محمد الزمورياذا كانت "الأزمة" كما حلّلها مؤسس الفلسفة الفينومنولوجية "إدموند هوسرل" في كتابه "أزمة العلوم الأوروبية والفينومينولوجيا الترنسندنتالية" حمالة أوجه ولها اكثر من دلالة فإنها تعني في ما يمكن أن تعنيه ذلك الوصف الذي يتصيّر بوصفه فعل فلسفة وهو الكاشف عن نزعة عقلانية ضالة تعاني من التيه، أي أزمة تنشبك فيها المعاني الإنسانية التي ظلت تتخبط في دائرة بربرية أو هي الأزمة التي اتخذت طابعا سياسيا وأخلاقيا ضمن سياق تاريخي إثر صعود النظم الشمولية كالستالينية والفاشية والنازية، التي سخرّت المعارف العلمية والتكنولوجية قصد تحقيق الهيمنة والتحكم في الأفراد و الشعوب وما نجم عن ذلك من تهديد الإنسانية برمتها بالفناء كالحروب المدمرة للجنس البشري والصراعات الإيديولوجية.

فهذه الازمة هي التي اقترح "هوسرل" حلا للخلاص منها عبر "أفولُ أوربا في اغترابها عن المعنى العقلي لحياتها والسقوط في عداء الروح وفي البربرية، أو انبعاث أوربا انطلاقا من روح الفلسفة بفضل بطولية للعقل تتخطى النزعة الطبيعية نهائيا".

انطلاقا من هذا المدخل العميق أرى بعض الحلول التي يمكن استثمارها مثل: التكنوجينية والتي تعد من اهم المواضيع التي مازال العرب لا يدركون كنهها، وسوف أحاول من خلال معرفتي الجينية والاقتصادية أن أشرحها كما هي عادتنا في جامعة الحجر المنزلي المزمن في عصر فيروس (كوفيد-19).

موضوعنا اليوم مرتبط بنظرية الارتقاء الجيني البشري، وسوف نشرح لماذا وكيف سنكون آخر اجيال "الهومو ساپيانس"، من منظور مايكرو سكوپي اقتصادي أساسا، مع بعض الاسقاطات الفرديّة، لعل وعسى أن تتوسع رؤيتك قليلا أيها المتلقي لتلج فيها أفكار جديدة أكثر اهمية من داعش والماسونية والارهاب والصهيونية والاوهام التي صنعها الاعلام لتغدي تفكيرك.

في يوم من الأيام سألوا صديقنا "ستيف جوبس" عن أصل الانسان هل هو حيوان ناطق أو حيوان اجتماعي أو نحن ثديات جاهلة؟ فكان جوابه مثلما ذهب إليه "غوردن مور" و"طوماس آديسون"، بأننا حيوانات صانعة تطمح للرفاه، نستغل الآلات الموجودة في إطار الصيرورة التاريخية التي أنتجتها لنصنع أعقد منها في إطار حربنا اليومية بحثا عن القوة والرفاه الفردي اساسا، والذي يؤدي الى رفاهنا كجماعات وكفصيلة بشرية تعيش فوق كوكب الارض، في انتظار ابتكارات عالمية جديدة تعبد الطريق لاستيطان واستعمار الكواكب والمجرات الأخرى، ونترك كوكب الارض لصراعات الهوية والقومية والأيديولوجية ومهاترات "كيم جون إل" و"ترامب".

لذلك ففي بحثنا عن القوة نتعلم بطريقتين، أولا عن طريق الاكتساب المعرفي المهاري التّجريبي الواعي، وثانيا عن طريق التعليم الجيني، فنحن جميعا ننتمي لفصيلة "الهومو ساپيانس"، وليس "الهومو ساپينس"، والذي لا يتجاوز عمرها 120.000 سنة، وبحسب العديد من الخبراء التكنوجينيّين سوف ننقرض قريبا، مع اقتراب ظهور أحد الفصائل الجديدة، اكثر قوّة وذكاء، وهذا الكلام ليس له إثبات علمي حاليا، ولكن الحديث عنه أخد حيزا كبيرا ضمن العلوم التكنوجينية والفلسفية، خلال الأشهر القليلة الماضية أصدر معهد "إنرا للبيولوجيا" المتواجد بمدينة فرانكفورت الألمانية دراسة حول تطور زوال الجنس البشري.

يقول العلماء انه منذ 20.000 سنة فقط لم يعرف التكوين العقلي الجيني أي تطوّر، ولكن التكنولوجيا الحديثة وعلى عكس التوقّعات تقول اننا سنصبح أكثر ذكاء، وسوف تظهر فصيلة جديدة للإنسان الصّانع، خصوصا وأننا داخل لعبة محاكاة تعتمد على التسلسل الزمني الجيني.

في السنوات القليلة الماضية، وقع حدث تاريخي سيغير البشرية للأبد، وهو استعمال الاجهزة المحمولة من هواتف ذكية ولوحات الكترونية تتجاوز استعمال الحواسيب الشخصية والمكتبية، وهاد التجاوز غالبا سيكون للأبد.

ساهم هذا الاختراع في احداث تغييرات جذرية في التصرفات البشرية من شعوب وافراد، فتح الفرص لأبواب جديدة وقتل في نفس الوقت صناعات ضخمة، وفتح آفاق الطموح عاليا خصوصا بعدما كان الارتقاء في السلم الاجتماعي مرتبط بالملكية والسند الاسري أو القبلي، المجال أصبح مفتوحا للجميع ليس فقط المحبين والعاملين في التكنولوجيا، الشيء الذي خلق هذا التطور التكنولوجي في العهد الجديد من النظام العالمي هو الاقتصاد التشاركي، بزعامة "اوبر" و"إير بي ان بي"، وهو الاقتصاد الذي يتغدى من عمق الاقتصاد الكلاسيكي نحو عالم اكثر ليبيرتارية، واقل احتكارية، ويجعل الفرصة متاحة الجميع، بالرغم من أن هذا التطور قد تنبأ له منذ زمن بعيد، غير أنه الآن أصبح يأخذ ابعادا اكثر واقعية، وفي انتظار أن يقوموا سكان العالم الثالث بثورات بنكية تقنية يحرروا من خلالها اقتصادهم بأيديهم، بدون أن ينتظروا هيكليات البنك الدولي أو اكذوبة الاقتصاد المؤسسي. وفيما سبق كانت هناك محاولات من قبيل شركات خبيثة كشركات التسويق الهرمي للأسف، تستغل ما يسمى بسذاجة تراكم الارباح، انا هنا اتحدث عن اشياء معقولة تخلق فرص للشباب خصوصا في العالم العربي، الذين يشكلون ازيد من 250 مليون شاب اغلبهم عاطل عن العمل، هذه فرصتكم أيها التكنوجينيين، اللهم يسّر.

العالم سائر في اتزان بالرغم من الازمات، الشباب يرون العالم اسود لأنهم لم يعيشوا أحداث وتبعات الحرب العالمية الثانية، ولم يخبروا أيام الجوع والعطش، ولا يرون ملايين الناس الذين كانوا فقراء وتحسن حالهم، وخير دليل على ثورة الانسان الصانع هو مستويات الفقر العالمية التي تراجعت بشكل كبير.

الحقيقة اننا نعيش أكثر الايام ازدهارا في تاريخ البشرية، وأقلها حروبا، واكثرها سلما بالنظر الى الاحصائيات، الصينيون لديهم حكمة جميلة جدا بمعنى أنه إذا أردت ان تعرف المستقبل، اسأل الأطفال.

وبالرغم من قدم هذه المقولة الصينية فإنها لازالت تتمتع بفعالية كبيرة، لأنه ببساطة أولادك الذين سيأتون لهذا العالم بعد عشرين سنة سوف لن يعرفوا شيء اسمه كتاب مطبوع بسبب التكنولوجيا، ولن تكون لديهم رخصة لأن جميع السيارات ستكون ذاتية التوجيه في حدود 2040، ولن يستوعبوا أن البنوك كانت في بنايات، لأن البنوك وشركات التأمين كلها ستنقرض خلال عشرين سنة المقبلة على الاكثر، وستحل مكانها مواقع وتطبيقات بالهواتف النقالة والحواسيب، لذلك موظفين البنوك والتأمينات الحديثي التعيين يجب ان يجهزوا نفسهم من الأن لعصر ما بعد البنايات.

قانون "غوردون مور"، بالرغم من أنه لم يعد فعال، الا انه لازال صالحا لفهم ما يقع، ولمن لا يعرفه فهو القانون الذي ابتكره "غوردون مور" أحد مؤسسي إنتل عام 1965. حيث لاحظ مور أن عدد الترانزستورات على شريحة المعالج يتضاعف تقريبا كل عامين في حين يبقى سعر الشريحة على حاله. وأدت هذه الملاحظة إلى بدأ عملية دمج السيليكون بالدوائر المتكاملة على يد شركة إنتل مما ساهم في تنشيط الثورة التكنولوجية في شتى أنحاء العالم. وفي عام 2005، تنبأ الباحثون أن هذه النظرية من الممكن تطبيقها لعقد أخر من الزمان على الأقل.

يدرك الكثيرون أن الزيادات الفائقة لأعداد الترانزيستورات المدمجة في المعالجات وغيرها من المكونات الرائدة لمنصات العمل، وهذه الزيادات عملت بشكل ثابت وحقيقي تؤدي إلى المزيد من الأداء الحاسوبي وفقا لقياسه بملايين العمليات في الثانية الواحدة.

كما يعني قانون مور أيضا خفض التكاليف، ففي الوقت الذي تحقق فيه العناصر القائمة على السيليكون ومكونات منصات العمل المزيد من الأداء، فإنها تصبح أقل كلفة عند إنتاجها، وتصبح أكثر وفرة وقوة وأكثر تواجدا في حياتنا اليومية. وتعمل المعالجات اليوم على تشغيل كل شيء تقريبا، بدء بالألعاب وحتى الإشارات الضوئية، فعلى سبيل المثال، تستخدم بطاقة عيد الميلاد التي تكلف بضعة دولارات اليوم قدرة حاسوبية تفوق أسرع أجهزة الكمبيوتر التي استخدمت قبل عقود قليلة.

ترتبط قدرات العديد من الأجهزة الإلكترونية الرقمية ارتباطا وثيقا مع قانون مور: سرعة المعالجة وسعة الذاكرة والحساسات وحتى عدد وحجم البكسل في الكاميرات الرقمية كل هذه آخذة في التحسن بمعدلات أسية (تقريبا) أسعار. وهذا قد زاد بشكل كبير من فائدة الإلكترونيات الرقمية في كل قطاع تقريبا من الاقتصاد العالمي. قانون مور يصف بدقة قوة الدفع للتغير التكنولوجي والاجتماعي في أواخر القرن 20 وأوائل القرن 21. ان نوع العلاقة في قانون مور هي علاقة اسيه ولتصور مدى الزيادة لو افترضنا أنك ستحصل على مبلغ واحد دولار كمرتب أول يوم في وظيفتك واليوم الثاني ستحصل علي ضعف المرتب 2 دولار والثالث الضعف 4 دولار ففي اليوم الثلاثين سيصل مرتبك الي أكثر من نصف مليون دولار وكذلك قانون مور يخضع لعلاقه اسيه من الدرجة الثانية. ولكن تُتوقع نهاية التطور في عام 2020 تقريبا حيث ستصل ابعاد الترانزستور في الداثرة الكهربائية الي تقريبا ابعاد الذرة مما سيترتب عليه عدم استطاعتنا لإنشاء حالتين صفر وواحد. ومازال سعي العلماء لإيجاد حلول جديدة لاستمرار التطور في تصنيع الأجهزة الذكية.

سوف تتطور هيكلة الرد الآلي، لتجيب على ايميلاتك، وتقود سيارتك، الذكاء الاصطناعي سوف يغزوا الأسواق وتفاصيل الحياة اليومية ويؤثر بشكل مباشر على الحكومات والاقتصادات، فخلال عشر سنوات %80 من ميزانية الدفاع الامريكية ستنفق على الدفاع الالكتروني وتقنيات تحليل البيانات، وبالفعل قد بدأ هذا التنافس الافتراضي ما بين الولايات المتحدة الامريكية وروسيا والصين، مع تطور الدّرونات حيث أصبح كل شيء مرتبط بالأجهزة البيت والسيارة والتلفاز ودرجة حرارة حمام المساء، مما يحتم ان يكون كل هذا محمي الكترونيا وعسكريا.

وكما يؤثر هذا التطور على الأمن الفردي والجماعي، فإنه بالمقابل يوثر بشكل إيجابي على حرية الأسواق     Free Market  ونستطيع أن نلاحظ ذلك بوضوح في مجال الإنتاج الموسيقي والتلفزي، فالموسيقى التي كانت تباع في قرص مدمج، اصبح الأن بالمجان على" اليوتوب" أو "سيوتيفاي"، وحتى اذا اردت شرائها فلن يتعدى السعر دولار واحد، والتلفاز كذلك، فبعدما كنت تذهب للسينما، يمكنك الان بأقل من عشر دولارات في الشهر أن تستمع بأحدث الأفلام والمسلسلات والبرامج على "النت فليكس" أو " أي ام سي" أو " هولو" وغيرها الكثير.

لا اريد الدخول في مسألة الهندسة الجينية والقضاء على الصراصير للأبد، والاستنساخ الجيني للقضاء على السرطان بتقنيات "كايس ناين"، فالتكنولوجيا عميقة، لكنها لازالت بعيدة المنال عنا نحن الشعوب العربية، ولا علاقة لهذا الأمر بالحكومات، لأن الكل متوفر "باليوتوب" و"الدايلي موشن"، لكننا نكفر بالعلم ونفضل أن نتابع السطحية والميوعة وأبطال الوقت الوهميين وموسيقى الكبت.

بهاتف محمول، أو بحاسوب، يمكنك أن تتواجد في أي مكان في الكرة الارضية، ومازال التطور يتطور ولله الحمد، موقع اليوتوب يوفر لك امكانية اكتشاف اي ثقافة، واتذكر جيدا ولعي بالبرامج الوثائقية مع بدايات اليوتيوب، كانوا في البداية حوالي 100 وثائقي، الى أن اصابت حمى اليوتيوب الانتاج السمعي البصري، وحاليا يقدّر التحميل بأكثر من ستين ساعة من التحميل كل دقيقة، بمعدل 72000 ساعة كل نهار يا عزيزي، البشرية مشغولة بتوثيق نفسها للمستقبل، لكن المخيف أنها كاملة تحت سيطرة جهة معينة.

للذين عندهم شك في أننا لا يمكننا الخروج من المجموعة الشمسية، عليهم أن يراجعوا التطور الجيني البشري الذي أصبح واقعا اليوم، فأمريكا القوة الاقتصادية العظمى لم نكن نعرف أصلا عن وجودها منذ 500 سنة فقط، حتى ظهر سعيد بن حدو (1500 -1539) المعروف باسم مصطفى الزموري والملقب في المصادر الأجنبية بإستيبانيكو، ليؤسس لتاريخ استيطاني طويل.

تجهزوا للمستقبل أو للانقراض.

 

أ/محمد إبراهيم الزموري

باحث في العلوم الإنسانية والقانونية.

 

عبد الصمد البلغيثيفي الوقت الذي تتنافس فيه بعض دول العالم وعلماؤها من أجل البحث عن لقاح ناجع لفيروس كورونا، الذي صنفته منظمة الصحة العالمية جائحة عالمية تهدد أمن وسلامة الإنسانية جمعاء، وقد تجلى هذا التنافس في حجم الإمكانيات والجهود التي تبذلها هذه الدول لدعم مراكز الأبحاث والمؤسسات المتخصصة في الأوبئة والصحة العامة.

في هذا الوقت نجد الدول العربية وشعوبها تبدوا وكأنها خارج  الزمن، وغير معنية بالبحث العلمي ولا تنتمي إلى المجتمع الدولي الذي يسارع الوقت للخروج من هذه الأزمة.

وفي المقابل فهي غارقة في تخلفها البنيوي وفي جهلها المؤسس حسب لغة محمد أركون الذي يعتبر في كتبه أن الجهل عند العرب لم يعد ظاهرة طارئة، بل أصبح جهلا مرتبط بالنظام التعليمي العقيم في المدارس والجامعات التي تساهم في انتاج قيم هدامة كالتطرف والإنحراف والتعصب، وتغييب العقل وقيم التنوير...، ليتحول هذا التخلف إلى جهل مقدس بلغة الفيلسوف الفرنسي أوليفيه روا Olivier Roy.

وقد ظهر ذلك واضحا في مستوى تعامل الإنسان العربي مع هذه الجائحة، ما فضح المستوى الذي وصلت له هذه الشعوب من التأخر العلمي، تأخر لم يكن وليد اللحظة بل هو قديم في تاريخ المنطقة التي أصبحت مشاكلها عبئا على المجتمع الدولي.

دائما العرب يشكلون إستثناءا بين شعوب العالم المتحضر والمتخلف أيضا، فقد شهد شاهد منهم وهو الشاعر العربي المتميز أبو الطيب المتنبي 303ه/354ه وخاطبهم في قصيدة مطلعها: يا أمة ضحكة من جهلها الأمم...، والغريب أن الشاعر عربي أصيل وعاش في أبهى أيام الحضارة الإسلامية العربية.

وهذا الإستثناء العربي ليس وليد اليوم كما سبق الإشارة، فهو قديم لأن العرب منذ ظهورهم على ساحت الأحداث لم يكن لهم إهتمام بالعلوم وتدوينها، أمر غريب إنتبه له كثير ممن أرخ للحضارة الإسلامية العربية، منهم المؤرخ المغربي الكبير عبد الرحمان ابن خلدون 732ه/808ه الذي عبر عن هذا الإستثناء العربي في كتابه المقدمة حيث قال: "من الغريب الواقع أن حملة العلم في الملة الإسلامية أكثرهم العجم، وليس في العرب حملة علم، لا في العلوم الشرعية ولا في العلوم العقلية، إلا في القليل النادر، وإن كان منهم العربي في السند، فهو أعجمي في لغته ومرباه ومشيخته، مع أن الملة عربية، وصاحب شريعتها عربي."

إعتبر ابن خلدون رحم الله عن أن هذا الإستثناء العربي أمر غريب، فلا أحد ينكر ما وصلت له حضارتنا الإسلامية العربية من تقدم ورقي على يد علماء مرموقين، لكن الغريب أنه لم يكن منهم عربي إلا في النادر وهو إما تكوينه أعجمي أو نشأ وتربى على يد شيوخ أعاجم، وقد برع هؤلاء في علوم شتى منها العلوم الشرعية: ويقصد بها علوم الدين من تفسير للقران الكريم وسنة نبوية، وأصول فقه وعلوم الحديث ومصطلحه وعلم الفرائض والمواقيت....، وهي علوم برع فيها بل أسسها رجال من غير العرب، والغريب أنها تحتاج لدراستها معرفة بأنساب العرب ولغتهم وأمثالهم وأشعارهم، ولا حاجة للقول أن قواعد العربية وجمع الشعر وتدوين قواعده وتدوين أنساب العرب كان من غير العرب، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: حماد الراوي جامع المعلقات العشر، وبشار بن برد وسيبويه وأبو العتاهية والطبري وابن كثير وابن حنبل والبخاري...، وعندما يتحدث ابن خلدون عن العلوم العقلية فالمقصود علوم الفلسفة من رياضيات وفلك وطب وكيمياء...التي لم يكن للعرب فيها حظ، فجميع من كان يشتغل بها من غير العرب مثل اسحاق بن حنين وابن البطريق وأبو بشر متى والرازي والخوارزمي وابن سينا والفارابي والبيروني...

إن المتأمل لحضارتنا الإسلامية العربية-والمقصود بالعربية أنها كتبة بلغة عربية-يجد أن فضل غير العرب كان مهما في تدوين العلوم، والحفاظ عليها حيث وضح ابن خلدون ذلك بقوله: "ولم يقم بحفظ العلم وتدوينه إلا الأعاجم" والأعاجم يقصد بها من لم تكن أصوله عربية ويضيف ابن خلدون: "وأما العلوم العقلية...اختصت بالعجم وتركها العرب وانصرفوا عن إنتحالها فلم يحملها إلا المعربون من العجم"، وهذا دليل على أن الحضارة الإسلامية لم تكن عربية إلا من حيث اللغة التي كتبة بها، غير ذلك فلا فضل للعرب حسب ابن خلدون.

المعربون الأعاجم حملوا لواء العلوم في الحضارة الإسلامية، وقادو حركة الترجمة والتدوين في العصر العباسي، وشتغلوا على علوم القران الكريم وتدوين الحديث وعلومه، وبرعوا في الفلسفة. وبنو حضارة لا زلنا إلى اليوم نبكي على أطلالها بعد أن ضيع العرب مجدها الزاخر، مجد تحدث عنه مؤرخ الحياة الفكرية ابن النديم توفي 384ه في كتابه الفهرسة و فيه وثق لجميع الكتب التي وصلت إليه وأسماء من كتبها وترجمها، والغريب أن أغلبهم ليس عربيا، الأمر الذي نجده أيضا عند مؤرخ أخر هو حاجي خليفة 1017ه1068ه في كتابه كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، ويضم أسماء ألاف الكتب العربية والفارسية والتركية ومؤلفوها والغرب أيضا أن الجميع من غير العرب إلا القيل.

أضف لذلك أن أول مؤسسة علمية متخصصة في الترجمة والبحث العلمي عند المسلمين كانت في العصر العباسي مع الخليفة المأمون، سمية بيت الحكمة وكان جميع طاقمها العلمي من غير العرب، خصصة لها الدولة ميزانية ضخمة لقيام العلماء بأدوارهم، وضعوا لكل عالم ترجم كتابا في علم من العلوم وزن الكتاب ذهبا. وكان يوضع الميزان والكتاب في كفة والذهب في الأخرى، ولك أن تتخيل حجم الذهب الذي كان يصرف على العلماء وأغلبهم من غير العرب ومن غير المسلمين، منهم المسيحيون اليعقوبيون والنساطرة وكذلك اليهود وبعض الصابئة أتقنوا اللغة العربية ونقلوا لها من اليونانية والعبرية والسريانية.

 

عبد الصمد البلغيتي - المغرب

 

عقيل العبودالحرية بمفهومها البسيط عكس العبودية، وهي معناها ان يكون الإنسان حرا في نفسه، واختياراته، وقراراته، وجميع ما يتعلق بأمور حياته، اي ان لا يكون عبدا مملوكا لأحد.

وقد ورد عن الإمام علي (ع) (لا تكن عبد غيرك وقد ولدتك أمك حرا). اي لا تقبل بعبوديتك لأي اِنسْـَان.

والمعنى، ان هنالك نهيا مطلقا عن العبودية، وهذا النهي هو امر متعلق بقضية حياة الإنسان وكرامته وحقه المصيري في الإنسانية، وحق من معه.

حيث لا يحق للإنسان ان يتسيد مصير اخاه الإنسان من جانب، ولا يحق له ان يكون تحت مظلة هذا التسيد من جانب آخر.

كونه أي الإنسان عندما يسلب حقه فسوف يجري هذا السلب على من يتبعه، أوعلى من يأتي بعده، فالعبد لا يتزوج بحرة، والحرة لا تتزوج بعبد، باعتبار انه بموجب قانون العبودية سيتم تقسيم المجتمعات الى اسياد وعبيد وهذا التقسيم سوف يؤثر على قانون العدل الاجتماعي، وستكون هنالك فوضى اخلاقية في المجتمع، وهذه الفوضى ستتحكم بمصير الابناء.

فالجنس الإنساني مكرم عن باقي اجناس الخلائق بعقله، وكبريائه وحسه وقدرته على تطويع الأشياء والمسميات والموضوعات، كالعلم، والعلاقات الاجتماعية، وطريقة التفكير، والتعايش وذلك وفقا لنظام اخلاقي معين؛

ما يجعله متمكنا في إدارة حياته بما يتناسب وحقوق الآخرين، ذلك بحسب قاعدة الضمير الأخلاقي التي نشأت بالفطرة مع سلوك وتوجه الإنسان، فالإنسان بالفطرة يرفض القبيح من المسميات كالسرقة والقتل والكذب والخيانة، وإيذاء الآخرين، وبالمقابل بالفطرة يحب الجمال والصدق والشجاعة، والإبتعاد عن الأذى.

والنقطة الجوهرية هنا هو ان العقل يمثل الجهة التي بها يرتبط هذا الإنسان بالواقع ومفرداته المختلفة ومتعيناته المتشخصة ذلك من خلال وجوده الحسي.

فالأحكام الحسية تعمل بجانب العقل على تشفير مفردات الواقع بناء على طبيعة تفاعلها، وهذا التشفير مهم للتمييز بين الصح والخطأ.

والصح والخطأ هنا قضيتان نسبيتان لهما علاقة بمستوى النضج العقلي للإنسان، حيث على أساس هذا النضج تتقرر احكام العقل والسلوك.

فالعقل السوي مثلا هو العقل الذي يفهم ان هنالك ضرورات ومبادئ يجب العمل بموجبها والإحاطة بها على أساس التمثيل الأخلاقي والقانوني ذلك لحماية حقوق الناس والمجتمع.

باعتبار ان الحرية لا تخص حياة الفرد وحده، إنما هي ضرورة اخلاقية تتعلق بوجود الآخرين، فلا حرية للفرد على حساب الجماعة، ولا حرية للجماعة على حساب حقوق الفرد، وهذا الموضوع يدخل فيما يسمى بعلم الاخلاق (deontology).

والذي يعرف بحسب ما ورد في قاموس الترجمة الإنكليزية-العربية*:

ethics, study of the obligation to do good deeds

ما معناه وجوب الالتزام الأخلاقي بالعمل الصحيح، والعمل الصحيح هو نتاج منظومة النفس السلوكية وارتباط هذه المنظومة بالقواعد الاخلاقية والتي منها تتفرع قوانين الفضيلة والعدل، ما يسمى

 the rules of fairness and virtue

 

فحقوق الناس جزء من قاعدة الالتزام والانضباط الأخلاقي، ومن هنا يترتب على العقل ان يفهم معنى العدالة والتي من شروطها التحرر من انا الذات وتطويع النفس على مبادئ احترام النفس الانسانية اي احترام حقوق الناس وحرياتهم طبقا لقاعدة العدل الأخلاقي والإنساني.

فتمرد العامة على الحكومات المستبدة مثلا هو انعكاس ونتيجة لعدم الالتزام بمبادئ وشروط نظرية العدل.

فالعقل الجيد هو الذي يقدر ان يحكم ويضع قوانين السلوك الصحيح للعدالة الاجتماعية، فإن امتلك الحاكم عقلا جيداً مثلا، فسوف تمتلك المعية حياة جيدة، والعقل الجيد لا يخص الحاكم فقط، بل الآخرون ايضا.

If we have a perfect mind, we will have a good life and a good society.

لذلك ووفقا لهذه القاعدة فان الله يختار الأنبياء لتطبيق شروط العدالة الإلهية في الأرض كمنهج سماوي ثابت كما ورد في القران في سورة طه الآية ١٣:

(وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري).

وهذا الاختيار مشروط بالالتزام بالمبادئ الإلهية من خلال العبودية الخالصة الى الله.

فالعبودية الى الله تعني تحرير الذات من شرنقتها والانطلاق بها الى فضاء العدل الإلهي.

حيث بموجب هذه العبودية يصبح لقيد العبادة سلطة عليا لنهي الذات عن الخضوع لسلطة السلطان التي تمثل السلطة الدنيا.

وهذا التحرر بموجبه يتحقق العدل كونه به يصبح الإنسان قادرا على فهم حاجيات الآخرين من خلال فهم واجباته الأخلاقية تجاههم، وبه اوعلى اساسه يضع الإنسان مقاييس الحق والباطل، ذلك بعد تحرره من وهم استبداد السلطة.

 

عقيل العبود

 

 

جواد بشارةلماذا لاتظهر المخلوقات الفضائية للبشر ولا تتصل الكائنات الفضائية الذكية بحضارتنا البشرية؟

نحن نعيش في مجرة تحتوي على مئات المليارات من النجوم و الشموس ومن بينها شمسنا. أما الكواكب المشابهة للأرض فتعد بالمليارات.. فلماذا في هذا الفضاء الشاسع، لم نتواصل (بعد) مع الحضارات الفضائية الموجودة خارج الأرض؟

هل الكواكب الخارجية المشابهة للأرض مأهولة؟ يمكن أن يكون هناك 100 مليار كوكب على الأقل في مجرتنا. من الصعب أن نتخيل أن لا أحد يمكنه أن يعيش فوقها و لا توجد الحياة فيها. أجرى Cnes المركز الأوروبي لعلوم الفضاء مقابلة مع ميشيل فيزيو Michel Viso العالم الفرنسي، ورئيس برامج علم الأحياء الخارجية، ليحدثنا عن ظروف ظهور الحياة في الكون والذي أكد بديهية وجود حياة في الكون الشاسع ولا تقتصر في وجودها على الأرض الكوكب التافه العادي من بين مليارات المليارات من الكواكب الشبيهة .

هل هناك حياة في مكان آخر غير الأرض أم أننا وحدنا في الكون؟ هذا السؤال يعذب البشرية. نفضل أن نعتقد أن هناك عوالم مأهولة أخرى، خاصة إذا اعتبرنا أن هناك مئات المليارات من النجوم في مجرتنا - ومئات المليارات من المجرات في الكون - وأن معظمها محاط بالكواكب والمليارات من هذه الكواكب قابلة لاحتضان الحياة الذكية فوقها فهي ليست موجودة على نحو عبثي أو كديكور ..

بالإضافة إلى ذلك، مرت 13 مليار سنة منذ تشكل مجرة درب التبانة، والتي تضم أكثر من 300 مليار نجم أو شمس مختلفة الأحجام وأغلبها يشكل نظاماً شمسياً على غرار نظامنا الشمسي، ما يوفر قدرًا لا بأس به من الوقت لظهور الحياة على العديد من الكواكب. لذا، كما تقول مفارقة فيرمي الشهيرة، إذا كانت هناك حياة في مكان آخر وحضارات خارج كوكب الأرض (حيث تنبأ كارل ساغان بأكثر من 10000)، فلماذا لم تأت هذه الكائنات حتى الآن لتجدنا أو تلتقي بنا؟ "ولكن أين هم إذن؟" صرخ إنريكو فيرمي. وكيف يمكن أن نفسر هذا الصمت.

هناك أحد عشر إجابة محتملة لهذا التساؤل الذي أطلقه فيرمي:

1 - لا توجد كائنات فضائية

أحد الاحتمالات هو أننا وحدنا (و هذا بحد ذاته يدعو لليأس) وأن نكون وحدنا في الكون بأكمله أمر غير منطقي. فلو لن تكون هناك حياة في مكان آخر غير الأرض، ستكون جميع العوالم الأخرى عقيمة، باختصار. أو، يمكن أن تكون الحياة قد بدأت ثم تمحى بسبب حدث كوني. من الممكن تمامًا أن يكون ذلك قد حدث ولكن من الصعب الاعتقاد عندما نعلم، وفقًا للإحصاءات، أنه سيكون هناك ما لا يقل عن 40 مليار كوكب صالح للسكن، فقط في مجرتنا. فمن حقنا أن نعتقد، على العكس، بأن الحياة كثيرة ... أي أن الكون يمطر حيوات في كل مكان

2 - لا توجد حياة ذكية خارج الأرض

أولاً، كيف تعرف الحياة الذكية خارج الأرض؟ هل نحن جزء منها؟ بعد كل شيء، قد تكون هناك حياة في مكان آخر ولكن ذات طبيعة بدائية ... في المرحلة الميكروبية، على سبيل المثال، مثل تلك التي تطورت على الأرض على مدى عدة مليارات من السنين. أو وجود النباتات والحيوانات التي لن تمتلك (حتى الآن) القدرة على التواصل خارج كوكبها (بالنسبة للأرض، كان هذا هو الحال حتى وقت قريب جدًا ... من الناحية الجيولوجية).

3 - الفضائيون لا يستخدمون التكنولوجيا

قد لا تمتلك الحضارات خارج الأرض التكنولوجيا اللازمة للتواصل مع عوالم أخرى. وقد يكون تطورهم مختلفًا تمامًا عن تطورنا، لذلك قد لا يهتمون حتى بأمر الاتصال بنا. أو لا تريد تلك الكائنات استخدام تكنولوجيتها لإجراء اتصالات معنا.

4 - تكون لدى الكائنات الفضائية تكنولوجيا أكثر تقدمًا من تلك التي لدينا

مثال آخر على ذلك: يمكن أن تكون تقنيتهم أكثر تقدمًا من تقنيتنا. من الممكن أو أن يستخدموا أساليب اتصال لا نعرفها (حتى الآن) والتي من المستحيل حلها وفك شيفرتها وفي هذه الحالة

فإن معادلة دريك تحتاج إلى إعادة النظر بعد الاكتشافات الأخيرة في هذا المجال.

5 - الحضارات خارج كوكب الأرض تدمر نفسها

عندما نرى التحديات التي تواجه البشرية، خاصة منذ منتصف القرن العشرين، فمن المعقول أن نعتقد أنه في أماكن أخرى، على الكواكب الأخرى، يمكن أن تسبب ما يسمى بالحضارات "الذكية" عملية اختفاءها أو تدمير نفسها. وبقدر ما نشعر بالقلق، فإن مخاطر الانهيار و / أو الانقراض متعددة: الأسلحة النووية الفتاكة في نهاية الصراع العالمي، الاحترار العالمي الشديد أو الاحتباس الحراري (المجاعات، الجفاف، الأمراض، الحروب، التسونامي، أو العواصف المدمرة، البراكين، إنهيار الديمقراطيات، إلخ). ) مقترنة بالانقراض الجماعي السادس والأوبئة، إلخ. ومع ذلك، يمكننا أن نأمل أن يتمكن الإنسان من تجنب مثل هذه القضايا والكوارث

6- الكون بيئة خطيرة للغاية

وكما نعلم، بدأ الانقراض الجماعي السادس على الأرض. في حين أن النوع الأخير ناتج عن جنسنا، فإن الأنواع السابقة غير البشرية جميعها كان لانقراضها سبب أو أصل طبيعي: التغيرات المناخية الطبيعية وأيضًا ... الكويكبات التي اصطدمت بالأرض، كما كان الحال مع الأزمة البيولوجية السابقة، قبل 65 مليون سنة.

اليوم، ألــ Homo sapiens  الإنسان الحديث يعرف أن الكويكبات قد لا تزال تعرض الحياة على الأرض للخطر يومًا ما ويعرف أيضًا أنه لا تزال هناك أحداث كونية أخرى يمكن أن تدمرها، مثل انفجار المستعر الكبير surpernovae و quasars الكوازارات و أيضا، بالقرب منا، عواصف وهبات شمسية عنيفة. لذلك من الممكن أن الحياة في مكان آخر، وفي كثير من الأحيان، لم يكن لديها الوقت للتطور. ضع في اعتبارك، على سبيل المثال، أن النجوم من نوع الأقزام الحمراء التي يتم اكتشاف الكواكب الصخرية حولها غالبًا ما تكون مالكة للظروف والشروط التي يتطلبها ظهور الحياة فوقها مثل نجم ترابيست 1، Trappist-1 و وكواكبه السبعة من الواضح أنها نجوم مزاجية مدمرة. إن غضبهم المتكرر يقلل بشكل كبير من فرص أن تكون هذه الكواكب صالحة للسكن حقًا ...

وهو السبب الذي حث العالمين ستيفن هوكينغ وميلنر إلى التوصية بإرسال مسبارات إلى النجوم لتقصي حقيقة وجود حياة على كواكبها.

7- إن مجرة درب التبانة كبيرة جدا

لتوضيح أن الاتصال بحضارة متطورة خارج كوكب الأرض لم يحدث بعد، هناك احتمال آخر هو أن مجرتنا - والأكثر من ذلك، الكون المرئي برمته - كبيرة جدًا والمسافات فيها شاسعة لدرجة أنها لا يمكن أن تسمح بحدوث اتصالات بسبب المسافات الهائلة ومحدودية سرعة الضوء ( 300000 كلم / ثانية). فقطر مجرة درب التبانة يعادل 100000 سنة ضوئية، لذا يمكن للمرء أن يتخيل أن الإشارات المرسلة في الطرف الآخر من درب التبانة وإن سارت بسرعة الضوء فسوف تستغرق عدة آلاف من السنين لتصل ولا نمتلك مركبات تسير بسرعة الضوء. كل هذا يتوقف على المسافة وكذلك عندما نتمكن من تصنيع مثل تلك المركبات الفضائية السريعة لن يكون الأمر يسيرا وممكناً. وبعد ذلك، دعونا لا ننسى أن هناك مئات المليارات من النجوم.. ربما لم يتم رصدنا (بعد) من قبلها. وقد لا نكون حتى مدرجين على قوائمهم ... الاختيار لا حدود له. على سبيل المثال، إذا أرسلوا إشارة قبل 100 عام ويبعدون عنا مسافة 10000 سنة ضوئية، فسيتعين علينا الانتظار 9،900 سنة لتلقي تلك الإشارة. وهي نفس المشكلة بالنسبة لنا، نحن الذين يبحثون (أيضًا) عن محاورين كونيين من الكائنات والمخلوقات الفضائية الموجودة خارج الأرض.

8- لقد بدأنا نبحث عن الكائنات الفضائية منذ فترة قصيرة للغاية.

لم تتمكن البشرية من التقاط إشارات من حضارة خارج كوكب الأرض عبر مقاريب أو تلسكوبات لاسلكية لقرن آخر. لقد مر 80 عامًا عندما بدأ البحث النشط عن الإشارات بالفعل، أي بالكاد منذ 60 عامًا. وبالتالي فهي فترة زمنية قصيرة للغاية مقارنة بعمر درب التبانة.

إلى جانب ذلك، هناك العديد من التوجيهات والإشارات الممكنة التي لا نستمع إليها بالضرورة في المكان الصحيح. كما يوضح أندرو فاين في مقال الكون اليوم UniverseToday، وهذا يشبه إلى حد ما البحث عن تردد بث على BC يحتوي على حوالي 250 مليار قناة ...

9 - تنبعث من كائنات فضائية إشارة ضئيلة أو معدومة

لا يزال من الممكن أن تستمع الحضارات خارج كوكب الأرض دون أن تصدر إشارات قوية، مثل ما نقوم به. من جانبنا، فنحن نرسل البعض من تلك الإشارات نحو عدد قليل من النجوم. في الواقع، لقد جعلنا أنفسنا غير معروفين. مع القلق الكامن من إعلامهم بموقعنا ومكاننا ما دفع العالم ستيفن هوكينغ ليحذرنا وينصحنا مرة أخرى بعدم التحدث إلى الغرباء الكونيين والكائنات الفضائية غير البشرية

10 - كائنات فضائية تتجنبنا

نحن لا نعرف طرق تفكيرهم بالطبع. ولكن، يمكن للمرء أن يتصور أننا في الواقع لا نهتم بهم على الإطلاق، أو هم لايهتمون بنا، ولا يتعلق هذا الأمر بكوكبنا فقط. فقد تكون الظروف هناك معادية للغاية بالنسبة لهم. إلا إذا كنا نبدو لهم خطرين ونادرين للغاية. من يدري ؟ ربما نخيفهم! وربما ينظرون إلينا مثلما ننظر نحن للحشرات والفيروسات والبكتريا أو الحيوانات غير الذكية.

تعرف الكواكب الخارجية التي يحتمل أن تكون صالحة للسكن (حسب إحصائية أجريت في شهر مايو 2017) ومسافاتها عن الأرض التي تقاس بالسنوات الضوئية ويعبر عنها بالمعدلات بالرمز © في معادلة دريك،  حسب مختبر دراسة قابلية الكواكب، @ UPR Arecibo(ly)

من الممكن أيضًا أن يطبقوا سياسة المجرة وسياسة الحضارات المتقدمة والمتطور في المجرة بعدم التدخل فيما يتعلق بعوالم متخلفة مثل عوالمنا، التي يسكنها كائنات بدائية ... (كما هو الحال) حسب ما ورد من أطروحات مسلسل وأفلام ستار تريك Star Trek، و ربما يحكمون بعد ذلك على أن الاتصال بنا سيكون سابقًا لأوانه وقد اختاروا عمدًا، على الأقل في الوقت الحالي، تركنا وشأننا في أعمالنا وشؤوننا، مع مراعاة عدم التدخل.

11 -  الكائنات الفضائية موجودة بالفعل

أخيرًا وليس آخرًا ربما يكون الزوار الفضائيون موجودون بالفعل ولم نلاحظهم حتى أو ندرك وجودهم بيننا. لذا، ربما يراقبوننا بسرية وعن بعد. من ناحية أخرى، هناك من يعتقد أومتأكد من وجودهم ويحاولون إقناع أنفسهم بأن هناك كائنات فضائية وقعت اتفاقيات مع حكومات العديد من البلدان وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، كما ذكر وزير الدفاع الكندي في تصريح له في وسائل الإعلام. لذا، هل نحن وحدنا في الكون أم لا؟ على أي حال، كما يقول العديد من علماء الفلك وعلماء الأحياء الخارجية، يجب أن نعرف قريبًا ما إذا كانت هناك حياة في مكان آخر. الباحثون واثقون من أن مثل هذه الاكتشافات سيتم تحقيقها في السنوات القادمة. من ناحية، داخل نظامنا الشمسي، وعبر مجسات وهبوط على كوكب المريخ وأوروبا و / أو إنسيلادوس. ومن ناحية أخرى، بعد ذلك، من خلال دراسة جو الكواكب الخارجية الصخرية بواسطة المسابير التي نطلقها بمزيد من الاتقان التكنولوجي .

 

إعداد وتحرير د. جواد بشارة

 

حمزة الشافعييندرج الاقتصاد ضمن العلوم الاجتماعية، ويبحث في إدارة الموارد النادرة، كما يدرس المشكلة الاقتصادية المتمثلة في الندرة النسبية للموارد القابلة لإشباع الحاجات المتعددة للإنسان، وكيفية استخدام هذه الموارد المحدودة على أفضل نحو مستطاع، للوصول إلي أقصى إشباع ممكن لتلك الحاجات. ويهدف هذا المقال إلى تعريف المشكلة الاقتصادية والبحث في أسبابها، وطرح بعض الحلول الكفيلة بتجاوزها. كما يهدف كذلك إلى تعريف الحاجات الاقتصادية، تحديد خصائصها وكشف تداخلاتها مع الموارد المتاحة، العائدة من العملية الإنتاجية.

I- المشكلة الاقتصادية: تعريفها، أسبابها وطرق معالجتها

1- تعريف المشكلة الاقتصادية:

تعتبر المشكلة الاقتصادية أحد أهم محاور علم الاقتصاد الأساسية. فنذرة الموارد الاقتصادية وتعدد الحاجات الاقتصادية وتزايدها المستمر هي جوهر علم الاقتصاد. كما أن السعي نحو حل مشاكل وتداعيات تزايد الحاجات الاقتصادية هي بمثابة أهم الرهانات التي تواجه المجتمعات الإنسانية، مهما كانت درجة تقدمها أو تطورها الاقتصادي والتكنولوجي .

وتتمثل المشكلة الاقتصادية في أي مجتمع، مهما كان نظامه الاقتصادي أو السياسي، في كيفية توزيع الموارد الناذرة بين الاستعمالات المختلفة، ذلك أن الموارد المتاحة في أي مجتمع لن تكفي باستمرار لتلبية وإشباع الاحتياجات البشرية المتعددة. ويمكن تقسيم عناصر المشكلة الاقتصادية إلى ثلاثة عناصر كبرى:

- النذرة النسبية للموارد الاقتصادية

- تعدد الحاجات الاقتصادية للإنسان

- مسألة اختيار تلك الحاجات حسب الأولوية

وتتسم المشكلة الاقتصادية بصفة العمومية لأنها تواجه الفرد والجماعة معا. كما أنها تواجه كل المجتمعات سواء كانت متخلفة أو متقدمة، رأسمالية أم اشتراكية، زراعية أم صناعية. ويمكن القول أن المشكلة الاقتصادية لا تختلف في أسبابها ولا في عناصرها بين المجتمعات، بينما تختلف في طريقة معالجتها من مجتمع لآخر.

2 - أسباب المشكلة الاقتصادية:

يمكن حصر أسباب المشكلة الاقتصادية في ثلاثة أسباب مهمة، وهي:

- النذرة النسبية للموارد الاقتصادية: النذرة هو سبب ظهور المشكلة الاقتصادية في المقام الأول. فالإنسان عندما يشعر بالحاجة ويفتقد في الوقت نفسه وسيلة لإشباعها، فإنه سيعتقد أن سبب مشكلته هو النذرة. وللوصول إلى ما يحتاجه من سلع وخدمات، فيجب عليه التوفر وخلق عوامل تتعلق التي تتميز بدورها بالنذرة. وكنتيجة لذلك، تبرز المشكلة الاقتصادية نتيجة نذرة عوامل الإنتاج الطبيعية (مواد أولية) أو الناتجة عن جهود الإنسان (الرأسمال البشري المؤهل)، وكلاهما ضروريان لإشباع رغبات الإنسان الاقتصادية.

- وجود الموارد الاقتصادية لكن بشكل ناذر أو سوء استغلالها أو القابلية للنفاذ نظرا لاستغلالها المفرط.

- تزايد عدد السكان بنسبة أكبر من حجم الإنتاج، مما يؤدي إلى نذرة وتناقص للموارد المستخدمة باعتبارها وسيلة لإشباع الحاجات الاقتصادية الإنسانية.

3 - طرق معالجة المشكلة الاقتصادية:

إن التفكير في معالجة المشكلة الاقتصادية يجب أن يراعي ما يلي:

أولا: إقامة توازن بين نذرة الموارد وتعدد الحاجات الاقتصادية وتزايدها.

ثانيا: إشباع الحاجات الاقتصادية الإنسانية يتطلب وجود إنتاج مسبق للمواد لتحقيق هذا الإشباع عن طريق تحويل تلك المواد إلى سلع نصف مصنعة أو كاملة الصنع صالحة للاستعمال، من شأنها إشباع تلك الحاجات.

ثالثا: استمرار العملية الإنتاجية اللازمة لمواجهة الحاجات الاقتصادية المتزايدة للأفراد قصد إشباعها يستلزم تحفيز وتشجيع العناصر المتدخلة والمساهمة في عملية الإنتاج .

II - الحاجات الاقتصادية: تعريفها و أقسامها

1- تعريف الحاجات الاقتصادية:

الحاجة هي الرغبة، وهي ناشئة عن شعور شخصي بالميل للحصول على شيء من الأشياء. وتختلف درجة هذا الشعور باختلاف مدى أهمية هذا الشيء في نظر صاحب الرغبة1. كما أنها الشعور بالحرمان يدفع الفرد إلى معرفة الوسيلة الملائمة والكفيلة بالقضاء على هذا الشعور، لإشباع حاجته. وفي معناها الاقتصادي، فالحاجة هي كل رغبة تجد ما يشبعها في مورد من الموارد الاقتصادية2.

.2أقسام الحاجات الاقتصادية:

تنقسم الحاجات الاقتصادية إلى أقسام مختلفة وفقا لمعايير متعددة، وهي كما يلي:

- الحاجات الضرورية والحاجات الكمالية: فالحاجات الضرورية هي التي تتوقف حياة الإنسان على إشباعها مثل الغذاء والكساء والمسكن، أي أنها لازمة لحفظ وجود الإنسان. أما الحاجات الكمالية فإنها تزيد متعة العيش ولا تمس الحياة نفسها كاللهو، المرح، الاستمتاع، الترفيه والسياحة.

- الحاجات الفردية والحاجات الجماعية: فالحاجات الفردية تهم الفرد نفسه، وتمس بحياته الخاصة بصفه مباشرة كالغذاء واللباس، أما الحاجات الجماعية فهي كل ما يرتبط بالجماعة ككل، كالصحة والأمن والتعليم.

- الحاجات الآنية والحاجات المستقبلية: معيار التمييز بين هذه الحاجات في هذه الحالة هو الزمن. فكل حاجة تتطلب إشباعا دون تأخير أو تأجيل، فهي من الحاجات الآنية أو الحالية. أما ما يتطلب إشباعا في فترة زمنية لاحقة أو مستقبلية فتندرج ضمن الحاجات المستقبلية.

- الحاجات الدورية والحاجات العرضية: الحاجات الدورية هي الحاجات التي تتجدد من وقت الآخر بصفة دورية كالحاجة إلى الطعام والشراب واللباس. وأما الحاجات العرضية فإنها لا تأخذ صفة الانتظام ، بل تظهر بشكل مفاجئ أو متقطع أو غير منتظم كالترفية والسياحة الخ.

III - الحاجات الاقتصادية بين الموارد المتاحة والعائد من العملية الإنتاجية ونمط توزيعه واستخدامه:

1- حجم الحاجات الاقتصادية:

يتوقف حجم الحاجات الاقتصادية على العديد من العوامل الطبيعية والاجتماعية والسياسية، بالإضافة إلى الأسباب الاقتصادية. ويتضح هنا أن هناك بعض العوامل التي لا يمكن التحكم فيها (العوامل الطبيعية مثلاً)، وبعض العوامل الأخرى من صنع المجتمع وأفراده، ويمكن التحكم فيها (مع اختلاف في مدى سهولة أو صعوبة التحكم من مجتمع لأخر). أما مشكلة النذرة كإحدى تجليات المشكلة الاقتصادية الرئيسية فيمكن تدبيرها، شريطة التحكم في العوامل المحددة للحاجات لتتوافق مع مستوى الموارد المحدودة، وبشرط تحقيق مستوى معيشي مقبول اجتماعياً (لصالح غالبية الساكنة على الأقل).

2- حجم الموارد المتاحة:

يتوقف حجم الموارد المتاحة على العديد من العوامل أبرزها:

- العوامل الطبيعية التي تتحكم في المناخ، التربة، الثروات فوق الأرض، في باطن الأرض، في البحار وفي الأنهار.

- القدرة على اكتشاف هذه الموارد واستغلالها عند اكتشافها.

- درجة التطور العلمي بما يتيحه الآن من إمكانيات لا محدودة في اكتشاف العديد من الموارد وإطالة عمر وتنمية الموارد المحدودة الموجودة .

- مدى السيطرة على الموارد المحلية وتوجيهها لصالح المجتمع. بمعنى عدم وجود قوى خارجية تستغل تلك الموارد لصالحها، أو قوى داخلية تحتكر استغلالها لنفسها .

- مدى نجاعة وحكامة استخدام الموارد الموجودة (والمكتشفة)، ومواجهة مشكلة استنزافها.

.3حجم الناتج والعائد من عملية الإنتاج:

يظل حجم الناتج والعائد من عملية الإنتاج رهينا بعدة عوامل أهمها:

- تأثير العوامل الطبيعية المختلفة على الناتج كماً وكيفاً، خاصة في القطاع الزراعي (الذي يشمل الصيد وتربية الحيوان) .

- مدى الكفاءة التنظيمية في إدارة عملية الإنتاج لتقوية وتعزيز العائد.

- مدى سيطرة المجتمع على الشروط الضرورية لعملية الإنتاج (خاصة ملكية وسائل الإنتاج)، ومدى قدرته على توجيهها لصالح غالبية أفراده.

- مستوى التطور العلمي والتكنولوجي السائد، وقدرته على الرفع من الناتج من الموارد المتاحة.

- مدى أهمية الروح الإنتاجية، كقيمة في نسق القيم السائد داخل المجتمع.

- مدى قدرة القوى الخارجية وتأثيرها على قدرة المجتمع في تقوية العائد الأكبر من عملية الإنتاج، بطريقة أفضل وأنجع .

4 - نمط توزيع العائد واستخدامه:

يرتبط نمط توزيع واستخدام العائد بإعداد وإشباع عملية النمو، وكذا بتجدد الإنتاج في المستقبل. كما يتوقف على العديد من العوامل، أبرزها ما يلي:

- التركيب الطبقى للمجتمع ودور الطبقات المسيطرة، وما تتمتع به من نفوذ يتيح لها نصيباً من ناتج لا يتناسب مع عملها، أو حجم ملكيتها لوسائل الإنتاج .

- طبيعة العمل، انتاجيته، حجم عرضه والطلب عليه.

- نصيب الفرد في ملكية عناصر الإنتاج التي تتيح له الحصول على جزء من الناتج . وزيادة ما تحت سيطرة فرد أو مجموعة من الأفراد من وسائل الإنتاج عن حد معين تعطيهم قوة اقتصادية إضافية تمكنهم من الحصول على جزء أكبر من الناتج الصافي بالنسبة للحصص/للأنصبة التي تحصل عليها الطبقات أو الفئات الاجتماعية الأخرى .

- السياسة المالية للدولة وما تؤدي إليه من إعادة توزيع الدخل من ناحية السياسة المتبعة في الاستيراد والإنفاق (النفقات).

- القدرة التي تستأثر به القوة الخارجية عن عائد الإنتاج في المجتمع.

- مدى توافر الوعي التنموي الادخاري والاستثماري في المجتمع على مستوى الأفراد والقيادة .

- مدى سيطرة المجتمع على شروط تجدد الإنتاج والنمو، خاصة في مواجهة القوى الخارجية.

خاتمة

تظهر المشكلة الاقتصادية في كل المجتمعات مهما كان نظامها الاقتصادي والسياسي. وتتعدد أوجه المشكلة الاقتصادية وتتشابك أبعادها، مما يستوجب البحث عن البدائل الكفيلة بتجاوزها أو التخفيف من حدة تداعياتها المتعددة. وهذا يجعل منها ركيزة علم الاقتصاد ككل. و تعتبر مسألة الحاجات الاقتصادية من بين أبرز تجليات المشكلة الاقتصادية لكون تلك الحاجات الاقتصادية للأفراد متعددة وغير محدودة ( ولكونها أيضا متجددة)، في مقابل محدودية الموارد المتاحة لإشباع تلك الحاجات.

 

حمزة الشافعي - تنغير / المغرب

ماجيستير في الدراسات المقارنة

..............................

1-  أنظر الرابط التالي:

http://bookabhath.blogspot.com/2009/10/blog- post_4047.html

2-  الرابط نفسه.

المراجع:

- ماجد بن عبد الله المنيف, مبادئ الاقتصاد التحليل الجزئي, الرياض ,جامعة الملك سعود,1418هـ.

- إسماعيل محمد هاشم, مبادئ الاقتصاد والتحليل, بيروت ,جامعة بيروت العربية,1978م.

- علي حافظ منصور,د/محمد عبد المنعم عفر، مبادئ الاقتصاد الجزئي، جامعة الملك سعود,1399هـ.

- عبدالله غانم، المشكلة الاقتصادية في الإسلام، ص206 وما بعدها، المكتب الجامعي الحديث، الأسكندرية 1987.

- اﻟﺴﻴﺪ ﻋﺒﺪ اﻟﻤﻮﻟﻲ : أﺻﻮل اﻻﻗﺘﺼﺎد ، دار اﻟﻨﻬﻀﺔ اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ، ١٩٩٨.

- Moon, B. E. and Dixon, W. J. “Basic needs and growth- welfare trade- offs”, International Studies Quarterly vol. 36. 1992.

- Beinhocker, E. The Origin of Wealth: Evolution, Complexity and the Remaking of Economics. Harvard Business- , The past as the present, by Galbraith, First published in great Britain by Hamesh Hamilton. 1987.

- Lipsey, R.G.A. Introduction to positive Economics, London, 1973.

 

اياد الزهيريقلنا في الجزء الأول من البحث أن التغير في السلوك الأجتماعي حاله لا يمكن تجنبها،أي حتمية الوقوع ولا مناص منها، ولكي نكون واقعين أذن علينا التعامل معها بواقعيه وموضوعيه بأعتبارها ظاهره حياتيه طبيعيه كغيرها من الظواهر، لها أسبابها ودوافعها بالظهور، ولكن ما يهمنا منها هو طبيعة هذا التحول الأجتماعي، فهل هو تحول أيجابي وفق المعايير المعتمده عندنا والذي ذكرنا مكوناته في الحلقه السابقه أم أسلبي، وهل يشكل صوره من صور الأنحدار المجتمعي الذي يؤدي أستمراره وأنتشاره في المجتمع الى عواقب وخيمه، تكون نتيجته أن يتمزق المجتمع بفعل مطرقة الفساد الذي يتخلله نتيجة تسلل قيم منحطه وسلوكيات منحرفه اليه.

أن الصحه المجتمعيه أحد أهم أسباب الرفاهيه المجتمعيه وأهم مقومات تقدم المجتمع وأزدهاره، وكلما كانت الصحه المجتمعيه في أعلى درجاتها، كلما يعطينا مؤشراً على واقع أجتماعي في غاية الأيجابيه والسعاده. هذه الأهميه هي من تجعل المهتمين والراعين للمجتمع وخاصه المختصين في علم الأجتماع وكذلك السياسيين بأعتبارهم مسؤلين بحكم وظيفتهم  كمعنيين بخدمة ورعاية شعبهم، لذى يجب أن يبتعد المفكر الأجتماعي بجديه وبعيداً عن المجامله أو التملق والتزويق والتلميع في وصف السلوكيات أو العادات أو التقاليد الأجتماعيه، لذى علينا أن نكون في غاية الشفافيه، وفي أقصى درجات الصراحه في تحليل وتقيم أي ظاهره أجتماعيه، وبنفس الوقت بأقصى درجات الحيطه والحذر، لأنه موضوع حساس يمس مشاعرالناس وأعتقاداتهم وحرياتهم الشخصيه، ويجب أن يتمتع  الباحث بأقصى درجات الحياديه في تناول الظاهره، وهذه تحتاج الى شجاعه أدبيه عاليه لا تأخذه كما يقال في الله لومة لائم، وأن يتخذ موقفاً أزاءها موقف المسيحي الجالس على كرسي الأعتراف، فهو يقر أولاً بالخطيئه وبحضور الكاهن كمصحح ومرشد روحي له، ومن ثم يقوم بأعمال البر كتكفير عن الخطيئه. هذا هو المطلوب لأن أي عدم دقه أو نكران أو غض نظر معناه أنه لم يستوفي التشخيص الصحيح، وأن المقدمات غير الموضوعيه، لا شك تؤدي الى نتيجه غير صحيحه بالمطلق، وبالتالي تصبح الجهود مبعثره ولا طائل من وراءها.

ما سلف من القول مقدمه لا بد منها لكي نفهم أليات العمل، وطريقة البحث، ونبعد نظرية المؤامره عن الباحث أو المرشد الأجتماعي، لأن هذا النوع من الدراسات فيه متسع لنفث رؤى وأفكار غايتها الأساءه لشعب أو طائفه أو أمه معينه، وأن بعض دراسات المستشرقين لدليل صارخ في الأساءه لمجتمعاتنا ومبادئنا الأسلاميه والعربيه .

كما من الضروري الأشاره الى نقطه ضروريه لدى الباحث او المصلح الأجتماعي، الا وهو عدم الأنجرار الى مشاعره، وهذه لها علاقه بما ذكرنا أعلاه من شفافيه وموضوعيه، لأن البعض وبحسن نيه يتصور أن غض النظر عن بعض الأنحرافات والعلل الأجتماعيه في مجتمعه،هو من باب الأنتصار له، أو رد الطعن عنه من قبل الأخرين، والذين هم بالأغلب منافسين أو خصوم له، وهذا خطأ كبير، بل وتعتبر جريمه علميه، لذى ينبغي التوازن بين العاطفه والعقل، بل بالأحرى الأنحياز للعقل، لكي يستوفي الشروط الموضوعيه في التشخيص والمعالجه.

طبعاً يجب أن تكون هناك أستعدادات وأعمال تسبق هذه العمليه، هذه الأستعدادات تتلخص بتوفر الرؤى النظريه التي تستخدم كمعيار في تشخيص الظاهره الأجتماعيه المراد نقدها، وذلك لتحديد أتجاهها، وتميز طابعها، وقياس مديات خطورتها . هذا الأمر يتطلب منا البحث في موروثنا الثقافي والديني، ومحاولة تنقيته مما تعلق فيه من شوائب، وما دس اليه من أضافات في محاوله ماكره لأضعافه في سعي شيطاني يهدفوا من وراءه لأيجاد الثغرات التي تضعفه وتكون السبب لتسقيطه بأعتباره موروث لا يصلح للحياة ولا يصمد أمام التحولات الجتماعيه التي تمر بها البشريه عبر مسيرتها الطويله . هنا يكون من ضروريات الأصلاح هو أن نوفر موروث قابل للتبني بالمستويين العقلي والمشاعري، لأن هذه المستويين ضروريين لتبني أي مبدأ سواء كان ديني أم ثقافي أو أجتماعي . هذا الأمر يتطلب جهود مؤسساتيه وبالأخص من الحوزات العلميه لأن المراجعه النقديه عندما تقوم بها المؤسسه الدينيه سوف يوفر الكثير من الوقت، والجهد، ويبعد الساحه الفكريه والأجتماعيه عن الكثير من المماحكات والصدامات بين ما هو ديني وما هو ثقافي، وبالتالي عندما يكون الأصلاح من معاقل الفكر الديني يكون أكثر مقبوليه وأسرع تصديق من قبل الجمهور، لأنه سيكون نقداً خالي من الشبهات . هذا من جانب ومن جانب اخر بعد أن نستوفي حضور الجانب الذي يمثل المنظومه القيميه المعتمده من قبل المجتمع والذي يمثل ثقتها وقناعتها ودرجة الأمان العاليه بها، حينئذ يكون المجتمع جاهز للدفاع عنها، ويجعل منها مسطره لقياس الظواهر والسلوكيات الوافده عليه، وعندها سيقرر المجتمع قبوله بالوافد الجديد ام رفضه لها. كما أن هناك جانبأ اخر ينبغي التطرق له باعتباره أداة من أدوات الأصلاح الأجتماعي والذي هو مكمل للمنظومه القيميه هو توفر المثل الأعلى لدى المجتمع، وهو أداة فعاله جداً، ولتأثيره السحري على الجماهير أستوحت بعض الأمم شخصيات أسطوريه لتكون رمزاً قومياً أو وطنياً أو دينياً للكثير من الشعوب والأمم، ولنا بأسطورة كاوه الحداد مثل قريب لدى الكرد، متخذين منه مثل للبطل القومي الذي قام بقتل الملك المستبد وخلص شعبه من اضطهاده لهم، وهناك الكثير من الأمثله عند الشعوب الأخرى . يتبين لنا أن هذين العنصرين، المباديء العقديه والأجتماعيه، والمثل الأعلى،عنصرين مهمين في صناعة رؤيه نقديه واضحه بيد المصلح، كما تشكل جهاز مناعي قوي، يمنع أي محاوله أو ظاهره أجتماعيه شاذه تحاول أن تجد لها حيزاً في مجتمعنا العراقي، وتكون سبباً لبؤره تلوث فضاءه الأجتماعي. يتبع

 

أياد الزهيري

 

ابراهيم اوحسينكان العربيُّ قديما إذا ما مسّهُ ضُرٌّ من بني جلدته، خاصة من بني العمومة والخؤولة ردد المثل المعروف: "ما أخاف إلا من سَيْل تَلْعَتي"، تَسْرِيَةً عن قلبه المحزون بما ألمَّ به ممن كان يُظَنُّ، لاعتبارات القرابة والدّم والعتْرة، أنهم العُزوة والسّند والسور المنيع، فإذا بهم يتحولون في أول فرصة سانحة إلى مفترسين ومصّاصي دماء؛ السلوك الذي جعل طرفةَ بن العبد في غابر الأيام يرفع عقيرته بظلم ذوي القُربى الأشدِّ مضاضة...

لم يكن ثمة داعٍ لهذه المقالة، لولا حدثٌ أغاضني رأساً وعَقِباً، خاصة في ظرف دقيق كهذا، يحتاج من الفرد الركون إلى زاوية ضيقة من عالم واسعٍ مُتراحبٍ، وكأن التاريخ يأبى مجددا إلا إعادة زمن الثّلاثة الذين خُلِّفوا فضاقت عليهم الأرض بما رَحُبَتْ. وأقصد بالحدث خُلُوَّ المتاجر الصغيرة والكبيرة من أكياس القمح الصلب واللين خُلُوًّا يبعث على الاندهاش والاستغراب، حتى بدأت بجدية أستدعي تساؤلات وجودية بعدما عانيتُ من العثور على كيس طحين الأمرَّينِ، بل البُرَحَيْنِ والأقْوَرَين !! ومن هنا البداية ...

مضطرٌّ حقيقةً إلى العودة خلفاً، تحديدا إلى سنة 1557،متأملاً لوحة الجندي  والمغامر الألماني هانز ستادن، على إحدى صفحات  كتابه  آكلو لحوم البشر العراة والشرسون Nus ,féroces et anthropophages / ، حيث سرد هانز قصة نجاته من قبيلة  توبنامبا Tupinumba/ في أحد سواحل البرازيل سنة 1555، مُبرزاً طرائق تعذيب الكائن الآدمي والتهام لحمه في طقوس بشعة تعتبر في أعراف القبيلة طقوسا احتفالية عادية ! الكتاب الذي حصَّلَ ثناء الأنثربولوجي الفرنسي ليفي شتراوس، جاعلا إياه من أكثر الشهادات إثارة في القرن السادس عشر عن سكان العالم الجديد إبان الاكتشافات الجغرافية. طبعا لم أُشِر إلى عهد إنسان "النياندرتال"  قبل أربعين ألف سنة تقريبا آكل البشر - حسب نتائج أبحاث عالم الآثار البلجيكي كريستيان كاسياس- كونُ هذا الصنف معدود من أشباه الإنسان، ولم يرتق بعدُ إلى جنس الإنسان العاقل Homosapiens/،فما علاقة موضوع أكل البشر إذن بخُلُوِّ السوق من الطحين؟

من المعروف تاريخيا أن بلوغ هذه الدرجة من الاجتراء على الاقتيات من جسد الجنس ذاته لا يكون إلا بمسببات قصوى، تضطر  إليه الجماعات البشرية أحيانا حين تعدم القوت، كفترات انتشار المجاعة تحت نير حصار أو حرب، أو بمسببات عقائدية أو أعراف متوارثة تدخل في طقوس تعبدية أحيانا، أو تدخل في أفاعيل السحر والشعوذة والاتصال بالعالم العُلويّ الروحاني لدى بعض القبائل البدائية، كالاعتقاد بأن اللحم المأكول يحمل قدرات الشخص الميت الذي غادر عالم الأحياء؛ ويكون هذا الطقس كذلك نتيجة مرض سلوكي نفسي، كعقاب المنتصر للمهزوم والمبالغة في إيذائه زمن الحروب. لقد أشارت سرديات عربية عدة كذلك شعرية ونثرية  مُوثّقةً بعض السلوكات الكانيبالية لدى بعض القبائل العربية ولدى الأمم الأخرى، ونشير هنا إلى كتاب البخلاء للجاحظ،وكتاب تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأمصار لابن بطوطة.

مع بداية انتشار فيروس كورونا في المغرب، ومنذ الأيام الأولى فقط، بدأت بعض فئات المجتمع الميسورة المُتَموِّلة التهافت على المواد الغذائية بشكل هستيري غير مبرر وبكميات غير معقولة، حتى أُفرغت المحلات التجارية من احتياطاتها ونفدت مخزوناتها من المُستهلَكِ اليومي الحيويّ... وقد كان ما كان فغدت الأسر ذات الدّخل المتواضع في حيصَ بيصَ من أمرها، فخاب الباحثون عن كيس طحين ووَلَّوْا إلى ديارهم خائبين وأصبحوا فيها جاثمين ! والحقيقة أن أولئكم المحتاطين لزمن القحط والمجاعة وقلة المُؤَنِ، فاتَهم ديناً وخُلُقًا وعُرفًا، بل عقلاً أننا لسنا في زمن يوسف النبي، الموعودِ بسبع سنوات عجاف، يجمعُ الحنطة قبلهن سبعاً أخصاباً ويختزنها بكل أريحية، أما الدول الموبوءة فلا يوسفَ يفتيها ويحذّرها من شرّ ما نُكبت به.

واهمٌ حقا من ينكر غريزة البقاء والتمسك بالحياة لدى الكائنات الحية جملةً، وواهمٌ أكثر من ينكر الجانب الغرائزي الحيواني الثابت في الإنسان مهما حاولت الثقافة والمدنية جعلَه كائنا متعاليا في سلم التطور الحياتي، قادرا على التواصل بشكل راقٍ، وقادرا على التعامل مع التكنولوجيا الآلية والرقمية. ولقد أوضح باحثون كُثُرٌ،فيما يرتبط بدوافع السلوك الإنساني، الجانب الفطري فينا قبل الجانب المكتسب، كما أشار إلى ذلك على سبيل المثال  الأمريكي أبراهام ماسلو في كتابه التحفيز والشخصية، عارضا نظريته الهرمية الشهيرة التي تقتعد الحاجات الفيزيزلوجية وتجعل حاجات تقدير الذات على القمة، وكذلك الأمريكي جوزيف موراي في كتابه الدافعية والانفعال، ومحمد علي مومني في كتابه دوافع السلوك الإنساني وآخرون مما لا يسعف المقام للتذكير بهم وبأبحاثهم التي تشير إجمالا إلى غرائزية الإنسان ونزوعه إلى تأمين ما يبقيه على قيد الحياة . طبعا، لا ينكر منكِر أن الحياة تستحق أن تُعاش وأن يُبذل من أجلها كلُّ غالٍ ونفيس، وقد صدق محمود درويش قائلا: " نحبُّ الحياة غداً، عندما يصل الغدُ سوف نحبُّ الحياة كما هي عادية ماكرة، رماديةً أو ملوَّنة. لكن، ومع رفع هذه الفكرة المُثبتة في العقل الجمعي إلى درجة المُسلَّمات واليقينيات، ومع اعتبارها من السّنن الكونية الناشئة مع ظهور أول خلية حية (Protozoa)، إلا أن استثناءات عدة تُطوّق الجنس البشري العاقل بحكم ما بلغته مُدركاته ومعارفه في مجتمعات خرجت من أغلال البدائية والطبيعة المتوحشة والحياة الغريزية الصِّرفة والحيوانية العذراء، واليقينُ أن حياته العادية قد تَرَوَّضَتْ وتكيَّفت، بل، تماهَت بشكل تامّ مع مقتضيات مجتمع الثقافة والمدنية والتّقنية والتواصل الرقمي، وقبل هذا وذاك، مع ما يقتضيه الحسّ الإنساني المشترك والأخلاق الكونية، المشروع الذي أعربت عنه فلسفة إيمانويل كانط بشكل مباشر في كتابه "مشروع للسلام الدائم"، وآخرون قبله وبعده، ممن اعتبروا الإنسان غايةً لا وسيلةً.

إن الانطواء على الذات، والاهتمام المفرط بها بمعزل عن الذات المُفارِقة الأخرى، يُذكي ويُضخّم بشكل أو بآخر النوازع النرجسية والميولات الأنانية وهواجس العظمة والشعور بالاستحقاق، بل، ويصنع أحيانا ما يمكن تسميته بالذات " العُلوية "  إزاء الذات " الدُّونية " التي يمتلكها الآخرون العاديون. وبذلك تكون هذه الفئة " العُلوية " - في عُرفها المقدس- أحقَّ الكائنات الحية بالعيش والأجدر بالتنعم بالحياة، ظنا منها أن الكون بكل مكوناته إنما خُلق وسُخِّر لهم، فيكون إذن سلوك حيازة كل  ما يجعلهم على قيد الحياة، سواء بالمال أو بالسلطان أو بأية وسيلة أخرى، مبررا ومشروعا، بل، حتى القوانين الوضعية - للأسف - تشرعن أحقّيّة القوي السيطرة على مُقدّرات الضعيف، ولا عجب ولا غرابة في ذلك، إذ صار هذا المنطق النِّتشوي  النّازي ساري المفعول في كل دساتير العالم وإن تَخَفَّى وتستَّر خلف عبارات ظاهرُها احتفاء بحقوق الإنسان وانتصار للضعفاء وتحقيق للعدالة الاجتماعية، وباطنها تقوية نفوذ القوي وبسط سيطرته المادية والمعنوية، والواقع المعيش أصدق صورةً وأبلغ مقالاً !! فما جدوى الدّين والثقافة والمدنيّة إذا كان بالإمكان أن ينهش الإنسان لحم أخيه هكذا بكل أريحية، ويسطو على خبزه اليومي  ليحتكر مقومات الحياة لنفسه، دون أن يَطرف له جفن؟ ما جدوى كل هذه المؤسسات إذن إذا كانت الحصيلة إنسانا يتحول، أمام اختبار حقيقي، إلى أحد كانباليّي قبيلة توبنامبا، أو إلى إنسان النياندرتال Neanderthal man/ ؟ أليس هذا تجسيدا ماديا للمقولة الهوبزية: "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"؟

إن مشاريع الأنسنة هي في حقيقة الأمر مجرد مشاريع وهمية، وأفكار مجردة في مُتخَيَّل أبراهام لينكولن وغاندي ومانديلا وغيفارا وأمثال أولئكم الذين أُجهضت أحلامهم بُعَيْدَ وفاتهم؛ هي في الحقيقة أنسنة شكلانية أفْضت إلى واقع مرير حمل يافطة "موت الإنسان"، ليس الفلسفي فقط كما تنبّه إلى ذلك هايدغر وفوكو، إنما موت الإنسان البيولوجي، تحت سطوة كائن يشبهه خَلْقًا،ادّعى ولازال يدّعي مُنشداً في شعاراته اليومية معزوفة  " الإنسان أولا والإنسان آخرا " أمام الوحشية الطافحة في كل مكان والنزعات اللاإنسانية المُعْرَبِ عنها برًّا وبحرا وجوًّا، كل ذلك بالموازاة مع تكرار واجترارٍ سيكولائي (Scolastique) لمفاهيم ورديّة رنّانة تُخَلِّفُ في النفس أثرا طيبا أثناء سماعها (الرفاه الاجتماعي، مركزية الإنسان، توزيع الثروة ...). إن الإنسان في الواقع تُغْمَزُ قناةُ بشريته وإنسانيته في الشدة والضِّيق والمحنة، لا في الرخاء والدَّعةِ والحياة المبسوطة.

كيسُ طحين إذن جعل تاريخنا الإنساني على المحكّ، وأكد بما لا يدع مجالا للشك أننا رسبنا وأخفقنا ببشاعة أمام مفاهيم الإيثار والبذل والعطاء والتضامن والتآزر.. فلو كنا نتدين بدين الله، فهو تعالى القائل: { ويوثرون على أنفسم ولو كان بهم خصاصة ومن يُوقَ شُحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون } الحشر 9 ؛ وإن كنا نقدس الحديث الشريف، فالنبي (ص) هو القائل: " إن الأشعريّين إذا أَرْمَلُوا - أي نَفد زادُهم - في الغزو، أو قلَّ طعامُ عيالهم  بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسَّوِيَّةِ،فهم منّي، وأنا منهم "؛ أما إذا اصخنا السمع لترنُّم الشعراء، فقد قال أبو الحسن الجرجاني:

وتَرْكي مواساةَ الأخِلاَّءِ بالّذي // تَنالُ يَدِي ظُلْمٌ لهم وعُقوقُ

وإني لأستحْيي من الله أن أُرى // مَجالَ اتساعٍ والصديقُ مُضيقُ

وأضاف حمّاد عَجْرَد مُنشداً:

إن الكريمَ لَيُخْفي عنكَ عُسْرَتَهُ // حتى يُخالَ غنيًّا وهْوَ مجْهودُ

وللبخيلِ على أموالِهِ عِلَلٌ // زُرْقُ العُيُونِ عليها أَوْجُهٌ سُودُ

هذه قِلّة من كثرة وغيضٌ من فيض، وإلا فالرصيد الديني والأدبي طافح بالحثّ على تجاوز نرجسية الذات المتعالية  وأنانيتها السوداء، داعيا إلى استحضار الأخلاق أمام المُلِمَّات والمصائب، ولعل أخلاق الأمة على الخصوص، كما قال غوستاف لوبون، لا المصادفة ولا الأحوال الخارجية ولا النُّظُم السياسية، هي التي تمثل الدورَ الأساسَ في تاريخها؛ وفي كتابه " التنبيه إلى سبيل السعادة " شدَّدَ أبو نصر الفارابي على التوسُّط والاعتدال في الأفعال وفي التَّصرُّفات باعتبارها سلوكات تضيف جمالا إلى الخُلُق البشري.

 

إبراهيم أوحسين - المملكة المغربية.

 

 

علي ناصر الركابياجتاح فيروس كورونا البشر في كل بقاع الأرض، ولم يعرف أو يفرق بين الصغير والكبير، الرجل والمرأة، الطفل او الشاب او العجوز.. وكأنه أمبراطورية بيولوجية مدمرة للبشرية ولجميع مفاصل الحياة التي تعطلت من جرائه. وما على جميع المجتمعات والحكومات والأفراد إلا الإتحاد والتعاون والتضامن بشتى طرق الإنسانية النبيلة في هذا الإمتحان الصعب، للتصدي معاً للفيروس والتخفيف منه كخطوة أولى على أقل تقدير ومن ثم وقف انتشاره والقضاء عليه تماماً، لاسيما وان فيروس كورونا هو اختبارلأنظمتنا وقيمنا وإنسانيتنا.

حقوق الإنسان كثيرة، وأحترامها واجب على جميع الحكومات وفقاً للقانون الآلهي والوضعي، فهي ليست منَه او هبه او منحه من فرد الى فرد او من الدولة للفرد،  فكما تترتب على الشخص إلتزامات، يكتسب هذه الحقوق في زمن الحرب أو السلم على حدٍ سواء. حيث أن حقوقه ظلت دائما تطرح في حالات الحروب والأوبئة، وفي الحالات التي يفرض فيها الوضع تقييد وتعليق بعض الحقوق لحماية حق آخر أسمى وهو الحق في الحياة، حيث إنه إذا قابلنا هذا الحق مع الحق في التنقل أو التجول أو السفر فهو أسمى وهو أساس هذه الحقوق، لأنه في حال انتفاء أو تهديد الحق في الحياة، فإن باقي الحقوق لن يكون لها معنى من حيث تدرجها في سلم الأولوية الحقوقية، خاصة وأن الإجراءات التي تم الإعلان عنها وبموجبها تم تعليق ممارسة بعض الحقوق كالحق في التنقل الوارد ذكره ، كانت لحماية الحق في الحياة وليس لخرق المبادئ الكونية المتعارف عليها حقوقيا والمنصوص عليها في المواثيق والصكوك الدولية.

ألمح الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى إمكانية اعتماد "تطبيق إلكتروني" مثل الذي فرضته الصين على شعبها، لتتبع حالات المشتبه في حملهم الفيروس الخبيث، ما سيمنح السلطة في فرنسا ضوءاً أخضر لاقتحام الحياة الخاصة للناس. وإذا كان هذا ما يفكّر فيه رئيس دولة ديمقراطية، فما بالك في دولٍ لا تُراعي أنظمتها أي حساب في إنتهاكها حريات وحقوق شعوبها !

من وجهة نظر أحد الكتَاب، يؤكد الخبراء اليوم أن الأزمة العالمية التي أحدثتها جائحة كورونا ستكون لها آثار وخيمة على الاقتصاد وعلى الناس، وسيكون لها ما قبلها وما بعدها، وقد كشفت عن أخطار كثيرة تتهدد المجتمعات والتحديات التي ستواجهها مستقبلاً، إنْ لم تتبنّ نماذج اقتصادية ونظماً سياسية تُراعي، أولاً وقبل كل شيء، حقوق الناس وحرياتهم، وإلا فإن الشعوب التي عاشت هذه المحنة ستُفرز حركاتٍ اجتماعيةً وجماعات شعبيةً تسعى إلى صياغة بدائل للنموذج الاجتماعي الاقتصادي السائد حالياً. فهذه الأزمة بقدر ما أرعبت الناس وأضرّتهم فتحت عيونهم على حقوقهم، وجعلتهم يحسّون بأهمية التمتع بحريتهم وممارستها لحمايتها.

هناك سباقات مهمة في زمن كورونا من أجل حماية الناس وضمان حقوقهم:

- سباق مع الزمن للحد من انتشار المرض ..

- سباق من تأمين الرعاية الصحية للمصابين ..

- والسباق الأهم هو لإيجاد علاج أو لقاح يحمي الجميع من الإصابة ..

ان طبيعة الازمة الصحية أجبرت القطاع الطبي عامة على العمل بسرعة غير مسبوقة في سعيهم لإيجاد حلول في إنقاذ مئات الآلاف من المصابين حول العالم والحصول على نتائج سريعة في محاولة لاخذ الموافقات المطلوبة لاعتماد هذه العلاجات.. من هذا فأن حقيقة أي عقار أو لقاح يحتاج الى أكثر من سنة من التجارب السريرية قبل إمكانية أستخدامه وفقاً لتأكيدات منظمة الصحة العالمية.. وهنا يبقى السؤال هل سننتظر كل هذا الوقت حتى نعود الى حياتنا الطبيعية ؟

هناك العديد من الأسئلة أصبحت لحد الان بدون جواب والتي حيرَت كافة شرائح المجتمع:

هل تصبح حقوق الإنسان ضحية الجائحة؟ هل تبقى الديمقراطية معلقة في عهد كورونا؟ هل كورونا ذريعة لانتهاكات حقوق الانسان؟ هل تستغل الدول العربية الفرصة لإنتهاكات حقوق الانسان؟ لاسيما في ظل وجود أنظمة تعمل على تعزيز أجهزتها الأمنية دون أي ضوابط. وهل حق التظاهر احتجاجاً على إجراءات  الإغلاق والمثبت دستورياً محمي حتى في زمن كورونا؟ هل تبذل الحكومات جهودا إضافية لحماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في الاستجابة للجائحة؟ عن هذا قالت جين بوكانان، نائبة مديرة قسم حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في هيومن رايتس ووتش: (الأشخاص ذوو الإعاقة هم من الفئات الأكثر تهميشا وتعرضا للوصم في العالم، حتى في الظروف العادية. ما لم تتحرك الحكومات سريعا لإدراج ذوي الإعاقة في استجابتها لفيروس كورونا، سيتعرضون بشدة لخطرالعدوى والموت مع انتشار الجائحة).

ماجاء بقول احد المحللين في الشأن السياسي بأن العالم لن يبقى على الهيمنة الأحادية للولايات المتحدة ومخالب الرأسمالية المتوحشة تحكمه، ولن يبقى الدولار سيدأً على العملات وضمن سياسة نقدية شمولية تسمى ب ” دولرة العملة “ بالعالم. فالرأسمالية الأمريكية باتت تترنح أمام اقتصاد الصين المتنامي الذي لم يتصف بهوية اشتراكية ولا رأسمالية، والصين الصامتة هي بذات الوقت فاعلة وبقوة بما يعكس طبيعة الحضارة الصينية ” الكونفوشيوسية “ التي تعمل بلا كلام. فالعالم اليوم يقوده الإعلام ويحركه الاقتصاد، وتعزز الأقوى فيه مستوى الخدمات والعدالة الاجتماعية، أما قوة السلاح فتراجعت الى المرتبة الثالثة، ولم يعد السلاح الفتاك والنووي ضمانة العالم المتقدم، فاقتصاديات المعرفة وتكنولوجيا المعلومات وتنامي الاقتصاد الشامل الذي تتمتع به الصين واليابان والهند سيجعلها في مراتب عليا متفوقة على الولايات المتحدة ، وجائحة كورونا هي حرب كونية من نوع جديد ستفرز نظام عالمي جديد تبرز فيه السلطة الوطنية ومركزية الحكم للواجهة في إدارة الدول، وتنامي قوة الهوية القومية وتحقيقاً للعدالة الاجتماعية، مع تحقيق توازن بيئي في كوكب الأرض والخلاص من طغيان الإنسان في ظل الرأسمالية العالمية.

مهما كانت تأثيرات كورونا على البشر، ورغم كل النتائج المؤسفة والتي راح ضحيتها موتاً أم إصابة الآلاف من الناس، ورغم كل الجهود المباركة التي بذلتها الحكومات والجيوش البيضاء (رجال الطب)، إلا اننا لا ننسى حق المطالبة القضائية ضد مسبب هذا الفيروس المصطنع، فرداً كان أم دولة. يجب أن يحاكم مقابل فعله الدنيء هذا، بغض النظر عن أسباب هذا الفعل، تجارية، أقتصادية، سياسية أوغيرها..

فما ذنب الأرواح التي حصدها الفيروس؟ ماذنب حياة الناس التي تعطلت منذ أشهر مضت والذاهبة الى مصير مجهول؟ ماذنب توقف الكثير من شركات ومؤسسات ومنظمات الدول؟ ما ذنب الفقير وأصحاب الدخل اليومي ؟ ماذنب الأطفال حبيسي البيوت؟ ثم ما ذنب تعرض البنات او السيدات الى العنف الاسري والوارد من أتفه الأسباب؟ بما ان البيت هو واحة الأمان  للمرأة، ولكن تزايد حالات العنف المنزلي والأسري جاءت بكثير خلال فترة الحجر الصحي.

خلاصةٌ لما تقدم ذكره وعلى الرغم من أن الدول تتمتع بالحصانة القانونية، إلا أن هناك محاولات لإستغلال إستثناءات في القوانين التي تسمح للأشخاص بمقاضاة الدول التي تلحق الضرر بالأشخاص وبممتلكاتهم وتحديد المذنب الذي يجب عليه دفع فاتورة الوباء. وعليه فأذا لم تنهض المطالبة القضائية ، فأعتقد سيعاد ذات السيناريو البيولوجي ولكن بمسميات أخرى تحقيقاً لرغبات ومكاسب ومنافع خالق هذه الكارثة.

 

الدكتور علي ناصر الركابي

 

داود السلمانفي منتصف الثمانينيات، من القرن المنصرم، حضرنا، نحن مجموعة من الشباب لحفلة زفاف في أحدى مُدن بغداد العريقة. كان الحفل غريبًا من نوعه، أو هكذا تخيلناه يومها. الغرابة ما فيه إنّا شاهدنا مجموعة من الرجال لأحياء الحفل وهم يقرعون الدفوف وينشدون اناشيد فيها مدح للنبي وللأولياء وللصالحين، وعددهم يربو على سبعة أشخاص، إنْ لم تخني الذاكرة، كان قائدهم كبير السن يرتدي جلباباً وقلنسوة. ورويدًا رويدًا بدأ الحماس يدب في صفوف هذه الحلقة، في روحانية تلك الاجواء. وكان الحضور جمهور غفير: من الرجال والنساء، وفي مختلف الاعمار، بعض من الجمهور هو الآخر أخذه الحماس، فراح يردد معهم الأناشيد وتلك الحركات، باللاشعور. أما نحن فكنّا بين العجب والانبهار والدهشة، لأننا نشاهد هذا الاستعراض لأول مرة في حياتنا. اعمارنا متقاربة تقريبًا، كان عمري على ما اتذكر لا يتجاوز خمسة عشرة عامًا. وحينما أشتد بهم الحماس نهضوا على أهبّة الاستعداد بعضهم أخذ سكينا، وآخر أخذ حربة وثالثا أخذ خنجرًا، وهكذا. وطفقوا يضربون أنفسهم في استعراض جماهيري وحماس منقطع النظير، وكان الحضور بين الاندهاش والانبهار، وبين الانغماس في هذه الاجواء. حتى استمر هذا الاستعراض الحماسي المصحوب بالإنشاد والضرب بالآلات الجارحة الى ساعة متأخرة من الليل. ومضت تلك الاوقات، كخيوط الشفق التي تطاردها الشمس، حتى انفض الجميع وذهب كلٌ الى أهله، وانتهى الحفل.

وعندما سئلت في اليوم التالي عن أصل هذا الاستعراض الغريب، وعن هؤلاء الاشخاص، قال لي بعضهم أن هؤلاء "سحرة"! يخدعون الناس بهدف حصولهم على الاموال!.

وبعد سنوات طويلة، قضيتها بين القراءة والمطالعة، ونكد الحياة المصحوب بالأفراح والاتراح، علمتُ أن هؤلاء ليسوا بسحرة، بل أنهم صوفية، وأن الصوفية لها مدارس ورواد وهناك رجالات كبيرة ومعروفة على مستوى العالم برمته عُرفوا بهذا الاسم. وإن شخصيات صوفية كبيرة تعرضت للاضطهاد وللقسوة وللمحاربة، وللتجهيل، واقصيّ بعضهم، وكفُر الآخر واتهم بأنه زنديقا، وهناك من حُكم عليه بالموت، اهونه الحرق بالنار كالذي جرى للحلاج.

الدكتور علي الوردي عالم الاجتماع العراقي المعروف، في كتابه "خوارق اللاشعور" يتحدث عن الصوفية في فصل من فصول كتابه هذا ويربط طريقة الصوفية باللاشعور، وأن هذه القوى التي يمتلكونها يصفها بأنها قوى لا شعورية تكمن داخل النفس، ويعتقد أن جميع البشر يمتلكون القوى هذه، وباستطاعة الانسان أن ينميها عن طريق التركيز والصفاء النفسي. لكنه يشير الى أن العلوم الحديثة والتركيز في النظريات العلمية والفلسفية وغيرها تُضعف هذه القدرة حتى تضمحل تدريجيًا.

ففي فصل "النفس والمادة" يحدثنا الوردي أنه هو وجماعة من طلبة كلية الآداب والعلوم ذهبوا في سفرة الى مدينة تكريت (شمال العراق)، وأنهم شاهدوا هناك مجموعة من الدراويش يقومون بفعالية، (هي اشبه بالتي حكيتها آنفا) وصفها الوردي بأفعال خارقة قام بها هؤلاء الدراويش، يقول وأنه حاول أن يتأكد بنفسه عن صحة ما فعلوه فظهر لديه أنها خوارق بحق، وليست خداع وشعوذة، بحسب تعبيره. ويؤكد أنه لا يهمه رأي القارئ لهذا الحادثة التي شاهدها بنفسه ويرويها بكتابه، بقدر ما يهمه أنه لمسها لمس يد. بمعنى أنه متيقن من صحتها ولا ينتابه الشك.

وهذه هي ليست الحادثة الوحيدة التي يشاهدها الوردي سواء في العراق أو في دول أخرى زارها اثناء رحلاته للخارج، كما يقول، ويرويها في كتابه، بل يذكر اكثر من حادثة، ويعلق "وقد يقوم بعض المتصوّفة في العراق بأعمال مشابهة لتلك التي يقوم بها فقراء الهنود. فهم يضربون أنفسهم بالسلاح ويغمدون الخناجر والسيوف في بطونهم ويأكلون النار". (خوارق اللاشعور- ص 183، دار الوراق)

ومن طرافة ما يذكره الوردي، أن أحد الفضوليين رأى درويشاّ يضرب نفسه بالسيف، بعمد هذا الفضولي الى أخذ السيف ليقلد به الدرويش ويظهر مهارته هو الآخر، وكان بين الحضور ما اسماهم الوردي الجنس اللطيف، بعض النساء اللواتي حضرنَ المشهد، فعمد الى السيف فغمده في بنطه ليخرجه من قفاه، فمات الرجل بالحال. غير مأسوف عليه كما عبّر الوردي.

وصاحب هذه السطور يرى، إنّ من الحماقة أن يتطفل المرؤ على عمل غير عمله، وعلى بضاعة غير بضاعته، لإيهام الآخرين أنه خبير أو ومحنّك مُطلع، لينته بالتالي الى فضيحة أو يوقع نفسه في مأزق ليصبح اضحوكة بين الناس، أو قد يخسر الرهان وتكون الخسارة كبيرة هذه المرة، كروحه التي بين جنبيه، كما فعل هذا الرجل الذي يحدثنا عنه الوردي.

ويقول الوردي أن الهنود لهم طرق في هذا المضمار (التصوف)، فمنهم كما يذكر من يستخدم ما اسماه "التنويم الذاتي"، ومنهم من يفعل التنويم المغناطيسي، حينما يفعلون هذه القضايا الخارقة، التي يعجز المشاهد أن يفعل مثلها فتدهش لبه وتثير أعجابه.

الوردي يقول: "أما متصوّفة العراق فيلجئون الى الغناء ودق الدفوف والى نوع من الرقص والدوران. واذ ذاك يدخلون في شبه غيبوبة يطلقون عليها احيانا (المدد) وليس المدد في الواقع الا تنويمًا ذاتيا" (المصدر ذاته: ص 185)

وهذه الطريقة التي يصفها الوردي هي ليست مختصة بالعراقيين، بل تستخدما كثير من متصوفة الدول الاسلامية ومنها متصوفي مصر، وهي طريقة ورقصة جلال الدين الرومي، تلميذ شمس الدين التبريزي المتصوف المعروف على مستوى كبير، في الاوساط الصوفية والاوساط الثقافية معاً، ففي رواية "قواعد العشق الاربعون" للكاتبة التركية اليف شافاق استعرضت الروائية حياة جلال الدين الرومي من خلال استاذه شمس الدين الذي علمه هذا الفن أو هذا العلم. و كان هذا العمل الكبير الذي قامت به شافاق هو من الابداع بمكان، ويدل على ثقافتها واطلاعها الواسع وخصوصًا الثقافة المتعلقة الصوفية، وقد تُرجمت الرواية الى عدة لغات وانتشرت انتشار النار في الهشيم، حتى بيعت منها آلاف النسخ ولا تزال هذه الرواية في مصاف الروايات الاكثر مبيعًا في عالم الكتب. وهي ليست الرواية الوحيدة التي الفتها هذه الكاتبة، بل لها كثير من الاعمال الادبية الناجحة.

ويعتقد المتصوفة – كما يشير الوردي- أنّ هذه الخوارق التي يقومون بها هي دليل على صحة عقيدتهم. لكن الوردي يرفض هذا الاعتقاد، وينسب هذا الى قوة عقيدتهم، لا صحتها، فكلما تكون العقيدة قوية ومبنية على أسس سليمة يستطيع معتنقها أن يأتي بخوارق لا يستطيع غيره الاتيان بها. فصحة العقيدة لها شأن آخر كما يقرر الوردي.

ويقول: "إن العقيدة في الواقع ليست بيد الانسان، وهو لا يستطيع أن يحصل عليها أو يتركها كما يريد. إنها قناعة لا شعورية تأتي نتيجة الايمان والمراس الطويل والانغمار الذي لا يخامره شك أبدًا. إن العقيدة التي تكون في العقل الظاهر فلا تتغلغل الى العقل الباطن قد تضر ضررًا بليغًا من هذه الناحية. وهي ربما ادت الى عكس النتيجة المبتغاة منها. إن صاحب هذه العقيدة السطحية لا يكاد يضع قدمه على النار اقتداءً بفقراء الهنود، مثلا، حتى يأخذ عقله الباطن بالتخوف والاستغاثة. فهو يقول لنفسه: أقدم ولا تخف، ولكن عقله الباطن يهمس في اغوار النفس بهمسات الخطر ودنو الاجل".

كانط في نقده للميتافيزيقا يرفض كل النظريات القديمة، ويؤكد على أنّ العقل لا يثبت صحة الدين من عدمه، فهو ينقد حتى العقل نفسه، معتبرًا أن العقل محدود في المضمار، بل أن الاخلاق يجب أن تكون هي العيار لصحة الدين، وهو بذلك يرفض تاريخية الاديان، ويقول ليس هناك دين افضل من دين، فهي كلها صحيحة طالما تتبنى الجانب الاخلاقي، ولا تفرّط بالإنسان، فالدين بلا أخلاق ناقص، والاخلاق بلا دين ينتابها الارتياب.

كذلك الصوفي فهو يبني عقيدته على الالهام والصفاء النفسي، والاطمئنان القلبي، ولا يعطي العقل الدور البارز، بل عنده الايحاء والتركيز على الجانب الروحي والنفسي هو المصداق الذي يسند عليه عقيدته الايمانية. إنّ الاهتمام بالجانب الروحي عند المتصوف هو فوق كل المعايير، كما أن الجانب الاخلاقي يعتبر الثاني الذي لا يستغني عنه، لأنه يستمد من الاخلاق المصداقية ويحصل على السيرة الحسنة بين المجتمع.

 

داود السلمان

 

محسن الاكرمينحتى لا نمارس بذخ النقد "المهلك" ونكون مثل جرير والفرزدق في شعر الهجاء، لا بد من تملك عمليات النقد ضد الذات وتصويبها باتجاه الآخر. ففي ظل رؤية التوافق والاحتكام للعقل الجمعي لم يبق لدينا حاكما ولا معارضا شرسا، بل بتنا نتحدث لغة واحدة وهي الخروج من الجائحة بأقل الخسائر. اليوم يجب أن نعترف أن تطوير المجتمع لا بد أن تكون سكته متواصلة بسرعة"تجيفيTGV"، وهي التحولات التي لا مفر منها وقد تصبح مثل كرة الثلج القادمة من الجبل أكثر حدة ومتسعا بالمطالب والأولويات ما بعد زمن "كورونا" المستجد. من اليوم لا بد أن نستوف التفكير في بناء تحول نوعي غير تراكمي من نفس نبع ذات المنطلق منذ الاستقلال، من اليوم يجب أن نبحث عن تأسيس مخفضات حصينة لسرعة التغيير الجارفة، وحتى التغيرات السريعة غير المراقبة بـ "رادار Radar " القيم الاجتماعية السليمة. من اليوم لا بد من مواجهة كمون التغيير غير النافض للغة المطالب، لا بد من مواجهة عمليات التيئيس من التجديد والتحديث، لا بد من مناصرة الثقة في المستقبل وبناء مسارات التغيير المرتكزة على السلم الاجتماعي والعدالة والكرامة.

الثورة على الإحباط، ورؤى سوداوية المستقبل، لا بد أن تكون لغة يمتلكها الشعب بالعامية نحو ترييش أجنحة الفساد، وضبط عقارب التنمية بالتسريع المندمج، نحو بناء رافعات ركيزة تضع المراقبة والمتابعة في يد المجتمع المدني والفاعل السياسي والمؤسسات الدستورية. فالثورة على الإقصاء والتهميش يجب أن يكون حلا جوهريا (تجربة "كوفيد 19 "ثلاث أرباع من الشعب تقريبا تحتاج إلى الدعم)، يجب نسف كل الفوارق الاجتماعية العمودية بشكل هرم"خوفو" والتي تجعل من القاعدة متسعا لشعب الحاجة والفاقة، يجب أن تكون طريق التطور(النموذج التنموي الجديد) حلما جماعيا لا نخبويا.

صدق التغيير ينبعث من بناء روح الذات والجماعة والوطن بالايجابية التفاعلية، صدق البناء يكون بضبط عقارب ساعة تتحرك من الذات وفق الصدق والثقة في المستقبل وردم فجوات الماضي (الانتكاسات السياسية)، وفق العناية بتميم ممرات مأسسة مفهوم الوطنية والتي لا تختزل في رفع الشعارات بمفرقعات دوائر (رغوة تيدTIDE )، بل في الوفاء للمقدسات وللمؤسسات الدستورية، وكذا من خلال العناية بالوحدة الوطنية والاعتراف بها كفاعل محرك للتغيير. إنها أصعب المسارات التي تتناول الانتقال من أنانية الهوية (الفردانية) إلى نقيضها المنفتح على القيم والمعتقدات والثوابت اللازمة للعيش المشترك.

حق القول بالختم، حين تنكسر رغبات الذات (الفئوية) يسود الإحباط، وينمو الحقد الاجتماعي ومفهوم (المقهور)، وتظهر الآثار السلبية وتصبح الهزيمة متمكنة من السيطرة على الذات والآخر بالتوسع. لنختم بأننا بالإفراد والجمع في حاجة ماسة إلى خلوة مع الذات، خلوة غير صوفية تفتح الحوار مع "أنا"، وتساءل المحيط .

 

محسن الأكرمين.

 

محمود محمد علييطل علينا شهر رمضان هذا العام في أجواء غير مألوفة، لم نعتاد مثلها في تاريخنا الحديث، فالمشاهد والمظاهر التي تعودنا علي رؤيتها في هذا الشهر الفضيل، مثل التبضع نهاراً في الأسواق والمحلات، من أجل الإفطار والسحور والإفطار الجماعي، والزيارات العائلية، وصلاة التراويح، والعمل الخيري، وسهرات السحور في المقاهي والمطاعم.. كل تلك المظاهر المرتبطة برمضان لم توجد في هذا العام؛ بسبب حظر التجول، وإغلاق المساجد، الشوارع الخالية، ودُور العبادة المقفَلة، والأسواق المقفِرة، وضرورات التباعد الاجتماعي .

يبدو رمضان وكأنَّه يَهجُرنا، فكيف لنا أن نَعيشه وكلُّ شعائره محجورة، ولا قدرة على التَّبضُّع اليوميِّ لشراء أطايب موائد الإفطار، وممنوع علينا الاجتماع بالأحبّة، وممنوع علينا صلاة التراويح في الجوامع، وممنوع علينا الاحتفال بعيد الفِطر كما اعْتَدْنا، ورُبَّما ممنوع معايدة الأطفال بالعِيديّة الماليّة بسبب ذاك الكائن المجهريّ "كورونا"!

لكن هناك تساؤلات كثيرة أثيرت حول حكم الصيام في هذه الظروف، نود أن نطرحها هنا في هذا المقال وهي: ما حكم الصيام في ظل كورونا؟.. وهل هنالك مخاطر على صحة الصائم نظرا لساعات الامتناع الطويلة عن الطعام والشراب؟.. علاوة علي بعض الأسئلة ؛ حيث يري البعض أن تقوية جهاز المناعة تعد أمراً مهماً جداً في هذه الفترة التي ينتشر فيها فيروس كورونا حتي يستطيع جسم الإنسان مقاومته والتغلب عليه وغالباً ما يتم ذلك عبر تناول الأطعمة والمكملات الغذائية التي تعزز جهاز المناعة وتدعمه ولكن كيف لنا أن نقوم بذلك أثناء الصيام خلال شهر رمضان؟ .. كذلك يري البعض أيضاً أن منطقة الأنف والحنجرة تشكل واحدة من أخطر مناطق العبور الأولي لفيروس كورونا إلي جسم الإنسان وتموج كثير من التفسيرات إلي هجوم الفيروس علي الجسم من الحنجرة فكيف يؤثر ذلك علي الصيام؟ .. كذلك انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي الكثير من المنشورات والتصريحات التي تباينت بشأن ما إذا كان الصيام ممكن في زمن كورونا، أم أنه من الضروري شرب الماء وأكل الأطعمة المغذية، حتى في نهار رمضان؟. وغير ذلك من الأسئلة.

وللإجابة علي تلك التساؤلات يمكن القول بأن هناك جدلاً كبيراً دار حول الأجوبة علي كل تلك التساؤلات؛ وبالأخص السؤال الرئيسي والمحوري والذي يدور حول وجوب الإفطار خلال شهر رمضان بسبب كورونا، حيث وجدنا رأيان متعارضان بشأنه، وذلك علي النحو التالي:

الرأي الأول: وهو رأي بعض المثقفين والمفكرين، حيث قالوا: «إن الله أعطى رخصة، وإن الله يحب أن تأتي رخصه.. كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة والمجموعات الأكثر تعرضًا للإصابة بهذا المرضز.. يفضَّل أن يفطروا، لأن في الصيام يحدث جفاف، والجفاف يعطي للفيروس فرصة لممارسة قوته علينا.. كما أن الجفاف يبطئ من الدورة الدموية التي تنقل الخلايا المناعية التي تدافع عن الجسم.. لكن بالنسبة للناس العادية، فهذا حسب قدرتها، وكل فرد يقيّم هو مدى قدرته على الصيام"، ليخرج بعد ذلك عدد من الفتاوى ومن أهمها: "إن الشخص الصائم في زمن كورونا لا يختلف كثيرًا عن المريض والمسافر الذي يجوز له أن يفطر ويقضي بعد زوال السبب. أما الناس العادية فمن المستحب أن تفطر للحفاظ على مناعتها".

كذلك يستطرد دعاة هذا الرأي قائلين: إنه وفقًا للأطباء والعلماء الذين خدموا الحضارة الإنسانية من العرب فإنه لا يجوز الصوم ولا الجماع في زمن الوباء، وشددوا على أنه لا وصاية للأزهر أو دار الإفتاء أو وزارة الأوقاف على المسلمين، مشيرين إلى أنه في الإسلام لا يوجد ما يسمى بمؤسسات دينية.. وأشاروا إلى أن الأطباء فقط هم المخولون لتوجيه الناس إلى الصيام أو الإفطار.. واستنادًا لعلماء الحضارة الإنسانية فإنه لا صوم أو جماع في زمن الوباء ونحن الآن في وباء عالمي وللناس الرخصة في عدم صوم رمضان.. لم يكتف هؤلاء بهذا بل قالوا: " إنه فى زمن الوباء وفساد الهواء لابد أن يتناول الشخص الطعام الخفيف والذى لا يجهد المعدة بالهضم حتى لا تنشغل المناعة بمواجهة الجراثيم.. فالأطباء المسلمون قالوا بلاش صوم فى رمضان".

الرأي الثاني: وهو فتوي فقهية: وهذه الفتوي أخذت مسارين: المسار الأولي شيعي: وفيه نعول علي فتوي المرجعية الشيعية العليا في العراق، علي السيستاني، الذي قال في رده على سؤال عن الموضوع ذاته: "فإذا حلّ شهر رمضان القادم على مسلم وخاف من أن يصاب بالكورونا إن صام ولو اتخذ جميع الإجراءات الاحتياطية سقط عنه وجوبه بالنسبة إلى كل يوم يخشى إن صامه أن يصاب بالمرض. وإذا أمكنه تضعيف درجة احتمال الإصابة حتى يصبح مما لا يعتد به عند العقلاء ـ ولو من خلال البقاء في البيت.

والمسار الثاني: وهو الذي صدر عن الأزهر الشريف الذي أصدر بياناً قبيل رمضان حسم فيه الجدل،  على أنه "لا يوجد دليل علمي - حتى الآن - على وجود ارتباط بين الصوم والإصابة بفيروس كورونا ، قائلا: "الإفطار في رمضان يحسمه ثبوت نظريات علمية تؤكد أنه يؤثر على الإصابة بالفيروس، ولذا سيتوجب حينها الإفطار لأن الإسلام أعطى رخصة الإفطار للمرضى، إلا أن الطب لم يثبت حتى الآن أى تأثيرات سلبية للصيام على الإصابة بكورونا"،.. وفي الوقت نفسه صدرت فتوي دار الإفتاء المصرية أباحت للمصابين والأطقم الطبية الذين يواجهون فيروس كورونا الإفطار "إذا وقع عليهم ضرر جراء الصيام"، مشددة في الوقت نفسه على استمرار وجوب الصيام على كل قادر بحسب قواعد الشريعة الإسلامي.. وجاء في البيان الصادر عن لجنة البحوث الفقهية التابعة للأزهر، إنه "بناء على ذلك (عدم وجود الدليل)، تبقى أحكام الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بالصوم على ما هي عليه، من وجوب الصوم على كافة المسلمين، إلا من رخص لهم الإفطار شرعا من أصحاب الأعذار.

ومن هذين الرأيين يمكن القول بأن الدين الإسلامي مثلما يأمرنا بالصلاة في المساجد والاعتكاف خلال شهر رمضان الكريم، يأمرنا أيضاً بالأخذ بالأسباب، فالشرع لا يتصادم مع العلم، فإذا كان العلم وأهل الطب يؤكدون أن التجمعات تؤدى إلى الإصابة بفيروس كورونا فلابد من الأخذ بالأسباب ووقف أى تجمعات، إذ أن الحفاظ على النفس البشرية من مقاصد الشريعة.. وعلى ذلك تبقى أحكام الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بالصوم على ما هي عليه من وجوب الصوم على كافة المسلمين، إلا من رخص لهم في الإفطار شرعًا من أصحاب الأعذار..

وهنا استشهد هنا برأي مارك ماتسون من جامعة جون هوبكنز (حسب بعض المجلات الطبية المتخصصة)، حيث إن هذا الرجل يدرس منذ 25 سنة تأثير الصوم المتقطع في صحة الإنسان، ويتبعه منذ 20 سنة في حياته، ويقول هذا النظام يحسن القدرات الفكرية، ويرفع من حساسية الأنسولين، ما يمنع تطور مرض السكري، وخطر أمراض القلب والأوعية الدموية، ويحسن عمل منظومة المناعة ويطيل العمر.. وهناك دراسات أخرى، أظهرت نتائجها أن الصوم المتقطع يفيد الدماغ، حيث لوحظ أن الأشخاص الذين اتبعوه على مدى سنتين تحسنت ذاكرتهم وقدراتهم الفكرية، كما زادت قدرتهم على مقاومة الإجهاد فالصيام أثبت أنه يمنع تراكم الدهون في منطقة البطن، ويخفض ضغط الدم ونبضات القلب، ويحسن الذاكرة والوظائف الحركية؛ ويحمي الخلايا العصبية في الدماغ من الانحطاط.. وعلاوة على هذا، فالصيام خلال فترة الجوع يحصل الجسم على الطاقة من الأحماض الدهنية المخزنة، ما يساعد على تخفيض الوزن وتخفيف العبء على القلب والأوعية الدموية والجهاز العضلي الحركي.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

 

قاسم حسين صالحتوطئة: هل الصوم مفيد جسميا وطبيا ونفسيا، ام انه مضر في الثلاثة، وبخاصة.. الدماغ؟

ما ستطلع عليه الان هو خلاصة مركزة لدراسات علمية وأراء اطباء وعلماء نفس عرب واجانب. ولأننا في أول ايام رمضان فاننا ندعوك لقرائته، سيما وأن شهر رمضان هذا ينفرد لأنه يحل علينا والعالم كله في محنة فيروس كورونا الذي اصاب حتى الان اكثر من مليونين ونصف انسان وحصد ارواح اكثر من 190 ألف حالة.

*

تتعدد وجهات النظر في الصوم، ولا يعنينا هنا أمره من منظور الأديان الثلاثة:اليهودية، والمسيحية، والأسلام، التي تختلف اختلافا كبيرا في طريقة الصوم ومدته التي حددها الاسلام بشهر رمضان بكف النفس عن اللذات الثلاث (الطعام، والشراب، والجماع) في اوقات الامساك والترخيص بها في الافطار.واختلافها ايضا في فلسفة الصيام التي حددها الأمام الغزالي بقوله: (اعلم ان الصوم ثلاث درجات: صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص. اما صوم العموم فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة، واما صوم الخصوص فو كف السمع والبصر واللسان والرجل وسائر الجوارح عن الآثام، واما صوم خصوص الخصوص فصوم القلب عن الهمم الدنيئة والأفكار الدنيوية.. " الغزالي: اسرار الصوم، ص:40").

ما يعنينا هنا أكثرهو التحليل السيكولوجي للصوم، نوجزه في القول بوجود موقفين متضادين من الصوم: ألأول يتبناه كتّاب وأطباء نفسانيون عرب، يرون ان الصوم يؤدي الى انخفاض مستوى الجلوكوز في المخ، فينجم عنه اضطراب في عمل الدماغ، واختلال في افرازات الهرمونات وتوقيتات الساعة البيولوجية.. لأن جسم الانسان اعتاد على ان ينشط في النهار ويستهلك طاقة، وان النوم في الليل يعمل على ترميم ما اهترأ في الجسم.. ما يعني أن الصوم، وفقا لهذا الرأي، مضر بجسم الانسان لأنه يضطره الى ان يسهر في الليل وينام كثيرا في النهار، وانه يسبب السمنة، وله انعكاسات نفسية سلبية يكفيك منها التوتر العصبي، وتعكر المزاج، والنرفزة، والصداع، والدوخة، الناجمة عن انخفاض نسبة السكر في الدم، والخلل في ايقاع الساعة البيولوجية.. فضلا عن ان الصوم يؤدي الى ضعف الأداء الوظيفي، وانخفاض الأنتاجية على مستوى الفرد والمؤسسات الحكومية والأهلية.. وقضايا اجتماعية اوجعها حسرات اطفال الفقراء واليتامى في العيد.

الموقف الثاني نبدأه بما قاله الحائز على جائزة نوبل في الطب الدكتور ألكسيس كاريك بكتابه (الإنسان ذلك المجهول) ما نصه: (إن كثرة وجبات الطعام وانتظامها ووفرتها تعطّل وظيفة أدت دورا عظيما في بقاء الأجناس البشرية، وهي وظيفة التكيف على قلّة الطعام).. بمعنى ان الصوم يدرّب جسم الانسان على التكيّف في الأزمات الأقتصادية.ووفقا لما يراه هذا الطبيب فان خلف الشعور بالجوع تحدث ظاهرة اهم هي ان سكر الكبد سيتحرك، وتتحرك معه أيضا الدهون المخزونة تحت الجلد، وبروتينات العضل والغدد، وخلايا الكبد.. ليتحقق في النهاية الوصول الى كمال الوسيط الوظيفي للاعضاء.. ويخلص الى القول بأن الصوم ينظّف ويبدّل أنسجتنا ويضمن سلامة القلب.

وحديثا، يرى علماء نفس وأطباء نفسانيون في اميركا وانجلترا واوربا، ان بقاء الانسان على نفس الروتين والايقاع في عمل الجسم، يؤدي الى الكسل والخدر والموت قبل الآوان، فيما التغيير يؤدي الى تنشيط البدن ويمنحه حيوية تطيل العمر. وتوصل آخرون الى نتائج سيكولوجية مدهشة بأن الصوم ينمّي قدرة الانسان على التحكّم في الذات، ويدرّبه على ترك عادات سيئة، ويمنحه الفرصة على اكتساب ضوابط جديدة في السلوك تنعكس ايجابيا على شخصيته هو والمجتمع ايضا.

مثال ذلك، ان الصائم الذي اعتاد على تدخين علبة كاملة في اليوم فأن تدربه على الامتناع عنها في النهار قد يدفع به الى تركه. وقل الشيء ذاته عن آخر اعتاد على ان يغتاب او يكذب ودرّبه صيامه على الامتناع عنهما شهرا لا يوما او اسبوعا، معللين ذلك بقانون نفسي، هو: ان كثرة التدريب على سلوك جديد يؤدي الى ثباته.. وأن الصوم، بهذا المفهوم، وسيلة علاجية لمن يعانون القلق النفسي والاكتئاب.. والأغتراب الأجتماعي، والسياسي ايضا!.. غير ان ذلك قد ينطبق على المصريين ولا ينطبق على العراقيين! .

في السياق ذاته تخلص دراسة الدكتور (باري شوارتز) الى نتيجة أخرى مدهشة، هي أن نفسية الاكتئاب والإحباط ترتبط بالإفراط في الانسياق مع تيار الاستهلاك الذي اصبح ظاهرة بالعصر الحديث وصفها ايريك فروم و هربرت ماركيوز بأنها سلبية خطيرة تنخر في نفسية الانسان، وأن كبح الشهوات الغريزية والسيطرة على الرغبات عن طريق الصوم يؤدي الى خفضها. ولك ان تطلع على ما يدهشك في كتب: "الصوم" لهربرت شيلتون، و "الجوع من أجل الصحة" لنيكولايف بيلوي " و "الصوم" لجيسبير بولينغ، ".. مستندين الى ما أكدته أبحاث أنثربولوجيا الأديان بأن فعل الصوم يكاد يكون سلوكا مشتركا بين جميع الملل الدينية.

والمدهش اكثر أن مجلة (سيكولوجست) تؤكد ظهور عشرات المراكز الطبية في دول العالم، (الجمعية العالمية للصحة، وجمعية الطبيعة والصحة بكندا، والجمعية الأميركية للصحة الطبيعية، واخرى في اليابان والهند والصين..) اعتمدت الصوم وسيلة علاجية.. تسهم في ضبط الشهوات والتحكم بالانفعالات (الغضب مثلا).. وضبط اللسان حين يهم بقضم سمعة فلانه او فلان.

الصيام.. في زمن كورونا

تعددت التساؤلات وتنوعت الأجابات، دينيا وطبيا بشأن صوم رمضان في زمن فيروس كورونا المستجد. ففي القاهرة أصدرت لجنة لجنة البحوث الفقهية التابعة للأزهر، إنه "بناء على عدم وجود الدليل، تبقى أحكام الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بالصوم على ما هي عليه، من وجوب الصوم على كافة المسلمين، إلا من رخص لهم الإفطار شرعا من أصحاب الأعذار.وافادت بأنها اصدرت بيانها هذا بحضور "كبار الأطباء وجهات التخصص الطبي بفروعه المختلفة، وممثلين عن منظمة الصحة العالمية وعدد من علماء الشريعة بالأزهر الشريف.

وفي تونس، أثار صيام رمضان مع تفشي فيروس كورونا، جدلا فقهيا، فبعد أن أصدر علماء جامع الزيتونة فتوى تبيح الإفطار للمصابين بفيروس كورونا فقط، اصدر

المفتي عثمان بطّيخ، قرار بأن الصوم في زمن الوباء يعود للأطباء الذين يجب أن يجتمعوا لتقييم الوضع، ونحن ننتظر أيضا القرارات التي ستصدر عن مجلس الأمن القومي، وعنده فلكل حادث حديث. وقبل ذلك لا نستطيع إعطاء أي حكم فهذا يدخل في إطار الشعوذة".

وفي العراق، اصدرمكتب السيد علي السيستاني فتوى بان وجوب الصيام في نهار شهر رمضان انما يسقط عمن له عذر شرعي كالمريض ومن يخاف - لنصيحة طبية مثلا- أن يصاب بالمرض ان صام ولم يتيسر له اتخاذ الأجراء الأحتياطي المؤمّن له عن الأصابة، والا لزمه ذلك ولم يجز له ترك الصيام.وأضاف بأن الذين يسعهم ترك العمل في شهر رمضان والبقاء في المنزل بحيث يأمنون الأصابة بالمرض لا يسقط عنهم وجوب الصيام .واما الذين لا يسعهم ترك اعمالهم لأي سبب كان، فان خافوا من الأصابة بالفيروس مع ترك شرب الماء في فترات متقاربة في النهار ولم يمكنهم اتخاذ اجراء آخر يأمنون معه من الأصابة به لم يجب عليهم الصيام، وان لم يجز لهم التجاهر بالأفطار في الملأ العام.

وطبيا اعتمدت المنظمات العالمية الموثوقة تغريدة للأمم المتحدة اوضحت فيها أن "الفكرة المتداولة بأن شرب الماء أو المشروبات الساخنة كل 15 دقيقة، كفيل بالقضاء على كورونا، غير صحيحة". مضيفة بأن شرب الماء بكمية تكفي، (8- 10) اكواب، يمكن تناولها ما بين صلاتي المغرب والفجر.

ختاما.

ان الغالبية المطلقة من العراقيين، والعرب ايضا، يفهمون الصوم على انه فرض ديني واجب ولا يمتلكون فهما بهذه القضايا السيكولوجية التي نأمل من وسائل الأعلام والبرامج الدينية في الفضائيات التقاط افكارها وأيصالها للصائمين بلغة سهلة، ليتحقق صوم رمضان بدرجاته الثلاث: صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

 

مجدي ابراهيملم تخل النفس الإنسانية في حظها الوفير من اهتمام القرآن؛ فمباحثها فيه أوسع من أن تحيطها مقالة أو إشارة عارضة أو لفتة عابرة؛ فإنَّ النفس التي سواها الحق، فألهمها فجورها وتقواها، لهى هى التي حظيت بمباحث لا نستوفيها في عبارات عارضة أو إشارات مقتضبة.

يعطي القرآن ومضات لامعة لجوانب من توجُّهات النفوس، وفي كل ومضة بارقة تستطيع أن ترشدك إلى خصائص تلك النفوس على اختلاف أقدراها؛ فالضالون لهم صفات وسمات، والمؤمنون لهم صفات وسمات، والعالمون لهم صفات وخصائص وسمات، والعاقلون والمتفكرون والسامعون والموقنون وأولو النهي وأولو الألباب وأولو الأبصار، كل أولئك وما دونهم، لهم في القرآن أقدراهم وتوجهاتهم وخصائصهم وسمات نفوسهم في صورة مشخَّصة مرسومة بدقة وكمال.

وأدنى إطلاع على الآيات القرآنيّة يُوحي بالحظ الوفير الذي والاه القرآن اهتماماً بالنفس الإنسانية، وارتقاءً بها إلى حيث معرفة الخالق ومحبته وموالاته. ناهيك عن ضروب التقسيم الذي حَفيّ به القرآن بين نفس أمارة ولوامة ومطمئنة وراضية ومرضية ممّا هو معروف متاح لقارئ الكتاب الكريم؛ فلا يعوّل معوّل على الإهمال وهو معدّ العدة للبحث في جوانب هذا الموضوع.

غير أننا نركز هنا على الخاصّة الذاتية للقرآن، كونها تجعل من تحويل النفس من حال في الحياة إلى حال آخر، خصوصية فريدة؛ لتمضي بها إلى سواء: استقامة عادلة لا تنازع فيها ولا خطوب ولا مصارع تواتيها أو تقف دون موالاتها للحق على التحقيق.

تحويل النفس:

ولم تكن النفس الإنسانية في ملكوت القرآن بالأمر المهمل الذي يسقط معه الإنسان في مستنقع الغفلات؛ فبالقدرة والإرادة يمكنه أن يغلبها فتعليه، وبالخمول والتكاسل والسلبية يسقطها ويدنيها فترديه: هو مالك لنفسه إذا شاء، وتملكه إذا لم تكن لديه مشيئة. ولا ريب في أن غلبة النفس عسيرة، ولكنها إذا جُوهدت وتيسّرت، فكل شيء أمامها مغلوب.

ولمَّا كانت نفوسنا الضعيفة نفوساً خربة تشاء الكسل وتأنف من بذل المجهود، تشاء المتعة وتمتنع عن الإقلاع، تشاء الرذيلة وتمتنع عن الفضيلة، تشاء الرغبة وتمتنع عن الإحجام، تشاء الأكل الكثير والراحة الدائمة والنوم العميق وتمتنع عن مشقة الجوع وألم المشقة وعناء السَّهر، تشاء إتباع الهوى والشهوة والشيطان وتمتنع عن حظيرة الله والاستقامة والإيمان.

لمّا كانت نفوساً هذه أحوالها في الغالب، وكانت تلك أوصافها، فلن يكون خير لها ولن يتم، ما لم يَردُّها صاحبها بعزم الأمور عن بعض ما تشاء. والأصلُ في ذلك كله هو الصبر جهاداً والتحلي تَصَبُّراً بأطيب الفضائل وأكرم الأخلاق.

وتأتي رسالة القرآن لتقول:

ما لم تتحوّل النفس عن ركامها المتراكم الدفين، إلى حياة تتلقَّاها من أعلى، ما لم ترتحل من جسد يطويها وكثافة تشملها، فإنها لن نتحقق أملها المنشود في الخُلاص. فالتغيير الذي يتمُ في الواقع لابد أن يكون قد سبقه تغيير قد تمَّ فعلاً في النفس؛ لأن الواقع لن يغير نفسه بنفسه، فلا مناص من وجود أشخاص غيروا من أنفسهم أولاً، وارتحلوا عن طباعهم ثانياً، فاستجاب لهم الواقع ثالثاً، فحققوا ما كانوا يؤملونه من نشدان الخلاص رابعاً. وتلك هى إحْدى ركائز الذاتية الخاصَّة للقرآن: قدرة التغيير في الواقع بعد التحويل في النفس.

والتعلُّم والاكتساب في البداية هما بالطبع من أهم الصفات المؤهلة لطالب القرآن. التعلم بداية معرفة بأولوَّيات تلك الخاصة الذاتية كما قلنا؛ لأنه اجتهاد وممارسة وسلوك في إطارها يلزم عنها بالضرورة، ويجيء الاكتساب شروعاً في التطبيق لذاته لا لغيره، أي شروعاً في تحويل النفس من مكانها الذي اعتادت أن تقف عنده ولا تتجاوزه؛ ليجيء "التحويل" دليلاً على وضوح السبيل من طريق فهم القرآن:

ولا يتمُّ رَدُّ النفس وتحويلها من حال في الحياة إلى حال إلا بعزم الأمور؛ أي بالصبر الموصوف من قبل طاووس العلماء كأبي القاسم الجنيد: بتجرّع المرارة من غير تعبيس. والصبر كله فضيلة كبيرة هو على الحقيقة "عزم الأمور". لم ترد "عزم الأمور" في القرآن الكريم إلا في ثلاث مرات فقط، ولعَلَّ الدلالة فيها أنها عزيزة لنُدرتها وندرة من يأيتها، هى "الصبر": نصف الدين حقيقة لا مجازاً.

الأولى: في آل عمران:"لتُبلَون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً، وإنْ تصبروا وتتقوا، فإنّ ذلك من عزم الأمور".

والثانية: في لقمان:" يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وأنْه عن المنكر واصبر على ما أصَابَك, إنَّ ذلك من عزم الأمور". والثالثة: في الشورى:" ولمن صَبَرَ وَغَفَرَ؛ إنَّ ذَلَكَ لمَن عَزَمِ الأمُوُرِ ".

انظر إلى هذه الآيات الكريمة وتدَبَّرها جيداً تجد الصبر في الآية الأولى، صبراً على البلاء في النفس والمال وسماع الأذى ممَّن لا يعرف رقابة الله عليه، فاحتساب ذلك كله من شئون الصبر وأمور التقوى، وتسليم الأمر كله ظاهره وخافيه لله، كل أولئك من العزائم التي لا يأتيها إلا أصحَّاء الضمائر وأصحَّاء القلوب. وفي الآية الثانية؛ ترى الصبر مقترناً بإقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على المصائب ظاهرها وباطنها، إنمّا هو جهاد ذوي العزم ممّن تخلق بالأخلاق النبويّة، فإنّ من يأتيها يأتي في الوقت نفسه عزم الأمور.

وفي الآية الثالثة؛ ترى الصبر مُفْرَدَاً باعتباره نصف الدين حقيقة كفيلاً وحده لمن تحقق به أن يكون ممَّن عَزَمُوا الأمور، حتى إذا أضيف إليه الغفران من أجل الله وكفى، دَلَّ ذلك من أول وهلة على أن الصبر والغفران وقلة الجزع أو عدمه من خُلق الأنبياء الذين يعرفون أن الأمور كلها بيد الله فيوكلون إليه حالهم ومآلهم ثم يَسَلِّمُون ويحتسبون.

"مصدر الأخلاق الجميلة؛ كما قال الأستاذ "العقاد" في كتابه (الفلسفة القرآنية): هو "عزم الأمور" كما سَمَّاه القرآن وهو مصدر كل خُلق جميل حَثَّتْ عليه شريعة القرآن".

عزم الأمور نيةٌ في القلب خفيّة، وقدرةٌ في المنع قوية، وردٌّ للنفس عن بعض ما تشاء. وليس من شك أن مجاهدة الصابرين تورث غماً، ولكن مَا من غَمّ إلا وفي أطرافه بلاء، والبلاء ضربٌ من الحب إذْ كان الحب ضرباً من تجلى المحبوب.

ولك أن تقرأ قوله تعالى: " لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعون من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً، وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور". وقوله تعالى:" يا أيها الذين آمنوا أصبروا وَصَابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون"؛ لتجد في الصبر والمصابرة وفي الرباط والتقوى أمراً يتواصى بتطبيقه المؤمنون؛ لأنه فوق كونه علامة على الهمّة القوية العالية وثبات العزم من جهة، تأكيدٌ على الإيمان من جهة ثانية، ففي الصبر حبس النفس على المكاره، وجهاد الهوى من أجل العبادة. وفي المصابرة قوة تزيد الصبر حتى ليغلب بها الصابرون أعداؤهم. وفي الرباط قيام على الحدود وتأهب للجهاد. والتقوى إيمانٌ بكل هذا؛ وأصلٌ لكل هذا.

والإيمان الحق عزم لا يعرف طريقه إلى خذلان صاحبه إذا كان صاحبه على فضائل الصبر والمصابرة وعلى عزائم الرباط والتقوى، فمتى اقترن الإيمان بثبات العزيمة مقدار اقترانه بتلك الفضائل فهو الفلاح بعينه. وإنك لتجد في قوله تعالى:" وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها"؛ توكيد الأمر بالصلاة وتوكيد الاصطبار عليها طاعة للأمر. والأمر بالصلاة والاصطبار عليها هما معدن الإيمان يتأصل في الوجدان الديني بالكيفية التي يتأصل فيها الشعور بالتبعة.

ولا بقاء عندنا للوجدان الديني ولا قيمة لشعور الشاعر بضخامة التبعات ما لم يكن الأصل في هذا وذاك هو يقين الإيمان بل هو حق اليقين في الإيمان.

الدلالة الجوانية الباطنة:

الدلالة الجُوَّانِيَّة صارمة في فهم القرآن، وهى دلالة تتأتى مؤكداتها في ملكة الوعي: الوعي بالإقبال على الله بصدق، ثم ارتقاء الوعي في الرغبة لفهم كتابه باجتماع هَمِّ هو بالضبط ضد غفلات التعطيل؛ لأن التعطيل في أول مقام ضد الحضور، والحضور كذلك في أول مقام معناه إزاحة القلب عن التعطيل من طريق فعل الهِمَّة، وبقاءَه دوماً في حيوية روحية وحركة فاعلة.

وحضور القلب يأتي ليكون معناه إزاحة التعطيل عن الفهم، حتى إذا ما ثُقِلَ فهم القرآن أو صعب؛ فإنّ مرَدَّ ذلك إلى الوهم الذي يربض غائراً في جوف الوعي تحت ظلمات التعطيل.

هنا أشير إلى شذرة لافتة للانتباه جديرة بكل آيات التأمل؛ هى من شذرات الأستاذ الإمام "محمد عبده"، المجموعة عنه من قِبَل تلميذه رشيد رضا؛ تقول الشذرة المُلفتة للنظر:

"إنَّمَا يُصِّعب القرآن تَوَهُّم أنه صَعْبُ، وكلما أدخل الإنسان على نفسه الصعوبة صعُب عليه، وكلما مَكَّن نفسه من الفهم مكَّنَه اللهُ منه".

ولتلحظ التعطيل هنا كامن في الإنسان نفسه؛ في التَّوهُّم الذي يُحيط به من جميع أقطاره من جهة، ومن جهة ثانية في دخوله الصعوبة على نفسه من أجل تراكم ما استقرَّ في أعماقها من آفاتٍ وأباطيل هى الموانع الصارفة عن الفهم، والداخلة بالإنسان في مزالق التعطيل.

مرة أخرى؛ فإذا ثقل فهم القرآن أو صَعُبَ، لأسباب يستشعرها ذلك الذي يجد في نفسه ثقلاً أو صعوبة؛ فالتعطيل في طليعة هذه الأسباب: تعطيل القلب عن الحضور وعن الفهم:"ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم؛ ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون". على أنَّ السماع هاهنا، يترادف مع الفهم، وعدمه أيضاً مرادفُ لعدم الفهم؛ فلو علم الله فيهم خيراَ لأفهمهم؛ ولكنهم لمَّا ضيَّعوا الفهم واستبدلوا به التعطيل؛ ليجيء صارفاً من صوارف الغفلة على عادة التوهم المرذول، كانوا عن الفهم بالقطع الذي لا مرية فيه عاطلين؛ وكانت:"لهم قلوبٌ لا يفقهون بها، ولهم أعينٌ لا يبصرون بها، ولهم آذانٌ لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام بل هم أضل؛ أولئك هم الغافلون". فمن تمام الغفلة فيهم أن قلوبهم مقفلة، وعيونهم غير مُبْصِرة، وآذانهم صَمَّة لا يسمعون بها، لأنهم كانوا أغلقوا منافذ السّماع بمقدار ما انطمست لديهم الرؤية وأظلمت على الحقيقة أنوار القلوب.

لقد أُثُر عن "الوليد بن المغيرة" أنه قال حين سمع شيئاً من القرآن: "والله .. إنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة ...". ونحن نسأل: من أين؟ من أين لك - يا وليد - بهذه الحلاوة وبتلك الطلاوة، وأنت - من بعدُ - لم تسلم، ولم تعتقد عقيدة الرجل الذي نزل عليه هذا القول حين وصفته بالحلاوة وبالطلاوة؟

إنّ الوليد حينما عبَّر عن حلاوة القرآن بهذه الكلمات اللطيفة النافذة؛ كان يتَّجه مباشرة إلى "وحدة القصد" لما في القرآن من تأثير على الشعور والوجدان. وأن سليقته الجُوَّانيَّة الباطنة التي يتغلّب فيها حكم الطبع لم تستطع أن تقاوم "وحدة القصد" الغلابة لوقع القرآن: وقعه على بؤرة الضمير وعلى شغاف القلب، ووقعه على الشعور الدفين وعلى الإحساس بالغيب؛ كلام لا ككل كلام ولا كأي كلام؛ كلام ألفاظه من لغة العرب بيد أن معانيه العجيبة تُميِّزه عن أجناس الكلام البليغ.

هذا الوَقْع ليس شيئاً، لا.. بل هو كل شيء فيه: خاصَّة ذاتية تتجه إلى وحدة القصد بالمباشرة. ولك أن تنظر في قوله تعالى:"والله غالب عَلى أمْرِهِ"؛ لترى وحدة القصد تتحقق بهذه "الغلبة": نفوذ القرآن في الضمائر والقلوب، وفناء ما دونها من مظاهر الغلبة الظاهرة، تلك التي تبدو (أي الغلبة الظاهرة) وكأنها من جنس الغلبة وهى في الحقيقة لا غلبة لها ولا سلطان.

إنمّا الغلبة لله في قوله وفي فعله، وفي كل صفة يتجَلىَ بها على عباده بنسب ومراتب لا يعلمها إلا هو، لكنها على الجملة في حكم الغلبة على وجه التحقيق.

الله غالبٌ على أمره بشرف التجليات الإلهية في حضراته الخمس: حضرة الذات وحضرة الأسماء وحضرة الصفات وحضرة الأفعال وحضرة الأحكام. وكلها حضرات مباركة تعطي قوة الغلبة الظاهرة والباطنة في قوله تعالى:"والله غالبٌ على أمره"؛ فإذا شاء الحق تبارك اسمه أن يعطي مثل هذه الغلبة لكلمته العليا، ويمنع ما سواها أن تكون له على الحقيقة غلبة أو سلطان قال: "ما فَرَّطنا في الكتاب من شيء".

والدلالةٌ فيه صارمةٌ بحكم الغلبة على احتواء القرآن على أصول العلوم والمعارف في كلمته المقدسة:"وَنَزَّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء"؛ ما استثنى شيئاً ولا فاته شيئاً، ولكنه بيَّن كل شيء في كل شيء، وأحصى كل شيء في كل شيء، ثم إنه لهدى، ورحمة، وبشرى للمسلمين.

فإذا وُجدت وحدة القصد في شعور أحد يريد أن يعرف من تجليات المراتب والحضرات الإلهية شيئاً، كان كل ما يريد أن يعرفه من علوم ومعارف مجلى من هذه المجالي الإلهية، وكان كل ما يطلبه من هذه المعارف والعلوم موجوداً في الكتاب:"مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيءٍ".

ذلك هو حكم الغلبة.. وذلك هو هو حكم الإعجاز الباهر الوضَّاء؛ خاصَّة ذاتية لا نَمَلُ من تكرارها أبداً تتجه إلى وحدة القصد بالمباشرة.

أين موطن "الحلاوة" فيما سمع الوليد، وأين موطن "الطلاوة" فيما شَعَر به من قوة هذه الوحدة القصْديَّة في ذلك القول الغَلاَّب؟ ذلك ما لم يقدر الوليد على الإجابة عنه سوى أنه قال: ليس بقول بشر ! (والله .. إنّ له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمغدق، وإن أسفله لمثمر، وما يقولُ هذا بشر..!!).

كل ما هنالك أنه استسلم لحكم السليقة فيما تصيبه السليقة من وقع على الشعور والوجدان، وأن تذوّقه الرفيع مجرد التذوق لمعاني هذا القول الغَلاَّب قد أصاب منه كوامن النفس الصَّفِيَّة وبواطن البؤرة الدفينة في منْبَت الشعور.

لقد اتجه الوليد بالسليقة الذوَّاقة والشعور الوجداني اتجاهاً مباشراً إلى وحدة القصد في القرآن. هذه الوحدة التي تشمل روح القرآن كله، وهى روح عليا، ذاتية خاصَّة له؛ لا توجد في سواه، روح عليا لا وصف لها عندنا ولا حدَّ سوى سِرَّ قوله تعالى:"واللهُ غَاَلِبٌ عَلى أمْره ". لقد قدرَّ وحكم أزلاً أن تكون كلمته تعالى هى العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، وبهذا التقدير الإلهي وبتلك القدرة النافذة، تَسْري حضرات التجليات الإلهية في الكون كله على ما يشاء، وفيما يشاء الله أن يُسْريها: " قُل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي، لنَفدَ البحر قبل أن تنفد كلماتُ ربي ولو جئنا بمثله مدداً ".

إنّ الاتجاه إلى وحدة القصد بالمباشرة لهو الذي يجعل من القرآن طراوة في النفوس بفضل تأثير أسلوبه على القلوب مهما تطاول عليه الزمن وتداولت على عباراته وكلماته الأيام. ولقد لاحظ المستشرق الفرنسي "ليبون" مثل هذه "الخاصَّة الذاتية" حين قال عن القرآن الكريم:"حسبُ هذا الكتاب جلالاً ومجداً أن الأربعة عشر قرناً التي مَرَّت عليه لم تستطع أن تجفِّف ولو بعض الشيء من أسلوبه الذي لا يزال غضاً كأن عهده بالوجود أمس". كان هذا ذوق باحث أوروبي له صِلة غير مباشرة بالقرآن، وهو مع ذلك يكتشف ما فيه من طراوة الكلمة وحلاوة الأسلوب، على ما مَرَّت عليه من أزمنة ودهور لم تستطع أن تغير في جماله شيئاً. وهنالك آراء توصّل إليها كبار الباحثين الأوربيين حول القرآن؛ لا يكاد المرء لقوتها وعمقها أن يظفر بها في بحوث الباحثين العرب.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

هَلْ هُناكَ تَضادٌّ بَيْنَ الدِّينِ والْعَقْلِ؟ أَو الدِّينِ والعِلمِ؟ وَغَيْرِها منَ الثُنائياتِ التي أَثارَها الحَداثَوِيُّونَ في أَزمنةِ الحَداثَةِ ومابَعْدَها؟

قَبْلَ الاجابةِ عَنْ هذِهِ التَساؤُلاتِ لابُدَّ من تحديدِ المُصْطَلَحاتِ ؛ لانَّهُ بدونِ تَحديدِ المُصْطَلَحاتِ، وَرَسْمِ الحُدودِ، سَنَعيشُ في ضَبابِيَّةٍ عِلْمِيَّةٍ، وَغَيْبُوبَةٍ تامَّةٍ عن حَقائِقِ الاشياءِ.وكانَ اسلافُنا يَهتَمُونَ برسمِ الحُدودِ وابرازٍ الفروقِ بين الالفاظِ والمُصطَلَحاتِ، وقد اهتمَّ القَرافيُّ احدُ فقهاء المالكيّةٍ بهذا الامر فأَلف كتابه (الفروق) .

العقلُ هو قُوَّةُ التَّمييزِ، التي من خِلالِها نُدرِكُ التَّمايُزَ بينَ الاشياءِ . والعقلُ هذِهِ المَلَكَةُ التي من خلالها ندركُ الاشياء، ونحكم على الاشياء على اختلاف الاراءِ في كونِ العقلِ مُدرِكاً للأشياءِ ام حاكِماً عليها؟ فَذَهَبَ المُعتَزِلَةُ الى أَنَّ العقلَ مُدرِكٌ وحاكمٌ، وقال الاشاعرةُ: ان العقلَ ليسَ مُدركاً ولاحاكِماً، وقال: الماتُريدِّيّةُ : أَنَّهُ مُدرِكٌ لاحاكِمٌ .

الْعَقْلُ هوَ هذهِ المَلَكَةُ التي تُدْرِكُ الأشياءَ وتَحكمُ عليها، والتي تدركُ الحُسْنَ والقُبْحَ في الاشياءِ . العقلُ ماعُبِدَ بهِ الرَّحمنُ واكتسبَ بهِ الجِنانُ . هذا العقلُ الخالِصُ غيرِ المتأثِرِ بالاحكامِ المُسبَقَةِ، وغيرِ الخاضعِ لضغطِ الشهواتِ، وغيرِ المتأثِرِ بالثقافاتِ، هو الذي يقولُ: هذا حَسَنٌ، وهذا قبيحٌ . هذا العقل واحدٌ لايتعارضُ مع الدين الواحد .

التَّضادُّ يَقَعُ بَينَ التَّدّيُّناتِ المُتَعددةِ والتعقلنات المتضاربةِ.

العَقلانيّةُ هي تعقلُن وليست عقلاً، هي رُؤيّةٌ غربيّةٌ للعقل. وهي متعددةٌ وليست لوناً واحِداً . هذه التعقلنات المنفلتةُ هي التي تُضادُّ التَدَيُّناتِ المُشَوَّهَةِ، امّا العقلُ الواحدُ فلايُضادُّ الدينَ الواحدَ .

احكامُ العقلِ واحكامُ التعقلُن

العقل الخالصُ يَحكمُ بقبحِ الشُّذوذِ، ولايعترِفُ بكونهِ زواجاً، ولايُدخِلُهُ في مفهومِ الحُرَّيَّةِ ولكنَّ التَعَقْلُناتِ المُعاصرةً، لاترى فيه قُبْحاً، بل تراهُ حُسناً، وتراه حُريّةَ شخصِيَّةً . هنا التَّضادُّ ليسَ بينَ دينٍ وعقلٍ، بل بينَ تعقلناتٍ مضادةٍ للدين.

البراغماتية حين تبرر اغتصابِ ثرواتِ الشعوب وافقارها من اجل ربح الرأسماليين الكبار، هذا ليس عقلا وانما هو تعقلُنٌ براغماتيٌّ.

العَلمُ والدينُ ليسا مُتّضادّينِ

اوربا التي ثارت بوجهِ كنيستها، وأَبرزت علمانيتها ... في الحقيقةِ، لم يكُنِ الصِّراعِ بينَ علمٍ ودينٍ بل كانَ بينَ تَعلمُنٍ وتّدَيُّنٍ ؛ لان العَلمانِيّةَ في واقِعِها لم تكن عِلماً بل كانت تعلمناً ولم تكنِ الكنيسةُ ديناً بل كانت تَدَيُّناً مغشوشاً .

العلم في مسارِهِ لهُ مراتبُ، منها الفروض، والنظريات والقوانين، وكلها قابلةٌ للتبديلٍ والتعديلٍ والتحوير. هذه المراتب في مسارٍ العلمِ لاأُسميها علماً بل اطلقُ عليها "تعلمُنات" ولكن حين يصل العلمُ في مساره الى الحقيقة هنا يصل في مساره الى العلم . الحقيقة هي العلم وماقبلها تَعَلمُناتٌ في مسار العلم . فالعِلمُ (الحقيقة العلمية ) لايمكن ان يتصادم مع الدين الواحد، بل المصادمةُ والتضادُّ بين تعلمناتٍ وتديناتٍ.

العلمُ والعقلُ والدينُ مصدرُهما واحد

لايوجد صراعٌ وتَضادٌّ بين العلمِ الواحدِ والعقلِ الواحدِ والدينِ الواحدش ؛ لانَّ مصدرَ الثلاثةِ هو الله الواحد . الحقائقُ لاتتضادَّ ولاتتصارع، انما تتصارع الاهواء والميول المختلفة .

وفي الختام: ان التضادَّ ليسَ بينَ دينٍ وعقلٍ وعلمٍ، وانما هو بين تديناتٍ مختلفةٍ، وتعقلناتٍ متباينةٍ، وتعلمُناتٍ متغايرةٍ .

 

زعيم الخيرالله

 

 

ما لم تكن هناك معطيات علمية ومعطيات سياسية مستوفية، فأن المنطق يشير الى صعوبة الحسم في الرأي، وخاصة في موضوع مهم وخطير جامع شامل مؤذي للبشرية. ومن هذا، لا ادخل بوابة العلم البيولوجي والبكتيري والجرثومي والفايروسي، وذلك لعدم كفاية المعطيات من ناحية، كما وإن العالم ما تزال مختبراته تبحث في الأمر. أما معطيات علوم السياسة في هذا الموضوع، على الرغم من ان الكثير من الذين يعتقدون بمنهجية المؤامرة في التحليل، فهي مؤشرات فكرية وسياسية - سلوكية يمكن إخضاعها لتحليل علم السياسة وكما يأتي :

أولاً- كان (دونالد رامزفيلد) وزير الدفاع الأمريكي الأسبق قد اطلق تعبيره الشهيرعلى أوربا حين ترددت عن تلبية الدعوة الامريكية الى شراكة إستراتيجية بعد إرهاب برج التجارة العالمي والتخطيط لوضع افغانستان ومن ثم العراق في قائمة الاستهداف، بأنها القارة العجوز، بمعنى انها غير القادرة على الحشد، لأن معظم سكانها من كبار السن، وهؤلاء مستهلكين وغير منتجين حسب قوانين السوق الرأسمالية - وذلك لأن القيمة الأنسانية مفقودة في عروض التسويق الغربية - . وشدد على ان موضوعة الحرب تعد احد اهم الوسائل التي تقلص من الكثافة البشرية التي لا تتناسب مع طبيعة وكمية مستحصل الانتاج، وانه من الصعب اعتماد فئات معينة في العملية الانتاجية، بمعنى ان هذه الفئات المسنة باتت عبئاً على الدولة الرأسمالية المنتجة.. ثم لا احد ينسى كيف استخدمت امريكا لقاح (العقم) على انه لزيادة الإخصاب لنساء في امريكا الجنوبية، وخاصة نساء الهنود الحمر.!!

ثانياً- وتساوقت هذه المفاهيم مع نظريات سابقة تحدث عنها (مالثوس) وهو مفكر غربي وضع نظرية الابادة وجوهرها التبريري ان سلة الغذاء والزراعة باتت لا تكفي الاعداد المتزايدة من السكان وعليه يتوجب اقامة التوازن واحدى وسائل التوازن هي الحرب. ويتضح من هذه المقولات ان الغرب الرأسمالي لا يعير اهمية للبشر ولا للأنسانية بدليل انه يفتعل الحروب من اجل تصريف انتاج السلاح . فجائحة كورونا باتت مهلكة للبشرية. والرأسمالية وشركاتها العملاقة الخاصة بصناعة الادوية تحتاج الى تصريف منتجاتها ومستلزماتها الطبية، كشركات تصنيع السلاح عابرة للقارات التي تفتش عن اسواق لتصريفها – والتصريف هو افتعال الحروب في مناطق الاشتعال في العالم كالشرق الاوسط واسيا والبلقان على وجه الخصوص - وان شركات النفط معنية باستنزاف الموارد في مناطق النفوذ وتأمين الخزين الاستراتيجي للدول الغربية ومنها الولايات المتحدة الامريكية . هذه الشركات كلها هي التي تحكم امريكا، فالرأسمالية شركات وبيوتات مال وبنوك تحميها جيوش وتديرها ادارة مكلفة بالتنفيذ .

ثالثاً- وهنالك اشارة تطرق اليها الصهيوني (مناحيم بيغن) بشأن معهد وايزمن الذي اعلن بأن نسبة الولادات بين الفلسطينيين تزداد معدلاتها وهي كثافة مخيفة حسب تعبيره اذ تصل 2،7% وان الاسرائيليين نسبة الولادات لديهم 2،3%، وهذا يعني ان اليهود سيكونون اقلية خلال عشرين سنة .. والاشارة هنا الى الدعوة لإبادة الفلسطينيين في حروب او تهجير قسري او تجريف. وهذا ما دأبت عليه سلطات الاحتلال الأسرائيلية المحتلة منذ عام 1948 ولحد الآن . فالنظم الرأسمالية لا تخرج عن نطاق مفاهيم الحروب والتحكم بمصائر الشعوب والسيطرة على ثرواتها منذ ان حل الاستعمار وتربعت على ارثه الاجرامي الامبريالية التي هي اعلى صورة للأستعمار القديم في العالم . وكما حلت الابادات ضد الانسانية في افريقيا وفي البوسنة والهرسك تحل في الوطن العربي وخاصة في سوريا والعراق تحت يافطة واسعة من المفاهيم والمبررات .

رابعاً- في زمن (جائحة كورونا) الراهن تكشفت نزعة الأنا الرأسمالية المتضخمة التي اتخذت في بعض اوجهها قرصنات في عرض البحار يتم الاستيلاء على شحنات الطوارئ الطبية ومستلزماتها العاجلة الانسانية .. واخضاع الطلبات الانسانية المستعجلة والمرتبطة بأرواح البشر الى المناقصات الربحية، فضلاً عن نكث البعض لتعهداتهم وإلتزاماتهم في صفقات توريد السلع الطبية وتحويل سير السفن للذي يدفع اكثر وزيادة اسعارها وهي اساساً للضرورات الانسانية في ايطاليا واسبانيا والمانيا. واغلقت هذه الدول على نفسها ولم تستجب لا للعامل الانساني ولا للعامل الأخلاقي لدرجة لم تعد للروابط والاتحادات من معنى سوى معنى واحد هو الأقتصاد والكل متهالك على الاقتصاد حتى لو سحقت الشعوب وابيد البشر.. ولم يلمس دافع واحد للتعاون الجمعي على الرغم من ان الجائحة الكارثة تقتل الجميع بدم بارد. وإذا ما استجاب بعضهم فهو للدعاية. ولم يتحدوا في المختبرات ونتائج التجارب وتبادل المعلومات والخبرات والخبراء، ولم يجمعهم مجلس عالمي للطوارئ وظل العالم مجرد (كانتونات) وحجر صحي وصفقات، وعدم تقدير الموقف الصحيح في مسائل الحظر والانفتاح والعكس تزايد موجات قادمة بكثافة نتيجة الاستهتار بقيم المجتمعات ووجودها. والغريب في الامر، ان بعض الدول تعتقد بأن وفياتها لا تشكل إلا نسبة ضئيلة إذا ما قورنت بالخسائر الاقتصادية .. والبعض الاخر يرى ان خسائر مليون انسان يعد لا شيء إذا ما تمت المقارنة بعدد السكان الذي يصل الى (مليار ونصف المليار) . ولكن الخسائر البشرية تكون فادحة اذا فقد ذلك البلد نصف مليون وتعداد سكانة خمسة ملايين نسمة. هكذا بدأ الغرب وبعض الدول الكبرى والاقليمية تفكر، فيما عمل الغرب على نزع اجهزة التنفس الاصطناعية من كبار السن انتزاعاً وتقديمها لفئات عمرية اقل سناً، وذلك بدعوى ان هذه الاجهزة قليلة ومن باب أولى إسعاف الاصغر وترك المسن لمصير الموت المؤكد - لأنه مُستَهْلِكْ وغير منتج في بنية النظام الرأسمالي- . فهل ان هذه النزعة هي انسانية وهل يقبل بها العقد الاجتماعي وهل تقبل بها نواميس السماء.؟

خامساً- تدعي الدول الغربية وفي مقدمتها امريكا بأنها تفاجئت بوباء شرس بلغ مرحلة الابادة، واخذت تلوم غيرها لحد الشك والاتهام بالتستر والاخفاء المتعمد، ولكن اين امكاناتها وقدراتها وطاقاتها وتخطيطاتها الاستراتيجية وتوقعاتها وسيناريوهاتها، هل تبخرت امام خطر صغير لا احد يراه بات يهدد البشرية بالفناء بحيث اصبحت كل مختبرات العالم وعلماؤها اقزام امام هذا الصغير المتخفي.؟ فلماذا لم تستعد الدول العظمى والكبرى وغيرها لهذا الوباء ما دامت تعرف عنه وعن سلالاته وسلوكه وتطوره وقدراته الخارقة على الاختفاء والإيهام ومنذ ما قبل وباء (سارس) الذي ظهر عام 2012، ثم لماذا لم تدرس احتمالات ظهوره بطفرات جديدة، ليتم التهيؤ لها دراسة واختباراً واستعدادا.؟

سادساً- الآن، ظهر دافع تصدير الازمات المستعصية الى الخارج لإيجاد الحلول لها أو لإسكات الاصوات المطالبة بالحقيقة أو العمل على مخرجات نظرية المؤامرة وخلط الاوراق بأن ما يجري هي حرب عالمية ثالثة تسمى حروب السلاح الفايرولوجي المقترن بعامل الصراع (Geo- economy)، وليس (Geo-policy) .!!

سابعاً- ما يجمع اوربا على قاعدة العمل المشترك كان التكامل الاوربي ووحدة اليورو من اهم العوامل التي غابت عنها النظرة المشتركة للتحديات والمخاطر المشتركة. أوربا ترى مخاطر في مناطق العالم المختلفة واخطرها في منطقة الشرق الاوسط / توسعات وتهديدات وصواريخ واسلحة غير تقليدية يتم التلويح بها/ ومع ذلك، فأوربا منقسمة بين صامت ومتحدث عن سلطة المصلحة الاقتصادية المنفردة وليس في ظل سلطة المصلحة الاوربية العليا. / إذ ليس هناك تضامن حقيقي مالي ولوجستي يتعلق بالأزمات وحالات الطوارئ/ وان ترسبات عدم الشعور بالتحديات الخارجية يفتح الباب على اوربا بتدفقات الهجرة الملغومة بالأرهاب والارهابيين وبالوباء المستشري. ومع ذلك ما تزال اوربا تتمسك بـ(الأقتصاد) مع اخطر بؤرة في الشرق الاوسط .

ثامناً- ان اخطر ما يعرض الكتلة الاوربية هو ان تشعر احدى دولها بأن بقية اعضاء الاتحاد او بعضها قد تخلوا عنها، هنا يبدأ الشعور بالإنفصام بين السياسة والواقع، وخاصة اختفاء قاعدة جوهرية يسمونها اجراءات السلع اللوجستية في زمن الحرب. هذه القاعدة يبدو انها قد اختفت في زمن الجائحة المستشرية في العالم .

تاسعاً- الكل الان يبحث عن مخرج منفرد، والإشكالية عامة خطرة. فكيف يمكن ان تكون الجهود الانفرادية مثمرة حين تكون تعمل بين جدرانها المحدودة دونما انفتاح على جهود ونتائج المختبرات الاخرى التي يجب ان تعمل كفريق واحد وتحت قيادة مركزية واحدة قادرة على صنع القرار في زمن تتهدد فيه البشرية من على سطح الأرض؟، اما الدخول في حروب جانبية واتهامات سياسية دون قرائن وادلة علمية، والوباء العالمي يحصد البشر ويزداد بموجاته المتطورة، فهو الغباء السياسي والهراء الاخلاقي اللذين تفرزهما الرأسمالية العالمية في كل مرة تمر بمأزق وركود وكساد بعد سلسلة من الحروب .

 

د. جودت العاني

24/04/2020

 

 

عبد الله الفيفيإذا رأيتَ المرءَ يأخذ عن مصدرٍ واحدٍ بكلِّ ما فيه، ويرفض من مصدرٍ آخَر كلَّ ما فيه، حتى ليوشك أن يقول: "أنا الحقُّ، والحقُّ أنا"، فاعلم أنه قد تُوُدِّع منه؛ لأنه لا يتبع الحقَّ، بل يتبع الهوى، أو الإديولوجيا، أو السياسة، وأنه خروفٌ من قطيع، يمضي مع قطيعه في سِربٍ واحدٍ، في اتِّجاهٍ واحد، وإنْ إلى حيث ألقت أُمُّ قشعم؛ لأنَّ طالب الحقِّ- كما قال (مالك بن أنس)- يأخذ من كلام كُلٍّ ويَردُّ، لا يأخذ فقط، ولا يردُّ فقط.

-2-

وإنْ كان لا بُدَّ من موتنا، فاسبقوني

إلى الموت، كي تحملوني..

وتستقبلوني!

خذوا زوجتي معكم وخذوا أُسرتي..

وجهاز القلق..

ولا تُنشئوا أيَّ حِزب هناك!

ولا تأذنوا لقُدامى الضحايا بأن يسكنوا معكم!

ولا تسمحوا للتلاميذ أن يسرقوا دمعكم!

ولا تفتحوا صُحفًا للحديث عن الفرق بين الحياة على الأرض أو تحتها!

ولا تسمحوا للمعارضة المستبدَّة أن تتساءل عما رفضتُ التساؤل فيه!

أنا الموتُ.. والموتُ لا ريب فيه!

هكذا عبَّر (محمود درويش)- بلسانه الصدَّاح- على لسان نموذجٍ بَشريٍّ من هؤلاء، في قصيدته "مختارات من خطاب الديكتاتور العربي"، ضمن "خطاب القبر". ولئن سلَّم أحدهم بأن الموت آتٍ لا محالة مهما عُمِّر، فإنه ليطمع في الاستبداد بالآخَرين حتى بعد الموت.

-3-

في كتابه "ما بعد الربيع العربي: كيف اختطف الإسلاميُّون ثورات الشرق الأوسط"، يُشيد الصحفي الأمريكي (جون آر برادلي)(1) بـ(تونس) ما قبل الثورة، لا ما بعدها. لكن ما معاييره؟ قائمة طويلة ممَّا أسَّس لها (المجاهد الأكبر)، معظمها يُعَدُّ مرذولًا أخلاقيًّا واجتماعيًّا حتى في الغرب نفسه. وهذا نموذجٌ للنفاق الغربيِّ في النظر إلى الثقافات الأخرى.

قال صاحبي: هناك من يعتقد أن خَلْعَ الثقافات والعقائد عملٌ مسرحيٌّ سهل، يَدَّعي نظريًّا التقدميَّة والحُريَّة المطلقة وبلا حدود، وهو في الواقع بنقيض ذلك. غير أنك ستجد في المقابل فلسفةً جديدة، ربما صارت مذهبًا، تدلُّ على مدَى الانحطاط القيمي، وإنْ باسم الدِّين. تتجلَّى، مثلًا، في ضُروبٍ من الحجاب، أصبحت تكتنفها الشبهات، في تقليديَّة شكلانيَّة، تبعث على المراجعة؛ من حيث لم تعد تدلُّ بالضرورة لا على الدِّينيَّة ولا حتى على الأخلاقيَّة. وأزياء الشعوب في عمومها لها صِلَةٌ بالثقافة والبيئة والشخصيَّة والهويَّة. الأصل فيها أنها محايدة في علاقتها بطاقات العقل نفسه، وأنَّ أثرها نِسبيٌّ في الحركة والعمل والعطاء الإنساني بآفاقه المختلفة، ولا علاقة بين ما يلبس الإنسان وبين مَلَكاته الفكريَّة، أو بين ما يَضَع على رأسه وقدراته العِلميَّة، أو بين السَّتر والتعرية وقابليَّات الإنجاز والعمل. هذا إلى تبعيَّةٍ ثقافيَّةٍ وقيميَّةٍ للآخَر، أيًّا ما كان ذلك الآخَر، الذي تُصبِح قِيَمُه نموذج الرُّقيِّ أو التقوَى معًا، وقِيَم غيره نموذج الانحطاط أو الضَّلال، وَفق عُقَد النموذج الأعلى المركَّبة، التي عبَّر عنها (ابن خلدون)، على طريقته. بَيْدَ أنَّنا بين التخلُّفين المذكورَين سنجد نموذجَين لا يحملان العُقَد نفسها. نموذجًا إسلاميًّا شرقيًّا، لم يَجِد تلك العُقدة التي وجدها العربيُّ المعاصر حيال اللباس، ونموذجًا غربيًّا، لا يحمل عُقدة الدُّول الأوربيَّة، ذات التاريخ العنصري ضِدَّ الألوان والشعوب والثقافات، هو نموذج (الولايات المتحدة الأميركيَّة)، ولاسيما قبل الحادي عشر من سبتمبر، حيث ظلَّ للمرأة أن تلبس ما شاءت، أو أنْ لا تلبس ما شاءت، ترتدي حجابها أو لا ترتديه. على أن (باب سَدِّ الذرائع) ربما أصبح عالميًّا في بعض الحالات؛ بمعنى منع شيءٍ خوفًا من وقوع شيء، أو التذرُّع باحتماليَّة وقوع ما لا تُحمَد عُقباه لمنع الحُريَّات الشخصيَّة ومصادرة حقوق الإنسان. ولحُسن الحظ أن أبوابَ أخرى لمَّا تُعَوْلَم بَعد!

غير أنك- كما يقول كاتب هذا المقال: أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيْفي- سترى التيَّارات جميعًا في كلِّ زمانٍ ومكانٍ واقفةً سَدًّا ضِدَّ حُريَّة التغيير، الذي يُهَدِّد مصالحها الماديَّة والمعنويَّة، وستجدها كلَّها لذلك تلعن ما تسميه "الفِتنة"، لتُطَوِّب السُّبات العميق على ما سَنَّه الآباء. وأعداء الحقِّ دائمًا يلوِّحون بفزَّاعة "الفتنة": "لا تَفْتِنَّا!"، "أَلَا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا!" وكلُّ الأنبياء والمصلحين والمفكِّرين والمغيِّرين: مُثِيرو فتنةٍ نائمة، بالضرورة. كلُّ أولئك أثاروا الفِتَن بهذا المعنى؛ لأن ما من ثورةٍ حضاريَّةٍ سُكونيَّة. ومَن يتذرَّع بعدم إيقاظ الفتنة النائمة، في هذا السِّياق، إنما يتذرَّع بعدم إيقاظ الأُمَّة/ الأَمَة النائمة، خوفًا من خفافيش ظلامٍ أن تنشر فيروسًا كونيًّا، "فَشَرَ" (فيروس كرونا المستجد) مقارنةً به!

-4-

اطلُبُوا العِلْمَ، ولَوْ في (الصِّيْنِ)، هِيْما؛

إنَّ كُلَّ الطُّـرْقِ تُـوْدِيْ صَوْبَ (رُوْما)!

***

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيـْفي

....................

(1) ترجمة: شيماء عبد الحكيم طه (القاهرة: كلمات عربية، 2013).

 

 

عامر عبدزيد الوائليإن التمييز بين "نحن" و" هم " كان يجري التعبير عنه بمفاهيم من نوع " صورة العدو " و" الآخر " وهذه المفاهيم تعود إلى الدراسات الاجتماعية والنفسية، والى الدعاية والتعبئة الجماعية فى الحروب وغيرها من حملات العنف.

إما بالنسبة إلى مفهوم " الآخر " فان من أسهل طريقة لتعريفه هي القول إن " الآخر " مختلف بشكل أساسي عن " نحن " وبالنسبة إلى أرسطو فإن الآخر المستبعد هو الغريب، الذي لم يتمكن من استخدام وفهم اللغة المشتركة (اليونانية). ونتيجة لذلك أصبح البربري هدفا للمطاردة، أي أصبح عبداً.

وهناك الكثير من الدراسات المعاصرة حول المفهوم لكن فى النهاية فإن الأخر هو تعبير عام "هم " من حاصل أنت الغريب. وهكذا فإن أنا وأنت الحميمة يشكلان "نحن" بينما يتشكل "هم " من حاصل أنت الغريب. (يلهو هارلي، مفهوم ومواريث " العدو فى ضوء عملية التوحيد والسياسة الأوربية، صورة الآخر العربي ناظراً ومنظوراً إليه ، 1999م،  ص4-55)          

أولاً: تحديد العلاقة مع الآخر" الغرب والإسلام ":

إما في تحديد العلاقة مع الآخر من خلال توصيف " الغرب والإسلام"؛ هي عبارة لا تبدو قديمة في تبيان تلك العلاقة مع الآخر فهي عبارة طارئة نقلت إليها بالترجمة الحرفية من اللغات الأوربية. ليس هناك في النصوص القديمة بمثل هذا التعبير، أما النصوص الحديثة التي ترجع إلى بداية القرن الماضي على الأكثر فمن النادر جدا العثور فيها على هذا التقابل بين “الغرب” و“الإسلام”. ذلك أن العبارة التي برزت في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن، في الخطاب العربي الإسلامي، هي عبارة ” الإسلام والنصرانية” وذلك في إطار المقارنة بين موقف كلٍ من الإسلام والمسيحية من العلم والعقل الخ.. (قارن مثلا: كتاب محمد عبده: “الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية)

وهذا التحديد يلغي التوصيف العقائدي أما تحديد يأخذ تحديد الجهات مثل "الشرق والغرب"فهو توصيف ظهر حديثا مع الحداثة الغربية، على الرغم من أنّ التراث الديني استعمل توصيفات مماثلة كما جاء في القران الكريم “ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب” (البقرة 177)

فإن اصطلاح “الغرب” Occident, West أي الدول الغربية، و”الشرق” Orient, East بمعنى الدول الشرقية، وهما معاً مترجمان من اللغات الأوربية التي ميزت في هذا الأخير بين الشرق الأدنى والشرق الأوسط والشرق الأقصى، وذلك بحسب القرب والبعد عن أوربا.

فهذا التوصيف له مرامٍ استشراقيه غربية في تجزئة العالم الاسلامي ومنحه توصيف يتجاهل الهوية الجامعة سواء أكان إسلامياً أم عربياً.فهناك توصيف يراعي التميز بين الغرب كجهة موحدة مركزية ويقابلها شرق ويعمل على تصنيفه اذ تجلى هذا في (المعاجم الأوربية المعاصرة يتم التمييز بين “الغرب”occident كجهة جغرافية وبين “الغرب” Occident (بحرف O الكبير للدلالة على العلمية) مثل مصطلح جيو سياسي الذي يطلق على:

1) “جزء العالم القديم الذي يقع غرباً في الإمبراطورية الرومانية”.

 2) أوربا الغربية والولايات المتحدة، وبكيفية عامة الدول الأعضاء في الحلف الأطلسي

3) بلدان أوربا الغربية والولايات المتحدة تحديداً، وقد تختص بهذا المعنى كلمة West (Ouest بالفرنسية) …(محمد عابد الجابري، الغرب والإسلام 1- الأنا والآخر… أو مسألة الغيرية)

وقد تأخذ هذه العلاقة مع الآخر بعداً غير واقعي بل تخيلي اصطناعي فهناك كثير من الصور النفسية اسقطها الآخر (الغرب) على الشرق الاسلامي هي مجردة من الحقيقة بل مختلقه اذ يرتبط اختراع الآخر؛لأن الخطاب حول الآخر هو بالأساس يعد خطاباً حول الاختلاف.(فإن التساؤل فيه ضروري حول الأنا أيضاً، ذلك أن هذا الخطاب لا يقيم علاقة بين حدين متقابلين، وإنما علاقة بين آخر وأنا متكلمة عن هذا الآخر)(الطاهر لبيب، صورة الآخر العربي ناظراً ومنظوراً اليه ، 1999م، ص 21.)

فإن تحديد العلاقة بين الأنا والآخر على الرغم من بعدها التاريخي والسياسي إلا إنها كانت علاقة غير مفكر بها تبدو مضمرة لكن الدراسات المعاصرة في مجال الخطاب هي من اتاحت لها الظهور من خلال بحثها في تلك العلاقة وارتباطها بالهوية والاختلاف من خلال البعد الظاهراتي الذي أخذ تحولاً يراعي الجوانب النفسية في كشف صورة الآخر، وهذا ما يمكن ملاحظته في (اختلاف بين السياقين الوسيط والحديث في العلاقة بين الأنا والأخر، إنما يعكس اختلافاً جلياً في صورة الآخر في الثقافة العربية، وفي مجال الآخرية، فإن كان مجال الآخرية في السياق الحديث قد اختزل في الغرب وحده، فإن مجال الآخرية في السياق الوسيط كان متشعباً ومتعدداً وممتداً بامتداد المعلوم من العالم آنذاك.)(نادر كاظم، تمثلات الآخر، 2004م، ص 15.) فان التصور عن الآخر كما قلنا هو فعالية نفسية مثلما هي سياسية تحاول ان تمنح الآخر توصيفاً او تنميطاً وهو قد يكون سلبياً او ايجابياً، وعلى الرغم من انه قد يكون سلبياً وقد ظهرت كثير من الدراسات كشفت عن علاقة الغرب المستعمر بالآخر وهي دراسات تدخل في نطاق يهتم بدراسة الاستعمار الكولونيالي، وما يحمله من تنميطات هومي بابل (Homi K.BahBah) فهو يرى أن المستعمر يميل إلى تنميط المستعمر، من خلال وصفه بصفات ثابتة ومبالغ فيها، ويحرص على تكرارها، مثل وصف المستعمر بالوحشي والانحراف الجنسي. (فاطمة حمد المزروعي، تمثلات الآخر في أدب قبل الإسلام، 2007م، ص 49.) من هنا نستطيع الاستدلال على طبيعة العلاقة " الغرب والإسلام "، لها كثير من المضامين الايديولوجية والنفسية والوجدانية بل تركت أثرها في كثير من الصور النمطية في تصوير كلٍ من الطرفين احدهما للآخر وهذا جزء من علاقة الصراع الطويلة بين الطرفين في أثناء العصر الوسيط وحقبة الاستعمار ، شكلت حضوراً وراسب عميق في الخطاب الجمعي بكل حمولاته المعنوية.اذ نستطيع ان نعرض الى تحولات تلك العلاقة وتحولاتها.

ثانياً: إن جدلية العلاقة بين الأنا والآخر:

من أجل تحليلها نجد أنها تحتوي على مضامين الأيديولوجية سواء أكانت صريحةً أم مضمرةً، إذ تكتنز علاقات تقوم على القوة، وبالآتي فإنه يقودنا الى اكتشاف عنف رمزي؛ لأنه يحاول أن يفرض دلالات معينة، على الآخر انطلاقاً من ادعائه شرعية ما، يحاول من خلالها اخفاء او ضمر علاقة القوة تلك، لكن تبقى تلك القوة تحمل طابعاً رمزياً.

تولدت بأشكال متنوعة من قبل الآخر الذي فرض ثقافة ولغة بوصفها تحتكر معنى العلمي والحداثي وبالآتي الانساني بقيمة المعاصر وبالآتي؛لكي يكون الآخر غير الغربي من ضمن حدود المنظومة الانسانية العربية التي تدعي الكونية، لابد أن يتكلم اللغة نفسه وينتمي الى منظومة القيم الانسانية نفسها.فان هذه المعرفة التي تدعي الكونية هي يقينا محدودة الموقع وكل معرفة هي منشأة إنشاء فالمعرفة الاوروبية في العلوم: (الاجتماعية والإنسانية والطبيعية)وفي الآليات الفكرية لها موقع جغرافي كان يمثل مكان النشأة الخاص بها مرتبط بإشكالية أوروبية معرفة وإيديولوجيا إذ المعرفة الأوربية الاستعمارية بكل ملحقاتها التاريخية السياسية والأخلاقية فهي وليدة هذه القوالب الكونيالي للسلطة كما صور بورديو إن علاقة القوة هي التي تعيّن دائماً حدود فعل قوة الإقناع التي يمتلكها النفوذ الرمزي.(يبيو بورديو، العنف الرمزي، ترجمة، نظير جاهل، 1994م، ص 35.) من هذه المقولة نجد أن المعرفة الغربية تمتلك منظومة غرفية للتصنيف الاجتماعي هي التي اخترعت النزعة الغربية كما تجلت بالاستشراق والتميز بين جنوب أوروبا عن مركزها وعلى مدى هذا التاريخ الطويل أعادت رسم خارطة العالم على أساس: (عالم أول وعالم ثانٍ وعالم ثالث) أبان الحرب الباردة إن اماكن اللا –فكر (أي اماكن الأسطورة والأديان غير الغربية والفولكلور)، والمناطق والشعوب التي تنطوي على التخلف قد استفاقت اليوم من عملية التغريب التي طال أمدها بعد ان تم اختراعها بوصفها anthropos))، بوساطة موضع تلفظات عرف نفسه بنفسه باعتباره (humanitas)، والآن فإن هناك اتجاه خارج الفكر الغربي من العالم الثالث لم يعد يطالب بالاعتراف به من طرف اوروبا بإدراجه في الانسانية، وقد تنوعت الثقافات التي احتكرت التمثيل الكوني الانسانية وما بعدها بمجرد خطابات محلية من هنا تاتي ضرورة مراجعة نقدية للآخر ومعرفته،(فإنّ عمليّة التحكّم في المعرفة لن تُدعى إلى المساءلة.ومن أجل أن نضع التأسيس الحديث/الكولونيالي لعمليّة التحكّم في المعرفة، موضع سؤال، من الضروري،أنْ نركّز على العارف بدلا من التركيز على الشيء المعروف. وذلك يعني أن نذهب إلى الافتراضات الحقيقية التي تشدّ موضع التلفّظات.). (والنرد. منيولو، العصيان المعرفي، التفكير المستقل ولحرية الدو-كولونيالية، موقع مؤمنون بلا حدود.)

أولاً: كانت التجربة الأسبانية أول لغة تحتكر تلفظ بالكونية وقد نزعت نزوعاً الى نفي الآخر المسلم اذ إسبانيا (الكاثوليكية) الطامحة إلى الوحدة والنقاء الدينيين والمنطلقة إلى قيادة العالم النصراني، ما كانت لتسمح ببقاء المسلمين على دينهم، فبعد التخلص من اليهود، بدأت ماكنة القمع والتنصير و" تفتيش الأرواح" الكاثوليكية تحول أنظارها إلى الأقلية الدينية والعرقية الأخرى على ارضها، وشرعت فور غزو غرناطة إلى تنصيرها قسرياً، وهي العملية التي بدأها رجل الدين المتعصب ثيسنيروس في إقناع المسلمين بالتخلي عن دينهم واعتناق النصرانية، باستعمال الشدة والتعذيب والسجن لإجبار المسلمين على اعتناق النصرانية.(ماثيوكار، الدين والدم إبادة شعب الأندلس، 2013م،ص 14،)، وقد ارتكبت الفظائع بحق المسلمين من محاكم فتيش والتحول الى المسيحية في ظل ضغط الكنيسة وقسوتها وعنفها الرمزي والجسدي يطارد العرب الموريسكية كان عنف رمزي يقوم على محو الهوية الإسلامية وقد تجلى بأشكال متنوعه من منع اللغة العربية وكتابتها في وقت كانت بمثابة ميراث معنوي (الحديث بالعربية كان يعني المخاطرة بجذب انتباه محاكم التفتيش).(اندرو هوتيكروفت، الكفار، تاريخ الصراع المسيحية والإسلام، 2006م، ص 256.) وكان الختان ممنوع كعلامة تميز للهوية لهذا (كانت عقوبة الختان هي النفي الدائم وخسران جميع الممتلكات، وبذلت جهود لتعقب اولئك الذين كانوا يقومون بعمليات الختان) (نفس المرجع، ص262-263.) كانت تلك الاوضاع قد عكست موقفا غربياً عنيفاً وعصابي اتجاه الآخر.

ثانياً: أما في زمن الثقافة الانكليزية والفرنسية وعبر الانكليزية والفرنسية، والألمانية، فهما من شيد الحداثة الصلبة ومشاريع العلوم الانسانية والاستشراق من أجل معرفة الآخر وإخضاعه وهنا يحث أن المعرفة التي تحتكر التمثيل العلمي والشرعية الانسانية والتي ارتبطت بعملية الهيمنة الكونيالية وتحضير الشعوب المتخلفة يظهر (إنّ الافتراض الأساسي هو أنّ العارف متورّط دوماً، على مستوى سياسة الجغرافيا وعلى مستوى سياسة الأجساد، في صلب المعروف، على الرغم من أنّ الإيبستيمولوجيا الحديثة) غطرسة النقطة الصفر على سبيل المثال (قد عملت على إلغاء الطرفين وخلقت صورة الملاحظ المتحلّل من أيّ رابط، الباحث المحايد عن الحقيقة والموضوعية، الذي يتحكّم، في نفس الوقت، في قواعد الاختصاص ويضع نفسه أو نفسها في موقع متميّز من أجل التقييم والإملاء.) (والنرد.منيولو، العصيان المعرفي، التفكير المستقل ولحرية الدو-كولونيالية.)، وقد كانت المعرفة وبخاصة أصحاب النزعة الوضعية بذلوا جهودهم في اعتبار كل فلسفة تكاد تكون ميتافيزيقا ومنها مسائل القيم والحقيقة والجمالية وقضايا الفلسفة النظرية كقضيّة الله وخلود الروح واللانهائية وانقسام العالم ومعنى الحياة فكلها مسائل عدوها ضرباً من العبث مادامت لا تربطها أي اصرة في ميدان العلم، فهي ليست من قبيل المسلمات التحليلية والتجريبية. (ميشيل ماركوفيتش، العلم والايديولوجية، 1973م، ص13.)

وكانت حركات المقاومة في العالم الثالث قد انخرطت في عصيان معرفي ويعمل على فك ارتباط عن سحر الفكر الغربي عن الحداثة والمثل العليا للإنسانية في حقبة الاستعمار أو اليوم بوعود البنك الدولي ووعوده بالنمو الاقتصادي والازدهار في ظل اقتصاديات العولمة المتوحشة. (والنرد.منيولو، العصيان المعرفي، التفكير المستقل ولحرية الدو-كولونيالية). بحيادية وموضوعية يثبت إدوارد سعيد أن الشعوب العربية والإسلامية ليست بما توصف به من تخلف، بدليل مقاومتها العجيبة، ودهرها المستمر للاستعمار، ومع ما سبق كله لم ينادي سعيد بمحاربة الغرب، أو كراهيته، وإنما يدعو إلى فهمه، أولا، ثم مواجهته بما يكفل الحرية، والاستقلال للشعوب المستضعفة.(خالد سعيد، أدوارد سعيد ناقدا الاستشراق، 2011م، ص127.)

فان معرفة الغرب هي الغاية التي يصل اليها خطابنا النقدي، هذا الاحتجاج تنوع في العالم الثالث وفي عالمنا جاء الاحتجاج الاسلامي ليمثل موقفاً نقدياً للآخر،فهو يستمد شرعيته من تراث اسلامي اذ (يركز على المدلول الرسالي للحوار، فهو يعبّر عن قيمة حضارية، إذ هو أسلوب الأنبياء والرسل في التبليغ والدعوة. وبالتالي أحقية هذا التيار في تقديم الإسلام والحضارة الإسلامية للطرف "الآخر". فعلى الغرب،... أن يحاول خوض الحوار مع أولئك الذين يمثلون بجدارة الفكر والثقافة الإسلاميين. أما المتغربون الذين هم في حقيقة الأمر تمثيل ناقص ومشوّه للغرب نفسه، فإن حوار الغرب معهم لا يشكّل ديالوغاً و(حواراً ثنائيًّا)، ليس ذلك وحسب. بل إنه لا يشكّل مونولوغاً و(مناجاة أحادية)، أيضا كما يؤكد على ذلك خاتمي وهو أحد أبرز رموز هذا التيار في حوار الحضارات. (الزهراء عاشور، حوار الحضارات وإشكالية الأنا والآخر في الفكر العربي والإسلامي) وقد اخذ هذا التيار موقفاً احتجاجياً اكثر جذرية في نقد الغرب وتبيان تناهي مقولاته التي تدعي الكلية والشمولية في حين هي تمثل نزوع للهيمنة على مصائر الشعوب ونهب خيراتها والعمل على افقارها.

جاء هذا الكتاب في توصيف حركة الاحتجاج والمقاومة لدى الفكر الاسلامي الحديث والمعاصر إذ تم تناول فكر مجموعه كبيرة من مفكري التيار الاسلامي في هذا الكتاب سواءً في حقبة النهضة أم في التيار المعاصر إذ تم تناول الرؤية النقدية لدى هؤلاء المفكرين وتصوراتهم النقدية للفكر الغربي بروح تحليله وصفة تستلهم فهم ونقد الفكر الغربي من أجل فهم الاخر وإزالة التغريب الذي ترك أثره في كثير من الأجيال التي لم تنتبه الى آليات الآخر في نفي الآخر والعمل على مواصلة أزماته: (الفكرية والمجتمعية والحضارية)على صعيد المنهج والرؤية.

وهذا ما نلمسه في نصوصهم النقدية والمحتجه على هؤلاء الغربيون:

-كان السيد جمال الدين يرى أن للغرب وجهين: الوجه الثقافي والعلمي، حيث يتبلور في العلم والتقدم والحرية والقانون، والوجه الآخر هو الوجه السياسي الذي يتبلور في الاستعمار والسيطرة على الشعوب والدول الضعيفة، فكان يمتدح الأول ويذم الثاني.

- فيما كان رشيد رضا: قد اقترح على العرب جمع قواهم كلها للدفاع عن الإسلام وتصحيح عقائدهم، فجمع بين العمل في ميدان الفكر الإسلامي وبين الإصلاح السياسي لمقاومة الصهيونيين بكل طرق المقاومة، كاشفاً عن وجه بعض القوى التي ظهرت آنذاك، والرامية إلى الاستعانة عن الخلافة العثمانية بخلافة جديدة، معداً هذه الفكرة وحياً أجنبياً من شأنه أن يخدم المصالح الأجنبية العالمية التي تقف وراءه الحركة الصهيونية وبخاصة (انكلترا) التي لا تزال ممعنة في إرهاب عرب فلسطين وانتزاع وطنهم وإعطاءه لليهود الصهاينة قسراً، لتجد لهؤلاء مُلك في قلب البلاد العربية يكون حاجزاً بين (مصر والحجاز وفلسطين)، مما يمنع قيام دولة عربية إسلامية قوية موحدة تقف في وجه الاستعمار الأوروبي.

 

د. عامر عبد زيد الوائلي

 

 

سامي عبد العالالأنا هو الملاذ الأخير للإنسان أمام أي وباءٍ، إذ ينكمشُ صاحبُه معلِّناً بأحد جدرانه- التي يفترض ألاّ تُوجد- أنَّه مغلق للترميم. وحين يسمع خبرَ الاصاباتٍ هنا وهناك، يهرع إلى تحسس أناه في شكل سعال خفيفٍ أو تجريب أنفاسه أو تجنب أي متطفل يحاول الاقتراب. وربما يتخفف الانسان قليلاً من هذا الثقل، فيحلم بزوال الغمة (بطريقة المقريزي" إغاثة الأمة بكشف الغمة")، ليعود إلى سيرته الأولى، وقد يأخذه الأمل متذكراً الأيام الخوالي حين كان يدفع أناه ego كــ "أنف ضخم" big nose في كل شاردة وواردة بين الناس... أين هذه الأيام والأوقات؟!

صحيح الأنا قد يكون مجرد أوهام في أوهام، لكنه إزاء الخطر يتماسك لتخرج الأوهام في شكل أوضاع ملموسة، يدافع عنها صاحبها ككيان هو الجسم الذي هو فيه. أي تصبح المشاعر والأفكار ذات آثار حسية تَظْهر على وجهه أو هيئته مثل المخاوف والهواجس وحتى التوقعات. فلو شعر بالخوف، سيبدو اضرابه وقلقه باديين للعيان، ولو وُضع في موقف محرج، سيبدو ذا وجه خَجِل ويتوارى من الناظرين. كل ذلك لم يكن ليمنع ديكارت في القرن السابع عشر من اعلان أنَّ الفكر أساس الوجود، وليس فكراً حراً من القيود، بل فكراً مرهونا بالأنا (أنا أفكر إذن أنا موجود cogito).

لكن فجأة تحول الأنا أفكر (على خلفية كورونا) إلى الأنا - فيرُوس يُحْذَر منه. البدايةُ ليست فكراً بحد ذاته كما يؤكد ديكارت، بل حضور الجسم بقدرته على ممارسة الحياة والتأثير على نطاق واسع. هو الآن كوجيتو العدوى بامتياز، يطرح دلالة الإنسان الحي بقدر ما يمثل عدوى للآخرين. الأنا هو الحيوان المعدي داخلنا دون تردد وبواقع الحال. صيغة فكرته قد تصبح مبتذلةً: "أنا اُعْدِي، إذن أنا موجود"I am infecting, therefore I am  ، بكلمات أخرى" أنا مصدر العدوى إذن أنا كائن محتمل العزل الصحي" coronavirus cogito. لكنها صيغة تتحاور- فلسفياً- مع أنماط الكوجيتو بمعناه المثالي والأنطولوجي والمعرفي، وتكشف حدود التواصل في المجتمعات الإنسانية وإلى أي مدى تُمارِس سياسات الوقاية من الأوبئة.

إذا اردنا توضيحاً فلسفياً، فهو من ثمَّ كوجيتو بيولوجي biological cogito يعيد ترتيب شؤون العقل والسياسة والعيش والعلاقة بالآخرين. اثبت كورونا استحالة التحكم في الحياة وانعدام الهيمنة على الطبيعة، وفوق هذا وذاك، يصعُب الانغماس في أيَّة انشطة جمعيةٍ. لأول وهلة تكون الجماعة(التجمع – التجمهر – التكدس- الزحام) أشياء خطيرة. الوباء عدو المجتمع رغم أنه يتجه إلى الأفراد، إلى جسمٍ بعينه. وجه الالغاز إزاء مسألة الفيروسات الوبائية: أنَّ تضع الإنسان في احراج تواصلي يبطل قدرتنا على ممارسة الآخرية otherness.

لكن ما هي جوانب تلك الفكرة؟ وكيف يتحول الفرد من الأنا أفكر إلى أنا أُفيرس الآخر؟

المشكلة تكمن في "أنا موجود"I am  ، الأنا حاضر في حضور من هم غير أنا، لأنَّ الوجود الحي أصبح مقدمةً وليس نتيجةً، أصبح وباءً قابلاً للانتشار. الفيروس ينبهنا إلى وجودك ووجودي البيولوجي بالمقام الأول، يجعلك موضُوعاً للحذر والترقب والتربص والابتعاد ويجعلني موضوعاً للابتعاد واتخاذ المسافة الحائلة دون المواجهة المباشرة. وبالتالي ليس فعل الكينونة هو الذي سيجعلك ظاهراً، بل" فعل العدوى" هو الذي سيضعك تحت علامة استفهامٍ. ولأجل الابتعاد عنك وعني يشترط أنْ تخلع كلَّ سمات وجودك جانباً إلاَّ من حدي الحياة والموت. وهما امكانيتان على الحافة الحرجة من وجودنا، والتي قد تتزحزح إحداهما لصالح الأخرى. يومياً نرى أناساً خرجوا من الحجر الصحي إلى الحياة والعكس أناس لم يكن متوقعاً موتهم لكنهم غادروا بسبب الفيروس.

بعدما اجتاح كورونا الكرة الأرضية، لم تعدْ الكائنات الدقيقة إلاَّ على صلةٍ مهُولةٍ، مخيفةٍ، بعالمنا الكبير. علاقةٌ غامضةٌ لدرجة السرية التامة، لا نقول أكثر مما قد ندرك آثارها أحياناً. وليس ثمة انفصالٌ بينهما وبين حياتنا من أقرب نقطةٍ إلى أبعدها، ولسنا في حاجة إلى برهان. الفيروس غير مرئي، بيد أنَّه يجعلنا نُبرر ما نقوم به من اجراءات وأفعال ظاهرة. لقد فرض عمليات عزل للأصحاء والمرضي بتداخل الضوء والنهار على الكرة الأرضية. أي ذهبت حياتُنا الكونية باتجاه انعدام أي تواصل حسي وطبيعي، انتفت الحياة في الوقت الذي لم نمثل فيه إلاَّ أشباحاً عن بعدٍ.

ربما نسي الناسُ أشكال(هيئة – رسم – وسم) بعضهم البعض، لم ير أحدهم غيره منذ فترة ولم يعد أحدهم قادراً على أنْ يقول أنا، لكون أناه سيوضع تحت الحذر على الدوام. فبمجرد أنْ يسمعه إنسان سيتهرب من لقائه، هو مجرد علامة استفهام متحركة بشكل فج. لا ينظر الفرد إلى الفرد سوى من خلال كونه عدوى، سقط كل شيء وبقي الفيروس هو الحاضر أو المحتمل حضوره. بينما الغياب أصبح هو القاعدة التي تعم جوانب العالم كله، الشوارع والمقاهي والردهات والساحات العامة فارغة من الناس. حقاً العالم غائب عن نفسه حتى في وجود البشر بإقامتهم البيتية. والغياب هو الوجود الطافح بالصور والرموز والتلاشي و بجانب التواصل عن بعد. لقد غدا الآخرين بالنسبة لنا موجات صوتية وذبذبات وأطياف تحملها أخيلتنا عبر وسائط التواصل الاجتماعي.

السؤال التلقائي: هل الحياة غدت ممارسة للصمت الكوني، حين تقطعت أوصال وجودنا المشترك عالمياً؟(أي الإقامة المتوارية بغرض الحماية من الفيروسات).

لو تخيلنا هذه العلاقة، فلن تكون غير سرديةٍ مُطولة عالمياً حول وجودنا (هنا والآن) بأي وقت. فالحاضر نوع من المحافظة الصامتة على وجودنا الصحي لأطول فترة ممكنة، كل جماعة تكتب خلاصها بآداب ولياقات التعامل مع الحياة. هكذا تبدأ سطور الفيروسات والأوبئة في الكتابة حول ما كنا وسنكونه غداً. الحقيقة أنَّ الزمن أول ما تقطعه الفيروساتُ المعدية وأخر ما تدشنه في كل مرة تجتاح الأرض. أي هي تعيد الحياة كحاضر دوماً إلى سيرتها المبكرة، فالفيروس يكمن ويعيش ملايين السنيين دون أن يموت ولا يحياً إلاَّ بظروف مواتية ستأتي يوماً ... وها قد أتت بجحافل العدوى نتيجة كورونا ومشتقاته. هذا المناخ العام من الرعب إزاء انتشاره على نطاق واسع يجعلنا لا نتصور ظروفاً طبيعية فقط قد هيئت له، لكنه يجول ويصول بأرجاء العالم على خريطة الحياة والموت.

ولذلك الفكرة الأولى أنَّ الفيروسات تعيدنا مباشرة – دون زمن- إلى حالة من احتمال حال البدائية. عودة الحياة البدائية إلى واجهة أنماط العيش في العالم مرة أخرى. وهنا ربما يظهر مفتتح صفحات كتاب غيابنا المتخيل. لأن الفيروسات تكتب بحروف هي الآثار الدالة عليها. ولم تكُن وحدها هي الظاهرة في حالة كورونا، بل أُضيف إليها تراكم الأفعال البشرية الطائشة التي أظهرت سمات بدائية لا تخطئ الأولى. وتبدأ في إظهار صفحات البشرية التي حبرت بممارسة الاستئثار والابتعاد عن الآخرين والخوف والرعب. رغم أنَّ التعاطف على بعد يبدو هو اللغة الجارية عبر وسائل الاتصال والتقارير الواردة من المنظمات الدولية، فالتقارب مع مسافات الجغرافيا ظهر كما أشرت كعملية تواصل غير مرئية.

الفيروسات لا تعطينا أية فرصة للفهم والاستيعاب، فهي لا تتكلم، هي صامتة بدورها، واللغة التي تتحدث بها هي لغة المرض وانتقال الوباء من مكان لآخر. ودوماً النتائج من جنس المقدمات، فطالما أنَّ الفيروس مرتبط بجسم الحياة داخلنا( لحم الأنا)، فقد خضعنا للمنطق نفسه، هذا العزل الذي أحال العالم إلى مجموعات من لحوم البشر السائبين. وغدت الدول أكمات بيولوجية فيروسية يتهرب مواطنوها من أي مجال عام، لائذين بالبيوتات المنعزلة، لقد ضاقت الكرة الأرضية فجأة وغدت (كهفاً) هو العزل الصحي إزاء العدوى أو خوفاً من تفاقم الحالات المصابة.

بملء الكلمة، انفكت الخرائط الجيوسياسية لعالمنا المعاصر إلى أقاليم، والأقاليم إلى مجتمعاتٍ تلاحقها عدوى الفيروس وتترصدها. برز التاريخ الوبائي للبشر على مساحات متقطعة من أجسام تعبر الحدود، لكنها أجسام كحال كورونا تنقل المرض بسرعةٍ لم تكن متوقعة. ربما لأول وهلة أصبح الجسم هو الخريطة الفعلية لعلاقتنا بالحياة والعالم. تداخل الحياتي والسياسي والوبائي بطريقة غريبة. فلا تستطيع الخروج عن المجموعات المترامية داخل المنازل والإقامات المنعزلة، كل مجموعة تأخذ حذرها طائعة وإلاَّ فالخطر وشيك. أنت عندئذ قد أدرت عقارب ساعتك البيولوجية عند حدود الالتزام بحفظ الجسم دون ملامسة الآخرين. كمن يحفظ أجسام الحيوانات المقطعة في أوعية تبريد تجهيزاً للأكل.

لكن لمن تجهز أجسام الناس في عالمنا الآخذ في(الانكماش)؟! بالطبع ألهبت الأنظمة السياسية آذان مواطنيها بمزيد من التخويف. وتعاملت معهم فرادى باعتبارهم أجساماً قابلة للتحلُّل وليسوا مواطنين بالمعنى الحقوقي السياسي. وكررت بث الرعب من فيروس يحمل المفاجأة بطبيعته الوبائية ونتيجة انتشار صور الضحايا من الصين إلى إيطاليا، ومن أمريكا إلى فرنسا، ومن انجلترا إلى ألمانيا، ومن الغرب إلى الشرق. باتت الدول بؤراً فيروسية تقتات على مساحة التواصل بين البشر، والسبب هو التعامل المرضي- بافتراض أن البشر هم البيئة الخصبة- على لحم الحياة والموت. أي لابد أنْ يجيئ الإنسان بكل مرة تنتشر فيها فيروسات قاتلة كياناً لحمياً ناقلاً للعدوى.

الخوف والرعب يجعلان الإنسان (الأنا أفكر) لقمة سائغة لمآرب أي نظام سياسي، يفقدانه إرادة الرفض والتمرد، كيف يرفض، ولماذا يفكر أو حتى يتأمل ماذا يجري له وهو واقع تحت ضغط أمر يستند إلى حيوانيته المباشرة؟! بل يحيله إلى مجرد عبءٍ حيواني ينتظر الرعاية والطعام والغذاء دون التطلع إلى أي شيءٍ. وقد حاولت الأنظمة المستبدة استغلال كورونا لاختبار قدرتها على ضبط الحياة العامة. تدس القوة واوامر السلطة فيما يخيف الناس من أخبار واحصائيات حول الضحايا واعداد المصابين.  على افتراض أنْ المواطن حيوان قابل لأن يُساس، يُقاد، يخضع للأوامر محققاً ما يراد له من المبيت مبكراً والإقامة الوقائية دون تمرد. شريطة إحاطته بمناخ من الهوس الاعلامي الذي يختلط فيه الحابل بالنابل، الغث بالثمين، الفعلي بالمزيف، ومع اختفاء أساليب الشفافية تسود "ثقافة الضفادع".

حيث يعم المجال العام مناخٌ من النقيق الاعلامي المتواصل والفوضوي من هنا وهناك. والأنظمة تستهدف زيادةَ هذا التشويش، فلا أحد يعرف ما هي المعلومات الحقيقية حول المرض، ولا ما إذا كان وباءً أم لا، وليس هناك من يقول ما يجري بدقة. هكذا حول الفيروس الأجواء الثقافية إلى أبواق دعائية تتراجع للدفاع عن مواقف من الشعوب ومكانتها لا معها. فالدول الأقل ديمقراطية هي التي تعتبر شعوبها قطعاناً من الخراف الضالة التي لا تستحق شيئاً. وبدلاً من وجود فيروس واحد يعربد داخل المجتمعات، هجمت فيروسات التخلف والديكتاتورية وأصوات الجهل على أجسام الشعوب.

والشعار البائن كالتالي: عُودوا إلى الأنا البيولوجي (على طريقة الفيروس)، شريطة أنْ يظل هذا الأنا أو ذاك في نطاقه الحيوي. لأنَّ تلك الدول لا ترى جدوى من مكافحة لفيروس كورونا، إذا انتج فيروس الفكر في الأوضاع السائدة. ولهذا ستكون هذه الدول حواضن جلدية تشحن مراكز الإحساس الحي إزاء أي فكر وعدوى جنباً إلى جنبٍ. ينبغي لك ألاَّ تتساءل، ألا تناقش، نحن مرضى على أَسِرّة الأنا وحسب. ولو ابيح للأنظمة السياسية المتخلفة أن تعلن الأفراح، لفعلت لأنَّ الفيروس يلتقي مع أهدافها القاضية على أي نقاش عام حول ممارساتها.

الفيروس سياسياً يختطف الأنا أفكر لصالح سلطة الهيمنة. يلغي وجودك تماماً، وفي النهاية يجعلنا أرقاماً بين:  شخص مترقب تحت الاختبار أو مصاب، أو مصاب قابل للمعافاة. ليس الفكر ضرورياً، بل المهم أنك أصبحت جسماً ليس أكثر. ولو فكرت مجرد التفكير في أمور السياسة، فإنك ستثير غرائز السلطة المستبدة. والمفارقة أنك كـ "أنا" كنت منذ سنوات مجرد قطيع في شوارع الثورات الربيعية، يتم ترصده وملاحقته لو انخرط في مظاهرات سياسية. لكنك حالياً أمسيت كتلة من اللحم المُعدي، مجرد كتلة مملوءة بالفيروسات، يجب تحاشيك ووضعك في مساحة لا تبرحها. وأنت لست خطراً على نفسك والمحيطين حولك، بل خطراً على كل إنسان محتمل آخر، على الحياة.

لم يعد لكلام الأنا ولا لرمزيته الإنسانية أية جدوى ولا أي تأثير يذكر،  فالمجال العام لا يقبل أي رمز تحرري من نوع ما، الرمز هو الجسم الذي يعكس العدوى أو يقي منها محاطاً بإجراءات هيمنة (سياسية طبية). وبدت الدول قوية بمقدار ما تضبطك إيقاع الاجسام المنعزلة. الدول آلية توزيع لكل مواطنيها ومراقبة الشوارع الفارغة. حظر التجول، المستشفيات المتنقلة، الطوارئ، نشر الكمامات، ضبط الجموع وتذويب نقاط الاختناق الجماهيري. كلها حدود الأنا بيولوجياً فقط، لقد تم سلخ رمزيته وألصقت بالسمع والطاعة إلى حدود العزلة المشبعة بالرعب والخوف. ولحقت ذلك إجراءات التحكم في حركة السلع والغذاء والدواء والانتقال والسفر. إذن وقعَ الأنا في ممارسة الكينونة عند درجة الحس البدائي، ولم يذهب أكثر من ذلك.

 

سامي عبد العال

 

سليم جواد الفهدتأملات في الفكر السياسي الإسلامي (8)

يعد مفهوم (الحاكمية الإلهية) من المفاهيم الاساسية التي ساهمت في التوجيه الفكري لجماعات عديدة من الحركات لإسلامية المتطرفة وعلى الرغم من تعدد المدارس الفكرية في تعاملها مع هذا المفهوم إلا أن دلالاته السياسية تمركزت – في الأغلب – حول رفض الحكم بغير ما أنزل الله واعتبار الحاكم بغير الشريعة الإسلامية حاكماً كافراً والربط بين تحكيم الشريعة وبين أصول العقيدة الإسلامية وارتبط هذا المفهوم منذ تداوله الاصطلاحي على يد (المودودي) و(سيد قطب) بمنظومة مفاهيمية متكاملة وكانت أبرز هذه المفاهيم التي ارتبطت به - في الشق السلبي- هي: (الجاهلية) و(الطاغوت) بمعنى: أنّه إذا غابت حاكمية الله ظهرت الجاهلية وساد حكم الطاغوت. وعلى المستوى الحركي وجهت هذه المفاهيم العمل الإسلامي في قطاعات كبيرة منه في تفاعلها مع الحياة السياسية والنظم القائمة وموقفها منها.

والمشكلة أن مفهوم "الحاكمية" بعيدا عن مسألة تأصيل المصطلح وشرعيته الاشتقاقية قد تمت عملية زحزحته من مدلولاته الشرعية ومساحته المعرفية وتم إقحامه في ميادين أكبر أو إعطاؤه أبعادا دلالية أكثر لينسجم مع ما تريد زمر المتطرفين والمغامرين الإسلاميون الذين هانت عليهم أرواح الناس ودمائهم وادخلوا العباد والبلاد في دوامة من العنف لا أظنها تنتهي في المستقبل القريب.

 وأظن أن المودودي عندما صاغ مفهوم (الحاكمية) غابت عن ذهنه دراسة ظاهرة الدولة وظروف نشأتها كمفهوم بلورته النظريات الغربية الحديثة وما رافق ذلك من بروز لمفهوم "القومية" الذي أدى إلى تغير في بنية النظام السياسي الأوروبي من عصر "الإمبراطوريات" التي تغذت على نظام الإقطاع إلى عصر "الدولة القوميّة" التي برزت مع ظهور البرجوازية وتطوراتها اللاحقة. ولقد أدى هذا الغياب أو تغييب دراسة "الدولة" كظاهرة سياسية تقوم-كما باقي الظواهر-في عالم واقعي وتتأثر بالظروف وتخضع لقوانين التغير التاريخي إلى تبني مفهوم خيالي للدولة وكأنه معطى بديهي وفوق واقعي يتجاوز المعطيات والحقائق التاريخية وقد أسهم هذا التصور اللاهوتي لمفهوم الدولة في إضفاء نوع من القداسة على هذه الصورة اللاواقعية حتى بدت بالنسبة لكثيرين وكأنها ركن من أركان الإسلام وحاجة تفترضها أيديولوجيته وأنه لا وجود للإسلام بدونها.

إشكاليّة تحديد العلاقة بين أركان الحاكمية.

يقوم مفهوم الدولة الحديثة على أربعة أركان هي: "الإقليم والشعب والسلطة والاعتراف الخارجي" إضافة إلى العلاقات التي تنتظم وفقها هذه الأركان في فترة تاريخية معينة وهو الأمر الذي يعني أن الدولة بذاتها متغيرة وليست كيان ثابت مطلق ويصعب وضع تعريف محدد وواضح ونهائي لها إلا في إطار زمني وجغرافي وثقافي معين. والسبب في هذا إن كل ركن من هذه الأركان الأربعة في حالة تغير مستمر ودائم وتتحكم به ظروف دولية تارة وإقليمية تارة أخرى.

أركان الحاكمية هي:

1- الحكم، 2 - نظام الحكم، 3- الحاكم، 4- المحكوم.

الإشكالية تتضمن عدة أسئلة هي:

من هو المؤهل طبيعة وعلما أن يكشف عن حكم الله نصا أو اجتهادا فيما يطرح على الدولة والسلطة من مشكلات الاجتماع السياسي؟

ما هو معيار تمثيل الشعب وكيف يكشف اختلافهم وتنوعهم في التوجهات والآراء والمذاهب والطوائف والفرق والأديان؟

ماهي الأسس التي يعتمدها في مأسسة هذه الكيفية وتلك العلاقة في اجتماع سياسي متنوع يريدون له أن يكون إسلاميا بكل ما في الكلمة من معنى؟

تحليل أركان الحاكمية

أولا: الحكم ويعني الحكم الشرعي المستنبط من (النص الديني) ويعرف الحكم الشرعي عند الأصوليين كالتالي: هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين على وجه الاقتضاء أو التخيير أو الوضع."1"

وهذا التعريف غير دقيق فالحكم الشرعي هو التشريع الصادر من الله حصرا لتنظيم حياة الإنسان. أما (خطاب الله) فهو المبرز للحكم الشرعي أي هو الحامل اللفظي للحكم الشرعي فالقرآن بدأ كخطاب شفوي من الوحي ثم تحول الى نص مكتوب يسمى (المصحف) وتحدثنا في تأمل سابق عن معنى النص وقلنا إن اللفظ ينقسم الى محكم ومتشابه.

واللفظ المحكم ينقسم الى نص وظاهر.

واللفظ المتشابه ينقسم الى مجمل ومؤول.

وهذا التفصيل موجود في الآية (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب) (آل عمرن). (7). ومن هذه الآية يتبرعم سؤال هو: يا ترى ما الهدف وما الغاية من وجود المتشابه أوليس القرآن كتاب أحكام لتنظيم حياة البشرية جمعاء؟ أم هو أحجية لا يفهمها إلا الخاصة من البشر؟

 وقد أسس الفقهاء قاعدة لا يمكن تخطيها وهي أن النص الديني مقدس ولا يجوز النقاش فيه بمعنى أن الاجتهاد مع النص لا يجوز حسب فهمهم للنص وتقعيدهم لقواعده وهذه القاعدة قاعدة أصولية أكد عليها كل منظري الإسلام السياسي بل ومضوا في تكفير القائلين بأن "النص القرآني ما هو إلا نتاج مراحل تاريخية" حيث أن الآيات جاءت في مناسبات وحوادث معينة في زمن معلوم وبتاريخ واضح. ومن المهم أن نبحث هنا في هذا الأساس النظري للإسلام السياسي ونخوض في كيفية تعامل الإسلامويين وجماعاتهم مع النص وبناء المواقف المتشددة عليه اجتماعا وسياسة. وفي الحقيقة لا يوجد أي مبرر منطقي أو عقلي أو حتى تاريخي يمنع الإنسان من أن يجتهد في نصوص وجدت أصلا لخدمته وتنظيم حياته ومن الغريب أن يضع الفقهاء الإنسان في خدمة النص في حين أن المنطقي عند جميع العقلاء هو أن يكون النص في خدمة الإنسان.

وهناك أمر آخر في غاية الأهمية هو أن الإسلامويين قد ركزوا في مناقشتهم لـ "الدولة الحديثة" على مسألة التشريع باعتباره متعلقا بمفهوم "الحاكمية" إلا أن الغريب أن هذا النقاش لم يتطرق إلى مفهوم "السلطة" رغم أهمية متعلقات السلطة في المجتمع من حقوق وواجبات تعم الشعب بالكامل.

يخلط الإسلامويون بغباء بين مسألتين:

الأولى: هي مسألة تنظيم المجتمع.

والثانية: هي مسألة ممارسة السلطة في المجتمع.

 رغم ما بينهما من اختلاف بين وواضح فالتنظيم الاجتماعي حاجة ماسة وضرورية ولا يتخيل قيام مجتمع بدونه ولكن مفهوم "السلطة" الذي يتجلى بالإكراه المشرعن أمر مغاير للبعد التنظيمي فهو يتجاوز المسألة الإدارية إلى مسألة استخدام القوة وإلى مصدر الشرعية التي تجيز استخدام هذه القوّة.

وهذا الخلط بين المسألتين يتجلى بصورة واضحة في الكلام عن ضرورة وجود "السّلطة" لتنفيذ أحكام الإسلام وإقامة شرع الله. فالصورة المستقرة اليوم في فكر الإسلامويين هي أن السلطة هي المسؤولة عن تنفيذ الأحكام وإقامة الحدود. (وقد تنبّه حسن الترابي وراشد الغنوشي إلى هذا الخلط، فقالا بأوضح العبارات إنّ المكلّف بتنفيذ الحدود وإقامتها هو المجتمع، وليس الدولة؛ وإنّ الدولة، بمعنى التنظيم الاجتماعي، ليست إلا وكيلاً عن المجتمع الذي هو صاحب السّلطة الحقيقية والفعلية. وكان حسن الهضيبي قد قارب ذلك المعنى؛ عندما ميّز بين "تحكيم شرع الله" و"إنفاذ حكم الله". ورغم كلّ الجهود التي بذلت للتنبيه إلى خطورة الصّورة النمطية التي ترتسم في أذهان المسلمين حول تصوّر مفهوم الدولة الحديثة إلا أنّ هذه الصورة النمطية بقيت هي السائدة في أذهان المسلمين الأمر الذي يعني أنّ الحاجة ملحّة إلى استكمال هذه الجهود وفق مقاربات أكثر تأصيلاً)"2"

في الآونة الأخيرة ظهر فقيه هو السيد (كمال الحيدري) قد تنبه لهذه المعضلة مما دعاه للقول بتاريخية الحكم الشرعي كحكم المرتد وحكم عقوبة الزنى لإدراكه بأن صيغ هذه الاحكام أصبحت غير مقبولة من قبل اهل الإسلام أنفسهم فضلا عن غيرهم من المتنورين في العالم الذين يرونها بشعة ووحشية ولا تليق بالإنسان المعاصر الذي ينشد الحرية والمزيد منها. ولا اعتقد أن إنسانا لدية بقايا من عقل يؤمن بأن حكم ما-مهما كان هذا الحكم-صالح لكل زمان ومكان. كيف يكون والواقع يتغير باليوم بل بالساعات إلا إذا كنا أموات وحتى الموتى يتغيرون ويتحللون ويصبحون أشكال من الطاقة لها قوانين تتغير حسب العلاقة الفيزيائية والكيميائية. فكيف يريد منا اصحاب عقيدة الحاكمية أن نظل تحت حكم تأويلات لنصوص أنتجها فقهاء قبل 1000عام.

ثانيا: نظام الحكم.

نريد أن نسأل الإسلامويين هل اتفقتم على صيغة للنظام السياسي الإسلامي كلية جامعة ومانعة؟ أم لازلتم تقبعون في قوقعة طوائفكم يكفر بعضكم بعضا ويقتل بعضكم بعضا وينزو بعضكم على بعض كما ينزو الحيوان!؟

فلو آمنا بالشورى السنية لاعترض علينا أتباع ولاية الفقيه الشيعية! وقد لا يكتفون بالاعتراض فقد جرت حوادث تصفية وتكميم أفواه طالت العديد من الحداثيين والعلمانيين والتنويريين في العالمين العربي والإسلامي. فلم تعتمد جماعات الإسلام السياسي على كتبها وحججها وآراءها في ضرورة التمسك بالنص وبالتطبيق الحرفي المتحرر من الزمان والمكان وقيود البحث العلمي والتفسير المنطقي فحسب بل أطلقت يديها في عمليات ردع وتصفيات جسدية ومعنوية بحق رموز التيار العلماني العلمي المخالف لها بالتفسير والتوجه. وما تراه من قبولهم بالنظام الديمقراطي - على مضض-هو تكتيك سياسي مرحلي يستخدم أسلوب التدريج ليسيطروا في نهاية المطاف على الدولة والمجتمع.

وما يريدون فرضه علينا كنظام حكم هو:

1ـ إن الإسلام حسب فهمهم هو نظام إلهي شامل كامل تام. والإسلام هو الطريق الأساسي للحياة بكل مجالاتها المختلفة.

2ـ إن الإسلام كما يرون ينبثق ويرتكز على مصدرين أساسيين هما القرآن والسنة النبوية.

3ـ إن الإسلام باعتقادهم الزائف صالح للتطبيق في كل زمان ومكان. وقصارى القول ان الإسلام هو إيديولوجية شاملة تقدم نظاما قادرا تماما على تنظيم كافة تفاصيل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمؤمنين.

ومن يعرف ويعلم يدرك أن كل ما قالوه عبارة عن تلفيق وكذب وإليك دليل من رائد التنوير وصاحب كتاب "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" وهو رفاعة الطهطاوي رائد التنوير في العصر الحديث كما يلقب. ويمثل هذا الكتاب علامة بارزة من علامات التاريخ الثقافي المصري والعربي الحديث فهو بلا شك واحد من أهم الكتب العربية التي وضعت خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر وقد كتبه الطهطاوي بعدما رشحه الشيخ حسن العطار إلى محمد علي باشا حاكم مصر آنذاك بأن يكون مشرف على رحلة البعثة الدراسية المصرية المتوجهة إلى باريس في فرنسا ليرعى الطلبة هناك ويسجل أفعالهم. وقد نصح المدير الفرنسي لهذه الرحلة رفاعة بأن يتعلم اللغة الفرنسية وأن يترجم مدوناته في كتاب وبالفعل أخذ الطهطاوي بنصيحته وألف هذا الكتاب الذي قضى في تأليفه تدوينًا وترجمة خمس سنوات. فأخرج لنا عملًا بديعا يوضح ما كانت عليه أحوال العلوم التاريخية والجغرافية والسياسية والاجتماعية في كل من مصر الدولة الإسلامية وفرنسا الدولة العلمانية في هذه الفترة وقول الطهطاوي: أشعر أني خرجت من الظلام. (وحصلت ما يسر به على الفتاح مما يخرج به الإنسان من الظلام، ويمتاز به عن مرتبة العوام، وكنت من معشر أشراف جارت عليهم الأيام، بعد أن أجرت غيثها في ديارهم، وأشارت إلى نصبهم الأعوام، بعد أن صبت أعلام راحتها في مزارهم. ومن المركوز في الأسماع في القديم والحديث، وعليه الإجماع بعد الكتاب والحديث — أن خيرَ الأمور العلم، وأنه أهمُّ كل مهم، وأن ثمرته في الدنيا والآخرة، صاحبه تعود، وأن فضله في كل زمان ومكان مشهود)."3 "

هذه هي الحقيقة بعد أن تخرج من كهفك المقدس تدرك الظلام الذي كنت تعيش فيه وتعرف سبب هروب الآلاف من أبناء الإسلام الى الغرب الذي يعدونه كافرا والهجرة الأخيرة خير دليل على الإجابة عن سؤال: لماذا يهرب المسلمون من ديار الإسلام؟

ثالثا: الحاكم.

طبعا منظرو الإسلام السياسي يعطون الحكم لله نظريا ويحكموننا هم عمليا تارة باسم الحاكمية وتارة باسم النيابة عن المعصوم. أما الحاكم فيجب أن يكون مسلما فقط سنيا إذا كان الحكم سني وشيعيا إذا كان الحكم شيعي المهم أنهم هم الذين يحكمون وقد عينوا أنفسهم بأنفسهم وكلاء لله على الأرض أو نواب للإمام المعصوم. وعندما نسألهم من أعطاكم هذه السلطة ومن وكلكم عن الله وسيدكم على الناس؟ أما إذا طالبنا بأن يكون الشعب هو مصدر الشرعية تلوكك الاتهامات كافر زنديق عدو الله هذا لمجرد الاختلاف معهم في السياسات والأمور الدنيوية.

 لذلك فإن القراءة الواعية للخطاب الإسلاموي السائد والتعبيرات المؤسساتية لهم تظهر بشكل جلي عمق إشكالية كل من يتبنى مقاربتهم الشمولية وتعسفيتهم مع المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان ولحماية الأقليات الدينية والطائفية المختلفة.

فبأي معيار يمكننا أن نقبل مع المودودي بإلغاء مهنة المحاماة وإلغاء الحوار التناقضي بين القاضي والدفاع باعتبار ذلك مناهضا للإسلام؟

وعلى أي أساس يمكن أن نقبل مع سيد قطب بوجود حزب واحد هو حزب الله الذي لا يمكن أن يتعدد، وأحزاب أخرى كلها للشياطين والطاغوت؟

وبأي منطق يمكن قبول صفة القاصر مدى الحياة للنساء وغير المسلمين أي أكثر من ستة مليارات ونصف مليار إنسان؟ كيف يمكن مناهضة التعذيب دون الإقرار بحق السلامة الكاملة للنفس والجسد؟

رابع: المحكوم.

أنا على يقين أن المودودي وهو ينحت مصطلح (الحاكمية) لم يدر بخلده ولا طاف بعقله ولو خيال مفهوم (المواطنة) وأنى لعقل عفن عاش في ظلام عبودية قريش وتلوثت روحه بخرافاتها أن يرى ويفهم أبعاد مفهوم المواطنة. لمفهوم المواطنة أبعاد متعددة تتكامل وتترابط في تناسق تام على النحو التالي:

- بعد ثقافي حضاري: يعنى بالجوانب الروحية والنفسية والمعنوية للأفراد والجماعات على أساس احترام خصوصية الهوية الثقافية والحضارية ويرفض محاولات الاستيعاب والتهميش والتنميط.

- بعد اقتصادي اجتماعي: يستهدف اشباع الحاجات المادية الأساسية للأفراد ويحرص على توفير الحد الأدنى اللازم منها ليحفظ كرامتهم وانسانيتهم.

- بعد قانوني: يتطلب تنظيم العلاقة بين الحكام والمحكومين يوازي بين مصالح الفرد والمجتمع.

هذه الأبعاد لايركن إليها ضباع الإسلام السياسي بل يرونها كفرا بواحا حسب تعبيرهم السخيف يريد المودودي وضباعة أن يكون أصحاب الديانات الأخرى الذين يعيشون مع المسلمين "أهل ذمة" يطلبون الأمن والحماية من المسلمين وفي مقابل ذلك يدفعون لهم جزية بذل وهوان.

شاهت الوجوه والعقول العفنة الذي تريد أن تستعبد البشر.

للحديث بقية. 

 

سليم جواد الفهد

....................

1- سعد الدين التفتازاني، التلويح، ص70 وما بعدها.

2- أزمة الفكر السياسي الإسلامي مع الدولة الحديثة، معين الرفاعي، ص4.

3- تخليص الإبريز في تلخيص باريز، رفاعة الطهطاوي، ص10.

 

بليغ حمدي اسماعيل(1) معضلة المواطن والأكاديمي:

تأتي هذه المقالة ضمن سلسلة المقالات السابقة والتي بلغ عددها ثلاث والتي تحاول استنهاض علماء الوطن العربي عموما والعلماء المصريين أو بالأحرى أساتذة كليات العلوم في مصر لأن كلمة عالم كلمة خطيرة الاستخدام هذه الأحايين وربما جاز أن نطلق عليهم لفظة "باحثين" لأنها الأقرب والأفضل بل والأصدق في ظل غيبوبة علمية مستدامة من بعضهم إزاء مواجهة الجائحة الكونية التي تديرها الحكومة المصرية بكفاءة عالية وبقدرة تعد نموذجا تاريخيا، لكن وسط تقاعس غير مبرر بالإمكانات أو بقلة المصادر أو بندرة الكفاءات من الباحثين المنتشرين بسرعة ضوئية وصوتية في كليات العلوم بالجامعات المصرية، وذلك من أجل الخروج بنا من هذا النفق المظلم أعني نفق جائحة كورونا . هل البحث العلمي في مصر يواجه أزمة حقيقية؟ بالضرورة تأتي الإجابة من قبل المتخصصين بأن الأزمة الراهنة هي أزمة إمكانات مادية ونقص في عدد المعامل المجهزة وندرة بعض الأدوات والخامات ونلك المصطلحات التي اعتاد من يطلق عليهم بالعلماء على سبيل المجاز استخدامها .

 بينما المواطن البسيط لا يهمه لون المعطف الأبيض الذي يرتديه المعملي وهو داخل مكان عمله، ولا تعنيه أسماء المركبات العلمية أو المفاهيم الكيميائية والبيولوجية التي يستخدمها فقط أصحاب الياقات البيضاء وهم يظهرون على شاشات الفضائيات يتحدثون عن جائحة كورونا بمنطق الفاهم رغم أنهم يدورون معنا في نفس الفلك الحائر. وبصورة أخرى فإن هؤلاء يمثلون أقل نسبة مشاهدة فضائية لأن العالم بحق أصبح مهتما بالتفاصيل والأرقام والبيانات والمعلومات السريعة لا الحديث عن تاريخ ظهور الوباء وكيف كانت كليات العلوم والطب في طليعة المجاهدين للتصدي لوباء الطاعون في القرن الثامن عشر وغير ذلك من الأحاديث الباهتة .

هذا المواطن يريد علاجا لأزمته التي اخترقت حياته بمجمل تفاصيلها الدقيقة، ولم يعد مهتما بأن هذا الأستاذ الأكاديمي حاصل على جوائز علمية أو أن أبحاثه قد نالت عدة أوسمة وتكريمات ونُصِّب لها ثمة حفلات فنية وعلمية من أجل الإسهام في خدمة البشرية عن طريق العلم وتطبيقاته، والحقيقة أن ما يظنه ويراه هذا المواطن ليس حقيقيا، فلم يكن هذا الأستاذ الذي نسميه مجازا في بلداننا العربية بسيطة التفكير العلمي عالما رغم أنه لا يتجاوز في بعض الأوقات كونه موظفا يذهب إلى معمله من أجل تدريب طلابه أو إجراء تجربة بحثية من أجل الترقي العلمي الذاتي والشخصي جدا الذي يعود بالنفع عليه وحده، ولكم حزنت وأواصل حزني بأنن لم أجد أساتذة متخصصين في العلوم وهم كثيرون ربما أكثر من عدد طلابهم نظرا لإحجام الطلاب الواقعي في الالتحاق بمثل هذه الكليات منذ سنوات بعيدة ولسنا بصدد الحديث عن أسباب قلة وضعف بل وإحجام الكثيرين من الطلاب في الالتحاق بكليات العلوم في مصر تحديدا . لم أجدهم يطلبون موعدا مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لتقديم حلول جديدة وعلمية لمواجهة الجائحة الكونية المستجدة، وهذا يدفعني إلى إظهار العجب من هؤلاء الأكاديميين، ففق الوقت الذي نرى فيه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أكثر وعيا وحرصا على سلامة المواطن موفرا أقصى الطاقات البشرية الطبية والإمكانات ناهيكم عن الاهتمام الرئاسي غير المسبوق بالأطباء وكذلك اعتمادهم جيش مصر الأبيض لم أجد أحد هؤلاء الأساتذة المتخصصين في العلوم والمنتشرين بصورة خطيرة بكليات العلوم أو بالمراكز البحثية يسعى لمقابلة الرئيس الذي لا ولن يتأخر عن ذلك، من أجل تقديم علاجا لفيروس كورونا، ويبدو أن هؤلاء العلماء لا يزالوا رهن متابعة أخبار الجائحة تماما مثلما نفعل نحن. 

ومنذ إعلان صحيفة الجارديان مساء الجمعة بأن المحاولات الأولية لإنتاج لقاح لمواجهة فيروس كورونا الجائح لم تأت بتأثير أو فائدة أو نفع مبدئي وأنا أفكر في أمر البحث العلمي في مصر تحديدا أساتذة العلوم المنوط بهم البحث عن لقاح يدفع بصاحبه صوب منصة التتويج العلمي مرورا بالحصول على جائزة نوبل لكن الأمر يبدو مختلفا كالعادة لديهم .

وكنت أيضا أتوقع من هؤلاء العلماء المتخصصين في فيروسات تنقل إلينا عبر الطيور والحيوانات أن يكترثوا ولو بقدر قليل بالأمر في ظل رهبة وخشية بل وخوف مستدام نتيجة تفشي الجائحة، لكن لم يتحرك هؤلاء وأظن أنه رغم اهتمام السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي ومتابعته اليومية الدقيقة لأزمة كورونا أنهم لن يتجهوا بجدية ناحية المعامل الخالية حاليا من الطلاب .

(2) بعيدا عن المعمل:

وربما لتقاعس أساتذة العلم في إخبارنا عن الفيروس بطريقة علمية تجعلنا نفتخر بهم وبعلمهم لكنهم مثلنا يتابعون أخبار الدراما الرمضانية وأجور الممثلين والممثلات وبرامج التوك شو الإخبارية التي تستضيف الفنانين أيضا، يخبرنا العالم الحقيقي وليس أشباه علمائنا الحاصلين على درجة الدكتوراه من نفس الجامعات التي خرج منها أمثال  توماس فانينج  Thomas Fanning  في بحثه المعنون " العثور على فيروس الإنفلونزا القاتل " بأن الإنفلونزا فيروس صغير وبسيط، مجرد كرة شحمية مجوفة بها عدد قليل من البروتينات ولا تحمل سوى ثمانية أجزاء جينية، غير أن ذلك هو كل المطلوب لكي تحفز خلايا العوائل الحية على صنع المزيد من الفيروسات . وهناك بروتين على درجة خاصة من الأهمية وهو هيمأجليوتينين (هـ أ) يسهل للفيروس دخول الخلايا . ويحدد شكله ي عائل يمكن لسلالة من سلالات فيروس الإنفلونزا أن يعديه .

ويضيف آن ريد  Ann Reid أن هناك بروتينا آخر هو نيورامينيديز (ن أ) وظيفته أن يحرر الفيروسات حديثة التكوين من الخلية المعدية فهو المسئول عن مدى كفاءة انتشار الفيروس . وتساعد تغيرات ضئيلة في هذين البروتينين وغيرهما من بروتينات فيروس الإنفلونزا، تساعد الفيروس على عدوى أنواع جديدة من العوائل وعلى تجنب هجوم الجهاز المناعي، وتحدث التغيرات إما من خلال أخطاء تحدث أثناء نسخ الجينات الفيروسية، أو تكتسب في مقايضات عندما تختلط جينات سلالتين مختلفتين من سلالات فيروس الإنفلونزا أصابتا نفس الخلية .

الكارثة والفاجعة أن أساتذة العلوم في مصر يعرفون حقيقة التناسخ والتطور للفيروسات بل يظهرون بكل فرحة وبهجة على صفحات المجلات التي لم تعد تقرأ في زمن التقنية الرقمية، أو يظهرون على شاشات الفضائيات وسط نسب مشاهدة لم تتجاوز أفراد عائلاتهم فقط ليخبروننا بأن يعرفون هذه الحقائق لكن ما النتيجة ؟ لا شئ هم فقط انضموا معنا إلى مقعد المشاهد السلبي والمتابع البليد الذي ينتظر فرجا يأتي من الغرب .

(3) مزيد من الخيبات والحسرة:

هل هذا ادعاء؟ بالطبع لا، فقد نشر موقع اليوم السابع الإلكتروني القاهري ونقلت قناة الحرة خبرا يوم السبت الموافق 25 أبريل  مفاده أن دراسة أعدتها إحدى جامعات سنغافورة  (لم يذكر اسمها) توقيت انتهاء أزمة وباء كورونا في العديد من دول العالم، والتي أدت حتى الآن لإصابة أكثر من 2.8 مليون شخص ووفاة نحو 198 ألفا آخرين. واعتمدت الدراسة، التي نشرتها جامعة سنغافورة للتكنولوجيا أمس الجمعة، على البيانات الرسمية المقدمة من عدد من دول العالم حول الإصابات ودورة حياة الفيروس في تلك البلدان.

وكنت أتمنى أن يذكر الخبر ولو على سبيل التحفيز ودفع الطاقة الإيجابية داخل أساتذتنا بكليات العلوم والصيدلة والطب أيضا، أن هذه الجامعة قد استعانت بالأبحاث التي أجرين للتو في معامل كليات العلوم بجامعات مصر حول الطائر الذي ندعي جميعا أنه نقل لنا الفيروس، أو عن كيفية تخليقه وتصنيعه في ووهان بالصين، لكن النتائج الأولية لهذا الاهتمام تشير إلى الرقم صفر، وكل الظن أن بعضهم يقول بأن التجارب ستطول مدتها حتى الوصول إلى لقاح محلي .

وأنا أعتقد بل أتمنى أن يصدق اعتقادي بأن بجامعاتنا الضاربة في الانتشار بطول مصر وعرضها بأن هناك علما يسمى علم الفيرولوجيا (علم الفيروسات)  وهو على حد معرفتي وكما يخبرنا العالم جاري ستيكس   Gary Stix  في بحثه الموسوم بـ " هجمة جديدة على الفيروس " جانبا كبيرا في مراقبة كل خطوة ضئيلة من خطوات دورة حياة الفيروس بدءا من التصاق الفيروس بخلية مناعية واقتحامه إياها إلى تناسخه وانطلاق فيروسات جديدة من الخلية العائلة، وأخيرا البحث عن خلية جديدة يفترسها .

وربما أنا أكثر حزنا حينما أجدني متخليا عن طبيعة مقالاتي التي تستهدف تجديد العقل العربي تجديد الخطاب الديني والحث على الاجتهاد والتنوير، وأجدني في الوقت نفسه متحدثا عن العلم وكيفية الخروج من أزمة كورونا، لكن كل ما أرغب في توصيله إلى الأساتذة الأكاديميين بوصفهم ينتسبون عن طريق الصدفة إلى كلمة (عالم) هو ضرورة البحث عن نقاط هادية في التعامل مع فيروس كورونا، والسعي إلى تصنيع عاجل للمقاومة بعيدا عن ارتداء الأقنعة والقفازات وتناول وصفات الحلاقين والدجالين وبائعي العطارة والبهارات، وهل يمكن لهؤلاء المنتسبين إلى العلم أن يجدوا طرقا جديدة للحفاظ على عدم نضج الفيروس مثلما كان الأمر مع (با ـ 457) العقار المثبط لنضج الفيروس الذي اكتشفه علماء جامعتي ألاباما وماريلاند، حيث اكتشف باحثون يعملون مستقلين وليس مثل أساتذتنا الذين يتقاضون رواتب ولم يجدوا وسيلة بديلة عن استخدام الكحول والديتول والكلور لمواجهة الفيروس، عن بعضهما جزئيات عضوية صغيرة تمنع العدد الوفير من مكونات الكابسيد من الاتحاد معا لصنع غلاف نهائي للفيروس .

أخشى أن يأتي اليوم على هؤلاء الأساتذة ليجدوا لافتة على أبواب معاملهم التي هجروها مكتفين بمقعد المشاهدة والمتابعة، مكتوب عليها: ممنوع الدخول لأنكم غير جديرين بالمكان !.