محمد بنيعيشأولا: الجائحات وعقدة الاتجاه المعاكس للدين

من الملفت للنظر، وخاصة عند هذه الجائحة العابرة للقارات وفي الوقت المعاصر، تكثيف الحديث عن الدين والعمل الروحي ودور المعتقدات في مواجهة المصائب والعثرات التي تتعرض لها البشرية بين الحين والآخر.

وهذا التداول لمواضيع الدين، وخاصة الإسلام خاتم الأديان والشرائع وكمالها ومكملها وناسخها، قد يختلف بين فئة وأخرى ومعتقدين وغير معتقدين، ومستفيدين ومتضررين، وبائعين ومشترين، وراكبين ومركوبين...والكل يبدي ما في جعبته وينفث ما في حنجرته ويرشق بما في يده ومتناوله.

وحينما نتحدث عن الاستحضار فذلك يعني أن الأمر مستحدث وطارئ بحسب الطارئ الجديد، إذ الدين حاضر بالقوة والفعل في كل زمان، وفي ظاهر وباطن الإنسان، سلم بذلك البعض أم لم يسلموا شعروا أم لم يشعروا.ولهذا فقد يكون الاهتمام به في سائر الأيام العادية كما هو الأمر بالنسبة لعلاقة الإنسان أسود الرأس بالسماء الجميلة الزرقاء تتوسطها الشمس الساطعة نهارا، و المرصعة ليلا بالنجوم والكواكب والثريات، ومع ذلك فقد لا تثير اهتمامه حتى ترسل نحوه شهابا ساطعا ولهبا أو صخورا مدمرة.حينذاك يلتفت إلى السماء ويتوقع منها المزيد أو الانتهاء.

وهذا هو عينه معنى الاستحضار الديني، وخاصة في حالة الجائحات كما هو الشأن حاليا مع فيروس كوفيد19 وغيره .وذلك لأن هذا الوباء بطبيعته يهدد الحياة وينذر بالفناء، في حين أن الدين يبشر بالبقاء وضمان استمرارية الإنسان في عالم الخلود وتحقيق السعادة لمن سلك طريقه، وعلى العكس من ذلك، فقد ينذر تخويفا بالشقاء، والعياذ بالله، من حاد عن مسلكه وكفر به وأنكره.فيكون المنكر أحد أكبر الخاسرين وأكثر القلقين والمتوجسين والمهلوسين ! .

حتى قد يدفع البعض رعبهم هذا إلى سلوك الاتجاه المعاكس والمشاكس، الذي يعني الانتحار الأبدي وتضييع فرصة الخلود، الذي هو من خصائص النفس الإنسانية وميلها الطبيعي نحو حب البقاء وضمان استمرار النوع . وفي هذا الشذوذ النفسي لدى المنكر للدين في زمن المصائب يقول الله تعالى في القرآن الكريم:" وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا"، "هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ، فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ".

هذا هو حال الإنسان مع الدين، فهو إما معاكس ومريض بمرض الصفراء التي تحيل مذاق العسل مهما كانت حلاوتها وطراوتها إلى مرارة زعقة، فترفضه النفس بالرغم من أنه فيه دواء وشفاء.وإما مخادع ولا يسلم إلا حينما يكون الخطر داهما إياه مباشرة ولا مفر منه، فحينذاك قد يعمل على المناورة واستغلال العقيدة، ليس من باب التسليم الإقناعي الطبيعي ولكن من باب الاضطرار والتحايل للعبور نحو الشاطئ الآخر، ثم بعد ذلك ينسى وينكر ما كان عليه وما مر به وكأنه لم يكن شيئا مذكورا.

وموضوع الأوبئة ووظيفتها الدينية تحتمل هاتين الصورتين بالنسبة لغير المتدينين والمستغلين للدين: إما رفضا مطلقا وإما استغلالا سلبيا حتى اجتياز المرحلة، ومن بعد قد تعود حليمة إلى عادتها القديمة.

وحيث إن الوباء له خصوصية الانتقاء وطلب أصحابه الذين هم من نصيبه، وبما أنه غير مرئي في سرحانه وسريانه وجريانه، فإن الغالب على كثير من المغفلين والحمقى هو توهم النجاة دون غيرهم، مع الخوف الدفين الذي قد يدفعهم للطعن في الدين أو الاستهزاء به وبالمعتقدين فيه.وهذا يعني عمق المرض وتجدره ورسوخه في نفوس هؤلاء، حتى إنهم قد يرمون بأنفسهم في النار هربا مما هو أقل منها خطرا.أو أنهم يحومون حولها بغير علم بقوانينها كالفراش الذي يحرق نفسه بنفسه !.

ومن الأوهام التي قد تستولي على هؤلاء هو الحديث عن وظيفة الدين ودوره في الوقاية من هذا الطارئ المفزع.وكذلك دور دور العبادة، من مساجد وزوايا للذكر والتربية، في هذا الوقت مع الإغلاق والتعطيل من حيث التطبيق الجماعي، وكأن الدين في هذه الحالة لم يكن ولم يعد له دور عقدي ونفسي وتربوي أخلاقي، وكذلك لم يكن له أي حضور اجتماعي واقتصادي أو حتى سياسي.أي بمفهوم هؤلاء القاصرين ذهنيا وعقديا وفكريا كأن الدين ومؤسساته لم تكن سوى سالب زائد سالب.وهذا قياس فاسد وقصور علمي وخلفية مريضة تريد أن تعضض اليد التي تمد لها لتنقذها وتكسر المحقن الذي فيه دواؤها ونجاتها من البتر والتعفن.

ثانيا: الوظيفة الرائدة للدين في ظروف الجائحات

بحيث قد كان الأولى بهؤلاء أن يضربوا في المؤسسات المادية قبل الروحية في هذه الحالة، كالنوادي الثقافية والمراكز الرياضية والجامعات العلمية والملاهي والمنتزهات الترفيهية، بل كل تجمع بشري هو الآن معطل تعطيلا حقيقيا وعمليا.وعلى العكس من ذلك فالدين في الحقيقةلم يعطل ولم يلغ أصلا، بل ازداد حضوره إلحاحا، وذلك لأنه عمل روحي قبل أن يكون مؤسساتيا جداريا، وهو عقيدة واعدة ومساعدة ومقوية للأمل ولوحدة الشعور بين البشر، وفي نفس الوقت سبيل للشفاء ورفع الوباء بالتبتل والابتهال إلى الخالق سبحانه الذي بيده الأمر كله.ولولا بقاء سماع الآذان في الصوامع والمساجد وذكر الله عبر شتى الوسائل وفي الزوايا لكان حال النفس البشرية عامة خواء وخراب وسراب ورهاب لا يطاق ولا يحتمل !.لأنه لا صوت يمكن له أن يضمن الأمل والفأل الحسن غير حسن الظن بالله تعالى والرجاء فيه وتوقع استجابته لأدعية وتضرعات عباده الصالحين وأوليائه المقربين.

في حين أن تلك المساجد والزوايا هي عبارة عن مستشفيات قائمة بذاتها، تشرح الصدور وتطمئن القلوب وتعالج النرجسية والغرور والتوحد والكبر والعجب وما إلى ذلك من فيروسات وكورونات لا ترى بأي مجهر ولا تكتشف عند مختبر !.كما أنها مطهرة صحيا بكل ما تحمل كلمة تطهير من كلمة، حيث الوضوء المستمر والنظافة الدائمة والمشروطة والروائح الزكية المريحة.إذ المسجد مكان للعبادة وهو"أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ".هذا إذا علمنا بأن العبادة في الإسلام ليست محصورة في المساجد المشيدة فقط، وإنما كل الأرض هو مسجد ومقر لممارسة الصلاة والذكر وعلى جميع الهيئات والأعداد، فرادى أو جماعات كما قال النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم:"و جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل"حديث متفق عليه. و الصوم في رمضان أيضا له نفس الحكم مع إضافة جانبه الصحي البدني الذي يسلم به المؤمن والكافر ويعترف به الأطباء الصادقون في مهنتهم ودراستهم، ومن أحكامه وأوصافه أنه وقاية كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم:" الصيام جُنَّة" أي ما يُجِنُّك أي يسترك ويقيك مما تخاف.و" لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ"، ومع هذا فقد رخص الإسلام للصائم بالفطر عند وجود مرض يقدره بنفسه أو يقدره له الأطباء وليس السفهاء والسخفاء !.وأقول عند وجود مرض لا قبل وقوعه أو توقعه وتوهمه، مع ترك الأصل قائما وهو :" وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ"،  إذن فلن يعطل الدين أبدا وإنما العطل قائم في أذهان السفهاء والبطالين والفارغين من القيم والعلوم الصحيحة !

ومن السخرية أن تنسب القوة والفعل والفتك إلى كائن جزئي مجهري مجهول ولا ينسب قرار التأثير وحقيقة الداء إلى خالق ذلك الجزيء نفسه ومسلطه بوجه ما، والذي بيده دواؤه وسببه .وهذا من ضعف الإنسان غير المعتقد في الدين وهزالة ونذالة تصوره حينما ينكر خالقه ومعه الدين الذي شرعه له حتى أصبح من أصغر الصاغرين في مواجهة أدق المرئيين، لا هو من الإنسيين ولا من الجنيين فيا للعجب العجاب !. ولقد كان من اللازم أن يوضع مثل هؤلاء في حجر صحي، ليس بالمنازل فقط ولكن بمستشفيات الأمراض العقلية والنفسية حتى يعقلوا ويرشدوا!.يقول أبو العلاء المعري:

قالَ المُنَجِّمُ وَالطَبيبُ كِلاهُما    لا تُحشَرُ الأَجسادُ قُلتُ إِلَيكُما

إِن صَحَّ قَولُكُما فَلَستُ بِخاسِرٍ  أَو صَحَّ قَولي فَالخُسارُ عَلَيكُما

طَهَّرتُ ثَوبي لِلصَلاةِ وَقَبلَهُ    طُهرٌ فَأَينَ الطُهرُ مِن جَسَدَيكُما

وَذَكَرتُ رَبّي في الضَمائِرِ مُؤنِساً  خَلَدي بِذاكَ فَأَوحِشا خَلَدَيكُما

وَبَكرتُ في البَردَينِ أَبغي رَحمَةً   مِنهُ وَلا تُرَعانِ في بُردَيكُما

إِن لَم تَعُد بِيَدي مَنافِعُ بِالَّذي  آتي فَهَل مِن عائِدٍ بِيَدَيكُما

وعلى ذكر الطبيب والطب هنا كموضوع مادي في مقابلته مع الوظيفة الدينية وطب الأرواح يقول أبو حامد الغزالي في "الاقتصاد"عند المقارنة:" لو خلا البلد عن الطبيب والفقيه كان التشاغل بالفقه أهم؛ لأنه يشترك في الحاجة إليه الجماهير والدهماء. فأما الطب فلا يحتاج إليه الأصحاء، والمرضى أقل عددًا بالإضافة إليهم. ثم المريض لا يستغني عن الفقه كما لا يستغني عن الطب وحاجته إلى الطب لحياته الفانية وإلى الفقه لحياته الباقية وشتان بين الحالتين. فإذا نسبت ثمرة الطب إلى ثمرة الفقه علمت ما بين الثمرتين".

وهذا هو المنطق السليم والأخذ بالأحوط النفسي الغريزي في التعامل مع الدين والمصير، وفي زمن الجائحات والمصائب التي لا تخبر بوقت حدوثها أو انسحابها.و قد لا أجد في هذه اللحظة لمعالجة هذا التصبْيُن في زمن "كورونا المربية للبشرية بامتياز" أجمل من برهان "اللطمة" كحدث موقظ للنوم ومنبه للغافلين فيما يحكي المفكر الأشعري الكبير فخر الدين الرازي:" : فقد كان بعض العقلاء يقول: إن لطمة واحدة تضرب على وجه صبي تظهر أن لهذا العالم إلها. وأن هذا الإله أمر بعض عباده بأشياء ونهاهم عن أشياء، وأن ذلك الإله أعد للمطيعين ثوابا وللمذنبين عقابا، وأنه بعث إلى الخلق رسلا مبشرين ومنذرين، وهذه هي الأربعة التي هي أشرف المطالب وأعز المقاصد.

أما دلالة هذه اللطمة على المطلوب الأول وهو إثبات الإله تعالى فنقول: ذلك الصبي إذا أحس بتلك اللطمة في الحال يصيح ويقول من الذي ضربني ومن الذي لطم وجهي؟ ولو أن أهل الدنيا يجتمعون عليه ويقولون إن هذه اللطمة حصلت بنفسها من غير فاعل فإنه لا يقبل هذا القول ولا يؤثر فيه هذا الكلام، وهذا يدل على أن صريح العقل يستبعد حدوث تلك اللطمة من غير فاعل. فحدوث جملة الحوادث في عالم الأفلاك وعالم العناصر كيف يعقل حدوثها بلا محدث وفاعل؟ فصار هذا الاعتبار من أدل الدلائل على دلالة حدوث هذا العالم، وعلى وجود الصانع المدبر، وأما دلالة هذه اللطمة على المطلوب الثاني وهو كون الإله تعالى موصوفا بالأمر والنهي والتكليف. فنقول: إن ذلك الصبي إذا عرف أن ذلك الذي لطمه هو فلان فإنه في الحال يقول لم ضربتني وبأي سبب آذيتني؟ وهذا يدل على أن صريح عقله حكم بأن الخلق ما تركوا مهملين معطلين، بل التكاليف عليهم لازمة والمطالبات عليهم متوجهة، ولما حكم صريح عقل ذلك الصبي بأن تلك اللطمة الواحدة لا يجوز خلوها عن التكاليف والأمر والنهي، فأفعال كل الخلائق مع كثرة ما فيها من المصالح والمفاسد أولى بأن لا يجوز خلوها من التكاليف. وأما دلالة هذه اللطمة على المطلوب الثالث وهو حصول ذات الثواب والعقاب فنقول: إن ذلك الصبي إذا عرف أن ذلك الإنسان لطمه بغير سبب فإنه يطلب منه القصاص فإن عجز عن استيفائه استغاث بمن يعينه على تحصيل ذلك المطلوب، وهذا يدل على أن صريح عقله حكم بأن هذه اللطمة لا يمكن إخلاؤها عن الجزاء أو القصاص. فكيف يمكن إخلاء أفعال كل الخلق عن القصاص؟ وأما دلالة هذه اللطمة على المطلوب الرابع وهو بعثة الأنبياء عليهم السلام فهو أن الصبي إذا قرر أنه لا بد من القصاص فعند ذلك يطلب إنسانا يبين له ذلك القصاص بحيث يكون خاليا عن الزيادة والنقصان. وهذا يدل على أنه تقرر في عقله أنه لا بد في الخلق من إنسان يبين لهم مقادير المرغبات ومقادير الزواجر وذلك الإنسان ليس إلا الرسول، فظهر بهذا البيان أن هذه اللطمة الواحدة كافية في إثبات هذه المطالب الأربعة الشريفة العالية"1 .

ومن أعظم ما دل عليه التشريع الإسلامي وما نص عليه النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قوله:" مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا". بحيث جمع بين سعادة الدنيا وقيمتها و بين الشعور بنعمة القرار وكمال المتعة في المكوث بالبيت الذي هو دنيا مختصرة ومصغرة وجامعة للهمم والأسرة ووحدتها... وهذا ما جاءت به كورونا العنيدة وحققته وفرضته بالقوة على الإنسان المعاند والمماري والمجادل في الحق لعله يؤوب ويتوب ويراجع فكره وسلوكه وغروره وطيشه.يقول الله تعالى:" وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ، لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ".والله الهادي إلى الحق والرشاد.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

.......................

1- فخر الرازي: المطالب العالية من العلم الإلهي. ج 1 ص 274.

 

محمد الورداشيعد ابن خلدون قيمتي الخير والشر طارئتين على النفس البشرية؛ لأنها، وبفطرتها الأولى، تكون مستعدة لكل ما ينطبع فيها من خير أو شر، وذلك لكون" صاحب الخير إذا سبقت إلى نفسه عوائد الخير وحصلت لها ملكته بَعُدَ عن الشر وصعب عليه طريقه، وكذا صاحب الشر إذا سبقت إليه أيضا عوائده" (ص140). ومن هذا المنطلق فاضل بين أهل البدو والحضر من حيث الخير والشر، فأكد أن البدو قريبون إلى الخير؛ لأنهم "وإن كانوا مقبلين على الدنيا مثلهم إلا أنه في المقدار الضروري في الترف ولا في شيء من أسباب الشهوات واللذات ودواعيها" (ص140). أما أهل الحضر، فإن سبب كثرة الشرور في أنفسهم حسب ابن خلدون هو انغماسهم في ترف الحضارة ونعيم الدنيا وملذاتها، وذلك" لكثرة ما يعانون من فنون الملاذ وعوائد الترف والإقبال على الدنيا والعكوف على شهواتهم منها، وقد تلونت أنفسهم بكثير من مذمومات الخلق والشر وبعدت عليهم طرق الخير ومسالكه" (ص140). ومنه فإن المعيار الذي اعتمده ابن خلدون في المفاضلة هو الانتقال من البداوة إلى الحضارة؛ لأن هذه الأخيرة حسب ابن خلدون هي "نهاية العمران وخروجه إلى الفساد ونهاية الشر والبعد عن الخير" (140)، كما أنها تدفع النفس إلى التلون "بألوان كثيرة لا يستقيم حالها معها في دينها ودنياها...إلخ (ص400). وبالتالي فإن نهاية العمران ستكون نهاية للشر، والعمران ينتهي لما ينتقل إلى طور الحضارة، فإذن، هذه الأخيرة هي مركز الشرور لدى ابن خلدون؛ لأنها تفسد العمران البشري الذي هو غاية الاجتماع، ومن ثم أخلاق المشكلين لهذا العمران إن هم دخلوا طور الحضارة. كما أن حضور عامل البيئة هنا، يمثل دورا كبيرا في تشكيل أخلاق النشء. وبهذا الاعتبار، يمكن التساؤل عن أصل الشر والخير لدى ابن خلدون؟ هل مصدرهما الفطرة أم الاكتساب؟

إذا انطلقنا مما أوردناه أعلاه، فإننا سنجد أن الشر والخير مكتسبان في النفس الإنسانية؛ لأن فطرتها مؤهلة لاستقبال أي منهما، لكن إلام تميل النفس البشرية؟

تميل نفس الإنسان، حسب ابن خلدون، "إلى خلال الخير من خلال الشر بأصل فطرته (أي الإنسان) وقوته الناطقة العاقلة لأن الشر إنما جاءه من القوى الحيوانية" (ص162). ومنه فإن مصدر الخير هي القوة الناطقة العاقلة، ومصدر الشر هي القوة الحيوانية، كما أن للإنسان عقلا تمييزيا، حسب ابن خلدون، يميز به بين المصالح والمفاسد، والحسن والقبيح بناء على الفكر والروية اللذين امتاز بهما عن الحيوان. وبهذا تهتدي النفس الإنسانية إلى الخير إن هي نشأت في بيئة اجتماعية تقوم على العوائد البعيدة عن الحضارة، وإن كان فيها وازع ديني يدفعها عن مذمومات الأخلاق ويأخذها بمحمودها. كما أن للمناخ  دورا في أخلاق الإنسان كما حدده ابن خلدون في المقدمة الرابعة.  من خلال ما سبق، يمكن القول إن الشر والخير عند ابن خلدون مكتسبان، وراجعان لعوامل جغرافية واجتماعية ودينية.

ومنه، فإن الخير والشر تتحكم فيهما معاييرُ خارجيةٌ؛ لأن الفرد لا يولد وهو خير كله أو شر كله، وإنما العوامل الاجتماعية والثقافية والجغرافية تمثل دورا كبيرا في هذا التشكل الفردي الأخلاقي. كما أن ما يدعو إليه ابن خلدون هو الاهتداء إلى قيمة الخير التي بها يكون صلاح العمران الذي هو الاجتماع البشري، ويرجح سبق الخير للنفس على الشر؛ لأنه ينطلق من روح دينية إسلامية، ولم يكن يهدف إلى البحث عن أصل الشر والخير، وإنما فسر سبب تفاوتهما بين البدو والحضر. ومن ثم، نتساءل عن مدى صلاحية هذا المعيار للتمييز بين أهل البادية والمدينة من حيث الخير والشر في عصرنا الراهن؟ هل ما زالت البادية مصدرا ومنبعا للأخلاق الحميدة، أم أن هذا المعيار لم يصمد أمام التغييرات التي أصابت سكان البوادي في ظل وسائل التكنولوجيا التي تنقل لهم الحضارة وقيمهما إلى عقر ديارهم؟

 

محمد الورداشي

................................

المصادر والمراجع:

مقدمة ابن خلدون، إعداد محمد الشربيني، دار فروس للنشر والتوزيع، القاهرة.

- ملحوظة: كل الإحالات أعلاه مأخوذة من المقدمة.

 

بليغ حمدي اسماعيلفي شهر القرآن الكريم، تجدر الإشارة إلى أن من أفضل الطاعات التي يتوجه بها العبد إلى ربه قراءة القرآن وتدبر معانيه، والسعي إلى فهم مقاصده وأغراضه، ورغم تعدد أنواع التفسيرات للقرآن الكريم وتنوعها بتنوع الغرض وتوجه مفسره، إلا أن تفسير القرآن الكريم الذي قدمه الإمام محمد عبده يظل على رأس تلك التفسيرات التي تجمع بين البلاغية العربية وإعمال العقل بهدف تنوير الأذهان وتثوير الألباب . وهذا لا يغفل الجهود العظيمة التي قام بها مفسرو القرآن الكريم عبر عصور الإسلام المختلفة، لكن ما يجعل التفسير الذي قدمه الإمام محمد عبده لبعض سور القرآن الكريم متمايزا ومختلفا بصورة متفردة هو ما اجتمع في الإمام محمد عبده من سمات ثقافية وعقلية واجتماعية أيضا جعلته في مرتبة عالية شاهقة بين مفسري الكتاب الحكيم .

والإمام محمد عبده هو رائد التنوير في مصر الحديثة، ولقد أراد لهذه الأمة أن تنحو صوب التفكير العقلاني فيما يرد من أفكار إلى العقل العربي، لذا فالإمام محمد عبده وتلامذته النوابغ ينتمون إلى مدرسة العقلانية الدينية التي عملت لسنوات طويلة على توسيع دوائر الاجتهاد والاختلاف وضرورة التسامح الفكري، الأمر الذي دفعه إلى مواجهة شرسة مع الجامدين أنصار الاتباع والنقل بغير إعمال للعقل، كذلك محاربة المتعصبين الذين كانوا بمنأى عن الاجتهاد والتجديد وتوفير سبل التنوير.

وكما ذكر الدكتور جابر عصفور واصفا وممتدحًا الإمام محمد عبده رائد المجددين بأنه توفي سنة 1905 تاركا وراءه فراغا كبيرا لم يستطع أن يملؤه تلامذته، فإن هذا الفراغ كان دافعا أيضا لظهور قامات فكرية وثقافية وسياسية في تاريخنا العربي بوجه عام من أمثال مصطفى عبد الرازق و الشيخ علي عبد الرازق والدكتور طه حسين وقاسم أمين وسعد زغلول، ولاشك أن الهدف الرئيس الذي سعى إليه الإمام محمد عبده هو تحرير العقول من الأوهام والخرافات، وهذا الهدف لم يكن بالسهل اليسير إذ أنه بالضرورة اصطدم ولا يزال في اصطدامه بتيارات التقليد التي عادة ما ترفض كل محاولات الإصلاح الفكري وتكريس ثقافة الوسطية، ولاشك أن تلك التيارات تميل إلى استمالة الجماهير الهادرة والجموع الغفيرة من أجل استقطابها عن طريقة دغدغة المشاعر أكثر من إقناع العقول، وبين فكر مستنير يميل إلى التحاور مع النخبة العاقلة على حد وصف الدكتور جابر عصفور .

وليست هذه السطور مفادها الترجمة لحياة الإمام، بل لعرض منهجه في التفسير الذي تجاوز تخومه ـ التفسير ـ متجها نحو التأويل وإعمال العقل بهدف التدبر للمعنى وإدراك مناحي الجمال القرآني، والشيخ محمد عبده يؤكد على أن التكلم في تفسير القرآن الكريم ليس بالأمر السهل، ويشير إلى أن التفسير من أصعب الأمور وأهمها أيضا، موضحا أن القرآن كلام سماوي، تنزل من حضرة الربوبية التي لا يكتنه كنهها، على قلب أكمل الأنبياء، وهو يشتمل على معارف عالية، ومطالب سامية، مؤكدا ومنبها على أن هذا العلم لا يشرف عليه سوى أصحاب النفوس الزاكية والعقول الصافية .

ويرشدنا الإمام محمد عبده إلى أن الغاية من التفسير هو فهم كتاب الله من حيث هو دين يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم في الحياة الدنيا، وحياتهم الآخرة، وهذا يعني ثمة أمور أوجزها الإمام في أن للتفسير وجوها شتى ؛ من أبرزها النظر في أساليب الكتاب ومعانيه، وما اشتمل عليه من علوم بلاغية ؛ ليعرف به علو الكلام وامتيازه على غيره.

وتساءل الإمام محمد عبده متعجبا نفس درجة ونوع التعجب الذي نواجهه اليوم ونحن بصدد مواجهة أمراء وشيوخ التيارات الراديكالية التي انتشرت بصورة كبيرة، يقول الإمام : ويمكن أن يقول بعض أهل هذا العصل: لا حاجة إلى التفسير والنظر في القرآن، لأن ائمة السابقين نظروا في الكتاب والسنة، واستنبطوا الأحكام منها، فما علينا إلا أن ننظر في كتبهم ونستغني بها .

وتأتي الإجابة حازمة حاسمة لهذا التساؤل المدهش، بأن الله خاطب بالقرآن من كان في زمن التنزيل، ولم يوجه الخطاب إليهم لخصوصية في أشخاصهم، بل لأنهم من أفراد النوع الإنساني الذي أنزل القرآن لهدايته، يقول الله تعالى (يا أيها الناس اتقوا ربكم) (سورة النساء، آيه 1)، (سورة لقمان، آية 33)، فهل يعقل أنه يرضى منا بألا نفهم قوله هذا، ونكتفي بالنظر في قول ناظر نظر فيه، لم يأتنا من الله وحي بوجوب اتباع هذا المفسر لا جملة ولا تفصيلا؟ .

ويوضح الإمام محمد عبده مراتب التفسير، بأن أدناها أن يبين بالإجمال ما يشرب القلب عظمة الله وتنزيهه، أما المرتبة العليا فهي لا تتحقق إلا بفهم حقائق الألفاظ المفردة التي أودعها القرآن، وإعمال العقل والأخذ بالتأويل المحمود، كذلك المعرفة بعلم أحوال البشر، فلابد للناظر كما يقول الإمام من النظر في أحوال البشر، وفي أطوارهم وأدوارهم، ومناشئ اختلاف أحوالهم .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

 

مجدي ابراهيملم نكن مرة ثانية - بعد تلك الوقفة التوضيحية - نكررُ هذا المعنى من جانبنا، وهو المعنى الذي دار في السابق حول أن الحضور في القرآن ذو دلالة على قوة استخدام العقل يتولد عنه ذكاء الذهن؛ ليقوى الفهم ويستبين فيه اليقين، ويصفو من ثمَّ الذكر مع قوة الفكر في آي القرآن. أقول؛ إننا لم نكن لنكرر هذا المعنى، إلا لأن شرط الحضور يرتد بداية إلى "التعلُّم" وإلى الاكتساب كيما يكون "الفهم" بداية معرفة مقررة بأولوَّيتها على غيرها، وأن يجيء "العلم" شروعاً في التطبيق لذاته لا لغيره، أي شروعاً في تحويل النفس من مكانها الذي اعتادت أن تقف عنده، ولا تتجاوزه ليجيء "التحويل" دليلاً على وضوح السبيل من طريق فهم القرآن.

ثم إن الدلالة الجُوَّانِيَّة الباطنة صارمة في فهم القرآن، وهى دلالة تتأتى مؤكداتها في ملكة الوعي: الوعي بالإقبال على الله بصدق، ثم ارتقاء الوعي في الرغبة لفهم كتابه باجتماع هَمِّ هو بالضبط ضد غفلات التعطيل؛ لأن التعطيل في أول مقام ضد الحضور، والحضور كذلك في أول مقام معناه إزاحة القلب عن التعطيل من طريق فعل الهِمَّة وبقاءه دوماً في حيوية روحيّة وحركة فاعلة، واستمرار هذه الحركة عاملة في وجدان صاحبها.

وحضور القلب يأتي ليكون معناه إزاحة التعطيل عن الفهم، حتى إذا ما ثُقِلَ فهم القرآن أو صعب؛ فإن مَرَدَّ ذلك إلى الوهم الذي يربض غائراً في جوف الوعي تحت ظلمات التعطيل.

هنا أشير إلى شذرة لافتة للانتباه جديرةٌ بكل آيات التأمل، هى من شذرات الأستاذ الإمام الشيخ "محمد عبده"، المجموعة عنه من قِبَل تلميذه رشيد رضا؛ تقول الشذرة المُلفتة للنظر: " إنَّمَا يُصِّعب القرآن توهُّم أنه صَعْبُ، وكلما أدخل الإنسان على نفسه الصعوبة صعُب عليه، وكلما مَكَّن نفسه من الفهم مَكَّنَه اللهُ منه ".

ولتلحظ التعطيل هنا كامنٌ في الإنسان نفسه لا في القرآن؛ كامنٌ في التَّوهُّم الذي يُحيط به من جميع أقطاره من جهة، ومن جهة ثانية في دخوله الصعوبة على نفسه من أجل تراكم ما استقرَّ في أعماقها من آفات وأباطيل هى الموانع الصارفة عن الفهم والحاجبة له عن مدراك الخطاب، والداخلة بالإنسان من حيث لا يشعر في مزالق التعطيل.

إذا ثقل فهم القرآن أو صَعُبَ؛ لأسباب يستشعرها ذلك الذي يجد في نفسه ثقلاً أو صعوبة؛ فالتعطيل في طليعة هذه الأسباب: تعطيل القلب عن الحضور وعن الفهم:" ولو عَلمَ الله فيهم خيراً لأسمعهم، ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون" (سورة الأنفال: آية 23).

على أن السّماع هنا يترادف مع الفهم، وعدمه أيضاً مُرادفٌ لعدم الفهم، فلو علم الله فيهم خيراً لأفهمهم، ولكنهم لمَّا ضيَّعوا الفهم واستبدلوا به التعطيل؛ ليجيء صارفاً من صوارف الغفلة على عادة التوهم المرذول، كانوا عن الفهم بالقطع الذي لا مرْيَة فيه عاطلين، وكانت:" لهم قلوبٌ لا يفقهون بها، ولهم أعينٌ لا يبصرون بها، ولهم آذانٌ لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون" (الأعراف: آية 179).

فمن تمام الغفلة فيهم أن قلوبهم مقفلة، وعيونهم غير مُبْصِرة، وآذانهم صَمَّة لا يسمعون بها؛ لأنهم كانوا أغلقوا منافذ السَّماع (= الفهم) فحَجَبَهُم بالغفلة عن فقه الأفئدة، بمقدار ما انطمست لديهم الرؤية، وأظلمت من الباطن على الحقيقة أنوار القلوب.

تحويل النفس:

وتحويل النفس من وجهة في الحياة إلى وجهة أخرى يُرادُ به تنزُّل القرآن من جديد، لا على الاستماع لحروفه ونغماته كما كان يسمع بالعادة قبل أن تتحوَّل النفس؛ بل لكأنه يُسْمَعُ لأول مرة بعد التحويل؛ إذْ في كل ترديد لكل حرف من حروفه مكسبٌ جديدٌ من إثمار الخاصَّة الذاتية في النفس بعد التحويل؛ فهذا الإثمار يتأتى من طريق التذوق المعرفي بخصائص القرآن التي يُضْفِيَها على النفس بعد أن كانت تَبَدَّلت خصائصها وتغيَّرت توجهاتها في الحياة من جانب إلى جانب مناقض له؛ ثم انفردت بأن تعقل ما طرأ عليها من تغيير من جهة، ومن اكتمال في مراحل تطورها الروحي من جهة أخرى.

ولا شرط لهذا الاكتمال غير شرط "التَّذَوِّق": التذوق الرفيع لمدلول الآيات تذوقاً مُوَفّقاً يجيء معه "التحويل" إلى الأرقى والأعلى صفة خاصَّة لكل تدبُّر تسقط معه الغفلة ويسقط السهيان، وترتفع فيه على الإطلاق ملكات التذوق ومواهب الحضور. وفي مثل هذا الارتفاع لملكات التذوق والحضور بين يدى الله تكون "الحلاوة" هبةً وعطيةً؛ يُذيقها الله أهل التَّقَوَى؛ فإنّ كلامه ربيع قلوب الأبرار، يثقل فهمه على من تَعَطَّل قلبه.

وإني لأسوق مثالاً على تلك الدرجة التي هى بلا ريب درجة المُقرَّبين الأبرار؛ والتي أخبر عنها "جعفر بن محمد الصادق"، رضى الله عنه، حين قال:"والله لقد تجلى الله عز وجل لخلقه في كلامه؛ ولكنهم لا يبصرون". وقال أيضاً وقد سألوه عن حالة لحقته في الصلاة حتى خرَّ مغشياً عليه؛ فلما سُرِّيَ عنه (أي أفاق من غشيته)، قيل له في ذلك، فقال:" ما زلتُ أردِّد الآية على قلبي حتى سمعتها من المتكلم بها، فلم يثبتْ جسمي لمعاينة قدرته ..".

وممّا رواه سادات العارفين عن درجة المُقرَّبين هذه، تعظم فيها الحلاوة ولذة المناجاة: أن بعض الحكماء قال كنتُ أقرأ القرآن فلا أجدُ له حلاوة حتى تلوتهُ كأني أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلوهُ على أصحابه؛ ثم رفعتُ إلى مقام فوقه كنتُ أتلوه كأني أسمعه من جبريل على السلام يُلقيهُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ثم جاء الله بمنزلة أخرى؛ فأنا الآن أسمعه من المتكلم به؛ فعندها وجدتُ له لذة ونعيماً لا أصبر عنه".

ولك - إنْ شئت - أن تلاحظ مثل هذا التطور الروحي والتَّدَرُّج في أنماط الإدراك الذوقي؛ فلا تستغرب على هذه الحالة وجودها لدى مَنْ يتذوقها فيدركها، إذا هى كانت مفقودة لديك، فليس كل ما لا تناله مداركك هو في حكم العدم.

ولقد سبقت الملاحظة بأن الذاتية الخاصَّة للقرآن تفرضُ نفسها، بحيث تأتي فتعْبُر هذا الوجود المغلق المحسوس إلى الوجود الروحي المفتوح الذي لا حدود له ولا قيود لأنه الوجود الذي يتعلق بسَبَحَات الفكر وطلاقة الروح؛ هو وجود من باطن النفس والضمير، يمضى معه وجود الإنسان الروحي في فهم آيات القرآن فلا يقصرها فقط على ظاهر ما يفهم من مدلولها الخارجي، بل يغوصُ بها في أعمق أعماق ذاته؛ ليستشرف خلالها مقاصد القرآن داخل هذه الذات نفسها، لكأنه يتنزَّل عليه هو كما كان يتنزَّل على سيد الخلق؛ صلوات ربي وسلامه عليه؛ فيترجم ترجمة واعية بما في مستطاعه؛ مثل هذه التنزّلات الإلهية تعليلاً وإخباراً بالأحوال النفسية التي لازمته؛ والمنازلات الروحيّة التي اعترته ساعة أن هَبَّ عليه التنزيل - ذوقاً - له من واقع الحياة الجُوَّانيِّة الباطنة ما لم يكن موجوداً في واقع عاشه أحدُ غيره ولا أختبره إنسان سواه.

والساعةُ التي يكون فيها "الحضور"، وتبدو فيها علامات "التحويل" لهى هى الساعة التي تأخذ من معدن النبوَّة مددها، فيقترب الذي يتذوَّقُ القرآن - على ما وصفنا - فهماً على بصيرة وهدى من مشكاة النبوَّة؛ لكأنما كان فضلُ التنزيل الإلهي ممدوداً من عين الإتباع لسيد الخلق، صلوات الله وسلامه عليه؛ كما في قوله تعالى: "قل إنْ كنتم تحبُّونَ الله فاتبعوني يحببكم الله".

فوحدة الشعور التي تتجلى سرَّاً من أسرار القرآن بالمعية الإلهية هى في الأصل وحدة شعور بالحقيقة المحمديِّة؛ فلا غرابة من بعدُ في شعور الشاعر بوحدة القصد في تجليات القرآن.

وقد قال الرسول عليه السلام:" مَنْ قرأ ثلث القرآن أعطى ثلث النبوَّة، وَمَنْ قرأ ثلثيه أعطى ثلثي النبوة، وَمَنْ قرأ القرآن كُلَّهُ أعطى النبوة كُلُّها". وربما كان المقصد من وراء هذا - إنْ جاز لنا أن ندرك مقاصد النبوة على الوجه الذي كانت فيه مقاصدها صاعدة إلى تحقيق فهم وإثارة وعي - هو أن قارئ القرآن يزدادُ قُرْبةً من شرف النبوة بفهمه لمعاني القرآن ومقاصدها، وليس الفهم ها هنا فهماً سكونِيَّاً مُغْلقاً للمعاني وللمقاصد مجردة عن لواحقها العملية بل هو فهمُ مُتحرِّكُ حي لواقعها في هذه الحياة: فهمُ حركيُّ مفتوح؛ أعني قدرة التغيير في الواقع بعد التحويل في النفس.

وإنّه؛ ما لم تتحول النفس عن ركامها المتراكم الدفين، إلى حياة تتلقَّاها من أعلى، ما لم ترتحل من جسد يطويها وكثافة تشملها، فإنها لن نتحقق أملها المنشود في الخلاص. فالتغيير الذي يتمُ في الواقع لابد أن يكون قد سبقه تغييرٌ قد تمَّ فعلاً في النفس؛ لأن الواقع لن يغير نفسه بنفسه، فلا مناص من وجود أشخاص غيروا من أنفسهم أولاً، وارتحلوا عن طباعهم ثانياً، فاستجاب لهم الواقع ثالثاً، فحققوا ما كانوا يأملونه من نشدان الخلاص رابعاً. وتلك هى اِحْدى ركائز الذاتية الخاصَّة للقرآن: قدرة التغيير في الواقع بعد التحويل في النفس.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

قصي الصافيأوجزت الحلقة الاولى من المقال المنعطفات التي أعقبت الاوبئة والحروب والازمات الاقتصادية عبر التأريخ، ويواجه العالم اليوم وباء الكورونا بانتظار ما قد تتركه تلك المرحلة من تغييرات قد تكون جوهرية في المستقبل القريب.

  ما عبرعنه رجال الفكر والسياسة والصحافة من وجهات نظرعما سيؤول اليه عالم ما بعد الكورونا قد تجاوز إنشغالات اصحاب الاختصاصات الطبية والصحة العامه في مواجهة الوباء، وهوأمرطبيعي ومنطقي فالوباء يتجاوز صحة الفرد ومرضه الى صحة المجتمع وأهلية الانظمة السياسية والاقتصادية في حمايته.

لاستشراف الصورة التي سيكون عليها عالم ما بعد الكورونا، علينا قراءة اسباب الارباك والتخبط الذي تشهده الحكومات في مواجهة الوباء رغم التطور العلمي والقدرات التكنولوجية العالية المتوفرة لديها، وتشخيص قصور الانظمة السياسيه ومناهجها الاقتصادية.

أهمية القرار السياسي:

يحلو للأعلام الرسمي التركيز على تأخر القادة في اتخاذ اجراءات الحجز الصحي وغلق الاقتصاد مؤقتاً لمنع انتشار الوباء، ويراد بذلك حرف الانظار عن الخلل البنيوي في النظام الاقتصادي وانعكاساته على الأنظمة الصحية، كما أنها تغفل ارتباط القرارات السياسية الخاطئه بالعقلية النيوليبرالية وقصورها الاخلاقي المتمثل بأولوية الاقتصاد وجني الارباح على حياة الناس وصحتهم، بحيث لم يتوان بعض السياسيين عن التصريح علناً بان استمرار عجلة الاقتصاد تستحق التضحية بكبار السن والمرضى!!. بقولنا هذا لانستهين بأهمية القرار السياسي الصائب في الوقت المناسب، فيكفي أن نقارن بين حالة كوريا الجنوبيه واميركا التي ظهرت فيهما اول إصابه في نفس اليوم، وقد رأينا كيف ان استهانة وتلكؤ الادارة الأمريكية قد ساهم في استفحال الوباء اضعافا مضاعفة مقارنة بكوريا الجنوبية، ولكن لايمكن اعتبار القرار السياسي سبباً وحيداً وفي معزل عن النظام العام، كما تحاول توظيف ذلك سياسياً الاطراف المنافسة لترامب.

النظام النيولبرالي في موقع الدفاع:

يكاد يكون هناك شبه اجماع على ان الخلل يكمن في تسليع ما هو أساسي في حياة الانسان وإخضاعه الى منطق السوق، فمن أساسيات النظام النيولبرالي الذي يحكم العالم تحجيم دور الدولة وتقليص الانفاق على برامج الرعاية الاجتماعيه والتعليم والصحة بوجه خاص،

والإفراط في خصخصه القطاعات التي تمثل عصب الحياة للأنسان. الخصخصة التي سوقت على انها المصباح السحري لأي معضلة اقتصادية ومفتاح لفردوس السعادة والازدهار، قد أضعفت من أهلية الانظمة الصحية في مواجهة الوباء، بما فيها انظمة الرعاية الشاملة التي كانت الشعوب تتمتع بها في ظل ما يسمى بدول الرفاه، وذلك لتقليص الانفاق الحكومي على تلك الانظمة في العقدين الأخيرين.

ولئلا يتخذ نقدنا لبوساً إيديولوجياً نسوق بعض الشواهد و الأمثلة:

العقلانية اللاعقلانية في منطق الاقتصاد الحر:

 قد يبدو التعبير غامضاً أو متناقضاً للوهلة الاولى، فليصبر عليّ القارئ حتى يتضح المغزى في الامثلة التالية:

- في شهادته أمام الكونغرس ذكّر د. بيتر هورتز بما توصل اليه فريقه العلمي من تركيب اللقاح الناجح ضد أمراض فصيلة الكورونا (السارز و الميرز و الكورونا القديمة) وذلك عام 2016، ولو حصل على التمويل لتصنيعه بكميات كافيه، لساهم في انقاذ أعداداً كبيرة من الناس الآن ولاستمرت دورة الاقتصاد دون انهيار، فما الذي حصل؟ رفضت الدولة تمويل المشروع بسبب الأجندة النيوليبرالية (تقليص الانفاق) - علماً ان الفريق العلمي المتخصص بالبيئة والأوبئة في البنتاغون كان قد قدم تقريراً مفصلاً عام2017،  يتنبأ فيه باحتمال ظهور وباء سريع الانتشار بالهواء -، ورفضت الشركات الخاصة تمويل المشروع ايضاً، وهي بهذا قد اتخذت قراراً عقلانياً وفق منطق السوق، فالأدارة الحكيمة لا تجمد أموالها دون أرباح في ثلاجات تخزين اللقاحات، إلا ان النتيجه اللاعقلانية تتمثل في حالتنا الآن ونحن ندخل حرباً مع الوباء دون أسلحة!!، وهذا ما قصدته بالعقلانية اللاعقلانية لاقتصاد السوق الحرة.

- في استشرافه لتطور الرأسمالية توقع ماركس تركيز رأس المال لدى أقلية قليلة جداً، وهذا ما نشهده بوضوح اليوم عن طريق اندماج الشركات مع بعضها وشراء الشركات الصغرى من قبل الشركات الأكبر في رأسمالها، الظاهرة المميزة للرأسمالية الاحتكارية، وهو ما يناقض جوهر الرأسمالية نفسها المتمثل بأهمية التنافس في السوق، ولكن ما علاقه هذا بالكورونا؟. في عام 2010 تعاقدت ادارة أوباما مع شركة نيوبورت لتصنيع اجهزة التنفس باعداد كبيرة تحسباً لأي وباء فيروسي رئوي، وكان من المؤمل البدء بالتسليم عام 2013، إلا أن شركة كوفيدينز اشترت شركة نيوبورت، فأصبح العقد ملغى قانوناً، وطالبت الشركة الجديدة الحكومة بتعديل العقد بضعف السعر، ولما كانت الحكومة تتعرض الى انتقادات الحزب الجمهوري واتهامها بزيادة نفقاتها، اضطرت الى الانسحاب من العقد، وهكذا توقف انتاج الاجهزة لعدم ربحية تسويقها، فليس من صالح المستشفيات الاستثمارية شراء أجهزة تركنها جانباً حتى تحين الحاجة اليها، ففي ذلك تجميد لرأسمالها الاستثماري، اذن موقف كوفيدينز والمستشفيات تعد عقلانية وفق منطق السوق في سعيها لزيادة الربح الاستثماري، إلا ان اللاعقلانية تكمن فيما يواجه الفرق الطبية اليوم من خيارات صعبة  بل لاأخلاقية، حيث يتحتم عليهم انتقاء من سيسلّم الى فم الموت ومن سيعيش باستخدام المتوفر من أجهزة التنفس!!.

- أكثر ما تعانيه الفرق الطبية اليوم نقص الاسرة في المستشفيات، ويعود ذلك أيضاً الى خصخصة النظام الصحي، فالمستثمر يحرص على ان يحقق أقصى الارباح بحيث لا تجمد أمواله بأجنحة احتياطية فارغه في المستشفيات، وتشير الاحصائيات الى ان نظام الرعايه الحكومي في كوريا الجنوبية يوفر ضعف عدد الاسرة التي يوفرها النظام الخاص في اميركا (محسوبة بنسبة عدد السكان)، وقد أغلقت في العقد الاخير 120 مستشفى كبير في أرياف اميركا وتحولت الى منتجعات و فنادق تدر أرباحاً أكبر على المستثمر، فهل يتحمل المستثمر بتصرفه وفق عقلانية السوق مسؤولية الوضع اللاعقلاني الذي وصلنا اليه، أم يلام نظام تسليع الخدمات الصحيه وعرض الأمن الصحي للمواطن في بازار الاستثمار والاحتكار؟.

 من تلك الامثلة وغيرها الكثير يتضح ان وباء الكورونا قد وضع النظام النيولبرالي في قفص الاتهام، وهو لا يواجه تهمة الفشل في مواجهة الجائحة فقط، بل يرجّح العلماء أن سبب الاوبئة الرئيسي هو انتقالها من الحيوانات البرية التي تمتلك مناعة ضدها الى الانسان الذي يفتقدها، وان الاحتباس الحراري وتدمير الغابات قد جعل الحيوانات البرية تفقد مواطنها لتصبح في تماس مباشر مع الانسان، والمتهم الاول في ذلك هي العولمة النيوليبرالية التي تفتقد الى اي ضوابط في مجال الحفاظ على البيئة. اذن من المتوقع أن تفتح الابواب للتأمل و مراجعة آليات الأنظمة السياسية والاقتصادية، بل من المتوقع ان يجري صراع لرسم ملامح المستقبل بين القوى الراغبة بالتغيير وتلك التي ترغب بالأثراء والاستمرار بما كان عليه الحال قبل الوباء، وسيكون هذا ما ستناقشه الحلقة القادمة... يتبع

 

قصي الصافي

 

 

حيدر جواد السهلاني"حيث يوجد الموت، لا أوجد أنا، وحيث أوجد أنا، لا يوجد الموت، فلم القلق، لوكريتيوس"

المقدمة:

لا حديث يعلو فوق وباء كورونا، ولا شيء يوقف ضجيج العالم هذه الأيام سوى الحديث عن تداعياته الصحية والاقتصادية، وكيف سيتصرف العالم مع هذه الجائحة الخطيرة، فبعيداً عن الآراء الطبية التي غير مخولين بالكلام عنها، لذلك سوف نستعرض موقف الفلسفة والدول العربية تجاه كورونا. أن تاريخ الأوبئة قديم منذ زمن بعيد، وقد شكل مأساة للإنسانية، ومنذ ذلك الزمن تدخل السياسة في صراع حول وجود الوباء، وتبدأ الأزمات بين الدول والمراشقات السياسية والاتهامات كما هو اليوم حاصل بين الدول، فمثلا بعض الساسة الأمريكان يتهمون الصين (مختبر ووهان) بتصنيع الفايروس أو تخليقه أو هو خطأ طبي، والصين تنفي ذلك، وترى أن هذا الكلام غير منطقي وغير صحيح، ولا يوجد دليل على ذلك. وقد تعددت النظريات حول نشأة هذا الفايروس، فمن أرجعها إلى مؤامرة وحرب بيولوجية بين الدول الكبرى، أو هو لعبة اقتصادية من اختراع شركات الأدوية، ومن رأى أنها بسبب تقنية الجيل الخامس للاتصالات. ويرى البعض من المفكرين حول موضوع تخليق الفايروس وهي نظرية المؤامرة الساذجة، والتي يتبناها الكثير من السياسيون، وأصحاب نظرية المؤامرة يفتقرون دائماً إلى أدلة وإثباتات، ولكن يصرون على التشبث بمواقفهم، ويقال ما يمكن تأكيده بدون دليل، يمكن رفضه بدون دليل، والتفسير الأبسط هو غالباً التفسير الأصح. وعلى الرغم من أن كل القرائن والدلائل تشير إلى أن كل الدول وقعت ضحية لهذا الفايروس، وأنه من الصعب تخيل أن يكون ظهور أو أنتشار هذا الفايروس، هو نتيجة مؤامرة صينية على الغرب أو مؤامرة غربية أو أمريكية على الصين، أو غيرها من دول العالم، فما زال هناك من يتبنى مثل هذه الأفكار أو نظريات المؤامرة الساذجة. أن كارثة كورونا اعادت النوع البشري إلى المربع الأول، إلى وحدة النوع البشري والمساواة التامة بين البشر، وأن القدر مشترك ما بين البشرية جمعاء، ولابد من مراجعة الدول وظيفتها تجاه شعبها، فقد باغت فايروس كورونا العالم بسرعة تفشيه، ولم يعد هناك بلد بمنأى عن تداعيات هذا الوباء، ولم يتوقع العلماء في البداية بأن المارد سيخرج من قمقمه بووهان، ويغزو القارات البعيدة، ومالبث وأصبحت أخبار فايروس كورونا تملأ الدنيا وتشغل العالم وطال تأثير الصدمة جميع مرافق الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية، ومن المعلوم أن هذا الوضع ينعكس سلباً على المستوى النفسي لدى الأفراد وقد تتخبط الحكومات في القيام بالإجراءات بعد ارتفاع عدد المصابين بكورونا واتباع جغرافية انتشار العدوى وإعلان منظمة الصحة العالمية بأن الوباء بات معلوماً، ومع تزايد المدن الموبوءة وتبدل سلوكيات الحياة العادية، فقد أصبحت الشوارع خالية من المارة، وتم الغاء ممارسة الطقوس والشعائر الدينية في دور العبادة، إضافة إلى وقف النشاطات الثقافية والرياضية. وقد أضحى الإنسان يلعب الدور الرئيسي منذ إدراكه حركة الأحداث والوقائع التاريخية، ويمكن القول أن فايروس كورونا درس فلسفي جديد للإنسان، ويحتاج إلى قراءة عميقة وواعية، تقوم بها عقول فلسفية رصينة وتمتلك موهبة التفكير ومهارات الرصد والتحليل وبراعة التعبير، وأن الاحداث والمتغيرات من جراء كورونا سوف تدفع البشر إلى مراجعة المعاني التي كانوا يعيشون من أجلها ومراجعة الكثير من القناعات والأفكار والمفاهيم التي ثبت فشلها في مواجهة الأخطار التي جسدها هذا الفايروس والحقائق التي كشف عنها، وأن عالم سيطرة القطب الأمريكي الواحد قد صار خطراً على البشرية، وأن العولمة التي اعتبروها نهاية للتاريخ وانتصاراً للنموذج الرأسمالي الغربي، وقيمه ومفاهيمه وثقافته، وقد صارت عولمة للكوارث التي أصبحت تهدد استمرار الحياة على الأرض وكل المتغيرات والحقائق سوف تجعل الفلسفة ضرورة حياة في عالم ما بعد كورونا لكي تعطي معنى جديد أكثر إنسانية للحياة. وقد تزايد الإجراءات لمواجهة تفشي فايروس كورونا المستجد، التي تضمنت حظر العديد من بلدان حول العالم السفر إليها ومنها، وبدأت أزمة كورونا بمثابة اختبار هائل للعولمة وفلسفتها التي سادت العالم المعاصر منذ الحرب العالمية الثانية، وسلطت الأزمة الضوء على ما اعتبر جوانب سلبية للعولمة والتكامل الدولي واسع النطاق، أذ اعطت شرعية ومبرراً للقيود على التجارة العالمية وحركة الأشخاص والبضائع. وبذلك أن فايروس كورونا المستجد لم يعد حالة طبية، ولم يبق مجرد وباء تحول إلى جائحة عالمية ترعب الناس، بل عطل الحياة من كل نواحيه وأجبرهم على البقاء في المنزل، وظهرت الابحاث الطبية والفكرية، أما الابحاث الطبية فهي تخص بمعالجة هذا الوباء وايقافه، أما الابحاث الفكرية فهي قراءة الواقع ومعالجته، أذ أزمة كورونا كشفت الصدع الثقافي والاجتماعي والسياسي الذي تعيشه البلدان، فالبشرية تعيش الآن لحظة وبائية عاصفة هزت أركان العالم، كما هزته من قبل الحرب العالمية الثانية، وانهيار الاستقطاب الثنائي، فزعزعت ما كان يعتبره الإنسان استقراراً وأعادت خلق كل الأوراق مهيأة بذلك قراءة جديدة للواقع، وقد تحركت أقلام الفلاسفة والمثقفين وتحولت أقلامهم إلى سيارات اسعاف فكرية تتناول المطبات والمآزق التي أدت بالبشرية إلى أزمة كورونا.

كورونا والفلسفة:

أن الفلسفة ليست كما يروج لها العديد من الناس، هي مجرد تأملات طوباوية فارغة أو تخيلات، كما أنها ليست أيضاً مجرد طرح للأسئلة، فطالما قدم الفلاسفة أجوبة لمشكلات عصرهم، فكتاب الجمهورية عند افلاطون يقدم نظرية وجواب عن إشكالات المجتمع اليوناني، وأيضاً ديكارت في مقال عن المنهج، يقدم أجوبة لمشكلة استخدام العقل، وكذلك فعل سبينوزا على المستوى السياسي، لذلك الفيلسوف أبن عصره، وهو عصارة عصره. ويبرز فايروس كورونا بقوة كمحور لنقاشات المهتمين بالفلسفة بعضهم يرى أنه فك نظرية صراع الحضارات لهنتنجتون، وأن وجوده ألغى معالم العولمة بمعناها التقليدي، وآخرون وصفوا الفايروس بأنه عطل فكرة الفرد ككيان أخلاقي وهدم الفلسفة، في حين أبرز البعض استثمار النظام الرأسمالي للخوف من كورونا، بغية مزيد من التحكم في حياة الناس وسلوكياتهم وتقيد حرياتهم من خلال إعادة الاعتبار للدولة، وآخرين يرون أنه استطاع بناء نظرية أخرى لنهاية التاريخ بشكل يخالف ما قاله فوكو ياما، وآخرين يرون بأن فايروس كورونا طرح فكرة الشيوعية الجديدة التي تختلف عن الشيوعية القديمة.

ادغار موران (1921):

يرى موران أن النظام العالمي الرأسمالي أدى إلى كشف المفارقة بين المستوى التقني والاقتصادي وهو ما خلق مفارقة كبيرة كشفتها جائحة كورونا، وأن التقدم العلمي والاقتصادي لا يعني أن تستغل الدول الكبرى التقنية الحديثة لصالحها، والحقيقة يرى موران أن الإنسان لم يقضي بعد على الوحشية، وتنبأ في أن تاريخ العالم لن يتوقف عن العنف والصدمات، معتبراً أننا لا نزال نعيش قيم العصر الحديدي. فالعولمة حولت العالم إلى سوق كبير، وإن هذه السوق العالمية التي نعيش فيها، لم تتمكن من خلق مشاعر الأخوة بين الشعوب، بل على العكس من ذلك خلقت حاله من الخوف من المستقبل، واليوم جاء فايروس كورونا ليسلط الضوء على هذه المفارقة ويجعلها أكثر وضوحاً للجميع، ويعتقد موران أن تطورات الاقتصاد الرأسمالي التي خلقت المشاكل الكبرى التي يواجها الكوكب الآن، مثل تدمير البيئة والأزمة العامة في الأنظمة الديمقراطية، وتزايد التفاوت الطبقي وغياب العدالة بين الناس وتسابق نحو التسلح وصعود الأحزاب والشخصيات الاستبدادية والديماغوجية، ويرى في الرأسمالية دمرت البيئة والديمقراطية والمساواة الاجتماعية، ويمكن ملاحظة هذه المفارقة على نطاق مصغر، وذلك عبر النظر في العلاقات الشخصية بين الناس، إذ أن تفشي الفايروس يمثل تحدي للإيديولوجيا الكامنة التي سيطرت على الحملات الانتخابية في السنوات الأخيرة عندما شهدنا تكرار شعارات أنانية من قبل بعض الدول، وهي شعارات قدمت صورة مشوهة عن الإنسانية، وجعلت الأمر يبدو كما لو أن كل فرد يمثل جزيرة معزولة عن الآخرين. وقد بات من الضروري اليوم تشجيع على خلق نوع من الوعي المشترك بين سكان العالم، بناء على أسس إنسانية، وذلك من أجل تشجيع التعاون. وقد أظهر لنا هذا الوباء أن الإنسانية تمثل قارة موحدة، وأن البشر مرتبطون ببعضهم بشكل عميق، إذ إننا في هذه اللحظات العصيبة من الوحدة والعزلة، بعيداً عن المشاعر والاصدقاء والمجتمع، أصبحنا أكثر وعياً بحاجتنا للآخر، فكثير من الناس رفع شعار أنا سأبقى في المنزل ليس فقط لحماية نفسي بل أيضاً لحماية الآخرين الذين هم جزء من مجتمعي، فالإجراءات والتدابير الاحترازية والصحية المفروضة لمجابهة أنتشار الفايروس، أجبرت الناس على البقاء في المنزل وأيقظت فيهم مشاعر الأخوة، ولكن يحذر الفيلسوف موران من أن التجارب علمتنا أيضاً أن الأزمات الخطيرة يمكن أن تؤدي لتفاقم ظواهر الانغلاق باعتبار أن البعض يشرعون مباشرة في البحث عن كبش فداء يلقون عليه اللوم. وأعتبر موران أن تصريح رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون سوداوي وصادم في بداية الازمة، حين طلب من البريطانيين الاستعداد لفراق أحبتهم ومشاهدة كثير من ضحايا الفايروس، يمثل نموذجاً صارخاً حول تفضيل الحسابات الاقتصادية على الجانب الإنساني، أذ الانظمة الرأسمالية مستعدة للتضحية بالفئات الهشة والضعيفة، أي المسنين والمرضى، وهو أمر يتماشى تماماً مع منطق الانتقاء الطبيعي ونظرية داروين حول البقاء للأصلح، وفي هذه الأزمة تماماً كما يحصل في اقتصاد السوق، فإن أولئك الذين لا يستطيعون المنافسة، يكون مصيرهم الفناء، ويعتبر موران أن تطبيق هذا المنطق على البشر يكشف عن قسوة الليبرالية الجديدة، لذلك فإن خلق مجتمع إنساني حقيقي يبدأ بالوقوف في وجه هذا الفكر الداروني الاجتماعي بأي ثمن، ويرى  أن هناك جانب مشرق وهو النوع الايجابي من العولمة وتتمثل في انخراط الباحثين من كافة العالم في تعاون دولي للتغلب على الفايروس.

نعوم تشومسكي (1928):

يرى تشومسكي أنه من الضروري التعامل مع فايروس كورونا بنفس الخطاب التعبوي في زمن الحرب، فنحن بحاجة إلى عقلية تضاعف التصنيع وتدفع بالنمو لأقصى درجة، للتغلب على الأزمة على المدى القصير والذي تتمكن فيه الدول الغنية من مساعدة الدول الفقيرة، وأن أزمة كورونا أثبتت فشل سياسات السوق والتي فاقمت المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، وأن جائحة كورونا ماهي الاعلامة تحذير لتكشف عن عيوب النظام العالمي الذي تعيشه، والتحلل في النواحي الاجتماعي والاقتصادي. ويرى في كورونا خطير بما فيه الكفاية، لكن من الجدير بالذكر أننا نقترب من الرعب الأعظم، وهو السباق إلى حافة الكارثة، وهو حدث أسوأ بكثير من أي شيء حدث للإنسان عبر التاريخ، ترامب واتباعه هم في صدارة هذا السباق نحو الهاوية، والهاوية تتمثل بتهديدين، الأول: هو التهديد المتزايد لاندلاع حروب نووية. والثاني: هو التهديد المتزايد للاحتباس الحراري. ويمكن التعامل مع التهديدين، لكن لا يوجد الكثير من الوقت لتداركهما، وفايروس كورونا يمكن أن تكون له عواقب مرعبة، لا يمكن بعدها العودة إلى الوراء حتى لو تم التعافي وحدث الانتعاش، ويرى تشومسكي أن فايروس كورونا هو أشد صدمات العصر ومن الجوانب القاسية لأزمة كورونا مواصلة استخدام العقوبات لزيادة الألم بوعي تام، ولجعل المعاناة أشد مرارة. أما بالنسبة إلى الإجراءات الاستثنائية التي تطبقها الحكومات من إغلاق للحدود وحظر للتجوال واستخدام الجيش في تطبيق إجراءات العزل، قد يتسبب بتدهور والنزوع إلى الاستبداد في كثير من المناطق، ويرى تشومسكي أننا بحاجة إلى أقل من ذلك للتعامل مع الوباء، نحتاج إلى عقلية الحركة الاجتماعية، من أجل التغلب على المدى القصير على أزمة شديدة تعبر عن فشل ذريع للنيوليبرالية( وهي مجموعة من السياسات الاقتصادية التي أصبحت منتشرة خلال السنوات ال25 الماضية، وهي تبدأ فكر ايديولوجي مبني على الليبرالية الاقتصادية، التي هي المكون الاقتصادي لليبرالية كلاسيكية، والذي يمثل تأييد الرأسمالية المطلقة وعدم تدخل الدولة في الاقتصاد) واقتصاد السوق لا يكف عن التزايد ويمكن هنا أن نتذكر كيف تم التعامل مع انفلونزا الخنازير(2009) وتعافى منها كثير من الناس وتم إيجاد اللقاح للقضاء على الوباء حين تحركنا بسرعة. ويسأل تشومسكي حول مصير البشرية بعد كورونا؟ ويعتبر أن الفايروس حمل معه أشياء إيجابية، هي إشارات تحذيرية لنا من الخطر الداهم الذي يلوح في المستقبل القريب ليحثنا على التحرك والاستعداد، بخاصة أن الديمقراطية في خطر بسبب حالة الاستثناء التي يتحكم فيها قلة قليلة من هم أسياد النيوليبرالية وسيواصلون التحكم برأيه، أن لم تتم الإجابة عن سؤال وجودي هو (أي عالم نريد أن نعيش فيه)، ويرى تشومسكي أن أمامنا خيارات عديدة تتراوح بين تركيب استبدادي للغاية في العالم تتحول فيه الدول إلى أكثر وحشية أو خيار الراديكالية و إعادة أعمار المجتمع، أو خيارات أخرى كالعودة إلى المصطلحات الإنسانية المعنية بالاحتياجات البشرية وعدم تغليب الصوت الاقتصادي لمنفعة النيوليبرالية. أن أزمة كورونا باعتقاد تشومسكي هي مجرد جزء واحد من كابوس رهيب مقبول، وأن لم يشرع الناس على الفور في تنظيم أنفسهم ويتضامنوا في ما بينهم لتحقيق عالم أفضل بكثير من العالم الذي يعيشون فيه، سيواجهون مصاعب هائلة لطالما أعاقت طريق الحق والعدالة. فيعتقد تشومسكي أن فايروس كورونا علامة ودرس للبشرية وعلينا أن نبحث في الجذور التي تؤدي إلى الأزمات التي ربما تكون أسوأ مما نواجه اليوم والتحضير لكيفية التعامل معها ومنعها من الانفجار.

يورغن هابرماس (1929):

يرى هابرماس أن جائحة كورونا فرضت على العالم التصرف عن جهل صريح، حيث يرى التباس في قرارات الدولة، أذ تتخذ مجموعة قرارات على استشارة خبراء عالم الفيروسات المعترفين بجهلهم، ويتوقع هابرماس أن هذه التجربة الغير العادية ستترك بصمتها على الضمير العام، وحث هابرماس المؤسسات الصحية للاستعداد  وإلا ذلك سيؤدي إلى ارتفاع معدلات الوفيات، وحث أيضاً الاتحاد الأوربي على مساعدة الدول الأعضاء الأكثر تأثراً، وقال علينا أن نكافح من أجل إلغاء النيوليبرالية.

ديفيد كابلان (1933):

يذهب كابلان إلى أن جائحة كورونا ستكون الحدث السياسي والاقتصادي الأهم، الذي سيدشن معظم الاضطرابات الجيوسياسية المحتملة في العقد المقبل، وسوف يتعمق في اعقابه نموذج جديد للعولمة تدخل إليه البشرية، ولن يكون أيضاً نهاية التاريخ، والعولمة في المرحلة الأولى التي استمرت من نهاية الحرب الباردة، حتى وقت قريب جداً كانت العولمة تدور حول اتفاقيات التجارة الحرة وبناء سلاسل التوريد العالمية، وخلق توسيع الطبقات المتوسطة مع التخفيف من حدة الفقر المدقع وتوسيع الديمقراطية، وزيادة كبيرة في الاتصالات الرقمية والتنقل العالمي، وفي المرحلة الثانية من العولمة تشكلت العولمة من خلال فصل العالم إلى تكتل قوى عظمى مع جيوش قوية وسلاسل توريد منفصلة، وكذلك ستشهد صعود الانظمة الاستبدادية، وتسود فيها الانقسامات الاجتماعية والطبقية التي ولدت الشعوب المعاصرة، إلى جانب انزعاج الطبقة الوسطى في الديمقراطيات الغربية.

جورجو اغامبين (1942):

يعتقد اغامبين أن إجراءات الطوارئ التي اتخذتها الحكومات في سياق مكافحة تفشي جائحة كورونا غير عقلانية وغير مبررة، ويرى أن السلطات تستخدم الظروف الاستثنائية لتبرير وتعطيل القانون وحيازة السلطة المطلقة، مشيراً لتحولها إلى حالة دائمة في النظم الدستورية الديمقراطية، ويرى أن الوضع بعد فايروس كورونا قد يؤدي إلى عواقب أخلاقية وسياسية، وتشكل الجائحة أكبر تهديد للبشرية منذ الانفلونز الاسبانية قبل قرن من الزمان، وتجعل إنسانيتنا المشتركة تشكل تهديداً أمنياً محتملاً، فالعدو داخلنا هذا المرة وليس تهديداً خارجياً، إذ ينظر الناس لبعضهم بعضاً على أنهم حاملون للفايروس، أما العلم بحسب اغامبين في وقتنا يشبه الأديان في قدرتها على أنتاج الأساطير والمخاوف في وقت الأزمات، ونشهد حالياً وصفات علمية مختلفة ومواقف متباينة تتراوح بين أقلية مهرطقة، تنكر خطورة الظاهرة، وخطاب أرثوذكسي سائد يؤكد خطورتها الحقيقية، ومع ذلك غالباً ما يختلف هؤلاء جذرياً في كيفية التعامل مع الأمر ومكافحة الجائحة، وكما هي الحال في هذه الأمور، يقف بعض الخبراء، أو من يخدمون مصالح السلطة التي تفرضها تدابيرها الاحترازية، مع تيار يميل إلى وجهة نظر هذه أو تلك، ويشبه الأمر أوقات النزعات الدينية التي قسمت المسيحية عندما وقف الخبراء لمصالحهم الخاصة، مع تيار أو آخر، بحسب تعبير اغامبين، ويرى اغامبين أن الناس لم يعودوا يؤمنون بأي شيء غير الوجود والحياة البيولوجية.

جاك أتالي (1943):

يذهب أتالي إلى أنه في حالة فشلت الدولة في إيجاد حلول لأزمة كورونا، سيشهد العالم بطريقة أو بأخرى تغير في انظمة الدول، وسيؤدي بنا ذلك إلى نظم سلطة جديدة ستقود العالم في السنوات القادمة.

مارسيل غوشيه (1946):

يرى غوشيه أن أزمة كورونا هي بمثابة اختيار لهشاشة ديمقراطياتنا التي تسترجع دائماً قواها في مواجهة كل أزمة، ويؤكد غوشيه أن تبعات أزمة كورونا ستعيد الاعتبار للسيادة الوطنية التي تعرضت للتهميش لصالح القواعد التي تفرضها العولمة. ويذهب غوشيه إلى أنه لا يمكن لأحد أن يتنبأ بحجم حدث كورونا، لكن الصدمة الفكرية والايديولوجية أماتت العولمة الليبرالية القائمة على مبدأ التجارة المرنة، وعفا عليها الزمن كحل لجميع المشاكل، فيما الحاجة إلى التفكير الاستراتيجي تفرض نفسها على نطاق المجتمعات الجديدة، نحن بحاجة إلى نموذج سياسي جديد، وهو ما ينبغي إبراز أهمية هذه التحولات، وإبراز أن التاريخ بين باستمرار أن انتشار الأوبئة الفتاكة والنكبات العالمية كان دائماً تمهيداً لاندثار شرعيات قديمة وقيام شرعيات جديدة مقامها على أساس القدرة على حماية البشر من الموت بعد أن تكون القوى المهيمنة أثبتت عجزها في ذلك.

فتحي التريكي (1947):

يؤكد التريكي أن الإنسانية تعيش في هذه اللحظة حالة من الفزع جراء وباء كورونا، مبيناً أنه لم يحسم بعد بخصوص التغيرات الجوهرية، التي يمكن أن تطرأ على نمط الحياة، ويرى أن الصحة أصبحت تشتري بالمال، وقد فضحت أزمة كورونا أسس الرأسمالية المكثفة، والتي يلخصها التريكي في هذا الجملة (المال قبل الرجال)، ويبين التريكي أن فوكو كان يحلل تصور السلطة انطلاقاً من حاضر عصره عندما كان العالم يسيطر عليه النظام الليبرالي الرأسمالي، أما اليوم وبعد التسعينات من القرن الماضي، أصبح العالم تحت وابل من الأزمات والمصائب وهو ما أطلق عليه التريكي الليبرالية المكثفة. وينتقد التريكي دولة أمريكا التي تركت الفقراء الذين يعيشون في غياهب ودهاليز نيويورك والسود يموتون على الأرصفة، وهو ما حدث أيضاً في فرنسا وتحديداً في سان ديني، حيث ترك العرب والمسنين وغيرهم بلا عناية يواجهون فايروس كورونا فرادى، ويرى أن السلطة مارست، ممارسة جديدة وهي الاحتقار والاستصغار والفرز والانتقاء، أما بالنسبة إلى الرأسمالية المكثفة فقد ثبت فايروس كورونا، أنها قسمت الإنسانية إلى إنسانيتان، إنسانية للحياة وإنسانية للموت.

بيتر سلوتردايك (1947):

يعتقد سلوتردايك أن فايروس كورونا يبدو أنه أكثر براءة من الفايروسات السابقة، وموجهاً بذلك نقداً لاذعاً لسياسات الحجر الصحي، وما رافق ذلك من إغلاق للحدود والمدارس والمؤسسات الدينية ومنع الحركة ألا للضرورة القصوى ، فيرى فيه سلوتردايك أنه مجرد استيلاء على السلطة وعودة لشبح النظام المسترجع.

سلافوي جيجيك (1949):

يعتقد جيجيك أن أزمة كورونا ستعطي معنى جديد للمجتمع، وسوف تتسبب بشيوعية جديدة، وهي بعيدة كل البعد عن تلك الشيوعية التاريخية، ويعتقد أن الحاجة والتضامن العالمي على الأزمة الصحية بمثابة اكتشاف مبتذل، لكنه ثوري في الوقت ذاته، ونحن نعيد اكتشاف حاجاتنا لبعضنا بعضاً اشخاصاً وشعوباً ولكن من دون جدوى. وتبين لدى جيجيك أن الحكومات غير مستعدة، ولم يعد هناك مكان لأمريكا أولاً ولمثل هذه الشعارات، وأننا بحاجة إلى نظام عالمي جديد للصحة العامة ووكالات دولية وقادة على العمل بإجراءات متفق عليها. ويعتبر أن فكرته عن الشيوعية ليست مجرد حلم مثقف، معتبراً أن انتشار الجائحة ستعطي قوة دفع لتضامن جديد عالمياً ومحلياً، وسيكون اختبارنا هو في بناء طريقة جديدة للحياة، لكن على الاشخاص أن يستعدوا، فالأمور بأيدينا الآن ولا ينبغي أن ننتظر حتى انتهاء الأزمة. ويعتقد جيجيك أن التكلفة النفسية ستكون باهظة الثمن، كما تخلق العزلة أيضاً أشكالاً جديدة من جنون الارتياب تتجلى في العديد من نظريات المؤامرة على شبكات التواصل التي لا تتوقف عن تكرار أن دولة مثل أمريكا والصين هي اصل الفايروس، وسلط الضوء على العلاقات الاجتماعية في إشارة إلى أنانية الاغنياء المنعزلين في مخابئهم أو على اليخوت، فعلى سبيل المثال نشرت المغنية الأمريكية مادونا في فيديو في حوض الاستحمام وتقول نحن جميعاً في نفس القارب نفسه، لكن الأمر ليس كذلك لأن الأبطال الجدد هم أناس عاديون. ويرى جيجيك، لابد من تضامن عالمي في هذه المرحلة فالجهد الوطني غير كافي، فالتضامن العالمي هو السبيل الوحيد العقلاني للمضي قدماً، ويرى أننا نعيش تجربة استثنائية، يمكن أن تكشف عن الأسوأ أو الأفضل، ولمواجهة الوحدة ربما يكون الحل الأمثل هو المضي قدماً في روتين يمنعنا من الاستسلام للفوضى والحفاظ على النظام، لنكون على استعداد للغد. ويعتقد جيجيك إن الحجر الصحي و الإجراءات الحكومية بالفعل تحد من حريتنا، ومع ذلك أدى تفشي الجائحة لنوع من التضامن المحلي والدولي، بالإضافة إلى أنه عزز الشعور بالحاجة لمراقبة السلطة نفسها وإثبات أن ما حققته الصين يمكن تحقيقه بطرق أكثر ديمقراطية وثقافية، وانتقد ترامب وأنصاره الذين يزعمون بأن الجائحة ما هي ألا مؤامرة. ويواصل جيجيك ويرى أن جائحة كورونا لا تكشف عجز العولمة السوق فحسب، وإنما أيضاً عجز الشعبوية القومية، معتبراً أن شعار أمريكا أولاً انتهى إذ لا يمكن إنقاذ أي بلد إلا من خلال التنسيق والتعاون الدولي الذي يحقق بقاءنا وبقاء الجميع. ويمكن لأزمة كورونا أن تكون فرصة للتحرر والديمقراطية ومناهضة الاستهلاك، وممكن أن تكون ضربة للرأسمالية ويمكن أن تعيد اختراع الشيوعية. ويرى جيجيك أن أزمة كورونا أدت إلى انتشار واسع من الفايروسات الأيديولوجية التي كانت راكدة في المجتمع وبدأت في الانتشار وعلى رأسها تناقل الاخبار المزيفة، ونظريات المؤامرة وانفجارات العنصرية ومظاهر الطبقية بأبشع صورها.

ميشال اونفري (1959):

يرى اونفري أنه على مدى العصور حصلت كثير من الأوبئة، وأدت إلى أنهاء حياة الملايين من الناس وإلى هجرة كثير من الناس، أن فايروس كورونا فد فرض قوته وجبروته على أعتى الدول التي تفتخر بتقدمها العلمي والتكنولوجي. ويبدو أن اونفري ناقداً وساخراً لسياسة التعامل مع أزمة كورونا، ويرى أن هذا الفايروس سيغير في تقديره معطيات الجيو سياسية ويسن قانوناً جديداً.

فتحي المسكيني (1961):

يعتقد المسكيني أن فايروس كورونا مشروع أخرس في هدم المكان، ويعطل فكرة الفرد من الداخل وفكرة الفرد  ككيان اخلاقي، ويحوله إلى رقم أو حالة حيوانية يبقى مشكوكاً في أنها حاملة للعدوى.( ويؤكد هذا الكلام تلك الإجراءات المتبعة في المطارات، حيث يتعامل مع الناس على أنهم حالات مشكوكاً في حملها للفايروس).

كورونا والدول العربية (خيبة أمل):

للأسف كشف فايروس كورونا عن هشاشة الوضع السياسي والإداري في الدول العربية، أو بالاحرى عدم تجذر المبادئ الكونية التي سيشهدها الفكر الإنساني وملازمتها للطبائع الإنسانية، مثلما كشف عن هشاشة السياسة وغياب النظم الاجتماعية، التي بإمكانها استيعاب اللحظات الصعبة من التاريخ، والأخذ بيد كل الفئات الاجتماعية، فأنشغل المواطنون بالتدافع على المأكولات لتخزينها، وللأسف تنشر بعض العوائل المترفة موائد معمرة والاحتفال بتجمع العائلة، والبعض من العوائل الفقيرة تتحايل على القوات الأمنية للوصول إلى مكان عملهم وبيع مواد بسيطة لسد رمق عائلته، لكن بالمقابل وللأنصاف وجد بعض التجمعات الشبابية وغيرها قاموا بتوزيع سلات غذائية وتطهير الأماكن، لكن مع ذلك لم تصل مرحلة التكاتف الاجتماعي، وهذا يشكل خيبة أمل لدولنا العربية المسلمة. أن العرب في مقاعد المتفرجين، ننتظر ما سيقدمه لنا الغرب الأمريكي والأوربي ودول اسيا المتطورة، من أفكار ومفاهيم جديدة لصنع العالم الجديد، فبلادنا مستهلكة للفكر والعلم والتكنولوجيا، وغير قادرين على أن نكون إضافة للحضارة الإنسانية ولمنجزاتها الفكرية والعلمية. في آخر التقارير التي ظهرت، ترى هناك أكثر من (400) تجربة سريرية، حول علاج فايروس كورونا، وكشف التقرير أن العرب لديهم فقط (4) تجارب ثلاثة في مصر، وواحدة في الأردن، وهذا يعبر عن خيبة أمل، أذ شعوبنا العربية لا تشجع على العلم (لا أريد التعميم لكن أغلب الدول لا تشجع) وهذا هو سبب عدم وصولنا إلى مستوى الدول المتقدمة. على الدولة أن تعتني بالمفكر وتعطي لهم مكانة مرموقة، في الدول الغربية تعتني الدولة كثيراً بالطرح العلمي والفكري للعلماء والمفكرين. وأخيراً أن السباق جاري في البحث عن علاج لفايروس كورونا، ونأمل من الدول العربية أن تدخل في هذا السباق، لأن كورونا سيكتبها المنتصرون.

 

حيدر جواد السهلاني

 

 

طبيعة العلاقات الاجتماعية لا تحكمها نظريات فلسفية مُجرَّدة، أو قوانين اقتصادية جامدة، لأن العلاقات الاجتماعية تبتكر طبيعتها الخاصة، وتؤسِّس قوانينها الذاتية، اعتمادًا على التغيرات في مشاعر الإنسان وأحاسيسه، والتغيرات في مسار المجتمعات والحضارات. وثنائية (التغيُّر الإنساني / التغيُّر الاجتماعي) هي الفلسفة الكامنة في أنساق الحياة داخل البُنى المعرفية وخارجها . والتغيُّر - كنظام فلسفي حياتي شامل - ينشأ بصورة مستمرة، ويتولَّد باستمرار، ضِمن مسار دائري تختلط فيه البداية بالنهاية، لذلك لا يُمكن للإنسان أن يتنبَّأ بموعد حدوث التغيُّر، ولا تستطيع الحضارةُ أن تتوقَّع مدى تأثير التغيُّر في الأنساق الحياتية .

2

الحضاراتُ السابقة كانت تملك زُعماء وعُلماء ومُفكِّرين وخُبراء في السياسة والاقتصاد والثقافة وعِلم الاجتماع، ومعَ هذا انهارت الحضارات السابقة، وغابَ شمسُها، ولَم يستطع أحد حماية حضارته من السقوط والاضمحلال، وهذا يدل بوضوح على أن الحضارات محكومة بقوانين حتمية وأُطُر زمانية ومكانية، لا يمكن تجاوزها أو التلاعب بها. وإذا حانَ موعدُ سُقوط الحضارة، فسوفَ تَسقط لا مَحَالة، حتى لو اجتمع الزعماء والعلماء والخُبراء لحمايتها . وإذا حانَ موعد وفاة الإنسان، فسوفَ يموت قطعًا، حتى لو اجتمع الأطباءُ الماهرون وأدويتهم الفَعَّالة وآلاتهم المتطورة .

3

المشكلةُ الجذرية في أنساق التفكير الإنساني تتجلَّى في عدم القدرة على التمييز بين الحتمية والاحتمالية. فالحتميةُ هي سُلطة القوانين الوجودية الحاكمة على المشاعر الإنسانية والمنظومة الاجتماعية، وهي سُلطة أساسية ودائمة، وغير مُتأثرة بالزمان والمكان . والإنسان جاءَ إلى هذا العَالَم، واكتشفَ وجودَ هذه السُّلطة، ولم يَخترعها . أي إن وجودها سابق على وجود الإنسان نَفْسِه، والإنسان تابع لها بإرادته ورغمًا عنه. أمَّا الاحتمالية فهي سُلطة القوانين التي وضعها الإنسانُ بنَفْسه لتدبير أُموره، وتنظيم شؤون مجتمعه، وهي سُلطة فَرعية مُتغيِّرة ومختلفة تبعًا لاختلاف الزمان والمكان وطبيعة الناس ومصالحهم، ووجود هذه السُّلطة خاضع للإنسان، وتحت تصرُّفه. وهذا التمييز بين سُلطة القوانين الحاكمة، وسُلطة القوانين المحكومة، في غاية الأهمية، لأنَّه يُوضِّح الفرق بين الحتمية والاحتمالية، كما أنَّه يُفَسِّر طبيعة التحولات الإنسانية والاجتماعية بشكل استباقي، مِمَّا يعني بالضرورة تَحييد عُنصر المفاجأة القاتل، والسيطرة عليه، ووضع خُطط للتعامل معه. وكما أن العَقل المُدبِّر الذي يُخطِّط للمعركة يجب عليه أن يضع خُطَّتَيْن : خُطَّة للانتصار، وخطة للهزيمة، لأنه لا يَعرِف المُفاجآت في طبيعة سَير المعركة، كذلك المُفكِّر الذي يَدرس خصائص المجتمعات والحضارات، يجب عليه أن يضع خُطَّتَيْن: خُطة ( أ) التي تُمثِّل المسار العام للأحداث المرسومة على الورق، وخُطَّة (ب) وهي خطة الطوارئ التي تُمثِّل الأحداث المُفاجِئة على أرض الواقع. وكما يُقَال: الشَّيطان كامن في التفاصيل .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

 

اياد الزهيريأن من مبررات ظهور مفهوم الأصلاح هو نتيجة لما حصل من أنحراف، وما وقع من تخريب على مستويات وأصعده مختلفه، وبما أن موضوعنا أجتماعي يكون عندها الأصلاح يتعلق بالخلل والأنهيار الأجتماعي الذي حصل في مجتمعنا العراقي، ولكن هناك سؤال يقول، ما هو المعيار الذي يصنف الخلل الأجتماعي من عدمه؟ فالمعيار مهم في كل المجالات في تشخيص ما هو أيجابي وما هو سلبي على كل الأصعده والحالات وخاصه في الجانب الأخلاقي والسلوكي، لأن هذا المعيار فيه جانب نسبي بأعتباره يختلف بأختلاف الأمم والشعوب، لذى ترى أن لكل أمه وشعب منظومه أخلاقيه يتميز بها عن غيره، كما من المهم أن نشير الى أن كل أمه أو شعب له روح يتميز بها عن غيره، وهي سر تمايز هذه الأمم والشعوب بالعالم . هذه الروح هي مجموع سجايا وطباع مجموع أفرادها من سلوكيات وأخلاق ونفسيات وعادات وأعراف يشتركوا فيها جميعا. هذه الروح جاءت حصيلة تجارب وخبرات طويله تبنت خلالها الأمه ممارسات سلوكيه، وبفعل التكرار الطويل لها عبر آلالاف السنين شكلت لها روحا، تسمى روح الأمه. هذه الروح تمثل كينونة الأمه وجوهرها، وهي البوصله التي تحدد أتجاهها في الحياة فيما بين أفرادها في علاقاتهم العامه، كما بينهم وبين الأمم والشعوب الأخرى. من الضروري الأشاره الى شيء مهم الا وهو مدى رسوخ هذه الروح، وهل هي أساسيه، وجوهر لا يمكن أقتلاعه عنها، أم شيء قابل للتحول والتغير فيها. طبعا روح الأمه هو عنصر جوهري وراسخ، وحتى يستورث عبر الأجيال، ولكن هل هو ثابت ثباتاٌ أبدياٌ، طبعا لا أعتقد ذلك، لأنه تَكونَ عبر الزمن، ويزول أو على الأقل يتغير تدريجيا عبر الزمن، مع تغير عوامل تتعلق بتغير البيئه، وحدوث الأزمات العديده، والحروب الطويله، وظهور متبنيات جديده وخاصه الأيديولوجيات . يقول غوستاف لوبون هناك (عناصر ثانويه بجانب روح العرق الأساسي) . هذه العناصر الثانويه يمكن أن نصفها بالقشريه أما الأخرى فهي بالجوهريه . طبعا العناصر الثانويه أسرع تعرضا للتغير من الصنف الآخر الجوهري، وللتوضيح يمكننا الأشاره الى عناصر هذه الروح وهي (الأراده، الشجاعه، الكرم، المروءه، الأيثار، الشهامه، التفكير الأستنباطي، التفكري الأسطوري....) .من الملاحظ أن السمات الأساسيه تعمل ككابح قوي لأي أتجاه تغيري، وهي تعمل كعمل النفس اللوامه التي يذكرها القرآن الكريم حيث تؤنب الشخص الذي يقفز عليها أو يحاول تجاهلها أو معاكستها بنسق مغاير لنسقها. صحيح من الصعب تغير الصفات الأساسيه، ولكن لا يعني من المستحيل حدوث تغير عليها ولو بشكل تدريجي، وهذا هو الذي يؤشر لبدايات عمليه تغيريه ظهرت بوادرها في الكثير من السلوكيات والأخلاقيات وخاصه في العنصر الشبابي الذي أنفتح وتأثر بوسائل التواصل الأجتماعي، وبما وفرته الحريه الأعلاميه من فرص الأطلاع والتلاقح مع المجتمعات الأخرى . طبعا لا ننسى ما للأزمات العنيفه والسريعه ما تشكله من صدمات قويه وخاصه للمجتمعات المحافظه، وما تحدثه من خلخله في منظومتها القيميه، فيعرضها لحاله من التصدع والتحلل فتظهر في الشارع سلوكيات تثير مقت الكثير، وتحدث حاله من اللا أنسجام بين أفراد المجتمع الواحد مما يهدد وحدة المجتمع وتعرض نسيجه الأجتماعي للأهتزاز والتمزق، طبعا من الملاحظ أبتداءً تظهر سلوكيات جديده، وتختفي صفات تعتبر ثانويه، فيظهر مثلاً الغدر، والأحتيال والنصب، والسرقه، والرشوه ووو، ولكن في أي صدمه معاكسه ترجع بالمجتمع الى الحاله الأولى،وسرعان ما يتخلى المجتمع عن الصفات الجديده التي تبناها لوقت قصير، ولعلنا لمسنا الكثير من هذه الحالات عندما تعرض المجتمع العراقي الى تغيرات بفعل ما أدخله البعث من أساليب ومتبنيات جديده لا تمت لموروث المجتمع بصله فظهرت ممارسات مستهجنه مثل كتابة التقارير على الجار والصديق وحتى الأخ وهذا ما يتعارض ومعاني الشهامه والمروءه والشرف الذي يتميز به العراقي على طول تاريخه الطويل، ولكن خلال الحرب حدثت هجره كبيره الى الله والتمسك بالقيم الدينيه بعد أن هجرها الكثير في سبعينيات القرن الماضي، كما أتوقع في هذه الأيام أن يكون مجتمع ما قبل الكورونا غير المجتمع ما بعد الكرونا، وهذه هي المنعطفات والصدمات التي تترك آثارها التغيريه على البنيه الأجتماعيه تاركه وراءها آثار تهز منظومتها القيميه الأساسيه مما تسبب منعطفات في حياة الشعوب والمجتمعات.

يتضح لنا أن ألية التغير أصبحت عواملها معروفه لدينا، ومنها من غير السهل الوقوف بوجهها وأيقافها ولكن من الخطأ أن يصل الأنسان الى حد الفزع منها لأن هناك ما يشبه الجهاز المناعي في جسم الأنسان، الا وهي روح الأمه المشبعه لعقلها الباطن بقيم أساسيه يمثل موروثها الماضوي المترسب في وجدانها، ولكن يمكن للقلق منها يكون جدياً اذا توفرت ظروف أستمرارها ولم تنتبه مؤسسات الأمه الثقافيه والدينيه لملاحقة الظواهر الشاذه ومحاولة تفكيكها وتبيان خطورتها للمجتمع لكي ينتبه لها ويحاول يمنع تسللها الى الأجيال الصاعده، ولكن لا يعني أن لا يحدث تغير بالمطلق، فهذا لا يمكن،لأن دوام الحال من المحال،لذى تخضع المجتمعات الى صيروره دائمه خلال وجودها الحياتي.

هنا تتضح أهمية ما أن نكون على وعي من القيم المراد التمسك بها، خاصه ونحن أصبحنا نعيش ما يمكن تسميته بالعالم القريه حيث القوي يؤثر على الضعيف، وهناك من المؤثرات التقنيه والفنيه ما تمارس من عمليات الأيحاء والأيهام ما هو كبير وخطير، لذى تاتي ضرورة التوعيه والتثقيف والتنبيه الى ما يجري وتبيان خطورة ذلك للجمهور وشرح سلبيات الثقافه الطارئه علينا، وما هي أهداف ما يُصدر الينا من قيم خطيره على مجتمعنا، وحضارتنا، ومستقبلنا، خاصه وأصبحت ما يُصدر ألينا جزء من أسلحة الحرب البارده، لتدمير حضارات وشعوب تعتبرها قوى أخرى بأنها منافسه لها، تسعى الى تدميرها، لتنفيذ مخططات أستعماريه تنتهي بسيطرتها على ثروات هذه الشعوب وتسخير أبناءها لخدمتهم كعبيد، ومن خلالها يحققوا السياده على العالم كما خططوا له، وبشروا له في كتاباتهم كما في كتاب صراع الحضارات لكاتبه صموئيل هنتجتون. لذى يكون من المهم تشخيص منابع قيمنا الأصيله وهي قيم تجمع مابين القيم الأسلاميه والأنسانيه والحضاريه التي تحفظ لنا هويتنا وتصون شخصيتنا الحضاريه وبشرط أن تكون هذه المنظومه منفتحه على كل ما هو مفيد ويدفع الفرد والمجتمع الى الأمام في السلم العلمي والأنساني .وان لا نكون منغلقين على انفسنا فنصاب بالجمود والتحجر . يتبع

 

أياد الزهيري

 

 

محمد الورداشيطرحتُ هذا السؤالَ القديمَ/ الحديثَ لاعتبارين، أولهما أن قارئَ المقدمةِ عامةً، والبابِ الخاصِ بالخلافةِ والملكِ على وجهِ الخصوصِ، لا بدَّ وأنْ يعتقدَ أنَّ ابنَ خلدون يقيمُ فصلا بين السياسةِ والدين. أما الاعتبارُ الثانيُّ، فمردُّهُ إلى الباحثين الذين صنفوا ابنَ خلدون من بين العلمانيين العربِ الأوائلِ علما أنهُ لمْ يكن كذلك، وليستْ ثمةَ صورةٌ واضحةُ المعالمِ، في المقدمة، تثبتُ لنا هذا الزعمَ.

يصعبُ أن نصنفَ ابنَ خلدون في طبقة العلمانيين الأوائل؛ لأن ما ورد في المقدمة من مؤشرات ليس كافيا للقول إنه علمانيٌ أو من دعاةِ العلمانية، وإنما نجده قد بين بعضَ النقاطِ الفاصلة بين الدولة الدينيةِ ودولةِ الملك اللتين تختلفان باختلاف السياسة المعتمدةِ في كلِّ منهما. لقد عرفَ ابنُ خلدون الملكَ قائلا: "الملكُ طبيعيٌّ للإنسان"، وفي مواضعَ ومساقاتٍ أخرى، عرفهُ بكونهِ ضرورةً طبيعيةً للاجتماعِ الإنسانيِّ لما يحتاجهُ الناسُ منْ وازعٍ قاهرٍ يمنعهم منَ التسلطِ على بعضِهمُ البعض. وفي مواضعَ أخرى، نجدهُ يعدهُ ثمرةً طبيعيةً للعصبيةِ التي يقومُ عليها وبواسطتها، لذلك فإن سياستَهُ "تكونُ مفروضةً منَ العقلاءِ وأكابرِ الدولةِ وبصرائِها" (ص216) وهي السياسةُ العقليةُ التي تقومُ على "حملِ الناسِ على مقتضى النظرِ العقليِّ في جلب مصالحهمُ الدنيوية، ودفعِ المضار" (ص217). فالملكُ بهذا، يكون دنيويا بحتا، والدولةُ التي تنبني عليه هي دولةٌ دنيويةٌ؛ لأنها تقومُ على القوانينِ الوضعيةِ البشريةِ، وتراعي المصلحةَ الدنيويةَ لا الأخروية، ومن ثم، فإنها مذمومةٌ، حسب ابن خلدون؛ لأن أمور الدنيا "كلها عبث وباطل" (ص216).

أما الخلافةُ، ف"هي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا"، ومن هذا التعريف تكون الخلافة منصبا دينيا ودنيويا في الآن؛ أي أنه دنيوي في حماية المصالح الدنيوية- وهنا تشاركُ الملكَ في وظيفته حتى وإن كانت "دينا ليست من السياسة الملكية في شيء" (ص265)- والأخروية، وبهذا تجمع الخلافة بين الدنيوي والديني؛ لأنها "النظر الشرعي في مصالحهم (أي البشر) الأخروية والدينية". ومنه، يمكن القول إن سياستَها دينيةٌ. كما أن الناظر إلى تعريفات ابن خلدون للخلافة، يلاحظ أنه يعطي أسبقية لكلمة "الأخروية" على "الدنيوية"، كما أنه رأى في السياسة الشرعية الدينية منفعة؛ لأنها تهتم بمصلحة الإنسان دنيويا وأخرويا كما أسلفنا. لكن، لمَ تجمع الخلافة بين وظيفة الملك ووظيفتها؟

قبل أن نبحث عن إجابة للسؤال في المقدمة، نستنتج مما سبق أن ابن خلدون فرق بين السياسة العقلية (الدنيوية) والسياسة الدينية الشرعية (الأخروية)، وأكد أن الخلافة تجمع بين سياسة الدنيا والآخرة؛ لأن "أعمال البشر كلها عائدة عليهم في معادهم من ملك أو غيره" (ص216). وعودا للسؤال أعلاه، فإننا مطالبون بالعودة إلى الفصل: الأول والثاني والرابع والخامس والسادس من الباب الثالث من الكتاب الأول، لنجد أن الدعوة الدينية لا تقوم إلا بالعصبية (الملك غاية العصبية)، أي أنها تحتاج إلى عصبية قوية لتبليغها ونشرها في المعمورة كلها، وقد تم هذا في ما سمي بالفتوحات الإسلامية. كما أن الدولة تحتاج إلى تبني دعوة دينية؛ لأنها تقوي عصبيتها. فالدعوة الدينية الإسلامية، في بدايتها بمكة، كانت تحتاج إلى من يتبناها ويدافع عنها، لذا كانت الهجرة إلى الحبشة المرة الأولى والثانية ثم إلى المدينة، فكانت ثمرتها البيعة تحت الشجرة، وهنا امتزج الديني بالسياسي، وكان هذا الأخير وسيلة لتحقيق الأول، ف"لما كان الجهاد فيها مشروعا لعموم الدعوة وحمل الكافة على دين الإسلام طوعا أو كرها اتخذت فيها الخلافة والملك لتوجه الشوكة من القائمين بها إليهما معا" (ص258)، ومنه ف"لا قوام للشريعة إلا بالملك" (ص317). أما الدولة فإنها تحتاج للدين؛ لأنها تبحث عن مشروعية عليا، بمعنى أن كل دولة قامت على العصبية، الدولة الأموية والعباسية...إلخ، تتبنى الدعوة الإسلامية وحماية الشريعة، وصون أركانها وإرغام الرعايا على القيام بها، حتى تضفي مشروعية وتقدم تبريرا لوجودها، وكذا مصداقية على أفعالها.

وبالعودة إلى الفصل الثامن والعشرين (في انقلاب الخلافة إلى الملك)، فإننا سنجد أن الإسلام قد حرم العصبية الجاهلية التي تقوم على التفاخر بالآباء والأجداد. وأما ابن خلدون، فإنه يرى تحريمها إذا كان غرضها التغلب والقهر والاستبداد بالباطل، أما إن "كانت العصبية في الحق وإقامة الشرائع فأمر مطلوب، ولو بطل لبطلت الشرائع؛ إذ لا يتم قوامها إلا بالعصبية" (ص229). وكلما ذهبت العصبية ذهبت الخلافة (الدين)، فالخلافة الإسلامية، مثلا، ذهبت "بذهاب عصبية العرب وفناء جيلهم وتلاشي أحوالهم" (ص235). ولما تنته الخلافة يتحول الأمر إلى ملك صرف، والملك البحت عند ابن خلدون، يجب أن نأخذه بعين الاعتبار؛ لأن الملك البحت هو الملك الصافي من الخلافة، والصافي من الخلافة معناه أن الوازع الديني فيه لم يعد حاضرا بالقوة التي كان عليها  زمن الخلافة، بمعنى أن كفة الدنيوي رجحت على كفة الأخروي، ولعل هذا ما يؤكده التغير في الألقاب من الخليفة وأمير المؤمنين (في الصدر الأول) إلى أسماء بني أمية العروبية الخالية من اللقبين السابقين؛ "لأن العروبية ومنازعها لم تفارقهم حينئذ، ولم يتحول عنهم شعار البداوة إلى الحضارة" (ص255) إلى ألقاب العباسيين التي اختاروها "حجابا لأسمائهم الأعلام(...) وصونا لها عن الابتذال، فتلقبوا بالسفاح والمنصور والمهدي والهادي والرشيد...إلخ (ص255)، حتى صارت الأمور بأيدي العجم في المشرق والمغرب، وتعددت الألقاب بين العودة إلى الخليفة وإمارة المسلمين، أو إلى السلطنة (يمكنك العودة إلى الفصل الثاني والثلاثين: في اللقب بأمير المؤمنين).

 وإلى جانب تمييز ابن خلدون بين السياسة العقلية (الملك) والدينية (الخلافة)، فإنه أخرج من هذا التمييز ما سماه بالسياسة المدنية؛ لأن اهتمام هذه الأخيرة هو "ما يجب أن يكون عليه كل واحد من أهل ذلك المجتمع في نفسه وخلقه حتى يستغنوا عن الحكام رأسا، ويسمى المجتمع الذي يحصل فيه ما يسمى من ذلك بالمدينة الفاضلة، والقوانين المراعاة في ذلك بالسياسة المدنية" (ص336)، وهذا التعريف يخالف ما هو معلوم في زماننا حول الدولة المدنية، إذ إنها دولة علمانية دستورية لها قوانين مدنية وضعية مصدرها العقل البشري، وكذا الفصل بين الدين والدولة، واحترام الأقليات، وتذويب الديني وحصره في المجال الفردي...إلخ، وهذا ما لم يكن موجودا في عهد ابن خلدون. كما أن هذه السياسة المدنية التي نادى بها أفلاطون والفارابي وآخرون بعدهما بعيدةُ التحققِ، لذلك فإنها ليست نفعية؛ لأن ابن خلدون لما يصنف السياسة هذا التصنيف، فإنه يتعامل من منطلق المصلحة والمنفعة، وهذا أس المقارنة عنده وغايتها، وبهذا تكون السياسة الدينية على رأس الهرم، تليها العقلية، فالمدنية. ومنه، فإن ابن خلدون ينطلق من روح دينية إسلامية في بحثه هذا، ومن ثم، فإنه ليس علمانيا؛ لأنه لم يدعُ إلى فصل السياسي عن الديني، بل العكس، وهذا جوهر الخلافة التي تجمع بينهما.

 

محمد الورداشي

............................

المراجع والمصادر:

مقدمة ابن خلدون، إعداد محمد الشربيني، دار فروس للنشر والتوزيع، القاهرة.

 

 

حسيب الياس حديدجان ريفيرو وجان والين (1)

ترجمة الدكتور حسيب الياس حديد


هنالك صفتان رئيسيتان تصف هذه الحالة  الاولى تمتلك الادارة بخصوص متعاقدها اولاً  وقبل كل شيء امتيازات ليس لها ما يكافؤها في العقود الخاصة وتنتج اما من شروط في العقد أو من قواعد عامة واجبة التدقيق على كل عقد اداري وتكون ملازمة لطبيعته . ويتجلى ذلك في  التنفيذ الاعتيادي وفي فرض عقوبات على عدم التنفيذ أو سوء التنفيذ . والثانية  ان لعدم المساواة الاساسية حد معين فيما يتعلق بالجانب المموّل إذ ان المتعاقدين ينتفعون من الضمانة التي يتجاهلها القانون الخاص والتي تميل إلى ان تضمن في كل حال من الاحوال استعمال  الادارة لامتيازاتها فيما يخص مكافأة تتناسب والمواد الاولية .

امتيازات الادارة

أ) التنفيذ الاعتيادي

كما هي الحال مع أي متعاقد تطلب الادارة من الطرف الاخر تنفيذ التزاماته كما نص عليها هذا العقد . ويعدّ التزام التنفيذ شخصياً وان المتعاقدين من الباطن والذين بواسطتهم يعهد المتعاقد مع الادارة الى مؤسسات أو شركات خاصة اخرى كأطراف معينة لتنفيذ العقد يجب ان يتم تخويلهم ( القانون في 14-3-1973 القانون المؤرخ في 31-12-1975 ) وكذلك العقد المبرم بين الاشخاص الخاصين ما عدا الاستثناءات التي تم ذكرها في فقرة 109من قانون العقود. وتسمح  القوة القاهرة حصراً للمتعاقد بان يتخلص من ذلك فإذا ما كان هنالك ما يجعل ان يخفي موضوع او  محل العقد فإنه سوف يتم فسخه بحق تام , وفي الحالات الاخرى يستطيع المتعاقد  الانتفاع بذلك عن طريق الطلب من القاضي بالفسخ ولكن من ناحية اخرى نلاحظ :

1- ان العقد كقاعدة عامة يحفظ للادارة الحق اما ان تدير أو ان تراقب عمليات التنفيذ . وفي حالة الاعمال العامة على سبيل المثال فإن مهندسي الادارة الخاصة بالجسورمثلاً يستطيعون الوصول إلى اماكن العمل.

2- هل تستطيع الادارة تعديل التزامات متعاقدها بصورة احادية الجانب؟ تتعارض هذه السلطة للتعديل احادي الجانب مع المبدأ الاساسي في القانون الخاص لثبات العقود وعدم تغييرها ومن حق احد اطراف الاعتراض على ذلك. اما بالنسبة للفقه فقد وضع حدّا لهذا الجدل  من خلال التأكيد على مبدأ  واضح وهذا ما اقرّه ( مجلس الدولة في –شباط-1983 ، اتحاد النقل العام 1984 ) ولا يوجد  إلا ترجمة لأولوية المصلحة العامة والتي متطلباتها يمكن ان تتغير مع الوقت ولا يمكن ان تخضع للفشل بواسطة القواعد التعاقدية الثابتة . وتستطيع الوزارة ان تزيد وتعدّل وتقلل الالتزامات المتعاقدة . وتم فرض هذه القاعدة بالنسبة لامتيازات المرافق العامة كما اقر ذلك مجلس الدولة  فإن المتنازل له في مجال الانارة بالغاز تم اجباره بعد اكتشاف الكهرباء والتكيف للتقنيات الحديثة ( مجلس الدولة الغاز في دوفيل ليروان ، 10-1-1902 ) وهنالك ايضاً مدينة في طور التوسع يمكن ان تفرض على المتنازل له من شبكة الترامواي واستحداث خطوط جديدة لا ينص عليها العقد ( مجلس الدولة لـ 21-3-1910 ) وهنالك حدود ايضاً مقيدة تسمح  بالجدل العقائدي الذي تم التأكيد عليه سابقاً بتحديد اساساً للحاجة لتكييف الخدمة إلى موقف جديد ولا يتبرر ذلك إلا بدافع . والأكثر من ذلك وما ورائه حجم معين من التعديلات يستطيع المتعاقد الطلب من القاضي ان يصدر حكما بفسخ العقد . ومن ناحية اخرى لا يمكن ان يعتبر التعديل احادي الجانب ضمن تخفيض الفوائد المالية الممنوحة للمتعاقد . وأخيرا فإن ذلك يصبح بفوائد مالية تمنح للمتعاقد ويسمح ايضاً بحق الحصول على الالتزامات المالية وفق الالتزامات الجديدة .

ب) العقوبات في حالة الخطأ في التنفيذ

حول هذا الموضوع تختلف  التزامات الادارة باتجاهين:

1- إذا كانت الادارة قد ارتكبت خطاً يسمح القانون العام للمتعاقد بأنه يقوم بالدفع بعدم تنفيذ العقد من أجل تعليق التنفيذ من التزاماته الخاصة به ولكن يبقى  الشخص ملتزما بالتنفيذ مهما كان خطا الادارة ويستطيع فقط ان يلزم القاضي بدعوى التعويضات أو طلب الفسخ في حالة وجود خطأ جسيم .

2- في حالة خطا الشخص مثل الاهمال وسوء العمل والتحايل والإبطاء فإن الادارة لها ايضاً سلم واسع من العقوبات التي تمثل سمات اصلية مقابل القانون الخاص.

أ‌) تم توجيهها ليس فقط نحو فصل الارباح وإنما ايضاً نحو تنفيذ فعلي طبقاً لمتطلبات المصلحة العامة .

ب‌)  يوجد هنالك  خارج المقررات الخاصة بالعقد وما ينص عليه  وتتمتع الادارة بصلاحيات  حتى في حالة صمت العقد ان تصدر العقوبات التي تتكافأ مع النقص المثبت (مجلس الدولة 31-5-1907)

ت‌) وبصورة خاصة تم اتخاذ قرار بصورة احادية الجانب من قبل الادارة من دون أي تأكيد مسبّق على الخطأ من قبل القاضي وبعد التحرك  ضمن اطار العملية التعاقدية اعادة ظهور اجراء معين للقرار التنفيذ وللامتياز والسمة بالقوى العامة. تشكّل ممارسة مثل هذه الامتيازات التزاما حقيقياً بالنسبة للإدارة. ويرفض القاضي وفي حالات نادرة قانون التخلي عن ذلك والعمل على ادانة المتعاقد الفاشل ( مجلس الدولة في 21-7-1970 ) ولا تسمح  القاعدة إلا باستثناء : استحقاق المتنازل له للخدمة العامة لا يمكن الحكم عليه إلا من قبل القاضي نفسه .

ث‌) يستطيع المتعاقد ان يدعو القاضي لعقد جلسة  ويتم دفع تعويضات أو غرامة تعويضية

3) العقوبات الرئيسة تكون على ثلاثة انواع:

أ) العقوبات المالية:

اما ان تكون مشروطة بالعقد نفسه أو ان تلعب دوراً اوتوماتيكياً عندما تنتج لنا النقص المنصوص عليه وكذلك العقوبات التعاقدية .

ب) العقوبات الموجهة من أجل ضمان التنفيذ

على الرغم من الاخفاق أو عدم تنفيذ المتعاقد الشريك فإن الادارة في هذه الحالة تستبدل نفسها على اقل تقدير بصورة مؤقتة وان تأخذ على عاتقها التنفيذ باليد .

بالنسبة لإبرام العقود ترتبط  الادارة وبقوة عندما يتعلق الامر بتنفيذ العقد وتنص على الصلاحيات التي لدى المتعاقد والتي لا يمتلكها . وفي الحقيقة، يمثل  النظام واجب التطبيق على العقود  الادارية خصوصيات مميزة بحقيقة ان مهمة المصلحة العامة التي تتبعها الادارة تقع في الاولويات وهكذا فإن الذي يبرر ويشرّع السلطات المفرطة لهذه الاخير هي الادارة . وهكذا نجد ان المتعاقدين للإدارة لا يحرمون من امتيازات. وفي الحقيقة يتم التأكيد على ان المتعاقد له الحق في التوازن المالي للعقد . وهنالك خصوصية اخرى للعقود الادارية تستمدها من التأثير الذي يمكن ان تتمتع به الوقائع الخارجية للعقد على ذلك وهنا يتعلق الامر بإدارة الحالات الخاصة بالقوة القاهرة وبواقعة الامير وكل ما هو غير متوقع .

مفهوم النية المشتركة للأطراف

ان مفهوم النية المشتركة للأطراف عبارة عن بيانات اساسية في القانون الخاص التعاقدي إذ يستند  النظام القانوني للعقد وبصورة اساسية على ارادة الاطراف . كما ان البحث عن هذه الارادة يعد المسعى الاول الذي يفرض نفسه على القاضي من أجل ان يحدّد معنى ومدى الالتزامات التي تم الاتفاق عليه .

وندرك  ان القاضي الاداري يتمسك غالبا في هذه الارادة أو النية المشتركة للأطراف  ويستعمل المبادئ الخاصة بالتفسير التي تم تعريفها ضمن اطار المادة 1156 والمواد التالية لها من  القانون المدني الفرنسي . فإذا ما استعمل القاضي الاداري مفهوم النية المشتركة للأطراف من أجل تحديد مدى الالتزامات التي تمت صياغتها والاتفاق عليها في العقود فانه سوف يذهب ابعد من ذلك إذ يستند  القاضي القضائي على المفهوم ذاته من أجل توضيح حلول اصلية معينة يتمسك بها ضمن اطار تنفيذ العقود .

مدى القوة الالزامية للعقد

تم التعبير عن القوة الالزامية للعقود في المادة 1134 من القانون المدني الفرنسي . وعندما يتمسك العقد الاداري بالقانون الخاص بالإدارة والمتعاقدين أكد مجلس الدولة  مراراً  على المبدأ في القرار المشروع فيما يتعلق  بالغاز في برونو وهو قرار اكد عليه مجلس الدولة وعبّر عن هذا المبدأ بصيغة محددة وقد ورد  عن مجلس الدولة ما يأتي ( بما ان هذا المبدأ الذي يتم الاعتماد عليه فإن العقد ينظر وبصورة قطعية إلى حدود المدة الزمنية التي ينقضي فيها حيث انه يحدد الالتزامات الخاصة بالإدارة والمتعاقدين ) .

القوة الالزامية للعقد تترجم عن طريق التزام انجاز الخدمات المنصوص عليها

يؤكد  القضاء وبثبات على التزام التنفيذ الذي يقع على عاتق المتعاقدين في الادارة . وان هذا بدوره يجب عليه ان ينفذ الالتزامات المنصوص عليها وبصورة صحيحة وبكل دقة واهم شيء بنية حسنة . كما تخضع  الادارة نفسها من جانبها لالتزام تنفيذ العقد بدقة وبصورة صحيحة وبصورة كلية . ويعترف القانون الاداري بناءً على ذلك كما هي الحال مع القانون المدني بالمسؤولية التعاقدية التي طالما اكد عليها الفقه .  وإذا كان لدينا مبدأ القوة الالزامية يجب اعتبارها مبدأ اساسيا ينظم تنفيذ العقود لهذه الحالة ولابد من ان نعترف بان ذلك يواجه قيودا مهمة . فالمبدأ الذي تم التعبير عنه في متن المادة 1134 من القانون المدني تؤكد على الاطراف واجب تنفيذ الشروط المنصوص عليها  وتعد هذه الالتزامات ممكنة ولا يمكن تعديلها إلا بموافقة الاطراف. ولذلك هنالك موقف مساواة بين المتعاقدين .

وعندما نعتبر بان وضع الادارة للحالة التقليدية فإنه من الممكن ان تساورنا بعض الشكوك حول المدى الحقيقي لهذا المبدأ . وفي الحقيقة ترى  الادارة نفسها بأنها معترف بها من قبل القاضي الذي يعترف بسلطة تعديل شروط معينة وبصورة احادية الجانب وأيضا هنالك سلطة على انهاء العقد بصورة مبكرة . وهنا نؤكد بانه يمكن للإدارة ايضاً ان تعمل على تنفيذ القوة الالزامية للعقد وتستطيع الادارة في بعض الاحيان ان تتنصل من بعض الالتزامات التي تم الاشتراط عليها وتستطيع ان تشرط على المتعاقد التزامات جديدة .

لقد تم توضيح  السمة الالزامية للعقد والثبات والمساواة بين اطراف. إلا اننا سوف نرى ان هذه الامتيازات المختلفة تخضع بدقة للقانون وتصبح ايضاً لنظام فقهي وقضائي محدد بصورة جيدة . ويمكننا ان نستنتج ان ذلك يشكّل ومن دون أي شك اختراقات ومخالفات لمبدأ الثبات للشروط التعاقدية ولكن لا يعني ذلك انكار أو نفي للقوة الالزامية للعقد .

  

ترجمة الدكتور حسيب الياس حديد

كلية الحدباء الجامعة – الموصل

...........................

1- Jean Rivero et Jean Waline: Droit administratif,DALLOZ ,Paris ,1996

 

ترجمة د. هبة حازم النعيمي


وجدت السرقة منذ ازمنة سحيقة وَوَرَدَ ذكرها في تاريخ الشعوب عبر الحقب الزمنية المتعاقبة ولكونها جريمة تحتاج الى عقوبة رادعة وظاهرة سلبية لها اثار سيئة تلحق بالغ الاثر في المجتمع بدأ الانسان ومنذ اقدم العصور بسن تشريعات معينة ورادعة للحيلولة دون ارتكابها وخضعت التشريعات الى اجتهادات من قبل اصحاب الشأن، فمنهم من ذهب الى انزال اقصى العقوبات لتصل الى عقوبة الاعدام للقضاء عليها، ومنهم من وضع تشريعات اقل صرامة منها. فقد تطرقت المواد (7، 8، 9، 12، 16، 23، 24) من قانون حمورابي الى جريمة السرقة، وتنص هذه المواد على قتل السارق. اذ نصت المادة السابعة على انه " اذا سرق رجل حاجة تعود الى اله او قصر يُقتل ذلك الشخص ويُقتل الذي استلم المسروقات من يده ". في حين نصت المادة العاشرة على انه: " يقتل السارق اذا ثبت انه يبيع مفقودات وهي ليست مفقودات". ونصت المادة الثانية عشرة على انه: " اذا لم يجلب صاحب المفقودات شهود اثبات على موجوداته يُقتل " ومن جهتها نصت المادة السادسة عشرة على انه: " اذا سرق رجل ابن رجل صغير يقتل ". واخيرا نصت المادة الثالثة والعشرين على انه: " اذا قام رجل باللصوصية وضبط يقتل ذلك الرجل ". وهكذا نجد ان هذه المواد مشددة للغاية وصارمة بحيث لا تترك أي مجال للتهاون فيها. وقد توالت القوانين على مر الدهور حتى في عصر ما قبل الاسلام كان يتوجب على السارق ان يظهر ما سرقه، وباستطاعة الرجل المسروق ان يعلن اللعنة على السارق، وكان الناس يخشون اللّعان ولذلك كان السارق يعيد ما سرقه، وكما هو معروف ان الحد لم يكن يقام على الشريف وانما يقتصر على الضعيف، وجاء الاسلام الحنيف بالتشريع الحاسم للحد من هذه الجريمة، وورد هذا التشريع في الاية (38) من سورة المائدة، اذ يقول الله سبحانه وتعالى بسم الله الرحمن الرحيم: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). هنا تأتي خاتمة التشريعات، فالمراد باليد المذكورة في الاية الكريمة اليمين وفي قراءة عبد الله بن مسعود (فاقطعوا ايمانهما)، وقال ايديهما ولم يقل يديهما لانه اراد اليمين، واليد عند جمهور اهل اللغة من رؤوس الاصابع الى الكوع. والحكم الالهي هنا لا يخضع لاية مساومة فهو الحد، والحد احد العقوبات الثلاث المنصوص عليها في التشريع مع القصاص والتعزير، ولا يخضع الحد الى اجتهاد في التشريع، وما روي بشأن المخزومية التي سرقت معروف، وقول رسول الله (ص): " انما هلك من كان قبلكم انهم اذا سرق فيهم الشريف تركوه، واذا سرق فيهم الضعيف اقاموا عليه الحد، وايم الله لو ان فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ". وقال (ص): " لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده " والسارق الذي يقام عليه الحد البالغ العاقل العالم بتحريم السرقة. وهناك تفاصيل حول قدر النصاب الذي تقطع به يد السارق وتفاصيل اخرى بخصوص سرقة الثمر المعلق وغيره وسرقة مال فيه شبهة، كأن يسرق الولد من مال ابيه، والعبد من مال سيده. وهناك كلام كثير بخصوص من يسرق اول مرة ثم يكرر السرقة فقد ورد انه في المرة الاولى تقطع يده اليمنى، واذا سرق ثانية قطعت رجله اليسرى من مفصل القدم. وهناك اختلاف في حالة تكرار السرقة ثالثة ورابعة وخامسة، وان يتم تعزيره ويحبس حتى تظهر توبته، والتوبة شرط اساس ولكنها لا تسقط القطع ولا بد من التوبة بعد القطع. ولو تدبرنا المعاني العميقة للاية الكريمة لاكتشفنا الكثير فيها. فقد قال الاصمعي: قرأت يوما هذه الاية: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ….)، وكان اعرابي يجلس بجانبي فعندما انهيت الاية وقلت والله غفور رحيم. قال الاعرابي: كلام من هذا ؟ قلت كلام الله تعالى. قال: ليس هذا بكلام الله. فطلب مني اعادة قراءة الاية الكريمة، وتنبهت فقلت: (…. وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، فقال الاعرابي: نعم هذا كلام الله.

فقلت: اتقرأ القرآن ؟ قال: لا. قلت فمن اين علمت اني اخطأت ؟ فقال: يا هذا عز فحكم فقطع فلو غفر ورحم لما قطع. وقد اعترض الكثير من الغربيين على هذا الحكم واعتبروا ان هذه العقوبة صارمة جدا، ويدعون ان عقوبة السجن كافية وكان اثر هذه الفلسفة انها لا تستند الى منطق سليم، وادت الى زيادة جرائم السرقة بحيث ان السارق يسرق وهو مطمئن لا يخشى شيئا الا ذلك السجن الذي يطعمه ويقضي العقوبة التي فرضها عليه القانون الوضعي ويخرج من السجن وهو الى الاجرام اميل والى الشر اقدر. وبناء على ما تقدم اوجد الاسلام الحنيف العقوبة الرادعة حقا والتي هي العلاج الناجع والشفاء النافع لمعالجة هذه الظاهرة الخطيرة، واستطاع الاسلام بهذا التشريع ان يجتث الشر من اعمق جذوره وجعل من قطع اليد الردع الكابح للمجرمين، ويكون بذلك قد نظم الحياة الاجتماعية ووضع حدا لكل التجاوزات التي من شأنها ان تقوض المجتمع والنظام العام الذي يقوم عليه، فلم تسن هذه التشريعات الا لخدمة البلاد والعباد.

يلقي الضوء على القوانين البابلية القديمة التي تتعلق بالسرقة والاختلاس، وسيكتشف القارئ الكريم كيف ان قوانين حضارات العراق القديم العظيمة تصدت بحزم لهذه الظاهرة المدمرة في المجتمع.  

لاحظ ويست بروك ان القانون الجنائي في بلاد الرافدين يختلف عن القانون الجنائي الحديث. فالجرائم كالقتل والزنا والاغتصاب والسرقة والاختلاس التي يعاقب عليها القانون الجنائي في الوقت الحاضر تمت معالجتها بصورة مختلفة تماما على اساس مختلف عن الاساس الذي تقوم عليه الانظمة القديمة. اذ تمنح هذه الجرائم حقا مزدوجا من جانب الطرف المتضرر او عائلته اما الانتقام او قبول دفع دية بدلا من الانتقام. وليست لدينا سوى نصوص قليلة تدون وقائع المحاكمات في بلاد الرافدين، وبحوزتنا نص سومري واحد يدون محاكمة بجريمة قتل وتنفيذ حكم الاعدام ضد

القاتل. وفي الوقت نفسه لدينا نص سومري اخر يصف محاكمة بجريمة قتل، اذ قررت المحكمة بموجبه اعطاء زوجة القاتل وبناته عبيدا لاولاد الضحية فضلا عن ذلك نص قرار المحكمة بان يتقاسم اولاد الضحية ممتلكات القاتل.

والحقيقة الواضحة هي ندرة المصادر والوثائق وهذا يجبرنا على الاعتماد على مجموعة القوانين الخاصة بالقانون الجنائي والمتوفرة لدينا. وتتضمن هذه المجموعة مواداً قانونية تعالج انواع عديدة من الجرائم مثل القتل والسرقة والاختلاس والاغتصاب والتزوير، ومن الاهمية بمكان ان نشير الى ان القانون الجنائي الذي يتسم بالغرابة والمليء بالالغاز يتمثل بمجموعة قوانين بلاد الرافدين القديمة ومنها قانون اور – نمو (2112 – 2095 ق. م.). فقد ورد في متن القوانين مادة تـنص على ما يأتي: " اذا تصرف الانسان بانفلات امني سوف يقتلوه " وهي المادة الثالثة. نجد ان النقطة التي تجعل هذا القانون يتسم بصعوبة التفسير هي ما تعنيه كلمة " انفلات امني " فقد وردت حرفيا " بصورة غير قانونية " او تعني ايضا " بلا قانون " او " غياب القانون ". من المحتمل ان ذلك يشمل اساءة التصرف بدرجة تستوجب عقوبة الاعدام علما ان موادا اخرى من مجموعة مواد قانون اورنمو اوضحت ان الانحرافات البسيطة لا تعتبر جرائم كبرى.

ففي موضوع جرائم السرقة نلاحظ ان معظم انظمة القانون الجنائي تعالج موضوع السرقة والسطو والنهب بصورة مختلفة. وكقاعدة عامة تعد " السرقة " عملية سرقة خلال ساعات النهار، في حين ان " السطو " هو عملية سرقة بالليل اما السلب فهي عملية غالبا ما تستوجب مجابهة بين الضحية والمعتدي. وطالما ان درجة الخطورة على ارواح الناس تكون كبيرة في التسليب والسطو، فان هاتين الجريمتين تخضعان لعقوبات صارمة أكثر من السرقة. وهنا لا بد ان نذكر ان الباحث ليمانز ناقش الفعل الاكدي الذي غالبا ما تتم ترجمته من قبل الباحثين بالفعل " يسرق "،

" يسلب "، ولم يتم التمييز بينهما بدقة في القوانين البابلية القديمة ويرجع سبب ذلك الى حقيقة ان السلب يتضمن السرقة والسلب يتضمن ايضا العنف والتخويف.

وعلى كل حال لاحظ ليمانز بان قوانين حمورابي تميز بدقة بين هاذين المفهومين. ولكنه اردف قائلا: بانه ليس بالامكان ترجمة المفاهيم تلك بالفقه القانوني الحديث فان كل من المصطلحين " Saraqu " و " habatu " لا تتزامنان مع المفاهيم الحديثة للسرقة والسلب مع نية السرقة. ومن ناحية اخرى نجد ان اصلاحات اورو- انيمكينا وهي تعد الاصلاحات الاقدم في بلاد الرافدين لمعالجة الفساد الاقتصادي، تضمنت بعض المواد المتعلقة بالسرقة، وهناك مثال واحد يوضح حالة تتعلق بالسلب جاءت من محاكمة تفيد بان المدعى عليه ضرب المدعي وسرق ثيرانه. وبعد ان رفض المدعى عليه اداء القسم مدعيا بان الشاهد كاذب اعترف بالجريمة ولا بد من ان يدفع للمدعي غرامة قدرها (30) شيقل من الفضة. وفي القانون السومري هناك سرقات عديدة حملت معها عقوبات تستند الى قيمة الممتلكات او الاموال المسروقة. وبصورة اعتيادية صدر امر من القضاء يقضي بان يقوم السارق بدفع ما يعادل قيمة الاموال المسروقة. وعلى سبيل المثال، يتوجب على السارق ان يدفع ضعف قيمة قارب تمت سرقته. اما في مواد قانون حمورابي، نجد انها حددت بعض المواد القانونية مبالغ تعويض السرقة مثل سرقة الة زراعية (مثلا يجب دفع (5) شيقل تعويضا عن سرقة محراث).

ويعتقد درايفر ومايلز ان التساهل في مثل هذه العقوبة وفي هذه الحالة بالذات يعود الى حقيقة ان هذه الالات الزراعية قد سرقت من قبل بسبب تركها في الحقل، ويتصور الشخص الذي يجدها في الحقل انها متروكة وقد تخلى عنها اصحابها. وقد ورد ايضا في القوانين ان الراعي يُدان اذا قام بتغيير علامة (وشم او وسم) الاغنام وبيعها حيث يتوجب عليه دفع عشرة اضعاف قيمتها كتعويض. وعلى الرغم من ان هذه الجريمة تم تصنيفها على انها سرقة يتعامل القانون مع جريمة الراعي كقرينة قضائية مثل جريمة المودع لديه ففي هذه الحالة يترتب على الراعي دفع مبلغ تعويض ولا يعاقب بعقوبة الاعدام (المواد 253 – 255 من قوانين حمورابي).

ولا بد من الاشارة الى ان هذه السرقات لا تعاقب بالسجن او العقوبة الحسية، وانما بتعويض نقدي. اما بالنسبة للراعي الذي غيّر علامة الاغنام واحدث اضرارا لا بد من ان يدفع عشرة اضعاف قيمتها، وربما تكون الاضرار اعلى وذلك بسبب انعدام الثقة. ويلحق هذا اضرارا كبيرا بالعلاقات التي تسود بين الناس في المجتمع. وهناك قانون اخر يفرض دفع غرامة في مجال ايداع الامانات. فاذا ما فشل المودع لديه بتسليم السلع مثلما وعد الشخص المودع، فان المودع لديه عليه ان يدفع خمسة اضعاف مبلغ السلع التي ايداعها لديه. ويثير الباحثان درايفر ومايلز اهتمام القارئ عندما ذكرا بان المادة (120) من قانون حمورابي والتي تنص على موضوع سرقة الحبوب من قبل المودع لديه يشابه كثيرا وفي نواحي عديدة القانون الانكليزي العام. ويبدو ان المبدأ العام واحد.

ومن ناحية اخرى تعاقب المادة السادسة سرقة " الاشياء الثمينة " من المعبد او القصر او استلام اشياء مسروقة من معبد او من قصر اذ تعاقب المادة السادسة هذه الجريمة بالاعدام. ومن جهتها تنص المادة الثامنة على انه عندما يقوم شخص بسرقة ثور او اغنام او حمار او خنزير او قارب من المعبد او القصر عليه ان يدفع غرامة قدرها (30) ضعفا. وبكل وضوح هناك عدم تجانس بين المادتين السادسة والثامنة، ربما تكون المواشي الواردة في المادة الثامنة اقل قيمة من المواد المذكورة في المادة السادسة ونجدها وجود مادتين قانونيتين منفصلتين الاولى تقوم على اساس العقوبة الكبرى وهي الموت في حين* تستند الثانية الى الاضرار النقدية ويكتفى بدفع عشرة اضعاف ثمن المادة المسروقة اذا كانت السرقة من مكان عادي وليس المعبد او القصر واذا لم يكن للسارق موارد كافية لدفع التعويض ستكون عقوبته الاعدام.

 

ترجمة الدكتورة: هبة حازم النعيمي

كلية الآثار  / جامعة الموصل

 

 

عصمت نصارإذا ما شرعنا فى مواصلة الحديث عن خطابات التنويريين فى الثقافة العربية الحديثة، تلك التى ارتدت عباءة الأدب للتعبير عن حقيقة مشروعاتها والمسكوت عنه من أفكارها؛ فإننا سوف نتطرّق إلى أكثر الخطابات انزواءً فى دائرة الظل، ألا وهى (المقامة الفكرية فى المملكة الباطنيّة)، تلك التى كتبها العالم، الأديب، المُربي، المعلم، المترجم، الوزير، عبدالله باشا فكرى (1834 – 1890م).

ولما كان هذا العالم من الذين لم يحظو بقدر موفور من الشهرة أو الاهتمام من قبل المثقفين العرب، فسوف نترجم له قبل تحليل مقامته والكشف عمّا بها من أفكار وآراء.

هو عبدالله فكرى بن محمد بليغ، وُلد بمكة أثناء عمل والده هناك بالجيش المصري، من أب مصري وأم يونانية، فتلقى تعليمه الأوّلى فى المدارس الدينية بمكة، وبعد عودته التحق بالأزهر فى الحادية عشرة عقب وفاة أبيه حتى أتم دراسته، وخلال هذه الفترة عمل مترجماً فى قلم الترجمة، فقد ترجم العديد من القوانين من التركية إلى العربية، ثم رشحه أحد أساتذته للعمل كموظف فى معيّة سعيد باشا (1822-1863م)، وذلك نظرًا لإجادته اللغة التركية التى أخذها عن أمه، ذلك فضلاً عن أدبه الجم وسعة درايته بالآداب السلطانية والنهوج التربوية والأساليب التعليميّة. وبعد إتمام دراسته فى الأزهر ألحقه الخديوى إسماعيل (1830-1895م) بالقصر، وسافر معه إلى الأستانة عدة مرات بجانب عمله مؤدباً لأبنائه توفيق وحسن وحسين.

وفى القصر تعرف على «على مبارك» (1823-1893م)، الذى أُعجب بأفكاره الإصلاحية فى ميدان التعليم، ونشأت بينهما صداقة قويّة مفعمة بالتقدير والحب المتبادل فعينه وكيلاً لديوان المكاتب الأهلية بنظارة المعارف عام 1871م، ثم عينه وكيلا للنظارة عام 1876م ومنح لقب البكويّة. وأثناء عمله الحكومي كان يحرّر المقالات الأدبية والنقديّة والتربوية على صفحات المقتطف ووادي النيل وروضة المدارس، وقد لقبه معاصروه ببديع زمانه، وابن سهل وذلك نظراً لفصاحة شعره ودقة نثره وجمال أسلوبه فى السّرد.

ولعل أشهر مقالاته هى تلك التى كتبها رَدَّاً على الكاهن الكاثوليكي الأنطاكي جبريل جبارة (1839- 1925م)، الذى كذب فيها القائلين بدوران الأرض، زاعماً بأن كل النظريات الفلكية الحديثة باطلة شرعًا، وأنها تحث على الكفر بالكتب المقدسة. وقد أثبت عبدالله فكرى صحة دوران الأرض حول نفسها وصدق النظريات الفلكية التى شرحها يعقوب صرّوف على صفحات «المقتطف»، وقد جُمعت مقالات عبد الله فكرى فى هذا الموضوع ونشرت فى روضة المدارس عام 1876م، وبَيّن فيها فضل علماء العرب وفلاسفتهم فى علوم الفلك مثل: البتاني (858 - 929م) والطوسي (1201-1274م) والنيسابوري (933-1012م)، كما أكد أن القول بثبات الأرض لا يُرد إلى الوحى، بل إلى العالم الروماني بطليموس (327-283 ق.م)، وقد كذّبه بعد ذلك كوبرنيكوس (1473-1543م) فى كتاباته الفلكية، وعليه لا ينبغى على رجالات الدين الجهلاء بالعلوم الفلكية الزّج بالدين فى ذلك المعترك لصد الجمهور عن تعلم العلوم الطبيعية.

رَاحَ مفكرنا (عبدالله باشا فكري) يجدّد دعوة حسن العطار لإدراج العلوم الحديثة ضمن المناهج الأزهرية، ولا ريب فى أن جهود مفكرنا فى ميدان التربية والتعليم، بالإضافة إلى مقالاته الأدبية وقصائده الشعرية قد لفتت أنظار المثقفين إليه فدعاه جمال الدين الأفغاني إلى مجلسه، وتعرّف هناك على عبدالله النديم وأديب إسحاق وأحمد عرابي ومحمود سامى البارودي، وتأثر بوجهتهم الثورية فى مكافحة الفساد والتدخل الأجنبي فى شئون مصر، غير أنه كان أميل للتنوير الهادئ والإصلاح عن طريق التوعية، والتعليم شأن الأستاذ الإمام محمد عبده، ولكن ثوريّة الأفغاني وتلاميذه قد فرضت روحها على الأحداث.

وفى عام ١٨٨١، ضمّه على مبارك إلى عضويّة المجلس العالي للمعارف، وفى العام التالي اختير عبدالله فكرى ناظرًا للمعارف، ومنح لقب الباشوية، ثم جاء الاحتلال الإنجليزي واتُهم مفكرنا بمشاركته فى الثورة العرابية وسُجن بضعة أشهر، غير أن التحقيقات أثبتت براءته، ذلك بالإضافة إلى شفاعة الخديوى توفيق الذى تتلمذ على يديه.

وفى عام ١٨٨٤م، سافر إلى مكة لأداء فريضة الحج، ومنها إلى فلسطين لزيارة القدس والخليل، ثم إلى لبنان، وهناك التقى محمد عبده - أثناء نفيه فى بيروت - وتوطدت العلاقة بينهما. ولا غرو فى أن هذه الواقعات السياسية قد جعلته ينصرف تمامًا عن مدرسة الأفغاني ونهجها الثوري ويمضى مع على مبارك ومحمد عبده فى خطتهما لتجديد الفكر الإسلامي، وقد انصبت معظم جهوده لإصلاح حال التعليم بداية من المنشآت التعليمية إلى المناهج والمواد الدراسية وتدريب المعلمين لرفع كفاءتهم.

وفى عام ١٨٨٩م، قبيل وفاته اختير رئيسا للوفد العلمي فى مؤتمر استوكهولم، والتقى هناك بكوكبة من المستشرقين على رأسهم الروسي جوتولد، والألماني فون كريمر، والهولندى دى خويه، وقد قدم فى هذا المؤتمر بحثين أولهما فى شرح القصيدة الهمزية لحسان بن ثابت، بيّن فيها العلاقة بين اللغة والأخلاق والتاريخ عند العرب، أما البحث الثانى فخصه بالحديث عن التعليم فى مصر والمدارس الأميرية وتطورها، وقد حرص أثناء إقامته فى السويد على القيام بزيارات قصيرة لمعظم عواصم الدول الأوروبية المجاورة. وقد دوّن مشاهداته فى كتاب من أروع كتب أدب الرحلات المبكرة فى العصر الحديث، وعنونه: (إرشاد الألبَّا إلى محاسن أوروبا)، وقد تولى نجله أمين فكرى نشره عام ١٨٩٢م.

برنامجه الإصلاحي:

أمّا عن برنامجه الإصلاحي، فيمكن تلخيصه فى عدة نقاط:

- الدعوة إلى تعميم التعليم الأولى فى شتى ربوع مصر، وقد وضع خطة لتطوير المكاتب الأهلية وتحديث مناهج الكتاتيب، وحثّ الأعيان على بناء المدارس، وترغيب الجمهور فى إرسال أبنائهم لدور العلم.

- تحديث أساليب الإنشاء سواء فى الصحف أو فى الدواوين الحكومية وتدريب المترجمين ومحرري الأخبار والقرارات على استخدام الأسلوب العلمي المتأدب فى الكتابة والابتعاد عن الركاكة اللغوية من جهة، والأساليب المقعرة المفعمة بالمحسنات البديعية والصنعة البلاغية من جهة أخرى.

- الدعوة إلى إنشاء مجمع للغة العربية لضبط المصطلحات المعربة ووضع قواعد للاشتقاق لاستيعاب المعارف الثقافية الوافدة وتصنيف معاجم لغوية وفنية حديثة، وقد تأثر فى ذلك بدعوة أحمد فارس الشدياق.

- إخضاع مدارس الإرساليات الأجنبية التى يلتحق بها المصريون لرقابة الوزارة للإشراف على مناهجها وطرائق تدريسها للمعارف المختلفة، موافقا فى ذلك الإمام محمد عبده.

- نشر الثقافة العلمية بين شبيبة المثقفين ونقض الصراع المتوهم بين الدين والعلم والتراث التليد والفكر الوافد الجديد. وقد تجلى ذلك فى نقده الكتب المسيحية والخطب الأزهرية المعادية للروح العلمية الحديثة مسايرا يعقوب صروف.

- العزوف عن التعصب الملى والطائفي والدعوى للحوار بين الأديان الإبراهيمية الثلاثة، وإزكاء روح المواطنة بين المصريين.

- الدعوة لتأسيس لجنة من كبار العلماء والأدباء لمراجعة الكتب قبل نشرها، ولم يقصد من ذلك الحجر على الأقلام والحد من حرية المفكرين، بل ثقل الملكات الإبداعية ورفع مستوى الكتاب والناشئين وإنقاذ الرأى العام من ضلالات الجهلاء والحمقى والرجعيين.

أمّا عن كتاباته الأدبية النثرية، فكانت تجمع بين رصانة الصياغة وسلاسة الأسلوب وبساطة العبارات وعدم المبالغة فى البديع. أمّا من حيث المضمون؛ فكانت أنموذجًا أصيلًا يجمع بين الهزل والجد والأخلاق والعلم والفلسفة فى سياق واحد، فقد كتب مفكرنا ثلاثة أعمال أقرب إلى القصص القصيرة منها إلى المقامات أو الروايات المطولة، وهى:(قصة حُسن الوفاء)، والثانية (قصة العمّال والبطّال)، أمّا الثالثة فهى أقرب إلى المقامة فى ثوبها اللغوي، وهى (المقامة الفكرية فى المملكة الباطنية) التى سوف نقوم بتحليلها.

للنقد ضروب ومقاصد:

إذا كان للشك ضربان، أولهما منهجي علمي، ومقصده هو التثبت للوقوف على حقيقة ما، أو إثبات واقعة أو وضع قاعدة، فالثاني ارتيابي ومذهبي مطلق، ومقصده هو إنكار المطروح ورفض المعروض ونقض الثوابت وهدم كل أشكال وآليات الاستدلال، فللنقد ضربان أيضًا، أولهما مباشر ومرسل وأقرب إلى التقارير العلمية فى صياغته ومضمونه منه إلى الأساليب والقوالب والخطابات الأدبية التى يتميز بها الضرب الثانى، الذى يتخذ من النهوج الفنية والتصورات الإبداعية للخطابات النقدية- غير المباشرة- تلك التى ترمى إلى التقويم والإصلاح وتوعية الأذهان من جهة، وحمل هموم وعذابات وصرخات وآراء أصحابها تجاه الواقع والأغيار من جهة أخرى، أى إن النقد فى ضربيه يسعى إلى البناء انطلاقًا من معايير وقواعد وأسس علمية أو قناعات الأنا الناقدة المبدعة وميولها وانتمائها، وقد ينتهج الناقد فى أعماله الفنية والأدبية وكتاباته الفلسفية أسلوب الرمز والتعمية رغبة منه فى حماية خطابه من السلطات المحيطة، أو حجب مضامينه عن أعين العوام الذين تحول ثقافتهم بين فهمه على الوجه الصحيح أو مناقشته أو قبوله، وقد حاول مفكرنا عبدالله فكرى الجمع بين دربي النقد فى صياغة مقامته بعد اختبار آرائه وعرضها على مائدة الشك المنهجي والتأكد من صلاحيتها فى الميدان التطبيقي.

أما عن المقامة الفكرية التى نحن بصددها فهى عبارة عن رسالة مترجمة عن اللغة التركية مجهولة المؤلف، ويرجع أصلها إلى نصوص مترجمة إلى التركية من بعض اللغات الأجنبية، فهى ترجمة عن ترجمة، وقد قرأها عبدالله فكرى -على حد زعمه- وأعجب بما حوته من أفكار وآراء، غير أن كاتب هذه السطور يشك فى ذلك التأصيل، أى رد النص لمؤلف مجهول ولغة مجهولة.

وعندي أن عبدالله فكرى ادعى ما ادعاه اتقاء وتحسبًا لما قد يحدث من الجامدين أو الحاقدين، فيحرفون الكلم عن موضعه ويتهمونه بما لم يقل، وعلى أى حال؛ فقد أعاد مفكرنا صياغة تلك الرسالة المجهولة، وأضاف وعدل وحذف من نصوصها بالقدر الذى يوافق رؤيته وبغيته والثقافة العربية التى يريد نقلها إليها. كما راق له أن ينشئها فى قالب المقامة لتكون أكثر سهولة على القارئ من جهة، وجاذبة لأواسط المثقفين الذين يحلو لهم هذا اللون من ألوان الأدب الجامع بين الهزل والجد وقوة البيان فى التعبير ودقة المعانى والدلالات فى صياغة الأفكار من جهة أخرى. ولا ريب فى أن عبدالله فكرى قد تأثر تأثرا كبيرا بنهج أحمد فارس الشدياق (١٨٠٤-١٨٨٧م) فى الإحالات المعرفية والتعمية الرمزية التى تحتاج إلى قدر من الحصافة وإمعان العقل لتأويل الألفاظ، وكشف ما تستره من مرامي وأغراض، ولعله كتبها على هذه الصورة اتقاء للسلطات القائمة «القوة الرجعية أو سلطة القصر»، الأمر الذى يعفيه من الحرج والمساءلة، لا سيما لكونه رجل دولة من الطراز الأول، فقد كتبها أثناء عمله وكيلا لنظارة المعارف.

أما السياق القصصي الذى نسج به مقامته؛ فقد انتحله من السابقين عليه بداية من ابن المقفع ونهاية بعلى مبارك، ولعل عمله بالتدريس وتهذيب الأمراء فى القصر- كما أشرنا- هو الذى رغبه فى محاكاة أسلوب المقامة فى النقد والتوجيه والتوعية والإصلاح، وقد ظهرت طبعتها الأولى سنة ١٢٨٩هـ/ ١٨٧٢م، ثم أعيد طبعها فى مجلة (روضة المدارس) فى العام التالي.

ومن أقوال عبدالله فكرى عن منهجه فى صياغة هذه المقامة، يقول: «كنت عثرت فى بعض أسفاري سابقا إلى القسطنطينية، دار الخلافة السنية، بكتاب لطيف الأسلوب باللغة التركية، يعرف بالمملكة الباطنية، وأصله من بعض الألسن الأجنبية، فنقلته إلى اللغة الشريفة العربية، بصورة مقامة أدبية، وضممت إليه بعض زيادات أظنها لا تخرج عن المطلوب، وتصرفت فى عباراته على أصل والأسلوب».

لعل أول ما نطالعه من هذه الرسالة هو عتبتها أى عنوانها الذى يشير منذ البداية إلى مناحها الرمزي (المقامة الفكرية فى المملكة الباطنية) فالمقامة الفكرية تعنى نسبتها إلى عبدالله فكرى وذلك ما ينبأ عنه المعنى الظاهر، أما المعنى الخفي فيدل على رغبة المؤلف فى تنبيه القارئ إلى أن هذه المقامة تحتاج إلى تدبير وتفكير وتأمل، ويعبر الشطر الثانى من العنوان (فى المملكة الباطنية) عن عالم التصوف وما فيه من كشف وخيال وإلهام وغير ذلك من دلالات ومعانى تناقض مملكة الظاهر والمحسوس، أما الدلالة الخفية فتعبر عن رحلة فى جوهر الأنا الإنسانية، ذلك العالم المغلق الشاغل بالكهوف والأنفاق والأسرار والأحاديث التى لا يسمعها أو يفقه مغزاها إلا ذلك المتربع على عرش تسيسها، ألا وهو العقل - إن شئت - أو قل القلب أو الضمير.

ولعله أراد بحث الأمور السياسية للدولة فهى بمثابة القلب والأحشاء ومكمن الأسرار والقوى الصانعة للقرار.

أما عن أبطال المقامة فيتمثلون فى القوى العلوية التى سمحت للمؤلف بالسياحة فى تلك المملكة، والمرشد الذى يصحبه وقد جعله فى علم (الخضر) ولى الله الذى ارتشف من بحر العرفان الحقائق اليقينية، وحكمة لقمان المستنبطة من الدربة والدراية والخبرة والتجريب، ذلك بالإضافة إلى عصبة من النسوة تمثل قيم الاستقامة، العفة، الجمال والفتنة، التى تلعب دور اللذات والشهوات المادية الحسية، بالإضافة إلى البصيرة والعدالة وقد جعلهما أعلى سلم القيم المؤثرة فى صنع القرار وتسيير أمور الدولة وفق المعمول به فى المدن الفاضلة، وهناك شخصيات ثانوية كثيرة تكشف عنها الأحداث، شأن (الحرص، الشجاعة، التردد، التهور) التى تجسدت فى صور بشرية تسوس الحكومة ويشاورها السلطان فى اتخاذ القرار.

ويمكننا أن نلاحظ من التعريف بأبطال المقامة شجاعة مفكرنا وسعة أفقه ورؤيته التقدمية، ويبدو ذلك فى مشاركته النساء فى أمور الحكم، وجعله أعلى درجات الإلهام والعرفان والآراء الصائبة والأفكار النيرة على لسان (البصيرة) وهى بين القيم تشغل مقام الريادة، ومن الملك تجلس على كرسي الوزارة ورأس الاستشارة.

وأعتقد أن ما ذهب إليه عبدالله فكرى فى هذا السياق لا يتعارض مع أصول الموروث، ولاسيما ما كان عليه النبي وصحابته فى الثقافة الإسلامية، فكانت للمرأة مكانتها فى البيت وفى المسجد وفى دور العلم وأمور الحرب أيضًا، وذلك على النقيض مما نجده فى القصص الرمزي اليوناني، على وجه الخصوص والحكايات الغربية على وجه العموم، فعلى الرغم من رفع الأساطير الإغريقية من مكانة المرأة فى سلم الأرباب وجعلها ربة للحكمة، إلا أنهم فعلوا النقيض فى أقاصيصهم، وألقوا بالمرأة من فوق درك السفالة والخسة، وجعلوا أفروديت أساس كل شر. ولعل هذه المقابلة تؤكد أن عبدالله فكرى لم يكن مترجمًا فى صياغة أفكار مقامته، فلو كان كذلك ما حدثت هذه المفارقة فى توزيع أداور أو شخصيات حكايته.

وأول ما يصادفنا من متن المقامة تلك الإشارات الرمزية التى يحيلنا المؤلف فيها إلى أن أفكاره وآراءه وتصوراته لم تخرج عن كونها بنات شرعية للذاكرة والخيال والعقل وحسن الأسلوب، وأن وجهته النقدية مقصدها هو الإصلاح وتسوية الأنفس وتقويمها من النواحي الذوقية والأخلاقية، وذلك بالتزام الوسطية الشرعية والموضوعية العقلية فى تقدير الأمور والفصل فى القضايا العملية والحياتية.

ويستهل مفكرنا خطابه بمخاطبة الأنفس وإرشادها إلى ضرورة الاحتكام إلى العقل والانتصار لمحمود الأخلاق والابتعاد عن الهوى واللذات المذمومة والشهوات المحرمة وذلك بقوله «إن العقل فى المملكة الإنسانية كالملك الكبير والبصيرة له بمنزلة الوزير الناصح المشير، والهوى كالجليس الخائن والصاحب المداهن، فيستعين العقل برأي البصيرة فى الأمور، فترشده إلى الخيرات وترده عن الشرور، إلا إذا غلب الهوى على العقل باعه للشهوات والجهل، فإنه يحسن له القبائح ويدعوه إلى ارتكاب الفضائح وإهمال ما تبديه البصيرة من النصائح.. فمن غلبت بصيرته على هواه فاز بالمني والسلامة، ومن غلب هواه على بصيرته وقع فى الغواية والندامة».

ويناقش مفكرنا قضية التحسين والتقبيح وحرية الإرادة الإنسانية، نازعا مع الصوفية إلى أن العقل ليس فى مقدوره وحده عصمة النفس عن الهوى وحمايتها من الغواية والمطامع وزينة الشهوات، فما أكثر الوقوع فى المهالك من جراء التقديرات الخاطئة والخيارات الفاسدة، وينصح مفكرنا بالبحث عن الحل والخروج من دائرة التردد إلى تحكيم القلوب والاحتكام إلى العلوم الربانية والإلهامات الروحية، والقيام برحلة سياحية فى الممالك الباطنية.

لم يقنع عبدالله فكرى بتلك المشاهدات المثيرة والمواقف الخطيرة التى عايشها خلال سياحته داخل النفس الباطنية، فأراد أن يشاهد بنفسه كيف يمارس الملك (العقل) مهامه فى حكم دولته، وأن يقف بالتفصيل على مراكز القوى فى حاشيته أو معيته، ثم يراقب عن قرب كيفية صناعة اتخاذ القرار والدروب التى تسلكها المناقشات بين الحضور بإقناع الملك بالرأي الأصوب، فقد تصور بطل المقامة أن كل القيم المحمودة والمذمومة قد تحولت إلى شخصيات تتساجل وتتحاور حول القضايا المعروضة على الملك الذى يعرضها بدوره على وزرائه وعماله طالبًا المشورة والقرار الصائب، فيروى بطل القمامة أن العين والأذن قد نبهت الملك وأخبرته عما رأته وسمعته عن ذلك الطامع الغادر الذى جاء معتديًا ومحتلًا.

وراح بطل المقامة يحدث نفسه: هل يمكن للنظام الجمهوري والممارسة الديمقراطية أن تصل إلى البصيرة والحكمة وغير ذلك من القيم العليا التى لا تفارق العقل وتعينه على اتخاذ القرارات وتأتى بالرأي الصواب حيال هذه المسألة؟ ويبدو أن بطلنا كان أقرب للشك فى قدرة هذا النظام على تباين ثقافة أفراده وطبائعهم على الوصول إلى الرأى السليم، ولعله تأثر بأفلاطون الذى ذهب إلى أن جهل الجمهور وقلة خبرة العوام لن تمكنهم من تدبر المسائل وانتخاب الحلول المقترحة، ثم المقابلة بينها وانتقاء الأصلح للتطبيق، أضف إلى ذلك افتقار معظم أفراد الشعب إلى قيمة الاعتدال، وذلك لأن طبائعهم الحسية والمادية هى التى تقودهم وتحول بينهم وبين الاتفاق على قرار واحد، فالأحاسيس والمشاعر نسبية ومتغيرة ولا ضابط لها يحكمها ويعصمها عن الوقوع فى عثرات الهوى وحبائل الشهوة، وعليه لا ينبغى الاحتكام إلى رأى العوام فى أمور الحكم والسياسة، بل البحث فى الطبائع البشرية عن ذلك الحكيم العاقل الفطن المجرب الذى تقوده حكمته وخبرته وأخلاقه إلى تسييس أمور المدينة أو الدولة على نحو يوفر لمواطنيها الحياة الكريمة الآمنة العادلة، ويحقق لهم السعادة. فالحكم الأمثل عند أفلاطون هو حكم الفاضل العاقل المستنير، وذلك على العكس من الساسة الديمقراطيين الذين أتت بهم الصناديق والعصابيات والمصالح الشخصية إلى كرسي الحكم دون أدنى وجه استحقاق، فالكثرة العددية هى التى انتخبتهم فحسب، فخطر المواطن الجاهل على الدولة محدد، أما خطر السياسي الجاهل فعليها عظيم المآل، فالسياسي الديمقراطي الجاهل ينحاز دوما إلى قيمة الحرية غير عابئ بمقاصدها أو مآلات ممارستها، فى حين أن الفيلسوف ينظر للقيم جميعها نظرة الطبيب إلى الأدوية ليختار منها المناسب لعلاج الواقعة أو الحالة أو المرض، ذلك على الرغم أن من بينها أو فى بعض تراكيبها المر والسم، أضف إلى ذلك أن المتعصب للحرية لديه دوافع لممارسة الأنانية والرعونة والجنوح والتطرف أكثر من ذلك الحكيم العاقل.

وها هو عبدالله فكرى يحاول البرهنة على ذلك من خلال تلك الجلسة التى حضرها فى المملكة الباطنية. فذهب إلى أن معية الملك جمعت بين الجاه والنخوة والغضب والحسب، وجلسوا بجوار البخل والجمود والكسل والخنوع، فراق للفريق الأول مجابهة العنف بالعنف بغض النظر عن معوقات الواقع وملابساته، فالحماسة هى التى كانت تقودهم، وذهب الفريق الثانى إلى الحديث عن تكلفة الحرب ومدى استعداد الجيش والمخاطر والأهوال التى تخلفها الحروب وقيمة الصبر التى يجب على الشعب انتحالها عند مجابهة الشدائد، وجاء على لسان الجبن والرعونة «لم تأتِ هذه المملكة الأجنبية بما يغضبنا، وإن كانت أيضا لم تجيء فى الحقيقة بما يعجبنا، وهب أنها أساءت إلينا وظلمتنا، فالأولى أن نصبر على أمرها ونطويها على غرها ونتغافل عن شرها»، وجاء على لسان الحلم والخوف «من جبن سلم، ومن تهور ندم، ومن غرس الحلم شجرًا جنى العز ثمرًا».

وقد أراد عبدالله فكرى من ذكر هذه الأقوال على ألسنة الممثلين للقيم لإثبات تهافت منطقهم وزيف أقوالهم وخطورة آراءهم على سياسة الدولة، وكل ذلك من جراء ممارستهم للديمقراطية المزعومة. وينتقل بطلنا إلى شخصيات أخرى مثل المال والكرم والسخاء الذين رفعوا شعار «من جاد بالمال نال الآمال واستمال الرجال وسلمت نفسه من الأوحال»، بينما ذهب الشح والبخل والحرص على المال إلى رفع شعار «من رشى عدوه أعانه عليه، وبقاء المال للأقارب خير من الاحتياج للأجانب». ورغم ذلك نجد بطلنا يمتدح المشورة ومحاورة الأغيار واحترام رأى الآخر، غير أنه يشترط أن تكون المشورة فى أهلها، يقصد الحكماء والعلماء والخبراء، ومن ثم فهى لا تصلح للعوام أو الدهماء، وذلك لأن جميعهم يحكم بمقتضى قناعاته الفردية، فالأناة ترغب فى التمهل فى حين أن الحسم والجرأة والإقدام يرغبون فى العجلة. ولم تفكر الأناة أو العجلة فى طبيعة الواقعة وملابساتها أى أن قرارهما لم ينبع من دراية بل من عاطفة. وإذا ما قابلنا شعارتهم برأي (شخصية العدل) «إن مقتضى الاعتدال النظر فيما نقل عنه ونتأمل لفظه ومعناه ونعامله بما يقتضيه من سلم وقتال، فنسير مع كل أحد من الناس حسب سيره». سوف ندرك الفارق بين الحكيم الفيلسوف العاقل المستنير وبين العوام من الناس.

وصرح كل من العفة والبصيرة والاستقامة والحياء والخيال بتأييدهم لرأى العدل وحذروا فى الوقت نفسه العقل من دهاء الشهوة والغفلة والمداهنة مبينين أنهن يملكن القدرة على قلب الأشياء إلى ضدها وتبرير الآثام وتجميل القبح والرذيلة فى عيون الغافلين «إنهن يصورن كل شئ بغير صورته، فالمداهنة تجلى الحق فى صورة الباطل، والصدق فى صورة الكذب، وتضل الشهوة بسحرها القلوب، وتخرج الغفلة العقول عن نهج الاستقامة المطلوب».

أما مثال الخيال - وهو المشخص لقيمة الإبداع - فقد أدرك أن نجاة الملك فى نصرة البصيرة لكى يسود رأيها ويقوى على كل المفسدات والشرور، ولما تحقق ذلك انطلق الخيال مبتهجا معلنا بأنه علة استقرار المملكة، فأصابه غرور وضله ظنه، فحسب سرير البلاهة عرش الحكمة العقلية والاستقامة العدلية، وأراد أن يتربع عليه، فوقع من فوقه وصار أضحوكة وصارت حكايته من بين الحكايات مصكوكة، ثم أدرك أن كل ما رآه محض خيال، فرجع وتاب عن ذلك الحال، وأراد أن يحكى تجربته لتصبح مثلًا وفصلًا بين عظيم الأقوال.

السياسة والديوان:

لا أعرف على وجه الدقة من بين فلاسفة الثقافة الإسلامية أول من ربط بين صلاح الحاكم وفساده، وخصال أعوانه ووزرائه ومعاونيه، ولا تلك الرؤى السياسية الأخلاقية التطبيقية التى أكدت أنه إذا جمعت حاشية السلطان بين العالم الخلوق، والمبدع الورع، والناصح الأمين، والمحنك الرزين، انعكس ذلك بالإيجاب على سلوك المملكة والدولة وأخلاقيات الرعية وبرهنت على دُربة الحاكم وفلاحه فى قيادة أمته وتسييسه لشئون الحكم ورعايته لصالح العباد، أما إذا تصدر معيته أراذل الناس وأسافلهم من المتملقين والمنتفعين والناقمين والحاسدين والطامعين وتجار الكلمة والمتآمرين، أنبأ ذلك عن فساد السلطان وعجل بزوال ملكه وحكمه وفساد الأمة.

ولعل ابن المقفع والثعالبي (٩٦١- ١٠٣٨م) وابن جماعة (١٢٤١-١٣٣٣ م) من أوائل الحكماء فى الثقافة العربية الإسلامية الذين طرقوا هذا الباب، وأكدوا ضرورة توخى الحاكم الحذر فى اختيار وزرائه وندمائه ومستشاريه والقائمين على القضاء والجيش وبينوا أن أثرهم على قرارات السلطان وتدابيره وأحكامه وتقييمه للمسائل المطروحة عليه لا يمكن إنكاره، فيأخذ من بعضهم العلم والخبرة والدربة والدراية فيما خفى عليه من أمور، ويلتمس عندهم المشورة ويستعملهم فى إنفاذ أوامره، ويسمع منهم أخبار الرعية. وقد توسع فلاسفة الأخلاق والسياسة المسلمون فى تبيان أهمية معية الحاكم، وأفردوا فى كتبهم فصولا للحديث عن صفاتهم وخصالهم والآداب التى يجب أن تتوفر فيهم، وانتهى معظمهم إلى أنه إذا اجتمع الملك الفاضل والوزير الصالح الناصح، أحرى بالمملكة أن تكون ساكنة، هادئة وأحوالها وأعمالها على النظام جارية، وطرق التجارة والمواصلات آمنة، والأسعار مناسبة وفى متناول الجميع، ونفوس الرعايا هادئة وراضية، وفى السلم والأمن والعدل مطمئنة.

وأعتقد أن عبدالله فكرى قد تأثر بهذا الطرح أثناء كتابته للشق السياسي الذى عالجه فى مقامته، فقد صور الصفات الحميدة والخصال الدميمة فى الشخصيات المحيطة بكرسي الحكم، وبين مبلغ أثرها على السلطان ومدى تأثره بها، وذلك بأسلوب تمثيلي لا يخلو من بصمة إبداعية.

وحسبي أن أؤكد أن مقامة عبدالله فكرى لا يمكن إدراجها ضمن الآداب السلطانية المباشرة، وحجتى فى ذلك أن متنها خال تماما من أى إشارات توجيهية للحاكم أو الأمراء الذين تولى تربيتهم وتعليمهم فى القصر الخديوى – كما أشرنا سلفًا -.

أضف إلى ذلك أن أسلوب المقامة الملغز لا يتفق مع لغة النصح والإرشاد والتوجيه الذى آلفناه فى كتابة هذا اللون من المؤلفات الأخلاقية.

أما وجهته الإصلاحية ونزعته التربوية الأخلاقية التى روج لها فى الصفحات الأولى من المقامة فهى لا تخرج عن كونها سنة أو نهجا متبعا فى كتابة المقامات، ولاسيما الحديث منها الذى اتخذ من نقد الواقع المعيش سبيلا لتقويم السلوك والأخلاق والمعتقدات.

وإذا ما انتقلنا إلى الموضوع الثانى الذى طرحه عبدالله فكرى فى مقامته فسوف نجده هو السياسة وشئون الحكم. فقد انتقل مفكرنا بذكاء ودهاء وحنكة وحرفية متقنة الى ميدان السياسة فنألفه يفاضل بين الحكومات القائمة على النظام الجمهوري فى الحكم والديمقراطية فى التشريع، ويرى أنها لا تخلو من مواطن الجور والاستبداد والزور والاستغلال، وأن أفضل منها هو الحكم الملكي الذى يكون الأمر فيه لذلك المستبد العادل (المفقود) الذى يغلق بحكمته أبواب الانقسامات والخلافات والفتن، ويقود بصدق نيته الأمة إلى ما فيه خيرها، ويقول: «ظننت أن إدارة الحكم فى المدينة بالجمهورية لا بالملك والاستقلال، وزعمت أن ذلك سبب ما أراه فيها من الفتنة والاختلال، كما يقع عادة فى الممالك الجمهورية من مثل هذه الأحوال بسبب ما يظهر فيها من الفرق المتعارضة وما يكون لهم فى أحكامهم من الآراء المتناقضة، فهذا ما ذهبت بادئ إليه وعولت فى توجيه أحوال المملكة عليه، ولكن لم يتيسر لى فهم ما رأيته بحقه، ولم أعرف من بينهم أحدا أثق به وأعتمد على صدقه فبقيت متفكرا مضطربا متحيرا».

وأعتقد أن عبدالله فكرى ينتحل فى هذه المقامة نهوج التورية والتعمية ورمزية عكس الدلالة، فظاهر القول يفيد بأنه ضد الجمهورية أو ضد النظام الجمهوري الديموقراطي ومؤيد للملك العضوض والنظام الفردي الأوتوقراطي الذى يتفق مع المنحى الصوفي، غير أنه ينبه القارئ بذكاء شديد على أن حديثه لا يعبر عن اليقين أو ينطلق من فوق منبر الحق، ويبدو ذلك فى قوله هذه الإشارات (ظننت - زعمت - لم يتيسر لي فهم - متحيراً) وكلها أساليب تفيد الارتياب والشك فى صحة الاستنباط والاستدلال، ويضيف عبدالله فكرى أنه وجد فى هذه المملكة الخيالية الباطنية رجلا يتميز بالفراسة وإتقان علوم السياسة، فأخبره أن ما رآه من أوضاع ونظم وأحوال لا يعبر عن الحقيقة، بل إن واقع الأمر أن هذه الدولة تحكم بسلطان عاقل مُلهم ساقته الأقدار إلى أن يتولى أمور تسييسها، ليقود الرعية بحكمة الباري والعدالة الإلهية، وأن جزاءه عند الله وحسابه موكل إليه عند السؤال عن تلك الأمانة التى ألقاها على كتفيه. وأعلم أن ذلك السلطان أو الحاكم ليس معصوما، وذلك لأنه ليس من الأنبياء ولا الأولياء، وأنه يستمد الحق من رجاحة عقله ومن قدرته على حنكته فى تسييس أمور مملكته، ومن ثم فالصواب والخطأ فى الاجتهاد محتملان، والذى يغلب إحدى الكفتين هو حسن الإدارة والتدبير واتصاله بالجماهير ونزاهة المشورة والوزارة.

يروى مفكرنا أنه أراد التيقن من صدق حوار ذلك الدليل - الذى اصطحبه من بداية الرحلة - فسأله عن البرهان، فطلب منه أن يتبعه ليصلا معا إلى مقام السلطان، وفى الطريق وقف بطل الحكاية (أى عبدالله فكري) ليستمع إلى أحاديث العوام – إن شئت أو قل المغرضين من مزيفي الوعي - الذين أدركوا غربته وقلة خبرته بأمور السياسة، فأرادوا أن يضللوه وصرحوا له بأن كل ما سمعه من الدليل وهم وخيال، وراحوا يشككوه وبالبلاهة والسذاجة يتهموه، غير أنه لم يجنح عن سبيله وراح يتعقب الدليل، ويتبع خطاه ليظفر من الحق بالقليل، فقابلته جماعة أخرى من الظرفاء - تجار الكلمة - يلتف حولهم جمع كثير، فظنهم بطل حكايتنا أرباب الحكمة ورجالات التدبير، غير أن الدليل أشار إليه بأنهم أصحاب هرج ومرج، وأن فى الإصغاء لهم مضيعة للوقت وعطلة عن بلوغ الهدف، فتركهم بطلنا وانصرف إلى أن وصل مع الدليل إلى بهو شاغل بالأنوار والرايات ومزدحما بالجمهور من رجال ونساء وشيوخ وأولاد وأكابر ونبلاء وصعاليك وعباد، وحال الزحام بين عيون بطلنا ورؤية ذلك الحاكم الهمام، ويقول: «لم أميز شكل العقل الحاكم فى ذلك القطر بوجه اليقين وعلى صورة التعيين، لكن رأيت كثرة ماله من الأنوار فوق ما لغيره من الحصار، وما يعلوه من الهيبة والوقار، فأخذت بالظن والتخمين أنه العقل المشهور، وتأكيد ما فهمته من ذلك بأخبار دليلي المذكور، ثم نظرت إليه فرأيت عنده امرأتين ظريفتين عفيفتين قد زانهما الحسن والجمال وعلاهما الأدب والكمال (هما العدالة والفضيلة)».

ويمضى مفكرنا فى وصف معية العقل أو إن شئت قل حاشية ذلك الملك، فوقع بصره على امرأة ذات دلال ظاهر تسحر العقول بألفاظها وعلى رأسها تاج من الورود وتنطق بلسان معسول لا يلاقى من سامعيه إلا الرضا والقبول، فمال بطلنا إليها، غير أن الدليل نزع الستائر المسدلة عليها، وأخبره أنه افتتن بنظراتها الحميمة وهى فى الحقيقة نموذج للشهوة الدميمة. ومن الذين رآهم حول العرش نماذج للغب (أى البعد والشقاق) والحسد وحب الجاه، وجميعهم يمثل معاول الهدم لأركان الملك لا يقل خطرهم وأذاهم عن السيف والرمح والجهل والفقر والشح، ولا خطرهم عن النسيان والهرم (أقصى الكبر والضعف) على الذاكرة وغيبة الدليل على النفوس الحائرة، وعلى مقربة من هؤلاء أبصر بطل الحكاية الكبر والدناءة وجها إلى وجه، أما العدل فوجده وسط الكرم والبراءة والشرف والنزاهة جالسين يتهامسون فى أناة ووقار بجوار الأمن يفصل بين الحضور ويكون للنظام حارسا، وعلى مقربة منه امرأة يحيطها الجمال والكمال والجلال، فتأكد له أنها البصيرة، وذلك لأن الملك يعتبرها منبع الحكمة ونعم المشيرة، ويقول على لسان الدليل: «سألت الدليل عن خبرها، فقال هى البصيرة المعروفة بحسن آرائها، وهى أعظم أمرائنا، وسلطاننا يوقرها ويخشاها ويحذرها، ويستنهض العامة والخاصة لموافقة آرائها، وقد يقع بينهما الشقاق وتنحل روابط الإتقان، فيظهر كل منهما لصاحبه الخصومة، فتختل عند ذلك أمور الحكومة، ويتغلب فى خلال ذلك الاختلال طائفتا الأغراض النفسية والخصال المحمودة».

وأعتقد أن عبدالله فكرى قد استطاع إلى حد كبير التصريح بأمرين: أولهما: أن المجتمع المصرى المتطلع للحرية غير مستعد لتطبيق الديمقراطية فى ميدان السياسة، وأن ذلك لا يرجع لعجز فيه، بل يرجع إلى قلة وعيه وتسلط المغرضين على العقل الجمعى، وتعمدوا تجهيله وحرمانه من الأناة والتريث وآليات النقد الفاحصة للأمور قبل تقييمها وإنفاذها. بالإضافة إلى خلو معية الحاكم من المختلفين المتعاونين، أو إن شئت قل التضاد المثمر، وعليه فهو يفضل الحكم الأوتوقراطي المحاط بمعية أرستقراطية تجمع بين العلم والفضيلة والحسم والأناة والعدالة والرحمة وعين الواقع وآفاق الخيال. ولعله أراد بذلك التصور التأكيد على أن قيادة الصفوة المستنيرة العاقلة هى الأفضل لحكم البلاد فى متنفس يجمع بين الحرية الواعية والأخلاق العملية الناجعة.

أما الأمر الثانى، فيتمثل فى حثه المفكرين على تعويد الحاكم على منطق الحوار الذى يحتكم إلى التجربة والبرهان فى الفصل بين الأمور المتشابكة والآراء المتعارضة والقضايا المطروحة، وتنبيهه فى الوقت نفسه على ضرورة غربلة معيته من الندماء والوزراء والمستشارين، فمحاربة الفساد يجب أن تبدأ من الرأس بنفس القوة التى تُقلم بها أظافر صغار العمال.

وعلى الرغم من دراية مفكرنا بأصول كتابة المقامات؛ فإنه قد أخفق فى حبك مقامته من الناحية الشكلية، فالبداية ضعيفة ومشوشة وملغزة والنهاية غير مباشرة، يعوزها الحسم والنتيجة المستخلصة من العظة المتضمنة فى المقامة. والأحداث غير مثيرة. والشخصيات محدودة الأدوار، بداية من شخصية البطل إلى الشخصيات الثانوية، ناهيك عن الدور المزدوج الذى قامت به الأنا الباطنية والراوي السائح فيها. كما أن العقدة الدرامية غير محكمة والحل غير واضح.

وعلى أية حال؛ فإن مقامة عبدالله فكرى قد حركت المياه الراكدة فى الثقافة السياسية المصرية آنذاك. والسؤال المطروح: هل فى مقدور مفكرينا قراءة الواقع السياسي المعيش بعين تجمع بين البصيرة العقلية والمسحة الأخلاقية العملية؟ وهل نحن مؤهلين لما نطلق عليه الديمقراطية فى مؤسستنا السياسية؟ وهل لدينا غربال نضعه فى يمين الحاكم لاختبار عماله؟

 

بقلم: د. عصمت نصّار

 

 

ماهر عبد المحسنأثارت رواية علاء الأسواني الأخيرة "جمهورية كأن" الجدل في أوساط المثقفين والنقاد المصريين .. وقد لاقت الكثير من النقد والرفض من قبل الكثيرين بشكل تجاوز العلمية والمنهجية ليصل إلى حد النيل من شخص الأسواني وعائلته . ولا يخفي السبب وراء هذه الحرب الضروس حول عمل أدبي يفترض ألا يتم التعاطي معه إلا وفق أصول النقد العلمية والمنهجية المقررة في هذا السياق . فالأسواني لم يقدم عملاً فنياً ملهماً يُعني بجماليات النص ويروم الخلود التاريخي الذي يسم الأعمال الكلاسيكية العظيمة، وإنما كان شاغله الأول تقديم رؤية مباشرة تنطوي على نقد اجتماعي وسياسي أثار حفيظة هؤلاء الكثيرين الذين انتفضوا للدفاع عن مواقفهم السياسية المعارضة لاتجاه الأسواني.

والحقيقة أن المضمون الذي قدمه الأسواني في الرواية لم يكن معبراً عن فكرته الأساسية حول ما أطلق عليه "جمهورية كأن" حيث ضاعت الفكرة داخل خضم كبير من التفاصيل والشخوص والأحداث التي من شأنها أن تربك القارئ غير المتمرس وتستفز القارئ الناقد الذي يحمل إيديولوجيا مخالفة.

والإشكال يمكن أن يزول – من وجهة نظرنا – إذا رجعنا إلى أصل الفكرة، التي سبق وأن عبّر عنها الأسواني في مقال بعنوان "تسقط جمهورية كأن"، نُشر في جريدة "المصري اليوم" بتاريخ 10/3/2014م . فالمقال أخف وطأة من الرواية، كما أنه يحمَّل المسئولية للجميع – حكاماً ومحكومين – دون أن يستثني أحداً، إلا أن أهم ما يميز هذا المقال هو الفلسفة التي بني عليها الأسواني رؤيته للواقع السياسي والاجتماعي في مصر خلال الثلاثين عاماً الماضية وحتى قيام ثورة يناير 2011م، ثم أحداث 30 يونيه .

إن "فلسفة كأن" التي يطرحها الأسواني في المقال وفي الرواية، ليست جديدة، بل إنها ضاربة بجذورها في الماضي لما يتجاوز المائة عام تاريخ نشر الفيلسوف الألماني هانز فايهنجر (1852 – 1933) Hans Vaihingerلعمله الفلسفي الرئيسي (فلسفة "كما لو") أو "فلسفة كأن" Philosophie des Als Ob (The Philosophy of “As If” الذي نشر عام 1911 وترجم إلى الإنجليزية عام 1924 من قبل أوجدن C.K. Ogden . وكان في الأصل أطروحة دكتوراة ناقشها فايهنجر عام 1877 . والفكرة الأساسية للكتاب تتضح من العنوان الفرعي "نظام الروايات النظرية والعملية والدينية للإنسانية" حيث يرى فايهنجر أن البشر لا يستطيعون ان يعرفوا حقيقة الواقع الكامل في العالم، وأننا بناء على ذلك نقوم ببناء أنظمة فكرية ثم نفترض أن هذه الأنظمة تتطابق مع الواقع، ونتصرف "كما لو" كانت صحيحة.

وبالرغم من أن فلسفة فايهنجر لاقت نقداً شديداً من قبل الوضعيين المناطقة في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، إلا أنها تركت أثراً كبيراً – بعد الحرب العالمية الثانية – على علم النفس خاصة لدى كيلي، وعلى النقد الأدبي لدى الفيلسوف الأمريكي أرثر فاين، وحالياً ازداد تأثير فايهنجر بشكل كبير على حركة الخيال التي ازدهرت داخل فلسفة العلم المعاصرة.

ويلاحظ أنه بالرغم من الصدى الواسع الذي أحدثته فلسفة "كما لو" لدى فايهنجر خلال المائة عام الماضية، إلا إن هذا الأثر لم يمتد إلى الثقافة العربية بأي حال . فلم يُترجم كتاب "فلسفة كما لو" حتى الآن إلى العربية، ولا نذكر- على حد علمنا - سوى دراسة واحدة تناولت أطروحات هذا الكتاب ذات الأهمية الكبيرة في مجالات العلم والفن والدين قام بها د.أحمد حمدى محمود، ونشرت ضمن سلسلة "تراث الإنسانية" (الصادرة عن وزارة الثقافة المصرية) عام 1968.

وبناءً على ذلك يُستبعد أن يكون الأسواني قد رجع إلى فايهنجر قبل كتابة مقالته "تسقط جمهورية كأن" أو روايته "جمهورية كأن" .

والأرجح أن الأسواني إنما عبّر عن الفكرة من واقع الأحداث الحقيقية الملموسة التي عايشها، واستخلص منها أفكاره المتعلقة ب"فلسفة كأن" من خلال حسه السياسي والاجتماعي والفني.

فإلى أي مدى اقترب الأسواني من فايهنجر أو ابتعد عنه ؟ وما هي أهم ملامح "فلسفة كأن" لدى كل من الأسواني وفايهنجر ؟ وإلى أي مدى يمكن الاستفادة من "فلسفة كأن" – بصفة عامة – في صياغة آلية منهجية نظرية تصلح لفهم وتفسير الظواهر السياسية والاجتماعية والثقافية المحيطة بإنسان هذا العصر بعامة، والإنسان العربي على وجه الخصوص ؟.

هذه هي الأسئلة التي يحاول هذا المقال الإجابة عنها . وفي سبيل التوصل للإجابة سوف نعيد قراءة مقال الأسواني وكتاب فايهنجر مع شيء من الإيجاز والتكثيف.

في مقالة "تسقط جمهورية كأن" لا يهتم الأسواني بالطرح النظري، لأنه

لا يتحدث من موقع الفيلسوف، ولكن من موقع الناقد الاجتماعي والمحلل السياسي . لذلك يبدأ المقال بمشهد واقعي يتخذ شكل المسرحية، وهو مشهد الاستفتاء الذي كان يجريه الرئيس الأسبق حسني مبارك من أجل "تحسين شكل الاستبداد في الداخل والخارج".

ومن أجل ذلك فإن "الديكتاتور يحتاج إلى مسرحية يلعب فيها دور البطولة وحوله مجموعة كومبارس".

ونظراً لطول امد الاستبداد، تنتقل العدوى من السياسي إلى الاجتماعي، وهي المرحلة المفصلية التي يظهر فيها المصطلح الأول مرة عند الأسواني، فيقول : "بعد سنوات من الاستبداد يعيش المجتمع في "حالة كأن" فيبدو كل شيء وكأنه حقيقي بينما هو مزيف" . ولا يتخلى الأسواني كلية عن التنظير، وإنما يدمج التنظير بالتطبيق في وحدة واحدة متماسكة، غير أننا سنعيد تفتيتها لحظياً لأغراض التحليل.

وفي هذا السياق يحدثنا عن اللغة الخاصة التي يعمل النظام على ترسيخها من أجل التعبير عن الواقع المزيف الذي يتم صياغته لأجل خداع الشعب.

"فمع انتشار "حالة كأن" تنشأ اللغة الرسمية للنظام التي هي مجموعة أكاذيب مغلفة بلهجة وقورة، لغة تعلم الشعب ألا يصدقها لأنها تعني بالضبط عكس ما تقول".

والمفارقة الصارخة هنا، أن إدراك الشعب لخدعة الخطاب السياسي الذي يبطن عكس ما يظهر لا تمنعه من الاستغراق في "حالة كأن" .

فبعد انتقال عدوى "حالة كأن" من النظام إلى المجتمع، ينفصل الشكل عن المضمون وينفصل الدين عن السلوك، ويهتم الناس بصورتهم أمام الآخرين أكثر من اهتمامهم بمطابقة تصرفاتهم للمعايير الأخلاقية".

وتشبع المجتمع بجرثومة "كأن" التي زرعها النظام في البداية خلق نوعاً من التواطؤ بين الشعب والنظام بحيث أصبح كلا منهما يتظاهر بأنه يتصرف بنحو حقيقي في حين أنه يتصرف بنحو مزيف، مخالف للحقيقة .

فالدولة تدفع مبلغاً ضئيلاً للمدرس كأنه راتب فيتظاهر بقبوله ثم يتظاهر بالعمل، بينما هو يذهب للمدرسة من أجل التعاقد على الدروس الخصوصية، والمحافظ يتفقد سير العمل في الهيئات عن طريق زيارات مفاجئة يعلم بها الموظفون سلفاً، حينئذ يبدو المحافظ وكأنه نشيط، ويبدو العاملون وكأنهم في منتهى الكفاءة .

ويعتبر الأسواني أن ثورة 25 يناير كانت لحظة فاصلة تخلص فيها المواطن المصري من "حالة كأن" التي كان يرزح تحت نيرها إبان سنوات حكم مبارك .

فالمواطن الذي كان يهتم بنظافة شقته لكنه في نفس الوقت يلقي بالقاذورات في منور البيت وعلى السلم لأنه لا يشعر بأي انتماء خارج شقته، هذا المواطن السلبي المنكفئ على ذاته وأسرته رأيناه بعد الثورة ينزل مع أبنائه ليكنسوا الشوارع ويزينوها.

غير أن الأسواني يعود ليحمّل الإخوان المسلمين مسئولية استعادة "جمهورية كأن" باعتبارهم الوجه الآخر لنظام مبارك، لأنهم – وفقاً لتحليله للموقف – منفصلون عن الواقع، عاجزون عن رؤية الحقيقة، يعيشون في عالم افتراضي ويعتبرون أنفسهم المدافعين الوحيدين عن الدين، ما يمكنهم من ارتكاب أبشع الجرائم وهم يظنون أنهم ينصرون الإسلام . وبالرغم من انحياز الأسواني لخروج المصريين في 30 يونيه وتخلصهم من الحكم الإخواني، إلا أنه لم ير في الأحداث التالية تخلصاً من "جمهورية كأن"، بل على العكس كان هناك – دائماً – من يحاول إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وإحياء هذه الجمهورية المنكوبة "كأن" . ويعقد الأسواني الأمل على الشعب المصري (صاحب الثورة الحقيقي)، الذي لن يهدأ حتى يحقق أهداف الثورة بالكامل، فالثورة مستمرة ومنتصرة لأنها تنتمي إلى المستقبل، وأعداؤها يعيشون في الماضي، وأن أحداً لن يستطيع أن يوقف المستقبل وفي كل الأحوال، لن نتمكن من التحرر من "جمهورية كأن" سوى بالديموقراطية، التي هي الحل أولاً وأخيراً.

وإذا انتقلنا إلى كتاب فايهنجر "فلسفة كما لو"، فإن أول شيء ينبغي ملاحظته أننا إزاء كتاب أكاديمي كان في الأصل أطروحة فلسفية حصل بها فايهنجر على الدكتوراة، وبالتالي فهو يختلف تماماً عن مقالة الأسواني أو روايته من حيث الشكل والهدف والمنطلقات . ففايهنجر لم يهتم بالسياق السياسي والاجتماعي الذي كان يكتب الأطروحة في ظله وإنما كان يعالج إشكالية نظرية ذات أبعاد فلسفية مثالية . وكان يهدف من خلالها تقديم فلسفة تفسر الظواهر الثقافية للإنسان من ناحية، وتكشف عن الأبنية الداخلية لهذه الظواهر من ناحية أخرى.

وبهذا المعنى، لا يُستغرب أن تكون نقطة الانطلاق لدى فايهنجر هي فلسفة كانط النقدية، خاصة تلك المتعلقة بكتابه "نقد العقل الخالص"، وبصفة أخص فكرته عن "الشيء في ذاته" الذي استبعده كانط من دائرة التفكير باعتباره شيء غير محسوس

لا يمتلك العقل القدرة على التوصل إلى ماهيته الحقيقية . فبالنسبة لكانط المعرفة البشرية محدودة بإمكانيات الخبرة الحسية، وهكذا عندما نكوّن أفكاراً لأشياء معينة (مثل الله) تمتد إلى ما وراء التجربة الحسية، فإننا نكوّن أفكاراً لما هو غير معروف . وعلى عكس التجريبيين، لم يستنتج كانط من ذلك أن مثل هذه الأفكار خالية تماماً من القيمة المعرفية، وإنما استنتج أن البشر يمكنهم توظيف مثل هذه الأفكار للمساعدة في توجيه فكرنا وعملنا، وبهذا المعنى تلعب هذه الأفكار دوراً تنظيمياً .

وتعتبر فلسفة فايهنجر محاولة لتوضيح هذه الفكرة وتوسيع تطبيقها بحيث تشمل أفكارا دينية أكثر تحديداً مثل ولادة العذراء . ومن بين الأفكار التنظيمية التي سردها كانط، والتي شملت الله، الروح، الكون، يعلق فايهنجر أهمية خاصة على فكرة الحرية. وهي الفكرة التي لا تعول على السببية في تفسير ما يقوم به الإنسان من تصرفات

وما يصدره من قرارات، بقدر ما تعول على الخيال . فقوانين المنطق نفسها – وفقاً لهذه الفلسفة - ما هي إلا قصص خيالية، وإن كانت خيالية أثبتت قيمتها التي لا يمكن إنكارها . وعلى ذلك، يعتقد فايهنجر أنه ليس مهماً السؤال عما إذا كانت العقائد الأخلاقية والدينية والميتافيزيقية صحيحة بالمعنى الموضوعي، لأن هذا لا يمكن اكتشافه، ولكن ينبغي على المرء أن يسأل عما إذا كان مفيداً أو حتى ضرورياً للتصرف "كما لو كان" صحيحاً . وهو يؤكد على أن مفاهيم "الخيال" و"كما لو" تختلف باختلاف نوع الحقيقة المعنية، والتي قد تكون منطقية أو علمية أو دينية أو أي شيء آخر.

وتعتبر فلسفة "الخيالية" Fictionalism في الفكر المعاصر هي الأقرب لفلسفة فايهنجر . فالادعاء الأساسي بالخيال حول بعض مناطق الخطاب هو أن ادعاءات ذلك الخطاب ليست صحيحة تماماً، بل إنها تقدم نوعاً من الخيال المفيد، على سبيل المثال، عندما يزعم أحد الأشخاص أن "شيرلوك هولمز عاش في شارع بيكر"، لا يعني ذلك أن هناك شخصاً فعلياً يحمل نفس الاسم يقيم في لندن .

ما يقصدونه ربما يكون أقرب إلى، حسب قصة معينة، عاش "شيرلوك هولمز في شارع بيكر". وقد وجد الفلاسفة إن مثل هذه الحالات موحية للغاية.

وقد استفاد علم النفس المعاصر من فلسفة فايهنجر "كما لو"، خاصة في "العلاج النفسي البنائي". وفي هذا السياق قام كيلي بتطوير فكرة فايهنجر بأن الفكر "وظيفة عضوية هادفة" تساعد في التكيف مع المواقف المختلفة والنفسية باعتبارها "قوة تكوين عضوية" يمكن أن تغيّر ما هو معروف في الوقت الحالي من أجل استيعاب المعلومات الجديدة، لتكون أساساً لنظريته في البناء الشخصي البديل .

وتتلخص رؤية كيلي في أن هناك عدداً لا حصر له من الطرق لتفسير العالم. ومن أجل الحصول على منظور جديد محتمل، يحتاج الناس إلى القيام بتخفيف بناءات شيء ما، وإقامة بناءات جديدة لتفسيرها بطريقة أخرى، ومن ثم اختيار هذه الاحتمالات الجديدة من خلال التصرف "كما لو" أن هذه الإنشاءات الجديدة صحيحة. ومن خلال هذا النوع من الاستكشافات المرحة، يصبح السلوك تجربة يستخدمها الناس في اختبار فرضياتهم الشخصية.

وهنا يمكننا أن نميز بين رؤية الأسواني لفلسفة "كأن" ورؤية فايهنجر لفلسفة "كما لو" . فالأسواني كان يتحدث عن الوجه السلبي لفلسفة "كأن"، ويعتبرها داءً عضالاً ينبغي أن يبرأ منه المصريون إذا أرادوا لأنفسهم حياة كريمة تتناسب والثورة التي قاموا بها، وبذلوا من أجلها كل غال ونفيس . في حين كان فايهنجر معنياً بالوجه الإيجابي لفلسفة "كما لو" حتى أنها تحولت في أحد تطبيقاتها إلى علاج (دواء) . لكن هل يعني ذلك أن فلسفة "كأن" أو "كما لو" لا تصلح للتطبيق السياسي والاجتماعي؟ بعبارة أخرى، هل يفقد السياق السياسي والاجتماعي فلسفة "كأن" طاقاتها وفاعليتها الإيجابية ويحيلها إلى نوع من الوهم المريض الذي ينبغي التخلص منه على نحو ما صورها الأسواني؟!

من المؤكد أن الإجابة ينبغي أن تأتي بالنفي، لأن "فلسفة كأن" في صورتها النظرية المتعمقة التي قدمها فايهنجر، إنما هي فلسفة عامة تمتلك مقومات الرؤية الفلسفية الكلية التي يمكن أن تعالج العديد من الظواهر الإنسانية بنفس الكفاءة ونفس الدرجة . وكل المطلوب أن نقوم بتحويل رؤية الأسواني السكونية التي تكتفي بالوصف إلى رؤية فايهنجر الديناميكية التي تتيح التفسير والتأويل، بحيث لا تكون "فلسفة كأن" مجرد غطاء بّراق يخفي تحته واقعاً رديئاً، وإنما تصير استراتيجية تتيح العديد من البدائل أو السيناريوهات المحتملة .

إن التصرف تجاه العالم بنحو يبدو وكأن العالم صادق وحقيقي لهو مطلب ضروري للحفاظ على استقرار البشر فوق هذه الأرض (مادياً وروحياً)، خاصة أنه سيفتح المجال واسعاً لتقبل الآخر إذا تصرفنا إزاءه كما لو كان على حق. وإن كان الأمر سيبدوا عسيراً ومتناقضاً تجاه الرؤى السياسية التي تفرضها الأنظمة الحاكمة من أعلى ولا تهدف إلا إلى خدمة مصالحها، إلا أن قبول هذه الرؤى – مهما كانت حقيقتها المضمرة – والتصرف "كما لو" كانت حقيقية بنحو تكتيكي مرحلي، من شأنه أن يضعها على محك التجربة لاختبار مدى الصدق أو الزيف المتضمن فيها . كما أنه سيمنحنا الفرصة لالتقاط الأنفاس تمهيداً لإعادة البناء وتقديم رؤية بديلة تتفق ومصالح الشعوب المقهورة، المغلوب على أمرها.

 

د. ماهر عبد المحسن

 

مجدي ابراهيملاحظنا في السابق، إشارة السَّهْرَوَرْدِيّ الكاشفة:" أقرأ الكتاب بوجدٍ وطربٍ وفكر. وأقرأ القرآن كأنه نَزَلَ في شأنِك ". ولم تكن تلك الإشارة إلا تجربة عاشها قائلها، فكأنما كانت بالفعل هى حياته، عاشها وتمثلها حتى الرمق الأخير، فصدرت عنه كما لو كانت قطعة من روحه، فاعلة ومؤثرة.

وذكرنا فعل الطرب العلوي واللذة الروحانية تنشأن من أثر القراءة على بصيرة، والآن نود توضيح العلاقة بين الطرب والوجد من ناحية، والفهم والفكر من ناحية ثانية؛ إذْ قلنا إن الوجد والطرب والفكر صفات مجتمعة: خصائص للذاتية الخاصَّة للقرآن يتقدّمها الفهم لا محالة؛ فيأتي الطرب والوجد فيساوقا ذلك الفهم الذي تقدَّم: خاصّة ذاتية تعرفها الحالة الروحيّة، فتشرق في القلب قبل الظاهر المحسوس، ويكتشفها في نفسه المتحقق بها، يقاربها ويتذوقها، ويستشعر آفاقها المتسعة بين ضلوعه وجوانحه، وتكون مع ذلك كالطلاسم المُبهمات لمن لا يدرك لها معنى ولا يصيب منها تحقيقاً (ولكل درجات ممّا عملوا).

فهم القرآن: اتساق الحالة مع الفكرة

وقد يترادف الفهم تحقيقاً مع الفكر، ويقابله مقابلة الشبيه مقابلة واضحة لا غموض فيها. وبما أن الشبيه يدرك الشبيه كما يُقال؛ فالفهم يدرك الفكر ويؤدي إليه من أقرب طريق، ويمدُّ الفكر الفهمَ بأواصر القربة لا محالة؛ فما الفكر هنا إلا الفهم. وما فكر مَنْ فكر إلا مَنْ فهم، وعن الفهم تصدر حالات الوجد والطرب، ولا تصدر مطلقاً بغير فهم ولا تفكير.

فالذي يطرب لمعنى آية من آيات التنزيل هو بلا شك كان قد فهمها في السابق؛ فاتّسع معناها لديه من كثرة التفكير فيها، فطرب لها شعوره وَوَجِدَتْ لديه قواه الباطنة.

ومن هنا جاء الوجد علامة رُقيِّ الفهم الذي يصحب حالات التلاوة على الحضور. فالوجد والطرب حالتان في باطن النفس يتقدمهما الفكر أو الفهم ولا تتقدم هاتان الحالتان على الفكر أو الفهم بوجه من الوجوه؛ فالذي يجد ويطرب لا يجد ولا يطرب من غير فهم ولا فكر، ولكنه يفهم أولاً، أي يفكر ثم يطرب لما عساه يفكر فيه، وهو لا يطرب حين يطرب لغير فهم سابق ولا تفكير متقدّم، وإلا سيكون طربه عَرَضَاً لحالة نفسية مضطربة مجهولة غير مفهومة ولا معلومة؛ لأجل ذلك كان العلم في القرآن بداهةً مُقدّماً على ما عاداه، وكانت المعرفة سابقة على الوهم الذي يعجز معه الاستبصار؛ إذْ ذَاَكَ يطرب الواجد لمعنى يحسّه في قواه الباطنة بعد أن يكون قد فهمه وفكر فيه؛ ليتسق الفكر مع الشعور فلا يوحي بتناقض يفصل الحالة عن الفكرة.

الفكرة في القرآن سابقة (مُتقدِّمة) والحالة لها تابعة (لاحقة) ما في ذلك شك، ولا يحدث العكس أبداً؛ لأنه إذْ ذَاَكَ إنْ حَدَثَ يلغي الفكر والعلم والفهم وكل المفردات والعناصر الفاعلة التي تقوم عليها المعرفة وتستند القيم العليا للإنسان عليها، وتبطلها من أساسها، ليس هذا فقط بل وتقدَّم الجهل والخرافة والوهم والتضليل على العقل والنور والذوق والاستبصار.

تقودنا إشارة "السَّهْرَوَرْدِى" الكاشفة إلى نصِّ هو من الأهمية بمكان، سَبَقَ أن ذكرناه: كان "الزَرْكَشِي" شَرَطَهُ في "برهانه" حيث قال:" أصلُ الوقوف على معاني القرآن التَّدَبُّر والتَّفَكُّر. واعْلم أنه لا يحصل للناظر فهم معاني الوحي حقيقةً، ولا يظهر له أسرار العلم من غيب المعرفة وفي قلبه بدعة أو إصرار على ذنب، أو في قلبه كِبْرِ أو هوى، أو حُبّ دنيا، أو يكون غير متحقق الإيمان، أو ضعيف التحقيق، أو معتمداً على قول مُفَسِّر ليس عنده إلا علم الظاهر، أو يكون رَاجِعَاً إلى معقوله، وهذه كلها حُجُب وَمَوَانع، وبعضها آكد من بعض...".

سَبَقَتْ الإشارة إلى أن فهم القرآن هو أول ما يُقَابلنا؛ ليُشكل بجانب الحضور أركان الذاتية الخَاصَّة للقرآن، وإنما المُرَادُ من فهم القرآن أن تريده وحده هو عينه المُراد من الخَاصّة الذاتية له، وفي تلك الخاصَّة الذاتية بشرى ورحمة:" فبشر عباد، الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسَنه، أولئك هداهم الله، وأولئك هم أولو الألباب" (سورة الزمر: آية  17- 18).

فإذا وصفهم - سبحانه - بأنهم أولو الألباب، كان هذا الوصف وصفاً على المدح العاقل لفهم، من جانبهم، للخاصّة الذاتية في استماع القول وإتباع أحسنه؛ فهو من جهة حدَّد الإطار النظري في كلمة "استماع القول"، ومن جهة أخرى قَرَنَ النظر بالتطبيق تَوَخِّياً للفاعلية العملية (= المعاملة)، أي جَعْل القول مناط "العلم" أولاً، ثم جَعَلَ العمل والسلوك سياجاً حافظاً في المسارعة إلى مَحَابّ الله وتجَنّب مساخطه.

هذه إرادةُ مُغيِّرة تأتي كما لو كانت لبنة جذريّة وأساسية تشكِّل ذاتية القرآن الخاصَّة، إذْ تستحقُ الوصف بالهدى مدحاً غير منقوص ووصفاً بالعقل الذي هو اللب. وذلك ضربُ لا شك فيه من الاعتقاد السَّاري دوماً في فهم القرآن على الصفة المَخْصُوصَة بذاته لا بسواه، ولذاته لا لغيره، من أجل ماذا؟ من أجل "إرادة التغيير".

ولقد سبقت الإشارة أيضاً في الحضور أنه ذو دلالة على قوة العقل يتولد عنها ذكاءُ الذهن، فيقوى الفهمُ ويستبينُ فيه اليقين، ويصفو من ثمَّ مع استبانة اليقين؛ يصفو الذكر مع قوة الفكر في آي القرآن. واعتبرنا أن هذه الخَاصَّة الذاتية التي تترتب على الحضور من موروثات الممارسة ومن ثمار المعاناة في ممارسة الحضور دوماً وفي غير سَهَيَان، وقلنا إن من شأنها أن تتغلغل في عمق داخلي "جُوَّانيِّ" يراها من يطبقها، لا بتعلم ولا باكتساب؛ بل بهزَّةٍ لدُنيَّةٍ مُفَاضة فيضاً من عند الله: فَيْضُ في فضل، وفضلٌ من فيض:" قُل بفضل الله وبرحمته؛ فبذلك فليَفْرحُوا هو خيرٌ مَمَّا يَجمَعُون" (سورة يونس: آية 58).

القرآن والعلم:

لم نكرر هذا المعنى من جانبنا إلا لتوضيح أمرين اثنين، الأول: يتصل بموقف القرآن من العلم، وهو موقف جوهري أصيل يرتبط ارتباطاً مباشراً بحرية العقل المقرّرة سلفاً في الإسلام. والأمر الثاني يتصلُ بشرط الحضور في القرآن؛ كون "العلم" فيه شروعاً في التطبيق، ووقوفاً على المباشرة العملية والممارسة الفاعلة. فأمّا الأمر الأول: فهو الذي نتوقف عنده تلك الوقفة؛ لنُجلي بعض عناصره بالنظر فيما صاغه الأستاذ الفاضل محمد فريد وجدي في مقدّمة المصحف المفسر، وفيما أبداه الدكتور محمد غلاب عن موقف الإسلام من العلم في كتابه "هذا هو الإسلام"؛ ففي هذين الرأيين من تشابه في الوجهة الدفاعية عن الإسلام، وفي توضيح صورة الإسلام الحقيقية خلال تعاليم القرآن ما من شأنه أن يمكننا من ملاحظة قدر انعكاس المعارك الفكرية التي خاضها أمثال هذين العالمين الجليلين مع غير المسلمين من المستشرقين حول الإسلام وقضاياه الكبرى. ومنها على سبيل المثال لا الحصر قضية إنكار موالاة الإسلام للعلم والدعوة إليه والحضّ عليه والإخلاص فيه. واعتبار القرآن - كتاب المسلمين المقدّس - عائقاً للنظر العقلي كما كان يُشَاع لدى بعض المستشرقين.

ولم يكن الفهم - موضوعنا كشرط للخاصّة الذاتية للقرآن - ببعيد مطلقاً عن حرية العقل والعلم، ولم يكن العقل على الإطلاق مضاداً للدين كما هو مقرر في الإسلام؛ فما بين الفهم والعقل والعلم وشائج وصلات لا تختلف كثيراً في روابطها المعرفية وتوجهاتها لوحدة القصد في آي القرآن الكريم؛ فالعلم كقيمة من القيم النافعة الباقية لن تقوم له قائمة بغير إعمال العقل.

ولن يكون للعقل ولا للقيم العقلية والمعرفية وجودٌ فعليّ مؤثر على الحقيقة، بغير الفهم الذي هو أحد الأدوات الظاهرة لشهود العيان في استخلاص القيم المعرفية والعلميّة. ولم يكن الحارث بن أسد المحاسبي (ت243هـ) ببعيد عن الصواب حين صَنّفَ أحد كتبه الممتازة (العقل وفهم القرآن)؛ ليكون إشارة قريبة دالة على توحيد المعرفة العقلية، واتصالها مع فهم القرآن على شرط العلم النافع المُوَجَّه لوَحْدَة القصد.

ولا سبيل لفهم الدين إلا بالعقل الذي تنشأ عن فرط استخدامه ملكات التفكر والتّدبُّر والإحالة والتحقيق.

لقد كانت هنالك دعوى عريضة تبناها نفرُّ من المستشرقين الأوروبيين الذين أرادوا الطعن على الإسلام كان منهم من قال: إنّ الإسلام يحارب الفكر، ويقضي على حرية الرأي، ويحظر على معتنقيه الاشتغال بالعلم الدنيوي، ويقوّض من ثمَّ دعائم الإبداع الإنساني، ولم يبح لأشياعه إلا العناية بالعلوم الدينية؛ وإنه ليعتبر التبحر في العلوم الطبيعة ضرباً من الزندقة التي تستوجب العقاب. وأن القرآن، كتاب المسلمين المقدس، عائقٌ للنظر العقلي كما كان يقول المستشرق الفرنسي (أرنست رينان Ernest Renan (1823- 1892)) الذي أقام تفكيره الاستشراقي كله في التعامل مع العرب والمسلمين على الأفكار العنصرية مُفرّقاً بين العقل السامي والعقل الآري، ومؤمناً في إطار تلك التفرقة بالنهضة الكبيرة التي تحدثها أوروبا نظراً لما توليه المجتمعات الأوربية للعلم من اهتمام. ولقد تصدى لأفكار "رينان" كثيرٌ من المفكرين المصلحين أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومصطفى عبد الرازق وفندوا دعواه كل التفنيد.

ليس هذا فقط، ولكن أيضاً ردَّدَ المستشرقون من ضمن دعواهم: أن ما عثر عليه التاريخ لدى المسلمين من معارف فكرية هو دخيل عليهم - ليس بأصيل فيهم - من الإغريق وفلاسفة اليونان يرجع الفضل في ترجمته إلى خلفاء العباسيين الذين ورثوا سعة الأفق من أمهاتهم الفارسيات، أو أوحى بها إليهم وزراؤهم ومستشاروهم من الفرس والمسيحيين.

ولم يكن السبب كافياً لقيام تلك الدعوى أو قيام غيرها من دعوات المستشرقين لولا وجود نفرٌ بين المسلمين زعموا على الجهالة أن العقل عدو الدين، ولا سبيل لفهم الدين بواسطة العقل، حتى كان من ضمن الأفكار التي نادوا بها عدم إقرارهم بالعجز عن إدراك ذات الخالق وتشبثهم بوصفه بما يروق لعقولهم، وترضاه لهم مداركهم، وحمل الناس على اعتقاد ذلك، والعمل به ومعاقبة كل من يناقشهم فيه.

ومنها: حسبانهم مسائل خلق الكون من الدين وتقدير الطبيعة بحسب أفكارهم وقصر قواها وعجائبها على ما وصل إليهم من الأقاصيص القديمة الخرافية. على حين كانت أوروبا تدين بمبدأ هام في العلم التجريبي وهو أن لكل ظاهرة طبيعية علة ناموسية تفصلها فصلاً تاماً عما بعد الطبيعة. ومعنى هذا أن مؤثرات الكون محتواة فيه، ليست خارجة عنه، ولا آتية إليه من عالم أسمى كما تقول المسيحية أو الفلسفة. وقد نجم عن هذا بالضرورة فصل العلم عن الدين وعما وراء الطبيعة.

يرفض الإسلام أن يكون العلم وثناً من الأوثان؛ فلم تصغر الإنسانية قط كما صغرت الآن بوساطة العلم المادي الذي يقضي عليها أو يكاد بالانزواء في ركن ضيق محدود من أركان الوجود، وهو ركن التجربة الحسية، مادام أنه يحاول جهد الطاقة أن يفقدها كل اتصال يتجاوز حدود المحسّات، ويحملها على جحود كل ما يتعدى أفق المرئيات.

ولكن مع ذلك كله، فقد بلغ الغلو في حمل الناس على هذه الأغاليط بالخلط بين العلم التجريبي والمبادئ العلمية المقررة في القرآن وقياسها على كشوفات العصر؛ ليقال للناس: إمّا هذا وإمّا ذاك، إمّا أن تأخذوا بالعلم التجريبي وكفى، وإمّا أن تتخلفوا عن ركب التقدم، فظهرت العداوة بين الدين والعلم أو بين العقل والحرية أو بين الفهم وترقية الأذواق والمعارف إلى حد أنهم تربصوا بكل ما يشمون فيه بارقة الحرية العقلية فنكلوا به شرّ تنكيل وأذاقوه العذاب الوبيل، فكم أحرقوا من علماء، وصلبوا من حكماء، وسموا من نبلاء أذكياء، حتى شوهوا وجه الحق مذهبهم وجعلوه عنوان العَسَف والإجحاف بعد أن كان الدين رائد العدالة والإنصاف.

ومهما يكن من شيء؛ فإن تاريخ الإسلام الطويل المفعم بعظائم الأحداث وجلائل الوقائع، لم يحدثنا مرة واحدة أن الإسلام قد حاول، أدنى محاولة، أن يحطم مدنية أمة من الأمم التي فتحها، ووضعها تحت إمرته، وأخضعها لرايته، وإنما كان دائماً يطبعها بطابعه ثم يضمها ويحولها إلى غذاء صالح يفيد أتباعه في دنياهم، أو ينبههم إلى ذكرى تنفعهم في آخرتهم.

ولا ريب أن مسلكاً هذا شأنه ونهجاً مليئاً بالحكمة إلى هذا الحد، ينمُّ عن سعة عظيمة في الأفق تعلوها درجة عالية من التسامح والاعتدال ليشف عن حجة بالغة ضد أولئك المتجنين على الإسلام، المسيئين إلى سمعته، زوراً وبهتاناً، بعزوهم إليه أنه كان - منذ أن وجد - حرباً ضروساً على العلم، وعقبة كأداء في سبيل المعرفة والثقافة والتقدّم. ولا جَرَمَ أن هذا الاتهام البعيد عن الحقيقة بعد العدم عن الوجود: إمّا أنه ناشئ عن جهل وسوء فهم للمبادئ الإسلامية، وإمّا أنه شرر متطاير من نار الحقد والحفيظة وسوء النية واسوداد الطويّة.

وأيا ما كان؛ فإنّ الحقيقة التي لا مراء فيها هى أن البحوث العقلية والمجهودات الفكرية والمجادلات النظرية والمحاولات العلمية ... وبالإجمال كل فروع المعرفة الإنسانية لم تحارب من الإسلام أية محاربة بل على الضد من ذلك: أمر بها وشدَّد في الحض عليها. ولا شك كانت هذه الجوانب من المعرفة البشرية هى التي كانت معروفة في تلك العهود باسم العلم الذي طالما أمر به القرآن الكريم، ورفعه إلى الأوج، وجعله في مقدمة الشئون الإسلامية، وأمعن في إبراز الفروق الهائلة بين العالم والجاهل؛ فشبه الأول بالأنوار، والثاني بالظلمات.

ولقد بلغت عناية القرآن الكريم بالعلم إلى حد أنه قرَّرَ أن الإنسان الذي يخشى الله أكمل الخشية، ويقدر جلال الألوهية حق قدرها، إنما هو العالم وحده: "إنما يخشى الله من عباده العلماء". "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون". "وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور، ولا الظل ولا الحرور". "وقل ربي زدني علماً". "وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم". ولما أراد الله تعالى أن يقطع حجة الملائكة الذين كانوا يبدون شيئاً من الدهش ممّا يوشك أن يكون شبه اعتراض على الحكيم العليم جل شأنه، حين أراد أن يجعل في الأرض خليفة:" قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ قال إني أعلم ما لا تعلمون".

لم يجد شيئاً يلزمهم الحجة أكثر من إظهاره جهلهم بما يعارضون فيه، وبالإتيان بآدم الذي كانوا يعترضون على وجوده وإبرازه في صورة تفوقهم ... ولكن لا في القوة، ولا في البطش، ولا في السلطان، ولا في الجاه، بل في العلم، وهو أسمى ما يتحقق به التفوق والامتياز:"وعلّم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إنْ كنتم صادقين. قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلمّا أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السّموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون" (يُراجع: هذا هو الإسلام ص 29-30).

هنالك يصبحُ العلم في القرآن كائناً حَيّاً، شأنه شأن القرآن نفسه، لم يكن ليغفله في الإحاطة والشمول إلا الغافل الذي لا يقف على حيويته المتحركة في إطار المأمور به فرضاً، فليس أعلى من طلب الزيادة منه، وليس أقدر على التفرقة لمن يعلم حق اليقين أن لا يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون. ولم تبلغ عناية القرآن بأمر مقدار ما بلغت عنايته بالعلم كونه حياة حيّة خالصة للذين يقدرون عليه ويخلصون لله في طلبه والقدرة عليه. ولم تكن تزكية الله للعلماء أسمى ولا أرقى ولا أبلغ إلا لأن المعرفة في إطار العلم هي غاية الغايات من عمل الأصفياء.

فالعلم طريق معرفة الله لا محالة؛ لأنه يصحب العالم في طريق الله من حيث أمر ومن حيث نهى؛ فيحفظ الطويّة العالمة بإقامة الدليل من غواشي الانحراف. وما يستوى الذين يعلمون بالحجة البرهانية مع الذين لا يعلمون لا في غاية ولا في هدف ولا في تحقيق منشود.

قليل العلم خيرٌ من كثير العبادة:

ولم يكن نبي الإسلام، صلوات الله وسلامه عليه، بأقل حرصاً على طلب العلم، وهو الذي سَبَقَ بنظراته الثاقبة باتجاه النظر إلى العلم كل القوانين المنهجية العلمية الحديثة التي تحرص شديد الحرص على الأمانة في العلم والدقة في نقله بأكثر من أربعة عشر قرناً ... بل سبق قانون حماية المؤلفين ونصّ على أن الخيانة في العلم أقوى أثماً من الخيانة في المال، فقال:"تناصحوا في العلم؛ فإنّ خيانة في العلم أشدّ من خيانة في المال". ولا غرو فقد فهم المسلمون الأولون هذه الروح، وقدروها حق قدرها، وعضوا عليها بالنواجذ، فواصلوا الليل بالنهار لتحصيل العلم والتعب في طلبه، وإحراز المعرفة، ودراسة المشكلات، والتفاني في حلولها. وفي هذا يقول قائلهم:"العلم لا يضبط باللجام، ولا يصاد بالسّهام، ولا يورث عن الآباء والأعمام. وإنما هو اقتحام المخاطر، واحتضان الدفاتر، واصطحاب المحابر".

حقيقةً؛ يوم أن فارق المسلمون تلك القيم العلوية المباركة في طلب العلم وتحصيله، شاعت فيهم الفوضى، وتخلفوا عن ركب الحضارة، وسقطت فيهم قيم القرآن وقيم نبي الإسلام؛ فأصبح العلم لديهم حلية برّانيّة يتزيّنون بها: شارة أو علامة أو مكانة اجتماعية يراءون بها الناس. لم يكن حقيقة بقدر ما هو صورة، ولم يكن طلباً لطريق الآخرة أو مباشرة لوحدة القصد، ولكنه أضحى اليوم بين الناس طلباً لسَعَرِ الدنيا والتنافس على الزائل الرخيص فيها؛ فانهارت القيم التي يتولّاها العلماء، إذْ زالت عنهم منافع العلم وآدابه، ولم تعد تشيع فيهم قيمه العليا مثل شيوعها أيام المجد الأول: مجد الدين ومجد الدنيا على السّواء.

ولا شك أن الظلام الفكري تعيشه أمتنا اليوم، لهو أدلُّ من أول وهلة على سقوط القيم العلميّة عنه في مستنقع آسن من الآفات والأمراض، واستبدال الحظ الأدنى بالذي هو خير؛ لأنه إذْ ذَاَكَ يعزل الفهم عن العقل، ويعزل العقل عن المعرفة، ويعزلهما جميعاً مرة ثالثة عن قيم القرآن ومبادئه التأسيسية، ويكتفي فقط بتحصيل القشور القاحلة منها، ثم يعزل العلم عن قيمه الوجودية والمصيرية التي تخدم الفرد فضلاً عن خدمة المجموع.

شدّدت الأحاديث النبوية الشريفة على القيم العلميّة كونها مبادئ أولية في الأمر بالتعلم والتعليم تشديداً لا نظير له في أي دين من الأديان الأخرى؛ فمن ذلك مثلاً قول النبي الجليل في الحض على التعلم:"طلبُ العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة". "أغدُ عالماً أو متعلماً أو مستمعاً أو محبّاً، ولا تكن الخامس فتهلك". "قليل العلم خيرٌ من كثير العبادة".

ولم يكن الأمر بالتعليم بأقل حظاً من الأمر بالتعلم بل هو أشدّ لهجة، وأقسى إنذاراً وتهديداً لمن يكتمون العلم أو لا يحرصون على نشره. وفي هذا يقول صلاة الله وسلامه عليه:" من سئل عن علم فكتمه، ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار ".

وكما استعمل النبي في هذا أسلوب الترهيب من عاقبة كتمان العلم واحتكاره، إلى حد أن أنذر العالم الذي يكتم علمه بأن يلجم يوم القيامة بلجام من نار؛ كذلك سَلك نهج الترغيب بإزاء من يجود بعلمه، ولا يألوا جهداً في بذله لكل من هو في حاجة إليه, فقال:"ساعة عالم متكئ على فراشه ينظر في علمه, خيٌر من عبادة العابد ستين عاماً". " أجودكم بعدي رجل علم علماً فنشر علمه ... يبعث يوم القيامة أمّة وحده". ويُلاحظ على هذه الكلمات النبويّة الشريفة إشراق المقاصد العلوية النافعة قيماً دينيةً في الإسلام تربط الدنيا بالآخرة وعمل المسير بالمصير، فيجيء طلب العلم أسمى وأرقى ما في الحياة الإنسانية؛ ليتحوّل في العالم الحق إلى تجوهر الشخصية فيه؛ لتكون وَحْدَة القصد من خلاله هى المطلوبة قصداً ورأساً. فالحياة الإنسانية بدون سعي العالم والمتعلم على سلامة النية باتجاه النظر إلى وحدة القصد، لا قيمة لها، ولا مبرر لإصلاحها، ولا جدوى على الإطلاق بالبقاء فيها إلا كما تبقى السوائم السارحة بغير غاية عظمى أو هدف نبيل. كل المقاصد الدنيا الساقطة تزول بزوال مطالبها القريبة. ولن يبقى في النهاية إلا ما هو خالص: المقاصد العليا والمطالب الموصولة بوصلة السّعة والحضور بين يدي الله.

تلك كانت، بلا شك، قيماً نافعة تتضمّن مبادئ مطلقة لا غنى عنها بحال من الأحوال، يصبح التخلي عنها تخلياً في نفس الوقت عن كل نافع يبقى مع الزمن، وفيما وراء الزمن، ثم إنها لتقدح بالجملة في زعم الزاعمين أن الإسلام يحارب العلم أو يضع العقبات في طريق المعرفة. فليس أدعى للدهشة الغربية من النظر إلى دين يرفع من قدر العقل ويؤمن بالعلم والقيم العلميّة، ويعالج "الفهم" كخاصّة ذاتية للقرآن الكريم ثم يكون في نفس الوقت هو نفسه الدين الذي يحارب العلم ويحدُّ من حدود المعرفة العلمية والعقلية. إنها ولا ريب لفرية كاذبة يستغربها ولا يسوّغها أدنى ناظر إلى القرآن، وقيم القرآن، من قريب.

ولا شك كانت تلك القيم نفسها هى التي برهن بها علماء المسلمين ممّن عبّروا عن الاستنارة الفكرية في التراث الإسلامي على سماحة هذا الدين وبخاصّة في مسائل العلم: وذلك حين استقبلوا - كما يقول محمد غلاب (هذا هو الإسلام) - كل أنواع التراث الأجنبي القديم من معرفة إغريقية وترجمات يونانية وحكمة هندية وديانة فارسية، وضمّوه إلى كيانهم المتين، وفعلوا به ما تفعل النحل بالزهور التي تمصها، ثم تعمل فيها عملها فتحولها إلى شراب مختلف ألوانه فيه للناس شفاء. وسرعان ما أنتجت هذه الخطة الحكيمة: من قادة المفكرين وأفذاذ الفلاسفة وأصناف المجتهدين وجهابذة العلماء وأفاضل المشرّعين من زينوا - ولا يزالون يزيّنون - أروع صفحات التاريخ" (ص: 31).

وبكل تأكيد، تلك كانت نقطة جديرة بالالتفات توحي بالانفتاح لا الانغلاق والتوقع، وتقدر ثقافة الآخرين ومعارفهم وتدل على سماحة "المبدأ" بإزاء العلم يعطيك إيّاه الإسلام، فلم يكن لينقبض عن لقاء كافة الثقافات، ولا أن ينظر إليها نظرة مغايرة بل هضمها واستوعبها وعمل فيها ذائقته حتى شكلت تباعاً نسيج ثقافته ومقومات ابداعاته.

ولئن كانت جوامع الكَلِم النبويّ تشرق فيها المقاصد العلويّة قيماً دينية في الإسلام يتخذها العالم فيمضي على هداها إلى حيث يكون العلم قيمة خيّرة في ذاتها، فعلى العكس من ذلك تماماً يصبح العلم الذي يدمّر البشرية مادةَ شرِّ كله، ومقصد رعونة في أشخاصه وميادينه لا يعود بالنفع العاجل ولا الآجل على أحد، ولكنه يكون مجال تنافس مادي بين الناس، يشوّه خلق الله، ويقوّض دعائم الأسرة الإنسانية، ويقضي على براءة الحياة ويحيلها إلى سوادٍ ومأساة.

العلم في يد العالم المتحقق بالمقاصد الدنيا رعونة وتدمير، يستخدم في الحروب التي تحركها القيم المادية والاقتصادية، فليس ينفع الإنسانية في شيء بل يقضي عليها ويحليها إلى خراب مُحقق وهلع منكوب. وهو في يد العالم المتحقق بالمقاصد العلويّة أنفع وأبقى، وأصلح للإنسانية في سعيها المتواصل نحو تذليل الكون وتسخيره ثم الاتصال بالله على شرعة العمل النافع والمقصد المفيد.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

عادل بن خليفة بالكحلةكيف نجحت فينزويلا في السيادة الوطنية وفي العدالة الإجتماعية؟

1: قيادة كارِزْمية: معالِم في سيرة هوغو تْشافيز: (1954- 2013):

أ- في البدء كانت الجدة:


وُلد هوغو رافائيل تْشافيز في 28/07/1954 «في الكوخ الطيني لِجَدّتِه روزا إنياش تشافيز، التي كانت تعيش في قرية سابانيتا التابعة لولاية باريناس. كانت قرية صغيرة منسية يعيش فيها نحو ألف إنسان، وتحتوي بضع طرقات ترابية، كان الناس يضطرون لرشّها بالمياه في فصل الشتاء الحار والجاف من أجل إبقاء الغبار هادئا. أما خلال أمطار الصيف الموسمية، فقد كانت هذه الطرقات تتحول إلى بحار من الطين»[1]. تنتمي سابانيتا إلى منطقة «لوس لَيْنوس» منطقة نائية ومتخلّفة، «محاذية للحدود الكُولُمْبِيّة تَشْغَلُ حوالي ثلث مساحة فينزويلا الشاسعة»[2].

كان هوغو رافائِيل، واحدًا من سبعة ذكور، مات أحدهم بمرض اللوكيميا قبل إتمام شهره السادس، وأبواهُ مدّرسان في «لوس راستروجوس»، وقد طلبا من الجدّة أن ترعى هي الولدين هوغو وأدان، وقد قبلت، خاصة وقد كانت وحيدة، وكان منزلها من الطين والقش، « وسقفه من أوراق النخيل، وأرضه مفروشة بالتراب المرصوص، وعندما يهطل المطر، كانت روزا إنياس تسرع لوضع القدور على الأرض في محاولة غير مثمرة للحيلولة دون تحوّلها إلى طين»[3]. فلقد كانت صحة الطبقات الشعبية لدى القائديْن الكارِدمييْن: غيفارا وكاسترو هاجسًّا حاضرا دائما.

لم تكن بالمنزل ثلاجة ولا مروحة ولا مياه جارية ولا حمّام، وكان الطبخ على الحطب، وجلب المياه من بئر في القرية، وقضاء الحاجة في الخلاء، ولكنّ الراديو موجودًا، وكان نصيب المنزل من الطاقة الكهربائية بضع ساعات باليوم، لكن أصبح ميْل الوالدين للجدّة أعظم من ميلها للوالدين، رغم قدومهما للمنزل في نهاية الأسبوع، وقدمت الجدّة لهما «كل ما تملك من حب وحكمة»[4]. وفي اليوم الأوّل بالمدرسة الابتدائية كان محل سخرية الكثير من التلاميذ لأن نعله كان متهرِّئًا، فعاد باكيا مثيرًا بكاء الجدّة، فاستعانت بالعائلة والأصدقاء لشراء حذاء جديد له.

كانت ماما روزا تزرع السكاكر والفاكهة الاستوائية وحلوى العناكب، بحديقتها الخلفية وكان يلذ لهوغو أن يسقيها مغنّيا لها، لأنّ ماما روزا ترى أنها تساعد على نمّوها. وكان هوغو يأخذ يوميا عُلبة من منتجات «ماما روزا» المشهورة لبيعها زملاءَهُ؛ وفي عطل نهاية الأسبوع بأنهج القرية مراقبا صراع الديكة ولاعبًا كرة البولاس كريولاس. وقد كان مهووسًا بكرة القاعدة التي جاء بها عمال النفط الأمريكيون إلى فينزويلا بعشرينيات القرن العشرين. وكان هو ورفاقه «يستخدمون أغطية الزجاجات بدلا من الكرات، والعصي أو مقابض المكانس بدلا من المَضارب»[5]. ومن فرط هوسه كان يلعبها بطريقته معه شخصه بالمنزل، محتفظا بالنتائج على دفتر خاص. يقول تْشافيز: «كنا أطفالا فقراء جدا، ولكننا كنا سعداء جدا». وقد حفظ كثيرا من أغاني المزارعين المكسيكيين ورعاة البقر في الحب والقتال بالسكاكين والخمر وترويض الجياد، وكان يحب الرسم والتلوين، ماهرا فيهما.

كانت ماما روزا متدينة كاثوليكية، «تؤدي صلواتها بمنزلها»، ولذلك كانت «مثالا أعلى» لدى هوغو[6]. لقّنت الصبيّيْن قيم الانضباط الديني والتضامن مع المحرومين، فهي دائما تساعد كل محتاج من الجيران بالطعام واللباس، وكانت مؤثرة في من حولها. وقد غرست الجدّة في هوغو حب تاريخ العدل والثورة، ومن حكاياتها الموروثة حكاية المقاتل الثائر إزِيكويل سامورا الذي مرّ بالقرية في القرن التاسع عشر، وقد خدم الصّبي هوغو في مذبح كنيسة القرية، ليقول وهو كبير: «المسيحُ اشتراكيٌّ، وسأمشي على خُطَاه». ولقد كان متدينا على طريقته، وقد ساهم في برنامج الحكومة لمحو الأميّة- وهو دون الحادية عشر من عمره.

ب- البحث النضالي:

كانت محاولة هوغو ورفاقه الانقلابية عام 1991 مخفقة، ولكنها «نجحت في رفع عقيدٍ مساعدٍ مجهول تماما إلى مصافّ الشخصيات الوطنية البارزة. فقد حصل تشافيز، مِنْ قَلْبِ الهزيمة العسكرية، على نصر سياسي غير متوقّع نهائيا. ومع أن أفعاله تَرَكَتْهُ عرضة للانتقاد مِنْ قِبَلِ بعض السياسيين المرتابين في مصداقيته الديمقراطية، إلا أنه خطا خطوة عملاقة إلى الأمام في كفاحه من أجل تحويل فينزويلاَّ. فالبلد لن يكون أبدا بعد ذلك البَلَدَ الذي كان مِنْ قَبْلُ»[7].

ورغم العوائق الإعلامية والقضائية الكائدة فاز قطب تشافيز الوطني عام 1998، في ثماني ولايات على منصب الحاكم فيها، وقد حقّق فيها «والده نصرا رمزيا مثيرا للدهشة»[8]، وأحرز القطب على ثلث عدد المقاعد في البرلمان بينما فاز هوغو بالانتخابات الرئاسية، وكان ذلك ضريبة «الاعتقاد السائد بأن الديمقراطية [كما تريدها الولايات المتحدة] والأسواق الحرة كانت حتمية في أمريكا اللاتينية»[9] . فنصائح صندوق النقد الدولي  والبنك العالمي والحكومة الأمريكية عمّقت مشكلات الفقر والتدهور المعيشي لدى الكثير من الطبقات، فكانت فينزويلا تعاني واحدا من أسوأ توزيع في العالم «إذ ما يقارب من نصف دخل البلد كان يذهب إلى العشرين بالمائة الأكثر غِنًى في البلد»[10].

بدأ هوغو ذو الخمسة والأربعين عامًا ولايته بصدمة، فهو يقسم على ما سماه «الدستور المحتضر» بأنه سيدفع التحولات الديمقراطية الضرورية قدما، «حتى تمتلك الجمهورية الجديدة دستورا مناسبا للأجيال القادمة»[11]، منتقدا وجود 80% بالبلاد يعيشون الفقر، رغم امتلاك أكبر احتياطي نفطي، وامتلاك الذهب والغاز الطبيعي.

عيّن الرئيس عددًا من الضباط العسكريين، المتقاعدين وغير المتقاعدين، بالحكومة وعلى رأس شركة النفط الحكومية و وكالة جمع الضرائب والشرطة السرية، وكان منهم بعض زملائه بالانقلاب العسكري المخفق عام 1992، ولكنه ضَمّ وزير الاقتصاد بالنظام السابق إلى تشكيلته الحكومية، وأبْرَزَ الصحافيين وزيرًا للخارجية، وهنديًّا أحمر، جامعيا، وزيرًا للبيئة، والكثير من حلفائه الجامعيين. وأعلن عن سحب 70.000 جندي من أصل 120.000، من الثكنات ليرمّموا الطرقات والمستشفيات ويمارسوا الحملات الطبية. ويجمعوا القمامة، و«يبيعوا اللحم والدجاج والجبن والمواد الغذائية الأخرى من الشاحنات بأسعار بخسة»[12]، داعيا 80.000 مدني للانضمام إلى هذه البرنامج. وفي ذكرى اضطرابات كاراكاس الدموية، العاشرة، كان انطلاق البرنامج خاطبا في الجنود الذين كانوا قتلة: «الجوع هو العدو[...] منذ عشر سنوات خرجنا لذبح الناس. والآن سنذهب لنمنحهم الحُبّ، اذهبوا ومشّطوا الأرض، ابحثوا واقضوا على الجوع والموت. سنعطيهم الحُبَّ بدلا عن الرصاص»[13]. كانت لغته معهم مسيحانية.

ت- رئيس الشعب:

تخلّى الرئيس عن راتبه الشهري[14]، والبالغ 1.200 دولار ليهبها لصندوق للمنح المدرسية، وكذلك سيارة الليموزين الرئاسية. يزور فَجْأة المستشفيات ليلا، ويتفقّد جامعي القمامة الليليين؛ وأصبحت أطعمة القصر التي تُقدّم للضيوف بسيطة، وإن كانت من التراث القُطْري، «جاعلا من نفسه أنموذجًا حقيقيا للاجتهاد في أمّة تعشق الاحتفالات والمهرجانات»[15]. وأطلق حملة على الإنفاق الحكومي، عندما وجد أن الحكومة تملك 128 طائرة مدنية ليعلن بيعها جميعا، وحارب التهرّب الضريبي. وفي نيويورك كانت له اجتماعات مع المصرفيين وأهل الأعمال لإقناعهم بالاستثمار في فينزويلاَّ.

وردًّا على تحيّز وسائل الإعلام ضد حركته الإصلاحية، أطلق شبكة الراديو الحكومية برنامجه الشهير مرحبا أيها الرئيس، صباح كل أحد، ثم برنامجه التلفزيوني الخاص وجهًا لوجه مع الرئيس، ثم أصدر صحيفته الخاصة. كان مرحبا أيها الرئيس دون نظير، مصغيا بصبر إلى المتصلين، موكِلا من يهتم بمشاكلهم، ومشيدًا بالمفكرين الذين يحبهم، ويغني للوطن والدين والحياة والحب عن سياساته القادمة والتعيينات والإقالات الجديدة، ويسرد حياته، وينقد اقتصاد السوق الحرة. ورغم النجاحات، لم يستطع النوم في ذلك القصر لأنه «كان يفكر في أطفال شوارع الفينزويلّيين»[16]، وغطت رحلاته الخارجية الأولى آسيا الشرقية وكوبا. ولكنْ سرعان ما تعرّض «لأول الانشقاقات الكبرى في رئاسته، حيث سيهجره ويخونه- في نظره- الرفاق الذين كانوا ذات يوم أشقاءه بالدم»[17]. ولكنه استطاع القيام بدورٍ رئيسٍ لإحياء منظمة الدول المصدرة للنفط من أجل أسعار منصفة.

2: معالِم في استراتيجية الإقتصاد الإجتماعي الفينزويلّي:

أ- سيرورة تعبوية:

لقد جعل القائدُ الرئيسُ الكارِزْميُّ من محاربة الفساد بالتعليم أولويّة قصوى، سواءً في تدبيره المالي أو قيمته الكيفية، وانتقد السَّوْق النقابيّ الذي يجنح الإضراب ولا تضع مصلحة البلد متطابقةً مع مصالح المستخدمين. وأعلن عن إعادة الحركة الثورية البوليفارية بما هي حركة سلمية، وإنشاء شبكة تعاونيات تقدم سَوْقًا للتشغيل، وكانت لجان تنظيف الشوارع، وتعليم الأميين، وتنشيط الأطفال، بالتعاون مع الحكومة، ضمن ما سماه الديمقراطية التشاركية. وقد انضم نحو 10% من السكان اليافعين إلى هذه الشبكة الثورية السِّلْمِيّة[18].

ويمكننا أن نَحْصر أهمّ ملامح نجاح منوال التنمية البوليفاري في: السَّوْق التعاضدي، والمنظمات الاجتماعية-الإنتاجية التشاركية.

بدأ الانقلاب على الرئيس بداية عام 2002، عندما تهجّم 4 من كبار الضباط العسكريين على الرئيس علنا. ثم كان الإضراب النقابي في أبريل، ليشّل قطاع النفط بعمّالٍ كان هو ناصِرُهُمْ، وامتنعت الصحف عن الصدور وغطت المحطات التلفزيونية الإضراب، وتعمّد الكائدون إثارة الشغب بالشارع. وبذلك كان الانقلاب يُطبخُ على نارٍ من «المشروعية» المُخْتَلَقة، وسلّم الرئيس نفسه للانقلابيين مُؤْثِرًا أن «يضحي بنفسه على أن يتسبّب بحمام دم»[19] بعد أن شَقَّ حشودَ أنصاره والدموع تنهمر من أعينهم.

بعد يوم من قنوط الأنصار، عادوا إلى الشوارع مطالبين بعودة الرئيس، وكان سوادهم عظيما جدّا فبدأ الانقلاب في الانهيار. فكان احتجاز عدد من قادة الانقلاب على يد الضباط المخلصين، واستعيدت المحطة التلفزيونية الحكومية وقد عرف هؤلاء المخلصون مكان اعتقال الرئيس، ليعود في اليوم الثالث إلى منصبه؛ والولايات المتحدة الأمريكية التي كانت مبتهجة لإسقاط الرئيس، تراجعت لكنْ لتقدّم له «المَوَاعظ» على لسان كُندَلِيزا رايس.

في الوقت نفسه، ضجّت الزوجة من حياة العائلة في الاضطراب. وتحت الضغوط، فطلبت الطلاق، وعاد هوغو وحيدًا مرة أخرى.

ومرة أخرى كان عملاء الولايات المتحدة من النقابيين يُعبّئون عمال النفط لإضراب شامل[20] عام 2003 لم يَرْعُوا فيه مصلحة البلاد، لكن الرئيس خرج أقوى ممّا عليه منتصرًا على شبح الفوضى الاقتصادية، رغم تكبّد صناعة النفط بسبب الإضراب 13.3 مليار دولار. وبدأ الرجل في برنامجه الإصلاحي الجذري، مجتذبا إليه الكثير من الإصلاحيين داخل الطبقة العليا نفسها. إنه صاحب اشتراكية مختلِفة، مناسبة لواقع بلاده وليست مُسْقَطة.

وفي النصف الثاني من عام 2009 كان عدد التعاضديات 250.000 تعاضدية، «ليكون المَعَاش الفِيِنِزْوِيِلِّي في استحالة واسعة، مجرّبًا نماذج من الإنتاج الخِدْمي للطائفة المحلية والجهوية، والأعمال التي في سياق التعاضد والمَعَاش الاجتماعي، منفذة بسياسة إرادية، هي في حماسة شديدة»[21].

ب- السَّوْق التعاضدي:

منذ بداية العقد الأخير من القرن العشرين تعيش فينزويلاَّ البوليفارية سياسة عمومية لجعل المَعَاش اجتماعيا، وفق مرسوم القانون الخاص للجمعيات التعاضدية، المستند إلى قانون التعاضديات الصادر عام 1966، والمعدَّل عام 1975.

هذه السياسة مَقُودة بوزارة هي وزارة الاقتصاد الطّوْفي، أي المكرّس للطوائف المحلية والجهوية، وبإرساليات اجتماعية مختلفة تشجِّع بإنشاء التعاضديات أو بالتحوّل إلى تعاضديات (إرسالية تشي غيفارا، إرسالية فبريكا أدنترو...).

كان التزايد التعاضدي المتعاظم متساوقًا مع أدوات مستحثة، مثل الحوافز الضريبية، أو العقود اللامتيازية مع الدولة، مرتبطة بإرادية سياسية موجّهة نحو مجال إنتاج الطوائف السكانية التي كانت هشّة العهد ما قبل البوليفاري.

هذه الإرادية لا تتمثل في الاستثمار الماليّ الهامّ فحسب، بل أيضا في ترقية هذا التنظيم الجديد للعمل، مع تدابير للتشُكّلات المجانية للمقاولة الجمْعية، «خاصة بواسطة تَقْدِماتٍ في رؤوس أموال ضرورية لإطلاق النشاط»[22].

ولكن نلاحظ أن 70.000 فقط من التعاضديات المسجّلة عام 2009 قادرة على تسديد الدَّيْن وعلى النشاط. وصعوبات التعاضديات النِّسْبيّةُ تفسر أساسا بـ«خلل مراقبة الموارد الممنوحة لحاملي المشروع ومدبِّري المقاولات»[23].

ت- سيرورة المنظّمات الاجتماعية- الإنتاجية التشاركية:

يسمح قانون تنمية الاقتصاد الشعبي في جوان 2008، بإنشاء منظمات اجتماعية- إنتاجية جديدة بفكرة إنشاء تداعٍ متين بين قطاع التعاضديات والإلحاحات الإجرائية لـ«السلطة الشعبية» المتجسدة في المجالس القروية الحاملة للديمقراطية التشاركية المحلية.

في هذه الوحدات الإنتاجية في المشروع البوليفاري تبحث عن «الأثر الاجتماعي الأقصى في الطوائف، حيث مَرْكوزةٌ، مع إعادة توزيع فوائضها ضِمْنَهُ»[24].

هذا القانون ينعت المنظمات الاجتماعية- الإنتاجية بـ«مقاولات التوزيع الاجتماعي» و«رمز التبادلات التضامنية»، و«المقاولات القروية ذات الملكية الاجتماعية المباشرة». وهو يستهدف بناء «شبكات الإنتاج الطّوفِيّة التي يجب أن تجعل المشاركة النمطية للسكان- فوق هذه الأحْمية[25] في سياق خلق الثروة وإعادة توزيعها- ممكنة». وتكمن أصالة هذه المقاولات، المحكومة بالقانون الأساسي للشركة خفية الإسم في «ترقية مشاركة فاعلي الطائفة المحلية والجهوية في اشتغال البنى وفي تنميتها»[26].

ترجع حيازة رأس مال المقاوَلة بالمساواة بين الجمعيات المشيّدة على مبادئ التعاضد والتضامن وبين المنظّمات التي تقوم بتدبير الأرصدة العمومية المكلفة بإنشائها (وهي مَعَاهد مستقلة تستهدف دفع الجهاز الإنتاجي.

إن ملكية وسائل الإنتاج، في هذا المشروع الثوري- البوليفاري، ليست خاصّة بحدّة، ولا دَوْلية، ولكنها ملكية الطوائف المحلية والجهوية، الحاملة للصفة الإدارية. أمّا مجالات هذه المقاوَلات، فهي تشمل مختلف قطاعات المَعَاش، من تحويل موادَّ أوَّلية ونقل شحْنيّ، وبناء، وسياحة. وإنتاجها، الذي يُدْعى «اجتماعيا»، يقوم مؤشر إنتاجيته «على تقدير رغد العيش المنجز بالوحدة المنتجة (مثال ذلك: كم يسمح طُنٌّ مبيعٌ من الزبدة بتركيبها في المنازل)»[27].

أما الأجر «الاجتماعي» فيحدّده توزّعُ العمل الجمعي، فهو مرتبط «بوظيفة الضرورات المحلية والإسهام الإنتاجي لكل واحد من الأعضاء»[28]،  وبذلك يتحقق التوزّع ديمقراطيًّا بالتجميع. ويتركّبُ الحِمَى من مُمثلي الكيانات الجمعوية والمقاوَلات العمومية. أما الغرض الجوهري في تنظيم العمل هذا، فليس مجرّد الربح، «ولكنْ خلق مَواطن الشغل وإرضاء ضرورات السكان في بيئة المقاوَلة؛ وأما اقتسام المسؤولية، فينبغي أن يسمح بالتفاعل بين مختلف فاعلي الحِمَى والمساهَمَة في بناء تنميته المتدامجة أهْليًّا بِبَثْق مقاوَلات إنتاج اجتماعي أخرى، مثلا»[29].

ث- إبداعيةُ نموذج التنمية الفِيِنِزْوِيِلِّي- البوليفاري:

إن إصرار الثوريين الفينزويّلّيين على أن تكون ثوريتهم ذات مشروع، جعلهم يكلّفون فكتور ألفاريز، وزير الصناعات السابق، ببرنامج البحث عن النموذج الإنتاجي الجديد، بالمركز القُطْري بِمِيرَنْدَةَ.

ينتقد ألفاريز اقتصاد فينزويلاَّ ما قبْلَ البوليفاري بارتباطه بـ«الرَّبْع النَّفْطي بعدد مختزل من الأشخاص، فهو اقتصادُ مِيناءٍ»[30]. وهو مَعَاشٌ غير مساواتي، لا يسمح بتنمية مستديمة تُغطّي كل القطاعات (الفلاحة، والصناعة التحويلية، والبحث في التنمية..). ومِنْ ثمة، يطرح الثوريون البوليفاريون المخطط القطري سيمون بوليفار (2007-2013) بديلا للرأسمالية الرَّبْعية، بما هو دقْرطة للدخول إلى عالم خَلْق الثروات، «بإعادة توزيع الفوائض داخل الأحْمية المتميّزة بالاجتماعية[31] الهامة»[32].

3: استحقاق عالم «ثالث»[33] متمنعّ على الإمبريالية والصهيونية:

لا تكتفي فِيِنِزِوِيلاَّ الثورية البوليفارية بإعادة التوزيع الطبقي والجهوي الداخلية، بالتعاون مع لاَهوت التحرّر، بلْ ترى أن ذلك قاصر ساذج إذا لم يكن في سياق بناء جبهة عالمية مناهضة للإمبريالية والصهيونية. ولذلك تحتفظ فينزويلا بعلاقات سَوْقية بأمريكا الجنوبية، وبروسيا والصين وإيران، واتحاد جنوب إفريقيا، وغيرها من الدول الرافضة للهيمنة الإمبريالية والصهيونية. علاوة على تحالفها الواضح والمتين مع المقاومتيْن الفلسطينية واللبنانية؛ وكذلك دعمها للدولة السورية بما هو دعمٌ لدولةٍ مقاومةٍ للصهيونية، وذات اقتصاد اجتماعي، ومناهضة للإمبريالية.

أما الصين فتعتبرها فينزويلاّ، الثوريةُ- البوليفاريةُ في تنميتها الاجتماعية- المعاشية، نموذجًا يُحتذى، بما هو منوال يحمل مشروع التنمية بمشاركة الشعب وعدم الإقصاء الاجتماعي، فقد تمّت استعارة جوهر النموذج الصيني والكثير من عناصره، دون التماهي الكامل معه، فالنجاح يتطلَب تأكيد الخصوصية علاوة على الاستعارة.

إن التعاون الفينزويلّي- الصيني «يتعمق في ميادين المالية والطاقة والقطاع المنجمي وإنشاء البُنى التحتية للاتصالات عن بُعْد والصناعات التحويلية والتِقَانات الدقيقة، أمّا العلاقات التجارية، فهي تتنامى من سنة إلى أخرى»[34].

ومن أهم معالم العلاقات الفينزويّلّية- الكوبية، تمتين الاستعارة الفينزويلّية للنجاح الطبي والصّحي الكوبي. ومن ذلك مَقْدمُ الأطباء الكوبيين لممارسة الطب العلاجي القاعدي الوقائي، وكانوا في سَوَادِ بـ15.000 طبيبٍ «يعملون في مستوصفات في قلب الأحياء الشعبية»[35].

أما في العلاقات الفينزويّلّية- الإيرانية، نَفهم مِنْ بكاء الرئيس محمود أحمدي نجاد على رأس صديقه الفقيد، تْشافيز، أن هذه العلاقات تذهب إلى الجوهر الإنساني التقدمي الثوري ولا تهمّها التفاصيل. ولذلك، نجدها«تتمتّن رغم موت تْشافيز»[36]، وخاصة «في الميادين النفطية والطاقية»[37]، وكان تشافيز قد زار إيران 13 مرّة، بينما زار أحمدي نجاد فينزويلاّ ستّ مرّات. وهناك بين البلدين «أكثر من 60 اتفاقية اقتصادية في القطاعات الطاقية والبنكية والصناعية، أما التجارة التبادلية التي كانت حوالي 189.00دولار أمريكي عام 2001، ليتجاوز 10 ملايين دولار أمريكي في غضون السنوات الأخيرة»[38].

فلا يمكن لفينزويلاّ البوليفارية أن تكون دون خطوط دفاع عالَم- ثالثيةٍ متقدّمة، ومن غير استخلاقٍ أرَانِّي لعالم ثالثٍ متضامنٍ ومتعاونٍ على جميع المستويات.

المستخلص:

1: ليست نيتنا أن نستنسخ تجارب الآخرين، إنما يجب أن نعتبر بتلك التجارب باحثين عن القواسم الإنسانية المشتركة وعما يمكن أن نستعيره منها..

2: كانت هنا  ثورة حقيقية في فينزويلاّ، ولذلك نجحت رغم التعثرات في البداية، وهي حقيقية لأنه كان لها مشروع اجتماعي وقيادة، وحَاضِنة حَرَكة اجتماعية.

هنا، في فينزويلاّ، يُجَرَّبُ المشروعُ الاجتماعيُّ الصادق، (لا «التَّذَرّعي»[39])، أي الشامل لأكثرية الشعب، من أجل «اقتصاد شعبي»، حائزًا «على أَحْمِيَةٍ وحقول معاشية سوْقيّة»[40]، بحيث أنها لا تُشغّل فقط، بل تجعل طبقات واسعة قادرة على تدبير أمْر البلاد، لأنهم لا يُمسكون بحقول هامشية. وذلك ضِمْن تاريخانية ثقافةٍ ديمقراطيةٍ- شعبيةٍ، منغرسة، دخلت الأحياء الشعبية، بوضوحها واقتناعاتها، وبدعْم من كنيسة تقدّمية حاملة لواء لاهوت التحرّر. فرسالة البوليفاريين ليست خطابًا سفسطائيًا دغمائيا، بل مشروعٌ واقعيّ قادر على الإقناع والتعبئة، بما أن مبادئه موجودة في دين الشعب بالذات. وهو ليس مشروعًا قابلاً للهزيمة أمام الحصار الإمبريالي الأمريكي رغم التعثرات الممكنة، لأنه ليس منحصرا قُطْريًّا، بل يبحث عن جبهة عالمية صلبة للعداليّين والمُهَيْمَن عليهم بالعالم، دون تمييز مِلِّي، يُكفّرُ العلمانيَّ أو المتديّنَ. فالحزب الاشتراكي البوليفاري الموحَّد ليس حزبًا ماركسيّا، بالمعنى الطائفي للكلمة، لكنه لاهوتيّ بمعنًى ما؛ ولاهوت التحرّر ساهمت في بناء تلك التاريخانية الإصطفائية، ليس كنيسة بالمعنى الاتّباعي للكلمة، لأنه يتبنى الأرض والشعبيّ والاشتراكيَّ، و«الإلحاديّ» بالدينِ/ الأفيونِ، والمنحاز إلى الدينِ/ المشروعِ العداليّ.

3: إنه مشروع اجتماعي قابلٌ للحياة طويلا، وللتطوّر المُسَاوِقِ للتحوّلات الداخلية والخارجية، لأنه وفّر لنفسه أسباب الحياة، وأهمّها: الانحياز للطبقات الشعبية ولكل الشعوب المهيمَن عليها، ولمثال العدْل.

 

د.عادل بالكحلة - باحث أنثروبولوجي

 

 

 

 

 

 

[1] . خونو(بارت)، هوغو: قصة هوغو تشافيز من الكوخ الطيني إلى الثورة المستمرة، ترجمة: بسّام شيحا وأمين الأيوبي، الدار العربية للعلوم، بيروت، 2007، ص 33.

[2] . خونو (بارت)، هوغو: قصة هوغو تشافيز من الكوخ الطيني إلى الثورة المستمرة، م.س، ص 33.

[3] . م. س، ص 34.

[4] . م. س، ص 34.

[5] . م. س، ص 35.

[6] . م. س ، ص 36.

[7] . م. س ، ص 168.

[8] . م. س ، ص 229.

[9] . م. س ، ص 231.

[10] . م. س ، ص 231.

[11] . م. س ، ص 233.

[12] . م. س ، ص 237.

[13] . م. س ، ص 238.

[14] . لم يفعل رؤساء «الربيع العربي» ذلك. وكان برلمانيوه أكبر راتبًا من راتبَا برلمانيّي قَبْلَ «ربيعهم»، علاوة على سكنهم المرفّه ومأكلهم المترف وتنقلهم المجّاني المريح، إذ هم «ثوريون» بمعنى يتّخذونه!!

[15] . م. س، ص 247.

[16] . م. س، ص 255.

[17] . م. س، ص 266.

[18] . م. س ، ص 300.

[19] . م. س ، ص 348.

[20] . ليس العمل النقابي عملا «معصوما» في كل الحالات.

[21] Lavergne (Pierrich) : «Les nouveaux modèles d’économie sociale au Vénézueka (Une réponse au capitalisme rentir», http:/remer.org.

[22] . Ibid.

[23] . Ibid.

[24] . Ibid.

[25] . «الأَحْمِية»، ج «حِمًى» (Territories, Territoires).

[26] . Ibid.

[27] . Ibid.

[28] . Ibid.

[29]. Ibid.

[30] . Ibid.

[31] . «الاجتماعية»، هي.......

[32] . Ibid.

[33] . ...هُنا، العالَم الأول هو العالَم الإمبريالي، والثاني عالَم التبعيّة، والثالث هو عالَم الممانعة والتحرّر.

[34] . Ibid.

[35] . Fournier (Jean-Marc) ; L’autre Venezuela de Hugo Chavez : Boom pétrolier et révolution bolivarienne à Maracaibo, Karthala, Paris, 2010, P29.

[36] . http://www.ceci.ulval.ca/indexpho!pid=808p=1111(31/10/2014).

[37] . Interview : « Le Vénézuela voit la chine comme un modèle à suivre pour son dévéloppementé, http://french.china.org(23/7/2014) ».

[38] . Interview : Le Vénézuela voit la chine comme un modèle à suivre pour son dévéloppementé, Op Cité.

[39] . «التّذرّع» في اللغات الأوروبية: «البراغْماتية». ولكنَّ المشكل في «أمّيّتنا» اللغوية- الحضارية.

[40] . Lavergne (Pierrich) : « Les nouveaux modèles d’économie sociale au Vénézuela (Une réponse au capitalisme rentir », Op Cité.

 

قاسم حسين صالحأشرس المعارك واعقدها هي المعركة ضد الفساد، ولهذا اضطر السيد العبادي أن يتجنها مع انه وعد العراقيين بضرب الفاسدين بيد من حديد، ولم يستثمر في حينها فرصة تاريخية كانت ستجعل منه رجل دولة وبطلا شعبيا يوم ايدته المرجعية وجماهير الفقراء، لأنه ادرك ان المسؤولين الكبار باجهزة الدولة وقيادات الكتل السياسية متورطة كلها بالفساد، واستحالة تشكيل حكومته اذا تضمن برنامجها الكشف عن الفاسدين، وانه ربما التقط العبرة من سلفه السيد نوري المالكي الذي صرّح بأن( لديه ملفات عن الفساد لو كشفها لانقلب عاليها سافلها).. فاسكت صوتا في داخله يدعوه الى فضحهم وقلب عاليها سافلها، مبررا خذلانه بخطاب له بجامعة بغداد في 27 / 11/ 2017 بأن (الفساد مافيا، يملكون المال، فضائيات، قدرات، يستطيعون ان يثبتوا انهم الحريصون على المجتمع، وهم الذين يحاربون الفساد، ولكنهم آباء الفساد وزعماء الفساد)، مع ان وثيقة الاتفاق السياسي بين الكتل السياسية المشاركة بحكومة الوحدة الوطنية 2014 تضمنت بندا صريحا ينص على (محاربة الفساد المالي والاداري ومحاسبة المفسدين واجراء الاصلاحات اللازمة في الجهاز الاداري للدولة واعتماد اسس وستراتيجيات جديدة بما في ذلك مراجعة واقعية لمنظومة مكافحة الفساد وتجاوز الثغرات القائمة).. فضلا عن ان البرنامج الحكومي تضمن في (خامسا: الاصلاح الاداري والمالي للمؤسسات الحكومية) فقرة خاصة بمكافحة الفساد تضمنت اربع نقاط بينها: (انجاز الستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد (2014 ـ 2017) بالاشتراك مع الاجهزة المعنية، ودعم استقلالية ومهنية الاجهزة المعنية بمكافحة الفساد واجهزة انفاذ القوانين).. ما يعني ان على اصحاب وجهة النظر هذه ان يراقبوا اداء الحكومة في تنفيذ برنامجها الخاص بمكافحة الفساد بانواعه الثلاثة: المالي والاداري والسياسي، ثم يقرروا ويحكموا.

 وموضوعيا، ينبغي ان لا نطلب من السيد مصطفى الكاظمي، وليس صحيحا ان يطلب منه العراقيون ضرب الفاسدين في اول شهر لتوليه المهمة، لأن محاربة الفساد تحتاج إلى"النضال الطويل والمكلف والمؤلم من أجل النجاح"، وفق ما يرى برتراند دو سبيفيل صاحب كتاب "OVERCOMING CORRUPTION" الذي يعدّ مرجعا أساسيا في مجال محاربة الفساد.. بمعنى أنه لا يمكن الحصول على نتائج ذات أهمية دون"تحمّل وصبر" من مختلف المتدخلين خاصة المواطنين الذين يشكلون الضحية الأولى للفساد.

 والفساد برؤية (دو سبيفيل) داء مزمن ومستفحل يحتاج علاجه إلى تضحيات جسام، وتتطلب مكافحته استراتيجية وطنية ذات أهداف واضحة وقابلة للتحقيق تتأسس على ثلاثة مرتكزات تسند بعضها بعضا هي"التحقيق والملاحقة، والوقاية عبر تطوير المساطر والأنظمة، ثم التربية والتوعية باعتبارهما ضروريين لمحاربة الفساد لدى الأجيال الناشئة، وتغيير النظرة المجتمعية المتسامحة معه أو التي تجعل منه شراً لا بد منه. ما يعني أن الفساد لم يفقر الناس فقط بل افسد القيم ايضا وهرّأ الضمير الأخلاقي بتحويله من فعل كان يعدّ خزيا الى"شطارة".. وبتبادل التهم بين معممين انتهكوا قدسية الدين.. ولهذا ينبغي على السيد الكاظمي ان يحيط نفسه بمستشارين في العلوم التربوية والنفسية من المستقلين تحديدا ليضعوا استراتيجية علمية لأعادة بناء المنظومات القيمية.

 الكاظمي والمتظاهرين

أكيد أن السيد الكاظمي يتذكر تظاهرات (شباط 2011) وتظاهرات المحافظات في( 31 آب 2013 )التي طالبت بالغاء الرواتب التقاعدية لأعضاء البرلمان والدرجات الخاصة التي ينفرد بها العراق من حيث ان عضو البرلمان في بلدان العالم، يعود الى سابق وظيفته حين انتهاء عضويته، وان هذه الرواتب هي الأضخم عالميا التي شكلت (40% ) من ميزانية الدولة التي تعادل ميزانيات ست دول عربية مجتمعة.

ويتذكر ايضا تظاهرات( 2014) يوم هتف المتظاهرون (نواب الشعب كلهم حرامية)، وهو أحد أهم مطالب انتفاضة تشرين(2019).. وان السيد الكاظمي صريح في موقفه بأنه مع المتظاهرين وسيعمل على تحقيق مطالبهم.

 تجربة سنغافورة

  تعدّ سنغافورة أنموذج الدولة الخالية من الفساد باعتمادها إجراءات حددها "سوه كيى هيين" مدير مكتب التحقيق السنغافوري بعشرة يبدأ اولها:بـ (عدم السماح للمفسدين بالتمتع بما حصلوا عليه من مكاسب غير مشروعة، وفضحهم بجعل الناس تنظر لهم بوصفهم عارا على المجتمع).

فهل يمكن لحكومة السيد الكاظمي اعتماد هذا الأجراء؟

الجواب الموضوعي.. كلا، ليس فقط كونها انتقالية بل انه لو بدأ فأن حيتان الفساد ستبتلعه وحكومته قبل ان يطيح بهم.

ثلاثة اجراءات

في ضوء تحديات المحنة التي تواجه السيد الكاظمي، فانه يمكنه اتخاذ ثلاثة اجراءات:

الأول:اصلاح النظام القضائي بما يولّد الثقة عند العراقيين بانه قد اتخذ الاجراء العملي لمكافحة الفساد، تبدأ بتعديل المادة 136 من قانون المحاكمات الجزائية التي منحت الوزير صلاحية ايقاف الاجراءات القضائية بحق من يشغل منصبا ادنى من الوزير والتي تعني عدم امكانية استدعاء وكيل الوزير او المدير العام حتى لو كانت عليه قضية فساد مالي.

الثاني: تشكيل لجنة من مستشارين سيكولوجيين وتربويين وقضاة واعلاميين مستقيلن سياسيا، تكون مهمتها فضح الفساد والفاسدين أخلاقيا باعتماد استراتيجية تستقطب رجال دين وخبراء اقتصاديين تستهدف احياء الشعور بالمواطنة، وتنشيط الضمير الاخلاقي، واحياء الشعور بالذمّة التي تعني العهد والكفالة حين يكون الشخص مسؤولا عن الرعية.

الثالث:ضمان اجراء انتخابات نزيهة باشراف دولي تضمن وجود مراقبين من القيادات التنسيقية للمتظاهرين.

وتبقى قضية غاية في الأهمية لصالح السيد مصطفى الكاظمي، هي ان هنالك قرارا غاية في الاهمية صادر من المحكمة الدستورية في العراق يقضي (بالغاء المحاصصة) حصل عليه المحامي شوكت سامي السامرائي، ويمكن للسيد الكاظمي استثماره، راجين من مكتبه الأعلامي التواصل معنا لتزويده بصورة القرار وارقام هواتف السيد شوكت.

 ختاما.

ان الحاكم الذي يعمل فعلا على مكافحة افسد حكومات العراق من يوم اصبح دولة، سيدخل التاريخ من أوسع ابوابه.. فهل سيفعلها الكاظمي؟

 

أ. د. قاسم حسين صالح

20 نيسان 2020   

 

نور محمد يوسفمقدمة: لقد تناول المسرح العالمي في نصوص عديدة فكرة الوباء وانتشاره السريع بين الناس وصوّرت النصوص المسرحية ما جرى من ألم ومصائب جراء الحصار الذي تعرض له البشر في حالة فريدة من الاستقراء والتقصي والاستدلال على ما قد يجري في المستقبل من جائحات كثيرة تهدد البشر عن بكرة أبيهم، خاصة وأن الجنس البشري يصرف الكثير من المال على الإنفاق العسكري والطمع أكثر مما ينفقه على خير الإنسان ورفاهيته وتقدمه . سنتحدث في هذا المقال عن الأوبئة التي سجلها المسرح العالمي عبر التاريخ وطريقة تصوير المسرحيين للوباء القاتل خلال الحقب التاريخية المتعاقبة .

أوديب ملكا:

في القرن الخامس قبل الميلاد، كتب سوفوكليس مسرحيته التراجيدية "أوديب ملكا" التي يجتهد بطلها أوديب لتحديد سبب الطاعون الذي ضرب مدينته طيبة وأهلك الزرع والنسل وامتلأت الأرض بالجثث وسادت الفوضى، ليكتشف أن السبب خطأ ارتكبته أعلى قيادة في المدينة . وحدهم معبد دلفي والعرافة وتايريزيس يعرفون سبب الوباء الذي قضى على مستقبل الكثيرين في أثينا . لقد كان مصدر الوباء وفق سوفوكليس هو " الخطيئة الإنسانية " المتمثلة في جريمة قتل ولد لأبيه في حالة غير مسبوقة في التاريخ البشري.

وتذكّر الملاحم اليونانية والمسرحيات والأساطير والأشعار القديمة الجماهير بحاجتها لقادة يكونون قادرين على التخطيط للمستقبل، يتعلمون من دروس الماضي وعدم تكرار أخطائه. وفي ملحمة الإلياذة الشعرية التي تحكي قصة حرب طروادة وتعتبر واحدة من أهم الملاحم الشعرية الإغريقية للشاعر هوميروس، يُنتقد الملك الأسطوري أغاممنون لأنه لا يعرف ما جرى في حالة "ما قبل الوباء وما بعده".

واعتبرت الأوبئة موضوعا لاختبار ذكاء القادة في الأساطير اليونانية القديمة، وفي مقابل أغاممنون، جرت الإشادة بشخصية كالشاس الأسطورية كأحد هؤلاء الذين يعرفون سبب الطاعون وما حدث وما سيحدث.

لقد ركزت مسرحية أوديب ملكا على محاولة فهم المعاناة الإنسانية وآلامها وأرجعت الخلاص للحل الديني المتمثل في طاعة الآلهة وتعليمات المعابد الدينية والصلاة .

طاعون دافنتشي

نجا عبقري عصر النهضة الإيطالي ليوناردو دافنشي بأعجوبة من وباء الطاعون الذي ضرب ميلانو نهاية القرن الخامس عشر، وقتل حوالي خمسين ألف شخص يمثلون ثلث سكان المدينة. وألهم الطاعون دافنشي لتصميم مدينة مستقبلية عبّر عنها من خلال سلسلة من الرسوم والتدوينات اكتملت بين 1487 و1490وعمد فيها لتحويل مدن القرون الوسطى مثل ميلانو التي كانت ضيقة الأحياء، يصعب التنقل فيها وقذرة ومزدحمة وتساعد في انتشار المرض- نحو تخطيط أكثر حداثة مدعوم بشبكة قنوات تدعم التجارة وحركة البضائع والصرف الصحي، وقسم المدينة رأسيا إلى ثلاث طبقات مختلفة لكل منها غرض مختلف. وكانت أفكار دافنشي في زمنه مختلفة جذريا ويصعب تطبيقها على المدن القائمة بالفعل، لكنها ألهمت المعماريين لبناء مدن جديدة بالكامل في الأزمنة الحديثة، وسعى دافنشي لتقسيم المدينة عموديا وفصل المناطق المستخدمة للتجارة والنقل عن تلك المستخدمة للترفيه والمعيشة. وقد ظهرت رؤية دافنتشي المستقبلية للمدن والحياة الإنسانية في أعماله الأدبية والفنية وألهمت المسرحيين الذين أتوا بعده .

مسرحيات شكسبير

كتب المسرحي الإنكليزي وليام شكسبير مجموعة من أفضل أعماله خلال الطاعون الذي ضرب بريطانيا نهاية القرن السادس عشر . في نهاية القرن السادس عشر وأثناء تفشي وباء الطاعون، الذي أودى بحياة كثيرين في سلسلة من موجات الوباء تسبب آخرها في موت ربع سكان لندن، جرى إغلاق كل المسارح في أوقات كثيرة. وتوفي بسبب هذا الوباء القاتل أشقاء شكسبير الأكبر سنا وكذلك ابنه الوحيد هامنت الذي قضى في الحادية عشرة من عمره، ويرى بعض الباحثين أن الأديب الإنجليزي كتب مسرحيته التراجيدية الشهيرة "مأساة هاملت" تأثرا بوفاة ابنه.

ألهم الطاعون شكسبير لكتابة مسرحيات عديدة، ورغم أنه كان قد تحول إلى الشعر عندما أغلق الطاعون المسارح عام 1593، وذلك عقب نشر قصيدته السردية الشهيرة "فينوس وأدونيس" التي ذكر فيها الطاعون، فإن باحثين يرون أن إغلاق المسارح سمح لشكسبير بإنجاز الكثير من الكتابة الدرامية وألف في ذلك العام مسرحيات : الملك لير وماكبث وأنطونيو وكليوباترا .

قدم الطاعون لشكسبير مخزونا قويا من الاستعارات الدرامية، وظهرت بقوة في نصوصه في تلك الفترة. وفي أحد مقاطع مسرحية "روميو وجولييت" تلجأ الحبيبة للراهب الذي يعطيها جرعة من دواء يجعلها تبدو كالميتة لتستيقظ في المقبرة وتهرب لحبيبها، لكن الراهب يتم احتجازه في الحجر الصحي بسبب الاشتباه في إصابته بالطاعون مع كاهن آخر كان يساعد المرضى، وهكذا يفشل في توصيل الرسالة إلى روميو الذي يعتقد أن حبيبته ماتت ويصل للمقبرة ويشرب السم ويموت، وحين تستيقظ جولييت وتجد روميو قد مات تستل خنجرا من غمده وتقتل نفسها.

وعلى الرغم من عدم وجود العديد من الإشارات المباشرة إلى الطاعون في نصوصه، إلا أننا نستطيع تلمّس إشارات حول وجوده، وذلك عبر الشعور به أكثر من رؤيته. أحياناً، يكون ذلك في الحبكة كما في مسرحية "روميو وجولييت"، حيث يؤدّي تفشّي الوباء إلى إصابة الرسول الذي أرسله الراهب لورانس ويجبره على التزام الحَجْر الصحي. وهذا يعني أن الرسالة التي تحمل أخباراً أن جولييت زوّرت وفاتها لا تصل إلى روميو.

هناك الكثير من الاستعارات المَرَضية كانت واضحة في أعمال شكسبير. هذا ما نلاحظه في مسرحية تيمون الأثيني التي تتمحور حول رجل يختار منفاه بنفسه، حيث لا تكاد كلمة "الطاعون" تغادر شفتيه: "الأوبئة"، "لقد تتوّجوا بالوباء"، "ردّوا إليهم الوباء". أما الخطاب المسرحي في الملك لير فقد كان مباشراً وأكثر وحشية، حيث يصرخ كينت، اليد اليمنى للملك، أمام الخادم أوزوالد بما معناه: "فليأخذ الطاعون وجهك " أما الملك لير فيصف "الأوبئة التي تتدلّى في هذا الهواء النابض"، مشيراً إلى النظرية الشائعة القائلة بأن المرض يمكن أن ينتشر عبر الهواء. وفي أحد صيحاته العديدة، يطلق الملك لير على ابنته غونيريل "قرحة الطاعون، جمرة منقوشة في دمي التالف" في إشارة إلى تضخّم الغدد الليمفاوية، وهو أحد أعراض الطاعون.

يوجين يونيسكو ووباء الخرتتة:

مسرحية الخرتيت من روائع يوجين يونسكو حيث تجري أحداث هذه الكوميديا المرعبة في مدينة فرنسية صغيرة مغمورة هي في طريقها إلى الجنون، يشهد سكانها عدداً من الخراتيت تتجول في شوارع مدينتهم، تعطي انطباعاً بأنها هاربة من حديقة حيوانات، لكن الحقيقة التي سنتعرف عليها لاحقاً، أن سكان هذه المدينة أنفسهم كان قد نمت على جباههم فجأة قرون طويلة، وتصلبت جلودهم واستحالت سحنة بشرتهم إلى لون أخضر داكن، ومُسخوا جميعاً في النهاية إلى قطيع من الخراتيت، صار يعبث في شوارع المدينة وبيوتها محيلاً إياها إلى دمار. لكن، من بين جميع سكان هذه المدينة، يصمد شخص واحد فقط اسمه بيرانجية، يبقى محتفظاً بآدميته، لأنه لم يكن قادراً على أن يتحول إلى خرتيت، ولأنه يرفض، في نفس الوقت، الانصياع لمذهب الامتثال للتقاليد وتبلـّد المشاعر. وقد استخدم يونسكو الخرتيت كمجاز شعري للوحشية المتأصلة في الكائن البشري، وأيضاً بمثابة استعارة للتعبير عن عبثية الكون. إن الخرتيت يمثل طغيان الاستبداد وبربريته بالإضافة إلى لا معقولية الواقع الذي يستطيع أن ينتج مثل هذه المسوخ.

وقد وصف يونسكو مسرحيته هذه بأنها مسرحية مضادة للنازية، وقد قيل إنها تجسّد مشاعره قبيل مغادرته رومانيا عام 1938، حين أعلن الكثير من معارفه من المثقفين عن ولائهم واستسلامهم للحركة الفاشية والنازية قبل وبعد الحرب العالمية الثانية إلا أن السبب الذي دفعه لكتابتها ليس النقد المباشر لرعب النازي، بقدر ما هو الكشف عن ذهنية أولئك الذين استسلموا لذلك النازي واستجابوا لأفكاره وقيمه، لذا فإن وباء "الخرتتة" إذا جاز لنا أن نستخدم هذا التعبير، يُستغل هنا كنوع من الترميز المناسب للتعبير عن الوباء لدى تلك الجمهرة التي أنتجها ظهور النازية والفاشية على حد سواء.

برتولد بريخت والطاعون

تناول الكاتب المسرحي الكبير برتولد بريخت فكرة انتشار الوباء في مسرحيته المعروفة (حياة غاليليو) وتناولت وباء الطاعون في زمن عالم الفلك الشهير غاليليو.

 لقد أصاب الطاعون القاتل إيطاليا خلال حياة غاليليو، وفي زمن بريخت، بعد مئات السنين، انتشر وباء الإنفلونزا في جميع أنحاء العالم. اتجه مجتمع غاليليو وبريخت إلى أبعد مدى لوقف انتشار المرض، غالبًا عن طريق فصل المرضى عن الأصحاء (الحجر الصحي)، وهي طريقة حققت نجاحًا محدودًا. ليس من المستغرب إذن أن تلوح فكرة الطاعون في حياة غاليليو، وتصبح كناية عن الطريقة التي تحاول بها المؤسسات القوية وقف تدفق الأفكار التي تتحدى سلطتها. وهكذا، تصنف الأفكار كنوع من العدوى، ويظهر أن محاولات منع الناس من الاتصال بالمعرفة قمعية وغير فعالة في نهاية المطاف. تميل الأفكار، مثل الفيروسات تمامًا، إلى الانتشار بسرعة وبشكل لا يمكن السيطرة عليه.

يميل الكاثوليك، بسبب سلطة الكنيسة، في حياة غاليليو إلى الضغط عليه للتراجع عن أفكاره مثلما يفعلون مع الطاعون. على سبيل المثال، عندما يتم اكتشاف مدبرة منزل غاليليو (السيدة سارتي) بأنها أصيبت بالطاعون، يمر سكان المدينة بالقرب من منزل غاليليو، ويهمسون في خوف ويرفضون الرد عليه عندما يتحدث إليهم لأنهم يخافون من الإصابة بالمرض. وبالمثل، عندما يمرون به في قاعة محاكم التفتيش، فإنهم يرفضون استقباله خشية أن يُنظر إليهم على أنهم يدعمون أفكاره ونظرياته . يعزز بريخت هذا التوازي من خلال أداء المنشد في المسرحية . ألهم الطاعون الفنانين المتنقلين لتصوير أولئك الذين يعانون من المرض، والغناء في حياة غاليليو حيث يرددون أغاني عن مدى فظاعة أفكاره.

ومع ذلك، بمجرد أن يبدأ شخص ما في فهم معارف غاليليو الجديدة، يبدأ على الفور في نشرها - كما يفعل ابن مدبرة المنزل، أندريا. ثم إن أندريا حين يبدأ في معرفة أن الشمس لا تدور حول الأرض، يبدأ في تعليمها لأمه. في وقت لاحق، يفعل الشيء نفسه مع كوسيمو، دوق فلورنسا الكبير. ولا يختلف الحال مع فيدرزوني، صاقل عدسة غاليليو رغم أنه قد علم مؤخرًا بأفكار غاليليو الجديدة، ثم يقدمها بسرعة إلى مجموعة من علماء الفلك والفيزيائيين الحكوميين الذين يندهشون من أفكاره . ويتأثر بأفكاره حتى أولئك الذين يجب أن يكونوا محصنين بشدة ضد رسالته، مثل الراهب الصغير حيث يقعون تحت تأثير "المرض"، مرض الأفكار العلمية الجديدة . يتعلم الراهب الصغير الفلسفة والدين ولديه معرفة معتمدة من الكنيسة في الرياضيات بالطريقة الكلاسيكية، حيث يُفترض أن تعمل هذه الفلسفة والأفكار التقليدية الكلاسيكية على أنها "أجسام مضادة" لـ "فيروس" غاليليو. في الواقع، يبدو أن الراهب الصغير يأمل في شفاء غاليليو من إصابته باستخدام هذه الموارد والمعلومات والأفكار والقوانين الجديدة . ومع ذلك، فإن وجود غاليليو لفترة قصيرة معه كان كاف لإصابة الراهب الصغير بالعدوى العلمية .

في صميم أفكار غاليليو هناك الفرضية القائلة بأنه يجب على المرء أن يشكك في كل شيء وهذا جوهر تفكير أرسطو وفي ذات الوقت هو جوهر عدوى غاليليو. كما يشير المحقق إلى باربيريني، فقد تسبب غاليليو في وباء حقيقي من الشك داخل إيطاليا وأماكن أخرى. تسببت فكرة أن الكنيسة كانت مخطئة بشأن أحد أهم أتباعها في تشكيك الكثيرين في مذاهبها الأخرى، وربما حتى الإيمان نفسه. منذ عصر غاليليو، على سبيل المثال، بدأ قباطنة البحر يعتمدون على خرائط النجوم والبوصلة بدلاً من الاعتماد على الله. يشير مغنيو الطاعون إلى أن مثل هذا التساؤل في ماهية الكون والنجوم والأرض امتد إلى أبعد من ذلك في عالم الحياة الاجتماعية. وبعد أن انتشرت الإصابة بالعدوى بطريقة تساؤل غاليليو، على سبيل المثال، يقوم المستأجرون الآن بتوبيخ ملاكهم، وتتساءل الزوجات عما إذا كان بإمكانهن تحقيق الرضا الجنسي مع الرجال، ويكمن التلاميذ في الفراش بدلاً من الذهاب للعمل. ويحذر من أن "الروح المستقلة وحرية التفكير والتعبير تنتشر في الكون مثل الأمراض الكريهة".

كان لدى بريخت مثل غاليليو أفكارًا راسخة ومتماسكة كان يأمل أن تنتشر مثل العدوى. تركزت أفكاره على المسرح، وهي ساحة كانت (مثل علم الفلك في غاليليو) تهيمن عليها منذ قرون نظريات أرسطو (في هذا السياق، فكرة أن المسرح يجب أن يقلد الواقع قدر الإمكان). يعتقد بريخت أن المسرح يمكن أن يكون أداة رائعة لتشجيع النقاش الفكري وتسييس الجماهير، ولكن النمط الطبيعي الذي وصفه أرسطو قد حدّ من الفعالية السياسية للمسرح. لم يكن بريخت يريد أن يختبر الناس عاطفيًا في أعماله بل أرادهم أن يفكروا في المسرحيات - ليتذكروا أنها كانت عملًا فنيًا جميلا ورائعا وليس حياة حقيقية. أثارت أفكار بريخت مثل أفكار غاليليو المعدية على المسرح غضب بعض النقاد وربما كانت تخيفهم. لكنها انتشرت أيضا . يعمل معظم المخرجين المسرحيين الجديين حتى يومنا هذا في ظل بريخت - سواء بالتعاطف أو المعارضة أو في مزيج من الاثنين معا وهذا يظهر القدرة المستمرة لفكر بريخت على "الانتشار" بين الآخرين كالوباء.

أوكتاف ميربو والوباء

قدم الكاتب أوكتاف ميربو مسرحية بعنوان "الوباء" حيث تتناول اجتماع مجلس البلدة لمناقشة كيفية التصرف في وباء أصاب السكان وهو "التيفويد" وخاصة الأحياء الفقيرة ولكنه ينتشر ليصل للأحياء الغنية وهي مسرحية ساخرة في فصل واحد.

في عام 1898 عُرضت على مسرح أنطوان في باريس مسرحية من فصل واحد اسمها "الوباء" للكاتب الفرنسي أوكتاف ميربو، وُصفت بأنها مهزلة مأساوية، ثم نُشرت عام 1904 مع مجموعة مسرحيات من فصل واحد في كتاب بعنوان "المهزلة والأخلاق"، وهي تتناول موضوع وباء التيفوئيد الذي ينتشر في مدينة بحرية، ويضرب الثكنات والمناطق البائسة. وخلال اجتماع لمجلس المدينة مُخصّص لهذا الوباء يرفض أعضاؤه، من الموالاة والمعارضة، جميع الاعتمادات المُخصّصة للصرف الصحي في المدينة، غير مبالين بالخطر الذي يشكله المرض.

لكن حين يتفشى ويصل إلى الأحياء الغنية، ويتسبّب في موت بورجوازي معروف يُغيّر عمدة المدينة رأيه، ويثني على فكرة الاعتمادات، فيُصوّت أعضاء المجلس بالإجماع على منح قروض لمواجهة الوباء.

فارغاس يوسا وحكايات الطاعون

ولد ماريو فارغاس يوسا عام 1936 في البيرو لأبوين ينحدران من إسبانيا، وهو كاتب وصحفي. يعتبر من أبرز كتاب أميركا اللاتينية، حصل على جائزة نوبل للآداب عام 2010.

"حكايات الطاعون" هي العمل المسرحي التاسع في مسيرة الكاتب الذي كتب ثمانية أعمال مسرحية في السابق منها، "آنسة تاكنا"، "ألف ليلة وليلة"، "عيون جميلة بنظارات بشعة"، "مجنون الشرفات" وغيرها.

يقول يوسا أن كتابه "حكايات الطاعون" سيتحول إلى عمل سينمائي بوصفه عملا كوميديا رومانسيا. واعتبر يوسا أن الأدب "يسمح لنا بأن نعيش حيوات أخرى، وأن نخرج من فضاء متقلص، وأن نعبر عن أنفسنا بأقدار تحطم الروتين، تلك الأقدار التي تجعلنا نعيش مشاعر متوهجة تحولنا لكائنات مغامرة".

خلاصة

لقد عمل المسرح عبر التاريخ لتصوير حياة الناس المؤلمة ومشاكلهم ومعالجتها وانتقاد ما يمكن انتقاده بطريقة لطيفة وغير مباشرة . ومن لا يقرأ المسرح يفتقر الكثير من المعرفة . لقد وُلدت الأعمال المسرحية من رحم المعاناة الإنسانية فعكست مشاعر إنسانية صادقة كالألم والخوف والتلاحم والفراق والضياع والأوبئة بطريقة تثير الابتسامة والدموع .

 

بقلم نور محمد يوسف

........................

المراجع

Octave Mirbeau | French author | Britannica

www.britannica.com › biography › Octave-Mirbeau

Octave Mirbeau : Anarchist Novelist, Playwright, Journalist ...

www.revoltlib.com › people › octave-mirbeau › view

Bertolt Brecht | Biography, Plays, Poems, & Facts | Britannica

www.britannica.com › biography › Bertolt-Brecht

The Life of Galileo Study Guide from LitCharts | The creators of ...

www.litcharts.com › lit › the-life-of-galileo

Eugene Ionesco Biography | List of Works, Study Guides ...

www.gradesaver.com › author › eugene-ionesco

Romeo and Juliet: Study Guide - SparkNotes

www.sparknotes.com › shakespeare › romeojuliet

King Lear: Plot Overview - SparkNotes

www.sparknotes.com › shakespeare › lear › summary

Leonardo da Vinci | Biography, Art, & Facts | Britannica

www.britannica.com › biography › Leonardo-da-Vinci

Oedipus the King - CliffsNotes

www.cliffsnotes.com › literature › play-summary › oed.

How Pandemics Change History | The New Yorker

www.newyorker.com › news › q-and-a › how-pandemi.

 

تعتبر خدمة المجتمع من الوظائف الرئيسية للجامعات في جميع أنحاء العالم، انطلاقا من مفهوم الجامعة على انها مؤسسة تعليمية مسؤولة عن خدمة مجتمعها، وهو ما يمثل البعد الثالث من مهام العمل الجامعي: التدريس والبحث وخدمة المجتمع.

السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يجب على الدولة دعم الجامعات البحثية؟ اليس من الضروري إثبات أن المؤسسات الأكاديمية يمكنها حل المشاكل غير المتوقعة؟ اليس من الضروري وجود علاقة عميقة ووثيقة مع افراد المجتمع كأمر حيوي لمثل هذه الجامعات لجعل أنشطتها مفهومة ومعروفة وتحظى بتقدير عالي لكي تكسب الاحترام والدعم من مجتمعها؟ اليس هذا الدعم هو حجر الزاوية لوجود الجامعات اليوم؟

خلال فترة انتشار هذا الوباء العالمي- وما يمثله من لحظة فريدة للبشرية- ألا يجب أن تكون الجامعات أقرب إلى المجتمع وأن تظهر دورها في التخفيف من المعاناة العامة؟ استطاعت الكثير من الجامعات العالمية من الإجابة على هذا السؤال عبر مبادرات شملت، على سبيل المثال لا الحصر، تطوير اللقاحات والأدوية، وتوفير أجهزة التهوية السريرية منخفضة الكلفة، واجراء دراسات لفهم ميكانزيم الإصابة بالفيروس وطرق انتشاره والوقاية منه، والتوعية الطبية وتقديم الارشادات، واجراء الاختبارات والفحوص، والتطوع لتقديم المساعدة والخدمات الطبية عبر مستشفياتها واطبائها وممرضيها.

قد تكون بعض الجامعات العراقية ساهمت في تقديم بعض الخدمات الطبية عن طريق التدريسيين ذوي الاختصاصات الطبية او بتقديم ندوات توعية وارشاد وهي بذلك تستحق الشكر والتقييم، ولكن قد يقال بأن هذه الخدمات هي من ضمن واجبات التدريسيين كأطباء، ويمكن ان يقال إن هدف تمكين أفراد المجتمع ومؤسساته من تحقيق أقصى إفادة من الخدمات الجامعية لهو هدف فشلت الجامعات في تحقيقه.

على من يتم توجيه اللوم في هذا التقصير؟ هل الجامعات ملامة لضعف تحقيق هدفها في خدمة المجتمع، ام يجب ان يلقى اللوم على الدولة ووزارة التعليم العالي بالخصوص لعدم تمكين الجامعات من تحقيق هذا الهدف الأساسي والسامي؟

الحق ان المسؤولية الكبرى تقع على كتف الوزارة، لان الجامعات ما هي الا دوائر تدار وتسّير من قبل الوزارة. والمسؤولية الاجتماعية للجامعات تحددها الوزارة وتقيدها ضمن تعليمات واوامر إدارية، وتمويل مركزي واشراف مباشر، بضمن مواصفات محددة لوظائف أعضاء هيئة التدريس. حتى وان أراد أحد افراد هيئة التدريس او مجموعة منهم القيام بمبادرة بحثية او اجتماعية فانهم سيلاقون عقبات كثيرة تضعها امامهم طبيعة عملهم وطبيعة الروتين الوظيفي الذي تعاني منه الجامعات كونها مؤسسات غير مستقلة تخضع بكل صغيرة وكبيرة الى موافقة الوزير واراء حاشيته.

ميادين خدمة المجتمع واسعة ومتنوعة، وما فشل الجامعات في اخذ زمام المبادرة والتأثير في بيئة المجتمع، وبقاء دورها محصورا داخل حرمها الجامعي، الا بسبب المركزية المقيتة التي تعاني منها بسبب تسلط الوزارة عليها مما يمنعها من اخذ المبادرات الاجتماعية وامتهان أدوار أكبر من مجرد التدريس.

 

محمد الربيعي (أ.د.)

 

عدنان عويدسألني أحد الأصدقاء ما المقصود بـ (ما بعد الحداثة)، وهل هناك سياسة تدخل في هذا المفهوم؟.

أقول: نعم يا صديقي إن ما بعد الحداثة، هي نظام اقتصادي واجتماعي وسياسي وثقافي يسود العالم اليوم، أفرزته تلك التحولات غير العقلانية لما يسمى بالنظام العالمي الجديد.

ففي هذا النظام العالمي الجديد، فقد العالم توازنه المادي والروحي، واصبحت الشعوب فيه تعيش حالات من الضياع القومي والوطني والأخلاقي.. فكل شيء رُسمت له نهايات في هذا العالم.، نهاية التاريخ.. ونهاية الدولة.. ونهاية المواطنة.. ونهاية الدين. بل راحت سمات أخرى تلصق به، كالتفكيك والتذرير والموت.. فرحنا نسمع عن موت الفن، والأدب، والأخلاق والفضيلة، والدين، وعن تفكيك الدول المركزية وتذرير المجتمع... الخ.  والسبب هو سيطرة نمط اقتصاد السوق المتوحش الذي لا يعرف من التنمية إلا الربح، دون النظر إلى القيم الإنسانية في هذه التنمية ودورها. وهذا النمط من التنمية راحت تقوده مجموعة من الشركات المتعددة الجنسيات التي يتحكم في إدارتها وآلية عملها كباتنة الرأسمال العالمي على مستوى العالم، ومن هؤلاء يأتي الكثير من ساسة وحكام دول العالم الثالث الذين سرقوا أموال شعوبهم ودخلوا عبرها مساهمين وشركاء في هذه الشركات التي غالباً ما تنال نتائجها السيئة شعوبهم بالذات من خلال الفسح في المجال واسعاً لهذه الشركات للمساهمة في استثمارات اقتصادية واسعة في بلادهم.

في النظام العالمي الجديد هذا، تغيب السمات العامة للدولة لتتحول إلى وسيلة بيد من يتحكم فيها لحماية مصالحهم، وهذا ما يتجلى واضحاً اليوم في الدول الأوربية وأمريكا.. فالدولة وكل إمكانياتها هي في خدمة مصالح الطغمة الاقتصادية من جيشها وإعلامها، وصولاً إلى أموالها تحت ذريعة حماية الأمن القومي.

إذن، إذا كانت هذه هي المعطيات العامة لما بعد الحداثة في الجانب الاقتصادي، وما يقوم على هذه المعطيات من نتائج أشرنا إليها أعلاه. فما هي النتائج السياسية التي يفرزها هذا النظام على المستوى العالمي  بشكل عام، وعلى المستوى الداخلي للدول بشكل خاص.؟.

إذا كان الخطاب السياسي على المستوى العام يتمثل في سيطرة الدول العظمى على السياسة الدولية وخاصة سيطرة  الدول القويّة منها كالولايات المتحدة، مستغلة قوتها المادية والعسكرية في تحقيق ما تريد على حساب بقية الدول، من خلال آلية عمل وسياسات قهرية ورضائية، كفرضها العقوبات، أو منحها المساعدات على هذه الدولة أو تلك، أي اتباع سياسة الترهيب والترغيب، موظفة في هذه السياسات المؤسسات الدولية تحت اسم العدالة والحرية والديمقراطية، ويأتي في مقدمة هذه المؤسسات مجلس الأمن، والوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومحكمة العدل الدولية، ومجلس حقوق الإنسان.. وغيرها، وهذا ما يساعدها أيضاً على تثبيت الحكومات الموالية لها والمنفذة لمصالحها في دول العالم الثالث مهما تكن طبيعة هذه الأنظمة، جمهورية كانت أم ملكية، ذات توجه رأسمالي كانت أم اشتراكي، بغض النظر عن درجة عدالة هذه الحكومات اتجاه شعوبها.

عموماً. إن السياسة الداخلية في الدول العظمى تقوم على حزبين رئيسين غالباً ما يتداولان السلطة، وكلاهما يعملان بالضرورة لمصلحة القوى الطبقية المتحكمة باقتصاد هذه الدول، ويأتي على رأسها كبار أصحاب الشركات الكبرى.

أما على مستوى سياسة دول العالم الثالث، فغالبا ما نجد أنظمةً أو حكوماتِ ملكية وراثية يسيطر فيها الملوك والأمراء وحاشيتهم على كل شيء في الدولة، يقابلها أنظمة جمهورية تدعمها أحزاب شعبوية، تفتقد بالأساس إلى مشاريع فكرية حقيقة ذات بنية طبقية وتنظيمه واضحة المعالم، فهي كـ (خرج العطار) تجد فيها كل ما تريد، فهناك في بنيتها التنظيمية تجد عمال وفلاحين وطلاب وعسكر وبرجوازية صغيرة وكبيرة غالباً ما تكون طفيلية، وبقايا من رجالات الاقطاع. يتبع هذه الأحزاب منظمات شعبية تفتقد أساساً لحريتها في التعبير عن مصالحها، فهي ليست أكثر من حزام ناقل للسلطة المركزية في الحزب والدولة. وعلى المستوى التعليمي، تجد في البنية التنظيمية لهذه الأحزاب،  من الأمي أو الذي فك الحرف، إلى من يحمل أعلى الدرجات العلمية. أما على المستوى الثقافي، فهناك غياب واضح ومخجل في معرفة البنية الفكرية عند الكثير من مكونات البنية التنظيمية لهذه الأحزاب، لذلك لا نستغرب أن نجد فيها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، حيث تجد فيها المتدين الساذج، وفيها السلفي الأصولي والصوفي الذي يحارب العقل ويعتمد على النقل، وتجد فيها المسلم الاصلاحي، وتجد فيها اليساري والليبرالي والانتهازي والوصولي الذي لا ينتمي أصلاً لأي فكر عدا انتمائه لمصالحه وهم الأكثرية. هذا عدا عن القول، بان هذه الأحزاب كثيراً ما تطرح قضايا فكرية وتنظيمية واقتصادية تتناقض مع أهدافها أو الخطوط الاستراتيجية لبنيتها الفكرية وأهدافها عند الحاجة أو حسب الظروف الدولية والاقليمية.. فالتكتيك يتحول عندها إلى استراتيجية، هذا عدا التناقض الصارخ في شعاراتها، كأن تطرح الليبرالية في الوقت الذي ترفع فيه شعار الاشتراكية.. أو تطرح فيه اقتصاد السوق، في الوقت الذي تطرح شعارات الاقتصاد الصغير والمتوسط، أو تدعي العلمانية في الوقت الذي تحاصر فيه المفكرين العقلانيين العلمانيين وتفسح في المجال واسعاً لرجال الدين والمؤسسة الدينية أن تمارس نشاطها بكل حرية.

عموماً هي تحمل أيضاً شعارات وأهداف ذات بعد وطني أو قومي أكبر من إمكانياتها التنظيمية والفكرية.. لذلك غالباً ما نجد بنيتها التنظيمية مهزومة ومنخورة بالفساد والخيانة لأهدافها من الداخل، وعاجزة عند الأزمات عن حماية نفسها هي بالذات، بل إن قسماً كبيراً جداً من بنيتها التنظيمية يتحول إلى تيار الثورات المضادة للحزب أو الدولة... إنها أحزاب ما بعد الحداثة.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور سورية.

 

 

عبد الجبار العبيديسَئلنا التاريخ فقلنا له: ان القصص القرآنية حدثتنا عن الخلل الكبير الذي حدث في موازين الحياة عند الشعوب في غابر الازمان؟ فهل ما يحدث اليوم هي الاحداث تأتي متشابهة في زمن مختلف؟ فيرد علينا قائلاً ان القصص القرآنية هي من الجزء المتغير من تراكم الاحداث الانسانية، وهي تجارب الشعوب التي سبقت الاديان السماوية واحداثها حصلت فعلا من جراء تجاوز الانسان على الحقوق في ذاك الزمان، وهي عضات وعِبرلمن يأتي بعده من بني الانسان.. لا يمكن تركها فهي تاريخهم المكتوب، لذا اعتبرها القرآن حقيقة لا مناص من الاعتراف بها، فقال عنها: "نحن نقص عليكم نبأهم بالحق،الكهف 13.. " أي كيف ما كانت وحدثت.. ويقول:" ان الحُكم الا لله يقصُ الحق وهو خير الفاصلين الانعام 57".أي هو الذي أوردها عنهم وليس هو منشئها حين وصفها بطابع العدل والحق كما يريدها.. لتكون عبرة لمن يأتي بعدها. ”

اذن فقد كان التعمد في الخطأ في مسار الفكر الانساني هو من صنع الانسان الأول حين تخلى عن القيم والمبادىء.. ولم يستجب لعدم ادراكه ما ارادته الطبيعة ان يعمل به وفق الصراط المستقيم التي أمرته ان لا يأكل حقوق الناس بالباطل،ولا يظلم احد، ولا يقتل احد دون فساد في الارض لانها تتنافي وموازين الحياة.. هذه ثوابت طبيعية جاءت بأقوال حدية يحرم على الانسان تجاوزها. أي هي.. "دائرة محرمة مغلقة "لذا.. فلفظة الحقوق الآلهية تعبرعن فكرة وتؤدي غرضا ابلاغيا لا يرد.. سماها القرآن لاحقاً بالقصص القرآنية.

رؤية جديدة تطرحها كتب السماء للبشرية ليتبصروا فيها ولأداء الحقوق بين الحاكم والمحكوم وبين الناس بعد ان مرت البشرية بعهود الظلام.. .نظرية آلهية جاءت لاحقة لخط تطور التاريخ.. فكيف لوتم الاعتداء عليها..؟.. أكيد يكون الانتقام ممن َظلم.. أشد وأمَر..

ثم جاءنا القرآن ليعرض علينا هذه القصص والتحذير مما حدث بأسلوب النُذر،وأسلوب الوحي للبشر:يقول الحق:" ان أنا الا نذيرُ مُبين،الشعراء 115.. فأنذرَهم بما جاء به الله فكذبوه فأغرقهم في البحر،يونس 73. وحين لم يتعضوا جاءهم بأسلوب الأيحاء بالنبوات ليقنعهم بترك الخطأ، يقول الحق: "انا أرسلنا نوحا الى قومه ان أنذر قومك.. فكذبوه فجاءت كلمة الغرق حقا وحقيقة لتكريس معنى العدالة المطلقة في التحقيق، التي رفض القرآن ان ينقذ حتى ابن نوح مع ابيه في السفينة لانه من غير الصالحين حين طلب نوح من ربه انقاذ ابنه من الغرق "هود 45".. فيرد الحق على نوح ان يدعه يغرق " لانه عمل غير صالح، هود 46".. وتكررت في عهد فرعون فأغرقه في البحر وجعله من المثبورين.. الانعام.. .102.. هنا تحققت نظرية العدل المطلق وانتهاء ظلم الانسان للأخرين.. فدخلت البشرية في منعطف جديد .

اذن.. كيف يجب ان نقرأ النص القرآني؟ نقرأ النص معتمدين على المعلومات التاريخية المتوفرة لدينا من الحفريات الاثارية المتشابهة مع النص المنسوب للمعرفة الانسانية بخط تطور التاريخ.. وحين نقرأ التاريخ القديم نشعر بشيء جديد لم نتعلمه من مناهجنا المدرسية، وهوان الفترة الزمنية السابقة للديانات النصية هيأت لنا موردا علميا قابلا لاستقبال الايحاء الديني بعد ان تشكلت اللغة المجردة في ابسط صورها حتى بدأت انسانية الانسان تأخذ شكل الانسان الحديث.. حيث بدأ خط تطور التاريخ.. حين بدأت بقصة نوح ومن بعده هود.فنوح هو اول الانباء المرسلين " يقول الحق:" انا أوحينا اليك كما أوحينا الى نوح والنبيين من بعده،النساء 163". ويقصد هنا الأيحاء الى محمد(ص).

ان خط سير التاريخ انصب كله على تحقيق العدالة بين الناس.. لذا جاءت نظرية العدل الانساني بصفتها المطلقية التي لا يجوز تجاوزها بالمطلق لأن بها تستقرامور الناس.. أي هي ثابتة لا تتغير ولا تتبدل بتدل الانسان والتاريخ سرمدية الأصل والبقاء معاً.. فالخارجون عليها ليس لديهم قابلية دخول الامتحان ثانية واجتيازه.. بل أصبحت مركونة لاصحاب نظرية الحق.. فهو ثابت لا يتغير ولا يتبدل.. لأن "الله قوله الحق، الانعام 73" وهي القوانين الناظمة للوجود كقوانين التطور نحو التغيير،وهو اللوح المحفوظ اي القانون الصارم للوجود والذي هو ليس مناط الدعاء مهما دعا اهل الارض والانبياء لتغييره لا يتغير وهو الذي تنطبق عليه كلمة القرآن حين يقول:" لا مبدل لكلماته الكهف 27".. وهو صالح لكل زمان ومكان.. فحذاري من الاعتداء عليه لانه مطلق في التطبيق.. وهذا ينفي نظرية فقهاء الدين التي تنسب لنفسها التغيير.. بالدعاء والتبريك..

اما قولهم: "لا يردالقضاء الا الدعاء" فهو أمر لا علاقة له بالنصوص الحدية.. وما هي الا احداث جزئية في ظواهر الطبيعة ولا غير.. كما في قوله تعالى:"اذا قضى الله أمرا فانما يقول له كن فيكون البقرة 117".. وهذ اليس له علاقة باللوح المحفوظ الحدي في التنفيذ.. وانما بالمتغير من احداث التاريخ.. ويبقى قولهم بالغيب والعصمة للانبياء والصالحين.. فهذا مردود عليهم بقوله تعالى:" تلك من أنباء الغيب نوحيها اليك ما كنت تعلمها لا انت ولا قومك من قبل.. .هود49".لذا ما تدعي به مرجعيات الدين من العلم ببصائر الامور والدعاء المُستجاب لهو فرية على الناس لا غير. .كما هي دعايتهم في ولاية الفقيه والمنتظر وغيرها كثير. واخير كما يقولون ان تبرئة المصاب بكورونا يكون بالدعاء والتقرب من الأولياء.. فهو وَهمُ كبير.

من يملك هذه الصفات الوهمية لا توضع فيه امانة الوطن ولا يستحقها الا المخلص لله والوطن.. وخاصة في هذا الزمن الرديء الذي اصبحت المنافع المادية تعلو على القيم والاخلاق والدين . فهل يستطيع من يملك زمام السلطة الظالمة ان يتصف بهذه الصفات وان يجابه كل عواصف التحديات والزمن..؟ لا اعتقد فقد ذهب عصرالأحرار.. وجاء عصر العبيد.. فعلينا الابتعاد عن آكلة المال الحرام.. فالطبيعة ترفض احلال الخلل فيها ثانية بعد ان حل الاصلاح.. بالأيمان ومعتقد القادر القدير .

هنا نرى ان الحكماء من اصحاب الحق، ادركوا كيفية نشوء المجتمعات وكيفية معرفتهم بأدارتها لأنهم كانوا كباراً في نظرتهم للعدل، وكيفية نقله للاجيال لتعيش فيها بأمن وامان وكيفية معرفة الحقوق.. اي بناء المجتمع ألانساني ألاكثر أمنا وأستقرارا وألاقدر على توفير اسباب الرخاء او ما يسمى اليوم بالسعادة للبشر فكانت الدساتير والقوانين.. من هنا بدأت المجتمعات المتقدمة برجالها الأفذاذ تدرك اسباب ربط الظواهر الحياتية - علماء العلم لا فقهاء الدين- حتى انتجت لنا نظريات متعددة ومتنوعة طالبتنا بمعرفة الاصح لاتباعها في التطبيق العملي لواقع الحياة الانسانية.. من لم يستطع ان يكون بهذه الصفات عليه ان يتخلى عن مسئولية الانسان والوطن وينزوي في زاوية الذل والمهانة كماهم اصحاب نظرية التغليس عن الحق من اتباع سلطة المظلومين في العراق وغيره.. .اليوم.

من هذه النظريات المتعددة هي النظرية الاجتماعية المبنية على نظرية الافكار الحديثة التي بواسطتها يستطيع المواطن ان يوقف الظلم ويرد السلطة عن هواها وهي ما نسميها بأرادة الامة.. "ثورة تشرين الوطنية في العراق مثالاً" البعيدة عن نظريات القوة والقداسة الوهمية والمتمسكة بنظرية القانون والعدالة الاجتماعية والحقوق.. هي نظرية ان يكون العدل فيها مكفولا ً بنص القانون والعرف الاخلاقي للجماعة الانسانية لا بقانون القوة، لا الذين كسبوا المعركة من اصحاب نظريات الحسب والنسب.. اما التقدم الذي كسبته الدول - الدولة الاسكندنافية مثلاً- لم يحدث الا بزيادة القبول للقيم المشجعة لهم على قبول مواصلة السير به.. من هنا نشأت نظرية فلسفة التقدم وتقريرها في الأذهان على اساس جديد للنظر الى التاريخ وأحوال البشر.

ومن هنا ايضاً قسم العلماء المجتمعات الى متحضرة لها قيمها الروحية الرفيعة في اساليبها المتطورة في مواجهة الحياة والطبيعة مثل المجتمع الياباني.. ومجتمعات غير متحضرة فهي التي لم تتجاوز الطور البدائي في قيمها الروحية واساليب حياتها العلمية والعملية والطبيعية والتي لم تفهم نظريات الحق والعدل المجتمعي.. وان ظهرت متحضرة في مظهرها الانساني كما عند غالبية دول المسلمين.. فالمظهر ليس كالجوهر.. وهي التي وقفت وتقف اليوم عاجزة عن مواجهة الصعاب والتحديات التي تواجهها.. لعدم قدرة انسانها على تجاوز هذا التحديات فقابلتها بنظرية التغليس والتبرير.. ولأن الباطل صار يتعايش معها،كما في المجتمعات العربية ويقف العراق الذي تنازل حكامه عن نظرية الحق وتطبيقاتها.. وتمسكوا بنظرية المظاهر الفارغة في المقدمة فقد ضاعت عندهم السيطرة على القانون وحقوق المواطنين.. وبقوا يعيشون في غرفهم المظلمة كالسجناء في زنزاتهم منفردين.

ان الذين استأثروا في الفيء،وأختيار الولاة على الهوى،وتعطيل الحدود بالشفاعة والقرابة من جنس جحد الأحكام المنصوصة والشرائع الحقة المعروفة والعفو عن المجرمين والسارقين والقتلة بالعفو العام والخاص ونسوا المعتقلين والمغيبين بدون وجه حق.. باختراق الدستور،والسنن المنصوبة،خرجوا عن مفهوم العدالة واجماع الامة فلا يستحقون حكمها حين تحولوا من نظرية الصدق الى الكذب والأفتراء،وما علموا ان ليس هناك أحسن وأفضل من الصدق.. ولو كانوا كذلك لصدقوا ما كانوا به يدعون،ولوضعوا دستور يضمن حقوق كل الناس دون تفضيل نظريا وتطبيقاً،ليحدود سلطة الدولة عن حقوق الناس ولعاشوا محترمين في ظل القانون.. هذا التوجه فقده بعض الحكام العرب والمسلمين من زمن رغم اننا ورثناه من التراث.. والذي نادى "بالحرية والاخاء والمساواة قبل الثورة الفرنسية التي قامت عام 1789 بعهود" .

ولربما الاحساس بالعدل بدأ يظهر اليوم في بعض من ابتعدوا عنه، عندما بدأوا يحسون بالندم القاتل كما في موفق الربيعي مثلاً.. .وتحضرني كلمة قالها حيدر العبادي الفاشل سياسياً نكتبها بتصرف: "ان من يحكمون اليوم تعودوا على حياة مترفة لا يستطيعون التنازل عنها بعد.. " كارثة اخلاقية هذا الذي تفوه به العبادي أبن الأصول الذي مسخ تاريخه بقصد.. وهذا لا يحقق دولة مواطن بل دولة لصوص.. ان الذي يجب ان يتحقق هو بأختيار الامة لحاكمها وتحديد مسئوليته في الرقابة المالية ومدة خلافته وسلطته الأخلاقية كي لا يتجاوز نظرية الحق والقانون.. هنا كان مقتل تاريخ قادة حزب الدعوة وعلى رأسهم المالكي للقيم والقانون عندما اسـتأثر بالسلطة تجاوزا على الوطن والمواطن تساعده نظرية القوة التي سخرتها له المحكمة الاتحادية تجاوزا على الحق والقانون في سنة 2014 عندما أغتصب السلطة من مستحقيها مستندا الى قوة الطائفة والحزب لا بنظرية حكم القانون.. "أخذناها وبعد ما ننطيها" وكأنها كانت ملكا له وللوارثين.. فهل قالها قبله محمد (ص) صاحب الدعوة والحق الكبير؟ والقرآن يخاطب محمد(ص): "لو كنت فظاً غليظ القلب لأنفضوا من حولك،آل عمران 159".. فكيف يتجاسر على قولها ظالم عنيد..؟ هذا هو تفكير الظلم.. الذي صرفته الدنيا عن التفكير بالحق.. وليس في الدنيا أخطر من العيش بدون تفكير.. فالعبرة بالحقائق الواقعة الى جانب المبادىء المعلنة .

هذا التوجه الفلسفي الصائب هو الذي احدث انقلابا في الفكر الجديد المعتمد على تقدم التعليم المقونن بالقانون.. من هنا بدأت نظريات ارسطو تنكمش وتضمحل تجاه العلم الجديد بعد ان كان المنطق الارسطوطاليسي هو المعتمد في التغيير.. من هنا اقول وبقوة ان البحث والتجربة والمنهج التعليمي الجديد الخالي من التوجهات المثيولوجية العقيمة هي التي اوصلت الانسان الى العلم الصحيح.. فبدأ العلم يحمي العقل البشري من الشكوك التي زرعها الفكر الديني الذي لا يؤمن بالصيرورة الزمنية في رأس الانسان فأوقف بنصه الجامد اللا متحرك عقل الانسان وتفكيره بعد ان ابعده عن الفكر الروحي الذي ظن به ان الانصراف عنه الى دراسة العلم العقلي انما هو مضيعة للوقت وصرف الانسان عن عبادة الله.. وكانهم هم وكلاء الله في الارض والقرآن يقول: "لكم دينكم ولي دين"، هنا كان ولا زال مقتلنا في امة العرب والمسلمين.. وهذا ينطبق على حال الوطن العراقي اليوم حين اصبحت سلطة الدين توجه العلم والتعليم والقانون.. والعكس صحيح.

ومالم يعمل علماء المناهج العربية التعليمية على الربط بين العقل والتفكير بطريقة منطقية عقلية واحترام القانون.. سنبقى مستسلمين للافكار غير العملية التي تقودنا الى التوقف دون حراك.. اي ان الصيرورة الزمنية ستتوقف عندنا كما احدثها اصحاب المذاهب الدينية التي تركتنا عظاما نخرة لا نقوى على الحراك وطرحت علينا مقولات لايقبلها العقل.. "73 سبعين فرقة في النار الا واحدة"من يقبل هذا المنطق وله عقل ودين..؟.. .نعم علينا وخاصة الطبقة المثقفة التي تدعو للاصلاح الى نقل مركز الثقل في العلم من الخيال الى الواقع ومن النظري الى العملي وخاصة في بناء المنهج الدراسي العلمي الصحيح.. لنحدث التفكير الانساني في روح الامة ومضونها الحضاري منذ الصغر.

فاذا ما توصلنا الى قناعة المنطق بموجب هذه النظرية.. سيكون الجزاء على قدرالمواهب والجهد المبذول ومستوى ذلك الجهد في الدقة وعدمها ونصيب العلم والخبرة في العمل،وان تكون للانسان العراقي حرية التصرف والتعاقد ليكون له الحق في الامان على النفس والمال،وان يكون هذا الحق مكفولاً بنص القانون والعرف الاخلاقي للأمة.. بعدها سنكسب المعركة في النهاية بالقيادة المخلصة للوطن والتي تراعي شروط ما يفرضه الوطن على الانسان وليس الأعتماد على الأخرين "ما حك جلدك مثل ظفرك".. بسلطان الضمير بعد ان تحترم الحقيقة او بعضها وليس بالذين خانوا الامانة واصبحوا في مذمة الانسان والتاريخ....

لنعمل على ايقاف نظرية الخطأ والتخلف التي ينفذها الحاكم في الوطن بمساعدة رجال الدين السفسطائيين اليوم وذلك.. بتطبيق نظرية الضد النوعي لنهزمه دون متاعب وعراقيل..

هذه المهمة الوطنية الصعبة موكولة دائماً الى الكتاب الحقيقيين الذين تخلقهم العواصف والتحديات.. لمواقفهم الشجاعة من حقوق الاوطان والانسان.. وان يكن صوتهم خافتاً في البداية.. لكنه.. يمكن ان يوقظ أمة.. بكاملها في النهاية.. نأمل ان يكون الرهان على المخلصين ناجحاً..

هؤلاء.. هم الخيار.. المقدم.. للأمتحان الصعب.. وأجتيازه في النهاية.. بنجاح المخلصين..

 

د. عبد الجبار العبيدي