نايف عبوشأفرزت العصرنة بثورتها التقنية والرقمية، والصناعية الراهنة، تداعيات سلبية، في حياتنا المعاصرة، لعل من بين أهمها، الاستغراق في الشبكة العنكبوتية للإنترنت، التي بات الانغماس الكامل في فضائها الرقمي، والحضور الدائم في منصات مواقع التواصل الاجتماعي عليها، من أبرز تداعيات مخرجات تلك الثورة الرقمية، في الوقت الحاضر .

وقد تسببت ظاهرة الإنغماس الكلي في الفضاء الرقمي، بعزلة اجتماعية مقنعة، وأحياناً سفرة، سواء على مستوى الأسرة والأقارب، أو على مستوى الجيران، والمجتمع، وذلك بغض النظر عن طبيعة التعامل مع محتوى ما يشاهده المستخدم، والإدمان الذي يقتل وقته، ويستهلك طاقته، دون جدوى. حيث نشأ تبعاً لذلك، نوع من الانفصام الأسرى، والاجتماعي المقلق،بعد أن ظهر جيل لا يأبه للحديث مع الأهل، والمجتمع، وبذلك اضمحل التواصل الإجتماعي الحي، وغابت السيطرة الأخلاقية، في البيئة الاجتماعية الحاضنة .

وهكذا طالت تحديات العصرنة، بآثار تداعياتها السلبية، صميم حياتنا اليومية الراهنة، بتسفيه العادات،والتقاليد الحميدة، حيث بدأنا نلمس اليوم، جنوح الجيل الجديد، صوب الانسلاخ التدريجي من سيطرة البيت،والتفلت من ضوابط المجتمع، بشكل واضح، والانزياح في نفس الوقت بمسارات غريبة عن المألوف، من موروثنا الاجتماعي، بعد أن تفاقمت فجوة الجيل، وغابت ظاهرة الترادف التقليدي بين الأجيال، مع غزو العصرنة الصاخبة،الأمر الذي يهدد بتفكك قيمي، واجتماعي، قد يقود إلى الضياع، والاستلاب، في المستقبل القريب.

وإذا كان لا بد من العمل على إعادة هيكلة واقع الحال الراهن، المثقل بكل سلبيات هذه التداعيات، وإعادة تشكيله بما يتلائم مع معايير التحديث، والعصرنة، حتى يمكننا التعايش بتوازن مع معطياتها، والتكيف مع انجازاتها المتسارعة، بأقل ضرر يلحق بأصالة هوية وجودنا الاجتماعي، وموروثنا الثقافي، فإن ذلك ينبغي ان يتم في إطار الحرص الواعي، على الحفاظ على أصالة هوية الموروث الحضاري لمجتمعنا، وعدم التفريط بها، مهما كانت ضغوط إغراءات الحداثة جذابة، وملحة.

لذلك بات الأمر يتطلب الإنتباه الجدي، إلى مفاعيل سلبيات تداعيات العصرنة المتسارعة، التي طالت عواقبها كل جوانب حياتنا الراهنة، من عزلة اجتماعية، وانغماس مقرف، وابتعاد عن موروثنا الديني، والحضاري، والتراثي، ومن دون إغفال حقيقة كون هيمنة الثورة الرقمية، قد أصبحت اليوم، سمة عصر، وثقافة واقع حال راهن، وبالتالي فإنه لامناص من التفاعل الخلاق، والتعايش البناء معها،والانتفاع من كل ماهو مفيد منها، ونبذ ماهو ضار، من دون الإنغماس الكلي الآلي فيها، أو تركها، والانسحاب منها كليا .

 

نايف عبوش

 

الحسين اخدوشترجمة عن لوك فيري [1]

إعداد الحسين أخدوش

"مؤخراً هناك اعتراف بأن الفلسفة أصبحت شكلاً من أشكال الموضة"[2]

يقال عادة إنّ الفلسفة ليست مجرد خطاب لدى الحكماء القدامى، بل طريقة عيش ونمط حياة. فكما أنها ليست مجرّد نظام فكري أو مجرد نظرية، فلذلك هي حكمة تنهج ويُعمل بها. إنّنا سعداء أن نقدّم سقراط (Socrate)، على سبيل المثال، باعتباره ذلك الذي لم يكتب شيئا إطلاقا مثلما فعل بوذا، وكذا المسيح.حقّا تبدو الفلسفة المعاصرة مناقضة لمثل هذه الرؤية للعالم، فهي بشكل طوعي متخصصة في مجالات معينة من المعرفة (نظرية المعرفة، فلسفة الحق، فلسفة الأخلاق، فلسفة السياسة، فلسفة اللغة، تاريخ الأفكار، الخ). لقد أصبحت بالضرورة مادة مدرسية، أو جامعية تدرس مثل المواد الأخرى.

فمن ذا الذي يمكن الاستفادة منها؟ وما هي هذه الفائدة التي يمكن أن تُجنى منها؟ وهل هي مجرّد تكوين لعقل الشباب؟ لكن هذا بلا شك يعتبر كثيرا مقارنة مع متطلباتنا البيداغوجية، لكنه قليل جدا بالمقارنة مع المثل الأعلى الذي حركه في الأصل (البداية) أن يتمكن كل واحد من قيادة وجوده أو الوصول إلى حياة جيدة ناجحة. هل ينبغي إذاً التخلي وإهمال هدا الجانب المثالي؟ هل ما زال بإمكاننا أن نعطيه مضمونا وجوهرا؟ هذه كلها أسئلة أود أن أتطرق إليها اليوم.

بداية، هناك اعتراف في الآونة الأخيرة بكون الفلسفة قد غدت شكلا من أشكال الموضة، فلم لا نكون مسرورين بذلك؟ إنّه رغم ذلك، وإلى جانب الأسئلة الاعتيادية (لماذا هذا الحماس؟ على ماذا يدل؟ وأي فراغ جاء ليملئه؟ وأية علاقة تربطه ب"التدهور السياسي"، و"التجديد الديني"، وإعادة اكتشاف الحكمة الشرقية، إلخ). ينبغي أن نتساءل عندما نتحدّث عن الفلسفة: بماذا يتعلّق الأمر بالضبط؟ ما يزعجني هنا، ليس كوننا نشكّ أنّ عددا كبيرا من الناس يهتمون بالمسائل الفكرية، بل لأنّ هذا الاهتمام بحد ذاته، غالبا ما يستند إلى سوء فهم، فأنا أخشى من الفلسفة، فهي ليست كما نظنّ. كما أنّ قضاء متعة شراء بعض الكتب والذهاب للمقهى حيث نتحدّث بكلّ فرح عن السعادة وعن الحرية، يرافقه إحساس لدي أنّ المتعلّمين الفلاسفة سوف يصابون قريبا بخيبة أمل، ففي واقع الأمر، من المستحيل قراءة مؤلّفات سبينوزا (Spinoza) أو هيغل (Hegel)، كانط (Kant) أو أفلاطون (Platon)، دون أن يكون لديك تكوين جيّد وقوي، ومن الوهم أن نظنّ بأن ذلك لن يتطلّب سنوات عديدة، كما هو الأمر بالنسبة لأندر كونت سبونفيل (André Comte-Sponville) أو بالنسبة لي.

كذلك، يمكننا القول أنّ سعة الاطلاع لا فائدة منها لأنها مسألة ضد إدارة الجامعة للتفكير والتبصّر الذاتي. ومن دون شك فإنّ هذا هو الهدف النهائي، غير أنّه، ومن أجل الوصول إليه، يجب أوّلا أن يحصل هنالك تواضع في التفكير من طرف الآخرين، ومعهم كذلك؛ وإلاّ فمثلما نقول عادة (...) لا يمكننا تعلّم كيف نتفلسف، دون أن نتعلّم قليلا، وعلى ما يبدو لي كثيرا، الفلسفة. وهذا الأمر صعب نوعا ما، ويتطلّب وقتا، وإنّي لا أريد بهذا أن أحبط أولائك الذين لديهم حسن نيّة؛وإنّما على خلاف ذلك، أود أن أقول لهم فقط بانّ تعلّم الفلسفة إنّما هو مثل تعلّم آلة موسيقية: حيث ينبغي أن يكون لديك حماس في البداية وصبر وتمرّن، وهي كلّها أشياء ضرورية. لذلك، من الضروري أيضا أن نكون قادرين على القول لأولئك الذين يحاولون المغامرة كلّ ما من شأنه أن يمكّنهم من أن يأملوا فيها.

أكثر من ذلك، هل يجب التوافق بقدر ما، ولو كان قليلا، بخصوص معنى المذهب والذي يعتبر تعريفه بعيدا عن الانطلاق منه هو بالذات. ما هي الفلسفة؟ هذا السؤال مذهل والكثير من الفلاسفة حاولوا الإجابة عنه، لكن هذه المهمّة كانت ولا زالت غير مجدية. أكثر سخافة من هذا يمكن أن يظهر، فقد مرّ أكثر من عشرين عاما وأنا أبحث لأستشف جوابا معقولا لهذا السؤال على الأقل في نظري أنا، في الوقت نفسه الذي كنت فيه طوال هذه المدّة أفعل ما بوسعي لتدريس العقائد الكبرى للماضي محاولا التفكير في ذلك أنا بنفسي. فهذا المساء كنت أودّ أن أشارككم ذلك،  وأقول كم أجازف لأن أكون أكثر تبسيطا ملتمسا، بشكل مبالغ في بعض الأحيان، عذركم.

غالبا ما نلخّص الفلسفة في أمرين مهمّين، سواء في الفضاء العام أو في الوسط المدرسي، فهي تاريخ مجموعة من الأفكار من جهة،  أو هي تمرين للتفكير والتأمل الذاتي من جهة أخرى؛ إلاّ أنّه يمكننا عند الاقتضاء إضافة "الالتزام" كنوع من شمولية السخط الأخلاقي، الذي يسمح بالتدخّل في شؤون العالم "ليهدم الدنيء" بين الفينة والأخرى. إنّنا نعترف في الحال أنّه لا يبدو أنّ أيّا من هذه التعريفات تجسّد جوهر الفلسفة؛فحتى لو كان واضحا أنّها تجمع اليوم بين التعريفات الثلاث. ولعلّ ممّا لا شكّ فيه أنّ تاريخ الأفكار إنّما يعتبر مشروعا مناسبا للتدريس؛ولكن من سوف يدرّسه إن لم يكن الفلاسفة مجرد مؤرخين، أو أساتذة. أمّا بالنسبة للتفكير، فإنّه يقال من خلاله عن طواعية أنّه يمكن التفريق بين الفلسفة والعلوم الوضعية: فالأخيرة يتجلّى دورها في معرفة العالم،بينما الفلسفة هي التي تفكر في الفكر، ويسمى ذلك بالتأمّل؛ لذلك، فالفيلسوف هو الإنسان الذي عادة ما يسعى إلى "التفكير فيمن يكون" (هيغل).

أمّا وأن يكون المفكّر لا يتوقّف عن التفكير المستمر، فلأنّه في ذلك مثله مثل الإنسان العادي، حيث كلّما طال شكّه بالحياة، احتفظت العبارات بمعاني خاصة وكشفت عن تجربة حياة فضلا عن ذلك؛إذ ذاك لن يكون لا الإنسان العادي ولا المفكّر فيلسوفا بالمعنى الدقيق للكلمة. أخير، إذا كان الالتزام هو ما يميز، بشكل جيّد، موقفا معيّنا للمثقف، فلأنّه ليس لديه شيء آخر محدّد عداه. لذا، يمكننا أن نكون كُتَّاباً بشكل كبير للغاية، أو حتى فنانين، ومؤرخين، وعلماء، أو حتى صحفيين متابعين لقضايا دولية: اسبانية،فيتنامية، جزائرية، أو البوسنة والهرسك، حتى دون أن تكون لنا أيّة حاجة لنصبح أرسطو (Aristote) جديد!

إذا كنّا نريد أن نعرف ما الذي تعنيه الفلسفة اليوم، وكنّا لا نزال نبتغي إدراك كيف يمكن لهذه الفلسفة أن تخدم شيئا معيّنا، أو تفيد في شيء ما؛ فإنّه عندئذ يكون من الواجب علينا معرفة حقيقة المعنى الذي كانت عليه هذه الأخيرة في مختلف الأزمنة والأوقات، وبخاصّة في الغرب الحديث، أو على الأقل إلى حدود الزمن الراهن؛ أي باعتبارها محاولة علنية لعلمنة الديانة المسيحية. هكذا، أكون قد اقتنعت، فيما يخص هذه المحاولة، بأنّه لا نزال بحاجة إلى الفلسفة، وذلك من أجل تحديد موقعنا في هذا العالم بغض النظر عن أصالتها أو عرضيتها.

 

.........................

[1]  فيلسوف فرنسي معاصر.

[2]  عنوان المقال هو: « A quoi sert la philosophie contemporaine ? Penser l’ irremplaçable de nos vies »، أنظر بهذا الخصوص مصدر المقال في الكتاب المشترك بين لوك فيري وأندري كونت سبونفيل:

Luc Ferry et André Comte-Sponville  : La sagesse des Modernes : Dix questions pour notre temps ; éd Robert Laffont, S,A ; Paris, 1998, pp.521-523.

 

احمد شحيمطيقال أن الاعلام بمثابة السلطة الرابعة في المراقبة والتوجيه. وتنبيه الفاعل للمشكلات القائمة للبحث عن حلول ممكنة في معالجة الازمات والوضعيات الصعبة .عمل تكميلي ومجال للنقد وتعرية الواقع . وتوجيه السياسة ومراقبة الفاعل السياسي في سلوكه السياسي وتقريب الاحداث من المواطن . وبناء جسور للعلاقة التواصلية بين الحكومات والشعوب. ولن يصبح الاعلام بهذا المستوى الا في ظل اعتراف الدول بالأدوار والوظائف التي يمارسها الاعلام في مجتمعات دينامية . منطقها الحرية السياسية والاعلام الحر بدون رقابة. وانتقاء الممكن من الاخبار بدون تزييف الحقائق . وبدون تقديم المغالطات المشبوهة للرأي العام. في عالم المواكبة والمتابعة من قبل الاعلام للأحداث المحلية والعالمية. تلتقط العدسات الاخبار من عين المكان وعبر الاقمار الاصطناعية. ومن خلال الاستناد على مصادر معينة . ومنهم المراقبون وأصحاب القرار والفاعلون في المشهد السياسي والاجتماعي والخبراء وشهود عيان. فالسبق الاعلامي والاستحواذ على نسب عالية من المشاهدة وتأليب الرأي في قضايا بناء على رؤية ذات أبعاد . فلا يخلو الاعلام العالمي من أجندات كامنة في العمل من خلال الاهداف والنوايا الخفية والواضحة في صناعة الرأي العام .وتنميط السلوك لغايات استهلاكية وتمرير قرارات . أي الاعلام كمحلال يقيس درجة الاستيعاب. القبول أو الرفض للسياسات. وتوجيه العقول والاجساد نحو تقبل الرأي السياسي وتوليد الحقائق لغايات. فالإعلام الرسمي والاعلام الالكتروني وشبكات التواصل الاجتماعي والصور العابرة من امكنة معينة والحقائق التي تروم صناعة الراي العالمي عن قضايا جوهرية تتعلق بالوعي والحقيقة والثقافة والسياسة والهيمنة وصناعة الفكر في بعده الليبرالي. ليس الاعلام الغربي بريئا أو محايدا في اللعب على صناعة الثقافة بمقياس السيطرة وتمويه الرأي العالمي في قضايا عدة . اعلام حبيس الشركات الكبرى ومخططات الدولة الاستراتيجية والبعيدة المدى . يتوجه الى صناعة الرأي والهيمنة كما يعتبر المال قطب أساسي في بناء رؤى الاعلام الدولي . ورسم السياسة العالمية في التحريض والتعبئة وتمويل الانشطة الاعلامية في الداخل والخارج .CNN و NBCوABC و CBSنماذج للقنوات الكبرى المسيطرة في الولايات المتحدة الامريكية .

المتأمل في الاعلام العربي في العقود الاخيرة يدرك هذا السيل من تناسل القنوات الفضائية. وما يسمى بالإعلام الحر . قنوات عربية على منوال القنوات العالمية الامريكية والبريطانية. وتناسل القنوات الناطقة باللغة العربية في البلدان الغربية خصوصا بعد أحداث الحادي عشر من شتنبر. رغبة أكيدة من صناع القرار السياسي في العالم الغربي لأجل الانفتاح على العالم العربي والتقرب أكثر للفهم والمعرفة. وذلك من خلال شبكة من المراسلين والمحللين للرصد ومناقشة مشاكلنا بجرأة في اعادة الاعتبار للأصوات المخالفة. واللعب على المكبوت والمنسي من القول . قضايا الدين والتدين والارهاب والعنف. وأزمات السياسة وما يتعلق بالإبداع . أصبحت هذه القنوات منفتحة بشكل جدي. وقدمت عدة برامج سياسية وثقافية . كما حاولت النفاد الى عمق المجتمعات العربية في تشخيص الازمات . وفي العالم العربي ظهرت قنوات اعلامية ضخمة التكاليف . ومتنوعة الاطر المتمرسة في القنوات الغربية . فالمشكلة في الاعلام العربي أنه موجه من قوى مهيمنة ومسيطرة وفق أجندات سياسية بعيدة المدى . لا تنشد التغيير في قواعد اللعبة السياسية داخل اوطان بعينها . ولا تلتف على الخيار الديمقراطي في نقل الشعوب العربية من التفرد والتسلط . واحتكار السلطة نحو الاذعان لمنطق التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة وازالة الانظمة العسكرية . التي اصبحت من زمن الماضي البعيد في الغرب . فقد وجد العالم العربي نفسه في حراك شعبي ومطالب الجماهير بالدولة المدنية الديمقراطية . السبيل الوحيد للخروج من افة الاستبداد في قبول الحاكم بالقوانين السائدة في الدول الديمقراطية . من المطالب المشروعة تنحي الجيوش عن الحكم وتسليم السلطة للشعب من خلال الدعوة لانتخابات حرة ونزيهة. تسللت الحركات الاسلامية الاخوانية للحكم في التفافها على اليات واساليب الحكم الديمقراطي من خلال تشكيك الناس في الاطراف الاخرى بدعوى العلمانية والخوف على القيم من الفكر الدخيل الساعي للتقويض وبالتالي بث هواجس الخوف في نفوس الناس حتى أصبحت المعركة ثقافية وليست سياسية . فالفضائيات العربية كرست لهذا الاختلاف والانقسام في التشكيك والنقد لنوايا الاطراف حيزا لذلك كمادة دسمة للنقاش والحوار. فالحركات الاسلامية ممثلة في احزاب ذات مرجعية اسلامية في كل من مصر والمغرب وتونس وليبيا والطرف الاخر الذي تمثله مجموعة من القوى الداعية للدولة المدنية وللخيار الدمقراطي. وتنزيل كل اليات الدولة بدون نواقص كسبيل للعبور نحو التقدم .

خرجت الجماهير العربية الواسعة من "الربيع العربي" الى ادانة الاعلام الرسمي . الموجه بالأيديولوجية الرسمية . الذي سعى للحفاظ على الاوضاع السائدة وتحميل الجمهور المسؤولية. أو على الاقل شريحة منه في اشعال شرارة العنف. كان الاعلام العربي في رسالته واضحا بين نقل الوقائع وبين التمويه والتغليف للحقائق. وتنزيل الآراء والصور الممكنة من عين المكان. يلعب هذا الاعلام على أوتار العامل النفسي والسياسي للزيادة في حدة الرفض للوضع السياسي القائم بين الحكومات والشعوب . من الاهداف فضح الحاكم المتشبث بالسلطة ومنطق التوريث . والفساد الذي يستشري في مفاصل الدولة وفي وعي الحاكم الذي تشبث بالسلطة وسيج محيطه بكل اليات الرقابة. وتمكن من تعطيل الدساتير وتكيفها لأغراض ذاتية نفعية . انها الشرعية التي تنادي أن تكون الحكومات منتخبة من قبل الشعب. وأن تتحول الارادة العامة الى فعل حقيقي في ممارسة الفعل السياسي أي ازالة مجموعة من الظواهر والعوائق التي تخترق هذا العالم. وتعرقل ديناميته في النمو والتقدم. اللافت للنظر أن الاعلام العربي الوان واطياف . اعلام مسيس وموجه بالأهداف والغايات . يسكت عن الحراك الشعبي في اماكن معينة. ويزداد لهيبا وشراسة في دول بذاتها. يريد هذا النوع من الاعلام مسايرة ايقاع الحراك الذي يميل نحو تميكن التيار الاسلامي من السلطة. في حملة ضد التيارات القومية والعلمانية وضد العسكر أو العكس كذلك في حملات اعلامية ضد التيار الاسلامي وصعود الاخوان المسلمين في دول معينة . هذا التحريض الاعلامي وهذا الانقسام في وظائفه وادواره أرسى فكرة يقينية عند المشاهد العربي تتعلق بالزيف الاعلامي والحقيقة الواهية التي تنقل من المكان . تحول هذا الاعلام العربي بكل امكانياته المادية واللامادية الى مشكلة بالنسبة للمتتبع. وكذلك بالنسبة للشعوب التواقة للحرية والدولة المدنية. فمن مخاطر الاعلام الموجه أن يعكس مصالح وهيمنة القوى المتحكمة في الشأن السياسي .عندما يلجأ الى عملية التمويه وتشويه الحقائق بالصور والارقام . وفي مضمون هذا النوع من الاعلام عدم الايمان بأصالة المطالب في التغيير . وعدم التناسب بين الخطاب الواضح والنوايا الكامنة . فاحترام المشاهد العربي من أولويات هذا الاعلام في الرفع من وعيه السياسي. ومعرفة الحقيقة بالنقل مباشر والتغطية المستفيضة. تكذيب الاخبار الشائعة في الاعلام المزيف من خلال التكامل بين القنوات الاعلامية الرزينة وشبكات التواصل الاجتماعي التابعة لها .هناك حاجة ملحة لإعادة بناء الوعي العربي سياسيا واجتماعيا وثقافيا كفرد وجماعة من خلال اعادة النظر في مرامي الاعلام الحر .

نلوم الاعلام العربي في الرقابة الداخلية على الاخبار. وتنقية المتاح والمسموح من التداول والمشاهدة .المقص والمنع وتحييد بعض المجالات والقضايا من الكلام. وانتقاء البرامج وتغطية الاماكن الممكنة . فلا نلوم الاعلام العربي اذا كان يشكو من المضايقات . ومتابعة الصحفيين والتضييق على عملهم من قبل الاجهزة الامنية . وقوى أخرى مضادة للحرية الاعلامية في العالم العربي طالما يصبح الاعلام مزعجا في حالة المساس بالمصالح الخاصة بالأفراد والجماعات والدول. من شدة ذكاء المشاهد يعرف بالتمام مراوغات الاعلام في القضايا الجوهرية .عندما تهيمن مجموعات الضغط على الخط التحريري للقناة أو يتجه الاعلام صوب جهات معادية . يتساءل هذا الجمهور عن الجدوى من هذا الاهتمام وانتقاء الدول وفق نوايا ودسائس في عملية التحريض والتخريب واستهداف الاوطان بعدا عن المهنية والحياد والالتزام بأخلاقيات العمل الصحفي . تتخذ بعض الجهات من الاعلام الية في تصفية الحسابات .وهذا يضرب في مصداقية الاعلام وما يسمى بالموضوعية . فالمنطق الفكري السائد في القرن الجديد يعتبر الذاتية مهمة في توجيه الفكر نحو الفهم والتأويل أما وهم الموضوعية فليست موجودة حتى في الاعلام الغربي الذي يدعي المصداقية والحياد . والسبب تلك الحروب التي قامت بها الولايات المتحدة وبريطانيا في العراق وافغانستان. وغياب المصداقية في القنوات الاعلامية الناطقة بالعربية والموجهة للعالم العربي عندما يتعلق الامر بالمشاكل الداخلية التي تواجهها هذه البلدان مثل فرنسا وروسيا.. فالإعلام الممول من قبل الجهات الرسمية ليس محايدا . ولا يمكن أن يدعي المصداقية. بل يمكن القول أن الاعلام العربي عموما مطالب ببناء الوعي السياسي للمواطن من خلال قناعات ما يرغب في بنائه الانسان من الديمقراطية. وترسيخ فلسفة حقوق الانسان. والتداول السلمي للسلطة . وترسيخ التسامح والقيم الاصيلة في ثقافتنا. والمساهمة في تشكيل وبناء وعي سياسي واجتماعي للمواطن العربي. فالواقع ان القنوات الاعلامية أصبحت تقدم اخبارا ومعلومات كمادة دسمة ومميزة للباحثين والدارسين في خصائص العالم العربي . بنيته العامة التي تشكل نقطة مهمة في المعرفة والنفاذ للذهنيات . من خلال التغطية المباشرة للأحداث وتقديم تحليل علمي للصراعات والمشاكل .رسالة هذا الاعلام تجديد الوعي السياسي واعادة بنائه وفق رؤى نقدية .

 

أحمد شحيمط -  كاتب من المغرب

 

سليمة مليزيالتربية وكيفيفة زرع سلوكيات حميدة في الطفل:

الطفولة هي اللبنة الألى لبناء انساء صالح وسليم يخدم المجتمع حين يشتد عوده ويتحمل المسؤوليات الكبرى في حياته، حيث اكدت الدراسات البداغوجية "pedagogue"، إن الطفل يدرك إدراكا قويا وبذكاء متفطن لما يحيط به من مواقف واحداث مما تتأثر بها حواسه وافكاره وتلتقطها بشكل سريع ذاكرته التي تخزنها بطريقة قوية ونبيهة،كما يقلولون علماء النفس في اغلب الاحيان الطفل يقلد والديه وكل من في محيطه من اخوة واصدقاء والمعلم في المدرسة، لذالك يجب على الاسرة وخاصة الوالدين والام بالأخص أن تنتبهوا الى تصرفاتهم أمام الطفل، والطفل لا يتقبل الكذب، لأنه يصدق كل ما يقال له، واذا حدث يوما ان الوالدين كذبوا عليه، فانه لا يغفر ويصاب بخيبة كبيرة ومن ثم يفقد الثقة في والديه، لذلك يتوجب على الاولياء الراعية التامة وتغيير سلوكياتهم ومعاملاتهم مع اطفالهم الى سلوك حضاري وتربوي وسلمي وانساني من أجل ترسيخ التربية السليمة في اطفالهم ..

المحورالرئيسي هو أهمية الكتابة للأطفال

 أهمية الكتابة للأطفال تقع على عاتق كل من الادباء والمفكرين وعلماء النفس والمؤسسات الادبية والفكرية وزارة التربية ووزارة الثقافة، من أجل خلق جو ملائم وايضا أنشاء مؤسسات وطنية تعتني بأدب الطفل، وتوفر للكاتب الجو الملائم للأبداع، وفتح المجال للشباب المبدع واعطائه الفرص لإ ظهار مواهبه في هذا المجال، لذلك يتوجب علينا نحن الادباء والمفكرين وعلماء النفس والتربية أن نختار ما يفيد تفكير الطفل من علوم وتكنولوجيا وتربية حميدة حتى نصنع منه رجلُ قويا فكريا وأدبيا حتى يخدم بلده حين يكبر، فالطفل الذي يقرا اليوم هو الذي سيكون رجلا قارئي جيد حين يكبر،

 لان الاستثمار الحقيقي في بناء مجتمع ناجح ومربي هو في تربية النشأ، واعداده لمواجهة الحياة، تربية الأبناء من أصعب الأمور التي يمكن أن يقوم بها الإنسان، فقد قال أحد علماء النفس والتربية: "كنت قبل الزواج امتلك ست نظريات لتربية الأبناء ... والآن امتلك ستة أبناء ولا أمتلك أي نظرية للتربية"..

الطفولة في عصرنا الحديث أصبحت مهمة لذاتها، وتعد مرحلتها أهم مرحلة في بناء الإنسان. ولم يعد الطفل كائنا في طريقه إلى المراهقة، فكل خبرة من الخبرات التي يمر بها تتصل به اتصالا وثيقا، كما يحتاج الأطفال أو المراهقون إلى إصدارات أدبية مختلفة لتغذي جوانب تفكيرهم وتقوي نواحي الخيال والإبداع والحوار والتفكير الناقد فيهم، وتشبع حاجاتهم وميولهم، وتوجه اتجاهاتهم وتفكيرهم بما يربطهم بأصالة ماضيهم ويكيفهم بطبيعة حاضرهم ويؤسس رؤاهم المستقبلية؛ لتكون وسيلة من وسائل التعليم والتثقيف بالتسلية والمشاركة في الخبرة، وطريقا لتكوين العواطف السليمة، وتنمية المشاعر الوطنية الصادقة، وأسلوبا يقفون به على الحقيقة ويكتشفون مواطن الصواب والخطأ في المجتمع، ويتعرفون ايضا على طريق الخير والشر في الحياة، وسبيلا لتوجيه أنواع الخيال وفنون الكتابة لديهم، ليستشرفون به على عالم باتت المعرفة فيه متجددة، والتقانة العلمية متسارعة حتى يتحقق التوازن النفسي والفكري للأطفال في مراحل نموهم ونضجهم؛ ليواجهوا طبيعة الحياة وما تفرضه عليهم بيئتهم وعالمهم. من هنا كان الاهتمام ” بأدب الأطفال ” باعتباره من أقوى الدعامات في بناء الإنسان، وفتح معالم المعرفة أمامه..

أهم العناصر لكتابة قصص الاطفال

أهمّ عناصر القصّة، الاسلوب السلس السهل الممتنع، الفكرة التي يجب أن تصل بسرعة الى الطفل، التشويق، السلوك الحضاري والفكري والفلسفي، البنية الفكرية والتربوية للطفل، تحديد الفكرة الأساسية أو الغرض الرئيسي من هذه القصة، كالحب والصداقة والإخلاص الصدق الامانة،حب الخير مساعدة الغير بدون مقابل، مع الحرص على شرحه من وجهة نظر الطفل.، توضيف العلوم والمعرفة في القصة واهمية الاشياء التي يحتاجها الانسان في حياتها { مثلما انا أوضف دائما في قصصي أهمية الطبيعة مثلا في حياة الانسان، مثلا كأهمية الماء في كوكبنا، الاستعمال العقلاني والعلمي للتكنلوجيات الحديثة التي أصبحت مهمة جدا في تطوير التعليم العلمي للطفل،من اجل الالتحاق بالركب العالمي، حيث نجد أن العديد من الأولياء يتخوفون من ادمان اطفالهم على الالعاب والتطبيقات الحديثة في النت التي تترك الطفل يدمن عليها، حيث المسؤولية كبيرة جدا على عاتق الاولياء في مراقبة اطفالهم مراقبة عقلانية، والاختيار الاصح لاستعمالها وتوجيههم توجيها صحيحا، وجعلهم تحت مراقبتهم اثناء الاستعمال لها بطريقة علمية مفيدة .

أهمية عناصر الابطال، فالطّفل بطبعه يبحث عن أبطال يقلّدهم، فلابدّ أن تمتلك الشّخصيات أسماء من بيئة الطّفل، وتمتاز بصفات متنوّعة، فمن الحكمة وجود أطفال مختلفي البشرة والمستويات الاجتماعية، مرضى وأصحّاء، ليتعلّم الطّفل تقبّل الاختلاف، ويجب أن ترتقي شخصيّة من شخصّيات القصّة إلى درجة البطل، ليتركّز اهتمام القاصّ والطّفل عليها عند الكتابة والقراءة، كما يجب أن يتمتّع هذا البطل بصفات مميّزة لكن غالباً ما يفضّل ألّا يكون البطل خارقاً، فعلى الطّفل أن يتعلّم أنّ الأخلاق الحميدة في متناول الجميع، كما يفرح الأطفال عندما يتحدّث في قصصهم الحيوان فليس شرطاً أن يكون البطل طفلاً أو إنساناً، فالطّفل لا يهتمّ بنوع بطله بل يهتمّ بأفعاله.

فوائد المطالعة للاطفال

فوائد القراءة للأطفال تنمي خيال الطفل: فقراءة القصص للأطفال قبل النوم تحفز خياله الخصب وتساعده على التفكير وتخيل القصص في أذهانهم لجعلهم أكثر قدرة على التخيل والابتكار والتوصل للحلول والتخمين وتوسيع مداركهم الفكرية. تقوي الطفل لغوياً: فالقراءة للأطفال أو جعلهم يقرأون القصص يساعدهم على التقاط اللغة بشكل صحيح ويكسبهم مهارات لغوية أكثر من الأطفال الذين لا يستمعون إلى القصص أو لا يقرؤونها، فيكونون قادرين على تعلّم اللغة بشكل أسرع وبمهارة أكبر. تزيد ثقافتهم، القراءة بشكل عام توسع مدارك الانسان وتزيد من ثقافته، وبقراءة الطف سيتحفز لديه منذ الصغر حبه لها ليصير الكتاب رفيق الطفولة الأول له ويستمر حبّه له من المهد إلى اللحد.

كيف نوفر جو ملائم للمطالعة؟

يجب على كل عائلة ولو باشياء بسيطة ان يخلقوا جوا وحيز في البيت للمطالعة فيه مكتبة صغيرة جميلة مكان مريح، ويبرمجون وقت ولو مرة في الاسبوع، للمطالعة، بعيدا عن التلفزيون والنت، فيقمون الاباء بحمل كتاب امام اطفالهم وسرد قصص لهم حتى يخلقون جو مناسب ومحبب للمطالعة، فتصبح عادة حميدة تترسخ في اذهان الاطفال، وتصبح جز من حياتهم اليومية للحياة، بهذه الطريقة نستطيع ترسيخ حب المطالعة في أذهان اطفالنا .. كما نجد معظم الاولياء في اوربا يطالعون في كل الامكان العمومية كالمترو والحدائق وقاعات الانتظار عند الطبيب وغيرها من الامكان المريحة للمطالعة ..

بهه الطريقة نحصل على جيل من القرّاء المثقفين. تزيد الصلة بين القارئ

(الأم أو الأب) والطفل:، وبتناقل المعرفة عبر السؤال والجواب سيوصل القارئ للطفل الكثير من الحكمة التي سيكون ذات يوم بحاجتها. طريقة غرس القيم: للقراءة منذ الصغر التأثير الأكبر على الطفل في معرفة مكارم الأخلاق، فالأخلاق هي الطريق القويم ليبدأ عليها حياته، وبقراءة القصص التي تركز على جانب المكارم فسيمتلك الطفل الوازع الأخلاقي ليبدأ به حياته، ولذلك يربي المسلم طفله على قصص الصحابة والأنبياء التي تظهر بها المكارم بشكل جلي ليتعلم منها كيفية التعامل في الحياة مع الناس وليكون فرداً صالحاً. تنمية قدرتهم على التعبير: لن تجد قارئاً غير قادرٍ على التعبير بأريحية عن كل أفكاره التي تعمل في رأسه، فالقراءة خزين من المعاني والكلمات والمفردات والصيغ المنمّقة للتعبير عن مختلف الأفكار، وبالقراءة سيحصل الطفل والبالغ بعد ذلك على أفضل النتائج لينتج شخصاً قادراً على التعبير والحوار والاقناع بلغة طلقة صحيحة.

 

الاديبة والصحافية سليمة مليزي زينب – الجزائر

 

 

قاسم حسين صالحانعقد في جامعة الأزهر بالقاهرة المؤتمر العلمي الدولي الأول للهيأة العليا للعلماء والمفكرين العرب للمدة من (18-19 آب /أغسطس 2019) حضره علماء ومفكرون واعلاميون من بلدان عربية عدة.وقد تم تسميتنا (الرئيس الفخري للمؤتمر) وتكليفنا بالقاء كلمة الأفتتاح استهلت بالتوكيد بان هذا المؤتمر ينطلق من حقيقتين، الأولى: ان العلماء والمفكرين هم مصانع لانتاج الافكار، وان الافكار هي ادوات التغيير نحو الافضل، وان بلداننا العربية هي الاحوج لهذا التغيير. والثانية: ان دور العلماء والمفكرين العرب هو الان بين ضعيف ومعطّل، وان تغييب دورهم او تهميشه يشكّل السبب الرئيس في ضعف التغيير او انعدامه في عالمنا العربي، وعليه فان المهمة الاولى لهذا المؤتمر هو تفعيل دور العلماء والمفكرين العرب في احداث التغيير لشعوب بسمّرها التخالف في اماكنها، واخرى اثكلتها الفواجع، وأخرى اضناها الفقر مع ان بلدانها تمتلك كل المقومات لان يعيش اهلها برفاهية وكرامة.

ولمواجهة هذا التحدي فان التعامل معه يتطلب التنسيق بين الهياة العليا للعلماء والمفكرين العرب، وبين الحكومات العربية والمؤسسات الرسمية والخاصة (الاهلية) المعنية بالتنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية..وعلى المؤتمر تخويل رئاسة الهيأة للبدء من الآن في تحقيق هذه المهمة.

ايها العقول النيّرة التي تراهن عليكم شعوبكم في صنع حاضر افضل. لستم بحاجة الى ان نستعرض لحضراتكم ما احدثه العلماء والمفكّرون العرب من تغيير في عالمنا العربي وفي العالم ايضا..عبر الاندلس مثالا وابن رشد انموذجا، فانتم اعرف بذلك. ونرى ان التحدي الأكبر الذي نواجهه اليوم يتمثل في أن ما يحصل لنا الان يبدو لكثيرين انه عكس المنطق..فبعض الدول العربية تراجعت خمسين سنة الى الوراء، والسبب الرئيس هو ان حكّام هذه الدول تحكّمت بهم سيكولوجيا الخليفة، اعني تمسّك الحاكم بكرسي السلطة الى يوم يخصه عزرائيل بالزيارة ، نجم عنها انفرادهم بالثروة وتمتعهم برفاهية خيالية انستهم معاناة شعوبهم، وانشغلوا بجمع الثروة وشراء افخر العقارات في مدن عربية واجنبية دون ان يلتقطوا الحكمة من حكّام سبقوهم كانوا اقل منهم فسادا وصاروا في مزبلة التاريخ.

وبحكم اختصاصي كسيكولوجست، فانني تابعت مسيرة حكّامنا العرب فوجدت انهم يحيطون انفسهم باشخاص يقولون لهم ما يحبون ان يسمعوه ويستبعدون العالم والمفكر لأنه يقول لهم الحقيقة، وان قالها وبقي في الوطن فان الحاكم اما يحتويه بأن يغريه بمال او منصب، او يحجره بين جدران السجون، او ينهيه بطلقة من كاتم صوت.

كيف يمكن التعامل مع هذا التحدي وقلب هذه المعادلة بين الحاكم والمفكّر؟ كيف يمكن انهاء هذه الخصومة بينهما ؟..تلك هي احدى اهم مهمات مؤتمركم هذا.

والتحدي الثالث يتمثل بمفارقة ينفرد بها عالمنا العربي، هي ان العقول العربية المبدعة هجرت اوطانها الى حيث فضاءات العلم والحرية، وكان لها أن أسهمت في تطور وتقدم العديد من البلدان بما فيها اميركا وبريطانيا..وشاهد على ذلك، ان الأطباء العراقيين الموجودين في بريطانيا، لو قرروا العودة الآن الى العراق لارتبكت الخدمات الطبية او تعطلت بتعبير الصحفي خالد القشطيني..وقل الشيء نفسه عن سبعة الآف كفاءة مصرية في دول الشتات، وآلاف أخرى من دول عربية اخرى لاسيما الجزائر والسودان وليبيا..وتلك هي مهمة مؤتمركم هذا، بان يصار الى وضع استراتيجية عربية تضمن ان نتحول من خلالها من بلدان طاردة للأبداع والمبدعين الى حاضنة لهم.

في الضفة الأخرى..ضفة المجتمعات العربية، هنالك قضايا خطيرة تواجه العالم والمفّكر العربي..أشرسها: الأرهاب، والتطرّف الديني، والفكر التكفيري، والفتنة الطائفية، والجهل الذي لا يقدّر قيمة العلم ودور العالم في تحقيق حياة افضل للأجيال. كيف نتعامل معها؟، كيف نحدّ من تأثيرها بين الناس عبر وسائل الأعلام ومنابر المساجد..وتلك هي المهمة الرابعة لمؤتمركم المبارك هذا.

تحدثنا عن ضفتي السلطة والناس في اشكالياتها بالعالم والمفكر..وعنكم وفيكم نشخّص اشكالية مؤسفة هي ان بين العلماء والمفكرين العرب من اوصله الشعور بالاحباط من تغيير الحال الى اشاعة ثقافة التيئيس بين الناس..وهذه قضية بالغة الخطورة في حركة التغيير، لأن الانسان العادي حين يرى انموذجه قد يئس من اصلاح الحال فانه يكون بين حالين: اما الانصراف الى تحصيل قوت يومه دون التفكير بالوطن ومستقبل اولاده، او ان الحاكم يستثير فيه الماضي عبر خطاباته ليشغله فيه عن بؤس الحاضر الذي هو سببه..وتلك هي المهمة الأخيرة لمؤتمركم هذا، بأن نبدأ بانفسنا في توحيد خطاباتنا وتحديد اهدافنا بوضوح.

ختاما ..تذكروا ايها الأحبة، ان العالم والمفكّر..اشبه بالنبي..مهمته التبشير، وأنتم اهل لأن تكونوا مبشّرين لأمّة وصفت بانها كانت خير أمّة اخرجت للناس.

تحية معطّرة برائحة العراق لأم الدنيا..مصر الحبيبة التي احتضنت مؤتمرنا هذا، ولكل المشاركين العرب الذين سيسهمون في انجاحه..وتهنئة وتقدير لحضراتكم من رئيس الهيأة العليا للعلماء والمفكرين العرب المهندس الدكتور طاهر القاسم.

وقد أقر المؤتمر عددا من التوصيات اهمها: تأسيس مركز بعنوان (المركزالاستشاري العربي الموحّد) يضم نخبة من الباحثين والعلماء والمفكرين العرب في التخصصات العلمية والانسانية كافة، تكون من بين مهماته: تأسيس مفوضية خاصة للبحوث الاقتصادية للنهوض بالأمة العربية، تعمل تحت مظلة الهيأة العليا للعلماء والمفكرين العرب، وتبنّي استراتيجية علمية خاصة بسياسة التوظيف والدمج في مؤسسات الدولة، وتقديم المشورة العلمية للحكومات والمؤسسات المعنية بالتنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية وفقا لاتفاقات موثقة تلزم الاطراف المعنية الحكومية والاهلية بما تتضمنه بنودها، والتعاون مع المؤسسات المتخصصة بالبحث العلمي وبراءات الاختراع عربيا ودوليا لتمكين العقل العربي من ان يكون موازيا لنظرائه في العالم ..وبالتنسيق مع جامعة الدول العربية.

وقد تم تسمية البروفسور الدكتور قاسم حسين صالح من العراق رئيسا لهذا المركز.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

جامعة الأزهر- القاهرة(18- 19 آب/اغسطس 2019).

 

محمد كريم الساعديإن الصورة بحسب تعريف (المنجد في اللغة والأعلام) ترجع الى صَار – صَوراً الشيء : قطعةُ وفصلهُ. صَورَ/ه :جَعَلً له صورةً وشكلاَ ورسمهُ ونقشهُ/ صُوَر لي : خُيَل لي . تَصَوَرَ الشيء: توهم صورته وتخيله وله الشيءُ : صارت لهُ صورةٌ وشكلٌ . الصورة :ج صُوَر وصِوَر و صُور: الشكل /كل ما يُصَور / الصفة. يقال (صورةُ الأمر كذا)، أي صفته /النوع/الوجه. يقال (صورةُ العقل كذا) أي هيئته، ومن هذا التعريف اللغوي نستخرج الشكل والرسم والنقش، وترتبط الصورة ايضاً بالتخيل والتوهم وكذلك توجد إشارة الى ان تصور الشيء، أي إعطاءه صفه ونوع، وهيأة أذا كانت وصف موضوع معين أو إشارة الى شيء معين له دلالته كما هو العقل وغيره من المصاديق المرتبطة بحدود معينة من الفهم والإدراك .

أما التعريف الفلسفي للصورة، إذ ذكره في هذا المجال الدكتور (جميل صليبا) في ان الصورة في اللغة تعني الشكل والصفة، والنوع، كما يورد عدد من المعان لها، بحسب رأي العلماء، فهي الشكل الهندسي المؤلف من الأبعاد . وكذلك الصفة التي يكون عليها الشيء، والصورة هي النوع الذي يطلق على مفهوم صور الإنتاج، أي أنواع الإنتاج . وتطلق ايضاً على ما به يحصل الشيء بالفعل كالهيئة الحاصلة للسرير بسبب اجتماع خشباته، وتعبر الصورة عن ترتيب الأشكال ووضع بعضها على بعض، أو تطلق على ترتيب المعاني المجردة، كما تسمى ايضاً على العقد المتفق عليه بصورة العقد، وأخيرا تسمى صورة على ما يرسم بالقلم أو يدون بآلة التصوير. كما يرى الدكتور (جميل صليبا) في التفسير الفلسفي أو ما يطلق عليه بالصورة عند الفلاسفة هو ما يقابل للمادة . والمفهوم لدى الفلاسفة يأخذ عدد من التوصيفات ومنها ما يطلق على الصورة الجسمية وهي بخلاف الصورة النوعية، ويوجد تفريق ثاني بين الصورة الجوهرية والصورة العرضية، وهنا يأتي تفريق ثالث بين المادة، فهي الحدود التي يتألف منها، وأما الصورة فهي العلاقات الموجودة بين الحدود، ويطلق على بقاء الإحساس في النفس بالصورة  بعد زوال المؤثر الخارجي، أما الصورة الجنسية هي التي تحصل في الذهن في تركيب صورة الأشياء المختلفة بعضها الى بعض، بحيث يؤدي تركيبها الى ثبوت الصفات المتشابهة وزوال الصفات المتباينة، كما يفرق الفلاسفة بين الصورة التالية والصورة الذهنية، ان الأولى تعقب الإحساس مباشرةً في حين أن الثانية هي التي تقود الى شعور دون تأثير حسي مباشر  . أما الدكتور (عبد المنعم الحفني) في معجمه الشامل، فيرى بأن الصورة هي ما تطلق على الشكل المخصوص، ويقال صورة الشيء هي ما به يحصل الشكل بالفعل، ويرى بأنها تأتي على عدة معاني منها (الصورة الباطنية، الصورة الجسمية، الصورة الجوهرية، الصورة الشخصية، الصورة العرضية، الصورة الفنية، الصورة المادية، الصورة اللامادية،الصورة الميتافيزيقية، الصورة المنطقية و الصورة النوعية) وكل هذه الأنواع مهما لها من تفصيل في معجمه، لكن لكل وحدة منها استخدام بحسب مدلولاتها واشتغالاتها، مثلاً الصورة الباطنية وهي الصورة الكاملة للشيء عند الفيلسوف الفرنسي (بوفون)، والكاملة بمعنى الكمال والتمام، والصورة الجوهرية هي مجموعة خواص الشيء المعقولة أو ما يتميز به وجود الشيء، والصورة العرضية هي التي تخص الفرد دون سواه، أما اللامادية فهي المستقلة عن المادة، والمادية هي ما تعاكسها في المفهوم، والميتافيزيقية هي الماهية النوعية التي للشيء كالقول ان الإنسان هو حيوان عاقل، أما النوعية فهي ما يميز الإنسان و أي كائن كنوع مختلف .

إذن، فالصورة في المحور الفلسفي هي ليست مستقرة على معنى واحد، لكنها تأتي بحسب الاستخدام للمفهوم، أو البحث الفلسفي في ذات المفهوم واشتغاله في مجال معين، لكنها رغم ذلك فهي تندرج تحت استخدامين هما ما يوجد في داخل الذهن والتقبل والإدراك العقلي في استقبال الصورة وتعدد استخدامها ومفاهيمها ومصادرها القادمة منها في الخارج، وكذلك تأتي في تشكيل مفاهيمها وإطلاقها على ما هو يصنف في الخارج ذهنياً، إي ان العقل ليس سلبي في استقباله للأشكال والمواد سواء كانت جوهراً أو عرضاً، بل هو يعمل على تشكيل ذواتها ومفاهيمها التي تصبح مصاديق تطلق على المفاهيم والهيئات والصور والأصناف والأنواع والأجناس وكلٌ حسب اختصاصه واشتغالهً في الدوائر المعرفية والثقافية وغيرها .

أما في مجال علم النفس، يرى الدكتور (نايف القيسي)، بأن الصورة تأتي في مجالات هي (صورة الذاكرة والصورة المركبة، وصور عقلية لفظية، وصور عقلية متصلة بالحواس المختلفة، وصور عقلية وإحساسات) أما المجال الأول فهي الصورة التي تحصل بالاتصال  مع سائر الحواس الأخرى بدلاً من حاسة البصر أي خارج حاسة البصر مثلاً ما يرتبط بحاسة السمع من خلال نبرات الصوت مثلاً، أو من خلال التخيل لشكل غريب ليس له وجود في عالمنا مثلاً إنسان برأس نسر كما هو موجود في الأساطير وغيرها . أما الصور العقلية اللفظية، وهي التي تستخدم في كثير من أنواع التفكير، لاسيما إذا كان تفكيراً مجرداً , وهي صورة عقلية للألفاظ، كذلك يرى الدكتور (نايف القيسي) بان الأفراد بإمكانهم ترتيب الصور العقلية، بحسب الوضوح وعدمه مثل (صور عقلية واضحة أبداً)، (وأخيرا لا صورة هناك) أي لا توجد ما يشير اليها، وهذا النوع من الصور هي العقلية المتصلة بالحواس المختلفة وهي النوع الثالث، أما النوع الرابع ويطلق عليه (صور عقلية وإحساسات)، وهي ما يرتبط وصفها بأنها إحساس يستثار استثارة داخلية، وهي عادة اقل ثباتاً، واقل وضوحاً وأدنى تمييزاً مما يكون عليه الإحساس المصاحب لها . ان هذه الصور العقلية الأربعة هي ما يربط اشتغالها مع جوانبه المختلفة بما يثيره العقل البشري من تذكر تارة واستثارة تارة أخرى وإحساس تارة  ثالثة، مما يتولد منها تشكيل صور ذات علاقات مع جانب الارتباط المعرفي لديها أو ما يتعومل في تشكيل هيئتها الذهنية، لذلك فأن هذه الصور ووضوحها أو عدم وضوحها، يرتبط مباشرة في الفاعلية العقلية والتكوين المفاهيمي والارتباط بالجوانب ذات الدلالات الخارجية وانعكاساتها أو محاكاتها أو حتى تحولاتها في داخل الفاعلية العقلية أثناء التكوين والتشكيل لها .

أما في مجال الآداب والفنون، فأن الصورة هي تمثيل بصري لموضوع ما،فهي أنتاج للخيال المحض  والصورة في مجالها الحقيقي أو ذات واقع أصيل موجود فهي الأصيلة والمنتجة، التي لا تعبر عن تمثيلية أو يرتبط معها في تشكيل هيأتها جانب خيالي بشكل من الأشكال، كما ان الصورة تأتي في موضوعات أخرى في الأدب والفنون منها (الاستعارة، المقارنة، التجسيد، التشخيص والرموز) وكل هذه الاستعمالات تدخل في مجال الوسيلة المعرفية والثقافية التي تهدف الى جعل فكرة أو حقيقة أكثر رقة وأكثر جمالاً، وهذا التشكيل يمثله في صنع هيأتها شخصاً أو شيئاً من خلال فنون التصوير أو التشكيل أو المطبوع وغيرها.  كما أنها تدخل في إيجاد التضاد والمختلف أذا كانت بعيدة عن واقعها الجميل قريبة الى التزييف بحسب الرغبة في صنع المختلف المغاير للانا الرافضة له. ويأتي ايضاً في تعريف الصورة بأنها "كل الرسائل الأسلوبية التي تغير الشكل الأكثر بساطة للملفوظة . يميز علم البيان تقليدياً بين صور الكلمات أو الاستعارة وصور الفكر التي تتدخل على مستوى تنظيم لجمل الخطاب، كما ان الصورة يمكن ان تقسم الى أربعة أنواع بحسب تأثيرها على الشكل الصوتي وهي، بحسب مجانسة صوتية أو تورية، وهذا النوع الأول، أما الثاني فتأخذ باعتبارها المجاز المرسل والكناية، والثالث حسب الحذف والإضمار والرابع هي صورة الفكرة  المرتبطة بالمبالغة، التعريف  والترميز.

إن التعريفات السابقة يظهر منها بأن الصورة التي هي بناء عقلي ذهني لتكوين فهم محدد ومعين عن جوهر خارجي أو عن تشكيل وتركيب لمفهوم مقصور قد يكون واقعي أو غير واقعي مادي أو لامادي عن نوع أو صنف أو جنس أو كائن موجود أو متخيل . لأن الصورة في معانيها المختلفة وتشكيلاتها المتباينة تدلل على ان مفهومها ليس واحد بل مختلف بحسب المجال المعرفي الذي تأتي فيه، لذلك فأن ما نريد ان نصل اليه من تعريف يسهم في تشكيل المصطلح الذي يخدم هدف الكتاب في إنها، أي الصورة : هي الشكل و الرسم والنقش الذي يعطي صفه و هيئة في الذهن لترتيبها على وفق معاني جردها العقل تتعدد في ظهورها في الوعي، بحسب الاستثارة وبحسب الوضوح وتدرجاته، وهذه الصورة مرتبطة في تكوينها وتشكيلها المعرفي والثقافي بالحواس وبالكلمات والألفاظ . والصورة هي ايضاً استعارة ومقارنة وتجسيد وتشخيص وترميز، وكل حسب استخدامه في تشكيل مفهوم الصورة وبحسب غاياته وأسلوبياته التي تسهم في التغيير من البساطة و الوضوح للمرئي أو الملفوظ أو المكتوب الى ما يصبو اليه الفكر المشكّل للخطاب وتنظيمه واستغلاله للصورة ومفهومها ومعناها وربطها بالتشكيل الجديد للمعنى واستخداماتها بالأخر المعرفية الخاصة أو العامة وفي مجالاتها المختلفة على وفق ما يراد إيصاله من معاني أو استثارة معاني سابقة مرتبطة مع الشكل أو الهيئة أو الصفة أو النوع أو حتى المعاني الخاصة الكامنة في الذهن والوعي الإنساني المراد عادةً بث الروح فيه.

فالصورة في هذا المجال هي حضور وهي خطاب، وهي وسيلة للاستثارة أو للتفعيل، وهي إنتاج للخيال أذا كانت إيراداتها الواقعية أو المتخيلة تدخل كجزئيات في تشكيل الحدث الجديد أو الشكل الجديد . فالصورة هي خطاب يحتوي على العلاقات بين الحدود التي تشكل المعاني وما يراد من ورائها، فالصورة هي في معانيها المتعددة يمكن ان تكون قابلة في تكوين الجمال أو القبح، فهي ذات مدلولات متعددة وذات غايات مختلفة بحسب شكلها ومكونها ومكان وزمان استخدامها.

 

الاستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي

.....................

المصادر

- المنجد في اللغة والأعلام، بيروت:دار المشرق،ط39، 2002، ص440.

- صليبا، جميل:المعجم الفلسفي،المجلد الأول، بيروت دار الكتاب اللبناني، 1978،ص741،ص745.

-  الحفني، عبد المنعم،المعجم الشامل، لمصطلحات الفلسفة، القاهرة، مكتبة  مدبولي،2000، ص475،ص477.

- القيسي، نايف،المعجم التربوي وعلم النفس، عمان، دار أسامة للنشر والتوزيع، ط1، 2006، ص272- ص276.

- علوش، سعيد : معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، بيروت، دار الكتاب اللبناني، ط1، 1985، ص136.

- ينظر : ترجمة وتحرير، كامل عويد، معجم النقد الأدبي، بغداد، دار المأمون للترجمة والنشر، 2013، ص232 –ص233.

- ارون، بول، دينيس سان، جاك، الآن فيالا،معجم المصطلحات الأدبية، ترجمة : الدكتور محمد حمود، بيروت، مجد المؤسسة الجامعية للدراسات  والنشر والتوزيع، ط1، 2012، ص700.

 

 

فاخر جاسممقدمة: موضوعنا، موسوماً  بجدلية الصراع بين السلطة والدولة في العراق بعد 2003، بناء على مفهوم الدولة القانونية المعاصرة، وهي الدولة الخاضعة للقانون الذي يكون الناظم لعلاقة الدولة، بالمؤسسات القائمة ـ السلطة، الأحزاب السياسية، منظمات المجتمع المدني، او علاقة الدولة بالأفراد، وعلاقة الأفراد فيما بينهم. ولتوضيح طبيعة الدولة القانونية، نشير إلى ان لها مقومات أساسية أربع " وجود دستور، تدرج القواعد القانوينة، خضوع الإدارة للقانون، الاعتراف بالحقوق والحريات الفردية". ومن أجل خضوع الدولة للقانون، لا بد من وجود ضمانات تراقب خضوع الدولة للقانون، تتمثل، أولا، الفصل بين السلطات، ثانياً، وجود رقابة قضائية، ثالثاً، تطبيق النظام الديمقراطي (1).

إن عدم توفر هذه الضمانات، يعني إمكانية تغول، احدى مؤسسات الدولة وإخضاع الدولة لإرادتها الخاصة، كأن تكون السلطة/ الحكومة، تحت ذريعة الأمتياز الذي حصلت عليه في الانتخابات، أو الحركة الإنقلابية التي تقوم بها المؤسسة العسكرية، أو النخب السياسية وأحزابها.

ولأجل القاء الضوء على العلاقة الجدلية بين السلطة والدولة في العراق بعد  الاحتلال الأمريكي لا بد من الرجوع إلى طبيعة الدولة التي حددها دستور العراق لعام 2005 بكونها " دولة ديمقراطية اتحادية" وشكلها برلماني، وتستند على القانون في ممارسة سيادتها وسلطتها على المجتمع (2 ). سيتم تناول جدلية الصراع بين السلطة والدولة من خلال ثلاث محاور:

1- العلاقة بين الدولة والسلطة

2- دورالاحتلال الأمريكي في أعادة بناء الدولة العراقية

3- أسباب تعزيز دور السلطة على حساب الدولة.

المحور الأول. العلاقة بين الدولة والسلطة بعد عام 2003

نتطرق في هذا المحور إلى تعريف الدولة والسلطة وأسباب الالتباس الذي يحصل، في أغلب الاحيان، بين المفهومين، وكيف يستغل هذا الالتباس المتعمد، من النخب المتنفذة التي تسعى إلى الدمج بين السلطة والدولة.

أولا. تعريف الدولة

الدولة هي كيان قانوني أجتماعي، يتميز بثبات نسبي، يضم مجموعة من المكونات الاجتماعية التي تعيش في اقليم جغرافي محدد، تشكل بمجموعها مواطني الدولة، وظيفتها  الدفاع عن مواطنيها وتلبية مصالحهم " باعتبارها جهازاً للحكم يبسط سيادته على إقليم جغرافي محدد، ويحظى باحتكار وسائل العنف المشروع"(3).

شروط وجود الدولة: للدولة المعاصرة مجموعة من العناصر الأساسية (السكان، الأرض ، السلطة، والسيادة). ولكي تكون هذه الدولة قابلة للتطور وفق معطيات التطور البشري وما يفرزه من تطور حقوق الإنسان الأساسية، السياسية والاجتماعية، لا بد من توفر عدة مستلزمات منها:

1- القانون اساس الدولة الحديثة: إن القانون هو الذي يميز الدولة الحديثة عن الدولة القديمة التي كانت تخضع لإدارة الحاكم فعن طريق القانون يجري تحديد وسائل  وحدود مباشرة  الدولة لنشاطها وكذلك تحدد مجالات  نشاط الفرد(4). وقد تطور دور القانون في وجود الدولة، إلى ظهور مفهوم الدولة القانونية المعاصرة التي تعني التزام كافة السلطات " التنفيذية والتشريعية والقضائية" وكذلك كافة أجهزة الدولة الأخرى بتطبيق القانون، وأصبح هذا المبدأ أساس وجود الدولة، وهو القاعدة الأساسية التي تميز بين السلطة والدولة، حيث أن  الإخلال بها  يؤدي إلى الدمج بين السلطة والدولة، بحيث تصبح السلطة حرة، او بعبارة أخرى، انتقالية بتطبيق القانون رغم  وجوده .

2- القدرة على فرض السيادة على المحيط الداخلي والخارجي، وخضوع كافة المواطنين لهذه السيادة

3- وجود جهاز إداري مستقر لا يتبدل بسبب تغير الحكومات أثر الانتخابات، مفتوح أمام كافة المواطنين، بدون تميز عرقي ، مذهبي، ديني أو فكري ـ سياسي.

4- تعتبر القوات المسلحة، احد أهم مقومات الدولة الحديثة، لذلك تبنى المؤسسة العسكرية( الجيش والشرطة وجهاز الأمن) على أسس وطنية، يكون الإنتساب لها وفق معيار المواطنة، وليس على أساس التمييز الإثني ـ الديني، أو على أساس المحاصصة الإثنية ـ المذهبية، الطائفية

5- وجود اقتصاد السوق، يعزز الروابط الاجتماعية بين الأفراد على أساس المصالح الاقتصادية والإنتماء الاجتماعي، وليس على أساس روابط أخرى.

6- جهاز قضائي يطبق القانون بعدالة على المواطنين وعلى العلاقة بين الدولة ومؤسساتها.

7- وعي شعبي يحترم هيبة الدولة وسيادتها ويفرق بين السلطة/ الحكومة والدولة، وبنفس الوقت يكون محركاً لنشاط المواطنين وفعاليتهم السياسية للدفاع عن الحقوق والحريات الأساسية.

وبالرجوع إلى أهمية مبدأ السيادة في بناء الدولة، نشير إلى ان الانتقاص منها كان له تأثيرات بالغة الأهمية على إعادة بناء الدولة في العراق في الظروف الراهنة بناء على المعطيات التالية:ـ

ـ لا توجد سيادة فعلية للدولة العراقية الراهنة لسببين، الاول، عدم وجود سيادة للدولة في علاقاتها الخارجية، والسبب الثاني، وجود قوى طائفية ـ إثنية تنازع الدولة في سلطتها الداخلية.

ـ عدم قدرة الدولة على فرض احترام المواطنين للقانون؛

ـ تعدد المليشيات  المسلحة التي تشارك الدولة في سيادتها على القوة؛

ـ انعدام قدرة الدولة على توفير الامن الذاتي للمواطنين.

ثانياً: ماهية السلطة

السلطة هي الجهاز الذي يقوم بالأعمال التنفيذية والإدارية الضرورية لتحقيق سياسة الدول والمحافظة على استمرار وجودها على الصعيد الداخلي والخارجي وذلك من خلال السياسات التي تضعها والقرارات والمراسيم التي تصدرها من خلال وضعها موضع التطبيق للقوانين التي تصدرها السلطة التشريعية"(5). وبناء على هذا المفهوم لطبيعة السلطة/ الحكومة، يجري تحديد الوظائف التي يجب أن تقوم بها، نجملها بالنقاط التالية:

1- تلبية الحاجات الضرورية للشعب من خلال وضع البرامج لذلك ومتابعة تنفيذها.

2- توفير الحماية والامن للمواطنين.

3- المحافظة على وحدة الدولة والدفاع عنها ضد التهديد ات الخارجية.

4- المحافظة على مصالح المجتمع في علاقاتها الخارجية مع الدول الأخرى.

5- تشكل الحكومة على ضوء الحصول على الاغلبية في الانتخابات البرلمانية.

6- الشاور مع المعارضة ومنظمات المجتمع المدني للتوصل إلى أفضل السبل لتحقيق البرامج الاجتماعية التي تلبي حاجات المواطنين التعليمية والثقافية والاجتماعية والخدمية الأخرى.

ثالثاً: شرعية السلطة

تحصل السلطة على الشرعية الشعبية وفق المعايير الديمقراطية بناء على الأغلبية التي تفوز بها في الانتخابات. وهذه الشرعية محددة زمنياً وفق الدستور، ولكنها غير مطلقة، وتبقى سارية وفق معايير وغايات محددة، في حالة الاخلال بها تفقد السلطة شرعيتها، يمكن تحديد المعايير التي تفقد السلطة شرعيتها بالنقاط التالية:

أولاً، إذا قامت بتعديل أو عرقلة التداول السلمي للسلطة حسب الفترات الدستورية، على سبيل، تمديد عمل البرلمان أو تعديل قانون الانتخابات بهدف منع الأحزاب والحركات السياسية المعارضة لسياسة النخب المحاكمة، من الفوز بمقاعد في السلطة التشريعية، لضمان اعادة انتخاب ممثليها مرة أخرى.

ثانياً، إنشاء منظمات مسلحة أو شبه مسلحة تابعة لأحزاب السلطة، وأضفاء الشرعية  عليهاعن طريق الأغلبية البرلمانية التي تمثلها. بحيث تكون هذه المنظمات أدوات أستقواء في النشاط السياسي، حتى في حالة عدم وجود النخب وأحزابها في السلطة.

ثالثاً، تشريع أو إصدار القوانين التي تضيق على الحريات الشخصية والعامة، منها على سبيل المثال الحد من حرية التجمع والتظاهر، الحد من ممارسة حرية النشر، التضييق على حرية الاعلام وحجب المعلومات  عن المواطنين ووسائل الإعلام، عرقلة ممارسة  الشعائر الدينية.

رابعاً، استعمال العنف المادي والمعنوي، للتضييق على حرية  نشاط المعارضة  في ممارسة دورها  في المراقبة ونقد سياسات السلطة.

خامساً، إذا لم تنفذ البرامج التي فازت على أساسها في الانتخابات.

تكثيفاً، أشير إلى وجود فرق بين الدولة والحكومة من حيث أن  الدولة  لها أركان ثابتة لا تتغير (الأرض، الشعب، السلطة السياسية ـ تتكون من ثلاث سلطات قضائية وتشريعية وتنفيذية) بينما السلطة/ الحكومة هي جزء من السلطة التنفيذية، في حالة تقاسم السلطة بين الحكومة ورئيس الجمهورية في النظام الرئاسي، أو كل السلطة التنفيذية إذا كان النظام برلمانياً. وهي متغيرة وفق الفترات الزمنية التي يحددها الدستور. كما أن السلطة هي الإدارة التي تنفذ سياسة الدولة في إطار القانون والتشريعات التي تصدر عن البرلمان وتحصل على شرعيتها عن طريق التداول السلمي للسلطة الذي يتم عن طريق الانتخابات الدورية وفق فترات زمنية محددة دستورياً.

يتبع

 

د. فاخر جاسم

.......................

 (1) الدولة القانونية تعني " خضوع الدولة للقانون في جميع مظاهر نشاطها سواء من حيث الإدارة أو القضاء أو التشريع، و ذلك بعكس الدولة البوليسية حيث تكون السلطة الإدارية مطلقة الحرية في ان تتخذ نا تراه مناسبأ محققاً للغاية التي تسعى إليهاوفقاً للظروف والملابسات"  ثروت ، بدوي، النظم السياسية، ص 169.  لمزيد عن مفهوم الدولة القانونية، يمكن مراجعة، ثروت ، بدوي، الدولة القانونية، ص 42، نقلا عن، البياتي عبد الحميد،النظام السياسي في الإسلام مقارناً بالدولة القانونية ص 24.

( 2) حددث المادة الأولى من الدستور العراقي الصادر 2005 طبيعة الدولة وشكلها " جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي" برلماني" ديمقراطي". دستور جمهورية العراق لعام 2005، إعداد، صباح المفتي، الطبعة المعدلة 2009.

(3)" فالح عبد الجبار، محاضرة عن الدولة - الأمة - النزعة القومية وحق تقرير المصير، القيت في 16/9/2017 في ملتقى الديمقراطية وحق تقرير المصير،  في السليمانية.

(4) تروت بدوي، أصول الفكر السياسي و والنظريات والمذاهب السياسية الكبرى، دار النهضة العربية، 1967 ص 168.

(5) العزي ، سويم، دراسات في علم السياسة، إثراء للنشر والتوزيع الاردن 2009 ص 84

 

مجدي ابراهيمسبقت الملاحظة إزاء الثورة الكاسدة التي شاعت ضد اللغة العربية من قبل، ولا تزال - أسفاً - مع كسادها تشيع في كل زمن، وتشيع أكثر وأكثر مع الانتقال من زمن إلى زمن باعتبار شيوع الفرية الكاذبة التي تردد على الدوام أن اللغة مجرّد قوالب متحجّرة لم تتطور ولا تُصلح لمجاراة التطور؛ أقول إنّ الملاحظة سبقت لنا في تلك الجزئية إلى أن هذا القول "مجرّد لغط منفّر لا يقوم عليه دليل" إلا أن يكون معتمداً فقط على التقليد الماجن الذي يتعلّق بأفراد معتوهين، ولا يعمُّ أفاضل المجتهدين في القديم والحديث.

وقد قلنا إذ ذاك إنه أراد من أراد للّغة أن تتوقف وتتجمّد ويُستبدل مكانها لهجات محليّة تافهة، كيما لا تجري العربية جريانها على الألسن والقلوب كما كانت تجرى سليقة من وفرة المطبوع وذوقاً من حصافة العربي، يوم مهدها وعنفوانها وقوتها وحيويتها من غير أن يصدّها عائق من طبع النفس أو سليقة الذوق والأداء، ومن غير أن يحجزها تغرير العجز والعيّ تحلّلاً من القواعد والأصول".

ولنلحظ ثانيةً أن مهد اللغة ثم تطورها وعنفوانها وقوتها وحيوتها هو عينه مهد الحضارة، ولا يكون أوج الحضارة إلا نفسه أوج اللغة، ثم تطورها وحيوتها وقوتها مستقرة بروح موصولة بقوة العروبة وحيويّة القوميّة العربيّة، والهويّة العربيّة، أجزاءً متفرقات من ينبوع القيم، لكن تجمعها كلية شاملة واحدة هى الحضارة العربية.

حقيقةً لم يكن هنالك أصلٌ لكلام الذين يُريدون أن يجدّدوا القوالب المتحجّرة في اللغة أو لعلّهم يكسروها لو استطاعوا، لأن اللغة بطبيعتها متجدّدة متطوّرة، فإنّ هذه الفرية الكاذبة لم تقم على أدنى أساس صحيح، ولكنها قامت يوم قامت بالزعم الباطل في محاولة خلع العرب من لسانهم الذي يدلُّ من أول وهلة على عروبتهم، وعلى كل ما تحمله مفاهيم العروبة من حضارة وهويّة وقوميّة، لا يمكن الفصل بينها بحال، ثم لتدخلهم في لسان آخر أعجمي، أو هو إلى العُجمة أقربُ منه إلى الفصاحة، فضلاً عن إحلال العاميّة التافهة مكان الفصحى. وقد قيل بالزعم الباطل أيضاً إنّ اللغة العربية غير صالحة لمسايرة الحضارة الحديثة ولا التوجهات الحداثية، وأنها لا تتسع للتعبير عن العلوم الجديدة السريعة التقدّم بحكم حداثتها، وأنها قاصرة عن الوصف الدقيق والدلالة القريبة. وهذا كله محض افتراء ساقط لا أساس له.

وإذا كان لسان حالهم يقول : إنّ لغة القرآن ثابتة كما الحجر لا تواكب تطورات العصر الحديث بكل ما فيه من كشوفات العلم واختراعات التجارب الجديدة وتطورات الزمن المتجدد على الدوام، فإنّ هذا القول يخالف تماماً أهم باب من أبواب اللغة وهو باب القياس، وعلى هذا الباب يقوم التجديد في اللغة لتطور من نفسها وبنفسها مع كل جديد، فتواجه الزمن ومستحدثات العلوم أكمل مواجهة، فلا حياة من ثمّ للغة بدون ابتكار ألفاظ جديدة. وهذا الابتكار علامةٌ دالةٌ على تجدّد اللغة العربية وهو ما سمّاه اللغويون "بالوضع"، وكانت أهم وسائله : الاشتقاق والقياس، ومن المعلوم لدينا بالضرورة أن من أخص خصائص العربية أنها لغة اشتقاق تقوم على الوزن، والوزن هو أساس اللغة عندنا. وفي الاشتقاق ما أكسب اللغة مرونةً ومناعة في آن واحد، وهما علّة التطور والتجديد، فسمح لها الاشتقاق بخلق ألفاظ جديدة وحافظ على ثروتها، وحماها من الزيغ والشطط. وقد ناقش مجمع اللغة العربية بالقاهرة منذ زمن بعيد في الفترة التي تولاها المرحوم الدكتور إبراهيم مدكور، أستاذ الفلسفة الإسلامية يومئذ، أصل الاشتقاق واختلافه بين اللغويين في القديم : هل هو المصدر أو الفعل؟ واستدل القدماء بين البصريين والكوفيين، كل على رأيه، وكان هذا الخلاف في الغالب خلافاً نظريّاً لا طائل تحته، وقد وضعت للاشتقاق قيود تضيّق آفاقه، وتحدّد ما يشتق منه وما لا يشتق.

وكان همُّ مجمع اللغة العربية أن ييسر من أمره ويفك بعض قيوده، ويشتق ممّا لا يشتق منه، ويجعله في اختصار أداةً طيّعة في أيدي العلماء والأدباء، تمكّنهم من أن يجدوا الكلمات الملائمة لأداء ما يعنّ لهم من معان، وكلما نجحوا في الاشتقاق استغنوا عن العامي والأعجمي. ولم يحرص المجمع على أن يكون بصرياًّ أو كوفيّاً، بقدر ما حرص على أن يواجه حاجات العصر ويحاول سدّها. ولم يكن عمل المجمع فيما أجازه من اشتقاق اللغة إلا ثقة فيها ومسايرة للغة العصر وتطويعاً للعربية كونها تلبي مقتضيات التطور وفق ما يشتق من ألفاظ القياس اللفظي، وهو وضع صيغ لأداء معان محددة، كصيغ اسم الفاعل واسم المفعول تأسيساً على دعامة الاشتقاق. وقد أجاز المجمع - فيما يقول الدكتور إبراهيم مدكور في كتابه (اللغة والأدب، ص ٣٥)-  من أسماء الأعيان، فيقال مغنط من المغناطيس، وقصدر من القصدير كما قيل قديماً ذهب من الذهب، وكبريت من الكبريت، وكان ذلك مقصوراً على السماع. وتوسع في المصدر الصناعي، وجعله قياساً مطرداً يكفي فيه أن تزداد ياء النسب والتاء على الكلمة، وله أمثلة كثيرة مأثورة كالجاهلية والشعوبيّة والقدرية والجبرية والربوبيّة والألوهية، ويستعان به اليوم على أداء أسماء كثير من المذاهب والنظريات العلمية والفلسفية. وكلما أعوز الاستعمال العلمي لفظ، يسّر أمر القياس فيه، فأجاز صيغاً للدلالة على معان خاصّة مثل فُعال للمرض، وفعالة للحرفة، وفعلان التقلب والاضطراب. وقال بقياسيّة أفعال المطاوعة جميعاً، وإن أنكرها بعض اللغويين إذا لم ترد في المعجمات، وقال أيضاً بتعديّة الفعل الثلاثي قياساً بالهمزة أو بالتضعيف، ولم يكن مسلّماً به على إطلاقه".

هذا عن القياس اللفظي. أمّا القياس المعنوي فيراد به إطلاق لفظ على حقيقتين مختلفتين لشبه بينهما، فهو ضربٌ من المجاز اللغوي الذي يسمح باستعمال اللفظ في أكثر من معنى، فتكون له عدة دلالات : واحدة لغوية، والأخرى عرفية اصطلاحية. وقد أعان هذا التجوّز على وضع مصطلحات كثيرة، وبخاصة أن لكل علم أو فن لغةً تكاد تكون خاصّة، فالحكم عند النحاة مثلاً غيره عند المناطقة، والحال عند النحاة غيرها عند الصوفية، وهذا ولا شك باب واسع من أبواب الوضع ووسيلة هامة من وسائل خلق مصطلحات جديدة.

ولم يظهر جمال اللغة إلا من خلال مثل هذا القياس المعنوي، ففيه كل ما في اللغة من إحساس ومن طرائق التعبير على السواء. عمّق فيك الإحساس تتشكل لديك طرائق التعبير.

فالإحساس العميق باللغة، والاحساس العميق بالمفردات، والاحساس العميق بمدلول الكلمات لهو هو الشئ الذي لا يستغنى عنه مبدع كائناً من كان أو ما كان موضوع إبداعاته : في الشعر والأدب والفن، في العمل الفكري أو في الإنتاج العقلي، ولربما يكون كذلك في اتساع الصّلة مع الأزلي الإلهي على التعميم.

كل العمليات الفكرية المُبدعة إذا نحن نظرنا إليها من وجهة نظر التحليل الذوقي ألفيناها عمليات عقلية عليا مشروطة بالقدرة الخاصّة المُبدعة ليست تتمُّ في قرائح المبدعين إلا بارتقاء القدرة على الإحساس : الإحساس بالآخرين متقدمين ومتأخرين، الشعور بهم والتوحُّد معهم وإدراك الحقيقة التي كانت تعتمل في بواطنهم، وتشتعل جذوتها في دخائلهم، ثم مواجهة النفس الانسانية والغرض الإنساني بالتقرُّب إلى أولئك المبدعين الأفذاذ في كل عصور الإنسانية المزدهرة؛ ليصير التقرّب اليهم سياجاً حافظاً يعصم النفوس من التسفُّل والضياع وانحطاط القيم وانحدار الموازين، سواء كان هذا الانحطاط في القيم العقلية والمعرفية أو كان الانحدار في القيم الخُلقية سواء، كيما يعصمها كذلك من التردي في مهاوي الفناء.

الإحساس بلا شك بالكلية الوجودية وبالمجموع الإنساني إنمّا هو قدرة المبدع بلا خلاف لأن تكون قدرته خاضعة لشعور الشاعر بشعوره، صادرة عنه وموجّهة إليه، واحساسه بما هو موقور وعياً في باطن الانسان.

على أن الإحساس بما هو موقور في باطن الإنسان وبما هو كامنٌ في أعماقه الجوانيّة من هذه الجهة مقرونٌ بالوعي وممزوج به مزجاً محكماً، إذ كان ضرباً من تقدير الانسان لا يخرجه إلى الوجود إلا طريقة التعبير المُمثلة في القلم، ذلك القلم الذي يعلم من صاحبه ما لا تعلمه الأدوات الأخرى ولا الوسائل الأخرى، ولأجل هذا كانت قيمة الإنسان المعرفية في قلمه، وفي لغته، أي كانت في وعيه، وفي طريقة تعبيره عن هذا الوعي كلما استطاع. ومن هنا صارت التجارب المعرفية الكبرى تعبيراً عن الوعى العالي لا الوعى العادي. ولم يقدح في الوعي العادي كونه محدوداً عن مدركات الوعى العالي إذا نحن أخذنا التجربة الإنسانية، روحية وعقلية، محلّ اعتبار وموطن قياس؛ فطريقة التعبير عن الوعي العادي ليست كطريقة التعبير عن الوعي العالي، وما يُقال عن الأولى التي هى عبارة صريحة مباشرة، لا يقال عن الثانية التي ربما تكون رمزاً أو إشارة أو لمحة تقتضي التأويل والتفسير.

ولم يكن من قبيل المصادفات أن يقسم الله تعالى بالقلم، إذا كان القلم نفسه هو الوعي، وهو نفسه اللغة : التعبير الصادق عن الوعي، وأن يُعلّم الله تعالى بالقلم، فإن الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم لهو هو الذي خلق الانسان وعلمه ما لم يكن يعلم، فأقسم في عزيز خطابه بالقلم ليعلمه، وليرشده بالعلم والمعرفة إلى حقائق الزماني والأزلي، ولكن الإنسان المحدود ذي العقل المحدود والنظر المحدود مع تطور أدواته واختلاف وسائله، أهمله وفضّل عليه أحدث الوسائل المعرفية التي لا نعرف لها سراً يضاهي السّر الإلهي الذي أودعه الله سنان القلم.

ربما لا يدري أن فقه الوجود كله مرهون بذاك القلم إذا أريد بفقه الوجود كله أن ينجلي تحت سنان الأقلام التي تعرف كيف تُخرّج حكمة الأسرار، من وعي عالي أو عادي سيان، وأن تعتدل منظومة القيم الخُلقية بالصدق في استعمال الأقلام. وماذا عسانا فاعلين لو تسألنا الآن : ما علاقة هذا كله بالإحساس الذي تقدّم الحديث عنه؟ لتجيء الإجابة مختصرة ومركزة في كلمة واحدة لا مزيد عليها هى "التريض بالقلم"، والإخلاص للغة. وأنا أعني أن الإحساس المدرك بكل ما في الوجود من جوانب الحق وأقدار الخير وأقسام الصلاح مرهون باستخدام القلم ولو كان في استخدامه كلفة غالبة ومشقة فادحة وعناء طويل. غير أنه عناء التجربة، ومشقة التعبير عنها، وكلفة تخريجها من ظلمة العمى الروحي إلى نور الوجود المستنير.

فما من إحساس عظيم بجمال الأشياء وجلال الوجود الباطن إلا وللقلم في إبرازه واظهاره واستيحائه، بعد إدراكه، الدور الفعال والتواصل المحمود بين الأجيال.

ثم إن الاشتقاق في الواقع ضربٌ من القياس اللغوي. ولمّا كانت اللغة في أساسها عُرفاً واستعمالاً يتوارثه الخلف عن السلف، كان من حق الخلف أن يجدّد في ميراثه، وأن يبتكر وأن يضيف وأن يبدع وفق ما يستجد من مقتضيات الزمن المتجدّد، فيسدُّ حاجات العصر.

ولكن لهذا الاستعمال ضوابط تنظّمه، وقواعد تسير عليها، والقدماء أنفسهم أشاروا إلى هذه النقطة بما يسمح بتطبيقها على ضوابط اللغة فتكاد تتلخص صناعة اللغويين في حصر تلك الضوابط ووضع هذه القواعد وهم في الغالب فريقان: قيّاسون يكثرون من الضوابط ويلتمسون القاعدة لأدنى مناسبة، وحفاظ يؤثرون السّماع ويعتدون بالرواية، ويمكن أن يرد الخلاف بين البصريين والكوفيين في أساسه إلى هذه التفرقة. ومادامت اللغة تسير وتتطور فلابد أن يسير القياس معها ويطورها، ومن هنا كانت اللغة تطور نفسها بنفسها، فيمكن أن نضع لها الضوابط وفقاً للقياس كما وضع الأقدمون وأن نقعّد لها القواعد كما قعّدوا. ولم يكن أبو علي الفارسي (٣٧٧هج) وتلميذه ابن جني (٣٩٢هج) يقولان: "ما قيس على كلام العرب فهو منه" إلا لتأكيد صيرورة اللغة وحيويتها وقدرة أهلها على تطورها وتطويعها والتصرف بالاجتهاد والاقتراح فيما ييسرها وينهض بها. ولا غرو فقد كانا هذان العالمان الجليلين زعيمي مدرسة القياس في اللغة. وقد كان أهون على أولهما (أبو علي الفارسي) أن يخطئ في خمس روايات من أن يخطئ في قياس واحد، وحاول ثانيهما (ابن جني) أن يضع للغة أصولا ًكأصول الفقه. ولكن مع ذلك ربما غلا بعض اللغويين وشاء أن يضيق دائرة القياس، أو أن يسدّ بابه الواسع، ومن هؤلاء كان ابن فارس (٣٩٥هج)، وهو لغوي متطرّف معاصر للفارسي وابن جني، ذهب إلى أنه " لنا اليوم أن نخترع، ولا أن نقول غير ما قالوا، ولا أن نقيس قياساً لم يقيسوه". وكأنمّا ذهبت كلمته مثلاً وأضحت دستوراً يعمل به.  ولم يغلق باب القياس في اللغة ولن يغلق قط بصورة قاطعة، وليس معنى انصراف الناس عنه والاكتفاء بترديد ما قاله الأقدمون أمثال ابن فارس، أنه باب قد أغلق، ولكن هذا الباب نفسه هو علامة تطور اللغة وجواز الاجتهاد فيها بما يناسب حاجات العصر ما دامت العربية ليست ملكاً لأحد ولا طقوساً يتعبد بها وإنما هى لسان يتصرف فيه أهله في ضوء ظروفهم وحاجاتهم ( في اللغة والأدب ص ٣٥- ٣٦).

هي إذن قرية ساقطة تلك التي تدّعي أن اللغة العربية لا تواكب حاجات العصر ولا تساير كشوفات العلوم الحديثة، ولا تخضع لعوامل النهضة والتقدم على وجه العموم، فما ترك من الجهل شيئاً من أراد أن يجعل من لغتنا الجميلة قوالب جامدة كأنها الصخور، وهى نفسها لغة القرآن والعلوم ولغة الآداب والفنون على مرّ الأزمان وتعاقب الأجيال.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

مظهر محمد صالحفي الضرائب والفائدة ورسم الإصدار(النقدي).. الاقتصاد الامريكي انموذجاً

في مقدمة التساؤلات الجوهرية التي امست لصيقة بالنظام المالي الراهن للولايات المتحدة الأمريكية هو كيف تستطيع اميركا من تحصيل رسم إصدار الدولار seniorage وتدويره كعملة عالمية وهي العملة التي مازالت تهيمن على اكثر من ٨٠٪ من المدفوعات التجارية والمالية الدولية وأكثر من ٦٠٪ من القروض التي تمنحها المصارف العالمية وهي مازالت احد مكونات النقد الاحتياطي الرسمي للدول وبما لايقل عن ٤٥٪ من موجودات محافظ البنوك المركزية العالمية وغير ذلك من المؤشرات.

فالولايات المتحدة منذ ولادة نظامها النقدي في نهايات الحرب العالمية الثانية ودوره كظاهرة مالية مهيمنة على أدوات الدفع والتسويات الدولية واعتماد دولار الولايات المتحدة (وعلى وفق نظام الصرف بالذهب،اي الدولار المغطى بالذهب النقدي قبل توقف الالتزام بتحويله من العملة الورقية الاسمية الى الذهب النقدي في العام ١٩٧١) استمر يطلق على ذلك النظام النقدي في الأدب المالي الحديث (بالماركنتالية المالية) وهو عكس (الماركنتالية التجارية) القديمة التي كانت تتطلع اليها الدول لتحقيق فائض في الحساب الجاري لميزان المدفوعات جراء تفّوق صادراتها من السلع والخدمات على إستيراداتها . اذ تقوم الماركنتالية المالية الامريكية على تحقيق فائض في حساب راس المال او الحساب المالي (كما يسمى اليوم في ادلة ميزان المدفوعات) ليعادل العجز المستمر في الحساب الجاري من السلع والخدمات للميزان الامريكي نفسه . وهكذا أتاحت هيمنتها على النظام النقدي والمالي الدولي تحصيل مدخرات دولية فاعلة ومرغوبة لاغراض الاستثمار الرمزي والحقيقي معاً داخل الاقتصاد الامريكي .اي من خلال تحويل فوائض العالم الدولارية اليها لتستحيلها الى استثمارات محلية وبشكل مناظر لمبدأ اساسه هو :

أ‌- ان يتمتع الشعب الامريكي برفاهية استهلاكية عالية مستمرة من سلع وخدمات متدفقة على الاقتصاد الامريكي من خارج الجغرافية الاقتصادية للولايات المتحدة .

ب‌- وتحويل الدولار المبادل في الخارج الى قوة ادخارية حقيقية عبر سندات الخزينة وغيرها كي تتحول تلك الموارد المالية الى ركائز للاستثمار داخل الاقتصاد الامريكي ومن ثم تحقيق نمو في الدخل الوطني الذي يعكس نمواً مناظراً في نمو رسم الإصدار النقدي .اي من خلال توليد دورة تمويل دولارية مستمرة تبدا من داخل الولايات المتحدة نحو الاقتصاد العالمي،ثم يعود جزء كبير منها الى الاقتصاد المحلي للولايات المتحدة لتستثمر بادوات الدين الأمريكية ثم تسيل تلك الأدوات وتزج في حركتي الاستهلاك والاستثمار الداخلي وتعافي ونمو الدخل الوطني .

ثانيا: تستند الولايات المتحدة بنظريتها الاقتصادية الخاصة الى سياسة مركبة (في العجز)سميت بإدارة العجز المزدوج dual deficit أي تلازم العجز في الموازنة العامة الفيديرالية مع العجز في الحساب الجاري لميزان المدفوعات في آن واحد وهي وظيفة اختلالية لكن يتعدى نطاق أهدافها الى تحقيق منافع احتكارية حقيقية من نظام مالي امبريالي شديد الهيمنة يقوم بالأساس على الاصدار النقدي لعملة إحتياطية دولية مستدامة تولدها أدوات الدين العام ولا يرغب احد بالتخلي عنها.

ثالثا: مازال السؤال الجوهري الذي يدور لدى الأوساط الاقتصادية حالياً هو هل ان الصراع التاريخي داخل مكونات ميزان المدفوعات الامريكي سيظل يميل صوب إدامة ميكانيزم الاقتصاد الرمزي لسوق راس المال الامريكي او token economy على حساب تدفق الفوائض التجارية للأمم الاخرى (والمُولد بالأساس من دالة إنتاج في إقتصاد حقيقي عالمي real economy وضع في خدمة الاقتصاد الرمزي للولايات المتحدة الامريكية . ؟ وهل مازالت التبعية الماركنتالية (التجارية))العالمية للماركنتالية (المالية) الأمريكية تسير منفردة صوب تقوية الاقتصاد الرمزي الامريكي وما ترتبه من توليد ازمات في الاقتصاد العالمي باستمرار ؟ وهل ان تلك الأزمات استندت على أموال نجمت بالأساس عن أصول حقيقية لكنها وضُفت للمضاربة السعرية في أصول مالية اسمية متضخمة بعشرات المرات عن القيمة الحقيقية لها من خلال عمليات التسنيد والمشتقات المالية وتولد اثر ثروة من تملك تلك الأصول الاسمية او الورقية والمضاربة السعرية فيها على حساب نمو الاقتصاد الحقيقي؟.

وعلى الرغم من التساؤلات آنفا والافتراضات العملية التي مازالت تُسير واحد من أقوى اقتصادات العالم، الا انه يلحظ ان هنالك تعديلات جوهرية في السياسة الاقتصادية للولايات المتحدة في الوقت الحاضر اقتضتها ظروف مواجهة سلاسل الأزمات الدائمة في النظام الرأسمالي . لذا بات من الواضح ان ثمة تعديلات في بعض ثوابت ومتغيرات السياسة الاقتصادية للولايات المتحدة وبشكل مبكر اليوم غدى من المسائل الحتمية لاستدامة النظام الاقتصادي الخاص للولايات المتحدة من خلال تكيف بعض معطيات النظام الماركنتالي المالي العالمي .اذ تؤشر السياسة الاقتصادية الأمريكية بعض ضرورات التحول او الانتقال الجزئي فيها اي من استدامة الاقتصاد الرمزي token economy بشكل منفرد ومتطرف كما كان عليه الحال عند حلول أزمة الرهن العقاري في العام ٢٠٠٨ بالانتقال وبشكل متسق ومتوازن الى استدامة الاقتصاد الحقيقي real economy الذي هو اليوم على شفى ركود واسع .وهذا ما أخذت تؤشره حالة التحول المتسارع الى سياسات العرض supply side economy وتشجيع الإنتاج وما يتطلبه من تبني سياسة خفض الضرائب على عوامل الإنتاج ولاسيما الأجور من جهة رافق ذلك خفض كلفة خدمة الدين العام من جهة أخرى .وياتي التحول من منطلق الاعتماد المبكر او الإنذار المبكر early warnings من الانخراط المفاجيء في الانكماش الاقتصادي وتجنب الدخول بالبطالة والركود الواسع .

اذ بدأ البنك الاحتياطي الفيدرالي بتبني سياسة توسعية تقوم على خفض معدلات الفائدة بعد ان انقلب منحنى العائد على السندات الحكوميةالطويلة الأجل او مايسمى yield curve inversion .في حين صادق الكونغرس منذ اكثر من عام على برنامج خفض الضرائب على الأجور والرواتب payrolls وهو الأمر الذي عظم من مستويات الدين العام الامريكي . لذا فان النظرية الخاصة لاقتصاد الولايات المتحدة بدأت تقوم حقاً على ثلاثة متغيرات لابد ان يساعد تعديلها على احلال التوازن بين الاقتصاد الرمزي والاقتصاد الحقيقي في موضوع تعادل اثر الثروة wealth effect بينهما .وان المتغيرات التي يتطلب تعديلها هي معدلات الفائدة ومعدلات الضريبة على عوائد عوامل الإنتاج والعمل خصوصاً ومن ثم تقوية رسم الإصدار النقدي sineorage ليكون الأخير مماثل بدوره لمستوى النمو في الناتج المحلي الإجمالي المستهدف وعلى وفق الآليات الآتية :

أ‌- يأتي إصدار السندات الحكومية للولايات المتحدة الأمريكية ذات التصنيف الائتماني العالي في مقدمة أدوات الاقتراض السيادية التي يجري تسويقها الى الحائزين لها من داخل وخارج الاقتصاد الأمريكي ذلك في إطار سياسة استدامة التمويل العام للنفقات التي اعتادت عليها الموازنة الفيدرالية للولايات المتحدة لسد العجز السنوي وتغطيته عن طريق تنقيد أدوات الدين debt monetization لدى البنك الاحتياطي الفيدرالي بشكل متزايد ضمن سياسة النقد الرخيص ولاسيما في وقت الكساد او احتمالات توقعه. وان الحفاظ على مستويات دين عام مستدامة sustainable يأتي بالتلازم لضمان توليد نمو مستدام في الدخل الوطني للولايات المتحدة عبر تقوية الطلب الفعال ومواجهة مظاهر الانكماش الاقتصادي الذي يصيب مفاصل الاقتصاد الامريكي بسب شدة الاحلال والتقدم التكنولوجي في العالم وما تفرزه من بطالة في عوامل الإنتاج الاخرى . وهي آليات ذات صفات متلازمة،اذ ساعدت سياسة الديون التقليدية في السابق على توليد نمو ضريبي متاتي من النمو في الدخل المتنامي الجديد الذي يمكن الإيراد الضريبي المفروض على الزيادات في الدخل من سداد الدين الأصلي وخدمته وبمسار دائري توسعي مستمر .

ب‌- تاريخياً ولكي تستهلك اميركا برفاهية عالية للسلع والخدمات الأجنبية وقبول العجز المستمر في الحساب الجاري لميزان المدفوعات الامريكي،فيجري دفع قيمة الاستيرادات السنوية من السلع والخدمات الاجنبية عن طريق التسديد بالدولار المولد بالسندات المسيلة لدى الاحتياطي الفيديرالي حسب مقتضيات آلية تسوية العجز في الحساب الجاري لميزان المدفوعات والعجز في الموازنة الفيدرالية dual deficit .فالدولار المدفوع الى الخارج والذي ولده الدين الداخلي في البداية يعمل في مرحلة لا حقة على تنمية حركةً الاستثمار بالداخل أيضاً وعبر الفائض في الحساب المالي لميزان المدفوعات الامريكي .اذ يساهم الفائض في الحساب الرأسمالي او المالي الامريكي عن طريق تدفق المدخرات أو الفوائض الخارجية الى داخل الاقتصاد الامريكي ثانية لياخذ دوره في تحريك معجل الاستثمار كاداة لنمو الدخل الوطني وإدامة التشغيل وإحلال التكنولوجية الجديدة كقوة نفوذ لتعاد الى الاقتصاد العالمي بشكل ما. وبهذا تحقق الاستثمارات الداخلية الممولة من فوائض الادخار الخارجي في جانب منها الى استثمار داخلي. إذ يؤدي الدخل المتعاظم الجديد جراء الاستثمار الى اتساع الوعاء الضريبي وتحقيق نمواً مالياً جديداً من خلال التحصيل الضريبي على الأوعية المضافة الناجمة عن الدخول والإنتاج ومختلف الأرباح وعدها أوعية إيرادية نامية جديدة تسهم في خفض اصل الدين العام .اي ان الدين العام الذي سيولد انفاق استهلاكي عالي وعجز في الحساب الجاري لميزان المدفوعات في البدء سيعادله تدفق الفائض الادخاري لدى الدول الأجنبية المتعاملة تجارياً ومالياً مع الولايات المتحدة،بعد ان يتحول الفائض التجاري في جانب مهم منه الى ادخار حقيقي يتدفق الى داخل اميركا من خلال الحساب المالي الموجب لميزان المدفوعات. اذ تنتهي الادخارات المتدفقة من الخارج الى استثمارات حقيقية تولد نمواً حقيقيا موجباً في الدخل الوطني للولايات المتحدة .وهكذا تولد بالتوازي أوعية ضريبية مضافة تتولى سداد خدمة الدين نفسه ضمن دورة العجز المزدوج في الموازنة الفيدرالية والحساب الجاري لميزان المدفوعات dual deficit . فالديون تولد نمواً في الدخل الوطني والنمو في الدخل الوطني يولد إيراداً ضريبيا ً جديداً والأخير يذهب لإطفاء اصل الدين وخدماته .

ج - فالنمو الحقيقي في الاقتصاد الأمريكي مرهون بالنظام المالي الماركنتالي للولايات المتحدة كدولة مصدرة للعملة الدولية وهو الدولار وان رسم الإصدار أو السنيوريج للدولار يتجسد بما تسببه العملة الأمريكية المصدرة من نمو حقيقي مقابل جراء تنامي الاستثمارات الحقيقية في الاقتصاد الأمريكي نفسه .فالادخارات الاسمية او الرمزية المولدة بالإصدار النقدي تستبدل بادخارات حقيقية متدفقة بالغالب من الخارج ومن ثم تتحول الى استثمارات حقيقية ونمو حقيقي في الاقتصاد الامريكي .اذ تجسد آلية العجز الثنائي الأمريكي ان اقتصاد الولايات المتحدة هو اقتصاد إمبريالي او احتكاري مالي يتعايش على ريع الثقة العالمي بالدولار الرمزي ليبادل بادخارات عالمية حقيقية عن طريق أدوات مالية حكومية بالغالب .كما ان استعمال العملة الأمريكية عالمياً جراء تلك الموثوقية والحفاظ عليها لابد من ان يتحصل عنها رسم لتعويض كلفة إصدارها (سنيوريج) وادارتها وان رسم الإصدار سيناظر حالة النمو في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي الامريكي . ما يقتضي تعظيم رسم الإصدار من خلال الآليات النقدية والمالية المؤدية الى تحقيق النمو المرغوب exante في الدخل الوطني للولايات المتحدة .وهكذا توفر الآليات الثلاث المذكورة آنفاً (أي العجز المالي في الموازنة الفيدرالية والعجز التجاري ومن ثم فائض الحساب المالي لميزان المدفوعات)وفي إطار متماسك من حالة المنافع المتلازمة في التعاملات المالية والتجارية الدولية والنمو الحقيقي في الدخل .فنمو الطلب العالمي على الدولار الأمريكي يبقى اساسه دين عام أمريكي جاء لسد العجز في الموازنة الفيدرالية.

د- سيظل رسم إصدار الدولار هو خلاصة المنفعة المتأتية من الاستيرادات الأمريكية والممولة بأداة دين أمريكية وان البلدان المصدرة للسلع والخدمات الى اميركا تعيد استثمار فوائضها الإدخارية في اقتصاد الولايات المتحدة نفسه بما يؤدي الى استدامة النمو في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي الامريكي . وهكذا فان السنيوريج أو معدل نمو رسم إصدار الدولار سيعادل النمو الحدي بالدخل الوطني الممول بمدخرات دولارية خارجية لدول ومؤسسات أهلية اجنبية. انها الإمبريالية المالية الجديدة القائمة على النهضة التجارية أو الماركنتاليىة المالية.

هـ - وعلى الرغم مما تقدم ذكره،يلحظ ان الدين العام الأمريكي قد ازداد صعوداً في عام ٢٠١٩ بقفزة متسارعة الى نحو واحد تريليون دولار ما جعل رصيد الدين العام الكلي يبلغ اكثر من ٢١ تريليون دينار،متخطىياً بذلك قيمة الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة نفسها .وتاتي الزيادة في الدين العام الأمريكي في العام ٢٠١٩ بغية تعويض الإيرادات المفقودة جراء تبني سياسات العرض supply side polices التي مارستها الحكومة الأمريكية لمواجهة احتمالات الانكماش في الاقتصاد الامريكي .فخفض الحكومة الأمريكية لمعدلات الضريبة على الأجور والمرتبات لتحسين الإنفاق الكلي وتحريك مضاعف الدخل تتطلب بالمقابل قيام البنك الاحتياطي الفيدرالي بخفض الفائدة الى اقل مستوى ممكن بغية التقليل من كلفة الدين العام المدفوع لحاملي سندات الحكومة الأمريكية ،ما يعني الحفاظ على مستويات رسم الإصدار sineorage المتحصل من الدولار المصدر عن طريق الدين الحكومي الامريكي عالية دوماً سواء بخفض الفائدة على الدين ولاسيما المنفق منها في دورة الاقتصاد المفتوح بصورة استيرادات سلعية وخدمية الى تحقيق منفعة متعادلة . او في خفض مستويات ضريبة الدخل اوالانتاج على المواطن الامريكي المنتج والمستهلك ليقابله اقتراض حكومي تعويضي اكبر مما يؤدي الى تزايد في رصيد ديون الحكومة الأمريكية بالسندات المسؤولة في هذه المرة عن جانب من رفاهية قوة العمل الأمريكية وإنفاقها الاستهلاكي العالي كقوة طلب وتنشيط مضاعف الدخل عن طريق زيادة الميل الحدي للاستهلاك مع انخفاض الضرائب على اجور العاملين ومعجلات الاستثمار عن طريق زيادة تحفيز القوى المستثمرة من خلال ارتفاع الكفاية الحدية للاستثمار لديها أو زيادة الميل للإنفاق الاستثماري الحقيقي جراء انخفاض الفائدة وكلفة الائتمان .

و- ان انخفاض كلفة الائتمان الناجمة عن تخفيض الاحتياطي الفيدرالي لمعدلات الفائدة على سندات الخزينة الأمريكية والمخصومة لديه(ضمن مايسمى بسياسة التيسير الكمي quantitative easing والتوسع بالسيولة الدولارية) يأتي لتحفيز النشاط الاقتصادي وتعظيمم النمو الحقيقي في الدخل الوطني من دون تضخم وهو النمو المماثل لرسم الإصدار (ولكن هذه المرة وفي عهد الرئيس الامريكي الحالي وسياسته الاقتصادية الجديدة التي تعتمد استراتيجية الانذار المسبق او المبكر او جرص الإنذار ياتي في حزمتي خفض الضرائب وخفض الفائدة لاحتواء مشكلات الكساد القادم لا محالة) .

ز- يلحظ ان القوى الخاسرة من هذه السياسة القائمة على خفض كلفة الائتمان بشكل خاص هم طبقة المدخرين عموماً وكذلك بلدان الفائض الدولاري المستثمر بسندات الخزينة الأمريكية وهم بالغالب من مجموعة البلدان التي تتمتع بفائض في الحساب الجاري مع الولايات المتحدة (والتي منها الصين التي تحتفظ بأكثر من تريليون دولار من احتياطياتها الرسمية بسندات الخزينة الأمريكية وكذلك اليابان والبلدان النفطية ذات الفائض العالي وغيرهم).

رابعا : ختاماً، أظهرت ومنذ مطلع شهر أكتوبر (تشرين الأول) ٢٠١٨بيانات وزارة الخزانة الأميركية أن الدين العام ارتفع خلال السنة المالية الماضية بواقع 1.2 تريليون دولار، ليصل إلى 21.52 تريليون دولار، وذلك للمرة الأولى على الإطلاق. مما يعني أنه زاد خلال السنة المالية، التي انتهت في 28 سبتمبر (أيلول) الماضي، بمقدار 2.2 مليون دولار في الدقيقة.

وبذلك يكون الدين العام قد ارتفع بنسبة 6.3 في المائة عن مستواه في نهاية السنة المالية 2017، اذ بلغ رصيده حوالي 20.25 تريليون دولار، ويشكل بذلك مستوى الدين في العام ٢٠١٨ نسبة 105.4 في المائة من حجم الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة.

وأدت التخفيضات الضريبية التي أقرها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بموافقة الكونغرس في عام 2017 إلى زيادة الدين العام بشكل مضطرد.

وهناك خلاف بين خبراء الاقتصاد حول المدى المقبول لعجز الميزانية الأميركية ومعدل الاقتراض الحكومي، وأيضا حول النقطة التي يجب أن تكون مثار قلق بالنسبة لتأثير الدين العام على الاقتصاد الأميركي بالفعل. ويقول المنتقدون للسياسة الحالية إن النمو الاقتصادي المستمر للولايات المتحدة هو الوقت المناسب لتبني إجراءات ربما تقشفية توفر مساحة للحركة في حالة الأزمات الاقتصادية.ولكن دون الإخلال برسم الإصدار النقدي وإدارة النظام النقدي الدولي الذي يفترض ان يماثل معدلات النمو في الناتج المحلي الإجمالي المؤازر حالياً بفائدة منخفضة وضرائب منخفضة ..لكي تُمسك اميركا بمذهبها الماركنتالي المالي على الدوام ضمن استدامة قواعد اللعبة الإمبريالية .انها النظرية الخاصة في الاقتصاد التي تترجم الإصدار النقدي الى انتاج حقيقي...!!!!

 

د. مظهر محمد صالح

شبكة الاقتصاديين العراقيين

..............................

(*) المستشار المالي لرئيس الوزراء العرقي ونائب محافظ البنك المركزي العراقي الاسبق

 

الحسين اخدوشبيّن فكّر عصر النهضة ميكيافلي كيف أنّ الحاكم الذي يتولى أمور السياسية لا ينبغي له أن يفكّر سوى في تدبير إمارته (دولته). كما يلزمه أن لا يختار أيّ فنّ آخر عدا فن الحرب، وبخاصّة فنّ إصدار الأوامر، والحث على الانضباط إلى بهذه الأخيرة، ذلك أنّ هذا الفنّ هو ما يناسب شخصيته. لذلك تعتبر معرفة هذا الفنّ – المَهَمّة (فنّ الحرب) نقطة انطلاق ضرورية لكسب الدولة والحفاظ عليها، وهو التجسيد الحقيقي للقدرة على تأكيد حرية إيطاليا، وباقي الولايات التي تكونها، خاصّة إمارة فلورنسا. نجد هذه الرؤية للحرب بقوة في كتابه الشهير "الأمير"، كما نصادفها أيضا في باقي مؤلفاته الأخرى، وبخاصّة في "فن الحرب"، وأيضا في "الحوارات" وفي حكايات وقصص تاريخ فلورنسا (Jean-Claud Zancarini). 

تستند هذه الرؤية لترابط القوة والسياسة لديه إلى قراءة واسعة بالتاريخ الإيطالي، خاصة للدور السلبي الذي كانت تلعبه الكنيسة في هذه العملية، الأمر الذي دفع الإيطاليين إلى دفع أجورا للأجانب. ولقد استقى ميكيافلي فهمه لهذا التاريخ من تجربته الخاصة، حيث عاش تجربة الدبلوماسي وجرّب مهنة المنظم العسكري. لقد تعلم في مهامه في إيطاليا وفرنسا وألمانيا أن إمارة فلورنس لا تساوي شيئا لدى الفرنسيين (كما أفاد في إحدى رسائله) حيث لا وزن عسكري لها لديهم، وهو الشيء الذي كان يخافه «سيزار بورجيا» الذي كان يملك "أسلحته الخاصّة". لذلك تم العمل برأيه، بل لقد انتصرت وجهة نظره في فلورنسا حول المزايا النسبية لسلاح المرتزقة وللأسلحة الخاصّة أيضا. وكان قد دعا إلى إنشاء جيش دائم من المشاة المُعَيَّنِين ضمن رعايا فلورنسا تحت إشراف وتدريب ضباط فلورنسا. كما انتهت "عشريته" بما يقارب عقد من الزمن بين 1494 و 1504، حيث كانت المشورة في يناير 1506 في استحضار لتقليد روماني يعبر بوضوح عن وجهة نظره التي تؤمن بالقول المأثور آنذاك: "كم سيكون الطريق سهلا وقصيرا إن قمتم بإعادة فتح معبد جوبيتير" (Machiavel).

لقد تم نشر "العشرية" في الوقت ذاته الذي بدأ فيه ميكيافلي سيكريتيرا في وزارة العدل، كما تم رفع عدد مشاة فلورنسا. غير أنّه في 15 فبراير من سنة 1506 ميلادية قامت الكتائب الأولى بموكب خاص بعدما أصبحت تحتل المكان الذي كان يحوزه "لاسينيوري". وبعد إنشاء هذه القوات، جاءت النصوص التي تلخّص الأسباب التي من أجلها كان من الضروري إنشاء هذه الميليشيا والأشكال التي يجب أن تتخذها. ثم أخيرا، في ديسمبر من سنة 1506، تم تعيين القضاء - تسعة ضباط للنظام والميليشيا الفلورنسية، وهو نفسه التعيين الذي سيتم فيه تسمية ميكيافلي مستشارا للأمير سنة بعد ذلك، أي في 12 يناير من سنة 1507. وفي النصّين اللذين كتبهما ميكيافلي بعد ذلك، يظهر هذا الرابط بين القوانين والأسلحة الذي سيركّز عليه تحليله لتلازمية القوة والسياسة. لذا، تتكرر لديه هذه العلاقة المثيرة، خاصّة في الفصل الثاني عشر من كتابه "الأمير"، حيث سيعتبر بأنّ الأسس الرئيسية التي ينبغي أن تكون لدى كل الدول: القديمة منها، أو الجديدة، أو حتى المختلطة، إنّما هي ترابط أحسن القوانين مع أجود الأسلحة. ولمّا تقرّر لديه بأنّه لا وجود لقوانين جيّدة من دون أسلحة جيّدة، فقد تقرّر له أيضا أنّ حيازة أسلحة جيّدة إنما هو ما يفضي حتما إلى تشريع أحسن القوانين (Jean-Claud Zancarini).

بعدها، سيترك ميكيافلي الحديث عن القوانين جانبا، ليتحدّث في مسألة الأسلحة ودورها في استدامة الكيان السياسي للإمارة. وسوف يبيّن منذ الفقرات الأولى من مقدمة كتاب "مؤسّسات جيستنيان"، التي كانت تعتبر واحدة من أسس الثقافة القانونية والسياسية في العصور الوسطى وعصر النهضة، إلى أنّ عظمة الإمبراطورية الرومانية إنّما كانت تستند إلى قدرة قادتها الكبار على الجمع بين حسن تشريع القوانين الجيّدة لحكمهم وجودة الأسلحة التي ستمكّنهم من دحر أعدائهم. ولقد اكتسب هذا الموقع المشترك قوة خاصّة في ضوء التجربة التاريخية التي مرّت منها فلورنسا منذ عام 1494 الميلادي، وذلك نتيجة ملاحظة الضعف العسكري لهذه الإمارة الإيطالية ضد جيوش الممالك الوطنية العظيمة. لذلك لم يكن مستغربا، بعد وضع أسس كل ولاية، أن يوضّح ميكيافلي في حينه أنّ الذي حدث إنّما حدث نتيجة اختلال العلاقة بين الأسلحة والقوانين. هناك تحليل ضمني لديه، خاصّة في بعض فقرات الأمير، تمكننا من فهم كيف كانت الاستعانة بالحرب في عصره هي ما يُحَدّد الخيارات التي يجب اتخاذها. لذلك كان يعد التفكير في الحرب، وفي طرق قيادتها، أهم من أيّ شيء آخر، بل هو المهمة ذات الأولوية في تلك الفترة التاريخية.

لقد كان مؤكّدا أن الرومان هم المثل الذي ينبغي يتحدى به بالنسبة لميكيافلي، خاصّة في المسائل العسكرية. فالتفكير في فنّ الحرب، كما لا يتوقف فابريزو كواونا المتحدث بلسان ميكيافليي، ذاك ما تحاول "الحوارات" إبرازه بعرض طرق الرومان في شنّها. يضاف إلى ذلك، أنّ أولائك الذين يعتبرهم مثالا سلبيا، بالضبط عندما يتخلون عن "الأسلحة الخاصة"، هم عادة الذين يوكلون أمور جيشهم إلى جنود محترفين يتألفون من الأجانب والمرتزقة. ونجد هذا الخطأ بارزا في الفصل الثالث عشر من "الأمير"، حيث كان السبب في خراب الإمبراطورية الرومانية. وبالاعتماد على مثال الرومان، وعلى التجربة المعاشة في حروب إيطاليا، يفسر ميكيافلي كيف ترتبط القوة التي يمتلكها جيش ما بشعور الحب الذي يكنّه الجنود لرؤسائهم، قد لا يكون هؤلاء جنودا محترفين لكنّه فعالين في الحرب. ذاك ما يشرحه في بداية "فن الحرب"، حيث الملوك والأمراء، وأيضا بنفس القدر الجمهوريات، "ينبغي أن يكون عندهم مشاة من الرجال الذين عندما يحين وقت شن الحرب يذهبون إليها عن طيب خاطر حبا فيها، وأيضا عندما يعود السلام يرجعون إلى بيوتهم وهم أكثر سرورا (Machiavel).

يظهر من سياق حديث ميكيافلي عن ترابط القوة بالقيمة من خلال علاقة التشريع بالسلاح، عدم فاعلية نمط التخطيط السياسي الذي يعوّل على أسلحة المرتزقة التي كانت بعض الإمارات الإيطالية تعوّل عليها للدفاع عن حوزتها. في مقابل ذلك، تبرز أهمية الأسلحة الخاصّة التي تقوم فكرة تشريع قوانين جيّدة نابعة من الإيمان بالإرادة الداخلية المستقلة، والتي تعوّل على غرس حب الوطن والامتثال الجيد للقوانين واحترامها وحب الوطن. وأمّا العلاقة الحميمة التي يُفترض أن تربط الجنود بوطنهم الذي يدافعون عنه، فتبقى بلا شك أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت تصوّر ميكيافلي للسياسة يكون واقعيا وملموسا، حيث كان يأخذ بالاعتبار مدى تداخل العلاقة بين القوانين المشرّعة (قوانين جيّدة) بامتلاك أسباب القوة الجيّدة (أسلحة الجيّدة).

لقد أضفى هذا الربط بين التشريع والحرب (السياسة والقوة) راهنية فكرية قوية على تصوّر ميكيافلي للسياسة الدفاعية للكيانات السياسية، حتى إنها أصبحت بمثابة المعين الذي لا ينضب للتفكير في الحرب أفقا للسياسة. أما حدود هذا التصوّر، فتكمن في كونه يشرعن لسيادة القوة على القيمة، ممّا من شأنه تأسيس فكرة الحق على القوة. وهذا ما سيتمّمه، بعد ذلك، منظّر الفكر السياسي الحديث «توماس هوبز»، مفتتحا بذلك الحداثة السياسة بفصل نظري ومنهجي بين السياسة والفضيلة الأخلاقية لازالت تبعاته النظرية إلى اليوم.

 

الحسين أخدوش

 

عدنان عويدلمن ننتمي؟.. سؤال مشروع يطرح نفسه علينا اليوم تحت مظلة ما نعيشه من ضياع وعدم استقر في هويتنا، أو انتمائنا إن كان هذا الانتماء للديانات السماوية وما شكلته من مواقف في حياة مجتمعاتنا من تفكك وتذري وصراعات دموية ليس بين أصحاب الديانات السماوية الثلاثة فحسب، بل وبين أصحاب مذاهب الديانة الواحدة وخاصة بالنسبة لنا نحن المسلمين في وقتنا الحاضر. أو انتمائنا للحضارات الأقدم في تاريخنا، كالحضارة الآرامية والكنعانية والفينيقية وكل امتداداتها في بلاد النهرين ومصر وشمال أفريقيا. أو انتمائنا للقومية العربية التي تعتبر برأي امتداداً تاريخياً للكثير من مكونات المجتمع العربي قبل الإسلام. إلا أن هناك من حاول من بعض المسلمين القول بأن الإسلام قد جب كل ما قبله وأنه ذو بعد أممي، وفي المقابل هناك من الكتاب والباحثين من أكد هذا الانتماء القومي لهذه المكونات وأن الإسلام ساهم في بلورة العروبة وتعميمها على بعض المكونات الاجتماعية والحضارية التي انتمت تحت لواء الإسلام وخاصة في المشرق العربي، وذلك من خلال لغة القرآن أولاً ثم تأكيد القرآن والرسول على مسألة العروبة من حيث نزوله كما يقول النص القرآني: (إنا انزلناه قرآناً عربياً)، أو تأكيد الرسول على عروبته بقوله: (أنا خيار من خيار)..

على العموم أعتقد أنه السؤال الأكثر إشكالية وتعقيداً، وهو بحاجة للكثير من الهدوء والتبصر للإجابة عليه.

لا شك أن الديانات السماوية الثلاثة قد انبثقت من صلب حضارتنا القديمة في سورية، أو بتعبير آخر قد نزلت في قلب هذه الحضارة القديمة. والديانات الثلاثة بمجموعها تنتمي إلى الإسلام في مفهومه الواسع، حيث أن الإسلام ليس خاصاً بالمسلمين الذين ينتمون إلى المحمدية فحسب، بل هو يشمل كل هذه الديانات، من منطلق أنه يدعو إلى التوحيد من جهة (....مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ). (الحج-78)، ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾. (- سورة البقرة، الآية 128). هذا وهناك آيات كثيرة تدل على الجوهر الإسلامي للمسيحية واليهودية) ، (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)، (سورة آل عمران - الآية 52 ).. الخ

ثم أن الدين في جوهره موقف طبقي من العلاقات الاستغلالية القائمة في المجتمع، (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ). (القصص 5). لذلك نرى أول من آمن بهذه الديانات هم الفقراء والمحرومون من جهة ثانية.

وهي أي الديانات الثلاثة موقف أخلاقي جديد ومتطور ومتمم للقيم الأخلاقية السابقة، وهذا ما اكد عليه الدين الإسلامي من جهة ثالثة: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). (الأنبياء – 107). (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). (حديث).

بناءً على ما جئنا عليه أعلاه، وهي القضايا المرتبطة بمفهوم الإسلام والدعوة إلى التوحيد والتركيز على القيم الأخلاقية والعدالة،  تبقى أمور الحياة اليوم القابلة للتطور والتبدل مثل  الزراعة والصناعة والتجارة والفن والأدب والتكنولوجيا وغير ذلك، فهي أمور يتداولها الناس فيما بينهم وفقاً لمصالحهم وابداعاتهم الشخصية، على أن لا يخرج هذا التداول عن المقاصد الأساسية للدين، وهي خير الناس وعشيهم الرغيد. فأمور الناس كما يقول النص المقدس شورى بينهم، وهم أدرى بشؤون دنياهم. (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (سورة الشورى – 38). و(أنتم أدرى بشؤون دنياكم). (حديث).

نقول: إذا كان أمر دنيانا هكذا حسب النص الديني، فهذا يعني أن من يحدد انتماءنا وعيشنا المشترك هو مصالحنا المشتركة وقضايا دنيانا، وطالما أن هذه المصالح ليس لها علاقة بالدين ولا يمكن ان يشكل الدين منطلقاً حاكماً لها إلا في حدود الجوهر الإنساني، فلما لا نتكئ في حياتنا اليوم على الجذور التاريخية لحضارة أجدادنا التي تشكل بالضرورة امتدادنا التاريخي، ونقطة التقائنا المشترك. وبالتالي أين الخطأ إن قلنا نحن ننتمي إلى الآراميين والفينيقيين والآشوريين والبابليين والفراعنة  والكنعانيين. الذين أوجدوا أول أبجدية وحرف في التاريخ.. وأول من استخدم المحراث والمنجل في التاريخ،.. وأول من صنع السفن والزجاج وعرف الألوان في التاريخ، وأول من زرع حقول القمح وطحن القمح وخبزه في التاريخ.. وأول من حنط الموتى وساهم في تخليد الإنسان وعظمته في التاريخ.. وأول من أوجد نوتة موسيقية وطور في الوتر الموسيقي ومقاماته في التاريخ...وأول من راح يبحث عن سر الخلود في التاريخ... وأول واول وأول.. من عرفته البشرية وعرفت فيه معنى الحضارة .

هذا هو جذر انتمائنا التاريخي الذي أصابنا معه قطع تاريخي سكوني حال دون تواصلنا واستمرار هذا التواصل معه تاريخيا  بفعل عوامل كثيرة داخلية وخارجيه، وفي مقدمة هذا العوامل يأتي من جعلوا بداية التاريخ ونهايته مع ظهور الإسلام، فهل من المعقول أن نترك هذا التاريخ وهذه الحضارة لنلتحق بداعش وأخواتها ممن عمل على تدمير الإنسان وحضارته وأولها حضارتنا العربية العريقة وحتى الإسلامية منها تحت إسم الكفر والخروج عن الدين، بعد أن حصروا تاريخنا كله بالقرون الهجرية الثلاثة الاولى. وكل ما قبلها وما بعدها عند هذه القوى السلفية بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.؟؟؟!!!!.

فلنتق الله في حضارتنا .. حضارة أجدادنا ونعود كي نتكأ على جذورنا العريقة كي نبني مستقبلنا، وهذا الاتكاء لا يعني في دلالاته أن نعيش منجزات حضارتنا القديمة بعجرها وبجرها، وننافق لها بعد أن تجاوز كل منجزاتها الزمن وسبقتنا أمم الأرض في التطور العلمي بكل سيئ، بل نعيش عظمة هذه الحضارة روحياً وعقلياً، وأن نستلهم عظمتها في نفوسنا وعقولنا وأعمالنا من أجل بناء حاضرنا ومستقبلنا، فمن ليس له جذور ثابتة في الأرض لن يكون له ساق وأغصان وأوراق وبالتالي ثمار..

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور – سورية.

 

مجدي ابراهيمإذا كُنّا نضع في هذه السلسلة من الفصول، مبادئ أولية تتأسس على دعائم روحية وروابط يجمعها الشعور العربي والوجدان العربي، تربطه بلغته، وتحفظ له هويته، وتعلو من شأن اللغة العربية التي هى بالأساس لغة دين وأدب وفن وعلم: ولغة حضارة على التعميم؛ فإنما نفعل ذلك؛ لأننا نؤمن بقيم باقية فاعلة في لغتنا العربية؛ وأهمها في سياق البحث عن الجذور: تقدير الهوية العربية، وتقدير الأمانة الفكرية والمعرفية، وتجنيد القرائح بمقتضاها في ساحة العمل الشريف للسعي إلى المثل العليا التي تتولاها وتقوم عليها وهى: مُثل التسامح، والسلام، وقبول الآخر المختلف، والعدل، والمساواة.

فلئن كانت فكرة الصهيونية لا تزال هى الفكرة الرائدة عند أصحابها، قائمة باقية تُدَعمُ كحركة عالمية؛ فإن المقابل لها هو فكرة القومية العربية: فكرتان تصطرعان عبر الزمن، لكننا مع شديد الأسف أهملنا من جانبنا كعرب فكرة القومية العربية؛ لتضيع مع هذا الإهمال هُويّتنا ضياعاً يكاد يكون تاماً. وقد كان من المنتظر لفكرة القومية العربية الانتصار والتقدم فيما لو كنا عليها محافظين وبها مستمسكين.

لقد كان بالإمكان الذي لا شك في الإيمان به: أن تصبح مع التطبيق والرعاية فكرةً حيةً متطورةً متجددةً هى نفسها الهوية العربية يريد أصحابها لها الحياة بإيمانهم بها وتمسكهم بما فيها من قيم باقية عاملة، ومن أمثلة عليا في إطار الصلة الوثيقة القائمة بين العربي والعربي من طريق اللغة؛ إذ كانت ولا تزال الرباط الأمثل الذي يحفظ الهوية ويُسلم العرب جميعاً من آفات التمزق والانقسام.

لم يبلغ الزمن قدر الستون عاماً بل يقل، يوم أن كانت أقلام المثقفين في العالم العربي تمجد في أصول القومية العربية، وتقارن بينها وبين القوميات الأخرى كما ظهرت في مطلعها الأول كقومية الروم وقومية الفرس. ولم يكن تمجيدهم لها صادراً إذْ ذَاكَ عن فرائض سياسية أو فروض اقتضتها أحوال العالم العربي يومئذ، بل عن قناعة إيمانية باتصال القومية العربية بمعدن الهوية الحضارية في الإسلام، وانبعاث الأولى من الثانية ضرورة، واعتمادها عليها، وتغذية وجودها بالقيم والمبادئ التي تتأسس عليها. ولم تزل تلك الحضارة فاعلة بالقيم الجديدة التي تغلبت على القيم التي كانت موجودة في حضارة الفرس والروم. إذْ ذَاَكَ سئم الناس غطرسة حكام الفرس وعنجهيتهم، وفساد الحياة في بلاد الروم، وانصراف رجال الدين إلى مجادلاتهم البيزنطية ومماحكاتهم النظرية التي أودتْ بهم إلى عقم التفكير وفساد المنطق المقبول وعدم جدوى المناقشات. أما ملايين الشعب في كلتا الدولتين فكانوا يساقون كالأغنام، ويعيشون معيشة أحط من حياة السوائم لا ينعم فيها الإنسان بحريته ولا بكرامته.

ثم جاءت القومية العربية في مواجهة القوميتين الرومية والفارسية؛ لتقرر للفرد حرية الفكر والعقيدة، بشرط أن يكون مؤمناً بالله الواحد الأحد القهار، ومساواة جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، فلا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى. وتقرر وَحْدَة العرب والمسلمين وتضم أشتاتهم المتفرقة في إطار من المبادئ والقيم التي تأسست عليها الحضارة الإسلامية والعربية إذْ ذاك. ولم تكن اللغة العربية سوى قنطرة عبور الوعي الحضاري لتحقيق تلك القيم في ظل المثل العليا التي تدين لها بالولاء.

وأعودُ فأقول: إنّ إيماننا بهذه الفكرة لينبعث ولا شك عندي من تقدير أصول القومية العربية من حيث كونها فلسفة حضارة لا من حيث كونها فكرة سياسية وكفى، ظهرت في فترة زمنية محدودة وظهر الاهتمام من نبلاء الزمن الماضي بها بل من حيث إنها ثمرة حضارة عربية إسلامية كان اللسان العربي أبرز عناصرها، وكان هو بالأساس لغة كتابها المقدس وقرآنها ودينها بمقدار ما كان في الوقت نفسه لغة علومها وآدابها وفنونها. وليس يمكن الفصل مطلقاً في هذه الحضارة بين اللغة والدين ولا بين العلوم والفنون ولا بين الآداب التي تضمها جميعاً تلك الحضارة الإسلامية ولا تفرقها أو تجزّئها.

ذلك هو عندي المبدأ العاصم للهوية من التفرقة والتمزق والشتات. لكن هذا المبدأ يحتاج إلى تفاصيل توضح معالمه وترشدنا إلى تجنيد الطاقة العاملة لمواجهة أسباب الانقسام التي تفرق العناية به ولا تجمعها تحت راية وطيدة. فلئن كنا ذكرنا فيما تقدم أننا نضع هذه السلسلة مرتكزة على مبادئ هى الباقية، وهى نفسها الفاعلة أيضاً، وأنها لتتأسس على دعائم روحية مستقاة من مبدأ التوحيد العاصم من الفُرقة والشتات، والحافظ للهوية العربية من الضياع، ومن الانزلاق تحت مهاوي التمزق والتجزيء والتفتيت؛ فإننا نعوّل بادئ الرأي على التوجهات الروحية في حضارتنا العربية الإسلامية. وعلينا أن نذكر بادئ الرأي أيضاً أن هذه التوجهات لم ينفصل فيها مطلب واحد من مطالب العقل عن مطالب الشعور والوجدان، ولم ينعزل فيها النظر العقلي عن تلك المطالب التأسيسية للأخذ بقيم التقدم في الحضارة الإسلامية؛ فإذا كنا من تلك الجهة نركز على هذه المطالب مجتمعة؛ فإننا من جهة أخرى لا نتغاضى عن الأساس الكاشف للفكرة الروحية المثالية الدائمة والشروع في إماطة اللثام عنها بمنهاج "الوعي القلبي" وهو الوعي الذي يفرز اللغة ويقيمها على الدوام موصولة بذلك المبدأ العاصم للهوية العربية من التفرقة والتمزق والشتات.

*     *     *

فإذا نحن - من بعدُ - عَوَّلنا على القلب في جميع ما ندرك، وفي جميع ما نحيا. أقول؛ عَوَّلنا على القلب، لا على الحس كونه مطالب مادية صرفة، ولا على العقل المجرد من الشعور والوجدان، ولا على شيء آخر من مدارك المحدود في الإنسان، كان الصدق الذي تحدثنا عنه طويلاً لازماً لهذا الوعي القلبي لا يفترق عنه بحال، وصارت لهذه "الكلمة" دلالتها المُوحية بالوعي الإنساني في مفهوم ما ندرك له وما نعمل فيه؛ حتى إذا ما رُحنا نتصور مثل هذا "الكاتب" الذي يقول وحياته هى هى قوله لا يتعدّاه، ويكتب وحياته هى هى فكره الذي يخوضه في غمار التجريب، دَلَّ تصورنا على الوعي القلبي فيه ممثلاً في الصدق. ولكن قد يقال: أين هو الرجل الكاتب الذي ينقل لك هذا الشعور، ويهيئ لك هذه الفرصة النادرة صدقاً من اتصال الوعي القلبي؟

إنه العنقاء الذي يتحدثون عنها في أساطير الأولين! قد يقال: إنه من المستحيل أن يكون مثل هذا الرجل موجوداً بين ظهرانينا، مَنْ ذلك الذي يستطيع أن يكون كلامه - كله أو بعضه - هو عين حياته، وحياته هى عين كلامه ومعتقداته .. مَنْ؟!

وأقول لك مخلصاً من أجل ذلك فَسَدَ الأدب وضاعت القيمة الخُلقية من وراء الأقوال. وبفساد الأدب فسدت اللغة حقيقةً ليس فيها مجاز. ومع ذلك، فأكثر الذين أوقفونا على هذه المعاني هم بشر مثلنا كانوا موجودين على ظهر الأرض؛ فمثل هذا الرجل الذي يستحيل وجوده في توهم المتوهمين كان موجوداً في الأزمنة الخوالي، ولا تزال آثاره الفكرية والروحيّة تتدارسها الأجيال جيلاً وراء جيل. وسأضرب لك مثلاً باثنين فقط: أحدهما ينتمي إلى ثقافة غير الثقافة العربية والإسلامية، وهو "سقراط"، الفيلسوف اليوناني.

والثاني: هو فيلسوف مسلم؛ وإنْ لم يكن من أصل عربي، لكن الجانب الديني عنده مُقدّم على الجانب الفلسفي؛ هو حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي (ت505 هـ)؛ طوسيِّ المولد والنشأة، عربي اللغة والمربي، أشعري المذهب، صوفي النزعة والاتجاه. وإنما وقع اختيارنا على هذين دون غيرهما، أحدهما فيلسوف يوناني خالص، والآخر يغلب عليه النزوع الديني؛ لنؤكد على شيء مهم عندنا، وهو أن أهم فعاليات الفلسفة هى هى أهم فعاليات الدين؛ فأما الأول سقراط: فقد كانت حياته هى أقواله، وأقواله هى حياته، لم يتناقض مع نفسه، ولم يسن التناقض لأتباعه ومريديه، ولكن أفكاره وآراءه هى لب حياته التي كان يعيشها، أسر قلوب أتباعه بسلوكه وعمله وحس التصرف فيه، قبل أقواله وآرائه وأفكاره، تطابق عنده الفكر مع العمل، والنظر مع التطبيق، والعقل مع الممارسة الفعلية. ولم ينفصل لديه النظر العقلي عن التطبيق المعرفي ولا مقاصد الأول عن مطالب الشعور والوجدان.

ولنتأمل أقواله التي كانت هى عين حياته حيث قال فيما رواه عنه مؤلف مجهول هو صاحب كتاب:"فِقَر الحكماء ونوادر القدماء والعلماء": "اعلموا أن الدنيا دار عمل والآخرة دار ثواب. وأسعد الناس من قدَّم لنفسه عملاً صالحاً، والدهر عدو الأعداء للإنسان، فلا يغتر بمسالمته عاقل. والعقل من أفضل المواهب والجهل مُوجب للمعاطب. وحاجة الإنسان إلى العقل أكثر من حاجته إلى المال؛ لأن العقل يُصلح لأهل الدنيا والآخرة، والمال لا يصلح إلا لأهل الدنيا. وصفاء النفس بالرياضة. والسعيد من استظهر لنفسه واعتبر بمُعْنيِّ أمْسُه. والثقة بالله تعالى أقوى أمل والتوكل عليه أزكى عمل. والطاعة حرز، والقناعة عز. والدنيا لا تصفو لشارب، ولا تبقي لصاحب، ولا تخلو من فتنة، ولا تعري عن محنة. وأجهلُ الناس من طلب ما لا يناله. إلى أن يقول:" ولا تقطن الحكمة حيث يقطن اللهو، ولا توجد المروءة عند مَنْ لا حياء له. وأشدُّ عيوب الإنسان أنه لا يرى عيوب نفسه، ويرى عيوب الناس. وأفضل ما يقتنيه العاقل حسن الذكر من الناس بعد طاعة الله تعالى، ولا ينبغي للعاقل أن يعمل في السِّر ما يستحي منه في العلانية. والحكمة هى طبّ النفس. والحكيم من كف نفسه عن الشهوات..."(راجع: فِقر الحكماء ونوادر القدماء والعلماء، نشرة د. عبد الرحمن بدوي؛ طبعة دار صادر؛ سنة 1973م؛ ص217- 218).

وفي هذه الصفحات المُشار إليها، أقوالُ كثيرة منسوبة إلى سقراط، لو تتبعناها، وليس هذا غرضنا، لطال بنا الحديث، في: الفقر والغني، والصحة والمرض، والدنيا والآخرة، والعدل والجور، والصدق والكذب، والمحبة والكراهية، وحسن الخلق وسوءه، والحياة والموت، إلى آخر ما كان ذكره المؤلف المجهول في كتابه النادر.

أما الشخصية الثانية التي نوردها هنا على سبيل التذكير بوجود التطابق بين القول والعمل في الفرد الجامع لهما بغير تناقض ولا تهافت لأحدهما على الآخر؛ فهى شخصية حُجة الإسلام الإمام الغزالي، فلقد كان شغوفاً طُلْعة، جواداً بنفسه في سبيل المُرتقى العلوي الذي ينشده ويتطلع إليه في كل حال، قرأ الفلسفة وعلوم الأوائل ونقدها بعد أن فهمها، ولم ينقدها قبل الفهم كما يَدَّعي الذين يُشوِّهون عن عمد تراثه الفكري، واتجه إلى علوم المسلمين فطاف عليها جميعاً طواف العالم المتبحر فيها، لا طواف العابر المعزول العاجز الخامل المستكين، ثم لم تشفْ غلته جميعاً لا علم الكلام ولا الفلسفة ولا مذاهب التعليمية كما كان يسمِّيها، فالتجأ إلى رحاب التصوف، بعد لجوئه إلى الله في أن يُعينه، ويقرب له مسالك الوصول إليه.

خاضَ الغزالي التجربة الروحيّة خوض الجسور لا خوض الجبان المخذول، وعكف على القراءة والبحث سنين طويلة فلم يجني الثمرة المرجاة فأتجه إلى العمل والتطبيق حتى فتح الله عليه بنور مقذوف في قلبه، عرف منه الحق معرفة اليقين الذي لا شك فيه. وبعد أن أنتهى من رصد رحلته الروحية التي دوَّنها لنا في كتابه "المنقذ من الضلال"، جاءت حياته كلها انعكاساً لفكره، وفكره دليلُ على حياته، وأقواله ثمرة لممارساته، لا انفصام لديه بين قول وعمل، ولا تناقض بين نظر وممارسة. حياته هى هى فكره، وفكره هو هو حياته، هنالك اتساق في حياة الغزالي فُهم خطأ من أكثر الذين درسوه وأطلقوا عليه أحكاماً مبتسرة لا تمت إلى الصحة بصِلة.

فقد كان بحق أول العقول التي مارست ملكة الشك، وكيفية الوصول إلى اليقين، الأمر الذي جعله يختبر جميع المذاهب في عصره وينقدها، باحثاً عن اليقين، وناقداً لقيم الأصناف الفكرية والدينية الخاطئة من أهل العلم في عصره، كالمتكلمين، والفقهاء، والباطنية، والوعاظ، والزهاد، والعباد، وعلماء اللغة، وأدعياء التصوف...، والمغرورين من الصوفية، كأهل الشطح منهم، والذين تشكلوا بأشكال الدين، والأغنياء من الفجرة والفُسَّاق ممن لا يرتفعون بالإنسان عن مراغة الحيوان، وعوام الخلق، وغيرهم، وغيرهم، إلى كثير مما لو تعقبناه لطال بنا المقام.

ثم إنه لم يجعل المعرفة الدينية تقليداً يُمارس بالعادة وكفى، ولا بالدراسة النظرية والتفكير العقلي، ولم يجعلها كذلك جدلاً نظرياً كما هو الحال عند المتكلمين، وإنما جعلها إحساساً صادقاً ومعايشة باطنة، تجربةً ذوقية بالأساس، وتطبيقاً عملياً لإيمان وجدانه وعقله وضميره. وحدَّدَ معالم هذه التجربة تحديداً لم يسبق إليه، وشرطها بأركان من العمل في ميدانها كما هو مشروط في قانون الطائفة، فأعطى من ثمَّ للإسلام في عصره، وفيما بعد عصره أيضاً، ذوقاً جديداً وعمقاً روحياً بعيداً، حين دَوَّنَ التجارب الصوفية وقعدها في أصول، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى، كان الغزالي صوفياً إيجابياً عنيَّ بشئون عصره، فبيَّن أصناف المغترين من طبقات الناس وطوائفهم على اختلافها، وأقسام فِرَق كل صنف في "كتاب الإحياء"، ناقداً لها مصوِّراً لأوضاعها الاجتماعية، شارعاً في تفنيد حُجَجها الواهية، كاشفاً عن وجه الخطأ في اعتقاداتها، وقيمها، وبواطلها، وعاداتها الفكرية والعملية والتقريرية، وقد وقف في وجه المذاهب الفكرية المنحرفة بقوة وشجاعة وصرامة، لا يتراجع ولا يتوانى، ونقدها نقداً علمياً دقيقاً، وكان من الممكن لهذه المذاهب -  فيما لو تركت وشأنها ولم تجد من يتصدى لها - أن تقوض دعائم المجتمعات الإسلامية في عصره وتفسد قيمها الإيجابية. ليس هذا فقط، بل تورث الأجيال فن الجدل في تقويض القيمة على مر الأزمان؛ الأمر الذي آثار إعجاب الباحثين العرب والأوربيين، فكتبوا عنه أمتع الصفحات وأجملها وأخلدها على وجه الزمان؛ كتبوها بالإعجاب لمفكر عاش آراءه، وكانت حياته كما قلنا هى فكره، وفكره هو حياته، وكان لجمال أسلوبه وثراء لغته حماسة روحية لا تفارقهما. والشاهد على ذلك دوام هذه اللغة واستمرار وقعها على الشعور ونبضها بالإحساس وتحلقها في سماء الحقائق الروحيّة، لكأنك حين تقرأها اليوم وتعيش معها كأنك تقرأ لكاتب معاصر؛ لا لفظة نابية ولا عبارة معوجة ولا جملة ليست في موقعها ولا شيء مما ينبو عن طبع المستقيم وسليقة المتذوق الأصيل.

وترك من الآثار على قلوب الصادقين من العلماء الأصفياء والمفكرين الخلصاء، والمتصوفة وأهل الرأي والأدباء والفقهاء والمُفسِّرين والأصوليين، وكل من يحمل في رأسه فكرة مستنيرة عن الدين والحياة الروحية في الإسلام، ما لم يتركه أحدُ غيره يعمل بمثل عمله، ويعطي من نفسه، ويجود بما لم يكن من السهل الجود به إلا أن يكون صاحبه مخلصاً إلى أبعد حدود الإخلاص، صادقاً في معاملة الله على القصد إلى أبعد حدود الصدق، عارفاً بثمار الفكرة المهذبة في الوعي والعقل والسلوك والضمير.

هذان هما الفيلسوفان اللذان ضربت لك بهما مثلاً ليكونا أمامك صورة كاشفة تستحق أن تحتذى لتمثيل الفكر للممارسة العملية، وتمثيل القول النظري للتطبيق العملي، وتمثيل اللغة اللفظية للتحقق من صحتها روحياً ومعنوياً، واختبارها بالفعل على أرض الواقع، كيما تكون "ذات النفس" القائلة، هى هى "ذات النفس" الفاعلة، وقبل أن نغادر هذه الفقرة، يهمُّنا أن نذكر ممَّا تقدَّم من أمثلة بين سقراط والغزالي ملاحظتين.

الملاحظة الأولى: تطلعنا على أن أهم فعاليات الفلسفة هى نفسها أهم فعاليات الدين؛ فيما لو صحَّ ما ورد عن سقراط باعتباره ممثلاً هنا للفكر الفلسفي الخالص. هذا من حيث عمق المسألة لا من حيث ما ينظر إليها من جهة سطحها البرَّانيِّ، ولكن مع ذلك فلا يجوز للدين أن يتحول عن قضاياه كما تتحول الفلسفة عن قضاياها؛ لأن قضايا الدين ليست كقضايا الفلسفة منظوراً إليها من جهة المنهج لا من جهة الموضوع: قضايا الدين حيوية حسَّاسة، غاية في التأثير على الوجدان الديني، تمسُّ الشعور بمقدار ما تمسُّ العقيدة، وتفعل في أعماق الإنسان أفاعيل لا يفعلها العقل الفلسفي المجرد وحده: عقل التحليل والإدراك والمنطق الصارم.

يعتمد الدين منهجياً على يقين الوحي وركيزة الإيمان، وتعتمد الفلسفة معرفياً على العقل. وللعقل منهج هو الدليل يُعمله معرفياً في قضايا الفلسفة.

بيد أن هذا العقل، الذي هو بمثابة الدليل الهادي، يظل في الغالب مهما أوتى من حيل منطقية -  ما لم تسعفه البصيرة والإلهام - يدور حول ذاته؛ فيعجز عن استخلاص "القيمة" الحقيقية للوجود الإنساني في مسيره ومصيره.

ولكن مع ذلك؛ فجوهر الفلسفة هو جوهر الدين. وفي كثير من الموضوعات يختلط على العقل الفلسفي نفسه أمور تتشابه وتتلاقى بين الدين والفلسفة؛ فلم يعُدْ يفرق بدقة بين أهم فعاليات الفلسفة وأهم فعاليات الدين؛ خذ مثلاً مفردات فلسفية كالتأمل (Meditation)؛ الذي هو تفكير عميق في موضوع معين يحاول الإنسان بمقتضاه أن يستخرج جوانبه العامة، والاستغراق، والتركيز، والنظر إلى الأمور الكلية، والاستبصار، وأحادية الرؤية، والإرادة الجبارة، والعزيمة عن طريق التركيز الشديد، هذه مثلاً مفردات تؤكد أن أهم فعاليات الفلسفة هى نفسها أهم فعاليات الدين: نصف الدين صبر، والنصف الآخر شكر، كما جاء في الخبر المشهور. والإرادة الفاعلة تكمن في الصبر، الصبر على المكروه، وعلى المحبوب، وعلى الطاعات، وعلى المعاصي؛ لأنه بلا إرادة فاعلة لا يكون الدين ديناً، ولا تكون الفلسفة فلسفة. وبغير الإرادة والعزيمة ينهار الإنسان ويضيع، ثم إن الدين هو مُلْهم الفلسفة. أصلُ الفلسفة تأملات دينية، حِكم وشذرات وخاطرات دينية فَعّلَ العقل فيها طاقاته المعرفية كما هو واضح في الفكر الشرقي القديم، ولم يكن بالغريب على "هيجل"، الفيلسوف الألماني أن يقول:"إنّ الفلسفة هى دين العقل".

تلك كانت هى الملاحظة الأولى. أمّا الملاحظة الثانية: فتنصب على العمل العقلي التحليلي المسنود على الشعور الوجداني والذوق القلبي في  كشف القيمة في الواقع الفعلي، ونحن نستخدم كلمة العقل هنا، بأبسط معانيها، باعتباره وسيلة وليس غاية، وسيلة كاشفة تستنبط "القيمة" وتستخلصها، وليس بالمنهج المُوغِل في الإفراط العقلي لدرجة التقديس. وبمقتضى كشف القيمة واستخلاصها واستنباط دلالتها في الواقع الفعلي يمكن أن ينسحب هذا على تمثيل اللغة اللفظية للتحقق من مصداقيتها منظوراً إليها من جهة القيمة، ومدى ما تمثله اللفظة العربية من ثراء المضمون في قرارة الواقع وقرارة الآراء.

وإني لأعيدُ هنا ما كنت ذكرته من قبل لأقول مرة ثانية:"مَثِّلْ لنفسك كاتباً يقول، وحياته هى هى قوله لا يتعداه، ويكتب؛ وحياته هى هى فكره الذي يؤمن به ويخوضه عملاً في رحاب التجريب: ينظر ويحلل ويدون فيُبين، وكل هذا كله هو "ذات نفسه" منشورةً  من أعصابه ودمه وطواياه على الأوراق، لا ريب ذلك هو "الصدق" يتوخاه في التعبير، كما توخاه قبلاً في طريقة التكفير".

وأغلبُ أفكار المفكرين إذا هى لم تورث أعمالاً فباطلة، وإذا هى لم تغيِّر في حياة الناس فعاطلة، وما كانت من البطلان والتعطيل إلا لكونها مفتقرة إلى الصدق في القول والإخلاص في التفكير حين يجيء التفكير عملاً غالباً لأهل الفكرة. وفقرها في هاتين الصفتين؛ لهو بالحقيقة ذلك "الفقر الذاتي" إزاء الشعور الدائم بالعجز عن إصلاح النفس وتغيير بواطن السريرة من الضعف إلى القوة، ومن المرض إلى الصحة، ومن الآفات والرذائل إلى المزايا والفضائل؛ ثم أخيراً من ضياع الهوية في العلم والمعرفة والثقافة إلى استردادها مع القيم الحضارية العليا. ذلك العجز الذي تتولاه طبيعة الضعف في كل نفس ضعيفة طبعت صاحبها بطبائع الاعوجاج.

*     *     *

وأنت ترى في كل هذا الذي تقدَّم صلةً قريبةً موصولة بقيم عامة لا تستثنى منها قيم اللغة، بل تتضمنها وتشملها، وإنْ كانت لم تصرح بها، ولكنها تحتملها على وجه التضمين والشمول؛ فكل الذي سبقت إليه الإشارة له وطيد العلاقة باللغة فيما لو رحنا نلتمس منها "القيم"، وأخذنا على عاتقنا تأصيلها في الضمائر وتمكينها في القلوب، وعلقنا الدلالة هنا على العلاقة بين اللغة وقِيَمَها؛ لتوافق العلاقة بين المرء وقلبه، أو العلاقة بين المرء وضميره، أو العلاقة بين المرء وقلمه، أو العلاقة بين المرء وفكره، أو العلاقة بين المرء ولسانه؛ فلا ريب تتقدَّم اللغة بتقدم هذه العلاقة وتتأخر بتأخرها؛ لأنها علاقة الإنسان بقيَمه، وعلاقته بوجوده الروحي الخالد الباقي الممتد، دون الوجود المادي الزائل الفاني. (وللحديث بقيَّة).

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

إن اللغة مجتمع قائم بذاته، ومنظومة فكرية قادرة على المُوازنة بين التصريح والتلميح، والمُواءمة بين الإشارة والرمز، وتوليد الأفكار الغامضة، وصناعة المشاعر العميقة. وهذه التراكيب مُجتمعة تَدفع باتجاه إعادة تعريف الفِعل الاجتماعية في ضوء اللغة باعتبارها قُوَّةً اجتماعية، وركيزة نفسية، لأن الفِعل الاجتماعي هو ابن اللغة الشرعي، الذي يَرِثُ أدواتها الرمزية والواقعية. والإشكاليةُ المركزية في حياة الأفراد والجماعات، تكمن في تفسير الفِعل الاجتماعي كأداء ميكانيكي، مُجرَّد مِن رمزيته السِّرية وخَلفيته الغامضة. وهذا وهم قاتل، نتج عن فكرة ساذجة مُفادها أن الإنسان مُجرَّد كائن يأكل ويشرب ويتكاثر ويموت. وهذه السطحية في التفكير أدَّت إلى سُوء تأويل الفِعل الاجتماعي. مِمَّا انعكسَ سلبًا على حركة الأفكار والمشاعر في أحلامِ الفرد، وآمالِ الجماعة، وطموحاتِ المجتمع. وللخروج من هذا المأزق الصادم، ينبغي إحداث ثورة في فهم طبيعة الأفكار الغامضة التي تسيطر على الفرد، وتدفعه إلى اتخاذ قرارات مُعيَّنة دُون غيرها. والفردُ لا يتحرَّك بحثًا عن الطعام والشراب فقط. إن هناك منظومة رمزية شديدة التعقيد تتكرَّس كمنهج إنساني حياتي، وتتحكَّم بأفعال الفرد وعواطفه وقراراته . وهذه المنظومة مُتشابكة مع أحلام الطفولة، ومُتماهية مع تحديات الواقع المُعاش، ومترابطة مع الخوف من المستقبل .

2

هناك خلط بين النَّواة الاجتماعية البدائية الأوَّلِيَّة، والفكرِ المُتخلِّف الساذج . وسبب الخلط هو اعتقاد الكثيرين أن البدائية والتخلف وجهان لعُملة واحدة . وهذا الرؤية المُضلِّلة قائمة على اعتبار الزمن هو الحاكم المُسيطر على الأفكار والمشاعر والبُنى الاجتماعية . وفي واقع الأمر، إن علاقة الزمن محصورة في المجالات المادية التقنية فقط. فعلى سبيل المثال، كان الإنسانُ قديمًا يَستخدم الحمارَ كوسيلة نقل، أمَّا الآن فيستخدم السيارةَ. إن السيارة وسيلة نقل مُتقدِّمة مُقارنةً مع الحمار،ولكن هذا لا يستلزم أن يكون راكب السيارة أكثر تقدُّمًا ورُقِيًّا من راكب الحمار. وهذا المَثَل الذي يبدو بسيطًا، يُشير بوضوح إلى أن حركة الزمن تؤثِّر في الأدوات والتقنيات والتكنولوجيا، ولكنها لا تؤثِّر في تكوين الإنسان الروحي والفكري، لأن تكوين الإنسان قائم على الخبرات المُتراكمة الناتجة عن البيئة والمجتمع وأفكار الآخرين وسلوكياتهم . ومفهومُ الأوَّلِيَّة مُرتبط بالعفوية وبداية التكوين، والتأسيس لنقطة الانطلاق نحو المستقبل، أمَّا مفهوم التخلُّف فمرتبط بالانتكاسة والانهيار والرجوع إلى الوراء . ولا يمكن تكوين حضارة إلا بوجود نواة بدائية، تكون بمثابة الجنين الذي يسعى إلى اكتشاف الحياة . ولا يمكن تكون مدنية إلا بوجود نُقطة أولية تكون بمثابة الركيزة التي يتم الوقوف عليها من أجل الانطلاق إلى الأمام .

3

الزمنُ المُجرَّد المحصور في الحركة الميكانيكية لعقارب الساعة، ليس له أيَّة أهمية، ولا يَعني شيئًا . وأهميةُ الزمن تنبع من الإنجازات البشرية في تاريخ الحضارة . وهذا يعني أن الزمن تابع لمركزية الإنسان في الوجود، وإسهاماته في إعمار الأرض معنويًّا وماديًّا . كما أن العِلْم المُجرَّد المحصور في الكتب، ليس له أيَّة أهمية، ولا فائدة مِنه . وإنما العِبرة كامنة في العمل بالعِلْم النافع، وتطبيقه على أرض الواقع لتغييره إلى الأفضل. وإذا أردنا إنشاءَ حراك اجتماعي إيجابي وفعَّال في المجتمع، فلا بُد من توظيف الزمن لخدمة العِلْم، وتوظيف العِلْم لتحسين الواقع . وضمن هذه المنظومة، يُصبح للزمن ماهية اعتبارية، ويُصبح للعِلْم وظيفة اجتماعية، فتتحوَّل القواعدُ الاجتماعية الجامدة إلى تيار حيوي وحركة تصحيح، وتعود الأشياءُ التي ماتت في الإنسان إلى الحياة، ويعود الإنسانُ إلى اكتشاف شخصيته ومعنى وجوده .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

محمود محمد عليفي هذا المقال الخامس والأخير ننتقل إلي معالجة السيرافي لمبحث العلة حيث يتضح البعد المنطقي من معالجته له، ومن التعليلات التي يبدو فيها أثر الاستعانة بالمفاهيم المنطقية - وبخاصة مفهوم "الجنس" في الحد المنطقي – تعليل السيرافي لوقوع "كم" موقع "رب" وهما نقيضان. يقول السيرافي: "فإن قال قائل: ولم جعلتم (كم) محل (رب) واقعة موقعها، وقد زعمتم أنهما نقيضان، فالجواب في ذلك أن كل جنس فيه قليل وكثير لا يخلو جنس من ذلك، فالجنس يشمل القليل والكثير، ويحيط بهما، ويقعان تحته، فليس يخرج أحدهما كثرته من جنس الآخر، لأنهما معاً يقعان تحت كل جنس، ولأن الكثير مركب من القليل، والقليل بعض الكثير". فبعد أن كان سيبويه يكتفي في تعليل مثل هذه الظواهر بقوله "العرب تجري الشيء مجرى نقيضه" نجد السيرافي يحلل هذه الفكرة على ضوء معرفته المنطقية. فالنقيضان يجمعهما الجنس الأعم، وإن تناقضا من حيث هما "فصلان" تحت هذا الجنس.

كذلك من التعليلات التي تبدو فيها الأفكار المنطقية تعليله لعدم وقوع ظروف الزمان أخبارا للجثث [=أسماء الذوات]. يقول السيرافي "واعلم أن ظروف الزمان تكون أخباراً للمصادر، ولا تكون أخبارا للجثث، وظروف المكان تكون أخباراً للمصادر والجثث. وإنما كانت ظروف المكان أخبارا لهما لأن الجثة الموجودة قد تكون في بعضها (أي في بعض الأماكن) دون بعض مع وجودها (أي الأماكن) كلها، ألا ترى أنك إذا قلت: (زيد خلفك)، فقدعلم أنه ليس قدامه، ولا تحته، ولا فوقه، ولا يمينه، ولا يسرته، مع وجود هذه الأماكن؟ ففي إفراد الجثة بمكان فائدة معقولة. فأما ظروف الزمان فإنما يوجد منها شيء بعد شيء، ووقت بعد وقت، وما وجد منها فليس شيء من الموجودات أولى به من شيء. ولو قلنا (زيد الساعة) أو (زيد يوم الجمعة) لكنا قد جعلنا لزيد في يوم الجمعة حالاً ليست لعمرو، وليس الأمر كذلك؛ لأن زيدا وعمرا وسائر الموجودات متساويات في الوصف بالوجود في يوم الجمعة".

وهنا تكشف لنا تعليلات السيرافي التي ذكرناها حتى الآن تكشف عن تأثر العلة عنده بطرق الاستدلال المنطقي تارة، وبعناصر نظرية الحد المنطقي تارة أخرى، وبالطبيعيات الأرسطية والرواقية تارة ثالثة .

وثمة نقطة اخري جديرة بالإشارة، وهي اهتمام السيرافي بمنهج الجدل ؛ حيث استطاع السيرافي من خلال هذا المنهج أن يقيم شكلاً من الاستدلال النحوي، يستقصي كل الفروض الممكنة حول المسألة التي يتناولها. لقد انعكست في هذا الاستدلال بوضوح تلك الحركة الذاتية الخالصة للعقل إلى الحد الذي وصل بها، لا إلى بحث لغة الاستعمال العربي، بل إلى بحث لغة واضعي قواعد هذا الاستعمال أيضاً. ولعل فكرة "الشرح" نفسها - أي شرح لغة سيبويه - خير دليل على ذلك.

ولقد كان من الطبيعي - في إطار هذا الاستدلال - أن تتعدد البراهين بكل ما يمكن أن يثمره الجهد التحليلي لأي مسألة يعرض لها السيرافي.: "فإن سأل سائل فقال: ما الدليل على أن الأفعال مأخوذة من المصادر؟ قيل له: في ذلك ثلاثة أوجه …"، و "إن سأل فقال: لم لم يكن في الأفعال المضارعة جر فإن في ذلك أجوبة منها …" . وتصل هذه الأجوبة إلى خمسة وجوه. "، و"إن قال قائل: فلم دخلت النون في تثنية ذا، فإن في ذلك جوابين "، وهكذا.

لقد كان السيرافي يعتقد أن المعرفة النحوية يمكن أن تنتقل من ذهن المعلم إلى ذهن التلميذ عن طريق هذا المنهج الاستدلالي الجدلي. فالجدل - كما قال المناطقة هو "الارتياض والتخرج في وجود قياس كل واحد من المتناقضين" . وإذا كنا قد رأينا السيرافي يأتي بخمسة عشر وجهاً لجملة سيبويه "هذا باب علم ما الكلم من العربية" فإننا نقابل ذلك - على الفور - بما يروى عن يحيى بن عدى المنطقي من أنه "استخرج من قول القائل": "القائم غير القاعد" وجوهاً تزيد عن عشرين ألفاً بالآلاف ورسالته في ذلك حاضرة" . ومهما يكن من أمر الحقيقة في هذا القول، فإننا نأخذ منه دلالته العامة، وهي أن هذا القرن قد شهد صورة من التحليل اللغوي غاية في الإسراف.

وتحتل صورة القياس الشرطي مكانا واضحا في هذا المنهج الاستدلالي عند السيرافي. ولنوضح ذلك من خلال النموذج التالي: يقول السيرافي: "فإن سأل سائل فقال: ما الدليل على أن الأفعال مأخوذة من المصادر؟. قيل له: في ذلك ثلاثة أوجه، أولها: أن الفعل دال على مصدر وزمان، والمصدر يدل على نفسه فقط. وقد علمنا أن المصدر أحد الشيئين اللذين دل عليهما الفعل. وقد صح في الترتيب أن الواحد قبل الاثنين، فقد صح أن المصدر قبل الفعل لأنه أحد الشيئين اللذين دل عليهما الفعل" . وليس من العسير وضع هذه العبارة في صورة قياس شرطي متصل على النحو التالي:

- إذا كان الفعل دالا على مصدر وزمان،

- فإن المصدر يدل على نفسه فقط، وقد صح في الترتيب أن الواحد قبل الاثنين.

- إذن فالمصدر قبل الفعل.

رابعًا- أبو علي الفارسي:

كان أبو علي الفارسي من المهتمين بالمنطق، حيث كان المنطق في كتاب الحجة في علل القراءات السبع أكثر ظهورا منه في أي كتاب آخر، وذلك أن الغرض من الحجة التدليل والتعليل، ثم كان لا بد له أن يقيس أوجه القراءات المختلفة، ويخرجها علي ما يشبهها من الأصول المقرؤة، أو المسموع من كلام العرب، ومكن لأبي علي في المنطق أنه حنفي، ثم هو معتزلي، والمعتزلي جدلي، ولعله اقتفي أثر شيخه أبي بكر بن السراج الذي درس المنطق، إلي أن البيئة العامة كانت بيئة جدلية فلسفية يستعان فيها بالمنطق ومسائله علي مقارعة الحجة . وتكثر الألفاظ المنطقية في كتاب الحجة: كالاستدلال، والنظر، والأدلة، والدلالة، والوجه، والحد، والحجة، والقسمة، والغلط، والقياس، والعلة، ومعني الجنس، وخلاف الخصوص، وأشبه الوجوه .... كما تتجلي المنطقية – أيضا- في القسمة العقلية، فتراه يورد الأوجه المحتملة، ثم يصححها جميعا، أو يبطلها إلا واحدة يتعلق بها الحكم، فيصححها.

ومن مظاهر النزعة المنطقية للفارسي، في كتابه الحجة تعمقه في القياس المنطقي، ومحاولة تطبيقه علي الدرس النحوي، فهو يقايس حتي لا يكاد يخلو احتجاج لآية من قياس – ويسلك في قياسه سبيل المناطقة في التدليل والتعليل، واكتفي بمظاهر ثلاثة تشرح سلوكه في تعمق القياس:

1- قضايا من الشكل الأول: فتراه أحيانا يصوغ الدليل في صورة قضية منطقية ذات مقدمات ونتيجة، واقرأ معي ذلك الكلام تجده يسير فيه سيرا منطقيا يؤلف قضية من الشكل الأول: قال: وأما قولنا في وصف القديم (سبحانه)، فإنه يحتمل تأويلين، وبعد أن ذكر أحدهما قال: والآخر أن يكون معناه المصدق، أي المصدق الموحدين له علي توحيدهم إياه، يدل على ذلك قوله " شهد الله أنه لا إله إلا هو " . ألا ترى أن الشاهد مصدق لما يشهد، كما أنه مصدق من يشهد له، فإذا شهد سبحانه بالتوحيد فقد صدَق الموحدين .

ويؤلف هذا الكلام قياسا من الشكل الأول ويمكن وضعه على الصورة الآتية، صغرى، وكبرى، ونتيجة الصغرى: الله شاهد بالتوحيد في قوله تعالي " شهد الله أنه لا إله إلا هو " . الكبرى: وكل شاهد مصدق لما يشهده به (أي التوحيد ). الصغري، كما أنه مصدق من يشهد (أي الموحدين). النتيجة: فالله مصدق للتوحيد، والموحدين . واقرأ تدليله علي المشابهة المعتبرة بين الهاء، والياء، مشابهتهما الألف تجده كذلك قياساً من الشكل الأول.

2- القياس الاستثنائي الانفصالي: وأبو علي الفارسي مغرم بذلك القياس، يقدمه للتدليل على كثير من المسائل، فمثلا العامل في حيث من قوله تعالي:" الله أعلم حيث يجعل رسالته" لا يخلو من أن يكون أعلم هذه المذكورة أو غيرها، وأن عمل أعلم فلا يخلو من أن يكون ظرفاً أو غير ظرف، فلا يجوز أن يكون العامل فيه أعلم هذه ودلل، ثم انتهى من ذلك إلى أن العامل في حيث فعل يدل عليه أعلم .

3- وهناك ما يشبه القياس الاقتراني المضمر الحملي: وذلك قوله: وقول (موسى عليه السلام) أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين في جواب " أتتخذنا هزوا " يدل على أن الهازي جاهل . وقوله تعالي:" وعلى أبصارهم غشاوة" في المعنى مثل " صم بكم عمي "، وكذلك قوله تعالي " صم وبكم في الظلمات، لأن وصف البصر بالكون في الظلمات بمنزلة الوصف بالعمى، وكذلك وصفه يكون الغشاوة عليه، لأنه في هذه الأحوال كلها لا يصح له إبصار .

أما في الكتابات الأخرى لأبي علي الفارسي فنجده يهاجم الحدود المنطقية والآخذين بها من النحاة. ومن أجل ذلك كله حاول الفارسي أن يقيم الحدود النحوية على أساس بعيد عن فكرة الحد الجامع المانع الذي يبدأ من الأعم فالأخص. كما أنه حاول أن يستعين ـ كما استعان المعتزلة ـ بالنظريات المنطقية الأخرى، وبخاصة نظرية "الرسم" الرواقية.

كان أبو علي الفارسي يدرك الفارق بين ما هو من أوضاع النحو وما ليس منها. فهو يجيب عن سؤال: لم صار الظرف المخصوص بالزمان أكثر من الظرف المخصوص بالمكان؟ فيقول: "ليس هذا من أوضاع النحو. النحو في هذا أن تعرف أن الظرف ظرفان: ظرف زمان وظرف مكان، وتحصي أسماء هذا، وتميزها من أسماء هذا، وتقف على هذه المواضع المخصوصة بهما، والإعراب اللازم لهما وبهما".

والنص واضح الدلالة على منهج الفارسي في حدوده النحوية. فهو يدرك أن السؤال سيرمي به إلى طريق آخر، هو طريق التعريفات المنطقية والفلسفية، ومن ثم فهو يرى أن وظيفة النحوي ـ هنا ـ هي تمييز أسماء ظروف الزمان من ظروف المكان، وحصر مواضع كل منها وعلاماتها.

ولنشرع الآن في بيان تعريفات الفارسي لأنواع الكلم الثلاثة: الاسم والفعل والحرف.

يعرف الفارسي "الاسم" على النحو التالي "فما جاز الإخبار عنه من هذه الكلم فهو اسم... والاسم الدال على معنى غير عين نحو العلم والجهل ـ في هذا الاعتبار ـ كالاسم الدال على عين" .

ويعرف الفارسي الفعل بقوله: "وأما الفعل فما كان مسندا إلى شيء، ولم يستند إليه شيء". ولقد ذكرت ـ عند الحديث عن التعريف عند الزجاجي ـ أن مقولتي: المسند والمسند إليه هما أنفسهما مقولتا: الخبر والمخبر عنه. ومعنى ذلك أن تعريف الفعل عند الفارسي مؤداه أنه "ما جاز أن يكون خبرا، ولا يكون مخبرا عنه". ومن ثم فهو يفرق بين الاسم، والفعل على أساس "الخاصية المميزة" لكل منهما فيقول "فالاسم في باب الإسناد إليه، والحديث عنه أعم من الفعل؛ لأن الاسم كما يجوز أن يكون مخبرا عنه، فقد يجوز أن يكون خبرا... والفعل في باب الإخبار أخص من الاسم؛ لأنه إنما يكون أبدا مسندا إلى غيره، ولا يسند غيره إليه"

ثم يقسم الفارسي الفعل بانقسام الزمان، ولا يشير إلى فكرة الدلالة على الزمان بالبنية اللفظية للفعل في هذا الموضع، وإنما يكتفي بذكر الأمثلة. ولكنه سيشير إلى هذه الفكرة فيما بعد عند حديثه عن المفعول فيه ؛ حيث يقول "ألا ترى أنه إذا قال: ضرب أو يضرب، علم الزمان من صيغة الفعل ولفظه".

وفي تعريفه للحرف يقول الفارسي "والحرف ما جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل". وإذا كان من قواعد التعريف المنطقي القديم أنه "لا يجوز أن يكون التعريف في ألفاظ معدولة (أي سالبة)"، فإن من الواضح أن هذا التعريف لـ"الحرف" يمثل خروجا على هذه القاعدة ارتضاه الفارسي ـ هنا ـ كما ارتضاه في تعريفه "البناء" بقوله "البناء خلاف الإعراب"، وفي تعريفه للاستثناء المنقطع بقوله: "الاستثناء المنقطع أن لا يكون المستثنى من جنس المستثنى منه". ولعل ذلك يمثل جانبا آخر من جوانب خروج الفارسي على نظرية الحد المنطقية الأرسطية.

ومن كل ما سبق نستطيع القول إن مقاومة الفارسي للمنطق الأرسطي بدت واضحة في مبحث الحد النحوي، ولكنها تراجعت تماما في مبحث العلة النحوية. ونستطيع أن نجد لدى الفارسي صور العلة الثلاث كما وضعها الزجاجي: التعليمية، والقياسية، والجدلية. وكما ذكرنا – من قبل – فإن العلة الأولى والثانية تعتمدان على مبدأ التمثيل الفقهي، أو قياس الظواهر لعلة الشبه. وهذا ما يؤكده قول الفارسي "ألا ترى أن الشيء، إذا أشبه في كلامهم شيئا من وجهين، فقد تجرى عليه أيضا أشياء من أحكامه".

وأهم ما يلاحظ في التعليلات القياسية عند الفارسي، هو أنه قد اتجه بها اتجاها صوريا واضحا، بحيث أجاز قياس ما لم تتكلم به العرب، على ما تكلمت به اعتمادا على الاتفاق الشكلي بين المقيس والمقيس عليه. وما يرويه تلميذه ابن جني عنه يوضح ذلك: "قال أبو على الفارسي: لو شاء شاعر، أو ساجع، أو متسع، أن يبني بإلحاق اللام اسماً، وفعلاً، وصفة لجاز له، ولكان ذلك من كلام العرب؛ وذلك نحو (خرجج أكرم من دخلل)، و(ضربب زيد عمرا)، و(مررت برجل ضربب وكرمم) ونحو ذلك. قلت له: أترتجل اللغة ارتجالا ؟ قال: ليس بارتجال، لكنه مقيس على كلامهم فهو إذًا من كلامهم ... ألا ترى أنك تقول (طاب الخشكنانُ) فتجعله من كلام العرب، وإن لم تكن العرب تكلمت به، فبرفعك إياه كرفعها ما صار لذلك محمولا على كلامها ومنسوبا إلى لغتها".

وإذا كان الفارسي قد ابتعد عن الحدود المنطقية الجامعة المانعة، فإنه توسع في استغلال معطيات الاستدلال المنطقي توسعا ظاهرا، بل لاقت نظرية الاستدلال عنده فهما وتقديرا واضحين. ويتضح ذلك في تفريقه بين العلم واليقين – وهو الذي آمن بالفروق اللغوية - عندما قال: "فكل يقين علم، وليس كل علم يقينا، وذلك أن اليقين كأنه علم يحصل بعد استدلال ونظر، لغموض المعلوم المنظور فيه، أو لإشكال ذلك على الناظر … ولذلك لم يجز أن يوصف القدير سبحانه وتعالى به، فليس كل علم يقينا، لأن من المعلومات ما يعلم من غير أن يعترض فيه توقف أو موضع نظر، نحو ما يعلم ببدائه العقول والحواس".

وهذه التفرقة بين العلم اليقيني القائم على الاستدلال والنظر والبرهان، والعلم الفطري الذي يعتمد على قوانين الفكر الأساسية، وعلى معرفة الحواس، أقول: هذه التفرقة ترجع - في جوهرها - إلى أرسطو . ولكن ما يهمنا هنا - هو إدراك الفارسي لأهمية العلم الأول، ولذلك فهو يقول "وعند التباس الأمر وإشكاله يفزع إلى النظر ويرجع إلى الدليل"، كما أنه يرى أن الاستدلال هو "الفاصل بين الحق والباطل" . وكل ذلك يذكرنا بما كان يراه المناطقة من أهمية الاستدلال، واعتباره الطريق الموصل إلى اليقين.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

العقل مسار معرفة الشريعة، والقلب مسار معرفة الطريقة، والطريقة تقودنا إلى الحقيقة، ولا تتم الطريقة إلا بالشريعة، ولا تتم الحقيقة إلا بالطريقة، فرسم مسارات التعرف على الشريعة يضيق من دوائر الوهم وانحراف العقل، ولكنه لا يكبل العقل ضمن هذه المسارات بل يرسم له الطريق للسير والانطلاق نحو القلق والشك الإيجابي، اللذان يبعثان على البحث الدائم عن أقرب صياغات للشريعة وأقرب مسارات للطريقة التي توصلنا لأقرب نقاط من الحقيقة.

ولعل أهم ثابت لدينا ومسلمة يقينية هي حاجة الإنسان للدين والتدين، وتدين الإنسان فطري المرتكز، إلا أن تجليات هذا التدين وهذا الدين هي محل قراءات كثيرة في عصرنا، تمايزت هذه القراءات بين الافراط والتفريط وبين التعصب والتساهل، ولم يجد الخطاب الديني المعتدل له محلا في صياغات العقل الجماهيري، الذي استطاع الاعلام أن يرسم له خيارات مسبقة ويصنع له قناعات متطرفة تصب في الهدف الاستراتيجي للسياسات العالمية المهيمنة على العقل البشري وساحة الفعل لديه.

بل كان أيضا لكثير من الخطابات الدينية دورا فاعلا في إعادة إحياء نزعات كثيرة، هي مصاديق للتعصب الذي حذرت منه كثير من الروايات الواردة بعدة طرق معتبرة لدى الفريقين، بل التعصب منبوذ عقلا لدى كل الأديان.

لا ننكر أن الممارسات التاريخية للسلطات السياسية المتعاقبة عبر التاريخ سواء لدى المسلمين، أو الديانات الأخرى مارست دورا فاعلا في إذكاء حالة التطرف من خلال التمييز والإقصاء الذي مارسته ضد المختلف معها عقديا أو سياسيا.

حيث تحالفت كثير من هذه الأنظمة عبر التاريخ مع السلطة الدينية كي تشرعن ممارستها فتحظى بالتفاف شعبي، إذ كرست مقولة " الناس على دين ملوكهم "، هذا الاقصاء والتمييز يخلق ردات فعل لدى المستهدفين تتمايز بين الشدة والضعف، ولكن يغلب على معظمها طابع التعصب والانفعال وينمي حالة الانتقام بل يعمق حالة الانكفاء على الذات لدى المُستَهدَفين ويعمق الهوة بين أبناء الأرض الواحدة، لتصبح الطائفة والمذهب والقبيلة هي المأوى وليس الدولة والقانون والشرعية الالهية كما هي، وليست  صياغات تخدم السلطان وتدعم نفوذه وتشرعن وجوده وآليات حكمه.

ولكن هل سنبقى أسرى التاريخ ونستحضر الماضي لتشويه الحاضر وهدم المستقبل؟ أم علينا الاعتبار من التاريخ وتحويل الثغرات والسلبيات إلى محطات إيجابية، نعتبر منها ونعالجها لتصنع حاضرا مختلفا يناسب لحظة الراهن، ويحاول قراءة ذلك التاريخ بأدوات العصر العقلية والمعرفية، ليتجاوز الماضي بتفاعلات الحاضر الراهن ويتجاوز من الانفعال إلى الفعل والانجاز والتقدم؟

إن أحد أهم إشكاليات الخطاب الديني الراهن هي إشكالية الفرقة الناجية التي تستبطن مفردة امتلاك الحقيقة، حيث تعد من الإشكاليات العوائقية الواقعية الموغلة في بناء الحواجز النفسية قبل الدينية، إذ مجرد ادعاء امتلاك الحقيقة يفضي في الذهنية العامة ادعاء كون ممتلكها مصداق للفرقة الناجية، وهو ما يبني تراكميا حواجزا نفسية مع المختلف، ويغلق آفاق الانفتاح عليه والتعايش معه بل والاستفادة من تجربته المعرفية والفكرية، والتي دعت لها الآية الكريمة " وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم " .

ومن هنا يكون المنطلق من تفكيك الخطاب والبنية الفكرية، ومعالجة أوجه الخلل وفق معطيات الراهن وإشكاليات الحاضر، وحاجة الإنسان كفرد وحاجة الأمة كمجتمعات في إعادة فهم النصوص الدينية وإعادة بناء خطاب ناضج وقادر على تلبية حاجة الإنسان والدول في الاستقرار الاجتماعي والأمن في بنية العقل العربي والإسلامي.

فمعالجة جذور المشكلة تكون في ٣ اتجاهات رئيسية :

- الخطاب الديني وإعادة رسم معالم الشريعة وفق أدوات العقل العصري الراهن.

السؤال الذي يتبادر للذهن هو: هل واقعا بتنا بحاجة لتفكيك الخطاب الديني وبنيته الداخل دينية والخارج دينية،

وإعادة بناء خطاب لا يتنازل عن ثوابته وكلياته، ولكنه يدخل للمناطق المرنة في الشريعة ويعيد قراءة النص بعقلية الحاضر، والعمل على المواءمة بين الثابت والمتغير والحفاظ على أصالة الاسلام وخلوده؟

ومن المعني واقعا بعمل ضخم كهذا في مراجعة التراث وإعادة قراءته وتصفيته من كل ما من شأنه مخالفة صريح القرآن وكلياته؟ هل المؤسسات الدينية فقط أو هي والنخب من المثقفين والمفكرين والأكادميين المتخصصين في العلوم الإنسانية المختلفة؟ وهل لهذه العلوم مدخلية في هذا العمل التفكيكي؟

باتت الحاجة في حاضرنا لهذا التفكيك ملحة حيث أصبحنا موغلين في التطرف والتخندق ضد بعضنا البعض، وباتت الخطابات الدينية تعمق الهوة بين أفراد البشر متكأة على العصبيات المذهبية والطائفية، بل حولتها لسلاح في دعم مساراتها السياسية ورغباتها في السلطة، بعد أن تحولت المعرفة لمعتقل في سجن عالم السياسة وباتت السياسة هي التي ترسم آفاقنا المعرفية إن صح التعبير، بدل أن تكون المعرفة هي المنتج لكل الفوقيات وبدل أن تشكل هي القاعدة لذلك .

وأهمية هذا التفكيك تكمن في سلطة الخطاب الديني على الانسان، كونه مفطور على التدين وسلطة الفقيه أو رجل الدين في لاوعيه، فالتفكيك هو المرحلة الأولى في إعادة صياغة خطاب ديني تعايشي وتسامحي ولكن ليس تساهلي، يحدد الخطوط العامة والخاصة ويضع نقاط كالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على حروف مقتضيات الزمان والمكان كي تتضح الصورة بشكل أكثر تجليا مع معطيات راهننا .

بالتأكيد أن كل سؤال من الأسئلة المطروحة هو بذاته يحتاج بحث تفكيكي مفصل ومنهجي وعلمي وموضوعي لنخلص إلى تصور يكون الأقرب للواقع والحقيقة .

إن التركيز على معياري خير قوم وشر القوم هو تركيز على معياري الخيرية والشرية، وليس معيار القوم وإعادة بناء المفاهيم وفق هذين المعيارين اللذان ذكرا في الحديث الذي عرّف خلاله رسول الله صلى الله عليه وآله التعصب،وألمح بل أشار إلى أن التعصب هو أن ترى شرار قومك خير من خيار قوم آخرين، قد يفسح المجال أمام العقل ويفتح آفاق كبيرة تؤسس لمنظومة إسلامية معيارية اجتماعية قادرة على تذويب الحواجز بين أطياف المجتمع، وإعادة التآلف الداعم للاستقرار وتحقيق الأمان للمجتمع.

الاتجاه الثاني في معالجة جذور المشكلة:

- إعادة إنقاذ النزعة الإنسانية للدين

وهو ما يدعو لإعادة النظر في رؤية الدين كمجموعة قوانين حازمة ومتجردة يكون الإنسان في خدمتها، لتتحول إلى قوانين فيها روح هدفها تحقيق مقاصد كبرى تكون في خدمة الإنسان وتكون العلاقة بينها وبين الانسان علاقة تبادلية، فالدين جاء للحياة الدنيا فهي المزرعة وفيها يزرع الثمر والآخرة حصاد، لذلك إعادة قراءة الدين وفق هذا المعطى الذي يضع الانسان نصب عينيه ويضع إنسانيته حاضرة وتحقيق العدالة كمقصد وكقيمة جوهرية تتحقق من خلالها كرامة هذا الانسان، قد يقدم حلا تصالحيا مع الدين وليس تنازعيا وتصادميا معه.

وأيضا نطرح تساؤلا : من هو المعني بذلك واقعا؟ وما هي الآليات التي تحقق هذا الهدف؟

- الاعلام وأعادة إنتاج خطاباته ومنهجياته على ضوء ما سبق، ليتخلص من كل رواسب التعصب باسم الدين والدفاع عن الله .

ويأتي الاعلام كخطوة لاحقة لما سبق، لما له من دور محوري في الترويج لهذا المشروع التصالحي مع الدين، إذ بات هو وسيلة قوية في صناعة وعي الناس وإعادة صياغة أولوياتهم ومفاهيمهم ورغباتهم، بل في تحريكهم وتثويرهم وفق الوجهة القائمة على هذه الوسائل الاعلامية، بالطبع هذه الخطوة تحتاج أيضا مقدمات متعلقة بأصحاب المشروع الاعلامي، الذين يحتاجون الى عدة مقومات للقيام بهكذا مشروع

أهمها :

 - الاكتفاء الذاتي اقتصاديا ومعرفيا وحضور الهدف الرباني.

- الاكتفاء يتولد عنه الاستقلال وعدم الانتماء، وهما مطلبان لخلق ذهنية مستقلة موضوعية ومنهجية قادرة على صياغة خطاب معتدل غير متطرف .

 - الاستمرار والثبات وكسب ثقة الجمهور، وهو ما يتطلب القدرة الفنية والتخصص والاطلاع على كل تطورات عالم الاعلام التقني والنظري والمفاهيمي، واستخراج النظريات الاعلامية من خلال قراءة النص الديني قراءة موضوعية، يستقرئ الواقع الإعلامي ويعرضه على النص الديني ليستخرج من بطون النصوص النظرية الاسلامية في الاعلام .

- القدرة على الانتشار، وهو ما يتطلب عالمية منهجية وخطابية قادرة على مخاطبة كل الجماهير وليس جمهور طائفي أو مذهبي، يتناسب هذا الخطاب مع عالمية الاسلام وينطلق من مبدأ "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"

فالحضور الفاعل لتيار الوعي في عمق التجربة الدينية، ومحاولته مراكمة الجهود والأفكار والمعارف، وإكمال مسيرتها وليس الذوبان فيها أو التحليق حولها، قد يهز جدار الصمت في الخطابات المذهبية والطائفية، ويعيد الرشد للنزعة الإنسانية في الدين، ليرسم مسارات إعلامية عالمية قادرة على الجذب ومانعة للصد، وقادرة على إزالة الموانع أمام وظيفتها في هداية الناس ليس بالسيف ومنطق القوة، وإنما بسلاح الكلمة والعقل وقوة المنطق.

 

إيمان شمس الدين

 

عبد السلام فاروقإصلاح الإعلام.. تساؤلات ومخاوف ومآلات

الإعلام الغربي يشهد اليوم تغيراً نوعياً هائلاً لا نكاد نستشعره أو نهتم به.

عشرات الكتب والإصدارات والتقارير والأبحاث تتحدث عن مآلات الإعلام فى ظل التحولات الهائلة فى مدارات الحوكمة والتواصل والتقنية وأذواق الجماهير التى تتغير الآن كل ساعة لا كل عام !

تساؤلات ومخاوف حول مدى تأثير ثقافة الإنترنت والفضائيات على استقرار سوق الصحافة المقروءة والإعلام الورقى. تساؤلات تتهامس فى قلق: هل يودع العالم عصر المطبوعات باهظة التكلفة ليستقبل عصر المرئيات والتقنيات والمكتبات الرقمية شبه المجانية ؟ والجواب يتأرجح بين طرفى نقيض، أحدهما شديد التفاؤل بأن التطور لن يلغى القديم وأن الكتاب والجريدة باقيان. والآخر يؤكد أن الموجة كاسحة ولا مفر من الانقياد مع تيار التقدم التقنى الجارف أو البقاء فى عتمة الجب حتى الفناء الحتمى أو الانقراض!

لديهم إحصائيات مقلقة تدعوهم لمثل هذا التساؤل، منها أن جمهور الصحافة المقروءة فى أمريكا يتناقص باستمرار وباطراد مخيف، ففى حين كانت نسبة قراء الصحف تبلغ 78% من الشعب الأمريكي فى عام 1970، تقلصت النسبة إلى 40% فى عام 1994، ثم إلى 34% فى عام 2006. وما زالت تتناقص لدرجة أن بعض الصحف الكبري فى أمريكا وأوروبا أوقفت إصداراتها المطبوعة عديمة الجدوى اقتصادياً مكتفيةً بالإصدار الإليكترونى الأفضل من حيث الانتشار والعوائد!

فى بلادنا لدينا تساؤلات مختلفة واهتمامات أخرى، ولا نعترف بأن هناك أزمة مقبلة لا فى إعلامنا ولا فى صحافتنا المقروءة. كل شئ تمام ومستقر والأمور تسير نحو الأفضل . هكذا ننجح فى تجاوز الأزمة بإنكار وجودها!

هل هناك أزمة إعلام؟

ليست لدينا أزمة واحدة، بل أزمات .. وهى ليست أزمة حديثة بل تراكمية حدثت عبر عدة عقود! إذ أن ما يجرى فى أروقة المطبخ الإعلامى يختلف كثيراً عما يبدو ظاهراً على سطح الأخبار اليومية وبرامج التوك شو التى تعطى إيحاءً كاذباً بأن الإعلام العربي بخير ويسير بخطى ثابتة فى الطريق الصحيح، رغم أن الواقع يشير إلى العكس تماماً. فلا الإعلام بخير ولا هو يسير نحو التعافى والتطور بل إلى طريق مسدود.

الساحة تعج بعشرات الصحف والمجلات والفضائيات دون مردود أو مغزى، مجرد صداع وطنين بلا طحين، وتدوير لأفكار مستهلكة وقديمة ولا جديد على الساحة رغم الإمكانيات الهائلة المتاحة، ورغم ملايين الجنيهات والدولارات والريالات الملقاة هنا وهناك بلا عائد حقيقي .

ليس الحديث هنا عن فساد مالى وإدارى ثبت من خلال وقائع سابقة أنه موجود ومتغلغل فى الكيان الإعلامى، ولا عن التحزبات وصراعات المصالح وراء الكواليس، وهى أمور منتشرة ومدمرة وموروثات متراكمة على مدى عقود مضت وربما يأتى اليوم الذى نتخلص فيه من تلك الآفات على يد الأجهزة الرقابية والتشريعية والتنفيذية . لكن الأهم أن نبحث فيما يستطاع تغييره داخل المنظومة الإعلامية من رجالها أنفسهم.. مثل التزام المهنية والحيادية ومواكبة التطور وتدريب الكوادر وتدعيم الكيان الإعلامى بالإمكانيات وتطعيمه بالعقول والكفاءات .. كلها أشياء من الممكن تداركها لإصلاح ما يمكن إصلاحه فى المنظومة الإعلامية المأزومة بشرط أن نعترف أولاً بوجود المشكلة حتى يتسنى لنا التفكير فى الحلول.

ما الضرر؟ .. وما الضرورة؟

وراء الكواليس ثمة محاولات إصلاح تحدث على مستوى المؤسسات الإعلامية والصحفية الخاصة والحكومية فى شكل إقالات لبعض الموظفين الكبار، أو بإعادة هيكلة المؤسسات الصحفية وتسريح العمالة الزائدة لترشيد النفقات، أو بغلق بعض النوافذ الصحفية كالمجلات والصحف قليلة التوزيع أو بعمليات البيع أو الدمج أو الشراكة كما حدث مؤخراً مع عدد من المؤسسات الإعلامية .

كلها لا تعدو كونها عمليات ترقيع أو رتق لعيوب إدارية أو اقتصادية أو فنية، بينما الوسط الإعلامى بأسره يعانى، ولا تصلح عمليات الترقيع لإحداث التعافى.

أصحاب المصالح يقولون: لا ضرورة لتطوير منظومة الإعلام، بينما الضرورة ترقى إلى حد صراعات البقاء والوجود. والكسالى يقولون: لا ضرر من الاستمرار على نفس النمط التقليدى القديم، بينما الصدأ والتآكل يكاد يقضى على منظومة الإعلام الرافضة لأى تغيير حقيقي يضعها على الخريطة العالمية .

أين نحن من الخريطة التنافسية؟

هناك فجوة ضخمة بين معايير النجاح، أو ما نعتبره نجاحاً، فى وسطنا الإعلامى الإقليمى، وبين معايير التفوق والتنافس العالمى .. فجوة لا تزال تتسع باستمرار ما دمنا نفضل التسطيح والإثارة على الكفاءة والمهنية .

إعلامنا يخسر باستمرار، يخسر جمهوره وبالتالى أرباحه .. وسيظل نزيف الخسائر متواصلاً مع الإصرار على التمسك بمعايير النجاح المغلوطة.

ولكى نجيب بصدق وصراحة عن موقعنا من التنافسية الإعلامية العالمية، دعنا نجيب أولاً عن موقعنا من الحيادية والنزاهة وقوة التأثير وسعة الانتشار والقدرة على خلق التفاعل والجماهيرية وتشكيل الوعى الجمعى .

ماذا عن تدريب الكوادر وتطوير الملكات والإمكانيات لمواكبة الطفرات التقنية الهائلة لدى الإعلام الغربي؟ هل لدينا تصور لمستقبل الإعلام أو منهج أو رؤية استراتيجية أو حتى ميثاق شرف يلتزم به الإعلاميون طواعيةً أو قسراً؟

إننا نسير عكس التيار عندما نغلق مواقع صحفية إليكترونية لا لشئ إلا لعجزنا عن مسايرة واستغلال هذا المورد الإعلامى الحيوى . بينما يتجه العالم كله إلى الإعلام الإليكترونى والميديا الرقمية !

معضلة الصحافة الرقمية

استحوذ الإعلام الرقمى البديل على اهتمام قطاعات واسعة من المتابعين من مختلف الشرائح العمرية والاجتماعية، رغم افتقاره إلى المصداقية والتوثيق واعتماده على الشائعات والإثارة الزائفة. والسبب أنه نوع رخيص من الإعلام قليل الكلفة لمستخدميه، كما يتميز بالمرونة وتجدد المضمون وجاذبية الشكل. فالخبر الواحد قد يتجدد على مدار الساعة بأكثر من شكل وطريقة، مصحوباً بالصور ومقاطع الفيديو، لهذا يحظى الإعلام الرقمى بجمهور عريض يفوق الصحافة المطبوعة بكثير.

ورغم تلك المزايا لم تتمكن أكثر المؤسسات الصحفية من استغلال النوافذ الإليكترونية لتحقيق عوائد ومكاسب مجزية . فرغم أن الصحافة الإليكترونية هى المفضلة لدى الجمهور بسبب مزاياها، إلا أنها تُعدّ الأسوأ لدى المؤسسات الصحفية بسبب عيوبها الكثيرة : فالصحيفة الإليكترونية تتطلب توظيف كوادر صحفية وفنية من المتخصصين يعملون على مدار الساعة، ما يعنى أنها عالية التكلفة، خاصةً وأنها تحتاج للتحديث الدائم بالخدمات والتطبيقات والبرامج، كما تحتاج للتسويق والمتابعة اليومية لتحقيق الانتشار، وهى أمور لا تتوافر للكثير من الصحف . مما يضطرها للاكتفاء بالصحيفة الورقية، أو بموقع إخبارى شبه مجانى لا يحتوى على أية تطبيقات أو تحديثات أو موضوعات متجددة . موقع بلا قيمة ولا عوائد، لمجرد التواجد فقط!

الجماهيرية طبقاً لتصنيف "أكابولكو"

الجمهور هو القوة الحقيقية فى عالم الإعلام .

فالمحطة الفضائية الأفضل هى التى تحظى بأعلى نسب مشاهدة ومتابعة، والصحيفة الأولى هى صاحبة التوزيع الأكبر، والخبر الأهم لدى المواقع الإليكترونية هو الأكثر تداولاً وقراءة ومشاركة وإعجاب. اللعبة الإعلامية كلها تعتمد على الناس ومدى تفاعلهم وتأثرهم بالوجبة الإعلامية المقدمة لهم.

يفرق قاموس ويبستر بين ثلاثة مفاهيم مختلفة للجمهور : الجمهور كحشد أو كهدف أو كوسيط . وتستهدف وسائل الإعلام المفاهيم الثلاثة جميعها، فهى تهتم بالرقم العام للمتابعين، أى بالحشد. وتهتم بتوسيع رقعة المتابعة، أى باستهداف هذا الحشد . وتهتم ثالثاً وأخيراً بالجمهور كوسيط دعائى وناقل للخبر والمعلومة الصحفية والإعلامية، وهو ما يسهم بشكل غير مباشر فى زيادة نسبة المتابعات.

والتصنيف العام للجمهور يتخذ أكثر من شكل: فهناك تصنيف طبقاً للفئة العمرية أو تبعاً للشريحة الاجتماعية أو للنوع أو للعرق أو للانتماءات الفكرية أو المذهبية. ويتحدد التصنيف تبعاً للاتجاهات التى تتبناها المؤسسة الإعلامية. إلا أن هناك دراسات حديثة لجأت لاستقصاء أثر الوجبة الإعلامية أو الصحفية اليومية فى خلق حالة من الاهتمام الشعبي الجمعى، سواء بالأخبار المهمة أو بالقضايا الحيوية. بدأت هذه الدراسات فى أواخر الستينيات بما يُدعَى "نظرية ترتيب الأجندة"، أو دراسة "شابل هيل"، وهو المكان الذى أجريت فيه الدراسة بولاية شمال كارولينا . وانتهت الدراسة إلى توضيح مدى قدرة الإعلام على ترتيب أجندة أولويات القضايا لدى الجمهور من خلال لعبة الضوء والظل، حيث تستأثر قضايا بعينها على الاهتمام الإعلامى، ويتضح أنها هى نفسها القضايا التى تحظى باهتمام الجمهور! حتى لو كانت غير منسجمة ولا متوافقة مع الواقع!

التصنيف الأحدث لتلك العلاقة بين الإعلام والجماهيرية يُدعَى تصنيف "أكابولكو" والذى اعتمد على نتائج أكثر من 400 دراسة عن ديناميكيات أولويات الأجندة الإعلامية وتوصل إلى اختزال العلاقة فى أربعة مقاييس رئيسية تُعدّ بمثابة أدلة إرشادية لبوصلة الأخبار والقضايا الجماهيرية؛ لإبراز كيفية التمحور حول السبق الصحفى أو الخبطة الإعلامية أو القضية القومية لاستغلالها إعلامياً بالشكل الأمثل.

الاهتمام بمثل تلك الدراسات يعطينا تصوراً حول الإعلام كصناعة احترافية ذات تأثير عميق وممتد، لا كمهنة تقليدية روتينية عديمة الثمرة.

مقامات التأثير والفاعلية

تتفاوت قدرة الوجبة الإعلامية المقدمة التأثيرية بين مجرد الإخبار الفردى بالمعلومة إلى مقام تشكيل الوعى المجتمعى.  كما يتفاوت تأثر المتابعين بالمادة الإعلامية بين عدة درجات تبدأ بالتفكير المجرد، وتتدرج إلى الجدل والنقاش، ثم إلى التفاعل والتواصل، وتنتهى إلى خلق حالة من الإحساس الذاتى والمجتمعى بالمسئولية تجاه القضية الإعلامية المطروحة إلى حد تناقلها والتعديل عليها ونشرها بما يحول الجمهور نفسه إلى إعلام بديل.

هناك آليات محددة لخلق حالات التأثر بالمادة الإعلامية كالتكرار والتكثيف والإبهار وحسن العرض والفكاهة، وما يبقَى فى ذهن المتابع بعد عرض المادة هو الذى يبرهن على مدى تأثره بتلك المادة. ما يبقَى فى الذاكرة، أو ما يتسلل إلى اللاوعى، أو ما يتمكن من تعديل الوعى والسلوك.

تلك الحالة الأخيرة هى أعلى درجات التأثير الإعلامى التى يتحول فيها الإعلام إلى مصدر تنويري ومعرفى. وهى لا تحدث إلا فى ظل مادة تتمتع بالمصداقية والنزاهة والعمق وقوة التأثير.

ألوان وأشكال

هناك ثلاثة نماذج رئيسية من الإعلام: إعلام السوق .. والإعلام الدعائى.. وإعلام الحقائق. النموذج الأول – إعلام السوق- هو النوع الذى يتخذ من ذوق الجمهور بوصلة يتحرك على هداها. لا يعبأ إلا بالأرباح كمحرك رئيسي للمادة الإعلامية المقدمة . لهذا لن يجد مانعاً من اختراق وتجاوز كل معايير المهنية والحياد والأخلاق من أجل تحقيق هدفه الأوحد وهو المال. هذا النوع من الإعلام الشعبوى الرخيص باهت الأثر، وغير قادر على الوصول إلى العالمية لأنه يتخلى عن معايير الإعلام المتفق عليها فى سبيل تحقيق غايته الرخيصة.

نموذج آخر هو الإعلام الدعائى، أو الإعلام الموجَّه المؤدلج .. وهو نوع من الإعلام المتوحد الذى يدور فى فلك التحزب والتعصب والتمحور حول فكرة أو تيار، ويظل يخدم تلك الفكرة ويدعو لها دون الاكتراث للتعددية الطبيعية والاختلاف الغريزى فى طبائع البشر وأفكارهم. يظل تأثير هذا النوع من الإعلام محدوداً بالمعتنقين لأفكاره دون غيرهم . وقدرته على اختراق الحدود للوصول إلى العالمية معدومة، بل قدرته على التنافسية الإقليمية والمحلية ضعيفة وقاصرة.

النوع الثالث والأخير هو إعلام الحقائق أو إعلام الرسالة والمبدأ . وهو نوع من الإعلام المحايد المتحرر المستقل، لا يخدم فكرة بعينها ولا ذوقاً محددا، بل يستهدف تقديم الحقيقة البسيطة المجردة دون تزييف أو إضافة أو تحوير. وهو النوع الوحيد القادر على اختراق الحدود، بل واختراق الزمن والوصول إلى أوسع جمهور ممكن فى الحاضر والمستقبل. وتندرج تحت هذا الصنف من الإعلام عدة أشكال أخرى فرعية : كالإعلام الوثائقى، والإعلام التأريخى، والإعلام التفاعلى .

ماذا يحدث لو..؟

دعنا نتخيل هذا السيناريو ..

الإعلام العربي بصورته الحالية، فضائياته وصحافته، برامج التوك شو المعتادة.

هذا الإعلام بكل ما فيه بات عالمى الانتشار، وباتت موضوعاته السطحية ومضامينه التافهة التقليدية هى بضاعته التى يقدمها يومياً للمشاهدين فى كل مكان بالعالم، فكيف سيفكر العالَم نحونا وعنا؟

ولنتخيل الصورة بشكل معكوس ..

الإعلام الغربي وقد انتقل بكل آلياته وإمكاناته وكوادره إلى أروقة مؤسساتنا الإعلامية. وتم استبدال كل الإعلام القديم بالفكر الجديد، واستبدال كل الوجوه الإعلامية المشهورة ذات الأجور الخرافية بوجوه إعلامية أخرى أكثر كفاءة وأقل أجراً . فكيف ستكون صورة الإعلام ؟ وهل سيظل المحتوى الإعلامى سطحياً كما كان؟

 

عبد السلام فاروق

 

مجدي ابراهيمإنما فسدت اللغة بفساد أذواق أبنائها؛ فما ترك من الجهل شيئاً من يظن أن القارئ من الجهالة بحيث لا يقف على فضيلة الصدق في كتابات الكاتبين. وأغبى الأغبياء هو الذي يفترض الغباء في الآخرين. والصدق الاعتقادي كما تقدَّم من أعظم القيم الإيمانية وأكثرها دلالة على الشعور الديني. وموطنه القلب. والقلب - كما تقدَّم أيضاً - هو الدافع للوعي؛ فلولا القلب ما كان الوعي، ولولا الوعي ما كنا أدركنا شيئاً حقيقاً بالإدراك أو خليقاً بـ "تحصيل القيمة". وكنوز قلوبنا قاعها سحيق، ومعارف القلوب أعمق بكثير من معارف العقول والأذهان؛ إذْ كانت القلوب خزانة التجارب البشرية كلها، وهى في الأصل مستودع لكل ما هو معروف أو مجهول من وعي الإنسان.

أنا شخصياً لست أَمِلُّ من تكرار ما كان ذكره أديبنا الكبير "توفيق الحكيم" في كتابه "تحت شمس الفكر" في أسلوب الكاتب نقلاً عن "يوفون" من أن:" الأسلوب هو مزاج الفنان وطبيعته، ووسيلته الخاصّة في إظهار مكنون فكره، أو هو الشخص على حد تعبير"يوفون". إنّ الكاتب إذْ يخلو إلى نفسه وقلبه، ويترك التصنع والتقليد، يستطيع أن يهتدي إلى أسلوبه، لكن لا تظن الطريق هيناً: ذلك الطريق الوعر الشاق الطويل بين الإنسان وقلبه. إن القلب البشري لأعمق من أن يستكشف قراره من أول نظرة. إنّ قلب الإنسان بئر سحيقة رسِّخت فيها تجارب جنسه وأمته آلاف السنين، طبقة فوق طبقة؛ فعليه إذن أن ينزل طبقات هذه البئر..!". هذا صحيح، ولكن كنوز قلوبنا العميقة في الغالب لا قاع لها، بحيث يمكن للإنسان أن ينزل هذه البئر الغائرة إلى الأعماق؛ ليكتشف كنوزها الدفينة وأسرارها الخفية العجيبة.

هذه الكلمات الصادقة هى أدعى إلى التأمل وأحرى بالاهتمام وأولى بالرعاية في كل حال؛ لأنها أدعى إلى معرفة أسرار القلب البشري؛ فيما لو كانت معارف القلوب لدينا أولى بالعناية مما سواها.

أما أسلوب الكاتب نفسه؛ فهو شيء يدعو وحده إلى التأمل والدهشة معاً؛ لأن الكاتب صاحب الأسلوب هو نفسه الكاتب المبدع على الحقيقة. أذكرُ أنني منذ سنين طويلة كنتُ شاهدت برنامجاً تلفازياً كان يقدّمه الأستاذ الراحل "فاروق شوشة"، وهو برنامج "شريط الذكريات"، كنتُ متابعاً لهذا البرنامج الثري والداعم للثقافة والمثقفين، فاستضاف يومها الدكتورة "عائشة عبد الرحمن"، فتكلمت عن الأسلوب بعبارات قليلة ومقتضبة، استطعتُ أن أستخلص من حديثها ما يفيد أن الكتابة بأسلوب راقِ ومؤثِّر نوعٌ من الإبداع. الأسلوب شعور، وإحساس، وجمال، ونزوع بالجملة إلى الأمثلة العليا، بالإضافة إلى كونه عقلاً، ودراية، وتحليلاً، وخبرة طويلة في توظيف مخزون اللغة.

ولماذا يكون الأسلوب الممتاز نوعاً من الإبداع؟ والجواب: لأنه مجموعة من أعصاب تتذوق وتتحرك وتلتقط من ثمار التذوق ما من شأنه أن يدل على خصائص صاحبه، على بصمته الخاصة.

وما الإبداع إلا فكرة في أسلوب. الفكرة عقل يبدع. والأسلوب كتابة وإنتاج. لا ريب أن الكتابة بأسلوب راق نوع من الإبداع؛ إنْ لم يكن هو كل الإبداع على الحقيقة التي لا يشك فيها مبدع يبدع فكرة بأسلوب ممتاز.

كثيرون، كثيرون بغير حصر ولا تعداد هؤلاء الذين يكتبون دون أن تحمل كتاباتهم شيئاً من باطن نفوسهم، ولا أسلوباً يدل على ذواتهم، يكتبون لا لأنهم أصحاب رسالة، ولكن لأنهم يعيشون على ما يكتبونه؛ ولأنهم أقدر الناس على الكذب والتلفيق وخيانة الرسالة، وأفقرهم في لوازم التربية الأدبية والروحية: تربية الضمائر والقلوب؛ فلن تجد لأجل هذا لهم صدى، ولا لكلماتهم رغم كثرتها الكاثرة تأثيراً، لا تتجاوز أقوالهم الآذان ولا تنفذ إلى شغاف القلوب، ولا تحمل قط دلالة واحدة في سبيل التغيير؛ فما من حياتهم شيء على الإطلاق يوافق أفكارهم؛ وما من أفكارهم مورد يتكئ عليه هذا الأصل القلبي الشعوري الذي من شأنه أن يورث القارئ مواريث الفكرة المهذبة والأدب الأصيل واللغة الشاعرة والأهداف السامية، ناهيك عما ليس فيها كذلك من حال يثمره العلم النافع والبحث الجاد؛ ليدفع المرء دوماً إلى العلم المقرون بالعمل.

ما من أحوالهم - وأغلبها من ورثة المعارف السطحية والقشور العرضية - مقصد يثمر العمل البناء ويسلك القارئين - إنْ وجدوا - سلوك التغيير في الباطن قبل الظاهر، وفي المضمون قبل القشور، وفي الجوهر قبل السطح العائم والقشرة الخارجية. لك أن تتصور، فيما لو شئت، كاتباً يقول وحياته هى هى قوله لا يتعداه، ويكتب وحياته هى هى فكره الذي يؤمن به ويخوضه دوماً في رحاب التجريب، ينظر ويحلل ويدون ويبين، وكل هذا كله "ذات نفسه": حياته منشورة من أعصابه ودمه وطواياه على الأوراق، ذلك هو هو "الصدق" توخَّاه في التعبير كما تقدّم وتوخَّاه قبلاً في طريقة التفكير.

مرة أخرى: حين نقول كلمة "الصدق" فنحن نقصد بها كل ما في القلب البشري من إيحاءات روحيّة وتوجهات معرفية وإشعاعات إصلاحية في سبيل التغيير المطلوب نحو الأفضل في كل حال؛ إنْ في النفس وإنْ في الواقع؛ إنْ في الضمير والباطن وإنْ في الحياة الاجتماعية الخارجية.

وليس بعجيب عندنا أن يكون للقلب البشري صلاحيات التوجهات الكبرى للإنسان، هو لب الإنسان وجوهره الفاعل على وجه الخصوص، فالتعويل عليه كل التعويل حقيقة معرفية فضلاً عن كونها حقيقة واقعية لأنها قبل هذا وذاك حقيقة قرآنية:"إنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبْصَار وَلكن تَعْمَى القُلُوبُ الَّتي في الصِدُور"؛ حتى أن بحوث الطب النفسي الحديث تؤكد فيما رواه أحد أساتذة الطب النفسي في لقاء تلفازي - هو الدكتور أحمد عكاشة - أن بحوث علم النفس الحديثة أثبتت أن في القلب ذاكرة هى أقوى وأهم وأنفع مما يوجد في مخ الإنسان من ذاكرة، وتسمى هذه الذاكرة بــ " الذاكرة الخلوية"، وهى لا توجد في المخ بل مكانها القلب، وأنها لمسئولة عن الكيان الحيوي للإنسان، بمقدار مسئوليتها عما فيه من وعي كوني، وهى جامعة لكل ما في الإنسان من حياة. وقالوا: في بعض الحالات الخاصَّة، عند انتقال قلب من إنسان إلى إنسان آخر، يجيء الإنسان الذي انتقل إليه هذا القلب يحمل جميع الصفات والأفكار وجملة النشاط الحيوي، ويتصرَّف كما لو كان يتصرف الإنسان المنقول منه ذلك القلب، هى حالات فردية لكنها أثبتت أن هذا الكائن العجيب (الإنسان) فيه أسرار إلهية ليست مما يصل إليها العلم الحديث بعدُ، وأن أسرار الله فيه لم تزل تحت طور الاكتشاف، وما أوتى الإنسان من العلم في هذا الجانب وفي سواه إلا قليلاً، لكنه مع ذلك يزعم أنه جُرْمُ صغير وفيه أنطوى - كما قال ابن عربي - العالمُ الأكبرُ.

إنّ هذه الخلية القلبية المُعَبَّر عنها بــ "الذاكرة الخلوية" لهى مجمع الحياة فيه تظل معه يحملها في جميع مراحل حياته، لكأنما القلب أهم من المخ، وأن فعل المخ أدنى وأقل بكثير من فعل القلب، قد يظل الإنسان حياً لا يموت ما لم يمت فيه القلب، وأن القلب هو السيد، وهو القائد المتبوع، وهو المحرك للكيان الآدمي كله بغير خلاف: حقاً صدق قول الله تعالى:" إنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبْصَار وَلكن تَعْمَى القُلُوبُ الَّتي في الصِدُور".

لم يكن جزم القرآن بنفي العمى عن الأبصار وإثباته للقلوب التي في الصدور إلا لتأكيد حقيقة "الوعي القلبي" الذي تتفتح منه آفاق المعارف الإنسانية وطاقات العلوم النورانية، ويعول عليه في كل حال ولا يعول في الحقيقة على سواه. هذا الوعي القلبي هو أعم وأشمل من العقل؛ إذ العقل مهما كان وأياً ما كان محدود بحدود ما يفكر فيه، فوعيه ناشئ عن الحركة الضيقة التي يدور في فلكها وعن الواقع المشهود الذي يتقرر أمامة فيفكر فيه، بخلاف الوعي القلبي المحمل الذي يدرك الإنسان ويدرك في الوقت نفسه ما يحيط به من وعي كوني أسمى من العقل المحدود. ومعرفة هذا الوعي القلبي خاصة لهي المادة الأولية لمعرفة أسلوب الكاتب: لغته وحرفه . وفي هذا وحده ما يكفي لتقرير حقيقة وهي أن اللغة باقية فينا ببقاء ما لدينا من حياة القلوب الواعية المضيئة بأنوار الحقيقة الدائمة فمادام القلب هو الأصل والمعرفة التي تترتب عليه قائمة على ذلك الوعي فليس أصدق ولا أبلغ من إظهارها عن طريق حرف الكاتب ولغته لأنهما أبلغ الوسائل التي يخرج بها هذا المكنون الخفيّ المطمور في أعمق أعماق القلب. فلا بد له من معاناة، ولا بد من تجربة كاشفة تحمل قيماً، وتضيء نوراً وتشع ضياءً، وتسمو للناس ويسمو الناس بها. وإنه؛ مادامت وسائلُنا ضعيفة قاصرة وقدرتنا عاجزة مشلولة أو تكاد، فإنها لأدل دلالة كافية على عمى القلوب التي في الصدور: مصدر المعرفة ومنبع النور. فاللغة التي هى وسيلة التعبير متصلة اتصالاً مباشرة بالوعي القلبي نقاؤها وصفاؤها من نقائه وصفائه. النور للقلب واللغة المستنيرة تصدر من نور القلب فكل ما تنقله اللغة من معارف هو من ذلك النور القلبي؛ لذلك تثبت في القلوب التي تكون على شاكلتها: لغة سامية، مؤثرة، حافلة ببلاغة التغيير (وللحديث بقيّة).

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

منى زيتونونحن على أعتاب عام هجري جديد نتذكر هجرة سيدنا وحبيبنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم، رغم أن رحلة الهجرة بدأت أواخر صفر، ووصل النبي وصاحبه المدينة المنورة في الثاني عشر من ربيع الأول، لكن لأن المحرم هو أول شهور السنة القمرية عند العرب فقد اعتُبر أول المحرم في السنة التي هاجر فيها النبي بداية التقويم الهجري.

ودروس الهجرة النبوية كثيرة، أكبر من تلك الدروس الدينية التي يركز عليها المشايخ عادة، لعل أهمها هو فكرة الانتقال ذاتها وأثرها في تغير حياة الإنسان.

في جميع العلوم التي تتعلق بالإنسان نُوقشت قضية أثر الوراثة وأثر البيئة، وتبنى علماء أثر الوراثة وعظّموه، بينما أعطى آخرون أكبر الأثر للبيئة؛ فعندما ضخّم علماء الوراثة من تأثير مورثاتنا (الجينات) التي تحمل صفاتنا الوراثية من أبوينا، وادّعوا أنها المُشكِّل الرئيسي لحياتنا، لدرجة أنهم عزوا إليها إصابتنا بالأمراض والبدانة، وتوسعوا إلى حد اتهامها بأنها سبب الشذوذ الجنسي عند بعض الناس وسبب ارتكاب المجرمين لجرائمهم، ظهر في العقد الأخير ما يُعرف بعلم فوق الوراثة  epigenetics، الذي أعاد الاعتبار لأثر البيئة ومسئولية الإنسان عن حياته، واتضح أن نمط حياة الإنسان التي يحياها وخياراته فيها هو الذي يحدد للمورثات ماذا عليها أن تفعل، وليس العكس.

ومن الوجهة الدينية فكلا العاملين منصوص على أهميته، وكما نصحنا الرسول وقال: "تخيروا لنطفكم" لمعرفته بأثر الوراثة، فإنه قد هاجر، ليغير البيئة من حوله.

وفي كتاب الله يوجد حوار عظيم بين الملائكة وبعض المجرمين، أخبرنا الله تعالى أنه حاصلٌ يوم القيامة، يتعلل فيه المجرمون ويبررون جرمهم بأنهم كانوا مستضعفين في الأرض، فترد عليهم الملائكة مذكرة إياهم بأن أرض الله واسعة! ثم يخبرنا تعالى بمصير هؤلاء المحتوم بأن يُصيَّروا إلى النار ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97)﴾ [النساء: 97].

هاجر محمد كما هاجر جميع الأنبياء من قبله. وصدق ورقة بن نوفل عندما أخبره بعد لقائه الأول مع جبريل بأن قومه سيخرجونه، وأن ما من أحد أتى بمثل ما أتى به لقومه إلا أخرجوه. ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: 40].

قبله هاجر إبراهيم الخليل عليه السلام رغم أن الله تعالى قد أنجاه بعد أن ألقاه المجرمون في النار. ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ (99)﴾ [الصافات: 99]. وهاجر موسى بعد أن خاف على نفسه ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: 21]. وبعدهما أمر الملاك يوسف النجار أن يرحل بالسيدة مريم وابنها المسيح عليهما السلام إلى مصر لأن الرومان كانوا يطلبون قتل المسيح.

في كل هذه الحالات كان الله تعالى كفيلًا بحماية أعز خلقه وأحبهم إليه، وألا يكلفهم الانتقال ليحموا أنفسهم، لكنها سُنن الكون والدروس والعبر التي يجب أن يأخذها البشر من قصص الأنبياء. هاجر الأنبياء ليعلمونا ألا نقبل بالاستضعاف، وأننا لسنا شجرة ثابتة لا تتحرك، بل بشر عليهم الانتقال إن ضاقت بهم سُبل العيش الكريم.

لكن موسى عاد ودعا فرعون، ثم كان خروجه الثاني ومعه بني إسرائيل هذه المرة مقدمة للنصر على فرعون، وكذا المسيح عاد ورغم أنهم ظنوا أنهم أجهضوا دعوته فإنه انتصر وارتفع شأنه وشأن تابعيه، ومثلهما عاد محمد منتصرًا يوم فتح مكة؛ لذا فساداتنا العارفون بالله كانوا يتفاءلون بالنُقلة إن حدثت عن اضطرار، ومن جرّاء ظلم، فالنصر والرفعة آتيان بحول الله وقوته لمن أُخرج مضطرًا بعد أن فقد شعوره بالأمان، واستشعر أنه سيُهان في مكانه إن بقي فيه.

بقيت كلمة أقولها؛ وهي أن الإسلام كانت له بدايتان؛ فبدايته الأولى كانت بعد نزول الوحي على سيدنا محمد للمرة الأولى، وأما بدايته الثانية فهي هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.

كانت السيدة خديجة باعتبارها زوجته أول من آمن بنبينا، فهي أول من تلّقاه بعد أول لقاء له مع رسول السماء، بعدها بدأت رحلة الدعوة برجل وطفل كانا أول من آمن به بعد زوجته، سيدنا الصديق أبو بكر وابن عمه سيدنا علي بن أبي طالب، وفي البداية الثانية للإسلام؛ الهجرة، يظهر أيضًا الرجلان عينهما، أبو بكر وعلي، فالأول صاحبه في الهجرة، والثاني من فداه ونام في فراشه، وأدّى عنه أماناته، ثم هاجر ببناته إليه في المدينة.

لكننا اعتدنا من مشائخ زماننا إنزال رتبة سيدنا علي، وإغفال فضائله، حتى أن منهم من تأتي ذكرى الهجرة فلا يكادون يذكرونه! والسبب الاتهامات المعلّبة من خوارج زماننا مدعي التسلف لكل من أعلى قدر الإمام وأنزله منزلته التي يستحقها بأنه متشيع، وفي قلبه كذا وكذا من صحابة النبي! ولا أدري هل يفعلون ذلك مكايدةً في الشيعة أم أن الله يفضح ما في نفوسهم؟! وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما عهد إلى سيدنا علي فقال: "لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق". [رُوي بألفاظ مختلفة بطرق مختلفة؛ رواه الإمام مسلم في صحيحه عن رواية سيدنا علي (131/78) والإمام أحمد في مسنده عن السيدة أم سلمة (26387) والإمام الترمذي في سننه (3736- 5/643)].

 

د. منى زيتون

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن مشروعية العلاقة بين المنطق والنحو عند نحاة القرن الرابع الهجري في هذا المقال الرابع، حيث يمكن القول: إن الحقيقة الماثلة وحدها – وهي أنه يكرس فصلا كاملا للمشاكل المرتبطة بإرساء التعريف الصحيح مفصلا، وفصلا آخر للمناقشة المستفيضة لجميع التعاريف الموجودة لأقسام الكلام – تبين أنه كان الطريقة "الصحيحة" في كتابة المقدمات العلمية لرسالة ما في اللغة . كما أن كتاباته مليئة بالإحالات إلي التعاليم المنطقية التي أصبحت في زمانه جزءا لا يتجزأ من إطار العمل الفكري للعلماء في جميع العلوم تقريبا .

ويمكن أن نلحظ تأثير المنهج المنطقي في دراسة اللغة بوضوح أكثر في اختيار المواضيع في "كتاب الإيضاح" . ولنأخذ علي سبيل المثال تعريفه للنكرة حيث يقول "فأما النكرة فهي كل شائع في جنسه لا يخص واحدا دون آخر" . ومن الواضح أن هذا التعريف يتصل بفكرة الأجناس، والأنواع في الحد المنطقي. فمقولة "النكرة" في النحو توازي تماماً مقولة الجنس في المنطق، على الرغم من أن النظر اللغوي الخالص يمكنه – اعتمادا علي مبدأ الموقف اللغوي linguistic situation – أن يعطي تعريفا يختلف عن هذا التعريف. وكذلك يعرف الزجاجي "الجملة الفعلية" بقوله "والفعل والفاعل جملة يستغنى بها وتقع بها الفائدة". ومصطلح (الفائدة) هنا يقابل تماماً مصطلح (كلام قائم بنفسه) عند الزجاجي أيضاً .

ومن المواضع التي أخذ بها "الزجاجي" بالمنطق "العلل" حيث يقسم علل النحو إلي ثلاثة أضرب: علل تعليمية، وعلل قياسية، وعلل جدلية نظرية، فأما " التعليمية فهي التي يتوصل بها إلي تعلم كلام العرب، لأنا لم نسمع نحن ولا غيرنا كل كلامها منها لفظا، وإنما سمعنا بعضنا فقسمنا عليه نظيره، مثال ذلك أنا لما سمعنا : قام زيد فهو قائم، وركب فهو راكب، عرفنا اسم الفاعل فقلنا ذهب فهو ذاهب وأكل فهو اكل وما أشبه ذلك، وهذا كثير جدا ..... وأما العلة القياسية فأن يقال لمن قال نصبت زيدا بأن في قوله إن زيدا قائم : ولم وجب أن تنصب " إن " الاسم ؟ فالجواب في ذلك أن يقول : لأنها وأخواتها ضارعت الفعل المتعدي إلي مفعول، فحملت عليه،فأعملت إعماله لما ضارعته، فالمنصوب بها بالمفعول لفظا، والمرفوع بها مشبه بالفاعل لفظا، فهي تشبه من الأفعال ما قدم مفعوله على فاعله، نحو ضرب أخاك وما أشبه ذلك محمد " .

ومفهوم " العلة " في هذين النصين يعادل تماما مفهوم " القياس " في النحو العربي،ومفهوم " التمثيل " في المنطق الأرسطي : ومؤدي هذين المصطلحين أن ظواهر الوجود والطبيعة يحمل بعضها علي البعض بناء على مبدأ " قياس الغائب علي الشاهد " تارة أو قياس الشبه تارة أخرى.

أما النوع الثالث من أنواع العلل فهو الإضافة الحقيقية لنحاة القرن الرابع، وذلك " هو العلة الجدلية النظرية "، وهي لا تعدو كونها تطبيقا لنظرية العلة الغائية في فلسفة أرسطو، ويعرفها الزجاجي علي النحو التالي : " وأما العلة الجدلية فكل ما يعتل به في باب " إن " تعد هذا مثل أن يقال : فمن أي جهة شابهت هذه الحروف الأفعال ؟ وبأي الأفعال شبهتموها ؟ أبالماضية أم المستقبلة ؟ أم الحادثة في الحال ؟ أم المترادفة ؟ أم المنقضية بلا مهلة ؟ وحين شبهتموها بالأفعال لأي شئ عدلتم بها إلى ما قدم مفعوله علي فاعله ..... وكل شىء اعتل به المسئول عن هذه المسائل فهو داخل في الجدل والنظر " .

ولنأخذ نموذجا يوضح منهج الزجاجي في التعليل الجدلي وهو "علة امتناع الأفعال من الخفض . يبدأ الزجاجي آخذا بتعليل سيبويه "وليس في الأفعال المضارعة جر، كما أنه ليس في الأسماء جزم؛ لأن المجرور داخل في المضاف إليه، معاقب للتنوين، وليس ذلك في هذه الأفعال". ثم يعلق الزجاجي: "هذا الذي يعتمد عليه الناس في امتناع الأفعال من الخفض، وكل علة تذكر بعد هذا في امتناع الأفعال من الخفض، فإنما هي شرح هذه العلة،وإيضاحها، أو مولدة عنها" ولكن الرغبة في الوضوح والتوضيح مما خلقته النزعة التحليلية في المنطق تجعل الزجاجي يسهب القول في شرح تعليل سيبويه، فيبدأ في تعريف الأفعال المضارعة لغة واصطلاحا ثم يقول: "وإنما قال: وليس في الأفعال المضارعة جر، فقصدها دون سائر الأفعال؛ لأن كل فعل سوى المضارع عنده مبني غير معرب، وإنما كان في ذكر الجر، والجر إعراب، ولما كان إعرابا، وكانت الأفعال سوى المضارعة مبنية غير مستحقة للإعراب ... سقط السؤال عنها ... وبقي السؤال عن الفعل المضارع الذي هو معرب" .

ويلاحظ الدكتور "محي الدين محسب"

في كتابه الرابع " أثر المنطق الصوري علي نحاة القرن الرابع الهجري "هنا هذه الطريقة الاستدلالية التي تأخذ صورة القياس المنطقي :

- الجر إعراب

- وكل فعل سوى المضارع مبنى غير معرب

- إذن سقط السؤال عن دخول الجر في غير الفعل المضارع .

يتضح لنا مما سبق أن مزج الزجاجي النحو بالمنطق، لم يكن بالغا،ولا حادا، ولم يصل فيه إلي حد الإفراط، فقد كان ميله الكامن إلى السماع والرواية، وتقديمه لهما يكبح جماحه، ويحول دون تزيده في المنطق ومبالغته في الفلسفة .

ومن هنا رأينا المنطق الأرسطي ظاهراً في بعض كتبه ظهورا بينا ورأيناهما في بعض كتبه الأخرى يبدوان برفق علي ما يشبه الاستحياء، ومن الأولي كتابه المشهود " الإيضاح في علل النحو " الذي يسرد الدكتور " عبد الفتاح شلبي " أطرافا من محتوياته فيقول : " يلقاك المنطق وتطالعك الفلسفة في أول الكتاب، فإذا ما وصلت إلي الصلب منه رأيت حجاجا وتعليلا وقياسا وتدليلا وإذاعة لاصطلاحات المناطقة في الحد والمحدود والحكم والبرهان والدليل القاطع والحجة ووضوح الدلائل وإقامة البراهين والدلائل العقلية ... إلي أخره.

ومن الثانية كتابه المشهور أيضا " الجمل " الذي يذكر الباحث نفسه أن أسلوبه فيه كان سهلا سمحًا لا تعقيد، ولا التواء، ولا أثر للعلل النحوية أو التدليل المنطقي فيه .... يعطيك القاعدة العامة في جمل بعيدة عن تأويلات المؤولين، وفي أسلوب سهل ، لا تري فيه عوجا ولا أمتا من تعقيدات المعقدين وتفريعات النحاة والتجويزات المشهورة عنهم في المسألة الواحدة وحتى لتختفي الضوابط وتتشعب المسالك "، وأنه قد " أخلاه " من المنطق، ومسائله، وأقيسته، وقضاياه، وبراهينه، وتعليله، وتدليله خلوًا يكاد يكون تاما ".

ويمكن أن نذكر السبب في ذلك ؛ حيث من الملاحظ أن الزجاجي حين كان يكثر من مزج المنطق بالنحو في كتابه " الإيضاح "، كان يخاطب في ذلك النخبة من النحاة والمثقفين، أما في كتابه الجمل،والذي وضعه تيسيرا لطلاب العلم، فقد كان يقلل، بل أحيانا يبتعد عن مزج النحو بالمنطق،حتي لا يصعب علي المبتدئين في دراسة علم النحو .

ثالثًا: أبو سعيد السيرافي:

وصف الكثير من المؤرخين السيرافي بأنه شيخ الدهر، وقريع العصر، وعديم المثل، ومفقود الشكل، وبعيد القرين، وعين الزمان، والصدر، ولم تصدر هذه النعوت دون أساس، بل وجدناه العالم المقدم الذي استوعب ثقافات عصره استيعابًا مكنه من تدريسها إلي معاصريه من العلماء والطلبة . وفي هذا قال رئيس الرؤساء : إن أبا سعيد كان يدرس القرآن، والقراءات، وعلوم القرآن، والنحو، واللغة، والفقه، والفرائض، والكلام، والشعر، والعروض والقوافي، والحساب . أما في النحو فهو المقدم والأعلي في زمانه، ولو لم يكن له غير شرح كتاب سيبويه لكفاه فضلا، كما قال أبو البركات الأنباري، وقد أعجب القفطي صاحب إنباء الرواة به فأفرد له مصنفاً سماه " المفيد في أخبار أبي سعيد "، ووصفه ابن الأثير بقوله :" كان فاضلا، ومهندسا، ومنطقيا " ، وإذا كان ابن الأثير قد وصفه بالمهندس، وبالمنطقي، فإنا وجدنا الزبيدي (ت 379 هـ) قال "إنه كان "ينتحل العلم بالمجسطي وإقليدس والمنطق، ويتفقه بأبي حنيفة، وهو معتزلي من أصحاب الجبائي" .

وقد غلب المنهج الكلامي علي علم أبي سعيد في النحو،وسائر علوم العربية، وقد كان هذا المنهج طابع الدرس في القرن الرابع، ولم يكن الإفلات منه ميسرا للدارسين أمثال أبي سعيد، وليس أدل علي هذا من المناظرة التي جرت بينه وبين متي بن يونس القنائي الفيلسوف في مجلس " "الفضل بن جعفر بن الفرات "، وزير الخليفة المقتدر سنة 320 هـ ، (وسوف نتحدث عنها بالتفصيل خلال الفصل السابع)، وكذلك المناظرة التي جرت بينه وبين أبي الحسن العامري الفيلسوف النيسابوري (ت:381هـ)، في مجلس " أبي الفتح بن العميد" .

ويري البعض أن هذه المناظرة قد طغى عليها عنصر التكوين الاعتزالي في فكر السيرافي، وعلى الرغم من التفسير المقنع الذي يورده "علي أبو المكارم" لهذا الهجوم من قبل السيرافي على المنطق، فانه يسوق نصوصا من مصادر لا تعترف اعترافا صريحا باعتزالية السيرافي . أما تفسيره لهجوم السيرافي على المنطق الأرسطي، فهو أنه كان متأثرا بالعداء الشديد بين علماء الكلام والمنطق اليوناني، إذن، فما الأبعاد المنطقية في المقولات النحوية عند السيرافي؟

إن العناصر البارزة في ثقافة "السيرافي" هي القدرة على التحليل، وبالتالي فقد اتسمت تعريفاته للمقولات النحوية بهذا الطابع المفرط في تقصي كل أجزاء التعريف بالشرح والتوضيح. من الأشياء التي أخذها السيرافي علي سيبويه أنه لم يضع حدود المقولات النحوية بشكل جامع مانع، فيقول "أما الاسم فإن سيبويه لم يحده بحد ينفصل به عن غيره. فإن سأل سائل عن حد الاسم فإن الجواب في ذلك أن يقال: كل شيء دال لفظه علي معنى غير مقترن بزمان محصل من مضي،أو غيره فهو اسم. فهذا الحد الذي لا يخرج منه اسم ألبتة، ولا يدخل فيه غير اسم".

وعلي الرغم من أن السيرافي هنا يرى أن وظيفة الحد هي "الفصل والتمييز"، وهي وظيفته لدي علماء الأصول، فإن الحد الذي يسوقه يؤدي إلى تحصيل ماهية المعرف، وهي وظيفته في المنطق الأرسطي. بل إن الحد نفسه يكاد يكون نقلا مباشرا لتعريف أرسطو للاسم. فهو يضيف – ربما أول مرة في النحو العربي – فكرة الزمان المحصل، وهي فكرة قد وردت عند أرسطو، وعند الفارابي أستاذ ابن السراج الذي لم يوردها في تعريفه للاسم في "الأصول" أو "الموجز".

وترتبط تعريفات السيرافي بمنهج التحليل المنطقي الذي يستهدف التوضيح بأقصى غاياته، ومن ثم فقد يخرج بعض هذه التحليلات إلى دقائق عميقة. فهو بعد أن ساق انقسام الفعل بانقسام الزمان إلى ثلاثة أقسام: ماض ومستقبل وكائن في وقت النطق، وهو الزمان الذي يقال عليه الآن الفاصل بين ماض ويمضي". وبعد أن وضع تعريف كل قسم منها، يتعرض لتحليل ماهية هذا الزمان الكائن: "أوقع وكان فيكون موجوداً في حيز ما مضى فيقال عليه كان؟ أم لم يوجد بعد فيكون في حيز ما يقال عليه لم يكن فهو مستقيل؟... ولا سبيل إلى ثالث".

ويرد السيرافي هذا الطعن: " إن الماضي هو الذي أتى عليه زمانان: أحدهما الزمان الذي وجد فيه، وزمان ثان يخبَر عنه أنه قد وجد،وحدث وكان ونحو ذلك. فالزمان الذي يقال وجد الفعل فيه،وحدث غير زمان وجوده، فكل فعل صح الإخبار عن حدوثه في زمان بعد زمان حدوثه فهو فعل ماض. والفعل المستقبل هو الذي يحدَّث عن وجوده في زمان لم يكن فيه ولا قبله. فقد تحصل لنا الماضي والمستقبل. وبقي قسم ثالث وهو الفعل الذي يكون زمان الإخبار عن وجوده،هو زمان وجوده..." . ولا شك أن ذلك يذكرنا بما ورد في النحو اليوناني من قول "ثراكس"، عن الفعل الحاضر،إنه "يربط بين وجود الشيء وزمن الإخبار عنه".

ومن النصوص التي تكشف عن تغلغل نظرية الحد المنطقي في الفكر النحوي عند السيرافي، ما يكون في قضية الإضافة التي أصبحت عنده ـ كما هو الحد عند أرسطو- نوعاً من التعريف وإزالة الإبهام، أو هي الحالة التي تظهر ترتيب نوع الجنس من العموم إلى الخصوص. يقول السيرافي " فإذا كانت الإضافة إنما ينبغي لها زيادة معرفة المضاف، ولا سبيل إلى أن يعرف المضاف إليه حتى يكون مقصودًا إليه معروفا، فيعرف المضاف بذلك" . ثم يوضح ذلك بقوله "إن المضاف إليه يتعرف به المضاف، أو يخرج به من إبهام إلى تخصيص على مقدار خصوصه في نفسه كقولك: هذا غلام زيد، فيعرف الغلام بزيد، وتقول (هذا غلام رجل صديق لك) فيخرج الغلام عن حد الإبهام الذي في قولك: (هذا غلام) حتى ينحصر ملكه على صديق له دون سائر الناس، و(صديق له) أخص من واحد من الناس منهم" .

كذلك نلمس أثراً آخر من آثار المنطق في تحديد السيرافي للخبر النحوي. يعرف السيرافي الخبر بقوله: "والخبر ما صح فيه الصدق والكذب . وقد عرف ابن السراج الخبر – من قبل – بقوله: "وبالخبر يقع التصديق والتكذيب" . ولذلك فإن ابن فارس يقول "أما أهل اللغة فلا يقولون في الخبر أكثر من أنه إعلام.... وأهل النظر يقولون: الخبر ما جاز تصديق قائله أو تكذيبه، وهو إفادة المخاطب أمرا في ماض من زمانه أو مستقبل أو دائم" .

ومن الواضح أن مصدر هذا التعريف هو فكرة الصدق والكذب في القضية المنطقية عند ارسطو، كما تحدث عنها في كتاب العبارة عندما قال إنه ليس كل قول يصح أن يكون قضية منطقية، بل القول الذي يحتمل الصدق والكذب، فالدعاء مثلا ليس فيه صدق أو كذب. وكذلك فإن الراوقيين قد عرفوا الـ axioma بالتعريف نفسه .ومعنى هذا المصطلح الرواقي هو: "الجملة الأولى التي تخبرنا بالصدق أو الكذب". ولقد شرح الفارابي هذا المفهوم في أكثر من موضع من كتابه العبارة .

ولما كانت هناك بعض التركيبات اللغوية التي تتعارض مع هذا التعريف مثل (زيد قم إليه)، فإن السيرافي – حفاظاً منه على الصورة المنطقية الثابتة للخبر – وجد أن (قم إليه) هي من نفس النمط الخاص بكلمة قائم في (زيد قائم)؛ ولذلك فهو يقول "إن قولك: زيد قم إليه ليس بخبر في الحقيقة عن زيد، وإنما هو واقع موقع خبره،ومغن عنه وليس بخبر حقيقي" . وينطبق هذا أيضاً على مقولة "فاعل سد مسد الخبر" في (أقائم الزيدان) لأن المهم هو أن تطرد الصورة المنطقية الثابتة للعبارة اللغوية، أو على الأصح للقاعدة النحوية.. وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

مجدي ابراهيمللكاتب في استخدامه اللغة طريقته في التفكير والتعبير، ولا يوجد كاتب يمنع بسطوته الأدبية ونفوذه الفكري حظوظ كاتب آخر سواه في طريقة التفكير والتعبير. كان هناك "طه حسين" وهو أديبُ كبيرُ من حملة الشهادات الكبرى، وكان هناك "عباس العقاد" وهو أديبُ كبيرُ ولم يحصل من الشهادات إلا على الابتدائية؛ فما منع طه حسين حظ العقاد، ولا استطاع العقاد أن يمنع حظ طه حسين، لكن قبول القارئ للكاتب يتوقف على فضيلة روحيّة يستشعرها القارئ بين سطور كلمات كاتبه. هذه الفضيلة الروحية والفكرية ترتد إلى الإخلاص في استخدام اللغة إذا حسُن بها التعبير عن طوايا النفس وخفايا الوجدان وسرائر المعارف الظاهرة والباطنة؛ بما من شأنه أن يمتع الذوق والفكر ويرقي الإحساس.

هذه الفضيلة الرُّوحيّة الفكرية التي ترتد إلى الإخلاص المحض الذي لا تشوبه شائبة، يراها القارئ ذات دلالة كريمة إذا هو تلمَّس آثارها فيما يلمسُه دوماً في طريقة الكاتب في التفكير والتعبير. يراها إذْ ذَاك بلا ريب في فضيلة الصدق والإخلاص ومخاطبة الناس من ذات النفس الصادقة ومن قرارة الضمير المخلص.

وما دمنا ذكرنا مراراً وتكراراً كلمة "الصدق" هذه؛ فعلينا أن نفرق بين نوعين من الصدق، وأن نحدد مدلولهما فيما يمكن أن نستخدم الكلمة في سياقاتنا المعنية. فالنوع الأول: هو الصدق الاعتقادي؛ المفهوم فيه ديني لا عقلي. الصدق فيه صدقُ وجداني، قلبي، عقدي، إنساني: فيه كل معاني الصدق بالمفهوم الديني، ومرجعيته مرجعية دينية. ومستوى الإدراكات فيه قلبية وذوقية وليست هى بالعقلية وكفى.

أما النوع الثاني: فهو الصدق المعرفي؛ المفهوم فيه نظري، يجيء على مستوى المعرفة النظرية، ليس شرطاً فيه أن يكون كله صدقاً بل ربما يجيء الكذب من مهامه الأساسية في عملياته الإدراكية، فينقلبُ الكذب صواباً يقتضيه منطق العقل الصوري أو منهجيته الصورية، فمدى الصحة المنطقية هنا مُقدَّمة على الصحة الواقعية. المفهوم فيه عقلي لا ديني؛ وبالتالي فالمرجعية هنا عقلية نظرية وليست دينية، هنا يكون الصدق الاعتقادي شيئاً آخر غير الصدق المعرفي. ونحن نستخدم الصدق بمعناه الأول غاضين النظر عن النوع الثاني.

الصدق الاعتقادي هنا ليس هو الصدق المعرفي. الصدق المعرفي شيء، والصدق الاعتقادي شيء آخر.. لماذا ..؟ لأن الاعتقاد يلزم عنه العمل بالضرورة وليس الصدق المعرفي بلازم عنه العمل ضرورة؛ فمعيار هذا غير معيار ذاك. إذا نحن أدخلنا النظر فيما عَسَاه يمضي بالمعرفة إلى التحقيق؛ فلا العمل هاهنا ولا النظر طريق يؤدي إلى الصدق الاعتقادي مادامت طرق الصدق تحول بين المعتقدين في جوانب الحق.

ومن علامات الصدق الاعتقادي أن نقول:" من لم تكن طريقته (= معرفته) تصلح لإنقاذ نفسه من شرور نفسه، من براثن الوقوع في محظورات الرزيلة، فكرية كانت أم خُلقية, فقلَّ أن ينتفع بشيء مما يفعل أو يقول، فنفعه لنفسه كان الأحرى والأوْلى، فضلاً عن نفعه لغيره!". أو نقول:"المعرفة التي لا نفع فيها خيرٌ منها عدمها؛ لأنها في هذه الحالة لا تصبح معرفة بمقدار ما تصبح عبثاً للعقل وطريقاً لتضييع المعقول".

وعليه؛ فإنّ إنقاذ النفس إنما يكون بالمعرفة وبتطبيقها ينتفع المرء بها في حياته، أي المعرفة التي يتوافر فيها عنصر "الصدق الاعتقادي"، وليس "الصدق المعرفي" وكفى. الصدق المعرفي لا يكفي لإرشاد العقل إلى الحقيقة الدينية، أو لاتخاذ مواقف وجودية ترشد إلى المعرفة الرَّبَّانيَّة.

واقع الصدق الاعتقادي يتجسَّد في حياة الأنبياء والأولياء. وواقع الصدق المعرفي يتجسد في حياة الفلاسفة والعلماء وذوي البحوث النظرية المصروفة عن التطبيق العملي للأفكار المطروحة؛ فليس مطلوباً من الفيلسوف ولا من المفكر التنظيري أن يعتقد الصدق الاعتقادي وهو يبحث عن المعرفي؛ أي يروم من الناحية المعرفية الصحة المنطقية الصورية وكفى. وليس مطلوباً من رجل الدين أن يعتقد كما يعتقد الفيلسوف أو المفكر التنظيري الصحة المنطقية دون السلوكية أو العملية. هذان واقعان مختلفان ومقرران على مستوى المعرفة وعلى مستوى الإدراك العقلي المحدد بصورة كل إدراك على حدة.

تجدر الملاحظة أيضاً أن المدركين للصدق الاعتقادي غير المدركين للصدق المعرفي من ناحية أن البناء العقلي الذي يتوافر عليه أصحاب الإدراك الأخير لا يجعلهم يعطون أهمية قصوى للصدق الاعتقادي، وقد لا يطيقون الكلام فيه أو عنه؛ فيحاولون جادين سَدَّ باب الحديث عن درجاته أو عن أي شيء يمس شيئاً فيه. أما الخلفية الأخرى؛ أعني خلفية الصدق الاعتقادي، فهى خلفية ذوقية شعورية توَظف حسب مقتضيات الشعور الديني وتستند إلى مدركات القلب. ومدركات القلب، ذوق وشعور وحساسية وجدانية، وحماسة روحية، وليست هى بالعقل والبرهان والمنطق والصورية. ومن هنا فالصدق الاعتقادي قلبي، والوعي فيه وعي قلبي، فيه التصديق والتسليم أوفر وأقرب مما سواهما؛ فالمدركون من ثمَّ للصدق الاعتقادي غير المدركين للصدق المعرفي؛ فإذا كان الأولون قلبيين؛ فالآخرون عقليون برهانيون، يهمهم المعرفة الصورية؛ فالصدق المعرفي صورة، لا يعول عليها، وليس واقعاً حقيقيَّاً، ولا هو بالطريق الذي يمضي في هذا الواقع؛ ليعزز الإدراك الواثق بقِيَمِهِ في شيء.

*     *     *

أجمع العرفاء من الصوفية على أن "الطريق لسان صدق"؛ لا يتبادر قيد أنملة إلى أذهان أصحابه كذب أو بهتان، ولا ترتقي إليه المطاعن والأدران، ولا يتطرق إليه بُعْدُ عن الحق المنشود في تقرير ما عَسَاهم ينشدون، فعباراتهم دالة أكملُ ما تكون الدلالة في مستوياتها الإدراكية: الخفية المستترة أو الظاهرة البادية، حتى إذا ما كانت الدلالة بمفردها تعطي الصورة الوافية لمثل هذا الإدراك الباطني في العملية الإدراكية للمعاني المنبعثة عن العبارة؛ صارت بالضرورة بموجب هذا الإدراك توحي بما لا يدع محلاً للشك بأن "الطريق لسان صدق"؛ ومعنى أن يكون الطريقُ لسانَ صدق؛ أي أنه يعطي من ذاته التَّصور الأوفى صدقاً في جميع الأقوال والأحوال والأفعال بما ليس يتبادر الكذب مطلقاً على لسان أصحابه أو يخطر لهم على بال.

وإنه ليُخَيَّلُ إليَّ أن جميع الذين يدركون منه بالمعاناة مصداقيته على اختلاف مستويات إدراكاتهم قد لا يلتفتون أحياناً كثيرة إلى ما عَسَاهم يدركون من طريقة إدراكهم تلك؛ ولذلك لأنهم في غيبة حتى عن إدراك العبارة حين تجيء على مثل هذا المستوى الدلالي لتلك المعاني ومدركاتها الجُوَّاِنِيَّة الباطنة؛ أعني المستوى الدلالي من حيث كونه مفهوماً يُسْتَقَى من البنية العميقة - لا السطحية – للعبارة، يدركها مُتَلقيها حين يقولها العارف المخلص الخالص، أو حين يفهم القارئ منها هذا المستوى أو ذاك. لكأنما الوعي هو الذي يحركها فتتحرك من أعلى إلى أدنى، أو من باطن إلى ظاهر، أو من لا مرئي إلى مرئي، أو من خَفي مستتر إلى مجلوّ مشهود.

غير أنه وعي مخصوص بجهة مخصوصة؛ إذْ الوعي الصوفي هو في الأساس "غيبة"! غيبة تحدث في حال الفناء؛ أو تتحرك العبارة بمقتضى الوعي في جميع الجهات كأنها حركة دائرية يتوتر فيها الباطن بفاعلية الوعي في مستوى الدلالة المُوحِية، بطريقة يَنْفَرد بها الإدراك داخل الذات العارفة تعبيراً عن عرفان صاحبها بمستوى معين يتخذ أشكالاً عديدة من التنوِّع المعرفي يصعب معها الوصف في الغالب؛ وأحياناً كثيرة يستحيل التعبير.

وخيرُ مثال على ذلك شذرة قصيرة قالها النفَّريِّ:"... النَّظر ربَّما خَاطَبَ النَّاظر بما لا تَنْقَالُ به عبارة، ولا تحمله ترجمة". والمقصود بالنظر هنا ليس هو النظر العقلي ولكنه نظر المشاهدة الكشفية: الرؤية الشهودية الفاعلة في الوعي الصوفي على التحقيق. تأمل النّفَّريِّ حين يقول:"العِبَارةُ ستر فكيف مَا نُدِبَتْ إليه"؛ تجده يتحدَّث عن مستوى دلالي نعم؛ لكنه خَفيُّ غير ظاهر للعيان، مستور من العبارة في بطن الإشارة، حتى إذا ما كانت العبارة ستر فكيف بما هو مندوبة للتعبير عنه وهو غاية الغايات في التكتم والاستتار.

المستوى الدلالي؛ يتجاوز السطح البرَّانيِّ ليَغُور في العمق الجوَّانيِّ، ويأخذ من أدنى الخطاب ليعطي أعلى الإشارة؛ فهو - من أجل هذا - يُعَدُّ أرفع المستويات في العملية الإدراكية (الذوْقية) مع عزتها وندرتها؛ لا لشيء إلا لأنه أرفع المستويات الناهضة في جانب العمل التطبيقي الذي يخرّجها أي (الخبرة الروحيّة)، فيظهرها في مستوى جدير بالإدراك لمن شاء أن يدركه على صفته المنوطة به مشروطة على شرطه هو لا على شرطٍ سواه. وشرطه هو الذَّوْق المُدْرِك والاستبصار المشهود، ورعاية المثل الأعلى في مطالب الجمال الفني والذوق القويم.

إنما العبارة ذات المستوى الدلالي تُعْطينا تصوراً تنفرد به الخصائص البادية في كل حركة إدراكية داخل الذات العارفة إدراكاً ذوقياً قائماً في بطن صاحبه بمقتضى العرفان؛ ليجيء الإدراك لمقومات الطريق مَوصُوفَاً بالصدق لا لشيء آخر غيره. وليس يخفى أن الإدراك المقصود هنا لهو إدراك الذات العارفة المدركة حتماً من طريق ذائقتها وإنْ لم يكن يكفي محصولها اللغوي بالوفاء بما لديها، ولكن لا تنفصل الذات عن إدراكاتها بكل صورة من صور إدراكاتها الداخلية المغمورة في جوف صاحبها، والمبطونة في تلافيف وعيه الغائر السحيق العميق. ولكننا مع ذلك كله نتساءل: هل كانت كل الطرُق التي يُتَوَصَّل إليها بمثل هذا اللسان الصادق- لا بعينه! - موصوفة بالصدق بغير خلافه، حالاً وقولاً وفعلاً؟

والجواب بالطبع لا. ليست كل الطرق بطبيعة الحال فيها - على ما يبدو - مثل هذا الصدق، ولا هى فيها مثل هذا الإدراك؛ إذْ من الصدق ما هو برَّاني لا يعبر عن الحقيقة الباطنة الخفية ولا يعطي النظر الأوفى لسماحة المثل الأعلى فيما تطلبه آفاق الإنسانية، فضلاً عن أن يصيبها من أقصر الطرُق أو من أطولها، وهو مع ذلك يُسمى الصدق بالمعيار لا بالعمل والانفعال.

فمن الصدق الذي حدَّدناه ننطلق، فنعوِّل هنا بالقطع على الصدق الديني الاعتقادي؛ لنقول: مِن الطُرُق ما لا يمكن الوصول إليه مطلقاً بغير هذا النوع من الصدق. والصدق كما تقدَّم على وجوه: أهمها هنا الصدق في الأقوال والأفعال مشروطاً بفعالية الإخلاص. والصدق في الأقوال مَدْعَاةٌ إلى الصدق في الأفعال ومترجم عنها؛ فالقول الصادق مؤسس على الفعل الصادق.

والذين يَصْدقون في الأقوال يستطيعون أن يتكشفوا من ذواتهم هذا الإدراك العلوي فضلاً عن الوقوف عليه طريقاً للإدراك. إنّ إدراكه إدراكاً مباشراً لا ريب فيه هو من جنس "الذات العارفة" المبدعة عملاً في كافة الأحوال (كأنه السليقة المطبوعة يشع منها الإيمان كما يشع النور من الكوكب الساطع،  أو كما يشع العطر من الزهرة الزكية، مثلما وصف "العقاد" خُلق شاعر الهند الأكبر رابندرنات تاجور).

الصادقون صدقاً اعتقادياً هم أكثر الناس إدراكاً في العملية الفاعلة للإدراك الذوقي وهى التي يعزُّ علينا - نحن الناظرون - إدراكها إذا لم يكن الطريق لدينا كما كان لديهم بالفعل لسانَ صدق.

*     *     *

ومن الصدق الذي حددناه مرة أخرى ننطلق وعليه نعوِّل؛ لتجيء الكتابة هنا إحساساً صادقاً ليس إلا، أي نعم! تكاد تكون الكتابة في غير إحساس صادق نكاية على الكاتب، ونكاية على القارئ سواء بسواء. فأما الكاتب؛ فلأنه يخدع قارئه بما ليس فيه، ولا يرشده إلى حقيقة ما يدَّعيه، يتجرَّد إلى غاية ما يصل إليه من تجرد فلا يصدّقه قارئه، ولا يقدر أن يمضي معه إلى حيث يريد في ظلمات ليس فيها نور من عين القلب ولا بصيرة من بواطن الضمير، يتعالى عليه في غير سمو فيما يقول، ويعطيه أشياء غيره، ولا يعطيه أشياؤه هو، إذْ ليس عنده ما يعطيه:"وفاقد الشيء - قالوا - لا يُعطيه" !

وأما القارئ؛ فلأنه لا يمضي طويلاً مع كاتبه، ولا يصبر عليه، إنْ طال بقاؤه معه، حتى يدرك كذب الكاتب عليه، وانخداعه بما كان قاله له أو بما يريد أن يقوله. وفي هذه وحدها؛ أعني في غياب جهة الصدق، غياب للوعي بين المرسل والمستقبل، أو بين القائل والمتلقي، وإذا حلت الغيبة المفقودة لقناة روحيّة من الاتصال حلَّ الملل والسأم والضيق لافتقار المصداقية. وافتقار المصداقية لفقدان "الصدق" بداية.

ألا.. فكم هى قليلة لحظات الصدق في وعي الإنسان؟ أتدري ما هو وعي الإنسان؟ هو لحظة انفجار قوة باطنة مشمولة بالإحاطة الكاشفة، ليست هذه اللحظة هى العقل، وليست هى واقع حسيِّ يمكن أن تقرأه أو تتنبأ به أو تتكشف خباياه، لا بل هو شيء يفاجئك بغتة ويحيطك فجأة ويشملك من جميع أقطارك ويستولى عليك كليةً: هو عبقرية الوعي الإنساني الذي يطمح فيه المرء في هذه الحالة حتى لكأنه في طموحه يحتاج إلى عنف شديد كيما يستطيع أن يتعامل مع الواقع، فيخضع واقع النفس للتجربة، بمقدار ما يخضع إليها واقع ما هو بإزائه على مستوى ما يُفكر فيه. ومن هنا افترقت الدلالة فأصبح لكل مستوى دلالته.

هذا الوعي من المؤكد أنه شديد دَفَّاق، عالي وليس بالعادي، لدرجة لا يمكن احتمالها، ربما لا يمر على الإنسان في حياته كلها - مع التجربة - مثلما تمر عليه تلك اللحظات، حتى لكأنه لا يمكن أن يكون المرء خلاله قانعاً بما في خطورة وعيه من مدارك هذه اللحظات. قد يكون طموحاً، ربما، لكنه مع كل طموح من هذا النوع، يعطي الحقيقة الباطنة في مجموع ما يدرك وفي مجموع ما يرى. غير أنه في الواقع لا يجد سوى رؤية، هى في الغالب ينظر إليها نظرة ضيقة شديدة الضيق؛ لتتأكد لديه الرؤية؛ وليعطي في تقديره حكمة هو يريدها في أشق اللحظات ولا يريد سواها، هو يحتاج إلى شيء تستند إليه تلك القوة التي تلازمه ساعة أن ينفذ ببصيرته في جميع ما يدرك، إنّ وعيه في هذه الحالة من الأكيد يتلاحق على الفور ليعطي الصورة الدائمة كشفاً للإدراك القادر على التحقيق.

لا جَرَمَ أن الطريقة التي ينجم فيها الوعي بهذه الدرجة لهى الطريقة المُتَفَرّدة يظهر فيها الفكر المتميز والتفرد النادر، مع الشعور، مع الإحساس، مع التأمل مع جميع ملكات الإنسان الظاهرة والباطنة؛ لتصف الإنسان كله من بعدُ بأوصاف لا يقتدر هو نفسه على تصديقها أو تصويرها للغير في صورة كلامية مفهومة أو مقروءة: هو هو الكيان الآدمي كله، الكينونة الباطنة التي يصفو فيها الواقع صفاءً بلا حدود، ويعطي فيها الواقع (أعني واقع التجربة الإنسانية) عطاءه للتفكير الذي ينشده بعض الخُلَّص مِمَّن يَعُونَ مثل هذا الوعي؛ هنا مستوى ما لا يمكن وصفه، مستوي العمى اللُّغوي: فقدان اللغة تماماً، إذْ الوعي في هذه الحالة عالي وليس بالعادي. واللغة تستمد مددها من الوعي العادي، أعني وعي العقل الشارح للوعي العالي بعد التجربة لا فيها ولا معها. إنّ الحالة التي تكون بمثابة هذا الإدراك مصاحبة؛ لهى عينها العبقرية السامية: الحالة التي تعطي حظها من المدارك العليا النافعة للإنسان ولبني الإنسان، ولا تقاس بمقدار ما لا تعطي له مدارك أخرى أدنى ما شاء لها أن تعطي مما لا نفع فيه، و لا ذكر، ولا وعي، ولا إحسان ولا تجربة حقيقة بالممارسة والشهود.

فإنـَّا لنجد "أصل الكتابة" على هذا الذي تقدَّم، في الإحساس الصادق "وعياً" ولا يزيد، لا في الإدعاء الكاذب الذي لا يفيد. أكتب ولا عليك فيما تكتب، أكتب لا عن فكر وكفى، ولكن عن فكر ممزوج بإحساس؛ عن تجربة ومعاناة، وبمقدار ما يفتح الله به عليك تكتب، هنالك يكون الإحساس معيّة، وما دون ذلك هو في الواقع مجرد خيالات تَوَهميِّة لا يمكن أن تقترب من الحقيقة في شيء.

هذا هو بالضبط، أعني هذا الذي هو دون ذلك، ما تؤكده وقائع الكاتبين ويصدق عليهم في كثير من الأحيان صدقاً ليس يمكن أن ينصرف إلى ما سواه. ثم هنالك من يَدَّعُون ويستطيلون إلى أقصى حدود الاستطالة والإدعاء؛ لكأنهم يمتلكون "قلم القدرة"، يكتبون به في غير تواضع وفي غير تفهيم؛ فإلى هؤلاء الذين يكتبون بقلم القدرة، عليهم أن يخففوا الوطء شيئاً فشيئاً؛ فهناك في بعض خلق الله عقول لا تعرف سوى طاقتها، عليهم أن يدركوا أن ليس كل أحد بمقدوره أن يعرف مثل هذا الطريق الذي يكون فيه المرء قادراً على أن يفهم ما عَسَاه يصدر عن "قلم القدرة"! عليهم أن يخففوا من غلواء دعواهم شيئاً فشيئاً.

إنّ قلم "القدرة" كقلم العجز؛ كلاهما سواء فيما لو انطمست البصائر، وعميت المدارك، وفقدت التجربة، وضاقت العقول عن الفهم وغابت عن تفهيم الناظرين.

الواقع يشهد بالصلة القريبة بين الاعتقادات المختلفة على حسب تقديرات المقبول منها أو على حسب ترجيحات المرفوض فيها؛ فكُلُّ يعتقد الرأي ويعتقد نقيضه إنْ لم يكن في نفس الوقت؛ ففي وقت قريب أو بعيد نسبياً، وكثيراً ما تقترب الخلافات البعيدة لتتوحد مع سلامة النية وسلامة المقصد، وإذا توحَّدت المصادر تلاشت الخلافات؛ فما يبدو ظاهراً على الأسطح البرانيّة من خلاف بين بعض الكاتبين هو خلاف اعتباري يزول بزوال العوارض المرجعية. وبمقدار ما يتصل الوعي بالتأكيد على الصفة المثلى المنشودة والتي تناط بتقديرات هذا الواقع يمكن أن يكون المعنى المراد ذا صلة بمفهومه وبمفرداته. قد تكون هذه حقيقة لا يختلف عليها اثنان ممن يدركون واقع الكتابة وتجارب الكاتبين. الكتابة إحساس صادق من الكاتب إزاء ما يشعر به من تبعات، والتبعة شعور أخلاقي؛ لأنها شعور إنساني. والشعور الإنساني هو الذي يطلعك على أفضل الفضائل العظيمة تثبت أمام النظر؛ لأنها تثبت أمام العقول المفكرة على آماد الزمان. (وللحديث بقيّة).

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم