بليغ حمدي اسماعيلفي صوم رمضان خصيصة رفيعة ليست في غيره من العبادات، وهي أن صومه مقرون بالله تبارك وتعالى، حيث يقول رب العزة: " الصوم لي وأنا أجزي به "، ولهذا الشهر العظيم منزلة كبيرة غالية فهو الشهر الذي أنزل فيه القرآن الكريم دستور المسلمين في شتى بقاع المعمورة، واختص هذا الشهر بلية القدر، وفيه كتب على المسلمين فريضة الصيام، يقول تعالى في محكم التنزيل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.

وللصوم معنيان، معنى لغوي يشير إلى الإمساك كما في قول الله تعالى عن مريم عليها السلام: {فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنْ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً (26) {، والصيام في الشرع يعني الإمساك عن الطعام والشراب وجميع المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بشرائط وضوابط خاصة ومضبوطة. أما الصيام من حيث كونه عبادة فهو فرض على أمة الإسلام كما فرض من قبل على أهل الملل السابقة الموحدة بالله تعالى . وأكد الله عز وجل اختصاص شهر رمضان بالصوم لأنه الشهر المبارك العظيم الذي أنعم فيه على عباده المتقين بأفضل وأجل نعمة إلهية معجزة وهي نعمة نزول القرآن الكريم، يقول تعالى: } إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)}.

ومن رفعة هذه العبادة الروحية أن الدعاء فيها لا يرد وإذا كان الدعاء مستحب في كل وقت وحين فإن هناك من الأوقات والأحوال يكون فيه الدعاء أرجى للقبول والله أعلى وأعلم، ومن هذه الأحوال حال المرء وهو صائم، ورسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم) يرشدنا إلى ذلك، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص (رضي الله عنهما) أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: " إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد" (رواه ابن ماجه)، وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً في بيان أهمية ومنزلة الدعاء للصائم: " ثلاثة لا ترد دعوتهم ؛ الصائم حتى يفطر والإمام العادل والمظلوم" .

وشهر رمضان له مكانة في الإسلام لا يضاهيها شهر آخر لما له من فضائل على المسلمين فرداً ومجتمعاً، فمن أعظم علامات الرحمة فيه أن الله عز وجل يفتح أبواب الجنة ويغلق أبواب النار ويصفد الشياطين، عن أبي هريرة (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: "إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين" (رواه مسلم) .وللعلماء آراء في تفسير هذا الحديث جديرة بالذكر؛ فمنهم من قال يحتمل أن يكون المراد أن الشياطين هم مسترقو السمع منهم وأن تصفيدهم يقع في ليالي رمضان لأنهم منعوا في زمن نزول القرآن من استراق السمع فزيدوا التصفيد مبالغة في الحفظ. وقال بعض العلماء إن فائدة فتح أبواب السماء توقيف الملائكة على استحماد فضل الصائمين وأنه من الله بمنزلة عظيمة كريمة.

وفي رمضان جاء الوحي لأول مرة للنبي (صلى الله عليه وسلم)، والوحي في حقيقته حادث ضخم ومثير بحقيقته، ضخم بدلالته، وضخم بآثاره في حياة الإنسانية، ومن أفضل ما قرأت عن الوحي العبارة القائلة: " الوحي أعظم لحظة مرت بهذه الأرض في تاريخها الطويل " .

إن بداية الوحي في حقيقة الأمر النداء الأول للإسلام على أرض البشرية، وهذا النداء يحمل في طياته العديد من الآيات والعلامات والرؤى، ففي حادث الوحي تظهر قيمة العلم وكانته الرفيعة، ولنتدبر قول الله تعالى في أمره المباشر:) اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) (سورة العلق / 1 ـ 5) .

وظاهرة الوحي في ماهيتها حدث ذي وقع قوي وثقيل، وما يؤكد ذلك ما كان يلقاه رسول الله (ص) من شدة وتعب وثقل عند ظهور الوحي، يقول تعالى:) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (5) (سورة المزمل /5) . ورغم ذلك لقد مرأ المستشرقون يحاولون تأكيد ذاتية الوحي، واعتباره أمراً ذاتياً محضاً مرده إلى داخل النفس البشرية، ولكن الوحي استقبال وتلق لحقيقة خارجية .

وقد اجتهد العلماء في تحديد وتصنيف أنواع الوحي، ومنها الإلهام كما قال رسول الله (ص): " إن روح القدس نفثت في روعي "، كما أن الوحي كان يأتي النبي (ص) مثل صلصلة الجرس، كما جاء في الحديث الشريف حينما سأل الحارث رسول الله (ص): " كيف يأتيك الوحي ؟، فقال (ص): " أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت ما قال وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني، فأعي ما يقول " .

واعتاد الرسول (ص) أن يخلو بنفسه قبيل وقت النبوة بغار حراء، وكما تذكر كل كتب السيرة أن هذا كان في شهر رمضان من كل عام، يطعم من جاءه من المساكين، وإذا قضى الرسول (ص) جواره من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به الطواف بالكعبة، قبل أن يدخل بيته، حتى إذا كان الشهر المنتظر من السنة المنتظرة الحاسمة، بل والفارقة في تاريخ البشرية، خرج رسول الله (ص) إلى حراء كما كان يفعل في الأعوام المنصرمة قبل عامه هذا، حتى إذا كانت تلك الليلة الفارقة التي أكرمه الله وأكرمنا الله معه برسالته، وكما ذكر ابن هشام في نصه: " ورحم العباد بها " .

جاءه جبريل (عليه السلام) بأمر الله تعالى، وبأمر منه، ويذكر رسول الله (ص) ذلك في حديثه: " فجاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال: اقرأ، قلت: ما أقرأ، قال: فغتني به حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قال قلت: ما أقرأ، قال: فغتني به حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قال: فقلت: ماذا اقرأ، ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي، فقال:) اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) ((سورة العلق / 1 ـ 5) .

ولاشك أن ما حدث للرسول (ص) لأمر جلل بلا ريب، ما أظن لبشر سواه يستطيع أن يفيق من نومه في مكان مظلم ذي طبيعة جبلية موحشة على ملك من السماء، فما أثبت قلب النبي (ص) وما أشجعه وأقواه .

ولاشك أيضاً في أن الخلوة التي أحبها وفضلها رسولنا الكريم (ص) مع الذكر والعبادة هي التي أنارت قلبه، وكانت نوعاً من الإعداد الخاص، وتصفية للنفس من العلائق المادية البشرية، إلى جانب ما أولاه الله (تبارك وتعالى) من رعاية خاصة هي التي جعلته يستطيع التثبت لهذا الحادث الجلل في تاريخ البشرية .

وكما ذكرنا سابقاً إنه حادث ضخم بحقيقته، وضخم بدلالته، وضخم بآثاره البشرية جميعاً، وإذا تأملنا الحداث الجلل في تاريخ البشرية لوجدناه يقر حقيقة العلم ويرفع مكانته وقدره بقوله تعالى: اقرأ.

ولقد أصيب الرسول (ص) بالرعب والخوف مما حدث له، ومما رأه وسمعه وأحس به، فما كان عليه سوى أنه أسرع إلى بيته حيث سيدة نساء العالمين؛ السيدة خديجة (رضي الله عنها)، وهذا إن دل فإنما يدل على أن محمداً (ص) لم يكن منتظراً للرسالة التي سيكلف بها وسيكون لها مبلغاً ومبشراً ونذيراً للناس وأكد الله هذا في قوله تعالى:) وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ (53) (سورة الشورى /52 ـ 53) .

ومما لاشك فيه أن وقع نزول الوحي على نبينا محمد (ص) كان شديداً كما هو هو واضح في نص ابن إسحاق، واتضح ذلك من حديث النبي (ص) نفسه: " لقد خشيت على نفسي " . ومما يبين شدة نزول الوحي على رسول الله (ص) ما روته أم المؤمنين السيدة عائشة (رضي الله عنها)، قالت: " ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقاً " .

ولصوم رمضان فضائل وفوائد عديدة حيث إن الصوم في حقيقته كعبادة وفريضة بدنية في المقام الأول إلا أنها تحقق رفعة ورقياً للمسلم حيث ترفعه من حضيض الحيوانية إلى المستوى الذي ارتأه الله تبارك وتعالى له، ويذكر العلامة محمد فريد وجدي في كتابه من معالم الإسلام أن هناك حكمة في تدخل الإسلام الحنيف في أمر التغذي، حيث إن الجسم والروح مترابطان في هذه الحياة، والروح جوهر كريم لا تكدره الأعراض، ولكنه مودع في هذا الغلاف المادي، وهو الجثمان، لا يسمح له أن يتصل بالوجود إلا من خلال الحواس التي جعلت فيه، ولا أن يدرك منه ما يدركه إلا بواسطة المادة المخية التي جعلت أداة للإدراك، ولما كان هذا الجثمان مخلوقاً من التراب فهو عرضة لكل ما يعتور الأجساد المادية من الآثار، وأد ما يصيبها منها ما ينصب عليها من ناحية الغذاء، لذلك كانت حاجة الإنسان ماسة إلى تعهد جسده بالمطهرات والمزكيات وليس منها ما هو أفعل فه من الصيام.

ورغم أن الصيام رياضة جسدية إلا أن فوائدها الروحية والانفعالية أجدى وأبقى أثراً ؛ فإذا كان المسلم يمسك عن الطعام والشراب وكافة الشهوات التي بالإفراط فيها تصيب الإنسان بحلات مستدامة من اللذة المؤقتة والقلق والغيرة وربما بعض الاضطرابات البعيدة عن النضج والاستواء، فإن الصيام يحقق للمسلم الاعتدال فلا يكون المرء ضعيف التاثر متبلداً ولا سريع التأثر يثور لأتفه الأسباب التي تؤججها رغباته وشهواته. وهو وسيلة راقية لتهذيب النفس وتحسين الخلق، لأنه يجعل الإنسان في عبادة مستمرة معظم الوقت الذي كون فيه مسيقظاً ـ كما أن الصوم يمنع المرء من اللغو في الكلام ومن البذاءة في اللسان وفي هذا كله تربية روحية للمسلم، يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " الصيام جنة، فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم، إني صائم" .

والمتدبر في فريضة الصوم يدرك على الفور فاعليتها في سمو الإنسان ورقيه فوق شهواته كما أن هذه الفريضة تكسبه فضائل كالصبر والنظام وتحمل المشقة والصعاب، بالإضافة تربيته على قوة الإرادة، فالذي يقاوم دوافعه الفطرية إلى الطعام والشراب والملذات والشهوات يصبح قوي الإرادة، يملك نفسه ويسيرها على طريق الشرع. وما أفجع ما نراه في السنوات الأخيرة بعد أن تحول شهر رمضان إلى احتفالية بعيدة تمام البعد عن الإسلام الحنيف فوجدنا السمر والسهر بغير طاعة أو عبادة وتوسع في المطعم والمشرب ونوم النهار بطوله وغير ذلك من المفجعات التي تضرب صدر الشريعة، وهذا كله عبث وخروج على طاعة الفريضة السمحة التي جعلها الله لعباده طوق نجاة من الشرور والشهوات المهلكة.

ولكن لماذا كان الشكر بالصيام واجباً عن بقية العبادات؟ الإجابة باختزال شديد هو إن الإنسان مكون من روح علوي وجسد سفلي، والجسد له مطالب من جنس عالمه السفلي . والروح لها مطالب من جنس عالمها العلوي، وفي ذلك يقول أستاذي وشيخي الجليل الدكتور زين شحاتة أستاذ التربية الإسلامية وعلومها في كتابه الماتع " على مائدة الصيام في شهر القرآن" إنه عندما يحكم الإنسان جانبه الروحي العلوي في جانبه الأرضي السفلي ويغلب أشواق الروح على نوازع الجسد يصير ملاكاً أو خيراً من الملاك. يقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7)}. (البينة:7)، فبالصيام تقترب روح المؤمن المسلم من النورانية وتشع فيه الملائكية، ويتغلب جانب النور فيه على جانب الظلمة والشهوة.

وقد أشار إلى ذلك الإمام الشيخ أبو حامد الغزالي الغزالي في كتابه " إحياء علوم الدين" بقوله: " المقصود من الصوم التخلق بخلق من أخلاق الله عز وجل وهو الصمدانية والاقتداء بالملائكة في الكف عن الشهوات بحسب الإمكان، فإنهم منزهون عن الشهوات، والإنسان رتبة فوق رتبة البهائم لقدرته بنور العقل على كسر شهوته، ودون رتبة الملائكة لاستيلاء الشهوات عليه وكونه مبتلي بمجاهدتها فكلما انهمك في الشهوات انحط إلى أسفل السافلين والتحق بغمار البهائم وكلما قمع الشهوات ارتفع إلى أعلى عليين والتحق بأفق الملائكة" .

وشهر رمضان ونحن نستقبله يجب علينا أن نقتنص كل لحظة فيه من الطاعات حيث إنه فرصة عظيمة وموسم للتائبين، يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " إذا كان أول ليلة من شهر رمضان، فتحت أبواب الجنان فلم يغلق منها باب واحد الشهر كله، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب الشهر كله وتململت عتاة الجن، ونادى مناد من السماء كل ليلة إلى انفجار الصبح، يا باغي الخير يمم وأبشر، ويا باغي الشر أقصر وأبصر، هل من مستغفر يغفر له ؟ هل من تائب يتوب الله عليه ؟ هل من داع يستجاب له ؟ هل من سائل يعطى سؤله؟ " . ومن فضل الله علينا في هذا الشهر العظيم ليلة القدر خير عطاء إلهي للمسلمين، يقول تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)} (القدر:1ـ5) . وهذه الليلة فيها سلام من الله تبارك وتعالى وسلام من الملائكة النازلين وهم يسلمون على كل مؤمن ومؤمنة وهي سلام للمؤمنين الموقنين ولعظمة هذه الليلة حث النبي (صلى الله عليه وسلم) على قيامها، فعن أبي هريرة (رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: " من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه".

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

ـ أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية (م) .

كلية التربية ـ جامعة المنيا.

 

 

سليم جواد الفهدالأساس الثالث من أسس الفكر السياسي الإسلامي هو مبدا (الحاكمية لله) الذي صاغه المودودي المسلم الهندي تحت ضغط الصراع مع الهندوسية أبان تقسيم الهند في 14 أغسطس عام 1947 وانقسام الهند الى مسلمين وهندوس وتحت ضغط التمايز عن الهندوسية كدين أراد المودودي أن يستعيد بشكل باهت تجربة الإسلام الأول كدين ودولة فنحت هذا المصطلح (الحاكمية لله) من فهمه للآية ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾(يوسف:67). هذا الفهم الأعوج والغبي الذي لا يدرك عمق المعنى في اللغة العربية والعلاقة بين اللفظ ومعناه ومفهومه فقَاءَ مَا فِي عقله المريض من عفن كما َقِيء المريض ما في مَعِدَتِهِ من قذر فسن سنة وضيعة راح ضحيتها الآلاف من الرعاع وبهائم العقيدة.

الإسلام السياسي كتنظيم الذي بني على هذه العقيدة المريضة كان يطمح الى بناء نظام حياة يهيمن عليه هذا التفسير المحدد للدين وهذا التفسير بلا شك اجتهاد بشري يقوم على عدة أصول يتم التوسع فيها ـ والإضافة عليها ـ دائما. ومن هذه الأصول النص القرآني-الذي ناقشناه في تأمل سابق-والنص القرآني عند جميع المسلمين هو "الأمر الإلهي" الملزم قطعا والذي لا يجوز مناقشته أو تبدليه أو تغييره بمعنى أن الاجتهاد مع النص لا يجوز. وهي قاعدة أصولية أكد عليها كل منظري الإسلام السياسي وكفروا القائلين بأن "النص القرآني ما هو إلا نتاج مراحل تاريخية" كما فعلوا مع المفكر الفذ (نصر حامد أبو زيد) وانتهت جل الآراء النقدية التي أخضعت النص الديني المقدس للدراسة العلمية المعاصرة في علوم اللغة بان هذه النصوص هي نتاج زمانها ومكانها ولا يمكن أن تنفصل عن البيئة الزمانية والمكانية التي ظهرت فيها وحملت رسالة تتعلق بحوادث معينة. يقول نصر حامد: "النصوص الدينية ليست نصوصا مفارقة لبنية الثقافة التي تشكلت في إطارها بأي حال من الأحوال. والمصدر الإلهي لتلك النصوص لا يلغي إطلاقا حقيقة كونها نصوصا لغوية بكل ما تعنيه اللغة من ارتباط بالزمان والمكان التاريخي والاجتماعي. ما هو خارج اللغة وسابق عليها ــــ أي الكلام الإلهي في إطلاقتيه ــــ لا يمت لنا نحن البشر بصلة، بالإضافة إلى أننا لا نمتلك الأدوات المعرفية ولا الإجرائية لإخضاعه للدرس، لذلك لا يمكننا إنتاج خطاب علمي حوله، وأي حديث عن الكلام الإلهي خارج اللغة من شأنه أن يجذبنا شئنا ذلك أم أبينا إلى دائرة الخرافة والأسطورة". (حامد أبو زيد، نصر، النص، السلطة، الحقيقة: الفكر الديني بين إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى، المركز الثقافي العربي 1995 م، ص 92).

وفكرة (الحاكمية لله) تستند على النص القرآني كما أراد لها الإسلاميون أن تنسف القوانين الوضعية لصالح الأحكام والأوامر الإلهية لتأسيس طريقة الحياة والإدارة والتي يجب أن تكون على مناهج (السلف الصالح) أي إلى الأصول الأولى والمنابع الأولية للشريعة وكيفية تطبيقها في حياة المسلمين أي العودة الى طريقة حياة أبو هريرة وبلال الحبشي والأقرع بن حابس الكندي.

سنتوقف في هذا البحث على شرح مبدأ (الحاكمية لله) ونحلله لنتعرف على بنيته وتاريخيه وشروط علائقه مع ما سبقه من أسس.

الحاكمية في اللغة: الحاكمية: مشتقه من الفعل: (حكم)، وتأتي على عدة معان منها:(1).

1- القضاء ومنه حكم بين القوم إذا قضى بينهم وفصل الأمر ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾(2).

2- العلم والفقه ومنه قوله تعالى:﴿ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ﴾(3). أي علماً وفقهاً.

3-المنع والرد يقال: حكمت الدابة وأحكمتها أي: منعتها ولذلك يقال: للحاكم بين الناس حاكم لأنه يمنع الظالم من الظلم ويبين الحق من الباطل.

4- الإتقان يقال: أحكمت الشيء إذا أتقنته والحكم: متقن للأمور.

الحاكمية في الاصطلاح:

عرف العلماء الحاكمية بتعريفات متعددة تتفق في مفهومها وتختلف في ظاهرها بزيادة قيد أو شرط كما يلي:

ا- عرف ابن أمير الحاج الحاكمية بأنها:" الحكم علي الأفعال والأشياء من حيث الثواب والعقاب "(4).

ب- عرف السبكي الحاكمية بأنها: " حكم الشرع دون العقل "(5).

ج- عرف الآمدي الحاكمية بأنها:" طاعة الله وحده والالتزام بأوامره ولا طاعة ولا التزام بأمر أحد إلا بأمر الله "(6).

د- عرف سيد قطب الحاكمية بأنها:" إفراد الله سبحانه بالألوهية، والربوبية، والقوامة، والسلطان؛ إفراده بها اعتقاداً في الضمير، وعبادة في الشعائر، وشريعة في واقع الحياة "(7).

ه- عرف زيدان الحاكمية بأنها:" مصدر السلطات في الشريعة الإسلامية وهو الله تعالى"(8).

التعريف المختار:

بالنظر في التعريفات السابقة يظهر أن التعريف المختار للحاكمية هو ما ذهب إليه الآمدي وهو:" طاعة الله وحده والالتزام بأوامره ولا طاعة ولا التزام بأمر أحد إلا بأمر الله ".

الحاكمية في سياقها التاريخي.

بدأت دعوى الحاكمية الالهية خدعة في حرب صفين عندما طلب الخوارج من الإمام علي بالاستجابة لمبادرة معاوية للصلح وهتفوا: (لا حكم الا لله) (الحكم لله وليس لك يا علي) في اشارة الى المصاحف التي رفعها جيش معاوية على الرماح. وقد استجاب الامام علي لنداء التحكيم لكنه وصف دعواهم بأنها: (كلمة حق يراد بها باطل). والرواية ذكرها ابن الاثير كالتالي: (قال ابن الأثير: «فلما رأى عمرو أن أمر أهل العراق قد اشتد وخاف الهلاك قال لمعاوية: هل لك في أمر أعرضه عليك لا يزيدنا إلا اجتماعاً ولا يزيدهم إلا فرقة؟ قال: نعم. قال: نرفع المصاحف ثم نقول لما فيها: هذا حكم بيننا وبينكم فان أبى بعضهم أن يقبلها وجدت فيهم من يقول: ينبغي لنا أن نقبل، فتكون فرقة بينهم، وان قبلوا ما فيها رفعنا القتال عنا إلى أجل. فرفعوا المصاحف بالرماح وقالوا: هذا حكم كتاب الله عزّ وجل بيننا وبينكم من لثغور الشام بعد أهله؟ من لثغور العراق بعد أهله؟ فلما رآها الناس قالوا: نجيب إلى كتاب الله» (9).

وفعلا كان دهاء عمرو بن العاص في محله فمفهوم الحاكمية من المفاهيم الملتبسة والغامضة غير المتمايزة ويمكن توظيفه لخدمة اغراض شخصية واخرى سياسية. فالمفهوم يوحي بدلالات واسعة تجعل المسلم البسيط يقدم على التضحية بنفسه حينما يتعامل مع المفهوم بسذاجة عالية وقد استقطبت هذه الخدعة في حرب صفين عددا كبيرا من الخوارج ممن طالبوا الامام علي بوقف القتال والتفاوض مع معاوية لكنه لم ينطل على العقول اليقظة لأنه مفهوم ملتبس في حدوده وتفصيلاته فلا ينبغي الانسياق مع ايحاءاته العاطفية.

هذه المقولة ليست لاهوتية كما يزعم كهنة الإسلام السياسي بل هي مثال صارخ لمقولة إيديولوجية أي صادرة عن وعي زائف وحاملة لخطاب كاذب ومنافق من حيث أنها كمقولة تأويلية غير مطابقة لموضوعها وهو هنا النص القرآني.

المودودي والحاكمية

ومعروف أن أول من صاغ عقيدة الحاكمية الإلهية هو الباكستاني ابو الاعلى المودودي قبل أن ينقلها عنه ويدخلها الى الحقل التداولي للثقافة العربية المعاصرة سيد قطب المؤسس الثاني لحركة الإخوان المسلمين والذي جعل من نفسه سيفا للتخلف والرجعية مشهورا الى الآن بيد كل شذاذ الآفاق والمعوقين نفسيا من دعاة الإسلام السياسي. وبتنظيراته صارت الحاكمية عقيدة مشتركة لجميع التيارات الإسلاموية المتطرفة.

ولد المودودي في مدينة "أورنك آباد الدكن"، بمقاطعة حيدر آباد عام1903 م ومات عام 1979 م. وكان أبوه سيد أحمد حسن مودود الذي ولد في دلهي بالهند سنة (1850م) وبعد ولادة المودودي بنحو عام اعتزل الأب الناس، ومال إلى العزلة التامة، فنشأ أبو الأعلى في ذلك الجو المنعزل، وتفتحت عيناه على تلك الحياة التقليدية.

وقضى أبو الأعلى طفولته الأولى في مسقط رأسه في مدينة "أورنك آباد الدكن"، بمقاطعة حيدر آباد، وكان أبوه معلمه الأول، وقد حرص أبوه على تنشئته تنشئة دينية، واهتم بتلقينه قصص الأنبياء والتاريخ الإسلامي، وكان يصحبه إلى مجالس أصدقائه من رجال الدين. ولك أن تتصور كيف سينشأ طفل في هذا الجو المتعصب حتى ان ابوه لم يقبل أن يتعلم ابنه في المدارس الإنكليزية الموجودة في ذلك الوقت خوفا من أن تتغير ثقافته الإسلامية وينشا نشأة عصرية. فنشأ المودودي هذه النشأة التقليدية التي تشبه الى حد كبير نشأة اليهود المتعصبين في الجيتو اليهودي.

مفهوم الحاكمية عند المودودي

يقول الدكتور حسن حنفي في شرح الحاكمية عند المودودي: تعطى الحاكمية لله تصورا مركزيا للعالم. فالله قمة الكون خلقه ويحكمه ويسيطر عليه فالأنبياء هم المعلنون عن هذه الحاكمية، ومعهم القادرون على السير على هداهم. وتنبع السيطرة على الكون بكل ما فيه حدا لا يستطيع معه أحد الخروج عنه، فلا تكن الا عبد الله ولا تأتمر الا بأمره ولا تسجد لاحد من دونه فانه ليس هناك من صاحب جلالة فالجلالة كلها مختصة بذاته جل وعلا، ولا شارع من دونه، فالقانون قانونه، ولا يليق التشريع الا بشأنه، ولا يستحقه الا هو، ولا ملك ولا رازق ولا ولي الا هو، وليس من دونه من يسمع دعاء الناس ويستجيب لهم، وليست مفاتيح الكبرياء والجبروت الا بيده، ولا علو لاحد ولا سمو في هذه الدنيا فكل من في السماوات والارض عباد أمثالك والرب هو الله وحده. فارفض كل أنواع العبودية والطاعة والخضوع لاحد من دونه، وكن عبد الله، قانتا مستسلماً لأوامره". (د. حسن حنفي أثر أبي الأعلى المودودي على الجماعات الدينية المعاصرة).

وتتمثل حاكمية البشر في ثلاثة نظم: العلمانية، والقومية، والديموقراطية وهي النظم التي سيطرت على الحياة السياسية في الغرب. فالعلمانية تعني عزل الدين عن الحياة الاجتماعية للأفراد وقصره فقط بين العبد وربه. أما القومية فأنها تقوم على مصلحة الامة ورغباتها بصرف النظر عن مصالح الامم الاخرى ومن ثم نشبت الحروب بين القوميات، والويل للمغلوب فلا مكان للضعيف. أما الديموقراطية هي الدولة الحديثة التي تتمثل فيها حاكمية البشر في الغرب والتي يرغب المسلمون في تقليدها. وهي نظم كلها ترفض الحاكمية لله وبالتالي تجعل الفرد خاضعا لشهواته ورغباته، وتجعل المجتمع خاضعا لأهوائه ومصالحه. وفي غياب حاكمية الله لا يوجد مكان الا للشيطان الذي يبشر بالإلحاد والعنف. (د. حسن حنفي أثر أبي الأعلى المودودي على الجماعات الدينية المعاصرة).

ونتسأل الآن يا ترى ماذا لو ولد المودودي في عائلة هندوسية متعصبة؟ بالطبع سيكون متعصبا هندوسيا!

يرى البليهي، أن مشكلة المسلم كامنة في انغلاقه ووثوقيته، واستعلائه الكاذب؛ فنحن رغم ضعفنا المخزي، وهواننا المكشوف، مازلنا نتوهم أننا مركز العالم، وأن الحقائق في جانبنا واضحة، وأن العالم لا يريد أن يعرف الحقيقة الجلية، وسر هذا الانتفاش الكاذب مصدره التربية الأم؛ ذلك أن البرمجة التي يخضع لها الطفل، والمعرفة التلقائية التي يتلقاها من المؤسسات ما قبل المدرسية، تجعله يتشرب جرعات كبيرة من بادئ الرأي المناقض لمقتضى العقل والواقع، لكن الأخطر من ذلك أنه يمتص أوهام الامتياز والاصطفائية. كما نرى قدرة النسق على تزيين هذا الأسر الثقافي، في حين أن الأفراد لا يدركون ذلك، بل يعتقدون على العكس منه، أن رؤوسهم تستضيء دوما بالحقائق، بل ويزدادون عجبا من الآخر؛ فكيف إذن لا يشاطروهم نفس القناعات، على وضوحها ونصاعتها. (إبراهيم البليهي بنية التخلف، منشورات كتاب الرياض العدد 16 أبريل 1995م).

يقول أحد الباحثين: (وعمليا فان كلمة الحاكمية الالهية كانت وراء استغلال الدهاة وضلال السذج، فقد استغلها أدهى الدهاة عمرو بن العاص عندما رفع المصاحف على اسنة الرماح ليعلي باطل معاوية على حق علي. وانخدع بها الخوارج فخذلوا عليا وهو اتقى الاتقياء، ومكنوا معاوية من الانتصار بحجة لا حكم الا لله... حكمت الرجال في دين الله) (10).

آيات الحاكمية

*مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ولكن أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (يوسف:40).

* ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (يوسف:67).

* إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فأولئك هُمُ الْكَافِرُونَ ﴿المائدة44﴾

نفهم من خلال تحليلنا لمستويات الخطاب القرآني في موضوع الحكم انها مستويات متعددة الدلالة ولا تشير من بعيد أو قريب إلى الحكومة أو(الحاكمية) بالمعنى السياسي لهذه الكلمة ففي سورة يوسف يرد تعبير ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ) مرتين وفي كلتيهما لا دلالة على أي معنى سياسي بل فقط توحيدي أي رافض لشرك المشركين وهم في سورة يوسف آل فرعون بطبيعة الحال.

أما بالنسبة لسورة المائدة فمراد الحلال والحرام وتطبيقه وأن كره الناس فواضح وضوحا تاما والعجيب أن هذه الجملة الاخيرة من الآية (44) من سورة المائدة هي التي يشهرها دعاة الإسلام السياسي ليجعلوا من القرآن دستورا سياسيا وليطالبوا بتطبيق الحاكمية الإلهية ولكن بما أن سياق الآية هو ان التوراة تتضمن حكم الله وأن من لم يحكم بما أنزله الله فيها فقد كفر فقد كان يفترض بأنصار الحاكمية الإلهية لكي يكونوا منطقيين مع أنفسهم أن يتخذوا من التوراة دستورا سياسيا الى جانب القرآن كما تشير الآية بوضوح. والخلاصة أنك أينما ذهبت في تفسير آيات الأحكام لن تجد آية واحدة ذات دلالة سياسية أو دستورية وكل ما ستجده هو التالي:

1 - الحكم بمعنى التحليل والتحريم في أمر العبادة والدين.

2 - الحكم بمعنى القضاء والقدر.

3 - الحكم بمعنى النبوة وسنة الأنبياء.

4 - الحكم بمعنى القرآن وتفسيره.

5 - الحكم بمعنى الفهم والعلم والفقه.

6- الحكم بمعنى القضاء وفك الخصومات بين الناس.

للحديث بقية.

 

سليم جواد الفهد.

............................................

(1) انظر، ابن منظور: لسان العرب، 12/140-145، مادة (حكم).

(2) سورة النساء، الآية 58.

(3) سورة مريم، الآية 12.

(4) انظر: ابن أمير الحاج: التقرير والتحبير، 2/119.

(5) انظر: السبكي، الإبهاج في شرح المنهاج، 1/135.

(6) انظر: الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، 1/119.

(7) قطب، معالم في الطريق، ص42.

(8) زيدان، الوجيز في أصول الفقه، ص69.

(9) الكامل، لابن الأثير، ج3، ص316.

(10) جمال البنا، الاسلام دين وامة وليس دينا ودولة، القاهرة، دار الفكر الاسلامي، ص 279.

 

 

حاتم حميد محسنهل ستتمكن سياسات ما بعد الحقيقة Post-Truth Politics إنهاء مشروع التنوير؟ الصحفيون والسياسيون استخدموا تعبير "عالم ما بعد الحقيقة" و"وسياسة ما بعد الحقيقة". بعض ما بعد الحداثويون رحّبوا بهذا العصر الجديد. هم يدّعون بحماس ان هذا العصر سيكتب نهاية مشروع التنوير. هذا الادّعاء يبدو صحيحا. ذلك لأن التنوير تبنّى مشروع السعي للحقيقة امام الدوغما الدينية والتعصب السياسي. التنوير أيّد وناصر العلوم التجريبية وطرقها المضادة للأحكام الدينية المرتكزة على الانجيل و سلطة الكنيسة. انه طالب باستخدام العقل والتبرير العقلاني في المؤسسات الاجتماعية المعادية للسعادة الانسانية. التنوير كافح من اجل حرية الكلام وحرية الصحافة في وجه الرقابة الدينية والسياسية.

ان التعبيرات المضللة والسيئة لـ "عالم ما بعد الحقيقة" و"سياسة ما بعد الحقيقة" برزت من نقاشات عام 2016 حول استفتاء بريطانيا على عضوية الاتحاد الاوربي وانتخابات الرئاسة الامريكية. في كلا الموضوعين جرى تطوير الكذب من جانب السياسيين والصحفيين. الكذب، ايضا يُعرف بـ "حقائق بديلة"، واصبح له رواجا سياسيا شرعيا. العديد من السياسيين الذي يلتمسون أصوات الناخبين لم يكونوا مهتمين بالجدال المنبثق من الحقائق المؤسسة جيدا والمدعومة بالدليل للوصول الى استنتاجات صحيحة. كل ما يهم هو الحصول على أصوات الناخبين لتمكينهم من الوصول الى الحكومة او لتحقيق اهدافهم الخاصة لا يهم كم هو حجم الكذب او مقدار التشويه في الحقائق. سياسات ما بعد الحقيقة هي متابعة الأهداف السياسية بصرف النظر عن الحقائق او الدليل المتوفر. أحكام الخبراء، المحامون الدوليون والمؤسسيون، علماء المناخ والمحافظون والاقتصاديون وعلماء السياسة، جرى تنحيتهم جانبا على اساس ان الخبراء احيانا يرتكبون الاخطاء. ولكن لم يتم توضيح ادّعاءات ما بعد الحقيقة التي يعرضها صحفيون وسياسيون جاهلون وليسوا ذوي اطلاع في انهم انجزوا مناعة ضد الخطأ . لم يكن لديهم الدليل المناسب. ما عرضوه كان فقط الادّعاءات الحادة والسخيفة للسياسيين الشعبويين والكارزميين الذين يعتبرون الولاء للصحف الكبرى يفوق كثيرا أي اهتمام بالحقائق او العقل. لابد من دفع الثمن الحتمي لتجاهل الحقائق وإهمال الحكم العلمي والتعليمي ونبذ التنبؤات العقلانية المتأسسة جيدا . لكن التكاليف بدأت على الارض. هذه التكاليف تتمثل بالضرر الذي وقع على روح الديمقراطية النيابية وضبابية التمييز بين الحكم الديمقراطي والحكم الديموتي (الشعبوي) demotic rule.

كيف نعرّف الحقيقة؟

ما يقوله الكائن البشري هو اما صحيح او كاذب. وعليه، فان الأفكار، العقائد، الشكوك، الحدس والتخمين للكائن البشري الذي يعبّر عن ذلك، هي ايضا تكون اما صادقة او كاذبة. الشيء الذي يُعبّر عنه بـ"ادّعي، أعلن، صرح، كشف" هو صحيح اذا كان الشيء هو بالفعل كما قيل عنه . لا توجد اشياء مثل الحقيقة التجريبية النسبية، لاشيء من قبيل "صحيح بالنسبة لي"او "صحيح لك". فقط الرأي هو الحقيقة، وان الافضليات التي ربما تُبرر او لا تُبرر عقلانيا، يمكن ان تكون ذاتية بهذه الطريقة. الشيء يكون صحيحا اذا كان قد تأسس بواسطة الملاحظة والتجربة. انه احيانا يأتي من شخص ما يحاجج بآمان ولا حاجة ضرورية للجدال معه. ان انكار الحقيقة لا يضع حقيقة بديلة وانما الكذب. هل كونك معقول هو نفس كونك عقلاني؟ السمة المعرّفة للبشرية التي تميزنا عن الحيوانات الاخرى هي قدرتنا على التفكير. تلك القدرة لا هي هدية من الآلهة ولا هي اسطورة، وانما نتيجة لكوننا مخلوقات نستعمل اللغة. القدرة على التفكير تتضح في التفكير. التفكير يرسم استنتاجات من المقدمات او الافتراضات التي تبرر الاستنتاجات. عقل المرء يكون جيدا عندما توفر افتراضاته اسبابا جيدة للايمان بان الاستنتاج صحيح. الكائن العقلاني قادر على تمييز شيء ما كسبب، وهو قادر على وزن الاسباب، التشاور مع العقل، والوصول الى استنتاج على اساس من الأسباب. العقل يقوم بمهمتين اثنين هما الارشاد والتنظيم. عبر استخدام العقل نحن لدينا مرشد لأفكارنا وأحكامنا المتعلقة بالأشياء وبقراراتنا المتعلقة بما نريد وما نعمل، وبمشاعرنا لأننا لدينا عقول للتفكير وللفعل . باستخدام العقل نحن نتحكم بميولنا القوية للتفكير والفعل والشعور لأسباب سيئة او بدون أسباب. القرار باختيار ممارسة قدرتنا العقلانية هو متروك لنا. المخلوقات التي تستطيع التفكير هي وحدها تستطيع الاجابة على سؤال "لماذا"؟، هم يستطيعون تبرير ما يعتقدون به، ما يشعرون به، ما ينوون القيام به، ويستطيعون تبرير وتوضيح ما اعتقدوا او، شعرو به او فعلوا. قدرتنا على التفكير لها وجهان: كوننا عقلانيين rational وكوننا معقولين reasonable. كل شيء معقول هو عقلاني ولكن ليس كل ما هو عقلاني معقول. الرجل الاقتصادي العقلاني هو نموذج للامعقولية. المرء يكون عقلانيا اذا كان تفكيره صالحا و لا يتأرجح بالاعتبارات غير الملائمة.ولكن احدا ربما يكون عقلانيا في متابعة أهداف سخيفة او شريرة، او يسعى لهدف فردي (مثل مضاعفة الربح) في عدم اعتبار جميع الآخرين ومتناسيا الخير للناس الاخرين. كونك عقلانيا، بهذا المعنى، مرتبط بالاداتية Instrumentality. المعقولية وهي الوجه الآخر لقدرتنا في التفكير ترتبط بتقدير القيم وتعدديتها من حيث الوعي بالاهتمامات الشرعية للآخرين، وبالمقدرة على التوازن بين الادّعاءات المتصارعة للناس والمواقف. اللاعقلانية تتعارض مع كل من المعقولية والعقلانية.

ما هو مشروع التنوير؟

التنوير كان حركة فكرية اوربية - امريكية برزت في النصف الثاني من القرن الثامن عشر في مراكز متعددة وفي اوقات مختلفة. أعضاء حركة التنوير كانوا جماعة صغيرة من المثقفين تضم الفلاسفة والعلماء الذين كانوا يكافحون تمايزات عصرهم وكذلك شخصيات نقدية بارزة. التنوير كحركة عالمية اكتمل في مؤتمر فيينا عام 1815، مع إعادة ادخال النظام القديم في كل اوربا، وإعادة تفعيل الكنيسة، وكبح حرية الكلام والدين، وإحياء قوانين العقوبات الوحشية. مشروع التنوير مستمر حتى اليوم، وحاليا هو تحت تهديد خطير من اصوات الوطنية اللاعقلانية، الخوف من الاجانب، التعصب الديني، متطلبات الاقتصاد الرأسمالي لتعظيم ارباح الشركات ونمو الاقتصاد القومي في تجاهل الأهداف الاخلاقية والاجتماعية الاخرى، وهو يواجه ايضا تهديد سياسات ما بعد الحقيقة.

التنوير لم يكن عالميا فقط بالعضوية ومراكز النشاط، وانما هو عالمي في الروح ايضا لأنه ادّعى ودافع عن التبادل الدولي الحر للافكار والمعرفة العلمية (حتى في وقت الحرب) وطوّر برامج للسلام العالمي (كانط). رجال التنوير وافقوا على فكرة الامم المتحدة (ولكن ليس على تطبيقاتها). رجال التنوير الاوائل (مثل فولتير) لم يدعموا الديمقراطية وشعروا بالارتياح مع النظم الاوتوقراطية شرط ان تكون تنويرية ذات سلطات دستورية محددة. الأعضاء اللاّحقين مثل (بنثام Benthan، باين Paine، غودون Godwin) دعوا الى الديمقراطية النيابية. في الواقع، جميعهم امتلك الايمان بالتقدم الاخلاقي و السياسي والقانوني الذي ينتج ليس من الثورات وانما من الاستخدام الحر للعقل وتطوير العلوم التجريبية. معظم مفكري التنوير كانوا مؤيدين لحقوق الانسان العالمية (باين، كانط) وكافحوا باقلامهم الكبيرة لأجل الاصلاح الجنائي وضد الاعتقال التعسفي واستخدام التعذيب القضائي والتطبيق الواسع لعقوبة الاعدام (بيكاريا Beccaria، بنتام). في الحقيقة، جميع أعضاء التنوير كانوا ضد رجال الدين . أعضاء الحركة الاوائل مالوا نحو الروحانية تبعهم فيما بعد اللاادريون ليتطوروا اخيرا الى ملحدين في اواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر. هم لم يسعوا الى تحطيم الدين وانما دعوا الى التسامح الديني (ليسنك Lessing). معظمهم طالب بفصل الكنيسة عن الدولة، وازالة السلطة الدينية من التعليم. هم فضّلوا تعليما عالميا وانتشار المعرفة المرتكزة على بحوث تجريبية سليمة وعلى نظرية علمية موجهة نحو تحسين ظروف الانسان. وبقدر ما يتعلق الامر بالاخلاق، هم رفضوا الرؤية الثيولوجية القائلة بانه في غياب الايمان الديني والامتثال فلن تكون هناك اخلاق طالما ان الاخلاق تتأسس على مثال ديني. بالعكس، طبقا لمفكري التنوير، الاخلاق ظاهرة طبيعية يمكن توضيحها بالاشارة الى التعاطف الانساني الطبيعي والحاجات الطبيعية للتعاون الاجتماعي (هيوم، آدم سمث)، او بالاشارة للاستعمال الطبيعي للعقل الانساني المستقل (كانط).

ماهي نتائج فقدان الايمان بالعقل؟

إهمال الايمان بالعقل سيخلق فراغا ما لم يتم افتراض بديل. ولكن الدعوة الى خيارات مثل (الوطنية الهائجة، كراهية الاجانب، الاصولية الدينية) هي ذاتها تستلزم اللجوء الى اسباب سيئة وفقيرة تخضع لمحكمة العقل. جزء من الالتباس بالتأكيد يبرز من الفشل في التمييز بين وسيلة العقلانية الاقتصادية والمعقولية. الاحباط من العولمة، سوء توزيع الثروة، الوصول الى المنافع الاجتماعية (الرفاهية، الرعاية الصحية، التعليم)، والاغتراب السياسي لايمكن اصلاحها باللاعقلانية، وانما فقط عبر المعقولية والنقاشات المعقولة. عندما ينهار ذلك، سيحصل الخراب المجتمعي.

هل نحن نعيش في عالم مفرط في العقلانية والمعقولية؟

كلا، ليس كذلك ابداً . افتقارنا للاستجابة الجادة للتحديات الكبرى التي تواجهها البشرية، مثل الاحتباس الحراري، الانفجار السكاني، لم يكن عقلانيا ابدا. نحن نندفع كالقوارض نحو هاوية الارتفاع بمقدار اربع درجات في حرارة العالم في نهاية القرن وسكان بمقدار 11.5 بليون نسمة.

شكلنا الحالي من الحياة المادية، الاستحواذية والشديدة المنافسة والغير آمنة، يستلزم تفكك العائلة وإضعاف الهوية الاجتماعية، وفهم التعليم ليس كخير في ذاته وانما فقط كإعداد للمشاركة في اقتصاد السوق، وفرض نموذج اقتصاد السوق وعلاقات النقود على العلاقات الانسانية وعلى كل المؤسسات الاجتماعية (المدارس، الجامعات، المستشفيات، الخدمات العامة، الحياة الثقافية للامة)، وكل ذلك ليس عقلانيا .

اي من هذه القضايا او غيرها من المشاكل الاخرى سوف لن تُحل بالمزيد من اللاعقلانية واللامعقولية. هي يمكن حلها فقط بتحديد الحقائق ومواجهتها بالنقاشات العامة والحجج المعقولة. 

 

حاتم حميد محسن

 

حسن خليل حسن(ان الارنب لا يخاف من الاسد لأنه اذكى منه: كتاب كليلة ودمنة)

كان النفط وما زال مصدراً اساسياً لدخل العراق ومعظم دول الشرق الاوسط وبالأخص دول الجزيرة العربية، ولعقود طويلة لم يحقق النفط لأي منها وجوداً معنوياً ولا قوة اقتصادية مرجوة، فمعظم الدول العربية استنزفت عوائد التصدير منذ اكتشاف النفط في اليمن (الحديدة) في العام 1912 وانتاجه في العراق 1925 وبعده دول الخليج الاخرى الى يومنا هذا في الاستهلاك والانفاق غير الانتاجي الا ما ندر، بل على العكس اصبحت هذه العوائد وبالاً على اغلب الشعوب العربية حين ساهمت بصناعة الجمهوريات المستبدة والمماليك المتوارثة والحروب المفتعلة ناهيك عن اشاعة ثقافة الاستيراد السلعي والاتكالية والاستهلاك الفاحش والوظائف غير المنتجة، ولم يفلح نفط الجزيرة العربية بصناعة ناتج قومي مستقر واستثمارات حقيقية تضمن للأجيال حياة كريمة ومستقبل مقبول في ظل تنامي المنافسة في العالم في التصنيع والابتكارات وتطوير المهارات، عدا بعض المحاولات القليلة من بعض دول الخليج في الاستثمارات الزراعية خارج اراضيها القاحلة او محاولات متأخرة لدعم قطاعات النقل والموانئ والمدن التجارية والسياحية بالاستفادة من عوائد النفط، وباستثناء ذلك لم تزل البطالة تشكل القاسم المشترك لحوالي ثلث او اكثر من القوى العاملة في هذه البلدان.

كما ان من نتائج الاعتماد على الريع الأحادي من تصدير النفط هو ما نشاهده من اجيال كسولة انتجتها التخمة المالية وافواج من العاطلين والموظفين الخاملين لن لم يكونوا فضائيين بعد ان توقفت نشاطات الانتاج والتصدير واستعيض عنها باستقدام العمالة الاجنبية والاستيراد السلعي لجميع الحاجيات الى درجة انك لا تشاهد في الاسواق سوى باعة يملئون الاسواق الرئيسية والفرعية والازقة بل اصبح بيع المستورد يملئ الدور التي توصل الطلبات الى ابواب منزل المستهلك..!! وشمل ذلك جميع انواع السلع حتى وصل الى استيراد الخضروات والزهور والالبان والمياه المحلاة وحتى ملح الطعام والاكياس الورقية والنايلون، هذه الحال تركت المجتمع المؤلف من 40 مليون انسان عراقي بين سندان الموازنة المرتكزة على اسعار النفط ومطرقة البطالة والبلادة الانتاجية لدى شعب صنع العجلة وشرع قانون حيازة الارض ورعايتها وانتج الحرف الذي استفادت منه البشرية في صناعة حاضر مشرق بالإنتاج والابداع والاكتفاء بينما اكتفى هو باستيراد ما تنتجه البلدان ولم يستخدم يده سوى بأنفاق ما تجود به الموازنة من راتب شهري مهدد في السنوات القادمة، ما دام الصناعي اصبح كاتباً والمزارع اصبح موظفاً والموظف اصبح مستهلكاً، ان هذا الحديث يبدو ثقيلاً على مجتمعاتنا لكن بمجرد النظر الى مزايا العراق وتنوع موارده الطبيعية وثرواته البشرية المتمثلة بالعقول الخلاقة القادرة على التأقلم مع متطلبات المراحل الحرجة سيدرك القارئ ان في الكلام وجهة نظر. بعد ان ظهر حجم الجمود الذي انتاب هذا الشعب الحي بداعي الوفرة المالية المتأتية من النفط، بينما اثبتت تجارب الحروب والحصار الاقتصادي في تسعينيات القرن الفائت، لكن مقارنة تلك القدرات القومية الرهيبة مع الانتاجية الصفرية الحالية التي وصل اليها العراقي

ومع اقتراب نهاية قرون من اعتماد العالم على استهلاك الوقود الاحفوري في توليد الطاقة فان جائحة كورونا اعطت انذاراً مبكراً واخيراً للدول التي اعتمدت طويلاً على عوائد النفط، اذ من المؤمل ان يتضاءل الاعتماد على مشتقات النفط في العام 2035 ، وبحسب خبراء الطاقة فان آخر سيارة تعمل بالبنزين ستصنع في العام 2034 واليك ان تتصور ما ستكون عليه حال الصناعة النفطية بعد 14 عاماً من الان...!!

ان الحديث عن واقع اقتصادي مؤسف دون اعطاء اشارات نجاة يبدو بلا طائل، لذا سنعرض جزء من الامكانات الاقتصادية والانتاجية في العراق لنرى هل نحن شعب سوف يفلس اذا رفعت عنه عوائد البترول؟؟ كما سحاول ان نضع خطوط عامة للحلول التي بأيدينا على وفق الظرف الراهن من ولقع المجتمع الاستهلاك وموارد طبيعية وتاريخية مع الاخذ بنظر الاعتبار التضخم السكاني وتقلص حجم المياه السطحية المتدفقة وتصحر الاراضي الزراعية، ولتكن البداية من مصادر دخل غير مرصودة كثيراً، ولعل اهم الموارد الوطنية التي ينبغي العمل على وضع الخطط التنموية لها مستقبلاً ما يلي:

1- تفعيل مبدأ صناعة الفرد المنتج ودحر ثقافة الاستهلاك: ان اول ما يراد تطبيقه هو تغيير نمط التعامل مع الموارد عن طريق استقطاب ورعاية الابداع الانساني وتوجيهه الى العمل بمختلف الانشطة الاقتصادية من زراعة وتصنيع وتجارة وخدمات وبناء وبث وعي مجتمعي لجميع الفئات بضرورة توظيف الطاقات ضمن الفعاليات الانتاجية لتحقيق الاكتفاء الذاتي، واتباع الاسلوب العالمي الحديث القائم على الابتكار والتجديد والمنافسة والبدأ بتطبيق نظريات بحثية وبراءات اختراع ظلت حبيسة صدور اصحابها في مجلدات وكتب ومنشورات ومختبرات الصناعيين والكيمياويين والالكترونيات وبحوث البوليمر والاستزراع والاغذية وكيمياء الادوية والتصنيع الالكتروني والحرفي وغيره من اشكال الابداع العلمي والتخصصي في العراق، والالتفات الى ما لم يؤخذ بايدي اصحابه ومبدعيه من قبل القادة والمسؤولين، ان مهمة ومسؤولية استخراج كنوز العراق الاقتصادية تحتاج الى قيادة رشيدة ومواطنة صالحة واستقدام تجارب عالمية واقليمية ناجحة في ادارة الموارد في زمن الكساد النفطي والاستفادة من خبرات الكفاءات المنتجة سواء العائدة من دول مزدهرة او التي عكفت على التطوير داخل العراق، وهنا لابد من القول ان الاستضاءة بخطوات الاستثمار التي انتهجتها العتبات المقدسة في كافة القطاعات من التجارب الملهمة التي يندر تكرارها، وبالرغم من منطلقاتها بدأت عقائدية الا ان امتداداتها المعاصرة اصبحت ذات جدوى ونفع اقتصادي خدم الجماهير في اهم القضايا المصيرية واصبح الدعم اللوجستي والصحي والتجاري والفكري من السياقات والتجارب المعاصرة التي نحتاج الاستفادة منها، ولعل اهم ما يميزها هو استقلاليتها التامة عن الحكومة المركزية، ان لعب دور مؤسساتي اكبر للمنشآت الاقتصادية يحتاج الى تأصيل وتوظيف ومحاكاة هذه التجربة الفريدة على المستوى الوطني بالإضافة الى التجارب الاقليمية الناجحة .

2- العوائد الاستثمارات البحرية والمينائية: لن ننفق وقتاً في الحديث عن الصيد البحري والاستزراع الساحلي واستثمار الاملاح البحرية وتسخير طاقة المد والجزر التي تحرك المياه بسرع عالية 4 مرات يومياً وامكانية توليد الطاقة، لكن لنتحدث عن القدرات المينائية المحورية للعراق في مشروع عالمي هو طريق الحرير الذي سيغير ميزان القوى الاقتصادية، اذ يهدف المارد الصيني الى لعب دور عالمي اكبر في التجارة بعد تحقيق مشروع الربط البري والبحري والجوي (الحزام-الطريق) الذي يقع العراق في نقطة محورية منه في الربط بين اسيا واوربا وما يمكن ان يصنع من نقلة اقتصادية رهيبة للعراق وتوفير فرص عمل ويكفي ان الكويت التي تحاول الهيمنة على دور العراق في هذا المشروع بنت امالها الكبرى لاقتصاد ما بعد النفط على هذا المشروع، ولنا مقالة تفصيلية نشرت قبل سنة تقريباً فيها تفاصيل هذا المشروع.

3- مورد صناعة السلع الاستهلاكية والتصنيع الحرفي: امتلك العراق لغاية ثمانيات القرن الماضي امكانيات مشهودة في صناعة الحديد والصلب والنسيج والجلود والصناعات الالكترونية وصناعة التكرير صناعة الاغذية والورق وصناعة الادوية وصناعة التجميع وصناعة مواد البناء والزجاج والصناعات الكيمياوية والاستخراجية والتعدين الى درجة كانت تشكل شبه اكتفاء ذاتي في بعض السلع ، ويمكن لهذه الصناعات ان تستوعب ملايين الخريجين والعاطلين عن العمل وخريجي الدراسات المهنية اذا اعتمدت السوق المحلية كمستهلك بالأخص صناعة الهواتف النقالة والكهربائيات ومواد البناء والعقاقير الطبية والسلع الاستهلاكية الاخرى، ولابد ان يكون اسلوب الصناعات الجديدة مبني على الجودة والمنافسة.

4- المورد الزراعي: وهي الحاضر الغائب في المشهد واكثر ما يراد الاسراع بالبدء بها بطرق واساليب حديثة وخطط زراعية لإنتاج محاصيل استراتيجية، ولا داعي للتذكير بـأن معظم العراقيين من اباء واجداد مزارعين اكلوا ما زرعوا وان اكثر من نصف مساحة وطنهم يمكن زراعتها باستثناء ما يمكن استصلاحه من مساحات اضافية ما زالت تنتظر من يعيد لها الثوب الاخضر، اذا ان هنالك امكانية واقعية لاستصلاح مساحات شاسعة من الاهوار والاراضي الصحراوية والمساحات المتروكة او زراعتها بالزراعة الملحية، خصوصاً واننا نتحدث عن ملايين الدونمات يمكن استثمارها بزراعة محاصيل استراتيجية كالقمح والشعير والذرة وقصب السكر ومحاصيل العلف الحيواني.

5- مورد الرعي وتربية الحيوانات وهذه الحرفة لم تؤخذ القسط الكافي من الاهتمام وكانت ملتصقة بحرفة الزراعة بينما يمكن توسيع العمل بالرعي بشكل مستقل في مناطق واسعة من الهضبة الغربية واراضي التلال وضفاف الانهار وانشاء معامل الالبان والصناعات النسيجية والجلدية بالقرب من المناطق الرعوية ، فضلاً عن توسيع حرفة صيد الاسماك والطيور وتربية الدواجن ضمن مشروعات كبيرة ومنظمة بقصد التصدير.

6- المورد السياحي: ان للعراق تاريخ سياحي منذ 1940 في استقدام السواح الى المصايف لكن ملف السياحة لم يأخذ مداه المؤمل، ولنركز على السياحة الدينية لأنها تحتل المرتبة الاولى من انماط السياحة العراقية »بنسبة 80 % تليها (السياحة الثقافية والأثرية بنسبة 15 % ثم تأتي سياحة الأعمال بنسبة 5»%، وهي من اكبر المدخولات المالية اذا وضع لها استراتيجية واضحة وبيئة سياحية حاضنة، اذ يعتمد عليها 544 ألف شخص بنسبة 3 % من الناتج المحلي لعام 2017، ويكفي ان نشير الى مردود السياحة الدينية مؤخرا كانت بعوائد مالية تراوحت بين (1- 5 مليار دولار)() بمتوسط نسبة 3.6 % من اكبر عائد نفطي للعراق وهو 83.7 مليار دولار في 2018 ، تأتي من المزارات الشيعية في النجف وكربلاء وبغداد، وقد لا نتصور حجم المدخولات الهائلة والمردودات الكبيرة اذا تم تنمية هذه السياحة ورفدها بمواقع وانشطة سياحية رديفة وخدمات فندقية وتطوير البنى السياحية المهملة، ومن اهم مزايا السياحة الدينية انها تخدم قطاعات محلية عديدة تبدأ من استيفاء منح تأشيرات ملايين الزائرين سنوياً ونقلهم واسكانهم وتبضعهم وتنقلاتهم.

7- مورد تحلية المياه البحرية وانتاج الطاقة الكهربائية من الاشعة الشمسية وطاقة الرياح (الطاقة الخضراء) وهي من الانشطة الممكنة جدا في العراق هي ضرورة في مع تنامي الضغط على موارد المياه السطحية من قبل دول المنبع.

ان الباحثين بالشأن الاقتصادي يدركون ان آلية التعامل مع المتاح من موارد يجب ان يكون مبني على خطط تنموية وطنية قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى، كما يستلزم ذلك اعتماد الاستدامة والحداثة في اساليب الاستثمارات الزراعية والصناعية والتعدينية والخدمية وهذا سيكون ثقيلاً علينا ان بقينا بجمود الهمم وعدم الاهتمام بالقدرات الابداعية وتهميش العقول والتمدد في ساح الملامة على بعضنا، فلا متسع من الوقت للتراخي والتسويف في مواجهة التحدي الاقتصادي الاكبر في قادم الايام.

 

د. حسن خليل حسن

جامعة البصرة

.....................

() حسن، محسن (2018) السياحة الدينية في العراق: الواقع والمأمول - دراسة وصفية -مركز البيان للدراسات والتخطيط، بغداد 32 صفحة.

 

تعد المؤتمرات العلمية واحدة من اهم الاحداث الرئيسية في جدول اعمال العلماء لما لها من غرض مهم في تقديم اعمالهم الجديدة إلى زملائهم بهدف تلقي ردود الفعل في مرحلة مبكرة من أبحاثهم، وبالتالي فهي جزء لا يتجزأ من عملية البحث العلمي والابتكار والتنقيب العلمي. وهي بمثابة مراجعة أقران غير رسمية يمكن أن تساعد الباحثين على تطوير عملهم وتوضيحه وتنقيحه أثناء شروعهم في كتابته وتقديمه للمراجعة الرسمية والنشر النهائي. بالإضافة إلى ذلك، تتيح المؤتمرات للباحثين الاستماع إلى ما يبحثه الآخرون في مجالهم وفي التخصصات ذات الصلة، والتحدث مع الزملاء من مؤسسات مختلفة حول العالم، والتعرف على الأبحاث والأدوات والتقنيات الجديدة التي قد تكون ذات صلة بعملهم. بعض المؤتمرات صغيرة وتركز بشكل ضيق على موضوع معين، في حين أن البعض الآخر يهدف إلى جمع عدة آلاف من العلماء معًا سنويًا. بغض النظر عن حجم الاجتماع، فإن الهدف الرئيسي هو جمع مجتمع من العلماء معًا وتوفير الفرص لهم للتفاعل.

ومع إلغاء المؤتمرات العلمية في جميع أنحاء العالم، يعيد الباحثون التفكير في كيفية الارتباط مع بعضهم. وبدأ يطرح في اوساطنا العلمية سؤال حول "ما هو الهدف من المؤتمرات الآن؟" وعلى الرغم من اننا لن نتوقع حدوث تغيير جذري في الارتباطات العلمية، إلا أن البعض يأمل أن يؤدي هذا على الأقل إلى إجراء بعض التغيرات الحقيقية في طريقة عقد المؤتمرات وأساليب التفاعل بينهم عبرها. ولربما يمكن ان يحدث هذا التحول في جعل حضور المؤتمرات أكثر سهولة لمجموعة أوسع من الباحثين، على سبيل المثال أولئك من الجامعات التي تفتقر إلى الموارد وجامعات العالم النامي.

لجأ العديد من المنظمين والمشاركين إلى التفكير في عقد مؤتمرات افتراضية عبر الإنترنت كوسيلة للاتصال والتفاعل، وتحاكي على الأقل بعض أجزاء الاجتماع الفعلي. وهي بالرغم من الاستجابة الضعيفة لها يمكن أن تكون بداية التحول إلى مؤتمرات يسهل الوصول إليها. هناك عقبات كثيرة لابد من تخطيها وهي كيف تضمن تفاعلا بين الباحثين كما هو يحدث عادة في المؤتمرات والتي يعتبرها البعض اهم من القاء البحوث، فهي كمثل لعبة كرة القدم الافتراضية لا يمكن مقارنتها بلعبة كرة القدم الحقيقية!

المؤتمرات الافتراضية في الجامعات العراقية

في العراق، ومن دون دراسة او استعداد او خبرة، بدأت ظاهرة عقد المؤتمرات الافتراضية تغزوا المجتمع العلمي وبدأت الجامعات والكليات تتسابق لعقدها، لربما لتثبت للعالم ان العلماء والباحثين العراقيين لا تثنيهم إجراءات الحجر الصحي ولا بقاءهم في البيوت، ولربما وجدوا في الغاء عقد المؤتمرات العالمية، وتوقف او تعثر البحث العلمي في العالم غرابة وتعارضا مع المثابرة والجهد والتحدي العلمي الذي اعتادوا عليه في نشاطاتهم اليومية. لكنه لا تبدوا لي هذه هي الأسباب الحقيقية التي دعت الجامعات العراقية الى عقد مؤتمرات افتراضية، عكس ما يجري في العالم من تشاءم حول إمكانية مثل هذه المؤتمرات ان تحل محل المؤتمرات التقليدية وتحقق نفس أهدافها.

ما يبدو لي ان المسؤولين في الوزارة تبنوا قرارا من مثل دفع الجامعات على الاستمرار في نشاطاتها في عقد المؤتمرات وبصورة افتراضية، وهو ما يتلاءم مع استمرار التدريس اون لاين. وطالما ان المشاركة في المؤتمرات لها ما يغديها من دوافع متمثلة في كتب الشكر، والنشر، وشروط التحصيل للشهادات العليا، والترقية العلمية، فأنها لابد ان تلاقي من الترحيب بما يكفل عقدها واستمراريتها بالرغم من ضعف البحث العلمي او حتى توقفه.

 كنت قد تساءلت مرات ومرات عن السبب في عقد الجامعات والكليات والاقسام مؤتمرات علمية؟ هل ان الباحثين في حاجة الى اعلام زملائهم بمنتوجاتهم، وانهم بحاجة الى وسيلة للترويج لعملهم؟ أم انه كتعويض لهم لعدم تمكنهم من المشاركة في المؤتمرات العلمية العالمية؟ ام لأنه مجرد تقليد سيء لما يجرى في العالم اعتدنا عليه منذ أيام الحصار في العهد البائد؟؟ من الغرابة ان نجد في العراق هذا العدد الهائل من المؤتمرات العلمية الباهظة التكاليف بالمقارنة بالجامعات العالمية التي نادرا ما تعقد مؤتمرات بنفسها، فالمؤتمرات في العالم تعقدها منظمات ومؤسسات وجمعيات مستقلة تستقطب فيها علماء من كل الجامعات ومن كل البلدان، وتحقق في العادة ارباح للمنظمين. الغرابة في المؤتمرات العراقية كونها مجرد عرض للأعمال الجديدة للباحثين ومن دون مراجعة أقران حقيقية لها، وليس كمجال لتنظيم برامج التعاون العلمي بين الباحثين أنفسهم، وبينهم وبين الشركات ومؤسسات البحث والتطوير، ولا الى رسم خطط لعمليات مشتركة لتحصيل أموال جديدة للبحث العلمي.

التساؤل الاخر الذي طرحته في الماضي والذي لا أجد اجابة عنه هو: هل ان عدد المؤتمرات العلمية في العراق هو انعكاس لكثرة البحوث العلمية واهميتها؟ لو ان المؤتمرات العلمية غير موجودة في العراق، هل ستتأثر نوعية البحوث، وهل يقل عددها وعدد الأوراق المنشورة؟  

واليوم وفي ظل هجوم العالم الافتراضي نتساءل عن الدوافع لعقد المؤتمرات العلمية الافتراضية. لربما هناك بعض التبريرات الموضوعية والتي تتمحور حول ضرورة الاستمرار في تقليد اعتدنا عليه سابقا وليس من بديل في أيام انتشار الجائحة الا عقدها عن طريق الانترنت. إذا كان هذا هو التبرير الصحيح أستطيع القول ان هذه المؤتمرات الافتراضية لن تختلف كثيرا عن المؤتمرات التقليدية في الجودة والشمولية والاهمية، ولسبب ان المؤتمرات التقليدية السابقة ما كانت بحقيقتها الا افتراضية فيما عدا الحضور البدني للمشاركين. من هذا المنطلق أرحب بالمؤتمرات الافتراضية لأنها ستوفر أموال عقد مؤتمرات لا تسمن ولا تغني عن جوع. وقد تساعد في تحقيق التفاعل الابداعي بين المشاركين والذي تفتقده المؤتمرات التقليدية، والذي يعتبر في العادة اساسا لنجاح أي مؤتمر. ولربما أيضا لن يتم دعوة المسؤولين من غير الاختصاص، ولا في جلوسهم في الصفوف الأمامية، مما يسمح لأصحاب الشأن من المشاركين من وجود فعلي مبني على الرغبة الحرة فلا يتركون المؤتمر حال مغادرة المسؤولين كعادتهم في المؤتمرات التقليدية. ومن المحتمل ان لا تكون هناك شهادات مشاركة، وعندها ستكون المشاركة للمهتمين فقط. وسيكون رائعا إذا تخلت المؤتمرات الافتراضية عن فكرة نشر الأبحاث التي اعتادت عليها المؤتمرات التقليدية لان مشروع القاء البحث في مؤتمر ونشره عن طريق المؤتمر نفسه لا يعد له اية اهمية كإنتاج علمي، ولا يمكن لهذا البحث من الاعتراف به كإنتاج علمي الا بعد نشره في مجلة علمية. 

مع الأسف ما كانت هذه الا كلمات عابرة لا أرى انها ستؤثر في العقلية السائدة لعقد المؤتمرات، ومع هذا، ولربما، سيضطر المنظمون للمؤتمرات الافتراضية من تحقيقها لما تفرضه عليهم طبيعة وشروط التواصل عبر الانترنت.

دعني اتمادى وأزيد في تمنياتي بالدعوة الى مشاريع وفعاليات كتطوير للمؤتمرات او كبديل عنها، وهي كالتالي:

1- اقامة ورشات عمل لتحسين كفاءة الاستاذ والطالب، وتطوير قابلياتهم الابداعية والمهنية.

2- تحسين اسلوب كتابة مشاريع البحث العلمي، وربط اهدافها بالنشر بالمجلات العالمية الكبرى.

3- التخلي عن استخدام عنوان "المؤتمر العالمي" فالعالمية لا تتحقق بمجرد مشاركة عدة شخصيات من خارج البلاد.

4- تجنب عقد مؤتمرات شاملة تضم على سبيل المثال الطب والعلوم والهندسة والانسانيات لان ذلك لا يتناسب وطبيعة المؤتمرات العلمية ويضفي على المؤتمر صفة "بتاع كله" على حد قول المصريين.

5- منع تنظيم المؤتمرات من قبل الكليات والاقسام وتشجيع اقامة المؤتمرات العلمية من قبل مؤسسات مستقلة خارج الجامعات وبتمويل من قبل المشاركين عن طريق استحصال اجور المشاركة.

6- التقليل قدر الامكان من دعوة المسؤولين لافتتاح المؤتمرات، وعدم السماح بحضور المؤتمر لغير المشاركين الفعليين.

7- مقاومة الرغبات في وضع توصيات عامة شكلية لا علاقة خاصة بأهداف المؤتمر، ولا تتوفر الارضية الواقعية لتحقيقها في فترة ما بين مؤتمرين.

8- نشر مختصرات البحوث فقط وتجنب قدر الإمكان نشر البحوث كاملة في اجراءات المؤتمر لان ذلك قد يمنع نشر البحث في مجلة علمية رصينة، كما ان نشر "بحوث" المؤتمرات كاملة يشجع الادعاءات الزائفة والمواد المقتبسة والضعيفة.

 

محمد الربيعي

بروفسور الهندسة الخلوية، جامعة دبلن

 

 

"نحن مستعدون لتخفيف السرعة لاستعادة السيطرة على مسار الأحداث"

الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني هارتموت روزا

تشخيص المقدار في كل حركة يعتمد على دقة الشخص ووعيه، وتشخيصه لأهمية كل حركة ودلالاتها ومآلاتها وتداعياتها، قد يقول البعض أن هذه الدقة والتعاطي الشمولي أمر صعب، وفيه تضييق وتشديد على الإنسان.

فالتباطؤ الذي يطرحه هارتموت روزا ناظر إلى الحركة الديناميكية في النمو وخاصة الاقتصادي منه في الغرب، والتي تعتمد على تسارع الإنسان ضمن نطاق زمني ضيق ليحقق أكبر حجم من النمو الاقتصادي، وهو ما أفقده لحظة الوعي للذات، وأدخله في دوامة الوقت والعمل والتشييء، قد تصل حالة التسارع إلى اغتراب الإنسان عن ذاته وعن وعي محيطه بشكل واقعي.

لكن سأستغل مفهوم التسارع والتباطؤ في بعده الابستمولوجي (المعرفي)، والذي يعتبر استغلال منهجي يشكل قبلية معرفية من الناحية المنهجية في فهم حركة التسارع والتباطؤ في النمو وفي أبعاد أخرى.

وأعني هنا بالذات النخب والمفكرين المعنيين بصناعة المعرفة وإنتاجها، وما يترتب على هذه الصناعة والإنتاج من تداعيات على مستوى السلوك الاقتصادي والسياسي والاجتماعي. فالمصنع الجيد ينتج بضاعة جيدة وذات جودة عالية، يصبح لها سمعة اقتصادية وسوقية تزيد من نسبة استهلاكها وربح المصنع، والمصنع السيئ ينتج سلع سيئة ذات جودة رديئة، وبالتالي يكون صدى استهلاكها ضعيف، أو يكون مستهلكها من بيئات فقيرة، لا يهمه جودة المنتج بقدر ما يهمه سعرها الزهيد، لذلك يكون عرضة للاستغلال والغش بل قد يعرض صحته وحياته للخطر، لعدم جودة السلعة وضمان نسبة أمان صحي عالية من حيث الجودة الصحية وأهليتها للاستهلاك البشري، خاصة في الدول التي لا يوجد عليها رقابة قوية على جودة المنتجات وأهليتها للاستخدام البشري.

وكذلك المعارف، لكن تختلف المعرفة في كونها تشكل بنية الإنسان الفكرية، وهي التي تدعم وعيه وتبني أسسه، وهي التي توجه سلوكه ليدرك ويميز بين السلع الجيدة والرديئة.

المعرفة:

تعتبر المعرفة السلاح الأول في الصفوف الأمامية التي على كل إنسان التسلح بها، لأن الإدراك ووعي الإدراك بالمحيط والذات والوظيفة يحدد سلوك الإنسان في محيطه وعلاقاته، بل يؤسس لمنظومة الحقوق الواجبات، ومنظومة القيم والمعايير والقوانين التي تنظم حياة الفرد والمجتمع في محيطه.

وكما هو معروف أن للمعارف مصادر تستقى منها، هذه المصادر كفيلة بفهم طبيعة هذه المعرفة وقيمتها ومدى مطابقتها للواقع الخارجي، أي صدقها. وتكمن أهمية التركيز على المصادر والتحقق منها وتشخيص قيمتها في أنها القاعدة التي تشكل بنية فكر الإنسان وتحدد مسارات سلوكه وبناه المعرفية، وهذا يدفعنا لسؤال المعرفية وكيفيتها ومنهجها.

التباطؤ والتسارع المعرفي:

ان لكل شيء وزن وقيمة وصدى في هذا الكون، خاصة أن الإنسان حسي الطبع، وأغلب معارفه تتحقق بواسطة الحواس، فيكون اللفظ والمعنى والدلالة وما ينشئ عنه من تصورات في الذهن ويخلق دافعية في النفس للعمل، يكون ذا أهمية كبيرة يحتاج إلى إفراد جهد خاص في بنيته ودلالاته، وما ينشئ بالتالي عن نظمه في خطاب من دلالات معنوية وتصورات ذهنية وأفعال واقعية خارجية مترتبة عليه.

فلكل لفظ دلالة ومعنى وبالتالي صورة وفعل، لذلك كان الكلام من أخطر وسائل التواصل وأهمها، تكمن خطورته في صياغته كألفاظ لها دلالات ومعاني في جمل، وأهميته فيما ينتج عن هذه الصياغة من تصورات ذهنية تشكل منظومة السلوك والفعل الإنساني في المجتمع.

وماذا يعني ذلك؟

يحتاج الإنسان للبحث ليجيب على مجموعة تساؤلات قد تكون نتاج حراكه في محيطه ونتاج ملابسات واقعه، وهنا يسير الإنسان في عدة مسارات ليجيب على الأسئلة لتتشكل لديه وفق هذه الإجابات معطيات وتصديقات تتحول إلى معارف وأفكار ومعتقدات تحدد سلوكه ومنهجه وما يعتقده، ويحدد مساره في المحيط.

فهو في مسيرته البحثية يذهب من المجهول إلى المعلوم ومن المعلوم إلى المعلوم ومن ثم من المعلوم إلى المجهول ليجيب عن تساؤله.

فالواقع الخارجي يطرح عليه تساؤلات عديدة يجهل إجابتها، بل قد تكون تجاربه المعرفية الخاصة تطرح عليه تساؤلات تتطلب بحثا للإجابة عنها، هذه الإجابة يسافر خلالها الباحث ويكون سفر الباحثين على عدة أوجه:

يبحث خلال ذاكرته المعرفية المخزونة والمتراكمة عبر خبراته وأبحاثه السابقة، ومعارفه المتنوعة المكتسبة والموروثة، ويحاول خلالها الإجابة عن السؤال، وقد يخضع خلال هذه الرحلة لتحيزاته المعرفية أو لمعتقداته الخاصة، أو لبيئته ومحيطه ومعاداته وتقاليده.

يحاول الباحث الخروج من بيئته الخاصة المعرفية والتوسع في الإجابة خارج نطاق منظومته المعرفية والفكرية الخاصة بعقيدته وبيئته وعاداته وتقاليده، ولكن خروجه لا يعني عدم الاستعانة بها، بل هو خروج يراكم هذه الحصيلة، مع حصيلته الجديدة التي يتحصل عليها من البحث في إجابته عن التساؤلات، وأيضا هنا لا نضمن عدم وقوعنا في التحيزات المعرفية، وتطويع الجديد لحساب القديم.

باحث يحاول الإجابة على تساؤلاته منطلقا من قيمة صفر معرفيا، لأن لكل زمن تساؤلاته وإشكالياته في زمن التسارع المعرفي، القيمة الصفرية هذه لا تعني أبدا لفظه للثوابت المعرفية، ولا نكرانه لما تحصل عليه من معارف بالدليل القطعي، بل تعني محاولة البحث بأقل قدر من التحيز للوصول إلى أقرب جواب للواقع، والجواب بطريقة القيمة الصفرية أو ما هو أقرب للقيمة الصفرية، قد يعزز قناعات سابقة ومعطيات معرفية لديه، لأنه استند لمناهج جديدة معرفية ومتسلحا بالخروج من معارفه ومحاولا ترصد الإجابة وفق معطيات واقعية، وقارئا الآراء المتنوعة حول التساؤل محل البحث. فتعدد الآراء وتنوعها هو مصداق لجمع العقول إلى عقله الموصى به بالنص الصادر عن المعصوم ع.

وهنا لا أنكر أن هناك من الباحثين من يبدأ مساره في الشكل الأول من البحث، لكن يتطور معرفيا ومنهجيا وتتراكم معارفه وآفاقه المعرفية ليصل إلي الشكل الثالث من الباحثين، ومنهم من يختصر طريقه في البحث ليكون من الشكل الثالث، وهكذا، ولا ننكر أن التجارب كمصدر من مصادر المعرفة تركام المعارف وتثريها، وقد تكون في مرحلة من مراحل الباحث عائقا معرفيا يشكل له تحيزا بذاته، وجدار صد لذلك يجب أن تكون التجربة ملهمة من جهة، وكاشفة للجهل من جهة أخرى، ولكنها يجب أن لا تشكل قطعا بذاتها إلا إذا رفدت بمصادر معرفية أخرى قطعية الدليل، فكثير من الباحثين من يجعل من تجربته المعرفية الخاصة، قطعا ويقينا معرفيا، يقطع به طريقه البحثي والمنهجي نحو الحقيقة، وهو ما يترتب عليه تبعات معرفية وبالتالي منهجية وسلوكية من قبل من سيخلفه ويأتي بعده وبالتالي من قبل من سيتبنى رأيه ويحوله لمنهج عملي تطبيقي على مستوى الفرد أو المجتمع أو حتى الدولة والعالم كما سنرى لاحقا.

ويأتي كلامنا هنا في هذه الرحلة التي يسلكها الإنسان في مسيرته البحثية للإجابة عما يجهله، وهل كل الناس تسلك هذا المسار؟ أما هنا من يذهب من المجهول مباشرة دون المرحلة الوسيطة ليجيب عن تساؤله بشكل متسارع؟ وهل الذي يجيب عن تساؤلاته ضمن هذا المسار البحثي عن الإجابات يمتلك الأدوات المنهجية السليمة؟ وهل يخلو بحثه من التحيزات المعرفية؟ وحينما يجيب عن التساؤل هل يجيب عنه كمسلمة يقينية خاضعة لاعتبارات الاجماع والمشهور بحيث تتحول إلى دائرة معرفية مغلقة أمام النقد والتقييم وإعادة النظر؟

وهل النقد والتقييم لا يخضع للتحيزات المعرفية ولاعتبارات ذاتية؟

فعلى سبيل المثال لا الحصر، خاض الغرب معركة طويلة من العصور الوسطى مع الكنيسة، وكان لفهم الكنيسة ومعارفها دورا بارزا في تشكيل البنية المعرفية للمجتمعات الغربية على مدار قرون، وترتب على هذه البنية صناعة أحداث ورؤى سلبت الكثيرين حيواتهم لمجرد الخروج عن مألوف ومشهور الكنيسة وفهمها للكتاب المقدس، حتى في مجال العلوم والطب والمنطق والفلسفة، كانت الكنيسة هي الناطق الرسمي لها، فالأرض محور الكواكب فهي ثابته ويدور حولها الشمس والقمر، وحينما اكتشف القص برونو أمرا خلاف ذلك تم سجنه وتعذيبه ومن ثم حرقه بحجة الكفر، وهنا لي وقفة في التسارع والتباطؤ المعرفي، فمن جهة كان تسارع الكنيسة المعرفي في تبني قطعيات ويقينيات مغلقة غير قابلة للنقد والتبديل حتى مع وجود أدلة، سببا في مسار تسافلي معرفيا واجتماعيا، بل وحتى على مستوى الحريات وكرامات الناس وحيواتهم، هذا التسارع الذي رسم مسارا للأحداث أدى في نهاية المطاف لانقلاب كبير على الكنيسة وتدريجيا على الدين المسيحي برمته، بل على الدين ككل، ومن جهة أخرى هل يعتبر تسارع برونو في الإفصاح عن رأيه دون امتلاكه دليلا على هذه الآراء ومع ثبوت حقيقة ما تبناه لاحقا، هل يعتبر هذا التسارع محمودا؟ نحتاج هنا أن نتأمل قليلا قبل إطلاق الأحكام. فالكنيسة في تسارعها المعرفي دمرت كل السبل بين الناس والدين غالبا، وبرونو في تسارعه المعرفي فتح كوة في جدار الصمت لمن خلفه للتفكير خارج الصندوق، ولكن ومع ذلك هل إطلاق العنان لأفكاره وتأملاته دون إحرازه دليلا عليها، سواء دليل تجريبي أو عقلي منطقي هل يعتبر تسارعا في غير محله، وكان يمكن أن يمارس التباطؤ المعرفي حتي تكون حجته أتم، وبدل مرور سنوات طويلة عليها بعد موته لاكتشاف صحة ما طرحه، كان يمكن أن تختصر هذه السنوات من خلال تعميق تأملاته وتفكيره وإحراز أدلة تجعل للحقيقة مكانا في عقول وقلوب المحيطين؟

هنا لا يمكننا الجزم في موضوع برونو، ولكن في موضوع الكنيسة كان التسارع المعرفي سببا في تدمير علاقة الناس مع الدين، وفي تأخر كثير من العلوم أزمنة طويلة فوتت على البشرية فرصا للازدهار والنمو، وتأخرت عجلة التطور والنهضة قرون نتيجة التسارع المعرفي الذي حدد مسار الأحداث قبل التأمل في التداعيات والمآلات. الفرق بين تسارع برونو وتسارع الكنيسة، هو في نوعية المعارف، فبرونو امتلك حقيقة ثبتت بعد قتله بسنوات لكنها حقيقة لم يمتلك عليها دليل فهو سلك منهجا معرفيا خارج صندوق معتقداته وعاداته وتقاليد الكنيسة، وخارج المسلمات الاجتماعية والمعرفية العامة، لكنه في ذات الوقت تسرع في إعلان ما لديه قبل إتمام الدليل عليه، وقبل إخضاعه لمزيد من التعميق، ورغم ثبوت صحته بعد مدة زمنية طويلة، إلا أن إثبات هذه الصحة جاء من خلال التدليل عليه بأدلة أخضعت هذه المعرفة للتجربة، وأرفدتها بأدلة كشفت الزيف بشكل قطعي، فلمجرد مخالفتها للإنجيل " الكتاب المقدس"، ومجرد أن يعبر الإنسان عن فكرة خارج الإطار المألوف، فهو حق له في التفكير الحر دون أن يعتبرها مسلمة مغلقة خارجة عن النقد. وقس على ذلك كثير من العلوم والمعارف التي تسارع أصحابها في تحويلها لقناعات ويقينيات مغلقة أخرت مسار البشرية أو حرفت مسارها، وتسبب ذلك في تقويض العدالة وهدر كرامة الإنسان.

فمسيرة الغرب المعرفية والتي كانت كرد فعل على العصر الكنسي في القرون الوسطى، وتحولاتها في عصر التنوير، وما طرح من قبل كثير من الفلاسفة أثر لاحقا على بنية الدول المعرفية وعلاقتها مع الدين والطبيعة والإنسان، أي في الرؤية الكونية، وفي تشخيص مصادر المعرفة التي تدريجيا أخرت الدين والغيب والعقل من هذه المصادر، وصلت بالغرب اليوم إلى التشيئ، تشييئ كل شيئ حتى الإنسان، وأخضعت نظمها الأخلاقية للنسبية والنفعية، والتي تجلت في أمة كورونا بشكل واضح، حينما تركت كبار السن ليواجهوا الموت دون أدنى مساعدة. وهنا لا أعني أن كل نتاج الغرب نتاج سلبي، ولكن البنية الفلسفية قامت على أسس مادية جاءت نتيجة التسارع المعرفي الذي تولد كرد فعل على كل ما هو ديني، وأقصت نتيجة ممارسات الكنيسة السلبية غالبا، الدين كمصدر معرفي هام يمكن الاستفادة منه، ومن ثم تسارعت بشكل يتمثل فيه طغيان الإنسان وإعجابه بنفسه وإنجازاته حتى في نتائجها البحثية المعرفية والفلسفية حول الوجود والكون والله، هذا التسارع الشديد حتى في نمط الحياة، أفقدهم نقطة ارتكازية في المعارف، وهي وعي الذات، ومحاولة الخروج من هذه التجربة بالاستفادة الإيجابية منها دون تحيز، ووعي الذات نقطة ارتكازية في الانطلاق لوعي المحيط، وفقدان هذا الوعي على ضوء التجربة المحيطة، ومحاولة فهم أسباب التجربة وتداعياتها وتمحيص نقاط ضعفها وقوتها، قد يفقد الباحث اتزانه المعرفي ويوقعه في التحيزات العميقة معرفيا، والتسارع أيضا يتمثل في من تأثر بالتجربة الغربية وانبهر بها، ولم يمارس التباطؤ المعرفي قبل أن يتبنى منتوجها المعرفي، منطلقا من عقدة نفسية تمثلت في استبداد أنظمته السياسية، وتراجع المؤسسات الدينية غالبا في أداء دورها كما يجب، وفي تشابك الفقر مع الجهل مع الاستعمار، مما دفعه دفعا تحت ضغط الكولونيالية المعرفية إلى التسارع المعرفي نحو الغرب، والمعارف لا يمكن أن تتحصل بالانبهار ولا بردود الفعل، ولا بالضغوط الخارجية، لأن أصل المعرفة الحقيقية يكمن في التباطؤ والتأمل والتفكر والتعقل الطويل، ورصد الأدلة من كافة مصادر المعرفة دون إقصاء مصدر حتى لو كان باعتقادي مصدرا ضعيفا.

ويعتبر يورغن هابرماس على سبيل المثال من العلمانيين الذين نادوا بشكل عنيف لتحييد الدين عن الدولة في القرن الماضي، إلا أنه مؤخرا بعد نقد وتقييم الحداثة، أي ما بعد الحداثة، وجد أن الكنيسة والمتدينين يمكنهم أن يقدموا رؤى تساعد في تقنين قوانين تخدم الإنسان والمجتمع، وكونهم مكون هام من مكونات المجتمع فلهم الحق في هذه المشاركة، وقد طرح "هابرماس" تساؤلا مهما حول ذلك قائلا: هل السلطة السياسية ممكنة بعد استكمال القانون الوضعي، هذه السلطة التي لا تستند مشروعيتها لا من الدين ولا من أية ما بعد ميتافيزيقيا؟ ويكمل قائلا:" حتى وإن أقر المرء بهذه المشروعية، فإن الشك يبقى على المستوى الانفعالي ويكمن هذا الشك في التساؤل ما إذا كان في الإمكان تعزيز أسس الحياة المجتمعية المتعددة عن طريق خضوعها إلى خلفية معيارية متفق عليها شكليا في أحسن الأحوال، يعين خضوعها إلى نمط عيش معين. ويمكن القول حتى وإن تفهم اللائكية[1] الثقافية والمجتمعية كصيرورة تعلم مزدوجة، يكون في حاجة لها أتباع تقاليد الأنوار والتعاليم الدينية على حد سواء للتفكير في حدود تخصصهما[2].

هذه المراجعة المهمة التي قام بها "يورغن هابرماس"، حول دور الدين والمتدينين في الحياة السياسية، وفي التضامن الاجتماعي وسن الدولة لقوانين خادمة لكل مكونات الدولة، هي مراجعة منهجية لتجربة طويلة في ظل دولة علمانية شاملة، وصل فيها إلى قناعة مهمة مؤخرا أقر فيها عن ضرورة الاستفادة من الدين والمتدينين في الدولة. فبعد التسارع في اتخاذ مسارع معرفي محدد في رؤيته الكونية التي أقصت الدين كمصدر معرفي هام للتقنين، عاد التباطؤ مجددا يطل بإرسه بعد مراجعات وتجربة ميدانية طويلة كشفت عن قصور وخلل في ذلك التسارع المعرفي، أدت لتراجع وإن بشكل بسيط، لتضم مجددا الدين كفكرة يمكن الاتكاء عليها في التقنين وخدمة المجتمع، ولكن هذا التسارع كم دفعت البشرية المتعاقبة ثمنا له من ذاتها ووجودها وحيواتها، خاصة من شخصية تعتبر من المدرسة الفرانكفونية التي تؤثر في قرارات الدولة وترسم لها فلسفتها؟

وهذا لا يعني أيضا عدم وجود تسارع في المؤسسات الدينية وفي المدارس الدينية والإسلامية والعربية الشرقية، فهذه سمة إنسانية لا تخص إنسان دون غيره، وكثيرة هي الشواهد  على التسارع المعرفي وأهمها رفض كثير من الإسلاميين والعلماء لكل منتج الغرب المعرفي رفضا مطلقا حتى قبل الإطلاع عليه وفحصه والتنقيب في عمقه، بل تسارع الكثيرين في رفض نظيرة داروين دون حتى محاولة دراسة للعلوم ونشأتها وتطور هذه النظرية وملابساتها ونقاط ضعفها وقوتها، وكان لهذا أثر كبير في تراجع جيل من الشباب عن الدين، وفي ترك الكثيرين إيمانهم بالله، بسبب سلوك الكثيرين المعرفي السلبي اتجاه العلم واتجاه الغرب، بغض النظر عن ملابسات وأسباب هذا الرفض، لأننا بالأصل نتحدث عن المعارف التي يجب أن لا تكون خاضعة لردود الأفعال ولا للتجارب السلبية أو المحيط البيئي الخاص والعام. وأيضا التسارع يتمثل في التكفير وفتاوى التضليل التي يطلقها كثير من علماء الدين على من يخالف المشهور والمألوف، حتى لو كانت مخالفاته المعرفية تمتلك الدليل والبرهان، وعلى من يختلف معهم في المنهج والنتيجة، بل هناك حرب معرفية بين العلماء والمثقفين يتراشق أغلبهم فيما بينهم تراشقا إقصائيا، فكثير من العلماء يسفهون المثقف ومنتجه المعرفي، وكثير من الثقفين يستهزؤون بالدين والعلماء ويقصون معارفهم كمصدر، وهذا التسارع تذهب ضحيته الحقيقة والناس الذين يجب أن يشكل كل باحث لهم منطقة الأمان وطوق النجاة من الجهل، لا أن يكون بتسارعه المعرفي سببا لمزيد من الجهل والتضليل والانتكاس القيمي، والتراجع في مستوى العدالة والكرامة الإنسانية.

فنحن أمام مسارات عديدة تتطلب تشخيص دقيق وتأمل وتفكر وتدبر في تحديد متى يتم التسارع المعرفي، ومتى يكون التباطؤ. ويخضع كل من التسارع والتباطؤ لعدة عوامل بعضها ذاتي وبعضها خارجي في مسار عملية التفكير والكسب المعرفي.

ومن أهم وأبرز العوامل التي تؤثر في مسار المعارف هو التحيزات المعرفية، والتي تؤثر في كل من التسارع والتباطؤ، ولكن تأثيرها يكون بدرجات متفاوتة، وباتجاهات قد تكون أحيانا متعاكسة.

إن المشكلة التي يعاني منها الإنسان اليوم هي التسارع، خاصة التسارع المعرفي، والذي يؤثر في صناعة الحدث ومساره، حيث فقد الإنسان قدرته على ضبط توقيت هذا التسارع، وفهم متى يمكنه أن يتسارع في نشاطه، ومتى يحتاج إلى التباطؤ، نحن نحتاج للتسارع في النهضة والتنمية، لكن يسبقها تباطؤ في المعرفة وفهم الذات والمحيط، لأن الفهم والإدراك والمعارف هي التي تحدد شكل التنمية والنهضة وآلياتها والأهداف المرجوة منها، أي تحدد مسار الأحداث ومآلاتها، لذلك التباطؤ في المعرفة وفهم قريب للواقع يحقق لنا فهم موقع الإنسان وقيمته في كل حركة ومسار حدث.

التباطؤ المعرفي يحدد لنا من هو الإنسان، وما هي وظيفته، وكيف يمكنه أن يعرف وماذا عليه أن يعرف، وكيف يحقق معارفه في الخارج في دائرة تتحكم بها العدالة والكرامة، إنه باختصار التأمل الفريد والتحكم في المعرفة وإتقانها، فالتأمل والتفكر أدوات معرفية تحقق نوع من التباطؤ للتدقيق والتعميق البحثي للوصول إلى نتيجة محكمة في مبانيها، تحدد الأحداث ومسارها وفق معطيات أقرب للواقع منها للخيال والوهم. هذا التباطؤ يعطي مساحة كبيرة للعقل للتأمل، والخروج من تحيزاته المعرفية سعيا لفهم الواقع خارج حدود ذاته ومحيطه، ومدركاته القبلية، ومن خبراته المتراكمة نتيجة تجاربه التي أكسبته ألوان معرفة  دفعته للتعميم وخلقت لديه حواجز نفسية من معارف أخرى، فالتجربة على سبيل المثال من مصادر المعرفة المهمة، وتجربة الإنسان الاجتماعية وفي علاقاته مع المحيط والمعرفة، تعطيه خبرات مهمة، لكنها أيضا تخلق لديه حواجز نفسية تمنعه من التمرد على تلك التجربة ومحاولة خوضها بطرق أخرى، ودراسة أبعادها، فقد تكون بعض التجارب هي نتاج تسارع معرفي، فتكون مخرجاتها غير متقنة، وتحتاج إلى نوع من التباطؤ حتى يتحصل للإنسان معرفة أقرب للواقع، تمنع خلق حواجز نفسية تمنعه من تشكيل مدركات تؤثر في مساره العلمي والمعرفي ونموه الفكري والعلمي.

التحيز المعرفي:

التحيز هو حصر الشخص نفسه في حيز ومكان مسوّر بسور متميز عن غيره، وهذا هو المعنى الحسي للكلمة، والاستعمال الشائع للكلمة هو استعمالا مجازيا خاصة في المسائل الفكرية والمعنوية، فالتحيز له حقيقة في اللغة ومجاز في الاستعمال.. وهناك علاقة بين التحيز وبين مسألة العدل والهوى، فالتحيز ينبغي أن يكون منه الممدوح والمذموم، فالممدوح هو ما وافق العدل، بحيث تكون قيمة العدل هي الدافع والحافز لتبني المواقف والآراء والأفكار، والعدل ما طابق الواقع، والحق هو ما طابقه الواقع من العدل.. وهناك فرق بين التحيز وبين الرأي الموضوعي على مستوى الواقع من جهة وعلى مستوى الأمل (ما ينبغي أن يكون) من جهة أخرى، والتحيز قد يتعارض أو يتوافق مع الرأي الموضوعي، فالرأي الموضوعي قد ينصب على الحكم على موضوع الكلام، أما التحيز فهو منشئ ذلك الرأي[3].

ولقد أشار الله تعالى في محكم كتابه الكريم إلى مرجعية العدالة كقيمة معيارية كمعالجة لموضوع التحيز، سواء في الحكم أو في القول أو في الموقف، مؤسسا لقاعدة عامة تعالج التحيزات بكافة أشكالها حيث قال جل شأنه في سورة المائدة آية ٨:" يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ".

والتحيز المعرفي هو مصطلح عام يستخدم لوصف العديد من الآثار الملاحظة في أداء العقل البشري، فالبعض منها قد يؤدي إلى تشويه الإدراك الحسي، والى اتخاذ حكم أو قرار غير دقيق، أو تفسير غير منطقي. هذه الظاهرة العقلية تم دراستها في العلوم المعرفية وعلم النفس الاجتماعي[4].

وهناك من يشير إلى أن التحيز المعرفي يعتبر خطأ في التفكير والتقييم والتذكر، أو إدراك إجرائي يحدث أحيانا نتيجة قناعات وإيمانيات مترسخة، تجعل الفرد يلتزم بها بغض النظر عن أي معلومات مغايرة، والتي قد تكون أكثر عقلانية. مثال ذلك، التحيز التأكيدي، الذي هو ميل للبحث في المعلومات التي تتوافق مع قناعاتنا فقط، فالذاكرة هنا تؤدي غرض التحيز، بحيث أنها وبسهولة تؤثر في كيف وماذا تريد أن تتذكر، فالناس وبشكل جلي يتذكرون المواقف الممتعة وتلك التي تذكرهم بأنفسهم وكم هم مهمين.

إذا التحيز المعرفي هو خطأ في التفكير الذي يحدث عند الناس، نتيجة معالجة أو تفسير معلومة معينة بشكل خاطئ. بمعنى أنه غالبا ما تكون هذه الأخطاء نتيجة محاولتنا لتبسيط معالجة المعلومات على ضوء خبراتنا ومعارفنا التي تشغل حيزا عريضا في أذهاننا، وهنا يكمن التسارع المعرفي في تبني النتائج كمعتقدات نهائية، والتي لا نعلم غيرها وفي الغالب أيضا لا نود معرفة ما يتصادم معها. إنها ببساطة تشكل قواعد أساسية في طريقة تفكيرنا، والتي من خلالها تجعلنا نصيغ ونُكَوّن أفكارنا وتصوراتنا عن العالم من حولنا بالطريقة التي ترسمها لنا، والتي تساعدنا في اتخاذ القرارات بسرعات متفاوتة، لكن مما يؤسف له أن هذه الأفكار والتصورات والتي تفرز وجهات نظر أو قرارات نقوم باتخاذها والتي تبدو لنا عقلانية ومنطقية إلا انها تكون غالبا غير صحيحة[5].

إلا أن إطلاق الحكم بكون التحيز المعرفي خطأ في التفكير، هو تحيزا أيضا باتجاه فكرة أحادية الجانب، كون هناك تحيزات معرفية إيجابية صحيحة، خاصة إذا تطابق التحيز المعرفي مع معيار العدالة، والتأني والتباطؤ في البحث والتنقيب المعرفي والتدليل عليه بأدلة منطقية وعقلانية، بالتالي يكون تحيزا للحق وهو بذاته صحيح وليس مذموما. وغالب التحيزات المعرفية وخاصة تلك المتعلقة بالعقيدة يكون سببها ذاتي في بنية الإنسان الدماغية التي تميل للتبسيط، وتبتعد عن التعقيد، بل تعود أيضا لميل الإنسان للكسل، وهروبه من البحث العميق في الأفكار وتمحيصها والعجلة التي وصفه بها الله في محكم كتابه العزيز حيث قال: " خُلِقَ الإنسانُ مِنْ عَجَلْ"[6] ، والعجل من السرعة والتسارع وهو عكس الأناة والتباطؤ، وتلاها بقوله "سأوريكم آياتي فلا تستعجلون" والآية هي الدليل القطعي للمعرفة التي يطرحها نبي الله ص، وهو الإنسان المقصود بها النوع الإنساني، فيكون الطريق الأسهل لعامة الناس هو التبسيط والتحيز، للتخلص من أي تعقيدات ذهنية تشعرهم بالاضطراب المعرفي، وتسلب منهم اطمئنانهم المتسالم عليه والمتوارث.

فالرحلة التي يقطعها العقل من المجهول إلى المعلوم، ومن ثم من المعلوم إلى المعلوم والتي تبحر في خضم المعلومات والأفكار التي تختزنها الذاكرة، والتي شكلتها خبرات الشخص، هنا تقع كثير من التحيزات خاصة إذا لم يحاول الشخص الخروج من ذاتياته وأفكاره، ومحاولة البحث عن المعلومات خارج الاطار المعرفي الذي اعتاد عليه، فهو هنا يقع في تحيز شديد الانغلاق، بالتالي وصوله إلى معلوم يكون خاضع لهذه التحيزات، وقد يكون وصولا آمنا صحيحا، ولكن غالبا ما يكون الوصول غير آمن ويرتبط المجهول بمعلوم غير واقعي وغالبا ليس صادقا.

ولكن لو امتلك هذا الشخص في رحلته هذه المعرفية أدلة قطعية على معارفه وعلى نتاج رحلته البحثية، والتباطؤ في فهم الموضوع محل البحث، والتباطؤ هنا يعني التبحر في الآراء حول الموضوع، والآراء المتعارضة والمتوافقة، وبحث معطياته ومفاهيمه ودلالاته، حتى مع عدم خروجه خارج هذا الصندوق، فإن منهجه يكون منهجا علميا لكنه متسارعا، وقد يحتاج هنا للتباطؤ الذي يعني مزيد من التأمل حت فيما لديه من أدلة ومعطيات، من خلال محاولة الإبحار خارج صندوق عقله وأفكاره، هذا التباطؤ يمكنه من تفعيل أدوات المعرفة وتعميق البحث للخروج بمعارف ترفع الجهل من جهة، وترفعه بشكل أقرب للواقع بعيدا عن الوهم من جهة أخرى.

الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله (١٩٣٨ ـ ٢٠٠٨م) عندما استوقفته إشكالية التحيّز عند دراسته للظواهر الإنسانية، اختار المصطلح: "التحيّز", بالرجوع إلى المعجم اللغوي العربي، وفيه: أن التحيّز يعني الانضمام والموافقة في الرأي وتبنّي رؤية ما، مما يعني رفض الآراء الأخرى. وقد اختار هذا المصطلح ليطلقه على مجال جديد لدراسة ظاهرة إنسانية من صميم المعطى الإنساني، ومرتبطة بإنسانية الإنسان، كما كان يرى، وهي ظاهرة[7]

وضع الدكتور المسيري قواعد أساسية تساعد على فهم التحيّز وتمييزه، وهي:

١ ـ القاعدة الأولى: التحيّز حتمي: وذلك بسبب المعطيات التالية:

أ ـ لأنه مرتبط ببنية عقل الإنسان ذاتها، فهذا العقل لا يسجّل تفاصيل الواقع كالآلة الصمّاء، فهو عقل فعّال، يدرك الواقع من خلال نموذج فيستبعد بعض التفاصيل ويبقي بعضها الآخر.

ب ـ التحيّز لصيق باللغة الإنسانية المرتبطة إلى حدّ كبير ببيئتها الحضارية، وأكثر كفاءة في التعبير عنها. فلا توجد لغة تحتوي كل المفردات الممكنة للتعبير عن الواقع بكل مكوّناته، فلا بدّ من الاختيار.

ج ـ التحيّز من صميم المعطى الإنساني، ومرتبط بإنسانية الإنسان، أي بوجوده ككائن غير طبيعي، لا يردّ إلى قوانين الطبيعة العامة ولا ينصاع لها، فكل ما هو إنساني يحوي على قدر من التفرّد والذاتية ومن ثمّ التحيّز.

٢ ـ القاعدة الثانية: التحيّز قد يكون حتمياً ولكنه ليس نهائياً:

فالتحيّز ليس بعيب أو نقيصة، بل على العكس يمكن أن يُجرّد من معانيه السلبية، ويصبح هو حتمية التفرّد والاختيار الإنساني.

واللغة الإنسانية رغم حدودها قادرة على تحقيق التواصل، وعلى مساعدتنا على تجاوز أشكال كثيرة من التحيّز، وعلى بناء نماذج معرفية هي نتاج تجربتنا الحضارية الخاصة، ولكنها بنفس الوقت تساعدنا على التعامل مع أنفسنا ومع واقعنا ومع الآخر. فمعنى أنه ليس نهائياً أي أنه ليس نهاية المطاف حيث يمكن تجاوزه، ولكن النهائي هو الإنسانية المشتركة والقيم الأخلاقية الإنسانية[8].

إلا أن قول المسيري أن التحيز حتميا يحتاج توضيحا وفق ما أفهمه للتحيزات الحتمية، كون الحتمي لا يمكن تجاوزه كما قال الدكتور المسيري، وقد يكون المسيري يقصد من الحتمية كونها أمر واقعي تكويني في الإنسان ضمن تركيبته البيولوجية التكوينية كما أشرنا في آية خلق الإنسان من عجل، إلا أنه خلقا قابلا للتغيير بالمجاهدة والإرادة الحرة وإلا كان جبرا وخلاف العدل الإلهي، وتجاوزه يأتي من خلال التعلم والتدريب المعرفي البحثي والممارسة البحثية على الطرح الموضوعي وكسب ثقافة الخروج من الصناديق المعرفية المغلقة، دون التنازل عن الثوابت التي تشكل حقائق ثابتة في الهوية المعرفية، فالباحث أو المثقف لابد له من أن يتحيز للحقيقة والحق، لكن ذلك لا يتم إلا بعد أن يستعرض ويستقرئ كل الآراء التي طرحت بخصوص الموضوع محل البحث، أي أن يقوم بعملية ضرب للآراء ببعضها البعض، ومن ثم يخرج بالرأي الأقرب للحق والحقيقة، وينحاز له ليطرحه ويدافع عنه، وهذا الانحياز المعرفي هو انحياز صحيح وصحي في ذات الوقت، إلا أنه مشروط بعدة شروط أهمها:

١- أن يعتمد الباحث والمثقف في فهمه للواقع واستقصائه للمعارف على مصادر المعرفة البشرية المعتمدة من المدرسة التي تنتمي هويته إليها، مضافا إلى ذلك اطلاعه على المدارس الأخرى في المعرفة.

٢- استقراء جل الآراء وأهمها المطروحة في الموضوع خاصة البحث، واستعراضها عرضا نقديا علميا، ومن ثم الخروج وفق منظوره برأي.

٣- المراجعة النقدية لما توصل إليه من رأي، واعتباره عرضة للنقد والتطوير والتراكم المعرفي من قبل الباحثين والمثقفين الآخرين.

٤- التجرد من الأنماط والرغبات الاجتماعية معرفيا "الشعبوية"، والتجرد من ثقافة الإجماع السلبية ومبدأ المشهور المعرفي العلمي.

٥- والأهم من كل ما سبق هي معيارية العدالة المرجعية في تشخيص صلاح هذا التحيز المعرفي لأن العدل معيارا للحق، والانحياز للحق هو انحيازا إيجابيا، ولكي يحقق هذه المعيارية على المثقف والباحث أن يكون حرا في بحثه المعرفي.

وأغلب التحيزات المعرفية تعمد إلى حجب الحقيقة، ومن أهم مسببات التحيزات المعرفية هي:

١- البيئة والمحيط الاجتماعي والأسري، الذي يعمل على تنميط الأفكار والمنهجيات ومصادر المعرفة.

٢- مناهج التربية والتعليم التي تضعها الدولة، ويتربى عليها الطفل، ومناهج التدريس التي يستخدمها المعلم في تعليم التلاميذ.

٣- الانتماءات العصبوية بكافة أشكالها سواء القبلية أو المذهبية أو الطائفية.

٤- الأنماط الاجتماعية والإجماع السطحي القائم على الشعبوية بمعناها السلبي، فقوة الاجماع الشعبي تخلق تسالما سطحيا للمعارف، وبالتالي تصنع جوا معرفيا متحيزا بشكل غير منطقي وموجها للرأي العام، هذا الاجماع الشعبوي يستخدم فيه قوة خفية تفرض من خلالها هذه الإجماعات رأيها، وهذه القوة الخفية تتعلق بالشعور والرغبة الداخل نفسية بالانتماء للجماعة والخوف من الخروج والمخالفة، إلا أن المثقف والباحث عليه أن يتخلص من هذه المخاوف، وأن لا يخضع لهذه القوة الخفية التي يكتنزها الإجماع الشعبوي، وأن يكون نفسيا وشعوريا متحررا من الانتماء للجماعة ليصبح شعوره الأصيل الداخل نفسي هو الانتماء للحق والحقيقة، وفهم الواقع وملابساته لتعرية كل الوهم المرتكز في العقل الجمعي السلبي الأبعاد، وليناضل كمثقف وباحث وظيفته صناعة الوعي، يناضل لأجل استبدال هذا الوهم بالحقيقة.

٥- الثقافة والتربية الأحادية المتوارثة دون مراجعة وتمحيص، تصنع عقلا أحادي المنهج والفكرة، وتخلق تحيزات معرفية لاغية لكل ما هو خارج هذا الصندوق المعرفي المتوارث، والمورث للاطمئنان التواضعي البسيط.

٦- التحيز المعرفي الناشئ عن أخلاقية الخضوع والانهزام النفسي أمام معارف الدول الأقوى حضاريا، والأكثر تقدما في الانتاج المادي والمعرفي، أي هو تحيز نتيجة الفارق الحضاري والانبهار، وهو تحيزا له بعد نفسي، وله بعد معرفي. وهو من أكثر التحيزات التي يقع في شباكها المثقف والباحث.

 

ومن أهم ما يجب أن يلتفت إليه المثقف والباحث هو الخروج من التحيزات المعرفية التي تتعارض مع مبدأ العدالة والإنصاف، لأن وظيفته صناعة وعي واقعي قائم على أسس معرفية رصينة، وأدوات ومناهج سليمة علميا، كون التحيزات تعمل كمضادات حيوية للمعرفة والوعي، وكحُجُب موجهة للمعرفة باتجاهات محددة ومغلقة ونمطية.

لذلك كان لزاما على المثقف والباحث الذي يتصدى لصناعة الوعي، وتطوير المعارف والعصرنة والمواكبة أن يعتمد على عملية النقد المستمر للذات، والمراجعة المستنيرة للأفكار والمناهج والمحتوى الفكري، وإلى المواكبة لكل التطورات المعرفية على الساحة الثقافية، والإلمام بمستحدثات الإشكاليات والمعارف التي تواجه المجتمعات، خاصة أن العولمة حولت المجتمعات إلى قرية صغيرة، تتناقل فيها المعارف وإشكالياتها بالعدوى المعرفية. وهو ما يستدعي المثقف والباحث للخروج المستمر من الصناديق النمطية، إلى فضاءات المعرفة المختلفة، لأن الوعي في حركة تكامل وكمال مستمر، والعقل في سيرورة و صيرورة معرفية تطورية مستديمة، لا تلغي الثوابت لكنها تحصنها بتطوير المتغيرات وفق الزمان والمكان، هذا فضلا عن اتصافه بالإنصاف العلمي والمعرفي في اعتماده على مصادر معرفة متعددة.

فهناك مثقفون وباحثون يستبعدون مصادر معرفة بشرية كونها لا تتناسب وأيديولوجيتهم وعقيدتهم، مثل المثقف أو الباحث الذي يستبعد النص والعقل، ويعتمد فقط على الحس والتجربة، أو ذلك الذي ينكر دور الحس والتجربة، ويستبعدهما كمصادر ويعتمد فقط على النص والعقل مع تغليب النص وتهميش العقل وهكذا. لذلك المثقف والباحث عليه ألا ينحاز إلا للحقيقة والحق التي تتطلبان منه أن يطلع على الآراء معتمدا على كل مصادر المعرفة، التي من خلالها يعرف الإنسان ويتعلم ويفهم.

كلها تساؤلات تخضع لعمليتي التسارع والتباطؤ المعرفي، والذي أعني فيه الزمن والوقت الذي يستغرقه الباحث عن الحقيقة في الوصول إلى الإجابات، والمنهج الذي يسلكه، والتحيزات التي يخضع لها، وما هي تداعيات التسارع والتباطؤ على الفرد والمجتمع، وبالتالي على الأفكار المعرفية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. وأمامنا اليوم تجارب غنية بالتسارع والتباطؤ بين الشرق والغرب، فالعلموية أقصت الدين كليا وتبنت العلم كمصدر للحقيقة وهو نموذج للتسارع الذي تراكمت عليه مواقف ومعارف لا تسلم من ثغرات حقيقية تم كشفها مع التقادم، وبعض المنتمين للمؤسسات الدينية لم تعتبر العلم مصدرا هاما وملهما ولم تضعه في موقعه المعرفي السليم، وبنت منظومتها المعرفية على هذا التسارع، وواجهت تحديات معرفية كبيرة كان لبعضها الأثر في تهاوي موقع الكنيسة وتراجع موقع الدين ووظيفته من حياة مجتمعات بأكملها.

لذلك نحتاج إلى تشخيص سليم للتسارع والتباطؤ، متى نتسارع ومتى نتباطئ؟ ومتى يكون التسارع مذموما والتباطؤ محمودا ومتى يكون العكس؟ ومتى يكون التنافس يحتاج إلى تسارع ومتى يحتاج إلى تنافس لكن ببطيء؟

كلها تساؤلات تتطلب تشخيص سليم للزمان والمكان وقراءة منهجية لإشكاليات العصر، لفهم الواقع ومواجهته مواجهة معرفية متخلصة من التحيزات المعرفية السلبية، وهمها فهم الحقيقة كما هي وفق أدلة وبراهين قطعية، تستمد من الثوابت قاعدتها التي تنطلق منها.

 

إيمان شمس الدين

............................

[1] اللائكية أو العلمانية

الفرنسية، بالفرنسية laïcité (تنطق [la.isiˈte])، هي مفهوم يُعَبِّرْ عن فصل الدين عن شؤون الحكومة والدولة وكذلك عدم تدخل الحكومة في الشؤون الدينية. تواجدت العلمانية في فترة مُبَكِّرَة من التاريخ الفرنسي المعاصر استناداً إلى القانون الفرنسي لفصل الكنيسة عن الدولة عام 1905م، وامتد تفسير العلمانية الفرنسية ليشمل المساواة في التعامل مع جميع الأديان، وأصبح التفسير أكثر تحديداً في عام 2004م.

فاللائكية - كصياغة عربية - مُشتقة من الفظ الاتيني "laicus" وهو بدوره مأخوذ من اللفظ اليوناني ”laós - λαός” ومعناه "الشعب". غير أنَّ استعماله اللاتيني قد تخصص في قسم من "الشعب"، وذلك في مقابل "الكاهن" clerc، وهو رجل المعرفة "العالِم" (من اللفظ اليوناني clêros بمعنى الحظ الموروث)، والمقصود رجل الدين (المسيحي) المنتظم في سلك الكهنوت الكنسي.

ويبدو أن ترجمة Laïcité إلى اللائكية في اللغة العربية، هو نوع من التعريب لا الترجمة، إذ أنَّ لللائكية معنى خاص في تجربة مجتمع المجتمع الفرنسي دون غيره.

https://political-encyclopedia.org/dictionary/اللائكية

[2] جدلية العلمنة ـ العقل والدين / يورغن هابرماس وجوزيف راتسنغر"البابا بندكتس xvI" /تعريب وتقديم حميد لشهب / دار جداول/ ص٤٦

[3] إشكالية التحيز/رؤية نقدية معرفية ودعوة للاجتهاد/ تحرير عبد الوهاب المسيري/المعهد العالمي للفكر الإسلامي/١٩٩٨م/ بحث بعنوان كلمة في التحيز ـ د. علي جمعة ص ١٧ـ ١٨ بتصرف

[4] د.سالم موسى/جامعة الملك خالد/ أبها / التحيزات المعرفة التصديق الزائف / https://middle-east-online.com/التحيزات-المعرفية-والتصديق-الزائف/ تم الاطلاع في ١٥/ مايو / ٢٠١٩م

كندرا تشيري /خبيرة علم النفس/ المصدر السابق بتصرف  [5]

[6] الأنبياء/٣٧

[7] امفهوم التحيز عند الدكتور عبد الوهاب المسيري/رغداء محمد أديب زيدان/ تم الاطلاع في ٢٤ـ مايوـ٢٠١٩/

http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=16515

[8] المصدر السابق

 

 

قاسم حسين صالحفي زمن النظام الدكتاتوري، مارس العراقيون الانتخابات باستفتائهم على مبايعة صدام حسين رئيسا لجمهورية العراق.وفيها كان المواطن العراقي يذهب الى المركز الانتخابي فيستلم ورقة تحمل سؤالا واحدا يتضمن اسم مرشح واحد لرئاسة الجمهورية هو صدام حسين، وامامه بديلان: "نعم" و "لا". وكانت نتيجة الاستفتاء أن العراقيين اجابوا بـ " نعم " بنسبة " 99 % " .. واذكر أن السيد "عزت الدوري" عّلق على هذه النتيجة بقوله " ان الذي لم ينتخب صدام حسين اما معادي أو مجنون!

كان العراقيون الـ "99 % " الذين اجابوا "بنعم" يتوزعون بين من اراد دفع الشرّ عنه وعن عائلته ، ويائس يعرف أنه حتى لو اجاب بـ " لا " ومستعد لتحمّل تبعتها فان صوته لا يغير من واقع الحال شيئا"، وبين من كان يحب صدام فعلا" فكتب " نعم " بدمه {حبا" أو نفاقا"}، وأخرى بطريقة صورتها اغنية تقول (بايعناك مو بس بالورق والله .. احنه قلوب بالصندوق خلينه!).

وكانت آول مرّة يمارس فيها العراقيون الانتخابات بعد (9 ـ نيسان ـ 2003) هي تلك التي جاءت بأول برلمان ديمقراطي في (2005). وفي الواقع، فأنه لا يوجد فرق جوهري في العملية العقلية بين الانتخابات التي ثبّتت صدام حسين رئيسا للجمهورية وبين الانتخابات التي جاءت باعضاء ذلك البرلمان، واليك التحليل:

ان الانتخابات من هذا النوع يجب ان يتوافر لها شرطان هما: الحرية والمسؤولية. ونعني بالحرية ان يمارس الناخب حقه في الادلاء بصوته من دون رقيب عليه أو شعور بالخوف أو توقع عقوبة معنوية أو ماديه، فيما تعني المسؤولية ان الناخب اذا اختار البديل " ع " من بين عشرة بدائل مثلا" فانه مسؤول عن هذا الاختيار بأن " ع " هو الافضل والاكفأ.

ما حصل في انتخابات صدام حسين، ان شرط الحرية كان معدوما"، لأن الناخب العراقي كان مجبرا" ان يضع علامة " صح أمام" نعم " وحين ينعدم شرط الحرية في الانتخابات ينتفي شرط المسؤولية بالتبعية.

وما حصل في انتخابات برلمان 2005 فان الناخب العراقي كان يتمتع بالحرية ولكنه ما كان يتمتع بالمسؤولية " في ختيار البديل الافضل.ولهذا فان النوعين من الانتخابات (انتخاب صدام حسين، وانتخاب البرلمان الديمقراطي) لا فرق بينهما في المحصلة النهائية من الناحية العقلية، لأن الناخب العراقي في انتخابات صدام حسين كانت يده قد تلقت امرا" من المركز الدماغي المتخصص بالخوف، فيما تلقت أمرا" من المركز الدماغي المتخصص بالانفعال في انتخابات البرلمان الديمقراطي، وأنه في كلا الحالين لم تتلق يد الناخب أمرا" من المركز الدماغي الخاص " باتخاذ القرار " الذي يصدر عن ادراك ووعي ومفاضلة .

وسيكولوجيا، تعزى الحالة الانفعالية التي تحكمت في الجماهير العراقية (البنفسجية) التي جاءت باول برلمان ديمقراطي الى أربعة أمور اساسية:

الاول: ان الشخصية العراقية انفعالية سيكولوجيا" بطبيعتها.

الثاني: ان استجابات العراقيين في الانتخابات كانت رد فعل على ظلم النظام السابق ومن يحسب عليه.

الثالث: ان ثقافة الضحية التي اشاعها السياسيون عملت على تعطيل أو تخدير العمليات العقلية الخاصة بعواقب الأمور.

والرابع: ان القيم الدينية تكون أقوى تأثيرا في الجماهير الشعبية من القيم السياسية في الانتخابات الوطنية.

 

والدرس الذي نستخلصه هو:

(ان الجماهير الشعبية التي تمارس الانتخابات في اجواء انفعالية بعد

تحررها من نظام استبدادي قد تجني على نفسها بكارثة جديدة تكون

اوجع واشمل من كارثة النظام الدكتاتوري الذي تخلصت منه).. وقد حصل!

برلمان 2010.. لم ينتخبه الشعب!

نشر المحامي طارق حرب مقالا بعنوان(15 نائبا" انتخبهم الشعب والباقي انتخبتهم الكيانات:الصباح، 10 نيسان 2010)، ونشر محمد عبد الجبار الشبوط مقالا بعنوان (لعبة الارقام: الاسبوعية، العدد 116)، كلاهما يشخصّان خللين كبيرين رافقا العملية الانتخابية التي جاءت ببرلمان (2010)، الأول: أن (310) من اعضاء ذلك البرلمان لم ينتخبهم الشعب لعدم حصولهم على الاصوات التي تجعلهم نوابا"، بل صاروا كذلك بأضافة عدد من اصوات الكيانات السياسية التي ينتمون اليها، وان (15) شخصية فقط حصلت على القاسم الانتخابي والعتبه الانتخابية من الاصوات، توزعوا على: (5 للعراقية، 4 الائتلاف الوطني، 3 دولة القانون، و3 للتحالف الكردستاني والاسلامي) دخلوا البرلمان بأصواتهم هم لا بأصوات كياناتهم، كما الحال مع الـ (310) نائبا" الذين فازوا بما (تصدّقت) عليهم اصوات كياناتهم!. فضلا عن حالة معيبة.. اعتباريا وسياسيا ونفسيا!.هي الكوتا النسوية التي جاءت باكثر من 60 عضوة من اصل 81 لسن بمستوى كفاية وفاعلية مرشحين سلبن حقهم ، فيما نريد لها أن تكون ندا ايجابيا للرجل حتى في الميدان السياسي، فقد حصلت نساء على أصوات لم يحصل عليها رجال بشوارب ولحى وعمائم.. وفازت بامتياز سيدة نجفيه لم تعلق صورة واحدة لها.

وتحليلنا السيكولوجي لهذه النتائج يفضي الى القول بأن الناخب العراقي ما كان مطمئنا للعملية السياسية، وان هنالك أزمة ثقة بين المرشحين والناخبين نجمت عن طائفية وشيوع فساد وتلكوء حكومة وخبرة سيئة لبرلمان (قضى نحبه) كما وصف في حينه، وأن ثقة الناخبين استقطبت (15) شخصية فقط من بين أكثر من ستة آلاف مرشح!.

وجاءت انتخابات 2014 لتؤكد انه لا سبيل للتغيير الديمقراطي عبر الانتخابات التشريعية، لتوصل الناخب العراقي الى حالة التيئيس في انتخابات 2018 حيث عزف عن المشاركة فيها اكثر من 70% من العراقيين.. والمفارقة ان هذه الانتخابات شهدت تسابقا نحو الوصول الى البرلمان بارقام قياسية بلغت 27 تحالفا و 143 حزبا!.والسبب ان السياسيين عاشوا حالة (غزوة بدو) بأن اعتبروا العراق غنيمة لهم وأن عليهم ان يتقاسموه.. فتقاسموه!، وبهذه القسمة تحولت السلطة من وظيفتها الرئيسة المتمثلة بأدارة شؤون الناس الى وسيلة لجمع الثروة.ومن هذه الحاضنة السياسية جاء الوليد الاقتصادي بتحديد راتب وامتيازات لعضو البرلمان لا يتمتع بها اي عضو برلمان في العالم.وبمجيء الدورة البرلمانية الأولى، وتمتع اعضائها بالرفاهية، فأنها انجبت الوليد الأخطر والأقبح أخلاقيا ودينيا، ذلك ان النائب أدى اليمين بان اقسم أمام البرلمان والشعب بانه سيحافظ على ثروة البلاد، فتحول الى أكبر سارق بتاريخ برلمانات العالم.. وافتضح أمرهم بوصف الناس لهم بأنه (كلهم حرامية).. وبتكرارها فأنهم ما عادوا يخجلون من الفضيحة.. ولأنهم خسروا سمعتهم الأخلاقية، فانهم تفننوا وتعفرتوا في الحصول على المزيد من الثروة، كافراد فيما فتحت خزائن احزاب الأسلام السياسي ابوابها لنهب الثروة.. بطريقة يسألونها هل امتلئت تقول هل من مزيد!.

بهذا نكون قد وثقنا للتاريخ والأجيال ما حصل بعد (9 نيسان – ابريل 2003) لغاية 2020 التي قد تشهد او تمهد لأنتخابات نزيهة تصنعها انتفاضة تشرين 2019.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

 

 

محمد كريم الساعديإن عملية الإندماج فيْ العالم الإفتراضي، تعطينا واقعاً جديداً تكون فيْها الهوية الحقيقية فيْ محك من التأكد، من مدى  تواجدها بشكل كامل فيْ ضوء معطيات جديدة، قد تفرضها الظّروف الإفتراضية فيْ الفضاء الرّقمي، من يولد لدى المُستَخدِم فيْ هذا العالم حالة من عدم التّطابق بين هويتين الأولى الحقيقية، التّي من الممكن أن تتأثر بهذا العالم الجديد، والثّانية هي التّي يقدم بها المُستَخدِم نفسه؛ ولكن بإختيار جديد فيْ أغلب الأحيان قد يلغي فيْه العديد من المظاهر، التّي كانت تدل على هويتهِ الواقعية إستناداً للرغبات، التّي يريد أن يوجدها له فيْ هذا العالم، وكان البعض يريد ان يعطينا تصور آخر لشخصهِ، كانت كامنة فيْ دواخله ولا يستطيع أن يخرجها لنا فيْ الواقع المعاش، لذلك فأن أفضل ظهور سيكون له بشخصيته الجديدة، وبهويتهِ ومواصفات جديدة فيْ هذا العالم الإفتراضي، الذّي يحاول أن يندمج فيْه ثقافيْاً ونفسياً، وحتى يجمل معه بعض ملامح البيئة الاجتماعية، التّي لا يستطيع ان يتنصل عنها فيْ مثل هكذا ظهور، لأنها قارة فيْ سلوكياته المنطبعة فيْ ذاته، ومهما حاول أن يبتعد عنها، فأنها ستظهر بطريقةٍ أو بأخرى فيْ العالم الإفتراضي، وفيْ الوقت نفسه يوجد مستخدم آخر يحاول إيجاد تطابقٍ بشكل كبير، بين الهويتين الحقيقية / العالم الواقعي والإفتراضية / العالم الإفتراضي، ويحاول أن يحقق إندماجاً فيها ويريد من ذلك أن يكون ظهوره بشكلٍ متساوٍ بين العالمين، وبتأثير متبادل بين العالمين فيْ الصّورةِ والماهية والمكونات الأخرى، لذا فأن هذهِ الإشكالية فيْ الظهور للمستخدمين فيْ العالم الإفتراضي، قبالة العالم الواقعي سيعطينا أنواع من المُستَخدِمين، وحسب نوع الإندماج والظهور؛ وأي الهويتين أكثر ظهوراً فيْ هذا المجال؛ لذا فأن شكل الهوية والظهور سيكون كالآتي: 

1- هوية واقعية فيْ العالم الإفتراضي: هكذا نوع من الهويات تكون متوافقة مع الشّخص ذاته، أي أن ظهوره يكون فيْ هذا العالم الإفتراضي، كما لو أنه فيْ عالم واقعي دون أن يغير من ملامح الصّورة، كأن يضع صورةً رمزية أو تعبيرية أو يتخذ من بعض المناظر الطّبيعية، كالورود والأشجار وغيرها، بديلاً عن صورته الايقونية، التّي تدل عليه فيْ هذا العالم الإفتراضي، وهنا من يحاول الظّهور بواقعية فيْ العالم الإفتراضي دائماً، تشمل الشّخصيات العامة، مثل السّياسيين، أو الموظفيْن الحكوميين المهمين، أو أساتذة الجامعات أو مديري الدوائر، أو الشّخصيات الإجتماعية المهمة، التّي لها ظهور حقيقي وواقعي فيْ كلا العالمين، مثل رجال الدين والشّخصيات المجتمعية وغيرها، وفيْ أحيانٍ قليلة بعض النّاس العاديين، الذّين يضعون صورهم الايقونية فيْ هذا المجال، وكأنه يريد أن يقول: إنه متطابق مع واقعه، وليس لديه أي رغبة بالظهور فيْ هذا العالم بشخصيةٍ أخرى وهوية افتراضية أخرى.

2- هوية افتراضية فيْ عالم إفتراضي: هذا النوع فيْ الظّهور فيْ العالم الإفتراضي يكون (لأشخاص / مستخدمين) يريدون أن لا يفصحوا عن حقيقة هوياتهم الواقعية، لأن هذا الظهور هو فيْ عالم إفتراضي، ويجد هؤلاء الأشخاص من الصّائب إلا يظهر بهويته الواقعية؛ لأن التّواجد فيْ هذا العالم، هو من أجل الهروب من العالم الواقعي، أو من أجل الوصول إلى أهداف أخرى، قد لا تمكنه هويته الواقعية من الوصول إليها، وذلك بسبب مهنته مثلاً، أو بسبب موقعه الإجتماعي ،أو الظّهور فيْ هذا الواقع الإفتراضي من أجل التّسلية والتّرفيه، الذّي لا يتطابق فيْ بعض الأحيان مع عمرهِ أو جنسهِ أو دينهِ.

3- الهويتان وظهورهما فيْ العالم الإفتراضي: وفيْ هذا النّوع من الظّهور، يريد المُستَخدِم أن يقدم فيه هويتين، الأولى واقعية، وهذهِ الهوية يريد ظهور جزءاً منها مرتبطة، مثلاً: بالجانب الإجتماعي دون أن يظهر الجانب النّفسي، أو الفيْزيقي المرتبط بهويتهِ الواقعية، أو يريد أن يظهر وظيفته مثلاً؛ دون ان يظهر معها الجانب الإجتماعي والنّفسي، وغيرها من الجوانب المرتبطة بالهوية، وهنا ما يكمل الهوية الأولى الواقعية هوية إفتراضية فيْ هذا العالم الإفتراضي، تكون فيْه الجوانب الأخرى تقع على الهوية الإفتراضية مثلاً: إذا أظهر الجانب الإجتماعي فقط من الهوية الواقعية، فيكمل الجوانب النّفسية والفيْزيقية من الهوية الإفتراضية، مثال ذلك: شخصية ذات بعد إجتماعي معين، أو ذات وظيفة معينه، لكن فيْ داخلها فيْ الواقع المعاش شخصية إنطوائية، غير متفاعلة مع المجتمع، يحاول أن يظهر العكس فيْ ظهور فيْ العالم الإفتراضي، وكأنه شخصية إنبساطية متفاعلة مع الآخرين، وخصوصاً الذّين لا يعرفونه سواء أكانوا من بلدهِ أو من بلادٍ أخرى من المتواجدين فيْ العالم الإفتراضي.

4- الهويتان وظهورهما المتفاوت فيْ العالم الإفتراضي: وهذا النّوع من الظّهور يدل على إزدواجية الشّخصية، وحسب المواقف التّي تظهر فيها، مرة تظهر الهوية الواقعية وبمقتضى نوع المشاركات وخصوصاً إذا كانت المشاركات تمجيد لهذهِ الشّخصية، مما يغلبها الطّابع الشّخصي، ويظهر بهويتهِ الحقيقية أمام المتواجدين فيْ الموقع؛ كون هذا الظّهور ارتبط بجانبٍ نفسي إيجابي، جعلت المُستَخدِم يبرز هويته الحقيقية فيْ هذا المجال، أما فيْ الجانب النّفسي السّلبي، فيْحاول المُستَخدِم ان يظهر هويته الإفتراضية من أجل الهروب من الواقع الإفتراضي، الذّي تعرضت فيْه الهوية الحقيقية إلى نوعٍ من الكشف عن حقائق المُستَخدِم أن تظهر للعلن.

5- الهوية فيْ بعدها الرّمزي فيْ العالم الإفتراضي: وهنا فيْ مثل هكذا ظهور، يريد المُستَخدِم ان تبقى هويته الحقيقية فيْ بعدها الرّمزي فيْ الواقع الإفتراضي، دون أن يقدم الشّكل الواقعي لهذهِ الهوية مثال ذلك: الرّؤساء ورؤساء الحكومات وقادة الجيش وغيرها، من الهويات التّي تظهر بشكلها الرّمزي وليس الواقعي.

6- الهوية فيْ بعدها الإشاري فيْ العالم الإفتراضي: وهذا النّوع من الظّهور يريد المُستَخدِم من خلالها أن تظهر ببعدها الإشاري، الذّي يشير فيْه إلى حالة ما دون أن تظهر كل جوانب الهوية، سواء أكانت واقعية أو افتراضية، ومثال ذلك: نجد أن بعض من يستخدم صورةً للإشارة إلى حالة مرضية، أو الإشارة إلى إنتماء ديني أو طائفيْ أو مذهبي أو قومي وغيرها.

7- الهوية فيْ بعدها الايقوني فيْ العالم الإفتراضي: وهذا النّوع من الظّهور يرتبط عند المُستَخدِم بالواقع تماماً، وكأنما يريد أن يظهر كما هو فيْ عامله دون أن يكون هنالك جانب رمزي أو إشاري للمستخدم.

8- هويات أخرى مرتبطة بحالات معينة فيْ العالم الإفتراضي: وهي كالآتي:

أ‌- هويات ذات بعد نفسي فيْ العالم الإفتراضي: أي يطغى عليها الجانب النّفسي أكثر من الجوانب الأخرى.

ب‌- هويات ذات بعد إجتماعي فيْ العالم الإفتراضي: تظهر الصّورة الإجتماعية أكثر من الجوانب الأخرى.

ت‌- هويات ذات بعد عاطفي فيْ العالم الإفتراضي: كشخصية العاشق، وظهورها فيْ العالم الإفتراضي.

ث‌- هويات ترتبط بطبيعة الجنس فيْ العالم الإفتراضي: مثلاً أغلب النّساء لا تظهر هويتها الحقيقية، وخصوصاً فيْ البلدان ذات الطّابع الإجتماعي الصّارم.

ج‌- هويات تدل على المهنة، أو الوظيفة فيْ العالم الإفتراضي.

ح‌- هويات تدل على الجانب الاقتصادي فيْ العالم الإفتراضي: مثلاً هوية تدل على شركةٍ، أو متجر، أو بضاعة وغيرها.

وهذهِ الهويات المرتبطة بالجوانب النّفسية والإجتماعية، أو العاطفيْة والجوانب الاعلانية، هي فيْ أغلبها هويات افتراضية، لا تدل على هويات حقيقية لأشخاصٍ معينين وهوياتهم الحقيقية، بل هي هويات الغاية منها تقدم شيء آخر غير الواقع الحقيقي للمستخدم، مثلاً: مالك الشّركة عندما يريد أن يروج لشركته، فلا يظهر شخصيته الواقعية؛ بل يظهر المنتج وكيفيْة الترويج عنه، وهو غايته وكذلك عند الشّخص الذّي يريد أن يظهر الحالة العاطفية، كأن يظهر شخصية العاشق، الذّي يريد أن يجذب الآخرين حوله، وفيْ أغلب الأحيان يأتي بصورةٍ جميلة لشخصية رجالية إذا كان ذكر أو شخصية نسائية إذا كانت أنثى، وكلا هاتين الصّورتين تكونان لشخصياتٍ معروفة، لفنانين أو عارضات أزياء أو شخصيات عامة، تمتلك مظهراً معروفاً، مثل: الرياضيين وغيرهم.

إن لظهور هذهِ الهويات فيْ العالم الإفتراضي إيجابيات وسلبيات، من الممكن أن نجمل أهم هذهِ الإيجابيات والسلبيات بالآتي:

اولاً: الإيجابيات

1- شعور المُستَخدِم بالتواجد الفعلي فيْ العالم الإفتراضي، ومسؤوليته عنه.

2- التّفاعل المتمثل بقدرةِ المُستَخدِم على التّأثير فيْ العالم الإفتراضي، وإمكانية التّعامل معه.

3- إمكانية خلق أي بيئة فيْ النّظام مهما كانت خيالية، أو صعبة التّحقيق فيْ الواقع.

4- تجنب الأخطار المتوقع حدوثها فيْ العالم الحقيقي؛ وذلك من خلال تجربتها فيْ العالم الإفتراضي.

5- عملية المحاكاة عن طريق استعمال النّظام فيْ العالم الإفتراضي، بديلاً عن العالم الواقعي / الحقيقي فيْ التّدريب على مواجهة المشكلات.

ثانياً: السّلبيات

1- إن الانغماس فيْ الواقع الإفتراضي، يجعل من الشّخص المُستَخدِم عرضةّ إلى الوقوع فيْ الإزدواجية التّي تؤثر على ظهورهِ فيْ العالم الحقيقي.

2- ضياع وقت ثمين بسبب سوء استعمال التّواجد فيْ العالم الإفتراضي، وإنشغاله عن أعمال مهمة فيْ العالم الحقيقي.

3- ضياع الهوية الحقيقية لصالح الهوية الإفتراضية، بسبب أوقات التّواجد المستمر فيْ العالم الإفتراضي.

4- قد يتعرض الشّخص المُستَخدِم لأعراضٍ مرضية، ترتبط فيها بالجوانب النّفسية أو الفيْزيقية، مثل: ضعف البصر وغيرها. (1)

 

أ. د. محمد كريم الساعدي

......................

الهوامش

1- ينظر، لؤي مضر واصف الشريف: الواقع الإفتراضي وإمكانية تطبيقه فيْ البيئة العمرانية الفلسطينية، نابلس: جامعة النجاح الوطنية، أطروحة دكتوراه، 2012، ص 19 – 20.

 

عامر عبدزيد الوائليالغرب Occident, West من المفاهيم الفلسفية الملتبسة، هل هو مكان أو منطقة من العالم هو أوروبا أو أمريكا أم الاثنان  معا؟ أو هل هو مجموع الدول الغربية .هل الغرب مرحلة من التاريخ أو نظام اقتصادي هل هو أوروبا أو أمريكا أم الاثنان معا ً؟ وهل هو  مجموعة دول كما يرد اصطلاح "الغرب" Occident, West أي الدول الغربية، وكما يرد في المعاجم الأوربية المعاصرة يتم التمييز بين "الغرب" occident  كجهة جغرافية وبين "الغرب" Occident (بحرف O الكبير للدلالة على العلمية) مثل مصطلح جيو سياسي الذي يطلق على:

1) " جزء من  العالم القديم الذي يقع غرباً في الإمبراطورية الرومانية".

 2) أوربا الغربية والولايات المتحدة، وبكيفية عامة الدول الأعضاء في الحلف الأطلسي

3) بلدان أوربا الغربية والولايات المتحدة تحديداً، وقد تختص بهذا المعنى كلمة West (Ouest بالفرنسية) (1) .

وأيضا الغرب هل هو مرحلة من مراحل التاريخ أم نظام اقتصادي ؟هل هو خلق أم دين او طريقة عيش وحالة فكرية؟.لكن المركزية الغربية مشحونة بالدلالات السياسية والثقافية والدينية، حتى أصبح مفهوما ايديولوجيا أكثر من كونه جغرافي . (2)

سقوط أو موت الغرب:

هناك كثير من الدراسات الاستراتيجية تناولت مستقبل الغرب، تعرف الإستراتيجية: بأنها  التخطيط العقلاني الموجه نحو أهداف واضحة ومعينة، وهي بذلك نمط أو خطة لتحقيق التكامل بين الأهداف والوسائل، عبر التحقيق من أن تلك الأهداف قد أنجزت ـ وأدت إلى غايتها .(3) هناك دراسات كثيرة تطرقت إلى  مقاربة مستقبل الغرب من الناحية المادية والمعنوية، أي أنها تشتمل على الجمع بين ما هو مادي عبر تقديم مقاربات ونسب وتربط الأمر بالجوانب الحضارية أي الرمزية، " إذا كانت الأزمة تعني استنفاد أطر النظر ووسائل العمل في مواجهة التحديات والمشكلات، فالمهمة الأولى عند من يتعاطى الشأن الفكري والعمل المعرفي، هي القيام بمراجعة جذرية للعدة الفكرية المستعملة في إدارة الهويات والوقائع أو في صياغة الحياة وإنتاج الحقائق " .(4)

فهذه المراجعة التي قام بها كثير من أهل الفلسفة والسياسة تحاول وضع مقاربات استراتيجية ؛ لأن ما يصنعه المرء بنفسه وعالمه، كما أن ما يتسبب به له الغير، إنما هو بمعنى ثمرة ما، سلبية كانت أم  إيجابية، لأنموذجه في الفهم والتقدير، أو لمعاييره في العمل والتدبير .

هذا يدخلنا في تناول السقوط المعنوي، فهو في خيانة المبادئ التي تدعو إليها من أجل مصلحتك، وهذا السقوط وقع فيه الغرب، فهو يرضى لنفسه الديموقراطية ويدعو إلى حقوق الإنسان،تلك المبادئ التي تمنح الفرد كل الفرص من أجل تحقيق ذاته نجدها في أقوال مثل:

قول نينشه: " بان الوعي الحديث يرفض أية فكرة للعودة المباشرة إلى الأصول الأسطورية ."أن حكم الماضي هو دوما حكم يوحي من الغيب لا تفهموه إلا إذا كنتم مهندسي المستقبل العارفين بالحاضر " (5)

وقول هيدجر: يعني امتلاك ممكن للوجود بذاته، بالقوة الداخلية له، طريقة تحقيق وجوده، ومن ثم حضوره، الذي له، وتحقيق ماهيته التي هي ليست قبلية، ففي حدوثه يكون وجوده، وتكون ماهيته عبر تأويل نفسه بنفسه لنفسه حدوثا ووقوعا.....(6)

هذه الأقوال التي تدعو إلى حرية الفرد الغربي، لكن على حساب الآخر غير الغربي الذي احمل كل الكوارث التي أنتجها الغرب وهو يقيم حضارته على حساب بقية البشر عندما تحولت عصور التنوير إلى عصور استعمار وهيمنة ثم ترجمة الحداثة من خلال  حروب كارثية عالمية وإقليمية من اجل إن يبق الغرب يحوز السيطرة والثروة والحرية ؛ تحولت مقولاته عن الأنسنة والديمقراطية . بينما في الحقيقة كان يكرس الحقد والكراهية بين الشعوب، ويرعى الظلم والاستبداد، ويحارب صوت الحرية والأمل، بطريقة مباشرة أو من وراء الكواليس، فهو مزدوج السلوك ويكيل بمكيالين.إذ هذه الحالة هناك كثير من النقد حتى في الغرب نفسه ظهرت كثير من السخرية، فإن العالم المعاصر في نظر بيتر سلوتردايك، أصبح فقاعة أو رغوة أو سلسلة من المونادات الاستهلاكية المقطوعة عن بعضها والتي تخترع باستمرار، وباستجابات جديدة، ولحظات حاسمة لا تجعلنا نتخذ قرارا، بل أنها تجعلنا في مأمن من العديد من أشكال التفاهم المشترك والازدهار الإنساني .(7)

أما الآراء التي تتعلق بالسقوط المادي فهو يقدم استقراء يرى فيه  إمكانية زوال الغرب، بفعل الأسلحة الفتاكة التي كان ومايزال  يصنعها، والفكر المدمر الذي يحمله، فهذه الآراء ترى العلاج يكمن في  التجديد والتغير، فالدول كالأفراد لها أعمار كما ذكر ذلك  ابن خلدون في مقدمته، وهي تلد وتشب وتهرم وتنقضي، فالفناء نهاية كل دولة، وإنما له أسبابه، فإذا ماعولجت الأسباب وهو ما يحاول الغرب أن يفعله، فقد يتأخر طويلاً سقوط الدول، ولكن لا بد من الموت النهائي، فالخلود من خصائص العالم الآخر، وليس قميناً بأحد في الدنيا.

 وأعمار الدول مجهولة كما هو الحال في الأفراد، وإن كانت النهايات محتومة، فالمصالح التي توحد الناس حيناً قد تجعلهم يختلفون أحياناً، فهي متغيرة ومتناقضة ما بين الأمم والجماعات عبر التاريخ كله، وعليه فالصراع هو مرحلة قادمة من عمر البشر، وسينتهي بولادة عالم جديد على الأرض، فيه قوى جديدة غير تلك البارزة الآن؛ لكن كيف يلد هذا العالم الجديد أما بولادة الصراعات الداخلية، وهذه ستؤدي إلى التفكك والتحلل الذاتي لشعوب تلك الدول، أو بولادة قوى جديدة منافسة لحضارة الغرب تكون لها الهيمنة في المستقبل، أو بفساد اقتصادي ينهي سيطرة الغرب على الثروات في هذا العالم، أو بتغيرات وكوارث طبيعية ؛ بسبب التلوث الذي يعتري العالم من نتاج المخلفات والثورة الصناعية.أكيد التأمل بالسقوط ليس هو غاية بل يعد وسيلة من أجل وضع الحلول واجتراحاليات وتصورات تجنب الغرب السقوط وتجعله يعيد النظر بآليات الفهم والتحليل الذي يغير من المسببات ويضع بدايات جديدة والغرب مارس هذا الأمر كثيرا منذ بداية عصر النهضة ؛ لهذا فقد قدمت حضارة الغرب إنجازات كثيرة للإنسانية على الرغم من كل سلبياتها هناك كثير من الخطاطات الإستراتيجية المعاصرة التي تجترح الحلول منها مايشجع المضي بالأسلوب نفسه  ويجترح رؤية استراتيجية، ومنها ما يقدم نقدا  لما هو قائم ويعرض إلى صورة قاتمة بفعل استمرار الرؤية ذاتها  والمنهج نفسه ؛ فهي سوف تقود إلى موت الغرب وسقوطه سواء كانت تلك الخطاطة يمينية أم  صاحبة لرؤية تنطلق من مرجعيات تتعلق بالبيئة .

المبحث الأول: أصحاب الرؤية الأولى المتمثلة

بمقولات" نهاية التاريخ" و"صراع الحضارات"  

نلمس هذه النشوة التي شعر بها صانعو  الخطاب الليبرالي الغربي وهم يرون  العدو الماركسي يسقط، منحت تلك النشوة الشعور الغربي بالتفوق والانتصار وهو يرى كل خطاباته الإستراتيجية وقد وصلت إلى التخوم النهائية المرسومة من قبل صناع الإستراتيجية ولعل هذا ما يظهر ذلك  بوضوح في مقولة فوكاياما" نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، الذي تصور فيه أن التاريخ الليبرالي قد وصل إلى التخوم في النهاية، بانهيار الشيوعية وانتصار الرأسمالية الغربية التي ستسود العالم من أقصاه إلى أدناه، ولا مفر من التسليم بهيمنة الليبرالية الغربية على باقي الأمم.وهذا ما عزف عليه الصحفي توماس فريدمانThomas Loren Friedman 1953م(8) نظرياته الاقتصادية والسياسية التي تخيل فيها اجتياح الشركات العابرة للقوميات والثقافات والفضاءات السياسية والتضاريس الجغرافية في وحدة عولمية تكون فيها أمريكا والغرب القوة التي لا تنافس والقدرة التي لا تنابذ.

إما صامويل هنتنجتون (1927م-2008م) فله "صدام الحضارات " (9) لقد جاءت مقدمته في  توضيح اتجاهين متعارضين الأول مسلك حفظ التأثير والهيمنة الغربية، وأما المسلك الثاني فقوامه حفظ التعددية الثقافية . ثمة انه يقدمه كمنظومة مفاهيم تميز بين ما هو ثقافي وما هو اقتصادي وما هو سياسي فعلى سبيل المثال نجد إن مفهوم (الصراع) هو اقتصادي وهو متمايز عن مفهوم (الصدام) الذي يتسم بكونه مفهوما  ثقافيا فيما (النزاع) فهو مفهوم سياسي . ولا شيء أدعى اليوم إلى الصدام من اعتقاد الغرب الراسخ بشمولية ثقافته وحضارته (10).إلا إن التحولات التي جاءت مع زوال الحرب الباردة وزوال العدو الاتحاد السوفيتي الذي  لم يحقق انتصارا لصالح الرأسمالية بل بزغ بصرع يتجاوز ما هو سياسي واقتصادي إلى صدام ثقافي. وهي نواة هذه الرؤية الشمولية التي يعبر عنها هنتنجتون بلفظة " الصدام القادم" اذ  يقول: " إن عالم ما بعد الاتحاد السوفيتي وجدار برلين يتألف من ثمان حضارات متنافسة، لكن الصدام المحتمل على المدى القريب سيكون بين ثلاث حضارات هي: (الحضارة الغربية الرأسمالية، والحضارة الصينية، والحضارة الإسلامية). (11) أما على المدى البعيد فإن هذا الصدام المحتمل سينحصر بين الحضارة الغربية والإسلام. وبذلك كان هذا الكتاب الاستثنائي التوجه الصاعق الفعلي لقنبلة شديدة الانفجار ستتناثر شظاياها على رقعة واسعة، وتصيب الأوساط (السياسية والفكرية والإعلامية الغربية)  بالصدمة.(12) هذه القراءة القائمة على اختلاق عدو جديد للغرب يبرر كل الإخفاقات هذا العدو الثقافي يتمركز هذا التصور في الشرق وخصوصا الإسلام،  وقد تأخذ هذه العلاقة مع الآخر بعداً غير واقعي بل تخيلي اصطناعي؛ فهناك كثير من الصور النفسية أسقطها الآخر (الغرب) على الشرق الإسلامي هي مجردة من الحقيقة بل مختلقه إذ يرتبط باختراع الآخر ؛لأن الخطاب حول الآخر هو بالأساس يعد خطاباً حول الاختلاف .(فإن التساؤل فيه ضروري حول الأنا أيضاً، ذلك أن هذا الخطاب لا يقيم علاقة بين حدين متقابلين، وإنما علاقة بين آخر وأنا متكلمة عن هذا الآخر .)(13)

هذه الرؤية التي تصنع من الثقافة أداة للصدام وليس أداة للتواصل رؤية أوجب النقد ولعل هناك من صوب لها النقد من زاوية كون الثقافة هي بالأساس نمط في الفكر ليس في الأنماط الفكرية الأخرى لا أنور ولا اعقل ولا أحدث، ومستنفرا كل وسائله لحمل شعوب العالم على الأخذ بها، على تعارضها مع بعض قيم ومؤسسات وممارسات هذه الشعوب .(14) وأيضا فهذه الرؤية عند هنتنجتون القائمة على تخليق عدو يبرر ما يعانيه الغرب وتسوغ له سياسة العنف والإقصاء ولعل تعبير تودوروف يبين التضاد مع هذا الطرح ويأتي بقول مختلف يوجب فيه أن يكون هناك نوع أخر من العلاقة بين الأنا والآخَر تقوم على اساس قاعدة من الاعتراف، وعلى نحو أخلاقي محدد، تعد الآخَر؛ ذات مماثِلة... (15).

فإن هذه المعالجة تنطلق من تحديد العلاقة بين الأنا والآخر على الرغم من بعدها التاريخي والسياسي إلا إنها كانت علاقة غير مفكر بها وتبدو مضمرة لكن الدراسات المعاصرة في مجال الخطاب هي من اتاحت لها الظهور من خلال بحثها في تلك العلاقة وارتباطها بالهوية والاختلاف من خلال البعد الظاهراتي الذي أخذ تحولاً يراعي الجوانب النفسية في كشف صورة الآخر (ان الاختلاف بين السياقين الوسيط والحديث في العلاقة بين الأنا والأخر، إنما يعكس اختلافاً جلياً في صورة الآخر في الثقافة العربية، وفي مجال الآخرية، فإن كان مجال الآخرية في السياق الحديث قد اختزل في الغرب وحده، فإن مجال الآخرية في السياق الوسيط كان متشعباً ومتعدداً وممتداً بامتداد المعلوم من العالم آنذاك .)(16)

إلا إن مثل تلك القراءات التي مثلها " هنتنجتون وفوكاياما " وما تعكس من موقف من الأخر أمر مؤسس لها  من قبل مؤسسات غربية فمقول مشيل فوكو عن العلاقة بين السلطة والمعرفة واضحة ولعل قوله يشرح الحال أن المسألة لا تتعلق بتغيير وعي الناس أو ما يدور بأدمغتهم، أنما بالنظام (السياسي والاقتصادي والمؤسساتي) ؛ لإنتاج الحقيقة .

المبحث  الثاني: أصحاب الرؤية الثانية متمثلة بمقولات

"موت الغرب" و" نهاية الغرب وولادة العالم "

1- الخطاب اليمين وسياسة الهوية:

نحن أمام قراءة نقدية عنيفة لمسيرة التحولات الغربية تنطق هذه القراءة من مسلمة قوامها يعود على مرجعيات الخطاب اليميني وهو مصطلح سياسي يطلق على التيارات والأحزاب السياسية لوصف موقعها من ضمن محيطها السياسي،وهذا الخطاب ينقسم على قسمين:

الأول هو جماعات اليمين السياسية التقليدية التي تدعو إلى حماية التقاليد والأعراف داخل المجتمع، وسوف نلمس هذه السمة فيما نستعرضه من مقولات هذا المفكر الأمريكي .

والثاني الخطابات السياسية المتطرفة فى الغرب، ويكمن الاختلاف الوحيد بين جماعات اليمين التقليدية أو المعتدلة وبين المتطرفة أن الأخيرة تدعو إلى التدخل القسري واستعمال  العنف واستعمال السلاح لفرض التقاليد والقيم، ولذلك عادة ما ترفض تلك التيارات هذا النعت لأنها تزعم أنها تمثل الاتجاه العام وتنقل صوت الأغلبية. (17)

فهذه الأطروحة اليمينية يمكن أن نلمسها في ابرز مقولات هذا المفكر الذي نجده  يركز على مخاوف موت الغرب بفعل سياسة الإنجاب وانتشار الهجرة غير المسيطر عليها ولعل هذه المقولة راسخة في عموم الخطاب اليميني اتجاه الأجانب وخصوصا المسلمين إما النقطة الثالثة فهي ما يسميه الدين الجديد أو الثورة الثقافية وهي تسمية مستعارة من مفهوم الثورة الثقافة في الصين وهي استعارة ساخرة تريد إحالة هذه الأفكار إلى الماركسية والخطابات القريبة منها ؛ وكأنه يريد التذكر بالحرب الباردة والخوف من الشيوعية .وقد أخذت عرضه استعراض لهذه المقولات التي سوف نكتفي بهما من اجل البرهنة على اصل أطروحته .

هنا يفتتح المشهد النقدي بعرض رؤيته للأجانب وما يخلقوه من خطر وكأنهم يرتبطون بخلايا إرهابية معادية لأمريكا فيقول بنبر يمينية لا تخلو من التشدد:" لقد كشفت أحداث 11 سبتمبر أيضا خط انقسام جديد إن الصراع الذي أصاب بلادنا ليس متعلقا بالداخل أو بالأيدولوجيا أو بالعقيدة ولكنه متعلق بالعرقية وبالولاء .تجاه استفاقتنا على الإدراك بأن من بين ملايين من الذين ولدوا أجانب ثلثا يقيم إقامة غير قانونية وبأن العشرات من الألوف موالون لأنظمة حكم يمكن إن نكون في حالة حرب معها , وبعض هؤلاء المقيمين مدربون ليكونوا إرهابيين أرسلوا هنا ليقتلوا الأمريكيين .) (18)

انه يحاول توصيف حال جزء ويسقطه على الأغلبية من المهاجرين الذين سقط منهم كثير في تلك الأحداث التي أصابت الجميع ولم تميز بين الناس ؛ إلا أن الباحث يحاول تجيير الحدث من أجل تضخيم أثر الهجرة .وحاله حال حكومته التي استثمرت الأحداث من آجل ضرب وتدمير ثلاثة بلدان إسلامية وزرعت الفوضى الخلاقة بالشرق الأوسط بحجة محاربة الإرهاب  . إلا انه يمضي في تجريم سياسة الهجرة ويحيل أسباب الدمار وموت الغرب إلى أن أحد أسبابها هو الهجرة والسياسة الغربية اتجاهها، وهو يرى إن أمريكا ما هي سوى  "بوتقة الانصهار"، بقوله: " في غضون خمس سنوات، لان يكون هناك جنس هو الأغلبية في اكبر ولاياتنا كاليفورنيا وفي أكثر قليلا من خمسين سنه لن يكون هناك جنس هو الأغلبية في الولايات المتحدة " (19)، ويقول  أيضا في الهجرة: " إن الهجرة غير المسيطر عليها تهدد بتفكيك الأمة التي نشأنا فيها وتحول أمريكا إلى شعوب ململة بدون أي شيء مشترك...لا التاريخ ولا الأبطال ولا اللغة ولا الثقافة ولا العقيدة ولا الأجداد ". (20)

ويتطرق في  القضية الثانية المتعلقة بسياسة الإنجاب وارتباطها بعوامل ثقافية منها الحركة النسوية التي ظهرت بعد التحولات الاقتصادية في الغرب وخصوصا أمريكا " إن هبوط عدد السكان  صار سمة للأمم وللحضارات التي تعيش حالة انحطاط . فان الحضارة الغربية في حالة حرجة وذلك ؛ لأن السكان في الغرب مثل " قطة سيشير" قد بدأوا بالتلاشي." (21) ويحاول استعراض حالات التي يتصورها سوف تقود إلى تراجع نسبة السكان الغربيين "من بين الأمم الأوربية السبع والأربعين هناك امة واحدة فقط وهي البانيا المسلمة كانت وما تزال تحتفظ في العام 2000م  بمعدل مواليد كان ليبقيها حية إلى أجل غير محدد إما بقية أوروبا فقد بدأت تموت . "(22) بالمقابل يستعرض حال ثلاث دول على أساس دراسات مستقبلية: "أوربا في العام 2000م اذ  بلغ العدد الإجمالي لسكانها من ايسلاندا إلى روسيا 728 مليون نسمة، ولكن على وفق معدلات الولادة الحالية ومن دون هجرة جديدة سوف يهبط سكانها إلى 600 مليون نسمة مع حوالي العام 2050م ."(23)

تأتي في المقدمة ألمانيا "وألمانيا عام 2050م  سيكون ثلاثة وعشرين مليون ألماني قد اختفوا عدد سكان ألمانيا الذي بلغ اثنين وثمانين مليون نسمة سوف يهبط إلى تسعة وخمسين مليون نسمة وعدد الأطفال الألمان تحت سن الخامسة عشر سيكون قد نزل إلى  3, 7 مليون نسمة ". (24)

والمرتبة الثانية ايطاليا "وايطاليا سوف يهبط سكانها في 2050م  من 57 مليون نسمة إلى 41 مليون وفي العام 2050م  40% منهم نسن 65 و2% من سكانها يكونون في الخامسة  "(25)

ويطرح سؤال كعنوان للفصل الثاني أين ذهب كل هؤلاء الأطفال ؟ وتأتي الإجابة من خلال تحليل الظروف والتحولات الثقافية التي حدثت فى الغرب، وكانت البداية وكأنه عقاب من الله عندما يجعل من هذا النص من سفر التثنية 28 "وسوف تتركون قلة في العدد .بينما كنتم كالنجوم في السماء كثيرة، ذلك بأنكم لم تطيعوا صوت الله ربكم "(26)

هنا نجده يبث عن الأسباب وراء انخفاض النسبة للسكان بفعل عمليات الإجهاض التي كانت 6000حالة ي عام 1966م وقفزت الى  200000 حالة في عام 1970م وفي عام ١٩٧٣م  كانت تتم 600000 عملية إجهاض .

ويقول إن إنتاج عقار الإجهاض اريو 486 في الصين وقد يصف المتشككين دور الصين في إنتاج العقار اريو 486 ليستهلك في أمريكا بوصفه عملا في المساعدة على الانتحار لأحد الأمم التي تسد الطريق على بكين من اجل الهيمنة الأسيوية ولتكون قوة عالمية . (27)

ويربط هذا التحول بالأزمات الاقتصادية والثورات التي ظهرت بعدها وظهور الحركات النسوية وما صاحبها من ظهور حريات جنسية وتحول الأمر إلى رغبة في المنفعة من دون الزواج ذلك لان القرارات التي تتخذها النساء اليوم سوف تقرر إن كانت الأمم الغربية سوف تكون موجودة في غضون قرن والنساء الغربيات يصوتن بلا (28).

في الفصل الثالث يتحدث تحت عنوان "كتاب تعاليم الثورة "يتحدث عن التحولات بين الدين القديم والدين الجديد إي هو هنا في توصيفه هذا يريد أن يميز بين نمطين من الفكر الأول القديم الذي يجده يوافقه كيميني ويرتضي المحافظة عليه وحماية التقاليد والأعراف داخل المجتمع التي يجد إن تغيرها قاد إلى نتائج كارثية قادة الغرب إلى الموت والتلاشي . زمن بين هذه الأفكار يأتي:"أن الإيمان الجديد من هذا العالم وبهذا العالم ومن اجل هذا العالم فقط ويرفض أن يعترف بأي نظام أخلاقي، على وفق تعاليم دين الثورة فان النظام الأخلاقي المسيحي القديم الذي يدرس ممارسات الجنس خارج الزواج...وهو نظام أخلاقي انغرس في الانحياز وفي التعصب الانجيلي وفي العقيدة الدينية والتقاليد البربرية".(29) إي انه يرى الأفكار الجديدة التي تدعو إلى تجاوز الأصولية هي في الحقيقة تشكل تحولا سلبيا مضرا  بما تدعو له من تحولات جعلت الغرب يتغير ويتجاوز القيم والأعراف التي تعود عليها وكانت تحقق له التماسك من قبل إما في مجال السياسة فيصف التحول الذي حصل بالقول:" في السياسة الإيمان الجديد عولمي وتشكك بالوطنية وذلك ؛ لأن الحب للبلد يؤدي في الغالب الى الشك بالجيران ويؤدي  في الغالب إلى الحرب". (30) وهو هنا ينتقد مفاهيم العولمة وما جاء من أفكار سياسية بما بعد الدولة الوطنية .ثم انه يشير وهي صفة في مقاربته انه يعتمد على  توصيفات مجازية من دون تحديد الأفكار بشكل مباشر بل يعتمد على المجاز والتورية في التحولات التي  أصابت المشهد الديني التبشيري بالمسيحية وما يتعلق بنظرية المساواة والداعية إلى المساواة  اذ نجده ينتقد كل هذا بالقول:" المساواة هي المبدأ الأول ومن يخطئ ضد المساوة فهو خارج الكنيسة ومن هذا الدين الجديد لا دين أعلى  نفوذا ولا ثقافة أعلى  تفوقا ولا حضارة أعلى  تفوقا من غيرها ". (31) وعلى ذات النهج يتجاوز ما هو مباشر ويشير إلى ما هو كامن في الظل ويمنحه بروزا؛  فهو عندما يقف عند أحد رجال الاستبداد في أمريكا اللاتينية فانه نقد تجاوزي  واستبداد ؛ فانه يرى جوانب هي حاضرة لدى الفكر اليميني بالقول:" بالنسبة إلى الثورة الثقافية فالعدو دائما في اليمين والثورة لا تغفر ولا تنسى فان المطاردة التي لاتعرف الرحمة للجنرال بينوشية حتى قبره هو المستبد الذي سحق الكاستروية في تشيلي.. (32)

نجد انه في هذه الأفكار اليمينية يحاول تناول مواضيع كثيرة ؛ إلا إن النقد الذي نجده يحتاج إلى  الرد هو  الموقف من الهجرة التي أصبحت أفكار اليمين بحقها تتضخم كل يوم، وعندما نقارب الأفكار المنصفة في هذا المجال يتبين لنا ما هو منسي في الأمر .

بما يتعلق بالتعويضات إلى المهاجرين من اجل العودة إلى بلدانهم وعلى وجه الخصوص المسلمين الأتراك في ألمانيا والأمر الثاني الخدمات الصحية التي تكلف الدول الغربية والاتهامات إلى المهاجرين ولعل البطالة هي الأمر الأهم في تصريحات أهل اليمين وتوظيفها في التنافس السياسي،فدفع هذا خصومهم إلى إعلان الحقائق " فبدأت تظهر مواقف "توضيحية" كالأرقام التي نشرت مثلا عن أن حصيلة ما يسدّده سائر الأجانب مقابل ما يحصلون عليه في قطاع الضمانات الاجتماعية، يوفّر في الميزانيات الرسمية المليارات التي تستعمل  لصالح سواهم من المستفيدين من الضمانات الاجتماعية، أي من أهل البلاد الأصليين. كما بدأت تُنشر كمثل آخر أرقام مثيرة للمخاوف بصدد انخفاض نسبة القادرين على العمل بالمقارنة مع ارتفاع عدد المسنين في المجتمعات الأوروبية، وبسرعة متزايدة ستجعل من المستحيل تغطية النفقات التقاعدية من دون الاعتماد على العمال الأجانب، وارتفاع نسبة المواليد وبالاتي التعويض عن النقص المحتوم في سوق الأيدي العاملة."(33)

الموقف الثاني: هيرفيكيمف "نهاية الغرب وولادة العالم"

المقاربة الثانية النقدية هي بمثابة مقاربة تحاول استثمار المعطيات العلمية في نقد النتائج الكارثية التي قادت لها أنماط السلوك الغربية من أشكال مدمرة للكوكب يمكن تناول نقطتين:

أولا: في هذا المجال هنا أسماء كثيرة مهمة في هذا المجال فقد سبقوا " هيرفيكيمف "، كان من أبرزها هانس جوناس  مؤلف كتاب "المسؤولية كمبدأ " وقد عرض للخطر المدمر الذي يمر به العالم بسبب الانفتاح التطور الاقتصادي والتطور التكنولوجي السريع . إذ يستعرض أيضا في كتابه الأخر "حتمية المسؤولية وهو بمثابة بحث في أخلاقيات التكنولوجي .(34)ونجده يؤكد على إن " اصل المسؤولية كحافز ذاتي لدى الفرد فالتربية على قيم المسؤولية وعلى فهم المسؤولية وعلى القيام بالمسؤولية  ؛ فهو شأن ذاتي صرف، فضلا عن الشأن المجتمع والدولة في تربية أجيالها ومواطنيها على القيام بذلك ."(35)

فهناك كثير من الدراسات التي توقفت عن التحولات التي أصابت البيئة فقد عدت بوصفها "إنتاجا  حتميا للتقنية العلمية، إذ أن حاجة التقنية للطاقة الحرارية، والية استهلاكية تفرض فضاء خاصا للنفايات فكانت البحار، والأنهار الحل الأمثل لهذه الأزمة عند المؤسسات الكبرى، كما كانت مصادر الطاقة الطبيعية هاجسا عند رواد الرأسمالية الصناعية والتجارية والذي طرح سؤالا  أخلاقيا رئيسا هو: هل الغايات تمنع المشروعية للوسائل ؟ وبدأ التساؤل عن الحق في بيئة سليمة أمام الحق في ملكية الفرد لمؤسسات اقتصادية وتجارية، فبدأ السجال الفكري حول أخلاقية البيئة، أو تبيئة الأخلاق، فكانت الفلسفة الخضراء أو التوجه نحو اخضرار الفلسفة ".(36).

ثانيا: بعد هذه المقدمة نود التوقف على  الاطروحة الثانية  التي يمثلها " هيرفيكيمف" وهو كاتب سياسي متخصص في مسائل "حماية الطبيعة" في الإطار السياسي، وهو كاتب افتتاحيات حول موضوعات متنوعة في صحيفة "لوموند الفرنسية". من مؤلفاته: من أجل إنقاذ الأرض، اخرجوا من الرأسمالية.(37) في مجال تشخيصه لهذه الأزمة فانه ينطلق من كونه متخصصا في مسائل البيئة وعلاقتها بمستقبل العالم،ولعل هذا هو القاسم المشترك مع الأطروحة الأولى التي جاء ذكرها فى بداية هذا البحث ؛ إلا انه ينظر من زاوية علمية وليس ايدولوجية ففي أفكار لا نجده ينطلق من أفق يميني بل هو اقرب إلى اليساري من خلال أطروحته، إذ يذهب إلى القول، إن الأمر أبعد من أزمة، إنه يتعلق بـ: "نهاية الغرب وولادة العالم"، كما يقول عنوان كتابه الأخير.وهذه الفقرة مركزية في معالجته فهو يشير إلى جملة نقاط تؤكد على  موت هذا الغرب الذي كلف الطبيعة كثيرا ؛ بفعل ثقافته القائمة على الاستهلاك .ولهذا يقدم لنا صياغة تأخذ بعدا قوامه نوعاً من "النداء" الموجه إلى الغرب، من أجل أن يتوقف عن سرد القصص والحكايات عن الأزمة. ويواجه صميم المشكلة المطروحة على هذا الغرب، بل وعلى العالم كله، في بدايات القرن الحادي والعشرين. وتتأسس  على خلفية هذا النداء، على مقولة جوهرية، مفادها أنه من المستحيل تعميم انموذج موديل- الاستهلاك الغربي على صعيد العالم كله. ذلك أن الأذى الذي يلحقه هذا الأنموذج على البيئة، يمنع تعميم مثل هذا الأنموذج. (38) ويعلل هذا الاستنتاج بالآتي:

1- انه ينبغي إفقار الغرب أمر لا بد منهمن خلال تجاوز نمط الحياة المكلف للكوكب وهذا يعني على المجتمعات الاستهلاكية الغربية خاصة، والغنية عامة، تقليص مستوى استهلاكها ؛ كي يأخذ جميع أبناء الإنسانية نصيبهم من ما تنتجه الأرض. إذ إن الغرب لن يستطيع، بحسب تحليلات المؤلف، أن يتابع مسيرته وتوجهاته نحو رفع مستوى ثرائه المادي.

2- ومن اجل تحقيق هذا التحول - بحسب المؤلف - يفترض بهذه المجتمعات الغربية تحديداً، أن تتأمل جيداً الماضي،وما خلقه  نمط الاستهلاك من نتائج مدمرة للبيئة فإدراك الأسباب يقود إلى تدبر  السبيل الأفضل للتوجه نحو المستقبل. وهو يمارس هذا التدبر في القسم الأول من الكتاب الذي هو بمثابة نوع من "إعادة القراءة" في تاريخ الإنسانية، اذ  قاده هذا الطريق إلى إدراك المشكلة الكبيرة المطروحة على البشرية، حالياً، يحددها في كون البشر أصبحوا أكثر عدداً وأكثر شراهة.. والأرض التي هي المصدر الأساسي لتغذية أبنائها، ولكنها لم تعد قادرة على تأمين متطلبات نمط الاستهلاك الغربي لـ9 مليارات من البشر.

3- فهذا التدبر سوف يقودنا الى إيجاد حلول هي بمثابة المخرج لتجنب الحروب المحتملة، على مصادر الطاقة وغيرها من الثروات "غير المتجددة، أي المحكوم عليها بالنضوب الكامل، في أفق قريب. فالعالم الذي سوف يخلق موت الغرب يعني مغادرة  حالة الرخاء الراهنة، كي ينبثق بالمقابل، عالم جديد. وبالاتي ينبغي على المجتمعات المعنية، الغربية، أن تستعد للتأقلم مع "العالم الجديد".

4-  ويعلل سبب هذه الرؤية النقدية التي قوامها موت الغرب بمعانيه  الاستهلاكية المتمركزة حول ذاته على حساب العالم بكل دوله وشعوبه، وبالاتي يشدد المؤلف على أن "نموذج موديل- السعادة بوساطة الاستهلاك"، أصبح حلماً بالنسبة لمليارات البشر في العالم. وغدا يتقاسم مثل هذا الحلم، أبناء البلدان الفقيرة قبل غيرهم. إذ إن طموحهم يتجه نحو زيادة الاستهلاك. وفي محصلة القول، يرى المؤلف أن ثروات الأرض من مصادر الطاقة، لا تزال تكفي للاستهلاك لعقود قليلة قادمة. لكن صياغة الاستراتيجيات المستقبلية على مدى عقود قليلة، يعني بكل بساطة، تمسّك الأجيال الحالية بأنانيتها، حيال الأحفاد.

 الخاتمة

النقد عن طبيعة التحول وأسبابه  كانت هناك مقاربة من خارج الغرب هي التي جاء بها الكاتب فى السياسة والاقتصاد "كيشور مهاهاباني "، يرى "عالما اقتصاديا مختلفا" يتشكل في الآفاق، في كتابه الذي يحمل عنوان "هل خسر الغرب؟".، وقد شخص أخطاء الغرب الإستراتيجية وقع فيها الغرب خلال الأعوام الثلاثين الأخيرة أدت لتراجعه نسبيا حتى بات عرشه العالمي مهددا:

 وأولها كان مع سقوط الاتحاد السوفيتي عام ١٩٩٠م،اذ صدق الغرب ادعاءات "فوكوياما" بـ"نهاية التاريخ" بانتصار الحضارة الغربية، بما أصاب الولايات المتحدة وأوروبا بما يصفه الكاتب بـ"ضرر بالغ في العقلية"، أدى لتراخيها.

وجاء الخطأ الثاني في أعقاب أحداث 11 سبتمبر الشهيرة، اذ  تورطت الولايات المتحدة في العديد من الصراعات في العالم الإسلامي، فقضت عقدا كاملا تقريبا وهي تحارب وتبدد مواردها الاقتصادية، وفي العام نفسه (2001م) التحقت الصين بمنظمة التجارة العالمية، واستفادت خلال هذا العقد من انضمام حوالي 800 مليون شخص لسوق العمل عالميًا، بما زاد من القدرة الشرائية، وكانت الصين في صدارة المستفيدين من هذا النمو العالمي.

وجاء الخطأ الثالث في عدم البحث عن سبل جديدة للنمو، ففي الوقت الذي كانت نسبة إسهام الولايات المتحدة في الناتج العالمي 25 في المئة عام 1980م  كانت الصين 2.2 في المئة فحسب، وظلت الصين تنمو باستمرار حتى ضاقت الفجوة كثيرا بين البلدين فيما تشير التوقعات إلى إغلاق الفجوة بشكل كامل خلال أعوام قليلة، بل وتشير تقديرات مستقلة بعيدا عن الأمم المتحدة وصندوق النقد والبنك الدولي –وفقا لـ"مهاهاباني"- إلى أن الصين أصبحت الاقتصاد الأكبر بالفعل منذ عام 2014م .

 ما يمكن أن نختم به هنا أن الغرب يمثل تجربة بشرية عرضه إلى القوة والضعف إلا أن المهم هنا هو دور العالم غير الغربي ومنه نحن ونحن نرى أن أمم استطاعت  أن تخلق تجربتها إلى جعلت منها قوة لها تأثيرها العالمي مثل الدول الآسيوية التي اتسمت "الإرادة والتركيز"، اذ تتجنب إنهاك نفسها في صراعات جانبية وتهتم بالأساس بتنمية الاقتصاد، ولذلك ينمو اقتصادها بينما تبقى معدلات النمو الغربية متدنية مقارنة بالآسيويةولعل هذا متولد من توظيفها الطاقات في التربية والتعليم  والخصوصية الثقافية .

 

 د. عامر عبد زيد الوائلي

...........................

(1) محمد عابد الجابري، الغرب والإسلام 1- الأنا والآخر… أو مسألة الغيرية.

(2) مكي سعد الله  مصطلح "الغرب " بين النشأة الأسطورية والنهاية الكوسموبوليتية، موقع مؤمنون  بلا حدود، الرباط، 2017.

(3)) نبيل مرسي خليل: التخطيط الاستراتيجي، دار المعرفة الجامعية، ط1، الإسكندرية،1994، 17-18.بواسطة علي عبود المحمداوي، البيوتيقا والمهمة الفلسفية..، الاختلاف، ط1، بيروت، 2014م، ص221.

(4) علي حرب،العالم ومأزقه...، المركز الثقافي العربي، ط1، بيروت، 2002م، ص11.

(5) جميلة حنيفي، موقف هابرماس من الحداثة وما بعد الحداثة، ضمن الكتاب الجماعي "يورغنهابرماس"، ابن النديم  للنشر والتوزيع،ط1، بيروت، 2013م،ص86-87.

(6) رسول محمد رسول، مارتن هيدجر عربيا، دار تنويرات، ط1 الكوفة،2019م،  ص 6.

(7) رائد عبيس، فلسفة السخرية عند بيترسلوتردايك، منشورات اختلاف، ط1، بيروت، 2016م، ص 128.

(8) وهذا ما عبر عنه في مفهومه " العالم مسطح "  تاريخ موجز للقرن الحادي والعشرون' (بالإنجليزية: The World Is Flat) كتاب تأليف الكاتب الصحفي الأمريكي توماس فريدمان. قدمها لأول مره عام 2005م  ويتناول الكتاب موضوع العولمة، وهو لا يقصد بسطحية الأرض ولا الأرض كطبيعة جغرافية بل عالم بدون حواجز وبدون حدود وذلك بتأثير العولمة على كل الشعوب في العالم.

(9) صموئيل هنتنغتون: صدام الحضارات، مركز الدراسات الإستراتيجية، ط1، بيروت، 1995م .

(10)  المصدر نفسه .

(11) المرجع السابق.

(12) http://3ankathab.arablog.org

 (13) الطاهر لبيب، صورة الآخر العربي ناظراً ومنظوراً اليه، مركز دراسات الوحدة العربية،ط1، بيروت، 1999م، ص 21.

(14) طه عبد الرحمن،تعددية القيم بين واجب التعدد وواقع الصدام،  دراسات فلسفية، العدد الثاني سنة 2002م، ص 107 .

 (15) يُنظَر: تزفزتيان تودوروف، فتح أمريكا، سينا للنشر، القاهرة، 1992م، ص142.

(16)) نادر كاظم، تمثلات الآخر، 2004م، ص 15.

(17) نبيل شبيب، اليمين المتطرف ومستقبل المسلمين في أوروبا، https://www.aljazeera.net

(18) باتريك جيه بوكائن، موت الغرب اثر شيخوخة السكان وموتهم وغزوات المهاجرين على الغرب، ترجمة محمد محمود التوبه، مكتبة العبيكان،ط1، الرياض،2005 م، ص14.

(19) المرجع نفسه، ص16.

(20) المرجع نفسه، ص17.

(21) المرجع نفسه، ص31.

(22) المرجع نفسه، ص32.

(23) المرجع نفسه، ص33.

(24) المرجع نفسه، ص37.

(25) المرجع نفسه، ص40.

(26) المرجع نفسه، ص59.

(27) المرجع نفسه، ص63.

(28) المرجع نفسه، ص65.

(29) المرجع نفسه، ص1009.

(30) المرجع نفسه، ص112.

(31) المرجع نفسه، ص120

(32) المرجع نفسه، ص126.

(33) نبيل شبيب، اليمين المتطرف ومستقبل المسلمين في أوروبا، https://www.aljazeera.net

(34) رائد عبيس مطلب، أخلاق المسؤولية عند هانس جوناس، ضمن كتاب النظرية الأخلاقية، دار ابن النديم، ط1، بيروت، 2015م، ص  317 وانظر:

Hant jonas the imperative of responsibility in search of an ethics for thetechnological age .Translation .age .translation Hans jonas and Herr .the university of Chicago prees ltd. London 1984 ,p6.

(35) شريقي أنيسة، هانس يوناس ومبدأ المسؤولية، ضمن كتاب: الاتيقيا المتشظية، دار جيكور،ط1، بيروت ص 213.

(36) شريف الدين بن دوبه، أخلاقيات البيئة، ضمن كتاب: الاتيقيا المتشظية، دار جيكور،ط1، بيروت،  2017، ص247-247.

(37) هيرفيكيمف، نهاية الغرب وولادة العالم، الناشر: سويل- باريس- 2013،الصفحات:192 صفحة

 (38) نهاية الغرب وولادة العالم، جريدة البيان، التاريخ: 16 أغسطس 2013

 

 

عامر صالحمن الجدير بالذكر أنّ العنف الأسري يُعَدّ واحداً من أكبر انتهاكات حقوق الإنسان حول العالم قبل تفشّي فيروس كورونا الجديد، وقد زاد تفاقم الوضع مع الجائحة الحالية. وبحسب الأمم المتحدة، فإنّ نحو 243 مليون امرأة (تراوح أعمارهنّ ما بين 15 عاماً و49) حول العالم تعرّضنَ في خلال الأشهر الاثني عشر الماضية لعنف جسدي أو جنسي من قبل شريك أو أحد أفراد العائلة. لكنّ الأرقام الحقيقية، بحسب المتوقّع، قد تكون أعلى بكثير، بسبب التحديات الكبرى المتعلقة بجمع البيانات. فنسبة 40 في المائة فقط من النساء اللواتي يتعرّضن لعنف أسري يتقدّمنَ بطلب مساعدة، وأقلّ من 10 في المائة من النساء اللواتي يطلبنَ المساعدة يتقدّمنَ ببلاغ لدى الشرطة ضدّ من اعتدى عليهنّ. وفي ظلّ الظروف الحالية والعزل المنزلي المعمول به في بلدان كثيرة، فإنّ الإبلاغ والحصول على مساعدة صارا أكثر تعقيداً. وتشير تقارير الأمم المتحدة كذلك إلى أنّ دولة واحدة من بين كلّ أربع دول حول العالم لا تتوفّر فيها أيّ قوانين تحمي النساء من العنف الأسري على وجه التحديد. وتقدّر المنظمة الأممية التكلفة العالمية للعنف ضدّ المرأة قبل الجائحة بنحو 1.5 ترليون دولار أميركي وتتوقع أنّ يتصاعد الرقم في ظلّ زيادة العنف ضدّ النساء في أعقاب تفشّي فيروس كورونا الجديد.

أشارت هيئة الأمم المتحدة للمرأة في بيان لها صادر عن المديرة التنفيذية فومزيل ملامبو-نجوكا، في 20 مارس الماضي، إلى أن الآثار السلبية التي سيحدثها فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، لن تتوقف عند ما يتعلق بالصحة العامة ووقوع الوفيات، وقرارات العزل المنزلي، ولكنه تطرق إلى التأثيرات المتعلقة بأوضاع النساء الاجتماعية، وكان الخوف الأكبر هو "العنف الأسري".

وأوضحت الأمم المتحدة للمرأة أن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، التي جاءت نتيجة العزل المنزلي والصحي لفترات طويلة مع مخاوف الأمن والصحة وظروف المعيشة، من الممكن أن تساهم في ارتفاع حالات العنف الأسري المنزلي والاستغلال الجنسي، فهناك 137 امرأة يتم قتلها يوميا على يد أحد أفراد أسرتها، وفي البلاد التي طبقت العزل الاجتماعي كانت حالات العنف المنزلي التي تم الإبلاغ عنها قد تزايدت 3 أضعاف وأكثر من ذلك. 

إجراءات الإغلاق وحظر التجول ومنع مغادرة المنازل إلا في حالات معينة أو ساعات محددة، تسعى إلى القضاء على انتشار الفيروس في التجمعات، ولكن رئيسة التحالف الوطني ضد العنف المنزلي في الولايات المتحدة، رُوث غلين، قالت "في هذا الوقت بالتحديد، مع كوفيد-19، المنزل قد يكون صعبا جدا بالنسبة لضحايا العنف الأسري والناجين، لأن المعتدين يستطيعون استغلال الوضع للتحكم بشكل أكبر في ضحاياهم". وبحسب التحالف الوطني ضد العنف المنزلي، فإن 10 ملايين شخص في الولايات المتحدة، يتعرضون سنويا للعنف الجسدي من قبل شركائهم. وتعرضت امرأة بين كل أربع نساء، ورجل بين كل سبعة رجال، لعنف جسدي شديد على يد شريك حميم".

وتسجل إحصاءات الأمم المتّحدة أن 37 في المئة من النساء في العالم العربي تعرّضن لعنف جسدي أو جنسي لمرّة واحدة على الأقل في حياتهنّ، وأن ستّاً من كلّ عشر نساء معنّفات، لا يُخبرن أي جهة عن معاناتهنّ. أرقام تنشر ذعراً اجتماعياً، في ظلّ الحجر الصحّي الذي نعيشه، وصرخة إلى الحكومات والجمعيات النسائية في الدول العربية للتحرّك في اتجاه حماية الفئة الأكثر معاناةً في هذه المحنة، فكيف الحال عندما يتزايد العنف اكثر من ثلاثة اضعاف. وهناك صور مروعة للعنف الأسري في البلاد العربية، من قتل وحرق وتعذيب ورمي بالرصاص واغتصاب وتحرش جنسي بقاصرين في ظل غياب قانون مناهضة العنف الأسري" والعراق احدى هذه الدول رغم ادعائه الديمقراطية والتعددية وحق المساواة دستوريا ". ويشكل العنف الأسري ظاهرة كونية لم تستثني قارة أو بلدا إلا وضربته وكانت كورونا تلك الشرارة التي اشعلت السهل كله. والخلاف هنا في مستويات وسقف الحماية الدستورية والقضائية والتشريعية التي تجرم العنف وتحمي ضحاياه.

ونظرا للأحساس المتزايد في المشكلة على الصعيد العالمي وخطورتها فقد دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش من مقر المنظمة الدولية في الخامس من ابريل 2020، إلى حماية النساء والفتيات، من العنف الأسري، وسط تقارير عن تزايد حالات العنف المنزلي والأسري خلال فترة الحجر الصحي، على خلفية تفشي وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيدـ19). وقال غوتيريش في بيانه المصور، والذي تم ترجمته إلى عدة لغات، إن "العنف لا يقتصر على ساحات المعارك"، مذكّرًا بندائه الأخير إلى وقف لإطلاق النار في مختلف أنحاء العالم للمساعدة في الحد من تفشي فيروس كورونا. وأضاف الأمين العام للأمم المتحدة، أنه "بالنسبة للعديد من النساء والفتيات، فإن أكثر مكان يلوح فيه خطر العنف هو المكان الذي يُفترض به أن يكون واحة الأمان لهنّ. إنّه المنزل. ولذا، فإنّني أوجّه نداءً جديدًا اليوم من أجل السلام، في المنازل في جميع أنحاء العالم".وأوضح أمين عام الأمم المتحدة "على مدى الأسابيع الماضية، ومع تزايد الضغوط الاقتصاديّة والاجتماعيّة وتنامي المخاوف، شهدنا طفرة عالميّة مروّعة في العنف المنزلي".

وحث غوتيرش جميع الحكومات على "جعل منع العنف ضدّ المرأة وجبر الضّرر الواقع من جرّاء هذا العنف، جزءًا رئيسيًا من خططها الوطنيّة للتصدّي لكوفيد-19"، كما دعا النظم القضائيّة إلى مواصلة "مقاضاة المعتدين"، مطالبًا بشكل خاصّ بـ"إنشاء أنظمة إنذار طارئة في الصيدليّات ومحلات البقالة" وهي الأماكن الوحيدة التي تزال مفتوحة في بلدان كثيرةن مشددًا على ضرورة "تهيئة سبل آمنة للنساء لالتماس الدعم، دون أن يتنبَّه المعتدون".

ومن الناحية السيكواجتماعية فأن العنف المنزلي ضد المرأة يعد جريمة يرتكبها فرد يشترك مع الضحية بمكان الإقامة، وأن الدوافع الاجتماعية في العادات والتقاليد التي يرثها الأبناء عن الآباء والأجداد، قد تكون من الأسباب والدوافع الرئيسية للعنف الأسري مع الوضع في الاعتبار اختلاف تلك المعتقدات من مجتمع إلى آخر، لكن العلماء قد اجتمعوا على أن العنف الأسري هو أي سلوك يراد به إثارة الخوف أو التسبب بالأذى سواء كان جسدي أو نفسي، أوتوليد الشعور بالإهانة في نفس الشريك أو إيقاعه تحت أثر التهديد أو الضرر.

وتختلف صور الدوافع الاجتماعية المؤدية إلى العنف باختلاف مستوى تأثر الأسرة بالمحيط الخارجي، وباختلاف شكل الأعمال والتقاليد والأعراف، فتكون درجة العنف إما كبيرة أو صغيرة ويقاس ذلك بمدى انتشار صور الدوافع الاجتماعية المؤدية للعنف المنزلي، والتي منها اختلاف المستويات الفكرية والثقافية والعمرية والدينية والاجتماعية بين الزوجين، إضافة إلى أن التنشئة الخاطئة لأحد الوالدين أو كلاهما تعد من العوامل الرئيسية للعنف الأسري، فضلاً عن فقدان لغة التواصل والحوار بين أفراد الأسرة، وضعف الروابط الأسرية والنزاعات المستمرة حول أساليب تربية الأطفال. كما أن الوضع الاقتصادي المتدهور في حياة الأسرة الناتج عن فقدان الدخل المادي بسبب فقدان الوظيفة أو تراكم الديون من الأسباب الأساسية لوقوع العنف المنزلي ضد المرأة، وذلك نتيجة لظهور مشاعر الخيبة وارتفاع مستويات التوتر بسبب حالة الفقر التي تعيشها الأسرة.

وعلى الرغم من انتشار أفكار العدالة والمساواة بين الجنسين على نطاق واسع في عالمنا المعاصر اليوم، واكتساب المرأة المزيد من الحقوق في مساواتها مع الرجل، وخاصة في أوربا والعالم الغربي المتمدن، واتساع نطاق مساهمتها في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتقريريها لشأنها الخاص دون وصايا، إلا إنها إلى اليوم لا تزال مشروع منافسة غير متكافئ أمام الرجل في مجالات مختلفة، مهنية وقيادية وعلمية وحتى في الحوافز المالية والمرتبات، وتحول شرائح واسعة من النساء إلى قوى عاملة رخيصة يستعان بها في وقت الأزمات الاقتصادية، أو يتم تسريحها من العمل حال دخول المشروع الاقتصادي للمنافسة بين شغيلته. وتتحول العائلة إلى مشروع اقتصادي تندمج بالية السوق وتستجيب لحاجاته وتتأثر بأزماته. وإذا اقتنعنا بتجريد خالص بالفكرة الماركسية القائلة بأن انقسام المجتمع إلى طبقات يقف وراء استغلال المرأة، فأن المجتمعات الأوربية والأمريكية اليوم أكثر المجتمعات طبقية واستقطابا في الثراء والثروة، وهذا يعني أن الحديث عن العدالة بين الجنسين هنا لا يخلوا من تحفظات كثيرة. ناهيك إلى ما تتعرض له المرأة في هذه المجتمعات من مختلف سوء المعاملة من اعتداء وانتهاك لحرمتها وحريتها الشخصية،على الرغم مما قطعته من شوط بعيد في المساواة بين الجنسين، ويكفي أن نشير هنا إلى أن في أمريكا وحدها ترتكب كل ساعة بحدود 80 حالة اغتصاب، إلى جانب ما يتم من حالات اغتصاب كثيرة في دول أوربية مختلفة.

أما بخصوص مجتمعاتنا العربية والإسلامية وأسوة بأغلبية بقاع العالم المتخلف، حيث العائلة البطريركية في ظل بنية اقتصادية ـ اجتماعية متخلفة، هي المؤسسة الاجتماعية الأولى التي تؤسس لاضطهاد المرأة واستلابها، حيث يأخذ هذا الاستلاب طابعا مقدسا يستمد شرعيته من تفسير النصوص الدينية الوارد على ألسنة المشرعين والمفتين الذين يتدخلون بالتفاصيل الدقيقة لحياة المرأة وفرض الوصاية عليها، من طريقة لباسها وكيفية معاشرتها للآخرين وكذلك تقرير سقف ومدى مساهمتها في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، والتحكم بها باعتبارها تابعا للرجل وجزء من ممتلكاته الشخصية، كما وصل بهم الإفتاء إلى إباحة أجزاء من جسدها لغير زوجها " كإرضاع الكبير ومفاخذته "، وإيجاد أشكال ظرفية عديدة ومختلفة من الزواج المؤقت، ويأخذ الاستلاب طابعا أكثر مرارة عندما يختلط الدين مع السياسية، ليتحول أكراه واستلاب المرأة إلى قوة قانونية ملزمة عليها من السماء والأرض.

وتتعرض المرأة في مجتمعاتنا إلى شتى مظاهر التضييق والإكراه الجنسي، فحال وجودها بمفردها في الشارع أصبحت مشروعا للتحرش والمضايقات وسوء الظن بها وبطلعتها، فهناك إحصائيات تؤكد أن 60% من الفتيات المصريات يتعرضن للتحرش الجنسي ابتداء من الملامسة لأجزاء الجسد وانتهاء بأقصاها وهو الاغتصاب التام لها، مرورا بالعنف الجنسي ضدها من الزوج وخاصة في البيئات الفقيرة والمتخلفة، والتي ترى في المرأة موضوعا جنسيا لا غير ويجب أن تستجيب لرغبات الرجل متى ما شاء وكيف ما اتفق بعيدا عن الرغبة للطرف الآخر، إلى جانب ظاهرة الاغتصاب واستخدام القوة وإلحاق الأذى الجسدي والنفسي بالضحية، وتشير التقارير الأمنية المصرية أن هناك ما لا يقل عن 27 حالة اغتصاب يوميا، أي ما يعادل 10000 حالة سنويا " نقلا عن الانترنيت "، كما تنتشر حالات الاغتصاب في دول المغرب العربي وفي لبنان وفي العراق " وخاصة بعد أرث الاحتلال الأمريكي له "، وكذلك في الدول الخليجية حيث ينتشر الاغتصاب في أوساط الدائرة القريبة للضحية، كسائق الأسرة أو الخادم ومن محيط العائلة والأقارب أو ذوي المناصب وغيرها. وعادة لا يجري في مجتمعاتنا التبليغ عن جرائم الاغتصاب نظرا لارتباطها بمفهوم شرف المرأة وأسرتها وعشيرتها، وخاصة في مجتمعات مسلمة تتدعي التدين، وعادة ما يلقى اللوم على المرأة باعتبارها هي مصدر الإغراء والمسبب لذلك. 

أن كورونا أماطة اللثام عن المستور والمتستر عليه ودقت جرس الأنذار وفضحت الثقافة الذكورية المبنية على الأزدواجية في الأخلاق والتعامل وخاصة في فترات المحن والازمات، وكشفت كورونا طبيعة العلاقات الهشة القائمة على عقود زواج وأوراق مصدقة من المحاكم وذات طابع هش تنكسر حين تحل الازمات، واثبتت أن «عش الزوجية» أو «القفص الذهبي» ليس سجنا، كما يدعي البعض، بل حلبة ملاكمة يتصارع فيها طرفان غير متساويين، أحدهما مجبر على حماية الأطفال خلال نوبة الجنون التي تصيب الزوج " الذكر " أو "الشريك". ولعل ما بعد كورنا ودروسها المستخلصة ان نكون أكثر رقيا في ديننا واخلاقنا وفهم ذواتنا وأن الشراكة الحقيقية لا تكون إلا بالحب وحده وليست بالأكراه في العيش مع الشريك.

 

د.عامر صالح

 

 

مجدي ابراهيمكما يكون الحضور في القرآن مطلبَ علم نظري وعقل مجرّد، يكون كذلك مطلب وجدان صوفي صادر عن القلب، وشعور فياض بالمعاني الباطنة، وبالقيم السامية وبالمبادئ الروحية النبيلة. وعلى هذه الفكرة، وفي إطارها، يُجمل بنا في هذا الصدد مناقشة تلك الوجهة من النظر، وهى التي حمّلها "عابد الجابري" كتاباته في مُدْخَله إلى القرآن؛ مناقشة قد تطول معنا - ولابد منها - ليطول من أجلها هذا المقال فيما لم يكن من المعتاد الذي أردناه أو خططنا له.

مناقشة لا بد منها:

وربما تفْرِض علينا هذه المناقشة أن يطول معنا هذا المقال على غير المتوقع، وكان لا بد منها، وبخاصة أنها تتصل بالقرآن كونه معجزة روحية عقلية معاً؛ إذْ كان النظام الروحي هو بمثابة أساس التهذيب وأساس قواعد الخُلق. ولا ريب جاء حضور القيم في القرآن العزيز، مطلق القيم ومطلق الخُلق الكريم؛ ليشكل معجزة روحية تضاف إلى المعجزة العقلية بما من شأنه أن يكشف عن الذاتية الخاصّة للقرآن.

فإذا كان هناك وجهتين للنظر: الأولى تعتبر القرآن علاقة حميمية مع النبي محمد صلوات الله وسلامه عليه: علاقة يومية بل لحظية، وهذا صحيح، ولكنها بقيت تتحرك دوماً في حدود المعقول. وأنه ليس في الإسلام ما من شأنه أن يجعل المعرفة بالدين تقع خارج تناول العقل. وإنه؛ إذا وجد هذا الإيمان "بالأسرار" (Mysteres) في كل دين، فكان من ضمن خصوصياته في كل الثقافات، فلن يكون موجوداً في الإسلام؛ إذْ كانت حياة الرسول وتعاليم الكتاب موضوعاً مفتوحاً لإعمال العقل. فهذه التقريرات فيها الخطأ وفيها الصواب، والصواب محمولٌ فيها على توجُّه بعينه يأتي من جنس الحق الذي يُراد به باطل، والاجتهاد الذي يعوزه الإنصاف. ومن أجل ذلك، فرضنا في هذا المقال تلك المناقشة الطويلة.

أقول؛ إذا نحن أردنا مناقشة هذه الوجهة من النظر فأول ما يتبادر إلى الأذهان منها أنها وجهة ليس من حقها أن تلغي تماماً - كما أراد لها الجابري - وجهة النظر الأخرى التي تكملها ولا تناقضها.

بادي الرأي عندي: تأخذ بالأساس الروحي الذي تقوم عليه الحضارة الإسلامية برمتها كما صَوّرها القرآن الكريم. وجهة النظر الأولى تقوم على العقل، لكن "العقل" مع ذلك محدود، والمعارف العقلية ليست كل شيء في القرآن.

ولم يكن العقل المنطقي الاستدلالي الذي يريد الجابري أن يُعْمِلَه في القرآن كافياً بغير معالجة العقل البصيري المتمم له، والمكمّل لنقصانه، والمُسدّد لقصوره عن الإحاطة بملكات الإنسان المعرفية تتوزّع فيها الطاقات الباطنة، مُفرزةً القيم التي تغذي الإنسان بالمُضيّ قدماً نحو ربط الدنيا بالدين، والمسير بالمصير.

ولم يكن العقل في الإسلام بالمعزول عن القيم الحضارية كما صَوّرها القرآن لأنه لم يكن عقلاً منطقياً محدوداً بحدود ما يُفكّر فيه، ولم يكن عقلاً حداثياً يعالج حقبة زمنية أو فترة من فترات التاريخ المحدود بحدود ما فيه من ظواهر فكرية واجتماعية واقتصادية وسياسية وعلمية أو ما شئت أن تضيف...، ولكنه كان عقلاً مفتوحاً، يعطي المبدأ المُطلق للإنسان بالأخذ به في كل مناشط الحياة، ولا يقيّده عن النظر والبحث، ولا يغلُّه عن الحركة، وإنْ كانت الحركة في إطاره محدودة بحدود المساحة المعرفية التي يتحرك فيها. فالعقل في القرآن ليس هو العقل الذي أراده "الجابري"؛ ليكون موظفاً يخدم اتجاه كان تبناه؛ ليلغي سائر الاتجاهات الأخرى التي تكمله ولا تنفيه.

كتب المرحوم الدكتور هيكل - طيّبَ الله ثراه - في خاتمة كتابه "حياة محمد" بحثاً ممتازاً مطولاً بعنوان "الحضارة الإسلامية كما صوّرها القرآن"، هو من أروع وأمتع ما قرأت من بحوث، لست أجدُ بدّاً من الاستدلال به؛ كقيمة معرفية كبرى، تجيء في إطار هذه المناقشة؛ لتكون وثيقة بالغة الأهمية، شاهدة - بعد فيضٍ لا يُجَارَىَ من الوثائق التاريخية والعلمية المُمَحَّصَة التي اعتمد عليها في هذا الكتاب - على أصالته العلمية، وأصالة الرأي الذي انتهي إليه. ففي الصفحات الأولى منه مقارنة بين الأساس المادي للحضارة الغربيّة التي عزلت منطق العقل عن منطق الشعور والوجدان، واكتفت بالعقل المنطقي الاستدلالي أو منطق العقل المُجرَّد ومقررات الواقع كيما تعتمد فقط على الملاحظة المادية أو ما يُسمى لاحقاً بالتجريبية العلمية، وبين الأساس الروحي للحضارة الإسلامية. فالأساس الذي قامت عليه هذه الحضارة غير الأساس الذي قامت عليه تلك الحضارة؛ ولسوف نعتمد على هذا العنصر في مناقشتنا لمحمد عابد الجابري؛ لأنه بتلك العبارات السابقة طمَسَ المعجزة الروحيّة للقرآن أو خُيِّل إليه أنه يطمسها، وَعَدَّها عقلية فقط تجعل المعرفة بالدين لا تقع خارج حدود العقل.

خَلّف مُحَمدٌ - هكذا يقول الدكتور هيكل - هذا الميراث الروحي العظيم الذي أظلَّ العالم ووجَّه حضارته عدّة قرون مضت، والذي سيُظلُّه من بعدُ ويوجّه حضارته حتى يتمُّ الله في العالم نوره. وإنما كان لهذا الميراث كل هذا الأثر فيما مضى، وسيكون له مثله وأكثر منه من بعدُ؛ لأنه أقَامَ دين الحق ووضع أساس حضارة هى وحدها كفيلة بسعادة العالم. والدين والحضارة اللذان بلّغْمُهَا محمد للناس بوحي من ربه (القرآن) يتزاوجان حتى لا انفصال بينهما؛ ولئن قامت هذه الحضارة الإسلامية على أساس من قواعد العلم وهدى العقل، واستندت في ذلك إلى ما تستند إليه الحضارة الغربية في عصرنا الحاضر؛ ولئن استند الإسلام من حيث هو دين إلى التفكير الذاتي، وإلى المنطق التجريدي (الميتافيزيقي)؛ فلا تزال الصّلة في الإسلام مع ذلك وثيقة بين الدين ومقرراته والحضارة وأساسها (ص: 516).

إنّ حضور القرآن لإبراز تلك الصّلة؛ لهو الذي شَكَّل خصائصها وميزها عن الحضارة الغربية بخصائصها وسماتها التي ترتكز عليها، ولا ترتكز عليها حضارة الإسلام تقوم على حضور القرآن فيها. واختلاف الأساس الذي تقوم عليه كل حضارة ينقض فيهما المطالب والغايات. إنّ الإسلام ليربط بين التفكير المنطقي والشعور الذاتي، وبين قواعد العقل وهدى العلم، برابطة لا مفرّ لأهله من البحث عنها والاهتداء إليها؛ ليظلوا مسلمين وطيداً إيمانهم. وحضارة الإسلام تختلف من هذه الناحية عن الحضارة الغربية المتحكمة في العالم إلي اليوم، كما تختلف عنها في تصوّر الحياة وفي "الأساس" الذي يقوم هذا التصور عليه. وهذا الاختلاف بين الواحدة والأخرى من هاتين الحضارتين جوهرىُّ إلى الحدِّ الذى يجعل أساس كل واحدة منهما نقيض الأساس الذي تقوم عليه الأخرى.

فقد أدّى النزاع في الغرب المسيحي بين السلطتين الدينية والزمنية أو بين الكنسية والدولة إلى الفصل بينهما، وإلى إقامة سلطان الدولة على إنكار سلطة الكنيسة. وكان لهذا النزاع على السلطان أثره في التفكير الغربي كله. وفي مقدمة النتائج التي ترتبت على هذا الأثر ما كان من تفريق بين الشعور الإنساني (منطق الوجدان) والعقل الإنساني من جهة، وبين منطق العقل المجرَّد ومقررات العلم الواقعي المستندة إلى الملاحظة المادية. وكان لانتصار التفكير المادي أثره البالغ في قيام النظام الاقتصادي أساساً رئيسياً للحضارة الغربية.

هذا هو أهم مَعْلَم حَدَثَ في الغرب، لكنه لم يحدث على الإطلاق في الإسلام؛ إذْ ليس في الإسلام فصلٌ بين الشعور الإنساني والعقل الإنساني العام، وبين منطق العقل المُجَرَّد ومقررات العلم الواقعي، يستند على الملاحظة المادية.

والقرآن نفسه لا يسمح بهذا الفصل التعسفي ولا يحيل العقل الإنساني إلى مجرد آلة مادية تعبد كأنه وثن كما يحدث في التفكير الغربي. ولم يقم فيه كما قامت في الغرب المذاهب المادية تريد أن تجعل كل ما في عالمنا خاضعاً لحياة هذا العالم الاقتصادية. لم يكن في الإسلام، ولا في القرآن، ولا في الحضارة الإسلامية المؤسسة على حضور القرآن فيها ما كان في الغرب حين أراد غير واحد أن يضع تاريخ الإنسانية كلها في أديانها وفنونها وفلسفاتها وتفكير رجالها وعلومها، بوحي ما كان من مدّ وجزر اقتصادي في أممها المختلفة.

ولم يقف أمر هذا التفكير عند التاريخ وكتابته، بل أقامت بعض مذاهب الفلسفة الغربيّة قواعد الخُلق على أسس نفعية مادية بحتة. ومع ما بلغته هذه المذاهب من براعة في التفكير وقوة في الابتكار، لقد أمسكها التطوُّر الفكري في الغرب في حدود المنفعة المادية المشتركة، تُقيم عليها قواعد الخُلق جميعاً، وترى ذلك من المقتضيات المحتومة في البحث العلمي.

فأمّا المسائل الرُوحيّة فهى في نظر الحضارة الغربية مسألة فردية صِرفة، فلا محلَّ لأن يُعنى الناس أنفسهم جماعة بها. ومن ثمّ كانت الإباحة في العقيدة بعض ما قدّسه أهل الغرب، وكانوا أشدّ تقديساً لها من تقديسهم الإباحة في الخُلق، وهم أشدُّ تقديساً للإباحة في الخلق منهم لحرية الحياة الاقتصادية المقيدة بالقانون تقييداً ينفذه الجندي وتنفذه الدولة بكل ما أوتيت من قوة (ص: 517). ومن الصحيح أن نعتقد، وأن يكون هذا الاعتقاد متجذّراً سارياً في ضمائرنا: أن حضارة تجعل الحياة الاقتصادية أساساً، وتقيم قواعد الخُلق على أساس هذه الحياة الاقتصادية، ولا تقيم للعقيدة وزناً في الحياة العامة، تقصُر عن أن تمهد للإنسانية سبيل سعادتها المنشودة. بل إنّ هذا التصوير للحياة لجدير أن يجرّ على الإنسانية ما تعانيه من محن في هذه العصور الأخيرة. جدير أن يجعل كل تفكير في منع الحروب وفي توطيد أركان السلام في العالم قليل الجدوى غير مرجو الفائدة. (وللقارئ أن يلاحظ هذه النظرة الاستشرافية فيما بين سطور الكاتب ويقارن بموضوعية بينها وبين ما نحن عليه الآن، والقارئ مرجوُّ أن يأخذ هذا بعين الاعتبار).

فما دامت صلتي بك أساسها الرغيف - لا القيم العلوية - الذي آكل أنا أو تأكل أنت وتَنَازُعُنَا عليه ونضالُنا في سبيله، قائمة بذلك على أساس القوة الحيوانية في كلِّ منَّا، فسيَظلُّ كل منَّا يرقب الفرصة التي يُحسن فيها الاحتيال للحصول على رغيف صاحبه، وسيَظلُّ كل منَّا ينظر للآخر على أنه خصمه لا على أنه أخوه، وسيَظلُّ الأساس الخُلقي الكمين في النفس أساساً حيوانياً بحتاً، وإنْ بقى كميناً حتى تندفع الحاجة إلى ظهوره. وستظلُّ المنفعة وحدها قِوام هذا الأساس الخلقي، على حين تنزلق عليه المعاني الإنسانية السامية والمبادئ الخُلقية الكريمة: مبادئ الإيثار والمحبة والأخوَّة، فلا يكاد يمسكها ولا تكاد تعلَق به (ص: 518). وما هو واقع اليوم خيرُ مصداق عملي على تلك السيطرة المادية؛ فالتنافس والنضال هما المظهر الأول للنظام الاقتصادي، وهو بدوره أول مظهر لحضارة الغرب. وما دام التنافس والنضال على المال هما جوهر الحياة، ومادام النضال بين الطوائف طبيعياً، فالنضال بين الأمم طبيعيُّ كذلك، وللغاية التي يقع من أجلها نضال الطوائف. ومن ثمّ كانت فكرة القوميات أثراً محتوماً بحكم الطبيعة لهذا النظام الاقتصادي. أمَا ونضال الأمم في سبيل المال طبيعيُّ، أمَا والاستعمار لذلك طبيعيُّ أيضاً (بشتى ألوان الاستعمار وبكل أشكاله الجديدة) فكيف يمكن أن تمتنع الحرب ويستقر السلام في العالم؟!

إنمّا السلام في عالم هذا أساس حضارته حُلم لا سبيل إلى تحقيقه، وأمنية معسولة، ولكنها سرابٌ كذوب.

تلك هى - كما ترى - ثمار الحضارة الغربية على طول تاريخها. وتلك هى ثمار غرسها وسيطرتها على أرجاء هذا العالم الحيران، تقوم على الأساس المادي، وتجعل النظام الاقتصادي أول المظاهر الذي يُحقق للإنسانية الخير والتقدُّم (لاحظ العلاقة اليوم بين أمريكا والصين وقارن).

ولم تكن حضارة الإسلام تتأسس على هذا الأساس، ولم يكن تصوّرها يخرج عن حضور القرآن الفاعل فيها، أو يخرج عن حضور تعاليمه الخلقية والروحيُّة المقرّرة لربط الدين بالحضارة لا باتجاه النظر إليه معزولاً عن الفعل والعمل والتأثير، ولا عن المبدأ العقدي الموصول دوماً بتغذية قيم "الوجود الروحي" في الإنسان على التعميم.

القرآن معجزة عقلية روحية معاً:

لم يكن "الجابري" الذي وضع القرآن تحت سيطرة العقل المنطقي الاستدلالي أو التجريبي الواقعي وجَرّدَه بالمطلق عن قيمه الروحيّة، وجعل الأول يدور في فلك الثاني، ففصل الشعور عن منطق العقل بهذا المفهوم؛ بالذي يعي خطورة هذا كله، أو هو قد وعاه ولكن تجاهل خطورته، ولا كان بالذي يدرك الأساس الروحي والخلقي للحضارة الإسلامية تقوم عليه. ولم يكن القرآن - بادي الرأي عندي - معجزة عقلية وكفى، ولكنه معجزة عقلية روحيّة معاً:

تقوم الحضارة الإسلامية على أساس هو النقيض من أساس الحضارة الغربية، فإذا كان أساس الحضارة الغربية يتقرَّر فلسفياً وفق قواعد الخُلق على أسس نفعية مادية بحتة، فأساس الحضارة الإسلامية يقوم على ذلك الأساس الروحي، يدعو الإنسان إلى حُسن إدراك صلته بالوجود، ومكانه منه قبل كل شئ. فإذا بلغ من هذا الإدراك حدِّ الإيمان، دعاه إيمانه إلى إدامة تهذيب نفسه وتطهير فؤاده، وإلى تغذية قلبه وعقله بالمبادئ السامية: مبادئ الإباء والأنفة والأخوّة والمحبة والبر والتقوى.

وعلى أساس هذه المبادئ ينظّم الإنسان حياته الاقتصادية. هنا يكون "القرآن" هو الفاعل المؤسس لهذا الأساس الروحي للحضارة الإسلامية؛ فإنّ هذا التدُّرج هو أساس الحضارة الإسلامية، وأساس القيم العلوية فيها كما نزل الوحي بها على محمد، وكما تقرّر في القرآن الكريم. فهى، من أجل ذلك، حضارة رُوحيّة أولاً. والنظام الروحي فيها - لا النظام الاقتصادي - هو أساس التهذيب وأساس قواعد الخُلق. والمبادئ الخُلقية هى أساس النظام الاقتصادي، فلا يجوز أن يُضحىَّ بشيء من مبادئ الخلق في سبيل التنظيم الاقتصادي.

هذا التصوير الإسلامي للحضارة هو باليقين التصوير الجدير بالإنسانية، الكفيل بسعاتها بلا شك. ولو أنه استقر في النفوس، وانتظم الحياة انتظام الحضارة الغربية اليوم إيَّاها، لتبدّلت الإنسانية غير الإنسانية، ولانهارت مبادئ ساقطة يؤمن الناس اليوم بها، ولقامت فيهم مبادئ سامية تكُفل معالجة أزمات العالم الحاضر على هدى من نورها.

والناس اليوم، بل وفي كل يوم في كل زمن، في الغرب والشرق، يحاولون حَلّ هذه الأزمات دون أن يتنبَّه أحدُ منهم، ودون أن يتنبَّه المسلمون إلى أن الإسلام كفيلُ بحلّها، فأهل الغرب يتلمسون اليوم، وكل يوم، جدّة روحيّة تنقذهم من وثنية تورطوا فيها، وكانت سبب شقائهم، وعِلّة ما ينشب من الحروب بينهم، تلك عبادة المال. وأهل الغرب اليوم يتلمّسون هذه الجدّة في مذاهب الهند والشرق الأقصى على حين هى قريبة منهم، يجدونها مقرّرة في القرآن، مصوّرة خير تصوير فيما ضربه النبي العربي للناس من مثل أثناء حياته (ص: 519).

وعلى كل هذا الذي تقدَّم، وأبعد من هذا الذي تقدَّم، فكما يكون القرآن معجزة عقلية، يكون كذلك لا أقل من ذلك بل أبعد منه، معجزة روحيّة فيها الشفاء من الشقاء:" ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى". وفيها الإخلاص والنقاء والتسليم لله الواحد الأحد إنْ في الفكر وإنْ في العمل. وهذا التسليم نفسه هو المنقذ من ضلال الوثنية. هذا التسليم هو عينه الطمأنينة القلبيّة، تنتج عن المعجزة الروحيّة للقرآن، حين يتذوقها قلب المؤمن بالله كما أنزلها الله. فقد ضمن الله، وفي ضمان الله منجاة، للذي يجاهد في سبيله أن يساعده بالهدى إلى سبيله:"والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبُلنا". وإنه ليغير حال الناس حين يغيروا ما بأنفسهم، وأنه لا يغير ما بهم حتى يغيروا ما بأنفسهم:" إنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".

هذان النَّصّان يوضحان لنا العلاقة بين الجهد البشري يبذله الناس، وعون الله ومدده الذي يسعفهم به، فيبلغون به ما يجاهدون فيه من الخير والهدى والصلاح والفلاح.

وعلى أساس هذه القيم الروحيّة قامت الحضارة الإسلامية: على الدين كما يصوّره القرآن لا كما يُستقى الدين من مصادر خارجة عنه ليست داخلة فيه. فإرادة الله: مصدر الطمأنينة القلبية، ومصدر التسليم بقضائه وقدر، هى الفاعلة في النهاية. وحضورها في قلب الفاعل المؤمن بالله هو الذي يجعل القرآن الكريم معجزةً روحيةً تضافُ إلى المعجزة العقلية أيضاً بما يشكل الذاتية الخاصّة للقرآن.

وبدون إرادة الله لا يبلغ الإنسان بذاته ولا بطاقته العاملة وحدها، ينفقها في العمل المتواصل شيئاً، ولكن هذه الإرادة تعين من يعرف طريقها، ويستمد منها العون، ويجاهد في الله ليبلغ رضاه. وقدر الله مع ذلك كله هو الذي يحيط بالناس وبالأحداث، وهو الذي يتم وفقه ما يتم من ابتلاء ومن خير يصيبه الناجحون في هذا الابتلاء.

هناك المجاهدة مقرَّرة سلفاً لا مناص منها، وموزّعة على جميع المستويات التي تحملها الطاقة البشرية، سواء جهاد النفس أو جهاد الأعداء، الجهاد الداخلي (الأكبر) أو الجهاد الخارجي (الأصغر). هذه بديهة أولى ثم يتلوها الإيمان بالفعل الإلهي وبالقضاء الإلهي وبقدر الله من خلف حجاب السّبب.

في إطار هذا التصوّر يتحرَّك الفعل الإنساني ويتصل العمل بروابطه المصيرية وبأصالته الشعورية إنْ في النفس وإنْ في الضمير. ولم يكن التعقيب الذي جاء على غزوة أحد حين أرادت حكمة الله أن تكشف عن نفسها من وراء الابتلاء كله، فتبيّن أسباب النصر وأسباب الهزيمة؛ ليسطع فيها تدبير الله كذلك من وراء النصر والهزيمة:"ولقد صدقكم الله وعده إذْ تحسُّونهم بإذنه. حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر، وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبُّون، منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة، ثمَّ صَرفَكم عنهم ليبتليَكم".

أقول؛ لم يكن هذا التعقيب الذي يُقرر حكمة الله في هذا الموطن إلا للتعريف بسُّنةٍ الله الشاملة، ومردّها في النهاية إلى مشيئته الطليقة وقدره النافذ في الأشياء والأحداث، ومن وراء الأسباب والوقائع.

ليس يمكن للجهد البشري، ولا للطاقة الإنسانية أن تريد ما لا يريد:" إنْ يمسسكم قرحُ فقد مَسَّ القوم قرحُ مثله، وتلك الأيام نداولُها بين الناس، وليعلم الذين آمنوا، ويتخذ منكم شهداء. والله لا يحب الظالمين. وليمحِّصَ الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين". لم يكن سوى تدبير الله ومشيئته وقدره؛ ليتمّ ما يريده من وراء الأسباب والأحداث، ومن خلف حجاب السبب، وهو الأمر الذي لا يسأل عنه سبحانه؛ لأنه شأنه الإلهي الذي لا يُسأل عنه. وتلك هى حقيقة الإيمان الكبرى التي لا يتم في النفس إلا باستقراره فيها، واطمئنانها إليه من طريق حضور القيم القرآنية، وتفعيل النفس لها، وتوليها بالرعاية والعناية لحقيقة الفعل الإنساني يتحرك في إطارها حتى إذا ما لزمت المجاهدة المقرِّرة للنشاط الإنساني، وتأكد العمل بمقتضاها، فقد يلزم عنها بالضرورة التوجُّه بالمباشرة إلى وحدة القصد على الإيمان بالمبدأ العقدي، وعلى التسليم بقضاء الله وقدره ومشيئته، وهو عز وجلَّ "الفاعل" على الحقيقة من وراء الأحداث والوقائع: من خلف حجاب الأسباب.

فكما يكون العمل العقلي مقرّراً في القرآن الكريم، وكما يكون أمراً من أوامره، يكون التعلق بالبصيرة النورانية الكاشفة أساس الإيمان بالله، ويصبح قلب المؤمن على أساس هذا الإيمان مُلآناً بالمعرفة المستنيرة بنور الله قصداً؛ فلم يكن "العقل" على هذا الأساس بمعزل عن نور القلب، ولم يكن نور القلب بالذي يدفع حركة العمل العقلي أو يخاصمها؛ ليفصل الإنسان فصلاً تعسفياً أو ليشطره شطراً مبالغاً فيه بين الشعور والوجدان وبين "العقل" بمفهومه المقرّر الثابت في القرآن.

إنّ عزلاً كهذا العزل لا يقيم بناء الإنسان الروحي، ولا يرقى من قيمه الباقية النافعة، فضلاً عن أنه لا ينهض دليلاً شاهداً على قيام الحضارة الإسلامية على هذا الأساس الروحي الذي لا تقوم في القرآن إلا عليه. إنما القيم الدينية العلوية؛ كالتوكل، واليقين، والتقوى، والصبر، والعزيمة، والصدق، تخرج عن مشكاة النور القلبي كما هى ظاهرة الوجود في القرآن؛ لأنها تمثل كونه بالإضافة إلى المعجزة العقلية معجزة روحيّة تشكّل للقرآن ذاتيته الخاصّة، وتبني في الإنسان قيمه الأصيلة؛ لتهيئه لاكتشاف باصرته التي هى فوق طور العقل المحدود وفوق طور المعقول.

وإذا كان "الجابري" قد تعامي عما في القرآن من معجزة روحيّة كانت هذه بعض سماتها وخصائصها، فقد عاد فقال في خاتمة المدخل: التعريف بالقرآن ما نصّه:

"قلتُ في مستهل هذه الفقرة إنّ ما يميز الإسلام، رسولاً وكتاباً، هو خلّوه من ثقل "الأسرار" (Mysteres) التي تجعل المعرفة بالدين تقع خارج تناول العقل، وعليّ أن أعترف الآن أن هناك سراً لم يستطع عقلي اكتناه حقيقته: إنه هذا الذي عبرنا عنه "بالعلاقة الحميمية" بين الرسول محمد عبد الله وبين القرآن الحكيم" (ص: 433). وفي تقديري أنا، أن هذا الذي لم يستطع عقل "الجابري" اكتناه حقيقته هو بلا شك حدّ التصوف: المعجزة الروحيّة التي تجاهل وجودها في القرآن، وتغافل عامداً عنها.

لم ينظر "الجابري" إلى القرآن نظرة مجملة، محيطة شاملة، ولكنه نظر إليه نظرة قاصرة متجزئة بقصور ما في العقل المحدود وتجزؤ ما فيه من مدراك محدودة ووقف عند هذا الحد لا يتعداه، ولا يريد أن يتعداه، وهجم على من يدرك فوق إدراكه، هجوم التجهيل والسخرية ثم الاستخفاف بالقيم الروحية وإنكارها في مواضع عدة من كتاباته كما فعل في "العقل الأخلاقي" أو في "بينة العقل العربي"، خدمة لاتجاه محدود بحدود ما ينظر فيه. والأدهى من ذلك كله أنه يحملها على القرآن فلا تفترق النظرة الضيقة المتحجرة عن محمولها، ولا تقتصر على الفهم الذي فهمه هو من القرآن وكفى.

وبديهيٌ أن تكون نظرة الجابري ضيقة متحجرة كذلك إزاء التصوف في الإسلام. ومعلومٌ أن كتاباته ترفض "العرفان" رفضاً قاطعاً، وتتخذ لنفسها مسحة نقدية ظاهرة موصولة النسب بالاتجاهات السلفية بمقدار ما تتخذ من النقد الهدّام بصدد التصوف قيمها ومنطلقاتها.

التشدد العقلي كالتشدد السّلفي سواء!

لا فرق فيما بينهما من تحجير الرأي والرؤية، نظرة قاصرة لا تعوّل كثيراً ولا قليلاً على محاولة الفهم لتلك النوازع الوجدانية الخاصّة بتوجهات الصوفية. وبما أن التصوف اتجاه مضاد بطبيعته لاتجاه الجابري العقلاني، فقد صارت النزعة العقلية المفترض فيها أن تكون عميقة وشاملة ومحيطة تنقلب من فورها تحت عشوائية النقض الرافض الهدام إلى سذاجة خالصة في اللامدرك من مفاهيم وتوجهات الحياة الروحية في الإسلام.

لقد لاحظنا فيما تقدّم أنه يقول إنّ العلاقة بين النبي والقرآن علاقة حميمية، وصفها بأنها "علاقة يومية بل لحظية". وهو عندي وصف صحيح لا يمكن إنكاره؛ لأنها بالفعل علاقة لحظية بل هى علاقة "رُوحيّة" لا وصف لها ولا حدِّ تنتهي عنده. ولكن ليس من المقبول أن يقول في سياق العبارة نفسها عن تلك العلاقة:"ولكنها بقيت تتحرّك دوماً في حدود المعقول، بل كان ذلك في إطار الطبيعة البشرية للرسول".

كيف هذا؟ ماذا تقول يا رجل؟ هذا التصوّر ضد العقل نفسه، وضد محدوديته، وهل يمكن في طاقة العقل أن يستوعب عمل الوحي؟ وهل كان العقل أساساً هو الوحي؟ وهل الوعي العقلي هو نفسه الوعي النبوي الصادر عن مشكاة الوحي؟ ما هذا التخليط والتخبيط؟

لكأنه يعزُّ عليه أن يصفها (العلاقة) وصفاً روحياً يخالف اتجاهه العقلي مع أنه يراه واضحاً أمامه بما لا مزيد عليه. ثم يقول الجابري متابعاً:" لم يحدث قط أن تحدّث القرآن عن محمد بن عبد الله بما يُشعر أنه من طبيعة غير بشرية: لقد امتدح خُلقه وقيادته، وفي نفس الوقت سجل عليه ملاحظات ومؤاخذات وواجهه بأسئلة فيها لوم وعتاب، ولم يتردد في استعمال عبارات من قبيل "عفا الله عنك لمَ أذنت لهم حتى يتبيّن الذين صدقوا وتعلم الكاذبين" ممّا جاء في سورة التوبة (آية: 43). (مدخل إلى القرآن: ص 430).

وواضح جداً مقدار الكزازة المعرفية والعطب الروحي في التعامل مع القرآن، يقرأه كما يقرأه المستشرقون قراءة مفقودة الذوق خالية منه، مُجرَّد نصّ يخضعه للنظر العقلي المباشر، ويعزله عن مقتضيات الشعور الديني؛ لتكون الآيات في إطاره مجرد عبارات مستعملة من قبيل الملاحظات والمآخذ، كأنه ينظر في نص بشري يجري عليه العمليات النقدية. أفئن دلّ هذا على شيء فإنما يدل على فقدان الذوق والحماسة الروحيّة والكمون في دائرة محدودة، دائرة المنطق العقلي الاستدلالي يرجع إليها ولا يرتفع فوقها ويظل يلف ويدور في محيطها.

لقد صَرّح "الجابري" أن القرآن لم يكن يُفْرط في مدح الرسول وامتداح مواقفه، بل كان ذلك يتم في إطار الطبيعة البشرية للرسول، وهل قال أحدٌ أن محمداً إله؟ لكن هذا في المجمل صواب جداً فيما لو فهمت العبارات في حدودها وفي مستواها اللفظي الدال على معناها لا فيما تحتها ممّا يريد الجابري أن يحملها ما لم تحتمل. ربما يريد - وهذا واضح - أن ينكر ما جاء في مذاهب الفكر الإسلامي ممّا هو الحال عند الشيعة أو عند الصوفية القول: بقدم النور المحمدي، ولا يعتد أبداً بالأحاديث الواردة في هذا الشأن مثلما كان الحنبلي المتشدّد ابن تيمية (ت 728هـ) وأضرابه ينكرونها؛ فحديث جابر بن عبد الله الأنصاري حين سأل النبي عن أول ما خَلق الله، فقال صلوات الله وسلامه عليه في حديث طويل:"نورُ نبيك يا جابر". وحديث:"كنتُ نبياً وآدم بين الماء والطين"، قال فيه ابن تيمية لا أعرف له أصلاً والصحيح:"كنتُ نبياً وآدم بين الماء والجسد". وجاء في طبقات ابن سعد قوله صلوات الله عليه:"كنتُ أول الناس في الخلق وآخرهم في البعث". وعن أبي هريرة مرفوعاً: "كنتُ أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث". وصَحَّ عن ابن عباس - ممّا جاء من كتاب ابن حجر العسقلاني صاحب فتح الباري في شرح حديث البخاري - أنه قال:" أوحى الله تعالى إلى عيسى، عليه السلام، يا عيسى: آمن بمحمد ومُر من أدركه من أمتك أن يؤمنوا به، فلولا محمد ما خلقت آدم، ولولا آدم، ما خلقت الجنة والنار، ولولا محمد ما خلقتُ العرش. ولقد خلقتُ العرش على الماء فاضطرب فكتبت عليه: لا إله إلا الله محمد رسول الله, فسكن". وقال السّبكي بعد ذكر حديث آدم الذي جاء فيه:" أسألك بحق محمد أن تغفر لي، وقوله تعالى، وإذ سألتني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك". هذا حديث صحيح الإسناد، رواه الحاكم.

وعليه؛ فجميع هذه الأحاديث وغيرها الكثير تثبت قدم النور المحمدي وتثبت الحقيقة المحمدية وأوليّة النور المحمدي ولا تقدح في بطلان القول بها. ولكن مقدار التشدد السّلفي هو نفسه مقدار التشدد العقلي بالنظر إلى تلك الجهة: التقوقع والانغلاق والتحجير وعدم السماح للأفاق العقلية أن تستوعب ما سواها، مع القطع عندي بالفروق الجوهرية الفارقة بين مذاهب الشيعة وتوجهات الصوفية الروحيّة. أنا شخصياً لستُ منكراً وجود توجهات روحية في الإسلام تدور في هذا الإطار، ولست منكراً كذلك خروجها أحياناً بالمغالاة عن حدود النظر العقلي، لكن وجودها لا يستند على ترهات أو خرافات بمقدار ما يستند على قناعات عقلية وتوجهات ذوقية لا يمكن تجاوزها في سياق النظر إلى الآيات القرآنية، وفي إطار كون القرآن الكريم معجزة روحيّة.

بالطبع؛ أنا لا أناقش هنا مسألة قدم النور المحمدي ولا الحقيقة المحمدية، وليس هذا المقام موضع مناقشة هذه المسائل، ولكني أنوّه فقط إلى خصوصياته عليه السلام، تلك التي لا يقاربها غيره من البشر ممّا أنكره الجابري ودعا الناس إلى إنكاره.

فمن غير المقبول أن يقال: إنّ القرآن لم يحدث قط أن تحدّث عن محمد بن عبد الله بما يشعر أنه من طبيعة غير بشرية، ثم يُراد لنا أن نفهم من وراء هذا القول قصور الرؤية كما قصرها الجابري على الناحية العقلية حتى ولو كان في ذهنه أن محمداً عليه السلام لم يكن كالسيد المسيح، منكراً كل التوجهات الروحية في الإسلام. ليس هذا بالقطع هو المبرر لإنكار الجانب الروحي في التفكير الإسلامي والأخذ منه بالعقلاني الذي تتحرك العلاقة الحميمية فيه بين محمد والقرآن في حدود المعقول. مع أن هذا المعقول نفسه يفرض التخريج الذوقي كما يقتضي التأمل وفق مقتضيات الشعور الديني باتجاه النظر إلى الآيات القرآنية.

القرآن يقول: " قد جاءكم من الله نورٌ وكتابٌ مبين ". فإذا كان القرآن هو الكتاب المبين فالنور هو سيدنا محمد رسول الله. سماه النور، وسماه السّراج المنير، "وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً". وسمّاه القرآن الإمام المبين:"وكل شئ أحصيناه في إمام مبين". فالحقيقة المحمدية في بعدها الروحي لا بعدها الزمني فقط مُقرَّرة في القرآن بنص القرآن، فلا يكفي أن يقال إنه لم يحدث قط أن تحدَّث القرآن عن محمد صلوات الله وسلامه عليه بما يشعر أنه من طبيعة غير بشرية؛ وهل كان النور والإمام المبين والسراج المنير فضلاً عن الخلق العظيم طبيعة يتصف بها كل البشر أم الصحيح أن يقال أن هنالك خصوصية له صلوات الله وسلامه عليه لا يدانيه البشر فيها هى لب لباب العلاقة الحميمية بينه وبين القرآن، وهى التي لم يستطع عقل الجابري أن يكتَنِه أسرارها؟!

إذا شئت فانظر في الحديث الشريف من أنه كان صلوات الله عليه يواصل الصوم؛ فأراد أصحابه عليهم السلام أن يواصلوا مثلما كان يواصل؛ فشق عليهم مواصلة الصوم، فنهاهم عليه السلام أن يواصلوا وقال قولته الشريفة: "إنِّي أبيتُ عند رَبِّي يطعمني ويسقيني". وفي معناه أيضاً: "إنَّ لي هيئةُ ليْسَتْ كهيئتكم". فمن المؤكد أن هذه الهيئة النبوية المباركة لها استعداداتها التي لا تتساوي معها استعدادات أحد غيره ممّن تحتملها الطبائع البشرية، ولو كان هذا الغير من صحابته عليهم كرائم الرضوان. وقد كان صلوات الله وسلامه عليه يقول:" إِنَّهُ ليُغَانُ عَلَى قَلْبِي فَاسْتَغفر الله فِي اليَوم سَبْعِيَن مَرَّة"؛ أتراه يستغفره من "غين الأغيار"؟ لا والله بل من "غين الأنوار" يستغفر:

غين الأغيار علائق مادية وكزازات نفسانية تستشعرها الروح الدنيا السفلية على الدوام، يستشعرها البشر كل البشر، ولكن لا تستشعرها الخصوصية النبوية ولا تقارب الوعي النبوي، وغين الأنوار علويٌ هو، فيه تتوتَّر الروح لأنها في حالة عروج دائم، في حاله اتصال مع الله هى نفسها العلاقة الحميمية بين محمد والقرآن، تلك التي لم يستطع عقل الجابري أن يغذوها. وبفراق الجسد للروح تتحرّر من حَبْسها فيه؛ فإنّ الشعور هنا بالفناء يعطي الروح نوراً لترى ما لم تكن تراه وهى حبيسة في أخلاط الكثافة الظلمانية (= غين الأغيار بالتعبير النبوي): كثافة الأجساد التي كانت تعيق رؤيتها وتحيطها بالغشاوة والحجاب.

هذا "الغين" الذي أوجب رسول الله صلوات الله عليه منه الاستغفار لأمته. أمّا استغفاره هو؛ فمن "غين الأنوار" لا من "غين الأغيار"؛ لأن هيئته ليست كهيئة أحد غيره. ولا خصوصيته مع ربه كسائر البشر، فهو يستغفر من غين الأنوار، وهو يواصل الصوم لأنه يبيت عند ربه يطعمه ويسقيه، وليس من حق أحد في خصوصياته مع ربه صلوات الله عليه أن يستوي معه أو يدعي مجرد ادّعاء لا يقوم عليه دليل أن القرآن لم يحدث قط أنه تحدث عن محمد بما يشعر أنه من طبيعة غير بشرية. نعم! هو بشر لكنه ليس ككل البشر، بل كالياقوتة بين الحجر، له خصوصياته مع ربّه، له التعزير والتجليل والتكريم والتوقير بما ليس للبشر أن يكونوا مثله.

 

د. مجدي إبراهيم

 

 

سليم جواد الفهدانتهينا في التأمل السابق من نقاش الأساس الأول من أسس النظام الإسلامي وهو (الشورى) ونستمر في هذا التأمل بنقاش الأساس الثاني وهو (البيعة) بالمقارنة بالمصدر الاول من اصول هذا النظام وهو (القرآن).

ماهي البيعة؟

البيعة كالشورى وإن كانت الشورى تسبق البيعة سبقا زمانيا فالقوم يتشاورون ثم يختارون ثم يبايعون والبيعة ليست من عنديات القرآن بل هي كالشورى  موروث عربي قديم وعرف قبلي كان معمولا به قبل الإسلام حيث كانت تسود العلاقات القرابية بين أفراد القبيلة ويسود الشعور بوحدة الدم والمصير حيث كانت رئاسة القبيلة استحقاق شخصي للأحكم والأشجع والأكرم القادر على إدارة أمور القبيلة في السلم والحرب بأسلوب حر بعيد عن الوراثة إلا في حالات نادرة حيث لم يحبذ العرب انتقال السيادة بالوراثة لان ذلك يقيد حريتهم وبالفعل ولا يوجد في تاريخ قبائل وسط الجزيرة العربية أكثر من أربع أسر تتابع فيها أربع أحفاد بالتعاقب على الرئاسة وقد يعهد السيد إلى ابنه في سيادة القبيلة ألا إن هذا لا يعنى التعيين المطلق إذ يجب أن تتوفر في الخلف صفات تؤهله لسيادة القبيلة وتنال رضي أبناء قبيلته حتى يبايعوه.

البيعة لغة: بفتح الباء تطلق ويراد بها الصفقة على إيجاب البيع، وعلى المبايعة والطاعة، قال ابن منظور: (والبيعة: المبايعة والطاعة، وقد تبايعوا على الأمر كقولك: أصفقوا عليه، وبايعه عليه مبايعة: عاهده، وبايعته من البيع والبيعة جميعًا والتبايع مثله، وفي الحديث أنه قال: «ألا تبايعوني على الإسلام»؟ هو عبارة عن المعاقدة والمعاهدة، كأن كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره)."1"

فالبيعة إذن تعني: إعطاء العهد من المبايع على السمع والطاعة للأمير في غير معصية في المنشط والمكره والعسر واليسر وعدم منازعته الأمر وتفويض الأمور إليه. قال ابن خلدون: (اعلم أن البيعة هي : العهد على الطاعة كأن المبايع يعاهد أميره على أنه يُسَلِّم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين، لا ينازعه في شيء من ذلك، ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر على المنشط والمكره، وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا عهده جعلوا أيديهم في يده تأكيدًا للعهد، فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري، فسمي بيعة مصدر باع وصارت البيعة مصافحة بالأيدي، هذا مدلولها في عرف اللغة ومعهود الشرع وهو المراد في الحديث في بيعة النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة العقبة وعند الشجرة)."2"

نفهم من هذا أن البيعة هي إقرار بالسيادة من قبل الناس للشخص المعين والمختار عن طريق الشورى وفي نقاشنا السابق للشورى تبينا مدى الارتباك والغموض في تفاصيلها النظرية الذي ادى الى الخطأ في تطبيقاتها العملية.

 ترتبط الشورى بالبيعة ارتباطا عضويا وبنيويا أنهما مرحلتان متكاملتان لعملية واحدة هي اختيار الملك أو الخليفة وكما سكت القرآن عن تفاصيل الشورى سكت عن تفاصيل البيعة فانتقل الغموض والارتباك من الشورى الى البيعة عضويا وبنيويا.

فلا أحد يعرف على وجه الدقة من هو الذي يحق له أن يبايع؟ ومن يحق له الاعتراض على البيعة وبأي معيار؟ وهل البيعة تشمل الجميع أم هي مخصوصة بطبقة معينة من المسلمين.

لدينا إشارة تفيد جواب السؤال لمن الحق بالشورى والبيعة تحصلنا عليها من مراسلة للإمام علي في كتابه الى معاوية؟ وإليك نص الكتاب:

من أمير المؤمنين علي بن ابي طالب إلى معاوية بن أبي سفيان: «إنّه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يَرُدَّ، وإنّما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله رضى، فإن خرج عن أمرهم خارجٌ بطعن أو بدعة ردُّوهُ إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتِّباعه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولّى» "3"

هذا هو رأي الإمام علي في الشورى والبيعة (إنّما الشورى للمهاجرين والأنصار) !!! وإنما هي أداة حصر في اللغة العربية مثل قولك: (إنما المال مالي) وهذا يدل دلالة واضحة وصريحة أن باقي المسلمين لا رأي لهم ولا شورى ولا بيعة وعليهم السمع والطاعة لقريش والأنصار.

فما تقرره قريش هو الاصل وأكثر من ذلك ان الإمام لابد أن يكون من قريش حسب قول النبي: (الائمة من قريش) وهذا هو نفس الاحتجاج الذي أحتج به المهاجرين على الأنصار في موضوع السلطة وقولهم للأنصار نحن الخلفاء وأنتم الوزراء عندما حدث الصراع على الخلافة في سقيفة بني ساعدة.

فمن أعطى قريش هذه السلطة؟ القرآن أم النبي أم موافقة جميع المسلمين؟

هناك نمط آخر دل على البيعة عبرت عنه آيات البيعة ولكنها لم تشر إلى تلك الإشارات التي وردت في كلام الإمام علي الى معاوية. فلم تحدد في أن البيعة هل كانت لانعقاد الولاية أم لأجل أمر آخر؟ وهل البيعة هي للشورى أم هي التي تخلق الولاية؟

كل ذلك غير واضح ولا مفصل ولا مستفاد من الآيات اللهم إلا أن أصل البيعة وارد فيها صريحاً ومن يدقق ويحقق النظر في تلك الآيات يرى بوضوح كامل أنها مخصوصة ببيعة النبي حصرا على قبول الإسلام كدين وقبوله هو كرسول.

البيعة في العهد النبوي

بايع الناس النبي نساء ورجال بيعات مختلفة غير مكررة كبيعة العقبة الأولى وبيعة العقبة الثانية وبيعة الرضوان ثم توالت بيعات الأفراد والجماعات والقبائل المعتنقة للإسلام وجل هذه البيعات كانت مرة واحدة في العمر.

وجل مراسيم هذه البيعات كانت بالمصافحة يدا بيد وبالقول نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ونبايعك على السمع والطاعة.

آيات البيعة في القرآن.

1 ــ {يا أيُّها النَبيُّ إذَا جاءَكَ المُؤمِناتُ يُبايعنَكَ على أنْ لا يُشرِكنَ بِاللهِ شَيئاً وَلا يَسرِقنَ وَلا يَزنينَ وَلا يَقتُلنَ أولادَهنَّ وَلا يأتينَ ببُهتان يفتَرينهُ بينَ أيديهنَّ وَأرجلهنَّ وَلا يَعصينَكَ في معروف فبايعهُنَّ وَاستغفرْ لهنَّ اللهَ إنَّ اللهَ غَفورٌ رَحيمٌ}. (سورة الممتحنة، الآية:(12). وقد سمّيت هذه البيعة ببيعة النساء.

2 ــ {إنَّ الذينَ يُبايعُونَكَ إنَّما يُبايعونَ اللهَ، يدُ اللهِ فَوقَ أيديهم، فمن نكث فإنَّما يَنكُثُ عَلى نَفسِهِ وَمَنْ أوفى بِما عاهَدَ عَليهُ اللهَ، فَسيؤتيهِ أجراً عَظيماً} (سورة الفتح، الآية: 10). {لَقدْ رَضيَ اللهُ عَنِ المُؤمنينَ إذْ يُبايعُونَكَ تَحتَ الشجرةِ فَعلِمَ مَا في قُلوبِهم فَأنزلَ اللهُ السّكينَةَ عَليهِم وَأثابَهَم فَتحاً قريباً}. (سورة الفتح، الآية:18) وقد سمّيت هذه البيعة ببيعة الرضوان أو الشجرة وكانت تحت شجرة سمر بالحديبية.

الواضح وضوح الشمس من سياق هذه الآيات أنها تتحدث عن بيعة الناس للنبي ودينه وهي مقدمة لدخول الناس في الإسلام وإن الله لم يعطي السلطة والخلافة لقريش ولا أشار مجرد إشارة ولو مجملة الى ذلك فصدق قول مسلمة الحنفي إن قريش قوم يعتدون.

أما قريش فأذكر لك مناظرة ابن عباس مع ابن الزبير في حكم المتعة حتى يتبين لك أيها القارئ الحصيف مدى وضاعتهم وحقدهم بعضا على بعض وهم أولاد عمومة.

 خطب ابن الزبير بمكة المكرمة على المنبر وابن عبّاس جالس مع الناس تحت المنبر فقال: إن ها هنا رجلاً- يقصد ابن عباس- قد أعمى الله قلبه كما أعمى بصره، يزعم أن متعة النساء حلال من الله ورسوله، ويفتي في القملة والنملة، وقد احتمل بيت مال البصرة بالأمس، وترك المسلمين بها يرتضخون النوى، وكيف ألومه في ذلك، وقد قاتل أُمّ المؤمنين وحواريّ رسول الله صلى الله عليه وآله ومن وقاه بيده؟

فقال ابن عبّاس لقائده سعد بن جبير بن هشام مولى بني أسد بن خزيمة: استقبل بي وجه ابن الزبير، وارفع من صدري، وكان ابن عبّاس قد كفّ بصره فاستقبل به قائده وجه ابن الزبير، وأقام قامته فحسر عن ذراعيه، ثم قال:

يا ابن الزبير: أما العمى فإن الله تعالى يقول: (فإنّها لا تعمي الاَبصارُ ولكن تعمى القلوبُ التي في الصدور)، وأما فتواي في القملة والنملة فإن فيها حكمين لا تعلمهما أنت ولا أصحابك، وأمّا حملي المال فإنّه كان مالاً جبيناه فأعطينا كلَّ ذي حقّ حقّه، وبقيت بقية هي دون حقّنا في كتاب الله فأخذناها بحقّنا.

وأمّا المتعة فسل أُمّك أسماء عنها إذا نزلت عن بردي عوسجة، وأمّا قتالنا أُمّ المؤمنين فبنا سميت أُمّ المؤمنين لا بك ولا بأبيك، فانطلق أبوك وخالك إلى حجاب مدّه الله عليها فهتكاه عنها، ثم اتخذاها فتنة يقاتلان دونها، وصانا حلائلهما في بيوتهما، فما أنصفا الله ولا محمداً من أنفسهما، أن أبرزا زوجة نبيه صلى الله عليه وآله وصانا حلائلهما.

وأمّا قتالنا إيّاكم فإنّا لقيناكم زحفاً، فإن كنّا كفاراً فقد كفرتم بفراركم منّا، وإن كنّا مؤمنين فقد كفرتم بقتالكم إيّانا، وأيم الله لولا مكان صفية فيكم، ومكان خديجة فينا، لما تركت لبني أسد بن عبد العزى عظماً إلا كسرته.

فلمّا عاد ابن الزبير إلى أُمه سألها عن بردي عوسجة؟

فقالت: ألم أنهك عن ابن عبّاس وعن بني هاشم فإنّهم كُعُمُ الجواب إذا بُدِهوا.

فقال: بلى، وعصيتك.

فقالت: يا بني، احذر هذا الاَعمى الذي ما أطاقته الاِنس والجن، واعلم أن عنده فضائح قريش ومخازيها بأسرها فإياك وإيّاه آخر الدهر."4"

تنبه لقولها فضائح قريش ومخازيها!!!

للحديث بقية.

 

 سليم جواد الفهد 

.................................

المصادر:

1- "لسان العرب مادة (بيع) (8/26)".

2- مقدمة ابن خلدون ص 209.

3- نهج البلاغة، ضبط الدكتور صبحي الصالح، منشورات دار الهجرة، من كتاب لأمير المؤمنين إلى معاوية، ص 366 ــ 367.

4- محاضرات الاَدباء للأصفهاني، ج ۳ ص ۳۱٤.

 

منى زيتونبسبب ما يمر به العالم من تداعيات فيرس كورونا، ومع اقتراب شهر رمضان المعظم، تعالت في مصر مطالبات بوقف تصوير المسلسلات التليفزيونية المقرر عرضها رمضان القادم، ثم قرأنا خبرًا عن وقف تصوير المسلسلات النظيرة التي يمولها التليفزيون التونسي، وتخصيص الأموال المخصصة لها لوزارة الصحة التونسية.

ولم يكن لهذه الدعاوى صدى عند أولي الأمر، رغم أن هذه المسلسلات في مصر تتعرض لنقد شديد منذ سنوات من قطاعات المثقفين والبقية الباقية من الشعب المصري ممن يعنيهم الحفاظ على قيم المجتمع، بعد أن كادت تصبح تلك الأعمال الفنية فاقدة لكل قيمة، ولا تسهم بأي درجة في حل مشكلات المجتمع، بل أصبحت سببًا رئيسيًا في الانحدار الاجتماعي الذي ننزلق إليه بقفزات متسعة.

اعتدنا أن نسمع أو نقرأ منذ كنا صغارًا عن أفلام سينمائية قديمة تسببت في تغيير قوانين أو سن أخرى، أو تعديل أوضاع بعض فئات المجتمع، فدور المُعلم الذي قام به نجيب الريحاني في فيلمه الشهير "غزل البنات" تسبب في إصدار الملك فاروق توجيهات بتحسين أحوال المعلمين المادية، وفيلم "جعلوني مجرمًا" تسبب في إلغاء السابقة الإجرامية الأولى من سجل المذنبين لمساعدتهم في إعادة الاندماج في المجتمع بأن يجدوا عملًا شريفًا، وفيلم "كلمة شرف" تسبب في سن قانون يسمح بإعطاء المسجونين إذنًا لزيارة ذويهم خارج السجن في حالات إنسانية، وفيلم "أريد حلًا" تسبب في إلغاء تنفيذ حكم الطاعة على الزوجة بالقانون، والذي كان يستغله أشباه الرجال في إذلال النساء وإعادتهن إلى عصمتهم رغمًا.

والأمثلة كثيرة عما أسهم فن السينما في القرن العشرين في حله من قضايا أو التنبيه عليه من مشكلات في المجتمع المصري. والشهادة أن السمين يفوق الغث بكثير، ما يجعلنا نتساءل عن قيمة ما يقدمه الفن وأهله الآن!

ولعل أكثر ما استرعى انتباهي في الآونة الأخيرة هو زيادة الهجوم على أحد رموز الانحدار الفني المعاصر، كونه تخصص في دور البلطجي في أعماله التي يؤدي فيها أدوار البطولة المطلقة، لأنه صار بطلًا يقلده المراهقون، فأصبح سببًا في نشر الشر في المجتمع، وقادني ذلك إلى المقارنة بين ما يقدمه من أدوار للشر، وما كان يتم تقديمه من أدوار الشر في الأفلام القديمة.

فرغم أن الأفلام القديمة لم تخلُ من دور شرير الشاشة، لم تُعتبر يومًا سببًا في نشر الشرور في المجتمع، وهو ما استحال إليه الحال حين اختفى دور شرير الشاشة التقليدي من أفلام الفن العربي المعاصر، بعد أن كانت رسالة الفن هي التوعية بهذه الشرور وكيفية مواجهتها وتخطيها. فكيف كان دور الشرير توعية ضد الشر في عصر، وكيف صار ناشرًا للشر في عصر آخر؟!

والإجابة أن الفن الجيد لا يقف مع الشر؛ فلم يكن يومًا الشرير هو البطل في أدبنا وفنوننا، ومنذ أن أصبح الشرير بطلًا انتشرت الشرور بأصنافها في المجتمع.

وأدوار الفنان فريد شوقي تعد مثالًا جيدًا في هذا الشأن؛ ففي بداياته في الأفلام القديمة جدًا كان يقوم بدور الشرير التقليدي كدور ثانوي، ولأنه أراد أن يقوم بدور البطل بعد ذلك كان لزامًا أن تحدث نقلة في أدواره، فصار فُتوة الناس الغلابة؛ كي لا يكون موصومًا بالترويج للشر.

وليس الأمر متعلقًا بالتحذير من الشر وحده، بل تمتد رسالة الفن الحقيقي حتى إلى الخطأ، فوظيفة الفن هي تهيئة وتحذير أفراد المجتمع باحتمال مواجهة صنوف المشكلات الممكنة في المجتمع في حياتهم الشخصية والمهنية، ومنعهم من الزلل والوقوع في الخطأ.

ونرى البطل حين يقع في الخطأ في الأفلام القديمة يُصرِّح بكونه أخطأ ويندم على خطئه، ولعل أشهر مثال يحضرني على ذلك قصة فيلم "أبي فوق الشجرة"؛ التي كانت في حقيقتها قصة زلل آدم وخروجه من الجنة بينما ظن أنه يدخلها، ثم ندمه وتوبته بعد ذلك؛ فحتى الأفلام التجارية قديمًا -التي تُعنى بإرضاء أذواق الجمهور، وقد تلقى نقدًا لاذعًا مستحقًا لأجل هذا- كانت كثير منها تحمل فكرًا وتسهم في تشكيل الوعي لدى أفراد المجتمع وإن تم ذلك بطريقة غير مباشرة بمخاطبة اللا وعي!

ولإدراك غالب أهل الفن قديمًا لدورهم، فقد كان لوجود شخصية الشرير أو الشريرة -التي يتم تحقيرها عمدًا-، أو شخصية المخطئ -النادم على أفعاله- في أغلب القصص السينمائية دور توعوي بالمشاكل الاجتماعية التي تطرحها تلك القصص، ولمسنا أثر ذلك في قلة المشاكل الاجتماعية التي طرحتها تلك الأفلام في المجتمع، والعكس في عصرنا؛ حيث كاد يختفي دور الفن؛ فقلت التوعية وزاد انتشار المشاكل.

وكباحثة في المجال النفسي والاجتماعي، ومتخصصة في المقام الأول في إعطاء استشارات اجتماعية، كثيرًا ما أبحث عن المشكلات التي تتكرر أمامي في الحالات المعروضة عليّ فيما يقدمه أهل الفن فلا أجد في المحتوى الجديد منها شيئًا، في حين أنني كثيرًا ما أشاهد كثيرًا من هذه الحالات ماثلة في الأفلام القديمة، فهل تصور أهل الفن حديثًا أن هذه المشكلات الاجتماعية قد اختفت أو ندرت في المجتمع حتى لم تعد تظهر فيما يقدمونه؟!

ذات مرة كانت المشكلة التي أناقشها مع بعض الناس هي إشاعة تعرضت لها فتاة من شخص تافه لا وزن له بأنه على علاقة غرامية بها! وكان من الواضح أنه كاذب ولا دليل لديه إلا ما يدعيه، فحتى رقم تليفونها لم يكن لديه! ثم أنه حدث موقف جعل المحيطون به يتشككون في كذبه، ولكن عقولهم لم تتقبل أن كل ما كان يحكيه هو محض كذب. ولم أجد أفضل من التشبيه بمثال الدور الذي لعبه الفنان يوسف شعبان في فيلم "معبودة الجماهير"، حين كان يكذب ويكذب ويدعي وجود علاقة بينه وبين البطلة، ولكن ما لبث كذبه أن انكشف عندما رأى الصحفيان -اللذان كانا في انتظار إعلان خبر الخطوبة- البطلة تخرج مع البطل من باب خلفي بعيدًا عن الأعين، ليكتشفا حجم الكذبة التي حيكت لهما وصدقاها. وكيف أن هذا الشرير بعد ذلك لم يهنأ له بال حتى أفسد ودمر علاقة البطلين في الفيلم؛ انتقامًا بعد أن فُضح كذبه.

أذكر يومها أنني احتجت إلى جمع مزيد من الأدلة حتى تأكدت لهم براءة الفتاة، وكانت صعوبة تصديق المثال الذي طرحه الفيلم مصدرها أن قصة كهذه صارت قديمة ولا يُعقل حدوثها في عصرنا هذا! فلأن القصة لا يُناقش مثيلها في الفن المعاصر زال الوعي لدى الناس بإمكانية حدوث المشكلة!

بينما في الفن القديم يمكن أن نجد قصصًا ناقشت إدعاء وجود علاقات وهمية إما مع شخص بعينه ذي قيمة كبيرة للتباهي أو للمصلحة، كما في "معبودة الجماهير"، أو إدعاء علاقات متعددة لا أساس لها في الواقع مع نساء، وهو دور الشهريار المزيف، أو إدعاء العلاقات الزائفة لأجل تخريب حياة الناس كراهية أو انتقامًا، أو لإبعاد شخص مميز عمن يدّعون علاقتهم العاطفية به، وهذه كلها إدعاءات تحدث لأغراض شخصية، ولا يمنع أن ناقش الفن مشكلة إدعاء علاقات مع مسئولين ونافذين لأجل مصالح مهنية، كما كان الحال في الشخصية الشهيرة "علي بيه مظهر".

والشيء المشترك بين كل هؤلاء الأدعياء أنهم مرضى نفسيون، غير قادرين على مواجهة واقعهم الاجتماعي كما هو، والعمل على تغييره بشكل إيجابي. والحراك الاجتماعي والارتقاء في طبقات المجتمع وإعلاء الذكر بين الناس يمكن حدوثه، ولكن فرق كبير بين العصامي والمتسلق، وبين الراقي والحقير!

وهناك أيضًا في المجتمع من ينشر الأكاذيب عن الناس ويشهر بهم ابتزازًا، وندر أن نجد أمثالهم في الفن أو الأدب المعاصر. في بريد الجمعة بجريدة الأهرام، في عصره الذهبي -وقت أن كان يشرف عليه المرحوم الأستاذ عبد الوهاب مطاوع- أذكر قصة طويلة نشرها عن شاب فاسد أحب فتاة رائعة فائقة الجمال وعلى خلق، ولأنها رفضته صار يشهر بها وبسمعتها ليطرد عنها الخاطبين، ثم يعاود طلب خطبتها، حتى اضطرها أهلها لقبول الزواج منه لأنه الحل الوحيد –كما رأوه- لتنقية سمعتها وإعادتها كما كانت وكشف كذبه، ثم يطلقونها منه بعد إتمام الخطة!

وكثيرًا ما قابلتني مشكلات اجتماعية يقوم فيها أحد الأطراف بالتهديد بالتشهير بالطرف الآخر ترهيبًا؛ لضمان عدم مطالبتهم بميراثهم أو أي من حقوقهم، وغالبًا ما يلجأ لهذا النوع من التشهير الرجال لمنع النساء حقوقهن المالية في الميراث أو النفقة، أو لنقل حضانة الأبناء إليهم. وأذكر أن تلك القضية نوقشت بشكل عرضي في أحد الأدوار في مسلسل "ضمير أبلة حكمت" أواخر العقد التاسع من القرن الماضي، وكان من يتم التشهير بها معلمة ثانوي فاضلة، فأين الفن من أمثال هذه القضايا الآن؟!

كانت أغلب الأدوار الشريرة أدوارًا ثانوية رغم أن حبكة قصة العمل الفني قائمة عليها، ولم يكن يُسمح لمن يقوم بها غالبًا بأداء دور البطولة؛ وعيًا من العاملين في الحقل الفني برغبة المراهقين في تقليد البطل ونسخ سلوكه، تلك الرغبة والتهيؤ التي تحدث عنها تفصيلًا عالم النفس الأمريكي الشهير ألبرت باندورا في نظريته عن التعلم الاجتماعي بالنمذجة.

بل كان من يقوم بدور الشرير وينجح فيه يبقى محصورًا في الغالب في تلك النوعية من الأدوار، كي لا ينفر المشاهد من أي دور طيب يقوم ببطولته أحد شريري الشاشة، وللممثل توفيق الدقن -الذي كان مشهورًا بأداء أدوار الشر- قصة شهيرة؛ حين استبعده المخرج العالمي مصطفى العقاد من دور لأحد الصحابة كان مرشحًا له في فيلم "الرسالة"، فقال له الدقن حين قابله بعد عرض الفيلم ومعرفته بسبب الاستبعاد: فلِم لم تعطني دور أحد كفار قريش، أم خفت على تدني صورة الكفار في نظر المشاهدين؟!

وبداية نقرر أن مشكلات اجتماعية كالإدعاء ونشر الأكاذيب وتخريب حياة الناس لم تكن لتحدث وينجح المفتري في تحقيق هدفه لولا وجود قطاع عريض من بيننا لا يعملون بالأمر القرآني الشهير ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]. آخذين في المقابل بالمثل الشهير "ساهية ووراها داهية، واللي تحسبه موسى يطلع فرعون"، والمثل الأشهر "لا دخان بغير نار"، وإن كانت الحياة تخبرنا كثيرًا بقدرة كثير من البشر على نشر دخان وهمي ضبابي حول من يحقدون عليهم، والمشكلة الأكبر فيمن يستمع إليهم ويقبل قولهم، وكأن سوء الظن متوفر دائمًا لدى هؤلاء ولا مجال لإحسان الظن بأحد مهما كان منه من خير سابق. وصدق المثل الشعبي المصري "اتلم الكذاب على الأهبل"!

ولكنني أيضًا أجزم أن التشنيع على الأبرياء لم يكن لينجح لو كان لدى الناس الوعي الكافي عنه؛ ذلك الوعي الذي أصبح شبه مفقود بسبب غياب رسالة الفن الحقيقي. والمشاكل الاجتماعية الناشئة عن الإدعاء والتشهير تكاد تكون اختفت أدوارها في الفن المعاصر، مثلما اختفى دور الشرير التقليدي الكريه، في الوقت الذي انتشرت فيه القصص التافهة التي تركز على دور البطل البلطجي، وهي شخصية سافرة الشر، ليس أفراد المجتمع في حاجة إلى التنبيه منها والتعريف بها، والأهم أن المعالجة التي تتم لها لا تجعل منها شخصية بغيضة، بل تدعو الشباب والمراهقين إلى تقليدها، وتزينها لهم.

ختامًا، فإن مشاكلنا الاجتماعية الحقيقية متعددة، وغياب الفن عن مناقشتها هو المشكلة الأكبر، فإن كان الفن حاليًا يركز على دور الشرير ليصنع منه البطل، فكيف غاب عنهم إمكانية مناقشة مثل تلك القضايا الاجتماعية التي طرحت أمثلة عنها بعد تحوير وتعديل ليصير البطل ليس هو الطيب الذي يُكاد له كما كان الحال في الأفلام القديمة، بل ليصير البطل هو ذلك الشرير الذي يكيد لغيره، مع جعلها شخصية شريرة كريهة خاطئة، ليس فيها ما يغري بالتقليد، فعلى الأقل ستكون هناك قضايا ذات قيمة يقوم الفن المعاصر بمناقشتها بدلًا من الهراء الذي يُقدم ولا نجد فيه نفعًا!

 

د. منى زيتون

 

 

مجدي ابراهيمخصّص المستشرق البريطاني "رينولد ألن نيكولسون" (Reynold Alleyne Nicholson) في كتابه عن الأدب العربي، فصلاً ممتازاً عن "محمد والقرآن" جاء فيه : أنه لم يكد محمد يظهر حتى زالت الغشاوة الكثيفة. ورفع ذلك السّتار السميك عن ذلك العصر الذي تقدّمه، ثم نجد أنفسنا قد وقفنا فجأة عند حقائق وتقاليد تاريخية صحيحة وثابتة.

ولكي نفهم أسباب ذلك التغيير المفاجئ، لا بد من ذكر المصادر الرئيسة التي نستمد منها ما نأخذه من معلومات عن حياة النبي وتعاليمه : فالقرآن هو لا شك أول المصادر، وهو السجل الإنساني الكامل البنيان، والبيان الذي نقف منه على جميع أطوار شخصية محمد، وعن مختلف العلاقات بينه في حياته الخاصّة وبين الحياة العامة. ويتابع نيكولسون وصفه للقرآن كونه الأساس الصالح بإطلاق لكل ما يمكن أن يكون مرآه تنعكس عليها شخصية النبي صلوات الله عليه وعلاقاته مع كل من يحيط به ليقول : وهكذا؛ نجد بين أيدينا هذا الكتاب (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه)؛ وإنّه لكتابٌ عزيزٌ : أي فريد في بابه، نستخرج منه الأصول والتطورات التي مرَّ بها الإسلام في أول عهده. وإنها لميزة لهذا الدِّين لا نجدها لغيره من الأديان الأخرى؛ كالبوذية والمسيحية واليهودية وغيرها" (أ. هـ).

غير أنه في موضع آخر ادّعى أن القرآن صنع فجوة بين الإنسان والله المتسامي، وأن الأولياء الكمَّل وحدهم بإمكانهم عبور هذه "الفجوة" التي صنعها القرآن كيما يتوحّدوا مع الله  ( P.78 .studies in Islamic mysticism). ولكن اللافت للنظر حقاً هو غرابة هذه الدعوى التي يدَّعيها نيكولسون وغرابة المقصود بها، وهى غرابة توضّح قلة حظ المستشرقين من فهم مقاصد النصوص القرآنية في أغوارها البعيدة.

فلئن كان المقصود بتلك "الفجوة" أن القرآن عائق للإنسان عن الاتصال الروحي بحيث يكون العيب في النص الديني نفسه، فهو قصد مُوَجّه نحو تشويه النصوص الدينية في الأساس وقلة الإحاطة بمقاصدها ومراميها، إلا أننا نفترض في نيكولسون حُسن النية؛ ليجيء المقصود من تلك الفجوة هو أن يكون القرآن قابلاً لتوجه الإنسان الروحي وإثارة كوامنه الباطنة في بلوغ قمة التواصل الروحي؛ وإذْ ذَاَكَ يكون العيب في الإنسان نفسه الذي عطل وسائل تواصله، وعطل معها قواه الباطنة لا في النص القرآني : قانون الأمة الذي تهتدي بهداه، وتخاطب بواطنه وخوافيه كما تخاطب ظواهره وبواديه.

ولا يعقل أن يصنع النص القرآني تلك الفجوة وهو قادر على مخاطبة كل ما في الإنسان من تواجد الملكات : حضورها وتنميتها واتساعها.

وفي التعطيل تكمن كل آفات الغفلة التي هى ضد مطالب الحضور. وهكذا؛ نلاحظ كما يكون القرآن مطلب حضور بالنسبة (للقارئ، التالي، الذاكر) لا يتسنى الإقبال عليه من غير توافر هذا المطلب، يكون كذلك مطلب علم للذين يدرسون الإسلام، ويعرفون من خلاله الأصول والتطورات التي مَرّ بها هذا الدين.

فلا يكاد يعرف العارفون شيئاً عن الإسلام بغير الرجوع إلى القرآن؛ ليتخذونه مصدراً من مصادر المعرفة سواء عن شخصية نبي الإسلام، صلوات الله وسلامه عليه، أو عن ظروف نشأته الأوليّة وتطوراته الروحيّة والخُلقية على وجه الإجمال. وممّا ذكره المستشرق الفرنسي "إميل ديرمانجيم"؛ وهو الذي أخذ عنه الدكتور محمد حسين هيكل كتاب "حياة محمد"، أنه لاحظ أن التسرع في الأحكام قد حال زمناً طويلاً دون دراسة علمية حَقة لأصول الإسلام؛ وهو يقصد بذلك آراء بعض المستشرقين الذين لم ينصفوا الدين الإسلامي. ولم يكن لهم نزاهة البحث وأمانته إزاء الحديث عن نبي الإسلام؛ ففي القرون التي اشتعلت فيها الحرب بين الإسلام والمسيحية اشتد النفور بين الفريقين، وأساء كل واحد منهما فهم الآخر، ولكن يجب الاعتراف - هكذا يقول "إميل ديرمانجيم" ممّا نقله عنه الدكتور محمد غلاب - بأن إساءة الفهم كانت من جانب الغربيين أكثر ممّا كانت من جانب الشرقيين. وفي الواقع أنه على أثر تلك المعارك العقلية العنيفة التي أرهق فيها الجدليون البيزنطيون الإسلام بمساوئ واحتقارات، دون أن يتعبوا أنفسهم في دراسته، هَبَّ الكتاب والشعراء المرتزقة من الغربيين، وأخذوا يهاجمون العرب، فلم تكن مهاجمتهم إيّاهم إلا تهماً باطلة، بل ومتناقضة.

ويؤكد "البارون كارا دي فو" في كتابه "المحمديّة" هذا الذي ذهب إليه "ديرمانجيم" قائلاً :" إنّ محمداً ظل وقتاً طويلاً معروفاً في الغرب معرفة سيئة، فلم توجد خرافة ولا فظاظة إلا نسبوها إليه". وإن "ديرمانجيم" ليذكر منصفاً كثيراً من جوانب شخصية محمد - صلوات الله وسلامه عليه - كونه حكيماً وإنساناً ونبياً.

غير أنه يقول عن القرآن :" إنّ كل نبيّ يجب أن يأتي ببرهان من طبيعة خاصّة يكون آية على صدق رسالته. وهذا البرهان يسمى بالمعجزة، وهو يختلف عما يأتي به الأولياء ويسمى كرامة ... والقرآن معجزة محمد ... فإنّ جماله الأدبي الفائق وقوته النورانية، لا يزالان إلى اليوم لغزاً لم يحل، وهما يضعان من يتلوه - ولو كان أقلّ الناس تقوى - في حالة خاصّة من الحماسة. وقد تحدى محمد الأناسي والجن أن يأتوا بمثله. وهذا هو برهان رسالته بالمعنى الكامل. ولم يكن الأمر في القرآن يتعلق بقيمة أدبية استثنائية، فإن محمداً كان يحتقر الشعراء ودفع عن نفسه أن يكون واحداً منهم ... ولكن الأمر يتعلق بشيء آخر غير هذه القيمة وهو الفرق بين وحي الإله وإلهام الشيطان" (هذا هو الإسلام : ص 84  وص 92).

ويظهر - كما نلاحظ بمقدار لا حظنا في السابق تلك "الفجوة" التي أحدثها القرآن في رأي نيكولسون - من طريقة عرض هذا المستشرق لفكرته عن القرآن : أنه يكتب للغربيين، لم يستطع أن ينفذ إلى أغوار المعنى في آيات الذكر الحكيم؛ لأن هذه الآيات نفسها لم تنفذ إلى أغواره الباطنة كما لم تكن تنفذ في أغوار نيكولسون الباطنة، وإنما كما يبدو من كتابة "ديرمانجيم" يأخذها مأخذ الظاهر العابر الذي يدرس القرآن دراسة نظرية لم يتحقق فيها بشيء على مستوى المباشرة، أعنى المستوى العملي التطبيقي، وهو عندنا الشرط الذي إذا غَاب أو فُقد لم يجعل من الحضور مادته الأولى. ومعلومُ ببداهة النظر إلى القرآن الكريم أنه قد جعل العقل حَكَمَاً منذ البداية، وجعل البرهان أساس العلم، وعاب التقليد وذم المقلدين، وأنَّبَ من يتبع الظن وقال : "إنّ الظن لا يُغني من الحق شيئاً".

وعَابَ تقديس ما عليه الآباء، وفرض الدعوة بالحكمة لمن يفقهها، وأخذ بالموازنة والترتيب واستخلاص النتائج بالاستنباط القائم على المقدمات العلمية. ولم تكن معجزة محمد صلى الله عليه وسلم القاهرة إلا في القرآن, وهى معجزة عقلية. وما أبدع قول البوصيري حيث قال : 

لم يَمْتَحِنا بما تعيا العقولُ به

                        حِرصَاً علينا، فلم نَرْتَبْ ولم نَهِم

أمّا كون القرآن معجزة عقلية؛ فلأن طريقة القرآن هى نفسها طريقة علماء السلف المسلمين. وما أنصف المقدمة النقدية التي كتبها الأستاذ الأكبر محمد مصطفي المراغي في 15 فبراير سنة 1935م على كتاب "حياة محمد" للدكتور هيكل، وما أكثرها حيطة؛ فقد جاء فيها : أن أوّلُّ واجب على المكلف كما قرّر علماء السلف هو معرفة الله، ولا طريق إلى المعرفة إلا بالبرهان وإقامة الحجة. وهذا نفسه القانون العلمي في البحث معروف في القديم والحديث.

وقد جرى الإمام الغزالي على الطريقة نفسها، طريقة القرآن، إذْ قرّر في أحد كتبه أنه جَرّد نفسه من جميع الآراء ثم فكر وقدّر، ورتب ووازن، وقرّب وباعد، وعرض الأدلة وهذبها وحللها، ثم أهتدى بعد ذلك كله إلى أن الإسلام حق وإلى ما أهتدى إليه من الآراء، وقد فعل هذا ليجافي التقليد؛ وليكون إيمانه إيمان المستيقن المعتمد على الدليل والبرهان، ذلك الإيمان الذي لا يختلف المسلمون في صحته ونجاة صاحبه (حياة محمد، دار المعارف، القاهرة د/ ت، ص 13-14).

ومن وجهة النظر العقلية البحتة، وهى التي تجعل من القرآن معجزة عقلية : لم يكن في الإسلام ما في الدين - من حيث هو دين - من خصوصيات الأسرار في جميع الثقافات؛ فإنّ الحق الذي لا مريّة فيه - من وجهة النظر العقلية البحتة أيضاً - أن الإسلام؛ رسولاً وكتاباً؛ يتميز عن غيره من الديانات بخلوّه من ثقل "الأسرار" (Mysteres) التي تجعل المعرفة "بالدين" تقع خارج تناول العقل. إنّ المعرفة الدينية في هذه الحالة من اختصاص فئة قليلة من الناس هم وحدهم "العارفون" المتصلون بالحقيقة الدينية، وهم وحدهم رؤساء الدين ومرجعياته ورعاته، والبقيّة رعية ومقلدون. أمّا "الرئيس الأول" المؤسس للدين، فيوضع في مرتبة الألوهية والبشرية، وأحياناً يُرفع إلى مستوى الألوهية. وأمّا النصوص الدينية فتُعتَبر رموزاً مليئة بالأسرار لا يتولى تأوليها وفك ألغازها إلا "العالمون" بفك الرموز وتأويل الأحلام (يُراجَع : محمد عابد الجابري : مدخل إلى القرآن الكريم، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى، 2006م؛ ص 429). ربما كان هذا من "خصوصيات الدّين" في جميع الثقافات. ومن المؤكد أن الإسلام قد عرف تيارات تلتقي بصورة أو بأخرى مع هذا النوع من التصور للدّين، تيارات تنتمي إلى الموروث الديني الحضاري الذي كان يقع خارج الدعوة المحمديّة كما اكتملت عناصرها وتحدّدت آفاقها في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم. فالدعوة المحمدية نفسها، نبيّاً وقرآناً، لم تعرف أسراراً من هذا النوع، تغذي هذا الوجدان الصوفي بمثل ما يتشابه مع المسيحية، إذْ لم يوجد فيها بوصفها "دعوة" ما يدعو إلى اعتبار العقل قاصراً عن معرفة أي شأن من شؤون الدين الذي تدعو إليه. بل بالعكس، لقد كانت حياة الرسول وتعاليم الكتاب الكريم (القرآن)، موضوعاً مفتوحاً لإعمال العقل. كانت تجربة الوحي مرفوقة بمعاناة نفسية واجتماعية معروفة في عصره، هى نفسها تلك التي اتهمه بها خصوم الدعوة المحمدية منذُ ابتداء أمرها. (راجع : مدخل إلى القرآن الكريم : ص430). فكل هذا؛ يؤكد أن القرآن كما كان على القصد مطلب حضور، كان كذلك مطلب علم وبحث ونظر وتعليل. فلئن كان هذا المُدخل يؤكد ما في القرآن، فإن مناقشتنا له - مع خلاف الرأي والرؤية ـ ليست بأقل تأكيداً أيضاً على ما في القرآن الكريم.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم د. مجدي إبراهيم

 

سليم جواد الفهدورد أمر الشورى في القرآن في آيتين هما قوله: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} (الشورى:38).

وقوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (آل عمران:159).

والآن نتساءل ما الجديد الذي آتى به القرآن في موضوع الشورى؟  وماهي الإضافة التي أضافها على ما كان موجودا ومعروفا ومعمولا به؟ الجواب بالتأكيد لا جديد ولا اضافة بل الاكثر من ذلك أن القرآن سكت عن تفاصيل مهمة جدا كان من المفترض الاشارة إليها بل كان من الضروري والواجب الاشارة إليها حتى لا يصيب الارتباك من يريد تطبيقها على أرض الواقع. وإليك ماسكت عنه القرآن:

1- أهل الشورى من هم؟ هل هم جميع المسلمين أم أشخاص مخصوصين؟

2- إذا كانوا مخصوصين فما هو الاعتبار في اختصاصهم؟

3- ما هي كيفية الوصول إليهم؟

4- ماهي كيفية تعينهم هل هي بتعيين من النبي أو الخليفة؟ أم بالترشيح من الناس أم بغير ذلك؟

5- بعد وفاة النبي ما هو مجال العمل عند أهل الشورى؟ هل هو مجال النصوص فهماً وتطبيقاً؟ أم مجال الجديد من المعاملات تشريعاً وتقنيناً.

هذه الأسئلة لم يجب عليها أحد ولم يخض أحد في تفصيلاتها لأن الخوض في تفصيلاتها يوصل الى نتيجة مفادها أن الشورى في القرآن ليست نظام حكم بل ولا نظام حياة وليست معالجة لأي عمل وإنما هي وسيلة أو اسلوب أو كيفية للتحري عن الراي الصائب لا أكثر. ثم يأخذ النبي الرأي الذي يراه صائبا ويعزم ويتوكل على الله كما تشير الآية بوضوح.

ما هو الأمر المقصود في الآية.

{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (آل عمران:159).

إن الأمر المقصود التشاور فيه هو: مالا نص فيه على العموم إلا ما أخرجه الدليل من هذا العموم والإطلاق كالأحكام الشرعية المبرمة المنصص بها بنص من قرآن أو سنة فمثل هذه الأحكام ليست محلاً للشورى لأنها ليست محلاً للاجتهاد أصلاً إذ لا اجتهاد في مورد النص.

من هذا نفهم إن مشاورة النبي لأصحابه إنما كانت بمثابة جبر لخواطرهم وهي تمثل عنصر استقرار لنفوسهم وتوحيد لصفهم واستخراج لمواهبهم وطاقاتهم وذلك حتى يقوى إيمانهم ويزداد تعلقهم بالنبي وحبهم له وطاعتهم وانصياعهم لقيادته.

والدليل على ذلك أن جميع الفقهاء يجمعون على ان الشورى غير ملزمة للنبي لا شرعاً ولا عقلاً.

أما شرعاً: فالنبي غير ملزم إلا باتباع الوحي ونص آية الشورى نص صريح إذ يقول للنبي: (فإذا عزمت فتوكل على الله).

وأما عقلاً: فلأن النبي معصوم لا ينطق عن الهوى ولا يتكلم عن جهل ولا ينوبه عجز عن حل أي معضلة ولا ينقصه علم بأمر من الأمور وغيره من الأصحاب الذين يستشيرهم ليسوا كذلك فما هو مبرر أن يستشير المعصوم الذي لا يخطأ صحابيا يخطأ؟

الظاهر أن المبرر المنطقي الوحيد هو أن حكمة النبي تقتضي إمضاء الشورى ليكون لها أثر في نفوس الصحابة المستشارين فتطيب بطاعة القيادة قلوبهم بعد أن يشعروا أن لهم أثرا ولو كان صوريا وهذه هي الدلالة الحقيقة للشورى في القرآن عبارة عن اجراء صوري لا أكثر هدفها الأساس عدم الانفراد بالرأي الذي يستدعي حتما نفور الصحابة من النبي الذي ينتج من شعورهم بعدم أهميتهم وهامشيتهم في القرار.

نموذجين من الشورى الكارثية.

في أوقات أقدم النبي على الأخذ بشورى بعض الصحابة كانت النتائج كالتالي:

أولا: في معركة أحد أشار بعض المسلمين على النبي بالبقاء في المدينة وألح عليه آخرون بالخروج والكل يقدر جانب المصلحة من زاوية نظره وفهمه ولم يكن أحد من الفريقين يقطع بيقين أين يكون الخير فقرر النبي أن يأخذ برأي أصحاب الخروج من المدينة وكانت خسارة معركة أحد مدوية بعد أن نزل الرماة من على الجبل وكشف ظهر المسلمين.

والرواية باختصار: (في السنة الثالثة من الهجرة حدثت معركة أحد وقد ورد حديث عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله قال: "رأيت كأني في درع حصينة، ورأيت بقراً ينحر، فأولت أن الدرعَ الحصينةَ المدينةُ، وأن البقرَ هوَ واللهِ خَيرٌ". قال: فقال لأصحابه: "لو أنا أقمنا بالمدينة، فإن دخلوا علينا فيها قاتلناهم". فقالوا: يا رسول الله، ما دخل علينا فيها في الجاهلية، فكيف يدخل علينا فيها في الإسلام.

فقال: "شأنكم إذن".

قال: فلبس لامة الحرب. قال: فقالت الأنصار: رددنا على رسول الله رأيه فجاؤوا فقالوا: يا نبي الله شأنك إذن.

فقال: "إنه ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل"."1"

هنا يتبرعم سؤال من غرابة الموقف هو لماذا يتكلم الوحي بتفصيل عن أمور جزئية غير مصيرية كالعبادات وكيفيتها والوصايا الأخلاقية وطبيعتها ويسكت في موقف الحرب وهو موقف خطير يترتب عليه مصير الإسلام والمسلمين؟

ثانيا: شورى مأساة بني قريضة. حاصر النبي بني قريظة قرابة شهر في حصونهم ثم قبلوا النزول من حصونهم ولكن على حكم سعد بن معاذ الذي كان حليفاً لهم في الجاهلية ظناً منهم أنه سيكون رحيماً بهم وقبل النبي عرضهم هذا ثم دعي سعد من المدينة حيث كان يمرض فيها من سهم أصابه في الخندق فقال سعد بعد أن جلس للحكم: حكمي نافذ على الجميع؟ فأشار النبي: أن نعم وهكذا قال رؤساء اليهود فقال سعد: فإني أحكم بأن تقتل مقاتلتهم وتسبى نساؤهم وذراريهم. فقال له النبي: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات."2 "

 وكانت مأساة حقيقية ومجزرة مروعة وصل عدد القتلى فيها من اليهود ما يقارب800 إنسان أغلبهم من الشباب والأطفال.

.... للحديث بقية

 

سليم جواد الفهد

..........................

المصادر:

1- ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، الرقم: 7/436

2- سيرة ابن هشام.

 

ما هي الاثار المترتبة لانتشار جائحة كوفد 19 على مستقبل التعليم العالي والجامعات؟

يبدو ان احدى هذه الآثار قد بدأ فعلا في الظهور فبعد سنوات من النقاش والجدل حول ما إذا كان على الجامعات ان تتبنى بشكل كبير التعليم عبر الإنترنت، توقف النقاش فجأة وبدأ العمل فعلاً به او بشكل مشابه له. بصورة او بأخرى يتم حاليا استخدام الانترنت لنقل المعلومات من الأستاذ الى الطالب.

الازمات والابتكار

كثيرا ما تؤدي الحروب والأوبئة، بجانب نتائجها الكارثية، الى نتائج في صالح البشرية بصورة اكتشافات علمية واختراعات، والأهم من ذلك منهجيات وأساليب جديدة، فعندما أودت الإنفلونزا الإسبانية بين عامي 1918-1920 بحياة 100 مليون شخص في جميع أنحاء العالم، أدت إلى الاعتراف بالتمريض كمهنة للنساء، والى استخدام الأقنعة واكتشاف لقاح الإنفلونزا. وأدت الحرب العالمية الأولى والثانية إلى اختراع الجراحة التجميلية، والفولاذ المقاوم للصدأ، وساعات المعصم، والرادارات، وأجهزة الاتصال اللاسلكية، وأجهزة الرؤية الليلية، والشريط اللاصق، والصواريخ، والتكنولوجيا النووية. وأدت أزمة النفط في أوائل السبعينيات إلى البحث عن مصادر بديلة وطاقة متجددة. هذا لربما يجعلنا نعتقد بأنه عند انتهاء الحرب ضد الفيروس ستظهر بعض النتائج الإيجابية للبشرية. لا اعرف بالضبط ماذا سيحصل لكن لحظات الأزمات والاوبئة توفر أيضًا فرصة لكي نفكر في استخدام أمثل وأكثر مرونة للتكنولوجيا، والاعتماد على العلم بدلاً من الاعتقاد الأعمى، وعلى التعاون بدلاً من التحامل، والرعاية الصحية والاقتصاد وأنماط الحياة الصديقة للبيئة. لا أحد يعرف بالضبط ما سيأتي وما سيحصل.

 

التعليم الالكتروني 

قد يكون فيروس كوفد -19 هو البداية الجديدة لإمكانيات التعلم الإلكتروني لقطاع التعليم العالي في جميع أنحاء العالم. فلم يعد من الممكن رفض الحاجة إلى خيارات التعلم عبر الإنترنت وخيارات ما يسمى ب (الكورسات الضخمة المفتوحة عبر الإنترنت). لربما سيصبح التعليم عن بعد بديلاً معترفًا به للتعليم التقليدي. إنه أقل كثافة في رأس المال ويتلاءم مع الحاجة إلى تحسين الكفاءة الرقمية للطلاب.  وقد يحدث التعليم الافتراضي ثورة في التعليم العالي لأن الطلاب في يومنا الراهن لديهم قدرة أعلى على التكيف مع التكنولوجيا والبوابات الإلكترونية. حتى بالنسبة للتعليم المدرسي المتمثل بالصفوف الدراسية، سيضطر التعليم إلى الانتقال عبر الإنترنت - وقد يصبح هذا هو القاعدة من الآن فصاعدًا. سيوفر التعليم الافتراضي فرصاً اجتماعية كبيرة للمحرومين اقتصاديا وللشغيلة ولهؤلاء الذين لا يمكنهم تحمل التنقل لمسافات طويلة.

بالفعل قفزت العديد من الشركات في هذا المجال. ومن الأمثلة على ذلك شركة ادكس (edX) التي أسستها جامعتي هارفارد وأم آي تي(MIT) ، ويستخدم خدماتها اليوم 20 مليون شخص. لديها كورسات لجميع الفئات – من مواضيع تقنية مثل علوم الكمبيوتر إلى الدراسات الانسانية مثل الفنون والأداب. تستجيب هذه الشركات الى حاجة السوق للتدريب والشهادات بالدراسة من أي مكان وبطريقة مرنة وابداعية. إن التعليم عبر الإنترنت، الذي يتم تنظيمه بشكل صحيح، سيتمكن من الاستفادة من التدريسيين الخارجيين من أصحاب الخبرة النادرة والموهوبين الضروريين لإحداث فرق في مستويات التدريس. ولربما تصبح المؤسسات التعليمية التي لا تتكيف مع التدريس الرقمي غير قادرة على المنافسة وغير مستدامة من الناحية التشغيلية.

التعليم العالي العراقي في مرحلة ما بعد كرونا

في العراق، أتوقع ان يضطر المسؤولون في الوزارة والجامعات الى قبول التعليم عن بعد كجزء من عمليات التعليم والتعلم، وهذا بدوره سيؤدي الى اضطرار الكليات والاقسام والتدريسيين إلى التفكير والنظر في أي جزء من المنهج التعليمي سيتم تقديمه عبر المحاضرات الصفية وأي جزء سيتم تقديمه عبر الإنترنت. سيحدث هذا بالرغم من معارضة كثير من الطلبة لهذا النوع من التعليم، وبالرغم من ضعف معارف التدريسيين في اساليبه وطرق استخداماته وانعدام خبرتهم بالتدريس عبر الانترنت. ولان الحاجة أم الاختراع، فقد بدأت إعلانات الدورات التدريبية لمنصات التعليم عن بعد تغرق مواقع التواصل الاجتماعي داعية التدريسيين للمشاركة وتعلم هذه التكنولوجيا الجديدة وطبعا كالعادة تكون المكافأة مضمونة تطبيقا لشعار "لا مشاركة بدون شهادة اشتراك".

من جانب آخر، قد لا يساعد الهيكل التنظيمي للجامعات العراقية على تحقيق هذا التغيير في طرق التعليم والتعلم حيث انه تاريخيا يعتبر الهيكل التنظيمي الهرمي من بين أكبر العوائق التي تحول دون تغيير هادف. هذا هو الحال بالتأكيد لما نشهده اليوم مع "نظام المقررات المبني على الوحدات" والذي تحول الى نظام الكورسات الفصلي بسبب الحواجز الاكاديمية، والوظيفية بين الكليات والأقسام، وبين هيئة التدريس والإدارة، وفرضه بالقوة وبدون تجربته أولاً كما كان مقررا له في السابق. هناك حواجز أخرى يمكنها ان تكون حجر عثرة امام خلق التآزر اللازم لإنجاح نظام متداخل وفعال من التعليم الصفي والتعليم الالكتروني.

 اما توقعاتي لما سيحصل للتعليم العالي والتي لربما هي أبعد عن الحقيقة، وستكون مجرد تمنيات على حسب طبيعة الإدارة الجديدة للتعليم العالي، سأوجزها بالآتي:

- ستزداد الدعوات الى استقلالية الجامعات كحصيلة لفشل الوزارة في إدارة التعليم العالي خلال ازمة الكورونا وستعزز هذه العملية قطاع التعليم العالي المجاني وغير الربحي.

- ستظهر الحاجة لضمان جودة تنفيذ التقنيات التدريسية الجديدة في التعليم العالي، والتي ستكون شرطا لتنفيذ السياسات الجديدة في التعليم والتعلم الالكتروني.

- سيتم الاعتراف بالشهادات التي تعتمد على الدراسة عن بعد وخاصة تلك التي تمنحها الجامعات العالمية الرصينة.

- سيتعين على الدولة، كردة فعل على فشل الجامعات في تقديم مساهمات اكاديمية وبحثية تتعلق بجائحة الكورونا، اتخاذ تدابير تشريعية جديدة للضغط على الجامعات للانفتاح على الابتكار والشراكة المستمرة في نقل المعرفة مع أصحاب العمل، والمجتمعات المحلية، والمنظمات غير الحكومية وما إلى ذلك، وإعطاء اهتمام أكبر بالمشاريع العلمية للطلاب، وتعزيز تعليم الكبار في الجامعات، والتواصل مع الجامعات الغربية.

- ستضطر الجامعات والكليات الاهلية القريبة عن بعضها في الموقع على الاندماج، وعلى خفض الأجور والتكيف مع الوضع الجديد الذي يحتم الاستثمار في البحث العلمي، وتطوير الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

- سيتم تقديم تعليم مهني مرن للطلاب استنادًا إلى برنامج لبناء الكفاءات. من الأفضل ان يتم دمج التعليم عبر الإنترنت مع التعليم المهني، لأن هذا سيتيح فرصًا أكبر لتطوير طبيعة الدراسة المهنية، ولكن ما هو أكثر أهمية هو تجويد الدراسات بإدخال شركاء مختلفين في عملية الدراسة.

- ستدخل مقررات هدفها الأساسي هو التعلم الشخصي، والتعلم الرقمي والتعليم المهني.

- ستدخل طرق جديدة للامتحانات من خلال قياس الكفاءة والنتائج والعمل المختبري.

- سيتم تقديم خدمات استشارية واسعة للتعلم الرقمي والوظيفي.

لقد أجبرت جائحة كرونا الناس بالفعل على اعادة الاعتبار للعلم واحترام أهمية الخبرة وعلى نبذ القيم الفاسدة والخرافات. كان من السهل الاستسلام الى الخرافة، والسخرية من الأفكار العلمية حتى انتشار الوباء، وبدء البحث عن دواء ولقاح، وبعد ذلك بدأ الناس بالاستماع الى رأي العلماء وأصحاب الاختصاص، فأثبت العلم مرة أخرى انه الترياق المضاد للتسمم بالجهل والخرافات.

 

محمد الربيعي

بروفسور الهندسة الخلوية، جامعة دبلن

 

 

محمد بنيعيشعندما يختل التوازن؛ وتتأرجح القوة عند الفواجع والجوائح؛ يبرز التذبذب والزبد والتفل والغاز الكريه على السطح . فتصدر الأحكام التافهة والمتأرجحة بين الغلط واللغط، الذي يعني لغة الخشب والقصب الجارح والطافي على وجه الماء والملفوظة عنوة من أعماق البئران ولجي البحار .

فهل من سبيل لكشف هذه الأوبئة النفسية الراسخة؛ كما يجتهد العالم الآن بكل قواه؛ لكشف أعراض وحقيقة فيروس كورونا المستجد والعابر لا غير؟.

1) الفراسة والقيافة والتأسيس لعلم نفس الوجه

لا شك أن العرب والمسلمين خاصة قد علموا دور الوجه في الكشف عن مكامن شخصية الآخر وسبر أغواره النفسية وتحليلها.

فقد كانت الفراسة والقيافة وسائل لإثبات عدة قضايا نفسية ونسبية لديهم، وكان المتفرس أو القائف مع اختلاف في الهدف وطريقة الاكتشاف يصيب في كثير من الأحيان الحقيقة التي يبحث عنها من خلال هذا الإجراء المتميز.

من هنا فقد غلب على اعتقاد الناس ثبوت هذين الإجراءين بصفتهما علمين تجريبيين ثابتين، لهما شروطهما الموضوعية -مع اختلاف وظيفتهما ومصادر كل منهما طبعا-إذا توفرت في شخص ما فإنه سيكون مؤهلا لاعتماد أحكامه في إثبات قضايا قد يعجز البحث والتحري العادي عن أن يبث فيها أو يستدل عليها.

فعندما جاء الإسلام لم ينف هذين العلمين وكذلك لم يطلق لهما العنان كي يتدخلا في الصغيرة والكبيرة من الحياة العامة والخاصة للناس مجتمعات وأفراد وفي قضاياهم المعقدة، وإنما جعل لكل من القيافة والفراسة شروطا وظروفا استثنائية يمكن من خلالها الاعتماد عليهما استئناسا أو فصلا قضائيا.

فكان من أهم شروط الفراسة بالدرجة الأولى، لمناسبتها للموضوع الذي نحن بصدد معالجته الآن، هو قوة الإيمان بالله تعالى وغلبة عنصر أخلاق الصدق على صاحبها حتى يتيسر له بأن تكون أحكامه وبثه في موضوع ما محل ثقة وفأل، قد يصيب الهدف في كثير من الأحيان مصداقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم :"فراسة المؤمن لا تخطئ"و"اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله".

في حين أن القائف قد يشترط فيهما ما يشترط في الرجل كامل الأهلية، بحيث لا يقبل قوله إلا إذا كان ذكرا عدلا مجربا في الإصابة حرا، لأن قوله حكم والحكم تعتبر له هذه الشروط[1]...

من هنا فقد كان المسلمون هم الرواد دائما في هذا المجال وخاصة الفراسة، كما رويت عنهم أخبار كثيرة تدل على صدق فراستهم وقوة أحداسهم.

فكان الباب الأول الذي يتسرب منه المتفرس إلى المتفرس فيه هو وجهه، إذ بمجرد ما ينظر إليه حتى يقول له ماذا جئت به وماذا تنوي عمله...

إن هذا النوع من الفراسة وقراءة ما في الوجه قد كان بمثابة وسيلة فعالة للتحليل النفسي الجيد كما كان يقتضي مستويات عالية من السمو الروحي والطهارة النفسية، وكذلك الدربة على صحة التمييز وسلامة النظر وصفاء السريرة مع وجود قوة حدسية فائقة لدى الإنسان.

فهذا ما لا يمكن توفره إلا عند خواص عباد الله الصالحين، وهو ما يصطلح عليه بالفراسة الإلهية -حسب تعبير الشيخ محيي الدين بن عربي الحاتمي- قد دلت عليها النصوص الدينية والآثار، حيث يعرفها بأنها:"تتعلق بعلم ما تعطيه الفراسة الطبيعية وزيادة، وهي أنها تعطي معرفة السعيد من الشقي، ومعرفة الحركة من الإنسان المرْضية عند الله من غير المرضية التي وقعت منه من غير حضور صاحب هذا النور فإذ حضر بين يديه بعد انقضاء زمان تلك الحركة، وقد ترك ذلك العمل في العضو الذي كان منه ذلك العمل علامة لا يعرفها إلا صاحب الفراسة، فيقول له فيها بحسب ما كانت الحركة من طاعة أو معصية".

لكن الفراسة أو العلم عن طريق الوجه مقصود حديثنا عنه الآن هو تلك المعرفة من النوع العادي التي يمكن تحصيلها عن طريق التجربة والمشاهدة الحسية، وذلك من خلال الملاحظة الدقيقة لتصرفات الأشخاص وحركاتهم، وهو ما يعرف بالفراسة الطبيعية، التي ذكرها ابن عربي في النص السابق، حيث يعرفها بأنها:

"تعطي معرفة المعتدل في جميع أفعاله وأقواله وحركاته وسكناته، ومعرفة المنحرف في ذلك، فيفرق بالنظر في أعضائه ونشأة كل عضو بين الأخرق والعاقل والذكي والفطن و الفدن الغمر والشبق وغير الشبق، والغضوب وغير الغضوب والخبيث وغير الخبيث، والخداع والمحتال والسليم المسلم، والنزق وغير النزق، وما أشبه هذا"[2]. 

2) الوظيفة الرئيسية للعين في التعبير النفسي  

من هنا يبدو أن ابن حزم كان قد اكتسب جل ملاحظاته بخصوص هذا العلم أو الفراسة الطبيعية في ميدان الحب ومحيطه، ومن خلاله سيصدر أحكما كلية على وظيفة أعضاء الوجه بصفتها الممثلة الرسمية لخلجات النفس ومكامنها.

فكان من أهم هذه الأعضاء:حاسة البصر، وهي العين بكل أجزائها وحركاتها الخارجية، والتي بواسطتها تدرك علامات الحب، لأن للحب علامات يقفوها الفطن ويهتدي إليها الذكي.

"فأولها إدمان النظر، والعين باب النفس الشارع وهي المنقبة عن سرائرها والمعربة عن بواطنها، فترى الناظر لا يطرف ينتقل بتنقل المحبوب وينزوي بانزوائه ويميل حيث مال كالحرباء مع الشمس"[3].

وحينما يذكر العين ويقف عندها فذلك لا يعني أنها كل شيء في الوجه، بل إن حركات الوجه وهيئاته ما بين الانبساط[4] والانقباض كلها ذات دلالات خاصة بها وتأثيرات تكاد توازي ما تحتمله الألفاظ الصريحة، بل إن التعبير بالوجه أبلغ من التعبير بالألفاظ وخاصة في ميدان الحب، فتكون العين أهم عضو يوظف للتعبير عن الرغبة "لأن العين تنوب عن الرسل ويدرك بها المراد، والحواس الأربع أبواب إلى القلب ومنافذ نحو النفس، والعين أبلغها وأصحها دلالة وأرعاها عملا وهي رائد النفس الصادق ودليلها الهادي ومرآتها المجلوة التي بها نقف على الحقائق وتميز الصفات وفهم المحسوسات"[5].

وحيثما يستثقل الكلام ويصير من الصعب التواصل مباشرة مع الآخر فحينذاك "فلا طمع إلا بالإشارة بالعين همسا وبالحاجب أحيانا والتعريض اللطيف بالقول" [6].

هذه الإشارات الخاصة بالعين والوجه سيعمل على تقنينها في قوالب ثابتة وتعريفها بلغة خاصة بها، وذلك عن دراسة دقيقة وميدانية، نظرا لأنه - كما قلنا مرارا- قد علم من أسرار النساء ما لم يعلمه غيره، وهن اللواتي أطلعنه دقائق علومهن وعنهن تحصل على رصيد وافر من المعلومات الخاصة بهذا الموضوع، ألا وهو لغة العين، فأدلى عنها بما توفر لديه على الشكل التالي:

فالإشارة "بمؤخر العين الواحدة نهي عن الأمر، وتفتيرها إعلام بالقبول، وإدامة نظرها دليل على التوجع والأسف، وكسر نظرها آية الفرح، والإشارة إلى إطباقها دليل التهديد وقلب الحدقة إلى جهة ما ثم صرفها بسرعة تنبيه على مشار إليه.

والإشارة الخفية بمؤخر العين كلتاهما سؤال، وقلب الحدقة من وسط العين إلى الموق بسرعة شاهد المنع، و ترعيد الحدقتين من وسط العينين نهي عام وسائر ذلك لا يدرك إلا بالمشاهدة"[7].

كما لا يفوته بعدما أدلى بأهمية العين في الخطاب الإنساني ودورها في التعبير عن النفس أن يعلل سبب هذا التفوق الذي أحرزه هذا العضو.

فقد يعزوه إلى سمو العنصر المكونة منه العين، إذ أن "جوهرها –أي العين-أرفع الجواهر وأعلاها مكانة لأنها نورية لا تدرك الألوان بسواها ولا شيء أبعد مرمى و لا أنأى غاية منها، لأنها تدرك بها أجرام الكواكب التي في الأفلاك البعيدة وترى بها السماء على شدة ارتفاعها وبعدها وليس ذلك إلا لاتصالها في طبع خلقتها بهذه المرآة.

فهي تدركها وتصل إليها بالنظر على قطع الأماكن والحلول في المواضع وتنقل الحركات، وليس هذا الشيء من الحواس مثل الذوق واللمس لا يدركان إلا بالمجاورة والسمع والشم لا يدركان إلا من قريب.

ودليل على ما ذكرناه من النظر أنك ترى المصوت قبل سماع الصوت، وإن تعمدت إدراكهما معا، وإن كان إدراكهما واحد لما تقدمت العين السمع"[8].

قد لا يسعنا المجال الآن لكي نحلل هذا النص ونقدر صوابه من خطئه حول تحديد ماهية العين أو طبيعة الإبصار، بحيث أنه قد أودع رأيه المفصل في الموضوع عند حديثه عن الألوان في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل.

لكن غرضنا من عرض هذا النص هو بيان المنهج الذي يعتمده في دراسته النفسية وذلك من خلال الجمع بين التعليلات الفلسفية النظرية والتحليلات الحسية التجريبية لتدعيم فكرته في الموضوع، وهو ما رأيناه عند تحديد دور العين النفسي وسبب سموه على جميع الأعضاء الأخرى كدليل على شخصية الإنسان الحقيقية.

إن موضوع المعرفة النفسية عن طريق ملامح وجه الإنسان قد أصبح علما قائما بذاته في العصر الحديث، وهو مازال في طور التأسيس والبداية، كما لأنه ما يزال يفتقر إلى الأبحاث والقواعد العلمية الدقيقة، ومع ذلك فإن علم نفس الوجه قد يعطي بعض التخمينات الهامة والمفيدة، إذ تدل إحدى الدراسات الحديثة في أمريكا بأن أساس الاتصال يحدث عن طريق الوجه وتعطي النسب التالية:

7 من قوة الاتصال يحدث عن طريق الكلام.

38 من قوة الاتصال يحدث عن الأسلوب في الكلام والتعبير واللفظ.

55 من قوة الاتصال يتمركز في الوجه[9].

والسبب في هذا التفوق للخطاب بالوجه كما يرى بعض الباحثين هو أن اللسان قد يكذب "عدة مرات أما الوجه وخاص العينان فإنها تشير إلى حقيقة المشاعر الذاتية، إن للعين قوة مغناطيسية قد تصبح سجنا للآخر، وعندما يحدق بي الآخر فإن هذا الفعل قد يؤدي إلى الشعور بالضيق والاكتساح -أي أن الآخر بدأ يسلب حريتي على حد تعبير سارتر-فالتنويم المغناطيسي نفسه هو نوع من اكتساح الآخر عن طريق العينين والإيحاء"[10].

إن حركة الوجه وخاصة العينين ليست بالأسلوب البدائي للتعبير، أي أنها ربما تكون قد تجوزت واستعيض عنها بالكلام نظرا لأنها كانت الوسيلة الوحيدة للإشارة عند الإنسان، بالرغم من أنه لم يبق لها الآن ضرورة فإن الجسد قد احتفظ بها عملا بمبدأ الجمع بين العادات النافعة، -فيما يذهب إليه جميل صليبا[11]-.

بل على العكس من هذا قد نرى زيادة اهتمام بحركة الوجه عند الإنسان؛ وخاصة في ميدان السياسة، حيث أننا كثيرا ما نسمع تعليقات الصحفيين والمراقبين على مظاهر التفاؤل والتشاؤم في اللقاءات بين السياسيين الدوليين من خلال وصف ملامح وجوههم وتقاسيمها أثناء محادثاتهم فيما بينهم.

فهم إما أن يوصفوا بالابتسامات أو تقطيب الجبين أو إطالة النظر و تصويبه بحدة، إلى غير ذلك من حركات الوجه التي يستخلص منها الوفاق أو القطيعة السياسية والتوتر وما إلى ذلك مما يدركه جيدا المتتبعون للشأن السياسي عبر العالم.

إن تحديد مكامن النفس من خلال حركات الوجه وخاصة العين قد أصبح دراسة جد مهمة في علم النفس الحديث ولكنه ما يزال في بواكيره الأولى، كما لم يجد متفرغين له بالقدر الكافي وربط معطيات الماضي بالحاضر في هذا المجال وخاصة بموضوع الفراسة الإلهية وكذلك الطبيعية، في حين لم نجد ولو إشارة طفيفة من طرف الباحثين في الميدان النفسي إلى هذا الذي طرحه ابن حزم في كتابه "طوق الحمامة" من تفصيل حول حركات العين ودلالة الوجه في مجال الحب. كما أن هذا الطرح إذا أتقن فقد يساعد على كشف كثير من المزاعم الإعلامية الموبوءة وتصريحات بعض الزعماء المصطنعين والمتصدرين للمنتديات، عند الكوارث والنوازل، تحت عدة أغطية وأقنعة في ظاهرها مصلحة عامة وفي باطنها خراب وسراب لا يعلمه كثير من الناس كتلبيس إبليس وذريته.

لا ندعي بأن ابن حزم قد كان له السبق في هذا الميدان؛ وهو التركيز على دور العين والوجه عامة في التعريف النفسي للإنسان، بل قد عرفه قبله اليونانيون وغيرهم كما أشار إلى ذلك بنفسه[12]، غير أن أفكارهم حول هذا الموضوع كانت في أغلبها متشابهة وأحكاما عامة تدور مع لغة المنطق وضيقه النظري المحض كما سبق وذكرنا.

لكن التركيز على الدقائق من حركات العين والوجه بالدقة كما ذكرها لهو ما كان يعوز تحليلات المفكرين النفسيين قبله، إذ أن تحديد نقاط معينة في العين وحركات خاصة منها وإعطائها مدلولات ولغة مناسبة لمما يثير الإعجاب والانتباه، ويجعلنا نقول بأن هذا لمن إحدى خصائصه المنهجية وآفاقها الواسعة في دراسة النفس، وهي إحدى محاولاته المبكرة لتأسيس ما يعرف حاليا ب:علم نفس الوجه.يقول الله تعالى:" يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ".وهو الهادي إلى الصواب.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

 .........................

[1] ابن قدامة:المغني، مكتبة الجمهورية، مصر ج5ص770

[2] ابن عربي:الفتوحات المكية، دار صادر بيروت ج2 ص235

[3] ابن حزم :طوق الحمامة ص27

[4] نفس ص52

[5] نفس ص54

[6] نفس ص81

[7] نفس ص54

[8] نفس ص55

[9] غسان يعقوب :معرفة الذات والآخر دار النهار للنشر، بيروت ص24

[10] نفس ص25

[11] جميل صليبا:علم النفس ص242

[12] ابن حزم:طوق الحمامة ص54

 

 

قاسم حسين صالحكان التحول من نظام دكتاتوري الى نظام ديمقراطي في (9 نيسان 2003)يفترض ان تنتهي معه فواجع العراقيين راح ضحيتها الملايين في حروب كارثية حمقاء لطاغية مصاب بتضخم انا ونرجسية قاتلة.ولكن ما حصل بعده من حروب كانت اوجع وافجع واكثر سخفا.والسبب الرئيس لما حصل هو ما شفرتّه سيكولوجيا (السلطة) عليها اللعنة..فتاريخها في العراق هو تاريخ العنف والدم وقطع رؤوس الخصوم منذ أن تحولت السلطة العربية والإسلامية الى وراثية عام 61 هجرية. فمن يومها اعتمدت السيف لحلّ النزاعات واجبار من يخالفها على الطاعة والخضوع. وكانت (السلطة العربية والإسلامية) على مدى أكثر من ألف واربعمائة عام لا تلجا الى التفاوض والحوار إلا بعد أن تقطف السيوف رؤوس افضل من في القوم. ولهذا فأن العراقيين معبئون سيكولوجيا في لا شعورهم الجمعي بالعنف لا بالحوار في حلّ صراعاتهم السياسية. ولك أن تستحضر مشاهد ما حصل عام 1958 من تمثيل وحشي بالعائلة المالكة ورموز النظام. وعام 1963 بتمثيل أبشع بشخص أول رئيس جمهورية للعراق ورموز نظامه، وبآلاف الشيوعيين والوطنيين. وما حصل للبعثيين من حرقهم أحياء بعد هزيمة الجيش العراقي في حرب الكويت عام 1991، والابادات الجماعية للشيعة وحرب الأنفال ومجزرة آلاف الكرد في حلبجة.. وذلك الموروث اللعين الذي يمتد الى داحس والغبراء، مرورا بواقعة دهاء أبن العاص وغباء الأشعري التي " أنجبت " فرق الموت والتكفير، الى المشهد اليومي الحاضر من اختطاف وقتل بكاتم الصوت، وكأن عقولنا مبرمجة فقط على استحضار الأحقاد من ماضينا. 

 والمسألة السيكولوجية الثانية، أن السلطة في الدولة العراقية الحديثة (من عام 1921 الى عام 2003) كانت بيد السّنة العرب..وفجأة ومن دون تمهيد ديمقراطي أو سلاسة في انتقال السلطة ، حدث تبادل انقلابي للأدوار. فالشيعة الذين كانوا لألف وثلاثمائة سنة في المعارضة، والذين حاربوا الانكليزي المحتل في ثورة العشرين، ورفضوا دعوة الملك فيصل الأول للاشتراك في الوزارة لأمور فقهية! أصبحوا (بعد 9/4/2003) في السلطة، واعتبروا قوات الغزو، التي حاربوها في البدء بضراوة في أم قصر والناصرية، اعتبروها قوات صديقة وتحالف ساستهم معها، فيما السّنة أزيحوا الى جبهة المعارضة سواء ضد السلطة او ضد المحتل الذي أعطاهم السلطة في بدء تشكيل الدولة العراقية الحديثة.

 وتبادل الأدوار هذا يشبه في فعله النفسي تبادل الأدوار بين السيد والعبد، فأنّى لمن كان سيّدا أن يكون عبدا لمن كان عبدا بالأمس، لاسيما في سيكولوجية العربي، والعراقي تحديد!؟.

وعلّة نفسية ثالثة، هي أن الشيعة في العراق (جماهيرها الشعبية تحديدا) اعتقدوا أن مصدر ما أصابهم من ظلم وجور وعنف هو السلطة السنّية التي حكمت العراق أكثر من ألف وثلاثمائة سنة، فعمموا هذا الموقف الانفعالي على كل السنّة ولم يقصروه على رموز الحكم ممن استخدم السلطة وسيلة للظلم والقسوة في التعامل واذلال الآخرين. وحصل أن نشوة الانتصار ووسواس الخوف من ضياع ما يعدّونه الفرصة التاريخية الأخيرة لهم قد تمكنا من الجماهير الشيعية الشعبية، وعملا نفسيا على الاندفاع والانفعال والتطرف.ولقد عزز هذا وغذّاه زهو بعض قادتهم السياسيين والدينيين بحصولهم على ستة ملايين صوت في انتخابات 2005 (حوالي نصف العراقيين) ناجمة في حقيقتها من موقف تعاطفي وردّ فعل انفعالي لما أصابهم من حيف، أكثر منه موقف من برامج سياسية.والمخجل ان كثرة فيهم اعادوا انتخاب من خذلوهم من الفاسدين ولسان حالهم يقول(انتخبه وانتخبه ما دام شيعي..حتى لو كان فاسد!)

 بالمقابل، حصل للجماهير الشعبية من السنّة أن تمكن منها وسواس الخوف من أن الشيعة الذين استلموا السلطة سيفعلون بهم ما فعلت بهم السلطة السنية طوال حكمها للعراق.فضلا عن أنهم شعروا بالغبن السياسي والإحباط الذي يصل ذروته في ظروف الأزمات فيؤدي الى العدوان، وهذه حقيقة نفسية تحدث عند إعاقة جماعة عن تحقيق أهداف تراها مشروعة ولا تجد وسيلة أخرى لبلوغها غير العنف.

 ومع أن صدام ارتكب الفضائع بحق الوطن " تدمير ثروة العراق الهائلة " وبحق الكورد والشيعة وحتى أقرب الناس إليه، فأن مشهد إعدامه أساء لعدالة التنفيذ وافتقر الى شجاعة وخلق المظلوم حين يتمكن من الظالم، وأثار تعاطفا انفعاليا اختزل للرجل الكثير مما يحسب عليه، وجعل مناسبة العيد (أعدم فجر أول أيام عيد الأضحى بحساب السعودية وسنّة العراق) عيدين لطائفة وفاجعتين للطائفة الأخرى.والأخطر أن مشهد التشفّي وما فاح به من رائحة طائفية واعلان صريح بأخذ ثأر، نقل الوساوس من خانة الأوهام ليضعها أمام أبواب الحقائق ، فزادت الواقعة في رمي الحطب وصب الزيت على نار كبرى مشتعلة أصلا ليمتد لهبها الى مناطق أخرى من العراق والعالم العربي، فكان ما كان مما حصل ويحصل الآن .

 هل تعلمنا الدرس؟.هل سنتخلى عن ارتكابنا افعالا لا تستوعبها مفردات اللغة وصف بشاعتها ولا عقلانيتها؟.هل سينتبه رئيس الوزراء المكلف السيد مصطفى الكاظمي لما احدثته السلطة سيكولوجيا في تشكيلة الشخصية العراقية..ويعافيها ليضمن اقوى دعم له في نجاحه؟.

ما ستشهده (2020)..هو اليقين.

 

أ.د.قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

 

سامي عبد العالبطريقةٍ جذريةٍ كان حالُ" الرَّعَاع" نتاجاً ثقافياً خلْف سلطةِ الجماعة الغالبة في المجتمعات العربية (جماعة الدين والطائفة وأهل الحل والعقد ثم النُخب والأحزاب ورجال الدولة والمثقفون)، فهذا التكوين العام المشوَّه لم يكن لصالح المجتمع وتنوع عناصره في تاريخنا الحديث والمعاصر، من حيث كونَّه غير قائم على أسس ثقافية وفكرية تضمن انضاج المسارات السياسية ونقد الظواهر  والأفعال الطارئة.

كما أنَّ المعايير الموضوعية التي يجب الاحتكام إليها اجتماعياً وسياسياً للعيش والتنوع والحقوق والقانون تسطو عليها السلطة السائدة. وبالتالي يُعاد تشكيها لخدمة مصالح فئوية تثير نعرات الاختلاف والتناقض السحيق وتعيد الكَرّةَ من البداية. فكلَّما تمَّ حرق مرحلةٍ وصولاً إلى أخرى، " تعود ريمة إلى عادتها القديمة"، كأنَّ شيئاً لم يكن. وبالأغلب سرعان ما تُدير الأحداث السياسة عقارب التاريخ العربي نحو الماضي، والماضي دوما ليس عصراً ذهبياً، بل قد يكون مستنقعاً للدسائس والاحتراب الفكري والمذهبي والاجتماعي بكل العناوين. وبالتالي أخذ الصراع في ابتلاع كل الجهود الممكنة التي قد تبلغ شأواً في تحسين الصورة وبناء الدول.

وهذا ما جعلنا الآن نعيش "عصر الثقافات العارية" دون منازع:

- ظهر عُري الثقافة كمستنقعات آسنة مليئة بالتطاحن واستغلال الإنسان واحتقاره. والثقافة العربية غدت كلحم مكشوف تحت ذُباب الحاضر كله.

- ظهرت جوانب مُظلمة في التراث الثقافي تحتاج إلى نقدٍ وغربلة وإعادة قراءة جديدةٍ بما يواكب الأفكار الراهنة ومبادئ الاختلاف والحياة المشتركة.

- عودة الصراعات في أشكال جديدة وبنفس الزخم الفاضح بين الطوائف والأقليات والدول والمذاهب... الكلُّ يكره الكلَّ، الكلُّ يطارد الكلَّ.

- انكشاف الرَّعاع كمادة دسمةٍ يومياً على شاشات التواصل الاجتماعي، أحوالهم المزرية، أمراضهم، مشاكلهم، جرائمهم... كأنهم في كوكب آخر (كوكب الرعاع).

- امعان القوى الدولية في نكأ جراح الحروب والعداوات  وإدخالها حيز الأحداث الجارية في غير دولة عربية، هذا بعدما قتلوا التراث بحثاً من خلال التنقيب فيه واخراج نصوصه ووثائقه وكنوزه المدفونة إلى العراء( وربما هذه الخدمة الكبيرة دون تسييسها بالطبع).

- أصحاب الثقافة أخر من يعلم بالافتضاح، بضياع الوعي تجاه جذور المسألة من الأساس. وهذه خاصية توجد في الثقافة نتيجة الانخداع الذاتي العام بقبول الذات كما هو، وأنَّ وجه المستنقع لامع لا تشوبه شائبة مع كونه مليئاً بالفيروسات والعوالق والأمراض.

-  الأخطر أن تغيير الثقافة لم يعد بأيدي أصحابها، رغم كونها الحاضنة التاريخية لوعيهم، توقف الأمر على تيارات الفكر والمعارف الكونية التي تهب كلما اتفق من الغرب. وهذا ناتج عن تهميش دور المثقف غير الرعاعي (المستقل) الذي لا يمتهن الارتزاق والتسلق.

بهذا التكوين التاريخي شكَّل الرعاع جسداً ثقافياً فاضحا وعارياً cultural body naked. وبقدر انكشاف حالتهم يكون المجتمع عرضة لانتشار التخبط وسوء الادارة وضعف المؤسسات وهشاشة الخطط وسوء معالجة القضايا. لأن مفهوم "الدولة لدى العرب" مازال عبارة عن رغبةٌ خادعة وسط زحام الرغبات الطبقية والفئوية المتواطئة مع القوة المهيمنة. ولذلك بقي الرعاع حالات قابلة للإغواء السياسي لدى كل من يستطيع ركوب القطيع. فليأخذ منهم جموعاً حركيةً كما شاء.

السؤال الحيوي إذن: بأي معنى يتم ذلك الانكشاف الثقافي؟!

إنَّه نتيجة غياب التطور الحضاري، لم يكن ظهور الكيانات المشوهة (الطائفة، الحزب، رجال السلطة...) إلاَّ في وجود انماط من المهمشين، هم الحشو المنتظر للممارسات العامة كالبارود المعد للصراع والاستحواذ الواسع. لقد كان يُفترض في إطار الدولة المعاصرة أنْ تهضم الحياةُ العامة هيكل الجماعة والقبيلة والعشيرة، لكن استمرارَ وجودها دليلٌّ على سوء هضم بنيوي، يظهر بفضل غياب الحرية والمساواة ومبادئ القانون والحقوق. هذا الغياب الذي قد يُلقي مزيداً من الشكوك حول وجود الدولة ذاتها وليس مجرد بعض الأتربة على ساحتها.

لفظة " الجماعة" ليست موجودة فقط بالنسبة للتنظيمات الاسلامية( كالإخوان والسلفية وانصار السنة والجماعة الاسلامية المقاتلة وانصار الشريعة والتكفير والهجرة والناجون من النار....)، بل هي لفظة عابرة لأغلب أطياف المجتمع العربي، فعدم نضج السياسة والثقافة جعل ذهنية القبيلة والعشيرة هي السائدة في كافة القطاعات. الذهنية التي تعُود بالدولة إلى علاقات القرابة والعصبية  والغزو والإغارة والغلبة القديمة(الدولة بنظام العائلة، والإدارة بنظام العائلة، والسلطة بنظام العائلة، والمؤسسات بنظام العائلة). الدولة هي الغزوة الكبرى الصامتة والتي تشهر سيف الخنوع والإخضاع في وجه مواطنيها، عندئذ من ذا الذي سيعطي الرعاع مساحة(أدنى مساحة) للحياة والتعبير عن حقوقهم؟!

من هنا لم تكن هذه "الجماعة الغالبة" في أي عصر تسير تبعاً لاحترام إنسانية الإنسان ولا اعتباره مخلُوقاً سامياً، بل هو بالنسبة إليها مجرد أداةٍ، قفاز فارغ، سرعان ما يُلقى جانباً إذا نضُبت إمكانياته. ومع تعقد الحياة وسيادة نمط الإنتاج الرأسمالي  والأسواق المتوحشة وسياسات الافقار، أمست ظاهرةً الرعاع سياسيةً اقتصاديةً بالدرجة الأولى، إذ يُعاد انتاجها من مرحلةٍ إلى أخرى. لأنَّ وجودهم الرخو( أي الرعاع) اكتسب أهميته بمجرد اعتبارهم مادةً للمضاربات السياسية.

وحتى لو نظر لهم النظام الحاكم على أنَّهم أحد معوقات التنمية( كّم مُهمل)، فهم مفيدون جداً في معادلة الاستبداد والقمع. بل ربما كانوا نوعاً من "الاستثمار الصفري" zero investment في ترجيح الانتخابات واتخاذ القرارات وتغييب الوعي تجاه قضايا الحياة التي يعانيها المواطنون. وهو "استثمار صفري"، لأنَّ هؤلاء الرعاع لن يكلفون الحاكم سوى فتات العبارات والأوهام الجوفاء لأقناعهم بمصيرهم الموعود وازجاء التسالي السياسية أمام ما يعانون منه، في مقابل استخدامهم كلما دعت الحاجة إلى ذلك. وكذلك لن تكون تطلعاتهم وآمالهم أكثر من حوافز مادية يظنون أنَّها عطايا سلطوية، بينما هي من صميم حقوقهم الضائعة!!

على خريطة مجتمعات الشرق مثلُّوا تجمعات هائمةً في حظائر سياسيةٍ جري تسميتها بالدول لاحقاً. وكانت لهذا الجانب الفاضح من الرعاع أسماءٌ شتى في أدغال المجتمعات العربية. فقد يُسمون بأصحاب العشوائيات وبقاطني الضواحي، وفي غير حالة بالشعبيين وخلال سواها بعوام الناس ومرة أخرى بالبسطاء، ذلك اتصالاً بتراثهم الغارق بالسُوقة والعبيد والإماء والخدم والدهماء والهمج والغوغاء تحت عناوين مختلفة. وهؤلاء خلال ذلك التنويع استمر وجودُهم المشوَّش وكانت لهم مناطق تواجدهم الرمزي. إضافة إلى ذلك أخذوا يحددون خريطة الرغبات والمصالح في المجتمع سياسياً ودينياً بالخصوص.

ومن أسفٍ لم تفعل الدول العربية شيئاً سوى تغطية وجودهم الهش بألوان لا تمسح أوضاعاً مزريةً، ولا تعالج جذور مشكلاتهم من الأساس ( بدءاً من النشأة والوجود وانتهاءٍ بممارسة الحياة). كان دوماً هناك " العلاج الخطأ " نتيجة " التوصيف الخطأ " الذي يخدم "السلطة الخطأ" المنهمكة في عملية دائريةٍ بطريقة عَوْد على بدءٍ.

واستفحل ذلك الوضع نتيجة ذلك أنَّ الجماعات المختارة سياسياً ( النُخب والاحزاب الحاكمة) أمعنت في إشاعة روحَ الاقصاء تحت عنف السلطة. فطالما كان لها المكانة الاستثنائية في العلاقات والقرارات نتيجة نفوذها المهيمن، كانت تبطش بالقطاع الأكبر من الفئات الأدنى مكانة. حيث أخذت في اغراق أرض المجتمعات التي يحكمونها بالأفعال التي تمايز بين عناصر الشعوب و شرعوا يلتهمون كافةَ الامتيازات التي تُمنح لهم ولسواهم. وباتوا - أي النخب- مطرقة التمييز الرئيسة الذين يتقربون من السلطة بالإمعان في إذلال الآخرين.

ومن واقع الحياة الخاصة، انهمك المهمشون في حالهم الكئيب، واستسلموا مؤقتاً لمتطلبات الكفاف بين التسول والأعمال اليدوية البسيطة مع التقاط بعض السعادة المُرة نتيجة بعض الارباح الناقصة هنا أوهناك. وهو ما جعل هؤلاء يرون في الخلاص بالأعمال غير القانونية أملاً وحيداً للهروب من الإهمال والفقر.

بكلماتٍ أخرى: كان الرعاع كُّتلاً آدميةً تلهث وراء احتياجات أوليةٍ مغلفة بالمتّع والملذات البسيطة. فتمرح بينها الخرافة والجريمة وينتشر الدجل وفساد الأخلاق وسوء المآل والأعمال. وذلك كله تحت بصر وسمع وبتدبير من رجال السياسة والحكام. وللأسف هذا هو الميراث المُر والأثقل من كل الأوزان الاجتماعية الأخرى. وهؤلاء العامة يسقطون في فقر(بالأدق افقار) عميق بعمق وضعية الدولة، لا ضوابط، لا قوانين، لا معايير نحتكم إليها لتفسير خريطتهم في الشارع. ذلك في مقابل ألا يتجاوز هؤلاء مساحة الحركة اليومية واثارة الفوضى هنا أو هناك، ولو فكروا في المطالبة بحقوقهم، فسيكون حالهم عرضة للإقصاء وربما الإلغاء من جديد.

هكذا كان يجب أنْ نعرف: لماذا مثل هؤلاء( الرعاع) ظاهرة سياسية في حواشي المجتمعات العربية والاسلامية؟ ولماذا لم ينتهِ وجودُهم رغم خطط التنمية والتحديث المعلنة صباح مساء؟ وهل لعبت تلك الظاهرة دوراً أشبه بالوقود في الأنظمة السياسية المتوالية؟ وكيف كانت حالتهم المزرية في قاع الأوحال الثقافية والاجتماعية؟

تاريخياً واجتماعياً إذا كان الناس (سائبين) من أيديولوجيا أو بناء سياسي أو معرفي كان هؤلاء بذورا للرعاع وسط الجهل والديكتاتورية. ومن ثم كانت تتعامل معهم الأنظمة السياسية على انهم قطعان آدمية، ليسوا أكثر من رغبات وغرائز يمكن اشعالها بأي وقت. أمَّا في حالة انتظامهم وفق أنماط فكرية أو سياسية أو دينية، فهذه حالة القطيع المسيَّس. ليخرج منهم تكتل حركي هو الحشد الأيديولوجي الذي ينافح عما يعتقد ولو بحد الموت. هم بذلك الحال افراز لمجتمع يسود فيه القهر والفساد والامتيازات الاقتصادية والطبقية لأناس بعينهم، كانوا حاملي جينات لثقافةٍ متعلقة بالعبودية الاجتماعية منذ بواكير الحياة العامة لدى العرب.

ومع التحولات المتلاحقة طغت العبوديةُ في أشكال أخرى ضمن السياسة والفكر والتعليم والاعلام والتربية. فأصبح وجود الرعاع عصياً على المحو من جهةٍ، ومن جهة أخرى لم تتركهم الأنظمة المتعاقبة بمنأى عن ألاعيبها المرحلية، فلقد استعملتهم استعمال الدواب السوائم لمصالحها الخاصة. فإذا كان الفقهاء قد ألجموهم وقصقصوا وعيهم، فقد جاء الحكام ليجدونهم - نتيجة فراغ الوعي- أسهل منالاً وأسلس قيادةً وركوباً كالمهر الأليف.

في المقابل ربما لم يعترف هؤلاء المهمشون بالأنظمة الاجتماعية أو السياسية على تعاقبها، نتيجة يأسهم وقلة حيلتهم واعتيادهم على حياة الضنك والعنف، ونتيجة معرفتهم بالغريزة: أن ما أخذه آباؤهم لن يأخذ الأبناء أكثر منه. فقط  كان هناك الولاء للثقافة الشائعة كجسدٍ رغبوي يتلقى الاشباع الفوري.  من ثمَّ عمدت الأنظمة إلى نزع حريتهم، وجعلتهم مشروع بطالة إنسانية، لإفشال كل مفاهيم وآليات السياسة. فلا يوجد مجتمع يحارب ذاته مثلما  تفعل المجتمعات على خريطة العرب اجمالاً. وبالتالي ظهرت ثنائية جديدة في معادلة الحُكم: الإلهاء والاخراج الاجتماعي السياسي لوضعية الرعاع. كما أنهم بذلك التوظيف مجرد قوى عشوائية سائلة تقوم على جر المزيد من العناصر الاجتماعية في هذا المستنقع.

لكن الشيء المثير للدهشة، أنه مع آفاق الحداثة مثل وسائط الاعلام والتواصل الاجتماعي أعدَّت الأنظمة السياسية حلبات مصارعة للرعاع المعاصرين، وجعلت لهم موقعاً مميزة كمادة للفرجة في إطار الدولة.  لدرجة أنه ضمن الأوضاع العربية الراهنة لم يعد الرعاع أناساً بعينهم ولا طبقات بذاتها، إنما خلعوا صفاتهم على آخرين لا ينتمون إليهم، أي جاءت الرعاعية هنا كحالة ثقافية متزحزحة عابرة للفئات، حيث قد ينخرط فيها مثقفون ورجال دين وسياسيون ورجال فكر وفنانون وتجار واقتصاديون ورياضيون( المرتزقة الجدد).

لأنَّ طرائق التفكير والأفعال وردود الأفعال العامة واحدة من أدنى إلى أعلى. وليس هناك فارق سياسي كبير بين طبقةٍ وأخرى، بين فئةٍ وسواها إلاَّ بالامتيازات التي تتلقاها في الواقع. السلوك متشابه إلى حد التطابق، إن وجد اختلافٌ فهو اختلاف بالدرجة فقط. هذا الرعاعي هو انسان بسيط بمكانته الاجتماعية وذاك المثقف رعاعي في موقعه المرموق. وتلك الصورة الأخيرة تسمى بـ"الرُعاعية" الناعمة، وهو اصطلاح ثقافي يجدد دلالته متجاوزاً كافة الفضاءات، أي يخترق التصنيفات الحياتية والفكرية للإنسان العربي. ليقف هذا المصطلح مع تحولات الأوضاع في أغلب مستويات المجتمع.

الصورة الأوضح التي تبرز هذا التداخل بالأمس القريب، كانت هذا الهياج الرَّعاعي من البعض أثناء الربيع العربي وبعده، حيث انتشرت الفوضى العارمة وتم احياء ثقافة النهب والسلب والتدمير. بدأها الناس العاديون واكتشفنا سبق الساسة ورجال السلطة والراغبون فيها عندما ظهرت أرقام الثروات والممتلكات والأرصدة الخاصة بهم في البنوك الدولية. الناس العاديون كانوا على موعدٍ مع سقوط بغداد، فنهبوا جميع القصور ومنازل المسؤولين العراقيين. والأمر نفسه تكرر في تونس بعد سقوط بن على، نهبت قصوره ومنتجعاته ومؤسسات الدولة. وكذلك جاء الوضع في مصر مشابهاً بعد الخامس والعشرين من يناير(نهب مقرات الأحزاب وهيئات الدولة ومحلات الذهب والمنازل والقصور). ثم تسابقت جماعة الاخوان والجماعات الدينية والقوى السياسية المدنية – بنفس المنطق الرعاعي-  لنهب السلطة السياسية برمتها (الاستيلاء على المجال العام).

الفارق أنَّ الناس العاديين نهبوا ممتلكات ظناً أن عملاً كهذا يلحق الأذى بالحكام( نوع من الثأر المعكوس)، معبرين عن تراث الغوغاء بشكل خاص. بينما السياسيون نهبوا شيئاً رمزياً وهو الدولة بجميع مؤسساتها وأصولها. وبالتالي كانت السلطة السياسية هي السقف العام الذي يغطى انتشار الرعاعية على نطاق أعم( منها وإليها). ويحول دون ممارسة النقد الجذري للفكر والأعمال. فإذا كان الرعاع البسطاء تحولوا إلى موجات من الغضب لأحوالهم المعيشة، فالسياسيون يرضون بمقابل ذلك وبالثمن الذي يقدرونه لتلك البضاعة الثقافية السياسية.

المهم أنه في هذه الحالة أو تلك كانت المواقف منهم بمقدار الاجابة على هذا السؤال: كيف يمكن حقن ذهنيات الرعاع بأيديولوجيا مناوئة للسلطة أو معها؟! فنتيجة القهر السياسي والتهميش الاجتماعي والاقتصادي، كان الرعاع إمكانيةً مفتوحةً وساخنة للتردي والخلل في عظام الدولة والمجتمع. ونحن ندرك خطورة الأيديولوجيا في استنفار الحواس لدى قطاعات عريضة من الناس لاشعال الاحتراب الأهلي.

فالتلاعب بوجودهم كان –على سبيل المثال- كان أهم معالم الخطاب الديني العنيف والإرهابي. بل نجد لديهم الرصيد الزاخر بعباراته وأفكاره وشخوصه الدعوية. حتى أنهم يقفون بهذا "الحقن الخطابي" ضد مساحة العقلانية المنشودة أو المفترض أنْ تكون إذا أردنا تطويراً للمجتمعات العربية. ومن جانب آخر ظل للرعاع والعامة النصيب الأوفر في نشر الخرافة والابتذال، فكانوا حشوداً من اللحم الاجتماعي الملتهب على نواصي الطرقات والشوارع. يركضون وراء سد الجوع والاشباعات الحسية الرخيصة كالجنس والإدمان ( ومن ثم كانوا مادة مزدوجة للسلطة وللجماعات الدينية). لقد أبقتهم السلطات العربية الحديثة تحت الاستعداد في ترويج الشائعات ومحاربة الخصوم وتعطيل التنوع  وانفاذ القانون وبالوقت نفسه سعت الجماعات الاسلامية لتجنيدهم وغسيل أدمغتهم.

انتشر بينهم: "الجهل والفقر والمرض" كما انتشر سياسياً كذلك: " تزييف الوعي وشراء الأصوات الانتخابية وسلوك القطيع والحشود". هؤلاء لم يكن لأي نظام سياسي أنْ يستغني عنهم أو يتركهم دون هبات يقننها تدريجياً. لأنهم هم الرصيد الفعلي لتواجده الرخو في الشارع، وقدرته القصوى على اغراق الحياة العامة بأجسامهم. ذلك في مخاتلة هي الأبرز خداعاً بكون الديمقراطية متحققة والعدالة وافرة والمساواة ليست إلاَّ الحقيقة!!

والرعاعية السياسية هي البصمة الرسمية من بعض أنظمة الحكم التي تهدم الفوارق بين ثقافة الشارع وثقافة النخب بمبررات المشاركة والانجاز. لأول وهلةٍ كان حكام العرب وما زالوا يدفعون القوى والشخصيات عبر أفعال "غوغائية" كرست التخلف والتراجع الثقافي. الدفع الذي رسخ ركوداً سياسياً واجتماعياً بامتداد العالم العربي والإسلامي، وفي هذا الاتجاه كان الرعاع أيضاً ذخيرته الخصبة والأهم. يبدو أن مجتمعاتنا ستظل تعاني من هكذا حال طالما لم ينتشر التثقيف الحر على مستوى أشمل، ومتى لم يتم اخراج الدول كطرف من معادلة تجهيل الشعوب وافقارها. أي لا ينبغي تورط الدولة في إزجاء بضاعة الغوغائية ودعمها للشخصيات المنتقاة التي تحقق هذا المضمون اللاأخلاقي.

فإذا كانت الرعاعية في مجال الفرد ذات دلالة أخلاقية صرف، فهي سياسياً ذات صبغة من جنس التلاعب بالمجتمعات. إنها عندئذ توازي فكرة المجتمع ذاته بل تعادله في أحايين كثيرة. وتعديلها يساوي إمكانية الإنسان على الوجود من حيث المبدأ، لأنها ليست وسيلة، بل أصل طاله التشوه والتخريب.

ليست الدولة الحديثة باثولوجيا سياسية حتى تنتج الرعاعية، وليست هي الذنب التاريخي لشعوب لم ينالها من التقدم إلاّ النذر اليسير. فالأقدار السياسية يصنعها الناسُ بإرادة الحرية لا بقيود الجهل والتخلف. كيف يمكننا- إذا كانت الرعاعية عقاباً- أن ننهض بالدول ونجنبها المسار القمعي؟ فالذنوب الكبرى تحتاج إلها غفوراً رحيماً لمحو الخطايا، بينما الدول فهي تتطلب شعباً واعياً بأمراضها الثقافية. لا طبَّ في السياسة وإلاَّ... لأصبح المجتمع هو طاولة التشريح الأولى لعرض الأمراض والعلل المزمنة.

إنَّ الانسانية داخلنا لا تقبل غير العزاء والامتلاء الروحي الحي وإزكاء مقومات الحرية إلى أقصى نقطة. والمجتمعات التي تُهدر قيمةَ الإنسان، هي ليست إلاَّ غابات مفتوحة بقوانين الحيوان. تكرس مُناخاً يصبح فيه الإنسان ورقةً باليةً تداس بالنعال، ثم الأنكى مطالبته دوماً بأنْ يتسلق أكتاف الطغاة والمستبدين لقطف الثمار بالأعلى!!

 

سامي عبد العال

 

 

مجدي ابراهيمإنْ يكن القرآن مطلوباً لذاته، فما هى الخاصَّة الذاتية له؟ وقد أشرنا غير مرة فيما تقدَّم إلى أطراف من الذاتية الخاصّة للقرآن، وفيما يلي تفاصيل مقصودة تبيّن دلالة المعنى الذي نرمي إليه حين نقرِّر أن للقرآن ذاتيته الخاصَّة.

ذكرنا "الإيحاء" مراراً، وذكرنا "الحضور"، وذكرنا "الفهم"، وذكرنا "المضمون"، وذكرنا "النبع الصافي": تلك الحلاوة وتلك الطلاوة في أطيب معنى وأكرم جوار. ولم نذكر هذه الكلمات ونحن نخبط  فيها خبط عشواء على غير هدى ولا بصيرة، ولكننا ذكرناها مفاتيحَ؛ ليكون القرآن فيها مطلوباً من حيث ذاتيته الخاصَّة - كما قلنا - لا من حيث ذاتية غيره وخصوصيَّة سواه.

ذاتية القرآن خاصّة به وحده لا تتعدى سواه، تنفردُ به وحده لتحقق مزاياه وتُفْرِدهُ عن غيره من أجناس الكلام. ومن ضمن الذاتية القرآنية أن فهمه ليس كفهم أي كلام آخر، ولكنه الفهم الذي يحتاج إلى حضور ما بعده ولا قبله حضور: حضور في رحاب الحق تعالى، كيف أضفى على كلامه خصائص الذاتية التي لا يرقى إليها كلام البشر، ذلك لأننا مطالبون بأن يكون القرآن عند فهمه مطلب حضور لا مطلب غفلة، إذْ تتضمَّن شرائط الحضور فلسفة الانتباه لمعاني القرآن على الصفة التي تبدو بين كلماته وألفاظه مطويَّة ولكنها دالة؛ دالة على طريق الله، يسلكه الحاضرون في رحابه، بعد أن يتبيَّنوا معالم الطريق.

ولستُ أعني بفلسفة الانتباه هنا تلك الفلسفة النظرية التي يخوض فيها العقل ويعوم ولا يخرج منها بشيء أبداً ولكنني أعني بها العقل المشروط على شرط القرآن لا على شرط العقل نفسه في الاستقلال كما سبقت الإشارة إليه فيما تقدّم.

على أننا قبل أن نبادر بشرح الذاتية الخاصَّة للقرآن، علينا أن نحدَّد هنا مفهوم الحضور.. ما هو؟ فمن المؤكد أن حضور الأشخاص (القارئ، التالي، الذاكر) قد لا يُعبِّر في الحقيقة عن الواقع المقرَّر الموجود فيما ينبغي أن تكون عليه القراءة أو التلاوة أو الذكر، ولكنه يُعبرِّ في الغالب عن درجة ضعيفة من درجات هذا الواقع مع قلة القدرة في حضوره، ومع ضعف الدرجة الحاضرة، وإنْ كانت تمضى بالمطلق إلى تحديد العدد وترتيب الدرجات: تحديد العدد في: كم مرة قرأت القرآن على عادة التأهَّب وديدن الحضور؟ وترتيب الدرجات في: أن درجتك تتوقف عند آخر آية تقرأها.

ليس كل حضور هو في الحقيقة يعني الوجود، فقد يكون المرء موجوداً لكنه ليس بحاضر في الواقع ولا في الحقيقة: الحضور بالجسم ليس دليلاً على الوجود. والقراءة باللسان ليست شاهدة على حضور الجنان (أي القلب)، هى صورة في الغالب بلا معنى.

معنى الحضور الحقيقي أن يخلو المرء من ذلك التَّرهل الدائم في الفكر والشعور والإحساس، أن يخلو من ذلك الكسل الروحي، أن يخلو ممّا من شأنه ألا تعبِّر عنه نظراته وقسماته، فضلاً عن بواطنه وخوافيه؛ أعني ألا يخلو من "الصدق" الذي تظهر منه على الجوارح علامات وآثار. فكل ترهُّل إنما هو في الحقيقة انعكاس يكشف عن "غيبة الفهم"؛ بمقدار ما يكشف عن ذلك "الكسل الروحي" الغريب الذي تعانيه الذوات الفردَّية على الأصعدة الوجودية الحياتية؛ مما من شأنه كذلك أن يُسْفِر عن خمود الحقيقة الخفيَّة الباطنة، وشمول اللطيفة الجوَّانيَّة لكل ما تحمله من صور مطموسة لذوات غائبة، ليست حاضرة بحال من الأحوال.

الذاتية الخاصّة للقرآن هى ذاتية تشريع للحياة العالمة، التي هى أيضاً خضوع لقانون أسمى من قوانين البشر، وما لقوانين البشر هذه؛ تكييف مع واقع الحياة، ولا تنبيه لمعالجة هذا الواقع ما لم يكن خضوعها لهذا القانون الأعلى شرطاً ضرورياً لفهم القرآن على الوجه الذي يكون فيه الفهم مُخْرجَاً لمنهج يسلك صاحبه سبيل العمل النافع بمقتضى الفهم.

وقد يضل الضالون عن هذا القانون ويستبدلون به قوانين كثيرة من عندياتهم يصطنعونها لترضي أهواءهم المستورة ونزعاتهم الخفيَّة في التطلع إلى مفاتن الدنيا، والنيل من زخرفها بقدر المستطاع، زاعمين أن معرفة القرآن وفق هذا القانون تقف حائلاً منيعاً ضد ما يطمحون.

وإنه لطموح أرعن، عاجز وبليد، لا يوفر لهم معرفة ما، بأدنى فهم لقانون الوجود والحياة، فإنّ في هذا القانون سيطرة على المنافع بمقدار ما فيه شجبٌ للمضار، وفيه كذلك تفتيحٌ واستبيان لما وراء استحضار القانون الأعلى، بالوجه الذي يمكِّن الإنسان من استخلاص أهدافه واستفهام مراميه: إنه بالحق والصدق لقانون الوجود تحيى به الإنسانية وتنصلح على صفاتها المثلى وأهدافها الرشيدة.

شرط هذا القانون الاستغراق فيه؛ وشرط الاستغراق فيه معرفة قانونه؛ ومعرفة قانونه لا تتأتى إلا بقرأته قراءة كاشفة، نافعة وعاملة؛ وأنا أعني بالاستغراق هنا: اكتشاف "حالة" من التوحٌّد بين القارئ والنّص المقروء؛ حالة علوية مُرادة ومقصودة لذاتها في ذاتها، حتى إذا ما استغرق القارئ في عالم النص استغراقاً تاماً، في غزارة وعمق، وعلى ديدن الحضور وعادة التأهب؛ تكشَّفت له هذه "الحالة"، استعداداً واستغراقاً.

وقد عبَّرَ القدماء عن ضرورة وجود مثل هذه الحالة بلغتهم الخاصة، فكان أن قال "ابن عربي" في طريقته لتمثل القرآن وفهمه على المعنى الذي يقدمه على غيره، ويُؤخِّر غيره - إنْ وجد - عنه:

" وَنَسلكْ طريقة في فهم الكلمة الواردة، وذلك بأن نفرِّغ قلوبنا من النَّظر الفكري، ونجلس مع الله على بساط الأدب والمراقبة والتهيؤ لقبول ما يرد علينا منه حتى يكون الحق يتولى تعليمنا على الكشف والتحقيق..".

هذا شرط الفتوح في القرآن: التخلي عن الدعوى الفكرية والعقلية، والجلوس مع الله مجالس الأدب والمراقبة لا مجالس الغفلة والادّعاء.

وقال "السَّهْرَوَرْدِى":" أقرأ الكتاب بوجد وطرب وفكر. وأقرأ القرآن كأنه نزل في شأنك"؛ وهو معنى كبير ضخم لا يمكن تغافله ولا حذفه بجرَّة قلم خبيثة تريد أن تطعن في مثل هذه التجارب الروحية النادرة مع القرآن؛ لتتوجه إلى عباد الله بقشور سطحية خاوية وقاحلة لا ينتفع بها أحد.

"أقرأ الكتاب بوجد وطرَب وفكر. وأقرأ القرآن كأنه نَزَلَ في شأنك"

عبارة معجونة بعجين التجربة الفاعلة، كاشفة عن معدنها الأصيل في التلقي العلوي، ممزوجة بروح صاحبها وبكل خلجة من خلجاته، وبكل جارحة ظاهرة وباطنة كانت تنبض فيه؛ فإنّ الوجد الذي ذكره هنا لهو العاطفة في أعلى ما تصيبه من مدارك الشعور ومناشط الوجدان. والطربُ حالة صارخة أسمى من ذلك وأرقى تتلقى فعل العاطفة فيما تصيبه من مُدْرَك الشعور وفيما تتلقاه من وعي الوجدان.

أما الفكر .. وما أدراك ما الفكر؟ حدِّث كما شئت عنه ولا حرج؛ لكنه هنا ليس هو المعقول النظري أبداً، ولن يكون، هو مرتقى آخر من فعل العناية الإلهية المختارة لكيفية التفكٌّر دوماً في ملكوت القرآن، ثم ماذا؟

ثم إذا أنت قصدت ذلك وأردته، ومضيت به صادقاً إلى "وحدة القصد" بالمباشرة؛ فأنت أنت القرآن، ولا شيء غيرك؛ كأنه نزل في شأنك؛ سرعان ما تتواجد في طرب علوي ولذة روحانية، فالوجد والطرب والفكر؛ خصائص للذاتية الخاصّة للقرآن، وشروط قويمة للإدراك تعرفها "الحالة" الروحية، ويتكشَّفَها المُتحقق بها، وتكون كالطلاسم المبهمات لمن لا يدرك لها معنى ولا تحقيقاً.

تقودنا عبارة "السَّهْرَوَرْدِى" الكاشفة إلى نصِّ كان شَرَطَه "الزَرْكَشِي" في "برهانه" حيث قال:" أصل الوقوف على معاني القرآن التدبُّر والتفكُّر. واعْلم أنه لا يحصل للناظر فهم معاني الوحي حقيقية، ولا يظهر له أسرار العلم من غيب المعرفة وفي قلبه بدعة أو إصرار على ذنب، أو في قلبه كِبْرِ أو هوى، أو حب دنيا، أو يكون غير متحقق الإيمان، أو ضعيف التحقيق، أو معتمداً على قول مفسِّر ليس عنده إلا علم الظاهر، أو يكون راجعاَ إلى معقوله، وهذه كلها حُجُب وموانع، وبعضها آكد من بعض...".

عبقرية التدين الرشيد:

ولم تكن فلسفة الرشد والانتباه إلا اليقظة الموصولة بعبقرية التدين الرشيد، وهو هنا مصدر الحضور في القرآن: تأمل قوله تعالى:" إنّ الذين اتّقوا إذا مَسَّهم طائفٌ من الشيطان تذكّروا فإذا هم مُبْصِرون"؛ فماذا أنت واجد؟ تجد ها هنا مصدر الوعي الملهم والحضور الفاعل. وها هنا بحق تكمن "عبقرية التديّن الرشيد": منبعها ومصدرها في ذلك الحضور؛ لكأنما الجانب الغامض (= الباطن) في الإنسان هو موطن العبقرية فيه، لكن بأي معنى من المعاني يحتمله هذا "الغموض"؛ ليجيء معبراً عن ذلك الحضور؟

لا شك إننا هنا لا نعني عدم الوضوح، ولا نعني قلة الإدراك للأشياء، ولا نعني غياب الحقائق والمفاهيم؛ فكل هذا وغيره يعني لدينا "الغموض" الذي يقود الإنسان إلى الخلط والاضطراب، وأباطيل الخَطْل الغارق في الجهالة العمياء.

إننا نعني بالجانب الغامض هو كل ما هو "باطن" في الإنسان، مستتر غير ظاهر، خفيُّ غائر في الأعماق التي لا تُرى، ثم إنه - من بعد ذلك - مشروط بشروطه التي تتولاه وترعاه وترقبه في كل حال. وعلى هذا الجانب الغامض العميق تربو عبقرية التدين وتزيد، بمقدار ما تزداد في الإنسان وتربو أغواره الداخلية، عمقاً وغموضاً واستتاراً غير مكشوف لكل إنسان، ولا لأي إنسان. ومن هنا كانت عبقريته. ومن هنا، جاء صنيعه الخارق للعادة يعتادها الناس مِمَّن يعملون ويحسنون أو لا يحسنون.

وعبقرية التَّديُّن جزءٌ لا يتجزأ من عبقرية التَّوجُّه نحو الغيب المجهول، الأصلُ فيها "الانتباه" اليقظ، والتركيز المفرط والإخلاص الشديد للرؤية يراها الرائي حين يرى، فينزوي في رؤياه مدركاً لأغوار ما يرى في باطنه وخفاياه، فلا يتزحزح قيد أنملة عَمَّا كان قد أدركه، ولو لاقى في سبيله المنون. ومن أجل هذا؛ لا نستغرب أوصاف العلماء الغربيين للعبقرية حين وصفوها بحق بـ "الانتباه" وشدة التيقظ؛ لكأنهم جندوا أنفسهم للبحث في مزايا النوابغ والعظماء، فلم يجدوا وصفاً للعبقرية أدق ولا أصوب غير "اليقظة والانتباه".

غير أننا نبحث في تراثنا المهجور! ذلك الذي أصبح اليوم مهجوراً بحكم الإهمال، فنجد اليقظة ضد الغفلة، والغفلة إنما هى سَهْمٌ من سهام الشيطان، توجب الاستعاذة بالله، بل هى في قانون الأولياء والعارفين ذنبٌ كبيرٌ يستلزم "التوبة"، ويقتضي الإنابة والرجوع فوراً وبغير تباطؤ أو تسويف.

فقد كان رواد العارفين وأقطابهم يتوبون عن الغفلات؛ لأنها في نظرهم من الكبائر، ولما كانت كل كبيرة من الكبائر تمليها غفلة عن الحق يرمي بها الشيطان أو ترمي بها النفس في بواطن صاحبها، صارت بالضرورة حجاباً عن الحق ضد اليقظة والتنبُّه، أي ضد الانتباه. والمحجوبون عن الله بالغفلات كثيرون، والموصولون بغير حجاب هم المتنَبِّهون المتيقظون لا لشيء إلا لأنهم هم المتقون، أي هم الحاضرون دوماً في رحاب المعيّة الإلهية.

هكذا تعلموا دوماً من أسرار القرآن؛ إذْ يصعد الكتاب العزيز في طراز رفيع وعال من المعاني يجِبُّ بآية واحدة من سورة الأعراف (201) كل ما كتبه الغربيون في معنى العبقرية من حيث كونها يقظة وتنبُّهاً، ولا تزيد.

وعبقرية التدين الرشيد على وجه الخصوص تضمُّها الآية الكريمة:" إنَّ الَّذِيِنَ اتَّقُوا إذا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكروُا فإذا هُمْ مُبْصِرُون"؛ إنها لقمة العبقرية الرفيعة يضفيها القرآن على المتقين. فلتلحظ (أولاً) "التقوى" بمثابة الأصل الأصيل الذي يشترط توافره لاستقبال البصيرة الواعية والانتباه الحاد والحضور الشديد. ولتلحظ (ثانياً) رمز الغفلة وهو مسُّ الشيطان أو طائف منه، ثم تلاحظ (ثالثاً) "فعل التذكرة"؛ وهى الحركة الفجائية التي يحكمها الأصل الأصيل تنطلق منه فلا تعود إلا بالبصيرة؛ لكأنها القنطرة التي يتمُّ خلالها العبور حقيقةً من الأصل والمصدر إلى قمة العبقرية (البصيرة) لكن هذه الحركة ليست حركة ذهنية وكفى، بمقدار ما هى حركة كيان واع بكل ما يملك من إمكانيات وقدرات، هى حركة إنسان بكليته الإدراكية، حتى إذا ما كانت ها هنا غفلة أعقبها عند المتقين تذكرة، والتذكرة أولى مراحل الانتباه اليقظ الفعال في الحركة الفجائية التي تقاوم جذبة الغفلة من فورها؛ إذْ لا يكتمل التنبُّه إلا بالبصيرة.

ثم تأتي الملاحظة الأخيرة في كلمة (مُبْصِرُون)؛ ليكتمل الانتباه ويرشد إلى أن الرؤية هنا ليست رؤية بصرية عيانية، رؤية مُقلة وجارحة؛ بمقدار ما هى رؤية قلبية وازعها الأوحد فيما يبدو من سياق الآية ذاتيٌ خاص يقصرها النسق الإلهي على طراز خاص هم أولئك الذين اتقوا، لا كل إنسان ولا أي إنسان، وإنما هو إنسان خاص متفرِّد بأصل مشروط بالتقوى، والتقوى أمرُ باطن لا يطلع عليه؛ لأنها علاقة خاصة مخصوصة بين العبد وخالقه، فهى بحق ذلك الجزء الغامض غير المكشوف لكل إنسان ولا لأي إنسان. أي نعم ! هى السريرة الباطنة التي تحكم عمل العلاقة بين العبد والرب. وعلى هذا الغموض المستتر المبطون تقوم عبقرية التديُّن في كل قوة روحيّة تتصل بأسباب السماء، ولا شرط لقيامها في البداية غير إماتة الجانب "المظلم" في الإنسان، أعني جانب الغفلة وما يتولّد عنه من عوائق أخلاقية بغيضة وآفات شهوانية شرهة ورذائل حيوانية خسيسة، وعلائق من الأمراض والخبائث يضج تحت وطئتها الإنسان ويَسْوَدُّ بها وجه المجتمع - ظاهره وباطنه - في عصور ندعوها بعصور التقدّم والاستنارة مجازاً لا حقيقة !

وعليه؛ فإذا نحن قلنا إن هناك فلسفة للرشد والانتباه على شرطها القرآني وفي إطاره، لم نكن نعنى بها أو نتصور فيها غير الحضور كمعنى وكمفهوم يقوم بهذا الشرط ولا يتعداه.

على أن إجماع أئمة التفسير على شرط "حضور القلب" في قراءة القرآن؛ لهو بالبديهة يُعطي الدلالة الواضحة والمباشرة حين نقول: إن قيام الخاصَّة الذاتية في القرآن تعني أن تقوم به قياماً مُجْمَلَاً، وَأَنْ تريده وحده وأن يأخذك بالكلية, وبالمجموع؛ إذْ أن مَا يُحَقق "الخاصَّة الذاتية" للقرآن في أعلى ما تُتَوَّج به تلك الخاصَّة الذاتية من كمال للفرد وللمجموع الإنساني حين يتحقق القانون الأعلى على أرض الواقع هو أن يكون مُرادُ القرآن لذاته لا لشيء آخر غير ذاته؛ كعرض زائل من عوارض الدنيا أو كصفة مخصوصة من صفات الحياة: أنْ تريده وحده، ولا تريد أن تفهم منه ما عساك تتصنَّع به على عباد الله، أو يكون عندك زلفى للأخريين من العباد، فإنه لا يفهم كلام الله إلا برضا من الله، ولا يرضى الله عن عبد غافل غير حاضر؛ لا هِمَّة في ضميره ولا جمع في طواياه؛ لأنْ يؤدي فريضة الحضور. على أن المراد من فهم القرآن أن تريده وحده؛ هو عينه المراد من الخاصة الذاتية له، وفي تلك الخاصة الذاتية بشرى ورحمة:" فبشر عباد، الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك هداهم الله؛ وأولئك هم أولو الألباب".

فإذا وصفهم - سبحانه - بأنهم أولو الألباب؛ كان هذا الوصف وصفاً على المدح العاقل لفهم، من جانبهم، للخاصة الذاتية في استماع القول وإتباع أحسنه؛ فهو من جهة حدَّد الإطار النظري في كلمة "استماع القول"، ومن جهة أخرى؛ قرن النظر بالتطبيق توخِّياً للفاعلية العملية (المعاملة)، أي جَعْل القول مناط العلم أولاً؛ ثم العمل والسلوك في المسارعة إلى محاب الله وتجَنُّب مساخطه. هذه إرادةُ مُغيِّرة تأتي كما لو كانت لبنة جذرية وأساسية تشكِّل ذاتية القرآن الخاصة، إذْ تستحقُ الوصف بالهدى مدحاً غير منقوص ووصفاً بالعقل الذي هو اللب. وذلك ضربٌ لا شك فيه من الاعتقاد السَّاري في فهم القرآن على الصفة المَخْصُوصَة بذاته لا بسواه؛ ولذاته لا لغيره؛ من أجل ماذا؟ من أجل "إرادة التغيير".

ومن دلالة الحضور أنه قوةُ في العقل يتولد عنها ذكاءُ الذهن؛ فيقوى الفهمُ ويستبينُ فيه اليقين؛ ويصفو- من ثَّم - مع استبانة اليقين؛ يصفو الذكر مع قوة الفكر في آي القرآن. وهذه الخاصَّةُ الذاتية التي تترتب على الحضور {لأنها بالقطع من موروثات الممارسة ومن ثمار المعاناة في ممارسة الحضور دوماً وفي غير سَهَيَان} من شأنها أن تتغلغل في عمق داخلي "جُوَّانيِّ" يراها من يطبقها، لا بتعلم ولا باكتساب؛ بل بهزَّةٍ لدٌنيَّةٍ مُفَاضة فيضاً من عند الله: فيضٌ في فضل، وفضلٌ من فيض:"قل بفضل الله وبرحمته؛ فبذلك فليفرحوا هو خيرُ مما يجمعون".

وهل معنى ذلك ألا تعلُّم وألا اكتساب؟ لا ليس هذا هو المقصود؛ وإنما المقصود هو أن يكون التعلم بداية معرفة بأولوَّيتها على غيرها، وأن يجيء الاكتساب شروعاً في التطبيق لذاته لا لغيره، أي شروعاً في تحويل النفس من مكانها الذي اعتادت أن تقف عنده ولا تتجاوزه؛ ليجيء "التحويل" دليلاً على وضوح السبيل من طريق فهم القرآن.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم