المجوسية دين قديم، نشأ في بلاد فارس قبل حوالي 3000 سنة، هذه العقيدة هي في الاصل خليط من عقائد فيدية هندية موغلة في القدم، منها تناسخ الارواح ومعتقدات غريبة اخرى.

 والمجوس يعبدون النار ويقيمون لها المهرجانات كل عام، ويؤمنون بوجود إلهين في الكون، احدهما إله الخير والاخر إله الشر، لهذا يعدًون من المشركين بالله تعالى.

والمجوسية تزعم ان عقيدتها هي مصدر الديانات، وقد تفرعت منها كل من: المانوية والمزدكية والزرادشتية.

واحد هذه المهرجانات التي كان المجوس يحتفلون بها كل عام في بغداد زمن العباسيين هو عيد نوروز. فكانوا يمارسونها طبقا لتقاليدهم الموروثة، حيث كانوا يخرجون الى الغابات والبساتين المحيطة بمدينة بغداد قبل حلول العيد بايام، يجمعون منها الاحطاب ليشكلوا منها اهرامات خشبية عالية، يشعلونها ساعة غروب الشمس يوم العيد، فتحوًل المكان من شدة حراراتها الى جهنم.

 وامام هذا المشهد الساطع الوهاج والجو الساخن الذي لا يطاق، يبدأ جماعات المجوس بملابسهم الزاهية البراقة بالرقص حول كتل النار المضطرمة فرحين مبتهجين، يصخبون بالغناء بالعبارات التالية:

 قد قابلتنا الكؤوس * * * ودابرتنا النحوس 

 واليوم هرمزدا روز *  * قد عظمته المجوس

فالنار معبودة في دين المجوس ! هكذا يقضي الاتباع ساعات ليلهم منهمكين في ممارسة طقوسهم العبادية. هذا ما يذكره المؤرخ شوقي ضيف في العصر العباسي الاول.

أما في سياق العقيدة، يروي المفكر هادي العلوي في (شخصيات غير قلقلة في الاسلام) بان شاعرنا بشار بن برد، الذي كان يُعد من الزنادقة المجوس في بغداد زمن العباسيين والذي قُتل بسبب هذه العقيدة رجما من قبل الخليفة المهدي، كان يخاطب المسلمين العرب بالابيات الاربعة التالية:

ابليس اشرف من ابيكم آدم * * * فتنبهوا يا معشر الفجار

ابليس من نار وآدم من طينة *  * والارض لا تسمو سمو النار 

الارض مظلمة والنار مشرقة * * والنار معبودة مذ كانت النار

النار عنصره وادم طينه * * ** والطين لا يسمو سمو النار

لكن العقيدة الزرادشتية تختلف اختلافا جوهريا عن الدين المجوسي، كونها تعتبر لدى بعض المؤرخين احدى الرسالات السماوية، حتى تمادوا في مغالاتهم فجعلوا من الداعي زرادشت نبيا. وان العقيدة التي جاء بها، موغلة في القدم، كان قد اسسها حوالي القرن السابع قبل الميلاد. وكتابه المقدس (الأفستا) ومعناها ( التفسير). يحوي الثوابت الاساسية الثلاث في هذه العقيدة وهي :

 ( الفكر الصالح، و العمل الصالح، و القول الصالح ).

والزرادشتيون يعتقدون ان – اهورا مزدا – (الاله العاقل) هو اكبر الالهة. تعاونه ستة آلهة تعبر عن بعض المعاني المجردة مثل الاستقامة والتقوى والاخلاص والخلود.

وصلب دينهم يتشكل من الهين هما – سيتامانيو – إله الخير، ويرمز له بالنور،  و- انجرامانيو – إله الشر ويرمز له بالظلمة.

ومن يمشي في خطى اله الخير يذهب الى الجنة، لكن من يختار اله الشر فسوف ترمى جثته بعد موته في حريق هائل. يحدث كل ذلك بعد فناء الأرض. هذا ما جاء في كتاب (الحضارة الساسانية حضارة عالمية) لموسى مخول.

 فالعقيدة الزرادشتية في اساسها ضرب من الاصلاح الروحي والاجتماعي لشعب بلاد فارس ترمي الى تنمية الحصاد والرفق بالحيوانات الأليفة ما يؤدي الى توفير الغذاء.

ولم يكن للزرادشتية معابد خاصة بل مجرد مصليات، ثم ظهرت بالتدريج بعض الطقوس. ولرب الالهة اهورامزدا، منافس آخر، هو الاله أهريمان، والنضال بينهما يلخص الفلسفة الزرادشتية ويبين الوعد والوعيد.

فتاريخ العالم في ماضيه وحاضره ومستقبله ينقسم الى اربع فترات متساوية، كل فترة منها 3000 سنة. في الفترة الاولى لا وجود للمادة وتسبق الثانية ظهور زرادشت وفي الثالثة تنتشر عقيدته – وطوال هذه الفترات الثلاث يستمر النضال بين الخير والشر – ويعين اهورامزدا الاخيار من البشر، في حين يقف اهريمان الى جانب الاشرار – ويعبر المرء بعد موته جسر الفصل الذي يمتد فوق جهنم فيضيق بالعاصي حتى يسقط. ويتسع للطائعين، كي يدخلوا الى عالم النور - - - وفي الفترة الرابعة يظهر مخلّص اسمه ساوشيانت يبعث الحياة في الموتى من جديد، ويرسل الصالحين منهم الى جنات النعيم ويرسل الاشرار الى جهنم، حيث العذاب الاليم، ثم يسود الخير الى الابد.

 ويقدس اتباع زرادشت النار، فهي في نظرهم رمز النقاء والصفاء لكنهم لا يعبدونها، بل جعلوها شعارا في مناسباتهم الدينية. ومن صفاتهم انهم بحرصون على التدقيق الزائد في وسائل التطهير.

 قرأت حديثا كتاب (هكذا تكلم زرادشت) للفيلسوف الالماني نيتشة، فعلمت انه كان يعظم تعاليم زرادشت القيمة وافكاره الاصلاحية النيًرة التي ابتكرها لبني جنسه لكي يتفاعل مع عصره، وهي اصلاحات روحية تهذيبية، تحررهم من عاداتهم الاجتماعية البالية و معتقداتهم الغيبية الضالة.

 وعندما دخل الاسلام بلاد فارس في منتصف القرن السابع الميلادي حارب اتباع زرادشت. لكن الجدير بالاهتمام ان الخلفاء عمر والامام علي كانا يقبلان الجزية منهم، فقد اعتبراهم من اهل الكتاب، بينما المجوسي لم تقبل منه الجزية لانه كان مشركا. 

وقد ادى الاضطهاد الديني والسياسي بالزرادشتيين في بداية الامر وفي مراحل تاريخية متلاحقة الى ترك موطنهم الارومة والهجرة الى الهند، فاستقروا هناك وكثروا بمرور الزمن فاصبحوا يلقبون ب (البارسيين).

اما الزرادشتيين الذي بقوا في ايران وتكيفوا مع الظروف الصعبة، عاشوا ولا يزالون يعيشون دون مضايقة تذكر، وان مركز عبادتهم هي مدينة يزد، ففيها معبدهم الكبير، وعندما قامت ثورة أية الله الخميني عام 1979 وانشأت جمهورية ايران الاسلامية، لم تتعرض الزرادشتية بأذى.

والجدير بالذكر انه خلال عملي في جامعة طهران في تسعينيات القرن الماضي، علمت عن طريق بعض الزملاء، بان شخص الزرادشتي والذي يدعى عندهم (زردشتي) يحظى بالاحترام اللائق من قبل المجتمع، فقد اصبح سلوكه العام المتصف بالخلق القويم مضرب الامثال.

لم يبقى لشعلة النار (المقدسة) سلطانها الروحي مقتصرا على اتباع المجوس ومعتنقي الزرادشتية في إطارها الديني فحسب انما اصبحت لدى الطبقات المثقفة والمتحمسة لقوميتها الفارسية، رمزا لمجد حضارتهم الساسانية ونظامها الكسروي العتيد، فلا عجب لو شاهدت انهم يتوًجون مناسبات افراحهم واعيادهم و حفلات اعراسهم الفخمة بمشاعل النار الوهاجة، تزين موائد العشاء وتبقى مشتعلة طوال ساعات الليل.  

 

د. رضا العطار

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا في مقالنا الرابع عن التجارب الحاسمة ودورها في تطور النظريات العلمية، حيث نتحدث عن موقف بيير دوهيم من التجارب الحاسمة، وفي نقول: شهد القرن العشرين في فلسفة العلم ظهور مجموعة من الفلاسفة والعلماء أطلق عليهم دعاة المذهب "الأداتي - الاصطلاحي"، فقد نظروا إلى القوانين والنظريات والأنساق العلمية بوصفها أدوات أو اصطلاحات للربط بين الظواهر والتنبؤ بها والسيطرة عليها، توصف بالصلاحية أو عدم الصلاحية، وليست تعميمات استقرائية أو قضايا إخبارية ذات محتوى معرفي عن العالم التجريبي لتوصف بالصدق أو الكذب . فتقاس قيمة النظرية العلمية بقدرها على أداء وظائف العلم، وليس بقدرتها على التعبير عن الواقع بصدق .

بمعني أن القوانين العلمية والنظريات والأنساق العلمية ليس صورة عقلية طبق الأصل من الطبيعة، بل الأمر فى مجملة أشبه بصياد رمى بشبكة فى بقعة ما من البحر يريد صيداً، فهل ما تخرج به الشبكة يعبر عن حقيقة ما يوجد فى أعماق البحر، أم أن ذلك يتوقف على المكان الذى اختاره الصياد للصيد ونوع الشباك واتساع فتحاتها وغير ذلك، ولو تغير أحد هذه الأشياء لتغير لذلك الصيد كما وكيفا . وهكذا فمفاهيم وقوانين العلم عندهم كشبكة الصياد، أى اصطلاحات متعارف على معانيها بين العلماء، إنها مجرد وسائل مفيدة لفهم الطبيعة . فإذا صادفنا ما هو أفضل منها "وظيفياً" بادرانا بالتخلص منها كأي شئ استهلاكي عادي. بيد أن هذا لا يعنى أن قوانين الطبيعة هى قرارات عشوائية يتفق عليها العلماء اليوم ليختلفوا غداً . بل لها بالتأكيد مضمون واقعي .

كما أصر الأداتيون – الاصطلاحيون على أنه لا يمكن اعتبار القانون العلمى مشتقا من الاختبارات التجريبية، لأن القانون عام والتجربة جزيئه، والقانون محدد بدقة والتجربة تقريبية تحتوى على كثير من التعقيدات يستبعدها القانون . والتجربة منتهية والقانون قابل دائما للتطور والتقدم . فكيف تكون النظرية العلمية نتاجا للواقع التجريبي؟! إنها نتاج العقلية العلمية المبدعة وتكشف عن عمليات منطقية أكثر مما تكشف عن وقائع تجريبية . فقد تتكيف النظرية وفقا لمقتضيات التجربة التى لا تمثل أكثر من مرشد، فدورها استشاري فقط لتحديد أنسب الفروض العلمية والأكثر ملاءمة، أى الأدق فى التنبؤ والأوسع فى العمومية، من دون الزعم أن القانون حقيقة متمثلة فى الواقع التجريبي.

وقد جاء بيير دوهيم ليسحب التفسير الأداتي - الاصطلاحي على العلم بأسره، وذلك فى كتابه " هدف وبنية النظرية الفيزيائية " رأى أن النظرية العلمية تمدنا بنظام صوري عام لضم عدد كبير من القوانين الجزئية وهى بهذا بنية من كيانات مجردة، ليست وصفا ولا تفسيرا لوقائع العالم التجريبى، بل هى مجرد أدوات اصطلحنا عليها للتنبؤ، صيغت لتكون أكفأ وتنبؤاتها أدق، كل ما يبدو وصفا هو مجرد تعيين لعلاقات تجعل التنبؤ أسهل وأدق .أما التفسير فليس له قيمة ولا دور، مهمة العلم تنحصر فى تحديد العلاقات بين الظواهر .

كما يعتقد دوهيم إضافة لما سبق أن الفكرة الاصطلاحية في العلم قد أتت من تحليله لاستحالة التأييد العلمي . وهذا بالطبع، هو ما جعله يفكر في كون هذا الفرض صادقاً أو كاذباً . والسبب هو أن العالم منشغل – وبحرية في أن يغير أي الفروض الماثلة في مقدمات النظرية وهنا يأتي اصطلاح الفرض أي أن عملية الصدق والكذب ليست واردة هنا وبناء علية فإن دوهيم قال أن التجربة الحاسمة تبدو مستحيلة في الفيزياء .

A " Crucial Experiment " Is Impossible in Physics

وقد برهن علي ذلك من خلال عدة توجهات:

التوجه الأول: ويتمثل في التحفظات الخاصة بالتجربة الحاسمة التي أجرها فوكولت عام 1850 والتي حسم بها النظريتين الجسيمية والموجية، حيث تبين له أن سرعة الضوء أقل سرعة في الماء عنها في الهواء ومن ثم تأيدت النظرية الموجية وأهملت الجسيمية لم تكن تجربة حاسمة بالمعني الدقيق وإنما كانت إجراء فوري وهذا الإجراء لم يثبت علي طول الخط، فقد جاء العالم الألماني " ماكس بلانك Max Plank " ( 1858 – 1947 ) ليعلن أن النظرية الجسيمية للضوء لم تكن بالنظرية الفاشلة في تاريخ العلم، فلقد أثبت بلانك أن الضوء يتآلف من جسيميات هي الفوتونات وهذه الفوتونات تتكون من طبيعة جسيمية لا موجية . لقد اكتشف بلانك أن الفوتون يسافر عبر الخلاء في خطوط مستقيمة إستدل علي ذلك بتجربة بسيطة: حين يمر إشعاع في غاز ما فإن عدداً قليلاً من جزيئات هذا الغاز تتبعثر بينما لا يتأثر عدد كبير من الجزيئات بمرور الإشعاع: فإذا كان الإشعاع مؤلفاً من موجات تسير عبر الأثير كنا نري كل جزيئات الغاز تبعثرت، ومن ثم أيد بلانك نظرية نيوتن في النظرية الجسيمية في الضوء . وكان " أينشتين " متابعاٌ لنتائج أبحاث بلانك في " الفوتونات Photon "، فقد أعلن سنة 1905 أن الإشعاع يتألف من وحدات جسيمية منفصل بعضها عن بعض وهذه الوحدات تسمي بالفوتونات .

وهنا يعقب دوهيم بأنه إذا كان نيوتن قد قال أن الذرات والضوء من طبيعة جسيمية، وإذا كان هويجنز قد قال أن الذرات والضوء من طبيعة موجية . وظل الخلاف حاسماٌ حتي جاء فوكولت بالتجربة الحاسمة في صف النظرية مؤيداُ لهويجنز . لكن لما جاء القرن العشرون عاد بلانك وأيده ألبرت أينشتين إلي النظرية الجسيمية للضوء، وظل الأمر كذلك حتي جاء العالم الفرنسي " لوي دي بروي Louis de Broglie " المولود عام 1892 , والعالم النمساوي " إيرفين شرودنجر Erwin Schrodinger " ( 1887 – 1961 ) وعاد إلى النظرية الموجية للضوء والمادة وعاد الخلاف الحاسم بين النظريتين من جديد . لكن الأمر الآن استقر علي موقف تبناه العالم الألماني " فيرنر هيزنبرج V.Heisenberg " والعالم " بورن Born " ، وهو أن الذرة والضوء يمكن أن يفسرا بالتصور الموجي والجسيمي معاً – لكن ليس في لحظة واحدة، المادة والضوء يفسران تفسيراً جسيمياٌ في السرعات المحدودة لحركة المادة، ويفسران تفسيراُ موجياٌ حين تصل سرعة المادة إلي سرعة الضوء .

وأخيرا يختم دوهيم حديثه بأنه لا توجد ثمة تجربة حاسمة حقيقية في علم الفيزياء، قد تكون هناك تجارب حاسمة في علوم أخري مثل علم الفسيولوجيا، أما في الفيزياء فإن التجربة الحاسمة تكون مستحيلة . ذلك لأن – أي التجربة بدلاً من ذلك تبدو رحبة بحيث تقبل الأنساق النظرية   (فروض ونظريات) لنفس الظاهرة موضع التساؤل . فإذا كنا قد ركزنا اهتمامنا علي فرضين بصدد الضوء، فإن هذا ليس معناه أنه إذا وجد أكثر من ذلك فتكون غير مقبولة، بل علي العكس فإن الاصطلاحية تعلمنا كيف يمكننا طرح أكثر من فرضين متباينين ليغطي ذات الظاهرة، وليس لنا الحق في الحكم علي أحد من هذه الفروض بأنه هو الصادق دون الآخر طالما أن التجربة المرنة قد رحبت وأقرته باعتبارها مرشدا فقط .

التوجه الثاني: ويتمثل في التحفظات التي أبداها دوهيم في مسالة الفروض المساعدة، حيث طرح دوهيم هذا السؤال: ماذا نفعل عندما تتمثل أمامنا صعوبة تحول دون إتمام الاختبار الحاسم ؟ هل يتطلب الأمر دخول فروض جديدة تحل هذه الصعوبة أو تلك ؟ وإذا كان ذلك كذلك فما هي الفروض الجديدة، هل هي فروض مساعدة تخل بمعيار التكذيب وتبطل التجربة الحاسمة؟

يري دوهيم أن الفيزيائي حين يقوم بإجراء تجاربه لا بد له أن يخضع في عملية التجريب لقاعدة الفروض المتعددة Multiple hypotheses، أي أن العالم لا بد أن يضع أكبر عدد من الفروض، تظل كلها مائلة أمام الذهن أثناء التجربة، ونتائج التجربة وحدها هي التي تقرر الفرض في النهاية، علي حين تكذب نتائج التجربة الفروض الأخري، ومن ثم نستبعدها ويتضح لنا هذا المعني من نص " دوهيم " القائل: " إن الفيزيائي لا يمكنه أن يخضع فرضاً واحداً بمفرده للاختيار التجريبي، بل مجموعة كاملة من الفروض "، وهذا يعني أن التجارب الفيزيائية هي ملاحظة للظواهر مصحوبة بتأويل لها في ضوء النسق المعمول به، لذلك فإن الفيزيائي لا يخضع فرضاً منفرداً للتجريب، بل مجموعة فروض معا.

ومن ناحية أخري يري دوهيم أنه عندما تكون التجربة علي عدم وفاق مع تنبؤاتهم أو نتائج النظرية تخبرنا بأنه علي الأقل، واحداً من هذه الفروض المؤلفة لهذه المجموعة خطأ أو تحتاج إلي تعديل، ولكنها – وهذه هي المشكلة لا تخبرهم بالفرض تحديدا الذي هو موضع الخطأ الذي يجب تغييره ... ويستطرد دوهيم قائلاً " كلا، الفيزياء لم تكن ألة تضع نفسها في فوضي وتفكك... الفيزياء يجب أن تكون كائنا عضويا قائماً، في قطعة واحدة يستحيل أي عضوا في هذا الكائن أن يقوم بوظيفة دون الإجراءات الأخري، وبالتالي فإن ثوب أي نظرية فيزيائية يشكل كلاً غير قابل للتجزئة ... كما أنه لو افترضنا أن تأييداً تجريبياً لتنبؤ أو نتيجة من نتائج هذه النظرية أو تلك، فإن هذا الـتأييد لهذا التنبؤ أو ذلك لا يكون البتة برهاناً حاسماً للنظرية ... ولا يكون ذلك بمثابة تأكيد علي أن النتائج الأخري لهذه النظرية غير متناقضة عن طريق التجربة، وعندما يقول دوهيم أن ثوب النظرية كل متكامل، فهذا معناه أنه لم يكن ممكناً أن تخضع أجزاء النظرية علي انفصال لاختبار التجربة، ومن ثم نبعد التحقيق التجريبي المهلهل عن اختبار النظرية، وبالتالي لا يمكن أن يعد الدليل التجريبي في حد ذاته تكذيبا حاسما للفرض، وليس هناك تجربة حاسمة بصورة قاطعة .

خلاصة القول فإنه في هذا التوجه يتمسك دوهيم بضرورة أن تكون جميع فروض النظرية ماثلة أمام الذهن (وهو ما كان بفعله العلماء قبله) حين يقوم العالم بإجراء عملية حذف أو إسقاط بعض الفروض . بيد أن حذف فرض ما يعني الانتقال من هذا الفرض إلي الآخر، إلي أن يتم حذفها جميعاً . وهذا إن أدي إلي شئ، فإنما يؤدي إلي فشل التجارب تماماً، ومن ثم لا ننتهي إلي نتيجة ما في حينها , بل الأمر يتطلب تمثل الفروض جميعاً أمام الذهن مما يتيح لهذا العالم الفرصة في الكشف عن تفسير الظاهرة موضع التساؤل .

التوجه الثالث: ويتمثل في التحفظات التي أبدها دوهيم في مسالة صدق وكذب النظريات العلمية، حيث يتساءل: كيف نبني النظرية العلمية ؟

وهنا يري دوهيم أن النظرية العلمية تتآلف من نسق من القضايا الرياضية المستنبطة من عدد قليل من المبادئ التي تفضي بنا في النهاية إلي مجموعة من القوانين التجريبية ومن ثم فإنه يميز لنا أربع خطوات تتركب بمقتضاها النظرية العلمية: -

- انتخاب الخصائص الفيزيائية التي نجد أنها تمثل مجموعة المبادئ البسيطة، التي تتحكم في اختيار ما يليها من مبادئ . وعن طريق " القياس measurement يمكن أن نرمز لهذه المبادئ برموز رياضية Mathematical Symbols ليست بينها وبين الخصائص الفيزيائية (علاقات داخلية) Internal Relation، بل تستخدم كدلالات .

- إيجاد عملية الربط بين مجموعة في قليل من القضايا، التي نستخدمها كمادئ أساسية في استنباطتنا، وهذه المبادئ لا تمثل بدورها علاقات حقيقية بين الخصائص الأساسية للأجسام، بل أننا نتفق أولياُ علي صحتها، والاتفاق المنطقي يحكمها، وهذه المبادئ هي ما يسميه " دوهيم " بالفروض .

- التأليف بين هذه الفروض، وفق قواعد التحليل الرياضيMathematical Analysis  وهنا يتدخل المنطق والرياضيات، وتصبح عملياتها الأساسية هي التي يسير وفقاً للتحليل الرياضي .

والنتائج التي نستخلصها من الفروض يتم ترجمتها إلي قضايا، تعبر عن الخصائص الفيزيائية للأجسام . وعن طريق مقارنتها بالنتائج التي نحصل عليها من التجربة، يمكن لنا أن نتبين ما إذا كانت صادقة - إذا ما جاءت مطابقة للنظرية – أو كاذبة – إذا لم تتفق معها .

من خلال هذه الخطوات التي يحددها دوهيم، نجد أن الفرصة الحقيقية تقدم لنا بطريقة مقنعة، مجموعة من القوانين التجريبية . والاتفاق مع التجربة يعد بمثابة " المعيار الوحيد " Sole Criterion للصدق بالنسبة للنظرية .

لكن إذا افترضنا أن هدف العلماء يكمن في الاكتشاف في ضوء الوقائع المطردة في الجزء الملاحظ من العالم، فإن هذا يحتاج بالطبع إلي التجريب ... بيد أن هذه الاطرادات كثيراً ما نجدها معقدة، وهذا ما يجعل التصميم التجريبي في غاية الصعوبة والغموض . وهنا تأتي الحاجة إلي بناء نظريات ترشد البحث التجريبي . فالمعرفة مفترضة، فيما يري دوهيم، بحيث تكون الملاحظة العلمية نظرية محملة Theory Loaded – مثل القياسات، وقرارات الخبرة في أو لفهم الشئ علي العكس من الفكرة المطروحة عند التجريبية المنطقية وغيرها التي تؤكد علي أن الملاحظة – بدلاُ من ذلك – تبدو كافية للبرهان علي صدق أو كذب النظرية – أو بعبارة أخري، حل لمشكلة وليس إثارة . لكن المطلوب منها أن تكون السبب لمشكلات لا لحلولها . ومن منطلق أن نظرياتنا العلمية يستحيل أن نبرهن عليها بكونها صادقة أو كاذبة، ذلك لأنها غير مستنبطة من النتائج التجريبية . من هذا المنطق فإنه من غير الممكن أن يكون هناك تجربة تحكم علي الفرض من فروض النظرية أو النتائج منفصلاً ... والسبب أنه من الصعوبة بمكان أن نجد فرضاٌ بذاته يمتلك حيثياته من نتائج تجريبية ... فإذا رمزنا إلي فرض نظري بصدد نظرية بـ "ك" فإنه من غير الممكن أن يكون هذا الفرض أو ذاك قابلاً للتكذيب – مثلاً، وذلك عن طريق فصله عن كل الفروض الأخرى للنظرية بغرض اختياره ... الفروض النظرية ينبغي ألا تكون منفصلة لغرض الاختيار .

هذه أهم التوجهات والدواعي والتي جعلت دوهيم يصر علي أن التجربة الحاسمة مستحيلة في الفيزياء، ولا شك أن هذا الموقف قد كانت له ردود فعل واسعة النطاق، من قبل كثير من فلاسفة العلم، لنذكر منهم، موقف كارل بوبر، حيث رفض فكرة تجنب التفنيدات التجريبية والتملص من التكذيب، وذلك بأن نضيف للنظرية فروضاً مساعدة تتلافي في ضوئها مواطن الكذب أو بأن ننكر التجارب المفندة، وفي هذا يقول :" أما بالنسبة للفروض المساعدة، فإننا نقترح أن نضع القاعدة القائلة: إننا نقبل الفروض المساعدة التي لا يكون إدخالها مفضياً إلي تقليل درجة قابلية التكذيب، أو قابلية اختبار النسق موضع التساؤل، وإنما علي العكس من ذلك نقبل الفروض المساعدة التي تزيد من قابلية التكذيب أو قابلية الاختبار ... وإذا زادت درجة قابلية التكذيب، فقد أثر إدخال الفروض في النظرية فعلاً . لقد كان النسق الآن محكماً أكثر مما كان، ويمكن أن نوضح ذلك كما يلي: إن إدخال فرض مساعد يجب وأن ينظر إليه دائماً علي أنه محاولة لبناء نسق جديد، وهذا النسق يجب الحكم عليه دائماً في ضوء الاتجاه بأنه يؤلف تقدماً حقيقياً في معرفتنا عن العالم ".

وفي موضع آخر يصب جام غضبه علي المذهب الاصطلاحي ورواده بما فيهم دوهيم، فيقول " لقد أدرك كل من بوانكارية ودوهيم استحالة تصور نظريات علم الطبيعة علي أنها قضايا استقرائية . وقد تحقق لهما أن المشاهدات القياسية التي قيل أن التعميمات تبدأ منها، هي علي العكس من ذلك، تأويلات في ضوء نظريات .. ومن ثم فالنظرية العلمية لا تحوي معرفة صادقة أو كاذبة، فهي ليست إلا أدوات لنا أن نقول عنها فقط إنها ملائمة أو غير ملائمة، مقتصدة أو غير مقتصدة، مرنة، دقيقة أو جامدة، لذلك نجد دوهيم يقول انه لا توجد أسباب منطقية تمنعنا من أن نقبل في وقت واحد نظريتين متناقضتين أو أكثر ... وعلي الرغم من أنني أوافقهما علي ذلك، إلا أنني أختلف معهما عندما اعتقدا باستحالة وضع الأنساق النظرية موضع الاختبار التجريبي، فلا بد أن تكون قابلة للاختبار – أي قابلة للتفنيد من حيث المبدأ وليست أدوات.

ومن ناحية أخري يؤكد بوبر في كتابه براهين وتفنيدات أنه:" إذا كان فرنسيس بيكون قد أعتقد أن التجربة الحاسمة يمكن أن تؤسس أو تثبت النظرية، أما نحن فنقول بأنها يمكن أن تفند أو تكذب النظرية ثم يعلق بوبر بأن " دوهيم في نقده المشهور للتجارب الحاسمة نجح في توضيح أن التجارب الحاسمة لا يمكن بحال أن تؤسس النظرية، ومن ثم فقد أخفق في توضيح أنها لا يمكن أن ترفض النظرية" .

ومن جانب آخر، يري "وارتوفسكي أن التجارب الحاسمة في رأي "دوهيم " ليست ممكنة، وهذا ما جعل "دوهيم" يشبه الفيزيائي النظري بالطبيب بدلا من صانع الساعات .

إلا أن فليب كواين يفند دعوي "بوبر" في ثلاثة أدلة متصلة توضح فساد رأيه في نقد "دوهيم". فالحجة الأساسية التي يستند إليها "دوهيم " تقوم علي أن التجربة الحاسمة لم توضع لتحقيق فرض نظري واحد، بل لاختبار مجموعة من الفروض، هذا من جهة . كما أن "دوهيم " كان معنيا في المقام الأول بتوضيح أنه لا يمكن أن نبطل فرضاً نظرياً واحدا عن طريق الملاحظات هذا من الجهة الثانية . وأخيرا فإن "دوهيم " اهتم في الجزء الثاني من كتابه هدف وبنية النظرية الفيزيائية ببيان أنه يمكن عن طريق التجربة إبطال الفروض النظرية، ومن ثم فإن حديث "دوهيم " عن التجارب الحاسمة يعني أنه بالإمكان رفض النظرية والفروض كلها عن طريق التجربة وللحديث بقية!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

الحسين اخدوشقدّم الباحث الفرنسي داني- روبير ديفور (Dany-Robert Dufour) في كتابه حول "الفرد الآتي.. بعد الليبرالية" (L’individu qui vient … après le libéralisme) الصادر عن دار النشر الفرنسية (Denoël) سنة 2011 مجموعة من الانتقادات الوجيهة للمنحى العولمي للاقتصاد السياسي المعاصر، معتبرا الليبرالية الجديدة متطرّفة في تقديسها للسوق وتنصيبه اله جديدا (Dufour: Le Divin marché). والواقع أنّ الطفرة الإنتاجية الصناعية المترتّبة عن التقدّم العلمي والاقتصادي قد اتّجهت ناحية التأثير السلبي في الإنسان والبيئة، من حيث هي دعوة جامحة لاستثارة غرائز الإنسان واستغلال الموارد الطبيعية المحدودة.

أما بالنسبة لاستغلال للطبيعة، فالبيّن أنّ كوكبنا الأرضي لم يعد يستحمل الاستهلاك المفرط، نظرا لمحدودية موارده الطبيعية. وقد ظهر للناس، اليوم، أن إحراز مستوى التنمية الأعلى في الشمال (أمريكا، كندا، أوروبا) بالنسبة لسكان الجنوب (أفريقيا، أسيا، وأمريكا الجنوبية) يتطلّب ستّ أضعاف الموارد الطبيعة الحالية، ممّا من شأنه أن يلحق ضررا فادحا بالأنظمة البيئية كلّها. وهذا ما يجعل مقولة الزيادة في الإنتاج والاستهلاك تصطدم حتما بمحدودية موارد الطبيعة.

الظاهر من ذلك أنّ هناك تعارضا بين متطلبات اقتصاد السوق الحالي (القائم على النمو الدائم) ومحدودية الموارد الطبيعية. إنّ التغاضي عن هذه الحقيقة والاستمرار على نفس النهج الاستهلاكي القائم، حاليا، قد يعجّل بالصدامات والحروب حول المصادر الطبيعية للماء والزراعة ومختلف مصادر الطاقة الطبيعية الأخرى. لذلك، يلزم نقد نمط عيشنا الراهن وتجاوزه إلى نمط رفيق بالبيئة، بحيث يقوم على ترشيد للموارد واستدامتها وتجاوز النزعة الاستهلاكية المعاصرة.

لكن، يظهر من خلال الوقائع أنّ الانتقال من نمط الإنتاج السائد، منذ عقود من التنمية الاقتصادية القائمة على التصنيع والإنتاج المدمّر للبيئة، إلى نمط اقتصاد بديل يحتاج إلى تجاوز نموذج فكر برمّته (النموذج الراهن الموروث عن الحداثة الأنوارية) إلى فلسفة جديدة للحياة تكون قادرة على تجاوز نزعة التحديث القائمة على فكرة السيطرة على الطبيعة. إنّه يلزم تخطّي تلك التصورات الكلاسيكية لعقلانية الأنوار المتواطئة مع نزعة المنفعة الآنية التي تنظر إلى الطبيعة كما لو كانت موضوعا للسيطرة البشرية الدائمة.

هكذا، فقد ثبت للمفكّرين النقديين في أقطار العالم المختلفة (أوروبا، أمريكا، إفريقيا، البرازيل، كندا، أستراليا، أسيا..) بأن منطق الإنتاج المادي الحالي لا يمكنه أن يطول لكونه يصطدم بحقيقة بيئية وطبيعية واضحة، ألا وهي محدودية الموارد البيئية والطبيعية. لذلك، فإنّ تبرير المنافع الخاصة للشركات المتعدّدة الجنسيات، يجب أن تأخذ بعين الاعتبار استدامة الطبيعة وتحقيق العدالة المناخية ومراعاة حقوق الشعوب الضعيفة في موارد طبيعية هشّة ومحدودة.

يتعيّن علينا تغيير منظورنا للطبيعة مرّة أخرى، كما سبق أن فعل المفكرون المحدثون في مطلع العصر الحديث، عندما جدّدوا نظر الإنسان إلى الطبيعة واعتبارها موضوعا وامتدادا قابلا للاستغلال. لكن التغيير المطلوب اليوم، هو تغيير المنظور الحديث السابق نفسه، أو كما قال الفيلسوف الفرنسي ميشيل سير (M. Serres) يجب التحكّم في التحكّم الحديث في الطبيعة لصالح تعديل تصوّرنا لها وفق ما يجعلها دائمة ومستدامة.

تماشيا مع هذه الدعوة، ظهرت منظورات فكرية نقدية جديدة، أخذت على عاتقها الدعوة إلى مراجعة العقلانية الأنوارية المستبدة بالطبيعة، ونقدها وتعرية خلفياتها الإيديولوجية لصالح بناء منظورات مختلفة للتنمية والاقتصاد والتقدم، بحيث تكون أكثر اعتدالا ورأفة بالطبيعة. أُطْلِق على بعض هذه المنظورات الجديد تيارات الجنوسة، والبيئة، والتنمية المستدامة؛ وهي كلّها تيارات نقدية تنهض بنقد الفكر التنموي الاقتصادي الكلاسيكي، وذلك لإبراز حدود العقلانية الحديثة ولجمها ووضع حدود أخلاقية وابيستيمولوجية لها. وبالنسبة لهذه التيارات الجديدة؛ فإنّه لا يمكن تعزيز مكانة الطبيعة ما لم يهذّب العقلانية الأنوارية سواء في ثوبها الاقتصادي، أو في شكلها السياسي الليبرالي.

تقيم هذه التيارات النقدية حججها في رفض العقلانية الحديثة، سواء بالنسبة للسياسة أو الاقتصاد، على أطروحة جديدة تزعم بأنّ الفكر الحديث في شكله العقلاني الموروث عن الأنوار الغربية عبارة عن أداة شرسة للتحكّم في الطبيعة. ولكي يعرّي هذا التوجّه النقدي الجديد تحكّمية العقلانية الحديثة في الاقتصاد السياسي، تمّ تعرية النموذج التنويري للاقتصاد السياسي الذي يهمّه فقط التحكم في الطبيعة لاستغلالها اللامحدود. ولمّا غدا النموذج الحديث للتحكّم مُقَادًا بتصورات إيديولوجية تعتبر مبادئ الطبيعة خارج نطاق سائر الثقافات الإنسانية؛ فقد ترتّب عن تصوره هذا اعتبار أنّه لا يمكن تفسير نظام الطبيعة الفريد إلا من خلال علم ذي صلاحية كونية، ومن ثم مشروعية الدراسة التحكّمية للطبيعة والتعامل معها على أنها موضوع قابل للاستغلال إلى ما لانهاية.

ولأنّ الأيديولوجية الأنوارية الحديثة لا تريد أن تسمح بتفسير العلوم الطبيعية على ضوء الثقافة الاجتماعية التي أنتجتها، فقد زعمت أنّها موضوعية وكونية، حيث تريد أن تتعالى على المنفعة والمصلحة والثقافة التي أنتجتها، بينما الحقيقة هي أنّها تبقى في عمقها وليدة الظروف التاريخية والاجتماعية التي نشأت فيها خلال القرن الثمن والتاسع عشر. ولهذا الأمر، تمّ نقد نزعة الأنوار الحديثة باعتبارها هي المسئولة عن ترسيخ دعائم نظرة تحكّمية للطبيعة والبيئة؛ بالتالي، لا تحمل في نموذجيتها شروط إمكان فهم الطبيعة خارج دائرة الموضوعية، من ثم فهي محكومة بهاجس التحكم فيها واعتبار الإنسان سيدها ومستغلها.

انطلاقا من هذه الاعتبارات، تحاول بعض التيارات النقدية الجديدة، خاصّة منها ذات التوجهات البيئية، إظهار محدودية أديولوجيا العقلانية الحديثة للثقافة والطبيعة. ولقد تمّ تحديد جوهر هذه المشكلة في كون النموذج السياسي للاقتصاد الحديث قائم على نظرة ضيقة للنمو والرفاه الإنساني، حيث أسّس لوهم الاستغلال اللامحدود للثروات الطبيعية من خلال ربط تراكم رأس المال بنمو الثروة الربحية المتأتية من هذا الاستغلال الدائم للموارد الطبيعية. أوقع هذا الوهم بأديولوجيا الأنوار الحديثة للاقتصاد (الليبرالية) في قصور منهجي خطير، عماده اعتبار الطبيعة "قَرْن وَفْرَة"1  من حيث هي مصدر تلبية كل الرغبات اللامحدودة، تماما مثلما يظن الطفل الرضيع في ثدي أمّه طلبا لتلبية رغبته الدائمة في الرضاعة.

هكذا، يلزم من هذا الأمر اعتبار تصوّر العقلانية الحديثة للطبيعة مستوجبا للتفكيك والنقد والتجاوز، وذلك بالنظر إلى حجم الضرر الذي تسبّبت فيه النزعة الليبرالية للاقتصاد للطبيعة والبيئة من استغلال مفرط بداع تسريع نمو الاقتصاد من خلال تشجيع الإنتاج والاستهلاك. وفي سياق هذا النقد، سبق أن نبّه الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر (M. Heidegger)، في إطار الفلسفة المعاصرة، إلى خطورة هذا المنحنى التحكّمي للنزعة التقنية الحديثة، ناظرا إلى ماهية التقنية، في صيغتها الحديثة، كمجرّد وسيلة لإرغام الطبيعة على التطويع والاستجابة الدائمة لسيطرة الإنسان. وتجاوزا لهذا الطابع التحكُّمي للنزعة التقنوية الحديثة والمعاصرة، نبهت المفكّرة المعاصرة ساندرا هاردينغ (Sandra Harding)، بدورها، إلى ضرورة تهذيب فلسفة التنوير الحديثة، وذلك لكي تنحو منحى مفيدا في إرشاد إنتاج المعرفة النافعة لاستدامة الطبيعة.

هكذا، يستشفّ من وجهات النظر النقدية هذه أنّ عقلانية الأنوار الحديثة، التي طالما تغنى بها الليبراليون، قد تشبّعت بنظرة استغلالية مفرطة للطبيعة؛ بينما هي في عمقها متأتّية فقط من تغليب نزعة مادية نفعية للسياسة والاقتصاد لصالح فئات اجتماعية تريد هيمنة لا محدودة وسيادة مطلقة على كلّ شيء في الكوكب الأرضي. كان هذا التوجّه الأيديولوجي في الاقتصاد والسياسة الحديثين بمثابة النزوع الإمبريالي الذي حفّز آلة الاقتصاد الرأسمالي القائم على تشجيع الإنتاج والاستهلاك المطلقين حتى يتحقّق النمو بصفة دائمة. لكن، منظورا كهذا سرعان ما اصطدم بحدوده الطبيعية التي تجد في التغير المناخي الحالي تعبيره الأبرز؛ بالتالي، كان ولابد أن يتم نقده انطلاقا من نتائجه السلبية على الطبيعة والثقافة الإنسانية معا.

 

الحسين أخدوش- كاتب وباحث مغربي.

...............................

* قرن الوفرة «Cornucopia»: انتشر تداوله في الميتولوجيا وفي قصص الأطفال الأوربية؛ وهو قرن أو قرطاس يحتوي على كل ما تشتهي الأنفس من فواكه نضرة وزهور جميلة وحبوب يانعة، ومهما أخذ منه لا ينفذ محتواه أبدا. لذا يقال إن الأم تبدو لوليدها ك"قرن الوفرة" الذي يشبع رغباته بلا حدود.

 

جواد بشارةقال الفيلسوف والعالم الإغريقي العظيم آنكسيماندر :" كل الأشياء تولد من رحم بعضها البعض وتختفي إحداها داخل الأخرى حسب الضرورة، وتخضع لقانون الزمن ونظامه"

فما هو الزمن؟...

هل الزمن واقعي وحقيقي، أي كينونة حقيقية كونية موجودة، أي جزء من المادة، أم وهم مختلق ومفهوم بشري ؟ وما تأثير ذلك على صورة وحقيقة وطبيعة وماهية الكون؟ ما هي المعاني الحقيقية لمفاهيم القبل والبعد، الماضي والحاضر والمستقبل، و الآن وفيما بعد؟

في الأساطير القديمة التي تبنتها الأديان هناك أشخاص يعيشون حالة من الخلود . فهم إما إله للزمن، أو سيد الزمان، أو صاحب الزمان، أو خالق المكان والزمان، والمحيط بماضي وحاضر ومستقبل الوجود، ويعرف كل ما جرى ويجري و سيجري من أحداث، أي هو مستقل عن الزمن وسيده والمتحكم به.

السؤال عن الزمن، الذي يعتقد غالبية البشر أنه بسيط ولا يحتاج للتساؤل والمناقشة، يأتي على رأس قائمة المشاكل والتحديات المهمة التي يواجهها العلم والدين على حد سواء، خاصة عندما نسبر أغوار الأسس الجوهرية للكون ولعملية الخلق الرباني.

جميع الألغاز التي واجهها الفيزيائيون وعلماء الكونيات الكوسمولوجيون، من الانفجار العظيم البغ بانغ إلى معضلة نهاية ومصير الكون، ومن صداع الرؤوس الذي أحدثته الفيزياء الكمومية أو الكوانتية والنسبية الخاصة والعامة الآينشتينية عند العماء والمفكرين والفلاسفة، إلى محاولات توحيد القوى الجوهرية الكونية، وعالم الجسيمات الأولية البدئية، كل ذلك يقودنا نحو طبيعة وماهية وحقيقة الزمن كمعضلة يجب حلها.

اتسم تطور العلم بإزالة الأوهام ورفع الغشاوة عن حقيقة الواقع، واتضح للباحثين والعلماء أن المادة مكونة من الذرات، التي كان يعتقد في السابق أنها غير قابلة للانقسام والتقسيم. وتبين فيما بعد أنها مكونة من مكونات أصغر، مادون ذرية، بروتونات، ونيوترونات وإلكترونات، وإن البروتونات والنيوترونات مكونة من جسيمات أولية أصغر تسمى الكواركات . واتضح أن مفهوم الحركة والتطور هو السمة الغالبة على الكون. وثبت بأن الأرض هي التي تدور حول الشمس وليس العكس كما كان يعتقد القدماء لغاية القرن السابع عشر. وكل شيء يتحرك بالنسبة إلى أشياء أخرى متحركة أيضاً فالأرض تدور حول نفسها وحول الشمس والشمس تدور حول نفسها وحولها تدور كواكب المنظومة الشمسية والنظام الشمسي برمته يدور حول مركز مجرة درب التبانة الذي يتواجد في أحد أطرافها، والمجرة تدور حول نفسها وحول مركز لحشد من المجرات أو السدم وهكذا. وكل ذلك يجري ضمن امتداد زمني لا نعرف له سوى بداية افتراضية تقديرية هي بداية عمر الكون المرئي 13.8 مليار سنة، وإن الزمن هو المفهوم الأكثر حضوراً وتأثيراً في حياتنا اليومية وتجاربنا الحياتية، فكل ما نفكر به ونقوم به ونشعر به يذكرنا بوجود الزمن. فنحن ندرك العالم كدفق من الأوقات المتراكمة التي تبني وتحكم حياتنا. والحال إن كل علماء الفيزياء والفلاسفة يقولون منذ وقت طويل، ومعهم عدد كبير من الناس يعتقد بذلك، أن الزمن ما هو إلا وهم ومروره وهمي، وكل ما نعرفه، الحقيقة، والعدالة، والإلوهية، والقوانين العلمية، كلها تتواجد خارج منظومة الزمن، وهذا الاعتقاد ظل قاسماً مشتركاً للفلسفة والأديان على مدى آلاف السنين. فإله الأديان موجود خارج الزمن وبمعزل عنه، والفلاسفة قالوا بعدم واقعية الزمن منذ أفلاطون، والعديد من العلماء وعلى رأسهم آينشتين علمونا أن الواقع ليس زمنياً INTEMPOREL، أي أبدي خالد. لا بداية له ولا نهاية، وإنه يجب تسامي وهم الزمن إذا أردنا معرفة الواقع والحقيقة. وساد لدى معظم العلماء تقبل فرضية لا واقعية جوهر الزمن، حيث لايمكن للوجود أن يكون حبيساً أو سجيناً لدى الزمن . وإذا أردنا أن نحرر أنفسنا من هذه العقدة لابد أن نحسم الأمر إما بالاعتقاد أن الزمن أمر واقعي وحقيقي أو اعتباره مفهوماً لاواقعيا irréel وغير حقيقي.

الزمن بصيغته البشرية هو مدة بين حركتين أو تغيرين يحدثان تعاقبياً ويقاس بالثواني وأجزائها أو بالدقائق ومافوقها، الساعات والأيام والأسابيع والأشهر والسنين إلى أن نصل إلى السنوات الضوئية. وهذا الزمن وصفه نيوتن بالزمن النسبي أو البشري المعبر عنه بلغة البشر، الذي هو غير الزمن المطلق أو الزمن الكوني الذي يجري بمعزل عما يحدث في المكان النسبي، والمعبر عنه بلغة الرياضيات، وهذا الأخير هو غير المكان المطلق الذي تصوره نيوتن بلا حدود، ثابت لايتغير ولا يتأثر بمحتوياته. فأي الزمنين حقيقي وواقعي وأيهما وهمي متخيل أو مختلق؟

جاء آينشتين وغير رؤيتنا ونظرتنا وفهمنا وإدراكنا للمكان وللزمن واستحدث مفهوم " الزمكان" الديناميكي المتغير والمتحرك والمتأثر بالكتل، حيث يمكن للزمن أن يصبح مكان وبالعكس تحت ظروف معينة. فلو كان الضوء الصادر من الأرض في فترة محددة من التاريخ البشري، يحتاج إلى 1500 سنة ضوئية لكي يصل إلى إحدى النجوم في مجرتنا درب التبانة ولأحد كواكبها المأهول بالحياة الذكية المتطورة، ولو افترضنا أن ذلك الضوء الصادر من الأرض قبل 1500 سنة يحمل صوراً سينمائية عن الحياة الاجتماعية الأرضية لتلك الفترة فسوف يرى سكان الكوكب البعيد عنا حالة الأرض قبل 1500 أي يشاهدون شريطاً سينمائياً واقعياً يعرض ما يجري على الأرض التي يكون قد مر عليها 1500 سنة في حاضرها الحالي، أي يشاهدون وقائع الدعوة المحمدية على سبيل المثال ويمكن أن يسجلوها على أقراص كومبيوترية لحفظها ودراستها. ففي حاضر ذلك الكوكب يوجد ماضي الأرض، وهذا هو المقصود بنسبية الزمن. فلا وجود لنفس الزمن في جميع بقاع الكون. بعض العلماء المعاصرين، وعلى رأسهم لي سمولين، يعتقد بأن الزمن وتدفقه حقيقي وواقعي بامتياز وعلى نحو جوهري في حين أن الآمال والمعتقدات بحقائق أبدية غير خاضعة للزمن ما هي إلا خرافات. فتبني مسلمة أن الزمن يعني الاعتقاد بأن الواقع يتكون فقط مما هو حقيقي وواقعي في كل لحظة، وهذه مسلمة راديكالية تنطوي على إنكار لكل شكل من أشكال الوجود الأبدي أو الحقائق الأبدية والأزلية في كافة المجالات . ويترتب على ذلك أيضاً أن جميع الفرضيات التي تؤسس طريقة عمل الكون في المستوى الأكثر جوهرية، هي فرضيات غير كاملة . فعندما نتقبل فكرة أن الزمن حقيقي وواقعي فذلك يعني أن كل شيء حقيقي في كوننا هو حقيقي فقط في لحظة زمنية معينة، وهي واحدة من بين عدد لامتناهي من اللحظات المتعاقبة. فالماضي كان واقعياً وحقيقياً لكنه لم يعد كذلك و لا نتعاطى معه إلا من خلال آثار عملياته الماضية في الحاضر. والمستقبل غير موجود بعد لكنه مفتوح على كافة الاحتمالات، قد نقوم ببعض التوقعات المحتملة لكننا لايمكن أن نتنبأ بالمستقبل وكيف سيكون وضعه، فهذا الأخير يمكن أن ينتج ظواهر أصيلة وجديدة بمعنى، أن أية معرفة بالماضي لا يمكنها توقع حدوث تلك الظواهر المستقبلية، علاوة على أن قوانين الطبيعة لن تكون أبدية أو لا زمنية، فهي كباقي الموجودات، هي من سمات الحاضر ويمكنها أن تتطور وتتغير في المدة الزمنية. وبالتالي لا وجود لشيء إسمه المصير المكتوب أو القدر المحتوم . فلو أعتقدنا بأن وظيفة ومهمة الفيزياء هي اكتشاف المعادلة الرياضياتية الأبدية التي تقتنص كل لحظة كونية وكل جانب من جوانب الكون، فذلك يعني أننا نعتقد أن الحقيقة عن الكون تقبع في مكان ما خارج الكون، فلو كان الكون هو كل ما يوجد، فكيف يمكن لما يصفه ألا يكون جزءاً منه؟ ولكن لو تقبلنا مسلمة أن واقع وحقيقة الزمن بديهية، عندها سوف نتقبل إمكانية عدم وجود مثل تلك المعادلة الإعجازية الشاملة اللازمنية، الكاملة التي تحيط بكل جوانب وملامح ومظاهر العالم. وعلى النقيض من ذلك هناك من يعتقد بأبدية البدء من جديد وأن مفهوم الزمني ليس خطي بل دوري تعاقبي وحقبي. فهؤلاء اقترحوا نموذجاً كونياً يقول أن كوننا الحالي ولد من إنهيار كون سابق له على نفسه وانبثق من جديد في حالة من التوسع، وفي كل عملية " ارتداد " ينطلق الزمن من جديد في سيرورة دائمية متعاقبة دون أن يعني ذلك تكرار الأحداث. ويمكن العثور على آثار لتلك الأكوان السابقة لكوننا ولكن الأمر يحتاج لتكنولوجيا عالية ومتقدمة جداً لم نتوصل إليها بعد. فيما تتحدث فرضية علمية أخرى نشرت سنة 2004 تعرف بفرضية "أدمغة بولتزمان les cerveaux de Boltzmann"، في خضم البحث عن المصير المفترض للكون، عن كائنات كونية مفترضة ومتخيلة بدون أجسام وبدون كيانات مادية، لكنها تمتلك حياة ووعي وذكاء مفرط، حيث تقول لنا النظرية أن الكون، رغم نظامه الظاهر إلا أنه ينحو باتجاه الفوضى واللانظام، وإنه، أي الكون، ليس سوى انبثاق استثنائي عن كون أوسع وأشمل وفوضوي هائج وإن انبثاق كينونة كونية منظمة تتطلب طاقة لامتناهية يجعل احتمال ظهورها ضعيف جداً، أي غير محتملة الولادة، فحتى تلك الكينونات الكونية اللامادية المسماة " أدمغة بولتزمان" لديها فرصة أكبر للظهور من الناحية الإحصائية من فرصة ظهور كوننا المنظم، ومع ذلك ها نحن موجودون في تلك الكينونة الكونية المنظمة ونقوم بدراستها ما يعني أن وجودنا ليس عبثياً. 

يتبع

 

 د. جواد بشارة

 

 

علي رسول الربيعيمقدمة: إن التسامح كمبدأ أخلاقي عالمي ولكن فقط بمعنى أنه يمكن توجيهه إلى كل شخص عقلاني وأخلاقي. والسؤال هو ما إذا كان هذا المبدأ مناسبًا في جميع المواقف وما هؤلاء الفاعلين الأخلاقيين الذين يدركون فائدته العملية لهم؟ ليس التسامح مبدأ أخلاقيا  هكذا بشكل مطلق، لكنه مبدأ من بين مبادئ أخرى في سياق نظام أخلاقي معين. يجب إعطاءه مكان مناسب في التسلسل الهرمي للمبادئ. قد يؤدي فهم التسامح باعتباره المبدأ المطلق أو الغالب في مواجهة تهديد واضح ومباشر الى استخدامه كمظلة للسلوك المتبنى. يتم  تعين حدود التسامح من خلال الحد الأدنى للمهمة الأخلاقية الأساسية لمقاومة الشر. إن مبدأ المقاومة النشطة للشر بكل الوسائل الممكنة هو قبل أو سابق  على مبدأ التسامح.

أنا مهتم في مناقشة التسامح  من خلال بعض الأفكار المعيارية الأخلاقية المهمة لفهم مكانة التسامح كقيمة ومبدأ في إطار الأخلاق. ورأيي هو، أنه  نوع من التفكير في وضع اجتماعي - ثقافي معين

حدود مبدأ التسامح:

 التسامح مبدأ أخلاقي. وكمبدأ أخلاقي، فهو عالمي، ولكن فقط بمعنى أنه يمكن توجيهه إلى كل شخص عقلاني وأخلاقي. والسؤال كما اشرت أعلاه، هو: ما هؤلاء الفاعلين الأخلاقيين الذين يدركون  واقعهم العملي ؟ وفقًا لما ذكره مايكل والزر، كما ورد في كتابه عن التسامح

Michael Walzer, On Toleration, New Haven, CT: Yale University Press 1997.

يرتبط التسـامح  ارتباطًا وثيقًا بالسلام، وبالتحديد، بالتعايش السلمي. إنه،في سياق المجتمع الديمقراطي، تعايش المواطنين على قدم المساواة في الحقوق، و في سياق التعددية الثقافية، هو التعايش بين الأفراد كممثلين عن مختلف الأعراق والعقائد، والتقاليد الثقافية. استنادًا إلى مفهوم "المجتمع المفتوح" الواسع، يمكننا ربط التسامح بالانفتاح على الاختلافات. وفقًا لكاتريونا ماكينون، فإن التسامح يعني قبول  ما يعارضه المرء  او يقوم بقمع ممارسة أو اعتقاد يمكن لأحد أن يريده، لأن لديى المرء القوة أو النفوذ.

Catriona McKinnon (Toleration: A Critical Introduction [London and New York: Routledge, 2006]).

لكني أرى أن هذا تعريف وصفي للتسامح لا يقول شيئًا عن الملاءمة الأخلاقية للممارسات المقابلة. نحن نعلم النقاشات الواسعة حول "مسألة  الحجاب" في فرنسا، وحدثت مناقشة مماثلة  لكن على نظاق  أقل في روسيا  عندما أصرت بعض النساء المسلمات على حقهن في أن  تكون صورهن محجبات في جواز السفر. تُظهر هذه الحالات أن الناس والمجتمعات بحاجة إلى التفاوض بشأن الملاءمة الأخلاقية للممارسات وكيف يمكن التسامح معها على نطاق واسع.

يتمثل أحد الجوانب المهمة، في إطار المقاربة السلوكية  للتسامح في إدراك الفرد لحق الآخر في الحفاظ على آخريته. من المحتمل أن تشير أخلاق الفضيلة أيضًا إلى قدرة الفرد على تنظيم مشاعر الفرد السلبية تجاه الآخر على هذا النحو، بغض النظر عما قد يكون (لون البشرة، المظهر، الآداب، الأذواق، المعتقدات، أنماط الحياة، إلخ). إن هذه القدرة مهمة لممارسة التسامح، ولكنها ليست ضرورية لمفهوم التسامح.

لذلك، هناك شرط  محدد للتسامح  يتم تنفيذه من خلال استعداد الفرد للتغلب على الاختلافات. ليست هناك حاجة للتسامح، عندما يكون الشخص جاهلاً بالاختلافات أو لا يهتم بها. ولا توجد حالة من التسامح، عندما لا يملك الفرد القوة ولا الطاقة للتعبير عن تحيزه تجاه ذلك  المختلف أو قمعه. لا يبدو أن الحجج التي تدعو إلى التمييز فيما يسمى التسامح النشط والسلبي المقترحة في الأدبيات الحالية مقنعة. يرتبط ما يسمى بالتسامح السلبي باللامبالاة تجاه الآخرين، أو الخجل والجبن في التعبير عن الذات. نظرًا لأن التسامح مع الفضيلة الشخصية ينطوي على استعداد الفرد وقدرته على التعايش مع أولئك الذين تختلف آراءهم ومواقفهم وأنماط حياتهم عن آرائه. في رأيي، أن هذا وصف كافٍ للتسامح. وفي هذا الصدد، يشبه مبدأ التسامح مبدأ اللاعنف.

لا يوجد لدى، هذا الأخير، شعور عملي يتعلق بهؤلاء، الذين هم ضعفاء، عاجزون، سلبيون، وخجولون. وبالطريقة نفسها، على الرغم من أنه بشكل معاكس، فإن مبدأ التسامح - من وجهة نظر المراقب غير المهتم - هو مبدأ فعلي لأولئك، القادرين على إدراك الاختلافات بين الأفراد والجماعات، منحازين ولديهم الإرادة والسلطة للتعبير عن تحيزهم في سلوكهم تجاه الآخرين.

يشير مايكل والزر، بالاضافة إلى جانب الانفتاح على الاختلافات، الى فضول الفرد للاختلافات وإدراكه للإمكانات البناءة للتنوع الاجتماعي والثقافي. وهناك حاجة إلى التسامح، عندما يُنظر إلى الاختلافات النفسية على أنها تهديد.

لتوضيح مشكلة مبدأ التسامح، يجدر النظر مرة أخرى في "رسالة التسامح" لجون لوك. يمكن تفسير خطاب لوك حول التسامح بطريقة كانه يوجه بها هذا المبدأ إلى العضو العادي في المجتمع المدني. وهكذا تم قبول هذا المبدأ من قبل الثقافة السياسية الحديثة. ومع ذلك، أن الحديث عن التسامح كان مهتمًا بشكل أساسي بالحكام ورجال الدين، أولئك الذين كانوا على رأس التسلسل الهرمي الاجتماعي والقوي ليس فقط للتعبير عن رفضهم و خلافهم وكراهيتهم للآخرين، ولكن أؤلئك الذين يظهرون مواقفهم وتحقيقها في العمل المباشر ضد من يعتبرونهم يستحقون سخطهم. ولكن في الوقت نفسه، على الرغم من أن لوك في تفكيره المعياري كان منفتحاً تجاه مبدأ العالمية، وكان التسامح بالنسبة له مبدأً عالميًا  للمجتمعات، استنادًا إلى القانون الطبيعي، الاً أنه وضع قيودًا معينة على مبدأ التسامح. تتعلق هذه القيود بالمخالفين، أوأؤلئك الذين يمثلون خطورة على النظام الاجتماعي، والذي يبرر أو يضمن  فعالية مبدأ التسامح هذا. بعبارة أخرى، هناك حدود لمبدأ التسامح، يتم وضعها بواسطة نظام التسامح ذاته (استخدم المصطلح الذي اقترحه مايكل والتزر).

لذلك، طبقاً الى لوك، ليس التسامح مبدأ أخلاقيًا نموذجيًا وليس مبدأ أخلاقيًا مطلقًا كما يُقدم غالبًا في المناقشات الفلسفية والسياسية العامة. إنه واحد من بين أمور أخرى في سياق نظام أخلاقي معين. يرتبط تسامح الفكر في الفكر الليبرالي بمفاهيم أخلاقية مثل الاحترام والكرامة وحقوق الإنسان والأستقلالية، وما إلى ذلك. المطلوب إعطاء التسامح كضرورة مكانه المناسب في التسلسل الهرمي للمبادئ. يتم تعيين حدود التسامح عن طريق الأخلاق نفسها، ومن خلال مهمتها الأساس أوالحد الأدنى منها  لتنظيم السلوك الفردي والجماعي لمقاومة الشر. إن مبدأ المعارضة النشطة للشر بكل الوسائل الممكنة هو قبل مبدأ التسامح.

نحتاج إلى تمييز أعمق للجوانب الأخلاقية والسياسية للتسامح. من وجهة نظر سياسية، يُنظر إلى التسامح باعتباره عاملاً يعزز النظام المدني والاستقرار العام، ومن وجهة نظر أخلاقية يُنظر إلى التسامح على أنه نوع من التقييد المعياري للأفراد لعدم التدخل وقمع المعتقدات والممارسات التي يكرهونها.  النقطة الأساسية هي يجب أن يفهم التسامح ويقبل كفضيلة عامة، باعتبارها واحدة من القيم المجتمعية والمدنية الأساسية.

يمثل مصطلح "نظام التسامح" المذكور أعلاه المصطلح الذي اقترحه مايكل والتزر، في رأيي، مفهومًا مهمًا، يتم بموجبه تبني التسامح في المجتمعات المختلفة من خلال هياكل وإجراءات عامة مناسبة خاصة بمجتمع معين. يتطلب التنفيذ الكامل للتسامح كمبدأ أخلاقي عملي أدوات سياسية وقانونية مناسبة، حيث يتقاسم المجتمع مسؤولية الحفاظ على روح التسامح وأخلاقياتها من أجل الحفاظ على الاستقرار وتوفير فرص بناءة للتفضيلات.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

علي المرهجمنذ أن تبنى جون لوك في كتابه "رسالة في التسامح" صار لهذا المفهوم أفقه التداولي في الفلسفة والفكر الديني، ورغم ميل جون لوك للقول بأن الناس متساوون في أصل وجودهم (أي في الفطرة)، إلا أنه في رسالته هذه يميل لتأييد مقبولية وجود فئة أقوى هي من يقع عليها واجب التسامح مع الفئة الأضعف، لأن فكرة التسامح تحمل في طياتها الإعتراف بوجود قوي، وهذا القوي مطلوب منه التسامح! فالتسامح لا يعني كما أظن اعتراف بالآخر بقدر ما يعني العطف على الآخر، أو تحمل إساءته إلى حين، والتقليل من هيمنتنا نحن الأقوياء وقمع رأيه، فهو يشبه اعتراف الأكثرية بحقوق الأقلية، لعطف منها وتكرم، لا لأن الأكثرية ظنت بامكانية أن تكون آراء الأقلية هي الصحيحة، أو أنه سبيل آخر للوصول للحق، ولذلك يؤكد محمد عابد الجابري أن مفهوم التسامح مفهوم مُلتبس، ولكن لا بديل. السبب في رأيه يعود إلى "أن التسامح ليس مفهوماً أصيلاً في الفلسفة، بل يقع بين الفلسفة والأيديولوجيا، والدليل على ذلك أن هذا المفهوم لم يدخل الفلسفة من باب الفلسفة نفسه، بل من باب الفكر الذي يُعبر عن الصراع الاجتماعي، أو يُحاول التخفيف منه، وبعبارة أخرى من باب الأيديولوجيا" ، الأمر الذي يعني أن دُعاة التسامح لا يؤيدوا فكرة التجاوز عن أخطاء الآخرين، بقدر ما يعني أنه (عملية إيجابية هدفها تعديل موقف الإساءة أو إعادة تصحيحه بما يعود بالخير على كل من المُساء إليه، والمُسيء، أو على الأقل إعفاء المُسيء من تهديد أو عقاب المُساء إليه. إنه مُحاولة جادة للتخلي عن الثأر، لذلك هو ينطوي على نمط من السلوكيات الإيجابية للتخلص من شحنات العُنف الداخلي تجاه الآخر المُسيء.

في التسامح نوعان: التسامح مع الذات، والتسامح مع الآخر، الأول يعني "تجنب لوم النفس المُفرط، والشعور بالذنب جراء ما ارتكب الفرد من أخطاء في حق الآخرين، وفي حق نفسه، والاعتراف بالأخطاء.

أما التسامح مع الآخر، فهو عملية مقصودة يتم بمقتضاها التغاضي عن الاساءات الموجهة للذات، من قبل فرد آخر أو أفراد آخرين، وتخفيض الانفعالات والأفكار السلبية عنهم) .

لم يكن همَ لوك من طرحه لمفهوم التسامح سوى السعي لفصل المؤسسة الدينية (الكنيسة) عن الدولة، ليُقيد من سلطات رجال الدين، لتكون مهمة الساسة من الذين تعاقد معهم المجتمع إدارة الدولة بعيداً عن هيمنة رجال الدين. لذلك يؤكد لوك على ضرورة الخلاص من فكرة القبض على الحقيقة عند فئة ما، وأنه من بيده مفاتيح الخلاص، فمن طبيعة "أي إنسان أنه يتصور أنه مُهيئ لإنزال العذاب بإنسان آخر بدعوى أنه ينشد خلاص نفسه" . وللتخلص من هكذا نزوع إقصائي، ينبغي علينا التوجه نحو الدولة بوصفها الضامن الحقيقي للحقوق المدنية، مثل: الحرية وتنفيذ القوانين والمساواة، ومن ينتهك هذه الحقوق ينبغي على الدولة حرمانه من هذه الخيرات. ليؤكد لنا "أن خلاص النفوس ليس من شأن الحاكم المدني، أو أي إنسان آخر، ذلك أن الحاكم ليس مُفوضاً من الله لخلاص النفوس البشرية، وأن الله لم يُكلف أي إنسان بذلك، لأنه لا يبدو أن الله قد منح مثل هذه السلطة لأحد بحيث يفرض دينه على الآخرين بالقوة" .

ليصل بنا لوك إلى نتيجة مفادها: أن الإنسان حُر في عبادته، "فلا أحد يولد عُضواً في أية كنيسة، وإلا فإن الدين في هذه الحالة يُنقل بالوراثة من الآباء إلى الأبناء تماماً طبقاً لحق الإرث" . وهذا أمر لا يليق بالذات الإلهية وجعلها الإيمان ومعرفة الدين الحق حكراً على أناس دون غيرهم.

لقد طرح فولتير في كتابه "رسالة في التسامح" رؤية للتسامح تنبني على وصية هي"لا تفعل ما لا ترغب في أن يُفعل بك"، والحال أننا لا نفهم كيف يُمكن لإنسان، يتسائل فولتير إنطلاقاً من هذا المبدأ، أن يقول لإنسان آخر: "آمن بما أؤمن به أنا، وبما لا تؤمن به أنت، وإلا كان مصيرك الهلاك... وما دُمت لا تؤمن بديني، أيها المسخ، فلا دين لك إذاً" . ولتجاوز هذه الرؤية الإقصائية لمُعتقدات الآخرين يدعونا فولتير إلى نبذ التعصب فيما أسماه "الغلو في التعصب"، وإذا كان الدين المسيحي إلهياً، "يتعين أن تكف يد الإنسان عن التحكم به. فما دام الله هو من صنعه، فالله هو من سيُثبته ويصونه من دون عون من أحد" ، فكانت دعوته لـ "التسامح الكوني" واعتبار جميع البشر أخوة، لأننا "جميعاً أبناء أب واحد، ومخلوقات إله واحد" .

أجد أن رؤية (فولتير) أقرب لمفهوم "الاعتراف"، الذي سنتحدث عنه لاحقاً، منها لمفهوم "التسامح"، وإن استخدم مفهوم (جون لوك) ذاته، وأظن لو كان مفهوم التعارف له حضور في المعجمية التداولية في الفكر آنذاك لوضعه فولتير بدلاً من التسامح، لأنه يشتغل لا على مُطالبة الأقوى بالتسامح مع الأضعف كما تشي به رؤية (لوك) للتسامح، ولكننا نجد أن فولتير يطرحه على قاعدة "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأيك خطأ يحتمل الصواب"، أو طبقاً لقاعدة (فولتير) نفسه "قد أختلف معك في الرأي، لكنَي سأكون على استعداد أن أدفع حياتي كي تقول رأيك"، فأي اعتراف بالآخر أمضى وأجلى من هذا الذي يقول به فولتير، لذلك أميل لوضع (فولتير) ضمن لائحة الفلاسفة الذين وضعوا المبادئ الأولية لفلسفة "الاعتراف"، فطبقاً لرؤيته هذه تكون مبادئ الاعتراف هي:

ـ أن تقول رأيك بحرية

ـ أن تُدافع عن رأيك الحُجة بالحُجة، لا أن تفرضه بالقوة.

ـ أن تعترف بحق الآخر المُخالف لك أن يطرح رأيه بذات الحُرية التي تطرح بها آراؤك.

ـ أن لا تُعاند ولا تُصر على التمسك برأيك إن كان من يُخالفك في الرأي حجته أقوى من حُجتك ويمتلك أكثر منك أدلة عقلانية تؤيد صواب رأيه.

استكمل الفيلسوف الألماني (إيمانويل كانت) ما طرحه فولتير حول التسامح بوصفه مفهوماً يحتاج لاعادة تصميم كما أرى، فطرح مفهو (السلام الدائم) الذي سأستكمل الحديث عنه في مقال لاحق...

 

ا. د. علي المرهج

 

قد لا يختلف اثنان على أن الجامعات العراقية تعيش وضعاً صعباً، أو إنها ترقد الآن في غرفة الإنعاش منذ مدة ليست بالقليلة.

ترقد بين يدي العديد من المعالجين الذين اختلفوا في وصفاتهم العجيبة والمتناقضة أحياناً. وعلى مرور الزمن، قرر بعضهم استحداث المزيد من هذه الجامعات العليلة، وآخر شجعها على إنتاج تدريسيها بنفسها، وبعض الآخر على طريقة الروحانيين يقدمون وصفات سحرية من هنا وهناك علها تعود الى سابق عهدها. لكن ما غاب عنهم أن هذه الجامعات لا ينبغي لها إلا انتاج المعرفة وفتح أذهان الطلاب على هذه المعرفة، وتمكينهم من الاستفادة القصوى من الفرص التربوية، والأهم من كل شيء هو خدمة مجتمعهم.

إن أحد الإشكالات التي تتعرض لها الجامعات العراقية هو الخوض في النقاش العقيم حول مسألة التصنيفات الدولية، حيث إن مجرد دخول جامعة الى احدى هذه التصنيفات يجعلنا نعتقد بان مشاكل الجامعة قد حُلت، وإنها قد أصبحت عالمية في تعليمها، وبحوثها، وتحسنت سمعتها، وما عادت عليلة كالمصانع القديمة تنتج بضائع لا يحتاجها، ولا يرغب بها سوق العمل. لقد أصبح دخول التصنيفات الدولية هدفاً في قمة أهداف الجامعات، والهدف الذي نسعى إليه دون تقدير للعقبات، ودون معرفة الاحتياجات هو هدف لا يمكن الوصول إليه مطلقاً.

التصنيفات الدولية تتعامل مع الجامعات العراقية كمؤسسات مستقلة، وكيانات تربوية، وتعليمية، وبحثية لها رؤى وأهداف مختلفة وما هي بذلك، وتقيس أدائها على ضوء معايير تعتمد بيانات كمية كعدد الطلاب، وعدد التدريسيين، وعدد البحوث وما شاكل ذلك من بيانات لا تعبر عن فروق حقيقية في مهارات خريجي الجامعة او جودة البحوث، او محتوى البيئة الجامعية أو خدمة المجتمع العراقي.

هل يعني دخول جامعة بغداد في تصنيف التايمس البريطاني بترتيب 801-1000 انها أصبحت أفضل من جامعة الكوفة، أو بابل، أو النهرين، أو من الجامعة التكنولوجية التي أحرزت المرتبة +1000؟ أو أن أساتذة وطلبة هذه الجامعات أقل تدريباً وتعليماً وتميزاً من اساتذة وطلبة جامعة بغداد؟ طبعا لا! على سبيل المثال قد تنتج الجامعة التي لها ثلاثة أضعاف التدريسيين مقارنة بجامعة أخرى عددا أكبر من البحوث وبالضرورة سيكون عدد الاقتباسات أعلى. إلا انه وبمقارنة أداء جامعاتنا بالجامعات العالمية تتهاوى هذه الفكرة لأننا نجد أن الجامعات الإيرانية على سبيل المثال، والتي أربعون منها دخلت التصنيف مقارنة بجامعتين وحيدتين من العراق، تمتلك أعداداً اقل بكثير من التدريسيين فيها. ما هو السبب يا ترى؟

قد يكمن السبب في أن قلة الإنتاج البحثي للجامعات العراقية بحيث لا يتعدى عدد البحوث في السنة الواحدة 1% لكل تدريسي، وأن معظم هذه البحوث تنشر في مجلات عديمة الأهمية كالمجلات الهندية التجارية، وتلك التي هي في أسفل قاعدة بيانات سكوبس، بينما يهتم العالم بالنشر في مجلات معتبرة ومتميزة تقع في قمة قواعد البيانات، وهذا له علاقة بأهمية البحوث وعدد الاقتباسات، فعلى سبيل المثال تمتلك جامعة كاشان حوالي 300 تدريسي ولكنها أحرزت درجة 75 في معدل الاقتباسات مقارنة بدرجة 44 لجامعة بغداد التي تمتلك أكثر من 6000 تدريسي.

أحد أسباب تدني نوعية البحوث العراقية هو اعتمادها على انتاج طلبة الدراسات العليا. الدراسات العليا في العراق تعاني من خلل في نوعية البحوث، وبضعف الاشراف البحثي وبانعدام تدريب المهارات البحثية وإدارة وتنظيم وقيادة الفرق البحثية. الدراسات العليا لم تعد وسيلة من وسائل تطوير البحث العلمي وإنما وسيلة لمنح الشهادات مما أدى الى انتشار التزوير وسرقة نتائج منشورة والادعاء بإجراء تجارب من المستحيل اجراؤها في ظل الظروف الفقيرة للمختبرات العلمية. ومن الأسباب الأخرى لتدهور مستوى البحث العلمي هو عدم وجود تعاون مع جامعات الدول المتطورة او الاشتراك في مشاريع عالمية مشتركة مما أدى الى انفصام رهيب عن العلم العالمي ومتطلباته ومستوياته.. هل من المعقول ان يطلب طالب الدراسات العليا من على الفيسبوك مساعدة في اختيار بحث مناسب له او ان يطلب اسم مجلة توافق على نشر ورقته في خلال يوم واحد؟ وهل من المعقول ان يطلب من يقوم له بأجراء تجاربه او كتابة اطروحته؟ اين هو دور المشرف في عملية الاشراف؟ وأين دور القسم في تصحيح الاختلالات؟

نعود الى التصنيفات العالمية للمقارنة بين الجامعات العراقية ذاتها. الجامعات العراقية لا تختلف كثيراً فيما بينها سواء في المعايير الإدارية أو في المعايير الاكاديمية لأي تصنيف عالمي. اختلاف الاعداد لا يبرر دخول او خروج بعضها. على سبيل المثال لا توجد فروق مهمة بين معدل البحوث المنشورة فهي متدنية، ولا تستحق المقارنة. الجامعات العراقية تدار من قبل مؤسسة واحدة تسيطر عليها بالكامل وتتبع الجامعات تعليماتها حرفيا فلا توجد جامعة خالفت التعليمات او حرفتها او طورتها. لذلك فان التصنيفات العالمية لا تلائم اوضاع الجامعات العراقية في معاملتها كجامعات مستقلة لها رؤى وأهداف مختلفة وتدار من قبل إدارات عليا منتقاة ذاتيا، ولها سياسات مستقلة ومختلفة عن بعضها ولها الحرية في انتقاء طلبتها واساتذتها. هل هناك من يستطيع ان يؤكد لي ان البحث العلمي او التعليم هو أجود في جامعة دون أخرى؟ أو أن يؤكد لي بأن أساتذة وطلبة جامعة س هم أفضل من أساتذة وطلبة جامعة ص؟ وفيما عدا البنى التحتية، هل توجد فوارق حقيقية بين الجامعات؟

مشكلة تصنيف التايمس أنه يركز على البحث، وهنا في العراق يعتبر البحث موضوعاً شكلياً وليس له تأثير وهو كما كشفه الدكتور أحمد الجعفري في استفتاء وضعه على صفحته في الفيسبوك بأنه لتحقيق غرض واحد ألا وهو الترقية لا غير. معظم التصنيفات تركز على السمعة والكل يعرف ان الجامعات العراقية لا تمتلك سمعة جيدة. ولا توجد من التصنيفات من تهتم أساسا بجودة التعليم فهذا ليس من اهتماماتها بالرغم من أن بعض معاييرها قد يكون له ارتباط اسمي بجودة التعليم والتي هي موضوعياً مقرونة بتقييم خمسة معايير هي: 1) التحدي الأكاديمي الذي يواجهه الطالب، 2) التعلم النشط والتعاوني، 3) تفاعل الطلاب مع أعضاء هيئة التدريس، 4) إثراء الخبرات التعليمية، 5) بيئة الحرم الجامعي الداعمة للتعلم.

خلاصة الرأي هو أن الجامعات العراقية فروع لجامعة واحدة تقع في مناطق جغرافية مختلفة ولربما يمكن من خلال دمج تلك المتجاورة تحسين أدائها وزيادة احتمالية دخولها في التصنيفات هذا فيما عدا أهمية الدمج في ترشيد المصروفات، وتحسين الجودة، وزيادة كفاءة البحث العلمي. هذا يقودنا الى موضوع إعادة تنظيم الكليات والأقسام، والذي تناولناه مرّات عديدة في السابق، فلربما يتم ترشيد الإدارة وتخفيض نسب البطالة بين الخريجين بدمج الكليات والاقسام المتشابهة والإلغاء التدريجي لتلك الأقسام التي لا يتوفر لها سوق عمل، والفائضة عن الحاجة.

في معظم الجامعات العالمية لا يزيد عدد الكليات على 5-10 كليات، بينما يصل العدد في الجامعات العراقية الى أكثر من 20 كلية. من الشائع في الجامعات العالمية أنه كلما قل عدد الكليات تحسنت إدارة الجامعة، وارتفعت الكفاءة الاكاديمية وخفضت التكاليف، وفيها أيضا تنعدم الازدواجية في البرامج والشهادات، ويكثر التعاون المشترك في التدريس والبحث العلمي. اؤكد بأنه لو تمت إعادة هيكلة الجامعات على صورة الجامعات الغربية لتم توفير مبالغ مالية هائلة، ولقضي على فوضى تعدد الشهادات، وانتهت برامج أكل الدهر عليها وشرب، وأنشئت برامج يحتاجها سوق العمل.

إذا ارتأينا حقا ان ننهض بالجامعات العراقية، فعلينا أن ننهض بمستويات التدريسيين. يوجد في الجامعات العراقية الآلاف من التدريسيين ممن يحتاج الى تدريب وإعادة تدريب في الجامعات الغربية. ويعود سبب ذلك الى العزلة العلمية التي مر بها العراق بسبب الحروب والحصار. يحتل التدريسي موقعا متميزا ضمن بقية مكونات الجامعة الأخرى، وضمن العملية التعليمية بشكل عام، فهو المعلم والمربي والباحث، والمواكب لتحولات المجتمع والمساهم في تنويره وتنشئته. إن استئثار التدريسي بمكانة لائقة داخل النظام التعليمي وضمن محيطه المجتمعي يتوقف على توافر شروط ومقومات ذاتية تعود الى الكفاءة العلمية. وفي هذا السياق يحتل التدريب والتعلم المستمر أهمية خاصة لأن كسب رهان الجودة يتطلب توفير الشروط الموضوعية الداعمة للجودة إضافة الى انخراط التدريسيين أنفسهم بصورة جدية في البحث العلمي وما يتطلبه ذلك من توافر الأموال والمعدات وهذا سيؤدي حتما الى تبوئ مراكز عالية في التصنيفات الدولية فيما بعد.

هل أن تدريب التدريسي هو أقل أهمية من تدريب طلبة الدراسات العليا؟ لماذا لا يبتعث 10000 تدريسي كل عام للتدريب وللحصول على شهادة عالية حتى وإن كان المبعوث قد حصل على مثل هذه الشهادات في الماضي. اليس تدريب هؤلاء من الاولويات عند الدولة العراقية ليصبح التعليم العالي متميزا والبحث العلمي بمستوياته في العالم الغربي؟ إن الجامعات العالمية سترحب بتدريب هؤلاء التدريسيين إذا ما دفعت الادارة العراقية أجور تدريبهم بما يعادل اجور الطلبة، او حتى بنصف هذه الاجور او اقل، وفي مثل هذا الاجراء تناسق كبير مع السياسات الحالية للتعليم العالي واستراتيجيته في تحسين الجودة.

أخيراً، اسمحوا لي أن أعيد ما ذكرته سابقا في أن أحد أهم التحديات التي لا زالت تواجه وزارة التعليم العالي لكي تتبوأ الجامعات العراقية مراتب عالية في السلالم العالمية هو بتوفير التشريعات والشروط اللازمة بما يدعم تحقيق الاستقلالية ومقومات الحرية الاكاديمية، ومن خلالها يتم ترسيخ ثقافة التغيير داخل الجامعات، وهي ثقافة تعتمد على الجودة وإداراتها والاهتمام بالأستاذ والطالب وبالبيئة الاكاديمية، وبتطبيق شعار "أعطني استاذاً وباحثاً جيداً اعطيك جامعة ناجحة."

 

أ. د. محمد الربيعي

 

عامر صالححسب احصائيات وزارة التعليم العالي أن هناك ما يقارب 15000 خمسة عشر ألف من حملة الدكتوراه والماجستير عاطلين عن العمل لا توجد امكانية لأستيعابهم في وزارة التعليم العالي" حسب تصريحات الوزارة" وتؤكد ايضا ممكن استيعابهم من قبل وزارات اخرى او في القطاع الخاص وغيرها, تلك هي اللغة الرسميه لتسويف مطاليبهم وعدم الأكتراث بهم, وقد مهد اهمال مطالبهم المشروعه في الحصول على عمل, بعد أكثر من ثلاثة اشهر من الاحتجاجات, التجاوز عليهم واستخدام مختلف الأساليب القمعيه, من ضرب واستخدام الهراوات وخراطيم المياه الساخن, الى جانب الأعتداء على النساء الخريجات والتجاوز عليهن بأساليب غير مؤدبة وغير حضاريه ولا تليق بالمرأة.

نقول هنا ان تخلف البنية التحتية الأقتصادية والتقنية والعلمية أضعف فرص امتصاص الطاقه العاملة وخاصة ذوي التحصيل العالي, وكان للمحاصصة الطائفية والأثنية والفساد الأداري والمالي ونهب المال العام الذي يضعف الأمل في أي نهضة شامله افقدت الأمل في حل مشكلة البطالة حل شامل في الأفق المنظور, الى جانب اشتراطات صندوق النقد الدولي بالحد من التعيينات, والى جانب التشوهات البنيويه وفوضى القطاع الخاص وعدم امتلاكه خطط واضحه لحاجته من الشهادات المختلفه الى جانب الفساد والمحسوبية والمنسوبية في.

ومما يزيد الطين بله هو الأنتشار الواسع للجامعات الأهلية ذات الطابع الربحي البحت وانعدام تنسيقها مع الجامعات الحكومية والذي يدفع بدوره الى المزيد من الخريجين في مختلف التخصصات وبعيدا عن دراسة سوق العمل والحاجة الى التخصصات" رغم ان العراق لايزال في سبات أو ارض بكر وقد يحتاج الى الجميع لاحقا" ولكنه نذير الى المزيد من البطاله, الى جانب كون هذه الجامعات الأهليه في اغلبها تعود ملكيتها لزعماء احزاب طائفية وأثنية ويعج فيها الفساد اسوة بغيرها, ولاتتمتع مخرجاتها بكفاءة يعهد لها بالجودة والمنافسة.

نحن امام مهمة عصية على التنفيذ وهي استيعاب خريجي الكليات والدراسات العليا في اطار القوى العامله, في ظل نظام لا يمتلك بوادر نهضة.اقتصادية واجتماعية وعلمية وينهش فيه الفساد ويهدر فيه المال العام, وكذلك امام مشكلة اخرى, وهي كيف نربط الطموحات العلمية المشروعه في ضوء الحاجة الماسة لسوق العمل. أن عدم تلبية طموحات خريجي الدراسات العليا والجامعية في الحصول على عمل هو امتداد طبيعي لأوضاع مؤسسات التعليم العالي وأزمتها الخانقة, والتي تتجسد بأرز ملامحها الآتية:

ـ التدهور الأمني المستمر لمؤسسات التعليم العالي وتدخل رجالات الأحزاب والمليشيات الطائفية في شؤون التعليم العالي مما يضع طرفي العملية التعليمية : الطالب ـ الأستاذ والعملية التعليمية برمتها في دوامة عدم الاستقرار والخوف من المستقبل¸مما يترك أثره الواضح في تسرب الطلاب وهجرهم لمقاعد الدراسة وهجرة الكادر التدريسي.

ـ الإجراءات التعسفية في إقالة أو إحالة الكادر التدريسي الجامعي ومن درجات علمية متقدمة " أستاذ وأستاذ مساعد " على التقاعد بذرائع ومبررات واهية, منها كبر السن أو بتهمة عدم الكفاءة, وهي إجراءات تنفذ في الخفاء بواجهات سياسية أو انتماءات طائفية, وتحرم هذه المؤسسات من خيرة كادرها المتمرس في التدريس والبحث العلمي.

ـ تدهور البنية التحتية اللازمة لتطوير التعليم العالي من مكتبات علمية ومختبرات وشبكة انترنيت ومصادر المعلومات المختلفة, وقد تعرض الكثير منها إلى الحرق والإتلاف الكامل والى التخريب والسرقات المقصودة لإفراغ الجامعات من محتواها المتمثل بالمراجع والكتب والأبحاث والمقررات الدراسية بمختلف التخصصات, وغلق أقساما للدراسات العليا بكاملها تحت ذريعة عدم توفر الكادر التدريسي اللازم لها.

ـ تدهور المستوى العلمي والتحصيلي للطلاب جراء تدهور الوضع الأمني والانقطاع عن الدراسة, أو النجاح بأي ثمن تحت وطأة تهديد الأستاذ الجامعي من قبل مليشيات الأحزاب السياسية ـ الطائفية وفرض معايير مشوه للتفوق الدراسي لا تعبر عن إمكانيات الطلاب الفعلية, بل تعبر عن أولويات الانتماء السياسي أو المذهبي أو الطائفي, وهي تذكرنا بممارسات التبعيث لفرض النتائج الدراسية وانتقاء الطلبة على أساس الولاء للحزب الحاكم.

ـ تغييب الكليات الإنسانية والتضييق على دورها المهم في الحياة الثقافية العامة عبر الحد وعرقلة أنشطتها المختلفة التي يفترض لها أن تسهم بإشاعة ونشر قيم التسامح والعدل والحق ومكافحة الإرهاب, وقد شهدت هذه الكليات حرق العديد من مكتباتها بالكامل, وعرقلة إصدار دورياتها الثقافية الشهرية أو الفصلية أو السنوية, وانعدام الأجهزة اللازمة لاستمرار عملها كأجهزة الاستنساخ والطباعة وغيرها, إضافة إلى محاصرة العديد من مبدعي وكتاب هذه الكليات ومنعهم من الظهور العلني للحديث عن نشاطاتهم ونتاجاتهم الثقافية والأدبية المختلفة.

ـ استشراء الفساد بمختلف مظاهرة الإدارية والمالية, من محسوبية ومنسوبيه وسرقة الأموال المخصصة لهذا القطاع وتزوير للشهادات والتلاعب بسجلات الدرجات من خلال ممارسة الضغط والابتزاز على إدارات الأقسام الدراسية و عمادة الكليات لمنح ضعاف التحصيل ما لا يستحقوه أو إضعاف المتفوقين دراسيا والعبث بدرجاتهم بدوافع الانتقام والثأر بواجهات مختلفة, سياسية ومذهبية وطائفية وغيرها.

ـ عدم السماح وعرقلة جهود المنظمات الدولية كالأمم المتحدة وأجهزتها المعنية بشؤون التعليم العالي على الإشراف والتأكد من ظروف عمل هذه المؤسسات بما يستجيب لشروط الجودة العالمية لهذه المؤسسات وحماية خريجها من عدم الاعتراف بالشهادة, وكذلك عرقلة جهود اللجنة الدولية للتضامن مع أساتذة الجامعات.

ـ في ظروف العراق الحالية والذي توقفت فيه التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الشاملة, تضعف فيه كنتيجة منطقية قدرة ودور الجامعات والمؤسسات البحثية في المجتمع وبالتالي تضعف روابط التعليم العالي ودوره الأساسي في التخطيط والاستجابة لظروف التنمية البشرية الشاملة وحاجتها الفعلية لمختلف القيادات والكوادر في مختلف التخصصات العلمية والأدبية والمهنية والتقنية وغيرها.

ـ ضعف الإنفاق على التعليم العالي والبحث العلمي باعتباره دعامة أساسية لإعادة بناء بنيته التحتية وإقامة المشاريع البحثية والتعليمية المتقدمة, وبالتالي فأن أي نوايا للإصلاح دون توفير الأموال اللازمة هي نوايا باطلة وقد تعكس بنفس الوقت رؤى متخلفة للقيادات التربوية والتي ترى أن ما يصرف على التعليم هو من باب الاستهلاك الغير ضروري وليست الاستثمار طويل الأمد.

ـ ضعف وتدهور البحث العلمي وأصالته ومكانته في حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية, وضعف استقلالية الأستاذ الباحث الذي يتعرض إلى ضغوطات مختلفة لتوجيهه الوجهة التي يرغب فيها هذا الكيان السياسي أو ذاك, وأن اغلب ما يجري من أبحاث يعتمد على نظريات ومفاهيم مهجورة أو أنها تقادمت في ظل عصر تتغير فيه المعلومة يوميا, أو أنها هجنت بطريقة عجيبة نتيجة للقيود والضغوطات الرقابية والحزبية والطائفية.

ـ غياب إستراتيجية واضحة للبحث العلمي في ضوء احتياجات المجتمع المحلي لها, حيث أن المبادرة الفردية للباحث والأستاذ تلعب دورا كبيرا في تقرير ذلك, ومعظمها يجري لأغراض الترقية العلمية أو لأغراض المتعة العقلية الخالصة للبحث, ويجري ذلك في ظل انعدام صناديق متخصصة لدعم وتمويل البحوث, وضعف القاعدة المعلوماتية, وعدم وجود مراكز أو هيئات للتنسيق بين المؤسسات البحثية, وضعف الحرية الأكاديمية كتلك التي يتمتع بها الباحث في بلدان العالم الديمقراطي, وعدم تفهم أو انعدام دور القطاع الخاص ومشاركته في الأنشطة العلمية حيث لا يزال قطاعا متخلفا يركز على الربحية السريعة والسهلة ولا يعي حقيقة وأهمية البحث العلمي في تطويره.

بين أزمة التعليم العالي العامة في داخل مؤسساته وبين استعصاء ايجاد حلول لمخرجاته يعاد انتاج ابقاء الاوضاع كما هي دون جدوى أو مبادرة حكومية مسؤولة تفضي الى معالجة الأزمة البنيوية للتعليم العالي, أسوة بمختلف القطاعات الاجتماعية, ومن هنا سيعاد انتاج نفس الأزمات دون حلول تذكر, مالم ينهض المجتمع والدولة في اعادة بناء البنية التحتية المجتمعية في كل القطاعات, وسيصحبها الاستفادة الكاملة من كل الطاقات العلمية والمهنية.

اما ما يعنينا من داخل التعليم العالي فأن الحرية في المجتمع الأكاديمي وتوسيع دائرة الصلاحيات للإدارات الجامعية وعدم اقحامها بالصراعات الأثنو طائفية السياسية, وفصلها وعزلها عن المؤسسات الدينية, سببا مهما في نمو الفاعلية ورفع مستوى الأداء، فالاستقلال النسبي ماديا وإداريا وفكريا وسياسيا سيدفعها إلى البحث عن التميز والشعور بالمسؤولية تجاه جودة المخرجات، لأن الجامعات في هذه الحالة ستعمل على طريقة تحقق فيها متطلبات التنمية لتدخل ضمن مجال تنافسي علمي تحكمه المستجدات العلمية والتقنية المعلوماتية وإبراز الأفكار المبدعة، فسترفع من هذه القيمة باستقطاب المفكرين وتبني الآراء التي تسهم في وصولها إلى مكانة أفضل نسبة إلى غيرها، وهذه الأهداف ستتجاوز ما نخشاه من سيطرة النزعة المناطقية والنفعية والطائفية والأثنية التي تسيطر على الإدارات وعلى السياسات العامة، ويأتي هذا كله مع ضرورة إيجاد نظام يحمي مكتسبات الجامعات من أي تدخل خارجي، والنتيجة تؤدي إلى خلق بيئة ملائمة لنمو المعرفة والإبداع, وبهذا ستكون مؤسسات التعليم العالي بيئة صالحة لجذب افضل الكوادر العلمية، وتقلص بدورها من هجرة الكادر وتسربه من الجامعات الى خارج العراق أو داخله.

قد يبدو الحديث اعلاه مجرد طموحات مجردة لأعادة هيبة ومكانة التعليم العالي وبالتالي مكانة وهيبة الخريجين منه, وبدون شك انها مهمة صعبة في ظل نظام المحاصصة الطائفي والأثني الذي خرب مؤسسات الدولة والمجتمع  وعبث في استقرارها وتطورها وعرقل استجابتها لحاجة العصر والمجتمع, وبالتالي فأن المدخل الواسع للحديث عن الأصلاح هو حديث متصل عن اصلاح بنية النظام السياسي برمته واعادة بناء السياسة التعليمية والتربوية ومن ضمنها سياسة الحاجة الى الكادر الجامعي والعالي من مختلف التخصصات وفي اطار خطط محكمة لبناء المستقبل.

 

د. عامر صالح

 

نايف عبوشانشغلت الساحة الثقافية والأدبية العربية، ومنذ أواخر القرن الماضي، بتوظيف مناهج البحث البنيوية، والتفكيكية، وما بعد البنيوية، ومن ثمّ التوليدية والتداولية، الغربية المنشأ، في دراسة وبحث الادب العربي وعلوم اللغة العربية. وقد امتزج هذا الإنشغال، بنظرة استعلاء، وإزدراء، بآداب اللغة العربية، وعلومها، يؤازره هوس ملحوظ، من بعض النخب، والدارسين العرب في الغرب، وانبهار بما ابدعته الحضارة الغربية من وسائل، وأدوات بحثية حديثة، فبدأوا يتخلون عن تبني طرائقيات بحث تراثهم التقليدية، ويلجأون إلى تبني المفاهيم، والمناهج الغربية الحداثوية، بذريعة مواكبة العصر، وبحجة ضرورة دراسة اللغة العربية، دراسة علمية حديثة.

 ولأن العلوم الإنسانية، مهما كانت درجة تجردها، وفي مقدمتها اللغة بالطبع، تظل أداة عاكسة لثقافة أهلها، ووسيلة لرواية تاريخهم، وموروثهم، فإن لها خصوصيتها، وملامحها الفريدة، التي يصعب معها، تطبيقها على بيئة ثقافية أخرى.

ومِن هنا؛ أدرك العرب الأوائل بفصاحتهم الفطرية، الهُوية المستقلة للنص العربي القرآني، في تركيبه اللغوي، واعتبروه وعاء مضامين، ومرادات الله تعالى، كما أرادها الله، فتعاملوا في تلقيه، وفهمه، في إطار سياقات لغة التنزيل العربية، بعيدا تماماً، عن أي تأويلات متعسفة، أو قراءات لاحقة، بمنهجيات غريبة عن لغتهم، فهو (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)، وذلك رغم مماحكة، وعدم إيمان البعض منهم بالإسلام.

واستنادًا لذلك، فإن القارئ باستخدامه اللسانية الأصلية للغة النص الأم، يمكنه أن يتعرف على ما يقوله النص ذاته، بمعنى أن على القارئ أن يعمل على التعاطي مع النص من داخل النص، وهذا يعني أن اقتدار لغة القارئ، واحاطته بعلومها، واساليبها، في فهمه لمرادات، ودلالات، بنية النص بدقة، هي التي تحدد ما يتجلى لقارئها من معانٍ، ودلالات متصلة بالنص عضويا، وبالتالي فلا علاقة لها، بمتبنيات تصورات القارئ الذاتية، التي تستولدها، الأساليب المنهجية الغربية، بعيداً عن تحيزات لغة النص .

ولهذا؛ فإن الانسياق وراء ثقافة مناهج التفكيك الغربية المعاصرة، والتهافت على توظيفها في قراءة النص العربي، بعيداً عن المقاييس المعيارية الأصلية في اللغة العربية، للفهم اللغوي العربي الفصيح، هي التي أفسدت على الدارسين ذائقة التأمل، وحجمت فيهم قدرة التمكن من الفهم الصحيح، والمبدع، للنص العربي، كما ينبغي، ورسخت في نفس الوقت التبعية الثقافية، والانبهار بتلك المناهج، بما هي تفكيكية، وفوضرية، وعدمية، وهدامة .

لذلك فإنه من غير الموضوعي، أن يتم تناول النص العربي، وتفكيكه دلاليا، بمقتضى تحيزات منهجية أجنبية، هي خارج معايير، وأدوات اللغة الأم، بذريعة أن النص اللغوي، يخضع للتأويل المفتوح، والتفكيك، مع الزمن، وبحجة استمرارية حركة المعنى، ليواكب حركة التغير في الحياة، والتماشي مع تطورات العصر، مع كل ما لذلك التبرير من أهمية .

وإذا كانت الاستعانة بمعايير العلوم المعاصرة، ولاسيما الصرفة منها، تزيد من إمكان تعمق الدارسين بدلالات النص، طالما أن النص في تعامله مع ظواهر الحياة، يشحذ همة العقل الإنساني للتفاعل، والاستدلال، وإذا ما جاز للعصرنة، ان تفرض علينا التناغم مع معاييرها الفنية، في استخدام معطياتها الحديثة، في قيادة وركوب الطائرات، والمركبات الفضائية، على سبيل المثال، فإنه ليس من حقها ان تفرض علينا معايير ركوب الإبل، ولا ان تحدد معايير النطق، واساليب اللفظ، وتأويل مدلولاتها، وذلك لأن أساليب ركوب الإبل، على بدائيتها، هي أحد آليات مكونات تراثنا، وأن اللسانية العربية الفصحى القح، بكل أساليبها المعروفة، هي الهوية الأم، ومن ثم فإن أهل مكة، وفقاً لذلك، هم أدرى من غيرهم، بشعابها.

 

نايف عبوش

 

محمد بغداديكيف نقرأ الزيادة المضطردة في عالم الأرقام والتكنولوجيا؟ كيف يتقدم العالم باستخدام عالم الأرقام والتقدم التقني؟ وهل أصبحت التكنولوجيا سلاح ذو حدين؟ إلى أي مدى تتعامل الدول النامية مع قضية الثورة المعولماتية؟ وما العواقب إذا لم يتم كبح جماح التكنوولجيا؟ كيف يتم قراءة المشهد العربي في ظل التوترات الأخيرة في المنطقة؟ وما مدى مُلابسات القضية في إطار عالم التكنولوجيا والتقدم التقني والرقمي؟ كيف يمكن للأنظمة الحاكمة حماية حدودها في خضم عالم يموج بالمتغيرات المختلفة فضلاً عن الانترنت وثورة المعلومات وعالم التحول الرقمي؟.

تكهنات واستفسارات وملاحظات وتساؤلات تدق ناقوس الخطر خاصة على الدول النامية التي تخطو خطوات السلحفاه في عالم التكنولوجيا على الرغم من خروج بعضاً منها لينافس كدول الخليج العربي، ففي الماضي كانت هناك أسلحة وقوات وطائرات واحتلال واستعمار ، أما الآن فالحروب تأتي في شكل أخر وبهيئة مختلفة دون إراقة دماء وسماع صيحات الآهات. فأصبح المستعمر لا يحتاج إلى عده وعتاد ونفقات بل يحتاج التواصل فقط على شبكات التواصل الاجتماعي المختلفة ليضرب بيد من حديد مستعمراته ودوله المحتله بكل سهوله ويسرعن طريق التكنولوجيا واستخداماتها المختلفة ليتقرب للشعوب ويفسد العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

ففي تقرير اليونسكو الأخير للعلوم عام2019 يكشف أن العديد من المنظمات والدول والثقافات أصبحت تدمج التكنولوجيا والعلوم في جدول أعمالها في سابقة هي الأولى من نوعها خاصة في الدول النامية؛ من أجل اقتصاد أقل اعتمادًا على المواد الخام بل أصبحت الدول في أمس الحاجه للمعلومات والمعرفة أشد من احتياجها لرغيف الخبز لقسوة المنافسات الدولية لإن التكنولوجيا فرضت نفسها داخل كل بيت ، داخل كل فكر، داخل كل لحظات الفراغ والشغل. حيث يصرح برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ويتحدث عن احتياج المنطقة الى توفير أكثر من 60 مليون فرصة عمل جديدة حتى تستوعب العدد الكبير من العاملين وتحقق الاستقرار لهذا الجيل الشاب داخل الدول النامية.

ويرى مؤسس موقع أصداء بشأن المستقبل المعلوماتي والرقمي في المنطقة العربية حيث يوضح أن دولتي أبوظبي والرياض سيكونان من أوائل الدول التي تقود التطور التقني و التكنولوجي فى تلك المنطقة، حيث أن هذه الحكومات تعلم تمام العلم أنها يجب أن توفر فرص عمل مناسبة لشبابها وأنها تستطيع أن تنافس في عالم التكنولوجيا.ففي الإمارات، هناك وزيراً للسعادة ووزيراً لوزارة وليده تسمى اللا مستحيل، بخلاف اختيارها وزيراً للذكاء الاصطناعي؛ وقد وضعت دبي على عاتقها بأن تكون الإدارة داخل وزاراتها ومجلس وزرائها بقيادة أدارة  الذكاء الإصطناعي كأول حاله على مستوى العالم.

وحول هذه القضية قامت جامعة نورث وسترن بعمل استبيان إقليمي يستطلع وسائل الأعلام المختلفة كوضع رقابة لمنع الموضوعات المحظورة والخصوصية التقنيه وحرية التعبير مع الحفاظ على الوضع الثقافي والحضاري للبلاد.

وهناك ما يقارب من نصف الشباب العربي يستخدمون الأنترنت فى عمليات مختلفه للتسوق وخلافه بدرجات متفاوته حتى عندما تكون هناك اختلافات سياسية في دول مثل مجلس التعاون الخليجي ترى شعوب تلك الدول أن ما يجمعهم هو عالم التكنولوجيا، وعلى الرغم من ذلك إلا أنه لا يزال هناك أكثر من 50 % منهم لم يستخدموا الإنترنت وهو رقم ليس بقليل يجب إدراكه جيداً ومن ثم حل تلك المشكلة. كما أعادت ثورات الربيع العربي هيكلة شكل الحياة السياسية، وأعقبها تغيُّرات ملموسة جيوسياسية ، فلم يمتد أثرها إلى دوائر صنع القرار؛ بل كانت لها تداعياتها على حركة العلم والمعرفة، فلقد خصصت مصر ما يقارب 1% من إجمالي الناتج المحلي للدراسة والتطوير، أما تونس فقد أعطتها الثورة المزيد من الحرية الأكاديمية.

كما أن الاختراعات الرقمية  والتحول الرقمي أحدث تحولات ليست بالقليله في جميع القطاعات الاقتصادية عن طريق استخدام نماذج حديثة ومتطوره، وخدمات جديدة وطرق جديدة لخلق فرص عمل مناسبة‏‏. كما بدأت نتائج هذا التحول  الرقمي في الظهور حيث تبلغ قيمة الاقتصاد الرقمي العالمي حالياً 11.5 تريليون دولار، أو 15.5% من إجمالي الناتج المحلي العالمي. ويتوقع أن يصل هذا الرقم إلى 25% خلال فترة زمنية وجيزة.

كما أن للتقدم التقني أثر كبير على أسلوب عمل الحكومات المختلفة وطريقة تقديم الخدمة للمواطنين، حيث تفتح الطريق لزيادة الشفافية والمساءلة وفعالية تقديم الخدمات المختلفة مع الحفاظ على رضاء المستهلكين. وهذه الموجة التفاعلية من الاختراعات الرقمية قادرة على حل أي مشكلات تكون حائله بين الناس والتحديات، وخصوصاً الفئات الأكثر احتياجاً والأكثر فقراً. فمن خلال المنصات الرقمية المعروفة، أصبح بإمكان الأشخاص أينما كانوا من الوصول إلى قدر ليس له مثيل من المعلومات، والعمل بوظائف مناسبة عبر شبكات الإنترنت، والتقدم لدورات إلكترونية. كما توفر الخدمات المصرفيه المقدمة عبر الجوال بديلاً ميسراً وآمناً للنظام المالي التقليدي، مما أعطى فرصه كبرى لتعميم الخدمات المصرفيه على مستوى مختلف الدول والثقافات. كما أتاحت أنظمة تحديد الهوية الرقمية للفقراء إثبات هويتهم، والحصول على حقوقهم، والاستفادة من الخدمات الضرورية كالتعليم وغيره.

فلقد أصبح التحول نحو الاقتصاد المعرفي أو التكنولوجي أو الرقمي أصبح مسارًا إجباريًّا لا يقبل فيه الاختيار في ظل متغيرات دولية واقليمية مستمرة، وذلك لما تقوم به الرقمنة من عمليات شديدة التعقيد في تخطيط وتنظيم الاقتصاد العالمي، ودفع التوجه العام نحو إنجاز كل المهام بأقل مجهود وفي وقت قياسي.

 

بقلم: محمد بغدادي

باحث دكتوراه

 

حسن العاصيمأزق العقل العربي وأزمته، وإشكاليات التراث العميقة مع الفكر العربي، كانا العنوانان الأهم والابرز خلال القرن العشرين، من خلال حوار الفكر ونفسه، وعبر التجاذب والتنافر بين عدة تيارات فكرية تأطرت في اتجاهين رئيسيين، هما السلفية والأصالة في مواجهة المعاصرة والحداثة، والتراث والشيخوخة بمواجهة التجديد والتنوير، ودعاة التعدد والمشاركة والتسامح في وجه الأفكار والسياسات التي تدعو للكراهية والمركزية والإقصاء. تم تلخيص محنة العقل العربي بثنائيات أسست لحالة جدل وسجال لم تنتهي بعد، ودفعت رواد ومفكري ومثقفي هذه التيارات إلى ميدان معركة تسببت-ولا زالت- بشقاء الأمة.

بالرغم من كافة مظاهر الحداثة في العالم العربي، إلا أنها تخفي انحداراً وسقوطاً فكرياً وثقافياً واقتصادياً مرعباً. لأن التقنيات التي يستخدمها المواطن العربي، هي أداه وظيفية منفصلة تماماً عن عقل المستخدم، لذلك هذا التفاعل لم يؤسس لتقدم حقيقي ولا لإبداع ذاتي، وتحول الوطن العربي إلى أقوام مستهلكة لإنتاج الآخر. السؤال الكبير الذي ينبثق هنا والذي طالما نردده، لماذا تقدم الآخرون وتخلف العرب؟

ما زال الفكر العربي الحديث غارق في مستنقع أزمته، بالرغم من المحاولات الجادة البحثية والنقدية والتأصيلية التي قام بها عدد من المفكرين العرب، لعل أبرزهم من وجهة نظري المشروع التحديثي النقدي الذي قاده المفكر المغربي "محمد عابد الجابري"، الذي حاول إعادة الاعتبار والمكانة للعقل العربي بعد أن هيمنت عليه الأيديولوجيات في القرن العشرين.

أزمة العقل النقدي العربي

إن التخلف والتصلب والتثاقل في البنى الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والسياسية في العالم العربي، واللبس والاختلاط الواقع في العديد من المفاهيم أبرزها قضايا بناء الدولة والحريات العامة ومفاهيم المواطنة والديمقراطية والمشاركة في الحكم والتعددية، إضافة إلى سيادة الأنظمة الأبوية والعشائرية بفكر بدائي، والنزعة الاستبدادية الجائرة والقمع والظلم، وغياب النقد وعدم وضوح الرؤى المستقبلية، وعدم وجود مشاريع جيو استراتيجية، وإشكالية الإصلاح والتغيير والتحديث والتنمية المستدامة، جميعها-إضافة إلى عوامل أخرى- أدت إلى فشل مشروع النهوض العربي، وشكلت سداً منيعاً أمام دخول العرب إلى عصر الحداثة والتقدم حتى لو من الأبواب الجانبية.

لا بد من تفكيك الموروث العربي والإسلامي ودراسته وتحليله ثم نقده، وبهذا فقط نستطيع إعادة قراءة هذا التراث بصورة نقدية مختلفة، لا بطريقة استعراضية، لفهم ومعرفة دور هذا الموروث ومكانته في العقل والفكر العربيين.

أستاذ الفلسفة والفكر العربي الإسلامي المفكر المغربي الدكتور "محمد عابد الجابري" قاد مشروع تحليل وتأويل وتفسير التراث الإسلامي لتبيان مقدرته المعرفية في توفير نوافذ الانفتاح على الآخر، وإعادة قراءة وتحديد مفاهيم التاريخ والأيديولوجيا والهوية والاختلاف، وذلك بواسطة الأدوات النقدية للمشروع الغربي، أي قيام المشروع الفكري المغربي المعاصر بقراءة ومقاربة ماضيه وحاضره عبر المذاهب النقدية الغربية.

المؤرخ والروائي المغربي المفكر الدكتور "عبد الله العروي" يعتبر أن المرجعية الفكرية الوحيدة للبلدان غير الغربية هي فقط الفترة الممتدة من عصر النهضة التي انبثقت بإيطاليا في القرن الرابع عشر إلى الثورة الصناعية في أواسط القرن الثامن عشر، ودعا العروي إلى التسليم للفكر في سياقه وصيرورته التاريخية، والإيمان بحقيقة الأحداث التاريخية وتسلسلها. وفصل العروي بين الأصالة والتراث وخصوصية المجتمعات، واعتبر أن الاصالة تتسم بالسكون والثبات، فإن الخصوصية متحركة ومتغيرة على الدوام.

لكن الجابري الذي يختلف مع رؤية العروي، انتقد هذا المفهوم وتعامل مع التراث بصورة تجعله قريباً وتحاور معه لإخراجه بإطار معاصر. وقام بتحديد ثلاث اتجاهات فكرية للمقاربة وهي قضايا الواقع الراهن على المستويات الفكرية والاجتماعية والسياسية، وثانياً التراث، وثالثاً الفكر العالمي المعاصر، ويعتبر الجابري هذه السياقات حقولاً معرفية. وأن جمود العقل في العصر الإسلامي كان نتيجة غياب العقلانية اليونانية التي تعتبر من وجهة نظره العنصر الثالث للعقل العربي، وهو أمر يتعارض مع المقاربة الدينية التي تنظر للعقل البشري على أنه عاجز عن إدراك علوم الغيب، وأن حصول الإنسان على معارف يتدبر بها شؤون الحياة لا تأتي إلا من مصدر وحيد هو الحقيقة العليا.

يميز الجابري في نظام "العرفان" بين الموقف الفردي والفكري الرافض للعالم والذي ينشد العلاقة مع الله، وبين العرفان كفلسفة للخليقة من المهد إلى اللحد. والعرفان كرؤية ميثولوجية رفدت البيان العربي بلا معقول عقلي أدى إلى أن يستقيل العقل العربي. وتساءل في تناول نقد العقل العربي عن إمكانية قيام نهضة بغير ناهض.

في القرنين الخامس والسادس الهجريين سعى عدد من المفكرين الإسلاميين العرفانيون مثل "ابن عربي" إلى تأسيس البيان العربي الإسلامي على العرفان، وبذلك مهدوا الطريق أمام تجميد العقل العربي، وصار المتصوف يهزم الفيلسوف. فيما فعل "ابن رشد" العكس في المغرب حيث بنى البيان على البرهان. وهذا ما نلمسه في الواقع الثقافي العربي الراهن، إذ لا وجود ولا أثر ومكانة للفلسفة، بينما ما زال التصوف الأكثر حضوراً. واقع يؤكد عقلانية ابن رشد وصوفية ابن سينا.

العقل العربي وسؤال الدين

معضلة العقل العربي في علاقته المربكة الملتبسة مع الدين والسياسة التي جثمت فوقه عبر قرون، وابتعاد هذا العقل عن النقد والتحليل والتفكيك، لا زالت أهم المعوقات لقيام مشروع إصلاحي نهضوي تحديثي يمتلك إمكانيات لدفع الأمة نحو التقدم والتطور.

اتسمت العلاقة ما بين العقل العربي والسلطة السياسية بالخشونة والنفور غالباً، لكن هذه القسوة من جانب السلطة السياسية في علاقتها الحذرة مع العقل العربي، لم تصل إلى درجة تعرقل الحركة الفكرية إلا بمقدار قيام الفكر بتوجيه النقد المباشر والواضح للأنظمة السياسية، أو حين -بصورة أقل- يتم توجيه النقد للمؤسسة الدينية بثوبها المتحالف مع السلطة السياسية الحاكمة.

في بداية القرن التاسع عشر بدأ احتكاك العقل العربي بصورة مباشرة مع الفكر والثقافة الغربيتين، لكن حذر الدولة العثمانية من الأفكار القادمة من أوروبا، ونتيجة الريبة التي كانت تبديها تجاه المثقفين العرب -على قلتهم- حيث كانت تجري محاولات تتريك الثقافة والفكر في الأقاليم التابعة للدولة العثمانية، كانا عاملان أعاقا أي تطور للفكر العربي. لكن في النصف الأول من القرن العشرين أمكن للعقل العربي أن يكون حركياً وأن يكون منتجاً، حيث نشطت حركة الترجمة، وتوسعت عمليات التأليف، وظهرت نخبة من المفكرين والمثقفين العرب، اشتغلت بموضوع الأدب والتراث والقومية العربية. ونجحت تجربة "عباس محمود العقاد" وغيره من الرواد في مصر بالبحث والتحليل العقلي وفي تنشيط وتحفيز الأدوات العقلية دون أن يفقد العقل مكانته أمام الدين، ودون أن تُمس قداسة الدين.

الفكر العربي المعاصر أدرك الشرط الموضوعي لعلاقته مع المؤسستين السياسية والدينية، وتمكن من قراءة واقع المرحلة، فكان نقده للخطاب الديني والسياسي متوازن وعقلاني دونما شطط، وهكذا تعايش العقل العربي مع المؤسستين بمناخ ليبرالي استمر لغاية نهاية اربعينيات القرن العشرين. إن العقل الأوروبي الذي أحدث النهضة تحلل من قيد الدين وهدم سلطة الكنيسة، بينما الفكر العربي في تلك المرحلة لم يكن مشككاً، وتعامل مع الفقه باحترام كونه جزء من التكوين الفكري العقلاني العربي.

بعد القرآن الكريم والحديث الشريف، تم اعتماد العقل في الاجتهاد الفقهي، من قبل المؤسسة الدينية التقليدية في فجر الإسلام قبل أن يتم تسييسها. إن العقل العربي حين أقبل على الفلسفة الإغريقية كانت غايته ردم الفجوة الفكرية بين الدين والعقل، وحين احتك بالفكر الأوروبي الحديث كان هدفه هو وصل الجسور بين الدين والعلوم الحديثة. وهكذا فإن مشروع "ابن رشد" الفلسفي كانت غايته إثبات عدم التعارض بين الشريعة والتفكير والتحليل والتأمل. ومشروع "ابن خلدون" كان هدفه تحليل وتفكيك البنية الاجتماعية ومقاربتها.

لكن حين شرع الغرب في بناء مشروعه، كان الاجتهاد الديني في الحالة العربية قد أغلق نوافذه على نفسه وانكفأ بعد خمسة قرون من تطور الحركة الفكرية والتقدم. لقد ظن فكر المؤسسة الدينية أن لا فكر جديد ولا اجتهاد جديد ولا استنباط جديد يمكن لها أن تُقدم عليه بعد اجتهاد السلف والأجداد. توقف الاجتهاد في العقل العربي رافقه تغيرات وتحولات سياسية واجتماعية، جعلت من المؤسسة الدينية التي تم تسييسها تضيق على العقل العربي وتحاصر الفكر وتمنع النقد.

تحالفت السلطتين الدينية والسياسية لقمع العقل العربي، الذي غالباً ما كان يتراجع وينعزل طلباً للسلامة مما أوصله لحالة التصلب والجمود الفكري. وهكذا بينما كان العقل الأوروبي يحقق تطوره ويحطم القيود التي تحول بينه وبين العلوم والمعارف، كان العقل العربي في حالة من الخمول والخوف والتردد، واكتفى بالنقل والنسخ والتقليد والتكرار للموروث ولفكر السف الصالح. كان الفكر العربي منشغلاً في إذكاء روح التنافس بين الفكر ونفسه، وكان العقل العربي غارقاً في شرح وتفسير وتحليل وتفكيك المفكّك والمفسر. أي كان العقل والفكر العربيين يعيدان إنتاج نفسهما دون تحقيق أي تطور ولا تقدم، دون أي تغيير ولا تبديل، دون أي نقد أو اجتهاد. أي كانا يراوحان مكانهما فأصيبا بالوهن والضعف والتصلب.

منذ منتصف القرن العشرين واجه العقل العربي قمع السلطة السياسية الوليدة، وعانى من استبداد الأنظمة العربية التي تحررت حديثاً بعد طي صفحة الاستعمار، حيث سعت هذه السلطات إلى السيطرة على العقل العربي وقولبته، وقامت بصياغة مفاهيم الفكر بعيداً عن شرط تطوره وهو شرط الحرية. لقد نصبت الأنظمة العربية نفسها وصية على العقل العربي وتحكمت بروافد تغذيته. ضيقت عليه وطوعته لإخضاعه وإخضاع الفكر والأفراد لإرادتها ورؤيتها. أحاطته بالأجهزة الأمنية التي تعد له عدد مرات الشهيق، وأرهقته بضنك الحياة والبحث عن لقمة العيش التي تضمن حياة شبه كريمة.

في الألفية الثالثة، عصر الثورة المعلوماتية والجيل الرابع من التقنيات الحديثة، تقوم في المشهد العربي تحالفات بين المؤسستين السياسية والدينية التقليدية ضد العقل العربي، وضد حريته وحقوقه في البحث والتحليل والنقد والمقاربات والإنتاج والإبداع والتواصل مع الآخر. حان الأوان لإزالة كافة القيود المفروضة على العقل والفكر، وعلى المفكرين والمثقفين، وتلك التي تعترض عملية الإنتاج الفكري والإبداع الثقافي، إن أردنا الاستيقاظ من غيبوبتنا التي طالت.

سؤال الحرية

لا يمكن تحليل العقل الإسلامي ونقده دون قراءة وتقييم شامل لكافة مكونات الموروث في الفكر الإسلامي منذ نشأته وتطوره إلى غاية دخول العقل العربي فترة الانحدار التي تواصلت حتى القرن التاسع عشر. لذلك فإن محاولة قراءة وتفكيك وتحليل بنية العقل العربي تحرّض على إثارة أسئلة إشكالية أبرزها سؤال الحرية الذي يُعتبر المكون الأهم في قيام أية نهضة وتقدم. في الحالة العربية ما زال سؤال الحرية معلقاً دون توفر أي من شروطه المرتبطة بالحرية الفكرية واستقلال العقل العربي وتطويره وتحديثه كي يصبح عقلاً نقدياً يواجه الاستبداد واللاعقلانية والايديولوجيات الثابتة.

بالرغم من أن الإسلام قد كرّم العقل ودعا إلى استخدام العقل في القرآن الكريم، إلا أن الفكر الإسلامي بأبعاده ومفاعيله اللاهوتية مكث فوق الوعي الاجتماعي قروناً عديدة أدت إلى تراجع وانحسار دور العقل، فانفصلت الثقافة العربية عن السؤال والنقد.

مع أن علم المنطق والفلسفة قد تطورا في منتصف القرن الثامن الميلادي، واستمر هذا التقدم لغاية القرن الحادي عشر، حيث تميزت تلك الفترة انتعاشاً للفكر العقلاني العربي الذي دخل في مواجهة العقل والفلسفة الاغريقية لأول مرة.

إلا أن الفلسفة بثوبها العربي خسرت رهانها ومعركتها التاريخية في مواجهة الجهل والاستبداد والأفكار الظلامية، فعلت أصوات التكفير بدلاً عن التفكير، وشاعت الأساطير والخزعبلات وانكمشت الحقائق. تم اغتيال حرية التفكير فتوقف كل شيء مكانه وتحجر، وأصيب العقل العربي بالضمور، ثم تراجع الفكر العربي فتراجعت الأمة كاملة. لأن الفلسفة في بنيتها ومكانتها ضد الخنوع والإذعان والأوهام.

إن الحرية باعتبارها أهم وأول شرط لتحقق الذات، هي أبرز مبادئ الديمقراطية بصيغتها المعاصرة، وهي أصل الصراع في أن حرية اختيار الأفراد لنظامهم السياسي والاجتماعي، في أن يكونوا أحراراً أو عبيداً. إن الوصاية على الدين وعلى الفكر الإسلامي لدى بعض المفكرين لضبط الحرية كما هو حاصل في الراهن العربي، هو أمر يتعارض مع استخدام العقل والفكر النقدي، ويعيق النهوض والتطور، إذ لم يكن الدين يوماً يتعارض مع سعي البشر نحو تحقيق الحقوق الوضعية التي تضمن حياة كريمة للناس وترفع عنها المظالم.

لقد فشلت جهود الرواد من عصر النهضة التي بذلت لتأسيس مشروع عربي على أسس حديثة بسبب غياب العقل النقدي. ولم تتمكن النهضة من تشكيل أدواتها العقلية الخاصة، ولا هي قامت بمقاربات موضوعية مبنية على فهم سليم لتجربة العقل الغربي الذي كان قد تجاوز تراثه وتحرر من قيوده. عانى مشروع النهضة من السلطة القمعية التي كانت بمثابة معول يهدم كل بناء في اتجاه حداثي تنويري، ولذلك فإن هذا الفشل إنما يعود إلى أسباب موضوعية أسهمت في تغييب العقل النقدي، لا إلى قصور في بنية الفكر العربي.

كان رواد النهضة ينادون بالحرية ويدعون إلى سلطة العقل، ولذلك ظل سؤال الحرية كسيحاً لأنه لم يتم تحقق شرط استقلالية العقل الذي بقي خاضعاً لسلطة الأيديولوجيا السلفية، وبهذا تم خلع الفاعلية النقدية عن العقل العربي. مع غياب النقد أضاع المشروع النهضوي أحد أهم أسلحته وأدواته التي تمكنه من تحليل ومقاربة الواقع بعلمية، وأن يوظف النقد الذاتي ونقد الآخر، وكذلك النقد الفكري في عملية تحديث وتطوير الوعي الجمعي. لكن الموروث المتخشب بفهمه والمؤطر غيبياً سيطر على العقل الاجتماعي وأنتج ثقافة صوفية تمددت على حساب انحسار حركة العقل، مما أدى إلى زوال هامش الحرية. لهذا تماماً فشل المشروع النهضوي لأنه عجز عن إحداث أي تقدم علمي يدفع للنهوض والتطور، كما أخفق في الانعتاق من السيطرة التامة للموروث الذي فرض سطوته ولا زال. إن كافة الأمم التي حققت الازدهار تمكنت من ذلك بفعل طي صفحة الماضي وتجاوز القيود التي تكبل العقل والفكر.

من تفلسف قد تمنطق

كما قال العالم الفقيه المحدث "ابن الصلاح الشهرزوري" ذات واقعة أن "من تفلسف قد تمنطق، ومن تمنطق فقد تزندق" وأعادها بعده شيخ الإسلام "ابن تيمية" في العصر العباسي حين نشطت حركة ترجمة كتب الفلسفة اليونانية. وأعتقد أن تاريخ الفلسفة وتأويل المصطلح المقترن بالمنطق والفهم الخاطئ قد تسببوا بالربط الذهني لدى البشر بين الفلسفة والكفر والعصيان وبين المنطق والإلحاد، وهو في الحقيقة موروث ثقافي لا صلة له بالمعرفة. ما وقع تاريخياً من جدال وإشكاليات إنما يعود بظني إلى الاختلاط واللبس بين الوحي والوعي والعلاقة بينهما في اتصالهما وانفصالهما. بلا شك أن الوحي قضية سماوية الهية، بينما الوعي شأن وضعي للإنسان فيه حرية الاختيار والقرار، أن ينفصل أو يتصل.

لقد وفدت الفلسفة اليونانية لبلاد العرب والإسلام في عصر خلفاء بني أمية في القرن الأول الهجري، لكنها لم تنتشر لأن السلف كانوا يتحفظون عليها. وسميت علوم الأوائل، أي الفلسفة والمنطق. وفي العصر العباسي نشطت حركة الترجمة وازدهرت، فتم نقل الفلسفة اليونانية للعربية ابتداء من عهد الخليفة المهدي حتى وصلت إلى قمتها في عصر الخليفة المأمون. واعتمد المسلمون الأوائل على فلسفة أرسطو وأفلاطون بصورة خاصة، ثم مزجوها بالعقائد الدينية فتشكل خليط فكري جديد.

من أهم أساب انتشار الفلسفة في تلك الحقبة من التاريخ الإسلامي كانت سعة الأفق الفكري لدى الخلفاء العباسيين الأوائل، وشيوع ثقافة التسامح الديني والانفتاح على غير المسلمين، وهذا أتاح قيام مناظرات حوارية فكرية صقلت وتطورت القدرات العقلية للمسلمين، مما شكل دافعاً مهماً في إسهامهم بالحركة العلمية والفكرية والثقافية التي وصلت ذروتها في ذاك العصر.

لكن هناك تيارات فكرية إسلامية دعت إلى الأخذ فقط بعلوم العرب وإسقاط أي علوم أخرى وما تشتمل عليه من علوم رياضية وطبيعية وفلك وموسيقى وغيرها. الإمام "أبو حامد الغزالي" اتخذ موقفاً وسطياً واعتبر أن ليس كل علوم الأوائل ضارة، فهناك الرياضة وعلم المنطق مثلاً وهما علمان لا يتعارضان مع فلسفة العقيدة الدينية.

كان "الغزالي" كفيلسوف يتمتع بالجرأة والذكاء في مواجهة التيارات الفكرية بعصره، وقام بنقد تطرف بعض الفرق بدافع إخلاصه للإسلام. وقد اتبع في فلسفته منهجاً عقلياً يعتمد الشك والحدس الذهني. ثم تحول من الفلسفة إلى التصوف لكنه لم يهمش العقل في تصوفه، وظل العقل عنده حجة على غلاة الصوفية، فهو يؤمن أنه لا يمكن أن ينكشف للصوفي ما لا يمكن للعقل إدراكه، فالعقل هو المعيار في صدق وحقائق المعارف، أما الغيبيات فلا بد من التسليم بها ولها.

مع ذلك فإن بعض الفرق الإسلامية لم تكن راضية عن دخول أي فكر أو علوم دخيلة على الإسلام، فالعلوم عندهم هي فقط العلوم المتوارثة عن النبي "محمد ﷺ" وباستثناء ذلك فهو ليس علماً، وإنما معرفة لا تستحق التحصيل، بل أنها قد تكون معرفة ضارة تدفع بحاملها إلى الاستهانة بالدين.

إن كان "الغزالي" حاول بعقلانية التصدي لإسراف بعض الفرق المتطرفة في الإسلام التي كانت ترفض مطلقاً الفلسفة اليونانية، حتى أنه لم يستخدم مصطلح منطق كعنوان لأي من مؤلفاته الكثيرة لعدم إثارة حفيظة هذه الفرق، إلا أن المحافظين اعتبروا دراسة الفلسفة ضرباً من الزندقة، وقيل في هذا الشأن أن من تمنطق فقد تزندق. وما زال الموقف الشائع عند أئمة الفقه أن منهج البراهين التي تعود إلى فلسفة "أرسطو" خطراً على الفكر الإسلامي والعقيدة. الفقيه "الشهرزوري" اعتبر أن الفلسفة "سفه وانحلال، ومادة حيرة وضلال، وتثير الزيغ والزندقة" واعتبر المنطق مدخلاً للفلسفة ومدخل الضلال ضلال.

انحسار الفكر الفلسفي

حين تم نقل الفلسفة اليونانية وعلم المنطق على اعتبارهما تمثلان النظرة العقلانية، استخدمتا كأداة في مواجهة التيار الفكري الإسلامي اللا عقلي الذي كان سائداً، ثم انشق العقلانيين على أنفسهم، فخرج منهم فقهاء هاجموا الفلسفة، وتركوا خلفهم المعتزلة وحدهم في الميدان الذين حافظوا على منهج العقل، وبعضهم تحولوا إلى أشاعرة الذين تركوا للإيمان الصرف قسطاً وللعقل قسطاً آخر.

الإشكالية تكمن في انحسار الفلسفة والتيار العقلاني في الفكر العربي الإسلامي وتحجيم دور العقل الذي دخل إلى منطقة مظلمة، وتبدلت الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وضاق العقل كثيراً بحيث أصبح ينظر لكل فكر فلسفي على أنه كفر، ثم انحاز العقل للطوائف والمذاهب منذ القرن الحادي عشر. بعد ذلك توقف التفكير العقلاني وتوقف النقد، وتوقف كل إنتاج فكري وفلسفي جديد، ولم يتجدد أي عنصر من مكونات الفكر العربي والإسلامي، واكتفى الفكر بالنقل الذي توسع واشتد وأصبح ذا سلطة واسعة مؤثرة في بنية الفكر العربي لقرون مديدة، حيث كان الفكر العربي يعيد إنتاج نفسه دون أي تطور وإبداع وتحديث.

يعتبر الدكتور "محمد أركون" صاحب مشروع تجديد الفكر العربي أن الصوفية هي تمرين فردي للتواصل بين المؤمن وخالقه، بصورة مستقلة عن الشعائر والفرائض والعبادات التي تؤديها الجماعة. ويرى أن سلطة العقل لا تعني مطلقاً تجاوز سلطة النص بقدر ماهي قراءة ومقاربة مختلفة في ضوء المعارف والعلوم الحديثة.

إن العلوم لم تكن منفصلة عن الفلسفة عند الإغريق ولا عند العرب في القرون الوسطى، حيث أكد الفيلسوف والطبيب "ابن سينا" على ارتباط الطب بالفلسفة في كتاب "الشفاء" مثلما اعتبر الكيميائي "جابر ابن حيان" الذي وضع الأسس العلمية للكيمياء الحديثة والمعاصرة، أن الكيمياء مرتبطة بالفلسفة. كما أن القرآن الكريم قد شجع وحث على العلم وتحصيل المعرفة. حتى أن المسلمين نمت لديهم مختلف العلوم وازدهرت لدرجة أن الغرب قد بدأ ينقل هذه العلوم عن العرب والمسلمين. لكن هذا الازدهار في الحركة المعرفية العلمية توقف لأسباب ترتبط بالتغيرات السياسية والاجتماعية التي حدثت بداية من القرن الثاني عشر ميلادي، ولا تعود إلى سلطة الضبط والهيمنة اللاهوتية.

وهكذا تراجع البحث العلمي ليخلو الميدان للخطاب التعبوي الأيديولوجي، الذي كلما اشتد وأصبح أقوى كلما تقلصت مكانة العقل والفكر العلمي النقدي في البنية العربية. هذا التراجع أضحى مرعباً في القرنين الأخيرين، حيث اعتمد العرب والمسلمون التصلب الأيديولوجي لمقاومة الحملات الصليبية، ثم ظهرت حركة سلفية إصلاحية في القرن التاسع عشر لكنها فشلت، لأن القطيعة مع العقل العلمي كانت قد ترسخت في الفكر العربي، ثم ظهرت الأيديولوجية القومية في القرن العشرين التي أعاقت في نضالها التحرري كل محاولة لدراسة العلوم التي ظلت ولا زالت الأقل تحليلاً من كافة جوانب التراث الإسلامي.

معركة شقاء

وهكذا استمر العقل العربي مشتتاً بين التراث والحداثة، وفي كل مرة يتم فيها محاولة إعادة قراءة التراث وفق العقل الاستبدادي يتواصل إعادة إنتاج التخلف. ورغم أن العقل العربي قد صدم بالحداثة عبر احتكاكه مع العقل الغربي في القرن التاسع عشر، إلا أن تحديث الفكر العربي ظل حبيس أطر ومفاهيم أيديولوجية، ولم يتجدد بذاته كممارسة نظرية عقلانية، لأن المثقفين العرب الذين رفعوا لواء النهضة لم ينعتقوا من قيد الأيديولوجيا، ولم يتمكنوا من صياغة فكر نقدي لهويتنا ولعلاقتنا مع الآخر. ومكث العقل العربي في صندوق الأنثروبولوجيا مما شكل حائلاً دونه والتجديد والإبداع.

بعض رواد مشروع النهضة العربية وظفوا الدين لصالح السلطة السياسة، والبعض جعل السياسة في خدمة الدين، لذلك فشل هذا المنهج في تحقيق أي إصلاح في البنية الفكرية العربية. وكانت الفلسفة مادية برهانية تقوم على الحجة والأدلة في المغرب العربي، فيما كانت الفلسفة في المشرق مثالية لاهوتية تقوم على التأمل.

نظريات ومذاهب وأفكار وفدت على المنطقة العربية من كل صوب وحدب، عبر روافد متعددة ومتنوعة ومتشابكة، دون أي تأصيل ومن غير تهيئة البيئة العربية لهذه النظريات، ولا الاشتغال على الفكر وتعديله ليكون متوافقاً مع الحالة العربية. مثل النظرية الماركسية التي نقلها اليساريون العرب، فكانت محنة العقل اليساري العربي حالة من الفصام الفكري، حيث تجد يساريين وأحزاباً يسارية لكن من دون فكر ماركسي.

العقل العربي تجاذبته المفاهيم والنظريات والأفكار المعاصرة منها والموروثة، وعانى من السلطة الدينية المتشددة، ومن الاستبداد السياسي، ومورس عليه التهميش والتضييق والإلغاء والقولبة والقهر والاعتقال بل والقتل. تمت مصادرة حقوقه في التفكير الحر المستقل وفي التحليل والنقد والإنتاج دون قيد.

إننا نحتاج عقل جديد ورؤية أخرى وقراءة هادئة ومقاربة مختلفة لتاريخنا العربي والإسلامي ولتراثنا الثري. العقل العربي يحتاج أدوات مغايرة للبحث والتحليل والدراسة. إن العقل العربي ليس عقلاً قاصراً ولا فاشلاً ولا عاجزاً بل يحتاج إلى معلمين وملهمين ونماذج متميزة عما هو سائد. ولا يحتاج العقل العربي إلى مزيد من الكراهية والطائفية والمذهبية والعرقية التي فتكت به.

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

.......................

مراجع:

- محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت ط1، 1988.

-عبد الرحمن بدوي، التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية، دراسات لكبار المستشرقين، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة ط1، 1940.

- محمد أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ترجمة هاشم صالح، بيروت، مركز الانماء القومي، ط1، 1986.

-عبد الإله بلقزيز، التفكير في التكفير. نحو استراتيجيّة مواجهةٍ ثقافية، مجلة المستقبل العربي العدد 433 في آذار/ مارس 2015.

 

 

لا يوجد مصطلح "المحكمة" بالاكدية ولا بالسومرية بالمعنى المتعارف عليه في الوقت الحاضر، ولم يتم تعيين هيئات متخصصة لتقوم بعمل السلطة القضائية او تنظيم المرافعات والاجراءات القانونية. وهذا يعني انه لا توجد جلسات دائمية ومنتظمة للقضاء وانما هناك اجتماع للقضاة والحرفيين الذين يشكلون سلطة قضائية مؤقتة لحسم الكثير من الامور . وتذكر بعض الالواح وجود محل خاص بمحاضر الجلسات ويضم هذا المجلس ممثلين عن المواطنين من القدماء والكبار والحكماء المؤهلين لحسم القضايا المدنية والجنائية وكذلك السياسية والادارية . وهنا لا يمكننا القول ان ذلك يشكل محكمة بالمعنى الدقيق للمصطلح وانما هيئة مشكّلة من قبل السلطة المحلية وتمتلك اختصاصات قانونية . وتعقد هذه المحاكم جلساتها في اماكن مختلفة لانه لم يرد أي ذكر لذلك في الشرق الادنى القديم وتوضح هذه الخاصية وبكل بساطة غياب الفصل بين السلطات من الناحيتين النظرية والعملية. فالقضاء كان متنقلا في الفترة البابلية القديمة وكذلك في ماري حيث يتدخل الملك بالامور القضائية عندما يقيم في مدينة ما فترة ما يمارس فيها القضاء . ولكن في الالفية الاولى ق. م. استقرت الهيئة في العاصمة حيث اصبح تنقل الملك امراً صعباً، وفي هذه الحالة كان القضاة الملكيون هم الذين يضطلعون بمهام المحاكم والقضاء وكانوا يمارسون القضاء بناءً على طلب المحكمة ويؤدون وظيفتهم باسم الملك وليست لدينا معلومات كافية حول الكيفية التي يتم فيها استدعاء السلطات القضائية المحلية او الملكية. ونجد في بعض الدعاوى ان السلطات القضائية تعقد جلساتها بناء على طلب المشتكين بينما في حالات اخرى تعقد جلساتها بناء على طلب من السلطة المركزية .

كانت السلطات القضائية ذات طابع دنيوي ولا يبدو وجود محاكم دينية بالمعنى الدقيق للمصطلح، اما ذكر المعبد او ادارة المعبد في المحاضر في بلاد الرافدين فانه يعني اما من المتطلبات الاجرائية او انه تنسيق مع رجال الدين لدراسة احد الملفات التي لها مساس بالمؤسسة الدينية . وهكذا كانت الحالة في العهد البابلي القديم حيث عندما تكون هناك خصومة او جناية يتم ارتكابها وتلحق الضرر بالمعبد او بأحد الافراد الذين كرسوا انفسهم للمعبد يجري التحقيق في هذه الحالة بجلسة مشتركة تضم شخصيات دينية واخرى دنيوية للموظفين او العامة .

ومن ناحية اخرى تختلف المؤسسات المكلفة بتقديم الملف عن السلطات التي ينبغي عليها اتخاذ قرار الحكم . ويتم التحقيق على المستوى المحلي وذلك من قبل هيئات متساوية التمثيل لمستويات محددة من الموظفين والاداريين ومن النبلاء . ويتم رفع القضية الى السلطات العليا او الى الملك . ولا تشير النصوص الى وجود تشكيل هرمي للجهاز القضائي اذ تخضع جميع المرافعات ولو بصورة نظرية الى رقابة السلطة السياسية العليا . ولا يبدو وجود قاضي واحد فقط في بلاد الرافدين ما عدا الملك . اذ ان السلطات القضائية جماعية ويكون عددها فرديا ولا نعرف بالضبط فيما اذا يشارك جميع الاعضاء وبصورة متساوية لبلورة قرار الحكم ام لا.

المعاونون القضائيون:

هناك صيغة معينة في الادعاء العام ، اذ يمارس المدعي العام وظيفته وتتضمن مسؤوليته مجموعة من العمل الاداري ويذكر ان هذه الوظيفة تم استحداثها في العصر البابلي القديم ، كما عرف القانون الاشوري في عصره الحديث المدعي العام بانه مكلف بالقيام بمتابعة التجاوزات التي ترتكب ضد التاج .

اما بخصوص المحامين فقد تم توثيقهم في النصوص المسمارية، وهناك ما يثبت وجود مهنة وكيل الدعاوى  (Rabisum)، التي على ما يبدو كانت موجودة في العصر الاشوري القديم ، ويتم تكليف هذا الشخص باجراءات المرافعة باسم صاحب القضية، ويتم تعيينه من قبل السلطات العامة او ان يتم تجنيده من قبل احد الافراد الذي يقوم بتثبيت المبلغ الواجب دفعه كاجور له. ويقع على وكيل الدعاوى عقد نتيجة واذا ما خسر المرافعة عليه ان يعيد المبلغ الذي تسلمه. وفي عصر المملكة الاكدية كان بامكان أي فرد من الافراد الذين يمتازون بأهلية ان يقوم باجراءات المرافعات لحساب طرف يقيم خارج المنطقة التي تتواجد فيها السلطة القضائية المختصة. وعلى العموم يبدو ان القوانين في بلاد الرافدين تطبق مبادئ يمكن بموجبها تمثيل طرف ما امام العدالة.

 

الدكتورة هبة حازم النعيمي

كلية الآثار  - جامعة الموصل

 

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا في مقالنا الثالث عن التجارب الحاسمة ودورها في تطور النظريات العلمية، حيث نتحدث عن موقف كارل بوبر من التجارب الحاسمة، وفي نقول: يعد كارل بوبر واحداً من أهم فلاسفة العلم المعاصرين . فقد أثرت مؤلفاته علي غالبية الدارسين لفلسفة وما زالت تؤثر عليهم حتي اليوم. ومن المعروف أن بوبر كان من أوائل الفلاسفة الذين انتقدوا حركة التجريبية المنطقية منذ بدايتها، واتسمت انتقاداته بالقوة والتأثير إلي درجة أنها مهدت في نهاية الأمر إلي ثورة شاملة علي التجريبية المنطقية، ولم يكتف بوبر منفذ هذه الحركة، بل قدم نظرية جديدة عن العلم تتفادي الصعوبات التي واجهتها . ولذا شكلت نظريته المنافس الرئيسي لحركة التجريبية المنطقية، كما أنها المدرسة – إن جاز هذا التعبير – التي تخرج منها معظم فلاسفة العلم المعاصرين  .

إن مفهوم بوبر للتجارب الحاسمة يقوم علي أساس مبدأ التكذيب، وليس مبدأ التحقيق والتأييد؛ بمعني أنه إذا كان دور التجربة أو الخبرة عند التجريبين المناطقة قائم علي فكرة أن العلم يبدأ بمشاهدات أو ملاحظات ويشتق عنها قوانينه ونظرياته بطريقة استقرائية، وأن دورها بالإضافة إلي ذلك – يؤيد القوانين والنظريات، فإن بوبر يري أن منهج العلم عكس ذلك فهو قائم علي التخمينات والمحاولات المتكررة بوصفها صيغة لـ " منهج المحاولة واستبعاد الخطأ " Method of Trial and Error. ومن ثم فإن نمو المعرفة يتقدم ابتداء من حذف الخطأ Elimination of Error ، ويمكن الإشارة إلي هذه العملية بصيغة بوبر الآتية:

P1--------TT-------EE--------P2

حيث نبدأ بمشكلة ما، ونصيغ حلاً مؤقتاً، أو نظرية مؤقتة، ثم نعرضها بعد ذلك لكل الاختبارات الشاقة الممكنة في إطار عملية حذف الخطأ الذي يقودنا لصياغة مشكلات جديدة، وهذه المشكلات تنشأ من نشاطنا الخاص المبدع، يقول بوبر:" يستند التقدم في العلم أو في الكشف العلمي إلي الاستخدام الثوري لعملية المحاولة النقدية وحذف الخطأ التي تتضمن بدورها البحث عن اختبارات تجريبية عديدة أو محاولات ممكنة لضعف النظريات العلمية أو تفنيدها " .

والموقف الذي اتخذه بوبر هنا من العلم قائم علي أن هناك سمة أساسية في ضوئها تميز بين ما هو علمي وما هو غير علمي هذه السمة هي " القابلية للتكذيب Falsifiability "، حيث أن ما يشغل خيالنا بل ويشده فيما يري بوبر هو تفنيد نظريته المبكرة عندئذ يكتسب العلم دلالته وخصوصاً عندما يكون واحداً من المغامرات الفكرية التي يسعي إلي ممارستها الانسان . وبوبر هنا يري أن مبدأ القابلية للتكذيب يقرر ما إذا كانت النظرية تعطينا محتوي اخبارياً أم لا،  وذلك في ضوء حجج تجريبيه وملاحظات .... فمهمة العلماء هي أن يحكموا النظريات في ضوء اختبارات قاسية .

إذا ما تم لنا اختبار النظريات، فإننا نقبل النظرية الأكثر قابلية للتكذيب، والأكثر قابلية للاختبار، والأكثر في المحتوي (سواء المحتوي التجريبي أو المحتوي المنطقي). وعندما نتعرض للعلاقة بين القابلية للتكذيب وبين المحتوي المعرفي للقوانين والنظريات، نجدها علاقة وطيدة، إذ أن المستهدف من وراء ذلك هو محاولة تكذيب أو تفنيد المحتوي المعرفي لأي قانون أو نظرية . والواقع أن سبب هذه العلاقة القوية بينهما هو أن التحليل الدقيق لنظرية القابلية للتكذيب يظهر لنا أنه من الضروري أن نبحث عن النظريات الأكثر في محتواها المعرفي، النظريات الجسورة أو الجريئة متذكرين دائماً أن النظرية الأفضل هي التي تخبرنا أكثر، أو ذات محتوي معرفي أكثر، وهي بالتالي الأكثر قابلية للتكذيب. في ضوء هذه العلاقة، يمكننا تفضيل نظرية أينشتين – مثلاً عن نظرية نيوتن، والسبب هو أن دلالة النظرية الأولي – النسبية – فيما يري بوبر دائماً ما تظهر في اعتمادها علي السياقات الأكثر شمولاً.

والمحتوي المعرفي يتضمن الحديث عن المحتوي التجريبي Empirical Content والمحتوى المنطقى Logical Content  . والمحتوى التجريبى يعول على أن النظرية التى تخبرنا بالكثير عن الوقائع المشاهدة هى التى تمنع الكثير أيضاً من الوقائع وتحرم حدوثها، بحيث اذا صدقت من هذه الوقائع المحرمة والمناهضة للنظرية تم تكذيب النظرية على الفور، ولا يعنى ذلك أن "بوبر" يطالبنا بأن نتفرغ لتكذيب كل النظريات العلمية القائمة وإنما يطالبنا بالبحث الدؤوب عن الأمثلة السالبة للنظرية القائمة . ونجد عند " كارناب " قضايا من نفس النوع وإن اختلفت مشاربه عن "بوبر"، حيث يذكر، " كارناب " أن القوة الحقيقية للقضية تتمثل فى استبعادها بعض الحالات الممكنة . ويؤكد " بوبر " قائلاَ: إن ما يشير اليه "كارناب "، بالحالات الممكنة يعنى طبقاً لتصوره عن العلم نظريات أو فروض ذات درجة عالية أو ذات درجة منخفضة من العمومية .

وإذا كان المحتوى التجريبي هو فئة المكذبات المحتملة التى تجعل النظرية قابلة للتكذيب، فإن محتواها المنطقي هو فئة النتائج التى يمكن أن تستنتج من القضية العلمية سواء كانت قانوناً أو نظرية فى ضوء ذلك، فإن ما يميز هذه النظرية عن تلك أو هذا القانون عن ذاك إنما هو القابلية للاشتقاق، بحيث نتأكد أنه كلما أمكن اشتقاق أكبر عدد من القضايا منها كانت أكثر قابلية للتكذيب، وكانت بالتالي النظرية علمية أكثر من غيرها .

والسؤال الآن ماذا نفعل إذا وجدنا أنفسنا بمواجهة أكثر من نظرية تتوافر فيها شروط القابلية للتكذيب، القابلية للاختبار والمحتوى المعرفى؟ كيف نفاضل بين النظريات ونختار؟

يذهب بوبر إلى أننا نختار من بين النظريات المتكافئة أو المتنافسة، تلك التى تقدم حلولاً عدة لمشكلة واحدة، نختار أكثرها قابلية للتعزيز، ويتسنى لنا هذا باختبار النظرية فى المواضع التى تتعارض فيها مع بقية النظريات المتنافسة، ونسترسل فى إجراء الاختبارات بين هذه النظريات حتى نضع أيدينا على أكثرها موجبة في التعزيز Corroboration.

ودرجات التعزيز عند بوبر هي تقرير موجز لبيان حالة البحث النقدي لنظرية ما في زمن معين، في ضوء طريقة النظرية في حل المشكلات، ودرجة قابليتها للاختيار، وصرامة الاختبارات التي تمر بها النظرية وطريقتها في مواجهة تلك الاختبارات .

لكن التعزيز هو فقط بالنسبة للقضايا المختبرة، هي مرة أخري، اختبارية، وموضع بحث دائماً وما أن تنتهي عملية اختبار القوانين أو النظريات إلا ونجد نتيجتين مختلفتين . هاتان النتيجتان من المحتمل وقوعهما، لكن ليس معاً وهما أن تكون النظرية كاذبة أو معززة . فالأولي تحدث عندما تناقض التنبؤات المستنبطة مع الواقع التجريبي أو العبارات الأساسية . أما إذا تعرضت النظرية أو القانون إلي اختبار القابلية للتكذيب واستنبطنا منها تنبؤات جديدة، وكانت هذه الأخيرة متوافقة مع الواقع أي مع العبارات الأساسية، فقد تم تعزيز النظرية أو القانون والتعزيز هنا يعني أن القانون خضع لاختبار قاس، وقد   اجتازه .

ويري بوبر أن النظرية التي تجتاز هذه الاختبارات القاسية يمكن القول بأنه تم تعزيزها . لكن التعزيز لا يثبت صدق النظرية، بل يعني فحسب قبولها بصورة مؤقتة ثم القيام بمحاولات أخري لنقدها وتكذيبها . وعلي هذا لا يوجد شيء يقيني في العلم، إذ أن كل النظريات تقبل المراجعة المستمرة . لكن الفكرة الأساسية التي تكمن وراء التعزيز هي أن النظرية الجديدة لا بد أن تتجاوز نطاق النظريات القديمة وتتنبأ بوقائع جديدة، أو أن الاكتشافات الجديدة تؤيد النظرية الجديدة في حين تكذب وتفند النظرية القديمة . ولذا يستشهد بوبر ببعض الاكتشافات، مثل اكتشاف كوكب نبتون  Neptune أو الموجات الكهروماغنيطيسية  Electromagnetic ، ثم يقول: كل هذه الاكتشافات تمثل تعزيزات أدت إليها الاختبارات القاسية، أي تنبؤات كانت غير محتملة في ضوء معرفتنا السابقة، أي تلك المعرفة السابقة علي النظرية التي تم اختبارها وتعزيزها .

ويطور بوبر تلك الفكرة من خلال فكرة التجارب الحاسمة التي نستخدمها عندما نقارن بين نظريتين علميتين متنافستين . فهو يلاحظ أن بعض النظريات العلمية لم يتم تفنيدها قبل ابتكار النظرية الجديد، فلم يتم تفنيد نظرية كبلر أو جاليليو قبل ظهور نظرية نيوتن، ولم يتم تفنيد نظرية بطليموس قبل ظهور نظرية كوبرنقوس . وبناء علي هذا يقول بوبر: " في حالات مماثلة لهذه تصبح التجارب الحاسمة  مهمة علي نحو قاطع أو فاصل، فليس ثمة ما يدعونا لاعتبار النظرية الجديدة أفضل من النظرية القديمة .... حتي نشتق من النظرية الجديدة تنبؤات جديدة لم يكن من الممكن الوصول إليها عن طريق النظرية القديم ... وهذا النجاح وحده هو الذي يبين أن النظرية الجديدة لها لزوميات صادقة، أي محتوي صادق، في حين أن النظريات القديمة لها لزوميات كاذبة، أي محتوي كاذب .

ونستطيع انطلاقاً من مفهوم التعزيز والتجارب الحاسمة، أن نعيد بناء تصور بوبر لتقدم العلم . فيبدو أننا نستطيع أن نميز بين حالتين يمكن أن تظهر النظرية الجديدة أو علي وجه أدق تحدث بها الثورات العلمية . ونبدأ في الحالة الأولي من نظرية واحدة، ثم نخضعها للاختبارات التجريبية، ونحاول نقدها ورفضها في نهاية الأمر . ويرغم التفنيد التجريبي العلماء علي أن يبحثوا عن نظرية أخري أفضل .ونبدأ في الحالة الثانية من فرضين – متنافسين أو أكثر – موجودين في ذات الوقت، أي في فترة زمنية قصيرة جداً . وأثناء سياق النقاش النقدي الذي ينتج عن ذلك مباشرة، يتصور العلماء تجربة تقوم بتفنيد أحد الفرضين المقترحين وهذه التجربة كما يقول بوبر هي التجربة الحاسمة  .

وهنا علي العالم أن يجري تجارب حاسمة تساعد علي تكذيب واستبعاد بعض هذه النظريات . علي أننا قد نجد أنفسنا في مواجهة نظريات متكافئة ؛ بمعني أنها تقدم حلولاً لبعض المشكلات الفرعية لمشكلة أساسية واحدة، بحيث لا تشارك كل نظرية النظرية الأخرى في هذه الحلول الفرعية، وهنا يقترح علينا بوبر بأن نختار النظرية التي تتميز بأنها تحل المشكلة الأساسية وتعطي أكبر قدر ممكن من حلول المشكلات الفرعية والتي تفشل بقية النظريات المنافسة في تقديم حلول مماثلة لها .

ووصولنا إلي هذه النظرية لا يعني نهاية المطاف – فالبحث النقدي لا يتوقف، وإنما علي الباحث أن يخضع النظرية في أي وقت لاختبارات جديدة، وكلما تخطت النظرية من هذا النوع ظلت هي الأعظم في المحتوي المعرفي ومن حيث قوة تفسير، وأبقينا عليها مؤقتاً، فهي أفضل ما لدينا من نظريات حتي     الآن .

ومن ناحية أخري فلم تعد التجربة الحاسمة بمثابة تأييد لأحد الفروض كما كان متبعاً، وإنما أصبحت التجارب بمثابة اختبارات للنظريات القائمة ومحاولات من جانبنا للبحث عن الخطأ في النظريات، ومن ثم استبعادها . وإذا كان " التجريبيون المناطقة " قد اعتقدوا أنه يمكن الأخذ بالتجربة الحاسمة وذلك عن طريق التحقق من صدقها، فإنها عند بوبر يؤخذ بها لكونها ترفض النظرية بتكذيبها .

لكن ألا تؤدي التجربة أي دور إيجابي للنظرية ؟

إن هذا الدور الإيجابي يتمثل في نجاح النظرية وفشل التجربة، بمعني أنه إذا لم تنجح التجربة في رفض نظرية معينة، فإن النجاح يكون من حظ النظرية، وعندها نقول أن النظرية أصبحت معززة عن طريق التجارب، وكلما تخطت النظرية تجارب جديدة كلما زادت درجة تعزيزها . ودور التجربة هنا وثيق الصلة بتصور بوبر للمعرفة، فكلما نجحت تجربة واستبعدنا نظرية كان علينا أن نبحث عن نظرية بديلة أكثر سعة وشمولاً طبقاً للمنهج البوبري.

إننا نستطيع أخيرا أن نعترض علي فكرة التجارب الحاسمة علي أساس أن تلك الفكرة تفترض ثبات معني الحدود العلمية المتعاقبة . لكن إذا كانت تلك الحدود نظرية فما الذي يضمن لنا أن تقرير ملاحظة لإحدي التجارب الحاسمة سيمكننا بالفعل من الفصل بين النظريتين؟ فلو سلمنا بأن الحدود تتغير معانيها تبعاً لتغير النظريات العلمية، فسينتج عن ذلك أن عبارات الملاحظات المستخدمة في التجارب الحاسمة لا تستطيع أن تعزز نظرية أو أن تكذب أخري .

إننا نعتقد مع بعض الباحثين أن فكرة التعزيز لا تتجاوز كثيراً فكرة التأييد عند كارناب، ذلك لأن كلتا الفكرتين تقوم علي أساس تحليل النظريات العلمية في إطار النسق الفرضي – الاستنباطي، فالتأييد يقوم علي أساس أن النظرية تستلزم تنبؤات أو عبارات ملاحظة . وإذا كان التنبؤ كاذباً، فإن النظرية تكذب، أما إذا كانت هناك تنبؤات عديدة صادقة، فإن النظرية يتم تأييدها . يقول هيلاري بوتنام " ورغم كل الهجوم الذي شنه بوبر علي المذهب الاستقرائي، فالشكل الذي يقدمه لا يختلف اختلافاً كبيراً، وأية هذا أن النظرية تستلزم تنبؤات، أي عبارات أساسية . وإذا كان التنبؤ كاذباً فإن النظرية تكذب .أما إذا كانت هناك تنبؤات عديدة صادقة بدرجة كافية، مع استيفاء شروط إضافية معينة، فإن النظرية يتم تعزيزها بدرجة كبيرة . .... وللحديث بقية

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

زهير الخويلدي"الطفل الفيلسوف هو مستقبل البشرية حيث تنقله الفلسفة من الطفل الموضوع إلى الطفل الذات وتجعله يفكر قبل أن يفعل"

لئن كانت الفلسفة حكرا على الراشد والرجل والسوي والمتحضر وفق الوصفة الإغريقية للتفلسف فإن عصر الأنوار قلب الموازين وجعل رسالة الفيلسوف تصل إلى الغريب والمرأة وغير السوي وتتيح للإنسان في بعده الكوني أن يتعلم التفكير الفلسفي ويتأمل في الوجود ويغوص في ذاته ويتدبر به حياته.

بعد ذلك تمخض عن ثورة مابعد الحداثة الكثير من الممارسات الجديدة للتفلسف تنبهت إلى الفيلسوف الصغير وأهمية تدريس الفلسفة للأطفال وبينت أن الطفل الفلسفي أكثر ذكاء من الشاب وأكثر جرأة على إثارة الإشكاليات وطرح الأسئلة الشائكة من الكهل وأكثر حكمة وتدبيرا وبراءة أصلية من الشيخ الحكيم.

فإلى مدى تصح مثل هذا الادعاءات؟ وهل يجوز رفع الوصاية على الطفولة والقول بالأهلية الفلسفية لها؟ وماذا يمكن أن يفيد تعليم الفلسفة للأطفال طالما أنها تلاقي العديد من الصعوبات عندما يتم تعليمها للكبار؟ كيف تساهم الفلسفة في تعليم الإنسان الصغير؟ وماهي المهارات التي تساعد الطفل على الحصول عليها؟ وماهي الراهنية المرجوة من ذلك؟ وهل توجد مخاطر من هذا التدريب على التفلسف في سن مبكرة؟ وكيف يمكن مواجهتها؟ ألا تساعد الفلسفة على نبض روح التعصب وتنسيب الموقف المعرفي من العالم؟

من المعلوم أن الطفل يولد صفحة بيضاء على حد قول جون لوك ومثلما يسهل تعليمه عدة لغات في سنواته الأولى يمكن تعليمه أصول التفكير المنطقي وإرشاده إلى المناهج المعرفية والقضايا العلمية العامة والانتقال بعالم الطفولة من مجرد عالم منظور من طرف الآخر إلى ذات ناظرة في الكون ومتسائلة عنه.

إذا كان سقراط قد دعا إلى ضرورة الاعتناء بالمولود الجديد ووضعه على محك التجربة وتدريبه على السلوك وإذا كان ديكارت قد جعل الشك المنجي مواجهة شاملة مع الطفولة وصرح بأن مأساة الإنسان أنه ولد طفلا فإن نيتشه نظر إلى الطفل اللاعب على أنه المعبر عن الفكر الحر والقادر على خلق العالم وقيمه.

المهارة الأولى التي يكتسبها الطفل من تعلمه للتفلسف هو امتلاك اللغة الفلسفية واشتغاله على المعاني والمفاهيم وتمكنه من التفريق بين اللغة العادية والكلام المتداول واللغة المعرفية والعلمية التي يجدها في النصوص ويكتب بها في الأوراق ويبدأ في التعامل معها بنوع من الهيبة والاحترام والتقدير والتبجيل وإنتاج خطاب خاص به من خلال الكلمات التي ينتقيها وفق ميولاته وذوقه ويسمي بها الظواهر الموجودة.

المهارة الثانية التي يمتلكها الطفل الفيلسوف هي التمكن من التفكيك والهدم والإلغاء للأشياء الموضوعة أمامه وبعد ذلك الانتقال إلى مرحلة البناء والتشييد والتركيب والتأليف والتأسيس لأشياء جديدة وعوالم مغايرة وتشكيل عالم خيالي يسمح له برؤية التجارب التي يجريها كل يوم بصورة واضحة ومنظمة ويعمل على تمثل الكون وفق مرآته الخاصة وضمن العلاقات التي يسطرها مع نفسه والآخرين والعالم الخارجي.

المهارة الثالثة التي يشرع في الحصول عليها هي تدشينه لرحلة البحث عن الحقيقة من خلال شحذ ملكة الفهم لديه وتفعليه لمسلكية إنتاج المعنى دون الاكتفاء بالتلقي السلبي والاستقبلال الانفعالي والتأثر بالأجوبة المتراكمة حوله وتمسكه بطزاجة الأسئلة التي يوقعها بنفسه والإشكاليات التي يحرص على طرحها لوحده.

المهارة الرابعة التي ينخرط فيها دون أن يشرع ويبدأ في مراكمتها تتمثل في امتلاكه لأدوات بدئية للتحرر من الموجود والقطع مع السائد والاستقلالية عن الاكراهات والارتحال نحو المنشود والهجرة إلى المجهول والمغامرة بالذهاب من المعتاد والمألوف إلى الغامض والملغز والإقدام على السفر والتجول في الطبيعة.

المهارة الخامسة هي اقتداره على استخدام أدوات التفكير الفلسفي بعد تمرسه على التعبير واستثمراه لأحوال الدهشة والتعجب والاستفهام والاستغراب والشك والحيرة الوجودية التي يمر بها لحظة صعوبة الإدراك واكتشافه الوقوع في الأخطاء وحرصه على تفادي تجارب التيه وتجنب تكرار هذه السخافات.

لكن كيف تصبح الفلسفة التي يتعلمها الأطفال فن بناء القدرة على التصور والاستنباط والتحليل والنقد؟

لا خوف على إدخال الفلسفة إلى المدرسة بعد الاستقرار الذي حصل لها في المعهد والجامعات والكليات ولا يمكن الانزعاج من تعليم الأطفال المبادئ الأولى للأنساق الفلسفية والسماح لهم باستعمال عقلوهم في التفكير والاستطلاع والمقارنة والتمييز والتحديد ومساعدتهم على ممارسة التجربة التفسيرية  للأحداث.

تمنح الفلسفة الطفل لكي يعيش في مغامرة الفكر ويتخلي عن تلقي المعلومات ومعرفة الأشياء بثقة تامة وامتلاكها على وجه اليقين ويعول على إدخال الفلسفة إلى المدرسة لكي يطلع على المعارف المتراكمة والمعلومات الحيوية التي يقدر على تقاسمها مع غيره والاستفادة منها في حياته اليومية وتغييرها للأفضل.

لم يعد مدرس الفلسفة يمثل المحور المركزي في العملية البيداغوجية بل يكتفي بإعادة توزيع السلطة والمعرفة والإيثار بالتساوي على المتعلمين والمريدين للحكمة ويقتصر على مساعدة الأطفال على امتلاك الثقافة الفلسفية والتفكير بأنفسهم دون وصاية وهيمنة من غيرهم ويوفر لهم أجوبة مؤقتة وظرفية عن التساؤلات المحيرة التي بذلوا جهود لطرحها ويجعلهم يسعون إلى تغيير  قناعاتهم ونظرتهم بأنفسهم.

تساعد الفلسفة الأطفال على البحث والتجريب والتشكيل والإنشاء وتخليص التجارب التي يقومون بها وتقديم وسائل إدراكية وتصور واضح للأشياء وتخزين مواقف محددة في الذاكرة يستعملونها في إصدار أحكام مطابقة وإبداء آراء رصينة وتدعمهم في عملية التصحيح الذاتي للأخطاء وحيازة قدرة على الفهم.

خلاصة القول أن تعليم الفلسفة للأطفال هو تكريس للحق العالمي في التفلسف الذي ينبغي أن يحصل عليه كل إنسان مهما كان بلده وثقافته ودون تمييز على أساس جنسه أو لونه أو دينه أو عرقه أو لغته أو عمره.

كما يتضمن برنامج تدريس الفلسفة للأطفال في المدرسة من حيث المبدأ ومن جهة الطموح أرضية تربوية منفتحة وخلفية أخلاقية متحررة ومشروع ثوري تنويري ويعتمد على اللين والرفق والسلم والإصلاح التدريجي ويرتقي إلى تقريب المفاهيم والأفكار والتصورات إلى الأذهان وشحذ الهمم والإرادة نحو الحق. فمتى نرى الفلسفة قريبة المنال من الطفل؟ ولماذا لا يتم إدراجها في مناهج التعليم في المدرسة العمومية؟ ألا تساعد الفلسفة الطفل على احترام الاختلافات واكتساب القدرة على صناعة مستقبله بنفسه متفتح الذهن؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

........................

المراجع:

L’enfant philosophe, avenir de l’humanité, Jacque lévine et autres, Ateliers AGSAS de réflexion sur la condition humain, ARCH, ESF, 2008.

Frédéric Lenoir, Philosopher, méditer avec les enfants, édition Albin Michel,2016.

Michel Tozzi, Faire philosopher les enfants constats, questions vives , enjeux et propositions, dans revue Diogène 2008-4 N°224 pages 60 à 73/

 

 

مجدي ابراهيمهنالك ما يطلق عليه في أدبيات العلوم السياسية بـ "ثقافة المقاومة"، لعَلَّ البعض يرى أنه مصطلح جديد ظهر للوهلة الأولى في الآونة الأخيرة، حين اتَّصفت أعمال الكفاح والتحرير والمقاومة من جانب الشعوب الإسلامية المحتلة في فلسطين وأفغانستان وغيرهما بأوصاف الإرهاب لا لشيء إلا لأنها تدافع عن وجودها وعن كيانها؛ ولكن المقاومة عَملُ إنساني شريف، قديم ومشروع : بقدم الإنسان نفسه، وبمشروعية وجوده على أرضه، يدفع عن طريقه الظلم الواقع عليه قهراً وينشد من ورائه الحرية التي تأبي الهوان.

فإذا كان من حقك أن تحيا حياة كريمة، فمن حقي أنا أن أقاوم إذا سُلبت مني تلك الحياة. وعليه؛ فالمقاومة مطلبٌ إنسانيٌ مشروعٌ لا غبار عليه؛ دفاعاً عن أبسط حقوق الإنسان في أن يعيش حياة كريمة كما خلقه الله على الكرامة لا المهانة، وعلى الحياة لا على الموت، وعلى الوجود لا على العدم، وعلى البقاء لا على الفناء.

وما دمنا ذكرنا هذه الثنائيات؛ فلنذكر كذلك أن دفاع الإنسان عن حقه في الحياة وفي الوجود، وفي البقاء مطلبٌ إنساني قديم، يَكْفُلُ لصاحبه - كائناً ما كان جنسه - حقه الطبيعي في الاستمرار الوجودي الذي يضمّن له حياة طيبة لا تتيسر مطلقاً بغير مقاومة وجهاد.

تلك هى إرادة الحياة في أبسط معانيها، ممثلة في المقاومة المشروعة تقف بالمرصاد أمام ألوان الظلم والقهر والعدوان والعبثية : حق الحياة بل أبسط حقوقها بغير نزاع.

على أن هذا المطلب البسيط في ظل غياب العدالة الدوليّة وازدواجية المعايير تُنَكَّس رايته عَسَفَاً ويُطوى رغم الأنوف فيه لواء الجهاد، ومن منّا لا يذكر أن هناك خلطاً واضحاً لا يخفى على أحد في المفاهيم والتصورات، بمقدار ما يكون هنالك انقلابُ في منطق العقل الغربي، المفترض فيه - لو أننا  جميعاً أحكمتنا إليه - أن يكون منطقاً عاماً واحداً لا لبس فيه ولا اختلاف ولا غموض.

المفروض أن يكون منطق العقل كذلك؛ لأنه منطق يخاطب الشرقي والغربي على السواء بغير تفرقة ولا تمييز.

ولكن منطق العقل غير منطق المصلحة !

هذه بديهة لا جدال فيها .. كنا قبل سنين نكتب فيما تقتضيه الأحداث الجارية مع الأيام .. هل تذكرون سجن أبو غريب؟ هل تذكرون مثل هذا المنطق الوحدوي كانت تتخذه أمريكا ضد العرب بعد أحداث برج التجارة العالمي، هل تغير هذا الموقف أم تطور للأسوأ فأضحى مقلوباً الآن؟ أصبح العقل تابعاً للمصلحة؛ فما هو حق في نظر الشرق يغدو باطلاً في نظر الغرب الأوروبي، وما هو قبيح في نظر العرب، يصير بالجملة جميلاً في نظر الولايات المتحدة الأمريكية، وما هو دفاع عن الحقوق والأوطان والأعراض والحريات في نظر الشعوب العربية، ينقلبُ على الفور إرهاباً, وتدعيماً للعمل الإرهابي في نظر الدولة العبرية وفي نظر الإدارة الأمريكية سواء بسواء، ويقابل كرد فعل، بشتى ألوان الوحشية القذرة، لتقابل الوحشية نفسها بالتمرير والاستساغة من جانب الإدارة الأمريكية التي سَوَّلت ألوان التعذيب كما جرت سلفاً في سجن أبو غريب! وجَمَّلت وسائل الوحشية القذرة، وناقضت الشعارات الكاذبة الزائفة التي كانت ترفعها من أجل حقوق الإنسان، ولم ترْ في الاغتصاب شعوراً بالخجل والعار والاستنكار. وهكذا وهكذا .. إلى آخر السيرة النجسة في توظيف الفكرة والتصور والمعيار توظيفاً يخدم المآرب السياسية الوضيعة والأغراض النفعية الأنانية؛ ليرعى التوظيف الخسيس مصلحة الطامع المغتصب المحتل قبل كل اعتبار للوجود الإنساني وحقوقه المشروعة، الأمر الذي يؤدي إلى تنشيط فعل "المقاومة" تنشيطاً حركياً منظماً مهما كانت في النفوس خامدة، وهو هو الأمر نفسه الذي يقودنا إلى تسليط الضوء على فضيلة "الشجاعة" في الكيان الآدمي؛ تلك الفضيلة التي نحسبها تجيء مثالاً للغضب - كونه جانباً إنسانياً مهماً في حياة الإنسان - لتستقي المقاومة روافدها الثقافية وكينونتها الفلسفية منها كيما يستقيم فيه ميزان الاعتدال.

*   *    *

ومع تطور الأحداث التي تقمع العقل السياسي العربي منذ سجن ابي غريب ومنذ تفجير برج التجارة العالمي وما يتلوها من قيام الثورات المفتتة للشمل العربي، لم تكن فكرة تأهيل المنطقة العربية للصراع الدامي ببعيدة عن أذهان الصهاينة؛ لأنها مرهونة بعقيدة ثابتة مستقرة هى إقامة دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.

أنا شخصياً كنتُ كثيراً ما أقول ولا زلت : إسرائيل هى السرطان الخبيث الذي سيقضي على الجسد العربي ما لم يعرف كيفية الخلاص منه. هى التي زرعت الفتنة ولا تزال وراؤها بالكدح الدائم طلباً للفُرقة العربية وإذكاءً للخلاف بين الأنظمة والشعوب. وهذه بداهة أخرى لا تخفى على أحد، ولكننا كعرب نتغافل عنها مع تقديم المصالح الشخصية والعبث بقضايا الأمن القومي.

ما من مصيبة ولا كارثة أحلت بالوجدان العربي إلا ووراؤها إسرائيل.

لم يكن من المقبول على الإطلاق أن لا يتصور أحد استفادة اسرائيل من الثورات المفتعلة التي جرت في المنطقة والتي أطلق عليها كذباً بثورات الربيع العربي. ولم يكن زعماء بني صهيون من الغباء لكي يفشوا في الآونة الأخيرة أسرار دولتهم؛ ولكنه اللعب على إشعال فتيل الفتنة بين السنة والشيعة أو بين إيران والعرب. ولم يكن تصريح نتنياهو في خطابه الأخير أمام البرلمان الإسرائيلي ممّا أعلنت قناة الأقصى بثها لفيديو الخطاب مع التهديد بالقصف لها وتدميرها بالأمر الهين الذي يسمعه العرب ولا يتوقفون عنده وقفة حكيمة.

جاء نص الخطاب على مرأى الأسماع والأبصار ليقول : " كما تعلمون إسرائيل بالتعاون مع الاستخبارات الفرنسية، زرعنا الخميني في إيران وبعثنا له أسلحة متطورة لحمايته من صدام حسين، ثم إن الشيعة قتلوا صدام .. ونحن نتفرّج ..! وقتلوا الرئيس اللبناني ونحن نستمتع بالمشاهدة، وقتلوا الشعب السوري ونحن أيضاً نتفرج! أمّا الإخوانجية أتباع قطر فقد نجحوا في تدمير الأنظمة وتدمير جيوش الدول العربية .. ونحن نتفرّج. بالطبع؛ فشلوا في مصر لكننا محاصرين مياه مصر في جهة البلد الحليف لنا (أثيوبيا). ونحاول التأثير على الشعب المصري ونحرّضه لتدمير جيشه وتخريب النظام الحاكم بواسطة الإخوانجية في تركيا وقطر، وبواسطة الثرثارين كجوشو وزبع والجزيرة، وكل الثرثارين في تركيا وقطر يزرعون الفتنة داخل مصر .. ونحن نتفرّج !

قتلوا حاكم ليبيا ودمروا قواته، ونحن نتفرج !

والحرب بين حزب شيعة وإسرائيل كانت حرباً تمثيلية .. خسر فيها كل طرف جنوداً، وبالتالي زرعنا الشيعة في لبنان. قطّعنا لبنان إلى قسمين متضادين : فصواريخ الشيعة مفرقات صغيرة ضد إسرائيل، وصواريخهم ضد مكة متطورة وعملاقة (سكود) .. ونحن نتفرّج !

لقد سلمنا لهم جنوب لبنان لكي يدمروا كل شيء.

على سبيل المثال أمثلة بسيطة :

قتلوا ودمروا الشعب السوري نيابةً عنا.

الآن يتواجد الحشد الشيعي في جنوب لبنان بعدما قتلوا المسلمين في العراق ودمروا مدنهم كالموصل والفالوجة وما زالوا مستمرين بقتلهم .. ونحن نتفرّج !

إلى حد الآن يعتقلون المسلمين ويعدموهم في أماكن سرية. فوجود الحشد الشيعي في العراق تمثيليّة. تعرفون أن انتخابات ستجري في العراق قريباً؛ فالشعب العراقي سئم من الميليشيات المسلحة. الشعب العراقي يريد مصانع، فلاحة، تطوير، تنمية، لهذا فكر العقلاء في حل تلك الميليشيات المسلحة لتطوير العراق واصلاح الاقتصاد وتشغيل الشباب وتأهيلهم؛ قبلنا بتواجدهم في جنوب لبنان بحجة مناصرة القدس فكانوا يأخذون صور سيلفي ويعجب بهم العراقيون، وبالتالي لن يحلوا المليشيات وينجح قادتهم في الانتخابات، فيستمرون في قتل المسلمين وتهديد الأردن والخليج.

هم يبررون بقاؤهم في سورية بمحاربة داعش. تتذكرون أن داعش تم نقلهم بالباصات تابعة للشيعة من حدود لبنان لغاية شمال العراق. طبعاً ! قيادات داعش شيعة واتباعهم حمير. تتذكرون محاصرة الشيعة لقرية فلسطينية (مخيم اليرموك) حصلت مجاعة وتوفى الآلاف، حيث برر حزب الشيعة هذا الحصار بتواجد دواعش داخل المخيم ثم أختفى الدواعش أنفسهم حيث تم نقلهم بالباصات إلى شمال العراق.

وظيفتهم القتل والتفجيرات .. وتخلّف العراق .. ونحن نتفرّج !

إذن؛ الشيعة يقتلون الفلسطينيين نيابةً عنا. فهم لم يأتوا لتحرير فلسطين ولا القدس؛ لأنهم جبناء ولا يواجهون الجيوش وجهاً لوجه.

ألا تلاحظون تفننهم في قتل السكان العزل. استعانوا ب 72 دولة لتدمير المدن العراقية، فالمالكي عندهم أستولى على (680) مليار دولار في سنوات ارتفاع النفط وراح يسلّمها لإيران.

لا تحاسبوني على الحوثيّ .. الموت لأمريكا .. الموت لإسرائيل .. واليمن ميت بسببهم.

ختام الحديث : الشيعة واليهود يدُ واحدة" (انتهي نص الخطاب).

إذا نحن افترضنا أن هذا الخطاب ليس بالصحيح، مدبْلج مثلاً، فهل في الواقع السياسي الحالي ما يفصح بعكس ما نسمع ونرى؟ كل المشاهد الواقعية تؤكد كل كلمة نطق بها نتنياهو ولا تخالف ما هو واقع موجود بالفعل. وشيء آخر الا يذكرك هذا الخطاب بما كان ورد في كتاب هيلاري كلنتون "خيارات صعبة"، وبخاصة فيما يتعلق بمصر؟

حقيقة إن العرب تركوا عدوهم الحقيقي وتشرذموا وراحوا يفتعلون العداء مع أنفسهم، ضربوا أنفسهم بأنفسهم بعدما تفرقوا فضاعت هُويتهم، وصاروا شيعاً وأحزاباً كل حزب بما لديهم فرحون. ولن تقوم لهم قائمة ما لم يتحدوا ويعتصموا. لن تقوم لهم قائمة وهم أبعد خلق الله عن الوعي والتضامن والتحالف والانتماء والقومية والعروبة والوطنية والعصمة والاتحاد ثم المقاومة المشروعة بكل تلك المعاني السامية المهجورة.

*   *    *

وإذن؛ فالمنطق العام والمشترك مفقود أو يكاد! وعلى هذا المنطق وحده تقوم جذور التسامح التي نأملها جميعاً كما يُفهم من البداية تحقق أجواء السلام. أما دون ذلك؛ فهو عبث إنساني وفوضوي لا يولد إلا العنف، والعنف بدوره لا يخلف إلا العنف.

وإذا كان منطق العقل العام أو المشترك مفقوداً بفقدان فاعليته التطبيقية؛ فإن الغرض المقصود من إلغائه على هذا النحو هو تزييف الوعي العربي وتغييب حكمه ومقرراته على أرض الواقع. وبما أن القناة الإيجابية الوحيدة تكاد تكون معطلة عن الفاعلية الواقعية فلا تنتظر من شعاع الضوء أن يجلو الأبصار فتتضح خلاله الرؤية ويختفي من ثمّ الغموض ويزول التخليط. الواقع؛ وليس شيء غيره، ينطق بالتزييف المقصود للوعي العربي وللثقافة العربية. ومن استعلى على الواقع وقدَّر العجز عن قراءته قراءة جيدة, فليس يحكم إلا بعكس ما هو موجود، وبعكس ما هو مُشَاهد على مرأى ومسمع من شهود التحقيق.

ومن الطبيعي إذا اختلطت الأوراق وتباينت المفاهيم، أن يسمى الغرب المقاومة عملاً إرهابياً, وأن يَصِفُوا الكفاح من أجل الحرية والاستقلال بأوصاف الشر واللا إنسانية، وهم في الحق أبعد خلق الله عن الإنسانية, وأكثرهم توصيفاً للشرور والكوارث تسببها ويلات الحروب، وهم أشَدَّهم إيغالاً في قهر الإنسان وحقوقه، وأقلّهم احتراماً لتلك الحقوق؛ فما كان من دعاة السلام الأعرج المأفون إلا أن يحاولوا جهدهم - قَدْر ما استطاعوا وفوق ما استطاعوا - أن يقوِّضوا دعائم الإرهاب الذي هو في الأصل مقاومة مشروعة دفاعاً عن حق العربي في أن يعيش على أرضه كريماً حُراً آمناً مُعَافى من سطوات القهر والمذلة والإبادة والتدمير، ثم التزييف المقصود لوعيه ولمداركه العقلية، وأن تنقلب المقاومة المشروعة لديهم من فورها إلى توجهات إرهابية، وأن ينقشوا على خريطتهم الموبوءة بعض الدول التي تمثل محور الشر، وخاصّة حين ظهرت تلك النزعة التآمريّة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر2001م، على ما جرى سلفاً في الولايات المتحدة الأمريكية.

ثم رُحنا نتوخَّى الدفاع عن أنفسنا، وأصبحنا في موقف "المنفعل"، ندافع عن إسلامنا وثقافتنا وكياننا ووجودنا، ونقاوم بقدر المستطاع الميسَّر لنا ونشرِّع للمقاومة فلسفة عقيمة من شأنها أن تتوخى الدفاع بعد أن كانت في الأصل حقاً لا ينكره إلا جاحد أو مكابر أو ظالم دنس السيرة في تاريخ الإنسان كله، وتناسينا الواجب المفروض علينا جميعاً في ذلك كله؛ وهو أننا في الأصل في موقف "الفاعل" الذي يجب أن يُملي إرادته إزاء كل ما هو موجود في بلاده، وأن يرفع الظلم الواقع على كل فرد من أفراد الوطن، وأن يسترد حقوقه المنهوبة بالقوة كما سلبت عنه بالقوة، وأن السلام مع العجز وقلة الحيلة خنوع واستسلام وضعف يأباه شرف البقاء على ظاهر الأرض.

لكن مع ظهور المقابل لما يسمى بـ " ثقافة المقاومة" في التبرير المنطقي العربي، ظهرت وصمة الإرهاب خاصّة عربية بل وإسلامية في المفهوم الغربي، وبخاصة في توظيفات الإدارة الأمريكية؛ لكل أعمال العنف التي تجرى في المناطق العربية مرادفة لكلمة إرهاب.

بيد أن المقاومة ليست إرهاباً، ولن تكون، غير أن الكلمة قد اتخذت شكلاً آخر من أشكال تزيف الوعي المقصود في الثقافة العربية من قبيل التفكير السياسي الغربي الخاص بالإدارات؛ فالمقاومة الفلسطينية للإرهاب الإسرائيلي : إرهاب الدولة بغير منازع، هى في نظر إسرائيل إرهاب عربي. والمقاومة العراقية التي كانت للعنف الأمريكي هى في نظر الأمريكان توظف على أنها إرهاب عربي. والمقاومة الأفغانية للتوحش الأمريكي هى في نظر الأمريكان إرهاب إسلامي يفرضه غصباً تنظيم القاعدة، كما يفرض هذا التنظيم مساحة من العلاقات الدولية التي تسمى في منطق الغطرسة الأمريكية بـ" محور الشر" الذي تجب إبادته من على ظهر الأرض، تحت شعار القضاء على الإرهاب.

وليس بخافٍ على أحد أن هناك توحيداً بين الإدارة الأمريكية والسياسة الإسرائيلية في نظريتهما إلى الإرهاب، هذا فضلاً عن توحيد النظرتين واشتراكهما معاً في كل الأعمال التي لا تمت إلى الإنسانية بصلة؛ فبالإضافة إلى أن هناك خلطاً ظاهراً بين الأوراق - كما تقدَّم - حول تحديد مفهوم الإرهاب صادر عن محاولة تزييف الوعي العربي بقصد تغييب مفاهيمه الثقافية والحضارية؛ فهو ذات الخلط الذي وجّه الجهات المسئولة في مصر - منذ أن نشأت هذه الهوجة الشرسة غير المعقولة ضد الإنسانية - إلى عقد مؤتمرات دولية للإرهاب تضع تعريفاً محدداً ودقيقاً له، وتحدد بطبيعة الحال الإجراءات الكفيلة بمواجهته، وتفرِّق بينه وبين المقاومة المشروعة لإنهاء الاحتلال، وهو عمل مطلوب دائماً ينبغي أن يُعقد لأجله الكثير من المؤتمرات؛ ليصل الصوت العربي إلى أسماع العالم قاطبة؛ ولإزاحة هذا الخلط المُشين على المستويين المحلي والعالمي.

هناك أيضاً على الجهة المقابلة نوعٌ من التعالي تمليه سيادة القوة، كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي إسرائيل، لا يستقر معه مثل هذا الواقع المقرر الذي يحمل معاني الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وتحرير المرأة، بل الواقع الحق ينفي هذه المعاني بالجملة، ويقيدها بقيود التناقض والتعتيم والتضليل، وإذا هو قبلها فلتكن في محيط تلك السيادة ولا تخرج عنها، ولا عن كواليسها السياسية وسماديرها المرجعية.

فالسياسة الأمريكية مثلاً توظف الحُريّة توظيفاً يتناسب مع مفهوماتها وإمكانياتها هى، والأمريكي (صاحب السيادة والسطوة) كأنه هو المخلوق الوحيد الذي يصحُّ أن يطلق عليه حراً، أمّا بقية الشعوب الأخرى فهم عبيد بالقياس إليه، فهو المخلوق الوحيد الذي يملك الحق المطلق في أن يعطي ويمنع، ويأمر وينهي، يمنح الصكوك والتراخيص والوعود، ويسلب عن الآخرين حقوقهم وأوطانهم ووجودهم البشري على أراضيهم المنهوبة.

يعلمُ الأمريكيون كما تعلم سائر الشعوب الأوروبية أن حرية الأمم لن تنال بغير أن تزهق في سبيلها الأرواح، ففي سبيل الحرية يهون الموت، وفي سبيل الحرية يظل الجهاد فضيلة، ولو فتح الجهاد أبواب المنون على مصراعيها ليدخل منها البشر أفواجاً من وراء أفواج. ومن عجيب المفارقات أننا نقرأ في تاريخ الكفاح الأمريكي من أجل الحريّة مقولات تعبِّر عن انتصار الإرادة الحرة أمام طغيان الاستعمار والاستبداد، وبذل الجهود المضنية في سبيل ترسيخ قيم العدالة والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، حتى ولو كان الموت هو المقابل لمثل هذه القيم التي يناط ترسيخها بالأفراد فضلاً عن الجماعات.

ثم في الوقت نفسه نرى على الجانب الأخر أن المطالبة بالحريات، وتقرير الشعوب حق مصيرها، ودفاعها عن حرمة أراضيها، يعدُّ في نظر الأمريكان اليوم إرهاباً أو ما يُشبه الإرهاب يندرج تحت ما كان يسمى بمحور الشر بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر2001م، وهو الأمر  الذي ينبغي أن تطارد فلوله من الجميع، غرباً وشرقاً، بغير تفرقة بين حق وباطل، أو بين فضيلة ورزيلة، أو بين قيمة ونقيصة، أو بين شرعية وظلم، أو بين مقاومة وإرهاب في الضمائر الأمريكية الحاكمة والمحكومة على السواء.

وبظهور التصريح الأمريكي المُعْلن عن وجوب إبادة محور الشر والدول التي ترعاه، وكان المظنون في مقدمتها دولة العراق الشقيق, قامت فينا قيامة الدنيا دعوات وراء دعوات : أنه لا حلَّ على الإطلاق إلا بالمقاومة؛ فنحن العرب نقاوم كل مظاهر العنف والقتل والتشريد والتنكيل والتوحش مقاومة مشروعة ندفع بها الظلم الواقع على أراضينا وأطفالنا وشيوخنا ونسائنا وأنفسنا، فهل في ذلك كله ما من شأنه أن يعيبنا؟

وإذن؛ فما هو السلاح الذي ينبغي علينا أن نتسلح به لنثبِّت شرعية هذه "المقاومة" التي نشهرها دوماً في وجوه الأعداء المغتصبين؟!

هذا سؤال منطقي نطرحه للوقوف - بالإجابة عليه - على لب لباب "ثقافة المقاومة"، وبالرجوع إلى جذور المصطلح في الثقافة العربية, تجدنا مفتقرين - كل الافتقار- إلى الأسس الباطنة التي يقوم عليها فعل المقاومة وتنهض به مقوماتها، ثم تزيده فاعلية كيما يسري روحاً لا جسداً خامداً كسيحاً عاجزاً أو مشلولاً في القواعد العريضة من طبقات الشعوب، بحيث تتقبله طيعة راضية من ناحية، أو مؤثرة تأثيراً قوياً في الأنظمة العربية من ناحية أخرى؛ لتملي عليها فريضة التوحيد والاشتراك والتعاون والمناهضة الجماعية.

وممّا لابد منه وجود خلفية ثقافية وروحية للمقاومة، بمعنى وجود غطاء روحي يحفظ شرعيتها على أقل تقدير كعمل مقصود تابع لنية خالصة في التوجُّه، وحاضرة مع المطالب العلوية في اللقاء، ولا تطبق بصورة هوجاء، تخلو من القيم الدافعة أو المانعة؛ فمعنى كونك متصفاً بالمقاومة هو أنك قادرُ على منع تسرب الضعف إلى كيانك بالمرة، كائناً ما كان هذا الضعف، ولن تكون مقاوماً وأنت ضعيف من الداخل، مكدود الفاعلية والحركة والتأثير، قليل الحيلة فيما تنتوي فعله وتريد أن تفعله، فتفرض على الحياة التي تحياها عناصر القوة والفاعلية والحركة الإيجابية في الشئون الحياتية العامة قبل الخاصّة.

فإذا أنت وَجَدتَ أجناساً كثيرة من الشعوب العربية تتخذ من المقاومة دستوراً لها بغير توافر هذه الخلفية الثقافية القائمة على الوعي الفاعل البناء لا المزيف المقهور؛ فاعلم إنها "هبة غضب"عرضية وكفى غير مسلحة بالوعي الداخلي، ولا هى مذكاة بفاعلية القوة المنظمة الباطنة قبل الظاهرة، والخفية قبل المعلنة، أعنى قوة الضمائر والقلوب قبل قوة الأبدان والأشكال، وتتوافر فيها امتلاك زمام الإرادة في الباطن قبل الظاهر، وفي المضمون قبل الشكل، وفي الجوهر واللباب قبل القشور والأعراض. وإلا فقُلْ لي بربك : ماذا عساه يملك رجل من قوة الإرادة البناءة وهو مقهور من الداخل، ضعيف في مواجهة النفس، إذا هو وهبها الدفاع عن الوطن؛ فانطلاقاً من هبة غضب عرضية، وإذا هو سلبها الحياة؛ فظاهر الأمر أنه استشهاد، أما حقيقته فهو غضب يائس من الحياة أو من الوجود، أو ثار لعزيز مفقود، الأمر الذي يشعل في النفس فتيل الغيظ والانتقام ويقوي فيها نار الأخذ بالثأر تحت وطأة حميتها الجاهلية فيلهب جذور الحفيظة الغائرة في أعماق المنتقم. والانتقام شيء والمقاومة المشروعة ذات الثقافة المؤسسة على الوعي الباطن والإخلاص لله شيء آخر. ولن تسمى مقاومة مشروعة وهى بغير هذا التأسيس.

فلئن كانت بمثل ما سبق من ظواهرها القشرية، فقد فقدت أخص خصائصها، ولكنها إنْ تكن مُدعَّمَة بالطاقات الروحيّة الفاعلة على شرط الإخلاص لله فقد كملت خصائصها؛ ولا خوف - من بعدُ - على الوجود ولا على الحياة ولا على مصائر المقاومين.

لك أن تتخيل هذه المقاومة يدعمها وعي عربي موحَّد ومشترك، ويزكيها وجود روحي نلتمس آثاره في الفكر والواقع، ومصادره من يقين الإيمان بالله، وتتغلب فيه مقومات الإيثار وتقديم النفس والوجود قرباناً لله والوطن، على مثل هاته الأنانية الشائعة والحالات الفردية المبذولة جهداً عرضياً في طريق الدفاع عن مقدسات الوطن!

أقول؛ لك أن تتخيل تكاتف القوى الوطنية لا تفرقها، وعموم الوعي بمثل هذا التكاتف المتضامن ظاهراً وباطناً في الإنسان العربي؛ فهل يبقى بعد ذلك وجود في هذه الأمة مستلبُ ومستباح؟ لماذا لم تحرر ثقافة المقاومة شيئاً مما هو منهوب في أراضي الوطن؟ ولم لم تورث فينا تقديم النفس قرباناً إلى تلك الفرائض الكريمة؟

والجواب: لأننا في الحق لم نتخلق بأخلاق هذه الثقافات، ولم نعمل بمقتضياتها ولم تسرْ فينا حياة روحيّة وممارسة عملية، يشترط فيها أول ما يشترط : فقه الدلالة الباطنة وتزكية الوعي الغائر في أعماقنا الروحية الخفية المستترة فيما نحن عليه قادمون.

 

بقلم : د . مجدي إبراهيم

أستاذ الفلسفة الإسلامية

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا في مقالنا الثاني عن التجارب الحاسمة ودورها في تطور النظريات العلمية، حيث نتحدث عن موقف التجريبية المنطقية من التجارب الحاسمة، وفي نقول: تعد التجريبية المنطقية من أهم تيارات فلسفة العلم المعاصرة، فقد تسيدت إلي حد ما المسرح الفلسفي في الربع الثاني من القرن العشرين، ويمكننا القول أنه حتي عام 1960 كانت التجريبية المنطقية هي فلسفة العلم الأنجلو – أمريكية، وبدون منافس يمثل خطراً حقيقياً . فقد قدمت المشكلات الأساسية التي ينبغي علي فلسفة العلم أن تعالجها، والمناهج الملائمة لحلها، والأهداف التي ترمي الوصول إليها . وكانت مبادئها من القوة والوضوح بحيث أثرت علي كل دارس لفلسفة العلم .

إن موقف التجريبية المنطقية المؤيد للتجارب الحاسمة يقوم علي أساس عدة مفاهيم جوهرية، أهمها " معيار التحقيق"، وهذا المعيار الهدف منه هو وضع حد فاصل بين القضايا التي لها علاقة بالوقائع، والتي ليست لها علاقة بها، وبالتالي لا بد من الربط بين المعني الواقعي للعبارات، وبين الخبرة – أي محاولة تثبيت حكم ما حول صحتها وكذبها عن طريق اختبارها بالملاحظة.

ويعد " مورتس شليك" Murtiz Schlick (1882 – 1936 ) أول من قام بصياغة هذا المبدأ صياغة محددة في عبارته المشهورة التي يقول فيها أنه حتي نفهم قضية ما ينبغي أن نكون قادرين علي أن نشير بدقة للحالات الفردية التي تجعل القضية صادقة، وكذلك الحالات التي تجعلها كاذبة، وهذه الحالات هي وقائع الخبرة . فالخبرة هي التي تقرر صدق القضايا أو كذبها، فالقضية توصف بالصدق أو الكذب، عن طريق إحالتها للخبرة مباشرة، لنري هل هناك في الواقع الخارجي واقعة تشير إلي ما تقوله القضية أم لا .

أما " نيراث" Neurath  ( 1882 -1945 ) فله رأي مختلف في معيار التحقيق عن رأي شليك، فهو يري أن القضايا تقارن بقضايا مثلها، لا بالخبرة أو الوقائع، أو بأي شئ آخر فالخبرة أو الوقائع أمور بلا معني وتنتمي للميتافيزيقيا، وبالتالي لا بد من رفضها، والبحث عن الأصل الذي يخلو من الميتافيزيقيا . ومن ثم فإنه يري أن القضايا لا بد وأن تجيئ صياغتها متفقة مع نوع من القضايا التي يطلق عليها قضايا البروتوكول Protocol Propositions، وقضية البروتوكول تحتوي علي اسم علم أو وصف معين لشخص ما يلاحظ شيئاً محدداً أو تحتوي علي كلمات تشير إلي فعل الملاحظة . وفي قضايا البروتوكول نشير إذن إلي أن الشخص فلان يدرك كذا وكذا من المعطيات في زمان محدد تحديداً تاماً .

والواقع أن معيار التحقق قد أثار جدلاً واسع النطاق، فقد كان قد أوقف علمية القضية علي التحقق فعلا سواء عن طريق الخبرة كما قال شليك أو بمقارنة قضايا البروتوكول بقضايا مثلها كما قال نيراث، فماذا يُري بشأن قضية لا تقبل التحقق الآن لأسباب فنية ربما قد ترجع إلي قصور أو قلة الامكانيات أو لأسباب أخري ؟

ولاشك في أن هذه هي الأزمة التي واجهت التجريبية المنطقية بعد ظهور علم الفيزياء النظري وضرورة تطوير الموقف، فهل تغلبت علي الأزمة ؟

الحقيقة لم تتغلب عليها تماماً، لكن حاول كبار التجريبين المناطقة وضع مسكنات لتفادي الأزمة، فقد نزع " أير " إلي استبدال مصطلح " مبدأ التحقيق" بـ " مبدأ إمكانية التحقيق"، وهو يستند إلي افتراض مسبق يقرر " أنه بالنسبة لكل قضية ينبغي أن يكون ممكناً، حتى أن لم يكن عملياً، إقرار ما إذا كانت القضية صادقة أو كاذبة .

وقد أتفق " أير Ayer" ( 1910 – 1989 ( مع " هيوم  Hume" ( 1711 – 1776 ) في أنه يمكننا تصنيف القضايا التي لدينا إلي مقولتين أساسيتين : الأولي تنطوي علي القضايا التي لها معني وتشمل القضايا القبلية مثل قضايا الرياضيات والمنطق التي لا يتوقف صدقها علي إجراء تحقيق تجريبي لأنها لا تتعلق بعالم الخبرة ولا تقدم اخباراً عنها . ومن فإنها صادقة صدقاً مطلقاً . والثانية تتضمن القضايا التجريبية التي تتصل بالواقع التجريبي، ويتوقف صدقها بالتالي علي عالم الخبرة . والقضايا التي لا تندرج تحت أي من المقولتين تتسم بكونها قضايا ميتافيزيقية فارغة من المعني .

ويقدم لنا " أير " تمييزاً بين نوعين من التحقيق في أطار تصنيفه للقضايا إلي قبلية وتجريبية، حيث يميز بين التحقيق بمعناه القوي والتحقيق بمعناه الضعيف . التحقيق بمعناه القوي توصف به القضية إذا كان من الممكن إثبات صدقها إثباتاً حاسماً، وهذا المعني للتحقيق تتمتع به القضايا القبلية، أي قضايا المنطق والرياضيات والقضايا الأولية وهي القضايا الوجدانية والقضايا التي تعبر عن الاحساسات والانفعالات الشخصية، ويكون تحقيقها بالرجوع إلي الوقائع مباشرة من حيث تمثل الخبرة الراهنة . أما القضية التي تتصف بأنها ممكنة التحقيق بالمعني الضعيف فهي تلك التي إذا كان من الممكن للخبرة أن تجعل لتلك القضية صدقاً احتمالياً، بمعني الميل للتصديق، وهذا المعني ينسحب علي قضايا العلوم التجريبية مثل الفيزياء.

وأما كارناب ( 1891 – 1970 )  فقد استعاض عن مبدأ إمكانية التحقيق بمبدأ القابلية للتأييد أو الإختبار Conformability or Testability  حيث ميز كارناب بين نوعين من القضايا القابلة للتأييد بواسطة الملاحظات . أما النوع الأول : فيتمثل في القضايا القابلة للتأييد والاختبار مباشرة . أما النوع الثاني :  فيتمثل في القضايا القابلة للتأييد والاختبار بصورة غير مباشرة . بالنسبة للنوع الأول ويتمثل عندما تكون الظروف متاحة بحيث تجعلنا بكل سهولة نقول أنها مؤيدة أو غير مؤيدة بناء علي عدد قليل من الملاحظات التي تفصل الموافقة أو الرفض . فعندما أقول مثلا " هناك مفتاح في درج مكتبي " . هنا لكي تكون العبارة مؤيدة، أن تتوافر الشروط اللازمة للاختبار : أن أقف قريبا من درج المكتب، أن تكون الإضاءة متوافرة بحيث تتيح الفرصة للرؤية. أما شرط التوافق هو أن أري بنفسي المفتاح في درج مكتبي . النوع الثاني يكمن في اختبار وتأييد قضايا مستنتجة من القضايا الكلية موضع التساؤل، ولما كانت القوانين العلمية قضايا كلية، كان من الممكن أن تؤيد بدرجة أعلي أو أقل في ذلك من خلال توافق القضايا المشتقة من هذه القوانين، ومن ثم يمكن قبولها .

إن فهم القضية العامة أو القانون العلمي يتطلب في واقع الأمر أن لدينا القدرة علي أن نشير إلي الحالات الجزئية التي تجعل هده القضايا صادقة، وكذلك الحالات التي تجعلها كاذبة  وهذا لا يكون إلا من خلال وقائع الخبرة، فالخبرة هي التي تقرر صدق القضايا وكذبها، وفيما يتعلق بصدق القضايا وكذبها، فقد حرص كارناب علي أن يميز بين الصادق والمؤيد، والصادق هو الذي يستخدم دون تقيد بالتحديد الزمني، في حين أن المؤيد يستند إلي عنصر الزمن، فعندما يقول شخص ما : إن هذه العبارة أو تلك مؤيدة  بدرجة أعلي، وذلك عن طريق الملاحظات، فإنه من الضروري أن نضيف إلي هذه العبارة "  في هذا الوقت أو ذاك ".

وهنا يحاول كارناب أن يبرز فكرة أن الخبرة أساس قوي للاختبار في تأييد القانون العلمي، كما أنه ليس هناك اختلاف نوعي بين القضايا الكلية والقضايا الجزئية، بل كل ما هنالك اختلاف في الدرجة وحسب، فإذا أخذنا القضية " هذا المعدن يتمدد بالحرارة "، فإنه يمكننا التثبت منه بواسطة بعض الملاحظات، أما في حالة القضية العامة الكلية " كل المعادن تتمدد بالحرارة"، فإننا نختبر القضايا التي نشتقها منها علي أساس أن القانون العلمي أو العبارة العامة تقدم استنتاجات أو تنبؤات، ولما كان عدد هذه التبؤات أو الحالات التي يمكن اشتقاقها منه هو عدد غير محدود ولانهائي، لذلك لا يمكن التحقق منه بصورة تامة وقاطعة . ومن الناحية العملية لن نستطيع الوصول إلي يقين كاف بعد إجراء عدد قليل من التجارب . ومن ثم يمكننا أن نقف بعملية التجريب عند بعض الأمثلة الإيجابية، فليس هنالك تحقق كامل وتام، بل كل ما هنالك هو تأييد متزايد وباستمرار.

ومن جهة أخري فقد حاول كارناب ربط الفهم الوظيفي للقانون من وصف وتفسير وتنبؤ بالقابلية للتأييد للقانون موضع التساؤل ؛ فعندما حاول وضع الطريقة التي يتأيد بها القانون في ضوء البينة المتوفرة لدينا، كان في واقع الأمر، لا يريد سوي تحديد أو معرفة الأسس التي يمكن الاعتماد عليها للتنبؤ بوقوع أحداث مستقبلية أو أحداث لم يتم معاينتها بعد، الأمر الذي يجعل القانون العلمي يقوم بمهامه.

ننتقل إلي نقطة أخري وهي : كيف يمكن التحقق من النظرية في ضوء ملاحظات التجربة؟

كانت البداية التي انطلق منها كارناب بشأن التأييد أو عدم التأييد هو أن " العلم يبدأ بملاحظات مباشرة لوقائع مفردة، ولا شئ آخر يمكن ملاحظته بالتأكيد لا يمكن ملاحظة الانتظام بشكل مباشر، وإنما يتم اكتشاف الانتظاميات عندما نقوم بمقارنة العديد من الملاحظات الواحدة بالأخرى . يتم التعبير عن مثل هذه الانتظاميات بقضايا تسمي " قوانين"  ؛ ومجموع القوانين يشكل النظرية، والنظرية بحسب مفهوم كارناب لها  تتألف من حساب مجرد مقترن بتأويل تجريبي"  ؛ أي تتألف من قوانين نظرية وقواعد للتطابق مهمتها " ربط النظريات بالوقائع أو معطيات الملاحظة ". وعندئذ تكون " النظريات انساقا ذات محتوي تجريبي "، مما يجعل أمر اختبارها سهلا يسيرا، وذلك عن طريق الملاحظات والوقائع التجريبية .

وإذا كانت هذه القاعدة عند كارناب تجعل اشتقاقات النظرية قابلة للاختبار تجريبيا من خلال ربطها بأقوال الملاحظة والتجربة، فإن أي اشتقاق منها لا يكون، في واقع الأمر، ذا أهمية ما لم يكن قابلا للاختبار التجريبي ولو مبدئيا، وبالتالي فإن أي نظرية لا تكون مثمرة لتنبؤات أو استنتاجات أو اشتقاقات غير قابلة بدورها للاختبار لا تقبل التأييد أو عدم التأييد تجريبيا. وبعبارة أخري تتلقي النظريات التأييد عندما تمتلك الإمكانية في أن تنتج تنبؤات أو نتائج دقيقة . والتنبؤ يشير دائما إلي حادثة ممكنة . لكن لكي يكون هذا التنبؤ سليما بغض النظر عن كونه صادقا أو كاذبا ينبغي أن يكون محسوبا بدقة .

في هذا الضوء يكون هذا التنبؤ كافيا للعالم أو لفيلسوف العلم لأن يقول بصدده : إنه – أي التنبؤ – ممكن استنباطه . وهنا يظهر دور الملاحظات والتجربة في تأييد النظرية أو فشلها . هذا معناه أنه في ضوء التجربة يمكن مواجهة التنبؤات الخاصة بالنظرية بحالات الملاحظة ... فإذا نجحت التنبؤات هذه كانت النظرية مبررة، وإذا كذبت كانت مفندة أو كاذبة أو غير مبررة . أي أن اختبارات الملاحظة للنظرية العلمية موضع التساؤل تمدنا بإشارة نعم أو لا لتنبؤاتها  - أي تنبؤات النظرية. لكن نتساءل : كيف يمكن لنا نختبر نظرية علمية في ضوء فلسفة كارناب :-

1- لابد أن يكون لدينا نظرية قابلة للاختبار التجريبي .

2- أن نستخدم المنهج الفرضي الاستنباطي حيث يتم اشتقاق نتائج النظرية أو تنبؤاتها.

3- إعداد إجراء تجريبي أو الملاحظات الخاصة بهذه النظرية، وذلك لتأييدها أو رفضها .

4- وبعد التوصل إلي تأييد النتائج التجريبية المستنبطة منها يمكن للشخص الحكم علي النظرية وصحتها، كما يمكنه أيضاً معرفة أن حالات التأييد الكثيرة والمتنوعة لا شك في أنها ترفع من قبول النظريات والعكس صحيح.

وينتهي كارناب إلي القول بأن التطور العلمي إنما يتم عن طريق "تأييد" المشاهدة المستقاة من التجربة للنظرية المقترحة من العقل وكلما ظهرت نتائج جديدة لتجارب مختلفة حول نظرية ما كلما تأيدت صدقية هذه النظرية، وعلى ذلك فالتقدم إنما يتم بتراكم المعرفة شيئا فشئياً الأمر الذي يستشهد فيه عادة بمقولة إسحاق نيوتن الشهيرة: "إنني لم أستطع أن أرى أبعد من الآخرين إلا عندما صعدت على أكتاف من سبقوني". ورغم الجهد الذي بذله كارناب في تنقيح وتعديل "التجريبية المنطقية" لإنقاذها من النقد الشديد الذي وجه إليها، إلا أنها لم تستطع أن تحافظ على بريقها القديم فنشأت بعدها تيارات فلسفية أخرى، كان من أشدها عليها المنهج التكذيبي الذي تبناه كارل بوبر.

وخاتمة القول فإن التجريبية المنطقية برغم اختلاف أصحابها حول معيار التحقيق، إلا أنهم أجمعوا جميعاً علي ضرورة الأخذ بالتجربة الحاسمة للمفاضلة بين النظريات، وذلك لأنها بالنسبة لهم تمثل نتيجة امبريقية المعرفة العلمية، لذا قد تظهر في صورة صاحبة الدور العبقري الذي يقدم معايير لتأييد أو تفنيد النظريات العلمية في الحال.

وللحديث بقية!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

 

محمود محمد علييرجع مفهوم التجارب الحاسمة إلي الأصل اللاتيني Experimentum Crucis ؛ حيث Experimentum تعني تجربة ، Crucis وتعني  حاسمة  أو فاصلة أو قاطعة، ومنهما اشتقت الكلمة الإنجليزية Crucial Experiments، وتعني أنه عندما يكون لدينا فرضان أخضعا للاختبار عن طريق التجربة، فإن التجربة وحدها تنفي أحدهما وتثبت الآخر، عندئذ يقال إنها  تجربة حاسمة ، فحيثما توجد تجربة من هذا النوع، فذلك يفهم منه أن  أحداً يمكن له التحقق من فرض نظري، وذلك بحذف حاسم لكل المنافسين له – أي الفروض ، وبهذا فإن التجربة الحاسمة هي التي يمكن أن تحسم في لحظة بين عدة نظريات متنافسة، ووضع بدلاً من ذلك نظرية لفحص وفرز نتائج سابقة لنظريات متنافسة، ليري ما إذا كانت فاسدة أو متقدمة .

ويمكن توضيح ذلك بهذا المثال الذي ذكره الفيلسوف الوضعي كارل همبل Karl Hemple ؛ حيث يقول: إذا افترضنا أن ق1، ق2 فرضان متنافسان بخصوص موضوع معين، وأنهما صمدا إلي حد بعيد وبقدر متساو في الاختبارات الامبريقية لدرجة أن البينة التي في متناول أيدينا لا تفصل أحدهما عن الآخر . ويمكن التوصل إلي اتخاذ قرار بشأنهما إذ أمكن تحديد اختبار للفرضين عن طريق التنبؤ بنتائج متضاربة، أي إذا كان بالنسبة لنوع معين من شروط الاختبار  ط  أنتج الفرض الأول اللزوم الأختباري القائل  إذا كان ط إذن هـ 1 حيث هـ 1، هـ 2 نتيجتان استبعاديتان بالتبادل . هنا إجراء الاختبار الحاسم من المفترض أن يدحض أحد الفرضين ويؤيد الآخر .

ويمكن تطبيق ذلك علي تلك التجربة الحاسمة التي أجراها فوكولت Foucault 1819- 1868 لإتخاذ قرار بصدد تصورين متنافسين عن طبيعة الضوء . أحد التصورين قدمها العالم الهولندي  هويجنيز Huyghens 1629-1695 وطوره فيما بعد كل من العالم الفرنسي  فريزنيل Fresnel 1788 – 1827 والطبيب الإنجليزي يونج Yong  1773 – 1829 اللذان قالا بأن الضوء يتألف من موجات عرضية منتشرة في وسط أثيري، وكان التصور الثاني لطبيعة الضوء، هو تصور  أسحاق نيوتن Isaac Newton  1642-1727، القائل بأن الضوء يتألف من جزئيات صغيرة للغاية متطايرة بسرعة عالية . فقد ترتب علي كلا الفرضين أنه أصبح بالإمكان استخلاص النتيجة القائلة بأن أشعة الضوء تتطابق مع قوانين الانتشار للأشعة الضوئية في خطوط مستقيمة من جانب وتتطابق أيضاً مع قوانين الانعكاس والانكسار الضوئية. ولكن التصور الموجي أدي إلي اللزوم الاختباري القائل بأن الضوء يسير في الهواء أسرع منه في الماء، بينما التصور الجسيمي يؤدي إلي نتيجة مضادة . وفي سنة 1850 نجح فوكولت في إجراء تجربة قارن فيها بين سرعة الضوء في الهواء مباشرة فأنتجت صورتين لنقطتين ضوئيتين منبعثتين بواسطة أشعة الضوء المارة عبر الهواء والماء علي التوالي، ثم تعكسان في مرآه تدور بسرعة فائقة، واعتماداً علي أن سرعة الضوء في الهواء أعظم أو أقل منها في الماء تظهر صورة المصدر الضوئي الثاني . ولذلك أمكن أن توضع بإيجاز اللزومات الاختبارية المتضاربة التي تضبطها هذه التجربة علي النحو التالي: إذا أجريت تجربة فوكولت تظهر الصورة الأولي إلي يسار الصورة الثانية وقد أبانت التجربة عن أن اللزوم الاختباري الأول كان صادقاً . واعتبرت هذه النتيجة دحضاً وعلي نطاق واسع للتصور الجسيمي للضوء وانتصاراً حاسماً للتصور الموجي .

وقد ظهرت فكرة التجربة الحاسمة في القرن السابع عشر، وذلك من خلال  فرنسيس بيكون  Francis Bacon 1561-1626  في كتابه  الاورجانون الجديدNovum Organum ، حيث استخدم فكرة الشواهد الحاسمة Instantiae Crucis، وهي التي تبين لنا عندما نتردد بين صورتين لتفسير طبيعة معينة أن اتحاد احدي هاتين الصورتين بهذه الطبيعة اتحاد ثابت غير منفك، وأن اتحاد الأخرى متغير – هذه الشواهد يمكن إدارج الصورة المتغيرة منها في قائمة الغياب .

ومن الشواهد التي استخدمها بيكون ليعبر بها عن التجربة الحاسمة هو مثال  الإشارة بالأصابع Instance of the Fingerposts  ليعبر به عن مفترق الطرق ؛ حيث يذكر أن هناك نظريتين للمد والجزر، النظرية الأولي تقول إن المد والجزر يرجع إلي حركة المياه جيئة وذهاباً علي شواطئ الأرض، بينما النظرية الثانية تثبت أن المد والجزر يرجع إلي حركة الصعود والهبوط الدوري للمياه، وهنا يتساءل بيكون: أياً من هاتين النظريتين صادق وأيهما كاذب؟  وهنا يجيب بيكون بأنه اكتشف من خلال ملاحظاته أن شخصاً ما ممن يجيدون السباحة إذا ألقي نفسه من مكان عالي ليسقط علي حمام السباحة، فإن المياه تندفع في الجزء المقابل للحمام، فيحدث هبوط للمياه أثناء لحظة السقوط وصعود في الجزء المقابل هذا من ناحية، ومن ناحية أخري يذكر بيكون أن أحد الباحثين اكتشف أنه في حالة وجود فيضان علي شواطئ فلوريدا هناك ارتفاع وانخفاض وقتي للمياه ، وفي نفس الوقت واللحظة لا يكون هناك ارتفاع وانخفاض للمياه على شواطئ إسبانيا وأفريقيا . ونفس الشيء كذلك أنه في حالة وجود فيضان علي شواطئ بيرو فإن هناك ارتفاع وانخفاض وقتي للمياه ، وفي نفس الوقت واللحظة فإن المياة علي شواطئ الصين لا يكون هناك ارتفاع وانخفاض للمياه . وهنا توصل بيكون إلي أن النظرية الثانية أصدق من النظرية الأولي، فقد كشفت النظرية الثانية أن المد والجزر ظاهرتان طبيعيتان تحدثان لمياه المحيطات والبحار بتأثير من القمر، فالمد هو الارتفاع الوقتي التدريجي في منسوب مياه سطح المحيط أو البحر، والجزر هو انخفاض وقتي تدريجي في منسوب مياه سطح المحيط أو البحر .

وفي القرن الثامن عشر أستخدم نيوتن  لأول مرة لفظ Experimentum Crucis في سنة 1672، وذلك من خلال الخطاب الذي أرسله للجمعية الملكية للعلوم يخبرها عن اكتشافه الجديد في الضوء واللون، وهذا الاكتشاف يرد فيه نيوتن  علي التفسير الميكانيكي - الديكارتي للألوان، والذي يعول فيه  ديكارت Descartes 1596-165  أن  الألوان ميكانيكية، وأن المنشور هو الذي يحول الضوء الأبيض إلي ألوان . لكن هذه النظرية في نظر  نيوتن  لم تكن كافيه، بل غامضة أيضاً، وهنا قام بإجراء تجربة حاسمة للكشف عما يحدث عندما يمر ضوء الشمس الأبيض خلال منشور، وقد عمد نيوتن إلي عمل ثقب صغير في النافذة حصل بوساطته علي حزمة ضيقة من ضوء الشمس، فاعترض سبيلها بمنشور قبل أن تسقط علي ستارة بيضاء أو حاجز خلفه علي قرب منه . فبدلاً من أن يشاهد صورة مستديرة كالتي يحصل عليها من ألة التصوير ذات ثقب الدبوس للشمس علي الحاجز كما هي في الحالة من غير المنشور، رأي صورة مستطيلة ذات لون خفيف من الزرقة في قمتها، ولون خفيف من الحمرة في القاعدة . ولقد ألهمته هذه النتيجة وقادته إلي فكرة أن ضوء الشمس الأبيض يمكن أن يتكون من أشعة مختلفة الألوان: من الأشعة الزرقاء الأكثر قابلية للانكسار، إلي أقلها قابلية للانكسار، وهي الأشعة الحمراء، وإذا كان الأمر كذلك، فلا بد من أن تتكون الصورة المستطيلة التي علي الحاجز من عدة صور متداخلة للشمس له ألوان مختلفة، فلا يبقي غير أحد طرفيها النهائيين أزرق خالصاً، كما يبقي الطرف الآخر أحمر نقياً . ولكن لكي يتخلص من تداخل صور الشمس علي الحاجز أدخل نيوتن علي حزمة الضوء عدسة تعمل علي تجميع صورة الثقب الصغير الذي بالنافذة علي الحاجز، وعند ذلك قنع برؤية حزمة رأسية ذات ألوان ناصعة: الأحمر، البرتقالي، الأصفر، الأخضر، الأزرق، والبنفسجي، مع جميع الظلال المتخللة أو المتوسطة بين كل زوج منها، وكان هذا أول جهاز من أجهزة المطياف أو  سبكتر وسكوب ، وأول برهان حاسم علي الحقيقة القائلة إن الضوء الأبيض يتكون من أشعة ذات ألوان مختلفة وتتباين قابليتها للانكسار.

وفي هذه التجربة تمكن نيوتن من أن يوجد برهاناً حاسماً يثبت أن رواية  ديكارت حول أصل اللون محض كذب وهراء، فقد أعتمد علي سؤال هو: هل أصل الضوء الأبيض صاف وهل المنشور يصنع الألوان بأن يعدلها كما أدعي ديكارت ؟ أختبر نيوتن هذا التوكيد بأن حفر ثقباً في شاشة مجيزاً لجزء الطيف الأحمر فقط من المرور من خلاله، وقد شكل ذلك لحظة الحقيقة ؛ بمعني إذا كان  ديكارت محقاً، فإن المنشور ثانياً قد يتسبب بتعديل الضوء الأحمر، وينتج عن ذلك ألوان جديدة ؟ أما كان  نيوتن محقاً فإن الضوء الأحمر يبقي كما هو ولا يتبدل ؟ ولأن الضوء الأحمر مر عبر المنشور الثاني من دون أي تعديل، فإن اختبار  نيوتن الحاسم برهن أن المنشور لا يعدل الألوان، وأثبت أن الألوان كالأحمر علي سبيل المثال هو لون أساسي، وأن الضوء الأبيض قد تشكل نتيجة دمج الألوان المختلفة لأنه يحتوي علي كل ألوان قوس قزح . كما كان نيوتن أول من أثبت من خلال تلك التجربة الحاسمة أن الضوء الملون يمكن تركيبه ليكون ضوء أبيض، كما أدرك نيوتن أن الأشعة الضوئية ذاتها ليست ملونة، ولكن الإحساس باللون ينتج في الدماغ، باستنتاجه هذا تمكن نيوتن تمكن من اختراع التلسكوب العاكس ليتغلب علي مشكلة الألوان التي تظهر في التلسكوبات المعتمدة علي الضوء المنكسر.

ومن هذا المنطلق دخلت فكرة التجربة الحاسمة أدبيات فلسفة العلم، حيث استقبلها فلاسفة العلم المعاصرون ما بين مؤيد ومعارض ؛ فالمؤيدون ويمثلهم  التجريبيون المناطقة ، قد أكدوا علي أهمية ودور التجارب الحاسمة في تاريخ العلم، وهي لديهم نتيجة امبريقية المعرفة العلمية، لذا قد تظهر في صورة صاحبة الدور العبقري الذي يقدم معايير لتأييد أو تفنيد النظريات العلمية في الحال.

ومن المؤيدين أيضاً الفيلسوف النمساوي  كارل بوبر Karl Popper 1902-1994، والذي يري أن التجربة الحاسمة عليها عامل كبير في التكذيب، وبالتالي نمو المعرفة العلمية، فهي ضرورية من أجل تكذيب النظريات العلمية أو تعزيزها . فالنظريات التي تم تكذيبها بتجربة حاسمة، يجب نبذها واستبدالها بأخري في الحال، يطلق عليها فرضية تكذيب . فالعلم لا ينمو إلا بواسطة التكذيب القائم علي التجارب الحاسمة، وبالتالي فإن الرؤية العلمية الصحيحة في العلم كما يري بوبرهي أن تتخذ النمط النقدي صوب قوانينه ونظرياته ؛ أي أن علي العالم أن ينظر إلي القانون والنظرية من زاوية تقبل النقد، مما يجعل كل الاختبارات الحقيقة محاولات لتفنيدها، وإذا تجاوزت بنجاح هذه التفنيدات، فإنها تصبح معززة عن طريق التجربة الحاسمة .

وأما المفندون والمعارضون للتجارب الحاسمة وهم كُثر، فقد أداروا ظهورهم لمنطق اليقين التجريبي، واستحدثوا معايير أخري غير المعايير التي اعتادوا عليها في ظل فيزياء نيوتن التي سيطرت علي العقل العلمي بسبب اكتشاف زيف فرض الاثير وأنه فرض ميتافيزيقي ولا يمكن أن يبني منطق التحقق المعاصر علي ردود الأفعال، بل علي الفهم الصحيح لمنطق العلم . إذ كيف أتحقق مما لا أراه. إذن في ظل التطورات العلمية المعاصرة ليس هناك تجارب حاسمة فورية ذات واقع تجريبي في تاريخ العلم، فهل عندما نادي ديراك بنظريته عن الوجود السالب البوزيترون Positron كان يتكلم عن الواقع التجريبي، أو بالأحرى عن عالم ما وراء الخبرة .فلنقارن مثلاً بين تجربة  جاليليو Galileo  1564 – 1642 من فوق برج بيزا  عن السقوط الحر للأجسام، وبين تجربة المصعد عند  أينشتين Einstein  1879 – 1955 ، نجد أن الفرق شاسع، لأنه فرق بين عصرين، عصر كان يعاني من أزمة قديمة، فألقي بكل ثقله علي التجربة الحسية الحاسمة المباشرة، ورأي فيها القول الفصل في صدق أية قضية علمية، وعصراً آخر لا يري بأساً من الاعتماد علي التجربة التخيلية بعد أن أفلت الواقع من مصداقية الخبرة.

لكل ما سبق قصدت إلي إنجاز تلك المقالات عن  التجارب الحاسمة ودورها في تطور النظريات العلمية، وقد أخترنا أهم ممثلي التأييد: التجريبية المنطقية، وكارل بوبر، كما أخترنا أهم ممثلي التفنيد: العالم والفيلسوف الفرنسي  بيير دوهيم  Pierre Duhem 1861-1916 والعالم والفيلسوف المجري  أمري لاكاتوش  Imre Lakatos 1922-1974 . وللحديث بقية!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

 

مجدي ابراهيمتوقفنا في اللقاء السابق عند الفكرة التي عرضها كل من "أرنست رينان" و"ليون جوتييه" من كون العقلية العربية فُطرت على إدراك الجزئيات والمفردات، ولم تكن عقلية قادرة على استخلاص قضايا عامة، ولا استنباط قوانين كلية؛ فكانت من ثمَّ عقلية فصل ومباعدة، ولم تكن عقلية تنزع إلى الوحدة مما لم يعد في مقدورها الوصول إلى فروض ونظريات. فمن العبث أن نلتمس لدى العرب آراء علمية أو دروساً فلسفية مبتكرة خصوصاً وقد ضيّق الإسلام آفاقهم كما يقول رينان، وأنتزع من بينهم كل بحث نظري وأضحى الطفل المسلم على هذا يحتقر العلم والفلسفة.

وإذا كانت هذه الآراء ليست صحيحة بل جائرة كما ذكرنا فيما تقدّم؛ لأنها قائمة على العنصرية البغيضة والتعصب الممقوت للجنس الآري في مقابل الغض من أقدار الجنس السامي، وأن هذه المسألة لم يعد الاعتداد بها الآن كما كان من قبل يوم ظهرت فكرة تاريخية في حقبة زمنية تقوم على المفاضلة بين الأجناس؛ فإننا من جهة أخرى كنا قد استخلصنا من ذلك نتيجتين ذكرنا إحداهما في المقال السابق. أمّا النتيجة الثانية : فتترتب ترتيباً منطقياً على النتيجة الأولى، فماذا ينتظر من ثقافة تلك مقوماتها، وهذه هى ظروفها، غير الشعور الدائم بالاغتراب؟ وذلك لأن اغتراب "الذات العربية" اليوم، وشعورها الدائم بفقدان الهوية، وتمثلها لنماذج مفتتة تنتصر لشيوع لغة التمزق والتشرذم والتلاشي إنما هو نتاج طبيعي لافتقارها - مرة ثانية - إلى "ثوابت الوجود الروحي"؛ ذلك الوجود المُصدّر لكل القيم النشطة الباقية، والذي يمثل ضميرها الواعي كما يجسد ألزم سماتها الخاصة التي عُرفت بها على الدوام بين أمم العالمين.

كنتُ قد عالجت هذه "الفكرة" فيما طرحته من قبل حول موضوع "ثقافة الذات العربية والشعور بالاغتراب"، ولم أجد بديلاً يزحزحني عما كنتُ طرحته في السابق حول هذا الاغتراب الذاتي شعوراً يلازم تلك الثقافة العربية؛ فلنتذكر هنا بشيء من التحليل والتمحيص والوقوف على بعض النقاط ما أثبتناه هناك؛ لا لمجرَّد التكرار والإعادة فقط، ولكن لمجرد التذكرة بخصوصية "الفكرة" التي أثبتناها في محلها، ووجوب الوعي بها، والتنبيه إليها وإلى ما يلزم عنها من نتيجة قوية تتأكد معنا، وتترتب على ما قدمناه.

آفة الثقافة العربية؛ فيما لو لم تستطع أن تفعِّل "عقيدة التوحيد" على صعيد التذوق والتبْصرة أو على  المستوى العقلي والفكري والثقافي، وأن تصل من النزوع إلى الفصل والمباعدة إلى الانخراط في وجوب الوحدة بحيث تُقرن الأشباه والأضداد وتربطها بعضها مع البعض الآخر بما يجعل منها وحدة توحيدية واحدة في غير تنافر تفرضه شكلية الأداء أو تناقض يجيزه منطق المحسوس. أقول؛ إنّ آفة الثقافة العربية إذا لم تقتدر أن تجعل من التوحيد غايتها ومطلبها؛ فهى لا شك تنطلق في أغلب أحوالها وتعدد مواقفها من وهم، وتعود على وهم، وتتصور الحقائق على الجملة فضلاً عن التفصيل بفاعلية الوهم المعشعش في أدمغة منتجيها. ومنتجو الثقافة لا يبلغون من الحقائق المجردة مبلغهم من العلم بفاعلية الوهم أبداً، وإنما يبلغونها بالتجرد وببذل النفس طواعية في سبيلها؛ لكننا محكومون في أفكارنا، وآرائنا، وأحكامنا، ومنطلقاتنا الفكرية والشعورية بالهوى لا بالعقل المروض على التفكير البصير.

ومن شأن حكم الهوى أن يُملي علينا خيوطاً متشابكة ومختلطة بخليط عجيب من "الوهم"، ويظل الوهم يلفنا لفاً لا فكاك لنا من خيوطه الكثيفة المتشابكة، حتى ليملأ صدورنا بالتضخم، وعقولنا بالاعتقاد التقليدي المنبوذ، وذواتنا بالفراغ والسطحية، وسلوكنا بالتصرف الرزيل المشين؛ فيبدو كل ما نقوله أو نفعله إلى الوهم المتفشي في أعماقنا أقرب وأدنى من بلوغنا للحقائق التي يسبقها جهادُ للنفس شريف.

ومتى تغلغل الوهم في أفكارنا ومعتقداتنا، مضينا مع "الهوى" إلى غايته، فيسوقنا الهوى إلى ضروب متشابكة لا شك فيها من الأنانية وحب الذات وتضخم "الأنا".. إلى كثير من الصفات التي يغلب عليها حكمه فينا، ولا يغلب عليها فينا حكم العقل المقيد بضبط الأهواء ومجاهدة الآفات، وبلوغ الحقائق من ثمَّ بمقتضى هذا الجهاد لا بفاعلية الهوى الذي يتحكم فينا تماماً كما تتحكم فينا العادات، والمألوفات، والمرذولات، تحكم الأغلال تغلنا عن الحركة، وعن الحرية، وعن الاعتقاد الحر النزيه عن الأغراض : اعتقاد التوحيد، وفهم التوحيد، وإدراك التوحيد، وتصحيح التوحيد، وتفعيل التوحيد في حياتنا الباطنة قبل الظاهر منها لبصر الشاهد العيان.

هذا الاعتقاد الذي يعلو متسامياً عن كل عقيدة مقيدة بقيود الوهم بلا هداية يرومها قصد السبيل؛ فنحن - والله - واهمون في أقوالنا وأحكامنا وثقافتنا وعقائدنا؛ لأننا محكومون فيها بالهوى، مسيَّرون فيها بالأنانية وحب الذات، ناشطون النشاط كله في بلوغ الأهواء منا مبلغ العقائد الثابتة؛ ونحن - في ثباتها وتحققها في الحق -  واهمون. فأي غربة غريبة تستشعرها "الذات العربية" أغربُ من كونها تنمي قدراتها على "الوهم" وتُرْبي إرادتها على الزيف، وتصل إلى الأمور من طريق "الوهم" لا من طريق "الحقيقة" وتنطلق بادئ ذي بدء من حكم "الهوى" لا حكم "الإرادة العاقلة"؟ ثم ماذا؟! فإذا بذواتنا العربية تتشتت وتتمزق وتتفرَّق حيث لا يجمعها رابط من التوحيد وطيد.

من ذلك ترى؛ أن القناة الوحيدة للتعبير عن العقل العربي والثقافة الذاتية هى اللغة؛ فإن في إحسانها والتفاعل معها، والذَّوْد عن حماها، والقدرة على توظيفها، وإدراك مواطن القوة فيها ومواطن الضعف والتفرقة بينها، وتزكية كل موطن صالح فيها لتخطي حدود الزمان والمكان، والبلوغ بها إلى أعلى درجات التعبير عن خصائص العقل العربي؛ لأساساً يرجع إليه الذوق العربي في أعز مطالب عروبته؛ إذْ العروبة في أخص خصائصها - كما كان المغفور له أستاذنا الدكتور زكي نجيب محمود يقول - ثقافة وليست سياسة؛ العروبة ثقافة بلغتها "الشاعرة" كما وصفها الأستاذ الأديب الكبير "عباس محمود العقاد"، ثقافة يخضع لها طبع العربي بطريق مباشر نحو تلك الحياة التي يطلبها، وهو لا يحيا الحياة المطلوبة على أسمى معانيها إلا إذا تمكن من معارف عصره، ولن تجد لحياته بُغية ولا غاية إلا إذا تذوق لغته، وعبَّر بلغته، وصَوَّر بلغته، وأحسن فنون الذوق والتعبير والتصوير؛ حتى إذا هو أراد اللغة فلابد أن يريد الثقافة العربية في أرقى تجلياتها: "الذوق العربي".

لا شك كانت تلك الروح هى التي يتفق عليها أبناء العربية من المحيط إلى الخليج ومن المشرق إلى المغرب؛ أعني الروح العربية ذات الروابط "القيمية" المشتركة: اللغة، والتاريخ، والثقافة، والحضارة، والتقاليد، والإرث الخلقي والهمِّ السياسي، والأحوال الاجتماعية والظروف المعيشية، والمعتقدات الإيمانية؛ وهذه الأخيرة هى مقوِّم خاص من مقومات الروح العربي والإسلامي؛ لأنها بلا ريب هى روح باطنة تسري في أعمق أعماق الوجود العربي وتعطي له حق الاستمرارية والبقاء في مواجهة زعازع الفتن ومضلات الحياة الواهية وأباطيل الوهم المستشري دوماً في الضمائر والعقول.

إنمَّا الروح العربي بروابطها المشتركة وجماعاتها المتجانسة في الدم، والدين، والتاريخ، واللغة، والتقاليد، والإرث الحضاري والثقافي؛ لروح ناهضة، وإنْ ظن الظانون بها شتى الظنون، فسلبوها القدرة والعزم ووصفوها في الغالب بالعجز عن التقدُّم فوق ما نعتوها في غير رحمة ولا حرمة بالوهن والضعف والقهر والاستلاب. كانت عندهم روحاً مقهورة مستلبة، لا تحسن عملاً ولا تعبر عن إرادة، ولكن الحقيقة المشهودة لذوي البصائر غير هذا كله، وفوق هذا كله، وأبعد من هذا كله، يكذبه الروح العربي نفسه : روح الجد في غير يأس والتعاون والصمود والإرادة والعزم.

ومن أمثلة العزيمة والإصرار والإيمان المطلق بالعمل وعدم الفتور والقنوط من رحمة الله ثم الإخلاص والصدق بكل فعل إذا هو أرتهن فعله من أجل الله، كمن تقابله "صخرة" حجزت عنه طريق الإرادة والعزم، لكن هذا العزم أو تلك الإرادة قد تحايلت عليها بحيل الطبيعة الإنسانية وحيل الزمن، فكل يوم تنزل عليها نقطة ماء، ستراها من فورها آخر الأمر تنفلق. ومثال الإصرار لا نزاع فيه يصدقه الواقع التجريبي وعمل الحياة اليومية، ويكذبه فتور العزم وقلة الإرادة في مواجهة الصعاب وهو دليل من ناحية أخرى على "العمل" من غير يأس؛ لأن اليأس هو الذي يؤخِّر سبيل العمل إنْ لم يكن يقضي عليه ويذهِبُه أدراج الرياح؛ لأنه قاتل على جميع المستويات : الشعورية والفكرية والأخلاقية والعملية، قاتل على صعيد الإرادة الإنسانية الفاعلة والبناءة، ثم إن اليأس والقنوط ضد الإيمان بالله؛ والإيمان بالقدرات الإنسانية العالية التي هى في أول مقام قدرات وهبها الله للعامل حين يعمل، وبها يعمل، ويعبد الله في حال العمل بملكة التعلق به والتوجه إلى مرضاته تعالى في غير يأس، ولكن برضى وقبول وثقة بجميل عون الله :" إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون".

هذه خصائص مُتًجَذِّرة في الروح العربي ومتأصلة؛ تختفي أحياناً وتتوارى لكنها لا تنعدم ولا تتلاشى أبداً، وعليها تقوم نهضتنا العربية، لغة وثقافة وحياة روحيّة؛ لأنها الأصالة الأصيلة التي ينفردُ بها الوعي العربي فيما لو أخذ طريقه نحو اليقظة، واستمد ثوابته من صحوة الضمير، ومضى غير متوقف ولا خذلان نحو النهوض والتقدُّم والفاعلية والبناء.

وعلى هذا الروح العربي وحده : روح العروبة المستتر وراء الخلافات السياسية، والأنظمة الفاسدة الرجعية، تتعلق آمال المؤملين، فيقوم فينا التعاون الناهض البناء، وينبغي على الدوام أن يقوم في غير استسلام للغِيَر والطوارئ الخارجية. ولكنه، مع ذلك، لن يقوم لنا بناء، ولن تعلو لنا نهضة والروح فينا ممزقة، والحيوية فاترة، والهدف غائب، والراية منكسة، والجهاد منبوذ، والوعي مفقود أو يكاد، والوحدة التي تفرضها روح الثقافة مشتتة بين قيم هنا وقيم هناك، فمما لابد له، من تمركز حول "الوحدة"، يتبعه عمل بناء ونهوض فوري قائم على تلك الروح .. وإلا فالبديل هو "الكارثة" يستقبلها الوجدان العربي فوق ما يستقبل من كوارث ومضار وآفات.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

محمد فتحي عبدالعالهل راودك التساؤل يوما ما أصل الأبجدية التي نكتب بها اليوم؟

رحلتنا  اليوم مع  العلامة الفارقة التي غيرت وجه التاريخ على امتداده إلی الابد

فلنا أن نتخيل أصواتنا وحسب قد صارت السبيل الوحيد للتواصل؟!!! بالطبع سيكون وسيلة وقتية تنتهي بأنتهاء اللقاء فكيف نستعيد هذا الصوت وقد أنتشر في الهواء ومن المحال استعادته هكذا كانت حياة الأنسان الأول أيام تمر وتمضي ولكن بلا رجعة ومحلها النسيان ولاسبيل لتدوينها ولا طريقة لحفظها كأرث للاجيال القادمة .

قصتنا اليوم، قد تبدو بسيطة للوهلة الأولى خاصة وأنها تتعلق بأمر  نسمعه يتردد يوميا علي ألسنة أطفالنا من النشء: ألف باء تاء وA,B,C… لكنها في واقع الأمر، واحدة من أروع  الملاحم البشرية التي صنعت التاريخ الانساني  أنها قصة تستحق أن تروي أنها قصة الابجدية  حيث أولى مراحل تحول البشرية نحو الحضارة  والإنطلاقه نحو  الإنسانية والتي تحققت عبر  التواصل مع من حولنا من جهة والتغلب علي البعد الزمني والتاريخي الذي يفصلنا عن ماضينا ومستقبلنا  ولهذا كان التصنيف التاريخي للمراحل الإنسانية  عبر العصور، إلی  عصور ما قبل التاريخ أي عصور ما قبل الكتابة  وعصور ما بعده .يقول (سقراط) عن سعة أنتشار الافكار بعد اختراع الكتابة  أنه ما أن يكتب شيء ما، حتى تنساب المادة المكتوبة من مكان إلى آخر، بحيث تقع في أيدي من يفهمها ومن لا يفهمها، ومن لا علاقة له بها أيضاً.

تاريخ ظهور الابجدية:

تعتبر الأبجدية السينائية والتي أكتشفت في شبه جزيرة سيناء والمعروفة  باسم السينائية الأولى  Proto-Sinatic   أو  الكنعانية الأولى   Proto- Cannaniteهي أول كتابة أبجدية عبر التاريخ،  ونظرا للعثور علي أقدم نص من هذه الأبجدية في سيناء لذلك سميت الأبجدية السيناوية  حيث عثر علی هذه النقوش في عام 1905 بواسطة العالم الإنجليزي ( فليندر باتري) أثناء عمله في معبد «سرابيط الخادم» وكانت عبارة عن علامات شبيهة إلی حد كبير بالعلامات الهيروغليفية ولم تكن معروفة من قبل إلی أن تمكن عالم المصريات (الن  جاردنر) عام 1916 من فك أولي لرموز هذه الكتابة معتبرا أياها أقدم الأبجديات في العالم وفي عام 1948 تمكن وليم البرايت من فك رموز النقوش السينائية بشكل كامل. وبعد إجراء العديد من الدراسات تبين  للدارسين أن هذه الكتابة بمثابة حلقة الوصل  بين الهيروغليفية والفينيقية وهي أصل الأبجدية الفينيقية،و التي منها نشأت الأبجديات  العربية والأوربية الحديثة...

ولكن كيف قدر لهذه الأبجدية أن تعبر لقارات العالم وينشأ عنها هذه الأبجديات؟

اولا: الأبجدية اللاتينية:

كانت الكتابة في مصر باللغة  الهيروغليفية  وهی كتابة تصويرية، ومع عمل الكنعانيين في مناجم سيناء أمكنهم التعرف على الكتابة الهيروغليفية  ومن ثم وضعوا أبجديتهم أعتمادا عليها  وسميت   الكنعانية السينائية كما أشرنا انفا ومنها تحدّرت الأبجدية الفينيقية فبعدما أسس الفينيقيون (نسبة الي اللون الارجواني وهم أحفاد الكنعانيين القدماء ) قرطاجة، قرروا أن يكون لهم لغتهم الخاصة فحلت  اللغة الفينيقية محل اللغة الكنعانية الشبيهة بالرموز الهيروغليفية والمأخوذة من الابجدية السينائية وبنشأة اللغة الفينيقية أحدثت نقلة نوعية في التحول بالكتابة الي الأحرف الأبجدية حيث اكتفوا بالحروف الاولى من اسماء الصور فأجتمعت لديهم  مجموعة من الحروف كونت الأبجدية الاولى  فحرف الألف اشتق من رسم سينائي بدائي لرأس الثور وحرف "ب" اشتق من رسم سينائي بدائي لبيت،حرف "م" اشتُق من رسم سينائي بدائي عبارة عن (موجة)، اشتُق حرف "ك" من رسم سينائي بدائي لكف اليد. فيما اشتُق حرف "ع" من رسم سينائي بدائي للعين وحرف الجيم من الجمل، وحرف الفاء من الفم .

ومن  الفينقيين انتقلت الأبجدية إلی اليونانيين ويقول المؤرخ اليوناني هيرودوتس (ابو التاريخ) أن الكتابة الفينيقية دخلت إلی بلاد اليونان عن طريق رجل فينيقي يدعي كادموس  حيث تزعم الأسطورة الإغريقية, أن كادموس الفينيقي ابن الملك أجينور ملك صيدا  شيد مدينة طيبة اليونانية لينشر فيها الأبجدية  وكان كادموس في رحلته للبحث عن أخته أوربا (سمّيت القارة الأوربية بإسمها) وتخليصها من خاطفها (زيوس) كبير الآلهة اليونانية .فضلا عما قاله الجغرافي الإغريقي (سترابون) في (موسوعته الجغرافية الكبرى) نقلاً عن أمير البحر نياركوس قائد أسطول الإسكندر المقدوني, من أن الملاّحين الفينيقيين كانوا المرشد للسفن اليونانية في بحار ديلمون وذلك لخبرتهم الكبيرة بها ومن هنا يتضح ملامح قوة التأثير الذي أحدثه الفينيقيون في  لغة بلاد اليونان ومن الأبجدية اليونانية نشأت أبجديات أخرى، بما في ذلك اللاتينية، التي انتشرت في جميع أصقاع أوروبا، والسيريلية التي سبقت الأبجدية الروسية الحديثة.

الابجدية العربية:

يعتبر الباحث الألماني (ثيودور نولدكه) أول من أشار إلی أن الأنباط هم أصحاب الفضل في إيجاد الحرف العربي والأنباط هم ورثة الفينقيين في بعض المناطق وعلي الرغم من كونهم شعبا صغيرا إلا أنهم شعبا نشيطا أيضا إستطاع التفاعل مع الشعوب المجاورة تأثيرا وتأثرا كما تمتعوا بموقع استراتيجي متميز على موضع إلتقاء الطرق التجارية العالمية، التي تربط بين تجارات الهند وفارس والعراق من الشرق، ومصر من الغرب، والشام والروم واليونان من الشمال، والحجاز واليمن والحبشة من الجنوب وكانت أشهر مدنهم هي: البتراء (الرقيم) في الشمال، والحِجْر (مدائن صالح) في الجنوب.. وعن أصول الأنباط يقول ابن حجر في فتح الباري: (وهم قوم من العرب دخلوا في العجم والروم، واختلطت أنسابهم وفسدت ألسنتهم، وكان الذين اختلطوا بالعجم منهم ينزلون البطائح بين العراقين، والذين اختلطوا بالروم ينزلون في بوادي الشام، ويقال لهم النَّبَط بفتحتين.. والأنباط، قيل : سمو بذلك لمعرفتهم بإنباط الماء، أي استخراجه، لكثرة معالجتهم الفلاحة) وقد تعلمت  قريش الخط من الأنباط والذي استخدموه بشكل رئيسي لكتابة المعاملات التجارية. ومن أقدم نقوشهم نقش النَّمارة بسوريا  أو نقش إمرئ القيس أحد ملوك المناذرة في الحيرة قبل الإسلام والنقش الموجود في "معبد نبطي للات، أكبر الآلهة العربية الوثنية  في وادي رم  في الأردن.

وللحديث بقية.

 

د. محمد فتحي عبد العال

كاتب وباحث مصري

.

مادونا عسكر"لا أطلب للمرأة المساواة بالرّجل لاعتقادي أنّها تفوقه سموّاً بقلبها. والنّظريّات الّتي ترمي إلى تسويتها بالرّجل تحول حتماً بينها وبين عالمها الخاصّ الّذي به- به وحده- تظلّ محلّقة فوق كلّ أفق يستطيع الرّجل في جدّه وعبقريّته أن يبلغه. فالمساواة هبوط لها، لا صعود." (ميّ زيادة)

إذا كانت ميّ زيادة قد استحقّت أن تكون رائدة من رائدات النّهضة النّسائيّة العربيّة الحديثة، فلّأنّ ميّاً وعت أنّ ما للمرأة للمرأة وما للرّجل للرّجل. ولئن كانت ميّ على درجة عالية من الثّقافة، مطّلعة على تاريخ المرأة في الفترة الّتي سبقت سجنها، من تّصوّرات وعقائد انتزعتها من مكانها الحقيقيّ الأصيل، فهمت أنّ المساواة هو انحدار للمرأة من ذلك المكان الأصيل لا ارتقاء لها.

المساواة بين شخصين هي جعلهما متعادلين ومتماثلين. ما لا يحقّق صورة المرأة وذاتيّتها، لأنّها كما أشارت ميّ تفوق الرّجل سموّاً بقلبها. ولا ريب أنّ ميّاً مدركة للتّكوين العميق للمرأة المختلف عن الرّجل على المستوى الفكريّ والنّفسيّ والرّوحيّ، فكيف لها أن تماثل الرّجلّ وتتخلّى عن تلك السّمات الّتي لا يمكن للرّجل مهما فعل أن يبلغها؟ وبإشارتها إلى عالم المرأة الخاصّ تحدّد ميّ للمرأة ملامح حضورها في محيطها ومجتمعها بل في الكون بأسره. هذا العالم الّذي لا يمكن للرّجل أن يخترقه حتّى وإن نادى بتحرير المرأة وتثقيفها وتعليمها. فهو ينظر إلى الموضوع من خارج المرأة، ولا يدخل في تفاصيلها وتكوينها وتركيبتها. لذلك فميّ تقدّر مبادرة الرّجل أمثال المعلّم بطرس البستاني ورفاعة الطّهطاوي وقاسم أمين في المناداة بتعليم المرأة وتثقيفها، إلّا أنّها أدركت أنّ من يحرّر المرأة هي المرأة نفسها، وإلّا وقعت في فخّ قمعٍ من نوع آخر. تقول ميّ في محاضرة لها بعنوان "غاية الحياة" ألقتها في جمعيّة "فتاة مصر الفتاة": "صاح قاسم أمين في القوم يهديهم، ولكنّه لم يفته أنّ تحرير المرأة في يدها أكثر منه في يد الرّجل"، فالمرأة تعرف حاجاتها العميقة وتتبيّن أزمتها المؤلمة الّتي من خلالها تطالب بحريّتها. لكنّ هذه المطالبة لا تثمر ولا تلقى وقعاً مؤثّراً، وقد لا تنجح إلّا إذا تمّ توجيهها بصرامة ووعي واتّزان حتّى لا تنزلق المرأة في مطبّات الفوضى والاستهتار. لذلك نرى ميّاً تحثّ المرأة لا على المطالبة بحقوقها وحسب، بل على إدراك واجباتها والتّمسّك بها وتطوير أساليب التّعامل فيها لكي تتحقّق حقوقها. فمن لا يعرف واجباته ويلتزم بها لا يستطيع أن يطالب بحقوقه. وهذه إشارة مهمّة لكون ميّ تعاملت مع هذا الموضوع إنسانيّاً أكثر منه أنثويّاً. وبهذا تكون قد تناولت حرّيّة المرأة بشكل أكثر عمقاً ورقيّاً.

في مقال لها عن "الفتاة المصريّة وموقفها اليوم" نُشر في صحيفة "السّياسة" تواجه ميّ بشدّة الصّحافة المتهكّمة على الفتاة والمنتقدة لها باستهتار فتقول: "إنّ موقف الفتاة أهمّ وأعسر من أن يتناوله المتشائمون بالتّشنيع والزّراية والتّنديد ورمي ابنة مصر الحديثة بالغلوّ في التّبرّج، والشّرود عن حدود الاحتشام، وإغفال اللّياقة والكرامة فيما خطت إليه من بسطة الحرّيّة. وموقفها أدقّ وأرفع من أن يغمره المدّاحون بذلك الصّنف الهلاميّ المائع من الثّناء الّذي يخيّل أنّه بضاعة "تحت الطّلب" بالجملة سواء أكان المطلوب منها بعضها، أو ما يختلف على صنفها كلّ الاختلاف؛ ففي الحالين إنّما يفسد من الفتاة ذوقها، ويعكّر عليها وجدانها، ويلتبس أمامها وضوح المعاني والأشياء، ويضاعف في تشويش نفسها الحائرة." وفي هذه السّطور لغة شديدة القوّة، تنطلق فيها ميّ من داخل المرأة إلى خارجها، أيّ من دوافعها الشّخصيّة الكامنة في نفسها إلى المجتمع المحيط بها. وما انتقادها لهؤلاء المتشائمين والمسيئين للفتاة إلّا توجيه للفتاة نفسها في دعوة ضمنيّة لاتّخاذ مسار متّزن حتّى تتحرّر نفسها فلا تتشوّش. فمن جهة تواجه معها الانتقادات المتناولة سلوكها، ومن جهة أخرى تحمل المجتمع على إدراك تفاصيل هذا السّلوك لكي يتفهّم بدل أن ينتقد. فتضيف: "ابنة هذا الجيل كابنة كلّ جيل، لها عيوب ولها حسنات، وإن بدت العيوب مكبّرة لأنّنا نعيش على مقربة منها في حين ضربت بيننا وبين الماضي الحجب. وتشترك في تكوين هذه الميول عوامل شتّى: من وراثة، إلى وسط، إلى ألم، إلى سرور، إلى فرق بين عقليّة هذا الجيل وعقليّة الجيل الّذي تولّى أمره، إلى وحدة الفتاة بين نزعاتها وحاجاتها وحيرتها وسط قوم قلّ أن يعترفوا بأنّ لها شخصيّة غير شخصيّتهم  وأنّها تعيش في زمن غير الّذي كانوا فيه فتياناً". وهنا تكمن أهميّة إدراك كيفيّة نقل المجتمع من عقليّة إلى عقليّة متطوّرة تتيح له استيعاب الفتاة وتفهّم سلوكها وتوجيهه والولوج في تكوينها الذي تأثّر بالتّربية والمجتمع  وتوعيتها  على بناء ذاتها وفهم معنى حرّيّتها. فالانقلاب الحاصل في داخل الفتاة ينبغي ضبطه بالتّفهّم والتّوعية والاستيعاب والتّوجيه.

لذلك فالحرّيّة عند المرأة بحسب مي زيادة تتكوّن من عنصرين أساسيّين: التّعليم والعمل. التّعليم الّذي يسهم في تثقيفها وعقلنتها وارتقائها الفكريّ والعلميّ وتهذيب طباعها وتنمية ملكاتها ومواهبها. والعمل الّذي يحقّق حرّيّتها بمعناه العميق لا بالمعنى الّذي جنحت إليه المرأة فأغرقها بنوع من الفوضى. إذ إنّها حين غرقت في العمل، غالباً ما تخلّت عن واجباتها الأساسيّة كأمّ وزوجة ومدبّرة منزل. وتذهب ميّ عميقاً في هذا الموضوع لتشير بدقّة إلى عامل الوقت المهدور حتّى وإن نالت المرأة تعليمها. فالأوقات الّتي تقضيها دون عمل كفيلة بتحطيم قدرتها على التّطوّر والارتقاء. "فماذا تراها تصنع في هذه الفترة من الزّمن الطّويلة كانت أم قصيرة؟ بأيّ الأفكار وأيّ العواطف وأيّ الأعمال تراها تشغل ساعات النّهار والفراغ؟ وكيف تتصرّف في هذا الوقت حساسيّتها الوثّابة النّاضرة الفيّاضة؟"، التّعليم والعمل يسهمان في تكوين الشّخصيّة الإنسانيّة. فالتّعليم الّذي يهدف إلى استنارة العقول يكمّله العمل الّذي يطوّر هذا العقل ويمنحه خبرات عديدة تمكّن المرء من خوض غمار الحياة بعيداً عن التّفاهة والسّخافة والسّطحيّة والاهتمام بما لا ينفع. 

بالمقابل تتحقّق حرّيّة المرأة بالنّسبة لميّ زيادة في واجباتها أوّلاً، فتقول:"يصيحون: علّموا المرأة لتستنير، علّموها لتكون حرّة، علّموها لتشعر بكرامتها ككائن إنسانيّ، علّموها لتتعرّف حقوقها فتخرج مسلّحة بها إلى ميدان الحياة الفسيح... وأنا أقول: علّموا المرأة  فيكون لها شرف الرّجوع إلى داخل المنزل، ففي داخل المنزل الحرّيّة الحقّة والكرامة الإنسانيّة الحقّة، وانتصار الحقّ انتصار الواجب، وفي داخل المنزل ميدان الحياة الفسيح والعمل الأعظم الّذي يذيع النّور في بني الإنسان. إنّ المرأة الّتي لا تدرك عظمة المنزل- سواء أكان قصراً أم كوخاً- ولا تقدّر أهمّيّته وعذوبته ومبلغ تأثيرها فيه فتلك امرأة جاهلة ولو هي فازت بنصف دستة من الشّهادات الدّنيا والعليا والّتي هي بين بين!".

إنّ ما رنت إليه ميّ حرّيّة مسؤولة وواعية ومتّزنة، فلا حرّيّة من دون هذه العناصر الثّلاثة وإلّا استحال حال المرأة فوضويّاً مدمّراً. ولا شكّ أنّ في قولها توجيهاً للمرأة للحفاظ على مقامها كزوجة وأمّ وبذلك تماهٍ لصورتها مع الرّجل. فالعودة إلى داخل المنزل عودة إلى علاقة أفضل مع الرّجل، تتّسم بالوعي والتّبادل الفكريّ والعاطفي لكن على مستوى ندّين لا يختلف الواحد عن الآخر إلّا بالتّركيبة الإنسانيّة. المرأة الحرّة هي تلك الّتي تجيد إدارة محيطها وتجيد التّأثير فيه من خلال تعاطيها معه. ولقد أشارت ميّ في مكان آخر أنّ المرأة الغارقة في العبوديّة تربّي جيلاً من المستعبدين. وبالتّالي فحريّة المرأة مرتبطة بحرّيّة الأجيال القادمة ولا ترتبط بها فقط.

إلّا أنّ ميّاً لم تكتفِ بالاهتمام بتحرير المرأة، وإنّما انتقدتها بهدف استفزازها للعودة إلى واجباتها لتؤكّد حرّيّتها الحقّة. فقد آلمها أن ترى الأمّهات منشغلات عن أطفالهنّ ومنصرفات عن مسؤوليّاتهنّ: فخاطبتها قائلة: "صغيرك ينادي فلماذا لا تجيبين، يا أمّ الصّغير؟ لست بالعليلة لأنّي رأيتك منذ حين تميسين بقدّك تحت قبّعتك والجواهر تطوّق العنق منك. أنت صحيحة الجسم، فلماذا لا تسرعين؟ ألا تحرقك دموع الطّفل الّذي لا ترين؟ ألا يوجعك الشّهيق الّذي لا تسمعين؟ عودي من نزهاتك الطّويلة وزياراتك العديدة، وأحاديثك السّخيفة، عودي واركعي أمام الصّغير واستسمحيه عفوا." (بكاء الطّفل- المؤلّفات الكاملة لميّ زيادة- تحقيق سلمى الحفّار الكزبري- ص 306)

يلفت د. جوزيف زيدان النّظر في "الأعمال المجهولة لمي زيادة" إلى قلة كتابة ميّ حول تحرير المرأة إذا قارنّاها مثلاً بباحثة البادية الّتي رغم قصر عمرها، كتبت مجموعة كبيرة من المقالات عن قضيّة المرأة. كما يشير إلى أنّ تلك الكتابات الّتي كتبتها ميّ حول المرأة تتّسم بالاعتدال والتّعميم وتجنّب الخوض في أمور حسّاسة مثيرة للجدل كموقف الإسلام من المرأة. ويعيد ذلك إلى حذر ميّ من الخوض في هذه المواضيع الدّقيقة لأنّه تمّ انتقادها بشدّة من الأديب المصري محمد لطفي جمعة عام 1922 بسبب بعض آرائها. إلّا أنّني أرى ميّاً امرأة كتبت الكثير في القليل الّذي بين أيدينا، وإذا صحّ أنّها توخّت الحذر فلأنّها امرأة لا تحبّ المناداة المتهوّرة والصّراخ الفارغ، وإنّما تسعى إلى بلوغ هدفها بذكاء حادّ. فالقوّة لا تكمن في التّعرّض لمواضيع مثيرة للجدل بقدر ما  تكمن في القدرة على إيصال الفكرة واستفزاز العقل ليبحث فيها وعنها. ومن يقرأ كتاب ميّ زيادة عن ملك حفني (باحثة البادية) يهيّأً إليه أنّ ميّاً مازجت صوتها بصوت باحثة البادية وأكّدت آراءها وتطلّعاتها بما يخصّ المرأة. وبعملها الدّؤوب وتفاعلها الحقيقيّ مع الحركات النّسائيّة  وترصّدها رسائل القرّاء في باب أوجدته في القسم النّسويّ الاجتماعي من "السّياسة الأسبوعيّة" تحت عنوان "خلية النّحل"، لتمكين القرّاء من طرح أسئلتهم وتولّي آخرين الإجابة عنها، استحقّت ميّ أن تكون من رائدات النّهضة النّسائيّة والإنسانيّة. والأهمّ أن من يقرأ اليوم من السّيدات كتابات ميّ زيادة عن تحرير المرأة يعيد النّظر في أمور كثيرة بلبلت المرأة وشوّشت تفكيرها ونفسها ولعلّها أغرقتها في الفوضى دون أن تشعر. ما يعني أنّ حضور ميّ اليوم بحجم حضورها في الماضي، وقوّة تأثيرها في تكوين المرأة يعيد التّوازن إلى من فقدن توازنهنّ ويجدّد فكر من اعتبرنَ أنّ الحرّيّة  خروج عن الواجبات وإفراط في الأنانيّة وغلوّ في الاهتمام بالظّاهر.

"المرأة امرأة قبل أن تكون حسناء"، تقول ميّ. ولفظ امرأة ينطوي على معانٍ أسمى وأجلّ وأعظم وأعمق من ظاهر يحدّد ملامح الحرّيّة أو مساواة ملتبسة تدخل المجتمع  والأجيال في فوضى مدمّرة. لقد كانت ميّ صاحبة فكر عميق تمسّ صلب المسألة النّسويّة بوعي متقدّم ورؤى ناصحة قبل أن تشيع تلك الحركات ويختلط الحابل فيها بالنابل، ويمتزج الوضوح بالغامض.

 

مادونا عسكر/ لبنان