مادونا عسكر"وهْمَان كبيران يقودان الحياة؛ في أحدهما يحسبُ المرء نفسه حرّاً في العبودية على شرط أن تُغيِّر اسمها وشكلها وإن ظلَّ جوهرها ثابتًا لا يتغيَّر. وفي الآخر يعتقد المرء بصلاح البشر الفطري اعتقادًا مطلقًا. فهل تستطيع أن تقول الآن بعد أن شفَّت بصيرتك بنور الخلود أيُّ الوهمين أقلُّ خطرًا؟ وأنت الذي كنت زعيم الوهم الثاني، هل تستطيع أن تُنبِّئنا لماذا لا نفتأ نؤلم بعضنا بعضًا؟ ولماذا ــ ما دام الناس صُلَّاحًا ــ قضيتَ أنتَ عمرك في محاربة  الصالحين؟ "(مي زيادة)

إذا كان كلّ كتاب يُقرأُ من عنوانه الّذي يضبط فحواه أو يحدّد المحور المراد الحديث عنه، فهذا الكتاب "المساواة" لمي زيادة  يُستدلّ إلى ينبوعه في الفصل الأخير. لا كخلاصة تغني عن قراءة الكتاب، وإنّما كمرحلة سابقة للكتابة بلغتها مفكّرة وفيلسوفة وهي تجول بطرفها متأمّلة عالماً غارقاً بمفاهيم ملتبسة، أو متناقضة، أو غامضة. ولعلّ هذا الفصل أتى كباكورة الأفكار والتّأمّلات والقناعات القابلة للتّبدّل والتّطوّر.

تستعرض ميّ في كتاب "المساواة" الّذي صدر سنة 1923، الطّبقات الاجتماعيّة، والأرستقراطيّة، والعبوديّة والرّقّ، والدّيموقراطيّة، والاشتراكيّة السّلميّة والاشتراكيّة الثّوريّة، والفوضويّة والعدميّة، ومناقشةً سياقها التّاريخيّ والاجتماعيّ والإنسانيّ. وتختتم بفصلين متخيّلين على الأغلب (يتناقشون ورسالة عارف)، لكنّهما فصلان يدلّان القارئ على طريقة ميّ في التّفكير والتّأمّل وأسلوب تفاعلها مع القارئ؛ لتجسّد له رؤيتها ومعرفتها إضافة إلى الواقع بشكل عام.

في الفصل ما قبل الأخير الّذي عنوانه "يتناقشون" تعيد ميّ صياغة الكتاب لكن بشكل حوار بين أشخاص يمثّلون غالباً الطّبقات الاجتماعيّة والمناهج الحكميّة والسّلطويّة ولكن بطريقة أقرب إلى القارئ من النّظريّات والأفكار الفلسفيّة والاستعراض التّاريخيّ. وفي ذلك إشارة إلى طرح التّأمّل الفكريّ بصورة أعمق من تلك الّتي نقرأها في النّظريّات. فيظهر في النّقاش المعلّمة وفتاتان تبدوان سطحيّتان  والأديب والاشتراكي المتحمّس والعالم الفيلسوف وأحد الوجهاء وذاك الّذي يعتنق كل رأي عابر ويمتدح الجميع، وميّ. لكنّ ميّاً لا تدخل النّقاش بشكل مباشر وإنّما تديره دون أن تتبنّى رأياً خاصّاً أو تعطي حكماً أو حلّاً. وتعترف ضمناً أنّ بحثها لم يقُدْها إلى يقين أو حلّ أو سبيل إلى المساواة فتقول: "إذا دلّ بحثي على أنّ لديّ شيئاُ معيّناً أقوله فقد فشلت حتّى في التّعبير عن رغبة ساقتني إلى معالجة هذا الموضوع الجموح"، لكنّي أرى أنّ ميّاً عالجت موضوع المساواة بطريقة مغايرة عن السّائد. لقد عرضت بحثها وجعلت القارئ يحلّل ويستنتج بل ويتبيّن أنّ المساواة وهم أو حلم من العسير تحقيقه مهما بلغت الأنظمة من سعي لتحقيقه. وبهذه الطّريقة يتحرّك العقل ويحضر السّؤال ويهدأ الاندفاع والحماس غير المجدي ليحلّ مكانه التّعقّل والتّأمّل ولينتهِ إلى ما ينتهي إليه. فميّ ليست بصدد طرح حلول، وإنّما هي بصدد تحريك العقل.

الفصل الأخير هو الأهم (رسالة عارف). وعارفٌ أديب وهو أحد المناقشين في فصل (يتناقشون) ولعلّه يرمز إلى ميّ أو إلى فكرها. فعلى لسانه وضعت تطلّعاتها وأفكارها وألمها النّاتج عن مراقبة الواقع الأليم الّذي يتطوّر ويتقدّم على جميع المستويات لكنّه يتراجع إنسانيّاً. وما ذلك إلّا نتيجة غرق في عبوديّة عميقة كامنة في النّفس الإنسانيّة إمّا طارئة على الإنسان وإمّا اختياريّة وإمّا لا واعية. ولعلّ ميّاً في هذه الرّسالة تناقش مع نفسها المساواة وتطرح تصوّراً لإمكانيّة وجودها.

"ما هي المساواة، وأين هي، وهل هي ممكنة؟ هذا ما أرغب في استجلائه في الفصول الآتية دون اندفاع ولا تحيُّز، بل بإخلاص من شكّلت من جميع قواها النّفسية والإدراكيّة محكمة "محلِّفين" يستعرضون خلاصة ما تقوله الطّبيعة والعلم والتّاريخ، ليثبتوا حُكمًا يرونه صادقًا عادلًا". هكذا استهلّت ميّ بحثها في موضوع المساواة. وفي "رسالة عارف" تطوّر فكريّ وإنسانيّ غايته إبراز تدرّج التّفكير عند ميّ ونموّه وتطوّره. فتقول على لسان عارف: "كنت في البدء أرى الحاجة كلَّ الحاجة في فراغ اليد فأنادي بالمساعدة دون حساب، وأتمنَّى أن يكون لحمي للجائع قُوتًا ودمي للظامئ شرابًا، والخلل حولي كنت أظنه خللًا فيَّ فقط، وزعمت جميع النّفوس من درجة واحدة فمضيت أجاهد لإعلائها إلى أوجٍ قطنته تلك النفوس القليلة التي وضعتها الحياة على طريقي فأثار النّبل منها احترامي وإعجابي. شببت فإذا بي مخطئ، وأن ما فيَّ من خلل مَنشَؤُه الطّبيعة البشريّة المتوازنة أجزاؤها نقصاً وكمالاً، ورأيت أنّ أنانيةً تسربلت بالحرير ليست بأطمع من أنانية ارتدت الأطمار، وأنّ كبرياءَ بدت في التّشامخ والصّمت والتّألُّه ليست بأكرهَ من كبرياءَ توارت في التذلُّل والتوسُّل والنحيب. وتبيَّنتُ في كل مرتبة أثرةً وتحيّزاً واستعداداً قصيّاً للجور والطغيان، بل تبيَّنتُ ذلك في كلّ فرد من أفراد المرتبة الواحدة والأسرة الواحدة. وعلمت أنّ بعض العقول قفر، وبعض القلوب صخر، وبعض النّفوس رموز حية لليأس والنكد، وبعض الصّور البشريّة انعكاس لتمثال الشّقاء الدائم، وأدركت للحرمان معانيَ جمَّة".

الحاجة الأساسيّة للإنسان هي تلك الكامنة في أعماقه، في ذاته المتأرجحة بين النّقص والكمال. وفي هذه النّفس تجتمع النّزعات والميول والعبوديّة والتّمرّد والنّزعة إلى الوحشيّة، وأخرى إلى الارتقاء بالنّفس الإنسانيّة، إلى ما هنالك من تناقضات في النّفس. العوز الإنسانيّ الحقيقيّ يكمن في الدّاخل. فالعوز الماديّ مقدور عليه إذا تضافرت الجهود، وأمّا العوز الإنسانيّ إلى التّحرّر من قيود النّفس فمن ذا الّذي بمقدوره أن يسدّه؟ ومن ذا يسدّ العوز الاجتماعيّ كالخلل في العلاقات أو الحرمان العاطفيّ أو الحرمان الحسّيّ كفقدان النّظر أو السّمع أو الصّحة أو النّسل؟ "فإذا تيسّرت معالجة الفقر ــ ولو معالجة نسبيّةــ بالنّشاط والعمل، فكيف تعالج أخرى ليس لموهبة أو صفة مهما شرفت وسمت أن تتغلّب عليها؟ وما هذا النّظام الّذين يزعمون فيه الإنصاف والمساواة، وهو لا يتناول سوى الظّاهر الممكن تعديله بلا سلب ولا فتك، في حين تظلّ جميع الحرمانات الأخرى تنشب في القلب أظافرها؟" وفي هذا القول إشارة إلى أنّ كلّ المناهج أيّاً كانت اتّجاهاتها وأيّاً كان سعيها الدّؤوب إلى سدّ العوز الإنسانيّ فإنّها لا تقوى على سبر أغوار النّفس العميقة وتحريرها.

بالمقابل، فإنّ هذه المناهج حين تظهر في المجتمعات منادية بالحرّيّة والمساواة على شكل تمرّد تتشكّل فيها الطّبقات، ولعلّه يزداد في النّفس الإنسانيّة العوز إلى المساواة. وقد تخرج عن السّيطرة وتعيد الإنسان إلى همجيّته الأولى فيفتك وينتهك بحكم التّمرّد والرّغبة في الحرّيّة المطلقة والتّفلّت من القوانين والشّرائع.

وتتساءل ميّ على لسان العارف: "هل يمكن الاقتناع بغير الاختبار الشّخصي؟ وهل يكون اليقين يقيناً إن لم يُبْنَ على اقتناع فردي؟" ولعلّ في هذا التّساؤل إشارة إلى اختبار الفكر أو النّظريّة أو المنهج على المستوى الفرديّ أوّلاً بدل الانخراط الأعمى في منهج ذا طابع إيجابيّ يزدهر نظريّاً لا تطبيقيّاً. أو تبنّي نظريّات أو فلسفات لمجرّد أنّها تحدث في النّفس رغبة في تحقيقها وهي في الواقع ليست كاملة ومحكمة. كأن يرفض نيتشه الدّيموقراطيّة والاشتراكيّة وينبذهما. أو كأن يقول أفلاطون إن أسوء أنواع الحكم الدّيمقراطيّة، ولا ريب أنّ ذلك تمّ عن اختبار تحليليّ منطقيّ أدّى إلى نتيجة رفض هذا المنهج أو ذاك.

يقود الاختبار الفرديّ المعتمد على العقل والمنطق والتّأمّل في الذّات أوّلاً إلى اكتشاف الّذات وثغراتها ونواقصها ورغبتها إلى الكمال. ففيها يجتمع كلّ شيء ومنها بفعل التعقّل والحكمة والاختبار يتكوّن الرّأي الشّخصيّ بدل الانجرار في موجة تحرّك الرّغبات والغرائز. "أعرف الحياة صالحة محسنة جميلة من الجانب الواحد وخادعة غادرة قبيحة من الجانب الآخر. إلّا أنّي "زرادشتي" من حيث إيماني بأنّ الغلبة النّهائية للخير والصّلاح والجمال. ولو أردت أن أعرِّف الحزب السّياسيّ أو الاجتماعيّ الّذي أنتمي إليه، لقلت إنّي أرستقراطيّ، ديمقراطيّ، اشتراكيّ سلميّ، اشتراكيّ ثورويّ، فوضويّ، عدميّ … إلى آخره. كلّ ذلك دفعة واحدة وبوقت واحد."

أليست هذه حقيقة الإنسان حيث تجتمع فيه كلّ التّناقضات؟ أليس الإنسان المستعبد للوقت والعمل والمال يظنّ نفسه حرّاً؟ أليس الدّاعي إلى الدّيمقراطيّة يرغب في السّيطرة والحكم فيستبدّ أحياناً؟ أليس المطالب بقوانين تضبط المجتمع هو نفسه يتوق إلى التّفلّت من القانون والشّريعة والعادات والتّقاليد؟

المساواة موضوع مؤجّل البحث فيه بعيداً عن الكلام المستهلك والأقوال الرّنّانة والمناقشات الفارغة والحماس المفرط. المساواة وهم أو لنقل حلم بعيد ما لم تقف النّفس الإنسانيّة أمام ذاتها محمكة النّظر إلى نواقصها وضعفها، معترفة بعدم قدرتها على السّيطرة على الطّبيعة. ولنقل إنّه ينبغي استبدال مصطلح المساواة بمصطلح آخر، ينطلق من الدّاخل إلى الخارج، ولا يكون حركة تمرّديّة وحسب ما تلبث أن تنقلب إلى حزب، أو سلطة حاكمة. يبدو المعنى الظّاهريّ للمساواة حسب تأمّل ميّ هشّاً أمام عمق المعنى وتمدّده في الإنسانيّة. لكنّ ميّاً لا تترك مجالاً لليأس أو الاستسلام، فتنتهي رسالة عارف بنفحة أمل:

"كفانا أن نرقُب سير الحوادث متّكلين على نفوسنا، محدِّقين في وجه الحياة بلا وجل، مستعدِّين لتبيُّن الصّلاح والحقيقة. ونحن أبداً كالأرض أمّنا الّتي تقبل البذور الصّالحة ثُمّ ترسلها غلَّة وخيراً، وإذا هوت عليها الأشجار اليابسة تجمَّدت في حضنها مادّة للنّار واللّهيب. ولنكن أبدًا مطلقين هذا الهتاف الجامع بين الإخلاص والحيرة، بين الزّفير والابتهال: ها أنا ذا وحدي أيّها اللّيل، فعلِّمني ما يجب أن أعلم! ها أنا ذا مستعدُّ أيّتها الحياة، فسيِّريني حيث يجب أن أسير!"

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

توطئة: أود أن أؤكد أن هذه الدراسة تتعلق بتاريخ المسيحيين في العراق قبل وبعد الإسلام والى يومنا هذا، ولا علاقة لها بالمعتقدات الدينية، فقد وجدت من الضروري تسليط الضوء على ذلك، لاسيّما ما تعرّض له المسيحيون من اضطهاد وانتهاك وتنكيل في ظلّ هجمة إسلاموية طائفية متعصّبة ومتطرّفة وأعمال عنف وإرهاب تحت مزاعم وأقاويل وشعارات شتى، ناهيك عن أهداف معلنة ومستترة لاستهدافهم، فضلاً عن أوهام وأخطاء شائعة ماضوية وراهنة تتعلّق بوجودهم ومواطنتهم ومستقبلهم الذي يُراد به تفريغ المنطقة منهم فمن المستفيد من ذلك وما هي المستلزمات للحيلولة دون حصوله ؟

ولم يأتِ الحديث عن استهداف المسيحيين من جماعات إسلاموية متطرفة فحسب، بل ورد صادماً عن مصدر رسمي رفيع المستوى يتعلّق بفهم خاطئ لفكرة المواطنة ولمبدأ المساواة وللشراكة والمشاركة الأساس في قيم العدالة الإنسانية، وهو ما جاء في كتاب من مكتب رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي حين وصف مسيحيي العراق بـ"الجالية المسيحية"، الأمر الذي زاد التباساً وغموضاً ولغطاً، لاسيّما وقد ترافق ذلك مع ما تعرّض له المسيحيون من اضطهاد وتشريد في جنوب وشمال العراق، بدءًا بتهديم دور عباداتهم وإجلائهم من منازلهم وانتهاءً بقتلهم ورمي جثثهم بالمزابل أو دفعهم قسراً إلى الهجرة.

ولعلّ ما فعله تنظيم القاعدة الإرهابي وربيبه تنظيم داعش بهم، خصوصاً بعد احتلاله للموصل في 10 حزيران (يونيو) 2014، وخلال وجوده الذي دام نحو 4 سنوات حتى تم هزيمته عسكريا في نهاية العام 2017، كأنه جاء متساوقاً مع النظرة الدونية لهم ومطالبتهم بدفع الجزية أو الدخول في الإسلام أو الرحيل، وعدا ذلك فإن المقابر ستكون بانتظارهم، على حد تعبير عبد الحسين شعبان في كتابه " المسيحيون ملح العرب" .

أصل المسيحيين في بلاد الرافدين:

مسيحيو العراق اليوم قوميا وبمختلف كنائسهم ينتمون إلى خمس قوميات هي: العربية والآشورية والكلدانية والسريانية والأرمينية، وطائفياً إلى الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية والأرثوذكسية ويقول المؤرخ البيزنطي اريوس في كتابة معجم الآثار المسيحية في الزيارة التي قام بها في المنطقة الواقعة في ما وراء الفرات بانه وجد له إخوة من المسيحيين وكانت هذا الزيارة في نهاية القرن الثاني وبدايات القرن الثالث الميلادي في حين تشير بعض المصادر "التي لم نستطع التوثق منها" بان أهل بلاد الرافدين قد اعتنقوا الديانة المسيحية في بداية القران الأول الميلادي على أيدي مبشرين جاءوا إلى العراق من بلاد الشام في (عام 224 ميلادية) بعد إطاحة اردشير الأول الساساني بالحكم الأرشافي وتأسيس دولة السلالة الفارسية الساسنية التي ستحكم بلاد الرافدين إلى أربع قرون، وقد فوجئ الساسانيون بانتشار المسيحيين في شتى أرجاء بلادهم وبتغلغلهم في مختلف ميادين الحياة، الأمر الذي كان يهدد معتقدات الساسانيين الوثنية وقد جاء ذكر الصراع المسيحي الوثني الفارسي في التاريخ السعردي وفي كتابين احدهما لشابور الأول والأخر إلى موبير كريتير وقد حفظت في نقش رستم وهذه الآثار موجودة بقرب من برسه بوليس الإيرانية الواقعة أطلالها على بعد خمسين كيلو متر من مدينة شيراز الحالية

في عهد شابور الأول 241 إلى 272 وهو أعظم ملك في السلالة الساسانية في القرن الثالث الميلادي وكان في بداية عهده متسامحا باتجاه المسيحيين بسبب الظلم والتعسف الذي كان المسيحيون يتعرضون له من قبل أتباع الديانة الزردشتية السائدة بين الساسانين وبالرغم من تسامحه فأنه قتل زوجته لاعتناقها المسيحية وقد ساهم هذا الملك بنشر المسيحية في مملكته من حيث لا يدري وذلك بواسطة السبايا الذين أتى بهم من المنطقة الرومانية في حروبه الكثيرة مع بلاد بيزنطة فقد غزا منطقة إنطاكيا "تركيا الحالية" مرتين وجلا الكثير من سكانها إلى بلاد بابل (العراق الجنوبي) وكان بين السبايا ديمتر بانس مطران إنطاكيا وذلك سنة 257 ميلادية، وقد ورد على لسان شابور العبارة المحفوظة في نقش رستم:" إننا استولينا على كل الناس وأتينا بهم سبايا وأسكناهم في مملكتنا إيران وفارس وفرثية وهوزتان واثورستان (منطقة بابل) وفي جميع البلدان الأخرى حيث ممتلكات آبائنا وأجدادنا الأقدمين" .

و توالى ملوك الساسانين بعد شابور وجاء هرمزد الأول 272 _ 273 وبرهان الأول 273 – 276 وبهرام الثاني 276 – 293 وبهرام الثالث 293- 303 وهرمزد الثاني 303 – 309 وفي كل هذه العهود كان ياتي ذكر تواجد المسحيين في بلاد الرافدين إلا انه في عهد هرمزد الثاني بدأ المسيحيون في المملكة الساسانية يوطدون ويرسخون شؤون كنيسة المشرق حيث كانت هذه الكنائس مشتتة ولا يجمعها جامع سوى ارتباطات ضعيفة بانطاكيا ولكن سرعان ما أخذ نفوذ أسقف المدائن في الازدياد حتى اعتبر نفسه المسؤول الأول والأعلى على أساقفة المشرق والمدائن كانت حسب ما هو معروف لدى الجميع عاصمة الساسانيين وهذا يعني بأنة أسقف المدائن اعتبر نفسه الحبر الأعظم على كنيسة الشرق (بمثابة البابا اليوم) .

اضطهاد المسيحيين في الشرق

بعيدا عن الأساطير التي كانت تقال وتروى عن اضطهاد المسيحيين في قلب الإمبراطورية الرومانية تعرض مسيحيو الشرق لاضطهادات متكررة وكان هذا الاضطهاد يأخذ الطابع السياسي والمذهبي ولكن بتقديري كان الطابع السياسي للاضطهاد هو الأكثر والأعمق ففي بداية ظهور المسيحية كانت القوى السياسية والعسكرية في الشرق والعالم هي:

الإمبراطورية الرومانية

الإمبراطورية الفارسية

وكان المسيحيون منتشرين في هاتين الإمبراطورتين ولم يتعرض المسيحيون في الإمبراطورية الفارسية إلى الاضطهاد إلى بعد ظهور مرسوم ميلانو سنة 313 ميلادية الذي أعلن فيه الملك قسطنطين الكبير قيصر الإمبراطورية البيزنطية شرعية الديانة المسيحية في الإمبراطورية لا بل أشهر هذا الإمبراطور النافذ في عالم ذلك الزمان مسيحيته ويقول دان بروان في كتابه الشهير دافنشي كوود (لغز دافنشي) الذي أصبح أحد أفلام هوليود الشهيرة كان هذا القرار سياسياً وأمنياً أكثر منه إيمانا فقد اشتد الصراع المسيحي الوثني في الإمبراطورية البيزنطية مما تطلب تدخل السلطة لحزم هذا النزاع فتدخل الإمبراطور قسطنطين وصاغ ديانة تمزج بين تقاليد وعقائد الوثنين وعقائد المسيحيين واختار يوم الأحد كيوم مقدس وهو يوم الشمس الذي كان إلها للوثنيين، الأمر الذي أثار ضغينة الملك شابور الثاني 309- 379 فطالب الرومان بإعادة المقاطعات الخمسة الذي سيطر عليهاالرومان في عام 305 – 311 التي كانت جزءًا من الإمبراطورية الساسانية الثانية وسرعان ما تحولت هذه المطالبات إلى خصومات وحروب طائفية ودينية وقد اشتبك شابور الثاني وقسطنطين في حروب أخذت الطابع الديني ويسجل التاريخ إن الامبراطور قسطنطين اخذ مع جيشه كنيسة متنقلة لإقامة الصلوات أثناء الحملة.

وقد توفي قسطنطين أثناء الحملة وأكمل ابنه قسطنطين الثاني وانتصر في هذه الحرب وقد انعكست نتائج الحرب على مسيحيي العراق عن طريق فرض الضرائب المضاعفة عليهم برسالة وجهها شابور الثاني بتاريخ 341 ميلادية إلى رئيس كنيسة الشرق البطريرك مار شمعون وكانت هذه الضرائب قاسية بحيث لم يستطيع الغالبية من أدائها ولهذا السبب بدأ التنكيل بهم وكان من ضحايا هذا التنكيل مار شمعون نفسه مع 130 من أتباعه فقد القي القبض عليهم واخضعوا إلى التعذيب واتهموا بالخيانة والتمرد بالضد من الملك وعصيان أوامره وكذلك احتقار النار والشمس ورفض السجود لملك الملوك (شابور) وقد قتل ما شمعون وكان مقتلة بداية اضطهاد المسيحية فكل من صرح بأنه مسيحي ذاق الموت دون استجواب أو محاكمة.

واستمرّ هذا الاضطهاد في المناطق الشمالية من بلاد الرافدين وبالذات في مدينة بيت كرماي (كركوك) واربيل الذي يطلق عليها الفرس حدياب وذلك لوجود القوات الفارسية على الخطوط مع القوات الرومانية واستمر الاضطهاد في عهد يزدجرد الثاني 438 – 457 وقل زوجته التي كانت ابنته واخذ يقصي المسيحيين من دوائر الدولة وطلب منهم جحود دينهم والسجود إلى الشمس وإلا سينزل بهم اشد العقوبات .

و لا أريد أن أطيل في مجال أحوال المسيحيين في ظل الإمبراطورية الفارسية الساسانية إذا إنهم كانوا في حالة مد وجزر في كل عهود الملوك الفرس وقد انتهت معاناتهم بعد مقتل كسرى على يد ولده المولود من أمه البيزنطية واندحار الجيوش الفارسية من قبل الإمبراطور البيزنطي الشهير هرقل في الربع الأول من القرن السادس (625م) وقد انتهت الإمبراطورية الفارسية بزمن الإمبراطور الساساني يزدجرد الثالث وقائده العسكري الأسطوري رستم الذي لم يستطيع بالرغم من قدراته وذكائه العسكري بقيادة المعارك أن يوقف أو يصد زحف العرب المسلمين الذين استولوا سنة 633 على البحرين وقطر وميسان والحيرة والانبار واحتلوا كل البلاد الواقعة غرب الفرات .

وقبل أن انهي الكلام عن المسيحيين في العهد الساساني أود أن اذكر بان أتباع هذه الديانة استفادوا لا بل استغلوا الخلل الذي عاشته الإمبراطورية الفارسية فنقلوا مركز ثقلهم من شمال العراق نينوى بالذات أي من دير متى شمال الموصل إلى تكريت وسط العراق.و في (عام 636 ميلادية 15 هجرية) التقى الجيش الفارسي بالجيش العربي الإسلامي بقيادة سعد بن أبي وقاص في موقع القادسية القريب من الحيرة وانتصر العرب وقتل رستم القائد الفارسي وقد اتخذ المسيحيون ظاهريا الموقف المحايد ولكن بالسر ساعدوا الجيش العربي الإسلامي وشارك الكثيرون منهم في القتال مع الجيش العربي الإسلامي .

المسيحيون في العهد الإسلامي العربي

تميّز فجر الإسلام بوجود ثلاثة إمبراطوريات هي:

الفارسية

والبيزنطية

والحبشية

و كانت الديانة السائدة في الإمبراطورتين البيزنطية والحبشية هي المسيحية في حين كانت الديانة الزردشتية سائدة في الإمبراطورية الفارسية، وكانت الإمبراطورية البيزنطية تسيطر على القسم الشمالي من الشرق الأوسط وآسيا الصغرى ويورو آسيا وبلدان الدانوب والجزء الأكبر من أوربا الغربية والبلاد الأفريقية الواقعة جنوب البحر المتوسط أما الإمبراطورية الفارسية فتسيطر على أعالي وادي الرافدين حتى المحيط الهندي . وكانت الحدود التي تفصل بين هاتين الإمبراطورتين واهية وكثيرا ما كانت تثار بينهما الحروب والنزاعات، الأمر الذي أنهك هاتين الإمبراطورتين في المرحلة الأخيرة من عمرهما أي سنوات حروب كسرى الثاني الفارسي وهرقل البيزنطي الروماني .

في حين كانت الجزيرة العربية وخاصة قلبها بعيدة عن هذه الأحداث ومنطوية على ذاتها ومنشغلة بنزاعاتها القبلية أما ديانة ساكني الجزيرة العربية السائدة قبل الإسلام في ذلك الوقت فهي أشكال متنوعة من الوثنية الشرقية المرتكزة على عبادة الشمس والقمر والكواكب وكذلك الديانة التوحيدية التي كانت تدعى بالحنفية وقد تطورت هذه المعتقدات إلى عبادة القوى الخفية المتمثلة بالحجارة .

وقد كان الحجر الأسود المحفوظ بالكعبة كرمز لوجود القبائل العربية وكعلامة للحفاظ على الوحدة بين القبائل والحفاظ على شعورهم بالانتماء إلى عرق مشترك وعلى هذا الشعور الجماعي العميق بنا النبي محمد بالإسلام امة عربية إسلامية متحدة وكانت الكعبة موجودة منذ القرن الثاني قبل الميلاد وتقع قرب بئر زمزم الذي كان محطة طبيعة لتوقف البدو للتزود بالماء وقد وضع الحجر الأسود وحفظ بالكعبة الذي أضحى موضع الإكرام والعبادة لأصله السماوي وقد أصبحت الكعبة في القرن السادس الميلادي مركزا زاخرا بالأصنام حيث وضعت كل قبيلة معبودها وأصبحت الإلهة على عدد أيام السنة وذكر القرآن أسماء الآلهة في سورة النجم (أفرأيتم اللات والعزة ومناه .....الخ)   وقورنت اللات بآلهة الشمس والعزة بافروديت ويلاحظ المؤرخون بان تعدد الآلهة قد تطور تحت تأثير المسيحية واليهودية إلى نوع من التوحيد.

و إلى فكرة الإله فوق سائر الآلهة وكان الاسم الذي أطلق على كبير الآلهة هو هبل (أصل الكلمة هو هبعل أي بعل الإله في اللغة الآرامية) .

المسيحية في الجزيرة العربية

دخلت المسيحية إلى اليمن في القرن الثالث الميلادي وقد يكون دخولها انطلاقا من الحبشة وهناك عدة أساطير تنسب التبشير بالمسيحية في السواحل الجنوبية للجزيرة العربية إلى الرسل متى وتوما وهناك من يعتقد بان المسيحية دخلت إلى اليمن ونجران من سوريا وبلاد مابين النهرين وأن اللغة السريانية كانت اللغة الطقسية فيها ومع هذا فلم تكن الكنيسة في اليمن منظمة ولم تشمل جميع القبائل العربية وفي نجران كان طبقة برجوازية (غنية) من المسيحيين النساطرة تدفع الجزية إلى الملك الحميري .

أما في الحجاز فيشير الطبري وابن هشام وابن خلدون إلى تواجد المسيحيين فيها ويروي الطبري أن مسلة جنائزية اكتشفت قديما في جبل عقيق القريب من المدينة تحمل حروف سريانية كانت تعلو احد قبور رسل المسيح .

و كانت تبوك حصنا يسكنه نصارى قضاعة وجاورهم بني كلب من قبيلة تغلب النصرانية وفي غزوة تبوك لم يتمكن النبي محمد والمسلمون من اقتحامها لحصانتها فحاصروها عشرون يوما ثم قفلوا راجعين عنها، أما يثرب فقد كانت شبه يهودية في حين كانت مكة مدينة للتعايش بين القبائل العربية وكانت قريش تشكل نواة سكان مكة وتتعايش شتى الأديان والمذاهب فيها أما السلطة فلم تكن بيد احد بل بيد مجالس تبت في الأمور حسب أهميتها وقد أخذت مكة أهميتها لوجود الحجر الأسود هذا المركز الديني الهام الذي يستقطب القبائل العربية مهما كان انتمائها الديني أو المذهبي وكانت إضافة إلى المركز الديني المركز التجاري الأهم إذ كانت القبائل المختلفة تأتي إلى الحج والتجارة في إن واحد ومثال على ذلك كان هناك شعراء مسيحيون مثل عدي بن زيد والأعشى كانوا يقسمون أمام الحجر الأسود برب مكة والصليب في إن واحد، وكان اليهود أيضا يكرمون هذا المعبد ويعيدون تاريخ تشيده إلى جدهم الأكبر إبراهيم الخليل وكانت منذ تلك العهود القديمة ترتفع في قلوب العرب عقيدة بموجبها إن الإله الذي عبده إبراهيم وإسماعيل هو الربّ الأعلى إلى السماء والأرض والخالق الذي هو ربّ العالمين والمسيطر على جميع آلهة المعبد هذه العقيدة التي بلورها النبي محمد بشعره السياسي الديني.

و كانت المسيحية كما أسلفنا قد تغلغلت في الجزيرة قبل ظهور الإسلام في قلبها وفي مناطقها الحدودية (اليمن وبلاد الشام وبلاد ما بين النهرين) ويقول ابن قتيبة إن النصرانية كانت في ربيعة وغسان وبعض قضاعة، ويشهد الجاحظ فيقول كانت النصرانية قد وجدت سبيلها في تغلب وشيبان وقضاعة وسليح والعباد وتنوخ ولخم (كتاب الحيوان للجاحظ) وبالرغم من هذه الشواهد إلا أن المسيحية كمعتقد لم تترسخ في نفوس العشائر العربية حتى أن حسب قول الأب ألبير توما في كتابه تاريخ الكنسية السريانية يقول إن شخصا لعب دورا هاما في تاريخ العرب المسلمين وهو الأمام علي ابن أبي طالب قال عنهم "أنهم لا يعرفون من دينهم المسيحية سوى إنها تسمح لهم بشرب الخمر وأكل لحم الخنزير فكانت مسيحيتهم سطحية وضحلة" وهذا يعني بان الأمام علي كان ضليع في فهم المبادئ الأساسية التي تقول عليها المسيحية .

المسيحيون العرب في بلاد مابين النهرين

بعد انهيار سد مأرب في أواخر القرن الأول الميلادي الأمر الذي أدى إلى نزوح القبائل العربية وقد اتجهت القبائل نحو المناطق الشمالية الشرقية وكان بين النازحين رهط من أولاد معن بن عدنان الذين وصلوا ارض الرافدين وكان معهم أبناء من قبيلة قضاعة واتفقوا مع أفراد من قبائل الأسد وتحالفوا معهم وسمي هذا التحالف بتنوخ وأسسوا مملكة التنوخين الأولى في القرن الثاني الميلادي وأعقبهم اللخميون في بدء العهد الساساني ودام حكمهم حتى مجيء الإسلام وسميت مملكتهم بمملكة التنوخين او اللخميين او المناذرة وكانت الحيرة عاصمة هذه المملكة وتقع جنوب الكوفة واختلف المفسرين لمعنى كلمة الحيرة إلا إن أكثر التفسيرات تقول إن أصل الكلمة حيرتا وهي كلمة أرامية وتعني الحصن أو المعسكر أو الدير وعرفت الحيرة بمعالمها المعمارية ويذكر التاريخ قصر الخور نق وكان هذا القصر يشرف على النجف الأشرف وما يليه من بساتين ويعتقد إن الخورنق اسم فارسي يعني موضع الأكل والشرب واللهو ودامت المملكة التنوخية واللخميون المناذرة من عام 138 ميلادية ولغاية 628 ميلادية وحكمها 26 ملكا وكان ابرز ملوكها النعمان بن المنذر.

و قد افتتح خالد ابن الوليد الحيرة في العام 623 ميلادية وأصبحت الديانة السائدة في الحيرة هي المسيحية ويقول الطبري إن امرؤ ألقيس الأول 288-328 ميلادية هو أول من تنصر من اللخميين بينما يقول ابن خلدون ان النعمان ابن الشقية  (الأعور) 402- 431 هو اول من تنصر من ملوك المناذرة وهو الملك التاسع وقد أصبحت الحيرة منذ القرن الخامس الميلادي مركزا دينيا هاما بالإضافة إلى كونها مركزا مرموقا للتجارة والثقافة وقد شيدت فيها كنائس جميلة ومزخرفة بالنقوش وقد ذكر أبو الفرج الأصفهاني في كتابه الشهير "الأغاني" عن بيعة توما وكنيسة الباعوثه وبيعة دير اللج وكنيسة دير هند وقد كشفت التنقيبات الأثرية بعض هذه الآثار وقد سمعنا مؤخرا بان التنقيبات الأثرية قد كشفت أطلال كنيسة في مدينة النجف .

المسيحيون في العراق والإسلام

قبل أن أتحدث عن العلاقة التاريخية بين الإسلام والمسيحية في العراق أود أن أبين مدخلا إلى الظروف والأسباب التي أدت إلى نجاح الفتوحات الإسلامية كما ذكرها المؤرخ فيليب حتى في كتابه الموسوم تاريخ العرب صفحة 143 الطبعة العربية

أولا- إن فارس وبيزنطة كانتا قد وهنتا بسبب الحروب التي استمرت بينهما أجيال طويلة مما أدى إلى إرهاق رعاياهما بالضرائب القاسية.

ثانيا- استيطان القبائل العربية فبل الإسلام في بلاد الشام وارض النهرين وفي المناطق الواقعة على حدود الهلال الخصيب.

ثالثا- ظهور الخلافات داخل الكنيسة المسيحية حيث نشأت النسطورية في العراق وفارس والمنوفيزية في سوريا ومصر مع ما لابس ذلك من عداوات طائفية خاصة عندما بدء البيزنطيون يضطهدون المنشقين عن كنيستهم.

رابعا- كان الروم قد أهملوا تحصيل الثغور بعد غزوة مؤته الواقعة شمال البتراء التي انتصر فيها عرب الشام الأمر الذي أبطل القائد الروماني هرقل دفع الهدايا التي كان يوزعها على قبائل الشام العربية إضافة إلى أن الأقوام العربية الساكنة في الشام يعتبرون الفاتحين قوم من بني جنسهم .

و قد استقبل مسيحيو بلاد الرافدين الفاتحين العرب المسلمين في عهد الخلفاء الراشدين بايجابية لا بل ساعدهم على الانتصار بسبب معاناتهم ولقرون من عسف العهود الفارسية الساسانية على مدى خمس قرون وقد ساهم في صفوف جيوش الفتح الإسلامي قبائل عربية نصرانية من الحيرة ومن مناطق أخرى حقدا على إجرام الفرس الساسانيين وكان العرب المسلمين الفاتحين يخيرون النصارى بين قبول الإسلام أو دفع الجزية وقد دفع أجداد مسيحيو العراق المعاصرين الجزية واحتفظوا بديانتهم ومما لا شك فيه من لم يكن له قدرة أو من لا يريد دفع الجزية قد اسلم وأنهى المشكلة .

وعلى هذا المبدأ تعايش المسيحيون مع المسلمين في عصر الخلافة الراشدية وكذلك الأموية وتأكيدا على دور المسيحيين في العهد الأموي كان شعراء بني أمية الكبار جرير والفرزدق والأخطل ثالوث الشعر في العصر الأموي وكان الأخطل وهو أعظم هذا الثالوث نصرانيا وقد تمتع أهل الكتاب أي النصارى واليهود والصابئة في العصر الأموي بوافر الحرية لقاء تأديتهم الجزية والخراج وارتبطت قضاياهم في الأمور الدينية والمدنية برؤسائهم الروحانيين ولم تطبق عليهم الشريعة الإسلامية ومع هذا التسامح لم يمنع حدوث حالات استثنائية كتلك التي أمر بها الوليد الأول 705 – 715 بقتل زعيم بني تغلب القبيلة العربية المسيحية لأنه ابا ان يعتنق الإسلام (كتاب الأغاني ص 99)

و قد فرض الخليفة عمر بن عبد العزيز قيوداً صعبة على رعاياه المسيحيين إلا أن هذه القوانين لم يعمل بها طويلا حيث أمر خالد بن عبد الله العزي عامل هشام بن عبد الملك الخليفة الأموي الرابع على العراق ببناء كنيسة لأمه المسيحية تتعبد بها كما انه منح النصارى واليهود حق بناء المعابد والكنائس (كتاب الأغاني ص 99) وللعلم وفي العام 886 ميلادية دخلت الفلسفة الفكر الإسلامي وظهر مذهب المعتزلة والقدرية وكان ذلك خلال سنوات العهد الذهبي العباسي أي خلال خلافة هارون الرشيد وأبنائه الأمين والمأمون والمعتصم والخلافة العباسية دامت 508 من 750 ميلادية الى 1258 ميلادية وفي عهد العباسيين انتهت الخلافة العربية الإسلامية لتكون خلافة لأقوام المسلمين من كافة القوميات خاصة العربية والفارسية والتركية.

والحقيقة إن المؤسس الحقيقي إلى الخلافة العباسية كان أبو جعفر المنصور الذي بنى مدينة بغداد سنة 758 ميلادية وقد كانت قرية صغيرة في عهد الساسانين ومعناها "عطية الله" وقيل إن الاسم من (باغ) بستان و (داد) الإله وهو أسم فارسي أو إنه أسم مركب من (بيث) مكان و (غداد) الحظيرة أي موضع الحظيرة وهي تسمية آرامية وفي نظر الكنيسة الشرقية كان تأسيس مدينة بغداد يعني أنها ستعيد مركزها التقليدي في الأرض الآرامية (بيث ماري) وكانت الأرض التي أراد الخليفة أن يبني فيها مدينته لتكون زاخرة بالأديرة وكان للرهبان دورا كبيرا في الأساطير الدائرة حول التنبؤات عن تأسيسها.

شرع المنصور في عام 762 ميلادية في بناء مدينة بغداد واستغرق بنائها 4 سنوات وصرف عليها بما يعادل 18 مليون دينارا واستخدم نحو 100000 مهندس وعامل وأهل المعرفة بالبناء وسميت بالإضافة إلى بغداد بمدينة السلام والمدينة المدورة وأكثر الحجارة التي دخلت في بنائها نزعت من أنقاض طاق كسرى وفي 7 تشرين أول سنة 775 ميلادية وتوفي المنصور وهو في طريقه إلى الحج وحفر له 100 قبر تضليلا لأعدائه لئلا يمتهنوا قبره.

ومنذ مجيء المنصور لسدة الخلافة ومرورا بهارون الرشيد وأبناءه الأمين والمأمون والمعتصم كانت الحياة الفكرية مزدهرة ومن ضمنها الدينية اذ انه وخلال تلك الحقبة الذهبية كان الجدل الفكري قائما بين أهل السنة والشيعة والمعتزلة، فظهر أبي حنيفة النعمان (توفي سنة 767 ميلادية) وابن حنبل (توفي عام 855ميلادية) ثم البخاري الذي توفي في البصرة (عام 878ميلادية) واستنبط كل منهم طريقته الخاصة بتفسير القران والشريعة فانبثقت المذاهب الأربعة المعترف بها وغير المعترف بها كالمعتزلة والشيعة وكان اخطر هذه المذاهب هو مذهب المعتزلة الذي يؤمن بالعقل ويقول بان القرآن مكتوب وغير منزّل وكل شي في القران لا يفقهه العقل لا يعترف به وفي هذه المرحلة الخطيرة من تطور الفكر الإسلامي دخلت الفلسفة بجنب علم الكلام .

وقد استفادت الفئات غير المسلمة من هذه الحرية الفكرية وكان المسيحيون يمتازون في ذلك الوقت بمستوى ثقافي ملحوظ وكانوا من أهل العلوم والحرف وحسن التكلم باللغات غير العربية كالسريانية والآرامية واللاتينية وكان منهم والفلاسفة والأطباء والفلكيين.

ودخلت كنيسة المشرق عصرا جديدا بمجئ العباسيين للحكم وقد استعان الخلفاء والأمراء المسلمون بأبناء هذه الكنيسة ويعتبر المؤرخون المسيحيون بان العصر الذهبي العباسي كان عصرا ذهبيا لإتباع هذه الكنيسة الذي كان من احد أهم أدوارهم هو نقل وتعريف الثقافة والفلسفة الإغريقية والعلوم الغربية إلى المجتمع العباسي آنذاك ويقول المسعودي في "مروج الذهب" جزء 3 صفحة 379 جمع البرامكة حولهم العديد من المترجمين النصارى وفي عهدهم أي البرامكة تأسست خزانة الحكمة التي أصبحت في عهد المأمون نواة لأكاديمية الترجمة التي عرفت بدار الحكمة.

وكان أشهر أطباء العهد العباسي جبريل بن بختيشوع وماسويه الذي عالج هارون الرشيد من مرضه وأصبح أول مدير لأول مستشفى في بغداد وصار ابنه يوحنا ماسويه (أبو زكريا) رئيس المترجمين في عهد المأمون) وسعى الرشيد لجمع المخطوطات وشرائها من المنطقة البيزنطية وكان للمسيحيين الدور البارز في شراء هذه المخطوطات وترجمتها إلى العربية وكان أشهر المترجمين هو حنين بن اسحق (810- 873) م وهو أهم من نقل العلوم الإغريقية إلى العربية .

وللعلم كان الطب في بلاد مابين النهرين يرقى إلى عهود موغلة في القدم فقد اهتم به السومريون والبابليون والأشوريون وازدهر الطب في العهد العباسي وفتحت وأسست المستشفيات وكانت كتب جالينوس الإغريقي تشكل أساسا للمنهج الطبي وقد ترجم حنين بن اسحق الكثير من الكتب الطبية من السريانية إلى العربية في دار الحكمة وكانت شهرة الطب المسيحي المنبثق من مدرسة جند بسابور من السعه بحيث أصبح عامة الناس تعتقد بان المسلم ليس بإمكانه أن يصبح طبيبا ماهرا وهذا ما قاله الجاحظ في كتابه "البخلاء" (سأل احدهم الطبيب المسلم اسعد بن جاني هذه السنة وبأه والأمراض متفشية وأنت عالم ولك بيان ومعرفة فمن أين يأتي هذا الوباء ولا تستطيع إيقافه . قال: واحدة فاني عندهم مسلم وقد اعتقد القوم قبل أن أتطبب لا بل قبل أن اخلق إن المسلمين لا يفلحون بالطب واسمي اسعد وكان ينبغي إن يكون صليبا....)

و كانت سلالة جرجس بن جبريل وابنه بختيشوع بن جرجس وأولادة وأحفاده العشرة أشهر أطباء العصر الذهبي العباسي إضافة إلى أطباء كثر لا يسمح المجال لذكر أسمائهم ولأبد من الإشارة إلى أن المسيحيون في العهد العباسي كانوا أيضا في مد وجزر ولعل اخطر جزرا عايشوه هو عهد الخليفة المتوكل وهو الخليفة العباسي العاشر (747 – 861 م) وكان سنيا متعصبا وفي سنة 850 ميلادية اصدر أمرا بهدم ضريح الحسين في كربلاء ثم أقام قاضيا سنيا ومنع دراسة علم الكلام وتعليمه وقد اشتهر بموجات غضبه التي كانت تنصب على المسيحيين والمسلمين ولقي أهل الذمة منه الكثير من الظلم والأذى ويقول المسعودي في مروج الذهب بان الخليفة المتوكل اصدر أمرا بتأثير من المعمم الفتح بن خاقان التركي الأصل من شقين يقضي الأول بمعاقبة المسيحي والذمي الذي يخرق العهود إذا تهجم بالأقوال على المسلمين أو على القرآن أو على النبي محمد ومارس أي ظلم على أي مسلم سواءً عليه كشخص أو على ممتلكاته أو أمواله وممارسة أي صلة بامرأة مسلمة ولا فرق إن كان للزواج أو للفجور ومساعدة أعداء المسلمين أما الثاني فهو منع قرع النواقيس وعدم عرض الخمور والخنازير والصلبان أمام الأنظار ومنع ركوب الخيل واستمال السرج إلى ركوب البغال والحمير ومنع استخدام أسماء وألقاب إسلامية.

ونتيجة لهذه القوانين اعتنق الإسلام الكثير من المسيحيين وغيرهم من أهل الذمة تخلصا من الظلم والتعسف وكانت هذه الأحوال مؤشرا إلى بدايات السقوط إلى الخلافة العباسية فقد كان الخلاف قائما بين العرب المسلمين وغير العرب المسلمين وكان يطلق عليهم "الشعوبيين" و"أهل الذمة" وكان العصبية القبيلة متأصلة في نفوس العرب، وكان هناك صراعا بين الشمال والجنوب ولم يكن هناك انسجاما ولو بالحد الأدنى بين مكونات المجتمع العباسي كان هنالك صراعا بين الفرس والأتراك الطورانيين والبربر الحاميين والعرب الساميين وظهر ضمن الدين الإسلامي نفسه نزاعات طائفية أدت إلى تمزيق الأواصر العامة التي تجمعهم ومن هذه النزاعات كان بروز الشيعة والقرامطة وجماعة الحشاشين واجتاحت أراضي الإمبراطورية العباسية ثورات مثل ثور الزنج والثورة المزدكية ذات الطابع الاجتماعي وقد سقطت بغداد في عام 1258 ميلادية بعهد الخليفة المستعصم وبعد دخول هولاكو بغداد وخسر الخليفة المستعصم المعركة الأساسية وحاول أن يصل إلى حل سلمي بعد فوات الأوان فأرسل وزيره ابن العلقمي مع رئيس الطائفة المسيحية النسطورية للمفاوضة والصلح ولعل سبب اختياره لرئيس الطائفة النسطورية هو إن زوجة هولاكو كانت مسيحية وتدعى دقوس خاتون إلا إن هولاكو رفض مقابلتهم وأمر بانتهاك مدينة بغداد مما اضطر الخليفة المستعصم إلى تسليم نفسه إلى هولاكو دون قيد أو شرط ولكن هولاكو أمر بقتل الخليفة ومن استسلم معه.

وكان هولاكو وثنيا ولكن نكاية بالإسلام وارضاءً لزوجته المسيحية وبدوافع سياسية وأمنية اظهر بعض العطف على المسيحيين واليهود وبالرغم من حماية زوجة هولاكو لمسيحيي العراق في ذلك الزمان إلا أنهم لم يكونوا في وضع مستقر بل غالبا ما شاطرو إخوانهم المسلمين بنفس المصير وتعرضوا إلى القتل والنهب من قبل السلطات المغولية.

واستمر حال المسيحيين في العهد العثماني بين مد وجز أيضا وكان الظلم يمارس على كل رعايا السلطنة العثمانية وقد قام السلطان مراد الرابع (1623 _1640) بإصلاح واسع النطاق وكان من القرارات المثيرة غلق المقاهي ومنع التدخين وإغلاق أماكن شرب وبيع الخمور .

وأصدر فرمانا خاصا يقضي على الفئات غير المسلمة بلبس الغبار وهو لباس خاص يميز الذمي عن المسلم وخلال هذه القرون الطويلة كانت الأقلية المسيحية بمختلف كنائسها تبحث دوما عن الطرق الكفيلة التي تحفظ كيانها واستمرارية حيويتها ونشاطها وقد تعرضت لكثير من الانتهاكات من جراء التغيرات المستمرة على الأنظمة السياسية

المسيحيون بعد تشكيل الدولة العراقية الحديثة عام 1921

كان من نتائج الحرب العالمية الأولى سقوط وتفككّ الإمبراطورية العثمانية وووقوع الولايات العراقية الثلاثة تحت سيطرة الإمبراطورية البريطانية التي كانت متحالفة مع الشريف علي بن الحسين (شريف مكة) الذي تعاون مع الإمبراطورية على وعد منها بإقامة الدولة العربية الموحدة ولكن الأمور سارت وفق المصالح البريطانية وحدث ما حدث وليس هو موضوعنا في هذا المجال.

وكانت نتيجة لما حدث هو التوليفة العراقية الحالية التي تحققت بعد إرهاصات دامت ثمانية سنوات 1917 – 1925، من انتهاء الحرب العالمية الأولى وأربعة سنوات من تأسيس الدولة العراقية الحديثة (عام 1925) الذي وصفها السياسي البريطاني الشهير ونستون تشرشل حيث قال " ولد العراق في ساعة مجنونة" ويقول د. عبد الخالق حسين في مقاله الذي نشرته صحيفة عراق الغد الالكترونية الموسومة "العراق والانتخابات الأمريكية": إن الدولة العراقية الحديثة بنيت أساسا على التمييز الطائفي والعرقي امتداداً لنهج الحكم العثماني وكان عالم الاجتماع العراقي علي الوردي قد نبّه وحذر مراراً منذ الخمسينيات من القرن الماضي بان هناك بركانا تحت السطح سينفجر يوما ما , ما لم تتخذ الحكومات إجراءات ووطنية حقيقية مناسبة لتلافي الكارثة وقال نصا في كتابه " دراسة في طبيعة المجتمع العراقي" (ص 382- 383) ما يلي :

" إن الشعب العراقي منشق على نفسه وفيه من الصراع القبلي والطائفي والقومي أكثر من أي شعب عربي آخر باستثناء لبنان وليس هناك طريقة لعلاج هذا الانشقاق أجدى من تطبيق النظام الديمقراطي فيه حيث يتاح لكل فئة منه أن تشارك في الحكم وعلى أهل العراق أن يعتبروا بتجاربهم الماضية وهذا هو أوان الاعتبار فهل من يسمع" .

لقد كان مسيحيو العراق يتبنون إستراتيجيتين وواضحتين الأولى هي إستراتيجية الكنيسة أي السلطة الدينية بمختلف طوائفها وهذه الإستراتيجية منطلقة من الحكمة التي قالها المسيح قبل ألفي عام ونيّف وهي (أعطي ما لقيصر لقيصر وما لـ لله لـ لله) أي معناه مجاراة الحكومة الرسمية ومحاولة الحصول على ما يمكن عليه من مكاسب خدمة لإتباعها ومريديها وعدم التدخل في الشأن السياسي، بل النشاط في مجال تقديم الخدمة الاجتماعية والمساعدات الإنسانية للناس مهما كان الانتماء الديني والقومي .

أما الإستراتيجية الثانية فهي إستراتيجية المسيحيين كمواطنين عراقيين أصيلين ومخلصين لبلدهم وتتمثل هذه الإستراتيجية برفع جميع الحواجز بينهم وبين إخوانهم في الوطن، سواءً كانوا على دينهم أو طائفتهم أو من غيرها والمساهمة الجادة في النشاط السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي يخدم تقدم الوطن وعزته وتسخير إمكانياتهم لخدمة البلد، وقد ثمن هذا الدور المؤرخ والعالم العراقي سيّار الجميل في مقاله المهم الموسوم وقفة تاريخية عن دور المسيحيين العراقيين الوطني والحضاري ولحسن الحظ إن الموجة الدينية السياسية الضيقة السائدة في يومنا هذا لم تغري أي مسيحي لإقامة كيانات سياسية طائفية تستغل الدين والطائفة لتحقيق مكاسب سياسية كما هي الموضة السائدة هذه الأيام، بل إن أغلبية العاملين في الحقل السياسي من المسيحيين كانوا ولا يزالون يعملون في إطار الأحزاب الوطنية العلمانية.

و لقد ذكر الجميل في مقاله المشار إليه أعلاه أسماء لامعة من المسيحيين لعبت دورا في تاريخ العراق السياسي والاجتماعي والاقتصادي مثل الياس بن حنا الموصلي الذي انطق من بغداد إلى روما وإلى أمريكا الشمالية وكان أول رحالة من الشرق يصل العالم الجديد وكذلك العالم يوسف عتيشة الموصلي المولد عام 1599و الرحالة خضر بن الياس الموصلي 1679 – 1755 الذي كتب رحلة من الموصل إلى روما وبسبب تواجد البعثات التبشيرية الفرنسية تحول الكثير من مسيحيي العراق إلى المذهب الكاثوليكي وأعلنوا اتحادهم بكنيسة روما المركزية رسميا وبهذا الأعلام أصبح بابا روما هو الحبر الأعظم إلى أغلبية مسيحيين العراق .

برغم من عهود القهر المار ذكرها فقد تعايشت الثقافتين الإسلامية والمسيحية في العراق واستطاعتا التغلب على المصاعب التي كان يؤججها متطرفو الطرفين بين الحين والأخر وكان لكل منهما خصوصيتها وأدواتها، ففي الوقت الذي كان العلماء والاختصاصيون المسلمون العراقيون ينشطون باسطنبول كانت أديرة الموصل تنشر العلم في الموصل وبقية الولايات، وقد ذكر سيار الجميل بأنة كشف عن سجلات مهمة تبرز اتصالات أدبية كانت تجري بين أدباء عراقيين ولبنانين في القرن التاسع عشر واتضح من هذه المراسلات إن العراق عرف المطابع منذ عهد طويل عل أيدي المسيحيين العراقيين، وقد أسس هؤلاء مدارس تعلم فيها المسلمون والمسيحيون وبقية العراقيين ويكفي بروز العلامة اقليمس يوسف داود 1890 – 1925 وكان بحرا باللغة العربية، إضافة إلى اللغات الأخرى وألف 85 كتاب في مختلف العلوم وقد انتخب عضوا عاملا في الجمعية الأسيوية الملكية البريطانية عام 1890 ويؤكد الجميل بأنة لا يبالغ عندما يقول بان العراق هو الموطن الحقيقي للمسيحية الشرقية وإن مدينة الموصل هي مركز لاهوت الشرق على الإطلاق نظرا إلى ما اجتمع بها من مطرا نيات وكنائس وأديرة

ولعل ما يؤكد هذا القول هو رسم بطرياك طائفة الكلدان الكاثوليك عمانوئيل يوسف دلي كاردينال وحسب علمي بأنه الكريدنال الوحيد في العالم العربي وكان هذا التكريم قبل أقل من سنة.

لقد كان ولا يزال لمسيحيي العراق مكانة اجتماعية مرموقة في نهايات العهد العثماني وفق ما تعهدت به السلطنة العثمانية في خط شريف همايون وقد انتهج الحكم الملكي المؤسس في عام 1921م خطاً يضمن حقوق هذه "الأقلية" الصامدة بالمشاركة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في الدولة والمجتمع فكان منهم عددا من الوزراء والنواب والمدراء العامون وضباط الجيش والمحامين والقضاة.

واقتطف هنا مرّة أخرى من الدكتور سيّار الجميل "سنة 1963 عند مجيء البعثيين وعبد السلام عارف إلى حكم البلاد بدأت تحولات من نوع آخر بعد أن هيمنوا بالقوة وبانقلاب دموي على أمتداد40 سنة" وخصوصاً عندما ابتدأ العزف الجديد على كل من اسطوانتي "القومية الشوفينية" وبأساليب مرعبة وعلى "التعصب الديني" بأشكال مثيرة وبدائية، فانكمشت المشاركة الفعلية للمسيحيين العراقيين وبدأت عمليات الهجرة تأخذ لها مديات واسعة وخطيرة وللأسف الشديد ازدادت في هذه الأيام الأخيرة بسبب السياسات الحزبية الضيقة والطائفية التي أصبحت في أيامنا هذه شكلا من إشكال السياسة الرسمية للدولة العراقية الحديثة بعد العام 2003.

أما الدور السياسي لمسيحيي العراق فيجب أن نذكر أسماء لامعة في الحركة السياسية العراقية مثل: داؤود يوسفاني الذي كان له دور أيام الاتحادين وبداية تشكيل العهد الملكي ونيقولا عبد النور ورؤوف الوس والشخصية الشيوعية البارزة يوسف سلمان فهد ورفاقه في الحزب الشيوعي العراقي آرا خاجادور ويوسف متى وشخصيات في الحزب الوطني الديمقراطي مثل الشهيد كامل قزانجي وخدوري خدوري ونائل سمحيري وكان الأخيران نائبين في البرلمان العراقي عن الحزب الوطني الديمقراطي.

ولا يفوتني أن اذكر وأنا بصدد إنهاء هذا السجل بعض الأسماء اللامعة مثل الأب انستاز ماري الكرملي الذي يعتبر من ابرز علماء اللغة العربية والذي ساهم مساهمة جدية باغناء اللغة العربية ومجلته المشهورة والمعروفة بلسان العرب وكانت علامة بارزة في تاريخ النهضة العربية وقد ساهم مسيحيو العراق في الحقل الصحافي حيث ساهموا منذ نشأة الصحافة في القرن التاسع عشر والقرن العشرين ولا يزالون.

ولا بد أن نذكر أسماء لامعة في هذا المجال أصدروا الصحف وكانوا رؤساء تحريرها ومحرريها مثل روفائيل بطي وتوفيق سمعاني وفتح الله سرسم سليم حسون وفائق بطي .

أما في مجال العلم فلابد من ذكر أسماء لامعة ليس على نطاق العراق بل على نطاق العالم العربي والعالم مثل د.متى عقراوي أول رئيس لجامعة بغداد والمؤرخ مجيد خدوري والأستاذ فؤاد سفر والدكتور وليد خدوري والدكتورة روز خدوري والباحث بشير فرنسيس.

أما في المجال الرياضي فلا بد من ذكر أسماء عمو بابا ويورا وباسل كوركيس وأكرم عمانؤيل وعمو يوسف وشدراك يوسف وناصر جكو وكوركيس إسماعيل وأيوب اوديشو.

وقد ساهم مسيحيو العراق في النهضة الثقافية والفنية والأدبية ويكفي إن نذكر أسماء منير بشير واخيه جميل بشير وسيتا هاكوبيان وعازفة البيانو العالمية بياتريس اوهانسيان والشاعر الفريد سمعان ويوسف متى وناظم بطرس المذيع الاول في اذاعة بغداد والمخرج عوني كرومي والمخرج عمانوئيل رسام والشاعر جان دمو وسركو بولص والمصور أرشاك والمغنيتين الشهيرتين عفيفة إسكندر وأختها أنطوانيت اسكندر والمغنية الخالدة زكية جورج.

وقبل أن أختتم هذه الدراسة أود أن اطرح إشكالية خطيرة تعيش معنا منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، وهذه الإشكالية هي هل المسيحيون "أقلية" ؟ أو أن ما نعيشه الآن من صراع طائفي هو مرض زرعه الأجنبي في بلادنا ولا استثني بالدور الأجنبي هذا أي قوة خارجية لها مصالح في العراق وأعني إيران والولايات المتحدة ودول الجوار العربي، وغير العربي وسبق أن أشرت إلى ما ذكره الباحث الدكتور علي الوردي توصيفاً للمجتمع العراقي، وأرجو أن يكون الحوار بعيداً عن الطائفية والتحزّب السياسي والديني، وأن يتّسم بالعقلانية ويبتعد عن العدوانية، كما أرجو أن أكون قد وفقت في توضيح الظلم الكبير الذي وقع على هذه الشريحة الأصيلة من المجتمع العراقي، بل أهل البلاد الأصليين، الذين أصبحوا هذه الأيام في قاموس بعض رجالات الحكم الحالي محوراً لتناقل الإخبار وللتسلية أحياناً "للقيل والقال"، وبصفتي مواطناً عراقياً فإنني لست جزءًا من "جالية" مثلي مثل غيري من العراقيين بغض النظر عن الدين والقومية واللغة والجنس والانحدار الاجتماعي والمعتقدات الفكرية، والكل كما يفترض وحسب الدستور "مواطنون عراقيون" لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات، فالمسيحيون هم عراقيون أقحاح مصرّون على تقديم كل إمكانياتهم لخدمة هذا البلد العزيز على قلوبنا جميعاً، كما آمل أن يصل كلامي هذا إلى حكومتنا الوطنية لعلها تنصف شعبنا المناضل بكل قومياته وأديانه وطوائفه وتمنحه حقوقه بالكامل وتكف عن طلبها منهم تقديم الواجبات كما قال الصديق محمد سعيد الصكار في دعائه (اللّهم امنع الحكام عن الطلب من رعاياهم القيام بالواجبات فقط وسهل منحهم الحقوق).

وقبل أن أختم هذه الدراسة بودي أن أنوه بالجهد الذي بذله عدد من المثقفين والحقوقيين العراقيين في الدفاع عن المسيحيين في محنتهم وما تعرضوا له من قسوة ومحاولات استئصال وتهميش وحسبي هنا أن استعرض ما كتبه المفكر العراقي الذي أصدر ثلاث كتب عن المسيحيين ليسلّط الضوء على المأساة التي يعيشونها، فقد كتب تحت عنوان "المسيحيون والهويّة" إن هناك سبع رسائل لاستهداف المسيحيين، أولها- دفعهم للهجرة، وثانيها- تمزيق النسيج الاجتماعي لمجتمعات وشعوب ظلّت متعايشة على الرغم من النواقص والثغرات والسلبيات التي تتعلق بالحقوق وبمبدأ المساواة والمواطنة الكاملة، وثالثها- إظهار عدم رغبة المسلمين في التعايش مع الغرب المسيحي، ورابعها - تقديم دليل آخر على أن المسلمين لا يقبلون بالتنوّع والتعددية وهم ماضون في استئصال الأديان الأخرى وهو ما تردده "إسرائيل"، وخامسها- تأكيد جديد على أن العرب والمسلمين هم ضد الديمقراطية، وسادسها - استنزاف طاقات علمية وفكرية وفنية وأدبية يمتلكها المسيحيون، وسابعها- خسارة العرب والمسلمين المسيحيين المدافعين عن القضية الفلسطينية وعن عروبة فلسطين، وفي ذلك تفاعل بين المطامع الخارجية والقصور الفكري الداخلي .

أما عن الأخطاء الشائعة فيذكر المفكر شعبان أن الخطأ الأول هو تجاهل كون أغلبية المسيحيين عرب، والعرب أغلبية في بلدانهم، وبهذا المعنى هم ليسوا أقلية ويقترح مصطلح " التنوّع الثقافي" أو " المجموعات الثقافية " بدلاً من مصطلح "الأقلية" الملتبس والغامض والذي يستبطن عدم المساواة والاستتباع .

أما الخطأ الثاني، هو السعي لفصل غالبية المسيحيين عن عروبتهم، في حين إن الخطأ الثالث هو استصغار دور المسيحيين في إطار نظرة موروثة سائدة تارة لعددهم وأخرى لدينهم وثالثة للامتداد المسيحي في الغرب ورابعة التشكيك بولائهم، بل إن البعض يعدّهم " طابوراً خامساً" .

والخطأ الرابع هو محاولة عزل المسيحيين الحاليين عن حركة التنوير التي ساهموا فيها، فضلاً عن المشروع الحضاري الراهن الذي ساهموا في بلورته للانعتاق من نير الكولونيالية ولتحقيق الاستقلال. ويتعلّق الخطأ الخامس بإنكار مساهمة المسيحيين في نضال أمتهم وشعوبها وهو ما يروّج له التيار الإسلاموي الاستئصالي الشمولي .

ويقول شعبان في كتابه "أغصان الكرمة - المسيحيون العرب" صفحة 50 :" لعلّ بعض المتعصّبين لم يقرأوا تاريخ المسيحيين العرب في المنطقة، وإن كانوا قد قرأوا التاريخ فإن قراءتهم مغلوطة أو إغراضية أو قاصرة، فقد كان المسيحيون باستمرار يضعون الانتماء الوطني والعروبي " القومي" فوق انتمائهم الديني، مع اعتزازهم بتاريخهم وثقافتهم وخصوصيتهم، سواءً كانوا متدينين أو غير متدينين، مثلهم مثل المسلمين، لكنهم في الوقت نفسه لا يشعرون بأنهم كاملو المواطنة مثلهم، حيث عانوا من التمييز واللّامساواة والتهميش الشيء الكثير، قانونياً ومجتمعياً، ولسبب مختلف عن أسباب إقصاء أو تهميش الآخرين لنزعات استبدادية، وذلك ما يتعلّق بنزعات استعلائية تعصبية باسم الدين أو تستخدمه وسيلة للهيمنة".

وأخيراً رغم ما جرى من تعسف وإرهاب وتخويف ضد المسيحيين، فإنهم ظلّوا يتمسكون بعراقيتهم ومواطنتهم ويتعاملون على أساس الدفاع عن حقوقهم، علماً بأن حملة الهجرة الاضطرارية طالت مئات الآلاف منهم، وهو الأمر الذي يحتاج إلى معالجة أوضاعهم على أساس المواطنة الكاملة والحيوية وإلغاء جميع أشكال التمييز دستورياً وقانونياً، ووضع الكفاءة في مكانها الصحيح خارج دائرة الولاءات الدينية والطائفية والمذهبية والإثنية، من أعلى المستويات في الدولة وحتى أدناها على أساس شرعة حقوق الإنسان الدولية التي وقّع عليها العراق.

  

د. موفق فتوحي

اقتصادي وكاتب ومدير عام سابق في وزارة التخطيط (بغداد) وحالياً رئيس الجالية العراقية في جمهورية التشيك- براغ

.....................

* الأصل في هذه المادة محاضرة ألقيت بتاريخ 18/12/2008 في براغ بدعوة من المنتدى العراقي، ومحاضرة ألقيت في فيينا في العام 2009 بعنوان: مسيحيو العراق عبر التاريخ.

المصادر

1- تاريخ العرب (د.فليب حتي, د.أدور جرجي, د.جبريل جبور)

2- تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية ثلاثة أجزاء (الأب ألبير توما)

3- المؤرخ البيزنطي (أبرسيوس)معجم الآثار المسيحية

4- مروج الذهب (المسعودي)

5-الأغاني (لأبي فرج الأصفهاني)

6- دراسة في طبيعة المجتمع العراقي (د.علي الوردي)

7- د.سيار الجميل (المسيحيون العراقيون وقفة تاريخية عند أدوارهم الوطنية) مقالة نشرت في صفحة عراق

الغد الالكترونية.

8- د.عبد الخالق حسين (العراق والانتخابات الأمريكية)مقالة نشرت في صفحة عراق الغد الالكترونية.

9- ألجاحظ (كتاب الحيوان)

10- دافنشي كود (لغز دافنشي) قصة روائية للكاتب الأمريكي دان براون.

ثانيا:أن هذه الدراسة لا علاقة لها بمسألة الأيمان واللاهوت لأنني غير مؤهل للحديث بعمق عن مسألة الإيمان.

11- د. عبد الحسين شعبان - المسيحيون ملح العرب، دار ضفاف، الشارقة، 2013.

12- د. عبد الحسين شعبان - أغصان الكرمة - المسيحيون العرب، مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية، دار المحجة البيضاء (بيروت)، بغداد، 2015.

13- د. عبد الحسين شعبان - سبعة أسباب لاستهداف المسيحيين، جريدة السفير "اللبنانية" 17/3/2011

14- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، المجلد الأول، الأمم المتحدة، نيويورك وجنيف، 2002.

15- د. عبد الحسين شعبان - ماذا بعد تفريغ المنطقة من المسيحيين، جريدة النهار، 29/10/2010.

 

محمود محمد عليعندما أقدمت الولايات المتحدة الأمريكية علي مساعدة المجاهدين الأفغان بالمال والسلاح في حربهم ضد الاتحاد السوفيتي، فذلك للرد علي ما فعلوه السوفييت في الأمريكيين في حربهم ضد فيتنام، حيث دخلت أمريكا تلك الحرب لمنع استيلاء السوفييت على فيتنام الجنوبية كجزء من استراتيجيتهم الأوسع للاحتواء، وقد خسرت أمريكا الحرب، بسبب لجوء الفيتناميين لاستراتيجية حرب العصابات.

وحرب العصابات هي حرب غير تقليدية، بين مجموعات قتالية يجمعها هدف واحد وجيش تقليدي، حيث تتكون هذه المجموعات من وحدات قتالية صغيرة نسبياً مدعمة بتسليح أقل عدداً ونوعية من تسليح الجيوش. وتتبع أسلوب المباغتة في القتال ضد التنظيمات العسكرية التقليدية في ظروف يتم اختيارها بصورة غير ملائمة للجيش النظامي، ومقاتلوا حرب العصابات يتفادون الالتحام في معركة مواجهة مع الجيوش التقليدية لعدم تكافؤ الفرص، فيلجأون إلى عدة معارك صغيرة ذات أهداف استراتيجية يحددون هم مكانها وزمانها بحيث يكون تأثيرها موجعاً للخصم.

وهذه الاستراتيجية تمثل شكل من أشكال القتال بين مجموعات مسلحة وقوات نظامية، وقد تقوم بها مجموعات محلية ضدَّ محتل أجنبي، فهي أسلوب عسكري يلجأ إليه الطرف الأضعف، للتغلب على خصم قوي عندما يجد أن المواجهة النظامية ليست في مصلحته.

وهذا النوع من الحروب يتطلب عاملين:

أ- ملجأ طبيعياً “كالجبال أو الغابات” أو ملجأ سياسياً كحدود ضعيفة ومتهاوية، أو طرفها الآخر دولة متعاطفة مع أعمال المقاومة.

ب- والأمر الثاني هو حاضنة شعبية قوية لإمداد المقاتلين بالمعلومات واللوجيستيات والمقاتلين.

والحقيقة أن تطبيق استراتيجية حرب العصابات، تشمل دفع ثمن باهظ؛ حيث إنها لا تتضمن تحقيق نصر حاسم وسريع أمام العدو، ولا تتضمن أيضاً حماية السكان والمنشآت. وتزداد هذه التكلفة وفقاً لطبيعة العدو وأهدافه؛ فإذا كان العدو غير مدرب على التحكم في إطلاق النار، أو كان يهدف لتدمير الحاضنة الشعبية من السكان عندها تزداد تكلفة هذه الحرب.

وعلي كل حال فقد تركت الحرب الفيتنامية، أثراً غائراً في المجتمع الأمريكي بأكمله، فظهرت الأعراض النفسية علي الجنود، وكذلك علي الأفراد العاديين، تعكس حالة من عدم الشعور بالأمان. وقد ظلت الأفلام السينمائية الأمريكية زمناً " تتعرض للحرب الفيتنامية ضمن أحداثها، ويظهر بها الجحيم الذي تعرضت له الجيوش الأمريكية، وسط أحراش فيتنام التي يتصاعد من جنباتها ألسنة النارالتي تصل إلي عنان السماء، حتي أنها تطول الطير في السماء فتحرقه، والجنود في داخلها كالجرذان داخل المصيدة لا يكاد الواحد فيهم يطمئن لموضع قدمه هل سيطأ الأرض سالماً أم سيسقط في كمين" .

وقد ظلت عقدة فيتنام تلاحق الشعب الأمريكي فضلاً عن أفراد الجيش من الجنود أو القيادات العسكرية ذاتها، رغم المحاولات المتعددة التي قامت بها الولايات المتحدة لإزالة هذه الذكري المؤلمة من نفسية أفراد الشعب الأمريكي، ففي أعقاب المعركة، "تم طرح عد كبير من الأفلام التي تمجد من المحارب الأمريكي الشجاع الذي لا يخاف من الأهوال مهما تكاثرت عليه، بل إن منها ما مس العصب مباشرة بعرض قصة الكتيبة الأمريكية التي حققت نصراً مؤزراً في حرب فيتنام نفسها أو الجندي الأمريكي الذي عاد لفيتنام بعد نهاية الحرب، لإنقاذ زميل له أو إنجاز مهمة ما، وتتوالي المشاهد وهو يفرغ رشاشه في جموع الفيتناميين الذين يتساقطون أمامه بالعشرات صرعي من غير أن يتمكن أحدهم من أن يلحق بالأمريكي مجرد خدش بسيط!" .

هذا علي المستوي الشعبي، أما بالنسبة للسياسيين الأمريكيين فقد صار لديهم "حالة من الرفض لأي شكل من أشكال التورط العسكري للولايات المتحدة في نزعات العالم الثالث، حتي إن كثيرين "أطلقوا علي هذه الأعراض Vietnamic Syndtome ومعناها الحرفي الأعراض الفيتنامية أو ما اشتهر باسم " عقدة فيتنام"، وعقب التسوية التي تمت عام 1973 ظلت الإدارة الأمريكية ملتزمة الصمت لسنوات تجاه ما يحدث علي الساحة الدولية، وبقي الوضع كذلك حتي نهاية السبعينات لدرجة أن كثيراً من الأمريكيين أنفسهم انتقدوا هذا الصمت" .

ومن هؤلاء الذين خرجوا من هذا الصمت " أندرو مارك " Andrew Marc وهو أحد المحللين السياسيين، الذين أخذوا يحللون أسباب انتصار الدول الضعيفة على الدول القوية، وذلك من خلال بحث صدر له في سنة 1975 بعنوان " لماذا تخسر الأمم الكبيرة الحروب؟" . وفي هذا البحث يتساءل "مارك": لماذا خسرت الولايات المتحدة الحرب في فيتنام ؟، وذكر أن هذا سؤالٌ طالما شغل رجالات الدول والباحثين، العسكريين والسياسيين؛ فقد تكشفت حروب النصف الثاني من القرن العشرين، من الهند الصينية والجزائر، إلى فيتنام وأفغانستان، عن حقائق مذهلة: إنهزام جيوش كبرى أمام تنظيمات شبه عسكرية، صغيرة العدد، ضعيفة التجهيز، محدودة الوسائل، في نمطٍ جديد من المواجهات العسكرية أطلقت عليه تسمية: الحرب اللا تماثلية .

ثم قدم " مارك " في هذا البحث محاولة لفهم ديناميكيات الصراعات غير المتكافئة؛ حيث يقول:" بأنه كلما زادت الفجوة بين أطراف الصراع من حيث القوة زادت فجوة المصالح وتوقعات الجماهير، حيث إن القوة العظمى تكون لها مصالح واسعة، وتوقعات جماهيرية عالية، ورغبة في إنهاء الصراع بقوة وحسم. هذه التوقعات تضع السلطة السياسية والعسكرية في حالة من الضغط الدائم لتحقيق النصر العسكري؛ فإذا طال أمد الصراع فإنه يُسبب نوعاً من الغضب الجماهيري في النظم الديمقراطية، أو يعطي ثقلاً لحركات المعارضة؛ فكلما زادت قوة الدولة الاقتصادية والعسكرية، تقل مصالحها خاصة في الصراعات غير المتكافئة. ولذلك الحساسية السياسية تجاه تأخر النصر أو أمام الخسائر البشرية والاقتصادية، تؤدي بالعامة وحركات المعارضة إلى الضغط علي قيادتها لإنهاء الحرب، ووفقاً لهذا المنطق فإن الفاعل القوي لديه أسباب أقل للنصر من الفاعل الضعيف الذي تقع حياته نفسها علي المحك" .

ويفسر "مارك" هذه الحساسية السياسية عند الفاعل القوي، بأن الجماهير أو حركات المعارضة سوف تجبر الفاعل القوي علي الانسحاب من الحرب أو إنهائها قبل انتهاء أهدافها الاستراتيجية، نظراً لكثرة الخسائر العسكرية أو الاقتصادية، بينما الفاعل الضعيف تمثل الحرب له نقطة حشد معنوية، واقتصادية، وحياتية للدفاع عن وجوده ذاته؛ حيث تصبح حياته نفسها علي المحك مما يدفعه لأخذ الحرب إلى نهايتها .

ويذكر "مارك" أنه حتى الحرب العالمية الثانية، كان السائد أن التفوق في القدرات العسكرية يؤدي تلقائياً إلى الفوز في الحروب، بيد أن المواجهات الدراماتيكية التي شهدتها الساحات الدولية في الحقبات اللاحقة، والتي انتهت بمعظمها إلى انهزامات مروعة لجيوش جبارة، أثبتت أن التفوق العسكري الكبير للقوى العظمى لا يمكن الاعتداد به للانتصار ضد دولٍ أضعف، كما أدت إلى سقوط المفهوم التقليدي للحرب، حين تتورط الجيوش الكبرى في صراعات مسلحة خارج أراضيها ضد قوى محلية، محفزة بدوافع مختلفة، ومستعدة للانخراط في قتال مديد ذي طابع مختلف، يحمل القدرة على قلب المعادلات وتغيير النتائج .

فعلى المستوى التكتيكي، يقول مارك:" تسقط في الحرب اللاتماثلية معظم الاعتبارات التي ترتكز عليها الحرب التقليدية، لمصلحة منظومة قتالية مختلفة، تصبح الأفضلية فيها لقوى التمرد المنخرطة في مواجهة الجيش الدخيل، وعلى النحو الذي يسمح لتلك القوى بإجهاض وتعطيل مكامن القوة والتفوق عند الطرف الأقوى، وجره إلى مواجهات من النوع الذي يلائمها، تسمح باستغلال نقاط ضعفه واستنزاف قواه في معارك مباغتة، وضربات خاطفة تضع القوات النظامية، بطلائعها وخلفياتها، بوحداتها القتالية كما الإسنادية واللوجستية، ضمن دائرة الاستهداف وتحت تأثير أشكال مختلفة من الصدمة والرعب" .

ومن هنا تصبح القاعدة الأساسية للحرب اللاتماثلية كما يري " مارك"، "رفض قوى التمرد مواجهة العدو النظامي وفقاً لشروطه، بل وفقاً للقواعد التي تناسبها والظروف التي تختارها، وفي هذه القدرة على تغيير قواعد الصراع، ما سمح لقوات التمرد الفيتنامي بأن تتحول إلى أسوأ كوابيس الجيش الأمريكي الجرار في فيتنام، من خلال هجمات تنفذها أرهاط صغيرة مجهزة بعبوات ناسفة محلية الصنع، قادرة على إنزال خسائر قاسية بالوحدات الأمريكية المتحركة رغم تفوق أسلحتها وتجهيزاتها" .

ومن جهة أخري يذكر "مارك" أنه في الحرب التقليدية يتم تقويم الصراع على أساس الخسائر العسكرية للأطراف المتحاربة، وهي التي ترسم اتجاهات الحرب ونهاياتها. أما في الحرب اللاتماثلية فإن الحسابات تتجاوز ذلك لتأخذ في الاعتبار تأثيراتها الاستراتيجية ومفاعيلها السياسية عند الطرف الأقوى، ذلك لأن الغاية الرئيسة لقوى التمرد، ليس تدمير القدرات العسكرية للعدو الأقوى، ولا ضرب معنوياته وإرادته القتالية؛ بل نقل تأثيرات الحرب ومفاعيلها النفسية والسياسية، إلى ما يتعدى المسرح الميداني للصراع، ليصيب الدولة العدوة في عقر دارها، بكل ما ينطوي عليه التعبير من معنويات واقتصاديات ومؤسسات سياسية. وعلى النحو الذي يربك مراكز القرار فيها ويحرض الرأي العام ضدها، بما يؤدي إلى إعادة الحسابات وتجريد خيار الحرب من أهم مرتكزاته، أي القبول الشعبي به .

ويستطرد "مارك" فيقول "في ظل انعدام القدرات المادية، والتقنية، والوسائل الكفيلة بتدمير القدرات العسكرية للعدو، يصبح الهدف كسر إرادته السياسية على متابعة الصراع؛ ذلك هو جوهر ما كشفته الحروب التي خاضتها القوى العظمى ضد دول أقل منها شأناً وإمكانات، فالولايات المتحدة لم تخسر قدراتها العسكرية في فيتنام، بل إرادتها السياسية على متابعة الحرب. ذلك أن التأثيرات النفسية والمعنوية لتورطها العسكري في "هانوي" تخطت في الداخل الأمريكي تأثيرات الحروب التقليدية التي خاضتها، وإلى الحد الذي جعل الإدارة الأمريكية آنذاك، تستسلم أمام عاصفة الرأي العام المعارض للحرب، وتنسحب من فيتنام مهزومة، ما دفع وزير خارجيتها يومذاك، "هنري كيسنجر"، إلى القول "نحن خضنا في فيتنام حرباً عسكرية، وأخصامنا خاضوا حرباً سياسية". هذه النتائج السياسية التي أفضت إليها حرب الفيتنام شكلت في الواقع الانتصار الأكبر لقوى الفيتكونغ".

ثم أخذ "مارك" يسأل سؤالاً خطيراً: كيف تتصرف القوى الكبرى والحال كذلك؟ كيف تردع قوة أضعف منها لا تخشى الهزيمة ولديها ميول انتحارية ؟ وكانت الإجابة هي أن "نجعل العدو يقتل نفسه بنفسه. لماذا أقتله، وهو يمكن أن ينتحر؟ لماذا أوحده ضدي، وانقسامه في مصلحتي؟ لماذا أطلق عليه الرصاص والقنابل، فى حين أننى لو استثمرت واحد بالمائة من التكلفة على الإعلام الخبيث والشائعات المضرة لتمزقه كل ممزق؟" .

وهذا لا يكون إلا من خلال حرب يتم فيها احتلال عقلك لا احتلال أرضك.. وبعد أن يتم احتلالك ستتكفل أنت بالباقي... ستجد نفسك في ميدان معركة لا تعرف فيها خصمك الحقيقي.. إنها حرب ستطلق فيها النار في كل اتجاه.. لكن يصعب عليك أن تصيب عدوك الحقيقي.. وبالأحرى هي حرب من يخوضها يكون قد اتخذ قراراً بقتل كل شيء يحبه.. إنها "حرب تستخدمك أنت في قتل ذاتك وروحك.. وفى النهاية ستجد نفسك كنت تحارب بالوكالة لصالح رجل جالس في مكان أخر اختار أن يخرج مشهداً سينمائياً جديداً لفنون الانتحار الجماعي.. حرب المنتصر فيها لم يدخلها ولم ينزل الميدان" .

وهنا بدأت الولايات المتحدة تكتشف أنها تطبق فكرة حروب الجيل الرابع بشكل عفوي وتلقائي من خلال الصراع السوفيتي – الأمريكي والذي أسفر عن سقوط الاتحاد السوفيتي خلال الثمانينات، وذلك من خلال ثلاثة مستويات، فكان المستوي الأول متمثلاً في فكرة الحرب النفسية، وهي إحدى أدوات حروب الجيل الرابع التي اتخذتها الولايات المتحدة الأمريكية بشكل عفوي، لمواجهة المد الشيوعي في أوربا، ثم جاء المستوي الثاني من خلال حرب العصابات، حين قام الاتحاد السوفيتي باحتلال لأفغانستان في السادس والعشرين من ديسمبر عام 1979 . المستوي الثالث وقد بلغ هذا المستوي أعلي ذروته في تصدير فكرة الدولة الفاشلة، والتي ظهرت بشكل واضح خلال فترة حكم "جورباتشوف" للاتحاد السوفيتي من سنة 1985-1991، الأمر الذي نتج عنه سقوط الاتحاد السوفيتي وتقسميه إلي دول عديدة منها: جمهوريات السلاف وتشمل: روسيا البيضاء، وروسيا، وأوكرانيا. وجمهوريات البلطيق وتشمل: إستونيا، ولاتفيا، وليتوانيا. وجمهوريات الأتراك وتشمل: كازاخستان، وقيرغيزستان، وتركمانستان، وأوزبكستان. وجمهوريات القوقاز وتشمل: أرمينيا، وأذربيجان، وجورجيا. وجمهوريات أخري وتشمل: مولدوفا، وطاجيكستان.... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

نجيب طلالقبل الوقفة: نشيربأن أية إضافة نوعية في المشهد المسرحي والفني فهي ضرورية ومحمودة ومبارك بتفعيلها؛ لأن المهرجانات والتظاهرات الفنية والثقافية، تقليد سائد في كل دول العالم .ويساهم في الحراك المسرحي نفسه ترسيخ هذا الفن الانساني الذي يفوق الطاقة الانسانية اعتبار أن التفاعلات الابداعية والثقافية بين الفاعلين فيما بينهم وبين المنفعلين والمهتمين جزءا لا يتجزأ من الحراك الاقتصادي والاجتماعي محليا وجهويا وعالميا. لكن الإشكالية كم كانت لدينا من مكاسب وضاعت على أيدي وتصرفات المسرحيين أنفسهم .وفي سياق هذا نؤكد كما اكدنا مرات ومرات بأننا لا نحمل تصورا سوداويا لمجريات ما يقع في المشهد المسرحي المغربي؛ ولا نمتلك تموقفات عَدائية أو سياسية تجاه أي جهة أو هَيئة؛ بقدرما نسعى اسهاما تقديم صورة لما يقع وتحليل مظاهر الخلل الذي أصاب الجسد الفني والإبداعي . ولاسيما أنه الآن يلاحظ وبشكل جلي بأن الأغلبية التزمت صمت العاجزين في الكتابة وإبداء الرأي؛ لسبب بسيط؛ أنها انخرطت بوعي أو دونه في لعبة السمسرة والانتهازية الفاضحة؛ فابتلينا بشكل فاضح بمرتزقة المسرح؛ الذين نجدهم في كل المواقع يشرعون وفي التظاهرات يتكلمون زورا وتشويها للتاريخ الإبداعي وتزوير عطاء وتضحيات فعاليته . هؤلاء نؤكد أن الساحة المسرحية طفحت بهم وأمست كسرطان يتحرك بين شرايين المشهد؛ ففي الوﻻئم والجنائز وحتى في اﻷعْراس والحفلات منوجدون بالقوة أو مدسوسين ! نتيجة التحولات التي أفرزت تأسيس نقابات مسرحية وإعْلان (الاحتراف) بدون شروط ومقومات الاحتراف. وطبيعي أن يكون الصراع والجَدل البناء وليس المجاني والاعتباطي، وطبيعي أن يكون الوجه الآخر والكتابة المضادة؛ من أجل خلق موازنة في تشريح الحالة أو الظاهرة التي انصب عليها القول والدعاية؛ لأن الكتابة الأحادية والرواية الصادرة من معمعان أصحاب القرار؛ غير معمول فيها كتدوين للتاريخ وليست سندا للتأريخ . وبالتالي فأي تظاهرة معرضة للنقد والتشريح؛ شريطة المصداقية والموضوعية؛ لتحقيق الصوت الحقيقي الذي يسعى قدر المستطاع أن يشخص الهنات والسلبيات؛ وإن كان يعلم مسبقا أن سيحارب وسيقصى بجهد الوجوه الخفية التي تسخرالمطبلين والمتملقين كواجهة لمحاربة صوت الحقيقة، إما بطمسها أو تزويرها والبحث عن نقط الضعف لشويه صاحبها أو إقصائه من المشهد كلية :وبما أن كتابة الحقيقة أمر صعب، لأنها تضطهد في كل مكان، تعتقد الأغلبية أن كتابة الحقيقة أو كتمانها هي مسألة ضمير، واعتقادها هذا، أمر يحتاج لجرأة فقط (1) والتي تفرضها الاختيارات الثقافية والفكرية لمواجهة الانعكاسات السلبية والدنيئة التي تنغرس ليست بقدرة قادر بل بأيادي الغثيان - اللوبي- الذي يهدف للمنافع والمصالح الشخصية؛ إذ في بعض الأحيان يجمعهم الفساد أو الخط الحزبي وتارة ضعف الشخصية والجهل المركب؛ من هنا يتأطرون كحربائيين وكائنات مشوهة التي تتفنن في التملق وممارسة (السُّخرة) في الليالي وإخضاعهم للترويض لتشويه الأهْداف ولباس الأقنعة بكل ألوانها، صانعين مضحكات على ذواتهم ومسخرة لتصرفاتهم في المشهد الثقافي عموما .

وقفة :

قبيل انطلاق ما يسمى بمهرجان [مسرح الهواة] بمدينة - آسفي - في [دورته الثانية] تحت إشراف وزارة الثقافة الاتصال والهيئة العَربية للمسرح؛ نظم مسرحِيو المدينة وقفة احتجاجية ضد ما أسموه بالإقصاء والتهميش في حقهم . ورغم أن الوقفة كانت ضعيفة من حيث العدد والسند؛ لكنها أعطت مؤشرات لا تخلو من تساؤلات وتأملات مثل : لماذا لم يحضر وزير الثقافة للافتتاح؟ هل هناك مهام أهم من مهرجان المسرح الذي هو تحْت إشرافه؟ هل تلافيا للأحراج كمسؤول دبلوماسي أمام رئاسة الهيئة العربية للمسرح؟ أم أنه لا يهمه المسرح الهاوي؟ وهذا مستبعد لأن القرينة أنه حضر في الدورة الأولى(2018) التي نظمت بمراكش.

كشفت الوقفة أن المسرحيين بكل أصنافهم وأطيافهم؛ يعيشون لذاتهم وليس لغيرهم؛ نظرا للامبالاة لما يجري وكيف جرى؛ بحيث لم يسرق سمعي بين جموع الشباب والكهول أن أحدا طرح سؤالا عفويا أو فتح هامشا للنقاش عَن أسباب هاته الوقفة المسفيوية؛ علما أن الوقفة بدورها تفرض سؤالا مباشرا عليها هل من حقها أن تكون أم لا؟ وبالعودة للبيان الذي نشروه (2) يشير بصريح العبارة: ندين بشدة الطريقة التي تم اعتمادها في الإعداد للمهرجان والتهميش والإقصاء الذي طال الفاعلين في الحركة المسرحية من جمعيات ونقابات مسرحية وممارسين. إذ نعتبر الخطوة التي اتخذتها وزارة الثقافة والهيئة العَربية للمسرح ومهندسيها هي ضرب للديمقراطية التشاركية وتعامل غير سليم يميل إلى نبذ مجهودات كل المكونات المسرحية بالمدينة وهذا ما نرفضه جملة وتفصيلا (3) هنا السؤال الجوهري الذي لم يستطع حتى المحتجون الإجابة عنه من خلال تصريحاتهم عبر قنوات (اليوتيوب) من أقصاءهم ومن مارس التهميش في حقهم هل المجلس البلدي أم الوزارة أم الهيئة أم أطراف مسكوت عنها في الهندسة واستراتيجية الاختراق؟ ولماذا لم تتحرك النقابات المسرحية؛ مادامت مطروحة في البيان؛ هل الأمر لا يعنيها مادام (هو) مهرجان لما يسمى (الهواة)؟ لكن الحيرة الواردة لماذا بعض أعضائها انوجدوا في فضائه ودواليبه وساهموا بشكل أو آخرفي محاولة إنجاحه؛ ولم يعط النتائج المتوقعة ورغم ذلك نالوا حقهم من (الدولار) لأن هناك اتفاقيات مع الهيئة العربية للمسرح ! مما تم إغفال طرح المقتضيات القانونية والتنظيمية ولو بسؤال كترويج : هل الجمعيات المشاركة في مهرجان الهواة- الدورة (2) تابعة: لوزارة الثقافة والاتصال؟ أم لوزارة الشبيبة والرياضة؟ أم للهيئة العربية للمسرح؟ أم للنقابة الوطنية للمسرح؟ أم لوزارة السياحة؟ أم للمجالس البلدية؟ أم لأحزاب سياسية؟ (4) وفي نفس الحدث لا أحد تساءل عن دخول الهيئة العربية للمسرح على خط المسرح المغربي؛ ولماذا أمست تحَوم على مسرح (الهواة) هنا في المغرب/ موريطانيا / فلسطين/ الجزائر/ الأردن/هل لأن الكل أصبح بقدرة قادرتابعا لها؛ باخسا تمواقفاته وإرادته وشخصيته؟ أم كما أشار أحدهم: هل انطفئت شمعة الهيئة العربية للمسرح ...؟؟ إذن مالي أرى الجوقة قد خفت صوتها بعد أن كان صادحا ...!! عجبي (5) فهاته التدوينة وإن كانت لها قيمتها في محاولة الفهم . فلا مناص :في هذا العصر، عصر التعقيدات والتغييرات الكبيرة، بحاجة لمعرفة المادية الديالكتيكية والاقتصاد والتاريخ. ويمكن الحصول على هذه المعرفة من الكتب وعن طريق المشاركة العملية، هذا إذا توفرت الجدية الضرورية (6) لكي يمكن فهم ما يجري في الساحة المسرحية. وبالتالي فالمسرحييون المحتجون هل هم هواة أو محترفين؟ فمن الطبيعي أن أغلبية المسرحيين المغاربة (هواة) مع وقف التنفيذ ومتطاولين على [الاحتراف] البعيد كليا عن المنظور اللوجستيكي والقانوني؛ وبناء على هاته الحقيقة المتجلية في الساحة المسرحية فاحتجاهم مقبول؛ لكن السؤال لماذا لم تنخرط معهم جمعية – جسور- في الوقفة الاحتجاجية؛ هل لأنهم مستفيدين من قاعة (دار الثقافة) بمنطقة [كاوكي] أم أنهم محترفون؟ فإن أشرنا بأنهم كذلك سنكون أمام خلل في الجهاز المفاهيمي؛ لكن حضورهم في المهرجان شيء طبيعي؛ لمحاولة تكسير وتشويه الصراع بين الأطراف؛ لأن المضحك بعض من المحتجين التحقوا لمشاهدة العروض المسرحية وإن كان البيان يؤكد: كما نرفض أيضا أشكال التبخيس؛ وأساليب النيابة عنا بالوكالة ولو من باب التحجير من طرف هيئات وغرباء لا علاقة لهم بهموم الفعل المسرحي بآسفي. إن اختياراتنا التاريخية (...) لا تتلخص في مهرجان عابر بصفقات عابرة. وإنما تنبني على بعْد استراتيجي... (7) تموقف ورقي ليس إلا؛ وهذا يذكرني بالعديد من الأحداث والوقفات الاحتجاجية في مسرح الهواة؛ والتي لم يترها من يتكلمون عن تاريخ المسرح المغربي؛ ولن يستطيعوا لأن أغلب الذين يتحدثون بدون خجل عن الهوية / الهواية/ الاحتراف/ التوثيق/ التأريخ/.../ كانوا أعضاء في دواليب ودهاليز [الجامعة الوطنية لمسرح الهواة] ويطبخون الطبخات مع الإدارة؛ وهم الذين أهدروا دم مسرح الهواة ليصبح مبثورالامتداد التاريخي؛ والعطاء الإشراقي . ليعاد لدرجة الصفربصيغة بئيسة على يَد وزارة الثقافة التي كانت سابقا وفي عهد وزيرها - سعيد بلبشير- (1981-1985) يحاول تبني ملف (الهواة) لكن كانت هنالك أطراف حربائية مدسوسة . منهم من يرفض تسليم ملف مسرح الهواة من هنا كطرف أول؛ وهناك من يمانع ويعارض إمساكه هناك في كطرف ثاني؛ ليظل المسرح بقرة حلوب عندهم. وبالتالي فأغرب احتجاج قامت به عناصر وجمعيات من – الدارالبيضاء- تحديدا ضد انوجاد جمعية دكالة في مهرجان الفنون الدرامية الذي نظمته الجامعة الوطنية لمسرح الهواة سنة (1992) بالجديدة؛ لكن رئاسة الجامعة بمناوراتها وأساليبها هدأت الأوزار بالأموال؛ وتم تمرير المهرجان في دورات أخرى لتدعيم انوجاد جمعية – دكالة – أنذاك – باعتبارأن رؤية الجمعيات الكبرى التي كان يطلق جمعيات {السهول والوديان والجبال }في إطار الصراع السياسي أنذاك : كجمعية: رباط الفتح /أبي رقراق / البحر الأبيض المتوسط/ الأطلس الكبير/فاس سايس/ إيليغ/ أنكاد/.../ كانت تجد حضورها وقوتها في الأنشطة المسرحية وتنظيم تظاهرات فنية التي يغلب عليها طابع الشباب. حتى أنها كانت تنوب عن وزارة الشبيبة والرياضة .فلماذا هاته المرحلة ذات الاحتقان السياسي يقفز عليها الجميع وخاصة الذي يتحدثون عن التاريخ والتوثيق والتأريخ المسرحي؟ بكل بساطة لأن تلك الجمعيات بسخاوتها وقوتها الاعتبارية ساهمت في تدجين العَديد من المسرحيين؛ ودفعت بشكل أو آخر لإنجاز الملاحم الوطنية؛ حتى أنه لم يعُد لجُل المبدعين تموقفات نبيلة وواضحة ورصينة لخدمة المسرح ولا شيء غير العطاء الفني والإبداعي. ولكن المؤسف أن هنالك مزايدات؛ ومن ضمنها ما ورد في البيان: نعلن للرأي العام المحلي والوطني مقاطعتنا لهذا المهرجان في صيغته الحالية كجمعيات مسرحية ونتبرأ منه من منطلق غيرتنا على مسرح جيء به إلى مدينتنا (....) وقد تعرف الوقفة تمديدا طيلة أيام المهرجان في التوقيت المشار إليه أعلاه (8) وهذا لم يتم فلماذا؟ ولماذا قبلوا حوارا في الشارع العام مع [مدير إدارة المهرجانات] الذي مارس المواربة في حق المحتجين لحظة اختتام المهرجان؟ وهذا موضوع آخر سيناقش في ورقة أخرى.

 

نجيب طلال

.......................

الإحالات:

1) خمس صعوبات لدى كتابة الحقيقة لبرتولت بريشت ترجمة: نبيل حفار في مجلة أكسجين ع- 184

بتاريخ 6 /12/ 2015

2) نشر بتاريخ 23/09/2019 بتوقيع : فرقة نوارس المحيط للفنون الدرامية- محترف مسرح أسيف –

محترف الوفاء للإبداع – جمعية فضاءات الثقافة والفن.

3) الفقرة الثانية من البيان المنشور في المواقع الإلكترونية؛ ولم يوزع على المشاركين وغيرهم؟

4) انظر للتعليقات حول هاته التدوينة في جداريتنا المؤرخة بتاريخ 30/09/2019

5) شطحة مسرحية تدوينة حمد الرقعي الرقعي (دبي) بتاريخ 25/09/2019

6) خمس صعوبات لدى كتابة الحقيقة - لبريشت -

7) بيان إلى الرأي العام المحلي والوطني في شأن المهرجان الوطني لمسرح الهواة - الفقرة - 5 –

8) نفسها الفقرة - 6 /7 -

 

عزالدين عنايةتُعدّ "نوسترا آيتات": -Nostra aetate- أو "مجلس الحوار مع الأديان غير المسيحية" المؤسسةَ الأهمّ التي أنشئت عقب مجمع الفاتيكان الثاني (1962-1965)، بوصفها المرجع النظري والعملي لعلاقة الكاثوليكية مع الأديان والتقاليد غير المسيحية. وضمن هذا السياق حازت اليهودية موضعا متقدّما في علاقتها بكنيسة روما. في الفترة الأخيرة، وبمناسبة مرور ما يزيد عن نصف قرن على حصول ذلك التحوّل في الكاثوليكية، جرت حوصلة لتلك التطورات مع الجانب اليهودي وردت في عرض صادر من قِبل الكردينال كورت كوش والمونسنيور بريان فارل ورجل الدين نوربارت هوفمان على أعمدة صحيفة "الأوسرفاتوري رومانو" لسان حاضرة الفاتيكان، نورد فحواه كالآتي:

تأثير "نوسترا آيتات" على مدى الخمسين سنة الأخيرة

ساهمت "نوسترا آيتات"، إضافة إلى وثائق مجمع الفاتيكان الثاني، في إرساء توجه جديد للكنيسة الكاثوليكية، طبع علاقة الكنيسة بالشعب اليهودي وباليهودية بأهمية بالغة مقارنة بما ساد سابقا من تحفظات من كلا الجانبين، لا سيما وأن تاريخ المسيحية قد شابه تمييز في مقابل اليهودية بلغ حدّ محاولة القلب الديني القسري لليهود. وعلى أساس هذه العلاقة الشائكة، ما كانت العلاقة سوية بين الطرفين، فقد بقي اليهود دائما في وضع الأقلية أمام الأكثرية المسيحية المتنفذة. ولكن ما انجر عن أوضاع المحرقة في أوروبا أثناء الحقبة النازية، دفع الكنيسة للتفكير من جديد في علاقتها بالشعب اليهودي.

فقد ساهم التقدير العميق لليهودية، الوارد في "نوسترا آيتات"، في تحويل الريبة التي رانت في الماضي على الجانبين إلى تعاون مشترك، إلى حد إرساء علاقات صداقة، يُقدّر أن بوسعها مواجهة الأزمات والتحكم في الصراعات بقصد إرساء علاقات أفضل بين الكاثوليك واليهود.

ولغرض تفعيل حقيقي لنوسترا آيتات شُكّلت في الثاني والعشرين من أكتوبر 1974، من قبل البابا المطوَّب بولس السادس، لجنةُ العلاقات الدينية مع اليهودية، التي أُلحقت بالمجلس البابوي لتطوير وحدة المسيحيين، وهي لجنة مستقلة على مستوى تنظيمي، تولّت مهام متابعة تطور الحوار الديني مع اليهودية. بالإضافة، وعلى مستوى لاهوني، أي بشأن العلاقة بين اللجنة والمجلس البابوي، هدفت اللجنة إلى تطوير الوحدة، لأن الفصل بين البيعة والكنيسة في الزمن الأول عُدّ بمثابة الشرخ.

في السنة نفسها لتأسيس تلك اللجنة، نشرت لجنة الكرسي الرسولي، بتاريخ واحد ديسمبر 1974، أولَ وثيقة رسمية بعنوان: "توجيهات ومقترحات لتطبيق الإعلان المجمعي نوسترا آيتات"، هدفت أساسا إلى تجديد تلك الوثيقة، بقصد التقرب من اليهودية لمعرفتها بالشكل التي هي عليه، والتعبير عن التقدير العميق من المسيحية، وتأكيد أهمية مساهمة الكنيسة الكاثوليكية في الحوار مع اليهود. فكما نقرأ في الوثيقة: "يقتضي الأمرُ من المسيحيين، وبشكل عملي، البحثَ عن فهم أفضل لمكونات التقليد الديني اليهودي والإحاطة بالخاصيات الرئيسة التي يعرّف بها اليهود أنفسهم في ضوء الواقع الديني الحالي". وعلى أساس شهادة إيمان الكنيسة بيسوع المسيح، ركّزت الوثيقة على الطبيعة الخاصة للحوار بين الكنيسة واليهودية. حيث يحيل النص على الجذور الليتورجية للمسيحية في ظل اليهودية، كما يشير إلى فرص التقارب في مجالات التدريس والتعليم والتكوين، وبالنهاية يقترح النص أنشطة مشتركة في المجال الاجتماعي.

وعلى مسافة إحدى عشرة سنة من ذلك التاريخ، نشرت لجنة الكرسي الرسولي، في الرابع والعشرين من يونيو 1985، وثيقةً ثانيةً بعنوان: "بشأن العرض الصائب لليهود واليهودية في التبشير والتعليم الصادرين عن الكنيسة الكاثوليكية". كان لها توجهٌ لاهوتي، بشكل عكس طبيعة العلاقة بين العهدين، القديم والجديد، وحدّد الجذور اليهودية للإيمان المسيحي، وصوّر الشكل الذي عُرض به اليهود في العهد الجديد. مبرزة الوثيقة ما يجمع ليتورجيا الديانتين، خصوصا في الاحتفالات الكبرى للسنة الليتورجية. وتتوقف الوثيقة باقتضاب عند علاقة اليهودية بالمسيحية عبر التاريخ. وبخصوص "أرض الآباء"، أكدت الوثيقة أن "المسيحيين مدعوون لفهم هذا الارتباط الديني، الذي يرمي بجذوره في التراث الكتابي، دون القيام بتفسير ديني خاص لهذه العلاقة... وفي ما يخص وجود دولة إسرائيل وأبعادها السياسية، حثّت على التعامل مع المسألة بنظرة غير دينية، بما يراعي مبادئ القانون الدولي".

في الأثناء صدرت وثيقة ثالثة عن لجنة العلاقات الدينية مع اليهودية عُرضت في 16 مارس 1998، تعلقت بالمحرقة، وهي بعنوان: "لنتذكّر.. تأملات في المحرقة". يفصح فحوى نصها عن حكم جريء، حيث بيّنت أن نتائج ألفيْ سنة من علاقات اليهود بالمسيحيين هي للأسف سلبية. إذ يدعو النص إلى استعادة الذكرى لبلورة موقف للمسيحيين تجاه اللاسامية وتجاه النظامين النازي والفاشي. تمحورت الوثيقة حول دعوة المسيحيين لتذكر تراجيديا المحرقة. وفي رسالة بارزة ضمن فقرات الوثيقة، عبّر الحبر الأعظم يوحنا بولس الثاني عن أمله "في تضميد جراح اللاتفاهم، بما يحفّز الذاكرة ويؤهّلها لأداء مهامها في كنف تشييد مستقبل مشترك، لا مكان فيه البتّة لظلم المحرقة المجحف".

الحالة اللاهوتية الخاصة للحوار اليهودي الكاثوليكي

لا شك أنّ الحوار مع اليهود هو حوارٌ متفرّدٌ بالنسبة إلى المسيحيين، لأنّ جذور المسيحية موغلة في اليهودية، وهو ما يحدد وحدة العلاقة بين التقليدين. فبرغم القطيعة التاريخية والصراعات الأليمة، تبقى الكنيسة واعية بعميق صلتها بإسرائيل. ولا يمكن في هذا السياق أن تُعدّ اليهودية مجرّد دين آخر؛ بل اليهود هم "إخوتنا الكبار"، كما عبّر البابا يوحنا بولس الثاني، وهم "آباء إيماننا"، كما أعرب البابا بندكتوس السادس عشر أيضا. فالمسيح كان يهوديا، نشأ في حضن التقليد اليهودي لعصره وتشكّل ضمن ذلك الواقع الديني. والحواريون الأوائل الذي تحلّقوا حول المسيح نهلوا من النبع نفسه، وحياتهم طبَعَها التقليد اليهودي ذاته.

ومع مراعاة الأديان الأخرى، فإن الحوار مع اليهودية، من وجهة نظر لاهوتية، له معنى مغاير وهو يتموضع في مكان سام. لأنّ إيمان اليهود الوارد في الكتاب المقدس بالنسبة إلى المسيحيين، ليس معبّرا عن دين آخر، بل هو الأسّ لدينيهما... فالحوار مع اليهودية يحوز لدى المسيحيين موضعا متفردا؛ نظرا لجذور المسيحية الموحدة مع اليهودية بما يفوق أي دين آخر. وضمن هذا السياق فالحوار اليهودي المسيحي يمكن تعريفه كونه حوارا "داخليا في الدين"، بالمعنى الضيق، بل ينبغي الحديث عن الحوار الموحّد أو بالأحرى "الحوار العائلي". والعهد الذي قطعه الرب لإسرائيل لا معقّب له. "ليس الله إنسانا فيكذب" (سفر العدد23: 19)، والإخلاص الدائم المختار للرب، المعبر عنه في العهود السالفة لم يجر نسخه (الرسالة إلى مؤمني روما9: 4)، والميثاق الجديد لا يلغي الميثاق السابق ولكن يتمّه.

أهداف الحوار مع اليهودية

- يهدف الحوار في المقام الأول إلى تعميق المعرفة المشتركة بين اليهود والمسيحيين. إذ لا تتيسر محبة إلا من جرى التعرف عليه بالتدرج، ولا يمكن معرفة بعمق سوى من جرت محبته. تترافق هذه المعرفة المعمقة دائما بغنى مشترك، يغدو من خلاله طرفا الحوار شركاء في مقصد موحّد. يتحدث الإعلان المجمعي "نوسترا آيتات" عن التراث الروحي الغنيّ الذي يُستوجَب اكتشافه خطوة تلو أخرى، عبر الدراسات الكتابية واللاهوتية وعبر الحوار. وبهذا المعنى ثمة هدف مهمّ، من وجهة نظر مسيحية، ذلك المتعلق بإبراز الثراء الروحي المختزن في اليهودية للمسيحيين. علاوة على ذلك، ينبغي الإشارة إلى تأويل النصوص المقدسة. ففي التمهيد الذي كتبه الكردينال جوزيف راتسينغر لوثيقة "الشعب اليهودي وأسفاره المقدسة في الكتاب المقدس المسيحي"، الصادرة سنة 2001 عن اللجنة البابوية الكتابية، يوضّح بجليّ العبارة احترام المسيحيين لتفسير اليهود للعهد القديم. كما يعرب من خلال ما دوّنه "يمكن للمسيحيين تعلّم الكثير من التفسير اليهودي للعهد القديم على مدى ألفيْ سنة؛ كما يتمنى المسيحيون من جانبهم أن يستخلص اليهود نفعا من تطورات التفسير المسيحي". ففي مجال التفسير، حشدٌ من الدارسين اليهود والمسيحيين يتعاونون في الراهن، مؤمنين بجدوى التعاون المثمر، مع انتمائهما إلى تراثين دينيين مختلفين.

- لا ينبغي أن يبقى التعارف المشترك في حدود المتخصصين، بل المهم أن يشمل المؤسسات التعليمية الكاثوليكية، لا سيما في مجال تكوين الرهبان، وذلك بتوعيتهم بتعاليم "نوسترا آيتات" وبالوثائق اللاحقة الصادرة عن الكرسي الرسولي بقصد تفعيل تصريحات المجمع. في الأثناء ينبغي إدراج التغييرات الجوهرية في علاقات المسيحيين واليهود، الواردة في "نوسترا آيتات"، ضمن اهتمامات الأجيال اللاحقة والعمل على إشاعتها.

- يتمثّل هدف من أهداف الحوار اليهودي المسيحي الرئيسة في الالتزام المشترك بتحقيق العدالة والسلام والحفاظ على الخلق وإرساء الصلح في كافة أرجاء العالم. فمن الجلي في الماضي أن مختلف الأديان، وعلى أساس الإصرار على حيازة الحقيقة في مدلولها الضيق، قد ساهمت في تأجيج الصراعات. والحال أنه فقط حين تتحاور الأديان على بينة، تساهم بشكل ما في تشييد السلام، وهو ما يمكن تحقيقه على مستويات مختلفة اجتماعية وسياسية. ومما ينتج عن ذلك الحوار وعن ذلك السلام هو الحرية الدينية التي تضمنها السلطات المدنية، وهو ما ينعكس على احترام الأقليات الدينية ومراعاة حقوقها. وفي الحوار اليهودي المسيحي، ثمة أهمية لحالة الجماعات المسيحية في دولة إسرائيل، لأن هناك، كما في غيرها من مناطق العالم، ثمة أقلية مسيحية تجد نفسها أمام أكثرية يهودية. والسلام في الأرض المقدسة –هو حوار مفقود وهو ما نصلّي من أجله على الدوام- يلعب دورا مهما في الحوار بين اليهود والمسيحيين.

- ثمة هدفٌ آخر مهمّ للحوار اليهودي المسيحي يتمثّل في النضال المشترك ضد أي شكل من أشكال الميز العرقي نحو اليهود، وضد أي شكل من أشكال اللاسامية، وإن لم يتم اجتثاثه، إذ يطلّ بأشكال مختلفة ضمن عديد السياقات. حيث يعلّمنا التاريخ إلى أين تقود تلك الأشكال من اللاسامية: إلى تراجيديا بشرية على غرار "المحرقة"، التي أبادت ثلثين من يهود أوروبا. ومن هذا الباب كلا تراثيْ الإيمان، اليهودي والمسيحي، مدعوان لليقظة الدائمة والتنبه في المجال الاجتماعي. ولمتانة العلاقة الرابطة بين اليهود والكاثوليك، تشعر الكنيسة بواجب القيام بما في وسعها، رفقة الأصدقاء اليهود، لدفع التوجهات اللاسامية، وذلك إيمانا بالجذور اليهودية للمسيحية.

- لا ينبغي أن يكون السلام والعدالة مصطلحيْن مجرّدين في الحوار؛ بل ينبغي أن يكونا مفعّلين بشكل عملي. إذ يوفر الفضاء الاجتماعي المشترك حقلا ثريا للنشاط، لأن كلا الضربين من الخُلق: الأخلاق اليهودية والأخلاق المسيحية، يضمنان حوافز لمعاضدة الفقراء والضعاف والمرضى. وعلى سبيل المثال، عملت لجنة العلاقات الدينية مع اليهودية في الكرسي الرسولي واللجنة اليهودية للتشاور بشأن حوار الأديان (IJCIC)  معا خلال العام 2004 في الأرجنتين، في الفترة التي كان يمرّ فيها البلد بضائفة مالية، لمدّ يد العون للفقراء وفاقدي المأوى ولمساعدة الأطفال الذين يفتقرون لأي سند لارتياد المدارس، لأجل توفير المأكل لهم. فمجمل الكنائس المسيحية لها منظمات إنسانية، شبيهة بتلك التي نجدها داخل الأوساط اليهودية؛ يمكنهما معا التعاون لتقليص بؤس البشرية. تعلّمنا اليهودية وصية السير في كافة سُبل الرب (سفر التثنية11: 22) وهو ما يقتضي تقليد صفات الألوهية عبر العناية بالمحتاجين والمعوزين والمعذبين (التلمود البابلي، سوتاه 14أ). يلتقي هذا المبدأ مع تعاليم المسيح حول ضرورة مساعدة المحتاجين (متّى25: 35-46). إذ لا يمكن لليهود والمسيحيين أن يرضوا بالفقر الذي يرهق البشرية ولا بالعذابات المترتبة عنه؛ ينبغي أن يعملا معا لتخطّي تلك المصاعب.

- حين يتكاتف اليهود والمسيحيون لترسيخ التعاون البشري، فإنهما يساهمان معا في إرساء العدالة والسلام في العالم. وبذلك يقدّمان شهادة على محبة الرب، ليس عبر الخلاف، بل عبر التعاون جنبا إلى جنب، فاليهود والمسيحيون ينبغي أن يتكاتفوا معا من أجل عالم أفضل.

 

عزالدين عناية

أكاديمي تونسي مقيم بإيطاليا

 

"لا يوجد شيء.. أسوأ من الخوف نفسه.. ومواجهة العرب لخوفهم العميق على حقيقته.. بصدق ووضوح وشجاعة.. هي السبيل الأوحد إمامهم.. لأجل إدراك النمو والوعي والنضج الإنساني!!"

تشعر الكثير من الشعوب العربية بالقلق المتفاقم إزاء الأوضاع السياسية والحياتية لأوطانها التي هوت أحوالها واحتضرت بسرعة متناهية، والتي لم يعد لها ولا حتى جذوة أو بصيص أمل في نهاية النفق الحياتي لأي تحسن في مستويات ومجريات الحياة اليومية، وتفاقم فيها الفساد المتشبث بمفاصل حكوماتها وبطرق علنية ونكرة ومنكرة ونكيرة، ولأني منكم واليكم وتابعتكم مليا فلذا اسمحوا لي إن اقول إنه وأمام كل ذلك، فلم يتبقى لنا ولكم سوى العمل على تشكيل مستقبلنا بأنفسنا بدلاً من الاستمرار في أجبار ذاتنا على التكيف مع الوضع السياسي الخانق، ولذلك ينبغي لنا أن تتوقع حتما وقوع بعضا من المآسي الرهيبة لأن المسار الذي اتخذته حكوماتنا يتطلب اجترار دعم الأغلبية الساحقة والمسحوقة والمحفوفة بالمخاطر والقهر بشكل مفرط، ومع اضمحلال الحلول والتغيرات وتقاعس ساستنا واحزابهم وكتلهم عن فعل شيئا يذكر حتى لو كان بسيطا! فنرى إن الحل الاوحد يتمحور بضرورة إيجاد سبل ووسائل حضارية وواقعية لمعالجة الأزمات، وهناك وسيلة حضارية ملائمة عبر تنظيم حملة لتوضيح خطر مجريات السياسات والثقافات المائعة المرتهنة والملتحفة بالدول الاجنبية المتسيدة للواقع السياسي العربي، كما ويمكن لحملة كهذه أن تؤثر على تشكيل ندية الرأي العربي العام، ولكنها ستتطلب أموالاً هائلة ولا يمكن أن تكون النتائج المرجوة منها فورية بينما الشعوب العربية بحاجة إلى تحرك وفعل حاسم وحازم وسريع!!

 ولذا فقد يقترح البعض استخدام القوة ولكن هذا امرا مستبعد تمامًا إذ يمكن للعنف أن يخرج عن نطاق السيطرة وأن ينفرنا وينفر بعضا من جماهير الشعب والذين نحن وهم نعتبره غير مقبول إذ يمكن للعنف إن يستخدم بيد الإرهابيين أو الفوضويين في محاولاتهم لتقديمنا كجمهور بنماذج همجية ومتطرفة، وبالتالي فنحن بحاجة إلى إستراتيجية تقوم على الاعتراف بأن الاستمرار في تنفيذ سياسات استعباد واستبعاد الشعوب ستزيد من مخاطر العنف السياسي والجسدي وتزيد من تحجيم المكانة الدولية لبلادنا ولذلك فإن البديل الوحيد المقبول هو : "حملة العصيان المدني اللا عنفي". وهنا يتبادر لذهننا السؤال المنطقي في ماهية العصيان المدني اللاعنفي؟ يتمثل العصيان المدني اللا عنفي في رفض الامتثال للقوانين التي تتعارض مع مبدأ العدالة الأخلاقية وفي انتهاك القوانين والنظام العام لتغيير سياسة الحكومات غير الأخلاقية، وينظر إلى هذا النوع من الاحتجاج في العالم ككل على أنه حق الفرد في مجتمع حر، والذي يدفعنا لان نرى انه من الضروري إن تسمح المدارس والجامعات العامة والخاصة بوجوب تدريس ونشر فكرة ونظرية أنه يجب انتهاك القوانين في بعض الأحيان إن تنافت تلك القوانين مع مبدأ العدالة لان العدالة فوق القانون، وعلى كل فرد فينا أن يتصرف وفقا لمبادئ العدالة حتى لو تعارض ذلك مع سياسات وقوانين الدول، والفرد حر في التصرف وفقا لإملاءات ضميره وضمير المجتمع العام حتى لو كان على حساب إزعاج النظام العام!! وإن مسؤولية الافراد تتحدد في حماية الحرية ومكافحة الظلم من خلال العصيان المدني غير العنيف الذي يمكنه أن يضمن وجود مجتمع حر، فالعصيان المدني المطبق بدرجة مناسبة من ضبط النفس والحكمة يساعد في الحفاظ على مؤسسة العدالة وتعزيزها ومن خلال التصدي للظلم في إطار سيادة القانون يتم منع انتهاكات العدالة وتصحيحها إن وجدت وبذلك يتترجم الاحتمال الأساسي لحملة العصيان المدني بجلب عنصر الاستقرار إلى المجتمع.

ان العصيان اللا عنفي لا يعني المقاومة المدنية لان المقاومة تعني الانقسام والمعارضة وذلك يعني وبشكل منهجي رفض أساسي للنظام والحكومة، وهنا نبين إن العصيان المدني اللا عنفي هو ليس مقاومة ولا تمرد، أنما عملية سلمية تتم في سياق المجتمع المدني ويجب أن يلتزم الأشخاص الذين يقررونه بالقانون المعقول والنظام السلمي على إن يشترك به وبصدق معظم ابناء الشعب فعلا وصوتا كما ويجب على الجميع السعي وبحرص للحفاظ على الاستقرار والامن في البلاد، وإضافة لما تقدم فأنه يجب على كل شخص يشارك في العصيان السلمي ألا يتصرف من منصب مراقب خارجي بل كعضو نشط في المجتمع الذي يحاول اصلاحه وتغييره ويجب أيضا عليه الالتزام بالقواعد الأخلاقية والديمقراطية حتى وان كان رافضًا قوانين أو سياسات محددة يعتبرها غير أخلاقية وغير عادلة، وكما نؤكد أنه لا يجب أطاعة أي قانون ظالم، لكن كيف يمكن لنا إن نميز القانون العادل عن القانون الظالم؟ إن القانون العادل هو قاعدة قانونية أنشأها الإنسان ومتسقة مع قانون أخلاقي أو هو من شريعة الله، بينما القانون الظالم فلا ينسجم مع الشرائع السماوية ولا حتى مع القوانين الأخلاقية.

إن جميع الاستنتاجات توحي بأن الاستجابة الممكنة والفعالة الوحيدة للتكتيكات الحكومية غير الأخلاقية وغير الشرعية هي حملة ضخمة من العصيان المدني اللا عنفي وتبرز هذه الحملة بوضوح التناقض بين الإيديولوجية والقلق بشأن مصير البلاد والشعوب، ومثل تلك الحملة ستجعل الجمهور يدرك أن المشكلة تتعدى مسألة ما إذا كانت الدساتير والقوانين سيئة أو جيدة، وان العمل المباشر اللا عنفي هو بحقيقته يسعى إلى صنع مثل تلك الضغوط والأزمات التي من شأنها أن تجبر المجتمع إن يلاحظ المشكلة وإن يسعى لمواجهتها، وسياسيا فأن ذلك العمل سيكشف الحقيقة، وإنه كإجراءً مباشراً قد يُجبر الحكومات على دحض التهم الموجهة إليها علناً وربما حتى اتخاذ بعض الإجراءات لإقناع الجمهور بزيف تلك التهم ولربما سيجبرها على قول الحقيقة لإنقاذ سمعتها، ومن المستحيل تحقيق الهدف من دون إظهار الاستعداد للتضحية بالذات، فلذا علينا اليوم أن نجعل من إعتصامات السلم حقيقة والبحث عن طرق أخرى للتعبير عن رأي الشعب وتطبيقها بلا عنف وأن نكون مستعدين للذهاب لتطبيقها وتفعيلها لأسابيع وأشهر متواصلة وعبر ذلك سيشاهد الجميع الوجه الحقيقي للحكومات وهي تنتهك وتحطم حقوق الشعوب، كما ويجب استبعاد رد المعتصمين على العنف الموجه ضدهم ومن الضروري أن نوضح مراراً وتكراراً أنه يجب ألا يشاركوا بمساقات الظلم والوحشية في النضال السياسي لأن النصر لا يمكن تحقيقه إلا من خلال التفوق الأخلاقي للمعتصمين وإن الرد بالعنف على العنف لا يحقق الأهداف الشعبية وإنما فقط يلحق الأذى بالقضايا الوطنية وأرواح المعتصمين، وتجاه ذلك يجب أن يفهم العالم أننا كشعوب مضطهدين ونحن لسنا إرهابيين ولا نقاوم بالعنف بل باللا عنف، وان نجحنا بتعميم ونشر ذلك فإن سلاح الدعاية الذي كان يوجه ضدنا سيخرج من أيدي أعدائنا ليكون في صالحنا وستكون هذه الحملة اللا عنفية أداة قوية للتغيير الاجتماعي والسياسي.

واخيرا لا يجب تفسير هذه المقالة على أنها خطة لحملة مفصلة إذ يجب تطوير هذه النظرية الاستراتيجية بعناية من قبل مجموعة من النشطاء كل حسب دولته ومجتمعه والذين سيتحملون مسؤولية بدء الحملة اللا عنفية وتحويلها إلى إستراتيجية اجرائية وتطبيقية، ولا يمكن تحقيق النجاح من دون الصدق والوطنية والمثابرة، ونوصي المعتصمين إنه لا ينبغي الخوف ويجب عليهم أن انسحبوا، إن يعودوا إلى موقع الاعتصامات مراراً وتكراراً، وليطمئنوا فلن يكون أمام السلطات الحاكمة من خيار سوى الرضوخ لمطالبهم المشروعة، أو استخدام القوة والتي كل نوع منها يستخدم سيعني ويترجم في النهاية عن انه شهادة انتصار للمعتصمين ودليل موثق على وجوب الأيمان بحق رفض الخوف والتواصل الجاد لتحقيق أهداف الشعوب بصنع أنظمة حكم رشيدة،،، ولنوقن أبدا: " ان العدالة دوما... فوق كل قانون !!!"

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

عبد الجبار نوريالحديث عن العدالة الأجتماعية من الناحية النظرية بمقارباتها البورجوازية وأهم منظريها في فلسفة الأخلاق الذين يعتمدون المقبولات الأربعة (الحكمة والشجاعة والعفة والعدالة) والتي تشكل العدالة الأجتماعية أحدى أضلاعها المهمة ومن نظريات منظري البورجوازية : نظرية (جون رولس) Theory of gustice التي نُشرتْ عام 1971 يعتبر " العدالة الأجتماعية " فكرة فلسفية لا سياسية، أنها تعتمد الوثائق الأممية للأمم المتحدة في الحرية والمساواة بين بني البشر وأعتمدتها جميع أحزاب الخضر في العالم، أنها نظرية رثة في نظري لكون الوثائق الأممية أصبحت غير (ملزمة) في عصر العولمة الحداثوية، وكانت من مخرجات أفكارهم:

1- المدرسة التوفيقية فهي تعتمد المهارة الشخصية والأبداع فيكون توزيع المكافأة المالية حسب المهارة الفردية، أي أن المال والمكافأة يجذبان الأفراد نحو أنجاز الأعمال والذي في أفتراضهم : أنعدام العدالة الأجتماعية يؤدي إلى أستقرار النظام الأجتماعي، فأن هذه المدرسة التوفيقية خالية من الواقعية في الكثير من طروحاتها الآيديولوجية بحجة المنافسة بين الأفراد وغيبوا حقيقة الأنسان وخلجاته النفسية بحصرهم قيمة الأنسان بماله ومكانته الأجتماعية .

2- نظرية "ماكس فيبر2--" نظرته الفلسفية تتلخص ب(أن فكرة نشوء الطبقات الأجتماعية لا تحصل نتيجة الصراع الطبقي كما يقول كارل ماركس بل تحصل نتيجة عوامل ثلاث (الثروة والقوّة والمكانة الأجتماعية) فهو بالضد من النظرية الماركسية .

والذي أكتشفتهُ في قراءاتي لهذه المدارس البورجوازية: أن هم الطبقة الرأسمالية تجميع الثروة الفائضة من الأنتاج الأجتماعي الكلي من جشعها أصبحت مصدر من مصادر أنعدام " العدالة الأجتماعية كما في نموذج اللبرالية الأقتصادية الجديدة القائمة على نموذج السوق الأجتماعي الذي يقوم به الأفراد والشركات بحرية تبادل السلع حسب العرض والطلب، وهو نظام أقتصادي رأسمالي ولبرالي كلاسيكي ظهر بعد الحرب الثانية وكان العالمان الألمانيان من أبرز منظريها هما (الفريد أرماك و ولودفيغ أرهارت) وحسب رأي أنهُ رديف للرأسمالية لكونها تعتمد الملكية الخاصة في وسائل الأنتاج، ولن ينسى العالم بتسببهِ لأزمات وهزات أقتصادية التي عصفت ببعض دول الغرب وأمريكا، وثم لعبت الرأسمالية لعبتها الشيطانية مع طبقة العمال بسياسة (الترضية) بتقليل ساعات العمل وزيادة الأجور لتمتص نقمتها وزاد الأنتاج بشكل تراكمي وثورة صناعية التي أدت إلى تقليل البطالة وتحسين ظروف العمل إلى ظهور (دولة الرفاه) كما يحلو لهم تسميتها فهي طُبقت في بعض دول الغرب بعد الحرب الثانية حسب تنظير رأسمالي لبرالي، ووجدتُ فيها عيوباً مثل : الفساد الأداري والهدر الذي لا مبرر لهُ، وسوء أستخدام الموارد وهو تحميل عبأ ثقيل للمواطن، أهتزاز النظم عند تعرضها للأزمات الأقتصادية وهبوط أسعار النفط، الألتجاء إلى القبضة الحديدية للسيطرة الأمنية، مما تؤثر، على الخدمات المجانية التي تقدمها دول الخليج المعنية بدول الرفاه الأجتماعي، لأنها لا تسمح بالمشاركة في صنع القرار لحماية النظام أولا، كما أن منطق (الشمولية) لبعض الأنظمة العربية يتعارض كلياً مع قيم المجتمع المدني، ولنأخذ النموذج التركي الحديث لحزب التنمية والعدالة القائمة على الأخونة الذي يجسد الممارسة السياسية من منظور أسلامي ويقوم على أساس الجمع بين معطيات الحداثة المفروضة من الواقع الدولي الجديد وبين الخصوصية الحضارية الأسلامية بيد أنها أوصلت أردوغان إلى التخبط السياسي داخليا وأقليميا لكون الحزب ينادي بالشعبوية العثمانية وقيادة البلاد بعيداً عن نظامها العلماني نحو أسلمة المجتمع، وبأعتقادي حزب التنمية والعدالة الوجه الثاني في عملة الأرهاب فلا ينتظر منهُ " عدالة أجتماعية ".

العدالة الأجتماعية من وجهة نظر يسارية ماركسية:

يمكن تناول هذا الموضوع من ناحية مجتمع أنساني أكثر عدلا وأنصافاً في مواجهة الظلم والأستغلال والتمييز بين البشر وبين الجماعات في سياقات الصراع على الخيرات العامة الثروة والسلطة، وأنهُ من بين الأقتراحات الأكثر رواجاً حتى يومنا هذا " العدالة الأجتماعية " التي تقوم على أعادة توزيع الثروة والديمقراطية التي تتأسس على تفويض السلطة القائمة على أساس الحرية والكرامة الأنسانية بعدالة أجتماعية تواجه الفساد والحرمان ومواجهة الأستبداد والطغيان.

ويمكن معالجة الموضوع من ناحيتين (منظور ماركسي أشتراكي ثوري ومنظور اليسار الديمقراطي)

الأول /مأخوذ من رأي ماركس في البيان الشيوعي 1848 ويتلخص :بزوال الأغتراب والظلم والأضطهاد، والملكية الخاصة تؤدي إلى الأستغلال الطبقي، الثروة مجتمعية من حق كل فرد .

الثاني/ هو المذهب الأشتراكي الديمقراطي، كلما كان توزيع الدخل أكثر عدلا كلما عجّل وسهّل النمو الأقتصادي، ولا يختلف عن الماركسية لأنهُ يؤكد على الديمقراطية وهو الأكثر تطبيقا في عالمنا اليوم .

وعلى كل حال أن المدرستين اليساريتين يؤكدان على الحرية في تحرير جوهر الأنسان، بتطبيق الديمقراطية السياسية، وهي أحدث النظريات لمعالجة " العدالة الأجتماعية " وكان من أبرز منظريها (جون راولز) في قوله : عما أذا كانت المجتمعات تقدم لشعوبها فرص كافية للمشاركة في الأنشطة الأنتاجية حسب أختيارها في سياق عالمي يسود فيه النسبية الأخلاقية والتعددية والثقافية .

العدالة الأجتماعية مغيّبة في العراق تواجه معوقات وتحديات عديدة أهمها :

- سلطة العشيرة هي الغالبة على سلطة القانون، لا زالت مناطق عدة في العراق من مما يسمى بسلطة (الدكة العشائرية) والتي أستقوت بعد 2003 حيث أنهارت المؤسسات الأمنية والقانونية .

- عدم المساواة بين الجنسين أن معدل النشاط الأقتصادي للمرأة أقل من الرجل بلغ 5-14 %مقارنة بالرجل 1-72%، وتعتبر المرأة الأعلى نسبة في البطالة 2-32 %مقارنة بالرجل 21% .

- الفساد الأداري والمالي، حسب التقارير الأممية للأمم المتحدة وصول العراق إلى المركز 169بين 180 دولة فاسدة، سببه عدم الرقابة المالية للمال العام السائب وغياب القوانين الرادعة، حيث فقد العراق حوالي 380 مليار دولار في السنوات ال15 الماضية .

- التمييز على أساس المكون الديني والطائفي والأثني، وزاد الأمر سوءاً خصوصاً بعد ما تعرضت هذه المكونات إلى الأرهاب الداعشي.

- الأقتصاد الريعي الذي وضح جلياً غياب العدل الأجتماعي أفراد الجيل الحالي الذين يعملون مع الحكومة يحصلون على جزءمن العدالة الأجتماعية أما باقي الفئات الأجتماعية من كسبة وشغيلة اليد فأنها محرومة من هذه الثروة التي تشكل 90% من موازنتها التشغيلية، وبهذا الوضع المزري يصبح شعار مقولة النفط ثروة وطنية عامّة للجميع فارغة المحتوى.

- غياب الأستقرار السياسي بفعل تدخل الميليشيات والأحزاب وتدوير الأزمات وغياب الدولة المؤسساتية وعشوائية في توزيع الخدمات بل أحياناً تهافتها وغيابها .

- عشوائية المدن : وقد تجاوز سكان العشوائيات 5-2 مليون نسمة حصة بغداد منها 40% ما يقارب 800 ألف نسمة تداعياتها تفقد وجود العدالة الأجتماعية عندما تكون سبباً لتعطيل مشاريع الأستثمار، وأحتمال كبير أنها تبنى فوق خدمات البنى التحتية كالمجاري والصرف الصحي والماء وكيبلات الكهرباء والمواصلات، أضافة إلى النزوح من الأرياف إلى المدن والذي يعمل على أضطراب التوازن السكاني .

التغيير هو الحل في "العراق" دولة مدنية ديمقراطية أتحادية بعدالة أجتماعية

 أن الطريق إلى الدولة المدنية دولة المواطنة والديمقراطية الحقة المفلترة من شوائب الديمقراطية المتأمركة الأستحواذية والمستلبة لحقوق الشعوب المقهورة يتحقق عبر نضال متواصل وتحالفات وأصطفافات وطنية عابرة للطائفية والأثنية والمناطقية، وتسعى لترسيخ المصالحة الوطنية والوحدة الجغرافية، وعدم توظيف الدين لأغراض سياسية، والتأكيد على مبدأ ترسيخ متطلبات الأنسنة والسلام العالمي، والأستبعاد الكلي عن أي شكلٍ من أشكال التعصب، ورفض الترويج للعنصرية والشوفينية والأنغلاق والتخندق الطائفي والأثني، وترسيخ ثقافة المواطنة الحقة والسلم المجتمعي، فتتكوّن الدولة المدنية الديمقراطية وهو المطوب .

فالدولة المدنية الديمقراطية وبنظامها العلماني توفر جميع مسلماتها من حرية الرأي وحقوق الفرد في الدولة المدنية بشرط توفر قناعة آيديولوجية في عدم الجمع بين الدين والسياسة مطلقاً، أن من أهم ما حققتهُ العلمانية على الصعيد الحضاري هو أنّها{أنهتْ الصراعات والحروب الدينية بين البروتستانت والكاثوليك في بعض دول أوربا، والخلافات الطاحنة في نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا ودكتاتورية (بينوشيت) في تشيلي والنازية في ألمانيا والنظام الشمولي الصدامي

أما الدولة الدينية الثيوقراطية تعني : حكم الكهنة أو رجال الدين، وهو نظام حكم يستمد الحاكم سلطته مباشرة من الآلهة، أي أدارة شؤون العباد آخروياً، وهم مندوبون لتوصيل تعاليم سماوية مثل : دولة الخلافة الأسلامية والأمبراطورية البيزنطية، ودول معصرة تحمل سمات الحكم الثيوقراطي مثل : الفاتيكان وجمهورية أيران الأسلامية والسعودية والباكستان .

إذاً الدولة المدنية الديمقراطية وحدها المتمكنة من حماية الفرد ومعتقده، وهي مظلة مشرعنة قانونية يتعايش تحتها الجميع دون أقصاء أو تهميش أو ألغاء، لكون هذا النظام السياسي يستند على التعددية السياسية والحزبية والتداول السلمي للسلطة وفيها الأحزاب السياسية ركيزة النهج السياسي، الديمقراطي، وحرية تكوين الأحزاب مكفولة .

أن تطبيقاتها في العراق سوف تواجه تحديات في رهانات الواقع العراقي بعد الأحتلال منها موروثات أشكالية مزمنة وأحتدام الصراعات الفئوية المزمنة، ومئات من دكاكين الأحزاب بعضها ذات ولاءات أقليمية ودولية .

فعلينا فلترة هذا النظام ونحته من حيث:

-الحذر من الوجه الآخر للعلمانية المؤدلجة بالطائفية والعرقية وهي تتجه إلى الدكتاتورية .

- الحذر من أستبداد الأغلبية بالسلطة والثروة كما هو في النموذج السيء للحكم الراديكالي في العراق ما بعد 2003 .

- رفض أعتماد قانون سانت- ليغو 9-1 والذي رُفض من قبل غالبية الشعب العراقي في حراكهِ المدني، ومن المحررالسياسي لجريدة طريق الشعب الغراء .

- الخلاص من المحاصصة إلى تشكيل حكومة كفاءات المؤهلة قيادياً، وبشرط أن تشمل الهيئات المستقلة والدرجات الخاصة .

- تشكيل مجلس الخدمة لتطبيق ضوابطها ومعايرها في أختيار العناصر الكفوءة والنزيهة .

- أعادة هيكلة مؤسسات الدولة في أبعاد الجيش والمؤسسات الدينية من التحزب .

- مكافحة الأرهاب الداعشي، وأستثمار الأنتصارات الأخيرة لجيشنا الباسل في حب الوطن والولاء التام له.

- تبني أعلام ذو خطاب موحد في الولاء للوطن فقط والتأكيد على وحدة جغرافبة تراب العراق، والوقوف بحزم أمام تقسيم البلاد، وأرجاع النازحين إلى مواطن سكناهم، وأعمار المناطق المحررة المدمرة، ودمج التشكيلات الميليشاوية مع الجيش وحصر السلاح بيد الحكومة المركزية .

- الترشيق الوزاري والنيابي وتقزيم المستشارين وألغاء الأيفادات العبثية وتخفيض رواتب ومخصصات الدرجات الخاصة وتقليص حماياتهم .

- أصدار قانون أنتخابي عادل ونزيه ومنصف، وتشريع قانون من أين لك هذا ؟ وتفعيله ليشمل الجميع، وتأسيس مفوضية مستقلة للأنتخابات .

- أبعاد ظاهرة البيروقراطية عن مؤسسات الدولة لكونها من الطفيليات المدمرة للدولة، وكما يعاني منها المواطن العراقي االيوم .

- تأطير دولتنا المدنية الديمقراطية بالتخطيط المركزي والأشتراكية العلمية والملكية الجماعية لوسائل الأنتاج .

 

 عبد الجبار نوري

كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد        

..................................

بعض الهوامش والمصادر

محمد فايز عبد أسعد/ الأسس النظرية لعلم الأجتماع السياسي / بيروت

العدالة الأجتماعية/إميل كيري- ترجمة سهيل ألياس –طبعة ألكترونية

كتاب ما بعد الرأسمالية/ د-سمير أمين

لينين / الدولة والثورة – موسكو1970

 

ميثم الجنابيتقديم: إن الثبات هو احدى القيم الضرورية في الوجود الإنساني، بحيث جرى رفعه إلى مصاف الفضائل الكبرى كما في قولنا الثبات في المواقف، والثبات في العزيمة، والثبات في الصراع والمواجهة وكثير غيرها. وفيها وفي غيرها تبرز أولا وقبل كل شيئ ملامح الشجاعة في المواقف. وللشجاعة مظاهر عديدة جدا، لكنها مقبولة من جانب كل ذي عقل سليم وروح حرة. بل هي الصفة التي تجمع عليها تجارب الأمم وقيمها الأخلاقية. والثبات في الشجاعة والشجاعة في الثبات وجهان لحقيقة واحدة ألا وهي الإقرار والاحتكام إلى الحق والحقيقة. إذ ليس هناك من شيئ أكثر ثباتا من الحق والحقيقة. كما أنهما يتمثلان أفضل السبل والوسائل في الثبات، بما في ذلك العمل من اجل التغيير والإصلاح. بمعنى نفي التغير والتبدل المفرّغ من قيم الاصلاح الفعلي.

والدولة هي الكائن الأكثر حيوية وضرورة للوجود الإنساني المعاصر. بل إن الوجود الإنساني هو الصيغة المنظمة لأثر الدولة ووجودها. كما أنها تجسّد جميع الفضائل المتراكمة في تجارب الأمم، وبالأخص منها تلك التي تدير شئون المجتمع والأفراد والجماعات بمعايير القانون والحق. ومن ثم فيها تتجلى حقيقة العقل الفعال والرؤية المستقبلية.

ذلك يعني أن للدولة أيضا قيمة في الثبات. وبدون ذلك تتعرض إلى خلل بنيوي دائم، مع ما يترتب عليه بالضرورة من خلل في كل موازين الوجود الاجتماعي. وبالتالي إمكانية التفكك والاحتراب والدمار الذاتي.

وفيما لو نظرنا إلى واقع العراق الحالي (بل والعالم العربي ككل)، فإننا نرى سبب كل ما يتعرض له من احتراب داخلي وتفكك وتخلف وانحطاط هو نتيجة لفقدان الثبات في الدولة. وعوضا عنها يجري "الثبات" في السلطة. وهي مفاهيم ليست مختلفة فقط، بل ومتناقضة. فالثبات في السلطة يعادل معنى "الثبات" في التخريب والانحطاط. وهو ما نصطلح عليه بمفاهيم الحكم الفردي والعائلي والقبلي والدكتاتوري. فجميعهم من فصيلة واحدة.

وعندما ننظر إلى واقع الدولة الحالية في العراق، فإن أول ما يبدو للبصر ويتبادر إلى البصيرة هو وجود واقع الازمة الفعلية في بنية النظام السياسي، وواقع الازمة الفعلية في بنية النظام الاجتماعي والاقتصادي، وواقع الازمة الفعلية في بنية النظام الوطني، أي إننا نقف أمام أزمات في بنية النظام السياسي والاجتماعي الاقتصادي والفكرة الوطنية. وبالتالي يمكننا الحكم بوجود ازمة بنيوية شاملة بالنسبة لمفهوم الدولة الحديثة. بعبارة إخرى، إننا نقف أمام ازمة بنيوية في إدارة شئون الدولة والتنمية الاجتماعية والاقتصادية والفكرة الوطنية.

هذه الازمات الثلاث تعيق وتعرقل كل إمكانية للنمو والتطور الفعلي الشامل والمستديم. وليس مصادفة أن نرى مظاهر الاحتجاج المتكررة تعود من حيث بدأت. الجمهور يتعب لفترة والسلطة تساوم وتعمل على التسويف والرشوة. كما انه ليس مصادفة أن نرى وجود نظام سياسي وديمقراطي بلا معارضة سياسية وديمقراطية؟! وهي حالة تشبه من الناحية الشكلية والرمزية ببناء خزان الخراء الأرضي، لا يغير من "قيمته" ورائحته استبدال حجرة من الأسفل بأخرى من الأعلى وبالعكس. وعندما نتأمل زمن السلطة الحالية ما بعد الاحتلال الامريكي فإننا نرى امثلة عديدة لها. فقد طردوا أياد علاوي من رئاسة الوزارة وعاد إلى السلطة من جديد، ابعدوا الجعفري عن رئاسة الوزارة وعاد إلى السلطة مرة أخرى، وأزاحوا المالكي وعاد إلى السلطة من جديد، وعنفوا واحتقروا وأهانوا الصدر وها هو يعود إلى السلطة مرة أخرى، ولكموا الحكيم وها هو ما زال يصارع في حلبات "البيت الشيعي" وخارجه ويتغنج في حضن السلطة، وركلوا النجيفي وما زال متمسكا كأخيه في أذيال السلطة، وقمعوا البرزاني واجبروه على الاستقالة من رئاسة "الإقليم" وها هو من جديد يتغزّل ويغازل السلطة ويتآمر. وكلهم متآمرون كل بطريقته الخاصة. كل ذلك يشير ويبرهن على أن حجارة المراحيض لا تصلح لبناء هياكل الروح! وهو واقع يبرهن أيضا على إننا بحاجة إلى حقيقة الثبات والثبات على الحق.

والمقال الحالي وما سيليه يسعى للكشف عن أهمية الثبات الديناميكي في مواجهة إشكاليات الازمة البنيوية الشاملة في عراق ما بعد الدكتاتورية لكي لا تصبح "الديمقراطية" مقيتة شأن الدكتاتورية ومن ثم تلاقي نفس نهايتها.

***

لم يعرف العراق في تاريخه الحديث والمعاصر فكرة ونموذج الحكم الثابت. فقد كان تاريخه منذ عشرينيات القرن العشرين سلسلة من "الانقلابات" الحادة التي جعلت منه ميدانا لمختلف التجارب الراديكالية، التي تتوجت بصعود التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية. وفيهما تجسدت بصورة "فاضحة" فكرة ونموذج "المؤقت" في كل شيء. بحيث تحول "المؤقت" فيه إلى ثبات دائم. وفي هذا تكمن إحدى السمات الجوهرية للخراب السياسي والاجتماعي الذي تعرض له المجتمع والدولة. إذ لا يعني "المؤقت" هنا سوى طابعه العابر والزهيد. الأمر الذي كان يسحق بصورة متتالية فكرة التراكم، بوصفها جوهر التقدم والتطور العقلاني والعملي للدولة والمجتمع. إذ لا يعني "الدستور المؤقت" و"القانون المؤقت" سوى الصيغة الأكثر تدميرا للدستور والقانون. وذلك لأنه تصور يوهم بوجودهما، لكنه يمتهن حقيقتهما من خلال تحوليهما إلى "لا شيء". ويتحول "التجريب" الخارج على القانون إلى أسلوب وجود الأشياء. وتؤدي هذه الممارسة بالضرورة إلى الخروج على كل قانون. مما جعل من العنف والإكراه أسلوبا لتصنيع وهم الثبات الدائم. لأنه الشيء المفقود فعلا في بنية الدولة والمجتمع. ولعل تجربة "ثبات" الدكتاتورية الصدامية هو أحد النماذج "الكلاسيكية" بهذا الصدد. فقد تحولت بين ليلة وضحاها إلى "هباء منثور". وتحول كل أشخاصها وأصنامها ومرجعياتها إلى "لا شيء"! وهي نتيجة تبرهن على أن امتهان الحقوق والدستور والشرعية وتحويلهما إلى "لا شيء" يؤدي بالضرورة إلى نخر الأرضية التي تستند إليها السلطة والدولة والوحدة الوطنية. وفي هذا يكمن أحد الدروس التاريخية والسياسية والاجتماعية الكبرى لفكرة الثابت والمؤقت في السلطة والدولة والأمة.

إن انعدام الثبات الحقيقي في الدولة العراقية وتاريخها المعاصر يقوم في عدم استنادها إلى أرضية الحق الدائم والدستور الدائم. فهو الأساس الوحيد القادر على أن يضفي على تغير السلطة وتبدل أشخاصها قوة إضافية بالنسبة لترسيخ تقاليد الحق والشرعية وتراكم قوتها الذاتية في كافة الميادين. وفي حال النظر إلى واقع العراق بعد سقوط الدكتاتورية، فإننا نقف أمام نفس الضعف الفعلي المميز لنفسية وذهنية “الانتقال"، أي المؤقت. طبعا أن لهذه الحالة مقدماتها القائمة في انعدام مؤسسات الدولة في المرحلة الدكتاتورية، إذ لم توجد دولة بالمعنى الدقيق للكلمة. أما "الجمهورية الثالثة" فقد كانت دولة بدون مؤسسات شرعية، أي مجرد جغرافية متهرئة لسلطة خشنة. الأمر الذي يفسر سيادة "العابر" فيها. فقد كان كل ما فيها انتقالي بالمعنى السياسي والاجتماعي والأخلاقي. من هنا انعدام إمكانية التراكم، وبالتالي تأسيس التقاليد الضرورية للدولة العصرية.

وضمن هذا السياق يمكن فهم مقدمات ومحددات ظهور وعمل "مجلس الحكم الانتقالي" والتشكيلات الحكومية المؤقتة اللاحقة حتى الآن. فهي كيانات عابرة وجزئية لا توليف فيها لغير الترقيع الضروري الناتج عن كيفية ظهورها للوجود بوصفها "قوى مساومة" لا غير. وفي هذا فقط تكمن قيمتها السياسية. بمعنى أنها تمثل للمرة الأولى في تاريخ العراق المعاصر صيغة سياسية معقولة للمساومة، رغم أنها جرت في ظروف حرجة وبضغط قوى خارجية، أي لم تكن نتاجا تلقائيا للإدراك السياسي من جانب قواها المكونة. لكنها استطاعت للمرة الأولى في تاريخ العراق الحديث من جمع اغلب القوى السياسية تحت مظلة تقر بجودها المؤقت في السلطة، وان ما تعمل ضمنه هو مجرد كيان عابر وكينونة انتقالية إلى أن يجري نقله إلى الوضع الدستوري الدائم. ذلك يعني إقرارها السياسي بضرورة الحصول على صيغة شرعية لحق "الثبات" في الحكم، وان هذا الثبات مقرون وملازم لثبات الدستور والقانون.

إننا نعثر في هذه الحالة على قيمة تاريخية مهمة بالنسبة لتطور الوعي السياسي والحركات والأحزاب السياسية. إلا أن قيمة هذا الإدراك مازالت ترتبط بمدى استعداد القوى السياسية الحالية على تجسيد ماهية ومدى ووظيفة "الانتقال" المرهونة حاليا بها. لاسيما وان خصوصية هذه المرحلة الانتقالية تقوم في كونها الصيغة السياسية المعبرة عن النقص الجوهري في تاريخ ومسار الدولة العراقية الحديثة وكيفية سقوط "الجمهورية الثالثة". وهو الامتحان التاريخي العسير أمام الحركات والأحزاب السياسية الكبرى الفاعلة في ظروف العراق الحالية. وذلك لأن السؤال الجوهري القائم أمامها يقوم فيما إذا كانت هي قادرة فعلا على نقل العراق من واقع التجزئة إلى رحاب الوحدة، أم أنها تعمل "بمنطق" ونفسية التجزئة، أي هل أن "الانتقالي" بالنسبة لها ينبغي أن يتطابق مع فكرة الانتقال من مستنقع التجزئة والخراب إلى عالم الوحدة والبناء، أم أنها ستعيد إنتاج حالة المؤقت بوصفها حالة الثبات الوحيد؟! وهو امتحان اقرب ما يكون إلى إشكالية الفكرة السياسية والأحزاب السياسية والفكرة الوطنية. وذلك لأن حصيلة المعطيات العامة والخاصة لسلوك الأحزاب السائدة حاليا ونمط تفكيرها يقوم في سيادة نفسية المؤقت (رغم وجود ما يسمى بالدستور الدائم). وهي أتعس أنواع النفس وأكثرها رذيلة. إذ حالما تتغلغل في الوعي السياسي فإنها تصنع وعيا عادة ما يتسم بالنهب والالتهام السريع ومختلف أنواع المغامرة والمؤامرة.

وهي نتيجة يمكن رؤية "مآثرها" الأولى في الصراع من اجل رسم مواد "قانون إدارة الدولة" للمرحلة الانتقالية، واستمرارها اللاحق في المواجهة الخفية والعلنية حول "الدستور الدائم". وهو سلوك كان محكوما بنفسية وذهنية المؤقت، بمعنى الحصول على اكبر قدر ممكن من "الانجازات". وهي انجازات محكومة بدورها بالرؤية الحزبية الضيقة، بمعنى خلوها الفعلي من هواجس أو غاية الفكرة الوطنية العامة. وهو سلوك يشير إلى طبيعة الانعزال والانغلاق الذاتي للقوى والأحزاب السياسية. من هنا تماسك الأحزاب السياسية على ذاتها وانغلاقها بمعايير الوحدة الوطنية. وهو تماسك لا يتصف بالفضيلة، لأنه مبني على رذيلة الخوف، ومن ثم نفسية العبودية الهلعة أمام مواجهة التحديات الكبرى. وعادة ما تميز هذه الصفات الرخويات السياسية، التي برزت بوضوح للمرة الأولى في السلوك العملي للقوى السياسية المكونة آنذاك لمجلس الحكم الانتقالي في كيفية وأسلوب إعدادها وموافقتها على "قانون إدارة الدولة المؤقت". وهو أسلوب يتسم بالعداء للديمقراطية والتخوف منها من جهة، وسيادة ذهنية التجزئة ونفسية الغنيمة من جهة أخرى. فحتى خلافاتها الخفية والمعلنة لم تتصف بالمبدئية. وفي حصيلته الباطنية يمكن القول، بأن أسلوب الاتفاق والاختلاف على "قانون إدارة الدولة" بين القوى السياسية لم يكن محكوما بفكرة الوطنية العامة وفكرة تأسيس الرؤية الشرعية والمصالح العليا للمجتمع، بل "بإنزال" ما تراه مناسبا لنفسها. وهي نفسية مميزة للقوى المؤقتة.

إننا نرى في حصيلة التنازلات والمساومات والاعتراضات حول مواد "قانون إدارة الدولة" الملامح الأولية لسحق براعم الفكرة الشرعية للدولة وقواعد اللعبة الديمقراطية وأولوية المجتمع المدني في النشاط العملي للأحزاب السياسية. مع ما يترتب عليه من انهماك في تجزئة الفكرة الوطنية. كما أنها ممارسات تعكس نمو وازدياد نفسية التنازلات والمساومات الضيقة، بمعنى الانحدار من القومية الضيقة إلى العرقية، ومن الجهوية إلى الطائفية، وتصاعد نفسية المؤامرات والمغامرات في "الاتفاقات" و"الجبهات". مع ما كان يرافقه من شبه انعدام للمحاسبة الذاتية والمكاشفة العلنية أمام المجتمع، وغياب النقد العلني والصريح، وترقيع كل شيء تحت حجاب "الوحدة"، وخلط القيم والمفاهيم والمبادئ دون منهجية واضحة عن حد وحقيقة الوطنية العراقية.

وقد أدى ذلك بدوره إلى محاولات ترسيخ فكرة وأسلوب ومبدأ "المحاصصة"، بمعنى الخروج على فكرة الديمقراطية واستحقاقها السياسي، بوصفه الأسلوب الوحيد للقضاء على نفسية وذهنية المؤقت. وذلك لأن الهاجس الفعال عند القوى السياسية المكونة آنذاك لمجلس الحكم الانتقالي لم يكن محكوما بالرغبة الصادقة في بناء الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي والمجتمع المدني، بل للحصة الممكنة في النظام المقبل. وهي حصص وهمية تكشف عن عدم نضج الوعي السياسي الوطني والدولتي والاجتماعي. وهو ضعف كانت تتقاسمه كل القوى المكونة لمجلس الحكم الانتقالي دون استثناء. مما يعني أنهم جميعا كانوا يشاركون بوعي أو بدون وعي في نفسية المؤقت ومحاولة جعلها مبدأ سياسيا يحكم سلوك الدولة. ووجدت هذه النفسية تعبيرها النموذجي في التحضير والإعداد لكتابة الدستور الدائم وأسلوب ونوعية تأييده ومعارضته.

وبعد مرور ما يقارب العقدين من الزمن ظهرت بوضوح معالم الطريق المغلق لنفسية وذهنية المؤقت. بمعنى انغلاق آفاق النظام السياسي الحالي وموته المحتوم.

إن البديل الوحيد الممكن والمستقبلي هو بديل النظام الشرعي الثابت المحكوم بدستور وطني ثابت ورؤية إستراتيجية تؤسس لدولة مدنية حديثة تنفي وتطرد منه الطائفية السياسية (السنية-الشيعية) والقوى العرقية الضيقة (الكردية) وتستعيض عنها بفكرة الوطنية العراقية والقومية العربية والنظام المدني العقلاني

***

ميثم الجنابي

 

عدنان عويدبعد هذا العرض الذي يشير إلى أسباب التطرف الفكري والمادي، وإلى مظاهره وكيفية توظيف دعاته للنص الديني، نأتي الآن لنبين كيف أن الدين وعبر نصه المقدس يبين لنا بأنه دين تسامح ومحبة قائمة دعوته على اللين والحسنى والمجادلة بالتي هي أحسن.

الآيات والأحاديث التي تدعوا إلى عدم الغلو في الدين:

(وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  (109). (البقرة)

(إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا).  (149) (النساء)

(وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ  (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ).  (35) (فصلت)

(وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ).  (37) (الشورى)

(وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ).  (40) (الشورى)

(وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُور).ِ  (43) (الشورى)

﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ - الأعراف – 157.

﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّـهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾. النساء- 171.

﴿وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّـهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّـهِ ۚ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [سورة الأنعام، الآية 140].

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّـهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾[سورة المائدة، الآية 87].

﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّـهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّـهُ أَذِنَ لَكُمْ ۖ أَمْ عَلَى اللَّـهِ تَفْتَرُونَ﴾[سورة يونس، الآية 59].

قول تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّـهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [سورة البقرة، الآية 185].

يقول تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [سورة الحج، الآية 78].

يقول تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّـهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [سورة النساء، الآية 28].

ب - الأحاديث:

وفي السنة النبوية الشريفة نجد أبوابًا تضمّ عددًا من النصوص في مصادر الحديث تحت عنوان:

1- (الدين يسر). الإمام أحمد في مسند المكيين، حديث رقم 15593.

2- (يسّروا ولا تعسّروا) . صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب الدين يسر، ج1، ص17.

3- ومن تلك النصوص ما ورد عن رسول الله  أنه قال: «أَحَبُّ الدِّينِ إلى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ». نفسه، كتاب الآداب، باب قول النبي : يسروا ولا تعسروا، ج4، ص 115.

4- وعنه أيضاً : «خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ» . سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني، حديث 881.

5- وعنه  أنه قال لأبي موسى ومعاذ حين بعثهما إلى اليمن: (يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا) . فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج1، ص127.

6- وعن عائشة أنها قالت: (مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ). صحيح البخاري. حديث6124

7- وورد أنَّ (أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي المَسْجِدِ، فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ ليَقَعُوا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ A: دَعُوهُ، وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ) . صحيح البخاري. حديث3560.

8- وقال : (لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدَّدَ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ). صحيح البخاري. حديث6128.

9- وعنه : (إِيَّاكُمْ وَالتَّعَمُّقَ فِي الدِّينِ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ مَا دَامَ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا)[10]. صحيح البخاري، حديث 1865.

الإسلام دين المحبة والتسامح

إن مشكلتنا ليست مع الدين كعقدية وشريعة... أي ليست مع الكتاب المقدس في آياته البينات الواضحات في دلالاتها، والقائمة على المقاصد الخيرة للناس، أي على قيمه النبيلة. ولا مع الحديث الذي يتفق في نصه أو متنه مع مقاصد الدين الأساسية الداعية إلى المحبة والتسامح كما ورد معنا في النصوص التي جئنا عليها اعلاه، وإنما مشكلتنا مع المتنطعين من الذين اعتبروا أنفسهم حماة الدين وحصنه المنيع وفقاً لما فهموه هم من هذا الدين، وكذلك مشكلتنا مع من راح يوظف النص المقدس لإصدار أحكام لمصالحه أو مصالح أسياده في السلطة ممن يبحثون عن شرعنة ما يمارسونه من فساد في الأرض، وكذلك مع الذين فقدوا بصيرتهم في القراءة العقلانية التنويرية للنص الديني، وأخذوا يفسرونه ويؤولونه خارج الواقع التاريخي الذي يعشون فيه، أي ممن تمسك بما فسره وأوله السلف في القرون الهجرية الثلاثة الأولى، دون مراعاة  لاختلاف الزمان والمكان، الأمر الذي جعلهم يعملون على لي عنق الواقع كي ينسجم مع النص وليس العكس، وهم بذلك أساؤوا ويسيؤون للنص الديني والواقع مع.

إن من يتابع النص الديني الإسلامي في مقاصده الإنسانية يراه دينا يدعو إلى اليسر وليس إلى العسر كما تريده القوى الأصولية التكفيرية. حيث جاء في نص الآيات التالية وغيرها الكثير مما يشير إلى بساطة الدين وانفتاحه على المحبة والخير الإنساني، وتذكير الرسول أن يدعو الناس للدين بالحسنى كما هو وارد في الآيات التالية:

(فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر ) الغاشية 22.

و(ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ.). (125) النحل.

و﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ [آل عمران: 159].

و﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128].

و﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107]

و(فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ). ﴿١٤٧ الأنعام﴾

هذا وقد أشرنا أيضاً في موقع سابق إلى الكثير من الآيات البينات التي تبين أن هذا الدين ليس دين قتل وتدمير وتكفير للمختلف في الدين أو الرؤية في العقيدة والشريعة.. وهو ليس الدين الذين يقوم بعض دعاته بنسخ الآيات من عندهم كالتي تختلف مع فهمهم للدين أو لا تلتقي مع مصالهم، كما قال بعضهم بأن الآية الخامسة من سورة التوبة الدالة على مقاتلة الكفار في كل زمان ومكان قد نسخت (500) آية من السور المكية الداعية إلى التعامل بالحسنى مع الناس، وهي الآية التي جئنا إليها في موقع سابق: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). (التوبة ٥﴾.

هذه الآية التي أسيئ فهمها، قد ساهم من نسخها وتبناها عن خصوصية تنزيلها، في تحويل الدين الإسلامي على يد القوى السياسية السلفية الجهادية منذ الخوارج حتى اليوم، إلى دين قتل وإرهاب، أو حوله إلى سرير بروكست، فكل من لا يتفق مع فهمهم للدين هو كافر وزنديق وملحد.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور - سورية

 

معراج احمد الندويإن السعادة الفردية والاجتماعية التي هي الهدف الأسمى والغاية القصوى للحياة، لا تتحقق إلا بمراعاة الفرد مبادئ الصحة النفسية، والصحة النفسية هي وجود حالة من التعادل بين سائر القوى والدوافع الجسدية والنفسية والروحية ، وهوما يعبر الحد الوسط بين الأفراط والتفريط في أبعاد الإنسانية المختلفة.

الصحة النفسية علامة من علامات التقدم والتحضر وقبل ذلك مطلب ضروري من مطالب الحياة السعيدة سواء للفرد نفسه أو على مستوى الأسرة أو على مستوى المجتمع، فكلما تمتع المجتمع بصحة نفسية، كلما ترقى هذا المجتمع وترقى أفراده وزادت قدراتهم على العطاء وتقديم الخدمات التي بدورها تساعد على تطور ورقي المجتمع من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

الصحة النفسية هي الحالة التي يشعر الإنسان فيها بالسعادة مع نفسه ومع الآخرين ويكون قادراً على تحقيق ذاته واستغلال قدراته وإمكاناته إلى أقصى حد ممكن ويكون قادراً على مواجهة مطالب الحياة وتكون شخصيته متكاملة سوية ويكون سلوكه عادياً بحيث ويعيش في سلامة وسلام.

إن الصحة النفسية من المنظور القرآني هي تفاعل متزن بين العوامل الاجتماعية والنفسية والتوجيهات الروحية التي تؤدي إلى مزيد من القدرة إلى الوصول للمعرفة والإدراك  الصحيح ما يجري للإنسان وما يجري حوله.

ركز الإسلام كثيرا على النواحي النفسية والاجتماعية والإنسانية فجعل المسؤولية فيها مشتركة  بين الأسرة والمجتمع والدولة. إن المنج  القرآني يحرص على أن يكون الفرد متصالح مع ذاته من جهه ومع الآخرين من جهه أخرى، هذا فضلاً عن بث روح التفاؤل والإنخراط مع الآخرين دوماً في نواحي الحياة المختلفة مما يحقق للفرد حالة من الثقة الداخلية والتوازن والصحة النفسية.

إن غاية الإسلام في شموليتها وتكامكلها وانسانيتها تشكل الإطار العلم النظرية التربوية في الإسلام التي محورها في بناء شخصية الإنسان المتكلملة. فيقوم الإسلام على تربية الإنسان منهجاً تربوياً هادفاً يحقق التوازن بين الجانبين المادي والروحي في شخصية الإنسان مما يؤدى إلي تحقيق الشخصية السوية التي تتمتع بالصحة النفسية.

لقد اهتم الإسلام بتعليم الإنسان مجموعة من الخصال والعادات الضرورية لنضجه الانفعالي والاجتماعي ولنمو شخصيته ، ولإعداده لتحمل مسؤولياته في الحياة ، وللقيام بدوره في تقدم المجتمع وعمارة الأرض بحيوية وفعالية لكي تتحقق فيها الصحة النفسية.

اتخذ الإسلام في تربية للإنسان منهجا تربويا هادفا يحقق التوازن بين الجانبين الروحي والمادي في شخصية الإنسان مما يؤدي إلى تكوين الشخصية السوية التي تتمع بالصحة النفسية. يحقق المنهج القرآني أركان الصحة النفسية في بناء شخصية المسلم بتنمية الأوصاف الأساسية الآتية.

- الإيمان: يؤكد الإسلام على ركيزة أساسية آلا وهي الإيمان بالله والإقرار بوحدانيته. لقد قرر الإسلام أن يستمد الفرد من القرآن الكريم والسنه النبوية الشريفة كل ما يحقق له التوازن النفسي الداخلي وهذا ما يعرف بالصحة النفسية. إن الإيمان بالله تعالى يملأ النفس بالانشراح والرضا والسعادة.

- التقــــوى: ويتضمن مفهوم التقوى أن يتوخى الإنسان دائماً في أعماله الحق والعدل والأمانة والصدق، وان يعامل الناس بالحسنى ، ويتجنب العدوان والظلم. ثم يتضمن مفهوم التقوى أن يؤدى الإنسان كل ما يوكل إليه من أعمال على أحسن وجه ، لأنه دائم التوجه إلى الله تعالى في كل ما يقوم به من أعمال ابتغاء مرضاته وثوابه. وهذا يدفع الإنسان دائماً إلى تحسين ذاته. فالتقوى من العوامل الرئيسية في نضوج الشخصية وتكاملها واتزانها، وفي بلوغ الكمال الإنساني وتحقيق السعادة والصحة النفسية .

- العبــــــادة: إن القيام بالعبادات المختلفة من صلاة وصوم وزكاة وحج وإنما يعمل على تربية شخصية الإنسان وتزكية نفسه  وتعليمه كثيراً من الخصال الحميدة المفيدة التي تعنيه على تحمل أعباء الحياة التي تساعد على تكوين الشخصية السوية التي تتمتع بالصحة النفسية. إن التقرب إلى الله تعالى بالعبادات يبعث في الإنسان الشعور بالسعادة والأمن النفسي ويمده بقوة روحية عظيمة.

- الصبر: يقرر القرآن الكريم ضرورة أن يصبر الفرد على الإبتلاءات التي تواجهه على مدار مراحل حياته المختلفة وأن يوقن دوماً أن بعد العسر يسَر. إن الشخص الذي يقابل المصائب والمواقف العصيبة بصبر وثبات، إنما هو شخص سوي الشخصية يتمتع بقدر كبير من الصحة النفسية.

الإسلام منهج شامل  للحياة ييسر للناس السعادة والسواء والصحة النفسية ويرشد إلى الطريق الأمثل لحقيق الذات ونموالشخصية وترقيها في مدارج الكمال الإنساني. يحرص الإسلام على تحقيق التوازن النفسي للشخصية المسلمة من خلال الدعوة إلى الإلتزام بتعاليم الإسلام مشيرا إلى أن الإلتزام بها يحصن الإنسان ضد الإصابة بالأمراض النفسية مثل القلق والإحباط والاكتئاب والتوتر. هكذا يقوم الإسلام على تربية الإنسان منهجاً تربوياً هادفاً يحقق التوازن بين الجانبين المادي والروحي في شخصية الإنسان مما يؤدى إلي تحقيق الشخصية السوية التي تتمتع بالصحة النفسية. 

 

ا. د. معراج أحمد معراج الندوي

جامعة عالية ،كولكاتا - الهند

 

 

مشكلة الإنسان المركزية في حياته أنه ينظر إلى التاريخ باعتباره تسلسلًا زمنيًّا عابرًا بحُكم الأمر الواقع، وهذا يعني أن التاريخ مُجرَّد وعاء للأفعال الماضية التي انقضت وانتهت. وهذه نظرة قاصرة شديدة الخطورة. إن التاريخَ ترجمةُ الزمن إلى معنى، وتحويل الوقت إلى فكر، وإحالة الموضوع إلى محتوى. والفِعلُ الماضي وُجِدَ ليبقى في نواة المجتمع الأساسية، ويتكرَّس كحياة اجتماعية متكاملة وقائمة بذاتها، ومليئة بالدروس والعِبَر، مِن أجل الاستفادة منها، وصناعة الحاضر، والانطلاق إلى المستقبل. والماضي هو المستقبل المُؤجَّل، والقوة الدافعة للانبعاث في قلب المدنية والحضارة. والماضي بابٌ مفتوح على الحاضر والمستقبل، لا يُمكن إغلاقه، ولا كسره. والإنسانُ لا يَستطيع الخروجَ مِن جِلْده حتى لو أراد. وكما أن الباب المفتوح لا يُفتَح، كذلك الماضي لا يَمضي.

2

تتمحور رمزيةُ التاريخ حول قيمة المعنى الإنساني وبُنيةِ التحليل الفكري. وفي كل نسق معرفي تُشكِّل القيمةُ والبنيةُ منظورًا اجتماعيًّا متماسكًا ذا تماس مباشر مع حياة الفرد والجماعة، وأحلامِ العقل الجمعي، وطموحاتِ المجتمع الكُلِّي. وإذا انتقلَ التاريخُ من حصار عقارب الساعة إلى دَيمومة الفِعل الاجتماعي، فإن مجتمعًا فكريًّا سينشأ في قلب الأنساق الاجتماعية، ويُطهِّر المعنى الإنساني من العوامل السلبية والعناصر الفوضوية. وبالتالي، ستظهر مفاهيم جديدة تتعامل مع التاريخ كجزء أساسي مِن الحاضر، وقاعدة انطلاق نحو المستقبل.

3

لا يمكن للإنسان أن يعرف ماهية التاريخ، ويصل إلى جوهره العميق، إلا إذا امتلكَ الشغفَ للتنقيب في مناجم التاريخ اللغوية والفكرية. وعمليةُ التنقيب تستلزم القيام بحفريات معرفية في أعماق التاريخ، لاستخراج المظاهر الأسلوبية في تحليل أنماط الحياة القائمة على الوعي والوعي المضاد. والإنسانُ هو الإنسانُ في كل زمان ومكان، مهما كان دِينه وعِرْقه ولَوْنه. ومِن خلال تحليل الأضداد وتفكيك التناقضات، يمكن الوصول إلى طبيعة الأنظمة الفكرية الحاكمة على الأفكار الاجتماعية، والخصائصِ النفسية للفرد والجماعة. ومفهومُ الأنظمة الحاكمة أكبر مِن عَالَم السياسة، وغير محصور في العلاقات الدولية. إن الأنظمة الحاكمة موجودة في كل تفاصيل المجتمع مِن القمة حتى القاع. والكشف عن هذه الأنظمة وروابطها ضروري جدًّا لتحليل مضامين الواقع المنعكسة عن محتويات الذهن.

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

منى زيتونيُعرف حسن زيتون في كتابه "تنمية مهارت التفكير" التفكير الناقد على أنه: عملية تفكير مركبة عقلانية أو منطقية، يتم فيها إخضاع فكرة أو أكثر للتحقيق والتقصي، وجمع وإقامة الأدلة والشواهد بموضوعية وتجرد عن مدى صحتها، ومن ثم إصدار حكم بقبولها من عدمه اعتمادًا على معايير أو قيم معينة.

من ثم فإن من أهم خصائص المفكر الناقد كما أوردها الباحثون ما يلي:

- الإلمام بالفكرة/ الأفكار المراد نقدها.

- الانفتاح على الأفكار الجديدة.

- لا يجادل في أمر عندما لا يعرف شيئًا عنه.

- يعرف متى يحتاج إلى معلومات أكثر حول شيء ما.

- يعرف الفرق بين نتيجة "ربما تكون صحيحة" ونتيجة "لا بد أن تكون صحيحة".

- يعرف بأن لدى الناس انطباعات مختلفة حول فكرة ما.

- يستطيع تجنب الأخطاء الشائعة في استدلاله على الأمور.

- يتساءل عن أي شيء يبدو غير معقول أو غير مفهوم له.

- يستطيع فصل التفكير العاطفي عن التفكير المنطقي.

- يتخذ موقفًا أو يتخلى عن موقف عند توافر أدلة وأسباب كافية لذلك.

- يأخذ جميع جوانب الموقف بالقدر نفسه من الأهمية.

- يبحث عن الأسباب والعلل والبدائل.

- يتعامل مع مكونات الموقف المعقد بطريقة منظمة.

- يستخدم مصادر علمية موثوق بها ويشير إليها.

- يبقى على صلة بالنقطة الأساسية أو جوهر الموضوع.

وقد حدد بيير Beyer أحد علماء التفكير عشر مهارات فرعية للتفكير الناقد هي:

- التمييز بين الحقائق التي يمكن إثباتها أو التحقق من صحتها وبين الإدعاءات أو المزاعم الذاتية أو القيمية (التمييز بين الحقائق والآراء).

- التمييز بين المعلومات والادعاءات والأسباب ذات العلاقة بالموضوع وتلك التي تُقحم على الموضوع ولا ترتبط به.

- تحديد مصداقية مصدر المعلومات.

- تحديد الدقة الحقيقية للخبر أو الرواية.

- التعرف على الادعاءات أو البراهين والحجج الغامضة.

- التعرف على الافتراضات غير الظاهرة أو المتضمنة في النص.

- تحري عدم التحيز أو التحامل.

- التعرف على المغالطات المنطقية.

- التعرف على أوجه التناقض أو عدم الاتساق في مسار عملية الاستدلال من المقدمات أو الوقائع.

- تحديد درجة قوة البرهان أو الادعاء.

وترى الكاتبة أن من أهم ما يستلزمه التفكير الناقد هو التمهل في إعطاء الأحكام وتعليقها لحين التحقق من الأمر تحقيقًا للأمر القرآني: ﴿فتبينوا‏﴾، ولما ساقه القصص القرآني من فعل سليمان الحكيم عليه السلام لمّا حكى له الهدهد أمر مملكة سبأ فتمهل، وقال: ﴿قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ‏﴾  [النمل: 27].

ومن البديهي أن يرتبط انخفاض درجة هذا التفكير بالتطرف؛ لأن التطرف يستلزم إعطاء حكم عام على جماعة أو حزب أو مذهب أو فكرة أنها أفضل على الإطلاق، رغم أن أي عاقل منصف –والمتطرف ليس كذلك- قد يرى جوانب سلبية حتى في أفضل الأفكار والآراء الإنسانية؛ ومن هنا تأتي خطورة التطرف الديني تحديدًا؛ ذلك أنه عندما يرتبط التطرف بالدين يصبغ المتطرف فكر جماعته بصبغة إلهية غير قابلة للنقاش، ولا يستطيع أن يفصل فكرهم الإنساني الذي يتحتم وجود أخطاء فيه عن التشريع الإلهي المُنزل؛ لاعتقاده ابتداءً بأن جماعته تحتكر الدين بصورته النقية بينما باقي الجماعات –التي لا يعرف عنها شيئًا- قد شوّهته. والشيء نفسه يمكن أن يُقال عندما يرتبط التطرف بالسياسة، فيصبح كلام الرئيس الملهم غير قابل للنقاش.

ويمكنني القول أيضًا من خلال خبراتي البحثية وتدريسي لمقرر تنمية مهارات التفكير نظريًا وعمليًا، إن التفكير الناقد هو ما يميز الحكماء وراجحيّ العقل، وكان يميز فقهاءنا وعلماءنا في عصورنا الذهبية، كما أنه من المؤكد أن نسبة كبيرة من أفراد مجتمعنا –بل ومن البشر عمومًا- ينقصهم المستوى المتطلب من التفكير الناقد، والذي يجعلنا نضع ‏معايير صحيحة لتقييم ما يُشاع أنه أفضل أو صحيح، فالبشر يستخدمون غالبًا معايير فاسدة متحيزة للحكم بقبول أو رفض الأفكار، ويتأثرون بالبهارج المصاحبة لكثير من الأفكار عديمة القيمة، ويصدقونها دون تمهل، من ثم يسهل شحنهم وتحويلهم إلى متطرفين فكريًا خاصة على المستوى الديني أو السياسي. ولو كانت درجة هذا التفكير مرتفعة لدى نسبة معقولة من البشر لأمكنهم التحكم –ولو قليلًا- في البقية ممن يشاركونهم المعيشة على هذا الكوكب، ولما صدق حدس الملائكة وكانت الأرض عبر التاريخ مسرحًا للفساد وسفك الدماء.

ومن ثم، وبوجه عام يتسم المتطرف فكريًا بتقبله لأوامر السلطة دون إعمال العقل، ولا يستند إلى أسباب موضوعية للحكم. يفتقد المنطق السليم؛ فهو لا يفكر في الأمور بعقلانية واضعًا الهدف نصب عينيه. يفتقد الأمانة العلمية وينتصر لرأي جماعته ولو زورًا حتى لو اضطر للخروج عن جوهر موضوع النقاش؛ لنجد سنيًا متطرفًا يسب شيعيًا بأنه مجوسي وابن المتعة، فيرد الشيعي المتطرف بدوره بسب أبي بكر وعمر وذكر جهاد النكاح، فكلاهما مهتم بأن يكون على حق وليس مهتمًا بالبحث عن الحقيقة. وكذا يحدث في النقاشات السياسية، فيفتقد هؤلاء كل ما له صلة بالتفكير الناقد.

 

د. منى زيتون

 

محمد حسين الرفاعيمن أجل حقن دماء الأبرياء

إلى رجال السلطة، والدِّين،

والمحللين السياسين بعامَّةٍ، والعرب بخاصَّةٍ:

قَبلَ كل شيء: ثَمَّةَ عادات ذهنية مجتمعيَّة، أصبحت، ما بعد اِنتفاضة 1 أكتوبر، قديمةً، هي، على أقل تقدير، ثلاث:

العادة الذهنية الأولى تمثَّلت بوضع النقد في سلة العداوة. فقَبلَ أن يرتفع الصوت في نقد رجال السلطة الشيعة، تُصبِح صهيونيَّاً- أمريكيَّاً- سعوديَّاً، عدواً في كُلِّيَّة وجودك. قَبلَ أن يرتفع الصوت في نقد رجال السلطة السنة، تُصبح صفويَّاً- إيرانيَّاً. قَبلَ أن يرتفع الصوت في نقد رجال السلطة الكرد تُصبِح عنصريَّاً- قوميَّاً- بعثيَّاً، وهَلُمَّ جرَّاً.

العادة الذهنية الثَّانية تمثَّلت بوضع نقد رجال الدِّين في سلة الكفر. واعتبار رجال الدِّين كائنات مقدسة.

العادة الذهنية الثَّالثة تمثَّلت في الاِستخفاف بالمجتمع بعامَّةٍ، وبالذوات الفاعلة بخاصَّةٍ. يتجسد ذلك في عبارات من نوع: "مجتمع نائم"، "مجتمع ميِّت"، "مجتمع مهما حصل له لا يحرك ساكناً"، "شباب مخدَّر"، "مجتمع خروف"، "مجتمع قطيع"، "مجتمع نزق يلحق زعيمه"... إلخ من هذي العبارات العدمية البائسة.

ومع علمنا بهذي العادات الذهنية الشائعة جداً، والطاغية على الوعي المجتمعيِّ، جداً، ومع وعينا بحضورها، دائماً قَبْلِيَّاً، في ذهن قارئ هذي السطور، نتساءل فنفكِّر فنفهم على النحو الآتي:

I - بأية معانٍ يمكننا أن نفهم اِنفجار المجتمع، والجيل الجديد، من الداخل؟ وكيف نفهم حركة مجتمعيَّة شاملة تقودها جملة مطالب تُحدَّدُ بالاِنطلاق من الجوع، والفقر، والبطالة، واِحتكار السلطة من قِبَلِ رجال الفساد ما بعد 2003؟ وضمن أيَّة مفاهيم يمكننا أن نلج إلى اِنتفاضة يقودها شباب مُهَمَّشٌ مخصيٌّ مقصيٌّ من قِبَلِ رجال السلطة والدين؟ ولماذا لا يمكن للمفاهيم القديمة أن توظف في فهم وتفسير وتحليل وتأويل الاِنتفاضة الأخيرة؟

نشير، أولاً، مباشرةً، إلى ملاحظة حاسمة: اِنتفاضة العراق مسألةٌ مجتمعيَّةٌ كُليَّةٌ، وليست سياسيَّةً فحسب. وإذا ما اِكتُفي بمعالجتها سياسيَّاً، فسوف تعود، لا محالة، بقوة، مرة أخرى. وهي، بكل صراحة وأمانة، ليست تُفهم اِنطلاقاً من الحَكيلوجيا، وشيخ الحكواتيين- الحكواتي القديم فيها، ومن نظريَّات، وكتب المرحوم"علي الوردي".

II- اِنتفاضة العراق تتعلَّق بمسألة السلطة، والحوامل المجتمعيَّة التي من شأنها. إنَّها نتجت عن تفكُّكٍ بنيويٍّ في الحوامل المجتمعيَّة التي من شأن السلطة، ومصادر المشروعيَّة التي من شأنها، منذ ستة عشر عاماً.

III- اِحتكار السلطة بِيد القلة القليلة (الأوليغارشية) من رجال الطوائف، جعلت من المجتمع في غربة عن السلطة، وجعلت السلطة في غربة عن المجتمع.

IV - تعيش السلطة، ويعيش رجالها، ويعيش الدِّين، ويعيش رجاله، اِغتراباً كُلِّيَّاً عن الشارع، وكلمة الشارع. وذلك يجد تجليه الأساسي في الهوة العميقة، الناتجة عن شيخوخة رجال السلطة، بين رجال الأمس الأزلي، وجيل التسعينات، والمئوية الجديدة.

V - تبيَّن ذلك في خطاب الرئيسَيْن، وخطاب المرجعية. والحلول الترقيعية الظرفية. ولكن لماذا؟

VI - إنَّنا أمام جيل من الشباب هم من مواليد نهاية التسعينات، وبداية الألفية الجديدة. هذا الجيل، من أجل أن نفهمه، يتطلَّب تساؤلاً جديداً، وتفكيراً جديداً، وفهماً جديداً، لعالَمِهِ في كُليَّتِهِ.

VII- يتوهم من يتصوَّر أن هذا الجيل يمكن أن يستندَ إلى ثُنائيَّات تقليدية بائسة في محاولاته لفهم عالمه. ثُنائيَّات من نوع: [شيعة- وسنة]، [إيران- وأمريكا]، [سلطة- ومعارضة]، [عرب- وعجم]، [شرق- وغرب]، [نحن- وهم]، [ديننا- ودينهم]، [موالاة- ومعاداة]. كما يتوهَّمُ من يتصوَّر أنَّه بإمكانه فهم هذا الجيل اِنطلاقاً من الثُنائيَّات هذه.

VIII- لهذا الجيل لغة العالَميَّة، وفهم العالَميَّة، وتفكير العالَميَّة، ووجود العالَميَّة في كُليَّتِهِ. معنى ذلك، أن العالَميَّة هي التي، وهي الوحيدة التي، تستطيع أن تقول كلمته، ويقول كلمتها. كيف؟ ولماذا؟

IX- لقد انتقلت العالَميَّة إلى هذا الجيل، وانتقلت جملة مفاهيمها عَبرَ الثورة السيبرانية بعامَّةٍ، ووسائل التواصل الاجتماعي- الافتراضي (الواقع المُضاف)، بخاصَّةٍ، ولم يعد للعالَم كما كان من قَبْل، معنى عنده.

X- هذا الجيل واعٍ جداً، ومجنون جداً، فشجاع جداً. فهو واعٍ جداً باعتباره قد كوَّنَ وعيه وفقاً لأحدث المفاهيم، والنظريات، والمناهج في فهم المجتمع، والإنسان، وكل الموضوعات التي تنضوي تحت هذين العنوانين. وهو مجنون جداً باِعتباره لا يملك أيَّ شيء. ففي أفخم أمنياته تكمن الهجرة إلى الغرب. ومثلما أن "رأس المال جبان"، فغياب رأس المال يجعل من المرء لا شجاعاً بل مجنوناً في شجاعته.

XI- تقول فرضيَّةٌ أنَّ السفارة الأمريكية وراء هذي الاِنتفاضة. في الحقيقة، لا تحتاج السفارة الأمريكية لأنْ تدعم هذي الاِنتفاضة، فهي تحضر في تفاصيل وجود هذا الجيل. في تفاصيل حياته المملة. من فنجان القهوة، إلى الـ Facebook، إلى فهمه لكل المفاهيم المجتمعيَّة بعامَّةٍ، والسياسية، بخاصَّةٍ.

XII- تقول فرضيَّةٌ أنَّ الاِنتفاضة هذي كلها عبارة عن مؤامرة تريد تغيير النظام السياسي بعد 2003. في الحقيقة، النظام السياسي الذي لا يعرف، ولا يفهم، ولا يعي، ولا يقدِّر، ولا يتدبَّر، التعاملَ مع المؤامرات، إلاَّ بالقتل العمد (وليس العنف المفرط)، هو في أحسن أحوال فوضى سياسية، وليس نظاماً سياسياً.

XIII- لقد تفجَّرت الطاقات، والأفعال، وكل إمكانات الفعل، عند جيل الشباب المُهمش- المَخصي من قِبَلِ رجال السلطة، بعد أن كانت السلطة في مسعى دائم، في، وعَبْرَ، جملة الإجراءات، والقوانين، والقواعد، والأعراف السياسيَّة، الموضوعة، أو التي يُراد لها أن تُوضع، لإخضاعها.

XIV- غبيٌّ من يَستَغبي الجيل الجديد بجملة أكاذيب الأمس الأزلي. لأنَّه، (أي هذا الجيل)، يتوفَّر على مصادر معرفة تستطيع تفكيك أفخم كذبة تتطلَّب أياماً لبنائها، بدقائق قليلة.

XV- فقد الدِّينُ رمزيَّتَهُ، كما فقد التدُّين معناه، في المجتمع. وذلك بعد أن أتى الدِّين إلى مستوى الواقع وصار أرضيَّة مشروعيَّة الفساد بعامَّةٍ، وسرقة ونهب مؤسسات الدولة، بخاصَّةٍ. وهكذا، لا ثَمَّةَ احترام مجتمعيٍّ، من بعد، لرجل الدِّين، ولا ثَمَّةَ وظيفة مجتمعيَّة من بعد لرجل الدِّين. لماذا؟ لأننا أمام جيل ذاتيٍّ- فردانيٍّ بامتياز، لم يعد يتفاعل مع لغة رجال الدِّين القديمة.

XVI- سبقت الاِنتفاضة هذه جملةُ أحداث، والوعي بها من قِبَلِ الشباب، لم تُقدَّرْ عواقبها.

XVII- يشير الحدث الأوَّل إلى اِنتقال السيد عادل عبد المهدي من كونه عالِماً، واِقتصاديَّاً، وزاهداً بالمناصب، وصاحبَ مشروع دولة حديثة- من خلال كتبه، من جهة، ومقالاته في صحيفة "العدالة"، من جهةٍ أخرى- إلى كونه رجلَ سلطة، أتى بنفس فريق الأمس، ولم يستطع فرض شخصية واحدة معروفة بنزاهتها على أي حزب. فعالِم الأمس أصبح رجلاً يحتار بإرضاء شِلَّةِ الفساد نفسِها التي تجذر وجودها منذ عامّ 2003، بتلاعب وقح من قِبَلِها، وأكاذيب صريحة، ووعود مراوغة، على المرجعية الدينية في النجف الأشرف.

XVIII- تمثَّل الحَدَث الثَّاني في الاِعتماد من قِبَلِ السيد رئيس مجلس الوزراء على نفس رجال الأمس المعروفين بأحزابهم الفاسدة، تحت ذريعة الضغط الممارس عليه من قِبَلِ الأحزاب، من جهة، وأنَّهُ لا ثَمَّةَ كتلة بارلمانية كبيرة مساندة له، من جهة أخرى. فبدلاً من تقديم أسماء وزراء معروفين بوطنيَّتهم ونزاهتهم للبرلمان، أو الاِستقالة في حال عدم تصويت البرلمان عليهم، ذهب السيد الرئيس بوعود فارغة من جهة أحزاب الأمس، إلى تعميق الهوة بينه، ومشروع الدولة الحديثة.

XIX- تمثَّلَ الحدث الثَّالث في التصويت على قانون سانت ليغو 1.9. وهو، كما لا يعلم الغالبية الساحقة من النواب، والذين صوتوا بعمىً أخلاقي- وسياسي عليه، يعني أنَّه كلما كانت النسبة الأولى (1 أو 1.5 أو 1.7 أو 1.9) أعلى كلما كانت نسبة تمثيل القوائم الصغيرة أقل. وهذا معناه إعادة إنتاج السلطة لذاتها، وغلق كل إمكان من إمكانات المشاركة السياسية- بالتمثيل السياسي بخاصَّةٍ للجماعات الصغيرة.

XX- تمثَّلَ الحدث الرَّابع في اِستقالة وزير الصحة المثيرة للتساؤل والجدل. وجملة الحقائق التي تم السكوت عنها. من بينها صفقة الفساد- الرشوة الكبيرة التي تم الكشف عنها، وبسببها وَضَع الوزير اِستقالته على طاولة الرئيس، ولم يتخذ هذا الأخير أي إجراء مكتفياً بإعطائه إجازة مفتوحة.

XXI- تمثَّلَ الحدث الخامس في قمع غريب عجيب لاِحتجاجات أصحاب الشهادات العليا.

XXII- تمثّل الحدث السادس في نقل رمز وطني- عراقي، شئنا أم أبينا، هو السيد فريق الركن عبد الوهاب الساعدي، إلى الإمرة؛ الذي يمثِّل لعدد ليس قليلاً من العراقيِّين رمزاً للاِنتصار على داعش، والشجاعة والتضحية.

سوف نأتي معكم إلى مستوى المؤامرة، ونقول: نعم توجد مؤامرة، بل مؤامرات. لكن، ماذا فعلتم في مواجهة هذي المؤامرة، قبلَ حدوثها؟ وألستم- إذا كانت ثَمَّةَ مؤامرة تحاك- كلُّكُم نتاجٌ مؤامرة مضادة، والحال هذي؟ فكيف يمكن لعقل سليم أن يقول شيئاً هو يتهم نفسه به؟

XXIII- ولكن كيف يُفهم القتل العمد (وليس العنف المفرط) في التعامل مع الاِحتجاجات؟

XXIV- في الحقيقة، اِنتقل التهديد بممارسة العنف، أو ممارسته، بوصفه فعلاً مشروعاً للدولة، ولمؤسساتها، لأوَّلِ مرة، منذ عامّ 2003، إلى الوحشية، وممارستها، والإعلان عن ممارستها.

XXV- ومن جهة أن العنف يهدد شروط إمكان التعايش، والسلم الأهلي- المجتمعيِّ في العمق، فإنَّ الوحشية تقضي، قضاءً تامَّاً، على كل شروط الإمكان هذه، ومسارات تحديدها المستقبلية المختلفة. فالوحشية، بعدَ الفساد، هي الوسيلة الأقوى في تفكُّكَ بِنيَة المجتمع.

XXVI- وهكذا، نكون مباشرةً أمام اِستحالةِ السلطة، وممارستها، كما كانت قَبلَ الاِحتجاجات، قَبلَ 1 أكتوبر. لماذا؟

XXVII- إنَّ الوحشيةَ بلغت درجةً هي الأقصى اِنطلاقاً من إرادةٍ سياسية- دولية لا يمكن أن تُفهم، كفايةً، ضمن الأزمة المجتمعيَّة هذي، بمعزل عن جملة الأدوات الأكثر بُعداً عن بِنيَة السياسة: السلطة، ومشروعية السلطة، ومصادر المشروعية، ما بعد 2003.

XXVIII- إنَّ إرادة تدمير المجتمع، واِحتقاره، وإقصائه، وإذلاله، اِنطلاقاً من تدمير وإقصاء واِحتقار وإذلال الجيل الطالع- الجديد إنَّما هي تستمد ماهيَّتَها من اِغتراب السلطة عن المجتمع. إنَّ سلطةً تمارَسُ على المجتمع، هي ليست منه، هي، على هذا النحو أو ذاك، ليست أكثر من مشروعِ تدمير المجتمع، وإخصائه. وفي هذا السِّياق، فإنَّ المواجهةَ بالردِّ بواسطة اِستخدام نتائج صناديق الاِقتراع تُصبح هلوسةً.

XXIX- ولكن، ما ضرورة هذه الوحشية وأولويَّتِها على كل ضرب من ضروب اِحتواء، أو حتَّى الحدّ من الاِحتجاجات؟

XXX- لا يمكن ممارسة الوحشية على الإنسان، إلاَّ بعد إلغاء الإنسانيَّة فيه اِنطلاقاً من تحديد هَوَويٍّ- وجوديٍّ ما؛ أي بعد أن يتمُّ حصرُ الإنسانيَّةِ ضمن ديانةٍ، أو طائفةٍ، أو ملَّةٍ، أو أمَّةٍ بعينها، دون غيرها. إنَّ مقولة المؤامرة، والاِنقلاب، والتآمر، إنَّما هي تريد أن تُلغيَ الإنسانيَّة في مَنْ تواجهه. وهكذا، يُصبح تحوليه إلى لحم مفروم، وعظام متناثرة على أسفلت الشارع أمراً مشروعاً، بل اِنتصاراً هائلاً على الأعداء.

XXXI- إنَّ النقيض الأصليّ للمجتمع ليس يتمثَّل في الفرد، بل في الفردانية التي تُحدَّد اِنطلاقاً من إرادة الوحشية التي تهدد الفرد بممارستها عليه، وعلى وجوده المجتمعيّ، حالما يفكِّر في تخطي جملة معايير المؤسسة المجتمعيَّة. فإنَّ الفردانية بوصفها حقل الوجود الذي يُقذف الفرد داخله إنَّما هي، خلافاً لما يُصوَّرُ، ليست من صناعة الفرد ذاته. وهكذا، نكون أمام أفراد منعزلين ضحايا جاهزين لتسويق أيَّة فكرة آيديولوجية منغلقة تجاه العالَميَّة، أو شعار آيديولوجيّ، يتطلَّب الدفاعُ عنه / عنها القتلَ.

XXXII- إنَّ التطابق بين الفكرة، أو الشعار، وقابلية الفكرة على تجاوز الحدود، وكل ضرب من ضروب التحديد، واِستدعاء قوى القمع- العنف، هو أرضيَّة مشروعيَّة ممارسة الوحشية، بعد أن تسلب هذي الأخيرة، من الكائن الإنساني إنسانيَّتَهُ بوصفها فائضاً عن اللزوم. وتحكم عليه بأن يُسحق وجوده- ويُحطَّم جسده. هذا التطابق يذهب إلى ترسيخ مباني الديكتاتورية التي تُحدَّدُ اِنطلاقاً من إرادة تخترق كل ضرب من ضروب التحديد، وكل الحدود المرسومة سلفاً باِعتبارها قد أصبحت ضرورة للحفاظ على الوطن، في ضرب من فهم الوطنية هو يحدِّدَها من خارجها، ويحكم على من يقع خارج هذي الحدود الجديدة بوصفه خائناً- متآمراً- مدسوساً.

XXXIII- وفي المقابل، إنَّ رأس المال الأصليَّ الذي يمتلكه، بل يحمله هذا الجيل في ذات نفسه العميقة، إنَّما هو يتمثَّل بعدم اِمتلاكه لأيِّ رأس مال. وعلى هذا النحو، نكون مباشرةً أمام الاِختلاف، والتباين البنيوي العميق بين جيل يأتي من المستقبل، وجيل اِنتهى في الحاضر، وأُغْلِقَت أبواب المستقبل أمامه.

XXXIV- إنَّها مسألة ثقافية باِمتياز. على صعيد بِنيَة الثقافة نواجه نظرة  جديدة لحقل الدِّين كمصدر أساسي لمشروعية السلطة، وممارستها، مفادُّها الآتي: اِنسحاب الدِّين إلى الجوامع، والمساجد، والحسينيات، بعد أن تحوَّلَ إلى مصدر شَرعَنَةِ الفساد. وإحلال نمط جديد من المعرفة الدينية محلَّ المعرفة الدينية التي تُشَرْعِنُ السلطة، ورجالها.

XXXV- ما هي مصادر المعرفة الدينية الجديدة؟ إنَّها ثلاثة على أقل تقدير:

I - فهم العالَميَّة للدين،

II - والدِّين لا يصلح لضبط عمل السياسي،

III - والدِّين ينتمي إلى علاقة خاصَّة بين الذَّات- وفهمها لخالقها. وعلى ذلك، لا يمكن للدين، من بعد، ولا ينجح رجل الدِّين، من بعد، في حشد، وتجميع مجموعات بشرية- لحوم بشرية يمكن وضعها ضمن مفهوم "العَبد"، إلاَّ بعد تهديدها، وتخويفها، وترهيبها، بواسطة سلب حقوقها منها تحت عناوين شتَّى.

XXXV- وهكذا، تنتمي الاِنتفاضة هذه إلى نموذج جديد كُلِّيَّاً من الوعي المجتمعيّ، يقوم، على أقل تقدير، على أربعة مفاهيم، ووعي جديد بها:

I - مفهوم الحُرِّيَّة: والدفاع عن الذَّات في أبسط شروط وجودها بوصفه حريَّةً،

II - ومفهوم الهَويَّة: ينتمي هذا الجيل إلى هَويَّة تختلف جذريَّاً عن كل الهويات المُصاغة قبليَّاً بواسطة المقولات الدينية، والآيديولوجية، والسياسية، والقومية، والليبرالية، والماركسية، والإسلامية، وأية تحديدات ناتجة عن منظومات تحديد تسبقه في الزمان. ومن جهة أنَّه يريد أن يكون، لا أن يوجد فحسبُ بوصفه كائناً بايولوجيَّاً- تراثيَّاً، بل أكثر من ذلك، يريد أن يكون كائناً إنسانيَّاً- حديثاً- متحدِّثاً، أوَّلاً وفوقَ كُلِّ شيءٍ، فإنَّهُ يفهم مُكَوِّنات الهويات القديمة وفقاً لطرق فهم جديدة تقطع مع فهم الآباء، والأجداد، لها، بعامَّةٍ. فعلى سبيل المثال: يفهم هذا الجيل التُّراث من جهة الفردانية، ولا يفهمه من جهة المجتمعيَّة؛ كما هو يفهم الرموز الدينية اِنطلاقاً من فهم بسيط لا يرى فيها غير الحق، والعدل، والأخلاق، والإنسانية، والكمال الإنساني. ولا يرى فيها إمكان شَرْعَنَةِ الفساد، والنهب، والسرقة، في مؤسسات الدولة.

III - ومفهوم الذَّات- والتَّذَوُّت: يستند في فهمه لذاته إلى مصادر معرفية بعينها، هي على أقل تقدير ثلاثة:

I - العالَميَّة، والثورة السيبرانية، وبخاصة الثورة في التواصل. ما جعلت منه فاهماً- واعياً في العمق لجملة الحقوق، والواجبات التي من شأنه.

II - والصراع الأصليّ داخله بين: جهاز سلطة يريد أن يجعل منه كائناً بايولوجيَّاً- كتلة لحم- خروفاً يأكل ويشرب وينام، وبين كونه ذاتاً فاعلةً تستطيع الخلق والصنع والإنتاج والإبداع، في شتى الحقول الوجودية- الواقعيَّة.

III - والفهم الجديد للعالَم، وللوجود في العالَم، اِنطلاقاً من وحدة العالم من جهة ما هو قائم على المشترك الإنساني- والمجتمعي.

IV - واِنهيار مفهوم الدولة: للدولة، بوصفها مؤسسة المؤسسات المجتمعيَّة، ثلاث وظائف مجتمعيَّة أصليَّة:

I - بناء البيروقراطية، والحفاظ عليها: تتمثَّل أكثر الوظائف جذريَّةً للبيروقراطية في التنمية المجتمعيَّة والاِقتصادية بعامَّةٍ. لقد سقطت مشروعيَّة البيروقراطية مع الوساطة، والتوسط، من قِبَلِ رجال نافذين يخترقون ببساطة كل إجراءاتها وقوانينها الداخلية، لفعل ما يريدون فوق كل البيروقراطية ورجالها.

II - وتحديد- وتقنين- والرقابة على الأفعال المجتمعيَّة، بعامَّةٍ، وعلى السلوك والأخلاق والعواطف وردود الأفعال والمشاعر الإنسانيَّة، بخاصَّةٍ.

-III والدفاع عن الوطن ضد أيِّ تهديد خارجي: سقطت هذه الوظيفة بوجود عشرات الميليشيات التي تقع بكُلِّيَّتِها خارج سيطرة الدولة.

XXXVI- فما هي التَّساؤلات المباشرة لرجال السلطة، ورجال مشروعيَّة السلطة: رجال الدِّين؟

I - نفترض أنَّه ثَمَّةَ طرف ثالث استطاع أن يخترق الاِحتجاجات، ولكن، لماذا تم تهيئة كل الظروف والشروط المجتمعيَّة لإمكان ظهوره؟

II- نفترض أنَّه ثَمَّةَ إرادة حقيقية لدى السلطة في معالجة الفساد، ومحاكمة الفاسدين الكبار، ولكن، لماذا لم يتغيَّرْ فريق السلطة الخاصّ منذ سنوات عديدة؟

III - كيف يمكن فهم تدوير المناصب والمواقع في الدولة بين شلَّة معروفة من رجال السلطة، منذ 2003 إلى الآن؟

IV - لماذا يجب على الذين يُستوزرون أن يكونوا خدماً لجهات خارج الحدود الوطنية؟

V - كيف نفهم اِحتكار المناصب والمواقع من قِبَلِ شيوخ السلطة الذين لا يسمحون لجيل الشباب بالدخول إلى عالَم السياسة، وممارسة السلطة؟ بشتى الوسائل بدءاً من القوانين والأعراف، إلى القمع والترهيب، إلى الملاحقة والاِغتيال، والقتل؟

 

د. محمَّد حسين الرفاعي

 

عامر عبدزيد الوائليإن من يطالب بالعقل والدقة فهو كائنا يخاطب أهل الحكمة بالعقل والبرهان ويخاطب الناس بالجدل والخطابة؛ لأنه ينطلق في استدلاله مما اعتادت عليه ذائقتهما ويخاطب أهل الوجد والعشق بالقلب لما للتجربة العرفانية من أفاق حدسية وهي أوساط تتنوع بتنوع المخاطب، وقد كان الدكتور نعمة محمد إبراهيم أهل لكل هذا لما قدمه في: (البرهان والجدل والتصوف والعرفان) إذ تنوعت طرقه إلى الحقيقة الواحدة في تجربته المعرفية والذوقية .

لقد استحق الدكتور نعمة محمد إبراهيم هذا العنوان في مقالنا هذا؛ نظراً لما قدمه إلى العلم وطلبة المعرفة وهو يشيد الدرس الفلسفي في حاضرة الكوفة الفلسفية بكل جاذبية تاريخها وعمق حاضرها الفقهي والكلامي .لقد كانت له من الدراسات الفلسفية والكلامية والعرفانية ما تستحق النظر والتدبر وهنا نحن نحاول ان نقف عند هذا التنوع فيما قدمه من إنتاج معرفي في قاعة الدرس والإشراف والمناقشات؛ فهي تجارب معرفية تركت أثرها في طلابه ومريديه؛ لكنها كانت شفاهية، إما ما حوته المؤلفات التي تركها فهي الأخرى سجل صادق عما كان الرجل يحمله من خزين معرفي .

إن كل ما يفعله أي إنسان في كل حياته من قول وفعل سواء كان في مجال الدرس في الدراسات العليا أم في مجال الحوار أو في مجال حلقات البحث والكتابة يبقى كل مترابط لا يمكن وضع فصل بينه بل هي تجارب غنية تحتاج إلى النظر والتدبر من أجل خلق تواصل حي معها، اتفاقا أو اختلافا، فهي في كل الأحيان تجارب معاشة إنسانية، تحتاج إلى التدوين لما لها من أثر طيب وأفق يستحق التواصل والإصغاء .نعم في كل ما مر أو يمر ليس هناك تواصل بل أحيانا يحدث فراق أو اختلاف يخلق فجوة تحول من دون إدراك بعضنا البعض؛ إلا أنها على الرغم من هذا تبقى غنية بذلك التذكر الجميل للآخر، وهذا ما اشعر به بعد غياب أستاذي الدكتور نعمة محمد إبراهيم؛ فهو رجل له حضوره ومكانته في قسم الفلسفة في الكوفة، الذي يجمع ملاك مميز من الأساتذة وطلبة العلم، قد ترك فيهم اثرا طيبا بما حمله من خلق وعلم في أثناء وجوده بيننا والذي نشعر به اليوم بعد تقاعده فقد ترك فراغا كبيرا .

لكن معرفة الآخر تتطلب منا الإحاطة بفكره ولغته، فالمعرفة تسلم العقل الذي هو الآخر يشحذها ويسددها ويطلقها ويفجرها في كل الأفاق من أجل تحقيق ما يريد منها من أهداف وغايات، وسوف نحاول إن نقف على تلك المعرفة من خلال الوقوف عند مؤلفات الدكتور نعمة محمد إبراهيم في هذا المقال . اذ هناك ثلاث نقاط أساسية نحاول أن نتخذ منها عتبة في إدراك المنتج المعرفي للدكتور . فهي في مجملها تخوض في الفلسفة الإسلامية، لكن في ثلاثة آفاق هي: (الوجود، والمنطق، والعرفان)، وهي حقول مهمة على الرغم من إن للدكتور اهتمامات متنوعة غنية الآفاق، يضيق المقال عن الإحاطة بها فضلا عن الإشارة اليها .

أولا، في مجال الوجود:

في هذا الحقل المعرفي نجد أن هنالك مجموعة من النشاطات العلمية على صعيد التأليف والمحاضرات والإشراف في مجال الطبيعيات والميتافيزيقا إما على صعيد التأليف فهنالك رسالة الماجستير وأطروحة الدكتوراه اتجهتا معا نحو شخصية مهمة في تاريخ الفلسفة الإسلامية هو أبو البركات البغدادي: (علم مابعد الطبيعة فلسفة ابي البركات البغدادي 1995م) إما على صعيد المحاضرات في تاريخ الفلسفة الإسلامية والفلسفة عامة؛ فهنالك ثلاثة كتب هي: (الفلسفة الإسلامية ج 1-2،2007م) الذي تطرق في الجزء الأول منه في الفصل الأول، إلى الموضوعات الفلسفية الآتية: (الفلسفة والعلوم الأخرى) من حيث تعريفها وفروعها وعلاقتها بالدين، وأصالة الفلسفة الإسلامية، أما الفصل الثاني فقد تضمن الموضوعات على التتالي:(الفلسفة اليونانية) قبل سقراط وسقراط وفلسفته وفلسفة أفلاطون وأرسطو .وجاء الفصل الثالث تحت عنوان (الترجمة والمترجمون) وقد جاء فيه ذكر عصر الترجمة فقال: (لاشك في أن التراث اليوناني الفلسفي قد اطلع عليه العرب، وتأثروا به إلى حد بعيد؛ ولكن كما بينا أن من الخطأ القول إن هذا العلم كان الدافع الرئيس للنهضة العلمية الفلسفية الإسلامية ...) (الفلسفة الإسلامية ج1، ص85) أما الفصل الرابع فقد درس فيهأعلام العرب من الفلاسفة من أمثال (الكندي 26ه، والرازي أبو بكر 313ه، والفارابي 339ه،وأخوان الصفا التي ظهرت حوالي 360ه). وجاء الفصل الخامس ليستذكر فيه المؤلف كلا من: (مسكويه 412ه،وابن سينا 428ه، وأبو بركات البغدادي 547ه،)والكتاب الثاني (مقدمة في الفلسفة القديمة والوسيطة والحديثة والمعاصرة، 2008 ه) .

نحاول هنا أن نركز على (علم ما بعد الطبيعة ...) الذي اشتمل على: (مقدمة وتمهيد وأربعة فصول)، وقد جاء الفصل الأول، بموضوع " الوجود وأحكامه الذي "درس انقسام الموجود إلى: (جوهر وعرض، علة ومعلول، ما هو بالقوة وما هو بالفعل، والوحدة والكثرة)، وقد أشتمل هذا الفصل على تمييز واضح ببن القائلين والقدم والحدوث .ويختتم هذا الفصل بالقول ولا يستطيع أي باحث أن يوفق بين المدرستين في هذه المسألة (ص56)

أما الفصل الثاني،" العلة الغائية للموجودات "،فقد تضمن تحديد أنواع العلل وغائية الموجودات، وتناهي العلل وختمها في التطرق إلى مسالة: في بداية الخلق والإيجاد عن المبدأ الأول .ويقول في هذه القضية الأخيرة: (ومن أمهات المسائل الإلهية مسألة بداية الخلق والإيجاد عن المبدأ الأول الذي كرس فيها أبو بركات منهجه النقدي للتيار المشائي، بعد إيراد البيانات والحجج بمقتضى الفكر والنظر لدحض هذه النظرية الفلسفية، التي تبناها الفلاسفة المشائيون.)(ص84)

إما الفصل الثالث، " في الزمان والحركة على وجه يليق بعلم ما بعد الطبيعة "، وقد اشتمل على: (المقدمة والحركة تعريفها والأمور التي تقتضيها وأنواعها، وأيضا على مفهوم الزمان ومذاهب الزمان والتناهي واللاتناهي في الزمان) .

إما الفصل الرابع،"التوحيد "وأشتمل على موضوعات منها: (معرفة الله، علم الله للموجودات، الأدلة علة وجود الله، وفي إثبات الصفات الذاتية). وقد عرف الحركة بقوله: (التعريف الأرسطي العام للحركة هو الخروج من القوة إلى الفعل في زمان.)(ص103) ويبين تصور الزمان عند أبي البركات بالقول: الواقع أن نظرية الزمان في فلسفة أبي البركات، بها شقان أساسيان، شق يدخل في مجال الطبيعيات وهو ليس غرضنا، وشق آخر يعد أكثر أهمية من الأول هو بحث في مسالة قدم العالم وحدوثه، وهذه تدخل في صلب علم ما بعد الطبيعة)(ص120) والعمل (علم ما بعد الطبيعة ...) هذا من الأعمال المميزة في مجال الميتافيزيقا .

ثانيا، في مجال المنطق:

هنالك ثلاثة حقول ثلاثة يمكن من خلالها أن نستعرض جهود الدكتور نعمة محمد إبراهيم؛ فهو قد كان أولها المحاضرات التي ألقاها على طلبته في الدراسات الأولية والعليا وهي تمثل جهدا علميا في التدريس أما الجانب الآخر؛فهو يتعلق بجهوده العلمية في الإشراف على كثير من الأطاريح والرسائل في مجال المنطق قد تعددت تلك الجهود في الجانب الثالث الذي أشتمل على كثير من البحوث المنشورة في المجلات العلمية ومنها كتابان في مجال المنطق هما: (الصناعات الخمس دراسة في علم المنطق 2015م) و(المنطق الصوري عند الفلاسفة المسلمين 2015م) وهما يظهران جهدا علميا واضحافي مجال الدرس المنطقي الصوري، إذ تطرق في الكتاب الأول إلى ثلاثة فصول في الفصل الأول تناول: (البرهان من حيث صناعة البرهان،ومفهوم البرهان، والصورة البرهان وأصناف البرهان ومبادئ البرهان)، فيما جاءت دراسته في الفصل الثاني لكل من: (صناعة الجدل وتعريفه ومساره التاريخي وفوائد الجدل وعناصره ومقدمات الجدل ومسائل الجدل ومطالبه وأدواته ومنافعه)، أما الفصل الثالث فقد تناول: (صناعة الخطابة والمغالطة والشعر)، وقد جاء في الحديث عن البرهان (وما دامت هذه الصناعة تنتج اليقين لابد أن تنظوي تحت موضوع القياس وقد تسمى قياساً وبحسب هذا الاعتبار ينقسم البرهان على قسمين "البرهان اللمي"و"البرهان الآني".)(الصناعات الخمس دراسة في علم المنطق 2015م، ص15) ثم انه يتناول موقف ابن رشد من اليقين إذن تعدد القول واليقين هما المقياسان اللذان استعملهما ابن رشد في تحديده، لمفهوم البرهان، فمن دلالة المعنى الاصطلاحي للبرهان –عنده – هي أنالبرهان يتكون من أكثر من قول يقيني، إذ حده بأنه قياس يقيني، والقياس مؤتلف من أكثر من قول . (المصدر نفسه، 17-18) ثم نجد في استنتاج آخر أن ابن رشد وافق كلا من الفارابي وابن سينا فيمذهبه هذا، فأما الفارابي ,فذكر أن أغلب براهين السبب والوجود تكون في الشكل الأول من أشكال القياس؛ لأن أكثر البراهين التي تعطي السبب والوجود , انما تنتج الموجبات الكلية، وتؤلف من موجبات فيالشكل الأول .(المصدر نفسه، ص19) وفي تطور مفهوم الحجاج الجدلي نجد إن الدكتور نعمة محمد إبراهيم يبين حدود الإضافة التي جاءت مع زينون فيقول: (فمساهمة زينون في المدرسة الأيلية مساهمة سلبية للغاية بمعنى من المعاني؛ فهو لم يضف أي شيء ايجابي إلى تعاليم برمنيدس، ولكن الجديد عند زينون هي الأسباب التي طرحها للتدليل على هذه النتائج) . (المصدرنفسه، ص96) وفي هذا الجانب الحجاجي الجدلي يشير الدكتور: (يرى أرسطوأن المقدمة الجدلية مشهورة أما عند جميع الناس أو عند أكثرهم أو عند جماعة الفلاسفة , أو عند أهل النباهة منهم). (المصدر نفسه، ص146)

نجد إن البحث في الصناعات أشار إلى الجهود الإسلامية إلى جانب اليونانية وما أحدثه المسلمون من إضافة وهذه الإشارة إلى جهود المسلمين تكون أكثر سعة في كتابه الثاني (المنطق الصوري عند الفلاسفة المسلمين)

ثالثا، في مجال العرفان:

إما في مجال العرفان والتصوف قال أهل التصوف (فأعظم الوسائل إلى الله سلوك طريق الأدب والتربية، وأقرب ما يوصل العبد إلى مولاه صحبة العارفين ذوي الهمم العالية والتربية النبوية) (الفتوحات الإلهية في نصرة التصوف الحق الخالي من الشوائب البدعية، ص3)

فالتصوف والعرفان من المباحث التي اهتم بها الدكتور نعمة محمد إبراهيم، وكانت له رؤية عميقة تركت أثرها في مجموعة طيبه من طلبة الدراسات العليا، وقد تمخضت عنها رسائل وأطاريح مميزة اصطبغت بفكر الدكتور إذ تركت أثرا واضحا في تلك الأعمال،وقد اشرف على بعضها،وهي من المباحث المميزة في قسم الفلسفة - جامعة الكوفة، وقد ظهرت له أيضا بحوث علمية في أكثر من مجلة محكمة علمية وكان له مشتركات في بعض الكتب الجماعي التي كانت من تحريري وقد اخترت احد هذه البحوث حتى نعرض لما قدمه الدكتور نعمه محمد إبراهيم من رؤية صوفية عميقة بالتحليل على صعيد المنهج والرؤية ومنها هذا المبحث المعنون:"تجليات الإنسان في الخطاب الصوفي ابن عربي أنموذجا" في المقدمة إشارةإلى مفهوم الإنسان إذ يقول: (الإنسان: هو صورة الله أو هو محور هذا الكون، وهو عبارة عن جواهر متآلفة قامت بها أعراض مخصوصة، والجواهر المتآلفة هو أعيان تلك الجواهر مفردة غير مركبة وهي ليست بإنسان) ثم يورد تفصيل اكثر في معنى الانسان فيقول: والإنسان هو الصورة الجامعة. فعندما أراد الله الظهور جمع أسماءه التي هي صفاته فحصرها في دائرة وعين لها وجودا ونفخ فيها فكان الإنسان.ثم يقول: والإنسان، ظاهر وباطن فجسده وما لهذا الجسم من آلات، ومنها أيضا عقله الذي هو جزء من كيانه.. ولكن هذا العقل كان ضربا من الإطلال على جزئه الباطن وهو محل الإلوهية فيه. فالإنسان مركب لله على الحقيقة، وعليه استوى وتمكن وبث أوامره وحيا وإلهاما وخواطر أسمائيةشتى. لذلك تقدس الإنسان ورفع فوق الملائكة.(محمد غازي عرابي، النصوص في مصطلحات التصوف، ص31ـ32.)

ثم يعود الى ابن عربي فيقول: (ويقول الشيخ ابن عربي: سماه إنسانا لأنه أنس الرتبة الكمالية فوقع بما رآه الإنس فسماه إنسانا.)(الشيخ ابن عربي، الفتوحات المكية: 2/643.)

وفي القسم الثاني من البحث يتناول مفهوم: (الكون والفكر العلمي) إذ يحدد الدلالة للمفهوم بالقول: ويعني هذا أن الله تعالى يحكم بكون هذا الأمر فيكونه ويظهره إلى الوجود.ويعتقد قسم من المتكلمين أن الكون مرادف للوجود، ومجموع أجزاء الكون هو"العالم" .(التهانوي، الكشاف، مادة"الكون"،ومادة"تكوين".).

ثم نجد الدكتور في خاتمة بحثه يشير: (حاولت دراستنا هذه الكشف عن جهود فلاسفتنا وعلمائنا فيما يتعلق بالإنسان، والكون معتمدين على نصوصهم العلمية التي اشارت إلى كثير من الآيات الكريمة المتضمنة معرفة الله عن طريق التدبر والتفكر في مختلف صنوف خلقه،استعمال القوانين العلمية؛ لإثبات الباري جل شأنه بوصفه خالقا لهذا الكون) البحث من ضمن كتاب(جدلية العلاقةبين التصوف والعرفان في الاسلام) وقد أشار الدكتور أيضا: (ما يهمنا من كل هذا،هو أن الإسلام قد ارشدنا إلى الطريقة السديدة في البحث،ووضع لنا أسس المنهج العلمي السليم.هذه الأسس التي تقوم على النظر والملاحظة والتحقق والتقصي وتحكيم الفكر والتأمل في حصيلة كل ذلك للوصول إلى الحقائق والقوانين بتركيب الجزئيات والتفاصيل).

وفي تناوله لمفهوم العالم نجده يحدد آفاق منهجه بالقول: (إذا أخذنا نتائج علم الفيزياء فيما يتعلق بنظريات هذا العلم حول الكون لكانت الحقيقة واضحة أن المادة لابد من أن تكون مخلوقة من قبل مدبر لهذا الوجود.وما حقيقة اكتشاف الإنسان لظاهرة الإشعاع إلا دليل واضح لأبطال نظرية أزلية المادة، فما دامت الشمس وجميع النجوم الأخرى مشتعلة وتبعث الإشعاعات، لابد من أن تكون هناك بداية لها، لأنها لو كانت عكس ذلك لانتهت تلك الإشعاعات كون عمرها ملايين السنوات.)

 

د. عامر عبد زيد

 

نبيل عودةأصبحت الكتابة النقدية في ثقافتنا نهجا مضادا للثقافة. اتابع ما ينشر من ادب نثري وشعري. أجد أحيانا صعوبة في فهم دافع كتابة النظم او النثر لدي الكثيرين. بنفس الوقت هناك من يستحق ابداعه القراءة والاشادة. لكني اصمت بحيرة من الفجوة الهائلة بين الابداع الثقافي والتفاهة الثقافية، فاكتفي بسطر او سطرين للدلالة على جمالية نصوص معينة، واهرب من تناول ما أرى انه مجرد ثرثرة لا تقود الى أي فكرة ثقافية او جمالية. لدرجة أني افتقد الوسطية بين ابداع حقيقي يمكن نقده، والنقد ليس شرطا رفضا سلبيا للنص، او تصفيق ومديح، يمكن ان يكون في النقد تنوع واسع، بين ملاحظات سلبية وملاحظات ايجابية أيضا، لكن بالمفهوم الإبداعي، يعتبر العمل عملا ابداعيا، حتى لو لاحظ الناقد نقاط سلبية يمكن تطويرها، حسب وجهة نظره، وهو ليس حكما لا استئناف عليه، بل حوارا ثقافيا بين المبدع والناقد بهدف تطوير الابداع فكرا وجمالا. ان دافع النقد ليس المديح والتصفيق كما تعودنا في الأكثرية المطلقة من النقد الذي ينشر، والذي يفتقد للمسؤولية الثقافية بأبسط اشكالها، وهو نقد بدون وعي من الناقد لدوره واهمية ان يمارس النقد برؤية جمالية للنص.

أصبح النقد نوعا من الاستعراض الذي يفتقد الى رؤية ثقافية وفكرية، النقد هو فكر أولا، وهو رؤية جمالية للنص ثانيا، وهو مفهوم فلسفي يرتبط بادراك العلاقة بين الابداع، النقد الأدبي والرؤية الفلسفية لمضمون النص.

 السؤال ما علاقة النقد الأدبي بالفلسفة؟

 الجواب البسيط والحاسم ان الفلسفة هي ام كل العلوم، ان ربط التطور الأدبي والنقدي بالفكر وحركة التطور الاجتماعي المادية (انتاج الخيرات المادية) والروحية (الابداع الأدبي والفني بكل مجالاته) هو موضوع حاسم في تطوير الابداع وتعميق مضامينه الفكرية والجمالية.

هناك دراسات متخصصة لمفهوم النقد وعلاقته بالرؤية الفلسفية، وأبرز الأمثلة على ذلك كتاب "الجذور الفلسفية للنقد الادبي الحديث"، للمفكر المصري محمود امين العالم، و"كتاب الاستشراق" لادوارد سعيد، الذي طور فلسفة نقدية يمكن تسميتها بالمنهج التاريخاني الحديث وهو الآن يعتبر من أبرز الدراسات النقدية، وربما مشكلة عدم اختراق فكرة ادوارد سعيد التاريخانية النقدية للثقافة العربية هي الترجمة المعقدة جدا للكتاب والتي تحتاج الى ترجمة عربية بلغة سهلة الفهم. كذلك يتطور اليوم في النقد الغربي أسلوب جديد، يتناول النص الأدبي بدون أي علاقة بالواقع الذي انطلق منه الكاتب، وقد لاحظت ان هذا النهج له تأثيره على أوساط تفتقر للرؤية الفلسفية التي تنطلق من رؤية التفاعل بين الواقع والابداع الأدبي. 

 كذلك لا بد ان ننتبه لمسالة هامة مصيرية في ممارسة النقد، الموضوع ليس نزوة شخصية لكتابة نص تحت صيغة نقد، وهو فارغ من أي فكر نقدي او جمالي. طبعا لا انفي ربط التطور الأدبي والنقدي بالهوية القومية، لسبب بسيط ان الأدب يحمل كامل خصائص اللسان الذي يصاغ فيه. وكامل خصائص المجتمع الذي ينطلق منه، ويحمل بالتأكيد الرؤية الفلسفية لكاتب النقد. ان الادب ليس حدثا يُروى، بل هو فكر قبل كل شيء، علاوة أن هناك فرق بين النقد الادبي ونظريات النقد الادبي، مثلا ما زال العديد من النقاد متأثرين بالمدرسة الواقعية الاشتراكية التي لم تصمد تاريخيا، وكانت مدرسة أيديولوجية مغلقة لنظرية فُرضت في فترة النهج "الستاليني – الجدانوفي" في الاتحاد السوفييتي السابق والحركات السياسية الدائرة في فلكه. مثلا النظرية الماركسية للنقد الأدبي تعتمد علم الاجتماع الجدلي، وترى ماهية الأدب والنقد ووظيفتهما في احداث التغيير الاجتماعي، لكن بالتطبيق فرض نهجا تعسفيا يناقض الفكرة الماركسية نفسها.

ان فهم الناقد للرابط الفلسفي للنقد مع الواقع الاجتماعي الذي انطلق من العمل الإبداعي، يشكل المنصة الأكثر مصداقية نقدية، لذا يفترض ان تكون للناقد رؤية اجتماعية وفكرية وفلسفية حول مكانة النقد الأدبية، واهمية المصارحة وليس التضليل الذي اراه ينتشر بتعظيم اعمال (نقد مجازا) هي تجارب أولى لأدباء ناشئين، او ادباء بجيل متقدم لكن نصوصهم كأنها صيغت لمجتمع آخر لا اعرف مكانه الجغرافي ولا جمهور الهدف الذي صيغ النص من أجله.

ان التعظيم يقود حتما الى تضليل المبدعين الشباب خاصة. ومعظمه ينطلق من علاقات شخصية، ومن فقدان من يكتبون هذا النقد لأي مفهوم نقدي بسيط. أي يزرعون فوضى نقدية لا جذور فكرية لها ولا رؤية تربط المضمون بالواقع.  فهل يستوعب كتاب النقد المضمون الذي يتناولونه بنقدهم؟ ام هي كتابة عشوائية لا جذور لها في النص او فلسفة النقد، حين يصيغون صفحات نقدية لا شيء من النقد او الفكر في مضمونها؟ هنا اذكر قولا لماركس يناقض النهج الذي عرفناه باسم "النهج الواقعي الاشتراكي" يقول: "ليس وعي البشر هو الذي يحدد وجودهم بل إن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم". اذن هذه هي وظيفة الأدب ووظيفة الناقد التي لا تقل أهمية لكنها تستثمر في ثقافتنا بصياغات تفتقد لأي مضمون فلسفي او فكري او جمالي او ثقافي، او حتى لغوي سليم.

زميل ماركس إنجلز مثلا يؤكد برسائله الشهيرة المكتوبة في تسعينيات القرن التاسع عشر "أنه كان هو وماركس ينظران إلى الفن والفلسفة وغيرهما من أشكال الوعي بوصفها أشكالا لها استقلالها الذاتي النسبي وقدرتها المستقلة على تغيير حياة البشر" – طبعا مرحلة ستالين ووزيره الثقافي جدانوف، الحقوا بالفكر الماركسي تشويهات ساهمت بتقليص دوره الفكري وبالتالي انهيار بنيانه النظري المعروف باسم "المذهب الواقعي الاشتراكي". واليوم لم نعد نسمع هذا الاصطلاح الا لدي بعض الذين توقف تفكيرهم في حدود تاريخية لم تستوعب التغييرات العاصفة التي تجتاح عالمنا، سلبا او إيجابا منذ نهاية القرن العشرين. 

أكثر من ذلك توصف الرواية انها نتاج عصر الاستعمار، اذ تطورت الروايتان الإنكليزية والفرنسية مع تطور الاستعمارين الفرنسي والبريطاني، بينما الرواية الأمريكية تأخرت عنهما، وكان هدف الفن الروائي هو تبرير استعمار الشعوب، أي جهاز اعلامي لتسويق الاستعمار، وعالج ادوارد سعيد في كتابه "الثقافة والامبريالية" هذا الموضوع. طبعا الثقافة الاستعمارية اوجدت ثقافة مضادة لدى الشعوب المستعمرة، ويمكن مثلا وصف ادب المقاومة الذي تطور في المجتمع العربي الفلسطيني داخل إسرائيل بأدب مضاد للنهج الثقافي الصهيوني الاستعماري.

أن النقد يتطور بناء على التراكم الفكري، وموضوعه ليس الاعجاب الشخصي بنص ما، او بشخص كاتب النص او كاتبته، كما الاحظ فيما يسمى مجازا نقد ادبي في ثقافتنا المحلية خاصة والعربية عامة. إنما النقد يبنى على أساس قدرة الناقد ان يبنى تقييمه للنص على أسس من الفكر الابستمولوجي (نظرية المعرفة) في تحليل الأدب.

 ان تبجيل صياغات يبرز فيها الاجترار الفارغ من المضمون، ومن أي ملامح جمالية، هو تصرف أحمق له دوافع شخصية لإبراز الذات، وهذا ليس نقدا بل تنمية علاقات شخصية، او كسب موقف لدى صاحب او صاحبة العمل.

من جهة أخرى هناك اعمال إبداعية تبرز فيها تجربة صاحب العمل، يجري على الأغلب تجاهل تلك الأعمال لأنها تحتاج الى جهد نقدي – فكري وليس كتابة نقدية عشوائية، والنقد الفكري لا يتوفر للناقد الذي يفتقد لأي مضمون فكري نقدي، ترهق عقله وفكره، ولا تكسبه "شهرة" مقابل صياغة تحت تسمية نقد، لا نقد فيها. الناقد في هذه الحالة اما لا يفقه مهمة النقد، (وهذا مؤكد في الكثير من الحالات) او ان له هدف يمكن ملاحظته من إصراره على تناول اعمال أولى لأدباء (او اديبات على الأغلب)، وبالتالي لا أرى ضرورة لأتوسع بالتفسير.  من هنا لم أجد نقدا، بل صياغات توهم القارئ انها نقد ادبي وهي خلو من أي ثيمة أدبية ونقدية، لا بالنص ولا بنقده وهي نصوص لا تستحق النشر.

الظاهرة المضحكة المبكية، واختتم موضوعي بها، ان بعض كتابنا الذين ينتجون مواد إعلامية يومية، بمستوى معظمه ما دون المتوسط، لاحظت في الفترة الأخيرة انهم أيضا باتوا عاشقين للكتابة الشعرية، ولم انجح ان اقرأ من شعرهم أكثر من جملتين. تفاهة يستحقون عليها جائزة نوبل. لكن نوبل لم يخصص جائزة للتفاهة حتى لا يلحق الإفلاس بأمواله.

المضحك المبكي ان بعض وسائل الاعلام تنشر دون فهم وتقييم لجودة العمل، بسبب غياب المحرر الأدبي، توفيرا طبعا للمعاش. وهو امر مؤلم، افهمه تماما بسبب الواقع الاقتصادي الذي يضيق الخناق على اعلامنا كله.

 

نبيل عودة

 

زهير الخويلدي"نجح الفيلسوف في جذب رجل من الحشد إلى الأعالي.. وأن يرتفع إلى اعتبار العدالة والظلم".. أفلاطون- محاورة ثياتات

مهما كانت الفلسفة التي يتحرك ضمنها المرء فهي تنتمي إلى هذا العالم وترتبط بالضرورة بذوات إنسية ومهما كان الفيلسوف الذي يفكر وينظر ويقارن ويلتزم ويفعل فهو مسؤول عن أقواله وأفكاره وأفعاله عند اختراقه أطر هذا العالم وتجاوزه حدود المعرفة وضربه على الحائط قوانين المدينة ودنوه نحو آفاق بعيدة. على الرغم من الاستهجان الكبير الذي تتعرض له الفلاسفة من الجمهور وبعض المناوئين المعاندين مثل رجال الدين والعلم والمال والخبراء الجدد في البرمجيات ومنظومات الاتصال إلا أن الفلسفة موجودة بقوة في برامج التعليم وتدرس في مراحل متقدمة وتمتلك أقساما مستقلة في كليات الآداب وتقدم كدروس عامة في كليات العلوم ومعاهد التربية والصحافة والطب ولكنها غائبة بشكل ملحوظ عن كليات الهندسة والتقنية. الفلسفة هي مادة صعبة وتتكلم لغة غامضة وتعتمد مناهج معقدة وتوظف مجموعة من المفاهيم المجردة ولذلك ظهر تعارض بينها والمجتمع وناصبها العامة العداء وحاولت السلطة السياسية توظيفها لصالحها وخارج إرادة الفلاسفة ورغبتهم في التغيير نحو الأفضل وإيمانهم بالتقدم وطرحهم السؤال الأساسي للحياة. كما تريد الفلسفة قول الحقيقة في عالم مليء بالأكاذيب والظلم ويسعى الفيلسوف لإنارة الرأي العام وسط دعاية مضادة تسعى لتنويم الناس والتلاعب بالعقول وتصنيع الغباء المبرمج وغسل الأدمغة بالإشهار والدمغجة ولذلك يتسلح بالنظرية الثورية لكي يدافع عن الحق في وجه القوة وينتصر للعدالة ضد التفاوت والتمييز ويحاول إنقاذ كرامة الإنسان من كل سلعنة وتشيىء ويرفض السلطة ويرفع اللا ضد للبلاهة والحماقة. من جهة ثانية يعي الفيلسوف وضعه البسيط في العالم ويدرك منزلته العادية ويعرف صعوبة مهمة تغيير النظام وفقدانه للسلطة التي تخول له نمذجة العالم حسب مشروعه العقلاني ولكنه يتدخل في الشأن العام تاركا اليأس جانبا ويغامر بإلقاء نفسه ضمن التجربة التاريخية حاملا فانوسه معه مخاطرا بحريته ومعرضا حياته للتهديد الجدي ولكنه يتمسك بالحبال الديمقراطية التي تشده إلى المدينة المتحضرة وتساعده على مواجهة مصيره. زد على ذلك اللافلسفة هي جزء من الفلسفة بما أن المعقول هو محاربة لللامعقول وطالما أن التفكير مضاد للاعتقاد والنقد سلاح منهجي لتفكيك التعصب للآراء الجاهزة والقناعات الموروثة ودعوة لاستعمال العقل بحرية. بطبيعة الحال الرواق الفلسفي هو ميدان حوار وأرضية نقاش وميدان للمبارزة الفكرية بالحجة المنطقية والحقيقة الدامغة وفضاء تجريبي للذكاء البشري ومراكمة التجربة ومحاولة مستمرة للوعي بالعالم والتفاني في الارتقاء به للأفضل ومخاطبة متواصلة للإنساني في الإنسان وبحث عن الفردي في المجموعة وتشجيع على الابداع. كما تخوض الفلسفة معركتها الرسالية ضد العنف المسلط عليها من كل جانب وتستنجد بنقاء الحقيقة وطهارة الحق ونبل التسامح وتلوذ بقلعة الحكمة ومنطق المعنى وسمو الواجب لكي تريد الحياة من أجل المدنية فقط ولكي تظل وفية للتجربة البشرية والواقع الموضوعي ولكي تعيد ترتيب الأشياء في العالم بطريقة منصفة. علاوة على ذلك لا تحقق الفلسفة المعجزات بالنسبة للبشرية ولا تتضمن المنفعة المطلقة ولا توفر للجمهور القناعة التامة ولكنها تصون الكرامة زمن التدهور وتنقذ الحرية في أوقات الاغتراب وتعارض الاستغلال والاستبداد وتأمر بالثورة في وجه الظالمين وتقدس الإخلاص للشعب والوفاء للقيم والصدق في الأقوال والأعمال. صحيح أن الفيلسوف يخوض مطالب بالتغلب على الكثير من التحديات وتعترضه جملة من العراقيل ويجد نفسه أمام عدة خيارات متناقضة ولكنه يمارس الاحتراس والحذر والحكمة ويلزم الحيطة والفطنة والذكاء ويرفض الاختفاء والتواري في اللحظات الحاسمة والمعارك المصيرية ويتحلى بالشجاعة والفعل الثوري. كما تبقى الفلسفة متاحة للجميع ويظل هدفها الأبرز تحقيق إنسانية الإنسان وترك حرية القرار للفرد في نحت كيانه وللمجموعة من أجل تقرير مصيرها وتبقى تقوم أي غياب تراجيدي يمكن أن تتعرض له من التاريخ وتراهن على ظهور الفيلسوف في كل عصر لكي يجدد شبابها ويعيد الاعتبار للعمل الهادئ الذي تقوم به. من هذا المنطلق تكمن المنفعة التاريخية من وجود الفلسفة في مجتمع معين في مساهتمها في التخلص من الخرافة والشعوذة واعتماد المنهجية العلمية في الرؤية المعرفية وتشغيل الحكم العقلي في اختيارات الحياة والأبعاد العملية وفي القضاء على الهمجية والغرابة التي تسم الوضع البشري وتأسيس التحضر والمدنية والتلاقي بالعالم. على هذا الأساس يشتغل الفيلسوف على تحويل البديهيات التي يؤمن بها القطيع الى مشاكل محيرة وأسئلة مستفزة ويذهب في اتجاه القطع مع الرضوخ والاستسلام للتقاليد والعادات لكي يشق طريقه نحو الحقيقة بنفسه ويرنو إلى الخلاص الجماعي من العبودية الطوعية للفساد والتسلط ويلوح بالإطار العقلاني للحق. كما لا يجب على الفيلسوف أن يأتي متأخرا ولا يقبل من أي تبرير عند تأخره عن قول الحقيقة والشهادة على ما يحصل في عصره ولا يجوز البقاء في حالة الحياد والجلوس على الربوة في المنعطفات التاريخية وإنما يمكن التبكير ويجوز المبادرة وتقبل الاستفاقة قبل الجميع شرط أن يتبع القول الفعل ويصير الفكر التزما. غني عن البيان أن يتراوح وجود الفيلسوف بين الجد والهزل وينتقل من الاعتراف بالجهل إلى البحث عن المعرفة ويتعفف عن حقارات الحياة التي ينهمك فيها العامي ويرتفع بنفسه إلى عالم الأفكار والمثل والمبادئ ولكنه ما يلبث أن يعود إلى الحياة الاجتماعية لكي يمارس دوره الطليعي في التثقيف والتوعية والإرشاد إلى الأحسن. فَيَا تُرَى من يشكل صورة الفيلسوف في مجتمع استهلاكي وتعصف به تجاذبات السلطة والتراث والميديا؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

معراج احمد الندويالمقاومة السلمية هي وسيلة لحماية الحقوق، وتحقيق المطالب من خلال اظهار المعاناة الإنسانية، والاعتماد على قوة الروح وعلى القوة المعنوية.  تعتمد المقاومة السلمية على تحميل العواقب مع الصبر والثبات، تتوافق مع فكرة التضحية وتحمل المعاناة وعدم مواجهة الخصوم، وعدم استعمال أي نوع من أنواع العنف، بل الاعتماد على اللاعنف مع الاستقامة في تحقيق الأهداف المنشودة.

تتخذ هذه السياسة للمقاومة عدة أساليب ومن أهمها الصيام، والمقاطعة، والاعتصام، والعصيان المدني، والقبول بالسجن، وعدم الخوف من الموت. والحركات التي آمنت باللاعنف كمنهج أساسي للصول إلى أهدافها السياسية والاجتماعية، كان لها مساهمة كبيرة في اللاعنف والأمن والسلام، وتجسيد كمثال لباقي الحركات السياسية والاجتماعية التي تسعى للوصول إلى أهدافها المشروعة.

.... لقد اشتهرغاندي بلمقاومة السلمية واللاعنف من خلال الأهميسا" وهي دعوة للمحبة والسلام وفعل الخير حتى مع الأعداء،ومعارضة سياسة الحكومة وعدم الانصياع لأوامرها، دون اللجوء لأي نوع من أنواع القوة. رأى غاندي أن القوة في حقيقة هي قوة الحق واللاعنف، والصبرعلى الأذى،وتحمل المكارة وضبط النفس.

لقد كرس المهاتما غاندي حياته لنشر سياسة المقاومة السلمية واللاعنف واستمر على مدى أكثر من خمسين عام. اعتمد تكنيك غاندي على أساس "الساتياجراها" التي تعني الاصرار على الحق. تتألف "الساتياجراها" من كلميتين  باللغة السنسكريتية "ساتيا" معناها الحقيقة، و"جرها" التي تعني الاصرار على الالتزام. وكانت "الساتيا جرها" بالنسبة لغاندي هي قوة روحية وأخلاقية.

تتضمن "الساتيا جراها" ثلاثة نقاط مهمة:

- عدم التعاون مع السلطة الانجليزية ضد الاستعمار البريطاني في جميع الستويات. وذلك من خلال اللجوء للاضرابات في العمل، والمظاهرات الشعبية، والاستقالة من الوظائف الحكومية، والتخلى عن الألقاب، والرجوع عن الجوائز معربا بأن الجماهير ضد سياسة الحكومة.

-   النقطة الثانية من "الساتياجرها" هي حركة العصيان المدني التي تتضمن عدم دفع الضرائب واجبار الحكومة أن تركز اهتمامها في مصالح الجماهير.

-   والأسلوب الثالث والأخير هو اللجوء إلى الصيام حتى الموت،قد استمعل هذا الاسلوب لدعم "الساتياجراها" كلما اقتضى الحال.

وكان غاندي يهدف إلى استقال القومي، ثم يأتي بعده  بالقيام المجتمع المثالي  على  أساس العدل والمساوات. وكانت لغاندي رؤية جديدة للوطن والذي لا يمكن تحقيه إلا عن طريق التقدم الاجتماعي والاقتصادي. أسس غاندي ما عرف في عالم السياسية بـ"المقاومة السلمية" أو فلسفة اللاعنف "الساتياراها"، وهي مجموعة من المبادئ تقوم على أسس دينية وسياسية واقتصادية.  كل هندي  حسب غاندي أن يلتزم بثلاث مبادئ أساسية وهي اللاعنف،ورفض الاضرار بالآخرين مع الالتزام بالحق الذي يعني التحلى بالروح العسكرية والتضحية، واحترام الذات والكرامة الإنسانية والابتعاد عن التمييز العنصري.

رأى غاندي أن اللاعنف هو المنهج السياسي لعامة الناس. وتعكس هذه النظرة لاستخدام التاريخي اللاعنف اعتمادا على قوة الجماهير. ومن أشهر الصراعات التي استخدم فيها اللاعنف في التاريخ هي حملة عدم التعاون التي قادها المهاتما غاندي لاستقلال الهند. دعا هذا القائد العظيم إلى السلام والمحبة والاحترام المتبادل بين الناس. قام بنشر اللاعنف لأجل تحقيق أهدافه السياسية، وفي إطار هذه النظرية اختار النضال السلمي ضد الاحتلال وعدم التعاون معه بدلا من التعذيب والإضطهاد.

لقد أستطاع غاندي أن يحطم فكرة الامبراطورية الانجليزية التي لا تغيب الشمس عنها بأسلوبه وأفكاره وأعطى من أسلوبه اللاعنف عبرة لمن يرى في المقاومة السلمية أسلوبا عقيما في محاربة الاحتلال. تغلب غاندي على الاستعمار الانجليزي بعد صراع طويل وصبر متواصل استمر نصف قرن من الكفاح الهادئ الصامت الذي هدف القضاء على القوة القاهرة. أكد غاندي أن "الساتياجراها" أسلوب بسيط لاسترجاع حقوق المستضعفين والمقهورين في معاركهم الإنسانية من أجل الحق والسلام.

 

ا. د. م. معراج أحمد معراج الندوي

جامعة عالية ،كولكاتا - الهند

 

طالب عبدالاميرإلى جانب موضوعين رئيسيين، وهما الاحتفاء بأدب كوريا الجنوبية - وهذا تقليد دأب عليه معرض الكتاب في غوتنبرغ غرب السويد، سنوياً، باختيار أدب دولة من الدول ليكون ضيفاً رئيسياً في المعرض - إلى جانب موضوع المساواة، سلط معرض الكتاب في غوتنبرغ، هذا العام، في نسخته الخامسة والثلاثين التي انتهت قبل يومين، الضوء على «الوعي الإعلامي» الذي يعد واحداً من أهم المواضيع الشائكة التي تشهدها المجتمعات كافة، والصناعية منها على وجه الخصوص، والتي تتسارع فيها وتيرة التحولات نحو مجتمع المعلوماتية، أو المجتمع الرقمي، كما تسميه أدبيات هذا العالم الإلكتروني، الذي تتوازى أو تتشابك مساراته مع العالم المادي.

وخصص المعرض إحدى منصاته لمناقشة موضوع مدى إدراك الفرد للمتغيرات المتسارعة، الجارية في البنى المجتمعية، التي تتوغل من خلالها وسائل نشر المعلومات، وتحشر نفسها في حياة الإنسان، دونما استئذان، وبطريقة توحي بالقبول والتفاعل الإيجابي. فيجد المرء نفسه منخرطاً فيها دون تفكير متمعن، فتؤثر على حياته اليومية، وتغير من عاداته وسلوكه الاجتماعي.

وخلال المناقشات في هذه المسألة المهمة والضرورية، طرح مجموعة من تلامذة المدارس أسئلة على عدد من الإعلاميين، لمعرفة آرائهم فيما يجري في مجال الإعلام والمعلوماتية.

وأغلب الأجوبة ركزت على أن الثورة التقنية التي انطلقت منذ عقود، استطاعت أن تقلب المفاهيم التقليدية السائدة في المجتمعات، وتوفر للأفراد إمكانية التواصل، بعضهم مع بعض، بصورة سلسة وخارقة للزمن، عابرة للحدود الجغرافية السياسية، وأن مشاعية استخدام الإنترنت، من قبل الأفراد والمؤسسات وغيرها، منذ أكثر من أكثر من عشرين عاماً، بعد أن كانت تعد أدوات سياسية استخدمت في الصراع الدول المهيمنة، وضعت حجر الأساس لأفكار جديدة، تتحرر بموجبها الجماهير الغفيرة من القيود التي تكبلت بها جراء ممارسات السلطات التعسفية ضدها. فتنطلق في هذا الفضاء الذي لم يعد فيه للحكومات المحلية الدور الواسع في السيطرة على حرية مواطنيها في التعبير.

لكن سرعان ما اصطدمت القضايا المتعلقة بالإنترنت بمصالح القوى العالمية المتحكمة في الاقتصاد العالمي، الأمر الذي "قوض حلماً في فضاء حر بلا حدود"

كما يشير جاك جولدسميث، وتيم وو، مؤلفا كتاب: من يحكم الإنترنت؟ أوهام عالم بلا حدود.

 «Who Controls the Internet? Illusion of Borderless World»

 إلى أن كثيرين، خلال منتصف التسعينات، ظنوا أن الدول لن يتسنى لها التحكم في الآثار المحلية للاتصالات غير المرغوب فيها عبر الإنترنت، تلك التي نشأت خارج حدودها. لكن السنوات الأخيرة أثبتت «أن الحكومات الوطنية لديها كم هائل من الوسائل والطرق التي تتحكم من خلالها باتصالات الإنترنت التي تتم خارج حدودها».

واليوم، تشهد المجتمعات تطورات هائلة ومتسارعة في وسائل الإعلام والاتصالات، أخذ، من خلالها، تدفق المعلومات وغزارتها مَدَيات لم تشهدها المجتمعات من قبل، خلال مسار تطورها ووسائل تقدمها عبر التاريخ. وكنتيجة لذلك بات الإنسان الفرد اليوم محاطاً؛ بل محاصراً بالمعلومات التي لم تعد حكراً على فرد أو فئة دون أخرى؛ بل هي سوق مفتوحة لكل من يود الإدلاء ببضاعته. غير أن الفارق ما زال هو نفسه فيما يتعلق بقدرة من يملك أدوات الوسائل، لجعل هذه الجهة أو تلك بمقدورها التأثير على العقول، وصياغتها بطريقة تبدو مخملية ناعمة.

وتأخذ النقاشات الخاصة والعامة اليوم مساحات واسعة، عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي المتعلقة بهذه المسألة التي تحتوي المجتمع بكل مؤسساته وأفراده. فالفرد العادي يستخدم الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي كـ«فيسبوك» و«تويتر» وغيرهما، تماماً كما تستخدمه الشركات الأهلية والعامة ومؤسسات الدولة وسلطاتها التقليدية المعروفة؛ لكن المنافسة على التأثير في وعي المتلقي، الذي لم يعد بدوره أحادي الاتجاه، بمعنى أنه لم يعد متلقياً فحسب؛ بل ومرسلاً أو مصدراً للمعلومة بالوقت ذاته، ستكون في النهاية لصالح من يملك أدوات التأثير على الرأي العام، والأساس فيها الدعاية والإعلان بحلته الرقمية الجديدة.

وفيما يتعلق بمعرض الكتاب في غوتنبرغ الذي أنهى أعماله الأحد 29 سبتمبر (أيلول) 2019، فقد ركزت المنصة الخاصة بالوعي الإعلامي، على دور المؤسسات البحثية والتعليمية في إشاعة المعرفة حول المعلوماتية ووسائل الإعلام والاتصال الجماهيري، مع التركيز على الشبيبة والناشئة، وحتى الأطفال في المدارس، في إفساح المجال للنقاشات الهادفة إلى خلق إدراك لمغزى التطورات الجارية في تقنية المعلومات في المجتمع، وتأثيراتها على حرية التعبير، التي ستظل بالنسبة للسويد - باعتباره بلداً ديمقراطياً - حجر الأساس في نظامه الاجتماعي. فالمجتمع يتغير، ولكن مبادئ الديمقراطية فيه تبقى، ويبقى دور وسائل الإعلام الجماهيرية: الكتب، والصحف، والإذاعة، والتلفزيون، ووسائل التواصل الاجتماعي، والتحولات الرقمية، وغيرها، في التأكيد على تطبيق تلك المبادئ في حرية التكلم والاستماع والكتابة والمشاهدة والتعبير، من خلال حيادية هذه الوسائل، ومراقبة عمل الحكومة، والتحقق من سلامة إدارة السلطات لمهامها، إضافة إلى توفير أماكن في الفضاء العمومي للنقاشات في تلك المتغيرات.

غير أن حرية التعبير ليست خالية من الحدود، كما أن حدودها غير ثابتة، وتتأثر بالتغيرات الحاصلة في السياقات الثقافية والاجتماعية، وهذا ما تفرزه بعض النقاشات الحادة والشديدة في هذا المجال.

 

طالب عبد الأمير

 

محمد عبد الكريم يوسفتتعامل غالبية المجتمعات مع الاغتصاب على أنه عار يلتصق بالضحية أكثر من الجاني لذا تتجاهله وتغض الطرف عنه وهو ما يجعل توثيق حالات الاغتصاب أثناء الحروب أمرا بالغ الصعوبة إذ تأبى معظم الضحايا ذكر الواقعة. ونحن ننسى حقيقة أن "الاغتصاب سلاح أقوى من قنبلة أو رصاصة، فبالرصاصة على الأقل تموت ولكن إذا تعرضت للاغتصاب فإنك تظهر للمجتمع مثل شخص ملعون لا يتحدث إليك أحد ولا يراك أحد. إنه موت حي".

تعريف الاغتصاب

اغتصاب النساء في الحروب نوع من العنف الجنسي يستخدم كسلاح حرب وظاهرة متفشية في الصراعات الداخلية والخارجية منذ زمن طويل وهو من الأسلحة الصامتة صمتا جعل ضحاياها غير مرئيين ولا يهتم بهم أحد .

وعادة ما يشار إلى العنف الجنسي باسم "اغتصاب الحرب ". العنف الجنسي هو إستراتيجية عسكرية أو سياسية في حد ذاتها ، وهو يُقرّر من أعلى السلطات بنفس الطريقة التي يقرّر بها قصف قرية أو إبادة شعب أو إطلاق الغاز على جماعة أو استخدام أي نوع من الأسلحة . وقد تحول الاغتصاب للأسف إلى أداة حربية وصار استخدامه مزمنا ومنتظما في الصراعات والحروب المعاصرة كما تحول إلى طريقة للإذلال والهدم واتخاذ السلطة وهي أداة مستعملة ليس ضد النساء فقط كما حدث في جمهورية الكونغو الديمقراطية وكينيا والبوسنة ورواندا والعراق وسورية بل أيضا ضد الرجال في ليبيا وأوغندا والأطفال مثلما حدث في العراق وسورية وجمهورية الكونغو الديمقراطية وأفغانستان .

الاغتصاب والقيم العسكرية للجنود:

وحيث أن الجندي في المعركة يدافع عن قيم بلاده في الحرية ورفع الظلم عن المقهورين لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يتخلى عن هذه القيم ويتبع النزوات ويمارس أفعالا لا يرضى عنها الضمير والواجب والقيم العسكرية التي يتربى عليها من ولاء وشهامة وإغاثة ملهوف . إن ممارسة الاغتصاب من قبل الجنود ينافي الأخلاق العسكرية التي يتربى عليها المقاتلون وهى الخصال التي تميزهم وتفصلهم عن الميليشيات والتنظيمات المسلحة التي تمارس أعمالا غير مشروعة ولا تخضع لقانون أو قيم محددة . ويمكن أن نلخص القيم العسكرية للجنود المشتركة بين معظم جيوش العالم الرسمية بما يلي:

أنا الجندي ، أمثل بلادي ، وأعطي أجمل صورة عنها.

أنا محارب محترف وعضو في فريق.

أخدم شعبي وحكومتي وأعيش وفق قيمي العسكرية .

تأتي المهمة الموكلة لي أولا.

لا أقبل الهزيمة.

أو الفرار من المعركة .

ولا يمكن أن أترك زميلا لي في ساحات الوغى.

أعيش بنظام وانضباط شديدين وأتدرب يوميا على تنفيذ مهامي العسكرية .

اعتني بلياقتي البدنية والعقلية.

أصون سلاحي ونفسي والمعدات التي استخدمها .

احترف مهنتي إلى حد العشق المقدس.

وأنا على أهبة الاستعداد للدخول في المعارك التي تحددها بلادي.

أدافع عن الحرية والحياة والعرض .

فأنا جندي.

الجندي الحقيقي مصدر آمان لا مصدر خوف وإرهاب . لكن تاريخ الحروب كان دائما بعيدا عن هذه القيم ومارس الجنود أشياء تتنافى وعقيدتهم العسكرية . أما القيم العسكرية للجيوش فيمكن أن نوجزها بما يلي:

- الولاء للدولة وسمعة الوطن .

- الواجب بكل معانيه .

- الاحترام .

- التفاني في العمل.

- الشرف وتطبيق القيم.

- الأخلاق والالتزام بالقانون .

- الشجاعة .

- عدم إهانة الآخرين.

- الثقة بالسلوك.

- تقديم حاجات الآخرين على الحاجات الشخصية.

- إغاثة الملهوف .

- المساعدة الإنسانية.

- احترام العادات الاجتماعية للشعوب.

- عدم التحرش الجنسي.

- احترام الصغار.

- المحافظة على الممتلكات العامة والخاصة.

ومتى فقدت الجيوش هذه القيم العسكرية تحولت إلى ميليشيات وتنظيمات مسلحة .

الاغتصاب جرم أخلاقي ودولي:

كان الاغتصاب على مدى قرون مسألة جدلية داخل المحافل القانونية الحكومية والدينية والدولية رغم أنه مسألة محسومة من الناحية الأخلاقية . وكما تتناقض القوانين مع الأخلاق أحيانا كثيرة يتناقض الدين مع الأخلاق في كثير من الأحيان خاصة وأن بعض الأديان يعتبر الاغتصاب من غنائم الحرب وتبيح الجواري والسبايا .

المشكلة في الاغتصاب هي أن ضحاياه يلوذون بالصمت خوفا من العقاب الاجتماعي الذي يلوم الضحية ولا يلوم الجاني . وحتى عام 1998 سجلت الجهات المختصة في الأمم المتحدة نتائج مخزية تشير إلى اعتبار الجيوش الاغتصاب جزءا مشروعا من غنائم الحرب ولم تُعتبر النساء والفتيات والقصّر أمانة بعنق الجنود يجب المحافظة عليها في فترات الحروب . وفي عام 2000 م صدر القراران رقم 1325 و1820 عن مجلس الأمن يعتبران أن ممارسة التحرش الجنسي والعنف والجنس والاغتصاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وركنا أساسيا من أركان الإبادة الجماعية .

خلال الحرب العالمية الثانية، اتهمت جميع أطراف النزاع بالاغتصاب الجماعي إلا أن المحكمتين اللتين أنشأتهما دول التحالف المنتصرة لمقاضاة مرتكبي جرائم الحرب في طوكيو ونورمبرغ لم تعترف بالطابع الإجرامي للعنف الجنسي ضد النساء .

وفي عام 1992 أعلن مجلس الأمن أن الاحتجاز واغتصاب النساء الجماعي والمنظم والمنهجي وفي الخصوص النساء المسلمات في البوسنة والهرسك يشكلان "جريمة دولية لا يمكن تجاهلها".

كما شمل النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في وقت لاحق والخاص بيوغوسلافيا السابقة الاغتصاب كجريمة من الجرائم ضد الإنسانية إلى جانب جرائم أخرى مثل التعذيب والإبادة وذلك عندما ترتكب في نزاع مسلح موجه ضد السكان المدنيين . وسعت المحكمة إلى اعتبار الرق جريمة ضد الإنسانية واعتبرت أنه يشمل الرق الجنسي أيضا .

كما أخذت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في اعتبارها حالات الاغتصاب في الصراع البوسني ومنذ عام 2000م بدأت محاكمة “معسكرات الاغتصاب” في فوكا في البوسنة وقامت المحكمة بتكييف الاغتصاب كجريمة ضد الإنسانية وحكمت على مرتكبيها بالسجن مدة 40 و45 و39 عاما. لقد أدين أكثر من ثلث المتهمين من قبل المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة بجرائم تتعلق بالعنف الجنسي.

ثم شملت المحكمة الجنائية الدولية لرواندا أيضا الاغتصاب في نظامها الأساسي. وفي سنة 2001 أصبحت المحكمة الدولية الأولى والوحيدة التي تعتبر أن أفعال الشخص المتهم بارتكاب جريمة الاغتصاب تمثل جريمة إبادة جماعية . وقد اعتبر الحكم الصادر ضد العمدة السابق جان بول أكايسو أن الاغتصاب والاعتداء الجنسي يمثلان أعمال إبادة جماعية من حيث أنها ارتكبت بقصد تدمير جماعة التوتسي الإثنية كليا أو جزئيا.

ويعتبر نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الذي دخل حيز التنفيذ منذ عام 2002 أن الاغتصاب والرق الجنسي والبغاء القسري والحمل القسري والتعقيم القسري أو أي شكل آخر من أشكال العنف الجنسي ذات الخطورة المماثلة بين الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية عندما ترتكب بصفة واسعة ومنهجية . وتتضمن مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية عدة تهم بالاغتصاب معتبرة إياها كجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

وفي عام 2016 ، حكمت المحكمة الجنائية الدولية على الكونغولي جان بيير بيمبا بالسجن لمدة 18 عاما بسبب سماحه وتغاضيه عن ممارسة الاغتصاب في جمهورية أفريقيا الوسطى معتبرة أنها جريمة ضد الإنسانية. وهذه هي المرة الأولى التي لا تتناول فيها المحكمة الجنائية الدولية مسألة الاغتصاب في الحرب فحسب بل أيضاً التي تدين جان بيير بيمبا كقائد وليس المرتكب المباشر للجريمة. وهذا يبرهن على أن اغتصاب الحرب ليس مسألة تتعلق فقط بمن يرتكبون الاغتصاب مباشرة ، بل تمس القادة الذين يأمرون باستخدام هذا السلاح ضد المدنيين .

يمهد قرار المحكمة الجنائية الدولية الطريق نحو المزيد من التشدد في معاقبة ممارسي وداعمي الاغتصاب في الحرب على اعتبار أن:

- اغتصاب النساء وفي الحروب قرار سلطة وقيادة وليس مسألة نزوة جنسية .

- اغتصاب النساء في الحروب هجوم على الجماعات ويندرج تحت مسمى الإبادة الجماعية له أهداف محددة ومتعددة .

- اغتصاب الحرب ليس مسألة جنسية بل جريمة دولية يعاقب عليها القانون وإهانة للضمير الإنساني .

الأهداف الحقيقية لممارسة الاغتصاب في الحروب:

يهدف الاغتصاب في كثير من الأحيان إلى إرهاب السكان وتفكيك الأسر وتدمير المجتمعات المحلية وفي بعض الحالات تغيير التكوين العرقي للسكان. كما يمكن أيضا أن يستغل لنقل فيروس نقص المناعة المكتسب الإيدز عمدا إلى النساء أو جعل النساء المستهدفات غير قادرات على الحمل. وقد تبين للمراقبين أن ممارسة الاغتصاب يتم التحضير لها مثل أي عمل عدواني أو هجوم مسلح . هناك من يفكر فيه ومن يخطط له بهدف تحقيق أهداف كثيرة منها:

1- التطهير العرقي في البوسنة والهرسك ورواندا أو اليوم ضد العرق الأيزيدي في العراق أو ضد أقليات الروهينجا في بورما أو بعض الطوائف في سورية.

2- تحقيق الإستراتيجية السياسية والاقتصادية في جمهورية الكونغو الديمقراطية أو في جمهورية إفريقيا الوسطى حيث تتركز مناطق الاغتصاب في مناطق انتشار مناجم الألماس والذهب والمعادن الثمينة وهدفها تخويف السكان والسماح للميليشيات والعصابات المسلحة باستغلال المعادن وسرقتها لصالح أناس نافذين .

3- الاغتصاب وسيلة للإرهاب والتعذيب كما في العراق أو ليبيا أو سورية أو في جنوب السودان على يد مجموعات مسلحة وتنظيمات إرهابية وخاصة ضد الأقليات.

4- الاغتصاب وسيلة للقمع السياسي في غينيا أو سريلانكا أو زمبابوي أو كينيا.

5- الاغتصاب رسالة خالدة لبعض المنظمات الإرهابية كما حدث حين دعا أبو بكر البغدادي رئيس تنظيم الدولة الإسلامية في رسالة إلى رجاله إلى حمل الناس لاعتناق دين الإسلام عن طريق الاغتصاب. وقد جعل داعش اغتصاب النساء في الحرب أهم سلاح في إستراتيجيته العسكرية . وهذا السلاح هو أيضاً السلاح المفضل لتنظيم بوكو حرام في نيجيريا الذي يستهدف الفتيات وخاصة اللواتي يذهبن إلى المدرسة حيث يقومون باختطافهن وتكرار اغتصابهن وتزويجهن بالقوة إلى أعضاء بوكو حرام. وكانت أكبر عملية اختطاف حدثت عام 2014 إذ تم اختطاف حوالي 200 فتاة لصالح جماعة بوكو حرام .

6- يستخدم الاغتصاب كإغراء للتجنيد من قبل داعش وبوكو حرام حيث يكون ضمان ممارسة الجنس أداة هامة للتجنيد بالنسبة لمعظم المنظمات الجهادية المتطرفة. في الآونة الأخيرة تم تجنيد العديد من الأفراد في السودان بمقتضى واجب ضمان وجود "النساء" وفي كثير من الأحيان تقل أعمارهم عن 10 سنة . (جهاد النكاح)

7- الاغتصاب مصدر جديد للمال عن طريق الاتجار بالبشر و"أسواق الجنس" وطلبات الفدية وهذه الممارسات هي شكل جديد للحصول على الموارد المالية على غرار النفط.

8- الاغتصاب سياسة للتحريض الطائفي ضد الأقليات كما حدث في حمص وبعض القرى التي تسكنها الأقليات في سورية ووسيلة للتأجيج الطائفي .

وقد مارس كل من بوكو حرام في نيجيريا والساحل الأفريقي وتنظيم داعش في العراق وسورية جعل الاغتصاب ناموسا مقدسا وأصدرا الفتاوى التي تحلل هذه الممارسات وأقاموا أسواقا تباع فيها النساء استنادا إلى جدول أسعار حسب السن والجمال والعذرية والمجتمع الذي تنتمي له الضحية . كما دمجت هذه المجموعات الاغتصاب في إستراتيجيتها الإرهابية لأنها فهمت مقدار التأثير الذي يشكله الاغتصاب على انضباط أفرادها وأحلت ما يسمى بجهاد النكاح .

الاغتصاب سلاح مشين:

تقود الصراعات المسلحة وغياب القانون إلى حالة يسود فيها انعدام الأمن وانتشار قانون الغابة والإفلات من العقاب . وبذلك يصبح الاغتصاب قضية جريمة جماعية وربما هذا ما يدفعنا لزيادة الوعي به وبمخاطره وتأثيراته السلبية على المجتمع .

ومع صعوبة الوصول إلى العدالة أو الرعاية أو انعدامهما كلياً لا يمكن معالجة أثار الصدمة التي يولدها الاغتصاب بصفة فورية بسبب صمت الضحايا فتزول الأدلة وتصبح هذه الجريمة جريمة مثالية من المستحيل إثباتها. ويتولد نوع من الصمت الجماعي المقترن بالمحرمات المرتبطة بالعنف الجنسي التي لا تسمح بإعطاء صوت للضحايا وبالتالي لا تسمح بإعطائهم أية إجابة أو راحة نفسية أو معاقبة للمجرمين الفاعلين . وتشير الإحصاءات الدولية إلى أن حوالي 90 % من ضحايا الاغتصاب يعيشون في مناطق يتعذر الوصول إليها أو تحقيق العدالة فيها أو محاسبة الفاعلين .

عواقب الاغتصاب في الحروب:

الاغتصاب في الحرب جريمة مثالية أركانها: الخداع والمخاتلة والتكلفة الزهيدة ويترتب عليها آثارا واضحة على المدى الطويل ويحميها الإفلات من العقاب.

الاغتصاب أثناء الحرب له أثر مدمر ليس على الضحايا فحسب بل أيضاً على المجتمع . وإذا لم يتم التصدي لمرتكبي الاغتصاب بمحاكمتهم وملاحقتهم قضائياً فإن العنف سوف يزداد وتنتشر ثقافة الاغتصاب في البلدان التي وقع فيها اغتصاب أثناء الحرب حتى بعد فترة طويلة من انتهاء النزاع لأن أصحابه حين يفلتون من العقاب ينشرون ثقافة الفوضى والاستباحة . يقول شهود عيان أن الاغتصاب غالبا ما يحدث في الأماكن العامة وأمام أفراد الأسرة إن كانوا أطفالا أو شبابا والهدف من ذلك هو زراعة بذور العنف وتهيئة الأرض الخصبة لاستمرار العنف المتواصل.

طبقًا لتقرير اليونسيف لعام 1996 عن أحوال أطفال العالم فإن "تحطم العائلات وانحلالها" نتيجة خروج الرجال للحروب . يترك النساء على وجه الخصوص ضِعافًا وعُرضة للعنف ففي الحرب العالمية الثانية تم اختطاف النساء وسجنهن وإجبارهن على تلبية الاحتياجات الجنسية للجنود . وفي حرب فيتنام أيضًا تم إجبار النساء على ممارسة البغاء القسري واستمر هذا الاتجاه في صراعات اليوم وأصبحت هذه هي السمة الأساسية بالنسبة للنساء: أن يصبحن عُرضة للاغتصاب والبغاء القسري والاتجار بهن بتواطؤ من الحكومات والسلطات العسكرية في فترات الحروب. تقول إحدى المغتصبات لابنتها التي سألتها عن أبيها: " يا بُنيتي ارحلي إلى كرواتيا واسألي كل رجل تجدينه في الشارع: هل أنت أبي؟"

تم استهداف النساء والفتيات من " البوسنة والهرسك إلى رواندا وبيرو والعراق وسورية في النزاعات والحروب المختلفة وكان الاغتصاب هو الأكثر ألمًا وتدميرًا للمرأة وللمجتمعات التي عانت منه " كما أن العنف ضد المرأة وخاصة الاغتصاب أصبح "وصمة عار" خاصة بالحروب في الأزمنة الأخيرة. ولا ترجع أسباب استخدام الاغتصاب كسلاحٍ في الحروب فقط لكونه إستراتيجية عسكرية تتبعها بعض أطراف النزاع لفرض قوتها وإذلال الطرف الآخر ، وقد أصبح هذا التصرف شبه متعارف عليه بين الجيوش فالفتيات والنساء في معسكرات الاعتقال والسجون ومعسكرات اللجوء أصبحن "غنائم حرب" وأصبح من حق الطرف المنتصر التصرّف فيها كما يشاء ويجري كل ما يجري تحت أعين الحكومات أو القيادات ومباركتها. بل وأصبحت مخيمات اللاجئين كذلك هي جزء من الصراع على الفوز بالغنيمة الأكبر من الحرب وهو ما حدث كذلك في البوسنة والهرسك ومخيمات اللجوء السوري في دول جوار سورية

يؤثر الاغتصاب على الضحية حيث يتأذى من الناحية النفسية والفيزيولوجية ثم العائلة ثم المجتمع وبالتالي يفقد المجتمع توازنه مما يؤدي إلى استبعاد الضحايا ورفضهم مجتمعيا والتسبب بالفقر ووصم الأطفال المولودين نتيجة الاغتصاب بأنهم أولاد حرام . كما يتسبب في تصاعد العنف والتوتر وضعف الاقتصاد العائلي والمجتمعي والوطني وتكريس مفهوم أن الجريمة سهلة الوقوع. يقود الاغتصاب إلى سلسلة لا تنتهي من العواقب وعلى مستويات مختلفة .

أسئلة وإجابات لا بد منها:

السؤال الأهم الذي يفرض نفسه هو كيف يمكن التصدي بقوة وحزم لظاهرة الاغتصاب في الحروب . للتصدي لهذا السؤال يحب تضافر جهود مؤسسات دولية ومحلية عديدة تشمل الطب وعلم النفس والإرشاد والاقتصاد والقانون والتحليل والتحقيق والتعاون الدولي والتأهيل المجتمعي للجاني والضحية .

ضحايا الاغتصاب في الحروب:

من الصعب تأكيد وجود إحصاءات عالمية ومحلية لضحايا الاغتصاب بسبب "الصمت" الناجم عن القيود الاجتماعية والدينية . هناك إحصاءات خجولة شبه رسمية لضحايا الاغتصاب في الحروب يمكن أن نلخصها بما يلي:

الصين سنة 1937 =80000 ضحية .

بنغلادش سنة 1971 = 20000 ضحية .

غواتيمالا سنة 1994 = 100000 ضحية .

رواندا سنة 1994 = 500000 ضحية .

سيراليون سنة 2008= 60000 ضحية .

البوسنة والهرسك سنة 2008= 3000 ضحية .

كينيا سنة 2008 = 5000 ضحية .

زيمبابوي سنة 2008 = 6000 ضحية .

غينيا سنة 2008 = 10000 ضحية .

الكونغو سنة 2008-2010 = 200000 ضحية .

السودان سنة 2008 ولا يزال النزيف مستمرا = 600000 ضحية .

العراق بعد الاحتلال وحتى الآن (تقديرات) = 7000 ضحية .

الروهنينجا 2008 وحتى الآن = 50000 ضحية .

وحتى اليوم تجد الجهات التي تقوم بالإحصاءات وتأمين شهادات الضحايا صعوبة بالغة في الوصول إلى أماكن النزاع وصعوبة أكبر في إقناع الضحايا بتسجيل اعترافاتهم . ويجدر بنا أن نذكر أن المحكمة الجنائية الدولية تعتبر الاغتصاب عنصرا أساسيا في جرائم الحرب الموجهة ضد الإنسانية ونوعا من الإبادة الجماعية.

الاغتصاب وصمة عار بحق الجاني:

الاغتصاب في الحروب قديم قدم الحروب ذاتها ، لكن نادرا ما يلقى عليه الضوء ونادرا ما تخرج "ناجية" إلى العلن لتضع الجميع في مأزق أخلاقي بين ما يصنفونه جريمة وما يمكن تناسيه وتجاهله للحفاظ على صورة المجتمع المحافظ . يقول أحد مجرمي الحرب في غينيا: " نحن لا نقتل النساء والفتيات وإنما نغتصبهن ونقتل أولادهن وأزواجهن حتى لا يصبحوا مقاتلين في المستقبل " . يشار دائما إلى جرائم الحرب بقوة على أنها قتل وإبادة جماعية وعلى استحياء يذكر الاغتصاب كسلاح أقل ضررا يوجه إلى النساء وكأنهم يسدون خدمة إليهن.

إن تفشي ظاهرة " الإفلات من العقاب هو الذي ساهم في تطبيع العنف ضد النساء والفتيات" وعدم قبول قادة الجيوش ورجال الدين والحكومات بفرض عقوبات رادعة على الجناة لا يزال وصمة عار بحق الإنسانية يجب إعادة النظر بها .

السكوت عن جريمة الاغتصاب في الحرب جريمة:

تتعامل غالبية المجتمعات مع الاغتصاب على أنه عار يلتصق بالضحية أكثر من الجاني وتتجاهله وتغض الطرف عنه. وربما هذا هو السبب الذي يجعل توثيق حالات الاغتصاب أثناء الحرب أمرا بالغ الصعوبة إذ ترفض معظم الضحايا ذكر الواقعة أو الاعتراف بها .

نتائج الاغتصاب على المجتمع:

إذا تابعنا حالات الاغتصاب في العصر الحديث من البوسنة والهرسك إلى رواندا وبيرو مرورا بالعراق والسودان وسورية نجد أنه تم استهداف النساء والفتيات في النزاعات المختلفة . ومن بين السجن والتعذيب والإعدام كوسائل عقابية كان الاغتصاب هو الأكثر ألمًا وتدميرًا للمرأة وللمجتمعات التي عانت منه خاصة في المجتمعات المحافظة التي لا تستطيع المرأة الاعتراف بما حصل معها .

المشكلات النفسية التي تواجهها الفتيات والنساء نتيجة الحرب من جهة ، ونتيجة كونهن المتضررات من الاغتصاب بعد انتهاء النزاعات من جهة أخرى حيث يُنظر للأمر بطريقة شخصية وتعتبر النساء أن ما حدث هو جريمة ضدهنّ فقط وليس ضد المجتمع وتتجاهل المشكلات المجتمعية والاضطرابات الناتجة عن استغلال النساء في الحروب وكونهن مقياسًا لقيم المجتمع ومصدر التربية فيه . فالمشكلات الأسرية والعنف ضد المرأة الناتجين عن شعور الرجال بفقدانهم لقدرتهم على حماية نسائهم وبيوتهم والموت نتيجة الانتحار أو نتيجة العنف ضد المرأة سواء في فترات الحروب أو الفترات التي تليها . كل هذه النتائج وأكثر تخرج بها الدراسات والتقارير الدولية كآثار مترتبة على سلاح الاغتصاب وكيفية تدميره للمرأة وللأسرة وللمجتمع بأكمله . كل هذا يجعل التساؤل مطروحًا عما يفعله المجتمع الدولي للخروج من هذه الأزمات التي يُسببها الاغتصاب والعنف ضد المرأة في الحروب والنزاعات. وهل ترتبط سمعة الجيوش في الحروب الحديثة بقدرتها على إحداث أكبر تدمير ممكن بخصومها عن طريق الاغتصاب أم أن الأمر يرتبط أكثر بالصراعات العرقية وبكونه وسيلة لفرض بعض الجماعات المسلحة هيمنتها على الطرف الآخر؟

وكشف تقرير لمنظمة العفو الدولية ، أنه تم استبدال أعمال السلب والنهب التي كانت تميز الحروب والنزاعات في قرون سابقة ، بالاعتداء الجنسي واغتصاب النساء والفتيات والبغاء القسري والاتجار بالبشر في الحروب الحديثة.

وتؤكد المنظمة أن الاغتصاب أصبح إستراتيجية عسكرية متعمدة تهدف لزعزعة استقرار المجتمعات وبث الرعب وفرض السيطرة في المناطق المتصارع عليها.

وتقول منظمة العفو الدولية "تواجه النساء الناجيات عذابا عاطفيا وأضرارا نفسية وإصابات جسدية ونبذا اجتماعيا والعديد من العواقب الأخرى التي يمكن أن تدمر حياتهن. لقد كانت حياة النساء وأجسادهن شيئا غير معترف به في الحروب لفترة طويلة".

كيف واجه المجتمع الدولي العنف ضد المرأة في فترات النزاع والحرب؟

تذكر الباحثة نيكولا هنري في كتابها الجميل " الحرب والاغتصاب: القانون، الذاكرة والعدالة" أن المجتمع والقانون الدوليين قد تجاهلا العنف ضد المرأة وما يشمله من اغتصاب وإجبار للنساء على البغاء القسري في فترات الحروب لسنواتٍ طويلة ولأسباب إما شخصية أو سياسية وأن التعامل مع مثل هذه القضايا كان يتمُّ في صمت رهيب وتجري محاولات لطمس ملامح تلك القضايا وإسكاتِ الضحايا باعتبار أن مثل هذه الجرائم "خسائر ثانوية " ونتيجة حتمية يفرضها الصراع الدائر في أي بلد من البلدان . ولكن طرأ تحول جذري على تلك النظرة لقضايا الاغتصاب في الفترة ما بين عامي 1940 إلى 1990 وما بعدها وتُرجِع أسباب ذلك إلى أن النساء اللاتي تعرضن للاغتصاب وممارسة البغاء القسري لسنواتٍ طويلة قد أصبحن أكثر قدرة على التعبير عن معاناتهن وأكثر قابلية للحديث عنها علانية وإخبار العالم عما واجهنه من ألم خلال فترات الصراع وأن ذلك منح قضايا الاغتصاب بُعدًا آخر في المحاكمات الدولية التي كثيرًا ما تم تجاهلها في مثل هذه القضايا نتيجة لامتناع النساء عن الإدلاء بشهادتهن.

 

بقلم: محمد عبد الكريم يوسف

.........................

المراجع

الاغتصاب «كسلاح» في حروب العصر الحديث - ساسة بوست

https://www.sasapost.com › rape-as-a-weapon-in-moder

أهداف اغتصاب الحرب

| NotAWeaponOfWar - We Are Not Weapons of War

https://www.notaweaponofwar.org

إغتصاب-الحرب

ما العمل لمواجهة جرائم الاغتصاب في الحروب الدائرة اليوم؟ -

https://www.swissinfo.ch › ara › politics

العنف الجنسي.. سلاح الحروب المدمر - الحرة

https://www.alhurra.com ›

العنف-الجنسي-ضد-النساء-س..

Rape as a weapon of war - Dr. Denis Mukwege Foundation

https://www.mukwegefoundation.org › the-problem › rape-as-a-weapon-o.

Sexual violence as a weapon of war - Unicef

https://www.unicef.org › sex violence

In Depth | How did rape become a weapon of war? - BBC NEWS

news.bbc.co.uk › .

 

معراج احمد الندويإن المهاتما غاندي رمز للوطنية الهندية وروح الإستقلال. دعا هذا القائد العظيم إلى السلام والمحبة والاحترام المتبادل بين الناس. قام بنشر اللاعنف لأجل تحقيق أهدافه السياسية، وفي إطار هذه النظرية اختار النضال السلمي ضد الاحتلال وعدم التعاون معه بدلا من التعذيب والإضطهاد.

إن غاندي يعتبر الشخصية الأكثر الهاما للحركات الداعية للحرية وجمعيات الحقوق الدينية. يحمل غاندي العديد من الألقاب الدالة على سمو مكانته ومنزلته عند المثقفين. فهو في الهند لقب أبوالهند، بجانب لقبه الشهير "المهاتما" الذي يعني الروح العظيم.

لقد كرس المهاتما غاندي حياته لنشر سياسة المقاومة السلمية أو اللاعنف واستمر على مدى أكثر من خمسين عام. أسس غاندي ما عرف في عالم السياسية بـ"المقاومة السلمية" أو فلسفة اللاعنف "الساتياراها"، وهي مجموعة من المبادئ تقوم على أسس دينية وسياسية واقتصادية في آن واحد ملخصها الشجاعة والحقيقة واللاعنف، وتهدف إلى إلحاق الهزيمة بالمحتل عن طريق الوعي الكامل والعميق بالخطر المحدق وتكوين قوة قادرة على مواجهة هذا الخطر باللاعنف أولا ثم بالعنف إذا لم يوجد خيار آخر.

"ساتياغراها" كلمة من سنسكريتية، معناها "النضال السلمي في سبيل الحق". إنها قوة الروح، أو قوة الحب من أجل الحصول على الحق. ويمكن أن يستخدمها الأفراد كما المجتمعات. وهي قوة لا تقهر. يقول غاندي، «اللاعنف هو أعظم القوى في خدمة الجنس البشري، وأقوى سلاح ابتدعته عبقرية الإنسان. إن استخدام "ساتياغراها" يتطلب الصبر، وترويض النفس على عدم الاهتمام بأمر الكساء والغذاء، ومجابهة البغضاء بالمحبة، والباطل بالحق، والعنف بالعذاب الطوعي، حتى يشعر الطغاة بخستهم وحقارتهم.

بدأ غاندي تجربته المقاومة اللاعنف في مواجهة سياسة التمييز العنصري التي كانت قائمة في جنوب أفريقا .وقد عاد عاد إلى الهند وهو يحمل بين جنبيه عبء القضية الهندية. وقد قرر التفكير العميق القيام بحملة ضد الاحتلال في الهند.

رأى غاندي أن اللاعنف هو المنهج السياسي لعامة الناس. ونعكس هذه النظرة لاستخدام التاريخي اللاعنف اعتمادا على قوة الجماهير. ومن أشهر الصراعات التي استخدم فيها اللاعنف في التاريخ هي حملة عدم التعاون التي قادها المهاتما غاندي لاستقلال الهند. وهذه الأفكار الأساسية لمنهج اللاعنف تظهر في من الأديان على وجه الأرض.

إن فكر غاندي منفتح لكل الديانات،إنه كان مخلصا ونقادا في آن واحد، وفي آن واحد معا ملتزما ومتحررا من الأحكام المسبقة، مرتبطا ومتجردا في نفس الوقت. لقد كان غاندي مولدا هندوسيا ولكن من حيث الفكر مسيحيا أو مسلما. في الواقع كان الدين عند غاندي هو الحب والوئام لكل البشرية. هذا التحول في المواقف يبرز بجلاء المشوار الذي قطعه غاندي خلال مسيرته الفكرية والوجدانية.

غلبت النزعة الإنسانية في فكره واحتلت هموم الإنسانية في فكره وعقله وعمله. وقد لخص غاندي موفقه من الديانات قائلا: " كل الأديان تمثل كشفا عن الحقيقة، ولكن جميعها مشوبة بالنقص، ومعرضة للخطأ" ينبغي ألا يمعينا احترامنا للديانات الأخرى عما تنطوي عليه من شوائب، لو أننا نفكر في الديانيات لرأينا من واجبنا أننا نضم إلى إيماننا كل ما في الديانات الأخرى من حسانات.

فقد كان الدين المحرك الأساسي في فكره وعمله. وكانت مثل الدين العليا هي معايير كل أعماله،إلا أن الدين لم يكن عنده طقوسا، ولا تقاليد جامدة أوتعاليم مفروضة،بل كان بحثا جاهدا عن الحقيقة التي خالق الكون والإنسان.

تميزت شخصية غاندي بمسحة عقلانية قوية جعلته يستطيع وضع فلسفة دينية خاصة، ولو أن هذه الفلسفة تأصلت في الهندوسية أنها اكتسبت طبيعة إنسانية وعالمية. ولا يخلو من أهمية أن غاندي أبرز تلك العناصر للهندوسية والتسامح في العلاقات مع اتباع الأديان الأخرى في الجانب الآخر لأنه رأى أن كافة الأديان المختلفة أوراق كثيرة متنوعة لشجرة واحدة ، ولوأنها تبدو مختلفة ولكنها واحدة عند الجدع. إن الأشكال المختلفة التي يتم صياغتها من الذهب تنال أسماء مختلفة ولكنها جميعها بأصلها ليست إلا الذهب.

لقد أكد غاندي أنه ليست هناك سياسة بدون الدين وأوضح أنه لا يعني الدين الذي يكره ويقاتل وإنما يعني الدين العالمي للتسامح. وهذا الدين يفوق الهندوسية والمسيحية والإسلام وكل الأديان في العالم. إن رسالة غاندي هي بطبيعتها أخلاقية وإنسانية وعالمية. لقد استمد المهاتما غاندي في فطره الحق والعدل من الإسلام كما استمد فكرة تجسيد الألوهية في  صورة الإنسان من المسيحية.

ظل غاندي يدعو طيلة حياته إلى الحرية وعدم إستغلال الغنى للفقير أو القوي للضعيف وعدم التفرقة العرقية ودعا إلى إلى الاتحاد والتسامح والسلام والمحبة والوئام. لقد عرف غاندي ما عرف في عالم السياسة بالمقاومة السلمية أو فلسفة اللاعنف "الساتغريه".وهي مجموعة من المبادئ تقوم على أسس دينية وسياسية واقتصادية.

ولا يعرف إلا  قليل من الناس بمساهمة غاندي العظيمة في مفهوم العلمانية في الهند. لقد عارض غاندي أي اقتراح بأن يكون هناك دين للدولة حتى لوكان الشعب الهندي بالجملة يعتنق ذلك الدين. وإنه كا ن يعتبر الدين مسالة  شخصيةـ وأكد الحرية الحرية الدينية لكل مواطين الهندو وقرر أن الدولة ستقف موقف الحياد بخصوص كافة الأديان. وهذا المبدأ نال مكانا في دستور الهند المستقلة.

إن البشرية تعيش اليوم عصر العنف، وأما التوصل إلى السلام عن طريق الوسائل الخالية من العنف فتؤيده كل الأمم والدول الأعضاء للأمم المتحدة التي ترسل لحفظ السلام إلى مختلف أنحاء العالم مما يدل على أن البشرية تصبو للسلام. وسوف يسود السلام العالمي إذا لم يكن هناك عنف، فلا بد من نشر تعاليم غاندي في العالم إذ أن فكرته لعدم العنف لم تنشر بعد في جميع أنحاء الأرض على رجال الدولة والساسة العالميين أن يتحول إلى فلسفته حتى يكون لدينا عالم يسود السلام واللاعنف. فلا بد أن نجعل من فلسفة غاندي الروح العظيمة منارة الهدى والإرشاد.

 

ا. د. م معراج أحمد معراج الندوي - الهند