العقل مسار معرفة الشريعة، والقلب مسار معرفة الطريقة، والطريقة تقودنا إلى الحقيقة، ولا تتم الطريقة إلا بالشريعة، ولا تتم الحقيقة إلا بالطريقة، فرسم مسارات التعرف على الشريعة يضيق من دوائر الوهم وانحراف العقل، ولكنه لا يكبل العقل ضمن هذه المسارات بل يرسم له الطريق للسير والانطلاق نحو القلق والشك الإيجابي، اللذان يبعثان على البحث الدائم عن أقرب صياغات للشريعة وأقرب مسارات للطريقة التي توصلنا لأقرب نقاط من الحقيقة.

ولعل أهم ثابت لدينا ومسلمة يقينية هي حاجة الإنسان للدين والتدين، وتدين الإنسان فطري المرتكز، إلا أن تجليات هذا التدين وهذا الدين هي محل قراءات كثيرة في عصرنا، تمايزت هذه القراءات بين الافراط والتفريط وبين التعصب والتساهل، ولم يجد الخطاب الديني المعتدل له محلا في صياغات العقل الجماهيري، الذي استطاع الاعلام أن يرسم له خيارات مسبقة ويصنع له قناعات متطرفة تصب في الهدف الاستراتيجي للسياسات العالمية المهيمنة على العقل البشري وساحة الفعل لديه.

بل كان أيضا لكثير من الخطابات الدينية دورا فاعلا في إعادة إحياء نزعات كثيرة، هي مصاديق للتعصب الذي حذرت منه كثير من الروايات الواردة بعدة طرق معتبرة لدى الفريقين، بل التعصب منبوذ عقلا لدى كل الأديان.

لا ننكر أن الممارسات التاريخية للسلطات السياسية المتعاقبة عبر التاريخ سواء لدى المسلمين، أو الديانات الأخرى مارست دورا فاعلا في إذكاء حالة التطرف من خلال التمييز والإقصاء الذي مارسته ضد المختلف معها عقديا أو سياسيا.

حيث تحالفت كثير من هذه الأنظمة عبر التاريخ مع السلطة الدينية كي تشرعن ممارستها فتحظى بالتفاف شعبي، إذ كرست مقولة " الناس على دين ملوكهم "، هذا الاقصاء والتمييز يخلق ردات فعل لدى المستهدفين تتمايز بين الشدة والضعف، ولكن يغلب على معظمها طابع التعصب والانفعال وينمي حالة الانتقام بل يعمق حالة الانكفاء على الذات لدى المُستَهدَفين ويعمق الهوة بين أبناء الأرض الواحدة، لتصبح الطائفة والمذهب والقبيلة هي المأوى وليس الدولة والقانون والشرعية الالهية كما هي، وليست  صياغات تخدم السلطان وتدعم نفوذه وتشرعن وجوده وآليات حكمه.

ولكن هل سنبقى أسرى التاريخ ونستحضر الماضي لتشويه الحاضر وهدم المستقبل؟ أم علينا الاعتبار من التاريخ وتحويل الثغرات والسلبيات إلى محطات إيجابية، نعتبر منها ونعالجها لتصنع حاضرا مختلفا يناسب لحظة الراهن، ويحاول قراءة ذلك التاريخ بأدوات العصر العقلية والمعرفية، ليتجاوز الماضي بتفاعلات الحاضر الراهن ويتجاوز من الانفعال إلى الفعل والانجاز والتقدم؟

إن أحد أهم إشكاليات الخطاب الديني الراهن هي إشكالية الفرقة الناجية التي تستبطن مفردة امتلاك الحقيقة، حيث تعد من الإشكاليات العوائقية الواقعية الموغلة في بناء الحواجز النفسية قبل الدينية، إذ مجرد ادعاء امتلاك الحقيقة يفضي في الذهنية العامة ادعاء كون ممتلكها مصداق للفرقة الناجية، وهو ما يبني تراكميا حواجزا نفسية مع المختلف، ويغلق آفاق الانفتاح عليه والتعايش معه بل والاستفادة من تجربته المعرفية والفكرية، والتي دعت لها الآية الكريمة " وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم " .

ومن هنا يكون المنطلق من تفكيك الخطاب والبنية الفكرية، ومعالجة أوجه الخلل وفق معطيات الراهن وإشكاليات الحاضر، وحاجة الإنسان كفرد وحاجة الأمة كمجتمعات في إعادة فهم النصوص الدينية وإعادة بناء خطاب ناضج وقادر على تلبية حاجة الإنسان والدول في الاستقرار الاجتماعي والأمن في بنية العقل العربي والإسلامي.

فمعالجة جذور المشكلة تكون في ٣ اتجاهات رئيسية :

- الخطاب الديني وإعادة رسم معالم الشريعة وفق أدوات العقل العصري الراهن.

السؤال الذي يتبادر للذهن هو: هل واقعا بتنا بحاجة لتفكيك الخطاب الديني وبنيته الداخل دينية والخارج دينية،

وإعادة بناء خطاب لا يتنازل عن ثوابته وكلياته، ولكنه يدخل للمناطق المرنة في الشريعة ويعيد قراءة النص بعقلية الحاضر، والعمل على المواءمة بين الثابت والمتغير والحفاظ على أصالة الاسلام وخلوده؟

ومن المعني واقعا بعمل ضخم كهذا في مراجعة التراث وإعادة قراءته وتصفيته من كل ما من شأنه مخالفة صريح القرآن وكلياته؟ هل المؤسسات الدينية فقط أو هي والنخب من المثقفين والمفكرين والأكادميين المتخصصين في العلوم الإنسانية المختلفة؟ وهل لهذه العلوم مدخلية في هذا العمل التفكيكي؟

باتت الحاجة في حاضرنا لهذا التفكيك ملحة حيث أصبحنا موغلين في التطرف والتخندق ضد بعضنا البعض، وباتت الخطابات الدينية تعمق الهوة بين أفراد البشر متكأة على العصبيات المذهبية والطائفية، بل حولتها لسلاح في دعم مساراتها السياسية ورغباتها في السلطة، بعد أن تحولت المعرفة لمعتقل في سجن عالم السياسة وباتت السياسة هي التي ترسم آفاقنا المعرفية إن صح التعبير، بدل أن تكون المعرفة هي المنتج لكل الفوقيات وبدل أن تشكل هي القاعدة لذلك .

وأهمية هذا التفكيك تكمن في سلطة الخطاب الديني على الانسان، كونه مفطور على التدين وسلطة الفقيه أو رجل الدين في لاوعيه، فالتفكيك هو المرحلة الأولى في إعادة صياغة خطاب ديني تعايشي وتسامحي ولكن ليس تساهلي، يحدد الخطوط العامة والخاصة ويضع نقاط كالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على حروف مقتضيات الزمان والمكان كي تتضح الصورة بشكل أكثر تجليا مع معطيات راهننا .

بالتأكيد أن كل سؤال من الأسئلة المطروحة هو بذاته يحتاج بحث تفكيكي مفصل ومنهجي وعلمي وموضوعي لنخلص إلى تصور يكون الأقرب للواقع والحقيقة .

إن التركيز على معياري خير قوم وشر القوم هو تركيز على معياري الخيرية والشرية، وليس معيار القوم وإعادة بناء المفاهيم وفق هذين المعيارين اللذان ذكرا في الحديث الذي عرّف خلاله رسول الله صلى الله عليه وآله التعصب،وألمح بل أشار إلى أن التعصب هو أن ترى شرار قومك خير من خيار قوم آخرين، قد يفسح المجال أمام العقل ويفتح آفاق كبيرة تؤسس لمنظومة إسلامية معيارية اجتماعية قادرة على تذويب الحواجز بين أطياف المجتمع، وإعادة التآلف الداعم للاستقرار وتحقيق الأمان للمجتمع.

الاتجاه الثاني في معالجة جذور المشكلة:

- إعادة إنقاذ النزعة الإنسانية للدين

وهو ما يدعو لإعادة النظر في رؤية الدين كمجموعة قوانين حازمة ومتجردة يكون الإنسان في خدمتها، لتتحول إلى قوانين فيها روح هدفها تحقيق مقاصد كبرى تكون في خدمة الإنسان وتكون العلاقة بينها وبين الانسان علاقة تبادلية، فالدين جاء للحياة الدنيا فهي المزرعة وفيها يزرع الثمر والآخرة حصاد، لذلك إعادة قراءة الدين وفق هذا المعطى الذي يضع الانسان نصب عينيه ويضع إنسانيته حاضرة وتحقيق العدالة كمقصد وكقيمة جوهرية تتحقق من خلالها كرامة هذا الانسان، قد يقدم حلا تصالحيا مع الدين وليس تنازعيا وتصادميا معه.

وأيضا نطرح تساؤلا : من هو المعني بذلك واقعا؟ وما هي الآليات التي تحقق هذا الهدف؟

- الاعلام وأعادة إنتاج خطاباته ومنهجياته على ضوء ما سبق، ليتخلص من كل رواسب التعصب باسم الدين والدفاع عن الله .

ويأتي الاعلام كخطوة لاحقة لما سبق، لما له من دور محوري في الترويج لهذا المشروع التصالحي مع الدين، إذ بات هو وسيلة قوية في صناعة وعي الناس وإعادة صياغة أولوياتهم ومفاهيمهم ورغباتهم، بل في تحريكهم وتثويرهم وفق الوجهة القائمة على هذه الوسائل الاعلامية، بالطبع هذه الخطوة تحتاج أيضا مقدمات متعلقة بأصحاب المشروع الاعلامي، الذين يحتاجون الى عدة مقومات للقيام بهكذا مشروع

أهمها :

 - الاكتفاء الذاتي اقتصاديا ومعرفيا وحضور الهدف الرباني.

- الاكتفاء يتولد عنه الاستقلال وعدم الانتماء، وهما مطلبان لخلق ذهنية مستقلة موضوعية ومنهجية قادرة على صياغة خطاب معتدل غير متطرف .

 - الاستمرار والثبات وكسب ثقة الجمهور، وهو ما يتطلب القدرة الفنية والتخصص والاطلاع على كل تطورات عالم الاعلام التقني والنظري والمفاهيمي، واستخراج النظريات الاعلامية من خلال قراءة النص الديني قراءة موضوعية، يستقرئ الواقع الإعلامي ويعرضه على النص الديني ليستخرج من بطون النصوص النظرية الاسلامية في الاعلام .

- القدرة على الانتشار، وهو ما يتطلب عالمية منهجية وخطابية قادرة على مخاطبة كل الجماهير وليس جمهور طائفي أو مذهبي، يتناسب هذا الخطاب مع عالمية الاسلام وينطلق من مبدأ "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"

فالحضور الفاعل لتيار الوعي في عمق التجربة الدينية، ومحاولته مراكمة الجهود والأفكار والمعارف، وإكمال مسيرتها وليس الذوبان فيها أو التحليق حولها، قد يهز جدار الصمت في الخطابات المذهبية والطائفية، ويعيد الرشد للنزعة الإنسانية في الدين، ليرسم مسارات إعلامية عالمية قادرة على الجذب ومانعة للصد، وقادرة على إزالة الموانع أمام وظيفتها في هداية الناس ليس بالسيف ومنطق القوة، وإنما بسلاح الكلمة والعقل وقوة المنطق.

 

إيمان شمس الدين

 

عبد السلام فاروقإصلاح الإعلام.. تساؤلات ومخاوف ومآلات

الإعلام الغربي يشهد اليوم تغيراً نوعياً هائلاً لا نكاد نستشعره أو نهتم به.

عشرات الكتب والإصدارات والتقارير والأبحاث تتحدث عن مآلات الإعلام فى ظل التحولات الهائلة فى مدارات الحوكمة والتواصل والتقنية وأذواق الجماهير التى تتغير الآن كل ساعة لا كل عام !

تساؤلات ومخاوف حول مدى تأثير ثقافة الإنترنت والفضائيات على استقرار سوق الصحافة المقروءة والإعلام الورقى. تساؤلات تتهامس فى قلق: هل يودع العالم عصر المطبوعات باهظة التكلفة ليستقبل عصر المرئيات والتقنيات والمكتبات الرقمية شبه المجانية ؟ والجواب يتأرجح بين طرفى نقيض، أحدهما شديد التفاؤل بأن التطور لن يلغى القديم وأن الكتاب والجريدة باقيان. والآخر يؤكد أن الموجة كاسحة ولا مفر من الانقياد مع تيار التقدم التقنى الجارف أو البقاء فى عتمة الجب حتى الفناء الحتمى أو الانقراض!

لديهم إحصائيات مقلقة تدعوهم لمثل هذا التساؤل، منها أن جمهور الصحافة المقروءة فى أمريكا يتناقص باستمرار وباطراد مخيف، ففى حين كانت نسبة قراء الصحف تبلغ 78% من الشعب الأمريكي فى عام 1970، تقلصت النسبة إلى 40% فى عام 1994، ثم إلى 34% فى عام 2006. وما زالت تتناقص لدرجة أن بعض الصحف الكبري فى أمريكا وأوروبا أوقفت إصداراتها المطبوعة عديمة الجدوى اقتصادياً مكتفيةً بالإصدار الإليكترونى الأفضل من حيث الانتشار والعوائد!

فى بلادنا لدينا تساؤلات مختلفة واهتمامات أخرى، ولا نعترف بأن هناك أزمة مقبلة لا فى إعلامنا ولا فى صحافتنا المقروءة. كل شئ تمام ومستقر والأمور تسير نحو الأفضل . هكذا ننجح فى تجاوز الأزمة بإنكار وجودها!

هل هناك أزمة إعلام؟

ليست لدينا أزمة واحدة، بل أزمات .. وهى ليست أزمة حديثة بل تراكمية حدثت عبر عدة عقود! إذ أن ما يجرى فى أروقة المطبخ الإعلامى يختلف كثيراً عما يبدو ظاهراً على سطح الأخبار اليومية وبرامج التوك شو التى تعطى إيحاءً كاذباً بأن الإعلام العربي بخير ويسير بخطى ثابتة فى الطريق الصحيح، رغم أن الواقع يشير إلى العكس تماماً. فلا الإعلام بخير ولا هو يسير نحو التعافى والتطور بل إلى طريق مسدود.

الساحة تعج بعشرات الصحف والمجلات والفضائيات دون مردود أو مغزى، مجرد صداع وطنين بلا طحين، وتدوير لأفكار مستهلكة وقديمة ولا جديد على الساحة رغم الإمكانيات الهائلة المتاحة، ورغم ملايين الجنيهات والدولارات والريالات الملقاة هنا وهناك بلا عائد حقيقي .

ليس الحديث هنا عن فساد مالى وإدارى ثبت من خلال وقائع سابقة أنه موجود ومتغلغل فى الكيان الإعلامى، ولا عن التحزبات وصراعات المصالح وراء الكواليس، وهى أمور منتشرة ومدمرة وموروثات متراكمة على مدى عقود مضت وربما يأتى اليوم الذى نتخلص فيه من تلك الآفات على يد الأجهزة الرقابية والتشريعية والتنفيذية . لكن الأهم أن نبحث فيما يستطاع تغييره داخل المنظومة الإعلامية من رجالها أنفسهم.. مثل التزام المهنية والحيادية ومواكبة التطور وتدريب الكوادر وتدعيم الكيان الإعلامى بالإمكانيات وتطعيمه بالعقول والكفاءات .. كلها أشياء من الممكن تداركها لإصلاح ما يمكن إصلاحه فى المنظومة الإعلامية المأزومة بشرط أن نعترف أولاً بوجود المشكلة حتى يتسنى لنا التفكير فى الحلول.

ما الضرر؟ .. وما الضرورة؟

وراء الكواليس ثمة محاولات إصلاح تحدث على مستوى المؤسسات الإعلامية والصحفية الخاصة والحكومية فى شكل إقالات لبعض الموظفين الكبار، أو بإعادة هيكلة المؤسسات الصحفية وتسريح العمالة الزائدة لترشيد النفقات، أو بغلق بعض النوافذ الصحفية كالمجلات والصحف قليلة التوزيع أو بعمليات البيع أو الدمج أو الشراكة كما حدث مؤخراً مع عدد من المؤسسات الإعلامية .

كلها لا تعدو كونها عمليات ترقيع أو رتق لعيوب إدارية أو اقتصادية أو فنية، بينما الوسط الإعلامى بأسره يعانى، ولا تصلح عمليات الترقيع لإحداث التعافى.

أصحاب المصالح يقولون: لا ضرورة لتطوير منظومة الإعلام، بينما الضرورة ترقى إلى حد صراعات البقاء والوجود. والكسالى يقولون: لا ضرر من الاستمرار على نفس النمط التقليدى القديم، بينما الصدأ والتآكل يكاد يقضى على منظومة الإعلام الرافضة لأى تغيير حقيقي يضعها على الخريطة العالمية .

أين نحن من الخريطة التنافسية؟

هناك فجوة ضخمة بين معايير النجاح، أو ما نعتبره نجاحاً، فى وسطنا الإعلامى الإقليمى، وبين معايير التفوق والتنافس العالمى .. فجوة لا تزال تتسع باستمرار ما دمنا نفضل التسطيح والإثارة على الكفاءة والمهنية .

إعلامنا يخسر باستمرار، يخسر جمهوره وبالتالى أرباحه .. وسيظل نزيف الخسائر متواصلاً مع الإصرار على التمسك بمعايير النجاح المغلوطة.

ولكى نجيب بصدق وصراحة عن موقعنا من التنافسية الإعلامية العالمية، دعنا نجيب أولاً عن موقعنا من الحيادية والنزاهة وقوة التأثير وسعة الانتشار والقدرة على خلق التفاعل والجماهيرية وتشكيل الوعى الجمعى .

ماذا عن تدريب الكوادر وتطوير الملكات والإمكانيات لمواكبة الطفرات التقنية الهائلة لدى الإعلام الغربي؟ هل لدينا تصور لمستقبل الإعلام أو منهج أو رؤية استراتيجية أو حتى ميثاق شرف يلتزم به الإعلاميون طواعيةً أو قسراً؟

إننا نسير عكس التيار عندما نغلق مواقع صحفية إليكترونية لا لشئ إلا لعجزنا عن مسايرة واستغلال هذا المورد الإعلامى الحيوى . بينما يتجه العالم كله إلى الإعلام الإليكترونى والميديا الرقمية !

معضلة الصحافة الرقمية

استحوذ الإعلام الرقمى البديل على اهتمام قطاعات واسعة من المتابعين من مختلف الشرائح العمرية والاجتماعية، رغم افتقاره إلى المصداقية والتوثيق واعتماده على الشائعات والإثارة الزائفة. والسبب أنه نوع رخيص من الإعلام قليل الكلفة لمستخدميه، كما يتميز بالمرونة وتجدد المضمون وجاذبية الشكل. فالخبر الواحد قد يتجدد على مدار الساعة بأكثر من شكل وطريقة، مصحوباً بالصور ومقاطع الفيديو، لهذا يحظى الإعلام الرقمى بجمهور عريض يفوق الصحافة المطبوعة بكثير.

ورغم تلك المزايا لم تتمكن أكثر المؤسسات الصحفية من استغلال النوافذ الإليكترونية لتحقيق عوائد ومكاسب مجزية . فرغم أن الصحافة الإليكترونية هى المفضلة لدى الجمهور بسبب مزاياها، إلا أنها تُعدّ الأسوأ لدى المؤسسات الصحفية بسبب عيوبها الكثيرة : فالصحيفة الإليكترونية تتطلب توظيف كوادر صحفية وفنية من المتخصصين يعملون على مدار الساعة، ما يعنى أنها عالية التكلفة، خاصةً وأنها تحتاج للتحديث الدائم بالخدمات والتطبيقات والبرامج، كما تحتاج للتسويق والمتابعة اليومية لتحقيق الانتشار، وهى أمور لا تتوافر للكثير من الصحف . مما يضطرها للاكتفاء بالصحيفة الورقية، أو بموقع إخبارى شبه مجانى لا يحتوى على أية تطبيقات أو تحديثات أو موضوعات متجددة . موقع بلا قيمة ولا عوائد، لمجرد التواجد فقط!

الجماهيرية طبقاً لتصنيف "أكابولكو"

الجمهور هو القوة الحقيقية فى عالم الإعلام .

فالمحطة الفضائية الأفضل هى التى تحظى بأعلى نسب مشاهدة ومتابعة، والصحيفة الأولى هى صاحبة التوزيع الأكبر، والخبر الأهم لدى المواقع الإليكترونية هو الأكثر تداولاً وقراءة ومشاركة وإعجاب. اللعبة الإعلامية كلها تعتمد على الناس ومدى تفاعلهم وتأثرهم بالوجبة الإعلامية المقدمة لهم.

يفرق قاموس ويبستر بين ثلاثة مفاهيم مختلفة للجمهور : الجمهور كحشد أو كهدف أو كوسيط . وتستهدف وسائل الإعلام المفاهيم الثلاثة جميعها، فهى تهتم بالرقم العام للمتابعين، أى بالحشد. وتهتم بتوسيع رقعة المتابعة، أى باستهداف هذا الحشد . وتهتم ثالثاً وأخيراً بالجمهور كوسيط دعائى وناقل للخبر والمعلومة الصحفية والإعلامية، وهو ما يسهم بشكل غير مباشر فى زيادة نسبة المتابعات.

والتصنيف العام للجمهور يتخذ أكثر من شكل: فهناك تصنيف طبقاً للفئة العمرية أو تبعاً للشريحة الاجتماعية أو للنوع أو للعرق أو للانتماءات الفكرية أو المذهبية. ويتحدد التصنيف تبعاً للاتجاهات التى تتبناها المؤسسة الإعلامية. إلا أن هناك دراسات حديثة لجأت لاستقصاء أثر الوجبة الإعلامية أو الصحفية اليومية فى خلق حالة من الاهتمام الشعبي الجمعى، سواء بالأخبار المهمة أو بالقضايا الحيوية. بدأت هذه الدراسات فى أواخر الستينيات بما يُدعَى "نظرية ترتيب الأجندة"، أو دراسة "شابل هيل"، وهو المكان الذى أجريت فيه الدراسة بولاية شمال كارولينا . وانتهت الدراسة إلى توضيح مدى قدرة الإعلام على ترتيب أجندة أولويات القضايا لدى الجمهور من خلال لعبة الضوء والظل، حيث تستأثر قضايا بعينها على الاهتمام الإعلامى، ويتضح أنها هى نفسها القضايا التى تحظى باهتمام الجمهور! حتى لو كانت غير منسجمة ولا متوافقة مع الواقع!

التصنيف الأحدث لتلك العلاقة بين الإعلام والجماهيرية يُدعَى تصنيف "أكابولكو" والذى اعتمد على نتائج أكثر من 400 دراسة عن ديناميكيات أولويات الأجندة الإعلامية وتوصل إلى اختزال العلاقة فى أربعة مقاييس رئيسية تُعدّ بمثابة أدلة إرشادية لبوصلة الأخبار والقضايا الجماهيرية؛ لإبراز كيفية التمحور حول السبق الصحفى أو الخبطة الإعلامية أو القضية القومية لاستغلالها إعلامياً بالشكل الأمثل.

الاهتمام بمثل تلك الدراسات يعطينا تصوراً حول الإعلام كصناعة احترافية ذات تأثير عميق وممتد، لا كمهنة تقليدية روتينية عديمة الثمرة.

مقامات التأثير والفاعلية

تتفاوت قدرة الوجبة الإعلامية المقدمة التأثيرية بين مجرد الإخبار الفردى بالمعلومة إلى مقام تشكيل الوعى المجتمعى.  كما يتفاوت تأثر المتابعين بالمادة الإعلامية بين عدة درجات تبدأ بالتفكير المجرد، وتتدرج إلى الجدل والنقاش، ثم إلى التفاعل والتواصل، وتنتهى إلى خلق حالة من الإحساس الذاتى والمجتمعى بالمسئولية تجاه القضية الإعلامية المطروحة إلى حد تناقلها والتعديل عليها ونشرها بما يحول الجمهور نفسه إلى إعلام بديل.

هناك آليات محددة لخلق حالات التأثر بالمادة الإعلامية كالتكرار والتكثيف والإبهار وحسن العرض والفكاهة، وما يبقَى فى ذهن المتابع بعد عرض المادة هو الذى يبرهن على مدى تأثره بتلك المادة. ما يبقَى فى الذاكرة، أو ما يتسلل إلى اللاوعى، أو ما يتمكن من تعديل الوعى والسلوك.

تلك الحالة الأخيرة هى أعلى درجات التأثير الإعلامى التى يتحول فيها الإعلام إلى مصدر تنويري ومعرفى. وهى لا تحدث إلا فى ظل مادة تتمتع بالمصداقية والنزاهة والعمق وقوة التأثير.

ألوان وأشكال

هناك ثلاثة نماذج رئيسية من الإعلام: إعلام السوق .. والإعلام الدعائى.. وإعلام الحقائق. النموذج الأول – إعلام السوق- هو النوع الذى يتخذ من ذوق الجمهور بوصلة يتحرك على هداها. لا يعبأ إلا بالأرباح كمحرك رئيسي للمادة الإعلامية المقدمة . لهذا لن يجد مانعاً من اختراق وتجاوز كل معايير المهنية والحياد والأخلاق من أجل تحقيق هدفه الأوحد وهو المال. هذا النوع من الإعلام الشعبوى الرخيص باهت الأثر، وغير قادر على الوصول إلى العالمية لأنه يتخلى عن معايير الإعلام المتفق عليها فى سبيل تحقيق غايته الرخيصة.

نموذج آخر هو الإعلام الدعائى، أو الإعلام الموجَّه المؤدلج .. وهو نوع من الإعلام المتوحد الذى يدور فى فلك التحزب والتعصب والتمحور حول فكرة أو تيار، ويظل يخدم تلك الفكرة ويدعو لها دون الاكتراث للتعددية الطبيعية والاختلاف الغريزى فى طبائع البشر وأفكارهم. يظل تأثير هذا النوع من الإعلام محدوداً بالمعتنقين لأفكاره دون غيرهم . وقدرته على اختراق الحدود للوصول إلى العالمية معدومة، بل قدرته على التنافسية الإقليمية والمحلية ضعيفة وقاصرة.

النوع الثالث والأخير هو إعلام الحقائق أو إعلام الرسالة والمبدأ . وهو نوع من الإعلام المحايد المتحرر المستقل، لا يخدم فكرة بعينها ولا ذوقاً محددا، بل يستهدف تقديم الحقيقة البسيطة المجردة دون تزييف أو إضافة أو تحوير. وهو النوع الوحيد القادر على اختراق الحدود، بل واختراق الزمن والوصول إلى أوسع جمهور ممكن فى الحاضر والمستقبل. وتندرج تحت هذا الصنف من الإعلام عدة أشكال أخرى فرعية : كالإعلام الوثائقى، والإعلام التأريخى، والإعلام التفاعلى .

ماذا يحدث لو..؟

دعنا نتخيل هذا السيناريو ..

الإعلام العربي بصورته الحالية، فضائياته وصحافته، برامج التوك شو المعتادة.

هذا الإعلام بكل ما فيه بات عالمى الانتشار، وباتت موضوعاته السطحية ومضامينه التافهة التقليدية هى بضاعته التى يقدمها يومياً للمشاهدين فى كل مكان بالعالم، فكيف سيفكر العالَم نحونا وعنا؟

ولنتخيل الصورة بشكل معكوس ..

الإعلام الغربي وقد انتقل بكل آلياته وإمكاناته وكوادره إلى أروقة مؤسساتنا الإعلامية. وتم استبدال كل الإعلام القديم بالفكر الجديد، واستبدال كل الوجوه الإعلامية المشهورة ذات الأجور الخرافية بوجوه إعلامية أخرى أكثر كفاءة وأقل أجراً . فكيف ستكون صورة الإعلام ؟ وهل سيظل المحتوى الإعلامى سطحياً كما كان؟

 

عبد السلام فاروق

 

مجدي ابراهيمإنما فسدت اللغة بفساد أذواق أبنائها؛ فما ترك من الجهل شيئاً من يظن أن القارئ من الجهالة بحيث لا يقف على فضيلة الصدق في كتابات الكاتبين. وأغبى الأغبياء هو الذي يفترض الغباء في الآخرين. والصدق الاعتقادي كما تقدَّم من أعظم القيم الإيمانية وأكثرها دلالة على الشعور الديني. وموطنه القلب. والقلب - كما تقدَّم أيضاً - هو الدافع للوعي؛ فلولا القلب ما كان الوعي، ولولا الوعي ما كنا أدركنا شيئاً حقيقاً بالإدراك أو خليقاً بـ "تحصيل القيمة". وكنوز قلوبنا قاعها سحيق، ومعارف القلوب أعمق بكثير من معارف العقول والأذهان؛ إذْ كانت القلوب خزانة التجارب البشرية كلها، وهى في الأصل مستودع لكل ما هو معروف أو مجهول من وعي الإنسان.

أنا شخصياً لست أَمِلُّ من تكرار ما كان ذكره أديبنا الكبير "توفيق الحكيم" في كتابه "تحت شمس الفكر" في أسلوب الكاتب نقلاً عن "يوفون" من أن:" الأسلوب هو مزاج الفنان وطبيعته، ووسيلته الخاصّة في إظهار مكنون فكره، أو هو الشخص على حد تعبير"يوفون". إنّ الكاتب إذْ يخلو إلى نفسه وقلبه، ويترك التصنع والتقليد، يستطيع أن يهتدي إلى أسلوبه، لكن لا تظن الطريق هيناً: ذلك الطريق الوعر الشاق الطويل بين الإنسان وقلبه. إن القلب البشري لأعمق من أن يستكشف قراره من أول نظرة. إنّ قلب الإنسان بئر سحيقة رسِّخت فيها تجارب جنسه وأمته آلاف السنين، طبقة فوق طبقة؛ فعليه إذن أن ينزل طبقات هذه البئر..!". هذا صحيح، ولكن كنوز قلوبنا العميقة في الغالب لا قاع لها، بحيث يمكن للإنسان أن ينزل هذه البئر الغائرة إلى الأعماق؛ ليكتشف كنوزها الدفينة وأسرارها الخفية العجيبة.

هذه الكلمات الصادقة هى أدعى إلى التأمل وأحرى بالاهتمام وأولى بالرعاية في كل حال؛ لأنها أدعى إلى معرفة أسرار القلب البشري؛ فيما لو كانت معارف القلوب لدينا أولى بالعناية مما سواها.

أما أسلوب الكاتب نفسه؛ فهو شيء يدعو وحده إلى التأمل والدهشة معاً؛ لأن الكاتب صاحب الأسلوب هو نفسه الكاتب المبدع على الحقيقة. أذكرُ أنني منذ سنين طويلة كنتُ شاهدت برنامجاً تلفازياً كان يقدّمه الأستاذ الراحل "فاروق شوشة"، وهو برنامج "شريط الذكريات"، كنتُ متابعاً لهذا البرنامج الثري والداعم للثقافة والمثقفين، فاستضاف يومها الدكتورة "عائشة عبد الرحمن"، فتكلمت عن الأسلوب بعبارات قليلة ومقتضبة، استطعتُ أن أستخلص من حديثها ما يفيد أن الكتابة بأسلوب راقِ ومؤثِّر نوعٌ من الإبداع. الأسلوب شعور، وإحساس، وجمال، ونزوع بالجملة إلى الأمثلة العليا، بالإضافة إلى كونه عقلاً، ودراية، وتحليلاً، وخبرة طويلة في توظيف مخزون اللغة.

ولماذا يكون الأسلوب الممتاز نوعاً من الإبداع؟ والجواب: لأنه مجموعة من أعصاب تتذوق وتتحرك وتلتقط من ثمار التذوق ما من شأنه أن يدل على خصائص صاحبه، على بصمته الخاصة.

وما الإبداع إلا فكرة في أسلوب. الفكرة عقل يبدع. والأسلوب كتابة وإنتاج. لا ريب أن الكتابة بأسلوب راق نوع من الإبداع؛ إنْ لم يكن هو كل الإبداع على الحقيقة التي لا يشك فيها مبدع يبدع فكرة بأسلوب ممتاز.

كثيرون، كثيرون بغير حصر ولا تعداد هؤلاء الذين يكتبون دون أن تحمل كتاباتهم شيئاً من باطن نفوسهم، ولا أسلوباً يدل على ذواتهم، يكتبون لا لأنهم أصحاب رسالة، ولكن لأنهم يعيشون على ما يكتبونه؛ ولأنهم أقدر الناس على الكذب والتلفيق وخيانة الرسالة، وأفقرهم في لوازم التربية الأدبية والروحية: تربية الضمائر والقلوب؛ فلن تجد لأجل هذا لهم صدى، ولا لكلماتهم رغم كثرتها الكاثرة تأثيراً، لا تتجاوز أقوالهم الآذان ولا تنفذ إلى شغاف القلوب، ولا تحمل قط دلالة واحدة في سبيل التغيير؛ فما من حياتهم شيء على الإطلاق يوافق أفكارهم؛ وما من أفكارهم مورد يتكئ عليه هذا الأصل القلبي الشعوري الذي من شأنه أن يورث القارئ مواريث الفكرة المهذبة والأدب الأصيل واللغة الشاعرة والأهداف السامية، ناهيك عما ليس فيها كذلك من حال يثمره العلم النافع والبحث الجاد؛ ليدفع المرء دوماً إلى العلم المقرون بالعمل.

ما من أحوالهم - وأغلبها من ورثة المعارف السطحية والقشور العرضية - مقصد يثمر العمل البناء ويسلك القارئين - إنْ وجدوا - سلوك التغيير في الباطن قبل الظاهر، وفي المضمون قبل القشور، وفي الجوهر قبل السطح العائم والقشرة الخارجية. لك أن تتصور، فيما لو شئت، كاتباً يقول وحياته هى هى قوله لا يتعداه، ويكتب وحياته هى هى فكره الذي يؤمن به ويخوضه دوماً في رحاب التجريب، ينظر ويحلل ويدون ويبين، وكل هذا كله "ذات نفسه": حياته منشورة من أعصابه ودمه وطواياه على الأوراق، ذلك هو هو "الصدق" توخَّاه في التعبير كما تقدّم وتوخَّاه قبلاً في طريقة التفكير.

مرة أخرى: حين نقول كلمة "الصدق" فنحن نقصد بها كل ما في القلب البشري من إيحاءات روحيّة وتوجهات معرفية وإشعاعات إصلاحية في سبيل التغيير المطلوب نحو الأفضل في كل حال؛ إنْ في النفس وإنْ في الواقع؛ إنْ في الضمير والباطن وإنْ في الحياة الاجتماعية الخارجية.

وليس بعجيب عندنا أن يكون للقلب البشري صلاحيات التوجهات الكبرى للإنسان، هو لب الإنسان وجوهره الفاعل على وجه الخصوص، فالتعويل عليه كل التعويل حقيقة معرفية فضلاً عن كونها حقيقة واقعية لأنها قبل هذا وذاك حقيقة قرآنية:"إنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبْصَار وَلكن تَعْمَى القُلُوبُ الَّتي في الصِدُور"؛ حتى أن بحوث الطب النفسي الحديث تؤكد فيما رواه أحد أساتذة الطب النفسي في لقاء تلفازي - هو الدكتور أحمد عكاشة - أن بحوث علم النفس الحديثة أثبتت أن في القلب ذاكرة هى أقوى وأهم وأنفع مما يوجد في مخ الإنسان من ذاكرة، وتسمى هذه الذاكرة بــ " الذاكرة الخلوية"، وهى لا توجد في المخ بل مكانها القلب، وأنها لمسئولة عن الكيان الحيوي للإنسان، بمقدار مسئوليتها عما فيه من وعي كوني، وهى جامعة لكل ما في الإنسان من حياة. وقالوا: في بعض الحالات الخاصَّة، عند انتقال قلب من إنسان إلى إنسان آخر، يجيء الإنسان الذي انتقل إليه هذا القلب يحمل جميع الصفات والأفكار وجملة النشاط الحيوي، ويتصرَّف كما لو كان يتصرف الإنسان المنقول منه ذلك القلب، هى حالات فردية لكنها أثبتت أن هذا الكائن العجيب (الإنسان) فيه أسرار إلهية ليست مما يصل إليها العلم الحديث بعدُ، وأن أسرار الله فيه لم تزل تحت طور الاكتشاف، وما أوتى الإنسان من العلم في هذا الجانب وفي سواه إلا قليلاً، لكنه مع ذلك يزعم أنه جُرْمُ صغير وفيه أنطوى - كما قال ابن عربي - العالمُ الأكبرُ.

إنّ هذه الخلية القلبية المُعَبَّر عنها بــ "الذاكرة الخلوية" لهى مجمع الحياة فيه تظل معه يحملها في جميع مراحل حياته، لكأنما القلب أهم من المخ، وأن فعل المخ أدنى وأقل بكثير من فعل القلب، قد يظل الإنسان حياً لا يموت ما لم يمت فيه القلب، وأن القلب هو السيد، وهو القائد المتبوع، وهو المحرك للكيان الآدمي كله بغير خلاف: حقاً صدق قول الله تعالى:" إنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبْصَار وَلكن تَعْمَى القُلُوبُ الَّتي في الصِدُور".

لم يكن جزم القرآن بنفي العمى عن الأبصار وإثباته للقلوب التي في الصدور إلا لتأكيد حقيقة "الوعي القلبي" الذي تتفتح منه آفاق المعارف الإنسانية وطاقات العلوم النورانية، ويعول عليه في كل حال ولا يعول في الحقيقة على سواه. هذا الوعي القلبي هو أعم وأشمل من العقل؛ إذ العقل مهما كان وأياً ما كان محدود بحدود ما يفكر فيه، فوعيه ناشئ عن الحركة الضيقة التي يدور في فلكها وعن الواقع المشهود الذي يتقرر أمامة فيفكر فيه، بخلاف الوعي القلبي المحمل الذي يدرك الإنسان ويدرك في الوقت نفسه ما يحيط به من وعي كوني أسمى من العقل المحدود. ومعرفة هذا الوعي القلبي خاصة لهي المادة الأولية لمعرفة أسلوب الكاتب: لغته وحرفه . وفي هذا وحده ما يكفي لتقرير حقيقة وهي أن اللغة باقية فينا ببقاء ما لدينا من حياة القلوب الواعية المضيئة بأنوار الحقيقة الدائمة فمادام القلب هو الأصل والمعرفة التي تترتب عليه قائمة على ذلك الوعي فليس أصدق ولا أبلغ من إظهارها عن طريق حرف الكاتب ولغته لأنهما أبلغ الوسائل التي يخرج بها هذا المكنون الخفيّ المطمور في أعمق أعماق القلب. فلا بد له من معاناة، ولا بد من تجربة كاشفة تحمل قيماً، وتضيء نوراً وتشع ضياءً، وتسمو للناس ويسمو الناس بها. وإنه؛ مادامت وسائلُنا ضعيفة قاصرة وقدرتنا عاجزة مشلولة أو تكاد، فإنها لأدل دلالة كافية على عمى القلوب التي في الصدور: مصدر المعرفة ومنبع النور. فاللغة التي هى وسيلة التعبير متصلة اتصالاً مباشرة بالوعي القلبي نقاؤها وصفاؤها من نقائه وصفائه. النور للقلب واللغة المستنيرة تصدر من نور القلب فكل ما تنقله اللغة من معارف هو من ذلك النور القلبي؛ لذلك تثبت في القلوب التي تكون على شاكلتها: لغة سامية، مؤثرة، حافلة ببلاغة التغيير (وللحديث بقيّة).

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

منى زيتونونحن على أعتاب عام هجري جديد نتذكر هجرة سيدنا وحبيبنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم، رغم أن رحلة الهجرة بدأت أواخر صفر، ووصل النبي وصاحبه المدينة المنورة في الثاني عشر من ربيع الأول، لكن لأن المحرم هو أول شهور السنة القمرية عند العرب فقد اعتُبر أول المحرم في السنة التي هاجر فيها النبي بداية التقويم الهجري.

ودروس الهجرة النبوية كثيرة، أكبر من تلك الدروس الدينية التي يركز عليها المشايخ عادة، لعل أهمها هو فكرة الانتقال ذاتها وأثرها في تغير حياة الإنسان.

في جميع العلوم التي تتعلق بالإنسان نُوقشت قضية أثر الوراثة وأثر البيئة، وتبنى علماء أثر الوراثة وعظّموه، بينما أعطى آخرون أكبر الأثر للبيئة؛ فعندما ضخّم علماء الوراثة من تأثير مورثاتنا (الجينات) التي تحمل صفاتنا الوراثية من أبوينا، وادّعوا أنها المُشكِّل الرئيسي لحياتنا، لدرجة أنهم عزوا إليها إصابتنا بالأمراض والبدانة، وتوسعوا إلى حد اتهامها بأنها سبب الشذوذ الجنسي عند بعض الناس وسبب ارتكاب المجرمين لجرائمهم، ظهر في العقد الأخير ما يُعرف بعلم فوق الوراثة  epigenetics، الذي أعاد الاعتبار لأثر البيئة ومسئولية الإنسان عن حياته، واتضح أن نمط حياة الإنسان التي يحياها وخياراته فيها هو الذي يحدد للمورثات ماذا عليها أن تفعل، وليس العكس.

ومن الوجهة الدينية فكلا العاملين منصوص على أهميته، وكما نصحنا الرسول وقال: "تخيروا لنطفكم" لمعرفته بأثر الوراثة، فإنه قد هاجر، ليغير البيئة من حوله.

وفي كتاب الله يوجد حوار عظيم بين الملائكة وبعض المجرمين، أخبرنا الله تعالى أنه حاصلٌ يوم القيامة، يتعلل فيه المجرمون ويبررون جرمهم بأنهم كانوا مستضعفين في الأرض، فترد عليهم الملائكة مذكرة إياهم بأن أرض الله واسعة! ثم يخبرنا تعالى بمصير هؤلاء المحتوم بأن يُصيَّروا إلى النار ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97)﴾ [النساء: 97].

هاجر محمد كما هاجر جميع الأنبياء من قبله. وصدق ورقة بن نوفل عندما أخبره بعد لقائه الأول مع جبريل بأن قومه سيخرجونه، وأن ما من أحد أتى بمثل ما أتى به لقومه إلا أخرجوه. ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: 40].

قبله هاجر إبراهيم الخليل عليه السلام رغم أن الله تعالى قد أنجاه بعد أن ألقاه المجرمون في النار. ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ (99)﴾ [الصافات: 99]. وهاجر موسى بعد أن خاف على نفسه ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: 21]. وبعدهما أمر الملاك يوسف النجار أن يرحل بالسيدة مريم وابنها المسيح عليهما السلام إلى مصر لأن الرومان كانوا يطلبون قتل المسيح.

في كل هذه الحالات كان الله تعالى كفيلًا بحماية أعز خلقه وأحبهم إليه، وألا يكلفهم الانتقال ليحموا أنفسهم، لكنها سُنن الكون والدروس والعبر التي يجب أن يأخذها البشر من قصص الأنبياء. هاجر الأنبياء ليعلمونا ألا نقبل بالاستضعاف، وأننا لسنا شجرة ثابتة لا تتحرك، بل بشر عليهم الانتقال إن ضاقت بهم سُبل العيش الكريم.

لكن موسى عاد ودعا فرعون، ثم كان خروجه الثاني ومعه بني إسرائيل هذه المرة مقدمة للنصر على فرعون، وكذا المسيح عاد ورغم أنهم ظنوا أنهم أجهضوا دعوته فإنه انتصر وارتفع شأنه وشأن تابعيه، ومثلهما عاد محمد منتصرًا يوم فتح مكة؛ لذا فساداتنا العارفون بالله كانوا يتفاءلون بالنُقلة إن حدثت عن اضطرار، ومن جرّاء ظلم، فالنصر والرفعة آتيان بحول الله وقوته لمن أُخرج مضطرًا بعد أن فقد شعوره بالأمان، واستشعر أنه سيُهان في مكانه إن بقي فيه.

بقيت كلمة أقولها؛ وهي أن الإسلام كانت له بدايتان؛ فبدايته الأولى كانت بعد نزول الوحي على سيدنا محمد للمرة الأولى، وأما بدايته الثانية فهي هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.

كانت السيدة خديجة باعتبارها زوجته أول من آمن بنبينا، فهي أول من تلّقاه بعد أول لقاء له مع رسول السماء، بعدها بدأت رحلة الدعوة برجل وطفل كانا أول من آمن به بعد زوجته، سيدنا الصديق أبو بكر وابن عمه سيدنا علي بن أبي طالب، وفي البداية الثانية للإسلام؛ الهجرة، يظهر أيضًا الرجلان عينهما، أبو بكر وعلي، فالأول صاحبه في الهجرة، والثاني من فداه ونام في فراشه، وأدّى عنه أماناته، ثم هاجر ببناته إليه في المدينة.

لكننا اعتدنا من مشائخ زماننا إنزال رتبة سيدنا علي، وإغفال فضائله، حتى أن منهم من تأتي ذكرى الهجرة فلا يكادون يذكرونه! والسبب الاتهامات المعلّبة من خوارج زماننا مدعي التسلف لكل من أعلى قدر الإمام وأنزله منزلته التي يستحقها بأنه متشيع، وفي قلبه كذا وكذا من صحابة النبي! ولا أدري هل يفعلون ذلك مكايدةً في الشيعة أم أن الله يفضح ما في نفوسهم؟! وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما عهد إلى سيدنا علي فقال: "لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق". [رُوي بألفاظ مختلفة بطرق مختلفة؛ رواه الإمام مسلم في صحيحه عن رواية سيدنا علي (131/78) والإمام أحمد في مسنده عن السيدة أم سلمة (26387) والإمام الترمذي في سننه (3736- 5/643)].

 

د. منى زيتون

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن مشروعية العلاقة بين المنطق والنحو عند نحاة القرن الرابع الهجري في هذا المقال الرابع، حيث يمكن القول: إن الحقيقة الماثلة وحدها – وهي أنه يكرس فصلا كاملا للمشاكل المرتبطة بإرساء التعريف الصحيح مفصلا، وفصلا آخر للمناقشة المستفيضة لجميع التعاريف الموجودة لأقسام الكلام – تبين أنه كان الطريقة "الصحيحة" في كتابة المقدمات العلمية لرسالة ما في اللغة . كما أن كتاباته مليئة بالإحالات إلي التعاليم المنطقية التي أصبحت في زمانه جزءا لا يتجزأ من إطار العمل الفكري للعلماء في جميع العلوم تقريبا .

ويمكن أن نلحظ تأثير المنهج المنطقي في دراسة اللغة بوضوح أكثر في اختيار المواضيع في "كتاب الإيضاح" . ولنأخذ علي سبيل المثال تعريفه للنكرة حيث يقول "فأما النكرة فهي كل شائع في جنسه لا يخص واحدا دون آخر" . ومن الواضح أن هذا التعريف يتصل بفكرة الأجناس، والأنواع في الحد المنطقي. فمقولة "النكرة" في النحو توازي تماماً مقولة الجنس في المنطق، على الرغم من أن النظر اللغوي الخالص يمكنه – اعتمادا علي مبدأ الموقف اللغوي linguistic situation – أن يعطي تعريفا يختلف عن هذا التعريف. وكذلك يعرف الزجاجي "الجملة الفعلية" بقوله "والفعل والفاعل جملة يستغنى بها وتقع بها الفائدة". ومصطلح (الفائدة) هنا يقابل تماماً مصطلح (كلام قائم بنفسه) عند الزجاجي أيضاً .

ومن المواضع التي أخذ بها "الزجاجي" بالمنطق "العلل" حيث يقسم علل النحو إلي ثلاثة أضرب: علل تعليمية، وعلل قياسية، وعلل جدلية نظرية، فأما " التعليمية فهي التي يتوصل بها إلي تعلم كلام العرب، لأنا لم نسمع نحن ولا غيرنا كل كلامها منها لفظا، وإنما سمعنا بعضنا فقسمنا عليه نظيره، مثال ذلك أنا لما سمعنا : قام زيد فهو قائم، وركب فهو راكب، عرفنا اسم الفاعل فقلنا ذهب فهو ذاهب وأكل فهو اكل وما أشبه ذلك، وهذا كثير جدا ..... وأما العلة القياسية فأن يقال لمن قال نصبت زيدا بأن في قوله إن زيدا قائم : ولم وجب أن تنصب " إن " الاسم ؟ فالجواب في ذلك أن يقول : لأنها وأخواتها ضارعت الفعل المتعدي إلي مفعول، فحملت عليه،فأعملت إعماله لما ضارعته، فالمنصوب بها بالمفعول لفظا، والمرفوع بها مشبه بالفاعل لفظا، فهي تشبه من الأفعال ما قدم مفعوله على فاعله، نحو ضرب أخاك وما أشبه ذلك محمد " .

ومفهوم " العلة " في هذين النصين يعادل تماما مفهوم " القياس " في النحو العربي،ومفهوم " التمثيل " في المنطق الأرسطي : ومؤدي هذين المصطلحين أن ظواهر الوجود والطبيعة يحمل بعضها علي البعض بناء على مبدأ " قياس الغائب علي الشاهد " تارة أو قياس الشبه تارة أخرى.

أما النوع الثالث من أنواع العلل فهو الإضافة الحقيقية لنحاة القرن الرابع، وذلك " هو العلة الجدلية النظرية "، وهي لا تعدو كونها تطبيقا لنظرية العلة الغائية في فلسفة أرسطو، ويعرفها الزجاجي علي النحو التالي : " وأما العلة الجدلية فكل ما يعتل به في باب " إن " تعد هذا مثل أن يقال : فمن أي جهة شابهت هذه الحروف الأفعال ؟ وبأي الأفعال شبهتموها ؟ أبالماضية أم المستقبلة ؟ أم الحادثة في الحال ؟ أم المترادفة ؟ أم المنقضية بلا مهلة ؟ وحين شبهتموها بالأفعال لأي شئ عدلتم بها إلى ما قدم مفعوله علي فاعله ..... وكل شىء اعتل به المسئول عن هذه المسائل فهو داخل في الجدل والنظر " .

ولنأخذ نموذجا يوضح منهج الزجاجي في التعليل الجدلي وهو "علة امتناع الأفعال من الخفض . يبدأ الزجاجي آخذا بتعليل سيبويه "وليس في الأفعال المضارعة جر، كما أنه ليس في الأسماء جزم؛ لأن المجرور داخل في المضاف إليه، معاقب للتنوين، وليس ذلك في هذه الأفعال". ثم يعلق الزجاجي: "هذا الذي يعتمد عليه الناس في امتناع الأفعال من الخفض، وكل علة تذكر بعد هذا في امتناع الأفعال من الخفض، فإنما هي شرح هذه العلة،وإيضاحها، أو مولدة عنها" ولكن الرغبة في الوضوح والتوضيح مما خلقته النزعة التحليلية في المنطق تجعل الزجاجي يسهب القول في شرح تعليل سيبويه، فيبدأ في تعريف الأفعال المضارعة لغة واصطلاحا ثم يقول: "وإنما قال: وليس في الأفعال المضارعة جر، فقصدها دون سائر الأفعال؛ لأن كل فعل سوى المضارع عنده مبني غير معرب، وإنما كان في ذكر الجر، والجر إعراب، ولما كان إعرابا، وكانت الأفعال سوى المضارعة مبنية غير مستحقة للإعراب ... سقط السؤال عنها ... وبقي السؤال عن الفعل المضارع الذي هو معرب" .

ويلاحظ الدكتور "محي الدين محسب"

في كتابه الرابع " أثر المنطق الصوري علي نحاة القرن الرابع الهجري "هنا هذه الطريقة الاستدلالية التي تأخذ صورة القياس المنطقي :

- الجر إعراب

- وكل فعل سوى المضارع مبنى غير معرب

- إذن سقط السؤال عن دخول الجر في غير الفعل المضارع .

يتضح لنا مما سبق أن مزج الزجاجي النحو بالمنطق، لم يكن بالغا،ولا حادا، ولم يصل فيه إلي حد الإفراط، فقد كان ميله الكامن إلى السماع والرواية، وتقديمه لهما يكبح جماحه، ويحول دون تزيده في المنطق ومبالغته في الفلسفة .

ومن هنا رأينا المنطق الأرسطي ظاهراً في بعض كتبه ظهورا بينا ورأيناهما في بعض كتبه الأخرى يبدوان برفق علي ما يشبه الاستحياء، ومن الأولي كتابه المشهود " الإيضاح في علل النحو " الذي يسرد الدكتور " عبد الفتاح شلبي " أطرافا من محتوياته فيقول : " يلقاك المنطق وتطالعك الفلسفة في أول الكتاب، فإذا ما وصلت إلي الصلب منه رأيت حجاجا وتعليلا وقياسا وتدليلا وإذاعة لاصطلاحات المناطقة في الحد والمحدود والحكم والبرهان والدليل القاطع والحجة ووضوح الدلائل وإقامة البراهين والدلائل العقلية ... إلي أخره.

ومن الثانية كتابه المشهور أيضا " الجمل " الذي يذكر الباحث نفسه أن أسلوبه فيه كان سهلا سمحًا لا تعقيد، ولا التواء، ولا أثر للعلل النحوية أو التدليل المنطقي فيه .... يعطيك القاعدة العامة في جمل بعيدة عن تأويلات المؤولين، وفي أسلوب سهل ، لا تري فيه عوجا ولا أمتا من تعقيدات المعقدين وتفريعات النحاة والتجويزات المشهورة عنهم في المسألة الواحدة وحتى لتختفي الضوابط وتتشعب المسالك "، وأنه قد " أخلاه " من المنطق، ومسائله، وأقيسته، وقضاياه، وبراهينه، وتعليله، وتدليله خلوًا يكاد يكون تاما ".

ويمكن أن نذكر السبب في ذلك ؛ حيث من الملاحظ أن الزجاجي حين كان يكثر من مزج المنطق بالنحو في كتابه " الإيضاح "، كان يخاطب في ذلك النخبة من النحاة والمثقفين، أما في كتابه الجمل،والذي وضعه تيسيرا لطلاب العلم، فقد كان يقلل، بل أحيانا يبتعد عن مزج النحو بالمنطق،حتي لا يصعب علي المبتدئين في دراسة علم النحو .

ثالثًا: أبو سعيد السيرافي:

وصف الكثير من المؤرخين السيرافي بأنه شيخ الدهر، وقريع العصر، وعديم المثل، ومفقود الشكل، وبعيد القرين، وعين الزمان، والصدر، ولم تصدر هذه النعوت دون أساس، بل وجدناه العالم المقدم الذي استوعب ثقافات عصره استيعابًا مكنه من تدريسها إلي معاصريه من العلماء والطلبة . وفي هذا قال رئيس الرؤساء : إن أبا سعيد كان يدرس القرآن، والقراءات، وعلوم القرآن، والنحو، واللغة، والفقه، والفرائض، والكلام، والشعر، والعروض والقوافي، والحساب . أما في النحو فهو المقدم والأعلي في زمانه، ولو لم يكن له غير شرح كتاب سيبويه لكفاه فضلا، كما قال أبو البركات الأنباري، وقد أعجب القفطي صاحب إنباء الرواة به فأفرد له مصنفاً سماه " المفيد في أخبار أبي سعيد "، ووصفه ابن الأثير بقوله :" كان فاضلا، ومهندسا، ومنطقيا " ، وإذا كان ابن الأثير قد وصفه بالمهندس، وبالمنطقي، فإنا وجدنا الزبيدي (ت 379 هـ) قال "إنه كان "ينتحل العلم بالمجسطي وإقليدس والمنطق، ويتفقه بأبي حنيفة، وهو معتزلي من أصحاب الجبائي" .

وقد غلب المنهج الكلامي علي علم أبي سعيد في النحو،وسائر علوم العربية، وقد كان هذا المنهج طابع الدرس في القرن الرابع، ولم يكن الإفلات منه ميسرا للدارسين أمثال أبي سعيد، وليس أدل علي هذا من المناظرة التي جرت بينه وبين متي بن يونس القنائي الفيلسوف في مجلس " "الفضل بن جعفر بن الفرات "، وزير الخليفة المقتدر سنة 320 هـ ، (وسوف نتحدث عنها بالتفصيل خلال الفصل السابع)، وكذلك المناظرة التي جرت بينه وبين أبي الحسن العامري الفيلسوف النيسابوري (ت:381هـ)، في مجلس " أبي الفتح بن العميد" .

ويري البعض أن هذه المناظرة قد طغى عليها عنصر التكوين الاعتزالي في فكر السيرافي، وعلى الرغم من التفسير المقنع الذي يورده "علي أبو المكارم" لهذا الهجوم من قبل السيرافي على المنطق، فانه يسوق نصوصا من مصادر لا تعترف اعترافا صريحا باعتزالية السيرافي . أما تفسيره لهجوم السيرافي على المنطق الأرسطي، فهو أنه كان متأثرا بالعداء الشديد بين علماء الكلام والمنطق اليوناني، إذن، فما الأبعاد المنطقية في المقولات النحوية عند السيرافي؟

إن العناصر البارزة في ثقافة "السيرافي" هي القدرة على التحليل، وبالتالي فقد اتسمت تعريفاته للمقولات النحوية بهذا الطابع المفرط في تقصي كل أجزاء التعريف بالشرح والتوضيح. من الأشياء التي أخذها السيرافي علي سيبويه أنه لم يضع حدود المقولات النحوية بشكل جامع مانع، فيقول "أما الاسم فإن سيبويه لم يحده بحد ينفصل به عن غيره. فإن سأل سائل عن حد الاسم فإن الجواب في ذلك أن يقال: كل شيء دال لفظه علي معنى غير مقترن بزمان محصل من مضي،أو غيره فهو اسم. فهذا الحد الذي لا يخرج منه اسم ألبتة، ولا يدخل فيه غير اسم".

وعلي الرغم من أن السيرافي هنا يرى أن وظيفة الحد هي "الفصل والتمييز"، وهي وظيفته لدي علماء الأصول، فإن الحد الذي يسوقه يؤدي إلى تحصيل ماهية المعرف، وهي وظيفته في المنطق الأرسطي. بل إن الحد نفسه يكاد يكون نقلا مباشرا لتعريف أرسطو للاسم. فهو يضيف – ربما أول مرة في النحو العربي – فكرة الزمان المحصل، وهي فكرة قد وردت عند أرسطو، وعند الفارابي أستاذ ابن السراج الذي لم يوردها في تعريفه للاسم في "الأصول" أو "الموجز".

وترتبط تعريفات السيرافي بمنهج التحليل المنطقي الذي يستهدف التوضيح بأقصى غاياته، ومن ثم فقد يخرج بعض هذه التحليلات إلى دقائق عميقة. فهو بعد أن ساق انقسام الفعل بانقسام الزمان إلى ثلاثة أقسام: ماض ومستقبل وكائن في وقت النطق، وهو الزمان الذي يقال عليه الآن الفاصل بين ماض ويمضي". وبعد أن وضع تعريف كل قسم منها، يتعرض لتحليل ماهية هذا الزمان الكائن: "أوقع وكان فيكون موجوداً في حيز ما مضى فيقال عليه كان؟ أم لم يوجد بعد فيكون في حيز ما يقال عليه لم يكن فهو مستقيل؟... ولا سبيل إلى ثالث".

ويرد السيرافي هذا الطعن: " إن الماضي هو الذي أتى عليه زمانان: أحدهما الزمان الذي وجد فيه، وزمان ثان يخبَر عنه أنه قد وجد،وحدث وكان ونحو ذلك. فالزمان الذي يقال وجد الفعل فيه،وحدث غير زمان وجوده، فكل فعل صح الإخبار عن حدوثه في زمان بعد زمان حدوثه فهو فعل ماض. والفعل المستقبل هو الذي يحدَّث عن وجوده في زمان لم يكن فيه ولا قبله. فقد تحصل لنا الماضي والمستقبل. وبقي قسم ثالث وهو الفعل الذي يكون زمان الإخبار عن وجوده،هو زمان وجوده..." . ولا شك أن ذلك يذكرنا بما ورد في النحو اليوناني من قول "ثراكس"، عن الفعل الحاضر،إنه "يربط بين وجود الشيء وزمن الإخبار عنه".

ومن النصوص التي تكشف عن تغلغل نظرية الحد المنطقي في الفكر النحوي عند السيرافي، ما يكون في قضية الإضافة التي أصبحت عنده ـ كما هو الحد عند أرسطو- نوعاً من التعريف وإزالة الإبهام، أو هي الحالة التي تظهر ترتيب نوع الجنس من العموم إلى الخصوص. يقول السيرافي " فإذا كانت الإضافة إنما ينبغي لها زيادة معرفة المضاف، ولا سبيل إلى أن يعرف المضاف إليه حتى يكون مقصودًا إليه معروفا، فيعرف المضاف بذلك" . ثم يوضح ذلك بقوله "إن المضاف إليه يتعرف به المضاف، أو يخرج به من إبهام إلى تخصيص على مقدار خصوصه في نفسه كقولك: هذا غلام زيد، فيعرف الغلام بزيد، وتقول (هذا غلام رجل صديق لك) فيخرج الغلام عن حد الإبهام الذي في قولك: (هذا غلام) حتى ينحصر ملكه على صديق له دون سائر الناس، و(صديق له) أخص من واحد من الناس منهم" .

كذلك نلمس أثراً آخر من آثار المنطق في تحديد السيرافي للخبر النحوي. يعرف السيرافي الخبر بقوله: "والخبر ما صح فيه الصدق والكذب . وقد عرف ابن السراج الخبر – من قبل – بقوله: "وبالخبر يقع التصديق والتكذيب" . ولذلك فإن ابن فارس يقول "أما أهل اللغة فلا يقولون في الخبر أكثر من أنه إعلام.... وأهل النظر يقولون: الخبر ما جاز تصديق قائله أو تكذيبه، وهو إفادة المخاطب أمرا في ماض من زمانه أو مستقبل أو دائم" .

ومن الواضح أن مصدر هذا التعريف هو فكرة الصدق والكذب في القضية المنطقية عند ارسطو، كما تحدث عنها في كتاب العبارة عندما قال إنه ليس كل قول يصح أن يكون قضية منطقية، بل القول الذي يحتمل الصدق والكذب، فالدعاء مثلا ليس فيه صدق أو كذب. وكذلك فإن الراوقيين قد عرفوا الـ axioma بالتعريف نفسه .ومعنى هذا المصطلح الرواقي هو: "الجملة الأولى التي تخبرنا بالصدق أو الكذب". ولقد شرح الفارابي هذا المفهوم في أكثر من موضع من كتابه العبارة .

ولما كانت هناك بعض التركيبات اللغوية التي تتعارض مع هذا التعريف مثل (زيد قم إليه)، فإن السيرافي – حفاظاً منه على الصورة المنطقية الثابتة للخبر – وجد أن (قم إليه) هي من نفس النمط الخاص بكلمة قائم في (زيد قائم)؛ ولذلك فهو يقول "إن قولك: زيد قم إليه ليس بخبر في الحقيقة عن زيد، وإنما هو واقع موقع خبره،ومغن عنه وليس بخبر حقيقي" . وينطبق هذا أيضاً على مقولة "فاعل سد مسد الخبر" في (أقائم الزيدان) لأن المهم هو أن تطرد الصورة المنطقية الثابتة للعبارة اللغوية، أو على الأصح للقاعدة النحوية.. وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

مجدي ابراهيمللكاتب في استخدامه اللغة طريقته في التفكير والتعبير، ولا يوجد كاتب يمنع بسطوته الأدبية ونفوذه الفكري حظوظ كاتب آخر سواه في طريقة التفكير والتعبير. كان هناك "طه حسين" وهو أديبُ كبيرُ من حملة الشهادات الكبرى، وكان هناك "عباس العقاد" وهو أديبُ كبيرُ ولم يحصل من الشهادات إلا على الابتدائية؛ فما منع طه حسين حظ العقاد، ولا استطاع العقاد أن يمنع حظ طه حسين، لكن قبول القارئ للكاتب يتوقف على فضيلة روحيّة يستشعرها القارئ بين سطور كلمات كاتبه. هذه الفضيلة الروحية والفكرية ترتد إلى الإخلاص في استخدام اللغة إذا حسُن بها التعبير عن طوايا النفس وخفايا الوجدان وسرائر المعارف الظاهرة والباطنة؛ بما من شأنه أن يمتع الذوق والفكر ويرقي الإحساس.

هذه الفضيلة الرُّوحيّة الفكرية التي ترتد إلى الإخلاص المحض الذي لا تشوبه شائبة، يراها القارئ ذات دلالة كريمة إذا هو تلمَّس آثارها فيما يلمسُه دوماً في طريقة الكاتب في التفكير والتعبير. يراها إذْ ذَاك بلا ريب في فضيلة الصدق والإخلاص ومخاطبة الناس من ذات النفس الصادقة ومن قرارة الضمير المخلص.

وما دمنا ذكرنا مراراً وتكراراً كلمة "الصدق" هذه؛ فعلينا أن نفرق بين نوعين من الصدق، وأن نحدد مدلولهما فيما يمكن أن نستخدم الكلمة في سياقاتنا المعنية. فالنوع الأول: هو الصدق الاعتقادي؛ المفهوم فيه ديني لا عقلي. الصدق فيه صدقُ وجداني، قلبي، عقدي، إنساني: فيه كل معاني الصدق بالمفهوم الديني، ومرجعيته مرجعية دينية. ومستوى الإدراكات فيه قلبية وذوقية وليست هى بالعقلية وكفى.

أما النوع الثاني: فهو الصدق المعرفي؛ المفهوم فيه نظري، يجيء على مستوى المعرفة النظرية، ليس شرطاً فيه أن يكون كله صدقاً بل ربما يجيء الكذب من مهامه الأساسية في عملياته الإدراكية، فينقلبُ الكذب صواباً يقتضيه منطق العقل الصوري أو منهجيته الصورية، فمدى الصحة المنطقية هنا مُقدَّمة على الصحة الواقعية. المفهوم فيه عقلي لا ديني؛ وبالتالي فالمرجعية هنا عقلية نظرية وليست دينية، هنا يكون الصدق الاعتقادي شيئاً آخر غير الصدق المعرفي. ونحن نستخدم الصدق بمعناه الأول غاضين النظر عن النوع الثاني.

الصدق الاعتقادي هنا ليس هو الصدق المعرفي. الصدق المعرفي شيء، والصدق الاعتقادي شيء آخر.. لماذا ..؟ لأن الاعتقاد يلزم عنه العمل بالضرورة وليس الصدق المعرفي بلازم عنه العمل ضرورة؛ فمعيار هذا غير معيار ذاك. إذا نحن أدخلنا النظر فيما عَسَاه يمضي بالمعرفة إلى التحقيق؛ فلا العمل هاهنا ولا النظر طريق يؤدي إلى الصدق الاعتقادي مادامت طرق الصدق تحول بين المعتقدين في جوانب الحق.

ومن علامات الصدق الاعتقادي أن نقول:" من لم تكن طريقته (= معرفته) تصلح لإنقاذ نفسه من شرور نفسه، من براثن الوقوع في محظورات الرزيلة، فكرية كانت أم خُلقية, فقلَّ أن ينتفع بشيء مما يفعل أو يقول، فنفعه لنفسه كان الأحرى والأوْلى، فضلاً عن نفعه لغيره!". أو نقول:"المعرفة التي لا نفع فيها خيرٌ منها عدمها؛ لأنها في هذه الحالة لا تصبح معرفة بمقدار ما تصبح عبثاً للعقل وطريقاً لتضييع المعقول".

وعليه؛ فإنّ إنقاذ النفس إنما يكون بالمعرفة وبتطبيقها ينتفع المرء بها في حياته، أي المعرفة التي يتوافر فيها عنصر "الصدق الاعتقادي"، وليس "الصدق المعرفي" وكفى. الصدق المعرفي لا يكفي لإرشاد العقل إلى الحقيقة الدينية، أو لاتخاذ مواقف وجودية ترشد إلى المعرفة الرَّبَّانيَّة.

واقع الصدق الاعتقادي يتجسَّد في حياة الأنبياء والأولياء. وواقع الصدق المعرفي يتجسد في حياة الفلاسفة والعلماء وذوي البحوث النظرية المصروفة عن التطبيق العملي للأفكار المطروحة؛ فليس مطلوباً من الفيلسوف ولا من المفكر التنظيري أن يعتقد الصدق الاعتقادي وهو يبحث عن المعرفي؛ أي يروم من الناحية المعرفية الصحة المنطقية الصورية وكفى. وليس مطلوباً من رجل الدين أن يعتقد كما يعتقد الفيلسوف أو المفكر التنظيري الصحة المنطقية دون السلوكية أو العملية. هذان واقعان مختلفان ومقرران على مستوى المعرفة وعلى مستوى الإدراك العقلي المحدد بصورة كل إدراك على حدة.

تجدر الملاحظة أيضاً أن المدركين للصدق الاعتقادي غير المدركين للصدق المعرفي من ناحية أن البناء العقلي الذي يتوافر عليه أصحاب الإدراك الأخير لا يجعلهم يعطون أهمية قصوى للصدق الاعتقادي، وقد لا يطيقون الكلام فيه أو عنه؛ فيحاولون جادين سَدَّ باب الحديث عن درجاته أو عن أي شيء يمس شيئاً فيه. أما الخلفية الأخرى؛ أعني خلفية الصدق الاعتقادي، فهى خلفية ذوقية شعورية توَظف حسب مقتضيات الشعور الديني وتستند إلى مدركات القلب. ومدركات القلب، ذوق وشعور وحساسية وجدانية، وحماسة روحية، وليست هى بالعقل والبرهان والمنطق والصورية. ومن هنا فالصدق الاعتقادي قلبي، والوعي فيه وعي قلبي، فيه التصديق والتسليم أوفر وأقرب مما سواهما؛ فالمدركون من ثمَّ للصدق الاعتقادي غير المدركين للصدق المعرفي؛ فإذا كان الأولون قلبيين؛ فالآخرون عقليون برهانيون، يهمهم المعرفة الصورية؛ فالصدق المعرفي صورة، لا يعول عليها، وليس واقعاً حقيقيَّاً، ولا هو بالطريق الذي يمضي في هذا الواقع؛ ليعزز الإدراك الواثق بقِيَمِهِ في شيء.

*     *     *

أجمع العرفاء من الصوفية على أن "الطريق لسان صدق"؛ لا يتبادر قيد أنملة إلى أذهان أصحابه كذب أو بهتان، ولا ترتقي إليه المطاعن والأدران، ولا يتطرق إليه بُعْدُ عن الحق المنشود في تقرير ما عَسَاهم ينشدون، فعباراتهم دالة أكملُ ما تكون الدلالة في مستوياتها الإدراكية: الخفية المستترة أو الظاهرة البادية، حتى إذا ما كانت الدلالة بمفردها تعطي الصورة الوافية لمثل هذا الإدراك الباطني في العملية الإدراكية للمعاني المنبعثة عن العبارة؛ صارت بالضرورة بموجب هذا الإدراك توحي بما لا يدع محلاً للشك بأن "الطريق لسان صدق"؛ ومعنى أن يكون الطريقُ لسانَ صدق؛ أي أنه يعطي من ذاته التَّصور الأوفى صدقاً في جميع الأقوال والأحوال والأفعال بما ليس يتبادر الكذب مطلقاً على لسان أصحابه أو يخطر لهم على بال.

وإنه ليُخَيَّلُ إليَّ أن جميع الذين يدركون منه بالمعاناة مصداقيته على اختلاف مستويات إدراكاتهم قد لا يلتفتون أحياناً كثيرة إلى ما عَسَاهم يدركون من طريقة إدراكهم تلك؛ ولذلك لأنهم في غيبة حتى عن إدراك العبارة حين تجيء على مثل هذا المستوى الدلالي لتلك المعاني ومدركاتها الجُوَّاِنِيَّة الباطنة؛ أعني المستوى الدلالي من حيث كونه مفهوماً يُسْتَقَى من البنية العميقة - لا السطحية – للعبارة، يدركها مُتَلقيها حين يقولها العارف المخلص الخالص، أو حين يفهم القارئ منها هذا المستوى أو ذاك. لكأنما الوعي هو الذي يحركها فتتحرك من أعلى إلى أدنى، أو من باطن إلى ظاهر، أو من لا مرئي إلى مرئي، أو من خَفي مستتر إلى مجلوّ مشهود.

غير أنه وعي مخصوص بجهة مخصوصة؛ إذْ الوعي الصوفي هو في الأساس "غيبة"! غيبة تحدث في حال الفناء؛ أو تتحرك العبارة بمقتضى الوعي في جميع الجهات كأنها حركة دائرية يتوتر فيها الباطن بفاعلية الوعي في مستوى الدلالة المُوحِية، بطريقة يَنْفَرد بها الإدراك داخل الذات العارفة تعبيراً عن عرفان صاحبها بمستوى معين يتخذ أشكالاً عديدة من التنوِّع المعرفي يصعب معها الوصف في الغالب؛ وأحياناً كثيرة يستحيل التعبير.

وخيرُ مثال على ذلك شذرة قصيرة قالها النفَّريِّ:"... النَّظر ربَّما خَاطَبَ النَّاظر بما لا تَنْقَالُ به عبارة، ولا تحمله ترجمة". والمقصود بالنظر هنا ليس هو النظر العقلي ولكنه نظر المشاهدة الكشفية: الرؤية الشهودية الفاعلة في الوعي الصوفي على التحقيق. تأمل النّفَّريِّ حين يقول:"العِبَارةُ ستر فكيف مَا نُدِبَتْ إليه"؛ تجده يتحدَّث عن مستوى دلالي نعم؛ لكنه خَفيُّ غير ظاهر للعيان، مستور من العبارة في بطن الإشارة، حتى إذا ما كانت العبارة ستر فكيف بما هو مندوبة للتعبير عنه وهو غاية الغايات في التكتم والاستتار.

المستوى الدلالي؛ يتجاوز السطح البرَّانيِّ ليَغُور في العمق الجوَّانيِّ، ويأخذ من أدنى الخطاب ليعطي أعلى الإشارة؛ فهو - من أجل هذا - يُعَدُّ أرفع المستويات في العملية الإدراكية (الذوْقية) مع عزتها وندرتها؛ لا لشيء إلا لأنه أرفع المستويات الناهضة في جانب العمل التطبيقي الذي يخرّجها أي (الخبرة الروحيّة)، فيظهرها في مستوى جدير بالإدراك لمن شاء أن يدركه على صفته المنوطة به مشروطة على شرطه هو لا على شرطٍ سواه. وشرطه هو الذَّوْق المُدْرِك والاستبصار المشهود، ورعاية المثل الأعلى في مطالب الجمال الفني والذوق القويم.

إنما العبارة ذات المستوى الدلالي تُعْطينا تصوراً تنفرد به الخصائص البادية في كل حركة إدراكية داخل الذات العارفة إدراكاً ذوقياً قائماً في بطن صاحبه بمقتضى العرفان؛ ليجيء الإدراك لمقومات الطريق مَوصُوفَاً بالصدق لا لشيء آخر غيره. وليس يخفى أن الإدراك المقصود هنا لهو إدراك الذات العارفة المدركة حتماً من طريق ذائقتها وإنْ لم يكن يكفي محصولها اللغوي بالوفاء بما لديها، ولكن لا تنفصل الذات عن إدراكاتها بكل صورة من صور إدراكاتها الداخلية المغمورة في جوف صاحبها، والمبطونة في تلافيف وعيه الغائر السحيق العميق. ولكننا مع ذلك كله نتساءل: هل كانت كل الطرُق التي يُتَوَصَّل إليها بمثل هذا اللسان الصادق- لا بعينه! - موصوفة بالصدق بغير خلافه، حالاً وقولاً وفعلاً؟

والجواب بالطبع لا. ليست كل الطرق بطبيعة الحال فيها - على ما يبدو - مثل هذا الصدق، ولا هى فيها مثل هذا الإدراك؛ إذْ من الصدق ما هو برَّاني لا يعبر عن الحقيقة الباطنة الخفية ولا يعطي النظر الأوفى لسماحة المثل الأعلى فيما تطلبه آفاق الإنسانية، فضلاً عن أن يصيبها من أقصر الطرُق أو من أطولها، وهو مع ذلك يُسمى الصدق بالمعيار لا بالعمل والانفعال.

فمن الصدق الذي حدَّدناه ننطلق، فنعوِّل هنا بالقطع على الصدق الديني الاعتقادي؛ لنقول: مِن الطُرُق ما لا يمكن الوصول إليه مطلقاً بغير هذا النوع من الصدق. والصدق كما تقدَّم على وجوه: أهمها هنا الصدق في الأقوال والأفعال مشروطاً بفعالية الإخلاص. والصدق في الأقوال مَدْعَاةٌ إلى الصدق في الأفعال ومترجم عنها؛ فالقول الصادق مؤسس على الفعل الصادق.

والذين يَصْدقون في الأقوال يستطيعون أن يتكشفوا من ذواتهم هذا الإدراك العلوي فضلاً عن الوقوف عليه طريقاً للإدراك. إنّ إدراكه إدراكاً مباشراً لا ريب فيه هو من جنس "الذات العارفة" المبدعة عملاً في كافة الأحوال (كأنه السليقة المطبوعة يشع منها الإيمان كما يشع النور من الكوكب الساطع،  أو كما يشع العطر من الزهرة الزكية، مثلما وصف "العقاد" خُلق شاعر الهند الأكبر رابندرنات تاجور).

الصادقون صدقاً اعتقادياً هم أكثر الناس إدراكاً في العملية الفاعلة للإدراك الذوقي وهى التي يعزُّ علينا - نحن الناظرون - إدراكها إذا لم يكن الطريق لدينا كما كان لديهم بالفعل لسانَ صدق.

*     *     *

ومن الصدق الذي حددناه مرة أخرى ننطلق وعليه نعوِّل؛ لتجيء الكتابة هنا إحساساً صادقاً ليس إلا، أي نعم! تكاد تكون الكتابة في غير إحساس صادق نكاية على الكاتب، ونكاية على القارئ سواء بسواء. فأما الكاتب؛ فلأنه يخدع قارئه بما ليس فيه، ولا يرشده إلى حقيقة ما يدَّعيه، يتجرَّد إلى غاية ما يصل إليه من تجرد فلا يصدّقه قارئه، ولا يقدر أن يمضي معه إلى حيث يريد في ظلمات ليس فيها نور من عين القلب ولا بصيرة من بواطن الضمير، يتعالى عليه في غير سمو فيما يقول، ويعطيه أشياء غيره، ولا يعطيه أشياؤه هو، إذْ ليس عنده ما يعطيه:"وفاقد الشيء - قالوا - لا يُعطيه" !

وأما القارئ؛ فلأنه لا يمضي طويلاً مع كاتبه، ولا يصبر عليه، إنْ طال بقاؤه معه، حتى يدرك كذب الكاتب عليه، وانخداعه بما كان قاله له أو بما يريد أن يقوله. وفي هذه وحدها؛ أعني في غياب جهة الصدق، غياب للوعي بين المرسل والمستقبل، أو بين القائل والمتلقي، وإذا حلت الغيبة المفقودة لقناة روحيّة من الاتصال حلَّ الملل والسأم والضيق لافتقار المصداقية. وافتقار المصداقية لفقدان "الصدق" بداية.

ألا.. فكم هى قليلة لحظات الصدق في وعي الإنسان؟ أتدري ما هو وعي الإنسان؟ هو لحظة انفجار قوة باطنة مشمولة بالإحاطة الكاشفة، ليست هذه اللحظة هى العقل، وليست هى واقع حسيِّ يمكن أن تقرأه أو تتنبأ به أو تتكشف خباياه، لا بل هو شيء يفاجئك بغتة ويحيطك فجأة ويشملك من جميع أقطارك ويستولى عليك كليةً: هو عبقرية الوعي الإنساني الذي يطمح فيه المرء في هذه الحالة حتى لكأنه في طموحه يحتاج إلى عنف شديد كيما يستطيع أن يتعامل مع الواقع، فيخضع واقع النفس للتجربة، بمقدار ما يخضع إليها واقع ما هو بإزائه على مستوى ما يُفكر فيه. ومن هنا افترقت الدلالة فأصبح لكل مستوى دلالته.

هذا الوعي من المؤكد أنه شديد دَفَّاق، عالي وليس بالعادي، لدرجة لا يمكن احتمالها، ربما لا يمر على الإنسان في حياته كلها - مع التجربة - مثلما تمر عليه تلك اللحظات، حتى لكأنه لا يمكن أن يكون المرء خلاله قانعاً بما في خطورة وعيه من مدارك هذه اللحظات. قد يكون طموحاً، ربما، لكنه مع كل طموح من هذا النوع، يعطي الحقيقة الباطنة في مجموع ما يدرك وفي مجموع ما يرى. غير أنه في الواقع لا يجد سوى رؤية، هى في الغالب ينظر إليها نظرة ضيقة شديدة الضيق؛ لتتأكد لديه الرؤية؛ وليعطي في تقديره حكمة هو يريدها في أشق اللحظات ولا يريد سواها، هو يحتاج إلى شيء تستند إليه تلك القوة التي تلازمه ساعة أن ينفذ ببصيرته في جميع ما يدرك، إنّ وعيه في هذه الحالة من الأكيد يتلاحق على الفور ليعطي الصورة الدائمة كشفاً للإدراك القادر على التحقيق.

لا جَرَمَ أن الطريقة التي ينجم فيها الوعي بهذه الدرجة لهى الطريقة المُتَفَرّدة يظهر فيها الفكر المتميز والتفرد النادر، مع الشعور، مع الإحساس، مع التأمل مع جميع ملكات الإنسان الظاهرة والباطنة؛ لتصف الإنسان كله من بعدُ بأوصاف لا يقتدر هو نفسه على تصديقها أو تصويرها للغير في صورة كلامية مفهومة أو مقروءة: هو هو الكيان الآدمي كله، الكينونة الباطنة التي يصفو فيها الواقع صفاءً بلا حدود، ويعطي فيها الواقع (أعني واقع التجربة الإنسانية) عطاءه للتفكير الذي ينشده بعض الخُلَّص مِمَّن يَعُونَ مثل هذا الوعي؛ هنا مستوى ما لا يمكن وصفه، مستوي العمى اللُّغوي: فقدان اللغة تماماً، إذْ الوعي في هذه الحالة عالي وليس بالعادي. واللغة تستمد مددها من الوعي العادي، أعني وعي العقل الشارح للوعي العالي بعد التجربة لا فيها ولا معها. إنّ الحالة التي تكون بمثابة هذا الإدراك مصاحبة؛ لهى عينها العبقرية السامية: الحالة التي تعطي حظها من المدارك العليا النافعة للإنسان ولبني الإنسان، ولا تقاس بمقدار ما لا تعطي له مدارك أخرى أدنى ما شاء لها أن تعطي مما لا نفع فيه، و لا ذكر، ولا وعي، ولا إحسان ولا تجربة حقيقة بالممارسة والشهود.

فإنـَّا لنجد "أصل الكتابة" على هذا الذي تقدَّم، في الإحساس الصادق "وعياً" ولا يزيد، لا في الإدعاء الكاذب الذي لا يفيد. أكتب ولا عليك فيما تكتب، أكتب لا عن فكر وكفى، ولكن عن فكر ممزوج بإحساس؛ عن تجربة ومعاناة، وبمقدار ما يفتح الله به عليك تكتب، هنالك يكون الإحساس معيّة، وما دون ذلك هو في الواقع مجرد خيالات تَوَهميِّة لا يمكن أن تقترب من الحقيقة في شيء.

هذا هو بالضبط، أعني هذا الذي هو دون ذلك، ما تؤكده وقائع الكاتبين ويصدق عليهم في كثير من الأحيان صدقاً ليس يمكن أن ينصرف إلى ما سواه. ثم هنالك من يَدَّعُون ويستطيلون إلى أقصى حدود الاستطالة والإدعاء؛ لكأنهم يمتلكون "قلم القدرة"، يكتبون به في غير تواضع وفي غير تفهيم؛ فإلى هؤلاء الذين يكتبون بقلم القدرة، عليهم أن يخففوا الوطء شيئاً فشيئاً؛ فهناك في بعض خلق الله عقول لا تعرف سوى طاقتها، عليهم أن يدركوا أن ليس كل أحد بمقدوره أن يعرف مثل هذا الطريق الذي يكون فيه المرء قادراً على أن يفهم ما عَسَاه يصدر عن "قلم القدرة"! عليهم أن يخففوا من غلواء دعواهم شيئاً فشيئاً.

إنّ قلم "القدرة" كقلم العجز؛ كلاهما سواء فيما لو انطمست البصائر، وعميت المدارك، وفقدت التجربة، وضاقت العقول عن الفهم وغابت عن تفهيم الناظرين.

الواقع يشهد بالصلة القريبة بين الاعتقادات المختلفة على حسب تقديرات المقبول منها أو على حسب ترجيحات المرفوض فيها؛ فكُلُّ يعتقد الرأي ويعتقد نقيضه إنْ لم يكن في نفس الوقت؛ ففي وقت قريب أو بعيد نسبياً، وكثيراً ما تقترب الخلافات البعيدة لتتوحد مع سلامة النية وسلامة المقصد، وإذا توحَّدت المصادر تلاشت الخلافات؛ فما يبدو ظاهراً على الأسطح البرانيّة من خلاف بين بعض الكاتبين هو خلاف اعتباري يزول بزوال العوارض المرجعية. وبمقدار ما يتصل الوعي بالتأكيد على الصفة المثلى المنشودة والتي تناط بتقديرات هذا الواقع يمكن أن يكون المعنى المراد ذا صلة بمفهومه وبمفرداته. قد تكون هذه حقيقة لا يختلف عليها اثنان ممن يدركون واقع الكتابة وتجارب الكاتبين. الكتابة إحساس صادق من الكاتب إزاء ما يشعر به من تبعات، والتبعة شعور أخلاقي؛ لأنها شعور إنساني. والشعور الإنساني هو الذي يطلعك على أفضل الفضائل العظيمة تثبت أمام النظر؛ لأنها تثبت أمام العقول المفكرة على آماد الزمان. (وللحديث بقيّة).

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا في هذا المقال الثالث عن خصوصية الصلة بين المنطق والنحو عند نحاة القرن الرابع الهجري، وفي هذا يمكن القول: التزم ابن السراج منهج التعليل اللغوي في اختياراته لكثير من الآراء النحوية، إذ لم يسلم بالاختيار المنقول من غيره جزافا، بل كان يدعم هذا الاختيار بسبب مستنبط من أحكام قانون اللغة ومقاييسها، وهي في جوهرها أحكام تفسر الواقع اللغوي المسموع، كى لا يجعل من هذا الاختيار مناقضا لنظام اللغة ومقاييسها، وكأنه يعلل الظاهرة اللغوية مستندا في ذلك إلى نظام العلاقات التركيبية بين الصيغ، والمفردات،وعناصر الجملة الواحدة، مما ينبئ بالتأثر بالمنطق  في البحث اللغوي، وقد تنوعت العلة عنده بين القياس،والسماع، والحمل على النظير، وأمن اللبس، والشبه، والاستثقال، ولبس المعنى، والحمل على المعنى،وغيرها، وفيما يلي بعض الآراء التي عللها ابن السراج في كتابه الأصول علي سبيل المثال لا الحصر:

أ - علل ابن السراج عدم إجازته ترخيم رجل اسمه (عرقوة)على: يا (عرقو)، قياسا على ترخيم (حارث)، عندما تقول: يا حار،إذ قال: " فإن كان قبل الطرف حرف يعتل في أواخر الأسماء، وينقلب إلى ياء، نحو: رجل سميته (عرقوة) إن رخمت فيمن قال: يا حار، قلت: يا عرقي أقبل، ولم يجز أن تقول: يا عرقو ؛ لأن الاسم لا يكون آخره واوا قبلها حرف متحرك ... ومن قال: يا حار، فإنما يجعل الراء حرف الإعراب، ويقدره تقدير ما لا فاء فيه فيجب، عليه أن لا يفعل ذاك إلا بما مثله في الأسماء".

فتقلب الواو ياء،والضمة قبلها إلى كسرة ؛ لأنه ليس في الكلام اسم في آخره (واو) قبلها ضمة.

ب - علل ابن السراج عدم إجازته الإضمار والإلغاء في الأفعال المؤثرة ـ وهي الأفعال التي تتعدى إلى ثلاثة مفعولات ـ فذكر أن من قال: ظننته زيد قائم  فجعل الهاء كناية عن الخبر والأمر، وهو الذي يسميه الكوفيون المجهول، لم يجز له أن يقول في: أعلمت زيدا عمرا خير الناس، أعلمته "زيد عمرو خير الناس "؛ لأنه يبقى زيد بلا خبر، وإنما يجوز ذلك في الفعل الداخل على المبتدأ والخبر، كما لا يجوز الإلغاء ؛ لأنك تحتاج إلى أن تذكر بعد الهاء خبرا تاما يكون هو بجملته تلك الهاء، والأفعال المؤثرة لا يجوز أن يضمر فيها المجهول، وإنما تذكر المجهول مع الأشياء التي تدخل على المبتدأ والخبر، نحو: كان وظننت، وأن، وما أشبه ذلك .

فهو لا يجيز قياس الأفعال التي تتعدى إلى ثلاثة مفاعيل على الأشياء التي تدخل على المبتدأ والخبر كـ(كان)، و(ظن)، و(أن) وما أشبهها ؛ لأن ما يدخل على المبتدأ والخبر يجوز فيه الإلغاء والإضمار، وما تعدى لثلاثة مفاعيل لا يجوز فيه الإضمار والإلغاء .

جـ - لا يجيز ابن السراج تقديم الحال على العامل سواء أكان العامل فعلا لا يصل إلا بحرف، أو إذا كان العامل غير فعل، ولكن شيئا في معناه، وعلل عدم إجازته بقوله: " تقول: مررت بزيد راكبا ؛ فإن كان الفعل لا يصل إلا بحرف جر، لم يجز أن تقدم الحال على المجرور، إذا كانت له، فتقول: مررت راكبا بزيد، إذا كان (راكبا) حالا لك، وإن كان لزيد لم يجز؛ لأن العامل في زيد الباء، فلما كان الفعل لا يصل إلى (زيد) إلا بحرف جر، لم يجز أن يعمل في حاله قبل ذكر الحرف" (45)، وإن كان العامل غير فعل، ولكن شيء في معناه لم تقدم الحال على العامل ؛ لأن هذا لا يعمل مثله في المفعول، وذلك قولك: زيد في الدار قائما، لا تقول: زيد قائما في الدار، ولا يجوز: جالسا مررت بزيد، لأن العامل الباء، ومحال أن يكون (جالس) حالا من التاء ؛ لأن المرور يناقض الجلوس.

فقد جعل ابن السراج عدم إجازة تقديم الحال على العامل إذا كان فعلا   لايصل إلا بحرف قياسا على عدم إجازة تقديم الحال على عامله المعنوي، وهو ما تضمن معنى الفعل دون حروفه كأسماء الإشارة، وحروف التمني، والتشبيه،والظرف،والجار والمجرور.

ومن جهة أخرى يعتمد ابن السراج قياس (المعادلة) علة من علل النحو المنطقية في الرد على النحاة، كالمعادلة بين الصفة وموصوفها، فلا تأتي الصفة أخص من موصوفها  وقد رد على من وصف الخاص بالعام ؛ لأن ذلك يخرج الموصوف إلى العموم، وإنما يجيز ذلك إذا اكتفى القول بذكر الصفة من دون موصوفها، وبذلك عد ابن السراج الصفة وموصوفها كالشيء الواحد .

ومن خلال هذه الأمثلة يتبين لنا أن ابن السراج اعتمد مبدأ التعليل في عرض المسائل الخلافية بينه وبين الآخرين، وهي سمة ظهرت في أغلب الآثار العلمية التي طالعتنا في القرن الرابع الهجري بتأثير المعارف،والعلوم الفلسفية الأخرى،وتداخل مناهجها مع منهج البحث النحوي، وقد تعددت عنده هذه العلة المعروفة بالعلل الأوائل، وهو أول من قال بالعلة الثانية .

وإذا ما انتقلنا إلي تلاميذ ابن السراج الذين سعوا إلي مزج النحو بالمنطق،فندكر منهم علي سبيل المثال لا الحصر:

1- أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي، فقد ذكر الزجاج أنه أخذ عن ابن السراج .

2- أبو سعيد السيرافي، فقد قرأ علي أبي بكر بن السراج وأبي بكر بن مبرمان النحو (50). وفي شرح كتاب سيبويه، نجد الكثير من آراء ابن السراج النحوية والصرفية الممزوجة بالمنطق.

3- أبو علي الفارسي.. الحسن بن أحمد بن عبد الغفار بن أبان الفارسي الفسوي الإمام العلامة، فقد قرأ النحو علي أبي اسحاق وعلى أبي بكر بن السراج (52)، وكذلك اطلع علي المسائل المشروحة من كتاب سيبويه للمبرد، وقرأها علي ابن السراج كما روي كتاب التصريف عن ابن السراج عن المبرد .

4- الرماني: أبو الحسن علي ابن عيسي الرماني. أخذ النحو عن أبي بكر بن السراج وابن دريد والزجاج، وهم الشيوخ الذين حملوا علم البصرة في بغداد، وقد شرح الرماني كتاب الموجز لابن السراج .

وقد تميز كل منهم بطابع في عملية مزج النحو بالمنطق، وسبيلنا الآن هو عرض أفكارهم في ذلك المزج، وذلك على النحو التالي:

ثانيًا: أبو القاسم الزجاجي:

لقد كانت ثقافة الزجاجي ثقافة عالم عاش في أواخر القرن الثالث الهجري، وأدرك أربعين سنة من القرن الرابع، هذا القرن الذي حفل بنتاج خصب للعقلية الإسلامية في أوج نضجها ورقيها، فعاصر الأخفش علي بن سليمان، وابن السراج، وابن الأنباري، والسيرافي،وغيرهم، وكان واحدا منهم، بل من أكثرهم نشاطا في العلم والتأليف .

وتظهر لنا سعة ثقافته في مؤلفاته الكثيرة، وما تتصف به من عمق وتنوع، وكأنه جمع في نفسه ما تفرق عند شيوخه من فنون العلم ؛ فقد كان منهم اتسع أفقه في النحو،كالأخفش علي بن سليمان وابن الخياط، وابن كيسان ؛ فكان الزجاجي مثلهم في سعة العلم     بالنحو،وما يتصل به من اختلاف المذاهب وتشعب الآراء .

ولم تكن ثقافة " الزجاجي " عربية فحسب، إذ كان عارفا لبعض اللغات الأخرى، وقد ذكر ذلك دون أن يصرح بهذه اللغات أو يعينها، فقال في معرض حديثه عن أقسام الكلام،وكونها لا تخرج عن اسم، وفعل، وحرف:" وقد اعتبرنا ذلك في عدة لغات عرفناها سوى العربية فوجدناه كذلك ".

وقد وصفه البعض بأن الزجاجي  كان ذا أسلوب رصين، ومنطق محكم متين، نفس طويل، بلغ ميادين الجدل ؛ بل يفتح علي نفسه أبوابه، ويختلق لخصومه الحجج، ويتعلل لهم ليعود علي الحجج بالنقض، وعلى العلل بالإبطال، صنيع علماء المنطق في إيراد أدلة خصومهم لهدم وبناء آرائهم علي أنقاضها، وله منهج  يختلف عن منهج " ابن السراج "، في تناول مسائل المنطق ؛ فابن السراج يمزجها مزجًا بالنحو فهو إذا يقايس،أو يعلل، أو يبرهن،أو يذكر القضايا يجعل ذلك وغيره من مسائل المنطق في ثنايا نحوه وتضاعيفه، يورده،ويتحدث عنه، حتي يصير المنطق مع نحوه، وحدة لا تتجزأ وكيانا متضامنا لا ينفصل .

يقول الزجاجي في كتابه "الإيضاح في علل النحو"، بعد أن يسوق جملة من تعريفات الفلسفة: "وإنما ذكرنا هذه الألفاظ في تحديد الفلسفة هاهنا، وليس من أوضاع النحو؛ لأن هذه المسألة يجيب عنها من يتعاطى المنطق، وينظر فيه، فلم نجد بدًا من مخاطبتهم من حيث يعقلون، وتفهيمهم من حيث يفهمون". ولعل هذه العبارة كافية للدلالة على منهج الزجاجي،من حيث الأخذ بمقولات المناطقة،حين يكون الأمر أمر اضطرار.

وقد ذكر الزجاجي نفسه مرارًا  أنه نحوي، ولا يرغب في الحديث عن اللغة بالتصانيف نفسها كما يفعل علماء المنطق، فمثلا عند مناقشة تعريف الاسم، يقول إن هناك تعريفاً واحداً حيث إن الاسم – علي وفق ذلك التعريف:" صوت موضوع دال باتفاق علي معني غير مقرون بزمان " .

ومن الواضح أن الزجاجي قد استوعب قضية الحد المنطقي استيعابا طيبا تكشف عنه تلك الصفحات التي عقدها حول اختلاف النحويين في تحديد الاسم والفعل والحرف، فهو يروي على لسان المناطقة أن الحد هو قول وجيز "يدل على طبيعة الشيء الموضوع  له" . وهذا الحد هو نفسه تعريف أرسطو للحد، وهو نفسه أيضاً التعريف الذي فضله الفارابي في مقدمته لإيساغوجي . وهذا بالطبع نوع من تعريف أرسطو للاسم . ويقدم الزجاجي هذا التعريف بقوله:" لأن المنطقيين وبعض النحويين قد حدوه حداً خارجاً عن أوضاع النحو ". كما يضيف قائلاً " وهو علي أوضاع المنطقيين ومذهبهم لأن غرضهم غير غرضنا، ومغزاهم غير مغزانا" .

وهو نفسه يحبذ تعريف آخر للاسم " الاسم في كلام العرب ما كان فاعلا أو مفعولا أو واقعا في حيز الفاعل والمفعول به" . ومن الجدير ذكره هنا أن ثمة دليلاً ما أن هذا التعريف الأخير ينم كذلك عن بعض ملامح التأثير الإغريقي، حيث تعرف الأجسام أو المواد في الفلسفة الرواقية كونها أشياء إما أن تفعل أو يفعل بها، وربما كان ذلك أصل استخدام الزجاجي لمعياري الفاعلية، أو المفعولية في تعريف الاسم .... وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

اكرم جلالمَليئةٌ هيَ كُتُبُ التأريخ والسِيَر بِذِكْرِ المُلوك والحُكّام ، وَقَليلة هيَ صَفَحات العِزّ حينما تَستذكر قادَةً رَفعوا لِواءَ الإصلاح وبناء الفِكر فَأناروا ظُلُمات مِنَ الجّهل بِأَنوار الوّعي لِبَعَثوا الأمَل في نُفُوس المُستَضعَفين فَأعتَقَوهُم مِن عُبودية الطّاغوت، وَسارُوا بِهِم نَحوُ فَجرِ الخَلاص. وعلى الرغم من كلّ الكُتب التي كُتِبَت وأطنان الحِبرِ التي سُفِحَت مازال السؤال يُحلّق فَوقَ رؤسنا، يَسأل عَن جَوابٍ في ثَنايا جَدليّة مَفادها هَلْ خُدِعْنا بالأحشف فَغَيّبوا الوَعيَ وَسَقَطَتِ الرّايَة؟ أمْ نَحنُ مّنْ سَعى خَلفَها عَن عِلْمٍ وَدِرايَة؟

لَقَد بَدأت المُكْفَهرّاتُ مِنَ الأيامِ تَتَوالی والحَوالِك مِنَ الخُطوبِ تَتَنادى والفِتَنُ تَتَلوّن فَكَثُرَ المُتَساقِطون جَهلاً وخَوفاً وَجَزَعاً وَطَمَعاً. لَقَد أقبَلَتِ الدُنيا بِخَيْلها وَعَبيدِها لِتَغْزُو القُلُوب وتُغْري النُفُوس وَلَم يَنْجُوَ مِنْ حَبائِلِها الاّ الثابِتُون، وما أقلهم.

أصبَحَ المُنزَلقون في وَحلِ عِبادَة الهَوى يُؤَلّهون الظّالِم ويُقْصُون العادِل وَيَنْحَنون للجّاهل، يَتَعَصَّبُون للعَشيرَة في الحَقّ والبّاطِل، حَتّى غَمَرَنا النِّفاق وضرَبَنا الشِّقاق، وَتَسابَقَ على خَيراتِنا السُرّاق. جاؤوا إلينا سِراع َوتَرَبّعوا على صُدُورنا كَما يَتَربَّع الأكَلَة عَلى القِصاع. تَشَبّثوا عَليمُوا اللّسان بِخُطَبٍ رَعناء وَشعاراتٍ جَوفاء، أصَمّوا أسْماعَنا بأحاديثٍ عَنْ زُهد عليّ عليه السلام وَعَليٌّ مِنهُم براء.

إبتَعَدوا عَنِ المَنطِقِ والحُجّة، فاستَخَفّوا واستَهانوا، جعلوا مِنّا سُخريّة مُسًليّة، أطعَمونا الأقاويل وَسَقونا الأباطيل، حَتى طالَ لَـيـل الغُمّة وانقَلَبَت الصُّورة، فَأصبَحَ تَغييبَ الحَقائق فَضيلة، وَتَشويه الجّمال فَنٌّ وَمَهارَة، وكتمان الحقَّ وأكل السحت شَطارة.

أصبَحَت الوَطنيّة عندهم (أي السُرّاق) قَميص عارٍ يُمَزّقونه لَيلاً وَيَرتَدونَهُ في النّهار، يَرفَعونَه عِنْدَ الحاجَة رايَةً وَشِعار، يَتَسابَقون كالقِطعان نَحو وَحل الذلّ والعَمالة، ويَمُدّون رِقابَهم كالخِراف دُونَ اعتراض أو صياح عَلّهُم يستميلوا عَطْفاً من يدي الذبّاح.

لَقَد أبدَعُوا في تَطبيق مَنهِجَ الصّراع وَتَفَنّنُوا في إستخدام أَدَواة الزّيف والخِداع، سياسة المُسْتَبدين وَمَنهَج ما أريكم الا ما أرى، عُنْفٌ فِكريٌّ قّمْعي مُغَلّفٌ بلباس الحُريّة والديمقراطيّة، إمتَهَنَه دُعاة الشرّ وَمُرَوجوا الفِتَن والأباطيل، فاتَّبَعَهُم أهلُ الجّهل والضّلال، وسارُوا على نَهجِهم مُصَفّقين مُطيعين خانِعين أذلّاء فَقَدوا ذَواتَهم وَتَحّولوا الى إمعات بإرادَتِهِم واختيارِهم، وأمّا النّاجون مِن هذا الإبتِلاء فَلا يَعدو نَصيبَ الأيتام في مأدَبة اللّئام. حَتّى وَصَلنا حَدّ مَحْوَ الذّات والإنقياد الأعمى، إمعية بما للكلمة من معنى.

هي هي مأساتنا يا أخوتي في أننا قد أتخمتنا التَبعيّة، ولَفّنا الخُنُوع والخُضُوع، وَتَسلّحنا بالصّمْتِ والدُموع، حتّى تَسَلّق على ظُهُورِنا النّكرات، لِنَشْهَدَ بَينَ الفَيْنة والأُخرى ظهور أفكارٍ ونظريات من رَحِمِ أحزاب وتَيّارات (وأقصد المنحرفة منها)، تَغيبُ عَنها الأفعال ويستعرضوا قواهم بالمقال، لِيَسقط في مَكائِدِها أهلُ الشّهوات والنّزَوات. أفكاراً تَغْرُزُ أنْيابها لِتَشُلّ العُقُول بِشِعاراتٍ ظاهِرُها مُقَدّس وباطِنُه سُمٌّ زُعاف وَلِتَسير بالأمّة نَحو المَزيد من التَشَظّي والإنقسام والأبتعاد عَن جَوْهَر الدّين، وَهذا لَعُمْري أعْظَم أنواع الفِتَن وأشَدُّها فَتْكاً بِجَسَدِ الأمة.

فالجَّهْل والغَفلَة والطَّمع أسبابٌ لصناعَة نِظامٍ فَلسَفيّ مُعوَج يَستَعينُ بهِ أصحاب المَنافِع مِن أجلِ اقتِناصِ الفُرَص وِتقسيم الحُصَص، لِتَثبيت أسسٍ مَغلُوطة تُغَلّف بغلافٍ شَرعي دَخيل لَيَسهُلَ تمريرها فَتَتحوّل بمرور الزمن الى حَقائِق ومُسَلّمات، بل الأدهی أنّ البَعضَ مِنها قد يَتَحوّل الى نَظَريّات لها جُمهورها ومأيِّدُوها٬ فَتَنشأ كيانات وتَبرز رُموز، مُسْتَنِدةً ومتكأةً على مَسنَدي الجَهل والغَفلَة.

إنّ التّحَجّر الفِكري والشُذوذ والتّطَرّف في تَبَنّي المَناهِج الحّركيّة إنّما هيَ مُقدّمات لِعُمليّة التّصفير المُمَنْهج للعقل الفَرديّ وإبقاءه خالٍ مِن الوَعي والحِكمَة وَحَصره في دائرة الجّهل الطّوعي، أو التّجهيل المُبَرمَج، ما يَستَلزِمُ تَحفيزَ الوَعيَ والفِكرَ المُستَنير الرّافض لِكُلّ المّفاهيم الدّخيلة والأفكار المُنحرفة التي جاء بها المستبد وبِشِعاراتٍ وَمُسميّات مُختلفة من أجلِ مُواصلَة التّسلُط والتَّجَبّر.

إنّ التّكامل الإنساني عندما يَتَجذّر في الوَعي الفَردي، والّذي هو جُزء من مَنظومات مُتداخِلَة تَعمَل مِن أجل بِناءِ وَعيٍ مُجتَمَعيّ، إنّما هُوَ الرّكيزة الأساسية الكَفيلة بِبَلورَة إتّجاهات تُؤسّس لِمَناخ نَهْضَويّ يَسيرُ بالأمّة نَحو التّكامل والرّقيّ، لذا فإنّ وَعيَ الأمّة مَنوطٌ بوَعي أفرادها، وأنّ الأزَمات التي تَعصِفُ بنا في وقتنا المُعاصر تَتَمَحوَر في غياب عناصر ومقومات بناء الإنسان الرسالي، الإنسان النموذج الذي اراده الله.

مِن هنا وُلِدَ الصّراع بَين عَناصر وَمُقوّمات بِناءِ الإنسان الواعي وبين ما يُصَدّر إلينا من قَوالب جاهزة نَتلقّفها من أجل صناعة إنسان خانع ذليل؛ إنّه صراعٌ بين الإنسان النَموذج والإنسان العاجز فكرياً، المُقَيّد وَالمُقَيِّد لنهضة الأمة والمُثبّط لِمَسيرتها نحو التكامل والرُقي والتّقدم. إنّ هذه القَوالِبَ المُستَورَدة قَد تَسبّبَت بإحداثِ شَرخٍ عَميق في المنظومة القِيَميّة والأخلاقية للأفراد والتي كانت كفيلة بالغاء الحسّ الوَطني وَطمسِ الهويّة الرّسالية وَمحو قُدسية الوَلاء والتّضحية. قَوالِبَ ألغَت الوَعيَ المُجتَمَعي وَعَمّقَت الإنقسام بَين طَبَقات المُجتمع الواحد والذي تَحَوّل الى تَكتّلات وأحزاب تحتكر القَرار السياسي وَتُسيطر على مُقَدّرات الأمة، وأما عامة الناس، فبين لاهث ومُطبّل وبين مُستَضعَف صامت يعاني الفقر والتهميش والإهمال.

سَرِقَةٌ في وَضح النّهار لأقْدَس ما أعطى الله جَلّ وَعلا وَهُو الفِكر والوَعي والإدراك، إنّها عَمَليّة مَحو وَمَسْخٍ للهَويّة الوَطَنيّة والإنتماء الفِكري والعَقائدي من خِلال التّغييب المُتَعَمّد للشرائع والأعراف بِشَكلٍ يُنذر بِخَطَر يُهدّد حاضِرَ وَمُستَقبل الأمة.

لا خلاص لنا مما نحن فيه إلا بنّهضة مجتمعية مرتبطة بمنهج التغيير الفكري الإيجابي لجميع الأفراد، منهج أساسه الحركة بوعي وبصيرة وليس الركود والإنكفاء، حركة ترفض الإستبداد بكل أشكاله ومسمياته، وتلك هي مسؤوليَّة كبرى ومسيرة طويلة لا تكتمل دون العودة الى الله والتزام الطاعة المطلقة من أجل البناء ومواصلة الطريق.

 

د. أكرم جلال

26 ذي الحجة 1440

 

منى زيتونيعتبر نمط التعليم منفصل الجنس هو الأكثر انتشارًا في الدول العربية في المرحلتين الإعدادية والثانوية، وعادة لا توجد مدارس حكومية مختلطة في المدن في هاتين المرحلتين –عدا المدارس التجريبية في مصر، وبعض مدارس دول المغرب العربي–، حيث يقتصر تواجدها على المناطق النائية أو ذات الكثافة المنخفضة التي يصعب فيها على الدول تحمل تكاليف إنشاء مدرستين.

النتائج التربوية والنفسية المترتبة على الانفصال في التعليم

يرى بعض الباحثين عدم وجود مشاكل في التعليم المنفصل، بينما يرى بعضهم الآخر في هذا النمط التعليمي افتقاده للمنافسة، وأن التعليم المنفصل لا يؤهل للتجربة الجامعية ولا للحياة في المجتمع، ويؤدي إلى عدم المبالاة بالقيم الخلقية، وتبادل ألفاظ خارجة، وانشغال الطلبة والطالبات بالجنس الآخر نتيجة للحواجز الاجتماعية، والخجل من الجنس الآخر، والكبت وعدم قدرة الطلبة على التصريح بمشاكلهم.

ويمكن تلخيص الأسباب التي يستند إليها أصحاب الرأي المؤيد لتطبيق نظام الانفصال في التعليم في البلاد العربية، خاصة مع بدء مرحلة المراهقة -وذلك في ضوء الدراسات التي تمت في هذا المجال-  في الآتي:

1- اختلاف طبيعة وتكوين البنات عن البنين، وهذا يتطلب تعليمًا متنوعًا يتناسب مع طبيعة كل منهم.

2- البعد عن المشاكل.

3- تكون البنات أكثر ارتياحًا في النظام غير المختلط.

4- الانفصال أفضل من الناحية النفسية، حيث أن بعض الطلبة والطالبات بحكم تكوينهم النفسي لا يمكنهم الاندماج في المدارس ذات النظام المختلط.

5- الانفصال أفضل للحفاظ على الفتاة.

6- شرود الذهن وأحلام اليقظة لدى بعض التلاميذ والتلميذات مع بداية مرحلة المراهقة.

7- التكلف في المظهر لدى كل من الجنسين في المدارس المختلطة، ما يرهق الأسرة ماديًا، ويؤدي إلى ظهور بعض المشكلات المعيشية.

8- اختلاط الجنسين في مرحلة المراهقة يزيد من حدة المشكلات الجنسية لدى كل من البنين والبنات، والتي تؤرق حياتهم ويتمنون حلها والتخلص منها، ما يؤثر على العملية التعليمية بالسلب، فلا تؤتي ثمارها المرجوة، ومن ثم ينخفض المستوى العام لتلك العملية.

9- تطبيق التعليم المختلط لا يعتمد على أسس سيكولوجية وتربوية معينة، وإنما يرجع إلى أسباب اقتصادية بحتة لعدم توفر الموارد المالية والبشرية اللازمة لإقامة مدارس خاصة بكل جنس على حدة، وأنه إذا ما توفرت هذه الإمكانيات لم تعد هناك ضرورة لتطبيق هذا النظام التعليمي.

10- العادات والتقاليد التي تسود المشرق العربي باعتبارها مجتمعًا شرقيًا تحول دون الأخذ بنظام الاختلاط بين البنين والبنات، وخاصة في مرحلة المراهقة، والتي تعد مرحلة عمرية حرجة من حياتهم.

11- ويستند المؤيدون للتعليم المنفصل كذلك إلى ما لجأت إليه بعض الدول المتقدمة –مثل فرنسا– من استبدال نظام التعليم المختلط بنظام الفصل بين الجنسين في المرحلة الثانوية، وسمحت به فقط في كل من المرحلتين الابتدائية والجامعية.

أما عن وجهة النظر المؤيدة للانفصال في التعليم في الغرب، فهي أكثر رصانة وأكثر علمية، وترتكز على بعض الخصائص التي يراها المؤيدون له من الباحثين الأجانب، مثل التنظيم والجوانب التربوية والنمو المعرفي المتباين بين البنين والبنات واختلاف الاهتمامات والاستعدادات بينهم، وهو ما يمكن تفصيله في الآتي:

خصائص التعليم منفصل الجنس  -Single-education Properties

1- نماذج الدور Role- Models

يذكر جرَيندر (Grinder,1978) أن تعلم الدور الاجتماعي المرتبط بالجنس هو الاكتساب لأداءات الدور والاتجاهات التي تتطابق مع التوقعات الثقافية لكل من الذكورة والأنوثة، ويضيف ميشيل Mischel  إن معظم تعلم دور الجنس بالإضافة إلى كل الأنواع الأخرى من التعلم يحدث من ملاحظة النماذج.

ووفقًا لريوردان (Riordan,1990,pp.49-50) فإن الميزة الأولى التي يدفع بها أنصار التعليم منفصل الجنس هو أنه يمد البنين والبنات بدور أكثر نجاحًا لجنسهم، فالمعلمون والمعالجون وزملاء الدراسة من الجنس نفسه يصنعون نموذجًا للسلوك الملائم لكل التلاميذ –ذكورًا كانوا أو إناثًا– منذ الأعوام الدراسية الأولى، والمدارس منفصلة الجنس ربما بشكل خاص تكون مميزة للفتيات منذ أن أصبحت الفتيات أكثر تفوقًا في كل المواد، وبذلك أصبح باستطاعتهن الخدمة كنماذج دور ناجحة لزميلاتهن، بالإضافة لذلك فالمعلمون في مدارس الفتيات يكن غالبًا نساء.

على نطاق أقل لحد ما نجد أن السبب نفسه يطبق على مدارس البنين، حيث يكون متاحًا نماذج دور أكاديمي أكثر نجاحًا للجنس نفسه، وأنه لشيء جدير بالملاحظة بالرغم من ذلك أن نسبة المعلمين الذكور في كل مدارس البنين ربما تكون أقل دلالة من نسبة المعلمات الإناث في كل مدارس البنات!

على سبيل المثال، نجد فين Finn,1980)) يقرر أنه في أمريكا يكون 63% من المعلمين في مدارس البنين رجالًا مقارنة بـ 93% من المعلمات في مدارس البنات، بينما في إنجلترا تتكون هيئة التدريس في مدارس البنين من 77% ذكور وفي مدارس البنات من 87% إناث، وفي المدارس الأمريكية المختلطة الثانوية تكون نسبة حوالي 50% من هيئة التدريس ذكور بينما في المدارس الإعدادية العامة تكون نسبة أكثر من 85% من المدرسين إناث.

وتذكر إيلين بيرن (Eileen Byrne,1990,p.10) أنه تمت الإشارة عن طريق الباحثين الأكاديميين والمديرين ورؤساء المؤسسات التربوية إلى أن المشكلة الحقيقية التي تؤدي لنقص تسجيل الإناث في بعض المناطق هو النقص في نماذج الدور الأنثوي، حتى أن هذا يدفع البعض للقول إنه إذا كان لدينا هيئة تدريس من النساء أكثر فسوف يكون لدينا تلميذات أكثر.

وينتقل هذا التأثير للكليات، فقد وجدت ليزلي ميلر– بيرنال (1993, p.26 Leslie Miller-Bernal,) أن كليات المرأة تقدم نماذج دور أنثوي أكثر، وذلك لوجود عدد أكبر من النساء في هيئة التدريس، ما يؤثر بإيجابية أكثر في خبرات التلميذات.

لكن الذكور أيضًا قد ينجذبون إلى الأساتذة الإناث، ففي دراسة سيرز وهينيسي (Sears and Hennessey,1996,p.561) والتي كانت ردًا على وتوسيعًا لدراسة جروسبي وريريراي (Grosby and Reiraray,1993)  والتي وجدت أن تلميذات الكليات شعرن بتقارب تجاه الأساتذة الإناث أكثر من الذكور، بينما ركزت الدراسة الأصلية على كليات المرأة فإن هذه الدراسة تضمنت تلاميذ وتلميذات من كليات المرأة، وكليات مختلطة كانت سابقًا كليات للمرأة، وكليات مختلطة كانت سابقًا كليات للرجال، بالإضافة إلى جامعة كبرى، وتم دراسة الإحساس بالتقارب في ضوء تأثير نوع المعهد التعليمي وجنس الأستاذ وجنس التلميذ، ولقد وُجد أن التلميذات في كليات المرأة أحسسن بالتقارب نحو الأساتذة الإناث أكثر من الأساتذة الذكور، وكان هذا الانجذاب للأساتذة الإناث حقيقة بالنسبة للتلاميذ الذكور والإناث في المؤسسات الثلاث الأخرى. بالإضافة إلى ذلك فإن التلاميذ في الكليات التي كانت سابقًا كليات للمرأة شعروا بتقارب مع أساتذتهم أكثر مما شعر به التلاميذ في الجامعة أو الكليات التي كانت سابقًا كليات للرجال، وقد أوصت الدراسة بوجود أساتذة إناث في التعليم العالي لكلا الجنسين بعدما تأكدت الأهمية لذلك.

2- تطوير الدور الجنسي التقليدي Traditional sex- role development

غالبًا ما تكون هناك توقعات ثقافية جامدة فيما يتصل بالأدوار المتعلقة بالجنس، يذكر طارق جودت (1995، ص 18) أن تلك القوالب النمطية الجامدة لدور الجنس Sex-Role Stereotypes هي افتراضات مبسطة متصورة مقدمًا، وتعميمات عن سلوك متوقع من الذكور والإناث، وأنه يجب أن ينشأ الذكور والإناث اجتماعيًا ليمتثلوا للتوقعات الثقافية فيما يتصل بالذكورة والأنوثة على التوالي.

ذلك أن أصحاب نظرية التحليل النفسي، ومنهم براتفن برينر Brenner، يذكرون أن اكتساب الذكور لصفات وقيم الذكورة واكتساب الإناث لصفات وقيم الأنوثة يُعد أساسًا للشخصية السوية، حيث أن تطورات صفات الذكورة والأنوثة لدى الفرد يمكن أن تكشف لنا النقاب عن معدل وطريقة نمو الشخصية السوية لديه، ويؤيد ذلك المهتمون بالتنشئة الاجتماعية، حيث يرى جونس Jones,1978)) أن النمط الجنسي المناسب هام للصحة النفسية للفرد وفقًا للتقاليد الاجتماعية، كما أن السمات التي نطلق عليها سمات مذكرة أو تلك التي نطلق عليها سمات مؤنثة هي التي فرضها المجتمع وأجازها.

وتأتي أهمية تعلم سلوك الدور الجنسي المناسب، كما يذكر إبراهيم قشقوش (1981، ص 290) لأن البنات والأولاد الذين يمضون وقتًا طويلًا مع أفراد الجنس الآخر لا يستطيعون في بعض الأحيان تنمية الصفات أو الخصائص التي تتصل بجنسهم إلى الدرجة التي ينبغي أن تكون عليها هذه الصفات لديهم، ولا يستطيعون تحقيق تفهم جيد لما يمكن أن يكون متوقعًا منهم كرجال أو نساء بالنسبة لبقية حياتهم؛ نظرًا لأنه لم تتح لهم فرص كافية لاكتساب متطلبات القيام بأي من هذين الدورين.

كما يشير طلعت حسن عبد الرحيم (1987، ص 65) إلى أن اكتساب الدور الاجتماعي الجنسي السليم يعد من أهم مطالب النمو في مرحلة المراهقة، والتي يؤدي تحقيقها إلى سعادة الفرد، ومن ثم يجب أن يحرص نمط التعليم على مساعدة التلاميذ والتلميذات على اكتساب الدور الجنسي لكل منهم.

وتاريخيًا، فقد كانت الوظيفة المركزية لكل من المدارس منفصلة الجنس والمختلطة هي تطوير أدوار جنسية ملائمة لدى التلاميذ والتلميذات كجزء من الوظيفة الأبوية البديلة للمدرسة، حيث تقع على عاتق المدرسة المسئولية لتشجيع هويات ذاتية جنسية ملائمة بين التلاميذ.

ويصف هايد (Hyde,1971) المدارس منفصلة الجنس والمختلطة في هذه النقطة بأن المبدأ الأساسي في التعليم منفصل الجنس قد كان الاعتقاد بأن البنين والبنات يجب أن يعرفوا أنفسهم كرجال ونساء من خلال الخضوع لتربية أو تدبير ملائمين لاحتياجاتهم المختلفة والتزاماتهم، ولهذا فهذا التعليم يتم توصيله بشكل أفضل من خلال معلمين من الجنس نفسه، يُروا كنماذج للرجولة والأنوثة في المجتمع المدرسي، والذي تهيمن عليه قيم جنس واحد، بينما المبدأ الأساسي للتعليم المختلط هو الاعتقاد بأنه منذ أن أصبحت الحياة تربية مختلطة فالبنون والبنات يجب أن يذهبوا للمدرسة معًا، وذلك لينموا بشكل مستمر في الفهم الناضج والاحترام، ولهذا فلقد رُؤيت المدرسة المختلطة كأسرة متسعة أكثر من كونها معهدًا يلقن فيه الصغار المعرفة المكتسبة بالخبرة أو أسرار جنس واحد.

وعلى هذا فإذا كانت المدارس تعرض دروسًا عن كيفية العمل كذكور وإناث، فالمدارس منفصلة الجنس هي الأنجح في تشجيع الأدوار الجنسية التقليدية مركزة على الخصائص المميزة لكل جنس، بينما المدارس المختلطة على الجانب الآخر تميل لتدريس الأدوار الجنسية المساواتية في كل من النظرية والتطبيق، والتعليم المختلط بهذا الشكل يخدم الاحتياجات الذكرية والأنثوية التقليدية للتلاميذ بشكل أقل كفاءة.

بينما يرى تَياك وهانسوت (Tyack & Hansot, 1990,p.11) أنه ورغم معقولية احتجاجات مؤيدي التعليم منفصل الجنس في هذه النقطة إلا أن البعض منهم أحيانًا ما يقدم احتجاجات ساخرة، حتى لقد يقودهم خيالهم إلى إمكانية حدوث تماثل بين البالغين منافٍ للعقل، فهم يتخوفون من أن التعليم المختلط ربما يجعل الاختلافات التي قدرها وأوجدها الله بين الجنسين غير واضحة، حتى لقد تساءل هؤلاء إن الله قد خلق الجنسين مختلفين فلماذا نسعى لتغييرهما؟! وأضافوا أن التعليم المختلط سوف يعيد تشكيل عقول البنين والبنات دون الرجوع للاختلافات المتأصلة في طبيعتهم، وأنه سوف يحاول أن يجعلهم في النمط نفسه، والمحاولة سوف تكون بغير فائدة وضارة للجنسين.

ولا شك أن مثل تلك الدعاوى بها الكثير من المبالغة، كما أن هناك وجهة نظر مخالفة حول أهمية تطوير الدور الجنسي التقليدي، فمثلًا يذكر آشر وآخرون (Asher et al.,1974,pp.15-16) في دراستهم عن علاقات الصداقة في المدارس أنه يبدو أن إحداث العديد من الصداقات بين الجنسين على المدى البعيد تعتمد على إنقاص صرامة الدور الجنسي التقليدي، وأنه إذا كان البنون والبنات رُبوا ليمتلكوا معدلًا أوسع من الاهتمامات وليتمتعوا بمعدل أوسع من الأنشطة سيكون من المحتمل وجود صداقات بين البنين والبنات بشكل أكثر، إنها طريقة واحدة لزيادة علاقات الصداقة بين الأطفال ألا وهي بناء بيئة تربوية لكي تصبح احتمالات تطور وبقاء علاقات الصداقة أكثر، حيث يُوجد أطفال كثيرون ربما يعوزهم أصدقاء أو يكون لديهم عدد قليل منهم لأن البيئة لا تشجع علاقة الصداقة.

فهل يمكن اعتبار البيئة التربوية في المدارس منفصلة الجنس بيئة مشجعة للأطفال فيما بعد على بناء علاقات صداقة مع الجنس الآخر يسودها النضج والاحترام؟ أم أن تكوين مثل هذه العلاقات الناضجة لا يعنينا بأي حال من الأحوال؟!

 

3- مقابلة الفروق بين الذكور والإناث في الإقبال على المقررات المنهجية

Sex differences in curriculum opportunities

الفرصة للتعلم تتضمن أكثر من كونها أن يكون لديك حرية دخول المدرسة، وبنظرة تاريخية فلقد كان للفتيات وما زال لديهن حرية للوصول للتربية ولكن بشكل غير متساوٍ، ووفقًا لريوردان (Riordan,1990,p.53) فلقد كان الشكل الشائع للمناهج بوجه عام أن البنين والبنات يدرسون مقررات مختلفة حتى عندما يكون العدد الحقيقي لسنواتهم الدراسية هو العدد نفسه! ذلك أن كل المدارس منفصلة ومختلطة الجنس تقصر بعض المواد على تلاميذ من كل جنس، ولا زال هذا هو الوضع السائد في كثير من البلدان ومنها مصر، والتساؤل هو ما إذا كانت مثل هذه المقررات تتأثر بنمط المدرسة المختلطة أو المنفصلة؟

والوضع آخذ نحو الاختلاف في الغرب. تذكر سوزان كيرشنر وآخرون (Susan Kirshner et al., 1985, p.30) أن بعض المؤسسات التربوية في الغرب قد بدأت في تقديم تربية متماثلة للجنسين في المدرسة نفسها، ومن خلال المنهج الدراسي نفسه، رغم أن بعض التربويين يرون أن إعطاء مقررات المناهج التعليمية نفسها لكلا الجنسين يسهم في عدم تحقيق المساواة بينهما، بل يزيد من تعاسة الإناث حين يقرر لهن المناهج نفسها التي تكون مصممة أساسًا للذكور.

ويذكر ريوردان (Riordan,1990,p.53) أنه وبشكل نموذجي فإن قصر بعض المواد على جنس معين يطبق في المواد المهنية أساسًا، وبشكل أقل في العلوم والرياضيات والإنسانيات، فالتربية ما بعد الابتدائية للبنين، -ووفقًا لنادين بلاتو (Nadine Plateau,1995, p.52)- تمدهم بناءً على نشأتهم الاجتماعية بالمعرفة والمهارات الضرورية لتكاملهم في ميدان الإنتاج (العمل المهني)، بينما الفتيات دائمًا يُمنحن تربية مختلفة بناءً على حالتهن الاجتماعية، تساعدهن أساسًا في أداء دورهن التكاثري كربات بيت وراعيات للأطفال، وعلى سبيل المثال، فقد ذكر بين وسَيمون Benn and Simon,1972)) أن نصف المدارس البريطانية المختلطة والبالغ عددها الكلي 587 مدرسة يدرسون قصرًا بعض المواد للبنين (الأعمال الهندسية– زراعة الحدائق– أعمال النجارة– الرسم الميكانيكي الصناعي– البناء– صناعة الفخار– مساحة الأراضي)، وبعض المواد للفتيات (أشغال الإبرة– تصميم الملابس– الرقص– بيولوجية الإنسان)، والسبب الأكثر مثالية الذي عُرض كان أن مدرسي مواد الذكور رفضوا أن تشترك الفتيات في حصصهم الدراسية.

بينما فيما يختص بالمواد الأكاديمية، فقد ذكر ديل (Dale,1974, pp. 268-270) في هذا الشأن أن التعليم المختلط يبدو أنه يزيد الفروق بين الذكور والإناث في الاهتمام بمواضيع أكاديمية مختلفة؛ إذ إنه يزيد اهتمام البنين بالرياضيات والمواد العلمية وينقص اهتمامهم بالمواد الأدبية واللغوية، بينما يزيد اهتمام البنات بالمواد الأدبية واللغوية وينقص اهتمامهن بالعلوم الفيزيائية والرياضيات.

ويؤكد ريوردان (Riordan,1990,p.53-54) على هذه النقطة حين يذكر أن الفروق بين الذكور والإناث في تقسيمات المنهج تظهر أيضًا عندما يكون أحد الجنسين أو الآخر غير مشجع للتسجيل في مقررات خاصة، وعبر العالم يواصل البنون التقدم في الرياضيات والعلوم بشكل واضح، بينما الفتيات يُوجهن لمقررات في اللغات والإنسانيات، وبالطبع فإن هذه التوجيهات مستندة إلى القيم الثقافية للمنزل والمجتمع، كما أنها تعكس فرص العمل الخارجي. ولكن في الوقت نفسه نجد أن الممارسات المدرسية تعزز وتخلد هذه الاتجاهات الثقافية، حيث وجد أستن وبانوس (Astin and Panos,1969) من خلال دراساتهما لاختيار التخصصات في الكليات أن الإناث في كل كليات المرأة تختار تخصصات غير تقليدية ومقررات في الرياضيات والعلوم أكثر من النساء في الكليات المختلطة.

ويؤكد هول وساندلر Hall and Sandler,1982)) على الفكرة نفسها بقولهما إن الكليات المختلطة الأمريكية تمد بمناخ فصل دراسي بارد Chilly classroom climates، والذي يضع التلميذات في وضع غير مميز، وقد وجدا أن هذا المناخ البارد لا يشجع التلميذات على الممارسة في الفصل، ويخمد طموحات العمل لديهن، ويضعف ثقتهن في أنفسهن، ويمنعهن من التماس المساعدة خارج الفصل، ويسبب لهن التأخر أو تجنب فصول يرين أنها خاصة بالبنين فقط.

على العكس من ذلك، وكما يذكر أستن ((Astin,1977 فالتلميذات في كليات المرأة لديهن ثقة أعلى بأنفسهن، ويشاركن بشكل أعظم في كل من أنشطة الفصل الدراسي والأنشطة خارج المنهج، ولديهن رضاء أكبر خاص بخبراتهن الجامعية، كذلك لديهن طموحات مهنية أكبر.

ونخلص من تلك الآراء أن التعليم المنفصل -كما أظهرت الدراسات- وإن كان يدعم الفروق بين البنين والبنات في الإقبال على المقررات المهنية بما يتلاءم والتنشئة الاجتماعية المناسبة لكل من الجنسين، فإنه على العكس من ذلك يقلل تلك الفروق بين الجنسين فيما يختص بدراسة المواد الأكاديمية، ما يعد ميزة يتيحها ذلك النمط التعليمي خاصة بالنسبة للإناث.

4- التفاعل المتساوي بين المعلم والتلميذ في الفصل الدراسي

Teacher-student interaction in the classroom

لعل من أكثر التساؤلات المطروحة حول بيئة الفصل الدراسي في الغرب "إلى أي مدى يؤثر جنس التلاميذ في التفاعل داخل الفصل الدراسي؟"  "How gender influences classroom interactions?"

وقد وصف كل من فين ورايس ودولبرج (Finn, Reis, and Dulberg,1980) الوقت الذي يقضيه التلاميذ في المدرسة حقيقة في تعلم أنشطة بالوقت المشغول "وقت الانخراط" Engaged Time تمييزًا له عن وقت الحصة Albcated Time، فبينما وقت الحصة هو وقت العمل المقرر فالوقت المشغول هو ذلك الوقت الذي يستمر فيه التدريس والتعلم داخل الفصل الدراسي، والفروق بين البنين والبنات في هذا الوقت المشغول تكون شائعة في الفصول الدراسية.

ويقترح بلاكستون (Blackstone,1976)  أن الفروق بين أداء البنين والبنات في المدارس الابتدائية المختلطة تستمد –على الأقل جزئيًا– من الفروق في توقعات المدرسين وسلوكهم.

وقد أشارت كثير من الدراسات إلى أن التفاعل بين المعلم والتلميذ في الفصل الدراسي يختلف حسب الجنس، على سبيل المثال، وجدت بلاتو (Plateau,1995,p.55) أنه في المدارس المختلطة توجد للمعلمين –ذكورًا وإناثًا– آراء وأحكام قبلية تعتمد على نوع التلميذ، وتكون شكواهم وتوقعاتهم من التلاميذ إيجابية أو سلبية اعتمادًا على نوع التلميذ.

كما وجدت هيلين سولومونز Helen Solomons,1976)) أن الفتيات بالصف الخامس في فصول مختلطة للتربية البدنية، واللاتي يؤدين مثل الفتيان أو أحيانًا أفضل منهم، لا يُلاحظن على أنهن ذوات مهارة عالية مثل البنين في مستواهن نفسه، وقد استنتجت أن الملاحظات المختلفة لأداء الفتيات إنما تعكس توقعات الدور الاجتماعي للفتيات.

كما أضاف سامبسون (Sampson,1990,p.25) أن مساهمة المعلم قد وُجدت لتكون الأساس للتفضيل في بعض المواد الدراسية فهي أساس لتفضيل البنين الرياضيات، وأن الممارسات التساؤلية المستخدمة من قبل المعلم قد ظهرت لتسود الافتراضات المختفية عن كفاءة التلميذ، وأنه مع البنين يكون هناك توقع لنتيجة قدرة التلميذ أو لتجريد وتطبيق ما يتعلمه، كما أن جنس المعلم -والذي يظهر ليلعب نموذج دور لكلا الجنسين– يظهر ما لتفاعل المعلم والتلميذ من أثر، فمع المعلمات الإناث يزيد قيد الطالبات في الرياضيات –أكثر المواد غير المفضلة لدى البنات– ومع المعلمين الذكور تتشجع القراءة لدى البنين.

ويشير ريوردان Riordan,1990,p.53-54)) إلى أن التلاميذ الذكور يتلقون عادة انتباهًا أكثر من المدرسين – سواء كان إيجابيًا أو سلبيًا–  ومناقشات وتفاعل فصلي أكبر من البنات، ويمكن القول إن البنين ربما يكونون أفضل في المدارس الابتدائية منفصلة الجنس، والبنات ربما يكن أفضل في المدارس الثانوية منفصلة الجنس وكذلك الكليات، وهو مماثل لما استنتجه لوكهييد (Lockheed,1976) حيث قرر أن المدارس المختلطة تؤثر سلبيًا على البنين في المراحل الأولى وسلبيًا على البنات في المراحل المتأخرة والمدارس الثانوية، وذلك على أساس توقعات المعلمين.

إضافة للانتباه، فإن طرق التساؤل والثناء والمدح تختلف بشكل أساسي للبنات والبنين، فيذكر كل من سادكير وسادكير (Sadker & Sadker,1994) أن البنات يمتدحن بشكل بسيط على المحاولة، بينما يحاول المدرسون الاحتفاظ بالمدح للبنين حتى يستطيعوا أن يجيبوا إجابة صحيحة، وأخيرًا فإن البنين يشتركون في سلوكيات الفصل الدراسي مثل أسئلة وأجوبة الأسئلة أكثر من البنات.

وفي دراسة تمت في فرنسا قام بها كل من فيردي وموسكوني (Verdier & Mosconi, 1995, p.139) في أربع فصول، على التفاعل بين المدرسين والتلاميذ، أخذًا في الاعتبار نوع التلاميذ والمعلمين، تم فيها تصوير درس للرياضيات لمدة ساعة عن طريق جهاز فيديو وتم تحليله في كل فصل، وقد راعى التحليل ما يلي:

- عدد مرات الأسئلة التي يُنادى فيها التلميذ باسمه الأول بناءً على جنسه/جنسها.

- عدد التبادلات لكل تلميذ.

- الوقت الذي يقضيه المعلم في التفاعل مع كل تلميذ.

- محتوى التدخل والتعليمات.

وقد استنتج الباحثان من هذه الدراسة ما يعزز ويصدق على تلك النتائج المتحصل عليها من البلدان الأخرى، من أن المعلمين يميلون لأن يكون لهم تفاعل أكثر وأطول مع البنين منه مع البنات، وأن عدم المساواة في التفاعل تبدو أكثر وضوحًا في الفصول التي تدرس لها النساء من تلك التي يدرس لها الرجال -ولكنها فروق طفيفة جدًا–، وكل هذه العناصر الاختلافية غير المحسوسة يمكن أن تكون العوامل التي تشرح الثقة المحدودة بالنفس لدى الفتيات والتي لاحظتها المسوح والدراسات. وقد اقترح الباحثان طريقة ملاحظة ذاتية للمعلمين لمحاولة تجنب عدم المساواة في التفاعل الفصلي مع التلاميذ.

ولكن في دراسة أخرى عن الضغط النفسي المُلاحظ في المدارس الثانوية المختلطة في الريف الأيرلندي وجد بارنيكل  (Barnicle,1988,p.168) أنه كان من بين المصادر الرئيسية للضغط النفسي على العينة: نقص الاتصال الفعال مع الآباء والأقران والمعلمين، والذي ظهر في الشعور بالوحدة والعزلة المحتملة، وإن كانت الدراسة لم تجد فروقًا دالة بين الذكور والإناث في ملاحظاتهم وخبراتهم عن الضغط.

ومن هنا يرى أنصار التعليم منفصل الجنس أن الطريقة المثلى لإحداث هذا التفاعل المتساوي المنشود بين المعلم والتلميذ في الفصل الدراسي هو أن يكون الفصل الدراسي قاصرًا على أفراد جنس واحد فقط، وهو ما لا يتوافر في نمط التعليم المختلط، وذلك حتى نتجنب افتراضات وتوقعات المعلمين من التلاميذ على أساس نوع التلميذ والتي تسود تفاعل المعلم والتلميذ في الفصل الدراسي المختلط، بينما تستند وجهة النظر المعارضة إلى أن عدم قدرتنا على تحسين الأوضاع التعليمية في بيئة التعلم لا يعد سببًا مشروعًا لفصل التلاميذ الذكور والإناث داخل الفصل الدراسي في المدارس المنفصلة، والكاتبة إذ تتفق مع ذلك الرأي الأخير إلا أنها ترى أيضًا أنه إذا لم يكن لدينا القدرة العملية على تطبيقه وتحسين الأوضاع التعليمية في بيئة التعلم لإحداث المساواة في التفاعل الفصلي بين التلاميذ من كلا الجنسين والمعلمين؛ فإن مدارس التعليم المنفصل توفر ميزة لا تتوافر للمدارس المختلطة في هذا الشأن.

5- آراء جنسية أقل في تفاعلات الأقران Less Sex stereotypes in peer interaction

يذكر لوكهيد (Lockheed,1982) أن التلاميذ يتفاعلون ليس فقط مع معلميهم لكن أيضًا مع التلاميذ الآخرين، والتفاعل مع الأقران يحدث أثناء اليوم الدراسي في كل من داخل وخارج الفصل الدراسي محققًا نسبة 29% من خبرات التلاميذ في الفصل الدراسي المثالي.

كما تشير العديد من الدراسات إلى أن التفاعل بين الأقران من الجنسين في المدارس يتضمن سيادة ذكرية وقيادة ذكرية وآراءً ذكرية ونقصًا في التعاون، هذه الدراسات تقترح –بالرغم من ذلك– أن التفاعل بين الأقران من الجنسين غير شائع حتى في المدارس المختلطة، برغم ذلك فيمكن لأي فرد أن يفترض سببيًا أن المشاكل المذكورة سابقًا لا تحدث في المدارس منفصلة الجنس، وقد وجد كل من كريزويل (Criswell,1939) وأشر (Asher,1973)  وسينجيلتون Singleton,1973)) أن البنين والبنات دائمًا يفضلون أصدقاء فصل من الجنس نفسه، ويرفضون الأطفال من الجنس المخالف، وأنه حتى عندما تتكون صداقات بين الجنسين فإنها تكون تقريبًا صداقات غير ثابتة.

وقد أظهرت دراسة أورينشتاين (Orenstein,1994) وجود نقص في مفهوم الذات لدى الطالبات في مواجهة سيادة البنين في فصولهن المختلطة، وقد ذكرت إحدى الطالبات أنها لا ترفع يدها في الفصل لكونها خائفة من أن تكون مخطئة، ولأنها ستكون مرتبكة، ما يبرز احتكار المساحات اللغوية والجسمية من قبل التلاميذ الذكور نتيجة لعدم المساواة بين الجنسين التي تبرز في المدرسة المختلطة خارج المنهج الدراسي.

كما توصل كاربونهيل (Carbonhell, 1984, p.44) إلى أن البنات يفشلن في إظهار صفتي الزعامة والقيادة في وجود البنين.

وأرى أنه نظرًا لأن التفاعل الحادث في المدارس المنفصلة يكون بين تلاميذ من الجنس نفسه، فإن تلك البيئة المدرسية تقضي نهائيًا على السيادة الذكرية التي تسود التفاعل المختلط بين الأقران من الجنسين في المدارس المختلطة، وبالطبع فإن هذا يحدث بشكل تلقائي نتيجة لفصل الجنسين في المدارس المنفصلة، وليس لوجود اتجاهات تربوية تساعد على حدوث تفاعل متساو بين الأقران من الجنسين، ولكن لهذا التفاعل المنفصل بين الأقران من الجنسين في المدارس المنفصلة أيضًا عيوبه حيث لا يعطي الفرصة لأفراد كل جنس للتعرف على أفراد الجنس الآخر وتكوين آراء صحيحة عنهم، والتي تعد خاصية من خواص التعليم المختلط كما سبق وأوضحنا في مقال سابق.

 

6- تقليص الثقافة الفرعية للمراهقين Reduce the adolescent subculture

في كتاب بعنوان مجتمع المراهقين The Adolescent Society وضع جيمس كولمان (James Coleman,1961) الفكرة بأن المجتمع الحديث قد خلق ثقافة فرعية للمراهقين؛ والتي تفضل جاذبية مادية وتضعف مكانة المكاسب التربوية، وتعوق التطور العقلي الأفضل للتلاميذ؛ لأنها تعمل على تشويش فكر المراهق وتبعثر اهتماماته، وتضع أشياء مظهرية -من المفترض أن تكون ثانوية- في موضع الأولوية في تحديد مركز المراهق بين أقرانه.

كما يشير ريوردان Riordan,1990,p.56)) إلى أنه في الأنشطة العادية في المدرسة الثانوية تميل العلاقات بين البنين والبنات لأن تزيد من أهمية جاذبية المادة والسيارات والملابس وتنقص من أهمية التحصيل في الأنشطة المدرسية والاهتمامات المعرفية، وأنه لمن الشائع الافتراض –سواء من قبل المربين أو الأشخاص العاديين–  أنه أفضل للبنين والبنات أن يكونوا في المدارس سويًا أثناء المراهقة إذا لم يكن أفضل لأدائهم الأكاديمي فعلى الأقل فإنه أفضل من أجل تطورهم وتوافقهم الاجتماعي، ولكن وكما يذكر كولمان (Coleman,1961,p.51) فالتعليم المختلط في بعض المدارس الثانوية ربما يكون ضارًا  بكل من التحصيل الأكاديمي والتوافق الاجتماعي؛ لأن معظم طاقة المراهقين لا تكون موجهة لأي من هذين الهدفين!

فما هي تأثيرات الثقافة الفرعية للمراهقين على النتائج الأكاديمية والنفسية الاجتماعية للتعليم؟

إن قوة الثقافة الفرعية للمراهقين ربما تنقص في المدارس منفصلة الجنس حيث تكون كل الأمور التي تلهي التلاميذ عن الدراسة أقل، وهذا التقليص لثقافة المراهقين ربما يزيد الاهتمام بالأمور الأكاديمية ويثري المناخ الصارم للمدرسة.

وقد وجد كل من شنيدر وكوتس (Schneider and coutts,1982) أن الثقافة الفرعية للمراهقين أكثر قوة في المدارس الكاثوليكية المختلطة عن مثيلاتها منفصلة الجنس، ولقد لاحظا اختلافات كبيرة في البيئات الاجتماعية النفسية للمدارس الثانوية المختلطة والمنفصلة الجنس؛ حيث قضى كل من البنين والبنات في المدارس منفصلة الجنس –وبشكل دال– وقتًا أطول في الواجب المنزلي خارج المدرسة، وكان هناك احتمال أكثر لأن يضيفوا ساعة إضافية في المدرسة للدراسة، وذلك مقارنة بتلاميذ المدارس المختلطة، ما يعكس زيادة اهتمام التلاميذ بالأمور الأكاديمية في المدارس المنفصلة.

7- الأمر والضبط Order and Control

بالرغم من أن ديل من أشد أنصار التعليم المختلط، إلا أنه قد توصل (Dale, 1969- 1971- 1974) إلى أن المدارس منفصلة الجنس تكون أكثر اهتمامًا من المختلطة بالضبط وقيم التعاون والنظافة والآداب.

كذلك وجد كل من شنيدر وكوتس (Schneider and Coutts,1982) دعمًا أساسيًا لفرض أن المدارس منفصلة الجنس تؤكد على الأوامر والالتزام والضبط بشكل أكثر من المدارس المختلطة، ولقد وجدا أيضًا أن البنات في المدارس المنفصلة تلقين تأكيدًا أعظم على الأوامر والضبط أكثر من البنين في المدارس المنفصلة.

ويدعم دورمان (Dorman,1997,p.8) نتائجهما نفسها في دراسته عن بيئة الفصل في المدارس الكاثوليكية بأستراليا، حيث كانت المدارس المنفصلة منظمة لأنها كانت مُدارة بإدارة دينية كاثوليكية، وتأكد من دراسته أن المدارس الكاثوليكية للبنات كان لها بيئة فصل أكثر إيجابية من مدارس البنين أو المختلطة، بينما كانت المدارس الكاثوليكية للبنين ذات بيئة سالبة مقارنة بمدارس البنات أو المختلطة، ولعل من الأسباب القوية لذلك كما يرى ريوردان (Riordan,1990,p.58-59) هو أن أغلب هيئة التدريس في مدارس البنات من الإناث، وهن يركزن على هذا الأمر وتشجيعه لدى البنات، بعكس المدرسين الذكور والذين يمثلون أغلب هيئة التدريس بمدارس البنين، كما أن البنين هم عادة صانعو الاضطرابات سواء في المدارس المختلطة أو مدارس البنين المنفصلة، وإن كانت هذه الطبيعة المضطربة للبنين يمكن أن تنقص في البيئة المختلطة وذلك على حساب البنات، لذا فإنني أرى أنه بوجه عام لا يمكن القول إن المدارس المنفصلة تتزايد فيها النواحي التنظيمية والضبط عن المدارس المختلطة، ومن ثم فأنا لا أتفق مع أنصار التعليم منفصل الجنس في تلك النقطة.

8- تفضيل الجماعات الدينية Religious Grounds preferring

يذكر ريوردان (Riordan,1990, pp. 59-60) أنه من الملاحظات العالمية بشأن التعليم المختلط أن التعليم المختلط يمثل مشكلة لبعض الجماعات الدينية، حيث تكون الفكرة أكثر إقلاقًا وأكثر بغضًا، وطبقًا لما ذكره ديلامونت (Delamont,1980) فهناك نتائج ذات اعتبار بأن المجموعات المسلمة المختلفة في بريطانيا تتضمن العديد من الآباء الذين لا يعتقدون في التعليم المختلط، بسبب أنه يعارض مبادئهم عن الفصل بين البنين والبنات، فبعد سن البلوغ يجب على الأنثى المحترمة ألا تكون بصحبة الذكور من غير أقاربها، وبهذا فالتعليم المختلط يصبح مشكلة.

وفقًا للإحصائيات فإنه بحلول عام 1975، كان يوجد أربعمائة ألف مسلم في إنجلترا وحدها، ولهذا فإن قيمهم كان من الصعوبة أن يتم تجاهلها، وفي العالم المتسع كان هناك أكثر من أربعمائة مليون مسلم، أغلبهم يرفض المدارس المختلطة، وأعدادهم اليوم قد تزايدت عن تلك الأعداد بملايين.

وكذلك الأمر بالنسبة للكاثوليك، ففي الجمهورية الأيرلندية على سبيل المثال، وطبقًا لدراسة هانون وآخرين (Hannon et al. , 1983) فإن الإجبارات الدينية تؤثر على البيئة الجنسية للمدارس للغالبية من السكان الكاثوليك، وقد قاومت الكنيسة الكاثوليكية في أيرلندا التعليم المختلط، ومن ثم فإنه ليس من المفاجئ إذن أن تكون 70% تقريبًا من المدارس الكاثوليكية في أيرلندا منفصلة الجنس.

فعلى حد قول تياك وهانسوت (Tyack & Hansot,1990) فإن الكنيسة الكاثوليكية قد رأت التعليم المختلط في المدارس الثانوية على أساس كونه انتهاكًا للفصل الملائم واللائق بين الجنسين، حيث ذكرت في تعاليمها عام 1957 عن التعليم المختلط "إنه غير حقيقي وفاسد لتربية المسيحيين ما يسمى بطريقة التعليم المختلط"، وقد جاء في رسائل بابوية أخرى عام 1951 (في قريش عبد الكريم، 1988، ص 38) "أن التعليم المختلط ذنب وكفر لأنه لا يعطي أي اعتبار للضعف الإنساني وإثارة الشهوة ضد الروح".

وعبر العالم نجد كذلك أن المدارس اليهودية والتي تخدم المجتمع اليهودي الأرثوذكسي (الشرقي) تبنت سياسة التعليم منفصل الجنس في مرحلة التعليم الثانوي، وبناءً على دراسة الحاخام جوزيف فيشر (Rabbi Joseph Fisher,1988) فقد وجد 151 مدرسة بنين فقط و96 مدرسة بنات فقط و 225 مدرسة مختلطة هي جزء من نظام مدرسة اليوم اليهودي.

9- التركيز على اهتمامات أحد الجنسين فقط، وذلك لاختلاف الاهتمامات بين الجنسين

هناك نتيجة مؤداها أن اهتمامات الأطفال أكثر ارتباطًا بالمفاهيم التقليدية لدور الجنس، وعلى سبيل المثال فإنه في الثلاثينيات من القرن العشرين قارن كل من تيرمان ومايلز (Terman & Miles) سرعة العمليات العقلية ودقتها للبنين والبنات واجدين أن البنين كان لديهم اهتمامات قوية بالأعمال الجريئة والمغامرة والأنشطة الجسمانية الشاقة والميكنة والأدوات والعلوم والاختراعات، بينما كانت اهتمامات البنات ترتكز على الشئون المنزلية والموضوعات الفنية الجمالية والأنشطة الداخلية التي تتطلب الجلوس والسكون وكذلك رعاية الأفراد.

كذلك وجد شير (Share,1963) أن أطفال الحضانة أبناء الأربع سنوات قضوا وقتًا أطول في منطقة الساحة، بينما قضت الفتيات وقتًا أطول في مناطق الرسم والكتب والعرائس، كما حكّم ماركل وآشر (Markell and Asher,1974) الذكورة والأنوثة لعدد 25 صورة، وأظهرت النتائج أن البنين كانوا أكثر اهتمامًا بصور الذكورة، والبنات كن أكثر اهتمامًا بصور الأنوثة.

وبناءً عليه يستند مناصرو التعليم منفصل الجنس لهذه النقطة في الدفع بأفضليته على التعليم المختلط؛ إذ إنه يساعد على التركيز على اهتمامات أحد الجنسين فقط، بينما نجد مؤيدو التعليم المختلط يدفعون بضرورة حمل البنين والبنات على أن يكونوا معًا؛ ربما بإمدادهم بأهداف غير مألوفة تساعد في التغلب على المسافة الاجتماعية بين الجنسين.

لكن مؤيدي التعليم منفصل الجنس -كما يذكر ريوردان (Riordan,1990, p.50)- يرون أن الاهتمام في المدارس المختلطة ينصب أساسًا على اهتمامات البنين دون مراعاة لاهتمامات وحاجات البنات، وفي هذا نجد شو (Shaw,1980) يقول إن المدارس المختلطة هي أساسًا مدارس بنين لحد بعيد لاهتمامها الأساسي باهتمامات البنين، وبناءً على هذا فمن المتوقع أن يكون هناك اختلاف أقل في اهتمامات البنين في نمطي المدرستين، لكن ماذا عن البنات؟!

وهنا أسجل اتفاقي مع أنصار التعليم المنفصل في أن المدارس المنفصلة للبنات هي البيئة المدرسية التي يتوافر فيها الاهتمام باحتياجات البنات، لأن اهتمامات البنات غالبًا ما يتم تجاهلها في المدارس المختلطة.

10- تطور أكاديمي واجتماعي أفضل للفتيات في المدارس منفصلة الجنس

يرى العديد من الباحثين من أمثال لي وبريك (Lee & bryk,1986)  وسبندر وسارة (Spender & Sara, 1980) أن الاختلافات بين التعليم المختلط والتعليم المنفصل سوف تكون أكبر للبنات منها للبنين، وأن البنات يكن في وضع مميز في المدارس المنفصلة أكثر من البنين، وأن التعليم المختلط ربما يكون محددًا للتطور الأكاديمي والاجتماعي للفتيات، وقد دلت أغلب الدراسات أن الفتيات يسجلن مكاسب عظيمة في التحصيل الأكاديمي عندما يلتحقن بمدارس منفصلة الجنس، وأنهن يسجلن في مواد أكثر ويكن أكثر نجاحًا من الفتيات في المدارس المختلطة، وذلك عبر ثقافات مختلفة.

على سبيل المثال، فقد خلصت دراسة ويليام كورنيلسون William Cornelison,1973)) إلى أن البيئة في المدارس المختلطة مطلوبة أكاديميًا بشكل أقل من البيئة في المدارس المنفصلة، خاصة مدارس الفتيات، كما أشارت العديد من الدراسات إلى انخفاض مستوى دافعية الإنجاز لدى البنات في المدارس المختلطة مقارنة بالبنات في المدارس المنفصلة للبنات.

ويكاد يكون مقطوعًا به أن التربية في المدارس المنفصلة تشجع النساء على دراسة والتميز في بعض المواد التي توجد نظرة تقليدية لها على أنها خاصة بالذكور مثل الرياضيات والفيزياء، كما وجدت تيدبول  Tidball أن النساء المتخرجات من كليات المرأة تبلغ فرصتهن في الحصول على الدكتوراة أو أن يكن قائدات في مجالهن ضعف فرصة النساء المتخرجات من كليات مختلطة، كما تذكر ليزلي ميلر- بيرنال  (Leslie Miller-Bernal,1993,p. 26) أن استفادة النساء من البيئة منفصلة الجنس ترجع إلى واحد أو أكثر من العوامل التالية:

-المؤسسات التعليمية للنساء تمد بنماذج دور أكثر لنساء ناجحات.

-هناك فرص عديدة لعلاقة القيادة في المنظمات بالحرم الجامعي، والتي تطور مهارات هامة لحياتهن بعد ذلك.

-البيئات تكون مدعمة للنساء، مشجعة لهن ليؤدين بإمكانياتهن الأعلى في أماكن هي بالأساس أماكن خاصة بهن.

-وجود مقررات تركز على المرأة بشكل أكثر.

وقد درس باركر (Parker,1976) تأثير التركيب الجنسي لفصول المدرسة الإعدادية في سلوك الفتيات، وأكدت نتائجه على أن الفتيات في الفصول المنفصلة كن أكثر ثقة وجزمًا من فتيات الفصول المختلطة، وإن كان هذا التأثير قد اختلف طبقًا للبيئة الاجتماعية.

كما توصل جونز وآخرون (Jones et al., 1972) إلى أن الفتيات يشعرن براحة نفسية أكبر داخل المدارس المنفصلة للبنات مقارنة بالمدارس المختلطة.

ودائمًا يوجد الرأي المعارض، فقد ذكر ديل (Dale,1969-1971-1974) أن الأكثر رضا عن أنفسهن ومدرستهن كن هن الملتحقات بمؤسسات التعليم المختلط، كذلك تشير هاتون Hatton  إلى أن التعليم المختلط يزيد من النزعات الاستقلالية للبنات، إذ يحررهن من اعتمادهن على أمهاتهن، ويجعلهن كذلك أقل قلقًا وأكثر هدوءًا، وللتعليم المختلط أثر طيب على البنين أيضًا فهو يجعلهم أكثر دقة وحزمًا مع أنفسهم.

بينما تختلف نتائج الأبحاث حول نجاح البنين الأكاديمي في المدارس المنفصلة للبنين والمدارس المختلطة، فأغلب الدراسات تؤكد أن البنين يتطور أداؤهم الأكاديمي في المدارس المختلطة أكثر من مدارس البنين، وفي هذا يقول ديل (Dale,1974) إن أداء البنين الأكاديمي أعلى في المدارس المختلطة بينما أداء البنات أعلى في المدارس المنفصلة، وهو لهذا يفضل التعليم المختلط بسبب التطور في الأداء الأكاديمي للبنين، ويذكر أن الرأي الذي استطاع تكوينه بحذر على أساس بحثه وأبحاث آخرين أن تقدم البنين ربما يتحسن عن طريق التعليم المختلط بينما تقدم البنات لن يُضار أو يتأثر.

بينما تشير دراسة أخرى لسارة– لافوس ,1992) Sara-  Lafosse) إلى أن البنين يميلون للاستفادة من كل من مدارس البنين والمدارس المختلطة، وهم يحصلون على فائدة في كلا المكانين من المعالجة المميزة، كما يميلون للاستقبال من كل من المعلمين الذكور والإناث.

ويشير أوستن ((Astin,1977,p.232 إلى أنه وبوجه عام تظهر دراسات التعليم العالي أن التلاميذ والتلميذات في الكليات المنفصلة أكثر كفاءة من التلاميذ في الكليات المختلطة، وذلك مع الأخذ فعليًا بكل الملامح في الحياة الجامعية.

وحتى ديل (Dale,1971-1974) والذي يُعد من أشد أنصار التعليم المختلط، قد استنتج من دراسته أن المدارس المختلطة البريطانية كانت أكثر نجاحًا من المدارس المنفصلة تقريبًا في كل ما يجلب التقدير والاحترام، بالرغم من ذلك فإن أغلب البيانات المدعمة –التي وجدها– لهذا التنافس هي اتجاهية واجتماعية وليست أكاديمية.

ويذكر مارش (Marsh, 1988a,b) أن التلاميذ في المدارس المختلطة لديهم مفهوم ذات أعلى من أقرانهم بالمدارس المنفصلة، وأن ذلك ليس على حساب التحصيل الأكاديمي، لكن مارش نفسه (Marsh,1989) –استنتاجًا على أساس بحثه– يرى أنه لا تُوجد فروق بين تلاميذ المدارس المنفصلة والمختلطة في الأداء الأكاديمي أو في الاتجاهات أو السلوكيات، كما يؤكد عدم وجود اختلافات لنمط التعليم المنفصل أو المختلط لكل من البنين والبنات.

وباستقراء نتائج الدراسات السابقة، أرى أن أغلبها يكاد يُجمع على أن فوائد نمط الاختلاط الاجتماعية والأكاديمية تعود على البنين، بينما تكون البنات أفضل أكاديميًا واجتماعيًا في المدارس المنفصلة.

11- زيادة فرص قيد وتسجيل الفتيات في التعليم

إحدى المزايا للتعليم المنفصل التي ينادي مؤيدوه بها لأجلها، هي قدرته على زيادة فرص قيد وتسجيل الفتيات في التعليم، فعلى سبيل المثال، في تقرير لليونسكو عام 1990 يؤكد باجلا- جوكالب Bagla-Gokalp، وبناءً على ما ورد في مسحه المتسع، أن النقص في مدارس منفصلة للفتيات يعد من مشاكل البنية التحتية والخدمات عبر العالم، ويؤكد أنه يجب تشجيع الجهود الرامية لتربية وتعليم الفتيات بواسطة التكيف مع آمال الآباء، والإمداد على سبيل المثال بتربية منفصلة الجنس، إذا كان هذا هو المطلوب، ما سيزيد من فرصة الفتيات في التعلم.

لكن أنصار التعليم المختلط من أمثال إيلين بيرن Eileen Byrne,1990,pp.12-13)) يرون أنه إذا كان التعليم المنفصل له تلك الميزة للفتيات فهم يتوقعون أن تكون معدلات القيد والاستمرار في التعليم أعلى للنساء في الدول التي تكون فيها أغلبية المدارس منفصلة الجنس، لكنه بمقارنة دولتين من الدول المتطورة مثل أيرلندا وإيطاليا بدولتين ناميتين مثل الأردن وأفغانستان نجد العكس تمامًا، كما أنه بمقارنة الدول العربية بمصر نجد أن مصر كان لديها معدلات قيد للإناث أعلى بشكل غير تقليدي في التعليم الصناعي أكثر من كل الدول العربية، بينما كانت كل الدول العربية الأخرى لديها تعليم منفصل الجنس بينما ليس لها نسبة الالتحاق العالية من الفتيات بالتعليم نفسها، فزيادة قيد وتسجيل الفتيات كما يرى أنصار التعليم المختلط إنما يرجع دائمًا لعوامل أخرى غير نمط المدرسة.

كذلك يذكر غوش  وطالباني Ghosh & Talbani,1996,p.165) ) أن المبادئ التي تستنكر التعليم المختلط إنما تقود لانسحاب الفتيات، حيث لا تُوجد في الدول النامية تسهيلات مادية تمكن من إنشاء مدارس منفصلة لهن، حتى وإن كانت أكثر تفضيلًا.

ولكنني أتفق مع أنصار التعليم المختلط في أن زيادة فرص قيد وتسجيل الفتيات في التعليم ترجع دائمًا لعوامل اجتماعية وثقافية عديدة في المجتمعات، ولا يمكن إرجاعها إلى نمط المدرسة وحسب.

 

د. منى زيتون

 

قاسم جمعةطالما يحفز مؤثر الاستجابة على البقاء أو الاندثار لكل معطى يروم الظهور وهو ما يشمل أغلب النتاج الفكري والمسموع والمرئي بل إنه يشمل ما يتم صناعته وطرق مهارات إبتكاره.

والفلسفة بوصفها درس يسعى المنتمي لها (الطالب) التحصيل العلمي' تدفعه رغبة ملحة للاجابة عن السؤال المهم، وهو ما فائدة الذي ندرسه ؟ وهل ينفع ما نعرفه هنا في قاعة الدرس، في الحياة اليومية ؟

ربما في ظني أن طلبة الفلسفة لم يفهموا أهمية الفلسفة ولم يستفد جلهم منها في حياته بسبب أن الخارج المعاش لا يعطي فرصة للتفكير والتروي بالحكم لما يحصل. وهناك سبب تقني يجعلني اعول الى المهارة التي يمتلكها الطالب، لكي يكسب رزقه أو لكي يعتاش منها لا عليها .فما تمنحه الدراسة الأكاديمية تجعل منه منتظرا لدور وهمي، سوف يكون إلا وهو صناعة التنوير وتغيير المجتمع، بعدما اغفلت عنه ما يمكن أن يكون وما هو كائن بين درسه وواقعه المعيش.!

الجمهور يسأل ما فائدة الفلسفة؟

نحن لا نجيب إلا بالتفصيل، فهي حب الحكمة والمنطق أداة التفكير. وعليكم أحبتي أن تكونوا رهن العقل الذي اشترى له بيتا وغادرنا الى غير رجعة، لأنه أن كان موجودا فسوف ينصح من جاء متأخرا، أن الفلسفة لا تملك أرضا ولا سماءا، فهي تحلق بنا في عالم لا يسهل عيشه أو إدراكه او فهمه!.

المهم انه يعرف ذلك اقصد المتلقي، ولكنه مجبر على اكراهات التلقي ولا يثيره سوى ما يلقاه من أقوال الشارع سوف لا تنفعك الفلسفة ؟! ويدفع شبهة اللانفع الفلسفية التي لوثت أجواء الدرس المحطم للحرية فى حواره مع الجمهور السائل، مالذي يحفز الطالب في درس الفلسفة ؟..

وهو أمر شمل جل التخصص الإنساني للعلوم الاجتماعية والانثروبولوجية والسايكولوجية ..الخ

قاعات كئيبة ومدرس محمل بأمراض المجتمع وافلاس إداري وتمويل مشتت لخدمة إدارة التعليم وشؤونه ..

على اي حال يراهن المجتمع على فشل الفلسفة، لأنه لا يعول إلا على الملموس وجل خياله منحصر، في تخصصات علمية، تدر على متحصلها الاموال والجاه كالطب مثلا .

والغريب انك تجد من يهوى الاستماع إليك في اي حوار طارئ، لكنه إستماع تلذذ آني، اكتسحت سطوته المؤقتة موسيقى اغنية لأحد مرددي اللحن المصنوع اليوم

لقتل الفراغ الذي يحاصر الزمن، ولأجل ذلك يركن الناس الى مافيه بساطة المحسوس. ويفهم لأول وهلة أنهم يدركون هذا الحصار الذي يغلق معسكراتهم وأنظمة الضبط المغروسة في سلوكهم هذا من جانب..

ولا ننسى الجانب الآخر المدرس وما حصل إنه يكرر درسه بملل ورعاية متقنة للاستماع الغبي لما ينطق به فكل ما يكرره لابد أن يكون علميا، ولا يهمه ما أن كان المعطى العملي لدرسه او محاضرته، يفيد أو يحرك ساكنا. فالتعليم لديه كم من المعلومات التي سوف يطلبها غدا أستاذنا الممل وعلى جمهور تلقيه (الطلبة) تكرار ما نطق به وحي العلم المنزه، ربما يحق للجمهور الضحك على هكذا نموذج من التفكير لاسيما في بلد غادر الانتظام وصفق للفوضى ؟،،،.

أن تدريس الفلسفة ليس بحاجة إلى كراريس لخلق الفتنه بجمالها ولا أموال لتكون عروس المستقبل، نحتاج إلى افهام الناس مالذي يحصل ولنقترب من جمهورنا بل لتكون صوتهم المسموع وسط الضجة السائلة والخراب العميق في بلاد تعشق كل شي يسرق الفرحة ويركن اهلها في قاع الأرض يتسولون الامل لغد لن يأتي إلا بنفس الوجوه والقفى!.

الفلسفة عليها وفيها لا يعقد أمل التلقي المثير اذا كانت بهكذا صورة، لا انشغال لها، سوى بالدرس وتناست الشارع وهموم الفرد وعلاقاته وعذاباته.

فليس المهم ما قاله أرسطو أو ابن سينا أو الحلاج أو هكذا تكلم النظام أو العلاف الخ .. المهم علينا استثمارهم بحسب الطاقة البحثية في قراءة الحدث وهو أمر لا نلتفت إليه نحن متسولي الحقيقة وعشاق الكلم .

أرى اننا لم نعر أهمية لليومي المحسوس السياسي والاجتماعي،، وركن عقل البحث الاكاديمي بالتالي، في زوايا التفكير الاستهلاكي والترويج للتفكير بوصفه كتابة للنشر لا تمس من قريب أو بعيد شؤون الناس المتقدمين فماذا لا تكون الفلسفة سلاح فكري ليحكم كل ما يطرأ أو كل ما يتهاوى تحت النظر..

لا تمتلك الفلسفة سوى مساحة أكاديمية ضيقة، الجامعة والمعاهد والمنتديات الحرة، لا تنافس من تعالى صوته على الحق، واحتل منابر الصوت والصورة ..

فمثلا هل نمتلك قناة أو وسيط إعلامي كما هو الحال عند من يصنع لنفسه الحدث وتفسيره، رجال الدين مثلا كالفقهاء وانصار اللاهوت الشعبي ورموزه المبعوثين في خطاب وسلوك المتخيل الاجتماعي، تستلهم منهم أصالة الدين ونقاء التلقي الروحي ! اما نحن فنركن في قاعات الدرس نتربص بالزمن لكي يغفل، ونصيح بصوت خجول تحيا حرية التفكير وكلا للهيمنة المجتمعية التي قتلت كل تجدد ..وعندما تنتهي فرصة الحرية، نعود إلى منطق النبذ والكره والعيش على موائد الآهات المنبعثة في سماء المدن وزوايا الشوارع التي تحتضن الحاضر العراقي، كل ما يهمنا هو تزكية الدرس الاكاديمي من الموقف الحرج الذي يشعر به المثقف بالمعنى الواسع للكلمة..أمام عينيه ومسمعه، اقصد السؤال المهم حول ما يحصل واين نحن مما يحدث ؟..

 

د. قاسم جمعة

 

ادريس جنداريفي مقال له بعنوان (الربط القار وعلى الفور) نشرته مجلة زمان الفرنكفونية، في نسختها المعربة لغة المفرنسة منهجا، يستعجل حسن أوريد ربط المغرب بأوربا، ذهنيا، وعلى الفور !!! على شاكلة ما يوهم به السحرة والدجالون من (إعجاز) !  وعلى مسار المثقف البريكولور، يزعم أوريد القدرة على حل إشكاليات فكرية عويصة بجرة قلم حالمة، وهو يتصور أن الحداثة لا تعدو أن تكون عملية نسخ ولصق لنموذج موجود مسبقا.

تحدث أوريد عن الطموح الثقافي لطه حسين بأوْرٓبة (من أوربا) مصر، وتحدث عن الطموح السياسي لأتاتورك بأوربة تركيا، قارن بين  ليبيا (الأصالة) التي فشلت في الأوربة الذهنية ! وبين إمارات (المعاصرة) التي نجحت في الأوربة الذهنية !  لا تهم هذه المقارنات، لأنها تحطب على نهج حاطب الليل الذي يجمع الحجر مع الحطب ! لكن، ما يهم أكثر لم يذكره مثقفنا الحاطب.

لم يذكر أوريد، مثلا، النموذج الصيني الذي ينافس القوى العالمية وتجاوز، منفردا، كل ما أنتجه الأوربيون مجتمعون بكل قومياتهم وفلسفاتهم ولغاتهم. لم يحدثنا عن الطفرة التي عرفتها تركيا، خلال العقدين الأخيرين، وعلاقة ذلك بتراجع النموذج العلمانوي الأتاتوركي المُؤٓورٓب، لم يحدثنا عن إندونيسيا وماليزيا وعن التنينات الآسيوية... هذه النماذج، التي يتجنب أوريد ذكرها باعتبارها إمكانيات جديدة للحداثة، تهدد نموذجه التفسيري التقليدي الذي ما زال حبيس تصور أوربوي -إن لم يكن فرنسوي- النزعة، وذلك لأن هذه النماذج استطاعت أن تؤسس حداثتها من خارج النموذج المُؤٓورٓب.

يريد أوريد أن يوهم القارئ الهاوي بأن الحداثة مشروع إيديولوجي يمكن تحقيقه عبر ترسيخ الاعتقاد بالانتماء إليه ( النية أفضل العمل)، ولذلك يجب على المغاربة أن يتأوربوا ذهنيا (أي أن يهدموا/يحطموا خصوصيتهم الحضارية) لكي ينجحوا في تحقيق الأثر السحري للحداثة !

أوريد، مرة أخرى، يريد أن يوهم القارئ الهاوي بأن الحداثة ليست مشروعا معرفيا يتأسس من داخل البراديغم الحضاري، وباعتماد الخصوصية الحضارية، لغة وثقافة وقيما روحية. إن هيمنة الإيديولوجي على المعرفي، في مقاربة أوريد، تحولها إلى دعاية سياسية رخيصة لنموذج التغريب، في صيغته المفرنسة، كبديل لنموذج الحداثة في صيغته الكونية المتعددة.

- الحداثة كتصور إيديولوجي.. من الخصوصية إلى الأوربة

حينما يستعجل أوريد أوربة المغرب فورا دون إعارة أي قيمة لمنجزه الحضاري العربي الإسلامي، فإنه بذلك يستعيد المكبوت الكولونيالي، بطريقة لا واعية، خصوصا وأنه فاعل عرق-كولونيالي بارز في الساحة الثقافية والسياسية المغربية، يسعى إلى استعادة أصل ثقافي ولغوي أمازيغي موهوم لا أثر له في التدوين الكتابي، إلا ما خطته الأقلام السوسيولوجية والتاريخية الكولونيالية، التي كانت تسعى إلى استئصال المغرب من امتداده الحضاري العربي الإسلامي، والزج به في متاهات التاريخ الروماني القديم .

لقد كان المتن/المنهج التاريخي والسوسيولوجي الكولونيالي يتعامل مع المغرب باعتباره جزءا لا يتجزأ من شمال إفريقيا كمستوطنة رومانية قديمة، تمكن العرب المسلمون من احتلالها بعد طرد المستوطنين الرومان. لذلك، فإن مهمة الاستعمار الفرنسي هي وصل ما انفصل، واستعادة الارتباط بين المستوطنة الشمال-إفريقية وانتمائها الروماني، ولا يمكن تحقيق هذا المشروع إلا من خلال التوجه مباشرة إلى استئصال كل ما يمت إلى الإسلام والعروبة بصلة.

لذلك، فمن واجب الحملة الاستعمارية أن تعيد الرموز الدينية والثقافية واللغوية إلى المستوطنة الرومانية السابقة. وفي هذا السياق الإيديولوجي الملغوم، فقد تم الترويج للأصل الأوربي للبربر قصد تسهيل المهمة الاستعمارية، فالنظرية القائلة بأن أصل البربر من أوربا –حسب عبد الله العروي- روجها عسكريون وموظفون فرنسيون بإعانة بعض المترسلين. ويعلق العروي: هذه نظرية متفرعة، في الحقيقة، عن سياسة إدماج إفريقيا الشمالية في المجموعة الفرنسية. ( مجمل تاريخ المغرب- ص:47).   ولا يمكن تحقيق هذا المشروع إلا من خلال التوجه مباشرة إلى استئصال كل ما يمت إلى الإسلام والعروبة بصلة:

- على مستوى الإسلام، تم الترويج للانتماء الديني المسيحي لشمال إفريقيا، فساكنة هذا الامتداد الجغرافي، حسب التصور الكولونيالي، كانت تدين بدين المسيح الذي فرضته السلطة المركزية في روما باعتباره الدين الرسمي للإمبراطورية ومستوطناتها. ولذلك، فقد حضر الاسلام باعتباره دينا دخيلا وغازيا يجب استئصاله من الجذور.

- على مستوى العروبة، تم الاستناد إلى المتن الخلدوني من خلال ترجمة إيديولوجية لمفاهيمه، وذلك بهدف تحقيق الخلط بين مفهومين مختلفين في بعدهما الاصطلاحي وفي مجالهما التداولي. الأول هو " العروبة" كإحالة على حضارة إنسانية متعددة المشارب الثقافية تتجاوز البعد العرقي إلى البعد الثقافي والديني. والمفهوم الثاني هو " الأعراب" كإحالة على نمط اجتماعي يقوم على الترحال وهو لا يخص العرب بل يتجاوزهم إلى باقي الشعوب الصحراوية عبر العالم . ومن خلال هذا الخلط بين " العرب" و" الأعراب" في الترجمة الإيديولوجية للمتن الخلدوني تمكن المتن الكولونالي من ربط العروبة كحضارة، بخصائص اجتماعية وسياسية تقوم على أساس النهب والاستغلال والقتل. ومن خلال ذلك تمكن المتن الإيديولوجي الكولونيالي من رسم صورة استعمارية غازية للعرب الفاتحين المؤسسين، في شراكة مع إخوانهم الأمازيغ، لأول دولة مغربية مستقلة في تاريخ شمال إفريقيا، وذلك في أفق صياغة أسطورة الشعب البربري الأصلي المستعمر.

هكذا، لا يمكننا استيعاب الكثير من الأوهام الثقافوية التي يروج لها أوريد، إلا من خلال ربطها بالأصل الكولونيالي الذي صنعها في مختبراته ووظفها في حربه العسكرية والثقافية، ولذلك فإنه لا يضيف جديدا حينما يروج لأوربة المغرب بادعاء الحداثة والانفتاح الثقافي واللغوي، وذلك لأنه ينهل، بشكل أعمى، من المتن/المنهج الإيديولوجي الكولونيالي الذي صنع هذه الأوهام وروجها.

الحداثة كتصور معرفي .. إمكانية توطين المنهجية الحداثية.. نموذج مُقارَن

إن استحضار سيرورة الحداثة، من منظور معرفي،لا يعني الدعوة إلى استنساخ التجربة الفكرية والعلمية الغربية، بشكل حرفي، ولكن الأمر يتعدى ذلك، بكثير، وذلك لأن الحداثة هي تصور منهجي حديث، على مستوى التفكير، وليست مُتونا علمية ونماذج اقتصادية وسياسية واجتماعية جاهزة. لذلك، تظل الدعوة إلى الحداثة، جوهريا، دعوة إلى العقلنة في التفكير، وإلى التعددية والاختلاف في المجتمع، وإلى الاحتكام للإرادة الشعبية في السياسة، وإلى تكريس نموذج إنتاجي معقلن في الاقتصاد. إن الحداثة، بهذا المعنى، تجسد صورة نسق اجتماعي متكامل، وملامح نسق صناعي منظم وآمن، وكلاهما يقوم على أساس العقلانية في مختلف المستويات والاتجاهات.

Jean-Pierre pourtois et Huguette desmet- l’éducation post-moderne- p.u.f- paris 1997 – p : 26

و لعل هذا، هو ما يدفعنا إلى الحديث عن وحدة التصور المنهجي الحداثي، باعتباره يمثل مرحلة متقدمة من تاريخ الإنسانية ساهمت في بنائه مختلف التجارب الحضارية السابقة، ويبقى التجسيد الغربي الحديث منتوجا متطورا لهذه التجارب.  وهذا المنظور، في التحليل، يفتح أمامنا المجال واسعا للحديث عن إمكانية التعدد والاختلاف في تجسيد النموذج المنهجي الحداثي، ولعل هذا هو ما وعت به مجتمعات آسيوية كثيرة، كانت سباقة إلى الانفتاج على هذا النموذج المنهجي الحديث، محاولة تبيئته في علاقة بتصورها الحضاري. ويمكن الحديث هنا عن التجربتين اليابانية والصينية، وهما تجربتان غنيتان بالدلالة، خصوصا وأن كل تجربة منهما تمثل تصورا منهجيا خاصا للحداثة.

- التجربة اليابانية، في علاقتها بالتصور الليبرالي الغربي، وهي تجربة حاولت استنبات الحداثة الفكرية والتحديث التقني، في التربة اليابانبة، من دون السقوط في التغريب. فقد كانت ثورة الميجي موجهة بالأساس إلى استلهام التجربة الغربية، فكريا وعلميا، لكن من خلال رؤية خاصة للعالم تتحكم فيها الخصوصية اليابانية. ولذلك، فإننا، اليوم، نتحدث، بشكل موضوعي، عن النموذج الحداثي/الليبرالي الياباني الذي يمتلك خصوصيته التي تميزه عن النموذج الأورو-أمريكي.

- التجربة الصينية، في علاقتها بالتصور الاشتراكي، وهي تجربة استلهمت النموذج الياباني، ابستمولوجيا، رغم التعارض الإيديولوجي معه. فقد عمل ماوتسي تونغ على محاولة استنبات النموذج الاشتراكي في التربة الصينية، لكن من خلال رؤية خاصة للعالم، ولذلك فإن التجربة الاشتراكية الصينية ليست استنساخا للتجربة السوفييتية، وهي مختلفة عن تجارب أمريكا اللاتينية وأوربا الشرقية، بل إنها تمثل نموذجا خاصا ضمن التصور الاشتراكي.

إن المشترك، بين التجربتين، هو اعتمادهما معا لمقاربة ابستمولوجية في تعاملهما مع الحداثة الغربية، فكل من الميجي وماوتسي تونغ لم ينشغلا في الحداثة الغربية بمضمونها الإيديولوجي لأن سؤال الخصوصية الحضارية كان محسوما لديهما، منذ البداية، لقد كان الاهتمام بتوطين التصور الحداثي، علميا وفكريا، يمر عبر اعتماد منظورهما الحضاري الخاص، ولذلك نجحا معا في استنبات شكلين مختلفين للحداثة في تربة آسيوية مختلفة عن التربة الغربية، وقد تمكنا بذلك من تحويل هذا الاستنبات إلى شجرة أصيلة تمتد جذورها في التربة الحضارية للذات الحضارية، أكثر من امتدادها في التربة الحضارية للآخر الحضاري.

و لعل المدخل الرئيسي لنجاح هاتين التجربتين، ليكمن في اقتناع اليابانيين والصينيين، بأن العملية التحديثية، تقنيا، تحتاج إلى روح منهجية حداثية، لذلك انفتح كل منهما على تصور خاص للحداثة محاولا استيعابه، من منظور أبستمولوجي، وبعد ذلك تم الانتقال إلى تجسيد هذا التصور، اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، بشكل يجمع، بإبداع، بين الخصوصية التاريخية والثقافية من جهة، وبين التصور المنهجي الحداثي في امتداده الكوني من جهة أخرى.

إن ما ميز تجربتي الحداثة، في علاقة بالنموذجين الصيني والياباني، هو اعتمادهما الطابع الخاص للمجتمع الشرقي، لكن على أرضية التواصل مع الكوني. وقد تحقق هذا النجاح نظرا لتوفر مجموعة من الشروط يلخصها الباحث عبد اللطيف الخمسي، في توفر إنتلجنسيا عقلانية، وطبقات صاعدة وحركات قومية متنورة، ودين منفتح يكثف رؤية فلسفية للعالم. وقد ساهم توفر هذه الشروط، حسب الباحث، في تأسيس حداثة نوعية عميقة، أصبحت نموذجا يحتذى يبدأ بالوعي التاريخي والنقد العلمي لواقع التخلف، وينتقل إلى ترجمة فلسفة الأصالة، ليس كجواهر وماهيات وأساطير بل كقدرة على بناء علمي للقديم وفق الجديد.

 

د. إدريس جنداري – باحث

 

مجدي ابراهيمإذا صلحت اللغة مما لاشك فيه صلح الفكر بالضرورة واستقام. أما ما تراه أمامك يحدث من تدهور التفكير وانهياره فأمره إلى اللغة يرتد ومنها ينطلق؛ فليس هنالك فكر جيد يُعَبَّر عنه بلغة رديئة إلا كان وصمة عار على صاحبه، ولا كانت هنالك لغة رديئة يمكنها أن تصوغ فكراً جيداً إلا اتصفت بالركاكة والإرباك والقصور في تأدية وظيفتها الفنية فضلاً عن وظيفتها المعرفية. هذه الملاحظة وحدها تجعلنا نقف وقفة قصيرة لتحليل العلاقة الناشئة بين أدب الكاتب واستعداد القارئ لتلقي الأدب؛ إذْ الأدب العربي هو الذي يفرض على جميع المستويات الظاهرة ذلك الإحساس الناشئ بجمال الكلمة ثم أثرها المباشر على الشعور والوجدان.

لك أن تلاحظ أكثر الذين كتبوا من أدبائنا ومفكرينا وكتابنا بفكرة واعية في الحديث أو في القديم، كما كتبوا بباطن مصقول بخبرة التجارب المعرفية في حياتهم الفكرية والثقافية، لتجد أساليبهم دالة على طريقة تفكيرهم بمقدار دلالتها سلفاً على حياتهم الواعية؛ المعنوية والروحيّة؛ فأقربُ شيء إلى معرفة الحياة الروحية والثقافية للكاتب أو الأديب أو المفكر هو كلماته ومفرداته وطريقة استخدامه للغة فيما ينشئه من أفكار أو فيما يطرحه من موضوعات أو فيما يبدعه من لوحات قلميّة.

وليس أصدق عندي من قول الأستاذ "العقاد" فيما كتبه عن الفيلسوف البريطاني "فرنسيس بيكون" إزاء التفرقة بين جوانب العبقرية في الأفراد العبقريين أصحاب التجارب العليا؛ فأحدهما يجمع عبقريته في عمل واحد من الأعمال الفكرية أو الأدبية، إذ يفرَغ من تجربته كلها في هذا العمل. والثاني يوزعها على أعماله بقدر المستطاع فلا تلبث أن تقوم فيه التجربة منوّعة على جملة الأعمال التي يتناولها، ولا تزال فيه بقية منها لكل عمل ولكل عطاء، حيث قال :" من العبقريين من تعرف مداه بكتاب واحد أو قصيدة واحدة؛ لأنه يرتقي إلى أوجُّه في بعض أعماله فيأتي بخير ما عنده أو بكل ما عنده، وتصرفه حق عرفانه فلا تحتاج إلى تجربة له بعدها، ولا تصيب في التجربة الجديدة إلا تكراراً لا جديد فيه. ومنهم من يعطيك جزءً من عبقريته في كل جزء من كتاباته، فبعضها لا يدل على مداها كلها، وتكرار القراءة فيها ينتهي بك كل يوم إلى جديد، فلا غنى لك عن التجربة لسبر غورها والإحاطة بمداها، والحكم عليها في جميع أحوالها (ص: 50).

ومن أجل ذلك؛ كان أسلوب الكاتب مأخوذاً من السلب, لأنه يسلب من عبقريته جزءً منها، بمعنى أنه يسلب من ذات نفسه كل ما يعز على غيره أن يسلبه ويجود به على الأوراق. إنه ليَضَع نفسه أمام قارئه مكشوفاً باذلاً فيما يضع مهجته غير منتظر من أحد جزاءً ولا شكوراً. فإذا كان الأسلوب يدل على طريقة التفكير؛ فمن باب أولى فهو يدل كذلك على عمق هذا "الفكر", وعلى أبعاده الحضارية ثم على اختلاف هذه الأبعاد والمنطلقات من مفكر إلى مفكر، ومن كاتب إلى كاتب، فضلاً عن دلالاته المباشرة على عبقريته وتفرده بها بين العباقرة والخَلّاقين.

ويُخيَّلُ إليَّ، من بعدُ، أن العاطفة التي تنشئها الكلمة الصادقة لهى أقوى العواطف وأشرفها في عالم المشاعر المُوحية، وفي دنيا العقول الكاشفة، وفي ثمار الأخلاد والأذهان المفكرة؛ لأنها العاطفة التي لا دخل لها بالمعارف المزيفة والعلاقات الشخصية الواهية، ولا شأن لها بالمجاملات والمصالح و"المحسوبيات" الزائفة التي تجري عليها ثقافة المجتمع المأفون في عاداته القائمة بين أفراده من اعتبارات الخفض والرفع على حساب قيم الحق والصدق والعدالة والإنصاف, وموازين الإخلاص للأعمال بُله الأفكار والأقوال، ونزاهة الحكم على هذا أو ذاك من أبنائه الذين يولونه الرعاية مخلصين، أو يولونه النكاية عابثين لا جادين!

والمفترض أن تكون "العاطفة" التي تنشئها الكلمة الصادقة الطيبة هى أقوى العواطف جميعاً وأشرفها بغير منازع؛ لأنها هى أدق العواطف التي تخاطب العقل وتثري الذوق والضمير هادفة إلى تشكيل وجدان الأمة، أو ينبغي أن تكون كذلك. وربما تولَّدت من هذا السحر العلوي يتوهَّج به صدق الكلمة على الدوام؛ فللكلمة الصادقة فيما نعلم سحرٌ علوي مُفَاض فيض الكرماء، هو سحر اللغة في شاعريتها الحساسة، ولها (أي الكلمة) من أجل ذلك، وشائج من القُربة الجامعة والرحم الموصول ما من شأنه أن يهيئ لعارفيها موارد الألفة والتراحم وأجواء المحبة والتقارب والتَّوَاد؛ هذا عندي هو المفروض.

أما الواقع الذي يقول غير ما تفرضه الكلمة الواعية من تنازع وتخاصم وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فهو واقع لا تعطيه الكلمة الطيبة الصادقة, وإنما تعطيه الكلمات الخبيثة الكاذبة.

تنحتُ أقلام المبدعين في عالم الكلمات جديداً، فيستقبله القارئ على مقدار ما يفهم، أو على مقدار الطبيعة التي وافقت بواطنه وخفاياه واستمكنت من شعوره الرابض في أعماقه بكل لفظة يكتبها أديب، فتقوم - من ثمَّ - العلاقة عاطفة ناهضة بتقدير المعنى وإجلال المبنى بين كاتب يبدع وقارئ يستقبل إبداع الكاتبين.

فإذا نحن وجدنا كاتباً لا تقوم بينه وبين قارئه عاطفة قوية ومؤثرة؛ فليعلم من ذات نفسه أولاً أنه لم يقدِّر شعور القراء ولم يحترم عقولهم، ولم يتهيأ نفسياً لكي ينشئ مثل هذه العاطفة في كلماته، ولم يتعاط  فضلاً من الله مُفاضاً مواهب القبول، ولم تكن أعماله على الجملة إلا من قبيل الغرور الأجوف يتعالى به على خلق الله. والسَّاحاتُ الثقافية والأدبية والفكرية تشهد بوجود أناسُ ماتوا فيها قبل أن يولدوا، ربما كانوا غير مؤهلين ولا هم بالمهيئين لأن يكونوا من روادها أو حتى من أقزامها بل ظهروا في غفلة من الزمن المنكود كيما يسودوا ويترأسوا سيادة الرُّوَيبضة ورياسته على الأقزام المعاوير، وهم لا يعلمون أن لهذا التأهيل مواهبَ إلهية ليس فضل المرء فيها غير تزكية الاكتساب وفق استعداد موهوب.

فالعملُ الطيب والإنتاج المخلص الصادق هاهنا هو الذي يفرض نفسه، وهو الذي ينبغي أن يفرض نفسه. هذه سنة الله في خلقه، وتلك وحدة قصد صُلَّاح المخلوقين من عباده :"والبلدُ الطيِّبُ يخُرُج نَبَاتُهُ بإذنِ رَبِّه, وَالذي خَبُثَ لا يخرج إلا نكِداً" (الأعراف : آية 58) أي نعم! فسَّر العلماء "البلد الطيب" بمعنى  "القلب الطيب". والقلب الطيب أساس كل شيء ومصدر لكل شيء, ومعولُ عليه في كل شيء, ولا يعولُ على شيء خارجه. البلد الطيب هو القلب الطيب تخرج منه على الدوام الكلمة الطيبة لتدفع صاحبها إلى العمل الصالح. والقلب الخبيث تصدر منه باستمرار الكلمة الخبيثة لتشوه الصالح وتسفه بالباطل أعمال الآخرين؛ وهى حين تصدر من قلب صاحبها لا تصدر إلا نكداً، ولا يجوز في حقها إلا وصف النكد كما وصف القرآن، وهو الذي (أي وصف النكد) لا يدل من الوهلة الأولى إلا على الخبث وسوء الطوية وظلمة الفؤاد.

الكلام الذي لا يعطي قوة في الصدق لا يعوّل عليه، إنما هو مجرد كلام لا يفيد صاحبه في شيء، ولا يصلح على الإطلاق أن يكون كلاماً، ولستُ أراه يرتقي إلى درجة الإفادة لا لشيء إلا لأنه خارج من اللسان دون القلب. ولقد صدق ابن عطاء الله السَّكندري حين قال في "الحِكَم" : "كل كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه بَرَزَ".

هذه كلمات من نور، من الجدير أن تكتب بماء الذهب لا بمداد حبر أسود داكن لا يلبث أن يجف بمجرد رقمه على الأوراق التي يكتب عليها، كلمات نورانية غمرها نور التزكية ينبغي أن تكتب فيما نرى بمداد القلوب، هى كلمات ليست تخرج عن لسان يردد الكلمة ويكتفي بذلك، وإنما من نور القلب يبرز الكلام الذي يخرج وعليه من كسوة القلب ما عليه من بروز. ولما كان اللسان تُرجمان القلب إذا صفا من الأكدار  وتزكى من الأغيار وأشرقت فيه الأنوار؛ كانت ترجمانية لسانه على قدر صفائه وتزكيته وشروق الأنوار فيه، فيتكلم صاحبه - فيما يقول ابن عباد الرندي في شرحه على الحكم العطائية - بالكلام النُورانيِّ الذي يلج آذان السامعين، فتفتح بسببه إذْ ذَاَكَ أقفال قلوبهم ويستجيبون به لنداء الحق حبيبهم (شرح الرندي على الحكم العطائية - جـ 2؛ ص 40 - 41).

" كل كلام يبرز وعليه من كسوة القلب الذي منه برز "

هذه الحكمة العظيمة لا يمكن أن تجيء لمجرد تبرير لمواطن الحكمة فيها وكفى، لكنها جاءت لتكون هى الأساس الذي يجعل الفرد قادراً على أن يتصور كيف تنطلق الألسنة بالصدق إذا هى فقهت على الحقيقة حكمة القلوب، فقهت! لا بل سلكت تلك الحكمة فمزجت بين النظرية والممارسة، فأنتج هذا المزيج حدساً دالاً من فوره على شخصية صاحبه من الوهلة الأولى، ولم يشي بدلالة سواه.

قُلْ لي بربّكَ : إذا لم تكن العظمة الإنسانية ممثلة في مثل هذه الكلمات، ومجسدة في مدارك أصحابها، ففي ماذا عَسَاكَ تراها تكون؟

"كل كلام يبرز وعليه من كسوة القلب الذي منه بَرَز"

ولم تكن بالفعل حكمة كتلك الحكمة التي تعطي الأساس في توجُّهات القلوب لترسم الصورة الأكيدة لأناس نظروا إلى الحياة الروحية نظرة التحقيق والمعايشة، فانشغلوا بقلوبهم : إصلاحها وتزكيتها وتراحمها، ولم ينظروا إلى الخارج مما عَسَاه يجري في الطريق - مرضاً  أو عرضاً - مجرى الخذلان والتردي والنكوص. وحين يحيط الهوى بالنفس البشرية تنقلب من فورها إلى سلوك يخضع في جميع المعاملات وجميع الاعتبارات إلى فوضى لكنها في الغالب تكون فوضى منظمة وفقاً لمقتضيات العقل في تصريفها وطبقاً لِلَوائح العرف وقواعد التقليد وهل للتقليد قواعد؟ نعم! وله أنظمة ومظاهر ومؤسسات وتوجهات وممارسات.

من القلب الطيِّب تصدر الكلمات الفاعلة، وعليها من كسوة القلب الذي منه بَرَزَتْ. هذه حقيقة تثبت كلمة الحق من لسان صدق : طهَّر رسول الله - صلوات ربي وسلامه عليه - الكعبة من الأصنام التي كانت حولها بالكلمة. وبالكلمة وحدها حطم رسول الله في فتح مكة كل الأصنام التي كانت محيطة بالكعبة، وكان عددها إذْ ذاك ثلاثمائة وستين صنماً، وكانت كلمته المباركة :" قل جاء الحق وزهق الباطل، إنّ الباطل كان زهوقاً "؛ وكلما رددها سقطت الأصنام تتهاوي من تلقاء نفسها حتى تم تطهير الكعبة منها، بماذا؟ بكلمة الحق من لسان صدق. تلك قيم غابت عنا ولم نفعلها في حياتنا الثقافية والروحية وحسبناها في زوايا التاريخ.

في مثل هذا أو نحوه تكون فاعلية الكلمة، وفي خضم تلك القيم النافعة تجيء آثارها البارزة في القلب الطيب الذي يخرج نباته بإذن ربه. فالعمل بالكلمة الصادقة هنا هو الذي يفرض نفسه كما قلنا فيما تَقَدَّم وهو الذي ينبغي أن يفرض نفسه، وهو هو الذي يقيم تلك العاطفة قوية ناهضة بين المرسل والمستقبل، ولا شيء فوق هذا، ولا شيء أبعد من هذا، إلا أن تكون الأمانة الأمينة الواعية بين إرسال الكاتب إبداعه، واستقبال القارئ مبدعات الكاتب الذي أثرى فيه المعنى واضحاً وزاده متعة فوق ما يُمتعه بما يكتب في فجاج الفكر وسراديب الروح ودخائل النفس وصفاء البواطن وعمق الوجدان. ولم تكن الكلمة الصادقة إلا ينبوعاً من اللغة الخالدة, ولم تكن سوى أثراً من آثارها الباقية، وبخاصة حين تتحول الكلمات فيها إلى أفعال. (وللحديث بقيّة).

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

محمود محمد علينحاول في هذا المقال الثاني الكشف عن مشروعية العلاقة بين المنطق والنحو عند نحاة القرن الرابع الهجري ؛ لاسيما، وقد خضعت البحوث النحوية على أيدي هؤلاء النحاة  في هذه المرحلة للمنطق في كلياتها وجزئياتها ؛ أى في مناهجها وأصولها ثم أحكامها، حقيقة لا يرفعها ما حدث في هذه المرحلة نفسها من هجوم بعض النحاة علي المنطق نظرا ونقدهم للنحاة المسرفين فيه فعلا . ولعل أبرز من أسهم في هذا المجال " أبا علي الفارسي"  في نقده لاتجاه "علي بن عيسي الرماني"، الذي يراعي فيه الحقائق المنطقية ويحرص علي الاهتداء بها، إذ يقول " لو كان النحو ما يقوله الرماني لم يكن معنا منه شئ " . ومن قبله أبو سعيد السيرافي الذي يرفض اعتبار المنطق مقياسا صالحا للاستخدام في كافة العلوم، وعلي رأسها النحو.

وهذا الهجوم على المنطق نظرا، وعلى المسرفين في تطبيقه في مجال البحث النحوي خاصة، لا يؤثر في تلك الحقيقة التي أشرنا إليها منذ قليل، وهي خضوع البحوث النحوية للقواعد والأساليب المنطقية لسبب يسير جدا، وهو أن هؤلاء النحاة الذين هاجموا المنطق قد تأثروا به بالفعل في إنتاجهم النحوي، وتحليل إنتاج هؤلاء النحاة يكشف عن أن هذا التأثير بالبحوث المنطقية قد بلغ درجة الخضوع الكامل لاتجاهات المنطق اليوناني، والالتزام الدقيق بشروطه، ومقدماته،وأشكاله، وقضاياه . ونظرة واحدة إلى شرح كتاب سيبويه للسيرافي، ثم إلى المحفوظ من كتب " أبي علي الفارسي "؛ وبخاصة كتابه " الإيضاح"، كافية لتأييد هذه الحقيقة، ففي كافة مجالات الدرس النحوي التي يدرسها " السيرافي " في شرحه،ويتناولها " الفارسي " في إيضاحه، مجد أثر الثقافة المنطقية واضحا في الحدود،والتقسيم،والتمثيل،والتعليل، أي في الأصول والفروع جميعا .

ومن ثم يأتي هذا الفصل ليقدم صورة للتفاعل الإيجابي المثمر مع الثقافة المنطقية اليونانية، مما جسده الفكر النحوي في القرن الرابع الهجري لدى خمس شخصيات من أهم نحاة العربية الكبار: "ابن السراج"، و"الزجاجي"، و"السيرافي"، و"أبو علي الفارسي ".

أولًا : أبو بكر السراج:

يعد ابن السراج من أوائل نحاة القرن الرابع، الذين أفادوا من الثقافات الجديدة، وأفسحوا لها السبيل لكي تؤثر في الدرس النحوي تأثيرًا واضحا وفاعلا ؛ فقد قال عنه ياقوت الحموي : "ما زال النحو مجنونا حتى عقله ابن السراج بأصوله" ؛ حيث ظلت أبواب النحو ومسائله ردحا من الزمن مضطربة مغلقة، مثار جدل،وأخذ ورد يكتنفها الكثير من الغموض واللبس، إلى أن جاء ابن السراج فأنار دروبها المظلمة، فبوب وهذب وقارن وعقل كل مسألة بأصولها، فاختفي ذلك التداخل في الأبواب، وذلك الاستطراد الممل، وحل محلها حسن الترتيب والتبويب، والنظرة القويمة المبنية علي سلامة النطق والفكر.

وعن كتاب الأصول قال ابن خلكان : " وهو من أجود الكتب المصنفة في هذا الشأن وإليه المرجع عند اضطراب النقل واختلافه"، وقد قال عنه بعض الباحثين إنه رائد الاتجاه المنطقي في النحو العربي ؛ حيث كانت محاولته لتقنين أصول النحو بداية لهذا التحول الفكري في صياغة النحو العربي صياغة منطقية.

ومما يروي في هذا الصدد أن " أبا بكر السراج " كان " يتلقى المنطق علي يدي الفيلسوف " أبي نصر الفارابي " المتوفى سنة 339 هـ، كما كان الفارابي يتلقى عليه النحو، وأنهما اتفقا على ضرورة مزج النحو بالمنطق "، قال ابن أبي أصيبعة :" وفي التاريخ أن الفارابي كان يجتمع بأبي بكر بن السراج، فيقرأ عليه صناعة النحو وابن السراج يقرأ عليه المنطق .."، ولكن ابن السراج لم يكن نحويا فحسب، ولكن كان علي اتصال بفكر المعتزلة أيضا، فقد ذكر أبو حيان التوحيدي، أن مراسلات جرت بين ابن السراج وأبي الحارث الرازي تتعلق بفنون الكلام.

وقد ألف " ابن السراج " فيما ألف كتابا سماه " أصول النحو " وقد وصفه المتقدمون بأنه " أحسن مؤلفاته وأكبرها، وإليه المرجع عند اضطراب النقل واختلافه، جمع فيه أصول علم العربية، وأخذ مسائل سيبويه، ورتبها أحسن ترتيب "، كما وصفه " الزبيدي " بأنه " غاية في الشرف والفائدة " .

وقد قال " المرزباني " في صفة هذا الكتاب " صنف كتابا في النحو سماه "الأصول" انتزعه من أبواب كتاب سيبويه، وجعل أصنافه بالتقاسيم على لفظ المنطقيين، فأعجب بهذا اللفظ الفلسفيون، وإنما أدخل فيه لفظ التقاسيم، فأما المعني فهو كأنه من كتاب سيبويه علي ما قسمه ورتبه، إلا أنه عول فيه على مسائل الأخفش ومذاهب الكوفيين، وخالف أصول البصريين في أبواب كثيرة لتركه النظر في النحو وإقباله على الموسيقى .

وما قاله " المرزباني " يفيد أن "ابن السراج"، كان من الذين ملك المنطق عليهم نفوسهم، فأعجبوا به أشد الإعجاب، وانتصروا له أيما انتصار، لدرجة أنه كان يقحم المنطق في صميم المادة العلمية .

وهذا المعني نستروحه في كتابه " الأصول " حيث نهج فعلا في هذا الكتاب هذا المنطق المنهجي، سواء في التعريفات، أو في الاستدلالات، فعلى المستوي التصوري للمصطلحات النحوية، من حيث تعريفاتها وبيان حقائقها يمكن تلمس أثر المنطق في المقدمة التي كتبها ابن السراج لكتابه " الأصول " ؛ حيث يعمد إلى ترتيب الموضوعات ترتيبا منطقيًا صارمًا تراعي فيه اعتبارات العموم، ثم التقسيم حسب الضرورة المنطقية . يقول "ابن السراج " فقد أعلنت في هذا الكتاب أسرار النحو وجعته جمعا يحصره، وفصلته تفصيلا يظهره، ورتبت أنواعه وخصوصه في مراتبها " .

ومن الواضح أن "ابن السراج" قد أفاد من المنطق، وبخاصة من الناحية الشكلية ؛ حيث دأب في أغلب أبواب كتابه " الأصول " علي استخدام أسلوب المناطقة في التقسيم، والترتيب، من ذلك قوله :" الحروف تنقسم إلى ثلاثة أقسام ... الأسماء التى ترتفع خمسة أصناف ...الأسماء المنصوبة تنقسم قسمة أولي علي ضربين ... الضرب الأول ينقسم إلي قسمين : مفعول ومشبه بمفعول، والمفعول ينقسم إلي خمسة أقسام " .

والملاحظ أيضا أن هذا التأثر بالمنطق في الجانب التنظيمي، أدي بابن السراج إلى استخدام الكثير من مصطلحات وألفاظ المنطق، من ذلك استخدامه مقولة الجنس والنوع، ففي باب الاستثناء يقول :" الاستثناء الصحيح، إنما هو أن يقع جمع يوهم أن كل جنسه داخل فيه، ويكون واحد منه أو أكثر من ذلك لم يدخل فيما دخل فيه السائر بمستثنيه منه، ليعرف أنه لم يدخل فيهم، نحو " جاءني القوم إلا زيد".

ويقول كذلك في باب التمييز :" فالتمييز إنما هو فيما يحتمل أن يكون أنواعًا ". كما قسم الاسم المفرد المتمكن في الإعراب على أربعة أضرب أحدها الجنس قائلا :" الجنس : الاسم الدال علي كل ما له ذلك الاسم، ويتساوي الجميع في المعني، نحو الرجل، والإنسان، والمرأة والجمل ... وجميع ما أردت به العموم، مما يتفق في المعني بأي لفظ كان فهو جنس، وإذا قلت : ما هذا ؟ فقيل لك : إنسان، فإنه يراد به الجنس، فإذا قال : الإنسان فالألف واللام لعهد الجنس وليست لتعريف الإنسان بعينه ".

وإذا ما اتجهنا إلي التعاريف ذاتها،لنتأكد من هذا المعني بدراسة بنيتها، فأول ما نلاحظه أن " ابن السراج " يحرص في الغالب على أن يراعي مقولة المعرف ؛ فيصدر التعريف بلفظ يناسب تلك المقولة، ويدل عليها، ولنأخذ مثالا لذلك تعريفاته لأجزاء الكلام الثلاثة، يقول " الاسم ما دل علي معني مفرد، وذلك المعني يكون شخصا وغير شخص " وإنما قلت ما دل على معني مفرد لأفرق بينه وبين الفعل إذا كان الفعل يدل على معني وزمان، وذلك الزمان، إما ماضي وإما حاضر، وإما مستقل " .

ثم إننا كثيرا ما نجد " ابن السراج "، يشير في التعريف إلي أنه من باب الحد قائلًا ( حده كذا )، يتضح ذلك حين عرف " المضاف إليه " فقال " حد المضاف إليه هو أن يصير مع المضاف بمنزلة اسم واحد هو قولك عبد الملك، ولو أفردت عبدا من الملك لم يدل على ما كان عليه عبد الملك " .

ولما كان تقسيم التعريف بالحد كثيرا  ما يكون بالجنس، والفصل، فإن التزام " ابن السراج " به علي تلك الدقة يظهر مدي تأثره بالتعريف الأرسطي، يتضح ذلك من تعريفه لمقولة الصفة التي يري أن لها وظيفة، مثل الفصل في الحد الأرسطي ؛ حيث يقول " وكل موصوف فإنما ينفصل من غيره بصفة لازمته في وقته " ، وفي نص آخر يشرح " ابن السراج " هذه الفكرة بقوله : " ألا تري أنك إذا قلت : جائني زيد فخفت أن يلتبس الزيدان علي السامع، أو الزيود قلت : الطويل وما أشبه لتفصل بينه وبين غيره ممن له مثل اسمه، وإذا قلت جاءني هذا فقد أومأت إلي واحد بحضرتك، وبحضرتك أشياء كثيرة، وإنما ينبغي لك أن تبين له عن الجنس الذي أومأت إليه، لتفصل ذلك عن جميع ما بحضرتك من الأشياء، ألا تري أنك لو قلت له : ما هذا الطويل؟ وبحضرتك إنسان ورمح وغيرهما لم يدر إلي أي شئ  تشير" .

يتبن من هذا أن " ابن السراج " علي هذا المستوي التصوري، قد تأثر في تقريره لتصوراته للحقائق اللغوية، والنحوية بالمنطق الأرسطي، من حيث قد جري على قواعده في تحرير الحدود، فهل كان كذلك علي مستوى الاستدلالات ومعالجته لقضايا النحو ؟

الحقيقة أننا نجد أن " ابن السراج " إذا قورن بالنحاة الذين سبقوه فإننا نجد لديه اهتماما واضحا بطرق القياس المنطقي، خاصة في معالجته لقضايا النحو، ويمكن أن نسوق بعض النماذج علي ذلك :-

1- يقول " ابن السراج " في تعليله لعدم الابتداء بالنكرة "، وإنما امتنع الابتداء بالنكرة المفردة المحضة، لأنه لا فائدة فيه،وما لا فائدة فيه،لا معني للمتكلم به " .

ويمكن وضع هذا القول في صورة قياس من الشكل الأولي، وذلك علي النحو التالي :-

- كل ما لا فائدة فيه فلا معني للتكلم به .

- والابتداء بالنكرة المحضة لا فائدة فيه .

- إذن فالابتداء بالنكرة المحضة لا معني للتكلم به

2 – ومن الاستدلالات المنطقية الواضحة عند " ابن السراج " استدلاله على " لام المعرفة " في الاسم مع اختصاصها به دون الفعل، فإنه يفترض وجود تشكيك يقوم على الصورة  الاستدلالية :

- الحروف المختصة بالدخول علي أسماء تعمل فيها .

- لام المعرفة حرف مختص بالدخول على الأسماء .

- إذن لام المعرفة تعمل في الأسماء .

وهذا قياس من الشكل الأول يقوم على ما يسمى في المنطق الأرسطي بأغلوطة الجوهر، معناها أن " نطبق حكمًا عاما علي حالة فردية،لا تتوفر فيها شروط الحكم العام "،ووضح ذلك في المثال المذكور أن لام المعرفة تفارق سائر الحروف الداخلة على الأسماء، في أنها من نفس الاسم فيدل بها على غير ما كان يدل عليه قبل  دخولها .... وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

حسيب الياس حديدالترجمة نشاط فكري وإبداعي يقوم على أساس اكتساب المضامين المعرفية والعمل على نقل هذه المضامين بطرق شتى يتم اختيارها من قبل المترجم ، ولابد من ان يكون نقل المضامين متكاملاً . وفي الحقيقة لا تعدّ مهمة الترجمة مسألة يسيرة وإنما هي مسألة معقّدة ومتشعّبة ودقيقة . وتستلزم الترجمة بصورة عامة اجادة نظامين لغويين مختلفين وهنا تظهر امكانية المترجم وقدراته .وعندما يتعلق الامر بالترجمة الدبلوماسية بين مختلف البلدان في هذه الحالة تأخذ الترجمة مساراً مهماً لان الترجمة في هذه الحالة تبرز اهميتها في العلاقات الدولية ومدى تأثيرها على مسار تلك العلاقات.

فالترجمة الدبلوماسية من اصعب انواع الترجمات نظراً للخصوصيات التي تتسم بها دون سائر الانواع الاخرى.ومن اهم خصائصها انها لغة دقيقة تعج بالمصطلحات المفردات المتخصصة والاستعارة وكل الفنون البلاغية. وتضيف هذه السمات الكثير من الصعوبات لعملية الترجمة. وبناءً على ذلك يتوجب على المترجم الدبلوماسي نقل المعنى بكل امانة ودقة ولهذا السبب تعرف الترجمة الدبلوماسية بالترجمة المفرداتية او المصطلحية . ويهتم هذا النوع من الترجمة بنقل الأفكار مع التركيز على البحث عن مرادف لكل كلمة ، ويحاول المترجم جاهداً نقل فكرة النص المراد ترجمته والحفاظ على حرفيته ومدلوله .

وتتصف الترجمة الدبلوماسية بالأمانة العلمية لأن المترجم ينقل معنى النص الدقيق المراد ترجمته ، وهذا لا يعني أن المترجم يتصرف بالنص كما يشاء, على العكس من ذلك يحافظ على روح النص دون المساس به . ولتحقيق النجاح في هذا المجال لابد من توفر قطبين رئيسيين هما الإبداع والمعرفة الفنية . فإذا كان الإبداع في هذه الحالة الدقيقة موهبة الكتابة باعتبارها سمات فطرية فان المعرفة الفنية لا تعد فطرية وإنما ينبغي تعلمها ومن الممكن تدريسها. وتعتمد جودة الترجمة الدبلوماسية على الصياغة الملائمة حصرياً التي تقدم للقاريء ما يمكنه فهمه دون عناء. والترجمة قديمة قدم الانسان وقد وردت في النصوص القديمة في العراق القديم. حيث كانت هناك علاقات دولية بين مختلف الدول التي كانت قائمة في تلك الفترة ونظرا لاختلاف اللغات لابد من ان يكون للترجمة نصيب مهم من اجل اقامة العلاقات بين تلك الدول. ففي العراق القديم حظيت الترجمة والمترجمون بعناية الحكام والملوك العراقيين القدماء في مختلف العصور التاريخية ، واولوها من الاهتمام الكبير ما يعطي انطباعا عن خطورة ودور هذ الوظيفة ، وبلغت مكانة المترجم الاجتماعية شأناً عظيماً حيث خصصت له أماكن سكن ضمن اجنحة القصور الملكية ، كما انتدب المترجمون للمشاركة في الحملات العسكرية التي قادها أولئك الحكام على مناطق عديدة من الشرق الأدنى القديم ، فكان لحضورهم الدور الفاعل في وصول الحملة الى أهدافها ومبتغاها وتحقيق نتائجها ، من خلال التفاهم مع قادة تم اسرهم خلال الحملات العسكرية واستنطاقهم واخذ معلومات منهم بما يتعلق بخصوص الثغرات الموجودة في مفاصل العدو ونقاط ضعفه ودكها في النهاية ، كما كان للمترجمين دور في عقد العديد من المعاهدات السياسية بين ملوك العراق القديم ونظرائهم من ملوك وحكام وامراء دول الشرق الأدنى القديم ممن لم يكونوا يجيدوا لغة احد الأطراف المتعاقدة ، فكان المترجم بمثابة همزة الوصل بين الطرفين ، ويمكننا ان نلاحظ صعوبة ما وقع على عاتقه من جهود حثيثة في سير وخطوات المفاوضات وامضاء بنود المعاهدة وابرامها .

وقد اطلق السومريون القدماء على الترجمة او الشخص الذي يقوم بالترجمة مصطلح ( ايمي بآل (EME-BAL) ومعناها قلب اللسان، أي قلب اللسان الى لغة أخرى .

واما في اللغة الأكدية جاءت كلمة الترجمة بنفس الصيغة العربية - نسبيا – تقريبا كما هي الحال في اللغة السومرية ، فأطلق عليه مصطلح:  (LISANU-NATALKUTU) .

في حين وردت كلمة الترجمة في اللغة الاوغاريتية بصيغة (draguman) (أي الترجمان)، وكذلك جاءت في الكتابات الاشورية القديمة والبابلية الحديثة بصيغة (ragamu)

أهمية الترجمة في العراق القديم

هنالك مثل سومري ينص على :"لا يمكن للمترجم ان يكتب له النجاح اذا لم يجد اللغة السومرية" هذا يدل على اهمية الترجمة ومكانة المترجم في العراق القديم. ومنذ فترات مبكرة من تاريخ العراق القديم تطلب الامر الى وجود صنفا من الكتبة والمترجمين targumaahnu لاداء مهامهم في نشر متطلبات الحياة الاقتصادية والاجتماعية ، فضلا عن حاجة البلاط الملكية بشكل خاص لمعرفة طبيعة التوجه السياسي لمختلف الاقوام المجاورة والتعرف عن عاداتهم وتقاليدهم من خلال عملية ترجمة النصوص وتحويلها الى اللغات العراقية القديمة في ذلك الوقت ، وعلى هذا الأساس وقع على عاتق هذا الصنف من الكتبة والمترجمين الالمام بلغتين او اكثر ليتمكنوا من أداء مهمتهم بالشكل المطلوب  .

وفي العصر الاشوري الحديث كانت القصور الاشورية تضم بين كوادرها الكتبة من الذين كانوا يجيدون ترجمة بعض اللغات آنذاك. .

وربما كتبت بعض المعاهدات بين الملوك الاشوريين وبعض الملوك في البلدان المحيطة ببلاد اشور او مع الحكام الذين اقروا بالسيادة الاشورية عليهم بلغتين وخطين ، وكانت النُصُب ثنائية اللغة تنقش بلغة وخط اهل البلاد الاصلية واللغة الأكدية بالخط المسماري.

وقد اكتشف في مدينة الوركاء رقيم بهذا الخصوص يعود الى فترة الاحتلال الأخميني وهو عبارة عن تعويذة قام بكتابتها احد الكتبة بالآرامية ثم سطر تحتها ترجمة بالخط المسماري واللغة الاكدية .

ونظراً لأهمية الترجمة وعظيم شأنها خصص ملوك العراق القديم اجنحة في بلاطات قصورهم خاصة للمترجمين اللذين كانت تقع عليهم مهام الترجمة للسفراء المعتمدين والقادمين الى القصور والتفاهم مع ملوك بلاد الرافدين ، فكانت مكانتهم جليلة حيث تم شمولهم بالامتيازات الخاصة التي كان الملك يغدق عليهم في أوقات ومناسبات خاصة ـ حتى انهم كانوا يتلقون الحوافز اسوة بموظفي القصور الاشورية ، والدليل على ذلك ما وصلنا من النمرود والذي يطلق عليه من قبل الباحثين اصطلاحا بـ (قوائم الخمر من النمرود)..

ولم تتوقف حركة الترجمة عند هذا الحد وانما شملت الجوانب الادبية والدينية وترجمة القصص ويذكر انه بعد ان استقر الاكيدون في بلاد الرافدين وبدأت ملامح تأثيرهم الحضاري تنضج ووجدوا ثروة طائلة من الأفكار تجسدت بالنصوص الدينية والاسطورية. .

لم يكن للأكديين ، القادمين من البادية ، ثقافة تكفي لتغيير المعتقدات الدينية التي بلورها السومريين لمئات السنين واستبدالها بما كان عندهم من معتقدات دينية ، فقد وجدوا امامهم ديانة تزخر بالادب الديني الرفيع المدون على عشرات من الرقم الطينية تزخر بها معابد المنطقة ، ولكن هذا لا يعني انهم اكتفوا بما وجدوه لدى السومريين لكنهم تأثروا بشكل كبير وأضافوا اليه بما يتناسب مع معتقداتهم الدينية. .

ولهذا بدأ الاكديون بترجمة ما تمت كتابته من السومريين من نصوص دينية إذ مثلت القصص والاساطير جزأ مهما من النتاج الادبي العراقي القديم ، فقد جمعت هذه الكتابات بين روعة التعبير وسعة الخيال وبرهنوا انهم ذوي إمكانيات لغوية غزيرة وخيال خصب وواسع ، فهم آمنوا بوجود الهة خارقة القوة وهي قادرة على عمل أي شيء حتى انهم ايقنوا بوجود صراعات بين الالهة نفسها. .

كذلك ذكر في بعض الترانيم عن افتخار (شولكي - احد الملوك) اتقانه فنون الكتابة ومعارفها وبضمنها الموسيقى والعرافة ، كما اكد ان أي من الطلبة في زمانه لم يستطع ان يفوقه في اجادة الكتابة والترجمة ، وان (نيسابا) الاهة الكتابة منحته الذكاء والحكمة ، ففي ترنيمة له ذكر انه رسخ لمدرسة الكتابة تقاليد دائمة . كذلك تباهى انه الوحيد من بين افراد بلاط قصره الذي يستطيع ان يتكلم بعدة لغات كالعيلامية والامورية فضلا عن اتقانه كتابة السومرية – لغته الام .وربما ان كل من اور نمو وكوديا اجادوا اكثر من لغة أيضا. .

والدليل الأكثر أهمية بهذا الخصوص هو اهتمام اشور بانيبال بالنشاطات العلمية والكتابية هو مكتبته الشهيرة التي اكتشفت في نينوى قرب قصره (تل قوينجق) فقد ورد في رسالة كان قد أرسلها احد الكتبة الى الملك اشور بانيبال بان الملك كان يشارك شخصيا في تحديد ووضع الالواح والرقم الطينية في مجموعته الخاصة لمطالعتها في المكتبة وورد على لسان الكاتب الى ان جميع النصوص التي اقترح الملك وضعها في جناحه تستحق الحفظ الابدي كما ورد في رسالة اخرى عن تكليف كاتب كان قد امره الملك اشور بانيبال بالبحث عن الرقم من مختلف الأماكن في البيوت وفي معبد نابو في بورسبا لجلبها الى مكتبته وامر الملك مراقب المعبد وكهنته ليضعوا تحت تصرف هذا الكاتب أي لوح يراه مناسبا لاخذه الى مكتبة القصر في نينوى.

مما تقدم يمكننا ان نختصر موضوع الترجمة في العراق القديم بالتأكيد على بعض الحقائق التاريخية التي وردت في المصادر التي تناولت هذا الموضوع. وهنا يمكننا القول ان للتوزيع السكاني في العراق القديم والسبق الحضاري للسومريين الذي تختلف لغتهم عن مجاوريهم الأكديين الذين لحقوا فيما بعد بالاستيطان في بلاد الرافدين دوراً بارزاً في ظهور ما يعرف بـ (الثنائية اللغوية)، لكن السومريون هم اول من ابتدع الكتابة المسمارية ونصوصهم الدينية والمضامين الأخرى ذات الأهمية الدور البالغ في ضرورة ترجمتها الى اللغة الأكدية واضافة ما يزيل اللبس والغموض للمكون الرافديني الثاني خصوصا في المناهج والمدارس . ومن هذا المنطلق ظهرت الحاجة الى إيجاد وسيلة للتفاهم بين شعوب متباينة لغاتها ادت الى ظهور الترجمة ووظيفة المترجم.

ويذكر ان وظيفة المترجم ظهرت في بلاد الرافدين منذ الالف الثالث ق .م وذلك استنادا الى المصادر المسمارية ذات العلاقة ولا حظنا ان للمترجم مكانة اجتماعية مميزة ومتميزة انعكست على وضعه في السكن والرعاية والاهتمام من قبل حكام وملوك العراق القديم. كما دعت الضرورة الى ان يكون المترجم حاضرا في ساحات المعارك والحملات العسكرية التي قادها حكام وملوك العراق القديم. حيث كان المترجم هو العنصر الأهم في امضاء بنود العديد من المعاهدات السياسية بين حكام وملوك العراق القديم ونظرائهم من الدول المجاورة .

وبعد ذلك كله نستنتج ان للترجمة تأريخ طويل وانها ظهرت منذ عصور مبكرة في تاريخ بلاد الرافدين. ومن خلال ما تقدم ظهرت اهمية الترجمة في العلاقات الدولية من جهة واهمية المترجم من جهة اخرى فضلا عن المكانة التي يحتلها المترجم في تلك الفترة والرعاية المتزايدة التي تلقاها من لدن حكام وملوك العراق القديم.

 

ترجمة الدكتور حسيب الياس حديد

........................

المصادر:

-        Boack,J.: A Concise Dictionary of Akkadian,Harrassowitz,Verlag,Wiesbadens,2000,p. 400

-        Luckenbill D.: Ancient Records of Assurian and Babylonian, New York,,1927,p.986

-        Sasson,J.M.: Civilization of Ancient Near East,Vol.:IV,New York,1995,p.2267

 

علاء اللاميتنطوي مقولة "انتصار الحضارة الغربية النهائي على العالم" على نزعة استشراقية بيَّنة، ولكنها تحتوي أيضا على شيء من الصحة في وصف الشكل الخارجي لواقع الحال العالمي الراهن، ويتعلق الأمر هنا تحديدا بتَكَرُّس الهيمنة الغربية بزعامة الولايات المتحدة الأميركية عسكريا وماليا على العالم؛ أي أنها هيمنة عدوانية لفترة تاريخية محددة بقوة السلاح والمال وليس انتصارا نهائيا وحاسما فالصراع بين الغرب وباقي أجزاء العالم المستهدف بالعدوانية الغربية لم يتوقف بعد ولن يتوقف قريبا.

لقد أصبحت هذه المقولة متداولة كثيرا في السنوات الأخيرة، وبات بعض الباحثين والكتاب العرب والشرقيين يكررها وكأنها اخترع العجلة، رغم أنها مقولة خطرة ولا تاريخية ولا تعني من حيث الجوهر سوى تعميم الدعوة إلى الاستسلام والتبشير بانعدام أي خيار آخر أمام الإنسانية وشعوب الأرض غير الانخراط في الحضارة الغربية المضرجة بدماء الشعوب والمساهمة فيها كمهزومين! سنحاول هنا تقديم محاولة تحليلية لتفكيك هذه المقولة نقديا:

يستلزم التعرض لمقولة "الحضارة الغربية" التفريق بين مصطلحين ومقولتين متداخلين بشدة هما الحضارة والثقافة أولا، وبين "الحضارة الحديثة" و"الحضارة الغربية" ثانيا. 

من المعروف أن بين الثقافة والحضارة وشيجة أشبه بالعضوية، ففي بغض اللغات الأوروبية الحية كالفرنسية تعني الكلمتان معنىً واحدا إلى درجة يمكن استبدال إحداهما بالأخرى، ولكن هذا التواشج قد لا يبدو واضحا وحاسما كفاية في العلوم التخصصية الحديثة، فقد انقسم الموقف من هذا الموضوع إلى ثلاثة اتجاهات:

الأول يذهب إلى إنَّ معنى الثّقافة والحضارة واحدٌ، ولهذا السبب استخدم مصطلح (Civilization) للتّعبير عن ماهية كليهما معاً، دون وجود فرق أو تمييز بينهما، ويُلاحظ هذا الاتجاه عند الباحثين الفرنسيين الّذين تحدّثوا عن أنّ الثقافة والحضارة لا فرق بينهما، فهما "مفهوم كوني وشامل لأمّةٍ واحدةٍ" كما كتب بعضهم.

ويرى أصحاب الاتجاه الثاني أن الحضارة هي فقط الجزء المادّي من الثّقافة.

أما الفريق الثالث فيعتقد أنّ الثّقافة هي جزء من الحضارة بشقّيها المادي والمعنوي، وهذا الاتّجاه الغالب في الغرب.

آخذاً بنظر الاعتبار التفسيرات الثلاثة السالفة للعلاقة بين هاتين المقولتين، ومركزا على التفسير الأول أكثر من سواه، سأتناول بالتوضيح والتحليل التفريق الذي قال به الباحث العراقي الراحل هادي العلوي بين الثقافة الحديثة والثقافة الغربية بما يعني في الوقت نفسه التفريق بين الحضارة الحديثة والحضارة الغربية:

يفرق العلوي بين الثقافتين تفريقا شديد الوضوح على الرغم من تعقيده الماهوي فهو يقول (عندما قسمتُ الثقافة المعاصرة إلى ثقافة غربية وثقافة حديثة، وأخذت بالحديثة ورفضت الغربية، فهذا يعني أخذ الكثير مما هو معنون كفكر غربي ولكنه حديث، وميزته عن الفكر الغربي بخصائصه المعادية للآخر، سواء كان هذا الآخر جغرافيا سياسية أم جغرافيا اجتماعية تنتمي إلى معسكر الفكر نفسه "الطبقات العاملة في الغرب". الفكر المعارض في الغرب قام ويقوم بدور عظيم في إصلاح المجتمع الغربي وتخليصه من آثار الهمجية. وعلماء الاجتماع الغربيون ساهموا بدور عظيم في تحسين وضع السجون الأوروبية التي كانت حتى القرن التاسع عشر مسالخ بشرية، لكن هؤلاء العلماء أنفسهم لم يطلقوا صيحة واحدة ضد المسالخ البشرية التي يصنعها الغربيون في القارات الملونة. ص 107/ هادي العلوي.. حوار الحاضر والمستقبل). وفي مواجهة الثقافة الحديثة التي هي ثمرة مشتركة ساهمت في إنضاجها الإنسانيةُ جمعاء وشعوب الأرض والحضارات كافة، يُلخِص العلوي الأسس التي تقوم عليها الثقافة الغربية في المزاعم الأيديولوجية الاستشراقية التالية: تفوق العقل الغربي أمام العقول غير الغربية، وأبدية التجارة والتملك الخاص وبالتالي حق الإنسان في امتلاك المال بأية وسيلة، وحداثة الرأسمالية وتخلف الاشتراكية، واقتران الرأسمالية بالرخاء والازدهار واقتران الاشتراكية بالفقر.

أما على صعيد ما يصفه بمستوى الفكر الجاد فيسجل العلوي الآتي (لقد حقق العقل الغربي فتوحات عظيمة في ميدان تفسير الطبيعة، وهذه هي الفيزياء، ومع ذلك أخفق الفيزيائيون الغربيون في استخلاص حقائق الفلسفة المعادلة لحقائق الفيزياء بحيث نجد فلسفة الفيزياء قبل ماركس متعايشة مع الخرافة، وتكاد تتعاطى مع الأسطورة كإحدى حقائق الطبيعة. ص 110 م. س). ثم يعود العلوي إلى التأكيد على أن (التمييز بين الثقافة الغربية والثقافة الحديثة، وكون الثقافة الحديثة هي أيضا غربية ومعلموها غربيون وإنما تميزت عن الثقافة الغربية الأم بمصادرها الخارجية... فالفكر الاشتراكي الغربي مثلا متطور عن الأناجيل الأربعة وهي مصدره الأكبر في هذا المنحى، لأن المجتمع الغربي لا يملك خلفية مشاعية تنعكس في فكره وتؤصل وعيه الاشتراكي. م. س).

إن هذا الاستنتاج العدمي القائل بانتصار الحضارة الغربية النهائي على العالم المعاصر، لا يختلف كثيرا من حيث الجوهر عن صيحة "نهاية التاريخ وسيادة العولمة بنسختها اللبرالية اليمينية المحافظة" التي أطلقها يوشيهيرو فرانسيس فوكوياما في صيف 1989. إن الأطروحة الأساسيَّة لفوكوياما تقوم على (أن الديمقراطيَّة الليبراليَّة بقِيَمها عن الحرية، الفردية، المساواة، السيادة الشعبية، ومبادئ الليبرالية الاقتصادية، تُشَكِّلُ مرحلة نهاية التطور الأيديولوجي للإنسان وبالتالي عولمة الديمقراطية الليبرالية كصيغةٍ نهائيةٍ للحكومة البشرية). ومعروف أن فوكوياما تراجع بشكل ما عن صيغة نظريته الأصلية هذه كما يكتب مقتبسا د. أسامة سماق (نشر فوكوياما مقال في "ذا نيو ستاتيسمان" بتاريخ 17.10.2018، تحوي معزوفة التراجع عن نظرته السابقة، نقتبس (إذا كانت الاشتراكية تعني برامج إعادة تصحيح الخلل الكبير في الدخل والثروة، فنعم، لست فقط أعتقد أنها يمكن أن تعود، بل بجب أن تعود، يبدو لي أن الأشياء التي قالها ماركس يتضح أنها صحيحة، لقد تحدث عن فائض الإنتاج وأن العمال سيصبحون أكثر فقراً، وأن الطلب على السلع لن يكون كافياً!).

وإذا ما عدنا إلى مقولة القائلين بانتصار الحضارة الغربية النهائي نجد أن هشاشة هذه المقولة تبدو واضحة ليس في جانبها الأخلاقي والاجتماعي التاريخي بل وأيضا في جانبها المعرفي والاجتماسي (sociopolitique)، فالغرب، لم ينتصر عمليا وبشكل نهائي؛ ولم تنتهِ مشكلاته العويصة مع العالم ومع نفسه. إنه ما يزال مشتبكا في حروب ضارية تتخذ أشكلا متنوعة من العدوان المسلح إلى الحصار الاقتصادي والسياسي إلى التهديد بالإفناء النووي ضد خصومه في جميع القارات. كما أن الغرب لم يتمكن، وقد لا يتمكن قريبا من حل مشاكله الاجتماعية والتاريخية الموروثة حتى الآن مع أولئك الخصوم أو حتى في عقر داره.

 من ناحية أخرى فإن الغرب ليس صادقا في مزاعمه عن نشر الحريات والديموقراطية لا بل إنه، بحركته السياسية والعسكرية العالمية وهيمنته الاقتصادية، يُعَدُّ أكبر عائق أمام انتصار الديموقراطية والحريات الفردية والجماعية في بلدان العالم، فهو يحاصر ويحاول إسقاط أنظمة ديموقراطية منتخبة من قبل شعوبها، لا لشيء إلا لأن هذه الشعوب تريد أن تختط لنفسها وبقياداتها الشرعية المنتخبة طريقا مستقلا في السياسية والاقتصاد والثقافة، والأمثلة الطازجة كثيرة ولعل أوضحها مثال بلدان اميركا اللاتينية حيث تعيش عدة شعوب فيها تحت وطأة الحصار الأميركي والتهديد بالحرب التدميرية.

لتفحص جذور هذه المقولة لا بد من التطرق لما يسمى مبدأ القدر المتجلي أو الحتمي (Manifest destiny)، هو اعتقاد جيوسياسي استراتيجي ذو مضمون سلفي ديني نشأ في الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر، وتحديدا في حرب التوسع والضم التي شنتها ضد المكسيك وانتهت بعد عامين بانتزاع ثلاث ولايات كبرى منها، ولم تحجم عن ضم العاصمة مكسيكو إلا لخشيتها من الاختلاط بسكانها الملونين كثيري العدد. هناك ثلاثة محاور أساسية يتجلى بها هذا "القدر المتجلي" كما يزعم القائلون به:

1-الفضائل الخاصة للشعب الأمريكي ومؤسساته، أي إنهم يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار، كما قال الكاتب الأميركي هرمان ميلفيل حرفيا (نحن الأميركيين شعب متميز مختار، نحن بني إسرائيل زماننا. لقد خص الله شعبنا بالقضايا الكبرى وبقية الشعوب ستسير خلفنا عما قريب فنحن رواد البشر) كما اقتبس عنه (JOHN. B. JUDIS) في كتابه (The Folly of Empire-P14).

2- مهمة الولايات المتحدة هي إعادة صياغة الغرب في صورة أمريكا، والمقصود هنا بالغرب، الغرب في صورة "الإمبراطورية الرومانية المقدسة" الغابرة.

3- قدرٌ لا يقاوم لإنجاز هذا الواجب الأساسي. ويوضح المؤرخ فريدريك ميرك أن هذا المفهوم ولد من (الشعور بواجب استعادة العالم القديم من خلال القدوة المتعالية والناتجة عن إمكانات الأرض الجديدة لبناء سماء جديدة).

أما المؤرخ ويليام أي ويكس فيسجل أن المهمة الثانية لا تقتصر على جعل الغرب على صورة أميركا، بل جعل العالم كله على تلك الصورة، وإعادة تشكيله وفقها. أما الأساس الثالث، فهو كما يكتب ويكس (قرار الإله في تفويض الولايات المتحدة الأمريكية في تحقيق هذه المهمة). وهنا تحديدا، لسنا بعيدين كثيرا عن الفكر الداعشي السلفي التكفيري، ولكن بنسخته البيوريتانية البروتستانتية في أميركا القرن الثامن عشر، وهو فكر ما يزال ينبض بالحياة حتى الآن في خطابات آل بوش وترامب وغيرهم من الرؤساء الأميركيين!

 يمكن أن نضيف إلى ذلك، أن الولايات المتحدة نفسها، ودول غربية عديدة من حلفائها، تجلس وتتنعم بالرفاهية الظاهرية على قمة بركان اقتصادي ناشط، ويمكن التعبير عن إحدى صوره بترليونات الدولارات من المديونية الأميركية وبواقع 22 ترليون، تتبعها بريطانيا بثمانية ترليونات ونصف ترليون، لتأتي بعدها فرنسا وألمانيا بأكثر من خمسة ترليونات ونصف ترليون لكل منهما. ومعلوم أن هذا الواقع الاقتصادي الشبيه بالبركان قد ينفجر بين يوم وآخر أو سنة وأخرى أو عقد وآخر، فأين هي إذن حقيقة انتصار الحضارة الغربية النهائي؟ أليس صحيحا ذلك التشبيه الذي أطلقه اقتصادي أوروبي كبير حيث شبه دولة الولايات المتحدة بقواد ثمل يجلس في باب المبغى وكيس النقود المزيفة في رقبته وبيده هراوة نووية يرعب بها الناس وهي التي تعطي قيمة لنقوده المزيفة؟!

أما إذا نظرنا إلى مقولة "انتصار الحضارة الغربية النهائي" داخل السياق السياسي التاريخي الحقيقي للدول الغربية نفسها فسنجد أن ما يسميه البعض انتصارا نهائيا متبوعا بحالة سلام عام هو ليس ظاهرة جديدة في التاريخ. وإن الإمبراطوريات الزائلة قد حققت نسختها الهيمنية من العولمة على انحاء العالم المعروف في عهدها، ولعل من أشهرها الأمثلة على ذلك الإمبراطورية الرومانية المقدسة التي حققت السلام الروماني (PAX ROMANA) والذي هو ليس إلا حالة نجحت فيها تلك الإمبراطورية القائمة على العنف والدم والظلم والعنصرية في كتم أنفاس القوى والشعوب المستعبدة والثائرة والمتمردة ضدها. وفي عصرنا يرفع ورثة الإمبراطورية الرومانية الهمجية شعارها بعض أن "أمْرَكوه" فتحول إلى (PAX AMRICANA) يريدون فرضه على شعوب العالم المعاصر.

في المقابل، تقوم مقولة الانتصار النهائي للحضارة الغربية في زعم المدافعين عنها على ركائز عديدة منها إنها أول حضارة تقوم على العقل والعلم وليس على الخرافات الدينية وغير الدينية، وإنها تقوم على نقد ذاتها وتصحيح مسارها باستمرار، وإنها تقوم على مبادئ الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان، وأخيرا فهي أقل عنفا ودموية من الحضارات التي سبقتها.

غير أن نظرة سريعة إلى ما تنقله وكلات الأنباء والصحافة العالمية ليوم أو يومين تقنعنا بهشاشة وكذب هذه المزاعم. كما أن مراجعة سريعة لأحداث القرن الماضي المهمة تثبت لنا أن الحضارة الغربية هي الأكثر دموية وعنفا وظلما واستعبادا للإنسان من أي حضارة بشرية أخرى سبقتها، ويكفي التذكير بمجازر الحربين العالميتين الأولى والثانية وبمحارق النازيين الألمان وبمحرقة هيروشيما وناكازاكي النوويتين حيث أحرقت الزعامة الأميركية مئات الآلاف من البشر اليابانيين في غضون ساعات قليلة بالسلاح النووي، مرورا بالحصار الأميركي الغربي على العراق في التسعينات من القرن الماضي والذي قُتل بسببه أكثر من مليون عراقي أغلبهم من الأطفال والفئات السكانية الضعيفة.

أما الخرافة و الشعوذة في الغرب فلم تنقرضا بل هما تشهدان "ازدهارا" كبيرا في العقود الأخيرة ولكن بأساليب وأشكال جديدة، حيث تحتشد الصحف الشعبية في أوروبا والولايات المتحدة بمئات الإعلانات والمقالات في ميدان السحر والشعوذة وقراءة الحظ والأبراج الفلكية، ولا يستطيع المواطن أن يحصل على موعد مع خدمات قراءة وتوقعات المستقبل إلا بعد أشهر نتيجة الزحام الشديد على هذه الخدمات من قبل الأوروبيين.

إن اتهام الحضارات الأخرى بأنها قائمة على العبودية والعنف وتبرئة الحضارة الغربية من العبودية والعنف هو الكذبة الأكبر التي يطلقها حاملو هذه المقولة والمبشرون بها، فالحضارتان الإغريقية والرومانية لديهما سجل من العنف الدموي انعدم نظيره في التاريخ البشري، أما "مجتمعات الأحرار والديموقراطية" في أثينا وروما فكانت خاصة بملاك العبيد والتجار والعسكريين فقط دون سائر البشر والذين هم من العبيد سواء كانوا من أهل البلاد أو أسرى جرى استجلابهم بقوة السلاح من البلدان الشرقية الخاضعة. بمعنى أن ظاهرة العبودية ليس لعنة ميتافيزيقية حلت بالشرقيين دون الغربيين كما يحاول بعض الكتاب العرب إقناعنا، بل هي ظاهرة تاريخية بشرية وعالمية تنبغي مقاربتها علميا وبحياد وعمق حتى لا تتحول إلى نوع من الهجاء الأيديولوجي الذميم. وبهذا الصدد مفيد أن نعلم أن العنصرية ضد السود والملونين ماتزال تتحكم في المجتمعات والدول الغربية حتى يومنا، أكثر منها في غيرها من المجتمعات، بل أنَّ الأحزاب والشخصيات التي تتبنى العنصرية والعداء للآخر غير الأبيض في أوربا الغربية والولايات المتحدة الأميركية في حالة تفاقم وصعود انتخابي وجماهيري متعاظم! 

إنَّ ما يسميها الراحل العلوي "التكوينات المفهومية لمصطلح " الثقافة الغربية" المعادي الجوهري للحضارة الشرقية تقوم في اعتقاده على الموروث الهمجي الروماني أولا، والتجارة والتملك الخاص ثانيا، وانحلال العائلة ثالثا، وحرية الفرد على حساب المجتمع رابعا، والعنصرية المعبر عنها بالإلغاء الجسدي للملونين كما هو جار منذ عام 1492 وحتى الآن (سنة 1998) حيث يرفع الأميركيون شعار "العراق يجب أن يُدَمَّر" استكمالا لشعار أسلافهم في الإمبراطورية الرومانية المقدسة "قرطاجة يجب أن تُدَمَّر - سنة 149 ق.م"!

إن تبني مقولات كهذه المقولة الخاصة "بالانتصار النهائي للحضارة الغربية"، والتبشير بها بهذه المنهجية التجزيئية والسطحية التي تهدر السياق التاريخي للمقولة وللظاهرة التي تقاربها معا، وتهمل ما لا يعجبها من مثالب السردية الغربية وتبرز ما يعجبها من مثالب السرديات الشرقية، كأن يلتقط  باحث معين مجزرةً هنا و أخرى هناك من تاريخ الفتوحات العربية الإسلامية في القرن السابع الميلادي، ليحولها إلى ظاهرة ثابتة؛ إن هذا كله، لن يعني في نهاية المطاف سوى الانحياز الأيديولوجي الكامل من قبل الباحث المعني إلى الاستشراق الغربي العنصري المعادي للآخر والتحول من باحث رصين إلى مبشر أيديولوجي لا حظ له من العلمية بمقولة "انتصار الحضارة الغربية النهائي" والتي لا معنى لها غير انتصار الإمبرياليات الغربية العنصرية على العالم.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

 

علي رسول الربيعيأريد أن أطرح هنا سؤالا عميقا. هل نحن بحاجة إلى نظرية سياسية حقًا؟ هل يمكن أداء وظيفة النظرية السياسية بشكل أفضل من خلال شيء آخر، كما الإيديولوجيات مثلا؟ لماذا نحتاج إلى نظرية سياسية؟  قد لا يمكن الإجابة هذا السؤال ما لم  ندخل على أجابته من خلال الأسئلة الكبيرة عن الوجود البشري والحياة الجماعية. قُدمت العديد من الإجابات ولكن معظمها إجابة لمرة واحدة كما في  الأديان والكوسمولوجيا. تؤدي الفلسفة / النظرية (وأنا استعمل المصطلحين هنا بمعنى متطابق) السياسية أربع وظائف تفسيرية ومعيارية مترابطة. إنها تفسر على المستوى الأكثر عمومية، وهي تقيم وتخبرنا بما يجب أن نفعله، وتتأمل أو تتكهن بحالتنا الحالية والمستقبلية. كما تخبرنا من نحن. قد لا تختلف هذه الوظائف عن المهام التي تؤديها الكوسمولوجيا والأيديولوجيات. لكني أرى أن الفلسفة/ النظرية السياسية تختلف عن كليهما. وأن للنظرية السياسية وظيفة خاصة في ظل الأوضاع الحديثة.

 أريد أن أشير أبتداءً الى الأسئلة الكبيرة المجردة المهمة في الحياة البشرية التالية:

1- ماذا يوجد / يحدث في العالم؟ (فهم).

2- لماذا هناك أشياء / تحدث في العالم؟ (تفسير)

3- هل سيستمر شيء ما يجري في المستقبل؟ (تنبؤ)

4- هل هذا الموجود / يجري بشكل جيد أو سيء، صواب أم خطأ؟ (أخلاق)

5- ماذا علي أن أفعل؟ ما الذي يجب عمله؟ (المعياري)

6- من أنا؟ من نحن؟ (المعرفة الذاتية الميتافيزيقية)

إن حياة الإنسان مستحيلة تقريبًا دون توفر إجابات لكل سؤال من هذه الأسئلة. فتعلم الاجابة عن هذه الأسئلة يصبح الفرد انسانا. لا يمكن للبشر أن يعيشوا في مجتمع إلا إذا كان لديهم بعض الفهم لماهية طبيعة مجتمعتهم. فمن الأهمية بمكان، عن سبيل المثال، أن يكون لدى الفرد، في جماعة/ مجتمع هرمي في بناءه فهم لمنزلته وكذلك معرفة بالمكانة الاجتماعية للآخرين. لدى الفرد الذي هو في الموقع "الأدنى"  مكانة من سلسلة النظام التراتبي القائم فهم عملي لهذا الوضع، ويعرف أنه يجب أن يكون مؤمنًا وخاضعاً بشخص أعلى منه. كذلك يشعر بمديونية المعنى و يفهم من داخل نفسه ما يحدث عندما يقف شخص يركع رأسه، ويخفض عينيه أمام رجل آخر أعلى مكانة منه. إنه يفهم أيضًا سبب حدوث ذلك. لديه تفسير لذلك. إنه يعلم أن الشخص يجب أن ينحني أمام شخص آخر لأنه أقل شأنا. مثل هذه التفاهمات والتفسيرات هي جزء من المعنى المشترك والحاسمة لعمل الجماعة كمجتمع. وبالمثل، فإن أعضاء مثل هذا المجتمع لديهم فكرة عما يمكن أن يأملوه. لا شيءعمليا للطبقات السفلى بينما للطبقات العليا كافة الامتيازات. ويرتبط كل هذا بفهم مشترك إلى حد ما لما هو صواب وماهو خطأ، ماهو جيد وماهو سيئ وإلى فهم معين للذات في مجتمع هرمي/ تراتبي  يعمل بالشكل المطلوب، يعتقد الشخص الذي يعتبر أدنى أن الركوع أمام  سيده أو من هو في مكانه أعلى منه هو الشيء الصحيح الذي يجب القيام به، وسيكون من الخطأ انتهاك هذه القاعدة، ومن الذنوب التي لاتغتفر. وبالتالي، فإن امتلاك إجابات لجميع هذه الأسئلة أمر حيوي لعمل مجتمع هرمي الترتيب. إن توفر إجابات مختلفة على الأسئلة نفسها تقريبًا يجعل من الممكن قيام مجتمع فعال.

إن امتلاك فهم شامل بدرجة ما لمجتمع واحد لا يعني أن هذه معرفة متاحة كإجابات لكافة الأسئلة. ليس لدينا، في الواقع، أولاً أسئلة نطلب إجابات عنها. ولكن نبدأ في فهم عالمنا، فهم أعيدت صياغته كخلاصة وافية للإجابات على هذه الأسئلة الكبيرة عندما نتعلم، ككائنات مفكرة، طرح هذه الأسئلة. ولكن، ما هي الظروف التي نتعلم فيها إثارة هذه الأسئلة؟ هناك العديد من الأسباب وراء حدوث ذلك. أذكر ثلاثة منها. قد يحدث ذلك، أولاً، إذا كان فرد أو مجموعة معزولين عن بقية المجتمع لأي سبب من الأسباب. فقد يسأل هؤلاء الأشخاص المنفصلون: هل أنتمي حقًا إلى هنا؟ من أنا حقا؟ تؤدي هذه الغربة إلى أزمة تفاهم متبادل. ثانياً، يمكن أن يحدث هذا مع دخول الشخص الغريب الذي تثير تصرفاته الغامضة الفضول والتنافر الداخلي. لماذا يفعل هذا الرجل كل ما يفعله؟ كيف ينبغي لنا أن نتعامل معه ومع الآخرين مثله؟ ثالثًا، قد يكون سببها تغييرات غير متوقعة في العالم الطبيعي: المرض والفيضانات والزلازل وأي كارثة طبيعية. لماذا تحدث هذه التغيرات الدراماتيكية في الطبيعة؟ لماذا تحصل هذه المعاناة في هذا العالم؟ لماذا هناك معاناة في العالم؟ لماذا نولد على الإطلاق إذا كان يجب علينا أن نعاني؟ تغييرات لا يمكن التنبؤ بها في الطبيعة، ومجيء الشخص الغريب، وإمكانية تفكك المجتمع، كل هؤلاء يقودون البشر إلى طلب إعادة التعرف على ما أصبح غير مألوف.

ما هو إذن الدور الصحيح للنظرية الاجتماعية والسياسية؟ لماذا نحتاجها؟ دعني أوضح على الفور وظيفتين للنظرية السياسية تتقاسمانها مع النظرية الاجتماعية. لاتفصل الوظيفة الأولى عن العلوم الإجتماعية ولكن سمة مكملة لها بما في ذلك العلوم السياسية. وإذا كانت الفلسفة / النظرية تساعدنا على أدراك هذا الفهم وجعله واضحًا، فأنه بالنظر إلى الميزة الأولى – التي ذكرتها سابقا في مقالاتنا عن النظرية السياسية- فإن الأخيرة هي جزء لا يتجزأ من العلوم الاجتماعيه التجريبية. لا يمكنك تحديد ما ترغب في توضيحه أو شرحه به مالم يكن  لديك أدراك مفاهيمي لماهية هذه النظرية أو الفلسفة وأن أحد مكوناتها المركزية ليس مجرد خادمة للعلوم الإنسانية ولكن أحد مكوناتها وسماتها الأساس. هذا هو الدور التأويلي والتفسيري لدور النظرية السياسية.

الوظيفة الثانية للنظرية السياسية هي: نظراً لأن تتمتع بعض الظواهر الاجتماعية والسياسية وعلى  نطاق واسع بحيث لا يمكن لأي تحقيق تجريبي محدد أن يترجمها أو يعبر عنها؛ ولا يمكن أن تنتج، ايضاً، عن مجموعة  محددة من التفاصيل التجريبية. ومن غير الممكن مطلقًا أن يكون جمع البيانات والاستقصاء المتحكم فيه كافيين لفهم التكوينات الاجتماعية الكبيرة ولتفسير التغييرات التي تحدث داخلها أو أيً تغييرات من نوع إلى آخر. لذلك، لا يمكن مطلقًا فهم أو تفسير تفسير صعود الرأسمالية أو الانتقال من الإقطاعية إلى الرأسمالية دون قدر من التكهنات المستقلة عن البحث التجريبي. ولا يمكننا أن نفهم تمامًا طبيعة الحداثة، أو مجموعة متنوعة من المآزق الإنسانية في العالم الحديث، أو الصفات العامة للتبعية في مجتمع يستعمره مجتمع آخر فقط عن طريق البحث التجريبي الخاضع للسيطرة. إنه من الأفضل القيام بهذه المهمة من خلال النظرية الاجتماعية والسياسية. يتم التعرف على هدف هذا الاستقصاء بحد ذاته على مستوى عام جدًا ولا يمكن التحكم بشكل أوضح في فهمه أو تفسيره بشكل كامل بواسطة البيانات التجريبية ولأنه يتطلب قفزة تأملية تخمينية أو قفزة غيبية كما يسميها استاذنا عرفان عبد الحميد. لذا على النظريات السياسية أن تؤدي هذه الوظيفة الثانية المتمثلة في توفير نظرة وفهم للنمط العام للممارسات الإنسانية والتغيير الاجتماعي. يسميه بيخو باريخ هذا الدور التأملي للنظرية السياسية.

Bhikhu Parekh, 'Political Theory: Traditions in Political Philosophy', in Robert Goodin and Hans-Dieter Klingeman (eds), A New Handbook of Political Science, Oxford: Oxford University Press, 1996, p. 509.

 ومن أجل فهم الوظيفة الثالثة للنظرية السياسية، من المهم تسجيل الفرق النوعي الثاني بين العالم الطبيعي والعالم الاجتماعي، وبالتالي، الفرق بين العلوم الطبيعية والإنسانية. ليس من المنطقي طرح أسئلة أخلاقية وذات صلة بالذات البشرية  تجاه العالم الطبيعي.  فمن غير المنطقي طرح السؤال التالي: كيف يمكننا تقييم قوة الجاذبية أخلاقيا؟ هل هناك أي شيء جيد أو خير فيما يتعلق بقوانين الحركة؟ هل المركبات الكيميائية لديها المعرفة الذاتية؟ لكن ايضا لابد من التأكيد على أن الأسئلة الأخلاقية والمعيارية تقع في قلب العالم البشري.

لماذا ذلك كذلك؟ لننظر الى ما يتعلق بتبعية الفعل في العالم البشري. إنه لمن الصحيح يمكن تفسير الفعل البشري وأعطاء سبب حدوثه. وفي هذا السياق  لايختلف تفسير فعل ما عن تفسير أي حدث طبيعي. لكن، في حالة الفعل البشري، يمكننا طرح سؤال آخر: هل سبب الفعل هذا سبب جيد أو خير؟ فأن تقول، مثلاً، أنه سبب وجيه يعني تأييد العمل وتبريره. فلا يتم تفسير الفعل فحسب، ولكن يُبرر. وكما قلت، يتم تحقيق هذا التبرير دائمًا في ضوء فكرة ما اذا كان جيداً أو سيئأ صائباً أم خاطئا.ً 

أريد أن أخلص  الى خاتمة عامة؛ وهي: القول بأن العالم البشري يعتمد على الفعل، يعني إنه يستند إلى مجموعة معينة من الأسباب من بين عدة أسباب متاحة، وأن خيار التصرف بناءً على واحد بدلاً من الآخر يتم في ضوء فهم الشخص وحكمه على ما هو جيد أو حق في السياق. هذا الفهم يمكن تقييمه من قبل الآخرين. يمكننا أن نسأل ما إذا كان حكم الشخص على ما هو جيد  هو حكم حق وصحيح. علاوة على ذلك، فإن ما ينطبق على الفعل البشري ينطبق أيضًا على الحالة التي يتعلق بها الأمر. أي شيء ناتج عن عمل بشري موجود من بين العديد من الاحتمالات وجزء من سبب وجوده لأن الفرد أو الأفراد المعنيين قاموا به في ضوء فهمهم لما هو جيد أو صحيح. على الرغم من أن أي فعل  لا يتم تحديده دائمًا من خلال الخيًر أو الصحيح، فإنه يتم على خلفية تمييز نوعي بين الخير والشر، الصواب والخطأ.يمكن تقييم الفعل البشري والعالم الذي يخلقه بالضرورة لأن المكون المعياري جزء لا يتجزأ منه.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

علي المرهجالتطرف سلوك سيكولوجي فيه قدر كبير موروث من الوسط الأسري والاجتماعي بقدر ما فيه من الموروث الفكري، ليتحول الفكر إلى سلوك نفسي عند الفرد يرفض فيه الآخر.

لعوامل البيئة الاجتماعية الدور الكبير في تنيمة سلوك التطرف أو تقليله.

اللغة لها دور في تنمية سلوك التطرف عند الفرد، فكلما كانت تربية الفرد في وسط بيئي واجتماعي مشحون بألفاظ عُنفية نجد الفرد يختزن هذه الألفاظ لتتحول عنده إلى سلوك عدواني.

عُنف اللغة وسخف معجمية اللهجة العامية عندنا في العراق تُورَث عنفاً سلوكياً أشد وأقسى من عُنف اللهجة..

أعتقد أن استخدامنا لألفاظ قاسية في ردع تصرف للأطفال سيوَلد عندهم ولو بعد حين عُنفاً مُضاداً نجد اطفالنا يستخدمونه بقساوة قلب أشدَ منَا..

نزوعنا نحو مصادرة آرء الأبناء، واعتمادنا في التربية على نظام الوصاية الأبوية إنما هو عامل فاعل في تنمية سلوك التطرف عند الأبناء.

نمط التعليم على قاعدة التلقين إنما هو ممارسة عُنفية واستغفال لعقل التلميذ لأنها عملية تحمل في طيَاتها استخفاف بعقل التلميذ وكبت لآرائه، باعتماد على معادلة تربوية ناقصة فيها المعلم هو المُرسل والرسول، وكأن الباطل لا يأتيه لا من أمامه ولا من خلفه!، والتلميذ لا مهمة له سوى التلقي السلبي لقول (المعلم). إنه عُنف التربية..

هناك اقصاء آخر فيه نوع من أنواع (الاخصاء) فكل رجل في القبيلة أو العشيرة لا رأي له بعد رأي (شيخ القبيلة) فهو الحكيم والعالم وغير ه لا مهمة له سوى الطاعة والرضوخ والقول: كلامك ذهب يمحفوظ.

تلك الحال لها وجود وفاعلية في إدارة الدولة، فكل الشعب لا دور له، لأن صوت "القائد الضرورة" إنما هو بالضرورة صوت الشعب!!.

وفي أحزابنا هناك ممارسة عُنفية يشترك فيها السيد (قائد الحزب أو مؤسسه) وأتابعه من المُتملقين الذين يُجيدون التمجيد على قاعدة مُستعارة من مسرحية (عدل إمام) "الزعيم" (أنت الشعب والشعب أنت) و(لا زعيم إلَا الزعيم)..

في التربية الدينية هناك مرجع وآخر مُقلد ولا دور للمُقلد ولا اعتراض له على المرجع لأنه (أعلم الأولين والآخرين).

عند الصوفية هناك الشيخ والمُريد، ولا مكان لمُريد في حلقة الشيخ إذا لم يكن الهيام بمحبة الشيخ وطاعته أصل من أصول تواجده في حلقات الذكر..

في كل ما ذكرت من أنماط سبقت إنما فيها اصرار وتأكيد على أن يُسلم الإنسان عقله بيد آخر ويعترف بقصوره الذاتي!.

تلك الأنماط من التفكير هي الموَلدة للعُنف حتماً سواء باتخاذ مراجعها لهم على أنهم أدوات يُحركونها متى ما شاءوا!، فأنت تجد المُتطرف لا عقل له لأنه يُفكر بعقل غير عقله، عقل تمكن من الهيمنة عليه ليُحركه ذات اليمين وذات الشمال، وهو فرح بهكذا توجيه على قاعدة (ذبها بركبة عالم واطلع منها سالم)!.

العقل المُتطرف لا يرغب أصحابه بالتفكير لا بالعقل ولا في العقل، لأنهم وضعوا عقولهم بيد آخر يُفكر بالنيابة عنهم..

التطرف فيه أنواع: تطرف عرقي وآخر ديني و تطرف مذهبي عقائدي، وتطرف حزبي أيديولوجي، وآخر أثني فيه تمييز بين البشر على أساس اللون، وهناك تطرف طبقي فيه تمييز بين بني البشر على أساس اقتصادي!، هو تمييز بين بني البشر (النُبلاء) و (الفقراء)!.

في التطرف انبهار وتكور حول (الأنا) ورفض وتقزيم للـ (الآخر) المُختلف.

 

ا. د. علي المرهج

 

مجدي ابراهيمتنهض اللغة فينا ولا شك، وتنهض حياتها وفاعليتها على الأمم والشعوب، بمقدار نهضة الروح العربية نفسها، ولا شيء يعطي القدرة على حفظ اللغة العربية من التدهور، غير التدريب عليها بمعرفة أساليبها القديمة، وقوة التجديد بعد المعرفة على تلك الأساليب وتطورها من زمن إلى زمن، ومن عصر إلى عصر، ومحاولة الوقوف على أسرارها العربية في عيونها الأصيلة، واتصال الجديد دوماً بالقديم فيها، وحفر قنوات معرفية بين الأحقاب التاريخية المختلفة للوقوف على الروابط المشتركة بين طارق وتليد أو بين أصيل وجديد.

إن العيون التليدة في لغتنا العربية لهى مظهر تجليات اللغة فينا، والتعبير عن حقبها المتلاحقة في مواردها العربية التي كان أجدادنا يعيشون عليها في سالف الزمان ثم صرنا نحن ورثة الأجداد نعيش بروح غير الروح وفؤاد غير الفؤاد، إنما هو مسئوليتنا نحن قبل أن يكون مسؤولية أحد سوانا.

وكشف اللثام عن اتساق المعنى والقيمة والدلالة بين تلك العصور والأحقاب، وامتداد هذه القيم الفاعلة فينا كلها عبر الأزمنة المختلفة هو أيضاً تبعة مرهونُ قيامها بنا بمقدار تحملنا لها، والحفاظ عليها، واتصالنا بمصدرها، ووجوب القيام بتحمل تبعاتها مهما كانت الظروف مواتية أو معاكسة، ومهما كانت الأوضاع التي تجيء فيها تلك الظروف عاملة ناهضة أو خاملة ساقطة.

فلئن اختلفت لدينا طرائق العيش، وتطور الزمن بنا تطوراته المفروضة، فلا أقلَّ من أن نجعل من لغتنا العربية : مزية التوحُّد وفضيلة الاتصال المباشر بين الأبناء والأجداد، مادة حيوية فعالة تحفظ فينا الهوية؛ ونحن إذْ ذَاك على وعي بإرادة اللغة فينا، شئنا ذلك أم أبينا، وعي تحدوه المعرفة بالأمل في الإصلاح على كل حال، وعلى أية حال.

اللغة (أولاً) كالوطن؛ لك أن تتصور أحداً يهجر وطنه، ويعيش مجرداً عن لغته في أوطان الآخرين، لا يعرف له أرضاً تقلَّـه ولا سماء تظله؛ فهو عالة على أرض غير أرضه وسماء غير سمائه، يتكلم بلسان غير لسانه, ويشعر بالغربة الدائمة، وهو -  إنْ كان سوياً -  لا يملك القطيعة مع وطنه، ولا يستطيع، لكنه لا يلبث إلا أن يشتاق إلى هذا الوطن؛ ليتنسم آخر الأمر نسمات التَّحَرُّر من رق الاغتراب.

اللغة كالوطن؛ لا يستطيع المرء الأصيل أن يهجرها إلى غيرها، وإنْ فرضت عليه الظروف مثل هذا الهجران؛ فالعودة إليها من المؤكد من ظمأ الشوق عنده في غالب الأحوال. وليس أدل على ذلك؛ من تكتل الجاليات العربية في البلاد الأجنبية وتلاحم بعضهم مع البعض الآخر؛ فإنهم يجدون السعادة في تقاربهم حتى لو كانوا أعداءً في أوطانهم لا يمكن التأليف بين قلوبهم. أما في الغربة؛ فيجمعهم حبّ الوطن ولسان اللغة وعافية اللقاء. لم يكن حديثاً مفترى ذلك الحديث الذي كان جرى في القرن الماضي، وخاض في أمره الكتاب والمؤرخون، وأرجعوا اتصال أسباب القومية العربية إلى عِدّة أمور، منها الأرض، واللغة، والدين، والجنس والعادات والتقاليد، والتاريخ المشترك.

وإذا كانت هناك أمم في العالم كسويسرا تتكلم ثلاث لغات هى الألمانية والفرنسية والإيطالية ومع ذلك تجمعها بغير تفرقة راية واحدة، فمن باب أولى أن ينسحب ذلك على الأمة العربية التي تتكلم لغة واحدة، فتظل اللغة عنصراً قوياً من عناصر الهوية العربية والقومية العربية سواء؛ لأننا إذا قلنا قومية عربية فقد قلنا في الوقت نفسه هُوية عربية بامتياز، فإن لهذه الهوية العربية دعائم أصيلة تتأسس عليها بمقدار ما تأسس القومية العربية : على دعائم الحرية والمساواة، والخير، والعدالة، والسلام، والتسامح, وهى القيم الحضارية الكبرى في الإسلام، وهى التي غزت بها القومية العربية العالم منذ أربعة عشر قرناً من الزمان؛ ولأن اللغة لا تنفصل عن الحضارة، إذ كانت عنصراً فاعلاً من عناصر الحضارة، وكانت أعظم أداة من أدواتها؛ فلقد قامت بالدور المبهر في التوسط بين الشرق والغرب، إذ فرضته عليها مكانتها الجغرافية المتوسطة بين دول الشرق مثل فارس والهند والصين ودول غرب أوربا فكانت واسطة لنقل الحضارات وتفاعلها بين الشرق والغرب.

وكما قامت اللغة بهذا الدور الوسيط قامت به العناصر الحضارية الأخرى فيما بعد من علوم وفنون وآداب وصناعات. وهى في ذلك كله تعد لغة أدب وفن ودين وعلم، استطاعت التعبير عن كل ما يدور بخلد الإنسان : خواطر نفسه وخوالج روحه ووجدانه.

واللغة (ثانياً) هى النموذج البنَّاء، والصالح للبناء، في عقيدة المسلم، بل هى النموذج الصالح للبناء في جميع عقائد الإنسان على التعميم؛ فما من لغة على وجه الأرض إلا وفيها عقيدة تخدمها. والعلاقة بين اللغة والعقيدة كالعلاقة بين الروح والجسد، لا ينفصلان : تخدم اللغة العقيدة من جانب، بمقدار ما تخدم العقيدة اللغة من الجانب الآخر، وفي تعبيرات اللغة شيء من حياة الروح لا يعرفه إلا مجربوه. في جمال الكلمة عقيدة روحية وفكرية عجيبة، ومن هنا كانت قيمتها؛ أعني قيمة اللغة من قيمة الكلمة لأنها الطريقة الإدراكية التي يتمُّ بها التعبير عن وعي الوجدان - إحساساً وشعوراً - في الإنسان، وكلما أحكمت تلك الطريقة، كان لزاماً إحكام إدراكات الفرد على وجه العموم لأنها في المجمل إحكام لحركة الذهن وإدراك للعمليات العقلية والشعورية فيه.

واللغة والإدراك لا ينفصلان؛ لأنهما في الأصل يقفان على رؤية واحدة، وعلى همِّ واحد، لا يتباين بتباين المواقع ولا يختلف باختلاف الظروف والأحوال في جوهر الوجود الذي لا يقيد الفرد ولا يحدُّ في طريقة تفكيره الصالح للمعرفة والتثقيف والوعي والإدراك، بمقدار صلاحه لسائر الأمور التي ترتبط بالحياة الإنسانية أوثق رباط وأشمله وأعمَّه وأحكمه. ذلك أن الإحساس باللغة من الأهمية بمكان بحيث يجعل روح الإنسان صاعدة على الدوام في طريقها الواعي بكل عمليات التفكير وعمليات الإدراك.

فمن الأهمية بمكان كذلك - كيما نحافظ على الرمق الأخير من لغتنا - أن تستمر الحملة النشطة على فاعلية الكلمة المطبوعة حملة تبين خطورتها تلك؛ لتفرز الغث من الثمين والصالح من المعطوب فيُطالعها القارئ والكاتب على السواء، وتحفظها رفوف المكتبات وأجهزة الحفظ الحديثة لتكون مع الزمن عنواناً دالاً على كاتبها، بل هى من المؤكد العنوانُ الدالُ على عقول الأمة في فترة زمنية حدث فيها شد وجذب، وأخذ ورد، وانفتاح وتثوير لكل القيم الوجودية الحيوية بغير استثناء، تماماً كما حدثت فيها حروب ظالمة على الأوطان العربية أفسدت روابطها الشعورية وإحساسها بالكلمات.

وفي أزمان الحروب (ولأن الحرب تطهير) يكثر التعلق بثوابت الوجود العربي، وخاصة اللغة العربية فيه التي تدعو إلى التسامح فيما لو أحسن ورودها عليه، ويدعو إليها لو أحسنت قبولها له، وتسع ألفاظها آفاق السلام مجتمعة بكل لغات العالم.

وفي لغتنا العربية حياة حية نابضة فيها شرايين الحياة؛ إنْ في كلماتها وإنْ في إيحاءاتها ودلالاتها؛ إذْ لولا اللغة لما كانت هنالك في الحياة عموماً تلك المكانة التي يسمو إليها الكيان العربي بأسره، ويتطلع إلى الوصول إليها في كل ساعة وفي كل حين، أعني مكانة أن يكون العربي مستقلاً في الوجود وفي الكرامة مقدار استقلاله في لغته وفكره وتعبيره وتفكيره، حتى إذا ما رأيت اليوم مكانة العربي مهددة ووطنيته ممزقة وهويته غائبة وأيديولوجيته مفقودة وأمنه مضطرب؛ فاعلم أن ذلك مردود بطبيعة الحال إلى اللغة؛ لأنها عنوانٌ دالٌ على الهُويَّة فيما لو غابت هذه غابت تلك. ولِمَ لا ؟! واللغة شارة التواصل الوطني وقيم القومية العربية، لو غابت هذه تمزق الوطن العربي، وصار بلا كيان ولا وصال!

حقيقةً، يوم أن نبذنا فكرة القومية العربية ودعائمها الروحية والخلقية خارج سياق الأحداث الجارية في الوطن العربي فقدنا بالتالي هويتنا الحضارية فلم نعد ندرك لها معلماً واحداً نتعلق به، ولم نعرف لنا من القيم ما عسانا ترسو عليه ركائبنا. تقترن الوطنية العربية بأوصال هذه الفكرة القومية وتتصل بها أحكم اتصال.

واللغة (ثالثاً) روح الأمن والأمان والطمأنينة، فيما لو اتصلت بين أبنائها بروح الفكرة ووحدة المبدأ وشمول العقيدة وخلوص الاتجاه وَرُقي الأداء؛ فكل تلك المعاني "قيم من اللغة" فيما لو فُعّلت تدفع إلى التواصل والتماسك، ولا تؤدي إلى التَّفَرُّق والانقسام.

واللغة (رابعاً) هى وعاء الفكر وهى الدلالة عليه. ولا يوجد فكر جيد بغير لغة جيدة، ولا تكون لغة جيدة ولا يحملها فكر جيد. واللغة والفكر كما تقدَّم صنوان لا ينفصلان؛ فالعبارة التي تقولها مكونة من جمل، والجمل من كلمات، يقولها العربي في كل بلد لأنه عربي، هى في نفس الوقت تحمل فكرة دالة على معنى بمقدار دلالتها على هَمِّ واحد مشترك، وليس هناك في اللغة شيء بلا فكر؛ ليس هناك في العربية لغة تقول شيئاً، وفكر يقول شيئاً آخر؛ هنالك وحدة بين القول والفكر حتى هذا الذي يسمونه "إنشاءً" يجيء وقعه على قلوب الغافلين سخرية واستهزاءً. أقول؛ حتى هذا الإنشاء قائم على عصب التفكير وعنت الشعور والوجدان.  أعطيك هنا مثالاً واحداً فقط على فن صناعة الإنشاء كما رآها الشيخ محمد عبده من وجهة نظره :

لو كان الأزهر الشريف مع احترامي لكل من فيه، وما فيه، قد استمع لنصيحة الإمام محمد عبده رحمه الله ولم يضرب بها عرض الحائط؛ لأصبح حاله اليوم غير الحال، ولخرَّج أجيالاً قادرة بحكم تكوينها على اكتشاف الحق الجديد دون حاجة ماسّة إلى التقليد.

كان الشيخ مصطفي عبد الرازق يحضر دروس الإمام محمد عبده، وروى فيما رواه، أن الشيخ المفتي "محمد عبده" قال لهم يوماً في درس "دلائل الإعجاز" حيث ذكر صناعة الإنشاء، وتهاون الأزهريين بها ما يأتي:  فماذا قال؟!

"باطل ما يقولون من أن ملكة البيان سهلة التحصيل هينة الخطر، وأنهم إن شاءوا لما أعجزهم أن يقولوا فيحسنوا ويكتبوا فيجيدوا؛ لا وربك إنهم لأعجز شيء عن أدنى مراتب البلاغة، وأن أدمغتهم لمحشوة بشروح التلخيص وحواشيه وتقريراته ولكنها خلوّ من ذوق البيان، بعيدة عن فهم أسرار البلاغة. تلك علالات يخدعون بها أنفساً ضعيفة فلا تسمعوا لهم. واعلموا أن فن الإنشاء فن عزيز المنال شرف الفائدة. قضيتُ في تعلم الإنشاء خمسة عشر عاماً - هكذا يقول الشيخ محمد عبده - وما أظن ملكة كاتب تنضج في أقل من هذا الزمن مع حسن الاستعداد، والأخذ بجد في تحصيل الوسائل والإكثار من التمرين. أقرءوا - هكذا ينصح الإمام محمد عبده - كتب الأدب وأحفظوا من مختار الشعر وجيد النثر، وحركوا أفكاركم وخيالاتكم، وهزوا ألسنتكم وأقلامكم".

"إن أحدكم ليستطيع أن يجعل لكل يوم صحيفة يقيد بها ما يمر به من الخواطر والملاحظات، وما يسترعي نظره من الحوادث أو يقص فيها ما عمله في يومه، ولهذه الطريقة فوائد جمة؛ لأنها فوق نفعها فى تمرين ملكة الإنشاء تحمل الإنسان على مراقبة نفسه وتصفية حسابها في منتهى كل يوم".

هذا القول الكريم لرجل كريم هو الذي خرَّج جيل العمالقة والقمم والشوامخ في الأدب والفكر والفلسفة ممَّن كانوا استمعوا مصيخين وبإخلاص لكلمات الأستاذ محمد عبده في حين كاد الأزهريون أن يتهاونوا فيها. هذا الدّأب المتواصل على التحصيل هو الذي يخرّج الكاتب المستنير، فالتمرين والتدريب على فن البيان عمل شاق لا يأتي بين يوم وليلة، ولكنه يؤهل كاتبه لصناعة الرأي الرشيد والمعرفة السامية.

نعم! ليس هنالك في العربية لغة تقول شيئاً وفكر يقول شيئاً آخر إلا في حالة واحدة اللهم إلا إذا كان الكلام فارغاً لا يؤدي إلى معنى ولا يهدف لمضمون.

ولا يخلو تفكيرُ المفكر من لغة تنقلُه من الباطن إلى الظاهر، ومن الداخل إلى الخارج، ومن المطمور إلى الجلاء والظهور، واللغة هى الأساس الذي ينقل كل هذا، ويتعامل مع هذا كله بفكرة حرة ودلالة لا قيود عليها. فالذي يُنْشئ من العبارات كيفما يشاء له الإنشاء إنما هو ينشئ معنى يخلقه تفكيره، ويصور فكره غابت فيها قريحته غيبة التحقيق وعانت في هذه الغيبة حتى أخرجتها من ظلمة العدم إلى نور الوجود، وهو في هذا ينحت من اللغة معنى جديداً، ويظفر بالجديد في كل إنشاء جديد ويصوغ عبارة يظنها لم تعرف طريق النور إلا على سنان قلمه، ذلك القلم الوَلَّاد الذي أنشأ الجديد من الفكرة الجديدة، في لغة جديدة أحسّها وأستشعرها ولو كانت قديمة.

هنالك لا يكون التجديد تجديداً بغير تحصيل القديم، تحصيلاً يكشف عن معرفة حقيقية به، وينمُّ عن إحاطة واسعة وشمولية، تقوم على النقد البناء، تؤهل من يتصدى له لتخريج مبدع أصيل وخلَّاق يعرف باسم "المجدد". أما الذين يتخذون من التجديد ستاراً للعيِّ الذي يُلاحقهم فلا ينفكون عنه، فهم لا يُجَدِّدون بل هم يَعْبَثون، وفي كل واد إلا واد التجديد يهيمون. (وللحديث بقيّة).

 

بقلم: د . مجدي إبراهيم

 

محمود محمد علياتبع نحاة القرن الرابع الهجري نهجا جديدا في دراساتهم ومصنفاتهم النحوية، يقوم علي الانتخاب من آراء المدرستين،البصرية والكوفية جميعاً، وكان من أهم ما هيأ لهذا الاتجاه الجديد أن أوائل هؤلاء النحاة،وهو "الكسائي" رحل إليها ليذيع فيها علمه وآراءه، فقربه الخليفة العباسي الخامس "محمد المهدي" (ت: 169هـ) إليه، وجعله في حاشية ابنه "هارون الرشيد " (ت: 149هـ)، وحين آلت الخلافة إلي الرشيد ندبه لتأديب ولديه الأمين (ت: 198هـ)،  والمأمون (ت: 218هـ)، ولما مرض الكسائي، وتقدمت به السن، طلب الرشيد منه أن يختار من يخلفه في تأديب أولاده، فاختار من أصحابه " علي بن المبارك الأحمر "(ت: 194هـ)، وهكذا استطاع الكسائي أن يُمكن للمذهب الكوفي في بغداد، وحظوته عند الرشيد هي التي رفعت مقامه عند وزرائه، وهي التي فصلت في المناظرات التي عقدت في مجالسهم بينه وبين سيبويه (إمام أهل البصرة في النحو)، وبينه وبين غيره كالأصمعي (ت: 216هـ)، وأبي محمد اليزيدي (ت: 310هـ)، وتدخلت في اغتصاب الفوز له في أكثر المسائل التي طرحت على بساط البحث بينه وبين مناظريه .

وتذكر المصادر أيضاً أن من أئمة المذهب الكوفي الذين اتصلوا بقصر الخلافة  " الفراء"، فقد ذكرنا عنه في الفصل السابق أنه عهد إليه الخليفة المأمون بتأديب ولديه، وكان له عندهما منزلة عظيمة، وقد بالغا  في احترامه، وإظهار الحفاوة له، يدل علي ذلك ما قيل من أن الخليفة أطل عليه ذات يوم فرآه عندما انتهي درسه مع ولديه تسابقا في إحضار نعليه، فناداه وسأله عمن هو أعز الناس ؟ فقال الفراء : أعز الناس هو أمير المؤمنين، فقال له المأمون : بل أعزهم هو من إذا نهض تقاتل علي تقديم نعليه وليا عهد المسلمين، حتي يرضى كل واحد منهما أن يقدم له فردا .

وكان لسيطرة الكوفيين علي مجالس الدرس النحوي في بغداد أول نشأتها أسباب كثيرة دعت إلي أن يُؤثر الخلفاء العباسيون ثقافة الكوفة على ثقافة البصرة، حتي صار " أبو العباس أحمد بن يحي ثعلب الشيباني"(200-291هـ)،  وهو كوفي المذهب، وإمام النحاة فيها لعصره، يعمل جاهدا علي دعم المذهب الكوفي، ويستعين على ذلك بأنصاره، وفي مقدمتهم " أبو بكر بن الأنباري "، و" أبو بكر بن السراج " و" وأبو إسحاق الزجاج" .  وكان من أهم هذه الأسباب التي مكنت للنحو الكوفي الانتشار في العراق، أن انتقال الخلافة العباسية إلي بغداد كان من الكوفة، ومن الهاشمية بالذات القريبة منها، فتبع علماء الكوفة انتقال الخلافة وواكبوها. علاوة على أن الكوفة كانت أقرب مسافة من البصرة إلى بغداد، فهي في منتصف الطريق بين البصرة وبغداد، وربما كانت المسافة أقل من ذلك، مما جعل استقدام العلماء منها أسهل وأسرع، وهنا يقول أبو الطيب اللغوي :" فلم يزل أهل المصرين علي هذا حتي انتقل العلم إلي بغداد قريباً، وغلب أهل الكوفة علي بغداد، وحدثوا الملوك فقدموهم، ورغبوا الناس في الروايات الشاذة وتفاخروا بالنوادر، وتباهوا بالترخيصات، وتركوا الأصول واعتمدوا علي الفروع .

وقد كان لهذا أثره، كما ذكرنا من قبل، في أن  أخذ الخلفاء العباسيون يقربون الكوفيين، ويتخذون من علمائهم معلمين لأولادهم، فيكون" المفضل الضبي" (ت:168) معلما للمهدي، ويكون الكسائي معلما للرشيد، ثم جليسا ملازما له، ومعلما لولديه الأمين والمأمون، ويكون الفراء صديقا للمأمون ومعلما لأولاده، ويكون ابن السكيت (ت: 244هـ) معلما لأولاد المتوكل . وقد يرتقي المقام بواحد من علماء البصرة،فينافس زميله الكوفي في خدمة الخليفة، أو في تعليم أبنائه كما نافس المبرد ثعلبا في تعليم عبد الله بن المعتز (ت: 296هـ) .

علي أنه لما كانت أكثر هذه الخلافات شخصية، لم يقصد بها وجه العلم، فإنه من الملاحظ أن انتصار الكوفة في بغداد لم يكن انتصارا لمذهبها النحوي علي مذهب البصرة، وإنما كان نصرا سياسيا،أو شخصيا فحسب ؛ أي كان نصرا لعلماء الكوفة لا لعلمها.

بيد أن الأقدار قد شاءت أن يجئ إلي بغداد " أبو العباس بن المبرد" عائدا من سامراء بعد مقتل " أبي الفضل جعفر المتوكل (205-   247هـ )"، الذي استدعاه ولازمه بقية حياته، فاستخدم نباهته وذكاءه ولباقته وسعة علمه،وتطور منهجه في البحث النحوي، واستخدامه وسائل الاحتجاج، والاستدلال، والتعليل، والنقض،والإعادة في تدريسه ومحاضراته، فاستطاع أن يشق له طريقا وسط هذا الزحام الكوفي المتسلط علي مجالس الدرس، وأوجد له مكانا بين المحاضرين في مسجد بغداد، واستقطب إلى درسه عددا كبيرا من الدارسين، من بينهم الكثير من أصحاب " ثعلب"، وكان من أشهرهم " أبو إسحاق الزجاجي" الذي كان أول من ناظره وأعجب بطريقته في الاحتجاج، والتعليل،  والشرح، والنقاش، فلازمه مطرحا ما كان معه من كتب المذهب الكوفي قاطعا صلته بشيخه الأول ثعلب .

وفعل مثل ذلك " أبو علي الدينوري" (ت:331هـ) ختن " ثعلب"، وكثر حوله الدارسون، منهم من لازمه، ومنهم من بقي ينتقل بين حلقته وحلقة ثعلب، ليطلع علي نحو المذهبين، ومنهج المدرستين،وليوازن بين علم الشيخين، وأسلوب الدرس عندهما، فنشأت حركة علمية نحوية تقوم علي التنافس بين الشيخين، وبين أصحابهما المتعصبين لهما، وقويت هذه المنافسة واشتدت وزاد عدد المتعصبين للمبرد، وبتعبير أدق المنحازين إليه، ووجد النحو البصري على أيديهم من بعده من العناية والاهتمام ما كان يحل به شيوخه الراحلون مثل سيبويه، والمازني، والأخفش وغيرهم، ونال كتاب سيبويه حظوة عظيمة، فقد كان عليه اعتماد الدارسين في مجالس درسهم،أقرأهم المبرد إياه،وشرحه لهم وجسرهم على الخوض فيه، ومن ثم التعمق في فهمه،ونقده، والاختيار منه .

واختفت كتب النحو الكوفي إلي حد ما ؛ ولا سيما كتب " الفراء "، بعد أن انزاح أثره واطرح لاطلاعهم علي ما هو أوسع، وأشمل، وأثبت، وأصح، وهو النحو البصري ممثلا بكتاب سيبويه، وهكذا خبت سيطرة النحو الكوفي على مجالس الدرس النحوي في بغداد، بعد أن استمرت حوالي قرن ونصف وتوهجت شعلة النحو البصري بآرائه، وكتابه وشيوخه من البغداديين الذين اقتفوا أثر أستاذهم المبرد في العناية بهذا النحو الأصيل .

ونحن لا نعني بظهور هذه الطائفة الجديدة من النحويين في بغداد زوال المذهبين السابقين : البصري والكوفة، ولا نعني اندماجهما في مذهب جديد، وإنما نعني بقاء المذهبين البصري والكوفي في بغداد جنبا إلي جنب بقاء لا أثر فيه للتنافس الشخصي، أو التناحر علي النفوذ والسلطان . فلقد كانت هناك كثرة من علماء بغداد أخذت بالمذهب البصري أخذ بحث واقتناع،  لا اخذ هوى وتعصب .

وكانت هناك قلة منهم أخذت بمذهب الكوفة وناصرته، وكان ممن قال بآراء البصريين، من نحاة القرن الرابع الهجري في بغداد : أبو إسحاق إبراهيم الزجاج، وأبو سعيد السيرافي، وأبو علي الفارسي، وأبو الحسن علي بن عيسي الرماني، وأبي علي الصفار (ت 314هـ)، وأبي محمد عبد الله بن درستويه (ت 347هـ) ، وغيرهم . وكان ممن أخذ بمذهب الكوفيين "أبو موسي محمد بن أبي سليمان الحامض"    (ت 305هـ) ، و"أبو بكر أحمد بن شقير" (ت 317هـ) ، و "أبو بكر محمد بن الأنباري" (ت 327هـ)، والخليل بن أحمد السجزي (ت 378هـ) القائل :

وأجعل في النحو الكسائي عمدتي ومن بعده الفراء ما عشت سرمدا .

وكان إلى جانب هؤلاء النحويين – الذين نعدهم امتدادا لمدرستي البصرة والكوفة في بغداد – نحاة آخرون خلطوا بين المذهبين، مثل أبي محمد عبد الله بن قتيبة الدينوري (ت 276هـ) ،وأبي علي بن سليمان الأخفش (ت 315هـ) ، وأبي بكر محمد بن الخياط (ت 320هـ).

وهكذا تمثلت تلك النزعات في نحاة هذا الجيل، إذ كانوا يتمسكون بالرأي الذي يستريحون له، يغلب علي ظنهم صحته سواء أكان موافقا لرأي البصريين أم الكوفيين ؛ فلا تعصب لأحد الفريقين علي الآخر، وأحيانا نري لهم آراء جديدة وصلوا إليها باجتهادهم، وهذه هي سمات المذهب البغدادي، وقد ظهرت بشكل أوضح في القرن الرابع الهجري، فما كاد فجر هذا القرن يبزغ حتي تهيأت الأسباب لتثبيت هذا المذهب، وتوطيد دعائمه، فكانت حرية البحث مكفولة لدي العلماء لأن بغداد قد استقرت العلمية فيها، وقد ازدهرت تلك الحياة بصورة واضحة بعد هجرة علماء البصرة والكوفة إليها، بسبب فتن الزنوج والقرامطة التي اشتد خطرها علي هذين المصرين في تلك الحقبة، فهجرها العلماء، وأخذوا يفدون علي بغداد وتضافر الجميع علي النهوض بالعلم متناسين الأحقاد، وساعد علي ذلك انقراض المجتهدين من المذهبين : البصري والكوفي، فكان " المبرد "،و هو من أئمة البصريين، كما كان "ثعلب"،  هو آخر أئمة الكوفيين، ومن ثم خلا الجو للعلماء يختارون ما يرجح دليله، ويقوي برهانه، دون تحيز أو مجاملة، كما نري ذلك واضحا عند علماء المذهب البغدادي الذين ظهروا في هذه الفترة، ويُعدون بحق أئمة هذا المذهب مثل : أبي سعيد السيرافي"، و"أبي علي الفارسي"، و"أبي الحسن الرماني"، و"أبي الفتح عثمان بن جني (ت 392هـ) "، و"أبي القاسم الدقاق (ت 415هـ)" ، و"أبي الفرج علي بن ابن عيسي الربعي (ت 420هـ)" .

ولست هنا متحدثا عن قيام مدرسة بغداد، فقد ثبت ذلك وكتب عنها كثيرون في القديم والحديث، وألف كل منها بحثا مستقلا، ويكفينا ما كتبه من المحدثين الدكتور "محمد حسني محمود"  في كتابه "المدرسة البغدادية في تاريخ النحو العربي"، فقد تكفل سيادته ما يمكن أن أقوله في هذا المقام... وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

منى زيتونتكلمنا في مقال سابق عن تطور التعليم المختلط عبر العصور، وفي هذا المقال نتحدث عن خصائص ومزايا التعليم المختلط من وجهة نظر التربويين الذين يرون أفضليته على التعليم غير المختلط، وخاصة التعليم المنفصل لكلا الجنسين.

ويمكن تلخيص الأسباب التي يستند إليها أصحاب الرأي المؤيد لتطبيق نظام الاختلاط في التعليم في البلاد العربية، وذلك تأسيسًا على نتائج الدراسات التي تمت في هذا المضمار في:

1- انفصال الجنسين يؤدي إلى إثارة الفضول المبكر في مخيلة الشباب.

2- يفضل من الناحية التربوية ألا يختلف تركيب المدرسة عن تركيب الأسرة والمجتمع، لأن البنين والبنات مختلطون وسوف يختلطون في المجتمع.

3- للاختلاط دور كبير في التكيف الاجتماعي، فالاختلاط بين أفراد الجنسين ضرورة اجتماعية ونفسية.

4- طلاب الدراسة المختلطة أكثر مقدرة على التفاعل والحركة.

5- وجود البنات في المدارس مع البنين يحسن من المستوى الأخلاقي والفكري والروحي والسلوكي.

6- التعليم المختلط هو الأفضل من الناحية الاقتصادية لإنشاء نظام واحد من التعليم في المدارس.

7- الإفادة من التعامل مع الجنس الآخر.

8- إثبات الشخصية.

9- مواجهة الحياة.

10- التغلب على مشكلة الخجل وزيادة الثقة بالنفس.

11- زيادة المواظبة والحضور بين التلاميذ والتلميذات.

12- المنافسة العلمية بين الجنسين ما يساعد على ارتفاع مستوى التحصيل لديهم.

13- تنويع النشاطات المدرسية وزيادة مساهمة الجنسين فيها.

14- الاختلاط يساعد على إشباع الحاجات النفسية لكلا الجنسين، وفي الوقت نفسه يعتبر إعدادًا لهما للحياة في المستقبل ومواجهة متطلبات هذه الحياة.

15- يساعد الاختلاط على النمو الاجتماعي والانفعالي والخلقي.

16- تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص في التعليم لكل من الجنسين.

17- يساعد على إقامة علاقات اجتماعية سليمة أساسها التقبل والاحترام المتبادل بين الجنسين.

18- أيضًا يستند المؤيدون للتعليم المختلط إلى أن الاختلاط كان أمرًا عاديًا منذ القدم عند العرب فلم يمنعوا الاختلاط بين الرجل والمرأة ولم يسبق لهم الفصل بينهما، حيث كانت المرأة تتعامل مع الرجال وتتحدث إليهم بحرية، كما لم تمانع القبائل العربية من اشتراك نسائها في مجال الشعر والأدب، فكانت النساء تفدن إلى سوق عكاظ وغيره ليستمعن إلى إنشاد الشعراء وخطب الخطباء.

19- أيضًا يستند المؤيدون إلى أن التغيرات الاجتماعية السريعة التي تجتاح البلاد العربية قد أباحت الاختلاط بين الجنسين في شتى المجالات سواء بالمدرسة أو النادي أو المكتب الحكومي أو المصنع أو الشارع وفي كل مجالات العمل على اختلاف أنواعها، واعتاد الجميع رؤية الرجل والمرأة في مكان واحد، ويعتبرون ذلك مبررًا لاستمرار هذه الظاهرة في التعليم.

هذا فيما يتعلق بوجهة النظر المؤيدة للاختلاط في التعليم في البلاد العربية، والتي تبدو في صياغتها أقرب للآراء الشخصية رغم استنادها إلى دراسات! ولا تختلف وجهة النظر المؤيدة للاختلاط في التعليم في الغرب كثيرًا في الأسباب المطروحة، لكن مع رصانة ومنهجية علمية في إجراء الدراسات وصياغة النتائج، فنجدها ترتكز إلى بعض الخصائص التي تراها الأغلبية المؤيدة من الباحثين الأجانب بأن الاختلاط أفضل من الفصل في المدارس، كما تعتبر التمييز الجنسي في المدارس غير مرض، وترى أن التعليم المختلط يتميز بعدة إيجابيات أهمها التمهيد للحياة الاجتماعية والعلاقات مع الآخرين، وأن الآداب المدرسية جيدة والمناخ طبيعي وأكثر ودية، وكذلك العلاقات بين المدرسين وبينهم وبين التلاميذ ممتازة، وأن روح المنافسة الودية بين البنين والبنات تحفزهم على الاهتمام بالمواد الدراسية، وهو ما يلزم تفصيله.

خصائص التعليم المختلط Coeducation properties

1- الفعالية (الكفاية) الاقتصادية  Economic Efficiency

بمراجعة دراسة اليونسكو عن 105 دولة في العالم، يلاحظ جرينوف (Greenough, 1970) أن "التعليم المختلط الحقيقي بدأ غالبًا كنتيجة لظروف خاصة أكثر من أي مبدأ معرف واضح"، ومن ثم فالتعليم المختلط نشأ كنموذج معتاد ليس بسبب الاهتمامات التربوية وإنما لأسباب أخرى غالبًا اقتصادية.

حتى في المدارس الكاثوليكية -وبنظرة نفعية، كما يذكر دورمان (Dorman,1997,p.8)- قام المديرون التربويون الكاثوليك بدمج المدارس منفصلة الجنس أينما كانت الضرورة لتكوين مدارس مختلطة، وذلك بمقياس اقتصادي أفضل، وبهذا فإن المناقشات حول التعليم المختلط أُسست على أساس مالي أكثر من الأساس التربوي.

ويؤكد ريوردان (Riordan,1990,p.2:26) على تلك الفكرة في دراسته عن التعليم المختلط بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث ذكر أن سياسة التعليم المختلط نادرًا ما نُوقشت على أسس تربوية، وأن هذه الممارسة غالبًا نشأت على أسس اقتصادية، كما يذكر أن الملاحظات التاريخية تؤكد أن توفير الدعم الحكومي غالبًا ما كان ناقصًا لتربية الفتيات، وأن المدارس كانت منشأة خاصة لتربية البنين، وأن بعض المدن القليلة فقط هي التي أتاحت الفرصة للفتيات للالتحاق بالمدارس الابتدائية إما مع البنين أو في ساعات منفصلة؛ أي أن أغلب المدن لم تستطع تحمل تكاليف إنشاء مدرستين لذا فقد طورت نظام التعليم المختلط بحيث يتعلم الجنسان معًا.

وفي الدول النامية على وجه الخصوص يرى الباحثون أن التعليم المختلط يجب ألا يُعارض لأن تلك الدول لا تملك حلًا غيره يتيح للفتيات فرصة التعلم.

لكنني أرى أن مدارس التعليم المختلط وإن كانت قد بدأت حقيقة تحت ضغط الضرورة الاقتصادية، لكنها بقيت طويلًا بعد أن استطاعت زيادة السكان ببساطة أن تدعم المدارس منفصلة الجنس، ما يعني أنه عبر الزمن أصبح نمط التعليم المختلط نمطًا مقبولًا على أسس تربوية لدى بعض التربويين والآباء كأفضل طريقة لتربية الصغار، وإن كان هذا يصدق على الحال في الدول المتقدمة أكثر مما يصدق في الدول النامية.

2- الوضع الطبيعي The Natural Situation

يشير ديل (Dale,1969-1971-1974) إلى أنه من الشائع الاحتجاج بأن المدارس المختلطة تمد ببيئة اجتماعية تكون طبيعية بشكل أكثر لإعداد المراهقين لأخذ مكانهم في مجتمع الرجال والنساء أكثر مما تقوم به المدارس منفصلة الجنس.

ويرى ريوردان (Riordan,1990,p.40) أن كثيرًا من الآباء والمعلمين يعتقدون أن التعليم منفصل الجنس ربما يعوق تطور العلاقات الإيجابية بين الأفراد من الجنسين، إنهم أيضًا يحتجون بأن البنين والبنات يجب أن يتعلموا أن يحيوا ويعملوا سويًا، ومن هذه النقطة فالفصل بين الجنسين في المدارس يخلق وضعًا غير طبيعي.

وتشير نادين بلاتو (Nadine Plateau,1995,p.60) إلى أن التعليم المختلط يعود إلى فكرة المجتمع المختلط الذي تطور من خلال النظرة بوجوب المساواة بين الجنسين سياسيًا واقتصاديًا.

وكان يُقصد من ذلك -وفقًا لخليل ميخائيل معوض (1983، ص 335)- أن تكون المدرسة صورة مصغرة من المجتمع.

ولكنني أرى أن تلك الميزة يوفرها التعليم المختلط في المجتمعات التي يتزايد فيها الاختلاط بين الجنسين في كافة مناحي الحياة، بينما يتعارض نمط التعليم المختلط مع مبدأ الفصل بين الجنسين السائد في بعض المجتمعات الأخرى.

3- اختزال الآراء الجنسية النمطية عن الجنس الآخر Reduction of Gender Stereotypes

يذكر ريوردان في دراسته (Riordan,1990,p.42) أن مؤيدي التعليم المختلط يدفعون بأفضليته لأن البنين والبنات في المدارس المنفصلة يكونون أفكارًا عامة خاطئة عن الجنس الآخر، بينما تحرك المدرسة المختلطة النموذجية تأثيرات الاتصال بين الجنسين، ومثل تلك الظروف يمكن خلقها من خلال بعض أشكال المعالجة المدخلة.

كما ترى سارة- لافوس (Sara- Lafosse,1992,p.87) أنه بالرغم من أن المدارس المختلطة ربما تكون في بعض المراحل غير مرغوب فيها للنمو المعرفي للفتيات، وربما ترسل رسائل منهجية مختفية مدعمة لتبعية النساء، فإن التعايش بين البنات والبنين في هذه المدارس يؤدي لإنقاص خرافات الذكورة والأنوثة التي تسبب تباعد أفراد الجنسين عن بعضهم البعض، فعلى سبيل المثال فالاعتقاد بأن عمل المنزل هو بشكل كلي مهمة نسائية ينقص لدى البنين في المدارس المختلطة.

بالرغم من ذلك فالتفاعل مختلط الجنس في المدرسة أو أي مكان آخر يكون نادرًا، فنجد هارين Harein ترفض ما يدعيه مناصرو التعليم المختلط قائلة "إن مدارس التعليم المختلط هي في الواقع معزولة الجنس"، كما أنه في مراجعة للتوقعات التربوية للنساء في التعليم العالي يذكر ريوردان (Riordan,1990,p.44)  أن التفاعل الفصلي المختلط ربما يكون سالبًا للنساء، كما وجدت دراسة هول وساندلر (Hall and Sandler,1982)  أن النساء ربما تبدين متجاهلات من قبل زملائهن الذكور في الفصل.

ولا شك أن التفاعل المختلط الحقيقي والتعايش بين البنين والبنات يعطي الفرصة لأفراد كل جنس للتعرف على أفراد الجنس الآخر، ومن ثم تنقص لديهم تلك الآراء الخاطئة عن الجنس الآخر التي تساعد البيئات المنفصلة على تكوينها، وإن كان لهذا التعايش الكامل أيضًا مضارًا لا تُنكر كما سيأتي تفصيله في خصائص التعليم منفصل الجنس.

4- مساواة تطور الدور الجنسي Egalitarian Sex- Role Development

يذكر ريوردان (Riordan,1990,p.45) أن من خصائص التعليم المختلط إعداد الصغار لتمييز أقل في الأدوار الجنسية.

ويوضح طارق جودت (1995، ص ص 16 – 17) مفهوم دور الجنس على أنه تركيبات اجتماعية متعلمة بالأحرى عن كونها متصلة جوهريًا بالطبيعة البيولوجية للذكر والأنثى، فالتأثيرات الاجتماعية الثقافية تكون حاسمة في نسبة دور الجنس، ومن ثم فإن معايير دور الجنس هي السلوك الذي يعتبره المجتمع ملائمًا للفرد بسبب جنسه أو جنسها.

وحتى وقت قريب بكل معنى الكلمة كان الأطفال خارج المدرسة يشتركون بشكل أوسع في أنشطة منفصلة بين البنين والبنات، وفي هذه البيئة الثقافية يكون التعليم منفصل الجنس إحساسًا طبيعيًا، أما اليوم فقد أصبحت الأدوار الجنسية التقليدية أقل تمييزًا، وبشكل متزايد أصبح كثير من الرجال والنساء يتشاركون أعمالًا منزلية ووظائف ووقت فراغ؛ خالقين ثغرة أوسع بين التعليم المنفصل والحياة في المجتمع المتسع، ولمقابلة هذه الظروف المتغيرة أصبح البالغون بحاجة لمهارات وسمات متلازمة مع الدور الجنسي التقليدي الذكري والأنثوي.

ووفقًا لكل من روزنبرغ وسوتون سميث (Rosenberg & Suton Smith, 1972)  فإنه وبسبب التغيرات السريعة وانتشار التعليم والتقدم التكنولوجي فإن الأدوار المرسومة للذكر والأنثى قد تعرضت للكثير من التغير عبر الزمن في كثير من المجتمعات، وقد شهدت العقود الأخيرة كثيرًا من المحاولات الناجحة والضغوط لمراجعة الأدوار التقليدية المرسومة لكل من الذكور والإناث في كثير من الأطر الثقافية، ما أدى إلى حدوث تغيير واضح في هذه الأدوار وبصفة خاصة في مجالات التعليم والعمل، وهناك اتجاه لاعتبار أن الذكورة والأنوثة النفسية هي أكثر تعقيدًا وتداخلًا مع بعضها البعض، كما أنها أقل تحديدًا وتمايزًا مما كان الأمر عليه في الأجيال السابقة.

وقد توصل كولمان (Coleman, 1961, p.93) إلى أن التعليم المختلط في مرحلة المراهقة يؤثر على الذكور بحيث يقلل لديهم بعض خصائص الذكورة كالقوة والفظاظة، كما يزيد لديهم بعض خصائص الأنوثة كالرقة والأناقة، كذلك يؤثر على الإناث بحيث يقلل لديهن بعض خصائص الأنوثة كالطاعة والرقة، كما يزيد لديهن بعض خصائص الذكورة كالقوة والاستقلال والتمرد. 

ويوضح ريوردان (Riordan,1990,p.45) أن التعليم المختلط ربما يمد بتعلم أدوار جنسية غير تقليدية (عبر جنسية) بطريقتين:

الأولى: التفاعل المختلط اليومي ربما يعطي التلاميذ الفرصة لملاحظة سلوك الدور الجنسي المعاكس ولتطوير توقعات ملائمة، وبالرغم من ذلك فالمدارس المختلطة هي عادة عازلة للجنسين!

الثانية: المناهج في المدارس الخالية من التأثير الجنسي لأحد الجنسين يجب أن تكشف للتلاميذ عن مواقف ترسم أدوارًا تختلف عن القوالب النمطية الجامدة لكل من الذكور والإناث.

يضيف في (Ve,1997,p.16) بأن هناك اتفاقًا واسعًا على أن الآراء حول الدور الجنسي لأدوار الذكور والإناث في العمل والأسرة تبدأ في الأعوام الأولى من الحياة –وإن كانت تتزايد في مرحلة المراهقة-، وأن ملاحظة الأدوار الطبيعية المناسبة المشتركة لكل من البنين والبنات تُعزز من خلال المعلمين وبيئة التعلم ومن خلال ضغوط جماعة الأقران.

كما تضيف نادين بلاتو Nadine Plateau,1995,p.64)) أنه يمكننا مشاهدة أن الفتيات والفتيان يتعلمون أن يحيوا سويًا في الفصل الدراسي، ليفهموا هذا العالم الصغير، وليجدوا مكانهم فيه بناءً على فرديتهم وخبراتهم المجمعة، وأخيرًا لبنائه سويًا.

لكن لا بد وأن يكون لأنصار التعليم منفصل الجنس رأي آخر، فيذكر لي وبريك (Lee & Bryk, 1986, p.388) أن هذه الميزة للتعليم المختلط ما هي إلا ضرر واضح على كلا الجنسين؛ إذ يؤدي هذا النمط من التعليم على حد قولهما إلى تميع الحدود الفاصلة بين دور الرجل ودور المرأة، وإن كانا يعتقدان أن الإناث تتأثر بهذا الضرر أكثر من الذكور، وذلك بسبب تدخل المعلمين بشدة للحيلولة دون خروج الذكور عن أدوارهم التقليدية، بينما يظهرون تساهلًا إلى حد ما مع الإناث عندما يخرجن عن أدوارهن التقليدية، ما يؤدي –في اعتقادهما- إلى شيوع صفات أدوار الذكورة أكثر من أدوار الأنوثة لدى كلا الجنسين.

وخلاصة القول إن خاصية المساواة في تطور الدور الجنسي من أهم الخواص التي يستند إليها أنصار التعليم المختلط في الدفع بأفضليته؛ تأسيسًا على أن يكون منطلق التربية المختلطة هو الاهتمام بتربية الإنسان دون التركيز على النواحي البيولوجية التي توجد فروقًا في طريقة التربية التي تتبع مع كل من أفراد الجنسين، وذلك على العكس من منطلق التربية المنفصلة والتي تركز على تلك النواحي البيولوجية، ومن ثم تتم تنشئة أفراد كلا الجنسين بما يتناسب والدور الجنسي التقليدي لكل منهم.

5- المساواة في الفرص التعليمية  Equality of educational opportunity

يرى ريوردان (Riordan,1990,p.46) أنه نظرًا لأن النساء استبعدن من نيل فرص التعليم لقرون فقد اعتبر التعليم المختلط بالنسبة لهن خطوة على الطريق لنيل وإكمال المساواة بين الجنسين.

يضيف تياك وهانسوت Tyach and Hansot,1990,p.104)) أنه فيما مضى كانت هناك فكرة حمقاء بأن دراسة المواد الدراسية نفسها معًا سوف يجعل النساء مسترجلات وخشنات والرجال أقل قوة وشجاعة، ولكن الحقيقة أنه من خلال قدراتهم وكفاءاتهم المتممة لبعضها فالبنون والبنات سوف يحسنون شخصية وعقلية بعضهم البعض، وطبقًا لهذا فإن مقررات الدراسة للجنسين في كل المراحل التعليمية يجب أن تكون متطابقة.

ولا يتوقف الأمر عند من يطرح هذه الميزة على المشاركة في كل المقررات المعروضة وكل الأنشطة خارج المنهج، بل والمشاركة في التسهيلات المدرسية والمشاركة في الخدمات والمساعدات المالية.

بينما يرد المعارضون (في ريوردان Riordan,1990,p.46-47-11) أنه بشكل يمكن تصوره فإن المدارس منفصلة الجنس لا تنكر المنافع المتساوية للبنين والبنات، وبشكل أبعد فإن تسهيلاتها ربما تكون "منفصلة لكن متساوية"، وعلى أية حال فالتعليم المختلط لا يضمن بالضرورة المنافع المتساوية، ولعل آخر النتائج حول خبرات التلميذات في المدارس المختلطة ذات الدعم التعليمي العالي هي أن المدارس المختلطة تفشل في الإمداد بفرص تعليمية متساوية لكل من الذكور والإناث، والناقدون له يحتجون بالقول إنه متساو فكريًا ونظريًا فقط ولكنه غير متساو في فعاليته.

كما أن هناك نتيجة من بحث هاو (Howe,1984) مفادها أن التعليم المختلط لا يعني تعليمًا متساوٍ للمرأة، وأنه حتى داخل المؤسسة الواحدة يتلقى الرجال مشاركة أكبر في المصادر، وكذلك يتلقون انتباهًا أكبر.

وفي ذلك يذكر ساندلر Sandler,1996,p.65)) أن القضية هي كيف يمكننا تحسين التعليم المختلط كي يصبح حقيقة مختلطًا؛ كي يستفيد منه النساء والرجال بشكل متساو.

ولعل في نتائج تلك الدراسات الأخيرة ما يوضح أن الاختلاط لا يكون متلازمًا بالضرورة مع المساواة في الفرص التعليمية التي يتلقاها الذكور والإناث، وربما كان نمط الانفصال في بعض الأحيان هو الذي يقدم تلك المساواة المنشودة كما يذكر أنصار التعليم منفصل الجنس.

6- المكاسب الاجتماعية لكلا الجنسين في المدارس المختلطة  Social benefits for both sexes

رغم أن أغلب المناقشة في الغرب حول التعليم المختلط والتعليم منفصل الجنس قد كانت في علاقتهما بالتحصيل في الفصل الدراسي إلا أن هناك من الدراسات ما ركزت على المكاسب الاجتماعية للتعليم المختلط، على سبيل المثال، في دراسة كندية عام 1982 قام بها كوتس وشنيدر Coutts and Schnider  وجدا أن التلاميذ قد لاحظوا المدارس المختلطة على أنها أكثر اجتماعية وتركيزًا على الجماعة، وأكثر ألفة، وممتعة، وأكثر تسامحًا مع غير المطيعين، وأكثر عفوية، كما أنها أكثر قدرة على التوصيل إلى الثقة بالنفس واحترام الذات من المدارس منفصلة الجنس.

كما يذكر تياك وهانسوت Tyach and Hansot,1990,p.101:103)) أن تزامل الجنسين يجعل البنين غير المهذبين أكثر لطفًا بينما تصبح البنات أقل خجلًا وتكلفًا للابتسام  وأكثر ثقة بالنفس وقوة في الشخصية، وكما يقول هاريس Harris  فإن التطور النفسي لكلا الجنسين يفيد من تواجدهما بصحبة الجنس الآخر.

وقد استنتج ديل (Dale,1974,p.273) على أساس بحثه وجود منافع اجتماعية عديدة ومؤثرة للتعليم المختلط، وأنها لم تكن على حساب التقدم الأكاديمي.

بينما تذكر العديد من الدراسات أن تلك المكاسب الاجتماعية للتعليم المختلط والتي تؤثر في تغير السلوك نحو الأفضل إنما تعود أساسًا على البنين وليس البنات؛ على سبيل المثال فقد أظهرت نتائج دراسات عديدة أن مستويات العدوان تنقص لدى البنين في المدارس المختلطة.

وفي دراسة أمريكية قام بها جونز وتومسون (Jones and Thompson,1981) وجدا أن سوء السلوك الفصلي للبنين قد نقص بواسطة سياسة التعليم المختلط، كما وجدت دراسات أخرى أنه بمقارنة البنين في المدارس المنفصلة للبنين، والبنين في المدارس المختلطة فقد وُجد أن بنين المدارس المختلطة أكثر رضا وارتياحًا مع زملائهم في الدراسة، كما أنهم يتصرفون بشكل أفضل.

المناصرون للمدارس منفصلة الجنس احتجوا أيضًا بأن ثقافة الشباب والأساس الجنسي في المدارس المختلطة يجعلها أساسًا بيئة تعليمية رديئة، وكنتيجة لذلك فإن التلاميذ حتى في المدارس الكاثوليكية المختلطة يتعلمون أقل ولديهم مخرجات سيكولوجية واجتماعية أقل تفضيلًا.

كما تضيف نادين بلاتو (Nadine Plateau,1995,p.55)  أنه في المدارس المختلطة لا تُذكر الألفاظ وحتى الاعتداء الجسدي على الفتيات من قبل الفتيان، ما يجعل الفتيات يشعرن بأنهن أدنى مكانة اجتماعية وأن الفتيان أعلى مكانة اجتماعية.

وهنا يعود مؤيدو التعليم المختلط من أمثال كامبل وستورو (Campbell and Storo,1996a, p.6) للتأكيد على أنه بعزل الفتيات بدلًا من التعامل مع المشكلة الحقيقية فنحن نؤكد بوسائل غير تربوية مناسبة أن:

أ-المعيار المقبول في سلوك الفصل الدراسي يُحدد بواسطة الطلاب الأكثر مشاكسة!

ب-سلوك الفتيات المناسب لكي يكون موجبًا، وبناءً عليه إجابة التلميذات لمشاكسة الفتيان ليس في الرد على مضايقاتهم أو باللجوء إلى السلطة بل بالانسحاب!

كما أن مثل تلك الفصول منفصلة الجنس إنما تعزز آراءً غير علمية مفادها أن:

أ-الطالبات رقيقات وكائنات ضعيفة لا يستطعن مجابهة البيئة القاسية للعالم الحقيقي.

ب-ا لطلاب لا سبيل إلى تقويمهم أو إصلاحهم.

في مقال تالٍ إن شاء الله نتناول وجهة النظر المعاكسة للتربويين الذين يرون أفضلية التعليم المنفصل لكلا الجنسين في ضوء مجموعة من الخصائص التي تتوفر فيه وتُفتقد في التعليم المختلط.

 

د. منى زيتون