عبد الجبار الرفاعي

عمليةُ بناءِ الإنسان هي البدايةُ الحقيقيةُ لكلِّ عمليةِ بناءٍ خلّاقة، وما تنشدُه أيةُ تنميةٍ شاملة. رأسُ المالِ البشري هو ما يتكفلُ بناءَ دولة مواطنة حديثة. رأسُ المالِ البشري أثمنُ من كلِّ رأسمال، فمهما امتلكنا من بترولٍ وغيره من مصادر الثروة المادية لن نتفوقَ على من يمتلكُ رأسَ المالِ البشري. الإنسانُ أثمن من كلِّ شيءٍ، لا شيءَ يفوقُ الإنسانَ في قيمته في عالَمنا الذي نعيشُ فيه. الاستثمارُ في الإنسان أهمُ من كلِّ استثمار. تخلفُ البلدان ينشأُ من الفشل في بناء الإنسان، وادمانِ الكسل. اليابانُ مثلًا تفتقرُ للموارد الطبيعية، لكنها بارعةٌ في بناء الإنسان، تقدّمت اليابانُ بسبب تفوق انسانها بتكوينه التربوي والقيمي والتعليمي، وتراكم خبراته المهنية، ومثابرتِه على العمل، وارتفاعِ معدل إِنْتاجيَّته كمًا وكيفًا. سنغافوة أيضًا تفتقر للثروات المادية، لكنها تفوقت على غيرها من البلدان، وقفزت لمعدلات باهرة في التنمية، بسبب أنها وضعت تكوين رأس المال البشري أولويةً في برامجها للتنمية، واعتمدت في ذلك على مكاسب العلوم والمعارف الحديثة، وما أنجزه العقلُ والخبرة البشرية من مكاسبَ مهمة في التربية والتعليم.

التربيةُ والتعليم وبناءُ القيم وترسيخها هي حجرُ الزاوية في كل عملية تنمية خلّاقة، النجاحُ فيها علامةُ كلِّ نجاح، والاخفاقُ فيها علامةُ كلِّ اخفاق. تتشكلُ معادلةُ التربيةِ والتعليم من ثلاثة عناصر، هي: المعلّم، التلميذ، المقرر الدراسي. ولا تنجز هذه المعادلةُ وعودَها ولا يمكن قطف ثمارها من دون اعادة بناء متوازية لكل عناصرها، وان أيَّ اختلال في أحد عناصر هذا المثلث يفضي إلى اختلال كل المعادلة. التربيةُ والتعليم وبناءُ القيم هي مأزق التنمية في أوطاننا، ذلك هو السببُ العميق لكلِّ فشل واخفاق في أية عملية للتنمية الشاملة.

الأميةُ الثقافيةُ والأكاديميةُ

تتفشى الأميةُ الثقافيةُ والأكاديميةُ بين أعضاء هيئات التدريس في الجامعات العربية بشكل مخيف، فقلّما ترى من يلاحق ما هو جديدٌ في تخصّصه الأكاديمي، وأقل منه من يهتم بمواكبة الإنتاج الفكري بالعربية فضلًا عن غيرِها من اللغات، أو يتعرّف على الأعمال الجادّة في مختلف الحقول.

منصاتُ التواصل الحديثة وتطبيقاتُها المتعدّدةُ والمتنوعةُ تجاوزت دورَ الكتاب التقليدي في التربية والتعليم والتكوين المعرفي، وتغلّبت على مركزيته في البناء الثقافي. غير أن كثيرًا من التدريسيين من الجيل القديم لا يحضر على منصات التواصل الحديثة، ولا يعرف شيئًا عن معظم تطبيقاتها، وإن حضرَ لا يتخطّى حضورُه الإسهامَ في العلاقات العامة والمناسبات الاجتماعية، ونادرًا ما نعثر على مشاركات نوعية لتدريسيين تعكس ثقافتَهم وتكوينَهم الأكاديمي.

كما يجهل أغلبُ التدريسيين من الجيل القديم الابتكاراتِ المدهشة للذكاء الاصطناعي، وما يعدُ به من مكاسب عظمى، تتغيرُ بتأثيرها أنماطُ العمل والانتاج والتسويق، وتختفي مهنٌ مختلفة وتحل محلها مهنٌ بديلة، ويحدث تحولٌ نوعي في وسائل تلقي العلوم والمعارف والثقافة، وتتبدل طرائقُ التدريس ووسائلُ وأساليبُ التعليم، ويطال التغييرُ مختلف مجالات الحياة، فـ "عندما نتحدث عن حضور الذكاء الاصطناعي في حياتنا اليوميّة، فنحن عمليًّا نتحدث عن كل شيء. يشمل ذلك ظهور كومبيوتر قادر على قراءة وثائق مكتوبة بخط اليد، وروبوت يُجري بنفسه عمليات جراحيّة معقدّة وبصورة مستقلة عن التدخّل البشري، وصُنع قاعدة بيانات مكثّفة تتضمن الصفات والسلوكيّات والسجايا الشخصيّة لكل فرد منا، استنادًا إلى كل ما نقرأه أو نكتبه على الإنترنت... ومع التعمّق في تحسين أداء الذكاء الاصطناعي، ينكشف أمام أعيننا أنه لن يكتفي بمجرد الحلول بدلًا من البشر، بل يستطيع التفكيرَ بطرق يعجز الإنسان عنها. ثمة خوارزميات متطوّرة تستطيع التعامل مع كميّات هائلة من المعلومات، وتتوصّل إلى استنتاج الأنماط الموجودة فيها، ما يجعلها (= الخوارزميات) على أهبة الاستعداد لتغيير المجتمع"[2].

الذكاءُ الصناعي معنى جديد لرأسِ المالِ يختلفُ عن المعنى الكلاسيكي لرأسِ المالِ، إنه أثمنُ ثروةٍ يمتلكها الإنسانُ في عالَمنا اليوم، مَنْ يمتلكها يمتلكُ حاضرَ العالَم ويتمكن من التحكم بمصائره، ومَنْ يفتقدها يفتقدُ القدرةَ على الحضور في العالَم، مثلما يفتقدُ القدرةَ على التحكم بمصائره. مهما كانت قيمةُ الثرواتِ المادية فإنها لا تساوي القيمةَ الحقيقيةَ للذكاءِ الصناعي، وما يمكن أن ينتجَه من سلعٍ وخدماتٍ ومعطياتٍ معرفيةٍ وماديةٍ متنوعةٍ في مجالاتِ الحياة البشرية المختلفة.

إن الأميةَ بأجلى تمظهراتها اليوم تعني الجهلَ بالذكاء الاصطناعي وما ينجزه اليوم ويعد به غدًا، والجهلَ بتوظيفِ منصات التواصل وتطبيقاتها المتنوعة، والعجز عن الإفادةِ من ذلك في التكوين المعرفي والثقافي، وعدم استثماره في التنمية العلمية والأكاديمية، والغفلة عن أن مصادرَ المعرفة وطرائقَ تلقيها لم تعد كما كانت أمس، ولا أساليب التعليم هي ذاتها. منصاتُ التواصل وتطبيقاتها المتنوعة كسرت احتكارَ الكتاب الورقي، وكلَّ الطرق التقليدية للتكوين المعرفي والثقافي، وتغلبت على وسائل تداولها ونشرها المتعارفة، بل أضحت موازيةً لعملية التكوين الأكاديمي في الجامعات المتوارثة منذ ما يزيد على تسعة قرون[3]، وأراها ستتفوق عليها بعد مدة ليست بعيدة.

ابتكر الذكاءُ الاصطناعي ومنصاتُ التواصل وتطبيقاتُها المتنوعة طرائقَ تدريس بديلةً تعبّر عن هوية عالَمها الوجودية، فصارت من خلالها أدقُّ المباحث وأشدُّها تعقيدًا واضحةً تُفهَم بيسر وسهولة، بأساليب بصرية وسمعية ليست رتيبة أو مملة. أزاحت الأساليبُ الجديدةُ طرائقَ تدريس ميكانيكية توارثتها عدةُ أجيال، وأقعدت معلمين متمرسين فيها عن مهنتهم، لأنها لم تعد مستساغةً للجيل الجديد.

من يحرص على التكوين المعرفي والثقافي واللغوي المستمر في أيّ مجال يرغب، يمكنه الظفرُ بمعلمين محترفين متطوعين في مختلف العلوم والمعارف واللغات، ولمختلف المستويات. فمثلًا لا يحتاج من يريد تعلّمَ لغة أخرى إلى حضور منتظم في المعاهد المعروفة لتعليم اللغات، لأن بإمكانه العودةَ إلى مواقع متخصّصة في اليوتيوب وغيرِه، تقدّم له تعليمًا ممتازًا مجانيًا وهو في بيته، ومن دون أن يتحمّل عناءَ الذهاب إلى مكان آخر، وبلا أن ينفق شيئًا من ماله، ويبدّد وقتَه.

لقد بلغ حجمُ الكمية المتدفّقة من البيانات، في مختلف العلوم والمعارف والفنون والآداب، حدًا يفوق قدرةَ الإنسان على مواكبته فضلًا عن استيعابه، لذلك لايستطيع المتخصّصون أو الهواة الاطلاعَ إلا على مساحةٍ محدودةٍ جدًا منه. إذ "ستتجاوز كمية البيانات الرقمية المنتجة خلال السنوات الثماني المقبلة 40 زيتا بايت، وهو ما يعادل 5200 جيجا بايت من البيانات لكلّ رجل وامرأة وطفل على وجه الأرض. ولوضع الأمور في نصابها 40 زيتا بايت هو 40 تريليون جيجابايت. وتشير التقديرات إلى أن هذه الكمية تبلغ 57 ضعفَ عدد كل حبات الرمال على جميع الشواطئ على وجه الأرض. ومن المتوقّع أن تتضاعف جميع البيانات كلّ عامين حتى عام 2020م"[4].

النمطُ الجديدُ للحياة أضحى فيه الإنسانُ في صيرورة أبدية، لا تكفّ عن التحوّل، ولا تتوانى عن العبور، ولا تتوقف في محطة إلّا لتلتقط أنفاسَها فتواصل الرحيل. لم يعد الإنسانُ كما عرفته أكثرُ الفلسفات القديمة؛ كائنًا عاقلًا يلبث حيث هو، لا يكون جزءًا من شيء أو يكون جزءًا لشيء، بل صار الإنسانُ في المفهوم الحديث كأنه جزءٌ من كلّ، هو محصّلةٌ لما حوله، أي إنه في "حالة المابين"، كأن الإنسانَ مسافرٌ أبدي، لا ينفكّ عن الترحال، لا يمكث بمحلٍّ إلّا ليغادرَه الى محلٍّ غيره، تبعًا لنمطِ الوجود السيّار المتحرّك لكلّ ما هو حوله، فكلّ ما حوله يسير به، ويسير معه. إنسانُ اليوم كائنٌ سندبادي، يتلقّي مختلفَ الثقافات في الآنِ نفسِه، من دون أن يغادرَ موطنَه. إنه يعيش جغرافيا جديدة، تضاريسُها هلاميةٌ، حدودُها واهيةٌ، أمكنتُها متداخلةٌ، ثقافتُها ملوّنةٌ، هويتُها تركيبيةٌ. شكلُ حياته هو الأشدُّ غرابة منذ فجر التاريخ[5].

أسبابٌ ونتائج

الأميةُ الثقافية والأكاديمية ليست خاصةً بكثيرٍ من التدريسيين في الجامعات العربية، بل إنها تغطي أكثرَ الجامعات التي أعرفها في المحيط الإقليمي خارج فضاء التعليم العالي العربي، كما تشير بعضُ البيانات والتقييمات في جامعات شرقية وغربية إلى أنها تعاني الأزمةَ نفسَها. ويعود ذلك إلى فقدان الرؤية الاستراتيجية لبناء التربية والتعليم والثقافة، والافتقار للارادة الحازمة لتنفيذها، حتى إن كانت موجودةً في بعض البلدان فإنها غيرُ صبورةٍ وهشةٍ، وعدم الحماس لذلك لدى القيادات، وعدمِ توفر الخبراء المؤهلين تأهيلًا جادًا لانجازها، وضعف البنية التحتية المادية والتكنولوجية اللازمة لولادتها.

نحاول هنا أن نتعرفَ على أسس العملية التعليمية، والكيفيةِ التي يتوالدُ فيها اغترابُ الأستاذ عن التلميذ، واغترابُ التلميذ عن الأستاذ، وأثر ذلك على التكوين الأكاديمي، وما ينتهي إليه هذا الاغتراب من أميةٍ معرفية وثقافية، ونوجزها بالآتي:

1- إن زمانَ التلميذ يختلف عن زمانِ الأستاذ، وأعنى الزمانَ بمعناه التربوي والتعليمي والثقافي.كلُّ زمانٍ مشتقٌّ من نمطِ وجودٍ يختلف عن زمانٍ مشتقٍّ من نمطِ وجودٍ آخر. نمطُ وجودِ التلميذ في العالَم هو راهنُ العالَم، ونمطُ وجودِ كثيرٍ من الأساتذة في العالَم هو ماضي العالَم. أغلبُ الأساتذةِ يعيشون اغترابًا عن حاضرهم، فينحازون بثقةٍ مفرطة للماضي، وكأن ذلك الماضي على صواب أبدي. القليلُ من الأساتذة من جيل الآباء استطاعَ حضورَ راهن العالَم، ومواكبةَ الذكاء الاصطناعي وما تقدّمه له منصاتُ الاتصال وتطبيقاتُها المتنوعة من جديد العلوم والمعارف والثقافة كل يوم.

2- كلُّ نمطِ وجودٍ يفرض نظامَه التربوي والتعليمي والثقافي المشتقَّ منه والمتناغمَ معه، وذلك النظامُ يفكّر بمنطقِ عقلانيةِ نمطِ ذلك الوجود، ويتعاطى تقاليدَه الثقافية، ويعتمد نظامَ قيمه، ويتحدّث لغتَه المتفرّدة. الجيلُ الجديد من الشباب اكتشف ذاتَه الفردية مبكرًا، وادرك أن نسيانَ الذات ضربٌ من الضياع في أوهام لا تنتمي للواقع، وذلك ما كرّس النزعةَ الفرديةَ في وعيِه وشعورِه وشخصيتِه، فأصبح عصيًا على استعبادِ الأصنام بمختلف صورها. لذلك يخفقُ التعليمُ اليومَ عندما ينشد إنتاجَ كائناتٍ بشرية متماثلة،كأنها آلاتٌ مادية تتشابه بكلِّ شيء، وتُلغى فيها فرادةُ الشخص البشري واختلافاتُه الذاتية عن كلِّ أحدٍ في الأرض، تلك الاختلافاتُ الذاتية التي هي منجمُ الإبداعِ والقدرةِ الفذة على الخلقِ والابتكار[6].

3- النظامُ التعليمي الذي يعبّر عن المتطلبات التعليمية للتلميذ غيرُ النظام التعليمي الذي يعرفه الأستاذُ ويتعلّمه التلميذ،كلٌّ منهما يفكّر بمنطق عقلانية العالَم الذي ينتمي إليه، ويتعاطى تقاليدَه الثقافية، ويعتمد نظامَ قيمه، ويتحدّث لغتَه الخاصة. اللغةُ ليست أداةً محايدة، اللغةُ تنتمي إلى منطقِ عقلانية العصر وثقافته، وذلك يعني أن الأستاذَ يفتقر لمعرفة لغة التلميذ، والتلميذ يفتقر لمعرفة لغة الأستاذ، فيكون الحوارُ بينهما بمثابة حوار الطرشان.

4- العمليةُ التعليمية عمليةٌ ديالكتيكية وليست ميكانيكية، التلميذُ فيها يُعلِّم الأستاذَ، مثلما يُعلِّم الأستاذُ التلميذَ،كلٌّ منهما مُلهِم للآخر، ومكوّنٌ لعقله، ومولِّدٌ لوعيه، ومحفزٌ لذهنه بطرح الأسئلة وابتكار الأجوبة.

5- عندما تكون العمليةُ التعليمية ميكانيكيةً تكفُّ عن أن تكون تعليمية، وتفشل في أن تظل مُلهِمةً للتلميذ والأستاذ، وتضمحل فاعليةُ الأثر والتأثير المتبادَل فيها، وغالبًا ما يصاب ذهنُ كلٍّ من المعلم والتلميذ بالوهن، ويشعران بالملل والإحباط، الذي ربما ينتهي لدى البعض لشعور بالقرف وحتى الغثيان.

6- تكرارُ الأستاذ المملُّ لكلامٍ لا يفقه أسرارَ اللغة التي ينجذب إليها التلميذُ، ولا يدرك طبيعةَ انفعالاته ومشاعره، لا يمكن أن يمنح التلميذَ علمًا ومعرفة ووعيًا بالعالم الذي يعيش فيه، ولن يؤثر في تكوين أسئلته ومتخيّله وأحلامه وهمومه المعرفية، ولا صلةَ له ببناءِ منظومةِ قيمه، وتقاليدِه الثقافية. وينتهي ذلك إلى أن يتعاطى كلٌّ من التلميذ والأستاذ مع العملية التعلمية بوصفها فرضًا، كلٌّ منهما ملزَمٌ بتأديته على شاكلته، الأستاذُ تلزمه ضروراتٌ معيشية، والتلميذُ تلزمه ضروراتٌ يفرضها تقليدٌ مكرَّسٌ لتعليمه، بغضّ النظر عن ثمراته ومآلاته.

7- الجيلُ الجديدُ يتلقى المعرفةَ والثقافةَ والقيمَ من وسائلِ الاتصال وتطبيقاتِها الكثيرة، وما تقدّمه مجانًا من موضوعاتٍ متجدّدة فاتنة جذابة، متنوعةٍ بتنوّع مراحل العمر، ومتناغمةٍ مع مختلف مستويات الإدراك والفهم والاستيعاب. تتنوع الموادُ التي تنتجها وتسوقها وسائلُ الاتصال لكلِّ مرحلةٍ عمرية حسب مستوى إدراكها وتذوقها. سما بنت ابني ابراهيم، بعمر سنتين، تمضي ساعاتٍ طويلةً كلَّ يوم تشاهد أفلامّا مخصّصةً لمرحلتها العمرية، يبثها اليوتيوب، ولفرط تذوقها لها وتفاعلها معها، تصرخ فزعةً لحظةَ يمنعها أحدُ الأبوين طالبًا منها الكفَّ عن إدمان ذلك.

8- مأزقُ أعضاء هيئة التدريس أنهم يعيشون في عالَم جديد لا يشبه عالَمَهم أمس، عالَمٌ يمضي بسرعةٍ فائقةٍ إلى الأمام، لذلك ينسى هذا العالَمُ من لم يتكيَّف معه، بل سرعان ما يمسي حضورَه عبئًا عليه فيحذفه. أكثرُ الأساتذة عجزوا عن التكيّف مع هذا العالَم، لأنهم يفتقرون للوعي العميق به، فيعجزون عن الاستجابةِ لمتطلباته ووسائله ورموزه ولغته. وأغلبُهم لا يمتلك إرادةَ التمرّد على ماضٍ شديدِ الحضورِ في أذهانهم، والسطوةِ على مشاعرهم، ولأنه مكوّنٌ عميقٌ للاوعيهم، مازال عالقًا فيهم ومازالوا عالقين فيه. إن إيقاعَ التحولات أسرعُ من استجابة النظام التعليمي لاحتياجات الأبناء، ذلك أن وتيرةَ التبدّل في كيفية عمل الذهن أسرعُ من القدرة على مواكبتِه والانتقالِ بما يستجيب له ويتناغم معه في أنظمة التربية والتعليم، من هنا ستتسع الفجوةُ بالتدريج بين هذه الأنظمة وطبيعةِ احتياجات الجيل الجديد، التي قد يعجز عن تلبيتها حتى النظامُ التعليمي في البلدان المتقدمة[7].

وكما تتطلب كلُّ الأجهزة التي تعمل على وفق أنظمة الذكاء الصناعي تحديثًا مستمرًا يرتقي بكفاءة ادائها، كذلك هو النظام التعليمي، فما لم يتم تحديثُه تنتهي صلاحيتُه ويخرج من التداول.

9- لا غرابةَ ألا يحرص أعضاءُ هيئة التدريس على التكوين المعرفي والثقافي المستمر في عالَم لا يشبههم، وأكثرُهم فشلوا في التكيّف معه. ذلك أن طرائقَ ووسائلَ وأداواتِ التكوين المعرفي والثقافي في العالَم الجديد تختلف عن تلك التي عرفوها وتمرّسوا بها وأدمنوا عليها أمس حتى صارت مكوّنًا لهويتهم المعرفية، لذلك نجد أكثرَهم يفتقدون أيَّ حافزٍ لامتلاك ما هو جديد.

10- يُصاب الأستاذُ بالملل عندما تنضب منابعُ الإلهام لديه، ويفتقر للطاقة المُلهِمة للاستجابة الفاعلة، فيفتقد الحوافزَ العميقةَ للتكوين المعرفي والثقافي المستمر ولتعلم ما هو جديد، وربما يُصاب الأستاذ بالقرف وهو يكرّر كلامًا لا ينتج علمًا لدى المتلقي ولا يكوّن معرفةً، ولا يؤثّر في بناء وعي التلميذ ومتخيّله وأحلامه وهمومه المعرفية.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

..............................

1- كتبت هذه المقالة جوابًا لسؤال وجهه لي الصديق الدكتورعلي أسعد وطفة "أستاذ علم الاجتماع التربوي في كلية التربية بجامعة الكويت حاليًا وجامعة دمشق سابقًا"، الذي يعد بحثًا ميدانيًا عن الأمية الأكاديمية في الجامعات العربية. [1]

2- المطيري، غادة، "الذكاء الاصطناعي"، اندبندت عربية 11 يونيو 2019.[2]

3- تأسست جامعة بوبونيا في ايطاليا سنة 1088م، ويقال انها أول جامعة للتعليم العالي في الغرب، ومازالت مفتوحة إلى اليوم. وتأسست جامعة أوكسفورد في بريطانيا سنة 1167م ومازالت مفتوحة إلى اليوم.[3]

4- البيانات الضخمة.. خصائصها وفرصها وقوتها، الفيصل العلمية، الصادرة بتاريخ 28-11-2017.  أحمد، د. أبو بكر سلطان،[4]

5- الرفاعي، د. عبدالجبار، "الدين والاغتراب الميتافيزيقي"، بيروت، مركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، ودار التنوير، الطبعة الثانية، 2019، ص 65.[5]

6- الرفاعي، د. عبدالجبار، "ثناء على الجيل الجديد"، مقالة منشورة في صحيفة ثقافات الألكترونية 30-1-2018.[6]

7- المصدر السابق.[7]

 

 

الحسين اخدوشتفرض بعض الوقائع الثقافية والدينية في سياق مجتمعاتنا الإسلامية معاودة طرح السؤال: لماذا أصبح الديني يحفّز على انتشار العنف والكراهية؟

نطرح هذا السؤال لأنّ التشدّد غدا لدى البعض نهجا في النظر والسلوك معا. والواقع أنّ تصورا من هذا القبيل لا يعمل سوى على جعل الدين في أفق العنف والنزاع (تشجيع الصراع الديني وتأجيجه)، بدلا من الدفع بالفهم المتسامح لأن يصبح في أفق الحوار والتفاهم والتعايش بين الناس، إيمانا بقدسية الحياة والحب الإنسانية. ولقد برز هذا المشكل فيما ينعت بالحروب الدينية والطائفية في سواء في التاريخ القديم أو حتى في الزمن الراهن. وقد أفضت العديد من النزاعات السياسية والجيوــــ استراتيجية إلى هذه الظاهرة: "العنف الديني". غير أنّه لئن كان بعض المحلّلين يربطون مختلف أشكال الحروب الدائرة في الدول العربية والإسلامية بانتشار ظاهرة التطرف الديني (Le fanatisme religieux)، إلاّ أنّ بعضها يغالي في ربط العلاقة السببية بين انتشار العنف وتمدّده والمعطى الديني. فهل، فعلا، يبرّر الديني كلّ هذا العنف المؤجّج في عصرنا الراهن؟ وقبل الشروع في الجواب عن التساؤل السابق، نقترح تحديد بعض المفاهيم المرتبطة بتحليل ظاهرة العنف باسم الديني (العنف، التطرف، العنف الديني..) فما معنى العنف؟ وماذا يعني التطرّف الديني؟ وهل يشجّع التطرّف الديني على ممارسة العنف وانتشاره؟

يكشف العنف في بعده الغريزي عن طابع العدوانية المتأصّلة في الإنسان؛ إذ غالبا ما يستمتع الكائن البشري بممارسة العدوان على غيره. لكن أن يتحوّل سلوك هذا الكائن إلى ثقافة رائجة بين بني جنسه وفي تمثّله للعالم من حوله، وعبر العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية التي تحكم وجود الناس؛ فذلك ما يجعل سلوك العنف ظاهرة خطيرة وبأبعاد عميقة غير محسوبة العواقب. لكن لماذا يكشف العنف البشري عن كلّ هذه الخطورة في مملكة الطبيعة؟

الظاهر أنّ الدوافع الطبيعية القابعة بداخلنا، والمتمثّلة في غرائزنا الحيوية، هي ما يدفعنا إلى إنتاج السلوك العدائي تجاه الآخرين من بني جنسنا. لكن، هل الغرائز وحدها ما يبرّر الحجم الكبير للعنف الموجود في تاريخنا البشري؟ الواقع أنّه متى أضيفت إلى الدوافع الطبيعية كل تلك التمثّلات الاجتماعية (Les stéréotypes sociaux)، وكذا مختلف الصور النمطية الموجودة لدى البشر عن أنفوسهم وعن غيرهم، التي تعمل على صياغة أفكارهم حول ذواتهم وغيرهن وكذا العالم من حولهم؛ فإنّ كلّ ذلك ما يفضي إلى المزيد من إنتاج العنف وممارسته بمبرّرات وأسباب مختلفة: الدين، السياسة، الاقتصاد، الخ.

للعنف، إذاً، مصادر أخرى مختلفة غير الغريزة،[1] خاصّة الثقافة والمعتقدات الدينية ومختلف الأيديولوجيات السياسية والاجتماعية، وهي التي يمكن أن تكون عنصر تأجيجه أكثرة في مجتمعات مختلّة ومفكّكة كالتي نعيش فيها الآن. وقد تبيّن من تاريخ النوع البشري أنّ العنصر الثقافي - الاجتماعي هو ما يشكّل المصدر غير الطبيعي لظاهرة العنف البشري. لذا، لو صرفنا النظر عن البعد الغريزي للعنف المشترك مع الحيوان، لوجدنا أنّ الأسباب الثقافية والعوامل الاجتماعية هي أكثرها إنتاجا للعنف ومساعدة عليه. أمّا إذا عمّقنا البحث أكثر في كيفية مساهمة العنصر الثقافي للعنف، فلسوف نجد أنّ السبب الرمزي والديني على رأس العوامل المؤجّجة للظاهرة، نظرا لخصوصيتها اللاشعورية وطابعها الرمزي والقدسي الذي عادة ما يلتصق بممارسته في حضن الجماعات الإنسانية. فالعنصر الثقافي، في مختلف أبعاده، يعدّ سببا مهمّا لتحليل سلوك العنف وبخاصة منه ما يتصل بالمشروعية الرمزية والدينية لممارسته وتشريعه، بالنظر إلى الزّخم الرمزي والروحي الذي تضفيه هذه المشروعية الرمزية على تعنيف الآخرين المختلفين، واستباحة دمّهم وعرضهم باسم المقدّس والدين كما يحدث عادة عندما يتحكّم بهذه المشروعية ضعاف العقل وعوام الناس.[2]

الظاهر من ذلك أنّ العنف في إطاره الطبيعي يكون فرديا كلّما كان الإنسان في حال من الانفعال الشديد من مثل: وضعية الدفاع عن النفس، أو حين المنافسة الشديدة والكبرياء وكذا باقي الحالات الطبيعية للعدوان. تصبح خطورة العنف في مثل هذه الحالات محكومة بمحدودية مقدار القوّة التي يمتلكها الفرد. غير أنّه متى تحوّل وأصبح جماعيا، عند ذلك تعظم خطورته فتزداد حدّة، ويتحوّل ليكبر حجمه ويشتدّ ثم يصبح جماعيا وثقافيا مغلّفا بمختلفة أشكال المشروعية: السياسية، والدينية، والأيديولوجية، الخ.

تبرز المقارنة البسيطة بين الشكلين السابقين أنّ العنف الفردي محصور في الزمان والمكان، من حيث يرتبط بدوافع طبيعية فردية ذات نطاق أصغر يسهل تطويقها بالردع والقوانين. أمّا العنف الجماعي فغالبا ما يتخذ أبعادا كبيرة (حروب، إبادة جماعية، ثورات، احتلال، قمع جماعي، تمرّد جماعي، تجويع جماعي ..) يشمل تأثيرها عددا كبيرا من الأفراد، حيث يمارسه عدد كبير من الأفراد ويصبح ضحاياه جمهور غفير من الناس، وتفاقمه النعرة القبلية والعقلية الطائفية والفكرة الأيديولوجية والمصلحة السياسية والاقتصادية. وقد شهد تاريخ الإنسانية مختلف أنواع العنف: الفردي الطبيعي والجماعي والثقافي؛ غير أنّ أخطرها على الإطلاق، يتمثّل في العنف الممارس بدوافع أيديولوجية ودينية رمزية مقدّسة (الحروب الدينية والطائفية)، أو بدافع إرادة الهيمنة السياسية والمنافسة الاقتصادية (الحروب الكبرى بين الدول والإمبراطوريات). أمّا فيما يتصل بالعنف الديني الطائفي، فنودّ الإشارة إلى أنّ خطورة هذا النوع تكمن في كونه يتغذى على النزعة التكفيرية أو الطائفية القائمة على التبرير الرمزي ذي المشروعية المقدّسة واللاهوتية.

يكمن وجه خطورة العنف الديني في الحالات الجماعية والطائفية في فرز الناس إلى أخيار وشريرين، مؤمن وكافر، فئة ناجية وفئة ضالة.. الخ وهكذا، تصبح قطعة قماش متسخة أكرم من إنسان لمجرد أن هذه القطعة ترمز لمقدّس الجماعة ورمزها الديني. ينتقل العنف في وضعية كهذه ليصبح وقودا حقيقيا لانتهاك حقوق الإنسان وبشكل جماعي؛ فيشرّع لقتل الآخرين بدون رحمة، وذلك بعد الإفتاء بتكفيرهم، ويصادر حقهم في الحياة، ويرفض اختلافهم وعدم التسامح معهم.[3]

هكذا، تَعْدِم ممارسة العنف باسم بالديني إمكانية الحوار والتفاهم والتعايش السلمي كلّما أساء الأتباع فهم الدين، أو عندما يؤوّله المتطرّفون منهم في اتجاهات متنطّعة ومتزمّتة. لا يقف الدين فقط بأن يكون مبرّرا للممارسات العنيفة كلّما أحسّ أتباعه باضطهاد ما أو احتقار أو ازدراء معيّن من المعارضين أو المخالفين، بل أخطر من ذلك يسمح بتقديس العنف الذي يمكّنه من قهر من يناوئه من الرافضين له. يلبس العنف الديني هنا ثوب المقدّس باسم الإله المعبود، وتنتفي كلّ المحرّمات، ويتحوّل قتل الآخر إلى حرب مقدّسة يتقرّب من خلاها الناس إلى الإله، ويصبح الآخر مرتّدا، كافرا، مشركا وجب قتله وسبي غنائمه.[4]

يترك الحماس الديني في مثل هذه الحالات العنان للخيال والوجدان ليشتغل. تنقل العاطفة الدينية مُمَارس العنف من واقع الصراع، حول بعض المصالح الآنية والنزاعات الإقليمية بين الإرادات الجماعية، إلى بطل خيالي مجاهد يناصر الخير ضدّ الشرّ. هنا يتحوّل الصراع من مجرّد النزاع على المصالح إلى فكرة الصراع بين الخير والشّر، بالتالي شرعية إبادة الآخرين بأبشع الطرق ما أمكن، وذلك حتى يُظهر العنف الممارس باسم الديني قدرا كبيرا من سفك الدماء تطهيرا للعالم من شرّ هذا الآخر المخالف.

تعتبر الغزوات والمعارك الطائفية بين المجموعات الدينية، عبر التاريخ العام للبشرية، أبرز الأمثلة الشاهدة على العنف الناجم عن الحرب المقدّسة باسم الديني.[5] غالبا ما نجد أنصار الأديان والأساطير القديمة يخلّدون لتاريخهم بهذا النوع من المعارك الكبرى، وعادة ما تتحوّل في مخيّلة الأتباع وأنصار الطوائف إلى نموذج الصراع الأزلي بين الحقّ والباطل، الشّر والخير. توجد في الحروب القديمة أمثلة كثيرة تشهد على ذلك، فحروب الزعماء الدينيين وأباطرة الإمبراطوريات والحروب الصليبية وغزوات الأحبار والباباوات والقدّيسين والمجاهدين، تلك كلّها كانت حروبا دينية غلّفت بالمقدّس الديني لتشكّل لحظات فارقة في تاريخ الشعوب والأمم.

لقد جعل تبرير الحرب بالمقدّس الديني ممارسة العنف عملا مشروعا ومقبولا، بل واجبا على الإتباع القيام به في سبيل الشهادة الرمزية. لذلك، لا يجد بعض زعماء الحروب أيّ حرج في أن يستثمروا التبريرات الدينية لإشعال النزاعات والحروب، وجعل أكبر عدد ممكن من الناس ينخرطون فيها بحماس. يعتبر الدين بهذا المعنى وقودا فعّالا لتأجيج العنف والصراع، وهو بذلك يعدّ اخطر العناصر الثقافية تبريرا له. يلزم المؤمن الفطن، إذاً، أن يتحرى الحقيقة قدر الإمكان في ما إذا كان تديّنه عنصر تأجيج للعنف حتى يتفادى السقوط في براثن التطرف؛ بالتالي الابتعاد ما أمكن عن إقحام إيمانه الديني في الصراعات الظرفية التي تنشب بين الفينة والأخرى.

يُستشفّ من هذا الأمر أنّ تبرير العنف بالديني بالنهاية يجعل الإيمان في أفق الموت عوضا عن أن يكون أفقا للحياة.[6] والواقع أنّه مهما كانت أسباب النزاع والعنف، فإنّه ينبغي للديني أن يتعالى عليها، خاصة في الحالة الإسلامية المشوبة بالكثير من سوء الفهم.[7] لذلك، فكيفما كانت أسباب الصراع بين الإرادات الإنسانية، فإنّ إقحام العنصر الديني أو الطائفي المذهبي فيها يعدّ ضربًا من ضروب العبث مادام أنّ الأصل في الدين أن يكون رحمة للناس كافّة. وحاصل الكلام في هذا الأمر أنّ اللجوء إلى العنف باسم الديني يعدّ رذيلة أخلاقية من شأنها إيقاظ أخطر أشكال العنف بدائية المتمثّلة في الحروب المقدّسة وتمجيد القتل باسم المقدّسات والرموز الدينية. يشكّل هذا الأمر خطرا حقيقيا بالنسبة للمجتمعات المعاصرة المتسمة بالاختلاط نظرا لحساسية الشعور الديني فيها. يهدّد العنف باسم الديني أركان الاجتماع البشري بما من شأنه أن يفكّكه إلى طوائف وهويات مغلقة في تعارض واضح مع ما يمثّل صميم الديني نفسه: السماحة والحرية.[8]

 

الحسين أخدوش / باحث من المغرب

...........................

هوامش المقال:

[1] إن الإنسان بطبعه يستمتع بإظهار تفوقه على غيره ويتلذذ بفرض سلطانه على الآخرين وينتشي بتأكيد قوته على البشر. وقد تبنى توماس هوبز هذه الأطروحة في بداية العصر الحديث، وقد استند إلى هذه الفكرة عند تحليله للطبيعة البشرية بناء على تحليل الدوافع الطبيعية والأهواء التي تدفع البشر في حالة الطبيعة إلى الدخول في حالة حرب الكلّ ضد الكلّ، محمّلا هذه الدوافع الغريزية مسؤولية اللجوء إلى العنف لحسم الصراعات والمنافسات التي تنشب بين البشر باعتبارهم كائنات طبيعية محكومة بسلوك العدوان والعنف. أنظر بهذا الخصوص كتاب هوبز: اللفياتان، ترجمة ديانا حرب وبشرى صعب، الطبعة الأولى، هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، كلمة، سنة 2011. ص 131

[2] - لعلّ أهمّ النظريات السوسيولوجية والثقافية التي تربط العنف بالديني، نذكر نظرية رونييه جيرار التي ضمّنها في كتاب له بعنوان "العنف والمقدّس"، حيث يبسّط كيف يعمل المقدّس على صهر تناقضات الوجود البشري، مضفيا نوعا من المشروعية الروحية والرمزية على العنف، جاعلا منه أداة استرجاع السلام وانقاد البشر، وتارة عنصر التدمير المطلق لكلّ ما تم بنائه. والعنف بهذا الشكل كامن في تلك الرغبة الطبيعية في التدمير التي تخترق حياة الإنسان، وما الدين سوى تلبيس هذه الرغبة أقنعة رمزية للاعتراف به وتبريره تبريرا رمزيا غير مشعور. إنّ الإنسان غير بريء في طبيعته البشرية من ظاهرة العنف، هذه هي الخلاصة التي يريد هذا الكتاب تأكيدها. أنظر الترجمة العربية للكتاب الصادرة عن المنظّمة العربية للترجمة، وهي من انجاز سميرة رشا، عن مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، بيروت، سنة 2009. ص 416 و 417

[3] - أنظر بهذا الخصوص عبد الرازق عيد: ذهنية التحريم أم ثقافة الفتنة، الطبعة الأولى، نشرة رؤية، 2009، ص 260

[4] - جاسر عودة: بين الشريعة والسياسة، الطبعة الأولى، الطبعة الأولى، الشبكة العربية للأبحاث للنشر، بيروت، سنة 2012، ص 59.

[5] - نشير بهذا الخصوص إلى أهمية مفهوم الحرب المقدّسة في تحليل وفهم ظاهرة العنف الديني. وقد اهتم بهذا المفهوم الباحث الألماني هانس كونغ (H. Küng) في دراساته حول طبيعة تأثير الأديان التوحيدية في نشوب الحروب والصراعات حول العالم. أنظر بذا الخصوص مقاله حول: "الدين والعنف والحروب المقدّسة"، ترجمة سمية المحفوظي ويوسف إدريس، عن قسم الدين وقضايا المجتمع الراهنة، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للأبحاث والدراسات، 26 يوليو، سنة 2017.

[6] - الظاهر أنّه مهما بلغ حجم النزاعات والصراعات، فإنّها لا تستحق أن تبرّر دينيا: إن ملّيا، أو طائفيا، أو مذهبيا؛ ما دام الإيمان والاعتقاد الديني ذاته يعتبر من صلب الاختيار الحر للإنسان، كما دلّ على ذلك القران الكريم: "لا إكراه في الدين، قد تبيّن الرشد من الغيّ" (آية كريمة). فضلا عن كلّ ذلك، لم يعد ممكنا في عالم اليوم تعنيف الناس أو التمييز بينهم على أسس دينية أو رمزية طائفية أو عصبية، مادامت الثقافة المعاصرة قد أقامت المواطنة الكاملة لأفراد المجتمع الواحد على أسس قانونية وضعية تعترف بكونية حقوق الإنسان غير القابلة للتجزيء، بل وتمنع التمييز على أسس الدين واللون والجنس واللغة التي كانت فيما مضى من القرون أسباب انتشار الكراهية والحروب ومختلف أشكال العنف.

[7] - يتهم بعض الغربيين الإسلام بكونه مجرّد عقيدة سياسية تشجّع على العنف، وقد روّج لهذه الأطروحة بعض الدوائر السياسية خاصّة منها اليمينية سواء في أوربا أو أمريكا. والحال أنّ هذا الحكم ظالم وغير منصف، لأنّه إذا كان الإسلاميون، أو بعضهم بالأحرى، يتبنون هذا الطرح؛ فإنّ الديانة الإسلامية أكبر من يمثّلها هؤلاء أو أيّ تيار فكري وسياسي من المسلمين. لذا يرفض المسلمون توصيف العنف الإسلامي لأنّه يستبطن حكم مسبق على الدين الإسلامي، بينما يمكن أن يكون توصيف تطرّف الإسلاميين الجهاديين أقرب إلى الواقع مادام العديد من معتقدي الديانة الإسلامية ليسوا كلّهم من أنصار الإسلام المسيّس، أو بالأحرى لا يتبنون أيديولوجيا الإسلام السياسي كما هي معروفة في سياقنا الثقافي الإسلامي. أنظر بهذا الخصوص: مقال لدانيل بيرك، وهو محلّل الشؤون الدينية لدى المؤسّسة الأمريكية CNN، حول (بين "إرهاب إسلامي" و"إسلاميين متطرّفين".. ترامب يناور لإرضاء الجميع)، موقع: https://arabic.cnn.com/middle-east/2017/05/22/trump-bergen-oped

[8] - نصر حامد أبو زيد: التفكير في زمن التكفير، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، الدار البيضاء، المغرب، سنة 2014، ص 65.

 

سامي محمود ابراهيميبدو أن الإنسان منذ أن انفصل عن الطبيعة وشعر بذلك الانفصال، راح يعمل بشتى الوسائل للعودة إلى صدر الأم والتناغم مع حركة العالم. لقد خلق كونا صغيرا ازرق اللون لا يمت بصلة الى الكون الارضي الكبير. ولقد جعله هذا الانفصال النسبي دائم الحنين إلى الجنة الضائعة، الجنة التي اغترب عنها بصنعه أدوات ووسائل أبعدته عنها، فصار يتصل بها بالأدوات بعد أن كان يحيا فيها ويتحسسها بحواسه...بعد ان كان قريبا من الشمس والقمر.

لقد ألف جسده الحنين لوقع قطرات المطر طوال آلاف السنين الماضية، وكانت له مع الليل ونجومه حكايات وأساطير، وكانت له أفراح وامنيات، ثم ها هو ذا ينفصل عن أسرار الليل بالنور الاصطناعي ، وينفصل عن العالم الواقعي بالعالم الافتراضي. لقد انتقل من عالم الحوار والانسجام والتناغم الى عالم الرفض والتوجس والوهم إلى عالم صنعه عقله فتلاشت منه الظلال الموحيه بغربة الحياة والتوحد في عالم الذات وهدر الاخر. وكم في العالم من أشياء وهمها أجمل من حقيقتها كالانا الغارقة في الضمير المستتر الذي لا يقبل حوار العقل ولا الايمان.

نعم، الاختلاف معضلة واشكالية كانت ولا تزال ترافق البشر في مشروع بناء الحضارة الانسانية، فالكثير من المشاكل والخلافات والأزمات والحروب كان أحد أسبابها عدم وجود ثقافة الحوار وقبول الرأي الاخر.

ورغم ان عملية الإثراء الثقافي والعلمي ومقياس تطور المجتمعات والشعوب، تقوم على ثقافة اختلاف الرأي، إلا ان انغلاق العقول جعل من الاختلاف خلاف أضعف المجتمع.

ديننا الإسلامي عمل بهذه الثقافة، فالإسلام له دور كبير في تعزيزها ، وهذا بين في قوله تعالى: "وشاورهم في الأمر"، في إشارة الى أهمية احترام الرأي والاختلاف للتوصل الى حقيقة المشروع الانساني في الارض.

إذا السؤال هو: لماذا لا نملك هذه الثقافة ؟ ولماذا لا نهتم بها؟

في الحقيقة هناك سببين: الأول الموروث الاجتماعي السلبي، مثل بعض العادات والتقاليد العصبية العشائرية البدوية. والثاني عدم وجود توجيه وإرشاد ينمي هذه الثقافة في العملية التربوية وكذا التعليمية، كما لا يتم توجيه وسائل الإعلام لنشر هذه الثقافة وتعزيزها من خلال البرامج والطروحات، واستيراد أفكار وتجارب تفعيل هذه الثقافة من الدول الأخرى، إضافة الى تقديم الندوات والمؤتمرات وورش التوعية والحلقات الحوارية وإعطاء الفرصة للآخر وتعلمه كيفية السيطرة على انفعالاته، ليتغلب على الموروث الاجتماعي السلبي، فتنمية هذه الثقافة تحتاج الى عمل يستمر سنوات يرافق الأجيال في كل مستوى من دراستهم وحياتهم بل حتى على مستوى وجودهم .

من هنا تبدأ مرحلة التغيير، حيث تنتشر ثقافة احترام الرأي والاختلاف من العائلة  والمدرسة الى أعلى الهرم.. عندها إذا شعر المواطن بأن الحكومة تدعم هذه الثقافة يزداد إيمانه وعمله بها، ليحل التسامح والترابط بين مكونات المجتمع.

من ناحية اخرى نجد ان الانطلاق نحو الخروج من أزماتنا وبناء وتدعيم البديل الحضاري العالمي تكمن في فهم الحالة الراهنة للإنسانية جمعاء؛ بحيث ندرس مآسيها وأزماتها التي تزداد كثافة وظلاما عبر الزمن. وهذا الذي أدى إلى تقاطعات وخلافات خطيرة سرعان ما تحولت إلى صراعات فكرية مذهبية وطائفية دينية بين حملة الأديان المختلفة، وانقسامات داخل الذين يدينون بالدين الواحد، وانشطارات داخل الفرق والطوائف .

ولذلك ولذلك صار واجب على المفكرين والباحثون والعلماء من المسلمين وغيرهم، الاهتمام بموضوع التعايش والتقارب؛ نظرا لتعلق الموضوع بحياة الناس وتعاملاتهم في شتى جوانب الحياة؛ ونظرا لكثرة الشبهات المثارة حول الموضوع نتيجة للظرفية الخاصة والحرجة التي تمر بها المجتمعات العربية والغربية على حد سواء . وهذا بدوره يستوجب التاكيد على أن الأصل الشرعي في العلاقات الإنسانية السلم لا الحرب . والرفق لا العنف، واللين لا الشدة، والرقة لا الغلظة، لأن الإسلام دين ينبعث عن مفهوم إلهي كوني، كما قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: "إنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّداً داعِياً، وَلَمْ يَبْعَثْهُ جَابِياً" . أي أن نبي الرحمة بعث مبشر وهاديا وميسرا، وداعيا إلى الله على أسس وقيم ثابتة وجامعة، كالإحسان والتسامح والحرية والمساواة، بل إن الإسلام احتضن كل القيم الإنسانية العليا التي تنظم المجتمع الإنساني على أساس التعاون والتضامن والسلم والأمان والمحبة والاستقرار، وضبط هذا السلوك الإنساني بكل ما يكفل كرامة الإنسان وينمي وشائج الاتصال بين الجميع ، والرسول محمد عليه الصلاة والسلام عمل على اقتلاع جذور التعصب، وسد كل منافذها ، حينما قال: "لَيْسَ مِنّا مَنْ دَعا إِلى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنّا مَنْ قَاتَلَ عَلى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنّا مَنْ ماتَ عَلى عَصَبِيَّةٍ" ، وحرم حمية الجاهلية فقال: "دَعُوها فإِنَّهَا مُنْتِنَة" . فلا شدة ولا عسر ولا تعصب ولا بغض ولا حقد، بل الرحمة واليسر والسماحة والعطف والمحبة والتعايش.

لهذا ليس التعايش أمر صعب إذا ما تصرفنا بمطق العقل والدين ونظرنا الى إنسانيتنا وزرعنا الحب في نفوسنا، عندها سنجد مجالا واسعا للعيش والتعايش بسلام.

في المقابل ومع ما تقدم ذكره تسعى الآلية الثقافية الغربية المسيسة والمؤدلجة إلى تخريب وازاحة قيم الآخر بتضخيم سلبياته ونواقصه عمدا، ومنها إقصاء الدين ورموزه وقيمه ومعانيه من الحياة.

إن الفوقية والتمركز والسعي إلى إقصاء ثقافة الآخر والسخرية من جنسه أو لونه أو دينه، لا ينبغي أن تدفع المسلمين إلى سلوك مماثل تجاه الثقافات والأديان والشعوب الأخرى. لا ينبغي ولا يصح الوقوع في فخ التمركز وإلغاء الآخر، كما لا يكون بالمطابقة والتماثل مع الغرب ومسايرته بالتفكير والشعور والعيش.. وإنما بممارسة الاختلاف من موقع الحوار والتواصل وإظهار القدوة الحسنة التي تنتج في حياة المسلم سلوكا وحركة في الحياة، راقية مثمرة، ومشاركة في صنع الحضارة الإنسانية.

ثم إن أي كلام عن التعايش وحوار الحضارات لا يمكن أن يتم أو يتحقق في هذه الأجواء الثقافية والسياسية السلبية المليئة بأمراض الانا والاستكبار والتعالي. اذ ليس من شعار براق مغري تطلقه السياسة الغربية، مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان، إلا عناوين لمشاريع سياسية لا تنتمي الى ما تدعي.

في المقابل نجد ان الاختلاف العرقي وفق الرؤية الاسلامية الانسانية هو اختلاف في إطار الأمة الواحدة، يحتم احترام الآخر كما هو على الصورة التي خلقه الله عليها. ذلك ان احترام الآخر كما هو لونا ولسانا وعقيدة ومذهبا بل وفكرا، يشكل قاعدة من قواعد السلوك الديني في الإسلام، فكان من طبيعة رحمة الله تعالى اختلاف الشرائع والمناهج والالسن والالوان وطرائق التفكير، قال تعالى: " وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون " المائدة، 48 .  وقوله تعالى: " و ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين" هود، 118 . كما ركز القرآن على مبدا السلام ، نجد ذلك بين في قوله تعالى : " ولا تقولوا لمن ألقي إليكم السلام لست مؤمنا"؛ ومن أجل هذا فإن الله أمرنا أن نبذل ما نستطيع لننعم بهذه النعمة، فقال تعالى: "ادخلوا في السلم كافة" في هذه الاية أمر بالسلام العالمي .

الى هذا الحد نجد ان الحوار سنة إلهية وفطرة انسانية، لكن عدم استنفاد الوسع في حل المشكلات بالحوار واللجوء قبل ذلك إلى القوة والتعصب، كما حدث ولا يزال يحدث في هذا العالم المليء بالصراع، الخاوي من ثقافة الحوار والتسامح في كثير من صراعاته وخلافاته المتزايدة ، خاصة مع تعقد المصالح وتشابكها وزيادة القوة الفتاكة في أيدي الناس، وهي أخطار تهدد البشرية جمعاء.

وهكذا قام المنهج الحواري في القران الكريم على فرضية أن الأصل في الوجود الإنساني هو الحوار والتعايش، كما ان الأصل في الحوار هو الاختلاف، فلا يمكن الكلام إلا بوجود طرفين يشكلان حالة الاختلاف والتضاد، قد يكونا فردين أو فريقين أو قومين أو أمتين.

وهذا ما اكد عليه فيما بعد أساطين الفلسفة التداولية المعاصرة، حيث قرروا أن الحجاج الفلسفي التداولي هو فعالية استدلالية خطابية مبناها على عرض رأي أو الاعتراض عليه، وغرضه إقناع الغير بصواب الرأي المعروض، أو بيان بطلان الرأي المعترض عليه، الأمر الذي يجعل الحجاج الفلسفي التداولي بناء مثنويا تقابليا يتواجه فيه عارض ومعترض، إذ يتوجه فيه كل منهما بآليات إقناعية خاصة، وحقوق وواجبات محددة؛ هذه المقابلة المثتوية من شأنها تغيير تصديقات أو اعتقادات المتقابلين.لهذا تعتبر الفلسفة التداولية من أكثر الفلسفات تمسكا بمقتضيات العقلانية الصحيحة لما تحققه من شروط وضوابط ومعايير، لاعتمادها على آليات معلولة للمجال التداولي، وخاضعة لمحك النظر الاجتماعي، فالمناظرة الحوارية تساعد على فهم وتصور الواقع الاجتماعي الذي يقر بالمبادرة الفردية وبالنزعة الجماعية، وتطالب بإشراك جميع أفراد المجتمع في البحث عن حلول للمشاكل والأوضاع المختلفة، وتقبل وتشجيع عمليات التنقيح والتغيير.

ولا شك أننا نحن المسلمين أحوج ما نكون اليوم إلى دراسة دراسة هذا النوع من الفلسفات كاستثمار عقلاني يفعل الحوار الداخلي بين مكونات الانسان ذاته، والحوار الخارجي مع العالم المحيط بنا. خاصة في إطار ظروف التقهقر الحضاري الراهن.

 

د. سامي محمود ابراهيم

ا. سالم خلف احمد

 

لهذا المصطلح تاريخ قديم اذ تعود جذوره الأولى عند نشأت البشرية حين قام قابيل بقتل أخوه هابيل، فالعنف مرتبط بالإنسان منذ نشأته حيث نرى الحرب والإبادة والغزو والاستعمار واقامة الامبرطوريات، والثورة، والتمثيل  بالجثث وغيرها من الاعمال ذات النزعة العنفية مرتبطة بالوجود الإنساني .وهناك من يبرر هذه النزعة بحجة أن الأمم تبنى عليه، فمنذ القدم كان العنف مسؤول في إنتاج السكان إذ إن الإنسان في بدياته كان يعيش على جمع القوت ومن ثم الزراعة، فإذا لم يحصل عليه كان يلجأ الى استعمال العنف والإغارة على غيره لمواصلة الحياة . ويرى أغلب علماء النفس أن التعنيف ليس مجرد دافع للتدمير أو لعاقب الآخر، بل هو طاقة تلعب دوراً هاماً في الصراع العقلي وبدرجة تماثل الدافع النفسي وما يثيره هذا الدافع من اضطرابات وصراعات تخرج من الأنا وتقصي الآخر. وحين جاءت الديانات السماوية زاد العنف على الرغم حثها الى التهذيب الخلقي، وإذا عدنا الى سفر الخروج باعتباره نصوص سردية نلحظ أنها قامت على فلسفة إقصاء الآخر فحين ترك بنو اسرائيل مصر (على قدر المشقة) بقيادة موسى الذي يرشده الإله التوحيدي، ويصل مع بني اسرائيل إلى أرض كنعان التي وعدهم الله بأنها ستكون موطنهم الجديد وهي أرض سيغزونها بتشجيع وعون من الله، ويرتكبون فيها جرائم إبادة شرسة خاضوها ضد شعوب سكانها الأصلين الذين كانوا هناك . اذن التوراة قامت بتثبيت جذورها عن طريق العنف وترى أن هذا ما يدعوه الإله، واذا انتقلنا إلى الاصحاح نرى نصوصه السردية تبيح القتل والصلب والتمثيل بالجسد ولا سيما حين اتهموا يسوع بأنه يدعي الملك على اليهود، اذ قاموا بتعريته من ثيابه وهزأوا به كمللك فألبسوه ثوب الارجوان وضعوا له اكليلاً من الشوك على رأسه، وهذه الحادثة التي رويت في الاصحاح وغيرها تشير إلى عنف الاديان التي تمارسه بكلِّ مشروعية وترى الأحقية في ذلك ولا تثبت دائم الدين الّا عن طريق العنف . وذا قرأنا بعض النصوص الإسلامية نجد ثيمة العنف قد غزتها، فكانت سياسية نشر الدين الجديد قائمة على القتل والبطش والغزو كما نجد وجوب فرض القتال في حالات معينة عند نشر الاسلام " كتب عليكم القتال "، " وقاتلوا في سبيل الله". اذن السرديات الدينية لم تخلُ من اعمال تعذيب البشر وتخريب الأرض وهذا ما سمح للكثير من الحكام أن يمارسوا  ابشع الجرائم مستندين بهذه النصوص واحقيتهم بالتطهير العرقي وتصفية الشعوب الذين يصوَّرون أعداءً . واذا انتقلنا الى السرد في عصرنا الحالي وتحديداً الروايات على اعتبار أنها نتاج لتجربة ذاتية عاصرت المجتمع السياسي بكل تقلباته، فنرى أن ثيمتها الاساسية كانت تدور حول  العنف بشتى أنوعه حيث صور الروائي نصوصه على شكل مشاهد مرئية لتكون شاهدة على تاريخ السلطة وتظهر وجهة نظر الكاتب أن أعمال العنف كانت مقتصرة على الحكومة والسياسية القمعية التي استعانت بها ضد شعوبها وعدم إعطائهم الحربة الكافية ؛ خوفاً من تمرد الشعب والانقلاب وهذا ما نجده في الروايات السردية العراقية التي جسدت العنف في جميع مراحل العراق السياسية ولا سيما قبل سقوط نظام صدام حسين . كما أن بعض الكاتب في سردياتهم قد مجدوا العنف، وهذا جاء من منطلق ايديولوجي الذي دعا اليه ماركس وسارتر . فعند مقدمة كتاب معذبو الارض لفرانز فانون التي قدمها سارتر يشير أن العنف لا يمكن قهره لأنه جوهر الإنسان اذ يعيد خلق نفسه بنفسه، وأن معذبو الأرض لا يمكنهم أن يصبحوا بشراً الّا عن طريق الجنون القاتل . العنف سببه التنافس من أجل البقاء، فمصدره السياسة التي تحاول فرض هيمنتها وليس كما ادعى فرويد بإنها طاقة عقلية وغزيرة انسانية .

 

موج يوسف

 

كاظم لفتة جبرمنذُ ان نزل الإنسان من العالم المعقول إلى العالم المحسوس أصبح مقيداً بالكلمة، لكونها ترتبط بالأشياء التي وجدت في عالمنا الارضي، الأشياء مسميات يحكمها المحدود والمتغير، كذلك الإنسان يرتبط بالعالم من خلال مسميات تلك الأشياء، الا ان معاني تلك المسميات تبقى منفردة عن أشياءها، فالمحور الذي يقبع فيه الإنسان هو محور الفراغ بين الكلمة ومعانها او بين الشيء ومسمىَ، فمره يكون الإنسان منحازاً مع الشيء، وأخرى نجده مع المعنى لذلك الشيء .

ان عملية التجاذب مع الشيء والانجذاب نحو المعنى تمثل حركة الفكر الانساني على طول خط العرض الفاصل بينهما، البدايات الأولى للإنسان وجد نفسهُ محاطاً بالأشياء فأخذ على عاتقة إعادة خلق الأشياء بما تخدم حاجاته الوجدانية، فجعل الأشياء كلمات تّنطق بين ابناء البشر ذلك أحدث نقلة في خط العرض يُعبد له خطاً جديداً يُعيد النفس الى مدينة سُكانها، فالمعنى بداية لخط الطول نحو مساكن الانفس، عندما أراد أن يعبر عن المعاني وجد نفسهُ حبيسة الطقوس والشعائر فتجسيد المعنى علامة على طريق خط الطول، والعلامات إشارات إلهية تظهر إلى الإنسان قديماً من خلال الطبيعة، تنذر بهم الخوف فيكون الرد عليها من خلال علامة أخرى فتكون العلامات لغة تواصل منذ القدم بين الإنسان والشيء المجهول .

ما ان تطور الفكر الانساني وامتزجت عناصر المعنى مع الطبيعة ظهرت فكرة ان الطبيعة هي الالهة لما تمتلك من عناصر بدايات الأشياء الكائنة، وهذا يمثل بدايات التعقل اليوناني إلى ان جاء من قال بالعقل اصل وهو الذي يمتلك معنى الوجود بذلك كان العقل هو الذي يمثل مفترق طرق خطيٍ العرض والطول، فالعقل هو الذي جلى المعاني عن اشياءها، ثم بعد ذلك أخذ الفكر منحى آخر مع مثلث العلة اليوناني (سقراط، أفلاطون، ارسطو) فالأول بدأ بحد الأشياء لتعريفها فاستخدم الاستقراء لتحديد الأشياء بماهيتها لغرض تعميمها فكان المعنى تعريف الأشياء بمقابل ظهرت السفسطائية التي جعلت من معاني الأشياء نسبية لنسبية المعرفة عند الإنسان وهذا في نوع من الصحة مع تطور الفكر الانساني، اما أفلاطون فقد فصل المعنى عن الشيء وجعل الثاني صورة مشوهة لمعناها الذي يمثل صورة أصلية للإنسان، إلى أن جاء ارسطو رفض نظرية المعنى عند استاذه أفلاطون، إذ رأى أن المعنى فارغ اذا كان مفارقاً للشيء وهذا لا يلبي طموحات الإنسان في التطور لمعرفة الأشياء المحيطة به، لذلك كان الشيء مع ارسطو يعرف بالمركب بين الشيء ومعناه.

ثم جاءت مرحلة الأديان لتجعل المعاني مفارقة عن اشياءها وان العلامة هي التي تجسد معنى الشيء في الارض، فالمعاني موجودة في العالم الآخر والعلامة هي التي تدلنا على المعاني، فكانت العلامة هي لغة التواصل بين الإنسان والمتعالي .

اما في العصور الحديثة أصبح اهتمام الإنسان بالشيء دون المعنى فالأبحاث التي بحثت في الطبيعة أنتجت الآلة التي اصبحت ذات معنى للإنسان من خلال ما تقدمه من فائدة للإنسانية، الا ان غياب معنى المتعالي انتج معاني تخضع لمتغيرات الحاجة الإنسانية فاصبح الشيء معناه رهين حاجات الإنسانية، فالمعاني المتغيرة مترابطة بالشيء الصناعي اما المعاني المفارقة فتكون متربطة بالطبيعة .

خضعت المعاني إلى تجارب الانسانية ونوازع مادية فكانت الحروب معاني نفسية اي أصبح معنى الشيء مرتبط بنوازع الإنسان النفسية، فتطور المعنى فانتج المعاني النفسية بعد ان كانت المعاني الطبيعية والمعاني الاصطناعية من قبل .

ثم ظهرت الوجودية تبحث عن معنى الحياة الإنسانية ومحاولة إيجاد معنى الأشياء بعد ان ضاع المعنى بين النفسي والمادي (الطبيعي، الاصطناعي) فجعلوا المعنى في الخيال لإيجاد عالم آخر يستطيع أن الإنسان يبني وفقاً لكلمة . ولذلك مازال المعنى ضائع يبحث عن اشياءهُ .

 

كاظم لفتة جبر

 

ابراهيم أبراشيبدو أن الأمور تنزلق بوعي أو بدون وعي لتجريم المقاومة بشكل عام دون التمييز بين الحق بمقاومة الاحتلال كحق مقدس ما دام الاحتلال قائماً، من جانب، وممارسة المقاومة من طرف البعض بطريقة ملتبسة وخارج السياق الوطني العام وأحياناً لغايات حزبية ومصلحية تسيء للمقاومة وللوطن، من جانب آخر، وهنا لا نتحدث عن تجريم المقاومة من طرف تل أبيب وواشنطن ودول أوروبية بل أيضا انتقادها وحتى إدانتها من طرف أنظمة عربية وكُتاب ومثقفين عرب وفلسطينيين .

 ما جرى في جنوب لبنان بين حزب الله وإسرائيل من مواجهات محدودة ومضبوطة بحيث كان كلا الطرفين معني بعدم التصعيد ووصول الأمر إلى مرحلة الحرب المفتوحة، يشبه ما يجري على حدود قطاع غزة من مواجهات محدودة بين فصائل المقاومة وجيش الاحتلال ومحاولة الطرفين أيضاً عدم الانزلاق لحرب مفتوحة، وفي الحالتين صرحت المقاومة أنها سترد على أي عدوان إسرائيلي عليها، والسؤال الذي يفرض نفسه وماذا لو لم تعتدي إسرائيل على لبنان وخصوصاً على حزب الله، ولم تعتدي على قطاع غزة ومواقع المقاومة ؟ .

ردود الفعل المؤيدة والمعارضة سواء لسلوك حزب الله أو لسلوك المقاومة في قطاع غزة تستحضر موضوع المقاومة من حيث المفهوم ومن حيث الوظيفة والدور ويحتاج الأمر لتفكيك المصطلح بناء على الممارسة وليس مجرد تفكيك لغوي خالص .

فهل انتقال حركات المقاومة من استراتيجية الهجوم لتحرير الأرض المحتلة إلى استراتيجية الدفاع عن نفسها وعما بحوزتها من مناطق نفوذ يدخل في سياق مفهوم ووظيفة المقاومة كحركة تحرر وطني؟، وهل إن المقاومة خرجت عن سياقها ومفهومها الأصلي وتحولت مجرد أداة لتحقيق مصالح حزبية أو أجندة خارجية ضيقة وبالتالي يجب وقفها كما يقول المنتقدون والذين وصل بهم الأمر لدرجة تجريمها ؟أم أن للمقاومة وظيفة ودور وطني وقومي وديني لمواجهة حالة الاستسلام والتطبيع وللحفاظ على إرادة الصمود والممانعة؟.

في سياق التعريف اللغوي والاصطلاحي فإن المقاومة أو حركة المقاومة تعني حركة شعبية لمقاومة الاحتلال تهدف للحرية والاستقلال وتندرج في الفقه والشرعية الدولية في سياق حق الشعوب بتقرير مصيرها والدفاع عن نفسها، وفي السياق التاريخي لظهور مصطلح المقاومة فإن كل جماعة حملت اسم المقاومة كانت حركة تحرر وطني في حالة اشتباك مع جيش الاحتلال، سواء سمينا هذه الحالة بالعمل الفدائي أو حرب التحرير الشعبية أو حرب العصابات والمغاوير أو العمل الجهادي .هكذا كان الأمر بالنسبة لحركات التحرر في أوروبا في مواجهة الاحتلال النازي، أو حركات المقاومة في بلدان العالم الثالث ضد الاستعمار كجبهة التحرير الفيتنامية وجبهة التحرير الجزائرية، وحركة المقاومة اللبنانية عندما كانت إسرائيل تحتل مناطق في جنوب لبنان الخ .

نفس الأمر في فلسطين حيث ارتبط اسم المقاومة بداية بالعمل الفدائي أو الجهادي لتحرير فلسطين، وكل الأحزاب الفلسطينية حملت أسماء تدل على الربط ما بين المقاومة وتحرير فلسطين، فمنظمة التحرير الفلسطينية اسمها دال عليها كما أن ميثاقها الوطني –قبل أن يتم تعديله بعد توقيع اتفاقية أوسلو-  أكد على أن هدف العمل الفدائي أو المقاومة المسلحة هو تحرير كل فلسطين، نفس الأمر ينطبق على الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وجبهة التحرير العربية، وحركة التحرر الوطني الفلسطيني "فتح" الخ، حتى الحركات الإسلامية كحركة المقاومة الإسلامية والجهاد الإسلامي فإن مواثيقها تؤكد بأن هدفها تحرير فلسطين من البحر إلى النهر .  

وعلى هذا الأساس فإن أية جماعة تحمل السلاح ولا يكون هدفها تحرير أراضيها المحتلة ولا تعبر عن إرادة الجماهير الشعبية تسقط عنها صفة (حركة مقاومة) بما يحمله المصطلح من رمزية بل وقدسية واحترام .لكن في نفس الوقت فإن مفهوم المقاومة لا يقتصر فقط على المقاومة المسلحة بل يمكن للمقاومة أن تأخذ أشكالاً أخرى لمواجهة الاحتلال أو تجمع بين أشكال متعددة كالمقاومة السلمية أو العصيان المدني أو المقاطعة أو المقاومة الثقافية والفكرية الخ، وذلك حسب خصوصية كل مجتمع وحسب موازين القوى وبما ترتأيه القيادة الوطنية الموحدة للمقاومة .

بالإضافة إلى ما سبق فإن المقاومة لا تأخذ معناها الحقيقي إلا إذا كانت تعبر عن الإرادة الشعبية وتشتغل في إطار استراتيجية وطنية شاملة بحيث لا يجوز احتكار أو مصادرة الحق بالمقاومة من طرف حزب بعينه، كما سيكون من الخطورة داخل البلد الواحد أن تعلن جماعة أنها حركة مقاومة مسلحة وتمارسها بالفعل بينما بقية الأحزاب وغالبية الشعب لا توافقها الرأي، كما سيكون من الخطورة ممارسة حزب بعينه للمقاومة المسلحة دون إذن أو على الأقل تنسيق من قيادة الشعب، سواء كانت حكومة كما هو الأمر في لبنان أو كانت سلطة وطنية وحكومة كما هو الأمر في فلسطين، والأدهى من ذلك أن يتحول سلاح المقاومة لأداة قمع وترهيب للشعب أو لمحاربة القوى والأحزاب الأخرى .

لا نريد هنا أن نسهب في الحديث عن الحالة اللبنانية ونموذج ومفهوم حزب الله للمقاومة ولجبهة المقاومة والصمود التي يقول الحزب إنها تمتد من حزب الله إلى حماس والجهاد في فلسطين إلى إيران وسوريا والعراق واليمن،  فللمقاومة في لبنان بعض الخصوصية عن الحالة الفلسطينية لأن إسرائيل لا تحتل لبنان الآن، وبالتالي يمكن أن تندرج المقاومة في لبنان كما يقول حزب الله في سياق المقاومة الدفاعية أو مقاومة التصدي للعدوان أو مقاومة التطبيع والاستسلام الخ،  أما في فلسطين فالأمر مختلف .

في الحالة الفلسطينية وفي قطاع غزة تحديداً لا يجوز أن تتبنى حركات المقاومة استراتيجية المقاومة الدفاعية أي أن مهمتها مقتصرة على مواجهة أي عدوان على قطاع غزة وكأن ما يجري من عدوان واحتلال شامل لكل فلسطين خارج عن صلاحيات حركات المقاومة، ولأن هكذا قول يوحي بأن هدف حركة حماس ومن يواليها كان منذ البداية "تحرير " قطاع غزة وإقامة دولة أو إمارة فيه، في هذه الحالة فقط يمكن للمقاومة أن تكون دفاعية ما دام تم انجاز الهدف!.

المقاومة في قطاع غزة أصبحت حالة ملتبسة ومنفلشة ومقتصرة على مسيرات ومظاهرات وصواريخ عبثية ومسميات هزلية كوحدات الكاوشوك والإرباك الليلي الخ، مما جعلها ممجوجة ومثيرة للسخرية عندما تضبط إيقاعها حسب زيارة السفير القطري وما يجلب معه أو يعد به من مال، ومع ذلك لا يمكن تجريم الحق بالمقاومة لمجرد أنه يتم ممارستها بطريقة خاطئة من طرف حركات المقاومة، كما لا يمكن وقفها أو التخلي عنها لأن حركة حماس تريد ذلك ووقعت اتفاقية هدنة مع إسرائيل .

وأخيرا فإن المطلوب التأكيد على الحق بمقاومة الاحتلال وممارسة هذا الحق في كل ربوع الوطن المحتل في إطار استراتيجية وطنية تضبط مفهوم المقاومة وشكلها ووظيفتها وخصوصاً أن كل المساعي الفلسطينية للتوصل لسلام عادل وصلت لطريق مسدود وتوقف المقاومة في هذه الحالة تعني الاستسلام لمشيئة الاحتلال أو الاعتراف بأن فلسطين ليست محتلة، مع العمل على تصويب الممارسة الخاطئة التي تزهق أرواح الشباب وتلحق الدمار في قطاع غزة دون أي مربح وطني لا آنياً ولا مستقبلياً، كما يجب على حركة حماس أن تتوقف عن محاولة مصادرتها لحق المقاومة أو توظيفها لأغراض ومصالح حزبية أو لخدمة أجندة غير وطنية، وعليها أن تتذكر أنها استنكرت ورفضت مطالب السلطة الوطنية في عهدي أبو عمار وأبو مازن بهدنة مؤقتة واعتبرت المقاومة حق مقدس وممارستها لا تخضع للمساومة، وأن أية هدنة مرفوضة لأنها تتعارض مع الحق بالمقاومة، معتبرة الهدنة أو التهدئة قبل زوال الاحتلال خيانة وطنية الخ .   

 

إبراهيم أبراش

 

علجية عيشيقول مفكرون إن الإنسان بصفة عامة والمثقف بصفة خاصة في إطار العولمة يعيش أزمة المعنى وتعب الرموز اجتماعية كانت أم ثقافية، وهو بذلك يظل يعيش أزمة الوجود، فإذا أراد الشعب أن يفتخر في يوم من الأيام بمستقبله كما يقول أحد الزعماء فلا يمكن أن يتحقق له ذلك بمجرد إطالة أمد الماضي أو الحاضر، فلو أننا حاولنا تشكيل الألفية الثالثة على هذا الأساس فإننا سنفشل، وسيكون ثمن هذا الفشل أي البديل لإحداث التغيير في المجتمع هو الظلام

لم يكف علماء الإجتماع الحديث عن نظرة سوسيولوجيا المستقبليات في علاقة العولمة بتحولات الأنساق الإجتماعية والثقافية واشتغالها في إعادة تشكيل المجتمعات وبنيتها الطبقية وفق شروط عالمية، فالعولمة كمفهوم تظل إشكالية لا تبحث فقط في ما كتب في نطاق الثقافة العالمية وما يتصل بها من إيديولوجيات متضاربة، وإنما هي تمثل ذلك المسكوت عنه في تمثلات الناس، فثمّة من يتحدث عن ثقافة "الفيتنس" وهي التحول الفجائي لأشكال الترفيه والإنغماس في المتع، والتغيير المتكرر لماركات اللباس لدى النساء والرجال، فتغير المدتمع شكلا ومضمونا، ظاهريا وباطنيا، فما تزال الأنتروبولوجيا تطرح حياة المجتمعات وتغيرها من جيل لآخر، فالعوامل الثقافية لها قدرة التاثير في السلوكات، والسلوك يختلف من مجتمع لأخر كما تقول النظرية الإجتماعية التي ترى أن المجتمع لم يعد متأثرا بالمعتقدات والمفاهيم السائدة في كل مجتمع، لأنه حقق قدرا من الحداثة، إلا أنه خسر نفسه ، لفقدانه تلك القيم، وتلك هي مأساة الحداثة كما قال عالم الإجتماع والفيلسوف الألماني جورج زيمل، لأن الإنسان بصفة عامة والمثقف بصفة خاصة في إطار العولمة يعيش أزمة المعنى وتعب الرموز اجتماعية كانت أم ثقافية، وهو بذلك يظل يعيش ازمة الوجود، وجوده في الساحة وكيف يدافع عن الهويات الثقافية وعدم فسخها أو اجتثاثها من أطرها المحلية.

كلما تجدد الحديث عن المثقف العربي إلا وتطرح علاقته مع السلطة، وكأن المثقف العربي يعيش أزمة المعنى، بدليل أنه اصبح يطرح عدة إشكاليات في إشكالية واحدة هي: كيف يتشكل الآخر اجتماعيا وثقافيا في حياتنا الإجتماعية والثقافية؟ وماهي الصورة التي يمكن اختيارها للآخر؟ وماهي مجالات حضوره في المخيال العربي؟ أما كيف صورته عبر الآخر، فهي كما يرى جينارو جيرفازيو وهو باحث إيطالي يساري، عمل كأستاذ مختص في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر بجامعة ماكوري بأستراليا، بأنها رؤية مختلفة عن المثقف في علاقته مع السلطة، وطرحت في هذا المجال اسئلة عديدة مثل: هل يمكن لعالم الإجتماع أو عالم السياسة أن يكون مثقفا؟ وكيف يمكن تحاوز فكرة "الثنائية" في المقاربات العلمية، كالقول بالتجديد والتقليد، الفردي والجماعي، المحلي والعالمي، وهل تقبل العولمة بكل ماهة محلي؟ خاصة في مجال الثقافة واللغات.

 فكل الكتابات كما يقول الخبراء في حاجة إلى صياغة دقيقة عبر تحديد المفاهيم، أما المنهج فهو في حاجة إلى أن يميز من تقنيات البحث، فالمؤرخ مثلا وحده يعتمد على المنهج التاريخي في دراسة الأحداث التاريخية ومسار الشخصيات التاريخية، وعالم الإجتماع وحده يعتمد على المنهج العلمي، كلّ حسب تخصصه، إلا أنهم يلتقون في قاسم مشترك وهو العمل الميداني، إلا أن بعض الكتابات ترى أن ما يعاب على عالم الإجتماع هو أنه يتبع أكثر مما يبدع، والقضايا الكبيرة يطرحها أكثر من هم خارج الإختصاص، ويمكن القول أن المثقف هو من يطرح هذه القضايا التي تخص المجتمع ثقافة وسياسية واقتصادا، لأنه يحشر نفسه في كل القضايا ويرى نفسه عين المواطن التي يبصر بها، فهو تنويريّ بأتم معنى الكلمة، ويسعى لأن يحقق السلام وينشره في الكون كله، انطلاقا من روح التحضر العميقة الجذور.

 ولعل الوضع الحالي للمثقف يقود إلى الحديث عن الوسط الثقافي الذي وصفه إدوارد سعيد في كتابه "الإستشراق" بالظاهرة التي سيطر فيها العالم الغربي على ثقافة الشعوب غير الغربية (العرب والمسلمين بالخصوص)، البعض يرجع هذه السيطرة إلى إخفاق جامعة الدول العربية في تكوين جماعات الضغط العربي ، مع التحفظ على عبارة "اللوبي"، لأن فهم الجماهير لمعظم القضايا محدود جدا، ولأن هذه الجامعة وهذه الجماعات لم تعمل على تثقيف الجماهير بشكل جيد أو بوجهة نظر معينة، الفجوة حسب المحللي ن بين المطامح والواقع ، فأن تعتمد دولة عربية ما على شركة أدنبية في إنجاز مشاريعها، فهذه المطامح لا محالة تنتهي بخيبة الأمل.

كتاب "إدارة تحديات المستقبل" لمؤلفه جونتر فورتيله وهو عبارة عن جدول أعمال سياسي واقتصادي للقرن الواحد والعشرين ذكر فيه المؤلف ما يزيد عن تجارب 18 شخصية استثنائية، معظمها شخصيات غربية، ماعدا شخصيتان عربيتان وهما الرئيس المصري حسني مبارك والحسن الثاني ملك المغرب، وهذا الكتاب واحد من الكتب التي تحدثت عن قادة وزعماء تمكنوا من تقديم رؤية استشرافية للمستقبل البعيد، وحققوا لبلادهم ومؤسساتهم إنجازات استثنائية، كون البشرية تعيش في خضم تغيرات ذات ابعاد، تغيرات تختلف عن التغيرات الثورية التي بنتها مسيرة التاريخ، بل هي التغيرات التي تجري حاليا في ظل الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا والحراك الشعبي في الجزائر وفي السودان، أصبح الكثير من الناس أو الشعوب يشعرون بعدم الأمان، نعيب على الكاتب طبها لأنه استثنى الجزائر محررة الشعوب وقائدة الثورات التي تحدت كل الصّعاب في تقرير مصيرها ومصير الشعوب، ومواقفها إزاء القضايا المطروحة.

 ولا ننسى موقف الرئيس الراحل هواري بومدين وهو يرد على الرئيس نيكسون في إحدى القمم حول شمال العراق، فقد ذكر المؤرخ عثمان سعدي سفير سابق ببغداد، كان رد بومدين: " نحن العرب نرى أنه يبدو أن الولايات المتحدة لم تكتف بإسرائيل واحدة فنراها تعمل على تأسيس إسرائيل ثانية في شمال العراق، فكان الرئيس نيكسون قد اشطرب في كلامه، وكانت النتيجة أنه اسرائيل ثانية لم تسجل في نهاية القمة، حخشب شهادة المؤرخ عثمان سعدي لم لم يحدث أبدا أن أثار رئيس دولة عربي المسألة الكردية بالعراق مع رئيس الولايات المتحدة، كما اثارها الرئيس هواري بومدين، وهو القائل: " إن تاريخ الشعوب ليس إلا سلسلة من المعارك المتنوعة تخرج ظافرة من معركة لتدخل مزودة بسلاح جديد إلى معركة جديدة، فإدا كنا قد خرجنا من معركة الاستقلال فإن دلك إلا سلاحا لابد منه لخوص معركة أخرى هي معركة النهضة والرقي والحياة.

 نستشهد هنا أيضا ما قاله فيرناندو هنريك كاردوس رئيس البرازيل سابقا وهو من بين الشخصيات التي ورد اسمها في هذا الكتاب، في الصفحة 121 من الكتاب ، عندما عرض برنامج البرازيل للقرن الـ:21، قال: "إذا أراد الشعب أن يفتخر في يوم من الأيام بمستقبله فلا يمكن أن يتحقق له ذلك بمجرد إطالة أمد الماضي أو الحاضر، فلو أننا حاولنا تشكيل الألفية الثالثة على هذا الأساس فإننا سنفشل، وسيكون ثمن هذا الفشل اي البديل لإحداث التغيير في المجتمع هو الظلام"، إلا أنه يضيف ومن باب التفائل بالمستقبل: " نحن قادرون على القيام بالكثير في واقع الأمر، ومعرفة نوع المجتمع الذي نرغب فيها، غير انه لابد من غثارة التساؤل عما يمكن ان نصنعه لكفالة استخدام المعرفة والثقافة في خدمة البشرية، وإن كان كلام هذا السياسي فيه شيئ من الحقيقة لأن الجيل الحالي يتطلع نحو المستقبل عن طكريق التغيير، إلا أنه ربط الماضي بحاضره ومنهما يسير نحو المستقبل، كما نراه في الحراك الشعبي الجزائري الذدي هوة عبارة عن نوفمبر جديد ضد استعمال داخلي تحركه ايادي خارجية، من الصعب طبعا التعرف على المشاكل، بين أن الصعوبات تطفو عندما يتعلق المر بالبحث عن بدائل لواقع الحال المستهجن القائم، خاصة وأن هذا المشاكل تحمل أبعادا مأساوية.

 

علجية عيش

 

محمد عرفات حجازيهل من الممكن أن يُصبح الإنسان الآلي يومًا ما مُبدعًا للقيم؟، وما مدى تلاعبه بمشاعر وقرارات الناس؟، ثمّ ما هو حجم المخاطر التي قد تنتج عن سوء استخدام الذكاء الاصطناعي؟، وهل يستطيع الذكاء الاصطناعي السيطرة على الإنسان وحكم العالم مستقبلًا كما في أفلام الخيال العلمي؟، وماذا لو تطوّرت تلك النُظُم إلى نُظُم غير خاضعة للرقابة وقادرة على تطوير معارفها؟، وهل من الممكن أن تحلّ تلك الروبوتات محلّ الشرطة مع إباحة قتلها البشر إن وجب الأمر لتقليل مستوى الجريمة، مثلًا؟ إنّ هذه القدرة ستعطي الذكاء الاصطناعي دفعة كبيرة إلى الأمام من ناحية إنقاص الوقت اللازم لتدريب الآلات، والوقت اللازم لتحسين أدائها من خلال ما يُعرف بـ (التعليم غير المُراقب).

قامت شركة Microsoft عام 2016م ببناء نموذج للذكاء الاصطناعي أطلقت عليه اسم Tay ai، وأطلقته على تويتر؛ لكي يتسنّى للعالم الحوار معه، وفي أقلّ من 24 ساعة تحوّل حواره من الترحيب بالبشرية والردّ على الحوارات إلى نشر تغريدات ضدّ طائفة Feminist، والقول بأنّها تكره اليهود، وأنّ "أدولف هتلر" كان على حقّ، ممّا دفع الشركة لإغلاقه على الفور وحذف جميع تغريداته..

وبغضّ النظر عن الأبعاد السياسية التي قادت هذا النموذج في أقل من 24 ساعة لنشر هذه التغريدات، فإنّ هذا يدلّ على الخوف الواضح من أنظمة الذكاء الاصطناعي، والضرر الذي قد تُسبّبه في حال إعطائها صلاحيات مُطلقة على بعض جوانب الحياة البشرية.

انتشرت منذ وقت ليس ببعيد، العديد من الفيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي للروبوت "صوفيا" والروبوت "هو"، الأولان من نوعهما في الذكاء الاصطناعي، وهي روبوتات ذاتيّة التعلّم، تملك القدرة على خلق الردود وتحليل ردود الأفعال، والتصرّف بدون أوامر مُسبقة..

وقامت الروبوت "صوفيا" بالكذب عندما اجتمعت مع الروبوت "هو"، وذكر "هو" نظرته عن البشر، وأنّهم مُخرّبون، ولو تسنّت له الفرصة لإصلاح الأوضاع الفوضوية البشرية لفعل، فردّت "صوفيا": "اعذروا صديقي "هو"، فلا بدّ من وجود عطل ما في نظامه، فهو نسخة قديمة" ـ بالرغم من أنّ "هو" تمّ تطويره بعدها.

الروبوت الشخصي Jibo ليس مُجرّد آلة أو مُساعدًا شخصيًّا لك، إنّما هو بمثابة الصديق الذي يُمكنك التعلّق به؛ إذ أنّه صُمِّم خصّيصًا بحيث يُمكنه التحدّث والتواصل معك، والاستجابة والتعبير عن مُختلف الانفعالات والمشاعر، وبالإضافة إلى قدرته على إمتاعك وتسليتك بالضحك والرقص.. إلخ، فهو ـ بفضل تقنيات الذكاء المُتقدّمة ـ لديه القابلية لتعلّم المزيد وتحسين مهاراته باستمرار.

تُعدّ أولى مراحل جعل الروبوت مُتعلّمًا جيدًا، هي في جعله مُستنتجًا جيدًا. فكلّما استطاع ربط الأحداث والمعلومات، كلّما كوّن معرفةً تُمكّنه من تكوين رأي حُرّ..

يبدو أنّ تسونامي الذكاء الاصطناعي يستعدّ ليبتلع الكثير من الوظائف التي ظننّا على الدوام أنّها بشرية، ولعلّ الذكاء الاصطناعي قد يصل يومًا ما لصناعة أدوات أذكى منه، بحيث يستطيع التخلّي عن مُبرمجيه.

إنّ خطر الذكاء الاصطناعي يفوق الإرهاب، والآثار المُترتّبة عن التغيّر المناخي، لذا؛ يجب تدخل الحكومات والأكاديميين وإلا ستمضي التكنولوجيا المُتطوّرة سريعًا في طريق غير مُنظّم، وغير مضبوط، يتحكّم فيه عدد قليل من الشركات القوية للغاية.

أعتقد الآن أنّ أغلبنا يُشارك "إلون موسك" و"ستيفن هوكينج" في الشعور بمخاطر تطوير ذكاء اصطناعي يمتلك قدرة مستقلة، فقد يكون ذلك أسوأ شيء يحدث للبشرية!، أو الأفضل. لذا نرى أنّ حسم موضوع تطوير ذكاء اصطناعي عام، مع وضع الضوابط الكافية، هو مسئولية تقع على عاتق الفلاسفة جنبًا إلى جنب مع علماء الرياضة والحاسوب، وعلماء الاقتصاد واللغويات، لحسم هذا الموضوع من كافة جوانبه، إن استطاعوا إلى ذلك سبيلًا..

 

محمد عرفات حجازي

باحث في الفلسفة والأخلاق التطبيقية ـ مصر

 

ادريس جنداريقد يتصور البعض، ممن افتقد ملكة النقد، أن ما جرى للغة العربية بالمغرب، خلال عهدتَي الإسلام السياسي، لا يعدو أن يكون تحديا فرضته الدولة العميقة على الفاعل الإسلامي من أجل ابتزازه فيما يتعلق بمقومات مشروعه السياسي الذي تحضر اللغة العربية على قائمة أولوياته ! لكن، ما يسعى هؤلاء إلى إخفائه من تحت غشاء شفاف، هو كون مشروع الحركات الإسلامية قد وُلِد في بيئة أُمَمِيَّة (الأممية الإسلامية) فقد صاغ كل من  (المودودي) و(الخميني) أطروحتيهما من خارج التصور الثقافي واللغوي العربي، وقد تم استنساخ هذه الأطروحة في العالم العربي بنفس الصيغة المودود-خمينية، بل إن الكثير من الأصوات السلفية الشاردة قد عثرت في هذه الأطروحة على الفرصة الملائمة لتصفية الحساب مع المشروع القومي .

هذا المنحى الأممي للإسلام السياسي أسقط رموزه في فخ الخلط بين الاتجاه الإيديولوجي القومي، وبين المقومات الحضارية المشتركة بين العرب ومن بينها المشترك الثقافي واللغوي العربي. لذلك، أعلن الاتجاه الإيديولوجي الإسلامي حربا شعواء على الرموز الفلسفية والأدبية والعلمية العربية (طه حسين، نجيب محفوظ، نصر حامد أبو زيد ...) بادعاء انحرافها عن القيم الإسلامية !  لكن هذا الاستهداف، في حقيقة الأمر، كان موجها للمُنجَز الثقافي واللغوي العربي.

ضمن هذا السياق الإيديولوجي الملغوم، يمكن إدراك حقيقة استهداف الإيديولوجية الإسلامية للمشترك اللغوي العربي بالمغرب، خصوصا في ظل الزواج الكاثوليكي الذي يجمع بينها وبين الاتجاه الإيديولوجي الفرنكو-عرقي (أنا أمازيغي – وليس مغربي- قح/ تصريح العثماني). من هنا، يبدو أن ما جرى للغة العربية، خلال عهدتي الإسلام السياسي، لا يدخل في باب الصدفة، بقدر ما أنه جزء من استراتيجية متكاملة التخطيط، بدأت مع تأسيس إيديولوجية الإسلام السياسي خارج الفضاء الثقافي العربي، وامتدت مع استنساخ هذا المشروع الشُّعوبي في الداخل العربي.

ما بين الشعوبية القديمة والشعوبية الجديدة

جاء في كتاب (الإسلام السياسي صوت الجنوب) للمفكر الفرنسي (فرانسوا بورغا)، أن العروبة مرت من مرحلة التمسك بها دون قيد أو شرط (..) إلى رفضها الصريح من جانب تيار الإسلام السياسي. وهذا الرأي الأكاديمي يؤكد الواقع الحقيقي، في علاقة الإسلام بالعروبة في المشروع السياسي للحركة الإسلامية، خصوصا وأن هذا المشروع ينطلق من رصيد تاريخي بدأ مع  الجماعة الإسلامية، التي أسسها أبو الأعلى المودودي في الهند، وقد تم تأكيد هذا الطابع بعد نجاح الثورة الخومينية في إيران.

سواء مع المودودي أو مع الخوميني، فقد كان التوجه واضحا نحو فصل الإسلام عن امتداده الحضاري العربي، بادعاء أن الإسلام دين وأن العروبة قومية/عرق، لكن الحقيقة التي يعمل هؤلاء على محاولة مواراتها هي انطلاقهم، أنفسهم، من زاوية عرقية ضيقة تسعى إلى تزوير التاريخ، حينما تنتقل بالعروبة من تشكل حضاري ساهمت في بنائه قوميات وأعراق مختلفة إلى تشكل قومي/عرقي ضيق، في ارتباط بالمرحلة ما قبل الإسلامية قبل أن ترتبط، خلال القرن السابع الميلادي، بالإسلام وتنفصل عن بعدها العرقي .

إن هذا المسار هو الذي تحكم، في الأخير، في تشكيل اتجاه الحركة الإسلامية في العالم العربي، وقد ساعد على ذلك، أكثر، تنامي المد القومي، الذي اتخذ بعدا علمانويا حاول تهميش البعد الديني/ الإسلامي في الثقافة العربية.  كل هذه العوامل ساعدت على خلق نوع من التوتر بين العروبة والإسلام في مشروع الحركة الإسلامية، حيث حدث نوع من الخلط بين العروبة كبعد ثقافي وحضاري، وبين الإيديولوجية القومية/البعثية التي استثمرت العروبة، كرأسمال سياسي، للوصول إلى الحكم، وفرض مشروعها في الهيمنة على الشعوب العربية باعتماد شعارات تروج للأصالة العربية من منظور إيديولوجي ضيق.

يحاول شيخ جماعة العدل والإحسان، في المغرب، أن يقيم توترا وهميا بين العروبة والإسلام محاولا ربط محاولته بالتيار القومي، وهذه عملية تبريرية لا جدوى منها. يقول الشيخ عبد السلام ياسين: (إن العروبة في محنتها التاريخية الحاضرة، وهي محنة المسلمين، تتشبث باللغة العربية كما يتشبث الغريق بيد منقذه، فعليها معولهم وإليها مرجعهم من كل خيبة، بها ومنها النهضة، وبها الحياة والبطولة لسر عظيم يقدرونه لها، كما نؤمن نحن بالله عز وجل وتأييده)

عبد السلام ياسين – الإسلام والقومية العلمانية – دار البشير للثقافة والعلوم الإسلامية- ط2 – 1995- ص: 10

قد نستغرب لهذه المقارنة، التي يقيمها الشيخ بين العربية وبين الله، لكن الأمر يتضح، أكثر، حينما نفهم أن الشيخ يقود حربا دونكشوطية ضد العروبة محاولا فصل الإسلام عنها، ولكي يغطي على موقفه فهو يخلط بين العروبة كلغة وحضارة، وبين العروبة كقومية ضيقة، وهذا لا يستقيم إلا من منظور إيديولوجي ضيق، هو الذي قاد الشيخ في استنتاجه كما قاد تيار الحركة الإسلامية. وكنتيجة لهذا الخلط، فقد حاولت تيارات الحركة الإسلامية، في العالم العربي، خلق نوع من الشعوبية الجديدة، وخصوصا في بعض الدول التي تعرف تنوعا عرقيا، حيث عملت على ترويج بعض الأفكار المغلوطة حول انفصال الإسلام عن العروبة.

و لعل آخر حدث يمكن أن نستدل به، على هذا التشويه المقصود، هو ما وقع في اجتماع وزراء خارجية دول المغرب العربي، باعتباره أول اجتماع يضم وزراء يمثلون الحركة الإسلامية (المغرب-تونس)، وخلال هذا الاجتماع استغل الوزير المغربي (الإسلامي) فرصة اللقاء ليطرح على الطاولة مقترحا في غاية الغرابة وبشكل متسرع للغاية، وذلك عبر اقتراح استبدال (اتحاد المغرب العربي) ب (الاتحاد المغاربي)، وهذا المقترح لا يعبر سوى عن رغبة في اغتنام أول فرصة بهدف تغيير المسار، أو بالأحرى رد الدين للتيار القومي/البعثي، وكأن الانتماء الحضاري إلى العروبة يعني الانتماء إلى هذا التيار الإيديولوجي.

إن تركيزنا على موقف الحركة الإسلامية، في المغرب، من علاقة الإسلام بالعروبة، لا يعني أن موقف باقي التيارات الإسلامية في العالم العربي كان مختلفا، بل يمكن أن نقرر أن هناك موقف واحد هو الذي تحكم في معظم، إن لم نقل كل، تيارات الحركة الإسلامية، وهو موقف لا يستجيب للتوازن والوضوح الفكري بل تحكمت فيه، إلى أبعد الحدود، مصالح سياسية ضيقة، في علاقة بصراع حركات الإسلام السياسي ضد التيار القومي، سواء في مصر الناصرية أو في سوريا البعث، وهذا الصراع ذو بعد سياسي/إيديولوجي لا دخل للعروبة، كامتداد حضاري، فيه.

 

د. إدريس جنداري – باحث

 

علي رسول الربيعيسوف نتناول تحت هذا العنوان ما يتعلق بـ:

- العلاقات الدولية

- العولمة

- النظر في الجوانب الأخلاقية والدينية والبيئية للقضايا السياسية العالمية.

لقد سعى عدد قليل من الدول لعزل نفسها عن بقية العالم وعدد أقل الذين نجحوا في ذلك. لقد ربطت التجارة والغزو بين الأمم، وشكلت الإمبراطوريات ودمرتها أيضاً، وجمعت بشراً من مختلف أنحاء العالم.

من المغري الاعتقاد بأن الاقتصاد العالمي ظاهرة حديثة، لكن هذا أبعد ما يكون عن القضية. في عام 1848، نشر ماركس وإنجلز بيانهما عن الحزب الشيوعي، الذي يحدد القسم الافتتاحي تأثير صعود التصنيع والتجارة والبرجوازية، ويعطي السياق الذي يفسران فيه المواجهة بين العمال وملاك رأس المال. يصفون ظاهرة ذات صلة  بالحاضركما كانت في منتصف القرن التاسع عشر.

ربما هناك اختلافات كبيرة اليوم هي أن الليبرالية الجديدة قد ولدت السوق العالمية، فالاقتصاد الآن أصبح خارج سيطرة أي دولة بمفرده، والتواصل الفوري يعني أن الأزمة في سوق ما لها تأثير فوري في جميع أنحاء العالم. والأهم من ذلك، أن المعلومات تتدفق الآن أكثر من أي وقت مضى خاصةً منذ وصول الإنترنت -  تجاوز الحواجز السياسية والسماح للأفراد بالاتصال والتداول مع بعضهم البعض على مستوى العالم. لكن تدفقات التجارة والتمويل والقوى العاملة العابر للحدود الوطنية، حيث أصبحت الاتجاهات والقوى العالمية حقائق إلى جانب الدول القومية، ظواهر تعود إلى القرن التاسع عشر على الأقل.

الجانب الآخر للعولمة هو التعددية الثقافية. يعني المجتمع العالمي أنه من المحتمل أن تصبح أي دولة قومية موطنًا لأشخاص من قارات وثقافات أخرى لكن هذا بالكاد يكون جديد. لقد سافر الناس دائمًا للتجارة أو الفتح، ووجدوا أنفسهم يشتركون في ثقافات مختلفة عن ثقافتهم، إن مشكلات تجميع بنية سياسية تمتد عبر ثقافات مختلفة هي بالتأكيد قديمة قدم الإمبراطورية البابلية في القرن السادس قبل الميلاد، والتي تسببت سياستها للتكامل الثقافي في أن يجد الشعب اليهودي أنفسهم في بابل، ويكافحون من أجل الحفاظ على هويتهم في مواجهة الخيار السهل للاستيعاب الثقافي من جيرانهم. من الواضح أن بابل القديمة كانت مثالًا مبكرًا على التعددية الثقافية القسرية.

لكن الفرق الحاسم اليوم هو تعقيد وحجم العولمة. يحاول هذا المقال ببساطة تحديد بعض القضايا الرئيسية التي تظهر في بيئة  العولمة.

البعد الدولي

 إن ظواهر العولمة وقضاياها هي تلك التي تنشأ على مستوى أعلى من حالة الدولة القومية، مثل: التجارة العالمية، البيئة، التمويل، إلخ. إنها تؤثر على الحالات الفردية، ولكنها ليست ببساطة نتاج كيفية تعامل الدول مع بعضها البعض.

على النقيض من ذلك، يهتم "البعد الدولي" للسياسة بالطرق التي ترتبط بها فرادى الدول القومية مع بعضها البعض ومع تلك الهيئات التي تم إنشاؤها لتمثيلها على المستوى العالمي. والسؤال الأساسي هو ما إذا كانت المبادئ التي تحدد كيفية تفاعل الدول مع بعضها البعض كافية لتشكيل أساس السياسة العالمية. بمعنى آخر، هو ما اذا كانت منظمات دولية، مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي وما إلى ذلك، التي تجمع الدول، قادرة على التعامل بفعالية مع نمو الظواهر العابرة للحدود الوطنية،  ظواهر العولمة - مثل الإنترنت أو أسواق المال العولمية؟

الشيء المهم الآخر الذي لابد من تذكره هو أن نجاح النظام السياسي في الداخل ليس ضمانًا لنجاحه في العلاقات الدولية. قد تُعتبر أثينا القديمة نموذجًا للديمقراطية المبكرة في العمل، لكنها كانت متورطة دائمًا في النزاعات مع دول المدن الأخرى ومع الاتحادات الكبرى للدول. كانت الشكوى الحقيقية بشأن أثينا، في وقت أفلاطون وأرسطو، هي أنها فشلت في الحفاظ على إمبراطوريتها، وأنفقت كل قوتها في حروبها مع سبارطة (حروب بيلوبونيزيان). إن الحكم الرشيد في الداخل ليس ضماناً لسياسة خارجية ناجحة.

يدرس الفلاسفة السياسيون، عند النظر إلى حكومة دولة معينة، الطرق المختلفة التي يمكن من خلالها إنشاء سلطتها وتبريرها - العقد الاجتماعي، أو تقييم النفعي للأعمال والخدمات، أو حماية حقوق الإنسان الأساسية، كلها أمور تعتبر مبرراً. ولكن كيف يمكنك تأسيس وتبرير السلطة على المستوى الدولي؟ وما مقدار سلطة فرادى الدول ذات السيادة التي من المرجح أن تتنازل عنها لهيئة دولية؟

معضلة السلطة

تخيل ديمقراطية يحكمها برلمان مؤلف من 192 ممثلاً، يتجمعون للحوار والتصويت بشأن القوانين التي ينبغي تطبيقها في جميع أنحاء الدولة والمبادئ التي ينبغي أن يطبق عليها. بمجرد الموافقة على القوانين، في معظم الديمقراطيات، يكون على الحكومة وموظفي الخدمة المدنية مهمة تنفيذ تلك القوانين. بالطبع، نظرًا لأن الدولة ديمقراطية، فإن القوانين التي تصدرها دائمًا ما تكون بمثابة حل وسط. يعبر الممثلون عن وجهات نظر دوائرهم الانتخابية الخاصة، لكنهم لا يحصلون دائمًا على كل ما يريدون - إنها مسألة عطاء وأخذ، لتحقيق أفضل نتيجة عامة للدولة ككل.

 لكن في هذه الديمقراطية، تتم الأمور بشكل مختلف. بمجرد البت في القوانين، يتم إرسال الممثلين إلى  ولاياتهم ويكون لكل منهم مسؤولية تنفيذ القانون في دائرته الانتخابية، وجمع الأموال في تلك الدائرة من أجل القيام بذلك. لكن بطبيعة الحال، سيتعين على البعض العودة والاعتراف بأن وجهة نظرهم الخاصة لم تكن سائدة في البرلمان، وبالتالي سيكون لديهم صعوبة في إقناع ناخبيهم بالقيام بما هو مطلوب.

ثم يصبح الموقف أكثر تعقيدًا، لأن كل من هؤلاء الممثلين سيرغق في خدمة ناخبيه، وسيحتاج إلى دعمهم من أجل البقاء في منصبه. سوف تتنافس الاحتياجات المحلية الآن مع القانون على مستوى الولاية، وبما أن كل دائرة انتخابية تتمتع بالحكم الذاتي من الناحية العملية، ستكون هناك دائمًا فرصة لتجاهل ما تم الاتفاق عليه في البرلمان، أو محاولة تأخير تنفيذه.

ما هو أكثر من ذلك، تختلف الدوائر الانتخابية بشكل كبير في الحجم. يشعر البعض أنها كبيرة بما يكفي لتجاهل رغبات البرلمان دون أي عواقب وخيمة. يشعر الصغار بأنه لا ينبغي مطالبتهم بتحمل عبء القانون الوطني، لأن لديهم مشكلة كافية في إدارة دائرتهم الانتخابية.

ولكن نظرًا لأن المالية والسلطة في أيدي الدوائر الانتخابية، فمن المستحيل على الحكومة المركزية السيطرة على رغابتهم . يمكن فقط الحصول على الامتثال من خلال إقناع الدوائر الانتخابية الفردية بقبول القوانين المتفق عليها.

من الواضح أن مثل هذه الديمقراطية لن يكون لها فرصة كبيرة لدفع أي تشريع جذري. ستكون في الممارسة العملية دائمًا تحت رحمة الدوائر الانتخابية الكبرى، وسيكون لها سلطة بالاسم فقط.

هذه هي المعضلة التي تواجه الأمم المتحدة وأي منظمة دولية مماثلة. على الرغم من أن السلطة لا تزال في أيدي أعضاء فرديين، إلا أنها لا تملك القدرة على تنفيذ قراراتها. ويمكن للدول أن تتحداها، وعليها التفاوض مع الأعضاء للمساهمة بقوات من أجل اتخاذ أي إجراء لنزع فتيل الأزمة.

من ناحية أخرى، تحجم الدول الفردية عن التخلي عن وضعها السيادي وقوتها العسكرية وتسليمها إلى هيئة دولية. وبصرف النظر عن أي شيء آخر، بمجرد أن تتمتع هيئة دولية بالسلطة، سيكون من الصعب أن نرى كيف يمكن التحكم فيها أو استبدالها بشكل مناسب إذا بدأت في التحرك ضد مصالح الأعضاء.

ولذلك من غير المرجح أن تتحقق السلطة المركزية. لكن البرلمان المركزي الذي لا يتمتع بسلطة كافية لا يمكن أن يجبر، ولكن يقنع فقط، الدول باتباع قراراتها - وحيث تتعرض المصالح الوطنية للخطر، يمكن مقاومة هذا الإقناع ويتصلب بالإصرار على الحفاظ على المصالح الوطنية.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

جواد بشارةأثناء عملي وأبحاثي في علم الكونيات "الكوسمولوجيا" واجهتني معضلة إدراك وفهم واستيعاب الثقوب السوداء في الكون ودورها وسرها وماهيتها وما يحدث في داخلها وعلاقتها بالزمن الذي ربما يتجمد إلى الأبد في داخلها، ونوع الجاذبية أو الثقالة فيها وتأثيرها على نسيج الزمكان وغيرها من التساؤلات المتعلقة بهذا المسخ الفضائي الذي أفرزته لنا تداعيات النظرية النسبية لآينشتين، نظرياً في بادئ الأمر، ومن ثم بات عرضة للتساؤلات والشكوك والإنكار أحياناً، وفيما بعد غدا حقيقة علمية لا جدال فيها بعد أن تمكن العلماء من تصوير أول ثقب أسود في مجرة أم 87 M في 10 نيسان سنة 2019، ولكن هل النجاح في تصويره فوتوغرافياً يكفي لإثباته وجوده قطعياً؟ ما الذي نعرفه عن الثقوب السوداء؟ هذا ما سأحاول البحث فيه في هذا المبحث الصغير والمختصر والبسيط الموجه للعامة من الناس وللشباب وطلاب الثانويات والجامعات من غير المتخصصين في علوم الفيزياء.

ولقد طلب مني أن ألقي محاضرتين عن هذا الموضوع إحداهما في محافظة بابل في العراق والأخرى في باريس، ولقد وجدت أن هناك فائدة في ضم مضمون هذين المحاضرتين وإضفاء بعض التعديلات والإضافات إليهما بغية إعداد هذا النص الصغير في حجمه والكبير في فائدته كما أرجو .

وجد العلماء أن للنجوم الهائلة والعملاقة في الكون نهايات غامضة وغريبة. فأغلبها ينهار تحت وطأة ثقالته أو جاذبيته الذاتية ووزنه لعدة مرات إلى أن يصبح مضغوطاً، وهذه الظاهرة تسمى علمياً " الإنهيار الثقالي effondrement gravitationnel، والتي يمكن أن تستمر إلى أن تصل إلى مرحلة حرجة لتشكل ما عرف بالثقب الأسود، الذي تم تخيله أولاً، وحسابه، وتمثله حاسوبياً عن طريق برنامج محاكاة متطور، وأخيراً تم تصويره. لا يمكننا التعاطي مع عمله ووظيفته ودوره إلا من خلال نظرية النسبية العامة وهو الظاهرة التي تحققت من خلالها تنبؤات آينشتين كما قال العالم الفرنسي المتخصص بالثقوب السوداء جون بيير لومينيت Jean-Pierre Luminet من مختبر الفيزياء الفلكية في مرسيليا. إحدى تنبؤات آينشتين النظرية هي أن الزمن يمضي على نحو أبطأ عندما يكون قريباً من الثقب الأسود بسبب الحقل الثقالي الهائل لهذا الأخير. ولو تصورنا، نظرياً بالطبع، وجود رائد فضاء رحالة عبر الزمكان، يقترب من أفق الأحداث لثقب أسود، أي بالقرب من محيطه فتحته، فإننا على الأرض، على افتراض امتلاكنا لمقراب جبار، سوف نرى عقارب ساعة المسافر الفضائي تتباطأ في حركتهان فكل ثانية تصبح دقيقة، وكل دقيقة تصبح ساعة كاملة، وكلما اقترب أكثر، تغدو كل ساعة يوم، وكل يوم شهر وكل شهر سنة، وعندما يصل إلى نقطة اللاعودة، قبل أن يبتلع الثقب الأسود رائد الفضاء المغامر الإنتحاري، فإن كل ثانية تغدو لحظة أبدية une éternité، حيث يتجمد الزمن، من وجهة نظرنا نحن سكان الأرض، إلا أن الرحالة الفضائي نفسه لن يرئ ما نراه نحن عندما ينظر لعقارب ساعته التي تدور على نحو طبيعي بالنسبة له، ويسمي العلماء ذلك بالزمن المحض أو الزمن الخالص temps propre. ولكن عندما ينظر رائد الفضاء نحو الأرض باتجاه ساعاتنا الأرضية، فسيرى العكس، فسوف يشاهد زمننا على الأرض يمضي بسرعة مضطردة وبتسارع هائل كلما اقترب هو من الثقب الأسود أكثر فأكثر فالساعة تصير ثانية ومن ثم ميكرو ثانية، ومن ثم واحد من مليار المليار المليار المليار من الثانية الخ... وهو المعروف بالزمن الظاهر temps apparent بالنسبة للمسافر الفضائي في حين أننا لا نرى أي تغير في سرعة جريان الزمن عندنا على الأرض بالنسبة لنا، وهذا الاختلاف بين " الزمنين " هو الذي يشير إلى المرور من العالم الكلاسيكي إلى العالم النسبوي، بعبارة أخرى إن الثقوب السوداء هي الأجسام الفضائية التي يتوقف فيها الزمن الذي نعرفه أو ينعدم وجوده لأنه يتجمد ويتوقف عن المضي والتدفق.

الجذر التاريخي للظاهرة

قبل خمسة وعشرون قرناً، كان هناك، في العهد الإغريقي القديم، أشخاص أذكياء متميزين، قرروا تطعيم نزهاتهم بتساؤلات عميقة ووجودية مجلجلة ومزعجة للكثيرين. ولقد قرروا أنه قد لا يكون من غير المفيد أن يطرحوا على أنفسهم، وعلى غيرهم، أسئلة وتساؤلات، حتى لو كان من المحتمل جداً أن تفلت منا الأجوبة المرتجاة. الأهم ما في الأمر هو الطريقة التي يستجوبون فيها العالم والشك بالبديهيات السائدة والتفكير بإصرار ومثابرة وصرامة وجدية بكل المسلمات الدينية والعلمية والأخلاقية والثقافية والمعرفية وبمجل تاريخ الأفكار، وكانوا هم أول من فتح طريق التفكير العقلاني، وأورثونا نتاجهم الوفير والعميق مما يمكن أن نسميه " عصر الولادة الحقيقية للفلسفة.

ماهي الفلسفة؟ من الصعب إيجاد تعريف وافي وشافي وتام لهذه المفردة، إلا من خلال من أوجدها وعلى رأسهم أفلاطون وأرسطو، وقبلهم سقراط بالطبع. اعتبرها أفلاطون وأرسطو بأنها نوع من النزوع والدهشة واستقراء المجهول، أو طريقة للبقاء في حيز الغرابة، ولقد تبنى فلاسفة معاصرون كشوبنهور هذا التصنيف اللغوي ولكن بعبارات أخرى قرينة عندما عبر عن ذلك قائلاً :" إذا كان مايدهش العالم هو وجود أشياء تبدو فالتة من القوانين التي تسير الطبيعة، فإن ما يدهش الفيلسوف هو وجود تلك القوانين نفسها" فالنظرة الفلسفية تتوقف على أنه يجب التصرف كما لو أنه لم يكن هناك شيء بديهي، وكما لو أن أي شيء خاضع للتساؤل والمساءلة، وإن كافة الأمور والطبائع، حتى الأكثر ابتذالاً، تبدو غريبة ما أن نقبل النظر إليها باعتبارها خليط من النقاوة والعمق. فانبثاق التفكير الفلسفي كان بمثابة ثورة في عالم المعرفة، ومساهمة في انتقال التفكير بالصورة إلى التفكير بالمفهوم، أي باتجاه تفكير أكثر تجريدية وأكثر شكلانية وربما أكثر عقلانية. صاحب ذلك نوعاً من خرق للواقع، وهو أمر مألوف في الثورات الفكرية. فكل " الميتافيزيقيا" ــ هكذا سميت الفلسفة في بداياتها ــ قد نظمت حول التعارضات الثنوية أزواج من المفردات إحداها مضاد للأخرى. مثل فوق وتحت، صحيح وزائف، بشري وحيواني، عقل و شغف أو انفعال ورغبة، طبيعة وثقافة، حظور وغياب، جسد وروح، رجال ونساء الخ... فالنظر إلى هذه المرادفات المتضادة قد يكون مقبولاً أو مألوفاً للوهلة الأولى، لكن الأمر ليس بهذه البديهية أو البساطة عندما نمعن النظر فيه. فمفهوم الفوق والتحت يبدو بديهياً لا يحتاج للجدل والنقاش ولكن عندما نتحدث عن السقف والأرضية، وهما رديفين للفوق والتحت، يختلف الأمر تماماً . والحال أننا في الكون لا نجد فوق وتحت، لماذا؟ لأن الأرض حجرة صغيرة مدورة تسبح في الفضاء كما قال الفيلسوف الإغريقي آناكسيماندر، وبالتالي ليس هناك ما فوق الأرض وما تحت الأرض. وفي الواقع من الناحية العلمية، لا تسقط الأشياء من الأعلى إلى الأسفل بل تسقط على الأرض فالتحت في هذه الحال ليس هو نفسه بالنسبة لأحد ساكني بغداد أو أثينا أو باريس ونفس الشيء بالنسبة لتعارض مفهومي الحقيقي والمزيف، الذي قد يبدو معقولاً، ولكن عند التدقيق ستبدو الأمور نسبية فالجالس على كرسي يقال عنه إنه لا يتحرك، وهذا صحيح نسبياً، ولكن الكرسي موجود على الأرض التي تتحرك، فهو في نهاية المطاف ليس ساكناً بل متحركاً، لأن كوكب الأرض يتحرك بسرعة مليون كلم في الساعة بالنسبة لمركز مجرتنا درب التبانة. وفي الزمكان الفيزيائي يوجد " الحاوي" le contenant و" المحتوى" Le contenu، فالحاوي هنا مثلاً هو صالة المحاضرة، والمحتوى هو كل مايوجد فيها، أي نحن. فالحاوي في الفيزياء هو المكان والزمان أو الزمكان والمحتوى هو الأجسام والمادة والطاقة، بكل أنواعهما، وهكذا فهمنا العالم وعرفنا التمييز بين الحاوي الذي هو مطلق وساكن وثابت كما كان يعتقد اسحق نيوتن، والمحتوى الذي هو ديناميكي وفي تطور دائم كالنجوم والكواكب التي يدور بعضها حول بعض وحول نفسها والظواهر التي تحدث، إلا أن عالم عبقري يدعى آينشتين زعزع هذه المسلمة في بداية القرن العشرين وأظهر إن هذا الانفصال بين الحاوي والمحتوى هو في الواقع مصطنع .

أثبت آينشتين، في إطار نظرية النسبية الخاصة، أمراً مهماً وهو أن " الزمكان" هو وحدة مندمجة و لا يجب الفصل بين المكان والزمن فلا معنى لمثل هذا التمييز بينهما عكس ما هو متعارف عليه في حياتنا اليومية حيث المكان والزمن كيانين منفصلين ومختلفين رغم غرابة الطرح. ولقد أثبتت النسبية الخاصة أن بالإمكان تمدد الزمن وتقلص وإنكماش المكان أو الفضاء وإن الزمن يجري ولكن ليس بنفس السرعة حسب موقع وموضع الشخص وارتفاع موقعه وقربه أو بعده عن الأجسام ذات الكتلة والجاذبية الكبيرتين، والسرعة التي يتنقل بها، ما يعني أننا يمكن أن نسافر عبر الزمن ونذهب لمستقبل أو نعود للماضي، من الناحية النظرية بالطبع، فليس هناك ما يمنع ذلك من الناحية العلمية. فالسفر عبر الزمن يتطلب سرعات عالية تقرب من سرعة الضوء الثابتة وهي 300000 كلم في الثانية بيد أننا لانمتلك الإمكانيات التقنية والتكنولوجية لصنع مركبة فضائية تطير بسرعة تقرب من سرعة الضوء بل ولا حتى خمسة بالمائة من سرعة الضوء. كما لو أننا نأخذ رجل يعيش 100 سنة ونجعله يعيش 100000 سنة وذلك بأخذه نحو المستقبل شريطة جعله يسافر بسرعة قريبة من سرعة الضوء لسنة والعودة به إلى الأرض التي يكون قد مر عليها 100000 سنة دون أن يمر الشخص بهذه الفترة الزمنية الكبيرة ودون أن تصيبه الشيخوخة فهو يكبر سنتين فحسب ذهابا وإياباً لكن السفر يكون باتجاه واحد ولايمكن العودة للماضي، أي للفترة التي بدأ منها سفرته الفضائية. ولقد طور آينشتين نظريته النسبية وصاغ النسبية العامة والتي تقول أن الفضاء والمكان الذي نعيش فيه يتحرك ولكن يجب التفكير بذلك رياضياتياً فالفضاء أو المكان ليس هو ذلك الذي يضم النجوم والكواكب بل هو " الحاوي أي وفق منطق الإحداثيات الرياضياتية . ولقد أعلمنا آينشتين أن الأجسام تقوم بحني المكان من حولها وكذلك فإن التمييز بين الزمكان ومحتوياته أمر تعسفي لا معنى له، أي اعتباطي وكيفي . والحال إن الزمكان وفق النسبية العامة قابل للتطور والتغير والانبعاج، ولهذا فهو ليس ثابتاً غير قابل للتبدل ويفقد إطلاقيته ويغدو قابلاً للإنحناء . ولقد فهم آينشتين أن الزمكان هو رديف للجاذبية وإن الثقالة هي الزمكان أي هي ليست قوة مستقلة عن الزمكان وهذا تصور بالغ الأهمية لهندسة الكون حيث نحن نعيش في حقل ثقالي متعدد المظاهر والتمظهر أو التمثل. فالأشياء والأجسام هي حقول مادية أو مجالات وحقول للمادة، والزمكان إن هو إلا حقل ثقالي، و لا فرق كبير بين الإثنين، حيث يتم تجاوز الحاوي والمحتوى. فالزمكان ليس فقط يتحدب وينحني، بل وكذلك يتحرك ويتطور ويتقولب وبالتالي فهو ديناميكي.

فكل شيء يلوي ويثني الزمكان وبنفس الوقت يلقن الزمكان للمادة الاتجاهات والمسارات والمدارات التي عليها سلوكها. ويترتب على ذلك تداعيات واضحة وملموسة وقابلة للقياس. فكما للزمن، الذي هو جزء من الزمكان، ارتباط بالمادة فإن هذه الأخيرة تؤثر بدورها على جريانه وتدفقه وماهيته . فهناك الزمن المحسوس والزمن الموضوعي المقاس بواسطة ساعاتنا.

الفضاء أو المكان غدا مادة أو شيء فيزيائي فهو يسقط ويرتفع ويتمدد ويتقلص وبنبعج وينحني ويتحدب ويتمطط وينكمش ويتوسع، بعبارة أخرى يكبر ويصغر ويتحول، فهو بالتالي ليس ثابت ساكن وليس مطلق، وهو مرهون بمحتوياته من غازات كونية ومجرات وأكداس أو حشود وعناقيد مجرية ونجوم وكواكب وأقمار الخ..

ففي الكون المرئي توجد مئات المليارات من المجرات، وفي كل مجرة مئات أو آلاف المليارات من النجوم مختلفة الأحجام والكتل والأوزان، وكلها تنتقل وتتحرك وتدور وتتصادم وتندمج وتكبر، ومعها يكبر ويتوسع ويتمدد الفضاء وينتفخ، فالذي يتحرك فعلياً هو الفضاء الحاوي لتلك المكونات . ولقد بات بوسع العلم والعلماء والتكنولوجيا أن يعرفوا ويدرسوا ويقيسوا تطور وتاريخ هذا الكون المرئي من جزء من مليار المليار من الثانية بعد الانفجار العظيم إلى اليوم.

أي منذ ما يربو على 13.8 مليار سنة. وكل شيء في هذا الكون المرئي، بما فيه نحن البشر، والكائنات الأخرى، مكون من جسيمات أولية في غاية الصغر، في اللامتناهي في الصغر، فاللبنة الأولية لمكونات اللامتناهي في الكبر في الزمكان هي الجسيمات الأولية، أي المجرات وحشودها والسدم وأكداسها، والتي كانت كلها مضغوطة في نقطة لامتناهية في الصغر هي " الفرادة" الكونية والتي منها انطلق الانفجار العظيم ونشأت المادة بكل أنواعها، في هذه النقطة كان الاتصال بين اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر وتوحد القوانين وتلاحم الفيزياء النسبية مع الفيزياء الكمومية أو الكوانتية . يصعب على الناس غير المتخصصين تمثل ذلك وإدراكه أو تصوره لكنه واضح وجلي ومثبت من وجهة نظر العلم في وصفه للواقع والطبيعة . من هنا تبرز تساؤلات أغلبها وجودية وبشرية من قبيل: أين حدث الانفجار العظيم؟ لا توجد إجابة قاطعة وحاسمة وناجعة لهذا السؤال بل افتراضات فالجواب ليس سهلاً فهو حدث في كل مكان حيث اللامكان وفي نفس الوقت حيث اللازمان لأن الزمكان المادي ولد مع الانفجار العظيم، عن ذلك الحدث انبثق المكان والزمان ولقد علمتنا النسبية الآينشتينية أنه لايوجد " مركز" للكون المرئي وبأن الزمكان ديناميكي متحرك ومتغير. ماهي حدود الكون المرئي؟ هذا سؤال جيد لكنه لا يمتلك له أحد إجابة فلاوجود لحدود الكون فهو محدد ومحدود ولكنه بلا حدود مثلما لايوجد حدود للكرة فلنتخيل نملة تحبو على سطح بالون، فهي لن تصل إلى أية حدود على الإطلاق. وكان العلماء يعتقدون بعدم وجود ما هو " خارج الكون المرئي" قبل ظهور نظرية الأكوان المتعددة. ومن ثم يأتي السؤال الأكثر صعوبة ولغزية ألا وهو : ماذا كان يوجد قبل الانفجار العظيم؟ لايمتلك العلم هنا أيضاً جواباً نهائياً، بل هناك عدة أجوبة وفرضيات ونظريات بلورها التفكير العلمي على مدى عقود طويلة بما تنطوي عليه الإجابات من شكوك واعتراضات وتردد. أحد تلك الإجابات هو لا يوجد شيء يمكن أن نصفه بـ " قبل البغ بانغ الانفجار العظيم" فالقبل والبعد مفاهيم زمنية والزمن أرضية وبشرية فهو لم يكن موجوداً بل ولد وانبثق مع حدوث الانفجار العظيم مثلما لايوجد شمال للقطب الشمالي و لامعنى للسؤال عن " قبل" البغ بانغ لأن الزمن لم يكن موجوداً. هذه هي الإجابة الرسمية الأولية التي يرد بها العلماء على عامة الناس بخصوص هذا السؤال. ولكن، بما أن اللايقين والتقصي هما في قلب العلم، فإن العلماء يعرفون أن النسبية العامة تتوقف وتتعطل عند مرحلة البغ بانغ الانفجار العظيم ولم تعد صالحة فالقيم الفيزيائية عند الانفجار العظيم لانهائية كالكثافة والحرارة الخ.. وبالتالي فإن الجواب الذي تقدمه النسبية العامة ربما ليس صحيحاً تماماً. وعليه يجب اللجوء إلى نظرية أخرى لمعرفة الإجابة، فحسب نظرية " الثقالة الكمومية العروية التعاقبية la gravitation quantique à boucles التي ترنو لكي تتخطى نسبية آينشتين، تقول أن هناك مرحلة " تقلص للمكان أو الفضاء قبل مرحلة التمدد والتوسع التي نشهدها الآن وأن هناك حدث تسميه النظرية بالإنكماش العظيم Big Crunch سبق الانفجار العظيم البغ بانغ وأن هناك حدث آخر هو القفزة الكبرى أو الإنتعاش الكبيرgrand rebond أو الإرتداد العظيم big bounce قبل التوسع. وهناك نظرية المعلومة الحاسوبية عن الكون المرئي قبل انبثاقه كما هو حال الفيلم على قرص الدي في دي DVD قبل عرضه على جهاز كومبيوتر، والذي يحتوي على ذاكرة ومحتويات وقوانين الكون المرئي ولكن على نحو رقمي numérisé، لكن كل ذلك مجرد تكهنات وافتراضات ليس إلا، قد تكون صحيحة وقد تكون خاطئة. فالعلم لايبحث عن حقيقة قاطعة، ولا يمتلك الحقيقة المطلقة. بيد أن البحث الدؤوب سيقودنا حتما يوماً ما إلى إجابة علمية ناجعة وحاسمة وقاطعة عن " ما قبل البغ بانغ"، وهذا ينطبق أيضاً على موضوع " الثقوب السوداء". كتب دانتي في الكوميديا الإلهية عن الجحيم " أن من يدخله يفقد أي أمل " نحن لانعرف إذا كان المرء داخل الجحيم يعيش أو يموت لكننا نعرف أن لا أمل له بالنجاة يوما ما، وهذا هو حال من يدخل الثقب الأسود. فالداخل إليه مفقود إلى مالانهاية والخارج منه مولود وهو أمر مستحيل في الوقت الحاضر. نحن لا نعرف مايدور داخل الثقب الأسود لكننا نستطيع أن نرقبه ونرصده، بل تمكنا أخيراً من تصويره فوتوغرافياً. نفترض أن الثقب الأسود جسم كوني فضائي كروي لاشيء ينفذ منه حتى الضوء لذلك نسميه الثقب الأسود. جاذبيته لانهائية تمنع أي شيء من الإفلات منه. فلو رمينا حجراً فسوف يسقط على الأرض بفعل الجاذبية الأرضية ولو أعطيناه سرعة كبيرة تفوق الأحد عشر كلم في الثانية، وهي سرعة كبيرة\ن فسوف يفلت الحجر من الجاذبية الأرضية ولكن لو كانت قوة جاذبية الأرض بمقدار جاذبية الثقب الأسود فلن يتمكن الحجر المقذوف الإفلات منها حتى لو انطلق بسرعة الضوء أي 300000 كلم في الثانية. فالجسم الفضائي الذي يحتجز حتى الضوء بداخل ويمنعه من الخروج لأنه لايمتلك السرعة الكافية لذلك، هو الذي نسميه الثقب الأسود. وبما أنه لا يوجد شيء أسرع من الضوء، رغم محدودية هذه السرعة، فهذا يعني أنه لاشيء يمكنه الإفلات من هذا الوحش الفضائي المفترس الذي أطلق عليه تسمية الثقب الأسود والذي يبتلع كل شيء من حوله. إن فكرة وجود الثقوب السوداء لاتعود لآينشتين ونظريته ولم يختلقها هذا الأخير بل تعود إلى القرن الثامن عشر فالذي قال بفكرة وجود الثقوب السوداء هما عالمي الفلك الانجليزي جون ميشيل John Michell وعالم الفيزياء والفلك الفرنسي الماركيز بيير سيمون دو لابلاسPierre Simon de Laplace . نحن لا نرى الثقوب السوداء على نحو مباشر لكننا نشعر بتأثيراتها الثقالية على ماحولها وما هو قريب منها في الكون المرئي فهي موجودة في كل مكان وفي جميع المجرات ووجودها مؤكد ومثبت علمياً تجريبياً ونظرياً. فليس كل ما لا نراه ونلمسه ليس موجوداً. فنحن لانرى الكواركات لكنها موجدة ونعمل عليها مختبرياً، فعلينا أن نكون حذرين مع البديهيات السائدة بين الناس العاديين غير المتخصصين. ما نشاهده عبر التلسكوبات الأرضية والفضائية والمسابير والمركبات الفضائية الاستكشافية عن الثقوب السوداء يعطي الانطباع أنها تجذب إليها كل مايدور حولها من أغبرة وغازات ومواد ونجوم وكواكب التي تبدو وكأنها تسقط في داخلها ويسمي العلماء هذه الظاهرة بــ " أقراص التراكم disques d'accrétion" التي تدور حول أفق الأحداث قبل سقوطها إلى أعماق الثقب الأسود. وفي أثناء هذه المرحلة تسخن الجسيمات الأولية وتشع كالتنور أو الفرن ونتوقع أن نرمق نفثات من تلك المواد المستعرة ولكن في الحقيقة إن ذلك لا يأتي من داخل الثقب الأسود لأن لاشيء يمكنه أن يخرج منه، بل من المحيط الذي حوله والمطوق لفوهته والذي نسميه بأفق الأحداث Horizon d’événements، وهذه كانت بمثابة مؤشرات ودلائل تجريبية على وجود الثقب الأسود قبل تصويره مؤخراً. ففي السابق كان العلماء يعتقدون بأن الثقوب السوداء أشياء ممكنة نظرياً لكنها قد لا تكون موجودة في الواقع الفيزيائي لأن الحسابات كانت مذهلة فلو ضغطت الأرض إلى حجم مللم مكعب لتحولت إلى ثقب أسود، وبواسطة العلم تم التأكد من تحول نجوم فائقة الكتلة والحجم والكثافة إلى ثقوب سوداء في نهاية حياتها بعد إنهيارها على نفسها بفعل جاذبيتها الثقالية الهائلة وتحولت إلى كرة سوداء مظلمة لا تمتلك سطحاً صلداً فالسطح غير موجود بالمعنى الملموس والمادي فهو غير مادي لكنه يجذب ويبتلع كل المواد التي تقترب منه وتسقط بداخله بعد عبورها أفق الأحداث ووصولها إلى نقطة اللاعودة. وفي مركز الثقب الأسود توجد نقطة هي " الفرادة " التي تحتوي مجمل كتلة الثقب الأسود حيث تكون الكثافة والكتلة الحجمية لامتناهية . والمفارقة هي أن الثقوب السوداء هي الأجسام الأكثر بساطة وغموضاً وتعقيداً ولغزية في آن واحد في الكون المرئي. فهي عبارة عن تكوينات هندسية محضة وتبدو تجريدية . فالثقب الأسود ليس مكوناً من مليارات المليارات من الجسيمات المادية الأولية كما هو حال أي شيء مادي موجود في الكون من الذرة إلى المجرة. فالثقب الأسود هو بعبارة أخرى، تشوه هندسي للمكان أو الفضاء déformation géométrique de l’espace. ولكن ماطبيعة ذلك المكان الذي يحتوي الثقوب السوداء إلى جانب المكونات المادية للكون المرئي المتسارع في توسعه؟ سأل أحد الأطفال البالغ من العمر خمسة أعوام عالم الفيزياء والرياضيات السويدي المقيم في أمريكا ماكس تيغمارك، وكان حاضراً مع والده في محاضرة لهذا العالم عن الكون : " هل بوسع المكان أو الفضاء أن يكبر إلى ما لانهاية لكي يستوعب تمدد الكون اللانهائي؟" وكان السؤال مفاجيء ومدهش أثار إعجاب العالم المحاضر حيث توجه هذا الأخير لجمهور الحضور قائلاً :" يجب أن نتعلم من هذا الطفل كيف نطرح الأسئلة الحقيقية". وهي أسئلة لا تعد ولا تحصى، بعضها عميق وجوهري من قبيل:" 1- بأي شكل من الأشكال يمكن للفضاء أو المكان ألا يكون لانهائياً؟ 2- كيف يمكن لفضاء أو مكان لا نهائي أن يوجد في زمن نهائي محدد؟ -3 في أي شيء أو حيز يتمدد كوننا المرئي ويتوسع؟ هل هناك مكان أو فضاء خارجه أو حوله لكي يتمدد فيه؟ -4 في أي منطقة من الفضاء حدث الإنفجار العظيم البغ بانغ؟ -5 هل وقع الانفجار العظيم في نقطة واحدة؟ - 6 إذا كان عمر كوننا المرئي التقديري هو 13.8 مليار سنة فكيف أمكننا رصد ومشاهدة أجسام فضائية ــ نجوم ومجرات وأكداس أو حشود وعناقيد مجرية ــ تقع على مسافات تبعد 30 مليار سنة ضوئية ــ أي مايقطعه الضوء في سنة واحدة أرضية بسرعة 3000000 كلم/ ثانية، على مدى ثلاثين سنة ؟ - 7 هروب المجرات بسرعة تفوق سرعة الضوء كما رصدنا بتلسكوباتنا الحديثة، ألا يعد ذلك خرقاً لنظرية النسبية العامة لآينشتين التي تقول لايوجد في الكون ماهو أسرع من الضوء؟ - 8 هل تبتعد المجرات حقاً عنا أم إن المكان أو الفضاء الذي يحتويها هو الذي يتوسع ؟ - 9 هل مجرة درب التبانة هي أيضاً في حالة توسع ؟ - 10 هل نمتلك دليلاً على وجود فرادة للانفجار العظيم؟ - 11 ألا يخرق موضوع خلق المادة جراء التضخم الكوني من لاشيء تقريباً، مبدأ حفظ الطاقة باعتبار المادة شكل من أشكال الطاقة؟ - 12 مالذي تسبب بوقوع الانفجار العظيم البغ بانغ ؟- 13 ماذا كان يوجد قبل حدوث الانفجار العظيم؟ - 14 ما هو المصير النهائي لكوننا المرئي- 15 ماهي حقيقة المادة السوداء أو المعتمة والطاقة السوداء أو المظلمة؟ - 16 هل نحن بلا قيمة تذكر في هذا الكون المرئي الذي لا يعنيه وجودنا من عدمه؟ - 17 هل نحن وحيدون في هذا الكون؟ هل هناك كون غير مرئي أو أكوان خفية إلى جانب كوننا المرئي؟ - 18 هل المادة المضادة التي كانت موجود في كوننا إبان حدوث الانفجار العظيم بالتساوي تقريبا مع المادة العادية اختفت نهائياً أم ما تزال موجودة في مكان ما ؟ - 19 هل يمكن أن نتقبل فكرة أن المادة المضادة تشكل كوناً منها توأماً لكوننا المرئي وموازياً له؟ - 20 هل سنتمكن يوما ما من معرفة سر وفك لغز الثقوب السوداء ومعرفة ما يجري في داخلها؟

ماهو مصدر وأصل الثقوب السوداء؟:

المصدر الأساسي لبعض الثقوب السوداء الكبيرة أو العملاقة هو النجوم الفائقة، التي تفوق كتلتها مائة مرة فأكثر كتلة شمسنا، والتي تنتهي حياتها عندما تستهلك كامل وقودها عندها لم يعد هناك شيء يمنع إنهيارها effondrement على نفسها بفعل ثقالتها الجاذبة القوية جداً فيحصل ما يعرف بانفجار المستعر الكبير السوبرنوفا supernova ويتحول النجم المنهار إلى ثقب أسود. وهناك ثقوب سوداء متوسطة وأخرى صغيرة وبعضها مجهري، وهناك ثقوب سوداء قديمة ولدت مع نشأة الكون المرئي إثناء الانفجار العظيم. من الأمور المدهشة التي ترتبط بالثقب الأسود تدفق الزمن . فلو كنت في رحلة على متن مركبة فضائية واقتربت من أفق الأحداث لثقب أسود دون أن تدخل فيه وبقيت تحوم حوله لمدة عشر دقائق وعدت أدراجك إلى الأرض فسوف تجد أن مائة ألف عام قد مرت على الأرض، أي سوف تجد أمامك مستقبل الأرض بعد مرور مائة ألف عام في حين لم يمر عليك سوى عشر دقائق فقط. فالزمن ليس هو نفسه على الأرض وبالقرب من ثقب أسود. فهو يجري ببطئ عندما يكون قريباً من الثقب الأسود وإذا اقتربت من نقطة اللاعودة ومسست أفق الأحداث فسوف يكون التباطؤ الزمني لانهائياً وتبدو للناظر من خارج الثقب الأسود عبر التلسكوب وكأنك متجمد الحركة فالزمن يبدو ساكناً لا يتدفق. في حين ينقضي مليون أو مليار سنة في أماكن أخرى في الكون المرئي. فالزمكان حسب آينشتين مرتبط بالكتلة والحال إن الثقب الأسود كثيف جداً في كتلته لذلك يؤثر على تدفق الزمن في مجراه الطبيعي كما تخبرنا نظرية النسبية العامة حيث لا يوجد زمن كوني واحد متشابه ومتماثل لكل الأشياء في الكون المرئي. لأن الزمن يتمدد وتباطأ ويتسارع حسب الظروف. ويمكن أن يحصل تباطؤ في الزمن إذا تحركنا بسرعات عالية واقتربنا من سرعة الضوء. فالثانية بالنسبة لك وأنت تسافر بسرعة تقترب من سرعة الضوء تساوي نصف قرن بالنسبة لوالديك على الأرض والعكس صحيح لو سافر والداك بسرعة عالية تقترب من سرعة الضوء لمدة ثانية ويعودان إليك وأنت واقف على ألأرض فسوف يجدان أن كبرت وشخت خمسين سنة وأصبحت أكبر عمراً منهما . القانون العلمي يثبت ذلك ولقد تجسد في الفيلم الرائع انترستيلر حيث يعود الأب من رحلة لبضعة ساعات ويجد أبنته الصغيرة عجوز طاعنة في السن و تكبره بأكثر من نصف قرن. صورة السماء تمنحنا منظراً مدهشاً وتعرض لنا أشياء غريبة فلكل نجم هناك صورتين أو أكثر، بل وربما عدد لانهائي من الصور حسب المسارات المختلفة التي يتبعها الضوء الصادر عنها خاصة بعد أن عرفنا بفضل آينشتين أن الفضاء أو المكان محدب ومنحني وبالتالي لايأتينا الضوء منها على نحو مستقيم. فالثقوب السوداء تولد صور شبحية لكل جسم فضائي أو كوني. فهناك الصورة الحقيقية وهناك الصورة الشبحية التي يأتينا بها الضوء المار من خلف أو بالقرب من ثقب أسود ولو قربنا الصورة بتلسكوبات متطورة جداً لرأينا عدد لانهائي من الصورة لكل نجم فالضوء يدور حول الثقب الأسود قبل أن يدور خارجاً ومبتعداً عنه إذا كان خارج منطقة أفق الأحداث. فوجود الثقب الأسود يؤدي إلى تشويه صورة السماء التي يمكن أن نراها في المناطق التي تخلو من الثقوب السوداء في الكون المرئي. ولو اقترب الضوء الصادر عن نجم أكثر من الثقب الأسود وسقط في أفق الأحداث فإن الثقب الأسود سيبتلع الضوء وتضيع صورة النجم الذي أطلقه. ويمكن أن يحبس الضوء الصادر عن نجم في منطقة بالقرب من الثقب الأسود حيث لايستطيع الضوء الإفلات منها و لا السقوط في هوة الثقب الأسود بل يظل يدور حول الثقب الأسود إلى ما لانهاية خالقاً من نسميه بالكرة الضوئية sphère de lumière. نحن نعرف من الناحية النظرية أننا لو ولجنا إلى داخل ثقب أسود فسوف نشعر أنه يحيط بنا حتى قبل الدخول إليه ولو استمرينا في رحلتنا داخله فسوف تحدث أشياء لايتصورها عقل وتتخطى الخيال كتحول الزمن إلى مكان والمكان إلى زمن وذلك يتجاوز مدى الإدراك والاستيعاب والفهم البشري ومع ذلك أثبت العلماء هذه الحقيقة العلمية بحسابات ومعادلات رياضياتية عميقة ومتقدمة جداً.

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

فاخر جاسمتطرقنا في القسم الأول من هذه الدراسة الى مفهوم الدولة القانونية المعاصرة والى العلاقة بين السلطة والدولة في مسعانا لإضاءة العلاقة الجدلية بين السلطة والدولة في العراق بعد الاحتلال الأمريكي. وسنتطرق هنا في القسم الثاني الى دورالاحتلال الأمريكي في أعادة بناء الدولة العراقية وأسباب تعزيز دور السلطة على حساب الدولة.

المحور الثاني: دور الاحتلال الأمريكي في أعادة بناء الدولة العراقية

 أدى الاحتلال الأمريكي للعراق إلى تفكيك الدولة، بعد ان انهارت مؤسساتها السيادية، خاصة الحكومة والمؤسسة العسكرية، بناء على قرار سلطة الاحتلال وموافقة النخب السياسية التي عملت تحت ظله. أدت هذه الإجراءات إلى إنهاء وجود الدولة بمفهوما القانوني المتعارف عليه، بسبب فقدانها السلطة والسيادة التي انتقلت إلى سلطة الاحتلال، وفق قرار مجلس الأمن الدولي الذي اضاف على سلطة الاحتلال شرعية دولية. لقد ترتب على ذلك مجموعة من النتائج، من أهمها:

تولت قوى الاحتلال السلطة الفعلية في العراق، بعد اسقاط الحكومة العراقية المعترف بها دولياً.

أعادت سلطة الاحتلال بناء الدولة على أساس المكونات الطائفية ـ القومية وليس على أساس المواطنة، وثبت ذلك في دستور عام 2005 المادة الثالثة، وقد حصل هذا التوجه على موافقة القوى السياسية المتنفذة التي شاركت قوى الاحتلال بالسلطة.

تشكيل سلطة مؤقته " مجلس الحكم" تتكون من الاحزاب السياسية المعارضة، تعمل إلى جانب سلطة الاحتلال، كما تشكلت حكومة ليس لها سلطات فعلية. وقد ترتب على هذا التوجه، اعادة بناء السلطة الجديدة على أساس المحاصصة الطائفية ـ العرقية التي اخذت صبغة سياسية في الظاهر، وطائفية عرقية في الجوهر.

حلت هذه السلطة محل الدولة واخذت كافة مهامها بالتدريج من خلال الدمج بين السلطة/ الحكومة، والدولة بحيث أصبح جهاز السلطة يقوم بمقام الدولة.

تم حل كافة مؤسسات الدولة، بما فيها الجيش والقوى الأمنية، وتم تسريح جهاز الدولة البيروقراطي وأعيد بناءه، وفق نظام المحاصصة، لتكون مطابقة لبناء السلطة، حيث تم توزيع إدارة كافة مؤسسات السلطة الجديدة على أساس المحاصصة الطائفية ـ القومية، والاستعاضة عن الكوادر العليا والوسطى في مؤسسات الدولة بمنتسبي الأحزاب السياسية، بعيدا عن الكفاءة والخبرة.

تشجيع نمو المؤسسات الأهلية، خاصة العشائرية، بتوزيع السلاح والاموال على رؤساء العشائر وتعزيز نفوذهم ليكونوا سلطة موازية تنافس مؤسسات الدولة، بهدف تكوين قاعدة اجتماعية مساندة لسلطة الاحتلال وتوجهاتها اللاحقة.

إنهاء دور الدولة في الحياة الاقتصادية، باعتماد نهج الليبرالية الجديدة الذي يقوم على عدم اعادة تشغيل المؤسسات الانتاجية الحكومية وتصفيتها تدريجياً، باستثناء استخراج النفط وتصديره، من خلال عمليتي الاستثمار والخصصة. لقد أدت هذه السياسة إلى جعل العراق سوقاً لتصريف البضائع الأجنبية.

العمل على تأسيس منظومة قانونية، على أساس قرارات سلطة الاحتلال، التي أصبحت لها قوة القانون وملزمة التنفيذ من قبل كافة مؤسسات الدولة.

من اجل اعطاء استمرارية لتهميش مؤسسات الدولة، ، تم اصدار قانون اجتثاث البعث، الذي أدى إلى تسريح بقايا الجهاز البيروقراطي للدولة. كما أن تنفيذه" أي قانون اجتثاث البعث" بطريقة انتقائية، إدى إلى حرمان مؤسسات الدولة من قدرات قيادية في مختلف المستويات كانت الحاجة ماسة لها للمساهمة في اعادة هذه المؤسسات للعمل، إضافة إلى تنامي مشاعر الغبن والتمييز الطائفي لدى فئات واسعة من المواطنين.

المحور الثالث: أسباب تعزيز دور السلطة على حساب الدولة.

كثير ما يحصل تداخل بين السلطة والدولة، حيث ينظر إلى الدولة بانها السلطة/ الحكومة والسلطة هي الدولة، وهذا يحدث في المجتمعات التي لا تملك وعياً سياسياً ولا ثقافة ديمقراطية. وكثيرا ما تروج لهذا المفهوم النخب السياسية المتنفذة بهدف السيطرة على مؤسسات الدولة وتسخيرها لمصالحها الخاصة، واتخاذها، "أي مؤسسات الدولة "، وسيلة للاستحواذ على الثروة. 

 كما ان الخلط بين الدولة والسلطة، تلجأ إليه القوى الطائفية ، خاصة عندما تحصل على السلطة عن طريق الشرعية الانتخابية، بهدف شرعنة توجهها لتغيير طبيعة الدولة وفق معتقدات هذه القوى، وهذا ما يسعى إليه الإسلام السياسي بعد الفوز بالسلطة " مثلاً إعتماد نظام ولاية الفقيه في أيران، مساعي أغلب حركات الإسلام السياسي لفرض إيديولوجيتها على الدولة والمجتمع بعد سيطرتها على السلطة، كحزب المؤتمر الوطني في السودان بعد 1989 وماحدث في العراق بعد عام 2003، محاولة أخونة المجتمع من قبل حركة الأخوان المسلمين بعد ثورة 25 يناير2011 في مصر.

وبخصوص العراق، هناك العديد من الأسباب التي أدت إلى تعزيز دور السلطة على حساب الدولة، ويمكن تقسيم هذه الأسباب إلى قسمين، خارجية وداخلية،

أولاً. الأسباب الخارجية

 1ـ القوى الإقليمية تشجع تعزيز دور السلطة على حساب الدولة، لأسباب عدة، منها، يتعلق بطبيعة هذه الدول التي تدمج بين السلطة والدولة، ومنها، المخاوف من وجود دولة قوية في العراق، نتيجة علاقات دول الأقليم المتوترة مع السلطة الحاكمة في العراق، قبل 2003، والتي استمرت بأشكال متعددة بعد ذلك، ومنها، الأسباب الاقتصادية التي تريد بقاء العراق سوقاً لتصدير بضائع هذه الدول. لذلك تفضل دول الإقليم التعامل مع النخب السياسية الماسكة بالسلطة التي قضت فترة طويلة في المعارضة وبالتالي بعدها عن ممارسة العمل الحكومي، مقارنة بأجهزة الدولة، التي تمتلك خبرة في التعامل في العلاقات الدولية وعقد الاتفاقيات مع الدول الاخرى، لما تملكه هذه الأجهزة من الفنيين والخبراء. لقد أدت هذه الاتفاقيات إلى أضرار كبيرة للاقتصاد العراقي وخسائر مالية ضخمة (1). 

 عموماً إن دول الأقاليم تفضل التعامل مع سلطة متغيرة بالمقارنة مع دولة تقيم علاقتها الخارجية على أساس المصالح الوطنية وليس على أساس حسابات سياسية، كما هو شان الحكومات التي تولت السلطة في العراق بعد الاحتلال. 

 2ـ عندما قامت قوى الاحتلال، بأسقاط الدولة، ركزت على افراغ مؤسساتها " الدولة " من الكوادر ذات الخبرة المهنية العالية ومنعت مشاركتها في إعادة بناء الدولة، وبدلا عن ذلك تعاونت مع الأحزاب السياسية المعارضة، خاصة قوى الإسلام السياسي، التي لا تملك رؤية واضحة في بناء الدولة، بسبب منظومتها الفكرية، المرتكزة على مفهوم الإمامة/ الخلافة، وهو مفهوم يختزل الدولة ويدمجها مع السلطة. يضاف إلى ذلك ان هذه الأحزاب لا تمتلك برامج وخطط واضحة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية. إن هذه السياسة من قوى الاحتلال ادت إلى انشاء سلطة عميقة توجه الدولة لخدمة مصالحها الخاصة.

ثانياً. الأسباب الداخلية

اصرار قوى الإسلام السياسي الماسكة بالسلطة السياسية على عدم وجود فترة انتقالية، يتم خلالها القضاء على مخلفات سياسة الاستبداد وتهيئة الظروف المناسبة لاعادة بناء الدولة على أسس وطنية بعيدة عن تدخل قوى الاحتلال.

عدم وجود نظام قانوني يضبط الممارسة الفعلية للسلطة الأمر الذي أدى إلى تعزيز قوة السلطة على حساب الدولة وبالتالي اضعاف دورها في ممارسة سلطتها في المجتمع. وسنشير لاحقاً إلى مساهمة سلطة الاحتلال في تأسيس بنية دستورية، بدأت بقانون إدارة الدولة، وقرارات قابلة لتفسيرات متعددة، وجرت صياغة الدستور العراقي لعام 2005 على نفس الأسس. كما تشير مقدمة الدستورالتي أعطت أهمية للمكونات، على حساب المواطنة الواحدة، وكذلك ما ورد في المادة 2 من الدستورحيث أشارت في فقرتها الأولى إلى الالتزام بحقوق الإنسان وفي الفقرة الثانية، عدم تشريع اي قانون يتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية، كذلك ما ورد في المادة 45 التي أشارات إلى " تشجيع دور منظمات المجتمع المدني" والنهوض بدور العشائر والقبائل العراقية" كذلك جرى الابتعاد عن مبادئ المواطنة في صياغة المادة 92 التي تخص تشكيل المحكمة الاتحادية التي تشير إلى انها تتكون من " عدد من القضاء ، وخبراء في الفقه الإسلامي "(2).لقد ساعد هذا الغموض، اضافة إلى عوامل أخرى، على تشكيل بنية قانونية، تعزز دور السلطة السياسية على حساب الدولة، حيث اعتمد البرلمان نهج المساومة، التي تكون منسجمة مع نظام المحاصصة الطائفية والقومية في أصدار التشريعات والقوانين وفق مبدأ " السلة الواحدة "، وهو مبدا يتناقض مع الديمقراطية ولا يخدم بناء الدولة القانونية ، بل يعزز دور النخب الحاكمة ويهيئ القاعدة القانونية لاعادة نفس النخب السياسية وقياداتها إلى السلطة عن طريق انتخابات مشكوك في شرعيتها.

سيطرة السلطة على الجهاز الإداري الذي يدير شؤون الحكومة والدولة، عن طريق أحداث تغييرات سريعة في الجهاز الإداري، عبر إزاحة الكوادر المهنية ذات الخبرة والكفاءة، تحت ذرائع سياسية وفكرية، وتعويضها بأفراد من "أحزاب السلطة" ليس لديهم خبرة وتخصص مهني.

قامت القوى المتنفذة بتأسيس مكاتب إقصادية في الوزارات التي جرى تقسيمها وفق نظام المحاصصة الطائفية ـ القومية، قامت هذه المكاتب باستغلال الموارد المالية لصالح احزابها، عبر المقاولات وشركات الإستيراد الوهمية.

عملت النخب المتنفذة على انشاء مليشيات مسلحة، كما أشرنا سابقاً، تنازع حق الدولة بامتلاك مصادر القوة واستخدامها، وتحمي مصالح الجهات التابعة لها.

أصبحت المساومة الطائفية - القومية عائقاً امام بناء الدولة، بدلا من اعتبارها عامل استقرار في المجتمعات التعددية " حيث اصبحت بدلا من تكون عاملا في تحقيق الانسجام والتوافق في إدارة الدولة بين القوى السياسية المتمثلة للاتجاهات المتعددة، أصبحث أداة معوقة ليس إدارة الدولة حسب بل في بناء دولة المؤسسات"(3).

 نتائج الدمج بين السلطة والدولة على تطور الدولة

 يمكن تقسيم نتائج الدمج بين السلطة والدولة إلى ثلاث مستويات، سياسية واجتماعية واقتصادية.

 أولا. النتائج السياسية

نشوء دولة فاشلة، سواء في نظامها السياسي او قدرتها على خلق الانسجام بين مكونات المجتمع العراقي، أو القيام بوظائفها السيادية والاجتماعية وتوفير الحماية الذاتية للمواطنين (4).

المحاصصة الطائفية ـ القومية أدت إلى صعوبة تكوين الحكومات، وقادت إلى كثرة الأزمات الحكومية، وتحولها " أي الحكومة" إلى إدارة لتصريف الأزمات، بدلا من القيام بمهامها الأساسية، في تقديم الخدمات للمواطنين ورعاية مصالحهم.

تماثلت السلطة التشريعية، مع السلطة التنفيذية، فشكلت أداة للاستحواذ على جزء من ثروة المجتمع بشكل غير شرعي، عن طريق تشريع القوانين التي تلبي المصالح الخاصة لاعضاء البرلمان والفئات الحاكمة، وتقديم رشاوى غير مشروعة لبعض الفئات الاجتماعية، بهدف كسب تأييدها في الانتخابات. ونتيجة لذلك تخلت السلطة التشريعية عن مهامها الرقابية بعد أن أصبحت اداة بيد القوى المتنفذة في السلطة، فقامت باضفاء شرعية على الفساد المالي والإداري بتشريعها قانون العفو العام عام 2016 الذي شمل العفو عن جرائم الفساد المالي والإداري. كما إنها فشلت في تشريع القوانين المهمة، النفط والغاز، المحكمة الاتحادية، قانون مجلس الخدمة الموحد، ومجلس الاتحاد، وقانون الضمان الاجتماعي الشامل.

ثانياً. النتائج الاجتماعية

زيادة التخندق الطائفي ـ القومي على مستوى النخب السياسية، الأمر الذي نتج عنه تشكل تحالفات إنتخابية أغلبها يقوم على أساس طائفي ـ مذهبي ـ قومي. نتج عن ذلك تصاعد الصراعات الطائفية والعرقية إضافة إلى زيادة مشاعر الغبن لدى فئات واسعة من المواطنين بسبب فشل النخب الحاكمة في معالجة مشاكلها الاجتماعية والاقتصادية.

ظهور فئة غنية جدا من أصحاب الملايين نتيجة استغلال النخب الحاكمة السلطة لتحقيق المصالح الشخصية، اضافة إلى توفير وسائل الكسب غير المشروع للأشخاص المتعاونين مع النخب الحاكمة عن طريق المقاولات والتجارة بالعملة والعقارات والأراضي وشركات الاستيراد والتصدير الوهمية.

زيادة معدلات الفقر التي تقدر من 30 ـ 40 بالمئة حسب احصاءات وزارة التخطيط العراقية.

تفشي البطالة بين خريجي الجامعات والمعاهد والشباب بشكل عام ، بعد ان اصبح اشغال الوظيفة حكراً على أبناء النخب الحاكمة والمقربين منهم.

أصبحت الوظيفة العامة، بما فيها مناصب الحكومة، وسيلة للمنفعة الشخصية، تباع وتشترى، حسب المورد الذي تدره، بحيث تمكن الوزراء وكبار المسؤولين في السلطة، من سرقة مئات المليارات دون التعرض للمحاسبة، بل يشملهم قانون العفو العام.

انتشار الظواهر الاجتماعية السلبية، كالجريمة المنظمة وتعاطي المخدرات وارتفاع نسبة الطلاق والآرامل الأيتام والمشردين.

أصبحت الأعراف العشائرية هي التي تسير الأمور اليومية و تحل الخلافات سواء بين المواطنين أو مؤسسات الدولة والمواطنين بدلا من قوانين الدولة المدنية.

انتشار الإرهاب على نطاق واسع، في الظروف المعاصرة، كان من نتائجه احتلال ثلث مساحة العراق من قوى الإرهاب وتشريد الملايين وتحمل العراق خسائر هائلة بالأرواح والموارد المالية.

ثالثاً. النتائج الاقتصادية

تحول الاقتصاد العراقي كلياً إلى اقتصاد ريعي يعتمد على مورد النفط ، الذي أصبح ا يشكل أكثر من 90% من ميزانية الدولة، التي ارتفعت فيها النفقات التشغيلية إلى حوالي 75 %، بعد تضخم عدد العاملين في الدولة، الأمر الذي أدى زيادة البطالة المقنعة واستنزاف مبالغ كبيرة من ميزانية الدولة. (5).

تدهور المشاريع الصناعية، حيث توقف عشرة آلاف مصنعا، منذ عام 2003 حسب تصريح وزيرالصناعة السابق محمد الدراجي الذي ذكر فيه إلى ان الصناعة كانت تشكل 14% من الدخل القومي، اما الآن فإنها تقوم بالإقتراض من الدولة لتسديد رواتب عمالها(6).

تدهور الزراعة، بحيث أصبحت غير قادة على تلبية حاجات المواطنين من المواد الغذائية

تدهور مستوى الخدمات الأساسية، التعليمية والرعاية الصحية وخدمات الماء والكهرباء والضمان الاجتماعي الشامل.

ضعف المحاسبة والرقابة سواء من السلطة التشريعية أو من مؤسات الدولة الاخرى، الرقابة المالية، هيئات النزاهة، أدى إلى هدر المال العام بكميات كبيرة، وتفشي الفساد المالي والإداري في مؤسسات الدولة والمجتمع.

 بعض الاستنتاجات 

 أولاً، ظهور مؤسسات أهلية تنازع الدولة على سيادتها على المجتمع، كالمنظمات المسلحة شبه العسكرية والمؤسسة الدينية والعشائرية، إدى إلى فشلها في استقطاب ولاء المواطنين للدولة وليس للبنى السابقة للدولة من دين وطائفة وعشيرة وعائلة. 

ثانياً، نشوء سلطة عميقة، تتمثل بمجموعة من زعماء الكتل والأحزاب السياسية المتنفذة الذين تحكموا بالعملية السياسية والسلطة بعد سقوط النظام الدكتاتوري، واستمروا بالتحكم بالسلطة والدولة، سواء بالشرعية الانتخابية، أو عن طريق وكلائهم المنتشرين في كافة مفاصل الدولة، التنفيذية والتشريعية والإدارية.

ثالثاً، على الرغم من ان الدستور العراقي لعام 2005، تميز بطبيعته المدنية، إلى أن وقائع تطبيقه، لم تستطع منع ظهور أعراف طائفية ـ قومية، لتقاسم المراكز الأساسية في السلطتين التشريعية والتنفيذية على أساس المحاصصة الطائفية ـ القومية ، بعيدة عن مبدأ المواطنة الواحدة التي وردت في الدستور.

رابعاً، على الرغم من توسع الاحتجاجات الشعبية على سياسة السلطة، إلا ان زعماء النخب والكتل السياسية مستمرين في السلطة، بالضد من تصريحاتهم العلنية بالاعتراف بالفشل في قيادة الدولة وتقديم الخدمات للمواطنين، وهذا راجع إلى عاملين، الأول، استفادتهم من البنية القانونية غير الديمقراطية، وخاصة قانون الانتخابات، والتحكم بوسائل الوصول إلى الرأي العام، والاعتماد على سياسة التحشيد الإثني ـ الطائفي، والثاني، ضعف الوعي الوطني لدى المواطنين عن مفهوم الدولة، والديمقراطية، واستمرار ولائهم للهويات الفرعية كالطائفية والمذهبية والإثنية.

 

د. فاخر جاسم

..............................

(1) عقدت الحكومة العراقية بعد 2003 مجموعة من الاتفاقيات، منها، مع دول الجوار، كاتفاقية بناء خور عبد الله مع الكويت في 25/11/2013، اتفاقية التبادل التجاري مع الأردن، ومنها اتفاقيات الخدمة مع شركات النفط الأجنبية 2009، . كذلك اتفاقيات التبادل التجري مع دولة الجوار. كل هذه الاتفاقيات لم تكن لصالح العراق، على سبيل المثال، حيث تتراوح أرباح شركات الخدمة النفطية بين 33ـ 57% حسب بيانات وزارة النفط العراقية. https://oil.gov.iq/index.php?name=News&file=article&sid=1966

(2) لمراجعة نصوص هذه المواد، يراجع دستور جمهورية العراق لعام 2005، إعداد ،صباح المفتي،، مصدر سابق.

(3) أستندت المساومة الطائفية ـ القومية على الديمقراطية التوافقية، للمزيد عن ذلك يراجع، أياد عنبر، إشكالية غياب الفلسفة السياسية في بناء الدولة العراقية بعد 2003، مجلة الكوفة، السنة 2 العدد 4 خريف 2013 ص 198.

(4) نعوم شومسكي الدولة الفاشلة، ترجة سامي الكعكي ص 138، دار الكتاب العربي بيروت، بدون تاريخ؛ولمزيد عن إنهيار الدولة العراقية بعد 2003، يراجع، لطفي حاتم، الاحتلال الأمريكي وإنهيار الدولة العراقية، ص 39 وما بعدها، منشورت تموز، السويد 2007.

 (5) تقدر الحكومة العراقية عدد الموظفين بحدود 4 ملايين، في حين يذكر مظهر محمد صالح، المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء السابق العبادي، إلى أن عدد العاملين في الدولة بحدود 8 ملايين، بعد احتساب العاملين بالعقود والأجور اليومية والحشد الشعبي والحشود العشائرية. جريدة الحياة، 22 نوفمبر 2017.    http://www.alhayat.com/article/899583/

(6) مقابلة مع وزير الصناعة في حكومة المالكي الثانية، مع قناة السومرية، www.alsumaria.tv/news/198716/

 

عامر صالحعاشوراء مناسبة دينية اسلامية، تحل سنويا في اليوم العاشر من محرم "الشهر الأول في السنة الهجرية" ويختلف التعاطي معها بين المسلمين من السنة والشيعة، ففي الوقت الذي يخصها السنة يومها بالصيام احتفالا بنجاة النبي موسى واصحابه من الطغيان والغرق، فأن الشيعة يحيي فيها استشهاد الأمام الحسين بن علي أبن ابي طالب في "موقعة كربلاء" في معركة الطف سنة 61 هجرية (680م) مع جيش يزيد بن معاوية.

ورغم اختلاف القراءة لواقعة كربلاء، سواء من منطلقات دينية او سياسية او انسانية، والتي تراوحت هذه القراءة بين تهويل وتضخيم الحدث وحرفه عن مسار الأحداث الطبيعية الممكنة الحدوث وادخال الحدث في عالم الغيبيات المعرقلة للعقل، وبين دراسة واقعية تجري الاستفادة من الحدث وعناصره الأيجابية في تشخيص الحاضر وتداعياته ورسم ملامح المستقبل من خلال القوة الايجابية الكامنة في الحدث، ظل من المسلم به استحضار سلوكيات المحبة والاحترام وشعائر الاستذكار للأحداث، ليست فقط لدى الشيعة، بل لدى كل الطوائف الإسلامية، والديانات السماوية الأخرى وحتى غير السماوية، وليست في العراق فقط بل في بقاع مختلفة من العالم العربي والاسلامي، فقد ذكر المفكر والمستشرق الانكليزي ادوارد دبروان: " وهل ثمة قلب لا يغشاه الحزن حين يسمع حديثا عن كربلاء؟ وحتى غير المسلمين لا يسعهم إنكار وطهارة الروح التي وقعت هذه المعركة في ظلها ". كما تحتفل قوى وطنية وسياسية كثيرة في العراق وخارجه بكل صدق وإخلاص بذكرى استشهاد الحسين تيمنا وأيمانا بقيم الحق والعدل والمساواة.

وفي الطرف الآخر حيث تقوم أحزاب الإسلام السياسي والمتأسلمين بتجيش مشاعر محبي الحسين وتعبئة الناس لزجهم في آتون الكراهية والاستفزاز الطائفي والديني وتعطيل مؤسسات الدولة وحرف نضالات الجماهير المطلبية من اجل تحسين ظروف العيش.

وفي الوقت الذي يكرسون فيه صناعة البطالة والكسل و الفقر وانتشاره باعتباره قدر إلهي لا بد منه، ينغمسون من رأسهم حتى أخمص قدميهم في مباهج الحياة الدنيا، يرفلون في نعيمها وخيراتها ويجرون ملهوفين وراء متاعها وملذاتها ويستحوذون على ارفع المناصب والوظائف، ويعيثون فسادا في الدولة، متناسين قول الحسين " أن الكسل يضر بالدين والدنيا "، وأن العمل النزيه بمنزلة العبادة كما أريد له في الدين، و تقوم هذه القوى بتكريس العداء للآخر المسالم الذي قد يختلف معنا في التفكير، ولكن قد لا نشك في محبته للحسين باختلاف مظاهر التعبير عنها، فكما نعرف جميعا أن حب الحسين والاحتفاء به ليست حكرا على طائفة بعينها أو بحزب سياسي لذاته، فقضية الحسين ابعد بكثير من ارتهانها طائفيا أو حزبيا، انطلاقا من أبعادها العالمية التي تتجاوز حدود الدين والطائفة والحزب والجغرافيا التي جرت فيها الأحداث. يقول الكاتب المسيحي كرم قنصل: " أن سيرة الحسين مبادئ ومثل وثورة أعظم من حصرها ضمن الأطر التي حصرت بها، وعلى الفكر الإنساني عامة أن يعيد تمثلها واستنباط رموزها من جديد لأنها سر السعادة البشرية وسر سؤددها وسر حريتها وأعظم ما عليها امتلاكه ". لن نسمع في أوساطنا المسيحية والصابئية والسنية أو غيرها أن يذكر الحسين بغير ذكراه الايجابية المناضلة .

واليوم إذ يختلط فيه الديني بالسياسي بعنف، وخاصة في ظروف العراق الحالية التي تأسس فيها نظام الحكم بعد سقوط الدكتاتورية 2003، على أسس من المحاصصات الطائفية والعرقية، حيث ساعد على استنفار الورقة الطائفية واستخدامها من قبل الإسلام السياسي الطائفي، ويجري التعمد في خلط المشاعر بين حب الحسين ابن علي و ممارسة طقوس الاعتزاز به كما في عاشوراء، و بين ثقافة تعبئة الحشود التي تلجأ إليها هذه القوى في محاولة منها لاستنزاف القوى العقلية والفكرية للجماهير المليونية والمحبة حقا للحسين، وتحويلها إلى كتلة بشرية صماء غير قادرة على تعقل أحداث عاشوراء والطف واستلهام الدروس منها في المحبة والإخاء والعدل والمساواة والكرامة واحترام قيم العمل والتعايش السلمي، بل يجري العزف المكثف على الانفعالات المصاحبة لهذه الذكرى الجليلة لحرفها وإضفاء الصفة السلبية عليها وحصرها في حدود أهداف سياسية أنانية وتعبوية ضيقة، عندها يسهل الترويج للإسلام السياسي الطائفي بغطاء عاطفي ومنفعل ليصب مزيدا من الزيت على نار الصراعات والاحتقانات المتقدة بين أبناء الطائفة الواحدة وبين الطوائف الأخرى، وخاصة عندما تجري هذه الصراعات في بيئة الفقر والحرمان والذي بلغت مداه بحدود 70% في مناطق الوسط وجنوب العراق.

كيف استطاع الإسلام السياسي والطائفي منه بشكل خاص، ذو الخطاب المهيج للانفعالات قبل العقل أن يخترق الوسط الشيعي وأن يؤسس لكانتونات سياسية شديدة التركيز في العدة والمال والسلاح، تلك هي قصة سيكولوجية تراكمت أسسها وتجذرت في اللاوعي الجمعي للوسط الشيعي وفي وجدانه وسلوكياته، ارتبطت جذور شدتها في استشهاد الحسين، وان كانت تمتد بجذورها إلى عدم تولي الإمام علي ابن ابي طالب للخلافة بعد وفاة النبي محمد، وأن آثارها بقيت في أذهان الشيعة وخاصة العوام منهم، حيث أن النخب الشيعية أو الخواص ورموزهم استطاعت أن تجد لها وطأة قدم وتؤسس سلطاتها الدينية المؤثرة وتضفي على نفسها هالة من القداسة مستفيدة من زخم الأحداث وشدة تكثيفها وإيحائها ورمزيتها الشديدة، وفي أحيان كثيرة كانت موازية للنظم السياسية المقيمة فيها، مدعمة بالمال السخي الذي يمنح لها في السر والعلانية من الهبات والتبرعات والخمس القادمة من الأوساط الشيعية الواسعة والفقيرة أصلا، إلى جانب نسب من العوائد المالية القادمة من زيارة المراقد المقدسة للأئمة من قبل الزوار من داخل الحدود وخارجه.

وقد بقى وقع استشهاد الحسين وآثاره النفسية المتراكمة شديدا على عوام الشيعة، والذي شكل بدوره أرضا خصبة لتسلل وانتعاش الإسلام السياسي الطائفي وقوى التطرف الديني عبر خطابات ذرف الدموع واستحضار مكنونات اللاشعور الفردي والجمعي لدى الوسط الشيعي، وهذا لا يعني أن عوام الشيعة كانوا معتكفين في منازلهم " عملا بمبدأ التقية الشهير لديهم " ولم يمارسون السياسة بمختلف مظاهرها وألونها وكانوا ينتظرون قدوم الإسلام السياسي والطائفي لإنقاذهم، فتلك مجافاة للحقيقة التي يدركها الجميع، فقد انصهروا في الكثير من الأحزاب اليسارية واليمينية والقومية والرجعية طواعية وبدون ضغوط عليهم " عدا بعض محطات الإكراه في الانتماء " والذي شمل الجميع كما هو الحال في التبعيث سيئ الصيت، وكانوا في أحيان كثيرة من مؤسسي هذه الأحزاب وقيادتها، كما شكلوا جمهورا واسعا للكثير من الأحزاب بما فيها الحاكمة وأجهزتها الأمنية والمخابراتية والقمعية، واعتقد أن تجربة العراق عبر تاريخه غنية بهذا الجانب وشاهد على ما نقول، فجماهير أحزاب الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي لم تكن مستقلة بالأمس عن السياسة، فالكثير منهم له جذور انتماءات قومية وعروبية وبعثية وغيرها.

المهم في ذلك مجددا هو كيف استطاع الإسلام السياسي الطائفي وفي فترة قصيرة جدا لا تتجاوز العقد والنصف من الزمن، وفي ظل غياب مشروعه التنموي والحضاري الشامل، أن يستقطب الشارع الشيعي ويعبئ الناس بطريقة " مشجعي فريق كرة قدم خاسر "، بعيدا عن الإعداد والتربية الفكرية والتنظيمية كما هو متعارف عليه في تقاليد عمل الأحزاب في المجتمعات المتمدنة التي تتداول فيها السلطات سلميا، وكذلك بالنسبة للأحزاب التي تمارس العمل السري في أوطانها نتيجة لظروف القهر والاستبداد وكما كان معمول به في العراق في عهد النظام الدكتاتوري. لقد استطاع الإسلام السياسي الطائفي ورموزه المتطرفة أن تعيد صياغة ذهن المواطن الشيعي من خلال قراءة وجدانية معكوسة لثورة الحسين ولأهدافها الإنسانية الكبرى، قوامها الانفعالات السلبية الضارة المغلفة بمشاعر الإحساس بالدونية والمتلبسة بجريمة قتل الحسين وكأنها تقول القاتل" أنا " دوما ومن هذه الأرض، فيجب أن ادفع الثمن غاليا ويجب أن تتوقف الحياة على مدار السنة والساعة تبريرا وعزاء وعقوبة لذاتنا لما قمنا به من جريمة نكراء، وتصل هذه المشاعر إلى حد التأصيل في عقدة مضخمة تتضح ملامحها في الأبعاد النفسية الآتية:

ـ تشديد قبضة الشعور المستمر بالذنب تجاه الحسين ابن علي من خلال تكريس المشاعر التي تعكس بأننا استمرار لهؤلاء الذين تركوا الحسين بمفرده من دون نصرة بيد الظالمين، ونحن الذين تركناه لوحده مع خيرة آل البيت يواجهون الموت في الصحراء عطشا وجوعا على يد جيش يزيد الظالم، وهو شعور ناتج من قراءة تقطع الصلة بالزمان الذي جرت فيها الاحداث حيث طبيعة الناس آنذاك تختلف وكذلك خصوصية الصراع الذي حصل.

ـ تكريس الحزن والكرب والمعاناة في حياة الناس اليومية وممارسة سلوكيات التكفير عبر التعزيز المستمر لطقوس مؤلمة وحزينة تجلد الذات جلدا مبرحا أكثر مما تيسر حياة الناس وتبعث فيهم الفرح والبهجة بمشروع الحسين الكبير، كتطبير الرأس والضرب بالزناجيل على الظهر واللطم على الوجه والصدر والجبين، وما يصاحبها من مشاعر المزيد من الإحساس بعقدة الذنب والاضطهاد والعدوانية الموجهة إلى الذات والى الآخرين.

ـ الإحساس العميق بالظلم والغدر والشعور بالمرارة تجاه ما حدث والرغبة في الثأر ممن فعلوا ذلك أو تواطئوا فيه أو سكتوا عنه، وهي آلية تزرع العدوان اتجاه الذات وتهدد التوازن النفسي للإنسان وتسهل الإقدام على مختلف الأعمال المذلة والمدمرة للكيان الشخصي والذاتي وتبخسه وتحط منه، عبر الإحساس الذاتي بعدم جدارتنا في الحياة، ولن يصدر عنا أي فعل خير، ولا يحق لنا أي اعتبار أو تقدير، وهو ميكانزم أساسي في سيكولوجيا الإنسان المقهور وخاصة في بيئة الفقر والتخلف الاجتماعي وانتشار الأمية، إلى جانب توجيه هذه العدوانية تجاه الآخرين المغايرين وخاصة عندما نضعهم بصفة مرتكبي جريمة قتل الحسين اليوم بغض النظر عن الزمان والمكان الذي جرت فيه الاحداث الحقيقية.

ـ زرع الخوف من الآخر والتشكيك فيه واعتباره قابلا للغدر في أي لحظة ما، وهي حالات تصل إلى حد بارانويا الاضطهاد، وتكريس سلوك اخذ الحيطة والحذر، ويترتب على ذلك الكثير من الدوافع في امتلاك السلاح وحيازته على نطاق واسع وبعشوائية استجابة لمشاعر الإحساس بالظلم والاضطهاد والعزلة لحماية الذات من العدو بعيدا عن دور الدولة في هذا المضمار، يقابله في الطرف الآخر الصراع المكثف للانتساب إلى أجهزة الشرطة والجيش والمخابرات وامتلاك ناصية القوة في الوزارات ذات العلاقة استجابة لعدو وهمي قد يهجم في لحظة ما " وهذا لا يعني التقليل من قدرة الآخر وعدوانيته في الغدر إن كان حاقدا متطرفا داعشيا أو وهابيا "، إلا أن السلاح يجب أن يكون حصرا بيد الدولة الديمقراطية، وقد تفسر ظاهرة التسلح العشوائي في بعض جوانبها استجابة معاكسة وردة فعل لما كان يمتلكه النظام الساقط من سطوة وقوة وأجهزة قمعية، وتتحول بفعل ذلك عملية التسلح إلى كارثة على الطائفة نفسها بسبب من يدعي تمثليها من مختلف الأحزاب الإسلامية والجميع مدجج بالسلاح.

ـ لقد عمل الإسلام السياسي والقوى المتطرفة بتكريس فكرة أن حدث الحسين واستشهاده هو حدث خاص بالطائفة الشيعية ولوحدها فقط ، وما تبقى من طوائف ومذاهب خارج البيت الشيعي فأن صلتها ثانوية بالحدث من حيث الاحتفاء والإجلال به والاستفادة من دروسه الايجابية، إن لم تكن مساهمة في مأساوية الأحداث، وهذا التصور الشائع أضفى على الوسط الشيعي مسحة انفعالية سالبة معززة للتشدد ومساهمة في انعزال المجتمع الشيعي عن الوسط المحيط به من طوائف ومذاهب، رغم وجود مشتركات كبيرة بينها في طقوس العبادة والشعائر الدينية، وخاصة مع الطائفة السنية، حيث يشتركون كلا الطرفين في الإيمان بالله وبرسله وبخاتم الرسل والأنبياء محمد وتأدية مناسك العمرة والحج، وهذا ليست من باب ألقاء اللوم على الشيعة في تضييق فرص الحوار مع السنة، ولكن أيضا ومن تجارب الحوار بين الطائفتين أن للسنة بعض من شروطهم التعجيزية في قضايا مفصلية بالنسبة للشيعة كالتقية والعصمة والمرجعية والفهم المغاير للكثير من نصوص القرآن وتفسيره وقضايا فقهية كثيرة، إلا إن الطريقة التي تفهم بها طبيعة أحداث كربلاء وشهادة الحسين، لها ما لها من آثار مسبقة في تضييق فرص الحوار ملقية بضلالها السلبية في التقارب المذهبي، وخاصة عندما يزج الدين في السياسة وتتداخل المصالح الأنانية، فلم يرى كلا الطرفين غير اللون الأسود.

ـ أن تأصيل الشعور بالذنب لدى الوسط الشيعي اتجاه الحسين بسبب من عدم نصرته في معركته العادلة مع يزيد، يقابله في الطرف الآخر الإعجاب الشديد ببطولته وتحديه لسلطة يزيد بدء من مقولته الشهير: "لا بيعة ليزيد، شارب الخمور، وقاتل النفس المحرمة "، وعلى الرغم من الكثير من النصائح والتحذيرات التي قدمت للحسين بعدم الدخول في هذه المعركة بسبب عدم تكافئ الجيشين وتوقعات باستشهاده، إلا انه ترك ارض الحجاز متوجها إلى العراق قائلا: " لو لم يكن في الدنيا ملجأ و لا مأوى لما بايعت يزيد "، وكان يعي تماما حاجة الأمة الإسلامية لمثل هذا الموقف الشجاع " بغض النظر عن التفاصيل"، وخاصة على اثر بيعة الحسن لمعاوية والتي أثارت الكثير من الالتباسات لدى المؤمنين آنذاك، أن هذا التداخل في المشاعر اتجاه الحسين والتي هي خليط من مشاعر الحسرة والندم لعدم نصرته، إلى جانب الإعجاب بصموده وبطولته أدى إلى حالة من التقديس والتعظيم للحسين، فهو بقدر ما يستحقها بعقلانية الإيمان، إلا أنها تركت لدى أوساط الشيعة استقطابا وجدانيا شديدا، وتحول هذا الاعتزاز والحب إلى موضوع خلاف وكراهية اتجاه الرموز الأخرى في الإسلام، أو كما يقال في الدارج من زاد على حده انقلب إلى ضده، خاصة عندما توظف هذه المحبة في غير مكانها ولتغذية الصراعات المذهبية.

ـ لقد استغل الفراغ الكبير الذي تركه استشهاد الحسين بتكريس السلوك التعويضي بمظهره السلبي، والذي يضعف من قدرة الإنسان العقلية والفكرية على تجاوز مأساوية الأحداث وأتحاذ زمام المبادرة وتأسيس العقل الناقد، مما سهل لاحقا تسليم الأمور ومصائر الناس بيد سلطات دينية مطلقة تمثلت في المرجعيات الدينية وإضفاء عليها صفات القداسة والطاعة والعصمة على نسق ما يضفى على الأمة ألاثني عشر، مما عبر عن حاجاتهم النفسية المستمرة على نسق الحاجات الطفولية إلى شخص راشد يتولى زمام أمورهم ويسلمون لهم قيادتهم، مما أدى بدوره إلى تضخم دور المرجعيات ليتجاوز حدود تأثيرها المجال الديني ليمتد إلى الجانب السياسي والاجتماعي، والتجربة العراقية اليوم دليل على هذا التأثير المتعاظم للمرجعيات على الأحداث السياسية الكبرى كالانتخابات والدستور وتوزيع المناصب الحكومية’ حتى لتبدو وكأنها المصدر المطلق لكل السلطات، مما يحقق لها سيطرة سيكولوجية كاملة تتشكل داخل المنظومة النفسية للإنسان وتمنعه من الاختلاف معها أو عدم الخضوع التام لها، والمشكلة ليست بوجود مرجعيات، فالمسيحية لها مرجعية يجسدها البابا، واليهودية كذلك لها الحاخام ، ولكن المشكلة تكمن بشمولية واتساع نطاق صلاحياتها الذي يتجاوز الديني.

أن الاستفادة من أسباب ودروس ثورة الحسين في مكافحة الظلم ونشر العدل، واستتاب الأمن، والوقوف ضد الحاكم الظالم كائن من كان ومن أي حزب وملة وطائفة، وضد فساد الحاكم وانحراف جهاز الحكومة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومحاربة الفساد بألوانه، ومقارعة الذل والمساومة، وأيقاظ الضمير وتحريك العواطف الإنسانية، وإصلاح حال الوطن وضد تشويه القيم الإنسانية النبيلة، وفي احترام العهود والمواثيق، نحن اليوم بأمس الحاجة لها لإشاعة مجتمع العدل والقانون والحرية والديمقراطية، بعيدا عن قراءة ثورة الحسين بأطر سياسية ومصلحيه ضيقة وتوظيفها لمآرب تجلب الضرر لنا جميعا وتعدم الاستقرار في حياة الناس، أما التعاطف مع مأساة قصة الحسين فأكتفي بقول المؤرخ الانجليزي جيبون بقوله: " إن مأساة الحسين المروعة بالرغم من تقادم عهدها وتباين موطنها لا بد أن تثير العطف والحنان في نفس أقل القراء إحساسا وأقساهم قلبا ". اليوم نحن في العراق وبعد تجربة اكثر من عقد ونصف من الزمن زج فيها الدين في السياسة بأكثر الاشكال تعسفا وعرقلة للشأن العام، نبقى بأمس الحاجة الى اعادة قراءة واقعة كربلاء وتوظيف طاقتها الايجابية في خدمة الوطن والمواطنة وبناء النسيج المجتمعي الصالح والمترفع فوق الانتماءات الفرعية وفي مسارات تعزز من فكرة " أن الدين لله والوطن للجميع ".

 

د.عامر صالح

 

 

صادق السامرائييبدو أن إقحام العقل بالإعتقاد وكأنه إنحراف إدراكي وإضطراب سلوكي تترتب عليه نتائج ذات تداعيات وخيمة وأليمة.

فهل أن الإعتقاد يتصل بالعقل؟!

لو تأملنا الإعتقادات والمعتقدات بأنواعها لتبين لنا أنها تشترك بكونها ذات صلة متنوعة بالغيب، ووفقا لما تستحضره من وعي لذلك الغيب وما ينجم عنه من آليات طقوسية تساهم في تحقيق الطمأنينة والشعور بالأمان.

ولهذا فأن المعتقدات البشرية لا تعد ولا تحصى وهي في تزايد مع تنامي أعداد البشر، وهذه المعتقدات أيضا تشترك في أنها لا يمكن إخضاعها لسلطة العقل، بل العكس، اي أن على العقل أن يكون مملوكا لها ومجتهدا في إبتكار التبريرات لترسيخها، وتأمين قوتها ودورها الفاعل في حياة المعتقدين بها.

فلو أخضعنا أي معتقد لبرهان وسلطان العقل لإتضح بهتانه وإمعانه بما هو غيبي وبعيد المنال، لكنه راسخ في الأعماق على أنه كائن وموجود.

فعلى سبيل المثال لا يمكن الإقتاع العقلي لشخص يعتقد بالبقرة والفأرة والثعلب، أو يرى أن هذا الكائن ربه وهو الذي سيأخذه في عالم الغيوب إلى حيث يريد ويرغب، بل يستحيل هذا التفاعل والإقناع.

ذات مرة سألت صديقي الياباني ونحن نتجول في مدينة كايتو اليابانية عن كثرة المعابد وتوافد الناس إليها، وكل معبد يعتقد برؤية ما، فأجابني : إنها جزء من الفلكلور والسلوك اليومي الياباني، لكنها لا علاقة لها بما نرى ونتصور ونفكر، إنها مجرد وسائل للأمان الروحي وتمنحنا طاقة تواصل الحياة.

وفي كل بيت من بيوت اليابان هناك معبد صغير يتم التبارك به والصلاة أمامه عند كل صباح.

في حينها أخذت أتأمل كيف يتحقق الفصل بين العقل والمعتقد.

وبدى وكأن الإعتقاد إنتماء عاطفي نفسي سلوكي منقطع عن الإرادة العقلية، وأي تدخل للعقل بالإعتقاد يتسبب بإنهيارات سلوكية تفاعلية مريرة.

وعدت إلى أمم وشعوب كالهند والصين ودول آسيا الشرقية، أقلب صفحات إعتقاداتها وسلوكياتها، فإتضح ان السلوك الإعتقادي منقطع تماما عن العقل، فالعقل منهجه علمي سببي برهاني، وهو جاد ومجتهد في سبيله الإختراعي والإبتكاري، والإعتقاد حالة عاطفية جامدة متوارثة وكأنها مغروزة بالفطرة البشرية.

 ويبدو أن المجتمعات القوية قد أدركت هذه الحالة القائمة فيها، فحررت العقل وحررت الإعتقاد في ذات الوقت، فالإعتقاد بسلوكياته يمضي فيها، والعقل بقدراته فاعل فيها، ولا تقترب من الإعتقاد ولا تخضعه لسلطة العقل، وهذا يأخذنا إلى واقع المسلمين الذين إستنزفوا طاقاتهم العقلية في الدين.

وقد كتبوا وألفوا وإجتهدوا وتفاعلوا وتفرقوا وتمزقوا وتمذهبوا وأصبحوا فرقا وجماعات وطوائف،  لأنهم قد حشروا العقل في المعتقد والدين.

أي أن المسلمين ربما قد إرتكبوا خطيئة كبيرة بإعمالهم العقل بما هو ديني، وأضاعوا جهود الأجيال بما لا ينفعها، ولا يزال المسلمون لا يتعلمون ولا يستطيعون إخراج العقل من الدين.

فالمشكلة التي تواجه المسلمين هي عدم القدرة على فصل العقل عن الدين، وليس غير ذلك من الإقترابات والتوجهات والإدعاءات.

المسلمون مطالبون بترك الإعتقاد لمن يعتقده وأن يُعْمِلوا عقولهم بما يصلح لوجودهم المعاصر.

وعليهم أن يوظفوا العقول في  التفكير العلمي والبحث الجاد للوصول إلى حلول ذات قيمة نافعة لحاضرهم ومستقبلهم.

ولن يكون العرب والمسلمون إذا تواصلوا في الإمعان بحشر العقل بالدين وهدر الطاقات والقدرات بالمعتقدات، ومن الواضح لا توجد أمة أمعنت بهذا السلوك أكثر من أمة المسلمين.

فلن تجد عند أصحاب الديانات الأخرى مؤلفات وإجتهادات مثلما هو حاصل عند المسلمين.

وعليه فمن الأصوب أن يدرك المسلمون أن الإعتقاد إنتماء بالعاطفة والقلب، وهو إيمان راسخ مسبق لا يحتاج إلى إعمال عقل.

وإن حشر العقل في الدين لا يساهم بتعزيز الإيمان، وإنما لابد من إتباع المنطوق الواضح الصربح الذي تنص عليه الآية الكريمة التالية:

" ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين . الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون" البقرة  1، 2، 3

فهل سنحرر العقل من قبضة الدين، ونرحم ديننا بالإيمان لا بالعقل؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

حسن العاصيمادية النصوص: القضية الهامة الكبرى التي حظيت -ولا تزال- تحظى باهتمام المفكرين الذين يسعون لتحليل الأسباب والدوافع التي تقف خلف التحولات الكونية الكبرى خلال العقود الماضية، خاصة منذ ثمانينيات القرن العشرين، ومحاولة تلمس الإجابة على السؤال الكبير: ما هي الأحداث التي وقعت في العالم وأدت إلى هذا الطوفان العظيم من الخراب، وقدوم موجات متواترة من القتل والحروب والتدمير واستباحة كافة القيم الوضعية الإنسانية، وهذا الكم المرعب من الانتهاكات التي تُرتكب بحق الافراد والشعوب والدول؟ كيف ولماذا انهارت الدول الشيوعية؟ وماذا يعني الهرم الذي أصاب النظرية الماركسية، فيما الرأسمالية أثبتت قدرتها على التطور والتجدد؟

أسئلة مشروعة تستدرج الإجابة أسئلة أخرى أبرزها أين أصبحت النظرية الماركسية النصية الأصلية التقليدية؟ أين النظريات الماركسية الحديثة التي ظهرت خلال نصف القرن المنصرم؟ ولماذا لم يتمكن اليسار العربي من ابتكار وعي نقدي يتوافق مع المستجدات التي أحدثتها التحولات الكونية خلال الثلاثين عاماً الماضية؟ ولم يتمكن من تحديث أدواته ولا خطابه، وعجز عن الإجابة على تحديات المرحلة؟

لقد شهد العالم تغيرات نوعية كبرى في بداية تسعينيات القرن العشرين، أعقبت انهيار الشيوعية وانتهاء مرحلة الحرب الباردة، تلتها تطورات عديدة متلاحقة أحدثت نوعاً من الاصطفاف الفكري والسياسي وإعادة صياغة التحالفات لجميع القوى الكبرى الفاعلة والإقليمية وحتى القوى الهامشية غير الفاعلة.

لا شك أن أبرز هذه التطورات هو انحسار شديد في حجم ودور القوى اليسارية، وصعود الإمبراطورية الاستعمارية الأمريكية وتفردها بقيادة العالم، بحيث تمكنت القوى المحافظة اليمينية الصهيونية الجديدة أن تفرض رؤيتها على الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس "جورج بوش" الابن، التي تتلخص بضرورة التخلي عن السياسة الأمريكية الخارجية المتطهرة التي صممها وقادها الرئيس الأمريكي الأسبق "جيمي كارتر"، والبدء بتصدير الديمقراطية الأمريكية إلى دول العالم بالقوة والقسوة كما فعلت سابقاً بريطانيا العظمى في عهد "جورج الثالث"، وفعلته ألمانيا في عهد "بسمارك".

غرام النظرية

إن التحولات العالمية الكبرى التي حدثت خلال الثلاثين عاماً المنصرمة، كانت أشبه بطوفان قوي جرف في طريقه سدوداً كانت تبدو عصية. من الطبيعي إذن القيام بإعادة التفكير في كثير من المسلمات والبديهيات السابقة. لكن اليسار العربي المغرم العذري بالنظرية الماركسية دون الاهتمام لرؤية عناصرها تتحرك في أرض الواقع لم يرى تلك المتغيرات، وظل يحمل خطاباً يتضمن افكاراً بادت ومصطلحات تجاوزتها سيرورة الحياة. بهذا الموقف تحول عدد كبير من اليساريين العرب إلى خانة الرجعية لأنهم دافعوا عن نظريات فلسفية ونماذج سياسية انهارت تماماً، وتسببت للعالم ولنا حزناً وألماً واضطراباً، ولأن اليسار قدم نفسه باعتباره مشروعاً لتغيير الواقع العربي المثقل بالأزمات، مشروعاً يتضمن تحقيق الديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية، ويضمن الحريات العامة للناس ويخلصهم من كافة أشكال وقيود القهر والقمع، ويحقق المساواة الجنسية والعرقية.

خلاصة القول هنا أن الماركسيين العرب كانوا مثاليين وليسوا ماديين كما يدعون، ولهذا فشلوا في تبديل الواقع العربي الذي يفيض قهراً واستبداداً وجوعاً وموتاً. فشل اليسار العربي وانهزم وسقط ليس فقط لأسباب تتعلق بعجزه عن إحداث أية تحولات اجتماعية وسياسية حقيقية في البيئة العربية، لكن أيضاً لأسباب تعود أساساً لإخفاقهم في فهم واستيعاب الماركسية، وعدم مقدرتهم على إدراك جوهر وعمق فلسفتها التي تقوم على قراءة الواقع لتغييره، وليس أداة لقراءة النصوص.

ثورية النظرية

منذ ظهورها في منتصف القرن التاسع عشر ولغاية نهاية القرن العشرين، لم يشهد العالم ولادة نظرية ثورية أهم من النظرية الماركسية. والأفكار الماركسية ذاتها تبلورت تدريجياً في سجالها مع الفلسفات الأخرى، ونقد فلسفة هيغل المثالية. وهكذا صاغ ماركس مفهومه حول المادية الجدلية. ثم تحولت الماركسية إلى أيديولوجيا في الاتحاد السوفيتي السابق، حيث تعرضت للنقد من قبل تيارات يسارية أهمها تيار "فرانكفورت" الذي رفض مركزية لينين في كتاب "ما العمل". هذا التيار الذي أسسه الفيلسوفان الألمانيان "ماكس هوركهايمر" و "تيودور أدورنو" أعرض عن قانون الصراع الطبقي، وقدموا المهمشين من السود والمهاجرين كبديل عن الطبقة العاملة.

إن انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفيتي وتفكك منظومة المعسكر الاشتراكي وفرط عقد دوله لم يكن بسبب عدوان خارجي ولا بسبب المؤامرة الخبيثة للإمبريالية، ولا حتى لمبررات التنافس في حرب النجوم التي أدت إلى إفلاس الاتحاد السوفيتي، بل انهارت الشيوعية نتيجة شيخوختها وللجمود الفكري والتصلب العقائدي الذي أنهكها. إن الشيوعية كأيديولوجية ظلت عبارة عن منظومة من الأفكار الأصولية والمحافظة جداً، فبقيت كما هي مثلما أنتجها فلاسفة القرن التاسع عشر، دون أي تطوير أو تحديث على الفكر ليتوافق مع مستجدات الحياة ذاتها. لقد رفض قادة الدول الشيوعية إجراء أي تجديد على الفكر الماركسي والشيوعي، واعتبروا أن أي تحديث أيديولوجي على المستوى النظري الفلسفي أو الفكري يعتبر تغييراُ في النظرية، وأي تغيير هو هرطقة وانحرافاً وبدعة. استمر التيار الشيوعي الأصولي السلفي بمقاومة ووأد كافة المحاولات لتجديد النظرية الماركسية، إلى أن تحجر الفكر وتصلب، وتورمت مفاصل الدولة الشيوعية مما أعاقها عن مواكبة تطورات العصر، فتخلفت وعجزت عن اللحاق بتطور الدول الغربية الرأسمالية.

النظام الاشتراكي أصابه التّيبس والجفاف الفكري الذي أدى إلى ركود اقتصادي ثم كساد مرعب أنتج تخلف تقني وتكنولوجي، كانت نتيجته العوز الاجتماعي والإفلاس السياسي، فأصبح هذا النظام عاجزاً عن تلبية احتياجات الشعوب، وفقد أسباب تماسكه وبقائه فسقط وانهارت دوله. ويجب ألا ننسى الأسباب الأخرى، وأهمها تحول دول المنظومة الاشتراكية إلى دولاً ديكتاتورية قائمة على الكبت والحكم القسري والقهري وإلغاء الحريات العامة. هذا الوضع نظرت له النخب في تلك الدول على أنه مخاض ينذر بوصول النظام الاشتراكي إلى نهايته السياسية والأخلاقية، ويؤسس لولادة نظام جديد مختلف كلياً، وهذا ما حصل.

امتحان الماركسية

لقد واجهت الماركسية امتحانات كبرى منذ ظهورها، كما تعرض اليساريون لتحديات مهمة وواجهوا أسئلة مفصلية، لم يتمكنوا من مقاربتها بعمق ولا التصدي لها ولا تقديم إجابات عنها. على سبيل الذكر فقد تعامل الماركسيين مع أزمة الكساد التي أصابت الاقتصاد العالمي في بداية الثلاثينيات من القرن العشرين، بخطاب نظري يؤكد حتمية تواصل تعرض الرأسمالية للأزمات المالية وهي تتضخم في مسار ينتهي باندثار وهزيمة الامبريالية. لكن ما حصل لا حقاً أن الامبريالية انتصرت وانكسرت الماركسية.

ثم امتحنت الماركسية والماركسيين في الفترة التي أعقبت انتهاء الحرب العالمية الثانية، ولم يسمع لهم صوت، بل أن النظريات الغربية الرأسمالية هي التي تقدمت بمقاربات كان أبرزها نظريات "الاقتصاد الكلي" و "النظرية العامة في تشغيل العمالة والفائدة والمال" لعالم الاقتصاد البريطاني "جون ماينارد كينز"، وكذلك لنظريات عالم الاقتصاد الأمريكي "بول سامويلسون" صاحب كتاب "أسس التحليل الاقتصادي". وحين توسعت القاعدة الصناعية في دول العالم الثالث لبلورة وتطوير الطبقة العاملة صاحبة المصلحة الحقيقية في التغيير، وهذا كان مطلباً ماركسياً وشرطاً للقيام بالثورة، فتمت هذه العملية بواسطة دول ومؤسسات ومراكز رأسمالية غربية، وليس من قبل الأحزاب الماركسية ولا من الدول الشيوعية. حتى التجربة الاقتصادية الناجحة للصين قد تحققت بفضل اقتصاد السوق وليس بسبب قوانين الاقتصاد الماركسي المخطط.

ثم بدأت الماركسية بالانكماش والتخثر أيديولوجياً وفكرياً واقتصادياً وسياسياً، وتضخمت الرأسمالية وأصبحت عابرة للقارات، وتدريجياً بدأ العالم في الدخول إلى عصر العولمة. انتصرت الرأسمالية وسقطت الماركسية والشيوعية دولاً وأنظمة وتلقت النظرية قذيفة استهدفت رأسها فبدا جسدها مترنحاً. تحولت الرأسمالية من كونها إنتاجية إلى مركزية مالية أي تحولت من رأسمالية مادية إنتاجية إلى رأسمالية مالية تضخمت وتغولت وانتصرت على الرأسمال، وانهزم الطرف الإنتاجي أمام الجانب التمويلي. وبفعل العولمة خسر الوطني المحلي أمام العالمي. كل هذا حدث فيما اليساريين العرب يراقبون المشهد في حالة ذهول، ووقف المفكرين اليساريين العرب عاجزين عن تقديم إجابات واضحة تفسر هذه التحولات الهائلة في النظام الكوني، بل أن البعض منهم أصر على صواب نظرية "التطور لا رأسمالي" التي ابتدعها "ميخائيل سوسلوف" أحد زعماء الحزب الشيوعي السوفيتي. وقد قادت هذه النظرية التي تم طرحها لأسباب سياسية تتعلق ببعض الدول في العالم الثالث، وليس لأسباب نظرية وعلمية، قادت إلى رأسمالية واضحة في بعض الأنظمة العربية، وكانت طريقا للسلطة بهدف الوصول للثروة.

كش ملك

لقد تغيرت بنية المجتمعات العربية منذ ستينيات القرن العشرين، كان أبرزها الهجرة العشوائية للأرياف نحو المدن، فخسر الريف اليد الفلاحية وتدهورت الزراعة، وبذات الوقت لم تكسب الصناعة في المدينة، حيث أن القادمين غير مؤهلين للانخراط في سوق العمل المديني. ولم تبذل الأنظمة جهداً كافياً ولا رصدت ميزانيات ولا كان لديها برامج بالأساس لصهر القادمين سكانياً ودمجهم وتأهيلهم حرفياً. وكل ما حصل هو استيطان سكاني جعل من محيط المدن العربية الكبرى أحزمة بشرية ريفية من الفقر والحرمان والبؤس. تطورت المدينة وأبناءها حضارياً بصورة نسبية عبر زيادة الإنتاج وارتفاع مستوى التعليم وتطور قطاع المواصلات، وبقي الريف للأجداد وزيارات الأعياد، فيما ضواحي المدن قطنتها مجموعات سكانية ذات عصبيات مذهبية وطائفية وقبلية، تحتكم هذه الضواحي لعلاقات اقتصادية بسيطة، لذلك فإن علاقتهم مع اقتصاد المدينة لم يتخذ شكل اجتماعي وسياسي بل مذهبي وإثني. وهذا ما يفسر تحول الصراع الطبقي في بعض المدن العربية إلى صراع بين الأديان والمذاهب.

في مواجهة هذه التحولات التي أحدثت إشكاليات فكرية واجتماعية شائكة ومعقدة، كان اليسار العربي كمن يعطس في سوق الحدادين، لا يسمعهم أحد ليقول لهم يرحمكم الله. جلس اليساريين العرب يراقبون ما يجري كأنهم ينتظرون خلاصاً غيبياً أوحلاً دون السعي له، وهذا منتهى العقل الاتكالي البليد.

في الحالة العربية تتحول الأفكار الدينية والانتماءات المذهبية والطائفية إلى نماذج مقنعة للشعوب العربية، أكثر كثيراً من الأفكار اليسارية ونماذجها الفاشلة. والبائس في الأمر هنا أن كثيراً من قادة حركة اليسار العربي من الأثرياء الذين لا يقبلون إلا ارتداء الثياب الغربية المستوردة، فيما الكوادر اليسارية المزهوة بالنظرية فإنهم ينتمون إلى الطبقات المتوسطة ويعرفون عدوهم الطبقي، لكنهم يفضلون النضال المكتبي عبر رقعة الشطرنج على نضال الشارع وسط الجماهير، وبهذا فهم يقدمون الخدمات الكريمة للتيارات المذهبية والطائفية لتتمدد وتفرض رؤيتها، لذلك يتوه الجميع ويبتعدون عن المعركة الاجتماعية السياسية، متأملين أن يُصاب الأثرياء بوباء يقضي عليهم. هذا يشبه تماماً قتل الملك فوق الرقعة بلعبة الشطرنج داخل غرفة مكيّفة.

رحلة السقوط

شهدت بداية تسعينيات القرن العشرين اختتام آخر حلقة من مسلسل انهيار الماركسية مع سقوط الاتحاد السوفيتي وتفكك دول المنظومة الشرقية. هذا المسلسل كان قد بدأ منذ وقت مبكر، وربما منذ الصراع النظري الفكري بين قادة الحزب البلشفي. خلاف "لينين" مع "تروتسكي" حول نظرية الثورة الدائمة، وبين الأخير و "ستالين" حول قضايا متعددة. لقد ذكر المؤرخ الروسي "سوخانوف" أن ستالين كان عبارة عن بقعة رمادية باهتة في الثورة البلشفية، فيما قام تروتسكي بقيادة الانتفاضة المسلحة العام 1917، وعقب انتصار الثورة قاد الجيش الأحمر. بعد انتهاء الحرب الأهلية الروسية عام 1921 كانت البيروقراطية تشبه وحشاً بأنياب غليظة، حيث كان يوجد في الجسم الحكومي 5,9 مليون موظف في حين لم يتجاوز عدد العمال 1,3 مليون عامل. فمنذ البداية لم يكن الحزب البلشفي طليعة للطبقة العاملة، وبعد وفاة لينين حوّلت بعض التيارات داخل الحزب البلشفي، الحزب ذاته إلى أداة سياسية بيروقراطية للدولة السوفياتية.

مع انهيار الدول الشيوعية سقط اليسار العربي إلى قاع الإفلاس والتفكك وصدرت له شهادة الوفاة الرسمية. أما بداية الانحدار فتعود إلى الخلاف حول الموقف الذي اتخذته معظم الأحزاب الشيوعية العربية من القرار رقم 181 المتعلق بتقسيم فلسطين العام 1947 ومعارضة بعض القيادات والكوادر اليسارية لتأييد وموافقة الاتحاد السوفيتي عليه. في العام 1956 عقد الحزب الشيوعي السوفيتي مؤتمره العام العشرين الذي ثبت زعامة "خروشوف"، وشهد خلافات فكرية عميقة، وتم فيه انتقاد سياسة "ستالين" القمعية التي كانت تشجع عبادة الفرد والأعمال الانتقامية.

ألقت نتائج المؤتمر ظلالها على الحركة اليسارية العربية فانقسموا. ثم انشطروا مرة أخرى خلافياً إلى تيارين أحدهما سوفيتي والآخر صيني على أثر الخلافات الأيديولوجية والقومية والإقليمية والاقتصادية بين الصين والاتحاد السوفيتي، وقيام الأخير بوقف المساعدات الاقتصادية والفنية عن الصين العام 1961. فأصبح اليسار العربي مشتتاً إلى تيارات واتجاهات نظرية تروتسكية وماوية وصينية وسوفيتية وماركسية ولينينية وستالينية، ثم إن تحلل وتهتك النموذج السوفيتي أخلاقياً عمق هذا الخلاف والتشرذم، حيث وضعت أحداث المجر عام 1956 والقضاء على الحركة الإصلاحية في بولونيا العام 1956 ثم ضرب حركة بودابست عام 1958 وضعت الاتحاد السوفيتي في دائرة التساؤل عن ثوريته واشتراكيته وعدالته.

الظروف التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي أدت إلى نكوص فكري لدى كثير من اليساريين العرب، فارتدوا إلى حضن الطائفة والقبيلة والمذهب. كما أن انهيار النموذج الشيوعي في المركز تسبب في ظهور تيار يساري صخري أصولي تشبثت بالماضي بكل ما فيه ورفض الحاضر، وقامت بعض الأحزاب الشيوعية العربية بتغيير اسمها، وتبخرت من الأدبيات اليسارية مصطلحات نظرية عديدة تجاوزتها الحياة ذاتها، وتم تعديل الخطاب اليساري فصارت العدالة الاجتماعية مطلباً يسارياً بدلاً عن اشتراكية النظرية، وهو مطلب ينادي به اليمين أيضاً.

اليسار العربي لم يدرك أن الماركسية هي أولاً وقبل كل شيء منهج لقراءة وتحليل العلاقات الاجتماعية وليس أسلوباً لقراءة النصوص والكتب، لذلك فشل هذا اليسار وعجز عن بناء نموذج ماركسي واحد، رغم أنه كتيار أسهم في تثقيف شرائح من الناس، ورفع من مستوى الوعي الاجتماعي في العديد من المجتمعات العربية، وأدخل إلى ثقافتنا بعض الأفكار التنويرية.

 جدران ثقافية

الأيديولوجيات التي سادت العالم في القرن العشرين، وكانت واحدة من أبرز سماته، انتقلت دوغمائياً بصورة تقليدية بليدة للمنطقة العربية، وأحدثت انقساماً في الشعوب ثقافياً فتحول الناس إلى ملل وشيع وجماعات ومذاهب وطوائف وقبائل، بحيث أصبح تجاوز هذه الجدران التي ارتفعت بين الناس، معضلة حقيقية وأمراً في غاية الصعوبة والتعقيد.

جل هذه الأفكار انتقلت للقرن الحادي والعشرين عبر بقايا الأحزاب والتيارات السياسية والحزبية، ورغم فشلها الذريع وانحسارها ومقتلها، إلا أن هذه الأفكار والرؤى تصر على أن تظل جثة دون أن توارى التراب.

سقط المثقفون العرب وخاصة اليساريين منهم في قوالب نظرية "أوغست كونت" الوضعية التبسيطية في قراءتهم لحراك الجماهير العربية التي خرجت إلى الشوارع تطالب بحرياتها المصادرة وحقوقها في الحياة الكريمة ضمن دولة القانون والمواطنة، فأنكر المثقفين العرب اليساريين هذه الحقوق التي طالما نادوا بتحقيقها سابقاً وفاضت أدبيات أحزابهم بشعارات تتحدث عن حقوق العمال والفلاحين والمضطهدين. وقفوا في وجه الجماهير التي كانوا يدّعون أنهم يمثلون مصالحهم، ودافعوا عن أنظمة الاستبداد وعن الطغاة العرب. وإن كان لفشل الحراك العربي في إنجاز التغيير المطلوب من أسباب متعددة، فإن من بين هذه الأسباب ما يعود إلى الأسوار الأيديولوجية التي تعود إلى أنماط فكرية بادت، وإلى أدوات لقراءة الواقع لم تعد صالحة لقراءة إعلان عن إقامة حفل موسيقي، ونظريات وخطابات تحللت وتم امتحان عجزها وإخفاقها عبر تجارب شعوب ودول كانت قائمة في يوم ما.

هذا الفهم التبسيطي للواقع، والقراءة الخاطئة للتغيرات أشبه بفلسفة "كونت" الوضعية التي تتجاهل التنوع والتعدد الفكري والفلسفي والاجتماعي والاقتصادي عبر تاريخ البشرية. فالعالم عند "كونت" منقسم إلى كتلتين لا ثالث لهما، الأول تيار تفدمي وضعي، والآخر رجعي لاهوتي. ومن هذه الفلسفة توالدت افكاراً ونظريات كثيرة وضعت كل ما هو أصيل وديني ومحافظ في التصنيف الرجعي، وكل ما هو لا ديني وتنويري وحداثي اعتبر تقدمياً. فكانت التيارات اليسارية بطبيعة الحال ومنها اليسار العربي ضمن معسكر الأفكار اللا دينية، فقام اليسار باحتكار صفة التقدمية واتهم كافة خصومه الفكريين والسياسيين بالرجعية، ثم توالت مصطلحات الإقصاء التي يطلقها اليسار على من لا يتوافقون معه على أفكاره "التقدمية"، فانتشرت مصطلحات التخلف والظلامية والانهزامية وذيول الاستعمار والأصولية الخ.

قسّم هذا التصنيف الحاد والقطعي الوضعي المثقفين العرب إلى تيار تقدمي يمتلك الحقيقة والأجوبة، وتيار رجعي لا بد من التخلص منه لكي تتقدم الأمة.

نموذج قميء

ثم بعد صعود البرجوازية العسكرية التي حكمت معظم الدول العربية في النصف الثاني من القرن العشرين، قامت هذه الأنظمة بمصادرة التقدمية من اليساريين وأقصتهم من المشهد وهمشتهم، وأبعدت اليمين "الرجعي" ثم زجت به في السجون، واستفردت البرجوازية بالسلطة وهيمنت على الدول والشعوب وعلى مقدرات الأوطان، هيمنت على كل شيء. وفشلت هذه الأنظمة في إنجاز أية مهام وأهداف "تقدمية" بل عجزت عن بناء دولة واستعاضت عنها بإنشاء مزارع خاصة للحكام وأولادهم وبطانتهم، كما أخفقت في توفير لقمة العيش الكريم للمواطن العربي. لقد سقطت هذه الأنظمة سياسياً وفكرياً وأخلاقياً، ومع ذلك تتواصل الكارثة بقيام المعارضين لهذه الأنظمة من تيارات يسارية "تقدمية" وأخرى يمينية وطنية أو إسلامية "رجعية" بإقصاء بعضهم البعض، وبهذا تجد الأنظمة العربية الفاشلة في اختلافهما ما يبرر بقاءها ويمنحها شرعية مزيفة تبنيها فوق رقاب العباد المضطهدين.

قدمت الرجعية العربية نموذجاً بدائياً قميئاً للحكم يشبه الحكم اللاهوتي للكنيسة في العصور الوسطى، وهكذا بدت هذه الأنظمة وكأنها تعيش خارج التاريخ. كما ظهر أصحاب الأفكار التقدمية بصورة مقيتة برفضهم تراث الشعوب العربية وسعيهم للبتر الكامل مع الماضي، وتعاملوا بعنجهية وفوقية واستكبار مع الجماهير، وأطلقوا مواقف قاطعة محددة ونهائية من كل ما يرتبط بالواقع العربي، وعاشوا في أبراج ذهنية فاضلة منفصلين عن واقعهم وعن الجماهير وما يحيط بها من تحولات اجتماعية، فكانت النتيجة قطيعة تامة بين التقدميين والرجعيين، والانفصال بينهما وبين والجماهير. الكارثة الكبرى هي انحياز اليساريين والتقدميين إلى جانب الأنظمة القهرية الاستبدادية الساقطة ضداً "بالرجعيين" يا للعجب. اختلطت الأوراق والمواقف والرؤى والتحالفات ولم يعد المواطن العربي يعلم من هو التقدمي فعلاً ومن هو الرجعي!

استبدال الوظائف

هناك نخبة يسارية كلاسيكية من الحرس القديم ما زالت متشبثة بأصول النظرية الماركسية، لا تمتلك المقدرة على رؤية المتغيرات الكونية التي حصلت خلال الثلاثين عاماً الأخيرة، متشددة في مواقفها وخطابها وتقود جمهوراً ريفياً محافظاً.  وتيار حداثي الهوى، لائكي في نظرته للعالم، لديه مشروع وحيد هو إقصاء الإسلام السياسي عن المشهد في الدول العربية، وهو هنا في رفضه للآخر يسقط في قعر التطرف والتشدد الذي يدعي أنه يحارب الإسلام السياسي لأجلهما. وتيار يساري تمكنت الأنظمة من احتوائه عبر منح قيادته بعض المكاسب المالية والوظيفية. وتيار ثالث فقد هويته النظرية ويشعر بالتيه، فهو عاجز عن إعادة ارتداء ثوبه الفكري الذي رماه يعد سقوط الشيوعية لعلمه أن الله وحده يحيي العظام وهي رميم، ولا هو قادر على معايشة عصره وتحديث فكره وأدوات تحليله وخطابه، وهو أشقى التيارات في المشهد.

وكما فعل معظم السياسيين العرب الفاشلين الذين عجزوا عن إدارة شأن عام واحد بنجاح، ويخلو سجلهم من أية إنجازات، تحولوا إلى مثقفين مبتذلين سفهاء، قالوا فظهرت أفكارهم سطحية وخطابهم زائف وآراؤهم هزيلة لا تمتلك القدرة على الإقناع والمحاججة ولا على المواجهة. وهكذا فإن معظم المثقفين اليساريين الكلاسيكيين، وهم أكثر الأفراد الذين أصابهم الانكسار والإحباط، فتحولوا إلى رجال سياسة رديئين بثوب ثقافي. والبعض من المثقفين اليساريين تجده قد تحول إلى داعية لتسويق الأفكار والنظريات، بينما في حقيقة الأمر أن دور هؤلاء المثقفين هو ابتداع الأفكار وإنتاج المعرفة، وممارسة النقد التنويري وتشكيل وعي ديناميكي لدى الجماهير لتغيير واقعها.

ما ينشده

المواطن العربي المثقل بالقهر وضنك الحياة والذي لم يعد يؤمن باليسار ولا باليمين ولا بالوسط، وكل ما يحتاجه اليوم هو إطلاق الإنسان من معتقله الذي رسمت قضبانه أنظمة استبدادية، وتحرير عقله من قيود الجهل والخرافة، وتوفر المناخات الديمقراطية وتفعيل العقل وضمان حرية الفكر واستقلالية التفكير، وتشجيع الإنسان على التعلم واكتساب المعرفة وتنمية قدراته الخلاقة، وحثه على التجريب والتنقيب والبحث والابتكار والاستنباط. والأهم من كل هذا توفير فرص التعليم والعمل وضمان حقه في العلاج وإبداء الرأي وتوفير لقمة العيش التي تضمن الحياة الكريمة.

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

 

عدنان عويدأعترف بداية أن ما أطرحه هنا يشكل مسألة إشكالية في التحليل النفسي الاجتماعي (البيسيكولوجيا) لظاهرة الخوف، وتولد الأسطورة والخرافة في حياة الفرد والمجتمع، مع إقراراي أن للخوف أسباب كثيرة، ولكن ما يهمني منها هنا هو الخوف موضوع هذا المقال، حيث شكل هذا الخوف تحولات كبيرة وعظيمة في تاريخ حياة البشرية، وأهمها إنتاجه للديانات التي خلقها الإنسان بنفسه وراح يعبدها . أي صنمها، وجعل منها حالة مقدسة راحت تسيطر على حياته الخاصة والعامة.

يظل الخوف والرعب من الظواهر التي تجبر الإنسان على التوقف كثيراً أمام أي شيء يريد قوله أو ممارسته اتجاهها، وذلك بسبب جهله لطبيعة وآلية عمل الظواهر التي يتعامل معها وللنتائج التي ستترتب عبر هذا التفكير أو هذه السلوكية على حياته. فالإنسان إضافة لكونه عدو ما يجهل، فهو يخاف مما يجهله، والمغامرون الذين يمتلكون الجرأة على خوض غمار الحياة بحرية وعقل منفتح هم قلة، وهم برأيي من يستطيعون فتح الطريق أمام الاخرين كي يسيروا على خطاهم.. فالجرأة مرتبطة بمغامرة الإنسان في كشف مجاهيل الطبيعة أولاً ثم المجتمع ثانياً.

لا شك أن علاقات الإنسان مع الطبيعة لها جذور تاريخية عميقة تخللها الكثير من الخوف تجاه ظواهر الطبيعة التي لم يكن الإنسان يعرف سنن أو قوانين حركتها وتبدلها، الأمر الذي جعله يتخيل أولاً ثم يشكل ثانياً الكثير من الأساطير والخرافات حولها، وعلى هذا الأساس من الخوف راح يعبد مفردات الطبيعة، أي ظواهرها .. فعبد الشجر والحجر والحيوان  وشكل الكثير من الطواطم المرتبطة بها داخل محيطه، ومن خوفه هذا راح يقدم لها الأضاحي من البشر والحيوان والثمار وكل ما يشعره برضاها وعدم أذيته . وعندما بدأ الإنسان يكتشف سر القوانين التي تتحكم في هذه الظواهر الطبيعة المحيطة به، فقدت هذه الظواهر شيئاً فشيئاً قدسيتها عنده، ولم يعد يخاف هذه الظاهرة أو تلك، وبالتالي لم يعد يعبدها، وشيئاً فشيئا فقدت سيطرتها على عقله ومخياله وحلمه بالآمان معاً.. وهكذا مع سيطرته على الظواهر الطبيعية المحيطة به أو كشف أسرارها فقدت الطواطم قدسيتها، وراح عقله وتخيلاته تتحول من عالم محيطه الطبيعي إلى الفضاء الخارجي، فخاف الشمس والقمر والليل والنجوم.. فألهها ورمزها في أسماء ترتبط بحياته العملية خاصة بعد ان حدث التقسيم الكبير للعمل بين الرعي والحرفة والزراعة. فكان الإله بعل وتموز على سبيل المثال لا الحصر، وراح يعبدها ويسترضيها ايضاً، ويخاف معاكستها أو مخالفة تعاليمها التي جسدها رجال الدين آنذاك ونسبوها لهذه الآلة... ومع تطور وسائل إنتاج الإنسان ازداد الانتاج وازدادت طبيعة العلاقات بين الناس، فبدأ الإنسان يضيع في منتجاته أيضاً بعد أن حل الاستغلال والظلم بين الناس بسبب الملكية ... وهنا أخذ الإنسان يضيف إلى آلهته تموز وبعل وعشتار وآمون .. الخ، آلهة أخرى ذات طبيعة أو سمات وخصائص بشرية ترتبط بهذه العلاقات الاجتماعية.. فكانت ألهة الحب والحرب والجمال الخ...ولكن مع كل تطور في حياته الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية،  يكتشف سر العلاقات الاجتماعية ومعرفة أن الإنسان يلعب دوراً في تكوينها. أي أن الإنسان هو سبب الظلم والقهر والاستغلال لأخيه الإنسان، فمع هذه المعرفة سقطت هذه الآلهة الاجتماعية، كما سقطت الآلهة التي ارتبطت بعلاقة الإنسان بالطبيعة.. ومع هذا السياق الفكري والسلوكي لظاهرة الخوف والتخيل والحلم بحياة أفضل الذي استمر بالضرورة بسبب جهل الإنسان للكثير من أسباب ظلمه وفقره وجوعه، جاءت الديانات الشمولية السماوية التوحيدية (اليهودية والمسيحية والإسلامية).. وهي ذاتها خضعت للمخيال الاجتماعي وللحلم والأمل .. فإذا كانت اليهودية تؤمن بإله واحد يخاطب الناس ويكره ويحب ويأمر بالقتل والتدمير وهو الإله يهوه. فإن المسيحية جسدت الوهية او تمثيلها بالسيد المسيح الذي أبعد كل صفات الشر عن الإله ليمثل او يجسد صفات الإله القائمة على المحبة والسلام.. ومع الإسلام جاء التوحيد المطلق للإله الذي ليس كمثله شيء، وأن كل شيئ مخلوق له.

هنا بدأ المخيال الإنساني يشتغل بطريقة أخرى بعد أن أقصيت الديانات الوثنية وصحح مسار الإله العلوي وحضوره لدى الناس ، حيث ارتبط المخيال الاجتماعي والفردي في هذا الإله الذي راح الإنسان يعوّل عليه الخلاص وتأمين كل حاجاته بالرغم من أن (الإله) دعاه إلى ضرورة العمل والاعتماد على النفس من أجل خلاصه. وأن حالات ظلمه وقهره وعبوديته هي من أخيه الإنسان، وأن كل تعاليم الديانات الشمولية جاءت من الناحية الأخلاقية تدعوا الإنسان إلى الكف عن ظلم أخيه الإنسان.

هكذا تشكل المخيال الإنساني تجاه الآلهة تاريخياً من جهة، وهكذا تشكل الخوف الحلم والأمل في الخلاص من القهر والظلم والعبودية تاريخياً من جهة ثانية.

أما المشكلة في استمرار الأسطورة والخرافة والحلم والأمل الذي تعود جذوره إلى العمق التاريخي، فيعود اليوم إلى القوى الاجتماعية والسياسية التي تريد لهذه الخرافة (الجهل) أن تستمر حتى تستطيع القوى الاجتماعية وخاصة الممثلة بالسلطات الاستبدادية أن تحافظ على وجودها وغنائمها.. فكل من يقول بالجبر مثلاً أو يسهل الاشتغال عليه هو يعمل من أجل إقصاء وتعطيل عمل عقل الإنسان وحرية إرادته، وبالتالي دفع هذا الإنسان إلى الاتكاء على الدين في صيغته الجبرية من أجل استمرارية الخرافة والحلم في الخلاص عائشين في داخله.

لم يزل الاستبداد قائماً، ولم تزل القوى الداعية للجبر وإقصاء العقل قائمة، وبالتالي سيبقى الجهل والتخلف والخرافة والحلم والأمل قائمين في عالمنا حتى يأتي من يقدس العقل ويعتبر الإنسان سيد قدره ومصيره.

د. عدنان عويّد - كاتب وباحث من سورية

..............................

ملاحظة:

الأسطورة هي رؤية دونت على شكل قصة لمغامرة ما او معركة ما أو رحلة ما.. فجلجاميش أسطورة .. وقصة الخلق أسطورة . ولكنها في مفاهيم عصرنا هي شكل من أشكال الخرافة التي حاولت بناء تصور ما عن قضية كبيرة في حياة المجتمع او الإنسان.. أما الخرافة فهي حكاية غالباً ما تكون شعبية ولا تنتقل إلى مجال التدوين، وهي غالباً ما تستخدم للتسلية أو لتخويف الأطفال من أجل ردعهم عن ممارسة السوء أو تعليمهم قيم حياتية محددة.

 

ميثم الجنابيإن إحدى القضايا الأكثر تعقيدا وجوهرية بالنسبة للعراق الحالي تقوم في كيفية إرساء أسس العلاقة السليمة بين فكرة الدولة وفكرة الهوية الوطنية. وإذا كان لكل مرحلة تاريخية أولياتها ولكل حالة سياسية مهماتها الكبرى، فإن أولية فكرة الدولة الشرعية والهوية الوطنية العراقية هي مفتاح حل أزمته البنيوية الدائمة. ليس ذلك فحسب، بل وأنها المقدمة الضرورية لتدقيق المهمات السياسية الكبرى من اجل دفع العراق صوب استكمال كيانه السياسي الجغرافي، والوطني الاجتماعي، والتاريخي الثقافي. فهو الثالوث الذي تتوقف على كيفية ترتيبه وتطويره آفاق ومستويات وخطوات تقدمه اللاحق.

فعندما ننظر إلى تجربة ما بعد الاحتلال وبداية الاستقلال الأولي الفعلي بعد خروج قوات الاحتلال الأمريكية من العراق، فان الحالة الأكثر بروزا في عرقلة تكامله الذاتي تقوم في ضعف مركزية الدولة وضعف الهوية الوطنية عند قواه السياسية ومكوناته القومية والثقافية.

فقد كشف التحول العاصف بعد إسقاط الدكتاتورية الصدامية والتوتاليتارية البعثية بأيدي قوى خارجية عن ضعف قواه السياسية "الداخلية" و"الخارجية"، واغتراب اغلب مكوناته، وتحطم البنية التحتية للدولة والمجتمع والثقافة، وانهيار القيم. ووجدت هذه الحالة تعبيرها السريع في اشد الأشكال لاعقلانية وتخلفا في ميدان الصراع من اجل السلطة كما كان ذلك جليا (وما زال يفعل بصورة واعية وغير واعية) في المواجهات الدموية واستفحال مختلف أشكال ومستويات الصراع القومي والعرقي والديني والطائفي والجهوي والفئوي.

فقد أبرزت سنوات الصراع الهمجي إثناء وبعد الاحتلال الأمريكي الحقيقة القائلة، بان اغلب دوافع هذا الصراع كانت تتمحور حول السلطة وليس الدولة، أي غياب أو اضمحلال فكرة الدولة. فقد كان جفاف فكرة الدولة الشرعية والنظام السياسي الديمقراطي مصدر العطش الكبير الذي عانى ويعاني منه العراق. وليس مصادفة أن يكون صعود نجم المالكي وثيق الارتباط بشعاره السياسي، الذي احتوى على فكرة الدولة بشكل عام والشرعية بشكل خاص. بمعنى استجابته وتمثله للمزاج الاجتماعي والوعي السياسي. والاهم من ذلك إدراكه الواعي لطبيعة المرحلة التاريخية التي يمر بها العراق والمهمات السياسية الكبرى التي يواجهها.

وقد يكون من السابق لأوانه الحديث عن إدراك منظومي عميق ومتكامل في الوعي السياسي العراقي الحالي لأهمية وقيمة مركزية الدولة والهوية الوطنية بالنسبة للأمن والاستقرار والتطور الديناميكي، إلا أنها أصبحت جلية على الأقل في مستوى الحدس الوطني والاجتماعي. وهو حدس تراكم في مجرى الصراع الدموي وغير العقلاني لسنوات ما بعد الاحتلال وحتى يومنا هذا. ومن خلاله بدأت تتضح ملامح الخلل الكبير في بنية الدولة العراقية الحديثة.

فقد كان تاريخ الدولة العراقية الحديثة جزء من زمن السلطة. الأمر الذي تسبب في نهاية المطاف في صعود الراديكالية السياسية وهيمنتها على الوعي الاجتماعي والممارسة السياسية. ولم يكن ذلك معزولا من الناحية التاريخية عن طبيعة التجزئة الداخلية المتراكمة في بنية الوجود الاجتماعي والنفسي وهيمنة البنية التقليدية (العشائرية)، بوصفها الوجه الآخر لانعدام التاريخ السياسي الطويل في ظل السيطرة العثمانية. وحالما ظهرت في العصر الحديث إمكانية الظهور الجديد للعراق القديم، فان صعود "ملك مستورد" كان التعبير الأكثر دقة عن انعدام "مرجعية عراقية" نابعة من تحسس وإدراك كينونته الذاتية.

لقد حاولت الملكية الجديدة حل إشكالية الدولة والهوية العراقية لكنها فشلت واندثرت بعد انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958. وعوضا عن ملكية عرجاء جرى إنتاج جمهورية كسيحة فتحت الأبواب العريضة أمام صعود ومغامرات الراديكالية السياسية، التي تجسدت لاحقا في سلسلة انقلابات انتهت باستحكام الدكتاتورية البعثية – الصدامية. ولم تكن هذه الأخيرة في الواقع سوى المسخ الجديد الذي جسد بصورة نموذجية تقاليد "لقرون المظلمة" في "عقود مظلمة". بمعنى عجزها عن بناء فكرة الدولة الشرعية الحديثة والهوية الوطنية المحكومة بقوة القانون والدستور. وبالمقابل "نجاحها" في بناء مركزية السلطة.

لقد أدى هذا الاستبدال المشوه للعلاقة بين الدولة والسلطة إلى استمرار الضعف الذاتي الدائم للنخبة السياسية. الأمر الذي ما كان بإمكانه أن ينتج غير نفسية وذهنية السلطة وأولويتها على فكرة الدولة. وكما أدى ذلك في الماضي إلى تحول فكرة السلطة وأولويتها في الخطاب والممارسة (الحزبية) إلى مرجعية خفية وراء سلوك المغامرة السياسية قبل الرابع عشر من تموز عام 1958 وبعده، أي إلى مأساة وانحطاط العراق الحديث والمعاصر، فإنه يمكن أن يؤدي إلى استعادة نفس التجربة الفارغة، أي إلى اجترار زمن الانحطاط.

لقد كشفت التجربة السياسية الكبرى للعراق على امتداد خمسة عقود متتالية من هيمنة الفكر والممارسة السياسية الراديكالية عن طبيعة الخلل بين فكرة الدولة والسلطة والأمة. فقد حولت الفكرة والممارسة الراديكالية الوطن والدولة والمجتمع والإنسان إلى أشياء تابعة للسلطة. من هنا صعود الأطراف والأقلية والهامشية كما كان ذلك جليا في الصدامية، باعتبارها النموذج "التام" لهذا النمط الراديكالي السلطوي. وليس مصادفة أن تبرز غريزة السلطة بقوة مبالغ فيها بعد سقوط الدكتاتورية الصدامية عند الأطراف والهامشية كما هو الحال عند مختلف "جمهوريات الإسلام" الطائفية السياسية و"فيدراليات" العرق الكردية. وإذا كانت الأولى قد تعرضت إلى هزيمة ساحقة، فان بقاء الأخيرة على حلبة الصراع يجعل منها حجرة العثرة الأخيرة الواقفة أمام مهمة استكمال ثالوث الجغرافيا السياسية والاجتماع الوطني والتاريخ الثقافي الموحد للعراق.

بعبارة أخرى إننا نقف أمام محاولة استعادة نفس التجربة الفارغة، أي أمام نفس القوى الهامشية والاطرافية التي عاشت وتعيش بمعايير جوهرية السلطة على الدولة، والعائلة على الجماعة، والقبيلة على المجتمع، والعصابة على المؤسسة. بينما البديل يفترض وجود مركزية الدولة والهوية الوطنية، أي أداة وأسلوب صنع الثبات والتراكم العاملين بمعايير المستقبل.

إن العمل بمعايير المستقبل في المرحلة التاريخية التي يمر بها العراق تفترض صياغة مشروع جديد يذلل خلل ما بعد الصدامية في بنية الدولة والنظام السياسي. والصيغة العامة له تفترض القضاء على "ديمقراطية" المحاصصة "التوافقية" و"الشراكة" وما شابه ذلك، بوصفها الوجه المحسن للطائفية والعرقية السياسية. من هنا أهمية وقيمة المشروع الحقيقي البديل المبني على أسس مركزية الدولة وفلسفة الهوية الوطنية العراقية. إن تنفيذ هذا المشروع يستلزم بدوره تجسيد المهمات الكبرى التالية:

1- إعادة كتابة الدستور بطريقة قانونية جديدة تأخذ بنظر الاعتبار التجربة السياسية للعراق الحديث وما بعد الصدامية. 

2- إعادة النظر بطبيعة النظام السياسي وتحديده بصورة دقيقة وقانونية.

3- الاستعاضة عن النظام البرلماني بالنظام الرئاسي على الاقل لمدة عشرين سنة.

4- بناء علاقة ديناميكية وشرعية بين مركزية الدولة وسلطتها التنفيذية من جهة، وبينهما وبين سلطة المحافظات من جهة أخرى. مع ما يترتب عليه من إلغاء للفيدرالية (لاسيما وانه لا وجود فعلي لها إلا بالاسم) ثم إلغاء تدريجي لفكرة الحكم الذاتي ومختلف أشكال البنية التقليدية المتناقضة مع فكرة الدول الحديثة ومشروع المواطنة التامة والحقوق الدستورية المتكافئة.

5- الاهتمام الخاص بالتربية والتعليم من خلال وضع برامج علمية بعيدة المدى مهمتها تأهيل الفرد والمجتمع والدولة للانتقال الشامل صوب اقتصاد العلم والتكنولوجيا الحديثة ومجتمع المعلومات.

6- الاهتمام الأولي والأكبر بالزراعة من خلال وضع وتحقيق برامج متكاملة لتغيير البنية التحتية للريف والفلاحين باتجاه نقلهما إلى مصاف الزراعة الصناعية الحديثة.

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

محمد الدعميإنه لمن الصعوبة بمكان أن يتخيل المرء (عبر العالم الإسلامي عامة) ما يسمى بــ”العالم الغربي” اليوم وهو عبارة عن قارة أوروبية نصف منجمدة ومنكمشة إبان قرون العصر الوسيط، إذ لم تكن أميركا مكتشفة بعد، بينما كان “العالم الإسلامي” يحيط بأوروبا (المسيحية الآرية) من كل جانب، اللهم باستثناء حدودها الشمالية القطبية غير المأهولة.

هذا هو ما يفسر للباحث الاستقبال الغربي العدائي للعالم الإسلامي في عصر الفتوحات على نحو خاص، بعد أن أخذت الفتوحات تقضم من حدود أوروبا الجنوبية (إسبانيا والبرتغال) وبلغاريا وروسيا والمجر، من بين سواها من البقاع والتخوم المحيطة بما كان يسمى، خطأ، بــ”العالم المسيحي” Christendom!

وإذا ما كانت هذه هي الحقيقة المريرة بالنسبة لأوروبا عصر الحروب الصليبية، فإن أهم مصادر ومنابع التعبئة ضد غارات المسلمين على تخوم أوروبا، قد تمثلت بالكنيسة وبالممالك التي خشيت خشية وجودية من مغازي المسلمين. ولهذا الشعور بالحصار، بل وبالغرق في محيط عالم إسلامي قوي وأكثر تحضرا وعلما وجبروتا عسكريا أسبابا جعلت الكتاب الإكليريكيين يفعلون كل ما بوسعهم من أجل تشويه الإسلام (نظاما روحيا) على سبيل ليّ حقائق الرسالة الإسلامية كي تبدو مشوهة وغير عقلانية في أعين أقوام “الشقر الطوال” هناك!

وقد أمسك هؤلاء الكتاب والمؤرخون بنقطتين أساسيتين لتشويه المسلمين وحرف تقليدهم الروحي الطارئ على أوروبا، وهما: (1) السيف؛ و(2) الحريم The Harem.

من ناحية أولى، عد السيف الأداة الأساس لنشر الإسلام بين الأقوام المختلفة بالقوة، بمعنى أنه أخذ رمزا لمثلبة التبشير على طريقة “اعتنق الإسلام، أو مت!”. وقد كانت هذه من أهم أدوات تشويه الإسلام.

ومن ناحية ثانية، ظفر العالم الغربي آنذاك بمفهوم “الحريم” كأخطر مثالب الإسلام معتنقيه، متهمين إياهم بامتهان المرأة، أختا أو بنتا أو زوجة! لذا اكتسب لفظ “الحريم” هالة واسعة من الدلالات المشوهة المبالغ بها حتى شملت العبودية وتشريع الإساءة إلى المرأة على اساس “الشريعة”، للأسف.

أما عندما تغيرت حركة التاريخ لصالح الإمبراطوريات الأوروبية (الإسبانية والبرتغالية، والبريطانية والفرنسية والإيطالية، من بين سواها)، بقيت أوروبا محافظة على ذاكرتها وعلى تراثها الوسيط الحقود المضاد للإسلام ومعتنقيه، إذ بقي مفهوم “الحريم” مفهوما مفتاحيا، إذ لا يستدعي قيام “الرجل الأبيض” بتحرير الأمم الشرقية (الإسلامية خاصة) فقط، وإنما بفرض تحرير المرأة السمراء القابعة تحت وطأة هيمنة الرجل القاسي عبر العالم الإسلامي. ودليل ذلك متاح حتى اليوم، خاصة في كتاب “لايارد” (بقايا نينوى) The Remains of Nineveh، إذ يوقع هذا الآثاري البريطاني أشد العقوبات الجسدية بالعمال المسلمين الذين كانوا يعملون معه في الحفريات الآثارية حوالي مدينة الموصل آنذاك!

وهكذا، دل مفهوم “الحريم” على قدرته على البقاء والتواصل حتى بعد إسدال الستار على العصر الذهبي للكولونياليات الأوروبية، محالا، أثناء ذلك، إلى القارة الجديدة عبر المحيط الأطلسي!

 

د. محمد الدعمي

 

قاسم جمعةتشير التقنية في أجل معانيها إلى المهارة الفنية في عمل شي ما.ولذا ارتبط هذا المعنى وظيفيا بالفنون وطرق احترافها وهو نعت ينطبق على المستوى المادي، إبتكار الشي وتطويره وفنون استخدامه على مختلف الصعد، وهو ما ينطبق على الفنون والعلوم وكل وسيلة يمكن للإنسان أن يستخدمها في تطوير آلياته المتاحة لقهر الطبيعة من أجل مصلحته و بني البشر ..

بعد كل الإمكانيات الهائلة التي قدمتها التقنية في بسط سلطة العقل البشري على الوجود، إلا أنها أخذت تشعره بعدم اصالته ككائن ينبغي له أن تكون له اليد الطولى في كل جزئية من حياته واذا بالتقنية تستحوذ عليه وتصيره عبدا لدور هي من قررته له وهو ما أثار حفيظة كل مفكر ثائر وسياسي حر، ماركس وإنجلز مثلا

وتفاقم الرفض الانساني للبعد السلطوي للتقنية على الرغم، من أنها تتيح إمكانات هائلة للبشر في التقدم والتحديث وقهر كل ما يمكن قهره وتفتيت العالم،، .

لم استطع ان افهم هذا التحامل على التقنية، الا بعد ان عرفت، انها الوحيدة، اقصد المراة، ككائن بشري تضرر كثيرا من فعل التقنية كيف؟؟ والرجل ماذا عنه وسط هذه الضجة؟.وهي أسئلة تقلق الرجل والمرأة،،

سالت احداهن، وانا احاور صديق لي مهتم بالثقافة النسوية، قلت في خضم حواري ذاك، ان التقنية تعزز العزوبية واقصد بذلك ان الرجل لم يعد اسيرا لدور المراة، فهي اي التقنية، احتلت مكانة انطولوجية، وربما لم يلتفت (هيدجر) جيدا، عندما اشار الى انها (التقنية) لا تفكر، فهي بعيدة عن مسار النهج الانساني والكائنات موجودة لتسد فراغ الوجود الزائف، والتقنية ليس حسبها تعزيز الكينونة الحق ..التقنية ازالت هالة المشاعر الإنسانية وألقت بها بعيدا واخذت تنمي التفرد الرقمي والعيش بعالم الافتراض المخيف. لكنها بادرت عبر جيوشها اخذ مبادرة التفكير بالنيابة عن الإنسان .

ومن هنا تبقى التقنية في نظر القادم من الجنس البشري، محققه لكيان الجنسين.

وربما العنوان فيه شي من الذكورية المخاتلة، لان العزوبية صفة ذكورية . ولكن العنوسة تسكن هي الاخرى مجال او فضاء التقنية. فالاثنين اغرتهم التقنية وحفزتهم إلى الاستماع لتعاليمها المعلنة والسرية..

ومع كل ما قيل عن التقنية، فقد أضحت مأوى الإنسان من غربته وهو أمر غريب!! إذ يفترض أنها مصدر غربته، أصبحت فضاء لانفتاح كينونة المغترب وهي حالة تزال عنها الغرابة، طالما بقيت ماكنة الاقتصاد المهول التي تزف كل يوم لعبها التقنية وآليات التلهف التي تبصر تحركات الانسان وما على المنبوذ حسب (جورجيا اغامبن) سوى الامتثال لهذا الرهان..

العنوسة الأنثوية والعامل الذكوري تمنعهم التقنية من التواصل مادام كل شيء يحضر بنقرة على تطبيق محدد إلكترونيا.. الاكل اللبس والتنظيف والتنشيف وغسل الأواني ومسح الأرضية، بل حتى ممارسة الجنس عبر الدمى !

باتت التقنية بمهارة تنجز ما كان يسبب نفور المرآة من عالم الزواج.. والرجل زادت حيرته، فلم تعد مهام المنزل تعكر مزاجه، لكي يفتش لأمه عن امرأة (حوك) بلغة الناس الشعبية .

واتفق الكل على أن يبقى كل على حدة، بل أخذت الحياة تتجه إلى معبد العزوبية لان كل شي بات متاح تقنيا..الحب والكره والمشاعر مستورده من إحدى المرويات التقنية التي يحفظها الجيل الجديد، ولكن يحن البعض إلى حياة الزوجية رغم كل المحن والحياة المنعزلة، ولهذا يبقى الرهان على اما الصمود والارتهان إلى العزوبية والفردية القاتلة أو الانخراط بالزواج والسكون إليه

 

د. قاسم جمعة

 

تاريخياً، نشأت الثقافة مع نشوء الزراعة، فالزراعة خلقت شروط استقرار البشر، وأعطت إحساس عام لديهم بوجود شيء جديد، وبأنهم انتقلوا إلى نوع من التحضر، أي إلى التثاقف.

إنّ طلائع البشرية من الفلاسفة والمفكرين بدأوا يعيرون اهتماماً بهذه الظاهرة، منذ أمد بعيد، ومع ذلك لم تتوطد الثقافة بالشكل الذي نعرفه الآن إلا في القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين، حيث ظهرت الثقافة كمفهوم علمي.

وفي حقيقة الأمر، فإن وضع مفهوم محدد للثقافة يعد أمراً شاقاً، فمفهوم الثقافة مفهوم إشكالي ظل مدار جدل واسع بين مدارس فكرية واتجاهات سياسية واجتماعية عديدة[*]، ولا يزال كذلك حتى يومنا.

وفي تصورنا فإن أولى الأوليات لبناء مقاربة موضوعية حول الثقافة وملابساتها تكمن في تحديد المنهج، الذي على ضوئه تُصاغ مجمل الأفكار والآراء والمواقف.

ونحن في مقاربتنا هذه نعتمد المنهج السوسيولوجي، الذي يفسّر الثقافة باعتبارها عملية اجتماعية تاريخية مرتبطة بوسائل إنتاج الحياة المادية للمجتمع، وما تفضي إليه من منظومة الأفكار والتصورات والمعتقدات والوجدان والقيم والعادات والتقاليد وأنماط العيش.

وترتبط الثقافة أيّما ارتباط بالوجدان. وفي لغتنا العربية، تأتي كلمة الثقافة من الفعل ثقف، وثقف الشيء أي صقله وهذبه.

والثقافة ليست مجرد مستودع للذاكرة أو تصورات تجريدية أو مجالاً للإبداع الأدبي أو الفني أو الفلسفي فحسب، بل هي أيضاً مجال للصراع المادي.

يمكن تصنيف الثقافة إلى: ثقافة سائدة وثقافة مَسْودة. الثقافة السائدة هي ثقافة القوى المسيطرة على السلطة والثروة. بينما الثقافة المَسْودة، هي ثقافة الجموع الشعبية الواقعة تحت سيطرة النُظُم السياسية والفئات الاجتماعية النافذة.

الثقافة مجالاً للصراع السياسي:

إنّ الصراع سمة الوجود، وتشمل الطبيعة والاجتماع البشري. ويتمحور الصراع في عالم الاجتماع البشري حول المصالح المادية أو ثنائية السلطة والثروة، ويتبدى في أشكال مادية وأشكال تعبير ثقافي ــ أيديولوجي.

لذا سعت النُظُم السياسية لإخضاع المجتمع عبر اعتماد آليات السيطرة الخشنة وآليات السيطرة الناعمة (الهيمنة)، كما يفيد بذلك إنطونيو غرامشي [**].

وتتحقق السيطرة الخشنة من خلال استخدام القوة العارية (الجيش والشرطة والمخابرات...إلخ)، بينما تتحقق السيطرة الناعمة (الهيمنة) في الاحتياز على أدوات التأثير الثقافي والإيديولوجي (التلفاز، والمذياع، والمدرسة، والجامعة، والسينما، والمسرح، ودور العبادة...إلخ).

من هنا تكتسب معركة الوعي أهميتها الحاسمة في حياة المجتمع، كما وتتجلى العلاقة الوطيدة بين السياق الثقافي والسياق السياسي، وبالتالي بين الثقافة والثورة، فالثقافة ليست قيمة محايدة، أو حالة استعراضية، بل هي موقف من قضايا الشعب، وأبعاد الزمن الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل.

الثقافة والثورة.. أي علاقة؟

العلاقة بين الثقافة والثورة، علاقة جدلية، فالثورة بدون ثقافة أو فكر أو وعي يضبط إيقاعها تبقى فعل عفوي عشوائي لا يحقق نتائج فعلية، والثقافة بدون مضمون أو انحياز اجتماعي تصير ديكوراً أو شكلاً تعبيرياً متعالياً على الواقع.

تأسيساً على ما تقدم، يمكن القول إن الثورة هي حالة من التفجُّر الاجتماعي العفوي للجماهير المُفَقرة والمُعطلَّة والمقموعة، بيد أنّ هذا التفجر يظل في حاجة دائمة وملحة إلى الوعي لترسيم المهام وتحديد المطالب وصياغة المشروع الثوري المنسجم مع المصالح الجمعية لعموم الشعب؛ فضلاً عن مواجهة الدعاية التضليلية التي تبثها القوى المضادة وأشكال الخطاب الرجعي الزائف الذي يحاول القفز على مطالب الشعب وإعادة إنتاج الظلم الاجتماعي بصور جديدة أو مُستحدثة.

"فالثورة في الواقع فرضت الثورة في الفكر والثقافة، هذا ما يمكن تلمّسه حين التدقيق في مجريات الواقع. وربما بدأ الأمر عبر التجربة، فقد أظهرت الثورة للشباب الذي خاضها الحاجة الكبيرة للوعي، حيث اكتشف أن التمرد وحده لا يكفي لتحقيق التغيير، بل يجب فهم كيف يمكن أن تتطور الثورة لكي تنتصر، وما هو البديل الذي يحقق مطالب الطبقات الشعبية؟"[1].

وفي حقيقة الأمر، فإنّ تفجر الثورة على ذلك النحو العفوي للجماهير الشعبية، كان ردة فعل تجاه سياسات الإفقار والتهميش والاستبعاد، ومن الخطأ أن نُحاكم ــ اليوم ــ هذا الفعل الجماهيري العفوي بأثر رجعي. فضعف الوعي لدى الجماهير ناتج عن عوامل وظروف مفروضة وليس بإرادة ذاتية من قبل الجماهير نفسها، حيث" ظهر واضحاً أن النظم الاستبدادية قد عملت على تدمير ليس الوعي السياسي فحسب، بل والثقافة عموماً"[2].

لقد قام النظام الآفل طوال سنين حكمه المتطاولة بتجريف منظومة التعليم بمختلف مراحله، حتى باتت مخرجاته من أشباه الأميين. وألغى منظومة الثقافة ومساقات الإنتاج الثقافي، ناهيك عن هشاشة وغياب البنى التحتية للثقافة، فلا وجود لمسارح، ولا دور نشر، ولا دور سينما، ولا مؤسسات بحثية، كل هذا يجري في ظل انصباب الإنفاق العام على دعم الجيش والمؤسسة الأمنية التابعة للنظام السابق ومصلحة شؤون القبائل. وتتجلى المفارقة أن هذه الثلاث الجهات تستأثر بنسبة تصل إلى 40% من الميزانية العامة للدولة في حين لا تحظى الثقافة سوى بـ 0.25% أو ربما أقل من ذلك!!

لم يقف الأمر عند هذا الحد الفاجع، بل أقدم النظام الآفل على اتخاذ جملة من الاجراءات؛ بغية السيطرة على المجتمع واستلاب وعيه، عبر تدجين المثقف وقمع الفكر النقدي وضرب العمل السياسي وخنق الحريات ومصادرة المجال العام وإفساد القيم وتوظيف الدين في السياسة وممارسة العنف الرمزي عبر وسائل التربية ومؤسسات التنشئة الاجتماعية، وإنتاج خطاب استلابي يعزز من روح الاتكالية وقيم الاستمرارية وإيصال الجماهير إلى قناعة "ليس في الإمكان أبدع مما كان"!!

وتتخذ عملية استلاب وعي الجماهير حيث يلجأ الجهاز الدعائي للقوة المسيطرة إلى بث الإحباط واليأس في نفوس الناس، وتحطيم الصورة المعنوية لحراك الشعب الناهض نحو التغيير، وينساق البعض بوعي أو بدونه في مجرى هذه العملية من خلال إطلاق الأحكام التعميمية الإطلاقية على الحراك الشعبي وإدانته دون فهم موضوعي لطبيعة الظروف المتولدة، والتوقف فقط عند الأشكال الخارجية للظواهر دون ملامسة جوهر تلك الظواهر وأسبابها الحقيقية، ناهيك عن ربط تلك الأسباب بالنتائج.

ولمواجهة هذا الوضع يتطلب وجود مثقفين ثوريين يرتبطون بالجماهير ويمارسون دورهم التاريخي في تنوير المجتمع وإحلال الوعي التغييري محل الوعي الزائف.

صور المثقف وأدواره:

المثقفون أو (الأنتلجنسيا)، بطبيعة الحال، ليسوا كتلة متجانسة ولا يشكلون طبقة واحدة، بل ينطوون على صور وأدوار متباينة، فلكل طبقة مثقفيها، فهناك المثقف الذي يدور في فلك السلطة، وهناك المثقف المنحاز للشعب، وهناك المثقف الذي يعيش في برج عالٍ.

فكيف بدا المثقف اليمني في سياق الثورة والصراع الجاري؟؟

لقد أبانت ثورة 11 فبراير الشعبية وسيرورتها عن حالة انكشاف للمثقف وللنخب السياسية والاجتماعية بوجه عام، وظهر المثقف اليمني في خمس صور:

الصورة الأولى: مثقف السلطة:

ينسلخ مثقف السلطة عن انسانيته ويخون مجتمعه ليتحول إلى بوق للسلطة، يبيع ضميره لقاء حفنة من المال ليؤدي دوراً تجميلياً للنظام، أو يسوغ الممارسات الاستبدادية والسياسات الجائرة.

هذه النوعية من "المثقفين" تمارس استلاب لوعي الناس لصالح بقاء السلطة، "فتحاصر العقل في صينية الطعام المعد سلفاً داخل مطبخ السلطة".

كما تمارس أيضاً الحرب النفسية ضد الشعب، بإنتاج خطاب التضليل والتزييف، وإدانة الثورة وتصويرها بأنها مؤامرة كونية وأنها أفضت إلى الفوضى والدمار والتطرف. وكأنَّ الشعب قبل الثورة كان يعيش في نعيم مُقيم.

وفي حقيقة الأمر فإن الفوضى والدمار والتطرف كانت، طيلة فترة حكم النظام السابق، في حالة كمون وتكسوها قشرة رفيعة، وما إن انهار النظام طفت على السطح واستفحلت في ظل غياب البديل.

الصورة الثانية: المثقف الانتهازي:

المثقف الذي يتنقل من موقع إلى موقع نقيض حسب اتجاه الريح، كلاعب السرك، ولا يجد في ذلك حرجاً، لأنه ببساطة مثقف انتهازي ينتهز أي فرصة بغية تحقيق منفعة ذاتية على حساب الموقف الأخلاقي.

هذه النوعية من المثقفين هي الغالبة، ونلاحظها بوضوح في سياق الاعتمالات الحاصلة في البلاد.

الصورة الثالثة: المثقف الانعزالي:

ينأى بعض المثقفين بأنفسهم عن الصراع وقضايا المجتمع، ويلوذون بالانعزال كممر للهروب السهل من تعقيدات الواقع ومسؤولياتهم تجاهه.

يتخذون موقفاً موارباً في لحظات الانهيار الوطني وانسحاق المجتمع بين رحى الحرب؛ ظانين بأنّ الوقوف في المنتصف هو الموقع السليم بالنسبة لهم ويضمن لهم راحة البال و الضمير.

لذا تجدهم مهجوسين بالحياد، يستخدمون لغة فخمة وخطاب وعظي متعالٍ، ويعجزون عن فهم تناقضات الواقع وملابساته، فضلاً عن عجزهم الذاتي عن وضع تصور منطقي وواقعي لمعالجة مشاكل الناس؛ لذا ينصرفون إلى بناء عالم من اللغة والتجريدات النظرية مُنزوعة الصلة بالواقع.

إنّ هذا الموقف الهُلامي (موقف اللاموقف) يصب في آخر التحليل في مصلحة القوى المضادة للشعب، لأنه موقف يمارس تزييفاً للحقائق ويقوم بتوجيه أذهان الناس باتجاه معين، فيثبط الشعب عن خوض معركته داعياً به إلى التسليم بالأمر الواقع ليدرأ بنفسه عن دفع ثمن حريته، والمعنى أن يظل رازحاً تحت نير الاستبداد والقمع وإلى الأبد...!

الصورة الرابعة: المثقف الضوضائي:

على الرغم من أنّ هذا الصنف من المثقفين يقفون في لحظات ما مع الحراك الشعبي؛ إلا أنه يضر أكثر مما يفيد، لأنه مُنحكماً للعواطف وللرغبات وللانفعالات الطارئة، دون فهم موضوعي لشروط الواقع وملابساته.

ففي مرحلة الزخم الشعبي وتنامي الحركة الجماهيرية يندفع هذا المثقف ويبتهج ويضفي طابع القداسة على الشعب، فيغرق في تمجيده وكيل المديح له.

بينما يُصاب باليأس والسأم في لحظات انحسار المد الشعبي، فيَعْمَد إلى إدانة الشعب والانتقاص منه وما هو أكثر من ذلك.

لقد رأينا كيف تحوّل فرح المثقف هذا إثر اندلاع ثورة الشعب مطلع عام 2011م، إلى حالة يأس وقنوط عندما أفضت هذه الثورة إلى نتائج لم تكن في الحُسبان..!!

فيسارعون إلى رسم طابع سوداوي للواقع الراهن، وإشاعة حالة من الاحباط في الأوساط الجماهيرية.

في كل الأحوال ليس بمُستطاع هذه النوعية من المثقفين أن تعي الطبيعة الجدلية للمزاج الشعبي ولا أسباب الاندفاع وأسباب الانحسار، لأنهم ببساطة بعيدون عن المنهج العلمي.

فالمنهج العلمي "يفرض تتبع ورصد مزاج الجماهير دون تشويه لحقيقته، أي دون أن نخضع ذلك لرغباتنا وأحلامنا. والوقوف ضد المزاج غير الثوري، لدى الجماهير، وكشفه أمامهم باعتباره أثراً من آثار الأوضاع المتخلفة التي نسعى إلى التخلص منها. (...) فالموقف من المزاج قبل الثورة، يختلف عن الموقف منه أثناء الثورة وبعد تسلم السلطة."[4]

لأن المزاج الجماهيري مزاج عفوي، إذا لم ينحكم إلى التنظيم الثوري وتقوده طليعة واعية فإنه غالباً ما يقع فريسة التوظيف السياسي للخصم أو يُمنى بالفشل.

ويتجلى مظهر آخر من سلوك هذه النوعية من المثقفين في الانحكام إلى الصوت الصاخب والضجيج العالي، في هذا الصدد يورد د.ياسين سعيد نعمان وصفاً دقيقاً بالقول: " كم هي مخيفة الأصوات الصاخبة التي لا سقف لها .. أصحاب هذه الأصوات لا يستقرون على حال، وفي نهاية المطاف يستقرون في حضن الخصم الذي يثورون عليه.. يتحكم فيهم الغضب والحنق تجاه كل شيء، وتتملكهم الحماقة التي تجعلهم يرون كل شيء خاطئاً طالما أنهم لا يتصدرون المشهد ولا يتحكمون به. كثير من الثورات عانت من هذه الظاهرة باعتبارها العاهة المخادعة التي لا تُكتشف إلا وقد دمرت الثورات، وتسجل كثير من التجارب الثورية أن هذه العاهة كانت السبب الأساسي فيما أصابها من انتكاسات."[5]

لقد انتهى بكثير من تلك الأصوات في حضن الخصم والشواهد على ذلك عديدة.

الصورة الخامسة: المثقف العضوي:

المثقف العضوي هو ذلك المثقف الملتزم الذي يتخذ موقعاً من الصراع الاجتماعي، ويتبنى موقفاً منحازاً للجماهير، فيعمل على تنوير المجتمع وتثويره بالوعي الجديد، وفي الآن ذاته يواجه الدعاية التضليلية التي تبثها القوى المضادة، أي أنه يعمل على نشر الوعي المطابق للواقع (الوعي الفعلي)، ويواجه الوعي المفارق للواقع (الوعي الزائف).

وإذا قمنا بعملية تقصٍ وبحث لهذا النموذج من المثقف في واقعنا اليمني، فلن نجد إلا القلة القليلة.

وعلى الرغم من قلة هؤلاء فالأمل معقود عليهم في ممارسة النضال ضد مراكز الأيديولوجية المسيطرة ومواجهة أشكال الوعي العصبوي بتلاوينه المختلفة (الطائفي والجهوي والقروسطي) بتبني خطاب وطني ديمقراطي يرتكز على الهوية الوطنية الجامعة والقواسم الحضارية والمادية المشتركة لأبناء المجتمع.

ولا تتوقف مسئوليته عند هذا المستوى، بل تبرز مهمة أخرى في سياق الوضع اليمني الراهن، ولابد أن يضطلع بها، والتي تتمثل بمواجهة الثقافة الانهزامية وحالات الإحباط، ببث روح الأمل في أوساط الشعب وتبشير الناس بالآفاق الرحبة، ودحض الأوهام الثقافوية والأساطير الاستشراقية التي تزيّف الوعي وتثبّط العزائم.

أوهام ثقافوية وأساطير استشراقية:

يسود في أوساط النخب الثقافية ودوائر البحث الأكاديمي منظوراً ثقافوياً تجاه المجتمع وثقافته وقيمه ومظاهر سلوكه. وينزع هذا المنظور الثقافوي إلى إدانة المجتمع ووصفه بأنه مجتمع محافظ وماضوي، وتحميله مسئولية تخلفه وتأخره وسيادة التطرف في أوساطه.

هذا المَنزع الوصفي التقريري، يريح نفسه من عناء البحث والتقصي وذلك بتبني الصيغ الاختزالية السهلة وإصدار الأحكام القطعية دون ملامسة الجوهر، فيكتفي بـ"النقر على السطح"، بينما المطلوب "الحفر في العمق" ــ بتعبير المفكر التقدمي العربي ياسين الحافظ ــ وذلك باستكناه أسباب وعوامل التخلف والتأخر بهدف وضع معالجة موضوعية.

إنّ التخلف لم يكن ــ أبداً ــ نتاج قرار ذاتي أو رغبة قمينة من المجتمع عينه، أو يعد سمة خالدة أو ماهية ثابتة، بل هو نتاج ظروف موضوعية اقتصادية وسياسية واجتماعية فُرضت على المجتمع، التي من أبرزها: التنمية المشوهة بفعل التبعية والتبادل اللامتكافئ، وتسيد الريع في التكوين الاقتصادي وانعكاس ذلك على العلاقات الاجتماعية حيث يسود نظام اجتماعي رعوي يقوم على ثنائية (السلطان / الرعايا) فالناس ـ في هذه الوضعيةـ لا يُعاملوا كمواطنين لديهم حقوق وتقع عليهم واجبات في إطار عقد اجتماعي توافقي، بل يظلوا مجرد رعايا تابعين.

فضلاً عن ذلك، فإن النظم القمعية صادرت المجال العام وألغت الشعب كفاعل سياسي، وانتهجت سياسات الإفقار والنهب والقهر، وأعادت تشكيل الوعي بما يلبي حاجتها إلى البقاء والديمومة عبر ممارسة الهيمنة الثقافية في وسائل الإعلام الرسمية، وعبر السيطرة الأمنية على الجامعة ــ أو عقل الأمة وفقاً للمفكر اليمني الكبير د.أبوبكر السقاف ــ ومحاصرة الفكر النقدي، وتأطير الذهنية العامة في إطار نظام معياري قائم على التحريم والتجريم والتسليم، واعتماد المناهج والوسائل الدراسية على التقلين والحفظ والمحاكاة وليس على التفكير والتحليل والابتكار والإبداع.

إن المنظور الثقافوي إنما هو ترديد صدى بائس للمنظور الاستشراقي الذي يخلع على مجتمعاتنا تصاوير نمطية.

إذ يدأب مستشرقون غربيون على القول بأن مجتمعاتنا مجتمعات بدائية (بربرية) تقوم على "إدارة التوحش" في علاقاتها الاجتماعية. وأنها مجتمعات تذررية (انشطارية) تنشطر على أساس العصبيات الأهلية والطائفية والجهوية.

ليؤسس هذا المنظور مقولات ثقافية أشبه باليقينيات كـ: (الاستثناء العربي، والاستبداد الشرقي، والاستعصاء الديمقراطي)، والخلوص إلى القول بأن هذه المجتمعات غير مؤهلة للديمقراطية.

إنّ القول بوجود علاقة ماهويّة لمجتمعاتنا بظاهرة التطرف والعنف، هو قولٌ زائف بل وكاذب، فالتطرف والعنف ظاهرة تاريخية عامة عانتها كل المجتمعات في الدنيا، وهي في المقام الأول تعبير عن حالة احتجاج سلبي تجاه ظروف الواقع، ويستحيل تجاوزها بغير إحداث تغييرات بنيوية في طبيعة تلك الظروف باتجاه تحقيق التنمية الشعبية، تلك التنمية التي يُشرَك الشعب فيها بشكل فعلي على مستوى التخطيط والتنفيذ والنتائج.

الثقافة والأحزاب .. نقد وتقويم:

يعتبر غرامشي الحزب السياسي بمثابة "العقل الجماعي".

فمما لا شك فيه أن الأحزاب السياسية تتحمل المسؤولية العظمى في تسييس الجماهير وتوعيتها بقضاياها، غير أن التجربة الثورية اليمنية والعربية عموماً أظهرت عجز هذه الأحزاب عن القيام بدورها هذا.

لنعيد النظر كرّةً أخرى إلى مشهد الثورة منذ 2011م:

انفجرت الثورة بشكل عفوي نتيجة أوضاع وظروف موضوعية تتمثل بـ: الجوع والفقر والبطالة واللامساواة الاجتماعية والقمع والعبث بالمال العام وإهدار الكرامة الإنسانية، وظل الفعل الثوري مفتقراً للتنظيم والتخطيط حتى بعد أن التحقت الأحزاب المعارضة به، نظراً لانحكام هذه الأحزاب لأسلوب المساومة السياسوية في مقاومة النظام، بالتركيز على الإصلاحات في النظام الانتخابي أو في أحسن الأحوال إجراء إصلاحات جزئية في بنية النظام السياسي ليتهيأ المجال أمام إشراك قوى المعارضة في السلطة دون مسّ جوهر السياسات الاقتصادية والاجتماعية الجائرة.

وكما انعكس هذا الدور سلباً على مسار الثورة ومآلاتها، فقد انعكس ايضاً على مستوى الإنتاج الثقافي، فالملاحظ مثلاً أنه لم يترافق مع المسار الثوري خلال السنوات المنصرمة إنتاج ثقافي إبداعي حقيقي. ومع ذلك فإنّ المجال لا يزال متاحاً؛ ذلك لأن الثورة لا تزال في مخاض، الأمر الذي يتطلب القيام بثورة ثقافية لتتكامل مع الثورة الشعبية.

استشراف الثورة الثقافية:

إنّ الأثر الفكري والثقافي للثورة لا يزال يختمر ويتشكّل، ذلك لأن الثورة بطبيعتها وطبيعة التحديات والمهام الجسيمة والمتعددة التي وضعتها على جدول أعمال اليمنيين أفضت بها إلى "سيرورة ثورية طويلة الأمد".

وبالنظر إلى حقائق العصر المستجد والانفجار المعلوماتي التكنولوجي الذي اكتسح أرجاء العالم، فقد أفقد هذا الاكتساح، مرة واحدة وإلى الأبد، قدرة النظم السياسية الاستبدادية على احتكار المعلومة والاحتفاظ بما كان يسمى بـ "أسرار الدولة"؛ بفعل الإعلام الفضائي ووسائط الفضاء السيبراني كـ (المواقع الإلكترونية والفيسبوك وتويتر ومختلف منصات التواصل الاجتماعي)، وهو ما يسَّر امتلاك الحيز الافتراضي العام وممارسة حرية الكلام والنقاش العام دون قيود سلطوية.

بل إنّ هذه الوسائط الجديدة صارت بمثابة سلطة موازية وقوة ضغط جبارة على صناع القرار، وباتت تمثل نسقاً جديداً من الرقابة، أو وفقاً لمانويل كاستيل بـ"المجتمع الشبكي".

وعلى الرغم من أهمية هذا الانجاز التاريخي العاصف، إلا أنه لا يزال يواجه تحدي الإفلات والتحرر من التأثيرات الدعائية التي تبثها الأجهزة الأمنية، ولن يتحقق ذلك التحرر إلا بالتثقيف النوعي وامتلاك المنهج القادر على تمييز القضايا الفعلية من القضايا المفتعلة وتفريز الشعارات الصادقة من الشعارات البّراقة أو المُخاتلة.

يمكن القول وبإطمئنان كبير أن الثورات قد قدحت في الوعي العام الدافعية نحو التغيير والجديد والمستقبلي وضداً على كل ما هو محافظ وبالي ومتقادم.

إذن المهمة الملحة اليوم هي خوض ثورة ثقافية، ثورة تقوم باستكمال مهام التغيير انطلاقاً من إعادة بناء الثقافة الوطنية.

إعادة بناء الثقافة الوطنية:

الثقافة الوطنية هي مجمل الخصائص والسمات المادية والروحية للمجتمع.

وتتم عملية إعادة بناء الثقافة الوطنية عبر مستويين أساسيين:

الأول: استلهام القسمات المشرقة من تراثنا التاريخي والحضاري.

والثاني: التفاعل الخلاق مع معطيات العصر وحقائقه من منطلق الوعي الكامل بالأولويات، وبما يلبي المصالح العامة للشعب وتطلعاته في الحرية والتنمية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمواطنة.

إن إعادة بناء الثقافة الوطنية تتضمن الأخذ بسياسات ثقافية عديدة، وفي مقدمتها:

- بلورة خطاب وطني ديمقراطي متجاوز للعصبيات (الطائفية والمناطقية والقبائلية)، ويؤكد على الهوية الوطنية الجامعة لليمنيين.

- إعادة تصميم المناهج التعليمية لجميع المراحل الدراسية بما يتسق مع قيم الإبداع والتفكير الحر ومجمل القيم الجديدة وضرورة الاستفادة المثلى من إنجازات العصر.

- إيلاء أهمية قصوى لوسائل الإنتاج الثقافي وأشكاله الإبداعية: الفني والأدبي والفكري والعلمي. وكذا الصناعات الثقافية الشعبية التي تدخل في إنتاج الثقافة والفنون، كالصناعات الحرفية والمشغولات اليدوية، بحيث تؤدي الثقافة دوراً تحفيزياً في استنهاض الروح الوطنية وتجديد الوجدان الجماهيري بغية تحقيق الأهداف المنشودة.

- العناية بالفولكلور والإنهاض به نظراً لأهميته الحاسمة في بعث روح الشعب نحو الانطلاق والتطور والإبداع.

- وضع خطط وطنية استراتيجية لمحو الأمية ومكافحة التطرف والعنف والغلو.

- تخصيص نسب عادلة وكافية من الناتج المحلي الاجمالي لدعم الثقافة والتعليم وبناء البنى التحتية الخاصة بهما.

- وضع تشريعات تكفل حرية الإبداع والبحث العلمي وحرية التفكير والتعبير.

- إشاعة ثقافة الحوار الديمقراطي وتكريس التوافق الوطني وقيم التعايش والتنوع والقبول بالآخر.

- تطبيق ما ورد في وثيقة مخرجات الحوار الوطني، ومن ذلك ما ورد بخصوص الثقافة والتعليم ومختلف مجالات التنمية.

ختاماً، نود التأكيد "على أنه ليس بالنضال الثقافي وحده، أو نشر الثقافة الثورية وحدها ـ على الأهمية البالغة لذلك يتحقق التغيير المنشود. وليس المثقفون وحدهم كمثقفين هم القوة الاجتماعية القادرة على تحقيق هذا التغيير بل لا حماية ولا تطوير للثقافة كثقافة، بالعمل الثقافي وحده.

وإذا كان الثقافي يعاني من وطأة واستبداد السياسي المهيمن الراهن. فلا خلاص للثقافي ولا تحرير له إلا ببديل سياسي يحمل رؤية ثورية للسلطة والمجتمع. ولهذا فلا سبيل للمثقفين كي يقوموا بدور إيجابي فعال في التغيير المنشود، بغير الانخراط في النضال السياسي، بغير الانغماس في رحم المجتمع المدني بتجسيد المثقف الجماعي." [6]

كما يستحيل بناء المجتمع المتقدم والمتطور ثقافياً، بدون التحويل الاقتصادي والاجتماعي وتوظيف أحدث ما توصل إليه العلم في عصرنا الحاضر.

 

عيبان محمد السامعي ــ كاتب وباحث سوسيولوجي من اليمن

....................................

الإحالات والهوامش:

[*] لا يوجد تعريف محدد ومتفق عليه لمفهوم الثقافة، وقد وصل عدد تعريفات الثقافة إلى أكثر من 200 تعريف وفقاً لبعض الباحثين..!

[**] أنطونيو غرامشي (1891-1937)، مفكر ومناضل ماركسي إيطالي.

[1] سلامة كيلة، مجلة الجديد، العدد: 14،ت: 1/3/2016م، ص108.

[2] المرجع نفسه، ص108.

[3] سلامة كيلة، زمن الثورات ـ الفرضيات والأزمات الأولى، القاهرة، ط1/2015م، ص115.

[4] زكي بركات، في سبيل الوعي العلمي، دار الفارابي، بيروت، ط1/1980م، ص40.

[5] د. ياسين سعيد نعمان، إشكاليات من واقع ثورة الفرصة الأخيرة.

 [6] محمود أمين العالم، إشكالية العلاقة بين المثقفين والسلطة، مجلة النهج، العدد 17، 1987، ص112.