محمد عرفات حجازيالتنوير هو اتّجاه ثقافيّ ساد أوروبا الغربية في القرن الثامن عشر بتأثير طبقة من المُثقّفين عُرِفوا باسم المُتفلسفين، وكانوا صحفيّين وكُتّابًا ونُقّادًا ورُواد صالونات أدبيّة، ولم يكونوا أصحاب فكر بقدر ما كانوا مُروّجين لأفكار عصرهم.

واتّخذت حركة التنوير الأوروبية شعارًا بعنوان "العلم للجميع"، وكانت روح التنوير شديدة العداء للكنيسة وللسلطة مُتمثّلة في الدولة، وللخُرافة والجهل والفقر، أيضًا فقد كان شعارهم في كلّ شأن من شئون الحياة ينصّ على: "كلّ واحد حُرّ يفعل ما يشاء في تفكيره! مَشِّي حالك!".

استنادًا لما سبق، فإنّه إذا كان رُواد التنوير، عمومًا، ليسوا على ذات الدرجة العلمية أو التخصّص، فالأهمّ هنا هو استعمال النقد، النقد البنّاء، لكافة أشكال العطب المُتوغّلة في المجتمع، نقد التُراث، ونقد المُعاصرة. ومن جانب آخر، فإنّ شعار "كلّ واحد حُرّ... مَشِّي حالك" من الخطورة بمكان؛ إذ لا يُمكن أن نرفعه عاليًا في توجّهنا التنويري العربي، وهو ما يضع مسئولية أخلاقية تنويريّة جديدة على عاتق رُواد التنوير ذوي النزعة الإنسانية، الإنسانية فقط.

إنّ أصحاب الأيديولوجيات الرجعية ـ من كُتّاب وصحفيّين وإعلاميّين ورجال دين وقيادات الجماعات الدينية وفنّانين ...إلخ ـ والمُنتشرين عربيًّا كغُثاء السيل، ينفثون في العقل الجمعي العربي أفكارًا مسمومة، تخدم في النهاية مصلحة السلطة القائمة، أو توجّهاتهم الغربية المدعومة من الفكر الصهيوني، وذلك من خلال تفتيت النسيج الاجتماعي المُمزّق، وبالتالي فإنّنا أمام ضرورة مواجهة تلك الفوضى الفكرية العارمة، وهو ما يعني احتدام الجدل الفكري بيننا وبينهم، ووجوب تسلّحنا بالجرأة والشجاعة والأخلاق في آن معًا.

إنّ المُفكّر التنويريّ الأصيل، هو مُفكّر ذو نزعة إنسانيّة، ويُناط به مُمارسة التفكير الناقد لكلّ ما هو سائد، والانخراط في البحث الموضوعي بوصفه شاهدًا على الحقيقة، وتجسيد حُرّية التفكير، ومُمارسة المسئولية الأخلاقية والتخيّل الأخلاقي، ما يعني أنّه يحمل بداخله مسئولية مُركّبة تجاه وطنه..

 

محمد عرفات حجازي

باحث في الفلسفة والأخلاق التطبيقية ـ مصر

 

حنان اوراقكثيرة هي التصورات التي ترى بأن الخطاب الفلسفي، متمايز عن الخطابات الأخرى، أولا باعتباره خطابا عقليا، منطقيا، وثانيا لكونه يتوسل البرهان والتدليل في رحلته لطرح الحقيقة.

لأن اتخاذ الفلسفة للكتابة المنضبطة الصارمة، وبعدها عن الذاتية، ثم سعيها المستميت نحو غايتها الصريحة، يحدد بشكل ما قدرتها المتفردة على كشف المعضلات والوقوف على جوهر الأمور.

تقول آريس مردوخ في كتابها "نزهة في غابة الأدب: (الكتابة الفلسفية ليست شكلا من أشكال التعبير الذاتي بل تنطوي على كبح منضبط للصوت الداخلي. بعض الفلاسفة يطيب لهم الحفاظ على نوع من الحضور الشخصي في أعمالهم (...) لكن الفلسفة في نهاية الأمر تمتاز بصوتها الصلب غير المشخصنَ)(1).

 إلا أن الجرد الدقيق لكتابات مجموعة من الفلاسفة، يشي بحضور تلوينات اللغة وتقنياتها. لهذا تعددت المقاربات التي تبحث في مستويات التداخل، أو لنقل إمكانيات التداخل ، بين القول الفلسفي وأنماط التعبير الأخرى، وصلت إلى حد إعادة الإستشكال حول:

 هل وجود جنس تعبيري تنفرد به الفلسفة، هو حديث حالم، لا يقترب من الحقيقة في شئ؟ وأن التقاطعات التي بالإمكان رصدها بكتابات بعض الفلاسفة، هي فلتات وإستثناءات يمكن الوقوف على أسبابها ودوافعها؟ أم أن الفلسفة تحتاج اعتماد الخيال أحيانا لتتميم غاياتها ؟، بمعنى آخر هل استعارة الفلسفة لآليات الخطاب الأدبي، يحيد بها عن جوهرها؟ وبالتالي يشكل خيانة للخطاب العقلاني الذي تتبناه؟ أم أنه نافذة يوازن فيها الفيلسوف بين الأفكار، وبين ما يتأجج داخله من صور ذهنية، ليقترب من مستويات فهم العامة؟

بحسب التصنيفات المأخوذ بها، تمثل كل من الفلسفة والأدب مجالين مختلفين، لا إمكانية للخلط بينهما. فالأولى تتأسس على نسق حجاجي، مجرد، ومتماسك. في مقابل الأدب الذي يمتلك مساحات شاسعة من الذاتية، والزخم العاطفي. وبرغم ما قد نستجليه من مستويات التباين هذه إلا أنه أحيانا يصعب رسم حدود واضحة، فاصلة بينهما. باعتبار أنهما معا يمثلان مظهرا من مظاهر الوجود الإنساني.

 بشكل ما، نحن مجبرون على الاعتراف بهذا الاختلاف. وأيضا الإقرار بمستويات الاقتراب .

وقد اقترح الأستاذ والباحث عبد الرزاق الدواي، إعادة التفكير من جديد في الخطاب الفلسفي، باعتباره خطابا منفتحا على المتخيل. يستخدم آليات التمثيل والتخييل، كنوع من الاستدلال لإيصال الحقيقة. فاعتبر التمثيل قدرة ذهنية عند الإنسان، مثلما ذهب في ذلك الفيلسوف كانط .إذ جاء في كتابه نقد العقل الخالص:<< إن ما يملكه الإنسان من قدرة على رسم الخطاطات الذهنية، وعلى التمثيل والتصوير والتأليف بين العلاقات والأشياء، فن خفي ومدفون في أعماق النفس البشرية. وسيبقى دائما من الصعب أن ننتزع من الطبيعة أسرار الكيفية التي تشتغل بها هذه القدرة، ونعرضها مكشوفة أمام الأعين.(2)<< فالفلسفة الكانطية على ما يبدو، وإن علّت من مقامات العقل، فقد احتوت مظاهرا للخيال، حتى وإن بدت مظاهرا خفية، ضبابية وغامضة. 

ناهيك عن أنه عن طريق المتخيل، يصير بإمكان الخطاب الفلسفي، اختزال محدودية العقل البشري اتجاه اللامحدود. بمعنى آخر أن المتخيل بمستوى ما، يتيح التفكير في عالم المعقولات والموضوعات الميتافيزيقية، بصورة قريبة للتناول .

ولعل من أبرز الفلاسفة الذين استثمروا هذه الآلية في خطاباتهم هو أفلاطون، فبرغم العقلانية التي يعرف بها نسقه الفلسفي، إلا أن هناك وجها آخر آخذه عليه تلميذه أرسطو، وهو لجوؤه للخيال كوسيلة للتدليل على أفكاره وشرحها. فمن خلال "الجهورية" مثلا، يختزل أطروحاته السياسية والاجتماعية، ومن خلال "أسطورة الكهف" يعيد إنتاج إشكالية العلاقة بين الحقيقة والواقع، والتدليل على أن فكرة حقيقة الوجود التي تنشدها الفلسفة ،هي خفية وعصية على الإدراك، كل ذلك بمزاوجة متقنة للفكر باللغة، لمستويات صارمة من التعبيرية، وأخرى إشارية بامتياز.

الواضح أن عالم المثل الأفلاطوني لم يتيسر له إلا باستخدامه أقصى درجات الخيال، بل يمكن إجمال القول في أن أهمية المتخيل هنا، تبرز في كونها رصت عناصر الفلسفة الأفلاطونية بتماسك ملفت.

ولا يمكننا مغادرة هذا السياق، دون الإشارة أيضا إلى التشبيه الديكارتي الشهير للفلسفة بالشجرة، كمحاولة منه للدلالة على ماهيتها. برغم أنه يدعو في فلسفته إلى الإقصاء التام للخيال ،و الاستناد على العقل وحده لإدراك الحقائق .

كما أن بعض الفلاسفة مثل أرسطو سبينوزا، ابن رشد وآخرون، قد عبروا عن فكرة تفاضل الناس في طرق التصديق والإدارك. بالتالي اللجوء للمتخيل لم يعد مجرد ترف لغوي، وإنما حاجة ماسة، يتمكن الفيلسوف عبرها من بسط أفكاره للعامة. ولو أن التصورات الجديدة ،التي أنتجتها الإهتمامات الأخيرة حول إشكال المتخيل في الخطاب الفلسفي، تعتبر أن لجوء الفيلسوف لهذه التقنية هو دليل على ضعف مشروعه الفكري، وعجزه عن إيصال نسقه الفلسفي ليس إلا .

إذن التداخل بين القول الفلسفي والقول الأدبي، تداخل حاصل لا يمكن إنكاره .التساؤل الذي يطرح ذاته هنا هو ما مستويات وحجم هذا التداخل ؟ فإذا كانت العبارية في الخطاب الفلسفي تمكنه من أن يكون قولا محكما، مصرحا به ، باعتبار أن القول العباري قول مبسوط ، حقيقي وجلي في آن واحد. وأن الإشارية تختزل معانيه وتثريها، باعتبار أن القول الإشاري قول مجازي المعنى مضمره. فما الدرجات التي تضمن لهذا الخطاب الفلسفي التوازن دون أن تستهدف خصوصيته وتهدمها؟

تقول ايريس مردوخ :<< ينبغي على الفيلسوف المتمرس في صنعته الفلسفية ،أن يحاول توضيح مقاصده بالضبط ، وأن يتجنب التفخيمات البلاغية الطنانة وغير المجدية(3) <<.

يميل قول الأديبة آيريس هنا، إلى أنه يجدر بالقول الفلسفي أن يميل للقول العباري ما أمكنه ،بعيدا عن كل إشارية ومجازية مبالغ بها .

ويقول عبد الباسط لكراري في كتابه "دينامية الخيال" في حديثه عن كتاب "نظرية الشعر عند الفلاسفة من الكندي حتى ابن رشد" للدكتورة ألفت محمد كمال الروبي:<< أن هؤلاء الفلاسفة وضعوا القوة المتخيلة في منزلة وسط بين الخيال والعقل(4)<<

بما يعني أنه في خطابات بعض الفلاسفة، قد تم الإعلاء من المتخيل المرتكز على نوع من الاشارية والمجاز.

في حين يتناول الكاتب عبد الرحمان طه، بالحديث المكانة البيانية للقول الفلسفي بين الأقوال الأخرى عامة. مدققا في نسب التداخل والتفاوت التي أسلفنا الحديث عنها. فيخلص إلى أن أقصى درجات العبارية هي التي تتحقق في القول المنطقي، وأقصى درجات الإشارية هي التي يحتلها القول الصوفي. وأن أجناس القول الأخرى سواء كانت أدبية أو علمية، يتفاوت فيها حضور العبارة والإشارة بنسب مختلفة ، فاصلا في ذلك بين نوعين من الفلسفة، ما سماه بالفلسفة الطبيعية، ويقصد بها الدائرة التي تجمع أهل المجال التداولي جميعا، في مقابل الفلسفة الصناعية -والتي هي لاحقة عن الأولى-، والمقصود بها هنا حين تصير الفلسفة صنعة نتيجة ارتفاع مستوى التمرس والاشتغال. بمعنى آخر نتيجة التطور الذي يحصل بالوعي الفلسفي.

هذا الفصل في الطبيعة يخلق بالضرورة تباينا في حضور العبارة والإشارة في الخطاب الفلسفي حيث تبين أن الفلسفة الصناعية، لا تحقق أي قدر من التوازن البياني، لأنها تفصل تداوليا بين كل من الإشارة والعبارة. في حين أن الفلسفة الطبيعية، فلسفة متوازنة بيانيا، لا تقر بامتياز استعمال الواحدة على الأخرى أو العكس، إنما توجب نوعا من التوازن بينهما. ليس على مستوى الكم طبعا، وإنما على مستوى التساند والتكامل في الوظائف فتغلب الاشارة حينا والعبارة حينا آخر(5).

هكذا يبدو أن القول الفلسفي في مد وجزر مستمرين، ليس قولا عباريا خالصا ولا قولا إشاريا خالصا ، وإنما هو قول جامع موازن لهما معا على وجوه مختلفة، متباينة ومتفاوتة.

تقول آريس مردوخ :<<واذا ما كان الفيلسوف أي فيلسوف، يجود في طريقة كتابته، فتلك مزيّة تحسب له بالتأكيد وستجعله على قدر كبير من الغواية، التي تدفع الآخرين لدراسته .غير أن الكتابة الفاتنة لن تجعل منه فيلسوفا أفضل(6)<< .

إذن فلربما هذا الاندساس الخفي تارة، الجلي تارة أخرى، لآليات اللغة والمجاز في ثنايا الخطاب الفلسفي، لا يحط من قدر الفلسفة، بقدر ما يمدها بنوع من الحيوية، ويضمن لها بل يجعلها ربما أكثر إشراقا.

 

تحرير: حنان أوراق

......................................

المراجــع:

(1) آيريس مردوخ، في غابة الأدب، ترجمة وتقديم لطيفة الدليمي، دار المدى، ط الأولى 2018 ، ص 23

(2) عبد الرزاق الدواي، التخييل والتمثيل في الخطاب الفلسفي ص 136

(3) آيريس مردوخ، في غابة الأدب، ترجمة وتقديم لطيفة الدليمي، دار المدى، ط الأولى 2018 ، ص 22

(4) عبد الباسط لكراري، دينامية الخيال –مفاهيم وآليات الإشتغال- منشورات اتحاد كتاب المغرب، ط الأولى 2004 ص

(5) عبد الرحمان طه، فقه الفلسفة ، الفصل الاول القول الفلسفي بين العبارة والاشارة

(6) آيريس مردوخ، في غابة الأدب، ترجمة وتقديم لطيفة الدليمي، دار المدى، ط الأولى 2018 ، ص 20ق

 

محمد عبد الكريم يوسفعندما يتغير العالم نحتاج إلى نوع جديد من القادة  . لقد تغير العالم بالفعل .

قيل الكثير وكُتب الكثير عن التغيير وأهمية القادة  أينما كانوا بهدف التكيف مع المتغيرات التي تحدث في العالم . في الحقيقة ، يتم تسليط الضوء على أن فكرة القدرة على التكيف مع التغيير هي السمة الأكثر أهمية للقيادة . يجب أن نكون منصفين إذ يحاول العديد من القادة بإخلاص إجراء التعديلات اللازمة على شخصياتهم حفاظا على مناصبهم ومواقعهم .

لكن بالنسبة للجزء الأكبر من القادة  فإن التصورات القديمة التي عفا عليها الزمن والبالية في معظم الأحيان والتي تحيط بالقيادة ترفض بعناد الرحيل . يحاول القادة الكبار إظهار الرغبة في أن التغير مع المتغيرات العالمية ليصبح أكثر سيطرة و تأكيد سلطتهم بطريقة أكثر إقناعًا من أجل ضمان قيام الموظفين  بقبولهم بالنسخة الجديدة و "التسليم" بأنهم القادة الصالحون لكل زمان ومكان. هذه إحدى طرق ووسائل وغايات التغيير  . لكن عقلية "القيادة والسيطرة" القديمة للزعماء والقادة هي ذاتها لم تتغير  . في عالم اليوم ، هذا النوع من القادة لا يصلح  وليس فعالا ويشبه إلى حد بعيد محاولة إسراف الحوت بالغطس . وهذا لا يصلح للأسف في عالم السياسة والمال والأعمال .

إن الالتباس الذي يجربه القادة في المؤسسات الحكومية  في خضم ثورة نشاز "الخبراء" الذين لا يبخلون بأحدث صيحات الموضة والبدع في مجالات الإدارة والتنمية والتطوير لن يقود إلا إلى المزيد من الإرباك والفوضى ويشبه إلى حد بعيد من يصر على تقليد سير غيره فينسى مشيته . القيادة في عالم متغير دائم التغيير تحتاج إلى عقول متغيرة ومواكبة ومقاييسها دائمة النشاط والحيوية والحركة في عالم دائم التغير .  القيادة ليست مهمة سهلة في هذا الكون الذي يشبه قرية عالمية حيث اصطدام الثقافات والمفارقات هو القاعدة. يقع  جزء كبير من المشكلة في أن هناك تأكيدًا مفرطًا على "ماذا" و"لماذا " و "كيف" تكون القيادة على حساب تعزيز فهم أعمق للبيئة المتغيرة التي تحدث فيها القيادة . وتكون نتيجة ذلك أن هذه الممارسة أصبحت منقطعة عن النظرية الأساسية للقيادة  من خلال إهمال ماهيتها وخصائصها وطريقة عملها وهذا بدوره خطير للغاية  لأننا نستخدم عن غير قصد تقنيات وممارسات قديمة في مواجهة سيل من المشكلات والتحديات الجديدة المتغيرة وهذا يقود إلى نتائج كارثية على المدى القريب والمتوسط والبعيد . ويبدو أن كل ما يتم انجازه ينتهي بنا في نهاية المطاف إلى الدوران في الدائرة المفرغة حيث الدوران مثل الطاحون في نفس المكان من دون إحداث تقدم أو أدنى تغيير . يركز هذا النوع من القادة على الإسراع في انجاز الأعمال وكأنهم في سوق استهلاكية ليس غايتها التركيز إلا على الانجاز في الوقت المحدد دون التركيز على المحتوى . وبذلك تكثر الأخطاء والمراجعات والتعديلات ويتحول العمل إلى سوق لاستهلاك الحلول السريعة . لقد غزت القوانين التي لا يمكن دحضها وكتيبات النصائح عالم القيادة وكله على حساب الأداء الجيد والحقيقي والمقبول . و نتيجة لذلك ، أصبح جزء كبير من القياديين  أحادي النظرة وخيالي لا معنى له  والأسوأ من ذلك كله يصبح  القائد منفصلا عن الواقع لا علاقة له بالآخرين .

ما الذي يحتاجه القادة  لمواجهة هذا  الاتهام؟

هناك مجالان أساسيان يحتاج أي قائد فعال إلى استكشافهما وفحصهما وفهمهما. وهذان المجالان يتطلبان العمل الدائم والمستمر   و هما :   التركيز على أنفسهم وعلى سلوكهم  .  يعرف القادة الأذكياء معنى ذلك  ويعملون عمدا وبشكل فطري  للحصول على فهم أفضل لهذين المجالين .

القيادة لا تتعلق فقط "بما تفعله" بل في "من أنت". لقد امتلكت الشخصية القيادية فعل القيادة . و ظهرت مهارات الأشخاص في اقتصاد الاتصال  في قائمة الخصائص والمهارات التي يحتاجها القادة . والقادة الذين يستخدمون القوة  في حل المشكلات  يحصلون في أغلب الأحيان على مكاسب قصيرة الأجل .في العصر الحالي لا ينجح مثل هذا النهج على المدى الطويل ، وعندما يتعرض لمزيد من التدقيق يكشف دائمًا عن عيوب متعددة إذ يشعر الموظفون بأنهم غير راضين وغير آمنين ويفتقر نظام هؤلاء القادة للابتكار والمشاركة و المرونة  والتيارات القاعدية القوية ويعج بالبيئة السامة تمامًا.  الريادة في عالم اليوم حيث تتصادم الحدود الجغرافية والثقافية والاقتصادية  ليست سهلة أو مهمة بسيطة . يعمل القادة الأذكياء بجد لفهم أنفسهم مما يعني استكشاف معتقداتهم ومبادئهم وانحيازهم وحيزهم ودوافعهم . لم تعد المناظر الطبيعية الداخلية اختيارية لقادة اليوم . صار عليهم تعلم الكثير من المهارات الخارجية وإتقانها .

كيف يمكن لقادة العالم حاليا الانخراط في هذا العالم المتغير ؟

على القادة أن يتعلموا ويدركوا كيف تغير العالم وكيف يستمر في التغيير .عليهم تطوير أنفسهم  بما ينسجم وهذا التغيير وعليهم أن يميزوا بين العصر الحديث وعصر ما بعد الحداثة . وعليهم معرفة الكثير من المصلحات الجديدة التي تحدث الارتباك لدى القائد التقليدي . ويمكن مقاربة المسألة وفقا لما يلي :

أولاً ، هناك عالم خبير  في مختبره يرتدي قميصا أبيض اللون يمثل الثقافة الحديثة ويشكك بالثقافة التقليدية السابقة التي سادت فيها سلطة رجال الدين  وتقاليدهم وطقوسهم وقواعدهم المطلقة ويشعر أنه يتفوق عليهم بقدراته وطاقاته وقادر على حسن الاختيار والفهم يقف منتصبا وفخورا وجريئا يتسم بالصبر والأناة والعقلانية ويستمتع بالتكنولوجيا وممارسة التقدم العلمي  .

يعتمد العصر الحديث على الإثبات والعقلانية والقيادة تعكس طريقة التفكير الثقافي للعصر. تعكس القيادة الفعالة والناجحة الفكر الثقافي للعصر الذي توجد فيه .

ثانيا، هناك موسيقى الروك التي تمثل ثقافة ما بعد الحداثة . والإنسان التقليدي  يشعر بخيبة أمل وشك عندما يتعلق الأمر بالعالم الحديث وكل ما يمثله . ويتعارض موقف الإنسان التقليدي مع موقف محب موسيقى الروك في كل شيء تقريبا  لكن على الإنسان أن يدرك أن عالم ما بعد الحداثة هو عالم الروك وعلى القائد أن يدرك هذه الحقيقة جليا حتى يعالج الأمور بفعالية . هناك أربعة أشياء يجب فهمها  في عالم ما بعد الحداثة .

ما بعد الحداثة تشكك في اليقين و قادتها كذلك:

اليقين الموضوعي والحقائق المطلقة يتعرضان للهجوم في سلوك ما بعد الحداثة.  وتعتقد مرحلة ما بعد الحداثة  أن اليقين ليس على شيء وأن الشك هو مصدر المعرفة والتطور والسير نحو الأمام وأن الحقائق المطلقة خرافة لا يمكن الوثوق بها بأي حال من الأحوال .

ما بعد الحداثة حساسة للسياق و قادتها كذلك:

في عالم اليوم التنوع هو القاعدة  والتنوع يخلق عددا لا يحصى من السياقات ويجب على القادة الأذكياء أن يدركوا هذه الحقيقة وعليهم قبولها والسعي لفهم هذا التعقيد . وهذه المهمة ليست سهلة لأنها تقلق راحة من يقوم بها وعلى القائد أن يتكيف مع البقع الرمادية على حساب الأبيض والأسود . 

ما بعد الحداثة تفهم "العمل الجماعي" بطريقة مختلفة وقادتها كذلك:

في هذا العالم المتنوع والمتعدد الثقافات علينا أن نفهم كيف نشكل فريق عمل جيد ومتطور ويواكب متطلبات ما بعد الحداثة . في الماضي كان تشكيل الفريق من الأمور الميسرة لأن كل أعضاء الفريق متشابهون وينتمون لنفس السياق الفكري ويعملون على نفس الموجة وكانت عبارة الفريق الناجح تطلق على الفريق المطيع الذي ينفذ ما يطلب منه من دون ضجيج . حاليا لم يعد الأمر بهذه البساطة ، وعلى القائد أن يتكيف مع المتغيرات الجديدة  وقبول التغيير والتنوع لم يعد أمرا اختياريا وحيث أن التغيير يفرض نفسه وبالطريقة التي يريدها فعلى القادة أن يكونوا على نفس المستوى من وصار بناء الفريق الفعال من الأعمال الشاقة حاليا خاصة وأن عبارة " افعلوا كما أريد " لم تعد موجودة بنفس الصدى الاستبدادي السابق . على القائد تحضير نفسه لقبول تحديات التغيير أكثر من أي وقت مضى والتدرب على المتطلبات والمهارات القيادية الجديدة وغير المألوفة . 

ما بعد الحداثة تقدر التجربة الذاتية وقادتها كذلك:

يركز تفكير ما بعد الحداثة  على "هنا والآن" أي على التجربة الحالية . كما يعتمد على التعلم التجريبي الذي يشرك الشخص في العمل على أنه بالغ الأهمية. ويحتاج القادة إلى الدخول الكامل في هذه العملية التعاونية بطريقة غير محدودة وغير خاضعة للرقابة . إن محور هذه العملية هو الفرد ، وكذلك "الجماعة" .  سوف يحتاج القادة إلى أن يكونوا رواة للقصص  وقد تصبح هذه السمة علامة فارقة للقائد أو  الرئيس التنفيذي .يدرك القادة الأذكياء أهمية سرد القصص في تحقيق التماسك التنظيمي والنجاح في المؤسسات . في فكر ما بعد الحداثة ، يُطلب من القادة الاستماع باهتمام أكبر إلى القصص والاستعداد لرواية المزيد من القصص. القصص وسيلة لتبادل التجارب وبالتالي يتكون لديهم القدرة على تقديم رؤى جديدة  وزيادة الوعي  وتعزيز الإبداع والتعامل مع المتغيرات و التعقيد وعدم اليقين.

في فكر ما بعد الحداثة يجد القادة أنفسهم يعالجون قضايا لم يفكروا فيها من قبل في مقاربة القضايا الكثيرة التي تواجههم في أعمالهم . إن تعزيز قيم ما بعد الحداثة يعزز قيم الشفافية والإصلاح المؤسساتي ويساعد القادة في استكشاف قيم ومفاهيم جديدة غير مألوفة ومعالجة الإشكاليات الطارئة بروح الفريق بحيث يأخذ كل فرد دوره الفعال في المؤسسة .

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

.................................

المراجع

Global Leadership in a Changing World - ResearchGate

https://www.researchgate.net/.../256041286_Global_Leadership_in_a_Chang.

Leadership for a Changing World - Exponent Philanthropy

https://www.exponentphilanthropy.org/.../TeenPhilanthropyCafe-Leadershi...

Effective leadership in a changing world | G. Boseman ...

https://www.researchgate.net/.../305397859_Effective_leadership_in_a_chan.

Leadership in a Changing World | SpringerLink

https://link.springer.com/chapter/10.1007/978-94-009-1573-2_8

 

فارس حامد عبدالكريمقد يبدو أمراً غريباً ان يقال إن للجهل ثقافة، بل الأمر على خلاف ذلك، إذ يخطئ من يظن ان الجهل يعني ان الجاهل لا يملك من المعرفة والمعلومات إلا بحدودها الدنيا، الحال ان للجهل ثقافة هي الأخطر تأثيراً على حياة البشر ومستقبلهم ودواعي تطورهم.

بل ان ثقافة الجهل ومن خلال خزينها التاريخي تتغلب على ثقافة المعرفة في المجتمعات التي تعيش على مخلفات الماضي البالية وتمنع تحررها وتقدمها.

ومن مرتكزات ثقافة الجهل؛ تقديس العادات والتقاليد الموروثة بكل تفاصيلها دون قبول تمييز الصالح والطالح منها.

ومنها الإعجاب بمظاهر الإعتداء والنصب والإحتيال ولو نفسياً بإعتبارها موروثة من عادات الغزو والنهب والسلب وكسب الغنائم وإعتبارها مفخرة وصور من صور الشجاعة التي اعتادت عليها القبائل في مختلف الشعوب عبر التاريخ. وكم مجدت ثقافة الجهل الدكتاتورية ورموزها ذلك ان هذه الثقافة تربط الشجاعة والمجد بالجريمة والقتل والتعذيب وإرهاب الناس وكبت حرياتهم.

ومنها المعتقدات (سواء دينية او غير دينية) التي لا تستند الى حقيقة الدين ومعناه الروحي الحقيقي وتستند في اغلبها الى خرافات واساطير وأعمال شعوذة وهذه تشكل خزين ثقافي هائل تجمع عبر الزمن.

ومن مظاهرها الواضحة للعيان كثرة العرافين والسحرة ومن الغريب ان من بين من يراجعهم ويتعامل معهم من اصحاب الشهادات المرموقة!

ومن مظاهر ثقافة الجهل الخوف من كل ما هو جديد من ضروب العلم والمعرفة ومحاربته بلا هوادة

وقد استطاعت ثقافة الجهل عبر التاريخ ان تسقط خيرة الفلاسفة والعلماء والأدباء، ويحفل التاريخ بأمثلة مرة على ذلك، وتحل محلهم أرباب ثقافة الجهل من الانتهازيين والنصابين والتافهين والفاسدين .....

ومن اوجه ثقافة الجهل اعتبار ان للحقيقة وجه واحد وعلى هذا النحو هي ترفض الثقافات الإنسانية الأخرى وتمنع تلاقيها وتبادل المعارف فيما بينها.

 ولا يخفى ان لثقافة الجهل، وفي كل زمان ومكان، رجالها المؤتمنين على سيادتها وإنتشارها بما توفره لهم من نفوذ إجتماعي ومصالح ومكاسب خاصة.

ان ثقافة الجهل هي هي ثقافة البؤس والحرمان والفقر الدائم والعبودية الخفية والرضوخ للأمر الواقع.

ويبدو لي ان اول من تحدث عن ثقافة الجهل وحذر منها هو الرسول الكريم (ص) والامام علي (ع)

فقد جاء في الحديث الشريف (...وَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلًا)*.

وقال الإمام علي (ع) (لا تربوا أولادكم كما رباكم أباؤكم فإنهم خُلقوا لـ زمان غير زمانكم).

 

فارس حامد عبد الكريم

.....................

* أصل الحديث الشريف: " إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا، وَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلًا، وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حُكْمًا، وَإِنَّ مِنَ الْقَوْلِ عِيَالًا "

 

 

عبد الرضا حمد جاسممقدمة: اليكم التالي لطفاً:

1 - المخدرات كانت وستكون مشكلة عالمية تُعقد لها المؤتمرات والندوات وتُقام لها الدراسات والحدوث وتُقدم عنها التقارير السنوية وتشارك في كل هذه الفعاليات دول ومنظمات محلية ودولية ويحضرها متخصصون وأساتذة مرموقون بكل الاختصاصات لتداخل تأثيرها. كل الحلقات المحيطة بالعراق من الأقرب الى الأبعد تعاني وتهتم بها كثيراً. والعراق ليس استثناءً ولا يمكن له ان يقاومها مطلقاً لكونها "معولمة" وتقف خلفها مافيات عجزت عن الحد من نشاطها دول كبرى...والتعكز او المقارنة بين "كان" و"صار" غباء والغباء في مثل هذه المشكلة لا ينفع انما يفاقمها فعلى الاغبياء الكف عن التدخل والتداخل بها وعنها وحولها. وهذا يدفعنا لتنبيههم وهو الغافلون بالسؤال التالي عسى ان يفيقوا ويرحموا أنفسهم والمجتمع والسؤال هو: لماذا أصبحت أفغانستان من المراكز المهمة في زراعة وتصنيع وتصدير المخدرات بعد ان كانت خالية منها تقريباً حتى نهاية السبعينات من القرن العشرين؟ وانصحهم الاطلاع على تقارير الأمم المتحدة حول المخدرات وزراعتها وانتاجها وأسواقها وطرق تجارتها ليجدوا ان العراق لم يدخل في كل تلك التقارير والأرقام وان ما يُذكر عن تفشيها فيه لا يشكل سوى رقم صغير مهمل لا يدخل في كل الحسابات بالقياس الى ارقامها في دول عظمى مستقرة مثل الولايات المتحدة الامريكية وأوربا واليابان وكوريا الجنوبية ولا دول مثل إيران والسعودية والامارات العربية المتحدة ومصر ولبنان...فاتقوا الله لعلكم ترحمون "تُعقلون".

2 - تقرير الأمم المتحدة عن المخدرات لعام 2017 وهو من 34 صفحة اعداد مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة لعام 2017 الذي لم ترد فيه أي إشارة او تلميح او أي شيء عن العراق سوى في التوزيع الإقليمي حيث ورد اسمه مع الامارات والأردن وإسرائيل وفلسطين وسوريا وقطر والكويت ولبنان والسعودية واليمن وفلسطين وعمان والبحرين تفضلوا بالاطلاع عليه لتتوضح لكم الصورة وتعرفون كيف تُكتب التقارير وكيف يجري البحث والتدقيق...اليكم الرابط

https://www.unodc.org/wdr2017/field/WDR_Booklet1_Exsum_Arabic.pdf

واليكم نسبة المتعاطين بالنسبة لعدد السكان في بعض الدول للمقارنة لطفاً:

*  روسيا: احصائيات مدمني المخدرات في روسيا 12% من اجمالي عدد السكان ..

اجمالي عدد الوفيات الذين ماتوا حسب آخر احصائية عام 2017 متأثرين نتيجة الجرعات الزائدة 20 ألف شخص

* أفغانستان: احصائيات مدمني المخدرات في افغانستان 12 % من اجمالي عدد السكان .. منهم 9 % من الاطفال

اجمالي عدد الوفيات الذين ماتوا حسب آخر احصائية عام 2017 متأثرين نتيجة الجرعات الزائدة 200 شخص

* إيران: احصائيات مدمني المخدرات في ايران 4 % من اجمالي عدد السكان بشكل عام ..

اجمالي عدد الوفيات الذين ماتوا حسب اخر احصائية عام 2017 متأثرين نتيجة الجرعات الزائدة 3000 شخص

* الكويت: نسبة مدمني المخدرات في الكويت 3 % من اجمالي عدد السكان ..

اجمالي عدد الوفيات الذين ماتوا حسب اخر احصائية عام 2017 متأثرين نتيجة الجرعات الزائدة 60 شخص.

* الإمارات: احصائيات مدمني المخدرات في الامارات 6 % من اجمالي عدد السكان ..

اجمالي عدد الوفيات الذين ماتوا حسب اخر احصائية عام 2017 متأثرين نتيجة الجرعات الزائدة 190 شخص

* السعودية: احصائيات المدمنين على المخدرات في السعودية 0.3 % من اجمالي عدد السكان

اجمالي عدد الوفيات الذين ماتوا حسب اخر احصائية عام 2017 متأثرين نتيجة الجرعات الزائدة 340 شخص

* لبنان: احصائيات المدمنين على المخدرات في لبنان 2 % من اجمالي عدد السكان .. 3 % من اجمالي الذكور .. و 1 % من اجمالي الاناث،

اجمالي عدد الوفيات الذين ماتوا حسب اخر احصائية عام 2017 متأثرين نتيجة الجرعات الزائدة 90 شخص

* مصر: احصائيات المدمنين على المخدرات في مصر 10 % من اجمالي عدد السكان .. 15 % من اجمالي الذكور .. و5 % من اجمالي الاناث،

اجمالي عدد الوفيات الذين ماتوا حسب اخر احصائية عام 2017 متأثرين نتيجة الجرعات الزائدة 3900 شخص

* تونس: احصائيات المدمنين على المخدرات في تونس 3 % من اجمالي عدد السكان .. 4 % من اجمالي الذكور .. و 2 % من اجمالي الاناث،

اجمالي عدد الوفيات الذين ماتوا حسب اخر احصائية عام 2017 متأثرين نتيجة الجرعات الزائدة 400 شخص

* الجزائر: احصائيات المدمنين على المخدرات في الجزائر 2 % من اجمالي عدد السكان

اجمالي عدد الوفيات الذين ماتوا حسب اخر احصائية عام 2017 متأثرين نتيجة الجرعات الزائدة 550 شخص

* المغرب: احصائيات المدمنين على المخدرات في المغرب 3 % من اجمالي عدد السكان ..

اجمالي عدد الوفيات الذين ماتوا حسب اخر احصائية عام 2017 متأثرين نتيجة الجرعات الزائدة 1100 شخص

* تركيا: إحصائيات مدمني المخدرات في تركيا 1 % من اجمالي عدد السكان ..

اجمالي عدد الوفيات الذين ماتوا حسب اخر احصائية عام 2017 متأثرين نتيجة الجرعات الزائدة 800 شخص

* السويد: نسبة مدمني المخدرات في السويد 8 % من اجمالي عدد السكان .. 9 % من اجمالي الذكور .. و 7 % من اجمالي الاناث

اجمالي عدد الوفيات الذين ماتوا حسب اخر احصائية عام 2017 متأثرين نتيجة الجرعات الزائدة 350 شخص

* المانيا: نسبة مدمني المخدرات في المانيا 14 % من اجمالي عدد السكان .. 17 % من اجمالي الذكور .. و11 % من اجمالي الاناث

اجمالي عدد الوفيات الذين ماتوا حسب اخر احصائية عام 2017 متأثرين نتيجة الجرعات الزائدة 1050 شخص

* فرنسا: نسبة مدمني المخدرات في فرانسا 22 % من اجمالي عدد السكان .. 28 % من اجمالي الذكور .. و16 % من اجمالي الاناث،

اجمالي عدد الوفيات الذين ماتوا حسب اخر احصائية عام 2017 متأثرين نتيجة الجرعات الزائدة 1400 شخص

* اسبانيا: إحصائيات مدمني المخدرات في اسبانيا 18 % من اجمالي عدد السكان .. 24 % من اجمالي الذكور .. و 12 % من اجمالي الاناث،

اجمالي عدد الوفيات الذين ماتوا حسب اخر احصائية عام 2017 متأثرين نتيجة الجرعات الزائدة 630 شخص

* هولندا: نسبة مدمني المخدرات في هولندا 16 % من اجمالي عدد السكان .. 20 % من اجمالي الذكور .. و 12% من اجمالي الاناث

اجمالي عدد الوفيات الذين ماتوا حسب اخر احصائية عام 2017 متأثرين نتيجة الجرعات الزائدة 160 شخص

* بريطانيا: نسبة مدمني المخدرات في بريطانيا 12 % من اجمالي عدد السكان .. 16 % من اجمالي الذكور .. و 8 % من اجمالي الاناث،

اجمالي عدد الوفيات الذين ماتوا حسب اخر احصائية عام 2017 متأثرين نتيجة الجرعات الزائدة 2500 شخص

* أمريكا: احصائيات المدمنين على المخدرات في امريكا 8 % من اجمالي عدد السكان .. 11 % من اجمالي الذكور .. و5 % من اجمالي الاناث

اجمالي عدد الوفيات الذين ماتوا حسب اخر احصائية عام 2017 متأثرين نتيجة الجرعات الزائدة 34000 شخص

* نيوزيلاندا: نسبة مدمني المخدرات في نيوزيلاندا 4 % من اجمالي عدد السكان ..

3 -اليكم بعض الأرقام من العراق لتقارنوا: كشفت قيادة شرطة محافظة ميسان والمنشآت، اليوم الأربعاء، عن حجم نشاطاتها وإجراءاتها لمجابهة ومكافحة انتشار المخدرات في المحافظة. وقال قائد شرطة محافظة ميسان و المنشآت اللواء الحقوقي ظافر عبد راضي المحمداوي خلال مؤتمر صحفي عقد في مقر قسم شرطة مكافحة المخدرات و المؤثرات العقلية ان "شرطة المحافظة وباقي مفارز الأجهزة الأمنية و الاستخباريه تمكنت من تنفيذ عمليات امنية مهمة في مجال مكافحة متاجرة و تعاطي المخدرات " وبين انه أوقفت مفارز شرطة المحافظة (234) متهم ، للفترة من الأول من آيار الماضي و لغاية 20 آب الحالي من المتاجرين و المتعاطين في المخدرات والمؤثرات العقلية بالمحافظة، مشيراً الى أن عدد المحكومين خلال تلك الفترة بتهمة المتاجرة و التعاطي (106) وعدد المتاجرين بالمواد المخدرة من المحكومين (28)، والمتعاطين منهم (78) و المفرج عنهم (52) و أوضح ان كميات  المواد المضبوطة وانواعها من المخدرات لتي كانت كريستال(3كغم و596 غم) و مادة الافيون (81) غرام الحبوب المؤثرة عقلياً (569 قرص) وحبوب من نوع كبتاجون (1440 قرص) وأضاف قائد الشرطة بأن عدد الانبوبات لتعاطي المخدرات التي تم ضبطها خلال تلك الفترة كانت (78) و المواد المضبوطة من الأسلحة ( 8 مسدس،5بندقية كلاشنكوف ورمانة يدوية عدد3) فيما كانت عدد العجلات التي تم ضبطها (29عجلة) و(5)دراجات نارية تستخدم للنقل و الترويج و التعاطي] انتهى ""المصدر بغداد/ الغد بريس 22/08/2019""هذه الأرقام في محافظة حدودية مع إيران وخلال مدة أربعة أشهر تقريباً!!!!

***

أعود في هذا الجزء والتاليات الى مناقشة ما ورد في مقالة أ. د قاسم حسين صالح بتاريخ 02/07/2019 /المثقف: [في العراق..المجتمع يتعاطى المخدرات و الدولة تتعاطى السرقات].

http://www.almothaqaf.com/a/qadaya2019/938048

تلك المقالة التي قال عنها أ. د قاسم حسين صالح إنها: "عرض مكثف للورقة التي طرحها في النشاطين العلميين الذي أشرف عليهما يوم 22/06/2019 "

وأبدأ بعنوان المقالة الغريب والذي يتكون من مقطعين هما: "المجتمع يتعاطى المخدرات" و "الدولة تتعاطى السرقات" لماذا نناقش هذا الطرح؟ الجواب لأنه طرح خطير وخطورته ليست في صياغته فقط وانما في الموقع العلمي لمن طرحه...كثيراً ما يُطرح قريب منه في الأماكن العامة من قبيل "كلها تحشش" او "الدولة كلها تبوك" لكن ان يُطرح في مؤتمر علمي وندوة علمية من قبل أستاذ دكتور متخصص ومعروف ويتم نشره في وسائل الاعلام الحديثة العراقية والعربية هذا يحتاج الى تدخل بشكل صريح وواضح بعيد عن المؤثرات والاعتبارات.

1 ـ المجتمع يتعاطى المخدرات.

هل يعرف أ. د قاسم حسين صالح معنى المجتمع؟ أكيد يعرف وبشكل واضح ودقيق!!!

لم يتجرأ أي باحث او ناقد او صحفي او مسؤول سياسي او موظف عمومي او دارس بأي اختصاص في كل الدول المذكورة ان طرح مثل هذا الطرح سواء في مؤتمر علمي او في ندوة او مقالة صحفية او تحليل او محاضرة.

 المجتمع العراقي يتكون من حوالي(40) مليون انسان "حسب الاحصائيات المتوفرة" لا يتعاطى المخدرات فيه حتى0.1% أي ما يقارب (40) الف شخص وفق نسبة ال(0.1%) المفترضة من قبلي فكيف اذا كان هذا العدد حسب الإحصاءات التي اوردها أ. د قاسم حسين صالح في هذه المقالة حيث ذكر: [وتفيد إحصاءات العيادات الخارجية بالمستشفيات الحكومية في العام 2009 بأن عدد المدمنين على الكحول والحبوب الطبية المؤثرة عقليا بلغ(2017 ) مصابا، يرقد منهم في المستشفيات نحو(320) شخصا، فيما تذكر إحصائية الهيئة الوطنية لمكافحة المخدرات بإن عدد المدمنين المسجلين هو( 16) الفا بينهم أكثر من ألف طفل أعمارهم بين (10-14) بمحافظة بغداد لوحدها. وبحسب آخر إحصائية للهيئة الوطنية العليا لمكافحة المخدرات، هناك أكثر من(7000) حالة إدمان في العراق] انتهى

وهنا في هذا المقطع وفيما يخص الأرقام ومصادرها أجد غرابة كيف يتجرأ شخص ليضعها في ورقة تُطرح في مؤتمر علمي وندوة علمية وينشرها بشكل واسع؟: الحقيقة لا اعرف الفرق بين الهيئة الوطنية لمكافحة المخدرات والهيئة الوطنية العليا لمكافحة المخدرات، احصائيات الأولى كانت (16) ألف في بغداد وحدها والثانية كانت أكثر من (7) آلاف مدمن في العراق؟؟؟ هل هناك هيئتين في العراق؟؟؟ هل هذه الأرقام معقولة ومقبولة لتُطرح في مؤتمر علمي من قبل بروفيسور متخصص ومهتم؟؟ انها من عجائب "القطع واللصق" دون تفكير وتدقيق والمشكلة ليست بمن طرحها المشكلة الأكبر في جموع المتلقين الذين صفقوا في ابتداء وختام المؤتمر العلمي والندوة العلمية ومن رعاهما وساهم فيهما ومعهم كل من اطلع عليها ولا يدري ما ورد فيها.

 لم يخبرنا أ. د قاسم حسين صالح بصفته المشرف على المؤتمر العلمي والندوة العلمية وبصفته من قدم هذه الورقة فيهما هل كل الأرقام أعلاه تخص عام 2009؟ ثم هل من الصحيح علمياً ان تُناقَشْ ارقام عام 2009 في عام 2019دون مقارنتها بأرقام سنوات تالية لها؟ وهنا يبرز سؤال هو: هل لدى أ. د قاسم حسين صالح ما يؤيد تلك الأرقام من مستندات او نتائج بحوث ميدانية او وثائق عراقية او دولية؟ الجواب طبعاً وكما كل السابقات هو: كلا ...كلا...كلا. وهل هذه الأرقام تخص المخدرات ام المخدرات والكحول الذي يشجعه أ. د قاسم حسين صالح واعتبر تحريمه او منعه سبب رئيسي من أسباب انتشار المخدرات حالياً في العراق وانتشاره سابقاً سبب من أسباب عدم انتشار المخدرات في العراق ؟؟؟حيث كتب التالي في مقالته: [منع الخمور الطريق الى المحظور. تحليل سيكولوجي/المثقف/27/10/2016؟

http://www.almothaqaf.com/ab/freepens-18/911096

[في 18 كانون الثاني 2012 عقدت في اربيل ورشة عمل لمناقشة مسودة مشروع قانون المخدرات في الاقليم حضرها وزيرا الصحة والثقافة في حكومة الاقليم ووفدان من وزارتي الصحة والتعليم العالي في الحكومة الاتحادية وقضاة واختصاصيون اخرون. وقد تضمن القانون مادة تقضي بمنع بيع المسكرات. وحين جاء دورنا في المداخلة قلنا ان احد اسباب عدم تعاطي العراقيين للمخدرات هو تناولهم للعرق العراقي .. وعلى حد تعبير (صاحب خبرة): لماذا يلجأ العراقي للمخدرات ولديه حليب السباع!] انتهى

وكان قد ذكرها قبل ذلك بأربعة أعوام تقريباً في مقالته: المخدرات .. حرب استهداف القيم وتفكيك المجتمع.. دراسة اجتماعية ـ سياسية/المثقف 19/01/2012

http://www.almothaqaf.com/qadayaama/qadayama-09/59916

اذن من اين اتى أ. د قاسم حسين صالح بتلك الأرقام التي تضمنتها تلك الورقة المكثفة التي طرحها في مؤتمر علمي وندوة علمية؟

الجواب هو من قناة الجزيرة/ 07/10/2010 بقلم/ علاء يوسف من بغداد. الرابط

https://www.aljazeera.net/news/reportsandinterviews/2010/10/7/%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%B4%D9%81%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%85%D9%86%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AE%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82

استغرب مؤتمر علمي وندوة علمية وعلماء في عام 2019 يتداولون ارقام عام 2009 ومصادرهم قناة الجزيرة التي عليها آلاف علامات الاستفهام ...أي مؤتمر علمي كان. وكيف قبل "العلميون" ان يكون في مؤتمرهم العلمي مثل هذا الطرح غير العلمي...ومع ذلك،

 من أصل: مجموع (40) مليون انسان عدد سكان العراق "حسب المتوفر من الاحصائيات" هناك هذه الأرقام التي لا يمكن ان تعتمدها أي دراسة فهي ربما الأقل عالمياً وربما لا يُعترف بها لأنها بدون ما يعززها...إن إطلاق هذ العبارة "المجتمع يتعاطى المخدرات" تَّجني على المجتمع وعلى شباب المجتمع وبالذات انه صادر من متخصصين او دُعاة تخصص وبدون ما يؤيدها...اعتقد ان هكذا طروحات تسيء للطارح ولمنزلته العلمية ولكل من يقف او وقف معه او سكت ويسكت سواء من حضور ذلك النشاط او من قرأ هذه المقالة. نعم ان خطر انتشار المخدرات قائم والعراق مستهدف ومستعد ومهيئ وهو ليس استثناءً من كل دول العالم. واعلاه تقرير الأمم المتحدة بخصوص المخدرات لسنة 2017 يتضمن انتاجها وخرائط طرق نقلها والكميات المضبوطة منها والدول الأساسية فيها يعطي القارئ صورة مجسمة عنها مع أسماء من ساهم وشارك في هذا التقرير الشامل المعتمد ومن أشرف عليه وطبعاً ليس من بينهم من شارك او ساهم في المؤتمر العلمي والندوة العلمية التي أشرف عليهما أ. د قاسم حسين صالح ويبدو ان الفعاليتين لم يتم فيهما التطرق لهذا التقرير. """حسب ما منشور عنهما"""

لقد تركت تعليق على المقالة كنت اقصد به لفت نظر أ. د قاسم حسن صالح الى خطورة ما ورد فيها...وقد اجابني برد عجيب غريب سأتطرق للتعليق و الرد لاحقاً... و تعمدت التأخر في مناقشة هذه المقالة لأكثر من50 يوم (تاريخ نشرها في 02/07/2019) لفسح المجال امام أ. د قاسم حسين صالح لتدارك الانحراف الخطير، الجريمة العلمية الذي كانت عليه كلا الفعاليتين وكذلك لإفساح المجال أمام من شارك في هذه الجريمة العلمية ليعيدوا تنظيم ما ورد فيهما او ان يتدخلوا جميعاً او فُرادا لدى المواقع والصحف والجمعيات والمنظمات التي نشرت هذه المقالة اما لسحبها او إضافة تعليق عليها يصححون فيها ما يعتقدون انه ضروري او يعتذرون عن الأخطاء الكبرى التي وردت فيها او ان يطلبوا الغاء نشرها لكن دون جدوى كما يبدو وكالسابقات!!!!!

2 ـ دولة تتعاطى السرقات: هذا الطرح والذي قبله يؤشر حالة انفعال لا يجب ان تنطلق من خبير بعلم النفس ومؤسس ورئيس جمعية طبية نفسية... يمكن ان يُطلق من غير متخصص غير واعي لكن ان يُطلق من قبل أستاذ متخصص بموقع بروفيسور فهذا مع الأسف يثير القلق. ان هذا الطرح ليس فيه حرص لا على العلم ولا على المجتمع ولا على الدولة. يعرف أ. د قاسم حسين صالح معنى الدولة... هل توجد دولة سارقة من كل دول العالم؟ الجواب لا اعرف.

والأغرب ان أ. د قاسم حسين صالح أنهى المقالة "الورقة المكثفة" بمقطع غريب ويتناقض في جزء منه مع جزء من عنوان المقالة حيث كتب التالي: [المجتمع يتعاطى المخدرات والدولة مشغولة بالسرقات] انتهى

فبعد ان كانت الدولة كما في عنوان المقالة "تتعاطى السرقات" أصبحت في ختام الورقة المكثفة "مشغولة بالسرقات" والفرق كبير حيث يمكن ان يُفسر الانشغال بالسرقة ان الدولة تعطي أهمية كبيرة لمكافحة السرقات لان السرقة أكبر وأكثر تأثيراً وأخطر من المخدرات وربما هي من نتائج تلك السرقات او شكل من اشكالها.

ماذا سيكون موقف أ. د قاسم حسين صالح لو حضر غداً مؤتمراً علمياً عالمياً عن المخدرات وعُرضت فيه هذه الورقة او اسْتُعرضت بعض فقراتها في المؤتمر وطُلب منه توضيح لذلك او سأله أحد الحضور كيف أن: المجتمع يتعاطى المخدرات والدولة تتعاطى السرقات؟ او ما الفرق بين دولة تتعاطى السرقات ودولة مشغولة بالسرقات وبالذات إذا تُرجم ذلك الى لغات عالمية؟

لو طُرح هذا الطرح أي شخص في الكثير من بلدان العالم وبالذات بموقع علمي "بروفيسور" لتعرض لحملة إعلامية كبيرة ويُطالب بتقديم ما يدعم به أقواله من وثائق مصدقة لا تشوبها أي شائبة، وتستمر تلك الحملة وربما يتقدم من يعرض هذا الطرح على القضاء او قد يُعرض على لجان في البرلمان او منظمات غير حكومية لأن أي وثيقة لا يمكن لها ان تتطرق لهذه العبارة حتى لو كان 50% من المجتمع مدمن مخدرات او يتعامل بها والسبب هو ان ال 50% الأخرى افرادها سيتقدمون باعتراضات شديدة على هذا" التعميم"...

 يمكن ان يُطرح هذا الطرح على الهامش او خلف الكواليس او همساً بين البعض او في المقاهي وقد يظهر اثناء النقاشات لكن ان يكون عنوان لخلاصة مكثفة لنشاطين علميين وبتوقيع بروفيسور في علم النفس ورئيس الجمعية النفسية العراقية وما يحمل من درجات علمية وشهادات وتكريم ومواقع فهذا خطيرو يثير علامات استفهام كثيرة ويطرح أسئلة وشكوك، فالدولة هي المسروقة اليوم وليست سارقة.

وهي مناسبة لأقول بان السيد علي التميمي تفضل بأن ترك تعليق على مقالتي :حالات الانتحار في العراق (4) تطرق فيه الى هذا الموضوع "سأحصر التعليق فيما تطرق به الى عنوان مقالة أ. د قاسم حسين صالح" حيث كتب التالي: [...الا ان الدكتور قاسم اصر على منهجه الخاطئ والذي ظهر واضحا وجليا في مقالته الاخيرة (في العراق... المجتمع يتعاطى المخدرات والدولة تتعاطى السرقات) فقد نسب تعاطي المخدرات للمجتمع العراقي وهذا تعمد واضح في تعميم الظاهرة على المجتمع العراقي حسب ما يوحيه العنوان، وايضا نسب السرقة للدولة العراقية وهذا هو الاخر تعميم واساءة للدولة العراقية، وقد رددت عليه وسجلت ملاحظاتي حول الفرق بين مصطلح الدولة والحكومة وقلت له ان الذي يسرق هو الحكومة - بعض رجالات الحكومة - وليست الدولة، لكن الدكتور قاسم لم ينشر ردي على مقالته للأسف الشديد""] انتهى

وكان جوابي على تعليق الأستاذ علي التميمي هو :[ انا اعتبر النقد كما التحية فواجب الرد عليها محبب على اقل تقدير...لا شيء يمكن تغطيته في عالم اليوم، عالم الارشيف المتواجد في كل لحظة و بأوسع مجال...اليوم ليس الامس الذي كانت المقالة او الدراسة تُنشر في صحيفة واحدة و بتدخل من هيئة التحرير و من ثم يَّطلع عليها البعض القليل و تُرْكَنْ في ارشيف الصحيفة الذي هو عبارة عن رفوف تغطيها الاتربة و تعيش عليها/فيها الجرذان بحيث لا يجازف بالمرور عليها الكثير من القراء و المتابعين واذا كانت المصادر سابقاً محدودة و صعب الوصول اليها اليوم هي من تطرق الابواب بأساليب جذابة...عليه كل شيء يُسجل مع صورة صاحبه و التاريخ بالثانية و من لم يرد ذلك يأكل من جرفه فالمد عالي و الكلام و الكتابة ليس عليها رقيب اليوم الا الضمير و الاحترام...اشارتك استاذي الفاضل الى عدم الرد لمستها من اخرين ايضاً و هذا غير مرغوب فيه . وهذا شأن بعض الصحف الملتزمة وبعض المواقع التي لم تنشر ردودي ايضاً ليس تحت طلب هذا او ذاك والاستاذ الدكتور بريء من ذلك لكنها المجاملات... كان لي تعليق على مقالة أ. د قاسم حسين صالح الاخيرة حول المخدرات] انتهى

بالمناسبة وهذا ليس في سياق موضوعة المخدرات انما في سياق ما طرحة السيد علي التميمي من تعمد أ. د قاسم حسين صالح عدم نشر بعض التعليقات  ولو ان هذا ما يسمح به النشر وله الحق في ذلك لكن أتمنى عليه ان يترك هذه غير المفيدة وبالذات عندما يكون التعليق وفق أصول التعليق و يخص ما ورد في المقالة ... يمكن له ان لا ينشر التعليق لكن عليه الاستفادة منه وحصل معي في اخر مقالة له  حيث نشر أ. د قاسم حسين صالح مقالة تحت عنوان: [مواقف المرجعية الصبر الى الإنذار المبين وحقائق محرجة]/المثقف/13/08/2019 ذكر فيها التالي: [بين خطابين للمرجعية في شهرين، تحول كبير في موقفها من الطبقة السياسية. ففي (10 مايس 2019) القى الشيخ عبد المهدي الكربلائي في اول يوم جمعة من شهر رمضان دعا فيها الى الصبر واللجوء الى الله والاعتقاد (بأن لي رب قادر وحكيم ورحيم وعطوف بي وحنون عليَّ هو سيعينني على ان اتجاوز هذه المشاكل والازمات). وفي جمعة (9آب 2019) القى الشيخ احمد الصافي خطبة فيها تساؤلات من جزع ونفد صبره...الخ] انتهى

فكتبت له تعليق ذكرت له فيه ان هناك خطأ بسيط في المقالة وهو ان الفترة بين 10 مايس 2019 و9 اب 2019 ليست شهرين انما ثلاثة أشهر كنت أتوقع أن يجيبني شاكراً او على الأقل ينشر التعليق او ان يرجو من هيئة التحرير تصحيح هذا الخطأ البسيط او يكب التصحيح في حقل التعليقات او يعالج ذلك في المواقع الأخرى التي نشر فيها بعد ذلك...لكن جوابه كان عدم الاهتمام بكل تلك الأمور فلا نشر التعليق الذي ضمنته تهاني بعيد الأضحى ولم يطلب تصحيح الموضوع... مع العلم ان المقالة كانت قد نُشرت في مواقع عديدة ولم اجد من نبه الدكتور قاسم على ذلك. وهو القائل في مقالته: العراقيون..وسيكولوجيا الاعتذار و الخلاف مع الأخر/المثقف/ 13/05/2019

 [ومشكلة السياسي العراقي أنه مصاب بـ(تضخّم الأنا) وحب الشهرة.. بمعنى أنه يرى نفسه الأجدر والأحق بالقيادة. وما لا يدركه كثيرون انه ينجم عن هذه العلّة أمراض سلوكية أخطرها (العناد العصابي).. وتعني الأصرار على الموقف حتى لو كان خاطئا، بطريقة يبدو فيها للآخرين محيّرا، وخالقا لأزمات تحدث فوضى فكرية يختلط فيها خطأ وصواب أطراف الأزمة.. وأحداث  ما بعد 2003 تثبت ذلك...] انتهى

وفي مقالته ثقافة الاعتذار/المثقف/15/04/2014 كتب: [وبالصريح، فان العراقيين يستنكفون من الاعتذار، وهم معذورون لأنهم يرون فيمن يفترض انهم قدواتهم لا تعتذر، أعني المسؤول السياسي، والمعلم، والمدرس، والاستاذ الجامعي فضلا عن الصراعات السياسية الأخيرة التي افرزت اصطفافات اشبه باصطفافات العسكر في الجبهات الكل مشحون بالهجوم على الآخر] انتهى

تعليق على التعليق: أقول نعم فيما ذهب اليه الأستاذ علي التميمي...لا نقول مطلقاً ان "مجتمع يتعاطى المخدرات" حتى على المجتمع الافغاني الذي قيل عنه الكثير او المجتمع في كولومبيا او المجتمع الأمريكي الذي تنخر به المخدرات ولا على المجتمع المصري الذي سمعنا الكثير عن موضوع المخدرات فيه...ان هذا الطرح عيب علمي/ثقافي.

ونعم حول موضوع الدولة والحكومة فالدولة "هي المسلوبة المسروقة" ويتهمها أ. د قاسم حسين صالح بأنها تسرق...هذا عيب علمي/ثقافي ايضاً...والعيب هنا هو طرح كلام غير موزون ولا يُقَّدرْ وقعه ولا يُعرف تأثيره على المجتمع...

و أ. د قاسم حسين صالح كان قد كتب في مقالته: لأن العراق أصبح اشبه ب"المنهوبة" /المثقف/15/03/2014 التالي: [وما يوجع، ان العراق منهوب ليس في ثرواته فقط بل وفي قيمه واخلاقه وسلطاته الثلاث وحاضره ومستقبله. وصار لا ينطبق عليه مفهوم الدولة الذي نجم عن غيابها أمران خطيران: تراجع مفهوم الشعور بالانتماء للوطن لصالح تقوية مفهوم الهويات الطائفية والقومية والدينية التي تفرّق المجتمع .. وانشغال النخب الحاكمة بمصالحها الشخصية وتقاسم الثروة التي تسدّ الأفواه ما دام جمعهم يتنعم] انتهى

يتبع لطفاً

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

مجدي ابراهيمشاعت في مصر منذ سنوات ثورة صُحفية على اللغة العربية بين مؤيّد ومعارض، حول كتاب كان ظهر يومها بعنوان "لتحيا اللغة العربية .. فليسقط سيبويه"! نحن لا ندري بالحقيقة: علام استقرت فيها النوايا؟! أإلى خمود ووجوم وعزوف وإعراض، ثم اعتبار هذا الذي حدث كله مثل "زوبعة في فنجان"! أم إلى تفجير طاقات العمل الجاد نحو ما ينبغي عمله إزاء اللغة التي ندين لها بالهُويَّة والمحبة والتواصل والعرفان؟!

فلئن كانت "الثورة" أسفرت عن ركود وضمور، كأن ما حَدَث لم يكن من الأصل قد كان، فهو اللعب الفارغ بالضمائر والعقول، والتسْرية التي لا موضع لها ولا ضرورة فيها في هذه المرحلة الزمنية الحرجة التي تفترض التماسك والترابط والتخلي عن الشكليات الباردة في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى حفظ الهُويَّة معصومة من عوامل التشتت والتمزق والبلبلة والتفريق.

ولئن كانت "الثورة" قد أنتجت نظاماً تجديدياً يمنح الواقع المصري قوة بعد ضعف، وتماسكاً بعد فُرقة، وإعادة بناء في العملية التربوية والتعليمية بعد قشور فارغة وسلبيات مستشرية؛ فهو المُراد بالتغيير المرجُوِّ وهو الأمل المأمول بكل تأكيد. وأغلبُ الظن عندي أن هذا الافتراض الأخير لا يمسُّ الواقع الفكري والثقافي ولا حتى الواقع الفعلي بكل ضروبه في شيء، كائنة ما كانت مثل هذه الثورات المفتعلة التي تقوم في الأغلب الأعم بغير روح مسنودة على كيفية الوعي المدرك لفكرة التغيير، بل تتكاتف فيها أنظمة التعصب والشللية البغيضة، وألاعيب صبيانية صغيرة تفترق أحياناً وتجتمع، ولكنها حين تجتمع لا تجتمع إلا على سوء ما اجتمعت عليه.

أغلبُ الظن عندي مرة ثانية؛ أن الذي حدث منذ سنوات كان "مقامرة لاهية" بين فريقين، أحدهما: لا يجد ما يقوله إذْ يعتمد على فضول القول وقشور الآراء فيما يأخذ من هنا ومن هناك مادةً قديمة لا يُعمل فيها عقله ولا فكره ولا ضميره ولا روحه، قد سبق أن أثارها الناس ولا يزالون يثيرونها بين حقبة وأخرى؛ تحت حجة التجديد المختلق وذريعة التطوير الذي تفرضه الضرورة العملية. وإنه لاضطراب يُشاع من أجل تفتيت مقومات الأمة العربية والإسلامية في أعز ما تملك، بادئ الرأي فيه سلامة النية، وباطنه على التحقيق حملة عنيفة كاسحة (أو إنْ شئت قلت: حملة كاسدة) بدأت مع طلائع حملات التبشير الذي سبق الاستعمار الغربي للبلاد العربية والإسلامية، بل استعمار الشرق كله فيما لو استطاع، يهدفُ إلى تدمير اللغة العربية، ومحاربتها بأشد صنوف المحاربة، والاعتداء على حرمتها؛ وبخاصّة إذا كانت هى لغة القرآن: لغة الدين ورمز الوحدة التي يريدون لها أن تتفرّق فلا تعود أبداً لا تعود !

هذا هو الفريقُ الذي أثار الزوبعة القديمة فقالوا عنه غافلين: إنه ألقى بحجر في مياه راكدة. وفي الحق؛ ما كانت مياه اللغة لدينا أبداً راكدة، بل نحن أبناء العربية .. نحن الراكدون!

أما الفريق الثاني؛ فهو الفريق المدافع عن اللغة الغيور عليها، وينقسم هذا الفريق إلى قسمين: الأول؛ تشتمُّ في كتاباته رائحة المجاملة على حساب الولاء للقيم وتخفيف حدة البيان المضاد الذي من شأنه إزاء الكوارث أن يشتد ويحتد ولا يعرف - من ثمّ - مثل هذه "المحسوبية" الخبيثة؛ ولو جاءت من الصديق، والعزيز، والأخ، والأستاذ. وعذر هذا القسم من ذاك الفريق أنه يحسب أن معارضة الاجتهاد غبنُ للمجتهدين، ولو فطن إلى الحقيقة لأدرك أنها فوضى من فوضى، ولها بالفوضى نسبُ عريق.

أما القسم الثاني - وكاتبُ هذه السطور منهم - فهو الذي يرفض رفضاً باتاً وقاطعاً كل محاولات المساس باللغة في قواعدها وإعرابها واشتقاقاتها، وإيحاءاتها ودلالاتها، أو تحويلها إلى عامية تافهة، ولا يعيب اللغة في ذاتها بمقدار ما يعيب المنتسبين إليها ممن صرفوا عنايتهم كلها نحو الدِّعة والاستكانة وهاموا بعيداً عن أصولهم هيام السوائم نحو ما يشتهون؛ فإذا باللغة وقد تبدَّت عندهم جوامد صخرية صلبة تحجَّرت فلم تتطور منذ أن نزل بها القرآن الكريم، الموصوف من قبيل الله تعالى باللسان العربي المبين.

كانت لغة العرب قبل القرآن هى ترْيَاقهم وحياتهم الروحية والشعورية، وهى إعجازهم وتفردهم بها بين الأمم؛ ولما أن نزل القرآن الكريم زادها إعجازاً، ونزل بالإعجاز فيما تميزوا به، ولكنه الإعجاز الذي يُعجز العاجز عن البيان أن يسيغه ويتذوقه ويتحلَّاه. ومن هنا؛ فقد أراد من أراد للغة أن يجمِّدها ويحجِّرها، نظراً للعِيِّ الذي لا يرقى قط إلى بلاغة البلغاء، ونظراً للجهل وللغفلة، ونظراً للنكوص وللتردي.

أقول؛ أراد من أراد للغة أن تتوقف وتجمد ويُسْتبُدَل مكانها، ولا تجري جريانها على الألسن والقلوب كما كانت تجري سليقة وتذوقاً يوم مهدها وعنفوانها وقوتها وحيويتها من غير أن يعيقها عائق من طبع النفس أو من سليقة الذوق والأداء، ومن غير أن يصدَّها تغرير العجز والعيّ تحللاً من القواعد والأصول.

يريدون أن يجدِّدوا فيها القوالب المتحجِّرة أو لعلهم يكسروها لو استطاعوا، ولسان حالهم يقول:"إنّ لغة القرآن ثابتة كما الحجر لا تواكب تطورات العصر الحديث بكل ما فيه من كشوفات العلم واختراعات التجارب الجديدة". ما هذا السَّفه؟! وما دخل العلم الحديث: كشوفاته واختراعاته بذوق اللغة العصرية؟!

كل شيء تريدون أن تقحموا العلم المادي فيه، كل شيء؛ فبدلاً من أن تلوموا أنفسكم الوانية، وتنعوا عليها فقدان الإحساس بجمال الكلمة العربية، تثورون من فوركم عند أقرب زوبعة عارضة على اللغة الشاعرة: ألفاظها ومعانيها، وإعرابها ونحوها وصرفها، وثراؤها اللفظي الخصيب.

كثيرون هم الذين يزعمون لأنفسهم أنهم مجددون لأنهم يغيرون الألفاظ من سياق قديم إلى سياق جديد، ويقتصرون في تجديدهم على المباني اللفظية ناسين أو متناسين أن التجديد في الواقع يقع على الروح: الروح هى التي تبدع الفكرة، الروح هى التي تحتمل أن يكون فيها التجديد لأنها هى مصدر الفكرة الخلاقة، وليس التجديد مطلقاً ينصب على المبنى، ولن يكون تجديداً وهو مُجَرَّد تغيير في طريقة التركيب اللفظي وكفى. إنّ هذه التقاليع الغريبة إنما هى كزازة طبع يعافها وعي الإنسان المضبوط بضوابط الإدراك العلوي، لا ريب أن الروح التي تنبض شاعرة بهذا الوعي لهى التي تجدِّد ثم تعطي التجديد حقه من العناية والرعاية فيما لو شاءت تلك الروح أن تعطي هذا المستوى من "إدراك القيمة" في الوعي، وفي العقل، وفي التطبيق.

وأنا بدوري في تلك الخطوط العريضة من هذه الدراسة, لست أنوي مطلقاً أن أردَّ على ما كان جاء في الكتاب السالف الذكر, فقد سبق لي الرد عليه في حينه يوم نشرت مقالاً بالأهرام المسائي بتاريخ (7/9/2004 م)، هادماً بذلك فكرة الثورة التي أثارها الكتاب (لتحيا اللغة العربية فليسقط سيبويه) يوم ذاك من أساسها؛ غير أنه كان هدماً في إطار القيم، وفي مستوى ما كانت تعالجه الفكرة المعروضة في حينها، ولكنني أنوي أن أضع خطوطاً رئيسة واضحة، نستطيع من خلالها أن نستخرج قيماً من اللغة تتحدث عن ذاتها، وترد على من يهضمها حق الرد أو حق البقاء بين شعوبها وأبنائها.

إنا لنتناول بعض الملامح التي لا يستغني عنها العربي إذا هو أراد للغته أن تنهض، بمقدار إرادته لعروبته أن تحيا في نفسه وفي نفوس الآخرين حياة طيبة مُعَافة من اللغط يحترم فيها هذه النفس ما بقى على قيد الحياة، وبمقدار ما يستشعر الضرورة الواجبة نحو لغة قومه ووطنه وبلاده، وهى ضرورة تدفعه دفعاً إلى مزيد من معرفة لغته وإلى مزيد من حرص عليها وعلى أسرارها ورفعتها بين قومه، وتطورها مع عوارض التطور الذي لا تخلو منه لغة من اللغات البشرية.

إنما اللغة تسامح؛ واللغة فكر، واللغة أدب العروبة الأصيل، واللغة علاقة حميمية بين كاتب يبدع وقارئ يتلقى على أريحية الصفاء والموافقة مثل هذا الإبداع، واللغة إدراك لكل المزايا العربية، والحفاظ عليها حفاظ في الوقت عينه على تلك المزايا في الوجدان العربي، والانخلاع عنها انخلاع في نفس الوقت عن ربقة العروبة والوطنية والدين والأصالة على التعميم.

هل تصدِّق لو قلتُ لك: إنّ ظواهر العنف ومشاكل العصبية تـُرَد في أول مقام إلى "اللغة"، وأنه كلما اتَضعت اللغة وانحط استخدام الناس لها زادت بينهم العداوة والبغضاء، وتمادوا في العنف إلى أسفل درجة، وكثرت مشاحناتهم على غير سبب معقول أو مقبول حتى ليقالُ عنهم إنهم: إرهابيون لا يعرفون الرحمة، ظلاميون لا يرون النور، جاهلون لا يأخذون بالعلم، متخلفون لا يدركون عوامل التقدم، متعصبون لا يفهمون التسامح، مستبدون لا ينشرون الحرية، ضعفاءُ لا يعرفون القوة، مرضى لا تبدو عليهم علامات العافية، فقراءُ لا يدركون الاستغناء، عجزة لا يقتدرون على البناء، مفلسون بضاعتهم الكلام، جبناءُ لا يملكون الشجاعة، مقلدون لا ينشدون التجديد، مفسدون لا يأمِّلون الإصلاح، دكتاتوريون لا يطيقون الديمقراطية، منغلقون لا يقصدون الانفتاح، متشددون لا يعرفون التسامح، انعزاليون لا يبتغون المحبة، عدوانيون لا يحققون السلام، أشرارُ لا تتقدم لديهم مقاصد الخيرية قيد أنملة !

كلُ هذا، وكثير غيره، من اللغة، وفي اللغة، يظهر!

هل تصدق لو قلتُ لك: إن العنف مرتبط بالفساد اللغوي, وإن فساد اللغة بين أهلها لهو عين مظاهر الإرهاب والظلام والجهل والتخلف والضعف والمرض والفقر والجُبن والعجز والإفلاس والتعصب والاستبداد والشرور التي قَلَّ أن يحصيها قلم أو تعددها كلمات؟

كل فساد مرهون بالتحلل من القواعد، وكل انحراف عن الجادة مرَدَّه إلى انحراف عن المعنى والدلالة والقيمة والوجود الحق والحقيقة الباقية، وكلما انحرفنا عن المعنى لم يبق لنا إلا القشرة السطحية والغلاف البرَّانيِّ، وضاق بنا الوجود تحت شمس الفكر المستنير والحرية المسئولة فألتمسناه في المضايق المتحجرة من ظلمات الجاهلية البعيدة السحيقة المتخلفة!

وليس من شك في أن مكانة اللغة لهى من مكانة الشعوب، تتخذ قوتها ونشاطها وتقدمها، وكلما اهتممنا بمكانة لغتنا فينا، اهتممنا تباعاً بمكانة وجودنا على هذه الأرض حتى إذا ما أردت أن تعرف قيمة الشعوب العربية الآن - كيما تعرف مكانتها بين الأمم -  فما عليك إلا أن تنظر إلى حال لغتها: ماذا عَسَاهَا تكون بين عقلاء أبنائها ناهيك عن وضعها بين من لا يتخذون العقل قبلة لهم وهداية؟

فإذا أنت وجدتها مُهلهلة مخلخلة تافهة ساقطة، فاعلم من فورك أن الشعوب العربية بمثل تلك الصفات من التدهور والانحلال والتفاهة السقوط وخلخلة الصفوف، وبخاصة خلخلتها في منظومة القيم، وأهمها وأقربها في هذا السياق "قيمة اللغة".

أنا لا أعقلُ أمة قوية ناهضة تمضي بعزم في طريق الأسوياء الأصحاء الناهضين، ثم تهدم أخص خصائص هُويّتها بيدها وبيد أبنائها: تهدم ماذا؟ تهدم اللغة بمقدار ما تهدم الفكر؛ ففي هدم اللغة هدمُ للفكر بكل تأكيد. ولما كان الفكرُ هو اللغة، وكانت اللغة هى وعاء الفكر؛ فلا ريب صار هدمها للغة هدماً لطريقة التفكير والتعبير، بمقدار ما هو هدم في نفس الوقت للمواطن الحيوية الفعالة في وعي الفرد ووعي الجماعة على السواء؛ إذْ بفقدان اللغة يفقدُ العربي طريقة تفكيره، ويفقد خصائص هذا التفكير وأصوله ومبادئه وثوابته التي تقوم عليها ثقافاته وحضارته، أي يفقد أيديولوجيته؛ وإذا فقدت منه أيديولوجيته، فقدت حياته الحيَّة القويَّة والمؤثرة كلها على الجملة فضلاً عن التفصيل؛ لأن فقدان الأيديولوجية معناه فقدان الهُويَّة الخاصة المميزة له دوناً عن سواه. (وللحديث بقيّة).

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

زهير الخويلدي"إذا شاورت العقل صار عقله لك"

ولد ثابت ابن قرة في حران بالشام سنة 836 ميلادي وتوفي في بغداد سنة 901 ميلادي وتتلمذ على يد بني موسى وعمل بالجماع الكبير بحران ولكنه أسس بالرقة مدرسة عليا لتعليم الفلك والفلسفة وراسل أبي القاسم عبيد الله ابن سليمان واسماعيل ابن بلبل وناقش في مؤلفاته سقراط واقليدس وساهم في تكوين عدة علماء هم البتاني وسنان ابراهيم وقرة بن قميطاء وأيوب ابن قاسم وابراهيم ابن زهرون وأسير بن عيسى.

أتقن ابن قرة الى جانب العربية اللغتين الاغريقية والسريالية وترجم الكثير من الرسائل في مجال الفلك والرياضيات وخاصة هندسة المخروطيات لأبولونيوس وأرخميدس واقليدس وبطليموس وعمل على تنقيح ترجمات حنين ابن اسحاق حول اقليدس والمجسطي والجغرافي لبطليموس وترجم رسالة أرخميدس التي يصف فيها الأجسام سباعية الأضلاع والتي بقيت مهملة الى أن تم اكتشافها وتحقيقها في القرن العشرين.

برع ثابت ابن قرة في الهندسة والعدد والموسيقى والمنطق والفلك والفلسفة والطب وكان قد حصل على وظيفة في بيت الحكمة في الزمن العباسي مكنته من ممارسة الترجمة ولذلك أسهم في اثراء المكتبة العربية بالعديد من الرسائل أهمها: كتاب المدخل الى علم العدد الذي ينسب الى نيقوماخوس الجاراسيني وكتاب مختصر في علم النجوم ومقالة في حساب خسوف الشمس والقمر وكتاب في الأنواء وكتاب في حركة الفلك وكتاب في ما يظهر من القمر من آثار الكسوف وعلاماته وكتاب في تركيب الأفلاك وكتاب في الهيئة وكتاب في الموسيقى وكتاب في تسهيل المجسطي وكتاب المدخل إلى المنطق يستعيد أرسطو وألف في الميدان الطبي كتابين الأول حول أوجاع الكلى والمثاني والثاني حول المولودين في سبعة أشهر. غير أن عبقريته بدت واضحة في مجال العدد والهندسة وكان قد ألف في الرياضيات كتاب المدخل الى اقليدس وكتاب في  المثلث القائم الزاوية وكتاب المختصر في علم الهندسة وكتاب في المربع وكتاب في المسائل الهندسية وكتاب في العمل بالكرة وكتاب في قطع الاسطوانة وكتاب في قطوع الاسطوانة وبسيطها وكتاب في مساحة الأشكال وسائر البسط والأشكال المجسمة وكتاب في تصحيح مسائل الجبر بالأدلة الهندسية وكتاب في أن الخطين المتساويين اذا خرجا على أقل من زاويتين قائمتين التقيا وكتاب في المخروط المكافئ وكتاب في الشكل المقلب في القطاع وكان له السبق في المزج بين علم العدد وعلم الفلك وأول من توصل إلى عد طول السنة الشمسية وكان تقديره 365 يوم وبعض الساعات والدقائق والثواني.

لقد أسند له لقب اقليدس العرب وذلك لجمعه بين العديد من العلوم وخاصة الجبر والهندسة وتمكنه من حل المعادلات الجبرية بالطرق الهندسية وتمهيده لقيام حساب التكامل والتفاضل وكانت له عدة اجتهادات في مجال الهندسة التحليلية قبل ديكارت بعقود وطور نظرية فيثاغورس ودرس للأعداد والأشكال وفرق بين الأعداد الفردية والأعداد الزوجية وبين العدد التام والعدد الناقص والعدد الزائد وأوجد طريقة سهلة تساعده على استخراج الأعداد المتحابة وعالج الأمراض الجلد والرأس والعيون والجنسية والقلب والكلى والمثانة.

في ناهية المطاف ترك لنا ثابت ابن قرة ثروة علمية هامة تركزت في علم الفلك والحساب على رسالة في حساب رؤية الأهلة ورسالة في سنة الشمس بالأرصاد وكتاب في آلات الساعات التي تسمى رخامات. فما تفسير إضاعة الوعي بالزمن وفقدان التقدير الكبير للساعة والتوقيت الذي برع فيه العالم ثابت ابن قرة؟

 

د. زهير الخويلدي

....................

المرجع:

 ثابن ابن قرة، ثلاثة رسائل في علم الهندسة وعلم الهيئة، اصدره فؤاد سزكين، طبع بالتصوير عن مخطوط 948 ، مكتبة كوبريلي، استنبول ، 2018، 116 صفحة.

 

كاتب فلسفي

 

جميل عودةالحقوق والحريات الدستورية في العراق

يعد حق المساواة أمام القانون من الحقوق المدنية والسياسية التي نص عليها الدستور العراقي عام 2005 في المادة (14) منه حيث جاء (العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي).

فماذا يعني حق المساواة أمام القانون للمواطنين العراقيين دون تمييز؟ وكيف يمكن أن يترجم هذا الحق على واقع المواطنين العراقيين؟

إن المساواة لغة: المماثلة والمعادلة قدرا وقيمة. ومنه قولهم: هذا يساوي قيمته درهما. أي يعادل قيمته درهما. وفي حديث البخاري قوله (ساوى الظل التلال) أي مثل امتدا ارتفاعها، وهو قدر القامة. وقال الراغب: المساواة المعادلة المعتبرة بالذرع والوزن والكيل. يقال هذا ثوب مساو لذلك الثوب، وهذا الدرهم مساو لذلك الدرهم.

وأما المساواة اصطلاحا: عدم التفرقة أو التمييز فيما بين الناس على أساس من الانتماء أو الجنس أو التمييز اللغوي والديني أو العقائدي السياسي أو الاختلاف الطبقي الاجتماعي والمالي؛ لأن البشر كلهم متساوون في التكاليف والأعباء العامة، والحقوق والحريات العامة. وتعني المساواة اصطلاحاً أيضا: أن يحصل المرء على ما يحصل عليه الآخرون من الحقوق، كما عليه ما عليهم من واجبات دون أي زيادة أو نقصان، وهي قيمة عظيمة تجعل جميع الأطراف سواء.

وبهذا المعنى يقصد بـ(المساواة أمام القانون) أن يطبق القانون على جميع المواطنين، دون تمييز أحدهم عن الآخر، ولأي سبب كان. أي عدم التفرقة بين المواطنين في تطبيق القانون عليهم، بسبب العقيدة أو اللون أو الجنس أو الأصل الاجتماعي أو اللغة أو الثروة ...

وقد نص الإسلام على المساواة بين البشر جميعا، حيث بنيت المساواة في الإسلام على مجموعة أسس متينة منها المساواة في القيمة الإنسانية، فجميع الناس سواء من حيث المنشأ، لأن أصلهم واحد (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).

وعلى المساواة في التكاليف الدينية، أي الامتثال لما فرضه الله -سبحانه- من عبادات كالصلاة، الزكاة، الصوم، الحج، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... حيث إن الخطاب الشرعي بالإسلام، جاء للناس جميعاً، العرب والعجم، البيض والسود، دون تمييز؛ لأن الله تعالى أرسل محمداً صلى الله عليه واله وسلم للناس كافة (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) فالخطاب موجه للناس جميعاً دون تمييز.

وعلى المساواة في الحقوق والحريات العامة، كحق الحياة، والحرية، والتملك، والتعليم، والعمل، والأمن والقضاء...وعلى المساواة في المسؤولية والجزاء، ويقصد بها استقلال كل إنسان في تحمله للمسؤولية، ففي الحُكْم بين الناس لا يجوز التفريق بين الخصمين لأي سبب من الأسباب (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) فلا يجوز أخذ حقوق الناس بمجرد العداوة والبغضاء؛ لأن الإسلام دين العدل.

ويعد حق المساواة من أهم الحقوق التي نص عليها القانون الدولي لحقوق الإنسان، فقد جاء في المادة الثانية من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أنه (لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في هذا الإعلان، دونما تمييز من أي نوع، ولا سيما التمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسيا وغير سياسي، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي، أو الثروة، أو المولد، أو أي وضع آخر...).

وفيما يتعلق بالحق في المساواة فإن المادة 7 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص على أن (الناس جميعا سواء أمام القانون، وهم يتساوون في حق التمتع بحماية القانون دونما تمييز، كما يتساوون في حق التمتع بالحماية من أي تمييز ينتهك هذا الإعلان ومن أي تحريض على مثل هذا التمييز).

وفي الواقع؛ فان مبدأ المساواة أمام القانون لا يقتصر أبدا على وجود تشريعات وأنظمة تساوي بين المواطنين في الحقوق والواجبات، ولا تفرق بينهم على أسس مثل الجنس والدين أو المذهب أو اللون أو العنصر وغيره، بل لابد أن تترجم المساواة أمام القانون من الناحية الواقعية.

فيشعر المواطنون أنهم بالفعل متساوون في الحقوق والواجبات، مثل المساواة في استخدام المرافق العامة: فما دام المرفق العام نشاطاً تمارسه جهة عامة في سبيل إشباع حاجة من الحاجات التي تحقق المصلحة العامة، وطالما كان المرفق العام بطبيعة وجوده خدمة للمجتمع ولمصلحة الجميع، فمن الطبيعي لذلك أن يتساوى في استخدامه الجميع من غير تمييز أيّاً كان سببه.

وكذلك المساواة في الوظائف العامة: إذ يجب أن يتساوى الجميع في الدخول إلى سلك الوظيفة العامة في نطاق الرواتب والأجور والترقيات والعلاوات، طالما كانت مراكزهم القانونية واحدة.

وكذلك المساواة في استخدام الأموال العامة: ولأن المال العام مخصص للنفع العام فهو يُستخدم حتماً من قبل الجمهور، وهو ما يُطلق عليه اصطلاحاً تسمية الاستعمال العام للمال العام، وهو يقوم بصفة أساسية على مبدأ مساواة المنتفعين، أي المساواة بين جميع مستخدمي المال العام، ومن ثمّ فإن جميع الأفراد يجب أن يُعاملوا على قدم المساواة في هذا المجال، ما داموا قد تساووا في مراكزهم القانونية.

وكذلك المساواة في التكاليف والأعباء العامة: إن تعبير التكاليف العامة يعني كل النفقات التي تدفع ضمن مصلحة كل أفراد المجتمع، ومن ثم فإن نفقات الدولة وأعباءها تأخذ معنى واحداً في هذا النطاق، إذ تحتاج إلى موارد كافية لتغطيتها، وهذه الموارد يجب أن تُوزع على كل أفراد المجتمع على قدم المساواة، ما دامت تُدفع في سبيل مصلحتهم جميعاً، لذلك لا يجوز أن يتحملها بعض الأفراد من دون بعضهم الآخر.

انطلاقا من ذلك، فان المساواة أمام القانون المكرسة دستوريا يجب أن تكون مساواة فعلية، أي حقيقية بين أفراد المجتمع، ومتحققة أمام القضاء، وأمام التكاليف العامة، ومتحققة أمام الحقوق والحريات، لأن انتهاك مبدأ المساواة أمام القانون يؤدي إلى المخاطرة بكافة الحقوق، فإذا تفاوت خضوع الأفراد للقانون، فمعنى ذلك أن القانون يخضع له الضعفاء دون الأقوياء.

إن المقصود بالمساواة أمام القانون ليست المساواة الفعلية في ظروف الحياة العادية، بل المقصود بها أن ينال الجميع حماية القانون على قدم المساواة دون تمييز في المعاملة، أو في تطبيق أحكام القانون عليهم.

ويجمع فقهاء القانون أن هناك نوعين من المساواة أمام القانون؛ الأول يتمثل في المساواة العامة في الحقوق والالتزامات، ومن ذلك الحق في الحياة والحق في الأمن الشخصي وغيره، فمثل هذه الحقوق يجب أن يتمتع بها الناس بصورة متساوية، بينما النوع الثاني يكون في المساواة بين فئة من الناس، فالتعيين في مهنة الطب مثلاً لا يتمتع بها إلا الأطباء الذين يحملون شهادة طبية معترف بها قانوناً، فلا يجوز لشخص أن يطالب بتعيينه طبيبا دون أن يحمل شهادة الطب، وعليه إذا تقدم شخصان لشغل مهنة الطب، فينبغي تعيين الأكفاء منهم طبقاً للمعايير التي حددها القانون.

حيث يؤكد الواقع الاجتماعي حقيقة وجود فوارق بين الأفراد من الناحيتين الطبيعية والاجتماعية، يتحتم الأخذ بها والتعامل معها بصور مختلفة وموجبة في القواعد القانونية، وتبرر وضع أنظمة قانونية مختلفة، بحسب اختلاف المراكز والوضعيات القانونية.

والسؤال هنا؛ هل استطاعت الحكومات العراقية تطبيق النص الدستوري (العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي)؟ أم أن النص طبق جزئيا؟ أم بقي دونما تطبيق؟

قد يحصل التجاوز على مبدأ الحق أمام القانون من السلطة التشريعية ذاتها، وقد يكون من السلطة القضائية، وقد يكون من السلطة التنفيذية، كما قد يقع هذا التجاوز من الأفراد العاديين.

وفيما يتعلق بالسلطة التشريعية، فقد جاء في الدستور العراقي أن كل قانون يعد باطلا إذا كان يتعارض مع النص الدستوري، كون هذا الدستور هو القانون الأسمى والأعلى في العراق. والضمانات العملية لذلك أن الدستور العراقي نص على تأليف (المحكمة الاتحادية) وهي المحكمة التي تتولى مجموعة من المهمات منها تفسير نصوص الدستور والرقابة على دستورية القوانين والأنظمة والفصل في القضايا التي تنشأ عن تطبيق القوانين الاتحادية، والفصل في المنازعات بين الحكومة والأقاليم أو بين الأقاليم والمحافظات، وكذلك الفصل في الاتهامات الموجهة لرئيس الجمهورية والى رئيس الوزراء وجميع الوزراء، والمصادقة على نتائج الانتخابات. وقد أكدت المحكمة الاتحادية العليا أن المطالبة بعدم دستورية قانون أو نص فيه حق يمارسه أي مواطن بموجب الحريات الواردة في الدستور، مشيرة إلى أن أحكامها وقراراتها ملزمة كافة بغض النظر عمّن أقام الدعوى أمامها.

وفيما يتعلق بالسلطة القضائية؛ فلا شك أن تحقيق العدالة يقترن دائما بالقضاء، وصلة المساواة بالعدالة صلة وثيقة، إذ أنه في أحيان كثيرة يتوقف تحقيق العدالة على تطبيق المساواة بين المتقاضين. ويتحقق مبدأ المساواة أمام القضاء من خلال المساواة في اللجوء إلى القضاء، وعليه لا يكون دستوريا حينما يمنع الأفراد من ممارسة هذا الحق. والحق في إجراء محاكمة وفقا للإجراءات نفسها، طالما يوجد تماثل في مركز المتقاضين والمساواة في الضمانات المكفولة للمتقاضين.

ومن حيث المبدأ العام نجد أن القضاء العراقي ملتزم بتطبيق مبدأ المساواة بين المواطنين أمام القضاء، وأن المواطن يستطيع أن يقدم شكواه على من يشاء أمام القضاء دونما تمييز، ويستطيع أن يختار المكان والمحكمة ذات الاختصاص دونما تمييز أيضا.

ولكن يحصل دائما أن المساواة أما القضاء تخرق من طرف المحاكم العراقية في تفاصيل القضايا وجزئياتها، وتخرق من بعض القضاء الذين يقعون تحت تأثير جهات سياسية أو مالية أو دينية...، كذلك يخرق من الموظفين الإداريين الذين يتحكمون بمجريات الدعوى وسيرها القضائي. فيشعر المواطنون المتقاضون أن المحاكم لا تعدل بينهم بالسوية، ولا تحقق العدالة المبتغى.

وفيما يتعلق بالسلطة التنفيذية، فان مبدأ المساواة أمام القانون يخرق مرتين؛ الأولى من حيث تشريع أنظمة وقرارات وتوجيهات وزارية، وتعليمات وإجراءات إدارية، تكون مخالفة لمبدأ المساواة أمام القانون، ويجري تطبيق هذه الأنظمة والقرارات والتوجيهات دونما اعتراض من أحد.

والثانية من حيث تطبيق مبدأ المساواة بين المواطنين في المؤسسات العمومية، سواء في التعامل مع المواطنين أو في الإجراءات التي تأخذ طبقا لذلك. وسياسات اللامساواة التي تمارسها السلطة التنفيذية قد تكون معلنة إلى حد ما، وقد تكون خفية يمارسها المسؤولون والإداريون المقربون منهم، فيحابون هذا على حساب ذلك من حيث الجنس أو القومية أو الطائفية أو المناطقية ...

ونخلص مما تقدم الآتي:

1- إن المساواة أمام القانون تعني عدم التمييز بين الأفراد على أي أساس، فالتمييز بين الأفراد القائم على أساس الجنس أو اللغة أو اللون أو العرق أو الأصل هو إخلال بمبدأ المساواة.

2- إن المساواة أمام القانون ليست مساواة مطلقة إنما هي مساواة نسبية، أي أن تطبيق مبدأ المساواة أمام القانون على المواطنين مشروط بتوافر الشروط والضوابط نفسها عند الأفراد، فإذا كانت الشروط تتساوى بين الأفراد، فيجب إعمال مبدأ المساواة بينهم، أما إذا لم تتساوى بينهم الشروط فلا مساواة بينهم في الحقوق، أي أن المساواة لا تتحقق إلا بالنسبة للمراكز المتماثلة للأفراد.

3- يتجلى مبدأ المساواة أمام القانون من خلال التزام الجهات التشريعية والقضائية والتنفيذية بتطبيقه وتوفير الضمانات اللازمة لعدم خرقه، بحيث لا ترتكب هذه الجهات تمييزاً ومحاباة بين المخاطبين بها، وبوجوب أن تعامل كل المراكز المتماثلة بطريقة متطابقة.

4- لا يشكل النص الدستوري الذي يتعلق بالمساواة مجرد مبدأ توجيهي وتوصية، بل أنه نص أساسي ودقيق يفرض على السلطات القضائية واجب اكتشاف أن السلطات التشريعية والتنفيذية والإدارية قد راعت مبدأ مساواة جميع الأفراد، وفي حالة انتهاك هذا المبدأ تأمر هذه الجهات بان لا تطبق القوانين والقرارات والوزارية والأحكام التنظيمية الإدارية المعنية.

 

جميل عودة / مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات

 

عبد الخالق الفلاحلازالت مشكلة المخدرات تثير القلق في العالم وتخيّم على الأفق. فوفقا لتقرير المخدرات العالمي لعام 2017، يعاني حوالي 30 مليون نسمة على اقل تقدير من اضطرابات ناجمة عن تعاطي المخدرات في العالم وتشكل وسيلة ربحية لبعض ضعفاء النفوس من التجار، إن التحديات المتعلقة بالمخدرات هي من أكبر المشاكل التي تواجهها المنظمة الدولية للامم المتحدة لما لها من آثار واسعة النطاق على الصحة والأسر والمجتمعات وكذلك الأمن والتنمية المستدامة. ومع الاكتشافات الطبية التي أثبتت ضرر المخدرات على جسم الإنسان، وتهديد المخدرات لحياته وعلاقاته، بدأت دول العالم تسن التشريعات التي تجرّم المخدرات تعاطيا وتجارة ويتطلب تعاونا دوليا واستجابات فعالة في مجال تطبيق القانون والعمل به بجد لوقف شبكات الجريمة المنظمة والاتجار بالبشر وتجار المخدرات مع الاحترام الكامل لحقوق الإنسان ووفقا للمعايير والقواعد الدولية. وللحقيقة والتاريخ فإن بداية التجريم كانت لحماية الطبقة الوسطى، وبالتالي فإن التركيز على حظر هذه المواد لم يشمل طبقات أخرى . في العراق كان في السابق ممرا اما اليوم فهو اصبح بؤرة وانتشرت في مدنه كلنار في الهشيم والمكتشفات تبلغ الاطنان سنوياً حسب الشفافية الدولية و تروج بها قوى شريرة ومافيات فاسدة تحاول افساد المجتمع تقودها عناصر ومجموعات تعشعشت في السلطة تلعب بهذه الورقة وبدأت قوافل الشهداء من رجالات الامن تزف بيد تجارها حيث تسقط مضمخة بدم الوفاء للقيم والاخلاق، في حين هناك نفوس ضعيفة تدعم المتاجرين بالمخدرات لاسباب مختلفة منها سياسية واخرى ربحية، علما أن من اكثر المناطق التي تروج بها المخدرات هي المقاهي التي يرتادها الشباب عن طريق الاركيلة التي تنوعت اساليبها وانواعها واصدقاء السوء، بالإضافة إلى ذلك لابد ان نؤكد على فكرة غياب التوعية من قبل الجهات المختصة وتتّسم أسواق المخدرات بسرعة تطور المواد المخدرة . ووفق ما قالته المفوضية العليا لحقوق الإنسان العراقية في حزيران الماضي فان عدد السجناء يقدر ب 8 آلاف معتقل في العراق على خلفية قضايا تعاطي ومتاجرة في المخدرات واضعاف هذا العدد يتعاملون معها خارج نطاق السجون وفي مناطق مختلفة موبوءة،

ويعتقد علماء النفس انه يصبح مرض بمرور الايام ويستفحل في نفسية من يستفاد منها و يعاني الكثير منهم شعوراً متزايداً بالضياع والخوف من المستقبل فعلى هذا الاساس لابد أن تتوفر مناخات صحية لمعالجة منسجمة مع مثل هذا المرض ويخرجون من هذه الظاهرة للحياة الطبيعية، خاصة وأن اهم اسباب هذا المرض هو الفشل التعليمي الذي لو استطعنا احتواء هذا المنظومة الحيوية المضمونة من خلال تطوير العملية التعليمية دون مهابات، نستطيع من خلال ذلك أن نقفز على الحاجز العمري وردم فجوة الادمان في سن المراهقة.

الشيء الاخر التوجيه الاجتماعي والارشادي ي لمواجهة زملاء السوء في المدارس المتوسطة والاعدادية بنين وبنات وحتى الجامعات والمعاهد ومنع التدخين في هذه المؤسسات والتي تعتبر وأحدة من اهم اسباب الذهاب نحو الادمان ولابد أن يكون هناك توجيه اسري واجتماعي وثقافي وامني تشارك بها المؤسسات المختلفة بغية مراقبة الشباب وما يحيط بهم و ما يساعد على انحدارهم نحوها .ووجوب الاكثار من الحاضنات الترفيهية والملاعب الرياضية والنوادي الثقافية والاجتماعية التي تملئ وقت الفراغ والتي تنتزعهم من الاماكن الموبوءة بطرق مدروسة يشارك فيها اصحاب الاختصاص، أضف إلى ذلك فأن النموذج التربوي الذي تعتمده الاسرة هو ايضا عامل مهم في ترويض الشباب وصقل مواهبهم لابعادهم عن هذا الشبح المخيف، وفي خلاف ذلك يتحول الشباب من حالة الايجاب نحو الطاقة السلبية، ويرتهن متعاطوه في كثير من الأحيان بدوامة التهميش، مما يجعل تعافيهم واندماجهم من الناحية الاجتماعية أمراً صعباً لان هذه الظاهرة متى ما دخلت اي مجتمع اصبحت ضارة بالتنمية و ثمّة موارد ثمينة تُنهب لتحقيق مكاسب شخصية. ومن اجل ذلك نشهِد انعقاد دورات تثقيفية بين حين واخر لتنفيذ اتفاقيات الأمم المتحدة تشرف عليها لجان مختصة من المنظمات الدولية لمكافحة الفساد، التي تركز على التدابير الوقائية واسترداد الأصول .

ومما يؤسف له أن الكثير من الفعاليات الثقافية والدينية والسياسية في العراق، لا تمتلك الجرأة القوية في تناول موضوعات في غاية الخطورة ومنها المخدرات لاسباب اجتماعية وثقافية وغيرها او تغض عنها، كما ان استفادت بعض القوى المسيطرة في البلاد من هذه الحالة، وهناك من جهات تسعى دائما إلى استمرار ضعف المؤسسات النافذة للقانون، من اجل استغلال الوضع العام لتحصيل الكثير من المكاسب، لذلك لا يمكن لها ان تطرح موضوع المخدرات على المستوى العام المحلي والعالمي حسب اعتقادها بسهولة لتبتعد عن مكامن الخطراو التصفية وعلى الاقل التهديد، وبالعكس من ذلك هناك مؤسسات ومنظمات دولية متابعة لموضوع المخدرات تعمل من اجل الحد منها .

 مشكلة المخدرات من أعظم المشكلات التي تهدّد أمن وسلامة اكثر المجتمعات وخاصة الفقيرة وتعوق تقدمها الاقتصادي والاجتماعي؛ لأنها تستنفذ الكثير من موارد المجتمع وتبدّد الكثير من طاقات وقدرات أفراده، وأضحت المخدرات ظاهرة عالمية يعاني منها الكثير من الشعوب، والمخاطر الناجمة عن هذه الظاهرة تستدعي ضرورة التصدي لها ومحاربتها بمختلف السبل والوسائل، ولهذا يجب على الجميع التعاون من أجل القضاء والحد من انتشار هذه الآفة المدمّرة التي تؤدي إلى ضياع الشباب وإهلاك المجتمعات. ان ظاهرة المخدرات فيها من الخطورة تُكلّف البشرية الكثير من الأرواح بمِقدار يفوق ما تفقدُه في الحُروب العالميّة والتّعاطِي المُستمِر للمُخدّرات يُؤدي إلى الإدْمان، والذي لا تعد مُشكلة محليّة فقط، بل هي ظاهِرة موجودة بالفِعل في كافّة المُجتمعات الدّوليّة والدُول الصُغرى والكُبرى والمُدُن، والمطلوب ان تتكاثف الجهود لأجل حلِها من خلال الهيئات الدّولية والمُنظّمات العالمية وإيجاد حُلول لاستئصَال هذه المُشكلة.

ولا شك ان الوصول إلى وطن بلا مخدرات في الامكان من خلال وضع استراتيجيات وقائية استشرافية للتعامل مع اتجاهات وأنماط تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية.

لا شك ان دعوة المؤسسات الأسرية والمجتمعية إلى إعداد استراتيجيات وسياسات لمواجهة أنماط التغييرات المتوقعة في الأسر والمجتمعات المحلية من الامور المهمة، والتي قد تعمل على تقليل عوامل تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية، فضلاً عن دعوة مؤسسات المجتمع المدني الرسمية وغير الرسمية إلى الاستفادة من نتائج أبحاث استشراف المستقبل، وإدماجها في سياساتها وبرامجها لمواجهة تنامي ظاهرة تعاطي المخدرات لاسيما بين النشء والشباب. وفي العراق بين عامي 2017 و2018 شهدا ارتفاعاً ملحوظاً في نسبة تعاطي المخدرات وترويجها وبيعها، بسبب الانفلات الأمني الذي يشهده البلاد وعدم وجود برنامج امني حكومي، وعدم السيطرة على السلاح وانتشار البطالة،  بالإضافة إلى عدم وجود عقوبات رادعة وضعف القوانيين، بعد ان كان قبل عام 2003 يُعدّ من البلدان النظيفة من التعاطي أو الترويج للمواد المخدّرة، لكن إبان الغزو الأمريكي للبلاد، ومع تراجع الوضع الأمني وانتشار الجماعات المسلّحة وعدم السيطرة على السلاح، بدأت تجارة المخدرات تلقى رواجاً كبيراً" وخصوصاً بين فئة الشباب لكلا الجنسين والسبب في ذلك لها اسبابها الاقتصادية والأمنية والاجتماعية التي كانت لها تأثيرات مباشرة في ارتفاع تلك النسب، مما جعلتها تؤثر على مدخولات الأسر العراقية، و استنزافها اقتصادياً، خاصةً بعد التنوّع الكبير في أنواع المواد المخدّرة، التي كانت مقتصرة على انواع محدودة وبأسعار متفاوتة. من أجل ديمومة وجود المخدرات في أيدي المتعاطين بدؤوا يقومون بأعمال إجرامية تنافي السلوك المجتمعي؛ ومنها الاعتداء على ذويهم، وكذلك قيامهم بسرقة الأموال بغية الشراء.على كل حال تمثل المخدرات اليوم احدى افرازات العولمة الجديدة وتطورها وظهور التكنولوجيا، ناهيك عن صعود الامراض النفسية والروحية والاخلاقية في العالم، وهذا نتيجة تطور التكنولوجيا وخفوت القوة العضلية لدى الانسان، وهذا واقعا ما يتبناه الكثير من علماء الاقتصاد اليوم وهم يعزون الامر لحالة الاستغناء عن الانسان كقوة قادرة على العمل والاستعانة بدلا عنه بالتكنولوجيا . يجب دراسة هذه الظاهرة والعوامل المؤدية لها وهذه العوامل بعضها تكويني وبعضها اقتصادي وبعضها نفسي ومختلف العوامل الاخرى تشترك بها مجموعة من الجهات ولعل أهمها (الحكومية الاتحادية، والمحلية، والأجهزة الأمنية، والقضائية، والدينية، والإعلامية، ومنظمات المجتمع المدني، والعشائر، والمجتمعات المحلية، والمختصين في مجال علم الاجتماع، وعلم النفس، والتربية، والتنمية، وغيرها من التخصصات) ويجب ان تكون تلك العوامل بسلة واحدة وأن تخرج بتشريع قانون متشدد واحد ومحاكم مختصة واتخاذ سياسة واضحة غير مجتزأة توقف كل تلك السلوكيات اهمها مراقبة المعابر الحدودية القانونية وتزويدها بالوسائل الحديثة والاسلحة المتطورة وبعقد الاتفاقات المحكمة مع الدول المجاورة وغلق الطرق النيسمية الحدودية البعيدة عن اعين السلطة بالتشديد الامني عن طريق الكامرات والوسائل التخصصية والطائرات المسيرة وايجاد فرص عمل تساعد في القضاء على البطالة لكي تنهي هذه الظاهرة من جذورها وتخلص العراق من شرها.

 

عبد الخالق الفلاح - باحث واعلامي

 

جودت هوشيارأشار العديد من الباحثين الذين تناولوا موضوع "السيرة الذاتية" الى أن جان جاك روسو هو أول من كتب سيرته الذاتية تحت عنوان "اعترافات" وهذا وهم ناجم عن عدم الإطلاع على تطور هذا الفن عبر تأريخ الفكر اليوناني والروماني والنهضة الفكرية في أوروبا.

يمكن اعتبار يوميات الأمبراطور الروماني السادس عشر ماركوس اوريليوس التي كتبها في السبعينات من القرن الثاني الميلادي تحت عنوان " الى نفسي" أو " بيني وبين نفسي " أول محاولة لكتابة السيرة الذاتية وهي تأملات تركز في المقام الأول على عالمه الروحي.

ولعل واحدة من اشهر السير الذاتية في العصور القديمة المتأخرة (حوالي عام 400 ميلادي) هي التي كتبها الفيلسوف والكاتب والمفكر الأسقف أوريليوس أوغسطين (354-430) تحت عنوان " اعتراف". وتحدث فيه بالتفصيل عن طفولته وشبابه وعائلته ومدرسته وهواياته. وهي من أوائل كتب السيرة الذاتية.

مَثَلُ اوغسطين في البحث عن الذات، عبر سعيه الروحي لم يقدر له الانتشار في العصور الوسطى بسبب التزمت الديني، فحراس الفضيلة كانوا بالمرصاد لكل من يجرؤ على البوح

بدخيلة نفسه على رؤوس الأشهاد، فحتى الأعترافات الدينية كانت سرية ويحظر تدوينها.

وبعد ستة قرون من نشر السيرة الذاتية لأوغسطين. كتب الفيلسوف والعالم اللاهوتي الفرنسي بيتر ابيلار (1079-1142)، مؤسس جامعة باريس، والشعلة التي الهبت عقل اوروبا اللاتينية في القرن الثاني عشر، كتب سيرته الذاتية تحت عنوان " تأريخ بؤسي". واذا كان اوغسطين تحدث عن حياته الروحية واهتدائه الى الأيمان، فأن ابيلار تحدث صراحة وبالتفصيل عن حياته الخاصة، وحبه لتلميذته ايلواز، وعن المحن التي حلت بالعاشقين التعيسين. قصة " حب ابيلار وايلواز" أصبحت واحدة من أهم قصص الحب الحزينة في الثقافة العالمية. وخلافا لـقصة "حب تريستان وايزولد " الأسطورية، وقصة "روميو وجولييت"، فان ابيلارد وايلواز كانا شخصين حقيقيين. وظلت قصتهما في ذاكرة الأجيال المتعاقبة بفضل السيرة الذاتية لأبيلار.

الإتجاهات الفلسفية لعصر النهضة الأوروبية وضعت الإنسان في قلب العالم، ورفضت فكرة الخطيئة وعدم أهمية الفرد، واخذت في تمجيد الأنسان وعقله وجماله وقوته وابداعه العلمي والفني، وليس من قبيل المصادفة ان " فن البورتريه " قد ظهر في هذا العصر تحديدا، كما شهد الشعر الغنائي تطوراً لم يسبق له مثيل، حيث سعى الناس حثيثاً في هذا العصر الى التعبير العميق عن دواخلهم الدفينة علانية، بكل ما فيها من طيبة أو خبث، وكأنهم يتطهرون من عبئها.

ومن الملفت للنظر ان الشاعر الإيطالي فرانشيسكو بترارك (1304- 1374 ) الذي يعد احد الآباء البارزين للنهضة الأوروبية، ساهم أيضا في تطوير فن السيرة الذاتية. كتب بترارك سيرته الذاتية في كتابين هما " سري الخاص "، " مشاهير الرجال " يتضمن الكتاب الأول ما سماه بترارك " رسائل الى الأحفاد " تحدث فيه عن الأحداث المؤثرة في حياته. اما الكتاب الثاني فهو على شكل حوار بين الشاعر والقديس أغسطينوس (354-430). السيرة الذاتية لبترارك تتناول حياته الروحية، ووصف تطوره الأخلاقي، وصراعه الداخلي مع نفسه.

وابتداءا من هذا العصر، عصر النهضة اصبحت الشخصية الإنسانية وعالمها الداخلي ذات أهمية كبيرة.

تعد السيرة الذاتية التي كتبها الصائغ والنحات الإيطالي الشهير بنفينوتو تشيليني من أبدع اعمال السيرة الذاتية، والتي تروي الكثير عن عصر النهضة الادبية والفنية في إيطاليا - أو عصر الانبعاث. كتب تشيليني رائعته في شيخوخته والتي تتضمن الوصف الدقيق لحياته العاصفة كلها تقريبا. وبلغة ناصعة، واسلوب شائق ومشرق : عن مغامراته العاطفية، والسنوات التي قضاها في خدمة البابا والملك الفرنسي ودوق فلورنس، وعن مآثره العسكرية وهواياته، وعن فترة سجنه في قلعة " الملاك المقدس " ورحلاته، وبطبيعة الحال عن عمله الإبداعي.

لم يلتزم تشيليني بحقيقة الأحداث أحيانا، فقد لجأ الى التباهي والمبالغة. بيد أن هذا لم يقلل من قيمة الكتاب، بل على النقيض من ذلك أسهم في رواجه وذيوعه. كتب تشيليني سيرته باللغة الإيطالية، وليس باللغة اللاتينية، كما فعل الفلاسفة والقساوسة الإيطاليون من قبل، وذلك لإتاحة الفرصة للجمهور العام لقراءة سيرته بلغة سلسة واضحة. نشر الكتاب في عام 1728، واكتسب على الفور شعبية واسعة، وترجم الى أهم اللغات الأوروبية. ولعل الأهمية البالغة للكتاب، هي التي دفعت بشاعر المانيا العظيم يوهان غوته الى ترجمته الى الألمانية بنفسه.

أسهمت السيرة الذاتية لتشيليني وشخصيته المتفردة، وعمق تصويره لمغامراته، واسلوبه المشرق، في تطور فن السيرة الذاتية.

أما السيرة الذاتية الفلسفية، فان الفيلسوف الفرنسي ميشيل دي مونتين (1533-1592) يعد الرائد الأول لهذا النوع من السير. ومونتين واحد من أكثر الكتّاب والفلاسفة المؤثرين في عصر النهضة. كتب مونتين سيرته الذاتية في سبعينات القرن السادس عشر - خلال العزلة التي فرضها على نفسه - واطلق عليها " تجارب "، ونشرت لأول مرة في عام 1580. وتحولت " تجارب " الى واحدة من اكثر الكتب مقروئية في ذلك العصر.

تكمن أهمية " تجارب " مونتين، ليس في حديثه عن نفسه وعن مصيره المتشابك مع احداث عصره، بل حقيقة أنه بخلاف من سبقوه في كتابة سيرهم الذاتية، أكد، وأمعن في التأكيد، على أنه فرد عادي. وكتب يقول : " اعرض حياتي أمام الأنظار وهي حياة عادية ليس فيها أي تميز أو تألق ". وعلى هذا النحو ظهرت لأول مرة في الثقافة العالمية الفكرة التي صاغها وهي " ان كل شخص لديه كل ما هو مميز للجنس البشري بأسره ". وافترض ان سيرته كانسان عادي يمكن ان تكون ممتعة للقراء.

كل السير الذاتية التي ظهرت في القرون اللاحقة يمكن تقسيمها الى نوعين:

النوع الأول يقتدي بسيرة تشيليني الذاتية، ويؤكد اصالة وتفرد اصحابها. والنوع الثاني يسير على هدى مونتين الى هذا الحد أو ذاك. وكان بعضهم صادقا في تواضعه والبعض الآخر تظاهر بذلك. وكانوا على ثقة بأن الحياة العادية تجذب انتباه القراء العاديين.

اعترافات "جان جاك روسو"

كانت السيرة الذاتية للكاتب والمفكر والفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو (1712- 1778) مرحلة مهمة في تطور فن السيرة الذاتية، و مصدرا للتقليد من قبل الآخرين. روسو مؤسس مدرسة الـ(سنتمنتاليزم) أو التيار العاطفي في الأدب. لعب دورا مهما في تطور الفلسفة والأدب العالمي. وكان من دعاة تقديس الطبيعة والبساطة، وتمجيد الاحساس بدلا من العقل، ومثالية الحياة البسيطة في احضان الطبيعة. وهذه كلها امور ولدت الأهتمام بالحياة الداخلية للأنسان. معظم اعمال روسو مكرسة لدراسة مشاعر الأنسان. وكان من الطبيعي أن تقوده النظرة المعمقة الى الطبيعة الأنسانية الى وصف حياته الخاصة.

بين عامي 1766، 1769 كتب روسو اعترافاته، وقام بتعرية قلبه وكشف دخيلة نفسه في بعض المقاطع. لم تكن السير الذاتية حتى ذلك الوقت تتميز بمثل هذه الصراحة المدمرة، وربما حتى يومنا هذا. فهو لم يحاول قط اخفاء نزواته وحماقاته واخطائه، بل تفاخر بها.وفي الوقت ذاته فان هذه (الاعترافات) – قصة شعرية عن الانسان وعلاقته بالآخرين، وبالمجتمع والطبيعة. وليس من قبيل المصادفة ان يكرس روسو العديد من الصفحات في للتغني بالطبيعة، وسرد مغامراته العاطفية الحميمية، التي تتناوب مع الافكار والصور المثالية. ولم يتوانى من اتخاذ اعترافاته فرصة لمهاجمة أعدائه الحقيقيين والمتخيلين.

كان صدق الاعتراف وحدة الجدال، قويان الى درجة ان الكتاب لم ينشر خلال حياة المؤلف بل بعد وفاته، حيث نشر في الفترة بين عامي 1782، 1789، في حين ان روسو نفسه اعتبر اعترافاته غير كافية فكتب في السنوات الاخيرة من حياته عدة حوارات منها " روسو يحاكم جان جاك " (1775-1776) و" نزهات حالم وحيد (1777- 1778).

تكتسب " اعترافات " روسو أهمية بالغة لانها الهمت الرجال الآخرين الرغبة في كتابة سيرهم الذاتية على غرارها. ولكن روسو كتب يقول: " أنا أفعل شيئأ لم يفعله شخص قبلي ولن يقدر شخص بعدي على تقليده "

لقد حاول روسو ان يكون صادقا، ولكنه بالغ في التذلل، حين وصف نفسه - وهو يتحدث عن حياته في مقتبل العمر - بالريفي الصغير البليد. وعندما نقارن اعترافاته بسلسلة رسائله الشخصية التي كتبها في تلك الفترة، نجد أن رسائله تنم عن ذكاء ثاقب، وعن مستوى عال من عزة النفس، مما يخلق انطباعا بأنه كتب بعض اعترافاته في اطار استعراضي.

 ليوهان غوته" الشعر والحقيقة "

لعبت السيرة الذاتية للشاعر الالماني يوهان غوته (1749-1832) المعنونة " الشعر والحقيقة في حياتي " التي كتبها بين عامي 1811، 1833 دورا لا تقل أهمية عن (اعترافات) روسو في تطوير فن السيرة الذاتية. تحدث غوتة في مذكراته عن سنوات شبابه وبداية رحلته الابداعية المرتبطة بالتيار الادبي المسمى " العاصفة والهجوم". وقد أصبحت عبارة " الشعر والحقيقة " شائعة، وهي غالبا ما تستخدم لوصف تناسب الخيال والواقع في الأعمال الأدبية. وكان غوته صادقا، عندما اطلق هذا الاسم على سيرته الذاتية "، لأن حياتنا خليط من الشعر والحقيقة، وهي أثمن ما لدينا، واحداث حياتنا مهما كانت بسيطة وعادية مهمة بالنسبة الينا، بل اكثر أهمية من أي شيء آخر في العالم، وهي التي تلهمنا المشاعر الجميلة للحظات نادرة من الكمال، وعندما لا توجد في الحياة مثل هذه اللحظات، فاننا نعمد الى خلقها، أي اننا شعراء بكل معنى الكلمة.

وكان غوته يعتقد ان المهمة الاساسية للشاعر او الكاتب الذي يكتب سيرته الذاتية هي وصف علاقته بزمنه ونظرته الى العالم والناس، وكيف انعكس كل ذلك على نتاجاته، حيث يمتزج فيها الشعر والحقيقة.

 في القرنين التاسع عشر والعشرين ظهرت سير ذاتية كثيرة، لأبرز الكتّاب والشعراء منها « قصة حياتي » لجورج صاند، و "البحث عن الزمن الضائع "لمارسيل بروست، و"صورة الفنان في شبابه " لجيمس جويس، و" حصيلة حياتي " لسومرست موم، وكَتَبَ وينستون تشرتشل سيرتين ذاتيتين، إضافة الى مذكراته في ثلاثة مجلدات.

وثمة في الأدب العربي العديد من كتب السيرة الذاتية لعل أهمها :

"الأيام" لطه حسين، و" أنا " لعباس محمود للعقاد، و" حياتي" لأحمد أمين، و" تربية سلامة موسى" لسلامة موسى، و" اوراق العمر " للويس عوض، و" ماذا علمتني الحياة " لجلال أمين".

ليس من الضروري ان يكون كاتب السيرة الذاتية شخصية عظيمة أو مؤثرة، أو نجماً شهيراً من نجوم المجتمع في السياسة أوالفن أوالأدب أو العلم. أو أن يكون قد التقى في مسيرة حياته بعض الناس المشهورين، فكل شخص في هذه الدنيا متميز، ولديه ما يستحق أن يروى.

ااشكالية الحديث عن الذات

لا شك ان كل شخص يعرف عن أحداث حياته اكثر مما يعرفه أي شخص آخر. وقد يتبادر الى الذهن ان أي واحد منا هو خير من يكتب عما يعتبره أكثر أحداث حياته أهمية ودلالة. هكذا يبدو الأمر لأول وهلة، ولكننا حين نشرع بالكتابة، نكتشف ان ثمة العديد من الصعوبات تعترض طريقنا، لأننا سنعتمد على ذاكرتنا في استرجاع الماضي، والذاكرة أداة خادعة تخزن بعض الأشياء، وتهمل أشياء أخرى جد كثيرة، وان كانت مهمة في حياتنا، ثم أن الذاكرة تصبح خاملة وكثيرة النسيان كلما تقدم بنا العمر، والناس يكتبون سيرهم الذاتية – في العادة – في سنين العمر المتأخرة.

وثمة الرقابة الذاتية التي يمارسها العقل على كل ما يسيء الينا، أو كان كريها أو غير مستحب في حياتنا. اننا نتذكر ما نرغب في استعادتها، ونودع في طيات النسيان كل ما يؤلمنا أو نخجل من التصريح به.

 مَنْ مِن الرجال يمتلك الشجاعة للحديث الصريح عن حياته الجنسية؟ ان ضرورات الاحتشام لا تسمح بذلك. ولا يوجد انسان عاقل وسوي قادر على التصريح بكل شيء عن دخيلة نفسه وعن اسراره الحميمية.

مَنْ بوسع أي انسان الاعتراف بارتكاب عمل دنيء. وهل ثمة من لم يرتكب عملا دنيئا في يوم ما ؟

كما اننا لا نستطيع قول الحقيقة كلها عن حياة اولئك الذين شاركونا الأعمال التي نصفها، خاصة اذا كانوا ما يزالون على قيد الحياة. واذا فعلنا ذلك، نخسرهم الى الأبد، او ندخل معهم في منازعات نحن في غنى عنها.

الحديث عن النفس امر غير مستساغ، الا بكياسة ولباقة بعيدا عن الاعتداد بالنفس. كما ان وصف المنجزات الشخصية، وابراز الجوانب الايجابية للكاتب، قد يعدّ غرورا مستهجناً، رغم أن ذلك ضروري لتقديم عرض متكامل لحياة صاحب السيرة الذاتية، اذا كانت الجوانب السلبية قد ذكرت.

لا يمكن لأي انسان أن يقول كل شيء عن نفسه، بصدق وشفافية ونزاهة، ويعترف بالحقيقة كاملة، مما يجعلنا نعتقد باستحالة كتابة سيرة ذاتية حقيقية.

 

 د. جودت هوشيار

 

عبد الجبار العبيديبعد سلسلة الحلقات التي نشرتها في عدة مواقع محترمة، وقد بلغت لحد اليوم أكثر من ثلاثين حلقة، ومن بينها مجلة صوت العراق، وكتابات، والمثقف، ومجلة النور.. ينبري اليوم استاذنا القدير والمفكر الفهيم الاستاذ الدكتور محمد شحرور على الشاشة العربية، ليقدم لنا خلاصة أفكاره النيرة التي نأمل ان تتحول الى حركة فكرية واعية عند الجماهير تمكنهم من الغاء الماضي الفكري في تفسير النص المقدس واستبداله بالصحيح. لعلنا نصبح امة لها فكر ناضج .. ودين يستند على تفسير صحيح للنص المقدس، مثل الأمم الأخرى التي انتجت من اديانها تاريخ...؟

ظاهرة الكاتب المفكر محمد شحرور ظاهرة جديدة قديمة ظهرت مع اصدار كتابه الموسوم (الكتاب والقرآن) وكتبه الأخرى. لو اطلعت عليها وجرى فيها الحوار لأحتاجت الى حوارات النفَس الطويل، عما جاء في تفسير النص الديني عند فقهاء المسلمين، وأرائهم التي دمرت الامة وخلقت لنا كل هذه المذاهب والفِرق الدينية المتناحرة، التي كل منها يدعي الصحيح ولا ندري اين الاسلام الصحيح؟ نتيجة الاختلافات الفقهية في حركة الاجتهادات في النص المقدس . ويقف الأزهر الشريف والحوزات العلمية في العالم العربي والأسلامي والقاعدة وداعش الأجرام في مقدمتها .

ظاهرة جديدة يقودها الدكتور شحرور في فهم النص الديني لو استمرت متابعتها وتفعيلها لصالح الامة وأدُخلت في المناهج الدراسية، لأنتجت امة تتشابه مع ما انتجته ظاهرة لوثر وكالفن لأوربا قبل حركة الاصلاح الديني الأوربية وقضت على أفكار العصور الوسطى المتخلفة المبرقعة بالدين، كون ان التفسير الجديد للقرآن يتعارض والتفسير الفقهي الترادفي الخاطىء الذي اعتمد على لغةٍ تاريخية قديمة قدم فكر الفقهاء، في وقت ان التسميات الحسية لم تكن قد استكملت في تجريدات تهدف الى كشف الحقيقة. هذا ما كنا نكتبه وننشره في المواقع العراقية والعربية، ولا زلنا تحت عنوان : حقيقة الاسلام الغائبة ....دون ان يلتفت الينا الا القليل.. لسيطرة الفكر الديني القديم المتخلف على الفكر الصحيح .

على الكُتاب والمثقفين واصحاب القلم ان يساندوا هذه الظاهرة العربية العالمية لنتمكن من تخليص الامة من هرطقة مؤسسة الدين ورجالها الباطلين ... لأسقاط حكومات التدليس والسرقة للمال العام والمحاصصة الباطلة والتدمير، والخيانة الوطنية مع الأخرين، باستخدام الاسلام الفقهي المزيف وسيلة من وسائل التخدير والتجهيل لتبقى السلطة الدينية تقف خلف السلطة السياسية في تدمير حقوق الجماهير وتخلف الامة بأسم الدين، كما دمر الوطن العربي اليوم بشكل عام وعراق العراقيين بشكل خاص .

هذا المفكر الشجاع يقدم لنا قراءة معاصرة ووجهة نظر جديدة للأسلام في كتابه، (الكتاب والقرآن)، تنطلق من خصائص اللسان العربي، وقوفاً على الأرضية الفلسفية والمعرفية للقرن الحادي والعشرين. وبهذا فهو يعرض وجهة نظر جديدة الى الوجود والتفسير والمعرفة والتشريع والأخلاق والجمال والاقتصاد والتاريخ، بعد ان فصلَ في المصطلحات القرآنية وتبنى المنهج التاريخي العلمي، واعطى لها تفسيرا جديدا يتوائم مع نظريات التطور التاريخي الحديث .

تحدث هذا الكاتب المفكر الجريء في محتويات القرآن وأسباب النزول والتنزيل، والفرق بينهما في المعنى والتثبيت، لينتقل الى القصص القرآنية التي ربطها بالوحي القرآني وقوانين الوجود وقوانين التاريخ. وضرب لنا امثلة مقنعة لهذا التوجه المحكم في تأويل القرآن الكريم. اخذاً بنظر الاعتبار شمولية الاسلام التي جاءت من نظرية التطور في التشابه والحدود.

لقد تبين لهذا المفكر المفعم بالحقيقة القرآنية، ان العمود الفقري للعقيدة الاسلامية، هو قانون تغير الصيرورة (التطور) حيث تكمن عقيدة التوحيد، وقانون تغير الأشياء (كل شيء هالك الا وجَهُهُ، القصص88) وفسر تفسيرا علميا معنى الكافر والظالم، والاستقامة والاعوجاج، ونظرية الصراط المستقيم والوصايا العشر وهي كل القرآن الكريم .

..بهذه الدراسة توصل الى وضع منهج جديد في أصول التشريع الأسلامي القائم على البينات المادية، وأجماع الاكثرية من الناس، وأكد ان حرية التعبير عن الرأي وحرية الاختيار، هما اساس الحياة الانسانية في الأسلام الحقيقي، وليس اسلام الفقهاء الذين دمروا الامة وأوقعوها في اشكاليات مؤسسة الدين الغير المعترف بها في القرآن والغير المعترف بها في اصدار الفتاوى على الناس، ولم يميزها بلباس معين أو تقديس... والتي أفرزت لنا المذاهب الاسلامية القاصرة عن تحقيق التقدم وحقوق الانسان كما جاءت في النص المقدس من الكتاب والقرآن.

وتطرق الكاتب الى جملة مواضيع رئيسة واساسية في توجيه الحياة في ظل العدالة الآلهية المتطورة، كقضيتي الردة والأرتداد، والفتوح والجهاد، والقصص القرآنية، في ظل النص المقدس الصحيح، لا في ظل التفسير الجامد الخالي من التحريك. وخاصة في موضوعات الآيات الحدية والحدودية وآيات التعليمات والقضاء والقدر والأعجاز القرآني واعطى فيها رأيا يتوافق مع المنطق المتطور والعقل السليم .

اما في نظريات جدل الكون والأنسان وعناصر المعرفة الانسانية، فقد ميز بين الروح والنفس، وكيفية التعامل معهما بأعتبار كل واحدة لها خصائصها المختلفة عن الأخرى. وتحدث عن الفرقان في التوراة والاسلام واكد انها الوصايا العشر التي منها يستمد الدستور لحماية الفرد في الدولة، وأكد على الحقوق وحلف اليمين والتزوير، وحفظ المال العام بأعتبارها قواعد لا يجوز اختراقها بالمطلق ومن يخترقها يسقط عنه التكليف.. ولاحصانة بالمرة لمن يخالف النص الصحيح.

 تكلم في العصمة والتكليف، والآرث والوصية والقوامة وقال: ان لا معصوم الا الله والقرآن الكريم، وحتى الانبياء عصمتهم بالرسالة وليس في شخوصهم كقول الحق: يا ايها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس "المائة 67"، وقد نبه القرآن الكريم الرسول (ص) في عدة مواضع كما في سورة التوبة (آية 43) يقول الحق : مخاطبا الرسول (ص) : "عفا الله عنك لم َ آذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ." هوامر موجه للرسول (ص) في خطأ التهاون في التكليف . وتكلم في حقوق المرأة التي دمرها الفقه الوضعي وجاء بنصوص في غاية الدقة في المساواة بين الذكر والأنثى ماداموا هم قد ( خلقهم الله من نفس واحدة، النساء 1) ..وفي الارث والوصية، البقرة 180 . .

ولازال يتحدث في اليوتوب والعالم العربي والخارجي عن فصل الدين عن السياسة بمعقولية التشريع، وازمة العقل العربي الحالية التي اغلقت الفكر العربي ووضعته في انفاق مظلمة صعبة الأختراق من اجل فقهاء السلطة ورجال الدين لخدمة الحكام الظلمة والسلاطين ليبقوا يظلمون كما ظلم القساوسة والكرادلة وآل بوربون للفرنسيين ..واليوم يقف ممثل المرجعية الدينية في النجف الاشرف على نفس المنوال دون تغيير.

حوارات رصينة معتمدة على كتابه الموسوم (الكتاب والقرآن) الذي ندعو لقراءته وكتبه في فقه المرأه والأيمان والتكليف وأخرى كثيرة . كتب رصينة ندعو لقرائتها بأمعان لتغيير صيرورة الزمن وعقل المثقفين الذين لا زالوا يهرولون خلف مرجعيات الدين التي لا تؤمن الا بالقديم، والتي لا يعترف القرآن بها، ولا يخولها حق الفتوى على الناس، ولا يميزها بلباس معين في التثبيت.

شكرا لهذا لكاتب الذي بكتاباته سيغير منهج التاريخ ولو بعد حين كما غير لوثر وكالفن في الكنيسة رأي الأوربيين..

 

د. عبد الجبار العبيدي

..........................

ملاحظة كل الاراء القابلة للنقاش منشورة على اليوتوب.. ولا زال المفكر الفذ يعطي لنا الكثير.

 

 

عدنان عويدإن المشروع الديمقراطي الذي يطمح إليه كل عقلاني وتنويري، هو المشروع الذي يتطلب بالضرورة، اعتماد بناء معرفي قائم على العلم والعلمانية. فالتفكير العلمي يبقى المدخل الأساس للعقلانية، والعقلانية النقدية، هي المدخل المعرفي الأساس بدورها للعلمانية التي تشكل أنموذج حياة لا يقوم به إلا الإنسان العاقل وحر الإرادة. والديمقراطية التي لا تمارس على أساس عقلاني نقدي، ستبقى ديمقراطية ناقصة ومزيفة ومشوهة، هدفها في النهاية خدمة قوى اجتماعية محددة وليس عموم الشعب. بينما الديمقراطية القائمة على المنطق والعقلانية النقدية فهي الديمقراطية القادرة في الحقيقة على تحقيق العدالة والمساواة والمشاركة في كل أشكالها أو مستوياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، للفرد والمجتمع وفقاً لطبيعة المرحلة التاريخية المعيشة. أي هي الديمقراطية القادرة وفقاً للظروف الموضوعية والذاتية التي تفرض نفسها على حواملها الاجتماعية في مرحلة تاريخية محددة بغية تحقيق التوازن في بنية المجتمع الواحد دون النظر إلى أي اعتبار آخر، عشائرياً كان أو مذهبياً أو قبلياً أو أثنياً... إنها الديمقراطية التي تنظر إلى العمل والعقل وظروف الواقع كمعايير اساسية من معايير التقدم وجعل الإنسان هدفاً لها، وذلك على اعتبار (أن ما هو جذري وذو قيمة حاسمة في عالم الإنسان، هو الإنسان نفسه... إنه إنسان العمل والإنتاج والمعرفة... إنسان الخلق والإبداع والحضارة، ضد إنسان التواكل والتصوف والتأمل والحلم والامتثال والرضا والتسليم. أي العبودية.).

إذا كانت الديمقراطية هي القدرة على المشاركة في خلق التوازن داخل البنية الاجتماعية، فإن العلمانية هي المجتمع المدني في حالة سياقه التاريخي - أي في حالة التطور التاريخي الذي وصل إليه المجتمع في مدنيته - الذي يعطي الديمقراطية المجال الحيوي الذي تثبت فيه عقلانيتها وضرورتها في تحقيق التوازن الاجتماعي المطلوب في هذه المرحلة أو تلك من مراحل تاريخ المجتمع أو الدولة.. وبالتالي نستطيع القول: إن الديمقراطية والعلمانية يشكلان طرفي المعادلة في سلسلة الدولة المدنية.. أي دولة المواطنة والمؤسسات والقانون والتشاركية واحترام المرأة والرأي والرأي الاخر وحرية التعبير .. الخ.

إن مأساة الإنسان العربي في معظمه التي تحد من تقدمه وتحول كثيراً دون قدرته على إثبات ذاته، وتحقيق دولته المدنية تكمن في عبوديته، فعبودية الإنسان العربي لم تزل تكمن في خلايا عقله أولاً، وتمارس فعلها بشكل مستمر على كل تصرفاته اليومية المباشر ثانياً.

إن الإنسان العربي بعمومه، لازال يحسب حساباً للعقاب قبل الثواب أولاً.. وإن قوة النص المقدس في تفسيره وتأويله المنحدران من العصور الوسطى فهماً ومنهجاً، لم تزل تشهر سيفها في وجهه لتقيد حركته واندفاعاته نحو الأمام، حيث تحولت قوة النص هذه إلى سياج قدري فُرض عليه ليحدّ من إرادته، كي لا يتجاوز حدود ماضيه ويبقى يعيش أسيراً للكثير من قيمه ومثله السلبية في الغالب ثانياً، هذا في الوقت الذي تقوم فيه قوى استبدادية حاكمة على إعادة ترميم هذا السياج القدري الغيبي الاستسلامي وتدعيمه باستمرار، كونه يشكل حصنها الحصين هي أيضاً في استعباد شعوبها واستمراريتها في الحكم ثالثاً.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من دير الزور – سورية

 

"أخلاق المواطنة: هي الاعتراف غير المشروط بأهمية كل روح إنسانية.. ومنحها القيمة الجوهرية.. والتي لا يمكن وضع فكرة مجردة عن الخير دونها.. لأن حقيقتها تتجاوز كثيرا.. قيمة أكبر أشياء العالم.."

 لو انطلقنا من طرح تساؤلا في إمكانية الفرد أن يكون مواطنًا من دون أن يكون وطنيًا؟ وها هنا سننطلق من حقيقة أن صياغة هذه المسألة تشير إلى المعارضة المتعمدة أو اللاواعية للوطنية والمواطنة وعادة ما تكون هذه المعارضة محاولة لتبرير الفردية والأنانية النرجسية التي يفترض أن حقوقها وحرياتها ذات أولوية مطلقة في علاقتها بالمجتمع ولا تعتمد على حالة ثابتة فلا يمكن أن تتحقق حقوق الإنسان وحرياته إلا في سياق بلد معين وتقاليد ثقافية وتاريخية محددة وإذا لم تكن ذات سيادة فإن مسألة وضع المواطن لا يتم حلها بالكامل وتبرز التناقضات بين الوطنية والمواطنة في شكل غريب للهجرة الروحية، وهناك شيئا مهما آخر هو أن الاعتراف بالوطنية لا يعني الموافقة على جميع جوانب حياة الدولة والمجتمع التي تنتمي إليها، وان الوطني الحقيقي هو ذلك الشخص الذي يسعى إلى تحسين العلاقات العامة وتخليص البلاد من "القرحة الاجتماعية"، وإن المواطنة والوطنية لدى الشاب ليست صفات فطرية أو سمات شخصية ولكنها تتشكل فيهم جراء عملية التعليم والتنمية الذاتية والمجتمعية، وإن الوضع الاجتماعي الاقتصادي والسياسي والروحي في المجتمع له تأثير ضخم في النظر في مشكلة تكوين المواطنة والوطنية، وكانت إحدى عواقب الأزمات الاجتماعية السياسية هي تشويه أفكار تكوينهما باعتبارها أهم من نمط الكيانات والنماذج المتكاملة للوعي العام.

الغالبية العظمى بين الشباب تتباين وتنقسم بين مستويات التركيب المتنامي على الاستقلال الشخصي والرغبة في تحقيق فرصهم المحتملة وبين الرغبة في الرفاهية الشخصية والأنانية، ومن الواضح أن هناك أسباب موضوعية وذاتية لما يتألمون لأجله من حقيقة أن الدول قضت على حل أهم المشاكل الحيوية للشباب ولم تضمن حماية لحقوقهم ومصالحهم، كما اوجدت حالة الاضطرابات الاجتماعية العديد من الشروط المسبقة لتحقيق النجاح في الحياة من خلال الوسائل المعادية للمجتمع ومن دون الامتثال للمعايير الاجتماعية وعرقلة استخدام الأساليب التقليدية التي تقرها المجتمعات والقوانين مما اشاع البيئة الجنائية وشبه الإجرامية التي شملت وجذبت جزءًا كبيرًا من أكثر الشباب نشاطًا وناقضتهم مع المواطنة والوطنية وقربتهم لمحاولات المنهجية للتشكيك في التاريخ والثقافة المحليين، فلذا نرى انه وجوب على الدول إن تحدد سياساتها بوضوح الموقف لبناء مجتمع مدني لكن الشرط الأساسي لإنشائه يكون عبر اكتساب الناس لمركز المواطنين والوطنيين والذي يتميز بحيازة مجموعة معقدة من الحقوق والحريات الطبيعية، فضلاً عن زرع الاستعداد والقدرة بروح الشباب على تحمل المسؤولية ليس فقط لأنفسهم ولأحبائهم بل أيضاً لمصير البلد لتشكيل شخصية معنوية وشاملة بدرجة عالية وأخصائية وتنافسية لتنتج مواطن ووطني في بلده. وأن هكذا مهمة لا يمكن تحقيقها من دون بناء رأس المال الاجتماعي للشباب واستخدامه بفعالية ليمثل الفرص الحقيقية والمحتملة للشباب ويمكنهم استخدامه لتحسين نوعية حياتهم وحياة المجتمع كله ، وأهم شيء في رأس المال الاجتماعي هو أنه لم يتم إنشاؤه من خلال جهود منفصلة إنما يتم تشكيله وتراكمه تحت تأثير إدراجه في علاقات جماعية قوية وإنشاء وتنفيذ الالتزامات المتبادلة والمسؤولية والتضامن بالأعتماد على درجة الدعم المتبادل والتعاون والثقة بين المواطنين ودعم بعضهم لبعض وكلما ارتفع المستوى زادت موارد البلد والدولة، وعبر ذلك نجد إن رأس المال الاجتماعي يتترجم بمثابة نتيجة مستحدثة ومتغيرة باستمرار للعلاقات الإنسانية الجماعية والتي تسمح باستمرار تحسين نوعية حياة الناس ورفع مستواها، ومن ذلك تمثل المواطنة والوطنية أشكالًا من اندماج الشباب في المجتمع ولذلك يساهمون في نمو رأس مالهم الاجتماعي واستخدامهم له.

المتأمل في عمليات العولمة في العالم الحديث سيجد إن تكثيف المنافسة بين الدول من أجل امتلاك الموارد هي اهم سبلها غير إن ابرز أهداف المنافسة هو الإنسان والموارد الفكرية وان البلدان التي تتمتع بمزايا تنافسية كبيرة هي متلقية للهجرة الفكرية لذا يعتبر تفعيل المواطنة والوطنية بين الشباب في هذه الظروف من الطرق للحد من "هجرة الأدمغة" بالنسبة لبلادنا، وليس غريبا إن قلنا إن العولمة لم تقضي على الأخطار ولا على التهديدات العسكرية بل هي التي اظهرت تهديدات جديدة روحية وامنية نسبيا كالإرهاب الدولي وعصابات المخدرات والنزعة الانفصالية العرقية، وكل ذلك يضع متطلبات عالية على ضمان سيادة وأمن البلاد ولذا فأن من الواضح أن حماية الدولة من التهديدات العديدة يمكن أن تنفذ على نحو أكثر فعالية من قبل الناس الذين يشعرون أنهم مواطنين كاملين ووطنيين، فيبدو لذلك أنه وإلى جانب التربية المدنية فمن الضروري الحديث عن التعليم والتدريب المدني والوطني واكتساب واستيعاب شخص المعرفة عن نظام العلاقات بين الدولة والفرد وعن حقوقه والتزاماته وتطوير مهاراته العملية  في الدفاع عن حقوقه وكل ذلك يصب في تعزيز الدولة.

ولتتشكل عملية تكوين المواطنة والوطنية في سياق نشيط من الضروري حل العديد من المشاكل كتشكيل موقف مدني ووطني وتشكيل المسؤولية المدنية والوطنية وتكوين الولاء الاجتماعي وتكوين مهارات المشاركة المدنية، وإن الموقف المدني والوطني للفرد هو الموقف الذي يعلنه الشخص تجاه الدولة والمجتمع والوطن في موقف مدني ووطني تنعكس به عدة عناصر والمبادئ التي يوجه بها تقييمه للواقع الاجتماعي ووفقا للمواقف التي يحددها السلوك في مجال الحياة العامة عبر المسؤولية المدنية والوطنية والتي هي واجب واستعداد لتكون مسؤولة عن أفعالهم للدولة والمجتمع والمتمثلة في الولاء الاجتماعي والرغبة في الاستجابة للنداء المعقول الذي يتم نيابة عن الدولة، ولهذا يجب اعتبار المشاركة المدنية والوطنية كنشاط بشري لحل المشكلات الاجتماعية التي تتم بشكل شخصي أو ضمن الجمعيات العامة. ومن الواضح أن تشكيل المواطن والوطني فيما يتعلق بروحية الشباب يجب أن يتكون من عنصر التغييرات في موقف الدول تجاه الشباب والتي تم التعبير عنها في خلق الظروف لتحقيق الذات وحماية حقوقهم للحصول على استجابة مدنية ووطنية كافية في إذا ما تم الحفاظ على فهمهم لعبارات حول المواطنة والوطنية، ولذا لا يمكن أن يكون تكوين روح المواطنة والوطنية فعاليا إذا تم تنفيذه من قبل سلطات الدولة والبلدية دون مشاركة الجمهور الشاب ذاته فلذا لابد أن يعملوا مع الدول في حل مشاكلهم، ومن المهم للغاية تقديم المساعدة إلى المنظمات ذات التوجه الوطني التي تعزز التعبير عن مصالحهم وتجميعهم وتمثيلهم وتمكينهم من تصميم وتنفيذ مشاريع خاصة وعامة لهم وعلى كافة المستويات.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

جوتيار تمرتحتل العشيرة مكانة بارزة في المجتمعات لاسيما الشرقية، بحيث اصبحت كما يراها البعض هي احدى اهم الاشكاليات التي تمر بها بلدان المنطقة، لاسيما من حيث نفوذها السياسي والاجتماعي والاقتصادي وحتى الديني المذهبي، ناهيك عن المجالات الاخرى كالعسكرية التي تحولت هي الاخرى الى مؤسسات عشائرية تمدها العشيرة نفسها بالكثير من الامدادات البشرية والمادية، وذلك ما يفرض على الدولة ان تتعامل معها وفق قواعد مغايرة تعتمد على التوافقية والمسايرة في اغلب الاحيان بعيداً كل البعد عن روح القانون الذي من المفترض ان يتسيد هو الواقع.

مرت البشرية سواء في الغرب ام الشرق بمراحل تاريخية تسيدت فيها العشيرة  والعشائرية مقاليد الامور، ففي الغرب كما يقول حسني عايش: وقبل قيام الدولة واندلاع الثورة الصناعية وظهور الاقتصاد والتعليم الحديثين، كانت العشيرة والعشائرية سائدة فيها، ولكن بعد التحولات التي ذكرناها حلت الدولة والاحزاب والتيارات السياسية والاجتماعية والاقتصادية ومؤسسات المجتمع المدني محل العشائر والعشائرية، على الرغم من ان العشرة كرابطة دم وقرابة بقيت ولكن فقط كشجرة يعرف المرء من خلالها من اين جاء والى اين ينتهي، وبذلك لم تزل هناك العديد من العشائر موجودة او معروفة بسلسلتها او بشجرتها المدونة وليس المدعاة بالتاريخ الشفوي الذي لاسند له وهي على الرغم من نفوذها السياسي والاقتصادي خاصعة للقانون والدولة.

وفي الشرق تختلف الموازين والمفاهيم، فالعشيرة " العشائر " لم تزل متحكمة بامورها الاجتماعية وروابطها الدموية وتعمل على حل مشاكلها بنفسها، وذلك ما يجعل امورها تتداخل في الكثير من الاحيان مع امور الدولة نفسها لاسيما فيما يتعلق بتحقيق العدالة الاجتماعية، او حتى المسارات السياسية الانتخابية والى غير ذلك، ان هذا التداخل هو الذي اضفى على مفهوم العشيرة بعض المتغيرات الحالية، فحولتها الى وحدة اجتماعية فعالة ومهيمنة وفق منطق العشائرية، كما ان تلك التداخلات نفسها جعلت بعض العشائر تمارس سلطتها لاقامة وحدة عشائرية، هذا التحول غير من مفهوم العشيرة وجعلها تختلف كلياً عن ما سائد حولها وعن ما هي عليه في الاصل.

 فالعشيرة كما يراها د . محمد الخطيب في كتابه الاثنولوجيا " دراسة عن المجتمعات البدائية " : هي وحدة اجتماعية تعتبر امتداد للاسرة وتتميز بتسلسل قرابي معين يتفق مع نظام سكني خاص ولذلك فان العشيرة هي وحدة مكانية ويعتقد افراد العشيرة الواحدة في وجود جد واحد مشترك قام بتاسيس العشيرة واحياناً يكون ذلك الجد شخصية اسطورية ، وينقل د. محمد احمد غنيم في كتابه الضبط الاجتماعي والقانون العرفي " دراسة في الانثروبولوجيا الاجتماعية " عن العالم الاجتماعي الفرنسي "دوركايهم"  تعريفاً عن العشيرة على انها مجتمع تتعدد فيه الزمر الاجتماعية ولكنه لايزال يحتفظ بوحدته وتجانسه وعدم قبوله للانقسام الى عدة مجتمعات تتمايز على الرغم من انها تتكون من الاسر الصغيرة التي لاتكون اقساماً سياسية متمايزة.

وبذلك تبقى العشيرة ضمن جغرافيتها المكانية والزمنية وحدة قائمة، تساهم كثيراً في حل النزاعات الاجتماعية، كما تساهم في مد الدولة بالكثير من الطاقات والخبرات العملية، وهي طالما خاصعة للقانون فهي منتجة، فعالة، ومهمة لاستكمال عملية البناء التي تسعى اليه الدول، لاسيما في الشرق بصورة عامة والشرق الاوسط بصورة خاصة، فافراد العشيرة حين يخضعون لمؤسسات الدولة يساهمون في تطوريها، وهذا ما جعل علاء ناجي يذهب في دراسة اكاديمية له منشورة على الانترنيت بعنوان " الدور الاجتماعي للعشيرة في تحقيق السلم المجتمعي "،الى ان العشيرة كانت ومازالت وحدة سياسية واجتماعية واقتصادية  تمارس دوراً مهما في ضبط سلوك افراد المجتمع وكذلك تلعب دورا رئيساً في حفظ كيان المجتمع من الاخطار الخارجية، كما ان لها الدور الاكبر في فض النزاعات والصراعات وكذلك معالجة المشاكل التي تواجه الافراد، وهي تحافظ ايضا على تجانس وتماسك الافراد بصورة خاصة وباقي افراد المجتمع بصورة عامة. اذ ان العشيرة هي مؤسسة اجتماعية سياسية تهدف الى تحقيق الامن والاستقرار وبث الطمأنينة بين الافراد وزرع الألفة والمحبة وغرس المودة واصلاح والتكافل الاجتماعي ونبذ التطرف والعنف والصراع بينهم.

وعلى الرغم من قيامه بالخلط بين مفهوم العشيرة والعشائرية في دراسته الا انها اعطت رؤية واضحة حول اهمية الدور الذي يمكن ان تقوم به العشيرة داخل المجتمعات بصورة عامة، ومع ذلك يتوجب علينا البحث عن وجه الاختلاف الحقيقي بين تلك المفاهيم التي ذكرناها حول العشيرة و بين مفهوم العشائرية التي يراها حسني عايش على انها عقلية او اتجاه سياسي يسعى الى تحويل العشيرة الى نوع من الحزب السياسي في مواجهة العشائر الاخرى، والاحتكام اليها في العلاقات الاجتماعية والسياسية، بهذه العقلية او التحويلة تصبح العشائرية شكلاً من اشكال الايديولوجية يرجع اليها ويفسر بها كل امر مثل تشكيل الحكومات، والانتخابات البرلمانية، والبلدية والنقابية، والمقاضاة، والوظائف العامة، المدنية والعسكرية وربما الاستثمارات والاعمال في القطاع الخاص. اي كالايديوجيات الاخرى مثل الايديولوجية القومية والايدولوجيا الشيوعية والايدولوجية الاسلامية وهكذا، عندئذ تصبح كل عشيرة – بالعشائرية – حزبا في مواجهة بقية اجنحة الحزب العشائر الفرعية داخل العشيرة او العشائر الاخرى عداً ونقداً. ولقد  افرزت عن هذه التحولات مصطلحات اخرى في بعض الدول الشرق اوسطية مثل الدكة العشائرية والتي يُعرفها د. عامر صالح في مقال له بعنوان "الدكة العشائرية بين الارهاب واعادة انتاج العشيرة – ملاحظات سايكواجتماعية " على ان مفهومها يتخلص باقدام مسلحين ينتمون لعشيرة على تهديد عائلة من عشيرة اخرى، من خلال عملية اطلاق نار بمختلف الاسلحة..... على منزل المقصود، كتحذير شديد اللهجة لدفعها على الجلوس والتفاوض لتسوية الخلاف، وفي حال عدم موافقة الطرف المستهدف تتطور الامور لتؤدي الى وقوع ضحايا من الطرفين. وهذا بالضبط ما يخلق المفهوم الصحيح للعشائرية التي تتحول الى قوة سلبية على الساحة الاجتماعية، وتؤدي دوراً فوضوياً في المجتمع والدولة، ومما لاشك فيه ان هذه الظاهرة لاتخدم الرؤية الصحيحة للعشيرة كوحدة اجتماعية متماسكة انما تفكك العشيرة نفسها الى وحدات اخرى مغايرة تخدم مصالحها على حساب العشائر الاخرى وبذلك تُحول العشيرة وجودها الى عشائرية ساعية لفرض هيمنتها، وهذا لايحدث الا كنتيجة حتمية لضعف الدولة ووجود خلل في اجهزتها ومؤسساتها، حيث تصبح العشائرية مفهوماً وقانوناً في تلك الدولة ويرجع اليها حتى في الانتخابات وتوزيع المناصب والايرادات، وحين تعتمد الدولة في سن قوانينها على المرجعيات بصورة عامة تدخل في نفق مظلم لاتخرج منه الا بخسائر لايمكن تعويضها على جميع الاصعدة، فالتاريخ يؤكد على ان المرجعيات القبلية التي تضم داخل جغرافيتها العديد من العشائر، لم تستطع ان تسيطر على جميع تلك العشائر لاسيما التي امتلكت طموح السلطة والريادة فحولت مساراتها للتمرد والسعي للحصول على مكتسبات، وباتت تشكل تهديداً على النظام العشائري المتماسك داخل القبيلة نفسها، ما نتج عن ذلك فوضى داخل الدولة.

ووفق هذه المتحولات والمتغيرات التي طرأت على دور العشيرة – العشائرية – اصبحت الشعوب تنظر الى مفهوم العشيرة بسلبية وترجع اليها جميع الاخفاقات وجميع الانكسارات التي تحدث سواء على المستويات الجماعية او الفردية، على الرغم من ان الامر مجحف بحق تلك العشائر _ العشيرة – التي حافظت على كيانها ووحدتها الاجتماعية وتساهم بشكل ايجابي في مد الدولة بمقومات الاستمرارية من خلال دعمها والامتثال لسياستها وقوانينها،كمواطنين لهم حقوق وعليهم واجبات، ولم ينخرطوا في تلك الاعمال التي تجعل منهم حزباً او ايديولوجية مناهضة للدولة، بالعكس تماما فانها تقدم نفسها انموذجا للتعايش السلمي. وهذا ما يفرض علينا البحث عن الظروف التي تحفز العشيرة لتقبل المتغيرات والتحولات السلبية، والتي تجعلها تتحول تدريجياً الى حزب سياسي او ايديولوجية فتخرج عن سلطة الدولة ولاتعترف بقوانينها، وتفرض وجودها بالقوة والسلاح كمكون اساسي ورئيسي للعملية السياسية والاجتماعية والاقتصادية في الدولة.

 

جوتيار تمر / كوردستان

 

 

جميل عودةالتمييـز هـو كل مـا يـؤدي إلـى اللامسـاواة فـي المعاملـة، وفـي الاعتبار، تجاه أفـراد اختلفت خصائصهم أو صفاتهـم، فيصبحـون نتيجـة هـذه الخصائـص، أو هـذه الصفـات أقـل مسـتوى، أو شـأنًا، أو قـدرةً. وتمنــح ممارســات التمييــز فــي الواقــع المعــاش حقوقًــا لفئـة علـى حسـاب أخـرى، تُسـلب منهـا حقوقهـا الطبيعيـة والاجتماعية.

 وقد نصــت الشــرعة الدوليــة لحقـوق الإنسان فــي الفقــرة (3) مــن الميثــاق، علـى المسـاواة بيـن الجنسـين. وأكـدت علـى (الإيمان بالحقـوق الأساسية للإنسان، وبكرامــة الفـرد وقدرتـه، وبمـا للرجال والنسـاء مـن حقـوق متسـاوية) ومــن ثــم أعيــد التأكيــد فيهــا، علــى أن كل إنســان يتمتــع بجميــع الحقــوق والحريــات دونمــا تمييــز مــن أي نــوع كان، لاســيما التمييــز بســبب الجنــس أو الديــن، ودونمــا تفرقــة بيــن الرجــال والنســاء.

 لــم يجــر التعامــل فــي البــدء، ضمــن الشــرعة الدوليــة لحقــوق الإنسان، مــع مفهــوم التمييــز بيــن الرجــالً والنسـاء باعتبـاره موضوعًـا قائمـا بذاتـه، بل صنف كشـكل مـن أشـكال ممارسـة التمييـز فـي المجتمعـات الإنسانية، وكموضــوع مــن المواضيــع التــي تتــم إثارتهــا خلال المؤتمـرات التـي أولـت اهتمامًـا خاصـا بموضـوع المـرأة. ولــم يتحــول التمييــز إلــى موضــوع وهــدف قائــم بذاتــه إلا مـع اتفاقيـة القضـاء علـى جميـع أشـكال التمييـز ضـد المـرأة التـي أقرتهـا الجمعيـة العامـة عـام 1979(سـيداو) والتـي دخلـت حيـز التنفيـذ عـام 1981.

 تُعرف المادة (1) من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز بحق المرأة، التمييز بأنه (أي تفرقة أو استبعاد او تقييم، يتم على أساس الجنس، ويكون من آثاره أو أغراضه، توهين أو إحباط الاعتراف للمرأة بحقوق الإنسان والحريات الأساسية في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية، أو في أي ميدان آخر، أو توهين أو إحباط تمتعها بهذه الحقوق أو ممارستها لها، بصرف النظر عن حالتها الزوجية، وعلى أساس المساواة بينها وبين الرجل)

 هناك نوعان من التمييز بحق المرأة، وهما: التمييز المباشر؛ وهو التمييز الذي يحدث عندما يكون اختلاف المعاملة قائماً بصورة مباشرة وصريحة على أوجه تمييز، تقوم حصراً على أساس نوع الجنس والخصائص المميزة للرجال أو النساء التي لا يمكن تبريرها بشكل موضوعي. والتمييز غير المباشر؛ وهو التمييز الذي يحدث عندما لا يبدو القانون أو السياسة أو البرنامج تمييزياً، ولكن يكون لـه مع ذلك تأثير تميـيزي عند تنفيذه. ويمكن أن يحدث ذلك، على سبيل المثال، عندما تكون المرأة مستضعفة مقارنة بالرجل فيما يـتعلق باغتنام فرصة أو التمتع بمنفعة محددة، وذلك بسبب عدم المساواة الموجودة أصل.

 وكذلك هناك العديد من النساء اللاتي يعانين من أشكال متميزة من التمييز، بسبب تداخل نوع الجنس مع عوامل مثل العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الدين، أو الآراء السياسية وغيرها، أو الأصل القومي، أو الاجتماعي، أو التملك، أو المولد، أو غير ذلك، مـن الحالات مثل السن، أو الانتماء الاثني، أو الإعاقة، أو الحالة العائلية، أو مركز المهاجر أو اللاجئ...

 وفي الواقع، إن التمييــز القائم على أساس النوع الاجتماعي، أي التمييز بحق المرأة، هــو موضــوع اجتماعــي قائم على أساس نظرة المجتمع ككل، والرجل تحديدا، إلى المرأة ودورها في الحياة، وهي في غالبيتها نظرة دونية تقلل من شأن المرأة ووظيفتها الإنسانية والمجتمعية. وقد نتج عن هذه النظرة سلوكيات اجتماعية، ترسخت مع الأجيال المتعاقبة، حتى أضحت كأنها الأصل، وغيرها هي فروع.

 مثل إهانة المرأة، وتعنيفها وضربها، ومنعها حقوقها الإنسانية والاسرية والاجتماعية، كحقها في المعاملة المتساوية مع الرجال، وحقها في التعليم، وحقها في الصحة، وحقها في الرأي، وحقها في العمل، وحقه في اختيار أو رفض شريك حياتها، أو قبول ورفض الزواج بمحض إرادتها، وسائر الحقوق الممنوحة لها كإنسان أو كامرأة.

 وقد ترجمت هذه النظرة الدونية للمرأة، وهذا السلوك اللاإنساني إلى تشريعات وقوانين ونصوص واجراءات تغمط حقوق المرأة، وتصعب الحصول عليها، كقوانيــن الأحوال الشــخصية، والجنسـية، والعقوبـات، والضمـان الاجتماعي، والعمــل، والمحاكمــات المدنيــة، وقوانيــن التجــارة وغيرها...

 إن المساواة بين الرجل والمرأة في حق التمتع بجميع حقوق الإنسان هو من المبادئ الأساسية المعترف بها بموجب القانون الدولي، وتنص عليها الصكوك الدولية الأساسية لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصـادية والاجتماعـية والثقافية يحمي حقوق الإنسان الأساسية لكرامة كل إنسان.

 حيث تنص المادة (٣) من هذا العهد، على وجه الخصوص، على المساواة بين الرجل والمرأة في حق التمتع بالحقوق الواردة في العهد. كما تنص الفقـرة (٢) من المادة (٢) من العهد أيضا على كفالة عدم التمييز لأسباب من بينها نوع الجنس. وعلاوة على ذلك، فإن القضاء على التمييز يعد أساسياً من أجل التمتع بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على أساس المساواة.

 ويرتبط مفهوم المساواة الذي يفضي بان البشر كافة سواسية في التمتع بكل حقوق الانسان ارتباطا وثيقا بمبدأ عدم التمييز، وتعني المساواة بين الجنسين أنه لابد أن يساوى الرجال والنساء في التمتع بكل حقوق الانسان، وتنطوي المساواة على جانبين مختلفين: المساواة في الواقع والمساواة في القانون. وتقر دساتير عديدة بالمساواة بين الرجل والمرأة في القانون، وأما في الواقع العملي، فأن المسألة مختلفة تماما إذ قلما تعامل المرأة على قدم المساواة مع الرجل.

في الواقع؛ هناك مشكلة أزلية في فهم دور كل من الرجل والمرأة في هذه الحياة، وهذا الفهم، وإن كان يختلف من عصر إلى عصر، ومن مكان إلى مكان، ومن حاضرة إلى حاضرة، إلا أنه في جوهره هو فهم واحد، وهو نظرة الرجل بل المرأة نفسها إلى المرأة على أنها عامل مساعد للرجل في الحياة، لا شريك معه يتقاسم أعباء الحياة، على أساس قدرة كل منهما، ووظيفة كل منهما، تلك الوظيفة التي خلقها الله في تكوينهما النفسي والجسدي،

وقد انعكست هذه النظرة على كل القوانين والأنظمة والممارسات الحياتية، بل حتى لفهمنا للدين والشرائع السماوية التي ترفعت أساسا عن النظرة الدونية للمرأة، بل هي جاءت لتعدل نظرتنا للمرأة ودورها الرسالي في الحياة، ولكننا أبينا ذلك، وتحدينا الشارع المقدس، وجعلنا نصوصه تنزل إلى حد فهمنا للمرأة، وإلى حد ما تريده أن تكون علاقتنا مع المرأة.

لقد أقر الإسلام بغض النظر عن الاجتهادات الفقهية هنا وهناك مبدأ وحدة الجنس البشري، وأن الاختلاف بين البشر، سواء في الأرزاق أو مصادر الدخل أو الأعمار أو الألوان أو الأعراق أو الحقوق أو الواجبات، إنما يهدف إلى إعمار الكون في إطار من التعايش والتعاون والتكامل، وهو ما يتضح بلا لبس أو شك في العديد من الآيات القرآنية الكريمة، كقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً).

وإن الله عز وجل عدّد مواطن المساواة بين الرجل والمرأة في القرآن الكريم، حيث ساوى الإسلام بين الرجل والمرأة في الكرامة الإنسانية، بل خص المرأة في بعض المواطن بالرعاية والعناية، فقال تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ...)

وفي إعلان المساواة في القيمة الإنسانية وشؤون المسؤولية الجزائية في الدنيا والآخرة يقول تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى? وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، ويقول أيضاً: (... لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ...).

 كما ساوى الإسلام بين الرجل والمرأة في الحقوق المدنية، فللمرأة حقها في التملك والتعاقد والاحتفاظ باسمها واسم أسرتها وغيرها من الحقوق. وإن المرأة كالرجل في أصل التكاليف الشرعية، ومن حيث الثواب والعقاب والجزاء على العمل في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ...)،

والمرأة مشمولة بالنصوص الآمرة بأداء فرائض الإسلام وأركانه، كالأمر بأداء الصلاة وصيام شهر رمضان وحج بيت الله تعالى، وأيضاً بالنصوص الناهية، كالنهي عن الزنى والسرقة، يقول سبحانه: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)،.

وقد ساوى الإسلام بين الرجل والمرأة في الحقوق المدنية بمختلف أنواعها، لا فرق في ذلك بين وضعها قبل الزواج وبعده. فقبل الزواج يكون للمرأة شخصيتها المدنية المستقلة عن شخصية ولي أمرها، فإن كانت بالغة يحق لها أن تتعاقد وتتحمل الالتزامات، وتملك العقار والمنقول، وتتصرف فيما تملك، ولا يحق لوليها أن يتصرف في أملاكها إلا بإذنها، كما يحق لها أن توكل وأن تفسخ الوكالة، فالإسلام جعل للمرأة الحق في مباشرة العقود المدنية من بيع وشراء، وأباح لها أن تضمن غيرها، وأن يضمنها غيرها.

وبعد الزواج يكون للمرأة شخصيتها المدنية الكاملة، فلا تفقد اسمها ولا أهليتها في التعاقد، ولا حقها في التملك، فتحتفظ باسمها واسم أسرتها، وبكامل حقوقها المدنية، وبأهليتها في تحمل الالتزامات، وإجراء مختلف العقود من بيع وشراء ورهن وهبة ووصية وما إلى ذلك، محتفظة بحقها في التملك تملكاً مستقلاً عن غيرها، فللمرأة المتزوجة في الإسلام شخصيتها المدنية الكاملة وثروتها الخاصة وذمتها المالية، وهي في هذا كله مستقلة عن شخصية زوجها وثروته وذمته.

ليس هذا وحسب، بل منح الإسلام ما يعرف اليوم بالتمييز الإيجابي للمرأة كما في أمر الأعباء المالية، فكفل لها من أسباب الرزق ما يصونها عن التبذل، ويحميها من عناء الكدح في الحياة فأعفاها من كافة أعباء المعيشة، وألقاها على كاهل الرجل. فما دامت المرأة غير متزوجة فنفقتها واجبة على أصولها أو أقاربها الوارثين لها، فإن لم يكن لها قريب قادر على الإنفاق عليها، فنفقتها واجبة على بيت المال.

 وعند الزواج أعفيت المرأة من أعباء المعيشة حيث يلتزم الزوج بنفقتها، دون أن تكلف أي عبء في نفقات الأسرة مهما كانت موسرة إلا برضاها وطيب نفس منها، وإذا انفصل الزوجان يتحمل الزوج وحده جميع الآثار المالية الناتجة عن ذلك فعليه مؤخر صداق زوجته، وعليه نفقتها ما دامت في العدة، وعليه نفقة أولاده وأجور حضانتهم ورضاعتهم، وعليه نفقات تربيتهم بعد ذلك.

 وفي المحصلة، ويمكن القول ما يأتي:

1- إن للمرأة حقوقاً وعليها واجبات، وكذا الرجل، والتكامل بينهما يؤدي إلى استقرار مجتمعي، يثمر علاقة منتجة، وجيلاً واعياً محافظاً على قيم الأسرة المطمئنة وأخلاقياتها.

2- إن الإسلام حرص على عدم التمييز بين الرجل والمرأة، ولم يفضل جنساً على حساب آخر، حيث جعل لكل منهما حقوقاً وواجبات مع مراعاة الاختلافات الجسدية والنفسية والاجتماعية بين الرجل والمرأة، ولا فضل لأحدهما على الآخر بسبب عنصره الإنساني وخلقه الأول، فالناس جميعاً ينحدرون من أب واحد وأم واحدة، ويقرر الإسلام أن جنس الرجال وجنس النساء من جوهر واحد وعنصر واحد وهو التراب.

3- إن تعليم النسـاء والفتيـات أداة قوية لتمكين النسـاء والفتيات في أسـرهن ومجتمعاتهـن، ويعتبر مسـاراً رئيسياً للعمل والكسـب. وهي أوفر حظاً في الاستفادة من خدمات تنظيم الأسرة وخدمات الرعاية الصحية؛ لأنها تعرف حقوقها وتشعر بثقة في نفسها تؤهلها لممارسة هذه الحقوق. وإذا لم تتمكن الفتاة من الذهاب إلى المدرسـة، ولم تحصـل على حظها من التعليـم، فهذا قد يقضي علـى إمكانيـة حصولها على عمـل في المسـتقبل.

4- إن المساواة في الحصول على خدمات الرعاية الصحية، والخدمات المتعلّقة بتنظيم الأسرة والخدمات اللازمة للولادة والتغذية والحمل خلال فترة الرضاعة والحمل أمر لازم ليس لصحة المرأة نفسها بل لصحة المجتمع ككل.

5- إن المساواة في العمل والحقوق المتعلقة بالعمل هو عامل أساسي من عوامل التي تحد من التمييز ضد المرأة، من خلال ضمان الحقوق المتساوية في فرص العمل، وضمان حرية اختيار المهنة، وحق التدريب، وضمان حق المساواة في الأجر، وضمان الحقوق المتساوية في المرض، والتقاعد، والشيخوخة، ومنع فصلها بسبب الحمل، أو الزواج، وإعطائها إجازة أمومة مدفوعة الأجر، وتوفير مرافق العناية بالأطفال وغيرها.

6- إن تمكين المرأة سياسيا من حيث مشاركتها في الحياة السياسية من الانتخاب والترشيح وابداء الراي في الحياة العامة، وتسهيل وصولها إلى مواقع صنع القرار، وتبوؤها مناصب رسمية يمكن أن يساعد على الحد من التمييز ضدها ويعزز فرص النساء في التأثير على السياسيات العامة للبلد بما يعود بالفائدة عليها وعلى مجتمعها.

 

جميل عودة/ مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات

 

سارة طالب السهيلتعاني المرأة من العنف في كل بيئات العالم، ويقع العنف على أساس نوع الجنس، فالتفوق الذكوري للازواج والاباء والابناء الذكور يدفع بوقوع العنف بحق النساء، في بعض الحالات بدلا

 من ان يكون البيت هو الملاذ الآمن للمرأة يتحول الى موطن الخطورة عليها. غير تعنيف المرأة في عالمنا العربي له خصوصية ثقافية ترتبط بعادات وتقاليد تفرض على النساء أن يتكتمن على خلافاتهن الأسرية، ومآسيهن من عنف واهانة، نتيجة سيادة العادات والتقاليد والاعراف الاجتماعية

 التي تكرس للخصوصية والحفاظ على سمعة البيوت. وسرعان ما تفقد المرأة المعنفة إنسانيتها اذا ما تعرضت للاهانة والضرب والطرد من بيت الزوجية وعدم النفقة وتواجه مصيرا مجهولا مع صغارها في الوقت الذي يلومها المجتمع ويلقي عليها بمسئولية الفشل في حماية بيتها واطفالها،

 وهكذا تكون الضحية التي تحتاج الى المساعدة في نظر الاعراف البالية هي الجاني!!! فالثقافة العربية تفرض على المرأة لزوم الصمت والتحمل، وعدم التذمر أو الشكوى، والصبر على سوء معاملة الأب أو الأخ، ومن بعدهم الزوج أو حتى أهل الزوج، كما تحملها مسئولية الحفاظ على الاسرة

 مهما بالغ الزوج في بطشه وقسوته. وكالنعامة التي تدفن رأسها في الرمال تكرس الاعراف الاجتماعية لثقافة الطمس والصمت تجاه الفتيات ضحايا الاعتداء الجسدي اللواتي لا يجدن من يساعدهن من الاهل للخروج من هذه الكارثة، بل يعمد المجتمع الى اخفاء هذه الجريمة بوصفها عار اجتماعي

 يتوجب قهر الضحية مجددا اما بقلتها فيما يعرف بجرائم الشرف او تزويجها قسراً بنفس المجرم الذي اعتدى عليها. بيوت الرعاية الكثير من دولنا العربية أقامت مراكز وبيوت لإيواء النساء المعنفات، ولتوفير إقامة مؤقتة وآمنة لهن مع تقديم خدمات من الرعاية الطبية والنفسية

 والاجتماعية والقانونية بما يسهل عمليات اعادة التأهيل والدمج الاجتماعي. والبعض القليل من بيوت الرعاية، تعيد تأهيل المرأة وتمكينها اقتصاديا بالتدريب على اعمال تدر عليهن دخل يخفظ كرامتهن، غير ان اكثر هذه البيوت لا توفر آليات التمكين الاقتصادي، وتعاني من نقص التمويل.

 وبالرغم من هذه التجربة المهمة لبيوت الرعاية الا ان عددها قليل قياسا على زيادة عدد النساء المعنفات، كما انها تحتاج الى التزود ببرامج لتأهيل المرأة مهنيا، في الوقت نفسه، فان المجتمعات العربية قد تصنف النساء المعنفات والهاربات من بطش الاب او الزوج على انهن سيئات

 السمعة رغم انهن اطهار وشرفاء، وان سوء السمعة تلحق بيوت الرعاية التي يتواجدن بها. هذه النظرة المغلوطة قد تدفع مسئولي بيوت الرعاية الى التشديد مع النزيلات الضحايا مما قد يحول هذه الدور الى سجن موازي لعنف الآباء والازواج، وهذا يعني اننا في أشد الحاجة لاعادة تثقيف

 المجتمع بأهمية بيوت الرعاية ومقاصدها الشريفة في حماية المرأة المعنفة من التشرد والضياع الاجتماعي. في ظني ان عالمنا العربي في اشد الحاجة للتوسع في انشاء المراكز الخاصة برعاية النساء المعنفات، والأخرى الخاصة بنشر الوعي وتغيير النظرة الدونية للمرأة، وكذلك التوسع

 في انشاء مراكز تأهيل الشباب قبل الزواج بحقوق المؤسسة الاسرية. ولان الوقاية خير من العلاج، فان تجنيب المجتمع تعنيف المرأة يبدأ من الصغر عبر تعليم الطفل قيم احترام المرأة وتقديرها بعيدا عن الضرب، وتعليمه داخل الاسرة وداخل المؤسسة والمناهج التعليمية قيم المساواة

 في التعامل بين البنت والولد، مع اصلاح المنظومة الاعلامية التي تكرس لضعف المرأة واهانتها، مع نشر الوعي المتواصل بخطورة العنف ضد المرأة، وتحذير الرجال من العقاب الذي ينتظرهم حال ارتكابهم جرائم العنف بحق النساء. وتلاشيا لهروب المرأة خارج البيت وانجرافها مع

 رفاق السوء او سفرها للخارج وهو بنظري خطأ فادح تقع به الفتاة او المرأة حين توسع دائرة المشكله للمجتمع الدولي فمن المؤكد ان بكل دولة مؤسسات داخليه تحمي المرأة من العنف والبطش سواء من والدها او اخيها او زوجها او ابنها ومن هذا المنطلق نطالب بحل المشكلات داخليا

 باحتواء المرأة المعنفه والتفاعل مع مشكلتها اولا بتوعية الأسرة سواء الاب او الزوج بثقافة احترام المرأة فهي كائن مساوي للرجل بالحقوق والواجبات وهي مواطن درجة أولى مثلها مثل الرجل ولها حقوق في دولتها وحكومتها مثلها مثل الرجل فالتوعية تبدا من المدارس والجامعات

 ودور العبادة والخطاب الديني ووسائل الاعلام ببث برامج توعوية تكرس قيمة المراة وحقها بالعيش الكريم وحرية الرأي والفكر وحقها في التعليم والعمل وثانياً سن القوانين التي تجرم الاعتداء علو المرأة سواء اللفظي او الجسدي بكافة أنواعه وتطبيق القانون بعيدا عن

 التستر بسبب العادات والأعراف الاجتماعية فالمشكلة لا يمكن ان تحل الا بجذورها ثالثا وجود منصة شرعية تابعة للدولة تلجأ لها الفتاة او المراة في خال تعرضها للإهانة او الضرب والتعنيف تتكون هذه المنصة من سيدات ورجال منصفات يتبعن القانون والأعراف الاخلاقية الرحيمة

 لكل الديانات وبهذا البند نكون قد جنبنا المراهقات او الفنيات من الشكوى او أخذ النصيحة ممن ليسوا اهلًا لها فينصحوها بالانحلال والانحراف والخروج عن القيم والمثل التي تحفظ لها كرامتها وتصونها كإنسانة كما تجنبها الهروب خارج إطار الاسرة او الوطن رابعا يشترط

 على منصة الشكوى ان تكون مربوطة بشكل أساسي بعد تفنيد المشكلة وتحليلها بمراكز متابعة مع المشتكية واسرتها والتعهد والالتزام بحل المشكلة والمتابعة اليومية مع المشتكية الى ان تحل مشكلتها خامسا بما يخص المشكلات الكبيرة التي لا يمكن ان تحل في ضَل تواجد الفتاة

 في نفس بيئتها ومحيطها يجب نقلها الى دار الرعاية والتأهيل بعلم اَهلها وإجبارهم على تقبل حكم المؤسسة التي تعمل بشكل حكومي وقانوني لحماية المواطنين لانهم في عهدة الدولة سادسا دور التاهيل ليست فندق او مكان للنوم والأكل وإنما مركز معد بشكل حرفي للتأهيل النفسي

 ودورات تدريبية لتقوية المرأة من الداخل لمواجهة الحياة وتوازيا مع التأهيل النفسي يكون التأهيل المهني بتعليمها حرفة او صنعة تستطيع من خلالها العمل وكسب الرزق الحلال سابعا اذا اردنا كمجتمعات عربية محافظة على الإطار الأسري وشكل الاسرة التي نعهدها في مجتمعاتنا

 من ترابط ومحبة يجب بالتوازي العمل على معالجة المُعَنٓف المعتدي على المراة بعلاج تربوي اخلاقي وتعديل القيم والسلوك المنحرف الذي يسلكه والا كيف يمكننا اعادة ارسال المرأة المعنفه الى ذات البيت وذات البيئة دون تغيير فتعود المشكلة وكأننا نرمي بجهودنا في البحر

 وفي النهاية أوجه كلمة لأولياء الامور بإعادة النظر بالقيم المغلوطة والانتباه الى نتائج أساليبهم الظالمة فهل فعلا أدت الى الانضباط ام الى الانحلال فالضغط يولد الانفجار اما المحبة والرعاية الطيبة وزرع القيم الحميدة بأسلوب راقي وحنون ينتج أفراد صالحة لبيتها

 وأسرتها كما انني أوجه رسالة لكل رجل بأن المرأة ليست ملك احد اشتراها بل هي انسان خلقه الله ليعمر الارض يدا بيد مع الرجل وهي كائن صالح طالما زرعتم به الصلاح . ولا يزرع الصلاح بالعنف والقسوة ابدا وإنما بحسن التربية وإعطاء الوقت والاهتمام لهذا الزرع .و لم يكن

 أبدا تعليم المرأة وعملها مدعاة للفساد بل العكس لا تفسد الا المراة الجاهلة المعنفة الفاقدة للثقة بنفسها والتي تشعر بعدم أهميتها وعدم تأثيرها الإيجابي في مجتمعها هي التي تلجا للانحراف وختاما اتمنى ان يصل صوتي لاصحاب القرار لتبني مثل هذا المشروع

 

بقلم/ سارة السهيل

مجدي ابراهيممن المفروض المعقول أنه في الأزمات والكوارث ينشط فينا شعور التضامن، ويظل ناشطاً قوياً مادامت فينا بقيّة يقظة واعية من روح القومية، لكنه لا يزال شعوراً مجرد شعور قد لا يخرج إلى حيز التنفيذ الدقيق أو التطبيق الفعلي، ولازلنا إلى اليوم لا نعرف لنا هوية واضحة المعالم قوية التأثير؛ لأننا لا نعرف لنا أيديولوجية محددة تقوم عليها أركان تلك الهوية العصماء.

على المستوى الفردي مثلاً؛ وفي الحالات السّويّة، ترى أنه إذا حدثت لأحدنا أزمة ما، تسابق الجميع إلى فعل المشاركة الوجدانية مع هذا الذي حدثت له الأزمة؛ لتكون هذه الفاعلية الايجابية شعوراً طيباً جميلاً يتعاطف فيه المجموع مع البعض والكل مع الجزء الذي يندرج فيه، ولكن هذا الشعور الجميل الوردي مع صدقه وجماله، ليس هو الحل العملي في بعض الأحيان - إنْ لم يكن كلها - ما لم يكن موقفاً - يقوم فيما يقوم عليه - على دعائم روحيّة وثقافية بل وعقدية وأخلاقية، تتحدّد بها الهوية المفقودة والأيدلوجية الغائبة. وما ينطبق على الفرد في بقعة صغيرة في الوطن العربي، ينطبق بنفس الكيفية على "الكل" العربي إزاء العالم جملة وتفصيلاً.

الأزمة التي نحن بصدد الحديث عنها هى أزمة "ضمير" عربي أصابه العطب والتلف؛ فلم يعد يشعر قط بمعنى التكامل والتضامن، ولا بمعنى الأمل الواحد والمصير المشترك، ولا بمعنى "الوحدة" التي ترتفع متى أرتفع في هذا الضمير شعوره التقليدي بعصمة الاعتماد على الذات؛ فالضمير الذي لا يشعر بمعنى الوحدة، كائنة ما كانت مصادرها، دينية إسلامية أو عربية وطنية، هو في تقديري ضمير "تلفان" يحتاج صاحبه إلى علاج يُفيقه من نعاسه الدائم ووعيه المفقود؛ فمن فقدان الوعي بقوة الضمير العربي وشلل الحيوية في استيعابها أن تتقدم المصلحة الخاصة والمنفعة الشخصية على الروح العامة والفائدة الكلية، مع العلم أن بقاء المصالح المحدودة الجزئية، والمحافظة عليها، شيء لا يستقيم على وجه الدقة إلا إذا استقامت مثل هذه الروح العامة التي تسود القومية العربية، وتدفع الوطن العربي كله إلى الاتحاد؛ والاتحاد قوة، ومن ثمَّ إلى التقدُّم العاصم من التشتت والتفتيت، والدافع إلى مواجهة الكوارث والأهوال.

على أن المصالح المتعارضة شيءٌ نسبيٌ محدودٌ، إنما الشيء الباقي هو روح الوطنية العربية ينبغي أن تستيقظ من نعاس، وأن تحيا بعد موات وركود، وهى لا تستيقظ ولا تحيا إلا بحياة واعية ويقظة كاملة وقيم فاعلة في الضمير العربي كله من أقصاه إلى أدناه؛ ليجيء هذا الضمير بمفرداته وخصائصه؛ ومكوناته وأيدلوجياته، وثوابته ومعارفه ومقوماته، وجهاً لوجه أمام الضمير العالمي. فالمعركة الحالية ليست معركة جزء مع جزء، ولا دولة مع دولة، ولكنها معركة " ضمير عربي" مع ضمير عالمي. ومن سوء الطالع وقلة الحيلة أن يكون الضمير العربي على تشتت وتمزق في كافة الأحوال دائماً ما نراه متعارض المصالح متضارب المنافع مفترق الغايات والمطالب. التشتت فيه أقرب من الألفة، والتمزق في روابطه أولى من الاستقامة، والفرقة فيه - وليست الوحدة - هى السائدة.

فليس غريباً - والحالة كهذه - أن تجد ضروباً من انفصام العروة الوثقى؛ أعني الفُرقة والانقسام والسطحية في القول والفكر، بالإضافة إلى صنوف من التعالم البغيض تبتلى به الأمم في مثل هذه الأزمات مِمَّن يرسمون لها طريقها الذي ينبغي أن تسير فيه، وهو طريق لو سارت فيه وفق تخطيط الجهلة المتعالمين؛ لسارت حتماً إلى كارثة لا شك فيها عندنا ولا ريب.

أولى هذه الطرق وأولاها بالعناية هو إثارة مجموعة من الخلافات - قديمة كانت أو حديثة - وهى خلافات سطحية تثار عمداً بين الأشقاء تدعو إلى الفُرقة الدائمة والنزاع على لا شيء! أي والله على لا شيء إلا أن تكون مجرد مصالح لا تقيم للفرد ولا للمجموع حقاً ولا كرامة. ثم تدعيم تلك الخلافات بوسائل نحن نعلمها جيداً لكننا نتجاهل فاعليتها الحمقاء ونتائجها المشينة، وأقل تلك النتائج تكمن في تفتيت الصف العربي، وغرز الأحقاد بين أبنائه بصورة أو بأخرى.

ومن تلك الطرق التي تُرسم لنا: إننا نجد من يطالبنا بأن ننزوي على أنفسنا وننغلق حتى لا نكاد نعرف من نحن، ومن نكون، وماذا نريد؟ وأن ما يحدث على الساحة العربية أو العالمية لا يعنينا في شيء ما دمنا بمعزل عن كل شبهة، وما دامت أصابع الاتهام لا تشير إلينا من قريب أو من بعيد؛ فلنكن مطمئنين، هادئين، ساكنين، وكأننا لسنا جزءً من واقع مترهل، ومن ضمير معطوب. ومع شدة الأسف يتوالى علينا هذا الكلام في الصحف وفي وسائل الإعلام مكروراً في غير انقطاع من أناس متخلفي العقول فقدوا النخوة ومات فيهم وازع الضمير، فلا يهمهم - ولم يعد يهمهم - إلا النعيم المنهوب الذي يغدقون فيه وينعمون، لدرجة التخمة الروحيّة تصيب العقل والضمير والكيان الإنساني كله بالعجز والكسل وفقدان الإرادة؛ فلا يعقهم شيء عن الرؤية الواضحة في التعامل مع الأحداث، وقراءة الواقع كما ينبغي أن تكون القراءة مثلما يعوقهم هذا "الوخم الروحي"، وذلك الكسل العقلي العجيب الذي تشهد آثاره كل يوم في الشارع العربي: حالة من الفتور والخمول والحيرة والبلاهة والتشاؤم والخوف المرعب من مواجهة التحديات إلى آخر السلبيات التي لم نكن نتوقع حدوثها إلا إذا توقعنا على الفور قلة الرغبة أو عدمها في وحدة الصف العربي.

لنكن أكثر واقعية مع أنفسنا، ولنرفع عنها التناقض لنتسق مع ذواتنا، ولنُجِبْ: لصالح مَنْ ترانا جميعاً نغطُّ في سبات عميق لا تتسلح فيه ضمائرنا بسلاح اليقظة الواعية التي من شأنها أن تعصمنا من الفُرقة والتشتت والانقسام، وأمامنا أصول لا شك فيها من عصمة الوحدة الدينية، ومن عصمة الموقع الجغرافي المتميز، ومن عصمة الموارد البشرية والطبيعية، ما من شأنه أن يُهَيئ لنا سبيل الوحدة والاتحاد؟

ولصالح منَ ينادي فينا داعي الجمود الأخرق البليد قائلاً: أنا ومن بعدي الطوفان؟ ولصالح من نتذرع بذرائع المنافع المتضاربة والمصالح المتعارضة لتتقدم هى عندنا كل التقدُّم على سائر الاعتبارات الإنسانية والعقائدية؟

صحيح أن أمل الوحدة العربية حُلْمُ عظيم له كثير من العراقيل والعقبات المانعة من تحقيقه؛ ومن بينها على سبيل المثال اختلاف توجهات الأنظمة الحاكمة وتضارب فلسفتها العملية والسياسية، ولكن مع فروض وجود هذه الموانع والأعذار والعراقيل أيا كانت، وكائنة وما كانت؛ ثم خطورة الأزمات الحالية واختلاف أقوال المحللين في تفسير مصائرها النهائية .. ألا يقتضينا الواجب "القومي" ولا أقول الواجب "الديني" أن نبذل قُصَارى ما عندنا من جهد في سبيل توحيد الكلمة، وتوحيد الصف، ونبذ التفكك، ودحر الانقسام، وإعلاء صوت الضمير الحي اليقظ على أصوات المصالح والمنافع والخلافات؟

تتجدد الأحداث أمامنا، وفي كل حدث جديد ما من شأنه أن يوحي بمفرده إلى "خلخة الصف العربي" على وجه العموم. هذه الخلخلة ناتجة عن هلهلة: هلهلة في الوعي الإسلامي، أعني وعي المنتسبين إلى الإسلام. وهو وعي مفروض فيه أن يستمد مصادره من كلمة التوحيد، الكلمة الجامعة، الشاملة، التامة؛ والمفترض فيها أن تجمع أبناءها تحت راية واحدة، وتضم شمل التفرُّق الذي يعانونه، والانقسام الذي يمارسونه، والتشيع الذي ينشدونه، والتحزب الذي لا يعرفون له مصدراً ولا غاية، تحت شعور واحد، وفعل واحد، ويقين واحد: هو يقين الإيمان بالله والاعتصام بحبله القوى المتين.

وتكشف الأحداث فعلاً عن منطق مقلوب هو السائد في المفاهيم والدساتير والأعراف الدُّوَليَّة، ثم العمل بوثائق التقسيم التي دبّجها يراع بعض الباحثين الذين هم من أصول يهودية؛ فدفاع العرب عن حقوقهم المشروعة، يندرج بسرعة غريبة تحت مسمى الإرهاب. والبحث عن الشرعية الدولية أضحى أملاً يحيطه السراب، ولا شيء غير الوهم والسراب ننخدع به، فيخدعنا، راضين أم ساخطين. والكيان الصهيوني بأعماله الإجرامية يمارس باستمرار حرية العداء وعنت الإجرام بصورة بشعة ضد الشعب الفلسطيني الأعزل المقهور ولا عقوبة ولا عقاب، ولكن تشجيع دولي رفيع المستوى للممارسات الدموية الإرهابية. والموقف العربي متأزم غاية التأزم ومنقسم على نفسه، وطوال تاريخه الطويل العريض وهو على نفس الحال: متشتت غاية التشتت والانقسام، لا يأوي إلى ركن أمين يلوذ به، حتى بين الفلسطينيين تنقسم الاتجاهات بين مؤيد للانتفاضة، وهى البقية الباقية من فضائل الجهاد الحر المنظم المنشود، وبين رافض لها داع إلى وقفها، وكل حزب بما لديهم فرحون.

والانقسام الذي يدعو إلى الفُرقة والتنازع في الجبهات الداخلية العربية إنما هو انقسام يخرق كل المحاولات الدافعة إلى الوحدة والتوحيد. وإسرائيل هى المستفيدة من خلخلة الصف العربي، تبدو فيما بينها - رغم كل المناوشات المصطرعة داخل أحزابها - موحدة الهدف لا تجد في الفلسطينيين وكفى، ولكن في العرب جميعاً بغير استثناء سوى شعب غبي متخلف مقهور يجب إبادته، وليس هناك ما يمنع من إبادته تحقيقاً للحلم الكبير الذي تحلم به وتعيش لأجل تحقيقه: إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات. وليس هذا فقط بل طبعت منذ عقود على عملتها الورقية والمعدنية خريطة استعمارية - أو قُلْ استعبادية - تهدف إلى الاستيلاء التام على الأردن وشمال الحجاز وشبه الجزيرة العربية، وأرض سيناء، ولبنان، وسوريا، والعراق، والسودان، ودول أخرى قد لا تظهر على ساحة الوجود! حتى إذا لم يكن الهدف متاحاً اليوم ففي المستقبل القريب أو البعيد سيكون محققاً لا بمشيئة "الإله العنصري" الذي يؤمنون به دوناً عن سائر الشعوب، بل بمشيئة الولايات المتحدة الأمريكية التي تجعل من مكافحة الإرهاب الدولي (ومحاور الشر) إرهاباً للإسلام، وللمسلمين، وللدول العربية والإسلامية؛ بل وإرهاباً لكافة المواثيق والأعراف الدولية، إذا هى وقفت أمام طاغوتها المتغطرس المأفون؛ وقُلْ على العرب وعلى المسلمين وإسلامهم يومذاك كل السلام، لا بل كل الخراب والدمار؛ وبخاصة فيما لو وضعنا في الاعتبار أن الهدف الصهيوني هذا لم يكن محالاً على الإطلاق في ظل التشرذم العربي والانقسام الداخلي، ومع امتلاك إسرائيل أقوى الأسلحة النووية، والكيمائية، وأعتى وسائل الأسلحة البيولوجية والنيترونية؛ فلا بأس من استخدامها في منطقهم الأعوج ضد محاربة الإرهاب، ولا غضاضة عليها مطلقاً لو أنها استخدمت أسلحة الدمار الشامل - مع خطورتها - تحت ذريعة الدفاع عن الأمن القومي، وإقامة الدولة العبرية من النيل إلى الفرات أو إلى أبعد من هذا؛ لو شاءت.

ومن أعجب مفارقات المنطق المقلوب أن يطالب الأمريكيون العرب بنزع أسلحة الدمار الشامل إذا هى وجدت، وأن ينصاعوا من فورهم للأوامر الأمريكية، وأن تشتد حملات التفتيش وتقوى بعثاته، في حين يتركوا لإسرائيل حبل الوداد ممدوداً على غاربه، فيعطونها حق القتل والنهب وتشريد الشعب الفلسطيني، وإرهاب العرب على الجملة، ثم فوق هذا كله يعطونها الفرصة كاملة بغير قيد ولا شرط، لامتلاك أكبر عدة وأقوى عتاد من أسلحة الدمار الشامل .. ولا رقيب ولا حسيب؛ ثم يقالُ بأعوج لسان: إن العرب والمسلمين هم الإرهابيون! ألا قاتل الله "الجُبن" الذي يجعلنا نَهْرِف بما لا نعرف! ثم ألا ما أصدق شاعرنا العربي حين ذكر أنه: مادامت عين الرضا عن كل عيب كليلة، فلا تنتظر من عين السخط إلا أن تبْدي في جميع الأحوال المساوئ والعيوب .. وحقاً فعلت أمريكاً.

في نهاية هذه الكلمة الغاضبة؛ أسأل كل ذي ضمير يقظان: ماذا ينتظر منا غير "الوحدة" التي نستمدها من قوة الضمائر والعقول إذا هى كانت فعلاً شاعرة بقوتها، ولا بد لها أن تشعر بهذه القوة، وأن تسير في طريق القوة شاءت أم أبت؟

العالم العربي - وا حسرتاه على العالم العربي - غارق في غيبوبة دائمة ونعاس طويل: الفلسطينيون ممزقون مشرذمون في الجبهات الداخلية، ومع ذلك فهم صامدون أمام القتل والذبح والتشريد وعوامل الإبادة الجماعية التي تعصف بهم كل يوم في غير رحمة. والعراقيون مغلوبون على أمرهم، مأمورون بأن يطيعوا طواغيت العالم وهم صاغرون، وإلا حلت عليهم اللعنة الأبدية لتمزقهم إرباً، إرباً شرَّ مُمَزَّق. والمخاطر التي لم يسبق لها نظير تجتاح الأمة العربية والإسلامية وتحدِّق بها الأهوال من كل صوب وحدب؛ تارة بحجة الإرهاب، وتارة أخرى تحت ستار الأصولية الإسلامية ممثلة في شيعة إيران، والبعثيين في سوريا، والوهابيين في السعودية، لكأنما هذه الطوائف وحدها هى كل ما في الإسلام من عقيدة وتشريع أو من آداب ومعاملات، أو كأنها هى وحدها صاحبة التعبير الفريد عن صحيح الإسلام، على الرغم من أن هذه الطوائف نفسها هى التي أساءت إلى الإسلام، وشوهت دين السماحة قديما وحديثاً بعوامل التطرف والتشدد والتمزق والانقسام.

أمة تُهَاجَم وتدَمَّر وتُفْرَض عليها القيود، وتكبَّل حرياتها تكبيلاً وحشيَّاً بغيضاً لأجل ماذا؟! لأجل الديانة التي تنتسب إليها لا لأجل الذين ينتسبون إلى هذه الديانة، وقد يسيئون إليها في الغالب على غير قصد معلوم؛ فلم يعد أحدٌ يفرّق بين الإسلام والمسلمين. يوضع الإسلام اليوم عادة موضع الاتهام؛ لأن طائفة من المسلمين فهموه خطأ، وطبقوه خطأ، فتكال التهم مراراً وتكرراً إلى الإسلام، وإلى رسوله صلوات الله وسلامه عليه. والإسلام ورسوله هما موضع الوحدة وموطن التوحيد، وهما في منأى عن أوصاف العجزة المفلسين الذين تحركهم مجموعة لا بأس بها من الأفكار الهدامة، فيسيئون إلى دين يدعو الناس كافة إلى إخلاص التوحيد لله تحت سيادة "ربّ العالمين".

*  *  *

الحق أن هذا الموضوع الحيوي قد قمتُ من قبل بنشر بعض أجزاء منه بجريدة الأهرام المسائي المصرية بنفس العنوان: "الوحدة العربية أو الكارثة"؛ كنتُ نشرتها منذ 18 سنة، بتاريخ 19/12/2002م، شعرت بعد قراءته مرة أخرى أن الحياة (سياسياً) متوقفة تماماً لم تتقدَّم خطوة إلى الأمام، وأن ما كنَّا نقوله في ذلك التاريخ نحن أحوج منا إلى قوله اليوم وغداً، وأننا وإنْ كنّا نتقدّم فإلى الوراء، وإلى الخلف، ندور حول أنفسنا في حالة أشبه ما تكون بالغيبوبة العربية، وقد يقضي المرء عمره كله، ولا يرى إلا النكوص والتردي وسوء الحال من العرب، والتوغل أو قُل التغوّل الإسرائيلي في المنطقة العربية. لكن هذه الثمانية عشر سنة غيرت ولا شك نوع العداء ووجهت السياسة إلى القتال الداخلي، فعوض أن يكون موجهاً إلى الخارج أصبح قتالاً داخليّاً، إذْ أشعلت شعور البغضاء بين العربي والعربي، وزكت بينهم فتيل الحروب الدينية البلهاء، وجعلت العربي يقتل أخيه العربي ويدمر نفسه ووطنه بنفسه، ليقف العدو الصهيوني موقف المتفرج. ولم يكن هذا التمزق الداخلي الذي كشفت عنه ثورات الربيع العربي إلا السياسة المسمومة شهدها واقعنا العربي وانتقلت إلينا بفعل الكراهية والتوحش وإرهاب الدولة ونحن في غفلة وتمزق وانقسام ونكوص.

إسرائيل هى السرطان الذي سيقضي على الجسد العربي فيما لو لم تتمّ له الوحدة. ولنأتي إلى الواقع المشهود الآن لنراه يشهد شهود العيان ليقول لنا بأصدق لسان إن: أمريكا نجحت في تنفيذ المخطط الصهيوني بمساعدة أنظمة الدول العربية، على انقسام السودان، وتدمير ليبيا، واستعمار العراق، ونشر الفتن بين الشعوب العربية، وتعزيز عصابات بالمال ودعمها بالسلاح في سوريا لإسقاط نظام بشار الأسد، وأخيراً محاربة اليمن بأيدي عربية - عربية، ودعم أمريكي لضمان استقرار إسرائيل؛ لأنها نقطة تمركز الغرب في الوطن العربي. وتسعى منذ عقود لتقسيم الشرق الأوسط إلى دويلات لغرضين أساسيين هما: السيطرة على حقول النفط كما فعلت في العراق، وحماية إسرائيل من جانب آخر؛ لأن إسرائيل عين الغرب في الوطن العربي، وطفله الوحيد المدلل.

ولنترك إنْ شئنا هذا كله جانباً، ولنأتي إلى بذرة الإرهاب الدموي في العقلية الصهيونية: كيف تتجسد الآن بالدعم الأمريكي في ظل التمزق العربي لتقول في وضوح:

"إن العرب والمسلمين قوم فاسدون مفسدون فوضويون، لا يمكن تحضرهم، وإذا تُرِكوا لأنفسهم، فسوف يفاجئون العالم المتحضّر بموجات بشرية إرهابية تدمِّر الحضارات، وتقوِّض المجتمعات، والحلَّ السليم للتعامل معهم هو إعادة احتلالهم واستعمارهم، وتدمير ثقافتهم الدينية وتطبيقاتها الاجتماعية ".

جاء ذلك بالنصّ في مقابلة أجرتها وكالة إعلام مع "برنارد لويس"، مستشار البيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط في عهدي بوش الأب والابن، وهو مستشرق بريطاني يهودي الديانة، وصاحب أخطر مشروع في القرن العشرين لتفتيت العالم العربي والإسلامي من باكستان إلى المغرب، من 56 دولة إلى 88 دويلة صغيرة على أساس عرقي، وديني، وطائفي، وقد نشرته مجلة وزارة الدفاع الأمريكية، في 20 مايو 2005م. ولذلك؛ بات ضرورياً إعادة تقسيم الأقطار العربية والإسلامية إلى وحدات عشائرية وطائفية. ولا داعي لمـراعاة خواطرهم - هكذا يقول برنارد لويس- أو التأثر بانفعالاتهم وردود أفعالهم …. ويجب أن يكون شعار أمريكا في ذلك: (إمّا أن نضعهم تحت سيادتنا أو ندَعَهم ليدمّروا حضارتنا).. ولا مانع عند إعادة احتلالهم أن تكون مهمتنا المـُعلنة: هى "تدريب شعوب المنطقة على الحياة الديمقراطية".

وعندما دعت أمريكا عام 2007م، إلى مؤتمر "أنا بوليس" للسلام، كتب "برنارد لويس" في صحيفة "وول ستريت" قائلًا: يجب أَلا ننظر إلى هذا المؤتمر ونتائجه إلا باعتباره مجرد تكتيك موقوت، غايته تعزيز التحالف ضد الخطر الإيراني، وتسهيل تفكيك الدول العربية والإسلامية، ودفع الأتراك والأكراد والعرب والفلسطينيين والإيرانيين ليقاتل بعضهم بعضاً كما فعلت أمريكا مع الهنود الحمر من قبل. ويجيء نصيب مصر من خريطة "برنارد لويس" في التقسيم إلى أربع دول هى: مسيحية في الصحراء الغربية وعاصمتها الإسكندرية، ونوبية في الجنوب، وإسلامية في الدلتا، وسيناء والصحراء الشرقية التي سيتم ضمها لإسرائيل الكبرى.

الواقع يقول إن هذه الخريطة أصبحت الآن في حكم التنفيذ، ومع ذلك لم يتمكن العرب ولا المسلمون من اليقظة لأهم مصدر لقوتهم أعني: الوحدة والاتحاد.

ولك أن تنظر اليوم إلى "داعش"؛ وهى صناعة أمريكية، وتقارن بين ما جرى بالأمس وما يجرى اليوم؛ بالأمس كانت أفغانستان، وكان العراق. ومَنْ تكون أفغانستان هذه، التي وجهت لها أمريكا ضربة فاشلة (ربما كانت لديهم مزرعة للإرهاب! على حسب ما نشرته وكالات الأنباء يومها من أن البيت الأبيض خَصّص مساعدات قدرها 158 مليون دولار لإعادة أعمار أفغانستان). ومَنْ تكون العراق أو يكون صدام بالقياس إلى الولايات المتحدة الأمريكية حتى تحشد لها أو له آلاف الآلاف من العدة البشرية والعتاد الحربي؟! إن أمريكا بتلك الغارات تعادي نفسها؛ والإدارة الأمريكية كانت تهدد بضرب العراق ما قامت ببنائه سنوات وسنوات، وقد فعلت؛ فدمرت بغداد، وغير بغداد من مدن العراق. وعندها كنا نتوقع أن أمريكا ستتحول في نظر الرأي العام العالمي بما في ذلك أوربا نفسها إلى عدوة للإنسانية بعدما تصبح بجدارة عدوة لنفسها، لا تبقي مكاناً للقيم، ولا موطناً للأخلاق، ولا كيانًا للضمير الجمعي بل ستحل عليها الكراهية واللعنة محل المحبة والتواد بين أبناء العالمين .. أما اليوم فماذا يحدث؟!

تنفيذ خريطة اليهودي "برنارد لويس" في التقسيم بحذافيرها، وتفتيت الدول الكبرى: إجبار أمريكا أن تفعل مع العرب والمسلمين ما كانوا يفعلونه مع الهنود الحمر، أي دفع العرب والمسلمين إلى القتال والتناحر ليخرج الأمريكان والصهاينة من بينهم سالمين! أرجو أن نذكر هذه العبارة جيداً: دفع الأتراك والأكراد والعرب والفلسطينيين والإيرانيين ليقاتل بعضهم بعضاً كما فعلت أمريكا مع الهنود الحمر من قبل. فهذا هو الواقع العربي المشهود: قتال العرب بعضهم لبعض أمر ظاهر لا يحتاج إلى أدلة:

ألم تعترف "هيلاري كلينتون" في كتاب لها أطلقت عليه اسم "خيارات صعبة"، عندما قالت إن الإدارة الأمريكية قامت بتأسيس ما يُسمى بتنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" المسمى بــ "داعش"، لتقسيم منطقة الشرق الأوسط". وأن الأمريكان دخلوا الحرب العراقية، والليبية، والسورية؛ وکل شيء کان على ما يرام، وفجأة قامت ثورة (30/6 - 3/7) في مصر،‫ وکل شيء تغير خلال (72 ساعة)" . وأضافت حسبما نشرته الصحف المصرية نقلاً عن كتاب هيلاري كلينتون إذْ ذاك: تمّ الاتفاق على إعلان الدولة الإسلامية يوم (5/7/2013م)، وکنا ننتظر الإعلان لکي نعترف نحن وأوروبا بها فوراً "؛ وأنها أي "كلينتون" كانت زارت (112) دولة في العالم، وتمَّ الاتفاق مع بعض الأصدقاء بالاعتراف بــ "الدولة الإسلامية" حال إعلانها فوراً، وفجأة تحطم کل شيء".

تحطم كل شيء بقيام ثورة (30 يونيه 2013م)، وهى التي وصُفت بالانقلاب! نعم! انقلاب على المخطط الصهيوني المدعوم من الإدارة الأمريكية، والذي يكون فيه حظ مصر من خريطة التقسيم "لبرنارد لويس" أربع دول هى كما تقدَّم: (مسيحية في الصحراء الغربية وعاصمتها الإسكندرية، ونوبية في الجنوب، وإسلامية في الدلتا، وسيناء والصحراء الشرقية التي سيتم ضمها لإسرائيل الكبرى)، ونحن لا نستغرب بعد هذا تدعيم أمريكا للإرهاب، والإصرار الغريب على وصف ثورة 30 يونيه بالانقلاب !

ومضت هيلاري كلينتون تقول: "کل شيء کسر أمام أعيننا بدون سابق إنذار، شيء مهول حدث ! فکرنا في استخدام القوة ضد مصر، ولکن مصر ليست سوريا أو ليبيا، فجيش مصر قوي للغاية، وشعب مصر لن يترك جيشه وحده أبداً. وعندما تحرکنا بعدد من قطع الأسطول الأميرکي ناحية الإسکندرية تَم رصدنا من قبل سرب غواصات حديثة جداً يطلق عليها (ذئاب البحر 21) وهى مجهزة بأحدث أسلحة الرصد والتتبع، وعندما حاولنا الاقتراب من قبالة البحر الأحمر فوجئنا بسرب طائرات (ميغ 21 الروسيّة القديمة)، ولکن الأغرب أن راداراتنا لم تکتشفها من أين أتت؟ وأين ذهبت بعد ذلك؟ ففضلنا الرجوع. مرة أخرى ازداد التفاف الشعب المصري مع جيشه، وتحرکت الصين وروسيا رافضين هذا الوضع، وتم رجوع قطع الأسطول، والى الآن لا نعرف کيف نتعامل مع مصر وجيشها؟!

وتقوم "هيلاري كلينتون" بتحديد الاختيار الصعب بعد ثورة 30 يونيه، ودعم كل مَنْ وصفها بالانقلاب ثم فشل المخطط الأمريكي- الصهيوني أثناء حكم الإخوان بجدارة؛ تقول:" إذا استخدمنا القوة ضد مصر خسرنا، وإذا ترکنا مصر خسرنا. شيء في غاية الصعوبة، مصر هى قلب العالم العربي والإسلامي، ومن خلال سيطرتنا عليها عبر الإخوان عن طريق ما يسمى بــ"الدولة الإسلامية" وتقسيمها، کان بعد ذلك التوجه لدول الخليج، وکانت أول دولة مهيأة عن طريق أعواننا"الإخوان" هناك هى الکويت؛ فالسعودية، ثم الإمارات، والبحرين، وعُمان، وبعد ذلك يُعَاد تقسيم المنطقة العربية بالکامل بما تشمله بقية الدول العربية، ودول المغرب العربي، وتصبح السيطرة لنا بالکامل خاصة على منابع النفط والمنافذ البحرية، وإذا کان هناك بعض الاختلاف بينهم، فالوضع يتغير" !

*  *  *

الغرب السياسي لا يعرف الأخلاق، وبخاصّة مع الشعوب العربية: أعلمُ أن تلك الأخلاق لم ولن تعرفها سياسة إلا السياسة المكيافيللية، فإن مكيافيللي (1527م) الذي تابع السوفسطائية في رد الطبيعة إلى الهوى، هو الذي وصم الناس بالفطرة على الأنانية، وهو الذي أوجب أن تكون قواعد الأخلاق قد وضعت من أجل الأفراد، وليس للسّاسة والحكام؛ فإن السياسة تقوم على الحذر مقروناً بالقوة، وهو الذي أوجب على الحاكم أن يتخلى عن مبادئ الأخلاق إذا هى عاقته عن تحقيق أهدافه، وأن يلجأ إلى الجريمة والخداع والمكر والدهاء والالتواء متى أعانته هذه الصفات على تقوية نفوذه ونفع بلاده. وللحاكم الذي يريد أن يخفف من أنانية شعبه، وأن يرده إلى العدل والإنصاف أن يستعين بالقوة والإرهاب، وأن يمكن للدين في نفوس رعاياه، وإنْ لم يؤمن بصحته !إنّ شرار الناس هم الذين يشعلون فتيل الحروب، ويقضُّون مضاجع الأمن والاستقرار؛ فتتحول الدنيا كلها على أيدهم إلى كوارث من العبث الآدمي.

إنّ شرار الناس هم الذين يستلبون خيرات الأمم، ويشيعون في الأرض الفساد، ويتعالون، ويتجبرون، ويتغطرسون؛ وهم في كل واد إلا وادي "الإنسانية" يهيمون.

إنّ شرار الناس هم الذين لا يملكون القدرة على كشف عدوهم الحقيقي، ولا يعرفون كيف يُصيبون أهدافهم الحقيقية حين يصوبونها إلى صدور أعدائهم.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

منى زيتونسلوكيات خاصة بالمكان Spatial behavior

إضافة الى السلوكيات الاتصالية غير اللفظية المتعلقة بالإنسان، فإن للمكان أيضًا سلوكيات غير لفظية خاصة به تحمل رسالة عن العلاقات بين الأشخاص؛ فالحجرات التي تصلح للاجتماعات غير مكاتب العمل، وكلاهما يختلفان عن حجرة الصالون في المنزل أو غرفة المعيشة أو حجرة الألعاب للأطفال. شكل قطع الأثاث وتحريكها وتحديد المسافات بين الكراسي إما أن يعطينا مناخًا أسريًا أو يشعرنا بجو رسمي. وكل مكان يعطي انطباعًا عن طبيعة التفاعلات الاجتماعية التي يمكن أن تتم فيه؛ فبعض حجرات المنزل تكون خاصة بأفراد العائلة، وبعضها للنوم وبعضها للمعيشة وبعضها لتناول الطعام، وبعضها خاص بالضيوف.

كما أن الأماكن بالنسبة للشخص إما أن تكون أماكن مملوكة له، خاصة به، وإما أن تكون غير مملوكة له، لكن لها خصوصية لديه كمقعده في الصف الدراسي أو طاولته في الكافتريا، وإما أن تكون أماكن عامة سواء خضعت ملكيتها للدولة أو لمؤسسات مثل دور السينما.

والأماكن تُستخدم كإشارة لمكانة الأفراد، فحجم المكان المنسوب إليه وموقعه سواء كان منزلًا أو مكتبًا يحدد مكانته الاجتماعية، والتي تؤثر ولا شك في تفاعله مع الآخرين.

ويستخدم الناس غالبًا علامات مختلفة للإشارة إلى ملكيتهم للأماكن، مثل الأسوار التي يحيطون بها المنازل، والجدران التي يفصلون بها الغرف، ووضع الموظف لافتة على مكتبه مدون عليها اسمه، وقد يضع حقيبته على كرسيه.

وتعامل الفرد بالنسبة للأماكن يختلف وفقًا لخصوصيتها، فيصعب تمامًا أن يفرط في مكان خاص به، ولكن ماذا تراه سيفعل إن وجد الصف الذي يفضل أن يحجز فيه مقعده في السينما غير متاح؟!

ومن الملحوظ أن توزيع المكاتب في أماكن العمل يعبر دائمًا عن العلاقات بين الأشخاص والتفاعل بينهم في بيئة العمل؛ فالحجرات المتسعة ذات الموقع المميز وذات الأثاث الفخم تكون للمدراء، ولا يشاركهم فيها أحد، ولو وُجدت حجرات إضافية بالحجم نفسه فلا بد أن يشترك فيها اثنان من الموظفين الأقل أهمية، وربما ثلاثة، بينما الحجرات الأشبه بالعنابر المكدسة بالمكاتب تُعطى للموظفين الأقل أهمية في الكادر الوظيفي.

وفي المنازل يأخذ الأبناء الكبار غرفًا أوسع من غرف الأبناء الأصغر سنًا، والذكور يُقدمون على الإناث.

ويمكن للأفراد الأعلى مكانة أن يقتحموا خصوصية الأماكن المنسوبة للأفراد الأقل؛ فالأب يمكنه أن يدخل غرفة أبنائه، كما يدخل المدير غرف مرؤوسيه دون استئذان، في حين لا يمكنهم دخول مكتبه إلا بعد استئذان السكرتارية.

وكلما كانت هناك أماكن مشتركة بين الأفراد قوي تفاعلهم الاجتماعي، على العكس مما لو كانت لكل منهم قدر أكبر من مساحته الشخصية الخاصة.

كذلك يؤثر ترتيب قطع الأثاث وشكل الجِلسة على جو التفاعل، فيمكن أن يُعطي مناخًا دافئًا وأسريًا عندما يكون في شكل دائري أو نصف دائري، كذلك يشيع الدفء عندما نجلس متقاربين متجاورين أو في شكل زاوية قائمة، وكلما اختفت الحواجز كان التفاعل أفضل، ويمكن أن يقل التفاعل ويشيع مناخ رسمي عندما تكون المقاعد متباعدة ما يقلل إمكانية حدوث حوار، أو عندما نجلس متقابلين، خاصة مع وجود حاجز.

وهناك سلوكيات تساعد في إعطاء مزيد من الألفة في المكان؛ أهمها أن يُخيَّر الضيف أين يجلس. كما أن إضاءة المكان الجيدة تعطي إحساسًا بالأمان، والنظافة تعطي إحساسًا بالارتياح.

وربما يسأل الضيف عن المكان الذي يفضل صاحب المكان –خاصة إن كان مكان عمل- أن يُجلسه فيه من باب اللباقة عندما لا يدرك تحديدًا أين يكون من المناسب له أن يجلس.

ومن المهم التأكيد أيضًا على أن الأماكن لا تؤثر فقط على تفاعل الفرد مع الآخرين، بل تؤثر عليه شخصيًا، فكل منا يستشعر الاطمئنان في الأماكن الخاصة به.

سلوكيات خاصة بالوقت Time behavior

هناك سلوكيات عديدة متعلقة بالوقت تؤثر في تفاعلاتنا الاجتماعية؛ فاختيار التوقيت السليم لبدء أي مهمة أو الخوض في أي نقاش هو جزء أساسي من أي تفاعل اجتماعي ناجح.

كما أن تحديد مدة الوقت الذي يقضيه الفرد مع الآخر يحدد قيمة هذا الآخر لديه، ويكون تأثير الوقت في العلاقات الشخصية أشد وضوحًا عنه في علاقات العمل. كذلك فإنه ومع تزايد المنافسة في مجالات الأعمال صارت سرعة إنجاز العمل تؤثر في تقييم نجاحه.

ويعتبر مفهوم التأخر من أكثر المفاهيم ارتباطًا بسلوكيات التفاعل الاجتماعي المتعلقة بالوقت؛ حيث يعبر تعامل الناس مع الوقت عن مكانتهم في التفاعل الاجتماعي، فأغلب المديرين يذهبون إلى أعمالهم في وقت متأخر عن الوقت الذي يذهب فيه مرءوسيهم. ويمكن للشخص الأعلى مكانة أن يتأخر عن موعده مع الآخر بتركه ينتظر في السكرتارية بينما هو موجود! أو بتأخر وصوله، بينما لو حدث العكس لأي ظرف طارئ فقد يتعرض الشخص الأقل مكانة اجتماعية إلى إلغاء موعده، وإن كان ذلك يعتمد على الثقافة.

لكن إن كان مفهوم التأخر يمكن تقبله في العلاقات المهنية فإنه لا يكون متقبلًا نهائيًا في العلاقات الشخصية؛ حيث يلعب دورًا سلبيًا للغاية بين الطرفين، وأحيانًا يدمر العلاقة بين الزوجين، فمفهوم القيمة والأهمية التي تصاحب التأخر –وفقًا لموروثنا الثقافي- حين يستخدمه أحد الزوجين –غالبًا الرجل- يرسل رسالة سلبية للطرف الآخر بأنه لا ينتبه لأي شيء يخص علاقتهما، ولا يعتبره من أولوياته، ولأجل ذلك دائمًا يكون متأخرًا. وبمرور الوقت تفتر مشاعر الطرف الآخر، وقد تنتهي العلاقة. وبشكل عام، في العلاقات الشخصية، فإن الأشياء تكون لها قيمة فقط عندما تأتي في موعدها، وحتى إن أتت متأخرة تكون لا قيمة لها. هل يُشترى الكعك بعد العيد؟!

الخصائص الجسمية Physical characteristics

تتضمن الخصائص الجسمية لون الشعر، ولون الجلد، والبناء الجسمي، والطول، والوزن، وغيرها من الخصائص التي تميز شخصًا عن آخر. وتؤثر تلك الخصائص في الشكل العام الذي نبدو به أمام الآخرين، وفي نظرة الآخرين إلينا، وهذا يؤثر في تفاعلهم معنا، لذلك تعتبر هي الأخرى أحد أنماط السلوك غير اللفظي.

وأغلب هذه الخصائص تكون ثابتة ولا يمكن تغييرها، فإذا كان بإمكاننا تغيير لون الشعر أو خفض الوزن على سبيل المثال، إلا أن جوانبًا أخرى ليس بإمكاننا تغييرها كالطول وبنية الجسم.

وتؤثر الخصائص الجسمية كلون الجلد والبناء الجسمي في تحديد العِرق الذي ينتمي إليه الشخص، وفي بعض الثقافات التي تتسم بالعنصرية يكون لهذا تأثيره العميق على تفاعل الفرد في المجتمع.

كما تعطي بعض الخصائص الجسمية ميزة للفرد في بعض الثقافات، فتكسبه ثقة في نفسه تؤثر إيجابيًا عليه في المجتمع، فكونك طويلًا في أمريكا يعطيك مزايا كبيرة للحصول على الأعمال والقيام بالأدوار القيادية، بل وحتى الترشح لرئاسة الجمهورية وفقًا للإحصائيات!

 

الملابس والمظهر الخارجي Clothes and appearance

لأن الملابس والشارات وكافة متعلقات المظهر الخارجي للإنسان كالحُلي التي يضعها، وطريقته في قص وتصفيف شعره، ونوعية سيارته، وغيرها، تعطي انطباعًا عن شخصية الإنسان، وتعطي معلومات تلقائية عنه، فهي تؤثر على ما يعتقده الناس عن الشخص، وعلى تفاعلهم الاجتماعي معه سواء كان الطرف المرسل أو المستقبل؛ لذا تُعد جميع السلوكيات المتعلقة بها من قنوات التواصل غير اللفظي معه.

وقد تُستخدم تلك المظاهر أحيانًا، وبشكل متعمد، في إرسال رسالة ما أثناء التفاعل الاجتماعي، ودائمًا لها آثارها البارزة. وقد قمت بتجربة صغيرة للتأكد من ذلك الأثر بنفسي؛ فارتديت عباءة بدلًا من الأزياء الرسمية التي تعتاد أستاذات الجامعة والباحثات العلميات ارتداءها، وقررت الذهاب إلى عدد من المصالح الحكومية والتعامل مع الموظفين، ورغم أن العباءة من خامة جيدة، ومن مقتنياتي من مكة المكرمة، إلا أن الانطباع العام عني الذي لاحظته لدى الموظفين أنني إنسانة بسيطة، ولم ينتبه إلى مستواي الثقافي سوى مهندس قال لي: أسلوب حضرتك في الكلام وألفاظك ونوعية تساؤلاتك تشعرني أنك أستاذة جامعية! فتبسمت، وقلت له إنني أخيرًا وجدت شخصًا واحدًا يُقيِّم الناس على أساس معايير صحيحة، ولا يكون رأيه عنهم بناءً على المظهر الخارجي وحسب. وإن كنت قطعًا لم أخبره أنني أقوم بتجربة اجتماعية.

والحقيقة إن هذا التقييم على أساس المظهر الخارجي قد يكون غير عادل، خاصة لو تعلق الأمر بالجمال والوسامة كمحدد أساسي للمظهر الخارجي، إلا أنه يؤثر بالفعل على تواصلنا الاجتماعي مع الآخرين، وعلى فرص نجاح الفرد في حياته الشخصية والعملية، خاصة في المجتمعات المتخلفة التي لا يُعطى فيها اعتبار كاف للكفاءة.

ولا شك أن ملبس الشخص يعطي انطباعًا خاصًا عما إذا كانت شخصيته متفقة مع قواعد وقيم المجتمع أم مخالفة لها، بالرغم من وجود فروق ثقافية كبيرة في نوعية الأزياء وتقبلها من مجتمع لآخر. وبوجه عام في عصرنا الحالي صارت صيحات الموضة الغريبة والإكسسوارات والساعات والنظارات وطريقة قصة الشعر والوشوم وغيرها تسهم كثيرًا في الرسالة التي يوصلها الشباب عن نفسه، خاصة وقد أصبح يبالغ في كل هذه المظاهر؛ فالأزياء تُرسل رسائل هامة عن كون الشخص محافظًا أم لا. وبينما قد نجد شخصًا من أبناء البلد يلبس ما يخالف الأزياء المعتادة في ثقافته، قد نجد غريبًا يُجرِّب الأزياء التقليدية للبلد التي يزورها، ويرى في ذلك احترامًا منه لقيم أهله.

كذلك فإن كمية الحُلي المقبولة وأحجامها تختلف كثيرًا باختلاف الثقافات. ومن أكثر ما يُعطي انطباعًا عن الشخصية أيضًا هو ما إذا كانت الملابس رسمية أو غير رسمية.

كما تعطي الملابس والحُلي انطباعًا عن المستوى الاجتماعي الاقتصادي وربما حتى الثقافي للشخص، وتعطينا انطباعًا أيضًا عن مستوى ذوقه وإبداعه. وكثيرًا ما تعرفنا البلد الذي ينتمي إليه!

وقد يشير الملبس أيضًا إلى مهنة الشخص؛ ففي بعض المهن يكون هناك زي أو شارة معينة تميزها؛ فرجال الدين لهم زي يميزهم، وكذا الأطباء وطاقم التمريض والمهندسون والعمال في المصانع، بل وحتى طلبة المدارس يكون لهم زي موحد يحدد مدرستهم، وبقدر التزامهم به يكون الانطباع بمستوى الانضباط الذي يُعرف عن المدرسة. بعض المؤسسات والشركات أيضًا تُلزم منسوبيها بقواعد زي معينة، ينتقون أزياءهم بحيث لا يتخطونها. نحن نحترم بيئة العمل التي تضع حدودًا واضحة غير متراخية للملابس المقبولة فيها، أو تحدد زيًا موحدًا، ونعتبرها بيئة عمل جادة ذات صِدقية، ولديهم عادات عمل جيدة، وجديرين بالثقة.

وتتميز الملابس والشارات وسائر المتعلقات الشخصية بأنه يمكن تغييرها بما يحقق الرضا للفرد، والذي ليس بالضرورة أن يتوافق مع ثقافة وتقاليد المجتمع، ويتحدد ذلك في ضوء درجة المسايرة/ المغايرة الاجتماعية للفرد.

كذلك فإن الملابس والمتعلقات قد تُستخدم لتخفيف القلق، فقد يُغير الرجال وضعية أكمام القمصان –غالبًا يطوونها- أو يعمدون إلى التلاعب بأزرار الأكمام أو ساعة اليد أو يوسعون ربطة العنق عند الشعور بالقلق أو الضيق، وقد تعبث المرأة في المقابل بساعة أو إسورة أو خاتم في يدها أو سلسلة في عنقها أو قرط في أذنها أو حقيبتها.

 

د. منى زيتون

 

باسم عثمانيتصور الكثيرون من الناس الاصالة فيربطونها بالزمن، ان يكون الماضي جذرك، وعمقك، وبذلك تكون الاصالة لها معنى في علاقتنا مع الماضي، على اعتبار ان للزمن جذوره كما للمكان، وجذر الزمن، وكل ماض استهلكتها الحياة.

لهذا-يخيل لهم البعض من الناس-ان الاصالة، والدخول الى الماضي لنغيب فيه، ونعتبر ان الماضي مؤصل في الشخصية، ومعمق في الوجود، فيجب علينا ان نقدس الماضي، حتى اننا نعتبر الاخطاء مقدسات.

وعلى هذا الاساس، تحدث بعض الناس، عن الاصالة كما ل وكانت تركيزا على التخلف، حيث ان الماضي يحتضن الكثير من التخلف في الفكر وحركة الحياة.

 ونجد بعض الناس يتحدثون عن التغريب في الجغرافيا والمكان، تماما، كما ل وكان هناك فاصل في الخطوط الفكرية بين الشرق كمكان والغرب كمكان اخر، لتكون المسألة وطنية الشرق ا وعصبيته مقابل وطنية الغرب ا وعصبيته، وكأن هؤلاء يريدون ان يقولوا"الغرب شيء والشرق شيء ولن يلتقيا"، على اساس ان تستغرق المسالة في المكان وتتشكل عقدة ضد الغرب، ولتنشأ كرد فعل عقدة في الغرب ضد الشرق، وهكذا، تضيع الاصالة في ضباب المفاهيم المتنوعة.

اننا عندما نتحدث عن الاصالة، فاننا لن نتحدث عن ماض يحتضنه الزمن فيما يسمى تاريخا، فقد لا يحمل هذا الماضي في بعض مواقعه وخطوطه شيئا يتأصل الانسان به، بل فد يكون شيئا في السطح وفي الشكل، وقد نجد في الحاضر كثيرا من عناصر الاصالة لان الانسان يجد فيها نفسه ككائن حي تتجذر في مسؤوليته في الوجود.

قد نجد في الغرب قيما انسانية لا نجدها في الشرق، وقد نجد في الشرق قيما انسانية سلبية- لا انسانية-لا نجدها في الغرب، وذلك لسبب بسيط وه وان الفكر لا وطن له، حيث انه يستوطن مكانا لانه ينطلق في وعي انسان مفكر، يعيش في هذا المكان وجاءت الظروف الموضوعية لتفرضه واقعا في حركة الفكر في هذا البلد.

ليس هناك وطن للفكر، الفكر اعلى واسمى من التاريخ ومن الجغرافيا، حيث ان الجغرافيا والتاريخ يكبران به، به يتقدس المكان والزمان، ولا يتقدس الفكر بالزمان والمكان.

ان المبادئ لا تدخل في عملية استيراد وتصدير، لانها ابنة الحياة، عندما تحمل عمق الحقيقة، وليست ابنة مكان معين، الانسان يصنعها ويبدعها، يستوحيها ويحركها، ثم لينطلق ليفعّل بها الواقع في كل المظاهر الانسانية، اذا، الفكر، وانساني، لان الانسان، والذي يبدعه عندما ينطلق به، قد تعطيك العروبة على سبيل المثال، بعض الخصائص التي تشجع حركة الفكر، ولكنها لن تعطيك الفكر بحد ذاته، لان الفكر انساني، ليس قومي ا ووطني، لذلك علينا ان نبتعد عن اعطاء الفكر المفاهيم التي تعلبه بالقومية ارضا وزمانا، لان الانسان عندما ينطلق ليفكر: فانه يبدع فكرا انسانيا انطلاقا من خصائصه الانسانية.

ما هي الاصالة:

هي العناصر الفكرية ا والروحية ا والأخلاقية التي تمثل الجذور الاساسية في انسانية الانسان، في انتماءه الذي ينطلق من قناعاته الفكرية، فالإنسان ذات اصالة فيما يحمله من فكر ا ومنهج ينتهجه، ويمثل هذا الفكر ا والمنهج عمقا في انسانيته في كل مواقعها وامتداداتها واعماقها، ان ينطلق الفكر من عمق، من عقل، من دراسة ومن حاجة الحياة ومن حاجة الانسان في الحياة.

اذا: انت اصيل بقدر ما يمثل فكرك عمق وجدانك وعقلك، والفكر يكون اصيلا في الحياة بقدر ما يمثل حاجة الحياة في كل ضروراتها.

لذلك عندما نعالج مفهوم التغريب يجب علينا معالجته على انه خط فكري تتحرك فيه الحضارة التي عاشت في الغرب وانطلقت فيها، ولهذا، يصبح هذا المفهوم خطا في الفكر والنهج ليكون حركة في الحضارة.

اذا: القضية ليست انفعالا ننفعل به، وليست انتماءً طائراً ننتمي اليه، بل هي حياتنا، وفكرنا، وحياتنا، لان الحياة صورة لكل مفاهيمنا التي تفرض نفسها سلبا ا وايجابا، تقدما ا وتخلفا على الحياة، وذلك من خلال الوجدان الذي نحمله، لذاك، لا يكون الانتماء حالة طارئة في الانسان بل، وحالة ثابتة في وجوده، لانك بما تنتمي.

لا بد لنا من ان ننطلق لنفكر اولاً، لا الفكر الذي ينطلق ليدرس الانسان في خطوطه العملية في الحياة، ان ندرس انسانيتنا!!!، ان نفكر وان يكون الفكر يساوي العقلانية والموضوعية، العقل الذي يقف مستنكرا ليلتقط ملاحظة هنا واخرى هناك، فكرة هنا واخرى هناك، ندرس كل انتماءاتنا لنعقلها ولنؤصلها في وجداننا، لاننا قد نكتشف ان كثيرا من انتماءاتنا كانت ارثاً ولم تكن فعلاً!!!، والبيان الالهي يؤكد على ذلك بقوله:" انا وجدنا اباؤنا على امة وانا على اثارهم مقتدون"، والارث ليس بالضرورة ان يكون سلبا دائما، لا بد لنا ان ندرس سلبياته وايجابياته، لان ارثا ما تركه لنا اباؤنا فد لا يكون له دور في حساب حياتنا، لانه ارث من زمن ماض انطلق من تجربة محدودة وتحرك في افق محدود، لهذا ليس بالضرورة ان نقدس التراث بل علينا دراسته، لانه كان فكر اناس جربوا وتجربتهم خاضعة للظروف الموضوعية التي كان يمثلها زمنهم، لذلك هم كسبوا فكرا وعلينا ان نكسب فكرا اخرا، يخضع للظروف الموضوعية والتي يمثلها زمننا: "تلك امة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم"، لها ما كسبت من فكر خاطئ ا ومصيب، ولكم ما كسبتم، لكل جيل كسبه وليس بالضرورة ان يكون كسب الاجيال السابقة، وكسبنا من مسالة الارث، وقد نكسب ما كسبوه لاننا اقتنعنا به ولاننا اردنا ذلك، لا لان الاخرين تركوا لنا ذلك.

القضية في عالم الفكر والانتماء، ليست ان يكون لك شيء جديد دائما، ربما يكون لك فكر الاخرين لكن على اساس ان يتحول ليكون فكرك بعد ان تقتنع به انت، لا لان الاخرين اقتنعوا به، وهكذا هي المسالة في عملية التفاعل "لنفكر معا" ولا تكون المسالة" فكروا لنا"، لان فكروا لنا يلغي وجودنا، ولكن لنفكر معا يمنحنا عمق هذا الوجود المتفاعل مع الوجود الاخر.

الانسان الاصيل، والذي اختار فكره، ولم يتبع غيره، وه والذي جعل فضايا الحياة، قضايا هذا الفكر والانتماء، ليتاصل هذا الفكر في عمق الحياة وفالانسان يؤصل انتماءه من حيث يؤصل فكره ليربطه بعقله ووجدانه وبكل ثوابت الحقيقة في الحياة.

تكون لنا الاصالة حيث تكون لنا الارادة وحيث يكون لنا الاختيار، وعندها تكون الاصالة في مواجهة التبعية العمياء، ان تكون مجرد حركة تابعة لحركتهم، تتمثلهم لكنك لا تعيشهم، وجودك التابعي، والوجود في الظل، وليس الوجود الحقيقي،، والصدى والشبح لا الحقيقة.

لذلك نواجه كل الذين يريدون ان يفرضوا علينا ان نكون تابعين لهم، لا ارادة لنا ولا اختيار، عندها المسالة تتمثل في معركة الحرية في ان نريد ا ولا نريد، ان نكون ا ولا نكون، اذاً: لا نواجه مفهوم "التغريب" من موقع العقدة بين الشرق والغرب، على اساس، ان الغرب استعمره وفرض عليه ثقافته ومناهجه وذهنيته وعاداته، اي عقدة الضعيف من القوي، لان القوي فد يفرض عليك شيئا جيدا، وليس بالضرورة ان يفرض عليك القوي شيئا سيئا، لذلك، علينا ان لا نواجه الغرب في المسالة الفكرية ا والحضارية من موقع عقدة الشرق من الغرب، لأنها حينها لن نفهم الغرب ولن نفهم انفسنا، لن نفهم الا ضعيفا يريد ان يصارع قويا ويسترد كرامته، لهذا، نرى بعض الناس يدعون الى المحافظة على التراث حتى ل وكان متخلفا، والى رفض كل جديد حتى ل وكان متقدما.

 وها هو (محمد عبده) احد رواد الفكر العربي في عصر النهضة، دعا الى تقليد اوروبا في مدنيتها الحديثة وليس التقليد بالشكل، كما انه دعا الى تعلم اللغات الاجنبية للاخذ بالعلوم الحديثة عن الغرب، وه ومن اعتبر ذلك اصل من اصول الاسلام، و)الافغاني( يحذر من التقليد الاعمى ويعتبره خيانة لانه برايه يؤكد واقع التبعية والشعور بالنقص، مما يؤدي الى الانحلال الخلقي والسياسي.

لذلك نواجه التغريب من خلال دراسة القاعدة الفكرية والفلسفية والأخلاقية- وهي في تداخل مع بعضها- للمسالة الفكرية للغرب، ان ندرس قاعدته الفكرية ثم ندخل في مقارنة مع ما نلتزمه فكريا، لتكون المسالة قاعدة فكرية تحاور قاعدة فكرية اخرى ا وتصارعها اذا اردنا ان نعطي للصراع الفكري معنى العنف.

امامنا ركام هائل من الافكار والتقاليد والاوهام، لنحاول ان ندخل في حوار مع ذلك كله، حوار يرتكز على العقل، حوار ينطلق من موضوعية ولا ينطلق من انفعال، ان يكون هناك فكر يحاور فكرا، لا ان تكون هناك ذات تحاور ذاتاً، لان مشكلتنا هي الخلط بين الفكر والذات، فكرنا، والشيء الذي اخترناه وليس شيئا خُلق معنا، والتنازل عنه اذا كان خطأً ليس تنازلاً عن الذات بل، وتجديد وحماية لها، والانتقال الى فكر اخر ينطلق من القناعة، وعمليا تأصيل للإنسانية.

لنحاول ان نعيش معنى "الفكر في الفكر"، لا ان نعيش معنى" الارث في الفكر"، لا تقليد في الفكر، علينا ان نبدع قناعاتنا في كل شيء لنملك وضوح الرؤية، نعرف ما نريد ونقرر ما نريد، ان الساحة مفتوحة للذين يقرروا، لا للذين ينتظرون من يقرر عنهم.

 

د. باسم عثمان

 

 

هاني جرجيس عياد تعتبر القراءة قدر وأمر وسنة، إلا أنها قدر جميل، وأمر مطاع، وسنة تكوين، أما أنها قدر فلأنه لا فكاك منه، وأمر مطاع لأنه منزل من الخالق وباسمه: (اقرأ بسم ربك الذي خلق)، وهي سنة التكوين لأنها ضرورة عقلية تتحقق بتلبيتها متعة عظيمة، غير أن المتأمل في حال أمتنا اليوم يرى عزوفا أليما عن القراءة من سائر أفراد المجتمع وحتى من مثقفيها ومتعلميها، حتى أصبحت هذه الظاهرة سمة واضحة على جيل بأكمله، مما يزيد من حجم التحديات التي يعانيها الجيل القادم، وهو ما يتطلب تغيير جوهري للواقع الحالي، كما يتطلب تعزيزا أكبر لأدوات بناء الشخصية والتي تعتبر القراءة أهم أدوات هذا البناء، ولا شك أن العزوف عن القراءة يعد واحدا من أكثر الظواهر والإشكاليات الاجتماعية تعقيدا بالنظر لارتباطها بخلل وظيفي في المجتمع، لذلك لابد من تشخيصها ووضع حلول لعلاجها، فما هي أسباب عزوف الناس عن القراءة؟ وماهي الحلول المقترحة لعلاج هذه الظاهرة؟

القراءة من قرأ وقرأ الشيء أي نطق بما احتوى، واقترأ الكتاب أي نطق بما كُتب به، واطلع على محتواه. ومن الجدير بالذكر أن القراءة هي من أهم ما يتميز به الشخص عن غيره في المجتمع، والمجتمع القارئ هو المجتمع الذي ميزته القراءة عمن سواه من المجتمعات، والمجتمع القارئ هو مجتمع متقدم ومنتج للثقافة والمعرفة، فلا يمكن أن تحقق أي أمة التقدم والنجاح والازدهار وتصل إلى الرقي إلا بالقراءة والبحث والتفكير، فالقراءة من أهم الأسباب التي تعمل على تقدم المجتمعات والأمم، وهي التي تزيد من تقدم المجتمعات، كما أنها تزيد من تقدم الأمم اقتصاديا وصناعيا وعلميا.

تعد القراءة من أهم وسائل كسب المعرفة، فهي تمكن الإنسان من الاتصال المباشر بالمعارف الإنسانية في حاضرها وماضيها، وستظل دائما أهم وسيلة لاتصال الإنسان بعقول الآخرين وأفكارهم، بالإضافة إلى أثرها البالغ في تكوين الشخصية الإنسانية بأبعادها المختلفة، فالقراءة تحتوي على ثلاث أمور مهمة (الملاحظة، الاستكشاف، والبحث الذاتي عن المعرفة)، ومن هنا تأتي شمولية القراءة والاطلاع فهي الركيزة الأولى لعملية التثقيف واكتساب مهارات الوعي المعلوماتي والمعرفي والتعلم الذاتي، للاندماج في العصر المعلوماتي.

إن القراءة فعل حيوي يصعب الاستغناء عنه، فهي إحدى الوسائل المهمة لاكتساب العلوم المختلفة والاستفادة من منجزات المتقدمين وخبراتهم، كما أنها ضرورة ملحة لا تقل أهميتها عن أهمية المأكل والمشرب، ولا يتقدم الأفراد بدون القراءة، فبها تحيا العقول وتستنير الأفئدة، ويستقيم الفكر.

القراءة وسيلة أساسية في ملء الفراغ وإشباع الميول والرغبات الثقافية، فبالقراءة الجادة الهادفة نستطيع تحصيل أسباب الرفعة والنهضة والتقدم واللحاق بركب الحضارة الذي تخلفنا عنه.

تعتبر القراءة وسيلة لتوسيع المدارك والقدرات، لأن المرء حين يقرأ، يقرأ في اللغة والأدب والتاريخ، ويقرأ في العلوم المختلفة، ويقرأ فيما ألف قديما وحديثا، ذلك مراعاة لتوسيع مداركه وإثراء عقله ولعل هذا يفسر لنا التخلف الذريع الذي نعاني منه بين صفوف الكثير من شبابنا والمسافة غير المتوازنة بين قدراتهم العقلية وبين ما هم عليه من تفكير وقدرات.

تثري القراءة لغة القارئ بالعديد من المفردات، وتنمي ذوقه، كما توسع دائرة معارفه وأفق تفكيره، وتعطي للقارئ القدرة على التحليل وإبداء الرأي السليم، وإذا نقد فإنه ينقد بعين بصيرة كما تنمي قدرته على المناقشة وإثراء المجالس والمنتديات بكل ما هو نافع.

أن القراءة ليست هواية، بل ضرورة أساسية في حياة البشرية، وتتضح أهميتها من كلام الكاتب الكبير جرهام جرين: "أحيانًا أفكر أن حياة الفرد تشكلت بواسطة الكتب أكثر مما ساهم البشر أنفسهم في تشكيل هذه الحياة".

ودائما ما يكون الاطلاع على الإحصاءات الخاصة بمعدلات القراءة في الوطن العربي، يعطى مؤشرا عن حجم تدهور الواقع الثقافي الذى تواجهه الدول العربية، خاصة عند مقارنة هذه الإحصاءات والمؤشرات بمثيلاتها في الدول الغربية.

قدمت "روسيا اليوم"، مؤشر القراءة في الوطن العربي خلال 2016م، وشمل المؤشر مسحا ميدانيا لـ148 ألف شخص.

ورتبت الدولة العربية من حيث الأكثر قراءة، فاحتل لبنان المركز الأول، ومن بعده على الترتيب مصر والمغرب والإمارات والأردن.

المفاجأة كانت في التصنيفات الأخرى، إذ كشف المؤشر أن متوسط عدد الكتب المقروءة سنويا في الوطن العربي 16 كتابا، منها 7 كتب دراسية و9 غير دراسية، كما كان متوسط عدد ساعات القراءة سنويا 35 ساعة، منها 15 ساعة في الدراسة والعمل، و20 في المجالات الأخرى.

المؤشر أظهر أن تفضيلات القراءة الورقية تتوزع "28% كتب، 20% روايات، 20% مجلات متخصصة، 17% صحف، 14% قصص مصورة".

أما تفضيلات القراءة الإلكترونية فكانت "23% شبكات اجتماعية، 23% مواقع إخبارية، 23% كتب إلكترونية، 15% مجلات إلكترونية، 9% مدونات، 7% شبكات مهنية".

المؤشر لم يكن منضبطا بما فيه الكفاية، لعله جاء مجاملا إلى حد ما للعرب، إذ أن متوسط معدل القراءة في العالم العربي لا يتعدى ربع صفحة للفرد سنويا، بحسب نتائج خلصت إليها لجنة تتابع شؤون النشر، تابعة للمجلس الأعلى للثقافة في مصر.

يعتبر هذا المعدل منخفضا ومتراجعا عن السنوات الماضية، ففي عام 2003، وبحسب تقرير التنمية البشرية الصادر عن اليونسكو، كان كل 80 عربيا يقرأ كتابا واحدا، بينما كان المواطن الأوروبي يقرأ 35 كتابا في السنة، والمستوطن الإسرائيلي يقرأ 40 كتابا، ورغم الفارق الكبير في نصيب القراءة للمواطن العربي مقارنة بالأوروبي، إلا أنه يعتبر أفضل من الوقت الحالي، حيث تراجع إلى ربع صفحة فقط، وهو معدل كارثي.

وتقرير التنمية البشرية عام 2011، الصادر عن مؤسسة الفكر العربي يشير إلى أن العربي يقرأ بمعدل 6 دقائق سنويا، بينما يقرأ الأوروبي بمعدل 200 ساعة سنويا، وهذا يوضح لنا مدى الكارثة الثقافية والعلمية التي يعيشها المواطن العربي، مقارنة بمواطنين في الدول الأوروبية، كما يؤكد وجود هوة ثقافية شاسعة بين ثقافة المواطن العربي وثقافة المواطن الأوروبي.

ومن الملاحظ أن هناك اختلافات في الأرقام الخاصة بمعدل القراءة في الوطن العربي، ويعود ذلك إلى الأدوات المستخدمة في البحث والتحليل، لكن أغلبها تصل إلى نفس النتيجة، وهو إثبات وجود فرق شاسع ما بين المواطن العربي ونظيره في الدول الأوروبية.

ورغم ان الأمر لا يحتاج إلى عرض هذه الإحصائيات حتى نصل إلى نتيجة أننا مجتمع لا يقرأ، وأن القراءة لا تعتبر طقسا من طقوسنا اليومية، فظاهرة العزوف عن القراءة واضحة وترسخت في أذهاننا وسلمنا للأمر الواقع بأننا أمة لا تقرأ، كما ترسخت هذه الصورة السوداوية عنا في نظر الغرب مما جعل موشي ديان يقول: ”العرب لا يقرؤون وإذا قرأوا لا يفهمون وإذا فهموا لا يحفظون وإذا حفظوا سرعان ما ينسون”.

والملحوظ أن أهم أسباب ظاهرة العزوف عن القراءة هي:

- قلة الوعي لدى العديد من الناس فيما يتعلق بأهمية القراءة لبناء الإنسان الجاد المثقف الواعي بأحوال أمته ومجتمعه، بالإضافة إلى حالة اليأس والإحباط التي يعيشها الفرد في المجتمع العربي بشكل عام، فالبعض يتساءل: ماذا سنجني من القراءة؟ هل سنصنع صاروخا نغزو به الفضاء؟ هل ستحل لنا مشاكلنا؟ هل ستغير واقعنا؟ وغيرها من التساؤلات التي لا تكاد تقف عند حد.

- ضعف مناهج التعليم التربوية في الوطن العربي، واعتمادها على عملية التلقين والحفظ في الأغلب، بالإضافة إلى كثافتها والتي تجعل الطالب يشعر بالملل إلى حد كراهية الكتاب والقراءة، إضافة إلى أن هذه المناهج لم تعد تحوي في طياتها ما يدفع الإنسان للبحث والقراءة فقد دخلت عليها مفاهيم غريبة سلخت الفرد عن بيئته ومفرداته، وغياب المعلم القارئ النموذج الذي يثري المناهج، بتلخيص الكتب ومناقشتها.

- غياب مفهوم التعليم والتثقيف الذاتي عند الكثير من الناس.

- الارتباكات السياسية الحاصلة في الكثير من بلداننا العربية، والتي أدت إلى انغلاق الآفاق أمام المتلقي الذي كان يعشق القراءة بفقدانه الاستقرار الحياتي.

- عدم تنظيم الوقت، فالكثير من الناس يدعي أنه لا يملك وقتاً كافيا للقراءة فتمر عليه الأيام والشهور وهو لم يقرأ كتاباً ولم ينم ثقافته تنمية تعود عليه بالنفع، بالإضافة إلى تضييع الوقت عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حتى وإن كانت فيها صفحات تتحدث عن القراءة والاطلاع فإنها لا تجذب إلا المهتمين.

- تدني المستوى المعيشي الذي يعاني منه العديد من شبابنا والذي يمنعهم من الالتفات إلى القراءة، فهم مشغولون بالجري وراء لقمة العيش.

- عدم احترام المجتمع لمثقفيه واعتزازه بهم وعدم منحهم المكانة التي يستحقونها، فلابد أن يكون مجتمعا قادراً على انتاج مثقفين جدد، أما المجتمع الذي يحتقرهم ويسخر منهم فإنه يقتلهم ويلغي روح الإبداع لديهم، فلا ينتظر من هذا المجتمع أن ينتج مثقفين أو حتى مجرد قارئين.

- أزمة خطاب النخبة، وهي أزمة المثقف حين يرتفع بخطابه عن القارئ العادي مستنكفا عن تبسيط خطابه في طرح مشاريعه، ولعل هذه القضية باتت إحدى المشكلات الثقافية فمن يصعد للآخر؟ ومن ينزل للآخر؟ هل على المثقف أن ينزل بخطابه إلى القارئ العادي وبالتالي يخشى على نفسه أن يكون طرحه شارعيا؟ أم على القارئ العادي أن يصعد بنفسه ويرتقي بمعرفته ليصل إلى خطاب النخبة؟

- غياب ثقافة الكتاب في الكثير من البيوت والمؤسسات التربوية.

- غلاء أسعار الكتب نتيجة جشع كثير من الناشرين والمؤلفين.

- قلة الصبر خاصة مع كثرة الانشغالات، فالكثير يفتقدون الأناة وطول النفس في مداومة القراءة، ولا يملكون الجلد على المطالعة والبحث، فالساحة الفكرية اليوم تعاني من خلل ظاهر في بناء ملكة القراءة، فالكثير يدخلون في زمرة المثقفين من أصحاب الشهادات الجامعية، ومع ذلك تتفاجأ بان الكثير منهم ربما يعجز عن إتمام قراءة كتاب واحد خارج تخصصه.

- الغزو الثقافي الغربي، وترويج ثقافة الميوعة واللامبالاة، والأنانية، للسيطرة على الأمة فكريا وحضاريا، وغياب الروح التشجيعية وسيطرة النزعة الغربية الطاغية في الاهتمام بالجوانب المادية على حساب النظرة المعنوية للإنسان والحياة.

- غياب دور الأسرة التي تعتبر نواة المجتمع في صنع توجهات وقناعات أبناءها فهي قادرة على أن تجعل الطفل مولعا بالقراءة أو العكس، فالطفل الذي ينشأ في بيت به مكتبة عامرة وأبوين قارئين يختلف بالطبع عن الطفل الذي ينشأ في بيت يخلو من كتاب.

- عدم معرفة من يحاول القراءة بأي كتاب يجب أن يبدأ القراءة، فقد يصطدم بأمور صعبة الفهم، أو الافتقار إلى الخبرة في اختيار أفضل الكتب، أو عدم التركيز فينهي الكتاب دون فائدة، مما يسبب نفوره من القراءة.

- أنانية مثقفينا وعدم سعيهم ونضالهم لإقناع الآخرين بجدوى القراءة وضرورتها، بل على العكس تجدهم يتذمرون بالمحيطين بهم ممن لا يقرؤون، ويصفونهم بالمتسكعين.

ولا يخفى على أحد مخاطر العزوف عن القراءة على الإنسان والأمة، والتي تتلخص في:

- فقدان إرادة التغيير، نتيجة عدم امتلاك المعرفة التي تدفعنا إلى العمل والسعي لتغيير ما نعيشه من واقع سيء، وبالتالي سوف نقبع تحت براثن الفقر والاستبداد، مالم ندرك أن المعرفة هي الأساس في أي عملية تغيير.

- الاستسلام والخضوع الأعمى والإذعان للثقافة السائدة بمعاييرها وقيمها المادية وأهدافها، فأصبح شبابنا يسيرون مع التيارات كقشة في مهب الريح يحملهم حيثما يشاء هو، لا حيثما يريدون هم.

- الانغلاق الفكري والتحيز والتعصب نتيجة الالتزام بأمور معينة عن جهل أو بسبب معلومات خاطئة دون إمكان التفكير فيها وفحصها، مما يجعل البعض يقاوم وجهات النظر الأخرى كما يجعلهم غير قادرين على فتح أذهانهم لفهمها.

- انعدام الفكر النقدي مما جعل مجتمعاتنا العربية غير واعية لعيوبها، فالطالب الجامعي مثلا يتقبل طريقة التعليم بالتلقين دون أن يعي أن هذه الطريقة هي واحدة من أبرز وسائل القمع في هذا العصر، وقد يكون انعدام الفكر النقدي هو نتيجة لطريقة التدريس القمعية وهذا ما يذهب إليه بعض المفكرين.

- السطحية في التفكير مع ضحالة ذهنية مفرطة حجبت منافذ البصيرة في الكثير من الرؤى.

- انعدام قدرة الفرد على التعبير.

- أزمة الوعي التي نحياها جميعا، فقد أصبح شبابنا عرضة للتغييب والترغيب والانفصال عن الهوية العربية والإسلامية، مما جعل أمتنا تعيش خطر التفكك والتشرذم.

- ضياع الموروث التاريخي الأصيل والقصور في إنتاج المعرفة.

- الانحراف، لأن الشخصية خاوية العقل معرضة للانحراف والضياع بسهولة، بينما الشاب المثقف لديه من الثقل الداخلي ما يجعله يعزف عن الأمور المضرة وغير البناءة.

لا يخفى على أحد أن الكتب في أمة من الأمم هي مظهر من مظاهرها الحضارية، بل لعلها أهم تلك المظاهر وأبعدها أثرا على ثقافتها والمقياس الأول لنبضها وحيويتها، فهي الوعاء الذي يضم ثمرات عقول أبنائها وإبداعات مبدعيها في مختلف مناحي الحياة. لذا فمن الطبيعي أن تحتل هذه الكتب المكانة الرائدة في حياة الشعوب والأوطان، وأن تلعب الدور الاساسي في المسيرة البشرية نحو التمدن السياسي والاجتماعي والتقدم الاقتصادي؛ وليس من المستغرب أن تسعى الأمم للعناية بها والاهتمام بمصدرها، فتنشئ المؤسسات والمعاهد لتطويرها ونشرها وذيوعها، وتكريس احترامها وتداولها بين الحيز الأوسع من القراء وبما يتفق مع اختلاف الميول والأذواق، حتى شهد العالم فيضا منها لا يحصى ولا يعد، متنوعة في موضوعاتها، مختلفة في مضامينها، توسعت بها حقول العلم، ورحبت مساحة المعرفة، وتعمقت العلاقة بين القارئ والكتاب ثقافيا، وبين السلعة المستهلكة والمستهلك تجاريا. وبناء عليه يبقى علاج ظاهرة العزوف عن القراءة ضرورة ملحة في وقتنا الحالي لتدارك الموقف لمسايرة الركب المعرفي والعلمي. ومن أهم الإجراءات العملية التي نحسبها كفيلة بتنمية عادة القراءة لدى شبابنا نذكر ما يلي:

- محاربة التسرب الدراسي بإلزام كل من بلغ السن الدراسي بالانتظام في مدرسة مع تخفيف الأعباء الدراسية عن كاهل الأسر حتى لا يكون التسرب نتيجة لثقل الأعباء المادية على الأسر.

- يمكن إلزام كل طالب جامعي لكي ينال شهادته الجامعية أن يتكفل بتعليم ثلاثة من جنسه – ذكورا للبنين أو إناثا للبنات - القراءة والكتابة على أن يظل هذا المطلب أثناء سنين حياته الدراسية كمشروع لتخرجه يؤديه في أي وقت منه ولا ينال شهادة تخرجه إلا بعد أدائه.

- يمكن أن يطلب من المعفين من التجنيد الإجباري والنساء الذين لا يقومون بخدمة جندية أن يكون هذا هو واجبهم الوطني الذي يجب أن يؤدوه لخدمة وطنهم بأن يقوموا بتعليم عدد معين من الأميين القراءة والكتابة كشرط لازم لسلوكهم سبل العمل الداخلي أو الخارجي.

- يمكن إنشاء مدارس خاصة وأهلية معتمدة ومراقبة من الحكومة لتعليم الأميين القراءة والكتابة، على أن تكون هناك قاعدة بيانات تجميعية لمن تحرروا من عبودية الجهل والأمية لمنع التكرار والعبث والتلاعب، مع وجود قواعد صارمة على أداء تلك المدارس الأهلية لأداء عملها وتقييم نتائجها ونتاجها.

- يمكن أن تجيز القوات المسلحة التي تلزم المجندين الغير متعلمين بمدة خدمة إلزامية أطول عن المتعلمين – مصر مثالا تلزم غير المتعلمين بخدمة ثلاث سنوات وتلزم المتعلمين بخدمة سنتين فقط كتعليم متوسط وسنة واحدة للتعليم العالي – بأن تفتح لهم باب التعلم الداخلي أو الخارجي في الأجازات وتسمح لهم بتخفيض المدة الإلزامية أن استطاعوا التعلم خلال مدة خدمتهم.

- ومن أكثر الملاحظات جذبا للانتباه في محاربة الأمية ورفع الثقافة هي تجربة الحكومة البرازيلية التي ابتكرت ذلك المشروع لرفع مستوى الثقافة وتغيير المجتمع للأفضل، فتقدمت الحكومة البرازيلية بإطلاق مشروع أطلق عليه "مشروع الخلاص بالقراءة"، وينص على أن قراءة السجين لكل كتاب جديد يعفيه من قضاء أربعة أيام من فترة عقوبته بإجمالي 48 يوما في العام بعد قراءة 12 كتابا، ويتم التأكد من قراءته للكتاب بكتابته لمقال يلخص فيه الكتاب الذي قرأه. ولنا أن نتخيل أن مدى تأثير قراءة السجناء للكتب النافعة على حياتهم تصوراتهم وأفكارهم بعد الخروج للمجتمع ومدى استفادة المجتمع من ذلك التغيير.

- البدء بحملات إعلامية مكثفة لترسيخ الحس الحضاري تجاه القراءة في وجدان الناشئة لأن الإعلام يشكل فضاءا واسعا يمكن استثماره إذا أحسنا فهم وظائفه المجتمعية أولا، والتفاعل المتزن معه ثانية.

- إن القراءة قضية مجتمعية والطفل هو المدخل الرئيس للتنمية الحقة، وبالقراءة الواعية يصقل عقل الطفل كي يفسر ما تنطوي عليه سنن الحياة الكونية والنفسية والاجتماعية ويتفاعل معها على نحو رفيع، وعلى الأسرة تقديم بيئة ملائمة لتكوين أرضية ثقافية تتيح لكل عضو في الأسرة فرص الاستكشاف والتعلم والتفاعل والرقي العقلي والروحي والجسدي، فمستقبل الطفل وعطاء الأسرة شقيقان فلا مناص من تسخير كل الإمكانيات المتاحة عند الأسرة لتثقيف الطفل، وإلا أخفق المجتمع وضاعت الأمانة، أمانة التنشئة الصحيحة.

- تعتبر القراءة ذات أهمية بالغة في تأثيرها على الطفل وتكوين شخصيته المستقلة، كما لها تأثير كبير أيضا على فعالية العملية التعليمية بكافة مراحلها، وعدم الاهتمام بها يؤثر سلبا على قدرة الطفل في الاستمرار في التعليم الجامعي والعالي، والقراءة تساهم في إشباع القدرة التخيلية للطفل إضافة إلى مساهمتها في تنمية قدراته اللغوية، والتركيز، والانتباه، والملاحظة الدقيقة للأشياء، وتنمية الحس الفني والنمو العاطفي والعقلي مما يساهم في بناء شخصية الطفل وإغناء وجدانه، وهذا يتطلب تعاونا وثيقا بين الأسرة والمدرسة. فمن أهم واجبات المدرسة خلق روح القراءة في نفوس طلبتها لأنها تعطي قيمه ذاتية للإنسان وبدونها لن يكون لها ثقافة أو ابداع وبذا يقبل الطالب على القراءة من خلال مكتبة المدرسة برغبة وبمحض الإرادة النابعة من القلب وليس بفعل الوعيد والتهديد أو الخوف من العقاب أو من أجل أن يجتاز الامتحانات المدرسية المطلوبة ولا يتأتى ذلك للمدرسة إلا إذا كان المعلم فيها ممن يحب القراءة ويزاولها فيكون بذلك قدوة لطلبته.

- الاحتكاك بمحبي القراءة فالجلوس إليهم وملاحظة أثرها عليهم، من خلال أحاديثهم الشيقة التي لا تمل، تدفع بالمرء لمشابهتهم في ما هم عليه من حب للقراءة.

- لابد من تحطيم العامل النفسي الذي يجعل الشخص يردد دائما عبارة أنا لا أحب القراءة، أنا عندما أمسك بالكتاب أنام، وغيرها من العبارات التي لم تبنى على تجربة حقيقية واقعية، بل مجرد وهم أو نتاج كسل.

- الالتزام بوقت يومي محدد للقراءة.

- التدرج في القراءة فيبدأ بالأيسر فالأيسر حسب عمره وفهمه ولا يحسُن أن يبدأ بالمطولات.

- تفعيل دور المكتبات العامة لتحقيق أهدافها بنشر الوعي بأهمية القراءة.

- تثمين المبادرات التي تدعو للقراءة وتشجيعها والاقتداء بها، مثل المبادرة التي أطلقها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بدولة الإمارات العربية المتحدة، تحت عنوان ”تحدي القراءة العربي”، وهي أكبر مشروع عربي لتشجيع القراءة لدى الطلاب في العالم العربي عبر التزام أكثر من مليون طالب بقراءة 50 مليون كتاب خلال عامهم الدراسي تشجيعا على القراءة بشكل مستدام ومنتظم عبر نظام متكامل من المتابعة للطلاب طيلة العام الأكاديمي 2015-2016، بالإضافة لمجموعة كبيرة من الحوافز المالية والتشجيعية للمدارس والطلاب والأسر والمشرفين المشاركين من كافة أنحاء العالم العربي، ويشمل التحدي أيضا تصفيات على مستوى الأقطار العربية وتكريم لأفضل المدارس والمشرفين وصولا لإبراز جيل جديد متفوق في مجال الاطلاع والقراءة وشغف المعرفة.

- ضرورة استثمار توافر عناصر البيئة الرقمية في مجتمعاتنا لدعم مهارة القراءة، ومن المواقع الإلكترونية المهتمة بالقراءة والتي يجب التعريف بها لمشاركة الناس بها، ولما لا تكون نسخة بالعربية من هذا الموقع، وهو موقع good reads وهو عبارة عن شبكة اجتماعية على الإنترنت تشبه مواقع التواصل الاجتماعي كالفيس بوك ولكن تهتم بالكتب فقط، فهذا الموقع أنشئ خصيصا ليكون المكان المفضل لجميع محبي القراءة والكتب على الانترنت، بإعطائهم الفرصة لتبادل الخبرات والآراء في كل ما يتعلق بالكتب، كما يتيح فرصة التواصل مع الكتاب والمؤلفين المشتركين بالموقع، كما يمكن للمشتركين الانضمام إلى مجموعات النقاش المتنوعة التي تمكنه من التجمع مع الناس لمناقشة الكتب المختلفة.

- توعية الناس وحثهم على تحويل الهاتف المحمول إلى وسيلة تتيح القراءة، خاصة وأن الجميع دون استثناء يملكون هواتف نقالة، فوفق دراسة قامت بها منظمة اليونسكو أشارت إلى أن الكثير من الناس الذين يعيشون في دول التي تعاني من نقص في الكتب والمطبوعات باتوا يستخدمون الهاتف المحمول للقراءة، لذلك تعتبر وسيلة فعالة لنشر ثقافة القراءة.

- إنشاء رابطة لمحبي القراءة يكون همها العمل على توفير الكتاب، وتسهيل وصول أكبر عدد من الناس إليه من خلال إقامة المعارض وتأسيس صندوق لدعم الكتب القيمة وتنشيط سوق الكتاب المستعمل.

- القراءة الجماعية بحيث يتفق الفرد مع أقرانه ليجتمعوا مرة في الأسبوع أو الشهر للقراءة وجمع الفوائد.

- حصر الإشكالات في الكتب المقروءة بالرجوع إلى كتب أخرى أو سؤال المختصين لأن الإشكالات والمصطلحات التي تواجه القارئ في الكتاب تجعله يرميه دون رجعة .

- أصحاب القرار ينبغي عليهم النظر في المناهج التعليمية، وتطوير المناهج وتحسين الكتب المقررة، لتكون مما تهدف إليه إذكاء حب القراءة في نفوس الطلاب.

- استغلال معارض الكتب التي تقام كل سنة بتنظيم الزيارات لها والحث على زيارتها.

- إصدار سلاسل معرفية بأسعار زهيدة، وتوزيعها بشكل واسع النطاق على المدارس والجامعات.

- خلق حوافز للتشجيع على القراءة حتى ولو كان الحافز هو تخصيص حيز واسع للإشهار من أجل جعل القراءة عنصراً أساسيا في التعليم باعتباره مكونا أساسيا للمواطنة، ويمكن أيضا التفكير في صيغ لمباريات ومسابقات للقراءة وتتوج بجوائز.

- تطبيق فكرة المكتبات المتنقلة التي تزور المدارس وحدائق الأطفال وأماكن الترفيه والتسوق، وتكوين المكتبات في المساجد والكنائس والدوائر الحكومية والشركات والمطارات وعيادات الأطباء، بحيث يشاع الكتاب فيها وتعتاد النفوس رؤيته ويجب تجديد تلك الكتب كل مدة زمنية بحيث لا يمل القارئ الكتب القديمة.

- عدم إهمال الأطفال الذين لم يدخلوا المدرسة، فالمتخصصين في التربية وسيكولوجية القراءة ينبهون لتدريب الطفل الذي لم يدخل المدرسة على مسك الكتاب وتصفحه، كما أنه من الضروري أن توفر له الأسرة بعضا من الكتب الخاصة به. وعدم إهمال قصة قبل النوم لهم، فالأطفال –بوجه عام- يحبون القصص والحكايات حتى وإن كانوا لا يحسنون القراءة، وحتى وإن كنا لا نملك هذه العادة، يجب علينا استحداثها داخل مجتمعاتنا العربية، فخبراء التربية وعلم النفس ينصحون الآباء والأمهات بأن يقوموا بقراءة بعض القصص الملائمة للأطفال قبل النوم، وبذلك تبني مهاراته اللغوية، فقصص قبل النوم تعتبر حجر الأساس في تنمية الطفل، وقد عبر الشاعر الأمريكي ستريكلاند جيلليان عن أهمية الأم القارئة في قصيدة تعتبر من أشهر القصائد وأحبها عند الشعب الأمريكي.

وخلاصة القول فإنه متى عرفت أمة للكتاب قدره وحفظت مكانته، نالت حظها من الرقي والسمو، واسترجعت حضارتها وازدادت قوة وعمقا، ومتى عزفت عنه واستهترت بقيمته، كانت الهلكة مآلها والتقهقر والتلاشي مصيرها، لأن الأمة التي لا تقرأ تحمل في ذاتها بذور النهاية والفناء كما قيل. فنحن الآن مطالبون أكثر من أي وقت مضى، بدعم الكتاب وتشجيع القراءة خارج الحملات الموسمية والتظاهرات الرسمية، مطالبون بأن نعيد للكتاب مكانته في الحياة العامة، وأن نربي في الناشئة فعل القراءة.

لذا ما نأمله أن يحظى موضوع – القراءة – باهتمام وتركيز قويان في مقررات التعليم بدءا من رياض الأطفال والمرحلة الابتدائية ومرورا بالسلكين الإعدادي والثانوي وانتهاء بالجامعة لتصبح القراءة عادة تمارس طوال الوقت، والشعوب المتقدمة هي شعوب قارئة.‏

القراءة منفذ عميق للهروب من صواعق الجهل، كما تعد موهبة وهواية ولا تدرك أهميتها إلا الشعوب الحية والواعية والحريصة على القراءة، فالقراءة تعتبر مفتاح المعرفة وطريق الرقي وهي وسيلة لتوسيع المدارك والقدرات، لأن المرء حين يقرأ ويطالع في مختلف أنواع العلوم، يكون ذلك مدعاة لتوسيع مداركه وإثراء عقليته، وما من أمة تقرأ إلا ملكت زمام القيادة والريادة.

 

 د. هاني جرجس عياد