بليغ حمدي اسماعيللأنها ليست الأكثر غموضاً فهي سريعة السقوط وقليلة الصمود إزاء إحداثيات الوطن، هكذا يمكن توصيف حال ومقام تيارات الإسلام السياسي أو الجماعات السيسيودينية التي اعتلت صدارة المشهد السياسي منذ استقرار الانتفاضة الشعبية في يناير 2011 حتى وقت سقوطها الشعبي في يونيو 2013، وبرغم أن الصورة الإعلامية التي صورت تلك التيارات السياسية التي استهدفت جمهورها من بوابة الفقر الديني لديهم انحصرت في كونها تيارات سرية وغامضة مما يعتقد الكثيرون أنهم الأكثر حراكا وقدرة على التنظيم والاستهداف المباشر، إلا أن الحقيقة النفسية لتلك التيارات لا تؤكد ذلك أو تشير إليه من قريب أو بعيد.

فالمستقرئ لحركات الإسلام السياسي منذ اشتعال الفكر الوهابي في شبه الجزيرة العربية مرورا بالحركات المزجية بين الدين والسياسي في مصر وسوريا والعراق وتونس، يدرك أن هذه الفرق بعيدة تمام البعد عن تطوير الاستخدام السياسي مما جعلها أكثر سطحية ومباشرة لا غموضاً وسرية ويكفي تحركات ما بعد ثورة يونيو لتكون خير شاهدة على افتقار هذه الفصائل والحركات إلى سرية التكوين والتنفيذ . لكن ظل الغموض فقط مصاحباً لسير المؤسسين لهذه التيارات، فمن بالغ الصعوبة أن تجد سيرة لهؤلاء الذين صاغوا حركاتهم سيرا بأقلام غير المريدين لهم، بل إن قصص حيواتهم تظل رهن الاستقطاب التمييزي ولا تقترب إلى حد المكاشفة التاريخية رغم وجودهم التاريخي.

وكون هذه الحركات لا تفكر في تطوير المصطلح السياسي لديها فهي الأقرب إلى الجمود منه إلى الفعالية والنشاط حتى وإن كانت قادرة على التحشيد، لكن الشهود الحضاري يفي بأنها على علاقة مستدامة بفكرة الامتلاء السياسي ومن ثم الاكتفاء الفقهي ووجود مرجعية ثابتة لا تعرف للاختلاف سبيلاً ولا تفطن للتعددية طريقا .

وهذا الامتلاء السياسي هو الدافع الحقيقي وراء معظم أفكار تيارات وحركات الإسلام السياسي، وهذه الأفكار شكلت منظومة أيديولوجية يمكن توصيفها في ملامح محددة، منها ضرورة التغيير الشامل وليس التطوير الجزئي، ورغم ما يشاع عن تيارات الإسلام السياسي ومنها جماعة الإخوان بأنها تسير بخطى وئيدة حتى تحقيق أهدافها فإنها بلفعل حركات تفتقد حيلة ومزية الصبر، كما تفتقد فضيلة التواضع لأن أبرز عوامل سقوط الجماعة سياسيا هو الاستعلاء السياسي الذي مورس على قطاعات عريضة من الشعب . وظل الاستعلاء كسمة مصاحبة لتيارات الإسلام السياسي في نمائه حتى أصيب بحالة من التضخم الذاتي للقيمة مما دفعها جميعاً إلى عدم الاكتراث بأية تنظيمات أخرى .

وليس من المنطق أن تحدث تغييرا شاملاً إلا إذا كنت نبياً يوحى إليك ولست بشراً عادياً ربما لا تمتك قدرات استثنائية، لكن هاجس التغيير الشامل ظل وسيظل محركاً لكافة الممارسات السياسية لتلك الجماعات دون أدنى اعتبار لوقع الشارع وأدائه .

ومن ملامح الأيديولوجية أيضاً استخدام خطاب المظلوم سياسيا والذي يعاني دوما الإقصاء عن المشاركة الدينية أو السياسية وربما انتفاء الذوبان المجتمعي اللهم سوى الذوبان داخل التنظيمات الخاصة فقط، مما أدى إلى استسلام المنتمين إلى تلك الحركات إلى نهايات التهميش والاضطهاد من قبل طبقات المجتمع، لذلك لم يكن عجباً أن تسعى جماعة الإخوان في مصر إلى تهميش الجميع حينما وصلوا إلى سدة الحكم وهو ما أطلق عليه آنذاك أخونة مفاصل الدولة .

وتلك الحالة الاضطهادية التي لا تزال محل شعور تلك الجماعات أو التيارات التي اقتحمت العمل السياسي من بوابة الدين واستهداف فقر المواطن دينيا ومعرفيا جعلت المنتمي إليها يرى المجتمع منحرفاً عن الوجهة الصحيحة التي تلقى تعاليمها أو مواصفاتها في نفس الوقت الذي تتنامى لديه عقدة الشعور بالظلم مما يجعله حاكماً على مجتمعه بالكفر، وفي كثير من الأحايين يرى وجوب محاربة العدو القريب بدلاً من أعداء الخارج وهو ما نراه واضحاً في حالتي الجماعة وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) .

وهذا ما وجدناه رأي العين في كتاب " الفريضة الغائبة " حينما نطالع قولاً يرى أن قتال العدو القريب داخل الوطن أولى من قتال العدو البعيد، وإذا استرجعنا وعي هؤلاء بذواتهم المضطهدة من وجهة نظرهم والمهمشة بفضل ممارسات الأنظمة السياسية التي لم تر نفعاً في دمج هذه التيارات داخل سياق المجتمع، نكتشف مشاهد الثأر المستدامة صوب بعض الفئات كالقضاء والشرطة وأخيرا الجيش، وهذه المشاهد نراها متأصلة في تاريخ الجماعات التي وصفت مؤخرا بالإرهابية .

والثأر كسمة تعد ملمحاً مهماً ونحن بصدد تحليل الحالة النفسية لتيارات الإسلام السياسي، لأن موقف الثأر الدائم يفرض على تلك الجماعات وجود حالة من التعبئة الدائمة للصراع مع السلطة والذي انتقل مؤخراً بفضل البلادة السياسية لهذه الفصائل إلى الصراع مع كل فئات المجتمع الرافضة لوجودها نظراً لأعمال العنف والإرهاب وترويع الآمنين .

وربما أساتذتنا من علماء النفس الذين غرقوا حتى آذانهم في أوراقهم التي لا تخص سواهم غفلوا عن حقيقة تصل إلى تمام الشهود الحضاري وهي سيطرة اللاواقعي على فكر وسلوك تلك التيارات والفصائل السيسيودينية . وسيطرة اللاواقعي تعني أنهم فقدوا السيطرة في التمييز بين السلطة كنظام سياسي حاكم وبين المواطنين كأفراد مستقلين يشكلون المجتمع الكبير . فرأينا حوادث القتل في الشوارع وتدمير بعض البنايات وحوادث الترويع وإشاعة الخوف من تفجيرات قادمة مرتقبة الأمر الذي يدعو إلى مزيد من الدراسات السيكولوجية لطبيعة شخصيات المنتمين لتلك الفصائل.

وبسبب سيطرة اللاواقعي على فكر تنظيمات الإسلام السياسي كانت الدعوة إلى إحياء فكرة الخلافة، والانفصال عن الوطن وقضاياه ومشكلاته الاجتماعية والاقتصادية وغلق فكر الاجتهاد إلى منتهى غير معلوم، وبات الأمر في البداية شركاً أوقع الكثير من البسطاء في فخاخه وأوكاره، لاسيما أولئك الذين استمرأوا ثقافة الاستماع دون اكتراث بفعل القراءة والتأويل وتحليل المعطيات . ورغم طموحات المغامرين بفكر الخلافة إلا أنهم سقطوا وطنياً حينما سقطت دولتهم بإرادة وثورة شعبية في يونيو الأحمر فتخلوا عن مزاعم تحرير القدس من الغاشم الصهيوني وتحولت فكرة الثوار والأحرار المجاهدين صوب القدس لتحريره إلى حرب غير واعية من الدولة والمواطنين في الداخل.

وربما لم تدرك تلك الفصائل الحراك السياسي التركي نحوها ومدى الاهتمام المدهش في رصد أنشطتها الليلية في منتديات الرأي أو مظاهرات الجامعة وطرقات القرى المصرية، لكن ثمة أسئلة ربما تفضح هذا الحراك، منها لماذا لم تتحرك تركيا بنفسها وتعلن مزاعم عودة الخلافة المنشودة وتذهب مباشرة تجاه إسرائيل لتخليص القدس من براثنها ومخالبها ومخططاتها الخبيثة ؟ .

ولماذا تأخرت تركيا كل هذا الوقت في مساندة حليف يحمل نفس الحلم القديم وهو الخلافة وانتظرت حتى بزوغ تيارات الإسلام السياسي في مصر؟.

ويظل تساؤل آخر يبدو مهماً وهو أن تركيا التي تلهث وراء ترويج منتجات الشرعية وتحالف القوى الوطنية هي نفسها التي تؤكد ليل نهار أنها استحالت حضنا هادئاً وناعماً للعلمانية، وأنها لن ترجع خطوة واحدة مرة أخرى للوراء؟ لكن مشكلة تيارات السيسيو دينية أنها لم تعي إلى مشاهد المباحثات الأمريكية التركية أو التركية الصهيونية، وربما هذا المشهد يدرج أيضاً تحت السمات المميزة لتيارات الإسلام السياسي ألا وهو الغفلة ! .

و تبدو الخلافة دوما فكرة قائمة كملك عضوض في عقلية الجماعات والتيارات الدينية السياسية، وهي خلافة بالقطعية لا تشاكل أو تماثل حكم الراشدين أبي بكر والفاروق وعثمان وباب مدينة العلم والمعرفة الإمام علي رضي الله عنهم أجمعين، وسرعان ما تخبرنا الذاكرة الجمعية الأكاديمية عن إحداثيات الدول الإسلامية التي تعاقبت منذ تنازل الإمام الحسن رضي الله عنه وعن أبيه والصلاة والسلام على جده المصطفى محمد، والعامل الرئيس الذي أفدى بسقوط كافة الخلافات الإسلامية منذ اعتلاء واغتصاب معاوية بن أبي سفيان الخلافة وتحويلها إلى ملك عضوض هو امتلاك السلطتين الزمنية والدينية، بل إن اقتناص خلفاء بني أمية ومن خلفهم خلفاء الدولة العباسية واستلابهم للهيئة الدينية الرسمية في تلك العصور هو مفاد السقوط النهائي لهم، وهذا ما يدور بالضرورة في أذهان أمراء وقيادات جماعات التكفير والهجرة مرورا بتنظيم القاعدة الدموي وصولا إلى تنظيم الدولة (داعش).

ومن معالم طريق الجماعات الراديكالية المتطرفة المغالية في استخدام العنف والبطش والقتل إبطال عمل العقل والتفكير رغم كونه ـ التفكير والاجتهاد معا ـ فريضة إسلامية ضرورية ولازمة وفقا لإشارة الأستاذ عباس محمود العقاد، كان هذا الإبطال المتعمد والممنهج سببا قويا في توطين ثقافة النقل الحرفي وفقر الاجتهاد .

المثير في صحائف القهر بتاريخ الجماعات الراديكالية لاسيما في القرن المنصرم أن كل جماعة دينية زعمت أنها تمثل الإسلام بشريعته السمحة وفضائله ومناقبه، وهي بذلك الزعم استطاعت أن تستغل الدين لاسيما الترويج للفكر الديني الذي بدا متطرفا في تلك الفترات ولجأ قيادات التكفير والهجرة والتبليغ والدعوة والجماعة الإسلامية والسلفية الجهادية تحديدا إلى استغلال الدين لتحقيق مآرب شخصية وطموحات عائلية بل ومطامح قبلية خاصة لذا لم يستطيعوا أن يمثلوا الإسلام ولا المسلمين على امتداد سيطرتهم المجتمعية آنذاك. وتبدو ممارساتهم السياسية والاجتماعية والدينية أيضا كفيلة بالحكم على فساد رأيهم لاسيما فيما يتعلق بأمور النساء عموما وقضايا التعليم الرسمي ومؤسسات الدولة.

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

عبد السلام فاروقمن بين أهم التناقضات التى ظهرت على الساحة مؤخرا أن الفضائيات ووسائل الإعلام المرئية باتت تمثل أحياناً مصدراً كبيراً للشائعات والأكاذيب وإثارة الهلع..فى حين بات الإعلام الجماهيري كالصحف والسوشيال ميديا مصدراً للحقائق البديلة وبث الطمأنينة والتفاؤل!

السخرية .. سلاح المصريين ضد الخوف

تعليقات صحفية وإعلامية كثيرة، عربية ودولية، صَبَّت اهتمامها حول طريقة المصريين فى التعامل مع أزمة كورونا . قالوا : "أن تلك طريقة المصريين المعتادة لمواجهة الأزمات، لكن ماذا عن مواجهة الموت؟ هل سخريتهم من نوع الكوميديا السوداء؟ أم مؤشر للتسليم واللامبالاة؟

تلك الملاحظة ليست جديدة، بل جاءت على لسان كثير من المؤرخين ومن بينهم مؤرخى علوم الوبائيات .. فقد جاء فى مقدمة كتاب الأوبئة والتاريخ لشيلدون واتس اقتباس من كتاب قديم آخر يسرد مشاهدات "إلكسندر كينجلاك " عام 1835م لتصرف المصريين تجاه وباء اجتاح المدينة، فيقول: (القاهرة والطاعون.. كان الطاعون سيد المدينة طوال فترة إقامتى، وظهر الخوف فى كل شارع وكل حارة .. يمتلك الشرقيون حظاً وافراً أكثر من أوروبا تحت بلوى هذا النوع .. نُصبت الخيام، وعُلِّقَت المراجيح لتسلية الأطفال-عيد كئيب- لكن المسلمين تباهوا باتباعهم لعاداتهم القديمة غير عابئين بظلّ الموت). ويعلق شيلدون على كلام كينجلاك قائلاً : ( أثناء الحياة والكتابة فى مدينة إسلامية كبيرة بعد 160 سنة من ملاحظة كينجلاك صدمتنى استمرارية وحدة الثقافة الإسلامية عندما تُواجَه بأزمات تهدد الحياة..)، وفى نهاية تلك المقدمة الطويلة يعود ليقول: (.. يبقَى أن الناس العاديين من النوع الذى لاحظه ألكسندر كينجلاك فى المقابر القاهرية عام 1835م، ورأيته أنا فى شوارع القاهرة مراراً وتكراراً، أظهروا رغبتهم فى قَبول تساوى القيمة والكرامة لكل شركائهم من البشر.. فى مثل هؤلاءء الناس توجد بذور مستقبل أكثر إنسانية ).

السر إذن ليس فى السخرية ذاتها، بل ما تحمله السخرية من دِلالة..

سخرية المصريين فى زمن الأزمة بهذا الفهم، لا تعنى الاستسلام واللامبالاة السلبية، بل هى ذات دلالة إيجابية فلسفية عميقة، حيث ينبع الشعور بالأمان من جَوف مشاعر الخوف بالتهوين منه. فالخوف شعور، والتهكم رد فعل مضاد يهدف لقهر مشاعر الرعب والفزع . ومثل هذا النوع من التهكم لا ينتمى للكوميديا السوداء والسخرية العدمية المريرة ، بقدر ما ينتمى لعمق الفهم ورباطة الجأش.

إن نهايات أغلب الكتابات الخاصة بالأدباء الجادِّين أصحاب الرؤى والأفكار العميقة المؤثرة، كانت من نوع السخرية والملهاة .. هذا ما حدث مع المازنى ويحيى حقى وأنيس منصور وحتى أحمد شوقى الذى تأثر فى هذا المَنحَى بوليم شكسبير. مثل هذا الأمر قد تلاحظه حتى لدى النقاد، فقد اهتم بعض كبار النقاد والفلاسفة كهنرى برجسون وهوبز وكانط وكيركجورد، بل وحتى سقراط وأفلاطون بالفكاهة والسخرية وتحدثوا عنها بإسهاب.. وللدكتور شاكر عبد الحميد وزير الثقافة الأسبق كتاب نقدى هو (الفكاهة والضحك) يتحدث فيه عما يُدعَى "الجروتسكية " وهى أسلوب من أساليب الفن والتصوير تمتزج فيه السخرية بالرعب.

وهو أسلوب فنى ساد فى فترات القرون الوسطى التى انتشرت فيها الأوبئة والجوائح . وتنسحب الجروتسكية فى نظر د. شاكر على بعض الأفلام الهوليودية الحديثة، كسلسلة أفلام  "Scary Movie"  والتى يختلط فيها الرعب والمشاهد الدموية بالضحك والتهكم والمحاكاة . والمقصود هنا هو التهوين من أثر الخوف لإحداث الطمأنة.

بيزنس السوشيال ميديا

فى حين أدت أزمة وباء كورونا إلى أزمة موازية اقتصادية عالمية فقَدَ على إثرها الكثير وظائفهم، وعانَى كثيرون من تدهور أحوالهم المادية، حتى من رجال الأعمال الأثرياء، لدرجة أن يهدد بعضهم بالانتحار !

إلا أن الوجه الآخر للعملة شهد طائفة أخرى من رواد السوشيال ميديا ممن أحسنوا استغلال الأزمة لصالحهم، أو لصالح جيوبهم!

شركات كثيرة أمريكية وأوروبية شجعت موظفيها على العمل عن بعد، أى استغلال فترات بقائهم فى المنزل لإنهاء الأعمال المتعطلة، ونجحت الفكرة مع كثيرين لدرجة أنهم فكروا فى الإبقاء على تلك الطريقة حتى بعد جلاء الأزمة..

وتمثَّل النموذج الأمثل لاستغلال فرصة أزمة كورونا لصناعة المال فى (جيف بيزوس) الذى زادت ثروته منذ بداية الوباء بمقدار 5.5 مليار دولار!

أسهُم البورصة التى شهدت انخفاضاً جماعياً فى ظل الجائحة، صبَّت فى صالح أسهم شركة أمازون التى يملكها بيزوس التى ارتفعت ارتفاعاً متواصلاً لمدة شهرين متواصلين لتقفز ثروة بيزوس قفزة جديدة . ويقدِّر المراقبون حجم الثروة التى جمعها بيزوس أثناء الوباء أنها تكفى لشراء 188 ألف سبيكة ذهب !

أسرار الإعلام البديل

السوشيال ميديا كانت له مزايا وفضائل أخرى ظهرت أثناء الأزمة.. فبجانب مزاياه الاقتصادية، ظهرت مزاياه الاجتماعية المتمثلة فى تحوله إلى مقهى كبير أو منتدى واسع النطاق يستوعب أفكار الناس ومشاعرهم وآراءهم بعد أن تم غلق أكثر النوادى والمسارح والمقاهى فى أغلب بلدان العالم.

اتسع نطاق استخدام وسائل التواصل الاجتماعى بشكل هائل خلال الشهور الثلاثة التى صاحبت الأزمة؛ بعد أن بات الإنترنت يمثل للبعض عملاً مربحاً، أو استمراراً للعمل عن بعد، أو بديلاً للتواصل مع الأصدقاء والمعارف، أو إعلاماً بديلاً يستقبل من خلاله معلومات لن يجدها فى أى وسيلة إعلام رسمية أخرى.

وكنتيجة للضغط المتزايد على استخدام الإنترنت، بعد ارتفاع عدد المستخدمين بفضل بقاء الناس فى المنازل. ثارت مخاوف لدى شركات الاتصالات من انهيار البنية التحتية للإنترنت بما قد يوقف عمل الشبكات.

وبرغم تحامل الكثيرين على الدور السلبي للسوشيال ميديا، فإن هؤلاء المتحاملين أنفسهم هم أكثر المستخدمين للسوشيال ميديا، وربما أكثر المستفيدين منه!

يري كثير من الخبراء أن الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعى خطر كبير يهدد الاستقرار الاجتماعى، حتى أن "دانييل روجرز"، وهو أستاذ جامعى فى جامعة نيويورك والمؤسس المشارك لمؤشر التضليل العالمى الذى يستهدف رصد ومواجهة مصادر المعلومات الكاذبة على الإنترنت، يقول " أن مشكلة السوشيال ميديا أنه يشجع الجميع للخروج من الجحور، كل محتال، كل متآمر، كل متصيد إنترنت" ويحث روجرز على أهمية وجود رقابة تترصد المحتوى الزائف والكاذب والمضلل فى وسائل التواصل.

إن تلك النظرة المتشككة ضد وسائل التواصل تواجهها محاولات أخرى من البعض لمواجهة أكاذيب الإعلام الرسمى أحياناً ؛ ففى إيطاليا عبَّر عشرات الشباب عن غضبهم من الاتحاد الأوروبى الذى تخلى عن إيطاليا فى أزمتها الكبري فأحرق المستخدمون أعلام الاتحاد الأوروبي على الهواء تعبيراً عن غضبهم الشديد، ورغبتهم فى الانفصال عن اتحاد لا يقف فى صفهم عند الحاجة له. وفى أمريكا عبَّر الآلاف من مستخدمى الإنترنت عن انتقاداتهم لخطابات ترامب فى أزمة كورونا التى لم يجيد إدارتها.

يكفى وسائل التواصل الاجتماعى أنها باتت مصدراً لمعلومات وأسرار وتفاصيل لم تستطِع وسائل الإعلام التقليدية بثها.

حروب إعلامية دولية

قيل أن روسيا تتَّبع نهجاً مضللاً يتعمد بث الأكاذيب .. هذا اتهام أمريكى بالطبع!

وفى أول تصريحات ترامب حول الأزمة ضغط كثيراً على مصطلح "الفيروس الصينى" فى إشارة واضحة ترمى إلى اتهام الصين بنشر الوباء، وهو ما دفع الصين لاتهام أمريكا رسمياً ببدء حرب بيولوجية، وأنها صاغت كوفيد19 فى معاملها العسكرية، وهنا ثارت ثائرة الأمريكيين وتم استدعاء السفير الصينى لتوبيخه على اتهامات بلاده التى لا أصل لها!

حرب إعلامية دولية بدأت ولن تنتهى..

بريطانيا أدلت بدلوها فى حرب التصريحات الإعلامية، عندما حذر جونسون رئيس وزرائها الصين، من أن نهجها الفردى والأنانى قد يتسبب فى عزلتها عالمياً!

على الناحية الأخرى توجد حرب إعلامية أخرى يخوضها ترامب ضد الإعلام الأمريكي نفسه ؛ حيث اتهم رئيس أركان البيت الأبيض بالإنابة (ميك مولفانى) الإعلام الأمريكي بإثارة ذعر الأمريكيين بهدف الإطاحة بالرئيس دونالد ترامب!

وهو بهذا التصريح يحاول استباق الأحداث بالتأثير المضاد على الرأى العام لإعادة انتخاب ترامب فى الانتخابات القادمة . وهى محاولة تبدو بائسة وبلا قيمة.

للكبار فقط..!

الإعلام بنوعيه الإقليمى والدولى بات لأصحاب الأموال والنفوذ والجاهزية فقط..

الدليل هو ما فعلته شبكة التواصل الاجتماعى "فيسبوك" مع وسائل الإعلام الأخرى، حيث أعلنت الشركة عن تبرعها بمبلغ 100 مليون دولار لمساعدة الوسائل الإعلامية التى تعانى وضعاً صعباً تفاقم خلال الوباء.

قال كامبل براون مسئول التعاون الخارجى بالشركة مبرراً هذا التصرف:"يعمل قطاع الإعلام فى ظروف استثنائية لإبقاء الناس على اطلاع على كل المستجدات المتعلقة بوباء كوفيد19، وأنه فى الوقت الذى أصبحت فيه الصحافة أكثر أهمية من أى وقت مضى، انخفضت عائدات الإعلانات بسبب الاقتصاديات المنهارة بفعل الوباء. وقد صرَّحت الشركة أن هذه المساعدات تشمل 75مليون دولار على شكل مساعدات ترويجية، و25 مليون دولار من التبرّعات العاجلة للصحافة المحلية، دون تحديد معايير واضحة لتوزيع تلك الأموال.

هل هى مساعدة إنسانية واجتماعية عاجلة وضرورة إعلامية ومهنية مُلحّة، أم أن لها أغراضاً ربحية أخرى ؟ ربما تتضح الحقائق لاحقاً..

ظلال أزمة الإعلام

هناك أزمة إعلامية عالمية قديمة تزداد تفاقماً كل يوم، وهى مستمرة منذ عقود ..

تلك الأزمة أجبرت مؤسسات إعلامية وصحفية كبري على الانسحاب من المشهد محلياً وعالمياً بسبب انعدام الأرباح ونزيف الخسائر.

وخلال وباء كورونا تضاعفَت الأزمة واتضحت معالمها بصورة أكبر.

تجلَّت خلال الأزمة عيوب إعلام يكذب أو يفبرك أو يلقى الأخبار على عواهنها دون تحرٍّ للدقة أو المصداقية أو يتبنى أجندات سياسية أو اقتصادية أو أيديولوجية أو يبحث عن ملء الفراغات بأى مادة ولو تافهة ما دامت تثير فضول المتابع ولو بالباطل والزيف!

كوفيد19 وضع وسائل الإعلام فى اختبار موحَّد، والمتساقطون فيه سيسقطون للأبد؛ إذ لا مكان فى اقتصاد ما بعد كورونا للخاسرين.

 

عبد السلام فاروق

 

مصطفى غلمانهو كذلك لا يعرف الحب. ولا يتسلل إلى قلبه إحساس اللحظة بالفرح، أو الرقص على موعد الأعياد.

شيطان أخرس، ينتشل ضحاياه من داخل غرف المتاهة، يحجر على الشكوك التي تتعارك بين غيلان الوحشة، واطلالات الحتوف النائمة عند أول غروب.

في عزلته الأبدية هناك، تتبرر فكرة شيطنة الروح، لأجل أن تصير حدبة في عين الفيلسوف. ذلك الغائب الحاضر في الاثنولوجيا البشرية المتهدمة على خراب العمران وانتهاء العالم.

عندما أبرأ الشيطان ذمته من الشرور والمصائب، وحقن سراب الفجائع وتآويلها، غادر عزلته إلى الأبد، وأقسم أن يعلق الآدميين الجوعى، على عروش شكانيته، أسئلته الفارقة، تخاريف التوق إلى حرية أبلغ، حتى لا يعود للجنة!

ذلك أنه تجاسر على الأعلى، وارتقى مرتقا صعبا، لم يسمع له صدى، سوى الوقوف على سبحة القدر، عائدا إلى قطيعة منهكة للوجود، غريبة وغامضة مثل أساطير وغرائب العوالم الغيبية.

إنه تماما مثل عالم نتشه الساحر والغامض والمثير والعجيب، الذي يتراوح ما بين المأساة والملهاة. وكيف أن أنه يحول المواجهة إلى فكرة للتمكين والتربص، قبل فرض السيطرة، تماما مثلما (الأقدار تختار التوقيت للأبطال). وهو نفسه عالم نتشه، يجادل في توقيته البطولي الملهم، كيف جاء إلى العالم ليتصادم معه، محدثاَ دويا هائلا لا يزال يتردد صداه حتى الآن !؟

البواطن التخيلية هي فيروسات شيطانية، تنغلق لمجرد تحويلها إلى تبعية ذهنية، وتتحلل لنفس المعنى، الذي يضمر في تسلطها، واستعدائها الوجود عينه، نفقا مجهولا من اللامعنى. إذ الفرضية أن يكون وصفها وصفتها، قائمان على سؤال التفكر، وحتميات مشغولة بالقياسات الظاهرة، وليس التلون والتناسخ والاختفاء.

وقد يكون هذا التحميل الخاص للزمن، وتطوره على نحو يخضع لشروط وجودية مغايرة، وانتقالات جدلية مفارقة، هو سر تشكل رؤى جديدة في أنساق العالم الغيبي. عالم ينفعل بالموجودات، ويتشارك والحياة الأخرى ..

وجدت وجودا لم أجد ثانيا له، وشاهدت ذاك الحق في كل صنعة، وطالب غير الله في الأرض كلها، كطالب ماء من سراب بقيعة ..

فالوجود الحقيقي، في كل تلكم الركائز السادرة، بين لظى النفس وشرابها، هو الوجود الذي تقتحمه الذات العالية، العارفة بالكمائن، والانحرافات، والسرائر من أعلاق الغموض والشكوك والدواهي الفكرية.

وأما وجود ما عداه من الموجودات، فإيجاد الله إياها، فهي تستنبط القدر المعروض أمام قوة حاجبة، تستر وتتكور على مفردات الوحدة الإيمانية، وليس الطلية أو التبعية. وحدة تستدرك الخلق بفضيلته، والأخلاق بشهادتها ومقامها المحيق بالنهاية.

فلو سرت كل الشياطين، عكس هذا الوجود لاحترقت من الانتظار، ولاتسع العقل من أجل إدراك الرغبة في رؤية حقيقة بالوحدة، على غير الطريق الذي يجعلها محمولة على ريح السقب ..

 وإن حاول الأعداءُ يوماً بكيدِه ….. أحلَّ بمن عاداه راغية َ السَّقبِ

 

د. مصـطفى غـلمان

 

عبد الله الفيفيثَمَّةَ مثلٌ شَعبيٌّ يضربونه في (جبال فَيْفاء) لمَن يُعرِض عن أمرٍ لذِكرَى سيِّئةٍ مرَّت به فيه، يشبِّهونه بثورٍ خُصِيَ على "حَياد". والحَياد: بطنٌ من الأرض يحير فيه الماء، قد يكون واسعًا، تستقي منه المواشي، ويسبح فيه الناس.  فلم يَعُد الثور يذهب إلى ذلك الحَياد، ولو مات ظمأً، بسبب تلك الذِّكرى! يقولون: «فُلان مِهْل امثَور ذي خُسْتْيَ على امْحَياد»! أي: «فُلان مِثْل الثَّور الذي خُصِيَ على الحَياد.»

قال صاحبي: لذلك تفتَّق الذهن الفرنسي عن خطوةٍ تاريخيَّةٍ لا رجعة فيها، وهي أنْ قرَّر، وهو بكامل قواه الإديولوجيَّة، أنَّ الباب الذي جاءه منه الرِّيح يومًا- ولو من جهة هبوب غير إسلاميَّة- عليه أن يَسُدُّه ويستريح، منه ومن أهله، إلى أبد الآبدين!

- والمعنى؟

- (فرنسا) كثيرًا ما تبدو فعلًا كالثَّور الذي خُصِيَ على الحَياد!

- دعنا من الثَّور الآن، وحدثنا عن الثَّورة!

- ما مَنْعها النِّقاب إلا قِمَّة الحزم "الثَّوريِّ" في ممارسة "الإرهاب الثقافي"، خشيةَ أنْ تتعرَّض لخِصاء علمانيَّتها مرَّة أخرى.

- يا للعقلانيَّة والحضاريَّة...!

- أجل، يا للعلمانيَّة المسكينة، ويا للتنويريَّة المريضة والبدائيَّة جدًّا!

- وأيُّ فرقٍ، إذن، بين هذا الضرب من العلمانيَّة، اللا علمانيِّ، وبين أيِّ ثقافةٍ دِينيَّةٍ متطرِّفةٍ أخرى، تبقَى حبيسة ذاكرتها الثَّوريَّة وعُقَدها التاريخيَّة؟!

- إنَّها بهذا محض أُصوليَّةٍ دِينيَّةٍ جديدة، بالغة الانغلاق والانحباس التاريخيِّ والتعصُّب!  تحوَّلت من المؤسَّسة إلى المجتمع، كما حدثَ من تلك العجوز الفرنسيَّة (مارلين روبي)، التي لاحقت سيِّدةً إماراتيَّةً في أحد أسواق (عاصمة النور: باريس!)، واعتدت عليها، ومزَّقت نقابها، حسب صحيفة (الغارديان).  

- على أنَّ كُلَّ هذا يسوِّقه علينا الخِطاب الإعلامي، المؤدلَج في مناوأة الثقافات والشعوب، على أنه لدواعٍ أمنيَّة.  وكأنَّ الدواعي الأمنيَّة المزعومة لم تظهر إلَّا في بعض الدول التي تحكمها تلك الإديولوجيَّات، وذلك الرُّهاب القديم من الآخَر (الموت) ومن ثقافته.

- ذلك الرُّهاب طالما فلسفوه لنا ونظَّروا له قبل الحادي عشر من سبتمبر، ثمَّ آنَ التطبيق بتلك المناسبة.

- طبعًا، ببديهة الحال ليس ثَمَّةَ خِطابٌ محايد، أو فِكرٌ محايد، أو سياسةٌ محايدة؛ لأن الحِياد نفسه غير حِيادي، بل هو إديولوجيا، ولو مدَّعاة.  الحِياد هنا كـ"الحَياد" الذي خُصِيَ عليه الثَّور، في المثل الشَّعبي المشار إليه!

- صحيح، غير أن الموقف حينما يصل إلى مأزق الرفض لحُريَّات الآخَرين، والنظر إلى الشأن الثقافيِّ والإنسانيِّ من زاوية معتقَدٍ واحدٍ، واقتناعاتٍ نمطيَّة، فإنه يتحوَّل إلى "دُغمة" إديولوجيَّة، ويُرهِص بإرهابٍ ثقافي.

- وذلك ما حدث!

- لكن لم تظهر هذه العنصريَّات في (الولايات المتحدة الأميركيَّة)، مثلًا، كما ظهرت في فرنسا، أو كما ظهرت في (بلجيكا)، أو (إيطاليا)!

- لأن بين تلك الدول فروقًا تاريخيَّة وثقافيَّة ومؤسَّسيَّة. 

- لكأنَّ العالَم في غفلةٍ مطبقةٍ عن الوسائل الأمنيَّة الحديثة للتحقُّق من الشخصيَّة.

- لو كان ذلك هو السبب الحقيقي!

- حتى في نقاط التفتيش الأمنيَّة، لم يَعُد الأمر يستدعي بالضرورة كشف سحنة الإنسان لتفحُّص أنفه أو شفتيه أو شعره.

- إنَّما هو الدجل المفضوح باسم "العلمانيَّة" لتبرير "الجهلانيَّة"، وفرض التحكُّم في حياة البشر، لإجبارهم على الرضوخ لمعتقدات المجتمع البالية، وتسليمه بالانسلاخ من ثقافته، واستذلاله ليُصبِح تَبَعًا مقلِّدًا للأوصياء البِيض.

- ربما.  أمَّا الحِكمة الذاهبة إلى: أنَّ أوَّل أبجديَّات التعايش أنْ لا يُسمَح بوجود فروقٍ بين ثقافات الناس في المجتمع الذي يعيشون فيه(1)، فهي أوَّل أبجديَّات العبوديَّة، والانسلاخ من الهويَّة الثقافيَّة، والاستسلام لإلغاء الاختلاف الطبيعي، وإنكار الفروق الحيويَّة بين الثقافات والشعوب، واستنساخ شتاتها عن نمطٍ واحد.  وتلك، في حقيقتها، أُولَى أبجديَّات التخلُّف القديم، والعُنصريَّة البدائيَّة، ورفض التنوُّع والتعدُّديَّة. 

- هو نزوعٌ غير طبيعي ولا حضاري. التسليم به لا ينشأ إلَّا عن ذهنيَّة تربَّت على الإذعان لهيمنة الآخَر الأقوى، ولو ملكتْ الأمرَ (تلك الذهنيَّة نفسها) لكانت بدورها مهيمنةً مصادرةً لحُرِّيَّات الآخَرين واختلافاتهم.

- وممَّا يؤكِّد هذا البُعد العُنصري أنَّ قضيَّة الحِجاب- على سبيل النموذج- قد أصبحت هناك قضيَّة اجتماعيَّة وشوارعيَّة، تُستغَلُّ أحيانًا للتنفيس عن الحِقد الدَّفين على الشعوب الأخرى، وتُؤجِّج لدَى الأُصوليِّين الأوربيِّين شراستهم في ملاحقة الخارجين عن ذلك الأسلوب الاستعبادي، والاعتداء عليهم تحت ذريعته، وإنْ كان أولئك الملاحِقون المعتدون من عامَّة المجتمع، كالسيِّدة (مارلين روبي)، وليسوا من المخوَّلين قانونًا لتطبيق التعليمات الاستبداديَّة العُليا.  تلك هي الحُرِّيَّة، إذن، وإلَّا فلا!  وذاك هو النُّور المنشود! 

- بل قل: تلكم بعض مظاهر "الحِسبة" الأوربيَّة المنفلتة من عِقالها!

 

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيـْفي

..........................

(1)  إلى هذا يذهب مثلًا: (جمال البنَّا)، في كتابه "مسؤوليَّة الدولة الإسلاميَّة في العصر الحديث"، (القاهرة: دار الفكر الإسلامي، 1994).

 

 

بليغ حمدي اسماعيلأَنْ تواجه فكر الجماعات والتيارات الراديكالية المتطرفة، فأنت بالضرورة أمام مخاطر جمَّة، وبحاجة ماسة إلى ثمة إحداثيات تمهد لك الطريق لتعرف مرجعيات هذا الفكر الذي تكون في ظل ظروف خاصة اجتمعت جميعها لتشكل عقلية جامدة وثابتة الرأي وربما ذهنية لا تحترف النقاش والمجادلة وإقامة الحوار، لذا فمنتوجها الفطري هو الإرهاب وممارسة العنف وإطلاق التحريم والتكفير بحق كل مخالف أو جالس على شاطئ آخر غير شاطئ تلك المعتقدات والأفكار .

وتكفي ضغطة زر على محركات البحث الإلكترونية لتتعرف على عدد وحجم وانتشار الفرق والجماعات والتيارات التي اتخذت الأفكار الدينية ركيزة أساسية لتحقيق المطامح السياسية والمكاسب الشخصية، وستكتشف أن حجم الانتشار يتسع ليشمل الحدود الماليزية شرقا حتى تخوم الجمهورية الإسلامية الموريتانية غربا، وجميعها فشل في مواجهة العدو الصهيوني رغم مئات بل آلاف الكتب التي أصدرتها هذه الجماعات وملايين الإسطوانات الصوتية التي نددت بالعدو الصهيوني وما يرتكبه بشأن الشعب الفلسطيني، إلا أنها راحت تواري خيباتها التاريخية والفشل في المواجهة إلى تصويب نيران داخلية صوب الشعوب العربية المسلمة أيضا، مستخدمة في ذلك بعض الحيل السيكولوجية الفرويدية مثل حيلتي التعويض والتبرير، رافعة شعار العدو القريب خير وأولى من العدو البعيد قاصدة بشعارها ضرورة محاربة الحكومات العربية الإسلامية لأنها من وجهة نظر قيادات هذه الفرق والجماعات حكومات غير رشيدة وبعيدة عن الحكم الإسلامي.

وإحدى إشكاليات مواجهة الإرهاب معرفة كيف يفكر هؤلاء الموتورون وكيف تدفعهم رغباتهم في إقصاء الآخر بل وتهميشه إلى حد الإلغاء، وهذا الذي يدفعنا نحن إلى تشريح المرجعية الفكرية التي تؤطر فكر المتطرفين وأمراء الفتنة وقيادات الإرهاب الذين يعيثون في الأرض فسادا وإفسادا تحت غرور يودي بهم إلى حتف قريب. والمستقرئ لتاريخ الحركات الدينية السياسية في الوطن العربي الضاربة في الانتشار بعمق في بلدان الوطن العربي يستطيع أن يدرك كنه المعتقد الرئيس لفكر الجماعات الإسلامية بمسمياتها المتعددة، وهو فكرة احتكار الدين وبمعنى أكثر دقة وتوصيفا وكالة الدين، وهذا الملمح الرئيس  يشير إلى أن فئة بعينها هي التي تملك حق احتكار المعرفة الدينية وإصدار القرار الديني الذي يوجه إحداثيات السياسة والمجتمع ويحرك عجلة الاقتصاد . ووفق هذا التوجه فإن الجماعات الراديكالية التي ظهرت على ضوء بعض مشاهد الخلل السياسي والاقتصادي في سبعينيات القرن الماضي اتخذت المنابر الدينية سلاحا حصريا لتجنيد آلاف الشباب ومئات النساء من أجل اعتناق أفكارها ومبادئها والترويج لفكرة أن المجتمعات القائمة كافرة وهي أولى وأجدر بالقضاء عليها .

وفي ظل الغياب الرقابي آنذاك من بعض الحكومات العربية بدأت تلك الجماعات في الانتشار الموجه والمخطط للمناطق الأكثر حشدا من ناحية كالجامعات والمدارس، وإلى القرى والمناطق الأكثر فقرا واحتياجا اجتماعيا من ناحية أخرى، وبدأت معركة خفية من جهة واحدة لتؤكد ضرورة التزام هذه الفئات الموجودة بتلك التجمعات بالتعاليم الإسلامية، لكن التعاليم التي تتوافق وهوى تلك الجماعات والتيارات التي لم تفرق بين الدعوة إلى الفضائل ومكارم الأخلاق التي حض عليها الدين الإسلامي وتبيان مقاصد الشريعة الإسلامية السمحة الفطرية وبين التحريض على المواجهة بالعنف والقوة واستخدام السلاح في وجه كل من يتصدى لفكر الجماعات الدينية التي باتت مشتتة بين الواقع والخرافة.

وبدأ تصاعد الاستقطاب لمعظم فئات المجتمعات العربية وشيوع التأويلات الفاسدة للنصوص الدينية والتركيز على أفكار دينية تنتمي لما يعرف فقهيا بـ " فقه الحالة "، والاهتمام الاستثنائي بالمظهر دون الجوهر لاسيما في العادات المرتبطة بالملبس والمأكل والمشرب وطرق الحياة الاجتماعية، ولا يمكن إغفال الحقيقة التاريخية بأن بعض الأنظمة العربية سمحت بمساحات من الحرية لوجود وبقاء التيارات الراديكالية القمعية واستخدامها كفزاعة استراتيجية ضد الغرب لاسيما الولايات المتحدة الأميركية . وفي كل مرة تثبت التجربة على محدودية وقدرة هذه الطوائف والجماعات مثل الإخوان المسلمين والتكفير والهجرة والتبليغ والدعوة والسرورية والسلفية الجهادية والعائدين من أفغانستان وغيرها وعدم نضجها السياسي في القيادة بدليل استخدامها للعنف وأعمال القتل وكذلك حجم الانشقاقات بين صفوف قياداتها.

وربما سعي بعض الأنظمة العربية قبيل اشتعال ثورات الربيع العربي لإيجاد بديل واحد دونها وهو الفوضى كان دافعاً قوياً لوصول جماعات موصوفة بالإرهاب التاريخي، والأخيرة استطاعت أن تصل لسدة الحكم في اليمن ومصر وتونس في ظل ظروف استثنائية ربما من الصعب تكرار تحقق هذه الظروف مجددا أو وصولهم مرة أخرى إلى الحكم وخصوصا في مصر في ظل وعي تام وكامل بتاريخ تلك الجماعات السري وبممارساتهم السياسية التي يمكن توصيفها بالبلادة والاستلاب وأخيراً الإقصاء، هذه الفوضى التي كانت أهم وأجدى الإحداثيات السياسية لجماعات الإسلام السياسي، لذلك فالمحللون السياسيون لم يجدوا غرابة في المشهد السياسي طوال فترة حكم المعزول محمد مرسي وحتى عقب عزله شعبياً وسقوط تنظيمه الذي صار علانياً لآخر مرة في تاريخه، والذي كانت الفوضى عنواناً صريحاً لفترته سواء في إصدار أحكام العفو الرئاسية عن القتلة والمجرمين وتجار الأسلحة، أو من خلال الإهمال القصدي عن سيناء والتي غفل عنها طوعاً الرئيس السابق مبارك وكأن أرض الفيروز على موعد دائم مع التهميش والإقصاء والعزل التنموي عنها، أو من خلال وجود مؤسستين حاكمتين ؛ مؤسسة الرئاسة الرسمية والتي لا يمكن الاعتراف بوجودها بدليل سقوطها السريع في يونيو 2013، ومكتب الإرشاد والذي بدا يدير اللعبة السياسية من الخلف حتى صار معلناً للجميع وقت اعتصام رابعة العدوية أنه كان المصدر الرئيس للتشريع السياسي في مصر .

ورغم أن إعادة اجترار أحداث المشهد السياسي وقت حكم جماعة الإخوان والتي تمثلت في مصر باتت من الأمور غير المستحبة لأنها بالفعل مكرورة وتتسم بالرتابة وكثير من المصريين أسقطوا هذه الحقبة من تاريخهم الشخصي إلا أن للجماعة بوصفها الحاكم الفعلي لعصر المعزول محمد مرسي كرست لنبوءة الرئيس السابق مبارك في أن بديله هو الفوضى التي لم تكن خلاقة أبداً من خلال أعمال العنف والتخريب والتدمير وترويع الآمنين من المدنيين وأيضاً العسكريين، حتى لحظتنا الفارقة اليوم نجد التنظيم الذي أحدثه حسن البنا في تاريخ مصر يشهد اضطراباً وفوضى تماثل فوضى المشهد الفكري لدى قيادات الجماعة .

وربما حرص الجماعة على شيوع الفوضى في شتى أرجاء الوطن يجعلنا نسترجع مقولة الفيلسوف توماس هوبز عن الفوضى السياسية حينما قال : جرت العادة عندما يموت الملك في فارس في العصور القديمة أن يترك الناس خمسة أيام بغير ملك، وبغير قانون بحيث تعم الفوضى والاضطرابات جميع أنحاء البلاد وكان الهدف من وراء ذلك هو أنه بنهاية الأيام الخمسة وبعد أن يصل النهب والسلب والاغتصاب إلى أقصى مدى فإن من يبقى منهم على قيد الحياة بعد هذه الفوضى الطاحنة سوف يكون لديهم ولاء حقيقي وصادق للملك الجديد . وتكون قد علمتهم التجربة مدى رعب الحالة التي يكون عليها المجتمع إذا غابت السلطة السياسية.

وحرصت التيارات والجماعات الإسلامية لاسيما في مصر خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي إلى  استلاب فهم ونشر النصوص التراثية وتأويلها بما يخدم مصالحها أو يعزز من مواقفها السياسية والاجتماعية بسبب خوضها غمار التعايش السلمي بين فصائل المجتمع المصري لأول مرة بلا استبعاد أو تمييز أو حظر سياسي أو منع ثقافي، ولكن سرعان ما يتحول هذا الاستقطاب إلى عملية استلاب فكري تستهدف أحيانا تعطيل عمل العقل أو فقد الثقة في الحاضر مما يجعل المواطن يركن دائماً إلى الماضي وفي الوقت الذي تغيب فيه المؤسسة الدينية دوراً وريادة وأخشى أن أبتعد بعيداً وأقول ومكانة حيث إن الشارع المصري بدأ يتساءل عن موقف المؤسسة الدينية الرسمية إزاء الأحداث السياسية خلال فترة حكم الرئيس الراحل أنور السادات. ورغم الثورة الفكرية التي واكبت إحداثيات الانتفاضة السياسية الشعبية في يناير 2011 والتي قادتها مجموعة من الشباب المتحمس غير المؤهل سياسيا أو المتمكن من القيادة المجتمعية أيضا إلا أن ذاتها التيارات الدينية بدأت تعيد إنتاجها من جديد عن طريق طرح منهج التفكير القائم على الثقة لا على الدليل، وعلى حجر فهم النصوص الدينية على بشر محدودين .

وربما انتهزت التيارات الدينية فرصة اللغط السياسي الذي كان يحيط ببعض الحكومات العربية وقت الانتفاضات الشعبية في مصر وسورية وليبيا واليمن وتونس بأداء تلك الحكومات فسعت إلى إظهار نفسها في دور حامي الشريعة والمناهض الرسمي لكل المحاولات التي تنتزع الصفة الإسلامية من الأوطان الإسلامية،  رغم أن المؤسسات الدينية الرسمية منوطة بهذا الدور، لكن معظم المؤسسات الدينية الرسمية تخلت عن مسئوليتها التنويرية مما سمح لبعض التيارات الدينية التي كانت تعاني الاستبعاد الاجتماعي والإعلامي في وجود رسمي وشعبي لها .

وبإزاء جدلية الشكل والعمق في تجديد الخطاب الديني وكيفية مواجهة فرق الفتن الطائفية والتيارات الرجعية التي تستخدم وتستغل الدين ستارا لمطامح سياسية وسعيا لمآرب شخصية، يقف القائمون على أمر التجديد أمام غموض المسألة نفسها، والتفكير بما هو نسبي يرتبط بواقع راهن وبمستقبل على وشك الاستشراف، لذلك نجد كثيرين من القائمين على أمر التجديد من يهتم بشكل الخطاب وطرائق توجيهه وصياغته واللغة التداولية التي ينبغي أن يقدم بها، بينما على الشاطئ الآخر نكتشف أناسا مهمومين بقضية العمق وهو بالقطع فخاخ موقوتة لأنها تتصل بقضايا فقهية قد تحدث لغطا وجدلا طويلا.

وبرغم أن مسألة شكل الخطاب تعد أساسية أيضا في ظل انتشار فوضى استخدام المنابر على أيدي تيارات الإسلام السياسي فإن العمق هو أساس الخطاب وكنهه الأساسي، وهذا يجعلنا نؤكد بضرورة توصيف الخطاب الديني على أساس أنه سلطة غير مطلقة وهذا يترتب عليه سعي الخطاب لتغيير وظيفته من النقل النصي إلى تحرير العقل وتنويره ومن ثم تثوير أفكاره ومضامينه، وفتح أبواب الاجتهاد التي ظلت موصدة لفترات طويلة من أجل مطامع سياسية، وتغير الوظيفة تجئ لخدمة مقاصد الإسلام . وبما أن الخطاب الديني الراهن دخل طواعية أو من منطق الكراهة معركة الانحسار أو الانتصار فالقائم على أمر تجديده أمام رهان جديد وقاسٍ وهو إقصاء المنتفعين من هذا الخطاب لخدمة مطامح شخصية ومآرب ضيقة .

وهذا يجعلنا نجتر ذكريات ليست بالبعيدة، حينما لعب لفترة طويلة دورا مهما وخطيرا في تأسيس الحياة السياسية، وفي أحايين كثيرة كان محركا للحياة السياسية نفسها، وحينما كان يسعى الخطاب الديني الذي تسيدته تيارات الإسلام السياسي لتكريس ثقافة سياسية ومجتمعية تحمل صبغة دينية لجأ إلى نصوص تراثية تحمل في طياتها دلالات المخالفة والشقاق الذي أحدث اللغط القائم اليوم، ليس هذا فحسب، بل ونحن نمر سريعا على تاريخ الخطاب الديني لفصائل الإسلام السياسي نجده يحمل ملامح ثابتة يمكن رصدها في أنه خطاب ماضوي يأبى المعاصرة ويقيم حواجز مانعة منيعة ضد أية محاولات للاجتهاد أو إعمال العقل، وهذا خطاب بالضرورة أن يستحيل قمعيا وانغلاقيا يرفض الاختلاف أو الفطنة لأهمية حق الآخر، وحينما يتسم خطاب بهذه المؤشرات فهو بالتأكيد نص ذكوري وجود المرأة فيه إحداثياته إما بالتحريم أو التشكيك أو التسفيه أو الإقصاء النهائي.

وتأسيسا على ما سبق وتأكيدا على تأخر عملية القلب المفتوح التي ينبغي أن تجرى للخطاب الديني فإنه الآن يعيش برئة عاجزة تماما عن التنفس، ومن أجل إحيائه وتجديده بإخلاص ديني ووطني ينبغي أولا الاقتصار على مصدري الإسلام الصحيح والسليم القرآن الكريم والسنة النبوية العطرة والعاطرة، دون الاكتراث بالنصوص التي ابتدعها أمراء الجدل والجدال الذين أحدثوا ارتباكا واضطرابا بإطلاقهم دعوات التكفير والتحريم بغير ضابط أو قرينة .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

 

عامر صالحعلى ضوء رفع بعثة الاتحاد الأوربي في العراق علم المثلية الجنسية في بغداد (1): في المثلية الذكورية

حذفت بعثة الاتحاد الأوروبي في العراق، فجر الإثنين بتاريخ 2020ـ05ـ18، تغريدة الاحتفال برفع علم “المثلية الجنسية”، فوق مقرها بالعاصمة بغداد، بعد موجة غضب وتنديد سياسية ودينية. والأحد المصادف 2020ـ05ـ17، قالت بعثة الاتحاد الأوروبي، عبر حسابها بـ”تويتر”: “بالاشتراك مع السفارة الكندية والسفارة البريطانية في العراق، ننضم اليوم في بغداد مع بعثات الاتحاد الأوروبي حول العالم في رفع علم قوس قزح (علم المثليين) للاحتفال باليوم العالمي لمناهضة رهاب المثلية والتحول الجنسي، وتسليط الضوء على حقوق المثليين”.

ولاقى الإعلان الذي تم إرفاقه بصورة لـ”علم المثليين” المرفوع في بغداد، ردود فعل سياسية ودينية غاضبة طالبت بطرد سفراء دول الاتحاد الأووربي وإغلاق مقراتها. وعبّرت وزارة الخارجيّة العراقية الأحد، عن شجبها لخطوة الاتحاد الأوروبي، ودعت كافة البعثات العاملة في البلاد إلى التقيّد بالقوانين، ومراعاة الأعراف الدبلوماسية والقِيَم السائدة في المُجتمَع. كما أدان ديوانا الوقفين السُني والشيعي الإجراء، بالإضافة إلى البرلمان العراقي، ومراجع شيعية، وكتل سياسية.

وقد اعتبر الكثير هذه الخطوة غير مسبوقة في العراق، الذي يعد بلداً محافظاً، وتلعب الأعراف القبلية والدينية فيه دوراً بارزاً. ولكن في 3 مارس/ آذار الماضي، أشادت السفارة البريطانية في العراق عبر “تويتر”، بما قالت إنه “اعتراف” الحكومة بحقوق المثليين في البلاد. فيما نقلت مواقع محلية عن مصادر حكومية “لم تسمها” قولها إن السلطات العراقية لم تتخذ بعد أي خطوة رسمية باتجاه الاعتراف بحقوق المثليين. وتقول المنظمات المعنية بالدفاع عن حقوق المثليين، إنهم يتعرضون للاختطاف والقتل في العراق على يد مجموعات مسلحة مجهولة الهوية.

 ومن الضروري التذكير أنه في 17 مايو أيار 1990، حذفت منظمة الصحة العالمية المثلية الجنسية من قائمة الأمراض النفسية، بعد مرور أكثر من 100 عام على تصنيفها كحالة مرضية. وأصبح هذا التاريخ يوميًا عالميًا لمناهضة رهاب المثلية والتحول الجنسي. وعادة ما تشهد مدن عالمية مسيرات دعما للمثليين لتسليط الضوء على معاناتهم في المجتمعات التي لا تتقبلهم، حيث لا تعترف قوانين كثير من الدول بحقوقهم.

ومن الضروري هنا الاشارة في أطار الترابط مع تلك المناسبة العالمية، الى ان منظمة العفو الدولية حثت الحكومة العراقية في فترات سابقة على بذل المزيد من الجهود لحماية المثليين في البلاد، وذلك في اعقاب صدورتقارير عن تزايد حوادث القتل في أوساط الشباب منهم على وجه الخصوص. وجاء في الرسالة أن25 فتى لقوا مصرعهم في العاصمة بغداد لوحدها خلال الأسابيع القليلة المنصرمة، وذلك اما لأنهم كانوا من المثليين الجنسيين، أو أن المهاجمين تصورا بأنهم كانوا كذلك. وقد انتقدت الرسالة ما أسمته"اخفاق الحكومة" العراقية بادانة حوادث القتل تلك، والتي يعتقد بأنها نفذت على أيدي رجال ميليشيات طائفية، أو من قبل أفراد ينتمون الى عشائروعائلات الضحايا انفسهم.

الكتابة عن هذا الموضوع، لما فيه من خصوصية ومحاذير وتابو عصي على الاختراق والبحث في دائرة ثقافتنا التي لاتفصح عن كل شيئ، لكي يتسنى للناس ممارسة نقد وتقويم الظواهر المختلفة بطريقة بناءة، عبر تفهم ابعادها وتعقيداتها المتشعبة، وبالتالي يكون قبولها او رفضها كليا او جزئيا مبنيا على حيثيات الالمام بها وليست من منظور أقصائي متشنج ازائها، قائم على خلفية الجهل بها فيكون عند ذلك" افضل" الحلول هو لجمها بشتى الوسائل او التعتيم عليها، لكي تنمو الظاهرة اضعافا خلف الكواليس، أن كان طبعا ما يشير الى وجود ذلك المحرم ام لا. والمحرمات لاحصر لها في ثقافتنا، ولكن الخلاف في درجة المحرم وسقف شيوعه.

أن المثلية الجنسية قديمة قدم التأريخ، بشقيها: المثلية الذكرية (اللواط)، والمثلية الأنثوية (السحاق). وكلا الظاهرتين موغلة في التأريخ، فالسحاق الذي يسمى" باللسبية" نسبة الى جماعة من النساء عشن في جزيرة لسبوس اليونانية في القرن السابع قبل الميلاد وأشتهرن بممارسة الجنسية المثلية، وماهذا التأريخ الا هو البداية" الرسمية" أو المعلنة فقط.أما اللواط فلا توجد دلائل تأريخية لبدايته الرسمية، ألا أن آثاره تعكس توغله هو الاخر في عمق التأريخ.

أن من اهم الأمور المتعلقة بالجنسية المثلية عند الذكور هي النظرة الأجتماعية لهذه الظاهرة السلوكية. ويوجد هناك تباينا لهذه النظرة عبر عصور التأريخ والحضارات المتعاقبة والمجتمعات المختلفة.فهي قد عرفت وأنتشرت في الحضارات القديمة لبلاد وادي الرافدين ومصر والهند والصين، ولايبدو أن هذه الحضارات قد أدانت هذه المماراسات، بل أن بعضها، وخاصة اليونانية القديمة قد حظيت بالكثير من التقدير كما يتضح ذلك من بعض محاورات أفلاطون، حيث يحدثنا عن عشق سقراط للغلام اليسباديس، ويذكر ديوجنيس أن سقراط عندما كان غلاما كان معشوقا لمعلمه، وارسطو كذلك المعلم الاول عند الاغريق كان أيضا يمارس الجنسية المثلية، وكذلك من أشراك عدد من آلهة الاغريق مثل"زيوس"و"بوسيدون"و"ابوللووهرميس"، في العلاقات المثلية، وما ورد عن تفشي المثلية الجنسية الذكورية في أسبارطة وهي أشد المدن بأسا وشجاعة. أما الأديان السماوية الثلاث (اليهودية والمسيحية والأسلام) فقد أدانت الجنسية المثلية وأعتبرتها مخالفا للفطرة الأنسانية وفناء للبشرية القائمة على الزوجين آصلا.وماحدث لقوم لوط من عقاب يمثل النظرة الدينية لهذه الممارسة.

وبالرغم من التحريم لها فقد أستمرت بالأنتشار في العصور التالية وأن كنا لانعلم بالتأكيد مدى ذلك الأنتشار بالنظر لما يترتب عليه الافضاء من عقاب.غير ان التأريخ الحديث من عصر النهضة وحتى الان قد ترك لنا أسماء مرموقة في تأريخ الفنون والاداب والحياة العامة ممن عرفوا بجنسيتهم المثلية اما في حياتهم أوبعد وفاتهم، ومنهم مايكل أنجلو، وليوناردو دافنشي، وشايكوفسكي، وبيكون، وربما شكسبير، واسكار وايلد، ولورنس، ومارسيل بروست، واللورد كيتشنر وعدد من ملوك الانجليز وغيرهم ممن لم تتناقل اسمائهم لأنهم لم يشتهروا، ولانعلم ان كانت تلك لعنة السماء عليهم ام ميزة لهم كي يتفردو.

أما الأتجاه المعاصر نحو مسألة الجنسية المثلية فهو أتجاه غير ثابت وغير متساوي في الكثير من البلدان والمجتمعات، فهنالك من يدين الممارسة اخلاقيا وبدون تبرير.وهنالك من البلدان ما يفرض عقوبة زجرية وتأديبية شديدة على ممارستها قد تصل الى الحبس المؤبد او القتل كما في البلدان التي تتخذ من الشرع الاسلامي واجهة لها.وهناك من يعتبر المسألة حالة مرضية تقتضي العلاج بالطرق الطبية والنفسية الممكنة، وهناك من يرفض هذه النظرة ولايعتبر الجنسية المثلية مرض من الامراض ولايفرض على الممارس لها ضرورة المعالجة بالأجبار.وفي خضم هذه الاتجاهات الاجتماعية والقانونية والدينية المختلفة يقوم أتجاها أكثر مرونة آزاء الجنسية المثلية. وهذا الاتجاه معمول به في بعض البلدان منها بريطانيا والسويد والدنمارك وهولندا وفرنسا وبعض الولايات المتحدة الامريكية وكلها اجازت الممارسة قانونيا على شرط آن تتم بين فردين راشدين ودون الاخلال بالآداب العامة.

ومن الضروري الأشارة هنا هو أن نسبة الممارسة في البلدان التي تسامحت قانونيا لم يزد على نسبة الممارسة في تلك المجتمعات التي تعاقب عليها وتكبحها بشدة(قد يجري ذلك على قاعدة كل ممنوع مرغوب)، كما هو الحال في الكثير من المجتمعات في العالم، ومنها العربية والأسلامية حيث تشير دوائر العلاقات الأجتماعية المغلقة أن هذه الظاهرة متفشية بين أوساط وزراء ومسؤولين وسياسين ومثقفين وكتاب وحتى في أوساط المعلين وممارسي الطقوس الدينية، عدا المنتشر منها في البيئات الأجتماعية ذات الطابع الشللي، والتي تعاني من مظاهر انحراف متعددة كجرائم السرقات والقتل وغيرها.ألا ان عوامل النبذ الاجتماعي لهذه الظاهرة وصرامة العقاب لاتدعنا الى الوقوف على نسب أنتشارها، كما لانتوقع ان تنخفض هذه الظاهرة في ظل الانغلاق الاجتماعي وحالة الأنكفاء بين الجنسين والتخلف العام.وعلى اية حال فهي ظاهرة لها جذورها الممتدة في التأريخ القديم وما قبل الأسلام و ما بعده، وتشير الى ذلك بوضوح الكثير من الكتابات التأريخية من شعر ونثر ومحاورات وقصص مختلفة، وما كثافة النصوص القرآنية بهذا الخصوص الا دليل دامغ على تفشيها.

ومن الجدير بالذكر هنا، أن النظرة الأجتماعية للعلاقة المثلية الجنسية عبر العصور لم تتميز بالشدة والأدانة التي حظيت بها الجنسية المثلية الذكرية، قياسا بنظيرتها، الجنسية المثلية الأنثوية، وعلى العكس فأن بعض المجتمعات القديمة، كما كان الحال في اليونان القديم، فقد رفعت الجنسية المثلية للمرأة الى المرتبة الأسمى من علاقات الحب، غير ان الكثير من الأديان وخاصة السماوية(والأسلام منها) أدانت وأزدرت هذا الأتجاه في المرأة، وجعلتها في منزلة الزنا، غير أنها لم تذهب الى حدود الأدانة الصارمة وما يترتب عليها من عقاب كما هو الحال في اللواطية عند الذكور. وقد يفسر هذا الفارق في الظاهرتين بأن العلاقة المثلية بين الذكور هي في معظمها كاملة من الناحية الجنسية وتشمل أنتقال السائل المنوي الى الطرف الاخر، بينما لايتم هذا الانتقال في العلاقة بين أمرأتين، او قد يفسر من منظور اختلاف الاسباب الداعية الى ذلك عند كلا المثليتين.

اما الموقف الديني التفصيلي من المثلية الذكورية(اللواط) فقد اعتبرها أنتكاسا للفطرة الأنسانية المخالفة للمثلية، وأعتبر اللواط من اعظم الجرائم وأقبح الذنوب وأسوأ الأفعال، وضعف للعقل.ونذكر هنا بشكل خاص قصة قوم لوط ودلالتها الرمزية في أنتشار ظاهرة اللواط، فقد وردت القصة في عشرة سور قرآنية وبزخم هائل من الوعيد والتهديد والعقاب، ونكتفي هنا بما ورد في بعض الايات من سورة الاعراف/الايات:80ـ84، قال: (ولوطا اذ قال لقومه اتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من احد من العالمين.انكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون وما كان جواب قومه إلا ان قالوا اخرجوهم من قريتكم انهم أناس يتطهرون.فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين. وأمطرنا عليهم مطرا فأنظر كيف كان عاقبة المجرمين). وتشير النصوص القرآنية، بما فيها النص المذكور اعلاه، الى أن عقوبتهم كانت قلب ديارهم عليهم، والخسف بهم ورجمهم بالحجارة من السماء، وطمس اعينهم...الخ.تلك اذن هي الدلالات الرمزية لطابع العقوبات القرآنية التي يجب أن تستخدم ضد ممارسي اللواط.وكذلك السنة النبوية، فما جاء على لسان النبي محمد بقوله: (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فأقتلوا الفاعل والمفعول به). وعلى هذا الأساس المستوحى من النصوص القرآنية والسنة النبوية، فقد اجمع على قتل اللوطي لكن اختلفوا في طريقة القتل، فمنهم من ذهب الى أن يحرق بالنار، ومنهم من قال، يرمى به من اعلى شاهق، ويتبع بالحجارة.وقد عمل في هذ العقوبات من قتل وحرق ورجم بعد النبي محمد وفي فترات تأريخية مختلفة.ويتفق الكثير من الفقهاء أن عقوبة اللواط اغلظ من الزنا، وعقوبته القتل على كل حال، أو يؤكد البعض القليل أن عقوبته وعقوبة الزنى سواء (أي مائة جلده). أما بالنسبة لعقوبة الجنسية المثلية الأنثوية (السحاق)، فقد أختلفت العقوبة، فمنهم من يرى أن فعل المرأة للسحاق أخف من فعل الرجل للواط من الناحية العملية، وهو شبيه بمقدمات فعل الزنا مثل التقبيل والمفاخذة والملامسة( أي مانطلق عليه بالمداعبات)، ولذلك أختلف فيه الفقهاء بين من يقول أنه زنا أومقدمات للزنا. وفي كلتا الحالتين فهو فاحشة ومحرمة في الدين، وقد يضع قول النبي محمد سقفا لهذا الاجتهاد بقوله: (السحاق زنا النساء بينهن).

وضروري الاشارة هنا أن القرآن آشار ضمنا الى وجود حالات عدم الميل الى الانثى عند بعض الرجال، كما ورد ذلك في سورة النور، في الاية(31)، وهي التي تنصح المرأة بعدم اظهار زينتها (الا ماظهر منها) الى الناس، ولكن أستثنى بعض الناس الذين تستطيع ان تظهرلهم زينتها، ومن ضمنهم الاطفال وأولي الأربة.والمقصود هنا بأولي ألاربة، الرجال الذين لايشتهون النساء(أي ليست لديهم ميلا للجنس الاخر).كما أشار النبي محمد الى هذه الظاهرة عند كلا الجنسين بقوله :أربعة يصبحون في غضب الله ويمسون في سخط الله تعالى، قيل: من هم يارسول الله، قال:( المتشبهون من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال والذي يأتي البهيمة، والذي يأتي الذكرـ يعني اللواط). وبالرغم من هذا الاعتراف بوجود هذه الظاهرة إلا ان هناك رفض مطلق لما يترتب عليها من ممارسات سلوكية.

أذن هذا هو الموقف الديني من ظاهرة الجنسية المثلية الذكورية، يعكس لنا أنطباعا، أنه موقف قطعي وذو حد واحد، لايرى الظاهرة في أطارها الدينامي المتغير، ولا في سياق الظروف المحيطة بها، وتلك هي سنة الميتافيزيقيا الدينية وحدودها في بحث الظواهر الاجتماعية، وتلك هي أطر" المعالجة" من هذا المنظور.الا أن المعارف العلمية في ميدان علم النفس تؤكد لنا أن ظاهرة المثلية الجنسية هي ظاهرة مرنة وذات مظاهر مختلفة في التعبير عن نفسها، و قد يتسع او يضيق مقياس المثلية أستنادا الى درجات سلمها المتعددة، وبالتالي فأن أحتواء الظاهرة ووضعها في سياقها الصحيح، هو المدخل الذي يحصر الظاهرة الى حدودها الدنيا أستنادا الى الاسباب.

أن الجنسية المثلية عند الذكور، حالها حال الجنسية المثلية عند الأناث.تعني بحدودها الواسعة حالات الميل أو التوجه نحو أقامة علاقة ذات طابع جنسي بين ذكر وفرد آخر من جنسه.ومن الواضح أن هذا المفهوم الواسع قد ينوه بالتساوي بين حالات الميل وحالات التوجه الفعلي، وهو أمر غير صحيح، ذلك ان توفر الميل لايعني في كل الأحوال الأتجاه نحو الممارسة الفعلية، كما أن ممارستها بالفعل لايؤكد قيام حالة الميل الى الجنسية المثلية.ويتضح الفارق بين الحالتين اذا أمعنا النظر في الدرجات المختلفة للتوجه نحو الأمور الجنسية بين فردين ذكرين، فهناك اولا اولئك الذين يتخذون سمات الانثى من حيث اللباس او الكلام او التعامل الاجتماعي، ولكن بدون ظهور أي دليل على ميل او أهتمام او توجه نحو علاقة جنسية مع ذكر اخر وبأي درجة من التماس. وهنالك البعض من الذكور ممن تعرض لهم الاحلام المثلية في حالات اليقضة، ولكنهم لايبدون اهتماما او اتجاها فعليا نحو هذا النوع من الممارسة الجنسية. وفي درجة اخرى نجد اولئك الذين يداعبون الافكار والميول الجنسية المثلية ويتمنون ممارستها لو يستطيعون. وفي درجة اقوى اولئك الذين تنشط فيهم الميول العاطفية الى فرد من نفس جنسه وتصل الى حدود التعلق سواء اتضح فيها الميل للممارسة الجنسية او لم يتضح. وبالتالي فهنالك اولئك الذين يمارسون العلاقة الجنسية المثلية بالفعل، وحتى في هذه الحالة فهنالك صور ودرجات عدة لهذه الممارسة ومدى التماس بين جسمي الشريكين من مثل اللمس، الى الاحتكاك، والى الاستمناء، والى العملية الكاملة من الولوج.

وعلى اية حال فأن الأهتمام من الناحية النفسية ينصب على تلك الفئة من ممارسي الجنسية المثلية لابسبب ممارستهم الفعلية لها بل بسبب انعدام الأهتمام والتوجه لديهم للعمل الجنسي الطبيعي مع الجنس الاخر. ومع انهم قادرون على مثل هذه العلاقة غير ان ارضائهم الجنسي لايحصل الابعلاقة جنسية مع فرد من نفس الجنس، وهؤلاء ينظر اليهم بأنهم الجنسيون المثليون"الحقيقيون"، وهم على العموم لاخيار لديهم فيما يمارسونه"جسميا ونفسيا" بل يقبلون على الجنسية المثلية مطاوعة وبدون عناء الاختيار.

وهناك تفسيرات عديدة للجنسية المثلية، وليس لهذه التفسيرات كلها ان تتواجد في كل حالة من حالات الجنسية المثلية، فلكل حالة خلفيتها وظروفها ودوافعها الخاصة.والنظريات النسبية الواردة في تعليل الجنسية المثلية كثيرة بعضها ما يستند الى اسس نفسية وبعضها الى اسس اجتماعية وظرفية، وبعضها يعتمد على افتراضات بايولوجية وراثية او مكتسبة. ومع ما يتوفر في هذه النظريات المختلفة من منطق مقنع، الا ان الرأي الاكثر صوابا هو ان الاتجاه نحو الجنسية المثلية، خاصة الجنسية المثلية"الحقيقية" يتكون بفعل عوامل متعددة يصعب فرز واحد منها عن الاخرى.ويمكن ان نرصد هنا الاتجاهات العامة لهذه النظريات الواردة بخصوص الجنسية المثلية بالشكل التالي:

ـ أن الجنسية المثلية بدرجاتها المختلفة في الاطفال هي امر طبيعي، ولكن غير لازمة له. وتمثل دورا من أدوار النمو والنضوج الجنسي النفسي في حياة الفرد. غير أن هذا الدور ينتهي عادة بظهور الميول الجنسية نحو فرد من الجنس الآخر، غير ان استمرار الميول الجنسية نحو المثل من الجنس، قد يستمر بعد هذه المرحلة من النمو، واذا حدث ذلك فان من اسبابه تخلف الحدث في ادوار نموه الجنسي النفسي وتأخره في النمو العاطفي عما يناسب سنه.

ـ ممارسة الجنسية المثلية بشكل او اخر بما في ذلك العلاقة الكاملة منذ سن المراهقة وحتى الكبر قد يحدث احيانا او بشكل متواصل، وقد لايكون في هذه الممارسة اكثر من التعبير عن ضرورات التفريغ الجنسي الذي لايمكن الوصول اليه إلا عن هذه الطريقة كما هو الحال في بعض الظروف المعينة كالدراسة الداخلية(الاقسام الداخلية) والخدمة العسكرية والتجمعات الذكورية المزدحمة وانعدام منافذ التعبير الجنسي كما هو الحال في بعض المجتمعات المحافضة او المغلقة، وكما هو الحال في المجتمعات العربية والاسلامية، وجميع هذه الحالات لايمكن اعتبارها شذوذا جنسيا مطلقا بالمعنى الصحيح، وهي تنتهي عادة بأنتهاء الظروف التي أوجدتها.

ـ يمكن للفرد ان يتمتع بأتجاهين جنسيين في آن واحد فيكون طبيعيا في ميوله وممارساته الجنسية مع فرد من الجنس الاخر، كما أنه يميل الى او يمارس الجنسية المثلية مع فردمن جنسه.وقد يكون اتجاهه نحو ممارسة او اخرى متساويا، او أن تكون الغلبة لواحد او لأخر، ويصح اعتبار هذه المجالات بأنها انحرافا جنسيا اذا لم يتوفر ما يبرره ضرورة الجنسية المثلية بأسباب ظرفية وبتوفر الامكانيات للعلاقات الجنسية الطبيعية.

ـ يمكن للفرد في حالات مرضية معينة كمرض الفصام العقلي(الشيزوفرينيا)، والخرف العقلي، وبعض امراض الشيخوخة أن يتراجع (ينكص) الى دور سابق من النمو الجنسي بما في ذلك الدور الجنسي المثلي.

ـ أما الحالات التي يتجه فيها الفرد اتجاها كليا وكاملا نحو الجنسية المثلية، ولاتتوفر لديه الرغبة والميل الى فرد من الجنس الاخر سواء قام بذلك أم لم يقم، فأن هناك العديد من النظريات التي تقدم تفسيرا لذلك، منها أن الفرد عانى منذ طفولته من عقدة الخصاء(الخوف من فقدان العضو التناسلي) وهذا مايدفعه الى تجنب العلاقة الجنسية مع المرأة لما توحي به هذه العلاقة في اللاوعي من أهلاك أو ضياع للعضو التناسلي. ونظرية أخرى تذهب الى ان الطفل كان يكره امه ولهذا يتجنب كل علاقة جنسية مع شاكلتها من نفس الجنس.ونظرية معاكسة ترى بأن السبب يعود الى أن الطفل في طفولته كان يكره والده، وهو بذلك يجد في العلاقة الجنسية مع فرد آخر وسيلة لتحقيق هذه الكراهية في النفس، وبهذا يكون العمل الجنسي المثلي تحقيقا لرغبة كامنة في النفس للتعدي على من هم من جنس ابيه والحاق الاذى بهم.ومن هذا القبيل نظرية ترد الجنسية المثلية الى أن الطفل قد تعلق بأمه في صغره والى حد التقمص لشخصيتها تلقائيا بما في ذلك خضوعها ومطاوعتها للعلاقة الجنسية، وكأن الطفل كان يكره اباه وما يمليه من رجولة وتسلط، وهو بذلك يختار اسلوب امه في الحياة بما فيه من خضوع وتقبل وسلبية. ومن النظريات التي تلاقي قبولا هي ان السلوك المتخنث في الطفولة يبدأ في بعض الاطفال كميل تلقائي نحو الاهتمامات والميول التي تمارسها الأم والابتعاد عن اهتمامات وميول الاب وغيره من ذكور العائلة.

والنظرية التي تلاقي قبولا اعظم في الاوساط العلمية هي ان الجنسية المثلية"الحقيقية والفعلية" تتقرر بفعل عوامل بايولوجية تنتقل بالوراثة اوتحدث في فترة حاسمة من فترات النمو الجنيني ويستشهدون على ذلك بأن هنالك توافق أكبر في الجنسية المثلية بين التوائم المتشابهه اكثر مما هو موجود في غيرهم من التوائم والاخوة، كما يعزز هذه النظرية الفشل في علاج الجنسية المثلية الحقيقية في معظم الحالات، وهناك رأي أكثر تطرفا لأنصار النظرية البايولوجية، وهو أن الجنسية المثلية تمثل وجود"جنس ثالث" غير جنس الذكر والأنثى، وبأن ممارستها هوتعبير عن هذا الجنس.وهو رأي مبالغ فيه الان.

أن هذا التصور الواسع والمرن لظاهرة الجنسية المثلية، والذي يستند الى نتائج البحث العلمي والملاحظات الميدانية الدقيقة يدفع بأتجاه تبني برامج ملموسة تربوية ونفسية ذات طابع وقائي وعلاجي يحصر الظاهرة الى حدودها الدنيا.أما التصور الحدي لظاهرة الجنسية المثلية، والذي نراه من خلال دعاة العقوبة الصارمة والتي لاتخضع للأجتهاد من حيث قساوتها، فهي ممكن أن تستخدم سلاح يطال أناس كثيرون لأنزال التصفيات الجسدية والعقاب بهم في ظل غياب واضح للحدود بين الدين والسياسة وفوضى اختلاط السلطات. وأن القتل على المثلية الجنسية قد يتخذ منه غطاء جديدا في الصراعات السياسية الدائرة في العراق، وهو أدعاء ووسيلة للجم افواه المذاهب والطوائف الأخرى في المطالبة بدماء ضحاياها.وهو خلط غريب يثير الرعب والدموية، عدا كونه تهمة سهلة لألصاقها بالأخر المختلف، الى جانب عقوبتها القاتلة والتي لاتستند الى القانون.

وفي الوقت الذي تعكف فيه مراكز أسلامية عديده في العالم على دراسة التخفيف من عقوبة قتل المثلي فعلا الى عقوبات أخرى اخف من الاولى، تجنبا للفتنة الأجتماعية في ظروفنا المعاصرة، وأنطلاقا من الفهم الدينى الذي مفاده:" أن الفتنة أشد من القتل وأن كل فتنة حرام"، يتصدر العراق قائمة الدول التي تصدر الفتنة الأجتماعية. وفي ظل هذه الفوضى العارمة من يعلم منا، أن الكثيرون من يمارسو القتل على تهمة" المثلية" هم أنفسهم كانوا مثلين في فترة من فترات العمر، أو لايزالوا كذلك بل قد يكون ممارسة القتل هوآلية سايكوعقلية للأنتقام من الأخر والتكفير الذاتي، عندما لاتتوفر الفرص للأنتقال الى حالة أفضل لدى صاحبه.

وأذا كانت المثلية الجنسية أستثناء، والاتصال بالجنس الاخر هو القاعدة، فأن الاستثناء يتواجد جنبا الى جنب مع القاعدة ولايمكن أقصاءه بوسائل الابادة الجسدية أن وجد، بل أن الوسائل التربوية أنجع بكثير من الأولى، وتلك هي التجربة التأريخية. وعدا ذلك فأن هذا يشكل مظهرا من مظاهر تشوه القاعدة وتصدعها وعدم مقدرتها على أحتواء الأستثناء.ونحن نعلم أن الاستثناء لايتحول الى قاعدة الا في حالات محدودة جدا، كما هو الحال في السياسة، وكما هي الحالة في العراق. حيث من السهل في ظل "ديقراطيتنا العريقة" أن يتهم الجميع بالجنسية المثلية، ويستحق القتل، ويخرج الجميع "لاشرف له"، وتلك هي على ما يبدو" بدائلنا الناجعة" للكهرباء والماء ومحاربة الفساد وتحسين ظروف الحياة العامة وحقن الدماء.

كان رفع علم المثلية الجنسية من قبل الاتحاد الاوربي في بغداد ليست اجراء خاص بالعراق بل في بلدان ومجتمعات عدة في العالم، وكان من الأفضل ان نفهم دوافع ذلك بعيدا عن حالات الاسقاط السيكولوجي والعداء المستفحل للغرب في ظروف خطرة يمر بها العراق يختلط فيها فهم اصدقائه من اعدائه ولازال شعبنا يعاني من انعدام الأفق في ألتماس المستقبل والاستقرار الاجتماعي، وكان من الأفضل والأجدى ان نفهم ونساعد الناس على فهم ظاهرة المثلية الجنسية من منظور نفسي وتربوي وديني بدلا من استغلال الحدث في خلق اعداء للعراق وشعبه وهو بأمس الحاجة للدعم الدولي بعيدا عن مهاترات من لا يريد للعراق خيرا.

 

د.عامر صالح

 

هاني جرجيس عيادأصبحت ممارسة الأنشطة عن بعد، مثل التعليم، ضمن الأساليب الرئيسية التي لجأت إليها الدول لمواجهة تداعيات انتشار فيروس كورونا، فقد أتاح التقدم التكنولوجي الكبير في مجال الاتصالات إمكانية إدارة دورة تعليمية كاملة دون الحاجة لوجود الطلاب والمعلمين في حيز ضيق من المساحة، والسماح- في الوقت ذاته- باتخاذ التدابير الاحترازية لمنع انتشار كورونا، وعلى الرغم من العوائد الإيجابية المتعددة التي يحققها التعليم عن بعد، إلا أنها تواجه عدة تحديات لا سيما في دولنا العربية التي لا تتوفر بها بنية تكنولوجية قوية. 

رغم انتشار استخدام الإنترنت في المنطقة، إلا أن العديد من الدول لم تختبر سابقا التقنيات التي يتيحها التعليم الإلكتروني، ولا تزال التجارب العربية متواضعة جدا، ولا تتركز الناجحة منها جزئيا إلا في بعض الدول النفطية الغنية، بل لم تستطع دول عربية كثيرة حتى إدخال التعليم عن بعد في النظام الجامعي، رغم أن جامعات عريقة عبر العالم اعتمدت المحاضرات الرقمية منذ أكثر من عقد.

ويبدو للمتأمل في التجربة العربية للتعليم عن بعد أن من شأن الطلبة العرب تقبلها بشكل أفضل إن كان النظام المدرسي قد قدم التكنولوجيا كأداة تعليم فعالة لطلبة المدارس، بدلا من مفاجآتهم بها إن جاز لنا التعبير في النظام الجامعي بدون مقدمات. ومن الملاحظ أيضا أن معظم الطلبة في عالمنا العربي لم يتجهوا للتعليم عن بعد طواعية، بل هو خيار متاح إزاء خيار التعليم الانتظامي، وهو خيار لم يعد مطروحا لبعضهم لأحد تلك الأسباب التي تجاوزت عنها تلك الجامعات التي تقدم التعليم عن بعد كالمعدل، أو سنة التخرج، أو الجنسية بالإضافة إلى التكلفة المالية الباهظة في المؤسسات الخاصة. ومن نتائج بحثنا أيضا، أن الشريحة العمرية التي تتوجه للالتحاق بالجامعات العربية المفتوحة ليست هي ذاتها في العالم الغربي، فمعظم المنتسبين لها في العالم العربي، كانوا من الفئة العمرية المتوسطة والغالبية هم من حديثي التخرج، والعكس تماما بالنسبة للجامعات الأجنبية، فالغالبية العظمى من طلابها أكبر سنا من الطلاب في الجامعة التقليدية ممن تجاوزوا مرحلة الدراسة بعدة سنوات، ولهم وظائف يباشرونها وعائلات يرعونها بالفعل، وقد يشير الفرق بين الشريحتين إلى اختلاف الدوافع التي تدفع الطلبة للالتحاق بهذه الجامعات، فبينما يقبل الطلبة الغربيون على التعليم عن بعد طلبا لنظام تعليمي لا يتعارض مع حياتهم العملية، يقبل الطلبة العرب في هذه المرحلة على التعليم المفتوح كساحة مفتوحة بديلة لساحة أخرى أغلقت أمامهم هي ساحة التعليم النظامي. مظهر آخر من مظاهر التجربة العربية في التعليم عن بعد، وهو إقبال عدد كبير من الدارسين للتسجيل في هذه الجامعات، ثم انسحاب أكثر من نصفهم عند إدراكهم طبيعة التعليم كونه تعلما ذاتيا يغيب عنه المعلم الملقن. فإن كان معظم الطلبة هم من حديثي التخرج ومن أنظمة دراسية قلما تعتمد على البحث والتحليل والاعتماد على النفس واستخدام وسائل التقنية لاكتساب المعرفة، كيف لمثلهم تجاوز الصدمة ومجاراة مثل هذا النوع من التعلم؟! ويجب أن نشير هنا إلى أن جهل الطلبة لم يكن في استخدام وسائل التقنية الحديثة بل العكس هو الصحيح فلقد أثبتت الدراسات أن أغلب الشباب في العالم العربي لديهم مهارات عدة في استخدام الإنترنت ولكن معظمها في برامج الترفيه والتسلية. 

الأمر ليس تحولا اختياريا، أو تفاخرا تقنيا، أو حتى على سبيل التجربة العملية. إنه عصر التحول الرقمي في التعليم، رغم أنف الممسكين بتلابيب اللوح والطباشير، والمتعلقين بقشة القلم والتلقين، والعائمين في بحر ما أكل عليه زمن التعليم وشرب حتى ضربتهم كورونا في مقتل التعطيل والإغلاق. تعطيل وإغلاق المدارس الناجمين عن فيروس كورونا المستجد أو كوفيد-19، وضع بلايين البشر حول العالم وجها لوجه أمام منظومة التعليم عن بعد. جانب من هذه البلايين وجد نفسه مستعدا شاهرا أدواته المجربة والموثقة في وجه قرار التعطيل، وجانب آخر يعافر ويعاني ويصارع ويسارع لعله يلحق بعضا مما فاته. وحتى ساعات قليلة مضت، بلغ عدد الطلاب الذين اضطرتهم كورونا إلى الانقطاع عن المدارس بليون و344 مليون و914 ألف طالب وطالبة في 138 دولة حول العالم بنسبة 82.2% من الطلاب المقيدين في مدارس. منهم نحو 83 مليون طالب مدرسي في الدول العربية (بالإضافة إلى أعداد المتسربين من التعليم والمتوقفين عنه بفعل الحروب والصراعات الدائرة رحاها خلال العقد الماضي)، وذلك بحسب يونسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة).   

إثر إغلاق المدارس والجامعات بسبب كورونا، تحاول دول عربية نشر التعليم عن بعد، لكن العملية لا تنتابها العراقيل وحسب، بل عرت أيضا عيوب أنظمة تعليمية لم تنجح أصلا في النموذج التقليدي القائم على الدراسة داخل الفصول. فمنذ أن تم إطلاق برنامج التعليم عن بعد، بدأت تظهر الكثير من الصعوبات والعوائق التي قد تحد من انتشاره وفعاليته: 

– فهل كل الأسر مجهزة بما يكفي من الأجهزة الإلكترونية (أجهزة كومبيوتر– أجهزة لوحية – هواتف ذكية) للاعتماد عليها في التعليم عن بعد.

– هل جميع الأسر لديها اتصال بإنترنت قوي بما فيه الكفاية تمكنهم من الوصول والاستفادة من الدروس والبرامج التي تبثها القنوات الخاصة بالتعليم الرقمي عن بعد.

– هل جميع الأسر في القرى والمناطق النائية تصلها تغطية شبكة الإنترنت القوية وقبل الحديث عن ذلك هل تملك أصلا هذه الأجهزة الرقمية.

– هل تم توفير بنية تكنولوجية تحتية في كل الجامعات والمؤسسات التربوية تسمح لإطلاق شبكة منصة للمحاضرات المرئية والتعليم الرقمي.

– هل تم تكوين وتأهيل المدرسين والتلاميذ وأسر التلاميذ على تقنيات وبرامج التعليم عن بعد: مثلا كيفية الاستعمال والاستخدام (بالنسبة للمدرسين)، وكيفية الاستفادة ( بالنسبة للتلاميذ)، كيفية التتبع (بالنسبة للآباء).  

– هل تم وضع دليل توجيهي لتوحيد الرؤية التربوية وفق منهج تربوي وطني يتناسب مع تعليمنا الإلكتروني عن بعد  ولجميع المستويات.

إن المشكلات والتحديات المفاجئة التي فرضها فيروس كورونا لم تسمح للدول والحكومات بوضع برنامج استعجالي فعال لمواجهة كل الكوارث الاقتصادية والاجتماعية والصحية والتربوية، وهكذا فرضت هذه الظروف الوبائية المفاجئة على بلادنا إطلاق نظام التعليم عن بعد، وهو نظام تعليمي رقمي قد يحتاج إلى فترة غير قصيرة لتكييف المجتمع المدرسي وشركائه مع هذا النمط الجديد من التعليم، من أساتذة وتلاميذ وآباء على حد سواء، كما أن هذا الظرف الاستثنائي يحتاج إلى توفير بيئات عمل رقمية تتيح للتلميذ باستئناف الدروس عن بعد داخل البيت وبين أفراد أسرته. فهل هي متوفرة؟  يتساءل كل متتبع لهذا التحول الرقمي: هل يمكن التحكم في العملية التربوية داخل البيت؟ وما صورة المدرسة داخل البيت؟

إن اللجوء إلى التعليم عن بعد ومنهج التعليم الرقمي يعني المكوث في البيت للدراسة والقيام بالواجبات، وهذا لاشك فيه موضوع كبير جدا وشائك، خاصة إذا نظرنا إلى الفئات العمرية ومستويات الدراسة، وهذا يعني أن العبء الكبير سيقع على المدرسين من جهة لإيجاد أنسب الطرق لإيصال المعلومات حتى يفهمها التلاميذ، ومن جهة أخرى دور أولياء أمور التلاميذ في مراقبة أبنائهم وتوجيههم ومتابعتهم خلال هذه العملية. ولكن يبقى السؤال إلى أي مدى سيلتزم الآباء بمتابعة أبنائهم؟ وهل سيتعامل التلاميذ بجدية مع هذا النمط الجديد من التعليم عن بعد؟ إن هناك مخاوف من عدم ضبط عملية التلقين الرقمي على مستوى واسع، بالنظر إلى عدد التلاميذ المتمدرسين، كما أن هناك مخاوف من عدم تجاوب والتزام أولياء أمور التلاميذ في تتبع ومراقبة تعليم وتعلم أبنائهم وفق هذا النمط الجديد. لكن في ظل الظروف الاستثنائية الحالية والمفاجئة، ووقاية من الفيروس، لا مخرج إلا التعليم عن بعد، ثم علينا بتتبع ما يمكن أن تفرزه فيما بعد من أثار ايجابية وسلبية، وقد تكون بداية انطلاق لمرحلة جديدة من التعليم. 

على الرغم من إيجابيات نظام التعليم عن بعد؛ إلا أن هناك تحديات تواجه هذا النظام، بعضها يتعلق بتفضيل بعض الأشخاص أن تكون تجربة التعليم وجها لوجه وليس من خلال الفيديوهات أو البث المباشر على الإنترنت، وهذه تفضيلات شخصية تختلف من شخص لآخر، وليست لها علاقة بمدى كفاءة هذا النظام. من جانب آخر، لا تزال هناك بعض التحديات التي تواجه انتشار هذا النظام في بعض دول العالم، خاصة الدول العربية، مثل: عدم وجود بنية تكنولوجية لازمة لدعم نظم التعليم الافتراضي. بالإضافة إلى زيادة أعداد الأمية الإلكترونية، حيث يحتاج التعليم عن بعد إلى وجود معرفة أساسية بالحواسب الآلية والإنترنت، في حين أن هناك دولا عربية لا يزال لديها عدد كبير من المواطنين غير قادرين على استخدام الحواسب الآلية أو الإنترنت بشكل كاف. إن التعليم عن بعد يعد أحد الحلول التي لجأت إليها الدول لمواجهة انتشار فيروس كورونا، وعدم تعطيل العملية التعليمية بشكل كامل في الوقت نفسه، إلا أن هناك تحديات تواجه هذه العملية في بعض الدول العربية بسبب عدم توفر البنية التكنولوجية اللازمة وانتشار الأمية الإلكترونية. ويمكننا القول بصورة عامة أن الأزمة التي يمر بها التعليم في ظل فيروس كورونا تتطلب من كل دولنا العربية أن يكون لها نظاما تعليميا إلكترونيا يتطور مع ما يشهد العالم من تطور تكنولوجي مستمر معتمدا على ما يوفره هذا التطور من امكانات  تفيد العملية التعليمية شأنها في ذلك شأن كل القطاعات الموجودة في المجتمع. هذا النظام تتم إتاحته في الأوقات العادية كأداة مساعدة، وكأداة أساسية في أوقات الأزمات والكوارث المناخية والطبيعية أو الصحية التي يصعب معها الاعتماد على التعليم النظامي التقليدي. وبناء على ما ذلك نقترح ما يلي:    

1- نشر ثقافة التعليم الإلكتروني بين النّاس بشكل أكبر، من خلال عقد ندوات توعوية، ونشر منشورات تحتوي على فوائد التعليم الإلكتروني.

2- عقد دورات لتعلم وسائل التعليم الإلكتروني، والمحاضرات المجانية التي تشرح أهميته.

3- الاستفادة من الخبرات الخارجية، وخاصة تجارب الدول المتقدمة  في مجال التعليم الإلكتروني وأخذ العبرة.

4- تحسين البنية التحتية التي تخدم الاتصالات.

إن نظام التعليم عن بعد من أنجح الأنظمة التعليمية التي أصبح يستخدمها الكثير من الطلاب اللذين لم يتمكنوا من التسجيل في النظام التقليدي للتعليم، ولكن هذا النظام له الكثير من المنافع والمميزات التي تجعل الكثير من الأشخاص أن يقدموا إلى التسجيل في التعليم عن بعد، وهذا الأمر يوفر الكثير من الجهد والوقت للطلاب. كما أنه مر بمراحل تطور كثيرة حتى يطور من البرنامج للوصول إلى نموذج تعليمي مفيد للطلاب الغير قادرين على التسجيل في البرنامج التعليمي التقليدي، كما أن هذا البرنامج يختلف من جامعة لأخرى من حيث النظام المتبع في الدراسة والبرامج التي تقوم كل جامعة على تقديمه للطلاب الذين يقومون بالتسجيل معهم.

والآن تتعامل دولنا العربية مع هذا التحدي غير المتوقع والمتمثل في تفعيل التعليم عن بعد باعتباره وسيلة التعليم الأساسية لأسابيع وربما أكثر في كل المراحل التعليمية، واجبنا كمؤسسات تعليمية، معلمين، أولياء أمور وطلبة، أن نكافح معا، وأن نحاول أن نتجاوز التحديات المتأصلة في التعليم عن بعد في هذه المرحلة الصعبة، جميعنا يدرك أن التحديات كبيرة وأن الأمر لن يكون بهذه السهولة لكن هذا وقت استثنائي، ونحن بحاجة أن نتكاتف معا وأن نركز على أهمية التشاركية في هذه المرحلة على الرغم من نقص مصادر التعليم المتكاملة، علينا أن لا ندع سعينا في الوصول إلى الكمال يعيق مسيرتنا، وعلينا أن نقوم بأفضل ما في وسعنا لمساعدة أبنائنا على مواصلة عملية التعليم رغم هذه الأزمة، وعلينا جميعا التعاون بما يضمن عدم توقف العملية التعليمية، ونرفع الدعاء اليوم جميعا على نية شفاء المصابين بفيروس كورونا ونرفع قلوبنا إلى السماء ضارعين إلى الله أن يحفظ أمتنا العربية والعالم أجمع من هذا الوباء.     

 

د/ هاني جرجس عياد

باحث في علم الاجتماع – جمهورية مصر العربية

 

 

محمود محمد علي"عيدٌ بأيّ حالٍ عُدتَ يا عيدُ .. بمَا مَضَى أمْ بأمْرٍ فيكَ تجْديدُ".. هكذا قالها الشاعر أبو الطيب المتنبي قبل أكثر من 1000 عام .. العيد مناسبة إيمانية جميلة.. العيد موعد ولقاء تتجلى فيه المعان الإنسانية والاجتماعية والنفسية.. نعم .. العيد مظهر من مظاهر العبودية لله عز وجل، صلاة وذكر ودعاء، تصافح وتآلف وتألق وتعانق، ود وصفاء وأخوّة ووفاء، لقاء ات مغمورة بالشوق والعطاء والمحبة والنقاء.. العيد واحة سرور وبهجة، يستقبله المسلم بالفرح والعطاء والابتسامة والهناء، نعم.. إنه يغمر نفوس الصغار بالفرح والمرح، والكبار بالشكر والذكر، والمحتاجين بالسعة واليسر، والأغنياء بالعطاء والمدّ، يُمللأ القلوب بهجا وأنسا، والنفوس صفاء وحبا، فتُنسى فيه الخلافات، ويحصل الجمع بعد الفراق، والصفاء بعد الكدر، والتصافح بعد التقابض، نعم.. العيد تتجدد فيه أواصر الحب ودواعي القرب، فلا تشرق شمس ذاك اليوم إلا والبسمة تعلو الشفاه، والبهجة تغمر القلوب.. العيد تبتسم له الدنيا، أرضها وسماؤها، شمسها وضياؤها، فما أجمل العيد.

بيد أنه  ولأول مرة يأتينا للأسف الشديد عيد الفطر المبارك هذا العام، وقد اجتاج فيروس كورونا المستجد العالم من أقصاه إلي اقصاه، وحبس المواطنين داخل منازلهم، خوفاً من انتشار هذا الفيروس القاتل.. يأتي العيد هذا العام، وقد أغلقت "الشواطئ والحدائق والمتنزهات وساحات الصلاة وتوقفت وسائل المواصلات"، كإجراءات احترازية للوقاية من المرض الفتاك..

لذلك عيد الفطر هذا العام (إستثنائي) حيث يأتي في ظل قيود وقرارات وتشديد للإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الدولة لحماية المواطنين من تفشى فيروس (كورونا) المستجد، الذي فرض تداعياته مسئولية كبيرة على الجميع حكومة وشعبا، ونصائح للصحة العامة للممارسات والتجمعات الاجتماعية والدينية خلال عيد الفطر.

من ذا الذي كان يتصوّر، في مثل هذه الأيام قبل عام مضى، أن عيد الفطر المقبل سوف يطل فيما العالم يبدو كأنه مقلوب رأساً على عقب، يكاد يجهل تماماً أي وجهة يمضي؟ بكل تأكيد، لا أحد، فما يعلم الغيب سوى علام الغيوب.. هل أن مأزق فيروس «كورونا» هو وحده المسؤول عن وصول الكوكب إلى هكذا حال؟ كلا، من الظلم للفيروس الظالم، وبلا نسيان حقيقة أنه أوجع الناس، وأقض المضاجع في مشارق الأرض والمغارب، القول إنه لو لم يفاجئ البشر بحضوره البشع، لكانت البشرية تنعم بوضع مثالي ليست تشوبه أي من شوائب اللاعدل التي تنشب أظافر تغوّل قوى الباطل على الحق في أماكن عدة من المعمورة. مع ذلك، أيمكن الافتراض أن بوسع المسلمين والمسلمات في مختلف بقاع العالم، استقبال عيد الفطر بما يتيسّر من إحساس سعادة تغمر النفس، رغم جبال أحزان تجثم على صدور الكثيرين؟ وذلك كما قال بكر عويضة في مقاله عيد رغم «كورونا» سعيد..

فمنذ أن ألغى "كورونا" المصافحة باليد والتقبيل والعناق بين الأصدقاء والأقارب للحد من انتشار الفيروس بين الناس قبل أشهر، ما زال الأمر غير متاحٍ في العيد لتبادل التبريكات والتهاني  إلا من خلال الهواتف الذكية وتطبيقات الرسائل الفورية، ووسائل التواصل الاجتماعي، ستكون هناك إمكانية للتواصل الإلكتروني والافتراضي، بشكل مجاني وسريع، عبر إرسال التهاني بحلول العيد بطرق متعددة، من خلال النصوص المكتوبة أو الصور أو مقاطع مصورة، حيث كانت هذه المعايدات تفيد المغتربين والمسافرين أكثر قبل زمن كورونا، في حين أنها أصبحت عامة حتى بين الجيران والبيوت التي تقع في حي واحد.

لقد شاءت إرادة الله أن تكون للمرة الأولى عيد فطر فى صمت.. كورونا يلغى احتفالات العيد ويرسم خارطة جديدة للمناسبات الدينية.. بلدان عربية أقرت حظراً شاملاً فى أيام العيد والصلاة بالمنازل.. العائلات تستعيض عن الزيارات بتقنيات التواصل المرئى.. تكاد تكون المرة الأولى التى يمضى فيها العيد فى "صمت"، دون احتفالات أو تجمعات عائلية .. هذا ما فرضه الوضع الحالى لوباء كورونا، الذى دفع عددا من البلدان العربية فى مقدمتهم مصر والكويت والسعودية والاردن لفرض حظر شامل خلال أيام العيد المبارك، وهناك بلدان أخرى مازالت تدرس القرار، ولكن أعداد الإصابات المتزايدة قد تكون مؤشرا للشكل الذى سيكون عليه احتفال العيد هذا العام.

ونظرا للأوضاع المتعلقة بانتشار فيروس كورونا فإن "اللجان الوزارية للفتوى بكافة الدول العربية تفتي بأداء صلاة العيد في البيوت جماعة بين أفراد الأسرة الواحدة أو فرادى ويمكن أداؤها لأصحاب المداومات في أماكن العمل في حدود المتاح لهم وذلك تعظيما لهذه الشعيرة وتحصيلا لثوابها وبركتها فهي سنة مؤكدة داوم عليها سيدنا رسول الله صلى الله عليه و سلم.. كما افتت اللجان بـ "مشروعية رفع التسبيح والتكبير من مكبرات الصوت في المساجد، وتدعو الناس الى التكبير والتسبيح والتهليل في البيوت أو حيث كانوا للمحافظة على هذه السنة وتعظيم هذه الشعيرة و لاستحضار معاني العيد وأجوائه لزرع الفرحة و البهجة في هذا اليوم السعيد"... وأشارت اللجان إلى "فضيلة اظهار الفرحة و البهجة والسرور بالعيد ونشر معاني المحبة والرحمة والتكافل في ظل احترام التدابير الوقائية والحرص على التباعد الاجتماعي وتفادي التجمعات المختلفة..

علاوة علي أنه لأول مرة تشدد وزارة الداخلية في مصر والسعودية والأردن ودول عربية كثيرة على التزام الجميع بالتعليمات المعتمدة المتصلة باشتراطات السلامة الصحية لمنع تفشي فيروس كورونا المستجد، وقواعد التباعد الاجتماعي ومنع التجمعات بجميع صورها وأشكالها وأماكن حدوثها.. وفى الجزائر، أفتت اللجنة الوزارية للفتوى، وفق الإذاعة الجزائرية، بأداء صلاة عيد الفطر المبارك في البيوت جماعة بين أفراد الأسرة الواحدة أو فرادى، وذلك نظرا للأوضاع المتعلقة بانتشار فيروس كورونا ..

واسمحي عزيزي القاري أن أنقل إليك النص الذي أجازت من خلاله هيئة كبار العلماء بالأزهر برئاسة الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، صلاة عيد الفطر في ظل استمرار تفشي فيروس "كورونا المستجد". وإليكم نص البيان: الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ... وبعد: ففي ضوء استمرار انتشار العدوى بفيروس كورونا (كوفيد 19)، ومع تواتر المعلومات الطبية من أن الخطر الحقيقي إنما في سهولة وسرعة انتشاره، وأن التجمعات سبب مباشر للعدوى بهذا الوباء الخطير. ولما كانت الشريعة قد أتت بتحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة، ودرء المفاسد عنهم. ولما كان من أعظم مقاصد شريعة الاسلام حفظ النفوس وحمايتها ووقايتها من كل الأخطار والأضرار. ولما كان الوباء العام الذي ابتليت به البشرية بمثابة الضرورة التي نتج عنها الترخُّص في بعض الواجبات الشرعية، وذلك تلافيًا لخطورة تفشيه، فإنه وبتطبيق أحكام هذه الضرورة على أداء صلاة العيد، وفي ضوء الغلق المؤقت للمساجد والمنع من التجمعات، وأيضًا في ضوء تعذُّر مراعاة الضوابط والتدابير الاحترازية في المصليات والساحات التي قد تعد في الخلاء، وأنَّ الخطر معها لا يزال قائمًا، فإنَّ هيئة كبار العلماء - انطلاقًا من مسؤوليتها الشرعية - تحيطُ المسؤولين في كافة الأرجاء علمًا بأنه يجوز أداء صلاة عيد الفطر المبارك في البيوت، بالكيفية التي تُصلى بها صلاة العيد، وذلك لقيام العذر المانع من إقامتها في المسجد أو الخلاء، وأنه يجوز أن يُصليها الرجل جماعة بأهل بيته، كما يجوز أن يُؤدِّيها المسلم منفردًا؛ لما رواه البيهقي عن عُبَيدِ اللهِ بن أبي بكر بنِ أنَس بن مالك خادِمِ رسولِ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: "كان أنَسٌ إذا فاتَته صلاةُ العيدِ مَعَ الإمامِ جَمَعَ أهلَه فصلَّى بهِم مِثلَ صلاةِ الإمامِ في العيدِ".

وفي نهاية مقالنا نقول مع الأستاذ محمود عبد الراضى (كما قال في مقاله "ومن يعظم شعائر الله"..اصنعوا البهجة في العيد) :" إن "الإجراءات الاحترازية" لن تمنع فرحتنا بالعيد، ولا تتعارض مع البهجة وإدخال السرور على من حولنا، وتصدير الأمل والتفاؤل بما هو قادم.. حولوا منازلكم مصدر للسعادة والبهجة، اجعلوها تصدح بتكبيرات العيد في الصباح الباكر، وارتدوا الملابس الجديدة، وضعوا الحلويات والمخبوزات على الموائد، ووزعوا "العيدية" على الأطفال، واشتروا لهم "الألعاب"، ووزعوا ابتسامة الأمل على الجميع.. هاتفوا أقاربكم تليفونياً، تحدثوا معهم، وصدروا مشاهد البهجة والفرحة، وتجنبوا الإحباط واليأس، اسمحوا لأطفالكم بالتحدث مع الأجداد "عبر الفيديو"، انقلوا الفرحة من بيوتكم لمن حولكم، واستغلوا التقنيات الحديثة في صناعة البهجة.. حولوا صفحاتكم على السوشيال ميديا مصادر للسعادة، لا تحبطوا من حولكم، ولا تنشروا اليأس والإحباط بين الناس، استعيدوا صوركم القديمة، وكثفوا الدعاء بانتهاء الغمة وعودة الحياة لطبيعتها.. التزموا بالإجراءات الاحترازية والسلامة الشخصية، بالتباعد والمسافات الآمنة، وغسل اليدين باستمرار، وعدم الخروج من المنازل إلا للضرورة الملحة، بالتوازي مع صناعة البهجة والفرحة ورسم البسمة على الوجوه، وتصديرها لمن حولكم.. لا تجعلوا هذه الظروف الحياتية الاستثنائية تمنع فرحتكم بالعيد، تغلبوا عليها واصنعوا بايديكم الفرحة والسعادة، وعظموا شعائر الله فإنها من تقوى القلوب .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

لحسن تركيلست أدري كيف تروق لنا هذه الحياة ونحن لا نذوق فيها إلا مرارة العيش؟.. لماذا نتمسك بالعيش فيها بهذا الشغف وهي تمقتنا كما يمقت زوج الأم ربيبه؟... من أين يأتينا الأمل في أن الغد سيكون أفضل ونحن على يقين من أن القادم أسوء؟

أول ما سيتبادر إلى ذهن من سيقرأ هذه التساؤلات أنني شخص متشائم، لا يعرف قيمة الحياة ولا يدرك معنى النعم، ربما قد أكون متشائما بعض الشيء، لكنني في تساؤلاتي هاته لا أقوم سوى بقراءة الواقع كما هو لا كما أحلم به، ولا كما يعكسه الرئيس في خطاباته، ولا كما ينمقه المتملقون للسلطة، ولا كما يفعل الإمام في خطبته حين يجعلنا نتأرجح بين تاريخ دنيوي عظيم وحياة أخروية سننعم فيها بجنات النعيم...

نحن شعوب أنهكتها نظم الحكم واستبدّ بها قادتها المسيرون من وراء البحار، مجتمعات أُصيبت بهزال اجتماعي ووهن وجودي حتى صارت تقاد كقطيع من الغنم ، لست أدري ألأننا مسحورون، مغلوبون على أمرنا، أم لأن الذل والهوان أصبحا صديقين حميمين لنا في حياتنا، لا نقوى على فراقهما أم أن عزائمنا لا تهوى الهمم...؟

نحمل الدين شعارات فوق ظهورنا ولافتات أمام جباهنا ونحن لا ندري أن عوارتنا قد تكشّفت، وسوءاتنا قد بدت نشازا للناظرين. فنحن من نُصفِّق بحماس للمسؤول لا لكفاءته ولعدله، أو لتميزه ونبله، بل لسفاهته وفساده، طمعا منا في أن ننال رضاه أو ينالنا نصيب من فساده ونهبه...نحن من ننتخب العيّ والجاهل، ونحن على يقين من أنه أجبن من أن يطرد الذباب على وجهه، لا لأن السلاح موجه صوب رؤوسنا بل لأن سطوة القبيلة والعشيرة لا زالت قابعة فينا...نحن من نصغي بعواطفنا لخطابات القادة السياسيين الذين يتلكئون في الكلام ويخطبون وهم نيام، وحين يكملون القراءة نصفق لهم بكل احترام، ثم نصنع من روثهم الذي يخرج من أفواههم آلهة نتقرب بها زلفى لمقاماتهم التي ينصبونها في مناطق البؤس والضياع لعلنا نحظى بنصيب من كراماتهم أو لعلنا نشعر بنعيم الشقاء...

نحن من نردّ كل هزائمنا وخيباتنا وضعفنا للقدر، نرضى بظلم الظالم، وفساد الفاسد، ثم نتضرع إلى الله في جمعاتنا طالبينا أن يعينه على فساده وظلمنا....نحن من نعطّل العقل ونطلق العنان للعواطف ونفضل أن نهيم في بحر من الخيالات، ونهدم صوامع العلم ونبنى بدلها جبالا من الأوهام الخرافات...نحن من لا زلنا نقدس الأشخاص بل ونعبد أناسا نتوهم أنهم يمتلكون سلط دينية أو مدنية أو غيبية، ونتوسل منهم النجاة والخلاص...نحن من عجز عن ضبطهم النظام وأخفقت في ترويضهم كل القوانين، لكننا ضعفاء مشلولون أمام من ينهب ثرواتنا ويسلبنا حرياتنا ويزيف واقعنا ويتلاعب بعقولنا...عشنا عقودا من الزمن ننتظر من كذب القادة السياسيين أن يتحول إلى حقيقة، ننتظر من كرامات أولياء الله الصالحين التي يتبرك بها الساسة والمجرمين، أن تشملنا ببركاتها وتحفظنا رعايتها من  الجان والشياطين، وتحفظ قادتنا وحكامنا من كيد الأعداء والحاسدين...

نستميت في الصراعات الطائفية والقبلية والعشائرية التي تؤجهها الضغينة والأحقاد، ونقبل برحابة وسعة صدر، بل ونؤازر الأنظمة الدكتاتورية المستبدة التي تقمعنا وتسلبنا حرياتنا، وتنهب ثرواتنا ونحن على يقين أنها لن ترضى عنا إلا إذا اتبعنا ملتها وأعلنا الولاء الخضوع لها.

نحن من نخشى من مس الشياطين أو أن يتلبسنا الجان، ونهرع طالبين  المعونة وراجينا الشفاء من راق أو مشعوذ أو محتال، لكننا نقف عاجزين أمام الصرع الإنسي، نضعف ونستسلم أمام تجبّر الطغاة، وظلم الحكام، وفساد المسؤولين. تعلمنا من خلال التنشئة الاجتماعية أن ظلم الحكام قدر يجب أن نستسلم له ونسلم أمرنا لله، أما المسّ الشيطاني وتلبسّ الجان لأجسامنا فاعتداء يستوجب التصدي له ومحاربته. ثم ما فائدة هذه الأجسام والعقول التي يتلبسّها  الجان ونسعى لتحريرها من أجل أن تستسلم لطغيان الحكام وجبروت أولياء الأمر...

نحن من نخوض مسارا دراسيا لأكثر من عقدين من الزمن نحتفي فيه بحصولنا على شهادات دراسية، لكننا في الختام نعود إلى الحضيرة نرعى ونأكل كما يفعل القطيع. دروس نحفظها وعلوم نتلقاها ومعارف نتشربها لكي نزيد من تكريس واقعنا المرير ونحرص على المحافظة على الوضع القائم الذي لا يزيدنا ألا هزالا وضعفا، بل ونقاوم ونحارب كل جديد يسعى إلى تغيير واقعنا، فكل جديد بدعة وكل بدعة ضلالة، فالويل كل الويل للمبتدعين الضالين الذين يتجرؤون على رؤية الواقع من غير الزاوية التي ينظر من خلالها أولي الأمر والنهي، لأن تغيرنا لزاوية النظر سيجعلنا نستفيق من غفوتنا فندرك أننا لم نكن إلا كالأنعام، لا، بل أضل سبيلا...

نحن من يؤمن بالمساواة، عفوا، بالتماثل والتشابه الذي يحكم مجتمع القطيع، فإننا نحسد المتفوق ونحارب المتميز ونسدّ الطريق أمام الكفؤ والمقتدر، فقط لأننا لا نؤمن بالاختلاف..نتباهى بالمتفوقين من جلدتنا في بلاد الغرب لكن لو كانوا بيننا لسحقناهم، لأننا في دواخلنا عجزنا عن كسر القيود التي تحررنا فأبينا أن يحررنا الآخرون. عٌقد كثيرة تمنعنا من أن نتغير من الداخل فنكره أن يأتينا التغيير من الخارج.

نعيش على القصص البطولية للأجداد والأسلاف، نتشدق بمآثرهم وحكاياتهم التي تتراوح بين الكرامات والمواقف البطولية، في الوقت الذي نعيش فيه واقعا مفارقا لما يٌروى لنا وما نرويه من حكايات، وحين ندرك أن ما بين واقعنا وما عاشه أسلافنا كالذي بين السماء والأرض، نحاول أن نتدارك هذه الفجوة بتعظيم وتضخيم الأنا الراهن فنعاني من غربتين، غربة اجتماعية عن واقعنا وغربة  نفسية عن هويتنا، فلا نحن استطعنا أن نتصالح مع ذواتنا فنرضى بواقعنا ونتعايش مع مكوناته، ولا استطعنا أن نخرج من دواتنا ونسكن ذوات أسلافنا، أي أن نستعيد الزمن بتاريخه وأحداثه وأن نرجع بالحاضر إلى الوراء.

 نهرب من واقعنا ونتحاشى مواجهته، ونركن إلى الزوايا المظلمة في حياتنا لنعيش في عالم من الأحلام وهرطقات تفسيرها، فنبحث بلا كلل عن تفسيري لحلم ونترك أشغالنا وواجباتنا التي نتظاهر يوميا أننا نؤديها، ثم نعاتب الآخرين الذي يتماطلون ويقصّرون في أداء وظائفهم..

لن نستطيع أن نرى نور فجر الحرية أبدا ما دامت عقولنا أسيرة لأفكار ومعتقدات عفا عليها الزمن، ولن نلحق بركب الحضارة أبدا ما دمنا سجناء البنى التقليدية والقوالب التفكيرية الصلبة والمتحجرة، ولن يستقيم حالنا  ما دامت أنظمة الحكم لدينا تأبى أن تتخلى عن جلباب الشمولية والدكتاتورية والتسلط.

إذا كان التشبث بالحياة هو غريزة فطرية فلماذا لا نتشبث بحياة أفضل، ولماذا لا نسعى لأن تكون حياتنا أحسن مما هي عليه وواقعنا أرقى وأسعد ؟ لماذا لا نرنو لعيشة تصان فيها كرامتنا ؟ لست أريد بهذا أن أدعو الناس إلى اليأس ولا إلى العزلة الاجتماعية، إنما أريد منهم أن يروا الواقع كما هو، هذا الواقع المرير الذي تغتصب فيه الحريات، وينعدم فيه العيش الكريم، ويٌقصى فيه المتميزون ويُهمش فيه المتفوقون، ويَحكم فيه الجهلة والفاسدون، هؤلاء الذين يجتهدون في كل أساليب التغريب والتغييب وفي كل أنواع القهر والاستبداد، المستترة منها والعلنية، هذا الواقع الذي بات زيفه أعظم من حقيقته وتحول فيه الفرد الذي يمتلك نصيبا من الوعي إلى لامنتمي وغريب. فنحن الذين نتباهى بأننا طردنا الاستعمار من أوطاننا، نعيش، من حيث لا ندري، عيشة المعذبين في أوطانهم.

 

لحسن تركي

 

 

عادل الفتلاويما زالت وتيرةُ التقدّمِ العلميِّ والتكنولوجيِّ متسارعةً في مختلفِ ميادين الحياة، وتخطو بخطى واسعة باتجاهِ المزيد من التعقيدِ التقنيِّ متسللةً إلى جميعِ التفاصيلِ اليوميةِ للفرد، والغاءِ كثيرٍ من النشاطات التي كانت تعتمدُ على الجهدِ الوظيفيِّ، ونكاد لا نرى مجالا من المجالات يخلو من التقنية، ما حوّل العالم فعليًا إلى قرية صغيرة مترابطةٍ أثيريا، وجعلت الإنسان على تماسٍّ مباشرٍ مع العولمة، وهكذا تمَّ ردمُ الفجوات الزمنيةِ عبر وسائل الاتصال والتواصل المختلفة، ولا شكَّ أنَّ الإعلام كان من أهمِّ المجالات التي أسهم التقدّم التقنيِّ في تطويرها، فصار أقوى مؤثراتِ العصر الحديثِ، والموجّه الأعلى للثقافة المعاصرةِ السياسيةِ والاجتماعية بشقيها السمعيِّ والبصري، وقد خلقَ هذا الوسيطُ (الميديا) واقعًا افتراضيًا لنمط التفكيرِ المعاصر، ونستطيعُ أن نعيدَ صياغة العنوان ليكونَ حولَ أثرِ توظيفِ الحدثِ السمعيِّ والمرئيِّ وانعكاسهما على الواقعِ السياسيّ والاجتماعيّ والثقافيّ بالنسبةِ للمتلقي.

تأثّرُ الفكرِ بالتكنولوجيا

إنَّ الخوض في هذا الحديثِ ذو مستوياتٍ وأبعادٍ عدّة، إذ نتكلم عن إعادة تشكيلِ العقلِ على أساسِ سلطةِ الإعلام ليس ببعدها القديم وإنما ببعدها التكنولوجيِّ الحداثي، إذ أنَّ مفهوم الثقافة والتفكيرِ قديمًا بنيَ على عددٍ من المعطيات الذاتيةِ والمعنوية كالتراكم المعرفيِّ والتواصل العلميِّ والثقافيِّ والاجتماعيِّ وملاحقة مصادرِ المعلومةِ فيما تلغي التكنولوجيا في المقابل جميع هذهِ المعطيات، ومن ثمَّ تخلقُ نوعًا من غيابِ النضوجِ الفكريِّ والشموليِّ، واستبعاد فرضيةِ أن تكون هناك حركات للنهضةِ الفكريةِ وغيرها، إذ ينقسمُ زمن الثقافةِ في عصر العولمة إلى ثقافة فنية تعتمدُ على الوعي التراكميِّ للمعرفة، تقابلها ثقافةٌ حديثةٌ تعتمدُ على الميديا وعمليات التواصلِ التفاعلي، ومن ثمَّ تحويلُ عادةِ القراءةِ المبنيّةِ على الممارساتِ المحسوسةِ إلى قراءةِ الشاشةِ الافتراضيةِ مُحدِثَةً غيابًا للذّةِ القراءةِ القديمةِ التي تشرك وعيَ القارئ في الكتابة.

لقد صنعت التكنولوجيا واقعًا لم يكن قابلا للوجودِ يومًا من الأيامِ إلّا في أفلامِ الخيالِ العلمي، مثل المصانعِ التي تديرها الآلات، والسفر إلى الكواكبِ البعيدة، وهذا غيّرَ تعامل الإنسان معَ الكتابِ والمكتبات، ومعَ الإعلامِ و وسائلِ الاتصالِ والمعرفةِ وخلقِ الحاجةِ إلى وجودِ فلسفةٍ معاصرةٍ تطرحُ أسئلةً أخرى بعد أن تكفّلت التكنولوجيا بالإجابةِ على الأسئلةِ العلمية القديمة.

وعلى الرغم من أنَّ هذه التكنولوجيا قد اختصرت المسافاتِ بين المؤسَّسات العلمية والمعرفية وجعلت كل شيءٍ تقريبًا متاحًا وبأقرب السبل وأيسرها، وجعلت الشاشة الرفيقَ الدائمَ الذي تعرفُ من خلالهِ أخبارَ الصحفِ والمجلات وآخرَ الإصدارات ومواعيد رحلات الطيران وغيرها، إلّا أنَّ ذلك قد خلّفَ تراجعًا في نسبةِ الإقبالِ على الثقافةِ المدونة، لأنها - في جانبِ التنوين على الأقل - حلّتْ محلَّ فعل التراكم المعرفيِّ وثقافة التواصل والانفتاح وذلك لسهولةِ الوصولِ إلى المعلومة إلكترونيا، مكثفّةً كذلكَ من الحيّزِ الماديِّ الذي يتحرّكُ فيهِ ومن خلاله الإنسان.

التكنولوجيا والإعلام راهنا

من الأمورِ التي كفلتها التكنولوجيا؛ الإعلام المتاح، فأصبح النشرُ الإلكترونيُّ وسرعةُ وصولِ النتاجِ الفكريِّ إلى الجمهور يسيرًا وفي متناول يدِ الفرد، ولأيِّ كاتبٍ أن يكتبَ ما يشاءُ كي يصلَ من دونِ تمحيصٍ إلى المتلقي فحلَّ ذلكَ محلَّ النظريةِ الثقافيةِ التي تحكم نسقًا معينًا وأصبحَ مفهومُ التواصل ليس له غايةٌ إلا التواصل الذي يخلو في أحايينَ كثيرة من التخطيطِ الفكريِّ الممنهجِ الذي لا يتحدَّد بجنسٍ أدبيِّ أو نظامٍ علمي، إذ تختلفُ هنا طريقةُ الاحتجاجِ ويستطيعُ أيُّ شخصٍ أن يمارسَ النقدَ بغيابِ العناوين الواضحة، جاعلًا ثقافة التكنولوجيا وحيدة الجانبِ، فاقدةً لعنصرِ المعايشةِ ما خلقَ فجوةً معرفيةً واضحةَ المعالم بين مستخدمي تكنولوجيا التواصل والواقع الفكري، كما دعا ذلكَ الفضاء الحرِّ الأقلامَ الشابة إلى بثِّ طاقاتها غير الموجهة - في كثيرٍ من الأحيان – من خلالهِ، ما شکّلَ متنفّسًا واسعًا حملهم زخرفه إلى الظنِّ بأنّهم وصلوا إلى الدرجةِ العليا ثمَّ الإيمانِ القطعيِّ بعدَ ذلك أنَّ ما يطرحونهُ على الساحةِ له قيمةٌ أدبيةٌ حقيقة، وهذا أنتج لنا طبقةً عاشت وهمًا ثقافيًا لهُ لغتهُ وطريقةُ تواصله، وعزَّز اعتقادهم بأنَّهم ينتمون إلى الطبقة الواعية، ويشكّلون اعمدةَ مجدِ الأمة القادم.

سيرًا مع مقولةِ الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس "أن التقنية حولت الإنسان إلى أداة"، فإنها من خلال أدواتها الإعلامية التواصلية استطاعت أن تفقدَ بعضهم خصوصياتهِ بنشره كل ما يتعلّقُ بحياتهِ اليوميةِ موثّقة بالصور، وبعضٌ آخر ارتدى قناع الاسم المستعار، وكلا الصنفين انقادا خلف مغريات الشهرة والظهورِ من دون تفكيرٍ فأوجدت لنا التكنولوجيا شريحة كبيرةً من الكتّابِ الذين تخبطوا في توجهاتهم الثقافيةِ واستقروا على أجناسٍ غير صالحةٍ لغير هذا الواقع الافتراضي، إذ سرعان ما تتْضحُ هشاشتها عندما تخضعُ إلى أدواتِ النقد الصحيحة، غير أن هذه الشريحة تبقى تدورُ في دائرةِ وهمِ الوعي الفكري، وهو وهمٌ ينمو ويتسعُ بشكلٍ متسارعٍ لسهولةِ أدوات هذا الواقع وسرعة انتشاره وغير بعيدٍ أن يأتي زمن نؤرخ فيهِ الى ثقافة التكنولوجيا

إن الجيل الذي نشأَ تحتَ وصاية التكنولوجيا يواجهُ تحدياتٍ كثيرةٍ في طريقِ النضج الفكريِّ، إذ اعتادَ على أمورٍ من شأنها أن تقلّص عطاءه المعرفيّ وتحدّهُ بمساحةٍ بسيطةٍ كسرعةِ الحصولِ على المعلومات وتوفّرها في أيِّ وقتٍ وأيِّ مكان، خاصة وأن المكتبات تضاءل حجمها حتى استقرّت في راحةِ اليد عن طريق التقنية، فصارَ البحثُ عن أيِّ معلومةٍ يسيرًا وبذلكَ فقد الباحثُ لذّةَ الاطلاعِ الشاملِ على المصادرِ الواسعةِ مكتفيًا بالمعلومةِ ذاتها، لذا نجدُ كثيرينَ ذوي أفقٍ ضيّقٍ فاقدينَ القدرةَ على الإبداعِ والابتكار.

إنَّ أحد أسبابِ عولمة الفكرِ التي مهّدَ لها الإعلامُ هو الرغبةُ في اختراقِ فكرِ الآخر لتكونَ الحدودُ الزمانيةُ والمكانيةُ والتاريخيةُ ومسألة الهوية التي بقيت محافظةً على استقرارها ومركزيتها واقعةً تحت التأثيرِ والمؤثّرِ بالحضاراتِ والثقافاتِ الأخرى مهدّدةً إياها بنظريةٍ نستطيع تسميتها بالمركزية الغربية.

ولهذا الموضوع مستويان إيجابيٌّ وسلبيٌّ، فالإيجابي يتمثّلُ بإمكانيةِ اقترابِ المثقّفِ من الدائرةِ المحليّةِ والعربيةِ والعالميّةِ باشتراطاتِ أن يكونَ مثقفًا واعيًا يحملُ فكرةً إبداعية، ويستطيعُ من خلالِ هذهِ القناةِ أن يوصلَ آراءهُ إلى قارئيهِ ويطْلعَ على التجاربِ الفكريةِ الناضجةِ محققًا تلاقحًا فكريا.

أمّا السلبيّ فيكونُ بغيابِ خطابِ المثقّفِ وانتفاءِ قاعدتهِ وتأثيرهِ ووسطهِ ليصبحَ وسط (ميديا) ويحيلنا ذلكَ إلى نظريةِ البعدِ التواصليِّ عند (هابرماس)، فيأتي السؤال: هل حقّقَ التواصلُ التكنولوجيُّ بعدًا إيجابيًا أفضل من السابق أم لا؟ وإحدی الإجاباتِ التي يمكن أن نجيب بها على هذا السؤال هي أننا لا نستطيع أن نحدَّدَ أزمنةً فكريةً وأدوارًا ثقافيةً من خلالِ ما صنعتهُ لنا التكنولوجيا ويمكننا أن نطرحَ أمثلةً تكونُ مصداقًا لما تقدّمَ من كلامنا كالتحولات الكبيرةِ التي ظهرت جليًا في الثوراتِ العربيةِ أو ما اصطلحَ عليه بـ(الربيع العربي) أو (التظاهرات العراقية) فقد شهدنا ظهورَ جماعاتٍ من العالم الافتراضيِّ قادت حراكًا تغييريًا رعتهُ التكنولوجيا وحقّقَ نجاحًا في التأثيرِ على الواقعِ الحقيقي، إلا أن هذا التغييرَ لم يتبلورُ إلى نظامٍ لهُ شرائطهُ بل سرعان ما ضمرَ هذا الحراكُ وبقيت آثارهُ وتداعياتهُ على أرض الواقع، واستطاع الإعلام كذلك أن يكونَ ظلاميًا في تسويقِ حوادث أدّت إلى انهياراتٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ ما زالت كثير من الدولِ والشعوبِ تدفعُ ضريبتها.

الخاتمة:

نصلُ إلى نتيجةٍ غير مطلقةٍ في تأثيرِ التكنولوجيا والإعلامِ على الفكر، هي أنَّ التكنولوجيا استطاعت تحفيزَ طاقةِ النقدِ في جيلِ الشبابِ وإطلاقِ طاقاتِ كثيرٌ منها غير إبداعيٍّ (انفعاليٍّ) بهمومٍ ذاتيةٍ وشخصية.

كما أضافت التكنولوجيا شقًّا ثانيًا لتاريخِ المثقف ، يتمثّلُ الأوّلُ في وجودهِ المعرفيِّ ونشاطهِ الإبداعيِّ الفعليِّ على الأرض وفي الواقعِ المعاش زائدًا وجودهُ الشخصيّ والثقافيّ في العالمِ الافتراضيّ أيضا، فظهرَ في سجلِ حياةِ كلِّ مثقفٍ صفحةٌ رقميةٌ تمثّلُ علامةً فارقةً في سيرتهِ الذاتية.

كذلكَ كانتْ سببًا في ظهورِ التعصّبِ بأنواعهِ على أسسٍ افتراضيةٍ مارسوا لأجلها هذه الثقافة على وهمِ أنهم يعيشون التميّز الحضاري.

فضلاً عن غيابِ الشخصنة، فأصبحَ لدينا مثقفٌ مرئيٌّ ومثقفٌ وهميٌّ ومن ثمَّ خلقُ شهرةٍ آنيةٍ تمتّدُ إلى آلياتِ عملٍ غير مكتملةٍ لتصبحَ ميولا فردية تعيش أزمة الظهور.

 

عادل الفتلاوي

 

سامي عبد العال"هناكَ لصٌ ما قدْ سَرَقَ الصِيامَ،

بَعْدمَا كانَ سؤالاً حول التّحرُر..."

مِن البُرهةِ الأولى لتّبيُن الخيط الأبيض من الخيط الأسود لشهر الصيام، بل منذ إعلان– مثلاً- أنَّ الأسبوع القادم هو أولُ أيام انقطاع الشراب والطعام والجنس (ليس إلاَّ)، يتم تغليف الإنسانُ ككائن شهواني في إطار (سياسي واجتماعي). رواحُه كما يتعاطاه هنا أو هناك غرائزي ومجيئه غرائزي بالمثل، حتى المُناخ غرائزي والأعمال غرائزية والنظرات والاجسام والحركات غرائزية ... والحواس والأفكار جميعها متيقظة لذلك تمام التيقظ. كأننا لم نعْهد أنفسنا قبل هذا الشهر، وكأنَّ أنظمة الدول (الفضاء العمومي) لم نرها إلاَّ الأن، لقد أصبحت شيئاً آخر بقدرتها على تدوير الغرائز وانتاجها (كتدوير النفايات).

يتجسدُ وضعٌ كهذا مع الصور والمواد المتلفزة أمام الأنظار بالألوان والروائح والعلامات والأفعال. حيث يتحول الصائم إلى عيون مفتوحةٍ باتساعها أمام التلفاز، لا يبارح مكانه.. يتابع، يحملق، يشحن خياله إلى وقت ليس بالقليل. تقريباً هو يستسلم أمام أضواء الشاشة دون إبداء أي رفض، لأنَّ تركيزه يكون منشغلاً بالجوع والعطش، أي الحرمان، فيكون الإفطار استلقاءً على شيزلونج (سرير) المشاهدة shezlong of watching كمريض انهكه الإعياء، فيلقي بجسده أمام الأطباء دون حراك. وإذا بنا سنعرف أنَّ "أطباء التلفزة" هم مقاولو الاقتصاد السياسي للصيام. وأنَّ الشاشة التي يُسمر عينيه وأذنيه بها ليست إلاَّ فضاءً محكم التصميم سياسياً وبإمكانها تشكيل صور الرغبات إلى ابعد مدى.

لا تأتي هذه المعاني خبطَ عشواء، إنما تحددها الشاشات الفضية وشركات الأغذية وتسونامي الإعلانات البراقة حول الطعام والشراب والدراما والأفلام وبرامج المسابقات وحفلات الرقص الرمضاني سمراً وسّحراً. كل شيء على "كوكب الغرائز" أثناء الصيام يتحرك نحو الفم والبطن والفرج وإسالة اللعاب طوال اليوم. حتى الزكاة والإنفاق في سبيل الله والتصدق والعطف على المعوزين باتت أشياءً مغلَّفة بالغرائز واستمالة الإنسان ليخرج ما في جيبه. بدت نمطاً من ابتزاز المُشاهد ومقايضة نظراته بأحوال المحتاجين، وهذه ليست وظيفة الدين ولا الدولة.

أقول غرائزية الإنسان في إطار (سياسي واجتماعي)، لأنَّ الدائرة العمومية ما كانت لتدخلها الغرائز إلاَّ بتوظيف الشاشة سياسياً كنوع من التلهية للمواطنين (مِنْ ذِقنِه وافْتّل لّهُ). فلا يُوجد شيءٌ اسمُه غرائز عامة، لأن الغرائز تخص الأفراد، ولكن سيولتها المتلفزة كصور براقة هي التي تنقلها من النطاق الخاص إلى الجمعي، بحيث ستظهر موقع الإنسان وتصورات الدولة والمواطنة والحرية وصياغة الوعي ومناخ الأفكار. ليس غريباً أن تتبنى شركات الانتاج لإحدى الدول العربية (الاسلامية) الإنفاق الباذخ على برامج التفاهات منذ الإفطار حتى مطلع النهار، في دورات بهلوانية لا يكاد يستفيق متابعُوها إلاّ ليدخلوا دورة جديدةٍ من الملهاة.

أنظمة الدول العربية والاسلامية تنفقُ الملايين لإنتاج الشهوات السائلة (المنظورة) واستثمارها، لتصبح فيما بعد عائقاً أمام أي وعي بالمستقبل. هناك دول تقتطع من رصيد ميزانيتها الحي، ومن اعمار العشوائيات، لتنفقها على رفاهية الاغنياء والفنانين والنجوم. وهي التي تجهل أنَّ ما تنشره حالياً من تفاهات وترسخه من تشوه سيأتي يومُ لتنفق أضعافه لمعالجة آثاره البعيدة، حيث زرعته منذ البداية، بل لن تدرك ماذا سيحدث من أمور وكيف ستتطور خفة الوعي في أشكال وتقاليد يستحيل تجنبها.

إنَّ الأجيال عندما ترتكب الحماقات، فهي التي كانت قد تشربت بمشاهدة الدراما الهابطة وشبت على الصراخ والعويل الذي يملأها (من شبَّ على شيء شاب عليه)، وحين ترى "نماذج فنية" أصبحت ملء السمع والبصر بين يومٍ وليلة، فستكون الحياة بالنسبة لها (أي الأجيال) سهلة المنال وهي ليست كذلك. ثم ستضع الأنظمة لاحقاً كل ما تملك لأجل التخلص من مشكلات كانت في أحد الأوقات مجرد تسالي بريئة عقب تُخمة الإفطار.

السؤال السياسي بالمقام الأول: ما الذي يشكل لدينا كائنات شهوانيةً طوال الوقت؟ ما معنى إفراغ الإنسان إلاّ من كتلة غرائز يُعاد تطويعها وإسالتها بصرياً؟ من سرق الصيام بعدما كان تمريناً سياسياً لرفض الأثرة والتكالب على الغرائز؟ ربما الأسئلة ساذجة بزمن هو المناخ الجاري الذي يجب التأقلم معه أو هكذا قد يقال. لكن الناظر إلى المشهد يرى في غرائر الإنسان مادةً أساسية لإحساس الدول العربية بكيانها القلق، وأنَّ الصيام هو الأداة والوسيط لدعمه وفرض الهيمنة بأشكال أخرى.

وربما تنتظر الدول شهر الصيام بفارغ الصبر لتجدد ما تعجز عن فعلِّه طوال السنة، وكأنَّها تقول يا ليت السنةَ كلها رمضان!! هذا بصرف النظر عن قيمة الإنسان وعن قيمة الحياة وأخيراً عن قيمة الصيام كوجه من التقوى الداخلية التي تخص القيمتين السابقتين. الصيام يذهب مباشرةً إلى الإنسان فرداً، يلتصق به، فلن تكون ثمة سلطةٌ ولا ثمة حياة بإمكانهما مراقبته في غياب ذاته. ولأنَّ الشهوات من جنس الذات، فالصيام لا سبيل له إلى هناك حيث يكون الإنسان حاضراً أمام ما يؤمن به.

عندما تكرر الشاشات الفضية الممارسات الشهوانية (بإعلان الطعام أو دراما الحياة المرفهة)، فهي تفرِّغ محتويات الإنسان أمام عينه. تجعل مما هو خاص به ويلتصق بأناه مرميَّاً تحت الأقدام، تحت الأعين بقدر رشق الصورة إلى مشاهديها. ليس من إنسان بإمكانه رؤية الشهوات في أشكال مادية هي الطعام والشراب والإغراء دون أنْ يتهاون فيما يرى إزاء أشياء سواها. وكأنَّها تمرر الممتنع بالنسبة إليه في شكل مترهل كي يقبله لا حقاً. وهذا يفسر نسبة المشاهدة العالية لبرامج المقالب والإثارة والمسابقات. الأولى تجعله يخوض تجربة الخوف والهزل بالتوازي، مما يعني كسر حاجز الإدراك للواقع نفسه، ومهما يكون الواقع غشيماً، فلن يكون أكثر مما يرى بالإثارة البصرية.

وسيكون الاستبداد والقمع السياسيان مقبولين لمُشاهِد تعودت عيناه على مقالب وراء بعضها البعض، وكأنها إجهاض لذهنيته الغضوبة حتى لا يغضب، واستنفار لحيوانيته التي يهذبها الصيام. لقد حرصت دول العرب على استنساخ برامج المقالب من دولةٍ إلى أخرى وأخذت في تكراراها لحظياً، ولم تكُّن لتقصد (أو لا تقصد) سوى التهام بقايا وعي مواطنيها، وبالطبع تهون ملايين الدولارات التي تنفق على الضيوف، إذ سيدفع الحساب كلُّ الزبائن المحملقين بالتلفاز والضاحكين على أنفسهم أولاً.

أما برامج المسابقات والكسب السريع، فهي نوع من الاستيهام الغريزي والجري المتخيل وراء الجوائز على حساب أية مشكلات فعلية، فالمتابع يتشوَّف إلى الجائزة طوال الوقت متناسياً فقره وأسبابه وقلة حيلته وهوانه على الحياة، ويعود إليه الخيال متجسداً من دم ولحم كتغذية راجعة بالأمل المفقود، ليشعر بالامتلاء الفارغ إذ يمدد البرنامج شعوراً بقرب الجائزة منه يوماً وراء يوم. ولاسيما إذا شاهد سواه يظفر بالجائزة التي يشتهيها، فالأمل يقترب رويداً رويداً كما يظن بينما يغيب الواقع عن بكرة أبيه، وبالأحرى سيفقد المشاهد احساسه به.

وطبعاً لا شيء يبهج الأنظمة السياسية مثلما يشعر المواطنون بغياب الواقع ولو في الأوهام، لأن الأنظمة جربت كافة الحيل والألاعيب وطاشت الواحدة تلو الأخرى في هذا الشأن. فلم يكلفها الصيام غير استديوهات براقة وحفنة نجوم ثم تختفي الحدود الفاصلة بين الخيال والحياة، ويشتغل اللاوعي على موضوعات بديلة مفرِّغاً كلَّ سخطه وسعادته تجاهها. عندئذ سيقول أصحاب المعالي والسمو: لتكن الموضوعات الغضب بديلة ونحن سنغذيها، المهم ألاَّ نكون نحن وألا تكون أنظمتنا العصماء!! وربما هذه هي الحالة الوحيدة التي تتمنى  الأنظمة الحاكمة أن تكون لها بدائل فيها، أما التغيير إلى الأفضل أو تطوير الحياة السياسية، فهذا إجرام وستُطلق صدمات موجهة للمواطنين مرة تالية بحدود الواقع إن فكروا في ذلك.

بدليل أنَّ الذي يظفر بإحدى الجوائز تُسهب الشاشات في تصويره وتصوير فرحته بالمبالغ المالية والجوائز، حتى ظهرت مشاهد بائسة للفائزين وهم يحملون النقود (كل أفراد الأسرة من صغيرها إلى كبيرها) مُلوحين بها في العراء. المقصود بذلك هو اتمام صفقة مع عيون المشاهدين على أن الانتصار ينبغي أن يكون هناك (حيث الثراء السريع بلا معاناة) لا هنا حيث تتكدس مشكلات الواقع وهي كل المعاناة التي تحدد المسؤولية والتكلفة والإصلاح. إن المشاهدة الوهمية عليها اكساب المواطنين مناعة وتهدئة لتحمل مالا يُحتمل. والمَشاهد مزرية وبائسة بالفعل لكونها تنمي لدى الأجيال ضربات الحظ والسهر على "القمار التليفزيوني" دون عمل ولا معرفة أسباب الكسب ولا بناء قدراتهم الفكرية.

تدريجياً ستنتج الغريزة درجات الوعي، وسيظل الإنسان مرهونا بها في تصرفاته وطالما أن تليفزيون الدولة هو الذي يقننها وينوعها ويشكلها ويعطي المُشاهد إمكانيات إشباعها، فالدولة تتدخل بكل صغيرة وكبيرة. التحكم في الغرائز هو المدخل لسياسات الفرجة نحو ما تريد من أهداف. وهي ما يبرز الأوضاع على حقيقتها، لأننا نلاحظ أثناء الصيام مُناخ النشاط غير الاعتيادي من فئات المجتمع المتربحة من وراء الغرائز كرجال الأعمال، حيث يتم تكثيف الإعلانان عن المدن الجديدة والأعمار والشركات ونمط الحياة الذي يعدُون به. ولم تغب عنهم مسحة الإيمان (التدين) بحسب دفقات التبرع على الفئات الأقل حظاً من الحياة. وكأنها إحدى هبات الصيام بينما هم يعرفون جيداً أن النتائج ستتدفق في جيبهم، لأن كل ذلك يدور في فلك النظام السياسي القائم بأية دولة عربية. وأن ما سيخسرونه اليوم كهبات سيجنونه أضعافاً مضاعفة بالغد.

ولنلاحظ دورة "غسيل الغرائز" في ذهنية المشاهدين، فرجال الأعمال هم أصحاب الاستثمارات الكبيرة والشركات العملاقة (الغرائز الكبرى)، أي هم الرأسماليون الذين جنوا ويجنون أرباحاً من كتل المواطنين، فكان طبيعياً استباق الخطوات لملاقاة الغرائز المتلفزة في إطار سياسي، لتكملة الصورة. إذن هم الذين يتربحون مرتين بإشراف الأنظمة السياسية، إذ كانوا يزيدون تدفق ثرواتهم بأيدي البسطاء وقوتهم للعمل (بلغة الماركسية) أولاً، ثم هاهم يشترون غرائزهم استثماراً ضمن مستويات براقة من الصور (بلغة الرأسمالية) ثانياً. فلا تعرف إذا كانوا مع رقيقي الحال من الناس أم ضدهم، لكن المعروف أنهم ركن ركين في دولة الغرائز، اشعالاً وإخراجاً وسوقاً للبيع والشراء.

الركن الآخر هم كل من يشارك في إبراز السوق، والسوق هو الشاشة المتلفزة رغم صغرها. لعل الصيام بمعجم الزراعة "موسم الحصاد"، كل الفنانين والإعلاميين ومقدمي البرامج يعتبرونه وليمة من الغرائز، الكل يتسابق ويضع نفسه في مقدمة الظهور غناء وتمثيلاً واعلاناً. وبالطبع سيكون المشاهدون هم المأكولون، أو هم دافعو الأموال وهم مستنزفو الشهوات. لقد تسابق من يستغل الصيام على حساب من لا يملك شيئاً إلا الصيام. هناك ثروات طائلة تجنى من وراء الأدوار والأعمال الفنية في هذه المساحة الزمنية، لدرجة أن الربح قد يسد عيونهم حتى يأتي رمضان القادم. واللعبة أن أسواقاً للغرائز (الاعلانات والدراما والبرامج والاغواءات البصرية) تتم برعاية سياسية دقيقة، لأنَّها تضع الأنظمة الحاكمة وتفضيلاتها بالمقام الأول بين فقرة وأخرى، وضمن الحشو الدسم لكل المواد الرمضانية. طبعاً هذا يجعل الدراما والبرامج نوعاً من التعبئة الأيديولوجية المباشرة وغير المباشرة. وتجهض كل أعمال الفنون من تهذيب الذوق والارتقاء بذائقة المشاهدين وكشف مواطن العطب في الواقع.

والسوق يُنصب كي يرتاده المشاهدون ليشتروا بضاعةً هم اصحابها، ثم ستؤخذ منهم (رأسمالية الصيام) ليتحولوا إلى مجرد زبائن يتسولون النظر إليها (المدن الجديدة والأسواق والمواد الغذائية البراقة والسيارات الفارهة). ونتيجة غياب الوعي (بفعل الفنون كأداء خيالي وهمي وطفيلي) يتصالحون مع الأزمات والأحوال، ليأتِ النظام السياسي رابحاً الجميع (رجال الاعمال والفنانين والمشاهدين معاً بضربة واحدة) انتظاراً لشهر قادمٍ. والمثل الشعبي يتردد: قليلُ البخت يعقره  (يعُضه) الكلب في السوق.. وبالتأكيد نحن نعرف الآن: من هو قليل البخت، وما هو السوق، وما هي البضائع تحديداً، ومن هو صاحب السوق؟!

 

سامي عبد العال

 

مادونا عسكرمؤلم أن نرى طلّابنا في لبنان فرحون للغاية باقتراح وزير التّربية والتّعليم العالي بإنهاء العام الدّراسي وترفيع الطّلّاب إلى صفوف جديدة. ولا بدّ من أن نتساءل عن سبب أو أسباب سعادة أبنائنا بعدم العودة إلى المدرسة. ولا بدّ من أن نقف قليلاً عند رأيهم في مفهوم التّعليم، هذا إذا كانوا بأغلبهم يدركون هذا المفهوم. لن ألوم الطّلّاب ولعلّهم ليسوا مطالبين بتفسير هذا الرّفض للمدرسة والتّعليم، بل وهذه المنظومة الشّاملة للتّربية والتّعليم. ماذا لو سألنا الطّلاب في لبنان أو في العالم العربي ككلّ عن السّبب الّذي يدفع الإنسان للتّعلّم، وعن مفهومهم للعلم، وعن هدف التّعلّم  ومعايير النّجاح في القطاع التّعليميّ؟ لا أظنّ أنّ الإجابات على هذه الأسئلة المهمّة ستكون مقنعة. فطالما أنّ الطّالب ليس شغوفاً بالعلم ولا يعتبره حاجة ملحّة للنّموّ كما الطّعام والشّراب والهواء، فذاك يعني أنّه إمّا يعتبره من الكماليّات، وإمّا عقاباً عليه أن ينفّذه مع أنّه لم يفعل ما يستوجب هذا العقاب.

لعلّ العلم في مجتمعاتنا مرتبط بالعلامة والعلامة مرتبطة بالشّخصيّة. فنجاح التّلميذ متوقّف على رقم، إمّا يرفعه وإما يحوّله إلى شخص فاشل. كما أنّه مرتبط بمبدأ الامتحان ومفهومه. فغالباً ما يكون مبدأ الامتحان تحدٍّ للطّالب بدل أن يكون اختباراً لمعلوماته. بيد أنّ معايير النّجاح لا تقاس بالأرقام ولا بالامتحان التّحدّي، بل إنّ الرّقم ما هو إلّا نتيجة لاختبار المعلومات ونتيجة للفهم ومنهج التّفكير وطريقة التّلقي. ويسهل الحصول على الرّقم بشكل أو بآخر وإنّما بلوغ الفهم ومنهج التّفكير، فذاك يتطلّب تحويل التّعليم بمنظومته الكاملة إلى حالة فرح يعيشها الطّالب. ما يعزّز لديه الرّغبة في التّعلّم واكتساب المعرفة كما ينمّي في داخله مفهوم التّعليم من حيث هو بناء الإنسان بدل تنمية مبدأ الغشّ ليحصل على الرّقم المرتبط بشخصه أو مبدأ الحفظ الببغائيّ دون أن يترسّخ في داخله ما تعلّمه. فيتخلّى عن أفكار متجذّرة في ذهنه عن التّعليم بهدف المظهر الاجتماعيّ، أو تحقيق رغبة الأهل أو حلمهم، أو أنّ التّعليم يؤمّن له منصباً مهمّاً أو ما شابه. إنّ مجتمعاتنا تزدحم بطلّاب حاصلين على شهادات عليا، ومصنّفين أوائل ومتفوّقين. ونتساءل  عن سبب تراجع مجتمعاتنا  وتدهورها ثقافيّاً واجتماعيّاً وسياسيّاً وأخلاقيّاً وغرقها في الجهل والاستهتار.

تقع المسؤوليّة في الدّرجة الأولى على المعلّم ثمّ على الأهل. وربّما علينا إعادة النّظر في مفهوم التّعليم عند المعلّمين. فهل تحوّل إلى مجرّد وظيفة أم إنّه رسالة من خلالها نبني الإنسان، فنسهم في تقدّم مجتمعاتنا وتطوّرها ونموّها. هل ما زال المعلّم يعطي من ذاته للطّالب؟ هل ما زال يزرع ذاته في كلّ طالب؟ وهل طالب اليوم هو امتداد لمعلّمه؟ أظنّ أنّ لغة التّعليم اختلفت، وتحوّلت إلى لغة جافّة لا تروي بما يكفي عقل الطّالب ونفسه. المعلّم الّذي كاد يكون رسولاً غاب إلى حدّ ما، لذلك لم يعد الطّالب يقوم للمعلّم ويبجّله. كما أنّه فقد الرّغبة في التّعليم، فأفقد الطّالب الرّغبة الفطريّة بالتّعلّم. ولا أظلم المعلّم حين أتحدّث عن غيابه ولن أدخل في تفاصيل توحي للقارئ أنّني أتحدّث عن معلّم في عالم المثل. لكنّ التّعليم أساس تقدّم الشّعوب والمعلّم مربٍّ يعمل على بناء الإنسان وتكوينه الفكريّ. فإذا غاب المعلّم من يبني الفكر الإنساني ويعزّز قدراته؟

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

يسري عبد الغنيهل اهتم العرب قبل الإسلام بالقضايا الاجتماعية ؟

لقد اهتم العرب قبل الإسلام بقضايا وأمور المجتمع اهتماماً كبيراً، فهم لم يعتنوا بأمور معيشتهم، ومشكلات حياتهم، وظروف بيئتهم الطبيعية فحسب، بل اعتنوا واهتموا بالعلاقة بين البيئة والمناخ، وطبيعة النظم الاجتماعية التي تحدد اتجاهات ومسارات حياتهم العامة والخاصة، كما اهتموا بأنظمة السياسة وأساليب الحكم على الرغم من بساطة الحياة القبلية التي كانوا يحيونها، وركزوا على شئون العبادة والتدين بعد أن استنبطوا إصول التفكير الديني القديم.

في نفس الوقت الذي نظم العرب مراسم وتقاليد الزواج، والطلاق، ووضعوا الأسس الاجتماعية والإنسانية التي ترتكز عليها العائلة والقرابة العربية.

كما أنهم عرفوا نظم التربية والأخلاق، وحقيقة الطرائق التي من خلالها يكتسب الأبناء سجايا وخصال وقيم آبائهم، وميزوا بين القيم الصالحة، والقيم السيئة. (1)

وقد كان العرب يقدسون العصبية، والمروءة، والشجاعة، ويمجدون القوة، ويميلون إلى القتال، ويعتبرون الحرب هي الحد الفاصل الحاسم، والإجابة الصريحة بصدد المشكلات التي تعن لهم، وتجابههم، وغني عن البيان أن ميل العرب إلى الحرب وإن كان لأتفه الأسباب في بعض الأحيان، نتيجة طبيعية لظروفهم الحياتية.

الإسلام والوحدة:

ولما انتشر الإسلام حقق في فترة وجيزة، الوحدة في بلاد العرب وفي غيرها من البلاد التي انتشر فيها الإسلام، وهي الوحدة التي لم يستطع العرب أو غيرهم قبل الإسلام أن يحققوها بالرغم من توافر ركائزها كوحدة العادات والتقاليد، والتاريخ واللغة، والأصل المشترك (2).

والإسلام إنما هو دين اجتماعي جاء لإنقاذ البشرية من الفساد والتداعي، والتخلف، والهيمنة، والتبعية، والعمل على بناء المجتمع العادل والمستقر، القائم على الإخاء والمساواة.

كما أن النظام الاجتماعي في الإسلام جزء لا يتجزأ من الدين، فقد اهتم الدين الإسلامي بالمعاملات، كما اهتم بالعقائد والعبادات، والتشريعات المنظمة للكثير من النظم الاجتماعية مثل: الزواج، والطلاق، والمواريث، والمحارم، والزكاة، والرق، والصوم، والضوابط الاجتماعية، والعدالة (بجميع أنواعها)، والمساواة، والحرية، والتكافل الاجتماعي، وحقوق الإنسان. (3)

الإسلام وطبيعة الإنسان:

إن الإسلام لم يهتم بالقضايا الدينية، واللاهوتية، والغيبية فقد لا غير، بل اهتم أيضاً بكل ما يتعلق بطبيعة الإنسان، وحيثيات المجتمع مهما تكن دقيقة ومعقدة. (4)

فقد اهتم العرب وغيرهم في ظل الإسلام الحنيف بضرورة تهذيب أخلاق المؤمن، وسلوكه، وتحريره من الأدران والأمراض والعقد الاجتماعية والنفسية.

كما اهتموا بضرورة تقوية علاقة المسلم بأخيه المسلم في كل مكان وزمان من أجل تحقيق وحدة المسلمين التي بها خيرهم وسعادتهم، هذه الوحدة التي تقودهم إلى قوتهم، وإلى دحر أعدائهم، وأعداء الحق والخير والجمال.

وركز الإسلام على أمور الحياة والمجتمع، إذ حث الأغنياء والقادرين على إنفاق جزء من أموالهم على الفقراء، واليتامى، والمحتاجين، وأبناء السبيل.

كما دعا الإسلام إلى التقيد بالاقتصاد في النفقات، وعدم التبذير والإسراف، واحترام المال العام، والتزام الأمانة في القول والعمل.

وأقر الإسلام ضرورة احترام الآخر، وقبوله، وعدم الإساءة إليه بأي شكل من الأشكال، حتى لو اختلفنا معه في الدين أو العقيدة أو الفكر، لقد خلقنا الله تعالى من أجل أن نتعارف، نتبادل الآراء والأفكار والخبرات والتجارب، بغية واقع أفضل لنا ولذوينا، والطريق الأمثل إلى ذلك هو الحوار الإيجابي الفعال.

كذلك طالبنا الإسلام بالالتزام بالعمل الصالح، والطاعة، والصبر، وقوة الإرادة، وعدم الاندفاع، والتأني، ونبذ النزاع والخصام، واحترام الوالدين، واحترام الكبير والعطف على الصغير، والصدق في القول والعمل، وإنكار الذات، وحب الآخرين، والتفاني في خدمتهم بنفس راضية.

وعليه فإن العرب وغيرهم بوحي من مبادئ وعقيدة الإسلام، اهتموا كل الاهتمام بشئون العلم، وطلب المعرفة، والوقوف ضد الاستبداد والعبودية والفساد والإقطاع، وعتق المرأة وتحريرها من القيود، والمظالم الاجتماعية.

الفكر في عصر الحضارة الإسلامية:

أما مجالات الفكر في عصر الحضارة الإسلامية، فكانت واسعة النطاق، نظراً لفاعلية حركة النقل والترجمة،،زيادة العناية والاهتمام بكل روافد العلم والثقافة. (5)

إن حركة العلم والأدب والثقافة، شملت في الحضارة الإسلامية العلوم الكونية، والفلكية، والرياضية، والطبية، والكيمياء، والفنون الجميلة، كما شملت الدراسات السياسية، والقانونية، والإدارية، والاجتماعية، والفكرية بوجه عام.

** وفي هذا الصدد نطالب أهل البحث والفكر بضرورة عرض وتحليل الهبات الفكرية، والإسهامات النظرية التي قدمها المفكرون الاجتماعيون المسلمون، الذين ظهروا في فترة القرون الوسيطة، عندما كانت الحضارة الإسلامية في أوج نهوضها، وتقدمها، ورقيها، وازدهارها، وعطائها، في الوقت الذي كانت فيه أوربا تعيش في سبات عميق، إنعكست على أجزاء ومفاصل وميادين حياتها.

نقول: إن المفكرين الاجتماعيين المسلمين الذين ظهروا في فترة القرون الوسيطة اعتنوا بدراسة ما يمكن أن نسميه (داينميائيات) الحياة الاجتماعية المعاشة، وتحليل عوامل التطور والطفرة التي أدت إلى عملية التغير الاجتماعي السريع، والذي لم تشهده أمة أخرى في تلك الفترة التاريخية.

حقيقة الاجتماع البشري:

لقد اهتم هؤلاء بدراسة حقيقة الاجتماع البشري، وعلاقته بطبيعة الإنسان، ومعطيات البيئة، والعوامل المؤثرة فيها.

كما أنهم وصفوا مكونات التحضر أو العمران البشري، وحللوا طبيعة الفعل، ورد الفعل بينها.

كما شخصوا العوامل الموضوعية والذاتية التي تؤدي إلى تكامل مكونات الحضارة الإنسانية، واستقرارها على مر الأزمان، كما درسوا خصائص المجتمع المثالي (اليوتوبيا)، وأثر القيادة الواعية الصالحة في نموه، ورقيه، وتطوره، واستقراره.

وتطرقوا إلى صفات ووظائف القائد أو الحاكم، ودوره في وحدة، وتفكك الأمة.(6)

منهج الحقائق والقيم:

درس الاجتماعيون المسلمون منهج الحقائق والقيم، ذلك أنهم أشاروا إلى حقيقة مفادها: أن على الباحث أو المفكر الاجتماعي أن يهتم بوصف وسرد الحقائق مجردة كما هي.

وعليه لا يصح بحال من الأحوال أن يمزج بين الحقائق الاجتماعية التي يهتم بجمعها، ووصفها، وتدوينها، كما هي مجردة، وبين أهوائه الشخصية ونزعاته وميوله الذاتية.

فالمزج المتعمد بين الأهواء ـ التي هي جزء من النزعات الشخصية ـ والحقائق، يشوهها، بحيث لا تقع في مستوى الحقيقة، ولا ترتفع إليها، في نفس الآن لا ترقى إلى مستوى فهم واستيعاب الحياة الاجتماعية بمضامينها الجوهرية، وأبعادها الإنسانية.

كما اهتم المفكرون الاجتماعيون المسلمون بالمبادئ والقيم، وأثرها في تحديد سلوك وميول واتجاهات الإنسان، ورسم السمات الحضارية التي تميز المجتمع.

فالإنسان الصالح يميز عن الإنسان الطالح بطبيعة القيم السلوكية التي يحملها، كما أن المجتمع المثالي يمكن تمييزه عن المجتمع الضال والمنحرف، وذلك بطبيعة القيم والمثل الأخلاقية التي يؤمن بها، ويعتمدها في مسيرته الحضارية والروحية.

الدراسات الاجتماعية بين الفلسفة والاجتماع:

إن الدراسات الاجتماعية عند المسلمين الأوائل تنتظم في مظهرين أساسيين هما:ـ

المظهر الأول: {المظهر الفلسفي الديني}، والذي يمثله: أبو نصر الفارابي في كتابه: [آراء أهل المدينة الفاضلة]، وإخوان الصفاء وخلان الوفاء في رسائلهم الـ (51) أو الـ (52).

المظهر الثاني: {المظهر الاجتماعي والأنثروبولوجي }، والذي يمثله العلامة / ابن خلدون في مقدمته الشهيرة، والرحالة الجغرافي / ابن بطوطة في رحلاته.(7)

والأنثروبولوجي عرفه علماء المسلمين باسم (الدراسات البشرية )، وهذا أفضل وأعم من تعريفه بأنه (علم دراسة الإنسان) فقط.

دعوة واقتراح:

إننا نطالب أهل البحث الاجتماعي بضرورة توضيح الإسهامات الفكرية والعلمية التي قدمها هؤلاء الاجتماعيون المسلمون الأوائل، في تمهيد السبل لظهور علم الاجتماع، وتطور دراساته، وأساليبه البحثية، ومناهجه العلمية.

مع الأخذ في الاعتبار أن الهبات الفكرية لتطور النظرية الاجتماعية التي قدمها الاجتماعيون المسلمون، تعتبر بمثابة حجر الأساس لنشوء علم الاجتماع الإسلامي.

إن علم الاجتماع الإسلامي بما له من أطر، وأطروحات، وطروحات، ونظريات، ومفاهيم، وضعها أقطابه الأوائل، كانت له خصوصياته، ومزاياه، وأسسه، والتي اعتمد عليها الكثير من المفكرين الاجتماعين الغربيين في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية، من أمثال: (أوجست كونت)، و(إميل دور كايم) و(فيكو)، و(هوبز)، و(لوك)، و(جان جاك روسو)، و(هيجل).. وغيرهم، وغيرهم.

وعلينا أن نضع في الاعتبار كذلك أن الدراسات الاجتماعية التي قام بها كل من (روسو)، و(هيجل)، كانت بمثابة المحفز المباشر لظهور علم الاجتماع كعلم مستقل له خصوصيته عن الفلسفة، واللاهوت، والتاريخ، وسائر العلوم الاجتماعية. (8).

هذا، وقد تم ظهور العلم الجديد (علم الاجتماع) واستقلاليته عن العلوم الأخرى على يد العلماء الاجتماعيين التقليديين مثل: (أوجست كونت)، و(هربرت سبنسر)، و(كارل ماركس)، و(كارل مانهايم)، وغيرهم، وغيرهم..

وفي هذا المجال يجدر بالباحثين والدارسين أن يبحثوا انطلاقاً من المنهجية العلمية في أهم الإسهامات التي قدمها علماء الاجتماع المسلمين، والتي تمخض عنها، بلورة الأسس والمفاهيم لعلم الاجتماع الإسلامي.

ويمكن أن يمثلوا لهؤلاء العلماء بمجموعة من المفكرين المسلمين الذين طوروا الدراسات الاجتماعية، تاركين الباب على مصراعيه لكل باحث أو دارس أراد أن يعرف بجهود أعلام آخرين، كان لهم دورهم في نفس المضمار، مضمار تطوير الدراسات الاجتماعية.

ومن المفكرين المسلمين الذي يمكن أن يبدأ بهم أي باحث أو دارس، كبداية للتعريف بجهود مفكرين آخرين، كان لهم إسهامهم في مجال الفكر الاجتماعي: ـ

1ـ أبو نصر الفارابي صاحب (آراء أهل المدينة الفاضلة).

2 ـ جماعة إخوان الصفاء وخلان الوفاء في رسائلهم.

3 ـ ابن خلدون في مقدمته الشهيرة.

4 ـ الرحالة ابن بطوطة في مجموعة رحلاته.

وغير هؤلاء، المهم أن نبدأ بجدية واجتهاد، فنعود إلى التراث الاجتماعي الإسلامي الذي يتجسد فيه أفكار ونظريات الرواد الأوائل، معتمدين على هذا التراث في تفسير حقيقة الواقع الاجتماعي، مع مراعاة المتغيرات والمستجدات والمستحدثات التي طرأت على علم الاجتماع في ضوء المساهمات الحديثة لعلماء الاجتماع في عالمنا المعاصر.

كما ينبغي أن يكون التراث الاجتماعي الإسلامي هو المرجع الأساسي للملامح الحديثة التي يتسم بها أي بحث حديث في علم الاجتماع الإسلامي.

علم الاجتماع الإسلامي الذي ندعو إليه ونطالب به، لا يرفض فكر الآخر أو رؤاه أو تصوراته، بل يأخذ منها أفضل ما فيها، بحيث لا يتعارض مع خصوصياته، وهويته، وحضارته، وهذا ما يميز علم الاجتماع الإسلامي عن علم الاجتماع الغربي.

 

...................

الهوامش والأسانيد

(1) زيدان عبد الباقي، التفكير الاجتماعي: نشأته وتطوره، القاهرة، 1972 م، ص 80، وما بعدها.

(2) جورجي زيدان، تاريخ التقدم الإسلامي، الجزء الأول، القاهرة، 1955 م، ص 52 وما بعدها.

(3) مصطفى الخشاب، علم الاجتماع ومدارسه، الكتاب الأول، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1975 م، ص 112، وما بعدها.

(4) إحسان محمد الحسن، نقد أفكار ماكس فيبر عن الدين الإسلامي، مجلة الرسالة الإسلامية العراقية، العددان: 180، و181، بغداد، 1985 م.

(5) مصطفى الخشاب، علم الاجتماع ومدارسه، مرجع سابق، ص 113 وما بعدها، وكذلك: يسري عبد الغني، المدنية العربية الإسلامية (نظرات في الأصول والتطور)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1987 م.

(6) إحسان محمد الحسن، علم الاجتماع: دراسة نظامية، مطبعة جامعة بغداد، بغداد، 1976 م، ص 23.

(7) مصطفى الخشاب، علم الاجتماع ومدارسه، مرجع سابق، ص 114، وما بعدها.

(8) إحسان محمد الحسن، الأوليات التاريخية لاهتمامات العرب بعلم الاجتماع، مجلة المورد العراقية، المجلد 15، العدد 3، 1406 هـ = 1986 م، ص 60، وما بعدها.

 

يعرف التفكك الاسري على انه الاختلال الحاصل في طرفي الاسرة- الابوين - احدهما اوكلاهما، فالتفكك لغة هو تفكيك الشئ اي فصل اجزاءه عن بعضها البعض، اما اصطلاحا فهو انهيار وحدة اجتماعيا واختلال وظائفها سواء اكانت هذه الوحدة فردا ام جماعة.

والتفكك نوعان:

- تفكك مادي وهو غياب احد الابوين بصورة دائمة.

- تفكك معنوي وهو الحضور الغائب لاحدهما.

وهذا الخلل الوظيفي يؤدي الى عجز باداء الواجبات المنوطة بالابوين ومن ثم حدوث شرخ وفراغ وضرر في المظومة العائلية والذي يدفع ثمنه حتما الاطفال.

ان الاسرة المتفككة هي اسرة تعاني من الاضطرابات السلوكية التي تؤدي الى انتاج اطفال مشوهين اجتماعيا، فهي تنتج نوعين من الابناء، احدهما انسان سئ يسئ لنفسه ولاسرته ولمجتمعه كنوع من الثار لذاته، وقد يلجا الى تعاطي الكحول او المخدرات او الاثنين معا للهروب من واقعه المؤلم ، فالمجرمين والساديين وارباب السوابق هم نتاج عوائل مفككة بامتياز، والنوع الثاني انسانا منطويا، مكتئبا معقدا يعاني من امراض نفسية وعلل لاحصر لها ، كالكابة، وعقدة الاضطهاد، وانفصام الشخصية وغيرها.

ان الاسر المفككة تضم اباء وامهات يعانون اصلا من اختلال الوظيفة، وقد يكونون قد تربوا ايضا في اسر مختلة وظيفيا، وهكذا يرث الابناء عن الاباء العلل نفسها، هذه الاختلالات التي يعاني منها احد الابوين وغالبا مايكون الطرف المسيطر الذي يحاول ان ينتزع السلطة الابوية باي شكل من الاشكال ليفرض اختلالاته التعسفية التي تتضمن الغياب المستمر عن الاسرة ، وحتى وان كان موجودا فيكون حضورا غائبا او التملص من اداء الحقوق والتذرع بالعمل خارج البيت وقضاء النهار بطوله بعيدا عن الاسرة- وهذا يشمل الام والاب معا- فلايوجد عملا يقضي فيه المرء النهار بطوله الاماندر، فبعض الاباء تراه يقضي الساعات الطويلة مع الاصدقاء او التسكع باي عمل يبعده عن المسؤولية، كالجلوس في المقهى اوزيارة الجيران باالنسبة للام –الزيارات المبالغ بها- او الذهاب الى التسوق بالرغم من عدم الحاجة لذلك ، واهمال الابناء والتقصير باداء الواجب ، او التعسف بمعاملة الابناء باستخدام العنف والقسوة والتدخل بكل صغيرة وكبيرة ومسخ شخصية الابن وتهميشها والمشاجرات المستمرة بسبب وبدون سبب امام الابناء مع استخدام الالفاظ النابية والمزايدة على حضانة الابناء والضرب المبرح من قبل الاب لزوجته او للابن ينتج عنه شخصيات انتقامية تتحين الفرص للانقضاض على اي شخص قريبا كان ام غريب، شخصيات سايكوباثية عدائية للمجتمع الذي يراه الابن المعنف وسيلة لاسترداد كرامته مهما كان الثمن ، بل قد تنقلب الاية ويبدا الابن بتعنيف والديه بنفس الاسلوب بل انه يضعهم على"كرسي الاعتراف"ليذكرهم بالمعاملة السيئة التي تلقاها منهم في طفولته، ودور العجزة ممتلئة لحد التخمة باباء جحدهم ابناءهم لسبب اولاخر.

ان التفكك الاسري بات ظاهرة تغزو مجتمعاتنا وبقوة، وقد ساعدت عدة عوامل لتنامي هذه الظاهرة التي بدات تدق ناقوس الخطر ، منها صديق السوءو الوجه الاخر للنت وللاسف الشديد ان انشغال الناس بالنت طال كل شرائح المجتمع فالاب يقضي ساعات طويلة على النت يصادق فلان ويتواعد مع فلانة وقد يصل الامر به الى ترك بيته والبحث عن زوجة النت التي ارته اجمل ماعندها من اجل التفريط ببيته واسرته، وكذلك الحال بالنسبة للام التي تقضي ساعات طويلة تتسامر مع صديقاتها تاركة البيت راسا على عقب –مع الاستثناء- في حين ان هذه الساعات انما اقتطعتها من رعاية اطفالها وتعليمهم وزرع قيم الفضيلة فيهم وتاهيلهم للحياة.

او قد تلجا الام العاملة الى ترك الاطفال بيد الخادمة يتربون على يديها ويكتسبون منها ثقافتهم لانها الاقرب، فيما يحل السائق محل الاب في اداء الواجبات المنزلية والحياتية للابناء.

من جانب اخر نرى تبادل الادوار وهذه كارثة اخرى فالام تقوم بكل الادوار تعمل داخل وخارج البيت ، تتسوق، تامن مستلزمات البيت، تاخذ الابناء الى الطبيب، تتابعهم في المدرسة، في غياب جسدي ونفسي للاب الذي اما تراه مهملا ، متقاعسا، لامباليا بالحياة الزوجية ، مستسهلا الامور التي رماها على زوجته، او انه قد غاب اصلا وكون حياة اخرى تاركا الجمل بما حمل، او تراه متعسفا ، متحكما، يدس انفه بكل صغيرة وكبيرة ليشبع امراضا نفسية يعاني منها، زارعا الرعب والخوف والنفور بقلوب ابناءه وزوجته، ناهيك عن صراع الثقافات وهو اختلاف المستوى الثقافي والاجتماعي بين الابوين الذي يصنع هوة كبيرة يقع فيها الاطفال ، خصوصا ان الابوين في هذه الحالة كل يجر الحبل لجهته محاولا ابراز نفسه على حساب الاخر، الامر الذي يجعل الصورة مشوهة وضبابية للطفل الذي يجب ان يختار شاء ام ابى وفي نفس الوقت يحاول ارضاء الطرفين ، وهذا يكلفه جهدا وسخطا هو في غنى عنه.

وبكل الاحوال فالابناء ينشئوون ببيئة غير صحية ، حاملين عقدهم معهم للكبر وناقليها بكل امانة لابنائهم ، رافدين المجتمع بعاهات اجتماعية تسهم بهدمه وافشاء ثقافة العنف والاستهتار والتخلف، وقد يصل الامر الى هروب الابناء من المنزل الى الشارع الذي يفتح ذراعيه لتغذيتهم بالرذيلة.

ان الظواهر التي تغزو المجتمع الان جلها نتاج التفكك الاسري وانفصال الزوجين او بقائهما في اتون مستعر من المشاكل التي تاتي ا’كلها على حساب الابناء الاكثر تضررا من هذا الموضوع.

من كل هذا نخلص الى مجموعة من الاراء السليمة الصحية لحياة امنة:

1- ان الاسر والبيوت الامنة يجب ان تقوم دعائمها على الاحترام المتبادل بين الابوين، لكي يشعر الاطفال بهذه العلاقة الحميمة التي تنطبع ايجابا على تصرفاتهم فيما بعد.

2- عدم اثارة المشاكل امام الاطفال ومناقشتها وحلها بعيدا عنهم كي لايدخل الطفل في دوامة القلق والخوف والبحث عن الحضن الامن الذي قد يجده في صديق السوء او في موقع من المواقع الضالة.

3- اشعار الطفل بقيمته كفرد مهم بالاسرة واعطائه الحق بابداء رايه بكل حرية مما يعزز الثقة بنفسه وبمحيطه.

4- تقوية الوازع الاخلاقي بتقوية الوازع الديني لدى الابناء لان "راس الحكمة مخافة الله"، وذلك سيكون له رادعا يبعده عن مسارات الرذيلة.

5- التثقيف التوعوي الذي تتباه المدرسة والاعلام له الاثر القوي والفاعل في تقويم الطفل.

6- استخدام عبارات الشكر والثناء عند القيام بعمل جيد يثاب عليه الطفل.

7- عدم التفريق بين الابناء بذريعة هذا كبير وذاك صغير ، هذا مريض وذاك متعاف، فتربية الابناء يجب ان تاخذ مسارا واحدا ثابتا كي لايشعر الطفل بالغبن والغيرة من اخيه الاصغر او الاكبر ، مايجعله يكره اخاه ويكن له مشاعر الحقد والانتقام، والمجتمع الان ملئ بظاهرة الاخوة الاعداء وللاسف الشديد.

8- حسن اختيار الشريك واخذ الوقت اللازم لذلك لان الزواج قبل كل منظومة اجتماعية يقوم عليها المجتمع.

9- الابتعاد عن ظاهرة الزواج المبكر التي تؤسس اسر غير مكتملة النضج ، غير مسؤولة عن ادارة شؤون الاسرة، لان الابوين في هذه الحالة يفتقدان الوعي والثقافة الاجتماعية لتاسيس الاسرة.

10- الحث على التعليم لان الانسان المتعلم خيرا من الانسان الجاهل، فالثقافة سلاح حصين ضد الجهل الذي هو اس البلاء، والامة المتعلمة خيرا من الامة الجاهلة.

لنربي انفسنا اولا قبل ان نربي ابناءنا لان المربي يجب ان يتحلى بالخلق الكريم والادراك الحسي والوعي اللازم الذي يؤهله لياخذ هذا الدور.

يقول ميتش البوم"يضربعض الاباء عائلاتهم واطفالهم، الشباب كالزجاج النقي يؤثر عليه اي طبع ويعكر صفوه، ويدمر بعض الاباء اطفالهم بطريقة جنونية كالزجاج المحطم الى قطع صغيرة لايمكن اصلاحها".

 

مريم لطفي

 

حاتم حميد محسنحتى الآن بلغ عدد ضحايا كورونا في الولايات المتحدة اكثر من 90 ألف امريكي واكثر من مليون ونصف مصاب، وفي كل يوم تُسجّل اصابة 25 ألف شخص او اكثر. وعلى الرغم من هذا، هناك اندفاع متزايد في عموم البلاد للمطالبة برفع قيود التباعد الاجتماعي. ولايات فلوريدا وويسكونسن وغيرها بدأت التحرك لإعادة  فتح الاقتصاد. معظم خبراء الصحة العامة يؤكدون ان الوقت لازال مبكرا جدا، وان تخفيف القيود سيقود الى تصاعد الاصابات بالعدوى.

العديد من الناس يضغطون لإعادة فتح البلاد وينظرون الى القضية من منظور الحرية. هم يجادلون بان الحجر الصحي واجراءات الحكومة القسرية في الإغلاق يشكل انتهاكا لحقوقهم الفردية في اتخاذ الخيارات المناسبة لهم حول المخاطر الصحية. ان الولايات المتحدة تأسست على فكرة ان الحرية الفردية- للانسان الابيض في ذلك الوقت – هي مقدسة، هذه الحجة وجدت صدى عميقا لدى العديد من المواطنين.

 لكن هناك اكثر من طريقة واحدة لفهم الحرية.اصلاحيو الصحة العامة في انجلترا قبل 150 سنة وجدوا الكثير من الاختلاف. اتجاههم قد يوفر مخططا او برنامج عمل فعال لكيفية المواجهة الفعالة لـفرضية "جسمي، خياري" وحجة مقاومة الحجر الصحي اليوم.

في القرن التاسع عشر، لم يواجه مسؤولو الصحة العامة فقط مرضا معديا واحدا، وانما العديد من الامراض: الحمى القرمزية، الخناق، التيفو، الكوليرا، السل، الجدري، والتي قتلت مجتمعة عشرات الآلاف من الناس كل سنة. الاوبئة كانت شائعة، والاطباء لم يكن بوسعهم وقفها.، اللقاحات كانت متوفرة فقط لمرض واحد وهو الجدري، الاختبارات لم تكن موجودة، ولم تكن هناك علاجات فعالة عدى الراحة والترطيب، وكان لدى الاطباء فهم قليل عن مسببات المرض. في الشطر الاكبر من القرن، كانت النظرية الشهيرة ان المرض نتج عن "بخار سام"، أبخرة غامضة من النباتات المتعفنة والمواد العضوية.

وعبر عدة عقود، ادركت مجموعة من العلماء المبدعين والاطباء ومسؤولو الحكومة ان الانعزال والتعقيم والتعقّب وغيرها من اجراءات الصحة العامة المتعارف عليها الان ربما تقلل من انتشار المرض. علماء امثال روبرت كوخ ولويس باستور طوّرا نظرية الامراض الجرثومية التي بيّنت ان الامراض المعدية نتجت عن ميكروبات انتقلت من شخص الى آخر. هذه الفكرة وفرت الكثير من الدعم للاجراءات التي شجعها الاصلاحيون.

ولكن كما هو الحال اليوم، اقلية هامة من الناس عارضت بقوة، مجادلة ان هذه الاجراءات تنتهك حريتهم. فمثلا، في عام 1890 قدّم 16000 شخص في نوتنغهام طلبا يعارضون فيه العلاج الاجباري في المستشفيات للمرضى المصابين بالعدوى. الطلب وصف العزلة في المستشفى "كسجن يحرم الناس من حقهم في معالجة مرضاهم والمطالبة بموتاهم ". احيانا، المعارضة لمثل هذه الاجراءات تصبح عنيفة. خلال مرض الكوليرا عام 1832، اندلعت اضطرابات في ليفربول ومدن انجليزية اخرى عندما ثار الناس ضد الاطباء ومحاولاتهم نقلهم من بيوتهم الى المستشفيات. الشائعات انتشرت على نطاق واسع تفيد بان المرضى قد يُقتلون وتُشرّح اجسادهم لأغراض البحوث الطبية. حينذاك تشكلت مختلف الجماعات المدنية مثل مؤسسة اليقظة للدفاع عن الحقوق الفردية وجمعية ضد الاكراه. تلك الجماعات عكست طابع القرن التاسع عشر، لكن رؤيتهم لقيت القبول لدى كل من يعارض الحجر الصحي الحالي.

صوت بارز في هذه الحركة كان شارلس بيل تايلور الجراح الشهير في طب العيون من مدينة نوتنغهام. "حكومتنا المحلية اصبحت لعنة" هو كتب في مجلة نوتنغهام عام 1883. "الاثرياء المتطفلون والاكراه المتعجرف تمكنا سرا من إضعاف المؤسسات، ولم يضعا اي شيء للحقوق العادلة والحريات القانونية للناس .. لم يكن هناك شر أكبر من خسارة الحرية، لا شيء يمكنه تعويضها". اللغة ربما تبدو قديمة الطراز، لكن المشاعر مألوفة تماما. استجابة لهذه الاعتراضات العنيفة المساندة للحرية الفردية، طوّر قادة الصحة العامة في لندن وليفربول ومانشستر واماكن اخرى جدالا مضادا قويا. هم ايضا اطّروا جدالهم بعبارات من الحرية – الحرية من المرض. حسب رؤيتهم، لكي نحمي حقوق المواطنين في ان يكونوا احرارا من المرض، فان الحكومات والمسؤولين يحتاجون للسلطة في عزل اولئك المرضى، وتلقيح الناس، واتخاذ خطوات اخرى لتقليل مخاطر الامراض المعدية.

كان من بين اهم المصلحين جورج بوكانان George Buchanan، المسؤول الطبي الرئيسي في انجلترا من عام 1879 الى عام 1892. هو جادل بان المدن والبلدات لديها السلطة لاتخاذ الخطوات الضرورية لضمان الرعاية الصحية المجتمعية. هو ومعه عدد آخر من المصلحين اعتمدوا في حججهم على فكرة طوّرها الفيلسوف الانجليزي جون ستيوارت مل في القرن التاسع عشر، الذي من المفارقة يُعد المدافع القوي عن الحرية الفردية. أعلن (مل) بوضوح عما اسماه "مبدأ الاذى"، والذي يدّعي فيه انه بينما الحرية الفردية هي مقدسة للغاية، لكنها يجب ان تُقيّد عندما تؤذي الاخرين. كتب مل عام 1859 في (حول الحرية)، "الغاية الوحيدة التي تبرر للبشرية التدخل فرديا او جماعيا في حرية وافعال الافراد، هي الحماية الذاتية". اصلاحيو الصحة العامة جادلوا بان مبدأ الاذى منحهم السلطة في  متابعة اهدافهم.

في مقال نُشر في لانسيت عام 1883 يلخص هذه الرؤية بدقة:"نحن لا نستطيع ان نرى اي عنف غير ملائم للحرية الفردية في عمل السلطات الصحية لأجل كامل الجماعة، عندما يتطلب الامر ابلاغهم بوجود مرض خطير على الاخرين. حرية الفرد لاتستلزم مخاطرة للآخرين". المؤلف كتب "الانسان المصاب بمرض الجدري يمتلك الحرية الطبيعية للسفر في تكسي او باص، لكن المجتمع يمتلك الحق الذي يتجاوز حرية الفرد الطبيعية، ويقول له يجب ان لا يقوم بذلك ".

اعتمادا على هذه الحجج وبالاضافة الى العلم الجديد بالمكروبات، فان الاصلاحيين قد انتصروا. من عام 1860 الى 1890، استعملت الحكومة البريطانية والعديد من المدن والبلديات الانجليزية هذا التفسير للحرية لتمرير سلسلة من القوانين تسمح للسلطات لتعقّب والابلاغ عن الامراض المعدية، وعزل الناس ونقلهم الى المستشفيات وفحص وتعقيم بيوت الناس والبنايات الاخرى لضمان مطابقتها للمعايير الصحية.  وبسبب هذه التدخلات، انخفضت نسبة الاصابات بالامراض المعدية في انجلترا. اليوم، قادة الصحة العامة الامريكيون والسياسيون يتجاهلون هذا الاتجاه، بدلا من ذلك، هم بنوا حججهم على الأرقام وبالذات على التصاعد المستمر في الاصابات والوفيات في كوفيد 19. هذا بالتأكيد جواب مقبول وعقلاني. ولكن بالنسبة للبعض، الدعوة الى حماية الحرية الفردية وتحريك الاقتصاد اثناء العملية هو اكثر الحاحا من البيانات والاحصاءات. الناس كان مطلوبا منهم  اتخاذ خيار زائف بين انتعاش اقتصادي سريع وحماية ارواح الامريكيين الأكثر حساسية للمرض . في بلد حيث تكون فيه فكرة الحرية مقدسة، يجب ان تسود الحجة المقنعة بان اختزال الحريات الفردية احيانا ضروري لضمان الحرية لكل فرد.

خلال بضعة اشهر، اضيف كوفيد 19 الى امراض مثل الحمى القرمزية والخناق والكوليرا كمثال على التهديد الذي يتطلب التخلي عن نوع من الحرية لكي يتمتع الناس في كل مكان بحقوقهم بالصحة. الامراض المعدية والقاتلة حتى الان لايمكن معالجتها او التلقيح ضدها.اولئك الذين يريدون تجاهل الابتعاد الاجتماعي، ويزدرون الاقنعة ويزدحمون في الاسواق وعلى السواحل ربما يدافعون عن الحرية الفردية، لكنهم ايضا وبلاشك يتسببون بالضرر لحرية الالاف من الناس الآخرين.

الحرية بالنهاية مفهوم مرن، وحرية الناس بالتأكيد تتضمن فرصة تقليل الخطورة الجماعية للموت العشوائي على نطاق واسع .

 

حاتم حميد محسن

 

 

إن الوعي بمدى قيمة الإنسان الذي يعتبر فاعلا رئيسيا في المنظومة الخاصة بالتنمية الشاملة، يدفعنا إلى التفكير مليا بكل ما يحيط به من تعليم عالي الجودة ورعاية صحية وسكن ملائم، إلخ. إيمانا بأن الوسط الملائم هو ما يعزز مكانة الإنسان داخل المجتمع ودفع به نحو التفكير والابداع كغاية قصوى يحتاجها أي مجتمع يطمح لتغيير والاصلاح عبر التركيز على أولويات المجتمع التي ترتكز أساسا على هذا العنصر البشري، فهو المورد أو البئر الذي يجدرا خراج كل ما بجعبته من طاقات تعود نفعا عليه وعلى مجتمعه.   فالناس هم من عليهم أن يقرروا نوع التغير واصلاح  وليست الحكومة أو ما شابه ذلك. فما هو اذن دور الانسان في التنمية؟ وماهي الاجراءات الكفيلة لتأسيس لغد أفضل؟

الانسان كفاعل أساسي في التنمية

إن هذا التفكير الذكي لا يفكر به إلا المجتمع الذكي، أو المجتمع الذي أحس أخيرا أن لا تنمية بدون إنسان تتوفر فيه الشروط الكفيلة بالخلق والابتكار، إنسان متحرر بأفكاره، وبهذا أصبحنا أمام معادلة صحيحة صادقة، وهي أن التنمية البشرية تساوي تنمية المجتمع. فالفرد هو من يبني وهو من يهدم وتتوقف عليه هذه المهمة التي نراهن عليها بالنجاح إن أحسنا سياسة التعامل معه كمنتج لا كمستهلك، وتعزيز طاقاته، وذلك عبر ترك له حيزا أو هامشا من التحرك. ولا يجب أن نضيق على هذا الكائن المبدع ونحسر ممارساته. وعليه، فإن هذا التأخر الذي يلاحق الإنسان ويغفل دوره في الدفع بعجلة التنمية انتهى عهده. فما تفرضه حاجات المجتمع من اهتمام أكثر فأكثر به أضعاف المرات من أي شيء أخر وتدارك التأخر الذي به نؤهل إلى مرحلة أكثر نضجا تبين عن وعي المجتمع، أو بعبارة أخرى، عن مجتمع أضحى يسير على المنوال الصحيح. وهنا تقتضي الضرورة التكلم عن التفوق الإنساني. فالإنسان اليوم قادر على تحقيق المعجزات وتحقيق النجاحات التي تغير مجرى أوضاع كثيرة كان يصعب تصورها في عصور سابقة. لهذا، يستحق الإنسان العناية الكافية للاستفادة من خبراته المحفزة بشكل كبير للبرامج والمشاريع التنموية، ونتذكر باستمرار أن التنمية لا تنحصر في المعادلات الاحصائية الرقمية، وإنما في تنمية اجتماعية تحقق لا محاله تنمية للمجتمع بأكمله، وازدهار لكل مجالاته الاقتصادية والسياسية  والاجتماعية ,البيئية ....)، لأن بغياب العنصر البشري تغيب كل الجهود وتفقد كل الخطوات الفعالة سبيل النجاح. لهذا، تجدر الاستفادة من قدراته اللامحدودة بشكل معقلن وبلورتها بما يفيد المجتمع، وأن تصب الجهود في اتجاه البحث عن ما يفجر في هذا الانسان الفعل كغاية عظمى لتحقيق التقدم والتنمية المراد إنجازه. فالإنسان بتدخلاته واقتراحاته  يساهم بوجه أو بأخر في خلخلة كل ما يراه معوقا وإعادة البناء المثمر عن طريق رؤية واضحة لا تتجاوز المعقول والممكن. ان التحدي الكبير الذي يحكم واقعنا هو عدم الثقة بكفاءات بلادنا، على الرغم من أن الإنسان هو الجوهر الأساسي في رقي أي مجتمع وفي اصلاح أعطابه، وخير دليل ما شاهدناه في دول كثيرة عانت من الحروب ولم تجد أمامها سوى العامل البشري للوقوف من جديد على أقدامها، والذي ساهم أيضا في تغيير المخططات السلبية التي كانت تعاني منها الدول على المستوى التدبير السياسي والاقتصادي.

الإجراءات المقترحة في هذا الباب للتأسيس لغد أفضل

يعد الإنسان بالفعل الفاعل الأساسي في التغيير الاجتماعي والقادر على إحداث مجموعة من التغيرات في القيم. فالإنسان المنتقد الأول والأخير للأوضاع والملح على تغييرها. وبالتالي، هذه الارادة والدافعية التي يكشف عنها في ثنايا خطاباته تستحق الأخذ بها، كما يستحق أن يعيش في الظروف التي تشعره بالرضا. ومن الأفكار التي أراها معززة لذلك، وهي كثرة المنابر التي تنصت إلى الفرد، لأن الفرد في الحاجة الى أذان صاغية لا أفواه جارحة أو أحكام لاذعة. وأيضا في الحاجة أن نعزز القيام بتجارب دون خوف من فشلها، فالمهم هو أن نشجع المبادرات المرفوقة بتحفيز ولو بشكل بسيط، كاعتراف بمجهوداتها، وانشاء جماعات مهنية بعيدة عن الممارسة السياسية التي تقيد الفكر وتحصره في اتجاه واحد. أيضا انشاء قاعدة علمية متميزة لكافة الباحثين والعاملين في مجالات الفكر العلمي المختلفة وتقديم المشورة الفاعلة لمتخدي القرار، لأن البرامج التنموية عليها أن تقيس مكامن الاختلالات التي يثيرها الأفراد، وبنفس القدر عليها إشراكه في تفعيلها شبابا كانوا أو نساء أو حتى شيوخ كل بحسب مقدوره وخبراته التي عاينها، والتي حان الوقت لتأخذ بنوع من الجدية بدون تفضيل ذلك، لأننا في صلب الحديث عن الرأسمال البشري وهو يشمل مختلف الفئات والأعمار ولأننا نؤمن بقيمته ونرى فيه الحجر الأساس لأي عمل متين، واللبنة الأساسية لبناء مجتمع الغد. لهذا، نشدد أن على أي استثمار أن يصب في هذا الاتجاه، الذي من خلاله سيتسنى لنا استغلال قدراته على الأداء وتوفيرها بالشكل الاستراتيجي لتحقيق كافة الطموحات.  فالقادة الحقيقين  المرتبطين بروح الشعب ومشاعره يدركون ادراكا غريزيا أن التنمية لا يمكن أن تتم بقرار فوقي يفرض على الجماهير من  أعلى ويتجاهل احتياجاتهم وعاداتهم وتقاليدهم.  لهذا تقتضي الضرورة طرح سؤال لمن التنمية عند أخد أي بادرة .والتقيد بمجموعة من الاجراءات التي يمكن أن تصب سواء على المستوى الجهوي أو الوطني :

- الاستثمار الأمثل للموارد البشرية, ودعم الكفاءات.

- الموازنة بين الرقابة على المشاريع التنموية التي تنجزها فئة الشباب واستقلالها الوظيفي في العمل.

- اذكاء بوادر الفعل في الاطفال منذ الصغر من خلال ترك لهم حيز مهم  لتحرك في فضاءاتهم بدأ من الأسرة  ثم المدرسة ...باعتبارهم هم  حاملي المشعل مستقبلا.

- استفادة من كبار السن والتجارب التي راكموها عبر جعل دار المسنين  رافدة  من الروافد لفتح نقاشات تعج بأفكار ذهبية  وورشة من ورشات تكوين الشباب ونقل الخبرات لهم ,فوحده الشعور بالعطل هو من يقتل النفس ويميتها .

-  دعم البحوث الميدانية الجماعية في المناطق المعزولة البعيدة عن الخدمات الحديثة ومحاولة ادماجها ضمن مجتمع واحد من خلال برمجة مشاريع تؤخذ فيها أراءهم  للقضاء على  التفاوتات وكل نماذج التخلف التي تعيق تنمية المجتمع .

- الابتعاد عن المعايير الظرفية التي تصلح لحالات دون أخرى وتركيز الجهود على الانسان كأهم استثمار يمكن أن يستثمر فيه المجتمع خاصة في زمن بدأت تطل فيه علينا خصوصيات غير خصوصياتنا التي تأثر سلبا على صورة مجتمعنا .

وأخيرا إن هذا الايمان بالإنسان كمصدر للفعل وذات فاعلة، هو ما سيعطي دفعة قوية لكل الانجازات التي تتعطش لها أي تنمية. كما نضع في الحسبان أنه كلما ارتفعت فرصهم من تحقيق الأهداف المساهمة في بناء المجتمع تقلصت إمكانية خرقهم للقواعد، وبهذا نحقق التماسك الاجتماعي، كما أنه يكون للمجتمع الفاعلين الحقيقيين الذين يحملون قيم الوفاء له.

 

الباحثة شيماء التائب

تخصص سوسيولوجيا التنمية المحلية

 

 

 

جمال العتابيبيت الحكمة العراقي.. المعنى والبديل!

أجد في وضوح الأهداف التي حددها القانون رقم (١١) لسنة ١٩٩٥ لبيت الحكمة العراقي، مايبرر العديد من الأسئلة التي يطرحها  المتصدي لهذه التجربة، وهو يتتبع عوامل نجاحها، أو إخفاقها، في مرحلتين، قبل وبعد عام الإحتلال ٢٠٠٣. وأول تلك الأسئلة يتعلق بمعنى التأسيس، فهل ورد في عقل المؤسسين ما يتطلب تجديده في الثقافة وغاياتها وطرائق نشرها؟ وما محرك هذا التحول؟ إذا كان وارداً في الحسبان الوعي التخطيطي الثقافي، المدعم بالإحصاءات الدقيقة في حساب النتائج ومردودها الفعلي على هذا الواقع.

على وفق هذه المسلمات، هل بالإمكان القول ان (فكرة) تأسيس بيت الحكمة العراقي جاءت منسجمة مع تلك الأغراض.؟ أم ان هناك نوايا ومتبنيات أخرى (غير الثقافية)، كانت هي الأرجح في الأسباب الموجبة للتأسيس؟

إن قيمة بيت الحكمة تكمن في المعنى الذي يحمله تاريخياً وحضاريا، فالقانون أشار الى الغاية من تأسيسه، وهي إحياء بيت الحكمة العباسي، أو كما يسمى في حينها، خزانة بيت الحكمة الذي أسسه الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور في بغداد، وأكمل رعايته حفيده هارون الرشيد، ومن بين الأهداف، العناية بالبحوث والدراسات المهتمة بتاريخ العراق والحضارة العربية والإسلامية، وحسب موقع بيت الحكمة الالكتروني، انه يعنى بإرساء منهج الحوار بين الثقافات والأديان، وإشاعة ثقافة السلام والحوار، وقيم التسامح الديني والتعايش بين الأفراد والجماعات.

بتقديري ان ما تمتع به بيت الحكمة من إمتيازات إستثنائية، ودعم حكومي بلا حدود، يفوق بكثير  ما توفر لمؤسسات أكاديمية وعلمية مماثلة، في المرحلتين اللتين أشرنا اليهما، كالمجمع العلمي مثلاً، والتي كانت تعاني من شحة الموارد المالية، بسبب ظروف الحصار الاقتصادي المفروض على العراق، فتراجعت تلك المؤسسات عن أداء دورها وتحقيق مهماتها العلمية والفكرية.

إن هذ التباين في الدعم الحكومي، هو ما يدعونا للسؤال عن مغزى إحتضان مؤسسة دون أخرى، وفي ذاكرتنا أمثلة كثيرة للإجابة، وفي العهدين تعددت أقسام بيت الحكمة في مختلف الإختصاصات، وتضخم كادره الوظيفي، ومن الإنصاف القول انه أصدر عدداً كبيراً من المجلات والدوريات والكتب، ونظّم حلقات دراسية نقاشية، وندوات ومؤتمرات بفضل الدعم الحكومي، وعلى الرغم من تعرضه للنهب والحرق والعبث بكل موجوداته بعد الإحتلال في نيسان ٢٠٠٣، إلا ان بيت الحكمة إستطاع النهوض من جديد بحملة إعمار وترميم، أعادت له الحياة والإستمرار بذات النهج والأهداف.

شهدت مرحلة التأسيس الأولى ركوداً ثقافياً ، وخراباً مريعاً في المؤسسات الأكاديمية والتعليمية، وهي حقيقة لا تغيب عن الأنظار، وأسهمت الدكتاتورية بدرجات متفاوتة بصنع ماكنتها القمعية للثقافة، وإشاعة نمط الثقافة الشمولية، جرت بإسم الحفاظ على التراث والخصوصية، وفرض الوصاية على القيم الثقافية، ومصادرة حرية الرأي وإنتهاك الحقوق، ولا يقتصر هذا الوضع المتردي على حركة الإنتاج الفكري عموما، بل إمتد في الأثر على الجسم الثقافي وأدواته،  فتحول بعض المثقفين الى وجه آخر للسلطة  أو صنيعة لها.

وفي ضوء ذلك، يمكننا القول ان بيت الحكمة لم يكن مشروعاً ثقافياً، وفق أهدافه المعلنة والمنصوص عليها في القانون، إنما كان مشروعاً دعائياً، أو واجهة سياسية عبر الفعل الثقافي، وأجادت السلطة بمهارة فائقة وسط تيه من التناقضات  وتضخم المشكلات، من إسناد الدور لقيادات حزبية في المؤسسة الثقافية، وهي أسماء لها حضورها المميز والمهم في الساحة الابداعية. فهو لا يختلف  بالغايات المضمرة، عن مشاريع بناء أكبر الجوامع في بغداد، وأضخم القصور فيها في فترة الحصار، في حين ظل المثقف العراقي يمتلك صوته الخافت، يعاني من وجع الحروب والموت والحصار، والخوف من زنازين الإعتقال، يعاني الإحباط وتكسر الأحلام والجوع، وراح أغلبهم يعرضون مكتباتهم للبيع والبحث عن مصدر للعيش على دكات وأرصفة المدن الغريبة. هؤلاء كان لهم صوتهم الخافت، رغم أحقية وجودهم وصحة منطلقاتهم، ويتسق مع هذا الوضع حالة الإستياء العام من إستبداد الدولة، خصوصا عندما تتراكم أخطاؤها الفادحة وخساراتها المتلاحقة، بما جعل منها هدفاً لسخط شعبي مكتوم.

السؤال الأهم، هل أستطاعت إدارة بيت الحكمة الجديدة، من تجاوز آثار الخراب الثقافي؟  وتحويل المشروع  الى بنية تابعة للثقافة ما بعد ٢٠٠٣؟ ، بنمطٍ جديد من مستوى التفكير والسلوك، وأساليب جديدة لثقافة تحافظ على مسافة بينها وبين الحكومة، وتبتعد عن آليات التدجين التي غالباً ما تمارسها السلطة. أم أن ذاك النهج مابرح لم  يغادر  واقع الأداء؟ ويترك ظلاله القاتمة عليه، بفرض عناصر حزبية أو موالية لإتجاه حزبي محدد ، غير مؤهلة علميا للإضطلاع بهذا الدور، إنما تعمل وفق ولاءاتها وإنتماءتها الدينية أوالطائفية، وتابواتها الثقافية، لتمارس تدخلاتها في الميدان المعرفي، وإحتكار النشاط الثقافي، وتغلق الأبواب أمام ولادة مشاريع ثقافية برؤى مختلفة.

واقع الحال يشير الى ان  بعض هذه المخاوف حصلت بالفعل! أتساءل هنا على سبيل المثال : ما معنى إقامة ( ندوة عن شأن عراقي)  في دولة المغرب مثلاً ؟؟ لا أعتقد ان الإجابة على السؤال تحتاج إلى شطارة في البحث عن السبب ذي المصلحة الشخصية الضيقة جدا، في تحقيق إمتيازات إيفاد الموظف الحكومي!!

بينما كان الوسط الثقافي يتطلع الي كيان جديد يتلمس فيه حيوية ونبض الضمير العراقي في رصد التحولات والظواهر الثقافية، فهل إستطاع بيت الحكمة من أن يتجه في الدرب المعرفي الأصيل المتنور؟ وبصيغة أخرى، هل تمكّن من أن يسد فراغاَ ثقافياً وفكرياً في الساحة الثقافية، وأن يكون منبراً للآراء والأفكار الحرة؟ الوقائع تشير خلاف ذلك! فالإدارات لم تتجرد من الهوى وتتحرر من نزعات الإستئثار، مازال ذات الإيقاع فاعلاً ومؤثراً، لم يتجاوز عوامل النكوص والإنكفاء. وبعد ربع قرن من التأسيس، لم يخلق بيت الحكمة خطابه الثقافي الجديد القائم على أخلاقيات جديدة من الحوار النقدي، أو صياغة أسئلة جديدة في الفكر والثقافة.وإختلاف الرؤى يدعونا الى أن نحذر التعميم في وضع الحلول، ويدعونا الحرص على ان لا نلقي العبء على طرف دون ذاك، لأن توسيع القاعدة الثقافية يستلزم إتاحة الفرصة لمن يمثل الأجيال الجديدة، في البحث عن بديل جديد يأخذ بهذه المهمات، ولنا في تجربة مصر الثقافية والمجلس الاعلى للثقافة فيها، مثلاً متقدما كنموذج في النهوض الثقافي، ولاسيما في فترة الستينات والسبعينات.

من هنا تبدو الحاجة للمراجعة ماثلة بقوة  وبإلحاح، بشرط ان تكون مخلصة وواعية، دون تردد في نقد الماضي بمستوياته كافة، إنطلاقا من غنى الأفكار وتنوع الأساليب وتعدد المنطلقات، وأول شروط هذا الجهد، هي العودة بالأرقام والإحصائيات الى المتحقق والمنجز، لا الكمي، إنما النوعي، بمعنى أن تكون المؤسسة بصفتها الفاعلة شريكاً في الحياة الثقافية والعامة، وأن يسمح للثقافة بصفتها المعرفية بالتدفق الحر، وتأصيل القيم الجمالية، ان دور المؤسسات ومراكز البحوث في العالم يقوم على ستراتيجيات بعيدة المدى، تقاوم ما هو سائد مهيمن وجامد متخلف، وتسعى للتغيير والتجديد والتنوير والتجاوز المتصل. وغالبا ماتكون في غنى عن السياسات الحكومية المكبلة لحريتها والمقيدة لنشاطها، لا أن تكون تابعة لها، محصورة خلف هيمنة أيديولوجيا السلطة وأحزابها، تكتفي بالإمتيازات الخاصة على حساب المشروع الثقافي.

والضرورة تقتضي كذلك مراجعة إصدارات بيت الحكمة (الكتب والمجلات)، والإفادة من تجارب دور النشر العربية في إختيار العناوين والموضوعات المهتمة بآخر التحولات والمتغيرات  الفكرية والسياسية في العالم، بمختلف الإتجاهات والرؤى المستقبلية، والإنفتاح على تجليات الإبداع والكتابة على أنواعها، ان الثقافة لاتتحدث في العادة بصوت واحد،  بل هناك خلافات وتعددية حول أغلب القضايا الإنسانية، وتهتم دور النشر عادة بالشكل في صناعة الكتاب، وتعتني بالإخراج الفني(التصميم، اللون، الحرف) وغالبا ما تبتعد عن الرتابة والجمود لتحقق نقلة نوعية في الشكل والمضمون وهي إحدى أهم متطلبات تسويق الكتاب ونجاحه، إن (س) من دور النشر العربيةبإمكانه إصدار عشرات الكتب سنويا، بمواصفات فنية عالية الجودة، وبمهارات بشرية بسيطة ومتواضعة،لا ترقى إلى إمكانات بيت الحكمة المادية الذي ظل عاجزاً من تحقيق الشرط الجمالي في إصداراته، وغياب هوية المطبوع فنياً.

المتابع لأجنحة معارض الكتب يشعر بالأسف الشديد امام المستوى المتواضع جداً في إصدارات بيت الحكمة ، وهو يقارنها مع تفوق إنتاج دور النشر  الأخرى، ودونما اية صعوبة في التمييز، يجد المرء مسافة بعيدة تفصل بين الأثنين.  لذا أدعو المعنيين بهذه المهمة، أن يطلعوا على تجارب دور النشر، على الأقل العربية منها، ويتعلموا، ويطوروا مهاراتهم بالدراسة، والإنفتاح على منجزات صناعة الكتاب الحديثة في العالم.

إن تساؤلاتنا المشروعة عن حاضر ومستقبل بيت الحكمة هي محاولة، أو بادرة تمهد الطريق لدور أفضل، لا أن تكون مجرد رمي حجارة في مياه راكدة.

 

جمال العتّابي

 

 

عصمت نصارلمّا كان السؤال هو المُحرض الأول لإخراج الفلسفة والعلم من رحم العقل، فقد بات لزاماً على المجددين الإجابة عن الأسئلة المطروحة حيال هذه القضية، ألا وهى لماذا نتعلم؟ كيف نتعلم؟ ماذا نتعلم؟

وقد تعددت إجابات التربويين تبعاً لتطور الثقافات ووجهة الذين تصدوا لهذه القضية، فعن السؤال الأول ذهب المثاليون إلى أن التعلم غاية في ذاته؛ لأنه زاد التفكير المميز للإنسان عن غيره من الموجودات، ومنهم من نزع إلى أن التعلم أداة الإدراك والوعي الذي يكشف عن هويّة الأنا الإنسانية العاقلة؛ فبدونه يعجز الإنسان عن العيش في هذه الحياة، حيث التّعرف على الموجودات من حوله والتمييز بينها ثم إدراك ذاته بعد تأملها.

وتطورت الإجابات تبعاً لتفاعل ذلك الكائن العاقل المتعلم مع مدركاته من جهة والواقع المعيش من جهة أخرى.

فلم يصبح التعلم مصباحاً لإزاحة ظلمة الجهل التي تحول بين العقل والمعرفة، فراح التربويون يوضحون أن الغاية من تحصيل المعارف هو التطلع إلى الكشف عن المجهول وفضح المستور وتفسير الغامض، واستشراف المستقبل، وإعادة بناء الواقع والتحكم في المألوف وهدم الثابت وخلق عوالم بديلة والبرهنة على سيادة الأنا المفكرة وقدرتها على التفكيك والهدم وإعادة البناء.

أما السؤال الثاني: فلم تتباين إجابات التربويين إلى درجة الاختلاف بل جاءت لتتكامل وتتأزر، فقد انصبت حول ألية التعلم وكيفية الإدراك وتحصيل المعارف المختلفة وتنظيمها وحفظها ثم استدعائها ومراجعتها، فذهب البعض إلى إننا نتعلم عن طريق التذكر، أو الإلهام من قوة خارجية في حين أكد التربويون أن التعلم يحدث عن طريق التواصل مع الآخر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، فالبحث الذاتي المتطلع لإدراك البيئة أو الوجود هو الذي يزودنا بخبراتٍ تمكننا من اقتحام المجهول وتنقل أذهاننا من مقام الجهل والغموض إلى المعرفة والوضوح، فالتجربة والممارسة هي الآلية الأولى المباشرة للتعلم، ثم يأتي التواصل غير المباشر مع المعرفة وهو المتمثل في التواصل مع الأغيار بالإخبار والتلقين ثم الحفظ إلى أن يصل العقل لدرجة الوعي وتصنيف المعارف.

وسرعان ما تمرّد الفلاسفة والعلماء على تلك الكيفية وبينوا إننا نتعلم عن طريق الاستنباط والتحليل المنطقي والاستدلال الجامع بين العقل والتجربة والنقد الذي يغربل المعارف ويقيّمها ويصنفها إلى مسلمات ويقينيات ويميز بين الجائز والمحتمل والمستحيل والعلمي والخرافي وما ينبغي الشك فيه ونقله من درجة الظن إلى درجة المجهول أو الغير معقول والغيبي والمتخيل والشعور الزائف.

ومع تطور المعارف والمناهج المعاصرة راح التربويون يبحثون عن ألية أو منهج لحماية العقل من التدليس والكذب والشك المرضي، بالإضافة إلي الأمراض التي تصيب العقل فتقعده عن القيام بمهامه، وعلى الجانب الآخر نجد بعض العلماء يبحثون عن آليات لتطوير التفكير البشري وتقوية ملكاته واستحداث آليات للتواصل وإعادة قراءة الركام المعرفي الموروث والاستعانة بالعوالم الافتراضية لقراءة خزانة العقل ومعرفة خبايا الحواس الداخلية، واستنطاق ما يرفض العقل البوح به أو الإفصاح عنه مكنون النفس.

وتأتي الإجابات عن السؤال الثالث : ماذا نعرف؟ فعلى الرغم من اختلاف إجابات التربويين الظاهر فأنهم قد اتفقوا في الحقيقة على أن الإنسان يتطلع إلي معرفة كل ما يثير فضوله ودهشته، ذلك المعيار الذي يفصل بين الثقافات والحضارات ويميز بين الجاهل والأمي والأحمق، والفيلسوف والعالم والمخترع، ويوضّح كذلك المعيار الذي تنظم بمقتضاه أهمية المعارف ومدى صلاحيتها وسلطة وقوة تأثيرها على العقل ومدى فاعليتها في رحلة التقدّم إلي الأمام أو التراجع إلي الخلف أو الجمود أو التعصب أو التطرف أو المجون أو الولاء أو الاغتراب وغير ذلك من مقاصد ومألات ومشاعر ونزاعات ونفور وإنعزالات.

ويبدو أن مفكرنا "حسين المرصفي" قد اضطلع على تلك الإجابات التي لفظها الفلاسفة والعلماء التربويون في الأحقاب والثقافات المتباينة على مرّ التاريخ. ولما كان مفكرنا ملتزم بالنسقية والموضوعية، فقد نظر إلي فلسفة التعلم على إنها مشروع استثماري لا غنى عنه لبناء الإنسان لتقويم سلوكه من جهة، وتأهليه ليصبح مواطناً صالحاً لخدمة مجتمعه والعمل على تقدُّمه من جهة أخرى.

فالعلم عنده ليس نافعاً في ذاته بل أن قيمته تحدد بمدى إثماره، شأنه في ذلك شأن الفلاسفة العمليين، فطالما ردد مقولة "أبي حامد الغزالي" (العلم بلا عمل لا يكون، والعمل بلا علم ضرب من الجنون).

وقد اتفق مع معظم التربويين على أن الغاية من التعليم لا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق تفعيل المنهج الناقد في وضع متطلبات مهنة المعلم والمتعلم من حيث مستواه المعرفي واستعداده الذهني والتزامه الأخلاقي، فوضّح أن المعلم هو الآلية الغير مباشرة لتمكين الذهن من إدراك المعارف وأن أثر أسلوبه ونهجه وخصاله المهنية والشخصية لا يمكن إغفالها كمعيار انتقاء المعلمين، الذين يؤثرون تأثيراً مباشراً على المتعلمين وأن خبرتهم هي التي تمكنهم من التواصل الجيد مع طلاب العلم فيحببونهم في تحصيل المعارف أو ينفرونهم منها وهي التي تمكنه من التعرف على قدرات التلاميذ الذهنية ومدى صلاحيتها لاستقبال المعارف النظريّة أو العملية، وكذا استلهام الملكات وتنميتها وتقوية المهارات الفردية في شتى شئون الحياة .

ويقول عن أهمية المعلم:

"أنه إنسان أكملته التربية يحاول أن ينقل صورته ونظام أحواله إلي غيره، ليكون خلفاً منه؛ فإن لم يكن وهو غير كائن فإن أمر التربية مهمل، والناس متروكون للصدفة وكيف لا وليس لأحد فكر في معنى الوطنية والحماية والإنسانية، إذ غاية الواحد أنه متردد بقائد الضرورة وسائق الحاجة في تحصيل ما يعيش به ويمسك رمقه وقد رسخ في طبعه حب النزاع والاستلاب والاغتصاب والاختطاف والاستئثار وقهر الغير والاستيلاء وغير ذلك من الرذائل، وإنما يصده عن ذلك ما قام به البعض، بدلالة هذه العدوانات من الضبط وكف الناس عنها".

وحريُّ بنا أن نتسأل : هل يمكننا تفعيل المنهج التربوي المعاصر في اختيار متطلبات المعلم وأخلاقيات المهنة في معاهدنا التعليمية ومدارسنا وجامعتنا، وفي منابرنا الثقافية أيضاً، التي أضحت مستنقع عميق للجهلاء والحمقى والمتعالمين؟!

رسالة المعلم وآداب المهنة:

ويواصل "حسين المرصفي" حديثه عن قضايا التعليم، فنجده يؤكد على أمريّن أساسييّن أولهما ضرورة تدقيق القائمين على إدارة العملية التعليمية في اختيار ما يصلح لاحتراف مهنة التعليم من خريجي المعاهد والكليات المختلفة، فالشهادة وحدها لا تكفي لذلك، وفي رأيه يجب إعداد المتقدّمين لهذه الوظيفة وتأهليهم منهجيًا وتربويًا وأخلاقيًا تبعًا للمعايير التي وضعها كبار التربويين في الحضارة الإسلامية أولًا ثم الحضارة الغربية وتعويدهم كذلك على الالتزام بأخلاقيات المهنة؛ وذلك لأن شخصية المعلم لها عظيم الأثر في وجدان وتشكيل أذهان المتعلمين ولاسيّما في المراحل الأولى من سن التّعلم.

أمَّا الأمر الثاني فهو يختص بضرورة تنمية شعور الولاء والانتماء في وجدان المعلمين، وذلك لنقله للمتعلمين متبوعًا بثوابت ثقافة الوطن، والمبادئ والأسس التي تحمي الطلاب من الجموح والجنوح والاغتراب، وتبث فيهم في الوقت نفسه أداب الحوار والنقد والمعارضة وفهم ما يتلقونه قبل حفظه وتطبيقه.

ذلك بالإضافة إلى تبصير المتعلمين بالرسالة التي سوف تقع على كاهلهم، والمسئولية التي سوف يحملونها تجاه وطنهم، المتمثلة في محاربة الجهل والخرافة والتخلف، والفاسد من العادات والقبيح من الأقوال والتصرفات، وتنوير العقول وتخليص الأذهان وتحريرها من المعارف الموروثة التي تتعارض مع العلم وصحيح الدين؛ الأمر الذي يجعل من المدارس ودور العلم أداة لتطوير المجتمع وارتقاءه، والعمل على سلامة الأمة، والدفاع عنها ضد كل ما يسئ إليها في الداخل أو الخارج، ويقول " إذ تكون همتهم - أي المتعلمين - أن يسعوا بين الناس بتعريف منافعهم، وأسباب كثرة الخير فيهم محتالين بما أودع الله فيهم من حسن نظر ورقة إدراك لمنع انتشار الخلال السيئة، والمبادرة بمحو ما اختلسته الطباع منها، وحين ذلك تدر عليهم الأرزاق وتنبسط فيهم النعم ... فعلى ذوي البصائر أن يستأنفوا النظر ويشتدوا في البحث والتفتيش عن رجال أذكياء فضلاء تصرفت بهم الأيام وتقلبت عليهم الأحوال ونظروها نظر اعتبار، فاستحسنوا واستقبحوا وأخذوا وتركوا وظهر للناس جودة اختياريهم؛ ليسلموهم هذه الخطة - أي خطة التربية - ليستأنفوا عملًا جديدًا، ويسعوا فيه سعيًا حميدًا بملاحظات دائمة وأعمال مستمرة".

ويحذر مفكرنا من اضطراب الأسس والمبادئ والمعايير التي بمقتضاها يتم إعداد المعلمين، فإنّ أي اضطراب أو تغيّر عشوائي في متطلبات المهنة والأخلاق الضرورية لتلك الوظيفة سوف يؤثر تأثيرًا مباشرًا بالسلب على العملية التعليمية برمتها، ومن ثم يجب دراسة القائمين على التعليم في مصر لمقاصد العملية التعليمية وتزويد المعلمين بها بجانب المناهج الحديثة لتوصيل ما في الخطة التعليمية من معارف وقيم للطلاب بمختلف مراحلهم الدراسية.

وعلى المعلم أن يتعرَّف على طلابه وميولهم وقدراتهم الذهنية وينتخب الطريقة أو الأسلوب الأمثل للتواصل معهم، ويقول في ذلك : "إن الإنسان الذي يراد تربيته تربية عقلية فكرية يجب أن يكون إنسانًا فيه العلامات الدالة على حدة ذكائه وشدّة فطنته ليحفظ كثيرًا ويتذكر سريعًا ويدرك من الإشارة ما يفهم بالعبارة، فإنه يُرَبَى على أن يكلف ضبط كثير من الأعمال ومالها من الثمرات، وكيف تتفاوت في الجودة والرداءة، وكيف يعرض فيها الخطأ وتمضي بها الإصابة، ويقال إن بعض الناس المعلمين يرصدون الإنسان المتعلم، حتى يدركوا رهبته في أي شيء ويعرفوا ميله إلى أي عمل، وعند ذلك يقصرونه عليه، ويساعدونه على إتمامه وذلك إن صح يكون عملًا مفيدًا يجب أن يعمله جميع المعلمين، حتى يتقرّر ذلك الفن الذي يمكن أن يبني عليه ابتداء العمل في تربية الإنسان، دون إضاعة زمن من زمن التعلم طال أو قصر حتى تدرك رغبته ويعرف ميله".

ومع اعتراف "حسين المرصفي" بأن العقل الإنساني هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس؛ فإنه يؤكد أن لكل عقل ميوله ومواطن إبداعاته التي تميزه عن أي عقل أخر، ويتضح ذلك في تفاوت استجابة بعض المتعلمين للمعارف النظرية الأدبية دون المعارف العلمية التجريبية والرياضية والعكس صحيح، الأمر الذي دفعه إلى ضرورة تعدد المدارس التعليمية على نحو يمكنها من استيعاب الميول الطبيعية لأذهان النشأ، فهناك من طلاب العلم من ينبُغ في الأعمال الحرفية من صناعات وإنشاءات لا تحتاج لحشو المقررات العلمية أو الأدبية إلا بقدرٍ قليل، الأمر الذي يستلزم وضع مناهج خاصّة تمكن مثل هؤلاء من تطوير وتحديث المعارف الخاصّة بحرفهم أو فنونهم وذلك في المراحل المبكرة.

ويضيف "المرصفي" أن التعرّف على هذه المواهب ليس بالأمر العسير، إذا ما سلك المعلم نهجًا يمكنه من اختبار القدرة الذهنية للمتعلمين، فيبدأ بالتلقين ثم بشرح المبادئ الكلية دون الخوض في التفاصيل الجزئية.

ثم تبصير المتعلم بخصائص الفن أو العلم الذي يريد تعليمه إيّاه وذلك على نحو بسيط ومرتب ودقيق في آن واحد، أما الخوض في التفاصيل واستعراض الآراء حول المسألة الواحدة تجهد ذهن الطالب المبتدئ وتنفره من التعليم، "إن النفس متى نفرت كان قسرها على التعلم عبثًا أو أقبح من العبث، فأنه لا يتهيأ لها قبول ولا يؤمل منها إدراك".

ثم ينتقل "المرصفي" إلى الحديث عن أليات توجيه المعلم للطلاب وكيفية تقويمهم فبيّن أن أسلوب الشتم والسب أو العنف والقهر يتعارض تمامًا مع رسالة المعلم من جهة وأخلاقيات المهنة من جهة ثانية والمقصد الرئيس من العملية التعليمية والتربوية من جهة ثالثة، وذلك لأن مثل هذه التصرفات تعد انتهاكاً لكرامة المتعلم وتولد فيه صفة الجُبن عن دفع الضرر أو الإساءة، وتدفعه إلى العنف في آن واحد مع الأغيار وكراهية العملية التعليمية والمدرسة والمعلم.

ويقول في ذلك "هذا أول فصل من فصول الشقاوة وأكبرها، يجب على الناس اجتنابه والتحاشي بالكلية عن التلوث بمخامرة شيء منه، والاجتهاد كل الاجتهاد في تحصيل مقابله الذي هو أصل من أصول السعادة، وهو تنقية الألفاظ وتنزيهها عما يوجب نفرة شخص من شخص، وكذلك الأفعال ولا يتأتى إلا بتطهير النفوس وتنزيه القلوب من الغضب السبعي والهوى البهيمي، رجوعًا إلى تحقيق معنى الإنسانية، الذي أبان عنه كل الإبانة دين الإسلام واعترفت بحدة العقول، وجزمت بأنه الأصل الأول لبلوغ سائر أنواع الخيرات".

وأعتقد إننا في حاجة لمراجعة كتابات المجددين في فلسفة التعلم، وذلك لأن معظمها مستنبط من تجارب تطبيقية وممارسات واقعية، والجدير بالملاحظة أن "حسين المرصفي" في حديثه السابق عن مهام المعلم وأخلاقيات مهنته لم يتحدث عن ما ينبغي أن يكون ولم يفرط في المثاليات المستندة إلى الأوامر الدينية أو أقوال الحكماء أو المأثور عن الشعراء، بل كان أقرب إلى المصلح العارف بمواطن إخفاقات العملية التعليمية وسُبل معالجتها، وإذا ما نظرنا إلى ما نعاني منه الأن من سلوك معلمينا وأبنائنا الطلاب سوف نجد علته في تلك الرؤية الناقدة التي يقدمها "حسين المرصفي" في أخريات القرن التاسع عشر.

ويترأى لي أن معظم الانتقادات التي وجهت للنهضويين المصريين من قبل المتعالمين في أجهزة الإعلام لا ترد في المقام الأول إلا لجهلهم بالكثير من كتابات هذا الجيل، الذي أهملوا مشروعاته وسخروا من خطاباته، كما أن الاتهام الذي وجه للمشروعات الإصلاحية التي قدمها أعلام المفكرين في تلك الحقبة وبدايات القرن العشرين لم تجد من يُفَعِّلَها أو يحرص على تطبيقها وتحديثها من المعاصرين، أولئك الذين اكتفوا بوصفها بالرجعية وراحوا يطلبون أدوية الحاضر من النهوج الغربية والثقافات المغايرة، واندفعوا عبثًا يطوعونها لمعالجة بنيتنا المعرفية، متجاهلين مشخصاتنا وهويتنا.

فعلى سبيل المثال توسعنا في إنشاء المدارس الأجنبية وطربنا لتكلم أبنائنا بلسان إنجليزي أو فرنسي في المدارس الأولية وبالطبع أهملنا اللغة العربية.

وكثرة مدارسنا الحكومية ودفعتها الحاجة لقبول حاملي الشهادات الورقية دون أدنى إلتفات إلى معايير المهنية والأخلاق التربوية للمعلم، وأنشائنا المدارس الفنية بنايات وهياكل دون نهوج وبرامج ومعلمين لتأهيل الموهبين من أصحاب الميول والخبرات الحرفية والعملية، بل احتشد فيها جماعات من الفاشلين والهاربين من التعليم والساخطين على النهوج التربوية.

ومن المؤسف أن جامعاتنا قد أصابها الكثير من هذه الأدران وهاتيك الملوثات، الأمر الذي انعكس بالسلب على المنتج المتعلم من أبنائنا، وأصبح معظم خريجي المدارس والجامعات من أحوج الناس لإعادة التأهيل للسير وفق مقاصد التربية والتعليم التي وضعها المجددون في فلسفاتهم؛ لتنشئة جيل واعي مستنير منتمي إلى وطنه وحريص على سلامته ومصلحته.

تهذيب النفس وتثقيف العقل:

وينزع "حسين المرصفي" - مع معظم التربويين في الحضارة الإسلامية بخاصة، والمعنيين بالتعليم وتربية النشأ بعامة - إلى أن أداب المتعلمين وأخلاقيات العلم وأربابه مقدمة على تزويد العقل بالمعارف وتثقيف الأذهان بالمناهج والعلوم، فطالما ردد بعض المقولات المأثورة (إذا عجز المعلم عن تهذيب طلابه، باتت كل دور العلم معقل للأشرار لا يتخرج فيها سوى المفسدين).

ومقولة الشاعر "إنّ المعلم والطبيب كلاهما لا ينصحان إذا هما لم يكرما ... فأصبر لدائك إن أهنت طبيبه وأصبر لجهلك إن جفوت معلماً"؛ وذلك استنباطاً من المأثور "لا تعلموا أولاد السّفلة العلم، فإن علمتموهم فلا تولّوهم القضاء والولاية". وقوله (صلى الله عليه وسلم) "لا تمنعوا العلم أهله فتظلموا، ولا تضعوه في غير أهله فتأثموا".

والمقصود "بالسفلة" ليس الطبقة الاجتماعية أو الجنس أو النسب المنحدر منه الطالب، بل البيئة المنحطة التي نشأ فيها التلميذ؛ فطُبع سلوكه بفسادها وشرّها.

فمن العسير على المعلم أو المدرسة إعادة تأهيل الطلاب وتهذيبهم؛ وذلك لأن أثر البيئة الأولى والعائلة المحيطة به أكبر من تلك السويعات التي يقضيها المتعلم في معيّة مهذبيه.

ويقول "المرصفي" في ذلك "الأدب كلمة دارت على الألسنة، واستخفتها القلوب واستحلتها النفوس واستعملها الناس في التناصح والتزاجر، ونعماً هي والوطنية كلمتين لو تحقق معناهما عند جميع الناس - سكان الأرض الواحدة والأفق الجامع - لم يتعد أحد على أحد وكانوا يداً واحدة في تحصيل المنافع ودفع المضار أمراً يندفعون إليه بالطبيعة سهلاً لا كلفة فيه ولم تكن الحكومة فيهم إذ ذاك إلا تتميماً للنظام وتكميلاً للهيئة وكان الحاكم الشرعي مفتياً لا قاضياً، إذ يكون حينئذ غرض الناس إنما هو استكشاف الحق ومعرفة المشروع، ثم الامتثال والمضي مع الأحكام الشرعية لا يطمع أحد في كسب أحد ولا يستكثر نعمة الله عنده راضياً بأفعال الله, واعترافاً بسابق حكمه".

ويؤكد "المرصفي" على ضرورة التزام المعلمين بمهام وظيفتهم وينظرون إليها على أنها رسالة أدبية وواجب وطني؛ فمسئولية صناعة العقول ليس بالأمر اليسير فالمدرسة هي أهم أعمدة المجتمع وهي البوتقة التي يتخرج فيها بناة المستقبل ومن ثمّ يجب على المعلم أن يتحلى بالحيّدة والموضوعية والصدق والأمانة في شرح المعارف والعلوم لطلابه دون أرائه الشخصية وميوله وانتماءاته حتى لا يتأثر التلاميذ بأفكاره ومذهبه، ويقول "حقيقة الأدب أن يعرف كلٌ حدود وظيفته، فلا يتخطاها حتى لا يكون داخلاً فيما لا يعنيه ويحسن إسلامه كما قال (صلى الله عليه وسلم) (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، ولا يقصر عن تأدية وظيفة فيعد مفرطاً ويعرض نفسه للعتاب أو العقاب، ولهذا المعنى يشير القائل "أي ما روي عن البحتري (820 م – 897 م) " (من تمام جدك وقوفك عند حدك).. وبهذا يتبيّن أنه لا يتم صلاح الأمة إلا بعموم المعارف".

ويوضح مفكرنا إن للمتعلمين رسالة يجب أن يخلصوا في أدائها، ألا وهي توعية الرأي العام وتوجيهه وترغيبه في الاقتداء بهم ومن ثمّ يجب عليهم التحلي بالفضائل الخلوقية والتسامح والبر في ما بينهم والتواضع والوفاء لمن تعلموا على أيديهم والعزوف عن الكبر والتعصب وعدم التعالي على من هم دونهم من أرباب الحرف والعمال والزراع قانعين بأن معيار التفاضل بين كل أفراد المجتمع هو شدة ولائهم لوطنهم وتفانيهم في خدمته، والزود عنه في الداخل والخارج.

فمن السّخف أن نفاضل بين الطبيب والعامل الحرفي تبعاً لطبيعة وظيفته أو أجورهم، بل التفاضل والتنافس في مقدار كل منهم في التمكن من عمله وأمانته في أدائه.

فالواجب على المتعلمين الذين ارتقت أذواقهم وتثقفت عقولهم وسلمت نفوسهم من كل شر تنوير العوام وتنبيه الغافلين وتقويم المضللين والجانحين، وذلك بترغيبهم في دستور الحياة المتمثل في الالتزام بالأدب، ويقول " إنما الواجب على أرباب العلم أن يحثوا على الأدب ويزينوه في القلوب، ويذكروا محاسن فضائله ويرغبونهم فيها، ويكتبون في ذلك رسائل متقاربة الأطراف تتناولها الإفهام ويشافه الناس بها بعضهم بعضاً، حتى تصبح أمراً مستمراً مرعياً خصوصاً مع الناشئة... فلا شبهة بعد في أن أصل عموم الصلاح للأمة هو طهارة الأخلاق، والتحقق بمعنى الوطنية وملازمة الحدود الأدبية، وعلى كل من أسند الله إليه شيئاً من أمور الأمة أن يبذل جهده في أحكامه ويصرف كل أوقاته في الاشتغال به ويدقق النظر في تحسينه، مستعملاً في ذلك الاستشارة وإذا أشير عليه بما هو داخل في التحسين، بادر إلى امتثاله وأسرع في تحقيقه، والله الهادي".

ولا أخفي عليك عزيزي القارئ : صوت نحيب قلمي وأسفه على ما نحن فيه من جنوحٍ وتجاهل وانصراف عن تلك الدروس، وما تحمله الكلمات من أدوية لجل أدوائنا الأخلاقية والاجتماعية والثقافية والتربوية، فأصل الداء في تمردنا على الأدب الذي حسبناه قيداً موروثاً فكفرنا به ورغبنا في عوائد السفلة، وعظمناها تارة باسم الحرية وإثبات الذات واختلاف الأذواق وتطور العقول.

فبات القدح والتهكم والحمق سياجاً يحيط بنا، منطق اصطنعناه في إحداثينا ومناقشتنا في كل الأوساط ومع كل الأغيار، وبات المتعلمون أكثر إقبالاً وإقداماً ورغبةً على كل شاذ وشاطح وجامح، وأضحي الشذوذ مدخلاً للتميز، أما الكذب والتدليس فأمسى لغة المتعالمين، وأمّا العقوق والفجور والتبجح فقد نال حظاً موفوراً في عوائد النشأ، أما القسوة والعنف والاستبداد فأنتحله أهل الرأي والمتطلعين للسلطة.

نعم تلك شكاية قلمي الذي أشفق على صاحب "الكلم الثمان"، فلو قدر له أن ينظر من مقامه إلى واقعنا المعيش لحمد الله على كف بصره حتى لا تلوثه صور الفضائل المذبوحة، التي لم يدرك منها سوى رائحة الأدب الذي استحال إلى جيّفٍ نتنة يصعب التخلص منها أو معالجتها.

ورغم ذلك كله؛ فإن اليأس لم يتملكني ولم أصاب بفيروس الإحباط، فالأمل كامن وسوف تلفظه مصر من رحمها، ممسكاً بحبل الحياء ومصباح العفة، ساعياً إلي المدرسة ليتعلم ويفهم ويعي مواطن الإتقان في "الكلم الثمان".

 

بقلم : د. عصمت نصّار

 

 

محمود محمد عليلم تظهر بعد أخبار مفرحة وحاسمة بشان لقاح ينهي كابوس تفشي وباء كورونا، وفي الانتظار يتلقي الناس في مشارق الأرض ومغاربها أي بارقة تسكن ولو إلي حين مخاوفها، بارقة لاحت في تحديد التركيبة الجينية للفيروس، ومن حديث عن عمل دؤوب للتوصل إلي الترياق المرتقب، وكذلك من أنباء عن تخفيف دول أوربا إجراءات الحجر الصحي بعدما تجاوزت ذروة التفشي .. تطلع إنساني مشروع تسعي منظمة الصحة لترشيده بالتحذير من أن تخفيف القيود قد يكون سابقا لأوانه، خصوصاً في أوربا التي قالت المنظمة إنها لا تزال في عين العاصفة .. مشهد يطرح السؤال التالي : لماذا نحتاج للحجر المنزلي ما زال الفايروس يواصل انتشاره في كل الأحوال؟

وللإجابة علي هذا السؤال يمكننا أن نوضح الأسباب وذلك علي النحو التالي من خلال شرح  المصطلح المعروف بتسطيح منحني الإصابات: إن الهدف الأكبر في مكافحة أي وباء هو وقفه بشكل نهائي، لكن حين لا يكون ذلك ممكناً، فإن إبطاء انتشاره علي الأقل أمر مهم جداً، وهو ما يُعرف بوقف صعود المنحني أو تسطيح المنحني.

إن ذروة تفشي وباء كورونا مصطلح يتردد كثيراً وتعتبر السلطات تجاوزه مؤشراً للتفاؤل .. الولايات المتحدة الأمريكية تعلن أنها تقترب من أسابيع من ذروة الوباء، وفرنسا أعلنت أيضاً أنها لن تصل إلي ذروة الوباء بعد، بينما الصين تعلن أنها تجاوزت ذروة تفشي وباء كورونا، إذن ماذا يعني هذا المصطلح " ذروة تفشي وباء كورونا"؟

بداية وصول المرض إلي ذروته أو انحساره يختلف من منطقة إلي أخري، ومن بلد إلي آخر، ويعتمد علي توقيت الإعلان عن الوباء، وتوقيت ونوع الإجراءات الوقائية، أي المتخذة من الدول للحد من تفشيه، وعند ظهور أي وباء تبدء الإصابات والوفيات في الازدياد يوما بعد يوم وبشكل متسارع، وهذا التسارع يستمر، لكن لا بد من تحدي يصل إليه ثم يبدأ في الانحسار .

وهذه النقطة تعتمد علي نتائج الإجراءات الوقائية المتخذة وفاعليتها ومدي الالتزام بها .. رأي آخر يري أن ذروة الوباء عادة ما تكون في السبوع السادس أو السابع من بدء انتشار الفايروس في مكاناً ما، لكن يمكن أن تكون عندما يتساوى مجموع الحالات المسجلة يومياً مع مجموع الوفيات وحجم حالات التعافي بحسب بعض الخبراء، ورغم إعلان دول كالصين الذي تجاوز ذروة الوباء مقابل دول أخري تستعد للدخول في هذه المرحلة، تبقي تدابير الوقاية ضرورية في هذه المرحلة، وهذا ما أوصت به منظمة الصحة العالمية أخيرة، محذرة من تخفيف إجراء احتواء الوباء قبل الأوان .

والسؤال الذي نود أن نطرحه : من هي الدول التي تجاوزت ذروة كورونا؟

وللإجابة يمكن القول بأنه مع انحسار كورونا في بعض الدول أعلنت حكومات عدة عن خطة لرفع الحظر التدريجي، فمثلاً صحيفة اندبدنت رصدت ذروة الفايروس والانخفاض الثابت في الحالات اليومية وهي مرحلة مهمة لمعرفة إن كان معرفة إن كان البلد قد تجاوز الذروة أم لا .. في المملكة المتحدة منذ بدأ ظهور الوباء أوائل فبراير كانت تقدر أعداد الحالات بالعشرات ليبدأ بعدها المنحني في الارتفاع ويصل إلي الذروة في 13 أبريل ؛ حيث سُجلت 8719 حالة في يوم واحد، ثم عاد المنحني للانخفاض تدريجيا وسُجلت في 5 مايو 4339 حالة .

أما في الويات المتحدة الأمريكية منذ 27 فبراير وقت ظهور العدوي أخذ المنحني يتصاعد تدريجياً لكن منذ 5 أبريل الذي سجل 34 ألف إصابة بدأ المنحني يرتفع بشكل أكثر حدة، ليصل إلي الذروة في 26 أبريل من الشهر نفسه وسًجل أكثر من 48500 حالة.

والحال نفسها في إيطاليا فمع ظهور العدوي في 22 فبراير ارتفع عدد الإصابات يوميا ليصل إلي الذروة في 22 مارس الذي سجل أكثر من 6 آلاف إصابة وبدأ الانخفاض تدريجياً ليصل نحو 5 مايو إلي أكثر من 1200 إصابة حالة  ..

وإذا ما انتقلنا إلي فرنسا أيضا لقد  بدأت العدوي تنتشر تصاعديا حتي الأول من أبريل؛ حيث سُجلت حوالي 7600 حالة وانخفضت بشكل تنازلي وصل في 8 مايو إلي 580  حالة من ذات الشهر .. أما الصين  فقد وصل الوباء ذروته في 13 أبريل ومنذ 5 مارس بدأ مسار العدوي ثابتاً، وسجل في 5 مايو حالتين فقط .. ننتقل إلي كوريا الجنوبية حيث وصل ذروة الوباء في 29 فبراير الذي سجل 909 حالات  واتخذ المنحي مسارا ثابتاً بدءً من 21 أبريل ليسجل في 5 مايو 3 حالات فقط .. أما المنحني في روسيا أو curve (المنحني) كما يعرف وسائل الإعلام فمختلف تماماً فمنذ ظهور الحالات في 12 مارس ظل المنحني شبه ثابت، وبعد ذلك بدأ في التصاعد بشكل مطرد ليصل في 5 مارس إلي أكثر من 10 آلاف حالة .

إذن تباينت توقعات الباحثين عن فترات وصول ذروة فايروس كورونا من دولة إلي دولة أخري ما بين فترة ربما تتجاوز الأسابيع إلي فترة أخري تتجاوز ربما أكثر من شهرين، ويقول باحثون إن تحديد موعد وصول المرض إلي ذروته يختلف من منطقة إلي أخري، وكذلك مدي فاعلية مكافحة انتشار فايروس كورونا.

ما بين أقل من شهرين أو أكثر ذروة فتفشي فايروس كورونا في مختلف دول العالم .. هكذا يتوقع علماء وباحثون، ففي الولايات المتحدة التي احتلت المرتبة الأولي عالمياً في عدد الإصابات تنبأ العلماء بأن تصل ذروة الفايروس في الأسبوع السادس أو السابع من بدء انتشاره، لكنها اختلفت من ولاية إلي أخري وربما يكون هذا ما استند إليه الرئيس ترامب في قوله "إن الفايرس قد ينحسر في يونيو أو أغسطس المقبلين" .

وفي أوروبا التي تعيش ذروة المرض حالياً خرج مسؤول الصحة في بريطانيا، ليؤكد أن ذروة المرض تعتمد بشكل رئيسي علي سلوك المواطنين فيما يتعلق بالالتزام بالقواعد والإجراءات التي أعلنتها في إطار مكافحة الفايروس.

الباحثون البريطانيون رفضوا تحديد موعد لوصول المرض إلي ذروته، وفي القارة العجوز توقعت منظمة الصحة العالمية أن تكون إيطاليا وإسبانيا، قد اقتربتا من الوصول إلي ذروة تفشي الفايروس، لكن دول اخري كمصر يُتوقع أن تصل ذروة انتشار الفايروس خلال الأيام  العشرة المقبلة، بحسب مستشار الرئاسة المصرية، الأمر الذي دفع وزارة الصحة المصرية إلي رفع جاهزيتها لاستقبال المرضي وتم  تجهيز مستشفيات ميدانية، وما بين تلك التوقيتات والتكهنات يري باحثون أن تحديد موعد لوصول المرض إلي ذروته أو انحساره يختلف من منطقة إلي أخري، إضافة إلي الإجراءات المتخذة من قبل الدول للتخفيف من حدته.

وهنا تقول  منظمة الصحة العالمية أنه من الخطأ الاعتقاد أننا نقترب من نهاية فايروس كورونا، فمتي نصل إلي الذروة ويقترب الفرج؟

وهنا يمكن القول بأنه في مطلع شهر أبريل تجاوز إجمالي الإصابات العالمية بالفايروس حاجز المليون إصابة، وبعد  اثني عشر يوما فقط تخطي عتبة المليونين، ومن الناحية الإيجابية تؤكد منظمة الصحة العالمية أن عدد الإصابات يتراجع في بعض الدول الأوربية،لكنه في المقابل يرتفع في دول أخري كبريطانيا وتركيا مثلا، وتقول المنظمة أيضا أن 90 % من الإصابات توجد في أوربا والولايات المتحدة، فيما الخطر الأكبر علي الصين أصبح من القادمين إلي الأراضي الصينية من الخارج.

ورغم التحذيرات بدأت إسبانيا بتخفيف إجراءاتها بالسماح لبعض القطاعات بالعودة إلي العمل ؛ أما إيطاليا فقد سمحت بإعادة فتح بعض المحال والأعمال باستثناء تلك في إقليمي لومبارديا وفينيتو، وتستعد ألمانيا لرفع تدريجي للقيود، لكن السلطات الألمانية لا تزال حذرة في اتخاذ القرار؛ أما فرنسا فقد مددت حالة الإغلاق إلي 11 مايو؛ وفي الولايات المتحدة أوضح  الرئيس ترامب أن قرار إعادة فتح الاقتصاد وإنهاء الإغلاق بيده وليس بيد الولايات؛ أما في روسيا فدعا الرئيس بوتن للاستعداد  لسيناريوهات " استثنائية" واسابيع حاسمة .. وإلي ذلك تؤكد منظمة الصحة العالمية أن السبيل الوحيد لوقف انتشار الفايروس هو إيجاد علاج أو لقاح، لكن الدول لا تزال تتمسك بحقها السيادي لتقرير مصير إجراءاتها والتي ستتخذها في الأيام والأسابيع المقبلة..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

سليم جواد الفهدمن يحدد القيم؟

انتهينا في الورقة السابقة الى أن القيم هي التي تحدد السلوك فكيف ما كانت منظومتك القيمية ستكون منظومتك السلوكية لكن من يحدد القيَم؟

الكل يتفق على أن المجتمع – المجموعة البشرية + البيئة -هو المسؤول عن تحديد القيم وهو المسؤول أيضا عن تربية وتنشئة الأفراد بمنظومة قيمية هي في الواقع مجموعة من الأوامر والنواهي في شتى مجالات الحياة التي ستصير فيما بعد ضميرا للفرد داخل مجتمعه. وهنا يتبرعم سؤال هو: إذا كان الأفراد يعيشون في مجتمع واحد ويتلقون نفس التربية فمن أين ينتج الاختلاف في تفاوت سلوك الأفراد؟

والجواب: اولا: صحيح أن المجتمع يتسم بوحدة بشرية لكنه في الحقيقة منقسم الى طبقات وفئات ومؤسسات ومهن وأديان ومذاهب وطوائف حيث لكل طبقة تقاليدها الأخلاقية ولكل فئة قواعدها الاخلاقية ولكل مهنة أيضا أخلاقيتها.

ثانيا: إن قابليات الأفراد غير متماثلة حتى لو عاشوا في بيئة واحدة وتعلموا في مدرسة واحدة وتخرجوا من نفس الجامعة وحملوا نفس الشهادة في نفس التخصص لن يتماثلوا وهذه نتيجة حتمية بسبب اختلاف القابليات الفردية لكل فرد. فالإنسان يتكون ويتطور بما يضاف إليه من علم ومعرفة وتوجيه أخلاقي وقيمي كما أن ما يضاف لقابليات كل فرد من مهارات يكون بالضرورة مختلفاً عما يضاف لقابليات كل الآخرين ولذلك فإن النتيجة الحتمية هي اختلاف الشخصيات والمعارف والمهارات والمفهوم والتصورات والآراء والمواقف والمعالجات.

يقول الطبيب والفيلسوف أليكسيس كارليل الحائز على نوبل في الفسيولوجيا: "إن النشاط العقلي رهينٌ بالسيرورات الدماغية والوظائف العضوية الأخرى إنه يعطينا طبْعنا المتوحِّد إنه ما يجعلنا نحن حقٍّا وليس شخصًا آخر". بل حتى التوأمين المتطابقين في نفس البويضة ويمتلكان نفس التكوين الجيني يكون لكل واحد منهما شخصيته الخاصة به فالطباع النفسية هي بمثابة كاشف للتفرد فالناس يتميزون عن بعضهم البعض في الشكل والمضمون وليس هناك شخصين متشابهين تمام التشابه لأن هذا معناه نفي التفرد وبذلك تنعدم الكثرة الطبيعية. وكلما كانت الشخصية غنية كانت الفروقات الفردية كبير مما يجعل من المستحيل معرفة تكوين الفرد مسبقا وهذا ما دعى سارتر الى القول: أن الماهية في الإنسان تسبق وجوده على عكس كل الكائنات الأخرى.

ويقول المفكر السعودي إبراهيم البليهي : "ومادامت بنية الشخصية الذهنية بنية مركَّبة جدا فمن المستحيل تقديم تصنيف دقيق للكائنات الإنسانية ولكن للأسف الناس يجهلون هذه الحقيقة المهمة والعميقة عن أنفسهم وعن غيرهم فيسوء الفهم ويشتد التنافر من دون أن يعلموا بأن كلّا منهم مرتهنٌ بمعايير وقوالب وأنماط ونماذج تختلف عن معايير وقوالب ونماذج كل الآخرين".(1) فالإنسان بطبيعة تكوينه العقلي يقع أحيانا فيما يسمى "الجهل المركب" وهو أن يجهل الإنسان أنه جاهل أي لا يعلم أنه لا يعلم أي لا يعرف جهله وهذا هو قمة الجهل فيبادر في أغلب الأحيان لرفض وتسفيه مالا يتفق مع الأنماط التي تشكَّل بها عقله ووجدانه وهذه معضلة كبرى لم تنل اهتمامًا يتناسب مع نتائجها المدمرة وليس ذلك محصورًا في الفروق والحواجز بين الأفراد بل إن المعضلة تتعقد ويشتد ضررها ويعظُم خطرها في التعامل والعلاقات بين الأمم بل حتى بين المذاهب والطوائف والجماعات والاتجاهات المختلفة داخل الأمة الواحدة أو المجتمع الواحد لذلك تُحَتِّم المصلحة البشرية أن تكون معرفة أساسيات الطبيعة البشرية هي أهم ما يجب أن يتعلمه كل الأفراد في كل مراحل أعمارهم في كل المجتمعات.

تفكيك أخلاق الخوف الدينية

تقوم أخلاق الخوف الدينية على أساس:

أن الله هو صاحب المعرفة المطلقة للحكم على ما هو خير وما هو شر بحيث يتعين على الإنسان أن يحتكم الى الله مقرا بالجهل المطلق وبالعجز التام بمعنى أنه يجعل الأخلاق في النهاية هي طاعة الله وتنفيذ وصاياه- وهذا هو في الواقع الدين الموروث للفرد-أو أحكامه وهذا يعني أن أساس الأخلاق الدينية هو الإيمان. والإيمان الديني هنا يعني نسبة المعرفة كلها الى الله مما يجرد الإنسان من أي معرفة أخلاقية وعلى هذا الأساس تجب طاعة الله والتسليم له مطلقا.

فالله يريد طاعة الإنسان له مقابل ضمان بأن تكون نتيجة سلوك الإنسان وأفعاله نتيجة خيرة. وغاية الخير في هذه المعادلة ليست غاية الخير الذي يفعله الإنسان من أجل الإنسان الآخر وإنما الغاية النهائية للخير في المفهوم الديني للأخلاق هي (الأنا) ذاتها فأنا أفعل الخير أساسا الآن في هذه الدنيا لأحصل خيرا لي (أنا) في "الآخرة" لأن فعلي ليس نتيجة مباشرة لفعل الخير للآخر-لأن الآخر هنا هو وسيلة لا غاية-وإنما هو نتيجة مباشرة لطاعة الله. وهنا يكمن التناقض والتهافت في الأخلاق الدينية وتختل المعادلة  حيث لا تنتهي المسيرة الى المفهوم الحقيقي للأخلاق ذاتها وهو مفهوم الخير للآخر باعتباره غاية وإنما تنتهي الى مفهوم آخر لا علاقة له بالأخلاق هو مفهوم الطاعة ومفهوم الطاعة في حقيقته علاقة بين طرفين طرف ضعيف بغير حدود هو الإنسان وطرف قوي بغير حدود هو الله وهذا معناه أنها علاقة خوف قائمة في الأصل والأساس على منافقة الله تجنبا لبطشه ووصفها بالنفاق هنا يأتي من كونها تبدأ بالادعاء بإقامة أخلاق غير أنانية وتنتهي الى صيغة نفعية للأخلاق تتمثل في سعي الإنسان الى ذلك العائد المؤجل لفعل الخير في الآخرة. تبدأ بمفهوم المعرفة المطلقة لله بما هو خير وتنتهي بمفهوم (قوة) الله التي تستطيع أن تفعل وتفرض كل شيء وأي شيء وبدون مفهوم القوة هذا يسقط أي معنى للأخلاق الدينية التي تدعي انها أخلاق مبنية على الخير والحقيقة انها مبنية على نفاق الأنانية التي تتجنب أذية الإله لأنها تخاف من القوي المؤذي ولولا هذا الخوف لفعلت ما تريد وترغب. والنتيجة النهائية لهذه الأخلاق هي لو لم يكن الله قويا لما خافه أحد لأنه بمجرد تصور إن الله ضعيف لا يستطيع إيقاع الأذى بالإنسان تنهار قيمة الأخلاق الدينية المبنية على هذا الخوف من الأذى وهذا هو جوهر الوضاعة والنفاق في الأخلاق الدينية.

 

سليم جواد الفهد

..............

1- إبراهيم البليهي، تلقائية وحتمية تعدُّد الآراء بتعدد الأفراد.