مجدي ابراهيملم تخل النفس الإنسانية في حظها الوفير من اهتمام القرآن؛ فمباحثها فيه أوسع من أن تحيطها مقالة أو إشارة عارضة؛ فإنّ النفس التي سواها الحق، فألهمها فجورها وتقواها، لهى هى التي حظيت بمباحث لا نستوفيها في عبارات عارضة أو إشارات مقتضبة.

يعطي القرآن ومضات لامعة لجوانب من توجُّهات النفوس، وفي كل ومضة بارقة تستطيع أن ترشدك إلى خصائص تلك النفوس على اختلاف أقدراها؛ فالضالون لهم صفات وسمات، والمؤمنون لهم صفات وسمات، والعالمون لهم صفات وخصائص وسمات، والعاقلون والمتفكرون والسامعون والموقنون وأولو النهي وأولو الألباب وأولو الأبصار، كل أولئك وما دونهم، لهم في القرآن أقدراهم وتوجهاتهم وخصائصهم وسمات نفوسهم.

وأدنى إطلاع على الآيات القرآنيّة يُوحي بالحظ الوفير الذي والاه القرآن اهتماماً بالنفس الإنسانية، وارتقاءً بها إلى حيث معرفة الخالق ومحبته وموالاته. ناهيك عن ضروب التقسيم الذي حَفيّ به القرآن بين نفس أمارة ولوامة ومطمئنة وراضية ومرضية ممّا هو معروف متاح لقارئ الكتاب الكريم؛ فلا يعوّل معوّل على الإهمال وهو معد العدة للبحث في جوانب هذا الموضوع.

غير أننا نركز هنا على الخاصّة الذاتية للقرآن كونها تجعل من تحويل النفس من حال في الحياة إلى حال آخر ، خصوصية فريدة؛ لتمضي بها إلى سواء : استقامة عادلة لا تنازع فيها ولا خطوب ولا مصارع تواتيها أو تقف دون موالاتها للحق على التحقيق.

ولم تكن النفس الإنسانية في ملكوت القرآن بالأمر المهمل الذي يسقط معه الإنسان في مستنقع الغفلات؛ فبالقدرة والإرادة يمكنه أن يغلبها فتعليه، وبالخمول والتكاسل والسلبية يسقطها ويدنيها فترديه : هو مالك لنفسه إذا شاء، وتملكه إذا لم تكن لديه مشيئة. ولا ريب في أن غلبة النفس عسيرة، ولكنها إذا جُوهدت وتيسّرت فكل شيء أمامها مغلوب.

ولمَّا كانت نفوسنا الضعيفة نفوساً خربة تشاء الكسل وتأنف من بذل المجهود، تشاء المتعة وتمتنع عن الإقلاع، تشاء الرذيلة وتمتنع عن الفضيلة، تشاء الرغبة وتمتنع عن الإحجام، تشاء الأكل الكثير والراحة والنوم وتمتنع عن الجوع والمشقة والسَّهر، تشاء إتباع الهوى والشهوة والشيطان وتمتنع عن حظيرة الله والاستقامة والإيمان.

لما كانت نفوساً هذه أحوالها في الغالب وتلك أوصافها، فلن يكون خير لها ولن يتم، ما لم يَردُّها صاحبها بعزم الأمور عن بعض ما تشاء. والأصلُ في ذلك كله هو الصبر جهاداً والتحلي تَصَبُّراً بأطيب الفضائل وأكرم الأخلاق.

وتأتي رسالة القرآن لتقول :

ما لم تتحوّل النفس عن ركامها المتراكم الدفين، إلى حياة تتلقَّاها من أعلى، ما لم ترتحل من جسد يطويها وكثافة تشملها، فإنها لن نتحقق أملها المنشود في الخُلاص. فالتغيير الذي يتمُ في الواقع لابد أن يكون قد سبقه تغيير قد تمَّ فعلاً في النفس؛ لأن الواقع لن يغير نفسه بنفسه، فلا مناص من وجود أشخاص غيروا من أنفسهم أولاً، وارتحلوا عن طباعهم ثانياً، فاستجاب لهم الواقع ثالثاً، فحققوا ما كانوا يؤملونه من نشدان الخلاص رابعاً.

وتلك هى إحْدى ركائز الذاتية الخاصَّة للقرآن : قدرة التغيير في الواقع بعد التحويل في النفس.

والتعلُّم والاكتساب في البداية هما بالطبع من أهم الصفات المؤهلة لطالب القرآن. التعلم بداية معرفة بأولوَّيات تلك الخاصة الذاتية كما قلنا؛ لأنه اجتهاد وممارسة وسلوك في إطارها يلزم عنها بالضرورة، ويجيء الاكتساب شروعاً في التطبيق لذاته لا لغيره، أي شروعاً في تحويل النفس من مكانها الذي اعتادت أن تقف عنده ولا تتجاوزه؛ ليجيء"التحويل" دليلاً على وضوح السبيل من طريق فهم القرآن :

تحويل النفس من وجهة في الحياة إلى وجهة أخرى، يُرَادُ به تنزُّل القرآن من جديد، لا على الاستماع لحروفه ونغماته كما كان يسمع بالعادة قبل أن تتحوَّل النفس، بل لكأنه يُسْمَعُ لأول مرة بعد التحويل؛ إذْ في كل ترديد لكل حرف من حروفه مكسبٌ جديدٌ من إثمار الخاصَّة الذاتية في النفس بعد التحويل، فهذا الإثمار يتأتى من طريق التذوق المعرفي بخصائص القرآن التي يُضْفِيَها على النفس بعد أن كانت تَبَدَّلت خصائصها وتغيَّرت توجهاتها في الحياة من جانب إلى جانب مناقض له، ثم انفردت بأن تعقل ما طرأ عليها من تغيير من جهة، ومن اكتمال في مراحل تطورها الروحي من جهة أخرى.

ولا شرط لهذا الاكتمال غير شرط "التَّذَوِّق": التذوق الرفيع لمدلول الآيات تذوقاً مُوَفّقاً يجيءُ معه "التحويل" إلى الأرقى والأعلى صفةً خاصَّةً لكل تدبُّر تسقط معه الغفلة ويسقط السَّهَيَان، وترتفع فيه على الإطلاق ملكات التذوق ومواهب الحضور. وفي مثل هذا الارتفاع لملكات التذوق والحضور بين يدي الله تكون "الحلاوة " هبةً وعطيةً يُذيقها الله أهل التَّقَوَى؛ فإن كلامه ربيع قلوب الأبرار، يثقل فهمه على من تَعَطَّل قلبه.

وأسوقُ لك مثالاً على تلك الدرجة التي هى بلا ريب درجة المُقرَّبين الأبرار، والتي أخبر عنها الإمام "جعفر بن محمد الصادق"، رضى الله عنه، حين قال :" والله؛ لقد تجلى الله عز وجل لخلقه في كلامه، ولكنهم لا يبصرون".

وقال أيضاً وقد سألوه عن حالة لحقته في الصلاة حتى خَرَّ مغشياً عليه، فلمّا سُرِّيَ عنه (أي أفاق من غشيته)، قيل له في ذلك، فقال:" مازلتُ أردِّد الآية على قلبي حتى سمعتها من المتكلم بها، فلم يثبتْ جسمي لمعاينة قدرته ...".

من هنا ندرك أهمية التكرار لآيات القرآن كونه ذكراً، لكن هذا التكرار عمل باطني خفيّ، علاقة مع المعيّة، توجُّه، لا يكون باللسان وكفى بل بالقلب أيضاً. والتكرار القلبي يجيء بعد المجاهدة والتصفية والمراقبة والحضور بين يدي الله، فيلزم لحصوله اشتغال العبد بالأعمال القلبية.

والساعةُ التي يكون فيها "الحضور"، وتبدو فيها علامات "التحويل" لهى هى الساعة التي تأخذ من معدن النبوَّة مددها، فيقترب الذي يتذوَّقُ القرآن فهماً، بمثل ما وصفنا فيما تقدّم، على بصيرة وهدى من مشكاة النبوَّة؛ لكأنما كان فَضْلُ التنزيل الإلهي ممدوداً من عين الإتباع لسيد الخلق، صلوات الله وسلامه عليه؛ كما في قوله تعالى من سورة آل عمران:" قُلْ إن كنتم تحبّون الله فاتبعوني يحببكم الله"؛ فوحدة الشعور التي تتجلى سرَّاً من أسرار القرآن بالمعيّة الإلهيّة هى في الأصل وحدة شعور بالحقيقة المحمديِّة، فلا غرابة من بعدُ في شعور الشاعر بوحدة القصد في تجليات القرآن.

وقد قال رسول الله عليه السلام:" مَنْ قرأ ثلث القرآن أعطى ثلث النبوَّة، وَمَنْ قرأ ثلثيه أعطى ثلثي النبوة، وَمَنْ قرأ القرآن كُلَّهُ أعطى النبوة كُلُّها".

ربما كان المقصد من وراء هذا، إنْ جاز لنا أن ندرك مقاصد النبوة على الوجه الذي كانت فيه مقاصدها صاعدة إلى تحقيق فهم وإثارة وعي، هو أن قارئ القرآن يزدادُ قُرْبةً من شرف النبوة بفهمه لمعاني القرآن ومقاصدها، وليس الفهم ها هنا فهماً سكونِيَّاً مُغْلقاً للمعاني وللمقاصد مجرّدة عن لواحقها العمليّة، بل هو فهمُ مُتحرِّكُ حيُّ لواقعها في هذه الحياة : فهمُ حركيُّ مفتوح : أعني قدرة التغيير في الواقع بعد التحويل في النفس.

ولا يتمُّ رَدُّ النفس وتحويلها من حال في الحياة إلى حال إلا بعزم الأمور؛ أي بالصبر الموصوف من قبل طاووس العلماء أبي القاسم الجنيد : بتجرّع المرارة من غير تعبيس .

والصبر كله فضيلة كبيرة هو على الحقيقة "عزم الأمور". لم ترد "عزم الأمور" في القرآن الكريم إلّا في ثلاث مرات فقط، ولعَلَّ الدلالة فيها أنها عزيزة لنُدرتها وندرة من يأيتها، هى "الصبر" : نصف الدين حقيقة لا مجازاً.

الأولى : في آل عمران:" لتُبلَون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً، وإنْ تصبروا وتتقوا، فإن ذلك من عزم الأمور".

والثانية: في لقمان:" يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وأنْه عن المنكر واصبر على ما أصَابَك، إنَّ ذلك من عزم الأمور ".

والثالثة : في الشورى:" ولمن صَبَرَ وَغَفَرَ؛ إنَّ ذَلَكَ لمَن عَزَمِ الأمُوُرِ ".

انظر إلى هذه الآيات الكريمة وتدَبَّرها جيداً تجد الصبر في الآية الأولى، صبراً على البلاء في النفس والمال وسماع الأذى ممَّن لا يعرف رقابة الله عليه، فاحتساب ذلك كله من شئون الصبر وأمور التقوى، وتسليم الأمر كله ظاهره وخافيه لله، كل أولئك من العزائم التي لا يأتيها إلا أصحَّاء الضمائر وأصحَّاء القلوب.

وفي الآية الثانية؛ ترى الصبر مقترناً بإقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على المصائب ظاهرها وباطنها، إنمّا هو جهاد ذوي العزم ممّن تخلق بالأخلاق النبوية، فإن من يأتيها يأتي في الوقت نفسه عزم الأمور.

وفي الآية الثالثة؛ ترى الصبر مُفْرَدَاً باعتباره نصف الدين حقيقة كفيلاً وحده لمن تحقق به أن يكون ممَّن عَزَمُوا الأمور، حتى إذا أضيف إليه الغفران من أجل الله وكفى، دَلَّ ذلك من أول وهلة على أن الصبر والغفران وقلة الجزع أو عدمه من خُلق الأنبياء الذين يعرفون أن الأمور كلها بيد الله فيوكلون إليه حالهم ومآلهم ثم يَسَلِّمُون ويحتسبون.

"مصدر الأخلاق الجميلة؛ كما قال الأستاذ العقاد في كتابه (الفلسفة القرآنية) : هو "عزم الأمور" كما سَمَّاه القرآن وهو مصدر كل خُلق جميل حَثَّتْ عليه شريعة القرآن".

عزم الأمور نيةٌ في القلب خفيّة، وقدرةٌ في المنع قوية، وردٌّ للنفس عن بعض ما تشاء. وليس من شك أن مجاهدة الصابرين تورث غماً، ولكن مَا من غَمّ إلا وفي أطرافه بلاء، والبلاء ضربٌ من الحب؛ إذْ كان الحب ضرباً من تجلى المحبوب،

ولك أن تقرأ قوله تعالى : " لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعون من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً، وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور". وقوله تعالى:" يا أيها الذين آمنوا أصبروا وَصَابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون"؛ لتجد في الصبر والمصابرة وفي الرباط والتقوى أمراً يتواصى بتطبيقه المؤمنون؛ لأنه فوق كونه علامة على الهمّة القوية العالية وثبات العزم من جهة، تأكيدٌ على الإيمان من جهة ثانية، ففي الصبر حبس النفس على المكاره، وجهاد الهوى من أجل العبادة. وفي المصابرة قوة تزيد الصبر حتى ليغلب بها الصابرون أعداؤهم. وفي الرباط قيام على الحدود وتأهب للجهاد. والتقوى إيمانٌ بكل هذا؛ وأصلٌ لكل هذا.

والإيمان الحق عزم لا يعرف طريقه إلى خذلان صاحبه إذا كان صاحبه على فضائل الصبر والمصابرة وعلى عزائم الرباط والتقوى، فمتى اقترن الإيمان بثبات العزيمة مقدار اقترانه بتلك الفضائل فهو الفلاح بعينه. وإنك لتجد في قوله تعالى:" وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها"؛ توكيد الأمر بالصلاة وتوكيد الاصطبار عليها طاعة للأمر. والأمر بالصلاة والاصطبار عليها هما معدن الإيمان يتأصل في الوجدان الديني بالكيفية التي يتأصل فيها الشعور بالتبعة. ولا بقاء عندنا للوجدان الديني ولا قيمة لشعور الشاعر بضخامة التبعات ما لم يكن الأصل في هذا وذاك هو يقين الإيمان بل هو حق اليقين في الإيمان.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

منى زيتونمن البداهة أن أتلقى جوابًا بالإيجاب على السؤال المطروح المعنون للمقالة، بل وغالبًا سيتعجب من يقرأ العنوان أن مثل هذا الموضوع مطروح للنقاش من الأساس! فالمفترض أن تدفعنا الإنسانية أن نسعى قدر ما نستطيع في سبيل إنقاذ الملاحدة من النار، التي نعلم حتمًا كما أخبرنا ربنا –وبعيدًا عن سفسطة المتفذلكين- أنها ستكون مصيرهم؛ لأن عملهم في الدنيا قد حبط بكفرهم. ولكن لي رأي آخر أنوي عرضه في هذا المقال لأنه أرقني حتى توصلت إليه.

وكي أكون أكثر دقة، فالملحدون الذين أعنيهم في هذه المقالة تحديدًا هم الدهريون الرافضون لفكرة وجود خالق للكون. ‏﴿‏وَقَالُوا مَا هِيَ إلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إلاَّ الدَّهْرُ‏﴾‏‏ [الجاثية: 24].

يقول الله عزَ وجلَ في كتابه العزيز، في وصف حال هؤلاء الأقوام، الذين أصبحوا يُعرفون في عصرنا باسم الملحدين، مقررًا أنهم لا تُرجى هدايتهم:

‏ ﴿‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ‏﴿‏6‏﴾‏‏ خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ ‏﴿‏7‏﴾‏‏‏﴾‏‏ [البقرة: 6 ،7]

‏ ﴿‏وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا‏﴾‏‏ [الإسراء: 82]

‏ ﴿‏قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى‏﴾‏‏. [فصلت: 44].

فهل ظلمهم ربهم سبحانه وتعالى –وحاشاه-؟!

يقول أصحاب القلوب الرقيقة إن هؤلاء قد أوصلتهم عقولهم القاصرة إلى تلك المواصيل، وينبغي أن نساعدهم ونكرر ونُلح لإعادتهم إلى جادة الصواب، أما أنا فأرى أنه بما أن الله تعالى قد خلق الإنسان من عقل وقلب وروح وجسد، فلا بد من التعامل معه على أنه خليط من ‏كل هذا دون تجاهل لأي مكون.

والمسيحية ركزت على القلب في التعامل مع أتباعها وبث الإيمان فيهم، ولا نجد فيها دعوة واضحة ومتكررة لاستخدام العقل؛ لأن ‏العقل لن يقبل الثالوث ولأنهم ينزهون الفضلاء عن الرغبات الجسدية، وقد تسبب هذا للغرب في ‏الوصول إلى انتشار الإباحية الجنسية من جهة وانتشار الإلحاد من جهة أخرى!

بينما الإسلام، وبالرغم من أنه يؤكد على قيمة العقل كمكون هام من مكونات الإنسان، وقد حثنا ربنا على استخدامه وميزنا به، لكن ‏الإنسان ليس عقلاً فقط من وجهة النظر الإسلامية، ولو تعاملنا بالعقل فقط لفقدنا روح الإيمان، ثم إن العقل الإنساني يتفاوت ‏حظ البشر فيه، فكم من حمقى وضعاف العقول، وكم من مفكرين وعلماء وجهابذة اختلفوا في ‏مسائل وكل كان له دليله ووجهة نظره المعتبرة، فالعقل الإنساني ناقص، والتعويل عليه وحده لا ‏يكفي.

‏ ﴿‏ …. الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ‏﴾‏‏ [الأنفال:65]

‏ ﴿‏وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ‏﴾‏‏ [الملك: 10]

ومن ثم فإنه رغم أن الملاحدة –كما أراهم ويراهم غيري من المؤمنين وكما أخبر عنهم ربنا- لا يعقلون ولا يفقهون، فإن ضعف العقل وحده ليس معفيًا لهم من عاقبة الإلحاد، ولا ملزمًا لنا بنقاشهم.

هناك بسطاء لا يدركون الله بعقولهم، ولكنهم يدركونه بأرواحهم. لن يستطيعوا أن ‏يردوا على أي تساؤل فلسفي عن الله والخلق والكون، وقد لا يفهمون صفات الله عندما تشرحها لهم ‏من وجهة نظر الأشاعرة أو المعتزلة، ولكنهم يعرفون أن لهم ربًا يدبر لهم أمورهم‎.‎

إن الطريق إلى معرفة الله سهل وميسر، والإنسان مفطور على أن يعرف ربه، والله تعالى قد بث في الملاحدة من روحه كسائر البشر، والروح هي طريقنا الفطري لتذكر الميثاق الذي واثقنا به سبحانه.

‏ ﴿‏وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ‏﴾‏‏ [الأعراف: 172]

بينما تقرير أي شريعة هي الصحيحة ليتبعها الإنسان أصعب كثيرًا من التيقن من وجود الله.

ولعل أجمل ما في حرب الإيمان والإلحاد أنني أرى المؤمنين بالله وبالخلق من أبناء الديانات السماوية يتترسون في خندق واحد، وينقلون عن بعضهم البعض.

ولكن إدعاء التعويل على العقل فقط، ثم إدعاء تعارض الإيمان مع العقل صارا من صرعات عصرنا، كما صار التعالم والحديث المتبجح عن العلوم من قبل الجهلة يسد عقدة النقص التي انتشرت لدى كثيرين؛ فالعلم يحتاج إلى مجهود وقدرات عقلية لا يملكها كثيرون، والأسهل بالنسبة لهم أن يتفلسفوا ويدعوا ‏تصديق ما لا يفهمونه من العلم الزائف مما يُشيعه رءوس الملحدين لنشر فكرة تعارض العلم مع الإيمان بوجود خالق.‏

‏‏ ﴿‏فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ‏﴾‏‏ [غافر: ‏‏83]

كما لم يعد هؤلاء الملحدين في عصرنا يستخفون بإلحادهم كما كان حال سابقيهم، بل صار الإلحاد دينًا جديدًا يبشرون به.

‏﴿‏يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ‏﴾‏‏ [الصف: 8]

ولا يتوانون عن بذل الجهد في عملية التبشير تلك بكل السبل؛ بالكذب على العلم وكتابة المقالات الزائفة التي تبث سمومهم، إضافة إلى الهرتلة والكلام الفارغ من كل قيمة ومعنى عندما تُقام عليهم الحجة في النقاش، فهم يسعون لجمع أكبر عدد معهم في ضلالهم، فربما يهدئ ذلك شيئًا ما من اضطراب نفوسهم.

‏ ﴿‏وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ‏﴾‏‏ [فصلت: 26]

‏ ﴿‏مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا‏﴾‏‏ [غافر: 4]

‏ ﴿‏وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ‏﴾‏‏ [غافر: ٥]

‏ ﴿‏زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا‏﴾‏‏ [البقرة: 212]

من ثم، فربما أن من ينبغي أن نكترث لهم فقط هم الملحدون حقيقة بحكم النشأة. هؤلاء ممن لم يخطر ببالهم احتمال أن الله موجود ‏حتى يناقشوه؛ فيكون علينا كمؤمنين أن نعرض عليهم ما يثير استفسارات بأذهانهم تدفعهم إلى البحث عن الحقيقة، أما المتفلسفون المبشرون بالإلحاد فقناعتي أن هؤلاء بما أنه قد ضُرب على سمعهم وعلى أبصارهم فهم لا يفقهون، بعد أن أنكرت أرواحهم معرفة ربها، فإعارتهم الانتباه يمثل إعطاء قيمة لهم لا يستحقونها، لذا قررت أن أكون ممن وصفهم الله في كتابه الكريم ﴿‏وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ‏﴾‏‏ [القصص: 55].

فإن كانوا يريدون أن يذهبوا إلى الجحيم فهذا شأنهم؛ والله سبحانه قد قطع معذرتهم بإرسال الرسل. ‏﴿‏رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ‏﴾‏‏ [النساء: 165].

والرسالات قد خُتمت بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي قال الله عنه: ‏﴿‏وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ‏﴾‏‏ [الشورى: 52].

وهو أحرص الخلق على هدى العباد. ‏﴿‏لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ‏﴾‏‏ [التوبة: 128].

ومع ذلك خاطبه الله عز وجل في كتابه العزيز قائلًا: ‏﴿‏إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَن يُضِلُّ‏﴾‏‏ [النحل: 37].

والسموات مفتوحة، والمعلومات متاحة، وكل شخص بإمكانه الوصول للمعلومات التي يريدها إن أرادها حقًا، ومن يريد أن يصل للحقيقة لن يضل السبيل، فالله أجلّ من ألا يهدي من بحث عنه. أما من استحب العمى فلن تهديه رسالات الرسل، ولن يؤثر فيه إيضاحنا لأي شيء، حتى لو استعنا في محاولة إقناعه بالحقائق العلمية التي يدعي قيمتها بالنسبة له.

وأعتقد أن الأمر قد وصل في حرب الإيمان والإلحاد إلى منافسة في تدوين الردود على ما يسوقه الفريق الآخر، وإجابة المؤمنين على شبهات الملحدين، مع تيقن كل فريق أن كل ذلك الجهد لن يؤثر في رأي أحد من المعسكر الآخر، وأقصى ما يمكن توقعه هو أن يقلق أحد أعضاء الناديين الكبيرين مما طرحه المخالفون، موقنًا أنه سيجد إجابة لدى أعضاء ناديه إن عاجلًا أو آجلًا، ولكن دون أن يغير أحد موقعه.

 

د. منى زيتون

 

رحيم الساعديبقلم: أوليفر ليمان - جامعة أكسفورد

ترجمة د.رحيم الساعدي

***

مصطلح "الفلسفة الإسلامية" هو بحد ذاته مصطلح مثير للجدل، لأن هناك العديد من الطرق لضبطه، ومن الصعب القول إن الفلسفة الإسلامية لا يمكن أن ينفذها إلا المسلمون، فقد كان هناك الكثير من المسيحيين واليهود الذين التزموا بالتأكيد بالعديد من تقنيات ومبادئ الفلسفة الإسلامية دون أن يكونوا مسلمين.

هناك من يفضل التسمية "العربية" لأن هذه كانت بالتأكيد اللغة العلمية للعالم الإسلامي خلال الفترة الكلاسيكية، وكانت معظم الفلسفة الإسلامية مكتوبة فيها، لكن قد يكون من المضلل الإيحاء بأن معظم الفلاسفة كانوا عربًا، في حين ان الواقع، كان العكس تماما. 

نسبة عالية جدا من الفلاسفة الإسلاميين - على نطاق واسع -  كانوا ولا يزالون من العالم الثقافي الفارسي، ومن المحرج تسمية الفلسفة الإسلامية الفلسفة العربية، بالنظر إلى أن الكثير منها لا يتحدث باللغة العربية على الإطلاق.

 قد يبدو أن هذه المشكلات تتعلق باللغة فقط، ولكن غالبًا ما تُعتبر طبيعة المؤسسة ككل قضية إشكالية بمعنى أن الكثيرين يعتقدون أن الإسلام لا يحتاج إلى فلسفة، وأن الفلسفة لا تحتاج إلى الإسلام. ومع ذلك، هناك ثلاثة أنواع رئيسية من الفلسفة الإسلامية الكلاسيكية. هناك   فلسفة في التقاليد (المشائي) التي تصور نفسها كثيرا على الفكر اليوناني ومفهوم أوسع من العقلانية. ثم هناك فكرة إشراقية أو فكرية تميز نفسها عن المتصوفة وتستخدم مفهوم الضوء كأداة مفاهيمية رئيسية. أخيرًا، هناك تفكير صوفي أو وجود صوفي يفهم أن "الفلسفة" هي بمثابة استفسار ديني أساسي وتفسير للتجربة الدينية الشخصية.

وعلى الرغم من أن هذه التنوعات غالبًا ما تكون متميزة عن بعضها البعض، إلا أن العديد من الفلاسفة الإسلاميين كانوا يتابعونها بشكل مباشر، بحجة أنها كانت مناسبة لمستوى مختلف من العمل النظري.

على سبيل المثال، تعمل الفلسفة التي تسير وفق خطوات الفلسفة اليونانية من خلال التأكيد على أهمية العقل، ويمكن اعتبارها محدودة بالقياس الى التجربة الدينية، مع هذا فهي مهمة للفلسفة الصوفية.

و يمكن أن تؤخذ الصوفية لتمثيل شكل أكثر تقدماً من الفكر الفلسفي اذ شكل نموا في القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي، عندما بدأت ترجمة الأعمال اليونانية إلى العربية وأسفرت عن التزام بالمنطق والعقلانية كوسيلة لفهم القضايا النظرية، حتى مع تلك التي يعد مصدرها الدين وكان رد الفعل يأتي بأشكال الفكر الإشراقي، وقد انتقدت تلك الأخيرة المفهوم اليوناني للعقلانية، وبالتحديد التعريف، بحجة أن ذلك بحد ذاته فكرة غير مفهومة على نحو ما ، وهو تأويل سيء (للغاية) لفكرة علمية عامة  ويستبدل المفكرون الضوء وهو لغة الموضوع (او الهدف) بلغة من النور والظلام، حيث تضفي حقيقة العالم على نفسه شمولا و حيوية ودرجات من الومضات النسبية وكان مؤسس مدرسة الفكر هذه هو السهروردي ، وقد تابعه بشكل كبير العالم الثقافي الفارسي والى يومنا هذا.

أخيرًا إن الصوفية هي محاولة لرؤية الفلسفة كمؤسسة روحية وقد نجحت حتى يومنا هذا ، في حين انتهى تقليد الفلسفة إلى حد كبير في العالم الثقافي العربي بموت ابن رشد عام 595/1198 م ، على الرغم من أن النهضة الإسلامية الحديثة ، النهضة ، غالبًا ما تعتبر ابن رشد حليفها الفكري.

 

.......................

ملاحظة : الآراء الواردة تمثل وجهة نظر المفكر المُترجم له

 

علجية عيشيرى محمد إقبال أن الإنسان مطالب في هذا الوجود بأن يتعامل مع العالم، ويتكيف معه، ولا يقدر على ذلك إلا إذا غيّر ما بنفسه أولا، والإسلام في نظر محمد إقبال ليس رهبنة بل "دستورا" كليٌّا يحدد للإنسان ما له وما عليه، ويرى أنه في الوقت الذي لا يلقى الضعيف رحمة من أحد في العالم الدولي، والقويُّ وحده هو الذي ينال الإحترام، على شعوب الإسلام أن تتحرر وتستقل لتقيم دولة، ويعيب محمد إقبال  على جمهور المسلمين المتمسكين بالقديم بأنهم لم يدرسوا الفقه دراسة نقدية لأن مثل هذه الدراسة تمس الناس جميعا

لم يخلق المسلم ليكون تابعا لغيره ويندفع مع التيار ويساير الركب البشري في مساره واتجاهه، فهو خُلِقَ ليوجه العالم والمجتمع والمدنية وليفرض إرادته واختياراته عليها، لا يخضع،  بل يقوم بالثورة فيصارع  ويعارك، في حديث روحي ( مناجاة) مع الله يقول رجل الإصلاح محمد إقبال: سألني ربّي: هل ناسبك هذا العصر وانسجم مع عقيدتك ورسالتك؟ قلت: لا يا ربي، قال: فحطمه ولا تبال "، ولذا يؤكد محمد إقبال أن المسلم هو منبع التغيير والتجديد والإصلاح في التاريخ، وهو مصدر سعادة البشرية وراحتها في العالم، والمسلم والمؤمن يختلف كل واحد منهما عن الآخر، فالمؤمن يختلف عن المسلم في أنه إذا نادى الآفاق بآذانه أشرق العالم واستيقظ الكون، ويهتز له العالم المظلم فيحوله إلى نور، لأنه صاحب رسالة كبرى وأمانة عظمى هي "الخلافة" التي خصّه بها الله تعالى.

  يقول محمد إقبال: " المسلم الرّباني ليس شرقيًّا ولا غربيًّا ليس وطنيًّا دلهيا ولا أصفهانيا ولا سمرقنديا، إنما وطني العالم كله، والمسلم المؤمن عند محمد إقبال يحمل صفات الله ومتخلق بأخلاق الله، وفي ذلك يقول: "إن المؤمن هو الميزان العادل والقسطاس المستقيم، به يعرف الحسن من القبيح، وبه يعلم رضى الله وسخطه، يشتد غضبه للحق، وتشتد ثورته على الباطل،  ويشبه محمد إقبال المسلم بالشمس التي لا تغيب، فهي إن غابت في جهة طلعت في مكان آخر، والإنسان الكامل عند محمد إقبال كائن اجتماعي مرتبط بالجماعة ولا يمكنه أن يكون خارجا، ويقول: "الموجة هي موجة داخل النهر وخارجه لا تكون شيئا"، La vague est vague a l’interieur de la riviere en dehors elle n’est rien،  ولذا يرى محمد إقبال أن شخصية الإنسان الحقيقية ليست أشياء، بل سلسلة من الأفعال، وفي ذلك يقول: " وحقيقتي بتمامها في منزع تدبيري"، ثم يخاطب الأخر ( أنتَ) فيقول له ( لكَ)  فأنت لا تستطيع أن تدركني بوصفي  شيئا في مكان أو في مجموعة في تجارب في نظام زماني، بل يجب أن تفسرني، وأن تفهمني وأن تقدرني في أحكامي وفي منازعي الإرادية وفي أهدافي وآمالي".

ففكر محمد إقبال هو فكر المسلم الرافض أن يكون  المسلم المعاصر صورة الأوروبي المعاصر ورفض الإقتباس الأعمى من قبل المسلمين لفكر وعلم وثقافة الغرب الأوروبي الغازي، والتغير في العالم عنده لا يحصل بعيدا عن الإنسان، فهو الذي يحركه (اي الإنسان) للتلاؤم بين ذاته وبين مقتضيات ومستلزمات هذا التغيّر ويحرك في الإنسان دائما قوة الدفع للتغلب على ما يواجهه من ظروف ومعطيات جديدة، وفي هذا فالإنسان مطالب في هذا الوجود بأن يتعامل مع العالم، ويتكيف معه، ولا يقدر على ذلك إلا إذا غيّر ما بنفسه أولا، يقدم محمد إقبال تركيا كنموذج، باعتبارها الأمة الإسلامية الوحيدة التي  نفضت عن نفسها أسباب العقائد الجامدة واستيقظت من الرقاد الفكري، وهي وحدها التي نادت بحقها في الحركة العقلية، وهي وحدها التي انتقلت من العالم الثالث إلى العالم الواقعي، تلك النقلة التي تستتبع  كفاحا مريرا في ميدان العقل والأخلاق، أمّا باقي الشعوب الإسلامية فهي تعيش على التكرار (الإجترار) والآلية، فالتركي،  الحياة عنده تتحرك وتتغير وتنمو وتلد رغبات جديدة، وهو يدعو إلى حرية الفكر في الإسلام، يحذر  محمد إقبال في نفس الوقت من أن تكون هذه الحرية سبيلا إلى الإنحلال خاصة من فكرة القومية الجنسية السائدة في العصر الحديث، في سؤال طرحه إن كانت شريعة الإسلام قابلة للتطور أم لا؟، يستشهد محمد إقبال برأي المستشرق هورتن  الذي يرى في ظهور الفرق الدينية دليلا على مرونة التفكير الإسلامي، ويؤكد هذا المستشرق أن روح الإسلام رحبة فسيحة بحيث أنها تكاد لا تعرف الحدود، ولذا يعيب محمد إقبال  على جمهور المسلمين المتمسكين بالقديم بأنهم لم يدرسوا الفقه دراسة نقدية لأن مثل هذه الدراسة تمس الناس جميعا.

فماذا عن حرية النقد؟ والجواب أن محمد إقبال يدعو إلى ممارسة النقد، وأن يتحلى المسلم بروح نقدية لبلوغ أسمى مراتب التجديد والتطور، وبدون نقد لا يمكن أن نبلغ هذه المراتب، فكلما فتحت مسالك  جديدة للفكر، كلما أمكن الوصول إلى آراء أخرى، ويبين محمد إقبال قيمة النقد في تطوير المعرفة وبناء الحضارة وتحريك التاريخ، ولدا اهتم محمد إقبال بمشروع الإصلاح، وأراد بالإصلاح الفكر لا الدين من احل الإنتقال بحياة المسلم من حياة الركود والإنحطاط إلى جو الحركة والتقدم والإزدهار، للإشارة أن محمد إقبال كما وصفه الدكتور جيلالي بوبكر في كتابه "الإصلاح ونظرية الحضارة في فلسفة محمد إقبال" يعدُّ واحد من قادة الفكر والتجديد في العالم الإسلامي الحديث، رسم لفلسفته الإصلاحية هدفا هو إخراج الفكر الإسلامي من عالم التخلف والإنحطاط والسير به نحو النّماء والإزدهار في معترك حضاري وصراع ثقافي بين عالم متخلف فكريا وحضاريا والعالم الإسلامي جزء منه، وعالم متقدم علميا وتكنولوجيا بيده حضارة متطورة هي الحضارة الغربية التي بسطت يدها وسلطانها على العالم أجمع بفكرها وثقافتها المعارضة في العديد من الأمور، لم يكن مفكرا مصلحا فقط بل كان  ناقدا وجنديا في معركة النهضة.

و محمد إقبال من مواليد  البنجاب، عاش في مرحلة مليئة بالمتغيرات اثرت في حياته الفكرية، تلقى تعليمه عند المستشرق الإنجليزي سير طوماس أرنولد sir tomas arnold الذي مكنه من الوصول إلى الثقافة الشرقية والفكر الغربي على حد سواء، وهو الذي بعث به إلى أوروبا ليواصل دراسته، تنقل محمد إقبال بين إنجلترا وألمانيا إلى أن حصل على شهادة الدكتوراه حخول تطور الفلسفة الميتافيزية في بلاد الفرس قبل ان يعود إلى بلادهع ويستقر في لاهور، اصدر كتبا كثيرة بمختلف اللغات، الفارسين الإنجليزية والأوردية، توفي في 21 أفريل 1938 تاركا وراءه ذخيرة فكرية وثقافية، وهو يحتضر ترك مقالة شهيرة : "لماذا أخشى أن يصغرني الموت، إذا كنت أُمِيتُ ( بضم الألف وكسر الميم)  حيوانيتي من اجل أن أصيرا إنسانا"، وقد لفظ أنفاسه الأخيرة وعلى شفتيه ابتسامة مرتسمة.

 

قراءة علجية عيش

 

في العراق تشكل نسبة الفقر فيه اكثر من 30 % حسب احصاءات وزارة التخطيط، اي ما يعادل ثلث سكان العراق البالغ عددهم اكثر من 37 مليونا، ولايختلف الواقع الديموغرافي في العراق عن اية دولة اخرى في العالم من ناحية تمركز الفقر فيها وتمدّده بنسب معينة قد تكون في بعض المدن عالية جدا او تحت المستوى المسموح به عالميا، وبعض مستويات الفقر فيها تكون تحت خط الفقر والبعض فوقه، ولكن عراقيا الاختلاف يكون بدرجة جذرية عن كل تلك الدول إن تواترت نسب الفقر فيه وبشكل تقترب من خط الفقر او تحته في ظل دولة يختلف اقتصادها بشكل جذري عن تلك الدول التي تحتفظ بنسب معينة للفقر كما هي في المشهد السيوسولوجي العراقي الى الحد الذي يكون الفقر وخطّه احدى متلازمات هذا المشهد والتي ازدادت خاصة بعد التغيير النيساني، وسبب الاختلاف هو طبيعة المشهد الاقتصادي / السيوسولوجي العراقي نفسه عن غيره هو انه اقتصاد غير فقير، فالاقتصاد الفقير يصدق على تلك الدول ذات متلازمات الفقر ويعيش الكثير من مواطنيها تحت خط الفقر، ولكن العراق يختلف اذ لايوجد تطابق مابين الواقعين الاقتصادي والسيوسولوجي وهذه شيزوفرينيا لاتكاد توجد في مشهد سيوسولوجي / اقتصادي اخر غير العراق، فالعراق يشبه تلك الدول ديموغرافيا ويناقضها اقتصاديا فهذه النسب تزداد يوما بعد يوم دون معالجات حقيقية اذ تقترب الكثير من شرائح المجتمع العراقي من خط الفقر بينما الاقتصاد العراقي الريعي يزداد غنى والمجتمع العراقي يزداد فقرا .

ولتعدّد اسباب الفقر في العراق يجب ان تتعدّد طرائق معالجته او التخفيف منه فقد ادرك رئيس الوزراء عبد المهدي وهو رجل اقتصاد ان من اهم اسباب الفقر شحة السكن واضطرار الاف العوائل الى السكن إما في العشوائيات التي انتشرت على اديم الوطن او الرزوح تحت رحمة بدلات الايجار الباهظة التي تثقل كاهل المواطن البسيط وتضيف المزيد من المعاناة على حياته اليومية ناهيك عن شظف العيش وتردي الخدمات،ولان العراق يحتاج الى اكثر من ثلاثة ملايين وحدة سكنية وهو رقم مهول قياسا الى البلدان الاخرى ويكشف عن احد مستويات الفقر في العراق ومن اهمها وهو احد اسباب التصدعات التي تحصل في اغلب العوائل التي تحصل فيها خلافات تؤدي الى تشتتها بانفصال الازواج عن بعضهم لهذا السبب، لذا ارتأت الدولة توزيع قطع اراض على الفقراء وذوي الدخل المحدود لتكون الخطوة الاولى في سلّم معالجة ظاهرة الفقر ومن المؤكد انها لن تكون كافية لذلك او الاخيرة، فما زال امام الحكومة شوط طويل في هذا المضمار لان صيغة معالجة الفقر التي ترد كثيرا في البرامج الحكومية تحتاج الى اجراءات اقتصادية واسعة وطويلة الامد تبدأ من معالجة التضخم النقدي في العملة الوطنية والذي يبتلع اغلبية رواتب ومدخرات الاسر وممن يكونون اكثر تعرضا لمخاطر مناسيب التضخم التي تقربّهم من خط الفقر الذي تعرّفه الموسوعة الحرة بانه (هو حالة العوز المادي، حيث يعيش الانسان دون حد الكفاف المتمثل بسوء التغذية والمجاعة حتى الموت، وما ينتج عن ذلك من انخفاض المستوى الصحي والتعليمي والحرمان من امتلاك السلع المعمرة والاصول المادية الاخرى، وفقدان الضمان لمواجهة الحالات الطارئة كالمرض والاعاقة والبطالة والكوارث والازمات وغيرها) اما خط الفقر فهو : المستوى الادنى من حاجة العائلة، الى المأكل والملبس والرعاية الصحية والتعليمية والسكن، اما من يعيش تحت خط الفقر فهو في حالة فقر مدقع شديد ويكون في واقع معاشي مزرٍ، ولايمكن تبرئة الفساد السياسي والمالي والاداري من هذه التهمة فهو  سبب اضافي في تفشي الفقر في المجتمع العراقي لان الفساد كان وما يزال سببا في تبخر الكثير من الاموال العامة وهدر اموال اكثر الموازنات لاسيما الانفجارية منها والتي ضاعت مردوداتها في جيوب الفاسدين الذين مافتئت الاستراتيجيات الحكومية تنشط في مقارعة الاسباب التي ادت الى استفحالهم وتغولهم وافلاتهم من العقاب واسترجاع مانهبوه .

 وعلى مستوى مكافحة الفقر بشكل جدي تبقى الآمال معقودة على الاستراتيجية الوطنية للحد من الفقر وكان العراق قد أطلق عام 2010، الاستراتيجية الوطنية الأولى للتخفيف من الفقر لعامي 2010 - 2014، التي وضعت ضمن أولوياتها تحسين الواقع المعيشي والمستوى الصحي والتعليمي للمواطنين، مع توفير بيئة سكن مناسبة لشريحة الفقراء، فضلاً عن توفير الحماية الاجتماعية لمحدودي الدخل،  واطلاق الاستراتيجية الثانية للتخفيف من الفقر للسنوات 2018-2022 بمشاركة عدد من الوزارات والنواب والخبراء والامم المتحدة والمنظمات والبنك الدولي، وهذه الاستراتيجية متعددة القطاعات والاتجاهات وهي الاهم اذ هدفت الى الانطلاق نحو حقبة جديدة في النمو غايتها تقليص معدلات الفقر الى الربع بحلول عام 2022 وبمحصلة تشاركية بين جميع الوزارات مع التركيز على الشرائح الاكثر تضررا وفقرا كالنازحين والمهجرين وسكان الارياف وهي استراتيجية مكمّلة للاستراتيجيات السابقة التي كانت تهدف الى تحقيق التنمية المستدامة الا انها كانت محدود الفعالية وتأتي الاستراتيجية الثانية والتي نحن نعيش في غمارها كمحصلة لجهد اممي مشترك مع الامم المتحدة والبنك الدولي لتهدف الى تحسين مستوى الانفاق الضروري والتوجه الى زيادة انتاجية العمال وخلق فرص العمل وايصال الرعاية الصحية للفقراء وتوفير البنى التحتية والتعليم والسكن الملائم ومعالجة مشكلة العشوائيات واصلاح نظام الرعاية الاجتماعية وتهيئة وضع معيشي مناسب لمن تضرّر من الحرب ضد داعش و الهدف الأساس من هذه الاستراتيجية، يكمن في تقليص معدلات الفقر الى ادنى حد ممكن، من خلال تبنّي سياسة اقتصادية تنسجم مع الوضع المالي الذي يعيشه العراق حالياً، والناتج من انخفاض أسعار النفط عالمياً. كما تنصّ على تأسيس صندوق خاص لتمويل مشاريع الفقر، من خلال المخصصات المالية في الموازنة الاتحادية أو التبرعات التي قد تحصل عليها الحكومة، حيث تشير تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء إلى أن احتلال عصابات داعش الإرهابية أجزاء من البلاد، وانخفاض أسعار النفط العالمية، ساهما في رفع نسبة الفقر إلى 23 %، بعدما انخفضت خلال الاستراتيجية الماضية إلى 15 في المئة في النصف الأول من عام 2014 لذا يقع على استراتيجية الحد من الفقر ان تعمل على خفض مناسيب معدلات الفقر الى اقل مستوى مقبول ما يستدعي تدخل الجميع للحد من استفحال مخاطره الاجتماعية وغيرها. من ابرز اسباب الفقر تفشي البطالة وشحة فرص التعيين في الوظائف الحكومية وان كانت مناسيب تلك الوظائف قد بلغت حدودا عالمية غير مسبوقة (اكثر من ثمانية ملايين موظف مستمر في الخدمة فضلا عن ملايين المتقاعدين) ولكنْ هنالك اوجه اخرى لتشغيل الايادي العاطلة عن العمل كتنشيط القطاعات الاقتصادية الاخرى وتفعيلها كالصناعة والزراعة والسياحة بأنواعها ما يساهم في رفد الموازنات المالية العامة بواردات تكسر احتكار الريع النفطي وتزيد من الدخل القومي للفرد العراقي ما يساهم في تقليل مناسيب الفقر وتساهم ايضا في أن يغادر العراق حالة الفقر المدقع وانعدام الأمن الغذائي باتباع إجراءات تستهدف الفئات الهشة خلال مدة تنفيذ هذه الاستراتيجية  

التحديات التي واجهتها هذه الاستراتيجية تتمثل بمشكلة التمويل المالي الذي يشكّل التحدي الاول والاكبر فيبقى الامل منوطا بمساهمة المنظمات الدولية ورفد الاستراتيجية بالأموال اللازمة لتحقيقها، ولغرض الحد من مناسيب الفقر في العراق يجب ان تتضافر جميع الجهود الحكومية والدولية الاممية في برنامج حقيقي وليس ترقيعيا او مبسترا يقتصر على حل جزئي او منفرد كتوزيع الاراضي وان كان حلا مهما الا انه لايكفي وللدراسة صلة .

تتبع

 

 عباس الصباغ 

 

 

منى زيتونمما لا أنساه أبدًا أنه في السنة الأولى من أعوامي الجامعية، قص علينا دكتور من أساتذتنا قصة حدثت له وهو في أول أيامه كطالب في الجامعة. قال لنا إنه في أول سِكشن عملي لفرقته، وبعد أن انتهى المعيد من الشرح النظري توجه الطلاب –وهو من بينهم- ليشاهدوا العيّنة المطلوب فحصها تحت الميكروسكوب، وإذا بأستاذنا لا يستطيع أن يرى شيئًا بينما باقي الطلبة يدّعون أنهم رأوا العيّنة! وهو ينظر وينظر ويعيد النظر في عدسات الميكروسكوب ولا يرى شيئًا، وفي النهاية جاء المعيد الذي كان قد غادر القاعة لأمر ما ليُفاجأ بأن الطلاب –عدا دكتورنا راوي القصة- ادّعوا أنهم رأوا العينة، بينما الحقيقة أن الشريحة الميكروسكوبية كانت على الطاولة الجانبية ولم توضع على الميكروسكوب بعد!

هناك مقولة منسوبة لجون ستيوارت ميل تقول: "الخطر الرئيسي في العصر الحالي هو قلة من يجرؤون على أن يكونوا مختلفين"، ولعل القصة التي رويتها للتو تظهر إلى أي حد يمكن أن يصل الحال ببعض البشر رغبة في مسايرة من حولهم خاصة أصحاب السلطة عليهم، وكاستجابة لضغوط الأقران، ولكن من خلال خبراتي أرى أنه ربما كان هذا هو الحال في عصر ستيوارت ميل، لكن في عصرنا الحالي صار هناك خطر آخر إضافي مصدره أصحاب مدرسة "خالف تُعرف".

غالبًا سيأتيني الرد المتداول بين الشباب بتعداد الآيات التي نزلت في ذم الكثرة:

1- ‏﴿‏‏‏وَأَكثَرُهُمُ الفَاسِقُونَ‏﴾‏‏‏‏

2- ‏﴿‏‏‏وَأَكثَرُهُم لاَ يَعقِلُونَ‏﴾‏‏‏‏

3- ‏﴿‏‏‏وَأَكثَرُهُمُ الكَافِرُونَ‏﴾‏‏‏‏

4- ‏﴿‏‏‏وَأَكثَرُهُم لِلحَقِّ كَارِهُونَ‏﴾‏‏‏‏

5- ‏﴿‏‏‏وَأَكثَرُهُم كَاذِبُونَ‏﴾‏‏‏‏

6- ‏﴿‏‏‏بَل أَكثَرُهُم لاَ يُؤمِنُونَ‏﴾‏‏‏‏

7- ‏﴿‏‏‏وَلَـكِنَّ أَكثَرَهُم لاَ يَعلَمُونَ‏﴾‏‏‏‏

8- ‏﴿‏‏‏وَلَـكِنَّ أَكثَرَهُم يَجهَلُونَ‏﴾‏‏‏‏

9- ‏﴿‏‏‏وَلاَ تَجِدُ أَكثَرَهُم شَاكِرِينَ‏﴾‏‏‏‏

10- ‏﴿‏‏‏وَمَا يَتَّبِعُ أَكثَرُهُم إِلاَّ ظَنّاً إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغنِي مِنَ الحَقِّ شَيئاً‏﴾‏‏‏‏

11- ‏﴿‏‏‏وَلَـكِنَّ أَكثَرَهُم لاَ يَشكُرُونَ‏﴾‏‏‏‏

12- ‏﴿‏‏‏وَمَا يُؤمِنُ أَكثَرُهُم بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشرِكُونَ‏﴾‏‏‏‏

13- ‏﴿‏‏‏أَم تَحسَبُ أَنَّ أَكثَرَهُم يَسمَعُونَ أَو يَعقِلُونَ إِن هُم إِلَّا كَالأَنعَامِ بَل هُم أَضَلُّ سَبِيلاً‏﴾‏‏‏‏

14- ‏﴿‏‏‏وَمَا كَانَ أَكثَرُهُم مُّؤمِنِينَ‏﴾‏‏‏‏

15- ‏﴿‏‏‏فَأَعرَضَ أَكثَرُهُم فَهُم لَا يَسمَعُونَ‏﴾‏‏‏‏

16- ‏﴿‏‏‏وَإِن تُطِع أَكثَرَ مَن فِي الأَرضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِن هُم إِلاَّ يَخرُصُونَ‏﴾‏‏‏‏

17- ‏﴿‏‏‏وَلَـكِنَّ أَكثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤمِنُونَ‏﴾‏‏‏‏

18- ‏﴿‏‏‏وَمَا أَكثَرُ النَّاسِ وَلَو حَرَصتَ بِمُؤمِنِينَ‏﴾‏‏‏‏

19- ‏﴿‏‏‏فَأَبَى أَكثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً‏﴾‏‏‏‏

والحقيقة أنني لم أقتنع يومًا بهذا الرد الذي يروج له أصحاب مدارس التكفير مثلما يروج له التنويريون على السواء؛ فمقاتلو داعش أيضًا يظنون أنفسهم استثنائيين باعتبارهم الفئة الناجية، والحديث القرآني عن الكثرة والقلة حديث عام لا يساعدنا على تمييز كل فرد بحياله أو كل مجموعة بحيالها بل يصف حال عموم البشر.

وأرى أن هناك تصورًا أصبح منتشرًا للغاية خاصة بين الشباب أن من يحارب السائد بالضرورة مفكر وجريء، والحقيقة أن أغلبهم يخالف عن جهل وتعالم وليسوا بأقل ضلالًا ممن يدعون مخالفتهم فكريًا وسلوكيًا.

لكن كيف؟!!!

هناك مفهوم في علم النفس ذو حدين نسميه المسايرة/المغايرة الاجتماعية؛ فالمسايرة تعبر عن إعطاء الفرد أحكامًا واعتقاده وسلوكه وفقًا للمعايير والعادات المقبولة من الجماعة الداخلية التي ينتمي لها، ويُعبر الأفراد عن المسايرة دومًا باستجابات تكون مشابهة لسلوك الآخرين في المجتمع.

والحقيقة التي نستقرؤها بوضوح من نتائج تجارب وملاحظات علم النفس الاجتماعي أن أغلب البشر يميلون لإعطاء تلك الاستجابات المتوافقة مع معايير مجتمعهم سواء كانت صحيحة أم خاطئة، وهو ما يحفظ لكل مجتمع إنساني على حدة حدوده وتنظيمه.

بينما المغايرة على العكس من المسايرة تمامًا تعبر عن عدم انسياق الفرد وراء معايير وعادات المجتمع وتقبله لها تلقائيًا بل إخضاعها للنقد، والسلوك بشكل يختلف عن المقبول في إطارها.

وتختلف المجتمعات في قوة الضغط الذ‏ي تمارسه على أفرادها للخضوع والامتثال لمعاييرها، وعادة لا يجرؤ الأفراد في المجتمعات الصغيرة والريفية والقبلية على مجرد التفكير في الانحراف عن السلوك المرغوب اجتماعيًا أو إبداء الإعجاب بأفكار تخالف أعراف المجتمع حتى لو كانت أكثر منطقية، بينما تعطي المجتمعات الكبيرة والمفتوحة فرصة أكبر لأعضائها للانحراف عن معاييرها.

لكن ينبغي الإقرار بأنه لا يوجد مجتمع لا يطلب من أفراده مسايرة معاييره بدرجة أو بأخرى، ونخطيء حين نتصور أن المجتمعات المتقدمة في عصرنا تتيح حرية لأفرادها أكثر من المجتمعات النامية لأن القوانين التي يفرضها أي مجتمع متقدم هي جزء من معاييره التي يضغط على أفراده للامتثال لها، ويمكنني القول إن إخضاع الأفراد لقوانين المجتمع يكون أقوى في المجتمعات المتقدمة بينما إخضاع الأفراد لأفكار وقيم المجتمع يكون أقوى في الدول النامية.

وبـتأمل واقعنا المعاصر يتضح أنه في ظل الانفتاح الثقافي المتاح على العالم بأسره –وهو من أبرز صفات عصرنا- صارت هناك صرعة لدى الشباب في مجتمعاتنا العربية تحديدًا لمسايرة معايير جماعات خارجية يرونها أكثر تقدمًا في ركب الحضارة، وأنها ما تقدمت إلا ‏بوجود تلك المعايير، ومن ثم إصدار استجابات تكون غالبًا مختلفة عن سلوك الآخرين في مجتمعاتهم الأصلية.

ويمكنني إعطاء تفسيري لتلك الظاهرة بأحد أمرين.

الأول: أن الأفراد الذ‏ين يخضعون لسلوك المجتمع الخارجي إنما حدث لهم هذ‏ا نتيجة تضارب المعايير لأنهم باختصار صاروا لا يعتبرون أن المجتمع الداخلي هو فقط مجتمعهم، فاتسعت نظرتهم للمجتمع، ربما لجاذ‏بية المجتمع الإنساني الأكبر لديهم، مما جعل استجاباتهم تختلف، فظهرت مغايرة للاستجابات المقبولة في المجتمع الداخلي، ومسايرة للمعايير في المجتمعات المتقدمة.

الثاني: وهو الأنكى أن هؤلاء يغايرون فقط رغبة في إظهار الاختلاف عن ‏مجتمعنا.‏

كما لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا كبيرًا في إنشاء جماعات جديدة لا يحدها مكان ينخرط فيها الأفراد من مجتمعات وبلدان مختلفة وتؤثر في خضوعهم لمعاييرها الفكرية -دون نقد!-. من ثم، يكون جُل ما حدث لهؤلاء الأفراد الذ‏ين يظنون أنفسهم مغايرين للمجتمع الداخلي أنهم خضعوا لسيطرة مجتمع آخر، ولم يكتسبوا قط القدرة على التفكير الناقد.

فتكون كل من المسايرة والمغايرة وفقًا لهذا التصور وجهين متناقضين للتعبير عن تسلط الجماعة على فكر الشخص، وتحكمها فيه، لكن مع اختلاف التفاصيل.

وقد أثبتت الدراسات العلمية أن الذ‏كاء يؤثر تأثيرًا واضحًا في درجة المسايرة الاجتماعية، لأن الشخص الذ‏كي لا يقبل كل ما يُعرض عليه ويقلده، وأضيف هنا أن ذ‏لك ينطبق على ما يعرضه أي مجتمع وليس فقط مجتمع الفرد الداخلي.

من ثم فإنني أرى أن تعريف المغايرة الاجتماعية بحاجة لمزيد من التعمق وإمعان النظر بحيث يتم التركيز على الهدف وليس السلوك الظاهر؛ لأن المفترض أن المغايرة تنبع من محاولة الأشخاص نقد واقعهم نقدًا ذ‏اتيًا، وليس مسايرة معايير مجتمع آخر، أو لرغبة في مخالفة معايير المجتمع دائمًا وأبدًا حتى لو خالفوا كل قواعد المنطق لرغبتهم في مخالفة تلك المعايير.

ولا ننكر أن لدى كل فرد درجة من المسايرة وإلا لصارت حياته عراكًا مستمرًا بينه وبين مجتمعه لا يملك أي شخص أن يحتملها، ولكن المشكلة تكمن في المسايرة المفرطة التي تفقد الفرد استقلاليته وقدرته على نقد ما يستحق النقد، فإن أفقدت المغايرة –كما نلمسها في مجتمعاتنا- الشباب حس النقد أيضًا رغبة في الحصول على التعزيز والمدح من مجتمعات أخرى فهي ليست مغايرة، وينبغي البحث لها عن مسمى آخر.

فالإنسان الحر لا يعبأ برأي الجماعة ولا يحركه إيجابًا أو سلبًا، بمعنى أن أفكاره تخرج من خلال مبادئه وقناعاته وليس من خلال رغبته في إظهار مسايرته وتوافقيته مع جماعة ما أو مخالفته لها.

يقول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: "لا يكن أحدكم إمعة يقول أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت, وإن أساءوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أحسنتم، وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم"، وكلنا نعرف قصة أندرسون عن الإمبراطور العاري الذي ساير الخياط المحتال في أنه يرى الثوب الوهمي الذي لا يراه إلا الأنقياء –على حد زعم المحتال-، وسايره باقي الشعب وادّعوا أنهم يرون الثوب وأنه رائع، حتى كشفهم طفل صغير بريء وصرخ (لماذا يسير الإمبراطور عاريًا؟!).

للأسف فإن كثيرًا من الناس تافهون، يقلدون ويدعون الإيمان بمباديء حتى لا يتهموا بالجهل من جهة المتفذلكين، فيدعون المغايرة، أو على العكس يقلدون السائد في مجتمعاتهم وإن كان به ما يوجب إعادة النظر، فيؤثرون السلامة بالمسايرة، فصار مجتمعنا ينقسم بين مساير –دون وعي- ومغاير -ليس عن نقد وتمحيص- لمعاييره وقيمه، بينما المجتمع المثالي هو ذلك المجتمع الذي تتوفر فيه للأفراد القدرة على المبادرة وإبداء الرأي، كما توجد به سلطة اجتماعية واضحة المعايير والقوانين القابلة للنقد من قبل الأفراد على أسس موضوعية وليس من باب الخروج بخزعبلات تحت اسم التجديد والإصلاح.

ولنتذ‏كر أن المفكرين والمصلحين في كل عصر كانوا مغايرين حقيقة، ومغايرتهم كانت نابعة من تفكير حقيقي وعميق تم رفض السائد فيه على أسس منطقية، و-أكرر- ليس استجابة لمعايير مجتمعات خارجية، ولا رغبة في إظهار الاختلاف عن معايير المجتمع الداخلي.

أستطيع أن أفهم تأثر الشباب والمراهقين بجماعات الأقران وتحكم تلك الجماعات الفرعية وضغطها على أفرادها للاقتناع بأفكار معينة والسلوك على نحو معين، ولكن ينبغي أن أقول للشباب أنه كي تكون مفكرًا حرًا كما تزعم وترغب ينبغي أن تحرر تفكيرك من قيود المسايرة والمغايرة كليهما. والتحرر من تلك القيود يبدأ بالتحرر من التعصب لأي جماعة يمكن أن يخطيء أفرادها وتضطر أن تسير مع القطيع مدافعًا عنها دون وعي حتى تحولت مجتمعاتنا إلى مجموعات من القطعان يسهم الإعلام في توجيهها تدافع بالباطل عن أخطاء واضحة، وضاع الحق والصدق من مجتمعنا.

وإن حاول أحدهم إقناعك بأن تطبيقك لهذا سيُفقدك الانتماء تذكر قوله صلى الله عليه وسلم: "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نُصْرَتُهُ مَظْلُومًا، فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟، قَالَ: "تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ، فَذَلِكَ نُصْرَتُكَ إِيَّاهُ".

الإنسان الذي يضع الحق هدفًا له لن يضل إن شاء الله. لن يساير في الخطأ، ولن يكون من حزب "خالف تُعرف"، كما أنه لن يتفرنج.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]

هدانا الله وإياكم.

 

د. منى زيتون

 

 

محمود محمد علينعود إلي الجزء الثالث والأخير من حديثنا عن المفارقات المنهجية في نشأة لعتنا العربية، حيث نتحدث عن بعد آخر، وهو "البعد المنطقي" : فنقول بشأنه: هناك فريق آخر من الباحثين والمفكرين، يرون أن الروايات التي أجمع المؤرخون على ذكرها في نشأة النحو والمنسوبة إلى الإمام "علي بن أبي طالب "، تدل على احتمال وقوفه على تقسيم الكلم إلى اسم، وفعل، وحرف على المنطق الأرسطي المتداول لدى أهل العراق ؛ إذ كيف يتصور المرء أن إنسانًا مثل الإمام" علي" يستطيع أن " يجلس بمفرده، ثم يجيل النظر في محيط اللغة التي يتكلم بها قومه، وهو غير مسلح بعلم سابق باللغات ولا بمعرفة مسبقة بقواعدها، ثم تنثال عليه المعرفة ويستخرج منها بنفسه القواعد المذكورة، ثم يضع لأبوابها تلك الأسماء التي لا يمكن لأحد وضعها، (لأنها تحتاج إلى شخص لديه معرفة) بقواعد اللغات عند الأمم الأخرى، لأنها مصطلحات علمية منطقية، ولا يمكن أن تخرج من فم رجل لا علم له بمصطلحات علوم اللغة والمنطق، ولأنها ليست من الألفاظ الاصطلاحية البسيطة التي يمكن أن يستخرجها الإنسان من اللغة بكل سهولة وبساطة، حتى نقول إنها حاصل ذكاء وعقل متقد، وكيف يعقل أن يتوصل رجل إلى استنباط أن الكلمة : إما اسم،أو فعل،  أو حرف، ثم يقوم بحصرها هذا الحصر الذي لم يتغير ولم يتبدل حتى اليوم، بمجرد إجالة نظر وإعمال فكر، من دون أن يكون له علم بهذا التقسيم الذي تعود جذوره إلى قبل الميلاد، ثم كيف يتوصل إلى إدراك القواعد المعقدة الأخرى التي لم يبتدعها إنسان واحد، وإنما هي من وضع أجيال وأجيال، إذا لم يكن له علم بفلسفة الفعل، وعمل الفاعل، وما يقع منه الفعل على المفعول، وكذلك الأبواب المذكورة التي لا يمكن أن يتوصل إليها عقل إنسان واحد أبدا.

ومن هنا يمكننا القول بأنه بغض النظر عن الجهة العليا التي أشارت إلى "أبي الأسود" أن يضع مبادئ هذا العلم ؛ فإن الراوية المنسوبة إلى الإمام" علي" رواية لا تتفق مع طبيعة العلوم ونشأتها التي تبدأ بالملاحظة أولًا، لا بصياغة المصطلحات والحدود، وذلك يؤكد أن هذه الرواية موضوعة على لسان الإمام "علي"، لأن عصر "أبي الأسود الدؤلي" كان عصر ولادة النحو (أي المرحلة الوصفية)، وليس عصر نضوجه (المرحلة الاستنباطية) . بل إن المتأمل في رواية "الزجاجي" وما تلاها من روايات يجد أنها تتضمن قضايا نحوية ثلاث : فهي تتناول أولاً تقسيم الكلام إلى اسم، وفعل، وحرف، ثم تعرف كل قسم منها، ثم تتحدث ثانيًا عن أقسام الأسماء، ثم ثالثًا بذكر حروف نصب الأسماء، وبشيء من التأمل يتضح أن كل واحدة من هذه المسائل الثلاث تتطلب قدرة على التجريد والتقعيد معا، وهو ما لم يكن في عصر الإمام "علي" و"أبي الأسود"، وقد استغرق الوصول إلى مثل هذه النتائج التفصيلية أجيالاً كثيرة، حتي عصر "سيبويه" ، بل إن سيبويه نفسه الذي يفصل بينه وبين الإمام "علي بن أبي طالب " قرابة قرن ونصف قرن لم يستطع أن يصل إلى هذه الدقة من التفاصيل التي نسبت إلى "علي" وعصره.

فسيبويه في كتابه لم يعرف الاسم بما ذكر في رواية "الزجاجي" التي تقول الاسم ما أنبأ عن المسمى، ويحد سيبويه الاسم بقوله :" فالاسم رجل وفرس وحائط "، فلم يذكر سيبويه ما ذكرته هذه الرواية المزعومة عن الاسم ووظيفته، ولذلك فإنني أؤيد قول القائلين عن هذه الرواية التي رواها الزجاجي وغيره أنها " حديث خرافة، وطبيعة زمن "علي"، و"أبي الأسود" تأبي هذه التعاريف، وهذه التقاسيم الفلسفية، والعلم الذي ورد إلينا من هذا العصر في كل فرع، علم يتناسب مع الفطرة، ليس فيها تعريف ولا تقسيم، وإنما هو تفسير أية أو جمع لأحاديث ليس فيه تبويب ولا ترتيب، فأما تعريف أو تقسيم منطقي فليس في شيء مما صح نقله إلينا عن عصرهما.

فالعلوم لا تولد مكتملة النمو، بل تنشأ ساذجة مبعثرة، ثم تنمو وتكتمل، وما ذكر في هذه الرواية المزعومة من تبويب وتقسيمات منطقية لا تصح إلا بعد النمو والاكتمال، يخالف طبيعة الأشياء في النشأة والتكوين، ثم النمو والارتقاء .

نعم إنه من السذاجة تصور أن النحو العربي قد حمل في نشأته الباكرة على يد "أبي الأسود" أو الإمام "علي"، حدا من التطور فاق كل تطور حققه من بعد طوال أكثر من قرنين، لأن هذا يجعلنا نصطدم بعقبة ابستمولوجية، وهذه العقبة تتمثل في أن فصل المقال في العلم يؤدي إلى فصل المقال في المنهج ؛ الأمر الذي ينجم عنه الاصطدام بظاهرتين متناقضتين: الأولى: أن: " النحو قد نشأ متطوراً حتي إنه يناقش في مرحلة نشأته ظواهر بالغة الدقة، وقضايا غاية في التفصيل، في حين أنه – وهذه هي الظاهرة الثانية – قد جمد بعد ذلك بحيث لم يستطع أن يضيف جديدا من أبواب النحو، ولا أن يدرك مزيدا من ظواهر اللغة "  .

ولاشك أن هذا كله ضد منطق التطور الطبيعي، فليس معقولا أن ينبثق فجأة علم يتصل باللغة، متكامل المنهج، محدد الظواهر والأبعاد، دون سابق معاناة في تحديد ظواهره، وبلورة أبعاد قضاياه، وذلك لأن اللغة ظاهرة اجتماعية، وتحليل الظواهر الاجتماعية يتطلب مرحلة طويلة من المعاناة في تناول الظاهرة المدروسة، والتردد في تشكيلها طبقا لتعدد علاقاتها وتنوعها، "ومن البديهيات في تاريخ الاختراع أن المنهج الجديد يندر أن ينشأ فجأة من لا شيء، ويسبق الاختراع الفني عادة بتطورات في النظرية العلمية " .

إن العقلانية تفرض علينا بأن نؤمن بأن القواعد اللغوية لا بد من أن تمر بمرحلتين:

المرحلة الأولى : مرحلة  الممارسة العفوية أو الإدراكات التلقائية  لوجود قواعد، وهو إدراك نستطيع أن نصفه بأنه  تطبيقي أكثر منه تجريدي، أي أنه يتم من خلال استيعاب النماذج اللغوية، وليس بالبعد عنها، وهو السبب في قبول ما يقبل من هذه النماذج، ورفض ما يرفض فيها، من غير تبرير ذهني مقبول أو مرفوض، ثم هو إدراك يمكننا أن نسميه جزئيا وليس كليا، فإنه قد لا يستطيع أن يصل إلى حكم عام يشمل أحداثا لغوية متعددة، بيد أنه قادر دائمًا على التعامل مع الأحداث اللغوية المتعددة، كما حدث منها على حدة – بالتصويب أو بالتخطئة . وهو إدراك في مقدرونا أن نوسع دائرته بحيث يوشك أن يكون ( صفة للمتمكنين) من اللغة، وليس خصيصة لفريق من الباحثين فيها .

المرحلة الثانية : مرحلة  الوعي العقلي، وهي مرحلة تتميز بالرؤية التجريدية التي تحكم كل تطبيق، وهي رؤية قادرة على الإحاطة الشاملة  دون أن نتوه في خضم الجزئيات، ولكنها – في مقابل ذلك محدودة في نطاق الباحثين في اللغة، وليس صفة لكل الناطقين بها . ومرحلة الوعي العقلي لا تتسم بالقدم، كما تتسم بذلك مرحلة الإدراك العفوي التلقائي، فإن هذه المرحلة الأخيرة هي التي تحفظ للغة قدرتها على البقاء والاستمرار، وتصونها من الاضطراب، وتنأى بنشاطها عن التخبط، ولا سبيل إلى تصور لغة لا يكون لدى الناطقين بها إدراك لقواعدها، وإن كان – في مقابل ذلك – من الممكن بقاء اللغة، واستمرارها ونموها دون معرفة عقلية كاملة بقواعدها .ومرحلة الوعي العقلي بالقواعد متأخرة بالضرورة عن مرحلة الإدراك العفوي التلقائي لها، وهي مرحلة لا توجد فجأة ولا تنشأ في لحظة واحدة، ولا تتم بأساليب غيبية، فإن كل ذلك يختلف مع طبيعة المادة التي تتناولها، وهي ( اللغة) فإن محاولة الإحاطة بالخصائص اللغوية لأي مستوى من مستوياتها يتطلب قدرة على التجريد وعلى التقعيد معا.

والقدرة على التجريد تستلزم التزام منهج فكري يعتمد على كلية النظرة، حتي يستطيع أن يصدر أحكاما شاملة تتناول المادة بأسرها، دون أن يضلله عن ذلك الركام الهائل من جزئيات المادة، وصورها المشتقة المبعثرة، كما تستلزم في الوقت نفسه إحاطة دقيقة بالجزئيات، بحيث يرتكز تحليله لما بينها من علاقات على إدراك حقيقي لها . وهكذا تتسم النظرة الكلية بالشمول، وتصدر في الوقت نفسه - عن إدراك تفصيلي، فهل كانت هذه القدرة متوافرة في عصر أبي الأسود ؟ من الواضح أن المادة اللغوية التي كانت محور دراسة "أبي الأسود" محصورة في النص القرآني، والنص القرآني على أهميته الكبيرة - جزء من المادة اللغوية المستخدمة في عصر "أبي الأسود الدؤلي" نفسه، ثم دراسة "أبي الأسود" له لم تكن قائمة على أساس تحليل ظواهره التركيبية، لافتقاره بالضرورة إلى منهج محدد لهذا التحليل، وإنما اعتمدت على مجموعة من الملاحظات العامة التي لا يمكن أن تسلم إلى نتائج علمية محددة .

والقدرة على التقعيد تتطلب مقدرة على صياغة الظواهر، في تشابكها وتعددها وتنوع علاقاتها ؛ في قواعد تحيط بها وتدل عليها، دون أن تتسم هذه القواعد بالاتساع فتضلل في فهم الظاهرة بما تضيفه إليها من ظواهر أخرى دون أن تتصف بالقصور عن الإحاطة بأبعاد الظاهرة والإلمام بكل تفاصيلها، وهذا كله يستدعي نوعا من الإدراك لهذه القوانين نوعا من التناقض مع طبيعة التفكير العلمي ذاته، وإذا كان النحو العربي حتى عصوره المتأخرة قد أضاف فهم النصوص، وتفسيرها، إلى النصوص ذاتها ؛ فاعتبر ما يقدم من هذا الفهم بما يقدمه من كلمات للشرح، وهذا التفسير بما يتضمنه من عبارات للتوضيح جزءا من النص يجب أن يوضع في الاعتبار حين التقعيد، مما أدى إلى اضطراب النحاة في فهم الظواهر المختلفة للغة، ومن ثم أسلم إلى الكثير من التناقض في التقعيد لها، ألا يصبح – بعد هذا كله – تصور القدرة على الصياغة التقعيدية للظواهر اللغوية في عصر أبي الأسود نوعا من السذاجة، لا تؤيدها قضايا العلم نفسه .

والسؤال الآن : أين تستمد المرحلة الوصفية لنشأة النحو العربي مشروعيتها إذا كانت الروايات التي رويت بشأن نشأة النحو مشكوكًا في صحتها ؟.

أعتقد أن الأقوال التي قيلت بأن أبا الأسود الدؤلي كان أول من بدأ بالعمل علي وضع قواعد النحو بعد توجيهات أولية من الإمام علي (رضي الله عنه) أقوال مشكوك في صحتها، وأن الحقيقة هي أن النحو الذي وضعه "أبو الأسود" لم يصل إلينا منه شيء . فيما حفظ من التراث النحوي، سوى إشارات عامة ذكرناها فيما مر، وليس فيها رأي محدد، أو تفصيل لمسألة نحوية . ويصدق هذا الأمر أيضاً على جيلين بعد أبي الأسود، إذ لم يصل إلينا مما عملوا في النحو سوى نذر يسير، وبالتالي فإن المرحلة الوصفية لنشأة النحو تستمد مشروعيتها من خلال عملية إحداث النقط وضبط المصحف التي قام بها "أبو الأسود الدؤلي"، نتيجة وقوع اللحن في قراءة القرآن، والخوف من تزيد ذلك مع مرور الأيام، ومن حدوث التغيير والتحريف في نص القرآن ؛ حيث كان الفكر الذي كان وراء نشأة النحو فكراً إصلاحياً، كما يري بعض الباحثين، حاول أن يمنع خللا بدأ يطرأ على الألسنة فلجأ إلى أسلوب عملي مدرسي يرمي إلى إيجاد علامات مادية تساعد على القراءة السليمة من دون اللجوء إلى الاستنباط والتجريد ؛ أي أن البحث اللغوي لم يكن غاية عملية مقصودة بذاتها هنا فلسفة عملية اجتماعية والقائم به حول السماع الصوتي للظواهر الإعرابية إلى مادة مكتوبة يمكن إدامة النظر فيها وإيجاد العلاقات الكلية الجامعة إياها، ثم انتقل الدرس بعد ذلك إلى نمط من النشاط الذهني التأملي الذي يحاول تجريد المعاني المطلقة من المحسوسات إطراداً مع التيارات الفلسفية المتصاعدة مع حركة المجتمع النامية، وهو ما يمكن أن نسمي به النحو في المراحل التي وصلت إلينا نصوصا عن أصحابها ؛ أي بعد أبي الأسود بما يقرب من قرن من الزمان وإلى عصور لاحقة عديدة .

وعلي كل حال فقد كان نقط أبي الأسود الدؤلي للمصحف فاتحة النحو العربي والخطوة الأولى في نشوئه ومجسدة لمرحلته الوصفية، وكان لعمله الذي ذكرته الروايات السابقة ولعمل غيره من القراء المنتشرين في الأمصار الإسلامية أكبر الأثر في نشأة النحو العربي . وإن كانت هذه النشأة لا تزال غامضة لا يُعرف عنها الشيء الكثير، فما ذكرته الروايات من أبواب وضعها أبو الأسود الدؤلي، وهي: باب التعجب، وباب الفاعل، والمفعول، والمضاف، وحروف النصب، والرفع، والجر، والجزم  لم يصل إلينا منه شئ يمكن في ضوئه معرفة مدي ما وصل إليه البحث في زمنه أو بعده حتي زمن الخليل بن أحمد .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

زهير الخويلدي"لا تستولوا على السلطة، بل تلتقطونها عندما تتدربون في الشارع"1

بعد مرور 40 عامًا على مغادرتها للعالم بجسدها، يظهر نص غير منشور للفيلسوفة الألمانية حنة أرندت في شكل كتاب صغير عن دار بايوت Payot يتكون من 70 صفحة - ويحمل عنوان "الحرية في أن تكون حرا"   la liberté d’être libre وعنوان صغير هو "شروط ودلالة الثورة"، ونقلته من الانجليزية إلى الفرنسية الباحثة فرنسواز بويوت، ولقد تم العثور عليه في الركن الموجود في أرندت بمكتبة الكونغرس في واشنطن، وهو جزء من مشروعها الدائر حول تعميم الثورة الاجتماعية عبر معالجة الأزمة الكوبية، وإنهاء الاستعمار، وتأييد الحركات المدنية المناهضة للحروب خاصة في فيتنام والمناصرة للعدل والسلام.

فماهي الحياة الحرة؟ هل الحرية امتياز؟ لماذا لا يمكن تصور ثورة بدونها؟ ماذا يفعل المرء مع حريته؟ قراءة كتاب "الحرية في أن تكون حرا" هي أن نفهم أن التغيير السياسي ممكن فقط إذا كان هناك تغيير اجتماعي. ويتم دعوتها لاستعادة الرغبة الشديدة في المشاركة في الشؤون العامة: لمناقشة كيف نريد أن نعيش سوية، وأن نفعل على نحو مشترك. تخبرنا حنة أرندت في نصها بأن الدعاوي المتزايدة في هذه الأوقات حول الشعوبية والسيطرة والمراقبة ليست سوى كلمات فارغة وأن إرادة الحياة المشتركة ممكنة.

لقد تضمن النص أيضا جملة الأسئلة الإشكالية حول الثورة والحرية والحق والدولة والأخلاق عل غرار:

 ما معنى الثورة؟ وماهو المقصود بالحرية؟ والعلاقة بينهما؟ وهل تسبق الثورة الحرية أم الحرية قبل الثورة؟ وهل كل ثورة تعني الحرية؟ هل تنشد كل ثورة الحرية؟ وكيف تساعد على تركيزها وتدعيمها؟    وإذا كانت كل الثورة تتم باسم الحرية، فهل تحصل عليها دفعة واحدة أم هي في كل مرحلة من مراحلها؟ ومتى تولد الثورات الاجتماعية؟ وماهي عوامل ظهورها؟ وماذا يجب أن يتوفر لكي تظهر إلى الوجود؟ وهل كل ثورة تؤدي إلى الحرية بالضرورة أم يمكن أن تتسبب في عودة الشمولية والاستبداد؟ أم هل يجب أن يكون المرء حراً بالفعل، على الأقل قليلاً، ليتمكن من التفكير في الإطاحة بالدولة؟ هل الثورة تحررنا أم تمنح الحرية؟ وما الحرية؟ هل هي الحرية الأخلاقية، وحرية الملكية بالمعنى الاقتصادية، والحرية السياسية، أم الحرية الفردية في التفكير والنقد وإبداء الرأي والمحاسبة وحرية المعتقد وحرية الضمير؟

وراء هذا الفيض من الأسئلة الحاسمة، يوجد السؤال الأساسي والمربك عن وجهة التاريخ ومصير المجتمع ومستقبل النظام وحال الدولة وطبيعة القيادة وشكل السلطة والصورة التي يتم ترديده في كل انتفاضة وثورة وعصيان وتمرد وانتفاضة، ولا يخلو من تذكير بكل أشكال المقاومة والتجارب الوطنية من أجل الاستقلال والحركات العمالية للمنظمات المناهضة للامبريالية، وبالتالي يظل السؤال مطروحا بشكل دائم: أي ثورة تكون مرادفة للحرية ؟ وإذا تم إجراء كل ثورة باسم الحرية فهل السياسة تنجز التحرر التام وتغير الظروف القاسية؟ وهل كل ثورة هي في الأساس عملية تحرر اجتماعي؟ وماهي المجالات التي يشملها التحرر السياسي؟ وماذا لو تضم حركة التثوير أيضا الوسائل المستخدمة في الفعل الثوري وجهاز الحكم والبنية الرمزية للواقع المادي والأهداف المقصودة وتغير دلالة الملكية نفسها؟

لقد تصور أرندت، في هذا النص، الثورة على أحسن وجه وجعلتها تتمفصل إلى مراحل وعناصر وأقرت بتعددها بمرور الزمن التاريخي وتنوع التجارب السياسية وتغير الشعوب والمجتمعات، دون أن تقلل من قيمتها، بل اعتبرتها من أول الأشياء المدهشة: وأخبرتنا بأنها من العملات النادرة تاريخيا وأنه يصعب استكمالها وأن تكون على حقيقتها بالرغم من كونها صادرة عن قرارات الثوار وإراداتهم، لكن بالإضافة إلى ذلك، تنبه أرندت من مخاطر الارتداد عنها عندما تتمكن الثورة من استعادة، في كثير من الأحيان، النظام القديم وتفضي إلى الحكم المطلق، بدلاً من العكس وتستشهد على الثورة الفرنسية.

تجري حنة أرندت في هذا النص مقارنة بين الثورة الفرنسية والثورة الأمريكية. وتساءلت لماذا فشلت الأولى تماما، مما أدى إلى نظام مطلق، هو مع أنها كانت ثورة بامتياز؟ ولماذا استطاعت الثانية أن تحقق أهدافها ويتمكن الأميركيون من تأسيس دولة مسالمة ومستقرة وصلبة بنجاح، في حين أنها ظلت واقعة "محلية" وفردوس مفقود وثورة غير معروفة في العالم؟ ماهي أسرار تفوق الثورة الأمريكية؟

تجيب أرندت  بأن الثورة كانت مرئية قبل أن تؤدي إلى نظام ديمقراطي، وتركز حرية سياسية يمارسها الجميع من أجل الجميع، وقامت بمنح مجموعة من الحقوق الأساسية للأفراد وتمجيد الفعل والتعددية والكرامة. "بالإضافة إلى هذه العناصر الثلاثة التي تكون الفعل السياسي- الهدف الذي تتبعه، الغاية التي تريدها والتي وفقها تتجه، والمعنى الذي ينكشف داخلها أثناء حدوثه، يضاف العنصر الرابع الذي... أسميه مبدأ الفعل ...نستطيع أن نقول أنها تتكون في الاعتقاد الأساسي الذي تتقاسمه مجموعة بشرية."2[2]

لقد كانت الكلمات الخفية التي ترددها أرندت تدور حول فهم معنى التاريخ والمسألة الاجتماعية وتتطلع إلى غائية الفعل السياسي ورفض تقييد الثورة بقوانين وحتميات ورأت أنها تأتي من تفكك السلطة والحلم بالحرية عند الشعوب، ولذلك افترضت ظروف الحياة وفكرة الحرية الموجودة مسبقا لتكون قادرة على المطالبة بها . كما أقرت أرندت بنظرة متفائلة إمكانية نجاح الثورات بأن تؤدي إلى بناء نظام سياسي مليء بالحرية والالتزام بالقانون والتعايش ورفضت أن تتسبب في الفوضى وتؤدي الى حرية سلبية، وغير كافية . بهذا المعنى ليست الثورة تجربة معممة وحتى تافهة في عصرنا، ولا مجرد  كلمة في المعجم وإنما  شغف جمهوري تتجلى في أفعال سياسية وحركات مقاومة وتجارب نضالية تخوضها الشعوب من أجل الكرامة، وهنا يكمن المعنى في فعل الثورة ذاته عندما تكون مرئية وتحدث ولادة أفراد حتى الآن لم يتحدوا كليًا. لكن هل نجحت حنة أرندت من خلال هذا النص في فهم أسرار الثورة بتركيزها على الحرية؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.........................

المرجع:

1- Hannah Arendt, la liberté d’être libre,traduction de Françoise Bouillot, Payot, Paris, 2019.

2-  حنة أرندت، ما  السياسة؟، ترجمة د زهير الخويلدي، سالمة بالحاج مبروك، منشورات الاختلاف، ضفاف، الجزائر، بيروت، طبعة أولى، 2014، صص125-126.

 

عدنان عويدعندما بدأ التقسيم الكبير الثاني للعمل بين الرعي والزراعة والحرفة، وبدأ معه اقتصاد السوق العيني والصغير  وما يقوم على هذه السوق من علاقات اجتماعية راح يحدد طبيعتها المالك لوسائل الإنتاج والمنتج، وبالتالي ظهور الملكية الخاصة واستغلال الإنسان للإنسان، هذه الملكية التي راحت تتراكم عند المالك على حساب المنتج، الأمر الذي دفع المنتج أن يبحث عن سند له يدافع عن حقوقه وأمنه وعدالته في محيطه الاجتماعي، فلم يجد من يقف معه او يدافع عنه. وهنا بدأت الإرهاصات الأيديولوجية للدين تستخدم من قبل الفقراء المنتجين ومن يمثلهم من شخصيات خرجت من رحم معاناتهم، ضد الأغنياء المالكين، فكان الفقراء أول من ارتبط بالديانات وراحوا يعبرون بإسمها عن معاناتهم في مرحلة متقدمة من التاريخ الإنساني، وشكلوا عمودها الفقري، حيث وجدوا فيها ضالتهم، أو وسيلتهم المشروعة للخلاص من عذاباتهم. بيد أن المالك استطاع أن يسرق منهم هذا الموقف الأيديولوجي للدين، وراح يوظفه لمصلحته من خلال الكثير من رجال الدين أنفسهم، الذين أغرتهم السلطة والجاه والمال، وشيئاً فشيئاً راحوا يقنعون المنتجين بأن سبب فقرهم هو شيء آخر غير المالك المتحكم بلقمة عيشهم، وإنما هناك أسباب أخرى تعود إلى قوى غيبية شاءت أن أتقسم الرحمة (الرزق) بين الناس وتجعل بعضهم سخرية لبعض، أمام هذه التغييب المعرفي لأصل معاناة الفقراء والحرومين، وما يرتبط بهذه المعاناة من غربة واستلاب وتشيئ وظلم وقهر وضياع لجوهر الإنسان، بدأت الثقافة العالمة تفرض نفسها جزءاً أساسياً من وعي الناس، وهي ثقافة غربة الإنسان وضياعه في منتجاته، أو علاقات إنتاجه. أي هي الثقافة التي فقد فيها الإنسان ذاكرته التاريخية الحقيقية في معرفة أسباب قهره التاريخي واستطالاته وتعدد أشكاله، فراح يبحث عنها في (فردوسه المفقود)... أي في عصر طفولته الإنسانية التي غلفتها أنسجة لا حدود لها من الوهم والأساطير، بما تحمله من رؤى وأفكار غير حقيقية عن سعادته آنذاك، وعن سبب فقدانه لهذه السعادة، وما حل به من شقاء وضياع  لأمنه واستقراره. وبناءً على أساس هذا الضياع راح الإنسان يمني نفسه داخل معطيات هذه الثقافة بتحقيق سعادته وأمنه وعدالته وبالتالي خلاصه. لقد بقي هذا الإنسان الضائع والمستلب والمشيء،  يحلم ويطمح في كل دورة حياتية جديدة له - وغالباً ما تكون سنوية (أعياد الميلاد وغيرها من أعياد) – بالخلاص من ضياعه وخطاياه وذنوبه وغربته وتشيئه واستلابه في عالمه هذا، لعله يخرج إنساناً بولادة جديدة. بيد أنه ظل يعيد للأسف إنتاج قهره وظلمه بسبب استمرار إيمانه بتلك الرؤى الأسطورية وطقوسها ورموزها التي يعول عليها خلاصه الأبدي، دون البحث في بنية علاقاته الاجتماعية القائمة حيث تكمن كل أسباب قهره فيها.

نعم...إنها ثقافة الأسطورة والمقدس والوهم والتخيل واللامعقول بكل أشكالها التاريخية ومن ضمنها الثقافة البدائية التي لم يستطع الإنسان حتى هذا التاريخ أن ينسلخ عن الكثير من معطياتها. إنها ثقافة تقديس الشجر، والحجر، والضحية ودمها، وسن الذئب وجلده، ونضوة الحصان، وريشة الطائر، ورأس الوعل، والثعبان، والخرزة الزرقاء، وإشعال الشموع ...

إنها ثقافة الخوف من الحاضر والآتي، بل وحتى الماضي، وما يرافق هذا الخوف من بحث عن سر الخلاص عند الشيخ وحجبته أو تميمته، أو عند الساحر ومائه ورماد نيرانه وأسماء جنياته وجنه.. إنها الثقافة العالمة لسر الوجود وحركة الكون وكوارثه أو نعمه.. إنها ثقافة الأسطورة التي لم تزل تهيمن على حياتنا ونفسر بها قوانين حركة الطبيعة والمجتمع، وعالم الإنسان الداخلي في خوفه ومرضه وألمه وحلمه ورغباته.

إنها ثقافة استرداد الماضي التي لم نزل نعتقد أننا بإحياء ذكرى بعض محطاته سنوياً سنستعيد فردسونا المفقود الذي يمنحنا تجديد حياتنا وخلاصنا الذي لم نعرف في أي مرحلة كان هذا الفردوس من تاريخ حياتنا وكيف كان، وما أكثر تلك المواقف (الأعياد) وتعدد دلالات إحيائها، أو الوقوف عند ذكراها.

هذا مع تأكيدنا بأن هذه الثقافة العالمة أصبحت الأكثر خطورة، بعد أن أخذت بعداً معاصراً رغم كل التطور العلمي والمعرفي، حيث تجسدت هذه الثقافة العالمة في بعض صيغها الأكثر حضارية وعصرية في إعادة تأكيد الانتساب إلى الطائفة والمذهب والحزب والطريقة الصوفية، التي يتلقنها الأفراد عبر طقوس تنسيبية، تمنح لهم على درجات ومراتب يشعر المرء في كل مرحلة يرتقي فيها داخل هذه التجمعات أنه خُلق خلقاً جديدا، وأنه حقق تمايزاً معرفياً ووجودياً عن غيره في معرفة نفسه وما يحيط به.. إنها ثقافة الشيخ والبطل السلبي بكل أشكال تجلياته السياسية والدينية والقبلية الذي نزحف على ركبنا للوصول إليه وتقبيل يده أو أخذ البركة من حضوره ولمسات يده كما هو الحال عند شيخ الطريقة الصوفية، أو الرضوخ له ولرأيه كما هو عند شيخ العشيرة والقبيلة والطائفة والمذهب ... إنها ثقافة كل الرموز التي تُحول الفرد منا إلى ريبورت يشعر أن كل ما تعلمه من هؤلاء هو بداية المعرفة ونهايتها، وأن معرفة الكون والمجتمع والفرد تكمن فقط فيما نتعلمه من هؤلاء.

إن الثقافة العالمة هذه، هي ثقافة الرموز والطلاسم التي لا تنتمي للعقل ولا لنشاط الإنسان، بل هي تريد للعقل والإنسان وحاضره أن ينتمي إليها، كونها هي وحدها من تمتلك الحقيقة المطلقة والعارفة بما كان وما هو كائن وما سيكون. وهي وحدها الصالحة لكل زمان ومكان... نعم... إنها الثقافة الْعَالِمَة.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

 

علي المؤمنفي ظل ماتشهده المجتمعات المسلمة من انفتاح عشوائي على ألوان الفكر والثقافات، وحرية منفلتة في التعبيرعن الرأي؛ تصل الى مستوى التجاهر بالدعوة الى الإلحاد في مجتمع مسلم محافظ من جهة، أو الدعوة الى التطرف الديني والطائفي والخرافة في مجتمع معتدل وتعددي من جهة أخرى؛ فإن تجديد الفهم الديني الى مستوى الاستجابة للحاجات الجديدة والواقع الضاغط وتحدياته؛ يعد مطلباً أساسياً يقع على عاتق الفقهاء والمفكرين الإسلاميين وأصحاب الاختصاص في الحوزات العلمية والحركات الاسلامية والجامعات والمؤسسات البحثية؛ ليكون الفهم الديني الجديد أصيلاً وعصرياً وعلمياً وإقناعياً، وجاذباً للنخب والجمهور. وإلّا فإن حالة الانفلات في شقيها: المتباعد عن الدين، والمبتدع فيه؛ يشكل خطراً على النسيج الإيماني الاجتماعي والوحدة المجتمعية. ولن يكون الشد العاطفي ضامناً و قادراً على الصمود الى الأبد في تأمين الواقع الايماني.

ومن أبرز المناهج الخاطئة في الفهم الديني، والتي نتلمس مخرجاتها في الوسط الديني والثقافي: الفهم المبتور للدين، الفهم غير التخصصي للدين، الفهم الأكاديمي للدين، الفهم اللاهوتي للإسلام، الفهم الإسقاطي للإسلام. وسنلقي الضوء ـ فيما يلي ـ على كل واحد من الأشكال الخمسة المذكورة لفهم الدين.

الفهم المبتور للدين

يعمل هذا الفهم على تفكيك الإسلام وتجزئة عناصره العقدية والشرعية والروحية والأخلاقية. في حين أن الإسلام بوصفه ديناً إلهياً خاتماً، يمثل منظومة متكاملة لاتتجزء: غيبية، روحية، عبادية، اجتماعية، ثقافية، سياسية، اقتصادية. ولا يمكن أقتطاع جانب من الإسلام ونقول هذا هو الإسلام ولا غير. فنقتطع مثلا جانب العدالة الاجتماعية في الإسلام ليصبح الدين اشتراكياً، أو نأخذ الجانب المقاوم في الإسلام، أي رفض الظلم ومواجهة الطغيان، فيصبح الدين ثورة يسارية، أو نستل الجانب الروحي فيستحيل الإسلام تصوفاً وعرفاناً وفلسفة وحكمة وأخلاقاً، أو نركز فقط على الجانب العبادي فيكون الإسلام مجرد طقوس وشعائر وارتباط شخصي بين المخلوق وخالقه، أو نحصر الإسلام في الجانب السياسي فيصبح مجرد سلطة وحكم ودولة، أو نكتفي بالجانب الاخلاقي فيتحول الإسلام ضوابط لحسن التعامل بين البشر، أو نأخذ الشورى والمشورة واحترام الرأي الآخر فقط فيكون الإسلام هو الديمقراطية، أو نقول إن الإسلام هو عقود وإيقاعات فيصبح الإسلام مجرد قوانين أحوال شخصية.

لا شك أن الجوانب المذكورة كلها موجودة في الإسلام: العدالة الاجتماعية، العلاقة الروحية بالله، رفض الظلم، العبادات والشعائر والطقوس، المعاملات والعقود والإيقاعات، القوة والسلطة والدولة، الديمقراطية، الأخلاق، الإنسانية، الرحمة وغيرها. كل هذه تمثل عناصر مكونة للعقيدة والشريعة الإسلامية، لكنها مترابطة ترابطاً عضوياً ولاتتجزء، وأن إلغاء أي عنصر أو فصله، سيؤدي الى خلل في المنظومة برمتها.

بالتالي فإن الإسلام وحدة واحدة، تكمل مكوناته بعضها الآخر.. كمكونات جسم الإنسان تماماً: الماء، الدم، الشبكة العصبية، الدورة الدموية، الجهاز الهضمي، الجهاز التنفسي، العظام، العضلات، القلب، الدماغ، وقبلها الروح المحركة لها جميعاً. فلكل عضو وظيفة، وأي خلل و عطل في عضو ما، أو إلغاء لوظيفة أحد الأعضاء، سيؤدي الى خلل شامل في جسم الإنسان. أي أن كمال خلقة الانسان هي انعكاس لكمال الدين؛ لأن خالقهما كامل، ولايصدر عن الكامل إلّا الكامل؛ لأن النقص يستحيل على الخالق، ويستحيل في خلقه، فكيف إذا كانت الشريعة الإسلامية هي خاتمة الشرائع؟. ما يعني أن الله تعالى أكمل دينه، ولم يتركه أعرجاً أو أعمى أو أصماً، أو ينقصه جانب من جوانب الحياة، ولا يستوعب كل شؤون وحاجات الإنسان ومنظومة عيشه.

والحديث هنا عن كمال الدين وليس كمال التدين، سواء تعلّق موضع التدين بالفرد أو الجماعة أو المجتمع أو نظم الدولة. وتفصيل ذلك في مقال آخر.

نعم، هناك موضوعات وحاجات مستحدثة ومستجدة، تظهر باستمرار بمرور الزمن، وبتطور المنظومة الحياتية، وأساليب العيش، وهي تمثل مساحات تفويض تشريعي أو تكييف كلامي وعقدي، يملأها الإنسان المتخصص من خلال الفهم العقدي المتجدد، الذي يعبر عنه بـ "علم الكلام الجديد"، أو النظريات والنظم الفقهية الموضوعية والأحكام الشرعية الجديدة من خلال "الإجتهاد الجديد".

و بالتالي، لا يمكن أن نفصل الدين على مقاسات فهمنا وأهدافنا الخاصة ورغباتنا وأمزجتنا وأهوائنا، بل أن غايات الدين وأهدافه ومقاصده تُعرف ـ حصراً ـ من الجهة التي أنزلت الدين وشرّعت أحكامه (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، فماجزاء من يفعل ذلك منكم إلّا خزي في الحياة الدنيا، ويوم القيامة يردون الى أشد العذاب). إذ يبين القرآن هنا أن نزعة تفكيك الدين وتجزئته ليست جديدة؛ بل هو منهج قديم عرفه أهل الكتاب قبل الإسلام، وجاء القرآن ليوبخهم لاتباعهم هذا المنهج التحريفي. وبعد البعثة النبوية أيضاً كانت هناك مقترحات على النبي محمد (ص) من زعماء قريش وبعض الملوك بهذا الخصوص، وتتلخص بتوزيع النظم والقدرة بين الإسلام وبينهم، أي تفكيك مقومات الإسلام ومخرجات شريعته، وإلغاء بعضها، والإبقاء على جزء منها لرسول الله، وفي الوقت نفسه الإبقاء على عبادة الأوثان وحضور الأصنام، وعلى سلطات زعماء قريش، وعلى النظام الإجتماعي الجاهلي نفسه، في مقابل الإعتراف بنبوة محمد وزعامته لقريش والسماح لاتباعه بالتعبد وفق تعاليم الإسلام.

و في النتيجة، فإن مقولات مثل: الإسلام أخلاق وحسب.. الإسلام معاملة فقط.. الإسلام ليس إلّا قناة تربط الفرد بربه.. الإسلام صلاة وصوم وعبادات.. الإسلام ثورة على الظلم.. الإسلام عدالة إجتماعية، أو توصيفات مثل: أنسنة الدين.. الإسلام السياسي.. الإسلام العربي.. الإسلام الشرق آسيوي، إنما هي مقولات وتوصيفات متهافتة لا تصمد أمام حقائق الإسلام وكمال أصوله.

الفهم غير التخصصي للدين

أشرنا الى أن فهم الدين لايتم وفق الذوق والمزاج والميول ونمط الحياة؛ بل يجب فهم الإسلام من خلال قصد مصدره. ومصدر الإسلام ومنزله هو الله (تعالى). أي أن فهم الإسلام محصور بقصد الله فقط، وهو المعيار حصراً، و لا مدخلية لقصد الإنسان وأهدافه وتمنياته في ذلك. وينتج عن هذه الحقيقة أن معرفة قصد الله وقراءة شريعته، تحتاجان الى تخصص عميق في فهم قصد الشارع و نصه المقدس والصحيح من سنة نبيه وأهل بيته.

وتزداد أهمية التخصص كلما تراكمت المعرفة الدينية وازدادت الحاجة الى علوم وأدوات جديدة في الفهم الديني، وهو ما يتناسب طردياً مع الابتعاد عن عصر النص. وكما لايجوز الاستهانة بأي تخصص علمي إنساني، فلا يجوز الاستهانة بعلوم فهم الدين، فيأتي أي شخص؛ أيا كان عمله وتخصصه المعرفي ومستواه التعليمي، ويفسر القرآن والحديث، ويلغي وينفي ويثبت وينسخ مايعجبه من الآيات والأحاديث، ثم يغير الأحكام، ويجتهد، ويقدم نظريات وطروحات، دون أن يكون متخصصاً.

صحيح أن هناك قراءات وتفسيرات واجتهادات وأفهام بشرية، وهو حق كفله الله للانسان، ليجتهد ويؤول ويفسر؛ لكنها قراءات المتخصصين حصراً، لأن قراءة الدين (نصوصه وأدوات قراءاتها) عمل تخصصي عميق، ولا يمكن أن يخرج عن المنهج الديني ومقصد الدين وفلسفته الإلهية.

والاختلاف في الاجتهادات والقراءات بين المتخصصين لايعد مثلبة في الدين أو المتدينين، بل هو أمر طبيعي، خاصة مع عدم وجود النص في الواقعة و الموضوع، وهو كأي إختلاف بين المتخصصين في العلوم والمعارف الأخرى. فضلاً عن أن اختلاف القراءات بين المتخصصين لا يصل الى كليات العقيدة والشريعة و أحكامها العامة، بل في الموضوعات التفصيلية. وهذه القراءة تعبر عن بذل الفقيه أو المتكلم جهده ووسعه للتوصل الى قصد الشارع أو ما يعرف بالحكم الظاهري. ولا يعني ذلك القطع أو الجزم بالتوصل إليه، لا سيما مع عدم وجود نص، لكنه في الحد الأدنى يمثل مقاربة تخصصية عميقة، وليست عشوائية أو ارتجالية أو مزاجية. أما القطع أو الحكم الحقيقي فلا يتوافران إلّا للمعصوم.

و حيال هذا الجهد العميق الذي يبذله المتخصص، يهدف الى براءة الذمة الشرعية، يمكن تفسير المأثور: (إن الفقيه إذا أخطأ كان له حسنة، وإذا أصاب فله عشر). أي أن الخطأ والصواب مقيدان بالفقاهة والإجتهاد، أي القدرة على استنباط حكم الشرع من مصادره وعبر أدواته التخصصية، وليس الباب الفتيا أو البت في المسائل العقدية والفقهية مفتوحاً دون ضوابط، وهو ما أكد عليه المأثور: ((من أفتى الناس بغير علم ولا هدى من الله لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ولحقه وزر من عمل بفتياه).

و لذلك؛ لاخيار إلّا بالأخذ بالقطع النسبي الذي ينتجه المتخصص (عالم الكلام والفقيه). وهذا اللون من القطع يتوافر عند المتخصص حصراً، لأنه بذل الوسع والجهد عبر استخدام أدوات التخصص المنتزعة من جنس الموضوع، للتوصل الى قصد الشارع والحكم الحقيقي، سواء في الموضوعات العقدية أو الفقهية، فكان فهمه مبرءاً لذمته وذمة الملكف الذي يرجع إليه.

أما قراءة الدين دون تخصص، أو من خلال منهج لاديني، والاعتماد على فهم هذا المنهج في تحديد فهم المسألة العقدية أوالفقهية، فهو عبث بالمعايير العقلية قبل النقلية. وهو شبيه بفهم الطبيب وغير الطبيب للحالات المرضية، فالطبيب (المختص) الذي يبذل جهده لتشخيص المرض (معرفة الموضوع)، ثم يشخص علاج المرض (حكم الموضوع)، ويصف الدواء وطريقة استخدامه (يشرح مضمون التكليف وشكله)، ربما يخطيء في التشخيص والوصف، ولكن لا خيار غير الاتكال على فهم الطبيب، لأنه مختص، و ضرره خطإه غير المقصود أقل بكثير من ضرر مايتسبب به غير الطبيب الذي يقحم نفسه في تشخيص المرض والعلاج. وهذا ما يتفق في مضمونه مع خطورة اعتماد الجماعات الدينية التكفيرية المسلحة على فتاوى غير الفقهاء، ولاسيما في قضايا الدماء والأعراض والأموال.

لقد بات العالم يدعو الى مزيد التخصص بمرور الأيام، كلما ازدادت وتيرة الإكتشافات العلمية سرعة، وإلى احترام منهج التخصص الدقيق والتخصص الأدق، فلا يتدخل المتخصص في شؤون تخصص آخر. فجراح الدماغ ـ مثلاً ـ هو صاحب الرأي الأول والأخير في الفحص والتشخيص والعلاج في أمراض الدماغ. بل أن الطبيب الاختصاص في جراحة الجملة العصبية، لا يعطي رأياً في مشاكل الدماغ، فكيف بمهندس البناء الذي يريد أن يكون له رأي في جراحة الدماغ ؟.

بينما نرى في علوم فهم الدين، أن الصحافي والسياسي والمهندس والعامل والفلاح والضابط والشاعر والحقوقي والفيزياوي؛ لايترددون في تقديم فهم شخصي للدين ومعارفه وأحكام الشريعة، ويقول هذا رأيي، وهذا ما أعتقده. بل أن بعض هؤلاء يحملون ايديولوجية تتعارض مع الدين، كأن يكون صاحب الرأي الإجتهادي في الدين شيوعياً أو عنصرياً أو علمانياً، ولكنه يمتلك الجرأة ليفتي في الشأن الديني التخصصي.

وحتى المسلم المتدين غير المتخصص، لايمتلك القدرة على تقديم فهم شخصي في الموضوعات الدينية التخصصية، طالما أنه غير متخصص، سواء كانت الموضوعات عقدية أو فقهية. فبعض المتدينين يجتهد ويفتي ـ مثلاً ـ بعدم وجود نظرية اقتصادية في الإسلام، وآخر يعتقد أن أحكام الإرث لا تتوافق مع العصر، وثالث يبدو له أن هذا الحديث النبوي كذب، وبعضهم يسخر من مبدإ التقليد في أحكام الفقه. في حين أن القراءة الدينية التخصصية بحاجة الى متخصص في جملة من العلوم، بدءاً بعلوم القرآن وعلوم الحديث والرجال وعلوم اللغة العربية و الكلام، وانتهاءً بعلمي الفقه وأصوله.

وبصرف النظر عن تفاصيل الإختلاف في مقولة حرمة التقليد في الأصول، أو ما يعرف بحرمة الأخذ برأي الغير في المسائل العقدية دون معرفة الدليل، وضرورة نظر المكلّف في الموضوعات العقدية للوصول الى المعرفة اليقينية، فإن التطور الهائل للموضوعات الكلامية وتوسعها عمودياً وأفقياً، واتساع دائرة المعارف الإنسانية، وتراكم الأسئلة العقدية المركّبة، جعل الرجوع الى المختص في القضايا العقدية أيضاً أمر لامهرب منه، وليس الفقهية وحسب، فضلاً عن أن هذا الرجوع بات قائماً عملياً، وبخلافه ستتوسع دائرة الفوضى الفكرية والإرباك العقدي لدى عموم الناس، لأن عموم المكلفين عاجزين ـ بفعل مختلف الظروف والأسباب والمعوقات ـ عن التوصل من خلال البحث والنظر المعمقين الى المعرفة اليقينية بالقضايا العقدية الكبرى، كالألوهية والوحدانية، والعدالة الإلهية والجبر والتفويض، والولاية التكوينية والولاية التشريعية، والخلق والنشوء، والوحي والتنزيل، والنبوات، والعصمة، والإمامة و غيرها من الموضوعات التي بات كل واحد منها بحاجة الى تخصص دقيق، ولا سيما مع ظهور المناهج المضادة والمعارِضة الحديثة.

ويدخل ضمن إطار الفهم غير التخصصي للدين أيضاً:

أ‌- استخدام بعض علماء الدين مناهج تجعلهم يجتهدون مقابل النص؛ الذي هو ثابت ديني؛ فيخلطون بين الثوابت والمتغيرات، ويخالفون النصوص التعبدية، ويجنحون نحو الانفلات في فهم مقتضيات العصر، أو ما بات معروفاً بتطبيق مدخلية الزمان والمكان والظروف في تغيير موضوعات الأحكام الشرعية.

ب‌- الجمود على فهم السلف للدين، ومانقلوه من أحاديث وأخبار، بل اعتماد سلوكياتهم كمصدر تشريعي، فيكون الناتج إسلامات متعارضة بعدد الصحابة والسلف.

ت‌- اعتماد بعض الجماعات المنتسبة للإسلام على أشخاص غير متخصصين في الشريعة، لإصدار فتاوى في أخطر الموضوعات، كالدماء والأموال والأعراض، الأمر الذي أباح لكثير من هذه الجماعات ممارسة كل ما يتعارض مع الدين من أعمال إرهابية وجرائم.

الفهم الأكاديمي للدين

يرى أصحاب الاختصاصات الأكاديمية، كالمناهج الفلسفية الغربية، والعلوم التجريبية والإنسانية والاجتماعية، بدأ بالانثربولوجيا وفيزياء الكون والهندسة الوراثية والاحياء، وانتهاء بعلوم النفس والاجتماع والقانون واللسانيات والتاريخ، بأن فهمم للدين هو فهم علمي ناجز، لأنهم يستندون الى اختصاصاتهم الأكاديمي و المنهجي. والأنكى أن أصحاب هذه المناهج يحاولون حصر الفهم العلمي بمناهجهم ونظرياتهم ورؤاهم الفلسفية والأكاديمية التجريبية؛ لكي تكون مخرجاتها ونتائجها ملزِمة.

ولكن؛ ليس بالإمكان طرح نظريات فهم ديني بادوات بشرية غير مقبولة دينياً، وليس بالإمكان منهجياً ومنطقياً فهم الدين، والإسلام ونصوصه تحديداً، فهماً حقيقياً لصيقاً بغاياته وأهدافه وكينونته وبنيته، وفق مناهج وفلسفات غير مقبولة دينياً أوعلوم غير دينية، بدءاً بالهرمينوطيقيا (فلسفة التأويل) والفينومينولوجيا (فلسفة الظاهر) والانطولوجيا (فلسفة الوجود)، وانتهاء بالابستمولوجيا (فلسفة المعرفة) والبلوراليسم (التعددية).

وبالتالي فإن الإتكاء على نظريات "ستيفن هاوكينغ" في الفيزياء الكونية مثالاً، أو الأخذ بنظريات "هوسلر" و "سارتر" و "ماركس" و "دارون"، لتقديم فهم للتكوين والخلق والوجود والأبدية والأزلية والمعرفة الدينية؛ سيكون مآله تهافت الغيب، والتشكيك بالله، ونفي الوحي، والنبوات، وإلهية النص المنزل، وآخره النص القرآني، وأبدبة التشريعات الثابتة.

صحيح، أن مناهج الفلسفة والعلوم التجريبية والإنسانية والاجتماعية وأدواتها ومعارفها، كالعلوم القانونية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية، وعلم النفس الإجتماعي والانثروبولوجيا والمثيولوجيا واللسانيات والهرمينوطيقيا، تساهم مساهمة مهمة في توسيع آفاق الفقيه والمتكلم، وقدرتهما على معالجة الإشكاليات، والإجابة على الأسئلة، وتشخيص الموضوعات والأحكام، وتحويل حُزم الأحكام الى نظريات، والنظريات الى نظم، و لكن هذه المناهج تمثل مناهج ساندة يستثمرها المتخصص الديني، وليست مناهج مستقلة لفهم حقيقة الدين.

ولاشك، أن فهم الفيلسوف والمفكر الغربي وفهم الفقيه والمتكلم الإسلامي، هما فهمان بشريان، إلّا أن أدوات الفقيه في فهم الدين منتزعة من الدين نفسه، أو أنها قواعد لا تتعارض معه. أما أدوات الفيلسوف الغربي لفهم الدين، فهي أدوات وقواعد بشرية محضة، وغالباً ما تتعارض مع مقاصد الدين وجوهره اللصيق بالغيب. لذلك يستحيل أن تكون الأدواتُ المتعارضة مع الدين مرجعيةً في فهمه. مثلاً: هل يمكن أن نفهم الغيب والوحي والتزيل والنبوات والنص القرآني وحجية السنة بمنهج يتعارض مع هذه المفاهيم أساساً؟

وإذا كان المتلقي وصاحب الحاجة لفهم الدين ومخرجاته متديناً، ويهدف الى فهم منطومته العقدية أو الحكم الشرعي الذي يريد العمل به، فإن الفقيه والمتكلم هما مرجعيته وحجته في هذا الفهم لا شك. أما إذا كان المتلقي يتبنى ايديولوجيا غير دينية أو معارضة للدين ـ وإن كان مسلماً بالوراثة ـ فإنه من الطبيعي أن يلجأ الى المناهج والفلسفات الغربية غير الدينية في فهم الدين.

الفهم اللاهوتي للإسلام

ولد فكر عصر النهضة الأوربية، ومناهجه الفلسفية في التفكير، وعلومه التجريبية والإنسانية الحديثة، في إطار حراك تاريخي طويل، شامل وحاد، و لصيق بهوية البيئة الأوربية وعناصر تكوينها، و بجوهر الصراع التراكمي الخاص بها. و يستند تأسيس هذه المناهج الى ثلاث خلفيات:

الأولى: الفراغات الفكرية والمنهجية والتشريعية الحادة في الديانة المسيحية.

الثانية: الصراع بين سلطات الكهنوت الكنيسي والسلطات السياسية المتحالفة معه (التحالف الثيوقراطي السلطوي المستبد والمتخلف) وبين تيارات التحرر السياسي والفكري التنويري.

الثالثة: إتهامات التنويريين للتحالف الثيوقراطي السلطوي (الكهنوت وأنظمة الحكم المطلق) بأنه وراء كل مضامين وأشكال التخلف العلمي والفكري والثقافي والسياسي والإجتماعي والإقتصادي في أوربا.

و قد حقق فكر عصر النهضة الأوربية وفهمه العلماني للدين ثلاثة نجاحات واقعية أساسية:

الأول: التطور العلمي التجريبي والعمراني والإنساني للغرب.

الثاني: التطور في النظم السياسية والقانونية في الغرب.

الثالث: إنطلاق الحركات الإستعمارية العالمية الغربية وسيطرتها على معظم الكرة الأرضية.

هذه النجاحات، فتحت الأبواب لتعميم معادلات فكر عصر النهضة الاوربية العلماني على الإسلام ونصوصه وعقيدته وشريعته ومنظوماته، فأخذ بعض المفكرين والباحثين والمستشرقين والمهتمين (الغربيين أو من أبناء البيئة المسلمة) الى إعادة فهم الإسلام عبر إسقاط اللاهوت المسيحي وتعاليم الديانة المسيحية وفراغاتها على تعاليم الإسلام ومفاهيمه، والى استخدام أدوات فهم اللاهوت المسيحي ومناهجه، ومايتضمنه من تعارضات داخلية في فهم الدين الاسلامي، وتطبيق معادلات الصراع بين الكنيسة والتنويرين وفلسفات عصر النهضة الاوربية على المنظومة الدينية الاسلامية.

فنجد يعض هؤلاء المفكرين والباحثين يعتمد اللوثرية، وتحديداً منهج "فلاسيوس"؛ لينتهي الى أن تشبيه الواقع الإسلامي بالواقع المسيحي قبل ظهور لوثر أو الانشقاقات البروتستانتية والأرذوكسية واللوثرية، أوبالعصور المسيحية الوسطى الأوربية. وراح آخرون يخططون لثورة تنويرية مسلمة على الموروث الديني الإسلامي، وتعميم مصطلح الموروث على النص القرآني والحديث. وتتزامن مع ثورة على المنظومة الدينية الإسلامية ومتكلميها وفقهائها.

ولوقعنة هذه الثورات المضادة للدين، عمدت موجات الغزو الفكري والمنهجي العلماني إلى توصيف بعض المفكرين والباحثين المسلمين بأنه (مارتن لوثر الإسلام)، و إلى نحت مصطلحات عائمة كـ (اللوثرية الإسلامية) أو (الإسلام الأرثذوكسي) أو (الإسلام البروتستانتي) كمناهج في فهم الاسلام. وهذا المقاربة تساوق في خطئها وخطورتها فهم الإسلام بمنهج ماركسي إلحادي.

الفهم الإسقاطي للإسلام

تماهياً مع وسائل التوجيه الغربية، يستحضر العلمانيون ممارسات الدول السلطانية المسلمة وسلوكياتها، ونظمها الثيوقراطية الشمولية المستبدة، بدءاً بالدولتين الأموية والعباسية وانتهاءً بالدولتين الصفوية والعثمانية، ليتهموا الإسلام بالفشل إنسانياً، وبانطوائه على عناصر الظلم والاستبداد والتخلف.

وفي الخطوة التالية، يشبه العلمانيون المنظومة الدينية الإسلامية بالمنظومة الدينية المسيحية الكنيسية في مرحلة ماقبل عصر النهضة الأوربية. ثم ينتهوا إلى نتيجة قسرية مفادها أن تحرر أوربا من التحالف الكنسي السلطوي المتخلف المستبد، ودخولها عصر التنوير، لم يحصل إلّا بالقضاء على هذا التحالف أولاً، ثم إقصاء المنظومة الدينية الكنسية عن الشأن العام والتشريع والسياسة والدولة ثانياً. وعليه، فإن سر تطور أوربا وتقدمها الشامل يستند إلى البديل العلماني حصراً. وهو المسار الذي ينبغي على المسلمين الأخذ به، لينطلقوا في رحاب النهضة الحضارية، والتحرر الفكري والثقافي، والبناء القانوني المؤسسي، والاستقرار السياسي والإجتماعي والأمني، والنماء الإقتصادي والعمراني، والتطور العلمي والتكنولوجي.

هذه المعادلات الوهمية ليست سوى شعارات تصلح للاستغفال النفسي والعقلي، والهيمنة السياسية والإقتصادية، والغزو الفكري والثقافي، والتخريب الإجتماعي، لأن إسقاط الواقع الاوربي في عصور ماقبل النهضة على واقع المسلمين، والمنظومة الدينية الكنيسية على المنظومة الدينية الإسلامية، و الديانة المسيحية على الديانة الإسلامية، هو إسقاط لايمت إلى أي معيار علمي ومنهحي، بالنظر للإختلاف الماهوي بين الديانتين والواقعين.

ويشبه هذا الإسقاط، اتهام الإسلام بالمسؤولية عن إرهاب الجماعات الدينية التكفيرية المسلحة، كالقاعدة وداعش، وسلوكياتها، وبأنّ النص الديني الإسلامي المتمثل بالقرآن والسنة، يدفعان الى هذه السلوكيات جزماً.

ولا شك أن هذا الأسلوب في تحميل الإسلام المسؤولية، تقف وراءه أهدافاً ايديولوجية وسياسية مناهضة للدين أساساً، لأن معظم أصحاب هذه الأهداف يدركون جيداً أن معيار فهم الإسلام، ليس سلوك المنتسبين إليه وتفسيراتهم المصلحية ونظرياتهم المبتسرة التجزيئية التي يطبقونها وفق أهوائهم، لتحقيق مصالح سلطوية وسياسية واقتصادية واجتماعية، بل المعيار هو الفهم التخصصي الدقيق للدين.

نتائج الفهم غير التخصصي وغير المنضبط  للإسلام

سيؤدي الفهم المبتور أو غير التخصصي أو اللاديني للإسلام؛ إلى إسلامات مصلحية ومزاجية ومنفلتة وشخصية لا حد لها ولا حصر؛ جراء صدور رؤى وأفكار وأحكام وفتاوى تتعارض مع مقاصد الدين وأهداف الإسلام ومنظومته العقدية والشرعية، بل تتعارض ـ أحياناً ـ مع بديهيات الدين ومظاهر التدين. الأمر الذي ينتهي الى إنتاج إسلام سلوكي، وإسلام روحي، وإسلام داعشي، وإسلام اشتراكي، وإسلام ليبرالي، وإسلام علماني، وإسلام بدون علماء دين، وإسلام مدني، وإسلام بروتستانتي؛ وصولا الى الإسلام الإلحادي.

نعم؛ هناك من بات يطرح ـ بكل جرأة ـ إسلاماً إلحادياً، وليس علمانياً وحسب. فكما أن بعض المناهج التحريفية ينتج عنها إسلامٌ دموي سلطوي طاغوتي؛ فإن مناهج أخرى منفلتة ينتج عنها إسلام إلحادي.

 

د. علي المؤمن

 

محمود محمد علينعود إلي الجزء الثاني من حديثا عن المفارقات المنهجية في نشأة لغتنا العربية فنقول : كان أول من تعرض للحديث عن نشأة النحو "ابن سلام الجمحي" (المتوفي 232هـ) قال : " وكان أول من أسس العربية، وفتح بابها، وأنهج سبيلها، ووضع قياسها أبو الأسود الدؤلي "؛ ويذكر أبو الطيب اللغوي (المتوفي 351هـ) روايات أخرى تُجمع على أن أبا الأسود هو الواضع لعلم النحو، ولا تشير إلي الإمام علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه)، أو غيره، وذكر "أبو سعيد السيرافي"  (284هـ - 368هـ) بعد الرواية التي تشير إلى اختلاف الناس في واضع النحو روايات متعددة تُجمع على أن أبا الأسود هو الواضع لعلم النحو بعد قوله في الرواية السابقة "وأكثر الناس على أبي الأسود". ونفس الشيء  ذهب إليه ابن قتيبة الدينوري في كتابه " الشعر والشعراء " (213 هـ-15 رجب 276 هـ)، إذ يجعله " أول مَنْ عمل في النحو كتابا ".

ويمكن أن نعلق على الروايات الثلاث، ففيما يتعلق بالرواية الثانية والثالثة  التي تعزي وضع النحو إلى "أبي الأسود الدؤلي" بمشاركة "نصر بن عاصم الليثي"، و"عبد الرحمن بن هرمز" الإمام "علي بن أبي طالب" (كرم الله وجهه)، أو تفرده بوضع النحو  فإننا نقول استناداً إلى الروايات الكثيرة الواردة في وضع أبي الأسود للنحو إن أبا الأسود هو الذي يصح أن يعد واضع النحو والمؤسس الحقيقي له، وذلك لما لهذا الرجل من علم واسع في علوم العربية، وإطلاع غزير على مسائلها، زد على ذلك أنه وضع أول نقط يحرر حركات أواخر الكلمات في القرآن الكريم . علاوة على أن أبا الأسود هو البادئ بوضع هذا العلم بتدوين يء من أصوله وضوابطه . ولا يعنينا إن كان عمله هذا بدافع ذاتي أو بحث من الإمام علي أو زياد أو ابنه عبيد الله .

وأما فيما يتعلق بالرواية الأولي، التى تُعزي وضع النحو لعلي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، فإننا لا نؤيد أن يكون الإمام علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) هو من وضع علم النحو كما قالت الروايات في هذا الصدد، وذلك لأن  " الأعباء التي كان يضطلع بها الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه أثقل من أن تتيح له التفكير في وضع النحو ؛ إذ كان - كرم الله وجهه – موزع الجهد والفكر لتثبيت دعائم الدولة، وإقامة أحكام الدين، وتدبير شئون الرعية، وإحباط المكائد.

وننتقل إلى نقطة أخرى نود أن نناقشها، وهي تتعلق بعملية نشأة القاعدة النحوية، فمن المعروف أن النحو العربي قد مر في نشأته بمرحلتين :-

المرحلة الأولى - ضبط النص القرآني، وكانت هذه المرحلة العاجلة التي تطلبت حلاً سريعًا، ولقد كان هذا الحل – الذي قام به أبو الأسود الدؤلي – خطوة تمهيدية لنشأة القواعد اللغوية، بيد أنها مع ذلك جوهرية . ولقد اتسم ضبط النص القرآني، الذي اصطلح عليه فيما بعد بنقط الإعراب – بالضرورة باعتبار أن الحاجة العاجلة إلى العربية لغة إنما تنطلق من الرغبة في صحة التعامل مع النص الديني أداء، وهذه الرغبة متصلة أوثق الاتصال بالعقيدة، ومن ثم كان يشتد إلحاحها مع اتساع دائرتها، وازدياد انتشارها.

المرحلة الثانية - الانتقال إلى التصدي المباشر للمشكلة اللغوية، ولقد بدأت هذه المرحلة عقب الانتهاء من المرحلة السابقة، إذ لفت نظر أبي الأسود أثناء ضبطه للنص القرآني هذا الاختلاف في الحركات في أواخر الكلمات، وليس من المستبعد أن يحاول  أبو الأسود إيجاد تصنيف من نوع ما لهذه الحركات، بل لقد صنفها بالفعل إلى : مضمومات، ومفتوحات، ومكسورات : منونة، وغير منونة . وهكذا أدرك  أبو الأسود ظواهر التصرف الإعرابي، وإن لم يستخدم بالضرورة المصطلحات التي وضعت له من بعد، وكان هذا الإدراك نقطة البدء في التفكير في ظواهر اللغة، ومن ثم التناول الموضوعي لهذه الظواهر.

وهكذا أثمرت الخطوة الثانية، التي تم فيها التصدي لمواجهة تحديد المشكلة اللغوية – بعد فترة طويلة من المعاناة في استكشاف ظواهر اللغة، وتحديدها، والتردد في تصنيفها وتشكيلها – وضع قواعد النحو، تلك القواعد التي أتيح لها أن تنمو، وتتطور، وتنضج، وتستقر، حتى يصيبها الاستقرار بما يصيب كافة الظواهر من تجمد واحتراز، وهذه القواعد كما قلنا من قبل، قد انفرد بروايتها " أبو القاسم عبد الرحمن الزجاجي، (توفي عام 340 هجري) "، وهو أحد نحاة القرن الرابع الهجري حين نسب علم النحو إلى الإمام علي بن أبي طالب من خلال الرواية التي ذكرناها له من قبل، عندما دخل عليه  الصحابي الجليل "أبو الأسود الدؤلي" وبدأ يملي عليه أبواب النحو " ؛ وهذه الرواية تناقلها المؤرخون بعد ذلك بنصها، فوجدنا " أبو البركات الأنباري (513 هـ-577 هـ )، وهو أحد نحاة القرن السادس الهجري في كتابه "نزهة الألباء "؛ وكذلك كل من ياقوت الحموي (المتوفي 626هـ) في كتابه "معجم الأدباء"، والقفطي (المتوفي 645هـ) في كتابه " أنباء الرواة "، وهما من نحاة القرن السابع الهجري، وعنهما سار كل النحاة الباحثين عن نشأة النحو يعولون على روايتهما.

وهذا الأمر يجعلنا نتساءل : كيف تسني لعصر أبي الأسود أو الإمام علي بن أبي طالب( والذي أطلقنا عليه بأنه يمثل المرحلة الوصفية من نشأة علم النحو)، أن يحمل كثيراً من التعريفات، والتقسيمات، والأبواب، في النحو؟  من أين جاء تقسيم الكلام إلى أسماء، وأفعال، وحروف، ثم يضع لكل منها تعريفا ؟! وكذلك تقسم الأسماء إلى ثلاثة : ظاهر، ومضمر، ومبهم، ويوضع لكل منها تعريفاً، ثم يُضرب لها أمثلة ؟! وكذلك تُوضع أبوابًا في النحو عديدة منها : باب الفاعل، والمفعول، والتعجب، والمضاف، وأدوات الرفع، والنصب، والجر، والجزم، والنعت، والاستفهام ؟! وليت الأمر وقف عند ذلك، بل رأينا الكثير من كلام بعض المؤرخين ما يُفهم منه أنه قد وضعت أبواب النحو جميعًا وبتمامها؟!

إنني أعتقد بأن هذه الرواية التي رواها " الزجاجي "، ومن بعده " ابن الأنباري "، و"ياقوت الحموي"، و"القفطي"  عن نشأة النحو وأجمع على ذكرها عليها جميع النحاة المتأخرين بعد ذلك، قد حملت في تقسيم أبواب النحو بُعدين : بُعد شيعي، وبُعد منطقي، ويمكن توضيح ذلك على النحو التالي:-

1- البُعد الشيعي:

وهذا البُعد رجحه الكثير من أساتذة النحو المعاصرين ؛ حيث رأوا أن كل الروايات التي رواها المؤرخون بداية من القرن الرابع الهجري وما بعده، والتي أكدت على أن "علي بن أي طالب" رضي الله عنه،  هو الذي قسم أبواب النحو، حملت بُعداً شيعياً، فوجدنا مثلاً بعض الباحثين المعاصرين المتعصبين للفكر الشيعي أثناء تعليقه على روايات النحاة المتأخرين، يقول :" والذي نراه أن الإمام "علي بن أبي طالب" رضي الله عنه، لم يكن شخصاً اعتيادياً، بل هو إمام معصوم، نشأ نشأة عربية خالصة، وتربي على يد الرسول الأكرم" محمد" صلي الله عليه وسلم، فليس غريبًا أن يوجه أبا الأسود الدؤلي ويرشده ويشرف عليه في وضع اللبنة الأولى للنحو العربي وكثرة المعارك التي شهدها عصره، لم تعفه من هذه المهمة الجليلة، فالإمام خاض المعارك ضد المشركين والمنافقين والطامعين من أجل إعادة الناس إلي جوهر الإسلام ولب العقيدة، ووضع القواعد النحوية جزء لا يتجزأ من واجباته التي يراها ضرورية لحفظ القرآن الكريم، وتنقيتها من الشوائب واللحن والفساد، وقدراته في العربية غير خافية على أحد وتُعد خُطبه التي جمعها "الشريف الرضي (ت:406هـ) " فيما بعد خير دليل على ما نقول، ففيها من براعة الأسلوب ومتانة اللغة ما يدل على علو باع الإمام علي بدقائق اللغة، ومعرفة دقائق مسائلها .

وإلى مثل هذا الرأي ذهبت الدكتورة " خديجة الحديثي"  في كتابها "الشاهد وأصول النحو في كتاب سيبويه"، ولكنها لم تنسب ذلك إلى التشيع، وإنما إلي أن أبا الأسود ربما نسب ما فعله إلى الإمام "علي" ليضفي عليه صفة دينية ؛ وفي هذا تقول :" ومثل هذه الرواية القائلة بأن الإمام "علي بن أبي طالب" هو الواضع الأول لعلم النحو، لأن الصحابة الأوائل، وعلي رأسهم علي (رضي الله عنه)، لم ينصرفوا إلى هذه الناحية، إنما كان جل همهم منصباً على تثبيت أركان الإسلام ونشره خارج الجزيرة العربية، والذي نراه أنه كان من بين الذين حثوا "أبا الأسود" إلى ما وضعه مما اشتهر به من نقط المصحف، والذي هو جزء من الإعراب والنحو، لما عرف عنه من ملازمته إياه واتصاله الدائم به . وقد يكون "أبو الأسود" نفسه هو الذي وضع النحو للإمام "علي" حتي يشتهر ما وضعه ويأخذ به الناس بعد أن يكتسب صبغة دينية تبين قيمة هذا العمل الذي قام به .

ومن جهة أخرى تؤكد الدكتورة "خديجة" في كتابها " المدارس النحوية"، حين قالت :" إنه من غير المعقول أن يكون الإمام "علي"، قد وضع أول ما وضع هذه التحديدات والرسوم والتقسيمات الناضجة المحددة للكلام، وأقسامه، وتحديد كل قسم بلا أمثلة، إنما بتحديد نظري لم نجد مثله في كتاب سيبويه، الذي جاء بعد "علي" رضي الله عنه، بمائة وأربعين سنة، وكذا تقسيمه الأشياء،أو الأسماء، إلي ظاهر، ومضمر غير منطقي، وغير معقول وجوده في زمن كزمن الإمام "علي" . أما وضع أبي الأسود لحروف النصب ونسيانه "لكن" وقول الإمام "علي" له: هي منها فزدها فيها "، فيدل على أن النحو قد بلغ في أيامهما أوج نضجه واكتماله ؛ لهذا فالرواية غير واقعية ولا مقبولة . وسار على منهجها من التشكيك الشيخ "محمد الطنطاوي".

وبالسياق نفسه يحاول المفكر اللغوي الدكتور " علي أبو المكارم" (المتوفي في 26 يوليو 2015م)  في كتابه "تقويم الفكر النحوي"، استبعاد أن يكون الإمام "علي" من أوائل الذين وضعوا النحو محتجًا بسببين : الأول - وضوح الهدف السياسي من نسبة هذه الأولية إليه . والثاني - أن طبيعة الظروف السياسية وعمق التغيرات الاجتماعية التي جابهته كانت من العجلة بحيث فرضت عليه مواجهتها، وشغلت فكره عن الالتفات إلى غيرها .

وأما أستاذنا الدكتور " شوقي ضيف " (المتوفي 10 مارس 2005م)، في كتابه " نشأة النحو وتطوره"، فقد أعلن أن "الروايات التي وردت بشأن نشأة النحو على يد أبي الأسود أو الإمام "علي"  تحمل تضاعيفها ما يقطع انتحالها لما يجري فيها من تعريفات، وتقسيمات منطقية، لا يُعقل عن علي بن أبي طالب أو عن أحد معاصريه، ولعل الشيعة هم الذين نحلوه هذا الوضع القديم للنحو الذي لا يعقل في شيء  وأولية هذا العلم ونشأته".

وذهب إلى مثل هذا المذهب الدكتور "أحمد مكي الأنصاري" في بحث له بعنوان "التيار القياسي في المدرسة البصرية"، فقال :" وإذا أردنا أن نناقش هذه الروايات – يعني نشأة النحو مناقشة علمية هادئة هادفة، ينبغي أن نستبعد منذ البداية تلك الروايات التي تنسب إلى الإمام "علي" كرم الله وجهه أنه هو الذي وضع النحو العربي، وليس معني ذلك أن الإمام عليا أعجز من أن يضع مثل هذا النحو المفصل، ولكن لأن الزمن لا يلائم هذا التفصيل المنطقي، كما أن الإمام "علي" كان مشغولاً بما هو أهم من ذلك بكثير في تلك الظروف السياسية المضطربة التي كانت في أمس الحاجة إلي جهود متكاملة". ثم ذهب الدكتور "الأنصاري"، وهو يحاول أن يرد الروايات التي نسبت وضع النحو إلى الإمام علي إلى أن " نسبة الوضع التفصيلي للإمام علي جاءت من فكرة التشيع التي تنسب إليه دائمًا عظائم الأمور، في حين أن مكانته العظيمة في غنى عن مثل هذا الانتحال الواضح، ولكن العصبية المذهبية تطغي على العقول، ومن يدري لعل أبا الأسود نفسه هو الذي نسب ذلك إلى الإمام "علي" إرضاء للنزعة الشيعية المتعمقة ". وللحديث بقية!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

الاستبداد ظاهرة تاريخية مارسها الفرد-، ومارستها الشعوب في التاريخ، وكان لها تداعيات تراكمية على تشكيل عقل الإنسان-، وبالتالي على بنيته الفكرية، التي أسست له رؤيته للحياة وكيفية سلوكه فيها.

فكانت الرسالات السماوية التي جاءت على فترات زمنية متتالية، تعيد النصاب للمسار التاريخي وفق السنن، وتسعى لتقيم نصاب العدالة الاجتماعية، وتعيد بنية الأفكار وفق المسار السليم.

ومازال التحدي مستمرا في الصراع بين الاستبداد، ومحاولة سلب العقول والوعي الإنساني، وبين محاولات التحرر وتحقيق العدالة.

ويكمن خطر الاستبداد جوهريا في محاولة ممارسه تقمص دور الرب، وجعل الناس عبيدا، من خلال خفض مستوى وعيهم، وتغيير سُلَّم أولوياتهم، وتشويه رؤيتهم الكونية، ليصب ذلك كله في صالح المستبد، الذي يهمه جدا التجهيل، ليبقى هو متربعا على العرش وعلى رقاب الناس.

١.٢ نظم الاستبداد وموت العقل:

إن الانفتاح والتطور الحضاري الذي شهدته حقب تاريخية سابقة تألقت فيها حضارات، كانت سماتها العامة والأساسية تتميز بانفتاح الفكر وتلاقحه مع الآخر وتكامله معه، على أساس تعدد القراءات البشرية للكون والـتألق العقلي، الذي تميز بتطبيق القاعدة القرآنية الداعية بكثرة إلى التدبر، وعمق التفكر والإعقال، واتباع الأحسن من القول. وهي قاعدة تشكل بنية أساسية لأي حضارة تنشد الكمال، وتسير في طريقها التكاملي تصاعديا لخدمة محور الكون والدين ، أي الإنسان.

ينبني مفهوم الحضارة عند ابن نبي، على اعتقاده الراسخ بأن "مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارية، ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته، ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية، وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها".

وانطلاقا من هذا الاعتقاد الراسخ بأهمية الحضارة، وضرورة "فقه" حركتها منذ انطلاقتها الأولى إلى أفولها، يحاول ابن نبي إعطاء تعريف واسع للحضارة، يتحدد عنده في ضرورة "توفر مجموع الشروط الأخلاقية والمادية، التي تتيح لمجتمع معين أن يقسم لكل فرد من أفراده، في كل طور من أطوار وجوده، منذ الطفولة إلى الشيخوخة، المساعدة الضرورية له في هذا الطور أو ذاك من أطوار نموه"[2].

وعلى هذا، فكل ما يوفره المجتمع لأبنائه من وسائل تثقيفية وضمانات أمنية، وحقوق ضرورية تمثل جميعها أشكالا مختلفة للمساعدة، التي يريد ويقدر المجتمع المتحضر على تقديمها للفرد الذي ينتمي إليه[3].

وللتعرف على حضارات الشعوب يتم دراسة العناصر التالية:

ـ طرق العيش والظروف الطبيعية.

ـ الوضع الاقتصادي.

ـ العلاقات الاجتماعية بين فئات المجتمع.

ـ أنظمة الحكم السائدة.

ـ الإنجازات العلمية، والثقافية والعمرانية.

ـ منظومة القيم والمعايير، التي تحكم العلاقات الخاصة والعامة، والفردية والاجتماعية.

وقد تعدد معنى الحضارة في الاصطلاح، فهي بمعناها العام: ثمرة التفاعل بين الإنسان والكون والحياة، أي: ثمرة الجهود المبذولة من قبل الفكر الإنساني، للاستفادة من الأجهزة الكونية المتناثرة حولنا.[4] أو هي الجانب الآخر غير المادي في حياة الأمة، وهي العلم والتصورات والأفكار والسلوك والآداب، وكل المعاني التي تدخل في الجانب المادي.

وبعض الباحثين يرى: أن الحضارة الحقة هي التي تطلب من الإنسان في مظاهر الحياة كافة أن يتذكر الله، ويتذكر فطرته هو، بحيث يستطيع أداء دور وظيفته التي كُلِّف بها من الله، وهو الدور الذي وجد فيه على هذه الأرض.[5]

والمودودي يرى أن الحضارة: مجموعة المبادئ والأفكار والأصول والتربية، التي تثمر لوناً من ألوان الحياة الاجتماعية بمقوماتها المختلفة.

وربما كان معناها العام أيضاً: طريقة الإنسان في الحياة، أو مجموعة أفكاره عنها، وأعني بالحياة: الأعمال اليومية التي يمارسها الإنسان في معيشته، ففكرته عنها ونظرته إليها، يكيف سلوكه فيها، ويحدد طريقة تصرفه في أعماله.

يظهر من هذه التعريفات: أن معنى الحضارة قائم عند المفكرين، لكنهم يختلفون في سعة معناه أو في ضيقه. وبعبارة أخرى: هو غامض عند البعض غير محدد، فمنهم من جعله يشمل الأفكار والعقائد، وما ينتج عنها من نتائج مادية.

فالدكتور يوسف القرضاوي ـ مثلاً ـ يرى: أن الحضارة لها جسم وروح، وجسمها يتمثل في منجزاتها المادية: كالمخترعات والمصانع والطائرات والأسلحة والأبنية وغيرها، وروحها يتمثل في مجموعة العقائد والمفاهيم والقيم والآداب والتقاليد، التي تتجسد في سلوك الأفراد والجماعاتْ[6].

وهو بهذا يتقارب في المفهوم مع "غوستاف لوبون" الذي يرى: أن الحضارة تشمل العقائد كما تشمل المنجزات العلمية والمادية، ولهذا نجده يعقد باباً ذا فصولٍ ثلاثةٍ، يتحدث فيها عن مصادر قوة العرب من رسالة محمّد ـ صلى الله عليه وآله ـ، وفلسفة القرآن وأحكامه، وفتوح العرب وطبيعة هذه الفتوح، ثم بعد ذلك يتحدث عن الدين والأخلاق. ويتناول حضارة العرب في شمولها للمعارف واللغة والفلسفة والآداب، والتاريخ وعلوم الرياضيات والفلك والجغرافيا، والطبيعيات والطب والفنون وغيرها.[7]

ويكاد يتفق معنا المستشرق الإنجليزي "أرنولد" الذي يرى: أن مفهوم الحضارة بمعناها المتخصص، مقتصر على وجهة نظر الإنسان عن الحياة. وهذا هو الذي ينسجم مع تعريف الحضارة الإسلاميّة  التي يمكن ملاحظتها بأنها: (مجموع الأفكار والمفاهيم الإسلاميّة،  عن الإنسان والحياة والكون)، وهي بهذا تحدد سلوك الإنسان، وطريقته في الحياة، ونمط معيشته وتعامله مع الكائنات المحيطة به.

ويخبرنا التاريخ بسننه ونواميسه الثابتة، أن تقويض أي حضارة وانهيارها يبدأ بإعلان موت العقل أو قمعه، ويليه انهيار منظومة القيم والمبادئ-، فالحضارة انعكاس سلوكي عملي للثقافة، التي مخزنها ومصنعها ومنتجها العقل البشري فإذا ما تم قمعه تم بذلك بشكل تلقائي وتدريجي انهيار الحضارة القائمة.

ومن أبرز مصاديق القمع وإعلان موت العقل، وأفول الحضارات على المدى البعيد، هي نظم الاستبداد بكافة مصاديقها، سواء على مستوى الفرد أو العائلة أو المجتمع أو الدولة أو العالم، وأنظمة الحكم السائدة كما أشرنا سابقا هي من العناصر التي بها تدرس حضارة الشعوب. ومنذ نشأة الاستبداد سواء الديني منه أو السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الأسري، أنهارت حضارات كانت مزدهرة، وقدمت للبشرية خدمات جليلة هي نتاج عقلها عندما تدبر وفكّر، ثم وعى وترجم ما وعاه إلى سلوك شيد حضارته.

ولعل العصور الكنسية وما مثلته من سطوة الاستبداد الديني على العقل، حيث قمعته وأحيت ثقافة تقديس الرجال على حساب تقديس الحق والحقيقة، والذي كان له الأثر الكبير في ثورة التنويريين، بغض النظر عن تقييمنا لها، هو ما قوض ذلك العصر بما فيه من شبه حضارة، وأقام على أنقاضها حضارة غربية جديدة لفظت الماضي بكل ما فيه، وشيدت حضارتها الجديدة على ما استخلصته من الرؤى التي تمخضت عن ثوراتها المتنقلة على واقعها. وهذا اللفظ الكلي لما توصل له الماضون نتيجة انفعال الثوار والمفكرين، هو الخطيئة التي ستظهر آثارها بل أعتقد بدأت تظهر في معالم الحضارة الغربية الحديثة.

إن الدعوة القرآنية واضحة في الانفتاح الفكري والعقلي على الآفاق والأنفس والكون، وعلى كل ما هو نتاج بشري-، حيث اعتبرت أن العقل هو قارئ للوحي (النص)، وأن الوحي هو مرشد ومستثير للعقل-، وأقامت دعوتها للتفكر على أساس تقديس الحق والحقيقة لا تقديس الرجال، وهي أسباب وجيهة ومسببات حقيقية لقيام الحضارات وازدهارها ونهوضها، وتلاقحها مع الحضارات الأخرى.

وإذ أننا اليوم نعيش عصر انهيار الاستبداد، وإعادة الروح إلى نهضة العقل والوعي والتفكر، ونقف على أعتاب بناء حضارة جديدة أفضل مقوماتها عقل الانسان -،علينا أن نعي جيدا ضرورة بنائها، ليس على أنقاض السابقين ولفظ كل ما توصلوا إليه من نتاجات العقل البشري وتجربته-، بل على الأصيل الصالح زمانا ومكانا ومضمونا، الذي سبق من إنجازات يعتد بها على قاعدة: أن للقديم فضل السبق وللاحق فضل الكمال.

ما هو الاستبداد:

“الاستبداد لغة: هو غرور المرء برأيه، والأنفة عن قبول النصيحة، أو الاستقلال في الرأي وفي الحقوق المشتركة.

ويراد بالاستبداد عند إطلاقه، استبداد الحكومات خاصة، لأنها أعظم مظاهر أضراره التي جعلت الإنسان أشقى ذوى الحياة. وأما تحكم النفس على العقل، وتحكم الأب والأستاذ والزوج، ورؤساء بعض الأديان وبعض الشركات، وبعض الطبقات، فيوصف بالاستبداد مجازا أو مع الإضافة.

والاستبداد في اصطلاح السياسيين، هو تصرف فرد أو جمع في حقوق قوم بالمشيئة وبلا خوف تبعة، وتعريفه بالوصف، فهو أن الاستبداد صفة الحكومة المطلقة العنان فعلا، أو حكما، التي تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب محققين. وتفسير ذلك هو كون الحكومة إما هي غير مكلفة بتطبيق تصرفها على شريعة، أو على أمثلة تقليدية أو على إرادة الأمة، وهذه حالة أكثر الحكومات المطلقة التي تسمي نفسها بالمقيدة أو بالجمهورية...وصفة الاستبداد كما تشمل حكومة الحاكم الفرد المطلق، الذي تولى الحكم بالغلبة أو الوراثة، وتشمل أيضا الحاكم الفرد المقيد المنتخب متى كان غير مسؤول، وتشمل حكومة الجمع ولو منتخبا، لأن الاشتراك في الرأي لا يدفع الاستبداد، وإنما قد يعدل الاختلاف نوعا، وقد يكون عند الاتفاق أضر من استبداد الفرد. ويشمل أيضا الحكومة الدستورية المفرقة فيها بالكلية، قوة التشريع عن قوة التنفيذ وعن القوة المراقبة، لأن الاستبداد لا يرتفع ما لم يكن هناك ارتباط في المسؤولية، فيكون المنفذون مسؤولين لدى المشرعين، وهؤلاء مسؤولين لدى الأمة، التي تعرف أنها صاحبة الشأن كله، وتعرف أن تراقب وأن تتقاضى الحساب”[8].

ومن أقبح أنواع الاستبداد، استبداد الجاهل على العالم، واستبداد هوى النفس على العقل والحكمة، فهذا النوع من الاستبداد يبدأ من الفرد ليميل به بعيدا عن قواه العقلية، ويزيد من قابليته للاستعباد ومن ثم تصبح ثقافة مجتمع له قابلية لتحكم المستبد بكل أشكاله عليه، أو ما يسمى قابلية الاستبداد، فيُمَكِّنَه بإرادته المجتمعية ويصبح المجتمع منقادا نحو استعباده انقياد القطيع، دون إرادة ولا وعي، نتيجة ميل الجهل وسيطرته على العقل.

وللاستبداد ارتباط بمفهوم القوة، "فالقوة تحضر في كل العلاقات الإنسانية، وضمن هذه العلاقات يسعى طرف لترويض الطرف الآخر وإخضاعه تحت أمره، إلا أن هذه العلاقات ليست بالثابتة إلى الأبد، بل هي قابلة للتغيروالتحول. فإذاً علاقة القوة أيضا قابلة للتغير وتحول الأطراف فيها، وهي تعطي كلا من الطرفين قدرا من الحرية، فإذا ما اختل تعادلهما بشكل كلي، فإن أحد الطرفين يستطيع فرض قدرته على الآخر في حال واحدة، هي إمكانية أن يقوم الطرف الثاني على الأقل بقتل نفسه، أو أن يرمي نفسه من النافذة، أو يقتل الطرف الأول، وهذا يعني وجود مساحة من القدرة على المقاومة داخل علاقات القوة"[9]. فلا استبداد دون وجود قابلية له في الطرف الآخر، وإلا فإن من يحاول بسط سلطته بالقوة على الآخرين، فإن رد الفعل الطبيعي من الطرف الآخر مقاومته، ورفض سلطته بالقوة. "فالقوة في ذاتها وجوهرها ليست شرا اجتماعيا، وتطبيق القوة على الآخرين ليس بأمر يمكن انتقاده أو رفضه، ولكن بشرط أن تكون العملية بصورة "لعبة استراتيجية"، أي علاقة هلامية يكون فيها تعيين الشخص في مكانته بتصميم مسبق، ودون أن يكون له الثبات في هذا الموقع، وأن يكون لكلا الطرفين القدرة على قلب المواقع".[10]وهذا يتطلب توازن في ميزان القوة بين الأطراف، حتى لا يستبد طرف على الآخر، وأما إذا امتلك أحد الأطراف نفوذا وسلطة أكثر من الطرف الآخر، فإن الاستبداد ستكون النتيجة الطبيعية لذلك. ولكن هذا لا يعني ضرورة وحتمية استسلام الطرف الآخر، بل يعني خلق معايير قوة معاكسة في الاتجاه لقوة المستبد، كمقاومة الاستبداد، هذه المقاومة تكون بمثابة القوة المتولدة عن الاستبداد وفي عكسها، وتعمل على إعادة التوازن لموازين القوة بين الأطراف، بحيث تزيل كل فاعلية للاستبداد، وتمنع تولد قابليات له تمكنه وتقوي نفوذه ووجوده وتوغله في المجتمع.

أشكال الاستبداد السياسي:

والاستبداد في بعده السياسي يتمظهر بعدة أشكال، بعضها يعتمد على النظام الديموقراطي شكلا من أشكال الحكم، إلا أنها في الواقع هي أنظمة تتسم بالاستبداد، حتى في جانب من ديموقراطيتها، ، حيث يتمايز الاستبداد بين:

ـ أنظمة سلطوية مستبدة.

ـ أنظمة شبه سلطوية وشبه مستبدة.

ـ الأحزاب وإشكالية الاستبداد.

الاصلاح بين الأنظمة السلطوية والشبه سلطوية :

وتحت كل قسم تتفرع أشكال الحكومات وتتمايز شدة وضعفا في مستوى الاستبداد، ومن باب عدم الوقوع في اللبس الذي وقع فيه كثير من المفكرين، الذين حاولوا تطوير مفهوم الدولة، فسقطوا  في فخ التنظير لقضية من يحكم، وصفاته ، وشرعيته ومكانته، والسبب في ذلك غالبا هو التداخل والتماهي بين مفهوم السلطة ومفهوم الدولة.[11]

فمفهوم الدولة في الوعي العام مرتبط بوعي قبلي أو ديني وليس بوعيا سياسيا، أي أن أهميتها تكمن في حفظها الأفراد المرتبطين بقرابة الدم أو الدين، لا على أساس المواطنة.

وفي هذه النظرة التقليدية للدولة، يكون العدل مرتبط بمقدار اتسام القيادة بمواصفات أخلاقية مثلى، فإذا أحسن القائد استقر النظام العام ومال الناس إلى الاستقرار والأمان، وأذا أساء تعكر النظام وأصبحت حياة الناس مضطربة.[12]

وهو ما يعني سعي الناس لكسب رضا الحاكم بشتى الوسائل، لا لمحاسبته والمشاركة في الحكم.

بينما عدل الدولة في النظرية الحديثة يتمثل في قوة المؤسسات، وقدرتها على تقنين قوانين تحمي الأفراد وتصون حقوقهم وفق نظام معياري للقيم العامة، فالسؤال ليس من هو الحاكم؟ بل السؤال الحقيقي هو كيف يجب أن يكون الحاكم؟ وما هو الشكل الأفضل للدولة لتحقيق العدالة؟

أي سؤال متعلق بمنظومة معيارية عقلية وقيمية، يجب أن يتصف بها الشخص الذي يريد أن يقود الدولة، لا كفرد، وإنما ضمن مؤسسات منضبطة بمنظومة قوانين تنطبق على الجميع بما فيهم شخص الحاكم، فتكون للدولة منظومة معايير ومقومات ونظم وقيم تأسيسية ثابته، يجب أن تتصف بها المؤسسات والسلطات، بما فيها السلطة التنفيذية وشخص من سيقود الدولة، فلا تتغير تلك المنظومة المعيارية بتغير الأشخاص، بل هي ثابته بمعناها المعياري للثبات، وليس بمعناها المضموني. فمضمونها قد يتطور نتيجة الممارسة البشرية للحكم والدولة والسلطة، لكن وجود المعايير بذاتها هو سمة الدول المتقدمة، فليست الدولة متعلقة بشخص من يحكم ويكون شخصه هو المعيار في تسرية النظم والقيم، لتتسم المؤسسات وباقي مكونات الدولة بصفة الحاكم ومعاييره ورغباته، بل شخص الحاكم بذاته هو من يخضع لمنظومة معايير عقلية وشرعية هدفها تحقيق العدالة، فإن لم يتطابق شخصه مع هذه المنظومة التي تم وضعها من قبل متشرعة ومتخصصين وبقبول الشعب، يكون ليس أهلا للحكم وتسنم موقع السلطة.

ويعتبر صاموئيل هاننغتون، أن الدول لا تتباين في الشكل وإنما تتباين في درجة الحكومة، أي درجة تغلغل الحكومة، أي السلطة السياسية في الشأن العام.

فمفهوم الدولة في العالم العربي مازال يتسم بالبساطة والتقليدية، وهو ما يعيده المؤرخ جواد علي إلى الطبيعة القبلية للإنسان العربي، الذي لم يفهم الدولة إلا أنها دولة القبيلة.[13]

فالدولة الحديثة تسعى لكسب رضا المواطنين، وإشراكهم في السلطة وفي القرار، وتجديد السلطة من خلال إتاحتها للتداول، بينما المفهوم التقليدي للدولة مازال يعتبر الدولة معصومة لأنها تعبر عن الحاكم، وأن المواطن عليه أن يكون خادما مطيعا، وأن أي محاولة للقفز على السلطة أو انتقادها أو المطالبة بمشاركتها، هو بمثابة القفز على ولي الأمر، الذي يحرم شرعا مواجهته ونقده، لأن فقيه السلطة ربط طاعته بطاعة الله كولي للأمر، والخروج عليه هو خروج على الله. فتمحورت الدولة حول الحاكم كشخص، بينما الدولة الحديثة وفق المفهوم الغربي السياسي هي التي تعبر عن الكيان السياسي، الذي يضم جماعة بشرية تعيش ضمن إطار جغرافي وتاريخي وتنظيمي ثابت، تمارس سيادتها عليه، وتشمل مكونات الدولة السكان، الإقليم والسلطة. وبذلك تكون الدولة ممتدة لتغطي وتخدم جميع مكوناتها، أما السلطة فليست إلا أحد هذه المكونات.[14]

"الأنظمة الشبه سلطوية وفق تناول ناثان ج براون  في دراساته التفصيلية[15]: هي تلك التي تسمح للمعارضة ببعض الحيز لتنظيم نفسها والتنافس،لكنها تنكر عليها أي إمكانية لتشكيل حكومة. ومن وجهة نظري هي مرحلية بينية وسطى في المراحل الانتقالية من السلطوية الكاملة إلى الديموقراطية .ففي النظام الشبه سلطوي من الممكن أن تحتل المعارضة فيه أكثر من ٥٪ من القاعدة، أي ما يكفي وفق براون لطرح اقتراحات رسمية للتصويت عليها، والانخراط في أعمال لجان ذات جدوى، فحينها قد يعتبر النظام أنه عبر من الحالة السلطوية إلى الحالة الشبه سلطوية.

فلا المعارضة قادرة هنا على تمثيل إرادة الشعب، كما يجب أن يكون في تحقيق المطالب التي تتعلق بمصلحة المواطن، وتوزيع الثروات وفق أطر العدالة، ولا هي مغلولة اليد كليا عن إحداث أي انزياحات مهمة في مسيرة الاصلاح، والنزوح نحو الدولة الدستورية. لكن حراكها هنا يبقى تحت إدارة السلطة، ووفق مصلحتها لا مصلة الوطن والمواطن غالبا.

وأما عن واقع الدساتير في الوطن العربي في الدول الشبه سلطوية، "لم تكن الدساتير العربية أبدا واجهات يتم انتهاكها بانتظام، أو مجرد صفحات من الورق غير مرتبطة بالواقع السياسي، بل أنها، بدلا من ذلك، قد أفادت عددا من الأهداف غير المألوفة نوعا ما، لدى الباحثين الدستوريين لكنها مهمة جدا للحكام العرب.... فمن المحتمل أن الدساتير تستخدم كتعبيرات عن السيادة القومية، وإن كان هذا هو الهدف المقصود بالدستور، فمن المتوقع أن نجده ينعكس في توقيت صدوره ومحتواه. فمن حيث التوقيت، تصدر الدساتير التي لها الهدف لدى الاستقلال، أو لدى التغيير الثوري أو ما يزعم أنه تغيير ثوري. ومن حيث المحتوى تقدم تلك الدساتير نفسها أيا كان واقع عملية كتابتها، على أنها تعبيرات عن الإرادة القومية.. تعلن الدساتير العربية عن أهمية الأسرة (الحاكمة) بتكرار وغموض، قد يتسبب في إحراج حتى السياسي الأمريكي... سعت الدساتير العربية المبكرة أن تتخفى في زي إعادة التوكيد على الأفكار والممارسات الموجودة، أما الدساتير الملكية فقد ظلت علي قدر الإحجام فيما يتعلق بإبداء الرأي في القيم الأساسية للمجتمع ونمطيا. وظلت الدساتير الجمهورية، خاصة تلك التي صدرت في العقود الأربعة الأخيرة، هي التي تقدم شروحا مطنبة، وقوائم من الأفكار التي لا يمكن تفعيلها، تجمع غالبا بين العناصر الليبرالية والاشتراكية، والقومية والاسلامية في مزيج مربك، كان الدافع الأخير الذي استنتجناه لإصدار نصوص دستورية في غياب نوايا تهدف إلى تبني مبدأ دستورية الحكم، والرغبة في تنظيم سلطة الدولة وتعظيمها. والمعالم المؤكدة للدستور الذي يهدف إلى تنظيم السلطة دونما تقييدها، وجود سلطة تنفيذية غير مقيدة، والنصوص الدستورية الضعيفة الخاصة بالحقوق، وآليات الخلافة التي تفشل في جعل القيادة تخضع للمحاسبة بأي معنى، وثغرات التهرب التي تتيح للحكام انتهاك الأحكام التي وضعوها."[16]

لذلك لا نستطيع القول أن الدول التي أقرت دساتيرا في منطقتنا هي دول ديموقراطية، بل هي دول شبه سلطوية، يتطلب التغيير السياسي فيها للعبور نحوالديموقراطية المحققة للعدالة والمناسبة لقيمنا وثوابتنا، حركة إصلاح مقدمتها الطبيعية خضوع تلك السلطة للنقد والتقويم، وهذا لا يتحقق إلا إذا امتلك أفراد المجتمع والشعب وعيا بمنظومة المعايير والقيم والحقوق، التي يجب أن تتمتع فيها الدول الحقيقية، وإدراك حقوقهم وواجباتهم، والفصل بين الانتماء للوطن والانتماء للحاكم، فالوطن ليس شخص الحاكم ولا أسرته. وهو ما أسسناه في الفصل الأول من ضرورة الموازاة بين التغيير الخارجي والداخلي، فأي حراك إصلاحي لا يركز على النهوض بذوات الأفراد ومنظومة البنية الفكرية، وبين تهيأة الواقع الخارجي وعوامله ورفع قابلياته، هو إصلاح وقتي ثوري آني، ما يلبث إلا أن ينكفئ مجددا على ذاته، فلا يحقق ثمرة الإصلاح والتغيير.

الأحزاب وإشكالية الاستبداد:

تعتبر التعدديات المذهبية والطائفية في المجتمع من الجدليات التاريخية، لما لها من انعكاسات على الاستقرار الاجتماعي، سواء انعكاسات سلبية أوإيجابية اجتماعية . وطرح في هذا الصدد الكثير من النظريات السوسيولوجية[17] التي كان بعضها نتاج تجارب اجتماعية واقعية، وأخرى نتاج قراءات متطورة للنص الديني.

تكمن الإشكاليات السوسيولوجية في الذهنية العربية والإسلامية في ثنائية النظرية والتطبيق، وفق مكونات اجتماعية تتكون في عناصرها من الإنسان والطبيعة والعلاقات التي تربط هذا الإنسان بمثيله والطبيعة ، وهذه العلاقة في المجتمعات العربية والإسلامية يحكمها ضوابط مرتبطة بالدين غالبا، أي ترتبط بالله فتكون محورية ضوابطها الله وفق ادعائها، بخلاف المجتمعات الغربية التي يكون محورها الإنسان في نظم العلاقات الاجتماعية .

وهنا في كلا المجتمعين تظهر الإشكاليات العلائقية[18] ، ففي مجتمعاتنا إشكالية النص، ومدارس قراءته وفهمه، وعلى أساسها تتكون عقيدة يكون لها انعكاسات سلوكية فردية واجتماعية . وفي الغرب ،إشكالية الإنسان ومدى دقة منهجه التجريبي وصدقه من عدمه، وما يترتب بناءا على ذلك من ثغرات في بُناه المعرفية، التي تنعكس على السلوك الفردي والاجتماعي، مع وجود فارق وهو الضبط القانوني .

لذلك ونتيجة الاختلافات القاعدية، لا أميل مبنائيا لعمل مواءمات بين النظريات الغربية والأخرى العربية والإسلامية . والسبب الرئيس المهم، هو وجود تقاطعات جوهرية بين المباني التحتية لكلا الطرفين.

فالأفضل العمل لتأسيس معرفي مستقل للنظريات السوسيولوجية الإسلامية، مع الاستفادة من المواكبة وليس المواءمة، أي مواكبة ما توصلت إليه التجارب البشرية، التي تشكل لنا مؤشرات ومفاتيح عملانية نستفيد منها في الكشف والغوص أكثر في فهم الأبعاد السوسيولوجية في النصوص من جهة، وفي الجهاز الإدراكي للمجتمع من جهة اخرى، والذي استطاع الغرب من ناحية سوسيولوجية أن يُخْضِعْها للتجربة ويصل فيها لنتائج.

لأن قيمة المعرفة فلسفيا عند الغرب ومصادره، تختلف منهجيا عن تلك عند المسلمين، بالتالي يجب إخضاع تلك النظريات لمبضع النقد والتشريح وتقييمها بمجهر فاحص، ومدى تعارضها مع تحتيات الأسس الاسلامية سوسيولوجيا ومبنائيا.

فأنا لا اتفق مع المواءمة، لأنها قد تدخلني في ترقيعات تنتج لي جنينا مشوها سوسيولوجيا، ومرقعا مبنائيا لا يشكل لي وحدة منسجمة بنيويا . انا اتفق مع المواكبة والنقد وإعادة بناء وتشييد خاص بأسس معرفية.

فهناك اختلاف بنيوي ابستمولوجي[19] بين الغرب وبيننا، وهناك تناقض منهجي باعتقادي.

من المهم جدا في دراسة اي بنى معرفية ان نعود الى جذور أعمق وهي المعرفة:

مصدرها،  وقيمتها ، معیارها، لأنها الأساس الذي ينبني عليه كل الفوقيات.

وتوضيح هذا الاختلاف في البنية السوسيولوجية بين المجتمعين، كمقدمة من وجهة نظري في تسليط الضوء على العناصر المكونة لكل مجتمع والعلاقات التي تحكم العناصر في كل مجتمع، ومحورية تلك العلاقات كان مهما، كي تتضح الفروقات البنيوية والتي على أساسها يتم رفض أو قبول المواءمة، وقد أشرت إلى تفصيل عناصر المجتمع في كلا المدرستين، عند الشهيد محمد باقر الصدر في الفصل الأول[20].

مفاهيم ودلالات:

إن التعريف المفهومي لبعض المصطلحات، يفترض أن يكون مبنيا على دراسة الواقع، فدراسة الظاهرة الحزبية وتعريف الأحزاب عليه أن يخرج من رحم المجتمع الذي تتم دراسته، سواء مجتمع يعيش في جغرافيا واحدة ، أو مجتمع يعيش في جغرافيات متعددة لكن تحكمه أيديولوجية واحدة.

فمثلا تعريف الحزب من وجهة نظر غربية، لا يمكن أن يشكل متكأ معرفيا ومفهوميا للباحث العربي والمسلم،

لأن الأنظمة التي تحكم منطقته، هي أنظمة إما سلطوية كاملة أو شبه سلطوية.

وبنية العقل العربي تم تشييدها على العصبيات، والولاءات إما للسلطة أو للقبيلة، وبشكل أعم، تم تشييدها على العصبيات بكافة أشكالها.

بالتالي اعتقد نحتاج حفر أركيولوجي[21] عميق في تلك البنية لتفكيكها، وهو ما يتطلب الخروج بتشكيلات تناسب هذه المعطيات، وتكون قادرة مرحليا على المعالجة البنيوية لمفهوم الجماعة، والقيم والمعايير التي تحكمها وتنظمها، وتذويب العصبيات وتشييد منظومة معيارية، تؤهل القابلية كي تنخرط في أحزاب تشكل أذرعة مدنية في الدولة، قادرة على النهوض بالوعي الثقافي والتربوي والسياسي للجمهور، وتكون رافعة للبناء والتغيير، ومنصة للرقابة والمحاسبة للسلطة في صالح الجمهور.

الأمة والحزب:

وفي فهمي القاصر، يمكن لفكرة التوحيد القرآنية، إن توسعت، أن تعمق مفهوم التعددية المذهبية تحت شعار ومحور التوحيد ) الله (، ومحورية الله، قد تخرجنا في مجتمع تعددي من المظلة الايديولوجية المذهبية الضيقة، الى المظلة التوحيدية التي تتناسب وعالمية الرسالة الإسلامية.

بل إن هذه الفكرة تعزز مفهوم الأمة ضمن إطار ومحور التوحيد، وتقسم الساحة لفسطاطين: فسطاط المحورية فيه لله ، وفسطاط المحورية فيه لغير الله، وهما كما وصفهم القرآن نفسه محورية فرعونية مقاصدها الهيمنة والاستيلاء على البشر والحجر والمقدرات، ومحورية الله، وهي  كفكرة يمكنها أن تتحول إلى مشروع عمل بنيوي تأسيسي، يراكم تجربة الأمة في مضمار العمل الوحدوي، تحت مظلة الاحتلاف البشري الطبيعي في الرأي والفهم.

خاصة عند الحديث عن دور الأحزاب الإسلامية في تربية المجتمع ، لأن البعد الأيديولوجي يحضر بقوة ويشكل رافعة الدفع نحو الالتزام والعمل. فكيف يمكن أن يلعب الحزب الإسلامي دورا تربويا لمحازبيه في عملية الاندماج في المجتمع التعددي، دون أن يقع في محظور تناقض الخطاب بين الداخل حزبي وخارجه ؟ وكيف يستطيع تفعيل قابلية الاستبداد أو تعطيلها وتحرير الإرادات، وهو يمارس ممارسات شبيهة إلى حد كبير غالبا، بممارسات تميل للاستبداد سلوكيا ومنهجيا؟

وفي الأحزاب الإسلامية أي إسلام هنا نقصد ؟ وأي قراءة نعني ؟ وهل المنهج التربوي الأنجع في الاندماج في المجتمع التعددي ينبني على التربية الأخلاقية والقيمية كمعيار، قادر على تحقيق الاندماج، وجامع كونه من الثوابت الإنسانية التي لا يُختلف عليها ؟ أو التربية تعتمد على المنهج العقدي عقليا والفقهي سلوكيا، وما لهذين من أثر في تعميق الاختلاف، لاختلاف المدارس الاسلامية، وغياب قابلية وثقافة قبول الآخر المختلف في ذهنية الناس بكل أطيافهم بما فبهم أغلب النخب، واختلاف القراءات داخل كل مدرسة للنص الذي تنطلق منه الأحزاب الإسلامية في التربية والتعليم ، وعلى أثر هذا الاختلاف، تعددت الأحزاب الإسلامية في الوطن العربي والإسلامي.

هناك تأسيس قرآني لمفهوم الأمة ، فكيف نعالج ضمن تعدد القراءات للنص، وبالتالي تعدد المدارس ضمن كل مذهب، كيف نعالج جدلية الحزب والأمة ؟ فيفترض حتى لا يقع التعارض، أن تكون العلاقة في امتداد بعضها البعض (طولية)، فالحزب في امتداد الأمة ؟ فإذا قلنا تعدد أحزاب في مجتمع واحد ، فهذا يعني تعدد مناهج تربوية ، وبالتالي تعدد مجتمعات وجماعات في المجتمع الواحد، ومع غياب ثقافة الاختلاف والتعددية الفكرية والثقافية والعقدية، هذا لا يشكل في نهاياته الأمة.

فأي منهج تربوي أنجع ؟ ومن وجهة نظري أجد أن الأسس التربوية القائمة على معيارية القيم والأخلاق كنظام عام يحكم المحازبين في المجتمع، أجدى في الانسجام والاندماج في مجتمعات تعددية ، إلا في حال كانت ضابطة المنهج العقدي والفقهي، تميز بين خطاب الداخل والخارج، اذ لكل جهة خطابها وحيثياتها التربوية إسلاميا .

أيهما يقدم في تحديد مرجعية المناهج التربوية، الأمة أم الحزب؟

الأحزاب والنظم:

ومع التجربة العملانية، هناك كثير من الأحزاب الإسلامية وقعت في هذا المحظور نزولا عند رغبة قواعدها، والتي تحت ضغط العصبيات المذهبية، رفعت شعارات التكفير للآخر الشريك في المجتمع جغرافيا، والخارج جغرافيا.

وهذا يحتاج تنزيلا للثقافة من النخبة في الحزب الاسلامي لقاعدته، إذ أن أحد أهم أهداف الحزب، هو التربية الموجهة نحو الهدف الإلهي، لتصبح الثقافة الإسلامية ثقافة الجمهور وليس فقط النخب .

وهنا تنتج لدينا أيضا جدلية العلاقة داخل الحزب بين النخبة والقاعدة، وانعكاس هذه الجدليات في ظل سلطة القاعدة على الاستقرار الاجتماعي من جهة، وعلى الخيارات الحزبية الإسلامية في التأسيس للمناهج التربوية داخليا ، وبين خيار النخب وخيار القواعد من جهة أخرى، حيث تصبح هنا الحقيقة ضحية القاعدة، عندما تتخلى نخبة الحزب الإسلامي عن دورها الوظيفي في التأثير الثوري التربوي في مسلمات القاعدة، خاصة تلك التي تعمق التقسيم الاجتماعي لا الاندماج.

إن الحاجة الفطرية للنظم تخلق الدافع عند الانسان للانتماء إلى جماعة ما، تتشابه معه  في الأفكار والتطلعات، أو في حال غياب الدولة وعدم القيام بدورها وواجباتها كما في منطقتنا، فإنه ينتمي إلى حزب يشكل له حاضنة وظهر حامي له. ويتطور مفهوم الانتماء مع التراكم المعرفي والعملاني للجماعات، لذلك بدأت من القبيلة وتطورت مع الزمن إلى الدولة الحديثة، والانتماء للوطن ومحدداته الجغرافية والقانونية الناظمة اجتماعيا .

لذلك تعتبر الجاهلية وصف لسلوك عنصري، كان يقوم على التوحش بالقتل والإغارات والسَّبي، وهو ما وضحه جعفر بن أبي طالب لملك الحبشة، حينما فر مع مجموعة بأمر من النبي اليها.

أما طريقة النظم التي كانت على شكل قبيلة، فهي كانت وسيلة في ذلك الزمن لحفظ مصالح الفرد ، وما رفضه النبي في المدينة وأوضحته الصحيفة المدنية، أو ما عرف بدستور المدينة، هو القبائلية؛ أي التعصب القبلي . أما القبيلة فقد تم دمجها في الدولة، وإشراكها في النظم والتنظيم الاجتماعي. فالرفض كان للعصبيات وليس لأصل التجمعات.

ومثالا لذلك، هناك بعض أشكال النظم الموجودة في دول كأفغانستان للقبيلة، حيث تم تنظيم القبائل في مجلس يسمى الليوجيرغا، والذي يشارك بآرائه في مجلس البرلمان.

وهي وسيلة نظم تناسب والوضع القبلي، لكنها محاولة سياسية اجتماعية للخروج من الانقسامات القبلية، إلى مجلس ينظمها ويضمها في الدولة .

وفي المجتمعات الخليجية ودور الاحزاب الاسلامية تربويا فيها ، خاصة أن التركيب البنيوي لهذه المجتمعات قائم على العصبيات القبلية والمذهبية، وتتداخل مع بعضها وفق المصلحة السياسية ، نجد أن الجو العام في هذه المجتمعات، جوا تحكمه التحالفات العصبية، وتجربة العراق توضح كيف لعبت الأحزاب دورا عميقا في انقسام المجتمع، وعدم قدرتها إلى الآن من تجاوز الهوية الحزبية إلى هوية وطنية .

هذا فضلا عن تسرب ممارسات السلطة المستبدة إلى الأحزاب في كثير من مظاهرها في الدول العربية والإسلامية، كفرض نمط معين من التفكير والمرجعيات الدينية، ومن السلوك الاجتماعي، وفرض حتى الآراء السياسية والدينية، كمسلمات يجب على المنتسبين عدم الخروج عنها. وكثيرا ما يستخدم في تكريس هذه الضوابط الصارمة شعار التكليف ، ليس في بعده الإيجابي بل في بعده السلبي الذي يقصي أي خيار تحت ضغط طاعة القيادة، الذي يضع المحازبين بين خيارين، الطاعة مع عدم الاقتناع، أو الطرد والإقصاء والتجميد الحزبي في حال المخالفة. وهو تكريس لقابلية الاستبداد، تتمدد في الطول والعرض الاجتماعي، وتساعد على نشر ثقافة المستبد وإن بأشكال أخرى، ومسميات مختلفة الظاهر، لكنها متحدة المضمون والهدف.

خاصة أن النظام التربوي السائد في تلك المجتمعات نظام أبوي تلقيني، متأثر إلى حد كبير بمناهج متعصبة مذهبيا، تم قولبتها في نظام أحزاب مؤسساتية، في ظل وجود ثقافة التقديس والترميز بشكل عميق في هذه المجتمعات، وغياب منهج النقد البناء، الذي حُيد بحجج دينية واجتماعية، وهذا قد يحول تلك الأحزاب إلى أحزاب وراثية، تعمق فكرة الانقسام الاجتماعي من خلال مناهج تربوية إيديولوجية متشددة ، وتكرس ثقافة الاستبداد الديني والسياسي.

فالقبيلة على سبيل المثال، كي تشرعن منهجها تلبست في الخليج بلباس الدين ، حيث كانت الركيزة البنيوية تربويا التي انطلقت في وسط القبائل.

فتراكمت العصبيات وتم شرعنتها ، بل هناك ممانعات سلطوية تحول دون المس بالنظام القبلي اجتماعيا، وهو ما يكرس العصبيات، التي واقعا تعمق الانقسام الاجتماعي. ويتمظهر ذلك خاصة في الانتخابات على سبيل المثال ، حيث يعلو صوت القبيلة على صوت أي خيار منفرد داخلها .

فهل نحتاج هنا إلى نظرية تتناسب وطبيعة كل مجتمع وبيئته ، من خلال تحويل العشائر والقبائل لمؤسسات تلعب دورا في النظم والتوجيه التربوي لاستقرار المجتمع ؟ وفي ذات الوقت تصبح فيها القبائل والعشائر أو الأحزاب ذراعا رقابيا على السلطة، لا ذراعا رقابيا للسلطة؟ خاصة أن كثيرا من الأحزاب التي دخلت في العملية السياسية من باب المعارضة، تم تدجينها بطرق كثيرة من قبل السلطة، وتم الالتفاف على مطالبها الإصلاحية، لتتحول أولوياتها من إصلاح على مستوى الوطن، إلى مطالب خدماتية تقايض بها السلطة لحساب محازبيها غالبا، رغم أن من أبسط حقوق المواطن على السلطة هو الخدمات المعيشية. ولا ننكر وجود بعض الأحزاب ـ وهي قليلة جداـ استطاعت أن تؤثر في مسيرة الاصلاح لصالح المجتمع والوطن، لا لصالح محازبيها. إلا أن الأعم الأغلب، هو تكريس الانقسام في المجتمع من خلال الأحزاب، وتحويل الأحزاب من وسيلة إصلاح ورقابة وسيطة بين السلطة والمجتمع، إلى وسيلة معيقة لعملية النهضة والاصلاح، سواء علمت تلك الأحزاب، أو استخدمت كأداة دون دراية منها في يد السلطة.

فكيف يمكننا الانتقال إلى مرحلة الأحزاب الحرة في هذه المنطقة، وهي ما زالت في أغلبها محكومة بأنظمة سلطوية لا تؤمن بالأحزاب والتعدد ؟

خاصة أن أصل وجود أحزاب في هذه المنطقة، ووفق تراثها الثقافي هو تقسيم للمقسم، مما يجعل فكرة الأحزاب في هذه المجتمعات فكرة مرفوضة، لأسباب أهمها سلطوية أغلب الأنظمة ، وقبائلية المجتمعات وخاصة التيارات الإسلامية ،وبداوتها في فهم الإسلام .

الأحزاب والتربية:

تلعب التربية الموجهة للأحزاب المؤسساتية دورا مهما في التنميط الاجتماعي[22] ، والإشكالية المحورية في عملية التنميط بالنسبة للاحزاب الاسلامية-، أنها تفقد الفرد ومن ثم المجتمع جدارته في الاختيار الحر، وكما سبق وذكرنا تكرس شكلا من أشكال الاستبداد ، خاصة ضمن بيئات اجتماعية تكون فيها الدولة ضعيفة-، أو غائبة عن أداء مهامها تجاه الشعب، أو في ظل بيئة فقيرة اقتصاديا-، يشكل الحزب فيها ملجأ يتم من خلاله توفير وظيفة تؤمن له قوت يومه، فيؤمن بأبجديات الحزب تحت ضغط الحاجة غالبا، لا من خلال ممارسة فكرية حرة تبعث إرادته عن قناعة في اختيار المفردات والاقتناع بالغايات والأهداف  والبرامج-، والإيمان بالمفردات والمناهج التربوية-، التي يشيدها الحزب وفق رؤيته للإسلام. فكيف يمكن للأحزاب الإسلامية تحرير خيارات الفرد، دون الإضرار بالنظم الجماعي الداخلي ؟

ففي قضية عدم الإفراط والتفريط بين المسائل السياسية والثقافية، في الأحزاب الإسلامية  من وجهة نظري على المستوى العملي، وقعت أغلب الحركات الإسلامية في محظور تغليب السياسي على المعرفي والفكري، ، واعتمد كثيرا منها على الشعارات العاطفية، ومارست ممارسات شبيهة إلى حد كبير بممارسات المستبد اتجاه الشعب.

إلا أن التوازن والتوازي يجب أن يكون الأساس، وفي الاستثناءات يجب أن يبقى المعرفي الثقافي حاضرًا بقوة، لأن السائر على غير علم، لا تزيده كثرة السير إلا بعدا .

من جهة أخرى، إن التربية العقائدية بالذات يفترض أن لا تكون في المنظومة التربوية تربية تلقينية ، تحمل توقيع سلطة المعلم المحازب وواضع المنهج والملقن ، سلطة تبسط هيمنتها على العقول في إطار ديماغوجية[23] مغلقة ، بل يفترض أن يكون للعقل دورًا بارزًا في التمييز والمقايسة بين مختلف الآراء على أسس منطقية، تقوم الأحزاب الإسلامية بإمداد منتسبيها بأدواتها ، كي ترسخ مبدأ الإرادة الحرة في الاختيار المنهجي العقدي ، وهو من وجهة نظري يتطلب إعادة نظر في المناهج التربوية، لتكون متوائمة مع دور العقل وتنميته في فضاء ثقافي حر متعدد فكريا وعقديا وثقافيا ، وهذا لا يعني التفلت من الثوابت ، بل يعني تعميقها بإرادات حرة ،وعقول متعددة قادرة على الإثراء والتثوير، لتطوير الفضاء المعرفي العقدي للأحزاب، مما يؤهل أفرادا محازبين، لكنهم يملكون عقلا منفتحا بثوابت قادرة على بث الأفكار العقدية بقالب جامع لكل الطوائف، ضمن المشتركات التي تلتقي معها بها. بل قد يزيل ذلك التناقضات التي تخلقها الأحزاب مع مشروع الأمة .

وهنا تصبح المناهج التربوية سوسيولوجيا متناغمة مع البرامج السياسية، وكلها يقع هدفها في تأهيل المجتمع وإصلاحه وخدمته، لا في خدمة السلطة التي غالبا تلعب على التمايزات الاجتماعية، لترسخ وجودها بالاختلاف لا الائتلاف . وهذه ظاهرة واضحة في المجتمعات العربية والإسلامية والخليجية خاصة .

والأحزاب الإسلامية وإيديولوجياتها المختلفة منهجيا والمتحدة في الهدف وهو التوحيد ، تتلمس وحدة في كثرة، واستثمارها بلا شك، هو في صالح مشروع الأمة. لكن الإشكالية الحقيقية، هي في القراءة المتشددة للنص لبعض الاحزاب الاسلامية التي تصل حدتها إلى تكفير أحزاب إسلامية أخرى ، وإشكالية أخرى محورية، هي في التشدد في قراءة المختلف سوسيولوجيا وإيديولوجيا، مما يجعل فكرة الحزب تكريسا للانقسام والتكفير، وليست تثويرية للتغيير ودعم مشروع الأمة، بل قد يحوله لأداة في يد الاستبداد في اللعبة السياسية، كورقة يستخدمها في المقايضات السياسية وتبادل المصالح .

ففي التأسيسات المنهجية للرؤية الإسلامية سواء على مستوى المفهوم أو الوظيفة أو الأهداف، كان القرآن في هذا البحث يمثل المرجعية المعرفية الأولى في ذلك ، وهو تكريس المنهج الوحدوي من جهة، وتأسيسا لتثبيت الأطروحات الإصلاحية من جهة أخرى في هذا الصدد، خاصة في ساحات الاجتهاد الفقهي .وخاصة حينما يصبح القرآن مرجعية في تأسيس نظريات سوسيولوجية.

خاتمة حول الأحزاب وتساؤلات:

هل تحتاج الأحزاب الإسلامية إلى تغيير الهدف الذي تصبو إليه، من قيام دولة إسلامية إلى هدف تحقيق العدالة؟ وكيف يمكن أن يغير ذلك من مناهجها التربوية، وتأثيرها في المجتمع وعملية النظم والتأثير ؟ بل كيف يجعلها تجسد مفهوم الأمة في كلها، رغم اختلافها الجغرافي والمذهبي والطائفي؟

وما هو الشكل الأمثل للقيادة في تلك الأحزاب ؟ هل تداول السلطة مطلقا، أو عدم تداولها مطلقا، وما أثر كل منهما في بيئات اجتماعية، تتشكل بنيتها العقلية على التقديس والترميز؟ وهل يستطيع الحزب أن يكون نواة تأهيلية لقاعدة المشاركة لا المغالبة سياسيا واجتماعيا ؟ وما هو الشكل الأمثل التمثيلي للقيادة الحزبية ؟ ففي عدم تداول السلطة هناك تكريس كاريزما القائد وقداسته، في قبال سلطة المرجعيات الدينية الرشيدة التي تعتبر صمام أمان في قيادة الأمة كافة، فكيف يمكن حل هذه الإشكالية، خاصة أن الواقع الاجتماعي يبرهن وجود هكذا إشكاليات يقع فيها القائد والرمز في عرض المرجعيات الدينية ، بل بعض الأحزاب الإسلامية تحول قائدها لمرجع ديني يملك سلطة في قبال سلطة المؤسسة الدينية .

و كيف يمكن للأحزاب الإسلامية تجاوز عملية التنميط والشعاراتية في منهجها التربوي، ورفع فضاء الاختيار والتفكير الحر خارج منظومة الحزب التربوية الموجهة ، لتعالج مرض قابلية الاستبداد وتحرر الإنسان داخليا، فتكون معولا يهدم الاستبداد لا مدماكا يكرس وجوده، في ظل تنافس سياسي يطغى على التنافس المعرفي وتوظيف للعقدي؟

بل كيف تُكَوِّن الأحزاب الإسلامية مجاميع تربوية تشكل في كلها الأمة، في ظل تعدد المدارس في قراءة النص وتباينها بين التشدد والتطرف؟ وهل واقعا لأاحزاب الإسلامية ناقضت سلوكيا الأصل القرآني لمفهوم الأمة؟ مازال هناك التباس بين المفهوم والواقع الاجتماعي فيما يخص الحزب والأمة .

و المجتمعات الموغلة في القبلية، كيف يمكن للأحزاب أن لا تعمق انقساماتها الداخلية، وتحولها لمنظومة تثقل كاهل المجتمع بالانقسامات بما يخدم السلطة لا المجتمع ؟

تساؤلات تحتاج إلى إجابات علمية موضوعية، تمكننا من النهوض بالواقع خطوة إلى الأمام، وتعالج ثنائية الانتماء بين الوطن والحزب، وثنائية الاستبداد بين سلطة الدولة وسلطة الأحزاب.

 

إيمان شمس الدين

.....................

[1] من كتاب : التغيير والإصلاح ـ مطالعة في التأسيسات والإشكاليات والمعوقات/إيمان شمس الدين/دار الانتشار العربي/بيروت/ط١

[2] (مالك بن نبي: شروط النهضة، ص: 19-20).

[3] http://www.islamonline.net/arabic/arts/2003/10/article13.shtml - 7#7(مالك بن نبي: آفاق جزائرية، ص: 38، وهذا هو التعريف الحقيقي الذي اختاره مالك بن نبي للحضارة، وليس ما ذهب إليه الدكتور توفيق يوسف الواعي في كتابه "الحضارة الإسلامية مقارنة بالحضارة الغربية"، حين ادعى أن تعريف الحضارة عند ابن نبي "هو البحث الفكري والبحث الروحي").

[4] (الدكتور محمّد سعيد رمضان البوطي في "منهج الحضارة الإسلامية في القرآن": 19.).

[5] (الدكتور محمّد حسين في "الإسلام والحضارة العربية" 4.).

[6] (الدكتور محمّد حسين في "الإسلام والحضارة العربية" 4.).

[7] (الدكتور محمّد حسين في "الإسلام والحضارة العربية" 4.).

[8] طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد/ عبد الرحمن الكواكبي / دار النفائس/ الطبعة الثالثة١٤٢٧هـ ـ ٢٠٠٦ م / ص ٣٨ـ٣٧.

[9] مجلة الاستغراب ١٢ / ص ٥٠

[10] مصدر سابق ص ٥٠

[11] أحمد شهاب/الحداثة المغلولة ص ٤٤ بتصرف

[12]  مصدر سابق ص ٤٥

[13] جواد علي، الموسع في تاريخ العرب قبل الإسلام ٤/٣١٥ بتصرف

[14] أحمد شهاب / الحداثة المغلولة/ ٥٠

[15] المشاركة لا المغالبة -الحركات الإسلامية والسياسة في العالم العربي - ناثان ج . براون - ترجمة: سعد محيو/ مركز كارينغي للشرق الأوسط

[16] دساتير من ورق ـ الدساتير العربية والسلطة السياسية/ ناثان براون/ الناشر state Univ of New York press/ 2002/ ص ١٧١،١٧٢ ولمزيد من التفصيل ص ١٧٣،١٧٠.

[17] علم يدرس المجتمعات الإنسانية والمجموعات البشرية وظواهرها الاجتماعية،قاموس المعجم الوسيط

[18] الإشكالات الناتجة عن العلاقات في الإطار الاجتماعي

[19] فرع من فروع الفلسفة يهتم بنظرية المعرفة

[20] راجع ص ٤١

[21] علم الآثار الذي يهتم بدارسة بقايا مخلفات الإنسان تاريخيا ويكشف من خلالها تفاصيل كثيرة، وهنا يستخدم في المجال المعرفي للحفر العميق في المفهوم ودلالاته تاريخيا واستخداماته الاجتماعية والمعرفية

[22] يطلق مصطلح التنميط في علم الاجتماع على ظاهرة في الحضارة الغربية وهي أن كثيرا من المنتجات الحضارية تصبح متشابهة ونمطية بسبب الانتاج الصناعي السلعي الآلي.

على عكس المجتمع التقليدي الذي له لمسات خاصة بكل منتج وفق منتجها وصانعها وسمات مستقلة.

والتنميط في المنتجات الحضارية يؤدي إلى تنميط أسلوي الحياة العامة والخاصة فيقضي الإنسان حياته في سلسة محكومة من روتين يومي منظم

[23] القدرة على كسب تعضيد الناس ونصرتهم عن طريق استثارة عواطفهم واللعب بأحاسيسهم ومشاعرهم وليس عن طريق الحوار العقلاني معهم، والديماغوجي هو الشخص القادر على الوصول إلى السلطة السياسية مستخدماً مهاراته الخطابية ، حيث يستطيع أن يتحكم في انفعالات المستمعين إليه وأن يدفعهم إلى التحرك في الاتجاه الذي يريده هو بالرغم من وجود اعتبارات كثيرة موضوعية ترجح عدم التحرك في هذا الاتجاه

 

مادونا عسكر (ردّاً على مقال الدّكتور جعفر الحكيم، قصّة قيامة المسيح، كيف بدأت، وكيف تطوّرت؟)

هذا الرّدّ ليس بمثابة ردّ لاهوتيّ لأنّني أميل إلى الرّأي القائل إنّ الحوارات العقائديّة مضيعة للوقت. فهذه الحوارات لا تثمر ولا تغني، لأنّ كلا طرفي الحوار مقتنع بإيمانه بغضّ النّظر عن صوابه أو ضلاله. وكلاهما ينطلق من كتابه المقدّس ليثبت صحّة إيمانه. وبالتّالي فهذه الحوارات أشبه باستعراضات إيمانيّة لا أكثر ولا أقلّ.  كما أنّ هذا الرّد ليس بمثابة دفاع عن العقيدة المسيحيّة لأنّ مبدأ الدّفاع يفترض هجوماً، ما لم أقرأه في مقالة الدّكتور جعفر الحكيم. لكنّني وبعد الاطّلاع على مقال "المسيح قام... ثمّ ماذا؟" وبالعودة إلى مقال " قصّة قيامة المسيح، كيف بدأت، وكيف تطوّرت؟" لا سيّما أنّ بعضاً من سلسلة مقالات للدّكتور جعفر تحت عنوان "حوارات في اللّاهوت المسيحيّ"، بدت لي هذه المقالات وكأنّها نقداً للنّصوص المسيحيّة المقدّسة بل استفاض الدّكتور جعفر غالباً في مقالاته في شرح هذه النّصوص بما يتناسب مع بحثه. وذلك لأنّه يتعامل مع شرح النّصّ انطلاقاً من فكره الشّخصيّ ومنطقه الخاص. ويكفي أن أورد مثالاً واحداً وهو عبارة (عودة يسوع النّاصريّ إلى الحياة) الّتي بدت مترادفة والإيمان بقيامة المسيح. وهنا يقع أيّ ناقد لنصّ دينيّ في فخّ اللّغة وفخّ المنطق الشّخصيّ. وبناء عليه ينتفي هدف المقال ويلتبس مضمونه لأنّ ناقد النّصّ أو الباحث في أصوله وتاريخيّته انطلق من فكره ولغته المنطقيّة الشّخصيّة. فقيامة المسيح لا تعني أبداً عودته إلى الحياة كما يعتقد الدّكتور جعفر.

من ناحية أخرى، يستهلّ الدّكتور جعفر مقاله بما يلي: "تعتبر عقيدة (قيامة) يسوع الناصري بعد (صلبه) هي الحدث الأعظم في سرديات قصته، حسب المنظور المسيحي، فعقب موت يسوع على الصليب، قام من الموت وعاد ثانية الى الحياة بعد ثلاثة أيام، كما تقول النصوص الدينية المسيحية، والتي تعتبر حادثتي الصلب والقيامة، هما الحدثان الضخمان في تاريخ المسيحيةُ، حيث اعتبرت الكنيسة المسيحيةُ، أن قيامة يسوع المسيح هي برهانها الضخم، والحدث التاريخي الفريد المعجز في تاريخ البشرية!"

ولئن كانت القيامة عقيدة المسيحيّة فلا بدّ أنّها مرتبطة بالإيمان المسيحيّ. والإيمان أمر خاصّ ومشخّص ولا يمكن تقييمه أو قياسه. كما لا يجوز نقد النّصوص المرتبطة بهذا الإيمان أيّاً كانت، مسيحيّة أم غير مسيحيّة. مع العلم أنّ الدّكتور جعفر وضع مقالاته ضمن إطار البحث التّاريخيّ لكنّ من يقرأ هذه المقالة يستشف نقداً غير متّزن ورصين للنّصوص الّتي قرأها في الكتاب المقدّس. "لقد شكل الحكم بموت يسوع الناصري، صلبا، صدمة كبيرة في نفوس تلاميذه، وانهيار كامل لكل الآمال المرجوة في تحقق صدق نبؤات معلمهم، الذي أحبوه واتبعوه، ولم يشكّكوا في كلامه أو وعوده... وفجأة.. يموت المعلم.. وينهار كل شئ!! وهذا الأمر، يبدو واضحا، في قصة التلميذين، الهاربين من أورشليم، بعد موت يسوع، كما وردت في إنجيل (لوقا 24)

عندما يواجه الإنسان، أو مجموعة من الناس، صدمة شديدة محزنة، عادة، ما تكون ردة فعل الاغلبية منهم، إما رفض تصديق الحدث، وإما إعادة قراءة الحدث وما سبقه، من أجل صياغة تفسير مقبول ومريح، يزرع الأمل مجددا في النفس!

وهذه الظاهرة، معروفة في أدبيات علم النفس والسلوك البشري، حيث نجد أن الفاقد لشخص عزيز عليه، أحيانا، يؤكد للآخرين أنه رأى ذلك الشخص الميت، وهو يجلس في المكان الذي اعتاد أن يراه جالسا فيه!!!"

يشرح الدّكتور جعفر ردّة فعل تلاميذ يسوع انطلاقاً من علم النّفس، وقد يجوز ذلك نقديّاً، لكنّه يبقى ذلك رأيه الشّخصيّ الّذي نحترمه وحسب. لكن إذا أراد الدّكتور جعفر أن ينقد النّصوص المقدّسة علميّاً فلقد فاته أنّ هذه النّصوص تنطلق من الحرف ولا تنحصر فيه. كما فاته أنّ هذا المنهج يجب أن يطبّق على جميع النّصوص المقدّسة مسيحيّة وغير مسيحيّة. وهنا سيدخل في متاهات لا حصر لها، تاريخيّاً وإيمانيّاً. النّصّ المقدّس ملك للمؤمنين به، يشرحونه بحسب منهجهم الخاص. فمن غير المنطقي أن ينتقد مسلم نصّاً مسيحيّاً والعكس صحيح، لأنّ لكلّ منهما منهجه وتأويله الخاصّ. وكلّ ما عدا ذلك استعراض للمعلومات لا أكثر واستنتاج شخصيّ كما ورد في المقال: "من هنا، يظهر، أن التعاطي مع قصة عودة يسوع المسيح إلى الحياة، يختلف، حسب الخلفية الإيمانية لكل جهة، فالذين يؤمنون بالعقيدة المسيحية، يعتبرون هذه القصة، حقيقة تاريخية ثابتة، بينما يعتبرها غيرهم، مجرد ادعاء لا دليل عليه، وربما يكون مرده إلى توهمات أو هلوسات شخص أو مجموعة أشخاص، مصدومين بفقدان معلمهم وزعيمهم، الذي أحبوه وتعلقوا به، خصوصا أن نصوص الأناجيل تؤكد على أن أول شخص ادعى رؤية يسوع بعد موته كان امرأة …!!". ويبدو لي أنّ الدّكتور جعفر يناقض نفسه في هذه الفقرة إذ يعترف من جهة أنّ القيامة مرتبطة بالخلفيّة الإيمانيّة، ومن جهة أخرى يربطها بالتّوهّم والهلوسة مستدلّاً بذلك على أنّ أوّل شخص ادّعى رؤية يسوع بعد موته امرأة. ما يدفعني إلى القول إنّ الدّكتور جعفر وقع في فخّ تركيبته الفكريّة والنّفسيّة والاجتماعيّة مدّعياً استدلالات علميّة.

للمسيحيّين ما يؤمنون به، وكذلك سواهم وما علينا إلّا أن نحترم هذا الإيمان، ونتخلّى عن استعراض معلوماتنا في سبيل دحض هذا الدّين أو ذاك تحت غطاء البحث التّاريخيّ. ما ينقص مجتمعاتنا الغارقة في الجهل والتّخلّف إعادة بناء الوعي والفكر حتّى تنهض من بؤسها الفكريّ.

"المسيح قام.. ثمّ ماذا؟"، السؤال العنوان الّذي أراده الدّكتور جعفر لمقاله الثّاني. العنوان الّذي يمكن إسقاطه على أيّ فكر دينيّ وعقائديّ.  "المسيح قام.. ثمّ ماذا؟"، المسيح قام... حقاً قام.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

حيدر حسن الاسديما تمر به منطقتنا من استهداف متعدد الجوانب في ضوء ما يسمى بحروب الجيل الرابع، والتي تهدف إلى تمزيق المجتمعات وتحللها في جميع الجوانب قيمًا وأخلاقًا بشتى السُّبل:

1- الإلحاد الممول.

2- بالإرهاب المصنوع.

3- بإثارة النعرات العرقية أو الطائفية.

وما يهمنا في هذه الورقة الامر الاول، وان كانت له صلة بالثاني، حيث أصبح الإلحاد ورقة سياسية توظف لضرب المجتمعات وتفكيكها ضمن حروب الجيلين الرابع والخامس المستهدفة إعادة رسم خريطة المنطقة. أن الإلحاد أصبح موجهًا ومسيسًا وممولاً، قصد الإسهام في إحداث حالات الفوضى والإرباك، إذ لم تعد كثير من الأمور فى مجتمعاتنا عفوية أو طبيعية، أن مخططات الأعداء تستهدف النيل من كل جوانب حياتنا ومقوماتها، مما يتطلب التوعية بمخاطر كل الظواهر السلبية، إذ أن هذه المخططات تهدف من خلال الإلحاد الممول إلى نزع القيم الإيجابية من نفس الملحد، وبما يفرغه من الرقابة الذاتية الأصيلة، رقابة الضمير، ومراقبة خالق الكون والحياة، فلم يعد أمامه سوى القانون الذى يسعى إلى التفلت منه ما وسعه ذلك.

وما نقصده من مصطلح " الممول"-هنا -: هو التمويل الرمزي، أي المساهمة المادية او المعنوية، بقصد او دون قصد والتي تسهم في تنامي وزيادة وانتشار هذه الحالة الفكرية في الأوساط الاجتماعية في إطار ما يمكن تسميته" رد الفعل الآني على ما هو راهن"، والرمزية او السلطة الرمزية بحسب عالم الاجتماع الفرنسي( بيير بورديو Pierre Bourdieu): توظيف معطيات مختلفة لموضوع ما، على مجتمع ما عمادها التحليل، وهو هذا التمويل ينشط بفاعلية غير مرئية  للوصول الى المبتغى، دون شعور المحيط او المجال العام محل نشاط الظاهرة.

وما نعنيه بالمقاربة "Approach" الوارد في العنوان هو: " معالجة الظاهرة المدروسة أو المادة المقصودة بتقريبها لشيء اخر يكون اكثر وضوحا، وهي طريقة لفهم موضوع ما، أي نوع من الاجتهاد في التنظير العلمي لإيضاح نظرية ما او مفهوم معين في اتصاله بتصورات او مفاهيم أخرى، بهدف الكشف عن الغموض الذي يكتنفها"، واعتقد ان دراسة مفهوم او ظاهرة الالحاد، لا تتم الا بمقاربتها مع السياق الثقافي والاجتماعي الذي اُنتجت او وُجدت به، ويبدو ان اقرب الظواهر لذلك " ظاهرة التطرف"، الذي هو "فعل ديني" وان بني على فهم مغلوط للشريعة السمحاء.

كما ان للفعل السياسي وممارساته العملية في الوسط الاجتماعي شكل حافزا وعاملا مسرّعا في نشر وانتشار الظاهرة، بقصد او دون قصد، ودون وعي، مما يصدق عليه تمويلا رمزيا واضحا.

وعلى الرغم من أن العديد من الأسباب التي دفعت بعض العرب إلى التخلي عن الدين مماثلة لتلك التي يذكرها الملحدون في أي مكان آخر في العالم، فإن هناك أسبابا أخرى يمكن أن تتسق مع السياق السياسي في مجتمعاتنا، منها:

1- أن العنف الذي تمارسه بعض الجماعات الدينية المتشددة والمتطرفة (فعل ديني) قد دفع بعض الشباب إلى التشكيك في عقيدئهم الدينية التي اعتنقوها وتربوا عليها "كرد فعل آني" في ظل غياب او فقدان الحلول الأخرى، كما يعتقدون.

ولذلك لا نرى صحة وواقعية بعض الاحصائيات التي ذكرتها بعض المؤسسات الاوربية عن الالحاد في العراق في ظل غياب المعطيات الحقيقية لهذه الظاهرة، ومنه ما ذكرته صحيفة وول ستريت حيث ترى ان" نسبة الإلحاد في العراق هي 38%" ، وهو رقم لم يتفق عليه العراقيون، فهناك من يزيده وهناك من ينقصه وينكره، فيما يرى اخرون ان ذلك جزء من "المؤامرة التي تحاك ضد الاسلام والمسلمين من الغرب واميركا تحديدا"1 .

2- أن "أبرز الأسباب التي تدفع الشباب إلى الإلحاد هي ممارسات الجماعات الإرهابية التكفيرية التي تنتهج الوحشية والترهيب والذبح باسم الإسلام والتي صدرت مفهوماً مشوهاً لتعاليم الدين، ورسخت صورة وحشية قاتمة له، مما نفر عدداً من الشباب من الإسلام ودفعهم إلى الإلحاد2".

3- أن تغلغل "الحركات السياسية" في الحياة الخاصة والعامة، وفشلها الذريع في الادارة وتوظيفها للدين لتحقيق مصالحها الخاصة؛ يمكن أن يكون سببا رئيسا لردة الفعل ضد الدين، ولذلك نعتقد ان الالحاد الموجود في العراق إن صحّ وجوده هو  ردة فعل على الخطاب والممارسة السياسية بطابعها المتشدد ، ولا يقارن بردة الفعل التي حصلت في  أوربا تجاه الكنيسة، وأهم دليل على ذلك " غياب التنظير الفكري والمعرفي العراقي لمن يتبنى هذه الظاهرة، وان وجد مثل هذا التنظير يكاد ان يكون في اطار ما يسميه جورج طرابيشي بــــالهرطقات".

ان  تجريد العقل المسلم من أقوى أسلحته في التصدي للإلحاد، عبر محاربة التيارات المتشددة للفلسفة،  وعلم الكلام، والتفكير العقلاني الذي هو عماد مناهج الاجتهاد في الإسلام اسهم وبشكل كبير في تنامي دعوات الالحاد، في ظل تراجع تفعيل مناهج الحوار والجدل من قبل المعنيين، خصوصا على مواقع التواصل الاجتماعي، والسوشيال ميديا بشكل عام، لان الباحث الإسلامي يرى ان هذه الوسائل الإعلامية لا تليق به، وما يليق به هو القاء محاضرة او ندوة او ارتقاء المنبر ليواجه المتلقين وجها لوجه، والحال ان تأثير الاعلام المرئي التواصلي - بحسب المتخصصين- اكثر فاعلية من الطرق التقليدية، واسرع انتشارا، وعليه لا بد من تفعيل هذا الجانب، وايلائه أهمية كبيرة، وتدريب متخصصين فاعلين في هذا المجال يشكلون خلايا رصد وتدقيق ودراسة لهذا الامر.

 

الدكتور حيدر حسن الاسدي/ جامعة الكوفة

.................

 2- نقلا عن سكاي برس ( SKY PRESS)، الالحاد في العراق مؤامرة ضد الاسلام ام ردة فعل على الاحزاب السياسية تقاريـر السبت 12 آب 2017 الساعة 14:24 مساءً

 2- موقع دار الإفتاء المصرية.

 

محمود محمد عليما زلت أؤمن بل ربما أكثر من أي وقت مضي بأن العلم كما أكد أستاذنا الدكتور "حسن عبد الحميد" في رائعته عن "التفسير الابستمولوجي لنشأة العلم"، حيث قال " يمر في انتقاله من مستوي الممارسة التلقائية العفوية إلى مستوى الصياغة النظرية لقواعد العلم، الأمر الذي قد يحدث نوعاً من القطيعة المعرفية "، وهذه القطيعة الذي ذكرها الدكتور "حسن عبد الحميد"، أشبه ما تكون في نظري نوعاً من المغايرة النسقية.

ولتوضيح ما يعنيه هذا المبدأ يمكن القول  بأن أي علم على الإطلاق قد مر في تاريخه بمرحلتين أساسيتين ومتميزتين: مرحلة الممارسة اليومية التلقائية، التي يغلب عليها الطابع الأيديولوجي، ومرحلة الصياغة النظرية للقواعد الأساسية والمبادئ العامة التي تجعل من المعرفة معرفة علمية بالمعني الدقيق للكلمة.

أو هو الانتقال مما هو ضمني إلى ما هو صريح وواضح، فالطفل أو الرجل الأمي – على سبيل المثال - يستطيع كلاهما أن يستخدم اللغة استخداماً صحيحاً نسبياً ودون حاجة إلى تعلم قواعد النحو الخاصة بهذه اللغة أو تلك، ولو سألنا أحدهما أن يستخرج لنا قواعد اللغة التي يتحدث بها، وأن يصيغها صياغة نظرية، لما كان هذا في إمكانه.

والسبب في ذلك أننا ننقله في هذه الحالة من مستوى الممارسة اليومية للغة إلى مستوى الصياغة النظرية لقواعدها. والانتقال هنا هو انتقال من مستوى الممارسة اليومية العفوية للمعرفة إلى مستوى الوعي بالقواعد النظرية التي تنظم هذه المعرفة، وقد أصبحت علمًا .

وهذا الانتقال من المستوى الأول إلى المستوى الثاني لا يتم إلا عن طريق " قطع الصلة" (إلي حد ما) بالممارسات اليومية ذات الطابع الحدسي والتلقائي التي تسيطر علي المعرفة قبل أن تتحول إلي علم . والقطيعة المعرفية (أو المغايرة النسقية) هي " التغير الذي ينتج عنه أمراً جديداً كل الجدة، ولكنها عبارة عن مسار معقد متشابك الأطراف تنتج عنه مرحلة جديدة متميزة في تاريخ العلم "، ومعالم تلك القطيعة (أو المغايرة) يمكن تتبعها علي ثلاثة مستويات: "مستوى لغة العلم من جانب، ومنهجه من جانب آخر، ومستوى نظرية العلم من جانب ثالث".

والسؤال الآن: هل يمكن تطبيق هذا المبدأ على النحو العربي في مرحلة نشأته ؟

يذهب غالبية مؤرخي النحو سواء القدماء منهم والمعاصرون إلى أن النحو هو " علم بأصول تعرف بها أحوال الكلمات العربية من حيث الإعراب والبناء، أي من حيث ما يعرض لها في حال كونها مفردة أو مركبة"، وأن " سيبويه"  أول من صاغ بطريقة علمية نظرية هذا العلم الذي سبق تاريخياً كل العلوم في التأسيس، حيث يمثل كتاب سيبويه أفضل " صورة لما وصل إليه التقدم العلمي في النحو في أواخر القرن الثاني الهجري، لأن الكتاب ثمرة لهذه الجهود المتصلة في تلك المادة منذ أن بدأها أبو الأسود، وهو (يمثل كذلك أفضل) صورة لما كانت عليه دراسة النحو، في ذلك الحين من التعليل والقياس، والاستنباط، والتفريع، واستيعاب الفروض ..وهو الكتاب الأول والأخير في النحو، فالكتاب سجل لقواعد النحو، وقف العلماء عنده، ولم يزيدوا عليه، وكل من جاء بعده جعل الكتاب أساس دراسته"، وبهذا يعد سيبويه بشهادة الكثير من الباحثين والدارسين " أهم تلميذ للرعيل الأول من أئمة اللغة، كما يعد أول عالم يكرس مجهوده الذهني بصورة متخصصة، إلى حد كبير في الدرس النحوي بمعناه الواسع، فليس من شك في أنه قد مهد بذلك الطريق للمباحث النحوية، وهو أمر لم نعهده من قبل".

ومع احترامنا لهذا الرأي، إلا أن المنطق والتاريخ يؤكدان أن الناس لم ينتظروا صياغة لقواعد النحو حتي يفكروا، والإنسان حيوان مفكر منذ أن وجد على سطح الأرض . النحو كعلم يفترض – مسبقاً - المقدرة على الاستخدام المسبق للغة، فالعلم آيا كان لا يبدأ إلا حين يتجه المفكر إلى الواقع العملي لهذا العلم، وواقع النحو العربي، وخاصة في بداياته الأولى يكذب ذلك وينفيه، فحتى الآن لم ينكشف لنا الفهم الصحيح لطبيعة المرحلة، التي تنسب إليها نشأة الدراسات النحوية، ولا فهم لطبيعة اللغة العربية، التي تتناول نشأة نحوها بالدرس، والبحث، والاستقصاء، إذ قبل "سيبويه" لم تكن معالم الدرس النحوي واضحة، ولم يكن له تخطيط معين، ولا منهج محدد، فـ "لا يزال الباحث في حيرة من أمر النحو العربي، ومن الظروف التي لا بست نشأته، فلا القدماء أماطوا اللثام بطريقة معقولة عن هذا الغموض الذي لا نزال نحس به، ونتعثر في دياجيه، ولا المحدثون استطاعوا أن يتناولوا هذه المسألة بطريقة جدية فيتعمقوا فيها بعد أن يمهدوا لها بالدراسة الواسعة، والتفكير الحر، والمنطق السليم ".

ولذلك نحاول بقدر استطاعتنا أن نناقش نشأة النحو بطريقة منهجية، ونبدأ حديثنا بمناقشة الشخصيات التي يعزي إليها نشأة النحو، فنتساءل من صاحب الفضل في نشأته: أهو أبو الأسود الدؤلي (16 هـ- 69 هـ)؟ أم الأمام علي بن أبي طالب (13 رجب 23 هـ - 21 رمضان 40 هـ) كرم الله وجهه؟، أم شخصيات أخرى، مثل نصر بن عاصم (توفي عام 89 هـ)، أو عبد الرحمن بن هرمز (ت:117هـ) ؟

لقد اختلف المؤرخون في أول من وضع أبواباً من النحو أو تحدث فيه، وظهرت روايات متعددة بخصوص هذا الموضوع يمكن إجمالها كالآتي:

الرواية الأولى: يرى أصحابها أن الإمام علي بن أبي طالب هو الواضع الأول لعلم النحو .

الرواية الثانية: يرى أصحابها أن أبا الأسود الدؤلي هو الواضع الأول لعلم النحو بمشاركة نصر بن عاصم الليثي (توفي عام 89 هـ) وعبد الرحمن بن هرمز .

الرواية الثالثة: يرى أصحابها أن أبا الأسود وحده هو الواضع الأول لعلم النحو .

ولا بد لنا قبل تحديد هذا الوضع من أن نعرض لهذه الروايات، ومن قال بها .

أما بخصوص الرواية الأولى، فقد وردت في كتب علماء القرن الرابع الهجري، وما بعد ذلك، ورددتها المصادر التي تلت ذلك التاريخ، حيث ينقل لنا " أبو القاسم عبد الرحمن الزجاجي، (توفي عام 340 هجري) "في" أماليه"، رواية عن أبي الأسود الدؤلي أنه قال:" دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فرأيته مطرقًا مفكرًا، فقلت: فيم تفكر يا أمير المؤمنين ؟ قال: إني سمعت ببلدكم هذا لحنا فأردت أن أضع كتاباً في أصول العربية، ثم أتيته بعد أيام فألقى إلي صحيفة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، الكلام: اسم وفعل وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل، ثم قال: تتبعه وزد فيه ما وقع لك، واعلم أن الأشياء ثلاثة: ظاهر ومضمر، وشيء ليس بظاهر ولا مضمر، وإنما يتفاضل العلماء في معرفة ما ليس بمضمر ولا ظاهر . قال أبو الأسود: فجمعت منه أشياء، وعرضتها عليه، فكان من ذلك حروف النصب، فذكرت فيها إن، وأن، وليت، ولعل، وكأن، ولم أذكر لكن فقال لي لم تركتها فقلت لم أحسبها منها فقال هي منها فزدتها فيها .

ونفس الشئ يؤكده "أبو بكر بن الأنباري" (271 هـ - 328هـ) فيقول: " الصحيح أن أول من وضع النحو الإمام علي (رضي الله عنه)، لأن الروايات كلها تسند إلى أبي الأسود، وأبو الأسود يسند إلى علي ... وسبب وضع علي (رضي الله عنه) لهذا العلم ما روى أبو الأسود قال: " دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، فوجدت في يده رقعة، فقلت ما هذه يا أمير المؤمنين ؟ فقال: إنـّي تأملت كلام الناس فوجدته قد فسد بمخالطة هذه الحمراء (يعني الأعاجم)، فأردت أن أضع لهم شيئا يرجعون إليه ويعتمدون عليه، ثم ألقى إليّ الرقعة وفيها مكتوب " الكلام كلـّه اسم وفعل وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أُنبى به، والحرف ما جاء لمعنى " وقال لي: انحُ هذا النحو وأضف إليه ما وقع إليك .

ويعتمد الشيخ محمد الطنطاوي، في كتابه " نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة " هذا الرأي، ويعلل بأن ابن الأنباري: " أغناهم بهذا المقام، وقد سرد معظم نقول السابقين عليه مع جودة الترتيب، فذكر مختاره أولًا مع روايتين في سبب وضع الإمام "علي بن أبي طالب " كرّم الله وجهه، ثم ذكر مختار غيره مع روايات أربع في سبب وضع أبي الأسود رضي الله عنه ... ثم عاد مصرحاً برجحان اختياره".

وممن أكد نشأة النحو علي يد الإمام "علي بن أبي طالب " كرّم الله وجهه،  أيضا الزبيدي في " طبقات النحويين واللغويين، حيث يروى أنه قال:" تلقيته من علي بن أبي طالب رحمه الله "، وفي رواية أخرى قال: " ألقى إليّ عليٌّ أصولا احتذيت عليها ". أمّا ابن النديم (توفي 384 هـ) في كتابه (الفهرست)، فيقول: " زعم أكثر العلماء أن النحو أخذ عن أبي الأسود الدؤلي، وأن أبا الأسود أخذ ذلك عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب " .

وهنالك شهادات أخرى كثيرة سجلها لنا القدماء غير ما ذكرنا عن "الزجاجي" و" محمد بن القاسم الأنباري  (الشهير بأبي بكر الأنباري) 271 هـ - 328هـ "و" المرتضى الزَّبيدي (1145 - 1205 هـ) " و" أبو الفرج بن أبي يعقوب النديم (المتوفي 384هـ-1047م)"، تؤكد إشارة الإمام "علي" (رضي الله عنه) وإرشاده وتوجيهه، فالسيوطي (أعني جلال الدين السيوطي " 849 هـ - 911 هـ") يقول وينقل ما يلي: " اشتهر أن أول من وضع النحو: علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) لأبي الأسود، قال الفخر الرازي في كتابه (المحرر في النحو): " رسم علي (رضي الله عنه) لأبي الأسود باب (إنّ)، وباب الإضافة، وباب الإمالة، ثم صنف أبو الأسود: باب العطف، وباب النعت، ثم صنف باب التعجب، وباب الاستفهام، وتطابقت الروايات على أنّ أول من وضع النحو: أبو الأسود، وأنه أخذه أولاً عن علي "، ووضح ذلك أيضا أبو الطيب اللغوي في (مراتب النحويين) قائلاً: " أخذ ذلك عن أمير المؤمنين "علي" (رضي الله عنه)، لأنه سمع لحنا فقال لأبي الأسود: اجعل للناس حروفا، وأشار له إلى الرفع، والنصب، والجر"، وابن كثير الدمشقي في (البداية والنهاية ) يذكر: " إنما أخذه عن أمير المؤمنين علي بن طالب ..ذكر له الإمام: "الكلام: اسم، وفعل، وحرف، وإنّ أبا الأسود نحا نحوه ..."، وابن خلكان في (وفيات الأعيان) يوضح أيضا أن " الإمام "علي" (رضي الله عنه) وضع له أقسام الكلام،ثم رخصه إليه وقال له: تمم على هذا " .

أما بخصوص الرواية الثانية التي تنسب وضع النحو إلى أكثر من واحد فهي متأخرة، يقول أبو سعيد السيرافي (284هـ - 368هـ): "اختلف الناس في أول من رسم النحو، فقال قائلون "أبو الأسود الدؤلي"، وقال آخرون "نصر بن عامر الليثي"، وقال آخرون "عبد الرحمن بن هرمز"، وأكثر الناس قالوا أبي الأسود " . وسار فى قوله الزبيدي الذي زاد على قول السيرافي " فوضعوا للنحو أبوابا، وذكروا عوامل الرفع، والنصب، والخفض، والجزم، ووضعوا أبواب الفاعل، والمفعول، والتعجب، والمضاف ". ثم تابعهما من جاء بعدهما ممن قال بهذا القول .

والذي يبدو من هاتين الروايتين أن تعاصر هؤلاء الثلاثة كما يري بعض الباحثين هو السبب المباشر في التباس الأمر على المؤرخين اللذين جاء أولهما بعد أبي الأسود بثلاثمائة سنة، وهي كافية للاختلاق والتزيد . أما "الزبيدي" فيبدو أنه أخذ ما نسب وضعها إلى أبي الأسود إلى هؤلاء جميعاً لكي تتم لهم المشاركة والمتابعة له في تطبيق نقط المصحف وهي نقط الإعراب .

أما فيما يتعلق بالرواية الثالثة التي تؤكد  ذلك، فهي تفرّد أبي الأسود الدؤلي بأنه واضع علم النحو، فقد أثبت له المؤرخون وكُتاب التراجم والباحثون في الأعمال القرآنية نقط الإعراب، وكانت جميع روايات المؤرخين تذكره عند تعرضها لوضع النحو أذكرته وحده أم مع الإمام "علي" أم مع معاصريه، وقد كان ذلك منذ أول نص وصل إلينا يتحدث صاحبه فيه عن النحو والنحاة حتي يومنا هذا . وللحديث بقية !!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

سليم مطرـ ندعو (مؤتمر القمة الاسلامي) الذي سيعقد في مكة اواخر هذا الشهر، الى اقرار لجنة من القانونين وعلماء الاجتماع والنفس، لكي تنشط بين الدول والهيئات الدينية في العالم اجمع، من اجل فرض قرار في الامم المتحدة يلزم دول العالم الى منع ومحاربة الافلام الاباحية.

ـ اشنع درجات النفاق والازدواجية الغربية: التطبيل لحقوق المرأة، وبنفس الوقت إنتاج ونشر أقذر الافلام التي تهينها وتعاملها كحيوان جنسي!!!؟؟؟

ـ ان الدول والمنظمات الاوربية والامريكية، دائما تسمح لنفسها باعطائنا دروسا اخلاقية وسياسية بكيفية التعامل مع مجتمعاتنا ونسائنا واطفالنا وووو حتى مع حيواناتنا.. فلماذا لا نسمح نحن ايضا لانفسنا بان نعطيهم درسا اخلاقيا وانسانيا باحترام المرأة اولا والرجل ثانيا؟!

ـ ان تحريم الافلام الاباحية، قبل ان تكون لاسباب اخلاقية أو دينية، هي اولا لاسباب نفسية اجتماعية خطيرة جدا جدا.  بالاضافة الى تأثيرها الخطير على دماغ الاطفال والشباب:https://urlz.fr/9MdF

ـ الافلام الاباحية اخطر الامراض الاجتماعية النفسية التي تهدد صحة الانسان وسلامة العائلة! وتسب واحدا من اخطر امراض العصر(الادمان على الاباحية Pornography addiction)

ـ مثل الهيئات الاسلامية، كذلك الكنائس المسيحية وخصوصا الكاثوليكية تكافح وتثقف بخطورة الافلام الاباحية.

ـ هنالك العديد من الدول مثل الصين وكذلك جميع الاديان في العالم، تدين وتحذر من خطورة هذه الافلام، لكن مع ذلك لازالت تتكاثر بصورة مجانية واغرائية عجيبة! لماذا؟؟!!!

904 سليم 1ـ لأن القوى الشيطانية العالمية والصهيونية غايتها افساد البشرية نفسيا واخلاقيا من اجل تسهيل السيطرة عليها سياسيا ثم عملية نهبها وتدميرها.

ـ ارباح الافلام الاباحية وشبكات الدعارة المرافقة لها تفوق عشرات المليارات سنويا!

ـ ان اخطر رسائل هذه الافلام، الادعاء بأن النساء رخيصات جدا جدا، ويمكن ان يوافقن بكل بسهولة على الممارسات الاباحية مهما كانت شاذة وقاسية ومهينة. كذلك الادعاء الشيطاني بانه من الطبيعي جدا الممارسة بين المقربين: ام وابنها، اخ واخته، اب وابنته!!!!؟؟

ـ ان هذه الافلام تقتل كل قيمة معنوية وانسانية وشاعرية للعلاقة العاطفية والجنسية، وتحولها الى علاقة وحشية قذرة تخجل منها وترفضها حتى الحيوانات!

ـ غالبية النساء يشكون من ان رجالهن يطالبوهن بممارسات شاذة ولا انسانية تقليدا للافلام الاباحية!

اكذوبة المجتمعات الغربية المكتفية جنسيا!؟

ان انتشار هذه الافلام الى درجة كبيرة بين الرجال الغربيين، يفضح مدى الدجل والكذب ادعاء انهم(مكتفون جنسيا). واكبر دليل على مدى انحطاط العلاقات الانسانية بين الرجال والنساء:

1 ـ انتشار شبكات الدعارة بصورة تفوق الخيال. مثلا، في سويسرا وحدها التي لا يتجاوز عدد سكانها (8 مليون)، هناك حوالي 25 الف بغي من جميع جنسيات الارض. ضمن حوالي الف مبغى، بالاضافة الى الشبكات السرية. والارباح تقدر بين 500 مليون الى مليار دولار سنويا!

2  ـ انتشار حالات الاغتصاب الى مئات الالاف سنويا. في فرنسا وحدها اكثر من (62) الف حالة اغتصاب عام 2016. أي ما يعادل 12% من المجموع الكلي للنساء: https://urlz.fr/9MbO

3 ـ انتشار حالات الطلاق الى ارقام مرعبة، الى حد حالة طلاق تقابل حالة زواج؟!  وبدات تنشأ اجيال جديدة من الاطفال نصف يتيمة، تعيش فقط مع احد الابويين: https://urlz.fr/9MbN

4 ـ انتشار السياحة الجنسية حيث يضطر رجال الغرب بسبب الجوع والاثارة المكبوتة الى الاستفادة من ارتفاع قيمة الاورو والدولار والسفر الى الدول الفقيرة، من اجل إشباع ملذاتهم الطبيعية والشاذة حتى مع فتياة صغيرات جدا: https://urlz.fr/9MbA

904 سليم 2

اخطر التأثيرات على الرجال والنساء!

ـ جميع الدراسات اتفقت على  تاثيرات هذا الادمان:

1ـ انه يحطم الرجل والشاب خصوصا، نفسيا ويشعره دوما بالاثم والعار، ويعزله عن المجتمع ويحرمه من القدرة على العلاقة الطبيعية مع النساء. وبالتالي يضعفه صحيا وحياتيا وكثيرا ما يؤدي به الى الجريمة والجنون والانتحار.

2ـ انه يؤدي الى تدمير العلاقات الزوجية، لأنه يشعر الرجال خصوصا بأن نسائهم اقل قيمة ومقدرة وجاذبية من نساء الافلام. وبالتالي يؤدي الى خراب العلاقات العاطفية والجنسية بينهما ثم الى المشاكل والعنف حتى الطلاق.

3ـ ان يشوه تماما قيمة النساء في نفوس الرجال. إذ يكونوا مثارين دائما وينظرون الى المرأة كحيوان جنسي، وبالتالي معاملتها بشهوانية وشذوذ، حتى العنف والاغتصاب. وهذا يشرح سبب الانتشار العجيب لحالات العنف والتحرش والاغتصاب في المجتمعات الغربية، وفي مجتمعاتنا طبعا.

4 ـ بنفس الوقت يتم تشويه صورة الرجال في نفوس النساء. فهن حتى لو لم يشاهدن هذه الافلام، فأنهن عموما قد عرفن بها وبمضامينها الهمجية، وبالتالي انتشر بنيهن خوف وتقزز من الرجال باعتبارهم وحوش جنسية لا يمكن الوثوق بهم ولا يستحقون محبتهن.

904 سليم 3لمزيد من التفاصيل، طالع:

فلم نصائح:

https://www.youtube.com/watch?v=S0FHl1z8whA

فتوى ضد الاباحية

https://www.youtube.com/watch?v=YYIsfKr6OoI

كاهن كاثوليكي يشرح بالانكليزي مخاطر الافلام الاباحية:

https://www.youtube.com/watch?v=3vckjb0GI_s

جراح أعصاب أمريكي: المواد الإباحية تدمر أدمغة الشباب

https://urlz.fr/9MdF

تحليل علمي عن ادمان الاباحية:

http://islam.ahram.org.eg/NewsQ/7952.aspx

ـ الإدمان على الأفلام الإباحية/ تفاصيلها واضرارها

https://urlz.fr/9M7D

Your Porn Addiction Isn’t Realـ

https://www.thedailybeast.com/your-porn-addiction-isnt-real

 

سليم مطر ـ جنيف

 

عبد الرضا حمد جاسمملاحظة: في هذا الجزء سأتطرق الى الأرقام التي وردت في مقالة/ رد أ. د قاسم حسين صالح واقارنها بالأرقام التي وردت في الدراسة ستُصْدَمْ عزيزي القارئ عندما تجد ان الأرقام غير متطابقة.

6- اليكم العرض المركز الذي كتبه أ. د قاسم حسين صالح لخلاصة الدراسة...ولأهمية ما ورد فيه وخطورته وضرورة مناقشة ذلك بدقة وانتباه، وبعض التوضيح ربما المُمل لكنه ضروري كما أعتقد. عليه سأُجزأ العرض كالتالي:

[سأضع على كل جزء من تلك الخلاصة علامة (*) ورقم تسلسل واضع النص بين قوسين (.) تسبقهُ كلمة "وَرَدَ" وأختم ب"انتهى"].

*1- ورد: [وتَوَصَلَتْ "يقصد الدراسة" الى ان هنالك (647) حالة انتحار في العراق لعام 2015، بمعدل حالة واحدة لكل 100000] انتهى.

تعليق: قبل أن أطرح الأرقام الصحيحة التي وردت بدراسة اللجنة، وقبل أن اُناقشها اسأل من أين أتى أ. د قاسم حسين صالح بهذه المعلومة وهي لم تتضمنها الدراسة أو لم يتم ذكرها فيها؟

 اُناقش الأرقام التي سطرها أ. د قاسم حسين صالح:

 يقول أ. د قاسم: ان الدراسة توصلت الى ان هنالك: (647) حالة انتحار في العراق عام 2015، بمعدل واحدة لكل (100000)"مائة ألف شخص"

هذه المعلومة خاطئة او غير صحيحة. وعلى فرض ان الأستاذ وجدها هكذا في الدراسة ...ألا يستدعي التأكد منها وتدقيقها وتحليلها قبل نشرها وبالذات عندما توفرت الرغبة في مناقشتها؟ وبالذات فأن هذا الرد سيكون على دراسة قام بها مجموعة من الدكاترة وخبير بريطاني وصفهم

 أ. د قاسم حسين صالح ووصفها بأحسن الأوصاف وقيَّمهم وقيَّمها أحسن تقييم وهو يعرف انها نُشرت باللغة الانكَليزية في مجلة علمية متخصصة وسيطلع عليها المختصين في كل العالم وتدخل /دخلت الارشيفين العراقي والعالمي عن الانتحار وقد تضمن الرد تعهد أ. د قاسم بترجمته ونشره في المجلات المتخصصة العالمية. ويعرف أ. د قاسم حسين صالح جيداً أهمية الأرقام في مثل هذه الدراسات وقد إشارة الى "حنبلية تعامل اللجنة مع الأرقام". هذا يستوجب من أ. د قاسم ان يتوقف عندها/امامها ملياً يناقشها ويحللها ليكتشف عيبها او يتأكد من دقتها. والأرقام تعني عند كل مراقب اوقارئ أو متابع الكثيرلأنها نتائج تعكس قيمة الجهد المبذول ودقته.يمكن ان تنفع ويمكن ان تقلب الأمور وتشوهها.

 ماذا تعني هذه المعلومة؟ وكيف يمكن استخدامها أو كيف تشوهه الدراسة. ماذا يفعل من يريد معرفة عدد سكان العراق من هذه المعلومة لأن 

أ. د قاسم لم يذكر في رده عدد سكان العراق؟ الجواب: ...سيقوم بالتالي:

(647) حالة انتحارx (100000) (لكل فرد) = (64.700.000) مليون شخص عدد سكان (13) محافظة تلك التي شملتها الدراسة وعند تقسيم هذا الرقم على (13) نحصل "ولو غير دقيق لكن للتوضيح" على معدل عدد السكان في كل محافظة وحتى نحسب "حسابياً /تقريبياً ايضاً " عدد السكان الكلي للعراق نحتاج عدد سكان المحافظات الخمس غير المشمولة بالدراسة:

64700000÷13= حوالي(5000000) [خمسة ملايين نسمة تقريباً عدد نفوس كل محافظة]. اذن سكان المحافظات الخمس غير المشمولة هو: (5000000x5=25000000) خمسة وعشرين مليون نسمة]. فيكون بذلك عدد سكان العراق التقريبي هو:(65) +(25)=(90) مليون نسمة.

هل يمكن قبول هذا؟ ماذا سيكون الموقف بعد (10) سنوات او ربع قرن لو اطلع طالب دراسات او باحث أجنبي او عربي على مثل هذه الأرقام ووجد ان سكان العراق بهذه الحدود؟

 لو كان الخطأ في الدراسة كان يمكن التغاضي /التساهل عنه/معه حيث في الدراسة ذُكِرَ عدد سكان المحافظات ال(13)، في سنتي الدراسة لكن هذا الخطأ الكبير لا يمكن قبوله من أ. د قاسم لسببين الأول: عدم ذكره عدد سكان المحافظات والثاني: أنه ناقد للدراسة ومعترض عليها وليس مساهم فيها او قارئ عادي لها.

 اليكم الأرقام التي وردت في الدراسة:

عام 2015: نحو(290) حالة انتحار. معدل الانتحار لكل 100 ألف فرد هو (1.09)

عام2016: نحو(357) حالة انتحار. معدل الانتحار لكل 100 ألف فرد هي: (1،31)

 اعود الى: من أين نقل أ. د قاسم الرقم: (647) حالة انتحار؟ يمكن لي أن اُجيب وهو احتمال لا غير: الجواب: نقلهُ أ. د قاسم كما يبدو من الجزء الأول من عبارة وردت في صفحة "النتائج" من الدراسة حيث ورد تحت عنوان فرعي: "التركيبة السكانية" التالي: [بلغ مجموع حالات الانتحار (647) منها (290) حالة في عام 2015 و (357) حالة في عام 2016]. او كما سيأتي في نص ما ورد في رد "لجنة الدكاترة".

ورقم (647) هو حاصل جمع: (290) حالة انتحار في 2015+ (357) حالة انتحار في 2016= (647) حالة انتحار... "" هذي لكينالها حل ولو أن الدكتور حصر هذا الرقم في عام 2015 ولم يتركه سائب"... لكن (بمعدل واحد لكل (100000) ""منين اجت """؟؟؟

*2- وَرَدَ: [...وبمعدل (1، 21 للذكور و0، 97 للإناث) لعام 2015، مقابل (1، 31 للذكور و1، 07 للإناث) للعام 2016] انتهى.

تعليق: هنا فَصَلَ أ. د قاسم نسبة الذكور للإناث الى 2015 و2016 ...يمكن ان نحسب عدد الذكور والاناث خلال 2015 وفق ما ذكر من ان عدد المنتحرين هو(647) شخص لعام (2015) لكن كيف نحسب الاعداد في عام 2016 وفق أي رقم ...؟

قبل طرح الأرقام الصحيحة من الدراسة نناقش الأرقام التي طرحها الأستاذ قاسم بخصوص الاناث والذكور.

نأخذ ارقام 2015: التي هي: (1، 21 للذكور و0، 97 للإناث). اولاً: من أين أتى بهذا أ. د قاسم؟؟؟؟؟ ثانيا: ماذا تعني؟

 لو فرضنا ان ما مؤشر للذكور هو الرقم (21.1) صحيح، يمكن ان يكون مقبول كأن يعني عدد الذكور المنتحرين مقابل عدد من الاناث. لكن عندما نأتي لمعرفة عدد الاناث الذي يقابله نُصْدَمْ حيث ستكون:(97.0) ما معناه: مقابل كل(21.1) ذكر ينتحر هناك (97) اُنثى تنتحر. وهذا رقم غريب لم يُسجل في أي دراسة في أي بلد في أي زمن.

وعندما ننتقل الى معدلات عام 2016 نجد: للذكور (31.1) والاناث(07.1) أي مقابل كل(31.1) من الذكور المنتحرين تنتحر(7.1) أنثى ...

من أين أتى الدكتور قاسم بهذه الأرقام أيضاً وبالذات رقم (97،0) غير المفهوم والمثير للاستفهام ويفترض ان يثير الانتباه؟ لا اعرف!

 وفق الأرقام التي كتبها أ. د قاسم حسين صالح تكون حالات الانتحار من الاناث لعام 2015 إذا أخذنا رقم الحالات الكلي الذي ورد في أصل الدراسة أي (290) حالة سيكون منها: اناث(236) وذكور(58) تقريباً...اما لعام (2016) فستكون الاناث: (66) والذكور: (292). أي أنه في عام واحد هو عام (2016) حصلت زيادة في انتحار الذكور بمقدار: (244) ذكر وانخفاض في عدد الاناث بمقدار: (170) انثى عن عام (2015)..هذا التغيَّر الهائل في سنة واحدة لم يحصل في أي مكان و في أي زمان في تاريخ البشرية القديم والحديث.

اليكم الأرقام التي وردت في الدراسة عن نسبة الذكور الى الاناث حيث كانت كالتالي:

 في عام 2015 كانت: (1,26) وفي عام 2016 كانت: (1.46). [نسبة الذكور للإناث]

والغريب ان "لجنة الدكاترة" اشارت في دراستها الى تقارب العدد بين الذكور والاناث سواء في حالات الانتحار او في التركيبة السكانية للمحافظات ال(13) حيث ذكرت التالي:

في عام 2015 كان عدد سكان المحافظات ال(13) المشمولة بالدراسة هو(26.460.324) (ستة وعشرين مليون واربعمائة وستون ألف وثلاثمائة واربعة وعشرون نسمة). كان عدد الذكور منهم هو: (13.349.621) [ثلاثة عشر مليون وثلاثمائة وستون ألف وستمائة وواحد وعشرون] وعدد الاناث كان: (13.110.703) [ثلاثة عشر مليون ومائة وواحد ألف وسبعمائة وثلاثة] ... والانتحار كان: نحو (290) حالة انتحار منها (162) ذكور بنسبة: ( 55.9%) مقابل (128) انثى بنسبة (44.1%).

أما في عام 2016 كان:(27.140.895) (سبعة وعشرين مليون ومائة وأربعون ألف وثمانمائة وخمسة وتسعون نسمة!!!!! كان عدد الذكور منهم هو:(13.692.985) [ثلاثة عشر مليون وستمائة واثنان وتسعون ألف وتسعمائة وخمسة وثمانون]. أما الاناث فكان: (13.447.910) [ثلاثة عشر مليون واربعمائة وسبعة واربعون ألف وتسعمائة وعشرة] والانتحار كان: نحو(357) حالة انتحار منها (212) ذكور بنسبة (59%) مقابل (145) اناث بنسبة (40%)." [يرجى ملاحظة التقارب في عداد ونسب الذكور والاناث].

*3: ورد: [وان 67,9% كانت بين الاعمار(29) سنة فما دون] انتهى

تعليق: هذا يدل على ان الدراسة ليس كما ورد في العنوان "ما هكذا نقدم للعالم انتحار الشباب في العراق!" حيث أن هذا الرقم يعني حالات الانتحار في صفوف الشباب بعمر(29) فما دون هو (67,9%) والباقي بأعمار مختلفة تتعدى الشباب أي ان الدراسة لم تقتصر على الشباب" ولو ان النسبة الأكبر من المنتحرين هم من الشباب من الجنسين.

لا اعرف هل ان عمر الشباب محدد ب(29) عام فما دون وهل هذا الرقم معتمد عالمياً أم أن هناك عمر شباب لكل بلد؟

*4- ورد: [وتوصلت "يقصد الدراسة" الى ان وسائل الانتحار الأكثر شيوعا كانت هي الشنق (41%) تليها قتل النفس برصاصة (31%)، تليهما الحرق بنسبة (19%)] انتهى

تعليق: ونحن في سياق مناقشة دراسة نُشرت في مجلة علمية عالمية متخصصة فمن الضروري التعامل ما ورد فيها من أرقام بدقة وذِكْرها كما وردت وإن اقتضت الضرورة تقريب بعضها يجب ان يُشار الى ذلك حتى لو كان الكاتب لا يثق بدقة تلك الأرقام حد الكسور العشرية.

اليكم الأرقام التي وردت في الدراسة: "شنق (41%)"بإطلاق الرصاص (31.4%)"الحرق (19.2%).

*5- ورد: [وان (54%) منهم لم تكن لديهم محاولات انتحار سابقة. واشارت الى ان (24%)منهم يعانون اضطرابات متعلقة بالطب النفسي psychiatri  disorders، وان الاضطراب الأكثر شيوعا بينهم هو الاكتئاب بنسبة (54%)، فيما كانت نسبة الانتحار لسبب اقتصادي (12%)] انتهى.

تعليق: لا اعرف من أين جاء الأستاذ الدكتور قاسم ب (54%) بخصوص من ليس لديهم محاولات انتحار سابقة؟  فالرقم الذي ذُكِرَ في الدراسة هو (82.1%) والأرقام الأخرى هي: لديهم اضطرابات نفسية (24.1%) الاضطراب الأكثر شيوعاً (53.9%)، مشكلات مالية (12.4) ؟؟؟؟؟

ملاحظـة: لقد ردت "لجنة الدكاترة" كما ورد في الجزء السابق على مقالة أ.د قاسم حسين صالح .اليكم منه التالي:[أولاً، نشكر الأستاذ قاسم على اهتمامه بالدراسة، ووصفه إياها بأنها "جهد علمي كبير" وقوله أنها امتازت "بالمنهجية العلمية العالية والدقة في تحليل البيانات الإحصائية" وعلى ترجمته وتقديمه للقراء جزءاً من ملخص البحث، نود هنا ان نشير الى خطأ في الترجمة التي ذكرت الرقم647 على أنه يمثل عدد حالات الانتحار في العام 2015 في حين ان هذا الرقم يشمل عامي الدراسة، نحن لا نعلم ان كان المقال مبنياً على هذا الملخص أو على النص الكامل للبحث والذي ارسلناه الى الأستاذ كاتب المقال قبل مدة من كتابة المقال أو قراءة معمقة لهذا النص الكامل كما يُفترض، ولدينا عدة أسباب لهذا التساؤل: أولاً ،أن جميع الاقتباسات التي ذكرها المقال مبنية على الملخص ،ثانياً وقع المقال في أخطاء جسيمة يندر الوقوع بها في حالة قراءة النص الكامل أو قراءته بتمعن] انتهى

هذا يعني ان "لجنة الدكاترة" كانت قد أرسلت ملخص الدراسة للدكتور قاسم ثم أرسلت له أصل الدراسة قبل فترة من تاريخ نشره الرد عليها أي قبل يوم 08/01/2018 وإن الخطأ في الرقم(647) تقع على مسؤولية أ. د قاسم حسين صالح ...علماً ان رد "لجنة الدكاترة" هذا نُشر بعد ثلاثة أشهر تقريباً من نشر دكتور قاسم رده أي في 03/03/2018.والمستغرب هو ان أ. د قاسم حسين صالح كما يبدو لم يُجِبْ على أسئلة اللجنة و لم يصحح الخطأ حيث فوت فرصة الثلاثة اشهر تقريباً قبل رد "لجنة الدكاترة" ليعيد تدقيق الرد علماً أن ذلك كما اعتقد ضروري وبالذات عندما كتب انه سيقوم بترجمة الرد و نشره في المجلات العلمية العالمية و لم يستغل فرصة رد "لجنة الدكاترة" على رده و لم يستغل كل تلك الفترة الممتدة من 08/01/2018 لغاية نشر الجزء الأول من هذه المناقشة التي هذا الجزء الثاني منها، أي حتى يوم 13/05/2019 أي بعد مرور سنة وثلاثة اشهر تقريباً ليقوم بواجب التصحيح لتلك الأخطاء غير المسبوقة وهي أخطاء كبيرة، تصحيحها و الاعتذار عنها واجب يتقدم على كل شيء، والاعتذار يكون الى لجنة الدراسة و الى القراء و المواقع التي نشرت ذلك الرد و هذا شأن المتميزين و العلماء وهو منهم. وللعلم لقد تابعتُ رد أ. د قاسم في: (المثقف) وفي (الحوار المتمدن) لغاية اليوم 14/05/2019 وكذلك رد "لجنة الدكاترة" في "الحوار المتمدن" حتى نفس التاريخ، عسى ان أجد في حقل التعليقات على تلك المقالات ما يشير الى التصحيح او الاعتذار فلم أجد شيء وهذا ما دفعني لطرح موضوع التصحيح هنا...واعتقد ان عدم تصحيح الخطأ غير مقبول علمياً/اجتماعياً حيث ان التصحيح والاعتذار عن ذلك واجب والباب لا يزال مفتوح لذلك التصحيح وذلك الاعتذار حتى ولو بكتابة تعليق في حقل التعليقات على تلك المقالات. علماً أنه ورد في رد اللجنة انها أرسلت ردها هذا الى الصحيفة الذي نشر فيها أ. د قاسم حسين صالح رده على الدراسة حيث ورد التالي: [نود أن نوضح أن هذا الرد قد أرسل إلى صحيفة (!!!!!) ووُعدنا بنشره، ولكن بعد عدة أسابيع من الوعود، ثم تحاشي الإجابة عن تساؤلاتنا بشأن موعد النشر، حتى وصلنا إلى قناعة بأن الصحيفة لا تريد نشر الرد لسبب لا نعلمه وبشكل يتنافى مع حرية الرد التي كنّا نتمنى أن تكون مبدأ يحترم في جميع الأحوال] انتهى.

7- كتب أ.د قاسم حسين صالح وتحت عنوان فرعي هو: "ظاهرة الانتحار...أكبر من ان تستوعبها دراسة"

الى اللقاء في الجزء التالي الذي يبدأ ب". كتب أ.د قاسم حسين صالح وتحت عنوان فرعي هو:"ظاهرة الانتحار.أكبر من ان تستوعبها دراسة".

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

محمد فتحي عبدالعاللقد حملت الرسالة المحمدية اطيافا شتي من نور العلم والمعرفة حلقت بالامة الاسلامية في ميادين تعددت ما بين التربية وعلوم الدين واللغات والحكمة والعلوم التجريبية والاجتماعية والانسانية وهذة هي معجزة النبي صلي الله عليه وسلم الحقيقة وليست أميته فأمية النبي كانت وقتية قبل الرسالة والي مرحلة معينة من حياته بعدها تعلم النبي صلي الله عليه وسلم القراءة والكتابة وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَتَبَ. وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ أَبُو ذَرٍّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الْهَرَوِيُّ، وَالْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُمَ . ان الدفع بأمية النبي صلي الله عليه وسلم للتدليل علي اعجاز رسالته هو أمر يعافه العقل فهل يا تري كانت أمية النبي مؤثرة الي هذه الدرجة في صد الاتهامات عنه أثناء حياته وبعد مماته ؟! الاجابة بالطبع لا ...فمسألة أمية النبي لم ترتقي في أي مرحلة من مراحل الدعوة لتكون الاساس الذي يبني عليه حديثوا العهد بالاسلام ثقتهم بالدين الجديد وفي الوقت نفسه لتكون حائط الصد ضد هجمات العرب الجاهليين بأقتباس نصوص القران من أهل الكتاب المنتشرين بمكة والسبب وببساطة أن الاقتباس لا يحتاج الي لغة فيكفي الاستماع الشفهي ليحدث الاقتباس خاصة وأن ما حمله القصص القراني من شخصيات ووقائع كان متداولا في مكة من خلال القصص الشعبي الذي كان يطلق في مسامر وأندية قريش للعظة والأعتبار والتسلية والذي يمكن أن نطلق عليه أساطير الاولين فالمجتمع الجاهلي كان علي قدر كبير من الأنفتاح واستخدام وسائل الاتصال التي توفرت له عبر التجارة فالمجتمع الجاهلي -ونعني بالجاهلية هنا البعد عن معرفة الله ووحدانيته وليس غياب الاسس الحضارية والقيمية -قد شهد رحلات منتظمة في الشتاء الي بلاد اليمن والصيف الي الشام وهو ما مثل فرصة كبيرة لاكتساب المعارف والعلوم والاطلال علي الحضارات المتاخمة وآثارها ومنها القصص الديني ومنمن نسميهم أعمدة أدب الرحلة بصورة بسيطة وتناسب هذه العصور كان النضر بن الحارث وهو أول من نقل الي مكة العزف علي العود ممزوجا بألحان الفرس متزودا في رحلاته الي الشام والعراق وفارس بالعديد من القصص ككليلة ودمنة وأحاديث رستم واسبنديار والعديد من الاساطير التي تحفل بها حضارات هذه البلدان ولم يكن القصص الديني ببعيد عن هذه الاساطير فقد كانت قصة كطوفان نوح عليه السلام حاضرة وبقوة في أساطير مثل جلجامش في شخص الرجل الطيب أوتنابيشتيم الذي أمرته الآلهة بأن يبني سفينة، يحمل عليها بذور كل شيء حي وفي قصة بيروسوس حيث الملك (أكسيسو ثووس) الذي يري الطوفان في منامه فيبني سفينة أضافة لقصص الخلق السامري والبابلي والكنعاني وهي نصوص وأن كانت مكتشفة حديثا الا انه من غير المستبعد أن تكون متناقلة كقصص شعبي علي ألسنة الناس في هذه العهود وقد رسخت لديهم وجود خالق لهذه السماوات والأرض قال تعالي: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۚ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) كما كانت أشارة النابغة الذبياني وهو من شعراء الجاهلية الي النبي سليمان في أحدي قصائده : ( إلاّ سُليمانَ إذ قالَ الإلـهُ لـــهُ  قًــمْ فــي البريَّة فــاحْــدُدْهــا عنِ الفَنَـدِ وخيِّسِ الجنَّ إنّي قد أَذِنْتُ لهمْ  يَبْنون تَــدمـر بـالـصُّـفَّــاحِ والــعَـــمَـــدِ)

مؤشرا هاما علي أنتشار هذه الاخبار في الجاهلية .. كما عرفت قريش العديد من القيم مثل نصرة الضعيف ويظهر هذا بوضوح في واقعة “حلف الفضول”، حيث كانت شكوي أحد التجار ضد العاص بن وائل وقد كانت علي قدر كبير من السطوة والمنعة ولكن ذلك لم يمنع سادة قريش من الاجتماع في دار ابن جدعان والانتصار لحق التاجر ورده اليه وقد حضره النبي ، وقال عنه لاحقاً، "لقد شهدت مع عمومتي حلفاً في دار عبد الله بن جدعان ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت". كما كان للمجتمع العربي دار الندوة والتي كانت بمثابة مجلسا تشريعيا وتنفيذيا في آن واحد حيث كان التشاور واتخاذ القرار وعقد الوية الحرب تتم هناك ... أضافة الي معرفتهم بما يمكن تسميته بالابتعاث الخارجي لتحصيل المعارف والذي مثله طبيب العرب الشهير الحارث بن كلدة الثقفي والذي تعلم الطب في فارس وله محاورة شهيرة مع كسري تمثل المكانة العليا التي وصل اليها وقد كان يداوي الصحابة فيما بعد ومنهم سعد بن أبي وقاص..كما شهد المجتمع العربي الجاهلي طفرة أدبية شعرية جسدها شعراء المعلقات وكذك المكانة التي ارتقاها بعض شعراء العرب من أمثال النابغة الذبياني في بلاط النعمان بن المنذرملك الحيرة .

ومن هذه الأمة كان اصطفاء الله عز وجل للمصطفي صلي الله عليه وسلم ليكون حاملا لرسالته الخاتمة قال تعالي: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُوْلاً مِنْهم) وقد كان تفسير القرطبي الأسبق في تعريف (الأمي) بنسبة النبي صلي الله عليه وسلم إلي مكة أم القري..

أن اشكالية قريش مع النبي لم تكن ابدا في هذا القصص القراني الذي لم يكن مفاجئا لهم في شخوصه أو محتواه من حيث الاطر الشكلية العامة وبالتالي لم تكن محاولة التيقن من أميته أو الوصول الي أشخاص علي صلة بالنبي من احبار او رهبان أخبروه بهذه القصص كان شغلهم الشاغل .وانما كانت مشكلتهم مع العلم ..أجل العلم الذي استخدمه القران في التدليل علي التوحيد قال تعالي:  ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) ..أنها معركة العلم والتنوير في كل العصور في تحرير العقل ليصبح مهيمنا وموجها للبشرية في معركتها الأزلية مع الجمود وأن تتخلص البشرية من ربقة عبادة العباد والتوجه الي اله واحد يحيطهم بتعاليمه وينزع عنهم صفات العنصرية والتعصب القبلي البغيض..

لقد كان تعلم النبي للقراءة أمر حتميا استلزمته مهمة شاقة هي تدوين وحفظ القرآن الكريم وهو ما يستلزم متابعة النبي لفريق عمل كبير من كتبة الوحي ما بين ستة وعشرين الي اثنان وأربعين كاتباً. ومن الاحاديث الدالة علي ذلك قول مُعَاوِيَةُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كُنْتُ أَكْتُبُ بَيْنَ يَدَيِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم فَقَالَ: " يَا مُعَاوِيَةُ، أَلْقِ الدَّوَاةَ، وَحَرِّفِ الْقَلَمِ، وَانْصُبِ الْبَاءَ، وَفَرِّقِ السِّينَ، وَلا تُقَوِّرُ الْمِيمَ، وَحَسِّنِ اللَّهَ، وَمِدِّ الرَّحْمَنَ، وَجَوِّدِ الرَّحِيمَ ".و عَنْ أَنَسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا غُلامٌ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه و سلم يَبْكِي، فَقَالَ: مِمَّ بُكَاؤُكَ؟ قَالَ: ضَرَبَنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه و سلم قُلْنَا: لِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: مَدَدْتُ الْبَاءَ قَبْلَ السِّينِ " يَعْنِي فِي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . أضافة الي أن النبي صلي الله عليه وسلم كان رجل دين ودولة وما يترتب علي ذلك من ارسال الرسائل الي الملوك والامراء واستقبال الردود وابرام المعاهدات وهو ما يستلزم معه ضرورة الالمام بالقراءة والكتابة ومن أدلة ذلك عن عبد الله بن الزبير ، رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم استكتب عبد الله بن أرقم فكان يكتب عبد الله بن أرقم , وكان يجيب عنه الملوك , فبلغ من أمانته أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك فيكتب ، ثم يأمره أن يكتب ويختم ولا يقرأه - لأمانته عنده - ثم استكتب أيضا زيد بن ثابت فكان يكتب الوحي , ويكتب إلى الملوك أيضا , وكان إذا غاب عبد الله بن أرقم وزيد بن ثابت واحتاج أن يكتب إلى بعض أمراء الأجناد والملوك , أو يكتب لإنسان كتابا يقطعه ، أمر جعفرا أن يكتب ، وقد كتب له عمر وعثمان وكان زيد والمغيرة ومعاوية وخالد بن سعيد بن العاص وغيرهم ممن قد سمي من العرب ".كما ورد في صلح الحديبية أن النبي صلي الله عليه وسلم قد مارس الكتابة بنفسه فعن البراء ، قال: لما صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم مشركي قريش كتب بينهم كتابا: " هذا ما صالح عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم " فقالوا: لو علمنا أنك رسول الله لم نقاتلك فقال لعلي: " امحه " فأبى فمحاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وكتب: " هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله " واشترطوا عليه أن يقيموا ثلاثا ولا يدخلوا مكة بسلاح إلا جلبان السلاح قال شعبة: قلت لأبي إسحاق: ما جلبان السلاح ؟ قال: السيف بقرابه أو بما فيه ..ثمة مهمة أخري لا تقل أهمية وهي مسألة النسخ في القرآن بصوره المختلفة والتي كان يصاحبها أعادة ترتيب الايات والسور وهي مهمة اضطلع النبي صلي الله عليه وسلم بالأشراف الكامل عليها .. أما قوله تعالي: ( وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) فدخول كان علي المضارع تفيد نفي الفعل أو العادة وليس نفي القدرة أو المعرفة وبالتالي فالاية لا تجزم بأمية النبي ولكنها تعني أن النبي لم يكن يباشر كتابة الوحي بنفسه وهذا أمر منطقي اذا وضعناه جنبا الي جنب مع كيفية نزول الوحي علي النبي فعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، أن الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما أقول . والصورة التي يكون عليها النبي حينها كما وصفها أحمد بن حنبل – (كان النبي يتوجع ويعض على شفتيه ويغلق عينيه ، وفي بعض الأوقات كان يهدر مثل الجمل) لذا فأفتراض تدوين النبي للايات بنفسه وهو علي هذه الحالة تبدو مستحيلة والطبيعي هو اتخاذه عدد من كتبة الوحي ..

كان النبي صلي الله عليه وسلم يحض علي العلم فعن أبي هريره رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة) أخرجه مسلم ولذلك لم يكن من المستغرب أن يكون من صور فداء أسري بدر هو تعليم أولاد المسلمين الكتابة .كما كان النبي صلي الله عليه وسلم يبعث ما نسميه اليوم بعوث علمية لتعليم الناس القران وصحيح الدين ومنها بعثة بئر معونة والتي استشهد فيها سبعون صحابيا من قراء القران الكريم كانت مهمتهم تعليم أهل نجد ليقتلوا غيلة وخيانة فضلا علي حرص النبي علي تعليم الصحابة للغات وأمره لزيد بن ثابت بتعلم لغة اليهود ليتسني مكاتباتهم ..كما يشير التراث الصيني الي صلة ما ربطت النبي بالإمبراطور الصيني حيث يقول صاحب كتاب (هوي هوي يوان لاي)- إن الإسلام قد وصل إلى الصين في عام 628م (توفي النبي عام 632 م)، وكان السبب في ذلك أن الإمبراطور جنغ قوان رأى في منامه أن شيخاً معمَّماً يدفع عنه وحشاً مفترساً غريب الشكل، وقد هاجمه ولم يجد مفراً منه، فعندما أصبح. التقى وزراءه، وسألهم عن تعبير الرؤيا، فقال قائل منهم: إن الشيخ المعمّم هو العرب؛ فلديهم القوة والبسطة، والوحش المفترس الغريب الشكل الذي هاجم الإمبراطور هو عنصر عدائيّ أو شخص ثائر في البلاد، فلا يمكن قمعه إلا بقوّة المسلمين، فبعث الإمبراطور سفيراً إلى بلاد العرب، ملتمساً من ملكهم أن يرسل عدة فرق من الجيوش إلى الصين، فبودل ثلاثة آلاف من جنود المسلمين بثلاثة آلاف من جنود الصين، فكان هؤلاء الجنود هم آباء المسلمين في الصين .قد تبدو هذه القصة بها قدر واضح من الأسطورية الا أنّها لا تخلو من حقيقة أن اتصال ما كان بين النبي والصين جعله يذكر الصين في حثه على طلب العلم...

 

د. محمد فتحي عبد العال - كاتب وباحث مصري

 

محمد ابو النواعيرغالبا ما يكون مفهوم السلطة في المجتمعات القديمة، مرادفا لمفهوم (الدولة)، وغالبا ما كان يمثل أيضا تدرجا علويّا في أدبيات المجتمع والقوانين في تلك الأزمان، فقد مثّل في بداياته التاريخية حالة الإلوهية أو الوكالة عن الإله، وكان يندرج في حيز هذا النطاق باقي المفاهيم الكبيرة، والتي كانت تُرَسّخ في مفهوم السلطة حالة تمايز وانعزال و(انفصال) ما بين السلطة وأدواتها ودعائمها المادية والقانونية، وما بين الحالة المجتمعية العامة لعموم الأفراد والجماعات، بل وحتى أن الفئات الموالية للسلطة، والدائرة في فلكها، من عوام الجمهور، لم تخرج عن إطار الحدود والأعراف والقوانين، التي تجعلهم بعيدين عن الانصهار أو الذوبان في مصطلح السلطة وحدوده.

نشأ مفهوم الاجتماع السياسي بشكله الحالي في فترة قريبة نسبيا، فلم يكن هناك تقبل لفكرة: أن يكون كل فرد في المجتمع جزءا من السلطة! لأن الطبقات الاجتماعية التي تكون ممسكة بزمام السلطة أو الإنتاج أو التجارة أو الأمن العسكري، كانت تنظر لنفسها بمستوى طبقي (بايلوجي) أعلى، مقارنة بغيرها من طبقات المجتمع. إلا أن تطور الوعي البشري، وتطور أدوات التعليم، وتسابق النظريات السياسية في طرح نماذج راقية من أنواع الحكم المستقر، مع ظهور بوادر تمدن الإنسان الحديث، قاد إلى الاهتمام بالاجتماع السياسي للمجتمعات الحديثة، حيث يمكن لأي مجموعة البشرية، من خلال اجتماعها السياسي، خارج أطر اجتماعاتها البنيوية الاجتماعية الأخرى (كقرابات الدم والعشيرة والمنطقة والأديولوجيا) أن تخلق حالة تكافل وتضامن،  في الوعي والإرادة والشعور والهدف.

الاجتماع السياسي هنا لا يقتصر على ممارسة التضامن والتعاطف والتواطن بين الأفراد المكونين لمتحد واحد، وإنما هو الفعل المنشئ للحمة وعلاقة قرابة وتعاطف بين الناس. وليس موضوع الاجتماع السياسي الحقيقي إلا تكوّن هذه القرابة النوعية التي تجعل الناس، أفرادا وجماعات، يتجاوزون حالة التفرد الخاصة بهم من خلال بئائات صغيرة كالأسرة أو العشيرة أو الصداقة، والتي تمثل قرابات جزئية طبيعية موروثة، أي غير مختارة وغير مفكر بها، بعكس الاجتماع السياسي الذي يؤسس لما يمكن أن نسميه جماعة وطنية، أو أمة بكل المعاني.

لا يمكن لأي سلطة حديثة أن تكون مقبولة (اجتماعيا)، إلا من خلال اندكاك المجتمع بأدواتها، وممارسة المجتمع لعمليات تكوينها ومتابعتها وصيرورتها المستمرة، لأن المجتمع ببساطة الكيان الجماعي الوحيد، الذي يملك قوة إسناد السلطة أو إضعافها، من خلال شبكة من التفاعلات والعلاقات الدائمة والمستقرة نسبيا بين أفراده، تسمح باستمرار كيان السلطة واستقراره، وتجدده في الزمان والمكان، أو يؤدي إلى ضعفه واضمحلاله واقتصاره على فئة معينة تكون متحكمة فيه وبموارده.

إن علاقة المفهوم المتعلق بتكون السلطة، وبين المجتمع وحراكه المستمر، مرتبطان من خلال حلقة حديثة النشوء، ألا وهي تأسيس المؤسسات الاجتماعية، المكونة للنظام السياسي؛ فتكوّن النظام السياسي، ودوره في توفير الأمن الداخلي والدفاع الخارجي للكيان البشري المكون له، يخلق له أهمية كبيرة لدى المجموعة البشرية، يدفعها دوما لمساندته وتقويته لأنه سيمثل جانب مهم من جوانب حفظ وجودهم، لذا، في المجتمع الذي تكون السلطة فيه نابعة من بنية اجتماعية ساندة، نرى أن هناك تنظيم ومأسسة مستمرة لهذا النظام، بمعنى أنهم لا يتركونه لهوى الأفراد أو نزعاتهم التلقائية.

لقد قام التأسيس الحديث لمفهوم الدولة على مبدأ أنها تمثل كيان سياسي- قانوني؛ وهو ينطوي على حقيقة أن هذا الكيان هو بناء أو هيكل ل "قوة" ، تحكمها مجموعة من القواعد المقننة. ويتجسد هذا الهيكل في جهاز بيروقراطي، مدني – عسكري – امني، وتعني قواعده المقننة أن له صفات تتجاوز شخصانية الأفراد المتحكمين بإدارته من ناحية، وشخصانية الأفراد الذين يتعامل معهم هذا الجهاز من ناحية أخرى. فهناك تقنين لحقوق من يديرون جهاز الدولة وواجباتهم، وتقنين لحقوق من يتعامل معهم جهاز الدولة وواجباتهم (المواطنون أو الرعايا).

إلا أن التنظير المعاصر لمفهوم السلطة لم يكتفي بما سبق، فالاقتصار على هذا الإطار في التعاطي مع مفهوم السلطة، دون الرجوع إلى ضرورة توافر عنصر الاجتماع السياسي فيها، يقودنا إلى التأسيس لكيان منقوص في أدوات استقراره وتفاعله، وبالتالي، كيان قد يتحول بمرور الزمن إلى كتلة استبدادية، واسعة في مضامينها السلطوية القسرية، ومحدودة في تمثيلها المجتمعي، أي يقود كل ذلك إلى انفصال واضح ومهم بين البناء السلطوي، والبناء المجتمعي، خاصة وأن الدولة المعاصرة قائمة على سلطة مشتركة، يمثل قسمها الأول هيكلها القانوني البيروقراطي العسكري، وقسمها الثاني ذاتها الاجتماعية المتفاعلة بشكل أساسي في تكوين نظامها السياسي، والمتفاعلة  مع مفردات (أومخرجات) السلطة القانونية والإدارية والأمنية والاقتصادية لها.

 

محمد أبو النواعير

دكتوراه في النظرية السياسية- المدرسة السلوكية الأمريكية المعاصرة في السياسة.

 

مصطفى غلمانتكاد نظرية المركز والهامش تستحوذ على جزء كبير من صراع قوى الإنتاج وتأثيره على أنساق العلاقات الدولية، بما في ذلك تلك القوى المهيمنة على القرارات الجيوسياسية، التي تفرض نمطا تبعيا مغلقا بغرض السيطرة على طموحات الهامش والحد من مستوى تطوره ونموه، بما يناسب مصالح ومستقبل المركز. .

وكما هو معلوم فوحدة النظام لا تنفي التناقض والتباين داخله، كما يؤكد ذلك كريستيان باولو في كتابه " الاقتصاد الرأسمالي العالمي".

وتتقوى نزعة تغول واستقواء المركز كلما استعار الهامش منفذا للعبور إلى قضايا المصير الذاتي واستقلال القرارات وما يترتب عنها من فواعل التنمية والبناء.

ولهذا يمتد المآل الديمقراطي في العملية التي تخلف جملة تجاذبات وجدل مستديم الى عمق مفهوم الدولة وانتظاراتها وأفق فهمها للعمران والتنمية البشرية ومناهج تدبير شؤون الدولة المستقلة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وسياسيا.

كما تبقى نظرية المركز والهامش عقدة في منشار الأنموذج التنموي المراد تحقيقه واستنفاذه، على اعتبار مستوى طرح الإشكالات الكبرى التي تحول دون قضم علامات التشابك والاحتدام بين الاطارين النقيضين، اللذان ينهلان من نفس قاموس الاستعمار الكلاسيكي، الذي صاغت تركته مناهج الثقافة الكولونيالية " فرق تسد" و"المغرب النافع وغير النافع" و" الظهير البربري"، جملة من الترسبات والانتقالات المعطوبة، حالت دون تفكيك بواعث ما بعد الكولونيالية، حول تأثير الاستعمار الجديد المعاصر، ما يؤكد تواصل فعله كعامل مركزيّ في بلورة وتصميم الوعي الحديث، حتى بعد انهيار الدول الاستعمارية الكلاسيكية.

المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد تنبه في كتابه " الثقافة والامبريالية" في إطار تنوير الاستشراق للقارئ بنقد العلوم والأفعال الإمبراطورية، إلى أمر خطير، يتعلق بالعلاقة المتآمرة التي تجمع الإمبريالية المهيمنة بالثقافة خاصة إبان الاستعمار الفرنسي والبريطاني في القرن التاسع عشر. حيث تصبح الثقافة فن المؤسسات الإمبراطورية التي تهندس تركيب المشاعر وتمنح المستعمر شعرية كبرى للهيمنة والاستعباد. بل تجعل من وجودها التعليلي في إطار وصايتها وتعاليها النمطي جزءا من رهانها على تقليص الحاجز النفسي والثقافي ضمن مخططاتها، على اعتبار إيجاد رؤية تفسر كيف تستعمل الثقافة كبنية فعّالة للاستحواذ والتعصب والأسبقية العرقية والقياس النظري للاقتدار والسمو العقلاني.

إن ترسيخ مفهوم الهامش وقيادة المركز ليس تدليلا اغترابيا عن فعل خارج بدلات التنظير الافتراضي الذي تدعمه مشكلات الوعي الاجتماعي وانغلاق المجتمع وتحلحل بنيات الفكر العربي ما بعد مرحلة تكوين العقل ونقده. بل هو تجسيد لمرحلة تشاكلت فيها جوانب تحليل ظاهرة تهيكل الخطاب الرسمي، أي خطاب أيديولوجيا المركز، وتجاوز سؤال الهوية، إلى تأثير ذلك على وحدة المصير الثقافي وتعدد قواسمه والمشترك التاريخي والمعرفي والإنساني، فكانت بذلك مركزية الكيان الثقافي للاستعمار ممثلة في الحفاظ على مصالحه الاستراتيجية، إن على مستوى ترسيخ حجم التعامل الفرنكفوني في قطاعات تقع في صلب الاستقلالية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أو على مستوى التقاطعات السياسية والديبلوماسية وصناعة القرار.

في حين ظلت النزعة الذاتية للهامش تتصرف كمركز ثقافي وتاريخي آخر من خارج دائرة الدولة ومحيطها. فلا هي مركزية مركبة تعترف بمحصول الواقع المرعب الذي يجرف بالهوية إلى حدود مصطنعة، ولا هي كيان مستقل عن مركز لا زال يغامر بمستقبل ومصير أمة ضحت بالغالي والنفيس لأجل الاستقلال والانتقال إلى مرحلة البناء.

إن دلالة التمركز في بنى الثقافة والتعليم وسياسة الإدارة والاقتصاد والإعلام لا تزال تشكل سؤالا لنزعة استتباعية متحورة، تراهن على إبقاء حالة الشك في بؤرة العقل المغذي لاستمرار وفعاليات الكيانات التقليدية ، ما قبل البورجوازية التي تساوي ما قبل الرأسمالية، والتي تعمد إلى السيطرة المفصلية على كل أجهزة الدولة، والسيطرة على مدخراتها، واستثمار ذلك على جميع الأصعدة، حتى تتمكن بإيعاز من الدولة المستعمرة السابقة من تحويل الموجهات والأساليب الإمبريالية، الثقافية منها واللغوية والفنون والآداب والعلاقات والتراتبيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المرعية إلى أسلحة أيديولوجية واستخباراتية فتاكة.

إن خطاب المركزية يواصل تشدده بإزاء وضعيات خاملة للهامش. وإن تراكم نظام المغالبة لواقع تنموي ملئ بالثغرات والنقائص سيقوض العديد من الجهود المبذولة في إطار ما تسعى إلى تحقيقه التشريعات المتراكمة، التي لن يكون آخرها ميثاق اللاتمركز الإداري، الذي يمنح لسلطة والي الجهة دورا محوريا في مجال نقل السلط من المركز إلى الإدارات في الجهات، باعتباره ممثلا للمصالح المركزية، حيث أنيطت له مهام الإشراف على كل المصالح الإدارية للوزارات.

فهل يحق بعد ذلك الترفع عن النظر في مطالب تقليص نفوذ المركزية وتغليب مصالح المواطنين المهمشين عن بدائع الفئوية والنخبوية المتعسفة؟

إن السلوك الديمقراطي والانتقال الديمقراطي لا يحجب قوة الانتظارات التي تتقصدها سنن التغيير وطفرات العصر، ففي نماذج الدول النامية ألأفريقية والآسيوية الناهضة خير مثال على نجاعة وقوة الرهانات التي تخوضها الشعوب المستقلة لأجل نهضتها وتفوقها. ومن بين تلكم الرهانات تحقيق زيادة سريعة تراكميّة ودائمة عبر فترة من الزمن في الإنتاج والخدمات نتيجة استخدام الجهود العلميّة لتنظيم الأنشطة المشتركة الحكوميّة والشعبية.

أو حسب ما جاء في تعريفها من قبل هيئة الأمم المتحدة: أنّ التنمية هي العمليات التي بمقتضاها تُوجّه الجهود لكلٍّ من الأهالي والحكومة بتحسين الأحوال الاقتصاديّة والاجتماعية والثقافية في المجتمعات المحليّة؛ لمساعدتها على الاندماج في حياة الأمم والإسهام في تقدّمها بأفضل ما يمكن.

فـــهل نـتعــظ؟!

 

د. مصــطفى غَــلْمَـان*