محمود محمد عليجاءت حرب الساس من أكتوبر عام 1973م، والحظر النفطي، ليساهما في إسراع الإدارة الأمريكية إلى وضع مخططات التدخل العسكري المباشر، بغية الإطاحة بسلاح النفط وإسقاطه والحؤول دون استخدامه مرة ثانية من قبل الدول العربية المنتجة. ولم تقتصر هذه الخطط على المسؤولين الرسميين، بل تعدتها إلى الباحثين والمحللين؛ من أمثال" روبرت توكر"-Robert Tucker،الذي أعد دراسة نشرتها مجلة "كومنتري- Commentary اليهودية في يناير 1975، دعا فيها الولايات المتحدة إلى احتلال حقول النفط العربية بالقوة العسكرية. وزعم أن المنطقة الممكن احتلالها دون عوائق هي المنطقة التي تمتد من الكويت على طول الساحل، حتى قطر وتحتوي على 40% من إنتاج الأوبيك في تلك الفترة .

وهناك دراسة أخري أعدها "مايلز إيغنوتس: Miles Ignotus ونشرتها مجلة هاربر Harper في مارس 1975، قدم فيها الكاتب خطة عسكرية للسيطرة على آبار النفط العربية بأسرع وقت ممكن .وتعطى هذه الخطوة دوراً لإسرائيل من خلال وضع مطاراتها العسكرية تحت تصرف القوات الأمريكية .

وتعد أبرز دراسة تضمنت خطة متكاملة للتدخل عسكريا في مناطق النفط العربي تلك التى أعدها كل "جون كولينز" Jhon Collins الخبير في شؤون الدفاع القومي و"كلايد مارك" Clyde Mark المحلل لشؤون الشرق الأوسط، ونشرت هذه الدراسة في أغسطس 1975 تحت عنوان " آبار النفط كأهداف عسكرية – دراسة في الإمكانات". وقد تناولت في مضمونها حجم المصالح النفطية للولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط، وماهية القرارات الواجب اتخاذها، لاستخدام القوة وكيفية تبريرها، كما تطرقت إلى الظروف التى يجب أن تتوافر لتحقيق السيطرة على المصادر النفطية وردود الفعل المحتملة من قبل الدول المنتجة والاتحاد السوفيتي. ثم اتخذت الدراسة "المملكة العربية السعودية" كمسرح لتنفيذ العملية، مع وصف مسهب لطبيعتها الجغرافية ومواقع المنشآت النفطية وتقدير الاحتياجات العسكرية لإنجاز العملية .

والواقع أن هناك العديد من الدراسات وخطط التدخل العسكري ضد الدول العربية المنتجة للنفط التى وُضعت في ظل الإطارات الأمريكية المتعاقبة لامجال لذكرها وتعدادها، ولكن جميعها ربطت مسألة التدخل عسكريا بحدوث الأمور التالية :

1- إذا أقدم الاتحاد السوفيتي على احتلال آبار النفط، أو قطع طرق إمداداته عن الدول المستهلكة .

2-إذا أقدمت الأقطار العربية على فرض حظر جديد على صادراتها النفطية، أو زيادة أسعار النفط بصورة كبيرة .

3- إذا تعرضت الدول المنتجة الصديقة للولايات المتحدة لغزو من دول أو دولة أخري معادية لأمريكا .

4- إذا وقع انقلاب في دولة منتجة من شأنه أن يؤثر في الإنتاج والأسعار.

5- الاعتداء على حقوق الإنسان بشكل فاضح.

لم تضع الولايات المتحدة هذه الخطط موضع التنفيذ لسببين : الأول تخوفها من ردة الفعل السوفيتية من جهة، ومعارضة الرأي العام الأمريكي للتدخل العسكري من جهة أخري، بسبب عقدة فيتنام التى كانت وما تزال عالقة في أذهان الأمريكيين، ولكن تطور أحداث السبعينيات وما حملته من أخطار على الإمدادات النفطية من منطقة الخليج، جعلت الولايات المتحدة تعيد النظر جدياً في مسألة التدخل المباشر لحماية مصالحها النفطية، بعد أن كانت تعتمد على حلفائها في المنطقة، وخاصة إيران، وإسرائيل .

ولقد كانت نقطة التحول الأساسية في السياسة الأمريكية في منطقة الخليج، نجاح الثورة الإيرانية واختلال التوازن الاستراتيجي في المنطقة، الذي ارتكز على التفوق العسكري الإيراني؛ حيث شكلت إيران المحور الرئيس للنظام الإقليمي في الخليج، ولكل المشاريع والاتفاقات الأمنية. لذلك بخسارة إيران خسرت الولايات المتحدة الأمريكية أهم قاعدة متقدمة لها في خط المواجهة مع الاتحاد السوفيتي في منطقة، تعد من أهم المناطق حيوية للاقتصاد الرأسمالي العالمي .

كذلك مع تنامى دور الاتحاد السوفيتي خاصة بعد احتلال أفغانستان وفي أواخر عام 1979م، حيث جاء التدخل السوفييتي العسكري في أفغانستان لمصلحة الجناح الموالي للسوفييت ليزيد من قلق الولايات المتحدة ومخاوفها، ورأى الأمريكيون في التدخل السوفيتي أهدافاً خليجية تستهدف الاقتراب من مناطق إنتاج النفط تمهيداً للسيطرة عليها أو اقتسام مواردها مع الغرب. وكان التفسير الأمريكي لهذا التدخل نابعاً من اقتناعهم بحاجة السوفييت إلى النفط العربي بسبب العجز المتوقع في إنتاجهم المحلى في منتصف الثمانينات وفقاً لتقرير وكالة الاستخبارات المركزية. وكذلك الاقتراب من المياه الدافئة ( حلم الروس القديم) في المحيط الهندي. وبالوجود السوفيتي العسكري في أفغانستان لم يعد يفصل السوفييت عن تلك المياه سوي الحدود الباكستانية .

ومن هنا شعرت الولايات المتحدة الأمريكية بعد أحداث عام 1979م، أن مصالحها النفطية في منطقة الخليج العربي أصبحت مهددة بالأخطار، وأن استراتيجيتها التى ارتكزت على حلفائها المحليين، قد فشلت بعد سقوط شاه إيران، أهم دعائم هذه الاستراتيجية. وعلى الجانب الآخر، أخفقـت الإدارة الأمريكية في التدخل السوفيتي في أفغانستان. وفي ضوء ﺘﻠﻙ ﺍﻟﻤﺘـﻐﻴﺭﺍﺕ، اكتسبت ﺍلاﺴﺘﺭﺍﺘﻴﺠﻴﺔ ﺍﻷﻤﺭﻴﻜﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺨﻠﻴﺞ ﻤﻼﻤﺢ ﺠﺩﻴﺩﺓ، ﻭﺍﻀﻁﺭﺕ ﺍﻟﻭﻻﻴﺎﺕ ﺍﻟﻤﺘﺤﺩﺓ ﺍﻷﻤﺭيكية ﺇﻟﻰ ﺇﻋﺎﺩﺓ ﺘﻘﻴﻴﻡ ﺇﺴﺘﺭﺍﺘﻴﺠﻴﺘﻬﺎ ﻭﻭﺠﻭﺩﻫﺎ ﺍﻟﻌﺴﻜﺭﻱ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻨﻁﻘﺔ،ﻭﺍﺘﺨﺎﺫ ﺴﻴﺎﺴﺎﺕ ﺘﺩﻋﻴﻡ ﺍﻟﻘﻭﻯ ﺍﻷﻤﺭﻴﻜﻴﺔ، ﻭﺍﻟﺤﺼﻭل ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﻭﺍﻋـﺩ ﻭﺍﻟﺘﺴﻬﻴﻼﺕ، ﻭﺘﻁﻭﻴﺭ ﺇﻤكانية ﺍﻟﺘﺩﺨل ﺍﻟﻤﺒﺎﺸر، كما ﺃﺼﺒﺢ ﺍﻟﺘﺯﺍﻡ، ﺍﻟﻭﻻﻴﺎﺕ ﺍﻟﻤﺘﺤﺩﺓ ﺍﻷﻤﺭيكية بالحفاظ على ﺃﻤﻥ ﺍﻟﺨﻠﻴﺞ ﻤﻥ ﺃﻫﻡ ﺍﻟﻌﻨﺎﺼﺭ ﺍﻹﺴﺘﺭﺍﺘﻴﺠﻴﺔ ﺍﻷﻤﻨﻴﺔ ﻟﺘﻠﻙ ﺍﻟﺩﻭل، واتخذ الرئيس"جيمي كارتر"ﻋﺩﺩﺍً ﻤﻥ ﺍﻟﺨﻁﻭﺍﺕ ﺍﻷﻭﻟﻴﺔ، ﻨﺤﻭ ﺇﻋﺎﺩﺓ ﻨﻬﺞ ﺴﻴﺎﺴﺘﻪ ﺍﻟﺨﺎﺭﺠﻴﺔ ﺘﺠﺎﻩ ﻤﻭﻗﻑ ﺍﻟﺴﻴﺎﺴﺔ ﺍﻟﻭﺍﻗﻌﻴﺔ، ﻭﻁﺭﺤﺕ ﻋﺩﺓ ﺒﺩﺍﺌل ﻤﻥ ﺍﻻﻋﺘﻤﺎﺩ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﻭﻯ ﺍﻟﻤﺤﻠﻴﺔ،كاﻟﺴﻌﻭﺩﻴﺔ، ﺃﻭ ﺍﻟﻘﻭﺓ ﺍﻟﻌﺴﻜﺭﻴﺔ ﺍﻷﻤﺭﻴﻜﻴﺔ ﺍﻟﻤﺒﺎﺸﺭﺓ، ﺒل ﺍﻟﺘﻔﻜﻴﺭ ﺍﺘﺠﻪ ﺇﻟﻰ إسرائيل، ﺃﻭ إنشاء ﺃﺴﻁﻭل ﺃﻤﺭﻴﻜﻲ ﺩﺍﺌﻡ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺤﻴﻁ ﺍﻟﻬﻨﺩﻱ .

ﻭﻓﻲ ﺃﻭﺍﺴﻁ يونيو عام 1979م، ﺘﻡ ﺍﺴﺘﺩعاءﺀ ﺨﺒراء ﺍﻹﺴﺘﺭﺍﺘﻴﺠﻴﺔ ﻓﻲ ﺇﺩﺍﺭﺓ كارتر؛ ﻟﻭﻀﻊ ﺍﻟﺨﻁﻭﻁ ﺍﻟﺭﺌﻴﺴﺔ لمبدأ كارتر؛ ﻟﻠﺘﻌﻭﻴﺽ ﻋﻥ ﻤﺒﺩﺃ ﻨﻴﻜﺴﻭن ﺍﻟﺫﻱ ﻓﻘﺩ ﺼﻼﺤﻴﺘﻪ؛ ﻓﻘﺩ ﺃﺩركت ﺍﻟﻭﻻﻴﺎﺕ ﺍﻟﻤﺘﺤﺩﺓ ﺍﻷﻤﺭﻴكية، ﺃﻥ ﺇﺩﺨﺎل ﺍﻟﻘﻭﺓ ﺍﻟﻌﺴﻜﺭﻴﺔ ﺒﺸﻜل ﻤﺒﺎﺸﺭ، إنما ﺍﻟﺴﺒﻴل ﺍﻟﻔﻌال ﺍﻟﻭﺤﻴﺩ ﻟﻤﻭﺍﺠﻬﺔ ﺍﻟﺘﺼﺭﻓﺎﺕ ﺍﻟﺴﻭﻓﻴﺘﻴﺔ، وكما ﺃﻋﻠﻥ " زبيجنيو بريجينسكي " Zbigniew Brzezinski ﻓﻲ ﻤﻘﺎﺒﻠﺔ، ﻤﻌﻪ ﻗﺒل ﺃﺴﺒﻭﻉ ﻭﺍﺤﺩ ﻤﻥ ﺇﻋﻼﻥ ﻤﺒﺩﺃ ﺍﻟﺭﺌﻴﺱ كارتر: إﻥ ﺍﻟﻭﻻﻴﺎﺕ ﺍﻟﻤﺘﺤﺩﺓ ﺍﻷﻤﺭيكية ﻤﺴﺘﻌﺩﺓ ﻻﺴﺘﺨﺩﺍﻡ ﺍﻟﻘﻭﺓ الحيوية .

وفي الخطاب الذي ألقاه الرئيس كارتر بمناسبة يوم الاتحاد في 24 يناير عم 1980، تطرق فيه إلى الوضع السائد في الخليج معلناً، موقف الولايات المتحدة من الأحداث الجارية في تلك المنطقة قائلا:" ليكن موقفنا واضحاً، إن أي محاولة من أي قوة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج الفارسي، ستُعتبر تهديداً للمصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية، وستُستخدم كل الوسائل الضرورية للرد عليها، بما في ذلك القوة العسكرية".

وأحيط هذا المبدأ بمبررات جديدة، فبالإضافة إلى الحديث عن استخدام القوة ضد الدول المنتجة للنفط في حال فرض حظر نفطى جديد كما كان يقال في منتصف السبعينات، فإن الولايات المتحدة مستعدة أيضاً لاستخدام التهديدات التى تتعرض لها دول الخليج، والتي تشمل العدوان الخارجي أو الداخلي، والمقصود هنا التهديدات السوفيتية، أو الاعتداء من قبل أي دولة من دول المنطقة على دولة أخري .

وقد ﺸﻜل مبدأ كارتر مفاجأة للعالم أجمع، وكان أكبر المذهولين "شاه إيران" الذي اعتقد طوال أزمته مع الثورة أن لدى الولايات المتحدة خطة للتعامل مع ما يجري له ولمنطقة الخليج، ليكتشف أن ما تقوم به إدارة كارتر لا يعدو أن يكون ردة فعل آنية لم يخطط لها مستقبلاً .

إن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة التى وضع أسسها "مبدأ كارتر" على حق الولايات المتحدة بالتدخل عسكرياً في أي مكان تتهدد فيه مصالحها ومصالح العالم الغربي الحيوية، ولما كان الخليج العربي بثروته النفطية يشكل مصلحة حيوية بالنسبة للمصالح الغربية، فإن الدفاع عن هذه المصالح يحتاج إلى آلية للتنفيذ، وفي هذا الإطار برزت فكرة "قوات التدخل السريع"، والحصول على قواعد عسكرية في المنطقة تحت ستار التسهيلات العسكرية، وذلك على النحوالتالي :

أ- قوات التدخل السريع:

إن فكرة إنشاء قوات التدخل السريع ليست بجديدة، إنها تعود إلى أوائل الستينيات عندما كان "روبرت ماكمار" Robert MacMar وزيراً للدفاع الأمريكي، اقترح تعديلات على نظرية "الرد الشامل " النووي التى كانت سائدة في عهد أيزنهاور واستبدلها بنظرية "الرد المرن" التى تتيح ممارسة العمل العسكري في شكل لا يؤدي بالضرورة إلى مواجهة نووية مع السوفييت .وقد اقترح في هذا الشأن إنشاء قوات ضاربة متحركة يمكنها التدخل في المناطق النائية بسرعة وفاعلية .لكن هذا الاقتراح رفضه الكونجرس الأمريكي .

وتبلور مفهوم قوات التدخل السريع بعد أزمة الطاقة عام 1973م، واستخدام النفط كسلاح استراتيجي من قبل الدول العربية المنتجة، الأمر الذي دفع بالدوائر العسكرية الأمريكية إلى طرح فكرة احتلال منابع النفط بالقوة، لكنها بقيت في حدود الضغط والتهويل. لم تخرج هذه الفكرة إلى حيز التطبيق إلا بعد انتصار الثورة الإيرانية وسقوط نظام الشاه، واحتجاز الدبلوماسيين الأمريكيين في السفارة الأمريكية في طهران، وفشل محاولة إنقاذ الرهائن، مما دفع بوزارة الدفاع الأمريكية التى تشكل قوة مؤلفة من 110 آلاف رجل للتدخل في الأزمات. وقد ارتفع عدد هذه القوات إلى 200 ألف رجل مع تكثيف الوحدات العسكرية في منطقة الخليج والمحيط الهندي خاصة بعد العملية السوفيتية في أفغانستان .

وفي أغسطس عام 1978 م أصدر كارتر الأمر الرئاسي رقم "18"، القاضي بتشكيل فرقة عسكرية للعمل في مناطق التوتر الإقليمي، ولاحقا تبين أن الخليج العربي سيكون اختصاصها المباشر، للأهمية الاستراتيجية والاقتصادية لتلك المنطقة، وفي أواسط 1978 م أشارت الدلائل إلى تعاظم الاهتمام بتعزيز الوجود الأمريكي في المحيط الهندي وبحر العرب والخليج العربي، وفي مارس 1980م، أعلنت الولايات المتحدة عن تشكيل القيادة المشتركة لقوات الانتشار السريع وعُين الجنرال "جون كيلي" John Kelly قائدا لهذه القوات.

ب- البحث عن القواعد والتسهيلات العسكرية:

إذا كانت قوات التدخل السريع هي الأداة التنفيذية التي يرتكز عليها مبدأ كارتر، فإن القواعد والتسهيلات العسكرية الأمريكية في دول المنطقة تشكل البنية التحتية لعمل هذه القوات في تحركاتها لمواجهة التهديدات التي تتعرض لها مصالحها الحيوية في الخليج وبحر العرب .

لذلك سعت إدارة كارتر منذ عام 1980 للحصول على قواعد في منطقة الخليج العربي والمحيط الهندي تتمركز فيها هذه القوات وتستخدمها لمواجهة الأزمات الطارئة والأخطار التى تهدد النفط من الخليج .

وبالفعل استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية عقد اتفاقات مع كل من عُمان، والصومال، وكينا تسمح للقوات الأمريكية باستخدام القواعد العسكرية الوطنية لهذه البلدان وبناء المنشآت والمستودعات الضخمة لتخزين المعدات الحربية من أجل تسهيل عمل هذه القوات في المنطقة . كما عززت الولايات المتحدة وجودها العسكري في قاعدة " الجفير " بالبحرين، وقاعدة "مصيرة" التابعة لسلطنة عمان وفي قاعدة "دييغو غارسيا" Diego Garcia وهى أكبر قاعدة رئيسية للبنتاجون في المحيط الهندي. بالإضافة إلى ذلك، تمكنت الولايات المتحدة من الحصول على تسهيلات عسكرية في بعض الموانئ والمطارات التابعة لأقطار ترتبط بعلاقات وطيدة مع الحكومة الأمريكية، مثل مصر، وإسرائيل، والسعودية .

ويُلاحظ أن القواعد والتسهيلات العسكرية التى حصلت عليه الولايات المتحدة، تهدف إلى تحقيق أمرين: إقامة سياح عسكري حول، أو بالقرب من منابع النفط، وتقديم التسهيلات العسكرية اللوجستية اللازمة لقوات الانتشار السريع .

وإذا كان تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في الخليج يشكل البعد العسكري للاستراتيجية الأمريكية الجديدة، فإن البعد السياسي لهذه الاستراتيجية يهدف إلى ضمان استقرار الأنظمة الحليفة وإلى تحقيق السلام الأمريكي في المنطقة، وتحويل الصراع في الشرق الأوسط من صراع بين العرب وإسرائيل إلى صراع بين العرب الموالين للولايات المتحدة والعرب الموالين للاتحاد السوفيتي .

خلاصة القول إن الأخطار التى بدت تهدد نفط الخليج وطرق نقله بعد قيام الثورة الإيرانية والتدخل العسكري السوفيتي في أفغانستان، دفعت بالقوات الأمريكية وأساطيلها إلى الحضور المباشر في منطقة الخليج لحماية مصالح الغرب الحيوية المتمثلة بالنفط بشكل رئيسي. وقد عبر مبدأ كارترعن هذا التوجه الجديد المبنى على اعتماد الولايات المتحدة الأمريكية على قواتها الذاتية بدلاً من اعتمادها على الحلفاء.

وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

في ظل سيادة قول لا شيء مستحيل أمام قدرات الإنسان في تطوير العلم، بدأ الحديث عن ما بعد الإنسانية في عصر الما بعديات، فما المقصود بـ ما بعد الإنسانية؟ هل هو علم قائم بذاته أم مجرد خيال علمي؟ وهم أم أمل؟ وما بُعده الآيديولوجي؟ وكيف يرى مفكرو مابعد الإنسانية  دورهم في صناعة تاريخ الفكر البشري؟

في بداية القرن الحادي والعشرين، وبفضل التقدم السريع في مجال العلوم التقنية، أصبح من السهل تقديم مشروع علمي من شأنه تحقيق الأمل في تحسين القدرات الإنسانية-والتحسين هنا لا يعني التطور-، وفي الوقت نفسه، لا يمكن انكار إن مسألة التحسين لم تعد قضية علمية فحسب، إذ تتنافس فيها مجموعة من الشركات التي تدرك مدى الايرادات المالية التي يمكن تحقيقها من خلال العمل بهذا المجال.

تعد مابعد الإنسانية حركة فكرية ثقافية فلسفية وأخلاقية تؤكد على تحسين القدرات الإنسانية من خلال تطوير التقنيات التي لها القدرة على فعل ذلك، وتضم مجموعة من الأفكار والقضايا، منها: الانثروبولوجية، المعرفية، الأخلاقية، والسياسية، في مناقشة موضوعات أخلاقيات البيولوجيا، ولا يمكن انكار أن هذه الموضوعات تعد ظاهرة مركبة ومعقدة، إذ بالامكان دراستها من وجهات نظر متعددة، لهذا نجد المهتمين بها من تخصصات واهتمامات مختلفة من اجل تحسين القدرات الإنسانية، وتحقيق ما يسعون إليه على وفق الشعارات التي ينادون بها: "عقول أفضل، أجساد أفضل، وحياة أفضل" .

يسعى علماء ما بعد الإنسانية الى الدراسة المستمرة للتصاميم الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية والتنمية الثقافية والمهارات والتقنيات النفسية لتحسين الحالة الإنسانية، إلا أن تركيزهم واضح على أولوية التكنولوجيا التي لا غنى عنها لتحقيق ذلك، وهذا ما يجعل منها حركة آيديولوجية تُمثل صورة للادعاء بأن التكنولوجيا أصبحت الأنطولوجيا للمجتمع الغربي الحديث .

يحاول القائلون بـ مابعد الإنسانية أو على الأقل من يدافع عن حقهم الى تعزيز أنفسهم وذريتهم من خلال مجموعة متنوعة من المساعي التكنولوجية بشكل رئيس مثل الهندسة الوراثية التي تساهم بتمكين الآباء ليس بالكشف عن مرض ابنائهم فحسب، إنما في اختيار السمات الشخصية المرغوبة لهم وكذلك العمل على تحسين الإنسانية ضمن الاحتمالات الآتية: إطالة عمر الإنسان بشكل جذري من خلال إبطاء أو إيقاف عملية الشيخوخة، والقضاء على الأمراض (الوراثية والمعدية على حد سواء)، وزيادة القدرات الفكرية والعقلية والجسدية والعاطفية للإنسان، كذلك يعتبر استعمار الفضاء والذكاء الاصطناعي المتقدم أيضاً من الموضوعات المتكرر ذكرها في الفكر مابعد الإنساني .

ولعل أبرز فلاسفة ما بعد الإنسانية هو بوستروم Nick Bostrom، ففي مقالته المعنونة "تاريخ فكر مابعد الإنسانية"، يؤكد أن الجذور الفلسفية والثقافية لأطروحتهم، والرغبة في اكتساب قدرات جديدة تعد قديمة قدم الحضارة الإنسانية، إذ تبدأ مع الأساطير السومرية (حوالي 1700 ق.م.) المتمثلة بأسئلة الخلود، فضلاً عن سعي مفكري العصور الوسطى المسيحية للسيطرة على الطبيعة مروراً بـ "معرفة فرانسيس بيكون" التي ولدت الثورة العلمية إلى الفلسفة المادية لعصر التنوير، ويتضمن أيضاً تأكيد إيمانويل كانط على العقلانية، والفلسفة النفعية لجون ستيوارت مل، والنظرية التطورية التي أقترحها دارون في أصل الأنواع (1859)، والتنبؤات بشأن التحكم في علم الوراثة التي طرحها هالدين عالم الكيمياء الحيوية في عام  1923م  وألدوس هكسلي في رواية "العالم الشجاع" للعام 1932م. إن هذه الأمثلة تعمل على ربط ادعاء بوستروم بأن ما بعد الإنسانية هو التجسيد الناتج عن سعي الإنسان لتجاوز ذاته .

وكما ذُكر سابقاً، إن هناك العديد من العلماء والباحثين ممن لديهم خلفيات مهنية متنوعة ينتمون الى هذه الحركة، لعل أبرزهم:

1- الفيلسوف بوستروم Nick Bostrom .

2- عالم الاجتماع والأخلاقيات البيولوجية جيمس هيوز James Hughes.

3- المخترع ورجل الأعمال راي كورزويل Ray Kurzweil .

4- مُنظر تقنية النانو ك. إريك دريكسلر K. Eric Drexler  .

5- أخصائي الطب الحيوي أوبري دي جراي Aubrey de Grey .

6- الناقدة الأدبية لما بعد الحداثة كاثرين هايلز N. Katherine Hayles  .

7- الفيزيائي الحيوي ورجل الأعمال غريغوري ستوك Gregory Stock.

8- الفيزيائي وعالم الرياضيات فريمان دايسون Freeman Dyson.

9- روبرت فريتاس Robert Freitas( خبير نظرية النانو الطبي).

10- رالف ميركل Ralph Merkle  (عالم أبحاث في علوم الأرض وعلوم الكمبيوتر).

11- باحث المستقبل والروبوتات هانز مورافيك  Hans Moravec.

فضلاً عن شخصيات أخرى تسعى بشكل حثيث على تبسيط أفكار ما بعد الإنسانية لتقديمها للجمهور، لعل من بينها الفيلسوف البلجيكي جلبرت هوتوا الذي قدم قراءة تتضمن خلاصة لما بعد الإنسانية وتحول الانسانية، والجدل القائم حولهما، إذ يتم فهم الاثنين من خلال الإشارة إلى الشيء نفسه، ومع ذلك يجب على القارئ أن يدرك أن هناك تفسيرات متنوعة لمصطلحي "ما بعد الإنسانية" و"تحول الانسانية"، وهذا ما حاول هوتوا تمييزه، اذ تعد دراسته واحدة من أهم الدراسات التي اهتمت بهذا الموضوع، وما يميزها عن الدراسات الأخرى، هو أن المؤلف يقدم للقارئ العام والمختص، معاً، مادة معرفية علمية بأسلوب مبسط، وفي الوقت نفسه، يمكن أن تكون مدخلاً لكل من يريد الأطلاع على الجدل الراهن المرتبط بعلاقة الإنسان بعلم الوراثة والتقنيات الحديثة والنانو تكنولوجيا، فضلاً عن الموضوعات الأخرى التي تشغل مابعد الانسانية .

 

د. قيس ناصر راهي

 

محمد ممدوحعادة ما تبدأ مواجهة المشكلات بالإحساس بوجودها أولاً ثم الاعتراف بها ثانياً ثم مواجهتها ثالثاً، أما فلسفة " كله تمام يا فندم" و"زوبعة فى فنجان" ودفن الرؤوس فى الرمال كل هذا مما يزيد المشكلات تعقيداً لأن هذه لا تُعد حلولاً أبدا، بل ولا أنصاف حلول، لأنها لا تعترف أساساً بوجود مشكلة بل تلتمس التبريرات وتفتعل المسببات مع اقتران تلك التبريرات على الدوام بالأمل فى انقضائها فى أسرع وقت.

هذا هو حال مشكلاتنا العربية، وهذا هو التوصيف الدقيق لواقعنا عربياً، مشكلات لا حصر لها كماً، ولا طاقة للضمائر بما كيفاً، حيث أزمات أخلاقية لامتناهية خلفت ورائها الجريمة والعنف وأغرقت مجتمعنا العربى كله فيما يمكن تسميته بـ" الفوضى الخلاقة "، وأفلحت النظم العربية المتعاقبة فى صناعة الإرهاب صنعاً على عينها، بجهل أو بوعى، ليست تلك هى القضية، ولكنهم أفلحوا فى استنبات الإرهاب فى أرضهم وعجزوا عن مواجهته، افتعلوا أسباب وجوده وغذوه بآليات استفحاله، ثم عجزوا عن ترويضه فانقلب السحر على الساحر، وعجز الساحر كل العجز عن ترويض سحره، وتالياً سقطت الأمة العربية فى بحور من المشكلات لا ساحل لها، وعجز المفكرون والفلاسفة عن الخروج بالأمة من هذه النكبات المتتالية، واستسلم الفكر للواقع، وانقلب الواقع على الفكر، وسرت الإتهامات بين الطرفين، الجماهير تلقى بالتبعة على المفكرين، والمفكرين يلقون بالتبعة على الواقع والجماهير التى أيدته، وضاعت الحقيقة بين الطرفين اتهاماً وتراشقاً وحرباً لا هوادة فيها.

من المسئول إذن عما آل إليه مصيرنا، وعما أصبح عليه حالنا، النخبة والفلاسفة، أم الواقع المتخندق والملتحف بالأنانية المفرطة وحب الذات، أم النظم الديكتاتورية الحاكمة عبر التاريخ، أم الشعوب التى استمرئت الفساد ثم استيقظت على حشرجة الموت وغرق الوطن.

مشكلات اقتصادية طاحنة، نسبة فقر ليس لها مثيل عالمياً، أزمات سياسية لا قبل للعقل بها، بل ولا قبل لأى ضمير تحت أى اعتقاد بها، بل ولا قبل للإنسانية ذاتها بها ...

أطفال سوريا وفلسطين واليمن وليبيا، حروب تشتعل فى كل مكان، وأزمات تضرب أوتادها وترسخ جذورها فوق كل شبر من أرضنا العربية، ولا حراك لساكن، لا ضمير، ولا صراخ، ولا ندم، بل هناك من يستغل هذه الفتن لمصالح محض شخصية ولدوافع حتماً أنانية ونرجسية وتسلطية، لا تنم سوى عن أسفل ما فى النفس البشرية من غرائز حيوانية.

هذا واقع أمة لا تكف عن الترديد بأنها خير أمة أخرجت للناس، وبأنهم هم الشهداء على الناس يوم القيامة، وبأنهم أكثر أهل الجنة، وبأنهم وبأنهم.. نسوا أن هذه الأمنيات كلها وجوبية وليست حتمية على الله، بما يعنى أنه سبحانه يوجب على تلك الأمة أن يكونوا خير أمة، وكأنه سبحانه يقول لهم " عليكم أن تكونوا خير أمة " دون أن يعدهم بدوام تلك الخيرية، والتى تسقط  دوماً عند سقوط أشراطها (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) أما إذا لم تحقق تلك الشروط الثلاثة فلا خيرية ولا شهادة ولا مزية لهذه الأمة.

إذا وصلنا إلى هذا الاعتراف بجرأة ومصداقية ومواجهة حتمية للذات فقد وقفنا على أول الطريق، وما بعده أيسر، البداية من الاعتراف بهذه المشكلات ثم صياغة آليات لحلها، لكن يبقى السؤال قائماً، من المسئول عما آل إليه مصيرنا عربياً اليوم؟

السؤال بحسن نية فقط لمواجهة الذات، للاستفادة من فلسفة التاريخ، لقراءة التاريخ فى الواقع، والواقع عبر التاريخ، تحديد المسئول بدقة يجعلنا نقف على الطريق الصحيح تجنباً لذات الأخطاء فى المستقبل وتصحيحاً لمسار المسئولية؟!

يُسئل عن هذه الأزمات كلها فى اعتقادى، الفلاسفة العرب، بكل أسمائهم الكبيرة، وبكل مؤلفاتهم الضخمة، كلهم أخطئوا، وكلهم فشلوا فى قيادة الأمة وتبصيرها بعيوبها وتقديم رؤى لعلاج مشكلاتها، كلهم قصروا فى الدور المنوط بهم، وكلهم تخلوا عن شرف قدسية العقل، لا أستثنى منهم أحداً، بداية من مالك بن نبى وبن باديس وصولاً إلى طه عبد الرحمن وحسن حنفى ومصطفى النشار، كلهم فى خندق واحد مع كامل احترامى لأشخاصهم جميعاً، فليس القصد أبداً التقليل من شأنهم – حاشا لله – ولا إنكار دورهم، ولا إسقاط فكرهم، بقدر ما هو توجيه النقد إلى الذات قراءة للواقع وواقعاً لقراءة مؤلمة، واستنهاضاً لضمائرهم وعزائمهم من جديد، لتقديم دور أكثر فاعلية لأوطانهم، ولتحقيق مصائر شعوب غلبت على أمرها.

لعل القارئ الكريم يتعجب متسائلاً ويتساءل متعجباً، هل نختزل مشكلات متراكمة مئات السنين فى أشخاص الفلاسفة وأسمائهم الرنانة  وهل يتحمل هؤلاء التبعة وحدهم ؟

والإجابة بمواجهة العقل أيسر ما يكون، نعم هم المسئولون مسئولية مباشرة أمام الضمائر الإنسانية، وأمام رب البرية، لأنهم عقل الأمة وروحها وقلبها النابض، وهل يستقيم جسد بلا عقل ؟ وهل تسرى المادة بلا روح؟!

لقد جاءت أدوار الفلاسفة العرب شبه هامشية، جاءت للإعلان عن أسماء لا مبادئ، عن أشخاص لا قيم، عن ذات لا آخر، لم يهتم الفلاسفة العرب يوماً بمبدأ بقدر ما اهتموا بصناعة اسم رنان، لم يسعوا لبناء الآخر كما سعوا إلى بناء الذات، لم يعتبروا يوماً بتضحيات الفلاسفة الذين أضاءوا السُرُج بحق لمجتمعاتهم، فقدموا الذات فداءاً للآخر، ورسخوا للمبدأ ولو على حساب الحياة ذاتها، وأحيوا أممهم على حساب حياتهم، وقدموا أرواحهم فداءاً لمجتمعاتهم.

هاكم سقراط، أحس بوجود مشكلة، ثم اعترف بوجودها، تلكم كانت إشكالية تبدل القيم وانهيار المبادئ على أيدى السوفسطائيين، فعزم على المواجهة، وأخذ ينتقل من منزل إلى منزل، ومن ساحة إلى ساحة، ومن فناء إلى فناء، ومن شارع إلى شارع، يصحح للناس مفاهيمهم، ويرسخ للشباب قيمهم، ويبث النصحية فى نفوس مستمعيه، معلناً رايات المبدأ لذات المبدأ، بحثاً عن الآخر لا الذات، وبحثاً عن الأنت لا الأنا، مقدماً بذلك مصلحة الدولة العليا فى تعليم أبنائها على أى مصلحة خاصة أو غنيمة شخصية، إلى أن ضاق به النظام الحاكم ذرعاً وارتئوا فيه الخطورة على استقرار الحكم لا استقرار الدولة، وجدوه معلناً لثورة ثقافية لم يعهدوا لها مثيلاً من قبل، فدبروا له المحاكمة الفكرية ذات التهم الثلاث الشهيرة ليرضخ سقراط أمام محكمة التاريخ لا تاريخ المحاكمة، ليقدم نفسه وروحه فداءاً للمبدأ وإرساءاً للقيم وتضحية فى سبيل الحقيقة، وفداءاً لوطنه الذى أحبه وتمنى له الخير رغم جفاء النظام الحاكم له.

وقدم سقراط روحه بنفس راضية، لم يجزع، ولم يفزع، لم يصرخ أو يبكى عند صدور الحكم بالإعدام، ولكنه فاجئ الحضور جميعاً بوصيتين، الأولى ألا يجزع أحد لأن الموت حق وما هو إلا سياحة أبدية فى ملكوت مبدع البرية، والثانية ألا تأخذهم الشفقة بأولاده إن هم ضلوا طريق القيم والمبادئ أو فضلوا المادة على الروح، ثم صعدت روحه المطمئنة راضياً مرضياً، غارساً اسمه فى قلب التاريخ وفى عمق الإنسانية.

ولكم يقف التاريخ طويلاً أمام العزيمة الأفلاطونية التى ما فتئت تبحث عن المجد الفكرى للدولة لا للفرد، الاستقرار والتقدم والرفاهية للدولة لا لشخص الفيلسوف، فنادى بحكم الفلاسفة حتى يتصرفوا بعقولهم فى شئون الحكم ورعاية المواطنين، ولم يقف عند حد الفكرة أو كتابتها فقط، وإنما قطع الصحارى المتلظية بحرارة الشمس مسافراً أكثر من مرة إلى بلاد عدة لإقناعهم بالفكرة ولدعم الحاكم فيها وتعليمه الفلسفة، ثم أنشأ أكاديمية يُخرج منها الفلاسفة ليكونوا وزراء وسفراء ومستشارين فى البلاط السياسى للدول، معرضاً نفسه فى كافة تلك المراحل للقتل أو التصفية بأى نوع، دون أن يعبأ بمصيره هو، بل كان مشغولاً فؤاده بمصير الجنس البشرى ما لم يحكمه الفلاسفة فعاش مناضلاً عن تلك الفكرة ومات فى سبيلها.

ولنا فى العصر الحديث الأسوة بكانط حينما واجه الأفكار الكنسية بكل شجاعة رافضاً الشكل الكاذب أو التدين الزائف، معبراً عن جوهر الدين لا عرضه، عن حقيقته لا شكله، عن لبه لا رسمه، مفضلاً ما تجره الحقيقة من متاعب على ما يجره النفاق من ملذات وطيب عيش ومعلناً للمبدأ على الحياة، فأى حياة غير جديرة بالإحترام ما لم يحكمها المبدأ ويصدع فيها الصادقون بالحقيقة.

واستمراراً على ذات النهج الكانطى فكرياً ونضالياً، جاء فشته مواجهاً للكنيسة من ناحية، حيث الثيوقراطية التى أفسدت الحياتين معاً، السياسية والدينية، العرش والمذبح، ومنادياً بالثورة ضد الاحتلال النابليونى الفرنسى لألمانيا، موقظاً وعى الأمة الألمانية وضميرها، وباعثاً لها من رقدتها، ومستنفراً لعزيمتها لتهب فى مواجهة الطغيان ومقاومة الاستبداد من ناحية أخرى.

وبذات النهج جاء الفيلسوف الفرنسى جان بول سارتر منادياً السلطات الفرنسية وصناع القرار بالتحلى بروح الإنسانية، والإعلاء من شأن القيم ومنح الشعب العربى الجزائرى الاستقلال، ثم كانت المفاجئة أن قاد المظاهرات فى الداخل الفرنسى لأجل هذا الهدف الإنسانى النبيل، مقاوماً بهذا الصنيع السلطة السياسية طاعة للسلطة الأخلاقية، وإعلاءاً من شأن القيم فوق المصالح الشخصية، فالحياة فى النهاية للمبدأ وليست للشخص، للقيمة وليست للأفراد، فاللروح أسبقية على البدن.

هذه النماذج كافة من الموكب الشريف للفلاسفة قدموا أرواحهم لأجل وطنهم تارة، ولأجل الإنسانية تارة أخرى، يحكمهم المبدأ وتسيطر عليهم القيم فى كل حركاتهم وسكناتهم، فلم ينظروا إلى الحياة الشخصية ولكن نظروا إلى القيم الأخلاقية، لم يعبئوا بمستقبلهم بقدر ما بحثوا فى مستقبل أوطانهم، لم يبحثوا عن غاية ذاتية بقدر ما ضحوا لأجل غاية إنسانية، فخرجت أقوالهم مطابقة لأفعالهم، وأفعالهم من ذات نبع أقوالهم، دون النظر إلى أى مصير يتهدد وجودهم، بل أعينهم متجهة فقط إلى الحق والحقيقة، إلى المبدأ والقيمة، وتلك على الدوام مهمة الفلاسفة وغايتهم، رسم خارطة الطريق لأوطانهم على أقل تقدير، أو اتساع نظرتهم للترسيخ لقيم إنسانية ومبادئ أخلاقية تسود الكون وتعم البشرية قياساً على هذا الدور المشهود لأولئك الصحب الكرام من الفلاسفة السابقين، علينا مواجهة الذات بمصارحة ومكاشفة، بحثاً عن دور الفلاسفة العرب المحدثين والمعاصرين، ماذا فعلوا للوطن؟، وباتساع نطاق السؤال أيضاً، ماذا فعلوا للبشرية؟!....

الحقيقة التى تثير اليأس والسخط، والتى لا مفر منها مواجهة للذات كما عزمنا منذ البداية، لم يفلح الفلاسفة العرب فى تقديم شئ يُذكر لا للقومية ولا للإنسانية....

نعم، لقد أحسنوا الصنع نظرياً، ولكنهم فشلوا كل الفشل عملياً، أياً كان سبب هذا الفشل، الساسة أم الجماهير أم هم ذاتهم، النتيجة واحدة، فشل التحقيق واقعياً، وفشل الإنتقال من النظرية إلى التطبيق.

مؤتمرات وندوات كثيرة، وعناوين براقة، تدور الرحى ولا طحن، لم يتعد نشاطهم حدود بضعة ندوات ومؤتمرات ورحلات بنذاتية عربية قومية، ابتسامات عريضة تملأ وجوههم فى الوقت الذى تغرق فيه أوطانهم فى بحار من الدماء، اهتمام بالغ واختلافات بالغة حول المقابل المادى لكتاباتهم وأفكارهم التى ينشرونها ككتب أو كمقالات للصحف والمجلات العربية، فى الوقت الذى تقبع فيه أوطانهم تحت حد سكين الفقر والجهل والمرض والعوز والإملاق، منتهى التناقض بين المبدأ وداعيه، ومنتهى الانتهاك لكافة القيم النظرية عملياً.

كفى تضليلاً يا سادة، فلن تتقدم الأوطان بالتضليل، ولن تنهض أبداً بالتهليل والتكبير والتصفيق الدائم للسادة صناع القرار، ولن تنبعث أوطاننا من رقدتها ما دمنا نُسبح بحمد السلطان، ما دمنا نركع ونسجد للمادة وحدها، بحثاً عن مصالح شخصية، ورفعة للذاتية ووضعاً لكل القيم والمبادئ التى تعارفت عليها الإنسانية.

وعلى الفلاسفة العرب ألا يغضبوا من هذه المواجهة، فهى مواجهة للذات تصحيحاً للمسير وصنعاً للمصير، فأنا لست ضد أحد، ولكننى فقط فى خندق الوطن، فى معية القومية، أدور معها حيثما دارت، أعادى كل من يعاديها، وأستنهض كل من يقف على الحياد، مهمتى فقط إيقاظ الضمائر، وبعث الهمة من جديد فى نفوس الجميع، وأول المقصودون بهذا البعث هم الفلاسفة، لأنهم أول القادرين على قيادة هذا البعث، وعلى صناعة تلك النهضة.

قولوا لنا يا سادة، الفلاسفة والجماهير على السواء، هل رأيتم فيلسوفاً يقود مظاهرة ضد المجازر السورية؟

هل رأيتم فيلسوفاً يبكى لأجل انتهاك المبادئ الإنسانية، قتل الأطفال وموتهم برداً وجوعاً وهدم البيوت وتفجير دور العبادة من مساجد وكنائس وهدم لمعاش الناس وأمتعتهم وتشريداً للأسر فى الشوارع والمخيمات ومقاساة البرد والحر !!

هل رأيتم فيلسوفاً يستنهض العزائم ويستنفر الضمائر طلباً لاستقلال شعبنا العربى الفلسطينى ؟ مثلما فعل فشته وسارتر، الأول طالباً لاستقلال ألمانيا والثانى مطالباً باستقلال الجزائر.

هل رأيتم فيلسوفاً من أصحاب المشاريع الفكرية يجوب الأقطار العربية بفاعلية، ويتواصل مع صناع القرار لتغيير الواقع البئيس لأمتنا العربية ؟!

لم يحدث أياً من ذلك، فقط مجرد مشروعات حبيسة الأوراق ومزينة لأرفف المكتبات دون أن نجد أدنى شعاع أمل للتنفيذ، فكانت النتيجة الحتمية لهذا التخاذل ما تعانيه أوطاننا اليوم من ضياع يستوجب عطف الأعداء وبكاء المحبين.

يبقى التساؤل الأهم، بعيداً عن التباكى واجترار الآلام، ما السبب الذى يقف وراء عجز الفلاسفة العرب عن القيام بدورهم الأتم على كافة الجبهات ؟ ثم ما الحل واقعياً للإرتقاء بدورهم وتفعيل مشروعاتهم على أرض الواقع؟!

أما السبب فلا يتعدى أربعة أسباب، يتمثل الأول فى الذاتية المفرطة التى تسيطر على الفلاسفة ذاتهم، فلم يتعاونوا فيما بينهم فكرياً برحم العلم وبقرابة الفكر وبمودة العقل، بل ساد بينهم الصراع، فكل منهم يبحث عن الزعامة والمصالح الشخصية البحتة دون النظر إلى المصلحة القومية، فأقصى أمنية للفيلسوف أن تهتم المجلات والجرائد بمقالاته ونشر آرائه، ويشعر فى ذاته بعظمة الجاهلية الأولى، ماذا قدمت كتاباتك أيها المفكر، لا شئ، ما وقعها على الأرض، لا شئ، هل غيرت المسير أو ساهمت فى صنع المصير ؟ إنها مجرد كتابات خرجت بحثاً عن الشهرة من ناحية، والربح من ناحية أخرى.

أما السبب الثانى فهو يُعد استمراراً للسبب الأول أيضاً حيث ركون الفلاسفة إلى السلطات الحاكمة على الدوام وتبرير أفعال السلطة بدلاً من نقدها أو تقويمها، ويتمثل السبب الثالث فى عدم وجود أى حرية فكرية تسمح بالجدلية الفكرية التى تنمو النهضة على إثرها، أما السبب الرابع فيتمثل فى وجود ديكتاتوريات عربية أو أنظمة استبدادية فى بعض بلداننا العربية تقضى على الفكر وتستنبت العنف كبديل غير شرعى للفكر المستنير.

تلك هى الأسباب التى أفضت إلى تخلى الفلاسفة عن دورهم الحقيقى فى صناعة عصر التنوير العربى، مما أفضى فى نهاية المطاف إلى تخلف عربى على كافة المستويات مع الأخذ فى الاعتبار كون الفلاسفة مدانون فى هذا الوضع لأنهم بطريقة أو بأخرى تسببوا فى وجوده، ولأن الحكام ما استقووا إلا بتخاذل الفلاسفة عن دورهم ورسالتهم الحقيقية، وما تراجعت أوطاننا إلا بتراجع دور الفلاسفة والفلسفة...

 ما الحل إذن؟

تلك المواجهة المصيرية للذات حباً لا بغضاً، ونقداً لا نقضاً، تفرض علينا أيضاً وضع تصور للخروج من الأزمة، لإعادة التوازن بين الفكر والواقع، بين الفلاسفة والجماهير، بين المفارق والمتحيز، بين الفيزيقى والميتافيزيقى، تصحيحاً لمسار الأمة وصناعة لنهضة وطن.

ويبدأ الحل من ثلاثة سُبُل متوازية ومتساوية القيمة، يتمثل الأول فى توحيد جهود الفلاسفة وعمل جبهة فلسفية للتحدث باسم القومية أولاً، وباسم الإنسانية ثانياً، لتصحيح مسار الطريق للوطن، تلك المهمة التى تحتاج إلى تضافر جهود جميع الفلاسفة لأجل اتمامها، إعلاءاً للمصلحة القومية على المصالح الذاتية، وللقيم الإنسانية على القيمة الشخصية، ويتمثل الثانى فى منح الساسة وصناع القرار لمساحات أكبر من الحرية الفكرية، لينمو الفكر وتتحرك المياه الراكدة فلسفياً، لأن صناعة النهضة لن تولد من رحم الديكتاتورية أو الاستبداد أبداً، بل هى وليدة الحرية والشورى والديموقراطية.

أما السبيل الثالث فيتمثل فى إعادة بناء النظم التعليمية فى الوطن العربى، لتركز على بناء الإنسان روحاً وفكراً ونفساً، ولتضفى القيمة المطلقة على الفكر وفعل التفلسف إجرائياً، ليشارك المجتمع ككل وفق هذه الرؤية التعليمية فى صناعة حاضره وبناء مستقبله.

تلك أهم معوقات الفلاسفة العرب عن صناعة النهضة العربية، وهاكم آليات الخروج من المأزق، بقيت فقط إرادة الفلاسفة وصدق الحكام، اللهم بلغت، اللهم فاشهد.

 

د. محمد ممدوح

 

محمود محمد عليتتميز منطقة الخليج بتنوع جغرافي يجعل من مواردها مطمعاً للعديد من القوي، فتتميز بالأراضِ الشاسعة وامتداد الرؤيا، وتتحكم في أهم الممرات كباب المندب ومضيق هرمز الذي يربط الخليج العربي وخليج عمان، وممراً مهما لناقلات النفط التي لا غني لها عن هذا المحور الاستراتيجي الذي يمتد اتساعه إلى حوالى 3 أميال بحرية ما يعنى سهولة إغلاقه والسيطرة عليه في حالة نشوب أي نزاع، كما تحتوي المنطقة على أكبر الاحتياطات العالمية في النفط والغاز، حيث تبين الاحصائيات أن مدينة البصرة العراقية وحدها ستعرف طفرة في إنتاج النفط الخام ما يفوق إنتاج السعودية وروسيا الاتحادية مجتمعين.

ولذلك كانت منطقة الخليج العربي خلال القرن التاسع عشر ومرحلة كبيرة من القرن العشرين طرفاً للإمبراطورية البريطانية الاستعمارية، وتحولت في العشرينيات والثلاثينيات من هذا القرن إلى "ضيعة" للاحتكارات النفطية الغربية. لكن بعد الحرب العالمية الثانية وتبدل نسبة القوة على الصعيد العالمي لصالح الاشتراكية وحركة التحرر الوطني في البلدان النامية؛ حيث انهار النظام الاستعماري في هذه المنطقة من العالم أيضاً، وحدث نهوض كبير في حركة الشعوب الساعية الى استعادة سيطرتها على ثرواتها الوطنية وتقرير سياستها بصورة مستقلة .

ومع نهاية الأربعينيات قامت ﺇﺩﺍﺭﺓ ﺍﻟﺭﺌﻴﺱ ﻫﺎﺭﻱ ﺘﺭﻭﻤﺎﻥ Harry Truman ﺘﺒﻨﻲ ﺴﻠﺴﻠﺔ ﻤﻥ ﺍلإﺠﺭءات: ﺍﻟﺴﻴﺎﺴﻴﺔ ﻭﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻴﺔ ﻭﺍﻟﻌﺴﻜﺭﻴﺔ، ﺍﻟﺘﻲ ﺍﺴﺘﻬﺩﻓﺕ ﺍﺤﺘواء ﺍﻟﻤﺩ ﺍﻟﺴﻭﻓﻴﺘﻲ، ﻓﻘﺩ ﺘﺯﻋﻤﺕ ﺍﻟﻭﻻﻴﺎﺕ ﺍﻟﻤﺘﺤﺩﺓ ﺍﻷﻤﺭﻴﻜﻴة ﺍﻟﻤﻭﻗﻑ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻲ، وأخذت ﻋﻠﻰ ﻋﺎﺘﻘﻬﺎ ﻤﻬﻤﺔ ﺍﻟﺤﺩ ﻤﻥ ﺍﻟﺨﻁﺭ ﺍﻟﺴﻭﻓﻴﺘﻲ، ﻭﺃﻋﻠﻨﺕ ﻋﻥ ﺇﺴﺘﺭﺍﺘﻴﺠﻴﺘﻬﺎ ﺍﻟﺠﺩﻴﺩﺓ ﻓﻲ ﻋﺎﻡ 1947م، ﺍﻟﺘﻲ ﺴﻤﻴﺕ ﺒﺴﻴﺎﺴﺔ ﺍﻻﺤﺘﻭاء لمواجهة الاتحاد ﺍﻟﺴﻭﻓﻴﺘﻲ؛ حيث قدم ونظر لها الدبلوماسي الأمريكى جورج كينان George Kennan من ﺨﻼل ﻤﻘﺎﻟﺘﻪ ﺍﻟﻤﺸﻬﻭﺭﺓ" ﺒﻭﺍﻋﺙ ﺍﻟﺴﻠﻭﻙ ﺍﻟﺴﻭفيتى" " ﺍﻟﺘﻲ كتبها ﻓﻲ يوليو 1947م، ﻭﺘﻜﻤﻥ ﺃﻫﻤﻴﺔ ﻤﻘﺎﻟﺔ كينان، في أنها قدمت أقوي مبرر لسياسة احتواء ﺍﻻﺘﺤﺎﺩ ﺍﻟﺴﻭﻓﻴﺘﻲ ﻭﺘطويقه .

كانت ﺴﻴﺎﺴﺔ ﺍﻻﺤﺘﻭاء ﺃﻭﻟﻰ ﺍﺴﺘﺭﺍﺘﻴﺠﻴﺎﺕ ﺍﻟﺴﻴﺎﺴﺔ ﺍﻟﺨﺎﺭﺠﻴﺔ ﺍﻷﻤﺭﻴﻜﻴﺔ التى جاءت نتيجة، ﻟﻠﺘﺨﻭﻑ ﻤﻥ ﺍﻟﺘﻭﺴﻊ ﺍﻟﺴﻭﻓﻴﺘﻲ، وكان الردع ﺍﻟﻨﻭﻭﻱ ﻭﺴﻴﺎﺴﺔ ﺍﻻﻨﺘﻘﺎﻡ ﺍﻟﺸﺎﻤل ﻫﻲ ﺍﻟﺴﺎﺌﺩﺓ؛ ﻟﺘﻨﻔﻴﺫ ﺴﻴﺎﺴﺔ ﺍﻻﺤﺘﻭاء ﺍﻟﺘﻲ كاﻥ ﻤﻥ ﺃﻫﻡ ﺃﻫﺩﺍﻓﻬﺎ ﻤﻘﺎﻭﻤﺔ ﺍﻟﺘﻭﺴﻊ ﺍﻟﺴﻭﻓﻴﺘﻲ ﻭﻤﻨﻌﻪ ﻤﻥ ﻀﻡ ﺃﺭﺍض ﺠﺩﻴﺩﺓ ﻟﻬﻴﻤﻨﺘﻪ ﻭﺍﻟﻀﻐﻁ ﺍﻟﻤﺴﺘﻤﺭﻋﻠﻴﻪ، ﻭﺇﻨﺫﺍﺭﻩ ﺍﻟﺩﺍﺌﻡ ﻟﻠﺘﺨﻠﻲ ﻋﻥ ﺴﻴﺎﺴﺘﻪ ﺍﻟﺘﻭﺴﻌﻴﺔ ﺒﺎﻟﺭﺩﻉ ﺍﻟﻨﻭﻭﻱ، ﻭﻗﺩ ﺩﺨلت ﺍﻟﻭﻻﻴﺎﺕ ﺍﻟﻤﺘﺤﺩﺓ ﺍﻷﻤﺭﻴﻜية ﺍﻟﺸﺭﻕ ﺍﻷﻭﺴﻁ ﻋﺒﺭ ﺴﻴﺎﺴﺔ ﺍﻻﺤﺘﻭاء في ﻋﻬﺩ الرئيس "ﺘﺭﻭﻤﺎﻥ"، ﻭﺫﻟﻙ من خلال محور ﺍﻟﻤﺤﻴﻁ ﺍﻟﺸﻤﺎﻟﻲ ﻟﻠﻤﻨﻁﻘﺔ، وذلك في ﺇﻴﺭﺍﻥ ﻭﺘﺭكيا ﻭﺍﻟﻴﻭﻨﺎﻥ، ﻻﺴﻴﻤﺎ ﺒﻌﺩ ﺍﻟﺘﻭﺴﻊ ﺍﻟﺴﻭﻓﻴﺘﻲ ﻓﻲ ﺃﺫﺭﺒﻴﺠﺎﻥ ﻀﻤﻥ ﻤﺤﺎﻭﻻﺘﻬﺎ ﻟﻠﻬﻴﻤﻨﺔ علي ﺍﻟﻤﻨﻁﻘﺔ ﺒﻌﺩ ﺍﻟﺤﺭﺏ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ﺍﻟﺜﺎﻨﻴﺔ.

وفي نهاية الخمسينيات كان ميزان القوى في هذه المنطقة، قد مال نهائياً لصالح الولايات المتحدة؛ ففي عام 1957 م،أعلن "مشروع أيزنهاور" وهو المشروع الذي أعلن حق رئيس الولايات المتحدة في التدخل، بما في ذلك التدخل العسكري، في شؤون أية دولة من دول الشرق الأدنى تحت شعار "مكافحة الشيوعية العالمية" . وعلى هذا الأساس ألقي الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور (1953-1960) خطابا في الخامس من ديسمبر1957،أمام الكونجرس أكد فيه على ضرورة قيام الولايات المتحدة بسد الفراغ في منطقة الشرق الأوسط قبل أن تتعرض المنطقة إلى هيمنة وهجوم الاتحاد السوفيتى مما يؤدي إلى تعريض المصالح الأمريكية هناك إلى الخطر المباشر.

وتضمن المشروع الذي عرضه رئيس الولايات المتحدة أيزنهاور والذي سمي باسمه على عدة أمور نذكر منها :

1- استعمال القوات المسلحة للولايات المتحدة لحماية السلامة الإقليمية والاستقلال السياسي للأمم التى تطلب مثل هذه المساعدات ضد العدوان المسلح في أية دولة تسيطر عليها الشيوعية العالمية .

2-تقدم الولايات المتحدة الأمريكية معونات عسكرية لأية دولة من دول الشرق الأوسط ترغب بها.

3- تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بتقديم المعونة الاقتصادية لدول الشرق الوسط من أجل تنمية اقتصادياتها.

وطلب الرئيس "أيزنهاور" من الكونجرس منحة حق توزيع مساعدات اقتصادية قدرها 200 مليون دولار لمساعدة شعب الوطن العربي، ولاسيما في الشرق الأوسط اقتصادياً وعسكرياً، وتقدم تلك المساعدات بعد طلبها من الدول المعنية وتكون مشروطة للتصدي لأي خطر سوفيتى، ويعطى المشروع الحق باستعمال القوات المسلحة لضمان حماية السلامة الإقليمية والاستقلال السياسي للأمم من أى تهديد، وقد وافق الكونجرس الأمريكي في قرار مشترك لمجلس الشيوخ والنواب في 9 مارس 1957م على اقتراح رئيس الولايات المتحدة أيزنهاور، وخوله في حق إرسال القوات المسلحة الأمريكية للدفاع عن أى من الحومات الصديقة في الشرق الأوسط، والتى تواجه تهديداً مسلحاً من أى دولة أخري تتبع الاتحاد السوفيتى، وفي حال عدم وجود مثل هذا التهدد بالسلاح فللرئيس الحق في تقديم المساعدات الاقتصادية والعسكرية التى تحتاج إليها الدول لغرض تأمين دفاعاتها .

ومع نهاية الستينيات دخلت السياسة الأمريكية بتولي الرئيس "ريتشارد نيكسون" Richard Nixon (1969-1974م) مرحلة إعلان "مبدأ الدعامة المزدوجة "، على أمل تقليل مخاطرة التورط العسكري في العالم الثالث، وذلك بالاعتماد على وكلاء محليين موالين للغرب تقوم الولايات المتحدة بتسليحهم وتمويلهم . لذلك أطلق على مبدأ الدعامة المزدوجة مبدأ نيكسون، والذي يؤكد على" فك ارتباط الولايات المتحدة العسكري المباشر في المشكلات الدولية، وأن الولايات المتحدة، لم تعد قادرة أو راغبة في تقديم الرجال والمال والسلاح للحفاظ على الوضع القائم في العالم، وأن الولايات المتحدة ستعمل على تشجيع بلدان العالم الثالث على تحمل مسؤوليات أكبر في الدفاع عن نفسها، وأن يقتصر دور أمريكا على تقديم المشورة وتزويد تلك الدول بالخبرة والمساعدة" .

ولقد شكل هذا المبدأ بداية إعلان الولايات المتحدة مبدأ جديداً في الشرق الأوسط، لخدمة الأهداف الأمريكية بعد الانسحاب البريطانى، وفي إطار ذلك المبدأ دخلت إيران والسعودية، باعتبار أنهما تمثلان نقطتى الارتكاز في المنطقة، وأن تعاون تلك الدولتين يمكن أن يوفر ما يسمي بـ"إطار قوي للاستقرار الفرعى – الإقليميى " في منطقة الخليج ؛ وهنا أصدر الرئيس نيكسون مذكرة قرار الأمن القومي "رقم 92"، لرسم سياسة الولايات المتحدة في الخليج هي :

أ- أن تستمر الولايات المتحدة في تقديم المساعدات العسكرية إلى الحكومات الموالية للغرب في الخليج العربي، مع الابتعاد عن تبنى دور عسكري مباشر في المنطقة .

ب- نشر قوات أمريكية في الخليج، لتأدية مهمات الشرطي التى كانت بريطانيا تؤديها سابقاً.

جـ-العثور على وكيل، بمعنى توظيف قوة إقليمية قادرة على ضبط مجريات الأحداث في المنطقة، بما يضمن مصالح الولايات المتحدة، بدلاً من نشر قوات أمريكية .

كما ذكر نيكسون أن بلاده، لن تقدر، بل هي غير راغبة في تقديم الرجال والمال والسلاح، للحفاظ على الوضع القائم في العالم، وذكر الآخرين بمسؤولياتهم الدولية والإقليمية، مما يعنى أن الولايات المتحدة، لن تستمر في دور الشرطي العالمي، لأنه أدي إلي تخبطها في أزمات اقتصادية وسياسية وأخلاقية . وكان الدور الجديد الذي رسمه نيكسون يرتكز علي ابتعادها عن التدخل المباشر، من دون أن يؤدي ذلك إلى تغيير استراتيجيتها، المرتكزة على ضمان تفوق واشنطن وحماية مصالحها الاقتصادية. وهو يفترض دعمها، عسكرياً واقتصادياً، للأنظمة الحليفة، لكي تتمكن من القيام بدور الحامي لمصالحها. وكانت ترجمة هذه السياسة، التى سميت "مبدأ نيكسون" Nixon Doctrine، في الخليج العربي، إعطاء إيران الدور العسكري الأساسي للحفاظ على الأمن، أي أداء الدور، الذي كانت تؤديه بريطانيا .

لذلك ركزت الولايات المتحدة سياستها على أن تؤهل إيران بالدور العسكري الرادع، لتقوم بدور فعال في المنطقة، سمي (بشرطى الخليج) في خدمة المصالح الأمريكية ؛ حيث تم زيادة دور شاه إيران كرجل بوليس إقليمي، أما السعودية فتؤهل لممارسة النفوذ السياسي .

وتنفيذاً لتلك السياسة بدأت إيران عام 1971م، تعلن مطامعها في المنطقة بحجة المحافظة على المصالح الأمريكية، وكانت قضية الجزر العربية قضية هامة بالنسبة للإيرانيين، خاصة أنها كانت تقع في منطقة استراتيجية، وذلك ما قوي الإدعاء الإيرانى، بأهمية السيطرة عليها .

وحسب ترجمة سياسة "مبدأ نيكسون" في الخليج، بإعطاء إيران الدور العسكري الأساس للحفاظ على الأمن، أى القيام بالدور الذي كانت تقوم به بريطانيا، يجب تسليم الجزر العمانية الواقعة على مدخل الخليج، والتابعة لإماراتى "رأس الخيمة والشارقة" إلى إيران، لحماية مضيق هرمز، وتلبية طموحات الشاه، بفرض الهيمنة الإيرانية والتوسعية على المنطقة العربية، التى أوكلها لنفسه أو أوكلت إليه من قبل الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث طالب الشاه بتلك الجزر، لأنها احتلت موقعاً استراتيجياً، ومن شأنها زيادة حصة إيران في التنقيب عن النفط في الجرف القارى، كذلك لأنها من أهم القنوات الرئيسية لحركة السفن، إذ تقع غرب مضيق هرمز، المدخل الرئيسي للخليج، وبذلك فهى جزر لإيران ميزة استراتيجية هامة، والدولة التى تسيطر عليه، يمكنها التحكم في منطقة الخليج العربي كله بسهوله .

وهكذا شكل احتلال إيران، للجزر العربية أول خطوة عملية في إطار سياسة مبدأ نيكسون لخدمة الأهداف الأمريكية في الخليج والإيرانية على السواء.

وعندما وقع الاعتداء الإسرائيلي على مصر في 1967، حاولت مصر أن ترد على تلك الاعتداءات في السادس من أكتوبر عام 1973م، فقامت بتحطيم خط بارليف، وبعد أربعة أيام من بدء الحرب، قام العراق بتأميم نصيب الولايات المتحدة الأمريكية في شركة نفط البصرة مما أثار دوافع الشعب العربي والحكومات العربية لاستخدام البترول في المعركة العربية. وفي السابع عشر من أكتوبر من نفس العام، اتخذت الدول العربية المصدرة للبترول عقب اجتماعها في الكويت قرارها الذي عرف بـ (الخفض التدريجي) والبدء فوراً في خفض إنتاج الدول العربية من البترول بنسبة لا تقل عن 5% من إنتاج شهر سبتمبر 1973م السابق لنشوب الحرب ثم تطبق النسبة نفسها كل شهر بالتخفيض من إنتاج الشهر السابق عليه، وذلك حتى يتم جلاء القوات الإسرائيلية عن الأراضِ التي احتلتها وأن هذا التخفيض لا يمس الدول التي ساعدت أو تساعد الدول العربية . وفي اليوم التالي 18 أكتوبر 1973، أُعلن في واشنطن أن الرئيس الأمريكي "نيكسون" طلب من الكونجرس الموافقة على مد إسرائيل بمعونة طارئة عسكرية لا تقل عن 2,2 مليار دولار، وهو ما دفع الشيخ "زايد بن سلطان آل نهيان" رئيس دولة الإمارات في اليوم التالي مباشرة الموافق 19 أكتوبر إلى وقف تصدير البترول للولايات المتحدة الأمريكية، تلتها دول عربية أخرى، أما السعودية فقد اتخذت قرارها على مرحلتين الأولى 19 أكتوبر بخفض إنتاجها البترولي بنسبة 10 بالمائة، وفي يوم السبت الموافق 20 أكتوبر 1973 قررت وقف تصدير البترول للولايات المتحدة الأمريكية.

ونتيجة حظر النفط العربي تأثر الوضع في الولايات المتحدة، إذ انتشرت طوابير طويلة للسيارات، تنتظر أمام المحطات لملء الوقود، بعد أن كانت في الماضي المحطات تتنافس على منح خصم لجلب الزبائن، كما تأثر الجيش الأمريكي بالحظر؛ وبالذات الأسطول السادس المسئول عن حماية الدول المصدرة للنفط، وأعاقت نتائج الحرب طرق وصول الولايات المتحدة التى كانت موجودة بالفعل، إلى موانئ الخليج العربي والمحيط الهندى، في وقت كانت الولايات المتحدة تحتاج خلالها إلى زيادة وجودها البحري في المنقطة .

واعتبر "هنري كيسنجر"، وزير خارجية الولايات المتحدة آنذاك، هذه القرارات ماسة بكرامة وهيبة الولايات المتحدة كقائدة للعالم، فقد أثاره أن العرب أعطوا أنفسهم الحق في استخدام البترول كسلاح، ورغبتهم في السيطرة على الغرب، كما أن هذه المرة الأولى في التاريخ أن يعطي منتجو البترول لأنفسهم حق تحديد سعر البترول .

والسؤال الآن : ما الوسائل أو الطرق التى اتخذتها الولايات المتحدة لمواجهة هذا الوضع؟

إن المتتبع للسياسة الأمريكية في تلك الفترة، يري أن المواجهة الأمريكية لسياسة الربط العربية اعتمدت على خطط التدخل العسكري؛ حيث قررت الدوائر الحاكمة في الولايات المتحدة الأمريكية أن تنفذ أكبر عملية استعمارية جديدة وجّدية خلال الثلث الأخير من القرن العشرين: فرض سيطرتها العسكرية والسياسية على كامل منطقة الخليج، وفي مجال سعيها لتحقيق المستحيل، قررت الولايات المتحدة تكثيف تواجدها العسكري في منطقة الخليج العربي بشكل لم يسبق له مثيل، معلنة إياها "منطقة المصالح الحيوية" الأمريكية، ونقطة انطلاق مهمة للصراع ضد الاتحاد السوفيتي؛ وذلك من أجل الوصول الأمريكي العسكري إلى مناطق النفط في الخليج العربي، والذي يمثل هدفاً استراتيجياً في سياسة الولايات المتحدة تسعى إلى تحقيقه لحماية مصالحها النفطية والاقتصادية من أي تهديد . وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

علي اسعد وطفةمن الصدمة إلى التوازن ومن اليأس إلى الأمل

"بفضل القوة الهائلة للتكنولوجيا الرقمية، سقطت الحواجز الصمّاء التي كانت تفصل بين البشر، كالبعد الجغرافي واختلاف اللغات والافتقار المزمن للمعلومات، وتحررت القدرات الإبداعية الكامنة لبني البشر على شكل موجة هادرة جديدة تزداد قوّة دون انقطاع. وأصبحت هذه القدرات الضخمة تحت تصرف كل البشر وباتوا قادرين على تحريرها بلمسات أصابعهم "

من كتاب تشارلز كيترينج "العصر الرقمي الجديد» وإعادة صياغة مستقبل الشعوب.

بدأت بوادر إعصار الثورة الصناعية الرابعة تنذر بتغيرات عاصفة لم يشهد لها التاريخ الإنساني مثيلا من قبل. إنها عصف شديد الوطأة بكل ما عرفته الإنسانية من خبرات وتجارب وأنظمة وأفكار وقيم، وسقوط مروع لكل الأنظمة الفكرية والاجتماعية والاقتصادية التي عرفتها الإنسانية عبر تاريخها المديد. إنها حالة من الانفجار الحضاري الشامل في مختلف أنماط الوجود الإنساني الذي ينذر بزوال جميع الأنظمة الاجتماعية والفكرية التي سادت عبر التاريخ الإنساني. إنه صورة مذهلة من صور الانصهار النووي بين ثورات متدافعة في مختلف مظاهر الوجود، انصهار تتقاطع فيه الثورات المعرفية بالطفرات التكنولوجية وتتحد ثورات الاتصال بالثورات المعرفية ليحدث نوع من الاندماج الأسطوري العجيب بين ثورات مدهشة في مختلف العلوم الإنسانية والفنون والعلوم الدقيقة . وتتحد هذه الثورات جميعها في صورة نظام معقد فائق الذكاء يفوق كل ما أبدعته الإنسانية من حكايات وأساطير وأوهام. وهي بعبارة واحدة حالة من التزاوج بين الذكاء البشري والذكاء الآلي بطريقة عبقرية ليس لها مثيل أو نظير.

وما على المرء إلا أن يطلق لخياله العنان في وصف معجزات الثورة الصناعية وسيرتد ومض الخيال خائبا مسحورا. وتلك هي المرة الأولى في التاريخ التي يضعف فيها الخيال الإنساني عن قدرته على وصف صيرورة التغير في الحياة الإنسانية لأن ما يجري من حوادث واختراعات يفوق كل أشكال التخيل ويرتد قاصرا عما نحن إليه آيلون في زمن الاندماج الثوري الرهيب بين مختلف الثورات الإنسانية في مختلف المجالات العلمية والوجودية.

فنحن نعيش اليوم في عالم متفجر بالذكاء الاصطناعي الذي يشكل الفضاء الذي نعيش فيه والذي يحيط بنا في كل مكان وفي كل لحظة من لحظات وجودنا، حتى في لحظات نمونا العميق وأحلامنا التائهة في ظلام الليل. ويتمثل هذا الذكاء الاصطناعي في تدفق هائل من المخترعات الذكية في عالم افتراضي عجائبي لم يسبق له مثيل، مثل: أجهزة تحديد المواقع (GPS) وبرامجه، والسيارات ذاتية القيادة، والطائرات المسيرة ( بدون طيار)، وبرمجيات الترجمة، والحاسبات الذكية، والروبوتات المذهلة، والطابعات ثلاثية الأبعاد، وأنترنيت الأشياء، والنانو التكنولوجي، والطبابة الرقمية بالحاسبات الذكية، والمحاماة البرمجية، ووسائل التواصل الاجتماعي المذهلة، والفضاء السيبرنتي، والمكتبات الرقمية، والسفر الافتراضي في دائرة الزمان، والمحاكاة الافتراضية في كل الأشياء.

ومن أجل تقديم تصور سردي بسيط للعالم الافتراضي الذي نشارف أن نعيش فيه في مستقبل قريب جدا ضمن فضاء سيبراني يدور كل شيء فيه حول الإنسان وسنستعير وصفا أدبيا لأحد الكتاب الذي يصف صورة من الحياة اليومية في عالم الثورة الصناعية الرابعة التي تدق علينا الأبواب بكل ما هو مدهش ومثير وعجيب بقوله:

" تستيقظ في الساعة السادسة صباحا، بعد نوم عميق على انغام ساعتك الذكية، في ذات اللحظة تدب الحياة في بيتك، في غرفة النوم تبدأ الإضاءة في ساعة من الصباح تستنير الغرفة ذاتيا، ويبدأ الحمام بالاستعداد كي تأخذ حمامك الصباحي المعتاد، وكذلك الحال في المطبخ. وبعد أن تنتهي من إفطارك تبدأ بارتداء ملابسك التي فصلت على مقاسك، وبعدها يبدأ محرك سيارتك بالعمل في الكراج استعدادا للذهاب للعمل. تحاول الاتصال بكبير المهندسين بالمصنع الذي تملكه، ولكنك تفاجأ بأن بطاريته على وشك النفاد، لكن الهاتف يعطيك تنبيهاً بأنه لا داعي للقلق فعملية استبدال البطارية تتم الآن داخلياً دون مشاكل. تستلم رسالة على هاتفك تفيد بأن إحدى الآلات في المصنع قد تعطلت وأن عملية التصليح الذاتي قد بدأت بالفعل وأنها ستنتهي خلال ساعة تقريباً. ليس من الضروري أن تذهب يوميا الى المصنع فالمصنع يدير نفسه بالكامل ويعتني بنفسه في كل الحالات الطارئة التي قد تستجد، وأن اليوم ذاهب هناك لمجرد الرغبة بالذهاب لا أكثر. هذا ليس فيلم من أفلام الخيال العلمي، نحن في عالم ما بعد الثورة الصناعية الرابعة، حيث أن كل ما تحتاجه مصّنع لك حسب طلبك ومن أجل زيادة رفاهيتك".

وتتميز الثورة الصناعية الرابعة بفكرة محورية مفادها: "أن العالم يدور حولك " فكل شيء مصمم لك وحدك ومن أجلك ». ففي ذاك الزمن، وهو قاب قوسين أو أدنى من يومنا هذا، سيقوم الزبائن باستخدام تطبيقات برمجية على هواتفهم الذكية للحصول على أي سلعة استهلاكية، ويكفي للمرء ببساطة أن يسجل مواصفات المنتج الذي يريده ليقوم المصنع بتصنيعه على المقياس وإرساله على الفور إلى أمكان السكن والعمل بصوة مبسطة لا عناء فيها. فعلى سبيل المثال "لو أن هاتفك الذكي عرف موعد نهاية عمره الافتراضي في المستقبل القريب، فسيقوم الهاتف بإعطاء ملاحظة للمصنع والذي سيقوم بدوره بتغيير مستويات انتاجه ليعكس المعلومات التي منحها إياه هاتفك الذكي. بمعنى آخر فإن عملية التغذية الراجعة الخاصة بالمنتجات المصنعة ستكون ذاتية مما يساعد المصنع بشكل تلقائي على تطوير طريقة تصنيعه". وبمجرد أن يتوقف هاتفك الذكي عن العمل فستجد هاتفا آخر جاهزا تم تصنيعه خصيصاً لك ليحل محله على الفور، وسيكون الهاتف الجديد على نفس الشكل الذي تفضله والذي كان عليه هاتفك القديم المفضل[1].

وفي مثال آخر: " عندما يدخل الزبون (امرأة أو رجل) إلى مخزن البيع، يبدأ بانتقاء الزي المطلوب (الموضة) من الصور المعروضة عليه، ثم يختار نوع القماش المطلوب، ليدخل بعد ذلك إلى «غرفة القياس»، وهي غرفة سرّية مغلقة تشبه غرف التصوير الضوئي القديمة وتحتوي على عدد من «الكاميرات الرادارية» المثبتة في أماكن مناسبة من الجدران والتي تلتقط مقاس الجسم بطريقة تجميع أكبر عدد من النقط لمحيطه بطريقة «المسح الضوئي». وبهذا يتحول محيط الجسم إلى شبكة من النقاط المتوزعة في الفراغ ثلاثي الأبعاد. وخلال دقائق قليلة تنتهي عملية القياس لتنتقل البيانات إلى أجهزة القصّ والخياطة الذكية بحيث يتم الانتهاء من صناعة القطعة المناسبة خلال دقائق". [2] وهذه الأمثلة غيض من فيض عن التطورات الحادثة في مجال الصناعة والإنتاج والتكنولوجيا في الزمن القادم.

وكما هي فرص الثورة الصناعية الرابعة فهناك تحديات جسام، ولا تعدو أن تكون الصورة التي قدماها أكثر من الوجه الجميل لهذه الثورة، فلكل ثورة، كما لكل شيء في الوجود جانبين أحدهما يومض بالضياء وآخر ينكمش في الظل والعتمة، ولا تشكل الثورة الرابعة استثناء إذ تحمل في ثناياها كثيرا من الويلات وفي طواياها كثيرا من الإكراهات التي لن تروق لكثير من بني البشر. وفي هذا الوجه المظلم تكمن إشكاليات العطالة عن العمل والاغتراب الإنساني أو ما يسمى بتشيؤ الإنسان، وقضايا الضياع وفقدان الإنسان لذاته في مواجهة تحديات الذكاء الاصطناعي، والانقسام الطبقي الحاد، والحروب الاقتصادية، والأزمات الخطيرة في الحياة والمجتمع. وفي هذا البحث سنتوقف لمقارية التحديات التي تتعلق بسوق العمل وفقدان الوظائف وما ينجم عن هذه القضية من إشكاليات وقضايا إنسانية واجتماعية. والسؤال الرئيس الذي تطرحه دراستنا هذه: كيف ستؤثر الثورة الصناعية في سوق العمل؟ وهل يمكن في النهاية تحقيق التوازن في ميدان العمل مع مرور الوقت؟ وهل تحمل الثورة الصناعية في طياتها حلولا للمشكلات التي تطرحها في هذا الميدان؟

مفهوم الثورة الصناعية الرابعة:

تتميز الثورة الرابعة بقدرتها الهائلة على تدمير الحدود القائمة بين الأشياء، إنها نوع من التوجه لصهر مكونات الوجود في بوتقة واحدة تحيل الكون الذي نعيش فيه إلى كرة واحدة تتمازج فيه الثورات وتتكامل فيها الأشياء وكأنها كتلة واحدة من الوظائف والتكوينات، إنها باختصار تلغي الحدود الفاصلة بين كل ما هو فيزيائي ورقمي وبيولوجي وإنساني.

استخدم مفهوم الثورة الصناعية لأول مرة من قبل المؤرخ المعروف أرنولد توينبي (Arnold Toynbe) في كتابه "محاضرات في الثورة الصناعية" عام 1884 ([3]). ويرى توينبي في كتابه هذا أن الثورة الصناعية كانت تعبيرا عن تنامي في قوى الإنتاج الميكانيكية وأن هذه القوة أصبحت ثورة فقط لأنها تضافرت مع إرادة سياسية تنزع إلى القبول بالتغيير[4]، وترافقت بتغيرات اقتصادية ورأسمالية جوهرية وتحولات اجتماعية نوعية. وكما يرى الكاتب فإن الثورة الصناعية لم تكن مجرد تسارع في النمو الاقتصادي فحسب بل كانت نتاجا لعملية تنمية اقتصادية واجتماعية متضافرة في إحداث هذا التحول الكبير[5].

بدأت الثورة الصناعية الرابعة فعليا مع بداية الألفية الجديدة، ولاتزال هذه الثورة مستمرة حتى الآن. وهي تقوم على عدد من الركائز الحضارية التي تمثل في الاندماج بين عدد من الثورات العلمية أهمها: التقدم في مجال الهندسة الوراثية، والإنترنت، وابتكار الطابعات الثلاثية الأبعاد، والذكاء الاصطناعي، والعملات الافتراضية، وإنترنت الأشياء، وغيرها. وتتسم هذه الثورة بدمج التقنيات التي ظهرت قبل ذلك، بالشكل الذي تمحى فيه الخطوط الفاصلة بين المجالات الفيزيائية والرقمية والبيولوجية ([6]). وهناك ثلاثة أسباب تجعل هذه التحولات متفردة في طبيعتها ومتميزة، وليست مجرد امتداد للثالثة. هذه الأسباب هي" سرعة التغيير، ونطاقه، وتأثير هذه التحولات في النظم السائدة.

ويرى كثير من المؤرخين أن الثورة الصناعية الأولى (1770-1880) بدأت في بريطانيا في عام 1770 وذلك مع اختراع المحرك البخاري. واستخدام الطاقة البخارية في الانتاج الصناعي. وقد أدى هذا الاختراع دورا كبيرا في معالم الحياة في ذلك الزمن وأحدث حالة ثورية هائلة في الانتاج والتصنيع. وتحت تأثير هذا الاختراع تحول المجتمع من مجتمع زراعي اقطاعي إلى مجتمع صناعي بامتياز ([7]). ويبين المؤرخون أن العصر الصناعي الأولى قد اعتمد على طاقة الفحم كقوة انتاج رئيسة واعتمدت هذه الطاقة في تسيير القطارات التي أصبحت بفضل المحرك البخاري وسيلة النقل الرئيسية في ذلك الزمن. وامتد هذا التأثير ليشمل صناعات النسيج والحديد والصلب والسفن التي بدأت باستخدام المحرّكات البخارية في أدائها الصناعي.

وقد أسهم اكتشاف الطاقة الكهربائية في تفجير الثورة الصناعية الثانية (1880-1960) وقد شاع استعمال المصباح الكهربائي اعتبارا من 1880، وانتشر استخدام الطاقة الكهربائية في المجال الصناعي على نطاق واسع ([8]). ومع بداية القرن العشرين، بدأ استخدام المحركات الآلية والكهربائية في مجال السيارات والقطارات وشكل هذا الاستخدام تحولا جذريا في مفهوم الحياة. وبعد ذلك تقاطرت الإنجازات العلمية بظهور الهاتف والإذاعة والتلفزيون والطائرة. وقد استفادت الثورة الصناعية الثانية من الطاقة الكهربائية في تعزيز الإنتاج الضخم، وكان ذلك أهم سماتها، وبدأ ذلك مع إبداعات )هنري فورد( الذي ابتكر في عام 1908 خط الإنتاج الشامل لصناعة السيارات. " واستمرت الثورة الصناعية في اختراعاتها تدريجيًا، فدخل العالم عصر الميكنة بشكل موسع. وقد أدت الثورة الصناعية الثانية إلى تغيير أنماط حياة الإنسان على وجه الأرض. فإلى هذه الثورة يُنسب شكل النظام الاقتصادي الدولي الذي نعيشه حاليا. ويمكن القول إن هذه الثورة كانت اللبنة الأساسية لشكل النظم الاقتصادية الموجودة على مستوى العالم "([9]).

أما الثورة الصناعية الثالثة فقد بدأت في عام 1960، واستمرت حتى عام 2000 وكانت للحواسيب والروبوتات اليد الطولى في توجيه مسارات هذه الثورة، التي عرفت لاحقا بتسميات متعددة مثل الثورة الرقمية وثورة المعلومات والثورة المعرفية وثورة الاتصالات. أما أعظم إنجازات الثورة الثالثة فكان استخدام الإلكترونيات وتكنولوجيا المعلومات والصناعات الرقمية، "مما جعل الهوة تزداد اتساعاً بين الدول المتقدمة والدول التي تحاول جاهدةً اللحاق بالتطورات المتسارعة. لذا فالمراقب التاريخي يستطيع أن يرى اتصالاً بين الثورات الثلاث بحيث بدأت بميكنة الإنتاج، ثم ضخامة الإنتاج، ثم أتمتة الإنتاج"[10].

وفي ظل هذه الثورة اصبح التواصل المجتمعي، ونقل وتخزين وتداول المعلومات والبيانات منفتحا بدون حدود. وتطور العالم الافتراضي بتفاصيل مذهلة، ابتداء من العاب الاطفال ومرورا بالغرف الصفية والمختبرات الافتراضية، وانتهاء بالفضاء. واحتلت الأنظمة الذكية والروبوتات مكانة متقدمة في الصناعة إلى الدرجة أن العديد من الأعمال والمنتجات أصبحت تنفذ من خلال الروبوتات والأنظمة الذكية، ابتداء من التصاميم المعمارية وانتهاء بدراسة الفضاء واعماق البحار. وبدأ الذكاء الاصطناعي يحل محل الإنسان في كثير من الأعمال، وتطورت صناعات وعلاقات صناعية قائمة على هذه المعطيات. كما توسع الإنسان في استعمال مواد وانظمة جديدة من خلال انظمة رقابة وتحكم واتصالات محمولة، مما اتاح الفرصة للمنافسة العالمية على مستوى الوظيفة الواحدة والعمل الواحد. واصبح التواجد الفيزيائي الفردي في مكان العمل ليس ضرورياً في كثير من الاحيان. وهذا اعطى فرصة جديدة لتطوير العقلية العلمية والتكنولوجية والفكرية والثقافية المجتمعية، واستلزم كل ذلك اعادة النظر في برامج التعليم المدرسي والدراسات في كليات الهندسة والعلوم والاجتماع، وفتح آفاقاً غير محدودة للتعلم عن بعد والتعلم الالكتروني في شتى المواضيع، وجعل الانترنت مكتبة عالمية مفتوحة. كل ذلك للتماهي والتجاوب مع التغيرات المرافقة للثورة الصناعية الرابعة.

ويتضح في هذا السياق "أن سرعة الاختراقات العلمية الحالية لا يوجد لها مثيل في التاريخ البشري، إذ نرى بأعيننا تطور التقنيات الرقمية بسرعة مذهلة مقارنةً بالثورات الصناعية السابقة. واستطاعت هذه التطورات الجديدة أن تقلب موازين ومفاهيم التكنولوجيا السائدة إلى عهد قريب . فما كان ينظر إليه على أنه تكنولوجيا متقدمة تم نسفه تماماً وأصبح بلا فائدة اقتصادية، فنحن نرى بلايين البشر يتواصلون بواسطة الهواتف المحمولة مع إنترنت ذات سرعات خيالية، وقدرات غير محدودة للوصول إلى المعلومة، إضافةً إلى إنجازات تكنولوجية غير مسبوقة في مجالات الذكاء الاصطناعي والروبوتات، وإنترنت الأشياء، والمركبات الذاتية القيادة، والطباعة الثلاثية الأبعاد، وتقنيات النانو، والتكنولوجيا الحيوية، وعلوم المواد، والحوسبة الكمومية" [11].

اختفاء الوظائف الشركات:

ويشير شواب إلى التدفق التكنولوجي الذي سيغمر العالم بقدرته الفائقة، مثل: الحوسبة الفائقة، والهواتف اللوحية المتنقلة، والذكاء الاصطناعي، والإنسان الآلي، والسيارات ذاتية القيادة، والطب الدماغي، والهندسة الجينية، تشير شواب إلى أن هذه التغييرات البعيدة المدى واضحة في كل مكان بيئتنا وبسرعة هائلة. وأكد شواب خلال كلمة الافتتاح على أن "الثورة التكنولوجية التي سنستقبلها قريبا ستغير نمط حياتنا وعملنا وعلاقاتنا الاجتماعية بشكل كامل. وهنا تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من أن التقدم التكنولوجي يشكل عموما المصدر الرئيسي للتقدم الاقتصادي، إلا أنه كان وما زال يولد أيضا قلقًا وتوترات ثقافية عبر التاريخ. فالتغيرات التكنولوجية المفاجئة تثير تساؤلات حول التأثير الذي يمكن أن تمارسه على سوق العمل والأجور، وتثير نقاشًا قلقا حول زيادة مخاطر انعدام الأمن الوظيفي وتعميق التفاوت الاجتماعي وتكريس البطالة "التكنولوجية" الجماعية[12].

وينبئنا تاريخ الاكتشافات العلمية التكنولوجية أن الابتكارات الصناعية الرئيسية، مثل المحركات البخارية والكهرباء، وخط التجميع، يمكن أن تؤدي دورا سلبيا ومدمرا أحيانا في الاقتصاد والحياة المجتمعية. فهي قد تسبب خسائر كبيرة في الوظائف على المدى القصير، على الرغم من أن هذه الخسائر يمكن تعويضها على المدى البعيد من خلال إيجاد وظائف ذات جدوى كبيرة وأكثر إنتاجية وأكثر قدرة على تقديم تحسينات ملموسة في نوعية الحياة. مثلما حدث عندما حلت الرافعات مكان العمال ولكنها في الوقت نفسه وخلال فترات ليست قصيرة أوجدت وظائف جديدة بالنسبة للمهندسين والممولين والتجارب وفي قطاع الخدمات. هذا وتبين الوقائع والأحداث القريبة أن التقنيات الجديدة التي عرفناها في ظل الثورة الثالثة (ثورة الأنفورناتيك والمعلوماتية) قد أوجدت أيضا وظائف جديدة، مثل: المبرمجين ومهندسي الكمبيوتر، ومهندسي المعلوماتية، وهندسات التصميم، وعشرات الوظائف التي تتعلق بالبرمجيات وتحليل المعلومات.

يعد مفهوم الثورة الصناعية الرابعة من المفاهيم المستخدمة كثيرا في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس وفي مجال نشاطات رجال الأعمال. هذا وتصف بعض الدراسات الحديثة كيف ستقوم الثورة الصناعية الرابعة بتشكيل مستقبل التعليم والجنس والعمل وكيف ستعمل على إعادة توظيف القوى العاملة وتنظيمها بصورة مختلفة.

ويخبرنا تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي الذي عقد في دافوس عام 2016 ([13]) حول مستقبل التوظيف أنه "وفقا لتقديرات الخبراء فإن 65٪ من الأطفال الذين يلتحقون بالمدرسة الابتدائية اليوم سيحصلون على وظائف غير موجودة الآن. ويتضح أيضا مابين (80-70)% من المهن والأعمال والوظائف ستختفي خلال العشرين سنة القادمة، صحيح أنه ستتوافر فرص عمل كثيرة، ولكن توفرها سيتطلب وقتاً أطول من ذلك. على صعيد الزراعة، سيقوم إنسان آلي قيمته 100 دولار فقط بالزراعة في الحقول بحيث يتحول مزارعو العالم الثالث إلى مدراء لمزارعهم بدلاً من الكدح طيلة النهار بحراثتها وسقيها.

وتبين إحصائيات أوردتها المجلة الأمريكية فورتشن (Fortune) إن 50% من الشركات العالمية تم استبدالها بشركات جديدة كل 5 سنوات. و أن متوسط العمر الافتراضي للشركات (بقائها في السوق) كان في حقبة السبعينيات من القرن الماضي 70 عام؛ أما الآن فقد تقلص إلى 15 عاما. وتبين التقارير أن المحامين الشباب في الولايات المتحدة لا يستطيعون الحصول على عمل اليوم، لأن برنامج أي بي إم واتسون القانوني يقدم لك مشورة قانونية في القضايا العامة الأساسية خلال ثوان بدقة تصل نسبتها إلى 90% وهي أفضل من المشورات التي يقدمها 70% من المحامين العاديين وبناء على هذا التقدم في الذكاء الاصطناعي فإن عدد المحامين سيتناقص في المستقبل إلى نسبة 90% ولن يتبق سوى المتخصصين منهم.

وقد يكون الأمر أكثر إيلاما في المجال الطبي وتأثيرا في تغييب مهنة الأطباء وتقليص مجال عملهم. فعلى سبيل المثال: تقوم الشركات الطبية اليوم باختراع جهاز طبي يعمل على تطبيق برنامج على الهاتف النقال، حيث سيكون بإمكان الفرد أن يفحص بنفسه شبكة العين، وعينة من الدم، وقياس عملية التنفس في آن واحد. ويتمكن هذا الجهاز من تشخيص 54 مرضا بصورة دقيقة. والمدهش في هذا الاختراع أنه سيطرح بأثمان بخسة حيث يمكن لأي إنسان على هذا الكوكب أن يحصل عليه ومن ثم أن يجري تحليلاته الطبية المتطورة والدقيقة بالمجان تقريباً، وهذا يبشر بوداع مؤكد للمستوصفات والمستشفيات. ويضاف إلى ذلك أن برنامج "واتسون" الطبي يستطيع تشخيص مرض السرطان بدقة متناهية بل و أفضل من تشخيص البشر أربع مرات. وسيكون الحاسوب في العام 2030 أكثر ذكاء من أي إنسان عرفته البشرية كما تنبئ التوقعات المستقبلية.

وليس اختفاء الوظائف هو ما يقلق ويخيف فحسب بل اختفاء الشركات الصناعية والاقتصادية وزوالها . فالذكاء الاصطناعي يهدد الشركات التقليدية بالزوال والانقراض أيضا . ففي عام 1988، كانت شركة كوداك توظّف 170 ألف موظفا وتبيع 85% من الصور الورقية في العالم! بعدها بسنوات قليلة، أفلست الشركة وفقدت قوتها التنافسية بشكل كبير جدا. وما حدث لشركة كوداك، سيحدث لكثير من القطاعات في السنوات العشرة القادمة، وهذا الأمر سيكون مخيفا جدا في السنوات القادمة، ولاسيما في العقدين الثالث والرابع من القرن الحادي والعشرين. ويلاحظ في هذا السياق أن البرمجيات ستدمر كثيرا من الصناعات التقليدية في مدة زمنية تتراوح بين خمس وعشرة سنوات. فشركة Uber أكبر شركة تكسي في العالم اليوم، وهي لا تملك سيارة واحدة. وشركة Airbnb أكبر شركة فندقية في العالم، وهي لا تملك عقارا واحدا.

ولن يقتصر تأثير الثورة الصناعية الرابعة فقط في معدل خلق الوظائف، ولا في نسبة إحلال الوظائف الجديدة محل الوظائف القديمة، وإنما سيمتد أيضاً إلى نوعية المهارات المطلوبة لأداء الوظائف، وستزداد نتيجة لذلك فجوة المهارات وفي مثل هذه البيئة المتغيرة للتوظيف يصعب التنبؤ بنوعية المهارات المطلوبة في المستقبل، ومن دون الفهم الصحيح لنوعية المهارات والتعليم المطلوب مستقبلاً لن يستطيع الأفراد والشركات والحكومات تحقيق الاستفادة القصوى من مزايا الثورة الصناعية أو حتى مجرد تفادي الآثار الجانبية غير المرغوبة فيها.

مخاوف مشروعة:

يشكل اختفاء الوظائف مصدرا كبيرا للقلق والخوف بين السكان. ومخاوف الناس إزاء التقدم التكنولوجي المرتقب تختلف وتتنوع، ويمكن تصنيف هذه المخاوف عمومًا إلى ثلاث فئات: مخاوف تتعلق باستبدال العمال بالآلات لتحسين الإنتاجية وخفض التكاليف، ومخاوف تتعلق بالعواقب والآثار السلبية الأخلاقية التي يحملها التقدم التكنولوجي، وأخيرا مخاوف تتعلق بعملية تباطؤ التقدم الاقتصادي الذي قد يصل إلى حدّ الركود الاقتصادي[14].

ويرى بعض المحللين الاقتصاديين أمثال (Mokyr, 2015 Vickers, Ziebarth,)[15] في مسار تقييم تاريخي للتجارب في مجال التقدم التكنولوجي أنه على الرغم من المخاوف التي تثيرها هذه التغيرات والاضطرابات القصيرة الأجل التي تحدثها فإن التقدم التكنولوجي طويل الأجل قد يكون مفيدا وإيجابيا في حركة التقدم الإنساني.

ففي خلال الثورة الصناعية الأولى، كان القلق يولد من مستجدات العمل الذي يجرد العمال من إنسانيتهم ويغتربهم. أما اليوم فإن الخوف الأكبر هو عالم يكون فيه غياب، أو تغييب الوظائف، هو المصدر الأكبر للخوف والقلق، لأن البطالة هي أخطر أنواع الاغتراب الإنساني المعاصر. فالبطالة تشكل اليوم مصدرا رئيسا للخوف والقلق وانعدام الأمن الاجتماعي. ومن جهة ثانية ما زال الانطباع بأن عصر التقدم التكنولوجي الكبير ما زال حاضرا، وفي هذا الصدد يشير روبرت جوردون (Robert Gordon) [16]عالم الاقتصاد الأمريكي، في كتابه "صعود وهبوط النمو الأمريكي" إلى أن نمو الاقتصادات الغربية سوف يتباطأ تحت تأثير متغيرات: ركود التعليم وتراجعه، والشيخوخة السكانية، والديون الكبيرة التي تثقل كاهل طلاب الجامعات والحكومة[17].

ويشير التقرير الاقتصادي لمنظمة التعاون والتنمية المتعلق بمستقبل التوظيف إلى أن التكنولوجيا الجديدة المتمثلة في الذكاء الاصطناعي والأتمتة والرقمنة ستؤدي إلى تغييب عدد كبير من الوظائف التقليدية المعهودة. وكما هو معروف لقد سبق للآلة أنها أقصت العمالة اليدوية وحلت محلها في أداء عدد كبير من المهام التي يقوم بها العمال المتخصصون ولاسيما هذه التي كانت تتطلب قدرا محدودا من الكفاءة العلمية والمهارة وذلك بدرجة أكبر بكثير مما كان متوقعا (OCDE, 2013)[18]. وضمن هذه الرؤية فإن التقدم السريع في الذكاء الاصطناعي المعاصر سيؤدي فعليا إلى زيادة احتمال إحلال الأتمتة الآلية مكان عدد كبير جدا من الوظائف الفنية والمهنية.

في يناير 2017، كشفت دراسة أجرتها شركة (McKinsey & Company) [19] إن 30% من الوظائف التي تشمل 60% من المهن سيتم حوسبتها تقريبا. وأشار كبير الاقتصاديين في بنك إنجلترا إن 80 مليون وظيفة في الولايات المتحدة و 15 مليون وظيفة بريطانية يمكن أن تكون وظائف تقوم بها الروبوتات الذكية[20]. وفي عام 2013، أظهرت دراسة أجراها أكاديميون من جامعة أكسفورد بعنوان "مستقبل التوظيف" على 702 وظيفة مشتركة أن بعض المهن مثل: مهن البيع التجاري والمتاجر، ومهن حسابات الضرائب، والتحكيم الرياضي، مهن معرضة لخطر الزوال أكثر من غيرها ولاسيما المهن العلمية هذه التي تخص علماء النفس، وأطباء الأسنان، والأطباء بعامة. وهذا التوقعات تأتي على سبيل المثال وليس الحصر [21].

وفي هذا الشأن حول تأثير الأتمتة الآلية والذكاء الاصطناعي في سوق العمل، نشر الاقتصاديان الأمريكيان دارون أسموغلو (Daron Acemoglu) من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (M.I.T.,) وباسكوال ريستريبو (Pascual Restrepo,) في جامعة بوسطن (Université de Boston) دراسة بعنوان " السباق بين الآلة والإنسان" (The Race Between Man and Machine) تبين أنه من المحتمل أن يؤدي التشغيل الآلي إلى خلق وظائف جديدة وأفضل بحيث سيعود مستوى البطالة والأجور في نهاية المطاف إلى مستوياتها السابقة. وهذا يعني الذكاء الاصطناعي لن يكون مخيفا إلى هذه الدرجة، وذلك لأنه يؤدي إلى توليد وظائف جديدة[22]. ولكنهما بعد أقل من عام عدلا رؤيتهما بدراسة رصينة نشرت في المكتب الوطني للأبحاث الاقتصادية (National Bureau of Economic Research) بعنوان "الإنسان الآلي والعمل" (Robots and Jobs)، وقد وُصفت هذه الدراسة من قبل صحيفة New York Times بأنها "الدليل على أن الروبوتات تفوز بالسباق في الوصول إلى العمالة الأمريكية ". ويتضح في ضوء الدراسة الثانية (الإنسان الآلي والعمل) أن البحث الأول كان ممارسة نظرية وتمرينًا مفاهيميًا، ولكن البحث الثاني الذي نشر من المكتب الوطني (NBER) اعتمد بيانات حقيقية ومعطيات واقعية منذرا بمستقبل للعمالة أكثر تشاؤماً. في هذا البحث الأخير فوجئ الباحثان برؤية زيادة ضئيلة للغاية في عدد الوظائف في المهن الجديدة التي يمكن أن تعوض خسائر الوظائف في التصنيع، وبينوا هذه المرة وبطريقة ميدانية أن مثل هذه الزيادة في الوظائف الجديدة يمكن أن تحدث، ولكن في الوقت الحالي وجد عدد كبير من الموظفين أصحاب الياقات الزرقاء الذي لا يحملون شهادة جامعية أنفسهم خارج سوق العمل بصورة نهائية[23]. وقد عقب أسموغلو (Daron Acemoglu) على جريد النيوز تايم بقوله: " وبالنتيجة حتى لو حدثت هناك زيادة في الأجور سيكون هناك خسارة في هذه العملية، ويجب أن ننتظر وقتا طويلا جدا كي يستعيد المجتمع عافيته جراء الحضور الواسع للأتمتة الآلية في سوق العمل ".

في كتابهما "عصر الماكينة الثانية: العمل، التقدم، والازدهار في زمن التقنيات البارعة" (« The Second Machine Age: Work, Progress, and Prosperity in a Time of Brilliant Technologies »)، يقرّ إريك برينجولفسون (Erik Brynjolfsson)، الأستاذ في كلية سلون للإدارة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وأندرو مكافي (Andrew McAfee)، بأنه في " قلب الرأسمالية يكمن مفهوم التدمير الخلاق "( Au coeur du capitalisme existe le concept de destruction créative). وقد اتضحت هذه الظاهرة من خلال التقدم التكنولوجي الذي يصول ويجول الآن في الوسط الإنساني. أدت الابتكارات مثل البخار والكهرباء وأجهزة الكمبيوتر وغيرها كثير إلى تغيرات جذرية في الطريقة التي نفكر فيها ونعمل بموجبها كما أثرت في طبيعة المهن التي يقوم يؤديها البشر.

هذه التطورات الهائلة في "الروبوتات" وغيرها من التقنيات الرقمية تسبب القلق الفعلي بين العاملين وفي وسائل الإعلام. فهناك الكثير من الخوف المبرر، فعلى سبيل المثال، يرى كثيرون أن الروبوتات لن تدمر الوظائف الموجودة فقط، بل ستكون الأفضل في أدائها بالمقارنة مع البشر في معظم أو كل المهام المطلوبة في المستقبل، وهنا يكون الأسوأ. وهذه ليست أكثر من نصف الحقيقة فالروبوتات يمكنها في حقيقة الأمر أن تؤدي دورها بشكل أفضل في عدد من الوظائف والمهام المكلفة بها، ولكن وبالمقابل سيكون أداء البشر أفضل في كثير من الوظائف الأخرى[24].

إنه من السهولة بمكان اليوم الإشارة إلى الوظائف المهددة بالتغير التكنولوجي، ولكن من الصعوبة بمكان حتى على الاقتصاديين وعلماء المستقبل تحديد الوظائف الجديدة التي ستظهر، وما إذا كان من يريدون شغلها مؤهلون فعليا لملئها وما إذا ستكون أجورهم مرضية كفاية.

يرى برينجولفسون (Brynjolfson) وماكافي (McAfee) أن كلمة محاسب (calculator) كانت عنوانا لمهنة وظيفية حقيقية حيث كان الموظف المحاسب بقوم بمعالجة أعمدة طويلة من الأرقام. وعندما أخترع الحاسوب (Ordinateur) اختفت مهنة المحاسب واختفت معها مهام أخرى تتصل بالحسابات مثل علماء البيانات: ذلك لأن أجهزة الكمبيوتر بدأت تعالج أطنانا من البيانات الضخمة من المعلومات بسرعات خيالية ودقة مثالية. ومن ثم فإن الحاسب نفسه أوجد عددا كبيرا من المهن التي تتعلق بتكنولوجيا الحاسب وبرمجته ووظائفه. وهذا يعني في النهاية أنه في الوقت الذي يتم فيه القضاء على الوظائف القديمة عن طريق الأتمتة الآلية فإن الاقتصاد يستمر في خلق فرص عمل جديدة وصناعات جديدة لم تكن موجودة من قبل.

ويمكن القول هنا وفي هذا السياق أن الوظائف التي يمكن قياس أداءها أي هذه التي تستند إلى قواعد واضحة ودقيقة يمكن أن تؤتمت وهي مرشحة أكثر من غيرها للأتمتة الآلية. أما المهن التي ستكون آمنة ومستقرة في المستقبل وبعيدة عن خطر الأتممتة هي الوظائف والمهن التي لا تستطيع الآلات أن تقوم بها. وهناك ثلاثة مجالات يتميز فيها البشر ويتفوقون على الآلة وهي: الجهود والنشاطات الإبداعية، والتفاعلات الاجتماعية، والوظائف التي تتطلب مهارات بدينة وقدرة على الحركة.

العدالة الاجتماعية:

تشكل مسألة العدالة الاجتماعية مصدر قلق وجودي واقتصادي بالنسبة للشعوب والأمم في زمن الثورة الصناعية الرابعة. وتبين الدراسات في هذا الصدد أن أكثر المستفيدين وظيفيا في الثورة الرابعة هم اصحاب المواهب الفكرية والفنية من المخترعين والمساهمين والمستثمرين وهو ما يفسر اتساع الهوة في الثروة بين أولئك الذين يعتمدون على رأس المال او العمل. لذا ستكون التكنولوجيا واحدة من الأسباب الرئيسية لركود الدخل، أو حتى تراجعه بالنسبة لغالبية السكان في البلدان ذات الدخل المرتفع، حيث يزداد الطلب على العمال ذوي المهارات العالية في حين ينخفض الطلب على العمال الأقل تعليما والأدنى في مستوى المهارات. ويتضح في هذا السياق أن الطلب في سوق العمل سيكون من نصيب على اصحاب المهارات العالية وسنخفض الطلب بوتائر متسارعة على عير المؤهلين علميا وفكريا [25].

ولا يبخل الخبير الاقتصادي البريطاني جون ماينارد كينز Maynard Keynes (1930)) في تقديم النصيحة حول سؤال المصير إذ يقول:" في مرحلة الانتظار علينا أن نتخذ الاستعدادات البطيئة لمواجهة مصيرنا عبر تشجيع فنون الحياة وممارسة الأنشطة الخلاقة ". ويرى كينز في هذا السياق أن التكنولوجيا تسمح بتركيز أكبر للثروة على عدد أقل من الأفراد والمؤسسات العالمية. وقد أظهر تقرير نشرته منظمة أوكسفام (يناير 2017) أن 8 أشخاص فقط يملكون من الثروة ما يعادل الثروة التي يمتلكها 3.6 مليار أي النصف الأفقر من سكان الكوكب. ويوضح التقرير أن 5 من هؤلاء الأشخاص الأغنى في العالم يديرون شركات التكنولوجيا والمعلوماتية[26].

ويعتقد غاي ستاندنغ Guy Standing الأستاذ في كلية الدراسات الشرقية والإسرائيلية بجامعة لندن، أن زيادة الفوارق الاجتماعية واتساع الهوة الطبقية بين الناس ستؤدي إلى ولادة طبقة جديدة يطلق عليها كلمة جديدة "بريكاريا " " precariat"[27] وهي توليف لغوي جديد يجمع بين كلمتي البروليتاريا prolétariat والهشاشة précarité، ويمكن أن نترجمها بالبروليتاريا الرثة، أو العمالة الهامشية، أو العمالة المتحولة. ويصف ستاندنغ في كتابه عام 2011، الكيفية التي عززت فيها العولمة المنافسة في الأسواق على حساب الأمن الوظيفي. حيث بقيت الأجور الحقيقية راكدة لعقود، وأصبح العمل "المرن" « flexible » هو المعيار في الحصول على العمل، وقد أدى هذا إلى حرمان ملايين الناس حول العالم بدون أمن وظيفي أو دخل مالي آمن بوصفه مصدرا الاستقرار أو بدو شعور بالحرية والاجتماعية أو إحساس بالدلالة والمعنى. ويحذر ستاندنغ من مخاطر تزايد العمالة الهامشية "البريكاريا" " precariat" على الاستقرار في المجتمع، ويتبه إلى محاذير تزايد مخاطر التطرف السياسي.

وفي مواجهة هذه الوضعية يطالب ستاندنغ بوضع استراتيجية فعالة ومتدرجة لإعادة توزيع الثروات الاقتصادية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وترسيخ الأمن الوظيفي، لحماية المجتمع وترسيخ لحمته السياسية والاجتماعية. ويمكن أن نقع على مثل هذا التصور الاستراتيجي في يوتوبيا (Utopia) توماس مور Thomas More عام 1516، أي قبل 500 عاما حيث يعتقد توماس مور أن ارتفاع الدخل في المجتمع يؤدي دوره كترياق ضد الانحرافات والجرائم ويشكل مناعة طبيعة ضد كل أشكال الاضطرابات في المجتمع. والفكرة هنا بسيطة إلى حد كبير إذ يجب على الدولة أن تخصص راتبا لكل شخص راشد في المجتمع بغض النظر عن وضعه المهني. ويرى أصحاب هذه الرؤية أن هذه الاستراتيجية ستوفر شبكة أمان حيوية لجميع المواطنين كما تؤدي إلى إزالة نظم الاستحقاقات غير الفعالة القائمة حاليا في المجتمع. ولكن هذه الفكرة تعرضت للنقد الكبير من قبل عدد كبير من الاقتصاديين الذين يرون أن هذا النهج صعب المنال ولا يمكن تحقيقه ومن شأنه يؤدي إلى التكاسل ويضعف إرادة العمل في المجتمع[28].

ويعتقد بعض الباحثين بأنه يمكن لمعطيات الأتمتة الاصطناعية في مضمار الثورة الصناعية الرابعة أن تحدث تغييرا جوهريا في وضعية العمل وقد تؤدي إلى إلغاء الشعار المعروف "العيش من أجل العمل"، واستبداله بشعار "الحياة من أجل الترفيه" وممارسة الهوايات، فعندما تؤدي الآلات الذكية معظم الأعمال والوظائف في المجتمع، يمكن للمواطنين تكريس مزيدا من الوقت للعمل التطوعي، وريادة الأعمال، والعيش مع الأسرة، والمشاركة المدنية، والنشاطات الإبداعية.

يلاحظ المراقبون أنه على أثر الأزمة المالية التي ضربت جنوب أوروبا في عام 2008، ارتفعت معدلات البطالة بين الشباب لتصل إلى نسبة تراوحت ما بين 50% و 60%، وهذا يعني أن حوالي نصف جيل الشباب وجد نفسه خارج سياق العمل بلا أهداف ومن غير حرية اجتماعية أو كرامة إنسانية أو قدرة على المشاركة في المجتمع، ومثل هذه الوضعية ترقى إلى مستوى المأساة. ومع خطورة هذه الوضعية ومأساويتها يحق لنا أن نتساءل: ألم يكن هناك عمل يحتاجه المجتمع؟ ألا يوجد أطفال في فصول مدرسية مكتظة ويحتاجون إلى معلمين وخدمات تعليمية؟ ألا يوجد هناك أشخاص مريضون ويحتاجون إلى علاج؟ ألم يكن هناك مباني مدرسية تحتاج إلى ترميم أو تجديد؟ ألم تكن هذه المجتمعات بحاجة إلى تشكيل البنية التحتية وتجديدها؟

هذه الأسئلة كما تمت صياغتها تأخذ في الغالب طابعا أدبيا. فالمجتمع لا تنقصه مشكلات ليعالجها ولا فرصا ليشارك فيها. فالمسألة ليست هنا في مناحي هذه الأسئلة المتفرقة إنها مشكلة صميمية تتعلق بالبنية الاقتصادية الاجتماعية في المجتمع والتي تعاني من الإخفاق. وهذه الوضعية تشجعنا على التفكير في مستقبل التكنولوجيا الجديدة التي تتمثل في الذكاء الاصطناعي والأتمتة الذكية وهذا التفكير يتناول كل القوى الاجتماعية التي يمكن أن تشارك بطريقة يستطيع معها المجتمع تجاوز هيئته القديمة.

فالفعالية الحقيقة للدخل الأساسي في المجتمع مهمة جدا، لأنه مع غياب الدخل الأساسي وضماناته من قبل الحكومات سيعاني المجتمع من غياب الأمن والحرية الاجتماعية، وسيكون عندها مجتمعا سيئا للغاية. وفي عديد من البلدان: الولايات المتحدة، وفنلندا، والهند، وإيطاليا، وأوغندا، وكندا وغيرها، التي تشهد تطبيق برامج تجريبية لاختبار فكرة الدخل الأساسي. يتضح أن شروط الحياة قد تحسنت في مستويات الغذاء والنشاطات التربوية والاقتصادية وانخفضت نسبة الأمراض والديون[29].

ومن التجارب المهمة في هذا المجال يشار إلى التجربة الكندية حيث يتلقى 4000 شخص في أونتاريو حوالي 17000 دولارا كنديا في السنة دون شروط أو قيود[30]. وعند إطلاق هذا المشروع التجريبي، قالت رئيسة وزراء أونتاريو كاثلين وين (Kathleen Wynne) إن مثل الخطة كانت ضرورية للرد على "التحديات الجديدة" التي فرضها التطور الحديث. وتصف كاثلين وين هذه المرحلة بأنها مرحلة تحمل في طياتها درجة كبيرة من اللايقين والتغيير.

وما هو أدهى وأشد أن التحديات التي تواجهها المجتمعات الإنسانية في القرن الحادي والعشرين لا تقف عند حدود هذه التي يفرضها التقدم التكنولوجي للثورة الصناعية الرابعة، فالعالم سيواجه تحديات مخيفة ومتزامنة مع التحديات التكنولوجية لهذه الثورة الصناعية، مثل: تغير المناخ (changements climatiques)، النمو السكاني (croissance démographique)، شيخوخة السكان (le vieillissement de la population)، مقاومة المضادات الحيوية (résistance aux antibiotiques)، وتزايد عدم المساواة، وهذا كله غيض من فيض قادم.

وفي مواجهة هذه التحديات كثيرا ما تعتقد بعض الدول أنها يمكنها مواجهة هذه التحديات بصورة منفردة ولكن الحقيقة الدامغة هي أن أياً من هذه الدول لن يستطيع مواجهة هذه التحديات بمفرده، ولا حتى مجموعات منفصلة من الدول، فالمواجهة يجب أن تأخذ طابعا عالميا كي تتمكن البشرية من مواجهة المصير الإنساني بصورة عامة.

كيفيات المواجهة:

ويبشر كلاوس شواب[31] (Klaus Schwab)[32] رئيس المنتدى الاقتصادي بمستقبل متفائل حيث سيصبح الابتكار التكنولوجي، وكذلك قدرتنا على استغلاله، محركًا قويًا للنمو الاجتماعي والاقتصادي. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف ستواجه هذه المسألة من قبل الحكومات والعمال؟ ليس أمرا صعبا تقديم إجابة عن هذا السؤال الجوهري، كما يرى كراهام مارتن (Graham Brown-Martin) إذ يتوجب على الأفراد وبمساعدة الحكومات اتخاذ وضعية استراتيجية يتجنبون فيها الوظائف التي يحتمل أن تختفي أو تستبدل بالأتمتة أو بـ"الروبورات" أو غيرها من الأجهزة. ويتوجب عليهم الالتزام بتجديد وتحديث مهاراتهم المهنية والعلمية على مدى الحياة، سواء من خلال الاطلاع والحصول على دروس إضافية عبر الإنترنت أو التعلم في المؤسسات العلمية وفي المعاهد مباشرة. ولا بد من القول هنا: "بأن مبدأ التعلم مدى الحياة، والمرونة، والتعليم المستمر، وإعادة التعليم، والتعلم الذاتي تشكل العناصر الأساسية في مواجهة تحديات الأتمتة والإحلال الآلي للوظائف. وهذا يعني في النهاية السباق الدائم مع الذكاء الاصطناعي والروبوتات الاصطناعية المستقبلية"[33].

ويتوجب على الحكومات من ناحية أخرى خلق مناخ موات يمكن أصحاب المشاريع ورجال الأعمال من تطوير أعمالهم على النحو الذي يمكن المؤسسات الجديدة من ابتكار وظائف جديدة، وهنا يجب أن نعلم أن دور الحكومات لا يكون في إبطاء وتيرة التقدم التكنولوجي وتعطيلها بل يجب أن يكون في مساعدة المؤسسات الصناعية والتجارية وسوق العمل ورجال الأعمال والعمال على تحقيق أعلى درجة تطور ممكنة، وتمكينهم من توليد استراتيجيات جديدة تواكب هذا التطور وتحافظ على مكانة الإنسان فيه في مواجهة خطر الأتمتة الآلية والحضور الكبير للذكاء الاصطناعي.

في مواجهة هذه المعضلة الناجمة عن التقدم التكنولوجي، طرح الملياردير الأمريكي مارك كوبان (Mark Cuban) أفكار جريئة حول مستقبل التوظيف، إذ يرى أنه في العقود المقبلة ستكون الأتمتة هي القاعدة الأساسية التي تسود في مختلف القطاعات الاقتصادية، وفي مواجهة ذلك سيزداد الطلب على المفكرين والمبدعين والمبتكرين الذي يتفوقون في مجالات الفنون الليبرالية المتنوعة. ويرى كوبان أيضا أن مستوى التغيير الذي سنراه في مجال الوظائف في السنوات الخمس أو العشر القادمة سيتفوق على ما شهدناه خلال السنوات الثلاثين الماضية، وفي الوقت الذي سيحتل فيه الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي وضعية مركزية في الحياة الاجتماعية والصناعية، سيكون هناك مزيد من متطلبات الخبرة في مواضيع مثل اللغة الإنجليزية، والفلسفة، واللغات الأجنبية. ووفقا لتوقعاته، فإن بعضا من أكثر المهارات المطلوبة اليوم، مثل كتابة البرامج الحاسوبية ستعتمد في النهاية على الأتمتة، ولكن مهارات التواصل والتفكير النقدي ستصبح أكثر أهمية وأكثر منعة[34].

خاتمة - أو بارقة أمل:

يحمل لنا المستقبل في طياته الألفية الثالثة ما يفوق قدرتنا اليوم على الفهم، وما يتجاوز إمكانية التصديق، والأخطر أن حوادثه المحتملة قد تفوق قدرة البشر على التخيل. فهناك تغيرات مذهلة قد تفقد الإنسان توازنه الاستراتيجي في مواجهة التغيرات التي تعصف بمختلف مظاهر الكينونة والوجود. وفي تأثيرها على الأفراد، فإن الثورة الصناعية الرابعة "لن تغير فقط ما نقوم به ولكنها ستغير أيضا ما نحن عليه. انها سوف تؤثر على هويتنا وجميع القضايا المرتبطة به: خصوصيتنا واستقلاليتنا وأفكارنا وأنماط استهلاكنا، والوقت الذي نكرسه للعمل والترفيه، وكيف نطور عملنا، ومهاراتنا وكيف نلتقي بالأخرين ونطور علاقاتنا معهم .

وفي المستوى الوظيفي – دون غيره - كما قدمنا أعلاه، فإن الوظائف تتجه إلى الاختفاء والشركات إلى الاندثار، فالجديد يولد والقديم يموت من غير احتواء. والعالم يتغير والذهنيات تتبدل، وكأن الإنسان في عصف من جحيم التغير والتبدل والاختراع، التي يتحجر فيها الإنسان إلى حالة من التشيؤ والانصهار في عالم مادي تحكمه الآلات المدججة بالذكاء الاصطناعي. وإذ كان الإنسان في العصور القديمة يناضل كي لا يكون عبدا فعليه اليوم أن يناضل كي لا يكون آلة كما يقول أحد الحكماء.

ففي العالم الجديد كما أشرنا من المتوقع أن تهيمن الوظائف الجديدة المستقبلية للثورة الرابعة في العقود القليلة القادمة ولاسيما في مجالات: الذكاء الاصطناعي، وصناعة الروبوتات Robotics، وتكنولوجيا النانو Nanotechnology، والطباعة ثلاثية الأبعاد، وعلم الوراثة، والتكنولوجيا الحيوية. ويتوقع أصحاب العمل والصناعات الحصول على مهارات تربوية تتمثل في القدرة على الإقناع، والذكاء العاطفي، والقدرة على تعليم الآخرين وتأهيلهم إنسانيا وأخلاقيا. لقد أدرك أرباب العمل بالفعل قوة الفنون الحرة في تحفيز ريادة الأعمال وتطوير "المهارات الفردية" والاستجابة لمتطلبات السلامة في عملية الإنتاج والتوزيع[35].

وفي مواجهة هذا العالم المتدفق بالذكاء الاصطناعي فإن المجتمعات الإنسانية مطالبة اليوم بوضع استراتيجيات مضمخة بالأمل في مواجهة التحديات وتمكين الفرص في إقامة مجتمعات عادلة خلاقة. وهي معنية ضمن هذه الاستراتجيات الجديدة أن تقدم جوانب مضيئة في مجال احتواء مختلف التحديات ولاسيما مسألة الاغتراب الرقمي وتنامي الحضور المكثف للذكاء الاصطناعي وذلك لحماية الإنسان من الآثار السلبية للثورة الصناعية الرابعة.

وفي المجال التربوي فإنه لمن الواجب على الأنظمة التربوية في العالم أن تطور استراتيجيات جديدة لمواجهة مختلف التحديات الناجمة عن الثورة ولاسيما تحديات اختفاء الوظائف والعمل على تأهيل الناشئة تأهيلا مستقبليا يعتمد على احتمالات الذكاء الاصطناعي وتمكين الناشئة من الخبرات والمهارات والمعارف التي يمكنها أن تواكب حركة التطور التكنولوجي الهائل في العقود القادمة من القرن الحادي والعشرين. وفي الختام نقول بأن الإنسان استطاع حتى يومنا هذا أن يجد لكل معضلة مخرجا عبر تاريخه الطويل وهو بطاقته اللامحدودة وإمكانياته المذهلة لقادر على أن يحقق المستحيل، وكلنا أمل أن تجد الإنسانية طريقها المستنير في المحافظة على الكينونة الإنسانية في معركة البقاء والمصير.

 

علي أسعد وطفة

جامعة الكويت – كلية التربية

...........................

قائمة المراجع:

سلام أحمد العبلاني، وعود الثورة الصناعية الرابعة منعطف هائل في تاريخ البشرية، (الافتتاحية) مجلة التقدم العلمي، مجلة الكويت، مؤسسة الكويت للتقدم العلمي العدد103 - أكتوبر 2018،

محمد عبد القادر الفقي، الثورات الصناعية الأربع: إطلالة تاريخية، مجلة التقدم العلمي، مجلة علمية فصلية تصدر عن مؤسسة الكويت للتقدم العلمي العدد103 - أكتوبر 2018.

محمد نجيب السعد، الثورة الصناعية الرابعة.. هل نحن مستعدون؟ جريدة الوطن العمانية، 6 فبراير، 2016.

George Anders, You Can Do Anything: The Surprising Power of a “Useless” Liberal ArtsEducation (New York: Little, Brown and Company, 2017).

Acemoglu D (MIT), Restrepo P (Université Boston), The Race Between Man and Machine:

Eric Hobsbawm, Industry and Empire – The Birth of the Industrial Revolution (New York: The New Press, 1968.(

Eric Schmidt & Jared Cohen , The New Digital Age: Reshaping the future of People,Nations and Business،(United States: Alfred A. Knopf، 2013)

Frey C.B., Osborne M.A., The Future of Employment - How susceptible are jobs to computerisation, Université d'Oxford:

Graham Brown-Martin, L'Éducation et la quatrième révolution industrielle, Préparé pourGroupe Média TFO, août 2017..

Mokyr, Joel, Chris Vickers, et Nicolas L. Ziebarth, The History of Technological Anxiety and the Future of Economic Growth: Is This Time Different? , Journal of Economic Perspectives, 29(3) 2015.

Robert Gordon « The Rise and Fall of American Growth: The US Standard of Living since the Civil War » (Princeton University Press, 2016 ).

Arnold Toynbee, Lectures on the Industrial Revolution (London: Rivingtons, 1884).

[1] - محمد نجيب السعد، الثورة الصناعية الرابعة. . هل نحن مستعدون؟ جريدة الوطن العمانية، 6 فبراير، 2016،. متوفر: http://alwatan.com/details/97392

[2] - Eric Schmidt & Jared Cohen , The New Digital Age: Reshaping the future of People,Nations and Business،(United States: Alfred A. Knopf، 2013)

[3] - Toynbee, Arnold, Lectures on the Industrial Revolution (London: Rivingtons, 1884).

[4] - Eric Hobsbawm, Industry and Empire – The Birth of the Industrial Revolution (New York: The New Press, 1968).

[5] -ibid.

[6] - محمد عبد القادر الفقي، الثورات الصناعية الأربع: إطلالة تاريخية، مجلة التقدم العلمي، مجلة علمية فصلية تصدر عن مؤسسة الكويت للتقدم العلمي العدد103 - أكتوبر 2018، ص9.

[7] - المرجع السابق، ص9.

[8] - المرجع السابق، ص9.

[9] - المرجع السابق

[10] - سلام أحمد العبلاني، وعود الثورة الصناعية الرابعة منعطف هائل في تاريخ البشرية، (الافتتاحية) مجلة التقدم العلمي، مجلة علمية فصلية تصدر عن مؤسسة الكويت للتقدم العلمي العدد103 - أكتوبر 2018،

[11] - سلام أحمد العبلاني، وعود الثورة الصناعية الرابعة منعطف هائل في تاريخ البشرية، مرجع سابق.،

[12] Graham Brown-Martin, L'Éducation et la quatrième révolution industrielle, Préparé pourGroupe Média TFO, août 2017. URl:

https://www.groupemediatfo.org/wp-content/uploads/2017/12/FINAL-Education-and-the-Fourth-Industrial-Revolution_FR.pdf

-[13] عقد المنتدى الاقتصادي العالمي بمدينة دافوس السويسرية في 23 يناير الجاري، وحضر المنتدى الذي استمر 4 أيام، زعماء سياسيون ورؤساء دول من أكثر من 40 دولة وأكثر من 2500 مسؤول حكومي ورؤساء شركات وأكاديميين من أكثر من 100 دولة. وناقش المشاركون آثار وتحديات "الثورة الصناعية الرابعة" على البشرية، كما ناقشت الاجتماعات الوضع الأمني العالمي، والنمو الاقتصادي ومشاكل البيئة، والنقاط الساخنة المتعلقة بالتحولات الاجتماعية وغيرها من المواضيع.

[14] Graham Brown-Martin, L'Éducation et la quatrième révolution industrielle, op.cit.

[15] Mokyr, Joel, Chris Vickers, et Nicolas L. Ziebarth, The History of Technological Anxiety and the Future of Economic Growth: Is This Time Different? , Journal of Economic Perspectives, 29(3) 2015, P 31-50. url:http://pubs.aeaweb.org/doi/pdfplus/10.1257/jep.29.3.31

[16] Robert Gordon « The Rise and Fall of American Growth: The US Standard of Living since the Civil War » (Princeton University Press, 2016 )

[17] Robert J.Gordon ,The end of economic growth, , Prospect Magazine, janvier 2016. URl:

https://www. prospectmagazine.co.uk/magazine/growing-pains-united-states-end-of-economicgrowth- productivity.

[18] Briefing de politique de l'OCDE sur le futur de l'emploi, mai 2016.

[19] Harnessing automation for a future that works, McKinsey, janvier 2017. url:

http://www.mckinsey.com/global-themes/digital-disruption/harnessing-automation-for-a-futurethat-works

[20] Labour’s Share - discours par Andy Haldane, Économiste en chef, Bank of England, novembre , 2015 . http://www.bankofengland.co.uk/publications/Pages/speeches/2015/864.aspx

[21] Frey C.B., Osborne M.A., The Future of Employment - How susceptible are jobs to

computerisation, Université d'Oxford. url:

http://www.oxfordmartin.ox.ac.uk/downloads/academic/The_Future_of_Employment.pdf

[22] Acemoglu D (MIT), Restrepo P (Université Boston), The Race Between Man and Machine:

Implications of Technology for Growth, Factor Shares and Employment, MIT, mai 2016.url:

https://economics.mit.edu/files/13179

[23] Acemoglu D (MIT), Restrepo P (Université Boston), Robots and Jobs, Evidence from the US

Labor Market, National Bureau of Economic Research, mars 2017. url:

https://irs.princeton.edu/sites/irs/files/event/uploads/robots_and_jobs_march_3.17.2017_final.pdf -

[24] Graham Brown-Martin, op.cit.

[25] - محمد نجيب السعد، الثورة الصناعية الرابعة، مرجع سابق.

[26] Une économie au service des 99 %, Oxfam, janvier 2017. url:

https://www.oxfam.or g/fr/rapports /une-economie-a u-service-des-99

[27] Précariat est un néologisme de la sociologie, formé à partir des mots précarité et prolétariat, et définissant les « travailleurs précaires » comme une nouvelle classe sociale.

[28] Graham Brown-Martin, op.cit.

[29] Universal Basic Income Pilot Schemes, Futurism . url:

https://futurism.com/images/universal-basic-income-ubi-pilot-programs-around-the-world/

[30] Projet pilote portant sur le revenu de base (mai 2017). URL:

https://www.ontario.ca/fr/page/projet-pilote-portant-sur-le

[31] Professor Klaus Schwab was born in Ravensburg, Germany in 1938. He is Founder and Executive Chairman of the World Economic Forum, the International Organization for Public-Private Cooperation.

[32] The Fourth Industrial Revolution: url:

https://www.weforum.org/agenda/2016/01/the-fourth-industrial-revolution-what-it-means-andhow-to-respond/

[33] Graham Brown-Martin. Op.cit.

https://www.groupemediatfo.org/wp-content/uploads/2017/12/FINAL-Education-and-the-Fourth-Industrial-Revolution_FR.pdf

[34] - Billionaire Predicts Liberal Arts-Driven Future, Inside Higher Ed, mars 2017. url:

https://www.insidehighered.com/quicktakes/2017/02/20/billionair e-pr edicts-liberal-arts-drivenfuture

[35] - 48 George Anders, You Can Do Anything: The Surprising Power of a “Useless” Liberal ArtsEducation (New York: Little, Brown and Company, 2017).

 

1025 جعفر آل ياسين

جعفر آل ياسين أستاذ الفلسفة في جامعة بغداد، حصل على دكتوراه في الفلسفة الإسلامية من جامعة أكسفورد، واهتم بدارسة الفلسفة السينوية ومن تم تحقيق بعض رسائل الفارابي الفلسفية، وأهمها: التنبيه على سبيل السعادة، ورسالة تحصيل السعادة، فضلاً عن اهتمامه بفلسفة مُلا صدرا.

من كُتبه المهمة: المنطق السنوي، دراسة للنظرية المنطقية عند ابن سينا، وكتابه الأهم: (فيلسوفان رائدان ـ الكندي والفارابي)، وكتاب (فيلسوف عالم ـ دراسة تحليلية لحياة ابن سينا وفكره الفلسفي).

لم يتسن له التدريس طويلاً في الجامعات العراقية، فقد أحيل إلى التقاعد بعد ضغط الأجهزة الأمنية (البعثية) في أوائل الثمانينيات، فهاجر للتدريس في بلدان عربية، على رأسها ليبيا.

هو من جيل الكبار: مُحسن مهدي، وكامل مصطفى الشيبي، ومدني صالح، ونمير العاني، وحسام محيي الدين الآلوسي، وياسين خليل، وعرفان عبدالحميد، ولحق بهم عبدالأمير الأعسم، على ما بينهم من اختلاف، كل بحسب تخصصه وتوجهه المعرفي والأيديولوجي.

يُشارك جعفر آل ياسين مُجايله د. محسن مهدي في الاهتمام بفلسفة الفارابي، فقد حقق آل ياسين كما هو د.محسن مهدي العديد من كُتب ورسائل الفارابي الفلسفية، ويزيد عليه بتخصصه بفلسفة ابن سينا.

يهتم آل ياسين كثيراً بدراسة (المُنحنى الشخصي) للفيلسوف، لأنه يرى أن فكر الفيلسوف لا ينفصل عن تكوينه الاجتماعي والثقافي، لأن الفيلسوف ابن عصره.

يعتبر الكندي بمثابة "طفرة في تاريخ العلم، إن لم يكن رائداً للتدوين الفلسفي في عصره".

ما يُميز الكندي ـ بحسب ما يرى آل ياسين في كتابه (فيلسوفان رائدان)ـ هو "الاعتراف" بفضل السابقين على اللاحقين، وإن خالفونا في المُعتقد.

مُنبهر بريادة الكندي الفلسفية، كاشفاً عن قيمته وقامته في اثبات قيمة القول الفلسفي بقوله: "إن هذا العلم (الفلسفة) إما أن يكون واجباً أو ليس بواجب: فإن كان الأول فهو سار في وجوبه على الجميع، وإن أُخذ بالثاني فوجب عقلاً تقديم العلة والبرهان على الخلاف، ففي العملية البرهانية تلك يُحقق الناكرون (للفلسفة) منهجيتها التي هي قُنَية علم الأشياء (أي معرفة حقيقة وأصل وجود الأشياء)، فيجب عليهم إذن اقتناءها والتمسك به".

أشار لقيمة التعريفات ورسائل الحدود في كتابه هذا، وأظن أن د.عبدالأمير الأعسم تلقف هذه الإشارة، فذهب إلى تحقيق رسائل الحدود ونشرها تحت عنوان (المصطلح الفلسفي) كتابه الأشهر الذي عُرف به فضلاً عن كتابه (ابن الريوندي).

ما يُميز الكندي عند آل ياسين أن ينهل من أفكار سابقين ويستفيد منها في تنظيم رؤاه، ولكنه ليس تابعاً لا لأرسطو ولا لأفلوطين، ولا يسير معهما (حذو النعل بالنعل) كما يُقال، فهو لا يؤمن بقدم المادة التي قال بها أرسطو، لأن الله عنده "مؤيس الأيسات من ليس"، أي خالق الوجود من عدم (ليس)، ولكنه يؤمن بأن الله هو (المُحرك الذي لا يتحرك) بتعبير أرسطي.

ذات المنهجية يتبعها في قراءته لفلسفة الفارابي عبر ربطها بـ "المُنحنى الشخصي" وتأكيده غُربة الفيلسوف (الفارابي) منذ طفولته، فصرنا لا نعرف له توثيق انتماء حقيقي .

1024 الكندي والفارابيالفارابي هو "فيلسوف السلام والمحبة" والداعي إلى رجحان كفة العقل، فيلسوف زاهد يهيم بالموسيقى وأنغامها فكتب عنها وألفَ كتابه "الموسيقى"، وعمل ناطوراً في بُستان يعمل النهار في سُقيا الزرع والأزهار، ويقرأ على ضوء قنديل فلسفة أرسطو وافلاطون!!.

في ما يكتب الفارابي اعجاب وشغف في الفلسفة، ينهل من الفلاسفة السابقين، ليتسنى له ربط الفلسفة بالدين: "الشريعة والملَة والدين والسُنة أسماء مُترادفة...فالملَة الفاضلة شبيهة بالفلسفة، وكما أن الفلسفة منها نظرية وعملية...كذلك الملَة"، كما يقول الفارابي في كتابه (الملَة)، لأن الفلسفة فيها "تنبيه إلى سبيل السعادة" وفي السير وفق نهج الأسبقين من الفلاسفة "تحصيل السعادة"، فلا بُدَ أن تكون هي الوسيلة التي ننال بها السعادة، لأنها بمضومنها "الهدف الأصيل الذي يهدف إليه الإنسان"، لأن الفيلسوف لا يلتفت لملذات الدنيا وبُهرجها، مُحب للعلم وأهله، صادق ووفي، مُنصف (عادل)، أمين والأمانة سجية أو فطرة فيه، يؤدي الفرائض وتجنب الموبقات ويُحصن نفسه عن كل ما حرم الله، حسن الخُلق، حكيم يحترم الكبير (الخبير)، غير طامع ولا يُغريه جمع المال.

الفيلسوف هو الذي يستخدم عقله بمناح شتى، لأن العقل قوة لأدراك ماهيات الموجودات، وهو من له القدرة على إدراك المعاني العمة، كالوجود والجوهر والعرض والعلَية والمعلولية، والغاية، والوسيلة، والخير والشر والفضيلة والرذيلة والحق والباطل.

العقل قُدرة يمتلكها العُقلاء من البشر لتمييز العلاقات وارتباط بعضها ببعض، والعقل يُدرك الموجودات المادية وغير المادية أي أسباب وجود المادة.

يبحث آل ياسين في رؤية الفارابي لمفهوم النبوة، فيكشف لنا عن ربط الفارابي للقوة المُتخيلة بالإنسان بحسب فاعلية وجودها وضعفه، فقد توجد القوة المُتخيلة عند إنسان كقوة كاملة، لتكون (النبوات) "ذات درجات ومراتب تتباين بعضها مع البعض حسب حاجة المجتمع إلى هذا الإنسان المُمتاز. ولكن العامل المُشترك بين الطرفين هو مقياس الكمال الذي يجتمع في هذا الكائن العاقل من حيث كونه فيلسوفاً ونبياً ومُرسلاً، أو بالأحرى حين تتوحد فيه المُتخيلة النادرة وقُدرة العقل العملي".

ورغم أن الفارابي في كتابه "الحروف" يفضل أسبقية الحكمة على الملَة، لكن آل ياسين يرى أنها "أسبقية وجودية فحسب، من حيث أن المُتخيلة قوة من قوى التعقل"، "لأن النبي يحمل دلالتين: النبوة والفلسفة معاً لأنه تمكن من اقتناص الحالتين: التصال بالعقل الفعَال، واستلام الرسالة بواسطة الله، فإذا قيس الأمر من هذه الزاوية كأن النبي أرقى مرتبة في المعرفة من الفيلسوف"، "ومن هنا يكون النبي جامع للسعادتين، بينما الفيلسوف مُفتقر إلى واحدة منها".

لذا يربط الفارابي بين الفيلسوف والإمام والمُشرَع، فهي لا تختلف نوعاً ولكنها تتباين درجة.

 

ا. د. علي المرهج

 

نايف عبوشلا شك أن العصرنة، بما ابدعته من منجزات تكنولوجية، وصناعية هائلة، قد أصبحت محط انبهار الإنسان المعاصر. ولاريب أنها قد أفرزت في نفس الوقت، تداعيات سلبية، يمكن تلمسها بمنعكسات الكثير من الآثار السلبية لتلك المنجزات، ولاسيما في مجال ثورة الاتصال والمعلوماتية، والثورة الرقمية، وغيرها، التي نعيش اليوم كل تفاصيلها بذهول.

ولأننا اليوم، في البلدان النامية  ومنها بلداننا العربية، متلقون للتقنيات، والعلوم، والمعارف، ومستوردون للسلع والخدمات، ولسنا مبدعين لها، فقد صدم الإنسان العربي المعاصر في الصميم بشدة عاصفة العصرنة، عندما أنهكه ضجيجها الصاخب، ليجد نفسه قد وقع في دوامة من التصدع القيمي، والوجداني، في ثقافته، وموروثه المعرفي، تحت وطأة ذهول شديد، وعجز واضح، عن مواكبة، واستيعاب تداعيات هذا السيل الهائل من الإنجازات العلمية، والتكنولوجية، بالإضافة إلى انبهاره تجاه ما بات يواجهه من تحولات هيكلية، تفوق في تسارعها، حدود قدرته على التصور،لاسيما بعد أن أضحت ثقافته التقليدية متيبسة، وعاجزة عن الصمود، في وجه تحديات عاصفة عصرنة معولمة، وجامحة، باتت تكتسح، كل ما حولها من موروثات، وثقافات .

وهكذا استكانت الثقافة العربية التقليدية،لتتآزر بعجزها عن المدد والعطاء، مع تداعيات نقيضها، ثقافة العصرنة المعولمة، والحداثة المهيمنة، في أقسى عملية استلاب للإنسان العربي المعاصر، ووضعه في دائرة الاغتراب، دون مراعاة لأدنى خصوصية له، فطالما استهدفت ثقافة العولمة في زحفها العاصف، تشويش منظومة القيم الثقافية التقليدية السائدة، بعد أن جردت المواطن العربي من ثوابته الثقافية، ومرجعياته القيمية، التي كان يؤطر من خلال استلهامه لها، ملامح هويته،ويحقق خصوصيته، وهو الأمر الذي فسح المجال أمام ثقافة العولمة، مع انها طارئة، لكي تصول وتجول في ساحتنا العربية، دون قيود،وتعبث بموروثنا، وتحطم وجودنا، وتمسخ معالم هويتنا،وتمحو ثقافتنا، في عملية تدمير للوعي حاصرت الفرد، حتى بات يشعر بأنه أسير معطيات ثقافة معولمة، وقيم مهيمنة، تدفعه إلى الشعور بالغربة،والضياع الإنساني، والانسلاخ التام من واقعه . 

وهكذا يقع الإنسان العربي اليوم، فريسة زحف ثقافة الآخر المدمرة، التي فرضت عليه من عالم مختلف القيم ليس له صلة بعالمه، إلا كمستهلك محض لبضائعه، ومعارفه، وضحية انحطاط الحال الراهن الذي يعيشه في نفس الوقت، وبذلك يمكن القول في هذا السياق، إن الثقافة العربية اليوم، لم تعد قادرة، على الصمود بوجه عصرنة معولمة تكتسح، وتبتلع كل ما حولها، بما تسببه من خلل هيكلي في التوازن النفسي والاجتماعي للآخرين،باعتبارها عصرنة جامحة، تقتحم الحدود بوسائلها المتعددة، بلاقيود، ودون الحاجة إلى تصريح.

وإذا كان لا بد لنا أن نعمل على إعادة هيكلة واقع الحال، بما يتلائم مع معايير التحديث، والعصرنة، حتى يمكننا التعايش مع معطياتها، والتكيف مع انجازاتها المتوالية، بأقل ضرر يلحق بأصالة هوية الوجود الاجتماعي، والموروث الثقافي، فإن ذلك ينبغي ان يتم في إطار الحرص الواعي على الحفاظ على أصالة هوية الموروث الحضاري لمجتمعنا، وأمتنا، والتكيف في نفس الوقت، مع المعطيات الإيجابية للعصرنة، والتفاعل المبدع، والخلاق معها، وإسقاط كل ما هو سلبي من تداعياتها دون تردد.

لذلك بات الأمر يتطلب من الكتاب، والمفكرين، والدعاة، والمؤسسات المهتمة بالشأن الديني، والاجتماعي، الإنتباه الجدي، إلى خطورة الانفصام بين الأجيال القادمة، والبيئة التي انجبتهم، والعمل على إدامة زخم التواصل الحقيقي المستمر بينهم، وبينها، وزيادة حس الإرتباط بالأصالة، وتعميق جذور الإنتماء، في نفس الوقت الذي ينبغي أن يتم فيه الانفتاح بوعي تام، على معطيات  العصرنة التقنية، والمعرفية، والحضارية، والتفاعل مع توجهاتها الإيجابية بتروي، ومن دون انبهار، أو تهيب، او خنوع، أو استكانة، ترسخ في أوساط الجيل المعاصر، روح الفزع، والإنهزامية، وتشيع فيهم الشعور بالدونية، عند تعاطيهم مع تيار الحداثة الجارف، تفادياً للضياع، والاستلاب.

 

نايف عبوش

 

عدنان عويدإن السلفية بأبسط صورها في الخطاب الديني بشكل عام، تشكل موقفاً فكرياً وسلوكياً من الحياة، يقوم على اعتبار الماضي المنطلق الوجودي والمعرفي لكل ما هو تال، وإن الأسلاف لم يتركوا شيئاً للأخلاف. وهذا الموقف ذاته نجده في الخطاب السلفي الإسلامي بشكل خاص أيضاً. حيث يُعتبر الخطاب الإسلامي بكل ما يتضمنه من قضايا مادية وفكرية وقيميّة حدثت في القرون الهجرية الثلاثة الأولى، هو منطلق البداية والنهاية لمنظومة حياة الإنسان عموماً. أو بتعبير آخر إن تلك المرحلة التاريخية التي عاشها الرسول والصحابة والتابعون وتابعو التابعين بكل قيمها المادية والفكرية والأخلاقية، هي المنطلق الوجودي والمعرفي لكل ما جاء فيما بعد داخل حياة المسلمين. وبالتالي فكل جديد لا يتفق مع هذا الوجود، هو بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

إن السلفية كمنهج ورؤية وطريقة حياة  في ضوء هذا الموقف السكوني والجمودي والوثوقي، لم تأت بشكل عفوي، وإنما هي تتكئ على نص مقدس يتمثل في أحاديث للرسول يُشك في أمرها، إذ لا يمكن لنبي عظيم مثل محمد (ص) الذي غير مجرى التاريخ أن يقول أو يقر بها، كالحديث القائل : (خير القرون القرن الذي أنا فيه ثم الذي يليه ثم الذي يليه.). أو الحديث القائل: (أصحابي كالنجوم الساطعة بأي منهم اقتديتم اهتديتم.). لذلك فإن اعتماد أصحاب التيار السلفي الجمودي على هذه الأحاديث وهي أحاديث أحاد، (ظنية) جاء لتأكيد هذا الموقف السلفي الجبري الجمودي من الحياة،  متجاهلين  كل ما حدث من أمور في الدولة والمجتمع الإسلامي بعد وفاة الرسول مباشرة وصولاً إلى انهيار الخلافة الإسلامية ذاتها، وهي أمور أو أحداث لا تمت في معظمها إلى تعاليم الإسلام ولا قيم الرسول بصلة. فهل من المعقول على سبيل المثال لا الحصر، أن يكون القرن الذي وجد فيه الرسول وخاصة بعد وفاته هو خير القرون، وكانت هناك حروب الردة، ومقتل سعد بن عبادة لكونه لم يبايع أبا بكر وعمر، واتهموا الشيطان بقتله بذريعة أنه بال واقفاً،. ثم مقتل عمر بن الخطاب، و قيام الفتنة الأولى في الإسلام التي أدت إلى مقتل عثمان بن عفان. ثم قيام الفتنة الثانية بين علي وعائشة في (حرب الجمل). أو قيام معركة صفين بين علي ومعاوية على السلطة وظهور الخوارج. وهل من المعقول أن يكون كل أصحاب الرسول كالنجوم الساطعة يقتدى بأي واحد منهم، ومنهم من قتل عثمان وهو يقرأ القرآن، أو يحرض على علي بن أبي طالب في معركة الجمل وصفين ويقوم بقتله فيما بعد، وهل من المعقول أن ينهب معاوية الخلافة بقوة السلاح وشراء الضمائر ويحولها إلى ملك عضوض وهو من كتبت الوحي، ثم ينقلها إلى إبنه يزيد المعروف بسلوكياته المشينة ويأتي في مقدمتها فضيحة (وقعة الحرة) وغيرها من مفاسد يندى لها الجبين، هذه المفاسد التي صرح بها "معاوية الثاني بن يزيد بن معاوية" بعد أن توفي والده يزيد، حيث اعتلى يومها المنبر وقال مخاطباً جمهور المسلمين : (أنتم أولى بأمركم فاختاروا من أحببتم ... أيها الناس إن جدي نازع الأمر أهله ومن هو أحق به منه وهو علي بن أبي طالب، وركب بكم ما تعلمون حتى أتته المنية فصار في قبره رهيناً بذنوبه وأسيراً بخطاياه، ثم قلد أبي الأمر فكان غير أهل لذلك، وركب هواه وصار في قبره رهيناً بذنوبه وأسيراً بجرمه... وقد قتل عترة رسول الله، وأباح الحرم وخرب الكعبة. وما أنا بالمتقلد ولا بالمحتمل تبعاتكم فشأنكم وأمركم..). (1).وهل من المعقول أن يكون من النجوم الساطعة الخليفة الوليد بن يزيد بن عبد الملك الذي مزق القرآن وهو مخمور وخاطبه إن سألك ربك يوماً من مزقك، قل له يا ربي مزقني الوليد، وهو من قتله أخوه لمجونه!. وأخيراً أحب أن أنهي مسألة هؤلاء النجوم بموقف للخليفة الأموي " عمر بن عبد العزيز" عندما جاءت إليه عمته "فاطمة" بنت مروان مبعوثة من الأسرة الأموية الحاكمة تطالبه بأن يعدل عن مصادرة ممتلكاتهم التي سماها مظالم، فرفض وأصدر وثيقة (التأميم)، أو المصادرة وهو يقول مشبهاً ثروة البلاد بالنهر الذي هو حق للجميع ولا يجوز امتلاكه أو حيازته لأحد: ( إن الله تعالى بعث محمداً رحمة لم يبعثه عذاباً للناس، ثم اختاره له ما عنده... فترك لهم نهراً شُربهم به سواء. ثم ولى أبو بكر فترك النهر على حاله، ثم ولي عمر فترك الأمر على حاله وعمل عمل صاحبه. فلما ولي عثمان اشتق من ذاك النهر نهراً. ثم ولي معاوية فشق منه انهاراً، ثم لم يزل ذلك النهر يشق منه يزيد ومروان وعبد الملك وسليمان حتى أفضى الأمر إليّ وقد يبس النهر الأعظم ولن يروى أصحاب النهر أو يرضوا حتى يعود إليهم النهر الأعظم إلى ما كان عليه.). (2).

إذا كان هذا بعض ما جرى في قرن الرسول من أحداث يندى لها الجبين، وتعتبر من الناحية القيمية عاراً على تاريخ الإسلام والمسلمين معاً،  فكيف الحال بالقرنين التاليين بعد قرن الرسول، وهما القرنان اللذان فُجرت فيهما العصبيات القبليات بين اليمانية والقيسيّة من جهة وبين العرب والشعوب المنضوية تحت راية الإسلام والخلافة الإسلامية (الموالي) من جهة ثانية، ورفعت فيها السيوف وحكم فيها الخصيان  من أجل السلطة وشهوتها. ولتوضيح الأمر أكثر في مسألة هؤلاء النجوم الساطعة بالنسبة للتابعين وتابعيي التابعين من القرون الأخيرة اللاحقة لقرن الرسول، فلنعد إلى كتاب السيوطي (تاريخ الخلفاء) لنرى كيف تحول الكثير من الخلفاء إلى أدوات بيد الأعاجم بعد أن أهملوا قيادتهم للخلافة وانغمسوا في شهوات السلطة بين إماتهم وخصيانهم، وكيف راح الكثير من فقهاء الإسلام يفسرون النص المقدس ويؤولونه ويضعون الأحاديث على لسان الرسول خدمة لمصالح السلطة الحاكمة أو ضدهم، أو خدمة لمصالحهم هم أيضاً كتيار مدخلي وجدوا في تقربهم من السلطة وخدمتها باسم الدين تحقيقاً لمصالحهم الأنانية الضيقة. وكذلك كيف راحت الانحرافات الفكرية والعقيدية تظهر في القرن الثاني والثالث للهجرة المباركين بأهلها من سلفنا الصالح، حيث ظهر الكثير من الفرق والمذاهب الإسلامية التي شوهت الدين وحرفته عن مقاصده الحقيقة التي جاء من أجلها، كما يذكر ابن تيمية وأبو حامد الغزالي. (3). ثم مع انتشار المد الصوفي ألطرقي بشكل خاص منذ القرن الحادي عشر ميلادي مع سيطرة المماليك وصولاً إلى السلطنة العثمانية العتيدة بنهجها المليّ.

إن السلفية في صيغتها الوثوقية وفقاً لهذه المعطيات، هي برأيي ظاهرة تاريخية بامتياز، وكان وراء ظهورها جملة من الظروف الموضوعية والذاتية، ساهمت في استفحال أمرها، وبالتالي تجذرها وتبلورها فيما بعد. فمنذ أن بدأ الخلفاء الأمويون وفيما بعد العباسيون يحاربون الفكر المعتزلي القدري الذي كشف سيطرتهم على الخلافة بغير وجه حق، وسوء استخدامهم لها بقدرتهم وإرادتهم وليس بأمر وقدره الله كما يدعون، ومنذ أن بدأت الشيعة تفرض نفسها على الساحة السياسة كقوة تطمح بالسلطة من خلال اتكائها على النص المقدس ذاته تفسيراً وتأويلاً بأحقية آل البيت للإمامة، ثم بسبب تأثر بعض زعامتها بالفكر المعتزلي وخاصة في مسألة الإيمان بدور العقل وحرية الإرادة. ومنذ أن وصل المأمون إلى الخلافة وسخر كل سلطته لخدمة الفكر المعتزلي وعلم المنطق والفلسفة، وراح المؤمنون بهذا التيار العقلاني من مشايخ عصره يمارسون قمعهم للتيار السلفي الذي ساد لسنين طويلة باسم السلطة المؤمنة بالجبر والتي كانت وراء مقتل (غيلان الدمشقي، ومعبد الجهني، وجعد بن درهم)، حيث وجد أصحاب التيار القدري زمن المأمون والمعتصم والواثق الفرصة سانحة للانتقام من التيار السلفي والتنكيل به، بل وإصدار فرمان من الخليفة المأمون نفسه يمنع فيه استخدام النقل والاعتماد على العقل. فأمام كل ذلك نقول: عندما حدث الانقلاب السني في زمن المتوكل كما سيمر معنا راح أصحاب التيار السلفي يمارسون القمع من جديد على أصحاب التيار القدري، وهذا ما عبر عنه "الجاحظ" بكل وضوح بقوله: (إن ما قام به المعتزلة  من عداء لأهل السنة زمن الـمأمون، جاء رداً على عداء أهل السنة للمعتزلة والتنكيل  برجالات فكرهم مثل الجعد بن درهم- وغيلان الدمشقي- ومعبد الجهمي)، في العصر الأموي... ثم يتابع في موقع آخر برده على أهل السنة: وعبتم علينا تكفيرنا إياكم  واحتجاجنا عليكم بالقرآن والحديث، وأنتم أسرع الناس إلى تكفيرنا وإلى عداوتنا). (4). من هنا راحت السلفية تطرح نفسها فكراً وسلوكاً في الساحة السياسية والفكرية للدولة الإسلامية كتيار وحيد دون منافس، وكفرقة ناجية بشر بها الرسول كما يدعون.

قبل أن نتطرق إلى المرحلة التاريخية التي تجذر فيها التيار السلفي كتيار وحيد وفرقة ناجية، لا بد لنا أن ننظر في الإرهاصات الأولية التاريخية والسياسية والفكرية لهذا التيار منذ وصول الأمويين إلى السلطة، وقبل أن يتحول أيضاً إلى مشروع فقهي وكلامي قائم بذاته على يد المذاهب الفقهية السنية الأربعة، وعلى يد تيار المتكلمين الأشاعرة والماتريدية، ويأخذ كل هذه الاستطالة التاريخية’ ويمتلك كل هذه القوة في التأثير على الوعي الشعبي، ويحقق كل هذا الحضور في تاريخ الفكر الإسلامي حتى اليوم.

 

د. عدنان عويد - كاتب وباحث من ديرالزور سورية

..........................

1- د. حسن ابراهيم حسن- تاريخ الإسلام –ج1- دار الجيل – بيروت ط3- 1991- ص152 .

2-الدين في المجتمع والدولة – ندوة – مركز دراسات الوحدة- 1990- ص209.

3- حسين مروة – النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية- الفارابي – بيروت- 1980 ط3- ج1- ص 364.

4- الطيب تيزيني- من اللاهوت إلى الفلسفة العربية الوسيطة  - القسم الثاني- دمشق – وزارة الثقافة- 2005-ص 45و55.

 

داود السلمانفي البدء، ربما يسئل سائل: ما الفرق بين التصوّف والعرفان؟، وهل هما شيء واحد أم شيآن؟

وقبل الاجابة عن هذا السؤال، نقول: أنه، وكما هو معروف، إن الاسلام بعد وفاة النبي وما جرى للدولة الاسلامية، عبر تاريخها الممتد الى اربعة عشر قرنا، تحول الاسلام الى عشرات الفرق والمذاهب والاهواء والنحل، كما عبر عن ذلك عبد الكريم الشهرستاني في كتابه (الملل والنحل) وغير واحد من الذين كتبوا في الفرقة الاسلامية، ومنهم كذلك الاشعري في كتابه (مقالات الاسلاميين واختلاف المصلين) وربما قد سبقهم البغدادي في كتابه الذي اطلق عليه (الفرق بين الفرق). والى عصرنا هذا تكونت فرق من الاسلام وأنشأت لها مذهبا خاصا بها، وآخرها داعش، ولعل اعظم واكبر فرقتين في الاسلام هما: والشيعة والسنة، وبينهما اختلافات كثيرة جدا، لا يسعنا في هذا المكان تسليط الضوء على هذه الفروقات وذكرها كاملة أو جزء مهم منها، وندع ذلك لذوي الاختصاص، وحتى لا نرهق القارئ مما نحن بصدده.

فلكي يتميز السنة عن الشيعة، والعكس ايضا صحيح، فسمى الشيعة طريقتهم في عبادة الله او الطريقة في "الوصول الى الله"، كما اطلقوا عليها العرفان، حتى يتميزون على السنة، والا فأن السنة أو بالأحرى الصوفية من السنة، سبقوهم بفترة طويلة جداً، بل الصحيح أن عرفاء الشيعة قد اقتبسوا طريقتهم هذه من السنة، وخصوصاً من الشيخ ابن عربي صاحب (الفتوحات المكية) الذي يعتبر استاذ الكل في هذا المضمار، ويطلقون عليه الشيخ الاكبر، وتأثير الشيعة بأبن عربي واضح جداً، ومن اراد أن يقرأ حياة العارف علي القاضي سيتأكد بنفسه ما ندعيه، بل ليس علي القاضي فحسب، بل جلهم، كما سنوضح في تفاصيل في هذه المقالات.

وإذن، فإن التصوّف والعرفان هما معنيين، أو اسمين لمفهوم واحد، ارادوا به أن يميزوا أنفسهم واحدهم عن الآخر، والا فالطريقة هي ذاتها، فهناك أوراد وصلوات وادعية لكل منهما، لكن قد تختلف تلك الاوراد والصلوات والادعية، من حيث الكلمات، لكن المضمون والنتيجة واحدة. 

 أولاً: التصوف

التصوف طريقة في العبادة والتقرب الى الله(عبادة خاصة)، بطقوس، ربما هي مختلفة جدا عن الطقوس التي يقوم بها معظم المسلمين. وبعض الكتاب اعتبر التصوف حركة دينية، وقال عنها أنها انتشرت في العالم الإسلامي في القرن الثالث الهجري؛ وذلك كنزعات فردية تدعو إلى الزهد وإلى شدة العبادة تعبيرًا عن ردة الفعل المعاكسة للانغماس في الدنيا والترف الحضاري، ثم تطورت تلك النزعات بعد ذلك حتى صارت طرقًا مميزة معروفة بطرق الصوفية.

ويقوم المتصوف بتربية نفسه والسموّ بها وذلك بُغْيةَ الوصول إلى الله –كما يعتقد- عن طريق الكشف والمشاهدة والإلهامات، وليس عن طريق اتباع الوسائل الشرعية التي جاءت من الكتاب والسنة، ولهذا فإن الصوفية أخذوا هذا المنهج المخالف للكتاب والسنة- كما يرى الكاتب- حتى تداخلت طريقتهم مع الفلسفات الوثنية القديمة كالفلسفة الهندية والفلسفة الفارسية واليونانية وغيرها.

ويرى البعض الآخر من الكتاب أن بعض الصوفية مغالون، حيث أن المتصوف يركن الى الغلو في الصالحين وفي مقدمتهم النبي محمد، حيث يعتقد المغالون من الصوفية أن النبي هو قبة الكون، وأن الخلق ما خلق إلا لأجله ومن نوره، ويقل منسوب الغلو عند بعضهم فيرى أن النبي بشراً رسولا، إلا أنهم يستغيثون به طالبين المدد والعون ولا يستغاث إلا بالله كاشف الضر ورافعه.

وبالتالي، إن المتصوفين يعتقدون أنهم قد وصلوا الى هدفهم وغايتهم، اذ انكشفت لهم الحجب وأنهم رأوا حقائق الاشياء، وعلموا ما مكتوب في الغيب، وهو بحد ذاته، مخالف للقرآن اذ تشير كثير من الآيات أن النبي نفسه لا يعلم الغيب {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ}. فكيف نصدق بما يقولون به المتصوفة، إذن؟.

ثانيا: العرفان

وبعد أن بينا، في المقال السابق، أنه لا توجد فوارق بين التصوف، الذي تسير على نهجه أهل السنة ، من الذين اتخذوا طريقة التصوف. والعرفان الذي خاضت به بعض الشيعة من الذين اختصوا في هذه المجال، وصار يطلق عليهم عرفاء، وسنوضح اكثر في نهاية هذه المقالات.

يتوهم الكثير من أن العرفان جاء من خلال حديث منسوب للإمام علي، وهو "من عرف نفسه عرف ربه"، بل أن اصل العرفان يعود الى اصول يونانية، وأن اول من قال" اعرف نفسك" هو الفيلسوف سقراط (399 – 469 ق، م). وكان من اشهر والمع تلامذته افلاطون الالهي الذي عرف بالتقوى والعبادة والتقرب الى الله بكل صنوف العبادة التي تقربه لربه زلفا.

وتعريف العرفان، كما يشير أحد الكتاب الى "إن العرفان مأخوذ من المعرفة الحاصلة من العلم النفساني الحاصل من النظر في النفس وطرق صلاحها واحوالها واطوارها ودائها ودوائها وسائر خصوصياتها والنظر في الآيات الآفاقية ومعرفة الله سبحانه مما يوجب هداية الانسان الى التمسك بدين الحق والشريعة الالهية التي تمثل المعرفة الكاملة وما لها من تعلق بعلم التوحيد والمعاد والنبوة، فأن هذه الحقة الحقيقة بما لها من المراتب الكثيرة اذ تحققت في فرد وجد نفسه متعلقا بمعدن العظمة والكبرياء متصلة في وجودها وحياتها وسائر خصوصياتها بمن لم يكن متناهيا في الحياة والعلم والقدرة وغيرها من كل كمال واشرقت عليها من بهائه وسنانه وجماله وجلاله وكماله ما لم يقدر أي لسان أن يكشفه فهو شهودي خاص" (راجع: الشيخ ابراهيم سرور، نفحات عرفانية ص 11- 12). وبالتالي فهم يحصلون على كشوفات، من خلال هذا، الى ما يعبرون عنه بـ كشوفات، وامور غيبية، في حقيقتها تنصدم مع الواقع، ولا تلتقي مع العقل.

 

داود السلمان

 

علي اسعد وطفة"عالم قديم يموت وعالم جديد لا يستطيع أن يولد"

غرامشي – دفاتر السجن

 يعيش الإنسان المعاصر صدمة اغترابية مدويّة تحت تأثير الطفرات الهائلة للتغير والتحول في مختلف جوانب الحياة ومكونات الوجود الاجتماعي والثقافي؛ وقد وصفت هذه التحولات الهائلة في المجتمع الإنساني المعاصر تحت عناوين مثيرة مثل " مابعد العولمة، ومابعد الحداثة، وما بعد المعرفة، وهي عناوين النهايات التي ترمي في جوهرها إلى وصف التقدم الإنساني الهائل في مجال الحياة الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية.

ومما لا شك فيه أن الاختراعات التي أبدعها الإنسان في العقود الأخيرة من الزمن تفوق اليوم حدود التصور والتخيل، فنحن نعيش عصر الثورات العلمية الهائلة في كل المجالات: ثورة الميديا، وثورة الاتصال، وثورة الجينات، والثورة الرقمية،وثورة المعرفة، وغير ذلك كثير وهذه التسميات أيضا هي تعبير عن حالة الذهول البشري إزاء ما يتحقق من تقدم علمي أقل ما يوصف بأنه هائل وكبير ومخيف أيضا.  وفي مواجهة هذا المدّ الهائل من التطورات العلمية التكنولوجية لم تعد  الثقافة التقليدية " قادرة على الصمود أمام عقلانية غربية تكتسح وتبتلع كل ما حولها من دون أن تميتها، أي عقلانية تقتحم الحدود دون تصريح وتحدث خللا  في التوازن النفسي والاجتماعي، لقد وقعت جميع الحضارات داخل عنق الزجاجة، فلا هي قادرة على إغلاق نوافذها أو صمّ آذانها على ما يحصل في العالم، ولا هي قادرة بتكوينها التاريخي ومعادلتها الفكرية أن تستمر وتقاوم وتستمر"([1]).

وقد ابتدع المفكرون مفهوم النهايات كصيغة جديدة للتعبير عن حالة الذهول والاندهاش والانصعاق أمام ما هو قائم من تطورات اقتصادية وطفرات علمية تكنولوجية، حيث بدأت الساحة الفكرية تفيض بخطاب يفيض ويتقطر برعب النهايات مثل: نهاية التاريخ، نهاية الأسرة، نهاية المدرسة، نهاية العلم، نهاية الحداثة، نهاية العولمة. وعلى الرغم من المضامين الفكرية لهذه النهايات إلا أنها تبقى تعبيرا عن حالة الذهول الإنساني أما التطورات الهائلة في مختلف الميادين والاتجاهات الإنسانية.

وفي دائرة هذه التحولات الصاعقة أفقيا وعموديا يهتز الإنسان العربي المعاصر ويسقط في دوامة من التصدع الأخلاقي والوجداني ويقع تحت دائرة الذهول أمام ما يراه أمام ناظرية من تحولات تفوق حدود قدرته على التخيل والتصور. وإزاء هذه التموجات الهائلة، والتغيرات الفائقة في معاني الحياة ومعالمها، ويجد المفكرون أنفسهم من جديد أمام سؤال الاغتراب الإنساني، الذي سبق طرحه في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين من قبل مفكرين أمثال روسو وماركس وماركوز وسارتر وهيدغر. وتكاد أسئلة اليوم لا تختلف عن هذه التي فرضت نفسها في الماضي القريب، ومنها: أين هو مكان الإنسان في خضم هذا التقدم والتحول في مختلف تجليات الحضارة الإنسانية المعاصرة؟ وأين هي الغايات البرغماتية أو الأخلاقية لهذا التقدم؟ وأين يقع الإنسان من دائرة هذا الغايات؟ وإلى أي حدّ يجد الإنسان المعاصر نفسه ودوره في في خضم هذه الصورة الجديدة للحضارة الإنسانية؟

يصف فرويد أوضاع عصره الاغترابية في النصف الأول للقرن الماضي وكأنه يصف حال الإنسانية اليوم بقوله: "نحن نعيش في زمان شديد الغرابة والتعقيد! حيث عقد التقدم تحالفا أبديا مع النزعة الهمجية والبربرية"([2]). وها هي معاول التقدم الجديد بآلياته الجديدة ومطارقه الضاربة تسحق الإنسان المعاصر وتشيّئه وتغتربه وتدمر معانيه الأخلاقية والإنسانية. فالتقدم الذي تحققه الإنسانية اليوم يهدف – وحاله كما هو في الأمس - إلى تحقيق الربح والمال والسيطرة والقوة والهيمنة والمنافسة، وفي هذه الدائرة من طغيان الوسائل المادية النفعية على الغايات الإنسانية يتحول الإنسان إلى وقود بشري، إلى مادة خام، يحترق ويُحرق في مواقد الرأسمالية المعاصرة أو الليبرالية الجديدة بعناصر قوتها وجبروتها وهيمنتها،وفي هذا الزمن الليبرالي الجديد لعولمة طاغية ترتفع قيمة كل الأشياء وتنخفض قيمة الإنسان وحده.

وفي خضم هذه الصولة والجولة للتغير الإنساني بثوراته وطفراته ونهائياته ومناحي قوته وجبروته يطرح السؤال الثقافي نفسه بقوة: أين هي الثقافة الإنسانية وما دورها في خضم عصر مسكون بالتغير والثوير؟ أي دور تمارس هذه الثقافة في المحافظة على صورة الإنسان الغائية؟ الإنسان بوصفه أكرم الكائنات. وأين هو مكان الإنسان في هذه الثقافة الرأسمالية المعاصرة؟ وإلى أي حدّ يعيش في دائرة التشيؤ والاستلاب الثقافي؟

فالمجتمعات الإنسانية تواجه في حقيقة الأمر صدمة ثقافة اغترابية تستهدف سمو القيم الإنسانية، ومع دورة هذا الامتداد المدمر لثقافة الاغتراب يجد الإنسان العربي المعاصر نفسه في دوامة قهر ثقافي متفرد يتميز بطابع التعقيد والعمق والازدواج. وإذا كان الإنسان الغربي يعيش ثقافة اغترابية واحدة، تتمثل في ثقافة الحداثة والعولمة وما بعدها، فإن الإنسان العربي يعيش في ظل ثقافتين اغترابيتين، حيث يجد نفسه بين مطرقة الحداثة وسندان الثقافة التقليدية بما تتميز به هذه الثقافة من قدرة على ممارسة فعل الاستلاب والاغتراب. فالثقافة التقليدية العربية السائدة (أشدد على الثقافة السائدة بمعناها الانتروبولوجي) تحولت إلى نموذج فريد لثقافة التخلف بكل ما يعنيه التخلف الثقافي من قدرة على مصادرة الوعي والحرية وإخضاع الإنسان، وليس مفارقا للحقيقة قولنا في هذا الصدد: بأن هذه الثقافة تفرض على منتسبيها فروض الطاعة والخضوع والاستسلام، وتكتنز في مضامينها ما حملنا إياه ماضي الظلام من خرافات وتعصب وتسلط وأوهام.  وبعبارة أخرى غرست الثقافة التقليدية قيم الخضوع للأمر الواقع، واتسمت بالنزعة القدرية الجامدة، ورسخت روح القبول الصاغر بما هو قائم، وعملت على تجريد الفرد من روح المبادرة، وتغييب حسّ المسؤولية، ومن ثم إضفاء الطابع القدسي على معظم جوانب الحياة، وترسيخ النزعة السلفية بأخطر مضامينها، وأخيرا الحضور المكثف للأبوية وتغييب غياب الروح النقدية.

ومن مفارقات الزمان والصيرورة والمكان أن تتحد هذه الثقافة العربية التقليدية مع نقيضها الثقافي - أي مع ثقافة العولمة والحداثة- في مقاصد الاغتراب أي في عملية استلاب الإنسان ووضعه في دائرة الاغتراب، فالثقافة الكونية (عولمة، حداثة،أو ما بعد حداثة، ثورة صناعية رابعة ) تزحف وتدمر، وهي في زحفها هذا استطاعت " أن تربك المنظومة التقليدية وتدخل الفزع حيث أفقدت المواطن العربي الثوابت الثقافية التي يبني بواسطتها هويته، وذلك لأن الهوية تحتاج إلى مرجعيات ثقافية وقيمية واضحة وثابتة يعتمدها الفرد لبناء شخصيته([3]). "فالاغتراب والفردية والمادية والاستهلاك أصبحت سمات سائدة في مجتمعاتنا العربية، حيث تحولت الثقافة العربية إلى ثقافة سوقية من نوع جديد، وأصبح كل شيء يخضع لقانون العرض والطلب، وكل شيء يمكن أن يباع ويشترى "حتى روح الإنسان نفسه""([4]). إنها ثقافة العولمة التي توصف بأنها عملية غسل حقيقية للأدمغة أو عملية تدمير للوعي؛ وهي كما يقول "مارتن وولف" ثقافة تقتلع الإنسان وتدمر أعماقه الإنسانية حيث يحاصر الفرد ويشعر بأنه أسير أفكار معلومة وقيم مرسومة، إنه طريد عالم غريب يدفع إلى الشعور بالغربة والانسلاخ والضياع الإنساني، كما يدفع إلى التمرد والعدوانية على كل هذا الصخب العالمي الوافد" ([5])..

نعم هي الصورة قاتمة جدا فيما يتعلق بفعلها الاغترابي، فالثقافة الإنسانية الغائية التي يريدها كانط وطاغور وابن عربي والجاحظ وابن طفيل والحلاج غائبة والمعري والمتنبي غائبة غائبة، والإنسان العربي إن استطاع أن يفك ارتباطه بالثقافة التقليدية فإنه سيسقط في أوحال الثقافة الغربية ثقافة العولمة والميديا إنه سجين المحبسين محبس الثقافة التقليدية ومحبس الثقافة الغربية المعاصرة، وسجين الصراع ما بين ثقافتين اغترابيتين في المضمون والجوهر.

فثقافتنا التقليدية – التي يفترض بها صون الهوية والكرامة الإنسانية ضد اغتراب العولمة - تتصف بالعجز، وتضع الإنسان العربي في حالة سلبية دائمة، وغيبوبة نقدية فائقة الوصف، إنها ثقافة اغترابية بامتياز حيث يتميز الإنسان العربي المعاصر بالسلبية والدونية والعجز والتواكل والانغلاق والتعصب، وقد لا نبالغ في القول بأن الإنسان العربي – في ظل القهر الاجتماعي والسياسي والأخلاقي – قد تحول إلى كيان مفرغ من إنسانيته في ظل هذه الثقافة التقليدية التي تجرد الإنسان من قدرته على الحركة والانطلاق. والدليل القاطع على هذا الموات الروحي الذي نعيشه اليوم يتمثل في مواقف الشعوب العربية إزاء قضاياها ومصيرها الإنساني، إذ يفقد الإنسان العربي قدرته على المبادأة والمبادرة فيما يتعلق بقضاياه المصيرية كنتيجة طبيعة لوجوده تحت ضغط ثقافتين استلابيتين متناقضين تجعله غير قادر على المشاركة الإيجابية في الأحداث المصيرية الكبرى.

فالثقافة التقليدية بمعناها الأنتربولوجي ما زالت تتمحور حول قضايا خارج العصر وما قبل التاريخ لتضع الإنسان العربي في حصار حالة اغترابية ثقافية مذهلة، فالثقافة التقليدية الجامدة التي نعيشها ونعايشها ما زالت تدور في فلك قضايا اغترابية تجاوزها الزمن، وتتحرك في فضاء التخلف الثقافي الصريح. ففي الوقت الذي تتمحور القضايا الثقافية للبلدان المتقدمة حول قضايا علمية وفكرية معاصرة، مثل: الثورات الرقمية، والجينات، والشيفرات الوراثية، وغزو الفضاء وتدجين الإنسان، والنانو تكنولوجي، والطابعات الثلاثية، واختراق الزمن، وقضايا النسبية، وابتلاع الضوء، والدورات الفلكية، وامتداد الكون؛ وقابلية الكون للفناء!! وبالمقارنة تتمحور ثقافتنا التقليدية حول قضايا ما قبل الحضارة مثل دخول الحمام، وملاعب الشيطان، وتفسير الأحلام، ورضاع الكبير، ونكاح الصغير، والقراءة في الفنجان، وشهادة المرأة والصبيان، وقضايا الزواج من الأنس والجان.

حال الثقافة التقليدية بمعناها الاستلابي لا يختلف كثيرا عن حال ثقافة العولمة، فكلاهما ينهل من معين القهر ويسعى إلى تفريغ الإنسان من معانيه الإنسانية ومن مضامينه الأخلاقية، كلتاهما تعمل على تخدير الإنسان وتحويله إلى وثن أو شيطان، كلتاهما تعملان على تعليب العقل وتدمير ملكة النقد وإسقاط الحس الجمالي والانحدار بالإنسان. والإنسان العربي المعاصر الذي يعيش في دائرة هذه التقاطع المرعب لثقافتين مدمرتين يتحول إلى كيان موميائي اغتراب لا حول له ولا قوة، إنه يعيش تضاعيف اغتراب تتكامل فيه العناصر الاستلابية والقيم الاغترابية للثقافتين التقليدية والحداثية. وغالبا ما تمتلك هذه القيم الاستلابية على قوة جذب وتدمير، فهي أشبه ما تكون بالثقوب السوداء المدمرة التي تعتصر نفسها وتلف ما يقع في طريقها بصورة أسطورية، إنها ثقوب ثقافية سوداء تبتلع الضوء والزمن وتلفّ أبعاد المكان والزمان، وتحول إلى الإنسان في النهاية إلى مضغوطات استهلاكية فاقدة للمعنى والدلالة.

وما يزيد القهر قهرا والاغتراب اغترابا أن ثقافة العولمة التي تصول وتجول في عالمنا العربي ليست عربية الصنع أو إسلامية الهوية، بل هي ثقافة الآخر التي تداهمنا وتداهم وجودنا الإنساني لتحطم أركانه. وهكذا يقع الإنسان فريسة ثقافة الآخر المدمرة التي فرضت عليه من عالم مختلف المعاني والدلالات وليس له صلة لها بعالمه إلا وفقا لدلالة التشيؤ والاستهلاك. وفي هذا السياق يمكن القول " إن الثقافة العربية لم تعد قادرة اليوم على الصمود أمام عقلانية غربية تكتسح وتبتلع كل ما حولها دون أن تميتها، أي عقلانية تقتحم الحدود دون تصريح وتحدث خللا في التوازن النفسي والاجتماعي، لقد وقعت جميع الحضارات داخل عنق الزجاجة، فلا هي قادرة على إغلاق نوافذها أو صمّ آذانها على ما يحصل في العالم، ولا هي قادرة بتكوينها التاريخي ومعادلتها الفكرية أن تستمر وتقاوم وتستمر" ([6]).

وفي هذا السياق يرى بنجامين باربر في كتابه " الجهاد ضد السوق الكونية" بأن الآثار التفكيكية للسوق الكونية ستؤدي إلى مضاعفات وردود فعل عنيفة في داخل كل ثقافة، ومن ثم يؤكد أن قيم السوق الكونية العالمية سوف تنتصر في نهاية المطاف على الذين يتصدون لمقاومتها. حيث يقول: " إنني أتنبأ بأن المقاومة ستهزم في النهاية (إن لم يكن في أي وقت قريب) أمام السوق الكونية. وهذا التنبؤ يستند كلية تقريبا إلى القدرة الهائلة للثقافة الكونية على التغلب على كل ما يجابهها من ضيق الأفق الفكري ومحاولات الإبقاء على الكيانات الصغيرة. وهذا ما نراه اليوم أمام العين وما يقع أمام البصر، ففي ظل آليات الهيمنة العالمية تحولت الثقافة الاستهلاكية إلى آلية فاعلة لوضع الإنسان العربي في دائرة الاغتراب، ومن ثم تعليب قناعاته الوطنية والأيديولوجية والأخلاقية والدينية. وهكذا لعبت الثقافة العالمية الجديدة دورا كبيرا في تدمير البنى التقليدية للمجتمعات العربية وحولت الإنسان إلى قيمة استهلاكية.

وأخيرا لن تنزلق مقالتنا هذه إلى تقديم الوصفة المعهودة لكيفيات التقدم والتجاوز؟ كيف يتم تجاوز ثقافتي الاغتراب والاستلاب والتشيؤ والضياع في عالمنا العربي؟ ما استراتيجيات العمل والفعل في اتجاه بناء الإنسانية في الإنسان بعيدا عن كل أشكال القهر؟ تلك هي أسئلة المحال؟ والإجابة عنها غالبا ما تكون في تضاريس الصراع الإنساني نفسه من أجل الحق والخير والعدالة الإنسانية. وحسبنا في هذه المقالة إثارة جانب من أوجاعنا المرعبة في حالك الظلام. فالاغتراب اليوم هو قضية إنسانية شاملة تلف الكون بأممه وشعوبه وأعراقه وأجناسه. وإذا كان من قول في النهاية يمكننا القول: إن المجتمعات الإنسانية لن تألو جهدا في سبيل تحقيق قيم الحق والحرية والجمال، وكذلك فإن النضال الإنساني لم يتوقف يوما ولن يقف أبدا من أجل الغايات الكبرى. فالنضال من أجل ثقافة التجاوز كان وما زال همسة الإنسانية عبر الزمان والمكان. ونحن في عالمنا العربي لشدّ ما نحتاج اليوم إلى حالة تنوير تدفعنا بعيدا عن دائرة الاغتراب الظلام.

 

علي اسعد وطفة

جامعة الكويت – كلية التربية

............................

مراجع وهوامش

[1] وجيه قانصو، عولمة الحضارات وحضارة العولمة، المنطلق الجديد، العدد الثالث، صيف- خريف 2001، صص 77-102، ص 92.

 [2]- Sigmund FREUD, Moïse et le monothéisme, traduit par Anne Berman, Paris. Gallimard. P 75.

يدّون بأن فرويد قد قال ذلك في عام 1938 أي قبل عام واحد على وفاته .

[3] - أحمد شبشوب، التحولات الاجتماعية وبناء الهوية لدى الشباب التونسي المتمدرس، فكر ونقد، س2 عدد 12، أكتوبر، 1998، صص 74-78، ص74.

[4] - جلال أمين، ماذا حدث للمصريين؟ تطور المجتمع المصري في نصف قرن 1945-1995، القاهرة: دار الهلال، 1998، ص 283.

[5] - عبد الخالق عبد الله،العولمة جذورها وفروعها وكيفية التعامل معها، عالم الفكر، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ديسمبر 1999. صص 79-80.

[6]- وجيه قانصو، عولمة الحضارات وحضارة العولمة، المنطلق الجديد، العدد الثالث، صيف- خريف 2001، صص 77-102، ص 92.

 

 

منى زيتونفي مجال المهارات الاجتماعية نهتم بأخذ الخلفيات الثقافية في الاعتبار، لأن تفسير الرسائل اللفظية وغير اللفظية التي تصدر عن أي فرد دون اعتبار الثقافة التي ينتمي إليها قد يُحرِّف مدلولات تلك الرسائل، ويجر المستقبل إلى سوء فهم مؤكد لبعضها.

مفهوم الثقافة

في (مختار الصحاح) ثَقُف الرجل من باب ظَرُف؛ صار حاذقًا خفيفًا. وفي (المصباح المنير) ثَقِفْتُه: ظَفِرْت به، وثَقِفْت الحديث: فَهِمته بسرعة. وفي (المعجم الوجيز) ثَقُف فلان ثقافةً: صار حاذقًا فطِنًا. ثَقَّف الشيء: أقام المعوج منه وسوَّاه، وثَقَّف الإنسان: أدَّبه وهذَّبه وعلَّمه. تَثَقَّف: تعلَّم وتهذَّب. ويُقال: فلان تَثَقَّف على فلان وتَثَقَّف في مدرسة كذا. الثَّقافة: العلوم والمعارف والفنون التي يُطلب العلم بها، والحذق فيها.

والثقافة مفهوم شائع، قد نختلف في تعريفه حول ألفاظه، ولكن لا يكاد يُوجد خلاف على أنها نتاج كل نشاط إنساني في المجتمع، وأنها تختلف باختلاف كل مجتمع، لتعبر عن طريقة الحياة فيه.

من المعلوم أن للثقافة جانبين هما: الجانب المادي، ويشمل مخترعات الإنسان، والجانب المعنوي؛ المتمثل في مجموعة من قيم المجتمع والعادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية السائدة فيه التي يعتنقها أفراده، والسلوكيات التي تنبني على هذه المنتجات العقلية، والتي يتم تشكيل الفرد بالمجتمع ثقافيًا ليؤديها. وكلا الجانبين يشكلان معًا التراث الثقافي لأي مجتمع.

ولا يكفي لفهم ثقافة أي مجتمع النظر إلى عناصره الثقافية بشكل مستقل؛ فالثقافة ظاهرة مركبة لا تُدرك إلا بعد التأليف بين عناصرها المختلفة.

وهناك فرع من علم الأنثروبولوجيا الثقافية يُعرف بالأثنولوجيا، ويهدف إلى مقارنة الثقافات المختلفة، ودراسة آثار الاتصال بين تلك الثقافات، ومن ثم تصنيفها إلى مناطق ثقافية.

وتختلف الثقافات في اتساع الرقعة التي تمتد فيها، فثقافة مثل الثقافة اللاتينية أو ثقافة حوض البحر المتوسط هي ثقافات متعددة الجنسيات، بينما تكون هناك ثقافات أقل اتساعًا وشديدة الخصوصية بمجتمع محلي صغير.

وبالرغم من أن ثقافة كل مجتمع مركبة بشكل يعكس تكامل عناصرها، وتكون خاصة بذلك المجتمع، إلا أننا رغم تلك الخصوصية يمكن أن نلمح قرابة بين بعض الثقافات، تظهر في انتشار عناصر من ثقافة ما في ثقافات أخرى.

في المقابل يوجد مفهوم الثقافات الفرعية، وتأثيره في الالتفات إلى الفروق الثقافية داخل المجتمع الواحد. ولها دورها في تشكيل سلوكيات أفراده على نحو مغاير. تتأثر تلك الثقافات غالبًا بالموقع الجغرافي، كما تتكون في ضوء الظروف الاجتماعية التي يحيا فيها الأفراد، ما بين طبقات عالية المكانة تشيع بينها أنماط تواصلية وطبقات أقل تتباعد عنها سلوكيًا بمقدار تباعدها في المستوى الاجتماعي. لكن ينبغي التأكيد على أن الثقافات الفرعية داخل أي مجتمع لا تستقل تمامًا عن الثقافة العامة للمجتمع الأكبر، وتبقى بينهما قواسم مشتركة في كثير من الجوانب.

فيما يخص التواصل الاجتماعي تحديدًا يمكن القول إن الدراسات النفسية تتأرجح ما بين اتجاهين؛ أولهما يركز على وجود ثقافة واحدة تخص الجنس البشري، حيث عالمية قوانين ومبادئ علم النفس، والقول بنظرة أكثر اتساعًا للسلوك الإنساني، وأن المجتمع الإنساني يعيش حالة من التلاقي الثقافي منذ تطورت وسائل الاتصالات والتواصل، جعل الثقافة الإنسانية عالمية.

بينما تُوجد نظرة أخرى تؤكد على الاختلافات بين الثقافات، حيث الملامح الثقافية الخاصة بكل منها، ووجوب أخذها بعين الاعتبار لظهور نتائج عن فروق دالة بين الثقافات المختلفة في الكثير من عناصر مهارات التواصل الاجتماعي؛ فتأثير الثقافة على قنوات التواصل يظهر في جميع الجوانب، فكما تؤثر في اختلاف أصوات اللغة، وتراكيبها، وأساليبها التعبيرية، وتعبيرات الوجه وإيماءات الأيدي، فإن الثقافة تؤثر أيضًا في الأزياء وطريقة قص الشعر وعادات تناول الطعام وغيرها. هذا الاتجاه الثاني يرى أنه مهما كانت قوة أدوات العولمة، فإن تجذر عناصر الثقافة الخاصة في أي مجتمع أقوى وأقدر على الإبقاء على التنوع الثقافي في العالم مقابل محاولات التهميش للثقافات الأخرى لصالح الثقافة الغربية.

والحقيقة تتوسط كلا الرأيين؛ فهناك عمومية ثقافية لا شك، كما أن هناك خصوصية ثقافية. وهناك تلاقٍ ثقافي، وعلاقة تأثير وتأثر بين الثقافات المختلفة، كما أن هناك محاولات أحيانًا لهيمنة الثقافة الغربية. وكما أن هناك أصالة فهناك تجديد، وقد يكون التغير الثقافي استجابة لمتغيرات حقيقية في المجتمع، أو قد يكون استجابة لنزعة نحو التقليد.  

الفروق الثقافية في التواصل اللفظي

رغم تنوع ما يمكن أن نُطلق عليه مصطلح لغة، إلا أن اللغة الصوتية التي يصدر البشر فيها أصواتًا معينة للتعبير عن رموز معينة تبقى مميزة للإنسان، وسبب تميزه عن باقي المخلوقات، لأنها أتاحت للبشر التواصل فيما بينهم، ونقل خبراتهم ومراكمتها، وصنع الحضارة، وهو ما لم يُتح لباقي الكائنات التي تُعتبر نُظمها التواصلية بدائية مقارنة بالإنسان.

ينبغي فقط أن نشير إلى وجود لغات بشرية خاصة بجماعات صغيرة تستخدم نظامًا لغويًا يخلو من الألفاظ، ويعتمد على إطلاق أصوات صفير تتنوع وفقًا للمدلول المراد توصيله. توجد هذه اللغات الصوتية البدائية في جزر الكناري وفي بعض المناطق الجبلية التركية.

واللغات الإنسانية تُقسم إلى عائلات كما نعلم، تتحدد بناءً على تشابه قواعدها وبناء جملها بالأساس، ثم أصول وتشابه الكلمات بالدرجة الثانية. وانتماء مجموعة من اللغات إلى عائلة لغوية واحدة يشير –غالبًا- إلى أن الشعوب التي تتحدث بها توجد بينها روابط تاريخية وجغرافية ولها نظم اجتماعية متشابهة. وأشهر مثال على ذلك وأكمله: اللغات السامية، التي تضم اللغة العربية واللغة العبرية واللغة السيريانية واللغة الأرامية واللغة النبطية وغيرها.

وبالرغم من أن اللغة هي وسيلة الاتصال الأساسية بين البشر فإن فهم الكلمات وحدها لا يكفي للادعاء بأن البشر من ثقافات مختلفة يفسرونها التفسير نفسه! فالأمر أعمق من هذا التبسيط لأن اللغة لا تختلف مدلولات ألفاظها بين الثقافات المختلفة وحسب، بل وقد تختلف تلك المدلولات أيضًا باختلاف الثقافات الفرعية داخل المجتمع الواحد، والذي يتحدث أبناؤه اللغة نفسها! فهناك تعبيرات وتركيبات لغوية تكون لها مدلولات خاصة في ثقافات فرعية لا يفهمها الغرباء عنها، وتعيقهم عن استيعاب المعنى المقصود منها. كما أنه كلما اختلفت خبرات الناس باختلاف طبقاتهم الاجتماعية اختلف المدلول اللغوي للعبارات التي يستخدمونها رغم كونها تتركب من الألفاظ نفسها.

وإذا ما وضعنا في اعتبارنا أن المفاهيم تنقسم إلى مفاهيم مادية محسوسة concrete كـ (الشجرة والقلم) ومفاهيم مجردة abstract كـ (الحب والسعادة والحرية والديمقراطية والعدالة) فإننا نفهم من أين ينشأ اختلاف المدلول –خاصة للمفاهيم المجردة- باختلاف الثقافات، خاصة مع زيادة مستوى التجريد وعمومية اللفظ للمفهوم. مع الأخذ في الاعتبار أن ثراء أي لغة يتحدد بزيادة المحصول من تلك المفاهيم. وتزيد المفاهيم الحسية في المجتمعات البدائية، فنسمع عن أن للأسد أكثر من خمسمائة اسم في لغة العرب القدماء، وأن للون الأبيض درجات عديدة عند الإسكيمو لا يدركها ولا يميزها غيرهم، بينما وفي المقابل يزيد تنوع المفاهيم المجردة في المجتمعات الأعلى ثقافة.

كما وقد تختلف الألفاظ العامية التي يُطلقها أبناء الثقافات الفرعية المختلفة على المسمى نفسه، مما قد يسبب أيضًا صعوبات في التواصل اللفظي أحيانًا! على سبيل المثال: لأهالي الإسكندرية مفرداتهم اللفظية التي تختلف كثيرًا عن المفردات القاهرية، والحال كذلك بالنسبة للهجات الصعيد والريف المصري. والحال نفسها عند تواصل أفراد ينتمون إلى طبقات اجتماعية مختلفة في المجتمع. لكن هذه الصعوبة لا تكون دائمة ففي حالات كثيرة يكون اختلاط أصحاب كل لهجة بأصحاب اللهجات الأخرى عن طريق الهجرة الداخلية أو وسائل الإعلام كافيًا لتحقيق درجة ممتازة من الفهم وتلافي أي صعوبة في التواصل. كما أن للتميع الطبقي في المجتمع المصري بسبب التغيرات الاقتصادية التي أثرت في التركيب الاجتماعي دوره الواضح في تقارب لغة أبناء المجتمع المصري ككل.

والحقيقة أننا لا نتعلم الكلمات فقط، بل نتعلم معانيها والاتجاهات والقيم والمشاعر التي تحملها ثقافاتنا تجاهها، ونتفهم أن للكلمات معنى ضمني Connotative إضافة إلى المعنى الدلالي الاصطلاحي Denotative، وأن معاني الكلمات الضمنية Connotative تختلف باختلاف البشر. لا تختلف باختلاف الثقافة التي نشأوا فيها وحسب، بل تُوجد فروق فردية بين أفراد المجتمع الواحد في تفسيرها! وقد تختلف أيضًا بالنسبة لشخص بعينه في ظل عوامل مختلفة. فهل تعني كلمة "نجاح" المعنى الضمني ذاته لكل البشر؟

إضافة إلى ذلك فاللهجات المحلية قد تتفاوت مصادرها، وترجع كثير من كلماتها تحديدًا إلى لغات غير اللغة الأم التي يتحدثها سائر المجتمع، فكثير من لهجات الصعيد تنتشر بها كلمات من اللغة المصرية القديمة وليس اللغة العربية. ولهجات أهالي مدن القناة -خاصة كبار السن- تنتشر فيها كلمات يونانية وإنجليزية وفرنسية.

كما أن الألفاظ الدارجة في اللهجة تتغير بسبب التبادل الاقتصادي والثقافي والهجرة؛ فمنذ منتصف القرن العشرين أدى انتشار الفن المصري إلى شيوع اللهجة المصرية واستخدام كثير من مفرداتها في البلاد العربية المختلفة، ومع هجرة السوريين إلى مصر بعد الحرب الدائرة في سوريا ظهر أثر لهجتهم بين سكان مدينة الشيخ زايد في مصر التي توطن الكثير منهم فيها.

واللغة التي يستخدمها الفرد؛ متمثلة في مفرداته وطريقة تحدثه، هي أوضح دليل على مستواه الثقافي، ويتعدى هذا إلى المجتمع ككل. وكلما ارتقت ثقافة المجتمع نهضت لغته، وكلما انحدرت الثقافة خبت اللغة. وكما أن لكل ثقافة لغتها، فلها فنونها المختلفة التي تعبر عنها وتتأثر بلغة المجتمع التي تتشرب ثقافته، وتأتي متلائمة مع عمارته وموسيقاه وسائر فنونه.

والعلاقة بين اللغة وثقافة المجتمع علاقة تأثير وتأثر أوضح من أن تحتاج إلى تأكيد؛ اللغة مرآة تعكس ثقافة المجتمع وتتأثر بها. وهي أحد أهم عناصر الثقافة، وأكبر دلالات القومية، كما تتأثر اللغة بثقافة أي مجتمع وتقاليده وعاداته، فتعكس ثقافة المجتمع؛ وهي وسيلة حفظ التراث الثقافي الإنساني، وطريق نقله عبر الأجيال، ويمكن أن نلمح قيم المجتمع الثقافية متمثلة في أمثاله الشعبية ومأثوراته الحكمية التي تدور على ألسنة الناس، ومن جهة أخرى لا شك أن عناصر الثقافة الأخرى تؤثر في اللغة، وأي تغير ثقافي فيها يُلاحظ تأثر اللغة به؛ فتُضاف مصطلحات للتعبير عن ذلك التغير الثقافي الحادث، كما قد تضاف مدلولات جديدة لمفردات قديمة فيها. وهل هناك من لم يلاحظ إضافة مدلول جديد لكلمة (فأرة) لتكون وسيلة إدخال في جهاز الحاسوب (الكمبيوتر) بحيث تعدى المدلول القديم لحيوان؟! كذلك قد تختلف طرق التعبير، فيكون التغير اللغوي أحد أشكال التغير الثقافي.

والزمن عامل أساسي في تغير اللغات الحية، فكل حي يتغير، وقد تصل درجته على المدى المتعاظم من القرون إلى تغير كبير في بنية اللغة حتى يصعب فهم اللغة القديمة على من يتحدثونها في العصر الحديث، وحتى اللغة العربية التي تتميز عن باقي اللغات أن بنيتها لم تتغير قد تغيرت مدلولات كثير من مفرداتها، مما يجعل أغلب العرب المعاصرين يصعب عليهم فهم قصائد الشعر الجاهلي، بل وقد تبقى للمفردات المدلولات نفسها ولكن يشيع استخدام ألفاظ وتعبيرات أخرى، ومشاهدة فيلم من أفلام السينما المصرية في أربعينات القرن العشرين كفيل بالتأكد من تغير مفردات اللغة الشائعة عبر الزمن القصير نسبيًا.

ولأجل هذه الحقيقة تعددت لغات الشعوب بتعدد حضاراتها، واختلفت مجموعة الأصوات المستخدمة في كل لغة منها عن أصوات اللغات الأخرى، واختلفت تراكيبها وقواعدها اللغوية، وأساليبها التعبيرية. مع الإقرار بأن التلاقي الثقافي لتجاور شعبين أو للتجارة أو للهجرة أو للحروب خاصة عند سيطرة شعب على الآخر واستعماره هي من أهم الأسباب التي يمكن أن تحدث تلاقحًا بين لغتين ينتج عنه تغير في كلتيهما.

ولا يقتصر التغير على اللغات الرئيسية، فقد تنشأ من رحم تلك اللغات لهجات محلية تمثل بعض أشكال التغير اللغوي؛ حيث تتأثر أصوات ومفردات ومدلولات الألفاظ في اللهجات المحلية بمظاهر النشاط الاجتماعي والاقتصادي المختلفة داخل بيئاتها الإقليمية؛ فلهجة البيئة الريفية تختلف عن اللهجة الساحلية عن لهجة أهل الصعيد، وكلهم يختلفون عن اللهجة القاهرية. ويمكن أن تكون اللهجات المحلية –وربما اللغات المحلية كالنوبية- سببًا لعزلة المجتمع المحلي وخصوصيته، كما يمكن أن تتعرض لتغير بدورها بسبب الاتصال بلهجات الأقاليم الأخرى، وزيادة أعداد المتعلمين والمثقفين الذين يتكلمون اللغة الفصحى. كما تتأثر اللغة واللهجة باختلاف الطبقات الاجتماعية لأفراد المجتمع بسبب الفوارق الاجتماعية والاقتصادية فيما بينهم، مما يؤثر في اختلاف مفرداتهم، ومدلولات تلك الألفاظ، وتطورها.

وعندما نقرر أن أناسًا يتحدثون لغة واحدة، فهذا يعني ما هو أكبر من مجرد النطق بالكلمات. إنه يعني أنهم يفكرون باستخدام اللغة نفسها. فاللغة تعتبر محددًا أساسيًا من محددات التفكير، يتأثر بها كيفية التفكير ومحتواه. كما أننا نلمس الانحدار الفكري الذي أصاب المجتمع المصري مع التغير الشاسع الذي أصاب لغته العامية بمفرداتها وأساليبها التعبيرية العجيبة، والذي تزامن مع ضعف اللغة الفصحى.

وكل تغير في اللغة يؤثر في تغير ثقافي، وكل تغير ثقافي يؤثر في إحداث تغير في اللغة، فتتغير تبعًا له أنماط وأساليب التواصل اللفظي بين الناس في المجتمع، وبين الذكور والإناث تحديدًا، وهو أحد محاور اهتمامنا في هذا الكتاب؛ حيث تؤثر في تحديد المسموح والممنوع التعبير عنه في العلاقات الاجتماعية. تؤثر كذلك في طرق التعبير، بل تؤثر أيضًا في إدراك الفرد لهويته الجنسية كذكر أو أنثى، فهناك لغات كالعربية تتضح فيها الفروق بين الجنسين بجلاء في صيغة الصفات (جميل وجميلة) والأفعال (جلس وجلست- يذهب وتذهب- ذاكر وذاكري)، وفي أسماء الإشارة (هذا وهذه)، وفي الأسماء الموصولة (الذي والتي)، وكذلك في استخدام الضمائر للذكور والإناث (هو وهي- أنت وأنتِ)، ولغات أخرى أقل تمييزًا كالإنجليزية، حيث الفروق تكاد تنحصر في ضمائر الغائب؛ فالذكر والأنثى يُميز بينهما عند استخدام ضمائر الغائب He & She، بينما كلاهما يخاطبان بضمير المخاطب you، وقد يختفي التمييز تمامًا حتى في ضمائر الغائب في لغات أخرى وأشهرها اللغة الفنلندية، مما يؤخر إدراك الأطفال المتحدثين بها لهويتهم الجنسية عامًا كاملًا عن أقرانهم المتحدثين بلغات أخرى، وفقًا لإحدى الدراسات الشهيرة. ولعلنا نلمح هذا التميع في إدراك الهوية الجنسية لدى الأجيال الجديدة من أبنائنا التي نشأت في مدارس لغتها الأولى هي اللغة الإنجليزية!

 

د. منى زيتون

 

علي المرهجعنوان يبدو متناقضاً في الوهلة الأولى، ولكنه عند (عبدالكريم سرّوش) لا تناقض فيه ولا استفزاز إلَا لمن هو لا عقل له، أو قاصر الفهم، فالعلمانية عند (سرّوش) "تطابق إدارك الأنبياء مع ما وصل له العقلاء، لأن الأنبياء اكتشفوا التوافق بين مطلوب الله (الشرع) ومطلوب العقل (الحكمة)، وما الأنبياء غير طريق مباشر لمعرفة الله تعالى، فخبر الأنبياء أنهم أعلمونا بأن امكانية أن نسلك طريق الحق يضمنه السير وفق ما أخبرونا به، أو وفق ادراكنا العقلي لهذا الطريق، وهو قول يتوافق أو ينسجم مع فلسفة ابن رشد حيناما قال (الشريعة حق) و(الحكمة حق) والق لا يُضَادَ الحق، بل يوافقه ويشهد له. فطريق التعاليم السماوية بحسب (سروش) هو ذات الطريق الذي يسلكه العُقلاء بعيداً عن مُقتضيات الأهواء والشهوات الفردية.

مقاصد الإيمان لا تتعارض مع مقاصد العقل، "فالمؤمنون لا يتحركون في طريق يختلف عن طريق عُقلاء الناس".

الإنسان العاقل هو الإنسان الفاضل = الإنسان المؤمن هو الإنسان الفاضل، وبهذا فالربط بين المؤمنين والعقلاء هو الفضيلة، والفضيلة منبع الأخلاق وأصلها بعبارة (برغسون)، ولكن هذا لا يعني مرادفة الأخلاق للدين، فكل دين ينبغي أن يكون أخلاقياً، ولكن ليس كل ما هو أخلاقي يلزم أن يكون دينياً، لذا تكون مهمة الدين متماهية مع قول الرسول الأعظم (إنما جئت لأتمم مكارم الأخلاق، بمعنى أن مكارم الأخلاق موجودة قبل الإسلام، ولكن أهل الجزيرة العربية يحتاجون لدفع وحياني لاتمامها.

في ضوء ما سبق، يُمكن لسروش أن يفترض أن علمانية الدين هي من ايجابيات الدفاع عنه لا كما فهم (المتطرفون) أنها مُناقضة له، لأن العقلاء الذين لا يسيرون وفق شهواتهم لا تناقض عندهم مع المؤمنين الذين يسيرون مع الله ولا يتبعون شهواتهم، فكلاهما قريب من طريق الحق

 

ا. د. علي المرهج

 

صادق السامرائيالسبيكة هي إتحاد كلي أو جزئي بين عنصرين كيميائيين أو أكثر مع بعضهما البعض على أن يكون أحدهما فلزا، وتكون السبائك ذات خواص مختلفة عن العناصر المكونة لها وأقوى منها.

والسبيكة تتكون من صهر العناصر في بودقة واحدة، فتختلط وتتفاعل لتنتج مركبا قوي القوام.

فالألمنيوم عنصر ضعيف لكنك، إذا صهرته مع الحديد والرصاص، سيصنع سبيكة أقوى من أي العناصر الثلاثة على إنفراد.

أي أن التفاعل ما بين العناصر المختلفة ينتج مركّبا أكثر قوة منها، وهذه الفكرة يمكن تطبيقها على الواقع الإجتماعي البشري.

فعندما يكون المجتمع متنوعا وفيه ألوان متعددة، يكون اللون الواحد أو النوع الواحد ضعيفا لوحده وبمعزل عن الأنواع والألوان الأخرى، بينما إذا تفاعلت تلك الأنواع والألوان، فأنها ستحقق نسيجا إجتماعيا زاهيا وقويا.

أي أنها ستصنع سبيكة إجتماعية ذات قوة فائقة، وقدرة على الحياة والتحمل الأكبر.

فالمجتمعات تكون أكثر صلابة وقوة وعزة وجمالا، بتفاعلات أنواعها وتداخلها مع بعضها، لتحقيق السبيكة الإجتماعية المفيدة والراعية للأنواع الداخلة فيها.

فحكمة الوجود وقوانين الخالق، تستدعي تفاعل الأنواع وتداخلها مع بعضها، لصناعة لوحة الحياة الإجتماعية والجغرافية، التي تنعم بها المخلوقات وتزداد حبا للإستمرار والعطاء الطيب في ربوعها.

والقاعدة الأساسية لقوة الوجود الحي، هو التفاعل والتمازج والتزاوج والتداخل والإنصهار، لتحقيق قوة البقاء وديمومة البناء البشري وحيوية الإبداع الخلاق، الذي يضيف جمالا جديدا لمهرجان الحياة.

ولهذا فأن التمحور في ذات اللون أو الرأي، والإنغلاق على ذات المعتقد، يؤسس لمملكة الضعف الإجتماعي ويدفع إلى تفاعلات سلبية لا تنفع النوع أو اللون، ولا تخدم مسيرة الحياة، بل تؤذيها وتحطم أسس الصفاء والمحبة فيها، وتلقي بالبشر إلى مهاوي الإنتهاءات وضيق الرؤى والتصورات، وتجعل الأرض موقدا لحرق ما هو حي ومفيد.

إن وعي ضرورة السبائك البشرية لقوة الأوطان، يؤسس لإنطلاقات حضارية وتفاعلات نافعة تخدم الرسالة الإنسانية، وتمنح القدرات التعبيرية مكنونات الإبداع والخلق والتطور.

ووفقا لهذا فأن الرسالات السماوية قد تنوعت، والأديان في الأرض تعددت، لتحقيق التفاعل المعرفي والإدراك الجامع لمعاني الخلق والوجود، ولكي يتأكد الفهم الواضح للصيرورة والإنتهاء، وليتفجر الإيمان في القلوب، وتزهو الرحمة وأسباب العبادة والتقرب إلى الخالق العظيم.

فلم يكن تنوع الأديان عبثا، وإنما مقدرا وفقا لإرادة الديمومة وجواهر التقرب إلى خالق الأكوان ، وإستحضاره عند أي خطوة في الرأي والتفكير.

إن هذه التنوعات عناصر قائمة لبناء سبيكة بشرية، قوية بإيمانها ورؤيتها وقربها من بارئها.

سبيكة يكون فيها الإنسان أخو الإنسان، فيحترمه ويقدره ويحسبه جزءً لا يتجزأ منه، وإن الإعتداء عليه يعني الإعتداء على إرادة الخالق، وعلى وريثه الشرعي في الأرض التي أرادها أن تكون مسرحا للإعمار والتطور والبناء، ولخوض غمار الإمتحانات الصعبة في مسيرة الحياة الطويلة والمزدحمة بالإرادات.

إن الأوطان الحية هي التي تبني سبائك إجتماعية تحقق قوتها، وتعبّر عن طاقاتها وتحميها من القوى التي تريد إنتهاك حرماتها.

فالنسيج الإجتماعي المترهل يسهل إختراقه، أما إذا كان متينا وسدة نسجه مضغوطة جيدا، فأنه سيستعصي على النفاذ، وعندما تكون عناصر تكوينه مسبوكة سباكة جيدة، فأن إنكساره ودماره يكون بعيد المنال.

وهكذا فأن الشعوب الحية تصنع سبائك وجودها الإجتماعي وتتفاعل فيما بينها، حتى ليستعصي إنفراط نسيجها وكسرها من قبل الآخرين. 

أما الشعوب الضعيفة فأنها تكره التفاعل، وتتقولب في كياناتها الضعيفة، حتى ليسهل إبتلاعها وتدميرها.

والخلاصة، أن تخندق الكيانات الإجتماعية ضعف لها، ودمار لكلها، وتفاعلها وإنصهارها مع بعضها قوة لها جميعا، وشد لأواصر تفوقها وإقتدارها وتواصلها مع إرادتها الواعية وأهدافها السامية.

فهيا إلى سبائك الحياة المقتدرة، ولنصنع سبيكتنا الوطنية، التي تستعصي على الخرق والكسر والإنحناء!!

 

د. صادق السامرائي

 

جواد بشارةبعد الجمود والمراوحة، هل ستحدث انعطافة في الفيزياء المعاصرة؟

وهل نحن على أبواب ثورة فيزيائية مدوية؟

حدثت الثورة الفيزيائية الأولى في القرنين السادس عشر والسابع عشر مع كوبرنيكوس وكبلر وفيما بعد غاليلو غاليله وأخيراً نيوتن . وهي الثورة التي انتصرت على الطرح الآرسطوطاليسي، الذي تبنته المؤسسة الدينية الكنسية المسيحية واعتبرته متوافقاً مع الطرح الديني لمسألة التكوين وخلق العالم وفق أطروحة سفر التكوين في التوراة. أما الثورة الثانية فقد حدثت في فجر القرن العشرين على يد ألبرت آينشتين بين 1905 و1955 وكانت أعظم ثورة علمية شهدتها البشرية . فأغلب الأجهزة التكنولوجية والتطبقيات العلمية اليوم كما الإنجازات التكنولوجية، تستند على نسبية آينشتين الخاصة والعامة كالأقمار الصناعية والليزر وأجهزة الكومبيوتر العادية والفائقة وتكنولوجيا النانو والإنشطار النووي والإندماج النووي وأجهزة رصد أمواج الثقالة أو الجاذبية وحركة النجوم والسفر إلى الفضاء، والتحديد الموقعي للعناوين بواسطة الأقمار الصناعية GPS إلى جانب العديد من التنبؤات التي ثبتت صحتها بعد مرور عقود طويلة كمكثفات بوس ــ آينشتين عن الحالة التي تقترب من الصفر المطلق التي تنبأ بها آينشتين سنة 1924، والثقوب السوداء الذي تم تصوير أحدها مؤخراً في 14 نيسان 2019، والثابت الكوني الذي يعادل اليوم الطاقة المظلمة أو السوداء، والحلقات والعدسات الثقالية التي تساعد علماء الفلك في قياس أبعاد ومسافات الأجرام السماوية وحركاتها والموجات الثقالية التي تم اكتشافها مؤخراً، إلى جانب أبحاث هذا العالم الفذ في الضوء وطبيعة المكان والزمن الذي ابتدع لهما مفهوم موحد سماه نسيج " الزمكان" وعلاقته بالجاذبية وسعيه للعثور على نظرية المجال الموحد أو النظرية التوحيدية الجامعة والوحيدة التي تعمل على الربط بين النسبية والكوانتوم أو ميكانيك الكموم، والجمع بين كافة قوانين المادة والطاقة، المرئي منها والمظلم أو الأسود وغير المرئي، بغية الوصول إلى " نظرية كل شيء" الخ.. في نفس الحقبة الزمنية من 1900 إلى 2019 تطورت ثورة علمية أخرى بالتوازي وهي فيزياء الكموم أو الكونتوم وأبطالها، آينشتين نفسه وماكس بلانك وبور وهايزنبيرغ وشرودينغر وغيرهم.

كانت الفكرة والبحث الدءوب والمستمر والمثابرة والرغبة في الذهاب إلى أبعد ما يمكن دوماً لتحقيق الأحلام أو مواجهة التحديات والمعضلات العلمية والتساؤلات العالقة والجوهرية في مجال العلم، هي التي تقود العلماء إلى التفكير والتأمل والتمعن أعمق فأعمق وبجرأة متزايدة بغية بلوغ الحقيقة النهائية عن الأصل والمصير.

عالم الكموم أو الكوانتوم، غريب وبعيد عن المنطق السليم أحياناً. خاصة مع مفاهيم الريبة واللايقين l’incertitude والتراكب superposition والتشابك intrication والترابط corrélation، واليوم يحاول بعض العلماء الشباب تجاوز حدود ميكانيك الكموم أو الكوانتوم من خلال توسيع وتجاوز الأسس الأولية التي بنيت عليها فيزياء الكموم أو الكوانتوم. وابتدعوا وتخيلوا من أجل ذلك مفاهيم جديدة وثورية تتجاوز المحظور والمتعارف عليه من قبيل Les intrications et les contextualités et les supra-quantiques،التي يمكن أن نفهمها على غرار فهمنا للتراكب والتشابك والسياقات المتداخلة وفوق أو مايتعدى الكموم أو الكوانتوم. والغرض دائماً هو نفسه، أي إيجاد الوسيلة للجمع بين دعامتي الفيزياء المعاصرة النسبية والكموم أو الكوانتوم وتوحيدهما في نظرية واحدة هي نظرية كل شيء، التي تصف الكون المرئي برمته من اللامتناهي في الصغر إلى اللامتناهي في الكبر.

هذا الحلم ليس وليد اليوم. فلقد شغل بال واهتمام آينشتين حتى نهاية حياته لكنه لم ينجح في تحقيق هذا الحلم، لا هو ولا غيره. فالنسبية تختص بوصف الجاذبية أو الثقالة الكونية كخاصية من خواص الزمكان، الذي يتحدب وينحني تحت تأثير الكتل، أي وصف الكون على النطاقات الكبيرة وفي الطاقات القصوى. من جانب آخر، هناك الميكانيك الكمومي أو الكوانتي، الذي يعمل في النطاقات الصغرى، ما دون الذرية، ويقدم تنبؤاته في حدود عالم الذرة وما دونه كالإلكترونات والجسيمات الأولية والأوتار وغيرها. لكن لا توجد مشتركات بين العالمين الماكروسكوبي والميكروسكوبي . أحدهما يحتل فضاءاً مسطحاً وساكناً، والآخر فضاءاً منحنياً وديناميكياً، أحدهما يخضع لمقتضيات الصدفة والاحتمالات، والآخر لا يعطي أي اعتبار للمصادفة والاحتمال، أحدهما ينظر للزمن باعتباره مجرد خاصية تطورية بينما يراه الآخر باعتباره عنصر مركزي جامد وثابت، والحال أن الثقالة أو الجاذبية، التي تحتل مركز النسبية العامة، لا يوجد لها أي وصف أو مكان أو اعتبار في الميكانيك الكمومي أو الكوانتي. فنظرية بلانك لإشعاع الجسم الأسود كانت بمثابة اللحظة الخالدة التي أسقطت ميكانيكا نيوتن وكل تفكير منطقي وسببي causale وحتمي déterminé. وهكذا يستمر عدم التوافق بين دعامتي الفيزياء المعاصرة مع أنهما يتحدثان عن نفس الكون المرئي الذي نعيش فيه، كل بطريقته الخاصة وقوانينه . لم يبق أمام العلماء سوى القبول بالأمر الواقع والتعايش مع نظريتين متباينتين ظاهرياً لا يمكن التوفيق بينهما ناهيك عن جمعهما وتوحيدهما، أي التخلي عن برنامج ومشروع التوحيد الذي تسعى إليه الفيزياء النظرية . فمنذ غاليله في القرن السادس عشر، كانت كل نظرية جديدة تسقط ما قبلها وتحل محل سابقتها، وتكون أعم وأشمل، ولقد حدثت عمليات توحيد بين بعض القوانين الجوهرية خلال القرنين الماضيين، بين الكهرباء والمغناطيسية مثلاً، ونتجت القوة الكهرومغناطيسية، ومن ثم أدمجت هذه القوة بالميكانيك الكمومي أو الكوانتي. أما جاذبية نيوتن فلقد تم تجاوزها وتوسيعها على يد النسبية العامة . وفي كل مرة يصاغ إطار نظري جديد أكثر سعة وشمولية. ومن المفترض أن يستمر هذا البرنامج فهو في غاية الأناقة والجمال، كما كتب آينشتين يوماً ما لصديقه هيرمان فيل Hermann Weyl سنة 1923.

طالما ما تزال هناك ظواهر يتعذر علينا وصفها وتفسيرها، فمن المستحيل، بدون نظرية ثقالة كمومية أوجاذبية كوانتية، معرفة ما يحدث حقاً عندما ندخل ثقباً أسود على سبيل المثال، ولا فهم أوإدراك لولادة الكون المرئي، ولا كيفية تكوين الجسيمات الأولية. كانت هناك محاولات عديدة خلال القرن المنصرم، للموائمة والمصالحة بين النظريتين المتناقضتين الشقيقتين اللدودتين، وظهرت قائمة طويلة من النظريات التي تصدت لهذه المهمة العويصة قادها كبار العلماء الأفذاذ والمشهورين جداً والتي انطلقت سنة 1918، والتي بدأت مع العالم الفيزيائي وعالم الرياضيات الشهير هيرمان فيل Hermann Weyl، وتواصلت مع آينشتين، وثيودور كالوزا وآرثر إيدينغتون وروجيه بينروز وأندريه زاخاروف وستيفن هوكينغ، ومؤخراً كارلو روفيللي وليونارد سيسكايند وآلان كون .

وفي كل مرة أعتقد المنظرون الفيزيائيون أنهم بلغوا الهدف كما حصل في سنوات الثمانينات عندما بلورت مفاهيم وقوانين ومعادلات نظريات الأوتار والأوتار الفائقة، التي بدت وكأنها تتوافق مع تعديل بسيط، مع النموذج المعياري لفيزياء الجسيمات الأولية، ونظرية التماثل والتناظر الفائق supersymérie. حيث تخيل العلماء كون ذي عشرة أبعاد مكانية وبعد زماني تكون فيه الجسيمات الأولية ناجمة عن تذبذبات وترددات متنوعة لمختلف الأوتار البالغة الصغر القريبة من طول بلانك بحدود 10-32 من المتر، والتي تتذبذب كأوتار آلة الكمان. لكن الأمور تغيرت اليوم في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين. فالتجارب الحديثة أسقطت عدد من النظريات التي كانت تعد بديلة للنسبية العام، وأنهت صلاحيتها كما يقول العالم الإيطالي الأصل كارلو روفيللي وهو منظر ومدرس في جامعة مرسيليا الفرنسية. ولقد بلغ مسرع الجسيمات الأولية ومصادم الهدرونات الكبير LHCالتابع لسيرن Cern، وكالة الفضاء الأوروبية، بالقرب من جنيف، طاقته القصوى سنة 2015 ولم يعثر على الجسيمات الفائقة التماثل والتناظرsuper symétriques particules في حين تم حساب الثابت الكوني الذي يحدد سرعة التوسع الكوني، وتبين أنه موجب، بينما كان أغلب علماء نظرية الأوتار الفائقة يعتقدون ويتوقعون أنه ذو قيمة سالبة.

ثم تحقق اكتشاف الموجات الثقالية كما يقول كارلو روفيللي وهو حدث مهم وإنجاز علمي كبير عندما تم حساب أن الموجات الثقالية والكهرومغناطيسية الناجمة عن إندماج نجمتين نيوترونيتين، تنتقلان بنفس السرعة، والحال أن جزء كبير من النظريات البديلة للنسبية العامة كانت تتوقع أن سرعة نموذجين من الموجات الثقالية يجب أن تكون مختلفة ومتنوعة. ما تزال هناك نظرية الثقالة الكمومية أو الجاذبية الكوانتية الحلقية أو العروية قيد التجريب وكانت تحتل المرتبة الثانية بعد نظرية الأوتار الفائقة . فبدلا من أن ترى الجاذبية كنتيجة أو تأثير لتشوه الزمكان، اقترحت أن يكون الزمكان نفسه كتجلي وتمثل أو تمظهر للحقل الثقالي. ولم تتعرض هذه النظرية للدحض التجريبي أو تعرض لصعوبات إثر التوصل إلى نتائج تجريبية . فالمشاكل التي كانت تعتبر هامة في سنوات الثمانينات من القرن الماضي تم حلها بفضل هذه النظرية ويجري البحث عن توقعات وتنبؤات لمقارنتها مع نتائج التجارب المختبرية كما يصرح كارلو روفيللي رافع لواء هذه النظرية مع العالم الأمريكي لي سمولين.

في نهاية تسعينات القرن الماضي انتشرت في الوسط العلمي محاولات العالم الفيزيائي خوان مالداسينا Juan Maldacena المدهشة، وهو أحد أعمدة نظرية الأوتار الفائقة وكان لها أصداء كبيرة. وصرح بهذا الصدد :" في بعض الأكوان النظرية المبسطة، يمكن لكافة التأثيرات التي تعزى لقوة الثقالة، أن توصف كما لو إنها ظواهر كمومية أو كوانتية، تحدث على أطراف هذا الكون المرئي، حيث لايوجد أي أثر للثقالة أو الجاذبية وهنا بالذات تحدث مصالحة وتوافق واتساق وانسجام بين الميكانيك الكمومي أو الكوانتي والنسبية العامة في كون مبسط. Univers Simplifié" . واعتقد كثيرون أن العلماء على وشك بلوغ الهدف والغاية القصوى كما صرح جوزيف بولشينسكي من معهد كافيلي في كاليفورنيا وكان ذلك الاكتشاف من القوة بمكان بحيث جعل الكثير من العلماء يعتقدون أن حلمهم على وشك التحقق . وتفرعت عدة نظريات عن ذلك مثل نظرية العالم الهولندي إريك فيرليند Erik Verlinde، الذي وصف الثقالة أو الجاذبية كتجلي أو كمتظهر ماكروسكوبي لظواهر ميكروسكوبية . أو فرضية خوان مالداسينا وليونارد سيسكند التي تقول بمسلمة أن تلك الظواهر الميكروسكوبية ما هي إلا مؤشرات كمومية أو كوانتية . بيد أن الأمر يحتاج لتطور أكبر ولمعادلات رياضياتية جديدة فلا يكفي استبدال نقطة جسمية في اللامتناهي في الصغر بوتر وبالتالي على النسبية العام والميكانيك الكمومي أو الكوانتي أن يتحركا ويصنعان ثورة جديدة، وابتكار أفكار جديدة. وفي خضم هذا التحرك والهيجان النظري والتنظيري الجديد برز جيل جديد من العلماء المنظرين وانطلقوا في مقاربات غاية في الغرابة والجرأة والجدية والندرة : قاموا بعزل الظواهر الأكثر غرابة للنظرية ودفعها بعيداً لكي يتخيلوا مافوق أو مابعد أو ماوراء الكموم أو الكوانتوم. إنطلاقاً من السببية causalité واللامحلية la non localité والسياقات المتداخلة أو القرائنية contextualité، ما من شأنه أن يشق طريقاً جديداً نحو الثقالة الكمومية أو الكوانتية. وأكثر ما تقدمت به هذه الحركة كان في مجال " السببية causalité، منذ اكتشاف ذلك التشابك والتراكب الكمومي أو الكوانتي الغريب وعلاقة السبب والنتيجة أو العلة والمعلول de cause à effet، تخيل الباحثون باباً نحو النسبية فالسببية هي بمثابة نقطة تلاقي بين النسبية العامة والميكانيك الكمومي أو الكوانتي كما لاحظ العالم آلكسي غرينبوم الذي علق قائلاً على ذلك:" إن الكوانتوم أو الكموم يسمح بأشياء لايمكننا تفسيرها أو شرحها في الزمكان". أما غاسلاف بوركنر Caslav Brukner أحد المختصين بهذا المجال في جامعة فينا في النمسا، فقد صرح:" لو وضعنا جسيم هائل الكتلة في وضعية تراكب سببي superposition causale، فإن المسافات المكانية الزمانية بين الأحداث في الحقل أو المجال الثقالي للجسم المذكور تغدو متشابكة intriquées بدورها مع موقع أو موضع الجسم. " والتكنولوجيا الحديثة قد تساعدنا في اختبار هذه الطرح وهذه الفكرة تجريبياً ومختبرياً بشأن أجسام كمومية أو كوانتية أكبر حجماً وكتلة وربما سنبلغ درجة من الدقة كافية لدراسة كتل بحجم إلكترونين .

ما بعد الكوانتوم : أو ماذا يعني ميكانيك الكموم وما يتعداه؟

هناك، في الفيزياء المعاصرة، في الربع الأول من القرن الواحد والعشرين، مقاربة علمية جديدة لتجاوز حدود الميكانيك الكمومي أو الكوانتوم، يقوم بها شلة من العلماء الشباب، على غرار ما قام به آينشتين سنة 1905 عندما نشر نظريته النسبية الخاصة، بعد أن تيقين من حقيقة ثبات سرعة الضوء، من خلال دراسته لتجارب مايكلسون ومورلي قبل ثلاثة عشر عاماً من نشره لنظريته، ووضعه لها معادلاتها الرياضياتية اللازمة.

النتائج يمكن أن تسبق الأسباب؟ هذا هو اللامعقول بعينه، ومع ذلك، يبدو أن ذلك يحصل في نطاق يتجاوز حدود النظرية الكمومية أو الكوانتية، ولكن لا أحد يعلم على وجه الدقة مدى ما ستصل إليه هذه المحاولات والتجارب والاكتشافات العلمية كما يقول سيريل برناسيارد Cyril Branciard لأنها ماتزال حديثة العهد ومدهشة وغير قابلة للتصديق في الوقت الحاضر. فلقد خرج الاكتشاف من تجربة أجريت قبل عامين في جامعة بريسبان في استراليا. الاكتشاف يتلخص بجملة مذهلة تقول: يمكن لحدث أن يكون في آن واحد السبب والنتيجة، العلة والمعلول، لحدث آخر. بعبارة أخرى أكثر دقة ووضوح، العلاقات السببية بين حدثين يمكن أن توضع في حالة تراكب كمومي أو كوانتي superposition quantique .، ورغم غرابته، فإن مبدأ التراكب الكمومي أو الكوانتي بات مألوفاً اليوم بالنسبة لخبراء وأخصائيي عالم الجسيمات الأولية. والجميع يعلم أنه يوجد، في فيزياء الكموم أو الكوانتوم، لا حتمية جوهرية indéterminisme fondamental بالنسبة لبعض الخصائص الفيزيائية، وإن حالة فيزيائية ما يمكن أن تكون تراكباً كمومياً لعدد من الحالات المختلفة في آن واحد. إذ يمكن لإلكترون أن يتمتع بعدد لانهائي من المواضع والمواقع في المكان، إلى أن يتم قياس واحدة من تلك المواضع أو المواقع التي يتواجد فيها الإلكترون . أو أن يمر فوتون ضوئي في فتحتين في نفس الوقت. ولكن لا أحد سبق له أن فكر بأن هذا التراكب يمكن أن يطبق على العلاقة بين السبب والنتيجة. ولقد تقبل علماء فيزياء نظرية الكموم أو الكوانتوم، ولو ضمنياً أو على نحو غير مصرح به، بأنه على غرار ما يحدث في الفيزياء الكلاسيكية فإن الأحداث التجريبية مترابطة ومتزامنة زمنياً أو داخل الزمن. كان ذلك صحيحاً قبل أن يقوم ثلاثة علماء فيزياء نظريين شباب سنة 2012 بتعميم الشكلانية formalism الكمومية أو الكوانتية والتي افترضوا فيها أنه لا توجد أية احتمالية مقامة على هذا السياق أو النسق السببي، والغاية هي معرفة ماذا سيحدث عند التعميم تجريبياً. فاكتشفوا إعدادات وتكوينات ,configurations غريبة يظهر فيها هذا النسق غير محدد بدقة indéterminé كما يقول مبدأ اللادقة أو اللاتحديد لهايزنبيرغ، وهي اعدادات سهلة يمكن تحقيقها تجريبياً في حين أن نتائجها وتداعياتها تبدو مذهلة . أجريت التجربة في مختبرين منفصلين، في فينا قبل أربعة أعوام، وفي بريسبان قبل عامين، وهي على صيغة دورة فوتونية كمومية أوكما تعرف علمياً بــ " الدارة الضوئية الكمومية أو كوانتية circuit photonique quantique " حيث إن نظام العمليات تتحكم به حالة كمومية أو كوانتية، والمعروف بــ كيوبايت السيطرة qubit de controle . فلو برمج هذا الكيوبايت في حالة O فإنه سيقوم بتوجيه المعلومات أولاً نحو A الذي بدوره سوف يحولها إلى B .ولكن لو كان معداً في الحالة 1، فإنه سوف يوجه المعلومات نحو B أولاً ومن ثم يقوم هذا بدوره بإرسالها نحو A، والحال إن كيوبايت السيطرة هذا موضوع في حالة تراكب كمومي أو كوانتي لذا فهو يأخذ في آن واحد قيمة O و1 والمعلومات توجه نحو A ومن ثم نحو B، وفي نفس الوقت نحو B وبعده A، بعبارة أخرى يتسبب A بتغيرات في B وفي نفس الوقت يتسبب B بتغيرات في A، أي يوجد هناك تراكب ذو منحى تسببي . فلو أدى سبب إلى نشوء نتيجة، يمكن لنتيجة أن تنشيء سبباً، اي تسبق السبب. وهذا يفتح حفرة أو هوة محيرة gouffre، فمصفوفة السيرورات المترابطة متميزة على نحو جوهري، ليس فقط بكون النظام أو السياق فيها محدد وحتمي لكننا لا نعرفه، بل إن النظام أو السياق غير محدد على نحو جوهري . ماذا يعني كل ذلك؟ يعترف الفيزيائيون الشباب بأنهم لم يقدروا بعد مديات هذه الأعمال والتجارب، لكنهم يشيرون إلى أن هذا الشكل الأولي للتراكب السببي لا تمنعه قوانين الكموم أو الكوانتوم. فتجارب فينا وبريسبان كمومية أو كوانتية بامتياز. وحين كشف الفيزيائيون فرضية السياق السببي، فإن مايحدث لاحقاً يتوافق تماماً مع الشكلانية formalisme المبتكرة في سنوات العشرينات من القرن الماضي.

ينبغي مراجعة مفاهيمنا عن الزمن والمكان، لأن هذه التجارب رسخت جزء من نظرية أوريشكوف Oreshkov, والتي طورها وعمقها فيما بعد كوستا وبروكنير Costa, Brukner، والحال إن هذه النظريات أو المقاربات النظرية الجديدة تتنبأ بنوع من الحالات السببية التي لم نكن نعرف تنفيذها أو تحقيقها كمومياً أو كوانتياً. فلا يملك علماء الفيزياء الشباب الذين يشتغلون عليها حالياً أية فكرة عن كيفية القيام بذلك، فالشكلانية formalisme تعني أن مايقوم به هؤلاء من تجارب جريئة تجعلهم يعتقدون بأنهم يتجاوزون الحدود الكمومية أو الكوانتية. وهذا الأمر جعل بعضهم يحلم بالتوصل إلى نظرية فائقة الكمومية supraquantique، من خلال تسللهم عبر هذه الثغرة التي فتحتها لهم " السببية" خاصة وإن مفهوم السببية موضع سجال منذ قرون عديدة في عالم الفيزياء. وهو موجود في قلب النظرية النسبية لاينشتين، والمرتبطة بمفهوم الزمن وطبيعته وماهيته وجوهره ونسبيته أو إطلاقيته، الأمر الذي يطرح بدوره تساؤلات جوهرية في كافة مجالات الفيزياء. فما هي الظواهرية أو الفينومينولوجي الجديدة التي يمكن تطبيقها على فكرة البنيات السبيية غير المحددة indéfinies؟ فلو لم يكن ممكناً استبعاد مثل تلك البنيات على أساس أو قاعدة منطقية، فهل هي موجودة حقاً في الطبيعة؟ ولو كانت موجودة حقاً فلماذا لم يتم رصدها في التجارب العديدة التي أجريت حولها؟ كما تساءل كاسلاف بروكنير Caslav Brukner سنة 2014، وتبقى مثل تلك التساؤلات مفتوحة اليوم ومطروحة بإلحاح. ويمكن أخيراً صياغتها، وللمرة الأولى على هيئة صيغ رياضياتية.

المراقب جزء أساسي من النظرية ومنصهر في التجربة:

حدث في الآونة الأخيرة ما يشبه الانسداد في آفاق تطور الفيزياء النظرية المعاصرة عدا استثناءات قليلة. فهناك شبه استسلام لمعضلة الدمج والتوحيد بين دعامتي الفيزياء الحديثة وهما النسبية الآينشتينية والميكانيك الكمومي أو الكوانتي. ولكن مجموعة من العلماء الشباب ظلوا مثابرين بصبر على أمل العثور على حل لهذة المعضلة، اي شبه استحالة الجمع بين نظريتي اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر. ومن مشكلة كمومية أو كوانتية في مجال التشفير أو الكريبتوغرافي cryptographie الكمومي أو الكوانتي ــ اي فك التشفير ــ عولجت في تسعينات القرن الماضي، وتتعلق بالوثوق في المصادر، حيث وفق الشكلانية المعيارية formalism standard للنظرية الكمومية أو الكوانتية، من الضروري، في بداية أي تجربة، أن نفترض بأن الإعدادات أو معالم parameters التحضير المختارة للحساب والقياس تكون منتقاة بأمانة تامة، ما يعني أنه يفترض بالمراقب الذي يجري التجربة ألا يكون لديه أدنى شك بطبيعة النظام الذي يراقبه ويقيسه. على سبيل المثال عندما يتم حساب الاستقطاب في فوتون يفترض présuppose مسبقاً أن الأنظمة المقاسة أو المحسوبة هي حقاً فوتونات، وإن الليزر الذي ينتجها هو فعلاً أشعة ليزر .. من هنا بادر العلماء الشباب إلى ابتكار تجارب جديدة بدون أنظمة فيزيائية، فمثل هذه الثقة باتت تحصيل حاصل عند المنظرين الفيزيائيين الشباب إلى أن تزعزع يقينهم بالكريبتوغرافي الكمومي أوالتشفير الكوانتي، فكيف يمكن التيقن والتأكد من أن حزم الليزر المستخدمة لم تتعرض للتحريف والغش truqués؟ كيف يمكن معرفة أن وكالة الفضاء الأمريكية ناسا أو مركز الأبحاث الروسي لم يخفوا أشياء ؟ فعادة نبدأ بالقول في الميكانيك الكمومي أو الكوانتي : إن النظام معد على هذا النحو أو هذه الحالة، ولكن إذا تزعزعت الثقة بالمصادر لن يكون لدينا أنظمة دقيقة ومضبوطة وأكيدة. لذا تجاوزت المسألة حدود أو إطار الكريبوتغرافي أو فك التشفير الكمومي أو الكوانتي وإعادة النظر في الفيزياء برمتها، فلايمكن الحديث عن أشياء تحوم حولها شكوك . جاءت الإجابة الأولى سنة 1988 على يد العالمين دومنيك مايرز وآندرو ياو Dominic Mayers, Andrew Yao من جامعة برينستون للحديث عن نظام لم تحدد مسبقاً ميزاته وخصائصه، مجرد علبة سوداء، والتركيز فقط على العلاقات القائمة بين المعطيات الداخلة والخارجة قبل وبعد التجربة مع تقديم المرادفات الرياضياتية اللازمة من قبل الباحثين . وسرعان ما حازت هذه المقاربة على رضا وتقبل الفيزياء النظرية حتى اعتبرها اليوم العديد من الفيزيائيين النظريين بمثابة المقاربة الأكثر خصوبة لدراسة وسبر أغوار، ومن ثم تجاوز، الميكانيك الكمومي أو الكوانتي. وتعددت التجارب والأبحاث في هذا الإطار منذ بضعة سنوات والتي استخدمت هذه المقاربة المستقلة للعملية البحثية كجهاز بحثي متقدم. dispositif

الجملة السحرية تمثلت بــ" المقاربة المستقلة للعملية البحثية" التي غدت بمثابة المفتاح السحري، فلم يعد هناك حديث عن أنظمة فيزيائية بعينها تخرج لنا فوتونات وإلكترونات وجسيمات أولية أخرى. وانتهى عهد التعامل مع الجداول البصرية وأجهزة الكريبتوغرافي أو فك التشفير، وتم استبعاد الفيزياء التي تصف ذلك . ففي هذه المقاربة الجريئة ليس هناك سوى " علب سوداء " مربوطة بمخارج وبدوائر منطقية على غرار تلك التي تقولب الدوائر الحاسوبية الأنفورماتيك . فتلك الدوائر تمثل رياضياتياً خصائص وإعدادات حسابية تشبه المعلومة الحاسوبية التي تدخل إلى الدائرة الحاسوبية وما يترتب عليها من نتائج حسابية، أي المعلومة التي تخرج من الدائرة الحاسوبية. وتختزل العلب إلى مجرد أدوات ذات دالات أو وظائف رياضياتية والتي تحول المعطيات الداخلة إلى معطيات خارجة. ومن هنا يغدو ممكناً عمل تحويلات إذا كان محتوى العلبة السوداء يتوافق مع ما يصرح به . وهذه المقاربة رغم ثوريتها إلا أنها تتلائم وتتوافق مع الميكانيك الكمومي أو الكوانتي المعياري . يكفي تحديد الدالات المرتبطة بكل علبة حسب شكلانيتها formalism، وفي نفس الوقت تسمح بالخروج من الإطار الكمومي أو الكوانتي المعياري واختبار نظريات مختلفة وطرح تساؤلات غريبة غير مألوفة حيث يمكننا تخيل أن تلك المداخل والمخارج مرتبطة بشيء ما يتجاوز قدرات الكموم أو الكوانتوم.

بوسعنا تصور نظام ذو مجرى زمني محلي، وبالتالي ليس فيه يقين بوجود زمن شامل أو مطلق. وهذه المقاربة تمنح موقعاً مؤثراً للمراقب للمرة الأولى، أي ذلك الذي يتعامل مع المداخل والمخارج وفي نفس الوقت يؤثر على النتائج الناجمة عن فعل المراقبة والقياس أو الحساب، وهذه كما نعلم إحدى غرائب النظرية الكمومية أو الكواتية. فمجرد عملية مراقبة فوتون ما، على سبيل المثال، تؤدي إلى تغيير حالته ووضعه. فمنذ اكتشاف النظرية الكمومية أو الكوانتوم في سنوات العشرينات من القرن الماضي شعر الفيزيائيون المختصون بالكوانتوم أن مفهوم " المراقب" هو حجر الأساس للنظرية، أو بالأحرى الزاوية الميتة من النظرية، وهو عنصر لا يمكننا بدونه وصف عالم اللامتناهي في الصغر، لكنه كان لغاية اليوم يرفض أن يدخل في صلب النظرية. من هنا بدأ العالم ألكسي غرينبوم Alexei Grinbaum بصياغة توسيع وامتداد نظري يتعدى أو يتجاوز حدود الميكانيك الكمومي أو الكوانتي برفعه هذا المحرم أو المانع والعائق النظري ويقول بهذا الصدد:" في هذا الإطار، يغدو " المراقب" أنموذج رياضياتي . فتركيبة هذا المفهوم الغامض والمشوش تصبح رسمية formelle، فهي عبارة عن مجموعة من التعاقبات والارتباطات الرمزية ذات التعقيدات المحدودة والصعبة Abscons. هذا يعني أن " المراقب" لم يعد خارج النظرية التي تصف العالم بل جزء جوهري من الموصوف مدمج بالنظرية . فهذه الحدود التي كانت غير قابلة للعبور بين الطبيعة ومن يراقبها، قد ألغيت، وهذا سيغير كل شيء. وقد يشكل ذلك امتداداً وتجاوزاً وتوسعاً هائلاً في ما وراء الكموم أو الكوانتوم. فهو الوحيد الذي يحتوي على نوع من " الوعي" والحضور الخارجي يقوم بالتأثير على العالم أثناء عملية وصفه وحسابه، وقد يشكل ذلك المسودة الأولى لما يمكن أن نسميه " الميتافيزيقيا الكمومية أو الكوانتية" métaphysique quantique فيما يتعدى الميكانيك البسيط المألوف والمعروف لدينا .

التشابكات الفائقة super intrications، فيما يتعدى الكموم أو الكوانتوم باتت ممكنة:

لا يمتلك العلماء الجدد الشباب رؤية واضحة وحدس جلي عما اكتشفوه لأنه هائل بكل المقاييس. لكنهم يبحثون بجد عما إذا كانت العلاقات والترابطات أو الارتباطات شبه الكمومية أو الكوانتية المتداخلة تقريباً corrélations presque quantiques، والتي أبرزوها بما يشبه البديهيات، يمكن أن تكون هي التفسير الحقيقي للعالم. الميكانيك الكمومي أو الكوانتي تنبأ بوجودها في إطار الظواهر التجريبية الرمزية emblématique للتشابك ففي حالات كثيرة يمكن لجسيمين أوليين أن يرتبطا آنياً مهما كانت المسافة التي تفصل بينهما، كما لو أن الفضاء والمكان غير موجود أو لم يعد موجوداً. فأي قياس على أحدهما سوف يحدث نظيره في نفس الوقت للآخر مهما كان بعيداً عنه. ويسمي الفيزيائيون في النظرية الكمومية أو الكواتية هذه الأنظمة بالترابط الذاتي corrélés intriqués أو اللامحلية non locaux. فالتشابكات الفائقة super intrications، فيما يتعدى الكموم أو الكوانتوم، أو الترابطات ما بعد الكمومية أو الكوانتية corréllations plus que quantiques، باتت ممكنة. فهناك نظرية شهيرة تسمح بتكميم هذه الأوبكواتية ubiquité، ومن خلال لعبة حذقة من الإحصائيات تمكن العالم جون بيل John Bell في ستينات القرن الماضي من وضع سلم يمكننا من مقارنة كثافة الترابطات corréllations وفقاً للنظريات الفيزيائية السائدة آنذاك، وذلك في عالم كلاسيكي تكون فيه كل الأشياء محددة المواقع تماماً ومستقلة. فالكرسي موجود هناك فقط وليس في مكان آخر. وهذا السلم échelle ينص على أن قوة كل ترابط بين جسيمين أوليين يكون دائماً اقل من أو مساوي لــ 2 . ولكن في عالم كمومي أو كوانتي، حيث يمكن للجسيمات أن تتشابك s intriquer، فإن تلك الكثافة تغدو أكثر من كلاسيكية ويمكن أن ترتفع إلى 2√ 2 أي مايقارب الــ 2.83. وبتطبيق هذه النظرية في بداية سنوات الثمانينات، أثبت العالم الفرنسي آلان آسبيه Alain Aspect بتجربته الشهيرة، إحصائياً ورياضياتياً وبدعم التجربة المختبرية العلمية، إننا نعيش حقاً في عالم كمومي أو كوانتي، إذ في بعض الظروف تبلغ قوة الترابط la force de corrélation معدل 2√ 2 ومن ثم فرضت اللامحلية non localité كخاصية كمومية أو كوانتية أصيلة وأساسية وعليها بنيت التكنولوجيات الكريبتوغرافية ــ فك الشيفرات ـ الكمومية أو الكوانتية. والحال إن علماء النظرية الكمومية أو الكوانتية المعاصرين وجدوا أن لا شيء يعارض إمكانية أن يتجاوز معدل الترابط قيمة 2.83، فيمكن، من الناحية النظرية، الوصول إلى قيمة 4، وبالتالي هناك، على الورق نظرياً ورياضياتياً، ترابطات ما فوق الكمومية أو الكوانتية قد يمكن للطبيعة أن تكون لا محلية جداً مما توقعه أو تنبأ به الميكانيك الكمومي أو الكوانتي وهو اكتشاف مذهل حققه قبل ربع قرن ساندو بوبيسكو  Sandu Popescu ودانيل روهرليش Daniel Rohrilich. واليوم يبدو الميكانيك الكمومي أو الكوانتي كحالة خاصة من بين فئة من النظريات أكثر عمومية تحتوي على مختلف القوى الترابطية بين الجسيمات الأولية. وهو الأمر الذي استدعى طرح تساؤلات جديدة أكثر راديكالية من قبيل: لماذا يتوقف كمومنا عند قيمة 2√ 2 ؟ وهل يمكن للترابطات ما فوق الكمومية أو الكوانتية أن تعتبر فيزيائية؟ وهل يوجد مبدأ عميق أو خفي يسمح باللامحلية ولكن يحد من قوتها؟ وبظهور هذا النوع من التساؤلات الجديد تحفز الفيزيائيون الشباب للمضي ابعد وسبر الحدود الكمومية أو الكوانتية، وذلك بدراسة قوة تلك الترابطات على نحو أعمق وأكثر جرأة.

انطلق العشرات من المنظرين الشباب في بناء نماذج تقترب من القيمة2√ 2 ولكن لم يتجاوزوها بعد، وتجلى لهم أن ذلك ممكن من الناحية النظرية. ولقد أنشأوا مجموعة من الترابطات الكمومية المتداخلة الواحدة في بطن الأخرى كالدمية الروسية تاركين في قلب المجموع أو الكل الكمومي أو الكواتي، الترابطات الكمومية أو الكوانتية الأساسية. وفي كل تجربة يبرز تقدير قيمي خارج عن المجموع الكمومي أو الكوانتي كما أنهم عثروا على جزء من الحدود وليس كلها. أحد تلك المجموعات جذب الأنظار أكثر ولفت الانتباه والذي تم اكتشافه قبل خمس سنوات وسمي " المجموع أو الكل الكوانتي أو الكمومي تقريباً ensemble Presque quantique وهو أصغر توسع معروف للترابطات التي ما تزال متوافقة مع المباديء الكبرى للفيزياء الجوهرية من نوع لا يمكن لأي شيء تجاوز سرعة الضوء، أو القوانين الفيزيائية الجوهرية الأربعة المطبقة على الكون المرئي برمته.في حين أن باقي الترابطات الجديدة المكتشفة تنتهك على الأقل واحداً من المباديء الفيزيائية الجوهرية الكبرى أو أكثر . تتضمن تلك المجاميع، الترابطات الكمومية أو الكوانتية المألوفة لكن العكس ليس صحيحاً. لأنها تتضمن ترابطات لا تنبثق أبداً داخل النظرية الكمومية أو الكوانتية، بيد أنها قريبة منها إلا أنها أكثر عمومية أو أكثر تعميماً. ولو قسنا تلك الترابطات في تجربة مختبرية لثبت لنا ربما أن النظرية الكمومية أو الكوانتية خاطئة وهذا بمثابة زلزال يهز البنيان الفيزيائي برمته ويهدد بانهيار إحدى الدعامتين الرئيسيتين للفيزياء المعاصرة.

في الوقت الحاضر لا يدرك الفيزيائيون الشباب ماهي حقاً تلك المجموعات أو المجاميع التي تنفتح على أفق يتعدى الظاهر الكمومي أو الكوانتي الرسمي formele quantique، وماهي سوى ومضات وسط الضباب لكن حالة الإنذهال والدوار موجودة لدى جميع من تصدى لذلك من العلماء الشباب. من الصعب على غير المتخصصين أن يتخيلوا أن البنية الزمكانية للكون وهي مليئة بالتشابكات الكمومية intricuations quantiques، وعليه علينا أن نروض أنفسنا ونقنعها بأن عالمنا منسوج من عدد مذهل من الروابط أكثر كثافة وتعقيداً .

مبدأ اللاحتمية في الكموم يتعمم:

إن تداخل السياقات contextualité هو الأساس لكل شيء ولإنطلاقة العلماء الفيزيائيين الشباب في مقارباتهم الجديدة لتجاوز حدود النسبية والكموم أو الكوانتوم نحو فيزياء جديدة. وربما يكون هذا المفهوم الكمومي أو الكوانتي مهماً بقدر أهمية التشابك intrication والتراكب superposition، إلى جانب مبدأ الشك واللادقة أو اللاتحديد والمشهور بمبدأ الريبة لهايزنبيرغ l’ incertitude ومبدأ اللاحتمية l’ indértemination، وكل هذه المفاهيم تشكل الأساس والظاهر المميز للميكانيك الكمومي أو الكوانتي وما يميزه على نحو أدق عن العالم الكلاسيكي الذي ترسمه الفيزياء الكلاسيكية.

فتداخل السياقات الكمومية أو الكوانتية contextualité لا يقل إثارة للحيرة عن باقي غرائب bizarreries وهوس الفيزياء الكمومية أو الكوانتية. فمنذ عام 1927 يعرف الفيزيائيون في مجال ميكانيك الكموم أو الكوانتوم، أن السياق والظرف الذي تنجز فيه القياسات والحسابات يؤثر على نتائج تلك الحسابات مما يجعلها غير دقيقة كلياً أو غير ثابتة تماماً. وكانت صياغة هذه الحقيقة العلمية على شكل مبدأ اللادقة أو اللاتحديد أو الشك والريبة الشهير l’ incertitude الذي صاغه العالم هايزنبيرغ Heisenberg، الذي يعاكس ويقلب على عقب مفهومنا المنطقي المألوف للعالم والحسابات الفيزيائية الكلاسيكية، وهو ينص على أن بعض الكمات من الجسيمات الفيزيائية في الميكانيك الكمومي أو الكوانتي، مثل الموضع أو الموقع وكمية الحركة أو السرعة، أي نتاج الكتلة والسرعة، لايمكن قياسهما بدقة في آن واحد، عكس ما نعرفه في الفيزياء الكلاسيكية مثلاً عن دراجة تسير حيث يفترض أن لها في كل لحظة موقع أو موضع وكمية حركة أو سرعة معروفتين تماماً ومقاستين بدقة. لكن ليست هذه هي حال الإلكترون، وهو جسيم مادي، أو الفوتون، فكلما كانت لدينا دقة بمعرفة مكانيهما كلما قلت تلك الدقة فيما يتعلق بسرعتيهما أو كمية حركتهما، والعكس صحيح.

وفي سنوات الستينات من القرن الماضي تمكن العالم الكندي سيمون كوشن Simon Kochen، من إثبات صحة مبدأ هايزنبيرغ في اللادقة أو اللاتحديد أو مبدأ الشك والريبة وذلك بتجربة علمية مختبرية، وقام كذلك العالم السويسري إرنست سبيكر Ernest Specker، بتجربة علمية مختبرية مماثلة وجاءت النتيجة مؤكدة لصحة هذا المبدأ الكمومي أو الكوانتي. وكان هذا الأخير يبحث عن الحضور الإلهي اللامحدود omniscience ودوره في تسيير العالم ومكوناته، فلاحظ في صياغته بلغة المنطق، أن هذه المشكلة تشبه إلى حد ما شكلانية formalisme الكموم أو الكوانتوم التي تمنع مثل هذا الحضور الدائم واللامحدود والمعرفة اللامحدودة في التجارب المختبرية، خاصة لدى العلماء التجريبيين حيث لايمكنهم قياس كل شيء في نفس الوقت وفي آن واحد وبدقة تامة. ولذلك عمل بالتعاون مع سيمون كوشن على إعطاء الدليل والبرهان الرياضياتي لمبدأ هايزنبيرغ وإثبات صحته مختبرياً ورياضياتياً ونشرا نظريتهما التي حملت إسميهما معاً.

إلا أن نظرية كوشن ــ سبيكر، كما سميت فيما بعد، تذهب إلى أبعد من مبدأ الريبة والشك لهايزنبيرغ فهي تطعن بفكرة أن خصائص جسم كمومي أو كوانتي ما، تمتلك قيماً معينة قبل أن نسلط عليها فعل المراقبة أو القياس . فمبدأ هايزنبيرغ يخبرنا إن بعض الحسابات أو القياسات سوف تتغير عندما نجريها في نفس الوقت لكننا يمكن أن نتمسك بفكرة أن الجسيم الأولي لديه دائماً موقعاً وكمية حركة أو سرعة قبل مراقبته، والمشكلة التي تواجهنا هي أننا لا نستطيع أن نشاهدهما ونراقبهما بدقة في نفس الوقت، والحال أن تداخل السياقات contextualité الكمومية او الكوانتية يذهب إلى أبعد من ذلك حيث يحرمنا من هذه الإمكانية المفترضة. فنظرية العالمين كوشن ــ سبيكر تظهر وتثبت أن المنطق الكمومي أو الكوانتي لا يمكن التعبير عنه بأي صيغة أو طريقة كلاسيكية متعارف عليها وبالتالي فالنظرية المشار إليها أعلاه التي صاغها كوشن وسبيكر لها منطقها الخاص، وبالتالي فهي نظرية منطقية. إلا أن العلماء لم يستوعبوها طيلة نصف قرن وأهملوها إلى أن تبناها شلة الفيزيائيين النظريين الشباب بعد أن فهموا فحواها ومدياتها وأهميتها في حساب تأمين، ومعرقة قوة ومتانة الحسابات الكمومية أو الكوانتية، حيث يكمن تميز وتفوق الحساب الكمومي أو الكوانتي في مبدأ تداخل السياقات ويمكن أن يترتب على ذلك تداعيات وانعكاسات ثورية في مجال المعلوماتية والصناعات الحاسوبية والحواسيب أو الكومبوترات الكمومية أو الكوانتية، مما سيتيح لنا أن نتحرر من القيود الحالية وننجز أخيراً القوة الحقيقية، التي ما تزال نظرية لحد الآن، للأنظمة الكمومية أو الكواتية في شتى المجالات.

يعتقد بعض العلماء الشباب أن تداخل السياقات الكمومية أو الكوانتية هو المصدر أو النبع الحقيقي لقوة الحسابات والحواسيب الكمومية أو الكوانتية وهي القاعدة لما يعرف بالغرابة الكمومية وعليه ينبغي سبر أسرار هذه النظرية ومعرفة أسرار تداخل السياقات الكمومية أو الكوانتية لمعرفة الحدود الفاصلة بين الفيزياء الكلاسيكية والفيزياء الكمومية أو الكوانتية وما يتعداهما. ولقد استخدم هؤلاء العلماء الشباب كل ترسانة العلوم الرياضياتية المعاصرة لاختبار كل النماذج الموجودة أو المفترضة والممكنة في نطاق تعدد المقاربات ما أدى إلى انبثاق غابة من تداخل السياقات الكمومية المختلفة تحتوي على كافة التنويعات من تداخل السياقات مثل : لغة المعلوماتية Langage de l information، والرسومات البيانية الفائقة hypergraphie، والرياضيات الطوبوغرافية mathématique topollogique، الخ.. كما استغل نظرية، كوشن ــ سبيكر واستلهم منها، عدد من العلماء لاختبار قوة وفعالية وصلاحية نماذجهم في التداخلات السياقية الكمومية أو الكوانتية شبيهة بتلك التي أجراها العالم بيل Bell في ستينات القرن الماضي لإثبات صحة مبدأ التشابك بين جسيمين أوليين في ميكانيك الكموم أو الكوانتوم بتجربته الشهيرة وبنفس الطريقة التي استخدمت في تكميم قوة التشابك، يمكن تكميم كثافة تداخل السياقات الكمومية أو الكوانتية من خلال إعادة الصياغة بحيث تغدو نظرية تداخل السياقات الكمومية أو الكوانتية شكلانية عامة ومعممة لرؤية الاختلافات والتنويعات بين مختلف النماذج الفيزيائية الحتمية التي جاءت بها الفيزياء الكلاسيكية، إلى جانب النماذج العشوائية في الأساس، أو الأنماط العشوائية جوهرياً modèles fondamentalement aléatoires، وهكذا بات بالإمكان اختبار تداخل السياقات في النظريات الكلاسيكية وفي الميكانيك الكمومي أو الكوانتي، وفي الكمومية الفائقة supra quantique، وربما التوصل إلى مدخل للفيزياء الجديدة المستقبلية وقد يتفتق ذهن العلماء عن فرضية تقول أن الضوء ناجم عن تداخل سياقات ما فوق كمومية أو كوانتية contextualité plus que quantique ومعرفة سر وماهية التذبذب أو التقلب الكمومي أو الكوانتيfluctuation quantique فالتذبذب أو التقلب الكمومي أو الكوانتي، في صيغته التقليدية، هو حالة ظهورٍ مؤقت للجسيمات دون الذرّية إلى حيز الوجود، وكما ينص مبدأ عدم التحديد (مبدأ اللا دقة) لهايزنبرغ، فإنه يُعتبر مرادفاً لتذبذب الفراغ. ينص هذا المبدأ على أنه لا يمكن تحديد خاصيتين مُقاستين من خواص جملة كمومية إلا ضمن حدود معينة من الدقة، أي أن تحديد إحدى الخاصيتين بدقة متناهية، ذات عدم تأكد ضئيل، يستتبع عدم تأكد كبير في قياس الخاصية الأخرى، ويشيع تطبيق هذا المبدأ بكثرة على خاصيتي تحديد الموضع والسرعة لجسيمٍ أولي. صاغ المبدأ العالم الألماني هايزنبرغ عام 1927. فعلى سبيل المثال من الممكن ظهور زوجٍ من الجسيمات المترابطة خلال مدة قصيرة جداً من الزمن. يمكن توضيح مبدأ عدم التحديد بيانياً من خلال عملية محاكاة حاسوبية أو كومبيوترية، يُطبَّق هذا المبدأ على الزمن والطاقة كذلك (الطاقة هنا تمثل معادلة آينشتاين E=mc2). ويُطبَّق هذا المبدأ على الزمن والطاقة كذلك ولكن لحسن الحظ، عندما تكون الكتلة كبيرةً جداً (مثل الأجسام المرئية) يُصبح مبدأ عدم التحديد واللاحتمية indétermination وكذلك التأثير الكمومي صغيراً جداً، وحينها يمكن أن تُطبّق قوانين الفيزياء الكلاسيكية. يُسمى الزمكان الخالي في الفيزياء الكلاسيكية (الأجسام الكبيرة) بالفراغ، وهو ساكنٌ تماماً، ومع ذلك فإنه في الفيزياء الكمومية أو الكوانتية(الأجسام دون الذرّية) يُصبح الأمر أكثر تعقيداً بكثير وهو أبعد تماماً عن كونه ساكناً وفارغاً فهو مليء بالجسيمات الافتراضية. فالفراغ الكمومي هو مجرّد حالة خاصة من الحقل الكمومي أو الكوانتي( يقابل ذلك بعض الجسيمات). إنه حالةٌ ميكانيكية كمومية تكون فيها الحقول الكمومية غير مثارة، أي لا توجد أيّة جسيماتٍ، لذا تكون هي الحالة الأقل فعاليةً (أقل طاقة ممكنة للجسيمات) في الحقل الكمومي. وهنا نعثر على التفاعلات التي تحصل في الفراغ الكمومي في المستوى الإحداثي للزمكان (المكان والزمان)، حيث تنبثق أزواجٌ من الجسيمات من العدم ثم تقوم هذه الجسيمات بفناء بعضها البعض وفقاً لمبدأ اللادقة L’ incertitude.

البحث عن الكأس المقدسة في الفيزياء المعاصرة:

هل هناك حقاً كأساً مقدسة Le Graal في الفيزياء الحديثة يبحث عنها العلماء كما يبحث المسيحيون عنها في الميثولوجيا الدينية ؟ يبدو أن هذه الفكرة هي المحفز الأساسي والأول، والفكرة المرشدة والموجهة، لمجموعة العلماء الشباب الجدد في سعيهم لتجاوز معوقات الفيزياء الكلاسيكية وهي فيزياء النسبية وميكانك الكموم المتنافرتين والتي يصعب، إن لم نقل يستحيل، جمعهما وتوحيدهما، وهو الحل الذي راود منذ قرن وربع القرن مخيلة العلماء في كل العقود وعلى رأسهم أينشتين نفسه. فكل ما قدمه وجربه العلماء الشباب من نظريات ومفاهيم ثورية تجديدية جريئة يهدف بالأساس إلى العثور على الوسيلة الأنجع للتوحيد في نظرية واحدة هي نظرية كل شيء تجمع النسبية والكوانتوم أو ميكانيك الكموم، والتي ستحيط بالكون المرئي برمته من اللامتناهي في الصغر إلى اللامتناهي في الكبر، من الكوارك إلى النجوم والمجرات والسدم والحشود المجرية.

لم يكن هذا الحلم وليد الأمس فلقد هيمن على فكر وحياة ونشاط وعمل وأبحاث آينشتين طيلة أربع عقود ولغاية وفاته ولم ينجح، لا هو ولا غيره، في تحقيق ذلك الحلم. والمشكلة تبقى ماثلة أمام الجميع وقابلة للفهم لكن الحل اللازم لها يفلت من بين أيدي العلماء، فكلما وجدوا حلولاً ومقترحات ونظريات تنتج عنها لانهائيات كثيرة وتناقضات ومفارقات وتحديات وتساؤلات جديدة تعيق إنجاز النظرية الشاملة والموحدة. فمن جهة هناك نظرية النسبية العامة التي تعرف وتصف الجاذبية أو الثقالة باعتبارها خاصية من خصائص الزمكان L’ حسب التعبيرespace-temps الاينشتيني، والذي ينحني ويتحدب تحت تأثير الكتل، والذي يصف تماماً وبدقة الكون المرئي على نطاق اللامتناهي في الكبر وفي مستويات الطاقة العليا الفائقة . ومن جهة أخرى هناك الميكانيك الكمومي أو الكوانتي الذي يصف بدقة تامة ويتوقع ما يوجد في، وما يكون عليه، عالم اللامتناهي في الصغر من مستوى مادون الذري، أي عالم الذرات والإلكترونات والفوتونات والجسيمات الأولية الأخرى . بيد أن العالمين اللذين تصفهما هاتين النظريتين لايتوافقان على الإطلاق وليس بينهما مشتركات . أحدهما يتمركز في فضاء أومكان مسطح وساكن أو ثابت، والآخر في حيز مكاني محدب وديناميكي متحرك . أحدهما يسلم أمره للصدفة والاحتمالات ويمنحهما دوراً جوهرياً أساسياً مؤثراً، والآخر لا يعطي أي مكانة أو يعير أية أهمية أو قيمة للاحتمالات والصدفة، فهي غير موجودة في قاموسه. أحدهما يرى الزمن وكأنه معلم بسيط من معالم التطور، بينما يراه الآخر كأنه عنصر مركزي ثابت لا يتغير باتجاه واحد يسميه "سهم الزمن" المتجه من الماضي نحو المستقبل. ولكن ماهو موقع الثقالة او الجاذبية الكونية؟ وهي التي تحتل الشخصية الأساسية الرئيسية في النسبية العامة؟ لامكانة ولا دور لها ولا أي وصف في الميكانيك الكمومي أو الكوانتي، باختصار فإن دعامتي الفيزياء الحديثة غير متوافقتين وغير متساوقتين على الإطلاق بالرغم من أن من المفترض أنهما يصفان نفس العالم .

يمكن أن نتقبل هذا اللاتساوق بينهما ونعتبره واقع حال لا محيد عنه والثمن هو التخلي عن البرنامج التوحيدي الكبير للفيزياء النظرية، الذي شغل بال العلماء طيلة قرن ونيف. فمنذ غاليله، في القرن السادس عشر، كانت كل نظرية جديدة تزيح وتحل محل النظرية القديمة وتكون أوسع وأكثر عمومية وشمولية، ولقد نجح العلماء في توحيد جزيئات نظرية كالتوحيد بين الكهرباء والمغناطيس في صيغة عرفت بالكهرومغناطيسية ثم أدخلت في الميكانيك الكمومي بدون معوقات أو صعوبات كبيرة. وكانت الجاذبية النيوتنية قد احتوتها وتجاوزتها النسبية العامة. وفي كل مرة يصاغ إطار نظري جديدة له قوانينه ومعادلاته الرياضياتية، يكون أوسع وأشمل وأكثر استجابة لاحتياجات العلماء التنظيرية وكانت النتائج خصبة وواعدة ولقد عبر عن ذلك آينشتين نفسه حين قال: يجب مواصلة هذا البرنامج فهو في غاية الأناقة والجمال . وذلك في رسالة بعضها لزميله هيرمان ويل Hermann Weyl سنة 1923.

ولكن لاتزال هناك ظواهر كونية مشتركة لايمكننا اليوم وصفها وفهمها بدون الثقالة الكمومية أو الكوانتية gravitation quantique، وكأمثلة على تلك الظواهر اللغزية : استحالة أن نعرف ما يحدث داخل الثقب السود، ولا فهم ولادة الكون المرئي ولا شرح ووصف تكوين الجسيمات الأولية . ومنذ أكثر من قرن كانت هناك عدة محاولات لإجراء المصالحة والجمع بين الشقيقتين اللدودتين، وإن الإبحار في محيط النظريات التي ادعت ذلك يغرقنا في لج عميق كما أغرقت أسماء علماء عباقرة فطاحل وشخصيات فذة. بدأ السعي الجدي منذ العام 1918 مع عالم الرياضيات والفيزيائي اللامع هيرمان ويل Hermann Weyl.وتابعها آينشتين وثيودور كالوزا Theodor Kaluza، ووآرثر إيدنغتون Arthur Eddington، وروجر بنروز Roger Penrose، وأندريه زاخاروف Andrei Sakharov، وستيفن هاوكينغ Stephen Hawking، وكارلو روفيللي Carlo Rovelli، وليونارد سوسكايند Leonard Suuskind، وآلان كونس Alain Connes، ولقد اعتقد العديد من هؤلاء وغيرهم أنهم كانوا على وشك تحقيق الهدف. مثلما هو الحال عندما تفتقت ذهنية العلماء في ثمانينات القرن الماضي عن نظرية جاءت غاية في التعقيد والغرابة والجمال والأناقة في نفس الوقت، وكانت نظرية فاتنة ومغرية وهي نظرية الأوتار théorie des cordes، ومن ثم الأوتار الفائقة théorie des super cordes، مع قرينتها التوسعية التي أعطتنا النموذج المعياري لفيزياء الجسيمات modèle standrd de physique des particules، ونظرية التناظر الفائق théorie de supersymétrie، وتخيلوا عالماً أو كوناً مكوناً من عشرة أبعاد مكانية وبعد زمني بحيث تكون الجسيمات الأولية الأصغر في الكون عبارة عن أوتار في غاية الصغر بطول 10-32 من المتر تتذبذب كأوتار آلة الكمان الموسيقية، مولدة عدد لامتناهي من الجسيمات الأولية المتنوعة. ومع ذلك بعد الحلم فشلت هذه النظرية الثورية في تحقيق الهدف المنشود ألا وهو توحيد داعمتي الفيزياء المعاصرة.

اليوم وفي نهاية العام 2019، تغير كل شيء . الوسط الفيزيائي في حركة دؤوبة ونشاط محموم، والتجارب الجديد قادت إلى صياغة العديد من النظريات الفيزيائية الجديدة التي يمكن أن تعد بديلة للنسبية العامة كما يقول كارلو روفيللي الأستاذ في جامعة مرسيليا في فرنسا وهو أحد كبار الفيزيائيين النظريين. لقد بلغ مسرع ومصادم الجسيمات الكبير LHC التابع لوكالة الفضاء الأوروبية سيرن CERN الواقع على الحدود الفرنسية السويسرية قرب جنيف، طاقته القصوى سنة 2015 ولم يعثر على أي شيء يشير إلى الجسيم الفائق التناظر particule supersymétrique، ولا الثابت الكوني الذي يحدد سرعة التمدد والتوسع الكوني الذي تم قياسه وظهر أنه موجب في حين أعتقد أغلبية الأخصائيين في نظرية الأوتار الفائقة أنه سالب.

وكذلك جاء اكتشاف الموجات الثقالية أو موجات الجاذبية ondes gravitationnelles، ولقد توصل العلماء إلى أن الموجات الثقالية والموجات الكهرومغناطيسية الناجمتين عن تصادم نجمتين نيوتريتين تنتقلان بنفس السرعة، والحال إن جزء كبير من النظريات البديلة للنسبية العامة تنبأت أن سرعة هذين النوعين من الموجات مختلفة . بقيت نظرية بديلة على قائمة التنافس وهي نظرية الجاذبية الكمومية أو الكوانتية الحلقية la gravitation quantique à boucles، وهي الثانية بعد نظرية الأوتار الفائقة ضمن نظريات كل شيء المرشحة كبدائل . فبدلاً من النظر إلى الجاذبية باعتبارها تأثير ناتج عن تشوه الزمكان la déformation de l espace-temps، فإن نظرية الجاذبية الكمومية الحلقية تعتبرها بمثابة تجلي أو تمظهر لحقل ثقالي أو مظهر من مظاهر حقل الجاذبية manifestation du champs gravitationnel. لم يتمكن أي من العلماء المناوئين تعريض هذه النظرية إلى وضع صعب أو دحضها من خلال نتائج التجارب المختبرية التي أجريت عليها، والحال إن المشاكل النظرية أعتبرت جوهرية وأساسية في سنوات الثمانينات، وقد تم حل الكثير منها، ويجري البحث اليوم عن توقعات وتنبؤات كمومية أو كوانتية لمقارنتها مع التجارب، والجدير بالذكر أن هذه النظرية هي من أطروحات العالمين الإيطالي كارلو روفيللي والأمريكي لي سمولين Lee Smolin، وهذا الأخير شن هجوماً كاسحاً يعتبر بمثابة إعلان حرب، على نظرية الأوتار الفائقة المنافس الرئيسي لنظريته، بعد أن كان أحد أقطاب نظرية الأوتار الفائقة سابقاً وتخلى عنها.

كل ذلك لا يمنع من فتح طريق أخرى. ففي نهاية سنوات التسعينات، وعلى إثر تجربة مدوية أجراها العالم الفيزيائي المختص بنظرية الأوتار الفائقة، خوان مالداسينا Juan Maldacena، إتضح منها أنه، في بعض الأكوان النظرية المبسطة، فإن جميع النتائج والتأثيرات التي عزيت لقوة الثقالة أو الجاذبية الكونية يمكن أن توصف بأنها ظواهر كمومية أو كوانتية تحدث على حدود أو تخوم هذا الكون، حيث لا وجود لأي أثر للجاذبية أو الثقالة، وبالتالي ولدت إمكانية لإجراء مصالحة بين الميكانيك الكمومي أو الكوانتي مع النسبية العامة ولكن في كون مبسط ونظري. استبشر الكثيرون بالخير وظنوا أنهم باتوا قريبين من الهدف المنشود كما يقول العالم جوزيف بولشنيسكي Joseph Polchinski من معهد كافلي في كاليففورنيا، وواصل الإعراب عن رأيه قائلاً :" كان الاكتشاف من القوة بمكان بحيث شعر أغلب الفيزيائيين أن كل شيء سوف يتحقق قريباً وبسرعة . لكن أدى ذلك فقط إلى ظهور ولادات لأوليات عدد من النظريات الفرعية، مثل نظرية العالم الهولندي إريك فيرلندي Erik Verlinde، التي وصفت الجاذبية بأنها تمظهر أو تجلي ماكروسكوبي لظواهر ميكروسكوبية كامنة، أو نظرية خوان مالداسينا وليونارد سيسكايند اللذين افترضا مسلمة تقول أن تلك الظواهر الميكروسكوبية هي بالتحديد تشابكات كمومية أو كوانتية. أما الجزء الآخر من العلماء فلم يقدموا شيئاً يذكر بعد. فالأمر برأي كارلو روفيللي، يحتاج لمعادلات جديدة أكثر متانة وإتقاناً وجمالاً وأناقة". فاستبدال نقطة بوتر صغير لا يكفي للوصول إلى حل على حد تعبير نيكولا جيسين Nicolas Gisine المختص بالكموم في جامعة جنيف، الذي يعتقد إن على النسبية العامة والميكانيك الكمومي، ليس فقط التحرك ومغادرة منطقة الجمود فحسب، بل عليهما أن يحدثان ثورة في داخلهما، فنحن بحاجة لأفكار جديدة".

في ظل مثل هذه الأجواء المتأججة والهائجة إنطلق الجيل الجديد من العلماء في مقاربة جديدة غير مالوفة سابقاً المتمثلة بعزل الظواهر الأكثر غرابة في النظرية ودفعها إلى ابعد ما يمكن لمعرفة ورؤية ما يتعدى الميكانيك الكمومي أو الكوانتي. وذلك إنطلاقاً من " السببية" causalité واللامحلية la non –localité، وتداخل السياقات الكمومية أو الكوانتية contextualité، وهي محاولة في طريقها لفتح آفاق جديدة نحو الثقالة الكمومية الصعبة المنال حالياً . ومع مفهوم السببية تقدمت هذه الحركة الجديدة كثيراً منذ اكتشاف هذا التراكب الكمومي أو الكوانتي الغريب بخصوص السبب والنتيجة والعلة والمعلول، إذ وجد الباحثون فيها باباً للولوج من جديد إلى النسبية. فالسببية هي نقطة تلاقي وتوافق بين النسبية العامة والميكانيك الكمومي أو الكوانتوم.كما يقول آليكسي غرينباوم Alexei Grinbaum، "وهنا على وجه التحديد يسمح الكموم أو الكوانتوم بشيء في الزمكان لا نستطيع شرحه". ويوضح العالم كاسلاف بروكنر Caslav Brukner المختص بالموضوع في جامعة فينا، قائلاً :" لو وضعنا جسم هائل الكتلة في وضع تراكب سببي، فإن المسافات الزمانية المكانية أو الزمكانية spatio-temporelles بين الأحداث داخل حقل ثقالي أو مجال جاذبية champ gravitationnel للجسم المعني، ستصبح تشابكية intriquées أي تتشابك مع موضع أو موقع الجسم المذكور". والتكنولوجيا المتقدمة حالياً سوف تسمح قريباً باختبار صحة هذه الفكرة مختبرياً وتجريبياً على أشياء أو أجسام كممومية أو كوانتية أكثر ضخامة، وسوف نصل قريباً إلى درجة عالية من الدقة كافية لدراسة كتل بمستوى إلكترونين ويستعد العالم الشاب سوغارو بوس Sougaru Bose للتحضير لهذا النوع من التجربة في جامعة كولج أوف لندن .

وهناك أمل، رغم التشوش والذهول الطاغي، في التوصل قريباً إلى نظرية كل شيء أو الغرق مرة أخرى في السراب والوهم والبدء من جديد من نقطة الصفر بحثاً عن الكأس المقدسة في الفيزياء.

 

د. جواد بشارة

 

 

 

 

زهير الخويلدي"حساب الهند قوامه تسع صور يكتفي بها في الدلالة على الأعداد الى ما لا نهاية له وأسماء مراتبها أربعة وهي الآحاد والعشرات والمئون والألوف" ، الخوارزمي، مفاتيح العلوم،

عاش محمد ابن موسى الخوارزمي بين 781 و850 ميلادي بين خوارزم وبغداد وتأثر بأبي كامل شجاع ابن أسلم وعاصر المأمون وعمل في بيت الحكمة ولقد اهتم بالجغرافيا والفلك ولكنه برع في الرياضيات.

لقد ألف الكثير من الكتب وترك عدد من الرسائل العلمية على غرار الجمع والتفريق في الحساب الهندي وتقويم البلدان ومفاتيح العلوم والعمل بالإسطرلاب وصورة الأرض ورسم الربع المعمور، ويبدو أن كتابي المزولات والتاريخ الذي ذكرهما ابن النديم في الفهرست قد ضاعا وأن مسلمة المجروطي قد أنقذ النسخة العربية من كتاب علم الفلك الهندي المنقول إلى اللاتينية ، غير أن كتابه المختصر في حساب الجبر والمقابلة هو العمل العلمي الذي نال به شهرة واسعة وخلده وجعل منه عالما رياضيا فائق الابتكار.

لقد قام بإضافة عدة شروح على كتاب المجسطي لبطليموس وأعاد كتابة عالم الفلك الهند المسمى السند هند الكبير وترجمه إلى اللغة العربية وأطلق عليه تسمية السند هند الصغير، كما نقل إلى لغة الضاد كتاب الجغرافيا لبطليموس وعدة كتب أخرى في الفلك والتنجيم والحساب واشتغل بطلب من المأمون في بيت الحكمة على رسم خارطة للأرض رفقة سبعين جغرافيا من مختلف أصقاع العالم وقدم في كتاب الجبر والمعادلة حلولا للكثير من المشاكل الرياضية المستعصية وعالج منهجيا المعادلات الخطية والمربعة وقدم النظام العشري إلى العالم واشتغل على الأرقام الهندية واستخدم الجبر في حل المعادلات التربيعية وأدخل الصفر إلى العمليات الحسابية وأوجد حساب المثلثات في الهندسة وعرض طرق أساسية للحد والموازنة.

لقد فقدت النسخة العربية عن كتاب علم الحساب للخوارزمي ولكن أديلار الباثي كان قد ترجمه صحبة الجداول الفلكية إلى اللغة اللاتينية سنة 1126 ميلادي وحافظ لنا على كنز علمي ثمين كاد أن يضيع منا. بهذا المعنى يعتبر الخوارزمي المسؤول الأول عن إدخال الأرقام العربية على أساس نظام الترقيم الهندي المطور على أساس حساب النظام العشري إلى العلوم الغربية ولقد أفضى لتشكل البرمجيات والألجورزم.

من ناحية ثانية حرص الخوارزمي على معالجة أبحاث الجبر بصورة مستقلة عن نظرية الأعداد ومباحث الحساب وترتب عن إدخاله الصفر إلى مجموعة الأعداد الطبيعية إلى تحويل الحساب إلى النظام العشري المعروف في عمليات الجمع والطرح ولقد ترتب عن ذلك معالجة العديد من المشكلات الرياضية العالقة.

والحق أن الخوارزمي يشترك في مبحث الجبر والمقابلة مع عدد من العلماء العرب مثل الطوسي وسهل بن بشر والدينوري وعبد الحميد بن ترك ولكن لا أحد يمكنه أن يقلل من إسهاماته في اكتشاف علم الجبر وتطوير علم الحساب وتطبيق الرياضيات في مجالات لم تعهدها من قبل وتبارح المواضيع التقليدية التي تتراوح فيها فيها بين العدد والهندسة وتتعامل مع الأجسام الجبرية من حيث هي عناصر نظرية مستقلة عن الهندسة وتهتم بالأعداد الكسرية واللاكسرية واستفادت في ذلك من الرياضيات البابلية ومن كتاب ديوفانتوس المعنون بالأرتميطيقا، ولقد مثل الاعتماد على الجبر خطوة ثورية في العلم نقلت العقل البشري من مجرد إثارة المشاكل والبحث عن حلول إلى عرض كتابة تفسيرية تتكون من تركيب لأوليات ونماذج.

إذا عدنا إلى كتاب مفاتيح العلوم فإننا نجده يتحدث في الباب الأول بلغة معجمية واضحة عن الفقه والكلام والنحو والكتاب والشعر والعروض والأخبار وينتقل في الباب الثاني إلى معالجة قضايا عقلية وعلمية أكثر دقة وواقعية مثل الفلسفة والمنطق والطب وعلم العدد والهندسة وعلم النجوم والموسيقى والحيل والكيمياء.

يمكن تلخيص اكتشافات الخورازمي في الفصل بين الجبر والحساب ووضع أسس علم الجبر الحديث ومعالجة الجبر بأسلوب منطقي وابتكار مفهوم الخوارزميات الذي وقع استخدامه اليوم في علم الحاسوب وتعويله على الصفر في الحساب حيث اعتبره رقما موحدا يحتاج دوما إلى رقم آخر إلى جواره ، كما اخترع شكلا لكل رقم يحمل نفس عدد الزاوية التي تدل عليه وبرع في الجغرافيا برسم خرائط دقيقة، وساعدته المعادلات الخطية والتربيعية على حل مشاكل الخلل في التوازن التجاري وقسمة الميراث ومسح وتخصيص الأراضي وحاول صناعة ساعة شمسية ضمن علم الفلك الكروي يضبط فيها الاتجاه والميقات.

اللافت للنظر أن كتاب المختصر في حساب الجبر والمقابلة بقيت منه نسخة واحدة باللغة العربية مؤرخة في1361  ولقد ترجمها فدريك روزن إلى الأنجليزية وكانت قد نقلت قبل ذلك إلى اللاتينية والى الفرنسية.

فكيف ساهمت الخوارزميات في قيام علم البرجمة وتشكيل العالم الافتراضي واللغة الرقية في الراهن؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

...................

المراجع:

الخوارزمي محمد ابن أحمد ابن يوسف ، مفاتيح العلوم، تحقيق إبراهيم الأبياري، دار الكتب العربي، بيروت، طبعة ثانية ، 1989. 284 صفحة.

 

احمد الديباوي"الاستسلام للتراث، واستدعائه بكافة عناصره في حاضرنا"، هكذا يلخّص الدكتور عبد الجبار الرفاعي، بإيجازٍ غيرِ مُخلٍّ، سببًا رئيسًا من أسباب تفشّي نزعات التعصُّب وكراهية ونفْي الآخَـر، والتشهير الدائم به، وما ينجُم عن ذلك من احتراب، وعنف، وإرهاب، وصراعات دينية وعِرقية وطائفية، تأكل في طريقها الأخضر واليابس، وتُغذّي رُوح الانتقام والتشفّي، حتى لتبدو صورة الآخر، المخالف في الدين والعقيدة والمذهب، في المخيال الإسلامي مشوَّهة، مشيْطَنة، تحت وطأة الوقوع في أسْرِ نرجسية دينية زائفة غير واقعية، ومنطق عقائدي أُحادي، وإيمان تقليدي حصري لا يعرف طريقًا إلى النقد أو العقل أو الحُبّ!

في كتابه "الدين والنزعة الإنسانية"، الصادر هذا العام، عن دار التنوير، في طبعته الثالثة المعدَّلَة والمزيدة، يُبحر بنا عبد الجبار الرفاعي في مبحث (من أين تشتق الكراهية مفاهيمها؟)، كما لو كان رُبَّانَ سفينةٍ ماهرًا يعرف تمامًا كيف يدير دفّة القيادة بانسيابية ودِقّة حتى تصلَ بحمولتها إلى برّ الأمان، فيستدعي في أول كلامه أُسّ المشكلة، ومنبع الداء، وهو "هاجس التراث"، ذلك الهاجس الذي تفوق المجتمعات الإسلامية أي مجتمعات بشرية أخرى في الاستسلام والإذعان له، بل تقديسه والتعاطي معه باعتباره شيئا لا تاريخيًا ومطلَقًا ونهائيا وكاملا، كأنهم يطبّقون قول العربي القديم الكسول: "ما ترك الأول للآخِر شيئا"، على الرغم من أنّ عربيًا آخرَ مبرّزًا، هو عثمان بن بحر الجاحظ، قال: "إذا سمعت الرجلَ يقول ما ترك الأول للآخر شيئًا فاعلم أنه ما يريد أن يفلح"، لكنه التقديس والتكاسُل العقلي في آنٍ، حتى أضحى التراثُ قيدًا يكبّل حاضرنا، فيحكم عليه بالفشل، لأننا نرضى بأن يحكمنا الأموات وهم قبورهم، "بل يغدو الأموات هم مصدر الإلهام للكثير من المعاني في حياتنا، وتعلي مجتمعاتنا من مقاماتهم عندما تنصبهم حُكاما على الأحياء، وتعود إليهم في ما تواجهه من تحديات، وتستعير آراءهم في أكثر القضايا والمستجدّات، فيصير مستقبلنا هو ماضينا"، كما يقول الرفاعي.

هذا هو موطن الداء، فعندما نعيش تحت وطأة التراث، ونقبله ككُتلة واحدة، ونسيج واحد دون أن ندركَ أن لذلك التراث سياقات زمانية ومكانية خاصة أنتجته، وأبعادًا سوسيولوجية وأنثروبولوجية وسيميائية وسيكولوجية، تشكل معانيه ومفرداته وخطاباته وأنساقه، دون أن ندركَ ذلك كله فإننا لن نستطيع الإفلات من أسْره وطغيانه على نفوسنا وعقولنا ومشاعرنا، وسنظل نتعامل معه بصيغة تبجيلية ربما تصل إلى حدّ التقديس والعبادة!

يرى الرفاعي أن التراث بمعنى مجموعة الممارسات الدينية والعقائد والمفاهيم السائدة في حقبة معينة من حياة المسلمين، فهو مفهوم ثقافي أنثروبولوجي، كما يرى أن المجال مفتوح لنقد هذا التراث وتفكيكه، "إذ بوسعهم غربلة ونقد المسلمات والمسبقات والميول، والمسلّمات المعرفية لفهم الكتاب والسنة، والتطلعات الدينية الموروثة من عصور سالفة"، وتأتي اللغة – في نظره – متهمة هي الأخرى؛ فهي وسيلة التواصل والاتصال وحمل المعاني، وما دمنا نروم مواكبة إيقاع الحياة، وقبول الآخر، وإلغاء المنطق العقائدي الأحادي، والتخلص مما سمّاه الرفاعي "التعبئة الأيديولوجية"، إذن ينبغي علينا أن نهجر ونستبعد من قاموس حياتنا كل الكلمات والمصطلحات الدينية الموروثة، المشبعة بالكراهية والعنف، منذ أن اشتجر الخلاف واستعر الصراع العنيف بين الفِرَق المختلفة، وهي تلك الكلمات والمصطلحات التي نهجو من خلالها الآخر، ونحطّ من شأنه، ونحتكر بواسطتها مفهوم النجاة!

1014 الدين والنزعة الانسانية

إن اللغة – إذن – ليست بريئة من تفشي الكراهية، ونشر أفكار التشدد والتعصب، عبر الأساليب والجُمَل ذات الحمولة السلبية، التي تفرّق ولا تجمع، لذلك ينادي الرفاعي بأن تُطهَّر المقررات والمناهج الدراسية في سائر مراحل التعليم من كل مفردات ومصطلحات العنف والقدح والتشهير بالآخر، فذلك ضرورة يفرضها الواقع المعيش الذي يغصّ بالعنف والإرهاب والكراهية، ولا يتوقف الأمر عند حدّ تطهير لغة المقررات الدراسية فحسب، بل لا بد من تأهيل المعلمين والمربين تأهيلا لغويًا يطهر اللغة من الكلمات المسمومة، إلى جانب تأهيلهم التربوي المعتاد، وكذا تأهيل الصحفيين والإعلاميين، بحيث يعرفون خطورة الكلمات والأساليب اللغوية ذات الحمولة السلبية، "وما يمكن أن ينجم عنها من تشويه لصورة الشركاء معنا في الإنسانية، فضلا عن شركائنا في المواطنة".

ويجعل الرفاعي من اللغة مدخلًا مهمًا وحاسمًا لفهم طبيعة القراءة السلفية التبسيطية أو الحرفية للنصوص؛ إذ إن قراءة النص بتلك الطريقة يعمل على تحجيمه، ويلبسه معنى واحدًا، ورؤية واحدة، دون أن يسبر أغواره، ويدرك مراميه، ويعرف تأويله، وما يحمله بداخله من عناصر روحية وأخلاقية وعقلانية، وهذا من نتائج القراءة المختزلة البسيطة، ويلاحظ الدكتور الرفاعي أن تلك القراءة، تحديدًا، هي السائدة في خطابات وفتاوى الجماعات الأصولية، التي "تنشد تدينًا مجوفًا، يفتقر إلى استيعاب المضمون التنزيهي المفعَم بالمعنى للتدين"، وهو تدين لا يعرف معاني الانفتاح والتعددية والثراء الجمالي والروحي، التي ترسّخ النزعة الأخلاقية والإنسانية قبل أن ترسخ الإيمان. وقد أجاد الرفاعي حقا في تشريح وتفكيك النظرة السلفية التقليدية إلى النصوص والحياة عمومًا، وهي نظرة لا عقلانية، تنبع من اللاتسامح، وتحض على العنف والكراهية، وتفرغ الدين من معانيه السامية ومحتواه الروحي والأخلاقي والعقلاني. والحال ان استحضار هذا المحتوى والتركيز عليه كفيل بالقضاء على كل مظاهر الكراهية وبُغض الآخر، لكن هيهات؛ فالسلفيون لا يرون الإسلام إلا دينًا مغلقًا على نفسه، وتراثه لا نهائيًا في التاريخ، ويستدعون بحماس منقطع النظير مفردات وتقاليد وثقافات البيئة البدوية القاسية التي نزل فيها الإسلام، دون اعتبار للتطور ودينامية الاجتماع البشري!

وبذكاء الباحث وتمكنه من أدواته، يغوص عبد الجبار الرفاعي في عُمق المشكلة، فيربط بين قساوة البيئة التي شهدت ارتباط الإسلام في نزوله بها، وطبيعة نمط التمدن الحاكم آنذاك، وبين تصورات المسلمين المتوارثة عن مفهوم الإلهيات، إذ "ترتكز الإلهيات الموروثة على بنية تستعبد الآخر، وتكرّس مركزية مطلقة، تجد مثالها الأرضي في الخليفة أو السلطان، وحكومته الشمولية المستبدة"، فصورة الإله التي تتجلّى في مخيالهم وأذهانهم هي صورة الإله المستبد، الأمر الذي جعلهم يلجؤون إلى تفسير النص الديني تفسيرًا قمعيَا أُحادي النظرة، يضج بالكراهية ممن يخالفهم في فقههم ومصطلحاتهم ولغة الخطاب الذي يتبنونه، فيحتكرون رحمة الله، ويحسبون أنفسهم أوصياء على المجتمع، كونهم يمتلكون وحدهم الحقيقة المطلقة، في الوقت الذي لا يكادون يذكرون فيه أي نصوص تتحدث عن الرحمة والعفو والغفران والرفق، ولا يعرفون سنة الله في التعارف وخلق الناس مخلفين: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ) [هود:118-119]،  أي أن أولئك السلف يتبنون أفكارًا لا تمت إلى روح الدين وجوهره ومقاصده بصلة أو وشيجة، الأمر الذي يجعل من أفكارهم مباءة خصبة لأي فكر متطرف إرهابي، يتعاطى مع المخالفين بالقتل والإبادة.

ويشير الرفاعي في معرض تفسيرهه للآية: "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ" [البقرة:256]، إلى حقيقة لطالما تغافل عنها السلفيون، ممن يصرون على أن تلك الآية منسوخة بما سموه آية السيف، رغم أن القرآن كله لم ترد فيه، قط، لفظة (السيف)، هذه الحقيقة هي أن المعتقَد ما لم ينبثق الإيمان به من قناعة وجدانية، وإرادة قلبية، لا يمكن أن يلامس شغاف القلب، لأن النفاق لا ينشئ إيمانًا أو اعتقادًا، ذلك أن المعتقد ليس بمثابة الثوب الذي يُلبس ويخلع بسهولة، على حد تعبير الرفاعي، الذي أخذ في ذكر الآية الكريمة التي يتحدث فيها القرآن عن المشيئة الإلهية التكوينية الحتمية، التي بموجبها يمكن أن يجعل الله جميع من في الأرض مؤمنين قسرا وإكراها، لكن الله لم يفعل ذلك؛ قال تعالى: " وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ" [يونس: 99].

ثم يُنهي الرفاعي هذا الفصل بذكر طائفة متتالية من الآيات البينات، التي تحدد نمط دعوة الرسول الكريم الآخرين إلى الدين، فيصفه تعالى بأنه: مذكِّر، مبشر، منذر، شاهد، سراج منير، رحمة للعالمين، مبلِّغ، ليس على الناس بمسيطر أو بجبار... وما ذلك كله إلا لأن الله تعالى يمنح الإنسان حرية الاختيار، وطبيعي أن لا يكون ثمة حساب في الآخرة ومسؤولية مع سلب الاختيار في الدنيا.

ويختم الرفاعي هذا المبحث بسؤالين إنكاريين لعلّ الغافلين الجامدين يفهمون مغزاهما، وهما: إذا كان النبي، وهو صاحب الرسالة، لم يفوَّض في إجبار الناس وإكراههم، فكيف يفوَّض غيره بذلك؟! وإن كان ذلك ليس من وظائف النبي، فكيف يسوغ لمن يدّعون أنهم من أتباعه سلب حرية الناس ومصادرة حقهم في اختيار المعتقد؟!

إن الإجابة عن هذين السؤالين المهمين كفيل بأن نفهم من أين تأتي الكراهية؟ ومن أين تشتق مفرداتها في محيطنا المعرفي؟ إنها تأتي ممن يفرضون وصايتهم على غيرهم، ويشنّعون عليهم، اعتقادا منهم بأنهم يحتكرون حصريا مفهوم النجاة، ويهجسون بهاجس التراث، دون النظر إلى كونه إنتاجا بشريا، وفهما للدين وليس هو الدين نفسه، لذلك ما على المصلحين والباحثين عن الحقيقة سوى الإعلان عن المهمّش والمسكوت عنه، وفضح السائد والمتغلب في التراث، على حد تعبير الدكتور الرفاعي.

وفي الفصل الأول من كتابه: (الدين والاغتراب الميتافيزيقي) يرى الرفاعي أن (الرحمةَ مفتاحُ فهمِ المنطق الداخلي للقرآن). وكل ما جاء في القرآن معارضًا لذلك يعبر عن ظروف تاريخية خاصة فرضتها الظروف القاسية التي عاشتها الدعوة في مجتمع البعثة النبوية الشريفة. ويخلص د. الرفاعي إلى أن: (السِّلْمَ وليس الحرب هو الهدفُ المركزي الذي يرمي إليه القرآن. القاعدةُ التي أسّسها القرآنُ هي السِّلْم كما تتحدّث عنه كثيرٌ من الآيات، ومنها هذه الآية: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً" [البقرة، 208]. إذ ورد "السِّلْمُ" والكلمات ذات الصلة به في القرآن بحدود 140 مرة).

 

أحمد رمضان الديباوي، كاتب مصري

 

منى زيتونلا يتعلق النفاق بالدين وحسب، بل كثيرًا ما يدّعي الناس إيمانهم بقيم ومبادئ اجتماعية في الظاهر، ونلمس منهم في الباطن سلوكيات تتعاكس تمامًا مع صحة الاعتقاد بهذه المبادئ!

العلاقات الثلاثية!

ما أسُميت العلاقة الزوجية بهذا الاسم إلا لأن لها طرفين فقط لا ثالث لهما؛ هما الزوجان. ولعل أحد أهم أسباب فشل تلك العلاقة هو تحويلها إلى علاقة ثلاثية third party؛ بتدخل طرف ثالث من جهة الزوج أو الزوجة، وغالبًا لا نفهم سبب الفشل إلا بعد فوات الأوان!

قد يكون الطرف الثالث مستشاري سوء، طُلبت مشورتهم وغشوا من طلبها، ولم ينصحوا له، أو منحشرين طويلي الأنوف، دسوا أنوفهم في العلاقة، وبدأوا يتكلمون ويلوكون ما يخربها.

في العادة يكون أغلب المنحشرين نساء من العائلة، وأغلب مستشاري السوء رجال من الأصدقاء، وقد نبهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أنه من الأمانة –ولا إيمان لمن لا أمانة له- أن ننصح للآخرين بما نعلم أن فيه نفعهم. قال عليه الصلاة والسلام: "الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ". لكن بعض الناس يغش من يطلب نصحه، ويشير عليه بما يفسد حاله. ليس صديقك من كلما أشار عليك عدت إلى أسوأ حال! وإن كانت مشكلة بعض الناس أنهم لا يستشيرون أحدًا، فمشكلة آخرين أنهم يستشيرون كل أحد! وتحديد الإنسان موضع مشورته هو أحد أهم أسباب نجاحه أو فشله في علاقاته الاجتماعية، وفي الحياة بوجه عام.

كما أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام أن أكثر أهل النار من النساء؛ ذلك أن هناك صنف منهن يشغلن بالهن بما أنعم الله به على غيرهن، ويتناسين ما أنعم به عليهن مهما كثر، ويجدن راحتهن عند زوال النعم من الآخرين -أو بالأدق الأُخريات-، بينما إن تحدثن عن الرضا -الذي تلوكه ألسنتهن ولا تعرفه قلوبهن- ظن من لا يعرفهن أن الواحدة منهن وليّة من أولياء الله! هذه حقيقة، ولهذا فكثيرًا ما تفسد العلاقات الزوجية عندما يتدخل فيها هذا الصنف من النساء على وجه الخصوص.

في حالات الرجال الذين يرتبطون كثيرًا بعائلاتهم، كثيرًا ما يطلب هؤلاء مشورة نساء العائلة كالأم أو الأخت ومن لهن منزلة عنده؛ متصورًا أنهن سيُشرن عليه بالصواب، بينما إن كن قليلات العقل فهن سيخترن له ما يكون أنفع لهن لا له، حتى وإن كان في ذلك تفويتًا عليه لفرصة الاقتران بامرأة مميزة، أو خرابًا لعلاقته الزوجية القائمة مع زوجة صالحة؛ ذلك لأنهن متعلقات به ولا يردن من تنازعهن في قلبه. وفي رأيي إن هذا منتهى الأنانية.

وكثيرًا ما يعمل الطرف الثالث وفق مقولة "فرِّق تسد"، والتي لا زالت مقولة صحيحة على جميع المستويات؛ من مستوى العلاقات الشخصية، وصولًا لمستوى سياسات الدول! ومرحلة استفادة الطرف الثالث تنتهي عندما يقرر أحد الطرفين الاقتراب من الطرف الثاني، وعندها يصيران أقرب لبعضهما من المسافة التي بين أي منهما والطرف الثالث؛ فالحل الأمثل فيما يخص العلاقات الزوجية تحديدًا أن تبقى زوجية، فلا طرف ثالث في العلاقة.

لكن قد يذهب الطرف الثالث ويبقى الخلاف! بسبب عدم قيام الطرف الذي ينبغي عليه أخذ زمام المبادرة بدوره، أي تتحول المشكلة من مشكلة "طرف ثالث" إلى مشكلة "عدم إدراك متطلبات الدور الاجتماعي"؛ وفي العلاقات الشخصية، فإن كثيرًا من المشاكل في هذا النطاق تنشأ من عدم قيام الرجل بدوره الاجتماعي. إذًا، فقد تبقى المشكلة قائمة لأن التسامح بين الطرفين قد يحدث مع استمرار التباعد، ويظل التباعد قائمًا ما لم تحدث المبادرة من الطرف الذي ينبغي عليه أن يبادر. وجانب كبير من مشكلاتنا الاجتماعية -على تنوعها- ينبع من عدم تربيتنا على أخذ زمام المبادرة فيما ينبغي علينا أن نبادر نحوه. سبق وأن ناقشت تلك القضية من قبل، والتي تتصل بتحولات مفهوم "الدور الاجتماعي الذكري" في مقال سابق. وباختصار، فإن كثيرًا من الرجال في المجتمع المصري حدثت لهم طفرة اجتماعية سلبية غيرت طريقة تعاملهم مع النساء، فلا احترام للمرأة ولا مبادرة نحوها!

وعودة إلى الأنانية في الحب، والتي تجعل الأناني يقدم مصلحته على مصلحة من يدعي حبه، وهي من أكثر أشكال النفاق الاجتماعي شيوعًا؛ ويلزمنا لنفهمها أن نتعرف إلى مفهوم نفسي يُعرف باستحقاق الذات Self entitlement، يعني أن لدى شخص ما شعور بالثقة أن من حقه امتيازات فوق الآخرين، تظهر في توقعات غير منطقية عما يحق له الحصول عليه، سواء تمثل ذلك الحق في معاملة خاصة أو موارد إضافية، ومهما يأخذ يريد المزيد، وإعطائه ما ليس من حقه مرة هو تعزيز لهذا السلوك وسبب رئيسي في استمراره حتى يتحول لوحش.

وفي العلاقات الاجتماعية قد يستشعر مثل هذا الفرد بأن من حقه أن يتدخل في تسيير حياة الآخرين بما يضمن تحقيق مصالحه كأولوية قبل مصالحهم! فهؤلاء الأفراد يفتقدون التعاطف ويتسمون بسلوكيات أنانية غير مسئولة، ويمكن أن تبرز في أشكال عديدة، كمن تريد ابنتها بجانبها فتلحقها بجامعة متواضعة حيث تعمل في دولة خليجية بينما البنت بإمكانها أن تلتحق بجامعة أفضل بعيدة عن الأم، ومن تريد أن تُطلق ابنتها كي لا تكون بعيدة عنها! وغيرها من الحالات. وأغلب هذه السلوكيات الاجتماعية غير الواعية تصدر عن نساء وليس رجال! وما أفهمه أن الحب الحقيقي يجعلني أقدم مصلحة من أحب وليس مصلحتي، بينما أمثال هذه الحالات هي حالات حب للنفس واستحقاق للذات توضح درجة منخفضة للغاية من النضج الانفعالي، ودرجة أكثر انخفاضًا من الذكاء.

إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا!

قال أجدادنا: الشر الحقيقي ليس في العدو الظاهر بادي العداوة، بل الشر فيمن يظهر المحبة ليتقرب منك ويؤذيك، والأكثر شرًا من لا يحتاج إلى التقرب لأنه قريب! ويُفسد ما بينك وبين الناس، وهو يدعي أنه يناصرك ويساعدك في تحقيق أهدافك!

والعاقل من يعيد تقييم الناس من خلال مواقفهم أولًا بأول، ويتساءل: هل فعلًا أدى ما يفعلونه إلى تحقيق أهدافه أم أنهم على العكس جعلوها أبعد منالًا؟! ولا يغتر بما يظهرونه من مؤازرة باللسان تعاكس الفعل. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾.

خواطر جاءتني بعد مراجعة مشكلة لحالة عُرضت عليّ، تسببت فيها عقربة من ذوات القرابة لصاحب المشكلة، ثم تسببت في تفاقمها، بينما هي تدعي الإصلاح!

***

منذ أكثر من خمسة عشر عامًا اختلفت إحدى صديقاتي المقربات مع زوجها خلافًا كبيرًا، وصل إلى أن تركت منزل الزوجية وانتقلت للإقامة في منزل والديها.

لا أتذكر أي تفاصيل عن أسباب الخلاف، ولا إن كان يستحق ردة فعلها أو لا. لكن كأي زوجين محبين، وبينهما عشرات المعارف المشتركين كان من الطبيعي أن يلين موقفهما بعد فترة قصيرة، وصار جميع معارفهما يلمس منهما الرغبة في الصلح، لكن الغريب أنهما لا يصطلحان!

كانت حماتها وبعض المقربين منهما يذهبون لإعادتها إلى بيتها، فما تلبث أن تشتعل الجلسة، وترفض أن تعود معهم! وزوجها بعد أن كان يتمنى عودتها، بدأ يسترجع عيوبها ويعددها! وتكررت محاولات الإصلاح المزعومة عدة مرات.

أذكر بعد ما تكرر هذا السيناريو أني قلت لها: من يحضرون إليكِ مدعين الرغبة في الإصلاح أحدهم نيته غير سليمة. الشيخ الشعراوي في تفسير الآية ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ قال: لو رأيتموهما لا يصطلحان اعرفوا أن من يتدخلون بينهما أحدهم على الأقل لا يرغب في الإصلاح.

بعد حديثي معها بأيام فوجئت بأنها رجعت بيتها، وسألتها عما حدث. قالت لي: كلامك كان صحيحًا، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾، المشكلة فيمن كانوا يتدخلون. وتابعت: بالأمس أخو زوجي جاءنا ومعه فلان، ولا أعرف حتى الآن ما الذي حصل، فبعد أن كان مخي مغلقًا ولا أقبل فكرة الصلح، وجدتني أهُم بجمع متعلقاتي وأعود معهم لبيتي!

بعد هذه الواقعة رأيت في حياتي حالات كثيرة مشابهة، لا تقتصر على الصلح بين زوجين، فيمكن أن يكون مثلًا صلحًا بين أصدقاء أو حتى صلحًا بين أم وابنتها، أو طرفين يتعرفان وهناك جس نبض لمشروع زواج. وفي كل حالة كانت المساعي فيها تفشل، كان دائمًا ما يوجد أشخاص تدعي الإصلاح والتقريب بينما أفعالهم وأقوالهم تخرب وتوقع بين الطرفين، وتنخر في العلاقة نخرًا قد لا يُرجى بعده صلاح.

ولا يُشترط أن يكون من تصدر عنه هذه السلوكيات يفتقد الهناء في حياته، فهناك صنف من البشر يزعجه أن ينعم غيره بفضل الله ونعمه، أيًا كانت نوعية الفضل والنعمة، ويستكثرها عليه، وقد لا يمانع في محاولة تخريب حياة الآخرين، أو إشعارهم بأن ما هم فيه من نعمة ضئيل. يريد أن يشعر أنه الأفضل، حتى لو صار مثل عواجيز الفرح لا يعجبه شيء، أو بالأدق يدعي أنه لا يعجبه شيء.

استراتيجية الإلهاء (شُفت العصفورة)!

ردًا على تساؤل جاءني عن تنبيهي المتكرر في طيات بعض مقالاتي لضرورة وضوح الهدف تارة، وضرورة التركيز على مصدر المشورة تارة أخرى.

أقول: لعل كثيرين قرأوا عن استراتيجية الإلهاء التي تحدث عنها ناعوم تشومسكي، والتي تستخدمها بعض الحكومات للمحافظة على تشتيت اهتمامات العوام بعيدًا عن مشكلاتهم الحقيقية، لأنهم لو أفاقوا وانتبهوا وحددوا مشكلاتهم الحقيقة، وعرفوا السبيل الحقيقي إلى حل تلك المشكلات، فليس هذا من مصلحة تلك الحكومات. لكن أغلب الناس لا ينتبهون أن هناك من البشر من يفعل ذلك بنفسه في حياته الشخصية، أو يسمح لمستشاري السوء أن يفعلوه به!

عندما تواجه مشكلة وترغب في حلها، تذكر أن ليس المهم أن تفعل، بل المهم أن يكون لما تفعله قيمة، وإلا فإنك ستبقى تحرك قدميك في المكان ذاته، ولن تتقدم خطوة. وكما أن تشخيص الداء بشكل صحيح خطوة مهمة، فإن وصف الدواء الفعال خطوة لا تقل أهمية، فإن حاولت معالجة الداء بطريقة خاطئة قد تقضي على المريض وليس على العلة!

على سبيل المثال: رجل لديه خلاف مع زوجته التي يحبها وتحبه، بسبب موضوع جوهري، والعلاقة بينهما على مشارف الطلاق النهائي، وقد تركت له المنزل، بينما هو منشغل بمحاولة التواصل معها من خلال حسابات وهمية على الفيسبوك، وكلما أوقفت التعامل مع حساب من حساباته تلك لشكها فيه، التف ليتواصل معها من حساب آخر! وعندما طلب مشورتي رغبة منه في إصلاح علاقته بزوجته، وصارحني بما يفعل، والذي لم أكن أتخيل أن يصدر عن رجل مثله، نصحته بأن علاقته بزوجته لن تنصلح باستخدام هذا الهراء، فليس أكثر من إضاعة للوقت ولا عائد من ورائه، وعليه أن يتعامل معها من خلال شخصيته الحقيقية، لكنه لم يعبأ، ولا زال يركز على سلوكياته غير الناضجة! والنتيجة أن العلاقة بينهما تتدهور من سيء لأسوأ، على عكس ما يرجو!

والذي اكتشفته أنه لا يتمسك بتلك الأفعال الخرقاء فقط لأن انتفاخه وغطرسته تمنعانه من التعامل مع الموقف بإيجابية، ولكن وراء تمسكه بهذه السلوكيات ابنته المراهقة من زوجته الأولى التي تنصحه بها، معللة له الأمر بأن عليه أن يتأكد من كذا أولًا ثم كذا من خلال حواراته مع زوجته ومتابعته لها عبر الحسابات الوهمية! وتجعله كذلك يعزف في المقابل عن أي سلوك ناضج من جهته يمكن أن يصلح العلاقة الآيلة للسقوط، وهي تفعل ذلك عن وعي تام فيما يبدو لي، ومن ثم فهي بدلًا من أن تظهر له عدم موافقتها له على إعادة المياه إلى مجاريها مع زوجته، تستخدم معه استراتيجية الإلهاء بخبث وكيد نسوي مبكر ليبقى منشغلًا وملتهيًا بتفاهات!

حقيقةً، أصبحت أشعر في الآونة الأخيرة أن كل المشكلات الاجتماعية تبدو متشابهة بشكل أو بآخر من حيث مسبباتها، وإن اختلفت التفاصيل!

وقيعة تكنولوجية!

يبدو أن التطور التكنولوجي كما أسهم في تحسن تواصلنا الاجتماعي على نحو إيجابي، فإنه قد تسبب في الوقت ذاته في تطور جميع أشكال خبائث التواصل الاجتماعي، ومنها الوقيعة.

من أغرب محاولات الوقيعة التي حُكيت لي مؤخرًا، استخدام الحسابات الوهمية للوقيعة! وإليكم هذه القصة:

فتاة منافقة خبيثة تسعى إلى تخريب وتدمير علاقة صديقتها بخطيبها السابق، والتي كانت سبب خرابها منذ البداية –كما تكشف الآن-، وتريد أن تتأكد أنه لا يُرجى لتلك العلاقة انصلاح. قامت بعمل حساب وهمي على موقع الفيسبوك باسم رجل، ومراسلة صديقتها من خلاله، ثم أقنعت صديقتها أن هذا الحساب بلا شك لخطيبها السابق، وأنه يريد أن يجس نبضها لإعادة المياه إلى مجاريها، ثم أرسلت لها عبر الحساب الوهمي بطاقات حب، ورسالة فيديو محملًا بكلمات جميلة، تنتهي بأن تطلب من المرسل إليه إعادة إرسال الفيديو مرة أخرى للراسل إن كان يحبه.

كان المفترض وفقًا لمخطط الخبيثة أن تعيد الفتاة الطيبة إرسال الفيديو لذلك الحساب، ظنًا منها أنه حساب خطيبها الذي يطلب الصلح، لتقوم الخبيثة بإطلاع الخطيب على صور المراسلات بعد ذلك، لتبدو الصديقة الطيبة في عينه خائنة، تحاول جذب انتباه رجل آخر! لكن حدث ما جعل الفتاة الطيبة تكشف الحيلة.

نصيحتي الأثيرة للفتيات على وسائل التواصل الاجتماعي: تعاملي مع الظاهر، وطالما أن الحساب ليس حساب خطيبك أو زوجك، لا تدعي أحدًا يوهمك أن الحساب له، أو أنكِ يمكن أن تردي بطريقة تختلف عما يلزمك أن تردي بها مع الغرباء.

عريس بالإكراه!

في مقال سابق لي باسم "الأفكار والأفعال.. أيهما يؤثر في الآخر؟!" تناولت تلك الفرضية التي يفترضها علماء النفس عن وجود صلة بين المعرفة والسلوك، وقلت إني مع النظرة القائلة بأن تفكيرنا يتحكم في سلوكنا.

تذكرت هذا المقال بسبب موقف حُكي لي عن أم متعلمة جامعية لديها ولد وثلاث بنات. البنات الثلاث لا ينقصهن أي شيء؛ جميلات ومتعلمات تعليمًا راقيًا، ومنفتحات اجتماعيًا مع حُسن خلق، والثلاثة رافضات زواج الصالونات وتعتبرنه تمثيلية اجتماعية. ومن يعرف هذه الأم سيجد أنها دائمًا تتكلم عن حرية بناتها في تقرير أي شيء يتعلق بحياتهن، وأنها تحترم قراراتهن. اثنتان من البنات يعملن خارج مصر، أما الثالثة فهي من كان حظها أن يحدث لها الموقف الذي سنحكي عنه مع الأم.

في أحد الأيام تحدثت الأم مع ابنتها تلك حول أن هناك لقاء عمل ضروري ستحضرانه، وتفننت في إقناعها دون أن تجعل الشك يتطرق إليها بأنه لا يوجد أي غرض آخر لهذا اللقاء غير الحديث في مهمة العمل المتعلقة. وكأي شخص عملي ناجح جهزت الفتاة أوراقها واستعدت وفقًا للغرض المعلن، لكنها ومنذ أول لحظة في الجلسة مع الشخص الذي يُفترض أن يتفاوضوا معه بشأن العمل، فوجئت الفتاة بمحاولة من الأم لتغيير مسار الحوار والحديث عن الشخص نفسه! هنا فقط أدركت الفتاة أنها تعرضت لخدعة محكمة من أمها لتوريطها في زواج صالونات! وفي لحظة أخذت الفتاة القرار؛ أنا جئت لأجل الحديث عن العمل، ولم يُخلق من يضعني في موقف لا أرغبه، ويتصور أنه ورطني، ولو كان أمي.

تحكي لي الفتاة فتقول: في فيمتو ثانية قاطعت كلامها التعريفي عنه، وكيف أنه يطبخ لنفسه لأنه عازب ووو.... وكأني لم أفهم هدفها الحقيقي من اللقاء، وحمدت الله أن الأمر لم يكن كذبة برُمته، وأن هناك مهمة عمل بالفعل يمكن أن نتحدث عنها، وفردت الأوراق أمامي، وبدأت أناقش المهمة، وأكملت الجلسة كلها مثلما من المفروض أن تكون، وأنهيت الموقف على هذا النحو!

تقول الفتاة: أنا لا أعرفه، ولا يهمني أن أعرفه. المبدأ مرفوض في حد ذاته بالنسبة لي. وهو ليس مخطئًا، بل الخطأ يقع فقط على أمي، والتي التزمت الصمت تمامًا، وتجنبت الحديث في الموضوع وكأنها لم تدبر لشيء! مستغلة أن مهمة العمل حقيقية، وأنها تمت بالفعل.

قد نتفق مع الفتاة أو نختلف في رأيها من زواج الصالونات، لكن الأهم هو موقف الأم والتناقض بين أقوالها وأفعالها؛ بمعنى أن من يسمع كلامها عن حق بناتها في تحديد خياراتهن في الحياة، وطالما هن رافضات زواج الصالونات فهن أحرار، لا يرى ترتيبها المحكم للموقف واستدراج البنت للحضور لهدف آخر رئيسي غير الهدف الذي أخبرتها به.

ولعل من إشكالياتنا الاجتماعية الرئيسية في مصر أن المحيطين والمقربين –خاصة القرابات من النساء- لا يرون أن محاولة البحث عن عريس أو عروسة مناسبة سواء للفتيات والشباب -مع عدم ترحيب هؤلاء الشباب بذلك- يعد انحشارًا في حياتهم الشخصية! وكم من حالة قابلتني لشباب وفتيات تصادفهم سلوكيات عجيبة من بعض المحيطين بهم، يعجزون عن تفسيرها في البداية، ليكتشف الشاب بعدها أن فلانة تظنه خطيبها المستقبلي لأن أمه جسّت نبض أمها بشأن زواجهما! وتجد فتاة أن سيدة لا علاقة بينهما، تحاول خلق حوار عجيب معها، تكرر فيه كثيرًا اسم امرأة، وهي تتغامز وتتضاحك! بينما الفتاة لا تفهم ما يجري! لتعرف الفتاة بعدها أن أختها تتحدث مع تلك المرأة التي ذُكر اسمها عن عريس لها، بينما هي آخر من يعلم حرفيًا!

أعود لأقول: أفكارنا يجب أن تتغير أولًا لتتغير سلوكياتنا، وإلا سندخل في شكل من أشكال النفاق الاجتماعي، وادعاء اقتناعنا بأفكار لا نؤمن بها.

 

د. منى زيتون

 

عبد السلام فاروقثمة مخاوف وتساؤلات حول مصير الصحافة الورقية نشأت بسبب ذلك الهجوم الكاسح والنجاح الهائل والمتواصل للصحافة الإليكترونية، بحيث باتت تمثل عفريتاً أو لصاً بإمكانه أن يسرق من الصحافة الورقية عرشها التاريخى .. فهل من الممكن أو من المقبول أن يحدث مثل هذا الأمر فى مصر؟

مخاوف لها أساس

المهتمون بالصحافة المصرية لديهم كل الحق فى أن يشعروا بالقلق والخوف من تراجع دور الصحافة الورقية إلى درجة الانهيار أو الاندثار، ليس فقط بالنسبة للصحف المستقلة بل والقومية، بعضها أو جميعها، وهناك مرتكزات وأسباب لهذه المخاوف:

1- إن هناك صحف عالمية قررت إيقاف طباعة النسخ الورقية بالفعل والاكتفاء بالنسخة الإليكترونية مثل صحيفة "الإندبندت البريطانية" .

2- صحف أخرى عالمية واسعة الانتشار غدت على حافة الإفلاس مثل "اللوموند الفرنسية" بسبب ضعف مبيعات النسخ الورقية رغم نجاح النسخ الإليكترونية وسعة انتشارها .

3- تراجع توزيع الصحف القومية والمستقلة المصرية مؤخراً بدرجة مثيرة للهلع، مع ارتفاع تكلفة الطباعة، بحيث صارت تمثل عبئاً مالياً سببها الفجوة المالية بين التكلفة الفعلية وسعر البيع .

4- تراجع عائدات الإعلانات لأسباب كثيرة تتابَع حدوثها خلال السنوات الأخيرة .

أزمات ومتاعب ومشكلات

لا يوجد من لا يعانى من أزمات ومتاعب ومشكلات سواء على المستوى الفردى أو الجماعى أو المؤسسي أو الدولى .. ولا توجد مشكلات تستعصى أو تستحيل على التحليل أو التحايل أو الحل .

هناك عشرات المشكلات والمعوقات مرت بمهنة الصحافة منذ نشأتها، وتم تجاوز المعوقات وتحقيق المنجَزات . ثم إذا بالصحافة تصادف رتلاً من المشاكل المتفاقمة والأزمات المتلاحقة، وإذا بالبعض يدعى أنها القاصمة وأن الاستسلام للمصير المظلم هو الحل الوحيد !

وليس من قبيل المبالغة القول بأن الصحف القومية هي بمثابة رموز قومية أو كنوز وطنية لا ينبغى التفريط فى شئ من مكتسباتها التى تراكمت على مدى أجيال مضت . لأن الأمر يتجاوز مسألة المطبوعة أو الصحيفة المنشورة، فليست الصحافة المصرية مجرد كلمات وأخبار تُكتب، وأوراق وأحبار وأخبار تُطبع ثم توزَّع، بل هى صروح تاريخية ارتقت عبر الأجيال المتعاقبة، وإن محاولة هدم تلك الصروح أو أجزاء منها يشبه محاولة هدم برج القاهرة أو أجزاء من أبى الهول .

لذلك فإن الحرص على الصحافة القومية ومكتسباتها ومؤسساتها مهما كانت الخسائر والأثمان المؤقتة أمر فى غاية الأهمية، ليس لهذه المؤسسات فقط، وإنما للدولة المصرية بأسرها ومكانتها الإعلامية والسياسية .

فلا يجب مثلا المساس برموز صحيفة قومية كالجمهورية أو الأخبار أو الأهرام، ولا ما يتعلق بها من مؤسسات فرعية وإصدارات دورية، لأنه يعد مساساً بقيمة مصر الثقافية والتراثية ومكانتها التاريخية التى لا تنال إلا بمثل تلك الروافد المهمة من القوى الناعمة ذات التأثير الإقليمى والعالمى الممتد .

لكن الاعتراف بوجود أزمة تواجه مستقبل الصحافة الورقية هو اعتراف ضرورى ومطلوب، لكن ليس من أجل وأدها واغتيالها، وإنما لمحاولة إحيائها وبعثها من جديد ثم تطويرها وإعادة تدويرها على النمط العصرى الحديث . نعم لا ينبغى التكتم على الأزمة أو تجاهل المعضلة كأنها بلا وجود . لكن الحديث عن مصير حتمى مخيف تنساق إليه الصحافة الورقية هو حديث متسرع مجافى للمنطق السديد والحكمة السياسية الرشيدة .

أوراق فى مهب الشهب

تعرضت الصحافة الورقية خلال السنوات الأخيرة الماضية لألوان من المتاعب والأزمات تحدَّث عنها المراقبون للشأن الصحفى والملامسون للأزمة عن قرب، ويمكن تصنيف هذه المتاعب وتلخيصها فيما يلى:

1- أزمات مالية:

عدد من المشكلات المالية برزت واستفحلت فى مواجهة المؤسسات الصحفية لعل أهمها:

- تراجع المبيعات وانخفاض التوزيع بنسب تجاوزت 50% عما كان قبل بضع سنوات مضت.

- مؤسسات صحفية قومية كبرى بدأت تعانى من ديون متزايدة نتيجة لذلك، والأمر مستمر ويزداد .

- الفجوة الكبيرة بين التكلفة وسعر البيع بالنسبة للمطبوعات اليومية والدورية .

- قرارات وتشريعات فاقمت الأزمة كقرار تحرير سعر الصرف، مما سلب من الصحف دخلاً سنوياً كبيراً يقدر بالملايين .

- ارتفاع تكاليف الطباعة والخامات بسبب التضخم .

- تراجع عائدات الإعلانات لأسباب كثيرة كالقرارات العشوائية ووجود بدائل أقل تكلفة مثل وسائل الإعلام الإليكترونية .

2- أزمات فنية:

تزامنت المشكلات المالية للصحف مع مشكلات داخلية فنية من أهمها:

- تفشى المحسوبيات والبيروقراطية بين أروقة العمل الصحفى مما أنهك المهنية فى الأداء.

- الاتجاه نحو أساليب صحافية تضعف الأداء الفنى كاللجوء لأسلوب الصحافة الصفراء المفتقرة للمصداقية أو غير الملتزمة بأخلاقيات المهنة، أو الاتجاه نحو الإغراق فى التدنى اللغوى .

- غياب الأسماء الأدبية والصحفية الكبرى من كتاب لهم جماهيرية كما كان فى الماضى .

- تسرب الأخطاء اللغوية للمحتوى الصحفى بعد أن كانت الصحف بمثابة المرجع اللغوى والأدبى الأول للقراء.

- الفجوة الهائلة بين المستوى الفنى للصحف شكلاً ومضموناً وبين الصحافة العالمية أو حتى الإقليمية . كما أن الصحافة الإليكترونية تتمتع بمزايا كبرى تجعل طريقة العرض والشكل المبهر الجذاب لعيون المتابعين لا يكاد يقارن بالشكل الروتينى الكئيب للصحف المقروءة، مما أدى إلى عزوف القراء عن متابعة الصحف وانصرافهم نحو الصحافة الإليكترونية عديمة التكلفة والأكثر جاذبية.

- بروز عيوب فنية لم يكن ينبغى أن تتسلل للصحافة القومية كتدنى مستويات الدقة فى النقل والمصداقية فى المصادر والتحرير والجمود فى المحتوى والإملال والروتينية فى اختيار المانشيتات بحيث باتت وجبة الصحافة وجبة ثقيلة على رأس وعين القارئ .

3- أزمات قهرية:

هناك أزمات أخرى حدثت بسبب مؤثرات خارجية عامة، أصابت كل المؤسسات الاستثمارية أو الحكومية الأخرى، ومنها المؤسسة الصحفية، مثل:

1- مؤثرات إقليمية:

- بزوغ الصحافة الإقليمية فى ثوب تنافسى أقدر على غزو السوق العربى، وظهور دور للأموال الخليجية التى تجتذب الكوادر المصرية المتميزة من الفنيين والعمال والإعلاميين، ما يؤثر سلباً على واقع الصحف المصرية داخلياً .

- السباق الإعلامى الإقليميى المحموم لم يعد فى صالح الصحافة المصرية بصفة عامة بسبب الفجوة التمويلية .

2- مؤثرات محلية:

- أزمة الدولار وتراجع سعر صرف الجنيه المصري بسبب التعويم .

- ارتفاع التضخم وزيادة أسعار الخامات كالورق والأحبار .

- قرارات وتشريعات متسرعة تصب ضد مصلحة المؤسسات الصحفية .

- المتغيرات السياسية محلياً وإقليمياً .

3- أزمات عالمية:

- انسحاب البساط من تحت أقدام الصحافة الورقية لصالح الصحافة الإليكترونية هو أزمة عالمية، غير أن دولاً أخرى استطاعت أن تخلق حلولاً وتحتال على الأزمة فى حين ظللنا نمارس سياسة رد الفعل دون إحداث فعل استباقى .

آفاق الحل

الانطباع العام السائد أن هذه الأزمة شبيهة بالنار تحت الرماد لا يشعر بها إلا القريبين منها، ولهذا لا يتحدث عنها إلا القليل، ولا يقترح لها حلولاً إلا أقل القليل، ما يعنى أنها لم تبرز للسطح ولم تشكل بعد قلقاً عاماً داخل الوسط الصحفى، ربما لأن لسعة الرماد باردة، وربما لأن البعض اختار أن يدير ظهره لأزمة لم تولد بعد .

لكن الحلول موجودة دائماً فقط لو توافرت الإرادة والإدارة لإيجاد حلول استباقية قبل أن تعلو الجذوة من باطن الرماد ويمتد لهيبها فى سرعة لا يستطيع أحد ملاحقتها .

ويمكننا هنا طرح بعض الخطوط العريضة لفك رموز الأزمة تمهيداً لحلها أو حلحلتها خلال فترة زمنية محددة طبقاً لخارطة طريق متفق عليها بين الجماعة الصحفية وحكمائها .

وفيما يلى نستعرض بضع مقترحات ربما تمثل خطوطاً عريضة لها ما بعدها:

1- لا بد من تفكيك المشكلة إلى أجزاء صغيرة يسهل حلها، بحيث يتم الاستعانة بالمتخصصين لدراسة كل جزئية على حدة كل فى تخصصه . فالمشكلات المالية يعالجها مختصون واقتصاديون داخل المؤسسة الصحفية وخارجها، والمشكلات الفنية يعالجها أكاديميون وخبراء فى الأداء الصحفى والإعلامى "كالشكل والأداء المهنى وجودة المحتوى والمنتَج الإعلامى التنافسى" .

2- طرح الأزمة على نطاق أوسع بين جميع العاملين فى مهنة الصحافة فى شكل جلسات نقاشية مستمرة، مع الاهتمام أكثر بآراء حكماء وشيوخ المهنة حتى ممن تركوها بعد سن المعاش أو ما شابه، كذلك الاهتمام بآراء من يعملون بكواليس الصحافة كالإداريين وعمال المطابع والتوزيع، فربما كانت لديهم زوايا رؤية وآراء قيمة يغفل عنها آخرون .

3- البحث عن حلول غير تقليدية خارج الصندوق من خلال جلسات العصف الذهنى والفكرى لأصحاب الحلول والرؤى والأفكار الجادة .. ثم تفريغ نتائج الجلسات لاختيار الحلول المناسبة وتنفيذها تباعاً .

 

عبد السلام فاروق

 

من المعروف ان المراهقة هي المرحلة العمرية الممتدة بين الطفولة والنضج، وتختلف هذه المرحلة من شخص لاخر ومن بيئة لاخرى من حيث الجنس والتنشئة الاجتماعية كل حسب مجتمعه..

كل واحد منا مر بتلك المرحلة الصعبة التي مرت بسلام عند بعضنا في حين احدثت شرخا عانى منه البعض الاخر ماتبقى من حياته..

ومما لاشك فيه ان هذه المرحلة تعتبر من اخطر المراحل العمرية لما لها من تاثير على شخصية المراهق/ة،، فهي المرحلة التي تشهد ثورة فسيولوجية ونفسية تحدث اضطرابا ملحوظ عند المراهق/ة اذا لم يتم التعامل معها بحكمة فانهة كفيلة بان تترك اثارها السلبية فيما بعد..

ان المراهق/ة في هذه المرحلة يكون حساسا جدا تجاه المواقف والعبارات الموجهه اليه، اذ يقوم بتاويل اي كلمة او نصيحة حسب مزاجه، فتراه تثور ثائرته عندتوبيخه او توجيه نصيحة ما اليه، اومطالبته بالدراسة، او الاقلاع عن ظاهرة جديدة عليه كالملابس الغريبة التي يعتبرها موضة، او قصة الشعر، او النطق بكلمات سوقية تحت اي بند، اوالاصرار على صديق يراه الاهل غير مناسب، وهكذا، فتراه يخترع الاكاذيب لتمرير موقف مابل ويصر على ان تصرفه صحيحا والاخرين كلهم على خطا..

ومن هنا تبدا العقدةالتي تتطور الى مشكلة ثم الى معضلة في ظل اصدقاء السوء الجاهزين دائما لاسداء النصائح الهدّامة وجعله يشعر بانه مضطهد من قبل اهله وان عليه التمرد لاثبات شخصيته وبانه لم يعد طفلا حتى وان كان ذلك برفع صوته اوفعل اي شئ يثبت به وجوده كالتهديد بترك البيت او ايذاء نفسه وقد يتفنن بهذا الامربوجود،  الوجه الاخر للنت الذي يجد المراهق/ة فيه ضالته لاقناع نفسه حتى وان كان مخطئا، ناهيك عن ان مدة اصغاءه واستيعابه للنصح التي لاتتعدى العشر دقائق بعدها يبدا بالتذمر واشغال نفسه باي امر، اي انه يتصرف كحاضر غائب يتظاهر بالاستماع في حين انه شارد الذهن يرتب لامر ما في ذهنه، اي حجة للخروج، اختلاق كذبة ما، اوالتمارض كي لايؤدي الامتحان وهكذا..

ان التعامل مع المراهق/ة امرا ليس سهلا ابدا بل يتطلب حكمة وصبر وموضوعية ونفس طويل لاحتواءه، وذلك يتم عن طريق:

1- مصادقة المراهق/ة من قبل الابوين واحتواءه باسداء النصح عن طريق الايحاء وليس مباشرة، وان يكون تحت انظارنا من بعيد او من قريب.

2ه -الابتعاد عن مقارنته باقرانه لان ذلك يشعره بالنقص.

3-عدم توجيه الانتقاد اللاذع خصوصا امام الاخرين لان ذلك يكسر نفسه ويجعله يشعر بالخجل.

4-الاستماع اليه ومحاولة مشاركته مشاكله مهما كانت، واشعاره بان هناك ملاذ امن يمكنه الرجوع اليه حتى وان كان مخطئا لحل مشاكله لئلا يقع باخطاء كبيرة يتعذر عليه حلها بمفرده.

5- معاملة جميع الاخوة والاخوات بنفس المعاملة دون اي فروق، وذلك هو الخطا الكبير الذي يقع فيه الابوين، فتراهم يجلون الابن الكبير ويبالغون بتدليل الصغير، وتلك مشكلة كبيرة تؤثر سلبا بنفس المراهق/ة.

6- اعطاؤه مساحة من الحرية المشروطة، والابتعاد عن الضغوطات الخانقة التي ستقوده فيما بعد الى التمرد والثورة.

7- اعطاؤه ثقة مع مراقبته من بعيد اي اننا نعطيه ثقة وان كنا لانعتمد على تلك الثقة، لكن علينا ان نشعره بانه مسؤول عن نفسه التي هي وديعة عنده لكي نعززفيه الثقة بنفسه وبالاخرين.

8- خلق وتشجيع موهبة ما يجد فيها متنفسا له في اوقات فراغه وقد تعود عليه فيما بعد بالنفع وتكون مصدردخل ثان يعتمد عليه في حياته..

واخيرا ان تنشاة الطفل من البداية تنشاة صحيحة قائمة على الاحترام المتبادل والثقة حتما ستمتد الى مراحل المراهقة والنضوج فيما بعد، اي ان نجعل نفسه تمنعه من الخطا والانحراف، بتعزيز الوازع الديني والاخلاقي عنده منذ الصغرلان "التعلم في الصغر كالنقش على الحجر" وذلك بزرع قيم الفضيلة عنده وبذلك نكون قد حصنّاه ضد كل انواع الرذيلة، قال تعالى"ونفس وماسواها فالهمها فجورها وتقواها قد افلح من زكاها وقد خاب من دسّاها"..الشمس

 

مريم لطفي

 

أن تَكتُب عن التجدّد الحضاري يعني أن تَكتُب عن الإنسان والوطن والزمن، وفي الوقت عينه عن المستقبل والحاضر والماضي. ولكلّ من هذه الأقانيم معضلاته ومشكلاته في وطننا العربي الكبير.

فالإنسان العربي مٌمزّق بين هُويّة  يَنشدُها ويبحث عن طريق لتحقيقها، وهي الهويّة العربيّة الجامعة والحضاريّة، وبين هويّات تُفرض عليه فيعيشها رغماً عنه كالهُويّات الطائفيّة والمذهبيّة والمناطقيّة والإثنيّة، أو هُويّات يتعايش معها كالهُويّات الوطنيّة القُطْريّة التي ترسّخت على مدى عقود ما بعد الإستقلال.

والإنسان العربي ينشد الوحدة لكنّه يعيش التمزّق . وينشد التقدّم لكنّه يعيش التخلّف بأسوأ مظاهره. وإذا كان لجيلنا أن يعايش عصر المدّ القوميّ أو بعضاً من تجليّاته في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، فإن الجيل الحالي يعيش، ليس فقط داخل أسوار وطنه الصغير، بل في قمّعة الطائفة والمذهب والعرق والمنطقة. واذا كان لجيلنا ان يرفع رأسه مُفاخراً برحيل الإستعمار، فإن الجيل الحالي يشهد عودة هذا الإستعمار بطلب من بعض ممن يدّعون الحريّة والسيادة والإستقلال أو بسبب إرتهان بعض الأنظمة له.

لقد عاش جيلنا عصر المدّ القوميّ العربيّ بإيجابيّاته الكثيرة وسلبيّاته، بنجاحاته واخفاقاته، وسلعد على ذلك تعليم الشباب الجامعي في اغلب تخصصاته وجامعاته مادّة عنيت بالجغرافيا السياسية والاقتصادية والمعرفية للوطن العربي منم محيطه الى خليجه.. أمّا الجيل الحالي فإنه بعيد كل البعد عن دراسة هذه المادّة موضوعيّا وعلميّا، فضلاً عن أنّه يعيش اللحظة الراهنة من خلال إغراقه بسيل من المعلومات والأخبار التي يبثها الإعلام بمختلف وسائله وعبر وسائل التواصل الإجتماعي، دون أن يدري ابناء هذا الجيل أن وكالات الأنباء الأساسيّة في العالم التي توزع المعلومات والأخبار الأساسية على مدار الساعة هب وكالات مملوكة من قبل كارتيل إعلامي وسياسي واقتصادي مرتبط بالصهيونيّة والاستعمار. وبالتالي فإن جُلّ ما يُقدّم الى الإنسان بعامّة، والى الإنسان العربيّ بخاصة، انما يأتي في اطار خدمة اهداف ومخطّطات القائمين على هذا الإعلام.

ويكفي ان نشير الى انه بعد احداث 11 ايلول 2001، استعرضت مساعدة وزير الخارجيّة الأميركي للشؤون التعليميّة والثقافيّة السيدة باتريشيا هاريسون، أمام لجنة الشؤون الدوليّة في مجلس النوّاب الأميركي، الجهود الديبلوماسيّة لسياسات الإختراق الثقافي في العالمين العربي والإسلامي. وقد جاء على لسان السيدة هاريسون أن الإستراتيجية تقوم على اساس التفاعل مع الجماهير الأجنبيّة لتعزيزتفهم هذه الجماهير للقيم والسياسات والمبادرات الأميركيّة، وتضيف لقد تمّ تعديل وجهة التمويلات بهدف الوصول الى النُخب ، لاسيّما المؤثّرين على الشباب، ابتداء من وزراء التربية الى المعلّمين الى رجال الدين. وتضيف السيدة هاريسون: إن مواد مكتب برامج الإعلام الخارجي المنشورة باللغة العربيّة تستخدمها السفارات الأميركية وتزّود بها الصحف والأكاديميّين والسياسيّين والإقتصاديّين،... وهناك اكثر من 140 زاوية أميركيّة تعمل ضمن برنامج "اميركان كورنر" في الجامعات او المكتبات تزّود الباحث بمعلومات عن الحياة في أميركا  وحول الحكومة الأميركيّة (1).

ولو بحثنا عمن يعدّ مناهج التعليم حديثاً في بلداننا العربيّة، لوجدنا بصمات البنك الدولي في غالبة . وقد جاءت نتائج هذه المناهج مخيّبة للآمال على مستوى جودة التعليم ومخرجاته في بُعديه الأدبي والعلمي. لقد قُيّض لي وانا استعدّ لكتابة هذا البحث المختصر ان اشارك في بحث آخر مع اخصائيين حول الواقع التعليمي في بعض الدول العربية الغنيّة، التي تَصرف على التربية والتعليم فيها ما يوازي ما تصرفه الدول المتقدمة، إلا أنها تحلّ في مراتب جد متأخرّة في السلّم التعليمي العالمي. وما ذلك الا بسبب المنهج التعليمي المُعتمد، مضافا اليه تسفيه مهنة التعليم، وتعظيم استقلاليّة الناشئة وشيوع وسائل التواصل الإجتماعي بغير ضوابط، والسقوط في براثن التعصّب والتطرّف أو في براثن الإستهتار واللامبالاة .

يشيرمدير مركز الحوار العربي في واشنطن الأستاذ صبحي غندور الى جزء مهم مما يجب ان يكون عليه المنهج التعليمي  لطلاب الإعلام فيقول:" يتعلّم طلبة كليّة الإعلام والصحافة في العالم أن الخبر الصحفي الجيّد او القصّة الإخباريّة السليمة بحاجة للإجابة على اسئلة:" من، متى، أين ، ماذا، ولماذا" ، فتكون الإجابات على هذه الاسئلة هي مصدر المعرفة الصحيحة ومعيار الأداء الإعلامي الجيد. لكن سؤال لماذا له اهميّة خاصّة ليس فقط في العمل الإعلامي بل ايضا في الحياة اليوميّة للناس وتحديداً في تربية الجيل الجديد" (2).

ومن خلال عملي الطويل في مجال التربية والتعليم أدرك تماما ان "الحشريّة العلمية" وحب الإستطلاع والتدقيق في المعلومات الحديثة والموروثة والتحقق منها وفيها، لا يكون بدون سؤال لماذا. وللأسف فإن أغلب مناهجنا التعليميّة هي تلقينيّة تقوم على القبول بما هو موروث، او بما هو مدّون،كما هو واعتباره من المسلّمات او من الحقائق المطلقة التي لا تقبل النقاش ولا حتى مجرد الشك او التساؤل، لا سيما تلك التي تتعلق بتاريخنا فتكون النتيجة ما قاله الدكتور ساسين عساف:" خطؤنا اننا لم نقرأ تاريخنا، بل قرأناه بعد ان قرأوه لنا، فنشأنا على عداوة له او قطيعة"(3).

أما الدكتور والشاعر والأديب الهندي محمد إقبال فيذهب أبعد من ذلك بكثير حول أهميّة وخطورة مضمون المنهج التعليمي فيقول: (إیّـاك أن تكـون آمنـًا علـى العلـم الـذي تدرسـه، فإنـه یسـتطیع أن یقتـل روح أمـّة بأسـرها ... إن التعلـیم هـو الحـامض الـذي یُـهذّب شخصـیّة الكـائن الحـي ثـم ُیكونّهـا كمـا یشـاء. إن هـذا الحـامض هـو أشـدّ قـوّة وتــأثیراً مــن أي مــادة كیمیائیـّـة ، وهــو الــذي یســتطیع أن یحــوّل جــبلًا شــامخاً إلــى كومــة تراب).(4)

وللأسف فإن وطننا العربي لا يُعاني فقط من سيئّات المناهج التعليمية المعتمدة ، بل انه يعاني من  هجرة الأدمغة العربية المميزة، بسبب عجز الأنظمة عن استيعابها والإستفادة منها في التنمية والبناء، ومن لم يهاجر من العلماء قضى قتلاً على يد المحتل أو مسجوناً في ظلمات المعتقلات، او عاش منعزلاً،  لأن السلاطين يفضلّون جهالة الأتباع على نصائح العلماء.

ان ارتباط التجديد الحضاري بمسألة العلم ليست اكتشافاً جديدا، فلطالما كتب المفكرّون مُحلّلين ومُفسرّين وناصحين، لكن المعضلة تكمن في عزلة أصحاب القرار السياسي عن إنتاج اهل العلم والفكر والمعرفة.

يقول الفيلسوف العربيّ مالك بن نبي أن (مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته، ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته ما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها) (5)، ويقول الدكتور محمد عابد الجابري ان " أزمة الإبداع في الفكر العربي المعاصر، هي ازمة بنيوّية.. انها ازمة ثقافة ارتبطت منذ بداية تشكّلها بالسياسة، فكانت السياسة فيها، لا العلم، هي العنصر المحرِّك، مما جعلها تخضع باستمرار لتقلّبات السياسة وتتأثر بنجاحها وإخفاقها وتنحطّ بانحطاطها" (6).

فيما يذهب الطيب برغوت الى الجزم " ان الجماعات البشرية كلها مسكونة بتحقيق نهضتها الحضارية، بل هي مجبرة على ذلك لارتباط حاجات حياتها ووجودها الحضاري بها، وكل ذلك مشروط بامتلاك الوعي الحضاري وارادة النهضة الحضارية وامكانات النهضة الحضارية"(7).

ويؤكد آخرون أن "مفهوم الحضارة وثيق الصلة بحركة المجتمع وفاعلية أفراده، سواء في إقلاعه في أجواء الرقي والازدهار، أو في هبوطه وتراجعه، ومن أجل ذلك ينبغي أن يتوفر فهم واع وفقه حضاري لكل من يتطلع إلى إعادة الأمة لمجدها الحضاري، ويحقق لها ازدهارها المنشود."(8)

ونحن كقوى شعبيّة عروبية نمتلك إرادة النهضة الحضاريّة ، وندرك أن لدى الأمّة امكانات كبيرة لهذه النهضة، لكننا نفتقر الى الوعي الحضاري الشامل وإلى الإرادة العربيّة الرسميّة التي تملك مفاتيح القرار السياسي والمالي والاقتصادي والتربوي والتعليمي للإستفادة من الإمكانات البشرية العربية او لتوظيفها في المواقع الصحيحة والمناسبة.

عليه، وكي لا نبقى في موقع الشكوى ورمي الأسباب على الآخرين، ولأن وطننا العربي يعيش في واحدة من اسوأ مرحله الحضارية في التعليم، ولأن التطوير الذي نشهده يغرق في المظاهر العمرانية والفنيّة والشكلانية على حساب الجوهر، ولأن اغلب المحاولات التجديديّة تأتي في سياق تقليد الحضارة الغربية ومعاييرها التنافسية التي لا تنسجم بالضرورة مع هويتنا ولا مع حاجاتنا، ولأن الأمم التي انطلقت في نهضتها التجديديّة كالصين واليابان وسنغافورة انطلقت من ميدان التعليم تحديدا بالإعتماد على الخصائص الوطنية لهذه الدول والأمم ، فإنني ارى ضرورة إيلاء قضايا التعليم اهتماماً اكبر، وان نضغط  جميعا لإصلاح المناهج  التعليمية ونسعى جاهدين للإبقاء على الأدمغة العربية المميزة في أوطاننا، وأن نوفّر لها مستلزمات البحث العلمي والتطوير بما لا يقل عن 3% من الناتج القومي، وان نجتهد في تقديم الإستراتيجيات المطلوبة لتطوير التعليم في وطننا العربي انطلاقا من الأسس التالية:

1- انتقال النظم التعليمية من مرحلة نقل المعرفة الى مرحلة انتاج المعرفة، وغرس مبدأ التعلم المستمر عند المتعلم  وبناء الحس النقدي عنده ، ودفعه الى الإبتكار والإبداع. ولا ينبغي ان يخدعنا ارتفاع نسبة الملتحقين بالتعليم لأن ذلك لا يعني بالضرورة تحسين جودة التعليم. فقد يكون الإهتمام بالكميّة بديلاً عن الاهتمام بالنوعيّة. اننا نتذكر جميعا الصورة الكاريكاتوريّة المعبِّرة التي جسدّتها مسرحيّة مدرسة المشاغبين قبل نصف قرن، فالطلاب عصابة والمعلّم متخلّف والمدير غبيّ وانتهازيّ.

2- بناء مهارات الإنسان العربي بما يتواءم ومنطلقات المشروع النهضوي  العربي وغاياته. يقول الدكتور عبد العزيز الحر بأن" مشكلة التعليم تتمثل في اللاهُويّة ، واللارؤية، واللااستراتيجيّة، واللاتحدّي" (9) فإلى متى يبقى الضياع سيد الموقف في الأمّة؟، والى متى تبقى المشاريع الإقليميّة والدولية هي الغالبة والسائدة ونبقى نحن المتفرجون والمقلِّدون والناقمون على تقدّم الآخر فيما نحن نتراجع ونتقهقر؟. إن إعادة تعليم مادّة  تعنى بالجغرافيا السياسية والاقتصادية والمعرفية للمجتمع العربي اكثر من ضرورة كي يعرف الجيل الجديد مكامن القوة والضعف، وكي يدرك ان التكامل بين الوطنيّات العربيّة يوفّر على سبيل المثال لا الحصر: الأمن الغذائي لنا جميعا. فهل يعقل ان نستورد بما يزيد على 80 مليار دولار سنويا مودا غذائية فيما السودان وحده يكفي لسد الحاجات الغذائية لكل ابناء الوطن العربي؟. هل يعقل ان تكون مصارفنا ومصارف الدول الغربية مليئة بأموالنا العربية وتكون نسبة الفقر في اقطارنا مرتفعة الى هذه الدرجة؟ هل يعقل ان نستمر عاجزين عن توفير فُرص العمل لشبابنا العربي فيما مدننا وقرانا ودساكرنا تكتظ بالعمالة الأجنبية؟.

3- تعزيز تعليم اللغة العربيّة واعتماد تعليم جميع المواد العلميّة بهذه اللغة. فقد اثبتت الدراسات ان المتعلّم يُتقن العلوم أكثر إنْ تعلّمها بلغته الأم. وهذا  ما يظهر جليّا في البلدان التي نهضت من كبوتها وجدّدت حضارتها، فلا الصينيّون الذين ينافسون الولايات  المتحدة الأميركيّة على الصدارة اقتصاديّا وتجاريّا وعلميّا تعلّموا العلوم باللغة الانكليزيّة، ولا ايضا النمور الآسيويّة تعلموا العلوم باللغة الانكليزية، بل تعلّموها بلغتهم الأم. دون ان يعني ذلك تخلّينا عن اتقان اللغات الأجنبيّة باعتبارها لغات تمكين اما لغتنا العربيّة بالنسبة لنا فهي لغة تكوين.

ختاما نقول: لا يتحضَّر شعب إلاَّ إذا امتلك وعيًا حضاريًّا يُميِّز بيْن البناء والتكديس، وبيْن الإنتاج والاستهلاك. ان المال يتيح لنا استيراد المنتجات لاستهلاكها، لكن المعرفة تتيح لنا انتاج ما نحتاج الى استهلاكه.

ان  امتلاك المنتجات المستوردة لا تعني امتلاك الحضارة.

 

عدنان برجي

....................

(1) (كتاب خبايا مكشوفة ص 131 وص 132 للباحث، صادر عن المركز الوطني للدراسات 2018).

(2)  صحيفة البيان الإماراتية 2 /5/2019 (مركز الحوار العربي – واشنطن.)

(3) (الدكتور ساسين عساف، كتاب المشروع النهضوي العربي- رؤية وحدويّة ص 11).

(4) حكم نت: اقوال محمد إقبال/ 13 اقتباس من كلام محمد اقبال

(5) مالك بن نبي: شروط النهضة . ابراهيم رضا: مالك بن نبي وفلسفة الحضارة الإسلامية الحديثة، موقع الإسلام.

(6) مركز دراسات الوحدة العربية/ / الدكتور محمد عابد الجابري/ اشكاليات الفكر العربي المعاصر ص.61

(7) النهضة الحضارية ومركزية شرط الوعي الحضاري فيها / الجزء الأول./ موقع السننية/ اخبار السننية.

(8) معالم مدرسة التجديد الحضاري في الفكر الإسلامي المعاصر – مالك بن نبي نموذجا (الجزء الأول)/ دار الفكر.

(9) واقع التعليم في العالم العربي/ د.عبد العزيز الحر استاذ المناهج في جامعة قطر.. موقع برق/ الإصدارات.

*عضو الأمانة العامّة للمؤتمر القومي العربي

*امين العلاقات الخارجية في اتحاد الكتاب اللبنانيين

*مدير المركز الوطني للدراسات

ورقة مقدمة الى الدورة 30 للمؤتمر القومي العربي