محمود محمد عليفي الجزء الثاني من مقالنا "غواص في كتاب سيبويه"، نناقش منهجية سيبويه في الترتيب، والتبويب، والمصطلحات، حيث نلاحظ أنه علي الرغم من أن كتاب سيبويه أول كتاب وصل إلينا في النحو حاول أن ينهج النهج الطبيعي القريب إلي الإفهام والإدراك في زمانه؛ إذ كان الناس، وكانت مؤلفاتهم تعتمد علي ما يدور في مجالسهم من آراء ومناقشات، وروايات في مختلف الموضوعات . ويعتمد كل موضوع في هذه المؤلفات على أسلوب هؤلاء الشيوخ وطريقتهم في الجدال والنقاش، لذلك نجد أسلوب سيبويه في الكتاب يختلف من باب إلي آخر تبعاً للموضع نفسه، ولسهولته، أو صعوبته، ولتحديد معالمه في زمانه أو جدته عليه، لأن سيبويه عمل كتابه علي لغة العرب وخطبها وبلاغتها . ولذلك كانت ألفاظه تحتاج إلى عبارة وإيضاح لأنه ألف في زمان كان أهله يألفون مثل هذه الألفاظ فاختصر علي مذاهبهم . اتبع سيبويه في كتابه أسلوب العرض السهل السريع القائم علي الإيجاز في التعبير والإكثار من الأمثلة، فهو يعرض القاعدة ثم يمثل لها بأمثلة مستقاه من كلام العرب . مثال ذلك كلامه في باب "اللفظ للمعاني". يقول: "اعلم أن من كلامهم اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين، واختلاف اللفظين والمعني واحد، واتفاق اللفظين واختلاف المعنيين، فاختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين هو نحو: جلس، وذهب. واختلاف اللفظين والمعني واحد نحو : ذهب وانطلق، واتفاق اللفظين والمعني مختلف قولك : فوجدت عليه من الموجدة، ووجدت إذا أردت وجدان الضالة وأشباه هذا كثير ". وقد يفسر ما يقوله كما نري عند كلامه على باب نفي الفعل .

فهو هنا يحاول أن يوضح أمثلته ويقربها إلى أذهان القارئين بتشبيه عبارة بأخرى أقرب منها إلى الأذهان : يفعل هذا في الأبواب البسيطة الواضحة . وقد يستشهد بآراء شيوخه أو بفصحاء العرب في المواضع الصعبة التي يرى أنه من الواجب أن يستشهد عليها بآرائهم، أو لاختلاف شيوخه في المسألة الواحدة، ولنستمع إليه في باب " ما يذهب التنوين فيه من الأسماء لغير إضافة، ولا دخول الألف واللام، ولا لأنه لا ينصرف، حيث كان القياس أن يثبت التنوين فيه، فهو ينقل هنا رأى "يونس" و"أبي عمرو" وفصحاء العرب لحاجته إلى آرائهم في هذا الموضوع ولاختلاف العرب فيه، ونجده يشير إلي صحة قول "يونس" بقوله :"وهكذا سمعنا من العرب " .

في هذه الأمثلة، وفي غيرها نجد أسلوب سيبويه سهل الفهم، قريب التناول ويعسر في بعض الأحيان فهم تعبيره لغموض العبارة واستغلاقها، مثال ذلك قوله عند كلامه في باب الأمر والنهي .

وسيبويه في طريقة بحثه يذكر القاعدة وأمثلتها، ويمزج ذلك بالتعليلات، وبيان وجه القياس، ويعرض الآراء المختلفة في الموضوع الواحد، ويفضل بعضها حسب ما يراه موافقا للصواب . ويفرض فروضا يضع لها إحكاما فيقول مثلا:" إذا سميت رجلا بأثمد لم تصرفه، لأنه يشبه اضرب .وإذا سميت رجلا بإصبع لم تصرفه لأنه يشبه اصنع .وإن سميته بابلم لم تصرفه لأنه يشبه اقتل".

وكثيراً ما نجد سيبويه يمزج أبواب النحو في صورة عجيبة، فهو ينتقل من الباب إلى غيره، قبل أن يستوفي أحكامه، فمثلاً نجد الكلام على الفاعل قد ابتدأ من الصفحات الأولى في الكتاب، ونثر الحديث عنه في صفحات الكتاب في قفزات غير منتظمة، بحسب تداعي المعاني الذي أثر على منهجه، فهو لا يحدثك عن أحوال الفاعل مع فاعله تذكيرا وتأنيثا إلا عند حديثه عن الصفة المشبهة ليقول :" إن الوصف مع مرفوعه كالفعل مع فاعله في التذكير والتأنيث "، ولكنه لا يستكمل الحديث علي تأنيث الفعل للفاعل إلا في الجزء الثاني، فضلا عما أسبغه علي الفاعل من أبواب ليس لها بها علاقة مباشرة، والحديث فيها أو لأجلها قد لا يختص بالفاعل .

وتتعجب من منهجه، وهو يقدم لك المادة النحوية، المرفوع إلى جانب المنصوب والمجرور " فعندما تحدث عن المسند والمسند إليه، كان عليه أن يستوفي أبواب المسند إليه من ابتداء، أو فاعلية، أو غيرهما ثم يعود إلى المسند ليستوفي أنواعه وأحكامه، ولكنه لم يتبع ذلك، وكثيرا ما تقول وأنت تقرأ الكتاب : ليت ذلك الباب وضع هنا، أو ليت ذلك الفصل قد انتقل إلي هناك، وقد يكون باب الإسناد أحسن حالا من باب الحال الذي لم يضع له عنوانا مميزا، بل نثر الكلام عليه هنا وهناك، فنجده ضمن أبواب المفعول، والمفعول المطلق، والتوكيد، والمصادر، والاستفهام، موزعاً مسائله في أماكن شتي تبعاً للمناسبات التي تستدعيها، فهو وإن فكر في صناعة الأبواب لمسائل النحو إلا أنه لم يستطع ضم مسائل كل باب بعضها إلى بعض، ليكون منها سلاسل متصلة الحلقات متتابعة الاختصاص، بل راح يذكر بعضها في موضع ولا يوفيه حقه من البحث إلا في موضع آخر، بحسب استدعاء المناسبة له، وكأنما برزت العلاقة بين المسألتين أو المسائل النحوية بطريق الصدفة، فأثبتها في مكانها لكي لا تنسى، ولو فكر في وضع كتابه وضعا أخيرا ونهائيا، فربما كان يجمع المتفرق إلي بعضه، ويخلص كل باب مما هو بعيد الصلة به، فيجعل حديثه عن المرفوعات أولًا حتي إذا ما انتهي منها، انتقل إلى المنصوبات، فالمجرروات، وهكذا، ولكن فكرة الأبواب لم تكن بعد قد تميزت عنده التميز الكافي شأنها شأن النحو نفسه، والذي لم يتميز عنده بعد عن غيره من علوم العربية، فكثير من الأبواب لم تتحدد معالمه.

هذا النظام في التبويب جعل سيبويه يضطر إلى وضع المسائل النحوية في صورة أبواب كبري شاملة، تندرج تحتها أبواب صغرى ومسائل متعلقة برأس الباب، فطال العنوان بالقدر الذي تضمه مسائل الباب من مشكلات، فلكي يتحدث مثلا عن الأفعال المتعدية، واللازمة، وما يعمل عملها من المشتقات عقد لها باباً من أطول عنوانات الكتاب، قال فيه :" هذا باب الفاعل الذي لم يتعد إليه فعل فاعل،  ولا تعدي فعله إلي مفعول آخر، وما يعمل من أسماء الفاعلين والمفعولين عمل الفعل الذي يتعدي إلي مفعول وما يعمل من المصادر ذلك العمل، وما يجري من الصفات التي لم تبلغ أن تكون في القوة كأسماء الفاعلين والمفعولين التي تجري مجري الفعل المتعدي إلى مفعول مجراها، وما أجرى مجرى الفعل المتعدي إلى مفعول مجراها، وما أجرى مجرى الفعل وليس بفعل ولم يقو قوته، وما جري من الأسماء التي ليست بأسماء الفاعلين التي ذكرت لك، ولا من الصفات التي هي من لفظ أحداث الأسماء، ويكون لأحداثها أمثلة لما مضي وما لم يمض، وهي التي لم تبلغ أن تكون في القوة كأسماء الفاعلين والمفعولين التي تريد بها ما تريد بالفعل المتعدي إلى مفعول مجراها، وليست لها قوة أسماء الفاعلين التي ذكرت لك، ولا هذه الصفات، كما أنه لا يقوي قوة الفعل وما جري مجراه،وليس بفعل "، ثم بعد هذا يفصل سيبويه ما أجمله هنا في أبواب كثيرة، هذا التفصيل قاده أحيانا كثيرة إلي الاستطراد، والانتقال إلى موضوعات قد لا تكون الرابطة بينها قوية، وهو واحد من المآخذ على الكتاب.

أما عناوين الكتاب فتبدو في أمور كثيرة غامضة كل الغموض، وهذا الغموض قد يصل خفاؤه إلي أن يقف القارئ أمامه لا يدرك قدرة حتي يقرأ الباب كله أو جله، ليستنتج من الأمثلة أن هذا الباب انعقد لكذا، فمثلا قوله " باب الفعل الذي يتعدى اسم الفاعل إلى اسم المفعول، واسم الفاعل والمفعول فيه لشيء واحد "، لا اعتقد أن القارئ سيفهم منه لمجرد العنوان أن سيبويه عقده للكلام علي (كان وأخواتها)، وذلك للغموض الذي يلفه باستخدام مصطلحات (اسم الفاعل، واسم المفعول) بدلا من (اسم كان وخبرها) لأن التفكير قد ينصرف أثناء قراءة هذا العنوان إلى الاسم المشتق الذي يجيئ علي وزن (فاعل) أو (مفعول) ويعمل عمل فعله (أما إطلاق اصطلاح (الفاعل) على اسم كان و( المفعول) على خبرها، فعلى المجاز لشبه الأول بالفاعل والثاني بالمفعول، ومثل ذلك غموضا وخفاء الباب الذي عقده للتنازع معنوناً له بقوله :" هذا باب الفاعلين والمفعولين اللذين كل واحد منهما يفعل بفاعله مثل الذي يفعل به "، فما حل هذه الرموز غير قوله :" وهو قولك، ضربت وضربني زيد، وضربني وضربت زيدا .

وهنا ينبري الدكتور "علي النجدي" (في كتابه عن سيبويه) يحدثنا عن منهج سيبويه، فيقول: نهج سيبويه في دراسة النحو منهج الفطرة والطبع، يدرس أساليب الكلام في الأمثلة والنصوص؛ ليكشف عن الرأي فيها صحة وخطأ، أو حسنا وقبحا، أو كثرة وقلة، لا يكاد يلتزم بتعريف المصطلحات، ولا ترديدها بلفظ واحد، أو يفرع فروعا، أو يشترط شروطا، على نحو ما نرى في الكتب التي صنفت في عهد ازدهار الفلسفة واستبحار العلوم".

ونفس الشئ أكد عليه الدكتور " حسن عون " (في كنابه تطور الدرس النحوي)، حين قال: "إننا نظلم الكتاب حينما نعتبره كتابا في النحو، كما إننا نظلم النحو نفسه حينما نفهمه بذلك المعني الضيق الذي يتعارف عليه الناس في عصرنا هذا ... كتاب سيبويه يمثل النحو في شبابه الزاهر، ويرويه لنا في صوره الخصبة الأولي " .

ومن هنا نخلص إلي أن كتاب سيبويه لم يتجاوز المرحلة التجريبية، تلك المرحلة التي تبين استحالة تأثر سيبويه بالمنطق الأرسطي بسبب منهجه التجريبي الذي اتبعه، وأهم ما يلاحظ في هذا المنهج عند سيبويه هو أنّ منهجيته في الكتاب اعتمدت علي العمل الاستقرائي المرتبط بالواقع الاستعمالي لِلُّغة، محاولا تصنيفها، وتحديد علاقاتها على أساس التماثل الشكلي، والوظيفي، وصولا إلى وضع الأحكام والقوانين العامة، بقدر المستطاع، وهذا ما جعل أسلوبه يتسم بالتباين بين الوضوح تارة، والغموض تارة أخرى ممّا استدعى في أحيان كثيرة شرح اللاحقين وتوضيحهم، في حين تميز أسلوب النحاة اللاحقين غالباً وبالأخص عند نحاة القرن السادس الهجري وما تلاها ويجسد هذا الاختلاف تحول أسلوب معالجة المسائل النحوية ؛ إذ تحوّلت من التأسيس تمثيلا لدى سيبويه إلى التأسيس صياغةً لدى النحاة اللاحقين . فلم يكن مثلاً مفهوم الكلام النحوي محدّدا عند سيبويه، ومصاغا بعبارة واضحة، في حين حُدِّد فيما بعد، وقُسِّمَ، ووضع حدٌّ لكل قسم، وفُرِّق بينه وبين الكلم، والكلمة، والقول، واللفظ.

وهذا إن دل فإنما يدل علي أنّ النظرة النحوية اللاحقة في المنهج والأسلوب قد اتّسمت في أغلبها بالتنظيم، والشمول، ومحاولة التفصيل في القضايا النحوية المطروحة، وهو الذي جرَّ النحاة– فيما يبدو– إلى إشاعة النقاشات، والحوارات، والجدل . والتي أفضت بدورها إلى إشاعة التأويل، والتعليل، والعبارات الفلسفية، والمنطقية التي تتطلّبها أصول المناقشة والجدل

فبعد سيبويه ظهر نحاة كبار ارتقوا بالدرس النحوي ومصطلحاته، فصقلوا ما نقلوا، وزادوا على ما وجدوا، وطوروا وابتكروا، ووفوا المصطلح حقه من الدقة والإيجاز والوضوح. ومنهم قطرب محمد بن المستنير (ت: 206هـ) والأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة (ت: 211هـ) وأبو عمر الجرمي صالح بن إسحاق (ت: 225)، وأبو عثمان المازني بكر بن محمد (ت: 249هـ)، وأبو العباس المبرد محمد بن يزيد، فقد استطاع هؤلاء النحاة البصريون بمناقشاتهم الخصبة أن يرتقوا بمصطلحات النحو إلى مرحلة من النضج قاربت الكمال، وفي هذا نجد الدكتور " حسن عون" (في كتابه الدرس النحوي كما ذكرنا من قبل ) قائلا :" أما النحاة بعد سيبويه فإنهم يوجهون همهم إلي صياغة القاعدة النحوية أولًا صياغة علمية منهجية تكشف عن مدي التأثر بالنظريات والمبادئ الفلسفية : تعريف ثم تقسيم للأنواع، ثم حصر للنماذج المستعملة ؛ فتراهم هنا يفرقون بين – إن – المكسورة الهمزة، و- المفتوحة الهمزة ؛ ثم يذكرون مواضع استعمال الأولي مع ذكر الأمثلة علي ذلك، ومواضع استعمال الثانية مع ذكر الأمثلة .‏

وفي هذه الحقبة نفسها ظهر نحاة الكوفة وأبرزهم " الكسائي "، و "يحيى بن زياد الفراء" و "أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب (ت: 291هـ)". وحاولوا أن يصوغوا آراءهم بمصطلحات جديدة، فلم يصيبوا إلا حظاً يسيرا من التوفيق. ودل الدرس النحوي على أن مصطلح الكوفيين للمواد النحوية مصطلح لا يتصف بالشمول والسعة. وعلى أن الكوفيين يفتقرون إلى الإحكام في مصطلحهم . وآية ذلك أن المصطلح الواحد عندهم يدل على موضوعات عدة، كمصطلح التفسير الذي يعني عندهم التمييز والمفعول لأجله. وآيته كذلك أن نحاة بغداد ومصر والأندلس في القرن الرابع الهجري، والقرون التي أعقبته آثروا مصطلح البصرة على مصطلح الكوفة فيما صنفوا، وأن "ابن يعيش "و"ابن هشام الأنصاري"، و"أبا حيان الأندلسي" و"جلال الدين السيوطي"، وأمثالهم استطاعوا أن يكتبوا بمصطلحات البصرة أضخم كتب النحو في لغة العرب. وللحديث بقية!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل- جامعة أسيوط

 

 

زهير الخويلدي"روجر الثاني هو الذي استقدم الشريف الإدريسي ليصنع له شيئا في شكل صورة العالم"1[1]

عاش محمد الإدريسي من 1099 إلى 1165 م بين المغرب والأندلس وزار مصر والحجاز والشرق وانتقل إلى القسطنطينية وآسيا الصغرى و فرنسا وأنجلترا ولكي يستقر بصقلية وينتهي ذكره بعد ذلك.

لقد ولد بسبتة ودرس في جامعة القروين بفاس وبرع في الكتابة والأدب والشعر ولكنه صار عالما بالنبات والجغرافيا والفلك والمناخ والطب والفلسفة واعتبر من أول المؤسسين لعلم الجغرافيا في التاريخ ولقد قام برسم الكثير من الخرائط والصور حول البحر المتوسط وأوروبا وأفريقيا وآسيا ولقد تم اعتمادها برمتها من طرف علماء عصر النهضة الأوروبية ومثلت مادة علمية موثوقة والتي تأسست عليها فيما بعد العديد من التحولات المعرفية في النظرية والتجارب وأدت إلى تشكل العقل الحديث والقطع مع العلم القديم.

من كشوفاته تحديد وجهة الأنهار وقمم الجبال وارتفاعها ومساحة البحيرات وعمقها وحدود الدول ومنبع الوديان وكان له السبق في تفنيد الأساطير التي رددها بطليومس بأن مصدر النيل تلة في القمر ووضع نقطة تقاطع تحت خط الاستواء بين تلتقي فيها الروافد من النيل الأبيض والنيل الأزرق التي يتكون منها هذا النهر العظيم قبل دخوله إلى السودان ومصر وهي موقعه الصحيح، كما أنه اشتهر بتقديمه معلومات دقيقة على أهم المدن وعدد سكانها وموقعها من البحر وأقر بكروية الأرض قبل غيره وشبه حركتها بالبيضة ودرس موقعها في الكون ورصد حركتها في الفضاء محاطة بالمجرات وحدد مواقع الدول بدقة بالغة من خلال رسم الخرائط وإتباع خطوط العرض أو الخطوط الأفقية واستخدم خطوط الطول لكي يفسر تعاقب الفصول وأحوال الطقس ولقد أراد زيارة القطب الشمالي البارد واكتفى بوصف بحر الشمال.

كما تفطن إلى أهمية الطريق الذي تسلكه التجارة الصينية ودور التجار العرب في جلب التوابل والحرير الى أوروبا ودرس الوظيفة التي تقوم بها السفن التجاربية في حمل المعادن والأسلحة والجلود والغذاء.

قد ولع الإدريسي بالعلوم الطبيعية والرياضيات وانتقل إلى البيلق وقرطبة و بغية التحصيل المعرفي في هذا الاختصاص وتتلمذ على ارث عالم الجغرافيا الإغريقي سطراوبون ولكنه تجاوزه في عدة مسائل. 

لقد ألف سطراوبون العرب الكثير من الكتب والمخطوطات ولعل أهمها هو كتاب "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق"2[2] وكتاب "روض الأنس ونزهة النفس" وكتاب "الممالك والمسالك" ولقد ذكر كتابين هما "الجامع لصفات أشتات النبات" وكتاب "أنس المهج وروض الفرج" خاص بشمال إفريقيا وبلاد السودان.

لقد اشتهرت خريطة العالم التي نقشها الشريف الإدريسي لملك صقلية على دائرة من الفضة باسم لوحة الترسيم  ووضع فيها صور عن الأقاليم السبعة وقسمها الى عشر أقسام ورسم لها صور خاصة بها وميز بين الجغرافيا والتاريخ ومن ناحية ثانية ركب الجغرافي العربي المسلم البحر في العديد من المرات وكان مولعا بمرافقة السفن التجارية في المتوسط واستكشاف المناطق البعيدة والمجهولة فيه وزياردة البلدان.

لقد غطت خريطته اليونان وآسيا الصغرى وبحر مرمره وبحر ايجه وبحر الشمال ومنطقة مقدونيا ونهر الدانوب وسواحل البحر الأسود وجزء من روسيا ومدينة سان بطرسبورج وتمكن من وصف بلاد فنلندا.

لقد كرمت وكالة النازا الأمريكية هذا العالم الجليل بأن أطلقت اسمه على جبال شوهدت في الحافة الجبلية لمنطقة سبوتنيك تلاتنوم على كوكب بلوتو، في حين ظلت جهوده العلمية في ثقافته ووطنه طي النسيان، غير أن الوافي نوحي حقق جزء من مؤلفاته ونشرها سنة 2007 ضمن منشورات وزارة الثقافة المغربية.

لقد انتصر الإدريسي في الكثير من المواقف والتصورات عن الظواهر الطبيعية في أبعادها الجغرافية والفلكية والمناخية والطبية للحجة العقلية والمنهج التجريبي على حساب الأساطير والخرافات والمرويات. فتى تعيد ثقافتنا علاقتها التأسيسية بالعلم وتتصالح مع العلماء الذين أفادوا الإنسانية بمعرفتهم واختراعاتهم؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

......................

الاحالات والهوامش:

1- صلاح الدين الصفدي، الوافي بالوفيات، دار إحياء التراث، بيروت، لبنان، طبعة 2000.

2- أبو عبد الله الإدريسي، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، عالم الكتب، بيروت، الطبعة الأولى، 2010،

 

 

محمود محمد علييعد كتاب سيبويه أول كتاب نحوي كامل يظهر للناس، فقد ضمنه مؤلفه سيبويه قوانين لغة العرب التي استقاها من لغتهم . وضمنه الأبنية التي يستعملونها في هذه اللغة، وموضوعات صرفية أخرى كالتصغير، والنسب، وتضمن الكتاب أيضاً دراسات صوتية لغوية كالإدغام، والإمالة، والإعلال والإبدال، فكان بذلك جامعاً موضوعات علم اللغة الحديث كلها : النحو والصرف، والأصوات، وكان علامة مضيئة في حركة التأليف النحوي .

وقد اتخذ كتاب سيبويه مكانة لا يضاهيه فيها كتاب قواعدَ في أمَّةٍ من الأممِ، فقد جذَبَ أعيُنَ النَّاظرين، وتنافسَ في دراستهِ المتنافِسون وشرحه سبعةٌ وثلاثون شارحا من كبار فقهاء النَّحو ومُفتيه، وصار دليلا على تمكّنِ العالمِ ورسوخِه، ولا أدلَّ على عِنايتهم بهِ أنَّ بعضَهم كانَ يسردُهُ غيباً كما يحفظُ الكتابَ العزيزَ، وجاء في بعض الروايات أنّ "عبد الله بن محمَّد الأسلمي "(نحو 430هـ) كان يختمُهُ كلَّ خمسةَ عشرَ يوما وقد عده "السكاكي" المتوفي 626هـ، ( في كتابه مفتاح العلوم) كتاباً لا نظير له في فنه، ولا غني لامرئ في أنواع العلوم عنه، ولا سيما الإسلامية، فإنه فيها أساس وأي أساس، ورآه "ابن حمزة الأصبهاني" المتوفي سنة 360هـ :" زينة لدولة الإسلام". ولشدة اعتزاز "المبرد" بالكتاب كان يقول : لم يعمل كتاب في علم من العلوم مثله "، وكان "أبو عمرو عثمان المازني "، يقول :" من أراد أن يعمل كتاباً كبيراً في النحو بعد كتاب سيبويه فليستحي مما أقدم عليه . وقيل : بل قال : فليستنجد به. وكان "صاعد بن أحمد الجياني"، من أهل الأندلس يقول في كتابه "طبقات الأمم" : لا أعرف كتاباً ألف في علم من العلوم قديمها وحديثها، فاشتمل علي جميع ذلك العلم، وأحاط بأجزاء ذلك الفن غير ثلاثة كتب . أحدها : المجسطي لبطليموس في علم هيئة الأفلاك . والثاني : كتاب أرسطاطاليس في علم المنطق. والثالث: كتاب سيبويه البصري النحوي . فإن كل واحد من هذه لم يشذ عنه من أصول فنه شيء إلا مالا خطر له . وجاء في المُزهِر للسيوطي في وصفِ كتابِ سيبويه : " الكتابُ الَّذي أعجَزَ من تقدَّم قبلَه، كما امتنعَ على مَنْ تأخَّرَ بعدهُ "، ويكفيه رفعةً أنَّهُ الكتابُ الَّذي لا عُنوانَ له، فإذا قيلَ الكتابُ انصرفَت الأذهانُ إليه لشهرتِه وشهرةِ صاحبِه، وما تلك الوعُورةُ الظَّاهرةُ في أساليبهِ إلا بُرهانٌ على عقليَّةِ سيبويه الفذَّةِ .

وهذا دليل على أن الكتاب لا يحتوي على النحو والصرف فقط، بل يبحث في مختلف فروع العربية، ويتعرض لكثير من المسائل الدينية والدراسات القرآنية، فهو كالبحر في تعدد ما يحتويه من أصناف العلوم والفنون، لذلك كان القدماء يسمونه " البحر "، أو " البحر الخضم" تشبيها له بالبحر لكثرة جواهره ولصعوبة مضايقه، وكان المبرد إذا أراد إنسان أن يقرأه يقول له :" هل ركبت البحر؟ تعظيما واستصعاباً لما فيه فكاه لن يستطيع تحمل مشاق قراءته والصبر على استخراج دقائقه وعويصه إلا من ركب البحر وتحمل أهواله، وإلا من غاص فيه واستطاع استخراج درره وجواهره .

ولم يقف إجلال الكتاب على المعجبين بسيبويه من القدماء، إنما تعداهم إلى خصومه، فكان لهم نصيب كبير في الانتفاع به وتقديره لا يقل عن نصيب المحبين، فهذا "علي بن حمزة الكسائي (ت:  189 هـ)، مع خصومته لسيبويه – يقرأ علي أبي الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش كتاب سيبويه ويدفع له مائتي دينار . قال أبو العباس أحمد بن يحيي عن سلمه قال : قال حدثني "الأخفش" أن "الكسائي" لما قدم البصرة سألني أن أقرأ عليه أو أقرئه كتاب "سيبويه" ففعلت فوجه إلي خمسين دينارا وقيل بل وهبه سبعين دينارا، وكان يقول : كان الكسائي يقول لي : هذا الحرف لم أسمعه فاكتبه لي فافعل .

أما "أبو زكريا الفراء" وهو من يعلم تتبعاً لأخطاء "سيبويه" ومخالفة له حتي في ألقاب الإعراب وتسمية الحروف . والذي كان زائد العصبية عليه، حتى هذا الخصم نراه لا يستغني عن كتاب سيبويه، إنما يقرأه خلسة وقد وجد الكتاب تحت وسادته بعد وفاته.

ولما كان الكتاب موضوعاً لكل عصر، وليس مقصوراً على دارس دون آخر، نجد المحدثين قد اعتنوا بدراسته وقدروه حق قدره، ولم يكن تقديرهم له أو رأيهم فيه بأقل من رأي القدماء، فالجميع رأوا الحق واتبعوه وعبروا في أقوالهم عن إعجابهم وتعظيمهم للكتاب ولمؤلفه . فهذا الأستاذ أحمد أمين (في كتابه ضحي الإسلام) يقول في معرض حديثه عن نشأة النحو: وتاريخ النحو في منشئه غامض كل الغموض، فأنا نرى فجأة كتاباً ضخماً ناضجاً هو كتاب سيبويه ولا نري قبله ما يصح أن يكون نواة تبين ما هو سنة طبيعية من نشوء وارتقاء، وكل ما ذكروه من هذا القبيل لا يشفي غليلاً " . ويقول عند كلامه علي الخليل :"... واكتفي في ذلك بما أوحي إلى سيبويه من علمه، ولقنه من دقائق نظره، ونتائج فكره، ولطائف حكمته، فحمل سيبويه ذلك عنه وتقلده، وألف فيه الكتاب الذي أعجز من تقدم قبله، كما امتنع على من تأخر بعده ". ويقول متحدثاً عن الكتاب "وحاز الكتاب ثقة العلماء وتداولوه بالشرح وإذا قالوا الكتاب  فإنما يعنونه، وكل ما ألف في النحو بعده فمبني عليه ومستمد منه".

وهذا " بروكلمان" (في تاريخ الأدب العربي)، يقول عن سيبويه وكتابه :" وكان سيبويه الفارسي أشهر تلاميذ الخليل، ومصنف أول كتاب جمع ما ابتكره الخليل إلي محصول الباحثين السابقين " ويقول في موضع آخر: " أما كتاب سيبويه فهو أقدم مصنف، جمع مسائل النحو العربي كافة، وقد زاد المتأخرون كثيراً من تحديد مقاصد النحو، وتبيين حدوده، لكنهم لم يكادوا يضيفون شيئا ذا بال من الملاحظات المهمة " .

كما تحدث عن الكتاب حديث القدر المعترف بقيمته الدكتور" أحمد أحمد بدوي" إذ يقول: " أصبح كتاب سيبويه بعد أن ظهر للناس برنامجاً لمن أراد الدراسة إلا إذا قرأ كتاب سيبويه، وصار اسم الكتاب يطلق عليه، ويفتخر الطلبة بأنهم قرأوه ... والكتاب في نظرنا مرجع من المراجع نعود إليه عندما نؤلف كتابا في القواعد العربية . وهو صور لآخر ما وصل إليه التقدم العلمي في النحو في أواخر القرن الثاني الهجري، لأن الكتاب ثمرة لهذه الجهود المتصلة في تلك المادة منذ أن بدأها "أبو الأسود"، وهو صورة لما كانت عليه دراسة النحو في ذلك الحين من التعليل، والقياس، والاستنباط، والتفريع، واستيعاب الفروض . وفي رأيي كذلك أن كتاب سيبويه كان الكتاب الأول والأخير في النحو، فالكتاب سجل لقواعد النحو، وقف العلماء عندها ولم يزيدوا عليها، وكل من جاء بعده جعل الكتاب أساس دراسته "(ينظر بحثه عن سيبوبه منشور ضمن صحيفة دار العلوم الصادرة في يناير (كانون الثاني 1984م، ص 39).

وننتقل إلى عرض وتحليل لكتاب سيبويه ؛ ولعل أول ما يلاحظ علي الكتاب أن سيبويه لم يضع له اسماً يُفرده به، وربما أعجلته وفاته عن تسميته كما أعجلته عن وضع مقدمة بين يديه، وخاتمة ينتهي بها، فليس في مقدمة الكتاب ما يشير إلي أنه بداية له، وليس في نهايته ما يشير إلي النهاية، فهو مبتور البداية والنهاية، فنحن نفاجأ في أول سطر فيه بهذا العنوان " هذا باب علم ما الكلم من العربية "، وفيه تحدث عن أقسام الكلمة، وأنها اسم، وفعل، وحرف . ونمضي معه إلى نهاية الكتاب، فنجد الحديث ينقطع عند بيان حذف بعض العرب لحروف في بعض الأبنية تخفيفاً علي اللسان، ومثل لذلك فيما مثل بقول بعضهم " علماء بنو فلان " بحذف اللام في على أي علي الماء بنو فلان . ونحس كأنه لا تزال في نفسه بقية يريد أن يضيفها للكتاب . ولعلنا لا نبعد إذا قلنا إنه لم يأخذ الفرصة الكافية كي ينقح الكتاب، ويخرجه إخراجاً نهائياً . وربما كان هذا هو السبب الحقيقي في أننا نجد عنده شيئاً من الاستطراد كأن يتحدث في بعض أبواب النحو عن مسائل صرفية، وكان يتعرض لبعض صيغ ليست من الباب كتعرضه لبعض صيغ الحال في حديثه عن النعت، وقد يتحدث عن باب في موضعين علي نحو ما صنع بجموع التكسير في الجزء الثاني من الكتاب .

وينبغي ألا نظن من ذلك أن الكتاب لم يُكفل له منهج سديد في التصنيف، فقد نسق سيبويه أبوابه وأحكمها إحكاما دقيقا، وخاصة إذا عرفنا أنه أول كتاب جامع في قواعد النحو والصرف . فقد جعله في قسمين كبيرين هما : القسم الأوّل، وهو في أبواب النحو، والقسم الثاني في أبواب الصرف والأصوات، وقد تضمن القسم الأوّل المطبوع الأجزاء الآتية : الجزء الأوّل – مقدمة الكتاب، وإسناد الفعل والجزء الثاني - إسناد الاسم وأحوال إجرائه على ما قبله، والجزء الثالث – الإسناد الذي بمنـزلة الفعل، وقد ضم : الحروف الخمسة، وكم، والنفي بلا، والاستثناء. والجزء الرابع – أحكام الإسناد مع بدائل الاسم المظهر التام المنون : المضمر، والاسم الناقص، وما لا ينصرف، والأسماء في باب الحكاية . وقد ضم القسم الثاني الذي هو في الصرف والأصوات - لما يطبع - الأجزاء الآتية : الجزء الأوّل – أعراض اللفظ  تناول سيبويه في هذا الجزء ما يقع في اللفظ من الأعراض عند النسب، والتثنية، وجمع التصحيح، وإضافة الأسماء الستة وغيرها إلى الضمائر، والإضافة إلى ياء المتكلم، والتصغير، وحروف الإضافة إلى المحلوف به (القسم)، والتنوين، والتوكيد بالنون، وتضعيف آخر الفعل، والمقصور والممدود، والهمز، والعدد، وتكسير الواحد للجمع، وبناء الأفعال ومصادرها وما يشتق منها . الجزء الثاني : تأدية اللفظ : تناول سيبويه في هذا الجزء ما يجرى في اللفظ عند التلفظ به من تغيير صوتي، وصرفي، وأبواب هذا الجزء تلفظ أمثلة الأفعال، والأسماء، نحو يفعَل من فعَل، والإمالة، وإلحاق الهاء فيما يصير حرفاً نحو : عِه، وألف الوصل، والوقف، والإنشاد . والجزء الثالث : بناء اللفظ، وقد تناول سيبويه في هذا الجزء كيفية بناء اللفظ، وعدّة حروفه، وأحواله في الزيادة، والإبدال، والتصريف، والقلب، والتضعيف، والإدغام الذي ضم خمسة وستين باباً، فهو أطول الموضوعات في هذا الجزء، وبه يتم الكتاب .

ويتضح من هذا العرض أنه يخالف في ترتيبه الترتيب التي تتبعه كتب النحو والصرف اليوم، فأول ما يلاحظ من هذا الاختلاف أن ترتيب أبواب الكتاب يختلف عما في كتب المتأخرين، فهو لا يذكر المرفوعات على حدة، وإنما يخلط بعضها بالآخر، فيذكر المسند والمسند إليه، ثم ينتقل إلي الفاعل والمفعول والحال، والحروف التي تعمل عمل ليس، وإلي المبتدأ والخبر والاستثناء. ولا يسير في ترتيب أبوابه وفصوله ترتيبا منطقيا سليما، فهو يقدم أبواباً من حقها أن تتأخر، ويؤخر أبواباً من حقها أن تتقدم، ويضع فصولاً في غير موضعها. وهو يذكر الباب العام ويتكلم عليه، ثم يعقد بابا خاصا لكل مسألة صغيرة حتى يستغرق الكلام جزئيات الموضوع الواحد ومسائله الصغيرة . ولا يذكر مسائل الباب الواحد متصلة متتابعة، بل يذكر بعضها في بعض وبعضها الآخر في موضع ثان، بعد أن يفصل بينها بأبواب غريبة عنها، وفي هذا تجزئة للموضوع الواحد، وتفرقة لمسائله في مواضع كثيرة. وللحديث بقية!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل- جامعة أسيوط

 

محمود محمد عليفي هذا الجزء الثالث من مقالنا غواص في كتاب سيبويه نناقش قضية التبعية والأصالة في هذا الكتاب العظيم، حيث نجد بشهادة كثير من الباحثين أن هناك رأيان متعارضان، أحدهما يقول أصحابه بتأثر سيبويه في كتابه بالمنطق الأرسطي والنحو اليوناني . أما الرأي الثاني فيقول أصحابه أن كتاب سيبويه يمثل إبداعا عربيا أصيلاً .

وسبيلنا الآن هو عرض آراء هذين الفريقين، ثم نذكر رأينا، وذلك علي النحو التالي:

الرأي الأول: الأصل اليوناني للمنهج عند سيبويه:

نبدأ بالرأي الأول، والذي يمكن أن نطلق عليه  الأصل اليوناني للمنهج عند سيبويه؛ حيث نجد أنه قد ثبت في أذهان كثير من الباحثين في النحو العربي اليوم سواء في الشرق أو الغرب، بأن المنطق الأرسطي أمد علماء النحو العرب بكثير من أساليب البحث، ووضع بين أيديهم تجربة غنية في الدرس اللغوي، أفادوا منها إفادة مباشرة في جانب، وغير مباشرة في جانب آخر، وقد اطمأنوا في كثير من الجزم إلى أن ما انتهجه نحاة العربية من استخدام القياس والعلة، وما اصطنعوه في تقسيم الكلام إلي اسم وفعل وحرف، إنما يرجع في أصله إلي المنطق الارسطي، وإلي الثقافة اليونانية عامة .

وقد بدأت هذه النزعة في دراسة المستشرق الألماني " مركس " والذي زعم أن مفهوم سيبويه للحرف يشبه ما جاء في كلام أرسطو عن الرباط Syndesmos . ثم توالي بعده المستشرقون ومعظمهم يجمع علي أن كتاب سيبويه أول كتاب مدون وصلنا في النحو العربي ؛ حيث يلاحظون أن سيبويه قد جعله معرضا لآراء أستاذه الخليل المتأثرة بالمنطق والفلسفة الكلامية، وكذلك لأفكاره الخاصة التي تبدو فيها النزعة العقلية.

علاوة على أن سيبويه كما يرى هؤلاء الباحثون أول ما يطالعنا به في "الكتاب" من الموضوعات هو ذلك التقسيم الثلاثي للكلام إلى اسم وفعل وحرف، حيث يقول "سيبويه": الكلم: اسم وفعل وحرف جاء لمعني ليس باسم ولا فعل"؛ وهذا التقسيم يقول عنه أنصار هذا الرأي مأخوذاً عن التقسيم الأرسطي إلى اسم Onoma، وفعل Fhema، وأداة Sundesmos، وإن كان أرسطو يعمد إلى التحديد المنطقي الصارم، في حين أن سيبويه يلجأ إلى ذكر الأمثلة،  فمثلاً عرف سيبويه الاسم فقال عنه هو " رجل وفرس وحائط "، على أن هذا التمثيل ليس بعيداً جداً عن كتابات أرسطو، لأن لفظتي "إنسان" و"فرس" من الألفاظ التي استعملها دائما عند تقديمه  الأمثلة .

والموضوع الثاني الذي يقف عنده دعاة هذا الرأي من الباحثين معتبرين إياه أثراً من آثار منطق أرسطو في "الكتاب"، هو الحديث عن المسند والمسند إليه، يقول سيبويه " هذا باب المسند والمسند إليه وهما مما يغني واحد منهما عن الآخر، ولا يجد المتكلم منه بدًا "، وهنا يلاحظ بعض الباحثين أن مصدر سيبويه يرجع إلي أرسطو؛ حيث إن قضية الإسناد هي قضية الموضوع والمحمول، كما وردت في كتاب " العبارة "، و" التحليلات الأولي". يقول روبنـز (في كتابه علم اللغة) "لقد نظر المناطقة القدامى إلي المسند والمسند إليه باعتبارهما مكونين جوهريين لكل الجمل التامة ... ومن هنا فإن التطابق بين المسند النحوي في الجملة والموضوع المنطقي في القضية ليس مستغرباً".

وإذا انتقلنا إلي موضع آخر من الكتاب، وهو "باب اللفظ للمعاني" فإننا نجد سيبويه يعالج قضايا "اختلاف الألفاظ لاختلاف المعاني، واختلاف الألفاظ والمعني واحد، واتفاق اللفظيين واختلاف المعنيين " وهذه القضايا متجمعة في نظر بعض الباحثين تطرح قضية أعم، وهي قضية الصلة بين الألفاظ والمعاني، من حيث الدلالة الوضعية . ولقد بحث أرسطو هذه القضايا في كتبه المنطقية، ومن المعروف أن إحدى تقسيمات مباحث التصورات " في نسبة الألفاظ إلي المعاني "، وهذا التقسيم وإن كانت تغلب عليه النزعة الرواقية إلا أنه في جوهره أرسطوطاليس .

وهناك أمثلة كثيرة تبين مدي الصلة بين منطق أرسطو والنحو العربي عند سيبويه، ونذكر منها الدراسة التي أعدها المستشرق الفرنسي "مركس" Merx في كتابه " تاريخ الصناعة النحوية عند السريان Historia Artis: Grammaticae Apud Syros Merx، حيث حاول أن يثبت تأثر سيبويه بالمنطق الأرسطي، وذلك في المواضع الآتية: مفهوم الجنس (التذكير والتأنيث) – مفهوم الحال – مفهوم الظرف- تقسيم أزمة الفعل – مفاهيم الفعل والفاعل  والمفعول .

بل إن البعض من المؤيدين لهذا الرأي قد أعلن أنه لا يضير كتاب سيبويه كتاب في شئ في أن تتضافر عوامل شتي في تكوينه، وأن يُسهم منطق أرسطو في التوجيه إليه، ويكفي أن نشير إلى ذلك الفصل الذي عقده في الجزء الرابع من الكتاب وعنوانه " باب اطراد الإبدال في الفارسية "، حتى يتضح أن سيبويه لم يكن مغمض العينين عن أمثال تلك المؤثرات .

الرأي الثاني - الأصل الإسلامي للمنهج عند سيبويه:

إذا كان بعض الباحثين من الغربيين والعرب قد مالوا إلى القول بتأثر سيبويه في درسه النحوي بالمنطق الأرسطي والنحو اليوناني، فإن فريقاً آخر من المستشرقين والباحثين العرب قد رفض هذا القول، وهنا بدأوا يوجهون انتقاداتهم للمستشرق "مركس" الذي زعم أن النحو العربي مؤسس وفق منطق أرسطو. فلم يأخذ أحد من المستشرقين كلام "مركس" بعين الاعتبار لسببين اثنين. الأول: وفاة الخليل وسيبويه قبل نقل منطق أرسطو إلى العربية . والثاني: قلة التشابه، بل انعدامه، بين النحو العربي والنحو اليوناني. فأقسام الكلم عند العرب ثلاثة (اسم وفعل وحرف) وعند اليونان ثمانية، ولا يوجد أدنى تشابه في علم الصرف وسائر علوم اللغة بين اللغتين.

بيد أن المستشرق الهولندي "كيس فيرستيج"، (في كتابه نشأة  الفكر اللغوي بين اليونان والعرب)، قد حاول التوفيق بين كلام "مركس" والواقع التاريخي، فبين أن مركس كان يخلط في كلامه بين علوم اللغة أيام الخليل وسيبويه من جهة، وعلوم اللغة أيام "ابن جني" الذي يبدو تأثير الفقه الإسلامي والمنطق اليوناني جليا في كتابه الشهير "الخصائص"، من جهة أخرى. ولما استحال إثبات التأثير اليوناني المباشر على النحو العربي، افترض بعضهم التأثير غير المباشر عليه، أي عن طريق السريان الذين اتصلوا قبل العرب باليونان   وعلومهم .

ويكفينا هنا ما قاله المستشرق الفرنسي "جيرار تروبو" G.Troupeau، الذي نشر بحثا في الرد علي القائلين بالفرضية اليونانية والسريانية لنشأة النحو العربي، وهذا البحث سماه " نشأة النحو العربي في ضوء كتاب سيبويه "، ذهب فيه إلي أن القائلين بالفرضية اليونانية والسريانية يرون أن العرب قد اقتبسوا في دراساتهم النحوية أربعة مصطلحات عن المنطق اليوناني هي: الإعراب، والصرف، والتصريف، والحركة، وأنهم اقتبسوا عنهم أيضاً التقسيم الثلاثي للكلمة إلي اسم، وفعل، وحرف، ويقابلها في النحو اليوناني ثمانية، وهي (الحرف، والمجموع، والرباط، والفاصلة، والاسم، والكلمة، والرقعة، والقول)، ثم يأخذ كل كلمة من هذه الثماني،ويقابلها بالتقسيم الثلاثي العربي، وذلك على النحو التالي:

1- ليس لقِسْم الحرف اليوناني قِسْم يقابله في النظام العربي، لأنَّ "سيبويه" لم يجعل حروف الهجاء قسماً مستقلاً في تقسيمه، كما فعل أرسطو. وكذلك ليس لقسم المجموع اليوناني قِسْم يقابله في النظام العربي، لأن مفهوم المجموع المركّب من حرف غير مصوَّت وحرف مصوَّت، مفهوم صوتيّ يختلف عن مفهوم الحرف الساكن والحرف المتحرك الذي نجده عند "سيبويه".

2- أما قسم الرباط اليوناني فإنه لا يقابِلُ إلا جزءً من قسم الحرف العربي؛ ونجد فرقا بينهما، لأنّ الرباط عند أرسطو لفظ خالٍ من المعنى، بيد أن الحرف عند "سيبويه"  لفظ له معنى .

3- يشتمل قسم الفاصلة اليونانيّ على آلة التعريف، والاسم الموصول، وهما عند "أرسطو" لفظان خاليان من المعنى؛ فليس لهذا القسم قسم يقابله في النظام العربي، لأنّ "سيبويه"  يرى أن الاسم الموصول اسمٌ غير تامّ، يحتاج إلى صلة، فيدخله في قسم الاسم، كما أنه يرى أن آلة التعريف لفظ له معنى، فيدخله في قسم الحرف .

4- أما قسم الاسم اليوناني فإنه يقابِل قسم الاسم العربي، غير أننا نجد فَرقاً بين القسمين، لأن الاسم عند " أرسطو" لفظ له معنى يدل على شيء، بيد أن الاسم عند "سيبويه"  لفظ يقع على الشيء، فهو ذلك الشيء بعينه .

5- وكذلك يقابل قسمُ الكلمة اليونانية قسمَ الفعل العربي؛ فالكلمة عند "أرسطو" لفظٌ له معنى يدلّ على زمان، والفعل عند "سيبويه"  مثال أخذ من لفظ حدث الاسم، فيه دليل على ما مضى وما لم يمض؛ غير أننا نجد فرقا بين القسمين، لأن الصيغة غير المبيَّنة aparemphatos مضمَّنة في قسم الكلمة اليوناني، بيد أن المصدر مضمَّنٌ في قسم الاسم العربي، كما أن الصيغة المشتركة metochikon مضمَّنة في قسمي الاسم والكلمة معاً في النظام اليوناني؛ بيد أن اسم الفاعل مضمَّن في قسم الاسم فقط في النظام العربي .

6- وأخيراً، فليس لقسم الوقعة اليوناني قسم يقابله في النظام العربي، لأن مفهوم الوقعة التي تحدث في آخر الاسم أو في آخر الفعل، مفهوم غير موجود عند "سيبويه" ؛ وكذلك قسم القول، الذي هو عند "أرسطو" مركَّب من ألفاظ لها معنى، ليس له قسم يقابله في النظام العربي، لأنّ سيبويه لم يجعل من القول قسما مستقلاً في تقسيمه .

وينتهي بعد هذه المقابلة إلى أنه من الناحية اللسانية يظهر لنا أنه من المستحيل أن يكون التقسيم العربي منقولاً عن التقسيم اليوناني، لأن عدد الأقسام ومضمونها يختلف في النظامين اختلافاً تاماً .

وللحديث بقية!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل- جامعة أسيوط

 

 

عبد اللطيف احرشاوتطرح قضية الثقافة وعلاقتها بالمجتمع غموضا، لا سيما ما يتعلق منها بدور الذات العربية في ظل العلاقة الديناميكية بينهما ومهام الوساطة الملقاة على عاتق الكائن العربي، فسرعان ما تشتعل بين الفينة والأخرى وبإلحاح شديد مسألة المثقف، لنخلص دائما إلى نتيجة مؤداها أن المثقف العربي في أزمة ومحاط بشروط جعلت من أزمته مرتعا للانتعاش.

لا توجد مؤسسة أكثر غموضا للمثقف من التي تدعي تعريفه، قول يشير إلى القلق الناشئ الذي يحيط بالكلمة لإضفاء الطابع الرسمي عليها وبأي طريقة تكون منطقية وغير موضع شك في الوظيفة الملقاة عليه. فالمثقف العربي بالهوية المضطربة سياسيا، يجده ذاته أيضا يصارعها التحدي المعرفي الذي يتمثل في عنف وإدراك رمزي.  كيف ذلك؟ يجب أن يكون على الرغم من ذلك هو الممثل الذي يفكر في الشيء، وفي نفس الوقت الذي يعترض فيه الكائن المفكر من هذا الشيء.

تستخدم كلمة مثقف للإشارة إلى مجموعة النخبة الفكرية في المجتمع، فنفر من الكتاب يرون بأن هذا المصطلح استعمل لأول مرة من قبل الروس في عام (1860) أي النخبة التي لها نظرة نقدية للأوضاع القائمة (المادية والمعنوية). بمعنى وجود نخبة تختلف عن طبقة المثقفين بشكل عام، في حين تذهب العديد من الروايات حول الموضوع إلى القول بميلاد لفظ المثقفين  في البداية داخل التربة الفرنسية، مع صدور (بيان المثقفين) سنة 1898 وهو البيان الذي وقعه مجموعة من الكتاب والمبدعين والمفكرين الفرنسيين(1) الكبار أمثال إميل زولا ومارسيل بروست ولوسيان هير وآخرون، تضامنا مع ألفريد دريفوس (الضابط الفرنسي ذي الأصول اليهودية) بعد اتهامه من طرف السلطات الفرنسية بالتجسس لصالح ألمانيا، عقب حدث احتلال الألزاس واللورين الفرنسيتين، من طرف ألمانيا بذريعة أغلب سكان تلك المنطقتين يتكلمون باللسان الألماني.

فكان لعائلة دريفوس أن عبأت الرأي العام الفرنسي للدفاع والنضال قصد إعادة محاكمته، بعد إثبات زيف الأدلة والوثائق التي توبع إثرها الضابط الفرنسي، فأصبحت هذه المسألة بمثابة المرجعية التاريخية لهذا المفهوم فأضحى ينظر للمثقف بذلك الشخص المدافع عن القضايا الإنسانية في مستوياتها ومجالاتها المختلفة. ففرنسا منذ الأزل كانت قادرة على تلبية نداء الشعب ومفكريها، إذ لا تعتبر المثقفون مجرد فئة بسيطة من المجتمع، ولكن أيضا في وقت سابق كقادة أخلاقيين وسياسيين، وفي هذا الصدد يقول سان سيمون "كان انتصار قوة العقل على قوة البيروقراطية الأرستقراطية".

إن استخدام لفظ المثقف خصوصا في العالم العربي، تمت ترجمته من حيث الذكاء أي ما هو مرتبط بأنشطة الدماغ والأشخاص الذين لهم مستوى معين من التعليم، لتمييزها عن تلك الشريحة التي تقوم بالأنشطة اليدوية لكن بعد ذلك هذا اللفظ سيأخد معنى اجتماعي وسياسي في الفكر الشيوعي، فعلى حد قول إدوارد سعيد بأنه التفكير الناقد مع الوعي الاجتماعي والسياسي الجيد، بالمقابل ما خلق زوبعة ذهنية أثناء كتابتي لهذه المقالة هي إحدى أقوال المفكر الماركسي الإيطالي غرامشي في دفاتر السجن بأن الجميع مفكر، ومن ناحية أخرى ليس للجميع حق الحصول على وظيفة المفكر!!!

إن الخطاب حول وظيفة المثقف في المجتمع هو موضوع متكرر بشكل مدهش، ومثل هذا التكرار للموضوع مرتبط بلا شك بحرج لا يمكن إنكاره، ما يستدعي نقاشات نظرية يحضر فيها عموما البعد الأخلاقي لوظيفة المفكر كمحور للجدال وتفضيلا عن استدعاء نوعية مساهمة المثقف في مجتمعه، أليس من المفترض أن يصاحب التطور ويحلل التناقضات بكل صرامة، وهو ما سيرمي بنا إلى توضيح الرؤية عند الكثيرين وإزالة الخلط لديهم حول الفرق بين المثقف والأنتلجنسي كي نحد هذا الغوغاء.

إذن فالأنتلجنسيا يا معشر العاقلين ليس كما يتباذر للذهن للوهلة الأولى، وكما يشير لها معناها القاموسي "مجموع المثقفين في بلد ما" لكن ما الأنتلجنسيا بفهمها الصحيح هي الشريحة الحاملة للوعي الثوري، وأداة العمل الثوري أيضا (2). وبالتالي فالمثقف لا يمكن أن ينضوي تحت لواء الأنتلجنسيا إلا حينما يعمل على ممارسة النقد للواقع وصولا إلى تغيير الوضع القائم، أي -عندما يحمل مفاهيم وتصورات رافضة وداعية في نفس الآن إلى تعديل جذري- أما إذا كان غير ذلك فهو ينطبق عليها فقط ما يقال في الأوساط الفكرية الفرنسية "كلاب الحراسة" للوضع السائد، لا لشيء إلا أنه حامي نير الديكتاتورية دون القيام بالمهام التاريخية الملقاة عليه. وهنا نستطيع التمييز بين المثقف والأنتلجنسي هذا الأخير ليست مهمته تبرير الوضع وإضفاء الشرعية الأيديولوجية عليه، وإنما ممارسة النقد الجذري الثوري لما هو كائن التزاما بما ينبغي أن يكون.

لقد فهمنا إذن المشكلة والتي تكمن في القرب المفرط والتداخل في البداية، وأن تفكيك المفاهيم يجعلنا نميز عناصر المعادلة وبدونها يضمر الفهم ويصبح النهج عشوائيا وخلطا غير مبرر، فالمشكلة معقدة بشكل لا نهائي عندما يتعلق الأمر بالتحقيق في وظيفة المثقف داخل سياقاته الاجتماعية. صحيح أن المثقف شخص موهوب في مجال المعرفة شريطة أن يكون لهذه المعرفة تأثير على الشؤون العامة، لهذا فالأنتلجنسي هو شخص يفكر وينقل في نفس الآن أفكاره إلى الآخرين، فهو في المقام الذي يتوجب عليه خيط روابط وبناء جسور بين الأفكار والواقع، وخلق علاقات بين المجال الخاص والمجال العام، ما يجعله بذلك ذاتا تفكر في المجتمع وتعتبره أيضا الجماهير شخصا مبدعا لهم.

إن المتتبع للوضع الثقافي بالمنطقة العربية، يستطيع أن يرصد بكل بساطة ودون جهد متعب التيارات والتوجهات الفكرية السائدة، وكذلك الأيديولوجية المهيمنة والتناطح الموجود بين مختلف الرؤى، ما يبين المفارقة الواضحة بين التنظير الفكري والتنزيل العملي ليبين في المجمل السفسطائية العربية بين الفئات الاجتماعية وانتماءاتها الأيديولوجية تنظيرا وعمليا، وما يزيد من تفاقم حدة الأزمة  والإقرار بها في الوطن العربي، تاريخيا منذ عصر النهضة الأوربية، نجد خير مثال لها يتمثل في هامشية المثقفين العرب وتخبط مواقعهم، الأمر الذي يتطلب بالضرورة تكثيف الجهود من قبل النخبة الواعية عن طريق التحليل الموضوعي لا الأيديولوجي فقط، هذه المقاربة الموضوعاتية  سألخص طرحها في ثلاثة أبعاد.

بعد المثقف وثقافته العربية: من الأمور المسلم بها أن الواقع العربي يعيش تشوها في أوضاعه المادية، هذا إلى جانب غياب مؤسسات للثقافة لمأسسة المشهد الثقافي العربي، وهو ما نتج عنه تشتتت المثقفين العرب وظهور صراعات على المستوى الأيديولوجي والسياسي وانتهائهم بالارتماء في أحضان التبعية للغرب، كل هذا انعكس على المثقف العربي وظهرت أزمته في تعاطيه مع ثقافته العربية، وكان مجمل ذلك ظهور مذاهب فكرية مختلطة في الساحة العربية، فترى الفكر التنويري بجانب الفكر المثالي، وكذا سلفي تقليدي بجانب حداثي معاصر، والمحافظ بمقابل الراديكالي كل هذا شكل هويات هجينة وخليط من الخطوط الفكرية التي يصعب عليها تفسير الواقع بمسلمات وبديهيات تقدمية طلائعية، ولم يبلغ هذا ال أيضا حتى اليوم مرحلة توفيق التراث مع النهضة الحضارية، فلا هو حداثي المرجعية ولا هو تقليدي التراث، مما ساهم بشكل كبير في أزمة المثقف العربي الذي تشرب من الثقافة الغربية في تحصيله الأكاديمي ولكنه كان دائم الحنين لثقافته وتراثه العربي فيحدثنا أحيانا عن التحرر، المساواة، العدالة، الكرامة وفي أحيان أخرى يمجد العرب ورجعيتهم يسعى إلى تحليل الواقع بتفسيرات لا هوياتية أو قدرية مثالية تطلق شعارات غير مؤمنة بها لتدعيم النظام القائم، تبحث في الهوية والتراث وتناقش الحاضر تنقل عن الغرب وتقدس الموروث. فهل المثقف العربي تقدمي التصور أم رجعي التفكير أم يجمع الإثنين عملا بالحل الوسط؟

من هنا فإن العمل على تجاوز الأزمة يتطلب ليس فقط توحيد الأنماط الأيديولوجية، بقدر ما هو غياب المنحى الجدلي الذي يضع الوحدة العربية أفقها المنتظر وأيضا تقديم نقد موضوعي للتاريخ وقراءة الحاضر به وتشوفا لتصور مستقبلي، يمزج بين التراث والحداثة عبر أخذ ما هو صالح لزمن تقني بامتياز يمكن من صياغة رؤية تجمع في مجملها البعد التاريخي والحداثي في تحليل وتفسير واقع المرحلة، وبالمقابل إغفال البعدين السالفين الذكر حتميا هو وقوع في أحبال التبعية ونخلص إلى القول بأن أزمة المثقف فهو حتمي وخارج عن إرادته فهو ترجمة فقط لمظاهر التشوه والتخلف بالمنطقة العربية، ما جعل مثقفي الشرق يعيشون على هامش المجتمع مغتربين عن واقع مجتمعهم فكثرة الأيديولوجيات السائدة وأيضا الازدواجية في المواقف، والخلط بين الفكر والمعرفة في حد ذاته نتاج البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها المثقف، فمنطقيا إذا كان العالم العربي يحيا فيه التخلف والتشوه فالنتيجة بذلك سيصبح فيها المثقف تعبير واضح عن أزمة المجتمع تدور فيه معارك منذ قدم التاريخ حول المسلمات الأساسية والواقع المعاش، ويتسم بالتناقض بين الفكر والواقع. ولكي نوضح هذه المسألة أكثر يمكن استحضار دور المثقفين العرب تجاه قضايا الاستعمار والتبعية فعند جلوسنا ومحاورتنا للتاريخ العربي، نستخلص اتجاهات ورؤى للمثقفين خاصة في مرحلة ما يسمى بالنضال السياسي ضد المستعمر الأجنبي، فإحداهما سلفي تقليدي يرفض كلية إقامة علاقات مع الغرب الكافر واعتبرها بأن سبب انحطاط وتراجع الأمة الإسلامية، ونمط آخر وليكن ليبراليا يرفض الفكر التقليدي ويدعوا إلى محاكاة الغرب سياسيا دون الإهتمام بقضايا الإقتصاد والمجتمع. أما النوع الثالث فقد رحب بالعقلانية الفيبرية المنادية بالتنظيم الرأسمالي ورفض السياسة الليبرالية، والأخير الماركسي الاشتراكي فقد ٱهتم بترديد الشعارات الرامية للتغيير والرافضة لوحش الرأسمالية والتذكير بالتاريخ الغربي وحداثة فكره (3) دون موضعة المجتمع العربي ومحاولة نقد الأوضاع من داخله، انسجاما وشروط المنطقة باختصار كان انتقال المفكر العربي كله منصب على دراسة الفكر الغربي، لكن في مرحلة الكفاح المسلح من أجل الاستقلال شهدت الشعوب العربية وحدة لم تعرفها من قبل وٱلتحم مثقفيها بالجماهير، فتم تكوين مجموعة من الأحزاب الوطنية (حزب الاستقلال بالمغرب، الحزب الدستوري بتونس مثلا) إلا أن الأمر سيتغير فيما بعد، كما سيتضح استبدال المواقع حسب موازين القوى وتضارب المصالح الوطنية وتغليب مصلحة الأفراد على مصلحة الجماهير، وهذا إن برهن على شيء فلعله خير برهان على أزمة المثقف والشخصية العربية. مجمل القول فكل التناقضات تعبر عن التفسخ والتشردم الثقافي بالمنطقة العربية، إذ أصبح الحاكم هو المتحكم في الثقافة ومساراتها المختلفة، وأصبحت بذلك مغتربة عن واقعها مرتبطة بالآخر المتقدم الذي يمتلك كل وسائل الانتاج الثقافي، فالمرحلة اليوم أصبحت تعرف بحرب الثقافة والاحتلال الثقافي للشعوب المغلوبة على أمرها، تطاحنات ثقافية غيرت منحى سير الشعوب وخلقت استعمارا جديدا أشد حدة من الحروب المادية، إن الإنسان العربي يعنف ثقافيا بل إن الغرب يلوي كل من الحاكم ويحول المثقف إلى مجرد خادم مطيع، هذا غير منعرج الأزمة إلى البناء الداخي، وأصبح الاغتراب والانفصال عن الواقع هو السمة المميزة للمثقف العربي، فتركت جماهير هذه الشعوب تعيش الأزمة الخانقة، حائرة بين الرومانسية والأدب والواقعية المغتربة، يعيش في جور وظلم الرأسمالية والسلعنة والتشييء ويحلق في أوهام الميتافزيقا والرجعية والخيال.

بعد المثقف والسلطة السياسية: تتولد علاقة المثقف بالسلطة والنظام السياسي منذ القدم، بضرورة تاريخية مسعاها تنظيم مؤسسة المجتمع، يلعب فيها المثقف دور الوسيط المفكر في الجوانب الاجتماعية، الاقتصادية، السياسية، الثقافية كما يتعهد الحاكم تثبيت ركائزه ومشروعيته من باب المعرفة التي يمتلكها المثقف، إذن العلاقة في الأصل والمجمل ذات طبيعة تشاركية تحتم على المثقف عدم الانحياز لطرف أو مؤسسة على حساب أطراف أخرى، وألا تكون هذه الطبيعة تسلطية أو إقصائية خصوصا من جانب الراعي ضد رغبات وطموحات الرعية، على أساس عقد اجتماعي يخضع له الجميع، ولكن تاريخيا أيضا نستثني المنطقة العربية من كل هذه الشعارات التي كانت تربتها أوربية بالأساس، فالحاكم العربي كان دائما صاحب التشريع والتنفيذ ومارس وصايته التقليدية ورقابته الأمنية على كل الأصوات الحرة المنادية بالتغيير، ما جعل العديد منها يعانون في صمت جراء التهميش أو كان السجن جزاء لهم على نقد البيئة الحياتية للإنسان العربي، باعتبار المثقفين العرب الذين أخذوا على عاتقهم مناههضة الوضع وتسلطية الأنظمة، فمن خلال استقراء مجموعة من التجارب كنا دائما ما نصطدم بحقائق مرة إما التعذيب والتنكيل بهم وإما التزام الحياد قدر الإمكان، والذي كان كافيا في تشويه فكرهم وهناك آخرون مناصرين للسلطان ولو مؤمنين بفساده، فكان لهم أن شاركوا الحاكم في لعبته السياسية لإضفاء الشرعية على حكمه، وعملا الإثنين بالجدل الماكيافيلي فالحاكم يناصر دينا ولو أنه معتقدا بفساده، إلا أن المثقف العربي استبدل الدين بالحاكم العربي فأصبح يناصر الأنظمة العربية ولو أنه متيقنا من ديكتاتوريتها .ما جعل الكثير منهم يتميز بالتناقض بين فينة وأخرى، والسبب في ذلك يعود لتغيير موقع المثقف فإن كانت مهامه إحداث ضجيج للسلطة لكن أين يمكن إرجاع ذلك الضجيج هل لمصلحة عامة أم مصلحة خاصة؟ والتي غالبا ما تنتهي بتحصين الموقع وكذلك تغيير الموقف، فهو صراع قديم قائم على الشك والتناقض، وفي عالمنا العربي وضعت للمثقف حدود خطابية ومسافة نقدية بين السلطان وحاشيته، لتبقى النتيجة تحصيل حاصل للطرفين معا ويظل الجمهور كالمعتاد الحلقة المنسية في الصراع في مرحلة تفرض عكس ذلك، وبالتالي وجب موقعة الشعب كقنطرة تجمع بين الجانبين أي موضعة الجمهور كأساس في معادلة المثقف والسلطة، علاقة ستجعل المثقف يحمل هموم الشعب بمختلف مكوناتهم الثقافية، عوض الجلوس في الأبراج العالية والمكاتب المكيفة، وفي هذا السياق يسير المفكر إدوارد سعيد الذي طالب بضرورة استقلال المثقف عن السلطة، فالمثقف يطالب بقيم عالية كالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وليس القيام بمهام أدلجة الشعب وإضفاء الجمهور لشرعية غير قصدية على الأنظمة العربية، ومرد ذلك في الأخير هو الدور الغير الأخلاقي للمثقف في زمن التخاذل والنكران والرداءة.

بعد المثقف والقضايا الاجتماعية: عندما يطرح هذا الموضوع في الأوساط الفكرية العربية، غالبا ما يتم استحضار تجارب الجغرافيات الأخرى، والدور الذي لعبه فيها المثقف إبان الثورات والانتفاضات الشعبية (الثورة الفرنسية، الثورة الثقافية بالصين) ما يجعل الكثيرين منهم يدافعون على مأساوية العرب وتخلف شعوبها، فنجد التنويري يتطاول على الليبرالي وهذا الأخير يحاول خندقة اليميني، ويبقى الحديث بذلك خارج الشعب الذي نحن له دوما أن يكون موضوع المرافعات النظرية والمناقشات الفكرية، في وقت كان فيه العالم بالمعنى التقليدي للكلمة في وسطها العربي، يدرج ضمن الخاصة فإذا كان أغلبية العلماء والمفكرين والفلاسفة ينتمون اجتماعيا إلى فئات من العامة، وإلى ما دون الخاصة فهذا لا يعني أن أصناف المعرفة المتباينة التي كانت تمثلها الأقلية الخاصة لها نفس العلاقة والمسافة مع العامة، وهنا يمكن استحضار قول علي بن أبي طالب من أن "الناس ثلاثة فعالم رباني ومتعلم على سبيل نجاة وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق".

لا ننكر أن الجمهور العربي بقي حبيس البحث عن قوته اليومي ناسيا ومتناسيا أو متحالفا مع أصحاب القرارات وطبيعة الأنظمة التبعية، المسؤولة أولا عن تجويع وتهميش وتنكيل شعبها، فظل المثقف هو الآخر إما مقدما تحليل وتفسير للأوضاع فقط دون نقدها وتقديم تصور مستقبلي وتغيير الوضع القائم، وهناك من ارتكن في مراكز البحوث والجامعات ناهجا سياسة الحياد والاغتراب حتى ييتعد عن الاتهامات المجانية وصفة التخوين التي باتت لصيقة الشريحة المثقفة أو (الحاملين لهذه الصفة بهتانا وزورا) أكيد من مسؤولية المثقف حشد الجماهير واستقطابها وتأطيرها أخذا بعضوية غرامشي وبروزا لما يسمى بالمثقف الملتزم، لكن على غرار ذلك مع مرور الزمن تزداد فقط الفجوة وتتسع شيئا فشيئا مع تقادم الأيام، فيهدم جسر التواصل ويعود ذلك لانغماس المثقف في مصلحته الخاصة، باعتباره الذات والموضوع في هذه المسألة، ولم يكتب له الانخرط والتوغل وسط الجماهير لإدراك إشكالاتهم والوعي بقضيتهم ومعاناتهم، ما جعل الجمهور يبادل المثقف نفس الاهتمام بأنه شخص يطفوا في المثالية وفي أعالي مدينته الفاضلة وعالمه الوهمي.

ونحن على مشارف الختم، إن المثقف العربي عشق الهامش ووجد ضالته فيه، ففي كتابات عدة كان مطالب بالدعوة إلى القيام بدوره التاريخي، والأخذ على عاتقه مسؤولية نقد مستويات البنية التحتية والفوقية في الوطن العربي، وتحديد موقعه والابتعاد عن السكيزوفرينية والازدواجية في المواقف، أو الحياد والاغتراب. هذا الأسلوب النقدي والتعبير الحر سيجعل المجتمع يفصل ويميز في وطنه العربي بين المزيف والحقيقي، وبين الخيال والواقع كفيلا بقيام ثورة ثقافية واعية وواقعية، وليست مغتربة عن القضايا الجوهرية، فالنقاش المدار منذ الأزل يضعنا أمام إشكالية تحديد المثقف الذي نتحدث عنه قبل الحديث عن مهامه، فمثقف العرب خليط هو الآخر من أيديولوجيات كثيرة ومواقف متضاربة، وتصورات متناقضة كواقعه. من سيقود مبادرة التغيير في الوطن العربي؟ خصوصا وأن الأصوات الحرة تعاقب بسنوات من الاعتقال وأحيانا الاغتيال، وهو ما سيحيلنا إلى التساؤل هل هناك بالفعل جماهير تحمي هذا المثقف أم فقط البعض يقدم ضريبة فكره ووعيه وآخرون بجهالتهم ينعمون في الفتات؟

رحم الله أبو الطيب المتنبي في قوله:

ذُو العَقْلِ يَشْقَى فِيْ النَّعيم بِعَقْلِهِ

وأَخُو الجَهَالَةِ فِي الشَّقَاوةِ يَنْعَمُ

 

عبد اللطيف أحرشاو

....................

المراجع

1 - جمال علي زهران، تأثير الأوضاع المجتمعية على دور المثقف العربي، مجلة الوحدة، العدد 40، يناير 1988، ص34.

2 - جورج طرابيشي، من المثقفين إلى الأنتلجنسيا، مجلة الوحدة، العدد 40، يناير 1988، ص62.

3- أحمد مجدي حجازي، المثقف العربي والالتزام الأيديولوجي، مجلة الوحدة، العدد 40، يناير 1988، ص29.

 

علي المرهجقراءة في مشروع طيب تيزيني

خسر العرب وأهل الشام اليوم (الجمعة 17 -5 – 2019م) الدكتور طيب تيزيني (1934ـ 2019) صاحب "مشروع رؤية جديدة للفكر العربي" أستاذ الفلسفة بجامعة دمشق. درس الفلسفة في بريطانيا وألمانيا، ينتمي للتيار اليساري الماركسي مع تبني لفكرة القومية العربية. أختير في خواتيم القرن المنصرم واحداً من أهم مائة فيلسوف في العالم

يؤمن طيب تيزيني بأن حركة التاريخ العربي تسير وفق جدلية الصراع بين المثالية والمادية من جهة، وبين الدين والعلم من جهة أخرى. حاول في أغلب كتاباته تطبيق المنهج الجدلي المادي (الماركسي)، ورغم تأثر الفكر الفلسفي العربي والإسلامي بالفلسفة اليونانية إلَا أن تيزيني يعتقد أن هذا التأثر والتأثير هو من باب التفاعل الحضاري لا النسخ للتجربة ولا تعني التبعية الفكرية.

حاول أن يقرأ التاريخ العربي منذ الجاهلية مروراً بتحولات المجتمع في الرسالة الإسلامية بما فيها النص القرآني المُقدس وصولاً للنهضة الفلسفية في العصر الوسيط وفق المنهج الجدلي (الماركسي) وتطبيقاته وفق (المادية التاريخية).

لا ينظر تيزيني للإسلام بوصفه ديناً فقط، إنما هو هو "رؤية دنيوية" فيها معالجة لمشكلات الواقع والحياة الاجتماعية مؤكداً على ما أسماه "التربية الجماهيرية الاشتراكية" التي من خلالها يُمكننا تحقيق "العدالة الاجتماعية"

إن النظر للإسلام نظرة مثالية يعني جعله مجرد فكر تجريدي يخدم أصحاب رأس المال والطبقة البرجوازية والاقطاعية. أما النظرة المادية للإسلام بوصفه فكر تحرري إنما يدفع باتجاه بناء إنسان واع، حر، لأن الإسلام في فترته الكفاحية الأولى كان ضد "الذي جمع ماله وعَدده".

ينظر للقرآن لا بوصفه نصاً دينياً مُقدساً، إنما يتعمل معه تيزيني بوصفه "ترلث حقوقي وأخلاقي واقتصادي واجتماعي".

في تراث الإسلام الكلامي كان المعتزلة الذين دخلوا للنص من باب العلم والأخذ بمعطيات العقل ومن ثم التأكيد على "وحدة النظر والعمل"، ومن هنا جاء ابرازهم لموقع "الإنسان" والتأكيد على أهميته في فهم الكون والعالم وترتيب العلاقة مع الذات الإلهية، لأن الإنسان حُرَ، وهذه الحرية هي التي جعلت العقل المُسلم فيما بعد يتصدر مشهدية الحضور في الثقافة والفكر والعلم في القرنين الثالث والرابع الهجري بل وحتى الخامس الهجري على ما فيه من محاولات لقمع التفكير الحر وتكفير الفلاسفة من قبل الغزالي.

ركز تيزيني على قدرة العقل الإسلامي على "التثاقف" أو "التلاقح الحضاري" والافادة من علوم الغير، تلك الدعوة التي تبناها الفلاسفة وظهرت جليَة وواضحة في كتابات الكندي وابن رشد تصريحاً، وفي كتابات الفارابي وابن سينا وابن باجة وابن طفيل تبنياً في كتابيه "من التراث إلى الثورة" و"مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط".

ما يؤكد عليه تيزيني مراراً وتكراراً أن هذا التأثر و"التثاقف" لا يعني بأي حال من الأحوال تبعية العقل العربي الإسلامي للعقل اليوناني كما يذهب لهذا الرأي بعض المستشرقين أمثال رينان الذي يؤكد على أن "الفلسفة الإسلامية هي فلسفة يونانية كُتبت بحروف عربية"!.

فتيزيني يرى فيما طرحه المفكرون والفلاسفة العرب والمسلمين إنما هو معالجات لقاضاي في "تراثنا الثقافي"، فمع الكندي كان "التثاقف" محاولة لتبرير فكرة "الخلق من عدم" فلسفياً، وبالتالي فهي محاولة "لتأطير الدين باطار فلسفي" كما يرى تيزيني، ومع الفارابي كانت "الملَة" في خدمة "الحكمة" لأجل تنقية "الملة" ومعالجة الفهم المغلوط لعلاقة ما في الأذهان لما في الأعيان.

في الفلسفة المغاربية نزوع نحو تفلسف عقلاني فيه تطوير لتوظيف الفهم المادي لعلاقة الإنسان بالله، وتلك رؤية نجدها واضحة في كتابات ابن طفيل في فصل الشريعة عن الحكمة رغم التلاقي في خاتمة المطاف، فالطرق إلى الله "بتعدد أنفاس الخلائق" كما يقول ابن عربي.

وقمة العقلانية تمثلت في ابن رشد سواء في تبنيه للفلسفة الأرسطية ودفاعه عن أرسطو على أنه "الرجل الذي كمل عنده الحق" أو في دفاعه عن المعرفة العقلانية المتأتية من طلب الإنسان للتدرج في التعلم وفق قاعدة الضرورة أو التلازم بين العلَة والمعلول، الأمر الذي يقتضي سعي الإنسان لتنمية معارفة فيما يُسمى اليوم بـ "نمو المعرفة العلمية" التي يحصل عليها الإنسان بالتأمل والنظر والافادة من عقول أصحاب الفكر.

ولم يخرج ابن خلدون عن مقتضى هذه الرؤية ولكن وفق رؤيته الاجتماعية لا الظانطولوجية، فهو فيلسوف اجتماعي شغوف بالكشف عن عوامل النهوض والأفول في الحضارة وفق رؤية فلسفية مُستمدة من فهم حركة التاريخ مُنتقداً اعتماد التفسير الميتافزيقي للوجود وعلاقة الإنسان بالطبيعة والحياة.

وهذه رؤية يتشارك بها محمد عابد الجابري مع تيزيني على ما بينهما من اختلاف في الرؤية والمنهج.

يؤمن تيزيني بمفهوم غرامشي "المثقف العضوي" يكون فيه المثقف مُشاركاً في التغيير الثوري اجتماعياً وسياسياً مُبتدءاً بضورة استخدام "المنهج الجدلي" لغرض تفعيل ما أسماه "فن المُحادثة" الذي هو أحد معاني الجدل. لذلك هو يرفض ظاهرة "الثقافة للثقافة"، ويدعو لأن ينتظم المثقف في حزب سياسي يُحقق فيه أهداف سامية تنفع المجتمع وتخلصه من "التبعية" و"التخلف" و"الاستبداد".

إن مهمة المثقف هي "التثقيف النظري بالواقع" وكشف عيوب هذا الواقع سياسياً واجتماعياً وثقافياً.

ينظر تيزيني لكل الأديان السماوية والوضعية بوصفها نمطاً من أنماط التفكير الجدلي لا سيما الأديان في الشرق الأقصى مثل: البوذية والكونفشيوسية والتاوية، فهي جميعها "رأت أن العالم في صيرورة وتبدل دائم" وتلك كانت رؤية الفيلسوف اليوناني "هرقليطس" (فيلسوف التغيَر والصيرورة)، وكان السفسطائيون من أوائل الفلاسفة الجدليين حينما وجدوا في الجدل أداة ومنهج للوصول للحقائق وفق رؤية ذاتية معيار صحته النفع الشخصي.

وفي فلسفة افلاطون حول "الجدل الصاعد" و"الجدل النازل" تأسيس معرفي لأهمية هذا المنهج في فهم طبيعة النفس وعلاقتها مع العالم الطبيعي من جهة والعالم المثالي من جهة أخرى.

مع هيجل تحول الجدل إلى فلسفة لها منطلقاتها ومُتبنياتها، فصار مبدأ "التناقض" فيه حجر الزاوية.

"أنت أنت بقدر ما تكون هو، وهو هو بقدر ما يكون أنت" هذه مقولة يعتمدها تيزيني كتعبير عن فرؤيته لمفهوم الجدل بوصفه نظرية وللتناقض بوصفه المبدأ الأساس الذي يتأسس عليه الجدل.

تحقيق "النهضة" وتجاوز حالة "التخلف" في مجتمعنا مهمة المثقف والعالم على حد سواء، وذلك باعتمادهما على مبادئ ثلاث هي: الحقيقة الموضوعية، والحرية العلمية، والالتزام السياسي، وهذه مابدئ ينبغي أن يتحصن بها ويقتدي "الباحث العربي الثوري".

لا يستسيغ تيزيني الفصل بين ما هو فلسفي وماهو أيديولوجي، لأنه ينظر لكلا التوجهين بكونهما موقف من العالم والحياة، بل وهما في ذات الوقت دفاع عن موقع" بعبارة أستاذنا (مدني صالح)، وفق هذه الرؤية في تضاد المثالية مع المادية، أو تضاد المادية مع المثالية، إنما هو ليس تضاداً معرفياً فقط بقدر ما يحمل بين طيَاته سعي للازاحة و"التحيز" الذي هو سمة من سمات الأيديولوجيا.

ينصر تيزيني للفلسفة المادية لأنها "تكتسب طابعاً علمياً أمق فأعمق (من المثالية)، وذلك بتوحيدها لوظيفتها "المعرفية" بو ظيفتها "الأيديولوجية" توحيداً عملياً جدلياً دقيقاً".

الفلسفة المادية تفهم العالم كما هو، بينما الفلسفة المثالية تفهم العالم وفق "المُتمنى"، لأنها تشتغل في عوالم "التجريد" وتلجئ للمُخيلة والتفسيرات الغيبية المُعتمدة على "الوثوقية المُطلقة" بقدرة العقل بذاته للوصول للحقيقة، لأن المثالية بشقيَها (الموضوعي) و(الذاتي) تنطلق من الإيمان بأسبقية وأولوية الوعي على المادة.

النظرية الاشتراكية الثورية هي "فلسفة الجماهير"، وانتصار الطبقة "العاملة"، مهمتها "تغيير العالم" لا تفسيره بحسب ما يقول ماركس، فكل الفلسفات السابقة كان همها تفسير العالم، بينما في الفلسف الاشتراكية سعي علمي وثوري لتغيير العالم، توحد بين "المادية" و"الديالكتيك" اللذان يتأسسان بصورة صحيحة وفق الوعي الاجتماعي والوجود الاجتماعي، و"الوجود الاجتماعي هو الذي يُحدد الوعي الاجتماعي، كما تُحدد "المادة" الـ "الوعي".

الفلسفة عنده، إذن، هي "شكل من أشكال الوعي الاجتماعي...تؤدي وظيفة اجتماعية وفكرية.

 

ا. د. علي المرهج – أستاذ فلسفة

 

عدنان عويدظهرت فكرة الحداثة كمفهوم واسع الدلالات وكمشروع ضخم ارتبط بانطلاق الثورة الصناعية في أوربا، وظهور الطبقة البرجوازية كطبقة تقدمية تعي ذاتها من خلال التعبير عن مصالحها ومصالح الطبقة العمالية المرتبطة بها، هذه الطبقة التي ظهر معها الكثير من المفكرين الذين راحوا يعبرون عن مصالحها وطموحاتها بفكر عقلاني تنويري مشبع بتفاؤلها ونزعتها المركزية العقلانية. ولكن شيئاً فشيئاً راح يغلب على هذه العقلانية روح (العقلانية الأداتية)، أي ذلك النمط من التفكير الذي إذا ما تعرف على مشكلة ما، سعى لحلها مباشرة دون التساؤل عن أهداف هذه الحلول وغاياتها إن كانت إنسانية أو معادية للإنسان. هذا وقد فرضت هذه العقلانية الأداتية آنذاك أسلوب آليات التبادل المجردة في المجتمع الرأسمالي حتى في القيم، بعد وصول الطبقة البرجوازية إلى السلطة. فتبَادل السلع في عالم هذه الطبقة بعد أن تحولت إلى طبقة إمبريالية احتكارية، يعني تساوي الأشياء المُتبادَلة كسلع ، فما يهِم في السلعة إن كانت جهد العامل المنتج، أم المادة المنتجة للتسويق ليس قيمتها الإبداعية وما تتضمنه من قيم إنسانية معدة لتامين حاجات الناس الاستعمالية المتعينة، وإنما ثمنها المجرد وما تحققه من ربح لمالكها. وإذا كانت أفكار التنوير قد جاءت مع ظهور الطبقة البرجوازي كطبقة تقدمية في بداية ظهورها تعمل على محاربة الظلم والاستعباد، وقيم النبالة والعقلية الكنيسة الغيبية وما تمارسه من تخدير وتغييب لوعي الشعب عن مآسيه، الأمر الذي جعل  أفكار التنوير تشكل أنموذجاً حياً لطموحات هذه الطبقة، وتعبيراً هادئاً عن مشروع الحداثة بكل ما يحمله هذا المشروع من مفردات تعبر عن الحرية والعدالة والمساواة، وعن المواطنة والحقوق الطبيعة والقانونية ودولة المؤسسات وحرية الرأي واحترام الآخر فكراً وعقيدة،  إلا أن أفكار التنوير بعد وصول الطبقة البرجوازية إلى السلطة وتحولها إلى طبقة برجوازية إمبريالية إستعمارية، راحت تقمع شعوبها وشعوب العالم، ومع هذا القمع أخذت أفكار التنوير ذاتها تتحول من أفكار تحريضية للثورة ضد الظلم والاستغلال، إلى أفكار يغلب عليها الطابع (التبشيري) بسبب إفراغ الطبقة البرجوازية لهذه الأفكار من محتواها وتحويلها برمتها إلى شعارات براقة يتغنى بها الإعلام الغربي ومؤسساته الدستورية ودساتيره، بينما الواقع يقول غير ذلك. فالمواطن الذي غنت له شعارات الحداثة مع فكر فلاسفة عصر التنوير، وبيانات حقوق الإنسان ومضامين دساتير هذه الدول عن الحرية والعدالة والمساوة ودولة القانون والمواطنة وغير ذلك، راح هذا المواطن الذي بدأ يُستلب ويُشيئ ويُغرب بفعل آلية عمل السوق القائمة على الربح، يعيش اضطهادا وتهميشا تحجبه غشاوة السعادة التي خرجت من معطف الحرية الفردية والاجتماعية وصناعة التسلية والترفيه وثقافة الاستهلاك والإعلام المنمذج والتركيز على غرائز الإنسان أكثر من عقله. الأمر الذي جعل اغتراب الإنسان واستلابه وتشيئه في النظام الرأسمالي، يحول الكثير مما هو إنساني، ويعبر عن القيم النبيلة للإنسان، إلى قيم وسلوكيات حيوانية في العالم الرأسمالي.

إن انتصار العقل الأداتي وسلطته السياسية والاقتصادية للطبقة البرجوازية على أفكار التنوير العقلانية النقدية، أسفر عن جملة من المغالطات والتعسفات كانت أساسا لولوج الحداثة مرحلة الأزمة. وبالتالي بدء ظهور فكر وعالم ما بعد الحداثة الذي يعبر خير تعبير عن عالم الطبقة الرأسمالية الاحتكارية وعالم القطب الواحد.

مع تحول الطبقة البرجوازية إلى طبقة إمبريالية احتكارية تمارس الظلم على شعوبها وشعوب العالم، تبدأ مسيرة الحداثة بالتراجع، وتبدأ معها قيمها النبيلة بالتراجع أيضاً لتحل بدلاً عنها قيم التذرير والتفكيك والنهايات. أي موت القيم في الفن والأدب والفلسفة والأيديولوجيا وكل ما يمت لحياة الإنسان من قيم نبيلة.

إذن مثلما للحداثة ما قبلها، لها ما بعدها أيضاً، ثم أن عبارة  (ما بعد الحداثة) تفيد التجاوز والبعدية وتشير إلى تتابع زمني يأتي فيه واقع جديد ووضع جديد خلفا لآخر أصبح مستنفدا ومتجاوزا ومدمراً كما يقر فلاسفة ومفكرو عالم ما بعد الحداثة.

إن النقد الحاد الذي مورس على قيم الحداثة من قبل مفكري وفلاسفة ما بعد الحداثة، المعبرين عن طموحات الطبقة الرأسمالية الاحتكارية، يقدم نقطة انطلاق هامة للحظة ما بعد الحداثة للمضي أشواطا بعيدة في تجذير هذا النقد وتعميقه، إذ لا يجري نقد الحداثة فقط بل نفيها وتدميرها. وهذا ما يدفع البعض للقول: إن لحظة ما بعد الحداثة تمثل نوعا من الانفجار الذي سوف يؤدي بالحداثة وبعقلانيتها وموضوعاتها إلى التشتت والتفكيك والتذرير، ولهذا يظهر مفهوم ما بعد الحداثة كنبش في الأسس وكسر للقوالب وخروج على النماذج، وتفجيرا للأشكال وخروجا عن خط الصيرورة التاريخية للحداثة، وتدميرا لأنساقها القيمية النبيلة على نحو خارق ومدهش.

من هنا ينضبط عالم ما بعد الحداثة داخل خريطة مفاهيمية تقوم أساسا على النفي والتدمير والتجاوز والافتتان "بأخلاقيات الموت" والتحرر ودرامية النهاية. فعلى نفس الوتر تماما يشتغل فلاسفة ومفكرو عالم ما بعد الحداثة، حيث يقومون بحصر ظاهرة ما بعد الحداثة على المستوى الفكري في عدد محدد من المبادئ والأسس وهي: موت الفن، وموت النزعة الإنسانية والعدمية، ونهاية التاريخ. وعلى هذا الأساس جاء طرح "ميشل فوكو" و"جاك دريدا"، وهما من البنيويين الجدد، عدة مصطلحات تتجلى فيها أوجه التوصيف لعالم ما بعد الحداثي بوضوح مثل: التفكيك، والاختلاف، والتشتيت، واللااستمرارية، والنهايات، وبالتالي الموت.

واخير نقول : لقد ساير مصطلح ما بعد الحداثة” عند ظهوره وانتشاره ـ العديد من المفاهيم والمعايير الرؤيوية الغربية ومنها مفاهيم (الما بعدية)، مثل ما بعد الصناعة، ما بعد العلم، ما بعد الفلسفة.. الخ.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور- سورية

 

محمود محمد علينعود ونكمل الجزء الرابع والأخير من حديثنا عن التفسير السوسيولوجي لنشأة وتطور الفكر السياسي الإسلامي  فنقول: أعطى مفكرو الإسلام جانبًا من عنايتهم إلى ما نُقل لهم من سياسة أفلاطون وأرسطو، التي تم ترجمتها إلى العربية، منذ يوحنا بن البطريق (ت- حوالي 180هـ) الذي ترجم كتاب السياسة لأرسطو، وأسماه " سر الأسرار: كتاب السياسة في تدبير الرياسة. وكذلك حنين بن إسحق (ت: 262هـ) الذي ترجم الجمهورية والنواميس (القوانين) لأفلاطون، وكذا كتاب السياسة لأرسطو، كما قام  بترجمة مقالتين ونسبهما لأرسطو: الأولى تحمل عنوان (وصية أرسطاطاليس للإسكندر)، والثانية تحمل عنوان (رسالة أرسطاطاليس إلى الاسكندر في السياسة).

- كما سنجد أن تلك الكتابات التي تلي تلك الفترة (فترة تفكك الأمة) تدور حول وحدة الأمة الإسلامية، والسبل المؤدية إلى ذلك؛ لتبلغ تلك الكتابات ذروتها عند الفارابي  في كتابه " آراء أهل المدينة الفاضلة"، والتي يركز فيها على قضية السعادة وهو يقسم الكتاب إلى قسمين: قسم يبحث فيه الفارابي نظرية الوجود ونرى فيها التمييز بين الممكن والواجب، القسم الثاني خاص بالمدينة وآراء أهل الجماعة الفاضلة القسم الأول يقابله القسم الثاني والمدن المضادة للمدينة الفاضلة. يبني الفارابي المدينة على غرار الوجود بأسره، فكما للوجود مبدأ أعلى، كذلك المدينة الفاضلة لها مبدأ أعلى وهو الرئيس. والفارابي يقول أن القصد في المدينة الفاضلة الإبانة عن الجماعة التي تسود فيها السعادة والمدينة الفاضلة هي التي يطلب جميع أهلها السعادة والمدن المضادة يطلب فيها أهلها أشياء مضادة. السعادة عند الفارابي مرتبطة بتصوره للتركيبة الإنسانية والنفس الإنسانية والسعادة تكون عندما تسيطر النفس العاقلة (وفضيلتها الحكمة) على النفس الغضبية (وفضيلتها الشجاعة) والنفس الشهوانية (وفضيلتها العفة) فيصل الإنسان للسعادة. المدينة الجاهلة: عكس المدينة الفاضلة، يطلب أهلها السعادة الآتية من النفس الغضبية والشهوانية. المدينة الفاسقة: هي التي عرف أهلها المبادئ الصحيحة وتخيلوا السعادة على حقيقتها ولكن أفعالهم مناقضة لذلك. المدينة المبدلة: أيضًا مضادة للمدينة الفاضلة ويكون السلوك فيها فاضل ثم يتبدل. المدينة الضالة: ويعتقد أهلها في الله والعقل الفعال آراء فاسدة واستعمل رئيسها التمويه والمخادعة والغرور ويصّور الله والعقل الفعال تصويرًا خاطئًا، وكانت سياسته خداع وتمويه. وجعل الفارابي مجموعة سمات مميزة لأهل المدينة الفاضلة: معرفة السبب الأول وصفاته (أي الله) معرفة العقول والأفلاك معرفة الأجرام السماوية معرفة الأجسام الطبيعية معرفة الإنسان يعرفون السعادة ويمارسونها أي معرفتهم كاملة بالوجود وبكل الموجودات وعلى رأس المدينة الفاضلة يضع الفارابي الرئيس مثلما للوجود رئيس هو الله وللإنسان رئيس هو القلب. والذي يقول على المدينة الفاضلة (الرئيس) له صفات: تام الأعضاء جودة الفهم والتصور جودة الحفظ جودة الذكاء والفطنة حسن العبارة في تأدية معانيه الاعتدال في المأكل والمشرب والمنكح محبة الصدق وكراهية الكذب كبر النفس ومحبة الكرامة (أي تقدير الذات) الاستخفاف بأعراض الدنيا محبة العدل بالطبع وكره الجور قوة العزيمة والجسارة والإقدام ويتوج هذه الصفات بالحكمة والتعقل التام جودة الإقناع جودة التخيل القدرة على الجهاد ببدنه.

ولم يقف الفارابي عند هذا الحد بل إننا نجده في كتابه " تحصيل السعادة " يربط بين السياسة والأخلاق؛ مبينًا أن الغاية النهائية منها هي تحقيق السعادة للأمم البشرية. لذلك نراه يحدد موضوع العلم المدني في كتابه هذا بأنه " الفحص عن الغاية في وجود الإنسان وهي الكمال ثم الفحص عن الوسائل التي ينال بها ذلك الكمال وهي الخيرات والفضائل "، ويقسم الفارابي الفضائل أربعة أجناس: الفضائل النظرية، والفضائل الخلقية، والفضائل الفكرية، والفضائل العملية، ثم يحدد الفضيلة الواجبة لكل فئة من فئات المجتمع، فمثلا الجيش لا بد أن يركز على فضيلة القوة الفكرية مع القوة البدنية، ويركز على دور الملك على تربية أمته، ورعيته، على الفضيلة حتى تتحقق  السعادة .

-  كما سنجد أن فترة القرن الخامس ستأخذ الكتابات السياسة فيها طابع الهجوم على الباطنية، التي كانت أحد الأسباب في تقويض دعائم الخلافة الإسلامية لتصل تلك الكتابات ذروتها عند "أبي حامد الغزالي" (ت:505هـ)؛ وذلك في كتابه المعروف "فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية"، والذي كان قد قدمه إلى الخليفة المستظهر بالله، وترجع أهمية هذا الكتاب في أنه يلقي الضوء  على إحدى الفرق الهدامة، وهي الباطنية تلك التي أسرفت في القتل والفتك، وسموا بالباطنية؛ لأنهم يدعون - كما قال الغزالي -: أن لظواهر القرآن والأخبار بواطن تجري في الظاهر مجرى اللب من القشر، يحدد الغزالي في فضائح الباطنية أقاويل الحركة الشيعية، لكي يناقشهم في أخذهم بها، وفي مصدر تمسكهم واعتقادهم بها. وهكذا يرجع الغزالي معتقدات الباطنية إلى هذه المبادئ: ـ إنكار القيامة؛  قدم العالم، إنكار بعث الأجساد، وإنكار الجنة والنار. ثم يلاحظ الغزالي أن هذه المعتقدات الباطنية هي نفسها المعتقدات التي يكفر فيها الفلاسفة المسلمين، في كتاب تهافت الفلاسفة .

وقد عُرفت الباطنية أيضًا بالإسماعيلية، وغير ذلك من الألقاب، وظهرت هذه الطائفة إلى الوجود، واستفحل أمرها أيام حكم السلطان "ملك شاه"، ثم صاروا يتحركون على نطاق واسع، فقتلوا عددًا كثيرًا من الناس، ولم يميزوا بين العامة والخاصة، حتى قتَلوا العلماء والزهاد، والصلحاء والأمراء والوزراء؛  قال شمس الدين الذهبي: "قتلوا بأصبهان قاضي القضاة عبدالله بن أحمد الخطيبي، وقتلوا هناك أيضًا أبا العلاء صاعد بن محمد البخاري، وقيل: النيسابوري الحنفي المفتي، أحد الأئمة، عن خمس وخمسين سنة، وقتلوا فخر الإسلام أبا المحاسن عبدالواحد بن إسماعيل الروياني، شيخ الشافعية، وصاحب التصانيف، وشافعي الوقت ، ولم يسلم من بطشهم حتى الوزير نظام الملك، فقتلوه طعنًا في قلبه، ثم بعده قتلوا ابنه فخر الملك وكان أكبر أولاده، وهو وزير السلطان سنجر بنيسابور، وكان صائمًا، فقتله باطني(، وبعد القتل والسلب والنهب والرعب، استولَوْا على قلاع كثيرة، منها: أصبهان، ألموت، وهي عاصمتهم، شاه ذر، خالنجان، تون، قاين، زوزن، خور، خوسف، شمكوه، استوناوند، أردهاب، جركوه، قلعة الناظر، قلعة التنبور، وقلعة خلادخان في فارس ، لقد زعزعت هذه الحركاتُ الباطنية كيانَ الدولة الإسلامية، وأنهكتها ؛ فقد كانت تهدد كل من لم يوافقها بالفتك، وانتهى الحال إلى الأمراء، ما بقي منهم مَن يجسر أن يمشي حاسرًا إلا بدرع تحت   ثيابه .

ومما تجدر الإشارة إليه أن الغزالي لم يكن وحده من بين الفقهاء الذين واجهوا تلك الحركات السياسة الهدامة، بل إن جميع الفقهاء المسلمين الأصوليين، قد واجهوا تلك الحركات وغيرها على طول التاريخ السياسي للمسلمين، هذا بالإضافة إلى أن الغزالي لم يكن وحده أيضًا من بين الفقهاء الذين شددوا على أهمية السياسة وضرورتها للمجتمع الإسلامي وللحياة البشرية. بل إننا نجد أغلب الفقهاء المسلمين قد شددوا على ضرورتها وأهميتها، ومن بين هؤلاء نذكر كل من "أبو الحسن الماوردي"  (364-450هـ / 974 - 1058 م)، وأبو بكر الطرطوشي الفقيه الأندلسي المالكي السكندري (451-520هـ).

أما "أبو الحسن الماوردي"، فهو أحد الأعلام المشهود لهم في تاريخ الفكر السياسي الإسلامي. ولولا أن المسلمين المعاصرين يمرون حالياً بفترة ضعف ثقافي وفكري، لكان من حقه عليهم أن يتدارسوا فكره السياسي، فضلاً عن أن يتبنوه، لكى ينقلوه من إطاره المحلى إلى آفاق الفكر السياسي العالمي. ويرجع السبب فى ذلك إلى أمرين: الأول؛ أنه اتجه بصورة مباشرة وصريحة إلى إنشاء مجموعة من المؤلفات السياسة التى تتناول نظام الحكم فى الدولة الإسلامية التي ينشدها. والثاني؛ أن الكثير من آرائه ونظرياته تتجاوز حدود العصر الذى عاش فيه، لكى تصبح مبادئ وأسسا لنظام حكم رشيد فى أى زمان ومكان .

أما مؤلفات الماوردي السياسية فهي: الأحكام السلطانية، التبر المسبوك فى نصيحة الملوك، أدب الوزير والوزارة، النكت والعيون، تسهيل النظر وتعجيل الظفر: (فى أخلاق الملك، وسياسة الملك).

وأما بالنسبة لأبي بكر الطرطوشي صاحب كتاب سراج الملوك، وهذا الكتاب يمثل محاولة في فلسفة السياسة، يشتمل على مسائل السياسة الشرعية، وقضايا الحكم في الإسلام، وفلسفة الاجتماع البشري، وتحديد شرائط السياسة، ورسم هرم السلطة، وأركان الدولة، وسياسة الرئاسة، وعلاقة الراعي بالرعية، وعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الأمم. ومحتوى الكتاب يؤكده الطرطوشي بنفسه، إذ يقول عن كتابه: "سراج الملوك والخلفاء ومنهاج الولاة والأمراء وتدبير الملك والدول، مقتضب من كتاب الله تعالى  العزيز، وأخبار الأنبياء عليهم السلام، وسياسات ملوك العرب والعجم والروم والفرس والهند والسند هند ومستحسن أخلاقهم وأخبارهم ونوادر كتابهم ورؤساءهم".

وقد قسمه إلى أربعة وستين بابًا، وقد اشتملت على مسائل السياسة الشرعية، وقضايا الحكم في الإسلام، وفلسفة الاجتماع البشري، وتحديد شرائط السياسة، ورسم هرم السلطة، وأركان الدولة، وسياسة الرئاسة، وعلاقة الراعي بالرعية، وعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الأمم. إن الطرطوشي رحمه الله من الفقهاء السباقين إلى بحث وتبويب موضوعات القانون العام، وعلى وجه الخصوص القواعد الدستورية للسلطة والسلطان. ففي هذا الكتاب قواعد ملزمة لتحديد السلطة وضبطها لكي تنهج تصرفاتها نهجاً دستورياً مسؤولاً، وأنه كلما ابتعدت الدولة والرعية عن التمسك به والالتزام بمقتضياته كانت النتيجة تضعضع الدولة وسقوطها واختلال موازينها. هذا الكتاب فيه فكر سياسي يحكمه منطق الشرع، وفكرة المقاصد، وميزان الترجيح بين المصالح والمفاسد. وفي هذا الكتاب رد على من يدعي قصور الدين الإسلامي عن ترتيب أمور الحكم والراعي والرعية بما لم تصل إليه الحضارة الغربية بنظرياتها الخاوية، والتي يمارس من خلال ديموقراطيتهم الكاذبة أقسى أنواع الظلم وأعتى ألوان الاضطهاد.

وقد رتب المؤلف أبواب كتابه هذا ترتيباً حسناً، ثم ختمه بباب مشتمل على حكم منثورة، فجاء يزهو في أبهى حلة. ولما رأت دار المنهاج هذه المعاني السامية الموجودة في هذا الكتاب القيم.. أرادت أن تبثها للناس في هذا الزمن، ولا سيما في ظل الظروف الاجتماعية والسياسية الراهنة، ولعل الله ينفع به الأمة جميعها حاكماً ومحكوماً.

-  كما سنجد أن  الكتابات السياسة  في القرنين السادس والسابع الهجريين ستتخذ من مفهوم الجهاد محورًا لها ونقطة انطلاق من جهة وتوجيه الحكام إلى تنظيف الجسد السياسي للأمة مما علق بها من أدران المذاهب الباطنية من جهة أخرى؛ ولعلنا نجد تطبيق هذا واضحًا عند صلاح الدين الأيوبي الذي أعاد للمذهب السني هيبته ومكن له في مصر والشام، بعد أن عاث الفاطميون فسادًا بمذهبهم الشيعي الباطني على مدى أكثر من قرنين في بلاد الإسلام.

وهنا انبرى كثير من المفكرين المسلمين في تلك المرحلة مذكرين قادة الأمة بضرورة توحيد الصف الإسلامي تحت قيادة واحدة، وقيمة الجهاد وضرورته، وتناول قضاياه بالشرح والتحليل، نجد ذلك واضحًا في العديد من المؤلفات السياسية في تلك الفترة، فمنها على سبيل المثال ما يلي : كتاب "تهذيب الراعي في إصلاح الراعي والرعية" لابن الحاج (ت598هـ)، وله أيضًا "لطائف السياسة في أحكام الرياسة". وقد ألف ابن الحاج الكتاب الأول وأهداه إلى الناصر صلاح الدين. وكذلك كتاب "المنهج المسلوك في سياسة الملوك" لابن نصر (ت:597هـ) وقد ألفه وأهداه إلى الناصر صلاح الدين. وكذلك كتاب "الشفاء في مواعظ الملوك والخلفاء" لابن الجوزي (ت:597هـ).

وهذه المؤلفات جميعها قد بدأت بتذكير السلطان بأهمية وحدة المسلمين وما جاء به الإسلام في التأكيد على تلك الوحدة وضرورتها وأهميتها، وأهمية أن تكون الولايات الإسلامية تحت قيادة واحدة وشرف الولاية وخطرها وأهمية العدل وخطورة الظلم وما ينبغي للسلطان استعماله في تعامله مع مختلف أنواع الرعية، كما تناولت هذه المؤلفات كذلك قضايا الجهاد وعرضا لسير الخلفاء الراشدين وبعض ولاة الأمور المجاهدين، واختتمت بالتأكيد على أهمية وعظ الملوك ونصحهم ودعوتهم للزهد والتقرب من الصالحين.

- وأخيرًا سنجد أن الكتابات السياسة ستبلغ ذروتها في القرنين الثامن والتاسع الهجريين لتتخذ من مفهوم الإصلاح السياسي منطلقًا وركيزًة لها. ولا شك أن هذا الإصلاح هو غاية الغايات لهذه الكتابات السياسية على مدى الحقب المتطاولة للقرون الهجرية حتى  القرن التاسع الهجري.

وهذا ما نلاحظه في الكتابات السياسية في هذا القرن، ومن هذه الكتابات كتاب "الفخري في الآداب السلطانية والدولة الإسلامية" لمحمد بن على بن طباطبا، المعروف بابن الطقطقي (ت:709هـ)، وقد قدم هذا الكتاب إلى فخر الدين عيسى عامل السلطان المغولي (غازان) على الموصل (ت:701هـ، وهذا الكتاب يتناول موضوعات: الخصائص والخصال التي تصلح لمن يقود الدولة، مركزًا على العدل الذي تُستغزر به الأموال وتُعمر به الأعمال، وتُستصلح به الرجال، يعرض للكرم، والشورى، وحقوق الملك على الرعية، وحقوقهم عليه، وأصناف الرعية، واختلاف السياسات الخاصة بكل صنف، وأنواع السياسات من سياسة المنزل إلى سياسة القرية والمدينة والجيش والملك 

ومن كتب الفكر السياسي الهامة التي شهدتها هذه المرحلة وبالذات في النصف الأول من القرن الثامن الهجري: كتاب "السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية" لابن تيمية  (ت:728هـ)، الذي أراد أن يصلح به حال مجتمعه، وأن يستنفذه مما تردى فيه من فساد وانحلال، إثر ما أصاب الأمة الإسلامية في حروبها المدمرة مع الصليبيين وغارات التتار. ومن كتب الفقه السياسي في هذه المرحلة كتاب "تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام" للقاضي بدر الدين بن جماعة (ت:733هـ)، وأيضًا كتاب "السبيل المبين في حكم صلة الأمراء والسلاطين" لمحمد بن يحي اليعمري المعروف بـ"ابن سيد الناس" (ت:724هـ)، وأيضًا كتاب "المقدمة الزهراء في إيضاح الإمامة الكبرى "لمحمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله التركماني المصري (ت:748هـ)، وأيضًا كتاب "عين الأدب والسياسة وزين الحسب والرياسة". وأيضًا كتاب "الطرق الحكمية في السياسة الشرعية" لابن القيم الجوزية؛ وأيضًا كتاب "تحفة الترك فيما يجب أن يعمل به في الملك" للقاضي نجم الدين إبراهيم بن على بن أحمد الطرطوسي (ت:758هـ)؛ وكذلك  كتب عبد الرحمن بن خلدون في المقدمة والعبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر... وغيرها من الكتب . ونكتفي بهذا القدر من التفسير السوسيولجي لنشأة وتطور الفكر السياسي الإسلامي.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

 

على ملصق في عيادة أحد الأطباء قرأت هذين البيتين من الشعر:

وإن تكــن الأرزاقُ قسماً مقدّراً     فقلةُ حرصِ المرءِ في الكسب أجملُ

وإن تكن الأموالُ للترك جمعُها     فما بالُ متروكٍ به المرءُ يبخلُ.

هذه حكمة قيل أنها منسوبة للإمام الحسين (ع) ضمن قصيدة.

كان بودي لولا الحياء أن أسأل الدكتور عن مدى سريان هذه الحكمة في حياته الشخصية.عادة الحكم تصدر عن أناس إما خاضوا تجربة ما، أو تجارب عدة واستخلصوا منها حكمة أو حكماً بليغة. وإما لم يخوضوا تجربة ويصدروا حكمهم، وهم الحكماء.. فهذا شأنهم. لكن على الدوام يوصونا العوام بأن نسأل المجرب ولانسأل الحكيم. الحكم لاتصدر جزافا، وأحسنها التي تأتي نتاج تجربة ثقيلة خاضها شخص ما. كثيرون يكتبون الحكم ولانجد على أرض الواقع أيَّ أثر عملي لها على سلوكهم و حياتهم (كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالاتفعلون).

صدرت هذه الحكمة عن سيد زهد ليس بالمال فحسب؛ بل بالدنيا وما فيها، فجاد بروحه (والجود بالنفس أقصى غاية الجود).

فحوى هذه الحكمة هو ترشيد الحرص على المال، واستخدام أسلوب الوسطية والإعتدال في إنفاقه. فالعطاء هو وجه من وجوه تصريف المال، وهو موضوعنا قيد البحث، خصوصا نحن في شهر الخير والعطاء.. شهر رمضان الكريم.

إذا تأملنا في موضوع العطاء وألقينا على أنفسنا السؤال التالي: هل العطاء منبعه مادي أم معنوي؟

أود هنا أن أعود قليلا الى بدء الحياة البشرية على الأرض، التي بدأت بصراع قوتين، هي قوة الخير الواهبة التي تستبطن المحبة والرحمة والكرم والتضحية؛ دون حساب المتمثلة بهابيل، وقوة الشر غير الواهبة .. الممتنعة، التي تستبطن الكره والقسوة والجفاء والشح المتمثلة بقابيل. هابيل قدم كل ماعنده لله، قدم كبشا، ثم روحه فداءً لربه. ويعني هذا أن عطاءه كان بلا حساب. في حين قابيل لم يقدم سوى تفاحة متعفنة لربه، وفوق ذلك قتل أخيه من أجل دنياه. المعركة التي دارت بين قابيل وهابيل فيها عدة أوجه، فهي معركة بين حب الله وحب الدنيا، والحق والباطل، والخير والشر، والفضيلة والرذيلة، والعطاء والمنع. إذن فالحياة شهدت في فجر بزوغها صراعا بين العطاء والمنع تمثل بإبني آدم (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال انما يتقبل الله من المتقين. لئن بسطت الي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي اليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين) . الخير خير هنا وهو متأصل في نفس هابيل؛ وهو العطاء الذي تسبقه الرحمة ، والشر شر هنا وهو متأصل في نفس قابيل؛ وهو المنع الذي تسبقه القسوة؛ لن ولم يلتقيا.

الموضوع الذي نتناوله هنا هو ليس أوجه العطاء، فهي كثيرة ومتشعبة، ، وتستغرق وقتا طويلا في البحث والكتابة، اقتصرت على اليسير منها. لكن أورد هنا فقط بحث منبع العطاء.

بناءً على ما تقدم فإن العطاء قيمة معنوية بحتة بالأساس، تنبع من النفس أولا؛ وإذا كان العطاء منبعه النفس، إذن يمكننا تصنيف النفوس الى صنفين هما:

أولا: النفوس المعطاءة، وهذه تنقسم الى قسمين:

1-)النفوس المعطاءة بلا حدود

2-)النفوس المعطاءة بحدود

ثانيا: النفوس غير المعطاءة(الممسكة، أوالممتنعة، أو الشحيحة)

أولا: النفوس المعطاءة، التي صنفناها الى:

1-)النفوس المعطاءة بلا حدود: المستقاة من روح هابيل.هي نفوس حباها الله بالطهر أولا؛ ثم النقاء والعصمة والمحبة والرحمة والكرم، وكرم النفس مشروط بطهارتها،لأن الكرم صفة مقدسة هي من صفات الله جل وعلا، فالطهر والنقاء والعصمة والمحبة والرحمة والكرم، هي الأحجار الكريمة لانبثاق نور الله في هذه النفوس لتشع بهالاتها على من حولها، تتحرك، تهب، تعطي؛ فقط في فضاء الصفاء الذي خلق لها. هي سعيدة بطبعها وليست بالضرورة أن تكون سعيدة على كل صعيد. انما هي سعيدة بما تترك من أثر على من حولها، لأن العطاء فيها عفوي فطري مصقول بمشيئة الله. منها اصطفى الله تعالى الأنبياء، وهم ليسوا كسائر البشر ليس من حيث خَلقهم بل من حيث خُلقهم وطبعهم  والأوصياء والشهداء، هؤلاء الثلاثة يعطون بلا حدود وبلا حساب وبلا مقايضة، هي بيعة فقط مع الله. هذه النفوس التي ينطوي عليها هؤلاء الثلاثة من أصناف الناس، هي نفوس خاصة تمنح المعاني بلا مقابل. الخلود للمعنى لديها هو الهدف والمغزى. لا يوجد في حسابها شيء مادي أو معنوي للإدخار، لأن العطاء فيها غير متناه. هدفها تصدير المعاني للبشرية، حتى لو كلفها ذلك حياتها.

وعلى حد تعبير المتصوف المعروف "محمد بن عبد الجبار النفري المولود في مدينة نفر في العراق والمتوفى عام 354هـ، وهو من أعلام التصوف الاسلامي، وأشهر كتبه (المواقف والمخاطبات)" ؛ (التباقي بالتفاني)، يعني أن تضحي بشيء من عندك من أجل بقاء شيء، فالبقاء والخلود لروحك أولا، وللمعنى الذي لأجله قدمت روحك قربانا له. يعني تنذر نفسك من أجل تخليد قيمة حياتية مهمة، فالتضحية بالنفس من أجل خلود أبدي لمعنى حياتي عميق، هو أبلغ صورة للإنفاق اللا محدود. في فضاء هذه النفوس يأتي قلة الحرص على الحياة وما فيها بالدرجة الأولى، ثم يأتي بعده الزهد، ثم الإنفاق غير المحسوب (...أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا..).، كحالة الإمام الحسين (ع)، الذي هو أبلغ تجلٍ لحالة العطاء لخلود المعنى؛ فجاد بنفسه من أجل تثبيت معنى مهم، هو الإصلاح، والإصلاح معنى حياتي خالد، يعني إصلاح وضع فاسد كان قد خيم على الحياة آنذاك.

وهكذا سار على خط العطاء غير المحدود الشهداء الذين بذلوا مهجهم من أجل إحياء المعاني الأصيلة وهي تثبيت الحق ومحو الباطل والقضاء على الفساد أينما كان.

أورد القرآن الكريم آيات حول الإنفاق اللامحدود، أذكر بعضها:

(لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون)

(.. ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون)

(إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون)

وغيرها كثيرة.

النفوس المعطاءة بحدود: وهذه النفوس انبثقت بالأحرى من النفوس المعطاءة بلا حدود، و أيضا حباها الله بحب الإنفاق في دائرة محيطها فمرة يمكث العطاء بصورته المعنوية الناصعة في داخل النفس، وحتى إن لم يفعل حاملها شيئا فهو مدرسة أخلاقية متجلية بمختلف المعاني والصور. المشاعر هنا داخل النفس كريمة؛ متسلقة مثل الطحالب تنمو على جدرانها، وتتوالد وتتكاثر؛ فهي على الدوام زاحفة بسرعة؛ تغادر النفس لتحوم في محيط الحياة، فيلبث حاملها يدور بألوان سلوكية مختلفة على الآخرين وكلها تبهج قلوبهم وتسعدها. الأمثلة في ذلك كثيرة ولا حصر لها، على - سبيل المثال – مرة بالكلمة الطيبة، وثانية بإصلاح ذات البين، وثالثة بإنفاق العلم وتعليمه للآخرين، ورابعة يدور في محور حياة الناس مصلحا ومغيّرا، وخامسة بدرس أخلاقي في فصل حياتي ما؛ كتزكية أحد مثلا لمجتمع ما، أو كفالة أحد ما،على - سبيل المثال

-كفالة زكريا (ع) لمريم ابنة عمران، حين صار سجالا بين قومها أيهم يكفلها، فألقوا أقلامهم في النهر وألقى زكريا (ع) قلمه، فلم تثبت أقلامهم وثبت قلمه هو فقط، فكفلها زكريا وهو أبوها الحياتي والروحي(ذلك من أنباء الغيب نوحيه اليك وماكنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وماكنت لديهم إذ يختصمون) . تفسير الآية واضح معناه الظاهري؛ والكفالة المقصود منها هنا هي كفالة معنوية، في مرحلة حاسمة من حياة مريم (ع)، وغير ذلك من السلوكيات الايجابية التي تحقق الراحة النفسية لحاملها وللمجتمع حواليه.

العطاء هنا فضاءه هو النفس ثم منها يتحرك الى المجتمع بشكل مباشر.

ومرة أخرى يتجاوز العطاء فيها فضاء النفس، ويتحرك باتجاه فضاء الجسد، ليجد اليد مبسوطة تترجمه شيئا ماديا، فيأخذ قالبه الشيئي الملموس، الذي بدوره يتجاوز الفضاء الشخصي ليدور في فضاء أرحب وأوسع وهو الفضاء المجتمعي؛ والأمثلة في ذلك لاحصر لها، كالانفاق على الفقراء والمحرومين، أو المساهمة في مشاريع خيرية ..كبناء المدارس والمستشفيات ودور سكن الأيتام، والمحتاجين، ودور رعاية أطفال الشوارع وإعادة تأهيلهم للحياة وحمايتهم من التسول والتشرد.. الخ. عادة هذه النفوس يحملها ذوو رؤوس الأموال المحدودة، لكن روح العطاء والإنفاق لديهم عالية، وقد وضعوا نصب اعينهم الآية الكريمة(خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصلّ عليهم إن صلاتك سكن لهم)  يتفوقون بها على ذووي رؤوس الأموال الكبيرة الذين في بعض الأحيان أيضا يساهمون في الإنفاق المحدود؛ فالإنفاق هنا يسبقه قلة الحرص على المادة، وهو فعال حيوي مستديم فيهم، يصعد الى السماء ويهبط أضعافه الى الأرض (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم).

،(من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم).

(من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط واليه ترجعون)

وغيرها كثيرة. هم يعلمون أن الإنفاق يوفّ اليهم وجزاءه عند الله عظيم، كما إنه يثقل نفوسهم بالكمال والرضا وتثبيتها عند الله، وهو يضفي الخير والبركة في أموالهم ويدفع الضرر والسوء عنهم، فضلا على أنه يقربهم الى الله، فيلقي الله تعالى بنوره على أرواحهم، هم فعلا عظماء، وهم سادة الخلق، وهم أعمدة نور بهم تضيء الأرض(كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها).

لشدة حب الله لهذه الفئة من الناس فإنه تعالى أراد أن يحتفظوا بالصورة الناصعة للإنفاق عندهم، لذلك حذرهم حين الإنفاق بإملاءات جميلة تعكسها الآيات المباركة التالية:

(ثم لايتبعون ماأنفقوا منّا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولاخوف عليهم ولاهم يحزنون)

(ياأيها الذين آمنوا لاتبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى)

الى غير ذلك من الآيات الكريمة، اقتصرت على بعضها.

تتبعتُ آيات الإنفاق في المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، فوجدتها تجاوزت ال(100) آية، اخترت بعضها تجنبا للإطالة.

ثم أتحفهم الرسول الأكرم(ص) بأحاديث عن الصدقة أذكر منها: (صدقة السر تطفىء غضب الرب)(صنائع المعروف تقي مصارع السوء)(باكروا بالصدقة فإن البلاء لايتخطاها)(رب درهم سبق ألف درهم).

ثانيا: النفوس غير المعطاءة.. الممسكة أو الممتنعة أو الشحيحة: المستقاة من روح قابيل. وهذه النفوس فقيرة في العطاء المعنوي والمادي؛ تنطوي على صفات القسوة والجفاء والشح والبخل، وحتى لو فكرت بشيء من العطاء فهي مترددة خائفة من النقص الذي سيلحق بمتاعها. يصورها القرآن بالآية الكريمة(إنما يستأذنك الذين لايؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون).

جمع المال والحرص على الدنيا ومافيها ديدن أصحابها ودأبهم بحد ذاته، وهو لذة خاصة تحقق لهم راحة ومتعة، كلما ازداد مالهم ومتاعهم المادي كلما ازدادوا فرحا وبهجة، لدرجة حتى أنهم لاينفقون منه شيئا لأنفسهم خوفا من النقصان، والبعض ينفق على نفسه، لكنه شحيح على الغير. في فضاء هذه النفوس؛ البخل يسبقه شدة الحرص على المال ومتاع الحياة، ثم يأتي بعده المنع وعدم الإنفاق. فاليد مغلولة والإنفاق عندهم يساوي المشقة والألم. الله جل وعلا هو الغني، والناس هم الفقراء للإنفاق للتقرب اليه (ياأيها الناس أنتم الفقراء الى الله والله هو الغني الحميد)

الأشخاص المنطوون على هذه النفوس في الغالب يكونون قساة القلوب. عدم العطاء ومنع الإنفاق ينبع من النفوس القاسية. هذا النوع من الناس يسبب نفور الآخرين منه.

وردت آيات كثيرة حول الإمساك وعدم الإنفاق ومنها:

(الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ماآتاهم الله من فضله)

(فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون)

(الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتولّ فإن الله هو الغني الحميد)

إذن النفوس البشرية على صنفين : صنف مجبول على العطاء بكل صوره بالفطرة النقية، وصنف غير مجبول عليه بالفطرة الكدرة غير النقية. قد تحدث طفرات مثلا قد يختار الله الشهداء بمشيئته من طبقة النفوس غير المعطاءة وكثيرا ما يحصل هذا  بعد أن يجد فيهم خصائص تحمل الإنفاق غير المحسوب. أو من ذوي الانفاق المحدود، فالأخذ والعطاء يمكن أن يتم بحدود بين هذه الطبقات الثلاث من النفوس . أختتم خطابي هذا بقول بليغ للرسول الاكرم(ص):( إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسطَ الوجه وحُسنَ الخُلق).

"إن كنت تملك الكثير أعط من أموالك. إن كنت تملك القليل أعط من قلبك"ـــ جلال الدين الرومي.

"وكلٌ يعطي ماعنده"

 

بقلم: انتزال الجبوري

سكرتيرة تحرير مجلة قضايا اسلامية معاصرة.

  

صادق السامرائيهل أن الإنتحار مَرض أم عَرَض؟!

هذا سؤال أمضيت أعواما أبحث عن جوابه من خلال ما قرأت وبحثت ولاحظت وعرفت وأدركت، ووجدت أنْ لا مناص من الإعتماد على الملاحظة السريرية والخبرة العلاجية، والتجارب المتنوعة في ميادين الطب النفسي.

وبعد مسيرة تفاعلية بحثية ذات منهج إدراكي ومعرفي، أخذت الحالة تتبدى على غير ما هي عليه.

فأدب الطب النفسي المتعلق بالإنتحار غزير ومتواصل منذ عقود عديدة، ولا يخرج من ذات النمطية الراسخة، التي تنص على أن الإنتحار عرض مرضي، وناجم عن أمراض أخرى كالكآبة والذهان وغيرها.

فالمصاب بالكآبة يتحدث عن الإنتحار، ويُقدِم عليه وقد ينفذه بنجاح، وليس كل كئيب يبدي نوازع إنتحارية، بينما في هذه الدنيا ينتحر شخص في كل أربعين ثانية، أي أن ثلاثة من بشر الأرض  ينتحرون كل دقيقتين.

وإذا كان الإنتحار عرضا لمرض الكآبة، ونحن ندّعي بأن قدراتنا العلاجية للكآبة  قد تطورت، وإمتلكنا أنواعا من الأدوية المضادة لها والشافية منها، وكذلك التداخلات العلاجية الأخرى، فمن البديهي أن تقل نسبة الإنتحار، ما دمنا قادرين على علاج أهم أسبابه.

لكن واقع الحال الدامغ يشير إلى أن الإنتحار لم ينقص في العقود السابقة، والتقارير والإحصاءات والبيانات تشير إلى ثبات النسبة أو زيادتها.

وهذا معناه أن علاج الكآبة لا يعني بالضرورة التقليل من الإنتحار أو منعه،  وكذلك علاج الأمراض العضوية الأخرى.

والكثير من حالات الإنتحار لا تمت بصلة لمرض نفسي أو عضوي، وإنما هي نزعة متنامية في أعماق الشخص المنتحر.

وقد يستغرب الزملاء من تكرار دعوتي ومنذ أعوام، للنظر إلى الإنتحار على أنه إضطراب سلوكي قائم بذاته، فهو أصل وليس نتيجة، ومَرض وليس عَرض.

فالتعامل مع أي مرض على أنه عَرض لحالة أخرى، يعني فشل التشخيص وإضطراب العلاج، ولكي يتم علاجه لا بد من النظر إليه على أنه مرض.

فالربو مرض وليس عرضا، وداء السكر، وإرتفاع ضغط الدم ، هذه الأمراض وغيرها لها أسباب ومؤهلات وإستعدادات، لكنها ليست أعراضا لحالة أخرى إلا فيما ندر، وهي تعبيرات عن باثولوجية العضو والجهاز الذي تشير إليه.

ومثلها الإنتحار، فهو مرض يصيب الجهاز النفسي، ويدفع إلى القضاء على البدن الذي هو فيه.

وفي هذا تكمن مشكلة متواصلة، وهي أننا لا زلنا لا نرى أن المخلوقات فيها أجهزة نفسية كباقي الأجهزة الفاعلة في الأبدان.

وبنفينا للجهاز النفسي، في أكثر تقديراتنا ننسب الأمراض النفسية إلى أجهزة أخرى،  ونحسبها أعراضا لا أمراضا.

بينما ما نسميه بالأمراض النفسية هي حالات باثولوجية تصيب الجهاز النفسي، ومنها مرض الإنتحار أو إضطراب السلوك الإنتحاري، الذي هو مثل حالة الربو التي تصيب الجهاز التنفسي، أو مثل إضطراب دقات القلب وتأزمها كما يحصل لمرضى القلب، ويمكن القياس والمقارنة مع باقي أعضاء أجهزة أجسامنا.

وبناءَ على هذه الملاحظة السريرية، والتجربة العلاجية مع المصابين بإضطراب السلوك الإنتحاري ، يمكن تلخيص الإضطراب بما يلي:

أولا: الفكرة

الإنتحار فكرة تلِج وعيَ الشخص وتسيطر على مداركه وقدراته للتفاعل مع محيطه، وتبدأ مبكرا في أعمار أقل من خمسة سنوات، وتمضي متنامية معززة متقوّية بتراكمات سلوكية وتفاعلية مع المحيط، أي أنها فكرة تبحث دوما عمّا يؤهلها للتعبير عن نفسها وتحقيق غايتها وإنجاز هدفها.

والفترة ما بين ولادة الفكرة وتنفيذها تتناسب عكسيا مع المؤثرات المحيطية بأنواعها، لكن الفكرة ما أن تلد فأنها تتواصل خفية أو علنا بالتنامي والإنبثاق، ومن أخطر معززاتها إقرانها بمعتقد أو دين، يجرّد صاحبها من المسؤولية ويحوّلها إلى طقس سلوكي حتمي.

ثانيا: محاولات التعبير عن الفكرة

الفكرة الإنتحارية حال إحلالها في الشخص، تبدأ نشاطاتها ومحاولاتها للتعبير عن ذاتها، فترى الذي إمتلكته قد دخل في صراط الخضوع لها وترجمتها، فتحصل محاولات لتلمس السلوك الذي يرضيها، فتأخذ بإظهار ما يشير إلى منهجها، كأن يفكر وهو يقود سيارته بالإصطدام بسيارة أخرى، أو عندما يقف على شرفة بناية  ينتابه شعور بالقفز منها، وفي أي مكان يجد نفسه فيه، تستحوذ عليه فكرة تعبّر عن الخطورة الكامنة في ذلك المكان.

ثالثا: التكرار الفكروي

الفكرة الإنتحارية تغلي في أعماق الشخص، وتتواصل في الغليان والتردد المتكرر، وتكاد لا تبرحه وتهيمن على أرجاء تفكيره، أو أنها تستعبده بالكامل.

ففكرة الإنتحار تتحول إلى صدى لكل عمل يقوم به وسلوك يبدو منه، وما أن يفكر بشيئ حتى يجد ما يغريه بفكرة الإنتحار، وبعد أن تستحوذ عليه الفكرة يجد نفسه في محنة قاسية، ذات خيارات متفقة ومنهج الفكرة وتطلعاتها نحو غايتها.

رابعا: الصراع الداخلي

يعيش المصاب بإضطراب السلوك الإنتحاري صراعا مريرا مع الفكرة الإنتحارية، بل أنه يدخل في حرب طويلة معها، فمعاركها لا تنتهي ودوافعها تتنامى ووسائلها تتعاظم.

وتجد المصاب قد تحول إلى كتلة إنفعالية غاضبة على نفسه، وما يجربه ويقدم على أفعال عدوانية على الذات والموضوع، ويتملكه اليأس وتسفيه قيمة الحياة ومعنى الوجود ولماذا هو جاء للدنيا، وأن ولادته خطأ ولا بد من تصحيح الخطأ بالموت، وغيرها من الأفكار التي تجذبها  الفكرة الإنتحارية الأصيلة.

خامسا: الدريئة العاطفية

يتصف المنتحر في هذه الحالة بإنقطاع إنفعالي تام عن الحياة، فيُشعرك بأنه ميت نفسيا، وكأنه يتحرك كالمُنوّم أو المبتور.

فعندما تتحدث معه لا تستشعر حرارة الإنتماء للحياة، وإنما تكتشف تثلّجا إنفعاليا وتصنّما نفسيا قاسيا، لا يمكن للمنتحر أن يتحرر من قبضته، ولا يتواصل في مسيرة ذات قيمة وتطلعات مستقبلية، لأنه أعلن الحداد على نفسه، وأودعها في تابوت رؤاه وتصوراته القابضة على مداركه والموصدة لنوافذ أحاسيسه ومشاعره.

سادسا: التلذذ بالموت

من الظواهر التي تستعصي على التفسير، أن المنتحر لديه تجربة مَوْتية مُسبقة، كأن نجا من غرق، أو مرّ بحالة إغماء أو إختناق، أو أجريت له عملية جراحية كبيرة، وغيرها من التجارب التي ينقطع فيها عن وعيه ويدخل في عوالم أخرى، ذلك أنها تمنح الشخص الذي عاناها مشاعر لذيذة خيالية التوصيف والتصور، وهي أشبه بالفنتازيا أو السرابات التي توهمه بأنه في فضاءات ندية ذات أنغام رقراقة، تضفي عليه إحساسات بهيجة وسعيدة. ومعظم أصحاب هذه الحالات يُقدمون على محاولة الإنتحار مرارا، وكأنهم أدمنوا على هذا السلوك حتى تنجح محاولة بقتلهم.

 سابعا: التشريع أو المشرعة

أي أن الشخص يبدأ بمشروعه الإنتحاري، وهو كأي مشروع أخر يتطلب الإتقان والإنجاز، وتراه يضع الخطط ويراجعها، ويُخضعها للمحاولات والتجريب حتى يتعلم منها آليات التنفيذ الصائب.

ومع توالي المحاولات والمراجعات يكتسب الشخص خبرة، ويمتلك شجاعة متراكمة للإقدام على إنجاز المشروع، فالمنتحر لا ينتحر بغتة كما نتوهم، وإنما هو ينتحر عندما يبلغ مشروعه حد التمام والنضج التام، والجاهزية القصوى للتنفيذ.

ثامنا: الإنقطاع

حالما يبلغ المشروع الإنتحاري منتهاه ويصل إلى ذروته وأوان تنفيذه، ينقطع المنتحر عن ذاته وموضوعه، فتراه في إنفصال كامل عما يحيط به، وتجده يتصرف وكأنه في عالم آخر متخيّل، لما بعد الرحيل، ويمضي في التفتيش في عالمه المتصور لأيام وربما لأسابيع وأكثر حتى ينتمي إليه ويستلطفه ويذوب فيه، ويستشعر لذته ومتعته الكبرى بولوجه والإنتهاء فيه، وعندما تبلغ لذته المتخيلة ذروتها، ينقلب إلى ميادين خياله، وما يتلذذ به من تصورات وتفاعلات فنتازية، ويحبس نشاطه في آفاق خياله وتصوراته للحظة التي سيغادر إليها ويكون فيها، وفي منتهى شعوره بالمتعة يقضي على نفسه.

تاسعا: سلوك المخادعة

المُقدم على الإنتحار، والساعي لتنفيذ مشروعه، يعد العدة الكاملة للإنجاز، فيأخذ بخداع مَن حوله، فإن كان في ردهة نفسية  فأنه يفكر بوسائل مخادعة الفريق العلاجي، بأن يظهر فرحته وسعادته، فتراه يرقص ويغني، ويتزين ويعطي إنطباعا على أنه عاشق الحياة، وصاحب مشاريع وأهداف رائعة، يوهم الذين حوله على أنها مشاريع حياة، لكنها مشاريع ما بعد الرحيل.

وهذا السلوك قد يتواصل لبضعة أيام، حتى يتحقق الإطمئنان من حوله، فتكتشف أنه قد شنق نفسه ومات.

عاشرا: الإقران بدين

هذا الإقران ينطبق على جميع الأديان، فلكي يقوّي المنتحر إندفاعه ويسوّغ مشروعه، ويمنحه قوة تنفيذية عالية لا بد من إقرانه بالدين.

 

وهذا من أخطر الإقرانات، فحالما يجد المنتحر صيغة ما للربط بين مشروعه الإنتحاري والدين، فأن ساعة الصفر قد حانت، وأن الإنتحار لا بد منه وسيكون حتميا.

وهذه من العلامات السريرية الرئيسية الحمراء التي حالما نكتشفها في الشخص نتيقن بأنه سينتحر لا محالة، وسينفذ مشروعه الإنتحاري في أقرب فرصة سانحة.

فهذا الإقران قوة هائلة ذات طاقات شديدة دافعة نحو الختام الأكيد.

ولا يمكن تفسير هذا الربط الفتاك، الذي يزيد من قوة إندفاع المنتحر وتصميمه، وصولته على نفسه بإصرار فائق.

وختاما،  فالإنتحار إضطراب سلوكي إدراكي يبدأ في سن مبكرة، ولا يمكن لفكرة الإنتحار أن تداهم الشخص بغتة من غير سوابق، ومحاولات وتعزيزات وتسويغات وتحولات إنفعالية عاطفية، ذات طاقات سلبية تتقاطع مع الحياة، وتسفّه معانيها وقيمها وما يتصل بها ويشير إليها.

 وربما تكون المشاعر السلبية والتي نسميها كآبة (عند المنتحرين)، نتيجة وليست سببا، ودوامة تفاعلية لدفع السلوك الإنتحاري إلى الإزمان والإقامة في أعماق المنتحر، وجرّه  إلى إتمام التنفيذ والقضاء على بدنه.

والإنتحار إرادة ذاتية تمتلك قدرات نمائية، وكل إرادة تتحول إلى سلوك، ومنبع الإنتحار فكرة تحلّ في وعي المنتحر وتستحوذ على آفاق مداركه، وتسخر ما فيه من أجلها، ولا يمكن القول بأن الإرادة أنتجها مرض، وإنما هي بنت فكرة متسيدة ومستبدة فاعلة في دنيا البشر.

 ويبدو أن المحاولات الإنتحارية ذات قدرات ترغيبية لأنها تزيد من حماس التكرار، والكثير من المنتحرين لديهم تجارب موت لذيذة، تشدهم إلى التخلص من قيود المعاناة اليومية، التي أسسوا  لها كوسيلة لولوج بوابات الموت، الذي حسب خبرتهم فيه متعة غير موجودة فوق التراب.

ولكي نصل إلى تداخل علاجي فعّال، لابد من إبتكار وسائل مناسبة تمنع معاودة الأعراض والعلامات الإنتحارية، وجوهر كل فعل علاجي هو الإغراء بالحياة، وتوفير آليات إنتصارها على الموت في وعي ذوي الصيرورات الإنتحارية، الطافحة بالتنامي وإستحضار ما يؤهلها للتطبيق والتحقق والإنجاز.

وأي إستهانة أو إغفال، وعدم أخذ للحالة بجدية قصوى تنتهي إلى قضاء الإنتحاري على نفسه، وفي غضون لحظات معدودات، لأنه يمتلك إبتكارات موتية لا تحصى، لا يمكن تصورها وتصديقها.

وكلما إزداد الإنتحاري ثقافة وعلما،  تعقدت وسائله وتطرّفت آليات إنقضاضه على نفسه.

وأهم أساليب التصدي للسلوك الإنتحاري تتجسد بالوعي الإنتحاري، أي أن الذين يتفاعل معهم، كالعائلة والمعلمين والمدرسين وغيرهم، عليهم أن يكونوا على دراية ومعرفة بالسلوك الإنتحاري، وعدم إغفال ما يبدر من الشخص مهما كان عمره أو علمه.

فالإنتحار ظاهرة وبائية بشرية أرضية مستوطنة، فردية أو جماعية، يتم التعبير عنها بتصرفات وتفاعلات قد تبدو على غير ما هي عليه، وفي حقيقتها، ما هي إلا مشروع إنتحاري يسعى للتنفيذ الأبشع والأقسى.

ولا بد للمجتمعات أن تدرك أهمية التثقيف على الوقاية من الإنتحار، وأن يكون في المدارس والجامعات والأندية ودور العبادات، مَن يمتلك وعيا وقدرة على إلتقاط النزعات الإنتحارية، والتفاعل مع أصحابها مبكرا لقطع حبل تواصلها ومنع تطورها وتفاقمها، فالإنتحار فكرة تبدأ مبكرا ومبكرا جدا، لتغدوَ قوة مستبدة ومستعبد لحياة المنتحر حتى تُودي به وتنهيه.

 

د. صادق السامرائي

 

 

علي المرهج(فصل قاط لهالدكه) مثل عراقي قديم ينطبق عليه ما تفعله زارة التعليم العالي العراقية، فهي تُطالب أساتذة الجامعات العراقية بأن ينشروا بحوثهم في مجلات (أنكلو أورو أمريكية) (سكوبس) أو مجلات ذات معامل تأثير عال (انباكت فاكتور)، وهي مجلات فصلتها مؤسسات أكاديمية تتساوق اهتماماتها البحثية مع طبيعة تأسيس تلك المؤسسات البحثية التي تعتمد نظام (الخصصة المعرفية) و (الخصصة الانتاجية) التي لا يهتم أصحابها ومؤسسوها بتقييمات تُضفي عليها الاعتراف من خارج اهتماماتها البحثية وامكانتها العلمية، فمثل هكذا تصنيفات عالمية لا تبحث جامعات رصينة ومؤسسات علمية وأكاديمية عنها ولا أظن أنها تُعير أهمية تُذكر لها، لأن مثل مؤسسات التصنيف هذه تستمد بناء رؤيتها لمفهوم الجودة والأداء من هذه المجامعات لا العكس، فجامعة مثل هارفرد أو كاليفورنيا، أو جامعة يابانية لا يشغلها بأي حال من الأحوال أن تنتهج طريقة في تفعيل البحث الأكاديمي والعلمي تسترضي به مؤسسات أو مجلات يدَعي أصحابها أن لها (معامل تأثير عالمي) لا لأنها تتنكر لقيمة البحث العلمي، بل لأنها تحترم نتاج كوادرها العلمية واقدامهم على تقديم ما هو أفضل لتصحيح مسار الفهم أو تغيير مسار النظرية العلمية، لذا فإن كل هذه المؤسسات التي يدعي مالكوها أن لهم وصاية على تقييم نتاج مؤسسة أكاديمية ما لا يتأتى من تبعية الجامعات الرصينة لمقاييسها، إنما مقاييس هذه الجامعات هي التي تكون خط سير و "مسطرة" لتقييم عمل علمي في العلوم الطبيعية أو الإنسانية.

سأروي لكم حادثة أن أخي وهو أستاذ جامعي (بروفيسير) في اللغة العربية وأدابها شارك في مؤتمر بتركيا، كان مُغريات هذا المؤتمر والمُنظمين له هي: أن كل بحوث المُشاركين فيه ستُنشر في مجلة من ضمن مجلات (سكوبس)، الاشتراك في المؤتمر هو 550دولار، وذكر لي أن عدد المُشاركين في المؤتمر في العراق يتجاوز عددهم المائة وخمسون مُشاركاً، وإذا ضربنا 550 دولار في 150 مشاركاً سيتجاوز الرقم الثمانون ألف دولار فقط قبضه مُنظمو المؤتمر من المُشاركين العراقيين، فسألته، هل هُناك حضور وحورات مُحتدمة في المؤتمر؟ فأجابني: (علي اشبيك تصعد للمنصة تقرأ بحثك وهُناك القليل من الحاضرين، لا يُصغون لما تطرحه. خويه أكلك بس من العراق أكثر من 150 باحثاً يا هو يسمعك)!!.

وفي (الانباكت فاكتور) تدفع مبلغاً بعد مطالبتك بالتعديل إن وجد، وبعدها يُنشر بحثك، هكذا ذكر لي أخي أستاذ الكيمياء المُساعد، بل أخبرني بما هو أدهى وأمرَ من ذلك، فذكر ليَ أن مجلة تصدرفي الهند في منطقة نائية حصلت على معامل التأثير (سكوبس) صدرت في عام 2017 يتم الاعتراف بأصالة البحوث التي تُنشر فيها في وزارة التعليم ولا يُعترف ببحث قيَمه أساتذة مُحترفون من جامعات عراقية تقدم به الباحث لنشره في مجلة عراقية  ـ لربما ـ عُمر اصدارها تجاوز الخمسين سنة!!.

زدَ على ذلك أنك كُلما أكثرت من جلب كُتب المشاركة في المؤتمرات باحثاً أو حاضراً تزيد نقاط تقييمك العلمي!!، وأنا يعرف الأصدقاء أنني من الناشطين  في المؤتمرات مُشاركة وحضوراً، ولكنه ليس مقياساً، ولن يكون للحُكم على علمية أستاذ جامعي، فأنا أعرف وأنتم تعرفون أن هُناك العديد من أساتذة الجامعة العلماء في اختصاصهم لا يعرضون بضاعتهم في سوق النخاسة العلمي، على قاعدة لعبة الزهر (ذب زايد تاخذ زايد) فهم لا يرتضون لأنفسهم وهم كبار في العمر والنتاج أن يعرضوا جهدهم العلمي كما يعرض (الدلَالون) والباعة المتجولون بضاعتهم!!.

ذكرتُ أمثلة لأساتذة درَسونا مثل: مدني صالح، ود.حسام الآلوسي، وعرفان عبدالحميد، وكامل مصطفى الشيبي، ود.ياسين خليل، وآخرون كباراً يعترف بهم أهل الغرب والشرق بأنهم أصحاب أصالة في افكر والكتابة البحثية ولو كانوا بيننا اليوم طبقاً متطلبات الوزراة هذه والجامعات لما حصلوا على تقدير أربعين من مجموع التقدير فـ (ما هكذا توُرد الإبل) يا وزارتنا!!.

أعرف أشخاصاً يُتقنون فن بناء العلاقة لتجدهم يكتبون في كل ما لا علم لهم ويحصدون قبولاً وتقييماً كبيراً، ولكن على قاعدة (احنه أولاد الكرية، كل واحد يعرف أخية) نعرف تمام المعرفة أن جُلهم لا يُجيدون كتابة سطراً واحداً إن طلبت منهم أن يكتبوه من دون الاستعانة بطالب أو صديق أو (قص ولصق) لنصوص مُفكرين أو فلاسفة ورصفها، والأغلب الأعم منهم فرح بما أتاحت له تعليمات الوزارة في أن يكون اسمه بمعية من نشر بحثاً من طلابه في الماجستير أو الدكتوراه، وهو من حقه أن يتقدم به للترقية!! وفق المثل القائل (ايجد أبو جزمه وياكل أبو كلاش)!!.

أُذكر (إن نفعت الذكرى) القيَمين على تحسين التصنيف في وزراة التعليم العالي والجامعات العراقية بما كتبته من قبل، إن كان فيهم من يعرفنا أو قرأ لنا من قبل: أن الغرب له مقاييسه وفق نظامه (الرأسمالي)، ونحن ينبغي أن تكون لنا مقاييسنا وفق نظامنا (الريعي)، والغرب جامعاته استثمارية وجامعاتنا استهلاكية تستجيب لمُتطلبات المُتغيرات السياسية، واتخاذ قرارات وفق المُتغيرات الاجتماعية وتبدل أحوال السلطة وتبدل قراراتها بمُجرد مجيء رئيس وزراء أو وزير جديد، لأننا لا نعمل لنبني دولة تغيير الحكومات فيها لا يعني تغيير السياسات، لأن سياسات وزارة ما يبنيها في الدول الراسخة أناس مُختصون لا تتاثر ولا تتغير وفق أهواء وزير جديد.. 

يُقبل الجميع في الكُليات!!. تُخصص مقاعداً للسُجناء السياسيين وأبناء الشُهداء في الدراسات العُليا!!. تُخصص مقاعد لأصحاب القبول الخاص من الذين يتقدمون للدراسة على نفقتهم الخاصة. لا قيمة للامتحان التنافسي في الفضيل لأن من له مُعدل كبير بحكم تميزه في البكالوريوس أو بحُكم علاقاته سيُقبل سوا نجح في الامتحان التنافسي أم لا!!.

السُجناء وأبناء الشهداء يُكرمون، وهذا حقهم، براتب مُجزي أو بقطعة أرض، ولكن (لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)، فعلى الوزارة أن تتخلص من تعميماتها في الاستثناء الذي أخلَ بمستوى المؤسسات الأكاديمية وتميزها في حال مُقارنتها بمؤسسات بدول لم تكن لها دراية لا بالعلم ولا بالتعليم!!، ولكم في جامعات الخليج العربي درس وعبرة، ولكم في عُمان وقابوسها تعلم ودراية في تأصيل بناء الدولة علمياً وتربوياً، بل وحتى سياسياً، ولأ أقول دولة الإمارات التي كان يحلم الشيخ زايد يوماً ما أن تكون دولته شبيهة بما وصل له أهل البصرة من تمدن!!.

أذكر لكم من التاريخ حوادثاً تعرفونها، فالمستنصرية كانت مدرسة أهل العلم في العصر العباسي، فكان أهل الغرب يُخيطون (قاطاً) لـ (دُكمة) صنعناها نحن العرب والمُسلمين فعرفوا قيمتها في التجميل والخياطة المعرفية، ولم يكن من قبل عندهم (سكوبس) ولا (انباكت فاكتور)، لأن (اسكوبسنا) هو أحق أن يُتبع، و (انباكترنا) نموذج معرفي وعلمي يُحتذى.

(قل اعملوا فسيَر الله عملكم) و (العمل عبادة) ولكنها عبادة من نوع خاص تجعل من نفسك مثالاً يُحتذى، لأ أن تجعل من نفسك تابعاً تستجدي الاعتراف بكم مشاركات لا قيمة علمية لها... (كافي مو ملينه)!!.

لو كان علي الوردي اليوم يعيش بيننا لضحك على ما نحن فيه من بؤس وقصور تفكير، فالعلم لا يُبنى بتقليد أعمى، إنما العلم يبنيه أهله بعقل نقدي وقَاد نتحدث فيه عن تجاربنا في العلم والحياة ولا نستنسخ تجربة من مُجتمع تليق به التجربة ولا تليق بنا. لنترك دهشتنا بكل ما أنتجه الغرب، ولنكن بُناة حضارة لا أن نكون (ببغاوات) نُجيد ترديد ما يقوله الآخر، ولنتخلص من هيمنة "المثقف اللَاحوك" = (المُتفرنج) بعبارة علي الوردي، ذلك المثقف الذي لا يُتقن سوى ترديد ألفاظ واتباع لمناهج لها صلاحية توظيف بـ "تربة معرفية" أخرى، ولا صلاحية لها و نمواً ولا اخضرار لها في تربتنا. هذا لا يعني بأي حال من الأحول رفضاً لنتاج الآخر والافادة من رؤيته في خلق معارف علمية مُتقدمة، ولكن لا بنسخها كما هي، إنما بعبارة محمد عابد الجابري "تبيئتها" وفق مُقتضيات الحال وتغير الأحوال في مُجتمعاتنا بما لا يجعلنا نؤكد القول بتميز العقل الغربي على العقل الشرقي من جهة التكوين والنشأة، وكأن (التقدم) سجية في الغرب و(التخلف) يليق بأهل الشرق!!. 

على وزارة التعليم العمل بصورة جادة على الرُقي بمجلاتنا العلمية التي تُصدرها مؤسساتنا الأكاديمية، وأن يتخلص القيَمون على أمور التعليم والبحث العلمي من "التبعية" والقبول بالوصاية "الثقافية"، فما كان صالحاً للغرب لا مشروطية علمية ولا فكرية ولا ثقافية ولا اجتماعية بالضرورة أن يكون صالحاً لأهل الشرق.

(كافي مو ملينا)، سوي (بروفايل)، سوي (غوغل سكولر)، سوي ( أورسيد)، سوي (ريسيرجر كيت) ربما في كل مُنتجات الثورة المعلوماتية هذه فوائد جمَة، ولكن أن يعتمد الكثيرون هوامشاً من بحثي أو بحث آخر لا يعني أن هذا البحث مُهماً، فضع ضحكة هستيرية وانشرها ستجد آلافاً إن لم يكن ملاييناً يدخلون لمستوعبك البحثي هذا ليُشاهدوا ضحكتك، وهي ضحك على الذقون لا تعلم فيها لعلم ولا اتقان فيها لثقافة أو فنون!!.

هٌناك أغان هابطة وصلت مُشاهداتها لمئات الملايين، ولكن أغاني أم كلثوم ـ على سبيل المثال ـ لم تصل مشهاداتها لمئات الآلاف، فهل يعني هذا أن (محمد السالم) أو (نور الزين) أو (غزوان الفهد) صاحب أغنية (ودي أمك بطيارة) هُمَ أفضل من أم كلثوم لأن مشاهدات أغانيهم تجاوزت مئات الملايين!!.

كل وزير يأتي يؤكد أنه يتبى فكرة استقلالية الجامعة، ولكنه بعد حين يُلغي قرارات ويستحدث قرارات وهيأة الرأي لا حول لها ولا قوة تطبيقاً لمقولة (امحمد العريبي) في مجلس الأعيان "اموافج"، فالوزير السابق لغى نظام التحميل، وحينما باشر الوزير الجديد لغى قرار الوزير الجديد وأعاد نظام التحميل..(زين هيأة الرأي مو هي نفسها...وجميعهم رؤساء جامعات ومدراء عامون في الوزارة وهم ذاتهم من وافقوا الوزير السابق على مُقرراته، شحدى ما بدى وتغير الحال، وأي مُستجد استجد بين يوم وآخر، فتغيَر القرار)!!. هذا يعني أن لا رأي لهم!!، وهم هيأة رأي على قاعدة (شاورهم في الأمر فاذا عزمت فتوكل)، والوزير الحالي له رأي، وشاورهم  في الأمرـ ربما ـ ولكنه عزم فتوكل، وكل رئاسات الجامعات وعمادتها وأساتذتها التي لا استقلالية لهم خارج ارادة الوزير إنما مهمتهم تنفيذ ما قرره معالي الوزير من دون ابداء رأي وإن كان أغلبهم من (أهل الرأي)، هكذا يوصفون (هيأة الرأي) !!.

رغب الوزير بحُكم اطلاعه على تجارب جامعات (أنكلو أورو أمريكية) بتطبيق نظام المُقررات، ونحن قد حدَثنا نظامنا السنوي ليكون نظاماً فصلياً، ولا زلنا لم نُكمل تخريج دفعة بنظامنا السنوي المعمول به من قبل والذي تزامن معه تطبيقنا للنظام الفصلي، ولأن الوزير على دراية بأهمية (نظام المُقررات) فقد فضله على النظامين السابقين، فأمر بتطبيقه على (التو واللحظة) في السنة القادمة، ولم يكن ـ كما أظن ـ لهيأة الرأي رأي، فسارع رؤساء الجامعات بالعمل على تنفيذ أمر الوزير ودائرة البحث والتطوير في الوزارة وجهاز الاشراف والتقويم العلمي فيها أصدرتا الأوامر لتشكيل اللجان لتطبيق (نظام المُقررات) هذا، وعلى عجل أكملت اللجان أعمالها من دون دراسة لامكانية العمل بهذا النظام واقعياً، فسيُصار العمل في جامعاتنا هذه السنة بنُظم ثلاثة في الوقت ذاته: نظام سنوي يشمل المرحلة الرابعة، ونظام فصلي يشمل المراحل الثلاث، وفي السنة القادمة نعمل على المرحلة الأولى بنظام المُقررات!!.

لم يأخذ (أهل الرأي) بنظر الاعتبار عمل اللجان الامتحانية، فكل مجموعة منها تعمل على "شيتات" مرحلة بنظام مُختلف!!.

وكان بالامكان التريث بتطبيق قرار (نظام المُقررات) لسنة قادمة بعد أن تتخرج الدفعة في المرحلة الرابعة التي درست وفق النظام السنوي ليكون لدينا نظامان: نظام الكورسات، ونظام المُقررات.

وأظن ولست بجازم أن لا أحد من (هيأة الرأي) قد أوصل هذه الفكرة لمعالي الوزير، وربما أكون مُخطئاً، ويكون هُناك من تحدث مع الوزير حول اشكالات التطبيق لنظام المُقررات وفق ما شرحت ووضحت، إن كان هُناك من شرح وأبان لمعالي الوزير ولكن الوزير أصرَ على تطبيق ثلاث أنظمة دراسية في سنة واحدة، وإن كان ذلك كذلك فالمُشتكى لله وحده!!.

معالي وزير التعليم العالي المُحترم، أعرف أنك أستاذ جامعي كُل غايتك الارتقاء بالتعليم العالي ولا أشك بصدق نواياك لترصين التدريس والبحث العلمي، ولكن مقاسات أمم سبقتنا في التقدم ومحاولة اتباعها (حذو النعل بالنعل) كما يُقال إنما فيه تغييب لمقدرة العقل العراقي في الفهم المُغاير للمعرفة والوجود وعلاقة الإنسان بهذا الوجود.

ربما يُغرينا بعض المُدَعين بتقليد واتباع، ولكن التقليد والاتباع لا يخلق عقلاً يُفكر بحرية، والأمر متروك تقديره لك من قبل ومن بعد.

استعار الغرب فكر ابن سينا والغزالي ومن بعدهما ابن رشد في رؤيته الفلسفية التي أوَلها الغرب وأسس عليها تنويره في ما سُميَ بـ "الرُشدية اللاتينية" فكان ابن رُشد العربي المُسلم منارة علم وتنوير، ولنا القدرة أن نخلق لنا مستقبل أفضل خارج التقليد والاتباع وفق مقولة (فاليري) "الذئب مجموعة خراف مهضومة"، فلولا الخراف لم يكن الذئب ذئباً، ولكن الذئب ليس خروفاً، وهكذا هو الفكر، فهو هضم واستيعاب وتمثل وتأويل لأفكار سبقت وأفكار عباقرة حضرت، والناجح هو من يتمكن من هضمها وتمثلها لا اعاددة طرحها بقول مماثل لما أنتجه آخرون من ثقافة مُختلفة أو مُغايرة.

أقول قولي هذا حرصاً لا رغبة بالنقد، وإن كان في النقد تقويم ومحاولة لجعل الحياة أفضل، فكل الأمم التي نهضت وارتقت إنما كان النقد أداتها في تقييم تجاربها السابقة والكشف عن مواطن الضعف فيها.

 

ا. د. علي المرهج – الجامعة المستنصرية       

 

محمود محمد عليننتقل للجزء الثالث من حديثنا عن التفسير السوسيولوجي لنشأة وتطور الفكر السياسي الإسلامي  فنقول: يمكن أن نفسر كيف اتجه نظام الحكم فى الإسلام على عهد أبى جعفر المنصور فى مستهل الخلافة العباسية إلى صورة الملكية المطلقة، بعد الصورة الأولية "الأبوية" التى كانت على عهد الخلفاء الراشدين الأربعة، وبعد المحاولة المخفقة التى بذلها الأمويون فى دمشق، خصوصـًا ابتداءً من حــكم الوليــد، لإيجاد نظام إسلامى على غرار نظام الدولة البيزنطية، تلك الجارة التى لم يكن بد من التأثر بها: أولًا بحكم الجوار، وثانيًا بسبب التراث الإداري والتشريعي الذى خلفته وهى تولى هاربة أمام الجحافل العربية الإسلامية الظافرة فى البلاد التى كانت تبسط من قبل سلطانها عليها. وكان أمام أبى جعفر المنصور ومن خلفه من الخلفاء حتى عصر المأمون نموذجان بارزان للملكية المطلقة على أنقاضهما قامت الدولة الإسلامية، وهما: النظام البيزنطى، والنظام الساسانى والإيراني عامة. وكان طبيعيًا أن تتجه الأنظار أول الأمر إلى النظام الإيراني: أولًا لأن الذين قاموا بالثورة من أجل إيجاد الدولة العباسية كانوا من الفرس، فكان طبيعيا أن يكون للنفوذ الفارسي المكانة الأولى في التأثيرات الأجنبية في ذلك الحين؛ وثانيًا لأن الخلافة العباسية قامت في نفس البقعة التي كانت حاضرة الأمة الفارسية .

ومن هنا اتجه المتفقون والمفكرون السياسيون خلال العصر العباسي الأول إلى التراث السياسي الإيراني يستلهمونه أو ينقلون عنه المؤلفات التي يسترشد بها أولو الأمر في سياسة تدبير الملك وتدبير أمر الرعية، فقام "ابن المقفع" يترجم "كليلة ودمنة"، و"سير ملوك العجم"، فضلا عما ألفه من رسائل، مثل " الأدب الكبير " و " الأدب الصغير " وما إليهما. وكذلك أمثال ابن المقفع، كإسحق بن يزيد الذي نقل كتاب "سيرة الفرس"، المعروف بـ" اختيار نامة"، والحسن بن سهل الذي ترجم "جاويدان خرد "وعشرات غيرهم من الذين عنوا بنقل التراث الفارسي السياسي إلى اللغة العربية في أوائل عهد الخلافة العباسية .

وكان هدفهم من هذا كله تقرير قواعد نظام الحكم الجديد وبناء فلسفته السياسية، فأصبح الُكتاب حينما يعددون خصائص الأجناس ومفاخر الشعوب، إبان خصومة "الشعوبية" المشهورة في القرنين الثاني والثالث الهجريين يخصون الفرس بالتفوق في السياسة، حتى  قالوا في هذا المعرض :" للفرس السياسة والآداب والحدود والرسوم، وللروم العلم والحكمة، وللهند الفكر والروية والخفة، والسحر والأناة؛ وللترك الشجاعة والإقدام "... واستقر آنذاك عند الناس أن الفرس هم أصحاب السياسة والسبب في هذا راجع إلى اتجاه الُكتاب العالمين بالفارسية وهم المقربون عند الخلفاء العباسيين الأوائل حتى  عهد هارون الرشيد، إلى التراث الفارسي وحده .

وهكذا أصبحت القضية المحورية لدي خلفاء العصر العباسي الأوائل : هي قضية الموازنة بين عصبيات الأمة من جهة وبين (دعوة)، و(دولة) من جهة أخرى: دعوة تعتمد الجهاد لتحقيق الأمة في العالم؛ ودولة تريد قطعة محددة من الأرض تستطيع ضبطها بشروطها وعصبياتها، على أن يكون الإسلام هو السائد على هذه القطعة المحددة من الأرض؛ وهذا الأمر أثمر عن خروج المغرب العربي من قبضة الخلافة العباسية في عصرها الأول.

وإذا انتقلنا إلى العصر العباسي الثاني  فقد شهد تفكك المشرق ذاته منذ منتصف القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي؛ فظهر الصفاريون بعد الطاهريين في خراسان عام 254هـ، وظهر السامانيون في بخاري قبلهم عام 250هـ، وظهر الطولونيون في مصر  254هـ، ثم بعدهم الإخشيديون عام 323هـ؛ وظهر الزيديون في اليمن 246هـ؛ والحمدانيون في الموصل وحلب عام 317هـ. ثم البويهيون في فارس والعراق، وقد تمكنت هذه الدولة بعد استقرارها في فارس – من السيطرة على مركز الخلافة، وإخضاع الخلافة العباسية لنفوذها المباشر، وذلك في عام 334هـ/946م. وإلي جانب هذه الولايات الإقليمية الكبيرة ؛ ظهرت إمارات صغيرة، تركزت حول بعض المدن الكبيرة، كما حدث في منطقة الجزيرة الفراتية وشمالي الشام، إذ خضعت هذه المناطق وغيرها لحكم بعض القبائل المتمردة .

هذا وقد وصل التفكك السياسي للعالم الإسلامي إبان العصر العباسي الثاني مداه بإعلان الفاطميين لخلافة فاطمية في المغرب العربي حتى  استقرت في مصر والشام وإعلان الأمراء الأمويين عن خلافة أموية في الأندلس هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، فقد شهد العصر العباسي الثاني أيضًا تقهقرا عباسيا أمام الدولة البيزنطية التي كانت تمر بدور من أدوار اليقظة أدي إلى عودتها إلى قوتها مرة أخرى في هذه المرحلة. فعلى سبيل المثال سقطت حلب في أيدي البيزنطيين عام 358هـ -969م، بعد اتفاقهم مع قائد مسلم أراد أن يكون صاحب الأمر والنهي فيها يستأثر بأمرها دون سعد الدولة بن سيف الدولة الحمداني. وكان اتفاقا مجحفا نص على تسليم هذا القائد حلب للبيزنطيين مقابل وعدهم له بأن يبقوا عليه حاكمًا من قبلهم. وكانت شروطهم التي أملوها عليه وقبلها صاغرا والتي ما وضعوها إلا ليثبتوا أن أيديهم هي العليًا وليست يد المسلمين حتى  لو كان عاملها مسلما، هي أن يدفع المسلمون في حلب الجزية للروم  وأن يعفي المسيحيون فيه من دفع أي مال للمسلمين.

وثمة نقطة أخرى جديرة بالإشارة هنا شهدتها هذه الحقبة وهي أن  مرحلة انتقالية مهدت لظهور دولة المماليك في مصر والشام والحجاز؛ وهذه المرحلة الانتقالية تمثلت منذ أواخر القرن الخامس الهجري، عندما بدأت صفحة الصراع الإسلامي – المسيحي تأخذ منحني شديد الخطورة. وتمثلت خطورتها في أن الطرف غير الإسلامي فيه لم يكن هو الخصم الذي اعتاد المسلمون منازلته على مدار القرون الخمس الماضية، والذي أصابه الكبر والوهن (الدولة البيزنطية) كما أصابهم، ولكنه الآن خصم جديد له مطامع وحدت أركانه وجمعت شتاته تحت علم الصليب، فجاء ليواجه خصما منفصلة أعضاؤه منقسمة على بعضها البعض .

ويكفي للدلالة على مدى الخطورة التي شكلها الزحف الصليبي أن نمعن التفكير في معني إعفاء البابا الأسبان المسيحيين من الاشتراك في الحملة الصليبية ولكن من الوجهة الغربية (الأندلس). فالمد الصليبي على المشرق سبقه وزانه حركة استرداد مسيحي في  المغرب، وهكذا توحدت أوربا المسيحية على العالم الإسلامي المفكك وهو في  غفلة .

وإذا كان السلاجقة قد نجحوا في هزيمة حملة الجياع، وهي فئة في أول حملة صليبة على المشرق عام 1096م، تكونت من عشرات الآلاف من الجياع والفقراء والمغامرين، وكانت حملة شعبية غير منظمة فسهلت هزيمتها، فإن الأمر لم يكن بهذه السهولة مع الحملة الثانية، وهي حملة الأمراء أو الحملة النظامية التي شرعت في الزحف نحو المشرق في نفس الشهر التي هُزمت فيه حملة الجياع، وأهمية هذه الحملة أنها وضعت أسس التحالف والتعاون البيزنطي الصليبي ضد الطرف الإسلامي، فحملة الجياع أثناء مرورها بأراضي الإمبراطورية البيزنطية قامت بأعمال سلب ونهب جعلت الإمبراطور البيزنطي يندم على الدعوة التي وجهها لأوربا لطلب المساعدة، ولم يكن جنود الحملة النظامية أفضل حالا من الجوعى في الحملة الأولى، ولكن كان يمكن على الأقل بالنسبة للإمبراطور البيزنطي أن يتفاهم مع أمرائهم على صيغة للتعاون، فكان أن تم الاتفاق بينهم على أن أي أراضٍ يستعيدها الصليبيون مما فقدتها الإمبراطورية البيزنطية لصالح الدولة السلجوقية قبل "معركة ملاذكرد" ، فإنها تعاد إلى الإمبراطورية البيزنطية، أما فيما عدا ذلك فهو ملك لهم يقيمون عليه إماراتهم .

وكان إتمام هذا الاتفاق بين البيزنطيين والصليبين بمثابة توحد لأوربا الكاثوليكية مع أوربا الأرثوذكسية للهجوم على العالم الإسلامي، ولقد أثمر هذا الاتفاق آثاره؛ حيث ضمنت الدولة البيزنطية استعادة الأراضي التي فقدتها لصالح السلاجقة، وضمن أمراء أوربا إقامة دويلات خاصة بهم في الشام الذي أصبح المسرح الأساسي لأحداث الصراع بين المسيحيين والمسلمين.

وقد أخذ هذا الصراع شكلًا عجيبًا من العلاقات فيما بين المسلمين والصليبيين، فمرة يتحالف المسلمون مع الصليبين ضد بعضهم البعض من أجل أن يحتفظ بعضهم بكيان هش (دولة) ومرة أخرى يتحالفون فيما بينهم ضد الصليبين عندما يظهر لهم خطرهم مستشريًا، وهكذا كانت تدور المعارك بين المسلمين والصليبين سجالًا، أحيانًا ينتصر المسلمون وأحيانا ينهزمون، وكانوا عادة ما ينتصرون بتوحدهم في حلف جزئي، وأما هزيمتهم فكانت في معظم الأحيان لتفرقهم. ورغم بعض النجاحات الإسلامية التي كان بعضها محدود الآثار وبعضها الآخر ذا آثار عميقة، ولكن لم يقدر له أن يتوحد ليشكل حركة تحريرية كبري للغزو الصليبي .

ولذلك ظلت موازين القوى  بين المسلمين والصليبيين دون تغير كبير، فالصليبيون يحتلون أجزاء متفرقة من الأقاليم تفصل بينها إمارات ومدن إسلامية والمسلمون يشنون على الصليبيين الغارات من آن لآخر يُهزمون أحيانًا، وينتصرون أحيانًا أخرى، ويحررون بعض المدن ليستردها الصليبيون مرة أخرى عندما تتغير علاقات التحالف بين المسلمين إلى التنازع والتنافر.

وإذا كان الفكر السياسي الإسلامي يتساءل خلال القرون الأولى من الهجرة عن كيفية تحقيق الأمة الإسلامية (التي تحققت فعلًا) هو الشغل الشاغل لخلفاء بني أمية وخلفاء بني العباس الأوائل. فإن تحولا جذريًا طرأ على هذا السؤال، وبالتحديد خلال  منتصف القرن السادس الهجري، ليكون السؤال: ما السبيل لتوحيد أمة الإسلام؟ أو كيف يمكن أن تتوحد أمة الإسلام أمام خطر الصليبين الماحق؟.

لقد كانت إجابة "عماد الدين زنكي"، في الشام واضحة وحاسمة إزاء الإجابة عن هذا السؤال، وذلك بأن رأي أن استقراء خبرة التاريخ السياسي الإسلامي، توضح أن وحدة المسلمين لن تتحقق إلا إذا فُرضت فرضًا وبالقوة. فكان لزاما عليه أن يقضي على الإمارات الصغيرة المجاورة للمستعمرات الصليبية والتي كانت دائمًا بمثابة القشة التي تقصم ظهر البعير، كما كانت العقبة الكئود لأي توحد سياسي بين قوى المسلمين. وقد تم لعماد الدين زنكي ما أراد؛ حيث نجح في أن يؤسس دولة في الموصل وأن يضم حلب، ثم رفع الجهاد ضد الصليبين، لكنه اصطدم بحالة التمزق السياسي التي كانت سائدة في المنطقة، فرأى ضرورة تجميع القوى الإسلامية، وحشد طاقاتها قبل القيام بأي خطوة إيجابية لمواجهة العدوان الصليبي، فنهض يعمل على ضم هذه القوى المشتتة. وبعد أن خطا خطوات واسعة في هذا السبيل، ونجح في ضم شمالي بلاد الشام إلى إمارة الموصل، نهض ليتصدى للصليبين، ونجح في تحقيق أهم إنجازاته التي بدأ فيها صفحة جديدة في ميزان القوى بين المسلمين والصليبين في المنطقة، وهي استعادة إمارة الرها من أيديهم. وكان لهذا النصر أهميته؛ حيث أثبت قدرة المسلمين على مجابهة الخطر الصليبي، بالإضافة إلى أنه أمَّنَ حرية الاتصال بين الموصل وحلب .

وقد تبعه ابنه نور الدين زنكي (511-569هـ)، الذي ظهر كشخصية فذة؛ فقد بدأ من حيث انتهى والده، وبذل جهدًا مضنيًا في سبيل إثارة الأمة وبعث روح الجهاد والتضحية بين جميع أفرادها في مناطق الشرق الأدنى الإسلامي. ونجح "نور الدين" في اكتساب ثقة العامة وجمع كلمتهم وبعد أن وحد قسمي بلاد الشام، الشمالي المتمثل بحلب، والجنوبي المتمثل بدمشق، وبسط هيمنته على الموصل؛ انطلق يجاهد الصليبيين، ويتصدى لتوسعهم على حساب المسلمين. ولعل أهم إنجازاته هي تحقيق الوحدة الإسلامية وجهاد الصليبين، وإسقاطه الدولة الفاطمية في مصر، وإعادة هذه البلد إلى حظيرة الخلافة العباسية والمذهب السني.

وهنا أخذ المسرح السياسي يتهيأ لـ" صلاح الدين الأيوبي" (532-589هـ)، ذلك القائد التاريخي الفذ في تاريخ الإسلام السياسي الذي نجح في تحقيق ما خاف منه الصليبيون دائمًا وحاولوا منعه، وهو توحيد جبهات مصر، والشام، والعراق ضدهم (لقد كان شعار صلاح الدين نبي واحد، تعاليم واحدة، أمة واحدة، ولتحقيق هذا كان ضربه لاعتبارات الزعامة والسلطة عرض الحائط. فكان له ما أراد عن طريق خطة سياسية واضحة المعالم ووعي سياسي سليم) فكال لأعداء الإسلام والضربات الموجعة التي انتهت باسترداد بيت المقدس؛ وظل يكيل الضربات لما تبقي من مستعمرات صليبية حتى  لقي ربه مجاهدًا في سبيله، واستمر خلفاؤه في المحافظة على انتصاراته حينا وعقد معاهدات مع الصليبين أحيانًا أخرى، وبين كر وفر كانت موقعة المنصورة التي تصدي لها الملك الصالح "نجم الدين أيوب" (603-647هـ)، وانتهت بأسر "لويس التاسع عشر".

ولم يهنأ العالم الإسلامي بهذه الانتصارات حتى أتته ضربة المغول المدمرة فقضت على مركز الخلافة العباسية في بغداد، وواصلت الزحف على دمشق وباتت على أعتاب مصر. فما كان من مماليك نجم الدين أيوب إلا مواجهة المغول في عين جالوت فدمروهم وطردوا فلولهم من الشام.

وكان لمعركة عين جالوت أثر عظيم في تغيير موازين القوة بين القوى العظمى المتصارعة في منطقة الشام، فقد تسببت خسارة المغول في المعركة من تحجيم قوتهم، فلم يستطع القائد المغولي"هولاكو" (ت:1265م) الذي كان مستقراً في" تبريز"، من التفكير بإعادة احتلال الشام مرةً أخرى، وفوق هذا وذاك فقد تمكنوا من طرد الصليبين أيضًا من بلاد الشام ومصر، وتابعوهم إلى قبرص، فأخضعوا الجزيرة لسيطرتهم، ثم تعقبوهم إلى جزيرة رودس، ولولا الدعم الأوربي الصليبي الكبير للحقت رودس جزيرة قبرص في تبعيتها للمماليك .

وخضعت بلاد الحجاز للمماليك، وهي مهوى أفئدة المسلمين في كل مكان، حيث بيت الله الحرام، ومهبط الوحي، ومنطلق الدعوة، ومدينة الرسول الأعظم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وهذا ما جعل لهذه الدولة مكانة خاصة في سائر بلاد المسلمين إضافة إلى لفٌها خلفاء بني العباس وابنائهم، وإعادة الخلافة بعد سقوطها، وهذا ما زاد من مركز دولة المماليك وهيبتها .

رابعًاً : التفسير الاجتماعي وتطور منهجية الفكر السياسي الإسلامي.

إذا كان الواقع السياسي العام في العصر العباسي وتراكماته التي أوصلتنا إلى الواقع السياسي في القرنين الثامن والتاسع الهجريين، فإن هذا الواقع قد انعكس بدوره على الفكر السياسي الإسلامي، وآية ذلك أن الكتابات السياسية التي ظهرت في تلك الحقبة الهجرية المتطاولة قد ارتبطت بهذا الواقع.

1- فمثلًا سنجد أن فترة الخلافة العباسية الأوائل (والتي يرجع التراث السياسي الإسلامي لمعظمها)، وخصوصًا فترة العباسيين الأول، فترة التراجم الكبرى، وفترة بيت الحكمة، وسنجد أن نوع الكتابات السياسية فيها يدور حول السلوك المثالي السياسي وارتباطه بالأخلاق – سلوك أمة متسعة الأرجاء، عظيمة الهيبة، تضم العديد من الشعوب، وتخضع لقيادة واحدة، ومن ثم اتخاذ هذا السلوك منطلقا لتقديم النصائح للخلافة في كيفية إدارة الأمة .

ويمكن توضيح ذلك بشيء من التفصيل: في هذا العصر قامت حركة التأليف والترجمة والتدوين على قدم وساق، وجميع ما خلفه المسلمون الأوائل يرجع تقريبًا لهذا العصر، أو إلى أصول وضعت في هذا العصر، وكان العباسيون يهتمون قبل كل شيء بتركيز دعائم ملكهم: لهذا كانت حرية الرأي على مبلغ احترامهم وعظم مكانتها في الإسلام – مستظلة إلى حد ما بلواء العباسيين؛ وقد كان للعباسيين خصوم من العرب يمثلهم بنو أمية الذين استطاعوا ابتناء ملك واسع ومجد عريض في الأندلس، يماثل إن لم يفق ملك بني عباس ومجدهم في الشرق ؛ وخصومهم من غير العرب يتزعمهم ويثيرهم ابناء عمومتهم العلويون؛ وفي ظلال الحكم العباسي تنبهت القوميات الغافية، وتحركت الأطماع في نفوس كثيرين من ابناء الأمجاد الأولى التي غلبها الإسلام؛ ولهذا رأى العباسيون أن من حقهم أن يشرفوا على توجيه البحوث ومراقبة الإنتاج الفكري في ملكهم، فعني مفكرو الإسلام في عهدهم من علوم اليونان والفرس وغيرهم من الفنون التي كانت غير معروفة لهم، وكانوا يصرفون عنايتهم إلى هذه العلوم على قدر ما يرون لها من فائدة وعلى حسب ما تمس الحاجة؛ فأقبلوا على العلوم الرياضية والطبيعية والفلسفة والمنطق بمجامع قلوبهم . وللحديث بقية !!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

 

مجدي ابراهيمتعددت الوسائل الشريفة لتكون رياضاً نضرة يتخذها الصالحون طريقاً لمحبة الله ومحبة رسوله؛ صلوات الله وسلامه عليه؛ ومنها محبة أهل بيت رسول الله؛ فما من أحد يزعم أنه يحب سيدنا رسول الله - صلوات الله وسلامه عليه - وهو في الوقت نفسه لا يحبُّ آل بيته رضى الله عنهم وأرضاهم؛ فمن أحبه أحب أهل بيته. في هذا المقال لستُ أضيف جديداً بوجه من وجوه الجدّة المتعارف عليها، غير أني أضيف محبة ليس أكثر؛ فالذي دفعني إلى الكتابة هو الحبّ. من أجل ذلك سأركز على تلك النقاط التالية ولا أزيد.

(1)

إذا كان جوهر الإيمان الحب، وكان جوهر الحبّ الإتباع فمن المؤكد أن طريق الإتباع هذا يعني تجريد الطاقة كلها ناحية المحبة لله ورسوله وآل بيته وللمؤمنين؛ ثم اتصال هذه الطاقة كلها بمنابع الحب الشريف في أشرف وأطهر وأنقى بيوتات الشرف والمكرمة.

ولئن كانت محبة الله مجعولة في عين الإتباع لحب رسول الله، عليه السلام، فمحبة رسول الله مجعولة في حب أهل بيته رضى الله عنهم، بهم تتنزل الرحمات. وفي الحديث قوله صلوات الله عليه:" لا يحب أهل البيت إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق"؛ فقد جعل من مقومات الإيمان ومقتضياته حبّ أهل البيت بمقدار ما جعل من مظاهر النفاق وأركانه بغض أهل البيت، ولا يبغضهم إلا منافق لم يذق طعم الإيمان ولا يشتاق مطلقاً بأشواق المحبين.

وبالجملة؛ فمحبة أهل البيت فريضة على كل مسلم ذاقَ حلاوة الإيمان لا بل هى امتدادُ موصول بحب الله مادام الله قد أوجب علينا مودتهم كما في قوله تعالى:" قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى"؛ لما أن نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله مَنْ قرابتك هؤلاء الذين وَجَبَتْ علينا مودتهم؟ قال عليه السلام: علىُّ، وفاطمة، وولدهما، وأبناؤهم".

(2)

علامة حبّ الله هى محبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإتباعه، كما جاء في قوله تعالى:" قل إن كنتم تحبّون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم"، وليس يخفى كذلك أن من علامات محبة رسول الله محبة آل بيته الأطهار. وفي الحديث أنه صلوات الله عليه قال:" أحبوا الله لمِا يَغْذُوكم به من نعم، وأحبوني يحببكم الله، وأحبّوا أهل بيتي بحبّكم لي". وعن ابن عمر رضى الله عنهما عن أبي بكر الصديق رضى الله عنه موقوفاً عليه أنه قال:" ارقبوا محمداً صلى الله عليه وسلم في أهل بيته". والحديث رواه البخاري موقوفاً غير مرفوع إلى النبي عليه الصلاة والسلام ومعناه: راعوه واحترموه وأكرموه فيماذا؟ في أهل بيته. ومن المؤكد إنّ إكرام أهل بيت رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ومحبتهم وبيان فضلهم، شعيرة إيمانيّة لا شك فيها ولا خلاف:" ومن يُعَظّم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب". وقد قال تعالى:" إنما يريد الله ليُذْهِبَ عنكم الرجس أهل البيت ويطهِّركم تطهيراً". وأهل البيت: هم بنو هاشم: وبنو المطلب لقوله صلى الله عليه وآله وسلم:" إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد".

(3)

في حديث طويل رواه مسلم بسنده عن يزيد بن حيَّان أنه قال:" انطلقتُ أنا وحصين بن سبرة، وعمرو بن مسلم، إلى زيد بن أرقم رضى الله عنهم، فلمّا جلسنا إليه قال له حُصين: لقد لقيتَ يا زيد خيراً كثيراً؛ رأيتَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسمعتَ حديثه، وغزوتَ معه، وصليتَ خلفه، لقد لقيت خيراً كثيراً، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال يا ابن أخي والله لقد كبرت سني، وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فما حدثتكم فأقبلوا، وما لا فلا تكلِّفُونيه ثم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فينا خطيباً بماء يدعى حُمَّاً بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثني عليه، ووعظ، وذكر، ثم قال:" أمّا بعد: ألا أيها الناس؛ فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب؛ وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله، فيه الهدي والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به "؛ فحثَّ على كتاب الله وَرَغَّبَ فيه، ثم قال:" وأهل بيتي؛ أذكِّركم الله في أهل بيتي، أذكِّركم الله في أهل بيتي". فقال له حُصَين:" ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته ولكن أهل بيته مَنْ حُرِمَ الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال هم آلُ عليُّ، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس؛ قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال نعم.

وفي رواية:" ألا وإني تارك فيكم ثقلين: أحدهما كتاب الله وهو حبل الله؛ أي عهده وسببه؛ من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة. والثقلان: يقال لكل عظيم الشأن خطير الأمر (ثقل)، لعله من عظم شأنه وخطر أمره على الله، وما أعظم القرآن هدى وبيان، وما أعظم قدر أهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم قدراً مرفوعاً على الدوام بمقدار رفعته وبمقدار مكانته صلى الله عليه وآله وسلم في كل قلب يؤمن بالله ورسوله.

(4)

من هم أهل البيت؟

كثيرة هى اختلافات العلماء حول تحديد المقصود بأهل البيت. إذا كان زيدُ بن أرقم قد رأى أن أهل البيت هم من تُحَرَّم عليهم الصدقات بعد النبي صلوات الله وسلامه عليه؛ فمن العلماء من يرى أن أهل البيت هم أولاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأزواجه، والحسن، والحسين، وكذلك علىُّ بحكم معاشرته لفاطمة الزهراء رضى الله عنها وملازمته للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا رأيُ الفخر الرازي، في حين يذهب كلٌ من عطاء وعكرمة وابن عباس إلى أن أهل البيت هم زوجات النبي عليه السلام؛ استناداً إلى قوله تعالى:" إنما يُريدُ الله ليُذْهِبَ عنكم الرِّجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً"؛ اعتماداً من جانبهم على سياق الآية الوارد في خطاب الله سبحانه لنساء النبي صلى الله عليه وسلم في ست آيات. وضَعَّفَ آخرون هذا الرأي حين رأوا أن آل البيت هم: على وفاطمة والحسن والحسين وأبناؤهما. وأن الآية الكريمة قد نزلت فيهم؛ بدليل أن الخطاب فيها جاء بميم الجمع، ولم يرد بنون النسوة، وأيّدوا رأيهم هذا بحديث أم سَلَمَة رضى الله تعالى عنها حيث قالت:" نزلت هذه الآية في بيتي، فدعا الرسول صلى الله عليه وسلم، علياً وفاطمة وَحسناً وحسيناً، وأدخلهم معه في كساء خيبري، وقال:" هؤلاء أهل بيتي وقرأ الآية؛ ثم قال:" اللَّهم أذهب الرِّجس عنهم وطهّرهم تطهيراً ".

تقول أم سَلَمَة رضوان الله عليها فقلت: يا رسول الله، وأنا معهم؟ قال: " أنت على مكانك وأنت على خير". وفي حديث أبي سعيد الخدريّ عن النبي صلوات الله وسلامه عليه قال: نزلت هذه الآية:" إنما يُريدُ الله ليُذْهِبَ عنكم الرِّجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً"؛ فيَّ وفي عليّ وحسن وحسين وفاطمة.

(5)

المقصود بأهل البيت في رأي آخرين من العلماء ممَّن كانوا قد اختلفوا حول تحديد من هم أهل البيت؟ هم جميع ذريّة النبي صلى الله عليه وسلم لقوله عليه السلام:" ما بالُ قوم يؤذونني في أهل بيتي؟ والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحبني، ولا يحبني حتى يَحب ذريتي". وهذا هو الرأي الذي يرجح بين جميع الآراء التي شَقَّتْ صف الأمة نصفين (سُنَّة وشيعة) وهى اختلافات موجّهة لا يعول عليها، لعبت فيها السياسة في المنشأ دوراً مهماً وَظفت المحبة لآل البيت عند بعض فرق الشيعة توظيفاً سياسيّاً.

أهل البيت هم: زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، وأبناؤه وبناته، وذُريتّه بما فيهم فاطمة رضى الله عنها، وعلى كرم الله وجهه، والحسن والحسين، والسيدة زينب رضى الله عنهم وسائر ذُريَّاتهم؛ مع وجود خصيصة بلغت في قلب النبي صلى الله عليه وسلم مبلغها كانت تتجه مباشرة للحسين وإخوته، وممّا رواه أبو هريرة أنه كان عليه السلام يَدْلَع لسانه للحسين، فيرى الصبي حمرة لسانه فيهش إليه، وكان صلوات ربي وسلامه عليه هو الذي سَمَّاه؛ وسمى من قبله أخاه، قال على رضىَ الله عنه:" لمّا ولد الحسن سميته حرباً فجاء رسول الله فقال:" أروني ابني ما سميتموه؟" قلت (حرب) فقال: بل هو حسن. فلما ولد الحسين سميته حرباً، فجاء رسول الله فقال:" أروني ابني ما سميتموه؟" قلت (حرب) فقال: بل هو حسين. وكان يقول لفاطمة:" ادعي إليَّ ابنيَّ" فيشمهما ويضمهما إليه، ولا يبرح حتى يضحكهما ويتركهما ضاحكين .. صلوات الله وسلامه عليه.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

سلام جمعة المالكيالسادة والسيدات المسؤولين عن ادارة ملف شائك ومهدد من كل النواحي، ملف التعليم العالي والبحث العلمي في العراق، أعود معكم لبحث مفردة الجامعات المستحدثة وما شكّلته من أثر في مجمل أداء المنظومة الاكاديمية العراقية، وهذه المرّة من ناحية التصنيفات العالمية، وأبرزها تصنيف شنغهاي.

بادي ذي بدء، أود الاشارة الى ان لدي شخصيا كما لدى نسبة كبيرة من الرعيل المتقدم من الزملاء التدريسيين غير المسموعة أصواتهم، موقفا مغايرا لموقف الوزارة في اسلوب التوجه نحو الحصول على أي موقع ضمن مختلف التصنيفات العالمية ومنها الغث ومنها السمين ومعظمها قد تم انشاؤها وادارتها من قبل مؤسسات ربحية في آسيا واوربا ولا تعير لها الجامعات المتقدمة أهمية كبرى الا بغرض التسويق في دول آسيا والشرق الاوسط، غير ان لهذا الموضوع وقفة أخرى.

تأتي المخاطبات الرسمية تباعا من الحلقات العليا للوزارة للحضّ على العمل بل ووضع أطر زمنية لدخول الجامعات والكليات ضمن التصنيفات العالمية للجامعات،  وصار التركيز منصبا على تصنيف شنغهاي الذي يتضمن تصنيفين رئيسيين للجامعات ككل وللبرامج الدراسية "الكليات/الاقسام " كلاّ على حدة. ان قراءة سريعة لموقع ادارة تصنيف شنغهاي تدلنا على ان أساس التصنيف يعتمد بشكل كامل على النشاطات  والانجازات البحثية للملاكات التدريسية "توجد عتبة محددة للدخول اصلا ضمن التصنيف"، بضمنها حصولهم على جوائز عالمية محددة كجائزة نوبل ويوليسيس  والمسجلة ضمن مستوعبات معينة أهمها WoS لخمس سنوات سابقةـ وبنسبة صغيرة على نفس تلك النشاطات لخريجي الجامعات والكليات. أي ان كل ما عدا النشاط البحثي للملاك التدريسي، كالبنى التحتية واعداد الطلبة ونوعية الادارة وغيرها من المعايير التي تدخل ضمن تصنيفات اخرى كتصنيف QS وRUR، ليس بذي أهمية مع شنغهاي، فأين مؤسساتنا الاكاديمية منها وما علاقة الجامعات المستحدثة بالموضوع؟

مع الحركة الدؤوبة للملاكات التدريسية في مختلف الجامعات العراقية للنشر في ما تصل اليه امكاناتهم الشخصية "الضعيفة اصلا" من مجلات عالمية ضمن المعايير المطلوبة، يظل معدل تلك الحركة أقل من المطلوب وذلك لاسباب كثيرة أهمها ضعف "ان لم نقل انعدام" الدعم المؤسساتي للعملية البحثية التي يمكن ان ينتج عنها بحوثا رصينة متقدمة يمكن ان تجد ترحيبا في المجلات العلمية المتقدمة، والانشغالات الادارية والفنية الكثيرة التي تقع على كواهل الملاكات التدريسية بسبب قلة الملاكات المساعدة والتغييرات الدورية للادارات بما ينتج عنه ضعف استقرارية المؤسسات الاكاديمية، هذا اضافة لضعف او شبه انعدام المشاركة في النشاطات العلمية العالمية لاسباب كثيرة جدا. 

مع كل المعرقلات الجدّية المشار اليها اعلاه، تأتي الجامعات المستحدثة التي أخذ تأسيسها الكثير من جرف الجامعات القديمة سواء من ناحية الامكانات البشرية او الفنية والبنى التحتية حيث لم يصاحب تأسيسها اي اضافة حقيقية من سنخ تلك المتطلبات، اضافة لحداثة تجربة اداراتها المتقدمة في مؤسسات التعليم العالي، كما ورد في الاجزاء السابقة من هذه الدراسة.  ان مناقلة الملاك التدريسي "المتقدم منه خاصة" من الجامعات الام للجامعات المستحدثة قد أحدث شرخا كبيرا في منظومة استمرارية الجهد البحثي لاولئك التدريسيين حيث يتطلب العمل في المستحدثة سنوات من الجهد الاداري لوضع اللبنات الاولية لتلك المؤسسات "هذا مع فرض عدم تضييع تلك السنوات ضمن جو التقلبات والاجتهادات لقيادات غير خبيرة" ومع ضعف الارضية البحثية لدى المستحدثة "ان وجدت اصلا" فالناتج تشتيت جهود وخسارة مضاعفة حيث لا المستحدثة ستصل لأبسط متطلبات شنغهاي ولا الام ستتمكن من تجميع الحد الادنى للنقاط المطلوبة للدخول في ذلك التصنيف نتيجة تسرب طاقات منتسبيها السابقين..!!!

 فما هو المكسب اذن من الجامعات المستحدثة؟ هي تشتيت للموارد المالية بما تتطلبه من تعيين شخوص بمناصب ودرجات خاصة تصاحبها جيوش من الحمايات والسوّاق ومنتسبين بصفة "متابعة سريّة او علنية" ونفقات نثرية وخدماتية ووووو....بينما يعيش العراق منذ سنوات ظروف عسر مالي وفساد اداري يصرّح به أعلى رأس حكومي...هي تشتيت للخبرات الاكاديمية بما يفقدها زخم العمل ضمن منظومة مستقرة ومسار بحثي مترابط الاجزاء وبالتالي فاالمردود المتوقع من البحوث المنشورة ضمن مجلات رصينة سيشهد " شهد فعلا" انخفاضا ملحوظا ضمن رصيد الجامعات الام بينما تبقى انتاجاتهم ضمن الجامعات المستحدثة أقل بكثير من العتبة المطلوبة من قبل مؤسسة شنغهاي "ضمن حدود 150-200 بحث خلال خمس سنين"، وما ينتج عن ذلك بالتأكيد من انعدام فرص حصول الملاكات التدريسية على جوائز عالمية حقيقية ومعتبرة، مع افتراض "ولو مجرد افتراض" السماح لهم أصلا بالمشاركة في التجمعات العلمية العالمية الرصينة، يعني خسارة مضاعفة لجهود وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الرامية للدخول ضمن تصنيفات كتصنيف شنغهاي.

الحل الاقصر والاجدى هو التراجع عن الخطوة غير المدروسة المتمثلة بافتتاح الجامعات المستحدثة، والحاق التشكيلات الحالية بالجامعات الام ضمن الرقع الجغرافية باسرع وقت، وتثقيف الملاكات البحثية ضمنها لتثبيت اسماء الجامعات الام على واجهات بحوثهم بما يضمن رفع عدد البحوث ضمن أرصدة تلك الجامعات وبالتالي رقع فرص حصول تلك الجامعات/الكليات للشمول بمراجعات المؤسسات المسؤولة عن التصنيفات العالمية مع ينتجه ذلك الالحاق من بتر لمنفذ كبير من منافذ تسرب الموارد المالية والبشرية والخبراتية الهائلة ضمن قطاع التعليم العالي والبحث العلمي وهو الاهم حسب أراء نسبة كبيرة جدا من الملاك التدريسي للجامعات العراقية. ...و الله من وراء القصد

 

أ.د. سلام جمعه المالكي

 

يوسف القرشيتعد النظرية النسوية لما بعد الحداثة من أبرز النظريات التي اهتمت بتفسير الفروق بين الجنسين على أساس اللغة، وكون هذه الأخيرة عبارة عن سلسلة مترابطة الحلقات من القواعد والإشارات والرموز والمعاني والأدوار التي ينشأ عليها الأطفال اجتماعيا وثقافيا، فالأطفال الذكور يتوافقون مع آبائهم لأنهم يشبهونهم فيزيقيا وماديا، من خلال اللغة السائدة والأدوار التي يكتسبونها عن آبائهم مما يطور حسهم الأخلاقي، عكس الفتيات أقل حسا أخلاقيا لأنهن لا يتماثلن مع آبائهن.

واعتبر جورج هربرت ميد الأب الذي طور نظرية التفاعلية الرمزية أن «اللغة هي الأساس الذي يتعلم من خلاله الأطفال الأدوار الجندرية من خلال الاتصال والتواصل مع الآخرين.»1 وذلك عن طريق عملية التنشئة الاجتماعية والتفاعل الاجتماعي مع الآخرين يتطور مفهوم الجندر الخاص بكل جنس بناء على قيم وتوقعات المجتمع، فيتعلم الأطفال كيف يرون أنفسهم وأنفسهن من خلال المحادثات والتفاعل المستمر واستخدام الرموز المناسبة للموقف.

وتؤكد شهادات النساء أنفسهن على أن الديانات السماوية قد أكرمت المرأة، وأعطتها حقها غير أن الثقافة والتاريخ من خلال اللغة قد بخساها هذا الحق، «إن موقف الدين بوصفه وحيا منزلا وبوصفه دين الفطرة يعطي المرأة حقها الطبيعي، ولكن الثقافة بوصفها صناعة بشرية (ذكورية) تبخس المرأة حقها ذاك وتحيلها إلى كائن ثقافي مستلب.»2 خصوصا على مستوى التعابير والإشارات والرموز.

وعندما جعل النظام البطريركي الرجل على رأس هرم المجتمع والمرأة في القاعدة، مما ترك النساء يقتصرن على استخدام اللغة الذكورية معا، وأدى ذلك إحلال الرجل كممثل للعقل والمرأة ممثلة للجسد، لدرجة اعتبر «التذكير في اللغة هو الأصل والتأنيث فرع من هذا الأصل تماما كالأسطورة القائلة بأن حواء فرع من آدم وهذا اعتراف دائم باستيلاب مستمر لحقوق المرأة.»3

وعندما تدخل المرأة مجال العمل الوظيفي فإنها تدخل في سياق التذكير، فهي عضو وهي مدير وهي رئيس الجلسة... وبما أن التذكير هو الأكثر أصبح الأصل، ولن يكون التذكير أصلا إلا إذا صار التأنيث فرعا، ومن هنا فإن الفصاحة ترتبط بالتذكير فيقال عن المرأة أحيانا إنها زوج فلان وليست زوجة فلان والعكس لا يقال إن كنت تتحرى الفصاحة والأصالة، وهذه مسألة تمر في الممارسات اللغوية دون ملاحظة لأنها صارت هي الطبع وهي حقيقة اللغة وضميرها المتغلغل في نسيجها وخلاياها.

يقول عبد الله الغذامي أن اللغة الإنجليزية ليس للمرأة من وجود إلا داخل مصطلح الفحولة، ولننظر في هذه الكلمات:

wo-man

hu-man

man-kind

وإذا ما تأملنا في الأمر سنجد أن المرأة مجرد إضافة لفظية إلى الرجل، ولو حذفنا كلمة«man» لضاعت وسائل المرأة من الوجود في اللغة، وكذا مصطلح «إنسان» «hu-mam» ومصطلح «بشرية» «man-kin»، بالإضافة إلى ذلك عندما نترجمة كلمة «التاريخ» إلى اللغة الانجليزية سنجدها تعني «History»، وإذا قسمنا هذه الكلمة سنجد أن بدايتها «His» تعني «هو»، و«story» تعني «قصة»، ويصبح المعنى الشامل لكلمة«History» قصته دلالة على قصة الرجل أي تاريخه كإحالة صريحة بأن التاريخ ذكوري حتى في إسمه.

وقيل إن خير الكلام ما كان لفظه فحلا ومعناه بكرا، وكتحليل لهذه المقولة باعتبارها قسمة غير متساوية، حيث يأخذ فيها الرجل أهم وأخطر مكونات اللغة وهو اللفظ الذي يعد التجسيد العملي وأساس الكتابة والخطابة، ويتبقى للمرأة المعنى الذي يوجه بدوره من اللفظ، فيفقد المعنى وجوده وقيمته خارج إطار اللفظ أو الكتابة.

وقد أدت هذه القسمة إلى احتكار الرجل للكتابة وترك الحكي للمرأة، مما أدى إلى سيطرة الرجل على الفكر اللغوي والثقافي، وبالتالي السيطرة على التاريخ، لأنه الكاتب وهذا ما جعله صانع التاريخ والثقافة، في حين بقيت المرأة في جميع ثقافات العالم مجرد معنى للغة، وبالتالي تابعة للرجل وليست فاعلة لغوية قائمة بذاتها، وبما أن لا معنى للمعنى إلا داخل اللفظ، تسبب ذلك في إعلاء صورة الرجل وأهميته وتقوية مكانته الرمزية من داخل أحضان التاريخ وفوق أراضي الثقافة، والتقليل من المرأة على مر العصور وفي جميع ثقافات العالم حتى في اللغة نفسها.

وإذا كانت اللغة عنصر أساسي فاعلا في صياغة وبناء الثقافة والهوية، فإنها تحدد موقف الإنسان من نفسه ومن الآخر، فالنساء همشن من كتب التاريخ لأن عملهن كان محصورا في البيت، وحتى وإن كتبت المرأة أجبرت على التكلم بلغة الرجل وثقافته وتفكيره، وهذا التفكير استعمر اللغة واحتل الثقافة، حتى صارت اللغة رجلا وصارت الثقافة ذكرا، لأن «المرأة في صورتها الذهنية الراسخة كائنة اندماجية وليست كائنة مستقلة فهي وسط الآخرين وفيهم ومنهم وبهم، فهي بنت فلان وزوجة فلان وأم فلان.»4

وبما أننا في مجتمع الامتلاك لا تقاسم الحياة واشتراكها، نجد أن الرجل يضع المرأة في موقع الأشياء التي يمتلكونها، فيتم اعتبارها ملكية خاصة وفق مبدأ المركزية الذكورية، وأثناء بحث قمت به  في إطار دراسة سوسيولوجية اتخذت من دوار أولاد النيفاوي مجتمعا لها، يقول أحد المبحوثين: «لمرا ملي تتزوج تولي جوهرا ديالي»، حيث تظهر تعابير لغوية واضحة دالة على امتلاك المرأة في ثقافتنا من حيث لا ننتبه، لأن الوعي يقوم بظاهرة الانتقاء، عندما نقول لها جوهرة، بهذا التعبير اللغوي تخسر المرأة بضربة قاضية واحدة آدميتها وإنسانيتها وتتحول إلى عالم الشيء والممتلكات وتدخل إلى خزانة الرجل الممتلئة بالأشياء، لأن المرأة تحضر في المجتمعات المتخلفة التي تتبنى هذه التعابير من باب الملكية الخاصة، الشيء الذي يشرعن للرجل تبرير وضعية أعلى للذكر على الأنثى باسم عنف رمزي تمارسه اللغة، وتكريس كل أشكال الدونية والطبقية.

ولا شك أن الفلسفة قد ولدت في مجتمع ذكوري متشدد في ذكوريته وفي تعاليه عن الأنوثة، لدرجة أن سيد الفلسفة الإغريقية أفلاطون كان يتأسف أنه ابن امرأة وظل يزدري أمه لأنها أنثى، وكان يرى أن «الحب الحقيقي هو ما كان بين الرجل والرجل، ويرى الجمال المبهج في الشبان، وللمجتمع أن يكافئ الرجال المحاربين بأن يمنحهم نساء جائزة لهم على شجاعتهم.»5 ولذا تراجع وجود المرأة إلى الهامش وغابت عن محاورات أفلاطون واختفت من الخطاب اللغوي المكتوب.

ويتم تتويج الذكورة والتعالي على الأنوثة في المجتمع اليوناني بما تمليه مسرحية «انطقون» لسوفوكليس، حيث يوصي كريون ابنه قائلا: يجدر بالمرء ألا تلين له قناة أمام امرأة في أي شأن من الشؤون، فلا من الأفضل له أن يطاح به من الحكم على يد رجل، وبذلك لن يسمع أحدا أن يدعي أننا هزمنا على أيدي النساء، ويأمر كريون أخيرا بدفن «أنطقون» حية لأنها المرأة التي خرجت على نظام الرجال.

وكون اللغة تعمل على نقل أنساق جاهزة من القيم إلى الإنسان، تؤدي بدورها إلى الفصل الجذري بين الجنسين وإعطاء الأولوية لصفات الذكورة على الأنوثة وتغليبها، «اللحية تسبق الظفيرة»6 هنا اللحية حسب المخيال الشعبي رمزا للرجل ذو الصفات المرتبطة بالعقل والقوة الجسدية، والظفيرة رمزا للمرأة على أنها جسد وشكل، وهذا التفضيل على مستوى اللغة راجع إلى واقعة دينية «راجل راه هو أول حتى في الخلق آدم على حواء.»7

هكذا إذن يمكننا أن نتساءل من خلال ما سبق، هل فعلا انحازت اللغة إلى الرجل؟ وهل تم تذكير اللغة تذكيرا نهائيا أم أن هناك مجالا للتأنيث؟

ورغم خروج المرأة من طور الحكي والدخول في طور الكتابة، سنجدها تكتب حسب شروط الرجل، فهي إذن تتصرف مثل الرجل، أو بالأحرى كما قال الغذامي إن المرأة تسترجل في لغتها وكتاباتها، وهذا ما نادت به مي زيادة، بقولها: «نحن في حاجة إلى نساء تتجلى فيهن عبقرية الرجال»8، ويتبين من خلال قولها أنها تطلب عبقرية الرجال لأنها لا تملك نموذجا لشيء يمكن أن نسميه بعبقرية النساء، لذلك فما السبيل لبناء وتكوين عبقرية نسائية ؟ وما هي الاستراتيجيات للخروج من هذه الرؤية اللغوية الذكورية؟ وكيف يمكن إرساء لغة خاصة بالمؤنث قادرة على زعزعة الفكر واللغة المهيمنين؟ وأخيرا كيف يمكن خلق قيم إبداعية تجعل الأنوثة مصطلحا إبداعيا بإزاء مصطلح الفحولة؟

 

بقلم الطالب الباحث: يوسف القرشي

..........................

البيبليوغرافيا:

1- عصمت محمد حوسو، الجندر: الأبعاد الاجتماعية والثقافية، عمان: دار الشروق، 2008.

2- مي زيادة، كلمات وإشارات 34، بيروت: مؤسسة نوفل، 1975.

3- لحيدري ابراهيم، النظام الأبوي وإشكالية الجنس عند العرب، بيروت: دار الساقي، 2003.

4- الغذامي عبد الله، المرأة واللغة، بيروت: المركز الثقافي العربي، 1997.

5- أفلاطون، الجمهورية، ترجمة: حنا خباز، بيروت: دار القلم للطباع والنشر، 2000.

6- لقرشي يوسف، المثل الشعبي وإنتاج النوع الاجتماعي، المحمدية: بحث جامعي بإشراف الأستاذة حكيمة لعلا، شعبة السوسيولوجيا، 2018.

7- المرجع نفسه.

8- مي زيادة، كلمات وإشارات 34، بيروت: مؤسسة نوفل، 1975.

 

 

مجدي ابراهيملتدوين المناقشات العلميّة إزاء القضايا الدينية أثرٌ بالغ الأهمية خصوصاً فيما لو كانت تلك المناقشات صادرة من عقول يُحسن الإصغاء إلى ما تفكر فيه، ولها بالطبع خصائص فكرية تشحذ الذهن وتقوي القناعات الإيجابية وتلطف الوجدان وترقق حواشي المؤمنين؛ وهى من الذكرى التي يحتفظ العقل بها على مرور الزمن فلا ينساها مع التدوين بل يذكرها؛ فيذكر اللحظة الطيبة التي أخرجتها قرائح المتحاورين.

صديقي الدكتور أشرف الدسوقي أستاذ الأدب الإنجليزي بآداب العريش (مصر) والمثقف الذي يرفض التقليد ويثور دوماً على المُقلدين، صاحب النظرات الثاقبة واللفتات البارعة ذكر تعليقاً على مقال كتبه أحدهم تحت عنوان "التفسير العلمي والتصوف"، والذي يرى فيه كاتبه أن التصوف كما يقول، في وجهة نظره، إنْ هو إلا تعبيرٌ عن عصاب نفسي يقود صاحبه للانطواء والانسحاب من العالم ومن الحياة.

شكرنا صديقنا الكريم على قراءة هذا المقال، وكان الأولى أن نشكره نحن، أن قدّم إلينا مثل هذه النوعيّة من البشر لنتعرّف على طريقة التفكير لديها، ثم قال:

"أشكركم على القراءة، أنا شخصياً (ناقل المقال وليس بكاتبه) بعد القراءة، كانت عندى بعض التساؤلات: هل فعلاً أن الصوفية يعتقدون أن حواسهم مرهفة لدرجة أنهم يستقبلون رسائل إلهيّة؟ وهل الصوفي ينظر لنفسه على أنه من أهل الخلاص، وغيره من الهالكين؟ وهل معنى ذلك أن الصوفي فى عداء مع الواقع، ومع جوانب الحياة المادية ومتعها التي أتاحها الخالق؟ وهل الصوفي يعتقد أن كبت الشهوات وتعذيب الجسد والعزلة هى الطريق لصفاء النفس؟ ألا يناقض ذلك مع الطبيعة الفطريّة للحياة التي تقوم على التواصل والتفاعل؟ وهل الصوفي له تجارب روحيّة يمكن تأكيدها عن طريق الوسائل والقياسات العلميّة حتى يقتنع الآخرون؟ " (أ. هـ).

كان يوجّه أسئلته تلك إلى الذين يهتمون بالتصوف وينتسبون إليه، ومنهم شيوخ عُرفاء فضلاء أنا شخصياً أعتز أيّما إعزاز بمعرفتهم؛ ولكن المشايخ مشغلون بما لديهم من طاقات الإيجاب التي تتوالى عليهم فضلاً من الله من جرَّاء البقاء دوماً في رحابه تعالى، فلم يتلفتوا للرد، ولم ننتظر منهم أن يردوا على آراء لم نعرف لها قيمة ولا قدراً بين أولي الرأي والتهذيب ممّا أثاره كاتب المقال، فسبقناهم إلى الإجابة على تلك الأسئلة التي جاءت استفهاماً من الصديق العزيز لا من كاتب المقال.

أما إجابتي فكانت كالآتي:

"أمّا عن أسئلتك يا صديقي، فجواب أكثرها بالنفي المُحقق، لئن كنت تثق فيما أقوله لك، فسأجيب عليها في هذه النقاط. أما كاتب المقال فله شأن آخر:

فالأولى: بالفعل، الحواس لديهم مُرهفة ومشاهداتهم أعلى وأرقى طبعاً، لأن الوعي لدى الصوفي عالي ليس بالعادي. الصوفي صاحب مجاهدات مضنية شاقة، وعن هذه المجاهدات تصدر أحوال هى ثمرة ونتيجة، وبالتالي لا تستغرب عنهم هذه الهواتف الربانيّة، ولا أشياء تصدر عنهم من هذا القبيل، وغير هذا الكثير والكثير .

والثانية: هى من الكذب والافتراء على الصوفية بحيث لا يمكن أن تمر على عقل واع. الصوفي دائماً لنفسه متّهم، شاعر بالتقصير يتوب ويستغفر، ويجعل من الاستغفار عادة له وديدناً .. فكيف يشعر أنه من أهل الخُلاص؟!

إنمّا المسلم عموماً لا الصوفي وحده (إمّا .. أو) . إمّا أن يكون عبداً مطيعاً؛ والطاعة لا تخلو من المكر. أو يكون عبداً عاصياً؛ والمعصية لا تخلو من الخذلان. فهو في الحالتين يحتاج إلى الاستغفار.

والثالثة: فيها أغاليط كثيرة، إذ الحياة الواقعية من خلق الله، والصوفي يعبد الله فكيف، بالبداهة، ينكر ما خلق ؟!

نعم .. هو على عداء، ولكن مع الفساد والشر وتغيير ما خلق الله.

والرابعة: ليس الصوفي وحده هو من يعذب جسده ويكبت شهواته، ولكن قطع الشهوات؛ كما يقول ابن رشد إمام العقلانية، شرطُ في صحة النظر. ليس قطعها بالمرة ولكن ترويضها وترقيها والتسامي بها وإعلاء ملكات النفس الباطنة. للكاتب الكبير الأستاذ عباس محمود العقاد كتاب اسمه "الفلسفة القرآنية" جاء فيه قوله في جملة مهمّة:" وممّا لا جدال فيه أن نوازع الجسد تحجب الفكر عن بعض الحقائق الاجتماعية، فضلاً عن الحقائق الكونيّة المُصفاة ".

والخامسة: المنهج والموضوع بين التصوف وغيره مختلفان، ولا يمكن إقناع الغير إلا بالتجربة الصوفية نفسها وإلاّ بالسلوك، أي بالقدوة الحسنة ومباشرة الحياة الروحيّة ذاتها في أرفع ما يمكن أن تباشره من ضروب العمل والسلوك فضلاً عن ضروب التوجُّه والاعتقاد.

أخشى ما أخشاه أنا شخصياً - نظراً لتفاهة هذا الكلام مما جاء به كاتب المقال - ألا ينظر إليه المشايخ مجرَّد نظر فقط؛ فما بالك بالتعليق عليه؛ إذ التعليق بالنسبة لهم مضيعة للوقت وللجهد في كتابة ليست حقيقة بعناء تدوينها، وهم أهل جهد مقنن ووقت محسوب. لكن يُلفت النظر حقاً ملاحظة حول كاتب المقال، وهو عندي غير جدير بالاحترام بالمرة. الاحترام لا من الناحية الخُلقية، ولكن من الناحية الفكريّة والأدبية، أنا شخصياً لا أحترم كاتب لا يعمل عقله ولا يجهد فكره فيما ينقله عن آخرين، ويكتفي بمجرّد التقليد. وهذا المقال منقول من آراء سابقة أكثر نقاطها - فضلاً عن مضمونها ومحتواها - ردّدها بعض علماء علم النفس الذين أخضعوا التصوف لمقاييسهم المادية، واعتبروه مرضاً نفسياً ومجرّد حالات غير سويّة؛ لأنهم حصروا أنفسهم في دائرة التجربة الحسيّة وحدها، وصار اختلاف المنهج من العوائق السلبية أمام فهمهم للحالات الصوفية.

المنهج مختلف يا عزيزى .. هذا يبحث في الحس والتجربة الحسيّة، وذاك منهجه الذوق والتجربة الروحيّة، والذي يقيس هذا بذاك هو من الجهالة بمكان بحيث يريد أن يقيس الشئ، وهو يجهل كيف يقاس!

ولو رجع الكاتب (المفكر!) إلى مؤلفات عالم النفس الأمريكي وليم جيمس، أو كتابات ليوبا، وباستيد، وأندرهيل، وثولس، وغيرهم من علماء النفس الديني؛ لعرف أن هذه الآراء قتلت طرحاً وبحثاً من قبل، ولكفى نفسه مؤنة التقليد الأعمى لأراء تمّ الرد عليها من قبل علماء النفس الديني أنفسهم.

أضف إلى هذا، أن المرض النفسي أو العقلي يصاحبه فقدان لشعور مستمر للأنا، والصوفي في كل حالاته لا يفقد استبصاره لذاته مطلقاً ولا شعوره بوحدته الذاتية مع الحق. الحالة الصوفية، كالبرق الخاطف لا يثبت ولا يدوم: فناء وبقاء، غيبة وحضور، سُكر وصحو، جَمْع وتفرقة، قبض وبسط، أوجاع لا حصر لها تعانيها الذات العارفة بين وصال وجذب، ونكوص وانقطاع ممّا لا يخطر على بال مخلوق سواه. ولو جعلنا من الصوفي شخصاّ مريضا،ً لجعلنا من الشاعر والكاتب والمُلهم والفنان والموسيقى وأولى الإبداع جميعاً مرضى عصابيين، لا لشئ إلا لأنهم يعانون مشاعر خاصّة تنزع بهم إلى التفرّد والامتياز، ويباشرون تجارب روحيّة ذاتية لا يعانيها غيرهم من أفراد الناس العاديين.

من يقول بنسبة التصوف إلى المرض يصطنع منهج المماثلة في دراسة حالات التصوف، وهذا خطأ في الحكم العلمي؛ لأنه لم يقم بتجربتها فيتعذر مماثلة الصوفي في حالاته الوجدانية والشعوريّة مماثلة حقيقية، وعلماء النفس الذين يعتمدون التجربة الحسيّة، ويصدرون أحكامهم على المتصوفة من خلالها، ليسوا بصوفيّة ولا هم يدرسون صوفية موجودين بالفعل، يتعاطفون معهم أو يفتقدون التعاطف معهم، وإنما يكتفون بتحليل قشور عرضيّة ممّا كان تركه قدماء الصوفية من آثار أدبية، ويقيمون عليها أحكامهم جُزافاً في غير تحقيق، الأمر الذي يعني أن دراستهم ليست دراسة تجريبيّة مُنصفة بالمعنى الحقيقي للكلمة.

التقليد يا سيدي للآراء السابقة والإيغال في ترديدها ترديد الببغاوات دون صدور الرأي تحقيقاً عن صاحبه، لا يدل على تفكير، ولا يسمح على الإطلاق بوصف قائله بالمفكر، بخساً وجوراً لصفة التفكير.

والاستناد على مغالطات منهجية وتقويم قيم الحوار على أساسها، شئ يقدح في جديّة هذا الحوار ليحيله على الفور إلى هزل أو هزال.

والتقليل من شأن معارف أثبتتها وقائع التجربة الحياتيّة على حساب علوم أخرى يُراد لها الغلبة والانتصار، هو تقليل في الوقت نفسه من شأن الإنسان: مواهبه وملكاته وقدراته؛ لأن إعلاء جانب على جانب فيه فضلاً عن كونه يفقده التوازن المطلوب ويقدح قطعاً في ميزان العدالة، فهو أيضاً يُلقيه مدحوراً في حمأة الاعوجاج.

على أن العلاقة مع الله بسيطة غاية البساطة، وهى عميقة غاية العمق: بسيطة من حيث التوجُّه والاستعداد . عميقة في الطلب والتحقق والموالاة. والتواصل مع الله استعداد مباشر بالعظمة الإلهية داخل أطواء النفس البشرية وشعورنا بالشوق إلى تلك الحقيقة الكبرى؛ فليست هى مما يحتاج إلى تفسير علمي ولا إلى قياسات نظرية؛ لأن ميدان العلم غير ميدان الذوق الباطن. والخلط بينهما خلطُ بين العقل النظري والاستبطان الشعوري. ولا يسلم العلم من إعمال قوانينه في ميدانه كما لا يسلم الذوق الباطن من استعداد يؤهله للاتصال بالحقيقة العظمى، ولو بطرق غير تقليدية، وهى على الجملة عنوانُ البساطة في التواصل مع الله والاستعداد لمعرفته.

يتحوّل الكفر البواح في بعض الأحيان إلى محض إيمان، ومن الإيمان الخالص تتراءى أشكال الكفر ظاهرة لكنها لا تمسُّ حقيقته ولا تقدح في نقائه. ولاكتشاف الطرق غير التقليدية للتواصل مع الله؛ سأحكي لك قصة مثيرة، لكن أصبر معي حتى أتمّها إلى آخرها ثم أعلق بعدها على هذا التواصل غير التقليدي. في الرواية الصوفية البديعة عن جلال الدين الرومي وشيخه شمس تبريزي" قواعد العشق الأربعون" لإليف شافاق، وترجمة خالد الجبيلي، والصادرة عن دار طوى للثقافة والنشر والإعلام في طبعتها الأولى سنة 2012م جاءت هذه القصة المثيرة لاكتشاف الطرق غير التقليدية للتواصل مع الله:

في أحد الأيام كان موسي يسير في الجبال وحيداً عندما رأي من بعيد راعياً. كان الرجل جاثياً على ركبتيه، ويداه ممدودتين نحو السماء، يصلي.

غمرت موسي السعادة .. لكنه عندما أقترب منه، دهش حين سمع الراعي يصلي بحرارة:

" يا إلهي الحبيب؛ إني أحبّك أكثر ممّا قد تعرف. سأفعل أي شيء من أجلك، فقط قل لي ماذا عَسَاَكَ تريد؟ حتى لو طلبت مني أن أذبح من أجلك أسمن خروف في قطيعي، فلن أتردد في عمل ذلك: أشويه، وأضع دهن إليته في الرّز ليصبح لذيذ الطعم".

أقترب موسي من الراعي، لينصت إليه أكثر .. " ثم سأغسل قدميك، وأنظف أذنيك، وأفليّك من القمل .. هذا هو مقدار محبّتي لك".

عندما سمع موسي ذلك، صاح مقاطعاً الراعي وقال:

" توقف، أيها الرجل الجاهل! ماذا تظن نفسك فاعلاً؟ هل تظن أن الله يأكل الرّز؟ هل تظن أن لله قدمين لكي تغسلهما؟

هذه ليست صلاة .. هذا كفرٌ محض .. هذا كفر محض".

كرر الراعي الذي أحسَّ بالذهول والخجل اعتذاره، ووعده بأن يصلي كما يُصلي الأتقياء .. فعلمه موسي الصلاة في عصر ذلك اليوم؛ ثم مضى في طريقه، راضياً عن نفسه كل الرضا، لكن في تلك الليلة سمع موسي صوتاً، كان صوت الله:

"ماذا فعلت يا موسي؟ لقد أنّبت ذلك الراعي المسكين، ولم تدرك مَعزَّتي له، إنّ قلبه صاف، ونياته طيبة. إني راضٍ عنه. قد تكون كلماته لأذنيك بمثابة كفر، لكنها كانت بالنسبة لي كفراً حلوا".

فهم موسى خطأه في الحال .. وفي الصباح الباكر من اليوم التالي، عاد موسى إلى الجبال ليبحث عن الراعي؛ فوجده يصلي، لكنه، في هذه المرة، كان يصلي له بالطريقة التي علّمه إيّاها. ولكي يؤدي صلاته بشكل صحيح، كان يتلعثم، وكان يفتقد إلى الحماسة والعاطفة كما كان يفعل سابقاً، نادماً على ما فعله له.

رَبَتَ موسي على ظهر الراعي برفق حاني، وقال:" يا صديقي، لقد أخطأت .. أرجو أن تغفر لي .. أرجو أن تصلي كما كنت تصلي من قبل، فقد كانت صلاتك ثمينة ونفيسة في عيني الله ".

تملكت الراعي الدهشة عندما سمع ذلك، لكن إحساسه بالارتياح كان أعمق، بيد أنه لم يشأ العودة إلى صلاته القديمة. ولم يلتزم بالصلاة الرسمية التي علمه موسي إيّاها .. فقد أكتشف طريقة جديدة الآن كي يتواصل بها مع الله .. بالرغم من أنه كان راضياً وسعيداً بإيمانه الساذج، فقد تجاوز الآن تلك المرحلة، أي ما بعد ذلك الكفر الذي كان يتحلّاه".

ومفادُ هذه القصة، كما ترى، يا صديقي: إننا لا ينبغي على الإطلاق أن نحكم على الطريقة التي يتواصل بها الناس مع الله؛ فلكل أمريء طريقته وصلاته الخاصّة. إن الله لا يأخذنا بكلماتنا، بل ينظر إلى أعماق قلوبنا. وليست المناسك أو الطقوس هى التي تجعلنا مؤمنين بل إنْ كانت قلوبنا صافية أم لا، هو وحده محك الإيمان ومحك الإخلاص؛ ومتى فُقد الإيمان حرارة العاطفة وحماسة الاتصال، فقد جذوته المشتعلة في قلوب المؤمنين. فالنمو الروحي يكمن في وعينا، لا بتوجّسنا من أمور معينة. يجب ألا يحول شيء كائناً ما كان بين أنفسنا وبين الله؛ لا أئمّة ولا قساوسة، ولا أحبار، ولا أيّ وصيّ آخر على الزعامة الدينية أو الأخلاقية، ولا السادة الروحيون؛ ولا حتى إيمانك.

آمن بقيمك ومبادئك، لكن لا تفرضها على الآخرين. وإذا كنت تحطم قلوب الآخرين فهما كانت العقيدة الدينيّة التي تعتنقها فهى ليست عقيدة جيدة.

ابتعد عن عبادة الأصنام بجميع أنواعها. فرّقها عن قلبك؛ لأنها تشوّه رؤيتك. ليكن الله وحده دليلك. تعلّم الحقيقة، يا صديقي، لكن أحرص على ألا تصنع من الحقائق التي تتكون لديك أوثاناً. يذكرني هذا بإشارة من إشارات الإمام الهمام أبي الحسن الشاذلي في هذا الصدد:" فرّق الأصنام عن قلبك، وأرح من الدنيا بدنك، ثمّ كن كيف شئت؛ فإن الله تعالى لا يعذّب العبد على مدّ رجليه من التعب مع استصحاب التواضع للاستراحة من التعب، وإنمّا يعذبه على تعب يصحبه الكبر".

وتفرقة الأصنام عن القلب منزلٌ من منازل المعرفة يجتازه صاحب المعراج الروحي من أدنى إلى أعلى؛ أعني من النفس، فالقلب، فالروح، فالسر؛ فكما أن النفس تحتاج إلى رياضة وسياسة ومجاهدة، فكذلك القلب بحاجة شديدة إلى تفرقة الأصنام عنه مما لحق به من سوء التسليك؛ وأهمها في هذه الإشارة البديعة: عوالق الدنيا ولواحقها ومطاردتها للقلب الذي استقرت فيه وسيطرت عليه حتى لم تعد تريه إلا حكمها، وحكمها هو حكم من اجتمعت في قلبه الأصنام والأرباب فلم يقدر على تفريقها، ولا أراد؛ فأصابه التعب الذي لا راحة فيه، وهو يظن أن سعادته في تعبه، لكنه تعب المتكبر الملهوف على الدنيا يتعذب بكبره على الدوام وهو لا ريب جدُّ تعبان!

 

بقلم د. مجدي إبراهيم

 

محمود محمد عليما زلت أؤمن بل ربما أكثر من أي وقت مضي بأن دراسة الفكر، سواء في مرحلته الراهنة، أو في أي عصر من عصور التطور، ويكون ذلك من وجهة نظر فلسفية، فإن الباحث يمكن له أن يتناول الفكر بالدراسة من منظورين مختلفين، لكنهما يكمل أحدهما الآخر بالنسبة لنا:

المنظور الأول:

هو ما نطلق عليه اسم "وجهة النظر الاجتماعية لتفسير نشأة الفكر وتطوره"، وفي هذه الحالة فإن الباحث يهتم بكل ما من شأنه أن يعمل على قيام الفكر أصلاً، وتوفير متطلباته الاجتماعية. إنها وجهة نظر تأخذ بعين الاعتبار العوامل الاجتماعية وتنظر للعلم فقط من الخارج، وفى هذه الحالة يتعرض الباحث للنظام السياسي- الاجتماعي القائم في حضارة أو دولة معينة، والذي أصبح إنتاج معرفة علمية بعينها من جراء مشروعه الثقافي. فالفكر لا يعرف طريقة التوالد الذاتي، وإنما الفكر هو في نهاية الأمر محصلة لمؤسسات بعينها ولمعدات وأجهزة بعينها، ولميزانية تمول ما هو مطلوب من أجل إنتاج معرفة معينة. إنه يحتاج إلى مناخ سياسي، واجتماعي، وثقافي معين، والمثال الواضح لذلك هو المعرفة في العالم الغربي الأمريكي اليوم على وجه التحديد .

المنظور الثاني:

ووجهة النظر المعرفية تأتى مكملة لوجهة النظر الاجتماعية، وهى وحدها القادرة على تقييم الفكر" وتثمينه" من ناحية التطور المعرفي. وهذا المنظور هو الذي يسمح للباحث بالولوج إلى داخل الفكر نفسه، كي يحلل هيكله ويتوقف على مساراته، وبنيانه، وطرق الاستدلال بداخله، وكيفية صياغة المبادئ العامة التي تعبر عن التقدم العلمي بداخله. كما يستطيع المعرفي أن يستخرج مراحل التطور الرئيسة التي سلكها هذا الفكر أو ذاك في بناء نفسه، وحتى بلوغه مرحلة  التطور المعرفي التي هو عليها في حالته الراهنة .

إنها وجهة نظر تأخذ بعين الاعتبار بناء الفكر من الداخل، وتضع جانبًا كل العوامل الاجتماعية الخارجية التي أشرنا إليها في المنظور الأول. وغنى عن البيان أن وجهة النظر المعرفي حين تكتمل لا يجد أصحابها مفراً من توسيعها لتشمل في نهاية الأمر البعد أو المنظور الاجتماعي. فكما يقول (أوجست كونت) إن الفكر هو ظاهرة اجتماعية تاريخية لم ينشأ من فراغ، أو خارج المجتمعات، وارتبط نمو الفكر وتطوره ارتباطاً وثيقاً بنمو وتطور المجتمع الإنساني، وارتبط هذا وذاك بنمو وتطور العقل الإنساني نفسه. لكننا حين ندرس وجهة  النظر الاجتماعية منفصلة عن وجهة النظر المعرفية، فإننا نفعل ذلك استجابة لحاجات الدراسة الأكاديمية وما تفرضه من تجزئة للمعرفة حتى يمكن دراستها.

وفي حالة الفكر السياسي الإسلامي – وكما سنرى في الفقرات التالية – سنجد أننا في أمس الحاجة إلى التقييم المعرفي لكي يجلو لنا ما لا يستطيع التفسير الاجتماعي أن يستوعبه أو يفسره بالنسبة إلى الظهور الفجائي لهذه الأفكار من ناحية، وبالنسبة إلى ظهورها وهى في مرحلة الصياغة النظرية للفكر من ناحية أخرى.

ونحن الآن في سبيلنا إلى تناول عوامل التفسير الاجتماعي للفكر السياسي الإسلامي عاملًا بعد الأخر، وذلك من خلال المحاور التالية:

أولاً: أصول الفكر السياسي الإسلامي:

1- الحياة السياسية في شمال الجزيرة العربية.

من الواضح تماماً أن النواة الأولى للفكر السياسي الإسلامي (وإلى حد كبير) لم تنشأ إلا بظهور الإسلام. فاللغة العربية (لغة القرآن) لا نعرف لها نظيراً في الوقت الذي ظهر فيه الإسلام، إلا لغة القرآن نفسها، كما أن العلوم الإسلامية، هي "العلوم التي اتخذت من بعض جوانب هذا الدين الجديد موضوعاً لها".

نقول هذا على الرغم من أن هذه الحقيقة لن تقف حائلًا أمامنا – خلال تطويرنا لفقرة هذا الفصل وأقسامه – من أن نحفر في تاريخ الجزيرة نفسها، أو تواريخ الثقافات المحيطة بها كي نلتمس أصولاً، أو جذوراً لمعارف يصعب على التفسير الاجتماعي تعقلها، أو تقديم شرح أو توضيح لها.

فالرأي التقليدي الذي يصف العرب قبل الإسلام بأنهم كانوا غارقين في "الفوضي، والجهالة، لا عمل لهم إلا الغزو، والنهب، والحرب في بادية الحجاز، والشام، ونجد وغيرها من بلاد العرب"،  لم يعد يعبر اليوم إلا عن جهل المرددين له؛  فالعرب كانوا على اتصال بمن حولهم ماديًا وأدبيًا، وإن كان هذا الاتصال أضعف مما كان بين الأمم المتحضرة لذلك العهد، نظرًا لموقعها الجغرافي ولحالتها الاجتماعية؛ وهذا الاتصال بين العرب وغيرهم كان من طرق عدة أهمها: التجارة، وإنشاء المدن العربية المتاخمة لفارس، والروم، والبعثات اليهودية، والنصرانية التي كانت تتغلغل في جزيرة العرب، تدعو إلى دينها وتنشر تعاليمها .

والاكتشافات الأثرية أظهرت أن شبه جزيرة العرب، كانت تقع بين أعظم مدينتين في العالم آنذاك: فارس شرقًا، والرومان غربًا، ونظرًا لهذا الموقع الوسط الذي احتله العرب بين هاتين المدينتين، كان التأثير المتبادل بينهما لا سيما التجاري منها؛ ومن خلال إلقاء نظرة فاحصة على الحياة السياسية في مراكز الحضر في الجزيرة العربية يتبين لنا ماهية فكر العرب ونظامهم السياسي ، ومدى تأثرهم بالنظام السياسي المحيط بهم، والتي تظهر بوضوح من خلال:

أ- الحياة السياسية في شمال الجزيرة العربية في بعض المراكز الحضرية، وأهمها إمارة الحيرة على تخوم الفرس .

ب- وإمارة الغساسنة على تخوم الروم ؛ إذ تكونت هذه الإمارات من عدد غير قليل من القبائل العربية التي هاجرت من اليمن عقب حادثة سيل العرم، وقد قامت هاتان الإمارتان إثر محاولة الفرس والروم إخضاع العرب لحكمهم اتقاء لغزوهم وسلبهم، ولكنهم فشلوا في ذلك... من أجل هذا رأى الفرس، والروم أن خير وسيلة لدفع شر العرب أن يساعدوا بعض القبائل المجاورة على أن يقروا على التخوم ويتحضرون، ثم يكونوا رداءً لهم يصدون غارة البدو الرحل الذين يغزون وينهبون .

ولقد كانت علاقة الحيرة ببلاد فارس، كعلاقة الغساسنة بدولة الروم، وقد اتخذ الفرس إمارة الحيرة، ولتكون حائلًا بين العراق وغارات العرب على الدولة الفارسية. كما اتخذ الروم أمراء غسان أعوانًا لهم على الفرس، ووسيلة لحكم قبائل العرب القريبة منهم، وكان للغسانيين مواقف معدودة في الجاهلية انتصروا فيها للروم على الفرس، وصدوا

عنهم ملوك الحيرة، وتأثروا بنظام الروم السياسي، كما تأثر المناذرة بنظام الفرس السياسي، ويتجلى هذا التأثر بتقليد ملك الحيرة نفسه بجميع مظاهر البلاط الفارسي، وكذلك كان الحال مع ملك الغساسنة بالنسبة إلى الدولة الرومانية الشرقية.

ومن جهة أخرى، فقد اعتنق عددًا كبيرًا من العرب الغساسنة الذين شكل الرومان منهم دولة عازلة الدين المسيحي. وكان في مملكة الحيرة معابد ورجال دين وعباد وهم المستقرون، أما الرحل فكانوا من قبائل يدين بعضها بالمسيحية. وكان لمعرفة الحيريين للغة الفرس أثرها في انتقال شيء من حضارتهم وآدابهم إلى العرب. كما كان لمعرفة الغساسنة بالثقافة اليونانية والمدنية الرومانية أثرها أيضًا في انتقال ألوان من حضارة العرب، وأهمها الأديان، والمعارف العامة،  والقراءة، والكتابة وغيرها. ولكن النزاعات والحروب المستمرة بين مملكتي الحيرة، وغسان حالت دون سيطرتهم وتوسعة نفوذهم الثقافي والسياسي على عرب الجزيرة، حتى  انتهى تاريخهما السياسي من الوجود، مع بداية القرن السابق بظهور الإسلام  .

2- الحياة السياسية في جنوب الجزيرة العربية

تتمثل الحياة السياسية في جنوب الجزيرة العربية ببلاد اليمن التي ازدهرت حينًا من الزمن، حيث كانت ملتقى الرحلات البحرية التجارية الآتية من الصين، والهند، مع الرحلات البحرية، والقوافل التي تسير بين اليمن في أقصى الجنوب، وبين الشام في شمال الجزيرة العربية، مما جعلها مركزًا حضاريًا، إذ تكونت فيه حضارات ذات قيمة كبيرة بين الحضارات العالمية القديمة، وأهم المراكز الحضارية فيها: حضر موت الواقعة في الجنوب الشرقي من الجزيرة العربية، ومملكة معين، أو مأرب، وكانت في الشمال، وسبأ جنوبها، ومملكة حمير بين سبأ، والبحر الأحمر. وهذه الممالك كانت وريثة لبعضها البعض. فعلى سبيل المثال كانت مملكة سبأ (650ق.م) وريثة لمملكة معين، ومن أشهر ملوكها الملكة بلقيس التي ورد ذكرها في القرآن الكريم والتي اتخذت من مأرب عاصمة لها، وكان لهذه الممالك نظام حكم سياسي لم يعرفه سكان البادية، فظهرت به طبقة الحكام الذين خلعوا على أنفسهم ألقابا تتناسب مع رفعة الملك، وكان الحاكم يجمع بين الملك والكهانة، وهذا النظام السياسي الملكي الوراثي لا يختلف كثيرًا عن النظام السياسي كما وجدناه عند الفرس والرومان، وكان لانهيار سد مأرب أثره في انهيار تلك المملكة. الأمر الذي أدى لهجرة عدد كبير من أهلها إلى شرق ووسط الجزيرة العربية والحجاز، وإلي شمال الجزيرة العربية، حيث أسسوا هناك عدة إمارات وممالك، أشهرها الحيرة وغسان، والتي كانت تابعة للفرس والرومان. وقد ورثت مملكة حمير (115ق.م) مملكة سبأ، ودامت أكثر من 640 سنة حتى استولي عليها الأحباش أيام أبراهة الحبشي، ثم استولي عليها الفرس بعد ذلك وطردوا الأحباش منها، أيام كسري أنو شروان (531-578م) الذي ولي سيف بن ذي يزن الحميري ولاية هذه البلاد حينا من الزمن ثم خلفه خرخسرة بن البنيجان بن المرزبان الذي عاش إلى عهد النبي ( (صلى الله عليه وسلم))، وأسلم هو وقومه على أثر ما دار بينه وبين الرسول من رسائل بشأن إسلامه .

3- الحياة الاجتماعية للنظام السياسي في وسط الجزيرة العربية:

يؤكد الكثير من المؤرخين بأن المجتمع العربي في الجزيرة العربية قبل الإسلام قد تألف من العديد من القبائل التي تعود جذورها إلى اليمن؛ ويقسم هؤلاء المؤرخون هذه القبائل إلى مجموعتين كبيرتين: القحطانيون أو العرب العاربة، والعدنانيون أو العرب المستعربة. ولقد كان القحطانيون من القبائل التي انتقلت من اليمن إلى وسط وشمال الجزيرة العربية عبر هجمات متتالية. ويبدو أن هذه الهجرات نجمت عن عدد من الكوارث الطبيعية التي أصابت الممالك العربية في اليمن؛ وأما العدنانيون فكانت من القبائل التي سكنت الجزيرة العربية، وتعود جذورها إلى إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام. وبناء على هذه المعطيات التاريخية فإن القبائل المنسوبة إلى العرب المستعربة قد تكونت عبر علاقات التزاوج بين العرب العاربة وابناء إسماعيل عليه السلام؛ فهم إذن نتاج زواج إسماعيل من جرهم، وهي قبيلة يمنية سكنت مكة بعد انتقال إسماعيل وأمه هاجر إليها.

وتمثل الحياة الاجتماعية في بلاد العرب الجبال المرتفعة وتشمل – الحجاز ونجد – النموذج الأصل للنظام السياسي للعرب في الجاهلية، وأهم المراكز الحضارية فيها مكة ويثرب. وقد تكونت من العرب المستعربة، وهم من نسل إسماعيل عليه السلام؛ وعرب اليمن بعد انكسار سد العرب، ولقد حافظ الحجاز على استقلاله منذ أقدم العصور، فلم يعبث بحريته الملوك الفاتحون في الوقت الذي عبث فيه قورش وقمبيز وغيرهما من ملوك الفرس باستقلال كثير من الأمم، كذلك ظل محافظا على استقلاله أيام الإسكندر المقدوني الذي صده العرب حين أغاروا على دارا ملك الفرس. وكان من أثر تمتع أهل الحجاز بالاستقلال طول حياتهم، أن ظهرت فيهم طبائع خاصة بهم، من حيث عراقة أصلهم وشرف آبائهم وشهامتهم التي كانت – ولا تزال – مضرب الأمثال ولغتهم التي حافظت على نقائها وصفائها .

ويطالعنا التاريخ بأن العرب قبل الإسلام كانوا على دين واحد هو دين إبراهيم، دين الحنفية ودين التوحيد الذي تجسد بالإسلام، إنما ضلوا الطريق، فعبدوا ما استحبوا ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره، فعبدوا الأصنام والأوثان، وابتعدوا عن دين آبائهم وأجدادهم حتى  أعادهم الإسلام إليه، فتفشي فيهم الشرك بأشكال متعددة بفعل تطور واقعهم الاجتماعي .

ومما هو جدير بالذكر أن المجتمع العربي الجاهلي في الحجاز ونجد؛ قد عرف ديانات أخرى إلى جانب الوثنية، من أهمها اليهودية والمسيحية والصابئة. بيد أن أصحاب هذه الديانات بقوا أقليات منعزلة غير قادرة على التأثير في الثقافة السائدة، فاليهودية التي تركزت في اليمن ويثرب لم تكن قادرة على الانتشار والتأثير في الوسط العربي الوثني بعد أن اختارت الموقف المستعلى، المرتكز على فكرة " شعب الله المختار" التي كرست العزلة اليهودية في الجزيرة العربية، ولم تكن المسيحية أقل حالا عند العرب من اليهودية، فقد ارتبطت المسيحية في أذهانهم بالقيصرية الرومانية، والنزعة التوسعية التي ميزت الإدارة البيزنطية في الشام والإدارة النجاشية في الحبشة. لذلك بقيت النصرانية محصورة في منطقة نجران وفي شمال الجزيرة العربية .

وهكذا أدي نفور القبائل العربية من السلطة المركزية التي تمثلها الفرس والروم المحيطة بها إلى نفورها من الدين الرسمي لتلك القيصريات، وربط التنصر بالخضوع إلى سلطة قيصر. ومن ثم فإن ماهية الفكر السياسي للعرب في الجاهلية تحدد على ضوء هذا في أنه كان قبليًا يقوم على صلة الدم في أفراد القبيلة الواحدة؛ ذلك لأن الجزيرة العربية في الجاهلية لم تعرف وحدة الجنس، إذ كان يقطنها أجناس متعددة غالبيتهم من الساميين، ونتيجة لهذا كانت القبيلة هي الوحدة السياسية - الاجتماعية عند العرب في الجاهلية؛ ذلك لأن القبيلة هي جماعة من الناس ينتمون إلى أصل واحد مشترك تجمعهم وحدة الجماعة وتربطهم رابطة العصبية للأهل والعشيرة، ورابطة العصبية هي شعور التماسك والتضامن والاندماج بين من تربطهم رابطة الدم، وهي على هذا النحو مصدر القوة السياسية والدفاعية التي تربط بين أفراد القبيلة، وتعادل في وقتنا الحاضر الشعور القومي عند شعب من الشعوب ، وإن كانت رابطة الدم فيها أقوى وأوضح من الرابطة القومية، لأن العصبية تدعو إلى نصرة الفرد لأبناء قبيلته ظالمين كانوا أو مظلومين. وتقوم العصبية على النسب، وهي لذلك تختلف باختلاف الالتحام  بالأنساب .

وتتألف القيادة السياسية للقبيلة عادة من مجلس شيوخ القبيلة ويرأسه شيخ القبيلة، ويعرف بلقب الرئيس أو الشيخ أو الأمير أو السيد. ويشترط في رئيس القبيلة أن يكون في أعلى القبيلة نسبا، أي من أشراف الصرحاء؛ كما يشترط فيه التقدم في العمر والتمتع بالثروة والنفوذ، ويلعب مجلس شيوخ القبيلة الدور الرئيس في اتخاذ القرارات في شؤون القبيلة العامة، وفي مقدمتها فرار القبيلة من موقع إلى آخر بدواعي القحط أو لأسباب أمنية، كذلك نزع العضوية من أفراد معينين من القبيلة لمخالفتهم المتكررة تقاليدها، ويلقب الفرد الذي تم طرده من عضوية القبيلة بالصعلوك. كذلك من الأدوار التي يلعبها مجلس القبيلة إعلان الحرب على قبائل أخرى واختيار شيخ القبيلة، أما مهام رئيس القبيلة فتُحدد بإدارة مداولات مجلس الشيوخ، وإعلان القرارات التي اتخذها المجلس لأفراد القبيلة وتولي الحكم في النزاعات بين أفراد القبيلة وقيادة القبيلة في الحرب .

وقد أدى هذا النظام السياسي من تمكين القبائل العربية المختلفة من تشكيل تحالفات وائتلافات أمنية فيما بينها؛ للمحافظة على توازن القوى بين القبائل والحيلولة بين أي منها، والهيمنة على القبائل أو التجمعات القبلية المغايرة. وقد مثلت قبيلة قريش النموذج الأصل لهذه التحالفات، حيث مكنتها من احتكار التجارة البرية ومن إقامة علاقات تجارية بحرية مع الحبشة، وأكثر ما استفادوا منه، واستغلوه لدرجة أنهم كانوا يربحون للدينار دينارا حاجة الروم الماسة إلى تجارتهم وقد تمكنوا؛ وبخاصة بعد أن عقدوا معاهدات مع مختلف القوى السياسية التي كانت قائمة آنذاك، بما في ذلك القبائل العربية القادرة على تهديد طريق القوافل، من تنظيم تجارتهم بشكل ممتاز، فمثلوا دور الوسيط التجاري بين عالمين، الأوربي والأسيوي الأفريقي، وهو وسيط ماهر قدم له الروم أسواقًا تجارية كالقلزم في مصر، وغزة في فلسطين، وبصرى في الشام، كما أنهم اتفقوا مع القبائل العربية الأخرى على أشهر يحرم فيها القتال، وتقام فيها الأسواق التجارية والأدبية في مناطق عديدة من الجزيرة العربية، مثل دومة الجندل وهجر وعمان وحضر موت فعدن وصنعاء، وكانوا ينتهون من هذه الأسواق إلى عكاظ في الأشهر الحرم . للحديث بقية !!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

واحدة من القضايا الرئيسة التي أثارت الاهتمام في الآونة الأخيرة، هي موضوعة التخلّف وما تحمله من معانٍ تمثل التخلّف الاجتماعي، والتخلّف التنموي، والتخلّف التعليمي الذي بدوره يقود الأفراد إلى وضع التهميش في مجالات الحياة الأخرى، سواء كانت اقتصادية أو سياسية. يؤثر التعليم على المجتمع، والمجتمع بدوره يؤثر على التعليم، حيث إنهما يعتمدان على بعضهما البعض لكونهما مترابطان، لا يمكن الفصل بينهما، فلا يمكن لأي مجتمع حديث أن يتطور ويتحدث او حتى مجرد المحافظة على مكانته، إذا لم يكن على قدم المساواة مع المجتمعات الأخرى في التعليم. فالتعليم يلعب دوراً مهماً في تسهيل التقدم الاجتماعي، والاقتصادي من ناحية، ونقل المعرفة وتحديثها وتطويرها من جيل إلى آخر من ناحية أخرى. وبالتالي، يصبح من الأهمية بمكان أن يتعلم الأفراد ويتحسن أداؤهم خصوصا في بيئة اليوم، التي تتغير فيها المعرفة العلمية والتكنولوجية بسرعة.

لا شك إن التعليم في العراق يعاني من أزمة تخلف مزمنة، وربما يمكن القول إنها أزمة مستعصية على العلاج، بسبب كثرة العوامل والأسباب الكامنة وراء هذه الأزمة. وقبل النظر في أسباب ومظاهر التخلف التعليمي للعراق، يُنصح بالعودة إلى التاريخ القريب، ومعرفة ما كان عليه وضع العراقيين بعد نشوء الدولة العراقية الحديثة في مجال التعليم.

في ذلك الوقت، بدأ العراقيون يتطورون في جميع مجالات الحياة تقريباً، سواء كان ذلك في التعليم، أو الاقتصاد، أو في المجال الاجتماعي والسياسي، لأنهم أعطوا أهمية للتطور الفكري وأولويات البحث عن المعرفة. وبدأ اهتمامهم بالدراسة والتعلم في الولايات المتحدة، وبريطانيا وفي أنحاء مختلفة من العالم.

وكان للتغير الاجتماعي الذي أحدثه رواد العلم، والثقافة تأثير هائل على كل من التركيب الجزئي والبنية الكلية للمجتمع العراقي آنذاك. كانت التربية والتعليم آنذاك، فعالة في إحداث التغيير الاجتماعي، وكان العراقيون يتقدمون في جميع المجالات على شعوب المنطقة. ونمت الدولة العراقية باطراد في تلك الفترة اعتماداً على المتعلمين خصوصا الدارسين منهم في خارج العراق، من حيث الإدارة، والخدمات التعليمية والصحية، بل تجاوزت ذلك الى ميدان الإنتاج المادي (كمثال بناء الصناعات، والبنى التحتية... الخ).

وكمثال على مستوى التعليم آنذاك ما يتداول عبر صفحات التواصل الاجتماعي لورقة امتحانية لمادة الجغرافيا للسادس الابتدائي عام 1926 والتي قورنت مستوى الأسئلة فيها بالمستوى الإعدادي أو الجامعي في يومنا هذا، وما رافق ذلك من ملاحظات مليئة بالآهات والحسرات على ما وصل اليه التعليم من تدني.

مظاهر أزمة تخلف قطاع التعليم في العراق

التعليم في العراق موضوع مثير للجدل خصوصاً لما بعد 2003، بحيث أصبح واضحاً إنه في أزمة في ظل المناقشات الحادة، والاحتجاجات والنزاعات، ورفض الرأي العام الشعبي للسياسات الحكومية والممارسات المدرسية لها. تتمثل أزمة التعليم في العراق بعدة مظاهر منها:

1- اصبحت المدرسة محوراً للنزاعات الاجتماعية والطائفية والسياسية، وأصبح التعليم في العراق يواجه تحديات من قبل سيطرة أحزاب دينية متنفذة على بعض المدارس، وهيمنة التعليم الديني على المناهج الدراسية، وترسيخ الهوية الطائفية من خلال أساليب عديدة منها إنشاء مدارس للوقفين الشيعي والسنّي ووضع مناهج وفقاً لطائفة المدرسة.

2- مستوى التعليم في العراق متخلف بالمقارنة بالدول الأخرى في العالم. وبالرغم من عدم وجود تصنيف دولي يضم العراق لممانعته في توفير معلومات عن اقتصاده، إلا أن الدلائل تؤكد على ذلك من خلال مؤشرات تعليمية كنسبة عدد المعلمين إلى عدد الطلبة، وعدد ساعات التدريس في السنة ونسبة الأمّية، ونسبة الهدر التدريسي، وحالة المدارس، ومعدل عدد الطلاب في الصف وكفاءة المدرّس والتدريس.

3 - ضعف المناهج وطرق التدريس من تعليم الطفل وصولاً إلى المستوى الجامعي وعدم مواكبتها التطور التربوي في العالم.

4- اتساع ظاهرة الأمّية (18% من المواطنين العراقيين لا يجيدون القراءة والكتابة).

5 - كثرة المدارس الطينية (أكثر من 2000 مدرسة تقع معظمها في محافظات ذي قار والبصرة والعمارة والمثنى والقادسية والنجف) والمدارس الآيلة للسقوط (أكثر من 400 مدرسة) والمدارس المزدوجة والثلاثية الدوام، بالإضافة الى اكتظاظ الصفوف في هذه المدارس. وبحسب وزارة التربية يحتاج العراق لنحو 9000 مدرسة جديدة في عموم البلد عدا إقليم كوردستان.

6- قلة كفاءة المعلم/المدرس: من بين أكثر من 394 ألف مدرس في العراق، هناك 74% فقط مؤهلون أكاديمياً، بينما يوجد حوالي 100 ألف مدرس لديهم معرفة قديمة ويحتاجون إلى إعادة تدريب وإعادة تأهيل.

7- قلة معدل عدد أيام الدراسة في السنة: تعد السنة الدراسية العراقية واحدة من أقصر السنوات في العالم حيث يقضي الطلاب 151 يوماً فقط في المدرسة كل عام - أي أقل بنسبة 29 يوماً من الطلاب في دول منظمة التعاون الاقتصادي، والتي تصل إلى 180 يوماً في السنة بينما يقضي الطالب 210 و220 يوماً في اليابان وكوريا الجنوبية، على التوالي.

8- النسب العالية للهدر المدرسي، فوفق تقديرات الأمم المتحدة يرتاد أكثر من ثلاثة ملايين طفل عراقي المدارس بانتظام، بينما هناك مليون و200 ألف طفل هم خارج المدرسة تماماً، وهو ما يمثل انعكاساً لهدر بشري كارثي يصيب الطفولة العراقية كما يصفه الكاتب همام طه.

9- يُجبر نظام التعليم في المدارس العراقية الطلاب للحصول على مقعد في كلية مفضلة، لحفظ كتبهم المدرسية بالكامل. لقد حقق هذا النظام نتائج سيئة للغاية. على سبيل المثال، في عام 2016، كان عدد الطلاب الذين حصلوا على علامات 100٪ في اختباراتهم للدور الاول 1158، في حين بلغ عدد الطلاب الذين حصلوا على علامات ما بين 95 و100٪ مساوياً الى 11327. رسخ هذا النظام الأسلوب البائد في الاعتماد على الحفظ من أجل تحقيق علامات كاملة.

10- الفساد المالي: تعتبر مشكلة المدارس الطينية من أبرز ملفات الفساد، بالإضافة الى الفساد المرتبط بطباعة الكتب المدرسية خارج العراق والذي كما أشار اليه أحد النواب دليل واضح على "رغبة المسؤولين بإيجاد فرص لسرقة المال العام وعدم تشجيع الصناعة الوطنية".

هل يمكن الخلاص من هذا التخلف؟

أدت أزمة التعليم التي ابتدأت منذ نهاية الستينيات في القرن الماضي الى نتائج مدمّرة من جهل وعادات بالية وتقاليد، وثقافة مغايرة بدأت تغزو المجتمع العراقي. ولم تعد الحلول الترقيعية أو الإجراءات الجزئية أو القرارات الاعتباطية، وغير المدروسة تنفع في النهوض بأوضاع المدرسة كي تضطلع بأدوارها التربوية والتعليمية لبناء الإنسان العراقي. ولن تستطيع من أذابة الجمود التربوي وإزالة أسوار الحصار الداخلي والقضاء على الفساد من دون توفر رؤية ستراتيجية للإصلاح، وتكوين مدرسة مهارات وجودة وأخلاق، وهذا يتطلب قيادات نزيهة تمنع المتاجرة بالنفوذ وإساءة استغلال المنصب واختلاس الممتلكات أو تبديدها وتحافظ على المال العام، ويتطلب قيادات معرفية تعتنق التغيير، والإصلاح وتستمع للتربويين والعلماء وتتفهم أهمية العقل والانفتاح على الثقافات العالمية.

هل هذا حلم مستحيل التحقيق في عراق اليوم؟ لربما يكون ضرباً من ضروب الخيال ما لم يتم القضاء على الفساد المستفحل في مفاصل التعليم. لذا لابد أولاً من التخلص من العوامل التي تعمل علي تغذية الفساد ومنها تركيز السلطة التربوية بيد صناع القرار وهم عملياً غير مسؤولين أمام المعلمين والطلبة وعامة الشعب، والصراع الداخلي على السلطة، وعدم وجود نظام فعال للمساءلة والمحاسبة، واحتقار حرية الرأي والرأي الآخر، والعجز المعلوماتي المتمثل في انعدام الشفافية في المؤسسات التربوية، وخصخصة قطاع التعليم بصورة غير معلنة والإلغاء التدريجي لمجانية التعليم في العراق، فضلاً عن عدم استخدام معايير الكفاءة والجودة في تعيين المسؤولين، واستخدام المحاباة والمحاصصة بدلاً من ذلك، وانخفاض رواتب المدرسين، والكلف الباهظة للمدارس الأهلية، وازدياد معدلات الدروس الخصوصية، وعدم ملائمة المرافق التعليمية وكفايتها، واكتظاظ الصفوف، والتغيرات المزاجية والأيديولوجية في المناهج وانعدام الترابط بين محتوياتها، وبيع الكتب المدرسية، بالإضافة الى غياب الرقابة الكافية للحد من الرشوة في مؤسسات التعليم. من هذا يتضح إن الحل الوحيد والعملي هو إعادة بناء التعليم مرة أخرى من خلال القضاء على الفساد أولاً، وتعزيز الاستقرار وإبعاد العناصر الطفيلية والاعتماد على الخبراء، وهذا طبعاً يتطلب أولاً الإسراع بتسمية وزير للتربية يتمتع بالمؤهلات العلمية والمهنية والنزاهة وبعيداً عن المحاصصة السياسية.

 

أ.د. محمد الربيعي

 

سارة طالب السهيليلعب الوضع الاقتصادي للأسرة دورا مهما في نشأة الطفل وتكوين طبقته الاجتماعية وفي نموه العقلي والنفسي والاجتماعي، حيث يؤثر الوضع المالي للأسرة في تنشئة الاطفال على مستويات عديدة تتصل بالنمو الجسدي والذكاء والنجاح المدرسي وأوضاع التكيف الاجتماعي.

فالوضع الاقتصادي المريح  للأسرة يضمن لأبنائها حاجاتهم المادية من غذاء، وسكن، ووسائل ترفيهية من ألعاب، ورحلات علمية، وامتلاك الأجهزة التعليمية كالحاسب، والفيديو والكتب، والقصص، كما يوفر متطلبات الصغار لتنشئة اجتماعية سليمة يشعر فيها الصغير بالأمان والطمأنينة وهو الأمر الذي يسهم في تقوية ووحدة وتماسك.

بينما قد تعجز الأسر فقيرة الموارد المالية عن توفير الحاجات الأساسية للطفل خاصة فيما يتصل بامكانيات التحصيل العلمي، والمعرفي ناهيك عن ان وجود أي نقص مالي أو عوز يؤذي الصغار في مشاعرهم الداخلية وقد يتسبب في شعورهم بالحرمان والدونية، بل انه قد يدفع في بعض الاحيان بعض الصغار الى السرقة والحقد على المجتمع.

يتنامى احساس الاطفال بالنقص عندما يضطر ذويهم الى الدفع بهم لسوق العمل مبكرا لمساعدة الاسرة وهو ما يشعر الاطفال بالحرمان رعاية طفولتهم  كما يحرمهم من فرص تربوية وتعليمية وترفيهية متاحة لاقرانهم ميسوري الحال.

الطفل العربي

حظي الطفل العربي برعاية شاملة في فترات الوفرة المالية والاستقرار الامني والسياسي خاصة في دول الخليج وقبل الازمة المالية العالمية انعكست في توفر وسائل الاشباع المادي والمعنوي والترفيهي والتعليمي، غير ان اوضاع الطفل العربي قد تغيرت كثيرا مع الازمة الاقتصادية التي طالت معظم دولنا العربية، بجانب الازمة الأمنية الناتجة عن الحروب والصراعات والتي فقدت فيها كثير من الأسر  عائلها واضطر كثير من الاطفال فيها للخروج المبكر الى سوق العمل كما هو الوضع في العراق واليمن وسوريا، بينما دفعت الازمة الاقتصادية وزيادة البطالة في مصر والسودان وغيرهما الى خروج الاطفال للعمل المبكر لمساعدة الاسرة على نفقات الحياة.

وحتى الطفل في دول الخليج بدأ يعاني من تقلص الفرص والمكاسب التي محققة له، بسبب ارتفاع الاسعار والسلع وزيادة الرسوم والضرائب على الخدمات الامر الذي أثر سلبا على قدرة الاسرة على الادخار او الاستمتاع بالترفيه مما اضطر الأسر للتخفيف من نفقات كثير من احتياجات المعيشة مثل الغذاء، أو الصحة، أو التعليم، والتنزه أو الملابس.

 

توقعات مخيفة

ومع تواصل الازمة الاقتصادية التي يتوقع خبراء الاقتصاد ان تتعمق وتزاد خطورة مطلع 2020 ، فان الأجيال المقبلة ستتعرض لعلميات افقار تعرض الأطفال للخطر في حالات الركود الاقتصادي، لأنهم قد يُنتزعون من المدارس للعمل أو رعاية الأسرة أو يعانون سوء التغذية عندما تشح الأغذية، ومن ثم تؤثر سلبا على نماء الطفل وإمكانياته في المستقبل.

وفي 2014 أكد التقرير الصادر عن صندوق الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسيف" أن الاطفال قد تأثروا بشكل كبير من الأزمة المالية في الدول الغنية ومن تدابير التقشف التي اتخذت لمعالجة الأزمة.

و زاد عدد الأطفال الفقراء في الدول المتقدمة بالغرب وكافة أنحاء أوروبا والأميركيتين وآسيا بنسبة 2.6 مليون بين عامي 2008 و 2012، أي زيادة زيادة العدد الإجمالي ب 76.5 مليون نسمة.

وتدهور الوضع بشكل خاص في أيسلندا واليونان ولاتفيا وكرواتيا وأيرلندا، حيث ارتفعت معدلات الفقر بين الأطفال بأكثر من 10 بالمئة. وأشارت اليونيسيف إلى أن هذه المشكلة تلحق الضرر بالميزانيات الاجتماعية و"تضعف التماسك الاجتماعي".

معالجة مخاطر الفقر

وقد أثبتت الدراسات المتخصصة أن الفقر والعوز يلعبان دورا رئسيا في حدوث  الانحراف الاجتماعي. فالفشل الاقتصادي لأسرة وعدم مقدرتها في الحصول على الدخل الذي يلبي احتايجاتها المعيشية وينعكس سلبا على تنشئة أبنائها، كما يؤدي بولي الأمر غالباً الى الهروب من المسؤوليات الأسرية وفقدان الثقة بالنفس.

امام تنامي الازمات الاقتصادية في العالم، فان حكومات عالمنا العربي مطالبة بالاسراع في وضع خطط اقتصادية تنموية تستفيد فيها من تجارب بعض الدول التي حققت نهضة اقتصادية سريعة ومتطورة مثل الصين وسنغافورة، والعمل على تطوير الصناعات الصغيرة واستثمار الميزة النسبية لكل دول عربية في اية مواد خام او ثروة معدنية او زراعية او مقومات صناعية  وتطويرها في استقطاب عدد اكبر من  الايدي العاملة.

وتكتسب ايضا عملية تغير ثقافة الاستهلاك في مجتمعنا العربي بشكل جذري بحيث يعتاد الصغار من الطفولة على طلب ما تستطيع الاسرة شراءه وهو ما يتطلب غرس القناعة في نفوس الصغار ومحاورتهم بشأن الاولويات الضرورية التي يجب على الاسرة شراؤها، وهو ما يعود الطفل على المشاركة داخل الاسرة.

ولاشك اننا مطالبون بغرس مجموعة من القيم الاقتصادية داخل نفوس أبنائنا في مقدمتهم غرس قيمة الادخار وتعويد الطفل على المحافظة على المال من خلال شراء حصالة له يضع فيها مدخراته.

والأهم من كل هذا تطوير خطة اقتصادية في حكومات دولنا العربية بتوفير اساسيات الحياة من البنى التحتية ومن متطلبات الحياة الرئيسية من مأكل ومشرب و سكن و تعليم على ان يكون بمستوى يرقى للاستخدام البشري و بمتناول يد كافة المواطنين .

 

سارة السهيل

 

مجدي ابراهيمجُزافاً أحياناً يختارون عناوين موضوعات بحثيّة ليُلقوها إلى طلاّب الدراسات العليا غير مبالين بنقد ذوي الاختصاص، وما دام الأمر موكولاً إلى غير أهله، فالوجود والعدم سيّان، والحق والباطل لا يفترقان، والصحيح والزائف مقترنان : عملة رائجة يسيغها المزيفون من ذوي الأمراض العقلية والنفسيّة بل والخُلقيّة كذلك، لا لشيء إلا لأنهم أساتذة، ويجوز للأستاذ - في عرفهم - أن يضرب بسهم في كل ميدان! مع أنه ليس بمتخصّص، ولا عرف أسرار ذلك العلم الذي يتكلم عنه، ربما يكون قد حصّل منه بعض القشور القاحلة، ولكنه لم يكتب فيه إلا الحروف الواهية من حيث لا تؤهله لأن يحكم على تفاصيله الحكم السديد المسؤول.

إنه، إذا غابت فينا القيم النبيلة - ومن العجب العاجب أن أكثرها يغيب بين النبلاء ناهيك عن الحقراء، إذ ماذا عساك تراها تكون؟! - فلن تقوم بيننا حياة منتجة تستحق نظر التاريخ أو نظر المنصف الحصيف، لأن غيبة القيم في الواقع معناه غيبتها في القلوب والعقول. وتحت هذه الغيبة تصدر الأحكام مجرد مجاملات بهلوانية لا تنتسب إلى العلم قدر انتسابها إلى عادات خربة عرفتها المجتمعات البدائية المتخلفة، ولم تستطع أن تتخلّص منها لا في ماضي الناس البعيد، ولا في الحاضر المنحوس المنكوس.

هل يصلح هذا العنوان أن يكون موضوعاً لرسالة علمية، كيف وبداياته كلها تنقض العلم وتهدم السبيل إليه من الوجهة المنهجيّة، فالذي يكتب عن القيم الروحيّة مطلق القيم ومطلق الروح، لا يفرّق بين التخصص والشمول، ولا بين الرسالة العلميّة والكتاب الذي يتناول في المجمل هذه القيم، ولا بين الخاص الممنهج والعام الشامل المطلق.

لو كان الأمر بيدي أنا شخصياً لكنت مقترحاً أن تخصص كل جامعة لجنة من أساتذة متخصصين أمناء؛ لنقد الرسائل العلمية حتى بعد مناقشتها، وتكون هذه اللجنة شبه دائمة تكتب تقريرها سريّاً غير معلن وترفعه إلى الوزير مباشرة، ليتخذ هو موقفه بين من يتقدّمون للجنة العلميّة المختصة كيما لا تكون الدرجات العلمية نتيجة حصيلة زائفة من أوراق مجمّعة لا طائل من ورائها ولا فائدة.

القيم الروحيّة موضوع مفتوح عام غير محدود، لا يصلح أن يكون بحث ماجستير أو دكتوراه، ويفتقر إلى المنهجيّة التي توظف دلالاته وأبعاده، وتقف القارئ على رؤية الباحث فيما يرى، ولكن يصلح أن يكون كتاباً؛ لأنه عام لا خاص.

وما يُقال عن القيم الروحيّة، يقال في الوقت نفسه عما يضاف إليها يأتي بعدها وينعطف عليها، ولتكن القيم الجمالية، فهذه القيم الجمالية إذا هى أضيفت إلى القيم الروحية لم تعد ذات حصيلة ذوقية يفهم منها القصد المجرّد الذي يفيد الإضافة بل صارت إذ ذاك مجرد تحصيل حاصل مقدّمة منطقية تضاف إلى مقدّمة ولا تسفر في النهاية عن نتيجة يُستخلص منها دلالة مفهومة أو معقولة حتى إذا ذكرت الجماليّة كقيم تضاف إلى الروحيّة وتنعطف عليها، فليس أبخس ولا أبعد عن الإنصاف من ذكر الجمال دون الجلال، وبخاصّة إذا تعلق الأمر بعلوم الأذواق والبحث فيها بما يناسبها من منهجيّة وتحقيق.

فما يُقال عن القيم الجمالية يقالُ من حيث العنوان عن القيم الجلاليّة، فلا يمكن فصل الجلال عن الجمال في الفلسفة الصوفية، لأنها تجليات لا ينفصل بعضها عن بعض، وبالتالي ففكرة عزل القيم مستبعدة تماماً عن واقعها الفعلي، والملاحظ أن ليس لها وجود في العنوان، ولن يكون لها وجود في المضمون الذي يشمله ويقوم عليه.

هذا أولاً .. أمّا ثانياً فهب أنك أضفت شخصيات صوفية تتحدد بها تلك القيم كان تقول مثلاً القيم الروحية عند فلان وفلان أو بين فلان وفلان وليكن مثلا النفري (354ه-) من علماء القرن الرابع وابن عطاء من علماء القرن السابع، فليس هدا بمقياس يقام عليه نظر البحث السديد فلا النّفري ولا ابن عطاء ممّن يقال عنهم فلاسفة صوفيين، فالنفري صاحب تجربة روحيّة غزيرة لا علاقة بها بالتصوف الفلسفي، يعني لا علاقة لها بالنظريّة، وإنما لها كل العلاقة بالحالة، بل اتجاهه سُنيّ محافظ معتدل، والدليل أن كتابه (المنازل) مشروح من قبل ابن القيم في (المدارج) ولو ظهر عنده أدنى اتجاه فلسفي لما قام ابن القيم بشرح أعماله، وهو وأستاذه ابن تيمية من أعدى أعداء الصوفية الفلاسفة، فكيف يُقال عن تجربة النفري فلسفة صوفية .. هذا خلط غريب يدلُ على جهل وتخبّط.

ثم أن يقال أيضاً عن تصوف ابن عطاء الله السّكندري أنه فلسفي، قول ينقض ظاهره باطنه، ويهدم أوله آخره، فابن عطا الله صوفيُّ شاذليُّ سُنيُّ لا صلة له بالنزعات الفلسفية الصوفية من قريب أو من بعيد، وأي محاولة تضيفه إلى الصوفيّة الفلاسفة محاولة محكوم عليها بالفشل الذريع والعوار العلمي.

وإذا كانت الدراسة في الغالب تدعى أنها دراسة مقارنة، فمعلوم أن المقارنة كمنهج تقوم بين فكرتين مختلفتين لا يجمعهما سياق متصل حتى تتاح للباحث المقارنة، وإلا فكيف يمكن أن تكون الدراسة مقارنة وهناك اتفاق بين الشخصيتين في التوجه والاتجاه، وفي التصنيف كذلك، أي من حيث انتمائهما إلى التصوف السّني. ناهيك عن عموم العنوان الذي ليس فيه أي بعد صوفي على الإطلاق يضيف تنوعاً معرفياً ذا قيمة يذكرها الدراسون فيما بعد.

ثم إن هناك نقطة يجدر الالتفات إليها من الوهلة الأولى خاصة بتوثيق المصادر، فلابد لنا على البداهة من التفرقة بين المصادر من حيث كونها تمثّل الأسس القديمة التي تعتمد عليها الدراسة وتمسُّ مباشرة طبيعة الموضوع المدروس تأصيلاً وتأسيساً هذا من ناحية، وبين المراجع من حيث إنها إسهامات حديثة من الدراسات التي تضاف إلى تلك الأسس القديمة تحللها وتنقدها وتبدي فيها وجهات النظر المختلفة على اختلاف المناهج المتباينة.

فإذا كانت المصادر قديمة فالمراجع حديثة، ولا يمكن أن يكون المرجع من الحداثة إلا إذا تفرّد صاحبه بجديد في موضوعه من حيث إنه يضيف جديداً رؤية ومنهجاً وربما نظراً لتناوله الموضوع بهذا الشرط يعدُّ من هذه الجهة داخلاً في المصادر.

وحيث عرضتُ هذا الموضوع للطرح والمناقشة وجدتُ من الأفاضل الكرام تعليقات تثري الحوار وتفتح أبواب النقاش المفيد ومنها تعليق الدكتور صابر عليّ حيث يقول :

(نعم أستاذنا، وبما أن عالمية القرآن تقضي بانفتاح القيم الروحيّة، فهي لا تسعها ماجستير ولا دكتوراه؛ فالقيم الروحيّة المتأصلة بالكتاب والسّنة لا حدود لها؛ لأن هذه القيم الروحيّة هى كلمات الله).

ولا شك أن تلميذنا الدكتور صابر يعوّل كثيراً على حضور هذه القيم في المصدرين الكبيرين للإسلام : القرآن الكريم وسنة رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه، وحيث إن هذه القيم متسعة زاخرة في الدين الاسلامي فلا شئ يمنع حضورها الفاعل سوى الجحود. وحيث يكون هذا هو شأنها فلا يمكن أن تضيق تحت منظار الباحثين لتكون موضع بحوثهم فيما يبحثون لكأنهم يستغرقون الوقت فيما هو ظاهر حاضر واضح لبصر الشاهد العيان.

ثم جاء تعليق الدكتور أبو النور حمدي الشريف ليقول :

(القيم الروحيّة تجربة معاشة، ومن يعيش هذه التجربة غير مسموح له بالإفصاح عنها؛ لأنه لو أفصح عنها لزالت عنه فهي أمرٌ بين الصوفي وربّه. والقيم الروحيّة لا يستطيع الوصول إليها إلا من خلع عن نفسه رداء الدنيا واكتسى برداء الآخرة).

ولم يكن تعقيب الدكتور أبو النور الشريف بالذي يحصر منظومة القيم الروحيّة في غير منطقتها التي تصدر عنها أو منها. إنها فوق كونها عامة مطلقة فهي كذلك لها منطقتها التي تصدر عنها فتجعل كل ناظر يعوّل عليها تعويل النظر إلى الأصول المتجذرة الباطنة في الوعي العالي لا الوعي العادي، وإذا اتصل الأمر بالوعي العالي فهو خاص إلى أبعد الخصوصيّة عام كذلك في البذرة الإنسانية.

أما تعليق الأخ الأستاذ الدكتور مهدي عبد الله فيقول :

(أستاذنا الأديب الأريب سعادة أ.د مجدي بك إبراهيم يحفظكم الله : وماذا عن القيم التربوية؟ هل ما ينطبق على القيم الروحيّة ينطبق على القيم التربوية بخصوص ما ذكرت؟ بارك الله فيكم أستاذنا).

والحق أن هذا التعليق فتح موضوعاً ذا شعب وزاويا متعددة الأمر الذي جعلني أتناوله بطريقة أخرى تصل القيم التربوية مباشرة بالقيم الروحية، فسعادة الأستاذ الدكتور الحبيب مهدي، يعلم تماماً أن القيم التربوبية الصحيحة لا تنفصل عن القيم الروحيّة، وأن صحيح التربية غير معزول بالمرة عن عطايا الروح بل هى داعمة له بكل الوجوه. ولم تكن التربية الإسلامية في أول ظهور الإسلام تخلو من تأديب النفس وتصفية الروح وتثقيف العقل وتقوية الجسم، فهي ولا شك تعني العناية البالغة بالتربية الدينيّة والخُلقية والعلميّة والجسمية من غير أن يكون هناك تضحية بجانب منها على حساب الجانب الآخر، ألم يفتدي النبي صلوات الله وسلامه عليه أسرى بدر بتعليم عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة، ألم تكن من وصايا عمر بن الخطاب أن يعلّم المسلمون أبناءهم السباحة والرماية؟

وإنمّا ذكرت كلمة (صحيح التربية) لأننا نعلم كما يعلم سيادته أن الغزالي والقابسي وغيرهما ممّن أخذوا نشاطهم التربوي وكتاباتهم العلميّة والتعلمية في هذا الميدان، كانوا يعتمدون بالمباشرة على توجّهات روحيّة؛ لتكون تأسيساً تربوياً خاصّة فيما يتّصل منها بالتعليم كما فعل القابسي المتوفى سنة 403 هجرية، 1112ميلادية، ومن بعده الغزالي المتوفى سنة 505 هجرية، صاحب الإحياء.

فالتعليم يقوم على الإرادة، والأخلاق تقوم على الإرادة. ولن تتأتى الإرادة إلا بتغذية الفاعل (الإنسان أو المتعلم) بالقيم الروحيّة. لقد كانت هنالك قبل ظهور الإسلام أنواع ثلاثة من التربية تتنازع السيادة في الشرق الأوسط : الأولى التربية الفارسية، والثانية التربية الإغريقية، والثالثة التربية المسيحية، وكان لكل نوع منها طابع خاص يميزها ويعتمد على روح الفلسفة الممثلة لكل منها.

على أننا لا نجهل أن الإسلام بعد انتشاره في الأمصار المختلفة قد اتسع لأدب الفرس وفلسفة اليونان وأنظمة الروم ورهبنة المسيحية، وهو مع ذلك ظل أقوى من تلك الثقافات جميعاً متغلباً عليها جميعاً بماذا؟ بقيمه الروحيّة الباقية المستمدة من فلسفته القائمة من كتابه المؤسس، القرآن الكريم وسنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه، حتى ليصح القول : بأن التربية الإسلامية برزت على ما عداها، وأصبحت ذات خصائص واضحة المعالم بارزة السّمات، لأنها تأسست على قيم الوحي العليا، ولم تكن مؤسسة على نظرات خارجة عن المضمون الديني الإسلامي.

وإذا كانت التربية تتأسس على الفعل العملي التطبيقي بحيث يكون لها ثمرة واضحة في الفرد وفي المجموع على السواء، فليس أفعل فيها ولا أقدر من قيم الروح الباقية التي من شأنها أن تصل العمل بالمصير، وأن تربط الحاضر بالغاية البعيدة، وأن تنشد الإخلاص مع وحدة القصد.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم