تُشكِّل السياقاتُ المعرفية في النظام الاجتماعي صياغةً مُتجددة لعلاقة الفرد مع نفْسه، ضمن مُحيطه الإنساني وبيئته الوجودية. وكُل نظام اجتماعي لا يمكن أن يستمر إلا إذا تركَّزَ عُنصرُ التَّجَدُّد في نواته المركزية، لأن التَّجَدُّد هو الضمانة الأكيدة لمنع الجمود والانغلاق، وبالتالي ضمان جريان الماء تحت جُسور المعرفة، ولا شَك أن سُكون الماء يَجعله آسِنًا . والحَلُّ الوحيد يتجلَّى في الحركة المُستمرة في الاتجاه الصحيح، ولا فائدة مِن سُرعة القِطار إذا كان سائرًا في الطريق الخاطئ، كما أن التَّجَدُّد هو العامل الثقافي القادر على إحداث توازن بين سُلطة المعرفة وسياسة الحداثة، التي تقوم على الإبداع الذاتي، وليس تقليد الآخرين، واستيراد النظريات مِنهُم . وكُل حداثة لا تنبع من الذات، ستسقط لا مَحَالة، لأن مصير الأقنعة السُّقوط، وسوفَ يَنكشف الوجهُ الحقيقي في يوم مِن الأيام. لذلك، ينبغي أن يكون التَّعويلُ على تَجميل المجتمع بالإنجازات الحقيقية على أرض الواقع، وليس باستخدام عمليات التجميل، أو انتهاج أسلوب التَّرقيع، ودفنِ النار تحت الرماد. وكما أن جَمال الشجرة الحقيقي ينبع من جَودة ثمرها، وليس شكلها الخارجي، كذلك جَمال المجتمع الحقيقي يَنبع من إبداع أفراده، وليس أشكالهم وملابسهم .

2

إن تكوين علاقة منطقية بين قُدرة الأفراد على الإبداع، وبين قِيَمِ المجتمع الإنساني، يُمثِّل تَحَدِّيًا حقيقيًّا، وامتحانًا لضمير المجتمع. ففي كُل مجتمع أعداء للنجاح،وفي كُل بيئة سياسية قوى شَد عَكسي، تُحارب الإبداع والحداثة والتجديد، حِفاظًا على مصالحها الشخصية وامتيازاتها الذاتية. وإذا أردنا أن يسير قِطارُ المجتمع على السِّكة بأمن وأمان، فينبغي إزالة العقبات مِن طريقه، وحَمْل جميع الرُّكاب في القِطار، لئلا يَشعر أحدُهم أنه مَنبوذ أو مُهمَّش أو مرفوض.وإذا شَعَرَ الرُّكابُ أن القِطار يُحقِّق مصالحهم جميعًا، ويُوصلهم إلى أهدافهم، فسوفَ يُدافعونه عنه، ويَعتبرونه جُزْءًا مِن نسيج حياتهم وأفكارهم وحاضرهم ومُستقبلهم،لا يُمكن الاستغناء عنه،ولا الاعتداء عليه. وهذا يدل على أهمية الحاضنة الشعبية في تبنِّي الأفكار، وتطبيقها بشكل صحيح. وتحقيقُ هذا الحُلم لا يتأتَّى إلا باختيار القرار الصحيح في التَّوقيت الصحيح، ولا أحد يستطيع أن يتجاوز طبيعة الزمن، أو يَقفز على عُنصر الوقت، لأن الفرد يتحرَّك في قالب محصور، وصيغة زمنية محدودة ذات خصائص مُعيَّنة، يجب أخذها في الاعتبار، لحماية الفرد مِن السقوط في الفراغ، ومنعِ المجتمع من القفز في المجهول .

3

كُلُّ الإنجازات المادية في طبيعة النظام الاجتماعي، هي انعكاس للمشاعر الإنسانية الفردية، وإفراز للأحاسيس البشرية الجماعية . والعواطفُ الوجدانية لَيست خيالات هُلامية، أو جُزءًا من الرفاهية الرومانسية الحالمة . إن هذه العواطف تُجسِّد شرعيةَ الوجود الإنساني في الإطار المكاني والحيِّز الزماني، وهي سُلطة معرفية اعتبارية، تَمنح الفردَ مشروعيته الوجودية، وتَصنع التحولات الاجتماعية . وكما أن القَلْب مَلِك الجوارح وزعيم الأعضاء، وليس مُجرَّد كلمة في أغنية عاطفية، كذلك العواطف الوجدانية، هي مَلِكة الحَراك الاجتماعي، وزعيمة السُّلطة الشُّعورية المركزية الفردية، ذات الامتدادات في تفاصيل بُنية المجتمع، وقواعدِ السُّلوك الفردي .

4

الفردُ لَيس كُتلة أسمنتية، ولا آلة بيولوجية للأكل والشُّرب والتكاثر . إن الفرد كيان اجتماعي سياسي قائم بذاته، وهو صانع سياسات ذهنية وواقعية، بغض النظر عن مُستواه العِلمي والثقافي. وكُل فرد في الحياة له سياسته الخاصة، التي تنعكس على سُلوك وتعامله مع الناس وعناصرِ الطبيعة، وهذا لا يَعني أنه صار سياسيًّا . وكُل فرد في الوجود له فلسفته الخاصة، التي تنعكس على تصوُّراته الفكرية وقناعاته الحياتية، وهذا لا يعني أنه صار فَيلسوفًا . وهناك فرق واضح بين السياسة كإجراء واقعي لَحْظي ومُمارسة يومية، وبين السياسات كتخطيط للحاضر والمستقبل . وهناك فرق جوهري بين الفلسفة كنظام تفكيري عقلاني تجريدي، وبين الفلسفات كقواعد للسلوك الإنساني ومبادئ للتعامل مع الآخرين .

5

إن سَعْي الفرد الدؤوب نحو صناعة حُلمه الشخصي، والمُساهمةِ في تحقيق آمال المجتمع وطُموحاته، يُؤدِّي _ مع مرور الوقت _ إلى تحوُّل حُلم الفرد إلى مشروع لخلاص المجتمع، وانتشاله مِن مأزقه الوجودي، وكُل جُزء إذا وُضِع في مكانه الصحيح، سَيَتَحَوَّل إلى منظومة جماعية مركزية لا غِنى عَنها . وقيمةُ الأشياء لا تتحدَّد حَسَب حَجمها، وإنما تتحدَّد حَسَب السياق الذي وَردت فِيه. والكلمةُ لا تملك تأثيرًا فعليًّا إلا ضِمن الجُملة اللغوية والسياق العام للكلام . ولا يمكن معرفة قيمة البُرغي إلا مِن خلال مَوقعه ودَوره في الآلة الميكانيكية . والكُلُّ يَمنح الشرعيةَ والأهميةَ للجُزء، والجُزء يَمنح الإضافة النَّوعية اللازمة للكُل . وهذه المنظومة الفلسفية ( الجُزء / الكُل ) القائمة على المنفعة المتبادلة، لتحقيق المصلحة المشتركة العُليا، تنقل الفردَ مِن فَرْديته إلى إنسانيته. أي إن الفرد مِن خلال بحثه عن معنى وجوده وجَدوى حياته، وإسهامه في نهضة مجتمعه، وصناعة حاضره ومستقبله، والنهوض بالحضارة الإنسانية والمدنية العالمية، يُصبح إنسانًا ذا موقع مركزي على خارطة الإبداع، وذا بصمة مؤثِّرة في تاريخ الحضارة والمدنية . وهذا يُشير إلى أن الفَرْدية خُطوة في طريق الوصول إلى الإنسانية، كما أن المَحَلِّية خُطوة في طريق الوصول إلى العالمية . وبعبارة أُخرى، كُل إنسان فرد، وليس كُل فرد إنسانًا . وكُل عَالَمِيٍّ مَحَلِّيٌّ، وليس كُل مَحَلِّيٍّ عالميًّا .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

 

بليغ حمدي اسماعيلظلت الفلسفة العربية ـ ولا تزال ـ تعاني من الجمود وضيق التأويل لفترات زمنية طويلة، وألقت بظلال الجمود على العقل العربي الذي لم يستطع الهيمنة على النصوص الفلسفية الغربية التي توافدت عليه منذ عشرات القرون، ومنذ لحظة الجمود الأولى أخذت الفلسفة تلهث في صراع أحادي وراء التقاط نقطة التقاء بينها وبين الدين، الأمر الذي دفع بالعقل العربي إلى حالات من التسارع والتصارع على السواء. والفلاسفة الأوائل أخطأوا جدَّ الخطأ حينما أرادوا أن يؤيدوا الدين بالفلسفة، والأولى هو العكس، وظل الأمر هكذا حتى إن بزغت في شمس التكوين العربي إشراقات المعتزلة وتأسيس الصنعة العقلية في الجانب الإلهي أي ظهور الجدل العقلي بصورة متكاملة .

ولعل الجمود الفلسفي الذي أغرق العقل العربي عقودا بعيدة وساهمت الأكاديميات العربية والمعاهد بأساتذتها في البقاء طويلا بمساحات الاستغراق السلبي هو الذي دفع البعض للأخذ بمهمة الاجتهاد والتجديد القائم على التأويل لا على التلقي البطيء، ومشكلة الفلسفة بأساتذتها هي الاقتضاء بالخروج الزمني وعدم الاكتراث بمعاصرية الحدث الآني، هذا عملا بقول الطغرائي وهو يشير إلى معضلة الفلسفة العربية التي أدت إلى عقم العقل العربي:

"وإنما رجل الدنيا وواحدها      من لا يعول في الدنيا على رجل"

وظلت الفلسفة العربية التي هيمنت على العقل الراكد تكرس لفكرة الانطلاق من الذات والعودة إليها مرة أخرى، متناسية بفعل التغريب والنقل السلبي والتلقي غير المتجدد البعد الاجتماعي أو التزامنية التي تقتضي بالتسارع، فالتجأت إلى التصارع من حيث المذهب أو الحادثة أو البحث في مضامين ومفهومات تبدو ثابتة مثل السلطة والخلافة والإمامة . ومسألة الذات تلك هي بالأساس مسألة مسيحية تطلبت منذ ظهورها إلى مجهود خرافي مزمن من فلاسفة الواقع المسيحي . وحينما انتقلت فلسفة الذات من المسيحية إلى الفلسفة العربية التي توصف دوما بأنها إسلامية لإضفاء طابع الشرعية عليها، نظر ناقلوها إلى الإيمان باعتباره مشكلة وليس رحمة أو نعمة أو هدية من الله عز وجل .

ولقد رأى " كيرككورد " أنه من الضروري رفض كل برهان عقلي على الإيمان، فالإيمان ـ كما يزعم وأتباعه ـ هو الذاتية، والذاتية هي الحقيقة، ولذلك ظلت الفلسفة العربية التي نقلت نصوصا خارج سياقها تسيطر على العقل الذي بات يكره التجديد ويمقت الاجتهاد رغم أنه يتغزل بكلمة التنوير .

ولهذه الأسباب ظل التنافي المعرفي للفلسفة العربية هو المعادل الموضوعي للهوية العربية الغائبة في ظل مصالح ومخاوف واهتمامات المواطن العربي البسيط الذي يعيش في بيئة متغيرة تتسم أيضا بالتسارع والتصارع. وحالات الغياب للفلسفة العربية بشكل واقعي في حياة المواطن العربي وكونها سجينة في الجامعات والمعاهد وعقول المتخصصين فقط جعلها ـ الفلسفة العربية ـ ظاهرة سياقية وليست اجتماعية، أي الركون مجددا إلى الذاتوية، ولاشك أن فساد تلك الفلسفة يرتكز إلى الانتماء إلى عقيدة فكرية من تأسيس رافد أجنبي لا ينتمي إلى البيئة العربية الأصيلة . فلا غرابة في أن الفلسفة العربية عبر عصورها مارست كافة أشكال السقوط .

فوجدنا الفلسفة بأصحابها وناقليها بالجامعات العربية ومعاهدنا الأكاديمية مرهونة بمسألة تراكم الهويات في ظل غياب وقلة وعي بالبحث أو إيجاد صيغة عربية تميزها، وهذه الفلسفة باستثناء المعتزلة لم تعرف يوما ما كما أشار " جورج طرابيشي " لاهوت نفي الآخر ؛ لأنها باختصار فلسفة ناقلة لغيرها بامتياز دونما تأويل أو إعمال للعقل، وخصوصا أن هذه الفلسفة التي هيمنت لقرون على العقل العربي  التزمت بمنطوق الشرع والحرص على تلقي النص الديني الإلهي أو النصوص الدينية البشرية بغير تأويل أو تحليل من زوايا مختلفة، على الأجدر قولا الأخذ بظاهر النص دون الاقتراب من بنيته المضمرة .

لذلك تعد المعتزلة الفرقة الفلسفية الوحيدة في التاريخ العربي التي استطاعت أن تكون لنفسها إحداثيات ومحطات زمنية يمكن تجاوزها من أجل التجديد والرغبة في الاجتهاد وإعمال العقل . وفي الوقت الذي سعت فيه المعتزلة إلى تحرير العقل من جموده ومن سلطة النص الظاهرية لم تفلح الفلسفة العربية في الوصول إلى مرحلة التمكين الثقافي فأصبحت حتى يومنا هذا مجرد شروح لمتون قديمة أو نقولات رمزية بفعل الرقابة الشديدة بل والمشددة أيضا التي ألزمت نفسها بها عبر عصورها المختلفة والتي أفقدتها القدرة على الوصول إلى المواطن البسيط، ولعل هذا ما يدفعني وغيري إلى عدم تقبل رواد الفلسفة المعاصرين بطروحاتهم العقيمة لأنهم مجرد أبواق ناقلة لمفاهيم أو مضامين خرجت عن الزمنية ففقدت مزية التسارع المعرفي ووقعت في براثن التصارع بينها البعض .

وفي الوقت الذي لزم على الجامعات والمعاهد الأكاديمية تقديم فكر المعتزلة باعتباره أنموذجا مغايرا للفلسفة التي كانت سائدة لا من باب تثمين الأفكار نفسها، نسمع تلك الأصوات المكرورة التي احترفت التواجد الصحافي والإعلامي واحتلال الصالونات الثقافية تنادي بقضايا الفضاء المطلق والفضاء النسبي والتفتيش عن مرافئ لليقين وهم أشد حيرة لأنهم لايزالوا أسرى للنقل دونما إعمال للعقل أو إطلاقه من أجل التحرير والتنوير .

ولاشك أن الفلسفة العربية السائدة في الجامعات العربية تعاني الاعتلال والمرض من حيث الدخول في معارك جدلية ليست حجاجية بالقطع، لأنها مخاطبة خادعة لا ترتقي بالإقناع أو المحاججة، وهذا الاعتلال هو الذي دفع بالفلاسفة المعاصرين يميلون إلى الثرثرة وعدم النزاهة واستعمال سياسات فلسفية من مثل الإلغاء والصهر والإلحاق، وكم هو محزن حقا أن أمة مثل العرب امتلكت رصيدا خصبا من أفكار المعتزلة دون الحكم على الفكرة أو أصحابها بالكفر أو بالمروق من الدين وحتى اليوم من نجد من أساتذة الفلسفة بالجامعات العربية من ينادي ويصرخ بأن الفلسفة مذهب رغم أنها في قرار اليقين منهج، لكن في الوطن العربي استحالت الفلسفة مذهبا.

وبالرجوع إلى كافة الروافد الفلسفية الغربية، وكذلك طروحات المعتزلة التأويلية الغائبة عن الدرس والبحث المعاصرين نكتشف أن إسهامات الفلسفة الحقيقية هي إسهامات في المنهج وتطوره لا إضافات في المذهب، والأول ـ المنهج ـ يعني أن الفكر يستحيل قضية جمعية اجتماعية لايمكن الفكاك من الزمنية ونحن بصدد الحديث عنه لأنه طريقة تفكير، بخلاف الأخير ـ المذهب ـ الذي يقتضي الخروج من الزمنية أي كونه نصا لا تاريخي، وهذا يتصل أكثر بالفرد في سياقه الذاتوي الضيق . لذلك وُصفت الأفكار الاعتزالية بأنها انقلاب على طرائق التفكير السائدة التي كانت سجينة المذهب لا المنهج .

وهذا يذكرني بما قاله " تولستوي " وأشار إليه من حيث إنه لم يجد في المذاهب الفلسفية الكبرى لأفلاطون وكانت وشوبنهور وباسكال شيئا مجديا، وأقر في نهاية الأمر : " واضحة جلية دقيقة حيثما تبتعد عن مشاكل الحياة المباشرة، ولكنها لا تهدي الحائر سواء السبيل، ولا تبعث الطمأنينة إلى القلوب الضالة القلقة " .

والعقل العربي المسكين الذي كان فريسة سهلة لأنماط عقلانية مثل ذاتية ديكارت، ونقدية كانت، وتاريخية هيجل، واجتماعية ماكس فيبر، وعلمية كارل بوبر، وصولا إلى تواصلية هابرماس لم يستطع أن يجد هوية واضحة له في ظل تصارع علني بين بعض رجال الدين الراديكاليين وليس التنويريين الذين صدروا له إعلانا بتكفير تلك المذاهب وأصحابها أيضا وضلالها بل واقترابها من فتنة المحيا والممات، وبين الفلاسفة العرب المعاصرين الذي مارسوا بلادتهم في شرح تلك المذاهب مستغرقين في سرد الترجمة الذاتية لأصحابها أكثر من الإشارة إلى أفكارهم .

لكن، هل نجحت الفلسفة العربية الراهنة، أعني المعاصرة في مواجهة الاستيطان الصهيوني الغاشم ؟، وهل الفلسفة التي تدعي اليوم بأنها عربية خالصة استطاعت تفكيك الجغرافيات الفلسفية القديمة لتأتي بطرح جديد يمكن معالجة واقعنا الحالي ؟ الإجابة تأتي دوما بالنفي، لأن مشكلة هذه الفلسفة الحقيقية هي غياب الوعي بمعطيات الحاضر، دونما أدنى عناء بمحاولة تحسين الواقع أو حتى بناء المستقبل .

وغياب الوعي المستدام لدى الفلسفة العربية الراهنة هو الذي دفع أصحابها إلى ممارسة كافة أشكال الإقصاء أو الدمغ أو التهميش وأحيانا الإدانة والاستبعاد لكل رؤية مغايرة لإحداثيات الفلسفة التي لا تعبأ بالتجديد رغم كون الفلسفة تنويرا للعقل والمجتمع، حتى باتت فلسفتنا العربية اليوم سيرة محفوفة بالغموض والحيرة لا تصل بالمواطن العربي إلى مرافئ اليقين. لاسيما وأن السلطة الفلسفية اعتمدت محاور تشبه الشراك المفخخة التي لا تخرج عن أفلاك الثنائية، وهي العقل والنقل، والخلق والقانون، والسلم والحرب، والجبر والاختيار، والخير والشر، وأخيرا العلم والدين، وكأن الفلسفة العربية الراهنة التي نتجت عن إرهاصات عربية أصيلة قديمة، أو منتوج غربي خالص، استمرأت الدور الباهت الذي لا يقضي ويفصل بالحق اليقين .

وكم من مصيبة آنية نجدها في سرديات الفلسفة العربية تحاول من جديد تأويل مشكلة الألوهية، والحديث عن العلل الأولى وطروحات الفارابي وابن سينا مما يدل بقوة وشدة على نضوب العقل العربي الذي في الأساس يسعى جاهدًا إلى التنوير والتجديد. ولايزال الحديث في مجمله العقيم يتناول مباحث الوجود والممكن، والعالم، وأصل الماهية، وأن النفس الكلية هي الواسطة بين عالمين ؛ عالم الخير والعقل، وعالم الإنسان أو عالم الحس والشاهد، وهي جميعها بمنأى عن واقع المواطن العربي الإيجابي الذي يهرول من أجل التمكين والوصول إلى منصات التتويج المعرفية .

ولطالما أرهق دارسو وأساتذة الفلسفة في معاهدنا الأكاديمية العربية أنفسهم بالبحث عن كنه الوظيفية الفلسفية بعد العبقري العربي الوليد بن رشد، وهذا الإرهاق الذي يتبعه الإحباط وربما الاكتئاب من صعوبة الوصول إلى يقين معرفي للإجابة مفاده أن الفلسفة باختزال شديد واختصار غير مخل بالمعنى هي فن تكوين وإبداع ووضع مفاهيم من شأنها ضبط إيقاع تفكير الفرد والمجتمع على السواء . وما شأنهم الضارب في القدم بحكم الدراسة والتخصص ثم التمكين المهني النظري سوى استيراد الأفكار وإعادة صياغتها وتحديدا في مصر منذ النصف الثاني من القرن العشرين ما عرف بالتمصير الذي أخل بالضرورة بالنظرية الأصلية التي نجمت وفق سياقات سياسية واجتماعية ونظم فكرية ترتبط بمجتمعاتها الوافدة .

ومنذ وفاة النابه العربي ابن رشد والفلسفة العربية لاتزال مغرورقة في تفاصيل التنظير لطروحاته الفلسفية دون عناء البحث عن إيجاد فلسفة تبدو واقعية للمواطن العربي الاعتيادي الذي ينفر بالضرورة من فعل القراءة والتأويل وإعمال العقل، لذا فإن كل الكتابات التي تواترت بغير اتفاق بعد رحيل ابن رشد عن دنيانا مجرد ارتحال اضطراري لتفسير ما خطه الفيلسوف الكبير بغير طرح فكرة الوظيفية أو التطبيق أو حتى هاجس القابلية للتداول المجتمعي،  مما أفقد الفلسفة العربية مكانتها الطبيعية التي تحققت بدمغ التاريخ الذي لا يكذب ولا يزيف الحقائق على يد الفارابي وابن سينا وإن كانا قيد ورهن أرسطو وكتابه ما بعد الطبيعة . وربما أجنح بعيدا حينما أظن أن الفلسفة اليوم هي كابوس المعرفة، بعدما كانت لقرون بعيدة ضاربة في القدم فن تكوين وإبداع وصنع المفاهيم من أجل تطبيقها، لكن اليوم وإن تشدق دارسو الفلسفة بكنه علومهم هي مجرد استيراد أفكار ونظريات ومن ثم إعادة صياغتها بصورة تقريرية قد تبدو سخيفة مطلق الأمر .

وكارثية الفلسفة العربية هي الاستغراق المستدام في الأفكار الماركسية التي باتت منتهية الصلاحية وغير جديرة لا بالطرح الفكري أو بالتنظير، أو حتى بنقد تلك الأفكار لأنها بحق أفكار فاشلة وبليدة كشفت عن مرض أصحابها ونوازعهم التحريضية لمجرد التحريض فحسب، وظلت الفلسفة العربية وهي تسبح في بحر الماركسية تفتش عن وجه لخطابها دونما جدوى، ففي كل سطر نجد ملمحا أو رائحة ماركسية لايمكن الفكاك من أسرها، حتى استقر الأمر بهذه الفلسفة المكرورة بالإيمان المطلق بفكرة توطين التيارات الفلسفية الغربية والاكتفاء بنقلها .

ورغم أن أصحاب الفلسفة العربية المعاصرة طالما تشدقوا بمصطلحات الحداثة وما بعد الحداثة، وصولا إلى ما عُرف بالحداثة السائلة، إلا أن الطرح الفلسفي العربي جاء بعيدا عن واقعنا الراهن المزدحم بقضايا الإنسان ووجوده لا من أجل البقاء بل من أجل الفعالية والإيجابية، وهو ما لم يتحقق في فلسفة العرب المعاصرة، وظل السؤال دائم الاجترار هو : هل يمكن صياغة فلسفة عربية أصيلة في القرن الواحد والعشرين؟ .

ورغم اتهام الفلسفة العربية الراهنة وأصحابها بأنهم قطاع طرق جدد يسطون على الأفكار الفلسفية العالمية، إلا أن نظرة الفلسفة العربية للفلسفة الغربية نفسها تبدو خاطئة وبحاجة إلى تغيير للمسار أو تحسين لهذه النظرة الضيقة، ومجمل الصيحات المعاصرة الراهنة التي تنادي بتجديد الفلسفة هو خطاب بديل للفكر الكسول الذي اعتاد إعادة التأويل لنصوص فلسفية قديمة لا إيجاد رؤية جديدة يمكن توظيفها لا مجرد نقدها .

ولاشك أن الذي أفقد الطرح الفلسفي العربي المعاصر هو الاستغراق أيضا في الاستعارات والتشبيهات، وتناول القضايا الفلسفية من زاوية المباحث البلاغية الأكاديمية لاسيما عن توظيف أية نظرية فلسفية غربية . وإذا كانت هناك ثمة تشكيلات سياسية تمثلت ولا تزال في الماركسية السجينة أو الليبرالية المتوحشة، والأخيرة هي التي شكلت فلسفة الولايات المتحدة الأمريكية وغرب أوروبا، فإن إسهامات الفلاسفة العرب المعاصرين غدت صورة مضللة للواقع الفعلي الذي نحياه،حتى يمكن توصيف الفلسفة العربية الآنية بعودة الإمام الغائب .

ويؤمن كثيرون من رجال التنوير أن الفلسفة العربية المعاصرة غائبة وهي ليست تلك المحاضرات الأكاديمية التي تقدم بالجامعات والمعاهد المتخصصة، فهي غائبة لأنها بمنأى عن الاشتباك بالأحداث الجارية المتسارعة والمتصارعة أيضا، لذا اتهمت هذه الفلسفة كثيرا بأنها صناعة الوهم . ومن الصعب حقا أن تجد الفلسفة العربية اليوم مكانا لها في منطقة علاج القلق من المستقبل، وإذا ما حاولنا بغير جهد تفكيك الخطاب الفلسفي العربي الراهن لوجدناه متناقضا تماما عن الواقع الموجود والمعاش، وهذا يدفعنا من جديد لطرح السؤال الرئيس لفائدة الفلسفة، والذي أظن إجابته تكمن في كلمة واحدة هي الوعي .

ولأنني بصدد محاكمة عاجلة وسريعة للفلسفة العربية الراهنة التي يمكن توصيفها بالبليدة تارة، وبالمكرورة تارة أخرى، أعتقد أن الفلسفة كطرح ثقافي في المقام الأول بعيد عن حاضر الثقافة العربية الذي أصبح مرتبطا بقوة بوجهات أكثر قياسا وملاحظة واستخداما كاللغة، والترجمة، والفنون، والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، حتى فلسفتنا العربية اليوم أصبحت تعاني حالات واسعة من الغياب عن القضايا المصيرية مثل الهوية، والتعليم، والعقلانية الاجتماعية، والدراما، انتهاء بالحريات .

وقلما تجد غير المتخصصين بمتعة وهم يطالعون الكتابات الفلسفية الحالية، لأنها باختصار فلسفة لم تنجح في حل إشكاليات الحياة بمختلف صورها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لأنها في حقيقة الأمر فلسفة تدعو في مجملها إلى التشاؤم والاعتزال والانزواء بعيدا عن مشكلات العصر، وفي ظل قارئ محدود الوقت ولا يمتلك رفاهيته تصبح الأصوات الفلسفية العربية غائبة عن المشهد العربي الراهن .

ومن مشكلات الفلسفة العربية الغياب الواضح عن المنصات الرقمية الإلكترونية وكأنها وجدت لتبقى حبيسة الثقافة الورقية فقط، وهذا يدفعنا من جديد لطرح سؤال مفاده: متى تصبح الفلسفة العربية واقعا وتطبيقا وليست مجرد تنظير وترميم لنظريات بائدة ؟ .

 

الدُّكْتُورُ بَلِيغ حَمْدِي إسْمَاعِيل

أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية المساعد

كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

ميثم الجنابيالعراق- نقد الواقع وتأسيس البدائل (18)

إن التجزئة الهائلة التي أحدثتها التوتاليتارية والدكتاتورية في الكينونة العربية للعراق من خلال استفراد أطرافه (عوجة تكريت) التي تحولت إلى مركزه بما في ذلك «حق» تمثيل العروبة، هو الذي أدى في نهاية المطاف إلى ظهور ما يسمى «بالمثلث السنّي» فيه. تماما كما نرى الآن استفراد أطراف جديدة (النجف واربيل!)، التي أخذت تتحول إلى مراكزه، مما أدى وسوف يؤدي إلى تعميق التجزئة الفعلية، ومن ثم ظهور «المثلث الشيعي». وهو مثلث آخذ في «التكامل» من خلال تحوله إلى صيغة أيديولوجية وعلنية عبر إعلاء فكرة الطائفية السياسية والطائفية القومية ووضعها في صلب المواقف العملية تجاه إشكاليات العراق الكبرى والصغرى. ويساهم هذا التوجه أكثر من غيره في تفتيت هويته الوطنية والعربية.

فمن وجهة نظر الهوية العربية والوطنية لا يوجد في العراق «مثلثا سنيّا» بالمعنى الجغرافي والمعنى الثقافي والطائفي، كما لا يوجد «مثلثا شيعيا» فيه بالمعنى الجغرافي وبالمعنى الثقافي والطائفي. فكلاهما «مثلثا» التخلف والانحطاط، الذي يمكن وصفه «بالمثلث الهمجي». لكنه «مثلث» فعلي وقائم بذاته وله حدوده الخاصة التي جرى «أدلجتها» و«دمجها» في «بنية السلطة» الصدامية، التي يجري إعادة إنتاجها في صدامية جديدة.

إننا نقف أمام «مثلث شيعي» (النجف – كربلاء – الكوفة) و«مثلث كردي» (سليمانية – اربيل – دهوك)، أي أمام «مثلثات» تعيد إنتاج الصدامية التي صادرت هوية العراق العربية والوطنية من خلال طائفية سياسية جهوية وجدت تعبيرها الدعائي في تجزئته إلى «محافظات الغدر والخيانة» و«محافظات الولاء والوفاء»، بطائفية مذهبية وعرقية تمتثل لرذيلة النفسية الصدامية. الأمر الذي يعطي لنا إمكانية القول، بأن الذي تغير في المعادلة أطرافها لا غير وبقى المركز العراقي، أي حقيقة الهوية الوطنية خارج مضمون التحول المنشود من التوتاليتارية إلى الديمقراطية. وهي استعادة تكشف عن حقيقة القوى السياسية في «مرحلة الانتقال» هذه، بوصفها قوى هامشية بالمعنى السياسي والاجتماعي والتاريخي. وهي قوى لا يمكنها نقل العراق فعلا إلى ميدان الديمقراطية الاجتماعية والدولة الشرعية والنظام المدني. أنها قوى قادرة فقط على إنتاج «مثلثات» همجية جديدة. الأمر الذي يجعل منها قوى مثلث برمودا العراقي، أي مثلث الانحطاط الخطير. ومن ثم مثلث الموت الفعلي ومبتلع من يسير إليه.

إن هذه الصيغة الرمزية لاستعادة مثلث الموت تشير في أبعادها الواقعية إلى واقعية المشكلة، أي واقعية التجزئة الطائفية. وهو صعود يمثل الاستظهار السياسي للاستبطان التاريخي المميز للتهميش الذي جرى مزاولته بحق عرب العراق (الشيعة) على امتداد عقود واضطهاد مختلف القوى القومية والدينية الأخرى. مما يشير بدوره إلى طبيعة الأمراض الدفينة وبنية الدولة والمجتمع والوعي العادي والنفسية الجماعية.

إننا نعرف جيدا، بأن الأمراض الكبرى هي نتاج تراكم. وأنها لا تظهر للسطح إلا بعد أن تكون قد مرت بكل طرق العبث المميز لانتهاك ابسط مقومات القواعد الضرورية التي كتبتها مؤلفات الصحة والوقاية. والسياسة لا تخلو من هذه الحكمة في حال فهمنا لمهمتها الحقيقية على أنها العلم النظري والعملي الضروري بالنسبة لوقاية المجتمع من الإصابة بأمراض خطرة مزمنة. وهي مهمة لا تنبع من إدراكنا لوظيفتها المباشرة في إدارة شئون الحياة الاجتماعية، بل ولكونها الصيغة العلمية المتراكمة لتأمل تجارب الأمم والدول. ويعطي لنا هذا التأمل إمكانية القول، بأن الحد الأدنى الضروري للعلم السياسي يقوم في وقاية المجتمع من الإصابة بأمراض خطرة. ويشكل هذا الحد المهمة الدائمة للسياسة العملية. كما تكمن قيمة هذا الحد الملموسة في مدى إدراكه واستجابته للأولويات العملية الكامنة فيما أسميته بالأمراض الخطرة. فتشخيصها هو الصيغة الأولية لعلاجها. ومن خلال ذلك يمكن البحث عن بدائل أوسع قادرة على دفع المجتمع والدولة والثقافة في مسار الرؤية الواقعية والعقلانية.

ولعل اخطر هذه الأمراض الآن هو «الطائفية السياسية» الآخذة في التحول إلى مرض مزمن شامل. وخطورتها الكبرى تقوم في أنها تشكل من حيث المقدمات والنتائج خطوة هائلة إلى الوراء لا تعني بالنسبة للعراق من حيث التاريخ والجغرافيا سوى الرجوع إلى همجية لم يعرفها في تاريخه الكلي. أما من الناحية العملية فإنها تشكل نكوصا إلى ما قبل الدولة. ولا يعني ذلك سوى رجوع العراق إلى ما قبل التاريخ. والقضية هنا ليست فقط في أنه كان احد المصادر التاريخية الكبرى لفكرة الدولة والقانون والثقافة، بل ولتعارض ذلك مع طبيعة تكونه الذاتي بوصفه كينونة سياسية تاريخية ثقافية.

فالطائفية مكون اقرب إلى الغريزة، وكيان مضاد للتاريخ بوصفه وعيا ذاتيا. كما أنها ممارسة تتعارض كليا مع منطق العقل والعقلانية. كل ذلك يجعل منها شكلا من أشكال البنية التقليدية المنغلقة والأكثر تخلفا للاجتماع والسياسة والفكر والثقافة. وهي بنية عادة ما تحملها القوى الهامشية أو المهمشة. من هنا مفارقة ظهورها في مرحلة الانتقال من التوتاليتارية إلى الديمقراطية. ومن هنا أيضا خطورة تحولها إلى منظومة تحكم مساره اللاحق. وفي كلتا الحالتين نقف أمام ظاهرة غاية في التناقض، هي عين التناقض المميز لزمن التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية، التي جسدت بصورة نموذجية أسلوب الطائفية السياسية. مما أدى في نهاية المطاف إلى أزمة شاملة دفع المجتمع العراقي ثمنها، بما في ذلك ثمن تبلور الطائفية السياسية الجديدة التي أخذت القوى الهامشية (القومية الكردية) والمهمشة (الشيعية) في حمل لوائها. وفي هذا يكمن سر التقائهما. لاسيما وأنها قوى تختلف اختلافا كبيرا يصل حد التضاد من حيث الرؤية القومية والمذهبية والأيديولوجية. ويشير ذلك إلى إنهما كلاهما يسيران في اتجاه الخروج عن منطق تاريخه الثقافي مع مما يترتب على ذلك من هزيمة تاريخية شنيعة لهما في الفترة القريبة القادمة، في حال البقاء ضمن نفسية وأيديولوجية الرؤية الطائفية. بمعنى تكرار نفس النهاية الصدامية في حال عدم إجراء النقد الذاتي السياسي والفكري العميق من خلال تأسيس أولوية الفكرة الوطنية والاجتماعية في الموقف من مختلف القضايا، بما في ذلك أكثرها حساسية لتاريخها السياسي.

وإلا فان العراق سوف يستعيد من جديد دراما الخراب ومأساة الخلل النابعة من سر أمراضه المزمنة والخطرة. بمعنى إننا نقف أمام استعادة جديدة للصدامية ولكن بوجه آخر. وهي استعادة نعثر عليها في الابتعاد التدريجي عن حل الإشكاليات القادرة على تأسيس حقيقة الهوية الوطنية العراقية والعمل من اجل انجاز نموذج النظام الديمقراطي السياسي والمجتمع المدني والثقافة الحرة والدولة الشرعية. بينما نقف أمام ارتكاس مريع من حيث المضمون يعبّر بدوره عن هامشية القوى السياسية «الكبرى» في ظروف الانتقال من التوتاليتارية إلى الديمقراطية. وهي حالة فريدة من نوعها في التاريخ المعاصر. إلا انه يمكن فهمها. وذلك لأن التحول الذي جرى فيه، لم يجر بقوى ذاتية، بل بمساعدة خارجية. مما أعطى وسوف يعطى لعملية الانتقال هذه تناقضاتها الخاصة ومذاقها المر. فالحرية، هذه الكلمة الحلوة، مرة المذاق في أفواه القوى السياسية التي ارتقت إلى سدة الحكم في عملية انتخابية هي الأولى من نوعها في تاريخ العراق المعاصر. وفي هذا تكمن دون شك مفارقتها الهائلة، بوصفها خطوة هائلة إلى الأمام في ميدان الحرية، وخطوتان إلى الوراء في مجال إعادة المؤقت إلى ميدان الحياة السياسية. لكنه الثمن الضروري من اجل ارتقاء فكرة الحرية وغرسها في الوعي الاجتماعي. بمعنى المرور بطريق الآلام الضرورية من اجل الشفاء من أمراض التوتاليتارية المزمنة.

فالقوى السياسية المنتصرة هي الثمرة المرة للتوتاليتارية وزمنها الفارغ. من هنا فراغها الفعلي في ما يتعلق بالمستقبل. فهي قوى تمثلت فكرة الزمن وليس التاريخ. من هنا سيادة المؤقت في صيرورتها وكينونتها. إلا أن ذلك لا يبرر مسئوليتها السياسية والتاريخية بصدد المستقبل. فالأولوية في مفهوم القوى السياسية المعارضة هو معارضتها لما هو قائم. وإذا كان «ماضي» هذه القوى هو زمن الصراع ضد الصدامية، فان ذلك يفترض تحمل مسئولية القضاء عليها من خلال تقديم وممارسة البدائل الفعلية. بينما لا تشير أفعالها لحد الآن إلى ذلك. بل إننا نقف في حالات عديدة أمام استفحال للصدامية ولكن على نطاق أوسع. بعبارة أخرى، إننا نقف أمام صدامية دينية قومية مذهبية، هي الصيغة المركبة والأكثر خطورة للطائفية السياسية التي جسدت الصدامية المقبورة نموذجها «العلماني» المزيف. وفي هذه التركيبة الجديدة يكمن مضمون وخصوصية الطائفية السياسية الجديدة.

فإذا كان الانقسام والتجزئة الطائفية ظاهرة لها جذورها ومقدماتها التاريخية والسياسية والاجتماعية والثقافية، التي يمكن إرجاعها عموما إلى مرحلة ما بعد سقوط بغداد في منتصف القرن الثالث عشر حتى بداية ظهوره الجزئي الجديد في بداية القرن العشرين، فان إعادة ترسيخها في مرحلة التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية قد دمر كل القيم المتراكمة في تاريخ الدولة العراقية الحديثة. مما أدى إلى إرجاع العراق إلى بداية مرحلة انتقالية جديدة. لكن الممارسة العنيفة للطائفية السياسية الجديدة التي تتزعمها قوى«الأقوام الصغيرة» من مذهبية شيعية وعرقية كردية قد اخذ يصيب بعدواه القوى جميعا ويجبرها على التخندق وراء طوائف ما قبل الدولة والمجتمع المدني. مما يشير بدوره إلى أن هذه القوى تتحمل مسؤولية الاستعادة الفعلية للانحطاط والتخلف الاجتماعي.

ذلك يعني أنها قوى لا تعمل من حيث الجوهر إلا على التمسك المعاند بالبنية التقليدية والعمل من اجل استمرارها في مختلف أشكال التمايز الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. فهي الشروط الملازمة لبعث نفسية الانغلاق من اجل استثمارها السياسي. وتتشابه هذه الظاهرة في كل مراحل التاريخ وعند جميع الأقوام والأديان دون استثناء. لكن خطورتها في تاريخ العراق المعاصر تقوم في محاولة إفراغه من روح المعاصرة. الأمر الذي يجعلها اقرب ما تكون إلى مغامرة بليدة. وذلك لأنها تتعارض مع تيارين كبيرين مكونين لكينونة العراق والمهمات الضرورية لمعاصرة المستقبل فيه وهما، أولا إن حقيقة الهوية العراقية تكمن في تاريخه الكلي بوصفه عراق وليس تجمع أعراق. ومن ثم لا يمكن حل أو تفكيك وحدته الذاتية، وثانيا إن معاصرة المستقبل تفترض تذليل البنية التقليدية وتفسخها المورث من المرحلة التوتاليتارية والدكتاتورية.

فالعراق لم يعرف في كل مراحل ازدهاره الثقافي والحضاري أي شكل من أشكال الطائفية السياسية، مع انه كان موطن ومصدر الخلافات الفكرية والدينية والفقهية والسياسية. إذ تلازم هذه الحالة والنتيجة طبيعة تكونه التاريخي الثقافي بوصفه كينونة تاريخية ثقافية شكلت الرافيدينية العربية الإسلامية جوهرها الذاتي. من هنا استحالة فوز أية فكرة مذهبية أو عرقية فيه. وفي هذا يكمن سر النهاية الفاضحة والمخزية للصدامية. وهي حقيقة تبرهن على أن أية محاولة للخروج عن منطق الاستعراق (الهوية العراقية) سوف يؤدي بالضرورة إلى الزوال والاندثار المخزي.

في حين تفترض معاصرة المستقبل إرجاع العراق إلى مساره التاريخي الطبيعي، بوصفها مهمة لا تفترضها حقيقة المعاصرة في العالم فحسب، بل وخصوصية تكونه التاريخي بوصفه هوية ثقافية. وهي مهمة قابلة للتمظهر المتجدد، لكنها غير مقبولة في حال تعارضها مع حقيقته المشار إليها أعلاه. وهو تعارض لا ينبغي فهمه بمعايير الرؤية الأيديولوجية أو السياسية، بقدر ما انه ينبع من حقيقة الهوية العراقية التي تتعارض من حيث الجوهر مع أية مساع مهما كان شكلها (عرقية أو طائفية أو جهوية) لتغيير أوزانها الداخلية.

 من هنا مجافاة المساعي السياسية للقوى العرقية والمذهبية في جعل الطائفية السياسية أسلوبا لاستحكام سيطرتها. وذلك لأنها مساعي لا تفعل في الواقع إلا على ترسيخ قيم ومفاهيم الجهل الذاتي. بمعنى أنها تعيد إنتاج الصدامية من حيث كونها خروجا على منطق الاستعراق وتفريغا للتاريخ واجترارا فارغا للزمن. وهي مجافاة عرضة للزوال السريع لكونها تأتي من قوى تعرضت أكثر من غيرها للتهميش السياسي والاجتماعي في تاريخ العراق الحديث، واقصد بذلك بالشيعة. فعوضا عن السعي الجدي من اجل تذليل الطائفية المفتعلة للصدامية نرى توجها مؤدلجا ومنظوميا لغرس الطائفية السياسية، من خلال تصنيع وتقديم ما يمكن دعوته بالطائفية السياسية الشيعية، بوصفها اخطر أنواع الطائفية. وخطورتها تقوم في ثلاث قضايا كبرى، الأولى في كونها تشكل نكوصا عن مبدأ التشيع، ثانيا في كونها تشكل خروجا على منطق الاستعراق، وأخيرا في كونها تشكل خضوعا لنفسية الأقلية وذهنيتها.

ولعل صورتها الأولية التي تتسم بقدر كبير من الخداع السياسي الذاتي والزيف الاجتماعي يقوم في مساعي القيادات الدينية الشيعية للاستحواذ على الشيعة. وتشير هذه المحاولات من حيث مضمونها السياسي والاجتماعي إلى سيادة نفسية وذهنية الطائفية السياسية. بمعنى العمل من اجل تحويل الشيعة إلى طائفة. بعبارة أخرى، إن مساعي القيادات الشيعية الدينية تقوم في محاولة الاستحواذ السياسي على الشيعة عبر تحويلهم إلى طائفة. وهي محاولات لا تعني في الواقع سوى نقل الطائفية إلى الشيعة والتشيع في العراق. وهو أمر يتناقض مع حقيقتهما فيه. والقضية هنا ليست فقط في أن تصنيع نفسية وذهنية الطائفية السياسية يؤدي إلى صنع اخطر أنواع الطائفية وأتفه أنواع السياسة، بل ولما يترتب عليه من تصنيع الطائفة وتسويف السياسة. بينما تقوم المهمة الكبرى أمام شيعة العراق في إلغاء الطائفية. فهي القوة القادرة فعلا على انجاز هذه المهمة. وفي ذلك يكمن قدرها التاريخي ومضمون وجودها الثقافي. كما انه أمر ممكن التحقيق عندما يسلك شيعة العراق سلوك الأغلبية، بمعنى تذليل نفسية وذهنية الأقلية. فالشيعة ليسوا بحاجة إلى رؤية طائفية من اجل البرهنة على ما يريدوا تحقيقه، كما أن التشيع ليس بحاجة للتحقق بطائفية سياسية لأنه يتناقض مع ما يريده في العراق. وذلك لأن حقيقة إرادته تقوم في حقيقة العراق نفسه. كل ذلك يضع أمام الشيعة مهمة العمل من اجل تذليل نفسية وذهنية وفكرة الأغلبية والأقلية عبر الاحتكام الدائم إلى مرجعية العروبة والعراقية.

وهي مهمة لا يمكن للحركة الدينية الطائفية أن تنجزها. بمعنى أن المهمة التاريخية الكبرى لانجاز التحول الفعلي من التوتاليتارية إلى الديمقراطية تقوم عبر تذليل هيمنة رجل الدين والحركة الدينية والمرجعيات الدينية بإرجاعهم إلى ميدان وجودهم التقليدي، وتذليل حماس واندفاع الفكرة العرقية ونفسيتها القومية (الكردية) من خلال إرجاعها إلى حدودها الذاتية بوصفها مكونات ما قبل الدولة. وذلك لأن المصير المحتوم لهيمنة المؤسسة الدينية التقليدية والقومية العرقية هو التصنيع الدائم للطائفية السياسية. ولا ينتج هذا التصنيع غير انحدار الرؤية السياسية صوب حضيض الطائفية مع ما يترتب عليه بالضرورة من صنع دائم لمختلف أنواع المثلثات والمربعات والدوائر الهمجية.

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

معراج احمد الندويكلما ظهرت تحديات جديدة وظروف طارئة، وكلما تفاقم الفساد وتراجعت القيم الموجهة للسلوك الإنساني، فإن انتشار النقاش حول ضرورة في التغيير في الدول العربية، يدل على أن هناك اتفاقا واسعا بين أرباب الفكر والثقافة على أن المجتمعات العربية تعاني من أزمات حادة على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والأخلاقية، والأمر الذي يستدعى استنكارا عاما للإطلاق في ثورة إصلاحية شاملة، تحشد الطاقات البشرية وتوجهها نحو تحقيق تغيير جذري يعيد بناء الأمة العربية على قواعد صحيحة وسليمة.

إن السياسة هي احتراف الحكم والسلطان، أي ممارسة السلطة وإدارة المجتمع بالتوافق مع جوهره، فالسياسة هي فكرة تتعلق برعاية الشؤون والإشراف على التنفيذ العملي لفلسفة معنية، بيعنى أنها اجراءات لتحقيق القيم الدينية والاقتصادية والثقافية في سلوك الناس وعلاقاتهم ونظام حياتهم.

والنظرية السياسية الإسلامية هو مجموعة المبادئ والأسس الفلسفة التي تبنى عليها الفكر السياسي في الإسلام والتي تشكل نظاما مستقلا مثل نفهوم الإسلام لمجموعة المبادئ السياسية كمفهومه للإنسان والمجتمع والشعب والجماعة والأمة والدولة والحقوق والواجبات.

إن القرآن الكريم كتاب يدعو إلى التغيير نحو الأفضل ضمن منهج يقوم على أسس علمية واضحة. يمثل القرآن الكريم التخطيط الذي يندرج مبادئ لتخطيط السياسي بحيث يتلازم فيه العلم والعمل على أساس التطبيق الفعلي، لأن موضوع القرآن هو الإنسان، ومحل آيات الله هو الكون، ولا بد من التدبر في القرآن الكريم، والتعرف على سنن الكون وقوانينه التي لا يتحقق بدون ادراكها في تعمير الأرض.

إن هناك علاقة جدلية تربط بين التغير إلى الأفضل والتخطيط السياسي، ولقد اصبح التخطيط ضرورة في جميع نواحي النشاط الإنسساني، ولا سيما القضية السياسية. ومن هذه النظرة تنبثق قواعد السياسة في الإسلام وخطوطها العريضة وفرعياتها المختلفة، بما يشكل نظاما سياسيا متكاملا مختلفا عن الأنظمة السياسية الأخرى في فكرته وأساسه وعناصره.

يمثل القرآن الكريم في هذا قاعدة مهمة للانطلاق نحو التغير الذي يحقق الريادة للأمة العربية، ويعزز من مكانتها بين الأمم والشعوب. فإن كان التغيير نحو الأفضضل هدفا منشودا يأتي ثماره بصورة إيجابية.

إن القرآن الكريم كتاب يدعو الله سبحانه وتعالى الناس إلى التدبر والتفكر لاستخراج ما فيه من أحكام ودروس وأسس مهمة في البناء الإنساني، على تعظيم قيمة التفكيير والحرية لبلوغ الأهداف المنشودة التي تبنى على أساس التخطيط السليم. وهنالك الكثير من الآيات القرآنية التي تدل على أن النظام السياسي جزء من الإسلام, ويقوم النظام السياسي في الإسلام على اساس نظرة الإسلام وفكرته الكبرى عن الكون والإنسان والحياة.

لقد اهتم القرآن الكريم بالسياسة اهتماما بالغا على الرغم من أن كلمة "السياسة" لم تذكر في القرآن الكريم، إلا أن مضامينها ومدلولاتها جاءت ذكرها ضمن العديد من الألفاظ والمصطلحات التي استخدمها القرآن الكريم، وينبطق هذا الأمر على العديد من المصصطحات والألفاظ المهمة في الإسلام ككلمة "العقيدة" وكلمة "الفضيلة" مع أنها لم تذكر هذه الكلمات في القرآن الكريم كألفاظ إلا أن مضامينها ومدلولاتها موجودة في صورة غير مباشرة.

فقد جاء في القرآن الكريم المدلول مما يدل على كلمة سياسة هي كلمة "الملك" ويعني بهذه الكلمة حكم الناس أمرهم ونهيهم وقيادتهم في أمورهم بقوله تعالى:﴿ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾[1]

ثم جاءت كلمة "التمكين" مما تدل على مفهوم السياسة كما في قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾[2]

وجاءت كلمة "الاستخلاف" في المدلول السياسي. كما في قوله تعالى﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ ﴾[3] 

وكذلك ذكر القرآن الكريم كلمة "الحكم" كما في قوله تعالى:﴿ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سميعاً بَصِيرًا﴾[4]

فالحديث عن السايسة والحكومة تحت عنوان الأمامة والخلافة والولاية والحكم جاء ضمن العديد من الآيات القرآنية التي تتحدث عن طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم والتي تقوم على احترام الإنسان وتحقيق العدل. قال الله تعالى مخطبا النبي دااؤد عليه السلام: ﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ، إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾[5]

وفي المدلول السياسي، لقد اهتم القرآن الكريم بمبدأ الشورى، وهو أساس النظام السايسي في الإسلام. وقد ظهر ذلك جليا من خلال الآيات التي تناولت هذه القضية سواء باللفظ الصريح أو التلميح. لقد وردت كلمة "الشورى" ومشتقاتها بكل صراحة في ثلاث آيات من القرآن الكريم.

 فالآية الأولى التي تناولت جانبا من جوانب الحياة الأسرية وذلك في قوله تعالى: "﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾[6]

والآية الثانية التي تناولت جانبا من جوانب العمل السياسي وذلك في قوله تعالى: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين﴾[7]

والآية الثالثة الأخيرة التي تناولت جانبا من جوانب الأخلاق والسلوك وذلك في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾[8]

 فضلا عن ذلك تسمية سورة في القرآن الكريم باسم الشورى التي ذكرت فيها الآية الكريمة، فما حملت هذا الإسم إلا لبيان العنية بالشورى، وما سميت بهذا الإسم إلا لأنها الصورة الوحيدة التي قررت الشورى عنصرا مهما من عناصر الشخصية الإيمانية. وهذا كله حديث عن السياسة والسياسيين تحت كلمة غير سياسية.

إن القيم التي دعا إليها القرآن الكريم في التعامل السياسي هي عبارة عن أسباب النجاح في بقعة من الأرض، لأن القرآن الكريم صالح لكل زمان ومكان. وإن اختصاص الخطاب السياسي في القرآن الكريم هو المنطق والاساس لبناء نظام سياسي قوي ومتين ومستدام، وهو نظام شامل يخاطب العقل ويحاكي الواقع ويعد نظاما كاملا للحياة السعيدة.

دكتور معراج أحمد معراج الندوي

 الأستاذ المساعد ، قسم اللغة العربية وآدابها

 جامعة عالية، كولكاتا- الهند

..................

 الهوامش:

 [1] القرآن الكريم، سورة النساء الآية،54

[2] القرآن الكريم، سورة القصص الآية5

[3] القرآن الكريم، سورة النور الآية 55

[4] القرآن الكريم، سورة النساء الآية 58

[5] القرآن الكريم، سورة ص، الآية 26

[6] القرآن الكريم، سورة البقرة: الآية 233

[7] القرآن الكريم، سورة آل عمران: الآية 159

[8] القرآن الكريم،سورة الشورى: الآية 38

 

 

حسن الحضريلكل عمل قواعده التي يرتكز عليها، وآلياته التي يتم من خلالها، والعمل البحثي عمل يُفترَض فيه السعي إلى إثبات شيء ما، من خلال منهج علميٍّ قائم على أسس، يتم تطبيقها باستخدام آليات وُضِعت لذلك؛ ولأسبابٍ عديدةٍ اقتحم مجالَ العمل البحثي أناسٌ يفتقدون الموهبة والإبداع، والقدرة على الفهم والتحليل والاستنباط، فجاءت أعمالهم البحثية بطريقة تخريبية، تعمل على التشويش والتزييف، وربما كان ذلك عن غير قصدٍ منهم، لكن السبب الحقيقي أشد وأكثر خطورة؛ لأنه الجهل، وكفى بهم ضلالًا أن يخوضوا فيما لا يعلمون!!.

ومن الأخطاء العلمية المنتشرة بكثرة عند هؤلاء الباحثين: تحريف النُّقول، والخلط بين المصادر، وعشوائية العزو والتوثيق، وبناء نظريات أو مسلَّمات خاطئة، ناتجة عن سوء تطبيق المنهج والآليات، كما يقع الخطأ عن طريق توهُّم تعدُّد المصادر؛ حيث نجد أحيانًا عند النظر، أن تلك المصادر المتعددة ليس لها إلا طريق واحد، لكنَّ تعجُّلَ الباحثِ جعله يعتقد تعدُّد الطرق والروافد، فيتخذها دليلًا لصالحه، دون تمحيصٍ أو نظرٍ في التعليقات العلمية المصاحبة لها.

وربما ورد الخطأ بسبب عشوائية متابعة النُّقول المطبوعة، والتسليم بصحَّتها دون الرجوع إلى أصول المخطوطات، فأحيانًا تقع الطبعة الأولى لمخطوطٍ ما في أخطاء علمية لسبب أو لآخر، ثم تنتشر تلك الأخطاء من خلال المتابعات والنُّقول؛ ولِتفادي هذا النوع من الأخطاء؛ يجب على الباحث عرض هذه النُّقول على الثوابت والقواعد، من خلال عملية استقراء صحيحة، فإذا وجد خللًا؛ رجع إلى الأصل بحسب طبيعته وماهيته.

وقضية أخرى ربما كانت أكثر انتشارًا في البحوث الأكاديمية على وجه الخصوص؛ حيث يسعى الباحثون إلى إثبات أو نفي مسألة بعينها، أو التنظير والتأصيل لقاعدة أو نحو ذلك، فيعمِد بعضهم  إلى التلفيق والتدليس، بما يصبُّ في صالح نظريته التي يقوم عليها بحثه، وربما كان الباحث مضطرًّا إلى إثبات النتيجة التي يسعى إلى إثباتها، لكن ليس له عذر في اختلاق هذا الإثبات عن طريق التدليس ونحوه؛ لذا يجب على أساتذتهم توجيههم إلى آليات البحث الصحيحة، ومتابعة خطواتهم أولًّا بأول.

وأحيانًا يعمِد الباحث إلى إيراد ما يوافق مراده من نتائج أثبتها آخرون، دون النظر في كيفية إثباتها، وهذا يضعه تحت طائلة إشكالات وملابسات، يمكنه التخلص منها عن طريق تتبُّع خطواتهم في بناء نظرياتهم أو إثباتها، فربما كانت النتيجة لديهم صحيحة لكن التعليل لها غير صحيح، فلا يجب على الباحث الاكتفاء باستقصاء ما يوافقه؛ بل يتطرق إلى تأصيل المقدمات التي تؤدي إلى النتيجة المطلوبة؛ لأن النتائج التي لا توافق المقدمات الصحيحة؛ تنعدم علاقتها بها وإن كانت النتيجة صحيحة في جوهرها.

ومما يجب أن ينتبه إليه الباحث أيضًا؛ احتمال وقوع التصحيف أو التحريف في مصادره المتعلقة بمادة بحثه، ويمكن أن يتعرَّف ذلك من خلال استقراء المادة التي يبحثها، وعرضِها على الحقائق، وهذا يتطلب منه الإلمام أولًا بطبيعة بحثه، وما يتعلق به من معلومات، بجانب القدرات اللغوية والإبداعية، ومن هنا تتضح أهمية الثروة المعلوماتية، التي يحتاجها الباحث؛ إذْ لا ينفعه أن يحصر نفسه في إطارٍ ضيقٍ داخل مجالٍ بعينه من مجالات البحث العلمي؛ فالعلوم شجرة تتشابك أغصانها، ويؤدي كلٌّ منها إلى الآخر، وهذا يوضح لنا بِدَورِه مساوئ العملية التعليمية، التي تعتمد على التخصص، ثم يجد الباحث نفسه مطالَبًا بالإلمام بعلومٍ شتى تتصل بتخصصه، وهو لا يعرف عنها شيئًا؛ لأنه لم يسمع بها في مراحل تعليمه، وليس لديه الموهبة التي تعينه على تحصيلها، وهذا كله ينعكس في النهاية على العمل الذي يقوم به، فنجد كمًّا هائلًا من البحوث والدراسات التي لا علاقة لها بأصول العمل البحثي من قريب أو بعيد، ولا أثر لها إلا التخريب والتزييف.

ولا شك أن النتائج المترتبة على أخطاء البحوث العلمية، تتفاوت آثارها بحسب طبيعتها؛ فالأخطاء الناتجة عن سوء تطبيق المنهج والآليات، تكون أسوأ وأشد من الأخطاء الناتجة عن تناوُل نظريات غير صحيحة من خلال منهج صحيح؛ لأن النظريات غير الصحيحة يسهل تفنيدها والرد عليها، وتحمل في طياتها أدلة بطلانها، أما الأخطاء المنهجية فإنها تؤدي إلى تشتُّت الذهن، وربما قادت بعض الباحثين إلى بناء نظريات مضادة، تؤدي إلى زخمٍ محضٍ لا طائل منه إلا إرباك العملية البحثية، وضياع المزيد من الوقت والجهد في التَّتبُّع والتمحيص والتنقية.

 

حسن الحضري

عضو اتحاد كتاب مصر

 

سليم مطرمن يعاين تاريخ (العراق وايران) منذ تأسيس اول دولة ايرانية (الاخمينية) قبل 2600 عام، وحتى الآن، يندهش من هذه الحالة العجيبة النادرة في تاريخ بلدان العالم:

ايران، دائما هي التي تغزو وتحتل العراق، وفيه تختار عاصمتها وتتبنى ثقافته وحضارته.. ومن العراق تعلن امبراطوريتها الاقليمية، ولكن فيه أيضا، تتلقى الضربة الكبرى التي تطيح بأمبراطوريتها وتنهي دولتها!!؟؟

ـ ان عدد الاحتلالات الايرانية للعراق: الطويلة (ثلاثة حقب قبل الاسلام، مجموعها حول 1000 عام) . اما القصيرة (حقبتان زمن الصفويين، لاكثر من 30 عام) . اما الغزوات الانتقامية والتدميرية فهي كثيرة ومستمرة حتى الآن.

ــ من الحالات النادرة، ان تقوم دولة باحتلال دولة ثم تجعل عاصمتها الاساسية فيها! وهذا بالضبط ما فعلته جميع الدول الايرانية التي احتلت العراق، اذ جعلت عاصمتها الرئيسية فيه: بابل، ثم سلوقيا (قيطسفون ـ المدائن قرب بغداد الحالية) وايضا (سوسة، في الاحواز) جنوب العراق. كذلك التماهي في الحضارة العراقية، مثل: الكتابة المسمارية واللغة الاكدية مع العقيدة والثقافة البابلية، ثم الكتابة واللغة ألآرامية مع الديانة المسيحية. اما بعد الاسلام (القرن السابع م)، فقد اخذت ايران الاسلام واللغة والحضارة العربية بمراكزها العراقية: (بغداد والبصرة والكوفة والموصل) . ثم اخيرا بلغ التماهي العشقي الايراني ذروته (بعد عام 1500) بتبني المذهب الشيعي، لتبرير تعلقهم (الديني) بالعراق وعتباته الشيعية المقدسة.

اما العراق، فلم يتمكن من فرض سيطرته الفعلية على ايران طيلة التاريخ الا لمرة واحدة، في العصر العباسي الاول (750ـ 847) . بنهاية العصر العباسي الاول بدأت الخلافة العباسية في بغداد، تتحول عمليا الى دولة عراقية، بعد ان فقدت سيطرتها المباشرة على باقي انحاء الامبراطورية حيث سيطرت عليها دول محلية تابعة اسميا لخليفة بغداد. (1)

1244 العراق وايران

اما اسباب هذا العلاقة المختلة والظالمة بين البلدين:

1 ـ ان جغرافيا ايران كهضبة جبلية مرتفعة جدا، تسهل عليها حربيا احتلال العراق الذي هو وادي سهلي بلاد حدود طبيعية خارجية تحميه.

2 ـ ان ايران بسبب هضبتها الجبلية المغلقة، ظلت مدفوعة بحاجتها المادية والروحية لسهول العراق الخصبة، ولنهريه الوفرين، وكذلك من اجل بلوغ شواطئ البحر المتوسط (لقد إحتلت الشام ومصر عدة مرات، قبل الاسلام) . (2)

3 ـ أما العراق فقد ظل عكس ايران تماما، لم تكن له اية حاجة فعلية (اقتصادية او استراتيجية او حضارية ) لاحتلال ايران، لأن حاجته الفعلية ظلت دائما بالاتجاه نحو (سوريا الطبيعية) حيث شواطئ البحر المتوسط الواعدة، ناهيك عن التداخل الجغرافي بين البلدين (اعالي الفرات) الذي فرض طيلة التاريخ تداخلا حضاريا وسكانيا وتجاريا. (3)

مسلسل الاحتلالات الايرانية

1ـ الدولة الأخمينيَّة ـ Achaemenid 550–330 ق.م: وهي الدولة التي يفتخر بها عادة الايرانيون ويبدأون بها تاريخهم الوطني، حيث تمكن مؤسسها (الملك كورش) من تحويل امارته الفارسية الى امبراطورية كبرى بعد احتلاله بابل (539 ق.م) . حتى الآن يحتفل الايرانيون بـ (سقوط بابل) كـ (يوم وطني) باسم (يوم كورش)، كل عام نهاية (تشرين الاول ـ اكتوبر) ! (4)

ـ اتخذ الاخمينون من (بابل) عاصمة رئيسية لامبراطوريتهم (مع مدينتي "سوسا" في الاحواز، و"تخت جمشيد" في فارس) . كذلك تبنوا (الكتابة المسمارية الاكدية) مع (الآرامية: لغة العراق وسوريا) كلغة رئيسية مع باقي نواحي الحضارة البابلية، اعياد وتقويم وعقائد وفنون.. الخ (5)

ـ كما انبثقت الأمبراطروية الاخمينية باحتلال العراق (بابل)، كذلك انتهت فيه، بعد (معركة گوگميلا: مكان بين اربيل والموصل) التاريخية الشهيرة في (331 ق.م) بقيادة الاسكندر المقدوني (اليوناني) حيث انهزم آخر ملوك الاخمين (داريوش الثالث)، ثم قتل بعد اشهر على يد أحد اتباعه الذي طمع بجائزة الاسكندر. اختار (الاسكندر) مدينة (بابل) لتكون عاصمة لامبراطوريته العالمية، ومات ودفن فيها. ثم انشأ خليفته (سلوقوسٍ ـ Saleucus) عاصمة جديدة (مدينة سلوقيا ـ Saleucia) (المدائن) على (نهر دجلة) قرب (بغداد) الحالية. (6)

2 ـ الدولة الفرثية: Parthian 141 ق.م – 224 م : وهي قبيلة ايرانية تمكنت من تحويل امارتها الى دولة تابعة للسلوقيين اليونان. اخيرا تمكن احد ملوكهم (مهرداد ـ ميثرادتس الاول Mithridate Ier) من تحويل دولته التابعة، الى امبراطورية كبرى، بعد تغلبه على السلوقيين عام 141 ق.م، واحتلال (بابل) ثم (سلوقيا ـ دجلة) ثم (سوسا ـ الاحواز) . وفي (سلوقيا ـ قرب بغداد) سكّ لأول مرة عملة لامبراطوريته الناشئة. وقد وسّعوا العاصمة الى ضفة دجلة الثانية وسمّوها (قيطسفون ـ المدائن) . (7)

3ـ الدولة الساسانيَّة ـ Sasanian 224–651: وهي عشيرة فارسية كانوا من كهنة المجوسية. وقد تمكن ملكهم (اردشير) من انهاء (الامبراطورية الفرثية) في معركة (هرمزدگان 224 م) في جنوب العراق والاحواز، التي قتل فيها آخر أمبراطور فرثي (اردوان الخامس Artaban V) . (8)

ثم أعلن (اردشير) من العاصمة (سلوقيا ـ قيطسفون ـ المدائن قرب بغداد) نهاية الفرث وتنصيب نفسه (شاه) الامبراطورية الساسانية. ومثل اسلافهم تبنوا الآرامية والثقافة السائدة في العراق. (9)

ـ (معركة القادسية) ونهاية الساسانيين: اخيرا، قد انتهت هذه الامبراطورية ايضا في العراق (معركة القادسية 636 م) على يد العرب المسلمين وهروب آخر ملك (يزدجرد الثالث) الى ايران حيث ظل يأمل باسترجاع العراق، رئة الامبراطورية، فاضطر العرب الى اجتياح ايران والانتصار في (معركة نهاوند 642 م) التي انهت تماما حلم (يزدجر) الذي هرب الى خرسان حيث اغتاله احد اتباعه.

من الدولة الصفوية حتى العصر الحالي

بعد الاحتلال المغولي لجميع آسيا وبعض اوربا، واعقبه قيام الدول التركمانية، بقي العراق وايران في علاقات مشتبكة والخضوع لنفس الدول المحتلة. لكن ايران تمكنت اخيرا من تأسيس دولتها الوطنية المستقلة بفضل الاتراك الاذربيجانيين:

ـ الدولة الصفوية 1501 ـ 1722 م : كالعادة اتجه مؤسسها (اسماعيل الصفوي) لتحقيق الحلم الايراني الدائم: احتلال العراق، من اجل التحول الى امبراطورية. وكان من اول تدابيره انه قرر فرض (المذهب الشيعي)، ليكون مبررا لاحتلال العراق مقر مرجعيات ومقدسات الشيعة. وكذلك لمواجهة الامبراطورية العثمانية (السنيّة) الصاعدة. وفعلا تمكن من احتلال العراق لعشرين عام 1509ـ 1535، حيث تم طردهم من قبل العثمانيين. ثم عادوا ليسيطروا لبضعة اعوام 1624ـ1638. وكان فشلهم في الاستقرار في حكم العراق سببا حاسما في ديمومة ضعفهم ونهاية دولتهم على يد قبيلة افغانية.

هكذا استمرت غزوات ايران للعراق طيلة القرون الاخيرة، زمن العثمانيين وفي العصر الحديث، ومن اهم الاحداث:

ـ الاستيلاء على (الاحواز العربية العراقية) عام 1925، ثم اغتيال زعيمها (الشيخ خزعل الكعبي البصري) .

ـ دعم التمردات الكردية لاجبار العراق على التنازل عن حقوقه الطبيعية في (شط العرب) .

ـ دعوة الخميني الصريحة لأسقاط النظام العراقي وتكوين جمهورية اسلامية، مما ادى لنشوب الحرب المدمرة بين البلدين لتسعة اعوام.

ـ بعد عام 2003 ضمن توافق ايراني ـ امريكي حول العراق، تم تقاسم النفوذ بينهما من اجل تحقيق هدف واحد: تدمير العراق وإذلال شعبه وسرقة ثرواته، والعمل بكل الوسائل على ابقائه مريضا تابعا. كالعادة، صار العراق مركز التوسع الايراني في المنطقة، حيث امتد نفوذها الى لبنان وسوريا والجزيرة العربية، وتهدد بأن تصبح دولة نووية. وايضا كالعادة، فأن نهاية هذه المحاولة الامبراطورية قد انتهت الى الابد، ومن ساحة التحرير في بغداد.

 

سليم مطر ـ جينف

..........................

المصادر:

لقد وضعنا ايضا روابط انترنت وويكبيديا لتسهيل اطلاع القارئ. لكننااعتمدنا اساسا على مصادر باللغات العربية والفرنسية والانكليزية، نسجل بعضها:

1ـ ان ايران انفصلت عمليا عن خليفة بغداد منذ قيام (الدولة الطاهرية 821 ـ سلالة عربية) في افغانستان الحالية وشملت القسم الاكبر من ايران. ثم أعقبتها عدة دول فارسية وتركية، سيطرت على ايران وافغانستان وتركستان. حتى الغزو المغولي عام 1256. (راجع مثلا: تاريخ ايران ـ ويكيبديا) .

2ـ عن اهمية الفروق الجغرافية بين العراق وايران، طالع موضوعنا: الشخصية العراقية والشخصية الايرانية، العُشــــق الدامــــي! http://salim.mesopot.com/hide-feker/105-2019-09-11-16-55-29.html

3ـ ليس صدفة، ان اعتبر المؤرخون (العراق وسوريا الطبيعيةـ بلدان الشام) منطقة واحدة تحت اسم (الهلاف الخصيب) . حيث بقيا طيلة التاريخ بنفس التكوين الحضاري، خصوصا ناحيتي اللغة والدين: الاكدية ـ الكنعانية وعقيدة الخصب والنجوم. ثم اللغة الارامية ـ السريانية والديانة المسيحية. اخيرا اللغة العربية والاسلام.

4ـ عن الملك (كورش) و (الاخمينيين) طالع موضوعنا:

http://mail.almothaqaf.com/a/aqlam2019/935673

ـ بالاضافة الى (بابل) كعاصمة رسمية وحضارية، اتخذ الاخمينيون عواصم ثانوية اخرى: مدينة سوسا في الاحواز، ومدينتي (اكبتان)، و (تخت جمشيد ـ برسبوليس) في ايران.

5ـ عن تقليد الايرانيين للفنون والبناء في العراق القديم:

ـ دي جوبينو : تاريخ الفرس ؛ هنري برستد : انتصار الحضارة ص 65 . 273 .

ـ د.فريد الشافعي- العمارة العربية في مصر الإسلامية-المجلد الأول-ص162- القاهرة 1994.

ـ كذلك طالع دراسة مهمة حول الموضوع للباحث والمعماري العراقي (علي ثويني) :

http://www.alnoor.se/article.asp?id=15763

6ـ عن الدولة السلوقية:

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B3%D9%84%D9%88%D9%82%D9%8A%D9%88%D9%86

ـ كذلك طالع مثلا ويكبيديا، عن الحضارة الهيلينية: وهي الحضارة اليونانية الاولى، ثم (الهيلينستيةHellenistic ) وهي الحضارة اليونانية التي نشأت في الشرق بعد غزو الاسكندر، بين القرن الرابع ق.م حتى القرن الخامس م، طالع:

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B9%D8%B5%D8%B1_%D9%87%D9%84%D9%86%D8%B3%D8%AA%D9%8A

7ـ عن الدولة الفرثية وتأسيسها، طالع:

 Mithridates_I_of_Parthia

https://en.wikipedia.org/wiki/Mithridates_I_of_Parthia

كذلك:

- Curtis 2007, p. 10-11 ; Brosius 2006, p. 86-87 ; Bivar 1983, p. 34 ; Garthwaite 2005, p. 76

8ـ عن تأسيس الدولة الساسانية، طالع:

-Frye (2005) , op. cit. p. 466-467.

كذلك راجع ويكيبديا: Battle of Hormozdgan

ـ الموسوعة الايرانية:

-Shahbazi, A. Shapur (2004) . "Hormozdgān". Encyclopaedia Iranica, Vol. XII, Fasc. 5. pp. 469–470.

9ـ عن الوضع الحضاري زمن الساسانيين:

- كريستنسن، آرثر - ايران في عهد الساسانيين - ص 22– 23- 162 - دار النهضة - بيروت.

ـ عن اهمية (قيطسفون ـ المدائن) في هذه الحقبة: كريستنسن: ص 367 ـ 372

ـ عن (دور المسيحيين العراقيين) في هذه الحقبة، طالع:

ـ تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية ـ جزء اول ـ الأب ألبير أبونا ـ دار المشرق ـ بيروت ـ ط 3 : 1992/ وهو موجود ايضا في الانترنت.

كذلك طالع:

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%83%D9%86%D9%8A%D8%B3%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%82

 

 

محمود محمد عليشهد القرن العشرين في فلسفة العلم ظهور مجموعة من الفلاسفة والعلماء  ُأطلق عليهم دعاة المذهب "الاصطلاحي"، فقد نظروا إلى القوانين والنظريات والأنساق العلمية بوصفها اصطلاحات للربط بين الظواهر والتنبؤ بها والسيطرة عليها، توصف بالصلاحية أو عدم الصلاحية، وليست تعميمات استقرائية أو قضايا إخبارية ذات محتوى معرفي عن العالم التجريبي لتوصف بالصدق أو الكذب. فتقاس قيمة النظرية العلمية بقدرها على أداء وظائف العلم، وليس بقدرتها على التعبير عن الواقع بصدق.

بمعني أن القوانين العلمية والنظريات والأنساق العلمية ليس صورة عقلية طبق الأصل من الطبيعة، بل الأمر فى مجملة أشبه بصياد رمى بشبكة فى بقعة ما من البحر يريد صيداً، فهل ما تخرج به الشبكة يعبر عن حقيقة ما يوجد فى أعماق البحر، أم أن ذلك يتوقف على المكان الذى اختاره الصياد للصيد ونوع الشباك واتساع فتحاتها وغير ذلك، ولو تغير أحد هذه الأشياء لتغير لذلك الصيد كما   وكيفاً. وهكذا فمفاهيم وقوانين العلم عندهم كشبكة الصياد، أى اصطلاحات متعارف على معانيها بين العلماء، إنها مجرد وسائل مفيدة لفهم الطبيعة. فإذا صادفنا ما هو أفضل منها " وظيفياً "  بادرانا بالتخلص منها كأي شئ استهلاكي عادي. بيد أن هذا لا يعنى أن قوانين الطبيعة هى قرارات عشوائية يتفق عليها العلماء اليوم ليختلفوا غداً.

ونختار ممثلاً لهذه النزعة هنري بوانكاريه ن البساطة، حيث يؤكد في كتاباته أن مبدأ الاختيار بين النظريات هو اختيار أبسط الاصطلاحات الممكنة , ولقد ميز بين الوضع المفرط في التعقيد من جهة، وبين النظريات العلمية البسيطة التي تفرضها عقولنا عليه من الجهة الأخري، فليست الطبيعة هي البسيطة، بل نظرياتنا التي تفرضها عليها هي البسيطة ؛ يقول بوانكارية :"  لنلاحظ – بادي ذي بدء – أن كل تعميم يفترض إلي حد ما الاعتقاد بوحدة الطبيعة وبساطتها. فأما الوحدة فلا إشكال فيها، إذ لو تكن مختلف أجزاء الكون مثل أعضاء الجسد الواحد، لما كان لبعضها أن يفعل في البعض الآخر، وما كان لصلة ما أن تقوم بينها، وأما نحن بالأخص فلن نعرف منها إلا جزءا واحدا، ولذلك لم يكن علينا أن نتساءل عما إذا كانت الطبيعة واحدة بل عن الكيفية التي هي بها واحدة , أما فيما يتعلق بالمسألة الثانية فالأمر ليس علي ذلك اليسر لأنه من غير المتأكد أن الطبيعة بسيطة. فهل لنا – من دون الدوران تعرض للخطر – أن نتصرف وكأنما هي بسيطة ؟".

ثم يؤكد بوانكارية علي أن البساطة مرتبطة – أساساً – بالتغيير التصوري في العلم. وهذا ما يجعلها مبداً مرناً يتلازم مع إتساع المعرفة باستمرار وفي هذا يقول بوانكارية :" لقد ولي الزمن الذي كانت فيه بساطة قانون ماريوت Mariotte حجة تشهد لصحته وكان فيه فرزنيل Fresnel نفسه يظن أنه ملزم بتقديم بعض التفاسير لتحاشي صدام الرأي السائد، وذلك أن قال في حوار مع لابلاس إن الطبيعة لا تعبأ بمصاعب الحساب التحليلي. أما اليوم فقد تغيرت الرؤي. ومع ذلك فإن الذين لا يعتقدون بأن اللازم في القوانين الطبيعية أن تكون بسيطة يجدون أنفسهم مكرهين في كثير من الأحيان علي أن يتصرفون كأنما هم يسلمون بذلك، حيث لا يمكنهم التخلص كليا من تلك الضرورة من دون أن يصيروا كل تعميم وبالتالي كل علم مجالا. فمن الجلي أن واقعة ما يمكن تعميمها بطرق شتي، وأنه علينا أن نختار، وهو اختيار أبسط لا نستأنس فيه إلا باعتبارات تتصل بالبساطة.

وينتهي بوانكارية إلي القول بأن: " كل قانون يعتبر بسيطا حتي يأتي ما يخالف ذلك.تلك عادة فرضت نفسها علي الفيزيائيين للأسباب التي كنت أشرحها.ولكن كيف لنا أن نبرر حيال اكتشافات تبين لنا كل يوم تفاصيل أثري وأعقد ؟ بل كيف لنا حتي أن نوفق بينها وبين الإحساس بوحدة الطبيعة ؟ فإذا ما ترابطت جميع الأشياء، فلا سبيل إلي أن تكون العلاقات بسيطة، وقد لا يكون لعلاقات يتدخل فيها هذا الكم الهائل من الموضوعات أن تكون بسيطة ".

وهنا يريد بوانكارية أن يبين لنا أن  قوة النظرية تكمن في بساطتها، فإن هذا ما يجعل العالم يسعي إلي " تأليف نظام أو نسق مفترضات بحيث يضع في اعتباره أنه لا يظل يتمسك به إلي الأبد وإنما ينبغي أن يتخلي عنه طالما أصبح غير ملائم أو بسيط ويحاول التوصل إلي نسق أخر أبسط منه ليحل محله." فإن نتفق علي ما هو أبسط، أن يكون مفيداً من الناحية العملية.

ويضرب لنا بوانكارية بعض الأمثلة من تاريخ العلم، فيقول :" إذا ما درسنا تاريخ العلم وقفنا علي ظاهرتين متعاكستين تقريبا، فتارة تتخفي البساطة تحت مظاهر معقدة وتارة تتجلي البساطة ظاهريا وتتخفي خلفها وقائع غاية التعقيد. وهل أعقد من الحركات المضطربة لدي الكواكب ؟ وهل أبسط من قانون نيوتن ؟ هاهنا لا تلجأ الطبيعة – في غير التفات إلي مصاعب التحليل كما يقول فرزنيل – إلا إلي وسائل بسيطة تؤلف بينها، فتشكل ما لست أدري من دروب الحبك التي لا فكاك لها. تلك هي البساطة المتخفية وهي التي يجب أن نكتشفها... فنظرية "نيوتن" – مثلاُ – الآن وخصوصاً بعد ظهور النسبية، ليست إلا مظهراً لنظام ميكانيكي معقد- بعد أن كان نتاجاً بسيطاُ لاضطرابات الميكانيكا السماوية والأرضية علي السواء. وقد ظلت بساطتها ردحاً طويلاً متحجبة وراء هذه الاضطرابات المعقدة. فمن أجل هذه البساطة كانت  الدعوة "إلي الخروج علي ما هو مألوف وموروث ". وإذا كانت البساطة قد ارتبطت بالتغير التصوري في العلم، فذلك لأنها لا تنظر إلي المحتوي المعرفي للنظريات من حيث الصدق أو الكذب أو القابلية للتأييد أو التكذيب.

وهنا يبرر  بوانكارية البساطة بالعمومية بمنأي عن كون النظرية تخبرنا بالأكثر أو محتواها المعرفي أو لأنها تخبر بصورة أفضل.فالأبسط تصوريا هو الأنسب لتسهيل المهمة ؛ أي أن بوانكارية يعالج البساطة وكأنها خلقنا الخاص. وعلي الرغم من كل ذلك، أكد بوانكارية أن البساطة علي الرغم من كونها تتعلق بالجانب التصوري، إلا أنها قد تكون ظاهرية أو واقعية. وقد تكون بسبب عاداتنا الفكرية كما هو ماثل في تفضيلنا – مثلا للهندسة الاقليدية عن سواها لأنها الأكثر ملائمة من الهندسات اللا اقليدية فهي بسيطة لأنها تتفق مع خصائص الأجسام الصلبة، الأجسام المألوفة لنا في واقعنا.

وإذا حاولنا أن نرد معيار البساطة في اختيار القوانين والنظريات إلي شئ ما فيما يقوله بوانكارية، فإنما نرده إلي أن هدف العلم في رأيه ليس فهم الطبيعة ذاتها علي غرار التجريبية، بل خلق إطار تصوري مبسط يسعي إلي إدراج الأشياء في منظومته فيكون الإطار الأبسط تصوريا هو الأنسب وهو النافع في ميدان العمل به. لذا كان معيار البساطة (المنفعة عمليا والنسق البسيط والجميل نظريا) من أهم المعايير التي في ضوئها نختار قانونا أو نظرية عند بوانكارية وغيره من الاصطلاحيين ؛ وبالتالي كان الهدف الأساسي لـ" بوانكاريه " من وضع هذا المعيار هو تركيز فلسفته في اختيار " مبادئ " النظرية المحملة بأبسط الاصطلاحات الممكنة دون النظر إلي البراهين التجريبية لنتائج هذه النظرية أو تلك.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل

 

عبد الحسين شعبانماذا يريد الكرد من العرب؟ وماذا يريد العرب من الكرد؟

حين تندرج مسألة الحوار العربي- الكردي في برنامج عمل جامعتي بغداد وكويسنجق، فهذا يعني وجود ضرورة وحاجة لبحث هذا الموضوع في إطار أكاديمي، خصوصاً حين يتصدّره عنوان آخر يتسم بفكرة أكثر عمومية هي" المثقف ومسألة التعايش".

وكان سمو الأمير الحسن بن طلال مؤسس "منتدى الفكر العربي" وراعيه أطلق دعوة لحوار عربي - كردي ضم مثقفين وأكاديميين وناشطين من المجتمع المدني من العرب والكرد في حلقة نقاشية في عمان العام الماضي (1 آذار /مارس/2018)، وأعقبها بمبادرة لحوار أعمدة الأمة الأربعة، وقصد بذلك العرب والكرد والفرس والترك، تلك التي التأمت في عمان  22/7/2018 .

وعلى هامش ذلك كان هناك مبادرات عديدة منها في تونس حيث انعقدت دورة لحوار مثقفي الأمم الأربعة 23 – 25 كانون الأول (ديسمبر) 2016 (بدعوة من المعهد العربي للديمقراطية) وفي بيروت لتأسيس منتدى التكامل الإقليمي بعد لقاءات ومشاورات .

وكان هدف جميع تلك المبادرات والأنشطة  تبادل وجهات النظر واستمزاج الآراء لتكوين تصوّر عام بما يساعد التقارب والتفاهم والتعاون وصولاً إلى " تعظيم الجوامع" وتعزيزها و"تقليص الفوارق" واحترامها، وخصوصاً لتجسير الفجوة بين أصحاب القرار والسياسيين والمعنيين بالشأن العام بمختلف مواقعهم من جهة، والمثقفين والأكاديميين والمفكرين من جهة أخرى.

إن الحاجة للتغيير والتنمية الحقيقة الشاملة  تكمن في الحوار الجاد والمسؤول وتذليل المصاعب والعقبات التي تعترض طريقه، فالحوار ليس اختياراً فحسب بل هو ضرورة لا غنى عنها للتفاهم وصولاً إلى التعاون لما فيه مصلحة جميع الأطراف، خصوصاً حين يتم حلّ الإشكالات والمشكلات بروح إيجابية وسلمية، لأن بقاءها واستمرارها سيؤدي إلى التباعد والاحتراب، بما يمكن أن يؤثر سلباً أو إيجاباً على دول الإقليم وعلى العلاقة التاريخية التي تربط شعوبه.

لم نجتمع هنا كفريقين يعرض كل منهما رأيه، لكي يتشبث به في إطار منافسة أو مناكفة، وإنما نجتمع كمثقفين تجمعنا هموم مشتركة، وهذا ما افترضه، دون أن يعني ذلك عدم وجود اختلاف بيننا حول التاريخ والحاضر وحول المستقبل، وهذا أمر طبيعي لا بدّ من الإقرار به، لأننا من مناشئ مختلفة ونحمل أفكاراً متنوّعة ولدينا تقديرات متباينة  للمشاكل والحلول المطروحة أيضاً، وهو ما ينبغي الإقرار به واحترامه، مع تأكيد المشتركات الإنسانية الجامعة، وهي الأساس في العلاقات العربية - الكردية، وينبغي أن تكون كذلك في علاقات دول الإقليم مع بعضها.

إن شعوب المنطقة جميعها تتطلّع إلى تحقيق مصيرها في تنمية مستدامة قوامها التحرّر والحرّية والمساواة والعدالة والشراكة والمشاركة، ولن يتحقق ذلك دون علاقات سليمة أساسها الأخوة وحسن الجوار والمنافع المتبادلة والمصالح المشتركة، وقد كان شعار اليسار العراقي منذ الثلاثينات " على صخرة الأخوة العربية- الكردية تتحطم مؤامرات الاستعمار والرجعية".

وإذا كانت الأمة العربية قد عانت من التقسيم الذي استهدف تفتيتها وتوزيعها على دول، بل وضع حواجز أمام اتحادها ووحدتها، فإن الأمة الكردية، هي الأخرى تعرّضت للتجزئة، حيث يتوزع الكرد على أربعة بلدان هي: تركيا وإيران والعراق وسوريا. وكلا الأمّتين  العربية والكردية، تعرضتا إلى مؤامرة سرّية نفذتها الدول الإمبريالية خلال الحرب العالمية الأولى، حيث تم توقيع اتفاقية سايكس - بيكو من وراء ظهر الأمتّين، العام 1916 بين بريطانيا وفرنسا، وكانت في البداية قد انضمت إليها روسيا، لكنها أعلنت خروجها منها، معلنة رفضها الاتفاقيات السرّية بعد الثورة البلشفية العام 1917. وكانت تلك الاتفاقية التفافاً على الوعود التي أطلقها الحلفاء حين اندلعت ثورة الشريف حسين العام 1916، بمنح العرب الاستقلال وتأسيس دولة عربية موحّدة، مثلما كانت اتفاقية لوزان العام 1923 قد سوّفت اتفاقية سيفر العام 1920 التي اعترفت بجزء من حقوق الكرد.

وإذا كان حق تقرير المصير كمبدأ قانوني وسياسي معترفاً به من جانب ميثاق الأمم المتحدة وتقرّه الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، فإنه يبقى هدفاً للأمتين العريقتين، ويعتمد تطبيقه في كل بلد على علاقة الأطراف والقوى السياسية ودرجة التفاهم والتعاون فيما بينها وصولاً لتحقيق الأهداف المشتركة، بل والمصائر المشتركة، مع الأخذ بنظر الاعتبار  التحدّيات والمخاطر التي تواجه المنطقة من جانب أعدائها والمتربصين بها وفي مقدمتهم "إسرائيل"، التي تستغل الخلافات والمواقف المتعارضة أحياناً بين العرب والكرد لتزيد من تأجيج الصراع وبث روح الكراهية والاحتراب، خصوصاً في ظروف ضعف الثقة والتقاطعات الحاصلة في المواقف، وهو ما ينبغي أن يوضع  في أية استراتيجية خاصة للوصول إلى الأهداف المشتركة.

وأستطيع القول أن اللجوء إلى العنف والوسائل العسكرية والحربية والمسلحة لإيجاد حلول للمشكلة الكردية فشلت جميعها، سواء من جانب الحكومات التي حاولت هضم حقوق الكرد العادلة والمشروعة والقضاء على الحركة الكردية، أم من جانب الحركة الكردية التي هي الأخرى لجأت إلى السلاح والعنف، حتى وإن كان الأمر اضطراراً، وهو ما تحاول بعض الأطراف الإقليمية والدولية دفعها إليه بزعم أنه الطريق الأقصر لنيل حقوقها، لكن العنف والوسائل العسكرية لم توصل جميع الأطراف لنيل غاياتها بقدر ما ساهمت في تعقيد المواقف، خصوصاً وأن تداخلات القوى الخارجية كانت لها بالمرصاد، وقد وجد أعداء الأمتين العربية والكردية فرصاً مناسبة لإضعافها  واستغلال الصراع بما يحرفه عن وجهته الأساسية.

ولهذا السبب ولأسباب أخرى موضوعية، ولاسيّما ما يربط العرب والكرد من ديانة وتاريخ وجغرافيا  وتواصل حضاري واجتماعي وثقافي وأسري، ناهيك عن المصالح المشتركة والجامعة بينهما منذ مئات السنين، والتي لم تشهد حروباً أو تطاحنات حادة منذ الفتح الإسلامي وحتى قيام الدولة العراقية الحديثة العام 1921، لا بدّ من اعتماد الحوار وسيلة أساسية لحلول دائمة وراسخة وعادلة على أساس " حق تقرير المصير" والبحث عن صيغ مناسبة لتطبيقه على صعيد قانوني ودستوري وانسجاماً مع التطور الدولي.

جدير بالذكر أن مثل هذه الدعوة التي كانت الريادة فيها للحركة الشيوعية منذ العام 1935 وفي الكونفرنس الثاني للحزب الشيوعي العام 1956 تبلورت فكرة " الاستقلال الذاتي" في إطار بحث مشروع عن الهويّة والوحدة القومية وصولاً إلى " الحكم الذاتي" في مطلع الستينات، بحيث أصبح شعار " الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان" شعاراً واسعاً، فالفيدرالية في مطلع التسعينات، حيث بدأت تقتنع بها أطرافاً عديدة من الحركة السياسية العراقية، ومنذ العام 1992 تبنّت المعارضة في الخارج فكرة الفيدرالية تطويراً لفكرة "الحكم الذاتي" وهو ما تم إقراره في الدستور الدائم العام 2005 (بعد الاحتلال).

وكان أول دستور عراقي يعترف بشراكة العرب والأكراد هو دستور العام 1958. أما دستور العام 1970 فقد كان أكثر تطوّراً منه حين اعترف بوجود قوميتين رئيسيتين في العراق، وذلك بعد بيان 11 آذار (مارس) العام 1970 وعلى أساسه صيغ قانون الحكم الذاتي العام  1974، ولكن للأسف فقد اندلع القتال واستمر لنحو عام ولم يتوقف حتى توقيع اتفاقية الجزائر في 6 آذار (مارس) العام 1975 بين نائب الرئيس العراقي صدام حسين وشاه إيران محمد رضا بهلوي، حيث استمر بعدها مسلسل القمع والاضطهاد وارتفعت وتيرته خلال الحرب العراقية - الإيرانية العام 1980- 1988، كما شهدت حملات تهجير واسعة شملت عشرات الألوف من الكرد الفيلية ومما يسمى "بالتبعية الإيرانية".

وكان قصف مدينة حلبجة بالسلاح الكيمياوي وغاز الخردل 16-17 /آذار /مارس 1988، حيث أصيب نحو 5 آلاف مواطن كردي فقد الكثير منهم حياته في الحال، قد استدعى من الحركة الحقوقية الدولية الإدانة رغم ضبابية الموقف، الأمر الذي انعقد على إثره مؤتمر باريس العام 1989 الذي طالب بوضع حدٍّ لاستخدام الأسلحة الكيمياوية المحرّمة دولياً، ثم أصبح "نزع أسلحة العراق" للدمار الشامل مادة مكررة في القرارات الدولية لمجلس الأمن ونظام العقوبات الذي اتُبع  منذ غزو الكويت في 2 آب/أغسطس العام 1992 ولغاية احتلال العراق العام 2003 .

ولعلّ من تداعيات مغامرة غزو الكويت  صدور قرار مجلس  الدولي رقم 688 في 5 /نيسان/ أبريل 1991، الذي أكّد احترام حقوق الإنسان والحقوق السياسية لجميع المواطنين ووقف القمع الذي تتعرّض له المنطقة الكردية وبقية مناطق العراق،  وذلك بالترافق مع مشاهد الهجرة الجماعية للكرد  إلى الحدود باتجاه تركيا وإيران بعد هزيمة القوات العراقية وانسحابها من الكويت، حيث توجّهت بعض هذه القوات، ولاسيّما بعد اجتماع خيمة صفوان  لقمع الهبّة الشعبية التي اندلعت في كردستان والتي أشعل شرارتها الأولى  محافظات الجنوب والفرات الأوسط.

ويشكّل هذا التاريخ عودة القضية الكردية ثانية إلى الأروقة الدولية منذ الالتفاف على معاهدة سيفر الصادرة في العام 1920، والتي اعترفت بجزء من حقوق الشعب الكردي، بإبرام معاهدة لوزان العام 1923، وهكذا بدأ مسلسل جديد للقضية الكردية ولعلاقة العرب بالأكراد.

وأتذكّر أننا نظّمنا حواراً بذات الصفة التي نجتمع فيها اليوم " الحوار العربي- الكردي" في إطار المنظمة العربية لحقوق الإنسان في لندن العام 1992 وبكل تواضع كان "العبد الفقير" يتولى رئاستها وهو من دعا إلى ذلك، وعلى ما أعتقد كان ذلك أول حوار عربي - كردي قد حصل على صعيد النخب الفكرية والثقافية حين اجتمع 50 مثقفاً عربياً وكردياً  ليناقشوا بعض إشكاليات العلاقة بعقل منفتح وأجواء حرّة: المواطنة، الحكم الذاتي، الفيدرالية، الكونفدرالية، حق تقرير المصير، مستقبل قيام دولة أو أكثر، ما هي الالتزامات المتبادلة والحلول المطروحة والعقبات والكوابح؟

وكان من المفترض عقد دورة ثانية، لكن اندلاع القتال الكردي - الكردي الذي استمر نحو 4 سنوات (1994-1998) حال دون ذلك، وما إن توقف القتال حتى استضافت القاهرة مثل هذا الحوار العام 1998، حضره شخصيات مصرية مرموقة مثل أحمد حمروش ومحمد فايق وسعد الدين ابراهيم وحلمي شعراوي ومحمد السيد سعيد، وكذلك شخصيات كردية وازنة مثل جلال الطالباني وفؤاد معصوم وسامي عبد الرحمن وهوشيار زيباري ومحسن دزئي ومحمود عثمان  ولطيف رشيد وعدنان المفتي وعادل مراد وعمر بوتاني وعزيز محمد وبهاء الدين نوري وعبد الخالق زنكنة ويوسف حنا القس  لكن الحضور العربي العراقي كان ضعيفاً، وهو أقرب إلى الحضور البروتوكولي، ولم يشارك كرد سوريا وإيران وتركيا، كما لم تكن هناك مشاركة عربية أخرى، وهي الملاحظة التي أعيدها الآن أيضاً.

وكان من المفترض انعقاد دورة ثالثة موسّعة  للحوار العربي - الكردي في العام 2001 بحضور نحو 150 شخصية عربية وكردية تمثل فاعليات وأنشطة فكرية وثقافية وحقوقية وسياسية متنوّعة، لكنّ بعض الخلافات والملابسات حالت دون ذلك، ثم جرت محاولات لاحقة لعقد بعض اللقاءات ذات الطابع السياسي في كل من السليمانية وإربيل ومن بينها انعقاد مؤتمر في النجف العام 2013، لكنها جميعها لم ترتقي إلى مأسسة الحوار ووضع مرجعيات له .

وقد نشأت لاحقاً جمعيات للصداقة العربية - الكردية ونظمت لقاءات وفعاليات عامة، ولكن إشكالية العلاقة والتباساتها ظلّت قائمة وتحتاج إلى ديناميكية وحيوية يمكن للمثقفين أن يسهموا فيها لاجتراح حلول ومعالجات أساسها بناء جسور الثقة والتفاهم.

أعتقد أننا بحاجة إلى حوار معرفي وثقافي وفكري على جميع المستويات بحيث يمكن أن يبلور رؤية جديدة تنطلق من الصراحة والكاشفة والنقد والنقد الذاتي، خصوصاً بقبول الآخر والاعتراف بحقوقه بما فيها الحق في الاختلاف. ويحتاج مثل هذا الحوار إلى توسيع ليضم فاعلين سياسيين من العرب والكرد وشخصيات وازنة من المثقفين العرب، كما يمكن أن يأخذ صيغة مؤسسية وفقاً لآلية يعتمدها وينفّذها في إطار برنامج للتعاون مع مؤسسات أخرى شقيقة وصديقة، يمكن الاستفادة منها من جانب جميع الأطراف، للقناعة بأهمية المشتركات الإنسانية، لاسيّما بعد أن أصاب التصدّع بعض جوانب العلاقات العربية- الكردية، بعد الاستفتاء الكردي في 25 أيلول /سبتمبر الماضي 2017، وللرغبة في إدامة التواصل والتفاعل والتفاهم والتعاون لتجاوز بعض العقبات والعثرات التي واجهت التجربة الفتية، والتي تحتاج إلى تنازلات متقابلة وحلول وطنية مدعومة عربية، وحوار دائم ومستمر لنزع الفتيل والبحث عن سبل للحلول السلمية بما يعزز وحدة العراق أرضاً وشعباً، وبما يلبي في الوقت نفسه حقوق الكرد وطموحهم المشروع في تقرير المصير، بما يتناسب مع المصالح المشتركة والظروف الملموسة والأوضاع السائدة في دول الإقليم.

إن الهدف هو فتح قناة مستديمة للتواصل بحيث يكون مثل هذا الحوار مجساً من مجسّات العلاقة يمكن توسيعه وتطويره  للتعرف الفعلي والمباشر: ماذا يريد العرب من الكرد ؟ وماذا يريد الكرد من العرب؟ الأمر الذي قد يذهب لوضع تفاصيل تتعلق بالثقافة والأدب والفن والتراث والتاريخ واللغة بما يقوي لحمة العلاقة ويعزز التفاعل، ويسهم في إيجاد الحلول السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية للمشكلات القائمة، بل إيجاد فرص جديدة لبحث مستجدّات في هذه العلاقة التي لا يمكن إلّا أن تكون متكافئة وعلى أساس الاحترام المتبادل للخصوصيات في إطار الهوّية  العامة الجامعة لعراق موحد وذو سيادة ويتّجه صوب التنمية.

ولعلّ من واجب الدولة، أي دولة تريد سلوك سبيل التطوّر الديمقراطي الحر والحقيقي، أن ترعى الهوّيات الفرعية وتمنحها القدر الكافي من التعبير عن نفسها بما تمثّله من طاقة وحيوية وحق مشروع وعادل في التعبير عن نفسها بالشكل الذي تريده وينسجم مع المصالح المشتركة .

إن العلاقة العربية - الكردية التاريخية لكي تنمو وتتطور لا بدّ لها من تجاوز بعض الإشكالات القائمة ولكي تستمر العلاقة وتأخذ مساراً صحيحاً ينبغي أن تقوم على أساس التكامل والتفاعل والتواصل  والترابط، وليس الترابح والهيمنة والانفكاك والتفلّت، لأن ذلك سيلحق ضرراً بالعرب والكرد، خصوصاً وأن المشتركات الجامعة تمثل المحتوى الأساسي لمضمون العلاقة ومستقبلها . ولا بدّ من إدراك حقيقة إن أي احتراب بينهما ينعكس على الوضع الإقليمي كما دلّت التجربة التاريخية، ولاسيّما إن المستفيد هو أعداء الأمتّين  الصديقتين.

وإذا كان الحوار "فرض عين وليس فرض كفاية" كما يُقال بين الجهات والجماعات السياسية المشاركة في الحكم وخارجه وبين الحكومة الاتحادية بشكل خاص وبين حكومة إقليم كردستان، فإنه اليوم وبعد تجارب عديدة يصبح أكثر راهنية ويمكن للمجتمع المدني أن يكون شريكاً فاعلاً فيه ومكمّلاً في اتخاذ القرار.

وقد يحتاج الأمر إلى وجود مؤسسة بحثية رصينة ودراسات اختصاصية معمّقة أو  تأسيس معهد عربي - كردي متخصص ويمكن توسيعه إلى معهد للدراسات الشرقية، لاسيّما للشعوب المجاورة بحيث يدرس علاقاتها مع بعضها، حاجة ملحة هدفها تنشيط حركة التواصل والنشر والترجمة والاطلاع على آداب وفنون وثقافات كل طرف بما لدى الطرف الآخر، إضافة إلى التحدّيات والمخاوف التي تواجه الهوّية المشتركة لهم والهويّة الخاصة لكل منهم على انفراد

وبخصوص العرب والكرد فإن وقفة مراجعة ضرورية لتنقية الأجواء وهو ما يحتاجه الطرفان، خصوصاً في ظلّ محاولات تستهدف كليهما وقد سبق لي أن طرحت ذلك من خلال :

- محاولة عزل الكرد عن المحيط العربي، وإضعاف ما هو مشترك وإيجابي في العلاقات وتقديم ما هو خلافي وإشكالي.

- اعتبار العرب والعروبة مسؤولين عمّا حدث للكرد من اضطهاد وعسف شوفيني، وتحميل العرب والعروبة ارتكابات النظام السابق وآثامه.

- اتهام الكرد بالانفصالية والعداء للعرب لمطالبتهم بحق تقرير المصير وإقامة كيانية خاصة مستقلة، وتحميلهم مسؤولية ما حدث وما يحدث بعد الاحتلال. ومثلما ينبغي التمييز بين عروبة الحكّام المستبدين وعروبة العرب، فإن ضيق أفق بعض النخب الكردية الانعزالية لا ينبغي أن يتحمّله المثقفون الكرد.

- تقديم ما هو طارئ ومؤقت وآني من قضايا شائكة ومعقدة، على حساب ما هو استراتيجي وثابت وبعيد المدى.

- عدم اكتراث بعض عرب العراق بمسألة كرد إيران وكرد تركيا وكرد سوريا وحقوقهم المشروعة.

- عدم اكتراث بعض كرد العراق أو غيرهم من الكرد بحساسية العلاقة مع "إسرائيل" المنتهِكة لحقوق الشعب العربي الفلسطيني، ولاسيّما حقه في تقرير المصير.

ولكي تتعزّز الثقة بين الطرفين فلا بدّ للمثقفين العرب تبديد مخاوف الكرد وذلك من خلال تعزيز وتوطيد العلاقة والتفاهم والمشترك الإنساني، والاعتراف بحقوقهم لا باعتبارها منّة أو هبة أو هديّة، بقدر كونها إقراراً بواقع أليم، فضلاً عن مبادئ المساواة والعدالة والشراكة والمواطنة المتكافئة التي هي الأساس الذي ينبغي أن يقوم عليه بناء الدولة، مثلما ينبغي أن تقوم عليه العلاقات بين الشركاء.

كما لا بدّ  للمثقفين الكرد تبديد مخاوف العرب بتأكيد اعتبارهم جزءًا من العراق في إطار حق تقرير المصير الذي اختاروه عبر النظام الفيدرالي، علماً بأن  لا سعادة للعرب من دون الكرد، ولا سعادة للكرد من دون العرب في العراق، لأن مصيرهما مشترك وذلك قدر الجغرافيا، سواء أكان نقمة  أم نعمة.

 

د.عبد الحسين شعبان

أكاديمي ومفكر عربي من العراق

 

ميثم الجنابيالعراق- نقد الواقع وتأسيس البدائل (17)

إن الانحطاط شأنه شأن الارتقاء والصعود من فصيلة واحدة هي فصيلة الإرادة الإنسانية. وهو حكم يحتوي على قدر متكافئ في أبعاده التاريخية والسياسية والأخلاقية. بمعنى إننا نعثر في مظاهر الصعود والهبوط على قوة أو ضعف الروح القومي أو الثقافي أو كليهما. وهو حكم فلسفي عام يبقى ضمن حيز الرؤية النموذجية بسبب سمو الفكرة الفلسفية صوب الواجب والمثالي. ويعطي لنا هذا السمو في نفس الوقت إمكانية رؤية الواقع بصورة اشمل بعيدا عن معترك قواه الجزئية وتصوراتهم المحدودة. وفي الحالة المعنية يمكنه شحذ الرؤية النقدية من اجل تحسس وإدراك وفهم طبيعة الانحطاط. وبالتالي المساهمة الفعلية في نقده النظري والعملي.

وبما أن فكرة الواجب والنموذج المثالي تبقى من حيز الفرضيات المستقبلية، بينما الانحطاط هو من نتائج الماضي وسيادته في العلم والعمل، من هنا طبيعة التناقض الجوهري بين الماضي والمستقبل في مراحل الانحطاط. وهو تناقض يدفع إلى المقدمة اشد الأشكال والمضامين تخلفا، كما انه عادة ما يدفع اشد المفاهيم جرأة وتحد. وعلى كيفية حل هذا التناقض تتوقف آفاق الدولة والمجتمع والقومية والثقافة.

غير أن الإشكالية الأكثر تعقيدا بالنسبة للتحليل السياسي العلمي لظاهرة الانحطاط يقوم في كون الانحطاط لا يعرف حدودا نهائية، بمعنى انه كالجهل والرذيلة لا حد لهما، من هنا يمكن فهم طبيعة الترابط بينهما. فالانحطاط هو مرتع الرذيلة ومنتجها المحترف! كما انه الحالة التي تجعل الأمور كلها مقبولة بما في ذلك أشدها امتهانا للعقل وانتهاكا للحكمة، بوصفها الحالة التي يقف أمامها العراق حاليا. فالانحطاط العام جعل من الممكن تحوره في مختلف الصور، أي استعداده غير المتناهي للتمظهر في مختلف الأشكال اللاعقلانية. ومن بين أشدها بروزا وتخريبا بهذا الصدد هو الفكرة الطائفية وتغلغلها التدريجي والعلني في السلوك العملي للنخب والأحزاب السياسية والجماهير. بل وتحولها إلى العصب غير المرئي المتحكم في «احتراف» القوى السياسية وتوظيفها المباشر وغير المباشر في «معارك الانتخابات» و«كسب العقول والأفئدة» و«تنظيم الدولة» و«محاربة الفساد» و«المعارضة» و«حقوق القوميات». وتشير هذه الظاهرة إلى ما يمكن دعوته بآلية الانحطاط وتخريب العقل والوجدان الفردي والاجتماعي.

طبعا، أن هذه الظاهرة، شأن كل مثيلاتها في معالم الانحطاط العام، ليست وليدة الانقلاب والتحول المفاجئ في النظام السياسي بعد سقوط الدكتاتورية الصدامية. بل يمكننا القول، بان نتوؤها العنيف في الآونة الأخيرة هي الثمرة الخبيثة الناتجة عن استمرارية تأثير ما يمكن دعوته بمنظوم الطائفية المبطنة التي كانت الصدامية صيغتها الأكثر تخريبا. فقد أدى إزاحة الدكتاتورية الصدامية إلى بعث مكوناتها الدفينة سواء من بين تلك القوى التي شعرت للمرة الأولى بإمكانية فقدانها «التاريخي» للسلطة، كما أنها ظهرت عند أولئك الذين تحسسوا للمرة الأولى بإمكانية «إحقاق الحق» في السلطة. وهي مواجهات تعبر في الواقع عن طبيعة الخلل الاجتماعي في النظام السياسي ومؤسسات الحكم.

بهذا المعنى يمكن النظر إلى ظاهرة الطائفية السياسية على أنها استمرار لتقاليد الخراب التي لا يمكن القضاء عليها بين ليلة وضحاها. لاسيما وأن بواعثها وحدودها الضيقة لا تتعدى كونها التمظهر العلني للصيغة المبطنة التي أدت إليها التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية. وتلازم هذه الحالة بالضرورة كل منظومة توتاليتارية بسبب مساعيها الإرادية وإرهابها المنظم من اجل توحيد الكل بالقوة والعنف. مع ما يترتب عليه من إخلاء وإفراغ للفرد والجماعة من مقومات التنوع والاختلاف، بوصفها القوة الحيوية والطبيعية التي تربط المكونات الضرورية لديناميكية التطور الاجتماعي.

فالتنوع والاختلاف مكونات ضرورية لتماسك الفرد وتكامل الدولة والمجتمع والثقافة. ومن خلالهما تظهر وتنمو شرعية البدائل بوصفها الصيغة النظرية والعقلانية الأكثر تجريدا لتأمل ودراسة تجارب التاريخ الوطني والقومي والعالمي. في حين تحاصر التوتاليتارية الكلّ من خلال رؤيتها الواحدة ونموذجها الواحدي، بحيث تحول الفرد والجماعة إلى كتلة هلامية بلا تميز ولا تمايز. مما يؤدي بالضرورة إلى إنتاج نفسية وذهنية القطيع. وليس مصادفة أن يؤدي انحلالها بالضرورة إلى ظهور مختلف الأشكال البدائية للوعي. وفي ظروف العراق أصبحت الطائفية والعرقية أشكالها الأكثر بروزا.

فقد أدت التوتاليتارية والدكتاتورية إلى إخلاء المجتمع من قواه الحية. واقتلعت كل الجذور الضرورية لحياة النخب السياسية والفكرية والروحية المستقلة، وهبطت بالذهنية الفردية والاجتماعية إلى حضيض العقائد النفسية. وهو حضيض لا قاع له غير أوحال المستنقعات المتراكمة في مجرى هذه العملية السيئة. بحيث أصبح الخروج منها إلى اليابسة محكوما بالتمسك بأية عروة قادرة على إنقاذ الفرد والجماعة من الغرق في بقايا الأوحال الرخوية التي شكلت من الناحية الفعلية «أرضية» الدولة و«سماء» الأفراد والجماعات. بمعنى احتماء كل منهما بقوة الرخويات الخربة وأوهام الانتماء المزيف. وهي عملية أدت إلى تسوس باطن الدولة والمجتمع وظاهرهما. وفي النتيجة تحولت الرخوية إلى المنظومة الأكثر فاعلية وحيوية في تأثيرها المباشر وغير المباشر على العقل والضمير والحس والوجدان. مع ما ترتب عليه من «حيوية ماهرة» في تجفيف الرؤية العقلانية ومصادر نموها الواقعي.

وليس مصادفة أن تكون اغلب القوى العائمة في سماء العراق وأراضيه اليوم هي من صنف الرخويات المتماسكة بعروة العقائد النفسية، كما نراها في تعرجات الخط البياني الصاعد للطائفية. وهي نفسية وذهنية تعيد إنتاج التوتاليتارية ولكن بصورة مصغرة. لكنها لا تقل تخريبا عنها. وذلك لأنها تصنع توتاليتاريات لا يوحدها سوى نفسية الاشتراك الفعال في تعميق التجزئة والاحتراب. ومن ثم انزوائها المتزايد صوب نفسية وذهنية الأقلية. وبهذا المعنى لم يكن صعود الظاهرة الطائفية إلى سطح الحياة السياسية سوى احد الأدلة الفعلية على عمق الخلل البنيوي في الهوية الوطنية وكذلك في نفسية وذهنية الأفراد والجماعات «المتعايشة» في العراق. بمعنى المنغلقة في باطنها والمنفتحة في ظاهرها. وهي حالة لا تصنع في الواقع غير همجية الولاء المزيف والرياء في الأقوال والأفعال، وذلك بسبب تناقضها الخبيث!

فإذا كانت المتناقضات تتمثل قوة الصراع وقدرته على إنتاج الجديد، فان تناقض الظاهر والباطن العراقي المشار إليه أعلاه هو الصيغة الأكثر تطرفا للتحلل والتجزئة. ومن ثم لم يفعل إلا على صنع «منظومات» مغلقة في الظاهر والباطن، تجعل من تعايش مكوناتها الاجتماعية جماعات متباغضة، ومن أفرادها ذرات متطايرة في هذه الجماعات. وهو تناقض كان يحلل الوحدة المتراكمة في البنية العراقية الحديثة من خلال إرجاعها إلى مكونات ما قبل الدولة. أما تعايشها المرير في ظل الدكتاتورية الصدامية فقد كان تعايشا محكوما بقوة القهر والإكراه. وبما أن القهر والإكراه لم يكن سياسيا خالصا، بل وطائفيا وجهويا أيضا، من هنا تراكم الطائفية المبطنة والمختبئة في أعمق أعماق النفس المتحللة من مشاعر الوطنية العراقية. وفي هذا يكمن سر بروزها السريع وتراكمها الهائل في الكلمة والعبارة والملبس والمأكل والعادات والعبادات والفكر والسياسة والمزاج والسلوك. باختصار في كل شيء.

لقد خرجت الطائفية بقوتها العنيفة كما يخرج البركان بكل ما كان يحترق في أعماقه. أما النتيجة فهي غيمة الحمم الكثيفة التي تحجب عيون البصيرة السياسية عن رؤية ما يجري، وتفسد الذوق الاجتماعي في تحسسه لمذاق الحرية. وإذا كانت الجماهير هي المادة الخربة لهذه الحيوية اللعينة، فان لعنتها الكبرى تقوم في عدواها الآخذة في الانتشار بين النخب السياسية. وتمثل هذه العدوى الوجه الآخر للعداء الفعلي في مكونات العراق الاجتماعية. ومن ثم حجم ومستوى الخراب في بنية الفكرة الوطنية ومرجعيات فعلها المناسبة في مراحل الانتقال العاصفة والتحديات الكبرى التي تواجهها الدولة والأمة. إذ يشير هذا الواقع دون شك إلى حجم الانحطاط السياسي للقوى الاجتماعية وضعف الدولة أو انحلال مضمونها الذاتي بوصفها القوة القانونية الموحدة للمجتمع ومصالحه المشتركة.

وهي مفارقة وجدت انعكاسها في التعبير الواسع الانتشار عن ربط الظاهرة الطائفية بأشكال هندسية مثل القول، مثلث الموت و«المثلث السني» وما شابه ذلك. وهي مفارقة من حيث معناها الواقعي والرمزي، التي جعلت من الرمز الهندسي في ظروف العراق الحالية رمزا للخراب والتخريب. بينما نعرف جيدا، بأن الهندسة اشتقاق لغوي زاوج في التاريخ والثقافة بين فكرة التبادل الثقافي والتناسق في العمارة. ويعبر هذا التزاوج عن حقيقة المهمة الذاتية للهندسة بوصفها أرقى الأشكال المعقولة للعمارة والتعمير. ومنهما ظهرت فكرة العمران بمعناها المدني والفلسفي. والرموز والأشكال الهندسية جميعا هي النموذج الأكثر دقة وجمالا للتناسق والوحدة. إذ لا تنافر ولا خلاف ولا صراع في الأشكال الهندسية. من هنا تساويها بالقدرة على إبداع الجميل.

غير أن تاريخ العراق الحالي اظهر لنا بعدا يتعارض مع الجمال والحقيقة، ألا وهو تحول «المثلث» إلى رمز الخراب والتخريب. حقيقة إننا نعثر على مقارنات تبتدعها الطبيعة ويحولها البشر إلى رمز ولكن من اجل تجنب الوقوع فيه، كما يقال عن مثلث برمودا. لقد أراد الإنسان من وراء ذلك القول بان «هندسة» الموت الطبيعية تحتوي في أعماقها على مؤشر قادر على أن يقدم لنا دليلا هندسيا للخروج من الموت نفسه. وتؤكد هذه النتيجة صحة الفرضية القائلة بان العلم الطبيعي هو عاصم لحقائق الوجود، بما في ذلك حياة البشر. أما في العراق المعاصر فان القضية تبدو أكثر تعقيدا بحيث تجعل من الضروري أحيانا إعادة البرهنة على أكثر الأمور بديهية من اجل إثباتها! وهو أمر إن دل على شيء، فانه يدل على منافاة ابسط مقومات العقل والعدل. وبالتالي هو مؤشر على عمق الانحطاط الشامل في العقل والوجدان والضمير، وعلى سعة الانتهاك «المنظم» لأبسط قواعد العلم والعمل العقلانية.

إذ لا يعني ظهور رمز «المثلث السني» و«المثلث الإرهابي» و«مثلث المقاومة» ثم «مثلث الموت» وما شابه ذلك سوى الصيغة التي تجعل من أكثر الأشكال هندسية ودقة ووضوح محل خلاف واختلاف لا يكتب حروفه ولا يمسحها سوى الدم. وعندما يصبح سيان من كان ساكبه الشرط الوحيد للبرهنة والتدليل على «المواجهة» و«التحدي» و«المقاومة»، فان ذلك مؤشر دون شك، على واقع انحطاط القيم والمفاهيم والرموز، ومن ثم خراب وتخريب أساليب الوعي والممارسة الاجتماعية والسياسية.

إن هذا الانحطاط والانتهاك، شأن كل خراب واستعداد على التخريب له مقدماته التاريخية ونماذجه «الملهمة». فهو يشير عموما إلى واقع الانقسام والتجزئة المتفسخة في بنية الوعي الاجتماعي والأخلاقي، كما انه يشير إلى انحلال البنية الذاتية للفرد والمجتمع والدولة والثقافة. بمعنى انحلال الحد الضروري الذي يكفل لكل منهم حق الوجود والفعل ضمن معايير المصلحة العامة. وهو انحلال رفعته التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية إلى مصاف «المرجعية» المتحكمة في كل جزيئات ومسام الوجود الاجتماعي.

طبعا، إن الانقسام والتجزئة بمعناها الاجتماعي والسياسي والطائفي والقومي والجهوي في العراق ظاهرة لها جذورها الخاصة. ويمكننا إرجاعها من الناحية التاريخية إلى ما بعد سقوط بغداد في منتصف القرن الثالث عشر حتى ظهوره الجديد في بداية القرن العشرين، أي بعد سبعة قرون من الغيبوبة والخمول. وأدت هذه المرحلة التاريخية الهائلة إلى تفتيت قواه الداخلية وإنهاك قواه الذاتية. بحيث أرجعته بما في ذلك «جغرافيا» إلى ما قبل الطوفان السومري. إلا أنها أبقت من الناحية الشكلية على معالمه المحفورة في الذاكرة والتاريخ والجغرافيا، بوصفه موطن ووطن الساميين القدماء والجدد (العرب)، بمعنى الإبقاء على وحدة سومر وبابل ونينوى. وتشكل هذه الحدود التاريخية والطبيعية الأولية الأساس المادي والمعنوي لوحدة وجوده الثقافي والسياسي والقومي أيضا. بمعنى أن كل ما تشكل من مآثر وإنجازات كبرى مادية وأثرية وثقافية في تاريخ المكونات الدولتية للعراق منذ القدم هي الجزء الحيوي منه وله. وهي حقيقة رسختها تقاليد الخلافة العربية الإسلامية. وكل ما جرى بعد ذلك هو مجرد حالات عارضة.

وقد جعل من حقيقة العراق وكيفية تكونه التاريخي هوية ثقافية وليست عرقية. مما كان يعني استعداده لان يكون موطن الائتلاف الممكن والتمازج الثقافي والانفتاح الفعلي على النفس والآخرين. ويمكن تتبع هذه الحقيقة ورؤيتها في كل الإبداع النظري والعملي لتاريخه الثقافي. ولم تغير حقيقته هذه بما في ذلك حقبة القرون السبعة المظلمة من تاريخه. فهي الحقبة التي جعلت من الانحطاط أسلوب وجود الزمن فقط، مما افرغ العراق من تاريخه الذاتي. وهو انحطاط ترسخ في التجزئة المفتعلة لكينونته العربية. ولعل مفارقة الظاهرة تقوم في أن العرب الذين صنعوا تاريخ المنطقة وقوام وجودها الفكري والروحي أصبحوا في العراق أفلاكا تتحكم بها مراكز التركية العثمانية والفارسية الصفوية. ومع أن هذا الصراع لم يكن قوميا ولا طائفيا بالمعنى التقليدي والمعاصر للكلمة، إلا انه اتخذ هذه الصيغة المتخلفة في العراق الحديث. بحيث تحول المركز (العراقي) إلى أطراف، والأطراف (فارس وتركيا) إلى مراكز. وتعيد هذه الحالة المخزية إنتاج نفسها بعد سقوط التوتاليتارية والدكتاتورية، ولكن بصورة مصغرة و«عراقية».

فقد أدت التوتاليتارية والدكتاتورية، وبالأخص في مجرى العقدين الأخيرين من القرن العشرين إلى استفحال التجزئة الجهوية والقومية والطائفية في مختلف نواحي ومستويات الحياة. مما أعطى لهذه التجزئة أبعادا مركبة ومتشابكة في الاجتماع، والاقتصاد، والسياسية، والفكر، والأيديولوجية، ونمط الحياة، والنفسية الاجتماعية. وهي تجزئة اخذ حجمها بالتوسع في مجرى التغيرات الراديكالية التي رافقت سقوط الدكتاتورية. بحيث يقف العراق الآن أمام امتحان صعب للغاية يقوم فحواه فيما إذا قادرا فعلا على تذليل هامشية وجوده الذاتي بالاستناد إلى فكرة الوطنية العراقية. بمعنى هل قادر فعلا على تذليل تقاليد التركية الفارسية (العثمانية الصفوية) وذيولها التاريخية والمذهبية في التجزئة المفتعلة للعرب بوصفهم هوية واحدة في الجوهر، ومن ثم تذليل مختلف تقاليد التجزئة المفتعلة للكينونة العراقية عندما زاوجت بصورة فجة ومدت خطوط الموازاة المسطحة بيت الجغرافيا والقومية والطائفة في تقييمها وتصنيفها لهم، أي كل ما أدى قبيل سقوط الدكتاتورية وبعده إلى ظهور ما يسمى بالمثلث السني والشيعة. وهو تقسيم وتقييم يعيد إنتاج التجزئة المفتعلة لحقيقة العراق بوصفه كينونة رافدينية عربية إسلامية. بمعنى إعادة خلخلة حقيقة مكونه العربي.

فعرب العراق هم هوية واحدة في الجوهر. وهم أصله وجذره، كما أنهم كينونته التاريخية والثقافية ومظهر وجوده الفعلي. إلا أن بروز «المثلث السني» فيه على خلفية انحلال الدولة المركزية وصعود الاطرافية والطائفية وتجسدهما السياسي و«القانوني» في «مجلس الحكم الانتقالي» أولا ثم استمرارها في مختلف الأشكال والأصناف والمستويات، يشير إلى استمرار بنية الانحطاط المادي والمعنوي للعراق وقواه السياسية بالأخص.

إننا نقف أمام واقع انحطاط وتخلف البنية الاجتماعية من جهة، وتصدع الفكرة الوطنية العراقية من جهة أخرى. وإذا كان من الممكن الإقرار نظريا بأنه انحطاط وتصدع قابل للرأب، باعتباره نتاجاً لحالة سياسية أولا وقبل كل شيء، بلغت ذروتها في سياسة الدكتاتورية الصدامية، فان الأحداث التاريخية في مجرى السنوات التالية على سقوطها، تشير إلى استمرار وإعادة إنتاج واقع التجزئة بصورة «منظمة».

 

ميثم الجنابي

 

عبد الله الفيفيما الحقوق التي ما زالت تنقص المرأة في الغرب؟

- أن تُساوَى بالرَّجُل في راتبها، رُغم أنها تقتطع وقتًا من عملها للولادة، مثلًا؟

ربما.  وذلك ليس اقتطاعًا، بل عملٌ اجتماعيٌّ ووطنيٌّ، أهمٌّ من عملها الوظيفي.

- أن تُصبِح رَجُلَة، أو مسترجِلة؟

ربما.

- أن... ماذا؟

- أن تعود، كما خلقها الله، امرأة؟

هذا، مع الأسف، ما باتت تستنكف منه المرأة كثيرًا، ولا ترى مكانتها إلَّا بأن تصبح رجُلًا، 100%، مع أنها تدَّعي أنها نصيرة نفسها! وذلك هو الاستلاب في الوعي. على أن فكرة "المساواة" أصلًا فكرةٌ عمياء، أو بالأصح: تتعامَى؛ متجاهلةً الفروق بين الرَّجُل والمرأة، لتظلِم المرأةَ قبل الرَّجُل؛ لأن ما بين الجنسَين لا يمكن أن يكون إلَّا تكاملًا حيويًّا. ولا تَساوِيَ بين الجنسَين، وإلَّا لما كانا جنسَين بل جنسًا واحدًا.

وهكذا، فليست الحركة النسويَّة- في معظمها- حركةَ عدالة، ولا حتى مساواة، ولا بذات قضيَّةٍ عقلانيَّةٍ غالبًا، وإنَّما هي حركة تطرُّفٍ مضادٍّ، في خضمِّ صراع الأفكار بين الذكوريَّة والنسويَّة. والنتيجة مزيدٌ من التفريق، والعويل، والتظلُّم، والجعجعة، والخصومة، والسعي إلى العزل والإقصاء، كلُّ فريقٍ من طرَفه. لأجل هذا أخذت المرأة في أدبيَّاتها تناقش الأنوثة والذكورة من منظورٍ شوفيني، كأيِّ حركة استعلاءٍ مطلق، وكأيِّ ثورةٍ عمياء، لا تريد أن تُبقي ولا تذر. بل شرعت في بعض أدبيَّاتها تناقش الأُنوثة والذُّكورة، لا على المستوى الفيزيقيِّ فحسب، بل على مستوى الميتافيزيقا أيضًا، والغيبيَّات، والأديان، في حراكٍ نضاليٍّ إلى تأنيث الكون وما وراءه.

ولو استقامت العلاقة بين الذَّكَر والأُنثَى- كما يقول كانب المقال أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيفي- ما كانت (سيمون ديبوفوار)، ولا (فرجينيا وولف)، ولا احتجنا في هذا الصدد إلى تحليلات (جاك دريدا)، ولا (جاك لاكان)، ولا (جوليا كريستيفا)، ولا حتى إلى كتاب "الحريم اللغوي"، للباحثة اللبنانيَّة، الجديرة بالتقدير، (يُسرَى مُقدَّم). لسنا في حاجةٍ إلى نفي الضِّلع الأعوج أو إثباته، ولا إلى البحث في التفاضل والأسبقيَّة في بنية اللغة العربيَّة أو غير العربيَّة بين المذكَّر والمؤنَّث، للقول بأن الثقافة أبويَّة. ذلك أن الثقافة بالفعل كانت أبويَّة- وما زالت أبويَّة- لكنها كانت أُموميَّة في حِقَبٍ أسبق؛ فوَدَعَتْ الأُموميَّةُ والأَبويَّةُ أَثَرَهما على اللسان والإنسان، وتشكَّلت اللغةُ والبَشَرُ من ذلك التراث كلِّه، ولا مجال في اللغة إلى إنكاره أو استدراكه، وإنْ صحَّ في الإنسان تقويمه وإصلاحه. ولهذا فإن صيحات "يا لثارات حوَّاء!"، من خلال المماحكات التاريخيَّة أو اللغويَّة، هي مضيعة وقتٍ، وتحصيل حاصل، لا تفيد المرأة ولا الرَّجُل ولا الثقافة. كما أن بلوغ تلك الصيحات الثأريَّة مبلغ إنكار التمايز بين الجنسَين، تمايزًا يجعل لكلِّ جنسٍ خصائصه وقدراته ووظائفه، والزعم أن الثقافة وحدها- لا الطبيعة والخِلْقَة- وراء انتفاء التساوي بين الجنسَين، هو إنكارٌ لطبيعة التمايز بين الجنسَين في الكائنات الحيَّة عمومًا؛ من حيث إن الذَّكَر ليس كالأُنثَى، في كلِّ ما خلقَ الخالق. ولئن كان المشبَّهُ به أعظمَ من المشبَّه، فإن "الذَّكَر ليس كالأُنثَى" لا بمعنى تفضيل أحدهما على الآخر، ولكن بمعنى الاختلاف التكامليِّ البنَّاء. ولو استقامت العلاقة بين الجنسَين من البَشَر استقامتَها بين الجنسَين من الحيوان، لما كان ذلك كلُّه، من: الأَبويَّة والأُموميَّة، والذُّكوريَّة والنِّسويَّة، والتطرُّف والتطرُّف المضادِّ، وكلٌّ يستنفر طاقاته لينقُض الكونَ رأسًا على عَقِب، في تعصُّبٍ ينفي تعصُّبًا، وعمًى يرفض عمًى. 

نعم، يمكن أن تُسلِّم مبدئيًّا، في هذا السياق، مع (هاينز، ميليسا، (2008)، جنوسة العقل، ترجمة: ليلى الموسوي (الكويت: عالم المعرفة))، بأنْ لا جنوسة في العقل، وأنَّ الفروق بين الجنسَين تعود أساسًا إلى عوامل ليست بيولوجيَّة ولا هرمونيَّة ولا جينيَّة، بل مرتبطة بعامل (التوقُّع الاجتماعي Social Expectation) للدَّور الذي يرسمه المجتمع للذَّكر والأُنثَى، وإلى الظروف الاقتصاديَّة والسياسيَّة المحيطة بهما. لكن ذلك يظلُّ في المجال الذِّهنيِّ، من الملَكات والقدرات العِلميَّة. غير أن هذا لا ينفي الفوارق الأخرى بين الجنسَين، نفسيَّةً وبيولوجيَّة، وعضويَّةً وجسديَّة، المؤثِّرة في قابليَّاتهما وتشكُّلاتهما الإنسانيَّة، وإلَّا انتفت العناصر الجنوسيَّة التي تميِّز المرأة عن الرَّجُل من أساسها. هذا إذا كنَّا نحاكم الأمرَ بمعايير العقل والواقع لا بنعرات العواطف والخيال الطوباوي. 

يقول الطبيب الجرَّاح الفرنسي، الحاصل على جائزة نوبل في الطِّب، 1912، (ألكسيس كاريل Alexis Carrel، -1944)(1):

"إن الاختلافات الموجودة بين الرَّجُل والمرأة لا تأتي من الشكل الخاصِّ للأعضاء التناسليَّة، ومن وجود الرَّحم والحمل، أو من طريقة التعليم؛ إذ إنها ذات طبيعة أكثر أهميَّة من ذلك. إنها تنشأ من تكوين الأنسجة ذاتها، ومن تلقيح الجسم كلِّه بمواد كيميائيَّة محدَّدة يُفرزها المِبْيَض. ولقد أدَّى الجهل بهذه الحقائق الجوهريَّة بالمدافعين عن الأُنوثة إلى الاعتقاد بأنه يجب أن يتلقَّى الجنسان تعليمًا واحدًا، وأن يُمنحا قُوًى واحدةً ومسؤوليات متشابهة. والحقيقة أن المرأة تختلف اختلافًا كبيرًا عن الرَّجُل. فكلُّ خليَّةٍ من خلايا جسمها تحمل طابع جنسها، والأمر نفسه صحيحٌ بالنسبة لأعضائها. وفوق كلِّ شيءٍ بالنسبة لجهازها العصبي... فعلى النساء أن ينمِّين أهليَّتهن تبعًا لطبيعتهن، دون أن يحاولن تقليد الذُّكور؛ فإنَّ دورهنَّ في تقدُّم الحضارة أسمَى من دور الرَّجُل؛ فيجب عليهن أن لا يتخلَّين عن وظائفهنَّ المحددة."

المتعصِّب ذُكوريًّا سيصفِّق لهذا الكلام، بوصفه شهادةً له. والمتعصِّب نِسويًّا سيلعن ألكسيس كاريل، بوصفه نصير التخلُّف والرجعيَّة، وإنْ بقناعٍ عِلمي. أمَّا المتعصِّب للحقيقة والموضوعيَّة، فحريٌّ أن لا يرى في هذا توظيفًا- لا مع... ولا ضِد...- بل سيُقِرُّ بأن الاختلاف سُنَّةٌ كونيَّة، وليس بمنقصة. ومَن لا يراه كذلك هو الذي يجني على الذُّكورة والأُنوثة معًا، وهو يظنُّ أنه يُحسِنُ صُنعًا!

 

أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيفي

..............................

(1) الإنسان ذلك المجهول، تعريب: شفيق أسعد فريد (بيروت: مكتبة المعارف)، 1980، 108- 109.

 

كاظم شمهوديذكر ان من عوامل ظهور الترجمة في اوربا هو الاستقرار حيث ابتداء من القرن الحادي عشر بدأت تتحرك اوربا لايقاف سيطرة الكنيسة على جميع مفاصل الحياة، بينما بدأ المسلمون في الشرق بترجمة الكتب اليونانية والهندية والفارسية في القرن التاسع ميلادي (الثالث الهجري).

وكان المسلمون قد اعترفوا بمكانة الكتب اليونانية العلمية والفكرية ولكن الاوربيين كانوا احيانا ينحلون الكتب الاسلامية الى انفسهم التي نقلوها وبالتالي نسبوا كثير من النظريات العلمية الاسلامية الى شخصيات اوربية .

وعندما وجد الاوربيون ان في بلاد الاندلس تراثا علميا وادبيا لا ينضب بدأ الاهتمام بتعلم اللغة العربية وازدادت زيارة الوفود الى الاندلس وكثر الرحالة الى المشرق فظهرت حركة الاستعراب او الاستشراق، وتأسست في طليطلة مدرسة للترجمة عام 1130 م كانت منارا للعلم حيث اشترك فيها علماء مسلمون ومسيحيون ويهود وكانوا يترجمون من العربي الى القشتالية ثم الى اللغات الاوربية الاخرى.. ويذكر بعض المؤرخين عدد من العوامل التي ساعدت على حركة الترجمة منها:

1240 الاستشراق

الاستشراق

1- استقرار الوضع في اوربا.

2 - الغنى والرفاه الذي اصاب اوربا وتحكمهم بالتجارة.

3 - الاتصال المباشر بين المسلمين والاوربيين، حيث اخذ الشباب الاوربي يفد على الاندلس لدراسة مختلف العلوم والآداب والموسيقى، حتى ان بعض الملوك كانوا يبعثون ابنائهم للدراسة في جامعات قرطبة خاصة في زمن الخليفة الحكم الثاني .

4 - ازدياد الحملات الصليبية على الشرق واستمرارها حوالي قرنين . ويذكر ان اسقف عكا في فلسطين كان عام 1240 يقص مقتطفات من قصص الف ليلة وليلة على بعض الجنود الصليبيين، وبعد عودتهم الى بلدانهم اخذوا يقصونها وينشرونها في مجتمعاتهم .

1241 قصص الف ليلة وليلة

من قصص ألف ليلة وليلة

ثم نشرت تلك القصص في القرن الرابع عشر وطبعت وانتشرت في اوربا ونالت شهرة كبيرة لما فيها من حكايات  خيالية واسطورية عن الجن و الملوك وحكايات الوعظ وحكايات عن بغداد والبصرة والقاهرة، وهي قصص شعبية خيالية مملوءة بالالغاز والحكم . وقد اظيفت اليها بمرور الوقت حكايات اخرى مثل قصص السندباد وعلاء الدين والمصباح السحري وعلي بابا وغيرها وقد اكتملت عام 1450 وطبعت وهي تشبه ما عندنا اليوم.. ويذكر العالم اللغوي منير البعلبكي انها من اصل هندي اما المؤرخ ابن مسعود فيقول (يعتقد ان اصلها فارسي)، اما بعض المستشرقين فيذكر ان روحها وشخصياتها تتوافق مع شخصيات القصص اليونانية. علما ان اليونانيين هم انفسهم اخذوا معارفهم وآدابهم من مصر والمشرق وان بعض علمائهم درس في الاسكندرية ومنهم من ولد فيها مثل افلوطين، ومنهم من زار بابل واستقر فيها، كما ان الحضارة الرافدية والمصرية قد سبقت اليونانيين بآلاف السنين .

و قد تأثر بها الكتاب الاوربيون، فظهرت قصص مشابهة لها مثل – الديكاميرون – التي الفها الاديب الايطالي جيوفاني بوكاشيو عام 1313-1337، والديكاميرون تعني الليالي، وهي ايضا قصص خيالية يشبه بعضها قصص الف ليلة وليلة .

وكان للحروب الصليبية مساهمة كبيرة في نقل الادب العربي الى اوربا ودامت حوالي قرنين في بلاد الشام، يضاف الى ذلك نقل صناعات الانسجة من سجاد وبسط وعباءآت والاقمشة المزخرفة والمزركشة بانواع الخطوط العربية والزخارف الاسلامية كما ان بعضهم اخذ يقلد العرب في لباسهم خاصة في بعض المدن الايطالية التجارية حيث كانت تغص بالتجار العرب وهم يتجولون في شوارعها بملابسهم الفضفاضة والملونة ..

1242 القدس ايام الدولة العثمانية

القدس أيام الدولة العثمانية

و قد انتقلت الكتب العلمية والادبية من المشرق الى الاندلس وكون الحكم الثاني بن عبد الرحمن الناصر اضخم مكتبة في العالم الاسلامي في الاندلس في القرن العاشر ميلادي، مثل كتب الخوارزمي وبديع الزمان الهمداني وكتب الشريف الرضي ومهيار الدليمي ، وكذلك المجموعة الادبية الضخمة التي الفها ابو منصور الثعالبي النيسابوري والتي تسمى – يتيمة الدهر – ومقامات الحريري وغيرها حيث كان لها صدى واثر عظيم على حركة الثقافة في الاندلس، وقد ترجم بعضها الى القشتالية، وعبر بعضها الى اوربا منذ القرن الحادي عشر. ويعتبر عصر الطوائف من اكثر العصور لمعانا حيث اسهم الانفتاح والحرية على الازدهار الفكري والعلمي بالرغم من التراجع السياسي، الا انها اصبحت اشعاعا حضاريا جعل من المرحلة هذه بمجملها هي الدافع لضهور عصر النهضة في اوربا من خلال الحركة الفكرية والترجمة في الاندلس .

1243 طليطلة

طليطلة

وهناك معلومة احب ان اذكرها وهي عند قرائتي لكتاب ملحمة كلكامش وجدت ان اول المدن الحضارية في العالم كانت مدينة اريدو السومرية وان عدد سكانها يوم ذاك يصل الى اربعة آلاف نسمة، بعدها جاءت مدينة اوروك (ارك) وكان ملكها الاسطوري كلكامش التي نسبت اليه الملحمة الشعرية السومرية، فلما سيطر الاكديون على المدن السومرية، بداوا بترجمة النصوص السومرية الى الاكدية ومنها قصص كلكامش، ولهذا اعتقد ان حركة الترجمة بدأت منذ العصور البابلية القديمة .

 

د. كاظم شمهود

 

اكرم جلاليتحدّث بعض علماء المَعرفة أنّ الدولة إنما هي كائن مَعرفي، تضمّ في طيّاتها مؤسسات ودوائر تقوم على أساس المعرفة، تتواصل وتُنسّق مع بعضها البعض لتُشكّل منظومة معرفية متكاملة، قادرة على التخطيط من أجل بناء كيان وصرح أسمه الدولة. وأن السلطة التي تدير تلك الدولة لابدّ لها من مستوى معرفي لكي تتمكن من إدارة مؤسساتها والتي يفترض أن كل واحدة منها قد أُنشأَت وأُديرَت على أساسٍ مَعرفي.

وفي هذا الشأن يؤكد المفكّر ميشيل فوكو حينما خرج عن المألوف في تحديد مفهوم السلطة والتي عادة ما توصف بأنّها كياناً مركزيا يدير ارتباط النظام السياسي السلطوي بالأفراد، إلى وصفه بأنّها فكراً أكثر عمقاً وتعقيداً، فالسلطة بنظر فوكو عبارة عن مجموعة من النُظم المعرفية المرتبطة والمتداخلة مع بعضها البعض، كالنظام السياسي والأقتصادي والمعرفي.

أن العلاقة بين المعرفة وقوة الدولة وثباتها واستقرارها هي علاقة طردية، فكلّما كان المعيار المعرفي هو المقياس من أجل التخطيط لبناء الدولة ومؤسساتها كلّما تعاظمت قوّتها وازداد ثباتها. فالحقل المعرفي هو الأساس المتين الذي عليه فقط يتم بناء الدولة القوية بسلطاتها ودوائرها ومؤسساتها.

وهذا الحقل المعرفي لا يستثنى منه المواطن، فالسلطة لا تقتبس مصادر قوتها ودقة قراراتها من باقي سلطات الدولة كالتشريعية والقضائية، إنما مصدرها الأساس هو المعرفة، سواء في الشأن الإقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي، بل أنها ستكون عاجزة عن أداء مهامها حينما تكون بمعزل عن المعرفة الأمنية والصناعية والتجارية والمالية والأكاديمية، وأن هذه الحقول المعرفية أساسها وعمادها هو المواطن ، بل هو ركنها الرصين الذي تتكئ عليه، فإن مال مالت السلطة، وبعبارة أخرى، السلطة تستمد قوتها من التلاحم المعرفي بين مؤسسات الدولة وجميع شرائح الشعب، علاقة تكاملية، ومحركات دواره يدعم بعضها البعض، ويشد بعضها البعض، فلو توقف احدها سيتوقف الآخر، ولو بعد حين.

إنّ عملية التخطيط من أجل بناء مؤسسات دولة لا يتم إلاّ بوجود منظومة معرفية رصينة ومترابطة، فالدولة لا تبنى بالاجتهادات الشخصية ولا الأهواء الفردية أو الحزبية، بل من خلال نظام معرفي ورؤية واضحة عمادها الحقائق العلمية والتجارب العملية في التخطيط والادارة.

إنّ بناء الدولة لابد له من مقدمات اساسية تبدأ بقراءة موضوعية ممنهجة للأنتروستراتيجيا الدستورية والسياسية، والذي يقوم على أساس التخطيط الشامل المتكامل المنظم، والدراسة العلميّة العميقة لسايكواجتماعية الشعب، والولوج في الفهم المعرفي للعادات والتقاليد المجتمعية وللواقع الديني والعقائدي والثقافي والتأريخي، ومن ثم وضع برنامج إستراتيجية تقوم على التخطيط القريب والبعيد، واختيار الأدوات الأساليب المناسبة من أجل تنفيذ الخطط المُعَدة وفي الفترة الزمنية المحددة.

إذن فالحقول المعرفية المطلوبة من أجل بناء دولة ذات سلطات تنفيذية وتشريعية وقضائية لابد له من المضي باتجاهين، الأول ما يطلق عليه بالمسار الأنتروبولوجي، وهو قراءة التأريخ المتعلق بالمحيط الجغرافي وأخذ العبر والدروس وربط الماضي بالحاضر، والمسار الثاني هو الإستراتيجي والذي يربط الحاضر بالمستقبل.

إن تحديد الأنتروستراتيجيا السياسية والدستورية ذات الأبعاد المعرفية، لا يمكن أن يتم بمعزل عن دراسة البعد المعرفي لسيكولوجيا المجتمع من خلال تحديد العوائق النفسية وربطها بالتراكمات التأريخية التي تم تحديدها في دراسة المسار الانتروبولوجي. كل ذلك سيقود الى بناء منظومة معرفية تكون هي اللّبنة بل الدعامة الأساس لبناء دولة رصينة، وتشييد مؤسسات مترابطة وحكومة معرفية تنهض بالبلاد نحو الرقيّ والتقدم والأزدهار.

وبعد أن بيّنا أثر الحقل المعرفي ودوره في بناء الدوله، لابد لنا من التأكيد على أنّ المسار المعرفي بحدّ ذاته لا يكفي لبناء الأوطان المستقرة والمزدهرة، فالإنسان مهما أوتي من مرتبة علمية تؤهله للقيام بدور في بناء مؤسسات الدولة فإنّه يبقى خاضع لإمتحان الخيانة، لذا فلابدّ من دعامة أخرى ومسارٍ موازٍ للمسار المعرفي ومكمّل له، إنّه مسار الحسّ الوطني أو ما يطلق عليه بحب الوطن.

إنها نعمة وفضيلة ربّانية أن ينعم الله على الإنسان بهذا الحسّ من أجل أن تكون له دافعاً وحافزاً للاهتمام بالوطن وحمل همومه والسعي من أجل إعماره واحيائه وجعله آمناً مستقراً مزدهراً متقدماً، فعن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أنه قال هذا الشأن: (عمرت البلدان بحب الأوطان 1).

ولإنّ للوطن مهابة وقدسية في قلوب أبنائه، وشأن ومنزلة كبيرة في نفوس أهله وسكّانه، فقد توطّدَت علاقة روحية وروابط قدسية ووشائج متينة بين الوطن والمخلصين من أبنائه حتى صار حب الوطن والدفاع عنه وبذل النفوس دونه والسعي من أجل إعماره وبنائه من أعلى القيم الأخلاقية، بل إنّ ذلك من الإيمان، فقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنّه قال: (حب الوطن من الإيمان 2).

وفي الشأن ذاته نرى الإمام علي (عليه السلام) يحذر من قيام دولة الأشرار، ويقول عليه السلام: (دول الفجّار مذلّة الأبرار 3).

إذن بجناحي المعرفة والحب تبنى الأوطان، دعامتان أساسيّتان، ومساران يكمّل أحدهما الآخر، فلا المعرفة الخالية من حب الوطن والأستعداد من أجل التضحية في سبيله بالغالي والنفيس قادرة بمفردها على بناء وإعمار الأوطان، ولا الحبُّ المُجرد من الفكر والمعرفة والتخطيط بقادر على البناء والنهوض بالوطن.

 

 د. أكرم جلال

 .........................

 المراجع

1- تحف العقول - الحسن بن علي بن شعبة الحراني - ص207، وبحار الأنوار - الشيخ محمد باقر المجلسي - ج75، ص45.

2- أمل الآمل – الشيخ الحر العاملي - ج1، ص11، والأنوار النعمانية - السيد نعمة الله الجزائري - ج2، 170.

3- ميزان الحكمة - الشيخ محمد الريشهري - ج3، ص305،ح6347.

 

 

ميثم الجنابيالعراق- نقد الواقع وتأسيس البدائل (16)

لقد كانت مشاركة القوى القومية الكردية بعد سقوط الصدامية وظهور ملامح الانتقال الأولى إلى الديمقراطية، ايجابية وفعالة بالنسبة لإعادة بناء «العراق الجديد». إلا أنها سرعان ما أخذت تتحول تحت تأثير الخراب الهائل للعراق وانهيار قواه الاجتماعية والسياسية وسقوط السلطة المركزية إلى مجرد سلسلة مطالب قومية. ويختلط في هذه المطالب الشرعي وغير الشرعي. ومع كل حركة «إلى الأمام» بدأت معالم المطالب السياسية تتحول شيئا فشيئا صوب الرؤية القومية الضيقة.

وهي ظاهرة تكشف عن إن كل ما فيها كان يتراكم منذ فترة طويلة. إن عقود من التربية القومية البدائية (إذ لا يمكن ظهور وتبلور فكرة قومية لقوم بلا تاريخ ودولة) جعلت منهم، بأثر طبيعة القيادة السياسية التقليدية العائلية القبلية والمحكومة بقيم الاستعباد لقوم فقير في كل شيئ، قوة هشة يمكن التحكم به بصورة شبه تامة. مع انها تبقى في نهاية المطاف ظاهرة مؤقتة. فقد كان ممكنا في ما مضى بسبب طبيعة الحياة التقليدية البدائية. اذ لم تختلف حياة الاغوات كثيرا عن الفقراء. فقد كان أمراءهم أيضا يعيشون في بيوت حجرية بدائية أو في المغارات الجبلية. طعامهم لا يتعدى البرغل وبعض ما تجود به الطبيعة البرية ورعاية الحيوانات. غير إن الامر تغيرت بصورة راديكالية وعاصفة بعد الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003. الأمر الذي خلخل كل توازنها الداخلي، مع أن كل ما فيها كان خفيفا دوما. ومن دون الخوض في هذا الجانب، فإن ما هو جلي منذ ذلك الوقت هو استفحال الأبعاد العرقية في كل أعمالها وأقوالها. وفي هذا تنكشف ما كان يتراكم فيها قبل ذلك. وما ظهر منه بجلاء في مرحلة «الاستقلال» القصيرة وتحولها إلى نمط عملي تجاه العراق بشكل عام. مما جعل من المواقف والممارسة السياسية الكردية شيئا اقرب إلى الرؤية النفسية منها إلى الرؤية العقلية. بمعنى غلبة المزاج والوجدان على المواقف والسلوك والمطالب، كما نراه في انتشار مختلف عبارات التهديد مثل «الرد العنيف» و«الانسحاب» و«الانفصال» وما شابه ذلك أثر كل «أزمة» مهما كان حجمها!

إن ردود الأفعال المشار إليها أعلاه ليست مجردة عن طبيعة العلاقات الكردية الكردية وصراعها الخفي، إلا أنها تشير، ضمن معايير الحياة السياسية العراقية ككل، إلى استمرار غياب الهمّ الوطني العراقي، الذي نتج عن طبيعة الشرخ القومي المتراكم في مجرى الحرب العراقية الإيرانية وبلغ ذروته بعد انتهاء «عاصفة الصحراء». إذ لم يعد الهمّ العراقي هاجسا ضروريا في الرؤية القومية الكردية. بمعنى استبدال الهمّ الوطني العراقي العام بأولوية المشروع الكردي و«الكردستاني». وهو أمر طبيعي أيضا في حال النظر إليه ضمن سياق العلاقات القومية والسياسية التي ميزت زمن الدكتاتورية الصدامية. ومن ثم يمكن النظر إلى ردود الأفعال الكردية على أنها جزء من بقايا الخلل المترسبة في الوعي السياسي القومي اثر التدمير والتخريب الذي مارسته الدكتاتورية على كافة الأصعدة وفي كافة الميادين.

غير أن استفحال الهمّ الكردي القومي على الهمّ العراقي الوطني هو الصيغة الأولية لردود الفعل المترتبة على طبيعة ومستوى الفراغ السياسي الذي حدث في العراق بعد انهيار الدولة المركزية. كما يمكن فهم هذا التحول بمعايير الانتقال المفاجئ للأقلية القومية إلى هرم السلطة. ومن الممكن رؤية هذه الحالة على مثال عشرات التجارب السياسية التي مرت بها الكثير من دول العالم المعاصر. لكنه «استفحال» وهمي لا محالة في تبدده اللاحق، لكنه عادة ما يمر بطريق الآلام من اجل أن تتكامل الرؤية السياسية بمعايير الواقعية أو العقلانية، أو تضطر أصحابها إلى الخراب والهزيمة. وهي الحالة التي تقف أمامها الحركة القومية الكردية. بمعنى السير «إلى الأمام» في تغليب الهموم القومية الكردية على العراقية مع ما يترتب عليه من ردود فعل سياسي وقومي محتمل، أو السير صوب الاندماج الوطني العراقي بمعايير الرؤية الواقعية والعقلانية. ومن ثم العمل من اجل اجتياز مرحلة الانتقال الصعبة صوب الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي والمجتمع المدني. وهما تياران يتنازعان الحركات القومية الكردية في العراق. إلا أن الغلبة مازالت بعد للتيار الأول، والذي أكثر من يمثله حركة البرازانيين. ولكنه يتخلل بدرجات متفاوتة كافة الحركات القومية الكردية الحالية في العراق. وهو أمر جلي في اشتراك أو إجماع مختلف هذه الحركات بإشكال وصيغ متباينة على «مطالب قومية» متزايدة ومعزولة عن الهمّ العراقي العام. بمعنى خضوعها من حيث المقدمات والغايات إلى أولوية المشروع الكردي و«الكردستاني».

 لكن حالما تكون هذه «المطالب القومية» جزء من «اللعبة السياسية» في ظروف الانتقال الصعبة والخطرة إلى الديمقراطية والدولة الشرعية، فإنها لا تصبح جزء من قضية قومية كردية، بل عراقية عامة. بمعنى أنها لم تعد قضية جزئية بل قضية عامة، وذلك لما لها من أثر مباشر وغير مباشر على آفاق تطور العملية السياسية والعلاقات القومية في العراق ككل. لاسيما وأن حصيلة «المطالب القومية» الكردية لا تتعدى في الواقع غير قضية الأرض والثروة! فهما الحافزان القائمان وراء الخطاب السياسي العلني والمستتر. وهما حافزان يمكن تتبعهما في كل الممارسات «المعتدلة» و«البراجماتيكية» للقوى القومية الكردية، بما في ذلك في الموقف من الدستور. فقد قبلت القوى القومية الكردية «العلمانية» بالمواد الدينية مقابل الحصول على «جميع المكتسبات». وليس المقصود بها من حيث الجوهر سوى الإبقاء على «خلاف الأرض» في العراق!! من خلال المواد المنقولة من «القانون المؤقت» إلى «الدستور الدائم»، واقصد بذلك ما يسمى المادة 58. بعبارة أخرى، إن الهمّ الباطني والوحيد للقوى الكردية «العلمانية» هو المادة 58، أي كركوك وليس غيرها، تماما كما كان الحال في الموقف من «قانون الحكم المؤقت»، أي أن الجوهري فيه بالنسبة لها هو المادة 58. وفي كلتا الحالتين لا توجد في الواقع سوى نفسية الغنيمة بالأرض، المميزة لنفسية الحركات القومية الكردية على امتداد وجودها الحديث في شمال العراق.

وبما أن قضية الأرض في العراق هي قضية مفتعلة، بمعنى انه لا تاريخ فعلي فيها ولها، من هنا تراكم العبارة الوجدانية والأسطورية في الخطاب القومي الكردي. كما لا يعني بروزها و«تكاملها» في الوعي السياسي القومي الكردي سوى الاضمحلال شبه الكامل للرؤية الوطنية العراقية. وبلغت هذه الحالة ذروتها فيما يسمى بقضية كركوك، وكذلك «الخارطة» الكردية في العراق!!

فمن الناحية التاريخية والثقافية والشرعية والوطنية ليست «خارطة كردستان» و«قضية كركوك» سوى رغبات وأحلام قومية عادة ما تميز أوهام الحركات القومية الصغيرة. ومن ثم لا علاقة لها بالعراق من حيث كونه تاريخ وهوية وجغرافيا ودولة. إذ تشير هذه الأحلام والرغبات إلى طبيعة النفسية والذهنية المتحكمة في الخطاب السياسي القومي الكردي في العراق وأثره بالنسبة لآفاق تطور الفكرة الوطنية. واكتفي هنا بتحليل شعار «كركوك قلب كردستان وقدس الأقداس» بوصفه شعارا نموذجيا يمكن من خلاله تشريح أبعاد الفكرة الوطنية العراقية في الوعي القومي الكردي الحالي.

إننا نعثر في فكرة «قلب كردستان» على أربعة جوانب مختبئة في الوعي القومي الكردي ومتحكمة بآلية لاوعيه السياسي، الأول وهو أن كركوك ليست عراقية. والثاني أنها محتلة. والثالث أن الأكراد لا علاقة لهم بالعراق، بمعنى أن قلبهم ليس في العراق. والرابع، أن الأكراد بلا كركوك هم أشبه ما يكونوا بإنسان بلا قلب، أي بلا شريان الدم. بعبارة أخرى، إننا نرى في هذا الشعار المضمون الخفي لهاجس الأرض «الكردية» «المحتلة»، وشريان النفط الضروري لحياة الأكراد المستغل من جانب قوى غريبة عنه.

والشيء نفسه يمكن قوله عن الشطر الثاني المكمل للشعار، أي لفكرة «قدس الأقداس». إذ نعثر فيها أيضا على أربعة جوانب مختبئة في الوعي القومي الكردي ومتحكمة بآلية لاوعيه السياسي. الأول وهو أهميتها «المقدسة» بوصفها ارض «الآباء والأجداد». والثاني أنها مسروقة من قبل أقوام دخيلة هم العرب والتركمان. والثالث، أنها «كعبة» القومية الكردية الجديدة. ورابعا، أهميتها الروحية بوصفها «قدس الأقداس»!

إننا نقف أمام مجموعة من العناصر الخفية التي تنتج وتعيد إنتاج الوعي العرقي للحركات القومية الكردية في العراق. وهو وعي لا تاريخي وأسطوري وفارغ من ابسط مقومات الرؤية الواقعية والعقلانية. فمن الناحية التاريخية السياسية كان الهدف الأرقى والأعلى والأسمى للحركات القومية الكردية قبل «اقتطاع» بعض من العراق التاريخي الكائن في جسد السلطنة العثمانية المتهرئ، هو السليمانية. وقد جرى اجتزاءها في بادئ الأمر بهيئة «حكمتدارية» جرى دمجها بالعراق الحديث لاحقا. بمعنى أن الحد الأقصى للرغبات القومية الكردية قبل نشوء الدولة العراقية الحديثة لا يتعدى منطقة السليمانية. وهي رغبة محكومة بواقع سياسي وجغرافي وثقافي وديموغرافي آنذاك. إذ لم يكن للأكراد محط رجل لا في أربيل ولا دهوك. أما كركوك فإنها كانت في «غيب» الانتشار الكردي ضمن أراض العراق بوصفهم مواطنين فقط.

 والقضية هنا ليست فقط في انه لا كردية في كركوك، بل والعراق بمعناه العربي (الذي كان يضم إلى جانب العراق الحالي أجزاء كبيرة من تركيا الحالية). كما لا يوجد اثر للأكراد حتى ضمن مفهوم «عراق العجم». فالأكراد من الناحية التاريخية هم قوم الجبل. ولا علاقة لهم بالمدن. والتاريخ الكركوكي (العراقي) لا كردية فيه لا بالمعنى الدولتي ولا الحقوقي ولا الثقافي ولا السياسي ولا الفني ولا المعماري على مدار آلاف السنين. أي منذ أن ظهرت إلى الوجود بوصفها مدينة عراقية. أما الانتشار الجديد للأكراد فيها زمن الدولة العراقية الحديثة فقد كان مرتبطا بانتقال «المساكين» الفارين والهاربين من سطوة الأغوات والفقر والقهر إلى أطراف المدن العراقية العديدة بما فيها كركوك. وهي عملية بدأ زخمها بالاندفاع منذ ثلاثينيات القرن العشرين، أي ضمن مسار وتطور الدولة العراقية. ونفس الشيء يمكن قوله عن أربيل ودهوك وغيرها من المناطق والمدن العراقية. فهي مدن عراقية أصبح أسلوب الإبادة الجماعية والقتل والتشريد الهمجي لسكنتها العراقيين الأصليين (الآشوريين) بدأ من زمن بدر خان وأتباعه (أربعينيات القرن التاسع عشر) حتى منتصف ثلاثينيات القرن العشرين، طريقا لتغليب العنصر الكردي فيها. ومن ثم فإن كل ما جرى بهذا الصدد هو جزء من تاريخ الدولة وليس القومية. وبالتالي، فإن وجود أكراد في منطقة ما لا يعني أنها «منطقة كردية»، وإلا لانقلبت جغرافيا الأمم والأرض! فالجغرافيا القومية هي أولا وقبل كل شيء تاريخ ثقافي وحضاري ولا شيء آخر. فالإفريقي المنقول زمن العبودية إلى أمريكا لا يفترض في وعيه أن يرى في أمريكا افريقستان! انه يمكن أن يكون مواطنا أمريكيا من أصول افريقية. والشيء نفسه يمكن قوله عن الأكراد في أراض العراق. كما يمكن قوله عن أي شخص آخر بغض النظر عن أصوله القومية.

إن وجود أو انتشار الأكراد في مختلف مناطق العراق هو أول وقبل كل شيء دليل على قلب العراق الكبير ومعرفته لقيمة القدس والمقدسات في قبول البشر بغض النظر عن أصولهم العرقية والدينية. ولا معنى لتحويل قلب العراق الفعلي تجاه الأكراد والقومية الكردية إلى قلب «كردستاني» لا علاقة له بالعراق. أما مطابقتها مع «القدس» فهو اشتراك فيما لا ينبغي الاشتراك به. والقضية هنا ليست فقط في أن مضمون «قدس الأقداس» الكردية موجه ضد العرب، والقدس فلسطينية (عربية)، بل ولارتقاء مضمون القدس في الوعي القومي العربي إلى مصاف المقدس الإسلامي. أي أنها ليست قومية فقط. بمعنى أنها عربية وإسلامية. والأكراد مسلمون، فمن أين للأكراد المسلمين شهية العبارة النصرانية، وكيف يمكن الاشتراك مع يهود الصهيونية في العمل من اجل أسطورة لا توراة فيها ولا عهد قديم ولا قواسم مشتركة؟! إضافة إلى أن ما يدعوه القوميون الأكراد «بكردستان الجنوبية»، أي شمال العراق ما هو في الواقع سوى ارض عراقية آشورية تراكمت فيها منذ آلاف السنين ثقافات سامية عراقية عربية ليس للأكراد فيها حتى لا ثيران ولا بغال!!

إن سيادة الرؤية الأسطورية والدينية المزيفة عن كركوك بوصفه «قدس الأقداس» الكردية، يحتوي في أعماقه على قوى تخريبية لا تعمل في ميدان الفكر القومي إلا على صنع مختلف نماذج الغلو والانغلاق العرقي، مع ما يترتب عليه من مواقف لا تتسم بأدنى مقومات الواقعية والعقلانية والوطنية. ومن ثم لا يمكنها أن تؤدي في نهاية المطاف إلا إلى مآس لا يدفع ثمنها في نهاية المطاف سوى الأكراد العاديين وليس «قياداته التاريخية».

إن امتزاج الرؤية الأسطورية بالدينية المزيفة في الشعار السياسي هو الوجه الآخر لضعف الحركة القومية وانسداد أفقها التاريخي. أما النتيجة فهو انحدارها من منطق الرؤية الوطنية الثقافية إلى نفسية القومية العرقية، ومن الرؤية الواقعية والعقلانية إلى الأحلام الطوباوية واللاعقلانية. الأمر الذي نعثر عليه في التمسك شبه الوثني على سبيل المثال بما يسمى المادة 58 من «القانون المؤقت». وهو قانون لا يتمتع بأية صفة شرعية، مع ما فيه من تناقضات تنبع من فكرة «المؤقت» في «القانون»!! إضافة إلى لغته العربية الركيكة التي تدل على أن من كتبه لا يلم باللغة والقانون على السواء. أما في الممارسة السياسية فإنه عادة ما يجري اختزال كل مضمون «القانون المؤقت» إلى المادة الثامنة والخمسين!! وهو مؤشر على ما أسميته بهاجس وحافز الأرض والثروة، أي كل ما يتجسد في نفسية الغنيمة!! ولا تحتوي هذه النفسية على أي قدر من الأبعاد الوطنية (العراقية). أما المطالبة بإرجاع العرب إلى أماكن سكنهم الأصلية في العراق، فإنه مؤشر إضافي على هذه النفسية. والقضية هنا ليست فقط في أن كركوك لم تكن جزء من منطقة الحكم الذاتي، بل وفي حق كل عراقي العيش فيها، كما يحق لكل مواطن العيش في كل بقعة من أرض العراق بغض النظر عن أصوله القومية وانتمائه الديني. إن من حق المواطنين العراقيين الأكراد المطالبة بالرجوع إلى مناطق سكنهم التي شردتهم أو رحلتهم أو طردتهم السلطات منها، لا تحويل القضية إلى مطالب بأرض قومية لا وجود لها. إضافة لذلك أن سلوك السلطات لا يخلو من إجحاف بحق فئة ما أو بحق الأغلبية أو حتى بحق الجميع أحيانا، إلا أن هذا يبقى مجرد جزء من تاريخ السياسة وليس من تاريخ القومية. وبالتالي ليس هناك من حق لأي طرف في العراق أن يطالب بترحيل أو إرجاع أو طرد أو ما شابه ذلك من عبارات لمن كان هو نفسه ضحية السياسة المجرمة لنظام بائد. إن الحد الواقعي والرؤية العقلانية بهذا الصدد تقوم في المطالبة باسترجاع الحقوق المدنية للإفراد وليس تحويل فكرة الحق إلى مطالب قومية عرقية. إذ أن فكرة إرجاع «العرب» من كركوك إلى أماكن سكنهم الأصلية تعني بالضرورة أن كركوك ليست عراقية. وهو مطلب غير معقول. لاسيما وانه مطلب سوف يدفع بالضرورة فكرة إرجاع الآشوريين إلى أماكن سكنهم الأصلية في شمال العراق بعد موجات الإبادة الهائلة التي تعرضوا لها قبيل الحرب العالمية الأولى وبعدها وفي العراق الملكي ومن جانب الأكراد بالأخص. كما انه يمكن أن يدفع شعار إرجاع الأكراد إلى مناطق سكنهم الأصلية، أي إلى مناطق الجبال وشهرزور، أي إلى ما وراء الحدود العراقية، كما فعل صدام مرة! ولِمَ يحق للحركات القومية الكردية أن تكرر باسم "حق تقرير المصير" تكرار نفس جرائم الصدامية؟

مما سبق يتضح حجم الانحطاط الفعلي في الفكرة الوطنية عند الحركات القومية الكردية، وتغليب الهمّ العرقي على الهمّ العراقي. ونعثر على هذا الواقع في انتشار الشعار الأسطوري وغير العقلاني. مع أن تجارب الأمم جميعا تبرهن على أن الفوز الفعلي هو لقدس العقلانية والواقعية، أي للنظام الديمقراطي الاجتماعي والمواطنة المكفولة بقوة القانون وليس بقوة القومية المزيفة والادعاء الأسطوري عن «أرض الآباء والأجداد»، أي ممن لا وجود لهم! كما إن اصولها ليس في العراق بل في مناطق ايران الغربية الشمالية.

إن الفوز الحقيقي يقوم في استتباب منظومة الفكرة الوطنية وليس بعث العبث القومي العرقي. لاسيما وأن تجارب الأمم الحية الكبرى، القديمة منها والمعاصرة تبرهن على حقيقة لا مجال للشك فيها ألا وهي أن الرؤية العرقية هي مصدر السلوك العنصري، أما نهايتها فهو الانحطاط القومي الشامل والهزيمة التاريخية. وهي خاتمة تبدو ملامحها الاولية في العراق وسوريا. ولهذه القضية، كما يقال، حديث آخر.

***  

ميثم الجنابي

 

حيدر جواد السهلاني1- مفهوم الحرب: يفسر فرويد الظواهر النفسية بأفتراض وجود غريزتين، الاولى هي الغريزة الجنسية التي تصدر عن طاقة خاصة تسمى(الليبدو) وهي تهدف دائمآ الى الاشباع واللذة، والعمل والحفاظ على الذات، وذلك بمراعاة العالم الخارجي ومقتضيات الواقع، وبكبت الدوافع الجنسية التي تتعارض مع مقتضيات الواقع، والثانية، غريزة الموت تدفع الكائن الحي الى الرجوع الى حالة غير العضوية السابقة للحياة، وتهدف غريزة الموت الى الهدم وانهاء الحياة، وقد وجد فرويد في غريزة الموت فرضآ ناصعآ استطاع ان يفسر به كثير من الظواهر النفسية المعقدة، وفي مقابل غريزة الموت هناك غريزة (الايروس) وهي غرائز الحب والحياة، وهي تشمل كل من الغرائز الجنسية وغرائز الأنا.(1)

يرى فرويد اننا ننجرف الى دوامة الحرب، ومايأتينا من معلومات هو من طرف واحد، فنحن نعيش على شفا الحرب. والحرب هي اعتى الاحداث التي تصيب الانسان، ومع ذلك يرى فرويد ان الحرب لايمكن ان تتوقف طالما ان الشعوب تعيش في ظروف متباينة اشد التباين، وطالما ان حياة الافراد لها وزنها المختلف في كل امة، وايضآ مادامت الاخطار التي تباعد بين الامم ليست الا انعكاسآ للطبائع المتمكنة في العقول، ونحن نميل الى الاعتقاد بأن الحروب كانت دائمآ بين شعوب بدائية واخرى متحضرة، وانها تندلع بين عصبيات مختلفة، وانها ستستمر بشغل البشرية لوقت طويل(وهنا فرويد ينظر الى طبيعة الحرب من ناحية منهج التحليل النفسي، وهذا هو المأخذ على فرويد، اذ لاينظر الى الحرب من الناحية الاقتصادية التي كانت العامل الرئيسي في اغلب الحروب، ولاينظر الى اي عامل من عوامل الحرب الاخرى كالموقع الجغرافي او الدين والخ...) مع ذلك يقول فرويد "أني متفائل بالشعوب البيضاء" (ويرى عبدالمنعم الحفني الشعوب البيضاء هي شعب اوربا واليهود) التي آلت اليها زعامة الاجناس البشرية وبفضل قواها الابداعية يرجع تقدمنا التقني نحو السيطرة على الطبيعة، وما احرزناه من مكاسب علمية وانجازات فنية من خلال هذا الشعوب، نتوقع اكتشاف طريقة لتسوية الصراعات على المصالح وفض سوء التفاهم.( يبدو ان فرويد متحيز جدآ الى العقلية الاوربية، ويرى هذه العقلية التي  كانت لها الفضل في اكتشاف كثير من النظريات العلمية والادبية والفنية، قادرة على اكتشاف طريقة في حل المشاكل والصراعات بين الشعوب، لكن فرويد تغافل الحقيقة، فالمنجز العلمي لم يكن من نصيب الاوربين فقط، وان كان لهم نصيب كبير من العلم، وافرزت لنا اوربا كثير من الطغاة، لكن مع ذلك والحق يقال ان اوربا في وقتنا الحاضر استطاعت ان تقضي على الحروب بنسبة كبيرة في بلدانها).

الحرب عند فرويد تقوض كل المواثيق المعروفة بأسم القوانين الدولية، التي التزمت بها الدول في زمن السلم، الحرب تدمر كل شيء، وتجاهلت ماللجرحى والخدمات الطبية من حقوق، ولم تميز بين العسكريين والمدنيين، ولم تراع حقوق الملكية، وتهتك كل الاواصر وتمزق كل الروابط بين الشعوب وتخلف وراءها ميراثآ من الحقد والمرارة يجعل من المستحيل لزمن طويل تجديد هذا الروابط وبعثها. ويذهب فرويد الى ان الدول تحضر على مواطنيها ارتكاب الاثام، لا لأنها تريد ان تمحي هذا الاثام، بل لأنها تريد ان تحتكر ارتكاب الاثام لنفسها، كأحتكارها للتجارة وغيرها، وتسمح الدولة بأرتكاب كافة الاعمال العدوانية وكل الاثام ولو ارتكبها الافراد لحلهم العار.(ويبدو ان هذا الرأي جدآ منطقي وواقعي، فالدول تطالب بأحترام القوانين، وهي تضرب القانون عرض الحائط وتمارس كل انواع الرذيلة في حق المواطنين، وهذا ماشهدناه في الحكومات وللأسف خاصة في الحكومات العربية، فهي تمارس كل انواع التعذيب والترهيب والتهديد بحق المواطن) ويرى فرويد ان الحرب تحررنا من اوهام السلم، اذ يرى فرويد ان الانسان بطبعة ميال الى الشر والسلم كوهم يتبين اثناء الحرب، فالانسان عند فرويد تحركه الغريزة، والغريزة اشباع للرغبات، فالحرب عند فرويد هي اشباع للرغبات لكن مع ذلك يعتقد بالسلم وذلك لتجنب الاصطدام بالواقع. الانسان عند فرويد منذ ميلاده ينحو بطبعه نحو الخير ويجري عليه التطور، وهذا التطور هو محاولة لأجتثاث كل ميله نحو الشر، ودفعه نحو طلب الخير بتأثير التربية، وبفعل الوسط الاجتماعي المتحضر، وفرويد يدعم وجهة النظر التي تقول بالتطور من الشر الى الخير. فالانسان عند فرويد لديه مجموعة من الغرائز عملها اشباع الحاجات الاولية للانسان ، وهذا الغرائز لاهي بالخيرة ولابالشريرة، لكنها تمر بمرحلة طويلة من التطور واحيان تقف عن العمل واحيانآ  تتبدل من القسوة الى الرحمة او العكس، واحيان تجمع المتناقضات فيما بينها. والانسان لايكون خيرآ او شريرآ على الاطلاق، لكنه يكون عادة خيرآ في ناحية وشريرآ في اخرى، او خيرآ في مواقف وشريرآ في غيرها، فالغرائز قابلة للتبدل والتطور والتاقض، فوجود الشر في الطفولة قد يكون هو الشرط اللازم لأتجاه بعض الافراد نحو الخير عند البلوغ، وقد يتحول بعض الاطفال المعروفين بالانانية المسرفة الى اناس من اكثر افراد المجتمع بذلآ وتضحية بأنفسهم.(ويبدو ان فرويد لايجانب الصواب كثيرآ، اذ كثير من الاشخاص لايبدل طبعه في الكبر ولعل المثل الشعبي القائل" ابو طبع مايبدل طبعه" يجانب الصواب اكثر من رأي فرويد، اذ في حياتنا الاجتماعية كثيرآ مانرى التعلم والدين والمجتمع لايستطيع ان يبدل طبعه الجاف) ومع ذلك هناك عاملان يحدان من الشر عند الانسان، الاول هو داخلي وهو يصرف الانسان عن انانيته، وهو عامل الرغبة الجنسية،او الحاجة التي يتفجر بها الانسان الى الحب. الثاني، هو عامل خارجي وهو فعل التنشئة فينا، واحترام ماتطلبه البيئة الثقافية.(على الرغم ان فرويد يعطي اهمية للعامل الخارجي، ويعتقد في التربية تستعمل نظام الحوافز، فتكافئ المحسن وتعاقب المسيء، الا ان فرويد يركز على العامل الداخلي، والاكيد ان العامل الداخلي هو جاء من الخارج، واصبح ذاكره في اللاشعور او في المكبوتات، وهذه المكبوتات هي من تحرك الانسان في تصرفاته، وان المجتمع الذي يطالب اعضاءه بأن يسلكوا سلوكآ حسنآ، لايكلف نفسه مشقة معرفة الدوافع الحقيقية التي تدفعهم الى هذا السلوك الحسن، وهذا المجتمع كسب لنفسه اعدادآ هائلة من الناس يدينون له بالولاء والطاعة، وهذا الشروط التي تفرضها على المجتمع، وهي تباعد بين غرائز الانسان وتعرضهم الى مزيد من القمع واوقعهم تحت ضغوط هائلة، وبانت نتائجها في مجال الجنس وفي شكل الاضطرابات العصابية، لأن القمع في الجنس من اصعب مايمكن ان يفرضه المجتمع على الناس، فهو هنا يحيا بالمعنى النفسي فوق مستوى امكانياته) وبذلك يرى فرويد الغريزة هي من تدفع الانسان لخوض الحروب، والحرب هي حالة او اشباع غريزي موجودة فينا فالانسان ميال الى الحرب بطبيعته الغريزية.

2- مفهوم الموت:

الموت حير عقل الانسان البدائي، ومايزال يحير عقول العلماء والفلاسفة والمتدينيين والملاحدة الى الان، فيذهب بعض الباحثين الى ان الموت هو من ولد الفكر والفلسفة والبحث عن المعرفة،(لكن فرويد يرى عكس ذلك، فالموت عنده ليس بداية التفكير، فيقول الانسان البدائي عندما يرمق جثه عدوه ، لم يكن يرهق ذهنه بالتفكير في لغز الموت والحياة لكنه كان يزهو بما حقق من انتصار) فعندما مات الانسان، بدأ الانسان البدائي بالتفكير بالخلود، ولعل ابرز من عبر عن ذلك هي قصة (كلكامش الشهيرة) وهي من صياغة الانسان البدائي، اذ اراد البحث عن خلود الانسان واكتشف في النهاية ان الخلود للاعمال الصالحة التي يخلفها الانسان، اذ الخلود هو خلود الاعمال الصالحة، ومن العجائب والغرائب ان الانسان المتحضر حاليآ لايصل الى هذا النتيجة التي وصل اليها الانسان البدائي، اذ لو وصل اليها لما وجدنا اليوم صراعات اجتماعية ودولية.

الموت عند فرويد هو النهاية الضرورية للحياة، وان كل واحد منا مدين للطبيعة، فالموت شيء طبيعي لايمكن انكاره ولاسبيل الى الخلاص منه، ومع ذلك فقد تعودنا ان نتصرف كما لو كان الأمر على خلاف ذلك. ويرى فرويد ان الموت اخرسناه ووضعناه على الرف، ونحاول التفكير في اشياء اخرى تصرفنا عن التفكير في الموت، وعندما نفكر في الموت لانفكر فيه بوصفه موتنا نحن، وفي اعماقنا يرى فرويد اننا لانعترف بالموت، ونعتقد في لاشعورنا أننا خالدون. وتعودنا على ان الموت يأتينا بالصدفة في حادث او بسبب مرض او عدوى، او بفعل شيخوخة، ويرى ان الانسان المتحضر عندما يفقد احد احبائه، يحكم على افراد عائلته بالموت معه، ويتصرف كما لو كان غير متحضر وينتمي الى القبائل الهمجية. فالغريزة المتجذرة في الانسان منه لأفراد عائلته تميل الى استبعاد شبح الموت عن تفكيره والى اسقاطه من حساباته. (الانسان يبعد ويسقط الموت من حساباته، ولربما هذا الرأي عين الصواب، فكثير من الذين يؤدون العبادات والمناسك، يسقطون الموت من حياتهم) ويذهب فرويد الى ان الانسان تحايل على فكرة الموت واقنع نفسه بموقف متوسط، ومع ذلك فقد تقبل الموت كحقيقة، واقر بحقيقة موته لكنه رفض ان يعترف بأن الموت نهاية للحياة، وجاء بفكرة الخلود اثر تمعن الانسان البدائي لجثمان فقيده فتولدت لديه فكرة الروح، وخرج بفكرة الخلود، ومن ثم جاءت الاديان لتصور الحياة الحقه هي بعد الموت، وان هذا الحياة زائلة، والدوافع اللاشعورية هي التي دفعتنا الى اسقاط الموت من حساباتنا وتصور لنا الخلود.ويرى فرويد في فكرة الحرب هي التي تذكر الانسان بالموت،لأن الحرب تواجه الانسان بالموت وتجبره على الاعتراف والاقرار به.

 

حيدر جواد السهلاني

....................

الهوامش

1- ينظر سيجموند فرويد: الانا والهو، ترجمة محمد عثمان نجاتي،ص18_20.

2- ينظرسيجموند فرويد: الحب والحرب والحضارة والموت، ترجمة عبدالمنعم الحفني.

 

بليغ حمدي اسماعيلرغم أنني وغيري من المولعين بكل من الاستثنائي الفلسطيني محمود درويش، والليلكي الدمشقي نزار قباني في مشروعهما الشعري المتميز حقا، إلا أن لحيظات الرفض لكليهما يمكن اقتناصها من بعض السطور الشعرية التي تفضح رؤيتهما المتوحدة للمرأة العربية، وإن كانت المرأة في نص كليهما الشعري هي الأرض والقضية والحرية والثورة الإنسانية إلا أن امرأة محمود درويش هي امرأة الحب البعيدة والمستعصية وصعبة المراس، بينما امرأة نزار قباني هي امرأة الفتنة والخريطة، لذلك يبدو الاعتراض على ذهنية الرجل العربي صوب المرأة التي لا يمكن اختزال وجودها في مشهدين؛ الحب والجنس .

ولعل هذه الصورة الذهنية لم يفرضها الدين بفقهه ورجاله وتصاعد المد الديني القادم من أوساط غير إسلامية، بل إن ذهنية النسوية ارتبطت بسيكولوجيا الاستعمار وخوصا أن النسوية على حد توصيف توفيق شابو حركة سياسية ظهرت في الغرب للمطالبة بحقوق المرأة، وهذه الحركة رغم خصوصيتها إلا أنها اعتمدت على فلسفة تجاه الرؤية الذكورية التي شكلت وجودها القيمي، لدرجة أنه وسط هذا الاهتمام الأيديولوجي بحركات المرأة التحررية وجدنا موجات من التقاطع وسياسات فرض الهوية الذكورية، وصولا إلى مشاهد القطعية الكاملة ثم التمييز المرتبط بالعنف والقهر .

وبعيدًا عن إرهاق العقل العربي من إحداثيات تجديد الخطاب الديني الذي بات لدى الكثيرين عقدة مزمنة بالوعي الجمعي، ورغم أن فكرة تجديد الخطاب الديني جاءت متزامنة مع حركة التنوير التي أيقن مفكرو القرن العشرين أن التنوير لم يأت بثماره حتى لحظتنا الراهنة، ومخطئ من يجتر حديثه عن تحرير المرأة وحريتها في ظل تيارات دينية راديكالية تتسم بالقمعية والوحشية إزاء ممارستها مع المرأة العربية .

ولنا أن نستقرئ الرائعة العربية نظيرة زين الدين التي تحدثت عن وقائع المرأة العربية في عشرينيات القرن الماضي حينما صرخت بكل قوة قائلة " كفى الشرق جموده، وموت روح الحرية والاستقلال فيه، وكفى الشرقيين حرمانهم حرية التفكير التي هي أساس كل نهضة، بل كفاهم أنهم يمشون على منهاج آبائهم لا يتطورون ولا يتجددون، ما دامت الأرض أرضا والسماء سماء، إنهم هم الخاسرون" .

هكذا اختزلت نظيرة زين الدين عشرات السنوات في ثمة سطور أوجزت بها ما تدعيه الشعوب العربية من تنوير وتحرر وثورة في إعمال العقل، لكن الحقيقة لم تزل المرأة العربية جسدا لا أكثر، وهذه مأساة أمة تتفاخر بأنها تدشن احتفاليات احتفاء بالأنثى. 

ومخطئ من يزعم أن الخطاب التحرري المجتمعي قد نجح وفلح بامتياز، فمعظم ثورات الربيع العربي التي كانت وفقا لهوس المفكرين السياسيين إحدى أنماط نواتج هذا الفكر التنويري كلها جاءت خرابا ودمارا سياسيا واقتصاديا على شعوبها المترهلة باستثناء مصر التي استطاعت أن تستفيق سريعا لخيبات انتفاضة الخامس والعشرين من يناير التي مرت من هنا ليس أكثر .

وقضية الحرية للمرأة أشبه بمسألة الموت لدى الفلاسفة، فكلتا القضيتين تقفان على حافة هاوية المشايخ لاسيما رجال الدين المنتمين لتيارات وطوائف تبدو متطرفة، وإذا أردت أن تفطن إلى تصدع أي مجتمع عربي عليك فقط أن تتناول وضع المرأة ومكانتها في مظان أقطاب هذه التيارات المتعصبة لتدرك على الفور أن ما يقصدونه بالتنوير وحرية المرأة في تلك المجتمعات هو تحديث وتثوير مضاد عكسي .

وبات من العجيب أن تحتفي مجتمعاتنا العربية الموغلة في حديث التنوير بالمرأة الشاعرة، والمرأة الطبيبة، والمرأة الأكاديمية صاحبة العلم والمعرفة، وأن تتطاير رقصا وطربا بامرأة رياضية، وكأن هذا المخلوق من دره فقط أن يظل حبيسا خلف جدار، وأن يقبع في سجنه النفسي والمجتمعي وليس من حقه الإنساني أن يكون بحق إنسانًا.

ورغم مساحات الاهتمام الأشبه بالديكور بالمرأة العربية من خلال مؤتمرات تبدو وهمية تناقش قضاياها الاجتماعية، أو حوارات إعلامية تتناول وضع المرأة العربية في الربع الأول من القرن الواحد والعشرين، إلا أن الاهتمام الوهمي والكاذب هو خير دليل على حالة التناقض الثقافي التي تعاني منه مجتمعاتنا العربية، وأن فكرة التضامن مع المرأة هو أشبه بالتضامن مع شعوب مجهولة تسكن غابة منسية دون الوصول إليها والتعرف على حقيقتها .

لذلك فإن فكرة الحداثة أو زمنيتها المتداولة في كتب المفكرين والمنظرين الاجتماعيين عادة لا تخرج عن فلك الذات كوجود فاعل للمرأة العربية، وحينما يتم تناول فكرة الذات الأنثوية في الكتابة الروائية أو حتى الشعرية فأنت أمام خيار واحد لا غير ؛ الذات القابعة في حجرها تنتظر فرصة للسفور والخروج للشارع إما منقادة لسلطوية الرجل أو مناهضة له غير مكترثة لقواعد المجتمع وهذه مهزلة أدبية يقترفها الروائيون العرب وهم يزعمون أنهم يسايرون نهضة التنوير التي بزغت في بدايات القرن التاسع عشر .

والكارثة أن الانتهاكات التي تمارس ضد المرأة ليست جسدية فهذا مشهد يرتبط أساسا بالأمراض العصبية التي يعاني منها أحاب هذه الممارسات والانتهاكات، لن الكارثة الحقيقية هي الانتهاكات النفسية التي تميل عادة إلى الاستبعاد المجتمعي أو الاستقطاب إلى حد التملك والسيادة المطلقة، وهذا السجال الفلسفي بين الاستبعاد والاستقطاب نتيجة حتمية لراهنية العلاقة بين سلطة الولع الديني غير المتفقه، وبين العقلانية المتطرفة في أبشع صورها نحو الإقصاء والتهميش بل والتمييز على أساس الجنس أيضا.

وإذا كان المفكر العربي نبيل دبابيش في مقالته "متى يبدأ التنوير؟" ظل يفتش عن إجابة لهذا السؤال العصبي مستعرضا ملامح تاريخية للتنوير ووصولا إلى أن قلق السؤال أفجع من السؤال نفسه، فإن الإجابة اليقينية تكمن في أنه متى أدرك الرجل إنسانية المرأة الكاملة فمن هنا يبدأ التنوير حقا . لأننا نهرول سريعا نحو كافة مصطلحات ومفردات التنوير والنهضة والتحرر العقلي وعندما نتناول المرأة من زواياها المجتمعية ومشاركاتها الإنسانية فإننا نسقط بصورة أسرع ولربما هذا السقوط يعتبر علامة من خصوصيات الثقافة العربية التاريخية الرافضة أصلا للتجديد، بل للإنسانية نفسها .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

 

إن تحليل النُّظم الرمزية في البُنى الاجتماعية ضروري من أجل فهم التغيرات النفسية للأفراد، واستيعابِ السلوكيات المُتقلِّبة للمُجتمعات الإنسانية. ولا يُمكن فهم حركة الأفكار والمشاعر في النَّسق الاجتماعي العام،

إلا بفهم الأساس الفكري لهذا النسق . وإذا أردنا فهم الطبيعة النفسية للإنسان، لا بُد من العودة إلى طُفولته وتحليلها . وإذا أردنا معرفة طبيعة الشجرة، لا بُد من العودة إلى جُذورها ودراستها . وهذا يدل على الترابط الحَتمي بين الماضي والحاضر، باعتبارهما كيانًا واحدًا مُتَّصِلًا، وصيغةً رمزية فلسفية، وكُتلةً اجتماعية مُترابطة ومُتشابكة، وليس مرحلتَيْن مُنفصلتَيْن زمانًا ومكانًا .

2

الماضي لا يَمضي . هذه حقيقة فلسفية لها تطبيقات على أرض الواقع، تتعلَّق بعودة الإنسان إلى مَاضيه وجُذوره، من أجل فهم حاضره . وكُل شخص وَصل إلى البَيت، ينبغي ألا يَحصر تفكيره بين جُدران البَيت، لأن هذا يدل على قِصَر النظر، وعدم رؤية الأشياء مِن كل الزوايا . والواجب عليه أن يَنشغل بالطريق المُوصل إلى البيت، ويُفكِّر في طبيعة المسار الذي أوصله إلى هدفه، والعلاقة بين الوسيلة والغاية، والسبب والنتيجة . والبيتُ مكان الراحة والهدوء والاستقرار، في حين أن الطريق مكان التعب والمَشَقَّة والحركة . والإنسانُ الواعي يَقضي وقته لإيجاد حُلول للمشكلات، وعلاج الأزمات، ومُواجهة التحديات، ولا يَقضي وقته في تحصيل الحاصل، والتفكيرِ بالأشياء المضمونة الجاهزة . وبعبارة أُخرى، إن الوعي الإنساني والجُهد العقلي يجب أن يتم تركيزهما على الأشياء المطلوبة لا الأشياء المضمونة .

3

الطالبُ الناجح يَحصر تفكيره في الإجابة عن أسئلة الامتحان بشكل صحيح، ولا يُضيِّع وقته في التفكير بالنتيجة وما بعد الامتحان . والقائدُ العسكري الناجح يَسعى إلى الانتصار في المعركة، ولا يُفكِّر في الأوسمة العسكرية وأكاليل الغار . والأديبُ المُبْدِع يُفكِّر في صناعة نَص لُغوي باهر ومُدْهِش، ولا يُفكِّر في الجوائز الأدبية وقيمتها المالية . والصَّيادُ الماهرُ يَنظر إلى الفريسة البعيدة عنه، ولا يُفكِّر بالفريسة الواقعة في يده .

4

المشكلةُ المنتشرة في المجتمعات الإنسانية، هي استعجال الأشياء قبل أوانها، لأن الإنسان كائن محدود القُدرات، قصير النظر، يَمَلُّ بسُرعة، ولا يَملك نَفَسًا طويلة، ولا يُتقِن الطبخَ على نار هادئة، ولا يُريد التخطيط على المدى البعيد. والتَّسَرُّعُ والعَجَلَةُ صِفتان لازمتان للإنسان. إنه يُريد كُلَّ شيء بضربة واحدة، وَيَنسى أن الحياة سباق مسافات طويلة، وينبغي توزيع الجُهد الروحي والطاقة الجسدية على المسافة كُلِّها، ومَن يَضحك أخيرًا يَضحك كثيرًا. والمُباراة تنتهي معَ صَفَّارة الحَكَم. وكَم مِن فريق افتتحَ التسجيلَ في المُباراة، وفرح اللاعبون، ثُمَّ خسروا المُباراة. وكَم مِن شَخص ضَحِكَ في البداية، وبَكى في النهاية . وكَم مِن قائد انتصرَ في معركة، وخَسِرَ الحربَ . وهذه التحديات التي تمتاز بالتغيُّرات والتقلُّبات، يُمكن السَّيطرة عليها إذا تَمَّت السيطرة على عُنصر المفاجأة القاتل، وهذا لا يتأتَّى إلا بحساب احتمالات الربح والخسارة معًا، ووضع خُطَط عملية للتعامل معَ حالة الانتصار وحالة الهزيمة . وعندئذ، لا يُصاب الإنسان بخَيبة الأمل، ولا تنزل الأحداثُ على رأسه كالصاعقة، ولا يُباغته عُنصرُ المُفاجأة الذي قَد يَقضي عَلَيه، ويُحطِّمه، ويُسبِّب له الانهيار. والوعيُ الإنساني الفعَّال، لا يَترك شيئًا للمُصادَفة أو المُفاجأة، فكل شيء مَحسوب ومدروس ومُسَيْطَر عَلَيه، وهناك خُطَّة أساسية، وخُطَّة بديلة لحالات الطوارئ، وهناك تشكيلة أساسية، وتشكيلة احتياط، للتعامل مع كافة المواقف وجميع الحالات . والعاقلُ يُقَاتِل مِن أجل كُل شيء، ولا يتوقَّع أيَّ شيء .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

محمود محمد عليحاول النحويون بعد "سيبويه" إعادة النظر في كتابه مادة وأسلوباً، فشرعوا يذللون صعبه بالشروح، ويخرجون شواهده ويختصرونه، ورأوا مع كثرة المدارسة أنه يمكن اختصار عنواناته الطويلة في صورة محددة يستقر عليه المصطلح الذي حام "سيبويه" حوله وأوشك أن يقع عليه، ورأوا كذلك الاستقرار علي واحد من مصطلحاته الكثيرة التي كان يطلقها علي المسألة الواحدة، فيكتفون بهذا المصطلح عما عداه .

وقد أخذ التجديد في المصطلح بعد سيبويه منحيين: أولهما: التسمية، والآخر: وضع الحدود الخاصّة بها وأُلّفت في ذلك الكتب، وكان من أقدمها كتاب "الإمام أبو زكريا يحيى بن زياد المعروف بالفرّاء " الذي ألفه في " حدود النحو"، واشتمل على ستين حدّاً .

وفيما هم آخذون بخدمة هذا الكتاب، أخذت تشتد بينهم الخلافات في مسائله، فمنهم من تابعه  وأخلص له، ومنهم من خالفه في جانب وتبعه في آخر، ولم يكن هناك نحوي واحد خالفه مخالفة تامة في مسائله جميعها، حتي إن " الكسائي" وهو إمام أهل الكوفة ومقدمتهم، والذي وُصف بأنه اجتمعت له أمور لم تجتمع لغيره فكان أوحد الناس في القرآن، وكان أعلم الناس بالنحو وأوحدهم في الغريب كما يقول ابن الأنباري. الكسائي الذي كان يقف منه موقف الند يناظره ويخالفه الرأي لم يستغن عن دراسة كتاب سيبويه، وتأثر به حتي في المصطلحات، ولا غرابة في أن يكون كتاب سيبويه دستور النحاة من بصريين وكوفيين، ومائدتهم الكبري في صناعة النحو، فسيبويه تلقي أكثر نظرياته عن "الخليل بن أحمد"-  أستاذ البصريين والكوفيين علي السواء بشهادة الكثير من المؤرخين.

وإذا كان الخلاف بين البصريين والكوفيين هو الشائع بين النحاة بصفة عامة، فإن الكوفة لن تنسي تلمذة "الكسائي" علي يد "الخليل" و" يونس"، ولا تلمذة " الفراء" علي يد " يونس بن حبيب"، وأن "الخليل" كان السبب في توجيه نظر " الكسائي" للرحلة إلي البادية ليتعلم الفصاحة واللغة، وهذا كان بشهادة الرواة الذين أكدوا أن:" الكسائي خرج إلي البصرة، ولقي الخليل بن أحمد، وجلس في حلقته، وأنه سأله عن علمه من أين أخذته ؟ فقال له: من بوادي الحجاز ونجد وتهامة، فخرج الكسائي، ورجع وقد أنفذ خمس عشرة قنينة حبراً في الكتابة عن العرب سوي ما حفظ، ولم يكن لهم غير البصرة والخليل، فوجد الخليل قد مات، وجلس في موضعه "يونس بن حبيب " البصري النحوي، فجرت بينهما مسائل أقر له "يونس " فيها، وصدره في موضعه .

وهنا نريد أن نقول بأن مدرسة الكوفة لم تكن تختلف عن مدرسة البصرة في الأصول العامة للنحو . فالكوفيون قد بنوا نحوهم علي ما أحكمته البصرة من تلك الأصول، وذلك لأن أئمة النحو الكوفي قد أخذوا النحو من مدرسة البصرة . فالكسائي قد تتلمذ علي "الخليل بن أحمد "، وقرأ كتاب سيبويه علي الأخفش . والفراء قد رحل إلي البصرة وتتلمذ علي يونس بن حبيب كما ذكرنا منذ لحظات، وأكب علي كتاب سيبويه يقرأه، كما أكب عليه جميع أئمة الكوفة من بعده . وكل خلافهم مع البصريين، إنما كان في بعص المصطلحات النحوية وفي جوانب من العوامل والمعمولات .

وهنا نستطيع القول مع بعض الباحثين بأن الكوفيين لم يكونوا يشكلون مدرسة نحوية تتميز بأسلوبها الخاص ومنهجها الذاتي، وذلك لأنهم لم يخرجوا علي منهج مدرسة البصرة في دراسة النحو، فالبصريون والكوفيون يتحركون في إطارات متشابهة ويطبقون أصولاً واحدة، وإن اختلفوا فيما بينهم في بعض الجزئيات فإنه اختلاف لا ينفي عنهم وحدة المنهج واتفاق الأصول .

ومن يرجع إلي كتاب " الأنصاف في مسائل الخلاف بين ﺍﻟﻨﺤﻮيين ﺍﻟﺒﺼﺮﻳﻴﻦ ﻭﺍﻟﻜﻮﻓﻴﻴﻦ "  لأبن الأنباري، يجد أن عامة المسائل التي خالف فيها الكوفيون البصريين لا يمكن أن تجعل من الكوفيين نحاة من نمط جديد، أو تجعل آراءهم التي جاءوا بها تؤلف مدرسة نحوية متميزة، وبهذا يصبح كل ما قيل في عصرنا هذا من كلام من صيغ في الثناء علي الكوفيين لتميزهم في العمل النحوي أمراً مبالغاً فيه .

وليس صحيحاً ما ذكره بعض الباحثين المعاصرين من أن الكوفيين كانوا أقل من البصريين انتفاعاً بعلوم المنطق والفلسفة، فقد كان " للفراء أثر واسع في التفسير وفي اللغة وفي النحو، وقد طلب إليه المأمون أن يجمع أصول النحو . وأن يجمع ما سمع من العرب .. فعكف علي ذلك وألف الكتب، وضبط النحو وفلسفه، فألف فيه كتاب "الحدود" واسم الكتاب يدل علي تأثره بالمنطق، فهو يريد بالحدود التعاريف . كـ ( حد المعرفة والنكرة) وحد ( النداء) وحد ( الترخيم) .. الخ، وهذه أمور لم يعن بها سيبويه في كتابه كثيراً، وهي أثر من آثار الفلسفة والمنطق، كما ذهب أحمد أمين "

فالنحاة الكوفيون ومتأخروا البصرة كانوا سواء في اهتمامهم بالمنطق، فقد سلكوا سبل المنهج الكلامي نفسها، هذا المنهج هو الذي يقوم علي المحاكمة المنطقية . أما ما كنا نأخذه علي الأقدمين من تمسكهم بالعامل، فهو منصب علي البصريين والكوفيين علي السواء، فقد قال الكوفيون بالعامل وتمسكوا به كما فعل البصريون تماماً، فالطرفان لم يختلفا في جذور نظرية العامل، وربما اختلفا في ضبط هذا العامل وتعيينه في المسائل التي اختلفا فيه، كاختلافهم في رافع خبر المبتدأ، فذهب الكوفيون إلي أن المبتدأ يرفع الخبر، والخبر يرفع المبتدأ، فهما مترافعان . وذهب البصريون إلي أن المبتدأ يرتفع بالابتداء والمبتدأ معاً، وذهب آخرون إلي أنه يرتفع بالابتداء.

إلا أنه لما قامت المنافسة بين علماء البصريين نُسب كل واحد إلي بلده، فهذا بصري وذاك كوفي، واستقلت كل طائفة بشخصية مميزة وقامت بين علماء الفريقين مناظرات وصلت بهم إلي حد تعرض بعضهم للبعض الآخر بالهجاء .

ولست هنا متحدثاً عن قيام هاتين المدرستين، فقد ثبت ذلك وكتب عنه كثيرون في القديم والحديث، وألف كل منهما بحث مستقل، ويكفينا ما كتبه  من المحدثين: الدكتور مهدي المخزومي في كتابه مدرسة الكوفة، وما كتبة الدكتور عبد الرحمن السيد في كتابه مدرسة البصرة، فقد تكفل كلاهما ما يمكن أن أقوله في هذا المقام.

ومع مطلع القرن الرابع والخامس الهجريين اشتد اهتمام النحويين بالحدود والعلل والعوامل وأفردوا كتباً خاصة بها وعاب بعضهم بعضاً بأن حده ناقص أو فيه دور، وعلي هذا أخضعت الحدود النحوية للمقاييس المنطقية، ولذلك كثرت الحدود النحوية وتعددت للمصطلح الواحد وخرجت بعض الحدود عن إطارها النحوي إلي نطاق الفلسفة، وغذت بعض الحدود ألغازا فلسفية يصعب فكها، وسبب ذلك أن الوصول إلي حد جامع مانع كما يتطلب علم المنطق أمر عسير، حتي صارت الحدود النحوية في عهد سيبويه أسهل منالاً وأبسط في توضيح المراد، لأن الدرس النحوي يستغني بالمثال  فقط وليس في حاجة لمعايير المنطق الدقيقة، ولو اكتفي النحاة بحد المصطلح النحوي بحد عقلي جامع فقط لكان أدعي للوضوح، غير أن النحويين توهموا ضرورة الدقة الشديدة بالجمع والمنع في تحديد المصطلحات النحوية فإزدات الحدود غموضاً وابتعدت عن دلالاتها النحوية.

وفي القرون التي أعقبت القرن الخامس الهجري حتي وقتنا الحالي أضحت مصطلحات المنطق تدخل بشكل سافر في الحدود والتعريفات والعلل والعوامل والأقيسة والأساليب، ولا تكاد تجد كتاباً نحوياً إلا وهو ملئ بعلم المنطق، وكثرت المصنفات في الحدود النحوية وجمعها من أمهات الكتب النحوية ولم شعثها بعبارات موجزة جامعة دقيقة يستطيع الدارس استيعابها بأقصر طريق ليمكن تعلم القواعد وتيسير حفظها واستذكارها واستيعابها، فوجود متن يتميز بالاختصار والاقتصار علي الأسس العامة يكون معيناً علي حفظ أصول العلم وقواعده، وتقريب الحقائق إلي أذهان المتعلمين بشتي مستوياتهم، ولضبط أصول العلم بدقة، ومن هذه المصنفات:" رسالة في الحدود النحوية " المنسوبة لأبي الفضل القاسم التلمساني  854هـ وكان صاحب الرسالة يحد كل مصطلح بثلاث حدود، وبعضها قد يزيد عن الثلاثة، وقليل منها بحدين أثنين فقط، وهذا يعد توسعاً في مجال التعريفات . وأغلب حدوده منقولة بدقة من حدود "الرماني" وكتب "الفارسي " وجمل "الزجاجي" . ومن كتب الحدود في هذه المرحلة كتاب " حدود النحو " لشهاب الدين الأبذي 860هـ وهو كتاب موجز مختصر، لأنه ألفه للمبتدئين من طلبة العلم، وأكثر الحدود في كتاب الأبذي يعبر فيها عن الجنس بقوله: (ما) إشارة إلي الجنس البعيد دون تحديد نوع هذا الجنس" وهو تعريف دلالي .

ومن ثم وجدنا النحاة المتأخرين يصوغون النحو العربي علي حسب الحدود والمقاييس والمصطلحات والأساليب المنطقية، والتي وضع فيها الكثير من الألفاظ الفلسفية والصيغ المنطقية الأرسطية مثل القضايا الصغرى والقضايا الكبرى، والعموم والخصوص الوجهي، والمعروض والعرض، والماصدق والمفهوم، والمادة والصورة، والاجتماع والإنفراد، ومنع الجمع ومنع الخلو، والماهية الذهنية والتشخيص  الخارجي، والتقييد والإطلاق، والموضوع والمحمول، واللازم والملزوم، والموجود والمعدوم، والقوة والفعل، والجنس والفصل والخاصة، والعهد والاستعراض، والمطلق والمقيد، والذوات والمعاني والمتعلق، مثل: لزيادة الثقل زيادة أثر، وليس بعد الجواز إلا اللزوم، وزين متدرج تحت الجنس، والمعهود ذهني، وأفراد هذا الجنس، وبينهما عموم وخصوص مطلق يجتمعان في كذا وينفرد الأعم بكذا، أو بينهما عموم وخصوص مطلق يجتمعان في كذا وينفرد كل منهما في كذا، والقضية وموضوعها ومحمولها، والبرهان المكون من صغري وكبرى ونتيجة ...وهلم جرا .

ومما يستغرب أن أحد المشتغلين بالنحو من المتأخرين وهو " جلال الدين السيوطي " ؛ حينما تحدث عن العلوم التي نبغ فيها، والتي لم يصل فيها إلي درجة النبوغ، وقسمها إلي درجات لم يسرد فيها علم المنطق ولا أدري ما الدرجة التي وضع فيها علم المنطق بالنسبة إلي معرفته بها .

ويبدو أن السيوطي غض البصر عن ذكر هذا العلم بين العلوم، لأنه آثر أن يتحدث عنه منفرداً لأمر يذكره، وعلة يبينها، فقال بعدما ذكر حديثه عن آلات الاجتهاد التي كملت عنده متحدثاً عن علم المنطق، ما نصه:" وقد كنت في مبادئ الطلب قرأت شيئاً من علم المنطق، ثم ألقي الله كراهته في قلبي، وسمعت أن ابن الصلاح أفتي بتحريمه، فتركته لذلك فعوضني الله تعالي عنه علم الحديث الذي هو أشرف العلوم" .

ومعني هذا  النص كما توحي دلالته أن السيوطي ليس جاهلاً في المنطق، وليس ضعيفاً، إنما تركه لشعوره بكراهيته في قلبه، وبخاصة بعدما أفتي ابن الصلاح بتحريمه، ولا أدل علي ذلك من أن السيوطي ألف في المنطق كتاباً سماه:" صون المنطق والكلام عن فني المنطق والكلام " جمع فيه أقوال العلماء في إبطال المنطق الأرسطي وانتقاده، وأفاد بميله إليهم، ولكنه نهج في الوقت نفسه نهج النحاة المناطقة في تواليفه النحوية وسلك مسلكهم في ترك مسائل النحو كما نقلها ممتزجة بمفاهيم المنطق ومصطلحاته وفي حشد الكثير من الألفاظ والحدود المنطقية التي رددها النحاة من قبله ونقلها عنهم دون أن يظهر التذمر منها علي الأقل، ونجد في مصنفاته المتعددة الكثير ما يفيد ذلك فمثلاً يقول في تعريفة للجملة " .... وتنقسم أيضاً إلي الكبرى والصغرى فالكبرى هي الاسمية التي خبرها جملة نحو زيد قائم أبوه وزيد أبوه قائم، والصغرى هي المبنية علي المبدأ كالجملة المخبر بها في المثالين، وقد تكون الجملة كبري وصغرى باعتبارين نحو زيد أبوه غلامه منطلق فمجموع هذا الكلام جملة كبرى لا غير، وغلامه منطلق صغرى لا غير وأبوه غلامه منطلق كبرى باعتبار غلامه منطلق صغرى باعتبار جملة الكلام "، وفي تعريفة للفاعل يقول " ما أسند عامل إليه عامل مفرغ علي جهة وقوعه منه أو قيامه به . وفي أقسام الكلام يقول أيضا " والكلام مركب من ثلاث خبر وطلب وإنشاء وإن لم يغدو هو اسم جنس لكلمة لا جمع كثره ولا قله ولا شرط تعدد الأنواع خلافاً لزاعميها، وغير ذلك من الأمثلة الدالة التأثر بالمنطق.

ومن مظاهر النزعة المنطقية عند النحاة المتأخرين ما نجده لدي "خالد الأزهري المتوفي 905هـ"  ؛ حيث كانت له معرفة بالمنطق، ففي شروحه نجده يستعين بمؤلفات المناطقة لتوضيح بعض القواعد النحوية . فمثلاً في كتابه "التصريح " في باب النسب ذكر في نسبة (ذات) ما قاله الكافي في شرح ايساغوجي في المنطق فقال:" لا يقال ذاتي منسوب إلي الذات، فلا يجوز أن نقول الماهية ذاتية والإلزام انتساب الشئ إلي نفسه، وهو ممنوع لأنا نقول هذه النسبة ليست بلغوية حتي يلزم ذلك، بل إنما هي اصطلاحات فلا يرد ذلك .

علق الشيخ خالد علي قول الكافي السابق بما يدل علي موافقة له فقال:" والدليل أنها اصطلاحية، أن استعمال ذات مراد بها الحقيقة لا أصل له في اللغة ". وكذا نجد ثقافته المنطقية ممزوجة بشرحه، فمثلاً يستخدم لفظ الماهية، وأيضاً في تنافي الجمع بين أجزاء الكلمة عبر عن ذلك بعبارة منطقية قال فيها:" والعناد حقيقي يمنع الجمع والخلو ".وفي تعليل الإحاطة بتعريف كل قسم من الكلمة قال:" وقد علم بذلك حد كل واحد منها للإحاطة بالمشترك وهو الجنس وما به يمتاز كل واحد عن الآخر هو الفصل" .

أما نحاة العصر العثماني، فقد تلقفوا النحو الممنطق وأقاموا أنفسهم حراساً عليه، بل أمعنوا في ذلك إمعانا وزادو فيه زيادة كبيرة بفعل ما جد من التوسع في علم المنطق نفسه وفي درسه والاختصاص فيه علي حساب تراجع اللغة نفسها، فوجدنا كتبهم مملوءة بالحدود والأساليب المنطقية، وهذا يبدو واضحاً من خلال ألفية ابن مالك (ت: 672 هـ)، والشروح التي قامت علي توضيحها، مثل ابن هشام الذي ألف شرحاً لشواهد شرح ابن الناظم علي الألفية، والذي عرف بـ (شرح شواهد ابن الناظم أو شرح الشواهد الكبري، كذلك حاشية الصبان المتوفى في سنة 1206 مع شرح الأشموني لألفية ابن مالك، وكذلك في حاشية الخضري المتوفي سنة 1287هـ علي شرح ابن عقيل لهذه الألفية .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

حاتم حميد محسنلابد من الاشارة الى ان اكبر المدافعين فلسفيا عن التسامح في العصر الحديث كان لاجئا. البروتستانتي باير بايل Pierre Bayle، هرب من بلده الاصلي فرنسا عام 1681. لقد خسر العديد من افراد عائلته في عمليات الاضطهاد الكاثوليكي في فرنسا ضد البروتستانت بعد أن ألغى لويس الرابع عشر الحقوق الدينية للبروتستانت عام 1685.

كتابات باير والتي نُسي الكثير منها كانت قد انتشرت على نطاق واسع في القرن الثامن عشر. وفي أعقاب الهجوم المأساوي على المسلمين في مدينة كرستشيرس في نيوزيلاند في مارس الماضي والصعود الواسع للقوى المضادة لليبرالية، نكون في مواجهة اسئلة ملحة حول أسباب وحدود التسامح.

ماذا يقول باير عن التسامح؟

اول خطاب له حول التسامح وهو الخطاب الأكثر راديكالية ورد في كتابه الذي نُشر عام 1682بعنوان (مختلف انواع التفكير حول المذنبات) (1). هو ادّعى ان المجتمع سيحتاج لحماية العقائد الدينية اذا كانت تلك العقائد وبشكل حاسم تصوغ وتحسّن سلوك الناس . لكن التاريخ يبيّن ان هذا ليس هو الموقف. الناس من جميع الارثودكسيات واشكال الايمان لايتصرفون كما يأمر ايمانهم، بل هم يعرضون نفس السمات الانسانية:الطموح، الجشع الشديد، الحسد، الرغبة في ايذاء الآخرين، اللاخجل، وجميع الجرائم التي يمكن ان تشبع الرغبات نراها في كل مكان. بايل يشير الى الحروب الصليبية، واولئك الذين جرى اعتبارهم ابطالا من جانب الكثيرين في اليمين المحافظ والمتطرف. هو اعتقد ان هذا دليل على انه حتى المسيحية، دين الحب، حرضت على تمجيد اكثر الأحداث رعبا على مر التاريخ . يستنتج بايل ان جميع الناس يجب ان يُسامحوا بناءً على الفعل وليس القول. هذا يعني حتى مجتمع الملحدين وبوجود قوانين جيدة يمكن ان يكونوا فضلاء بنفس مقدار مجتمع المؤمنين دينيا.

لماذا افكاره مثيرة للجدل؟

كتاب بايل سبّب غضبا شديدا. لأن هذا النص الاستثنائي يحتوي على التبرير العلماني الاول للتسامح المتعدد ثقافيا. هو يقوم بهذا عبر التمييز النقدي بين الكرامة الاساسية للفرد وهويته الثقافية والدينية. هو يقول ان عقائد وطقوس كل الناس يجب التسامح معها انطلاقا من احترام انسانيتهم الاساسية. هذا التمييز والذي يتفق عليه الجميع اليوم، كان بعيدا عن القبول العالمي. وفي المناخ السياسي الحالي، يبدو اننا نقبل وعلى نحو متزايد فكرة ان مختلف الجماعات تنتقد دائما فقط خصومها وليس الجانب الذي هي فيه. بالمقابل، ينطلق بايل المسيحي من حجج مسيحية معينة للتسامح، في نفس الوقت الذي ينتقد فيه افعال وعقائد المسيحيين الآخرين.

كبروتستانتي، يدّعي بايل انه من الخطأ الجسيم ومن غير المثمر محاولة اجبار الناس على التخلي عن عقائدهم المتشكلة طوعيا حتى لو كانوا ملحدين. هذا يعني اجبارهم للذهاب ضد الضمير الموهب لهم من الله، وهو اثم ضد كل من الله والانسان.

حدود التسامح

غير ان بايل يفهم بشكل جيد حدود تبرير التسامح لمختلف العقائد عبر اللجوء الى ادّعاءات بروتستانتية محددة. حين ناشد حرمة وحصانة ضمير الناس، ذلك خلق له مشكلة خطيرة. هذه المشكلة تجسدت اخيرا بشكل مأساوي في الأحداث التي وقعت في مدينة كرايست تشيرس. متعصبون مثل ارهابيو كرايست تشيرس مؤمنون تماما بصواب وعدالة فعلهم حتى عندما تستلزم افعالهم الذبح العشوائي لكل من ينتمي لجماعة اخرى. حجة احترام حرية الضمير هي ذاتها تقترح اننا يجب ان نتسامح مع "مضطهدو الضمير". الحجة التي اريد بها حماية الضعفاء بهذه الطريقة تنتهي بالتغاضي عن اكثر المتشددين بغضا. لمواجهة هذه المحصلة والتأكيد على حدود التسامح، يستخدم بايل اخيرا حجة اخرى والتي ستصبح، من خلال فولتير اساسية في فترة التنوير. حجة بايل تبدأ من تقديس القبول الليبرالي الما بعد حداثي للاختلافات الثقافية التي يصعب الاتفاق عليها بين الجماعات.

ان التنوع الهائل في المذاهب الدينية في العالم يشير الى ان لا وجود لجماعة واحدة تستطيع معرفة الحقائق العميقة لظروف الانسان وبيقين كافي لتبرير القمع والنفي او قتل الآخرين الذين لا يشتركون في عاداتهم وارائهم. لذا يكتب بايل:

الاختلافات في الآراء تبدو جزءا لا ينفصل من تعاسة الانسان. وبما ان فهمه محدود جدا، وقلبه مضطرب، يجب ان نحاول تقليل هذا الشر الى اضيق الحدود، وبالتأكيد ان الطريقة للقيام بهذا هي عبر التسامح المتبادل لكل منا.

الصعوبة قوة وليست ضعف

من خلال افكار بايل، لم يكن التسامح "كإباحة عمل اي شيء" شأناً ضعيفا. اولئك الذين يؤمنون انهم مؤهلون ليكونوا غير متسامحين جداً، هم مقتنعون بعمق انهم مع حماستهم المفرطة هذه، يجب ان لا يُتسامح معهم. بالنسبة لبايل، مثل هؤلاء الناس يدّعون ان مذهبهم هو الحقيقة الصادقة الوحيدة رغم النواقص والعيوب في الفهم الانساني ورغم وجود العديد من المذاهب المختلفة في العالم. هم يعتقدون انهم لديهم تفوقاً اخلاقيا يتم تبريره فقط عبر حب الذات والقوة. ان التسامح يتطلب قوة صعبة. اذا كان بايل صائبا، فان احترام الاختلافات قبل كل شيء يعتمد على الاعتراف بنواقصنا، وهي نواقص نشترك بها ككائنات بشرية متناهية مع الاخرين الذين من السهل دائما رفضهم او شيطنتهم او وصفهم كغرباء . هذا بالطبع ليس بالشيء السهل ولا هو بالمغري .

 

حاتم حميد محسن

.............................

الهوامش

(1) كتاب باير بايل (مختلف انواع التفكير حول حدوث المذنبات) Various thinking on the occasion of a comet صدرت ترجمته في شهر مايو 2000 في 271 صفحة عن دار مطبوعات جامعة نيويورك. هذا الكتاب جعل من الصعب على مناصري الاديان اليوم افتراض ان الدين هو الطريق الوحيد للاخلاق. الكتاب يتجاهل تأثير الخرافة في الحياة السياسية، كما انه وضع الارضية لفصل الكنيسة عن الدولة. في الكتاب يعالج بايل الادّعاء بان المذنبات التي تسطع في السماء هي سبب فعّال لما يحصل من كوارث على الارض او انها اشارة لها. خصص بايل 15 قسما من الكتاب معتمداً اساسا فلسفيا لإثبات ان المذنبات لا يمكن ان تكون سببا مباشرا للمصائب، ثم لجأ لاحقا الى ايمان مقبول ثيولوجيا ولكن ليس فلسفيا بان رغبة الانسان حرة:"انها مسألة ايمان ان حرية الانسان تتجاوز تأثير النجوم وانه لا خاصية فيزيائية ضرورية تقود تلك النجوم لما هو شر"(ص58) بما ان الرغبة الحرة تشير الى اننا وحدنا مسؤولون عن هكذا شرور في العالم كالحروب والفتن والقتل وطالما لا العقل ولا الوحي يخبرنا عن اي ارتباط ضروري بين المذنبات وهذه الكوارث فلابد من الاستتاج بعدم وجود اي ربط بين الاثنين.

 

بدر الدين شيخ رشيدمفهوم السيادة عند الغرب: إن كلمة السيادة مترجمة من الكلمة الإنجليزية sovereignty، وهو مصطلح سياسي وقانوني غربي النشأة والتكوين، تم نقله وترجمته إلى التداول العربي ضمن المفاهيم والمصطلحات التي تم نقلها وترجمتها مع بداية تشكل الفكر العربي في عصور النهضة، وهذا يعنى أنه مصطلح أجنبي وحديث ولم يكن متداولا في التراث العربي الإسلامي[1].

وقد مرت الدول الغربية بظروف تاريخية، حيث كانت السيادة فيها للملك أو للحاكم، ثم انتقلت السيادة إلى رجال الكنيسة فكانت سنداً ودعماً لمطامع البابا في السيطرة على السلطة، ثم انتقلت إلى الفرنسيين ليصوغوا منها نظرية السيادة في القرن الخامس عشر تقريباً، أثناء الصراع بين الملكية الفرنسية في العصور الوسطى، في مواجهة الإمبراطور والبابا، لتحقيق تفوقها الداخلي على أمراء الإقطاع[2].

ثم ارتبطت فكرة السيادة بالمفكر الفرنسي «جين بودين»الذي أخرج سنة (1577م) كتابه: «الكتب الستة للجمهورية»، حيث قسمها إلى:«السيادة الشعبية» التي يكون الشعب فيها مصدر السلطات، و«السيادة الاستقراطية» التي يكون فيها النبلاء أو الأقلية مصدرا للسلطات، و«السيادة الملكية» التي يكون فيها الملك مصدر السلطات، إلا أنه اعتبر أن منبع القانون والسيادة للملوك، فتطبيق القانون يكون على الرعايا فقط، ولهذا يعرّف بودان القانون على أنه: عمل ناشئ عن إرادة الحاكم[3].

السيادة ونظرية العقد الاجتماعيّ:

يعتبر هوبز(1588-1679)، أول من طرح نظرية العقد الاجتماعيّ في العصر الحديث حيث ذهب إلى أن السيادة شرعيّة السلطة، وحق الملك في الأمر والنهي ليس مستمدا من وراثته للعرش، وإنما شرعية السلطة مستمدة من إرادة مجموع الشعب الذي أقامها لكى تحمى مصالحه[4]، إلا أنه قيّدها بتنازل الشعب عن السيادة، لتحقيق سلطة عليا تفرض النظام الاجتماعي ويقصد بالتنازل: التنازل عن الحقوق الطبيعية كحق الحرية والملكية لصالح الملك[5].

ثم جاء جون لوك المفكر الثاني 29) أغسطس 1632 - 28 أكتوبر 1704(لنظرية العقد الاجتماعي، فرفض فكرة التنازل المطلق التي قالها هوبز، وطرح فكرة التنازل المقيد، بحيث أن للأمة الحق في استرجاع سيادتها متى ما أردات، خصوصا إذا ما استعملت سيادة الدولة في غير الأغراض التي تخدم مجموع المواطنين وتحفظ حقوقهم وكل السيادات مؤقتة في نظرية جون لوك، ما عدا سيادة الشعب فهي دائمة لا يمكن إلغائها، إلا في غير الظروف الطبيعية، كالقضاء عليه بالكلية أو إخراجه من وطنه كليا، أو حدوث غزو أجنبي يكتسح الوطن ويصبح فيه الشعب عبيدا للغزاة[6].

وبعده، أتى جان جاك روسو، وحسم الأمر نهائيا في صياغة العقد الاجتماعيّ وجعل السيادة بصور قطعية في إطار الإرادة العامة للشعب، ولايصح التنازل عنها سؤاء أكان التنازل عنها، مطلقا أو مقيدا، فالشعب هو الحاكم دائما وليس هناك حاكم سواه، وهو سلطة عليا تكون مصدرا لجميع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية. ولما كان الشعب بمجموعه لا يمكنه أن يمارس هذه السلطات بنفسه طرح روسو فكرة التفويض بدلا عن فكر التنازل الذي طرحه هوبز؛ إذ التنازل عملية انتقال كاملة للملكية والسيادة إلى الحاكم، وأما التفويض فهو مجرد نيابة أو توكيل من قبل الشعب مع بقاء الملكية والسيادة للشعب، ويعتبر فكرة جان جاك روسو، تطورا جوهريا في نظرية العقد الاجتماعي من حيث الانتقال من التنازل إلى التفويض[7].

السيادة في الإسلام:

السيادة في الإسلام ليست بعيدة عن مفهوم ما توصلت إليه النظرية الغربية من مبدأ التعاقد بين الراعي والرعية، باعتبار أن السيادة للأمة، بحكم استخلافها في الأض، فهي كما عرّفها العقاد: هي سند الحكم ويشمل فيها السيادة والتشريع وولاية الأمور العامة، ومعنى السند هو المرجع الذي يكسب القانون أو الرئيس حق الطاعة، فليست السيادة هي سلطان الحكم نفسه، ولكنها هي السند الذي يجعل ذلك السلطان حقا مسلما ولايجعله غصبا ينكره من يدان بطاعته[8].

وتشير الدراسات التي قام بها مقتدر خان حول مفهوم السيادة (sovereignty)،أن الكثير من مبادئ السيادة التي يتبناها الغرب لا تتعارض مع الإسلام، بل على العكس تنبع مباشرة من الإسلام. فبيّن أن أوائل الباحثين النظريين في أوروبا احتكوا احتكاكًا مباشرًا مع مفهوم السيادة في الإسلام. فجين بودين Bodin Jean وجان جاك روسو Jean Jaques rousseau من أشهر الباحثين الذين نظروا إلى نظرية السيادة الحديثة؛ وقد استعانوا في ذلك بمفاهيم السيادة الشعبية التي يتبناها الإسلام، حيث قام روسو بعمل دراسة مكثفة عن فترة حكم الرسول عليه الصلاة والسلام، في المدينة؛ لينهل ويستقي منها الأفكار المتعلقة بمفهوم السيادة، ولهذا، يقرر مقتدر خان: أن الإسلام قد ألقى بظلاله على النظرية الديمقراطية[9].

وتستند سيادة الأمة من جهة النظرية كون النبي صلى الله عليه وسلم، أنكر على الوالي أن ينتحل لنفسه ذمة الله وذمة رسوله، حيث كان يقول لمن ولاه الأمر« إذا حاصرت على أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله. وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فأنت لا تدرى أتصيب حكم الله فيهم أم لا»[10].

وكان الفاروق رضي الله عنه يأبي أن يقال عن رأيه أنه مشيئة الله، وقد نهر بعض أصحابه، عند ما زعم في ذلك، قائلا:« بئس ما قلت.. هذا ما رأى عمر بن الخطاب إن كان صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمن عمر.. لا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة»[11].

وبناء على هذا الأساس، لاتعارض بين القول:الأمة مصدر السلطة، والقول: بأن الله مصدر التشريع؛ لأن مصدر التشريع هو القرآن والسنة، وأن الأمة هي التي تفهم الكتاب والسنة وتعمل بهما وتنظر في أحوالها لترى مواضع التطبيق ومواضع الوقف والتعديل، وتقر الإمام على ما يأمر من الأحكام أو تأباه[12].

ويدل على ذلك، إيقاف الفاروق حد السرقة في عام المجاعة، كما أن أبا بكر لم يقم الحد على خالد بن الوليد، وذلك لقتله مالك بن نويره، وبناء زوجته قبل وفاء عدتها، لحدوث الواقعة في أحوال تعرضه للخطأ في التقدير، كذلك، أوقف بعض الفقهاء ترك تنفيذ بعض الحدود، بناء على تعذر الاعتماد على شهود عدول في العقوبات التي لا يستدرك إذا نفذ، وذلك لوجود قوم يحترفون الشهادة أحيانا بالكذب[13]، فعملوا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ادرؤوا الحدود بالشبهات)[14].

علاوة على ذلك، فالإجماع هو الأصل المعتمد بسيادة الأمة في السلطة والتشريع؛ لأن الإجماع نوعان«خاص وعام، فالخاص هو إجماع أصحاب الرأي في العلم والشريعة، وذوي الحل والعقد من القادة والرؤساء، والعام هو إجماع الخاصة والعامة والعلماء والجهلاء، وإجماع الخاصة مطلوب في السيادة التشريعة، وإجماع الخاصة والعامة مطلوب في السيادة السياسية، فإن لم يكن إجماع فالإتفاق القريب منه أولى بالإتباع»[15].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

......................

[1] - عبد الله المالكي، سيادة الامة قيل تطبيق الشريعة نحو فضاء أمثل لتجسيد مبادئ الإسلام، الشبكة العربية للأبحاث بيروت لبنان، ط1/2012م، ص86.

[2] - زيدان بن عابد المشوخي، السيادة مفهومها ونشأتها ومظاهرها،(بدون تاريخ النشر)، أنظر الرابط:

http://www.saaid.net/bahoth/100.htm

[3] - عبد الله المالكي، سيادة الامة قبل تطبيق الشريعة نحو فضاء أمثل لتجسيد مبادئ الإسلام، الشبكة العربية للأبحاث بيروت لبنان، ط1/2012م، ص90.

[4] - المصدر السابق، ص95.

[5] - المصدر السابق، ص95.

[6] - المصدر السابق، ص96.

[7] - المصجر السابق، ص99.

[8] - عباس محمود العقاد، الديمقراطية في الإسلام، دار المعارف، القاهره، مصر، ط3/(بدون تاريخ الطبع)،ص57.

[9] - مقتدر خان، المسلمون والد يمقراطية الأمريكية: مع أم ضد؟ ترجمة وتحرير شيرين فهمي، ضمن موسوعة: الرد على المذاهب الفكرية، اعداد، الباحث علي بن نايف الشحود، ج20/ص43.

[10] - محمد بن عمر الواقدي، كتاب المغازي، تحقيق، مارسدن جونس، عالم الكتب، بيروت، لبنان،(بدون تاريخ الطبع)، ج2/ص757.

[11] - ، السنن الكبرى، البيهقي مجلس دائرة المعارف النظامية، حيدر آباد، الهند، ط1/1344ھ، ج10/ص116.

[12] - عباس محمود العقاد، الديمقراطية في الإسلام، دار المعارف، القاهره، مصر، ط3/(بدون تاريخ الطبع)،ص65.

[13] - المصدر السابق، ص65.

[14] - السنن الكبرى، البيهقي مجلس دائرة المعارف النظامية، حيدر آباد الهند، ط1/1344ھ، ج8/ص31.

[15] - عباس محمود العقاد، الديمقراطية في الإسلام، دار المعارف، القاهره، مصر، ط3/(بدون تاريخ الطبع)،ص66.

 

 

عدنان عويدتبقى القومية في واقع أمرها مفهوماً ذا دلات اجتماعية وسياسية وثقافية واقتصادية، ولطالما أن هذه الدلالات في حالات تطور وتبدل دائمين، لذلك يظل مفهوم القومية جوهرياً في حالة تبدل وتطور أيضا، وفقاً لتطور وتبدل المجتمع ذاته.

إن المجتمعات الحية فعلاً، هي مجتمعات متغيرة ومتطورة، فالذي تحمله من علاقات اجتماعية وسياسية وثقافية واقتصادية اليوم مثلاً، هي ليست العلاقات الماضية كاملة، ولن تكون كاملة أيضاً بما ستحمله بعد سنوات. وعلى الرغم من أن "مفردة" القومية لا تتبدل أو تتغير من حيث الشكل، إلا أنها تتبدل من حيث المضمون. أي فيما تحمل من دلالات جوهرية بتبدل المجتمع الذي تتفاعل فيه. ولكي تكون الصورة هنا أكثر وضوحاً، علينا أن نميز بين معنيين مختلفين من معان القومية. فهي في المعنى الأول : مفهوم اجتماعي وثقافي واقتصادي يعبر عن هذه الرابطة الاجتماعية أو تلك التي تربط أفراد جماعة واحدة (قبيلة، عشيرة، طائفة، مذهب)، أي هي أقرب لمفهوم الأمة. أما في معناها الثاني: فهي (قوة) سياسية دافعة خلاقة في جوهرها نحو تحقيق أهداف توحيدية. ففي المعنى الأول، هي مجرد رابط اجتماعي، وفي المعنى الثاني، هي قوة دافعة أو محرك لتحقيق هذا الرابط وتنميته أو الحفاظ عليه. وكلا المعنيين يرتبطان مع بعضهما بعلاقة جدلية ذات تأثير متبادل. أي هما وجهان لعملة واحدة هي القومية كمفهوم (حي). ومع ذلك يظل التساؤل  القائم هنا هو:

هل هناك مفهوم محدد للقومية بناءً على جملة المعطيات التي جئنا عليها؟.

نقول على حد تعبير هيجل: (التعريف يعني التحديد)، ولطالما أن القومية كفكرة هي بناء فوقي، تُحدد طبيعته بوجود اجتماعي متغير ومتطور باستمرار، لذلك سيظل المفهوم في حالة حركة مستمرة أيضا، حيث نجده تارة يقوم هنا على البعد الاقتصادي، وتارة نجده يقوم هناك على البعد الاجتماعي، أو تارة أخرى على البعد الثقافي، بيد أنه يشمل كل هذه المقومات عند وصول الأمة إلى وعي الذات، أي إلى وعي نفسها بأن لها مقومات مشتركة ومصالح مشتركة وآمال مشتركة وتاريخ مشترك. وفي حالات كثيرة تتعطل حركة الوجود الاجتماعي في مراحل محددة من تاريخ الأمة بسبب ظروف سلبية داخلية أو خارجية، حيث يظهر مفهوم القومية في مثل هذه العطالة وكأنه في حالة ثبات. أي في حالة تطابق الوعي مع الواقع بمفهوم سلبي سكوني جامد وليس حركياً جدلياً. بيد أن حالة الثبات هذه ليست إلا تعبيراً عن حالة ثبات الوجود الاجتماعي لهذه الأمة، وهذا الثبات في الحقيقة ليس إلا نسبياً بسبب تخلف قوى وعلاقات الانتاج وما تفرضه من علاقات اجتماعية مطابقة لها،  لذلك ستظل هذه الأمة تُحضر نفسه دائماً لتغير جديد بالضرورة، وهذا ما يضفي صفة الصعوبة على تحديد مفهوم ثابت للقومية.

جاء في المعجم الفلسفي "الأمة" ترادف "القومية" أي قبيلة عشيرة، عرق .. شعب الخ. والقومية بشكل عام شكل تاريخي لوحدة "اجتماع" الناس. (1) أي هي كما يعرفه الفكر الحديث  التعبير عن حضارة معينة في لحظة تاريخية من تطورها. أي هي ليست حقيقة طبيعية تسعى بالضرورة عند ظهورها إلى تشكيل حالة أو جماعة سياسية.. إن مفهوم الأمة كفعل سياسي يدعو إلى الوحدة قد لا يجد تطبيقه الطبيعي في جميع الجماعات كما بينا قبل قليل، إنه حقيقة تاريخية أنطولوجية (وجودية) نعم، ولكنه لن يكون قوة فاعلة لتحقيق الوحدة عند هذه الجماعة التي لم تصل بعد إلى النضوج ووعي الذات. أي الخلاص من تخلفها البنيوي. أي وعي نفسها بأنه جماعة مورس عليها القهر والتجزئة والاستعمار والظلم والاستبداد، ولا بد لها ان توحيد مكوناتها حتى تحقق ذاتها بين الأمم.

إذن مع تلك الصعوبة في تحديد مفهوم دقيق للقومية، تفرض علينا منهجية البحث أن لا نضع مفهوماً واحداً ومحدداً للقومية صالحاً لكل زمان ومكان.

إذن، إن القومية في سياقها العام: هي الرابط أو مجموعة الروابط  التي تربط أفراد وجماعات الأمة الواحدة تاريخياً. وعلى أساس هذه الروابط تحدد طبيعة الحياة الروحية والمادية، بما تحمله من مكونات مثل الأرض والبنى النفسية والأخلاقية والثقافية والوعي والتقاليد وكل ما سياهم في مكونات هذه الأمة.

ونظراً لتعدد الآراء في تحديد العامل الرئيس المؤثر في تكوين الأمة أو القومية، كاعتبار بعضهم عامل اللغة مثلاً، أو العامل الثقافي أو الاقتصادي أو التاريخي  وغير ذلك، هو العامل الوحيد أو الرئيس في بلورة وجود هذه الأمة أو القومية، تأتي الصعوبة في إعطاء مفهوم كامل وشامل للقومية.

حقيقة إن ما يثبت كيان القومية هو العامل الملموس في الزمن الملموس. فالعامل الملموس هو الأقوى والأعمق في نفسية الشعب. والشعب هو نفسه الذي يقرر في النهاية مثل هذه الحقائق التاريخية، مدفوعا بعفويته لا بالعوامل التي يحددها الفلاسفة والمفكرون.. نعم إن الذي يحددها هي تلك الترسبات الاجتماعية الضخمة التي تصنع نفسية المجتمع.، وتجعل هذه النفسية تُعبر عن نفسها بعفوية.

إن الباحث الحقيقي هو الذي يستطيع أن يحلل مشاهد التاريخ. أي أن لا يتعامل معها بنظرة قبليّة أو سطحية أو ذاتية، بل بنظرة تحليلية عقلانية جدلية تتقصى الظاهرات أو المشاهدات في سياقها التاريخي في تقاليدها وتعدد ألوانها واتجاهاتها وتفاعلها.

وبناءً على كل الذي جئنا عليه هنا، نقول: إن القومية موجودة وقائمة فينا مهما اختلفت أسباب قيامها، وهي قديمة ابتدأت مع بدء تكون المجتمعات المتحضرة، ومع بدء وعي الجماعة لذاتها كجماعة لها وجودها المادي والفكري الذي تعمل لتطويره والدفاع عنه. بها عرفنا الآشوريين والبابليين والفينيقيين والهنود واليونان والرومان والعرب. إنها قائمة فينا باستمرار، قد يشتد الشعور بها فتكتسب قوة تجعلها قوة فاعلة في التاريخ، فتصبح ظاهرة واضحة، حتى أنها لتطغى على بقية الظواهر والروابط الاجتماعية الأخرى دينية كانت أو عرقية أو قبلية. أو قد تضعف فتطغى عليها قوة أخرى تكون أكثر فاعلية وشدة، حيث تعمل على تذويبها وتنحيتها ومحاولة الحلول محلها مثل العشائرية والقبلية والمذهبية والطائفية والقطرية الخ.. ولكنها رغم ذلك  لن تنتهي أو تتلاشى كليا، بل هي تظل كامنة في اللاشعور، وقد تظهر إلى الواقع بقوة وتتحول إلى سيل جارف عندما تتوفر عوامل ظهورها الموضوعية والذاتية.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية.

........................................

1- المعجم الفلسفي، إصدار دار التقدم، موسكو.