ظل خطاب إصلاح التعليم في المغرب منذ الاستقلال وإلى الآن، هو الخطاب الأكثر تداولا في دهاليز السلطة وصالونات النخبة السياسية والثقافية والاقتصادية، ومنتديات نساء ورجال التعليم،  وفضاءات الطبقات الشعبية.

فإصلاح التعليم الذي أقيمت له عشرات المؤتمرات والندوات والملقيات، وسطرت له العديد من المشاريع والمخططات، واختيرت له كثير من اللجان، حتى عد من الأولويات الإستراتيجية للدولة بعد الوحدة الترابية.

هذا التعليم الذي حضي بكل هذا وصرفت عليه الملايير من الدراهيم، بقي وضعه سيئا كما كان وربما أسوأ، ينتج البطالة والعطالة كما هو ظاهر للعيان، ولا يلبي حاجات الدولة من الأطر التقنية والمتخصصة كما تدعي، ولا يجيب على الأسئلة الحارقة لتنمية أصبحت تقوم على اقتصاد المعرفة أكثر من نوع آخر، ولا يلبي طموحات الشعب في النجاح وتحسين الوضع المادي والترقي الاجتماعي.

وعليه نتساءل كما يتساءل كثير من صناع الرأي والفكر في بلادنا:

هل إصلاح التعليم في المغرب مشروع استراتيجي للدولة، نابع من قناعة واعية ورغبة صادقة في تطوير المنظومة التعليمية باعتبارها رافعة للتنمية والتقدم؟ أم أن المخططات والمشاريع الإصلاحية كما تقول هي مجرد تكتيكات تسعى إلى ربح الوقت وخلط الأوراق وتعميق الأزمة وتعميمها، للإبقاء على الوضع كما هو مهلهلا، تلبية لرغبة جهات داخلية وخارجية مستفيدة من هذا الفشل التعليمي والتربوي؟.

معظم المعطيات والتقديرات والتحليلات تذهب إلى أن الدولة ونخبها الحاكمة، لا تريد إصلاحا حقيقيا لمنظومة التربية والتعليم رغم إدراكها العميق لنقط ضعفها وأسباب فشلها، وهو الأمر الذي يبدو واضحا في تقرير الخمسينية، وتقارير المجلس الأعلى للتعليم وخاصة تقرير 2008، وذلك لاعتبارات كثيرة نذكر الواضح والصريح منها:

- التغيير المستمر وغير المفهوم لوزراء التعليم ببلادنا، حيث وصل عدد وزراء التعليم منذ الاستقلال (1956 م) إلى الآن إلى32  وزيرا بمعدل وزير كل 22 شهرا، وهذا دليل واضح على غياب الإرادة السياسية للإصلاح،  فهل يعقل أن يتم إصلاح قطاع التعليم أو أي قطاعا آخر بمثل هذه التغييرات المستمرة والمفاجئة في كثير من الأحيان.

- تعدد محاولات الإصلاح وتنوعها؛ حيث وصلت منذ الاستقلال إلى اليوم إلى 14 محاولة توزعت بين مخططات ومناظرات وبرامج ولجان ملكية...

- التسرع في تنزيل سياسة التعريب رغم عدم توفر شروط نجاحها، مما عجل بفشلها أو بالأحرى إفشالها ليتم التراجع عنها سريعا، ويستقر الأمر على تعريب التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي والإبقاء على التعليم العالي مفرنسا في الشعب العلمية والتقنية،وهو ما خلق حالة ازدواج في لغة التدريس لا مثيل لها في كل التجارب التعليمية في العالم،  فكانت النتيجة المباشرة هي مغادرة عدد كبير من المتعلمين للجامعات  لأسوار الجامعات دون الحصول على أي شهادة.

- ازدواجية السياسة اللغوية والتعليمية في مسالة اللغة، بين لغات وطنية رسمية (العربية والأمازيغية) مهمشة في كل مناحي الحياة الاقتصادية والتعليمية والبحث العلمي وفي الفضاءات العامة والخاصة، ولغة أجنبية (الفرنسية) تحظى بالأولوية في كل القطاعات والمجالات.

- الخلط المتعمد بين لغات التدريس وتدريس اللغات، وبين لغة الهوية ولغات الانفتاح، وتجاهل أن لغات الوطن أيا كانت درجة تطورها، هي اللغات التي يجب أن تكون لغات التدريس في كل التخصصات بما فيها  العلمية والتقنية، بينما اللغات الأجنبية هي لغات للانفتاح على اللغات والثقافات الأخرى. وهناك دول لا تصل لغتها إلى مستوى اللغة العربية من حيث حمولتها الحضارية وعدد الناطقين بها كالسويدية والهولندية والبولونية ومع ذلك نجد السويدي والبولوني والهولندي يعلم ويتعلم بلغته ويعتز ويتشبث بها، وفي نفس الوقت يتعلم اللغات الأجنبية الأخرى التي تساعده على الانفتاح.

- غياب تخطيط لغوي يحدد وظائف اللغات وأدوارها في ظل تعدد لغوي غير حقيقي رغم واقعيته، لأنه من مخلفات السياسة الاستعمارية.

- سن نظام العمل بالعقدة في مجال التدريس رغم غياب شروط ضمان الحريات والحقوق، مما يهدد الأمن الوظيفي والاستقرار النفسي والاجتماعي للمدرسين، مما سينعكس تلقائيا على مردوديتهم وفاعليتهم التربوية والتعليمية.

هذه العناصر وغيرها، تدل بوضوح تام على غياب الإرادة السياسية لدى الدولة ونخبها الحاكمة في إصلاح قطاع حيوي لا بديل عنه في أي نهوض أو تنمية محتملة.

هذا الفشل لمنظومة التربية والتعليم في بلادنا له مظاهر متعددة، من بينها:

- احتلال المغرب للمرتبتين 119 و111 من أصل 137 على التوالي في جودة النظام التعليمي وجودة مؤسسات البحث العلمي.

-  الضعف المهول للبنية التحتية في كثير المؤسسات التعليمية وخاصة في المجال القروي وشبه القروي يصل إلى حد غياب المرافق الصحية.

- انتشار ظاهرة الاكتظاظ في التعليم العالي والتعليم الثانوي والإعدادي، والأقسام المشتركة في التعليم الابتدائي، رغم المجهودات التي بذلتها الدولة في السنوات الأخيرة.

- ضعف ميزانية البحث العلمي؛ حيث لا تتعدى 0.8  بالمئة من الناتج الداخلي الخام، في حين تصل مثلا إلى: 4 بالمئة في كوريا، و4.7  بالمئة في إسرائيل، و3  بالمئة في تركيا... .

- ضعف أو غياب توظيف التكنولوجيات الحديثة في التدريس، رغم الشعارات التي رفعتها الوزارة الوصية على القطاع.

- غياب الإنترنت عن معظم المؤسسات التعليمية، وخاصة في العالم القروي.

كل هذه الأمور وأخرى، أبقت التعليم الذي كان على مدى التاريخ محركا للنهضات الحضارية والثورات العلمية والفكرية، غارقا في فشله وتخلفه، مكرسا للتبعية اللغوية والثقافية والاقتصادية...كمظاهر للتقهقر الحضاري الذي تعيشه الأمة بشكل عام وبلادنا بشكل خاص.

 

بقلم: د. بوجمعة وعلي

أستاذ باحث في اللغة والمجتمع- المغرب

 

رائد عبيسلا يمكن تعريف "الدولة الباهتة" دون أن ندرك نقيضتها، والحكم بالنقائض أصبح سمة مقارنة الأجيال على حكمهم وتفضيل ما به على غيره وإن كان هذا الحكم يفصل عنه آلاف السنين، تجده يتمناه أو يحلم به أو يدفع به نحو المستقبل، فيحلم بدولة موعودة يتحقق له بها مراده ويستغل به طموحه بحكم يتفق مع نفسه. والبحث عن اتفاق ربما يسبب نفاق، وهذا ما نسمعه في المجتمع العراقي والذي يتفقون به مع بقيه المجتمعات العربية أو الإسلامية، مثل قولهم بأننا نرغب بدولة كالتي حكمها الرسول أو يحلمون بحكم عمر أو علي أو أي خليفه تعجبهم سيرة حكمه، وهناك ايضا من يحلم بحكم من استخدم القوة والسلطة والقتل، مثل أمنية جماعة بحكم معاوية أو يزيد أو الحجاج أو صدام أو أي حاكم قاسي بحكمه لرعيته إذ يجدوا بهذه القسوة هيبة للدولة او عزة المحكومين، لأنهم يعيشوا في دولة تحميهم من غزو الأعداء وتحقق لهم الاستقرار كما يتصورون.

فبين هذا وذاك اختلف مفهوم الدولة ورغبة الحكم وطريقة النظام إذ لو اتيح الاختيار عبر تجربة ديمقراطية اختيرت للناس حتى يحددوا نظام الحكم الذي يشبه نفوسهم لاختلفت نسب الاختيار تبعا لقناعته بطبيعة الحكم.

كيف نشخص الدولة الباهتة؟

حتى نستطيع بعدها أن نعرفها على وفق ذلك التشخيص، أو على مدلول كلمة باهتة، يرد معنى بهت باهت بثلاثة معان الاول بمعنى الحيرة والتكذيب والبهتان، والثاني بمعنى فاقد زهوه ولمعانه وسطوعه وجماله، والمعنى الثالث بمعنى الدهشة ،دهش فلان أي تعجب وتفاجئ وسكت باهتاً.

بين المعنى الاول والثاني والثالث مشتركات تحققت في فعل الدولة ومعناها ونظامها وحكوماتها وسياستها اتجاه شعبها المتأمل دولة تحقق استقراره باستقرارها!

فالدولة العراقية اليوم بحكومتنا هذه تحمل معنى بهتانها وتكذيبها على شعبها وهي حكومة محيرة ومدهشه من الغباء الإداري الذي تمارسه، وهي كذلك تدهش العقول وتبهت النفوس وتحير الناس بإجراءاتها الغريبة تجاه متطلبات حياة المواطن!!

وبهذا التوصيف يمكن أن نعرف "الدولة الباهتة" : على انها الدولة الفاقدة لرونق وجودها وزهو حضورها وسطوع قوتها بين الدول، والفاقدة لمقومات ستراتيجيتها الصادقة إزاء متطلبات تنميتها ونهضتها واعمار بلدها والمدهشة للعقول الواعية، بغباء تفكيرها وتخطيطها وانعدام جديتها وفسادها.

ما علاقة المجتمع بإنتاج الدولة الباهتة وقيامها ؟

قلنا في ما تقدم أن المجتمعات عندما تتاح لها حرية الاختيار بواسطة نظام انتخابي حر سوف تختار النظام الذي يشبهها الى حد ما ، وبهت الدولة وقوتها تأتي من جدية المجتمع في إقامة دولة أو لا ، فإذا كان الطموح موجود برغبة وجود دولة قوية سوف يختار لها رجال أقوياء لديهم رغبة وقوة في حكم الدولة وتقويتها وعدم التنازل عن مقومات قوتها استنادا إلى رغبة مجتمعها الذي تم اختيارهم له على هذا الأساس، بمعنى معيار حكم الأشخاص يمنحه المجتمع لمن يمتلكه ،ولا يجب أن يُحكم المجتمع بمؤهلات عائلية أو قبلية أو حزبية يقدمها الاشخاص للمجتمع بغير قناعة المجتمع لها وهذا ما يحصل في العراق! بواسطة هذا الزيف من المؤهلات الموهومة عند من يرون في أنفسهم هوس الزعامة تنشأ الدولة الباهتة وتتضح معالمها وكيانها.

فبهتان الدولة يأتي من بهتان من تسلط عليها، وبهتان المجتمع الراغب بذلك، فالرغبة بهذه الحالة هي رغبة غير محترمة وما تنتجه الآليات المزيفة في العملية الاختيارية التي تسمى ديمقراطية أو انتخابية يجب أن تعالج وتوجه البوصلة صوب عناصر القوة في المجتمع وليس عناصر بهتانها وضعفها، وهذا ما تعمل عليه الشخوص الفاسدة التي تحكم الدولة بدفع الجمهور إلى التفكير وممارسة الانفصالية عبر فكرة الأقاليم والاستقلال مثلما كان قد حصل في كردستان وفشل واليوم تتحرك البصرة بنفس الاتجاه، فضلا عن غيرها من المحافظات التي تتجه صوب الاقلمة، وهذا سبب ودليل بهتان الدولة وضعف رونقها وكسر شوكتها حتى أمام جمهورها وضياع هيبتها امام البلدان المجاورة والإقليمية والعالمية.

فسياسة بهت الدولة، مازالت سياسة قائمة عند الطبقة السياسية في العراق من خلال برامج معدة من قبل اجنداتها ، كأحزاب عازمة على نخر عظم العراق وأهله، أو بمساعدة دول مجاورة تسعى إلى اضعاف دور العراق كدولة تملك مقومات قوة بمساعدة اذرعها في الداخل. وكذلك حال الدول الكبرى كأمريكا وروسيا ودول أوربية أخرى تعمل على استغلال بهت وضعف رجال الحكم في العراق التي صنعت منهم واجهات حكم في العراق.

واذا استمر حكم الطبقة المعارضة في السابق للعراق سوف ينتهي به إلى توصيف شبه الدولة ومن ثم ضياعها وتبديدها بين أطماع الدول الذين يعملون كعملاء لها، لذلك نطمح إلى إزالة هذه الطبقة الفاسدة بطبقة رجال حكم لديهم حس وطني عالٍ يحققون للعراق وضع طبيعي ينعم بالاستقرار وخيره.

 

دكتور رائد عبيس

 

حاتم حميد محسنيستمر المنظّرون وفلاسفة السياسة بالنقاش حول ما اذا كانت هناك قيمة وفائدة للشعوب المتنورة. سنبيّن هنا ان الشعب المتنور هو اساسي لتقدم المجتمعات الحرة.

مقدمة

حاليا، نرى الحاجة تتصاعد لمزيد من الناس المتنورين، ولكن ما معنى التنوير؟ كذلك، كيف يجب على الناس ترجمته الى واقع سياسي؟ ايضا، ما هي وظيفته وقيمته؟ الهدف هنا هو اولا لإستكشاف ماذا يعني المتنور سياسيا من خلال عدسة فيلسوف القرن الثامن عشر عمانوئيل كانط. بعدها، سنقارن رؤية كانط للمواطنة، لنبيّن كيف ان التشابه بينهما يساعد في تزويد المرء بفهم أعمق عن الكيفية التي يجب ان يعبّر بها السكان المتنورين عن انفسهم سياسيا. اخيرا، باستخدام فهم امارتيا سين للنجاح الاقتصادي للدول التي تشجع التوسع في الحريات (سيكون موضوعا لمقال لاحق)، سوف نتمكن من الوصول الى موقف يشترك فيه برؤية مشابهة لرؤى كانط او روسو في الناس المتنورين الذين يشكلون الاساس لإستمرار تطور المجتمعات الحرة.

كانط والتنوير

الفرد المتنور لدى كانط هو الذي يتبنّى النضج الفكري، او المقدرة على التفكير الذاتي بشكل مستقل. الاساس لهذه الادّعاء هو ان الناس يمتلكون قدرة عامة على التفكير، جاعلين منها واجبا عليهم كأفراد، لغرس وتربية تلك القدرة، وبالنهاية هم يستطيعون العيش مجتمعين بانسجام اكثر. للقيام بهذا، يقترح كانط ان الناس يجب ان يتصرفوا فقط طبقا للمبادئ الاخلاقية التي تحمي خيارات قراراتهم وجميع الكائنات العقلانية الاخرى. بكلمة اخرى، عندما يؤكد الناس حقهم في التقرير لأنفسهم بينما يمتنعون عن مخالفة حق اي شخص آخر في القيام بذات الشيء، هم يقومون بهذا بطريقة تنويرية. هذا الميل التنويري يعتبره كانط انعكاس للاستقلالية او الفرد المحكوم ذاتيا لأن اولئك الذين هم حقا احرار يطبّقون انتباههم الذهني التام في جميع القرارات خاصة تلك المتعلقة برفاهية انفسهم والآخرين.

وبالنتيجة، يدّعي كانط بانه في مجتمع ما، من المهم جدا للناس احتضان هذه الرؤية للحرية او السيادة او التنوير. احد الاسباب لهذا هو لا احد يشكل كل السكان، وبسبب هذا فانه من الصحيح جدا النظر الى المجتمع كعالم تتعايش فيه جنبا الى جنب الرغبات العقلانية . وبهذا، فان السيادة الحرة او الفرد المتنور يعترف بهذه الحقيقة، طالما كون المرء تام الانتباه ذلك يستلزم الاعتراف بحقه في ادّعاء الحرية بطريقة تتفق مع رغبته، بينما يؤدي ايضا واجبه في احترام حق الاخرين للقيام بذات الشيء. من هنا، يدّعي كانط ان المرء الذي هو عضو جيد في الجماعة هو الذي يعيش بهذه الطريقة المتنورة لأنه عندما يعترف الناس بحقهم في الحرية بالارتباط مع واجبهم للاعتراف بالروابط المشتركة للعقل الذي يشتركون به مع الاخرين، فان السلام والازدهار سيسودان. وعليه، عندما يعمل المجتمع بطريقة تحمي حرية الفرد بينما لا تمنع احدا من التمتع بحريته، فهي تعمل بشكل صحيح. اخيرا، المجتمع الذي يسير بشكل جيد يعتمد على الاستقلالية والتنوير او الحرية المخلصة طالما انها الطريقة الاكثر منطقية وعملية لتجنب العنف وحكم الغوغاء والانقسامات في الحكم .

الان يوافق كانط بان الشعب يجب ان يكون واع لمسؤوليته عن آخرين باعتبارهم كائنات عقلانية فطريا وذوي رغبة يشتركون بحقيقة مشتركة، لأنهم فقط حينذاك يستطيعون العمل بأحسن طريقة . لكي ننجز هذه الغاية يقترح كانط بان المناخ التحرري الذي ينتعش به العقل سيساعد في صقل وتعليم الناس للتخلص من الجهل والتحيزات والكذب والخرافات المرتبطة بها. اي عندما يعيش الناس في مكان يزدهر فيه الصدق والاتصالات المفتوحة، وحيثما يمكنهم الاستخدام الحر لقوة عقلهم لتمحيص عقائد الاخرين لأجل المصلحة المشتركة، فان ذلك الشعب يكون شعب واع لا يواجه خطر العمى الدوغمائي او التصورات البربرية. باختصار، كانط يعتقد ان الناس المتنورين هم عنصر ضروري لعمل الدولة لعدة اسباب:

اولا، التماسك الاجتماعي الذي هو اساس الانسجام السياسي يبقى سليما عندما يتبنّى المرء الافتراض المنطقي بعدم وجود قدرة للعقل اقل او اكثر من الاخرين، وبسبب ذلك فان جميع الناس يستحقون بجدارة احترام الفرد المناسب. وطبقا لذلك، الامة التي هي مجموعة من الرغبات العقلانية المتعايشة في نفس المكان، تتطلب اناسا متنورين لأنه اذا لم يوجد هناك ناس احرار مخلصين للواجب يتصرفون فقط بما هو احسن لأنفسهم ولمواطنيهم، فان المجتمع سينزلق نحو حكم الغوغاء . وعليه، يرى كانط ان وجود الناس المتنورين ليس فقط ممكن مفاهيميا وانما ايضا هو ضرورة لإستمرار المجتمع طالما ان البديل هو العنف المفرط وجماعات الاستبداد.

ايضا، ربما يدّعي احد ان الروح القومية او الارضية المشتركة التي يتحدد ويرتبط بها كل افراد الامة تعتمد على الناس المتنورين ايضا. اولا، الكائنات العقلانية يمكن ان تعترف بالقدرة المشتركة للآخر في التفكير، وتصنع طريق لتلك القوة المشتركة لتعمل كارضية اساسية للاحترام بين اعضاء نفس المجتمع. الان، طالما كل المواطنين في الامة لديهم قوة مشتركة للتفكير والرغبة والفعل فسوف لن يكون هناك حق لأي شخص آخر في منع الاخرين من التمتع بتلك القدرة الطبيعية.وبالنتيجة، يدّعي كانط ان السكان المتنورين سيحافظون على روح الامة لأن قوة المشاركة في التنوير او الحوار العقلاني سيساعد في منع القمع الضيق الافق، وبالنهاية منع العصابات غير المتنورة من الحكم القمعي.

كذلك، تقدّم الامة يعتمد على السكان المتنورين ايضا. ذلك بسبب ان الناس اذا كانوا غير قادرين على التفكير، فان اكتشاف وتطبيق واستعمال النظام والمنطق والاستقرار سيكون مستحيلا، وتكوين المجتمع سيبقى احتمالا غير مؤكدا.

لكن حقيقة المجتمعات المنظمة التي تتقدم الى الامام بثبات، يعطي مصداقية لفكرة ان العقل هو حقيقي وتقدمي. ومن هنا، قد يدّعي المرء ان الناس المتنورين الذين يعترفون بان الاوقات تتغير كنتيجة لطبيعتها المؤقتة المتأصلة يساعد في حركة الامة نحو الامام بطريقة عقلانية، ويمنعها من الجمود بالمقارنة مع الدول الاخرى. ولهذا فان تقدم الامة يعتمد على المقدرة المتأصلة لدى الناس للنضج الى فهم واع للتاريخ كعملية من الحركة الى ما وراء الحاضر تماما مثلما يتقدم الزمن طبيعيا او عقلانيا نحو الامام . اخيرا، اذا لم يكن لدى الناس القدرة للاعتقاد بالتقدم بهذه الطريقة، فان فهم كل شخص للتاريخ سيكون بلا معنى .

رؤية روسو للمواطن

من خلال عدسة روسو فان معنى المواطن هو الشخص الذي يعلن عن رغبته في صناديق الاقتراع ليقرر بطريقة تأخذ بالاعتبار رغباته وحاجاته بالارتباط مع رغبات وحاجات المواطنين الاخرين الذين عليهم ان يقرروا وبنفس المستوى العام من الفهم في الذهن. بكلمة اخرى، ربما يستنتج المرء بان الديمقراطية العاملة تعتمد على المواطنة العارفة والمثقفة او على اولئك الذين يأخذون بالاعتبار ما هو احسن لأنفسهم وللآخرين ايضا . بتشابه اكثر مع فهم كانط للفرد المتنور، روسو، لديه رؤية مشابهة للمواطن او لاولئك الذين تعتمد عليهم المجتمعات الحرة لمقدرتهم للعمل بالشكل الصحيح.ذلك ان انواع الحكومات القائمة تكون مجسدة لنوعها فقط اذا كان شعبها يحافظ عليها .وطبقا لذلك، في المجتمع الليبرالي، عندما يعكس كل صوت ما هو احسن للفرد ولبقية المواطنين، فان اولئك السكان ينجزون معنى شكل الحكم الذي يتبنّونه. وعليه، فان الفرد المتنور في المعنى الكانطي او المواطن الاصيل في المعنى االروسوي، الذي ياخذ بالاعتبار رغباته ورغبات الاخرين في المجتمع، سوف تناسب الديمقراطية بافضل حالة.

ايضا رؤية روسو للمواطن تماثل العقد الاجتماعي الذي تعتمد عليه الديمقراطية. ذلك ان التضامن الاجتماعي او تلك الاتفاقية التي يعترف بها الناس والحكومة ضمنا كاساس صلب لمجتمعاتهم الديمقراطية، وحيث يتخلص الناس من الحرية الجامحة للحماية من الحكومة، هي الاكثر ملائمة للمواطن في المعنى الروسوي.

اولا، العقد الاجتماعي يستلزم من الجميع الاعتراف بهيئة حاكمة لتحكم باسمهم، والتي هي بالنهاية علاقة تفاعلية بين طرفين، انها العديد الذين يخضعون للقلة. طبقا لذلك، لكي نحفظ التوازن في السلطة بين الحاكم والمحكومين فمن الضروري للمحكومين ان يكونوا في تضامن.

وبالنتيجة، المواطن الحقيقي او الفرد الذي يقرر في ضوء مصالحه ومصالح الاخرين، يساعد للحفاظ على التوازن بالسلطة بين الحاكم والمحكومين طالما ان الفرد يختار بطريقة تجسد الاتحاد في جماعته او في عدد من الناس. وعليه عبر التضامن، يمكن للمرء الدفاع عن الحاجة الاساسية لسلطة متساوية بين الحكام والمحكومين لكي تبقى المواطنة التي يشكل الفرد جزءا منها سليمة من قمع الحكومة. اخيرا، طالما المواطن الصحيح هو الذي يحتفظ بهذه العوامل في الذهن، يتبع ذلك ان مزاجه التنويري يناسب افضل للديمقراطية او ذلك الشكل من الحكم الذي يقوم على الاتفاق الاجتماعي.

كذلك، رؤية روسو للمواطن تشبه فهم كانط للفرد التنويري، باعتباره يقرر دون اي اكراه او قسر. اي ان هناك حالة عامة للذهن موجودة يجب ان ينمو اليها الفرد، وهي ذاتها مع زملائه لأجل الخير العام، روسو وكانط يدّعيان ان ذلك الفرد يجب ان يقوم بهذا بنفسه. من هنا، قد يستنتج المرء ان روسو وكانط يجادلان بان الفرد المتنور او المواطن الحقيقي يساعد في الحفاظ على روح امته، او على الرؤية الثقافية العامة التي يعترف بها كل الافراد كونها متأصلة ومميزة لبلدهم.ذلك لأن الفرد عبر الاختيار الاصيل للاعلان عن رغبتة بالطريقة التي يراها الافراد منسجمة مع روح امتهم، وعبر الاخذ بالاعتبار لذات الفرد وكل الاخرين، فان الفرد يقوم بهذا حرا ومجسدا الاحترام الحقيقي لأمته. وهكذا، عندما يعتبر المرء رغبته حقا كقناة لكل من آمان وتقدم الثقافة التي يتميز بها ذلك الفرد ويشارك بها مواطنيه، هو يقوم بهذا بطريقة تناسب الكائن المتنور او المواطن الحقيقي.

من هنا، قد يدّعي البعض ان رؤية روسو للمواطن هي المساوي السياسي لفهم كانط للفرد المتنور. هذه الدعوة مبررة لسبب واحد وهو ان كل من روسو وكانط يشتركان بالرؤية ان الناس يمكنهم التفكير لانفسهم ويتصورون التفكير للاخرين. وبهذا، فان مواطن روسو او فرد كانط التنويري، يتبنّى الفردية عبر الاعتراف بحق الاخرين للقيام بنفس الشيء، والذي يكون ممكنا فقط من خلال استعمال العقل كمرشد لكيفية التعامل مع الاخرين بشكل ملائم بالمعنى الكانطي، او بالرعاية السياسية كما يرى روسو.

 

حاتم حميد محسن

....................

INQUIRIES Journal for social, Arts, and humanities, 2017, vol 9 No 10

 

محمود محمد عليشهدت أقسام العلوم الإنسانية في كليات الآداب بالجامعات الأمريكية في أوائل ثمانينيات القرن العشرين عدداً كبيراً من الأساتذة والمفكرين الفرنسيين الذين يتبنون أفكار ما بعد الحداثة، وقد ثبت أن طريقة هؤلاء في معالجة قضايا الواقع ومستجداته " خالية من أية معان عميقة، أو بلا معنى على الإطلاق"، وقد ذكر الصحفي اللامع الأستاذ "فاضل السلطاني" في مقال له بجريدة الشرق الأوسط، بعنوان " الفرنسيون آخر من يعلم "، أن هذا الانطباع عن الفلاسفة والنقاد الفرنسيين المحدثين ليس جديدًا في أمريكا. فهو معروف منذ دخلت بعض أفكارهم إلى بعض الجامعات الأمريكية العريقة.

ويصور هذا الانطباع مقال نشر في المجلة الأسبوعية لجريدة نيويورك تايمز منذ عام 1985م عن "الغزو الفرنسي" لأقسام الأدب في الجامعات الأمريكية ( وقد نشرت جريدة الهيرالد تريبيون Herald Tribune ) ملخصاً وافياً له؛ بعنوان: التفكيكية وما إليها: من غابة النقد في جامعة ييل".

وفي أواخر تسعينيات القرن العشرين نشبت ظاهرة حروب العلم Science Wars داخل أقسام الإنسانيات؛ حيث أخبرنا عنها المفكر الأمريكي " جيمس تريفل"،  قائلاً:" يمكن القول في البداية إن حروب العلم نشبت بفعل فلسفة ما بعد الحداثة غير التقليدية التى سرت كالعدوى داخل أقسام الإنسانيات فى الجامعات الأمريكية في أواخر القرن العشرين . وتأسيساً علي النظرية الأدبية الفرنسية فقد أكدت وجهة النظر هذه البناء الاجتماعي للمعرفة، ومن ثم تنكر عادة صواب فكرة الحقائق الموضوعية . ونعرف أن أشد دعاتها تطرفاً ( وما أكثرهم ) قد إنحدروا إلي صورة مبتسرة من الذاتية أو الأحادية المطلقة.

ولم يكتف هؤلاء بذلك، بل شنوا هجوماً عنيفاً علي صحة العلم؛ حيث رأوا أن أحكام العلم لا تعبر عن وقائع طبيعية، ولا تنطلق من أساس تجريبي أو واقعي معين، إنما تنبع من أحكام سابقة سبق أن حصل الاتفاق حولها بنسبة ما، فتكون أحكام العلم مقبولة لدى جماعة العلماء، وهذا القبول لا يأتي من كونها تحمل تفسيراً صائباً لوقائع معينة، ولا من كونها تتمتع بموضوعية ما، بل إن ذلك القبول مشروط بالتضامن بين الجماعة التي تأخذ بها لاعتبارات ظرفية. وهذا أدي إلي قلق كثيرين في الأوساط العلمية؛ خاصة ما جري للغة البناء الاجتماعي من استبدال وتغيير بعض المصطلحات ومحاولة السيطرة السياسية للعلم في المجتمع .

وفي عام 1996م أخرجت جامعة Duke الأمريكية مجلتها الأكاديمية التي كانت، بعنوان "النظرة النقدية لما بعد الحداثة "، وأشارت فيها إلي حروب العلم في مقالات مختصرة ووجيزة . فقد استخدم الاكاديميون لغة وفكر ما بعد الحداثة في العلوم الاجتماعية والإنسانية، وظهر بذلك دور المجتمع والسياسة في العلم.  وفي مقدمة الاطروحة علق المحرر " أندروا روس Andrew Ross " قائلا أن الهجوم علي دراسات العلم كان نتيجة تقليص الدعم المادي للعلوم في الولايات المتّحدةِ مع نهاية الحرب الباردة، وعندما كان الكونجرس يهدد في وضع تخفيضاتَ أخرى من التمويل الحكوميِ للعِلمِ، بالإضافة إلي نقص التمويل المادي للعلوم الانسانيةِ.

وهنا يؤكد بعض الباحثين فيقول:" إن ما يسمي بحروب العلم يتمثل في أن أنصار العلوم الإنسانية تقفون في مواجهة ضد كل ما يتعلق بالعلوم الطبيعية، هذه المواجهة أخذت شكل معارك فكرية حول نظرية المعرفة، والميثودولوجيا، والابستمولوجيا، والمنطق . واشتعال الحروب بينهم، أثار اهتمام الرأي العام علي نطاق واسع؛ خاصة بعد أن شن أنصار الثقافة التقليدية هجوماً عنيفاً علي صحة العلم، مما أدي إلي قلق كثيرين في الأوساط العلمية "

وإذا ما حاولنا أن نؤصل لتاريخ حروب العلم نجد أنه حتي منتصف القرن العشرين قد شن أنصار العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية هجوما عنيفا علي صحة العلم، مما أدي إلي قلق كثيرين في الأوساط العلمية؛ خاصة ما جري للغة البناء الاجتماع، مما أدي إلي قلق كثيرين في الأوساط العلمية، لا سيما ما جري للغة البناء الاجتماعي من استبدال وتغيير بعض المصطلحات ومحاولة السيطرة السياسية للعلم في المجتمع . ويمكن أن نذكر علي سبيل المثال " علم خلاق creation Science و" التصميم الذكي" واستمر التقييم الخلاق موضع خلاف في كتاب بعنوان " الخرافة الأعلي – اليسار الأكاديمي ومشاجراته مع العلم Higher superstition – The Academic Left and its Quarrels With Science عام 1994. وقد هاجم  "بول ر. جروس Poul R.Gross  و " نومان لفيت  Norman Levitt هجوما مضادا لدعاة ما بعد الحداثة العقلية ورأو أنهم لا يعرفون سوي القليل عن النظريات العلمية، حيث حدث سوء فهم للمناهج النظرية، كما أن قراءتهم كانت خاطئة ولم يكن لديهم الدليل والحجة. وهذا ما حدث حين أثبت كتاب " شرارة لحروب العلم . ويمكن القول أن المؤتمر الذي عقده "جروس" و"لفيت" و"جيرالد هولتون بعنوان " الرحلة من العلم والعقل " . والذين حضروا المؤتمر انتقدوا النظرة الأنفعالية لـ  "جروس" و"لفيت" و"جيرالد هولتون والتي نجم عنها تضارب ثقافي بين العلماء الغير المتخصصين.والمثقفون في الدراسات الاجتماعية التي تتعامل مع العلم .

في عام 1996م أخرجت جامعة Duke مجلتها الأكاديمية التي كانت بعنوان "النظرة النقدية لما بعد الحداثة "، وأشارت فيها إلي حروب العلم في مقالات مختصرة ووجيزة . فقد استخدم الاكاديميون ما بعد الحداثة في العلوم الاجتماعية والإنسانية، وظهر بذلك دور المجتمع والسياسة في العلم. وفي مقدمة الاطروحة علق المحرر " أندروا روس Andrew Ross " قائلا أن الهجوم علي دراسات العلم كان نتيجة رد فعل لانخفاض التمويل للأبحاث العلمية . وحدد المؤتمر خصائص العلم والعقل معاً وما يواجههما من تهديدات خطيرة مثل النزعة العلمية الخلاقة Scientific Creationism، البدائل والطوائع الخاصة بالعصر الجديد، علم التنجيم، الجسم الغريب، حركة التضامن الدولية، علوم الحركة الراديكالية لما بعد الحداثة، دراسات العلوم الحرجة جنباً إلي جنب مع الدراسات التاريخية الجاهزة وأشباح من النازية الأرية والخطأ السوفيتي أيضاً .

ويذهب " دروثي نيلكن Dorothy Nelkin إلي أن المزج بين العلم والدولة فاشل، ويري علماء الاجتماع أنه من الأفضل تجنب المشاركة في التهديدات السياسية المتصورة مثل العلم الخلاق وحركة حقوق الحيوان والإجهاض ومحاولات مضادة للحد من البحوث المتعلقة بالأجنة والحرب الباردة بين الاتحاد السوقيتي والولايات المتحدة الأمريكية (1945-1991) ورفض التمويل العسكري للعلم . كذلك ذكر " نيلكن" أن نقاد ما بعد الحداثة كانوا كبش فداء مناسب إلي تحويل الانتباه عن المشكلات في العلم .

وفي هذا الإطار قدم الفيزيائي " آلان سوكال" بالمجلة الأكاديمية للنص الاجتماعي مقال بعنوان "انتهاك الحدود : نحو هيرمينوطيقا تحويلية لجاذبية الكوانتم، ويقترح فيه أن جاذبية الكوانتم تمثل نزعة لغوية وبناء اجتماعي وأن فيزياء الكوانتم تؤيد النزعة النقدية لما بعد الحداثة إزاء الموضوعية العلمية ز والنص الاجتماعي هو مقال منشور في في ربيع – صيف مايو 1996بعنوان "حروب العلم" .وفي مقال لاحق في مايو صدر في Lingua Franca وعنوانه التجارب الفيزيائية من خلال الدراسات الثقافية يتعرض سوكال لما ذكره في مقال له في " انتهاك الحدود"، وهنا يستخدم سوكال التجربة لاختبار دقة الفكر، فهو يري إذا كان (أ) يبدو في الظاهر واضحاً و(ب) يمكن أن تعلمها بالمعرفة الايديولوجية المسبقة .ويري سوكال أن فحوي الغش التجاري بين العلماء الاكاديميين هو السبب من وجهة نظر الجمهور في حروب العلم الموضوعية .

بعد سنوات قليلة من المجادلات حول مقال حروب العلم من خلال النص الاجتماعي،كانت هناك مناقشات واسعة تركزت حول التوفيق بين دعاة ما الحداثة والعلماء . وفي أوائل عام 1997م عقد مؤتمر من قبل العديد من العلماء والباحثين لدراسة العلوم، وظهر كل من " آلان سوكال"، "ستيف فولر Steve Fuller كمتحدثين رئيسيين . ولقد لقي هذا المؤتمر تغطية كبيرة من خلال وسائل الأعلام والدوريات العلمية علي حد سواء، وذلك علي الرغم من عدم وجود وسائل لحل المسألة الأساسية بين البناء الاجتماعي والموضوعية في العلم.

ولقد بذلت محاولات أخري للتوفيق بين المعسكرين، فقد أقام الفيزيائي "Mike Nauenberg " في جامعة كاليفورنيا في سانتاكروز مؤتمر صغير وذلك في مايو 1997م وقد حضر هذا المؤتمر لفيف من علماء الاجتماع والعلماء المتخصصين في العلوم الطبيعية علي حد سواء , وكان من بين الحضور آلان سوكال وديفيد ميرسن، وهاري كولينز . وفي العام نفسه، نظمت منظمة كولينز ساوتامبتون للسلام ورشة عمل، والتي حملت معا مرة أخري مجموعة واسعة من العلماء الطبيعيين وعلماء الاجتماع .

وقدمت هذه الورشة فكرة الكتاب الذي يهدف إلي رسم بعض الحجج بين الأطراف المتنازعة . وقد أكد عالم الفيزياء "جاي لينجز" فكرة " الثقافة الواحدة" وأخرج لينجز بالتعاون مع عالم الاجتماع "هاري كولينز" الكتاب في عام 2001.ويتضمن هذا الكتاب برنامج لثقافتين، كما يتضمن الكتاب مساهمات كل من آلان سوكال وجان بيروكمونت Jean Bricmont وستيفن وينبرغ Steven Weinberg وستيفن شابين Steven Shapin .

وفي عام 2001 أيضاً قام الاستاذ "بينت فلفيبرجBent Flyvbjerg  الأستاذ بجامعة كمبردج بإخراج كتابه " موضوع صناعة العلوم الاجتماعية بالتعرف علي طريق للخروج من حروب العلم بالقول بأن:

1- أن العلوم الاجتماعية هي Phronsis، في حين أن العلم الطبيعي هو ابستيمي Episteme.

2- فكلمة Phronsis هي تحليل وانعكاس لمناقشة القيم والمصالح والتي هي أساس تكوين ونمو أي مجتمع في حين كلمة ابستمي Episteme نجدها جيدة لتطوير النظرية التنبؤية .

3- المجتمع الذي يريد أن يعمل بشكل جيد، يحتاج كل من Phronsis، Episteme بشكل متوازن.

وهناك منشورات هامة أخري متصلة بحروب العلم مثل "هراء حصرية " لسوكال وجان في 1998." مما يتكون البناء الاجتماعي بواسطة لان هاكينج في 1999، وكذلك من " قواعد في العلوم " لجيمس روبرت براون. وكذلك الشئون في 2002م ويعتبرغلاف للجدل من قبل سوكال. ويري سوكال أن أي شئ يعتبر هراء في مقابل الفيزياء . ويري دعاة ما بعد الحداثة أن المرء يمكن أن يعرف علي وجه اليقين ما هو صحيح وما غير صحيح، في حين يري البعض مثل كورنيل وهو استاذ للفيزياء، وكذلك بول جيتسبرج بأن الحالات الإنسانية ليست جميعا متشابهة في واقع المر، بل أن المعايير والمؤسسات تختلف .

ويمكن القول أن الفائدة من حروب العلم قد تضاءل كثيرا في السنوات الأخير علي الرغم من أن حروب العلم لا تزال تمثل الأحداث الأساسية في الرئيسية وكانت تؤثر علي المجتمع، ويري الطرفان أن كل منهما لا يفهم الآخر وأن الحوار بينهما هو حوار الصم والبكم ولذلك فكل منهما ينتقد الآخر. وقد وضع برونو لاتور مؤخرا كتاب بعنوان " العلماء دائما أثناء مقابلتهم يتحدثون عن سد الفجوة بين الثقافتين، لكن عندما يبدأ الأشخاص في بناء هذا الجسر يجدوا كبت للحرية وذلك منذ سقراط . لهذا اقترح لاتور إعادة تقييم في نظرية المعرفة وعلم الاجتماع بناء علي الدروس المستفادة من حروب العلم "... العلماء جعلونا ندرك أنه ليس هناك فرصة وأن هذا النوع من القوي الاجتماعية التي نستخدمها هي سبب للحقائق الموضوعية وآثارها.

ومع ذلك في الآونة الأخيرة أتضح أن الانتقادات الموجهة إلي بعض العلماء جاءت بنتائج عكسية . ويري برونو لاتور أن المتطرفين الخطرين يستخدمون نفس الحجة من البناء الاجتماعية، وذلك لتدمير الأدلة التي يمكن أن تنقذ حياتنا . ويذهب لاتور إلي أنه كان مخطئا في اختراع هذا المجال المعروف باسم دراسات العلوم، ويذهب إلي أنه هل كان أفضل أ يقول اننا لا نعرف ما المقصود، ويري البعض أن هذه الورقة تمثل "لا تور" في وقت سابق من ادعاءاته.ولكن يري البعض الآخر أن هجومه علي البناء الاجتماعي تتفق مع مواقف سابقة لديه أخذها من كتابه" مختبر الحياة" الذي كان قد نشره في عام 1979.

 

د. محمود محمد علي

 

عبد الرضا حمد جاسمختمت الجزء السابق بالتالي: [لا اعتقد ان هناك إمكانية لأخذ هذا الجزء "من جد وجد" من فكر الوردي دون التقرب من الكتاب الذي كان محوره هذا القول واقصد: كتاب خوارق اللاشعور/ 1952. عليه لابد ان اقَدِمْ/ أطرح بعض الشيء من/ عن هذا الكتاب الذي اثار ويثير الجدل،

خصص الوردي صفحة كاملة (ص7) هي الأولى في متن الكتاب أي قبل المقدمة وهو الكتاب الأول الذي ينشره الوردي بعد كراسة/ شخصية الفرد العراقي/ 1951، وذلك لتحذير القراء تحت عنوان: "تحذير" اليكم نَص ما ورد فيه: [تحذير: إن هذا الكتاب ربما ينفع الراشدين من الناس أولئك الذين خبروا الحياة واصابهم من نكباتها وصدماتها ما اصابهم. أما المستجدون والمدللون والأغرار الذين لم يمارسوا بعد مشكلة الواقع ولم يذوقوا من مرارة الحياة شيئاً فالأولى بهم أن لا يقرئوا هذا الكتاب. أنه قد يضرهم ضرراً بليغاً] انتهى.

أجد من الضروري وعنوان هذه الأجزاء "رحلة في خوارق اللاشعور" التي تعني انها رحلة في او بين الكتاب والخوارق واللاشعور، ان اُبَين رأيي في ذلك التحذير الغريب في حينه الذي استهل به الراحل الوردي مشواره في التأليف والنشر...اعتقد انه يحاكي ما جاري اليوم في التحذير بالعبارة الشائعة: "يمنع على القاصرين دون سن كذا". ان الراحل الوردي تخرج في علم الاجتماع وكان قد قرأ/ دَّرَسَ شيء عن علم الاجتماع قبل التحاقه لبعثة الماجستير والدكتوراه، ويَتَوَقَعْ/ يُتَوَقَعْ ان يكون محل/ مجال عمله في هذا الاتجاه بعد عودته الى الوطن، فكان عليه وهو المهتم بعلم الاجتماع وأصبح متخصصاً به وهو العارف قبل البعثة وبعدها بحال المكتبة العربية والعراقية وفقرها من ناحية الكتب والمصادر بشكل عام وبهذا التخصص الحديث نوعما من العلوم بشكل محدد. فكان عليه كما اتصور وهو العاشق لكتب وعلم الاجتماع ان تكون حقيبة/ حقائبه في العودة ممتلئة بهذه الهدايا الثمينة "إصدارات علماء الاجتماع وكتبهم"، كان عليه المساهمة في رفد المكتبة العراقية او مكتبة جامعة بغداد الفتية بتراجم لكتب علم الاجتماع، والتفرغ لترجمة وطبع اطروحتيه للماجستير والدكتوراه ونشرهما في كتاب ليستهل بهما حياة التأليف والنشر، يَكونْ/ يُكَّونْ أساس لمكتبة علم الاجتماع الحديث في العراق. لم اقرأ انه ترجم كتاب او جلب معه كتب تبرع بها لمكتبة الجامعة.

لم يحقق الدكتور الوردي هذا الواجب كما أتصور لأسباب هو اكثر من يعرفها، وبذلك فَقَدَ هو وعلم الاجتماع والمجتمع فرصة كبيرة تضاف اليها فرصة مهمة اخرى فَوَّتَها الراحل الوردي ايضاً وهي تأسيس تجمع او لجنة او هيئة او جمعية تهتم بعلم الاجتماع ودراسة المجتمع العراقي وإشاعة ثقافة علم الاجتماع في العراق وكانت تلك الفرصة ممكنه كما اتصور وربما كانت متيسرة ويمكن ان تكون مدعومة حكومياً فلا اعتقد ان حكومات العهد الملكي او الجمهوري ربما حتى منتصف السبعينات كانت تعارض او لا تدعم بقوة مثل هذا التوجه وقد أشار الى ذلك في ص 145 من نفس الكتاب حيث كتب التالي وهو يتكلم في ص144 عن (جمعية المباحث النفسية البريطانية التي تأسست عام 1882 في جامعة كامبرج ) حيث كتب التالي: [ونحن نتمنى تأسيس فرع لها في العراق...].

والعجيب ان الوردي في ص14 من نفس الكتاب/ خوارق اللاشعور كتب التالي عن جامعة كامبرج واتهمها بأنها تحارب كل جديد حيث كتب في ص 14 خوارق اللاشعور التالي: [ان موضوع القوى النفسية موضوع جديد كل الجدة فهو لم يبدأ بشكله التجريبي الراهن إلا حوالي سنة 1930.ففي هذه السنة التي يمكن اعتبارها نقطة تحول في تاريخ الفكر البشري. أسست جامعة "ديوك" في أمريكا فرعا خاصا لدراسة هذه القوى دراسة مختبرية تحت اشراف البروفسور "راين" وقد ألف راين هذا عدة كتب لخص فيها نتائج بحوثه حيث اثار بذلك ضجة كبرى في الأوساط العلمية وقد جابه العلماء هذا الموضوع بشيء من السخرية والاستنكار اول الامر وقاومه كثير من الأساتذة والهيئات الجامعية اذ اعتبروه نكسه في تطور العلم ورجوعا الى الخرافة والسذاجة البدائية. هذا ولكن جامعة ديوك ثابرت على خطتها في تشجيع الموضوع. وقد اخذت الضجة ضده تخفت أخيرا وبدا العلماء ينظرون اليه نظرة جدية بعد ان لمسوا نتائجه التجريبية التي تكاد لا تقبل الشك. وقد شرعت عدة جامعات أخرى تُدْخِلْ هذا الموضوع في مناهجها تدريجيا واخر ما وصل الينا من نبأ في هذا الصدد ان بعض الجامعات المشهورة بتزمتها وبنفرتها من كل جديد كجامعتي اوكسفورد وكامبرج اخذت تشجع أخيرا هذا الموضوع عن طريق الهبات وتوزيع الزمالات] انتهى

كيف يكتب ان جامعة كامبرج مشهورة بتزمتها وبنفرتها من كل جديد حتى وصل الى الوردي اخيراً في عام 1952 انها بدأت تدخل هذا الموضوع في برامجها والجامعة حسب الوردي أسست هذه الجمعية عام 1882 أي قبل ولادة الوردي بأكثر من ثلاثة عقود وقبل حصوله على الدكتوراه واصدارة خوارق اللاشعور بحوالي سبعة عقود؟؟؟!!!!!

 المهم لأسباب "الله يعلمها"، وانا اعتقد انها ليست خاصة بعلم الاجتماع او المجتمع العراقي ""مجرد اعتقاد"". قرر الراحل الوردي الكتابة بعد عودته الى العراق بأيام كما يبدو فألف وطبع وأصدر كتاب "خوارق اللاشعور" في مجتمع الغالب من عناصره لا يعرف الفرق بين الشعور واللاشعور وضَّمنه ذلك التحذير. والغريب انه في الصفحة 31 من الكتاب بَيَّنَ لماذا اختار له هذا العنوان وكان الاحرى به ان يضعه في الصفحة الأولى بدل ذلك التحذير غير البريء كما اعتقد، حيث كتب في ص31خوارق اللاشعور التالي: [لقد سميت هذا الكتاب "خوارق اللاشعور" أو "اسرار الشخصية الناجحة" لأني أريد بذلك ان ألفت نظر القارئ العربي الى ناحية من الشخصية البشرية ربما كان غافلا عنها هي: ناحية اللاشعور او ما يسمى أحيانا بالعقل الباطن] انتهى

انتبهوا لطفاً الى العلاقة التي رسمها الراحل الوردي بين الكتابين خوارق اللاشعور/ 1952 والاحلام بين العلم والعقيدة/ 1959. من يعيد قراءة الكتابين يجد انهما يدوران حول او يعرضان "خوارق اللاشعور" "العقل الباطن" رغم انهما صَدرا/ نُشِرا في نقطتين زمنيتين مرتبكتين من حياة الوردي والعراق رغم ان الفارق بينهما سبعة أعوام او هكذا...سيجد القارئ الكثير من "المتداخلات" في الكتابين، الأفكار، المفاهيم، "جُمَلْ وعبارات" / نصوص بشكل متطابق/ حرفياً احياناً.

 ان ظروف اصدار كتابه الحلم بين العلم والعقيدة عام 1959 معروفة أي بعد ثورة 14 تموز1958 وما حصل/ جرى من احداث في عام 1959 وظهر فيه الراحل الوردي مرتبكاً وكشف في الكتاب عن الكثير من الأمور التي عن شخصيته والظروف التي مر بها سواء في مقدمة الكتاب التي كانت بعنوان: "كلمة لابد منها" او خاتمة الكتاب التي كانت بعنوان: "كلمة الوداع"، أشار فيهما الوردي عن امتناعه عن الكتابة في تلك الفترة الحرجة وعن الحال العام في البلد واشارات تعكس خوف الراحل الوردي وقلقه...

عليه اعتقد من المهم لتفسير ذلك الربط بين الكتابين ان نعود لدراسة الحال الذي كان عليه العراق خلال الفترة من عودته عام 1950 الى صدور هذا الكتاب عام 1952وما جرى فيها فقد عاد الراحل الوردي لتوه من بلاد "الضربة النووية لليابان وظاهرة/ ضربة مكارثي" التي عاش الوردي ايامها هناك ومحاولة الولايات المتحدة استثمار نتائج الحرب العالمية الثانية والاستحواذ على اطراف الإمبراطورية البريطانية المهمة وقضية فلسطين/ 1948وتداعياتها دعوة الملك فيصل الثاني لزيارة أمريكا ليكون اول ملك عراقي يزورها...و الوضع المضطرب سياسياً في العراق وعملية تهجير اليهود واصدار القانون المدني العراقي/ 40 لسنة 1951 حيث كانت المادة الثانية منه :"لا مساغ للاجتهاد في مورد النص" والمادة الثامنة منه :"درء المفاسد أولى من جلب المنافع" وغيرها من المواد التي ربما تطلبها الحال في ذلك الوقت.وتأميم النفط في إيران من قبل حكومة مصدق و"خطورة "انزلاق ايران باتجاه الاتحاد السوفيتي واتساع المد الشيوعي في ايران والعراق وغيرها.

المثير ان هناك عبارة وردت في ص380 381 من كتاب دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/ 1965 بخوص نفس جوهر كتاب خوارق اللاشعور والاحلام واقصد "المبدأ السخيف من جد وجد" وهي تعني ان الوردي بعد ثلاثة عشر عاماً من إصداره خوارق اللاشعور وبعد ستة أعوام من إصداره كتاب الاحلام لايزال على موقفه من مبدأ "من جد وجد" الذي نناقش رأي الوردي فيه الذي لم يتغير...اليكم ما ورد:

[هنا ينبغي ان لا ننسى ان الانسان بوجه عام إذا فشل في امر فهولا يحب ان يعزو فشله الى نفسه بل يميل عادة الى البحث عن سبب خارجي ليعزو اليه الفشل .فإذا كان التلميذ بليدا صعب عليه ان يعترف ببلادته ولعله يعتبر نفسه من اذكى الناس فهو في ذلك كالمجنون الذي يرى نفسه العاقل الوحيد بين الناس وهو حين يخفق في دراسته يحاول ان يضع اللوم على عداوة المدرس له او على سوء تدريسه او ما اشبه اما اذا تخرج من المدرسة ولم يحصل على الوظيفة المنشودة فهو قد يشعر بالامتعاض من "الوسطاء" الذين ساعدوا غيره ولم يساعدوه وهو لابد في نهاية المطاف ان يجد التنفيس في مجال السياسة فيرفع صوته هاتفا بسقوط الحكومة والاستعمار. انه يؤمن بمبدأ "من جد وجد" لكنه لا يطبقه على نفسه اذ هو يرى نفسه من أكثر الناس سعيا وجدا ومثابرة كما ما يرى نفسه من أكثر الناس ذكاء و"عبقرية" فهو يعتقد جازما بان الأوضاع "الشاذة" هي التي عرقلت سبيل نجاحه ولولا ذلك لاستطاع ان يخدم الامة والوطن ولما ضاعت "عبقريته" هذا الضياع الفظيع! وقد يصح القول بأن المدارس أصبحت كأنها مصانع تفريخ للتذمرالسياسي في العراق،فالتلميذ حين يجدالعقبات تعرقل عليه سبيل"الترقي" يأخذ بالحماس في سبيل "الوطن" الخ].

هذا الربط بين "المبدأ السخيف من جد وجد" وبين المدارس والتذمر السياسي او الحراك السياسي في العراق والمنطقة ...يربك ؟؟؟؟!!!!

 أعود للتحذير ولماذا قلت عنه "غير بريء" وقبل الجواب أجد من الضروري ان أوضح لماذا هذا الاهتمام بتفاصيل صغيرة قد لا تعني الكثيرين وجوابي على ذلك هو ان هذا الكتاب هو الأول للراحل الوردي بعد الضجة التي افرزتها محاضرته التي تحولت الى كراس أصدره الوردي تحت عنوان :"شخصية الفرد العراقي في ضوء علم الاجتماع الحديث" الذي تطرق فيها الى بعض المشاكل الاجتماعية التي تنخر المجتمع العراقي التي كما اعتقد كان على الراحل الوردي إعطائها أهمية بدل الانشغال في اصدار هذا الكتاب الذي يحوي او ان خلاصته تخص "خزعبلات" "خوارق اللاشعور" حسب فهم العموم في ذلك الوقت. وأشار الراحل الوردي الى ذلك بعد أكثر من سبعة أعوام في كتابه الذي لا يختلف كثيراً عن خوارق اللاشعور واقصد كتاب: الاحلام بين العلم والعقيدة حيث كتب في ص23التالي: [ساءني ان أجد بعض المفكرين والادباء من بيننا يمطون شفاههم سخرية واستخفاف ويعتبرونه كتابا خرافيا غير معقول واني أخشى ان ينظر هؤلاء في كتابي هذا على منوال ما نظروا في كتابي السابق].

لماذا هذا التحذير غير بريء حسب فهمي المتواضع وتفسيري الذي قد يكون قاصر:

الجواب هو: من الصيغة التي ظهر فيها ذلك التحذير، ومن معاني كلماته أجد وربما أكون على خطأ أن فيه فن من فنون الإعلان / الإشهار / الترويج ربما تعلمه الوردي خلال دراسته في الولايات المتحدة الامريكية، او نُصِحَ به وقد اتهمه البعض في حينها وهذا ليس عيباً.

 كان ذلك التحذير ملفتاً كون الوردي في اول رحلته بالتأليف والنشر كما اشرتُ اعلاه وهي اول خطوة في تلك الرحلة الطويلة، والموضوع الذي يدور حوله الكتاب ملفت للنظر لكنه غير مفيد وعنوان الكتاب جذاب يدعو للاستفسار عن ماهية هذا الجديد "اللاشعور". عليه أجد ان من حقي ان اناقش هذا التحذير او اطرح رأيي/ تصوري/ فيه/ به أو تحليلي له...ورد في ذلك التحذير التالي:

1- [إن هذا الكتاب ربما ينفع الراشدين من الناس أولئك الذين خبروا الحياة واصابهم من نكباتها وصدماتها ما اصابهم] انتهى.

تعليق: من هم أولئك الراشدين من الناس؟ حتى لو كان مقصد الوردي هو الراشدين اجتماعياً وليس بايولوجياً فقط، اعتقد ان اول ما يقفز جواباً على هذا السؤال حينها وربما الان ايضاً هو انهم كل من بلغ "سن الرشد" الذي يعني ان الانسان أصبح في عرف ذلك الوقت رجل يُعتمد عليه ويحضر مقامات/ محاضر الرجال في المقاهي والدواوين والمجالس. وهذه مرحلة حساسة بالنسبة للشباب وعوائلهم والمجتمع...حيث أصبحوا في سن العمل والزواج "صاروا رجال". اولئك هم الذين خبروا الحياة واصابهم من نكباتها وصدماتها ما اصابهم وهم يعيشون وسط المصائب التي تعيشها عوائلهم ويعيشها مجتمعهم بحلقاته القريبة والبعيدة، المعيشية الخاصة والسياسية العامة.

نحن نعرف والوردي يعرف ايضاً ان بلوغ سن الرشد بالنسبة للمتعلمين او من يواصلون الدراسة يكون في الغالب مع الوصول للجامعة او المدارس العليا او التخرج من مرحلة دراسية معينة والبحث عن وظيفة حكومية او عمل. فهؤلاء يجذبهم هذا التحذير ويدفعهم الفضول الى محاولة تصفح هذا الكتاب بأي طريقة عندما ينتشر هذا التحذير في هشيمهم، تصفح الكتاب سواء بالاقتناء للقادرين او الاستعارة من الغير "الأشخاص او المكتبات العامة" او تتناقله الايدي والألسن بين المجاميع ويدخلوا معمعته التي هي: اولاً: حيث اُشير اليهم فيه "الراشدين" اي انه يخصهم من خلال ما سيُشاع/ يُتداول من عبارات وجمل منها تلك التي تدغدغ تفكيرهم ومن هنا يتعلمون/ تعلم بعضهم، أخطر درس في الثقافة والتعليم وهو النقل من فلان عن فلان... قال العالم الفلاني وورد في كتاب فلان الفلاني وكل واحد منهم "متروسه اذانه من كَال فلان وحجه فلان"... وهي فرصة لكي اقدم ما أتصور في هذا الجانب حيث اعتقد انه أحد اعظم المصائب التي حلت وتحل على شعوب هذه الرقعة الجغرافية المبتلات وهي كما أتصور سبب رئيسي او من أسباب حالها اليوم ودوام ذلك في الاجيال حيث استقر في العقل الباطن وربما تحرك للجينات الوراثية...و ربما اصبحت شعوب هذه المنطقة من اكثر شعوب العالم اجتراراً لأقول من سبقوهم والاستشهاد بها على حالهم اليوم بمناسبة او بدونها وحتى دون العمل بالمفيد منها وكأن تلك الاقوال تصلح لكل زمان ومكان ويتمسكون بها حتى بعد ان يصدر من أصحابها نفيها او ما يناقضها... ويتفاقم هذا الحال بعد ان أصبح بعض قادتها "متصدري المشهد"/ "أصحاب السيادة والسمو والمقام والشيوخ والوجهاء وبعض المؤرخين والكتاب والناشطين في الاعلام من المصابين بهذه العاهة المستدامة والمدمنين على هذه الحالة" اعتذر عن هذا الوصف" حيث صار البعض "حتى أتجنب احراج التعميم "مثقف او متعلم المختصرات المنقولات من فلان عن فلان الفلاني... وبعضهم اليوم من النخبة التي تكتب وتتكلم وتناقش وتتحذلق وتنشر وتدير ندوات انقاذ هذه الامة وهم لا يبدؤون عملهم بأقوالهم وافعالهم واعمالهم انما بأقوال وأفعال واعمال من قال وفعل وعمل ومضى . والعجيب ان البعض ينقل بدون انتباه. لذلك نجدهم قادوا ويقودون التمجيد بالمختصرات والأقوال ويستعيرونها كما هي وبعضها فيه تحريف ... وهم سادرون/ سائرون في ذلك حتى بعد حصول البعض منهم على أعلى الدرجات العلمية وبعضهم تخصص في علم الاجتماع او قريب منه. وهذا أخطر مرض معدي "وباء" انتشر ولا يزال بين صفوف شباب هذه الامة وقادة مستقبلها الذين عليهم ان يغادروا ذلك لأنه المرض الخبيث الذي يقتل الابداع والاختراع ولا أقول هذا تنكراً للماضي أو القطع معه انما لنعرف كيف نقرأ ونحلل ونحترم صاحب القول من خلال عدم الصاق بعض ما لم يقله به كما يجري بعضه الان ولكي نتعلم عندما نقرأ ونقتنع بالنص نعتبره ملكنا حيث من قال له الاحترام الكبير مؤيدين له او مخالفين، قال ومضى "خلف الله عليه وألف رحمة عليه وعلى والديه"، وما قاله لم يعد ملكاً له انما ملك من اقتنع به ...الا في الأطاريح والتوثيقات العلمية الصرفة فواجب ذكر المصدر او المصادر حتى يعود لها من لا يعرفها ليستفيد او ليدقق.

وكتب الوردي مخاطباً أمثال هؤلاء كما ورد في ص46 خوارق اللاشعور: [إن الاختراع والابداع هو تركيب بين شيئين قديمين ولهذا السبب كان المتعصب لرأي من الآراء أو طريقة من الطرق بعيداً عن الابداع أو الاختراع أو التجديد ولهذا السبب ايضاً كانت خُطَبْ المقلدين وابحاثهم خالية في الغالب من كل روعة او فكرة جديدة أنهم يكررون ما قال السلف من معنى بلفظ جديد] انتهى. (مع تحفظي على بعض مما ورد في هذا القول). (عندما اتطرق الى الأساتذة الذين كتبوا عن الراحل الوردي سأشير الى بعض ذلك). (وهذا يشمل من نقلوا وينقلون عن الوردي نفسه) (قبل يومين قرأتُ قول منسوب للراحل الوردي هو: [لا خير في امه مآذنها أكثر من مداخنها] انتهى. الحقيقة انا لم اطلع على هذا القول ربما لقصور مني.. استفسرتُ من ناشره: اين ورد هذا القول؟ ... لم أحصل منه على جواب)

2- [أما المستجدون والمدللون والأغرار الذين لم يمارسوا بعد مشكلة الواقع ولم يذوقوا من مرارة الحياة شيئاً فالأولى بهم أن لا يقرئوا هذا الكتاب. أنه قد يضرهم ضرراً بليغاً] انتهى

هؤلاء كما اعتقد جانبين: الأول منهم "المدللون والاغرار" أولاد العوائل الميسورة غير العارفين بما يدور حولهم "ما يعرفون إن شّْرِجَتْ لو غَّرُبَتْ" والذين لا يزالون وفق " بعده مصاصته بحلكه"" حسب وجهة نظر البعض، فهم مدللون وربما لهم خدم خاص من أولئك الراشدين او ابائهم او امهاتهم... والجانب الثاني من هؤلاء هم "المستجدون" من كان منهم دون سن الرشد البايولوجي والاجتماعي حيث يجدون في هذا التحذير دفع له لمعرفة ما يخص من هو أكبر منه عمراً او فهماً ومن يرافقونهم. وهؤلاء سيجذبهم التحذير لأسباب اولاٍ شعورهم بأنهم راشدين ولرغبة في التعرف على ما في هذا الكتاب الذي لا ينصح كاتبه اطلاعهم على ما يرد فيه... والوردي يعرف ان الممنوع مطلوب في كثير من الأحيان او يدفع للبحث عنه والاطلاع عليه. قد يقول قائل ان الراحل الوردي يقصد المتعلمين والمثقفين فقط...أقول انهم جزء من العموم.

 

عبد الرضا حمد جاسم

..............................

بخصوص القراء ورأي الراحل الوردي بهم اشيركم الى الاطلاع على: علي الوردي في ميزان/ غرائب/ الكتابة والتجارة

www.almothaqaf.com/a/qadaya2019/933835

 

 

محمود محمد عليمنذ زمن بعيد وللعلم علاقة مضطربة بغيره من أوجه الثقافة بدليل محاكمة جاليليو Galileo (1564م-1642م) بدعوى الهرطقة في القرن السابع عشر أمام الكنيسة الكاثوليكية التي لم تعترف رسمياً بخطئها إلا منذ فترة قليلة، أو بدليل الهراء الذي كتبه الشاعر" وليم بليك William   Blake (1757م-1827م) ضد نظرة "إسحاق نيوتن Isaac Newton (1642م-1727م)" الميكانيكية للعالَم .أما نظرة الأدباء إلي العلم فهي تتمثل في شكلها الانتقادي، بكلمات " جوزيف كراتش"، حين يقول: " لقد خاب أملنا في المختبر لا لأننا فقدنا إيماننا بحقيقة ما يتوصل إليه من نتائج، وإنما لأننا فقدنا إيماننا بقدرة هذه النتائج علي مساعدتنا بالشكل الكامل الذي كنا نرتجيه ".

وهذا أيضا نفس ما ذهب إليه "جورج جيسنغ" George Ginseng، أحد القصصين في العصر الفيكتوري إذ يقول: " إنني أمقت " العلم" وأخشاه استناداً إلي قناعتي بأنه سيكون للبشرية عدواً فاقد الضمير، وذلك لمدة طويلة جداً إن لم يكن للأبد . إني لأراه وقد أتي علي كل ما في الحياة من بساطة ووداعة وكل ما في هذا العالم من جمال ؛ إني لأراه وقد أعاد الهمجية تحت قناع المدنية ؛ إني لأراه ينشر الظلام في عقول البشر ويقسي قلوبهم ؛ إني لأراه يجر في أعقابه عهداً من المنازعات الكبري أين منها " الحروب الألف في العالم القديم " ويبعثر جميع الجهود التقدمية التي بذلها البشر في بحران دموي من الفوضي".

وثمة مثل آخر علي هذه النظرة مأخوذ هذه المرة من الفيلسوف الألماني شلينج، إذ يسجل احتجاجه ضد "تلك الطريقة العمياء الخالية من التفكير في تفحص الطبيعة، التي رسخت قواعدها بشكل عام منذ أن عمد فرنسيس بيكون Francis Bacon (1561م-1626م) إلي إفساد الفلسفة ومنذ أن قام " روبرت بويل"Robert Boyle (1627م-1691م) ونيوتن بوضع أسس الفيزياء ".

وثمة فئة ثانية من معارضي العلم تستاء مما يواكب التصنيع والتكنولوجي من أمور قبيحة أو سيئة كأن يفقد الإنسان عمله، مثلا بسبب التحسينات التكنولوجية أو الأمراض الناشئة من نوع العمل الذي يقوم به، أو التكتل ضد هذه المصلحة أو تلك، أو بسبب ما تشيعه الحروب من دمار في أيامنا هذه، الخ ... ويشعر الذين ينتمون إلي هذه الفئة من المعارضين أن العلم، ومن ورائه الآلة التي أوجدها، قد أديا إلي إسفاف الحياة البشرية وجعلها تسير علي وتيرة واحدة . لذلك نراهم يدعون للعودة إلي المزرعة والقرية والمشغل اليدوي .

ومن ناحية أخري تساءل بعض الباحثين:هل يؤدي التقدم العلمي والتكنولوجي البارز في هذا العصر إلى تهميش البحث في الإنسانيات؟.

وفي هذا الصدد يؤكد الدكتور "أحمد أبو زيد" فيقول:" يشعر كثير من المفكرين والكتاب والأكاديميين في الخارج بالقلق إزاء الوضع الحالي للإنسانيات ومدى قدرتها على الصمود في المستقبل أمام التقدم العلمي الجارف الذي يبدو أنه لن يتوقف عند أي حدود، وتوجيه الدول في العالم المتقدم معظم اهتمامها إلى تحقيق مزيد من الإنجازات التكنولوجية المتقدمة والمعقدة، والانصراف بشكل واضح عن الاهتمام بالبحوث والدراسات الإنسانية ما أدى إلى تراجعها وعدم إقبال الأجيال الجديدة على التخصص في مجالاتها المختلفة، على عكس ما كان عليه الحال في النصف الأول من القرن الماضي، ما قد يكون له آثار سلبية في المستقبل على العلاقات الإنسانية، وتفاقم المشكلات الاجتماعية التي بدأت تطفو بالفعل على السطح بكثرة، وتقض مضاجع المسئولين أنفسهم نتيجة لغياب القيم والمبادئ الدينية والأخلاقية التقليدية، التي تعتبر الركيزة الصلبة التي يقوم عليها بناء المجتمع الإنساني" .

فإذا كان ثمة ما يقال، فإن الهوة قد اتسعت بين العلم والإنسانيات، كما بيَّن " تشارلز بيرس سنو Charles Percy Snow (1905م-1980م)" في مقاله الكلاسيكي «الثقافتان والثورة العلمية» عام 1959؛ وهذا المقال كان في الحقيقة عبارة عن محاضرة ألقاها سنو في جامعة كامبردج عرفت باسم " محاضرة ريد " وسبب هذه المحاضرة ملاحاة شديدة وجدلاً عنيفاً بين مؤيد ومعارض . وفيما بعد نشر " سنو " هذه المحاضرة في كتيب يحمل العنوان " الثقافتان والثورة العلمية " . ويذهب " سنو " في محاضرته إلي وجود هوة سحيقة ضارة تفصل في الوقت الراهن بين العلوم في جانب، والثقافة التقليدية التي يشكل الأدب جزءاً في جانب أخر .

وكان الجدل الذى طرحه سنو يتمثل فى تأكيده أن الثقافتين منفصلتان تقريبا بلا تواصل، ولا يدرى أفراد كل فئة الكثير عن نشاط الفئة الأخرى. الكارثة أن أفراد الثقافة العلمية، قلما يقرأون الأدب أو التاريخ مثلا، وأفراد الثقافة الأدبية لا يعرفون إلا أقل القليل عن القوانين العلمية حتى أبسطها كقوانين الكتلة أو عجلة التسارع .

وأضاف أن هذه الهوة ليست جديدة . إذ أنها كانت قائمة بدرجات متفاوتة منذ ما أسماه بالثورة العلمية " التي بدأت علي أقصي تقدير ما يقرب من نصف قرن تقريباً ) . وكانت نتيجة هذه الهوة الثقافية، أننا نري المفكرين الأدباء في واد، والعلماء في واد أخر، وقد تقطعت بينهم كل اسباب التفاهم، وتمزقت كل وشائج الاتصال، ويقول " سنو " في هذا الشأن: " اعتقد أن الحياة الفكرية في جميع أنحاء المجتمع الغربي تزداد في انقسامها واستقطابها إلي مجموعتين: هما مجموعة المفكرين الأدباء في جانب، ومجموعة العلماء في الجانب المقابل " .

ويستفيض " سنو " في حديثه عن هذه الهوة التي تفصل بين الأدباء والعلماء، فيقول: " ونحن نجد ان هوة من سوء التفاهم المتبادل، بل من العداء والكراهية (وبخاصة في نفوس الشبان) تفصل بين الأدباء والعلماء، ولكننا في أغلب الأحيان نجد انتقاء التفاهم بينهم " ويعمل سنو علي إقامة جسر ليصل ما انقطع من أسباب الوصل بين أصحاب هاتين الثقافتين اللتين آل أمرهما إلي الانفصام التام . ورغبة منه في التوفيق بين هاتين الثقافتين، يقترح سنو علي بني جلدته الانجليز إعادة النظر في برنامجهم التعليمي بقصد تخريج أدباء يلمون بقدر من المعرفة العلمية والأدبية . والرأي عنده ان الأدباء يجهلون أبسط الحقائق العلمية فهم يعجزون عن تعريف أبسط مصطلحات العلم مثل الكتلة والسرعة والقانون الثاني الديناميكا الحرارية . ويتهم سنو معظم المشتعلين بالفنون والآداب في القرن العشرين مثل بيتس وازرا باوند وويندهام لويس بالرجعية ويصفهم بأنهم ليسوا سخفاء من الناحية السياسية فحسب بل أنهم أشرار أيضاً . كما أنه يتهمهم بالإسهام في التمكين للفاشية والتمهيد لمعسكرات الاعتقال النازية . ولكن "سنو" لا يلقي تبعة الهوة الثقافية علي الأدباء وحدهم فنصيب العلماء من المسؤولية لا يقل عن نصيب المشتغلين بالفنون والآداب . ويقول سنو أن خيبة الأمل تصيبه عندما يجد ان معظم العلماء لا يفقهون شيئاً من أعمال ديكنز الأدبية .

الكارثة إذن أن أفراد الثقافة العلمية، قلما يقرأون الأدب أو التاريخ مثلا، وأفراد الثقافة الأدبية لا يعرفون إلا أقل القليل عن القوانين العلمية حتى أبسطها كقوانين الكتلة أو عجلة التسارع. مثل هذا الكلام، الذى يجب أن يطلع عليه المثقفون من الفئتين . وهنا يشير "سنو" إلى الانفصال بين الثقافتين الذى من شأنه أن يضر بالمجتمع، ذلك أن الثقافتين كلتيهما من ضروريات تقدم الأمم محلياً وعالمياً، وأن استمرار هذا الانفصال يعوق كثيرا من تقدم المجتمع، ورفاهة الإنسان عموما. الكتاب يفضح ما يفعله المثقفون من الجانبين. نعرف أن معظم مثقفينا التقليديين، لا يقرأون إلا فى الأدب أو التاريخ، أو كل ما يخص العلوم الإنسانية، ولا يقتربون من العلوم الطبيعية إطلاقا. وقد يتباهى البعض بأنه يعرف علم النفس أو القليل من الفيزياء. وعن هذا يقول سنو: « لدينا مجموعتان مستقطبتان: هناك عند أحد القطبين مثقفو الأدب، وهؤلاء فيما يعرض أخذوا فى غفلة من الأنظار يشيرون لأنفسهم على أنهم «المثقفون»، وكأنه لا يوجد مثقفون غيرهم». ولتوضيح رأيه، أشار سنو إلى استخدامنا إلى كلمة intellectual التى تعنى مفكراً عقلانياً أو مثقفاً، وهى لا تنطبق مثلاً على علماء الفيزياء أمثال «روذرفورد»، و«إدنجتون»، و«أدرياك .

ويذكر سنو أن غير العلماء ينحون إلى التفكير فى العلماء على أنه فيهم وقاحة وتبجحاً، ويشير إلى أحاديث الناقد الإنجليزي الكبير ت.س. إليوت التى أكد فيها: «أنه لا يمكن لنا أن نأمل إلا أقل الأمل». في حين نرى صوت عالم الفيزياء «روذرفورد» يقول: «هذا هو العصر البطولى للعلم، هذا هو العصر الإلزابيثى !». ويكمل سنو أنه «يوجد لدى غير العلماء انطباع مغروز بعمق بأن العلماء متفائلون تفاؤلا فيه ضحالة، وغير واعين بحال الإنسان. والعلماء من الجانب الآخر يعتقدون أن مثقفى الأدب ينعدم لديهم تماما أى تبصر بالعواقب، وهم على وجه خاص لا يهتمون بإخوانهم من البشر، وهم بمعنى عميق ضد العقلانية، ويعملون بلهفة على أن يقصروا كلا من الفن والفكر على اللحظة الوجودية .

وهنا نعيب علي سنو في أنه دافع عن العلماء دفاعاً ضارياً، حط فيه من شأن الأدباء، واصطنع لهم عدواً وهميا. لعل ذلك وقتها كان منطقياً بعض الشىء، حين كان الطلاب يقبلون على الدراسة الأدبية، وقليل منهم من يقبل على الدراسة العلمية؛ لأن الطريقة الملكية وقتها لم تكن للعلم وكانت للآداب والحقوق، وكان الأدباء يلقون اهتماماً واسعاً من الجمهور والملوك، لكن هذا الأمر تغير الآن تمامًا، أنظر إلى ما يحدث فى الغرب، حيث يتحدث العلماء بطلاقة وكل غرور، وتراجع الأدباء بشدة».الملاحظ أن سنو لم يحط من شأن الثقافة الأدبية أو الثقافة العلمية، بل أكد ضرورة الإلمام بهما معا، بدون انفصال.

لتكن الحياة الأكاديمية علي ما هي عليه،فثمة أيضا رؤية جديدة مطروحة بشأن الهوة بين الثقافتين (الثقافة الأدبية والثقافة العلمية) ظهرت خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين . رؤية لم يكن ليحلم بها سنو .وأشير هنا إلي شئ تطور، إلي ظاهرة تسمي حروب العلم في أواخر تسعينيات القرن العشرين ؛ والتي قال عنها " جيمس تريفل:"... ولا عليك إن لم تكن قد سمعت شيئا عن هذه الحروب، وذلك لأن أغلبية العلماء لم يسمعوا عنها أيضا (وكثيرا ما تساءلت في دهشة عما إذا كان بالإمكان القول بأن ثمة حرباً قائمة بينما أحد طرفيها لا يدري  بها) .

ومن هذا المنطلق فلقد شن أنصار العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية هجوما عنيفا علي صحة العلم، حيث رأوا أن أحكام العلم لا تعبر عن وقائع طبيعية، ولا تنطلق من أساس تجريبي أو واقعي معين، إنما تنبع من أحكام سابقة سبق أن حصل الاتفاق حولها بنسبة ما، فتكون أحكام العلم مقبولة لدى جماعة العلماء، وهذا القبول لا يأتي من كونها تحمل تفسيرا صائباً لوقائع معينة، ولا من كونها تتمتع بموضوعية ما، بل إن ذلك القبول مشروط بالتضامن بين الجماعة التي تأخذ بها لاعتبارات ظرفية. وهذا أدي إلي قلق كثيرين في الأوساط العلمية ؛ خاصة ما جري للغة البناء الاجتماعي من استبدال وتغيير بعض المصطلحات ومحاولة السيطرة السياسية للعلم في المجتمع .

 

د. محمود محمد علي

مركز دراسات المستقبل = جامعة أسيوط

 

عبد الجبار الرفاعيلا تتطابقُ تمثلاتُ الدين في الواقع الذي يعيشه الإنسانُ لدى كلِّ الأشخاص والجماعات، لذلك تختلفُ أنماطُ التديّن تبعًا لطبيعةِ البناءِ النفسي للأشخاص، وتكوينِهم التربوي والتعليمي والثقافي، والواقعِ الذي يعيشون فيه. وهكذا تختلفُ أنماطُ التديّن في حياة الجماعات تبعًا لسياقاتِ تاريخها السياسي والاقتصادي وطرائقِ عيشها، وثقافاتِها، ولغاتِها، وهوياتِها، ومعتقداتِها الماضيةِ المترسبةِ في اللاوعي الجمعي.

إن التديّنَ الذي تظهر فيه التعبيراتُ العمليةُ للدين يتجلّى في أنماط متنوعة في حياة الفرد والجماعة. كثيرٌ منها تديّنٌ شكلي، وقليلٌ منها تديّنٌ أخلاقي. وإن كانت بعضُ أنماط التديّنُ الشكلي لا تتميّز بوضوحٍ عن التديّن الأخلاقي، عندما تتخفّى بذكاء، فتتداخل مع التديّن الأخلاقي، على الرغم من التضادِّ في الجوهر الروحي والأخلاقي بين هذين الضربين من التديّن.

التديّن الأخلاقي تديّن يتجلّى فيه صوتُ العقل، بموازاة حياةِ الروح، ويقظةِ الضمير الأخلاقي، ويتذوّق فيه المتديّنُ تجلياتِ الجمال في العالَم. تديّنٌ تتكرّس فيه كينونةُ الكائن البشري، ويحقّق فيه الدينُ وظيفتَه في إرواء ظمأ الإنسان للمقدّس. تديّنٌ يتموضعُ فيه الدينُ في مجاله الخاص به، وينجز وعودَه في الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية.

إنه تديّنٌ مُتصالحٌ مع العقل والروح والقلب. لا يقترنُ الدينُ في هذا النمط من التديّن بالخوفِ، ولا المقدّسُ بالرعبِ. الإيمانُ بالله في هذا التديّن حالةٌ يتذوقها الإنسانُ وليس معلومةً يدركها، والتوحيدُ يعني نمطَ حياةٍ توحيديةٍ مُلهِمة، وليس اعتقادًا بمفاهيم ذهنية محنطة. الإيمانُ فيه ليس فكرةً يتأملها المتديّن، أو معرفةً يتعلمها، أو معلومةً يتذكرها. الإيمانُ فيه حالةٌ للروح يعيشها، وتجربةٌ للحقيقة يتذوقها.

يحتفي هذا التديّنُ بالفن، ويدرك حاجةَ كلِّ كائن بشري العميقةِ للجمال، كحاجته لكلِّ ما هو أساسيّ من الاحتياجات في حياته. إنه تديّنٌ يدرس الدينَ بوصفه ظاهرةً لها حقيقةٌ تقع داخلَ أفق الدين ذاته، ويمكن إدراكُ جوهرها في الفضاء الخاص للحياة الروحية. الدينُ حقيقةٌ يمكن اكتشافُ تعبيراتِها وتجلياتِها وآفاقِها من خلال العقل والعلوم والمعارف البشرية، لكن هذه المعارفَ والعلومَ لا تدرك تمامَ مدياتِها الباطنية القصيّة وجوهرَها الروحي العميق، وإن كانت تستطيع أن ترسم حدودَها، وتحدّد خارطةً لتمييز ما هو ديني عمّا هو دنيوي.

يدركُ هذا التديّنُ أن احترامَ الآخر المختلف ضرورةٌ تفرضها ثقةُ الذات بدينها وهويتها وثقافتها، والتدليل على أخلاقية دينها وانسانيته، فمن لا يحترمُ الآخرَ المختلف في مجتمعه تعوزه الحجةَ في البرهنة على مصداقية أخلاقية دينه وانسانيته، ويغتربُ عن مجتمعه وعصره.

يرى هذا التديّنُ أن أكثرَ الأساليب الموروثة للتبشير بالأديان انتهت صلاحيتُها. لذلك تجده يشدّدُ على أهميةِ الذكاء العاطفي للمتديّن، وأثرِه النفسي الإيجابي الفاعل في نظرة الآخَر لمصداقية تديّن أيّ إنسانٍ وأخلاقيةِ دينه، فللعواطف الصادقة سحرٌ آسرٌ على مشاعرِ كلِّ إنسان، ومن طبيعة البشر أنهم ينجذبون بقوةٍ لكلِّ إنسانٍ يحبُ الناسَ، ويشفقُ على البؤساء ويرعاهم، مهما كانت ديانتُهم. عبر العواطفِ الصادقة، والكشفِ عن الجوهر الروحي المشترَك لدى البشر، والحوارِ الأخلاقي البعيدِ عن المنطق الوثوقي للمقولات الاعتقادية المغلقة، يمكن التدليلُ على الدورِ الذي يقوم به الدينُ اليومَ لإنتاج ما يمنح الحياةَ معناها، ويمكن التدليلُ على ضرورةِ التديّن الأخلاقي لإنتاج ما يمنح الروحَ سكينتَها وطمأنينتَها، وإيقاظِ الضمير الأخلاقي.

يذهبُ هذا التديّنُ إلى أن الحاجةَ للمعتقدات تكفي لاعتناقِها، واعتناقُ الإنسان لها لا يعني بالضرورة إقامةَ الدليل عليها والقناعةَ العقليةَ بها، فمهما حاولتَ أن تقيمَ من أدلةٍ على عدم صحة معتقدٍ ما، لن يتخلى عنه صاحبُه مادام محتاجًا إليه. واذا أردتَ تحريرَ إنسانٍ من معتقداته المغلقة المتشددة حرِّرهُ من احتياجاتِه النفسية والمادية التي تدعوه للاعتقادِ بها، وحاول أن تُعيد موضعةَ احتياجاته في أفق تدين أخلاقي منفتح.

ينشد هذا النمطُ من التديّن التحرّرَ من كلِّ ألوان الاستعباد والصنمية. هذا التديّنُ ضدّ كلّ ما يستعبدُ الروحَ، وضدّ كلّ ما يستعبدُ القلبَ، وضدّ كلّ ما يستعبدُ الضميرَ، وضدّ كلّ ما يستعبدُ العقلَ، فكلُّ صنم يستعبدُ على شاكلته. جوهرُ الصنمية موقفٌ اعتقادي يعبّر عن الإعلاء من قيمةِ شيءٍ وتوثينِه، مقابلَ الحطِّ من قيمة الإنسان وهدرِ كرامته، بنحو يكون معه ذلك الشيءُ معبودًا من دون الله، ويصيرُ الإنسانُ مسخًا.

لا تختصّ الأصنامُ بالأوثان المصنوعة من الحجر أو الخشب أو الحديد، الصنمُ كلُّ ما يُعبَد، لذلك تصير أحيانًا ديانةً أو مذهبًا أو عقيدةً أو فكرةً أو أيديولوجيا صنمًا، أو يغدو طقسٌ أو عبادةٌ أو شعيرةٌ صنمًا، أو قد تتحوّل كلمةٌ أو شعارٌ أو كتابٌ إلى صنم، أو يصبح زعيمٌ سياسي أو عسكري أو روحي صنمًا، وربما يمسي حزبٌ أو جماعةٌ أو طائفةٌ أو قوميةٌ أو قبيلةٌ أو عائلةٌ صنمًا. ومن أجمل ما قرأتُ في توضيح هذه الحقيقة جوابًا لأبي يزيد البسطامي على سؤال: "مالنا نعبد الله ولا نجد لذة العبادة؟ قال: إنكم عبدتم العبادة، ولو عبدتم الله لوجدتم لذة العبادة".

التديّنُ الأخلاقي هو الأقلُّ حضورًا في الحياة الفردية والاجتماعية اليوم، وعادةً ما تصدر الأحكامُ السلبية على الدين بسبب شيوعِ الأنماط الأخرى للتديّن في حياة الفرد والجماعة، ويظن كثيرون أنها المعبّرةُ عن الدين لا سواها، وقلّما يتنبه من ينتقد الدينَ إلى وجود التديّن الأخلاقي لدى شخصياتٍ روحانيةٍ أخلاقيةٍ مُلهِمة.

إن أخطرَ ما يهدّدُ وجودَ الدين في المجتمع هو ضمورُ الحسِّ الأخلاقي في حياةِ الفرد المتديّن، واتخاذُ الدين وسيلةً للارتزاق، وتوظيفُه في صراعات السلطة والثروة، واستغلالُه كقناعٍ يُخفي الكثير من الممارساتِ اللاأخلاقيةَ والمواقفَ اللاإنسانية.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

 

عدنان عويددونكيشوت، أو طواحين الهواء، رواية كتبت ما بين عام 1605م و1615م... مؤلفها الإسباني ميغيل دي سيرفانتيس سافيدرا. وبطلها هو دون كيشوت، المعروف أيضاً بـ (فارس الظل الحزين).

تعتبر هذه الرواية من أعظم وأقدم روايات أعمال الخيال والوهم والحدس الفردي. وهي قصة نثرية طويلة تركز على العمل وتنمية الشخصية.

من أهم أهدافها البحث عن التناقضات الأعمق في الأفعال الإنسانية، والتأكيد على التناقض والصراع بين المثالي والواقعي أوالعياني، وبين رؤى الجنون، وغباء التوجه العملي في الواقع، وبين الهدف الأسمى والوسائل الوضيعة التي توصل إليه، وأخيراً بين الحلم القائم على أحلام اليقظة والنرجسية، وبين موضوعية الحياة وواقعيتها .

تظل هذه الرواية برأي تشكل عبر تاريخها الذي لن يقف عند زمن محدد، موقفاً من هؤلاء الذين لا يريدون أن يقتنعوا بأن لكل زمان خصوصياته ومشاكله وقضاياه ورجالاته من جهة، وأن التاريخ البشري لا يقف عند محطة أخيرة قد يقال عنها نهاية التاريخ من جهة ثانية.

إن التاريخ البشري تاريخ سيرورة وصيرورة.. تاريخ تفرض عليه ضرورة الحركة حتى في سكونه التغيير وتبدل الأحوال وسبل المعاش والتفكير. فعندما بدأت الثورة الصناعية تدب في عالم الغرب، وقف ديكارت ليقول للعالم أجمع: (أنا أفكر إذاً أنا موجود). وبهذه الفكرة حطم أسس التفكير الأسطوري والغيبي لينقل حياة الإنسان من علم الغيب والأسطورة إلى عالم الشهادة... وعندما تطورت الثورة الصناعية، ظهر فلاسفة عصر التنوير كي يطرحوا شعارات الحرية والعدالة والمساوة، معلنين نهاية سلطة أو سلطات الملك والنبلاء والكنيسة، وبداية تاريخ قوى اجتماعية جديدة بدأت تشعر بذاتها وتفكر وتبحث عن دورها التاريخي في الحياة، وهي الطبقة البرجوازية وشريكتها في الثورة الصناعية الطبقة العاملة، طارحين سلطة الشعب (العقد الاجتماعي). ودولة القانون والمؤسسات والمواطنة.

وعندما تطورت الثورة التكنولوجية المعلوماتية / المعرفية، وما يحقه التواصل الاجتماعي في هذه الثورة من نشر للمعلومة والتفاعل معها، وتسليط للضوء على سلبيات الواقع المعيش بكل سلبياته وإيجابياته، وكشف المسكوت عنه من الزائف في الدين والسياسة والاقتصاد والمجتمع والثقافة والأخلاق والرجال، بدأت الشعوب المقهورة في عالمنا الثالث تعرف موقعها في هذه الحياة، وما يمارس عليها من قهر وظلم وتشيئ واغتراب واستلاب وتجهيل، فراحت تتحرك عن سبل حريتها وكرامتها وعدالتها ومساواتها، ونفض غبار الجهل والتخلف والقهر عنها...

فقط هم وحدهم الذين لا يجيدون قراءة التاريخ في ماضيه وحاضره ومستقبله، سيظلون يعيشون حالة الوهم والخيال ورفض الآخر والتعالي عليه، والاعتقاد بأن التاريخ لهم، ويجب أن يظل لهم وحدهم.

إن التاريخ (الحياة) حركة وتطور وتبدل.. التاريخ صيرورة وسيرورة كما أشرنا أعلاه، تصنعه الأجيال المتتالية، ولكل جيل مشاكله وقضاياه وهمومه، وبالتالي وعيه وطموحاته وحاجاته ومصالحه، فمهما حاولنا أن نحاصر حركة وتطور وتبدل (الزمن) التاريخ، من أجل فرض سيطرتنا بالترغيب أو الترهيب، أو محاولة تجويد أنفسنا وإشعار الآخرين بأننا الأقدر والأجدر على فهم وقيادة حركة التاريخ. لن نفلح، حتى وإن استخدمنا كل وسائل التدمير المتاحة لدينا المادية والمعنوية منها.

إن كل من يشتغل على هذا الاتجاه التدميري للإنسان، أو هذه العقلية المفوته حضارياً، هو كدونكيشوت، لن يقوم بمحاربة المختلف معه فحسب، بل سيحارب نفسه أيضاً ويحطمها... إن هؤلاء شأنهم شأن حصان ربطه صاحبه على شجرة في مزرعته بعد أن أمن له الطعام والماء، وتركه لوحده وذهب معتقداً بأنه سيظل إلى الأبد في هذه المزرعة بسلام، فراح الحصان يدور فرحاً حول جذع الشجرة حتى قصر (رسنه) مع حركة الدوران، ولم يعد يمتلك القدرة على تخليص نفسه من قيوده، فقتله وهم صاحبه الذي ربطه من جهة، مثلما قتله فرحه البائس في الدوران حول جذع الشجرة حتى ضاقت عليه الحركة وسبل الخلاص، فراح يلهث إن لم نقل يلفظ أنفاسه الأخيرة معلناً نهاية تاريخه هو وليس تاريخ الحياة. وهذا شأن كل من يشعر أو يتوهم بأنه وحده من يمتلك الحقيقة المطلقة. ثقافاً كان، أو شيخ دين، أو رجل سياسية، أو مجتمع... إنها أوهام النخبة.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

سامان سورانيعندما نتحدث عن القيم العقلانية یجرّنا الحديث مباشرة الی دور الفلسفة، کرواق فكري يحتضن التنوع والإختلاف والتعدد و يسهر علی العیش المشترك بين الذوات المتجسدة في العالم، في عقلنة العالم وصوغ التجارب بلغة المفاهيم، من شأنها تحقيق التفاهم بين العقول الباحثة وبناء جسور التواصل بين الكائنات البشرية.

صحیح بأن الإنسان حقق تقدماً مذهلاً في مجال العلوم والتقنیات، بواسطته أستطاع أن يحسن مستوی عیشه، لکنه لم يتمكن من تحقيق تقدم موازٍ لذلك في مجال بناء العلاقات السلمية المدنية الهادفة الی تقليل إستخدام العنف والحد من إنتشار الإرهاب علی المستوی المحلي والإقليمي والعالمي.

تقوم فلسفة العنف والتطرف والإرهاب کسلوك ظلامي ببناء مجتمع فقير من الناحیة الفکرية والسلوكية والمعتقداتية، مجتمع یخضع لتصورات ضيقة الأفق سواء الخاصة بالدين أو حتى الحياة.

أما وظيفة القيم العقلانية، کفاعلية نقدية، فهي تكمن في هتك بداهات الفكر الخاوية و تفكيك أبنیته العميقة وكسر قوالبه الجامدة من خلال تجاوز الثنائیات المزيفة وكشف آليات الحجب والتحوير أو الكبت والاستبعاد الممارس من قبل الخطابات والمؤسسات المنتجة للعنف والتطرف والإرهاب.

هناك معادلة ثابتة تقول، كلما كان المجتمع قريباً من القيم العقلانية، كلما كان بعيداً عن العنف ومن قبله التطرف بصوره المختلفة.

إن مشاريع الإرهاب کلها عملت علی إحتكار المصداقية والمشروعية و خرافة التطابق مع الأصل لصنع هويات ناجزة، مكتملة، تسبق أصحابها و تحشرهم تحت أسم واحد أو في خانة وحيدة، لكي تمارس بصورة عدائیة خانقة و عنصرية و تطبق إستراتيجية الرفض والإقصاء والإستئصال لکل مخالف أو معارض، مستخدماً العنف بکافة أنواعه الرمزية والمادية، لتحقيق الدمار و الخراب.

 نحن نعتقد بأن القيم العقلانية ساهمت أیضاً في تحرير الإنسان من تهويمات الأحزاب السلفية والمنظمات الجهادية والنماذج الإرهابية، ذات الطابع اللاهوتي أو الماورائي أو المتعالي. فاللامعقول والإنغلاق والعنصرية هي مایکمن أن نصفه بالعوالم السفلية للعقول الفردية والذوات الجمعية.

أما التاريخ، كما یراه الفيلسوف كارل بوبر، صاحب كتاب "المجتمع المفتوح وأعداءه"، فهو مایصنعه الأفراد، لا ما يفرض علیهم من عقائد جامدة أو نظريات حتمية أو مشاريع طوباوية.

ومن أجل أن نقوم بتحرير المجتمع من النموذجيات الأصولية والعقلانيات الشكلية واليقينيات الدغمائية علینا إستخدام القيم العقلانية، كنشاط فكري لا يتوقف عن إثارة الأسئلة وإعادة صوغ المشکلات، لتعرية ما یتواری خلف الصلات المنسوجة مع العقل، من آليات اللامعقولة أو الممارسات المعتمة أو الأبنية المعیقة أو القوالب المتحجرة أو الثنائيات الخادعة.

فبتعزيز القيم العقلانية نستطيع أن نضع حداً لعبثية العنف السياسي ونزيل الآثار النفسيّة للإرهاب من حياة الإنسان، لذا نراه من الضرورة بمكان أن نعمل علی تظافر كافة الجهود للتّخلّص من جرثومة الإرهاب والعنف والتطرف، وذلك بإشاعة الديمقراطية الحقيقية وصيانة الحقوق والحريات العامة واحترام الرأي الآخر والعمل علی محو مفاهيم الاستبداد في المجتمع ، التي أصبحت ثقافة سائدة في السياسة والدين، والبيت ، والشارع، والجامعة، وفي كل نواحي الحياة وكذلك مكافحة المفاهيم السلبية الخاطئة في نفوس البشر، التي تٶدي في النهاية الی قمع الإبداع الفكري والصمت على الظلم والفساد وإكراه الذي يريد العيش بكرامة والحقد علی المثقف والمفكر بتكفیره. نعم القیم العقلانية قادرة علی تعرية خطاب التطرف، وإغلاق المسارب والممرات التي توصل إلى التعصّب ومن ثم إلى الإرهاب، لکنها بحاجة الی تعاون تربقي و إجتماعي و ثقافي.

ختاماً نقول: "المخرج ليس في العودة الى الوراء، كما یریدها أصحاب مشاریع العنف والإرهاب والتطرف، بل مواصلة مسيرة النهوض والإصلاح والتقدم للمشاركة في صناعة الحضارة المبنية علی مفاهيم المواطنة والديمقراطية والدولة المدنية والعالمية والتعایش السلمي، لأن الدعوة الى إقامة حكم ديني تحت مسمى دولة الخلافة أو ولاية الفقيه أو الحاكمية الإلهية، فمآلها إعادة إنتاج الأزمات المستعصية التي نسعى إلى تفكيكها والتصدي لمعالجتها."

 

الدکتور سامان سوراني

 

راجي العواديالمقدمة: في بداية العقد السادس من القرن المنصرم كان المفكر الإسلامي الكبير الشهيد محمد باقر الصدر قد ألف كتابا سماه اقتصادنا حاور فيه الاقتصاد الماركسي والاقتصاد الرأسمالي واثبت بالبينة والدليل القاطع عجز كلا الاقتصادين وانهيار الدعائم الاساسيه لهما في نفس الوقت اثبت للجميع بان مبادىء الاقتصاد الإسلامي أجدى وانفع من أي نظام أخر وأجدر على قيادة المجتمع نحو السعادة والرفاه

المادة التاريخية (المفهوم المادي للتاريخ)

القاعدة المباشرة للمذهب الماركسي، والهيكل المنظم لقوانين الاقتصاد والتاريخ والمادة التاريخية هي التي تحدد المذهب الاقتصادي والنظام الاجتماعي لكل مرحلة من حياة الإنسان، وأن المادة التاريخية تقوم على أمرين أحدهما الإيمان بوجود الحقيقة الموضوعية وهو نقطة الانطلاق نحو مفاهيم التاريخ .

والآخر أن الأحداث التاريخية لم تحدث صدفة وإنما وفقا" لقوانين معينة فكل نتيجة متصلة بسببها وكل حادث متصل بمقدماته، ومن هذه القوانين مبدأ العلية . وقد اعتبر ماركس فشل المادة التاريخية في أداء مهامها العلمية نذيرة شؤم بانهيار الماركسية وواجب على كل باحث في الاقتصاد أن يلقي نظرة شاملة على المادة التاريخية .

وأن الوجه العام للمادية التاريخية تتأنى من القوى المنتجة التي تخلق الوضع الاقتصادي وتطوره والوضع الاقتصادي هو الأساس العام لهيكل البناء الاجتماعي وما فيه من ظواهر

علمية المادة التاريخية ونشوء الدولة

أشاعت الماركسية بان مادتها التاريخية ذات طابع علمي وفسرت نشوء الدولة على أساس العامل الاقتصادي والتناقض الطبقي فتقوم الطبقة الغالبة بإنشاء أداره سياسية لحماية مصالحها الاقتصادية وهذه الاداره هي الحكومة.

يعتبر الشهيد الصدر هذا لم يكن صحيحا من خلال عدم أثبات الدليل العلمي في الفرضيات الماركسية ربما كانت فكرتها مبنية على الملاحظات واعتبرتها سندا علميا هذا بصدد العلمية

اما بصدد نشوء الدولة فماذا تقول الماركسية عندما نرى نشوء دوله على أساس تعقيد الحياة المدنية كما حصل في مصر القديمة بفعل تنظيم المياه وشؤون الري وظلت طبقة الاكليدورس تتمتع بمكانه عليا لا على أساس طبقي وإنما على أساس معرفتهم بالعلوم الزراعية كذلك رجال ألكنسه تمتعوا بمركز كبير في جهاز الدولة الرومانية .‍

مفهوم القيمة في رأي الشهيد الصدر:

يؤكد ماركس في تحليله بأن أي سلعتين تتساويان في القيمة التبادلية بسبب اشتراكيهما في أمر واحد موجود فيهما بدرجة واحدة هو العمل المتجسد فيهما دون المنافع والحقائق الطبيعية

لكن الشهيد الصدر يقول:

ا - ماذا يكون رأى الماركسية لو اصطفينا نفس هذه الطريقة التحليلية في عملية تبادل بين منتوج اجتماعي وآخر فردي؟ !

أليس للوحة الفنية قيمة تبادلية؟! وهل ممكن استبدالها في السوق بنقدأو كتاب؟

ب - ما هو المحتوى الحقيقي للقيمة التبادلية الذي تلعب الطبيعة دورا" في تكوينه كما لو حصل في استخدام طاقة من العمل في أرض خصبة وأخرى فقيرة بالطاقة نفسها . أليس القيمة المضافة متأتية للدور الإيجابي الذي لعبته الأرض نفسها في تنمية الإنتاج وتحسينه .

ج- ماذا تقول الماركسية أيضا" بشأن انخفاض القيمة التبادلية تبعا" لانخفاض الرغبة الاجتماعية فيها بالرغم من احتفاظها بنفس كمية العمل فيها؟ !

د- في ضوء التحليل الماركسي أن الأرباح المكتسبة تختلف من مشروع لآخر تبعا" لاختلاف كمية العمل المنفق دون أن يكون لكمية الآلات والأدوات التي يتطلبها المشروع وبهذا لم يتمكن ماركس التدليل على نظريته من واقع الحياة الاقتصادية

هـ- على الرغم من قياس الماركسية كمية العمل عدديا" وتقسيمة إلى مركب وبسط ولكن إغفال قياس نوعية وصيغة العمل ومدى تأثيره بالعوامل النفسية، فمثلا" ساعة من العمل في الظروف نفسية ملائمة أكثر كفاءة في إنتاجها من ساعة من العمل في ظروف معاكسة، ولو استعاضت الماركسية عن ذلك بأخذ المعدل الاجتماعي للعمل حيث روعة صورة ما تستمد قيمتها من عنصر لا يوجد في صورة أخرى وليس هذا العنصر هو كمية العمل وإنما هو نوعية العمل .

و- اسقط ماركس من حسابه المنفعة الاستعمالية للسعتين وجميع الخصائص الطبيعية ولم ينتبه إلى أن هنالك سيكولوجية موجودة فيها غير العمل وهي الرغبة الإنسانية في الحصول على هذه السلعة ومردودها هي المنفعة الاستعمالية .

ز- بعد انهيار الاستدلال الذي قدمه ماركس على قانونه نجد أن السلعة التي ليس لها منفعة لا تمتلك قيمة تبادلية إطلاقا" مهما انفق على إنتاجها من عمل وفي ضوء المقياس السيكولوجي فالترابط بين المنفعة والقيمة واضح تماما" ما دامت المنفعة هي أساس الرغبة والرغبة هي مقياس القيمة ومصدرها العام .

ح- كما ترى الماركسية أن القيمة كلها ناتجة عن العمل وحدة ولكن ماذا تقول الماركسية بشأن المادة نفسها هل لها قيمة تبادلية ؟ ! كما لو كانت مادة معدنية في باطن الأرض مثلا" ذهب فسيكون كمية العمل البشري تافهة قياسا" بقيمة الذهب أو بالعكس كما لو استخرج صخورا" لا تجدي نفعا" فتكون قيمتها تافهة قياسا" بكمية العمل المنفق عليها . إذن المادة والعمل متفاعلان متصادفان في تكوين القيمة التبادلية

مفهوم فائض القيمة في رأي الشهيد الصدر:

إذا استبـدلنا عنصر العمل كعنصر أساسي للقيمة التبادلية المزعـوم في رأي الماركسية بـ (الرغبة الاجتماعية) فلن نضطر إلى تفسير الربح بكونه جزء من القيمة التي يخلقها العمل ولا بد من إدخال نصيب المواد الطبيعية الخام وندرتها النسبية من قيمة تلك السلع، فالقيم التبادلية للسلع تزداد في المجتمع كلما ازدادت الثروة وعن طريق اندماج كميات من العمل بالمواد الطبيعية وتكوين سلع تحمل قيمة من المادة الطبيعية والعمل معا" وبذلك تولد قيمة جديدة لم تكن موجودة قبل الاندماج .

ب- لقد أقصت الماركسية من حسابها دون مبرر مسوغ الموهبة الإدارية والتنظيمية للمالك التي تستعمل في إدارة المشروع، وكلنا يعرف أن الأرباح تختلف طبقا" لكفاءة التنظيم والإدارة من مشروع لآخر، فإذا كان ماركس معتبرا" أن العمل جوهر القيمة فأننا نقول أن العمل القيادي والتنظيمي نصيب من القيمة التي يخلقها العمل في السلعة .

ج- يجب أن نرفض التناقص المزعوم بين العمل والمالك بوصف المالك سارقا" يقتطع الجزء الفائض من القيمة التي يخلقها العامل والتناقض بين ما يشتريه المالك من العامل وما يستلمه منه، وهذا الرفـض مستند إلى أن الأساس التعليمي لنظرية فائض القيمة عند ماركس قد انهارت .

د- في ضوء الاقتصاد الإسلامي فلا العمل ولا قوة العمل هي السلعة التي يشتريها المالك من العامل وإنما يشتري المالك من العامل منفعة العمل أي الأثر المادي للعمل (هيئة السرير بشكله الجديد) بعد أن كان خشبا" والإرادة الإنسانية هنا يمكن أن تتدخل بجعل البضاعة نادرة وبالتالي رفع ثمنها .

الحكم على المادة التاريخية

استطاع الشهيد الصدر ان يحكم على المادة التاريخية التي تعتبر محور النظرية في الفكر الماركسي وبين مثالب النقص فبها وكما يلي:

- كار ل ماركس عد العامل الاقتصادي عاملا" رئيسيا ورائدا" أولا" للمجتمع في نشوءه وتطوره وتحدد الأوضاع الاجتماعية والسياسية والدينية بموجبه في حين أن العامل الاقتصادي ليس هو المحرك الوحيد…. بل هنالك دوافع أخرى قد يضـحي الشخص في سبيلها بمصالحة الاقتصادية كالشرف والكرامة والنواميس الاجتماعية الأخرى.

- إذا كان كل شيء محكوم بالعامل الاقتصادي والقوى المنتجة، ومنها إلى الاشتراكية والشيوعية، فلماذا تبذل هو الجهود الجبارة من الماركسيين لشق ثورة فاصلة على الرأسمالية ولماذا لا يدع الماركسيون قوانين التاريخ تعمل فتكفيهم هذه المهمة الشاقة ؟

- الماركسية فسرت الفلسفة على أساس القوى المنتجة أو على أساس العلوم الطبيعية ومرة أخرى على أساس التركيب الطبقي للمجتمع، ويتمثل نقد الشهيد لهذه التفسيرات كما يلي:

أن الوضع الاقتصادي لقوى الإنتاج لو كان هو الأساس الحقيقي لتفسير الأفكار الفلسفية لكان حتما" تطور الفلسفة تبعا" لتطور الوضع الاقتصادي فمثلا" إنكلترا عام 1215 كانت متطورة اقتصاديا" ولكن لم تظهر على المسرح الفلسفي المادي وقد أنتبه ماركس لهذا وعد التطور على يد (فرنسيس بيكون) الذي لم يكن فيلسوفا ماديا" بل كان غارقا" في المثالية

- أعطي ماركس أهمية خاصة للتراكم الأولي في رأس المال مستعرضا" أن طبقة معينه من المجتمع امتازت بالذكاء وحسن التدبير جعلها تدخر شيئا" فشيئا" حتى استطاعت أن تحصل على رأس المال وبذلك امتلكت وسائل الإنتاج بينما بقي الطرف الآخر منهم أناسا" لا يملكون سوى طاقاتهم العملية، ومعنى هذا أن أساس العلاقة الرأسمالية تقوم على الانفصال الجذري بين وسائل الإنتاج والأجير وعد هذا الانفصال الشرط الضروري تاريخيا" لتكوين العلاقات الرأسمالية وبتعبير أدق يجب أن تحصر وسائل الإنتاج في أيدي التجار الرأسماليين التي لا بد من الحصول عليها بالعنف والقوة من الجماعات القادرين على العمل كما حصل في إنكلترا بتجريد الفلاحين من أراضيهم وتحويلها إلى مراعي باعتبار أن القوة هي المولد لكل مجتمع قديم اخذ في العمل وان القوة هي عامل اقتصادي، وعد ماركس كل ما يحدث في المجتمع الرأسمالي تنبع جذوره من الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وما يترتب على ذلك من البؤس والحرمان والاحتكار .

وقد رد الشهيد الصدر على هذه الآراء بما يلي:

أ- ليس من الضروري أن يحدث التحول من الإقطاع إلى الرأسمالية على أثر حركة اغتصاب المنتجين من وسائل إنتاجهم، حيث حصلت الرأسمالية على أكتاف الإقطاع في ألمانيا كذلك لا ينطبق رأي ماركس على الرأسمالية الصناعية سواء أكانت ناشئة من الطبقة الإقطاعية أم التي تكونت من الأرباح التجارية كما في إيطاليا .

وقد نسي ماركس بأن الصناع يعملون لحسابهم الخاص وكان التجار يشترون منهم منتجاتهم فيجنون الأرباح واستطاعوا من هذا الطريق أن يتخلصوا من سلطة الإقطاع وبالتالي إنشاء الصناعات الكبيرة، فقام على هذا الأساس الإنتاج الرأسمالي أو الرأسمالية الصناعية .

ب- لم تفسر لنا الماركسية كيف أن فئة استطاعت أن تكتسب سلطة الإخضاع والعنف ستجرد المنتجين من وسائل إنتاجهم بالقوة ! !

ج- حتى لو افترضنا أن سلطة الإخضاع والعنف ليست بحاجة إلى تفسير ولكنها بألتاكيد لا تصلح لتفسير التراكم الرأسمالي لأنها ليست أداة اقتصادية وبالتالي فهي لا تنسجم مع جوهر المادة التاريخية . والحقيقة أن ماركس بهذا التحليل المذكور يهدم منطقه التاريخي ويعترف ضمنا" بأن التكوين الطبقي لا يقوم على أساس اقتصادي بحت .

د- حالة الاغتصاب والتجريد التي فسر بها ماركس التراكم الأولي لرأس المال استخرجها من تاريخ إنكلترا ومن القطاع الزراعي حصرا" فالرأسمالية التجارية هي التي دفعت الإقطاعيين إلى تجريد الفلاحين من أراضيهم وليست العلاقات الإقطاعية بسبب ازدهار تجارة الصوف التي تتطلب تحويل الأراضي الزراعية إلى مراعي لصالح الأغنام .

هـ- لقد حصل تحول من الإقطاع إلى الرأسمالية بشكل سلمي وتنازل سادة الإقطاع عن حقوقهم ولم يحدث عنف أو تجريد بالقوة كما حصل في اليابان التي أصبحت دولة صناعية وأخذت مركزها في التاريخ، وبذلك لم يصح رأي الماركسية بأن كل تطور لا يتم إلا من خلال الصراع الطبقي .

- تنظر الماركسية دائما" إلى المدلولات الاجتماعية ضمن الإطار الاقتصادي فهي ترى أن الطبقات الاجتماعية ما هي إلا تعبير عن القيم الاقتصادية السائدة في المجتمع من الربح والفائدة وألوان الاستثمار وتؤكد إن ظهور أي طبقة في المجتمع هي العامل الاقتصادي، كما تناست الماركسية العوامل الفيزيولوجية والسلوكية والاتجاهات والعواطف والكفاءات الفردية وما لها من تأثير في حياة المجتمع وصنع التاريخ .

تناول الشهيد الصدر هذا الرأي بالتحليل والنقد وتساءل متى كان النشاط في ميادين العمل هو الطريق لتكوين الطبقة الحاكمة في المجتمع ؟ لكن هذا ينطبق على المجتمع الرأسمالي فقط حيث بنت كيانها الطبقي عن طريق الملكية، أما في ظل الظروف الأخرى على العكس كانت حالة الملكية تظهر بوصفها نتيجة وليست سببا" وإلا كيف تفسر الحدود الفاصلة في المجتمع الروماني بين طبقة الأشراف ورجال الأعمال وباقي الناس ؟ وكيفية قيام طبقة في الهند القديم على أساس اللون والعرف المتضمنة رجال العسكر الأكفاء ورجال الدين وظلت الفئات من المجتمع الأخرى محكومة لهما بما فيهم رجال الأعمال الذين يملكون وسائل الإنتاج وكذلك كيف نفسر قيام الطبقة الإقطاعية في أوربا نتيجة للفتح لجرماني؟

وهل يمكن أن نجعل كبار الأطباء والمهندسين وعمال المناجم والزراعة ومديري الشركات لأنهم جميعا" يعيشون على الأجور ضمن طبقة واحدة ؟ !

واستنتج الشهيد الصدر ما يأتي:

1- ممكن قيام طبقات في المجتمع حتى ولو انعدمت فيه الملكية الخاصة .

2- الصراع في المجتمع لا يجب أن يعكس القيم الاقتصادية .

القوانين العلمية للاقتصاد الرأسمالي:

كما عرفنا سابقا" أن المذهب الماركسي ليس له طابع علمي، ولكن الاقتصاد الرأسمالي له قوانين علمية وسنلقي الضوء على هذه القوانين وكما يأتي:

أ- القوانين التي تنبثق ضرورتها من الطبيعة نفسها (لا من الإدارة الإنسانية) مثل قانون الغلة المتزايدة، ونقيضه الغلة المتناقصة، وهذه القوانين لا تحمل شيئا" من الطابع المذهبي ولا تتوقف على ظروف اجتماعية ولا تعتد بالزمان والمكان ما دامت الطبيعة التي يتعلق فيها الإنتاج هي الطبيعة في كل زمان ومكان .

ب- القوانين التي لها صلة بإدارة الإنسان نفسه كقانون العرض والطلب مثلا" فهذا القانون لا يعمل بصورة منفصلة عن وعي الإنسان وإنما يمثل ظواهر الحياة الواعية فهو يوضح أن المشتري سيقدم على شراء السلعة بثمن اكبر من ثمنها في حالة مساواة العرض للطلب وأن البائع سيمتنع في تلك الحالة عن البيع إلا بذلك الثمن .

وهذه القوانين تتأثر بكل المؤثرات والعوامل التي تتدخل في إدارة الإنسان وميوله، المذهب السائد، لون التشريعات فلا يمكن إعطاء قانون عام للإنسانية في الحياة الاقتصادية بمختلف إطاراتها الفكرية والمذهبية والروحية وإنما يجب أن تؤخذ هذه كمدلولات ثابتة في مجال البحث العلمي فمثلا" الإسلام بوصفه دينا" ومذهبا" خاصا" في الحياة برهن على أمكان التحليق بالإنسان إلى آفاق لم يستطع أفراد المجتمع الرأسمالي الوصول إليها فقد ورد أن جماعة جاءوا إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم) قائلين (يا رسول الله ذهب الأغنياء بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضل أموالهم فأجاب الرسول أو ليس قد جعل الله لكم ما تتصدقون به أن لكم بكل تسبيحة صدقة وبكل تكبيرة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة) فهؤلاء المسلمون لم يكونوا يريدون الثروة بوصفها أداة للمنفعة والقوة أو ضمانا" لإشباع الرغبات الشخصية وإنما عز عليهم أن يسبقهم الأغنياء في المقاييس المعنوية بألوان البر والإحسان .

ومثال آخر من مظاهر التعاون والتكافل في المجتمع الإسلامي ربما نزل على بعضهم ضيف ولم يكن لديه ما يقدمه من طعام فيأخذ المضيف قدر أحدهم من على النار فيقول صاحب القدر من أخذ هذا فيقول المضيف أنا أخذته لضيفي فيقول له بارك الله لكم فيها . وهكذا ندرك الدور الإيجابي الفعال للإسلام في تغيير مجرى الحياة الاقتصادية وقوانينها الطبيعية .

وأخيرا" يمكن الاستعانة بآراء ريكاردو بقوانين توزيع الدخل في الاقتصاد الرأسمالي للحكم بشكل نهائي عليه، حيث يؤكد ريكاردو بتشخيص جزء من أجر العامل لقيمة المواد الغذائية التي تعيله وتقسيم الباقي من الدخل على شكل أرباح وفائدة وريع مع ملاحظة أن الأجور قانونا" حديا" حتى وأن زادت أو انخفضت كمية النقد التي يستلمها العامل كأجر تبعا" لارتفاع قيمة المواد الغذائية وهبوطها حيث أن العمال إذا زادت أجورهم تحسنت حالتهم المعيشية وسيقدمون على التزاوج والتناسل فتكثر الأيدي العاملة وتنخفض الأجور وإذا حدث العكس تنخفض كمية العرض من العمال فترفع الأجور .

ركائز الحرية الاقتصادية في الفكر الرأسمالي:

هذه هي الأفكار التي بررت الرأسمالية عن طريقها قيام المجتمع على أساس الحرية الاقتصادية وبذلك تكون هي كما يأتي:

أساس هذه الفكرة أن الدوافع الذاتية تلتقي دائما" بالمصالح العامة إذا توفرت الحرية لجميع الأفراد كما أوضحه مفهوم التوافق المذكور أنفا" وبهذا لا تكون هنالك حاجة إلى القيم الخلقية والروحية وتغذية الناس بها ويذكر أنصار الرأسمالية أن الحرية الاقتصادية تفتح مجال التنافس الحر بين مختلف المشاريع وهذا يعني أن مالك المشروع يظل دائما" يتلقف كل فكرة تؤدي إلى تحسين وزيادة الإنتاج وجزاء من يتخلف في هذا السباق من التنافس هو الإفلاس .

إذن المنافسة الحرة في النظام الرأسمالي سيف مسلط على رقاب المنظمين يطيح بالضعف والمتكاسل ويضمن البقاء للأصح وواضح أن هذه المنافسة تؤدي إلى مصلحة المجتمع .

وقد بين الشهيد الصدر أن تاريخ الرأسمالية قد ضج بفجائع وكوارث قل نظيرها في التاريخ وتناقضات صارمة بين المصالح الخاصة والمصالح العامة وفراغ هائل أحدثته الاستغناء عن الكيان الخلفي والروحي للمجتمع فإملاؤه بدلا" من القيم الروحية والخلقية بألوان من الظلم والاستهتار والطمع والجشع .

أما في الحياة الاقتصادية فليست الحرية الرأسمالية إلا سلاحا" جاهرا" بيد الأقوياء يعيد أمامهم طريق المجد والثورة على جماجم الآخرين لان الناس ما داموا متفائلين في حظوظهم من المواهب الفكرية والجسدية والغرض والفرص الطبيعية فمن الضروري أن يختلفوا في أسلوب الاستفادة من الحرية الاقتصادية التي لا تقر بالرقابة مهما كان لونها فسوف يفقد الثانويين في معركة الحياة ويظلون في رحمة منافسين أقوياء لا يعرفون لحرياتهم حدودا" من القيم الروحية والخلقية ولا يدخلون في حسابهم عدا مصالحهم الخاصة .

أما الكرامة الإنسانية فقد بلغ منها من الهدف أن أصبح الإنسان سلعة يباع ويشترى طبقا" لقوانين السوق ومفهوم الأجور فإذا زاد المعروض من القوى العاملة أنخفض أجرها لان الرأسمالي سيعبر ذلك فرصة لامتصاص سعادته من شقاء الآخرين فينخفض أجورهم إلى مستوى قد لا يحفظ لهم حياتهم ولا يشبع بعض رغباتهم أو قد يقذف بعدد هائل إلى خارج العمل فيقاسون الآم الموت والجوع لا لشيء إلا لأنه يتمتع بحرية غير محدودة وقد قاست الإنسانية أهوالا" مروعة على يد المجتمعات الرأسمالية فقد كان من نتائج هذه الحرية أيضا" تسابق الدول الأوربية بشكل جنوني على استبعاد البشر كما في أفريقيا حيث كان التجار يحرقون القرى ليضطر سكانها إلى الفرار مذعورين فيقوم التجار بسوقهم إلى السفن التجارية وبيعهم في أسواق الرقيق وتقديمهم قربانا" للعملاق الرأسمالي وهكذا يفند الشهيد الصدر التوافق المزعوم بين الدوافع الذاتية والمصالح العامة في ظل الحرية الرأسمالية .

ومن نافلة القول أن البذرة العلمية الأولى للاقتصاد الرأسمالي تولدت من فكرة أن الحياة الاقتصادية تسير وفقا" لقوى طبيعية محددة يتوجب اكتشاف القواعد والقوانين العلمية التي تصلح لتفسير مختلف الظواهر الاقتصادية .

إن الرأسمالية المذهبية لا تدعي لنفسها طابعا" علميا" وليست هي نتيجة لعلم الاقتصاد وإنما ترتكز على قيم وأفكار خلقية معينه يجب أن تعد هي المقياس للحكم في حق المذهب الرأسمالي وقد يستعان بالبحث العلمي لتكوين فكرة عن النتائج الموضوعية للقوانين الاقتصادية في حق المذهب الرأسمالي وقد يستعان بالبحث العلمي لتكوين فكرة عن النتائج الموضوعية للقوانين الاقتصادية في ظل الرأسمالية وليست وظيفة تقديم البرهان على حتمية المذهب أو أخطاءه .

كما إن الحرية الرأسمالية تفسح المجال للتنافس بين أصحاب المشاريع وبالتالي يتطور الإنتاج كما" ونوعا" تبعا" لهذا ولكن هذا التنافس سرعان ما يؤدي إلى صراع عنيف تحطم فيه المشاريع القوية غيرها وتبدأ مرحلة الاحتكار حتى تختفي كل ألوان التنافس وثمراته

في مضمار الإنتاج .

أيضا" عرفنا إن الحرية الرأسمالية تؤدي إلى وفرة الإنتاج وتنميته نوعا" وكما" وتحقيق إنتاج بأقل كلف ممكنة لتحقيق الرفاهية للمجتمع ولكن الرفاهية لا تتعلق بكمية الإنتاج بمقدار ما تتعلق بكيفية تقسيمه على الأفراد الذي بين إن من لا يملك ثمن السلعة ليس له حق في العيش والحياة ولهذا كانت بطالة الأيدي العاملة في المجتمعات الرأسمالية من افجع الكوارث الإنسانية وبهذا يشير الشهيد الصدر التضليل وستر الجانب المظلم من كفاءة المذهب الرأسمالي المزعوم ومدى قدرته في تنمية الإنتاج .

كما بين الشهيد الصدر أن الحرية الرأسمالية والتي تفسح المجال للتنافس بين أصحاب المشاريع وبالتالي يتطور الإنتاج كما" ونوعا" تبعا" لهذا ولكن هذا التنافس سرعان ما يؤدي إلى صراع عنيف تحطم فيه المشاريع القوية غيرها وتبدأ مرحلة الاحتكار حتى تختفي كل ألوان التنافس وثمراته

في مضمار الإنتاج

كما بين الشهيد الصدر أن هنالك لونين من الحرية هما:

الحرية الطبيعية: التي تعني عنصرا" جوهري في كيان الإنسان وظاهرة أساسية تشترك فيها الكائنات الحية وفي مقدمتها الإنسان الذي يستحوذ على نصيب أوفر منها

ولمعرفة جوهر هذه الحرية تبدأ بملاحظة الكائنات غير الحية التي لا نصيب لها من هذه الحرية مثلا" الحجر لا يتحرك ما لم تحركه . في حين أن الكائن الحي يمتلك قدرة وطاقة إيجابية على تكييف نفسه التي منها يستوفي مفهوم الحرية فمثلا" النباتات تغير من اتجاهها عند اقترابها من حاجز وتبلغ الحرية الطبيعية ذروتها في الإنسان ومنها القدرة على قهر الشهوات أو الانسياق وراءها وبالتأكيد إن الحرية هنا هي منحة الله للإنسان وليست منحة مذهب معين .

الحرية الاجتماعية:

التي تحمل الطابع المذهبي فهي الحرية التي يكسبها الفرد من المجتمع لا من الطبيعة بوصفها مسألة اجتماعية يجب عن تبين كفاءتها لبناء مجتمع سعيد ولا بد عن نميز شكلين من الحرية الاجتماعية هنا .

الحرية الاجتماعية الجوهرية:

وتعني قدرة المجتمع أن يوفر للفرد كل الوسائل والشروط التي يتطلبها للقيام بفعل ما فمثلا" إذا كفل لك المجتمع إن تمتلك ثمن سلعة ما ووفر هذه السلعة في السوق ولم تسمح للمالك بالاحتكار فأنت عندئذ حر في الشراء .

الحرية الشكلية:

فهي ضمان المجتمع للفرد في الحصول على سلعة ما أو الحصول على ثمنها حتى ولو لم يكن يمتلك هذا الثمن فالإنسان حر شكليا" في شراء قلم كما هو حر في شراء شركة ما دام النظام الاجتماعي يسمح له بالبقاء بأي عمل وعليه فأن الحرية الشكلية أداة لاستثارة القوى والطاقات في الأفراد للوصول إلى مستويات أعلى بغض النظر عن ضمانات النجاح والفوز . والمذهب الرأسمالي يتبنى الحرية الاجتماعية الشكلية وأما الحرية الجوهرية في رأيه فتعني القدرة على الاستفادة من الحرية وليست الحرية نفسها .

وهكذا فالرأسمالية موقف سلبي اتجاه الحرية الجوهرية وموقف إيجابي اتجاه الحرية الشكلية والموقف السلبي مبني على أساس:

أ- أن طاقة المذهب الاجتماعي قاصرة عن توفير الحرية الجوهرية لكل شخص فليس هنالك قدرة أن تجعل من المغمور نابغا" أو من البليد عبقريا" كما أن كثيرا" من الأهداف لا يمكن للأفراد الفوز بها فليس من المعقول مثلا" إن يصبح كل فرد رئيسا" للدولة وإنما الشيء المعقول فسح المجال أمام كل فرد ليخوض معركته ويجرب مواهبه فأما أن ينجح أو يخفق

ب- إن منح الفرد هذه الحرية بتقديم الضمانات الخاصة وفق الهدف المنشود ويضعف شعوره بالمسؤولية .

وقد بين الشهيد الصدر إن الإنسان يتميز بكيانه الإنساني الخاص عن سائر الكائنات وبالحرية الطبيعية بوصفه كائنا" طبيعيا" لا بالحرية الاجتماعية باعتباره كائنا" اجتماعيا" فالحرية التي تعد شيئا" من كيان الإنسان هي الحرية الطبيعية لا الاجتماعية التي تمنح وتسلب تبعا" للمذهب الاجتماعي السائد والإنسان بوصفه يتمتع بالحرية الطبيعية يميل ذاتيا" إلى إن يكون حرا" في سلوكه وعلاقاته مع الآخرين كما كان حرا" من الناحية الطبيعية ومن وظيفة المذهب الاجتماعي إن يعترف بالنزعات والميول الأصيلة في الإنسان ويضمن إشباعها فلا يمكن لمذهب أن يكبت الإنسان نزعته إلى الحرية .

فالحرية وإن كانت نزعة أصيلة في الإنسان لأنه يرفض بطبعه القسر والضغط والإكراه ولكن لهذا الإنسان حاجات جوهرية وميولا" أصيلة فهو بحاجة إلى شيء من السكينة والاطمئنان في حياته لان القلق يرعبه كما ينغصه الضغط والإكراه فإذا فقد هذا خسر حريته تماما" وقام جهاز اجتماعي يملي عليه إرادته بالضغط ولإكراه .

إن موقف الرأسمالية من الحرية والضمان وإن كان خطأ فهو ينسجم مع الإطار للتفكير الرأسمالي .

وأوضح الشهيد الصدر أخيرا" مقارنة بين الماركسية والرأسمالية والإسلام في تحديد هذا المفهوم حيث أخذ المجتمع الرأسمالي بالحرية الشكلية وطرح الحرية الجوهرية ويقف النظام الماركسي موقفا" معاكسا" إذا قضت الاشتراكية فيه على الحرية الشكلية بإقامة جهاز دكتاتوري يتولى السلطة المطلقة في البلاد وزعمت إنها عوضت عن تلك الحرية الشكلية بحرية جوهرية أي بما تقدمه للمواطنين من ضمانات العمل والحياة .

ولكن في الإسلام الذي آمن بحاجة المجتمع إلى كل اللونين من الحرية فوفر للمجتمع الحرية الجوهرية بوضع درجة معقولة من الضمان لتسمح لجميع أفراد المجتمع الإسلامي بالحياة الكريمة وممارسة متطلباتها الضرورية ولم يعترف في حدود هذا الضمان بالحرية وفي الوقت نفسه لم يجعل هذا الضمان للقضاء على الحرية الشكلية وهدر قيمتها الذاتية والموضوعية بل فتح السبيل أمام كل فرد خارج حدود الضمان ومنحه من الحريات ما ينسجم مع مفاهيمه عن الكون والحياة فالمرء مضمون بدرجة وفي حدود خاصة وحر خارج هذه الحدود وهكذا امتزجت الحرية الجوهرية والحرية الشكلية معا" في التصميم الإسلامي .

مبادىءالاقتصاد الإسلام

يتألف الهيكل العام للاقتصاد الإسلامي من ثلاثة مبادىء رئيسية هي الآتي:

أ- الملكية المزدوجة:

أن المجتمع الإسلامي لا تنطبق عليه الصفة الأساسية لكل من المجتمعين الماركسي والرأسمالي لان المذهب الإسلامي لا يتفق مع الرأسمالية في القول: أن الملكية الخاصة هي المبدأ ولا مع الاشتراكية في اعتبار الملكية الاشتراكية مبدأ عاما" بل الإسلام يقرر الأشكال المختلفة للملكية في وقت واحد فيضع مبدأ الملكية المزدوجة (الملكية ذات الأشكال المتنوعة) بدلا" عن مبدأ الشكل الواحد، فالإسلام يؤمن بالملكية الخاصة والملكية العامة، وملكية الدولة ويخصص لكل واحد من هذه الأشكال الثلاثة حقلا" خاصا" تعمل به .

ولا بد من الإشارة أنه من الخطأ جدا" أن تعتبر الملكية المزدوجة مزاجا" مركبا" من هذا وذاك أو حالة بين حالتين بل هي تعميم مذهبي أصيل قائم على أسس وقواعد فكرية تناقض الأسس والقواعد التي قامت عليها الماركسية الاشتراكية والرأسمالية الحرة

ب- مبدأ الحرية الاقتصادية في نطاق محدود:

يقف الإسلام موقفه الذي يتفق مع طبيعته العامة فيسمح للأفراد بممارسة حرياتهم ضمن نطاق القيم والمثل التي تهذب الحرية وتصقلها وتجعل منها أداة خير للإنسانية كلها وعلى نقيض الاقتصاد الاشتراكي الذي يصادر حريات الأفراد والاقتصاد الرأسمالي الذي يمارس فيه حريات غير محدودة .

وقد قسم الإسلام الحرية الاجتماعية في الحقل الاقتصادي على قسمين:

1- التحديد الذاتي: حيث الحرية الممنوحة للأفراد في المجتمع الإسلامي توجه الفرد توجيها" مهذبا" صالحا" دون سلب شىء من حريته لان التحديد والتوجيه نبع من الواقع الروحي والفكري للإسلام الذي سيفجر في النفس البشرية رصيدا" زاخرا" بمشاعر العدل والخير والإحسان ومنها الزكاة وغيرها من الحقوق والمساهمة في تحقيق مفاهيم الإسلام عن العدل الاجتماعي .

2- التحديد الموضوعي: ونعني به التحديد الذي بفرض على الفرد في المجتمع الإسلامي من الخارج بقوة الشرع وعلى المبدأ القائل: أنه لا حرية للشخص فيما نصت عليه الشريعة المقدسة، وينفذ هذا المبدأ في الإسلام بالطريقة التالية:

1- منعت الشريعة المقدسة مجموعة من النشاطات الاقتصادية والاجتماعية المخالفة للمثل والقيم الإسلامية كالربا والاحتكار وتجارة المخدرات وغير ذلك .

2- نصت الشريعة مبدأ أشراف ولي الأمر على النشاط العام وتدخل الدولة لحماية المصالح العامة وحراستها، فقد يكون القيام بعمل مضرا" بالمجتمع في زمان دون زمان فلا بد لولي الأمر ممارسة وظيفته بالمراقبة والتوجيه للحريات ولا بد للأفراد إطاعة ولي الأمر ممارسة وظيفته بالمـراقبة والتوجيـه للحريات ولا بد للأفـراد إطاعة ولــي الأمر استنادا" إلى قوله تعالى: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) أذن السلطة هنا تتضمن حق الطاعة والتدخل لحماية المجتمع وتحقيق التوازن على أن يكون التدخل ضمن دائرة الشريعة المقدسة في التصرف بالمباحات وليس بالممنوعات .

 

راجي علي العوادي

باحث علمي في الشؤون الاقتصادية

 

حسن العاصيتعكس الأحداث التي تجري في المنطقة العربية وضعاً كارثياً، خاصة حالة الصراع الديني والمذهبي والعرقي، كما تعبّر عن تحولات خطيرة تحدث في مختلف القطاعات في البلدان العربية، خاصة في الجانب السياسي والاجتماعي. فعلى الرغم من أن الصراعات المذهبية والفكر التكفيري يعود إلى عصور قديمة، إلا أن تزايد أعمال العنف وتصاعد خطاب الكراهية، وسياسات التحريض والإقصاء في الأعوام الأخيرة، ينذر بقدوم ما هو أقبح، ويفرض توقفاً أمام هذه الظاهرة لتحليلها وفهمها ومقاربتها.

هذا يدلل في جانب منه، على أن التعايش العرقي والديني والاجتماعي في العالم العربي بين أبناء البلد الواحد كان هشاَ وضعيفاً، وأن العلاقة التي حكمت الغالبية مع الأقليات العرقية والدينية كانت نسقاً مضغوطاً بأنظمة مستبدة تفتقد العدالة، اتبعت سياسات الإخضاع مما أحدث فجوات اجتماعية بين المواطنين. وفي تفاعلات تاريخية محددة، ظهر أثر هذه السياسات بصورة دموية مريعة من القتل والتطهير العرقي، وانتهاك المحرمات، أدت إلى حدوث حروباً أهلية. كل ذلك تم بدفع وشحن سياسي وإعلامي، ودعم مادي ولوجستي وتوفير الغطاء من قبل أنظمة عربية ديكتاتورية، وأحزاب وجماعات عنصرية متشددة. وهو ما يفسر كل هذه الحملات من الكراهية والتحريض الديني والقومي والمذهبي عبر وسائل الإعلام، وعبر خطابات القادة السياسيين والنخب الفكرية والثقافية، ومن قبل رجال الدين.

كثير ومرعب

تغيب الإحصائيات المتعلقة بمستوى الكراهية في العالم العربي، كما تغيب البيانات حول كل شيء، إلا ما يتعلق منها بالأجهزة الأمنية التي تحرص على معرفة كمية الأوكسجين التي يستهلكها كل مواطن يومياً. لا يوجد إحصاءات في منطقة لا تتعامل-للآن- بجدية ومسؤولية مع قضايا مثل الكراهية ولا مع إحصاء الظواهر الاجتماعية عموماً.

لكن لا يخفى على أحد هذا الكم المرعب من التطرف والتشدد والتعصب الأيديولوجي الديني والمذهبي والعرقي المنتشر في المنطقة العربية، الذي أنتجته السياسات البليدة للأنظمة العربية المستبدة التي همشت المواطنين وأقصتهم عن المشاركة، وأكرهتهم على الخضوع لإملاءاتها. ووظفت أدواتها من الأجهزة الأمنية ووسائل الإعلام في نشر خطاب الكراهية، ورفض الأخرين بناء على معايير عرقية ودينية ومذهبية، بهدف إحداث شقاق وفتنة وتناحر تتحكم به الأنظمة وتستعمله في تحقيق مأربها. أباحت بعض الأنظمة العربية الاعتداء على معتقدات بعض الشرائح الاجتماعية أو الجماعات الدينية أو الطائفية أو الأقليات العرقية، وهذا يعني أن هناك شعوباً كاملة تشربت أفكار التكفير والإقصاء للآخرين، وتعتبر الإساءة والظلم والتنكيل وإطلاق الشتائم بحق كل المخالفين، بل وقتلهم، هو أمر طبيعي لا يجب أن يثير الاستهجان.

ظاهرة تاريخية

استفحال ظاهرة الكراهية في العالم العربي تدعو إلى الانغماس في فلسفتها وتفكيك مكوناتها، وتحليل هذه الإشكالية بتأنٍ من دون استخفاف ولا استسهال، وهي مهمة النخبة من المفكرين والمثقفين.

ظاهرة الكراهية لها جذورها التاريخية في عمق تربة التاريخ البشري. فلم تبدأ حملات الكراهية في العالم العربي، بين أبناء الأمة الواحدة أو القطر الواحد مع تطور التكنولوجيا وظهور وسائل التواصل الاجتماعي، كما يظن البعض، بل كل ما فعلته هذه الوسائل أنها أسقطت اقنعة الطهارة والقدسية والمثالية عن كافة الوجوه التي استعرض بها أصحابها الشرف والمروءة والمحبة. وكشفت وسائل التواصل عن أقبح مكنونات الشخصية العربية، وأبانت العديد من الظواهر السلبية المقيتة التي استوطنت الجسد العربي كالخلايا السرطانية. أخطر هذه الظواهر هو خطاب الكراهية الذي يتمدد في المنطقة العربية وينتشر مما سيتسبب بكارثة لم يعهد العرب لها مثيلاً، إن لم يتم وقف شامل وكامل لهذا الخطاب بكافة مستوياته، وكذلك معالجة مسبباته.

ما يحدث من اقتتال طائفي واصطفاف مذهبي وفرز مناطقي في الكثير من الدول العربية، ما هو إلا نتيجة طبيعية للشحن العنصري المتواصل ولحملات الكراهية والتحريض على العنف ضد الآخر، يقوم بها أفراد وجماعات ودول ترى أنها وحدها تمتلك الحقائق، وعلى الآخرين الانصياع لها والانقياد لرؤيتها دون نقاش.

سيكولوجيا الكراهية

إن مصدر كافة الشرور غير المرئي هو العقلية المعقدة المركبة لبعض الأفراد الذين يبدون في غاية الوداعة، وهو أيضاً كامن في السياسات المتبعة من بعض الأنظمة والجهات القهرية القميئة، التي تظن نفسها تحارب الإرهاب، بينما هي في حقيقة الأمر تغذيه وتسمنه. هذه العقول تمتلك وسائل وأدوات تنشأ عنها انفعالات ذهنية مفرطة تفوق مقدرة أصحابها على التصريف، فتتحول رويداً رويداً من مشاعر ناعمة وأفكار ضبابية، إلى أفكار صلبة وأيديولوجية حجرية، ثم سلوكاً عدوانياً متطرفاً.

حتى الوازع الأخلاقي والديني والمجتمعي عند هؤلاء يبدو أنه في حالة من السبات غير النشط. ويعتبر علماء النفس أن الوازع عند الأفراد ما لم يكن نشطاً اثناء مرحلة التحضير والاستعداد، فإنه يفشل في التأثير على قرار الفعل وتنفيذه. فربما تصادف إنساناً قد تلقى تربية أخلاقية من عائلته ومجتمعه، ويمتلك تفهماً ووعياً للقيم الأخلاقية وللمعايير التي تحكم ثقافة المجتمع، وتجد أنه يظهر الحنان والمودة لمن حوله، ومع ذلك قد يمارس هذا الإنسان التعذيب الشنيع والقهر على إنسان آخر، وقد يكون قاتلاً للأطفال دون التخلي عن صفاته الأخلاقية.

إن التنشيط المتكرر ذهنياً والمتواصل لفكرة إقصاء الآخرين أو العدائية نحوهم، من قبل بعض الناس تجاه البعض الآخر في محيطهم الاجتماعي، قد يؤدي إلى سلوك متهور مفرط في شدته. ربما هذا ما يفسر استعداد بعض الأفراد الذين تعرضوا إلى الإقصاء لسنوات طويلة للقتل أكثر من سواهم من الناس الطبيعيين. وهو بالطبع ما يفسر أيضاً لجوء الناس الذين اعتادوا على ثقافة العنف إلى القتل لأسباب تبدو سطحية.

إن وقوف المجتمع وهيئاته لمراقبة العنف بكافة مستوياته وتنوعه دون تدخل، بل في قبول العنف والموافقة عليه في بعض الأحيان، هو الذي يخلق الظروف الملائمة للقتلة.

إن الشبكات الذهنية والسلوكية والأخلاقية التي تربط المخلوقات البشرية فيما بينهم، هي في الواقع شبكات اجتماعية تستلهم ضوابطها من التزامنا بالمعايير التي تنص على أن ما يجعل كوننا بشراً هو ما نقول وما نفعل، فأدوارنا هي ما يحدد هويتنا.

منابت الكراهية

إن استعباد الإنسان للإنسان والحروب التي قامت، والانتهاكات التي ترتكب بصفة يومية بحق الشعوب والفقراء والمظلومين، هي نبت مسخ شرير بذرته الكراهية.

من أهم مصادر ثقافة الكراهية هو الاختلاف العرقي والمذهبي والفكري والقبلي والعقائدي والأيديولوجي. وأحياناً يشكل تضارب المصالح والسعي نحو الحصول على المنافع من مال وجاه، مصدراً وسبباً للكراهية. الغيرة والحسد سببان كافيان للكراهية، وكذلك هو غياب تكافؤ الفرص بين الناس. سيادة الاحتكار للمصالح والمكاسب والخيرات والامتيازات لفئة معينة من الناس يؤجج الكراهية. وفرض فكر واحد وموقف واحد ورؤية واحدة للأمور يجلب الكراهية. وكذلك حال قيام فئة باستغلال فئة اجتماعية أو عرقية أو دينية أخرى. الشعور بالاستعلاء والتجبر والظلم من قبل فئة تجاه فئة أخرى تشعر بالدونية والانحطاط وعدم المنفعة يفجر الكراهية. الصراع الطبقي والتباين الكبير في مستويات المعيشة بين الفقراء والأثرياء يكون سبباً للكراهية. كذلك انعدام العدالة الاجتماعية، والتي تظهر آثارها الكارثية في غياب البنية التحتية في الأماكن المهمشة. الاستبداد والطغيان إن كان من قبل الأنظمة أو إن صدر من أفراداً عاديين يعمق الإحساس بالكراهية والبغض. وفي العموم فإن كافة الأسباب التي تقف خلف الحروب والثورات يكون الكره أحد أهم الدوافع والأسباب.

فلسفة الكراهية

بلا شك أن أفكار البشر ومعتقداتهم وقناعاتهم وثقافتهم مسؤولين مسؤولية رئيسية مباشرة -وليست وحيدة-عن الطريقة التي تتكون فيها مشاعرهم وتنمو وتتبلور، حتى تشكل الأفعال التي يرتكبها الأفراد. وهكذا فإن الأفكار والأيديولوجيات التي تنطلق من مصالح معينة تجاه تحقيق غايات محددة، فإن أنجح الوسائل وأكثرها نجاعة هي التي تستخدم الكتلة الجمعية "الجماهير". إذ أن الدول والأحزاب والجماعات تلجأ إلى سلاح التضليل الإعلامي والتهييج الجماهيري والتحشيد الشعبي، وتتحكم بهذه الكتل وتسيطر عليها وتدفعها باتجاهات تختارها بدقة، ثم يصبح التطابق الثقافي والفكري سيد العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بين الخاضع والمستبد، بين الديكتاتور والقطيع. هذا تماماً ما حصل مع جميع الطغاة الذين أوصلوا شعوبهم لمرحلة إلغاء التمايز، بحيث يتم توزيع نسخة واحدة من الوعي للجميع، وهي بطبيعة الحال نسخة عقل الحاكم، وبهذا حين يصعد الحاكم إلى المنبر، فإنه ينطق بما يجول بعقل الجماهير. تماماً هذا ما فعله الزعيم النازي "أدولف هتلر" حين خاطب الألمان قائلاً إن من حميد بركات الله كره الأعداء، ولم يجد هذا القول أي غرابة لدى الجماهير الألمانية المحتشدة وهي تصفق له. وهذا ما أقدم عليه جميع الطغاة الاستبداديين وهم يجرون شعوبهم نحو المهالك.

الوجه الآخر لفلسفة الكراهية نجدها في المنافع والمصالح وفي دهاليز السياسة. عدائية استحكمت علاقة العربي بالعربي وعلاقته مع الآخر، وهي علاقة اتخذت دوماً سياق النبذ والصراع والتناحر والتعارض والتناقض والرفض والاقتتال. حروب وصراعات تحت راية الجهاد ضد الغربي الاستعماري الصليبي الكافر مرة، وباسم المذهب والخروج عن الملة واحتكار التفسير والاجتهاد ونقاء العقيدة مرة أخرى.

الطائفة ليست هوية دينية، لأن لكل دين أتباع، والطوائف ظهرت بسبب الصراعات على السلطة، لذلك فإن الحروب الطائفية الحالية هي حروب سياسية سببها التنازع على السلطة، وليس الصراع على الدين.

كل التناحر والصراعات والحروب التي أصابت المنطقة العربية وجوارها، دينية كانت أم مذهبية أم استعمارية أو عرقية، خرج منها كلا الطرفين المنتصر والمهزوم وهما محملان بالكثير من الكراهية في كل مرة. لم يذعن الخاسر لإملاءات الفائز، ولم يسامح ولم يعفو ولم يغفر ولم يستكين، بل تزايدت كراهيته وغضبه وتشددت أفكاره وتطرفت أفعاله. ومن كان النصر حليفه لم يتمكن من وضع حداً لكراهيته، بل تأصل الجشع في نفسه، وسعى نحو مزيد من الاستحواذ الذي استوجب جيوشاً متناحرة مرة أخرى.

ضمن هذه الزاوية الحادة يمكن قراءة الحروب الصليبية على المنطقة وما خلّفته من كراهية في المنطقة، وضمنها أيضاً يمكن أن نفهم الموقف من الصراع مع الكيان الصهيوني الذي أحدث واقعاً جديداً في المنطقة العربية، كانت نتائجه كارثية على الشعب الفلسطيني. هنا يمكن إسقاط كل الماضي أو نفيه أمام أحكام الحاضر والراهن العربي، حتى لا تصاب الأمة بالجمود والشلل والتقوقع في التاريخ، لكن لا يمكن بحال إسقاط ما فعلته الصهيونية من حرب إبادة ضد الفلسطينيين. يمكن التحرر من عقدة الاستعمار والانطلاق نحو المستقبل، لكن لا يمكن قراءة الحالة الفلسطينية إلا عبر الذاكرة وبواسطة استفتاء رأي التاريخ في النكبات والمآسي والمذابح التي عانى منها الفلسطينيين، وذاقوا الويلات وحنظل التشرد واللجوء، بسبب قيام الصهيونية طردهم من بلادهم.

شقاء الأمة

لعل أهم وأبسط الأسئلة في هذا السياق هي البحث عن الأسباب التي تكمن خلف شعورنا بالكراهية تجاه الآخرين. لماذا نكره؟ هل الكراهية موقف عقلي وفكري؟ كيف يتم توريث تعاليم الكراهية؟

إن من أسباب شقاء هذه الأمة أنها لم تتوقف يوماً كي تجري مراجعة لمنظومتها الفكرية، ومقاربة ونقد مذاهبها الفلسفية وخطابها الديني، بصورة علمية وحقيقية وشاملة، عبر حوار مع الذات ومع الآخر، وبين النخب الفكرية والثقافية، بكل هدوء ومسؤولية وموضوعية، بعيداً عن التشنج الفكري والتشدد الأيديولوجي والمواقف المسبقة. هذا لم يحصل، بل استهلك العرب وقتهم في البحث عما يفرقهم لا عما يوحدهم، حتى بتنا نسمع صحيات التكفير المتبادل بين المذاهب، ورُفعت شعارات البغض والغل بين الأعراق التي تعايشت بسلام عبر قرون مضت. وصلت سموم الكراهية إلى أبناء البلد الواحد وأفراد الدين والعرق والمذهب الواحد، فتحولت عموم المنطقة إلى ساحة اقتتال واسعة.

أين تكمن الينابيع التي روت بذرة الكراهية وقامت برعايتها كي تتحول إلى شجرة باسقة، التي أثمرت كل هذا الخراب والبؤس والشقاء الذي تحصده الشعوب العربية؟ الإجابة ببساطة تكمن في التاريخ والراهن العربي المثقل بالاستبداد والبؤس.

لا يمكن لفكر يؤمن بالكراهية أن يصلح للتعايش بين الناس، ولا يمكن لإنسان مشبع بالعدائية تجاه الآخرين أن يكون نزيهاً وعادلاً في مقاربته للأشياء.

الكراهية لا تُخلق مع الإنسان، بل يتم اكتسابها من البيئة الاجتماعية، وبفعل الظروف والثقافة السائدة، هي مثل أي بذرة يتم زرعها في تربة مناسبة بأي مكان، وتحمل قابلية النمو والتصلب بحسب الظروف المناخية واهتمام المزارع. ولا بد للكراهية من أسباب، لكن هذه الأسباب لم تكن يوماً أسباباً أخلاقية أو إنسانية، لكن الناس تُقدم على الكراهية بفعل هيمنة الأوهام والقناعات والأفكار والموروث على عقولهم، وهذه الأوهام تتسم بالعدائية والجنوح نحو فرض السيطرة على الآخرين والرغبة في امتلاكهم، وإخضاعهم وتدميرهم أو تحييدهم بصورة تامة.

اللافت أن علاقة العرب فيما بينهم تتسم بكثير من الكراهية في معظم الأحيان، والحقيقة لا يمكن ملاحظة هذه الظاهرة عند شعوب وأمم أخرى بهذا التشنج، حتى العرب المقيمين في الغرب غير مستثنيين من هذا التصنيف. وكراهية الشعوب العربية نحو الآخر تتجه دوماً نحو الغرب، الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية، ولا يشعرون بالكراهية مع بلدان أخرى تختلف معهم في العقيدة والدين مثل اليابان أو كوريا أو الصين والهند. وهذا له ما يبرره لأن الممارسات التي قام بها الاستعمار بدء بالفرس والرومان مروراً بالصليبيين إلى الاستعمار الغربي، تركت خلفها الكثير من الذكريات المقيتة، حيث حاولوا عبر القرون إبادة الحضارة العربية وطمس اللغة والهوية. ثم ما تفعله الولايات المتحدة من تقديم دعمها الكامل غير المشروط لإسرائيل العدو الرئيسي للشعوب العربية، وسرقة خيرات الأمة وثبيت الديكتاتوريات العربية.

صناعة الكراهية

تقوم بعض الأطراف والجماعات بإشعال نار الفتنة وتأجيج الكراهية بين الدول أو بين الجماعات العرقية أو المذهبية أو الطائفية والقبلية، أو بين القوى والأحزاب السياسية، بشكل مدروس ومخطط له بعناية فائقة. ويؤشر هذا التحشيد للبغضاء المقيتة على أزمات فكرية سياسية واقتصادية واجتماعية مؤجلة الاستحقاقات.

إن الإرهاب كأيديولوجية وسلوك عدائي متطرف، يعود في الأصل إلى منظومة البيئة الاجتماعية والثقافية والفكرية التي نما فيها وترعرع المتطرفون. إن الأشخاص الإرهابيون والقتلة والكارهون والساخطون والعنصريون والمتشددون، هم أفراد أسوياء -معظمهم- ومواطنين عاديين، غير مصابين بأمراض عقلية أو نفسية، وربما لا يعانون مشاكل اجتماعية ولا أزمات اقتصادية، لكنهم متخمين بالكراهية تماماً، معبئين بالحقد والعدائية، يمتلكون شعوراً عميقاً بالقهر والظلم والتهميش، ويظهرون قدراً كبيراً من الاشمئزاز والاستعلاء نحو الآخرين.

هؤلاء الأشخاص الإرهابيون أو الممتلئون بالحقد والغضب المتشدد، يعتقدون أنهم أفضل وأهم من بقية الأفراد، لكن الآخرون ينظرون لهم على أنهم غير أسوياء، لذلك قد يكون غالباً الإرهاب هو انعكاس لحالة الفشل والغضب. أيضاً فإن جميع المواقف والسياسات والرؤى إن صدرت من أفراد أو من جماعات أو من دول، إن ذهبت إلى المبالغة القصوى في تقدير الخطأ والصواب، فإنها تقع في المحظور الفكري وتؤسس لثقافة الكراهية والإرهاب. وقد تصل هذه السلوكيات إلى مرحلة تلتبس فيها الرغبات الكامنة بالاستعلاء والتميز والمكبوتة، بذرائع مكافحة التطرف والقضاء على التشدد ونشر السلم الاجتماعي، فتصبح عملية مواجهة الإرهاب هي إرهاباً بذاتها.

صناعة الكراهية تعتمد القولية والتزوير والافتراء والاختلاق والخلط، وما أن يدخل رأس الكراهية من باب أي مجتمع حتى يمزقه ويحوله من كيان متماسك، إلى فرق وطوائف وقبائل تتناحر باسم الدين والقومية والوطنية والأيديولوجية.

يقوم المصنعون للكراهية بتلفيق الاتهامات للآخرين المستهدفين وتزييف تاريخهم. وفي العديد من الدول يُنظر إلى الأقليات على أنهم مواطنون غير موثوقين، ثم يجري تهميشهم وهو ما يخلق أجواء العدائية. ولا يضيّع هؤلاء المصنعون فرصة لكي يستغلون الشائعات ويعملون على تأويل الأقوال وإخراجها عن سياقها الأصلي، وتحميلها معان وتحريفها بما يغذي الكراهية ويحرض على العنف. ويصيغون الشعارات والخطابات التي تدعو للحذر من الآخر وتشويه صورته، وإحداث حالة انفعالية ضده تعتمد على الخلط والإرباك والتهييج. نجد دوماً من يستفيد من خطاب الكراهية، يغذي هؤلاء البغض والتحريض، ويستغلون التوترات الدينية والمذهبية والفكرية والسياسية لتحقيق أهدافهم التي تعتمد على إقصاء الآخرين.

التصدي للمحرقة

مواجهة صناعة الكراهية يتم عبر معالجة قضية أوقات الفراغ لدى الشباب، وإشغالهم بأنشطة إيجابية تعود بالمنفعة عليهم وعلى المجتمع، وتحصينهم ثقافياً وتدريبهم على ممارسة النقد الفكري، وتشجيعهم على العمل التطوعي، وتلقينهم قيم التسامح والعفو وقبول الاختلاف مع الآخرين، وتعزيز الانتماء للوطن في نفوسهم، وتقوية الشعور بالمسؤولية فيهم. كما يجب توفير فرص العمل المناسبة للشباب، وتخفيض نسب التسرب من المدارس، ومعالجة قضايا البطالة والفقر، وتحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة كسبيل

لا غنى عنه لمواجهة الإرهاب والعنف والأيديولوجية المتطرفة.

بلا شك، إن الحد من سيل الكراهية الجارف في المنطقة العربية وجوارها، يتطلب خططاً طارئة لمواجهة الموروث القبلي البغيض. وتعزيز قيم التضامن والاحترام والتوافق المجتمعي، ونبذ العقلية الأنانية والانتهازية والمنافقة. والقيام بإصلاحات سياسية اقتصادية واجتماعية شاملة، يشارك فيها الأفراد والهيئات والاتحادات والنقابات والمؤسسات والدولة، لتحقيق تعايش سلمي مجتمعي متكافئ ومساواة وعدالة، تُخرج الناس من بدائيتهم، وتُظهر أجمل وأنبل ما في نفوسهم.

الحل يتطلب مواجهة الاستبداد السياسي لبعض الأنظمة العربية، وبناء دولة القانون والمواطنة التي تضمن العدالة والحرية والمسائلة لجميع مكونات المجتمع، وتأسيس ثقافة ووعي مختلفين يرتكزان على استعمال العقل والعلم، والإيمان بالحوار والتعايش السلمي بين الجميع، وتجاوز الماضي التعيس، قبل قدوم المحرقة العظيمة.

وحدهم العرب مسؤولين

حتى الاستعمار الغربي ذاته سقط في الحروب والتناحر فيما بين دوله في فترات تاريخية ماضية، وخاضت دول أوروبية حروباً دينية وعالمية فيما بينها، ذهب ضحيتها ملايين البشر، وخلّفت الخراب والهلاك، واستطاعت أوروبا تجاوز كل هذه المآسي، فيما عجزنا نحن عن فعل ذلك.

في الفترات التي نقل الغرب عنا أمهات كتب العلوم والفلسفة والفلك والطب والكيمياء، وتطور وازدهر بعلومه واختراعاته، وأضاف إلى الحضارة الإنسانية منجزات متعددة، اكتفى العرب بالتوقف والنظر والرثاء والهجاء والنواح واللطم. نعم الاستعمار غير نزيه ولا بريء، لكن السؤال الكبير هنا هو لماذا نجح الغرب اصلاً في استعمارنا؟ ولماذا كانت الفاتورة باهظة جداً؟ ولماذا وكيف تمكنت أمم أخرى عانت كما عانينا من شر وسوء وفساد الاستعمار، من القفز فوق الماضي الهالك وجعله خلفها، ومضت في درب النهوض والتطور، فيما العرب لا زالوا عالقين وتائهين في دهاليز التاريخ، مكبلين بأغلال الحسب والنسب، مقيدين بأفكار ومفاهيم لم تعد تصلح حتى لتسمين العجول.

مازال البعض منا يكرر ويصرخ أننا ما زلنا ضحايا للمؤامرة الغربية والغزو الثقافي، لكن وجود الكيان الصهيوني جاثماً فوق أرض فلسطين منذ عقود طويلة يؤكد بصورة قطعية حالة العجز والهوان الرسمي العربي. لهذا فالعرب هم وحدهم المسؤولين عن سقوط ثقافتهم وانحسار دورهم.

لقد عجز العرب عن النهوض، وانهزموا من الداخل بجهلهم لا بعلم وتقدم الأخرين فقط. إن أسباب ازدهار الثقافة الغربية ليس العرق ولا الدين، لا الطائفة ولا القبيلة، إنما التفوق العلمي والإنجازات التقنية والرقي الحضاري.

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

 

في الذكرى التاسعةِ والثلاثينَ لاستشهادِ الامامِ الشهيدِ السيد محمد باقر الصدر، يحارُ المرءُ من اينَ يبدأُ؟ فالسَّيِّدُ الصَّدرُ مُتَعَدِدُ المواهب، ومُتَنَوِّعُ الابعادِ، لايحيطُ بجوانبهِ المتعددَةِ كاتبٌ، ولايستوعبُ حياتَهُ الثَرِيَّةَ مقالٌ ؛ لاننا امام بحرٍ يموجُ بمعارِفهِ.

وانا في هذا المقالِ المُقتَضَبِ، احاول ان استعرضَ سماتِ فكرهِ، وخصائصَ هذا الفكرِ.

من سمات فكرِ الامام الشهيد السيد محمد باقر الصدر:

1- الموسوعيّة : من خصائص فكر السيد الشهيد الصدر، الموسوعيَّةُ ؛ فقد كتبَ في اكثرمن حقلٍ معرفيٍّ .. فقد كتبَ في الفقهِ والاصولِ، والفلسفةِ، والتاريخ ِ، والاجتماع، والتفسير .

2- الاصالة: كانت افكارُ السيد الصدر افكاراً اصيلةً، ولم يكن فكره التقاطياً وتجميعياً .. في مجالِ الصناعة، هناك صناعات اصيلة تشتهر بها دولة اومجموعة من الدول، وهناك صناعات تجميعية، لا اصالةَ فيها . كذلكَ الامرُ مع الافكار، فهناك افكارٌ اصيلةٌ، وهناك افكارٌ ملتقطةٌ، ومجمعةٌ من هنا وهناك .

3- العمق: لم يطرح السيد الصدر فكراً سطحيّاً، بل كل افكاره، كانت تَتسِمُ بالعمق؛ فهو يغوصُ بعيداً في الفكر، ويستجلي غوامضَهُ، ويستخرج كنوزه ليقدمها للقاريء واضحةً جلِيَّةً .

4- كان فكرُ السيد الشهيد الصدر فكرا منفتحاً على الافكارِ، ولم يكن فكراً منغلقاً . وهذا مايُلاحِظُهُ القاريءُ في كتابِ (فلسفتنا)، الذي استعرض فيه السيد الصدر مختلف الاراء حتى لتجدَ نفسَكَ امامَ مؤرخ للفلسفةِ وباحث فيها بعمقٍ، وملاحقٍ للافكار، ومتابعٍ لها، وناقدٍ لها، وفي نفسِ الوقتِ، يطرحُ البدائل. وكتاب فلسفتنا الّفَهُ السيد وعمره لم يتجاوز الخامسة والعشرين .

وهناك مزية بارزة في شخصية السيد الشهيد اطلقت عليها (الطفولة المفكِّرة)، فهوانتج افكاراً في طفولته، فكتب (فدك في التأريخ) في الحادية عشر من عمره . وهذه ميزة عند العظماء والنوابغ، ولكنها كانت بارزة في حياة السيد الصدر . والف (رسالة في المنطق ) وكان عمره اثني عشر سنة . ودرس كتاب (المعالم) في اصول الفقه على يد اخيه السيد اسماعيل الصدر، وهو في هذا السن، وقد اشكل على صاحب المعالم، وقد ذكر له اخوه السيد اسماعيل الصدر رحمه الله، ان هذا الاشكال، هو نفس اشكال صاحب الكفاية على صاحب المعالم.

5- قَدَّمَ الشهيد الصدر فكراً نقدياً، وهذا مانلمسه في كتاب (فلسفتنا) و(اقتصادنا) و( فدك في التاريخ)، و(الاسس المنطقيَّة للاستقراء)، وكان السيد الصدرُ اميناً في نقل افكار الاخرين، وكان نقدُهُ نقداً علمياً موضوعياً .

6- الجانب الحضاري في فكر الشهيد الصدر: لم يكن نقدهُ للرأسماليّةِ والاشتراكيّةِ مجردَ نقدٍ لأنظمةٍ اقتصاديّةٍ، وانما هو نقدٌ للحضارة التي افرزتها، فكلا النظامينِ ينتميان الى حضارة مادية، وينطلقان من قاعدة واحدة هي الماديّة .

هل كان السيد الصدرُ فيلسوفاً؟

كنت اشاهد لقاءً تلفزيونيّاً ضمَّ متحدثَينِ، وكان موضوعُ الحوار حول السيّد الشهيد الصدر . وقد نفى كلا الضيفينِ ان يكون السيد الصدر فيلسوفاً .

ويبدو لي ان هذين الضيفين في هذا اللقاء، لم تستوعب دراستهما للسيد الصدر في كل مراحل حياته، والتطورات الفكرية، التي حصلت في مسيرته الفكرية .

السيد الصدر في فلسفتنا، كان باحثاً في الفلسفة، ومؤرخا لاتجاهاتها، وكان يتبنى رأيَ المذهب العقلي في نظرية المعرفة . امّا في كتاب (الاسس المنطقية للاستقراء) فنجد السيد الصدر فيلسوفا ومبتكراً، وله مذهب في المعرفة الانسانيّة، يختلف عن المذهب العقلي والمذهب التجريبي، وهو المذهب الذاتي في المعرفة، الذي اقامه على حساب الاحتمال، واستطاع ان يحلّ به مشكلة الاستقراء، التي لم يستطع الفلاسفة حلها من ارسطو الى برتراند رسل، واستطاع الصدر ان يحل هذه المشكلة التي استعصت على الفكر الانساني.

عظمة السيد الصدر

عظمةُ السيد الشهيد الصدر لاتكمن في تفكيره فحسب، وان كانت عظمته تجلت بشكلٍ واضحٍ في هذا المجال ... ولكن العظمة تكمنُ حينما يضحي المفكر بنفسه من اجل الافكار والمباديء التي امن بها . فنحن امام رجلٍ استثنائي، في مرحلة استثنائية، وقف بوجه نظام قمعي غاشم، موقفاً حسينيا، وكان يعرف نتائج المواجهة مع هكذا نظامٍ دمويٍّ وقمعي . فسلام عليه في وقفته العظيمة، وسلام عليه يوم استشهد، ويوم يبعث حيا، وسلام على اخته ورفيقة دربه العلوية الطاهرة بنت الهدى.

 

زعيم الخيرالله

 

جواد بشارةالمادة العادية والمادة المضادة، والمادة السوداء أو المظلمة، الطاقة العادية والطاقة السوداء أو المظلمة، ماذا غير ذلك في الجانب الخفي للكون المرئي؟

في الأدبيات القديمة، الفلسفة على وجه التحديد، منذ الإغريق، وصولاً إلى الأديان الإبراهيمية، احتلت مسألة أصل العالم أهمية ومكانة كبيرة ومركزية.فأرسطو قال أنه لا توجد للعالم بداية زمنية، وهذا يعني أنه ليس بوسع العالم أن يبدأ " داخل الزمن" لأن الزمن، وهو ليس سوى قياس وحساب حركة الجسم أو الكرة، لوا يمكنه أن يوجد قبل العالم، ما يعني أن هناك زمن سابق لزمن العالم، أي زمن سابق لخلق العالم، في حالة وجود عملية خلق للعالم، أي بداية له. وقد تبنى الفيلسوف فيلون هذا التنظير في حين عارضه الفيلسوف الفارابي وعدد من المتكلمين، أما المتصوفين فقد قالوا بوجود عالمين، عالم ظاهر وعالم باطن، عالم مادي ملموس ومرئي، وعالم روحي خفي وغير مرئي، والإثنين يشكلان واقع الوجود. الواقع الظاهر يحتوي المادة المعروفة والمألوفة والملموسة، والواقع الخفي يحتوي على المادة المظلمة أو السوداء. لكننا مازلنا نجهل حقيقة وطبيعة وماهية هذه الأخيرة، بل وحتى نجهل ما إذا كانت موجودة فعلاً على نحو يقيني. العالم البريطاني، الذي رحل عنا قبل عام، ستيفن هوكينغ، المختص بالثقوب السوداء، تناول موضوع المادة السوداء أو المظلمة، بل وضعها في بعض الأحيان في قلب أبحاثه وهو مجال واسع للبحث أتاح له أن يصيغ عدد من النظريات بهذا الصدد. ومن بين الفرضيات التي قدمها ستيفن هوكينغ أن المادة السوداء أو المظلمة ربما تتكون من عدد هائل من الثقوب السوداء المجهرية . رغم أن العلماء يقولون أن أصغر ثقب اسود في الكون لا بد له من كتلة كبيرة. وبالاستناد على عمليات الرصد والمشاهدة للقوى الثقالية forces gravitationnelles في الكون المرئي عرفنا أن 95% من كتلة الكون مكونة من قوة خفية غير مرئية ومجهولة الهوية، وهي قوة لم يتمكن أحد من رصدها على نحو مباشر لحد الآن. وبهذا الصدد قال ستيفن هوكينغ في ورقة بحثية شهيرة نشرت في سبعينيات القرن الماضي، أن المادة السوداء أو المظلمة تتكون من مجموعة مهولة من الثقوب السوداء البدائية التي نشأت فقط في اللحظات الأولى من تاريخ الكون،، بعد الانفجار العظيم، البغ بانغ، وفي الساعات الأولى للكون المرئي، عندما تشكلت مناطق من المادية كانت أكثر كثافة من غيرها من المناطق الأخرى، وعلى نحو كاف إلى درجة أنها أحدثت إنهياراً ثقالياً effondrement gravitationnel بقطر 0.1 من الميللمتر وهذا بدوره أدى إلى خلق ثقوب سوداء صغيرة بمستوى 10-8 من الكيلوغرام، وهي غير الثقوب السوداء الناجمة عن إنهيار نجوم عملاقة هائلة على نفسها وبالتالي نتجت عنها ثقوب سوداء عملاقة . والحال إنه حتى أصغر الثقوب السوداء لا بد لها من كتلة.. بمقدار أكبر من 67 كوبنتيليون من الطن. وربما هناك حشد أو آماس أو تجمع من الثقوب السوداء الصغيرة من هذا النوع يمكن أن تخفي تفسير تلك الكتلة المختفية غير المرئية في الكون التي نسميها المادة السوداء أو المظلمة. ولقد اهتم العلماء بنجوم في مجرة مجاورة لمجرتنا درب التبانة من خلال تشخيص التأرجحات النجمية الخاصة التي تحدث في حالة وجود ثقب أسود مجهري أصغر من عشر الميللميتر الذي يعيق ضوئها. ولو تنقل ثقب أسود أصلي أولي انبثق منذ الساعات الأولى للكون المرئي وتموضع بيننا وبين أحدى النجوم يمكننا استنتاج إن تلك النجمة تتأرجح بفترات متقطعة وفق تأثير الثقالة أو الجاذبية التي يمارسها الثقب الأسود مما يغير من مسار ضوئها . فلو كانت مثل تلك الثقوب السوداء الصغيرة المجهرية موجودة فعلاً سيغدو ممكنا مشاهدة ورصد الضوء والأجسام الكونية التي تحرفها أو تشوهها عندما تمر من خلالها. وبمساعدة مختلف التلسكوبات الأرضية رصد علماء يابانيون وهنود مجرتنا الجارة آندروميدا أو المرأة المتسلسلة وسجلوا 190 صورة خلال سبع ساعات من الرصد ما يعني أن الثقب الأسود الأولي أو الأصلي البدئي لا يمكن أن يكون مسؤولاً إلا بنسبة 0.1% من أصل المادة السوداء أو المظلمة، والنتيجة أنه لا يمكننا أن نفسر المادة السوداء أو المظلمة من خلال الثقوب السوداء الصغيرة أو المجهرية التي تحدث عنها ستيفن هوكينغ. فرغم كل ما أحرزه علماء الكونيات من تقدم، فإن كل ما نعرفه عن الكون إلى الآن يمثل فقط 4% من تركيبه، بينما ما زالت البقية 96%-التي تتمثل في المادة والطاقة المظلمتين- غامضة، رغم وجود الكثير من الفرضيات لتفسيرها.

بعبارة أخرى، فإن المادة السوداء أو المظلمة ليست "مظلمة" بالمعنى الحرفي، ولكنها "شيء" ما لا يعرف العلماء ما هو وما هي ماهيته وطبيعته ومم يتكون، إلا أنه يتحكم في المجرات كلها تقريبا ولا يمكن رصد أي إشعاع صادر عنه في أي نطاق، فهو غير مرئي مطلقا، وإنما يلاحظ العلماء تأثيره الثقالي أوالجذبوي على محيط المجرات، وذلك هو السبب في أنهم يعرفون أنها موجودة.

لقد بات بحكم المؤكد اليوم أن هذا النوع من المادة المسمى سوداء أو مظلمة، موجوداً من خلال المعادلات الرياضياتية والحسابات العلمية إلى جانب نتائج الرصد والمراقبة التي ساعدت أخيراً في رؤية و تصوير ثقب أسود في العاشر من نيسان 2019 . فالمعادلات الرياضياتية تحتوي على كم هائل من المعلومات لا يقل أهمية عما تنطق به الصورة، والذي يهم العلماء هو معرفة بنية وهيكيلية الزمكان حول وبالقرب من ثقب أسود أكثر مما يهمه تصويره وامتلاك صورة لثقب أسود رغم أهمية ذلك كدليل قاطع على وجود الثقوب السوداء التي شكك بوجودها بعض العلماء. لذا لا يمكن الاستغناء عن رؤية الثقب الأسود وتصويره إذا أردنا إثبات وجوده . ومن الأحداث التي أثبتت وجود ثقوب سوداء هو قياس ورصد الأمواج الثقالية des ondes gravitationnelles الناجمة عن تصادم ثقبين أسودين من قبل مختبري ليغو و فيرغو LIGO et VIRGO، قبل سنوات قليلة . فما يعرفه العلماء عن الثقوب السوداء لن يزداد بحصولهم على صوره له لكنهم متحمسون لرؤية ما يحدث حقاً في أفق الأحداث l'horizon des évènements المحيط بالثقب الأسود وهو الجانب أو الجزء المرئي من الثقب الأسود فقط وربما ستكون هناك مفاجئات أخرى عند فحص الصورة المرتقبة للثقب الأسود.

سبق لآينشتين أن تنبأ بالموجات الثقالية لكن التكنولوجيا المتوفرة آنذاك لم تسمح برصدها واحتاج الأمر لمرور قرن كامل وتحقيق تقدم علمي وتكنولوجي هائل لكي نتمكن من رصدها وربما سنحتاج للمزيد من التقدم التكنولوجي لكي نتمكن من رصد المادة السوداء أو المظلمة على نحو مباشر، نفس الشيء حصل مع التنبوء بوجود بوزنات هيغر في ستينات القرن الماضي وتطلب رصدها في مسرع الجسيمات LHC مرور نصف قرن. أما المادة السوداء أو المظلمة فلم تتنبأ بها النسبية العامة ولم يتوقعها أحد وهي مشكلة جوهرية لأن هذه المادة تشكل المكون الأكبر لكتلة الكون ونحن نجهل عنها كل شيء تقريباً، انصبت الجهود سابقاً على إثبات وجودها كأولوية تسبق معرفة طبيعتها وماهيتها . ولقد بات بحكم المؤكد اليوم وجود هذا النوع من المادة وصنوها الطاقة المظلمتين. وحان الوقت للبحث عن معرفة مم تتكون وما هو شكلها وهذا بحد ذاته تحدي هائل للعلم ومن أكبر ألغاز الفيزياء المعاصرة منذ أكثر من نصف قرن وهناك آمال أن يتمكن مصادم ومسرع الجسيمات الجديد الذي يفوق LHC بكثير من إنتاج جسيمات المادة السوداء أو المظلمة الأولية وإذا لم ينجح العلماء في تحقيق ذلك فعليهم الاعتراف بعدم وجودها والبحث عن تفسير آخر لفقدان الكتلة الأكبر للكون المرئي وبالتالي الاعتراف بعجز العلماء عن فهم حقيقة الثقالة الكونية. الثورة الحقيقية في الفيزياء هي إكتشاف السبب المفترض وراء تسارع التوسع الكوني والذي سمي الطاقة السوداء أو المظلمة، الأمر الذي يتعدى قدرة الجاذبية الكونية على كبح التوسع الكوني ولفهم لماذا يتوسع الكون صمم العلماء تلسكوبا فائق القدرة هو télescope LSST، إذ أن محرك التسارع للتوسع الكوني هو المكون الأكبر للكون المرئي بصيغة الطاقة . فالمجرات هي بمثابة الجسيمات الأولية المكونة للمادة رغم ضخامة المجرة التي تحتوي على أكثر من 100 إلى 200 مليار نجمة ولكن بالقياس لحجم الكون فهي صغيرة للغاية ولا تتعدى حجم الجسيم الأولي المكون للمادة العادية وكاميرا هذا التلسكوب المتطور هي مثل عين السمكة واسعة الحقل أو المجال وأكبر بحوالي 40 مرة من القمر .

من المكونات اللغزية للكون المرئي المادة المضادة التي يفترض أنها كانت بنفس كمية المادة العادية عند ولادة الكون المرئي لكن خللاً ما حدث لا نعرف له تفسير، فاقت نسبة المادة على المادة المضادة وهذه الزيادة الطفيفة هي التي أدت إلى ظهور كوننا المرئي لأن تفاعل المادة والمادة المضادة يؤدي لأن تفنيان بعضهما البعض.

قبل قرن من الزمن نشر العالم بول ديارك Paul Dirac، فرضيته عن وجود مادة مضادة في الكون، ومنذ ذلك الوقت والعلماء يتتبعون أثرها ومنهم الفيزيائي الفرنسي إيف ساكان Yves Sacquin من جامعة باريس. ففي سنة 1929 ولد في دماغ الفيزيائي البريطاني بول ديراك حل لمعادلة اقترنت بإسمه وصارت تسمى معادلة بول ديراك وما قدمه من حل غريب لها في محاولة للجمع والتوفيق بين الميكانيك الكمومي أو الكوانتي الحديث الولادة مع النسبية الخاصة لآينشتين ووضع لذلك المسعى معادلته الشهيرة التي يفترض أنها تصف سلوك أحد الإلكترونات ولكن ظهر للمعادلة حل آخر لإلكترون ذو شحنة كهربائية سالبة الأمر الذي لم يكن مقبولاً في الوسط العلمي آنذاك لكن المعادلة كانت جميلة وأنيقة بمكان لدرجة أنه لايمكن أن يكون هذا الحل خاطئاً مما دفع ديراك لاقتراح وجود إلكترون مضاد سلبي للإلكترون الموجب للمادة العادية سمي البوزيترون positron. وبعد مرور ثلاث سنوات رصد العالم الأمريكي أندرسون في الإشعاعات الكونية هذا الإلكترون المسمى بالفرنسية بوزيتون positon، وعد ذلك أحد الأجسام الأولية للمادة المضادة فهي نفس المادة ولكن بشحنة مغايرة ومعاكسة وبالتقائهما تزول الشحنات وتتولد طاقة محضة مثل الفوتونات وهي ضرورة لتحويل المادة إلى طاقة وبالعكس وبالتالي تشكل خطراً كبيراً على البشرية حيث نجحت الولايات المتحدة الأمريكية مؤخراً وعلى نحو سري للغاية، في صنع سلاح المادة المضادة الفتاك وجربته في الفضاء الخارجي واعتبر البعض أن جسيمات المادة المضادة ليست جسيمات مضادة بل مكملة . وافترض هؤلاء العلماء وجود أكوان توأم مكونة من المادة المضادة بما فيها من مجرات ونجوم كحل للتساؤل حول اختفاء المادة المضادة من الكون البدئي الأولي البدائي. يتبع

 

د. جواد بشارة

 

عبد الحسين شعبانحين ينظم المعهد الملكي للدراسات الدينية في عمان، حلقة نقاشية لعدد من الخبراء والمختصين بشأن «أخلاقيات التضامن الإنساني»، فهذا يعني أن ثمة حاجة ضرورية وملحّة لاستكمال مقوّمات الحياة الاجتماعية والثقافية في إطار المنتظم الوطني والدولي.

وإذا كان ثمة حيرة تستبطن سؤالاً فسيكون سؤال قلق وعدم طمأنينة انطلاقاً من واقع مأزوم، سواءً على الصعيد الداخلي أم على صعيد العلاقات الدولية، حيث يشهد العالم تحوّلات كبرى بعضها موضوعي وآخر ذاتي، وقسم منها إيجابي والآخر سلبي، ولاسيّما ما يتعلق بمحاولات فرض الهيمنة والاستتباع والاستحواذ على خيرات الشعوب وثرواتها، ناهيك عن التفاوت الاجتماعي بين المتخومين والمحرومين على صعيد بلداننا، وعلى الصعيد العالمي بين البلدان الغنية والفقيرة، أو بين بلدان الشمال والجنوب، الأمر الذي زاد العالم انقساماً، بل توحشاً في ظل العولمة. وبعد ذلك ماذا يحتاج التضامن الإنساني لكي يرسي على أخلاقيات تعلي من شأنه وترفع من قيمته، خصوصاً والعالم لا يعتمد على الأخلاق بقدر قيامه على المصالح؟

إن القيمة الحقيقية لأي فكرة أو هدف أو فلسفة، هي مقدار اقترابها من تحقيق سعادة الإنسان، الذي هو «مقياس كل شيء»، على حد تعبير الفيلسوف الإغريقي بروتوغوراس، فلا قيمة للنمو الاقتصادي والنفوذ السياسي والقوة العسكرية والاكتشافات العلمية والتطور التكنولوجي، ما لم يصبّ في خدمة الإنسان ويساهم في رفاهة البشر.

ويأتي ذلك من النزعة الإنسانية التي تدرك أن كل فرد هو إنسان ليس أكثر وليس أقل، وله حقوق وعليه واجبات، ومن تلك النقطة الإنسانية يمكن البحث عن المشتركات في تضامن البشر وتعاضدهم، سواء على مستوى الجيل الحالي بحفظ حق الحياة وكرامة الإنسان أم على مستوى مسؤوليتهم إزاء الأجيال القادمة بحماية السلام وإبعاد خطر الحروب وحماية البيئة وضمان مستقبل أكثر رفاهاً لسكان الأرض، خصوصاً بترشيد استخدام الموارد وتوسيع آفاق المعرفة والتقدم العلمي والتكنولوجي لمنفعة البشرية وتقدمها.

وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة، قد اتخذت قراراً برقم 55 في العام 2005 بشأن التضامن الدولي، وذلك انطلاقاً من مراعاة مؤتمرات القمة العالمية الكبرى التي عقدتها الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية، انطلاقاً من مفهوم التضامن الإنساني الذي يقوم على تلاقي المصالح والمقاصد والأهداف بين الأفراد والشعوب والأمم والبلدان، للحفاظ على التطور الإنساني وتحقيق الأهداف المشتركة بما يعزز القيم المشتركة أيضاً.

وتقوم فلسفة النزعة الإنسانية على ثلاثة أبعاد منظوراً إليها أخلاقياً، بحيث تستطيع مواكبة الحاجات المتزايدة في العالم المعاصر، وهذه الأبعاد كما وردت في تقرير أصدرته «الهيئة المستقلة الخاصة بالقضايا الإنسانية» وتحت عنوان «هل تكسب الإنسانية معركتها؟» كتب مقدمته الأمير الحسن بن طلال وصدر الدين آغاخان (مقررا اللجنة) 1987، وهذه الأبعاد هي: البعد الأفقي يشمل أوسع قدر من البلدان والشعوب والأفراد، والبعد العمودي يتناول توسيع الجوانب الأخلاقية للتضامن الإنساني، والبعد الزمني يختص في الأجيال القادمة.

وإذا كان قد مضى ثلاثة عقود ونيّف على إصدار تلك الدعوة ذات الشحنة الإنسانية العالية، فإن الدعوة اليوم لميثاق يضمن «أخلاقيات التضامن الإنساني» تصبح أكثر إلحاحاً وراهنية، ولا شك فهي تحتاج إلى توفر إرادة سياسية ضرورية على مستوى كل بلد أو على المستوى الدولي، وهذا يتطلب إصلاح أنظمة الحكم ومؤسساته وتأكيد حكم القانون الذي هو انعكاس لقيم المجتمع ودرجة تطوره، وقد يسهم القانون في تطوير هذه القيم، لكنه لا ينبغي أن يكون منفصلاً عن الواقع، وحسب مونتسكيو، فالقانون ينبغي أن يسري على الجميع وهو «مثل الموت لا ينبغي أن يستثني أحداً».

وبالنسبة لمجتمعاتنا حين نقول إن سؤال أخلاقيات التضامن الإنساني هو سؤال أزمة فلأنها أزمة هويّة، وكان شكيب أرسلان قد سأل: لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدّم غيرهم؟ وسؤال الأزمة يتطلب: الاعتراف بها وتحديد مظاهرها ثم سبل معالجتها، والأمر له علاقة بالمعنى والدلالة، فما معنى الأخلاق وكيف تتأكّد من التحقّق والامتلاء وماذا تعني حالة الفداحة والتبدّد التي نعيشها؟ والمعنى والدلالة له علاقة بالجمال والسلام واللّاعنف والتسامح والمساواة والعدالة، وتلك هي أخلاقيات التضامن الإنساني.

وكان روسو أكد عدم فصل السياسة عن الأخلاق، ولو توقفنا عند حالة اليابان فسنرى أنها لا تتبع ديناً موحّداً، حيث لا جنة ولا نار ولا آخرة ولا ثواب، لكن المجتمع يقوم على تربية الناس على أخلاقيات التضامن، تلك التي تتجسّد بحكم القانون والمساءلة والعدالة والسلام، وهذا ما تفتقده مجتمعاتنا.

نحن نحتاج إلى رياضة نفسية طويلة الأمد وإلى مراجعة ونقد ذاتي لتصحيح البيئة الأخلاقية وترميم الجوانب المتصدّعة فيها. ولا يقتضي مواجهة عدم الأخلاق باللّا أخلاق، بل على العكس، فرذيلتان لا تنجبان فضيلة، وعنفان لا يجلبان سلاماً، وجريمتان لا تنتجان عدالة، والقيم المشتركة هي التي تسمو وتحقق مواطنة سليمة ومتكافئة تقوم على الحرية والمساواة والعدالة والشراكة.

 

عبد الحسين شعبان

 

رائد عبيسلا تحيط بالنفس وعوالمها مداركنا، أو افكارنا، أو تصوراتنا، أو تحليلنا، أو تفسيرنا، أوفلسفتنا، أوعلمنا، أوتجاربنا، بل وحتى ديننا؛ لان الدين عد النفس او الروح أحد أسرار الخلق الحي، وهذا ما جاء في القرآن ونهي عنه النبي، إذ قطع الجدال حول البحث الدائم عن أسرار لم يرد للبشر الوصول إليها ومعرفتها. فبقي كنها غامض مجهول مبهم لا نعرف مصدر هذا المزيج الروحي والنفسي الذي يتبلور داخل عوالم النفس وما تنتجه من سلوك وتفاعلات مع الجسم الحاوي لها.

السؤال الذي ممكن أن ننطلق منه هو من المسؤول عن إنتاج الأخلاق النفس ام العقل؟

هذا السؤال يدخلنا في نقاشات موسعة عن أمر نجهله، ولكن لا نجهل ما يصدر منهما ونقصد بذلك الأخلاق. فالأخلاق ممكن تشخيص سلبياتها من إيجابياتها وعليها نحكم على النفس أو العقل الذي يحمله الشخص.

لا يمكن لنا أن نرجح انتاج الفعل الأخلاقي بعامل أحادي البعد، بنسبه للنفس أو نسبه للعقل، بل كليهما مسؤولان عن إنتاج الأخلاق، كيف؟ بما أن هناك امر متفق عليه بين البشر وهو الوسطية اي لا إفراط ولا تفريط وهو مبدأ حاكم للسلوك الإنساني بسلبه وايجابه، وهو من يمنحنا القدرة على تشخيص الأخلاق ، متى ما تصدر من العقل أو النفس، أو عبر قناعة ضميرية محاكمة الى مراجعة النفس وحاجاتها، وما تطلبه على وفق مبدأ الوسطية، أو مراجعة حكم العقل، وما يقرره اتجاه بعض الأفعال اي لمحاولات دائمة ومستمرة، لتحقيق توازن وتنظيم بين متطلبات كل منهما. وهذا ما جاء في الحديث وحكم الأولياء وما نقله ابو الدرداء نقلا عن سلمان الفارسي للنبي قوله : " أن لجسمك عليك حق، ولنفسك عليك حق، ولأهلك عليك حق" وهو الحديث الذي باركه الرسول وصدقه عن سلمان.

فالنفس وتوصيفاتها القرآنية وتقسيماتها الفلسفية، والعقل وطاقته المعرفية والمنطقية والخيالية مسؤولان عن إنتاج الأخلاق بدون طرفي الشر. وكل انحياز أو ميل نحو الإفراط في القوى العقلية أو النفسية، يعد انحرافا عن مبدأ الوسطية. وعندها يقترب الإنسان من الحيوانية المستبطنة به وبداخله اذا لم يحكمها بهذه الوسطية.

فالنفس البشرية تربطها بعالمها، سواء كان الكون برمته، أو عالم الطبيعة فقط، أو عالم البشر، أو حتى عالمها الداخلي، علاقات معقدة ممكن أن تفسر تفسير ثلاثي، وينتج عنه تفرعات مختلفة ايضا، منها علاقة النفس بعلم البارسايكولوجي أو علاقتها بالعلم البايولوجي أو علاقاتها بعالم الفيزيولوجي، هذه العلوم والعوالم متحكمة بالنفس الى حد كبير وعميق ومؤثر تفكيراً وسلوكاً وانفعالاً، ينتج عن هذا المزيج أفكار غريبة، وسلوكيات جامحة، ومشاعر منحرفة، وقناعات مزيفة، وشذوذ وغيره، وكل ما يفعله البشر، ويتقبل فعله، أو كلامه إنما يعد من المتجاوزات لحكم العقل و موضوعيته أمام المشارك الإنساني للنفس. فالثوابت الأخلاقية تتذبذب احيانا على الرغم من الاتفاق البشري عليها، ولكن تبقى النفس الجانحة مستثمرة لكل خواص العلاقة مع تلك العلوم بشكل طبيعي وغير مباشر، وهذا ما يفسر تأكيد أهل العلم والمعرفة والحكمة على ضرورة تهذيب النفس وصقلها وتنظيم فعلها، خوفا عليها من جنوح عدائي يخالف الأنظمة الأخلاقية للبشر ، وحتى القانونية، والعرفية، والإنسانية، وما آ كلوا لحم البشر الا مثال على ذلك، أو حتى الشواذ من المجرمين الذين يصرون بلا ندم على فعلتهم وجريمتهم، أو رغبة أحدهم بالعبث الأخلاقي وذلك بتظاهره بطاقاته الجنسية أو العدوانية اتجاه الآخرين والمجتمع بشكل عام.

بعض هذه الطاقات السلبية للنفس البشرية مستبطنات لا يعلن عنها إلا في عالم منفتح آخر، كالانفتاح الذي يمنحه بعض الأشخاص لأنفسهم عند السفر أو رغبة الانحلال والكشف عن طبيعة النفس، والميل للخلاعة، أو إعلان الإباحية، وغيرها من الأمور التي ترتبط بسلوك الشواذ من البشر، والذي يفسر لنا حقائق مهمة عن مكنونات النفس وجنوحها الحيواني، والذي يظهر البعد العميق للحيوانية المستبطنة داخل البشر، وما مناصفة البشر بين حيوانيته وعقلانيته، الا دليل على الصراع الأزلي للتكوين الذي يتغلب أحدهما على الآخر بين مراحل مختلفة من حياة الفرد، منذ سن الطفولة وحتى الشيخوخة والهرم.

وهذه المراحل بحاجة إلى تقييم حقيقي، حتى لا يمتد الندم ويربط بينهما. وهذا ما ذكر في تصنيف القرآن للنفس، بالنفس اللوامة التي تراجع نفسها وتندم على فعلتها، أو النفس المطمئنة لقرارة أمرها بالسوية والاعتدال، والمقاومان كليهما للنفس الأمارة بالسوء والتي تسعى بهذا المرض الى احياء البعد الحيواني الجانح في النفس البشرية وبسلوكها.فكل قوى النفس عندما تضعف تنتهي إلى سطحية وسذاجة وعته وانحطاط كبير، والقوى العقلية كذلك عندما تبدد بعوامل الغريزة يصبح الإنسان حيوان يعمق بسلوكه المشترك الحيواني لا الإنساني.

 

الدكتور رائد عبيس

 

عقيل العبودعندما نقول في اللغة ورد، نقصد جاء، والوارد هو الداخل وتنطبق الكلمة في مدلولاتها اللغوية على الدخل الذي يضاف الى ميزانية المال، ومن سياق المعنى المتقدم، هنالك موارد متعددة  تخص الإقتصاد والسياسة والطب والإجتماع وجميع المفردات التي يحتاجها الإنسان لأداء مهماته  الحياتية على وجه أكمل بما فيها طريقة التعامل مع الجانب المعرفي.

أما لماذا تم اختيار كلمة مورد للبحث فهذا يعود الى حكمة مقتضاها الى ان العقل البشري يخضع في التعبير عن إنتمائه الإنساني الى أمرين، اومنطورين الأول المعنى الخارجي، والثاني الداخلي.  أي ان هنالك منظورين بهما تستوي حركة الأشياء والمسميات.

أما المنظور الأول فهو ان العقل يلتقط حركة الصور والموضوعات بناء على التفسير الحسي الذي يرتبط بلغته ومنظومته التي يعد التاريخ عاملا فيها، أي التجربة التي يخوضها الإنسان خلال مسيرته الزمنية- الحياتية، والمعرفة مفردة من مفردات هذه التجربة، وهذه المعرفة لها موارد، هذه الموارد عبارة عن مجالات، ومستويات، وتدرجات  وانتماءات   ولكل واحد منها مكنون، وكنه الشئ مكنوناته ومكوناته، ما يساعد في فهم وتفسير وتشخيص الحقائق الوجودية للموضوعات والقضايا، والغائبة ربما عن الحضور بالنسبة لعامة الجمهور، وهذا جميعا يرتبط بالمعنى الأول.

أما عن المعنى الثاني فهو ان العقل يفسر الأشياء بناء على حركة الظواهر ومدياتها ومسمياتها ومدلولاتها الخارجية بناء على تجارب الآخرين، فتفسير معنى الجمال للعارف والدارس، غير تفسيره لغير الدارس، بإعتبار ان تعريف الدارس للجمال يقوم على تجربتين الشخصية والخارجية.

 ذلك على أساس ان هنالك إضافات وتأثيرات خارجية تمنح مسميات الأشياء مضامين أخرى للعالِم بالشئ، بينما غير العالم يكون محدود في تفسيره العقلي لحركة المسميات، لذلك فهو بحاجة الى الإرتباط بتجارب الآخرين ومعلوماتهم أكثر من العالم.

والخلاصة هو ان جميع ما تقدم يدخل في اصل تزويد هذا العقل بالمعلومة الخاضعة اوالتابعة الى مورد معين، ومنه كلمة موارد resources.

والإعلام كمورد يسعى لتعبئة العقل الجمعي من خلال اختيار ما يخطط له من برامج، املا بتحقيق مصالحه السياسية والطبقية.

 ولهذا يتم استهداف العقول الواعية من خلال تصفيتها أوإبعادها، لكي لا تقف حائلا امام ألاعيب السياسة والسلطة التي تمارس لعبة التضليل.

 

عقيل العبود

 

احمد الكنانيمولانا جلال الدين الرومي يذعن بوحدة الوجود بالمعنى الصوفي، وبحسب التصور الخاص الذي رسمه في اول بيتين من المثنوي لكن من دون ذكرها بالفاظها، وهو سرَ بالغ الأهمية ينفرد به مولانا بأن يتحدث عن قضية شائكة تاهت بها الالباب وتشابكت حولها تصورات الفلاسفة والمتكلمين ببيتين اثنين يوجز فيها سر الوجود، وجودنا كبشر على هذه الأرض وأرتباطها بمنشئ الوجود، اذ لا اصطلاحات ولا رموز ولا غموض، لكن المعنى ظاهر بيَن في اننا موجودات آيات وتجليات لوجود الله ومتقومة به، جئنا من غابات القصب، قٌطعنا من جذورنا ونرجو يوما الوصال، فنحن منه وسنعود اليه .

بشنو این نی چون شکایت می‌کند

از جداییها حکایت می‌کند

کز نیستان تا مرا ببریده‌اند

در نفیرم مرد و زن نالیده‌اند

سینه خواهم شرحه شرحه از فراق

تا بگویم شرح درد اشتیاق

هر کسی کو دور ماند از اصل خویش

باز جوید روزگار وصل خویش

*

استمع للناي كيف يقص حكايته                                                                                        

فهو يشكو آلآم الفراق                                                                                                       

 

هكذا ترجمت اول ابيات المثنوي

فالناي يقص حكايته ويشتكي الم الفراق ...

وهذا يدعوني الى تسجيل مفارقة مهمة قبل الدخول الى عالم الوجود ووحدته كما يراها مولانا، وهي ان لغة هذا العارف الكبير وفهمها لا تتوقف على معرفة اللغة التي كتب بها شعره بل هي متوقفة على فهم عالمه هو، معرفة الفارسية لا تعني فهم شعر الرومي وانما معرفة شعر الرومي متوقفة على الولوج الى عالم الرومي نفسه  .

من هنا يحق لنا ترجمة هذا البيت وهي اول كلمات نطق بها مولانا في المثنوي :

استمع لهذا الناي (الذي هو مولانا ذاته)

فهو يشكو الم الفراق

بل هو يحكي حكايته ..

وهنا اضراب وترقي عن الشكاية الى الحكاية، لان عالم الرومي يأبى الشكاية، والرومي غير شاك مما يدور حوله ؛ اذ لا شيء يعنيه، نعم هو يحكي حكايته من اين جاء والى اين هو ذاهب ...

استمع الى الناي يشكو الم الفراق

بل هو يحكي حكايته ... ويقول :

اني مذ قطعت من منبت الغاب

وجموع الناس حولي يبكون لبكائي

انني انشد صدرا مزَقه الفراق

حتى اشرح له الم الاشتياق

فكل انسان اقام بعيدا عن اصله

يظل يبحث عن زمان الوصال

وقد اجاد الدكتور عبد الوهاب عزام في صياغة ابيات مولانا هذه بنظم عربي يحاكي النظم الفارسي:

استمع للناي غنَى وحكى   

                           شفّة الوجد وهدرا فشكى

مذ نأى الغاب وكان الوطنا 

                              ملأ الناس أنيني شجنا

أين صدر من فراق مُزّقا 

                           كي أبثّ الوجد فيه حُرّقا

من تشرده النوى من أصله

                      يبتغي الرجعى لمغنى وصله

كل نادٍ قد رآني نأدباً 

                           كل قوم تخذوني صاحبا

ظن كلٌّ أنني نعم السمير

                   ليس يدري أي سر في الضمير

إن سري في أنيني قد ظهر

                       غير أن الأذْن كلّت والبصر

إن صوت الناي نار لا هواء 

                        كل من لم يَصْلَها فهو هباء

هي نار العشق في الناي تثور

                 وهي نار العشق في الخمر تفور

فمولانا يشَبه نفسه بالناي حيث يشكو الم الفراق بل هو يحكي حكاية ...

حكاية مولانا هي مبدأ الوجود عندما كان في بستان القصب (نيستان) كان الوجود واحد و كل شيء واحد اذ لا زمان ولا مكان، هناك في عالم اللاصورة، ثم قطعنا من جذورنا فتفرقت تلك الوحدة وتكاثرنا في علم الصورة ...

عالم اللاصورة وعالم الصورة يصورها مولانا جلال الدين بهذا التصوير:

صورت از بي صورتي آمد برون

باز شد كه انا اليه راجعون ...

*

الصورة نابعة من اللاصورة

ثم هي راجعة اليه وانا اليه راجعون

هذا هو معنى وحدة الوجود بحسب عالم مولانا جلال الدين .

ببساطة متناهية وعذوبة في الالفاظ وسلاسة في المعنى يعكس مولانا مفهوم وحدة الوجود في المثنوي بما تقدم من اننا وجود واحد في عالم اللاصورة والتشخصات ثم قطعنا من جذورنا ونزلنا الى عالم الصورة والتكثر والتمايز عن بعضنا البعض، ثم هي تجليات لذاك الوجود وليست وجودات حقيقية لانها مفتقرة ومحتاجة اليه :

ما چو ناییم و نوا در ما ز تست

ما چو کوهیم و صدا در ما ز تست

ما چو شطرنجیم اندر برد و مات                                                    

برد و مات ما ز تست ای خوش صفات                                            

ما که باشیم ای تو ما را جان جان

تا که ما باشیم با تو درمیان

ما عدمهاییم و هستیهای ما

تو وجود مطلقی فانی‌نما

هستی ما جمله از ایجاد تست

لذت هستی نمودی نیست را

ما نبودیم و تقاضامان نبود

تو ز قرآن بازخوان تفسیر بیت

گفت ایزد ما رمیت اذ رمیت

گر بپرانیم تیر آن نه ز ماست

ما کمان و تیراندازش خداست...

 *

نحن كالعود وانت العازف

الانغام الحزينة انت ناسجها

ونحن كالناي لكن انغامنا منك

وكالجبل وصدى الصوت صوتك

وكقطع الشطرنج نمضي بين نصر وهزيمة

نصرنا وهزيمتنا منك يا طيَب الصفات

من نحن ليكون لنا وجود بجانبك

نحن موجودون وانت روح الروح

نحن العدم و وجودنا هو انت

الوجود المطلق وظهورنا فان

وجودنا بعض من ايجادك

الم تقرأ القرآن تفسير ذاك البيت

وما رميت اذ رميت

فنحن القوس والسهم سهمك

***

احمد الكناني

 

  

جميل عودةإن أعدادا كبيرة للغاية من الناس وأسرهم ومجتمعاتهم يعانون من عواقب تناول الخمور وتعاطيها والإدمان عليها. وقد حان الوقت لزيادة الجهود لوقف هذا التهديد الخطير في حياة الناس وصحتهم، وبذل المزيد من الجهد لخفض التكلفة الصحية والاجتماعية للاستخدام الضار للخمور.

 إن السٌكر هو كل ما يُسكر من خمر وشراب، ويقال: سكر فلان من الشراب؛ أي غاب عقله وإدراكه. وقد يُطلق على المسكرات اسم (الخمر) تارة، وقد يُطلق عليها اسم (الكحول) تارة أخرى، وقد يُطلق عليها اسم (المشروبات الروحية) تارة ثالثة. ومع اختلاف المصطلحات والمسميات في مكان عنها في مكان آخر، فهي سائل عديم اللون والمذاق، وينتج عن تخمير السكريات والنشويات.

 وفي الاصطلاح تطلق الأشربة على ما كان مسكراً من الشّراب، سواءٌ كان متّخذاً من الثّمار، كالعنب والرّطب والتّين، أو من الحبوب كالحنطة أو الشّعير، أو الحلويّات كالعسل. وسواءٌ كان مطبوخاً أو نيئاً. وسواءٌ كان معروفاً باسمٍ قديمٍ كالخمر، أو مستحدثٍ (كالعرق والشمبانيا... إلخ).

 تكمن خطورة الخمر في خطورة ما يحتويه من الكحول، حيث تختلف نسبته من نوع إلى أخر، فتبلغ نسبته في البيرة من (4-8%)، وفي النبيذ من (10-18%)، وفي الويسكي من (45-55%)، وينتج هذا الكحول من تخمير المواد التي تحتوي نسبة من السكريات مع الخميرة أو البكتريا. فمن تخمير حبوب الشعير نحصل على البيرة، ومن تخمير العنب أو التوت نحصل على النبيذ، ومن حبوب الذرة نحصل على الويسكي، ومن العسل الأسود نحصل على الروم، وعندما ينقع البلح في الماء لمدة أربعة أو خمسة أيام ويقطر نحصل على عراقي البلح. وشرب الخمر يؤذي الجسد، ويضلل البصيرة، ويعمي الشخص عن الحكم على الأشياء بطريقة صائبة.

 وتشير الدراسات الطبية أن للخمر أضرارا بالغة على جميع أجهزة الجسم البشري، فهو له تأثير على العين من حيث (ضمور العصب البصري، الغمش، الزغللة، ضعف الإبصار، شلل عضلات العين، وتجحظ العين)، وعلى الكبد من حيث (تضخم، تليف، والتهاب)، وعلى المعدة من حيث (غثيان، قيء، وعسر الهضم)، وعلى القلب من حيث (ضغط الدعم، تصلب الشرايين، الذبحة الصدرية، وجلطات القلب)، وعلى الدم من حيث (فقر الدم، وتجلط الدعم)، وعلى الجلد من حيث (حساسية جلدية)، وعلى الفم من حيث (التهاب في الغشاء المخاطي للفم والبلعوم، وإضعاف حاسة الذوق).

 وفي المراحل المتقدمة لاعتماد الشخص على الخمور والكحول؛ فانه يعاني من فقدان الشهية للطعام، وعدم القدرة على تناول طعام كاف، ورعشة، وانشغال مستمر بما لديه من زاد كحولي. كمــا وجــد أن الإفــراط في تنــاول الكحــول أو المشــروبات الكحوليــة يــؤدى إلــى الإصــابة بمرض السرطان، وتليف الكبد، وزيادة عـدد الحـوادث المروريـة، والتي بـدورها تسـاهم في زيـادة معدل الوفيات.

 والخمر أم الخبائث، ومنبع الرذائل، ومنشأ الشرور والجرائم، وسبب الكوارث والمصائب، وقد حرمها الله تعالى في كل شرائع الأنبياء من قبلنا، لأنها تذهب العقل الذي هو مناط التكليف، ويتميز به عن بقية الدواب والبهائم العجماء، والاعتداء على هذا العقل جريمة، وكفر بنعمة الله العظيمة، وقد لعن النبي صلى الله عليه واله وسلم كل ما يتعلق بالخمر من شربها وبيعها وشرائها وعصرها وحملها، وقد شملت اللعنة عشرة من الناس تربطهم بالخمر صلة من قريب أو بعيد.

 والآيات والروايات في ذلك كثيرة. ومن الآيات قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون،  إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ).

 وقال الإمام الصادق عليه السلام "إن الخمر رأس كل أثم" وعنه عليه السلام: إنَّ زنديقاً قال له: فلم حرّم الله الخمر ولا لذة أفضل منها؟ قال عليه السلام: "حرّمها لأنها أمُّ الخبائث، ورأس كلِّ شرّ، يأتي على شاربها ساعة يسلب لبّه، فلا يعرف ربّه، ولا يترك معصية إلا ركبها، ولا حرمة إلا انتهكها، ولا رحماً ماسّة إلا قطعها، ولا فاحشة إلا أتاها، والسكران زمامه بيد الشيطان، إن أمره أن يسجد للأوثان سجد، وينقاد حيثما قاده".

 ولشدّة حرمة شرب الخمر حرّم الإسلام تناول المسكر قليله وكثيره وخالصه وممزوجة، فلو سقطت قطرة من الشراب في ظرف مليء بسائل آخر، فإن تمام ذلك السائل سوف يحرم. فعن الإمام الصادق عليه السلام: "إنَّ ما أسكر كثيره فقليله حرام، فقال له الرجل: فاكسره بالماء؟ فقال عليه السلام: لا وما للماء يحلُّ الحرام! اتقِ الله ولا تشريه.

 تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية في "تقرير الحالة العالمي عن الكحول والصحة لعام 2018" إن هناك حوالي (2.3) مليار شخص يشربون الكحول حاليًا، منهم (237) مليون رجل و(46) مليون امرأة على مستوى العالم يشربون الخمر بشكل مفرط أو على نحو ضار. وشرب الكحول أكثر شيوعا في أوروبا والأميركيتين، كما أن الاضطرابات الناتجة عن شرب الخمور أكثر انتشارا في الدول الأغنى. ومن بين كل الوفيات التي تسببت فيها الكحوليات، نتجت (28% ) عن إصابات مثل الحوادث المرورية وإيذاء النفس والعنف، و(21%) نتيجة اضطرابات هضمية، و(19% ) نتيجة أمراض القلب والأوعية الدموية، مثل الأزمات القلبية والجلطات. وفي أوروبا أكبر معدل استهلاك للكحول بالنسبة للفرد على مستوى العالم، على الرغم من انخفاضه بنسبة (10%) تقريبا منذ العام 2010. وذكر التقرير أن التوجهات الحالية تشير إلى زيادة عالمية في معدل استهلاك الفرد خلال السنوات العشر القادمة، لا سيما في جنوب شرق آسيا وغرب المحيط الهادي والأميركيتين.

 هناك العديد من العوامل والأسباب جعلت الإدمان على الكحول تمس جميع الفئات، سواء الكبار والصغار، على حد سواء. ومن بين الأسباب هي: وفرة الخمور وسهولة الحصول عليها؛ لاسيما في العديد من الدول الأوربية والغربية حيث ينتشر الخمر في أغلب الأسواق والمحال التجارية، ومن مؤسف حقا أن نجد الخمور أيضا في معظم البلدان الإسلامية؛ مع أن الإسلام يحرمها تحريما قاطعا. ذلك أن من الناس من يظن أن تعاطي الخمر خير من تعاطي المخدرات، ونسي هذا الأخير أن جرعة كبيرة من الكحول قد تسبب التسمم؛ ويؤدي إلى الهيجان أو الخمود، ولما يصل شاربها إلى مرتبة الإدمان المزمن فإنه يتعرض للتحلل الأخلاقي الكامل مع الجنون.

 ومن بين أسباب انتشار الخمور وتناولها هو: الاستثمارات الضخمة في صناعة الخمور؛ حيث إن العالم الغربي والعربي يستثمر في الخمور أموالا تُقدر بملايين الدولارات، إذ يعتمد الكثير من الناس في معيشتهم على الخمر، يستثمرون فيها ويسوقونها إلى مناطق مختلفة من بلداننا.

 ومن بين الأسباب أيضا هي: الدعاية للخمور؛ حيث إن الدعاية المغرضة هي التي أوقعت الملايين من البشر في شراك هذه السموم القاتلة. إنهم يقولون إنها مثال للرجولة بالنسبة للفتيان، وللأنوثة بالنسبة للإناث.

 وقد تكون من الأسباب الموجبة لانتشار ظاهرة تعاطي الخمور هي: الاضطرابات الشخصية التي تصيب العشرات من الشباب، حيث يلجأ الفاشلون والمحبطون واليائسون إلى تعاطي الخمر للتخلص من الواقع الذي يعيشونه، وكلما فاقوا ورجعوا إلى حالتهم الطبيعية تذكروا معاناتهم ومشكلاتهم فلا يجدون بدا من العيش بعيدا عن تلك الآلام، فيتناولون تلك الخمور ثانية، وهكذا حتى يدمنوا عليها، ويكون من الصعب تركها البتة. وقد تنعكس هذه الحياة البائسة على الأولاد أيضا، حيث لوحظ أن أولاد المدمنين غالبا ما يكونون هم كذلك كآبائهم.

 في الواقع، إن أعدادا كبيرة للغاية من الناس وأسرهم ومجتمعاتهم يعانون من عواقب تناول الخمور وتعاطيها والإدمان عليها. وقد حان الوقت لزيادة الجهود لوقف هذا التهديد الخطير في حياة الناس وصحتهم، وبوسع كل الدول بذل المزيد من الجهد لخفض التكلفة الصحية والاجتماعية للاستخدام الضار للكحول والخمور. وأصبح لزاما على الدول والشعوب والمجتمعات المحلية أن تضع سياسة عامة، للحد من مخاطر تناول الخمور والكحول، ويمكن أن تتضمن هذه السياسة المجالات الآتية:

1- مجال الوعي والإرادة المجتمعية والسياسية: لا يمكن الحد من تعاطي الخمور والمشروبات الكحولية في أي مجتمع أو القضاء عليها إلا من خلال توافر وعي مجتمعي وإرادة سياسية فاعلة، تملك القدرة اخذ القرار الشجاع، وعلى تشريع سياسات وطنية شاملة؛ ومتعددة القطاعات، وأن تقترن بخطة عمل محددة، وأن تستند إلى آليات فعالة ودائمة للتنفيذ والتقييم، ولا غنى عن الالتزام المناسب من المجتمعات المحلية والفعاليات الاقتصادية، لأنها العامل المؤثر في الترويج لها أو تعاطيها.

2- مجال توافر الخدمات الصحية: يقتضي هذا المجال أن تتصدى المؤسسات الصحية للضرر الذي يلحق بالأشخاص الذين يعانون بالفعل من اضطرابات تعزى إلى تعاطي الخمور والكحول أو من اعتلالات صحية أخرى. وينبغي أن توفر الخدمات الصحية تدخلات الوقاية والعلاج للأفراد وأسرهم ممن يتعرضون احتمالا أو فعلا للاضطرابات ناجمة عن تعاطي الخمور والكحول، وتزويد المجتمعات بالمعلومات عن العواقب الصحية العمومية والاجتماعية المترتبة على تعاطي الكحول.

3- مجال العمل المجتمعي: يتوقف الحد من تناول الخمور والكحول على البنية التحتية الثقافية والاقتصادية للمجتمعات المحلية، فمقدار ما تكون هناك رغبة عند أفراد المجتمع المحلي في تعاطي الخمور والكحول تزداد نسبة المعروض في السوق، والعكس صحيح أيضا. حيث يقل عرض الخمور وبيعها في الأسواق والمحال التجارية عندما يرفض أفراد المجتمع بيع وتناول الخمور، أو يقل عدد الراغبين في تعاطيها. ويمكن للحكومات وسائر أصحاب المصلحة دعم وتمكين المجتمعات المحلية، بحيث تستخدم معارفها المحلية وخبراتها في إتباع أساليب فعالة للوقاية والحد من تعاطي الخمور الكحول، وذلك من خلال تغيير السلوكيات الجماعية لا السلوكيات الفردية.

4- مجال توافر الكحول: إن توافر الكحول على نطاق واسع قد يكون سببا رئيسا من أسباب انتشار وتعاطي الخمور والكحول لا سيما على مستوى الشباب، وعليه؛ فان هذا المجال يقتضي وضع إستراتيجية وطنية، تتضمن قوانين وسياسات وبرامج للحد من المستوى العام لتعاطي الكحول. ليس على مستوى الأسواق النظامية وحسب، بل أيضا على مستوى الأسواق غير النظامية التي قد تكون السوق الأكثر ترويجا للخمور والكحول، أثناء التشدد على الأسواق النظامية. ففي بعض البلدان النامية والبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل تشكل الأسواق غير النظامية المصدر الرئيس للكحول، بالإضافة إلى ذلك فان القيود التي تفرض على توافر الكحول وتكون صارمة أكثر من اللازم يمكن أن تشجع على نشوء سوق موازنة غير مشروعة.

5- مجال التسويق والدعاية: يقتضي هذا المجال الحد من التسوق والداعية للمشروبات الكحولية، ولا سيما على الصغار والمراهقين، فالكحول اليوم يجري تسويقها من خلال تقنيات إعلان وترويج متزايدة التعقيد بما في ذلك الربط بين العلامات التجارية للمنتجات الكحولية وبين الأنشطة الرياضية والثقافية والرعاية، وإقحام المنتجات، وكذلك من خلال تقنيات تسويق جديدة مثل رسائل البريد الإلكتروني، والرسائل القصيرة للهاتف المحمول، والرسائل الصوتية الرقمية، ووسائل الإعلام الاجتماعية، ووسائل تقنيات التواصل.

6- مجال سياسات التسعير: ويقتضي هذا المجال رفع أسعار المشروبات الكحولية إلى حد يشعر مستهلكوها ومتعاطوها أنها تؤثر بشكل سلبي على مدخلاتهم اليومية، حيث إن المستهلكين للخمور والكحول بما فهيم الذين يسرفون في الشراب والشباب حساسون للتغيرات التي تطرأ على أسعار المشروبات. إذ تعد زيادة أسعار المشروبات الكحولية من أفعال التدخلات الرامية إلى الحد من تعاطي الكحول. ومن المهم إنشاء نظام لفرض ضرائب محلية خاصة على الكحول والخمور، وليقترن مع نظام فعال للإنقاذ قد يأخذ بعين الاعتبار حسب الاقتضاء محتوى المشروب من الكحول.

7- مجال التدابير المضادة للقيادة تحت تأثير الكحول: يقتضي هذا المجال اللجوء إلى تدابير محكمة تستهدف الحد من احتمال إقدام أي شخص على القيادة؛ وهو تحت تأثير الخمور والكحول، وتدابير توفر بيئة أكثر أمانا للقيادة، وتحد من احتمال وشدة الضرر المرتبط بحوادث التصادم والارتطام التي يتسبب فيها الأشخاص؛ وهم تحت تأثير الكحول.

8- مجال الرصد والترصد: حيث تشكيل البيانات المستمدة من أنشطة الرصد والترصد الأساس اللازم لنجاح خيارات السياسة العامة للحد من تناول الخمور والكحول وتنفيذها على نحو ملائم. ومن الضروري الاضطلاع بأنشطة مختلفة تضمن المزيد من الرصد لهذه الظاهرة وذلك من خلال إجراء مسوح وطنية دورية بشأن استهلاك الخمور والكحول، والضرر الناجم عن تعاطيها، ووضع خطة لتبادل المعلومات وتعميمها.

 

جميل عودة

 

رائد عبيسإشكالية توارث الجهل الاجتماعي والسياسي

عندما لا يعي المجتمع متطلباته الحياتية، على وفق رؤية مستقبلية لا يمكن له أن يحقق نهضة على المدى البعيد في كل المجالات والقطاعات. وبما أن النهضة تحتاج رؤى وافكار ونظريات وأسس معرفية، فهذا ما يتعارض مع تراكمات الجهل الاجتماعي الذي يتطلب تعريف بمشروع النهضة بطريقة سطحية ربما تجعله لا يفهمها بشكل صحيح او يفهمها بسطحيتها. وهذا ما يخلق تعارض مع الطبقة المثقفة من جهة والشعبية من جهة أخرى.

لا يمكن مقاربة أجيال الشعوب العربية والإسلامية أبان حديث النهضة في القرن السابق وما قبله، مع أجيال القرن الواحد والعشرين الذي شهد انفتاح غير مسبوق في عالم التطور التواصلي بين أجيال وبيئات مختلفة عبر شبكة الإنترنت والتطبيقات التواصلية.

فكرة نظرية الاستجابة العمياء تستند إلى عدة محاور منها: المحور الثقافي، والمحور السياسي، والمحور الاجتماعي.

نتحدث بالمحور الأول عن إشكالية الصراع مع الجهل. وكثير ما نعاني من هذا الصراع بصراع شكل يومي بين شرائح متنوعة في المجتمع، إما بسبب الجهل الثقافي التطلعي، أو بسبب الدوغمائيات المتوارثة، أو بسبب الدين التقليدي، أو بسبب الاحتكام للتاريخ،  أو بسبب العامل الاجتماعي وتقاليده.

ما دور الثقافة في نظرية الاستجابة العمياء؟

نعتقد أن أثر الثقافة هنا ضعيف جدا وسبب ذلك أن هناك فطرية عالية عند المجتمع، ترجع هذه الفطرية الى الجهل، وانعدام التعليم، وتحصيل المعرفة وسذاجة متوارثة، بسبب الجهل البيئي الذي يتمثل عقل الفرد المتقوقع على تلك البيئة وفضاءها. وهذا ما زال يمثل شريحة كبيرة من المجتمع ابتداء من بيوت البدو والرحالة، ومن آخر بيت في قرية الى اول بيت، وصلا إلى السكن العشوائي المحاذي لمدينة مجاورة منظمة بتنظيم البلدية، وصولا إلى مركز المدن والمدن الكبرى التي تواجه هي الأخرى فوضى في بعض تفاصيلها. وهذا الأمر موجود في أغلب المجتمعات التي تنطبق عليها هذه النظرية، التي تتحدث عن استجابة عمياء لا تحمل بالضرورة فكر ودراية عن قيمة الحياة وتفاصيلها، فهي حياة ربما تخلو من السؤال، والتفكير، أو التكفير المتمركز، حول أسس تلك البيئة المنتجة له. بفكرة هذه النظرية تستند إلى أسس اجتماعية تكوينية كعلاقة الفرد بالمجتمع. وعلاقة الإنسان بالبيئة، وعلاقة الإنسان بالإنسان.

وهذه أسس لا يمكن تجاوزها أو الحياد عنها في اي نمط من التفكير.

أما المحور الثاني وهو المحور السياسي الذي يختص بالحديث عن علاقة الفرد بالأنظمة السياسية، وكيفية ايجادها، وخلفها، وتنظيمها، وتكوينها، وتطويرها أن كانت موجودة، فالفرد الذي يسعى إلى تنظيم سياسي يهدف إلى تطوير نمط العيش عبر مطامح سياسية تخصه والمجتمع الذي يريد أن يمثله بذلك الحزب يمثل عنده تطور نوعي، ولكن هناك اقتران يتم بشكل مباشر وغير مباشر بينه وبين طبيعة النظام المختلق أو المخلوق سلفاً ولكن انظم إليه فيما بعد. وهذا الاقتران هو الولاء أو الطاعة الذي ينتج فيما بعد استجابة عمياء غير واعية أو ناقدة بكونه جزء منه، وإن كان هناك نقد فهو تقويمي لأنه لا يريد أن يفرط به أو يريد أن يساهم بنجاحه أو تطويره. فالاستجابة العمياء موجودة في كل المجتمعات السياسية والا لو لم تكن هناك استجابة لما قامت الأحزاب والسياسات ولا حدث هناك تصفيق أو تجمهر مؤيد او اختفاء أو انتخاب لأي زعيم حزب أو عضو فيه، وفي العراق هذا الأمر  واضح جدا ويمثل مرحلة نضوج بين الفرد ومجتمعه السياسي! فأمثلة الطاعة والاستجابة العمياء سواء كانت فردية أو جماعية هي متحققة في علاقة الفرد أو الجماعة بالحزب الذي ينتمون له أو التيار أو الحركة وغيرها من التسميات حتى تشمل مبدأ التقليد الفقهي عند المراجع واتباعهم أو عند أصحاب الدين المسيحي وكنيستهم أو رجل دينهم وهذا ينسحب على كل المجتمعات وعلاقتها بسياستها أو بأفرادها.

أما المحور الثالث فيشمل قضية المحور الاجتماعي، وعلاقة الفرد لمجتمعه بطريقة التبعية الأسرية، أو العائلية، أو العشائرية، أو القبلية، أو الإمارة، وهذا التوصيف يحتم على المجتمع، أو الفرد في المجتمع أن يحدث استجابة متبادلة، سواء تحت اثر رجل العشيرة وزعيمها، أو تحت تأثير العشيرة على الفرد فيها، بحيث تخلق عنده حالة من الاستجابة العمياء بعنوان ما يسمى السانية العشائرية وتقاليدها. فضلا عن التقاليد الحاكمة باستجابته رغما عنه في مواضيع كثيرة، فالتمرد على أسس وقواعد هذه المحاور يعد خرقا اجتماعيا وسياسيا وحتى ثقافيا، اذا هناك حالة من التنابذ تستند إلى تلك الرؤية العامة في فضاء المجتمع المحكوم بهذه المحاور وتفاعلاتها فيما بينها واثرها السلبي والإيجابي فيها على الفرد والمجتمع وما ينتجانه من أنماط سياسية واجتماعية تلائم طبيعته وتكوينه.

 

الدكتور رائد عبيس

 

صالح الطائيوردت كلمة (جعل) في قوله تعالى من سورة الإسراء، الآية: 12: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا}، وهي وفق الإطار المعرفي العام، تأتي هنا للتأكيد على قدرة الله سبحانه وتعالى، وتنسب إليه جل وعلا أنه جعل الليل والنهار آيتين، للتدليل على عظمته، قال عنهما ابن كثير في الصفحة 188 من الجزء الخامس من تفسيره تفسير القرآن العظيم: "ثم إنه تعالى، جعل لليل آية، أي: علامة يعرف بها وهي الظلام، وظهور القمر فيه، وللنهار علامة، وهي النور وظهور الشمس النيرة فيه، وفاوت بين ضياء القمر وبرهان الشمس ليعرف هذا من هذا".

وذهب القرطبي في الصفحة 205 من الجزء العاشر من تفسيره الجامع لأحكام القرآن، أبعد من ذلك، فقال: "قوله تعالى: وجعلنا الليل والنهار آيتين أي علامتين على وحدانيتنا ووجودنا وكمال علمنا وقدرتنا. والآية فيهما  إقبال كل واحد منهما من حيث لا يعلم ، وإدباره إلى حيث لا يعلم. ونقصان أحدهما بزيادة الآخر وبالعكس آية أيضا . وكذلك ضوء النهار وظلمة الليل.

كذلك تتبعت تفسيرها في كثير من كتب التفسير مثل فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية لمحمد بن علي بن محمد الشوكاني، وتفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن لمحمد بن جرير الطبري، ومعالم التفسير للحسين بن مسعود البغوي، والتحرير والتنوير لمحمد الطاهر ابن عاشور، والتفسير الكبير المسمى البحر المحيط لأثير الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف الأندلسي، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن لمحمد الأمين بن محمد بن المختار الجنكي الشنقيطي، وعشرات التفاسير الأخرى، فوجدتها تتحدث بالحديث نفسه، ينقل أحدهم عن الآخر؛ دون أن يسأله عن مصدره، بما في ذلك حديثهم عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: "كان القمر يضيء كما تضيء الشمس، والقمر آية الليل، والشمس آية النهار (فمحونا آية الليل) السواد الذي في القمر".

كل ذاك الحديث مع احترامنا له، لم يورثنا خيرا إلا في حدود ضيقة جدا، وكان المفروض بالمسلمين المعاصرين أن يتخلوا عنه، أو يخففون تعلقهم وتمسكهم به، لأن العلوم الحديثة فتحت لهم آفاقا جديدة كانت مغلقة أمام الأقدمين بما يتيح لهم التقدم على الأقدمين، لتحقيق منافع عجز التفسير القديم عن تقديمها، والغريب أن لا أحد تطوع للقيام بهذا الفعل، والأنكى أن هناك من سخر معطيات الحضارة الحديثة ليزيد الأمور تعقيدا، وألا ما الغاية من قيام أحد أساتذة الجامعة (تخصص لغة عربية) من وضع كتاب في أصل المقصود بكلمة (جعل) في الآية المباركة، فيما إذا ما كان جعلا تكوينيا، باعتبار أن الجعل التكويني يدخل في باب العقائد، أم جعلا تشريعيا. ولم يورد ولو سطرا واحدا يتحدث فيه عن الجعل العلمي للأسف!. ويعني هذا أننا جعلنا أنفسنا في موقف ضيق حرج، كأننا نصعَّد في السماء، يوم تمسكنا بما تركه لنا الأقدمون، بالرغم من تأكدنا ويقيننا أننا نتقدم عليهم بكل شيء، بالعلوم والخبرات والثقافات والآلات والإمكانات والإعدادات؛ آلاف المرات.

اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ولا تجعلنا ممن يكلون أمرهم لغيرهم، ليفكر بدلا عنهم، ويخطط لمسير حياتهم، ويتحكم بشؤون دنياهم وآخرتهم. واجعلنا اللهم من المجددين المتنورين لا من التقليديين الجامدين... آمين.

 

صالح الطائي