هذه الوصفة السحرية، بل حتى في الدول المتطورة يميل الناس إلى تصديق كذب السلطة والموافقة على خيارات قهرية استبدادية ضد دولة أو جماعة أخرى، بالرغم من معرفة الناس أن هذه السلطة ذاتها التي يقبلون بعنفها قد تنقلب عليهم وحشاً ضارياً في أية لحظة. وهذا شأن تراه في دول ديمقراطية كما هو في أنظمة دكتاتورية. حين تريد السلطة -أي سلطة- تكبيل الحريات -أو بعضها- لا بد أن تُشعر مواطنيها أن أمنهم صار موضع تهديد، كي يغض الناس النظر عن طغيان السلطة الشائن.

ماذا بعد من الخبايا في جعبة قلاع الاستبداد؟ حسنا هناك الكثير بعد. إذ أن السلطة تعتمد مبدأ ربط الزعيم القائد بالدولة ويصبح كلاهما شيء واحد، وتقوم وسائل الإعلام ومناهج التعليم والمهرجانات الخطابية والمناسبات الوطنية على فكرة أن لا فرق بين الرئيس والوطن. ثم تصبح بطانة الحاكم كل واحد منهم دولة، ويتحول موظفي الدولة كل واحد منهم إلى سلطة في موقعه، فترى أن كل من يمتلك سلطة ما في نظام قمعي ما هو دولة بذاته. فمن ينتقد الموظف من الناس يعتبر انتقاده فعلاً ينتقص من النظام. ومن ينتقد صاحب سلطة في النظام يتحول إلى مخرب للدولة، ومن ينتقد أحد رموز الدولة يصبح خائناً للوطن. هكذا حال الأنظمة الشمولية الدكتاتورية التي تعمل على إحكام سطوتها على كل شيء، بحيث يصبح صعباً على المواطن والمراقب التمييز بين بطانة الحاكم وبين مؤسسات الدولة، وبين الحاكم نفسه وبين الوطن. لأن القائد الزعيم وبطانته الحاكمة المتسلطة تقوم باستثمار كافة مؤسسات الدولة لخدمة مصالحهم الخاصة.

ثم تقوم بطانة الحاكم ورموز السلطة في التحكم بالمفاصل الرئيسية المهمة للدولة، ويتغلغلون في الهيئات التنفيذية وينتشرون في كافة الدوائر الحكومية، ومع الوقت ما تلبث أن تتشكل الدولة العميقة التي تهيمن على الدولة الحقيقية وتفرض عليها رؤيتها.

استلاب العقول

تلجأ الأنظمة الجائرة إلى محاصرة وعي المواطنين واعتقال عقولهم في صناديق تحدد شكلها ومساحتها الأجهزة الأمنية عادة، بمشاركة واضعو خطط اغتصاب السلطة من بطانة الحاكم. لا تترك دول القمع للناس أية مساحة للتفكير والتحليل الحر في سياق الأخبار والمعلومات التي يتم تداولها حتى لا تتشكل لديهم قناعات أو مواقف أو رؤى تخالف الموقف الرسمي للدولة. ممنوع على الناس قبول أية رواية حول أي شيء أو أي حدث في الدولة أو خارجها، سوى رواية النظام الذي يكون حريصاً على أن يحدد طريقة نظر المواطنين للأحداث.

هذا الأسلوب الاستلابي لا يرتبط فقط بالأحداث السياسية والأمنية، بل على الذاكرة أيضاً والتاريخ، الذي ترويه الدولة القمعية بما يتناسب مع الرواية الرسمية حتى يكون منسجماً مع معطيات الحاضر. لأن المخالفين في الواقع الراهن الذي يعتبرهم النظام أعداء للوطن، يحرص أن يظهروا كأنهم أحفاد للأعداء التاريخيين.

الفاجعة أنه حتى في الدول القهرية التي لا تقيم وزنا للدين، تقوم السلطة بتحديد المعايير التي تحدد نظرة وطريقة تعامل المواطنين مع الدين والأخلاق. وهي هنا لا تهتم بالعبادات والطقوس الدينية، بقدر اهتمامها على الأثر الهام الذي يخلفه الدين على البشر اجتماعياً وسياسياً. لذا فالسلطة تسعى إلى إحداث موالين دينيين يحمدون ويشكرون فضلها على العباد، وينشرون روايتها الدينية ورؤيتها وفهمها الديني، الذي يكون انعكاساً وامتداداً للرواية السياسية للسلطة.

في سعي أنظمة القمع لتبديد المفاهيم والتصورات والقيم والمعايير لدى المواطنين، وإعادة خلق مفاهيم جديدة تافهة وسطحية، ومعايير مركبة تصبح أحكاماً مع الوقت. تحرص هذه الأنظمة على إيجاد حلفاء وأعداء دوماً، إن كان على مستوى الدول والأحزاب والجماعات والمنظمات، أو إن كان على صعيد الأفراد مواطنين كانوا أم رعايا دول أخرى من مفكرين ومثقفين ومشتغلين بالشأن العام. يتم التركيز تعبوياً وإعلامياً ونفسياً على حكاية المواطن الصالح الشريف، المواطن الغيور المخلص. ويتم رسم وتحديد ملامح وصورة هذا المواطن البار المهذب من قبل خبراء نفسانيون بكل عناية وحرص. في كل أنظمة القهر تكون صورة المواطن المستقيم هو الذي يهتم فقط بقضايا حياته الشخصية والعائلية والمعيشية، لا يهتم بأمور الشأن العام إلا إذا طلبت الدولة منه المشاركة في عمل ما. مواطن يبدي أقصى درجات التعاون مع أدوات النظام في كافة المواقع، وخاصة مع الأجهزة الأمنية التي تشجعه أن يكون عيناً يقظة على مصلحة الوطن. يكون مواطناً مدركاً أن بلاده مهددة دوماً من قبل الأعداء الداخليين والخارجيين، وأن وطنه يتعرض لمؤامرات تحيكها أطراف لا تريد الخير له، ولا بد له من أن يتبنى الحكاية الرسمية حول كل شيء، ولا يتابع إلا الإعلام الرسمي.

في مقابل هذا الصورة يوجد مواطن آخر، هو المواطن الشرير، الخبيث، الخائن، الفاسق، المخرب. ويقصد بذلك الوصف كل المواطنين العاديين الذين يحبون وطنهم، ولم يعتادوا على التطبيل والتزمير لرجال السلطة، لذلك فهم ببساطة استعصوا على النظام الذي لم يتمكن من تفتيت قناعاتهم، ولم يهز انتماءهم، ولم يستطيع قولبة أفكارهم.

دولة القتل

تعتمد الدولة الاستبدادية لفرض سطوتها على المواطنين أدوات متنوعة مركبة وشائكة، منها ترسيخ صورتها في أذهان الناس على أنها دولة قوية وصلبة ومتماسكة، دولة قادرة على حماية الأفراد والمؤسسات والوطن، وتوفير الأمان للجميع، لذلك على الناس أن تغفر للسلطة أخطائها وزلاتها مهما كانت، وأن تقبلها وتجد لها مبرراً أيضاً. لذلك يتعامل النظام مع رجال الدولة مهما صغر شأنهم باعتبارهم أفراداً أكثر أهمية من كافة المواطنين مهما كانت صفتهم الأكاديمية أو الاجتماعية.

الموظفين الحكوميين يوفرون لك الخدمات، لذلك عليك أن تقبل أنهم في مرتبة أعلى منك، ويجب ألا ترفض حصولهم على الرشوة وقيامهم باختلاس المال العام. الشرطي والعسكري ورجل الأمن هم أفراد من المجتمع، لكنهم يوفرون له الحماية ويسهرون على أمنه، لذلك عليك وعلى المجتمع أن يتعاون معهم وتخبرهم بما يقوله المخالفون. ليس هذا فحسب، بل يجب أن تتقبل أن هؤلاء الساهرين على أمنك سوف يحظون بامتيازات لن تحصل عليها أنت والآخرين، ثم بالضرورة يجب عليك أن تكون مقتنعاً أنهم يستحقون هذه الامتيازات، وأنه مطلوب منك تبريرها أمام من يعترض عليها.

عليك التسليم أن الدولة لا يمكن إخضاعها للنقد أو المحاسبة. لأن الدولة والنظام والسلطة والقانون يصبحون مع الوقت شيئاً واحداً في قلاع القهر. الدولة هي من يضع القوانين وتطلب من المواطنين احترامها وتنفيذها، وإن خالف أحد الأفراد هذه القوانين فإنه يتعرض للعقاب، أما إذا خالفت الدولة ذاتها هذه القوانين عبر أحد رجالها أو موظفيها، فإنها تقوم بذلك لضرورات الأمن والمصلحة العامة.

لا يقتصر الأمر على تبرير وتحليل الفساد المالي والإداري والرشوة والاختلاس واعتبار ذلك لزوم منفعة الوطن. بل أن الطغيان قد يصل إلى درجة القتل. هو قتل تقوم به الدول القمعية بذريعة أداء الواجب، والحفاظ على البلاد ودرء المخاطر عنها. لذلك نرى أن دول الاستبداد تقتل عدداً من البشر داخل حدودها وخارجها، أكثر كثيراً بما لا يقاس من عدد الناس الذين تقتلهم الجماعات والمنظمات الإرهابية، التي تدعي هذه الدول محاربتها.

إن ماكينة القتل ترتكز على دجل وشعوذة تجعل من اللباس الرسمي الذي يرتديه رجل الدولة إن كان عسكرياً أو شرطياً أو رجل أمن ومخابرات، بمثابة مطية للقتل. حين يقوم المواطن بارتكاب جريمة قتل فهذا فعل يستوجب المحاسبة، لكن حين تقتل الدولة القهرية عبر أحد رجالها أو أجهزتها فهي فقط تقوم بواجبها. حين يرتدي رجل الدولة زيه الرسمي لا تكون تصرفاته تحتكم للقانون، لأن إشاراته وأقواله وأفعاله هي قانوناً بذاته في أنظمة القمع.

يحظى أصحاب الثياب الرسمية داخل قلاع الاستبداد بما يشبه الحصانة الدائمة لعدم تعرضهم للمحاسبة أو المسائلة مهما فعلوا، أصابوا أم أخطأوا. وعلى الدوام هناك أعذاراً ومسوغات لتصرفاتهم تبرر ما يقومون به. هذه الصورة النمطية عن رجل الأمن ورجل السلطة يتم طبعها في عقول الناس بالدول الجائرة، إلى حدود أن البشر لم تعد تشعر بالإهانة إذا تعرضت لتصرفات أو لأفعال مشينة من قبل أصحاب الملابس الرسمية، بينما تنفعل غضباً فيما لو تعرضت لنفس الموقف من أناس عاديين. إن رغبت في رؤية الوجه الحقيقي لدولة القمع ولرجالها وأدواتها وأجهزتها الأمنية القهرية، ما عليك سوى أن تخلع الزي الرسمي عنهم، أن ترفع منهم صفة رجل الدولة، وسوف ترى أنهم ودولتهم لا يختلفون بشيء عن أية عصابة أو ما فيا أو جماعة إرهابية.

 صناعة الخوف

تعمل الدكتاتوريات العسكرية أو المدنية على أحد مبادئ الفيلسوف الإيطالي المولود في عصر النهضة "نيكولو مكيافيلي" الذي حدد القاعدة الماسية "من الأفضل أن يخشاك الناس على أن يحبوك، إن لم يكن بمقدورك تحقيق كليهما". لذلك فهي تقوم بصناعة هذا الخشية التي تجعل الشعوب في حالة من الخوف الدائم. هذا يتحقق عبر وسائل متعددة منها إيجاد واستدعاء أعداء للدولة من الداخل والخارج. حين يخاف الناس يكونون مستعدين لقبول قرارات تمس حرياتهم الشخصية، وأحياناً تمس حياتهم واحتياجاتهم الأساسية إن أقنعتهم السلطة بقدوم خطر يتوعدهم. وهكذا تقوم هذه الأنظمة بتمرير أخطر وأهم قراراتها وقوانينها مستغلة خوف الناس من أعداء قامت هي بصناعتهم، بهدف خلق تهديد مرعب وغير مفهوم.

تستحدث دول القهر شبكات خاصة للقمع والاعتقال والتعذيب والقتل خارج الإطار القانوني، بعيداً عن المؤسسات الرسمية. حيث يكلف النظام أحد أجهزته الأمنية بتأسيس شبكة سرية من المعتقلات، يتم فيها بصورة غير شرعية سجن العديد من الناس الذين يتعرضون لأبشع أنواع التعذيب الوحشي، وغالباً ما يتم قتلهم بعد الحصول على معلومات منهم، ويتم في هذه السجون تنفيذ حملات إعدام جماعي لمخالفين.

وكأن كافة الأجهزة الأمنية القمعية التي تتبع دول الاستبداد لا تكفي لنشر الرعب في نفوس المواطنين، حتى تقوم هذه الدول بتأسيس جماعات شبه عسكرية ومسلحة، تناط بها مهمة ترويع البشر، ويتم تكليفها بأعمال الاغتيالات وتصفية المعارضين، تعمل بظل حصانة قانونية من الملاحقة. ثم تقوم السلطة بإنشاء جهاز أمني سري -قد تختلف التسمية من بلد لآخر- دوره أن يجعل الجميع يشعرون أنهم مراقبون. يقوم بمهام التجسس على هواتف وتحركات وأفعال المواطنين وحتى كلامهم، بذريعة الحفاظ على الأمن القومي للبلاد.

ثم تقوم هذه الأنظمة باختراق كافة الأحزاب السياسية والجمعيات والمنظمات والهيئات والنقابات والاتحادات والأندية، تخترق كل شيء حتى جماعات رعاية الحيوان. تخترق المقاهي والحارات الشعبية ودور العبادة والمؤسسات التعليمية. الغاية أن يعلم جميع المواطنين أن كل شاردة وواردة في الدولة تحت سيطرة أجهزتها الأمنية.

تكلف دولة الاستعباد أحد أهم أجهزتها الأمنية لوضع قوائم تتضمن أسماء المشتبه بهم، من مخالفين ومعارضين وكل من وجّه انتقاداً واحداً بلحظة حمية ضد النظام. إن دخل أحدهم القائمة فلن يخرج منها مطلقاً. ولا تتفاجأ إن علمت أن هذه القوائم تضم أسماء مثقفين ومفكرين وأكاديميين بارزين. غالباً يتم منع هؤلاء الأشخاص من السفر، ويحرص النظام القمعي أن يبقيهم في حال من التوتر الدائم باعتبارهم مرشحين للاعتقال في أية لحظة.

ولكي تتمكن دول الاستبداد من إحكام الهيمنة على الناس وتصنيع الرعب، لا بد لها من السيطرة على عقول المواطنين والتحكم بها، وهذا لن يتم إلا من خلال بسط سطوتها على وسائل الإعلام وفرض روايتها الرسمية الوحيدة. إن الحقائق هي أكثر ما تخشاه أنظمة الاستبداد، لذلك لا حقيقة سوى تلك التي تصدر عن النظام. حتى الصحفيين والعاملين في وسائل الإعلام معرضون دوماً للاعتقال إن كانت لديهم قصة غير تلك التي يرويها النظام. حتى في دول تحظى بهامش من الديمقراطية تلجأ الدولة إلى تشريع قوانين تقيد عمل الصحافة والإعلام بذريعة ضرورات الأمن القومي.

من جانب آخر تستهدف دول القهر الرموز والشخصيات العامة المخالفة، من أكاديميين ومفكرين وفنانين ورياضيين ورؤساء أحزاب ورجال دين. والرسالة هنا جعل الأفراد يدركون أن الجميع مهدد وعرضة للاعتقال، وأن لا أحد فوق سقف مصلحة السلطة.

الأقبح من هذا هو قيام هذه الدول إلصاق تهم الخيانة والعمالة والتجسس والتخابر بكل من يخالفها ويعارض سياساتها ومواقفها ورؤيتها. الناس لا يمكن أن تتعاطف مع خائن، لذلك تبدو التهمة بمثابة الحكم بالإعدام على من تلصق به، من المعارضين السياسيين والنشطاء وسواهم.

هل تكتفي دول الطغيان بكل ما سلف؟ قطعا لا. فهي لا زالت تبتدع وتبتكر أساليباً جديدة لصناعة الخوف وتصنيع الرعب في أنظمة لا تخجل من التبجح وهي تتحدث عن سيادة القانون. لكن أليست الدولة هي من يضع القوانين؟ نعم إنها هي. وتُصيغها كما تشاء، وتخترقها كما تشاء، وتحاكم المواطنين بذات القوانين. رغم كل ذلك فإن هذه الأنظمة الجائرة تلجأ إلى إعلان حالة الطوارئ، بهدف تمرير سياساتها وأية إجراءات تتخذها، وتجعل منها وضعاً مُستداماً قد يستمر لعقود.

الاستثناء العربي

في وقت تتطور فيه الأمم وتزدهر، وتنعم بالديمقراطية وتُصان حريات الشعوب العامة، ما زالت النخبة العربية من مفكرين ومثقفين منشغلين بالنقاش الذي تسبب للأمة العربية بالشقاء، لأنه جدال بين الفكر وذاته. فيما الاستبداد ينحسر في بقاع الأرض، يتمدد في أرض الخمر والأمر. الكارثة أن هذه الأمة العربية ابتليت ببعض من النخب التي لا زالت جادة في نقاش قضية حاجتنا إلى الديمقراطية، بينما الآخرون من المثقفون يتلذذون بنقاش شكلي وسطحي حول إن كان الإصلاح سوف يتحقق من داخل الدول العربية أم بفعل تدخل خارجي؟ هل يحتاج العرب إلى إصلاح الخطاب الديني أم لا؟ هل ينبغي القيام بإصلاح، أم أن الراهن العربي يحتاج تغييراً جذرياً وثورات تقلب كل شيء فوق رؤوس الأنظمة القائمة؟ هل يكون الإصلاح والتغيير جماهيرياً أم بواسطة النخب؟ من أين نبدأ في الإصلاح، من أسفل الهرم أم من رأسه؟

هكذا يتواصل النقاش وتضيع الأسئلة، ولا أحد يتصدى للمقاربات العقلانية الموضوعية العلمية المنهجية، التي تؤسس لتحول ديمقراطي في العالم العربي، ينهي عقوداً من الاستبداد.

هذا الوضع يؤشر على ما يبدو إلى حالة من التعوّد أو التآلف غير الواعي يُظهرها الناس نحو الاستبداد والقهر بكافة أنواعه ومستوياته. وهذا ما يثير السؤال الكبير: متى يحين الوقت لبتر هذا الطغيان؟ بعبارة مختلفة، هل ما زلنا نحتاج درجات محددة من القمع في بلداننا؟ هل ما يروّج له بعض المثقفين الزنادقة من أن الشعوب العربية ما زالت غير مهيئة للمفاهيم الديمقراطية صحيحاً؟ حسناً. إن تمكنت الشعوب العربية من الثورة على أنظمة الاستبداد السياسي، من يجرؤ على مس الاستبداد الديني والعقائدي والفكري، وكذلك الاستبداد الثقافي والاجتماعي الذي تمارسه جهات متعددة؟ كيف يكون الإصلاح والتغيير ولدينا بعض المثقفين الذين يدعون للديمقراطية دون الحرية، ولدينا معارضين يختزلون النظام الديمقراطي فقط في التداول السلمي للسلطة، أو في التعددية السياسية والحزبية؟

ما من أدنى شك أن غالبية الدول العربية تعتمد نموذجاً غير ديمقراطي للحكم، وأن الاستبداد هو النمط السائد في تلك الدول، على الرغم من انحسار الطغيان في عدد من مناطق العالم. هذا الاستثناء العربي البغيض يشكل انسداداً أمام موجة التحولات نحو الديمقراطية التي اكتسحت كثير من دول العالم خلال ربع قرن الأخير، في كل من أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، رغم التنوع العرقي والإثني والثقافي في تلك الدول، ومنها دولاً أفريقية كانت لفترة قصيرة نسبياً تُوصف بالبدائية. لكن يا سبحان الله صمدت الأنظمة العربية العتيدة أمام كافة محاولات التغيير والتحول والإصلاح، وبقيت مقاومة لجميع الدعوات والحراك الذي ينادي بالديمقراطية والحرية. كل ما فعلته أنظمة الاستبداد العربية أنها لجأت إلى سلاح المناورة والانحناء للعاصفة وللكذب، وأشهرت سلاح الإرهاب والحفاظ على الأمن القومي، وسلامة المجتمع، حماية الأقليات العرقية، ألصقت تهم الخيانة بالمطالبين بالتغيير، أشهرت كافة أسلحتها الدينية والقومية والثقافية والاجتماعية والأمنية والإعلامية كي لا يحدث أي تحول ديمقراطي، وكي تمنع أي تغيير من الاقتراب نحو قلاع الاستبداد.

نعم نجحت -للآن- معظم الأنظمة العربية في اتقاء "شر" الإصلاح الديمقراطي، لكنني أعتقد أن شرط التغيير قائم، وإمكانية التحول هي في المرحلة الأخيرة من التبلور والنضوج. المنطقة العربية ليست استثناء في السيرورة التاريخية، وليست ذات مكونات ثابتة، ولا هي تمتلك الحصانة الفطرية المقاومة للتغيير، ولا هي كما يحلو لبعض المفكرين المتوهمين تجمعات غريزية وبدائية، لا تاريخية ولا تطورية.

إن الدول العربية عبارة عن مجتمعات شبه منغلقة ومحافظة. من أبرز سماتها الركود حد التكلس، فهي لا تتوفر على ديناميكية فكرية أو ثقافية، والعلاقة بين حركة الفكر وحركة المجتمع مصابة بالخلل. كما أن الفلسفة بثوبها العربي لم يشتغل عليها أحد، ولم تتفاعل افكارنا و-فلسفتنا- مع أفكار وفلسفة الآخرين من خارج المنطقة العربية والإسلامية، لذلك تأخرت خطانا ولم نتمكن من اللحاق بقافلة الحضارة العالمية، ووجدنا أنفسنا في عزلة استمرت عقوداً طويلة مريرة.

احتارت بهم السبل

محير أمر العرب الانتقائيون الذين يقبلون استيراد رؤوس الأموال للاستثمار في بلدانهم، ويستوردون التكنولوجيا الحديثة، السلاح، السيارات، الأدوية، الملابس والأحذية والعطور، يستوردون كل شيء حتى الأغذية، لكنهم يرفضون دخول الأفكار والمعارف والعلوم والفلسفة والنظريات إلى أوطانهم.

في المشهد العربي الراهن يتعايش بغرائبية جنباً إلى جنب كل من التخلف والتقدم، الجهل والعلم، الفوضى والنظام، التراث والمعاصرة. هذه هي سمات المرحلة الانتقالية، وهو مؤشر على اقتراب التحول، ودليل على أن القديم قد بدأ فعلاً في التغير، لكن الجديد القادم ليس متبلوراً تماماً بعد، ولا يمتلك كامل الجهوزية ليحل مكان القديم. مما يعني أن درب التطور والتقدم العربي سيكون طريقاً طويلاً وشاقاً وبطيئاً ومكلفاً.

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك