رائد عبيسكثيرا ما تعاني المجتمعات العربية والإسلامية من جراء هذين التوصيفين من مشاكل مزمنة، اذا لم تعد هذه الصفة هي مجرد تعبير عن اعتماد منهج أو فلسفة أو نظرية أو ثقافة، بل تعداه الى بعد وأعمق من ذلك، وهو تحول هذه الأوصاف الى إيديولوجيا وممارسة. تحتم على كل من يملك أي من هذه الجهات أن يعكسها بشكل استفزازي ومضاد للآخر، وكأنما هناك صراع مفاضلة وكل طرف يحاول أن ينال غايته على الطرف الثاني. ممكن أن نرجع اسباب ذلك إلى عدة مسائل :

١ - النُعَرَةٌ الذاتية القائمة على الأنانية.

٢- سيطرة القبلية المستبطنة على المتبنيات اي كان مصدرها وانماطها.

٣- ثقافة المزاحمية والمنافسة اللا موضوعية بناء على منطق الغلبة والتضاد.

٤-  البيئة التاريخية تطرد الدخيل الثقافي بعامل الوراثة وحكم التاريخ.

٥- هيمنة الدين على المزاج الفكري العام الذي يجعل من التبدل الثقافي أمر متذبذب.

٦- قوة الدين الشعبوي الذي يمزج بين العشائرية والمتوارث الاجتماعي والفلكلور والحكايات والأساطير، تطرد ما هو معرفي وان كانت هذه المعرفة تحمل صبغة ايديولوجية.

٧-  غياب المعرفة والثقافة والعلم، يعد من أبرز العوامل التي تؤدي إلى الخلط بين مفهومي العلمانية والإسلامية.

8 - المقارنة غير الواقعية بين العلمانية بكونها نتاج نظري بشري وبين الاسلام بكونه دين مقدس. يجعل من عوامل الترجيح تميل إلى المهيمن منهما أو هيمنة الدين على الفضاء العام.

هذه أبرز الأسباب التي تعد مصدر لإشكالية التضاد بين العلمانية أو الاسلامية والتي يذهب بها المجتمع إلى حد المغالات والمبالغة وصنع المخاوف بينهما بطريقة غير عادلة.

فالمجتمع المتظالم يحرك هذا التضاد بطريقة إيديولوجيا متخاصمة، يحدث على أثره صراع اجتماعي، وربما ينتهي إلى حروب، كحال العراق في بداية دخول الشيوعية وانتشارها بين الأوساط الجماهيرية، أو كبداية ظهور حزب البعث الذي اختفت معه أحزاب أخرى مشابهة، وصراعه الأيديولوجي مع حزب الدعوة الإسلامي، هذه عناوين أما متخاصمة مع الشبيه أو متخاصمة مع الضد أو تحولها إلى ما يشبه ضدها حتى يخفف النقد عليها دون الإيمان بها، حجة منه للعمل على مخاطبة مزاج الجماهير المتطلعة إلى أنماط أخرى من الحياة بعد أن ملت حياتها بلون واحد، كتحول حزب البعث من حزب علماني يميني الى حزب مؤمن بالحملة الإيمانية التي قادها ليعضد سلطته بإيمان أتباعه المضمر خلف ولاء علماني مزيف.

في أيام القسوة، أو الكبت السياسي، وصراعه، وسطوته اتضحت قضايا ذات بعد سايكولوجي تجد فيه الناس اكثر تمسكا بمبادئها اتجاه قضاياها لان هناك مصدر تهديد واحد يحاولون على الدوام أن يتصلبوا أمامه ويعضدوه.

أما بعد التغيير بعد ٢٠٠٣ تلاشت قيم الحرس على المبادئ وذلك لسبب سايكولوجي ايضا ولكن تحت تأثير عوامل مختلفة،منها الانفتاح، وكثرة الأطراف المعادية، وشعور من كانوا مُتصديين لقضية التصلب لتلك المبادئ ضعفت بسبب تحقيق أهدافها، وهي سقوط الديكتاتورية وحصولهم على مكاسب سياسية، ومادية وغيرها اشغلتهم عن عصامية النضال ورسالته.

فضلا عن تبني نظريات سياسية خارج سياق التفكير التقليدي لزمن المعارضة مثل مفاهيم الديمقراطية وتطبيقاتها، وسياسة المحاصصة، وسياسية الاعتراف بالمكونات وتنوعها،  وقضية هوية الدولة بعد أن كان طموحهم إدارتها بصيغة حكم إسلامي كما يدعون. فضلا عن تحول بعضهم من اليمينية إلى اليسارية أو العكس،فضلا عن الانشقاقات بين الأحزاب وظهور قوى اجتماعية غير متوقعة وتنامي سطوتها داخليا ككيان سياسية واجتماعية موازي لمشاريعهم السياسية الطموح تطبيقها وتبنيها.

هذه كلها خيبات ترادفت على العملية السياسية ومتبنيها فأضعفت توصيفاتها في الوسط الاجتماعي، بل وأصبحت منبوذة ومستنجنة، وعلى الرغم من ذلك لا يتردد جمهور العلمانية أو جمهور الإسلامية من التراشق بالنبذ وكيل التهم ونسب الفشل لبعضهم البعض. وكان العلمانية هي المسؤولة عن إخفاق متينيها أو الإسلام مسؤول في إخفاق أتباعه.

هل ممكن أن يتجاوز المجتمع هذه التوصيفات ليدرك أن المشكلة فيه وحده؟

هذا سؤال بحاجة إلى جواب جماعي متأني وصبور وغيور حتى يكسب صفة الموضوعية والمنطقية والواقعية، لندرك به أن المجتمع الذي يناقش مفاهيم وهو متجاوز لكل اشكالياته، إنما هو مجتمع واع بكل متطلباته التي تحتاج إلى تجاوز مفاهيم وإشكاليات عاجز عن تحديد أبعادها على المدى القريب، أو البعيد وبهذا يكون قد فقد مستقبله.

 

الدكتور رائد عبيس

 

منى زيتونذكرنا أن الكفاءة الاجتماعية لا تشمل مهارتي التعبير اللفظي والانفعالي فقط، فهناك مهارات الضبط اللفظي والانفعالي، والحساسية اللفظية والانفعالية، ونحن بحاجة لجميع مهارات التواصل لنتمكن من رؤية المواقف بيننا وبين الطرف الآخر من منظور الآخر، لندرك كيف يراها، ونفهم لماذا تأتي أفعاله وردود أفعاله على النحو الذي هي عليه، ومن ثم لننجح في تفاعلنا الاجتماعي معه.

بوجه عام، فإن التأخر في حسم العلاقات قبل الزواج تحديدًا، يعد من أشد السلوكيات قسوة؛ لأنه يُشعر الطرف الآخر أن لديك خيارات أخرى، وأنك تقارنه بغيره، مما يعني أنك غير مقتنع به تمامًا، وهذا يتنافى مع معنى الحب الحقيقي. وهذه السمة –تأخر الحسم- تتعدى فترة ما قبل الزواج لتظهر أيضًا في العلاقات بعد الزواج.

قد يكون عدم الحسم سمة في الشخص لأنه من مفرطي التفكير؛ فيحتاج وقتًا طويلًا ليُقرر، وقد يكون عارضًا لأنه تواجهه صعوبات مالية أو عائلية أو أيًا كان نوعها، وقد يتمثل تأخر الحسم في وجود مماطلة في تنفيذ القرار رغم اتخاذه؛ لافتقاد هذا الشخص الجرأة الكافية بسبب وجود صعوبات تعيقه من أي نوع. لكن في بعض الأحيان قد يكون عدم حسم أحد الطرفين مرآة وانعكاسًا لسلوك الطرف الآخر!

في كثير من الحالات تأتيني الشكاية من أحد طرفي العلاقات الزوجية أو العاطفية بأن الطرف الثاني يتعامل معه وفقًا لنمط مزدوج الوجهين كالحركة الموجية، قمة يليها قاع يليها قمة جديدة، وهكذا! أو ما يُعرف بنمط السخونة/البرودة Hot/Cold. وهناك فهم خاطئ منتشر حول من هذا نمطهم بأنهم بالضرورة متلاعبون. من خلال خبرتي رأيت بينهم متلاعبين بالفعل، لكن هناك نسبة ليست بالقليلة من بينهم يكون سلوكها الظاهري على هذا النحو رغم كونهم غير متلاعبين، ومنهم من اشتكت لي من خطيبها، وقالتها بالإنجليزية: I don’t want a person who is emotionally unavailable، وترجمتها "لا أريد شخصًا مشاعره غير متاحة!". إذًا فهي تراه شخصًا لا يفتح لها قلبه، وهذا ما يجعلها تتراجع في إظهار مشاعرها لتبدو باردة!

فكثير ممن يأخدون نمط السخونة/البرودة؛ ويُتهمون بالدخول ثم الخروج من حياة شركاء حياتهم بشكل مستمر، ما يدفعهم لهذا السلوك حقيقة هو درجة كبريائهم المرتفعة التي تجعل خطواتهم نحو الشريك محسوبة، فهم يقتربون من الشريك خطوة واحدة في انتظار أن يبادلهم التحرك ويخطو نحوهم، ولكنه إن كان عنيدًا أو ربما يفتقد الوعي الكافي برد الفعل المناسب أو لا يعطي الانتباه الكافي للعلاقات الاجتماعية، يبقى هذا الشريك ملتصقًا مكانه، منتظرًا لمزيد من الخطوات منهم، والتي لن يسمح كبرياؤهم بها، فيقررون التراجع. والكبرياء هنا للحق أراها كبرياء صحية وليست مرضية.

أما عن الطرف الآخر العنيد، فهناك حقيقةً أشخاص يجيدون فقد الفرص التي تُتاح لهم، ولا يعي الواحد منهم قيمة ما بين يديه حتى يضيع منه، وربما لو عاد إليه لكرر السلوك عينه وفقده مرة أخرى! وأغلب هؤلاء يخطئ الواحد منهم بالتركيز على نجاحه المهني فقط، أو على علاقاته مع أهله أو أصدقائه، ولا يعطي الانتباه الكافي لشريك حياته، وهذا ما يجعل الشريك يظن أن قلبه مغلقًا نحوه. وقد يكون لدى هؤلاء مشكلة أيضًا في التوازن العاطفي؛ فالأخذ والعطاء لديهم ليس متكافئًا، كما أن بعض الناس يعطون كثيرًا، ولكن ليس بالطريقة الصحيحة التي يتمناها الشريك، وسبق أن تكلمنا عن هذا الأمر في مقال "لغات الحب".

والسبب في تكرار دورات السخونة/البرودة، أنه وبعد فترة يأتي من الشريك الثاني العنيد رد فعل متأخر متجاوب مع الطرف الأول، وتأخر ردود الأفعال سمة تقترن دومًا بالعناد كما هو معلوم، فيأمل الطرف الأول ذو الكبرياء المتهم بالتلاعب في انفراج الأحوال، ويرد على خطوة الشريك العنيد بخطوة إلى الأمام من جانبه، ليُفاجأ بأن الآخر قد عاد للالتصاق مكانه ثانية، فيضيع الفرصة من بين يديه لمرة جديدة، ليتراجع الأول مرة أخرى!

وتستمر هذه الدورات إلى أن يقرر الطرف عالي الكبرياء الخروج نهائيًا من هذه العلاقة، فغالبًا يكون هو من يأخذ القرار وليس العنيد البطئ في اتخاذ قراراته؛ فمهما كانت درجة الحب فإن سوء المعاملة ستجعل الطرف الذي تُساء معاملته يصل في لحظة ما إلى الاكتفاء من كل هذا العبث الذي يسمح به في حياته، ويبتعد نهائيًا. وسوء المعاملة تجاه الآخر لا يلزم أن يكون عنفًا بل يأخذ أشكالًا عديدة، منها عدم الرغبة في ترقية النضج الانفعالي، والإصرار على سلوكيات غير ناضجة!

لذلك أقول إن وجود طرف لديه كبرياء مرتفعة، وطرف آخر شديد العناد والالتصاق في مكانه، في علاقة معًا، هو الجحيم بعينه لكليهما، وربما تنجح العلاقة فقط في حال تدخل وسيط خير بينهما، لتتحرك تلك العلاقة للأمام. وهذا احتمال ضعيف لأن ذا الكبرياء يرى أنه يفعل ما عليه، ومن ثم لن يُقدم على أن يوسط أحدًا لأنه ينتظر الخطوة من الطرف الآخر، فإن لم يكن الطرف الآخر قادرًا على أن يخطو بنفسه، فعليه هو أن يطلب المساعدة والتوسط!

إن التصاق شخص في علاقة فاشلة معلقة لا فائدة مرجوة منها يفسد حياته ويهدر عمره، سواء كان التصاقه بسبب أنه الطرف المسئول عن المبادرة، ولكنه لا يبادر! أو لأن عليه أن ينزع نفسه من تلك العلاقة ولا يفعل! أو لأن الطرف الآخر تركه بينما هو لا زال يأمل وينتظر!

كما أنه أحيانًا قد ينفصل طرفا العلاقة لأسباب قد يصلح معها الالتئام، ويبقى أحدهما أو كلاهما يتمنى اتصال ما انقطع، ولكن على أساس أن يقوم الطرف الآخر بالمبادرة، فإن كان الطرف الذي عليه المبادرة عاجزًا عن اتخاذ تلك الخطوة، فالوضع أيضًا معلق!

والتعلق في حقيقته هو رفض للحاضر وثبات في الماضي، وكثير منا يعيش بخياله في الماضي أو المستقبل، ويعجز عن التعامل مع الواقع، بينما دراسة الماضي وتفحص حوادثه ورؤيته بشكل صحيح وتجنب خداع النفس حوله ضرورة لنفكر في أخطائنا، وهو طريقنا للتعلم. نحتاج الماضي للتعلم والمستقبل للتخطيط، وليس لخلق عالمًا من الأوهام.

وهذا التعلق هو أسوأ فعل، لأنه في حقيقته "لا فعل"! وأخذ أي قرار يتعلق بالتقدم إلى الأمام، مهما كان وتنفيذه أفضل من التعلق؛ فإما أن يحرر الإنسان نفسه من قيد العلاقة الفاشلة، ويعود للانخراط في المجتمع، أو يبادر إن لم تكن العلاقة فاشلة، وكان هو الطرف الذي تلزمه المبادرة. Take action.

ولنتذكر أننا بحاجة للثقة لأجل نجاح علاقاتنا الاجتماعية، لأن مجرد شك أحد الطرفين في وجود خداع من الطرف الآخر يدمر العلاقة؛ وعدم التواصل أو التواصل بطرق مُلغزة غير واضحة يُضعضع الثقة. تواصل بوضوح. Communicate clearly.

وحل أي مشكلة يبدأ بالتخطيط الجيد لأجل تجاوزها، ثم التنفيذ بدقة وحسم وسرعة. كما أن علينا أن نبدأ بإصلاح دواخلنا، فمن المؤكد لأننا نملكها أن إصلاحها علينا هيّن، لكن الظروف الخارجية على العكس منها لا يمكننا التحكم فيها تمامًا.

والعقلاء يتناقشون لأجل تحديد أسباب خلافاتهم، لحلها من جذورها، وليس للجدال العقيم والتنازع والبحث عن الطرف المخطئ. كما أن الإنسان العاقل يكون لديه تواصل جيد بين الوعي واللاوعي؛ فهو يعي حقيقة مشاعره وليس فقط ظاهرها. يعرف ماذا يريد تحديدًا، ويفهم متى يكون عليه أن ينخلع من العلاقات الاجتماعية الفاشلة، ويعرف كيف ينتصر لنفسه بشكل إيجابي، بتوظيف طاقته في ارتقاء ذاته وحياته العملية، وليس في توجيهها نحو الغضب والإحباط.

 

د. منى زيتون

 

احمد شحيمطعندما قال جون جاك روسو بصريح العبارة "إن القوة لا تخلق الحق" كان صائبا في تصويب السهام نحو السياسة والحق الطبيعي المطلق في الهيمنة لإعادة النظر في معايير البناء للمجتمع والدولة. وضد سياسة الاستحواذ والسيطرة على أملاك الغير والاندفاع البدني ونقد من يقول أن القوة تنشئ الحق وتحميه في حق الأقوياء على الضعفاء وفي إرغام الكيانات الصغرى في الامتثال للإمبراطوريات الكبرى في المراحل السابقة قبل التفكير في الصيغ الجديدة للمجتمع التعاقدي والدولة الحديثة كما تبلورت في الغرب خلال القرن السابع عشر الميلادي .ما يؤسس الحق المشروعية القانونية والفكرية والأخلاقية والعواطف الإنسانية النبيلة للعبور نحو حالة التمدن والسلم الاجتماعي.   

مكاسب الحياة المدنية لا تحصى في الانتقال الكيفي ومنها إحلال السلم بدل الحرب والعدل محل الجور والحكمة محل الاندفاع وقوة الحق بدل حق القوة.في عالم الاندفاع وهيمنة الأقوى بالقوة الجسمانية والتحايل لا سبيل في العيش المشترك إلا بطرح القوة المادية والنزوع نحو القوة القانونية في بناء صرح مجتمع مدني ودولة حديثة باليات ديمقراطية ومؤسسات بوظائف مختلفة في سد النقص وضمان الحق . وتحرير الإنسان من الاستبداد والظلم . وتلبية الحاجات وتأهيل الناس وتكريس النزعة الحقوقية والحرية الفردية والجماعية والالتزام بالقوانين الوضعية . فالحق الطبيعي مجموع القواعد التي تفرضها الطبيعة على الإنسان في الفعل والسلوك .الحرية الطبيعية الممنوحة لكل إنسان في الدفاع عن نفسه بكل الوسائل في حفظ البقاء وصد الأخطار . والحق الطبيعي محدد بصيغتين الشهوة والرغبة. فليس الناس على درجة واحدة من الأخلاق والسلوك المستقيم .بوادر الصراعات وفق روسو نابعة من الملكية الخاصة والأصل في التفاوت يعود إلى غياب المساواة في الحقوق والواجبات واندفاع الناس نحو القوة . وظهور القلاقل والنزاعات في لهفة الإنسان ونوازعه نحو الشر والسيطرة . فالإنسان بتعبير توماس هوبس بطبعه ميالا للشر وارتكاب أفعال منافية للعقل والأخلاق . ولا يردع الإنسان إلا بالقوانين وسلطة الحاكم المستمدة من اتفاق الناس وتواضعهم من خلال صياغة بنود العقد الاجتماعي .                                                                 

الإنسان ذئب لأخيه الإنسان لا يؤمن جانبه. من الكبرياء والغدر والسيطرة بمبررات واهية. حيث يتولد في الجماعة نوع من الحذر والنفور والتنافس ويبقى صوت القتل والانتقام من خصائص ما تحمله حالة الطبيعة في اندفاع الناس نحو الحرب وتصفية الحسابات وفق ما يمليه الحق الطبيعي المطلق بدون قوانين زجرية في المعاقبة والمحاسبة . الحرب الشاملة التي جاءت نتيجة غياب الأمن وسيادة القوة وعدم تحكيم العقل وبالتالي فالمجتمع في حاجة لبدائل في القوانين والحكم .هنا يكتشف الفلاسفة في العقد الاجتماعي صيغة توافقية عندما يمتثل الكل بطواعية للبنود والمواد التي يتضمنها العقد في كامل الحقوق والحريات .في العقد التزام وإلزام بما يحمله من معالم في السلطة وتحكيم القوانين وتحقيق العدالة الاجتماعية في الشعور بالانتماء والمواطنة . قوانين العقد وبنوده منصفة لأنها صادرة من الإرادة الكلية. ولا يفقد الإنسان من حقوقه إلا التنازل عن منطق القوة والعنف والدخول في السلم والسلام .                                 فالبديل يوجد في الدولة القوية حسب توماس هوبس. "اللوفيتان" التنين القوي والوحش المهيمن على الحياة .

في قوة الحاكم الذي يستند على سلطة أقوى مستمدة من الحكم المطلق . ومن الاتفاق المبرم بين الناس في منحه الصلاحيات المطلقة وتفويضه الأمر لاستتباب الأمن ووضع حد للحرب الشاملة ومنطق القوة . وفي ملامح فلسفته هناك صيغة توفيقية للجمع بين الحق الطبيعي والحق المدني والثبات على قيمة الحرية التي لا تتعارض والقوانين الوضعية . في نوازع الناس وميلهم نحو الشر والصراع فكرة صريحة للتعبير عن الطبيعة الإنسانية وتفنيد فكرة أن الإنسان مدني بطبعه وان العلاقة بين السياسة والأخلاق يعاد النظر فيها من خلال رؤية هوبس الجديدة عن حاجة الناس إلى حاكم قوي للعيش في السلم والأمن وحاجة الناس للعقد الاجتماعي في وضع الاجراءات الأمنية وتدبير شؤونهم السياسية والاجتماعية .ففي الصلاحيات المطلقة والواسعة حقيقة لا تتناسب ومضامين العقد الاجتماعي في رؤى الفيلسوف جون لوك .

من حق الشعب أن ينتخب حاكما مدنيا بصلاحيات معينة مقيد بأدبيات السلطة التشريعية وهي أعلى سلطة . من البديهي أن تكون حالة التمدن في غاية الوضوح من ممارسة السياسة والسلطة بقيود القوانين المدنية المبنية على الإرادة الكلية وسلطة الأغلبية . فالعقد المصاغ بين الحاكم والشعب ينص على ضرورة تحديد مهام الحاكم المنتخب من ممارسة سلطة مدنية مقيدة بصلاحيات لا يمكن تجاوزها وهي تلك الأشياء التي كرست القواعد الجديدة للديمقراطية الحديثة وفي ميلاد المجتمع المدني .لا سلطة تعلو فوق سلطة الشعب . ومشروعية الحكم المدني . 

الحق الطبيعي فطري وغريزي في الإنسان . لذلك بدأ روسو في مقدمة كتاب " في العقد الاجتماعي أو مبادئ القانون السياسي " من فكرة جوهرية لازالت تسري في بنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مفادها أن الإنسان خلق حرا فلماذا يستعبد ؟ كان الإنسان قبل القوانين المدنية يعيش على طبيعته وفطرته . حالة الطبيعة تلك اللحظة السعيدة التي يتمنى روسو العودة إليها في ظل فساد القوانين المدنية وجموح الإنسان نحو العنف والقوة . في الأمر ما يجعل الإنسان ينفر من المدنية التي كان روسو يعتقد أننا في واقعها يمكن أن ينعم الإنسان بالسعادة إلا أن الصراعات التي تولدت من نزوع الناس وجشع بعضهم في القوة والسيطرة على أملاك الغير وبالتالي هيمنة الأقوى وتكريس اللامساواة هي العوامل التي سرعت في الانتقال إلى حالة التمدن والحضارة . مكاسب يجنيها الإنسان من عملية الانتقال النوعي عندما تختفي الهمجية والتوحش ويسود العدل بدل الجور والحق المدني بدل حق القوة والاندفاع. وبذلك يتجلى السمو الفكري والروحي والوجداني ويختفي التحايل والمكر وتسود الدولة بقوانين مدنية.

 فالعقد الاجتماعي حسب روسو مجرد اعتراف مطلق وليس تنازلا نهائيا عن الحقوق الطبيعية .ولا يخول للحاكم أن يمتلك كل السلطة التامة والمطلقة من منطلق أن بنود الدولة المدنية الحديثة يتناقض والحكم المطلق . فمن قوة العنف وحالة الطبيعة والحرب الأهلية يخشى الناس العودة للصراعات وحرب الكل ضد الكل في غياب الضوابط القانونية والأخلاقية .في استحسان المجتمع البديل القائم على المشروعية السياسية والقانونية أفضل بكثير من الانجرار وراء القوة المادية وانعدام القوانين .في الحكم المدني هناك نزوع نحو تقسيم السلط ومنح الحاكم المدني اختصاصات معينة مقيدة في الالتزام بالسلطة التشريعية وتنفيذ مقتضيات القوانين . فالعقد الاجتماعي يكون بين الأفراد أنفسهم في إقامة السلطة وتخويلها إلى حاكم يعمل في الحفاظ على الأمن وتطبيق القوانين . والعقد اتفاق بين الأفراد والحاكم حسب هوبس .وفي منطق روسو العقد يكون بين الأفراد أنفسهم في تنازلهم عن الحق الطبيعي المطلق والنزعة الأنانية . ومن وجهة ثانية العقد يعتبر الفرد جزء من جماعة ينبغي أن تكون موحدة في هيئات مدنية وسياسية مبنية على الإرادة العامة في تدبير أمورهم وطرح القوة .وهي السلطة العليا في القرار وإرغام الناس طواعية في الالتزام ببنود العقد ...

كانت لحظة التفكير في بناء الدولة الحديثة والمجتمع المدني من أقوى اللحظات التي عرفها الفكر السياسي والاجتماعي في الغرب الحديث .من تنافر الأهواء وتباين المصالح تشكلت الرؤى في واقع شهد صراعات سياسية وحروب أهلية . وظلت النتائج قاسية في العيش المشترك .أما نوازع الإنسان نحو الشر في غياب قوة مادية وهيئة فاعلة ترغم الناس بإرادتهم وقوة القوانين والردع نحو الامتثال للمؤسسات وضمان كامل الحقوق الطبيعية والمدنية فلا تؤسس للمجتمع المدني السليم . الإنسان في حالة الطبيعة لم يكن وحشا وطاغية بل كان مسالما وطيبا يعيش على الفطرة وعلى قوانين الطبيعة ويقتات من الأشجار ويعيش على الصيد والتنقل ويأكل من خيرات الطبيعة دون صراعات .وبازدياد المتاعب والصعوبات بزيادة عدد السكان وهيمنة البعض على الخيرات عن طريق القوة والتحايل أصبحت الحاجة ملحة لإقامة مجتمع بديل والانتقال إلى حالة التمدن رغم ما في حالة الطبيعة من مزايا .

 من العقد الاجتماعي والحق الطبيعي إلى القانون الدولي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية تشكلت الرؤى في صيانة الإنسان ووضع النهاية للقوة وإلزام الدول في تطبيقها . ومن هنا يمكن القول أن المواثيق قابلة للتبديل والتعديل من خلال السياقات الاجتماعية وخصوصية البلدان . وتعديل العقود والمواثيق في إطار البحث عن حلول عملية للتوافق وكل ما يرضي الأطراف ويصون الحقوق ويعزز الواجبات .

حاول رواد الفكر التعاقدي تقديم صيغة توفيقية للجمع بين الحق الطبيعي والمدني . وصيغة للتعايش في إطار وحدة اجتماعية ونظام سياسي يعتمد على سلطة الأغلبية والإرادة العامة وصلاحية الحاكم المنتخب . وفي وضع ميثاق أو عاقد اجتماعي يثمن مكتسبات الإنسان ومزايا حالة الطبيعة في الحق الطبيعي بدون النزوع نحو القوة المادية . ومن المكتسبات حق التملك الذي يعتبر أصل الصراع ومقياس التملك العمل . ثروة الأمم . لذلك ظل العمل القيمة الحقيقية للبشر في مقايضة إنتاج ما بأشياء .وفي تجسيد سلطة العقل والقوانين والاحتكام للمؤسسات يتجنب الإنسان الصراعات والانقلابات ويدخل في السلم وتربية النفوس على ثقافة حقوق الإنسان .

 

بقلم : أحمد شحيمط كاتب من المغرب

 

محمود محمد عليذكرنا في المقالة السابقة كيف أسهمت حضارة الهند في قضايا كثير تخص النهضة العلمية، وهنا في هذه المقالة نقف عند حضارة الصين، حيث تعد الحضارة الصينية من أقدم الحضارات التي ازدهرت فى أقصى الشرق من العالم القديم، حيث قدمت هذه الحضارة اختراعين عظيمين : أحدهما صيني خالص هو فن الطباعة والآخر لفن قديم وهو صناعة الورق الذى بدأه المصريين القدماء قبلهم بسبعة وعشرين قرناً من الزمان، حيث يرجع اختراع الورق فى الصين إلى القرن الثاني بعد الميلاد .

وتمتاز الحضارة الصينية دوناً عن سائر حضارات الشرق القديم فيما يذكر مؤرخ العلم العظيم " جوزيف يندهام " بوفرة ما لديها من المعلومات الخاصة بماهيتها المستفادة من مصادرها الأصلية، فهي ليست كالحضارة الهندية مثلاً حيث الجدولة الزمنية للأحداث التاريخية مازالت مشكوكاً فيها بدرجة كبيرة . ففي الصين يمكن فى أغلب الأحوال تحديد ليس العام فقط، بل الشهر وجميعها مكتوبة بقدر من الحيدة وشدة الانتباه ؛ إلا أنه ولسوء الحظ لم يترجم منها إلى اللغات الأوربية سوى النذر اليسير للغاية .

ولو ألقينا نظرة موجزة لتاريخ الصين، نجد أن أوائل السكان الذين عاشوا فى أرض الصين هم ذلك الجنس الذى ينتمى إلى " إنسان بكين " الذى عاش فى بداية أواسط عصر " البلستومين " "حوالى 400000 ق.م " أى فى زمن أسبق من زمن إنسان "نياندرثال "Neanderthal man الذى عاش فى أوربا وحوض البحر المتوسط، وهناك شواهد معينة على وجود سكان عاشوا فى الصين فى العصر الحجرى المتأخر Neolithic  حوالى 12000 ق. م . أما بعد ذلك فهناك فجوة واسعة التواصل؛ حيث لا توجد سائر المراحل التالية من عصور ما قبل التاريخ إلا فى منشوريا .

وفجأة وبعد حوالى 2500 ق.م، تبدأ الأرض الشاغرة فى استطافة عدد كبير من السكان النشطين وتظهر مئات، بل آلاف القرى يسكنها أناس يرعون قطعان الحيوان في إطار إقتصادي زراعى، وعلى دراية بالمنسوجات والنجارة وصناعة الخزف، وتبدو الحاجة واضحة إلى العمل الأثرى المكثف من أجل إلقاء الضوء على هذه الفجوة الغريبة بين سكان العصر الحجري ومن أعقبوهم فى العصر الحجرى المتأخر .

وأول حضارة صينية هامة تكشف عنها الحفائر هى حضارة " يانجشاو " Yangshao التى كانت تتواجد فى حزام من الارض الممتدة من الغرب للشرق يشمل المحافظات الحالية التالية: كانسو، سنسى، شانسى، هوانان، شانتونج، وكان محصول الحبوب الرئيسى غالباً هو الدخن ثم صار الأرز فى حقبة تالية، وحيث أن أي من هذين النباتين ليس صيني المنشأ فمن المحتمل أنهما جلبا من جنوب شرق أسيا، وقد عثر على عظام الكلاب والخنازير وعظام للغنم وعظام للماشية تنتمى لحقبة زمنية تالية، كما تأكد وجود عظام الخيل أيضاً، لكنها قد تكون عظام فيل برية من النوع الذى ظل يعيش في منغوليا إلى عهد قريب، ولعل أبرز سمات حضارة " يانجشاو " هى خزفها المطلي الذى كان يصنع حوالي 2500 ق.م بطريقة اللف الحلزونى لاسطونات رفيعة من الطين لا باستخدام " عجلة الفخراني ".

ولقد أعقبت حضارة " يانجشاو " فى هونان وشانس حضارة أخرى تنتمى للعصر الحجرى المتأخر أطلق عليها " جهينج – نسو ياى Chheng-Tsu-Yai " أو " لونج – شان –Long -shan " وهما اسمان لموقعي حفائر أثريين، ومع أن أصحاب هذه الحضارة لم يعرفوا المعادن، فقد استخدموا أواني خزفية سوداء ناعمة الملمس ومتقنة التراكيب وجيدة اللمسات النهائية، كما أن آناس لونج – شان استانسوا كل الحيوانات التي عرفتها حضارة بانجشاو، والتي من المحتمل أن من بينها الحصان، ومن أن أناس لونج – شان، قد عرفوا المركبات ذات العجلات، وإن كان الدليل على ذلك غير مؤكد، وكان هذا أيضاً هو الوقت التي ظهرت فيه ابتكارات شتى مثل س" عجلة الفخراني " واستخدام التراب المدكوك فى أعمال البناء، وهما ابتكارات كانا معروفين منذ أمد طويل فى الشرق الأوسط، ولكنهما كانا قاصرين على الصين .

تصل بناء حضارة لونج – شان إلى عام 1600 ق.م، وبعد ذلك وخلال قرن واحد إذا بنا نقع فجأة على حضارة ناضجة تنتمى لعصر البرونز Bronze age هى حضارة أسرة "شانج"، وقد استمرت هذه الأسرة فى الصين إلى أن غزا الاسكندر الأكبر الحضارة الصينية حوالى 327 ق.م .

وبالنسبة لملامح النهضة التكنولوجية فى الحضارة الصينية، ففي ظل عهد أسرة شانج تميزت حضارة الصين بكل سمات الحضارات القديمة مثل حياة المدن واختراع الكتابة، واستخدام المعادن والفن الزخرفى فى العمارة، وانقسام المجتمع إلى طبقات وظهور التخصص المهني، وتقسيم العمل وازدهار التجارة وظهور النزعة العسكرية، ونمو الصناعات المتعلقة بها وتطور العلوم الفلكية والرياضيات والطب والدواء والتقويم، إلى أخره، ومن المرجح أن عناصر حضارة الصين قد نمت وتطورت بانتشار عناصر حضارية من الغرب وتفاعلها مع عناصر حضارة العصر الحجري الحديث فى المنطقة، ويختلف نظام وأسلوب الكتابة فى الصين عن مثيلاتها فى مصر ووادي الرافدين، على الرغم من أنها اتبعت مبادئ متشابهة، وربما كان ذلك من خلال انتشار فكرة الكتابة من الحضارات المجاورة الأقدم.

ومن ناحية أخرى فقد تميزت حضارة الصين بنمط فنى معين فى صنع القوارير والمزهريات البرونزية والأدوات المعدنية الأخرى، واستخدم الصينيون القدماء الرصاص لتزييف العملات المصنوعة من الفضة منذ الألف الثاني قبل الميلاد، مما يعد دليلاً على معرفتهم الفائقة بخواص المعادن فى ذلك الوقت .

تلك هى أهم ملامح النهضة التكنولوجية فى حضارات الشرق القديم، وهى إن دلت على شئ فإنما تدل على أن تلك الحضارات سبقت اليونان بأجيال عديديه من الزمن، وأن اليونانيين مدينون لتلك الحضارات، وإن كانت الأقدار لم تشأ أن يكمل أبناء حضارات الشرق القديم مشوار العلم الذى بدأوه فى شتى مجالات العلم والمعرفة، حيث خبأت ثم انطفأت الروح العلمية لدى أبناء تلك الحضارات ثم اليونانيون، فأكملوا المسيرة وساروا بالعالم خطوات هائلة، وذلك بعد أن تعلموا هذا الدرس من الحضارات السابقة عليهم .

 

بقلم د. محمود محمد علي

كلية الآداب – جامعة أسيوط

 

أو قصة امرأة من المشرق

انه صراع بين حب البقاء والحرية وبين الاسترقاق والسادية والألم...بهاته الكلمات نلخص المأساة التي عاشتها المواطنة العراقية '' نادية مراد '' في ربيعها التاسع عشر وهي في قبضة مجموعة تنظيم الدولة الإسلامية، بعد أن احتلوا قريتها وقتلوا الرجال. حدث ذلك في 2014 م والعراق على حافة الانهيار، تحاصره جحافل التنظيم الإرهابي من كل جهة بحيث لم يتبق غير العاصمة بغداد وبعض الأقاليم تحت سيطرة الحكومة...عجزت السلطة على حماية مواطنيها القاطنين في المناطق الجبلية النائية وكان الهولوكوست.

لم يكن ما حدث لنادية مراد مجرد اختطاف، بل هو استرقاق ل 6500 امرأة وفتاة ايزيدية ومسيحية وإجبارهن على تغيير دينهن أو الرضا بحياة الذل والعبودية التي اختارها لهم أمراء تنظيم الدولة الإسلامية. هو نفسه المصير الذي ينتظرهن حتى لو قبلن بتغيير العقيدة، لقد أدركن ذلك من خلال المشاهدة اليومية لتلك الوحوش البشرية المبرمجة على صناعة الموت.

كان ذلك في صيف 2014م في إقليم سنجار المعروف بطبيعته الخلابة وبأهله المسالمين...و بعد مضي بضعة أشهر من الاعتقال والضرب والحرق بالسجائر والاغتصاب المتكرر والتنقل كجارية من سنجار إلى الموصل، تمكنت نادية مراد بصعوبة من الفرار إلى ألمانيا للاستشفاء، والاتصال بالعالم المتمدن الذي تمول سلطاته التنظيمات الإرهابية. أبلغتهم حقيقة ما يعيشه الأبرياء بسبب دعم حكوماتهم '' المتمدنة '' لذلك المشروع وتزكية جرائم المرتزقة .صوت نادية مراد كان رسالة إلى كل المنظمات الحقوقية والمثقفين عبر العالم ليبصروا بوضوح طبيعة من اختارتهم العديد من الحكومات الأوروبية، صاحبة الخطابات الناعمة، حلفاء لها ضد مؤسسات شرعية تصارع من اجل البقاء وضمان الكرامة لمواطنيها.

منحت لها جائزة نوبل للسلام مناصفة مع الطبيب الكنغولي دنيس موكويغي في 2018 م، هذا كل ما استطاع المجتمع الدولي تقديمه...يعطي زهرة للسجين ..و يستمر في عقد صفقات تجارية وسياسية وتقديم التغطية الإعلامية للسجّان. ليست الفتاة الأولى في المنطقة الإسلامية التي تتحصل على نوبل للسلام، بل سبقتها الباكستانية ملالا يوسف زي في 2014 م التي وقفت بصمود في وجه طالبان مطالبة بحق الفتاة في التعليم والعيش الكريم بدل حياة الرق والإقصاء التي اختارها لها مناضلو الإسلام السياسي باسم تطبيق الشريعة والخلاص.

الجميع استقبل نادية مراد، مجلس الأمن، الكنيست الإسرائيلي، مشايخ الأزهر..والكثير من الهيئات الأوروبية الرسمية. ولكن لا احد يسأل عن السبب الذي جعل العديد من الأقليات الاثنية والدينية في العراق وسوريا ...تعيش مثل هاته المعاناة ولا احد يسأل عن مصادر قوة هذا الوحش وسرعة انتشاره.

إذا كانت نادية مراد أو ملالا يوسف زي قد استطاعت أن تسمع صوت المظلوم إلى المجتمع الدولي والتعريف بقضية المرأة في مجتمعات الذكورية، فماذا تخبئ لنا حناجر الألوف من الفتيات الأخريات ممن أجبرن على الزواج وهن قاصرات، أو ممن كن ضحية الختان بالشفرة، أو الحرمان من الميراث، وممن منعن من مواصلة الدراسة وبالخصوص في المناطق الجبلية أو الصحراوية النائية؟ إنها اكبر من أن تكون قضية امرأة أو أثنية عراقية، ولكنها تفكير وأسلوب في المعاملة مشترك بين كل بلدان الجغرافية الإسلامية، إنها واقع مجتمعات تجرّم المرأة فقط لأنها أنثى.

نعم، لقد استطاع كل من العراق وسوريا القضاء على فلول الإرهاب وتدمير قواعده بمساعدة قوى صديقة، ولكن الوحش الجاثم في عقول الملايين من المسلمين لا يزال حيا وموجودا ومؤثرا بشكل فعال في السلوك والاختيارات. الوحش الذي ترعرع بواسطة المؤسسات التربوية والإعلامية والتركيبة السوسيولوجية، يتم تقديمه- يوميا- من خلال الخطاب الرسمي مدسوسا في الطعام ليأكله الجميع ويشفى من مرض اسمه الحداثة والتنوير وترك التخلف والجهل.

إذا كانت نادية مراد قد استطاعت أن توصل صوت معاناة الايزيديات إلى العالم وتكشف حجم الجرائم التي يتعرض لها بعض العراقيين بسبب انتماءاتهم الاثنية أو الدينية، فان المئات من الناشطات الحقوقيات لا تزال خلف القضبان في سجون بعض الأنظمة العربية وعندما يسأل عن شانهن يكون الجواب دائما واحدا '' إنهن جاسوسات وأعداء الوطن ''. في الماضي القريب لم نكن نسمع عن مناضلات حقوقيات، بل كان الحديث عن مقاومات ضد الاحتلال في الجزائر وفلسطين ...اخترن الشهادة إلى جنب الرجال من اجل قضايا مقدسة....لقد وصلت البيئة العربية إلى حد لا يطاق من التعفن واللامعقولة الاجتماعية والتخلف.

إن محنة نادية مراد مع الوحش هي محنة إنسان، ظل يعاني ولمدة طويلة، من رؤية تعسفية ومعاملة قاسية واحتقار مؤسس، بسبب تمسكه بقناعاته ورؤيته المختلفة للكون والحياة...إنها محنة من صار ضحية مجتمعات لا تفقه حقيقة الاختلاف والتميّز وصناعة واقع جديد يضمن العيش للجميع.إنها محنة من يطالب بحقه في الحياة الحرة بعيدا عن كل أشكال الإقصاء والتجريم والتشويه. جريمتها أنها ليست مسلمة ولا تؤمن بمشروع الإسلام السياسي، جريمتها أنها أحبت أن تعيش عراقية قبل أي انتماء إيديولوجي . يردد أنصار المذهب الحنبلي قصة الإمام احمد ابن حنبل وسجنه وتعذيبه من قبل السلطة العباسية بسبب رفضه لنظرية خلق القرآن...ولكنهم يمارسون يوميا سياسة تلك السلطة ضد كل من لا يشاطر مشاريعهم.

 

نادية مراد هي صوت جماهير واسعة تريد أن يتغيّر واقعها، كل أملها في غد جديد يضمن لها العيش في كنف الحرية والحق، الحب والحوار، الاحترام وعشق الاختلاف...تريد مؤسسات حديثة بتشريعات تعبر فعليا عن واقع عربي تعددي، وسلطات تمتلك الشرعية، تكفل لها الحماية والعيش الكريم، دون أن تسألها عن قناعاتها الدينية .

يكلمنا التاريخ، أن الايزيديين شعب يقدس الجمال والطبيعة والألوان ويعتبر الطاووس ملاكا، فهم شعب لا يؤمن بالشيطان بل إن الشر في عقيدتهم نابع من ذات الإنسان، وبسبب تعرضّهم للعشرات من حملات الإبادة عبر التاريخ صار مجتمعا منغلقا على نفسه يخاف من العالم الخارجي وديانته غير تبشيرية، بحيث لا يقبل دخول الغريب بينهم. هذا لا يعني رفض العيش في وئام مع الأجنبي...فعلا لم يخطئوا التقدير، إن الشر نابع من إنسان مريض هو صناعة مؤسسات مهترئة قديمة وغير مسئولة. لم يخطئوا لان أناس جاءوا إليهم ليقتلوهم طلبا للخلاص والفوز بالجنة..جاءهم الشيطان مسرعا في زى ملاك والمؤسف انه شقيقهم في الوطن .

قصة هاته الفتاة هي قصة العشرات ممن كن ضحية التصورات الفاسدة، إنها قصة العرب والمسلمين في هذا الزمن الأسود ...لقد أظهرت محنة هاته الفتاة أن العرب والمسلمين- اليوم - ليسوا أفضل من غيرهم، بل هم اخطر امة على الإنسان والإنسانية ...مجتمعات لا يفوتها فرصة الاستهزاء بمحاكم التفتيش في أوروبا القرون الوسطى وتقتيل الهنود الحمر باسم الخلاص، ولكنها تتعاطف يوميا وبالتكبير أحيانا والصمت أحيانا أخرى مع قتلة الأبرياء باسم امتلاك الشرعية الدينية. إنها مجتمعات لم تتخلص بعد من قناعة المتاجرة بالبشر ولكن تعطيها مسميات عديدة، مجتمعات لا ترى في المرأة مواطنا وشريكا بل سلعة يمكن الاستفادة منها عند الضرورة.

كان نداءها إلى المجتمع الدولي يهدف إلى كشف حقيقة ما يخفيه العالم القديم الذي تعيش فيه ودعوة الأحرار من أبناء وطنها إلى المشاركة في صنع غد جديد...لأجل الإنسان مهما كان اسمه ودينه، لأجل الإنسان فقط. سافرت إلى العديد من بلدان العالم تحمل رسالة العراق التاريخي، عراق هارون الرشيد وشهرزاد، عراق ألف ليلة وليلة، عراق إبراهيم الموصلي وحمو رابي..عراق بابل والكتابة الأولى ...و ليس عراق الزرقاوي والبغدادي..

هنيئا لك نوبل للسلام وهنيئا للعراق بعد أن استرد سيادته على كامل ترابه. سيقولون أن الغرب منحك نوبل لأنه ضد الإسلام والمسلمين ويعمل على تمزيق الأمة الإسلامية بتأييده للأقليات ...قولي لهم أن '' بعض الغرب المتنور'' لم يقتل أخواني الستة ووالدتي بالتوحيد وبالتكبير، لأنهم رفضوا اعتناق ديانة جديدة . قولي لهم أن '' بعض الغرب المتنور'' يرى في شخصي مواطنة حرة من حقها أن تختار أسلوب العيش الذي تحب . قولي لهم أن '' بعض الغرب المتنور'' منحني الحماية والعزّة بعدما اختار أبناء جلدتي بيعي في سوق النخاسة عشرات المرات.

الغرب الذي تشتمون كل يوم، هو من صنعكم لخدمة مصالحه وجعلكم أدواته الطيّعة لتنفيذ ما أراد على الأرض التي تسمونها مباركة، وهو سيتخلى عنكم وعن من يمولون جنونكم فور انتهاء فترة الفائدة المرجوة. أخطأتم التقدير عندما ظننتم أنكم تحملون رسالة خلاص للمسلمين، بل انتم لا تختلفون عن أسراب الجراد وسيلتكم هي الدمار أينما حللتم. إن مشروعكم كان اكبر نقمة على المسلمين والعرب وبكم انتهت كل أمنية للخروج من عصر الظلام. كذبتم والكذب وسيلتكم لاستعطاف القلوب، عندما اخترتم أبناء جلدتكم وسيلة لتحرير غرائزكم الحيوانية وانتهاك حرمات الأبرياء والضعفاء باسم التوبة وفض المعاصي.تظنون أنكم صانعوا المستقبل، تبا لكم انتم من قضى على كل أمل كانت تنتظره الجماهير من اجل الخروج من مستنقع القرون الوسطى.

لن يذكركم التاريخ إلا كنقمة أحلت بالعرب والمسلمين، لقد جعلتم من العرب والمسلمين شعوبا منبوذة يحتقرها العالم ويسخر منها...بعدما كان المشرق والمغرب أرض أحلام واستلهام لمئات الكتاب والفنانين...الدين محبة قبل أن يكون طقوسا وشرائع، وانتم جعلتموه حقدا وفتن وشتات...عميت أبصاركم لأنكم لا تحبون رؤية جرائمكم وهي حال المعتوه عقليا في كل زمان.

إن ألم نادية مراد هو ألم المرأة التي ولدتكم وسميتموها ناقصة عقل وخجلتم من وجودها بينكم، لان في وجودها مرضكم المزمن.

 

نبيل دبابش - كاتب من الجزائر

 

رحيم زاير الغانمالانفتاح وإشكالية المفهوم على المستوى الثقافي، لما أفرز لنا انساقا وتصورات، أسهمت في انحطاط القيم قبالة من سلك أو لوح بهذا التوجه، الذي عده البعض تكريسا للتبعية والهيمنة الثقافية، وبذا بحسبهم ان مفهوم الانفتاح أخذ بعدا آخر، حتى أننا شهدنا عزل دول عربية سياسيا، وعدها من دول التطبيع والمهادنة،  فلا غرابة ان يُفهم الانفتاح تبعية سياسية بحسب هذا التصور، ومن خلال هذا الفهم والتسليم به، حُددت معسكرات للانفتاح وأخرى للممانعة، فأقصيَ البعض.

السؤال هنا هل عمل الطرف الممانع في ضوء فهم حقيقي للانفتاح؟ أم ان الجدير بنا التنبه إلى طرح سؤال: هل ان الطرف المنفتح/ المعني بالأمر، قرأ الانفتاح قراءة واعية؟ ومن ثمَّ ،هل شقَّ طريقه إليه؟ بمفهوم جديد خارج عن عباءة المحافظة على القيم والعادات والتقاليد التي جُبل عليها ثقافيا/ النسق المغلق، قد نذهب إلى ان الاثنين لم يعيا خطورة النسق الجديد الذي سيتلقف أنساقهم الثقافية الثابتة، ما لم يعيا سوءة الانفتاح على ثقافة الآخر من دون مرتكز حقيقي يُبيِّن موجباته وحدوده وجدواه، لذا يجب ألا يكون الانفتاح على حساب ثقافة وطروحات أحد الطرفين، أي أن يكون متوازيا، متوازنا، متكافئ، من كلا الطرفين.

ان الانفتاح  مرهون بفهمنا خاص به، لا يتعالى او يستعي على متلقيه، بوصف مشروع محدد الرؤى والأفكار والتصورات، في ضوء وعي مسبق للمواجهة الثقافية القادمة/في ظل الانفتاح طبعا؟ أي هل سنواجه (دين، فكر، موروث ثقافي) مسوق الينا من الآخر، مع تمتين عرى مجتمعنا داخليا، والاستعداد لمواجهة الارتدادات الداخلية، مثل موجات التقليد المحفزة للحراك المع أو الضد، والتيارات السياسية التي ستنشأ وبمختلف التوجهات، راديكالية أو ليبرالية، والمواجهة هنا لا تعني الإقصاء، بقدر الاستيعاب، لأن من يشقُّ ساقيةً من جدول صغير، ليس كمن يضع الديناميت، في جسم السد، الساقيةُ تهب الحقل الإرواء ومسحة من جمال فريد، أما السد عند الانفجار، يجرف الأرض ويلقي  هديره الرعب في النفوس ، فمن يوقظ في الشعوب مارد الانفتاح، عليه تقبل  التبادل السلمي للسلطة أو الفوضى، بتوصيفات أرقاها الإصلاح، حقوق الأقليات .....الخ، وهي حقوق شرعية، ولشرعيتها قد لا يستجيب ضيق أفق الانظمة الشمولية اليها.

الانفتاح لا يعني أنك تنفتح على دول الإقليم بقدر انفتاحك على العالم، ومعرفة ما يعنيه العالم، وما تعنيه الفجوة بينك وبين العالم، بل ما تعنيه للعالم جبهتك  الداخلية المترنحة، التي قد تتهاوى مؤسساتها الناشئة الواحدة  تلو الأخرى تباعا.

ان أردت ردم الفجوة بينك وبين الآخر صار لزام عليك ردم فجواتك الداخلية وتحصين بناك المجتمعية وفهمك لتاريخك وتراثك وخصوصيتك، كشعب لان الآخر سيواجهك بهذه التي لا تعتبرها ذات تأثير على ارض الواقع، لكن الآخر/ الغرب، يعدها  ذات فاعلية كبرى، بل هي من مكامن القوة والمنعة، لما تحمله من سمة الأصالة والانتماء لأنها تمنحه الحق في تحقيق المصير، لذا عمل على تمتينها للدفاع عن وجوده ثقافيا مع أي مواجهة تفرض عليه حاضرا أو مستقبلا، فماذا اعددنا للغد، يوم المواجهة مع الآخر المختلف ثقافيا، هل يمكننا كأمة/ عالم عربي، تحديد من نواجه أولا؟ هل نمتلك رؤى مسبقة وفحص لثقافة الآخر تصب في تقبله لثقافتنا؟ أي هل يمكننا المبادرة في تسويق ثقافتنا كأمة الى الامم الاخرى، على اساس وسطيتنا وتقبل الآخر لثقافتنا، هل لنا القدرة على اعادة ترتيب اوراق الأمم الاخرى، لا اساس تقويض مركزياتهم وتأصيل ثقافتنا، بل على اساس أننا من الامم المتقدمة فكريا ولنا قدرة بناء الاخر، بتقديم مثال صالح ومؤثر حضاريا في تجنيب الامم الاخرى الانتكاسات التي قد تتعرض لشرورها أمة من الامم، لنحقق مثالا حضاريا فاعلا نافعا، بالضد من المثال الغربي المستغل، أم هي ردود أفعال، تنتهي بمغامرة فاشلة، على الاعتبار أننا أمة مأزومة  داخليا، تمتلك القدرة على توجيه الاتهام للآخر المختلف ثقافيا/ الغرب، أي أنها وحسب المعطى الحالي، أمة متلقية/ مدافعة ،مع أن الغرب لم يدخل من الشباك على الأقل بعد استقلال الدول العربية، وعلى الأرض تحقق تبادل دبلوماسي على أعلى المستويات، فمن عددته خطرا، وليس بمقدورك مواجهته، تبسط له ذراعيك، بل انك وفي أحلك الظروف قتامة، والتي نحتاج منك موقفا تبسط جسدك باجمعه، غير موارب!؟ -ولكي يفهم ممَّا تقدم بحثه، دعوة لقطع العلاقات بقدر وصفه دعوة إلى حفظ التوازن-، هنا بالتحديد تتحقق التبعية الثقافية بمفهومها الحقيقي، عندما أسأنا فهم ماهية الانفتاح.

ما نشهده هذه الأيام من دعوات للتطبيع مع كيان غاصب، ما هو إلا تكريس لهذا الفهم الخاطئ للانفتاح، الذي تناسل انساقا ثقافية غير ناضجة، كرست للتبعية الثقافية في ضوء قصور الرؤية، مع علمنا المسبق ان هذه الدعوات جاءت كردة فعل لسلوك جمعي عربي مضطرب، في استعداء يفهم من تصرف حكومة ما أو شعب ما، قد يخلق نوعا من فقدان الثقة، وخلخلة في بنيات التوازن الهشة هي الأخرى، فلا غرابة ان تُواجه بردَّات فعل غير مدروسة لكنها في الحقيقة، جاءت في ضوء تنامي دعوات انفصال داخلي، والدول العربية أنموذجا لذلك، لهشاشة بناها الثقافية، قد نجد من يتبنى هذا الأصوات، وينميها، بل أن لديه بمقدوره توصيفها بالحركة الفكرية، وما تداعيات القرار الامريكي المنفرد حول الاعتراف بإمكانية ضم هضبة الجولان الى إسرائيل، من تداعيات الفهم الخاطئ للمفهوم الانف ولا يمكننا عده خارج توصيف الانزلاق بجبِّ الانفتاح غير واضح المعالم، بوصفه جاء بعد تخلل البنى العربية من الداخل، وانهيار كامل لسيطرة مؤسسات الدولة أمنيا واداريا، لتماهي الانظمة الحاكمة مع أجواء سياسة الفضاء المغلق ايدلوجيا، والمنسجم مع ثقافة الغرب سلوكيا فحدث ما لا يحمد عقباه.

في ضوء ما تقدم هل باتت الأزمات الداخلية، تودي بالمشروع، أم ان المشروع لم يكن واضح المعالم، مما أطاح بالآمال الكبرى، فلا غرابة من تنامي دعوات التطبيع، بوصفها ترسيخ لمفهوم التبعية الجديدة، التي تبدو التبعية الشعبية من متبنياتها الفعلية، وهذا الاخير من أشد التبعيات خطورة، كونه ينذر بنسف قواعد الأمة شعبيا.

 

رحيم زاير الغانم

 

رائد عبيسلم تعد الفارزة أحد علامات الترقيم، ولم تعد كتابتها لفصل الكلام عن بعضه واجزاءه، أو بين الشيء واقسامه، أو بين لفظ منادي بآخر، أو بين الكلمات المفردة، أو بين جمل قصار معطوفة، أو بين كلمات مفردة،  أو بين الفاظ معطوفة،  أو بين حرف جواب و آخر، او بين شرط وجزاء أو بين بدل وبديله. و لم تعد تلك العلامة التي تكتب بهذه الطريقة السهلة، ولم تعد فاصلة فقط، بل باتت فعل و ممارسة، على الرغم من أن جميع الكتاب لم يستغني عنها في كتابتهم، ولا فرد أو لمجتمع أن يستغني عنها في بأفعاله! ومع هذه الأهمية إلا أنهم يستغنون عنها بطريقة في كلامهم!

وهنا تكمن أهمية الكتابة، والفعل على الكلام، مهما بلغت فصاحته وحكمته، وهذا يؤكد لنا مبدأ، وهو أن أي فرد اذا لم يكتب ما يجول بخاطره من أفكار وآراء ومشاريع وكل ما هو مفيد وصريح ومنطقي، فأنه يتوارى خلف النسيان ويضيع، وهذا يذكرنا بالوصايا الحكيمة التي تؤكد على الكتابة لا الكلام. والكلام لا بد أن يحتوي على ما يتوجب فصله وافرازه بعلامة فاصلة وفارزة حتى يتحقق نفعه.

هناك كثير من الأشخاص أو أفراد المجتمع العراقي يسعى إلى تحويل هذه العلامة المكتوبة لا المنطوقة الى علامة مكتوبة ومنطقة ومفعولة. سبق وان قلنا إنها تكتب وتفعل ولا تنطق! ولكن الغريب الذي نشخصه هنا هو امكانية ممارسة الفارزة بوصفها فعل، وممارسة لها انماطها الفعلية في الوسط الاجتماعي، تتجسد في ممارسات فردية، وجماعية، وفئوية و شرائحية، وطبقية وغيرها.

لماذا اخترنا الفارزة كمدلول عن هذا الفعل الاجتماعي؟

لأن نمطية الفعل الاجتماعي الفاصل بين فئاته باتت تشكل تهديد على وحدة المجتمع العراقي، وكيف ندرك هذا التهديد؟ لا يمكن أن ندركه ما لم نحسه أو نعيه أو نشعره أو نتضرر به، والمجتمع العراقي الذي بات مقسم داخليا من حيث العشائرية المفرطة، أو من حيث التحزب المقيت،أو الادلجة، أو الاصطفافات الفئوية التي تنافس فئات أخرى من المجتمع، أو القومية، أو الطائفية،  أو الولائية، أو الانتمائية، أو حتى المهنية أو الشرائحية، هذه تقسيمات مجتمعية، في الغالب موجودة عند جميع الشعوب، ولكن ما نخشاه على مجتمعنا العراقي، أو ما نريد وندعو إلى التخلي عنه،  هو تعميق هذه الفوارق التي قد نمارسها بدون شعور وكل عفوية في وسطنا الاجتماعي، خوفا من تجذبها الى حد يترتب على ذلك اختلاف تام بالتوجهات العامة اتجاه مصلحة البلد وقضاياه، وهذا في الواقع موجود ولكن قلنا نخشى من ازدياد أعماقه في أوساطنا الاجتماعي، وهو ما دفعنا ايضا الى كتابة هذا المقال، والإشارة الى إشكاليات كبيرة تترتب على هذه الفاصلة، منها:

أولاً: عنصرية الفارزة التي تعزز الانتماء بين الذوات المنصهرة في بوتقة إحدى التشكيلات الاجتماعية واي كان صيغتها العقائدية أو السياسية أو اقتصادية.

ثانيا: غياب الحس الجمعي العام اتجاه قضايا المجتمع بشكل شمولي،كحس وطني جامع، وهذا ما شخصناه في مسيرات الاحتجاج والتظاهرات والحراك الجماهيري الذي كان يفتقر إلى وجود من هيمنت عليهم الفارزة الفئوية، فنرى قطاعات تتظاهر على مصالحها فقط، ما أن تتم و تُلبى ترجع الى حيث جاءت وخرجت، ولا يعنيها شرائح اجتماعية أخرى أو قطاعات اخرى، وقد رأينا ذلك مؤخرا في حراك نقابة المعلمين والمهن الصحية اتجاه علاوة واستحقاق مادي، بينما الهموم الكبرى غائبة عن طموح أكثرهم.

ثالثاً: الانكفاء الاجتماعي بحيث نجد شرائح من هذه الفئات تقتصر على شريحتها في كل أنشطتها الاجتماعية، مثل المجاملات السفرات أو الشؤون الاجتماعية الأخرى. وهذا ما يعمق نزعة الفرز لدى كل منتم الى هذه الشريحة أو تلك.

رابعاً: تعميق فكرة الانتماء المؤسسي على حساب الانتماء الاجتماعي وهذا ما ينتهي بأفراد اي شريحة أن تشعر بالتعالي أو بالتميز أو بالاختلاف ببعده الطبقي او الاناني. وهناك كثير من الإشكاليات التي ممكن أن نميزها ونشخصها. وكل تلك الإشكاليات وغيرها تترك أثر سلبي على مصاديق أخرى من فعل الفارزة، وما يترتب عليها من اخطاء كبيرة تلم بأفراد المجتمع العراقي المتعززة بهم هذه المسألة، فكيف بمن يأتي ويشتغل عليها وينظر لها ويؤسس لها أبعاد جديدة تسهم بشكل وبآخر الى وجود حالات التنابذ والتراشق والاستخفاف بين أفراد المجتمع على عدة قضايا منها على سبيل المثال، فكرة ابن الأطراف الذي يسمى بالمعيدي في قبال ابن الولاية، وهذا يدخل تحت نظرية المركز والأطراف. أو هذا منتمي لحزب ما أو تيار ما يحكم عليه بالعميل في مقابل ما يسمي نفسه الحزب الوطني. أو هذا تابع لدول الجوار وذيل لها وهذا ابن البلد الحر، أو هذا مرجع ذو أصول غير عربية وهذا مرجع عربي. والمفاضلات على هذه المناكفات قائمة وتزيد من حدتها كلما تثار قضية ما أو تحدث مشكلة في أمر ما، وهذا الكلام واضح جدا و مصاديقه كثيرة في الوسط السياسي الذي يتم الفرز عل أساسه، تبعا لطبيعة الأحقاد والضغائن أو الصراع حول المصالح، فلا وطنية لم يؤمن بمنطق الفارزة ويشتغل عليه. ولا ولاء وطني لمن يدعي نبذ الطائفية وهو يفرز المناصب والاستحقاقات عل أساس من الفرز العنصري. ففي كل مجال من مجالات الحياة ونشاطاتها في العراق توجد هذه الإشكالية، وذلك يرجع إلى سبب رئيس وهو غياب روح الوطنية والمواطنة التي هي بالضد من كل ما يترتب على الإيمان بفلسفة الفارزة ومنطقها وتطبيقاتها المختلفة. ولتعزيز روح المواطنة المتساوية في نفوس أبناء المجتمع العراقي فأنه يأتي من احساس الكل بأن بلدهم يدار من قبلهم، وان خيراته توزع لهم بالتساوي، وان كل الخدمات والمنافع تشمل الكل، وان لا فرق بين مواطن وآخر، بمسافة واحدة من المساواة لا يفارق الفرز الفئوي الضيق والاعمى الذي يفسد قيم المواطنة ومعانيها، فتلك أخطاء بارزة يجب ملاحظتها ومعالجتها مجتمعياً ومؤسساتياً.

 

الدكتور رائد عبيس

 

علاء اللاميبدأ الباحث فاضل الربيعي كتاباته في ميدان الجغرافية التاريخية التوراتية متأخرا عن عدد الباحثين العرب ككمال الصليبي و د. أحمد عيد وفرج الله ديب، ولكنَّه حاز شهرة قد تكون أوسع من بعضهم، ربما بسبب غزارة النصوص التي كتبها خلال سنوات قليلة وكثرة الطلات الإعلامية التي يقوم بها.

وخلال مساعيه تلك، حافظ الربيعي على تقليد مؤسف في الكتابة البحثية العربية، في هذا المجال مع بعض الاستثناءات، وهو عدم القيام بمراجعة نقدية لما أُلَّفَ وكُتب من دراسات وبحوث وكتب في المجال المدروس من قبل، ربما باستثناء الإشارة العابرة، والإطرائية، لكتابات كمال سليمان الصليبي. وقد ارتكب الباحث عدة أخطاء علمية ومعلوماتية فادحة في نصوصه المنشورة.

بهدف توثيق ما أقوله هنا، سأورد بعض الأمثلة على ما سمَّيته "الأخطاء الفادحة": فالكاتب، مثلا، لا يفرق بين النبي والقاضي صاموئيل بن ألقانة (ولد في القرن العاشر قبل الميلاد، تحديدا في سنة 931 ق.م، بحسب التوراة)، وبين الشاعر الجاهلي السموأل بن عاديا اليهودي، والمعروف بكونه رمز الوفاء عند العرب قبل الإسلام، والمتوفى سنة 560م، بحسب ما ورد في المدونات العربية القديمة، ومنها مثلا كتاب "طبقات فحول الشعراء" للجمحي. فالربيعي يعتبرهما شخصا واحدا، ويكتب بكل اطمئنان (بحسب سفر صاموئيل النبي وهو المعروف عند الإخباريين العرب بالسموأل اليهودي)[1]، في حين أنهما في الحقيقة شخصيتان مختلفتان، يفصل بين الأول، النبي صاموئيل (من أهل القرن 10 ق.م)، والثاني، الشاعر السموأل (من أهل القرن السادس بعد الميلاد)، ألف وخمسمائة عام تقريبا.

وكما في قوله، في مقدمة الطبعة الثانية من كتابه (القدس ليست أورشليم -مساهمة في تصحيح تاريخ فلسطين)، وخلال مناقشته لموضوعته المركزية حول أورشليم- القدس (لقد عرف جنوب الشام  باسم إيلياء، وهو اسم مؤنث للإله العربي الذكور (أيل - ءيل) الذي ينصرف إلى اسم الله، وقد عرفه العرب والمسلمون، واستعملوه في مدوناتهم ورواياتهم  دون حرج)[2]. والربيعي يدلي بهذه المعلومة بكل راحة بال، مع أن من المعروف حتى بين غير المتخصصين، غير هذا تماما. وكنا قد ذكرنا في الفصل الثالث عشر من كتابنا "موجز تاريخ فلسطين"، المعلومات الموثقة والشائعة التالية، بخصوص اسم "إيلياء"، فقلنا (وحين وصل الإمبراطور هادريان إلى العرش الروماني سنة 117 م...قرر تحويل القدس إلى مستعمرة للجنود الرومان، ومنع اليهود من السكن فيها، وأطلق عليها اسم عائلته المختصر "إيلياء"، فقد كان اسم جد عائلة الإمبراطور يحمل اسم (إيلياء كابيتولينا). وبهذا الاسم عرفت أورشليم - القدس في العصر الجاهلي وعصر صدر الاسلام. وظل هذا الاسم شائعاً عند العرب المسلمين الى جانب اسم بيت المقدس حتى العصر الاموي، حيث نقرأ للشاعر الفرزدق المتوفى بالبصرة سنة 732 م، نقرأ قوله شعرا:

وبَيتانِ بَيتُ اللَّهِ نَحْنُ وُلاتُهُ ......... وبَيتٌ بِأَعْلَى إيلياءَ مُشَرَّفُ)[3]. ولو كان لدى الربيعي اكتشاف جديد وتصحيح لهذا المعطى، لكان حريا به التوقف عنده وعرضه بدقة والتدليل على صحته.

أما الخطأ الفادح الآخر، فهو قوله، خلال حشده للأدلة على يمنية الجغرافية التوراتية، (فاليمنيون القدماء كانوا ينطقون الحاء المهملة خاء كما عند اليهود اليوم...)[4]. والشائع هو أن اليهود الأشكناز الأوروبيين فقط، هم الذين ينطقون الحاءَ خاء معجمةً، وليس اليهود العبرانيين المزراحيم "الشرقيين"، فالحاء حرف أصيل في اللغة العبرية، ولكن الأشكناز الخزر، وعموم اليهود الأوروبيين من السفارديم، لا يستطيعون لفظ هذا الحرف لأنهم أوروبيون، وغير جزيريين "ساميين".

لو حاولنا معرفة بدايات اهتمام الربيعي بهذا الميدان، فنحن لن نبتعد كثيرا عما سميناه "سقوط تفاحة نيوتن"، في معرض قراءتنا النقدية لأعمال الباحث الراحل كمال الصليبي، حين اكتشف هو الآخر، وفجأة، فيما هو يتصفح معجما جغرافيا لمدن ومناطق المملكة العربية السعودية، أن الجغرافيا التوراتية، تتكشف كلها أمامه، فالربيعي أيضا سقطت عليه تفاحة نيوتنية من هذا النوع، فلنستمع اليه يقصُّ علينا الحكاية:

(بدأت حكاية الاكتشاف المثير هذا، عندما كنت أعيد قراءة الهمداني بعيد وصولي إلى هولندا بقليل كتاب (الإكليل وصفة جزيرة العرب)، وأشد ما أثار دهشتي، أنني وجدت الهمداني يسرد أمامي أسماء الجبال الوديان والهضاب وعيون الماء في اليمن، كما لو أنه يسرد الأسماء نفسها الواردة في التوراة، والتي أكاد احفظها عن ظهر قلب)[5].

وبعد أن ننتهي من مقدمة الناشر، نقرأ في الأسطر الأولى من مقدمة المؤلف حزمة من الأخبار والمعلومات الغريبة، والأشبه بالقرارات الباتة والقاطعة، حول أمور لا تمكن مناقشتها ومقاربتها بهذه الطريقة أبداً، فهو يبدأ ومنذ السطر الأول بقوله (لم يحدث السبي البابلي لليهود في فلسطين، كما أنَّ الآشوريين والمصريين لم يشتبكوا على أرضها قط، وسفن سليمان لم تمخر المتوسط ولم ترس في أي وقت من الأوقات في موانئ صور اللبنانية. وإلى هذا كله، فالملك داوود لم يحارب الفلسطينيين "...." وإن القبائل اليمنية هي التي أعادت بناء الهيكل في السراة اليمنية، وليس في فلسطين. ومن ثم، فإن الهيكل لم يبنَ في القدس قط. بل إن أسوار أورشليم التي أشرف نحميا على إعادة ترميمها لا وجود لها هنا أصلا...)[6] ويستمر الربيعي يعرض علينا نصوصه واكتشافاته بلغة "قط، وأصلا" حتى النهاية، متهما مَن لا يرون رأيه بأنهم مزوِّرون وملفِقون، وأن آراءه هي الصحيحة فقط. ولو كان الأمر متعلقا بآراء الساسة "الإسرائيليين"، لكان هذا الأسلوب مبررا في الرد عليهم بلغتهم وأسلوبهم السجالي، أما مع العلماء والباحثين "الإسرائيليين" ممن يحترمون تخصصهم العلمي، ويكتبون بتوازن وموضوعية نسبية، كإسرائيل فنكلشتاين وغيره، فإن من الأفضل للخطاب البحثي العلمي العربي، أن يعتمد لغة البحث العلمي المجرد فيرد عليهم بالحجة والدليل العلميين، وهذا هو منطق النقاشات العلمية النقدية المراد، بعيدا عن السجالات الخطابية ذات النكهة والتقنيات السياسية.

ورغم كل شيء، لنقل: لا بأس في ذلك، فالرجل أراد أن يحدث في بداية كتابه صدمة أو تنبيها جاذبا لقرائه، عبر هذه المقدمة الصاخبة، والتي أنهاها بقوله "هذه هي الخلاصات التي يخرج بها الكتاب"؛ ولكننا حين ندخل في متن الكتاب لن نجد تلك اللغة والأساليب البحثية الرصينة والمتأنية التي نبحث عنها، فلنعد الى جوهر محاولة الكاتب، ولنرَ ما أسفرت عنه:

بعد أن يفرغ الربيعي من تقديم اكتشافاته السابقة الجازمة، يقدم لها التعضيد والإسناد الأهم عنده، والمتمثل بكتاب الهمداني "صفة جزيرة العرب". وقبل أن يقدم هذا الكتاب نقديا لقارئه، يقوم الباحث بمحاولة غريبة لتوثيق مضمونه الجوهري، فأين يجد هذا التوثيق أو الدليل على صحة مضمون مرجعه الهمداني، والقائم على موضوعة يمنية الجغرافية التوراتية؟ إنه يستله من مذكرات الطبيب والسياسي السوري عبد الرحمن الشاهبندر، الذي كتب في خاطرة صغيرة، وردت في مقالة أدبية للشاهبندر، في جريدة مصرية سنة 1936، وتناول فيها كتاب الرحالة السوري نزيه المؤيد العظم، وفيه يروي أنه التقى بحاخام اليهود في صنعاء، يحيى إسحاق، الذي أكد له المعلومة الآتية (كان لليهود مملكة عظيمة في اليمن إلى الشرق من صنعاء أسسها سليمان بن داوود، وربما كانت هذه المملكة في نجران)[7]. فأين نضع هذا الدليل؟ وهل هو دليل فعلا، وذو علاقة إناسية "أنثروبولوجية"، أو تاريخية، بموضوع جغرافية التوراة اليمنية المزعومة؟ أليس ثمة "أدلة " وطرائف "سياحية" من هذا النوع، وهي بالمئات، إن لم تكن بالآلاف، في فولوكلور وتراث كل طائفة وإثنية وأمة في العالم القديم، ظلت متداولة في المرويات الشفاهية؟ أليس من العسف أن يشطب باحث ما على آثار الحضارات العراقية والمصرية الفرعونية والفلسطينية، لأنها لا تتسق مع وجهة نظره، أو نظريته، ويحتج بقصاصة صغيرة من جريدة يومية، فيها خاطرة، كتبها رحالة، أو طبيب، أو سياسي لا دخل له في هذا الميدان؟ بل، والأغرب من كل هذا، أن الحاخام اليهودي الصنعاني، الذي روى قصة "المملكة اليهودية الفخيمة في اليمن"، لا يعرف إن كانت هذه المملكة قد قامت فعلا في نجران أم لا، كما يقول المقتبَس نفسه!

يكتب الربيعي بلغته القطعية المعهودة (وفي الواقع، فإن التوراة لم تذكر فلسطين بالاسم، كما لم تُشر من قريب أو بعيد إلى الفلسطينيين)[8].

إنَّ الواقع يقول عكس ما يقوله الربيعي هنا، وقد راجعت أسفار التوراة، وتحديدا مفردة "فلسطين" في موسوعة الكتاب المقدس، فوجدت أنها وردت في التوراة بصيغ "فلسطين"، والفلسطينيين"، و"أرض الفلسطينيين"، في الأسفار التالية، مع ذكر عدد المرات:

في سفر التكوين (سبع مرات)، ومرة في سفر يشوع، ومرتين في سفر أشعيا، واحدة منهما بصيغة "جَمِيعُكِ يَا فِلِسْطِينُ"، سفر أرميا ثلاث مرات، سفر عاموس مرة، وفي سفر الميكابيين، وهو من أحدث أسفار التوراة، وقد وقعت ثورة الميكابيين في القرن الثاني قبل الميلاد، وهي عبارة عن تمرد يهودي مسلح، موثق في المدونات السلوقية الإغريقية والرومانية واليهودية معا، ولا يمكن التشكيك بصحة وقوعها في أورشليم-القدس الفلسطينية، وقد وردت الكلمة في عبارة "أرض فلسطين"، كما ورد اسم فلسطين في سفر عبوديا باسم "سهل فلسطين"، ومرة في سفر صفنيا. فكيف يجزم الربيعي بأن فلسطين لم ترد في التوراة؟ أم أنه يقصد أنها وردت فعلا، ولكن محرفة في أحد الحروف، من وجهة نظره، فلم ترد بالطاء، بل بالتاء كما يقول، ولهذا فهو يردها إلى اليمن بدليل أنها تحمل اسم الإله اليمني القديم "الفلس"؟ وحتى هنا، يظل الاعتراض قويا على وجهة نظر الربيعي القائلة (إن الإله فلس، إله الفلستيين حيث لا يوجد كلمة فلسطين مطلقا بالتوراة بل فلستيين والفلست، رغم وجود حرف الطاء بالعبرية، وهم من بني كنانة (كنعن) أحد بطون مضر وليست مصر كما تذكر التوراة)[9].

مع ذلك، لنستمر في مناقشة هذه النقطة بخصوص اسم فلسطين، ولنتساءل: كيف وردت لفظة "فلسطين" بحرف الطاء في النسخة المترجمة إلى العربية من التوراة، وبحرف التاء في اللغة العبرية، وسأناقشها من وجهة نظري، كقارئ لا يتقن اللغة العبرية، بل يعرف أشياء عنها ومنها.

إن حرف الطاء، موجود في اللغة العبرية فعلا، ولكنه لم يستعمل في إملاء كلمة فلسطين في الكتاب المقدس، أي أنها موجودة، ولكن بلفظة "فلشتيم"، وليس بلفظة "فلسطين"، والأسئلة كثيرة ومنها:

  لماذا استمرت فلسطين بهذا الإملاء العبري، أي بالتاء، حتى الآن؟ وهل حرف الطاء العبري (ט) كان يلفظ ويكتب في التوراة بالعبرية القديمة، وما الدليل على ذلك، أم أن هذا الحرف كان قليل الاستعمال قديما، ثم انقرض في العصر الحديث، ولم يعد موجودا الآن، كما هو معروف، في الألفباء العبرية المعاصرة؟

إذا كان اسم الفلسطينيين "الفلستينيين" هو نسبة إلى الإله اليمني القديم " الفلس" كما يقول الربيعي، فلماذا لم تأتِ النسبة إليه "الفلسيون" واسم منطقتهم الفلسة أو الفلسية ؟ وما معنى التاء في "الفلستيون"؟ الربيعي يقول، إن هذه التاء هي "التاء اللاصقة" ويضرب لها مثالا في (قريش التي تكون بها قرشت)، فأي معنى لهذا التفسير؟

ولماذا يسكت الربيعي عن أن كلمة " فلسطين"، في العبرية لم تأتي بالسين (ש) مع نقطة على أعلى يسار الحرف، لو كانت النسبة فعلا الى إله "الفلس" اليمني مع أن السين موجودة وفعالة، ولها حرفان عبريان هما السين العادية والسين التي تدعى سامخ "ס"، بل جاءت بالشين (שׁ) مع نقطة على أعلى يسار الحرف، كما يلاحظ القارئ. فلماذا سكت الربيعي على ملفوظ الشين، وعلى إضافة التاء الى فلستين اليمنية نسبة الى الفلس، وكيف يفسر كل ذلك؟

وإذا كانت الميم في العبرية تفيد الجمع، فيكون "الفلسطينيون" في العربية، "فلشتيم" في العبرية، وفي غيرها من اللغات الجزيرية كالأكدية التي يلفظ فيها اسم فلسطين "پالاستو"، والبابلية الأمورية والآشورية والآرامية القديمة والآرامية المتطورة "السريانية"، فماذا عن النون في المقابل العربي للاسم مفردا "فلسطين"؟ وهل هذه هي الكلمة الوحيدة التي تكتب بالعبرية بقلب السين شين، والطاء تاء، أم أن الأمثلة كثير على ذلك؟ لنقدم هذا المثال: لعل أشهر عمليات القلب الحروفي العبرية هو ما نجده في اسم مملكة "سبأ" في عبارة "ملكة سبأ بلقيس"، والتي تكتب بالعبرية "ملكت شفا מלכת שבא). ففي هذا الاسم انقلبت السين شيناً والباء فاء. كل هذه الأسئلة والتساؤلات، تجعل من وجهة نظر السيد الربيعي، التي ترد اسم فلسطين إلى إله الفلس اليمني القديم ، وبين هؤلاء الفلستينيين، وبين من يراهم امتدادا للفلستينيين أي يهود الفلاشا في أثيوبيا، تجعلها فكرة ضعيفة وهشة جدا، ولا يمكن الدفاع عنها بحثيا قبل الإجابة عن هذه الأسئلة، خصوصا وأن  وجهة نظر الربيعي قد تم نقضها بالأدلة الآثارية القاطعة، بهذا الخصوص كما سنبين في صفحات قادمة، حين سنعرض بالتفصيل الأدلة الأركيولوجية التي جمعت من مدن فلسطين القديمة، ومن آثار الحروب والمطاردات التي شنتها جيوش مصر الفرعونية ضد شعوب البحر حتى بلغت تلك الجيوش شمال فلسطين والتي تنقض نظرية الربيعي نقضا تاما.

أما خارج التوراة، فقد ورد اسم فلسطين بوضوح في كتابات المؤرخ والرحالة الإغريقي هيرودوت في القرن الخامس قبل الميلاد، وقد ناقشت ذلك مفصلا في موضع آخر من كتابي الصادر حديثا عن دار الرعاة الفلسطينية، "موجز تاريخ فلسطين" الفصل الأول، وخلاصة ما كتبت هي أن اسم فلسطين ظهر موثقاً في مؤلفات المؤرخ والرحالة الإغريقي هيرودوت في القرن الخامس قبل الميلاد، إذ أشار إلى بلاد الشام باسم "سوريا"، وإلى جنوبها بـ"فلسطين" (Παλαιστινη پَلَيْسْتِينِيه)، وأحيانا بـ "فلسطين السورية". وعلى ما يبدو، فقد استعار هيرودوت هذا الاسم من اسم "پَلَشْت" نسبة إلى شعب البلستة / الفلسطة، في القرن الثاني عشر ق م، واستقرارهم في ساحل فلسطين الجنوبي، وإقامتهم خمس ممالك- مدن هي: غزة، عسقلان، أسدود، جت، وعقرون، في الساحل الجنوبي، ما بين يافا ووادي العريش. غير أن اسم فلسطين كان شائعا قبل هيرودوت بعدة قرون. ففي سنة 750 قبل الميلاد ورد اسم "بلست" باللغة العبرية، ثم ورد اسم بلادهم "فلستيا Philistia" بعد ذلك، كذلك ورد اسم "بالستين" أو سوريا الفلسطينية Palestine Syria، الذي كان يطلق على الجزء الساحلي والداخلي من فلسطين الحالية حتى الصحراء العربية، في وثائق أخرى.

 أما قبل زحف شعوب جزر شرق البحر الأبيض المتوسط، فكانت هذه البلاد تعرف باسم أرض كنعان، وفي العديد من المسلات الفرعونية المصرية، أطلق عليها اسم "بلاد خوري/ حوري"، نسبة إلى الحوريين.

 وكلمة فلسطين، باللغة العبرية هي  פלשתים پلشتيم، وبالأكدية الأكثر نضجا والأقدم زمنا هي "پالاستو". ومن الأدلة الآثارية على وجود وهجرة الفلسطيين "الفلسطة" والتي تقول موسوعة الكتاب المقدس، إنها تعني "المهاجرين"، وهم مهاجرون فعلا من جزر البحر المتوسط، ورود ذكرهم على إحدى الجداريات الفرعونية بوادى الملكات (الأقصر)، والتي تعود لزمن الملكة حتشبسوت (1479–1458 ق.م)، ويرفض الربيعي قصة هجرة شعوب البحر المتوسط، ولكنه لا يفسر أو يرد على الأدلة المادية التي تؤكدها، ومنها الجدارية الفرعونية بوادي الملكات. تذكر تلك الجدارية أن هؤلاء المهاجرين من شعوب البحر (حطوا برحالهم عند ساحل مريوط، قرب الإسكندرية حاليا، فقام الفراعنة بإجلائهم عن مصر، فانقسموا لجماعتين، الجزء الأكبر حط رحالة بجنوب فلسطين التاريخية، أما الجزء الأصغر فتوجه غرباً واستقر بمدينة درنة الليبية وحولها)[10].

يرفض الربيعي في كتابه هذا، أن يكون القضاء على مملكتي إسرائيل ويهوذا من قبل الجيوش الآشورية، والكلدانية بعدها، وتدمير أورشليم وهيكلها، وسبي قسم كبير من سكانها قد حدث في فلسطين؛ بل هو ينكر أي وجود لليهود العبرانيين فيها قبل القرن الثاني قبل الميلاد، وفي بعض الاقتباسات عنه، يجعل من غير الممكن الإقرار بوجود اليهود العبرانيين في فلسطين قبل 130 سنة ق.م، كما يقتبس عنه بكر أبو بكر[11] ومحمد علي إبراهيم[12]. أو كما يقول هو نفسه (في حدود 130 ق.م، لأن المعارك كانت لا تزال مستمرة وبقوة زخم مدهشة حتى هذا الوقت، بين القبائل العربية اليهودية بقيادة يهوذا المكابي، القائد اليهودي الذي جمع بين الملك والكهنوت كما يروي ابن العبري في تاريخه، والقوات الرومانية الغازية، وفي حدود هذا التاريخ كانت أورشليم عاصمة بلاد اليهودية في سرو حمير ولم يكن اسمها القدس قط)[13].

ولكننا سنأخذ بما وثقناه في كتابه، رغم أن بين القولين فرقا زمنيا كبيرا يصل الى سبعين عاما، لا يبدو أن الربيعي يقيم له أي اعتبار، ففيه يكتب أن (بداية تدفق القبائل العربية العاربة، بما فيها بقايا قبيلة بني إسرائيل، من يهود اليمن وسواحل البحر الأحمر وتهامة ونجد اليمن واليمامة نحو جنوب بلاد الشام (فلسطين) لن يتجاوز حدود العام 200 ق.م، إذ بدءاً من هذا التاريخ تدفقت على شكل موجات متعاقبة وتحت ضغط الحروب والحملات العسكرية المدمرة، جماعات وقبائل وشعوب منهكة تقلصت، وإلى حد كبير إمكاناتها القتالية والحربية، وأضحت قدرتها على مواصلة التمرد محدودة وتكاد تكون معدومة)[14]. والواقع، فإن أحدا من الباحثين القائلين بجغرافية عسيرية أو يمنية للتوراة واليهودية، لم يبلغ به الحماس هذه الدرجة من المبالغة في الاستنتاج البحثي. فكمال الصليبي نفسه، وفي معرض رفضه لاعتماد مخطوطات البحر الميت، قال إنَّ تلك المخطوطات قد تفيد لدراسة وتوثيق مرحلة اليهود في العصر الروماني، أي أنه كان يعترف بوجود اليهود  في ذلك العصر رغم أنه لم يتطرق بالتفصيل لهذا الوجود.

إن كلام فاضل الربيعي هذا، يعني في ما يعني، الشطب على تاريخ الشرق، طوال القرون السابقة للهجرة اليهودية من اليمن إلى فلسطين شمالا، والتي يعتقد بحدوثها في القرن الثاني قبل الميلاد، وبكل ما فيه. وهو يعني أن الحروب والثورات والهجرات وعمليات التهجير والسبي، ومنها السبي الآشوري الأول لسكان أورشليم-القدس في القرن السابع قبل الميلاد، والسبي الكلداني الثاني لهم في القرن السادس قبل الميلاد، وكلها موثقة أركيولوجيا في المسلات والوثائق الرافدينية بالتفصيل، ومعها الحروب المصرية الرافدينية والمصرية الحيثية في فلسطين وعموم بلاد الشام، وبعضها بلغ شمال الشام وجنوب الأناضول، ومعاهدات السلام، ومنها معاهدة قادش "تل النبي مندو" بين مصر الفرعونية والحيثيين سنة 1258ق.م، أي قبل أكثر من ألف سنة، من هذه الهجرة اليهودية المزعومة، وهي موثقة كما ذكرنا، ليس بكلام التوراة فقط، بل بمسلات وبرديات وجداريات ما تزال قائمة حتى اليوم على نهر العاصي. وعن قادش هذه كتب هيرودوت، وهو من أهل القرن الخامس قبل الميلاد، في كتابه "التواريخ"، ما ينسف تماما أطروحة الربيعي عن الإله اليمني "الفلس"، وأصل الفلسطيين، كتب هيرودوت (هنالك مدخل واحد معروف إلى مصر من فينيقيا إلى حدود مدينة كاديتس التي تعود إلى السوريين، ويُدعَون الفلسطينيين، ومن كاديتس، وهي مدينة أعتقد أنها ليست أقل حجما من سارديس، من هذه المدينة تمتد محطات التجارة على ساحل البحر إلى حدود مدينة لينيسوس)[15]، وكان رعمسيس الثاني، أول مَن خلّد انتصاراته الحربية عند مصب نهر الكلب في لبنان الحالي، على نصب صخري ما يزال باقيا حتى يومنا هذا، ضمن مجموعة من النُّصب والمنقوشات، تشمل ثلاث مسلات مكتوبة بالهيروغليفية المصرية الفرعونية، وست لوحات مسمارية رافدينية من العصرين الآشوري والبابلي الأخير "الكلداني"، وأشهر ملوكه نبوخذ نصر الثاني. وكما تساءلنا في معرض سردنا لأحداث تلك القرون، نتساءل هنا عن السبب الذي جعل المنفيين اليهود في بابل، يعودون إلى مدنهم المدمرة بسبب الحروب في فلسطين، ولا يعودون الى مملكتهم اليهودية في اليمن أو عسير؟ لماذا لم يعثر حتى الآن، وإنْ عن طريق الصدفة البحتة، على رقيم فرد، أو أثر أركيولوجي واحد وحاسم، باللغة العبرية أو غيرها، يدعم رواية القائلين بجغرافية عسيرية أو يمنية للتوراة واليهودية، مقابل مئات الآثار والأدلة المادية المبثوثة في طول وعرض فلسطين، وبلاد الشام عموما، والرافدين ومصر؟

ويحاجج الربيعي بالقول (أن المؤرخ هيرودوت[16]، الذي جال في المنطقة في القرن الخامس قبل الميلاد، وكتب ملاحظاته لم يسمع، ومن ثم لم يسجل، كلمات تشير إلى أي من "أورشليم" ،"يهوذا" ، "إسرائيل"، "السامرة"، أو هدم "الهيكل"، ولا "السبي"، وذلك على الرغم من أنه تحدث عن مواقع وأقوام تبعد عن خط رحلته  آلاف الأميال)[17]. ونذكر القارئ بأننا ناقشنا، في الفصل السابع من كتابي موجز تاريخ فلسطين، في معرض كلامنا عن الحجم الضئيل والأهمية التاريخية شبه المنعدمة للمحمية الفارسية التي أطلق عليها "اليهودية" بعد عودة نحميا ومعه آلاف العائدين من الأسر البابلي. وقد استشهدنا بموقف المؤرخ والرحالة هيرودوت منها وإهماله لها، وهذه خلاصة للتذكير بما كتبناه هناك مع بعض الإضافات:

إنَّ دويلة يهوذا الثانية، والتي كانت محمية فارسية بالمعنى الحصري للكلمة، ليست إلا بقعة ضيقة جدا من الأرض، في أورشليم-القدس وحولها، قد لا يتجاوز عرضها 24 ميلا. ومساحتها كما يذكر باحث آخر هو رولي خاريش[18] حوالي 17 هكتارا مربعا فيما كانت مساحة مدينة نينوى 720 هكتارا مربعا، أما عدد سكانها فلا يزيد على عشرة آلاف نسمة كما يقول فنكلشتاين. لنقرأ ما كتبه المؤرخ هربرت جورج ولز، في معرض كلامه عن هذه الدويلة وسكانها (كانت حياة العبرانيين تشبه حياة رجل يصرُّ على الإقامة وسط طريق مزدحم، فتدوسه الحافلات والشاحنات باستمرار. ومن الأول إلى الآخر، لم تكن "مملكتهم" سوى حادث طارئ في تاريخ مصر وسورية وآشور وفينيقية، ذلك التاريخ الذي هو أكبر منهم ومن مملكتهم)[19]. ويضيف ظفر الإسلام خان الذي اقتبس كلام ولز، ما يفيد، أن هيرودوت زار القدس، وذكرها وتجاهل ما عداها، فيكتب (وقد تجاهل رحالة القرن الخامس قبل الميلاد، والمؤرخ المعروف هيرودوت، ذكر اليهود ودولتهم ما عدا القدس، وبعض الأماكن التي لم تكن تبعد عن القدس أكثر من عشرة أميال. ويعلق على موقف هيرودوت هذا د. فوكس جاكسون، الأستاذ في جامعة كامبردج، في كتابة "يوسف واليهود"، قائلا "إن تفسيره بسيط غاية البساطة. لقد كانت "يهوذا = اليهودية"، غاية في الصغر، وكان سكانها من التفاهة من حيث العدد، لدرجة أن أذكى وأبصر السواح في القرن الخامس قبل الميلاد هيرودوت، كان يزور ما كانت تسمى فلسطين السورية، أو سورية الفلسطينية، وقد لا يسمع عن اليهود شيئا أبدا. ولا بد ان القدس كانت في أيام حاكمها نحميا المعاصر لهيرودوت، مدينة خاملة الذكر جدا، بحيث لا تغري سكان المناطق المجاورة لها بسكنها إلا بشق الأنفس. والأجدر بالملاحظة من تفاهة عدد اليهود في فلسطين في زمن نحميا (445 – 432 ق.م)، هو أن رقعتهم ظلت ضيقة، كما لا يبدو انهم تكاثروا في البلاد لما يقرب من ثلاثة قرون ... ولكن اليهود لم يصبحوا قوة في البلاد إلا حوالي منتصف القرن الثاني ق.م خلال فترة حكم الميكابيين. وما من شك، في أنهم كانوا عديدين في بابل ومصر أما في فلسطين فكانوا قلة تافهة)[20].

ثم إنَّ ذكر الرحالة هيرودوت لاسم مدينة زارها فعلا وبشكل خبري، أو عدم ذكره له، أمر لا يعول عليه دائما في كتبه، ولا يعتبر دليلا على عدم وجود تلك المدينة، فمن المعروف، أنه زار بابل العاصمة الإمبراطورية السابقة والمحتلة من الفرس الأخمينيين آنذاك، ولكنه لم يذكر أنه زارها، وهذا ما يذكره عبد الله أبو أيمن نقلا عن أحد الموسوعات التاريخية الرقمية، كما يبدو، حيث وردت العبارة في مقالة له كتب فيها(رغم استخدامه -هيرودوت- لعبارات يستدل منها أنه زار بابل إلا أنه لم يزعم انه كان قد زارها)[21]، وهناك من يقول إنه قد ذكر أنه زارها، ربما اعتمادا على وفرة المعلومات والمشاهدات عن الحياة اليومية فيها آنذاك، وهذا ما نجده  في العرض الممتع، والغني بالمعلومات، الذي يقدمه د. صباح الناصري[22]، لما ورد في كتاب "التاريخ" لهيرودوت، عن زيارته لبلاد الرافدين، وخصوصا مدينة بابل، حين كانت تحت الاحتلال الفارسي الأخميني.

*هذه المقالة هي خلاصات مكثفة ومختصرة من الجزء الأول من دراسة مطولة بعنوان (نقد الجغرافية التوراتية اليمنية عند فاضل الربيعي" والتي ستنشر كاملة في كتابي الجديد (نقد الجغرافية التوراتية العسيرية واليمنية) الذي سيصدر في المستقبل القريب.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي - جنيف

 ..........................

 

[1] - القدس ليست أورشليم مساهمة في تصحيح تاريخ فلسطين – فاضل الربيعي – ص12 = دار الفكر – دمشق - 2009

[2] - المصدر السابق ص 3.

[3] - مخطوطة كتاب "موجز تاريخ فلسطين منذ فجر التاريخ وحتى الفتح العربي الإسلامي"- الفصل 13.

[4] - هامش 8 على ص 36  - القدس ليست أورشليم – فاضل الربيعي –م.س.

[5] - فلسطين المتخيلة  "أرض التوراة في اليمن القديم"- فاضل الربيعي – ص 14 – دار الفكر – دمشق – ط1 – 2008.

[6] -المصدر السابق  – مج 1- ص 14

[7] -المصدر السابق – ج1 – ص16.

[8] - فلسطين المتخيلة –  ص 19 – ج1 – م.س.

[9] - هذا النص اقتبسه بهذه الصيغة بكر أبو بكر في مقالة له بعنوان "فلسطين بين المفكر العربي فاضل الربيعي والباحث الآثاري الإسرائيلي إسرائيل فنكلشتاين" وهي مقالة تقريضية خالية القيمة العلمية. ولكني حين عدتُ إلى الصفحة 286 من نسختي من كتاب الربيعي لم أجد هذا المقتبس بل وجدت ما يشبهه تقريبا في هامش على الصفحة ذاتها يربط فيه اسم فلستين بإله "الفلس" الذي كانت تعبده قبيلة طي في طورها اليمني كما يقول ويربط بينهم وبين يهود الفلاشا في أثيوبيا قبل نقلهم الى دولة الكيان الصهيوني ويعتبرهم من بقايا الفلستينيين. وربما يتعلق السبب بتعديلات لاحقة على طبعة متأخرة للكتاب.

[10] - موسوعة المعرفة والموسوعة الحرة – نسخة رقمية على الانترنيت .

[11] - بكر أبو بكر – مجلة آمد للإعلام الرقمية – عدد 27.04.2014 .

[12] - محمد علي إبراهيم / مقالة على جريدة الجسر الإلكترونية / 25 مارس 2017

[13] - مدونة آفاق المعرفة متجددة – عدد  8.10.2010 – نسخة رقمية.

[14] -فلسطين المتخيلة – فاضل الربيعي – مج 2 – جز 5 – ص 561 .

[15] -ترجمة شخصية، لفقرات من النسخة الإنكليزية - صفحة 258: كتاب هيرودوت/ هيرودوتوس "التواريخ" Histories (Herodotus).

[16] - درجنا على كتابة أسماء العلم بالإملاء الذي ترد فيه داخل المقتبسات حتى لو كنا نكتبها بشيء من الاختلاف الإملائي ومثل ذلك هنا اسم المؤرخ والرحالة اليوناني هيرودوتس الذي نكتبه في نص الكتاب " هيرودوتس " وفي بعض المقتبسات يكتب " هيرودوت" أو ما شابه ذلك.

[17] - مقالة في صفحة حزب الشعب الفلسطيني- عدد  2.5.2011.

[18] - تاريخ فلسطين القديم من خلال علم الآثار – د.عفيفي البهنسي – ص67 –منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب- دمشق –ط1 – 2009.

[19] - موجز التاريخ - هربرت جورج ولز - اقتبسه ظفر الإسلام خان في كتابه " تاريخ فلسطين القديم -  ص 99.

[20] -المصدر السابق - ص 99.

[21] - هيرودوتس أبو التاريخ – عبد الله أبو أيمن – مقالة على عدة مواقع على الانترنيت.

[22] - بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن في تـاريـخ هيرودوتس – د.صباح الناصري – مقالة على المدونة الشخصية للكتاب- نسخة رقمية.

 

المهدي بسطيلي(بين الفاعل المحلي وسياسات التدبير بالمدينة المغربية)

"حدد الدستور الجديد 2011 معالم نظام الحكم بالمغرب بتوصيفه بالملكية الدستورية الديمقراطية البرلمانية والاجتماعية التي تتأسس على فصل السلط وتوازنها وتعاونها، والديمقراطية المواطنة والتشاركية، ومبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع التأكيد على أن التنظيم الترابي للملكة تنظيم المركزي قوم على الجهوية المتقدمة"[1]

لاشك أن الحديث عن التنمية هو حديث عن مخططات علمية عملية محكمة، تتقصى التنقيب عن استراتيجيات وفرص تقويم المجتمع بعيدا عن الخطابات الشفوية الرنانة، وذلك استجابة لمبدأ الحكامة الرشيدة التي تتطلب تدخل مختلف الفاعلين في العملية التنموية، من مؤسسات رسمية، قطاع خاص، والفاعل المحلي الذي يعتبر شريكا أساسيا في هذا البناء.

ومما لاشك فيه يعتبر المجتمع المدني سبيلا مفتوح ومرحب به أمام الفاعلين المحليين في تقديم مقترحاتهم وآراءهم بقوة القانون، وذلك أن المخططات التنموية لابد أن تعتبر في الفاعل المحلي شريكا رئيسي لاحتكاكه أكثر بالمجال الترابي[2] .ولعل المسألة تطرح العديد من التساؤلات، حول فاعلية المجتمع المدني اليوم وماذا حضوره في نسج مخططات التنمية بالمجتمع المغربي وهو ما نحاول الحديث عنه في هذه الورقة، عبر رصد صيرورة العلاقة بين التنمية والمجتمع المدني والحكامة الترابية بالمجتمع المغربي.

ذلك أن تدبير الشأن العام بالمغرب شهد العديد من التطورات سواء على مستوى النهج أو المفاهيم على الأقل، فأضحى يعتمد بالأساس على البعد المحلي وعنصر القرب من المواطن،و إشراك المواطن في التدبير، وهكذا ظهرت جملة من المفاهيم تساير هذا التطور التدبيري، مثل الحكم التشاركي، الفاعل المحلي، ووحدة المدينة، وسياسة المدينة والحكم المحلي أو الجهوي،... مفاهيم تحيلنا طريقة خاصة في تدبير وتسيير الشأن العام، تتمحور بالأساس حول الفعل التشاركي لمختلف الفاعلين في المجتمع لوضع مخططات التنمية وتحقيق نجاعتها، وسعيا لوضع تشريح بسيط لهذه المستجدات التدبيريية لابد من وضع تشريح بسيط لأهم المفاهيم الممكنة للحديث عن الموضوع، من خلال طرح التساؤلات التالية:

ماهي الحكامة؟

هي مصطلح قديم من أصل إنجليزي، ومصدرها من الفعل الالتيني« gouvernance" «. أما المقاربة المؤسساتية للمفهوم فتستقي في الغالب التعريف المقدم في أدبيات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي :“ممارسة السلطة السياسية والاقتصادية والإدارية في إدارة شؤون البلد على جميع المستويات"

ويتضمن الحكم الآليات والعمليات والمؤسسات المتطورة التي يعبر المواطنون والجماعات من خلالها عن مصالحهم وحاجاتهم، وتطلعاتهم، ويمارسون حقوقهم وواجباتهم القانونية، يعتمد المفهوم على المشاركة والشفافية والمساءلة وضمان العدالة في مجالات مختلفة من الحياة الاجتماعية والإنسانية[3] . ورغم غياب الاتفاق القطعي، حول تعريف موحد للحكامة حتى اليوم، إلا أنه من الممكن تحديد سمات الحقل الدلالي الواسع، الذي يغطيه وصف العمليات والروابط والتمفصلات التي تميز العلاقة بين مختلف الجهات الفاعلة المشاركة في صنع القرار، وبقدر ما أضحت المشاكل متعلقة بسوء التدبير أكثر من ارتباطها بنقص الموارد، تصبح الحكامة الرشيدة الشغل الشاغل في الخطابات العملية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، لمواجهة تحديات الندرة .

إن الحكامة اذن المدخل الوحيد لتبسيط التوجهات الإستراتيجية الكبرى للإدارة والتدبير، كما أنها في خضم عملية الشراكة، تهتم بعدم إقصاء أي عنصر، بمعنى استلهام كل الآراء والخبرات،الطاقات والإمكانيات البشرية المتاحةسعيا قي تحقيق غايات وأهداف، كعناصر تدخل ضمن فهم الحكامة الرشيدة، وهذه الأهداف والغايات يمكن تسطيرها وإجمالها في: التنظيم الجيد، وتوزيع المسؤوليات، وكذا الكفاءة في إسناد المسؤوليات،وأخيرا دعم المؤسسات وتأهيلها وتوفير التكوين العلمي المناسب لأن ذلك يكون في صلب الحكامة أساسا.

يأتي الحديث عن الحكامة في المغرب من خلال دستور 2011 بعد الاحتجاجات التي عرفها الشارع المغربي في ما سمي بأحداث 20 فبراير، واعتبر هذا الحدث بغض النظر عن الجهات أو الفئة التي أخدت الريادة فيه، كاشفا عن سوء تدبير لقطاعات الدولة، في سياق مركزية مجحفة كرست الحيف والتهميش على مناطق معينة بالمغرب وخاصة تلك البعيدة عن المركز، وبالتالي جاء دستور المملكة لتدارك الأمر ومقاربة المسألة التدبيرية بنصوص قانونية أساسية يعترف بها الدستور أولا قبل كل شيء، ووجهت الدعوة لاستدعاء الحكامة كصيغة للتدبير الفعال في مؤسسات الدولة، والاعتراف بها كمدخل لبوادر الإصلاح ووضع مخططات التنمية بالمغرب[4]، وتجذر الإشارة أن التقسيم الجهوي أعطى للجهات صلاحيات موسعة في تدبير مصالحها الخاصة عبر وصاية الدولة طبعا، ونص على تدبير تتشارك فيه تلات جهات على الأقل من قطاع خاص ومؤسسات الدولة الرسمية، والفاعل المحلي، الذي يعبر بشكل مباشر عن حاجيات الاندماج المجالي الذي يعايشه وذلك في سياق توازنات مع البنية الثقافية، لكن الأمر في الحقيقة لازال يواجه العديد من التحديات خاصة على مستوى التنزيل الموضوعي لنص القانوني الذي يتضمن هذه المقتضيات التي تحدثنا عنها، وعدم وضوح الدور والرأي أمام الشركاء في العملية التدبيرية التي تترجم بشكل مباشر الحاجة لطرح سؤال الفاعل المحلي. أي فاعل محلي نملك؟

أي فاعل محلي نملك؟

إنه السؤال الذي نطرحه باستمرار بالمجتمع المغربي، هل نملك فاعل محلي؟ بل أي فاعل نحتاج أصلا، وهو ما أسميته قبلا بغياب وضوح الدور، فهل نحقق الاستجابة لفهمنا البسيط ونحدد أهم مواصفات هذا الفاعل، في الفرد المكون علميا نظريا وميدانيا، حامل للمعارف الأساسية المنوطة بسؤال التدبير، والمتمرس ميدانيا عبر التكوين الرصين، ولعل هذا الجواب البسيط قد ينفي وجود فاعل حقيقي داخل نسق التدبير المحلي بالخصوص، ونطرح سؤال. ماهي المؤهلات العلمية للمنتخبين المحليين بالجماعات المحلية على مختلف بقاع المملكة؟ بل ماهي المستويات الأكاديمية التي يحظى بها البرلمايين اليوم؟ وهي حقائق مخجلة إذ نسب كبيرة لا تتوفر على شهادة الباكالوريا حتى، إن الأمر ضمني وجائز اذ يحيل على شروط ولوج حقل النخب السياسية الذي لا يعترف إلا بالرأسمال الرمزي والمادي في كثير من الأحيان ولا يعترف بغير ذلك[5]

في حقيقة الأمر حتى سياقات الحديث عن المجمع المدني بالمغرب تحتاج لغربلة موضوعية، تستحضر النص الدستوري في المجال، وخاصة منها الجمعيات النشيطة على الأقل، والعمل على هيكلة هذا الحقل عبر تكوينات رصينة تضعهم في الصورة المرجوة اليوم في مغرب الغد، وتمكنهم من منطقيات اشتغال رصينة تبعدهم عن كل الحسابات السياسوية الضيقة، التي تشكل دائما العائق في التنمية.[6]

أي حكامة في ساياسات التدبير بالمدن المغربية؟

تعني سياسة المدينة

"انخراط الدولة بثقلها في تخطيط وتدبير المدينة وتحديد ماهيتها وحدودها بغية توفير إطار عيش ملائم للساكنة الحضرية يكفل لها حقها في المدينة، بالإضافة إلى اعتماد مقاربة أفقية، في إطار رؤية شمولية مندمجة وتعاقدية تعتمد على مبادئ الحكامة الجيدة والتشاور، يتدخل في صنعها مختلف الفرقاء السياسيين والتقنيين المتواجدين في نسيج حضري معين، من دولة وجماعات ترابية ومجتمع مدني وقطاع خاص، من أجل التوافق حول مشروع حضري، يجعل من المدينة فضاء لإنتاج الثروة وتحقيق النمو، وللتضامن الاجتماعي والتوازن بين مختلف الفئات الاجتماعية من خلال العدالة الاجتماعية وبين الأحياء المكونة لهذه المدن عبر الاهتمام بالمرافق والخدمات العمومية والتنقلات الحضرية. "[7]

أعطى التطورالسريع لنسب التمدين التي اخترقت المدن المغربية منذ منتصف القرن العشرين إلى اليوم، والمتمثل في النمو الاقتصادي والسكاني وارتفاع كثافة المدن، إلى بروز العديد من التحديات والمشكلات،لامست الأصعدة المجالية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية.وعلى مستوى الاندماج الترابي، ارتفع النمو السكاني الداخلي للمدن، عبرالتدفق الهائل لسكان البوادي نحو هذه المدن منذ الاستعمار الفرنسي، وذلك إن صح القول كان مخططا لها من طرف المعمر الفرنسي، من خلال تقسيمات مجالية يسهل ضبطها، إلى بروز أنواع جديدة من السكن، كالسكن العشوائي أو الغير اللائق، ومدن الصفيح.[8]

. أما على الصعيد الاقتصادي، فقد أدى ضعف البنيات التحتية من طرق ومناطق صناعية وغيرها إلى تراجع الاقتصاد المهيكل لفائدة الاقتصاد غير المهيكل، بالإضافة إلى الاتجاه إلى الاستثمار في الفلاحة  المعاشية التي اتخذتها الدولة خيارا استراتجي، مما أصبح يحتم على القائمين على المدن تطوير رؤى جديدة للتنمية تسمح بانبثاق مشاريع للاقتصاد المحلي، تمكن من استقطاب الاستثمار وإنتاج الثروة.

وذلك في سياق مفاده أن الاهتمام بالمجالات القروية وهيكلتها، سيكون سبيل للحد من الهجرة الداخلية وضبط نسب التمدين التي باتت في ارتفاع مستمر،فيما بالإضافة إلى تحديات الجانب الاجتماعي، المتمثلة في ظهور أحزمة الفقر والبطالة والجريمة والأمية والاقتصاد غير المهيكل. وبالتالي أصبحت هذه الأحزمة تعاني الهشاشة والفقر والاقصاء الاجتماعي، مما يهدد بانفجارات اجتماعية، وتحديات حقيقية أما المدينة المغربية.

لمواجهة هذه التحديات والمشكلات، بادرت السلطات العمومية إلى تبني سياسات عمومية لفائدة الطبقات الهشة والفقيرة، تهدف إلى محاربة الهشاشة وتطوير الاقتصاد الاجتماعي، وتوفير السكن، وتقديم خدمات الصحة والتعليم والكهربة والماء الشروب وغيرها من الخدمات الاجتماعية. وقد تميزت هذه السياسات في مرحلة أولى باعتماد مقاربات قطاعية إضافة إلى برامج ذات صبغة وطنية كالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، كما تم على صعيد الجماعات الترابية خلق المجموعات الحضرية لتتولى تجميع وتنسيق الجهود المبذولة في تدبير وتنمية المدن، ثم تم تعويضها فيما بعد بنظام وحدة المدينة الذي ساهم في إضفاء صبغة وحدوية على المدن الكبرى المغربية وتمكين أجهزتها التقريرية من تتبع ومراقبة تراب المدن وتتبع المشاريع.

غير أن هذه المقاربات، وإن أدت إلى تحقيق بعض النتائج الايجابية، فقد افتقرت إلى التنسيق والتكامل، وبالتالي افتقدت إلى الفعالية والنجاعة الكفيلة بالقضاء على الفقر والتهميش والهشاشة والبطالة وغيرها من الآفات الاجتماعية والاقتصادية والمجالية والبيئية التي تعاني منها جل المدن المغربية خاصة وأنها ظلت باستمرار تسائل وجود الفاعل الملي والتدبير الحكماتي في نسج هذه المخططات، والقطع مع البنيات التقليدية السابقة والتي تظل راسخة بقوة حتى في المجال[9].

إن التاريخ المجحف الذي عانت منه المدينة المغربية جعل منها مشوهة الصورة، بين هوية التقليد والتحديث، نتيجة مباشرة لغياب الهيكلة الحقيقة لبناء المدينة المغربية، ولعل الدراسة التي سبق أن أحلنا عليها والتي قام بها' السوسيولوجي المغربي عبد الرحمان رشيق' تبين ذلك إذ تجد مدينتين داخل مدينة (المدينة القديمة، المدينة الجديدة) ويعود هذا البناء إلى مخططات الاستعمار، في عزل الفرنسيين عن المغاربة في تلك الفترة، في سياق حماية التقليد الذي يسهل في ضبط المغاربة. لكن الخطير في الأمر أن هذا البناء العشوائي استمر لعقود من الزمن ووجدت الدولة نفسها عاجزة عن الإصلاح، أمام ضعف الإمكانيات، كما أن البناء المجالي للمدن المغربية، في كثير من اللحظات كان بناءا اعتباطيا اذ تجد مجالات فلاحية بامتياز أصبحت تسمى مدينة فقط مع استقدام معالم الصناعة، لكن بغياب نوع من المراقبة والهيكلة لهذا الاستحداث، وهو في نظري ما عجل بظهور العديد من المشاكل الاجتماعية للأفراد أمام صعوبة الاندماج مع المجال والبحث عن الهوية .

إن التدبير الحكماتي الذي نتحدث عنه اليوم يسائل مخططات البناء بالدينة المغربية، ويحيل على حقائق خطيرة المتمثلة في العزوف عن النص القانوني والاتجاه نحو تدبير عشوائي للمجال، وتغييب مخططات البحث العلمي التي لا سبيل للبناء في غيابها.

إن إعداد التراب والتنمية والتهيئة... هي مفاهيم تعني ضرورة التنظيم والتدبير، وذلك حسب الإمكانات المتاحة في المجتمع بالتنسيق مع المعطيات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية للمجتمع، تهدف إلى إزالة الفروقات الاجتماعية وإلى تحقيق العدالة في عملية توزيع الموارد والخيرات واستثمارها في تحقيق التنمية، وهذا هو عمق وجوهر التدبير الحكماتي، لذلك لا يمكن أن نتوقع نجاح إصلاح وتغيير إيجابي لا ينطلق من عمق هذه المحددات فالتاريخ يحكم أن لا نجاح لإصلاح لا يستنبت في المجتمع.

  

المهدي بسطيلي- طالب باحث بسلك الماستر( ماستر سوسيولوجيا التنمية المحلية، جامعة ابن طفيل القنيطرة)

...................

[1] الفصل الأول من الدستور المغربي

[2] سعيد عبد الشفيق، الحكامة المحلية ورهانات التنمية بالمغرب،رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون العام، سنة 2007، جامعة محمد الخامس السويسي،الرباط.

[3] براهيم فريد عاكوم، إدارة الحكم والعولمة، وجهة نظر اقتصادية، أبو ظبي، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، 0222،ص 55.

[4]

[5] عبد اإلله بلقزيز، وآخرين، ضمن ندوة المرصد الوطني لحقوق الناخب،) بتعاون مع كلية العلوم القانونية واالقتصادية واالجتماعية أكدال – الرباط، ( بعنوان: الديمقراطية التمثيلية تكامل أم تنافس؟ الخميس 23 يناير 2014

[6] لعيرج عودة،دور الفاعل المحلي في تجسيد حكامة المدن .

[7] أنور بوهلال، سياسة المدينة كاستراتيجية للتدبير التعاقدي بين الجماعة والدولة، كلية الحقوق مكناس

[8] عبد الرحمان رشيق، دراسة ميداينة،السياسيات العمرانية والعلاقات الاجتماعية بالمغرب

[9] المهدي بنمير " المدينة المغربية أي تدبير للتنمية الحضرية؟" سلسلة اللامركزية والجماعات المحلية (1) مطبعة دار وليلي للطباعة والنشر مراكش، الطبعة الأولى، 2005

 

مجدي ابراهيمكثيرةٌ هى مزايا التصوف غير أنها تتفرَّق بين الأولياء والعزفين والصوفية، ويتفرَّق النزوع إليها والإعجاب بها، مشاربَ وأذواقاً، بين الدارسين والباحثين. وقد يحرم الصوفي إحداها أو أكثرها وهو من بعدُ صوفيُّ لا شك في صوفيته؛ لأنه يحسن ضرباً من الصوفية تصحُّ بها صوفيته ولا يشك فيها أحد.

فقد يعجبنا من كل متصوف خصوصية فيه ومزيّة ينزع إليها، ويصنف بين الصوفية وفق تملكه إياها واتصافه بها؛ فالذي يتميز به أبو طالب المكي غير الذي يتميز به الغزالي، والذي يتميز به هذين غير الذي يتفرد به الجنيد والحكيم الترمذي أو البسطامي أو الحلاج أو ابن عربي أو السهروردي أو ابن سبعين. والذي يستحق به كل واحد منهم صفة الروحانية غير الذي يستحقها به البقية، فيما لو أخذنا بتصنيفات "الباحثين" - لا تجارب العارفين - بين تصوف سنيّ أو سلفي أو إشراقي أو فلسفي أو شبه فلسفي على اختلاف الضروب واختلاف التقسيمات.

غير أن المزيّة التي لا غنى عنها والتي لا يكون الصوفي صوفياً إلا بنصيب منها هى مزيّة واحدة لا خلاف في الرأي عليها : "التجربة الصوفية"، وطلب المعرفة الإلهية من طريق الذوق والتبتل، وهو مطلبٌ عادل للذات المؤمنة لا شك فيه ولا غبار عليه.

فكما تكون "الطبيعة الفنية" مزيّة الشاعر المطبوع لا غنى عنها ولا يكون الشاعرُ شاعراً إلا بنصيب منها، كما يقول الأستاذ "العقاد" في مقدّمة كتابه عن "ابن الرومي حياته من شعره"؛ كذلك تكون "التجربة الصوفية" التي هى حياة الأولياء والعارفين، مزية الصوفي الأصيل، ولا يكون الصوفيُّ صوفياً على الحقيقة إلا بنصيب منها.

تعمدتُ حقيقةً أن أستخدم نفس الألفاظ والكلمات التي استخدمها الأستاذ العقاد عند الحديث عن ابن الرومي في مقدمة كتابه وهو بالمناسبة من الكتب التي يعتز بها مؤلفها، وتعمدت أن أسلخها من هناك لألبسها ثوب اللغة الصوفية هنا؛ للمقاربة البادهة بين الطبيعة الفنية لدى الشعراء والتجربة الصوفية لدى كبار صوفية الإسلام، وبما أنها مقاربة عجيبة فعلاً فيها امتياز واختصاص، فتكاد تنطبق الأوصاف التي تطلق على الشعراء من أصحاب التجارب الفنية على الأوصاف التي تنطبق على الصوفية من أصحاب التجارب الروحية.

فقد أراد العقاد أن يستخرج من أقوال ابن الرومي حياته التي تدل عليها من الوهلة الأولى أشعاره، لكأنه يريد أن يقول إنه ما من بيت من قصيد الشاعر إلا وعليه من قيم الحياة الحيّة ما يوافقه ويدل عليه ويسمح باستخلاصه في مصدر الشعور ومنبت الضمير من حياة الشاعر نفسها، إذ الطبيعة الفنية هى الحاكمة الفاصلة فيما يصدر عن شاعرية الفنان، وليس يقدح شئ في شاعريته - من بعدُ - إلا أن يكون خلواً منها.

وبنفس المقاييس، تجئ التجارب الصوفية هى الفواصل الفارقة العاملة في معطيات الإشارة الصوفية التي تستقى من عين التجربة، فالمقول يتحد مع الحالة بلا ريب في بطن التجربة الصوفية، فلا تسمح التجربة الصوفية عند الصوفي بمعطياتها إلا بما تسمح به الطبيعة الفنية لدى الشاعر بمقوماتها، كلتاهما حياة تظهر أسرارها مع الشاعر المطبوع والصوفي الكبير تحت ظلال التجارب والطبائع. فإذا كانت الطبيعة الفنية من الضرورة بمكان بالنسبة للشاعر، فالتجربة الصوفية من الأهمية بمكان بالنسبة كذلك للصوفي الكبير، كلتاهما اتحاد في المبدأ يقوم على منبت الشعور ويتغذى من قرارة الوجدان ويصدر عن الصدق فيما يقال عنهما من شعر الشاعر أو عبارات الصوفي واشاراته.

وليس هناك من عجب أن يتلاقى الشاعر المطبوع مع الصوفي الأصيل؛ فما أقرب الصلة الوثيقة بين الشعر والتصوف، أو بين التجربة الصوفية والطبيعة الفنية، وما أبعد الخلاف بينهما في غور التجربة ويقظة الإحساس بجوانب الحياة المختلفة، مع الوضع في الاعتبار فارق "التوجه" وفارق "التعلق"، ومع الاحتفاظ بالمصدر الشعوري واليقظة الروحية في كلتا التجربتين. فإذا كان الصوفي يتوجه مباشرة بوحدة قصده إلى الله ويتعلق بالوسائل التي توصّله إليه، فالشاعر يتوجه إلى فكرة أو معنى يعيشه ويحسه كما تعاش الحياة الحية وتحس، ويتعلق في الغالب بمحبوبة في عالم الحسن ينزع بها وجدانه من المحسوس إلى المعقول، ويروم قصداً من وراء ذلك غير الذي يرومه صاحب القصد الأول ويتوخاه.

وربما توصّل الشاعر بقصده المحسوس إلى ما يعلو على الحس ويرتفع في المثال؛ لينشد الحقيقة التي ينشدها الصوفي من أقرب طريق، فقد يتوصّل إليها إذ ذاك بشعوره الخالص المُجرد؛ ليجئ مصدر الشعور ها هنا توحيداً بين تجربة الصوفي وتجربة الشاعر رغم فوارق التوجه والتعلق، فالذي يتعلق بالله ويتوجه إليه ليس كالذي يتعلق بمحبوبة عشقها وتبتل إليها في عالم الحس، ويتوجه إليها من بعدُ ويكنى عنها بالشعر أو بالنثر أو بما شاءت له قريحته أن يكنى.

ويبقى بعد ذلك ما لا خلاف عليه من تجارب المحبين وصبابة العشاق، وهو أن الطبيعة الفنية لدى الشاعر المطبوع تكاد تقترب من التجربة الصوفية عند الصوفي الكبير، تأخذ عنها وتتوحد بها حتى لا تكاد تفرق بينهما، يظهر هذا في العلاقة بين الحب والموت.

إنما الأمرُ هنا لا يتوقّف عند حدّ العلاقة بين الحب والموت وكفى، بل يتعدّاه إلى ما بعده، وهو بقاء القصائد الشامخة في الوجدان الراقي، الصافي النقي، لتشرح العلاقة بين الحبّ والموت، وتجلو الصلة القويّة بين الحبّ الحسّي والحبّ الروحي، إذ كان الأول مقدّمة للثاني. ولا يفهم من الثاني (الحب الإلهي) إلا ما يستقر عليه الفهم حقيقةً من الحب الأولى، (الحب الحسيّ)، فلم تبدع رابعة العدوية في ميدان الحبّ الإلهى إلا بعد تجربة ممضة مع الحبّ الحسيّ، ولم تكن الصبابة التي يعانيها المحبون في الأودية الحسية إلا مذقاً إنسانياً صادقاً من ظلال التجربة الروحية.

واهمٌ من يتصوّر أن هذه القصائد أو تلك تخاطب محبوبة وكفى، لتكون مجرّد علاقة حبّ بين طرفين ليس أكثر .. كلا بل في القصيدة التي يقولها الشاعر الممتاز ظلال صوفية خالصة، ليس أيسر من نقلها على الفور من الأودية الحسيّة إلى الأودية الروحيّة في لحظة تجرّد صادقة، الأمر الذي يتأكّد معه أنّ المحبين في المحسوس هم أنفسهم المحبُّون في المعقول، في عالم الروح. وأنّ معاناة التجربة في المحبّة الحسيّة هى نفسها معاناة التجربة في المحبة الروحيّة، وأنّ القادرين على تذوق الحبّ الحسّي هم أنفسهم القادرون على تذوق الحبّ الإلهي من وراء الأشباح والظلال.

فارقُ التجربة الشعورية هو التوجُّه، ولكن نهايات التجربة في الحبّ الحسّي تكون في الغالب بدايات التجربة في الحبّ الروحي الخالص، وربما يختلط الأول بالثاني وليس من ريب، وتكون التجربة واحدة، وتزول الفوارق الشعوريّة بين التوجُّهات وتذوب، فلا يعرف المُحب في أي واد من الأودية يتوجّه فيُسلم قياده؛ لأنه لا يلمس فارقاً باطناً في أصل المحبّة ولا يكاد يقف عليه.

وشعراء بني عُذرة كجميل بثينة، وقيس لبنى، وغيرهم من شعراء التبتُّل والعفّة كانوا أكثر الناس دلالة على هذا النوع بالحبّ إلى الموت؛ لوجود علاقة روحيّة صافية بين الحبّ في الأودية الحسيّة والحبّ في الأودية الروحيّة. وصبابة العشّاق لوعة مُخامرة هى نفسها تكاد تكون الصبابة التي يعيشها أصحاب الأذواق والمواجيد.

الحُبّ الإلهي أصلُه في الانسان محبّة جزئية محدودة بوقوف الهوى على المُحبّ، تفاصيلها نزوع الوجدان إلى الأصل، وكلما اقتربنا من الأصل زالت الفوارق وذابت الحواجز والمحاجيب، وحلّت من ثمّ الوحدة محلّ التعدُّد والكثرة، فليس يبقى إلّا الواحد على الدوام.

(إنّ الغرام هو الحياة، فمُت به صبّاً، فحقّك أن تموت وتعذرا)

هكذا كان ابن الفارض يقول، هذا ظل ثابت في وجدان العشاق من ظلال التجربة الصوفية لا يمكن تغافله أو صرف النظر عنه بحال.

وعليه، فلا يوجد صوفي واحد له رأي أو مذهب أو أثر من آثار الكتابة والتدوين ولا تكون له تجربة روحية ينطلق منها ويعتمد عليها ويتذوق آثارها فيما يرى أو يقول؛ فلئن فاتته التجربة فلم يستطع خوضها وركوب متاعبها؛ فلا يخلو من شرط التعاطف معها على أقل تقدير.

ولأجل هذا تجئ التجربة الصوفية دائماً أسبق لدى الأولياء والعارفين من الفكرة الفلسفية. وما الفكرة الفلسفية في ظلال التجربة الحيّة المعاشة إلا بمثابة شرح العقل النظري لتجارب العمل والإنشاء في إطارها. ولولا وجود التجربة الصوفية معتمد الأولياء والعارفين ما صَحَّتْ على الإطلاق أذواقهم ولا مشاربهم ولا أحوالهم، وما صَحَّ لهم حال ولا سرُّ ولا معرفة ولا علم ولا نظر، بل ولا مذهب ولا نظرية ولا رؤية ولا استقام لهم طريق؛ إذْ التجربة الصوفية مناط الثورة الروحية في الإسلام ومستندها الفاعل بغير شك، وأساس الثمرة المرتقبة من وراء المذاهب والآراء.

وعلى هذا الأساس، لا على أساس غيره، ينبغي أن تُفَسَّرَ كل الآراء الصادرة عن المتصوفة في إطارها ولا تُفَسَّرُ في إطار سواها. وعلى هذا الأساس، لا على أساس غيره كذلك، تجيء "مطالب الذات المؤمنة" خاضعة خضوعاً تاماً لمعطيات تلك التجربة الصوفية تُفَسَّرُ من خلالها، تأخذ منها وتعطي من عساه يشعر بها ويحس معها شعور التعاطف وشعور الترقي في مدارج المعرفة ومعارج الاتصال بالحقيقة الإلهية.

 

بقلم د. مجدي إبراهيم

 

رائد عبيسيعد المجتمع العراقي من المجتمعات التي تستوطن بها عواطف التاريخ وإيديولوجيته، وهذا يرجع إلى عوامل تكوينية بلغ بها الزمن مبالغ الكمال مرة والنقص مرات، اذا يتضح من كل مرحلة وحقبة وعصر إرتهان جديد لصورة التأثير الثلاثي هذا في ضمائر الأجيال ونشأتهم .

العاطفة ترتكز بهم على الذاكرة والخيال والمشاعر التي تعزز بهم عمق انتماؤهم لذات تاريخ العاطفة التي أصبحت لهم تاريخ وجزء منه.

فالعاطفة المتكونة من فكرة الانتماء والهوية والوعي المتبلور أزاءها هي من تعرف بشخصية الفرد وقدرته على الاعتزاز بها وتبنيها. وهي تمتد معه زمنياً وسايكولوجيا، ومعرفيا، وثقافياً،وعمرانياً، وسكنياً، وبيئياً ليس باتجاه المستقبل فقط، بل تمد له باتجاه الماضي ان استعار منه و التفت إليه، فالحركة المستقيمة للتاريخ لا تضعف دور العاطفة في تجسيدها عند حامليها . بل تمثل لهم فكرة تمحور عاطفي لا يستطيع أحيانا النفاق فيه او الصبر على قدحه أو عنف نقده.

ربما يتغاضى عن جميع مناقصه ويتشبث بكمال عاطفته عنده، فالعيوب لا تمثل له سبة على تاريخه او تجرد عاطفي اتجاهه، بل تولد عنده فكرة التبني التي يرفض بها كل معارضة او مجاورة بعيدا عنه.

وهذا الانقياد الاعمى صوب احداث التاريخ عاطفياً وما تشكل به من تاريخ فردي وشخصي او جماعي لا يمثل البته أي طريقة تفسير لكل ما مر وكل ما يمر وبناء على ما مر، لا يمكن قراء التاريخ بهذه الزاوية، ولا يمكن ان نحمل منه حكماً ينتهي الى موضوعية منصفة للذات وللجميع، فالعاطفة تحجب أفكار الحياد، وترفض المغادرة بعد التجرد إزاء ما يمكن إن ينتهي إليه من تجارب، بما تسهم فيما بعد بتغيير حكمه إزاء واقعه وتاريخه.

فالمجتمعات أكثر انقيادا لفكرة الانتماء وما يعززه من عوطف ومشاعر وأحاسيس الوجود الأولية التي غرست بمعاني المكان، والذاكرة،والمعاشرة، والتجربة، والحياة الأولى .هذه جزء من مكونات الهوية التي لا تفارق عالمها، لذلك يصعب الحديث معها عن حقيقة تشاركية مع حقيقة المعرفة العلمية. فهي مكون آخر من مكونات التاريخ وبعد أهم في الأيديولوجيا. ولكن ما نخشاه على أجيالنا في العراق، هو تملك هذه العاطفة صبغة عقائدية وسياسية ومعرفية تفصل الفرد عن واقعه وترجعه إلى عوالمه الماضية بطرقة مرتهنة ومقيدة.

فتاريخنا الديني كتب بطريقة عاطفية، وتاريخنا الاجتماعي كتب بطريقة الحتوتات وبقى هكذا في ذاكرة الأجيال قرأته وتصحيحه، وتاريخنا السياسي والعسكري كتب بطريقة البطولة المتخيلة والمراجل الفارغة. والاشكالية الأكبر من كل هذا هو تحولها إلى إيديولوجيا عند متبنيها.

التاريخ، يمثل التاريخ لأمة أو لشعب مثل الشعب العراق الذي ما زال لم يفارق أطلاله، أمر في غاية الأهمية، وذلك لعدة أسباب لعل منها :

1- أنه لم يشعر يوم أنه استثمر هذا التاريخ لصالح واقعه ومستقبله .

2- أنه لم يتعرف جيد على تاريخه ويشعر ان فيه مكنونات مجهولة لم يتسن له ان يكتشفها.

3- إنه يدرك إن تراثه وتاريخه بات نهباً على يد من أحتلوه منذ القدم والى يومنا هذا، فهو يعيش هاجس استرجاعه.

4- إنه شاهد على ما طمر من تاريخه تحت أنقاض المدن ومخلفات الحروب والدماء الذي لحق من جراء ذلك.

5- إنه يعلم إن كل حكوماته المتعاقبة لم تولي اهتمام بأحياء هذا التراث او التعريف به.

6- إنه يدرك إن تاريخ حضارته لم يقدم ويعرف به كما يجب.

وقائمة الأسباب ممكن أن تطول بحسب مبررات كل شخص تجاه تمسكه بتاريخه من عدمه، هذه الأسباب التي تقدم ذكرها ممكن أن تكون عوامل اعتزاز وممكن أن تكون عوامل تجرد.

وعلى الرغم من ذلك، يبقى للتاريخ تمثيل في نفوس أبناء الشعب العراق تاريخ هوية وليس تاريخ أحداث،فالأحداث التي ممكن أن يتغنى بها بمعنى إيجابية تدخل ضمن البعد التمجيدي اما الاحداث السلبية فيتم تجاوزها. بمعنى نذكر - وهذا شعور نفسي في بعده - الأشياء الجديدة من التاريخ ونستبعد غيره، وهذا خلاف الموضوعية في احكامنا اتجاه قضايانا وما يصلح منه ان يعبر عن هوية امة او شعب او فرد، فالتاريخ البابلي او الاشوري او السومري لم يحتف به عند من ينبذ هذا البعد من التاريخ، بل بعض أبناء هذا الوطن لا يحتفون به ولا يمجدوه، على انه تاريخ لا يعبر عن هويته الدينية المتبناة من قبله مثلا عندما تطغى على هويته الوطنية. او العكس، فهناك من لم يحتف ولم يعبئ بالتاريخ الديني ويغلب عليه البعد الهوياتي الوطني بكل أبعاده الحضارية. هذا ميل لا يبلور حكم مشترك تجاه تاريخ مشترك وهذا هو جوهر الإشكالين بين من يسعى للحفاظ على الهوية التاريخية وبين من يتنازل عنها.

لماذا تم التنازل عند بعض أفراد الشعب او شرائحة عن هويتهم التاريخية؟ ولصالح من؟

جواب هذان السؤلان يُدخلانا في المفهوم الثالث من هذا المقال وهو الأيديولوجيا التي يسعى الى التوظيف الكامل لكل من العاطفة والتاريخ وتسخير مقومات القوة و استثمار الضعف لأحياء أمر آخر في ضمائر ونفوس وعقول المُتأدلجين، وهذا يعد بالنسبة لهم حقيقة جديدة، تظهرها مقومات كل من تاريخهم وعاطفتهم، أتجاه مسائلهم وقضاياهم السياسية والدينية والاجتماعية التي باتت هي الأخيرة رهينة طغيان كل من السياسة والدين عليها. فالعلاقات الاجتماعية والفردية وحتى العائلية أصبحت متأثره بهذا البعد فيها، فضلا عن المواقف العامة تجاه قضايا المجتمع نفسه والدولة والخدمات والشأن العام، فهناك شرائح كبيرة وفئة كثيرة من المجتمع يعيشون خارج هموم الوطن ومشاكله، تحت توجه او حاسبات متعددة الأهداف بين حركية، وبين سياسية نفعية او دينية او طائفة او ولائية لدول مجاورة او أخرى.

فالأيديولوجيا الفردية تعد اليوم محرك قوي تجاه قضايا الوطن او تسخير العاطفة اتجاها او أتخاذ موقف سياسي، مثلما وجدنا أناس يتباكون على أحد قادة الأحزاب وهو عمار الحكيم، لان أصحابه بالحزب تخلوا عنه عندما انفصل عنهم ولم يكونوا معه في خطوته، فكانت العاطفة تتملكه والتاريخ الجهادي والسياسي اختزل به، هذا مثال يظهر حجم التفاف هذه المفاهيم على وعي الأجيال دون أن يعلموا ولكن بعلم من يتبعوا !

 

الدكتور رائد عبيس

 

 

 

سارة طالب السهيليجيئ احتفال الامم المتحدة باليوم العالمي للمياه سنويا في 22 من مارس الجاري لابراز اهمية الحفاظ على المياه وحسن ادراتها واثارة الوعي بالحفاظ عليها وحسن ادارة مواردها تحقيقا لأهداف التنمية المستدامة بضمان اتاحتها للجميع بحلول عام 2030.

وفيما قدرت الامم المتحدة عام 2010، الحق فى الحصول على مياه شرب مأمونة ونقية، وخدمات الصرف الصحى، هو حق من حقوق الإنسان ولا بد منه للتمتع التام بالحياة وبجميع حقوق الإنسان، فان هذا الحق لا يصل الى الملايين من البشر لغياب المياه الصالحة للاستهلاك الآدمي نتيجة انتشار التلوث في البحار والانهار والمحيطات بفعل التدهور البيئى وتغير المناخ والنمو السكانى والصراعات والنزوح القسرى وتدفقات الهجرة.

ولما كان الماء هو مصدر الحياة لكل المخلوقات الطبيعية كما قال الله تعالى في محكم كتابه "وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون" صدق الله العظيم، حيث يعد الماء بأنواعه العذب المكوّن الأساسي لتركيب مـادة الخلية الحية في الانسان والحيوان والنبات، فان تلوث مصادره، وما تخلفه من امراض تنتقل من الماء الى كل الكائنات الحية.

وقد زادت معدلات تلوث المياة في البحار والانهار والميحطات بشكل متنامي بعد الحرب العالمية الثانيـة، نتيجـةً لزيادة الإنتاج الصناعي ومخلفاته من الأحماض والمعادن والقلويات والأملاح والزيوت بجانب المخلفات الإنسانية أو النباتية أو الحيوانية أو المعدنية أو الصناعية أو الكيماوية التي تُلقى أو تُصبّ في  المجاري المائية  كالبحار أو البحيرات أو الأنهار أو المياه الجوفية.

ويتخذ تلوث المياه  أشكال مختلفةـ كما ذكرها العلماء المختصين، ومنها  استنـزاف كميات كبيرة مـن الأوجميلجين الذائب في مياه المحيطات والبحار والبحيرات والأنهار مما أدى إلى تناقص أعداد الأحياء المائية. وكذلك زيادة نسبة المواد الكيماوية في المياه مما يجعلها سامة للأحياء.

ويتسبب نمـو الجراثيم والطُفَيليّات والأحياء الدقيقة بالمياه تقليل قيمتها كمصـدرٍ للشـرب أو ريٍّ للمحاصيل الزراعية، أما مياه البحيرات المالحة فقد تلوثت هي الاخرى بالزئبق والزرنيخ والنحاس وغيرها، بينما انتقل التلوث الى المياه الجوفية بفعل تسرب مياه المجاري ومياه الصرف اليها وما تحتويه من الميكروبات ومركبات كيماوية، تكسب المياه الجوفية رائحة كريهة ومذاقا غير مستساغا.

وانتقلت عدوى التلوث بدورها الى المحيطـات والبحار نتيجة تنظيف البواخر وتسرب زيت النفط  في المحيطيين الهادي والهندي، وهو ما يؤدي الى تكوين طبقة عازلة تمنع التبادل الغازي بـين الماء والهـواء، فتمنع وصول الأوجميلجين إلى الكائنات البحرية ويصيبها بالامراض وقد يتسبب في نفوقها وتلف النبات.

وكما يؤكد العلماء، فان البحار مسؤولة عن انتاج نصف ما يحتاجه الإنسان من الأوكسجين، وتساعد على إيجاد التوازن الغذائي لثاني أجميليد الكربون، واي تلوث في هذه البحار يؤثر في انتاجها للاوكسجين ويخل بالتوازن البيئي.

تلوث المياه العربية

تتعرض العديد من البلدان العربية لكوارث بيئية تلوث مائها خاصة نهر النيل في مصر والانهار في لبنان والعراق  تتسب انتشار الامراض ونفوق الاسماك والكائنات البحرية الضرورية لاستمرار التوازن البيئ، وناهيك عن النقص الحاد في المياه الضرورية الصالحة للشرب والزراعة.

الامرض المعوية والكبدية

ففي مصر تعددت مصادر تلوث شريان الحياة نهر النيل نتيجة القاء الناس مخلفاتهم المنزلية والحيوانات النافقة في النيل، ومصادر صناعية ناتجة عن طرح المصانع مخلفاتها بما تحتوبه من مواد سامة في النهر بما يؤثر سلبا على سلامة  الكائنات البحرية وأيضا المحاصيل الزراعية التي تروى بماء النيل.

وهناك مصادر زراعية  للتلوث تنتج  عبر استخدام  المبيدات الزراعية والاسمدة الكيماوية في  التربة وهذه العناصر تتحلل في باطن الأرض وتصل لمياه نهر النيل فتلوثها بالعديد من المركبات السامة كالتيتانيوم والمنجنيز. بجانب نمو بعض أنواع النباتات السامة في المياه، مثل نبتة وردة النيل السامة والضارة، وهي تتكاثر وتنمو بسرعة وتستهلك جزءا مهما من مياه النهر وتسبب في انتشار العديد من الأمراض مثل البلهارسيا والملاريا الكبدية، كما يعرض الثروة السمكية للموت، وخاصةً التي تتغذى على العوالق البحرية والنباتات.

السرطان وانعدام الطحالب

ففي لبنان أظهرت دراسة أجرتها مصلحة الأبحاث الزراعية، أن مياه لبنان بمعظمها ملوثة بنسب متفاوتة، تلوثا جرثوميا وكيميائيا وبالمعادن الثقيلة ومنها الزئبق السام، ووصلت  نسبة التلوث في بعض الشواطىء خاصة الصناعية نسبة 100%، ومنها بيروت وعكار وبعض مناطق الجبل والبقاع" .

ويطال التلوث مختلف الأنهار والشواطىء ومنها  نهر الكلب وانطلياس وبيروت والليطاني والبردوني والغزيل. وكشفت الدراسات ايضا عن ان  تلوّث نهر الليطاني (يستفيد منه ثلث اللبنانيين) وبحيرة القرعون بلغ حد عدم إمكانية لاستعمال مياههما سواء للريّ أو الشرب. رصدت هذه الدراسةالتي اعدها المجلس الوطني للبحوث العلمية بلبنان وجود 4 مصادر للتلوّث، هي النفايات المنزلية والمخلفات الطبية، ومياه الصرف الصحي، فضلاً عن المنشآت الصناعية التي تطرح نفاياتها الملوثة بالمبيدات والمخلفات المعدنية في حوض النهر، بجانب المبيدات الكيماوية الزراعية غير القابلة للتحلّل وتصل للأنهار.

وتوجد، بحسب الدراسة ذاتها ـ في بحيرة القرعون ثلاثة أنواع من الجراثيم البكتيرية الخطيرة من نوع Cyanobacteria ظهرت للمرة الأولى عام 2007، وتتغذّى من النترات والفوسفات وتفرز سموماً وتقضي على كلّ أشكال الحياة، فيما اكدت التجارب العالمية التي أجريت عليها صعوبة التخلّص منها. وهو ما أدى إلى انعدام وجود الطحالب في القرعون بعدما كان يوجد نحو 160 نوعاً منها، كذلك تراجعت أنواع الأسماك من 110 أنواع إلى نوع واحد. فيما تراكمت الرسوبيات في قعر البحيرة. وتسبب هذا التلوث في ظهور وارتفاع نسبة الاصابة بمرض السرطان وسط سكان هذه المنطقة.

 كما ترددت اخبار عن رمي المخلفات الطبية الملوثة في الأنهار و البحار مثل الحقن الطبية وغيرها مما ينقل الجراثيم و الأمراض بخطر شديد على البشرية

التسمم ونفوق الاسماك

أما حال التلوث المائي في العراق فقد بلغ مستويات شديدة الخطورة، خاصة بعد انخفاض منسوب المياه، عقب إقامة السدود التركية والإيرانية والتي أدت إلى ارتفاع نسب التلوث في نهاية الأنهار، مما تسبب في تسمم آلاف الحالات إثر تلوث مياه الشرب في محافظة البصرة.

كما شهدت العراق في الأشهر الأخيرة ظاهرة نفوق الأسماك بشكل لافت للنظر، وكشفت منظمة الصحة العالمية عن سبب ظاهرة نفوق الأسماك، والمتمثل في ارتفاع نسب المعادن الثقيلة والأمونيا والبكتيريا القولونية (coliform bacteria) في مياه نهر الفرات.

 ناهيك عن رمي المخلفات الصناعية او مخلفات المطاعم اضافة لعدم وعي المواطنين بالحفاظ على نظافة النهرين

اضافة لما مرت به العراق من حروب و تلوث حربي كان من الممكن إنقاذ ما يمكن انقاذه من البيئة

انقاذ حياتنا

لما كان الماء بأنواعه عذب ومالح هو اساس في استمرار حياتنا على الكرة الارضية، فالمحافظة على نقائه وتوزانه الطبيعي يمثل ضرورة لحياة الانسان، ولكن بعد ان و قعت الفأس الرأس ـ كما يقال في الاثر الشعبي ـ وتلوثت مصادر المياه فليس أمامنا سوى معالجة الامر و محاولة تنقية المياه و تنظيف الأنهر و البحار والمحافظة على ما تبقى من مياه صالحة للاستهلاك الادمي، ومحاولة انقاذ المياه الملوثة بمعالجتها باحدث النظم العلمية العالمية، مع العمل الحازم لوقف استمرار مصادر تلوث المياه ووضع قوانين صارمة و عقوبات مشدده لمن يفعل مثل هذه الأفعال

وفي تقديري ان الحكومات خاصة فى بلادنا العربية التي ارتفعت فيها نسبة الملوثات في المياه لدرجات مخيفة، مطالبة بالاسراع في وضع خطط واسترتيجيات قصيرة وطويلة الاجل لانقاذ ما يمكن انقاذ في حياتنا المائية، على ان تكون هذه الخطط جاهزة للتطبيق الفعلي على الارض لتؤتي ثمارها بأسرع وقت وهو ما يستلزم معه سن تشريعات وطنية حاسمة ورادعة لكل ما يمس الامن المائي من التلوث.

تغيير الثقافة

في تقديري ان مشكلة تواجه البشر تنبع من سيطرة رؤى وافكار تدفعه لاستغلال الطبيعة ومياهها لتحقيق مكاسب مادية سريعة، وهذه الرؤية قد اهلكت الطبيعة وانهكتها وقد تقضي على أية احلام في التنمية البشرية مستقبلا كما في الزراعة .

وهنا اتصور ان المجتمع الانساني بعامة والعربي بخاصة في اشد الحاجة الى تغير رؤيته الثقافية وفلسفتها في التعاطي مع الطبيعة ونعمة مياهها، لتتحول الى نظرة اكثر رفقا بلامياه واكثر محافظة عليها من نظرة الاستغلال الاقنصادي والمكسب المادي السريع الذي يفتك بالبشرية والكونية وخيراتها.

فالحكومات العربية، مطالبة بتبني فلسفة ترعى صحة الانسان قبل ان ترعى منظومة اقتصاده، هذا يعني وقف اي نشاط اقتصادي من مصانع وغيره بجوار مجاري الانهار والبحار ، ونقل ما هو قائم من هذه المصانع الى اماكن بعيدة عن الانهار، و الاسراع بممارسة رقابة مشدد على المصانع التي لا تقوم بمعمل معالجات صحية لمخلفاتها الصناعية وتشديد العقوبة على مخالفيها.

ونشر الوعي الثقافي الكامل عبر كل وسائل الاتصال الحديثة والقديمة كالمؤسسات التربوية والتعيلمية والدينية والرياضية بأهمية الحفاظ على المياه من التلوث وشن حملات توعوية باهمية النظافة في المجتمع الاسري بصفة عامة، والوعي بمخاطر القاء مخلفات المنازل  ومخلفات الانسان او النبات في مياه الانهار والبحار، وشن حملات توعوية اخرى لعدم إلقاء المواد البلاستيكية في المياه وتوضيح نتائجه الضاره حيث تقتل الأسماك والطيور.

وإيجاد توصيـلات لنقل المياه الملوثة مـن أماكن تواجدها إلى المنخفضات مع الإكثار من حملات التشجير التي لا تحتاج إلى ري بالماء إذ إنها تصل بجذورها إلـى المياه الجوفية الموجودة فـي باطن التربة.

ولابد للحكومات العربية ان تمارس دورها الرقابي على المزارعين وتحدد أماكن رشّ المبيدات التي تستعمل للمحاصيل الزراعية في الاماكن البعيدة عن البحيرات و السدود  والقنوات والأنهار.

وفي تقديري ان ازمة تلوث المياه تمثل كازمة انسانية عامة لابد وان تتعاون فيها الشعوب والحكومات معا في انقاذ ماء الحياة، ومن ذلك التعاون في معالجة مياه الصرف الصحي قبل أن تصل إلى المسطحات المائية، وكذلك التخلص من النفط ومخلفات السفن في الصحراء عن طريق الحرق، بعيد عن طرحها في المسطحات المائية حفاظا على مياه البحر وثروته السمكية وكائناته البحرية.

وكذلك التعاون في مجال إعادة تدوير النفايات بدل من إلقائها في مياه البحر، ومنع  تصريف المياه الحارة الناتجة عـن المفاعلات النووية أو مراكز التحلية أو توليد الطاقة، إلى الأنهار والبحار، وهو ما يتطلب عقد اتفاقيات دولية لتحقيق هذا الهدف الضروري.

 

سارة طالب السهيل

 

عدنان عويدالسوريالية (Surrealism): لغةً، تعني "فوق الواقع"، أما مجازاً، فهي حركة ثقافية في الفن والأدب والفكر الحديث، تهدف إلى التعبير عن العقل الباطن الذي يشتغل على اللاشعور وعلى الآلية العقلية التلقائية، أو التلقائية النفسية بشكل مطلق، ولذلك هي خارجة عن النظام والمنطق، كما يقول عنها مؤسسها أو مُنظرها "أندريه بريتون". ومن خلالها يمكن التعبير عن واقع ما والاشتغال عليه فكرياً أو شفويا أو كتابيا أو بأي طريقة أخرى.

إذن إن السوريالية في آلية عملها بتعبير آخر، تعتمد بشكل أساسي على نظريات فرويد في التحليل الأدبي النفسي، حيث أن جميع الأعمال الفنية والأدبية في هذه الحركة مستوحاة من الجانب اللاواعي لدى الفنانين والأدباء. وبالتالي هي ليست أكثر من قواعد إملائية للفكر، مركبة وبعيدة كل البعد عن أي تحكم خارجي أو مراقبة تمارس من طرف العقل النقدي، وخارجة عن نطاق أي انشغال جمالي أو أخلاقي، وقد اعتمد السرياليون في أدبهم وفنونهم على الأشياء الواقعية، بعد تحويلها إلى رموز للتعبير عن أحلامهم، ولارتقاء بالأشكال الطبيعية إلى ما فوق الواقع المرئي.

معتقدات المدرسة السريالية:

1-  الحد من تدخل العقلانية أو الوعي البشري في أعمال الأدباء والفنانين السورياليين، على اعتبار العقل عندهم يعمل على ضغط وتحجيم خيال الإنسان، مما يجعله عاجزاً عن الإبداع والتعبير دون حدود.

2- اعتبار الأحلام والجزء اللاواعي من عقل الإنسان وخاصة أحاسيسه، تمثل كلها قوة التخيل والقدرة على الإبداع، كونها هي وحدها القادرة أن تعبر عن رغبات المرء الحقيقة المدفونة في داخله.

3- وتأسيساً على ما جئنا إليه، تأتي التلقائية في تعاملها مع الأشياء من أهم وأفضل أدوات العمل الفني والأدبي، كونها تطبق الأفكار الأولية دون معالجتها بالمنطق، والعمل على تحرير اللغة والأفكار والمعتقدات من كل القيود التي يفرضها عليها هذا المنطق.

4- اعتماد الكتابة التلقائية الصادرة عن اللاوعي، والبعيدة عن رقابة العقل، أسلوباً في التعبير عن القضايا المراد الاشتغال عليها، بدعوى أن الكلمات في اللاوعي لا تمارس دور الشرطي في رقابته على الأفكار، ولهذا تنطلق هذه الأفكار نشيطة جديدة.

5- لقد تأثرت السوريالية بآراء فرويد عالم النفس في تحليله للنفس الإنسانية وخاصة تلك التي تتحدث عن اللاشعور والأحلام، والكبت، ودعوته إلى تحرير الغرائز الإنسانية والرغبات المكبوتة في النفس البشرية، وإشباع الغرائز والرغبات إشباعاً حراً حتى لا تصاب بالأمراض النفسية كما يدَّعي. وهذه الآراء تتلاءم مع دعوتهم إلى التحلل من القيم الأخلاقية المعيارية في المجتمع البشري.

كما تأثرت السوريالية أيضاً بحركة سبقتها تُدعى (الدادية) التي ولدت في زيورخ بسويسرا سنة 1916م. وهي حركة فوضوية تكفر بالقيم السائدة والمعتقدات والتقاليد الاجتماعية وتدعو إلى العودة إلى البداية. لذك من هذا المنطلق  أهملت السوريالية المعتقدات والأديان والقيم الأخلاقية السائدة في المجتمع

6- التركيز على الجانب السياسي، والبحث عن برنامج وضعي (مادي ومحسوس) يصلح لتطوير المفاهيم الاجتماعية، لذلك غالباً ما يتودد السرياليون لليسار، ويبذلوا جهدواً كبيرة من أجل توسيع مجال تطبيق المادية الجدلية الماركسية. علماً ان الماركسية منهجاً وتطبيقاً تختلف معها كلياً، فالماركسية منهجاً ترفض في قوانين جدلها ومقولاتها رفضاً قطعياً الركون إلى الخيال والحدس واللاشعور والعبث واللامعقول في التعامل مع قضايا الإنسان. فالمنهج الماركسي منهج يقوم على العقل النقدي، ويعتبر الإنسان جوهر الحياة، وهذا الجوهر لا يمكن أن يتطور وينموا ويعود إلى مرجعيته العقلانية إلا من خلال التمسك بالعقلانية النقدية.

على العموم إن السورياليين قد تزيوا بأزياء مختلفة، فتارة يظهرون كمجموعة من السحرة، وتارة يبدون كعصابة من قطاع الطرق، وتارة أخرى يظهرون كأعضاء في خلية ثورية.. لقد كانت السريالية في حقيقة أمرها حركة سريّة هدفها تقويض الوضع القائم آنذاك. فمثلما لف الغموض بعدها السياسي، لف هذا الغموض أيضاً بعدها الأدبي والفني والفكري.

تأسيس الحركة:

نشأت المدرسة السوريالية الفنية في فرنسا كمدرسة في الفن والأدب والفكر عام 1892، على يد  أندريه بريتون".  وازدهرت في فترة ما بين الحربين، فكان من أبرز دوافع قيامها ما خلفته الحرب العالمية الاولى من دمار وإزهاق للأرواح بلا حساب. الأمر الذي أصاب الإنسان الأوروبي بصدمة هزت النفوس وأربكت الأفهام، فنشأت نزعة جارفة للتحلل من القيم الأخلاقية، تقوم قبل كل شيء على تحرير الغرائز والرغبات المكبوتة في النفس البشرية، حيث اتخذت هذه النزعة من الفن والأدب والفكر مضماراً لعملها، فكان من أبرز اتجاهات هذه النزعة، السوريالية هو الاشتغال على المضمار النفسي أولاً، ثم الدخول إلى مجالات الأدب والاجتماع والاقتصاد والفن ثانياً.

أثناء الحرب العالمية الثانية تفتتت الحركة السوريالية لتعود وتلتئم من جديد في مدينة مرسيليا في نهاية 1940، ولكن عدداً كبيراً من فنانيها قد هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لتنطلق هناك مدارس عديدة اعتبرت كاستمرار للسوريالية مثل تيار «الفن السوريالي جداً»، و«مدرسة المحيط الهادئ»، وتيار «التصوير الحركي الارتجالي» وغيرها. بيد أن الجمهور بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، لم يُظهر أي اكتراث بالفنانين السورياليين، ويمكن إرجاع هذا الموقف تجاه رفض السوريالية هو الانصياع إلى الذائقة العامة الوليدة بعيد الحرب، بسبب طرحها موضوعات مصطنعة لا تتلاءم مع نفسية شعوب خارجة من الحرب. وقد كان هذا الموقف فاتحة لتفتت الحركة السوريالية الفنية وتشظيها في اتجاهات ومسارات ومدارس متناقضة تماماً، لا يجمع بينها أي جامع سوى الرغبة في أن تكون وريثة لتلك الحركة الثقافية التي جعلت من حرية الفكر أساساً لكل إبداع.

ملاك القول: إن السوريالية مدرسة فلسفية في نهاية المطاف، نظر دعاتها إلى واقع مكبوت في داخل النفس البشرية، ولا بد من تحرير هذا الواقع وإطلاق مكبوته وتسجيله في الأدب والفن. وهي تسعى إلى إدخال علاقات جديدة ومضامين غير مستقاة من الواقع التقليدي في الأعمال الأدبية. وهذه المضامين تستمد من الأحلام؛ سواء في اليقظة أو المنام، ومن تداعي الخواطر الذي لا يخضع لمنطق السبب والنتيجة، ومن هواجس عالم الوعي واللاوعي على السواء، بحيث تتجسد هذه الأحلام والخواطر والهواجس المجردة في أعمال أدبية. وهكذا تعتبر السوريالية اتجاهاً يهدف إلى إبراز التناقض في حياتنا أكثر من اهتمامه بالتأليف.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

..............................

المراجع:

1- السريالية أو الفوق واقعيّة  (ويكبيديا – الموسوعة الحرة.

2- السريالية - موسوعة ويزي ويزي.

3- السريالية - موقع المعرفة

4- الســريالية - إعداد الندوة العالمية للشباب الإسلامي -  موقع صيد الفوائد.

5- السريالية: كيف وصل العالم إلى هذا الحد من الجنون؟ - هند مسعد محمد 25 سبتمبر 2015 - موقع مصر العربية.

6- السريالية... فلسفة الحرية - هاشم صالح -  جريدة الشرق الوسط -  الثلاثاء - 19 سبتمبر 2017 مـ -  رقم العدد  (145175) .

7-  السريالية في «مغامرتها الكونية» تأثيرها أبعد من مصيرها -     محمد مظلوم -  جريدة الحياة -/ 19/ يناير 2017 /

8- موجز تاريخ الفلسفة – مجموعة من المؤلفين – إصدار دار الفكر – دمشق – 1978- ص967 وما بعد.

 

 

عبد الرضا حمد جاسمفي ص270، اسطورة الادب الرفيع،1957 كتب الراحل الوردي التالي: [انهم يظنون إني جئت بهذه الأفكار المستحدثة من جيبي وإني وحدي الذي ادعو اليها. والرجاء منهم ان يعلموا بأنها أفكار علمية تكاد تسيطر الان على عقول المفكرين في العالم الحديث ولست إلا ناقلاً لها. وناقل الكفر ليس بكافر] انتهى.

2- كتبتُ في الجزء السابق بأن التالي له "الحالي" سيكون حول اعتراضي على اعتراض الراحل الوردي على القول المعروف/ المتداول في المجتمع: "من جد وجد" واعتبار الوردي له: "مبدأ سخيف"، وهو جزء من القول المتداول/ المسموع/ المقروء: "من جد وجد ومن زرع حصد".

 افهم هذا القول "من جد وجد" بأنه واسع/ شامل لم/ لا يقتصر على فعل "العضلات" فقط فمن جد في تربية النشأ الجديد "سلباً او ايجاباً" يجد منهم في الغالب ما جد في تعليمهم عليه وترسيخه فيهم، وهذا نجاح يُحسب له. ومن جد في عمارة ارض وجادت الطبيعة، وَجَدَ وَحَصَدْ.

 وهو قول عام/ واسع بمعنى ان فيه نسبة عالية من احتمالات التحقق حيث لا نقول بحتمية نتائجه لان هناك عوامل كثير تعترضه كما أي فعل حياتي اخر، من تلك العوامل ما هو ذاتي/ شخصي/ داخلي وما هو خارجي/ مجتمعي / طبيعي وكمثال على ذلك متسابقي المائة متر في الألعاب / الرياضية/ الأولمبية حيث جميعهم جدوا واجتهدوا وحفزوا قواهم النفسية لكنهم يصلون بدرجات متفاوتة حتماً حتى لو كان بفارق جزء من الالف من الثانية وقد لا يصل أحدهم الى خط النهاية لأي عارض يعترضه خلال تلك الثواني أو قد يخفق بعضهم من تحقيق الرقم الذي حققه في السابق سواء في مسابقات او في تدريبات. وكلهم ناجحين، من نال الوسام الذهبي او من تلاه، وحتى من سنحت له الفرصة بمجرد المشاركة بالتصفيات الأولية يُعْتَبَرْ/ يَعتَبِرْ نفسه ناجحاً ويتأمل في المستقبل...اي يطمح ان يكون بحال وموقع / مركز أفضل.

الراحل الوردي اخذ هذا القول العام / الواسع وهو يعرف القصد من طرحه جيداً ويؤيد طرحه بقوة كما سأُبين ذلك، ويعرف فائدته للشخص والمجتمع، لكنه اختار الوقوف ضده بقوة ايضاً لأسباب منها الضياع بين العام/ المنتشر والخاص/ النادر وربما محاولته إثارة الجدل او تسجيل ْتَّمَيُزْ غير مسنود/ مبرر، ويفهم ذلك من خلال الصياغات التي طرحها لرفضه لهذا القول مثل وصفه ب "سخيف" او قوله "لقد وصلت بهذا البحث الى نتيجة هي في الواقع معاكسة لجميع ما دأب المعلمون والكتاب والخطباء في هذه البلاد ان يلقنونا إياها...الخ". تلك النتيجة ان هذا القول سخيف دون طرح ما يقنع المقابل او حتى محاولة اقناعه حيث كتب في ص 9 من خوارق اللاشعور/ 1952 التالي: [إني لا أبغي أن اُقنع القارئ بصحة النتيجة التي وصلتُ اليها. يكفيني أني قد اقتنعتُ بها شخصياً بعدما كنتُ شاكاً بها.].

وكتب في ص 11 من نفس الكتاب التالي: [إني لا اريد بهذا البحث ان اقنع الا من يريد ان يقتنع اما الذي لا يريد ان يقتنع فليس لدينا ازاءه اية حيلة] وهذا يثير العجب والاستغراب.

الراحل الوردي التقط ما أطلق عليه "قانون كوية" وزها به وانتشى وصرخ صرخته المدوية في هذا الكتاب كما ارخميدس... وجدتها!!![سأتطرق ل "قانون" كوية لاحقاً]. لكنه لم يجدها ولم يثبت وجودها او يُشير الى بعض معالم ما "وجد"

 ورد رفض وتأييد الوردي لهذا القول "من جد وجد" في أكثر من مكان/ كتاب. اليك منها التالي:

1- في ص12 من خوارق اللاشعور/ 1952: [وأود ان اصارح القارئ بأني كنت في أيام شبابي ضحية من ضحايا هذا المبدأ السخيف "من جد وجد"...الخ] انتهى

2- في ص11 خوارق اللاشعور/ 1952: [إن هذه النصيحة لا بأس ان نلقيها على أطفالنا وتلاميذنا الصغار حيث نحرضهم بها على العمل والدأب ومواصلة الدراسة ثم نردعهم بها عن اليأس والخمول. هذا ولكن التطرف فيها وتلقين الكبار والبالغين إياها قد يؤديان الى عكس النتيجة التي نتوخاها منها] انتهى

3- في ص109 خوارق اللاشعور/ 1952: [قد ذكرنا من قبل ان مبدأ "من جد وجد" قد يصلح لتربية الصبيان والصغار، لكنه يمسي مبدأً خطراً عندما يعتنقه الكبار فهو إذا انتشر بين الكبار صار حجة بيد الأقوياء في أن يأكلوا الضعفاء او يسيموهم خسفاً واستغلالاً. فإذا أخذ الفقراء يطالبون بحقوقهم قالوا لهم متبجحين..."من جد وجد"]

4- في ص379 دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/ 1965: ["من جد وجد" يحرك المجتمع ويبعث فيه التطور ولكنه من الناحية الاخرى يجعل الفرد شديد الطموح والتكالب لا يطمئن الى شيء ولا يرضيه حال].

5- في ص380 / دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/ 1965 كتب التالي: [مشكلة أبناء الجيل الجديد في العراق انهم آمنوا بصحة "من جد وجد" إيمانا غير محدود واعتبروه مفتاح النجاح وسبيل العظمة في كل مجال...] انتهى

6- في ص 9/ خوارق اللاشعور كتب: [إني لا أبغي أن اُقنع القارئ بصحة النتيجة التي وصلتُ اليها. يكفيني أني قد اقتنعتُ بها شخصياً بعدما كنتُ شاكاً بها.].

وغيرها من تلك الأقوال والأحكام والعبارات سنأتي عليها في الأجزاء الاخرى وسيجد القارئ الكريم تعليقاتي عليها وعلى النقاط أعلاه ايضاٍ.

اعتراضي على اعتراض الوردي على مبدأ "من جد وجد" ناتج مما ورد أعلاه من عبارات وتناقضات وعدم فهم كما اظن...فهذا المبدأ ال"سخيف" كما وصفه الوردي والذي كان هو أحد ضحاياه ودعوة الوردي الى اعتباره نصيحة نلقيها على الأطفال بقوله ان "من جد وجد" يصلح لتربية الأطفال لنحرضهم فيه/ به على العمل والدأب ومواصلة الدراسة ونردعهم به عن الكسل والإهمال واليأس والخمول...تلك الطروحات تدفع للتوقف عندها. ان الراحل الوردي يعرف ان تربية الأطفال على هذا المبدأ وبهذه الصيغة التي طرحها تعني ترسيخ ذلك في العقل الباطن لأغلبيتهم وهو الذي يعرف ان تغلغل هذا المبدأ هناك يجعله راسخ وصعب التأثير فيه/ عليه وقد كتب في ص46 خوارق اللاشعور/ 1952: [إن الإنسان لا يستطيع ان يتخلص من اطاره الفكري إلا نادراً. فهو فرض لازب علية. فالإطار شيء كامن في اللاشعور كما ألمحنا أليه آنفاً والإنسان لا يستطيع أن يتخلص من شيء لا يشعر به] انتهى

فكيف يحاربه ويوصي بتعليم الصغار به وحثهم وتحريضهم على العمل والدأب ومواصلة الدراسة وردعهم به عن اليأس والخمول!!!!

 ثم يؤكد الوردي على ان "من جد وجد" يحرك المجتمع ويبعث فيه التطور ولكنه "سخيف" لأن الوردي يخاف من ان هذا المبدأ السخيف "قد" يؤدي الى ان يجعل الفرد "شديد الطموح" و "التكالب" ولا "يطمئن" الى شيء...

 استغرب اختيار هذه المفاهيم "شديد الطموح" في مجتمع تَرَّسَخَ فيه عدم الطموح منذ قرون طويلة من خلال "القناعة كنزٌ لا يفنى" و"خليها على الله" "كلمن ورزقة "و"الكاتبه الله ما يصير غيره" وغيرها ويذكر...فالطموح في مجتمع مثل المجتمع العراقي وقتها ماذا يعني او ماهي مجالاته غير الدراسة والزراعة والحرف اليدوية وبعض المجالات السياسية...فهل الطموح في تعلم مهنة خطير؟ و "التكالب" الذي خاف منه الوردي على ماذا في تلك الفترة غير انه يعني المنافسة في الدراسة...التكالب على ماذا؟ هل على التطوع في الجيش او الشرطة او التكالب على تعلم مهنة الحمالة والتنظيف او الدراسة. ما هي أوجه الخوف في ذلك؟؟؟...و "لا يطمئن الى شيء" وكأن الراحل الوردي يريد من افراد المجتمع ان تطمئن لكل ما يقع لها ويبعد عنهم واجب الشك والتحَّسب للمستقبل والتفكير به ومصيرهم وعيالهم فيه... ويدعوهم للاطمئنان وفق "عيش يا...." و "لا تكن للعيش مجروح الفؤاد...". والشك الذي ردد ضرورته الوردي في الكثير من كتبه وهو قوام المنطق ال جديد الذي يعبده الوردي ... وما يؤكد طرحي هذا ما كتبه الوردي في هذا الكتاب / خوارق اللاشعور في ص32 منه التالي: [إني اشتهي ان اجعل من هذا الكتاب الذي اُقدمه بين يدي القارئ صرخة مدوية ضد هذا الدين السائد بين شبابنا المتعلم في هذه الأيام والذي جعلهم يؤمنون بالعقل ويتخذون منه إلهً يُعبد] انتهى.

ان الشباب المتعلمين والذين اتخذوا العقل ديناً لهم ليعبدون، هم او أغلبهم كما اعتقد وفهمت من القول مشمول بدعوة الوردي لعدم قراءة هذا الكتاب حيث هم المدللون المستجدون الاغرار الذين لم يمارسوا بعد مشكلة الواقع ولم يذوقوا مرارة الحياة وكأنهم منفصلين عن معاناة أهلهم وذويهم ومجتمعهم ولا يفكرون بمحيطهم ومستقبلهم واحلامهم ومواهبهم وقدراتهم ورغباتهم.

المفروض ان الراحل الوردي يعرف انه يكتب وينشر في مجتمع تغلب عليه الاُمية بكل صورها...والغالب من شبابه المتعلم الراشد منهم أو المستجد/ المدلل/ الغر لا يفرق بين العقل والعلم بعد، وهو الذي كتب عنهم ما كتب فكيف يريد ان يصرخ الوردي صرخته المدوية تلك؟

و خلافي/ اعتراضي مع/ على الدكتور الوردي ايضاً ناتج من ان الكتاب الذي اطلع عليه الوردي وهو في الباخرة عند عودته من أمريكا و الذي حَّفَزَهُ على اصدار و نشر كتابه :خوارق اللاشعور:1952/ كان قد صدر بعد ان تَشَّكَلَ علم الاجتماع بأكثر من قرن و صدر في دولة قام علمائها بدراسات كثيرة لحالة مجتمعهم و يأتي الوردي ليبدأ به عصره الزاهي في النقل والتعريب و التعريق و التأليف و النشر وهو لم يدرس المجتمع العراقي و لم يجري بعد أي بحث في بعض جوانب مشاكل المجتمع العراقي التي لا تعد ولا تحصى ولم يجري أي تجربة او امتحان او اختبار على أي مواطن من هذا المجتمع و هو يعرف ان هذا المجتمع ربما اكثر من 95% من أفراده لا يعرفون معنى علم الاجتماع وربما اكثر من 85% منهم اميين و ربما اكثر من 80% من متعلميه لا تُميز بين العقل والعلم.

اعارض الراحل الوردي او اختلف معه هنا كون المفروض/ الواجب عليه ان يعرف ان المجتمع العراقي الذي ولد فيه وتربى ودرس وتخرج ونجح تنخره المشاكل الاجتماعية ومنها الكسل والإهمال فما نفع الوردي لمجتمعه عندما أصدر هذا الكتاب وهو اول كتاب له بعد كراسة شخصية الفرد العراقي/ 1951 وبعد عودته من البعثة الدراسية التي نال فيها شهادتي الماجستير والدكتوراه.

اعارض الوردي واختلف معه وحتى ومع الاعتذار اشكك بقواه العلمية عندما أجد كيف برر موقفه مما اسماه "المبدأ السخيف من جد وجد" حيث كتب في هذا الكتاب/ خوارق اللاشعور/ 1952، التالي: [ولو ان أحداً جاء الى هؤلاء قبل اكتشاف الاشعة السينية وأخبرهم عن آلة تمكن الطبيب من رؤية أجهزة البدن الداخلية لربما جابهوه بالتكذيب ايضاً] أنتهى...

حقيقة لا اعرف كيف جاز الوردي لنفسه او كيف تجرأ وأطلق هذا القول؟؟؟ يعني بكل اغتراب يطلب من الناس ان تؤيد شيء غير موجود وآلة لم تُخترع بعد ويريد منهم الايمان بوجودها ومعرفة الغرض منها... ويعترض او يتعجب من ""لربما جابهوه بالتكذيب ايضاً""!!!

اعارض الوردي واختلف معه لأنه كتب في هذا الكتاب: [ويرى "كويه" إنه في حالة تعاكس الإرادة والمخيلة تزداد قوة المخيلة في إنتاج العمل غير المرغوب فيه ازدياداً تصاعدياً حيث هو يتناسب آنذاك تناسبياً طردياً مع تربيع قوة الإرادة].

هناك نص في النت هو: [إذا سيطرت فكرة على شخص بحيث أصبحت متغلغلة في أغوار عقله الباطن، فأن كل الجهود الواعية التي يبذلها ذلك الشخص في مخالفة تلك الفكرة تؤدي الى عكس النتيجة التي كان يبتغيها منها] ...يفسرها "كويه" بتنازع الإرادة والمخيلة " تنازع الشعور واللاشعور"

الاستغراب هنا هو من اين اتى الوردي بهذا النص؟ وكيف سمح لنفسه بأن يقدم لهذا النص بعبارة او عنوان: "قانون كوية"؟ ثم كيف قَبِل الوردي ان يكتب عبارة: "يتناسب آنذاك تناسباً طردياً مع تربيع قوة الإرادة"؟ هل هناك مقياس او ميزان يقيس قوة الإرادة حتى نعرف "تربيعها".

لا اعتقد ان هذا "تربيع قوة الإرادة" قد طرحة "كوية" ولا يمكن لي حالياً أن اعتبر ما توصل اليه او انتبه اليه او قَدَّرَهُ "كوية" حول الجهد المعكوس " قانون "انما يمكن اعتباره "فرضية" تنازع الإرادة او تنازع الوعي واللاوعي وهي حالة موجودة حالها حال المثل العامي المعروف: "مثل الماي البلصينية"...يمكن ولا يمكن!!!

شيء آخر حيَّرَني وهو اختيار الراحل الوردي لكتاب عن العالم "راين" من جامعة "ديوك"/ الولايات المتحدة الامريكية وحصوله على هذا الكتاب بالصدفة ولم يسمع بذلك عندما درس أربعة سنوات او أكثر لعلم الاجتماع في جامعة تكساس/ الولايات المتحدة الامريكية ... الاستغراب هو: هل ان جامعة تكساس او قسم علم الاجتماع فيها وأساتذته ومنهم المشرف على دراسة الراحل الوردي لم يتابعوا تجارب العالم "راين" الذي سبقت انتساب الوردي للجامعة بعشرين عاماً؟

وشيء اخر يلفت النظر وأثار الشك عندي وهو ان جامعة "ديوك" كما عرفت عنها في النت تأسست من قبل طائفة دينية تؤمن بالغيبيات وهذا مرتبط بدعوة الوردي الى محاربة العقل.

لا اعتقد ان هناك إمكانية لأخذ هذا الجزء "من جد وجد" من فكر الوردي دون التقرب من الكتاب الذي كان محوره هذا القول واقصد: كتاب خوارق اللاشعور/ 1952. عليه لابد ان أنقل/ أطرح بعض الشيء من/ عن هذا الكتاب الذي أثار ويثير الجدل، حيث خصص الوردي صفحة كاملة(ص7) هي الأولى في متن الكتاب أي قبل المقدمة وهو الكتاب الأول الذي ينشره الوردي بعد كراسة/ شخصية الفرد العراقي/ 1951، وذلك لتحذير القراء تحت عنوان: "تحذير" اليكم نَص ما ورد فيه: [تحذير: إن هذا الكتاب ربما ينفع الراشدين من الناس أولئك الذين خبروا الحياة واصابهم من نكباتها وصدماتها ما اصابهم. أما المستجدون والمدللون والأغرار الذين لم يمارسوا بعد مشكلة الواقع ولم يذوقوا من مرارة الحياة شيئاً فالأولى بهم أن لا يقرئوا هذا الكتاب. أنه قد يضرهم ضرراً بليغاً] انتهى.

عليه ستكون الأجزاء التالية تتضمن مناقشة ما ورد في هذا الكتاب حيث فيه كما اعتقد الكثير الذي يوجب التطرق اليه ومناقشته ابتداءً من التحذير الذي ورد في ص7 منه كما ورد أعلاه.

الى اللقاء في الجزء التالي / رحلة في كتاب خوارق اللاشعور/ 1952

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

راغب الركابيسأسلط الضوء هذه المرة على جزئية من تصورات - العقل الإسلامي -، وأوهامه وأحكامه التي تعتمد التضليل والمُكابرة والتقليد ومجارات الغير، يظهر هذا في أدب المتكلمين وأهل المنطق ومقولات الفلاسفة، وفي التاريخ وإسقاطاته الشيء الكثير من النماذج وهاكم على سبيل المثال - أكذوبة المعراج - وتهافت قضية - الإسراء - في المفهوم والمصداق، ودعونا نُركب الحكاية كما هي، وكما وردت في القرآن الكريم حيث النص القائل: - (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ..) – الإسراء 1، يقول أهل اللغة: إن معنى - أسرى - هو المشي ليلاً أو السير ليلاً، لكن النص لم يكتف بالمعنى اللغوي فجاء بالمفعول - ليلاً - زيادة في التوكيد، مع إن هذه الزيادة لا مبرر لها كما يقول أهل اللغة، فلا هي تفيد البيان ولا تزيد في صحة السير الليلي توكيداً، ومع ذلك نحن نُسلم بما هو ولا نضفي على النص مزيداً من الشكوك، وكلمة - سبحان - تفيد الإستغراق في الوصف تارةً وفي الثناء أخرى، والمفيد إنها وردت شارحةً لما بعدها، والجملة خبرية ومضمونها يدل على الماضي البعيد ..

من هنا أقول: إن هذه الحكاية تثير لدينا الكثير من القلق والإبهام والكثير من الغموض، والكثير من الوهم والخيال، وهذا كله ناشئ بفعل عدم الدقة الوثائقية التي يمكن الرجوع إليها، أو الإهتداء إليها في إثبات أصل الحكاية أو عدمها، سيما وإن الحكاية وردت هكذا من غير تحديد وتميز في الكتاب المجيد، وهذا ما زاد في مساحة الوهم والخيال والقيل والقال لدى الكثيرين، والأخبار والروايات التي تحدثت عنها ينقصها الكثير من التحقيق والصحة، وقد شارك في نسجها أناس لايعتدُ برأيهم ولا يُقاس عليهم من أمثال معاوية وعائشة التي لم تكن حاضرة الوقعة، وحسب الميثولوجيا الدينية كانت صغيرة وقتها ولم تكن في عصمة النبي بعد ولم تدر ماحدث في حينه .

وللتوكيد هنا نقول: إننا لاننكر أصل الحكاية كما وردت في الكتاب المجيد وفي شكلها العام (الإسراء)، ولكننا ننكر جملة الروايات والأخبار التي تحدثت عنها، لأن مجمل تلك الروايات قد زادت في غموضهاً غموضاً وتعقيداً، ومايسميه اليوم المسلمين ذكرى - الإسراء والمعراج -، فهو قول لا دليل عليه وهو ليس سوى إجماع فقهاء ووعاظ سلاطين من الفئة الرديئة، ولا علاقة للحكاية بمفهوم الإجماع المنصوص عليه في كتب الأصول، ومن هنا فلايمكننا الإعتماد عليه أو التصديق به من غير دليل .

وحين نقول: - إننا لا ننكر أصل الحكاية فهذا القول منا نابعا من إيماننا بصحة نصوص وقصص الكتاب المجيد -، ولكننا ننكر أن يكون (يوم أو ليلة 27 من شهر رجب هي تلك الليلة التي يزعمون إنها بها وفيها حدث الإسراء وحدث المعراج) !!!!!، والحق إن الإسراء شيء .

والمعراج شيئاً أخرا مختلفا في الشكل وفي المضمون، وإذا كنا لاننكر الإسراء كقصة ورد ذكرها في الكتاب المجيد، لكننا بكل تأكيد ننكر - المعراج - في الجملة وفي التفصيل، فإنتقال النبي وركوبه دابة يسمونها (البراق) كما يزعمون هو مجرد هذيان وكلام فاسد لايمكننا الركون إليه والإيمان بصحته، ولأن هذا القول: - يخالف أصول الإعتقاد فالله وأنبياءه وملائكته وسماواته، ليست محلاً مادياً يمكن للنبي التجوال والتنقل، وفي الحكاية التاريخية توحي للقارئ ويكأن كل واحد من الأنبياء قد أحتل ركنا وأعتكف به في أحدى السموات السبع .

كما لا يصح الإعتقاد على صحة نبوة محمد بهذا الإستدلال الخرافي الوهمي، كما لا يصح الركون إلى هذا الخلط بين أصل الإيمان وهذه الميثيولوجيا الزائفة، ومن يقرأ قصة - المعراج - يُخيل إليه ويكأنه يقرأ فيلماً كارتونياً مُعداً للأطفال، فالنبي ونبوته قد تخلصت مع القرآن من ثقل الماضي بكل تجاربه ومعجزاته ودخلت عالم المعرفة والتجريد والعلم، وتخلصت من الوهم والخرافة وسطوة التجربة ووسائل الإيضاح البدائية في الثبوت والإثبات .

ولهذا نرفض حكاية المعراج إنطلاقاً من إيماننا بان القرآن إنما يخاطب العقل الإنساني، بعيداً عن التسويف وعن الخرافة وعن حكايات الإعجاز التي يميل إليها في الغالب قليلي الحيلة، ومن ذوي المدارك والعقول البسيطة .

أضف إلى هذا وذاك فإن الربط بين قضية الإسراء وقضية المعراج، تم بفعل العامل السياسي والجبر التاريخي والعقيدي، إذ إن قضية الإسراء: (هي حكاية نبوية وقصة تاريخية خالصة) جاء بها النبي محمد كدليل على صحة نبوته لأنها تتحدث عن الماضي عن ذلك العبد، وهي لا تتحدث عن النبي محمد لا في لسان الحال ولا في لسان المقال، وليس لفظ - عبده - الوارد في سورة الإسراء يعنيه أو يدل عليه، لأن النص إنما يتحدث بشكل مطلق عن العبد الذي جرت حوله هذه الحكاية، كحكاية العبد الصالح في قصة موسى، وكقصة أهل الكهف، وكقصة أصحاب الأخدود وغيرها، هي قصة نبوية لا غير، والذي يؤكد ذلك الرأي ما قاله الزمخشري: فيما رواه عن أنس وعن الحسن في: - [إن الإسراء قد وقع قبل البعثة النبوية] -، أي قبل إن يكون النبي محمد نبياً -، إذن هي حكاية قديمة، تحدث عنها النبي محمد عندما صار نبياً، كما تحدث عن غيرها من القصص الموجودة في الكتاب المجيد .

كما إن المسجد الحرام عندنا: لايعني خصوص الكعبة المشرفة بل هو عنوان عام لكل ما يكون محلاً ومكاناً للسجود والعبادة، والكعبة المشرفة هي واحدة من هذه المصاديق الدالة على معنى المسجد الحرام، بدليل إن أهل التراث أنفسهم قد أختلفوا في معنى المسجد الحرام،

 فمنهم من قال: - إن المسجد الحرام هو كل مسجد يُعبد فيه الله -، والحرمة المضافة فيه تعود على العبادة وذكر الله، فهو محرم أو حرام من هذه الجهة .

ومنهم من قال: - إن المسجد هنا يعني بيت النبي - .

ومنهم من قال: - إنه يعني شعب إبي طالب - .

وإلى ماهنالك من الأقوال وهي كثيرة، ثم إن الرواة قد أختلفوا ا في زمن حدوث الإسراء، كما أختلفوا في زمن حدوث المعراج، فمنهم من قال: - إن الإسراء تم قبل الهجرة بسنة - .

ومنهم من قال: - إن الإسراء تم قبل الهجرة بسنة ونصف -،.

ومنهم من قال: - إنه حدث في رجب - .

ومنهم من قال: - إنه حدث في ربيع الأول - .

ومنهم من قال: - إنه حدث في ربيع الأخر - .

والأقوال فيه كذلك متعددة وكثيرة ومضطربة، ومن أجل هذا الإضطراب وهذا التفاوت، أختلفوا وقالوا: بان ليلة الإسراء هي غير ليلة المعراج .

ويجب التنويه بان المسجد الأقصى الذي ورد ذكره في الكتاب المجيد لا يعني - بيت المقدس -، ذلك لأن لفظ (الأقصى) في اللسان العربي إنما يدل على المكان الأبعد من جهة القياس من المكان الذي أنت فيه، فيكون معنى المسجد الأقصى هو المسجد الأبعد وليس بيت المقدس، وهذا القياس بلحاظ مفهوم المسجد الحرام ومن جهته، وليس كما يدعي أو يقول أهل الإعلام والسياسة المحدثين، وكلامنا هذا ينطلق من كون هذا اللفظ قد ورد في سياق بيان كثرة البيوت التي كان يعبد الله فيها، وليس في سياق المفاضلة أو التحديد لمسجد بعينه كما يذهب إليه أهل السياسة اليوم، والتحديد كما نعلم مذهب يعتمد التشويه والخلط والتعميه.

وهذا كما ترون تشويه لمقاصد الكتاب المجيد ومايدعوا له وما يريد بيانه، ومن هنا نقول: - إن الإسراء حدث نبوي وقصة تحدث عنها كتاب الله المجيد وهي لا تدل على أن المُراد بها خصوص النبي محمد ولا تعنيه، بل هو حكاية من الحكايا وقصة من القصص التي يجب ان نؤمن بها، كما آمنا بكل القصص التي ذكرها الكتاب المجيد .

لكن - المعراج - وهم وخرافة وخيال، والإيمان به خلاف العقيدة الصحيحة ومذهب النبي محمد ودين الإسلام، أقول قولي هذا وأنا أرى زيف المدجلين من وعاظ ومرشدين ومحرفين للكلم ومعناه، بما لا ينسجم ولا يستقيم مع العقل السليم، أقول هذا مشيراً ومبيناً إن العقل الإسلامي في كثير من مفاهيمه وتصوراته، يعيش الوهم والخرافة والتقليد مما جعله في كثير من الأشياء متخلفا عن أقرانه ..

 

راغب الركابي

 

ميثم الجنابيان اشكالية الفكرة الوطنية هي اشكالية الوعي الاجتماعي والسياسي والثقافي. فهو الثالوث الذي يحدد نوعيتها وصيغتها العملية. ومن ثم، فإن أي خلل في أضلاع هذا المثلث التأسيسي للفكرة الوطنية سوف يودي أما إلى انهيارها مع مرور الزمن أو تشوه مسارها. مع ما يترتب عليه من امكانية ازدياد وتنوع أثرها التخريبي بالنسبة لحياة الأفراد والجماعات والمجتمع والدولة. من هنا تبرز أهمية التأصيل الفكري والنظري للفكرة الوطنية، وفِي الحالة المعنية للفكرة الوطنية العراقية.

إن ظهور القضية الوطنية العراقية والتفكير بإعادة تأسيسها سواء عبر النقد السياسي والاجتماعي والثقافي والنفسي والتاريخي وغيرها يشير إلى تعقيد الظاهرة من جهة، وتفاعل عوامل ومسببات متنوعة أدت إلى انهيار نسبي وعميق لبنية الفكرة العراقية بمعناها السياسي والاجتماعي والثقافي، من جهة أخرى. من هنا كمية ونوعية الخراب الجلية للعيان حاليا.

لقد أخذ يتوسع في الفترة الأخيرة مدى الفكرة الوطنية العراقية والفكرة العراقية وصداها بأثر تأمل حالتهما المزرية. ومن دون التوسع في هذا المجال، فإننا نقف أمام أشكال وأنواع عديدة من الصراع والاختلاف تدور في أغلبها، وبالأخص من جانب "النخبة السياسية" حول مصالح ضيقة وأنانية مثيرة للتقزز والاشمئزاز، بحيث جعلت وتجعل من هذه النخبة وأزلامها أشبه ما تكون بأكياس خراء! وهو وصف يستمد عبارته من الحادثة التي رد بها أحد رجال الثقافة الإسلامية المتسامية في معرض إجابته على سؤال أمير فيما إذا كان يعرفه أم لا فأجابه: نعم أعرفك! أولك نطفة حقيرة وآخرك جثة نتنة وما بينهما كيس يحمل الخراء!

إننا نقف أمام نفس الحالة التي يواجهها أهل الفكر السياسي والثقافي النقدي في التصدي لأكياس الخراء المبتهجة بما فيها والعائشة على حالة الخراب. ومن بين أهم معالم هذا الخراب، إن لم تكن أكثرها جوهرية، هي الفكرة الوطنية العراقية والفكرة العراقية.

إن الفكرة الوطنية العراقية هي الفكرة السياسية للدولة والمجتمع، بينما الفكرة العراقية هي فكرة الوجود التاريخي الثقافي للعراق وأصالته. بمعنى إن الفكرة العراقية هي بؤرة وجوهر الفكرة الوطنية العراقية، وما لم يجر إعادة غرسها في الوعي الاجتماعي العراقي فمن المستحيل إرساء الأسس المتينة للفكرة الوطنية. 

فالمساعي المهمومة بتأصيل الفكرة الوطنية وأصالتها في الأغلب تبرز زمن الانحطاط أو الانهيار أو الانكسار أو الانحسار للدولة والمجتمع، أي زمن الازمات البنيوية الحادة. والردود عليها مختلفة ومتباينة. وتتمادى هذه الردود من أقصى حالات التطرّف والغُلو حتى أكثر النماذج عقلانية وانسانية.

وفيما يخص العالم العربي فإنها ظهرت في الغالب بصيغة التضاد أو الاختلاف أو التوازي بين الفكرة العربية القومية (العامة) والفكرة الوطنية (الخاصة). وهذه خاصية الفكرة الوطنية في العالم العربي. وسبب هذا التضاد والاختلاف والموازاة يعود أساسا إلى محددات تاريخية وسياسية وثقافية. ففي وحدة هذه المحددات تكمن منظومة هذا التنافر النسبي وأحيانا الحاد، وذلك لأن تاريخ العالم، والعربي جزء أو مظهر منه، يكشف عن أن انهيار المركز السياسي الثقافي العام يودي إلى ظهور مختلف أشكال الانغلاق النسبي أو الجزئي أو الحاد. فانهيار المركز السياسي الثقافي لدمشق الأموية أدى إلى تجزئة وصراع على النفوذ الجغرافي. والشيء نفسه يمكن رؤيته على مثال تدمير المركز السياسي العباسي في بغداد. وفِي حال افتراض قدرة العالم العربي، بعد انهيار السلطنة العثمانية أو نجاح مشروع محمد علي باشا، على إرساء أسس الدولة العصرية الموحَّدة لأدى ذلك إلى تذليل أو نفي فكرة ونفسية التضاد والاختلاف والتوازي بهذا الصدد. لقد كان بإمكانه أن يودي إلى ظهور التنوع الثقافي المتوحد بفعل تباين المناطق الثقافية في العالم العربي. وهذه بدورها حالة تاريخية وليست جوهرية أصلية. لكن المسار التاريخي الفعلي قد أدى لحد الآن إلى نتائج مختلفة عن الفرضية المشار اليها أعلاه، مع أن ذلك لا ينفي القوة الكامنة فيها بوصفها فرضية مستقبلية.

 وبالعودة إلى القضية مثار البحث نرى بأن التاريخ العربي الحديث والمعاصر لم يفرز هذا النوع من الاختلاف والتضاد إلا في ما يسمى بالعودة إلى مصر الفرعونية أو إلى لبنان الفينيقية. ويتميّز كل منهما باختلافات كبيرة لكنهما يشتركان بنفسية وذهنية الاستلاب الثقافي أمام الغرب الأوربي. وهز أمر جلي في محاولتهما الرجوع إلى مراحل منفية في تاريخهما العربي الإسلامي الذي أسس لمرجعيات جديدة في كل مسام الوجود التاريخي لمصر ولبنان. كما انه لا مرجعيات ثقافية في الفكرة الفرعونية والفينيقية ما يمكِّنها من أن تكون بديلا نوعيا وشاملا للصيرورة العربية الإسلامية في مصر ولبنان. من هنا اندثارها بسلام وأمان دون أن يؤديا إلى احتراب داخلي. مع أن بقاياها القوية مازالت تنخر الكيان اللبناني. بعبارة أخرى، لقد كانت تلك محاولات أقرب ما تكون إلى نزوات فردية أو طائفية. وكلاهما لا يصنعا تاريخا.

أما التيار الوحيد الذي حاول أن يجد صيغة عملية معقولة لإبراز اهمية الجغرافيا السياسية للمشرق العربي وليس العالم العربي ككل أو لبلد واحد لحاله فهو ما قام أنطون سعادة وأيديولوجيته القومية. وهي فكرة عميقة ودقيقة وعملية في ظروف الصيرورة التاريخية للعالم العربي المعاصر ودوله. فقد سعى أنطون سعادة إلى تأسيس الفكرة القومية الوطنية لدولة وادي الرافدين (العراق وسوريا الطبيعية) تحت عنوان "القومية السورية" و"الدولة السورية". واعتبرها كيان له كينونته التاريخية الثقافية الخاصة مقارنة بغيره من أجزاء العام العربي( الجزيرة والشمال الأفريقي).

بينما لم تظهر في العراق دعوة الرجوع إلى تاريخه الرافيديني من اجل تأسيس فلسفة أو أيديولوجية سياسية وطنية او عراقية. إذ لا دعوات إلى سومرية وبابلية وآشورية وغيرها في الوعي السياسي. لكنها تبرز بأقدار قليلة لحد الأن في مجال الروية التاريخية والثقافية. وهذه فضيلة تحتاج إلى توسع وتعميق وترسيخ في العقل التاريخي الثقافي للعراق، وذلك لأهميتها العراقية والعربية والعالمية.

إننا نقف أمام نماذج متميزة في الدفاع عن الفكرة العراقية وخصوصيتها بوصفها هوية أصلية. ولعل اكثر من بمثلها في العراق كل من سليم مطر وعلي ثويني.

واكتفي هنا، من دون الخوض في دراسة وتحليل كل ما كتبه سليم مطر بهذا الصدد، بذكر الاعمال التي انجزها، والتي من خلالها حاول تأسيس ما يدعوه "بهوية الأمة العراقية". وقد بدأ سليم مطر بالعمل على نحت هذا المفهوم والتوسع فيه والتأسيس في سلسلة من الأعمال الفكرية مثل كتاب (الذات الجريحة) و(العراق.سبعة آلاف عام من الحياة)، و(جدل الهويات)، و(مشروع الإحياء الوطني العراقي) و(مجلة ميزوبوتاميا) أي بلاد النهرين والتي اخذ باصدراها عام 2004. وقد كانت اقرب ما تكون اإى موسوعات متنوعة تهتم بالشأن العراقي والهوية العراقية. وهو أمر جلي في أسماء ومضامين "الموسوعات" التي احتوت عليها مثل (المدائن العراقية) و(خمسة آلاف عام من التدين العراقي)، و(خمسة آلاف عام من الانوثة العراقية)، و( موسوعة اللغات العراقية) و(موسوعة البيئة العراقية) و(كركوك قلب العراق). وجميعها كانت تتمحور حول مختلف قضايا الهوية العراقية. والغاية منها البرهنة على ان عراق بلا هوية وطنية مشتركة توحد العراقيين، يستحيل بناء دولة موحدة ومستقرة. واعتبر ان كل ما جرى في تاريخ العراق من خلل يعود اساسا الى غياب الانتماء الثقافي الوطني المشترك. كما كان يؤكد في كل ما كتبه بهذا الصدد على أن الهوية الوطنية يجب أن تكون ذات بعد إنساني وديمقراطي.

واستنادا الى معرفتي بالأعمال الأساسية يمكنني حدّ أو تعريف هذا النمط بنموذج التأصيل التاريخي التراثي للفكرة العراقية. وهو أمر جلي في محاولاته العديدة في إبراز قيمة وأهمية التراث العراقي القديم والإسلامي والمعاصر بالنسبة لفهم ماهية العراق الخاصة او أصالته، وحقيقته التاريخية الجغرافية بوصفه موطن الحضارات السومرية والبابلية والآشورية وكثير غيرها. ومن ثم السعي الحثيث والعميق لنفي كل ما جرى ويجري "سرقته" او تشويهه او ابتذاله من تاريخه الذاتي. وأن تاريخ العراق الذاتي هو تاريخ الإبداع الهائل والذي ينبغي وضعه في أساس الفهم الوطني باعتبارها أولوية جوهرية على ما عداها من قومي عربي وإسلامي عقائدي ومذاهب جزئية أيا كان نوعها. بعبارة أخرى، إن العراق مكتف بذاته، والمهمة تقوم في العمل من اجل أن يكون مكتفيا بذاته. وهنا تكمن حدود الفكرة العراقية والوطنية العراقية. ولعل نقده العميق واللاذع والموثق بحقائق التاريخ والثقافة لما يدعوه بفرسنة (من الفارسية) للتراث العراقي وبالأخص ما له علاقة بالمرحلة الإسلامية، ونقد آراء ومواقف الحركة الكردية بوصفها كمية من الجهل والغباء وانعدام الوعي الذاتي العراقي الوطني أحد النماذج الواضحة بهذا الصدد. والغاية من وراء كل ذلك هو وضع الهموم العميقة بإشكالية الهوية والأصالة العراقية في صلب الفكرة السياسية.

ينما يقدم الدكتور علي ثويني نموذجا لما يمكن دعوته بالتأصيل السياسي التراثي للفكرة العراقية. فهو يمثل الفكرة الموازية لما يسعى لتأسيسه سليم مطر ولكن بمعايير الرؤية السياسية الثقافية. من هنا اهتمامه العميق بالفكرة الوطنية والعراقية بمعايير النقدي السياسي. وبما انه محترف اساسا في فن العمارة وتاريخها، لهذا نعثر على تأسيسها فيما اسميته مرة بتحويله فهم العمارة إلى فكر أقرب ما يكون إلى هندسة الروح والجسد وتنظيمها وجعلها مرآة تنعكس فيها معالم الإبداع الذاتي وقيم جمال الحياة والآفاق. وهي الفكرة التي نعثر عليها في جميع ما يكتبه الدكتور علي ثويني، ليس فقط في ميدان المعمار بل وفي ميدان الكتابة الاجتماعية والسياسية. لكن الباعث الجوهري والأعمق يبقى بالنسبة له الكشف والبرهنة على أن تاريخ العراق بمختلف جوانبه يفعل بمعايير الوجد والوجدان، والعقل والإيمان، والروح الجسد. وهو سر ديمومته إمام أعاصير الزمن والغزاة والطغاة. ولم يقف عند هذا الحد بل يسعى في كل كتاباته الى تأكية اهمية وقيمة فكرة الانتماء الثقافي والروحي للأمة (العراقية).

في كتاباته نعثر على الخيط الرابط لكل ما يريد قوله، الا وهو ان العراق هو الي يحمي كل من فيه. ومن ثم ينبغي تحويله في وعي الأجيال إلى مبدأ ونهاية الرؤية السياسية والاجتماعية والإبداعية. من هنا نقد الشديد والعقلاني للحركات والتيارات العرقية (الكردية) والقومية العربية والشيوعية (الاممية)، أي كل ما يفرط بقيمة العراق بحد ذاته. بينما حقيقة العراق والرؤية الوطنية تفترض عل العراق مبدأ وغاية وجود من فيه. ومن ث تحريره من كلا رابط يجعل منه تبعا بأي مقياس ومعيار كان. وضمن هذا السياق يمكن فهم بواعث معارضته الشديد لتأثير وتدخل العامل الإيراني الفارسي والأمريكي، أي ضد كل من يجعل من العراق ذيلا أو تابعا.

وبغض النظر عن الاختلافات بين سليم مطر وعلي ثويني في الكشف والتاييد لما يودان قوله، إلا أن هذه الخلافات في اغلبها تتطابق مع فكرة التباين. إنهما يتباينان في جوانب فرعية لكنها يلتقيان في القضايا الجوهرية. إنهما يلتقيان في الموقف من الفكرة العراقية ومهمة تأسيس الهوية العراقية والأمة العراقية. وكلاهما ينبذان كل ما يعيق ذلك في مجال الفكر والثقافة والسياسة والتاريخ. من هنا موقفهما الصلب وثباتهما الفكري والسياسي تجاه نقد الحركة القومية الكردية ونوعها الانفصالي. وكذلك نبذ الطائفية. وأخيرا الدفاع عن الكينونة العراقية الأصلية بوصفها كينونة شعوب ما بين النهرين انطلاقا من أن كل ما كان في تاريخ العراق فهو عراقي.

أما السؤال المتعلق بالسرّ القائم وراء هذه الرؤية فهو مرتبط باعتقادي في كونهما من جيل المرحلة العاصفة في تاريخ العراق الحديث، تاريخ الصعود الوطني وانكساره بسبب صعود التيار البعثي القومي العنصري والطائفي والمعادي للفكرة الاجتماعية والهوية الوطنية العراقية والعراق بوصفه أمة مستقلة بذاتها. كما أنهما كلاهما من الجنوب العراقي، بوصفه الحامل التاريخي للهوية العراقية منذ سومر وبابل، أي منذ المرحلة التأسيسية للعراق بوصفه كيانا تاريخيا ثقافيا مستقلا. فكلاهما يتمثل حقيقة الجغرافيا العراقية، وجغرافيته الثقافية. وكذلك الحال بالنسبة للمرحلة العربية الإسلامية. فقد كانت البصرة والكوفة قاعدة التأسيس النظري لكل ما هو جوهري في المرحلة العربية الإسلامية ليس في العراق فحسب، بل وفي العالم العربي والإسلامي ككل. الأمر الذي حدد ما يمكن دعوته بسرّ التفاؤل المستقبلي تجاه العراق رغم كل معالم انحطاطه الحالي. فالذي نشأ وترعرع بوصفه جيل المعاناة الحية والمأساة الكبرى للتاريخ العراقي الحديث لا يمكن زعزعة يقينه بالعراق، الذي جعل السياب يقول بأنه حتى الظلام في العراق جميل.

أما الأمل الباقي بوصفه شعاع المستقبل بهذا الصدد فيقوم في أن يستكمل كل منها لحاله أو يلتقيا في مشروع كتابي موحد يسعى لتأسيس رؤيتهما في منظومة فكرية متكاملة وعملية ومستقبلية. وعموما ليس هناك من شيئ أنبل بالنسبة للمثقف العراقي من أن تدور همومه الفكرية والروحية الآن حول إشكاليات العراق من أجل انهاضه من جديد ودفعه صوب البحث عن "الخلود"، ليستعيد رؤية معاصرة عن معنى الخلود الذي بحثت فيه ملحمة جلجامش .

***

ميثم الجنابي

 

محمود محمد عليذكرنا في المقالة السابقة كيف أسهم قدماء المصريين بنصيب وافر في النهضة العلمية، وهنا في هذه المقالة نركز علي حضارة العراق القديم أو حضارة وادى الرافدين؛ وهي تشمل الأراضي الواقعة بين نهري دجلة والفرات، واللذان ينبعان من جبال أرمينيا في تركيا الحديثة وتغذيهما روافد عديدة ؛ حيث يذكر المؤرخون أن أقدم الآثار التاريخية الخاصة بحضارة وادي الرافدين " العراق" جاءت من بلاد سومر، وهى الأرض التي سكنها السومريون فى النصف الجنوبى من وادى الرافدين "، وهى الآن المنطقة الواقعة بين الخليج العربي وشمال بغداد "، وقد دخل السومريون إلى وادى الرافدين فى حوالى 35000 ق . م نازحين من مرتفعات شرق دجلة، وهى المنطقة التي جاء منهم أسلافهم قبل ذلك، وقد حلت حضارة السومريون محل حضارة " تل العبيد " وأصبحت اللغة السومارية هي السائدة فى المنطقة. واختلف السومريون عن الساميين الذين عاشوا في منطقة أكاد فى شمال وادى الرافدين، وقامت بينهم نزعات وحروب طويلة، وفى منتصف القرن الثالث قبل الميلاد أخضع الملك سرجون الأكادى " شروكين " 3637- 2582 ق.م " بلاد السومريين "، وأنشأ المملكة المتحدة بين سومر وآكاد، وطغت على هذه المملكة عناصر الحضارة السومرية.

وقرب نهاية القرن الثالث قبل الميلاد اندحرت " مملكة سومر وآكاد " تحت غزو العموريين، الذين أتوا من شمال بلاد الشام وأسسوا عاصمتهم " بابل ". ويرجع تاريخ الامبراطورية البابلية إلى حوالى 2100 ق. م، وكان سادس ملوك هذه الدولة هو " حامورابى " 1728 – 1686 ق . م، أشهر حكامها، بل قد يكون أعظم شخصيات التاريخ القديم، قد وضع قانون حامورابى الذى كفل بنظامه درجة عالية من الحضارة البابلية.

والجدير بالذكر أن البابليين قد استعملوا اللغة الآكادية أو البابلية، وهى لغة سامية بالإضافة إلى اللغة السومرية، وخلال الألف الأولى قبل الميلاد تغلبت أقوم قوية أتت من الشرق على دولة البابليين، وأسسوا الدولة الآشورية في شمال العراق، وحل اسم آشور محل بابل، فقد أصبحت آشور عاصمة الدولة الجديدة، ثم اتخذوا مدينة " نينوى " عاصمة لهم بعد ذلك . وفى عام 612 ق. م سقطت الدولة الآشورية في يد " العموريين " الذين اتخذوا بابل عاصمة لهم وكونوا " الدولة الكلدانية "، غير أن هذه الدولة لم تعمر طويلاً؛ حيث احتلها الفرس بقيادة " قورش " في عام 539 ق.م ثم تلاها الفتح في عهد " الاسكندر الأكبر " .

ومن أهم مظاهر النهضة العلمية فى حضارة وادى الرافدين، نجد أنهم قد تقدموا هائلاً في علم الفلك؛ حيث برع أهل وادى الرافدين في فن الرصد، رغم بساطة الأدوات التي استخدموها لهذا الغرض مثل المزولة الشمسية والساعات المائية، ويرجع اهتمام أهل وادى الرفدين بالأرصاد الفلكية إلى اعتقادهم في تأثير الكواكب على الإنسان فيما يخص بحظه فى الحياة وقد أمكنهم أن يضعوا تقويماً قمريا ً .

كما برع أهل وادى الرافدين فى مجال الطب، حيث احتوت بعض اللوحات الطينية على وصف وتشخيص بعض أمراض الجمجمة والعين والجهاز التنفسى والكبد والأذن والأعضاء التناسلية والأطراف وغيرها، ثم طريقة العلاج ووصف الدواء وطريقة استعماله وعدد مرات استعماله وأي ساعة في النهار يتعاطى فيها الدواء .

وأما فى مجال علم الرياضيات، فقد عرف سكان وادى الرافدين كثيرا من علوم الحساب والهندسة والجبر، ودونوا الأرقام فى خانات تحفظ ترتيب الأعداد في الآحاد والعشرات والمئات، وأنشأوا جدولاً للضرب من " 1× 1 حتى 60 ×60 " وقد كان للنشاط التجاري الذى اشتهر به سكان وادى الرافدين دور كبير فى تطور العلوم الرياضية لديهم، وعرفوا شيئاً عن المتواليات العددية والهندسة، وعرفوا النسبة والتناسب، وقوانين إيجاد مربعات الأعداد ومكعباتها، وقسموا محيط الدائرة إلى ستة أقسام متساوية، وإلى 360 قسماً متساوية، وعرفوا أن الدائرة يتشكل فيها ستة مثلثات متساوية الأضلاع ومقدار كل زاوية فيها 60 درجة، وكان لديهم  طرق لإيجاد مساحات المثلثات والأشكال الرباعية والمستطيلات والأجسام كثيرة السطوح والاسطوانة والمثلثات القائمة الزاوية وأشباه المنحرف .

وفى مجال الصناعات الفنية عرف أهل وادى الرافدين طريقة الشمع المفقود فى صب المعادن وصناعة التمـاثيل وعـرفوا الأسـقف الضمنية " الجمالونات " واستخدموها فى تشييد المساكن والمقابر الملكية فى مدينة " أور"  . علاوة علي أن خضارة وادي الرافدين تمكنت من اخترع العديد من التقنيات بما في ذلك المعادن والاعمال النحاسيه،الزجاج وصنع المصابيح،والنسيج، والتحكم في الفيضانات، تخزين المياه، والري.

وفي مجال اللغة تم اختراع الكتابة التصويرية في بلاد ما بين النهرين قبل العام 3000 قبل الميلاد. وبحلول عام 2400 قبل الميلاد تم اعتماد الخط المسماري لكتابة اللغة الأكادية، كما استعمل نفس الخط في كتابة اللغة الآشورية واللغة البابلية، وهي كلها لغات سامية مثل اللغتين المعاصرتين العربية والعبرية.  وتواصل استعمال الخط المسماري للكتابة في لغات البلاد المجاورة لبلاد ما بين النهرين مثل لغة الحطيين واللغة الفارسية القديمة، واستعملت إلى نهاية القرن الأول الميلادي.  وتم فك رموز الخط المسماري في العصر الحديث أي القرن التاسع عشر وبذلك تسنى لعلماء العصر قراءة النصوص الإدارية والرياضية والتاريخية والفلكية والمدرسية والطلاسم والملاحم والرسائل والقواميس.  ويوجد حوالي 130000 لوح طيني من بلاد الرافدين في المتحف البريطاني.

وقد تأثرت حضارة وادى الرافدين بعناصر الحضارة المصرية القديمة منذ الألف الثاني قبل الميلاد واشتدت هذا التأثير خلال العهد الذى سيطرت فيه مصر على الشرق الأدنى " منذ القرن السادس عشر حتى القرن الثاني عشر قبل الميلاد "، ومعروف أن كل حضارات الشرق القديمة قد تأثرت ببعضها وتفاعلت ثقافتها وتزاوجت أفكارها بدرجات متفاوتة خلال اتصال هذه الحضارات ببعضها البعض سواء عن طريق التجارة أو الغزوات، ونتج عن ذلك تطور العلوم والفنون ورقى الحضارة بصفة عامة . ورغم هذا التفاعل الثقافي، فإن كل حضـارة ظـلت متحفظـة بطابعها الخاص والمميز لها .

وللحديث بقية

 

بقلم د. محمود محمد علي

كلية الآداب – جامعة أسيوط

 

 

رائد عبيستحمل المجاميع المتطرفة المحسوبة على الإسلام اليوم، تسميات مختلفة وجديدة لما هو قديم، ولعل أبرزها "القاعدة" ومن ثم "داعش" الذي أصبح إرهابهما لازمة للدين الإسلامي فكراً وفعلاً، أما إذا تحدثنا عن التطرف، بكونه فعل خارج عن العقلانية، عندها يشمل كل المعتقدات في هذا العالم.

فداعش : هي تسمية لمجاميع متطرفة، تدعي انتسابها للدين الإسلامي، تريد أن تستبدل ما تعتقد إنه خطأ، بما تراه صحيح، أو هي تعلم أن كل ما تعتقد به خطأ، ولكنها أرادت أن تكون أداة تنفيذ لاستراتيجيات استعمارية، ضد الديانات، والإنسانيات، والحكومات، في هذا العالم. لاسيما ضد الشرق الأوسط، ودول معنية منه. مثل: العراق، وسوريا؛ لأنها سمت نفسها بالدولة الإسلامية في العراق والشام، وأرادت حينها أن تؤسس دولتها في هذين البلدين، لتتوجه بعدها إلى كل أنحاء العالم، ضمن سياستها في إلغاء الحدود وامتداداتها العدوانية.

تعززت قناعات بعض الناس بأفكار هذه المجاميع، عبر سياسية الترويج والدعوة والإقناع، التي وَلُد ردة فعل قوية في التفاعل معه، وحول منهم ذوات تشابه تلك الذوات الصانعة لهم عبر فكرة "صناعة الشبيه " التي أوكلت إلى "شيوخ المهمة " مهمة غسل أدمغة الناس، والترويج لفكر الدعوشة وثقافتها، وتحقيق الكسب الانتمائي بإغراء الشباب بقوة وعقيدة داعش.

فقوة داعش اقترنت بالتوحش، والقوة التي تقترن بالتوحش: هي قوة هوجاء وهمجية . لا ترسم حدود لكل ما هو مقدس، وأفعال داعش في العراق وبلدان أخرى من العالم، هي خير شاهد على حجم تحول ثقافة الدعوشة إلى عقيدة، والتي انتهت معها الذات المنتمية (الضمير، النفس، الجسد) إلى شيء لا قيمة له، بفعل أفكاره التي بلورت سلوكاً إجرامياً عند معتقديه مثل فعل تفجير النفس.

هذا ما عمله داعش بعد زراعة الرعب، والخوف في نفوس الناس، في كل دول العالم، وإذا كان موضوعنا العراق، فنجد أن القتل، والخراب، والتهديم، والتفجير، وإزالة واستبدال لكل ثقافة أبناء المدن التي وقعت تحت تأثير وسيطرة داعش، وأفعاله الإجرامية، حاضرة كمَشاهد واقعية، وتَخيَلية عن حجم الخراب الذي طال هذه المدن، فهناك بعض من أبناء هذه المدن تعامل مع ثقافة الدعوشة بالرفض التام، ولاسيما بعد معرفتهم أن داعش هي أحد الطوارئ على ما هو ثابت و مترسخ من ثقافته العراقية، والإسلامية، والعربية المعتدلة التي لا تعتقد بالتطرف، ولا بالعدائية.

وبعضٌ آخر عَرف أن داعش هو راهن قوي يعبر فعله عن ما هو كامن في نفسه، فسارع إلى قبول ثقافته ورحب بها؛ لأنها تمس رغبته في التمثل بمظاهر القوة، والبطش، والرغبة في سحق الآخر، بمعنى قبوله برغبة سايكولوجية.

وهناك أيضاً من رحب بفكر داعش، وسلوكه، ليس اعتقادا أو اعترافاً به فحسب، بل لتوظيفه كأداة انتقام سياسية، واقتصادية، وطائفية، وعشائرية، وحتى إقليمية، فأوجد له حواضن الأمان ."فداعش" ولد من رحم مشوه، ليعيش في حضن آمن، وإن كان مؤقتاً، فقد كفاه أن يظهر، ويسمي نفسه دولة، وعبر فعله الحدود، وأخاف العالم. وهو في الحقيقة أي داعش " تكون من نطفة مشوهة، ونما في رحم مشوه، وعاش في أحضان مشوهه " وهذا التشويه ليس توصيف متصور، بقدر ما هو واقعي ؛ لأن الفكر الداعشي انبثق من ضحالة دينية، ومكونات جينية تاريخية مشوهة، بفعل رواسب التاريخ الموبوء بمغالطات عقائدية، وفهمية، سوقت على إنها الحقيقة، وأصبحت الثقافة المنبثقة منها ثقافة ممسوخة، بل حتى وجوههم مسخت، وأصبح لبسهم القصير وفرض ما يسمى بالزي الأفغاني، واللحى، وإطالة الشعر، وعدم الاستحمام، كلها كونت ملامح القسوة، والسادية، والعنف في سلوكهم. هذه المظاهر تحولت إلى ثقافة تعريفية بالدواعش أنفسهم، وانتمائية لمن هو راض بها، وتقليدية لمن أُرغم على تقليديهم.

فوسائل داعش الناعمة، مثل:الإقناع، والتجنيد، والدعوة للجهاد، والأدلجة عبر المواقع الإلكترونية، ووسائل التواصل الاجتماعي، والتأليف، والنشر، والمساجد، والمراكز والمؤسسات، ووسائل الإعلام المرئية، والمسموعة، كل هذه أدوات تسويق لفكرهم، التي سرعان ما ينتهي بمن يتأثر بها إلى حمل السلاح والالتحاق بصفوف القتال مع داعش، فضلا عن التفخيخ، والأحزمة الناسفة، واستخدام الأسلحة المختلفة الأخرى وتهديد الناس بها.

ما أحدثه داعش بالموصل، هو تطبيق لمنهجيته بالدمار إذ عمد التنظيم إلى تخريب المدينة، وقتل أهلها، وتهديم المراقد، والكنائس، والمساجد، وكل دور العبادة، والمعالم الأثرية، والمكتبات، والجامعات، وطالت أفعالهم كل شيء، هذا وقد بدأ التنظيم عبر تخطيطه الممنهج إلى تغيير مناهج المدارس، وزج التلاميذ في معسكرات تدريب خاصة به، بل وفتح معسكرات للأطفال عبر سياسة "صناعة الشبيه" التي لم تكتفِ بعملية غسل الأدمغة عبر الأدلجة ووسائلها، ومهاجمة الوعي، ومباغتته بالفكر الصادم، فأدوات صناعة الشبيه، ترسخ في وعي الأجيال ملامحه بوصفه البطل الموعود، لمستقبل الدعوشة في بيئة قد رصدت من قبلهم لتكون حاضنة ومرتعاً جديداً لهم، ليظهروا من جديد، بدولة أخرى، تبنى في وعيهم الطامح لإزالة مفهوم الدولة التقليدي، ليعبروا به إلى حيث انتمائهم.

ولم يكتفوا الدواعش بصناعة الشبيه الأيديولوجي، بل تعداه الأمر إلى خلط الدماء والأنساب، عبر سياسة صناعة الشبيه بايولوجياً "فالشبيه البايولوجي" ليس أقل خطورة من الشبيه المتأدلج، بل كلاهما يكمل دور الآخر في صناعة مستقبل للدعوشة، لتبقى في جينات ووعي الأطفال والكبار.

فالحديث الإعلامي الرسمي وغير الرسمي، عن مرحلة ما بعد داعش، يقول إنها مرحلة مجهولة يشوبها الغموض نقول فيها إنها مرحلة دعوشية، والدعوشة نقصد بها : مجموعة من الحُزم الفكرية التي نفذت إلى أفكار الناس، واستقرت في قناعاتهم، لتكون طموحاً منشوداً لمستقبل عودة السيطرة ببذور ذلك الفكر، وبمسمى جديد، وبتنفيذ من قبل البطل الموعود الذي سميناه "الشبيه" ففكرة صناعة الشبيه قد تؤتي ثمارها من نطفة وبيضة، أو من فكرة وقناعة.

فالناس جُبلت على تقديس القوة، وما أجمل هذه القوة عندهم عندما تقترن بالعقيدة، ولاسيما وأن المتحدث باسمها شخص يدعي الخلافة، وإعادة سلطة السلف من جديد. فالوعي التأريخي المزيف أنجب لنا على امتداد التاريخ "ثقافات هجينة " وهذه الهجانة ليس بين ثقافة و أخرى، بل هي وعي مأزوم عن الدين، والعادات، والتقاليد والأحقاد، والضغينة، وحب التسلط، والسادية، وأمراض نفسية مستبطنة، وطموح موهوم ومغالطات فكرية. هذا الهجين التأريخي مازال ينتج لنا دولة أو مفهوم دولة تعاني ويعاني من متلازمة عقلية، تشعر بالتوحد منذ ولادتها ؛لأنها وجدت لتكون دولة فرد لا جماعة.

وهذا ما هو ملاحظ من ثقافة الدعوشة وأهدافها في صناعة الشبيه، داعش أبيدت في العراق وسترحل نهائيا من السوريا ولكن ستترك مخلفاتها و بيوضها، لتوفر لها عوامل الزمن الجو المناسب للتفقيس، وسترتد مرة أخرى، عندما تجد أن عوامل الغضب متوفرة بأحقاد طائفية، وعقد تأريخية، وبمحركات استخبارية من قبل دول مثل: إسرائيل، وأمريكا، وقطر، وتركيا، والسعودية، ودول الاتحاد الأوربي، وبعض الدول المجاورة، ودول أخرى دخلت بهذه اللعبة، وشجعت هذا الفكر المتطرف المتمثل بداعش، ومثيلاتها في عالمنا العربي والإسلامي، ومن المؤسف أن دول مما ذكرنا هي عربية وإسلامية، ولكنها كانت سبباً رئيساً من هذا الخراب الذي طال الإنسانية جمعاء .

أين المواطنة من كل ما تقدم ؟ وكيف نبني المواطنة مع مشاريع الأدلجة ؟

المواطن في العالم العربي الإسلامي، يمكن أن نشبهه " بلوحة للرسم الحر" كل من يريد أن يضيف عليها أضاف. وتاريخنا القريب والبعيد،  يشهد على حجم الأصباغ التي رشت في وجهه، فقبل حديث المواطنة، كانت العبودية، والرق، والتفكير القطيعي، والرعوي هو السائد والذي يحمل صفات مختلفة، مرة باسم ثقافة الجاهلية، ومرة ثانية بإسم الإسلام، وثالثة باسم الإيديولوجيات داخل الإسلام، ورابعة بإسم الإحتلالات السابقة على الاسلام والتي اتت بعد انهيار الخلافة الإسلامية على يد المغول، وتتابع الإحتلالات حتى اليوم الذي أخذ أنماط مختلفة ثقافية وعسكرية، فما تلون بشر بقدر تلون أبناء الشعب العراقي والعربي والإسلامي في كل عصر وقرن وحقبة ثقافة جديدة، بالأمس كانت سياسة التتريك وبعدها الاحتلال الإنكليزي وثقافته، وبعده ثقافة الأحزاب التي صنعت تحت مظلتهم، وصولا إلى الاحتلال الأمريكي وما جلبه معه من ما يسمى الإسلام السياسي وأحزابه. فحديث المواطنة وسط هذه الأجواء المريضة، تكون فعلاً مثار للجدل والنقاش المستفيض، والإشكاليات المترتبة والمنبثقة من حديث المواطنة، وما يتعلق بها من أفكار حول الانتماء والأقليات والتعددية، هي إشكاليات معقدة.

إن أخطر ما يهدد المواطنة والحديث فيها، هي هذه التناقضات الثقافية بين ثقافة الأدلجة الحزبية ذات الأفكار الوضعية أو العلمانية من قومية، وماركسية، وجودية، وناصرية، وبعثية، وغيرها كثير وبين الأيديولوجيات الإسلامية من أخوان، والقاعدة، وداعش، والوهابية، و الثورة الإيرانية، ومن تبعهم من أحزاب دينية شيعية، المشكلة إن صراعهما حول موضوع واحد وهو الإنسان المسمى مواطن في مواطنهم أو من يفكر إن يعبر الحدود تحت مفهوم المواطنة الكونية في معنى الأمة. فالمواطن ضمن حدود الوطن هي صناعة حديثة، الحركات الإسلامية تؤمن بمفهوم الأمة، والمواطنة الأممية، وهذا ما تحدثنا عنه ضمن إطار تمدد ثقافة الدعوشة، وإعلانها لدولة رسمها طموحها في ترسيخ حكم ما تسميه الإسلام الداعشي، وهو غير الإسلام المحمدي، الإسلام الداعشي اعلنها منذ البداية بأنه نموذج دموي عن الإسلام السياسي وإنه يرفض كل وجود للأقليات والتنوع العرقي والاثني والقومي والطائفي، وهذا وحده ينسف كل مقومات المواطنة، ويلغي الحديث عنها أمام فرض هذا الفكر لنفسه بالقوة، والدم والسبي والخراب، بقى مشروع الحديث مع هذا الفكر وغيره وما يؤسس له، موضع إشكال فلسفي يتسأل عن إمكانية تحطيم صنمية العقل المنتج لهذه الدوغمائيات وتجزئتها لتكون أكثرَ قبولاً للعقلانية أو لفتح باب الحوار معها.

والسؤال الآخر هو من يمثل العقلانية؟

هل هم من يدعون الاعتدال والوسطية؟ أو من يعادون هذا الفكر ليزيحوه وليأتوا بما يروه بديلا له؟ ضمن منطق صراع الأيديولوجيات. فالمواطنة لا يمكن لها أن تعيش في جو صراع هوياتي أو طائفي أو أثني أو قومي أو عشائري، وهذه كلها مقوضات دولة المواطنة.

 

الدكتور / رائد عبيس

 

797 Frantz Fanonرغم أن (فرانز فانون) (١٩٢٥-١٩٦١) عاش طفولة سعيدة نسبياً متمتعاً بالجنسية الفرنسية، إلا إنه كان على ما يبدو حساساً للرسائل العنصرية الضمنية، فبكونه أسود البشرة سوف يكتب في إحدى كتبه بأنه حين كان يشاهد أفلام طرزان وهو يافع، كان يجد نفسه متماهياً (أو متقمصاً) مع شخصية السيد الأبيض للغابة، وليس مع رجل الغابة الأصلي أسود البشرة (١).

كان مهتماً بالدراسات الفلسفية، والكتابات الوجودية لسارتر وكامو، ورغم أنه ليس بشيوعي إلا أنه كان قارئاً لكارل ماركس، ومهتماً للإنقاسم العنصري في ولايات أمريكا الجنوبية بين البيض والسود. وكان صديقاً للشاعر (إيميه سيزار ١٩١٣-٢٠٠٨)، الأسود البشرة والناشط السياسي مؤسس (حركة الزنوجة Négritude mouvement)، وتعزو (أليس شركي Alice Cherki) تلك المسحة الشعرية في كتابات فانون إلى تأثره بإسلوب صديقه إيميه سيزار (٢). 

ورغم أنه درس أعمال فرويد إلا إنه رفض فكرة أن السلوك الإنساني يتحدد بشكل رئيسي من خلال النمو النفسي-الجنسي الأولي، فقد كان يرى أن السود يعيشون تجربة إستبداد وإضطهاد داخل المحيط الكولونيالي وهو الشيء الأهم لتحديد السلوك، وكان يعطي أهمية للعوامل الإقتصادية والإجتماعية في تفسير نفسيات المرضى.

رغم كل ذلك فلم يضطره الأمر للإنعزال والحقد ولإزدراء البيض، ففي عام ١٩٤٨ صار لفانون إبنة من علاقة مع طالبة فرنسية بيضاء، ثم في عام ١٩٤٩صار لديه إبن من إمرأة بيضاء أخرى تزوجها بعد ذلك.

لم أجد في المصادر سبب عمل (فانون) كطبيب نفسي في الجزائر تحديداً، فهل كان مجبراً على الذهاب هناك أم كان ذلك من إختياره؟ مهما يكن من أمر فإن الجزائر كانت مناسبة فعلاً له، فهناك سيجد النقاش على أشده حول الهوية والعنصرية والإقصاء، فكل ذلك كان في اللب من الوضع الجزائري حينها. لقد رمى فانون نفسه في قلب المأزق ذاك. ألم تسيل دماء شهداء الثورة الجزائرية المجيدة من أجل هذه المواضيع تحديداً؟ وسال على نحو مواز لها مداد كتاب الجزائر أمثال مولود فرعون وكاتب ياسين؟

عمل فانون في الطب النفسي في الجزائر لمدة ثلاثة سنين (١٩٥٣-١٩٥٦) قضاها أغلبها في مستشفى البليدة (جوانفيل)، ثم عمل سنة واحدة كطبيب نفسي في تونس عام ١٩٥٧. كان الطب النفسي الإستعماري تقوده (مدرسة الجزائر للطب النفسي) تلك التي خصص لها الجزء الأول من هذه المقالة. وبكون (فانون) أحد الأوائل الذين أحسوا أن المرض النفسي والتمييز العنصري يشتركان بخصلة هي الإقصاء من المجتمع، فقد مسته شخصياً ربما تلك (العنصرية البيولوجية) في مقولات (پورو). كتب فانون مقالة ليدحض نظرية پورو وعنون مقالته (متلازمة شمال أفريقيا) اتهم فيها الطب النفسي الكولونيالي صراحة بـ(العنصرية) (٣).

إحدى ملاحظات فانون أن عمليات (اللوبوتومي lobotomy) كانت تجري أكثر على المسلمين من على مرضى المستعمِرين، والمعروف أن نتيجة هذه العمليات تجعل المريض مطيعاً خنوعاً، فهل كان يراد للطب النفسي أن يستخدم كوسيلة لتحضير الشعب المستعمَر الذي أفترض المستعمِر أنه أقل نمواً عقلياً؟ (٤)

كان يسافر بشكل واسع في الجزائر وادرك لقيمة التفسيرات التراثية لأسباب المرض النفسي، بما فيها الروحانية

وكان مع بعض زملاءه الذين شاركوه بعض أفكاره مثل الدكتورين (شارلز جيرونومي Charles Geronomi)، و(جاك أزولاي Jacques Azoulay) قد قام بتأهيل مسجد جامع في المستشفى وأزال العبارات المسيحية والرموز المسيحية التي كانت تزين الجدران فقد عرفوا أن هذه الرموز والعبارات تضيف إلى شعور المريض الأصلي بالتهميش (٥،٦).

في عمله اليومي كان يشجع المرضى على أن يختاروا علاجهم، وبدأ في عمل جريدة تصدر عن الردهة النفسية التي كان يعمل فيها، وأنشأ فريق كرة قدم، وأجرى دراما نفسية، وجلسات تحليل نفسي (٢،٦). 

وحين شارك فانون في مؤتمر للطب النفسي في بوردو-فرنسا عام ١٩٥٦، لم يكن بحثه المشترك مع (جيرونيمي) سوى عن أثر الفروق الثقافية على الفحص السريري. فقد قدما الطبيبان هذان ورقة بعنوان (فحص تفهم الموضوع TAT لدى النساء المسلمات. الآثار الإجتماعية على الإدراك والتخيل)، وفي هذا البحث أخبرنا الطبيبان أن ذلك الفرق المتمثل في أن المرأة الأوربية تسترسل بالكلام وبالخيال أمام الصور التي يحتويها ذلك الفحص عكس المرأة الجزائرية التي تختصر كلامها على وصف الصورة، سببه أولاً أن الصور أوربية، فالمناظر الطبيعية والشخصيات في الصور أوربية وهو الشيء الذي ربما لا يحيل إلى ذكريات معينة وخيالات لدى المرأة الجزائرية. وبالتالي فإن المرأة الجزائرية تجد أنها أما صور أوربية ملغزة عليها فك شفرتها في فحص تراه تلك المرأة الجزائرية هو أقرب لفحص الذكاء من فحص الشخصية، فتحاول أن تجد الجواب الصحيح بدل الوقوع في الخطأ، وهي تتحكم في خيالها هنا بل تمنعه. فيأتي جوابها المختصراً ليس دليلاً على سطحيتها، كما فسرها البعض، بل لأسباب ثقافية. كأن لسان حال الطبيبان يقول فماذا لو كانت الصور مأخوذة من طبيعة الجزائر، ولو كانت الصور تقدم شخصيات بلباس وهيئات جزائرية؟ (٧)

 يا له من إنتباه إنساني لفانون هذا وزميله في ورقتهم البحثية تلك. 

كانت ثلاث سنين كافية لفانون لينقد فيها الطب النفسي بطريقة ممارسته من هؤلاء الأطباء أمثال (أنطوان پورو) الذي لم يكونوا يقدروا أثر ثقافة المريض على سير عملية التشخيص والعلاج. ثلاث سنين ختمها فانون بأنه إستقال من الخدمة تاركاً رسالة توضح أسباب استقالته نقرأ منها:

« إذا كان الطب النفسي عبارة عن تقنية طبية تهدف للسماح للإنسان على أن يكف أن يكون مغترباً عن محيطه، فإني أؤكد من جانبي بأن العربي، الذي دوماً يجري تغريبه عن وطنه بالذات، يعيش في حالة مطلقة من تبدد الشخصية depersonalisation » (٥).

لم تكن هذه المقالة لهدف تاريخي بحث، فالوقوع في خطأ (أنطوان پورو) ليس مستبعداً من قبل أطباء ولدوا وعاشوا في بلدانهم، لكنهم يجدون أن الرفعة تتمثل في إحتقار الشعبي واعتباره سطحي وغبي. فكانت المقالة بجزئيها دعوة للإعجاب بـ(فانون) وللإنتباه للخصوصيات الثقافية للمريض وإحترامها، والإقرار بأن لكل إنسان ذكاءه وعمقه الفريد، وثقافته الجديرة بالإحترام.

 

سامي عادل البدري

...................

المصادر:

  1. Fanon F (1952) Peau Noire, Masques Blancs
  2. Cherki A (2006) Frantz Fanon: A Portrait. Cornel University Press.
  3. Fanon F (1952) Le Syndrôme NordAfricain [Reprinted 1969 in Toward the African Revolution, trans C Farrington. Grove Press].
  4. Keller RC (2007a) Colonial Madness: Psychiatry in French North Africa. University of Chicago Press.
  5. Macey D (2000) Frantz Fanon: A Biography. Picador.
  6. Gibson N (2003) Fanon: The Postcolonial Imagination. Polity Press in association with Blackwell Publishing.
  7. Le tat chez la femme musulmane. Sociologie de la perception et de l’imagination. En coll. avec C. Geronimi, Congrès des médecins aliénistes…, LIVe Session, Bordeaux, 30 août, 6 septembre 1956.

قاسم حسين صالحتنويه: ينفرد العراق عن بلدان المنطقة بأحداث تاريخية اسهمت في تشكيل الشخصية العراقية وشحنها بنقيضين .. المحبة والكراهية، نوجزها بالآتي:

1- انه البلد الذي تؤخذ فيه السلطة بالقوة المصحوبة بالبطش بمن كانت بيده.

2- وأنه البلد الذي سفكت على أرضه أغزر دماء المحاربين من العراقيين والعرب والأجانب، لاسيما: المغول والأتراك والفرس والانجليز.. .وأخيرا، الامريكان.

3- وأنه البلد الذي نشأت فيه حضارات متنوعة ومتعاقبة، انهارت أو أسقطت بفعل صراع داخلي أو غزو أجنبي.

4- وأنه البلد الذي تنوعت فيه الأعراق والأديان والمذاهب، في مساحة مسكونة صغيرة نسبيا.

5- وانه البلد الذي سن القوانين واخترع اول آلة موسيقى واول اغنية حب والأكثر انتاجا في دواوين الشعر بالمنطقة.

6- وأنه البلد الذي كان مركز الشرق الاسلامي حتى الهند والسند، وحيث عاصمته كانت مدينة الخلافة الاسلامية.

7- وانه بلد مفارقات اللامعقول الذي انجب قبل ألف عام مفكرين وعلماء على مستوى العالم، وانجب في الألفية الثالثة سفهاء يقتلون الآخر لمجرد ان اسمه( علي او عمر او رزكار).

 ومفارقة !: نــحن – العراقيون - منتــجون:

- لطغاة، نرفعهم بثقافة الأهازيج للسماء حين يكونون بالسلطة ونمسح بهم الأرض حين يسقطون،

- ولثقافة من يفلقون رؤوسهم بالحراب من أجل التاريخ والموت فداء لمن ماتوا،

- ولثقافة فرهود.. حيثما حلّت بالوطن محنة،

- ومدّاحين للسلطة والسلطان.

 ونــحن منتــجون:

- لثقافة مبدأ يشوى جسد صاحبها بالنار وما يتنازل.

- ولمناضلين أحتموا بالجبال وما أحنوا رقابهم لطاغية.

- ولمثقفين مبدعين من طراز رفيع، وأكاديميين أسسوا جامعات في بلدان عربية.

 

*

 ان الحديث عن (الشخصية العراقية وخطاب الكراهية) يتحدد بما افسدته أحزاب الاسلام السياسي في هذه الشخصية. وللتوضيح فاننا نقصد باحزاب الاسلام السياسي هنا، تلك التي استلمت السلطة او شاركت فيها بعد التغيير (2003)، ونعني بـ(الشخصية) سلوك الفرد او تصرفاته، وحالته الوجدانية او انفعالاته، ونوعية ما يحمله من قيم أوافكار، وطرائق تعامله مع المواقف الحياتية والأجتماعية.ونقصد بـ(ما افسدته).. التغيرات السلبية التي احدثتها احزاب الاسلام السياسي في الفرد العراقي من حيث سلوكه وحالته الوجدانية وما كان يحمله من قيم وافكار.

 وبدءا نشير الى ان النظريات التقليدية في علم نفس الشخصية التي تؤكد على ثبات سلوك الفرد واتساقه عبر الزمن وعبر المواقف، لا تنطبق على الشخصية العراقية، وان هذه النظريات التي ما تزال معتمدة بالمناهج الجامعية تجاهلت تأثير (السلطة) في الشخصية، وأن متابعتنا لتحولات الشخصية العراقية عبر ثلاثة عقود ونصف من الزمن يقدم اضافة معرفية نصوغها بما يشبه النظرية، هي:

(ان الشخصية تتغير عبر الزمن وعبر المواقف

وان النظام السياسي له الدور الرئيس في هذا التغيير).

 وقدر تعلق الموضوع بخطاب الكراهية فان اخطر ما افسدته السلطة (بعد 2003) في الشخصية العراقية هو التعصب للهوية والمذهب.

 وعلميا، يعني التعصب بمفاهيم علم النفس الاجتماعي والسياسي هو (الاتجاه السلبي غير المبرر نحو فرد قائم على اساس انتمائه الى جماعة لها دين او طائفة او عرق مختلف، او النظرة المتدنية لجماعة او خفض لقيمتها او قدراتها او سلوكها او صفاتها، او اصدار حكم غير موضوعي قائم على تعميمات غير دقيقة بشأن جماعة معينة).

ان اخطر انواع التعصب الذي شهده العراق وتجسدت فيه الكراهية بابشع حالاتها هو التعصب السلطوي الذي يأخذ شكل الحروب التي تصل أحيانا إلى حدَّ الإبادة البشرية، كالتعصب العرقي ضد الكرد، الذي مورس من قبل السلطات العربية التي توالت الحكم على العراق وابشعها الأنفال، والتعصب الطائفي بإبادة آلاف الشيعة التي كشفتها المقابرالجماعية.

 والمتعصب، في تحليلنا السيكولوجي، شخص مصاب بالحول الادراكي، ونعني به انه يعزو الصفات الإيجابية إلى شخصه وجماعته التي هو منها بخطاب المودّة والأنتماء، ويعزو الصفات السلبية إلى الجماعة الأخرى التي يختلف عنها في القومية أو الطائفة أو الدين بخطاب الكراهية والأقصاء. والمؤذي فيه انه في حالة حصول خلاف أو نـزاع بين الجماعتين فإنه يحّمل الجماعة الأخرى مسؤولية ما حدث من أذى أو أضرار، ويبرئ جماعته منها، حتى لو كانت شريكاً بنصيب اكبر في أسباب ما حدث.ومع ان هذا التعصب كان موجودا في مجتمعنا قبل التغيير لكن اعراضه ما كانت حادة.. الى عام 2005 حيث انفجر بعنوان جديد هو صراع الهويات.

 والمسألة المهمة سيكولوجيا هنا هي ان للهوية الدور الاكبر في تحديد اهداف الفرد وتوجيه سلوكه ونوع العلاقة التي تربطه بجماعة اجتماعية معينة او جماعات لاسيما في اوقات المحن والازمات.. وهذا ما حصل بين عامي 2006 و2008 في العراق في احتراب راح ضحيته عشرات الالاف من العراقيين وصل الى مائة قتيل في اليوم (في تموز 2007).. اطلق عليه (الأحتراب الطائفي) فيما الأصح تسميته (أحتراب عقائدي) سخيف لا يساوي قطرة دم واحدة.

 ولتقصي الأمر سيكولوجيا، فان اللاشعور الجمعي لجماهير الشيعة والسنة كان معبئأ اصلا بالكراهية الناجمة عن التعصب المذهبي، ولهذا فان احزاب الاسلام السياسي الطائفي الشيعي عزفت على وتر الضحية، فيما عزف نظراؤهم السنة على وتر المظلومية ليفوزوا في الانتخابات.. وكان لهم ذلك، فالذي حسم الموقف في انتخابات 2014 هو الهويات الفرعية، على حساب الهوية الوطنية.وبلغة الارقام فان ما يقرب من (11)مليون عراقي منحوا اصواتهم لهوياتهم الفرعية وان ما يقرب من مليون منحوها لهويتهم الوطنية، اي ان(85-90%) من العراقيين غلّبوا انتماءاتهم الطائفية، القومية، الدينية، العشائرية التي اشاعها خطاب الكراهية لأحزاب الاسلام السياسي على الشعور بالانتماء للوطن.. وانعكس ذلك سلبيا على الشخصية العراقية في مكوناتها الثلاثة:السلوك والوجدان والافكار، تمثلت في تراجع قيمة الحياة واستسهال قتل الآخر. ويعدّ الخطاب الديني المتطرف أخطر خطابات الكراهية والتحريض على العنف والعنف المضاد، الذي يستحضر (بخباثة) احداثا مضى عليها الف سنة ليثير دافع الثأر الجاهلي الكامن في اللاوعي الجمعي لدى الناس يحّول فيه العنف من قيمة منبوذة في الدين الى أمر (الهي) واجب التنفيذ. بل أنني أعتبر (الكراهية الدينية )هي اقبح الشرور وابشعها في القسوة والدافع الأقوى للأنتقام من الآخر، وآخر شاهد لها جريمة نيوزلندا في 15آذار 2019التي ارتكبها برينتون تيرانت (28) سنة، بقتله 49 انسانا دفعة واحدة يصلّون في مسجد وقام ببث مذبحته على الهواء مباشرة عبر الفيسبوك.

 وكان من بين أفدح خسائرنا الناجمة عن خطاب الكراهية هو تهرؤ الضمير الأخلاقي بوصفه (الرادع) الذي يردعنا حين نهمّ القيام بفعل غير اخلاقي . وما لا يدركه كثيرون ان الضمير هو القوة الفاعلة والمؤثرة في السلوك والمواقف والانفعالات، وانه عندما يخفت او يغيب صوته يسود في المجتمع قانون قوة الشارع، وينقسم الناس الى جماعتين:اقلية قوية تمتلك السلطة والثروة ووسائل الاستبداد تمارسها بضمير قاس متحجر ميت، واكثرية فقراء وضعفاء ومغلوب على امرهم تضطرهم الى الاذعان وممارسة السرقة والغش والحيلة.. بضمير يبرر ممارسة كل رذيلة تؤمن لصاحبه العيش. ومن المفارقات التي لا تخطر على بال كثيرين ان تهرؤ الضمير أدى عند العراقيين الى عدم الالتزام بالقيم الدينية، والأيمان بغيبيات وأوهام ومعتقدات ماضوية كثير منها تبدو لآخرين.. سخيفة!.

ولمعالجة خفض الكراهية فان الأمريتطلب وضع استراتيجية علمية تتبناها مؤسسات رسمية ومدنية، وعليه فاننا نوصي بما يمهد للبدء بهذا المشروع بالآتي:

1- الزام كافة خطباء الجوامع والحسينيات والكنائس بالتوكيد على اشاعة قيم التسامح واستحضار ما هو انساني من تاريخ العراق من قبيل اعتماد مقولة:الناس صنفان اما اخ لك في الدين او نظير لك في الخلق.

2- الزام وسائل الاعلام والقنوات الفضائية بشكل خاص بالابتعاد عن صيغ تفضيل جماعة او طائفة او قومية وتضخيم ما اصاب هذه الطائفة او تلك من ظلم او حيف بما يثير مشاعر الكراهية لدى المتلقي ضد طائفة او قومية او مكون اجتماعي .

3- دعوة الجامعات العراقية الى اجراء دراسات ميدانية تستهدف قياس مستوى الكراهية واسبابها والمخاوف منها، وفقا لمتغيرات الطائفة والقومية والدين والمنطقة الجغرافية لتحديد سبل معالجتها بما يؤمن ان يكون العراق عامل استقرار وسلم على الصعيدين الأقليمي والدولي.

4- عقد مؤتمر علمي في بغداد العام القادم تشارك فيه جامعات عراقية تمثل الجنوب والوسط والشمال يتابع ما تحقق من توصيات مؤتمر اربيل ويحدد متطلبات مراحل استراتريجية خفض الكراهية. 

5- دعوة منظمة حكماء العراق وجامعة صلاح الدين الى عقد مؤتمر وطني يضم ممثلين عن الحكومة الاتحادية وحكومة اقليم كوردستان والبرلمان العراقي والبرلمان الكوردستاني وشخصيات فاعلة تمثل مكونات المجتمع العراقي يستهدف توقيع ميثاق وطني يلزم كافة الأطراف الرسمية والمدنية بنبذ خطاب الكراهية واشاعة خطاب التسامح والمحبة بما يؤمن تحقيق حياة جميلة آمنة في وطن يمتلك كل مقومات الرفاهية لأهله.

 

 أ.د.قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

أمين عام تجمع عقول

............................

* مقدم الى مؤتمر (خطاب الكراهية واثره في التعايش المجتمعي والسلمين الاقليمي والدولي، اربيل 26 -28 آذار 2019)