عامر صالحبين ظروف الأضطرار ومستلزمات النهوض

لقد أصبح التعليم الرقمي أو التعليم عن بعد مطلبا ملحا للأساتذة والإداريين التربويين والتلاميذ وطلبة الجامعات بمختلف دول العالم بعدما تفشى فيروس كورونا، وأرغم الجميع على حجر شبه طوعي أو مفروض حسب حالة كل بلد، وهكذا تابعنا كيف تمكنت الصين وبكفاءة عالية من تمكين تلاميذها متابعة دروسهم في بيوتهم عن طريق منصات رقمية تعرض دروسا يومية وتمارين تقويمية بنفس تسلسل منهاج العام الدراسي وكأن المتعلم في قسمه أمام أستاذه وليس في منزله وراء شاشة حاسوب.

وقد حذت حذو الصين بلدان أخرى كالإمارات العربية المتحدة وباقي دول الخليج وسارت على نهجها دول أوروبا كإيطاليا وفرنسا وإسبانيا التي اضطرت لإغلاق مدارسها بعدما ضرب الوباء الجديد بقوة. إنها إذن فرصة تاريخية غير مسبوقة تخرج من رحم الأزمة الوبائية العالمية لتفتح أعيننا على تعليم جديد ومبتكر سيطبع المستقبل القريب لشكل التدريس المستجد من خلال الانتقال من تعليم السبورات والكتب والدفاتر والأقلام إلى تعليم الشاشات والآلات والتطبيقات التفاعلية الذكية والحوسبات السحابية، وسيغير بالتأكيد دور الأستاذ والمتعلم في علاقاتهما التفاعلية داخل الفصول وخارجها ودور المدرسة ككل في منظومة التكوين, ولكن بالتأكيد كل ما يجري في ظروف الأكراه الشديد للأنتقال المفاجئ الى التعليم عن بعد بتلك الكثافة ليست سهلا ولا مريحا على الأطلاق, فالسياقات الطبيعية والانتقال المخطط له هو الضمانة الأكيدة لعمليات التحول الواسع صوب التعليم عن بعد.

وقد تزامن الحديث عن استخدام التعلم عن بعد؛ لمواصلة مسيرة التربية والتعليم في ظل خوض البشرية معركة شرسة ضد كائن مجهري فرض تأثيره على جميع مناحي حياتنا، ويكمن خطره الحقيقي في أساليب انتقاله، والتي تكون في أغلب الحالات عن طريق التواصل المباشر مع المريض أو ملامسة الأسطح الملوثة، مما ألزم صانعي القرار على اتخاذ القرار الأصعب والمتمثل بمنع التجمعات واللقاءات والمناسبات الاجتماعية المحصورة في الأماكن المحددة جغرافيا، وتُعد المؤسسات التعليمية أحد أكبر التجمعات في عالمنا المعاصر، مما حدا بالدول العالمية إيقاف عمل المؤسسات التعليمية المختلفة، مثل: رياض الأطفال، والمدارس (العامة والخاصة) والجامعات والكليات ومراكز التعليم الخاص ودور الرعاية وغيرها.

وكما تقول الإحصائيات الواردة عن منظمة الأمم المتحدة للعلوم والثقافة (اليونسكو)؛ بأن عدد الطلاب الذين اضطرتهم "كورونا" إلى الانقطاع عن المدارس مليار و344 مليون، و914 ألف طالب وطالبة في 138 دولة حول العالم بنسبة 82.2٪ من الطلاب المقيدين في مدارس، منهم نحو 83 مليون طالب مدرسي في الدول العربية (بالإضافة إلى أعداد المتسربين من التعليم والمتوقفين عنه بفعل الحروب والصراعات الدائرة رحاها). وقالت المديرة العامة لليونسكو، أودرى أزولاى، فى هذا السياق: "لم يسبق لنا أبداً أن شهدنا هذا الحد من الاضطراب في مجال التعليم»، وأضافت قائلة: «إنّ إقامة الشراكات هو سبيلنا الوحيد للمضي قدماً".

والتخوف الكبير يطال الدول الفقيرة، فحسب البنك الدولي تعد البلدان الأكثر ثراءً أفضل استعداداً للانتقال إلى استراتيجيات التعلُّم عبر الإنترنت، وإن اكتنف الأمر قدر كبير من التحديات التي تواجه المعلمين والآباء. لكن الأوضاع في كل من البلدان الفقيرة ومتوسطة الدخل ليست على شاكلة واحدة، وإذا لم نتصرف على النحو المناسب، فإن ذلك الانعدام في تكافؤ الفرص سيزداد تفاقماً. فالعديد من الأطفال لا يملكون طاولات ولا كتباً، فضلاً عن صعوبة اتصالهم بالإنترنت أو عدم امتلاكهم للحواسيب المحمولة، بل هناك منهم من لا يجد مساندة من آبائهم، في حين يحظى آخرون بكل ما سبق.

وفي الدول العربية تتراوح وتختلف الطريقة المُتّبعة في التعليم عن بعد، حسب إمكانيات كل دولة على حدة، وفي داخل كل دولة، حيث فجوات رقمية قومية ووطنية، وجاهزية بنيتها التقنية التحتية، نظرًا لافتقار الكثير من هذه الدول للمستلزمات، والتجهيزات المتعلقة بالتعليم عن بعد، مع عدم توفر تجارب مسبقة لقياس مدى نجاحها في حال تطبيقها، كإجراء احترازي لمواجهة فيروس كورونا. في هذه المرحلة، أصبحت استمرارية التعليم أكثر تحدياً للطلاب والمعلمين والمؤسسات التربوية، أعني أن لا أحد يعرف حقاً ما سيحدث غداً، وكيف ستكون الأمور في الأسبوع القادم أو الأسبوع الذي يليه، هذه تجربة نحاول جميعاً التكّيف معها، علينا فقط تكريس الكثير من الجهود لتعزيز أساليب العمل والتواصل بين الطلاب والمعلمين بهدف استمرارية العملية التعليمية.

وكغيره من استراتيجيات التعليم، يأتي “التعليم عن بعد” مع مجموعة من الإيجابيات والسلبيات، أضف إلى ذلك بالطبع أنه لا يمكننا توقع نتائج مثالية من هذه التجربة نظراً للسرعة الفائقة التي اضطرت فيها المدارس إلى الانتقال إلى هذه الإستراتيجية للحفاظ على استمرارية تعليم الطلبة باعتباره أولوية قصوى في خضم تفشي الفيروس الذي شلّ المنطقة، دون أن يكون هناك أي تحضير أو تدريب مُسبق سواء أكان للإدارة المدرسية، للمعلمين، لأولياء الأمور أو للطلبة على وجه التحديد، دعونا نلقي نظرة على بعض الايجابيات والسلبيات التي ينطوي عليها اعتماد هذه الإستراتيجية.

ويتمتع التعليم عن بُعد بعددٍ من المزايا التي يمكن الإشارة إليها فيما يلي:

1- سهولة الوصول للمحتوى التعليمي: فالتعلم عبر الإنترنت هو طريقة مناسبة للأغلبية، حيث يمكن للموظفين والطلاب -بل وربات المنزل أيضًا- الحصول على دورات ومحاضرات في المجالات التي يرغبون فيها، وذلك في الوقت الذي يناسبهم. فالتعليم عن بعد يتميز بمرونة الوقت، على عكس الفصول التقليدية. فمن خلال التعليم عن بعد يُمكن للعديد من الأفراد الحصول على الدورات والدرجات العلمية من خلال حضور المحاضرات على الإنترنت في عطلات نهاية الأسبوع أو في المساء بعد انتهاء أوقات العمل. كما يعمل التعليم عن بعد على كسر حاجز الحدود، حيث لم يعد يتعين على الطلاب الانتقال من دولة إلى دولة أخرى للحصول على درجة علمية أو المشاركة في دورة تعليمية معينة، وأصبح كل ما يحتاجون إليه هو توفر إنترنت بسرعة عالية.

2- دعم عملية الاستيعاب: وذلك من خلال إمكانية تسجيل الفصول الدراسية، وقيام الطالب بمشاهدة المحاضرات أكثر من مرة حتى يستوعب المعلومات بشكل كامل، وهذا ما لا يتوافر في الفصول الدراسية التقليدية، حيث تبدأ المحاضرة وتنتهي في وقت معين، وإذا لم يتمكن الطالب من حضورها فليست هناك إمكانية بالتأكيد لتكرارها مرة أخرى، بعكس التعليم عن بُعد الذي يُمكّن المتعلمين من الوصول إلى المحتوى التعليمي في أي مكان وفي أي وقت، مما يساعد الطلاب بشكل أكبر خلال فترات التحضير والإعداد للاختبارات الدراسية.

وتشير العديد من الدراسات إلى أن الطلاب يفضلون المحتوى التعليمي القائم على التفاعل، وكذلك يفضلون مشاهدة مقطع فيديو بدلًا من قراءة صفحات كتاب. إذن، فالأدوات التي يستخدمها التعليم عن بعد تقدم المحتوى التعليمي بشكل أكثر جاذبية من التعليم التقليدي، مما يُسهّل تلقي الطلاب المعلومات وتطبيقها بشكل أفضل.

3- توفير الوقت وانخفاض التكلفة: ساهم التعليم عن بُعد في خفض الوقت اللازم للتعلم بنسب كبيرة، وهو ما يرجع إلى إلغاء الوقت اللازم لعملية الانتقال للمقر التعليمي والعودة منه إلى المنزل، كما أنه يُساهم في تخفيض التكاليف المالية بسبب عدم وجود تكلفة للانتقال، وعدم تكبد نفقات الإقامة والانتقال من دولة إلى أخرى، أو إلى مدينة أخرى داخل الدولة نفسها.

4- عوائد بيئية إيجابية: نظرًا لأن التعليم عن بعد هو وسيلة غير ورقية للتعلم، فإنه يحمي البيئة من خلال عدم استخدام واستهلاك عدد كبير من الأوراق مقارنةً بأشكال التعليم التقليدي. فضلًا عن أنه -وفقًا للدراسة التي أُجريت على دورات التعليم الإلكتروني- وُجِدَ أن برامج التعليم عن بُعد تستهلك طاقة بنسبة أقل مقارنة بالدورات التعليمية التقليدية القائمة على التواجد في الجامعات أو المؤسسات التعليمية . وبالتالي فإن التعليم عن بعد هو وسيلة صديقة للبيئة مقارنة بأنماط التعليم التقليدي.

5 ـ تعزيز فعالية المعرفة من خلال سهولة الوصول إلى كمية هائلة من المعلومات، فنحن نستخدم الإنترنت الآن لقراءة الأخبار ومشاهدة برامجنا التلفزيونية المفضلة وحجز المواعيد والتسوق وغير ذلك الكثير، بالنظر إلى الراحة التي أضافتها التكنولوجيا إلى حياتنا اليومية، لماذا يجب أن يظل التعليم تقليدياً بدلاً من الاستفادة من المزايا التي توفرها التكنولوجيا.

وايضا هناك سلبيات للتعلم عن بعد ولعل ابرزها ما يأتي:

- لم يعتد الطالب على استخدام هذا النوع من التعليم الذي يتطلب منه انضباطاً ذاتياً، وذلك نظراً لعدم تقديم برامج توجيهية ودورات تدريبية لإعداد الطلبة قبل البدء بتطبيق هذا النظام، بحيث يجد الطلاب صعوبة في التركيز عندما يكونون محاطين بمشتتات داخل المنزل، ومع عدم وجود المعلمين أو الزملاء للتفاعل وجهاً لوجه داخل الغرفة الصفية فإن فرص التشتت وفقدان المسار الزمني للمواعيد النهائية تكون عالية.

- الإنصاف هو أكبر عقبة في “التعلم عن بعد”، بالطبع لا ينطوي التحول من التعليم التقليدي إلى التعليم عن بعد على التحديات التقنية فحسب، بل التحديات الاجتماعية والمادية أيضاً، إن افتراض أن كل طالب لديه التكنولوجيا اللازمة والوقت والتحفيز والدعم للمشاركة في التعلم عن بعد يفتقد للعدالة، فلا يزال هناك تفاوت كبير من حيث الدخل والمستوى التعليمي للوالدين، ومن الممكن أن لا يمتلك كل منزل أجهزة كمبيوتر متطورة أو إنترنت عالي السرعة.

- عدم قدرة أولياء الأمور على المشاركة في تعليم أبنائهم من خلال استخدام هذه الإستراتيجية التي تحتاج تدريباً وإعداداً لأولياء الأمور وذلك لتمكينهم من المشاركة وتفعيل دورهم في استمرارية العملية التربوية قبل تبني تطبيقها، وهذا بالتأكيد يمثل تحدياً حاسماً آخر وخاصة للطلاب في الصفوف الأساسية الأولى، حيث يحتاج الطلاب الأصغر سناً إلى الكثير من المساعدة، حتى الكبار المتمرسين في التكنولوجيا يمكن أن يجدوا هذا الأمر صعباً.

- كل طالب يمتلك قدرات تعليمية مختلفة عن الآخر فلكل منهم خصوصيته، وبالتأكيد فإن نجاح العملية التعليمية يعتمد على فهم كيفية تعلم الطالب بشكل أفضل من خلال الأدوات المناسبة له، حيث لا يملك جميع الطلاب في نفس الصف نفس القدرات، لذلك سيكون من الصعب على المعلم الاهتمام بالاختلافات بين الطلاب بشكل فردي واختيار الأنشطة والطرق المناسبة التي يتفاعل بها الطلاب مع المحتوى ويتعلمونه من خلال استخدام هذه الإستراتيجية.

- تُعد المصداقية تحدياً هاماً في التعليم عن بعد حيث سيكون من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، التحكم في السلوكيات السلبية مثل الغش فيمكن لأي شخص القيام بمشروع بدلاً من الطالب الفعلي نفسه، لذلك لن يكون من السهل تقييم الطالب من خلال هذه الإستراتيجية.

أما ابرز البدائل المتاحة للتعليم عن بعد لأحتواء الأزمة الكونية فهي:

1- المواقع الالكترونية للمدارس: بحيث تدار عملية التعليم عن بعد باستخدام موقع الكتروني لكل مدرسة حكومية او خاصة، ويلزم ان يكون الموقع مبرمجا ليتوافق مع اجهزة الحاسوب بالاضافة للاجهزة الخلوية، وان يكون مجهزا لاستيعاب المواد التعليمية التي يحضرها المعلمون بطرق سهلة، وان يسمح بالحوارات التفاعلية مع الطلبة والمحتوى التعليمي والمعلم. وعلى الرغم من ان هذه البيئة تمثل الظروف الانسب والامثل لادارة تعليم الكتروني ناجح، الا ان ندرة المدارس المجهزة بذلك تجعل منه محدود الاستخدام في هذه الظروف.

2- طريقة الواتساب: بحيث يدار التعليم عن بعد عن طريق المعلمين انفسهم باستخدام وسيلة موقع التواصل الاجتماعي واتساب. هذه الطريقة مناسبة للعمل مع طلبة الصفوف الثلاث الاولى والروضة، يتطلب العمل ادارة العملية من قبل المعلم/المعلمة بانشاء مجموعات واتساب تشمل طلبة الشعبة الواحدة او جميع شعب الصف الواحد في المدرسة الواحدة التي يدرسها، ويتشارك مع باقي معلمي الصف في الاشراف على مجموعة الواتساب بعرض الفيديوهات والرسائل المرئية والصوتية لتشمل المادة الدراسية واوراق العمل وغيرها، يجب ان يقتصر الارسال على المعلمين (المشرفين)، ويسمح بالنقاش والتفاعل من قبل الطلبة واولياء امورهم وترسل الملاحظات والواجبات بعد تنفيذها على الخاص لكل معلم. يجب ان لا يبتعد الجميع عن تبادل رسائل التحية والتعارف غير التربوي الذي تتخم المجموعة برسائل غير هادفة وتشتت عن الهدف الرئيسي.

3 - طريقة الفيسبوك: بحيث يدار التعليم عن طريق المعلمين انفسهم باستخدام وسيلة موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك. هذه الطريقة تعتبر الانسب للظرف الراهن كونها تسمح بان تدار العملية التعليمية للصف الواحد في المدرسة الواحدة بجميع شعبه ولجميع معلميه.

يتطلب نجاح الطريقة ان يتم انشاء صفحة فيسبوك لكل صف دراسي في كل مدرسة ولجميع الشعب، بحيث يقتصر النشر على مشرفي الصفحة وهم معلمي ذلك الصف، بحيث يعرض كل معلم المحتوى الذي سيقدمه للطلبة ضمن جدول محدد ويتابع جميع الطلبة المادة ويطرح كل منهم تساؤلاته ويجيب المعلم على كل تساؤل بمفرده او يمرر الملاحظة والاجابة للجميع، يحدد المعلم الواجبات للمتعلمين ويطرح عليهم او بعضهم اسئلة حوارية، ويلزم لذلك ان يكون جميع المتعلمين والمعلمين على الشبكة بذات التوقيت، ويمكن ان يتم التعليم بوقت مفتوح اطول دون حضور الجميع معا على ان يتم تحديد موعد انهاء التعلم وحل الواجبات حتى موعد الحصة القادمة، يتولى معلم آخر لمادة اخرى لنفس الصف دور التعليم حسب دوره بذات الاسلوب وهكذا.

كما أن استعمال شبكات التواصل الاجتماعي يتيح استعمال سيرفرات بسرعات عالية وامكانات تخزين كبيرة دون صعوبات تقنية، ويجب على المعلمين التنبه في التعليم الالكتروني بعدم نشر محتويات تفوق مستويات الطلبة، وتقليل الاعتماد على المواد الجاهزة المنشورة في شبكة الانترنت والتركيز على جهدهم الذاتي.

يحتاج طلبتنا اليوم للعديد من المهارات الأساسية؛ لتساعدهم على استخدام أدوات التعلم عن بُعد بالصورة الصحيحة، منها:

1ـ المهارات الأساسية لاستخدام الأجهزة الرقمية، مثل: تشغيل الأجهزة وإغلاقها، تثبيت التطبيقات وإدارتها، القدرة على تسجيل الدخول للتطبيقات التعليمية، وتتضمن: إنشاء مستخدم جديد وإدارة الحساب الشخصي، والانضمام إلى مجموعات التعلم ومشاركة المصادر التعليمية وحفظها، بالإضافة إلى التعامل مع ملحقات الأجهزة الرقمية مثل: السماعات، أجهزة تسجيل الصوت والصورة وغيرها؛ لكي يكونوا قادرين على التعامل مع هذه الأجهزة بصورة صحيحة، وتوظيفها أثناء تعلمهم

2ـ مهارات البحث عبر شبكات المعلومات الرقمية (الإنترنت)، وتتضمن: قدرتهم على الوصول للمواقع الإلكترونية المناسبة للتعليم، والقدرة على البحث عن المعلومات المطلوبة ومعالجتها أو تخزينها وحفظها، مع قدرتهم على التمييز بين المعلومات الصحيحة والخاطئة.

3ـ مهارات التعلم الذاتي: لكي يكون الطلبة قادرين على التعلم وحدهم في ظروف انقطاع التعليم.

4 ـ مهارات حلّ المشكلات: وتعد هذه المهارات ذات أهمية لكونها تساعد الطلبة على التعامل مع المواقف غير الاعتيادية (المستحدثة) التي تواجههم، والعمل على تطبيق استراتيجيات لحلّ تلك المشكلات

5ـ مهارات مواجهة الأزمات: لكي يكون الطلبة قادرين على استيعاب حقيقة المواقف التي تحدث بصورة طارئة، وأخذها على محمل الجدية لا الاستهتار، والقدرة على التصرف في الأوقات الحرجة، وأن يكونوا قادرين على مواصلة تعلمهم في فترات الانقطاع، والاعتماد على أنفسهم.

ليس من السهل القول أن مرحلة التعليم عن بعد في مرحلة كورونا لا تواجه مشاكل وتحديات كبيرة، أو هي من السهل الممتنع، فإلى الآن في بعض الدول التي أطلقت برنامج الدراسة عن بعد بدأ جدل واسع لدى الأوساط الأسرية، حول وضع العائلات غير المجهزة، أو التي ليس لديها اتصال إنترنت قوي بما فيه الكفاية، كما بدأت التساؤلات تطرح بخصوص من لا يملك أجهزة كمبيوتر أو أجهزة لوحية. 

الأمور ليست واضحة لأن الظروف كانت مفاجئة، والتعليم الإلكتروني عن بعد يحتاج إلى فترة من الوقت للتكيف مع هذا النمط الجديد على المعلمين والتلاميذ وأوليائهم على حد سواء، كما أنه يحتاج إلى تنظيم ووضع مجموعة من التقنيات والتوجيهات لتوحيد الرؤية التربوية وفق منهج يتناسب مع التعليم الإلكتروني عن بعد. وبالتأكيد فأن ظروف انتشار وباء كورونا الضاغطة وبسرعة جنونية ستضع التعليم عن بعد امام اختبار صعب بأعتباره خيار أزمة وليست حل شامل يرتبط في التخطيط للتعليم في ظروف طبيعية.

 

د.عامر صالح

...................

روابط المقال:

https://ar.zenit.org/articles/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85-%D8%B9%D9%86-%D8%A8%D9%8F%D8%B9%D8%AF-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%AC%D9%87%D8%A9-%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%88%D9%86%D8%A7/?fbclid=IwAR3v5Y0ONHUWILniOPP3Cne7cFZXyBefYeDjKrsI0ZL7bhiiT7u24UF21zc

https://www.alittihad.ae/wejhatarticle/105945/%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%88%D9%86%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85-%D8%B9%D9%86-%D8%A8%D8%B9%D8%AF?fbclid=IwAR0aZR4jHm9Jm2I8ct3qOvG3SFYK7RMLI7mHtN1lb40pciHFbPZOrnFg7IU

https://futureuae.com/ar-AE/Mainpage/Item/5363/%D8%AF%D8%B1%D8%B3-%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%88%D9%86%D8%A7-%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D8%B1%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85-%D8%B9%D9%86-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D9%84%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9?fbclid=IwAR3PXb62ppYjSoskIpqLkh2cwQLdT9flYxstOemwWZrP6BIumzgYaQMMCRs

https://arabicpost.net/opinions/2020/03/20/%D9%87%D9%84-%D9%8A%D9%86%D8%AC%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85-%D8%B9%D9%86-%D8%A8%D9%8F%D8%B9%D8%AF-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%AC%D9%87%D8%A9-%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D9%83/?fbclid=IwAR1P_5rGUUV-C57sKCUOyb1zrDJK5DR2u2rnu4GWT2GYNhHzAP9Aa45Mccc

https://www.turkpress.co/node/70457?fbclid=IwAR3DskSK3NEjOzK7TXEsBH2zqG5vBMBC-zc8vOtyYVuHpI3rSpYv4jnOXtM

https://www.hespress.com/writers/463495.html?fbclid=IwAR3v5Y0ONHUWILniOPP3Cne7cFZXyBefYeDjKrsI0ZL7bhiiT7u24UF21zc

https://elaph.com/amp/Web/opinion/2020/03/1286103.html?fbclid=IwAR36Ecyt1XipD2mujO8RGU_JvfC7NR27dlheyyy1RNOaCn9zIEDeSLBLZ2k

https://newturkpost.com/article/3911-%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%88%D9%86%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%B1%D9%88%D9%86%D9%8A?fbclid=IwAR2n2ta9G1rsEt97eniaZFJ2VCdzAs4Q3Sw6hcmfzb1gtoWad3h1TPziRFw

 

 

سامي عبد العال- "عندما يَشْرع الرَّعاعُ في التفكير يتلفُ كلُّ شيءٍ".. فولتير

- الساسةُ مثل القُرود إنْ اختلفوا أفسدوا الزرع وإنْ اتفقوا أكلوا المحصول""

- الرَّعاع صناعة لمجتمعات تنهش إنسانية الإنسان وتحتسي نَخْبَ الإقصاء" "

تأسيس

يبدو أنَّ حدود عالمنا هو حدودُ الكلمات التي نتعامل معها، ولا نملك من وجودها سوى قدرتنا لاستنطاق ما تقُول. فهي حينئذ لا تفعل اعتباطاً، لكنها تعرفنا جذوراً عميقةً لواقع يطرح نفسه مراراً. هكذا تمثل الكلمات إمكانيات وصوراً باقيةً، وقد نجهل لماذا يَظْهر بعضُها بقوةٍ على مسرح الخطاب ولماذا يختفي سواها. لكن المؤكد أنَّ عالمنا الراهن يفرز ظواهر إجماليةً لها أسبابها التي لم تتبلور بعدُ. وقد ندلل عليها باللغة كأحد الوجوه الإنسانية التي ترتبطُ بالفعلِّ والفكرِ.

استناداً إلى ذلك نجد كلمةَ الرَّعَاع معبرةً عن حواشيها الثقافية بالدرجة الأولى، وليس يُخْرجُ لفظُها إلاَّ صوراً وأفكاراً حول ما يجرى اجتماعياً داخل الحياة، كما أنَّها تُلقي بالأسئلة المتوالية أكثر من الأجوبة. فالرَّعاع هم الأحْداثُ الطَّغَام (أي الأوغاد وأراذل القوم)، وهم أيضاً الغوغاء والسُوقة والأوباش، أهلُ السفه والصياح والأغلاط والوقاحة والسباب. في معجم لسان العرب، رَّعَاعُ الناس: سُقَّاطُهمْ وسَفِلتُهُمْ (1). وبحكم كون الكلمة تتقيَّأ ما في جوفها من بقايا وفضلات اخلاقية، فهي ذات حمولة ثقيلة الوطأة عبر هوامش المجتمعات، ولاسيما تلك التي تلجأ إلى اجترار التقاليد كسياج لربط الواقع بعقول الأفراد وحياتهم.

ثم تاريخياً قد تتغير كلُّ الأشياء، بالتقريب تتحول جميع المظاهر والأحداث والأزمنة ولكن تظل (معاني هذه الكلمة) ناشبةً في لحم المجتمعات البشرية حتى الآن. بل ربما تستعيد زخمها الثقافي شرقاً وغرباً لتلتصق بممارسات عامةٍ، فأضحت دالةً أكثر أمام دائرة أوسع من نمط الحياة وأفعال الأفراد وسلوك الجماعات والتنظيمات ورجال السياسة والشخصيات البارزة.

إنَّ اللغة كنظامٍ للمعنى هي القُرص الصلب Hard Disk (2) بالنسبة للوجود الإنساني، والذي يختزن آثار الثقافة بموجب السلطة المفترضة داخلها، لأنَّها سلطة شاملة وترمي خطابياً إلى القادم على طول الخط. واللغة رغم عمقها الغائر إلاَّ أنها تعيد إفراز ما تختمر به، كأنَّها ذاكرة حية تحتفظ بجميع ما يمر دون نسيانٍ. وأيضاً الكلمات تحاكي وحدات التخزين في الحاسوب مثل (البتات Bits)، وهي أجزاء وأحرف وأرقام لمعالجة البيانات وتخزينها. والكلمات مثلها تماماً وتعمل على غرارها، لأنَّ جذورا معجمية لكلمة أو أخرى إنما هي وحدات تدل على أنظمة تشغيل (جسد الثقافة) (3) بطريقة دلالةٍ مثلما تدل وحدات البت (Bits) على نظام تشغيل الحاسوب (4).

الرعاعية ظاهرةُ الإنسان المُهمل والمهمَّش والفقير من ناحيةٍ (أفقياً)، وآلية الوصولي والنفعي والمتملق من ناحيةٍ أخرى (رأسياً). وليست (في الاتجاهين) أقل من مُناخٍ طاغٍ يحُول دون انسانيتنا الحرة. تنشب أظافرها في التفاصيل اليومية بازدياد رقعة الفقر والاستغلال السياسي واشاعة روح القطيع وترسيخ أحوال الغوغاء ضمن أشكال الحياة. وتكبر الرعاعية كظاهرة ثقافية حتى تغرق الواقع، وتنتعش في أجواء القمع والفاشية السياسية بجانب الخمول والجمود الاجتماعي.

وبالتالي فاللغة بصدد اشتقاقات الرعاع وجذورها تطرح إشكالية أنَّ الرعاعية ليست تيمة أخلاقية فقط بقدر ما هي سياسية كذلك، وأنَّ ما يكمن في جوفها يرتبط بجميع أنشطة المجتمعات. فالأخلاق قد تربط أسباب الأوضاع المزرية ونتائجها بالجهاز القيمي للأفراد، لكنها في الحقيقة تخص الثقافة وسياساتها، أي عملية تسيسها وهندستها طبقياً على نطاق أعم. ومن ثمَّ فإن بعضاً من الرعاعية ضرب من استعمال الإنسان وكيانه الاجتماعي في صورة كيان مهمش ومحتقر.

عند وجودها الظاهري، تعدُّ الرعاعية صناعة ثقيلةً ناجمة عن التواطؤ بين السياسة والاقتصاد وحركة الحياة اليومية ودوماً لا تُعرف في وقتها إلاَّ بالنتائج الطافحة بروائح الازدراء والضعة. تدخل من هذا الجانب كما يقول أكثيل هونيث دائرة مجتمع الاحتقار disrespect society. فبرامج الاقتصاد التي تكرس الإفقار تُلقي بفئات اجتماعية كادحة في سلة المهملات بالمعنى الحرفي. تعرِض وجودهم لحماً عارياً أمام موجات الاستهلاك الهوجاء، فهم ليسوا إلاَّ سلعاً يغطيها الذباب الاجتماعي وهم مجرد أوراق عملة بأجسادهم في تجارة الأعضاء البشرية وصناعة الأمراض، وبالتأكيد يتم الدهس فوق وعيهم حين تظهر أحداث سياسية. وإذا كانت الرعاعية تصاحب رأسمالية عولمية، فالجانب غير المقصود فيها، أي المهمل، يبرز الجوانب المقصودة من سياسات تتأقلم مع الحياة المعاصرة.

فالرأسمالية مع ثقافة السوق واستهلاك القيم وتجارة العقول والحروب الإقليمية تتطلب تلاعباً سياسياً لإقامة امبراطوريتها العولمية. وفي هذا أخذت تتشكل وتتكيف بطرائق خاصة داخل مجتمعات متباينة على خريطة العالم. الاقتصاد السياسي للرعاعية هو الخريطة التي تظهر حركة جميع القوى بما فيها قوى اللغة والرموز والعلامات. لأنَّها أخذت تنشِّط الميراث الثقافي للفئات المهملة كنوع من الاستثمار لصالح أهدافها البعيدة محلياً وعالمياً. ولذلك تمَّ تجديد حواشي الرعاعية بأساليب جديدة ومصطلحات براقة داخل المنظمات الدولية والهيئات العابرة للقارات وتحت مصطلحات التنمية وتطوير المجتمعات الفقيرة كما في أفريقيا وأسيا.

وعلى الصعيد الاجتماعي تنزع اللغة بريق الصور الرائجة للحياة كما في لغتنا العربية، حيث تتجلى الكلمات وقد تعلقت بها الجذور المتعفنة للدلالة وقد بان امتدادها داخل مياه راكدة وصور بالية في أعماق الميراث الثقافي. ونتيجة أنَّ رتم الحياة مازال يُستثمر في هذا الميراث وبخاصة في أسواق الأنظمة السياسية، فإنَّ الرعاعية كتل لحمية لا يستهان بها في ميزان الحركة وكيفية فرض الهيمنة على المجتمعات ونهب ثرواتها.

وذلك فلسفياً يشترط التفاتنا إلى ما يلي:

كشف الأصول البعيدة لظاهرة الرَّعَاع إذا كانت اللغة تشكل صور الفكر (الموروثات).

ماذا عن أية بطانة دينية واجتماعية داخل الكلمات ستظهر جوانب أكبر للمعاني.

الكلمات جزء من جسد الخطابات الجارية التي هي عمل السلطة (بحركتها العامة).

الفاعل الخفي الذي بفضل عموميته (السلطة – الثقافة) قد أصبح مجهولاً.

لماذا امتدت ظاهرة الرعاع رغم تحولات التاريخ والثقافة زمنياً.

وجوه اللغة دروب تكمن في حياتنا الراهنة دوماً، الدروب السرية لما يحدُث.

وَجهُ الطرافة

ثمة شيءٌ طريفٌ في الجذر المعجمي للرَّعاع يبرز مسألةٍ ثقافيةٍ صعبةِ المِراس. إذ يضرب معناه في جسدٍ ما، في حالةٍ ما، في علاقةٍ ما: رَّعُ بدلالة "السُّكُون والدعة" كما يشير اللغوي عبد الله بن الأعرابي. وفي المعجم الأجنبي تأتي كلمة mobs بمعنى الغوغاء والسوقة وherds، أي القطعان البشرية السائبة التي لا ينتظمها قانون، بل ربما يعجز المجال العام عن استيعابهم كما يستوعب مواطنيه العاديين، وبخاصة مع أحداث السياسة التي تتأثر بالظروف الاقتصادية والاجتماعية.

كشف روبرت شوي ماكر shoemaker سلوك الغوغاء في إنجلترا خلال القرن الثامن عشر، معتبراً أنهم كتل بشرية تنهمك في احداث الفوضى وتتعامل مع الواقع بمنطق الأوهام، وباعتبارها السمة الطاغية على الحياة الاعتيادية العامة، حيث أعمال الشغب riots والعنفviolence والسُباب insults (5). ويشكل ذلك وضعاً ثلاثي الأبعاد: الواصف والموصوف والحال بقاعدة التاريخِ لا المنطق، ولن يتم دون ارتباطٍ ثقافيٍّ يُراكم الوضع اجتماعياً وسياسياً، ويجري اعادة انتاجه تواتراً من فترةٍ إلى فترةٍ تاليةٍ.

لكن أي وجه للطرافة في ذلك؟! هل تختزل كلمة الرعاع إيقاعاً لحياةٍ أشبه بالوثائق التاريخية لما نمارس؟! اتساقاً مع ما سبق، يمكننا أنْ نتخذ اللغة خطاباً كاشفاً لما نتكتم عليه عادة. لأنَّ الرعاع صورة ترتهن بالجوانب المسكوت عنها في المجتمعات وتحولاتها، هي ظاهرةٌ مازالت لصيقة الشأن العام كجزءٍ من أزمة حضارية تضرب اعصابنا العارية (المهمشين والسوقة والعامة).

فهذه الجوانب المظلمة في مجتمعاتنا العربية لم يطلْها ضوء باهر يوضح: كيف تكونت، ولماذا توجد حتى مع بناء الدول وخطط التنمية والتنوير وبناء المدن وشق الطرق وإعمار الصحراء وإعادة تدوير العشوائيات؟! وإذا كان الواقعُ الفوضوي المتكلس يغالب مأمُولنا عادةً، فمعالجة الرعاعية والوعي بها بمثابة حجرا الزاوية في محاولة النهوض والتحديث.

الطريف تحديداً أنَّ كلمة (الرَّعَاع - الغوغاء)- في الحالين العربي والغربي- تنقل وصفاً عن سلطةٍ ما، أي هي نتيجة وليست مقدمة بلغة المنطق، لدرجة أنَّها منحازة سلفاً لما تقُول، ولا تترك الفرصة دون إلصاق دلالتها بالموضوع. وبالتالي ستكون السلطة هي الوجه المعكوس للرعاعية في صورة مقبولةٍ وغالبة بحكم النظام السائد. أي أنَّ الاثنتين (السلطة والرعاعية) مرآتان تعكسان تفاصيل إحداهما الأخرى بدقة بالغةٍ. وأنَّ بحثاً في تكون السلطة وتاريخها هو بحث في إعادة فهم بنية وعمل ظاهرة الرعاعية.

بعبارة أوضح أنَّ دلالة الكلمة مهموسة بوضع ثقافي مُتزِّيد ومتواصل عبر اللغة. بشكل دقيق: هناك من هو قائم متعالَّ داخل الوصف ذاته (الرعاع – الراعي)، وقد وصفَ به مجموعة من الأفراد أو ألقاه إزاء حالةٍ معينةٍ. والـ (من هو) ليس المقصود به هوية ذاتية ولا العدد، إنما ثقافة عصر تضع السلطة في مقدمة المشاهد كرأس حربة تجاه (أي كان)، سواء أكان شخصاً أم جماعة. فلا يخلو لفظ الرَّعاع كوصفٍ من نَفَسٍ أخلاقي يرمقهم من الأعلى مقابل مكانتهم المتدنية. وليست الكلمة مجرد خطوط منطوقة أو مكتوبة على جدار اللغة، لأنَّها تعبر عن واقعها (كما هو).

حتى إذا وقع الوصفُ بالرعاع، فإنَّه يهوي كصخرةٍ على رؤوس أناسٍ بجوف وادٍ سحيق. فاللغة تلحق معاني الازدراء بالكلام وتستدعي رصيدها المطمور من معاني الاحتقار وإهدار قيمة الإنسان وإمكانياته. إنَّ (السكون النشط) المُشار إليه هو أبرز نبرة مزجاة لكلمة الرَّع. وبحرفية المفارقة التي تكشف أكثر مما تخفي، لا سكُّون إلاَّ بفضل الحركة التي تبرزه وتستخدمه. هنا يبدو الوصف مقذوفاً بواسطة عجلة النظام الأخلاقي القائم تحت أغراض سياسية واجتماعية. وتطال من يقف في طريقها دفاعاً عن مسارها حتى النهاية (ودوما السلطة لا ترضي بأقل من نهاية هيمنتها). لكنها تدفعنا للتساؤل حول من يقود هذه العجلة الجهنمية ؟ ومن يعبد لها طريقاً تجاه الفئات المهملة والفقيرة؟!

فهي عجلة طائشة تسير بإرادة سلطة قمعيةٍ تصنفُ الناس وتحتقرهم وتحرص كلَّ الحرص على وجودهم. وتقوم الأخلاق والخطابات واستعمالات المفردات مقامها في الحياة العامة واليومية، انتداب سلطة خفية كل الخفاء ولها طابع النفاذ مع السلوك ونمط العيش. بصرف النظر عن حقوق ما يسمى بالرَّعَاع وأهليتهم وأية ظروف وضعتهم في تلك المكانة، ودون حتى الأخذ بالقيم الإنسانية ولا أية أحوال يرزحون تحتها إنْ كان الأمر صحيحاً.

من زاويةٍ أخرى، يرصد لي سيجيل Lee Siegel كون الغوغائية ترتهن بظروف العصر حيث التطورات التقنية ووجود وسائل التواصل الاجتماعي Social Media، وقد ذكر سيجيل- نتيجة عمومية المسألة في العالم الافتراضي- مصطلح " الغوغاء الإلكتروني" electronic mobs كمصطلح رشيق إلى حد التطاير يوصِّف الوضع الحالي. فالأنترنت من وجهة نظره اعطى هؤلاء الغوغاء امتداداً وانتشاراً أكبر. السبب أنَّ العالم كله هو الحالة التي تجسدها شاشة زرقاء تتوحد بأجهزة الموبايلات والكمبيوتر والآيباد. مما خلق أوهاماً شاسعة vast illusions وضخمة يعجز عن إيجادها العالم الفيزيائي والاجتماعي المحدود، لأن في إطار الشاشات الزرقاء هناك ملايين المتابعين وملايين المعلقين والمتواصلين في الحالة نفسها (6).

على ذات المنوال، ناقشَ آخرون أنَّ حضور العنف مع الكتل البشرية التي تتنازع الهويات والأوهام حول الأصول أمر بالغ الوضوح ضمن وسائل التواصل الاجتماعي، وأنَّ السبب هو ثقافة الغوغاء مع وجود قدرات افتراضية غير اعتيادية لم تكن متاحة من قبل. وأنَّ المتفاعلين على شبكات المعلوماتية تنقصهم أساليب الحوار والفهم المتبادل بحكم تدني التصورات حول بعضهم البعض (7).

واتصالاً مرةً أخرى باللغة، جاءت كلمة Rabble لتدل على الرعاع مع اللغة الإنجليزية منذ ظهورها في اللغة الإنجليزية الوسطى باسم "rabel" في أواخر القرن الثامن عشر أيضاً. ربما جاء من فعل اللغة الإنجليزية الوسطى"rabel" الذي كان يعني "الثرثرة "، وعلى الرغم من التشابه في الصوت والمعنى، إلاَّ أنَّ "babble" و"rabble" لا علاقة لهما بذلك. يرتبط الفعل "rabel" بــ "rabbelen" الهولندية الوسطى و" "Rabbeln الألمانية المنخفضة، بمعنى "الثرثرة" . لكن كيف ننتقل من الهذيان إلى حشود من الناس؟ الاتصال قد يكون فكرة الارتباك. لا يمكن أن تشير كلمة"Rabble" ، في الاستخدامات المبكرة لها، إلى مجموعة من الحيوانات أو سرب الحشرات أو مجموعة مشوشة من الأشياء، ولكنها قد تشير أيضًا إلى سلسلة كلمات مشوشة أو لا معنى لها (8) (.

النتيجة الأكثر طرافة أنَّ الوصف بالرعاعية سيواصل هيمنتَّه على المعنى وعلى الظاهرة جنباً إلى جنبٍ طوال حقبٍ تاريخيةٍ متباعدة. فكلُّ المهمشين اجتماعياً هم ضروب من الرَّعاع بالمغزى السياسي والديني في حزمةٍ واحدةٍ. الجانب الآخر أنَّ الرعاع ما وصلوا إلى حالتهم – مثلاً- في الثقافة العربية إلاَّ بفعل فاعلٍّ. لا يوجد رعاعي واحد دون وجود من يرعاه (يؤكد مصيره) ويتركه نهباً للإهمال والفوضى حيث هو، بل يدفعه إلى نمط حياته المزري، لكونه الشرط المسبق لوجوده (أي لوجود الراعي). والفاعل هنا خفي أو متخفٍ عن قصد، إذ يمثل سلطة غالبة كما يبدو، لكنها غير واضحة. بالأقل ترى في نفسها هذا المستوى من التراتب غير المصرح به.

كذلك حينما تنظر إليهم السلطة، لن تستطيع تجنب أوصافاً تلصقها بالآخرين. لأنَّ رَّعَاعاً مهمشين هم ظاهرتها التاريخية، هم النتيجة التابعة لوجودها بهذا الإطار، هم القدر السياسي لكل عنفها وبطشها بالمجتمع. إذ تستعمل كلَّ موارد المجتمع رمزياً ومادياً في تكريس الرعاع كوجودٍ ضروري يسند هيمنتها وآليات حكمها. تستعملهم الأنظمة الحاكمة كلما أرادت، وتسقط حقوقهم متى رغبت وتستدعيهم كلما احتاجت (الانتخابات والحشود السياسية والأحزاب والمؤسسات). ولن تكون كل رعاعية كما هي في ذاتها دون أنْ يكونوا هم كنخبةٍ في ذواتهم.

 

سامي عبد العال

...........................

 (1)- ابن منظور، لسان العرب، الجزء الثاني، تحقيق نخبة من الأساتذة، دار المعارف القاهرة د. ت، ص1672.

(2)- لتوضيح الفكرة بالنسبة لبنية اللغة نعرض ذلك بمعرفة المزيد عن القرص الصلب ووظائفه التي تشبه عمل اللغة ونظامها الدلالي. فلقد ظهر اختراع الأقراص الصلبة في الخمسينيات من القرن الماضي (القرن العشرين)، وكانت عبارة عن أقراص كبيرة يصل قطرها إلى حوالي عشرين بوصة وعلى الرغم من حجمها الكبير إلاَّ أنَّها كانت تتسع للقليل من الميجا -بايتات. ولم تكن تعرف خلال ذلك الوقت بالإنجليزيةHard disk ، بل كانت تعرف بـ Fixed disks أو بالإنجليزية Winchesters، وجاءت التسمية بالإنجليزية Hard Disk بعد ذلك، لكي تتم التفرقة بينها وبين الاقراص المرنة. راجع الويكيبيديا الحرة على الرابط التالي:

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%82%D8%B1%D8%B5_%D8%B5%D9%84%D8%A8

(3)- جسد الثقافة هو الهيكل المطمور والنسيج الحي الذي لا يموت وإن مرت عليه أزمنة متوالية (هكذا بالمفارقة). لأن اللغة تعطيه علاقات من التشابك والتنوع وإعادة الظهور والتقطيع والاكتمال والضفر والطفر المتواصل في مواقف فقدت سياقها. واستعمال الكلمات يستحضر تراثها ويعيد تشغليه على غرار استعادة البيانات في الحاسوب. وعلاقة اللغة بالثقافة علاقة كشف وتورية وسلطة بعيدة التكوين.

(4)- على طريقة عمل اللغة والكلمات والثقافة تاريخياً، يتم تخزين البيانات على القرص الصلب بهيئة صفر وواحد (أرقام بسيطة) أي ديجيتال digital، يقوم الحاسوب بمعالجتها على شكل بتاتbits، أي أن كل خانة أو بت، قد تحوي صفراً أو واحداً فقط، أي تحوي نبضة كهربائية أو لا نبضة. وفي حالة القرص الصلب، فإنَّ الذرات المغناطيسية المكونة للقرص الصلب إمَّا أنْ تكون مستقطبة في اتجاه (أو شكل) معين أو لا تكون. ويتعامل معها نظام التشغيل بوصفها أجزاء أحرف وأوامر، حيث أنَّ أي تسلسل معين للأصفار والآحاد قد يكون حرفاً أو أمراً تحكمياً أو تعليمه برمجية لنظام التشغيل أو خانة لونية (عنصر صورة بكسل)، أي يكون تجمع ثماني بتات (خانات) هو بايت واحد (الذي هو حرف واحد أو عنصر واحد من صورةٍ). ثم يشكل تتالي بايتات نصوصاً وصوراً وملفاتFiles. فالملفات عبارة عن صفوف من البايتات كي ينفذها الحاسوب أو غيرها من أنواع البيانات التي قد تحتاج إلى تخزين. وعندما يلزم القراءة من القرص الصلب، يقرأ القرص البيانات على شكل blocks مكونة من مجموعة من البايتات يقوم بإرسالها للحاسوب. راجع الويكيبيديا الحرة على الرابط التالي:

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%82%D8%B1%D8%B5_%D8%B5%D9%84%D8%A8

المماثلة بين الكلمات في اللغة والوحدات في الحاسوب هنا سيتم قصدها في المتن بالأعلى، من جهة استعمال الكلمات والعبارات والنصوص الواردة به. لأن جسد الثقافة هو نظام تشغيل يتوحد بعمل اللغة وما بينمها تستغله السلطة وتستوطنه. وهذا النظام يرتبط أساساً بتاريخ المجتمعات والتراث ورؤى الحياة والعالم.

(5) - Robert B. Shoemaker, The London Mob :Violence and Disorder in Eighteenth-Century England, hambledon Continuum, London, 2004. P xiii.

(6) - Lee Siegel, Against Machine, Being Human in the Age of the Electronic Mob, FCS, Mixed Sources, New York, 2008, P 17.

(7)- Bronwyn Carlson and Ryan Frazer, Social Media Mob: Being Indigenous Online, Macquarie University, Sydney, 20018. P 13.

(8) - راجع هذه الاشتقاقات في معجم وبستر Webster Merriam على الرابط التالي:

https://www.merriam-webster.com/dictionary/rabble

 

احمد محمد بكرلماذا ننشد أسسا فلسفية لحقوق الإنسان؟

هل تساعد الأسس الفلسفية لحقوق الإنسان على تعزيز هذه الحقوق؟

هل لدارسة الأسس الفلسفية لحقوق الإنسان فائدة أكاديمية فقط أم لها فائدة عملية أيضا؟

هل توجد حاجة إلى بذل وقت وجهد في تبريرات فلسفية لحقوق الإنسان في حين يمتلئ العالم بالفظاعات؟

أصبحت فلسفة حقوق الإنسان مادة دراسية ضمن مقررات الدراسات العليا في حقوق الإنسان في الجامعات العربية، وبالطبع سبقتها الجامعات الغربية إلي ذلك بفترة طويلة. ولكن وضع قبول أو رفض فلسفة حقوق الإنسان موضع دراسة لم يحدث عربيا على حد علمي، وباستعمال محركات بحث الإنترنت حول هذا الموضوع باللغة الإنجليزية وجدت ما يتعلق بهذا الموضوع مباشرة نادرا، وكذلك الدراسات ذات الصلة بالموضوع قليلة جدا. لذلك لا أزعم أنني قد أحطت بالموضوع إحاطة تامة، وإنما انتهجت المقاربة من خلال ما أتيح لي من أدبيات، وهدفي لفت انتباه الباحثين في مجال حقوق الإنسان إلى هذا الموضوع البكر، وهو موضوع يستحق الدراسة على ما سيتضح من عرضي السريع له.

لحقوق الإنسان روح وجسد، لا بد للروح من جسد ولا يعيش الجسد بلا روح. فروح حقوق الإنسان هي فلسفة حقوق الإنسان، وتلك الفلسفة ذات ثلاث شعب: القانون الطبيعي، النزعة الإنسانية، والعقد الاجتماعي. فيؤسس القانون الطبيعي مجموعة الحقوق الجسدية مثل الحق في الحياة، الحق في سلامة الجسد، الحق في السلامة من التعذيب، الحق في الغذاء. والنزعة الإنسانية تؤسس مجموعة الحقوق الفكرية مثل حرية العقيدة، حرية الرأي، حرية التعبير. والعقد الاجتماعي يؤسس مجموعة الحقوق السياسية مثل حق الترشح للمناصب العامة، حق التصويب، حق تكوين الأحزاب السياسية. وجسد حقوق الإنسان هو مواثيق حقوق الإنسان وإعلاناتها ومعاهداتها واتفاقياتها، ولكي نحدد تاريخ ميلاد هذا الكائن لا بد من معرفة متى سكنت الروح الجسد. فلقد ساد مذهب القانون الطبيعي في زمن النهضة الأوربية، والنزعة الإنسانية ظهرت تاريخيا مرارا، واقتنع الناس بفكرة العقد الاجتماعي, وبالرغم من ظهور هذه الفلسفات لم تظهر حقوق الإنسان وذلك لغياب جسدها، إذ لم تتم صياغة هذه الفلسفات في صورة نصوص قانونية واضحة يمكن عن طريقها حماية حقوق الإنسان. وإنما كان كلاما عاما حول الحرية، المساواة والعدالة وما إلى ذلك مما يدخل في مفهوم الكرامة الإنسانية.

إعلان حقوق الإنسان والمواطن 1789م الذي أصدرته الثورة الفرنسية، صدر عن فلسفة إنسانية وهذه الفلسفة لم تكن من إبداع فلاسفة القرن الثامن عشر وحدهم، وإنما تأثر مونتيسكيو، فولتير، ديدرو، روسو وكونرورسيه بفلاسفة عصر النهضة ( فلاسفة القرن السادس عشر والقرن السابع عشر) وهؤلاء وأولئك تأثروا جميعا بالإنسانيات اليونانية والرومانية، "فمن أثينا في عهد بركليس حتى فرنسا أيام الجمعية التأسيسية نرى الرجال و الأفكار يكونون سلسلة متصلة"(1)، فجهود هؤلاء الرجال وخلاصة هذه الأفكار صيغت في مواد هذا الإعلان فكان أول مولود لدعوة حقوق الإنسان.(2)

اتجاه الرفض

يرفض هذا الاتجاه الأسس الفلسفية لحقوق الإنسان ويرى أننا لسنا بحاجة إليها، وذلك للأسباب التالية:

إن تأسيس حقوق الإنسان على أسس فلسفية ثابتة، يجعل لهذه الحقوق طبيعة أبدية ثابتة غير قابلة للتغيير أو التبديل. ولكن مايستحق الحماية من حقوق الإنسان يتغير عبر الزمان والمكان، فهل ما نحوزه من حقوق الآن هو نفس ما كان يحوزه أجدادنا في مرحلة القنص والجمع. فالمفهوم الثابت لحقوق الإنسان غير منطقي، فبعض الحقوق التي نتمتع بها الآن من المسلم أن البشر لم يكونوا في حاجة إليها في السابق وذلك مثل حق طلب اللجوء إلى الدول الأجنبية وحق المشاركة السياسية، فهذه الحقوق لم تظهر الحاجة إليها إلا بعد ظهور الدول القومية ذات السيادة(3).

ينتقد وليام سمونس William Simmons طريقة بناء قانون حقوق الإنسان، ويرى أن الطريقة الاستنباطية لبناء هذا القانون، حيث يتم النزول من أعلى إلى أسفل، فتستنبط الحقوق من النظريات الفلسفية؛ قد أضرت قانون حقوق الإنسان. فالفلاسفة من هوبز حتى وقتنا الحاضر تبنوا طريقة استنباطية مستعملين طريقة الرياضيين، فانطلقوا من مبادى أولى مستمدة من تجارب فكرية لفلاسفة واستنبطوا الحقوق من هذه الأسس الفلسفية، متخيلين حالات مجردة للإنسان، واضعين التأثيرات الاجتماعية والثقافية جانبا. و يقترح سمونس في كتابه " قانون حقوق الإنسان و الآخر المهمش" طريقة أخرى لبناء قانون حقوق الإنسان، وهي الانطلاق من أسفل إلى أعلى؛ حيث يتم البناء بطريقة استقرائية و ليس استنباطية، فننطلق من الأسفل من أحوال المهمشين فننظر احتياجاتهم وأوضاعهم وباستقراء هذه الأحوال ننطلق إلى أعلى فتتم صياغة التشريعات الحقوقية وفي ذلك ضمان نجاح قانون حقوق الإنسان(4).

حازت حقوق الإنسان على إجماع عالمي، وبالرغم من دعاوى النسبية الثقافية، إلا أن هذه الدعاوى من باب القليل الذي لا ينقض الإجماع (5). ولكن إن صح هذا القول بالنسبة للحقوق كنصوص، إلا أنه لا يصح بالنسبة للأسس الفلسفية للحقوق(6). ولكون الأسس الفلسفية غير مستقرة المعنى وهناك من يقتنع بها ومن لا يقتنع. فيرى المعارضون للأسس الفلسفية، أن التمسك بهذه الأسس يقوض القبول العالمي لحقوق الإنسان، فقد تنفر هذه الأسس أولئك الذين لا يقتنعون بها، "فرزم حقوق الإنسان مع الأسس الفلسفية يعني إجبار الأشخاص على قبول تلك الأسس مع قبول حقوق الإنسان؛ حتى لو كانوا غير مقتنعين بهذه الأسس وفي ذلك خطر على إمكانية تنفيذ الحقوق ذاتها"(7).

اتجاه القبول

يؤيد هذا الاتجاه الأسس الفلسفية لحقوق الإنسان ويراها ضرورية ويدعو إلى دراستها وفهمها، واستند إلى الحجج التالية:

كان القرن العشرون قرن حقوق الإنسان، وصارت مفاهيم حقوق الإنسان جزءا أساسيا من مفردات لغات الشعوب في جميع أنحاء العالم، وخاصة الشعوب التي كانت تناضل ضد الطغيان والقهر. وهذه المفردات التي تشكل لغة حقوق الإنسان تولدت من خلال التفكير في الأسس الفلسفية وفهمها. ويساعد فهم الأسس الفلسفية على ترجمة نصوص حقوق الإنسان بطريقة مبتكرة تساعد الشعوب على فهم الحقوق والتواصل بشأنها رغم فجوات العقيدة والثقافة، وبدون الأسس الفلسفية يصعب فهم لغة حقوق الإنسان وتصعب الترجمة الدقيقة التي توحد الفهم بين الشعوب. ويؤكد كونور جريتي Conor Gearty  في كتابه "هل تستطيع حقوق الإنسان البقاء" أن هذه اللغة ولدت بالفعل وأنها ستكون أحد عوامل بقاء حقوق الإنسان(8). فلن يستطيع نشطاء حقوق الإنسان ولا المواثيق الحقوقية الاستغناء عن لغة الأسس. وسيستمرون في استعمال كلمات قوية مثل "الكرامة الأصلية" و"الحقوق غير القابلة للتصرف"(9).

للأسس الفلسفية لحقوق الإنسان أهمية كبيرة في تفادي تفكك الحقوق وتشرذمها. فكما قلنا يؤسس القانون الطبيعي مجموعة حقوق مترابطة مثل الحق في الحياة، الحق في سلامة الجسد، الحق في السلامة من التعذيب، الحق في الغذاء. والنزعة الإنسانية تؤسس مجموعة مترابطة مثل حرية العقيدة، حرية الرأي، حرية التعبير. والعقد الاجتماعي يؤسس مجموعة مترابطة مثل حق الترشح للمناصب العامة، حق التصويب، حق تكوين الأحزاب السياسية. وهذا التقسيم مفيد؛ فمن زاوية أكاديمية تعطي هذه الأسس منطقا للتقسيم أفضل من التقسيمات الأخرى كتلك التي تقسم الحقوق إلى أجيال تبعا للتسلسل الزمني للظهور، أو تلك التي تقسم الحقوق إلى مدنية وسياسية وأخرى اقتصادية واجتماعية وثقافية، أو تلك التي تقسم الحقوق إلى حقوق أساسية وأخرى ثانونية، وغيرها من التقسيمات التي يراها أغلب المتخصصين تحكمية وغير مفيدة. ومن زاوية قانونية يسهل هذا التقسيم وضع نظام قانوني يتلائم مع طبيعة كل مجموعة حقوق.

للأسس الفلسفية لحقوق الإنسان أهمية قصوى كرادع أخلاقي للدول التي لم تنضم إلى مواثيق حقوق الإنسان(10). فهذه الدول غير ملتزمة قانونا بالمواثيق التي لم تنضم إليها، ولكن ليس معنى عدم الالتزام القانوني إطلاق يد الدول للعبث بحقوق مواطنيها أو الأجانب. وإنما عليها التزام أخلاقي طبقا للأسس الفلسفية لحقوق الإنسان، فعليها توفير الغذاء والرعاية الصحية طبقا لنظرية القانون الطبيعي، وعليها ضمان المشاركة السياسية للمواطنين طبقا للعقد الاجتماعي، وعليها ضمان حرية العقيدة طبقا للنزعة الإنسانية، إلى غير ذلك من الحقوق.

تظهر الحاجة إلى الأسس الفلسفية لحقوق الإنسان في حالة الأمور المستجدة التي نقف أمامها فلا نجد مواثيق حقوق الإنسان قد نصت عليها(11). وذلك مثل فتوحات البيوتكنولوجي وغيرها من الأمور التي يقف الإنسان أمامها حائرا لا يدري ما الخطأ وما الصواب، فهنا لا مفر من الاستعانة بالأسس الفلسفية وبالنظر المتعمق في هذه الأسس يمكن سن التشريع الحقوقي السليم الذي يحكم هذه المستجدات.

تعلن المنظمات الدولية مواثيق متعلقة بحقوق الإنسان، وتسن الدول تشريعات دستورية وتشريعات عادية ولوائح. فكيف يمكن تقييم هذه التشريعات، كيف نفرق بين مايتفق منها مع حقوق الإنسان وما يختلف، هنا "يمكن استدعاء الأسس الفلسفية لحقوق الإنسان لتعمل كمعايير نقدية نستطيع بواسطتها الحكم على القوانين"(12). فالفلسفة تعد معيارا للصواب والخطأ، فهي قانون غير مكتوب يعلو على كل القوانين التي يسنها البشر وينبغي على صناع القانون عدم مخالفة هذا القانون غير المكتوب(13). وبذلك تقوم الأسس الفلسفية بدور كابح السلوك التشريعي الخاطئ.

إذا فهم المرء الأسس الفلسفية لحقوق الإنسان صار سهل الإنقياد لقانون حقوق الإنسان، وهذه الطاعة الاختيارية مطلوبة لهذا القانون الذي لا يزال يفتقر إلى آليات التنفيذ الجبري، وبمعنى آخر فإن المرء يكون أكثر إخلاصا للقانون عندما يفهم المبررات الأخلاقية والفلسفية التي بني عليها هذا القانون(14). فتوضيح الأسس الفلسفية للحقوق يقوي التزام المؤيدين لحقوق الإنسان بهذه الحقوق، ويحول المعارضين لها إلى مؤيدين(15).

خاتمة

عرضت الموضوع عرضا موجزا، وأدعو المهتمين بفلسفة حقوق الإنسان إلى التوجه إليه، فهو يحتاج إلى بحث واسع، وإذا كان لي أن أكون مع أحد الإتجاهين، فإنني من مؤيدي الأسس الفلسفية لحقوق الإنسان، وذلك لقوة حجج المؤيدين التي عرضتها، ولذلك فإنني أتفق مع محمد سبيلا في قوله :"تبلور مفهوم حقوق الإنسان في الغرب عبر مسارين كبيرين: أولها التجارب السياسية الغربية المتمثلة في الصراع ضد الحكم المطلق من أجل الحد من صلاحياته الواسعة... أما المختبر الثاني لهذه الأفكار فهو اجتهادات المفكرين وتنظيرات الفلاسفة، وهذه الاجتهادات الفكرية، التي كانت بمثابة مختبر آخر تبلورت فيه حقوق الإنسان، لم تكن إسهامات معزولة عن سياق التاريخ الفعلي. بل كانت تفكيرا في هذه الصراعات والتحولات من جهة وإنارة وتوجيها لها من جهة ثانية. وهذا ما يبيح لنا القول بأن مفهوم حقوق الإنسان قد تبلور عبر تفاعل تجربتين تاريخيتين: تجربة الواقع وتجربة الفكر، وأنه قد يكون من التبسيط اختزال هذه الجدلية التاريخية الحارة في أحد طرفيها فقط"(16).

ومما يدعو إلى التمسك بالأسس الفلسفية، أنه بالنظر إلى نظرية القبول الاجتماعي أو غيرها من النظريات التي يدعوا إليها رافضو الأسس الفلسفية لحقوق الإنسان؛ بالنظر إلي هذه النظريات نجد أنفسنا أمام نظريات فلسفية أخرى، فمهما حاولنا البعد عن القانون الطبيعي، النزعة الإنسانية، والعقد الاجتماعي، نعود إلى نظريات فلسفية أخرى، ولذلك أقول: لا مفر من الفلسفة.

 

احمد محمد بكر

...............................

الهوامش

(1) لمزيد من التفاصيل حول المصدر الفلسفي لإعلان حقوق الإنسان والمواطن 1789, انظر الفصول الثاني, الثالث, والرابع من كتاب ألبير بابيه. المصدر السابق.

(2) هناك عدد من المفكرين اعتبروا الإعلان الفرنسي أول ميثاق لحقوق الإنسان لعل أبرزهم محمد أركون انظر مؤلفة الفكر الإسلامي: نقد واجتهاد - مصدر سابق - ص 316.

(3) Alasdair Cochrane, In Defense of Traditional Theories of Human Rights, Working Paper Series, The University of Sheffield, May 2013, P 18.

(4) William Simmons, Human Rights Law and the Marginalized Other,(Cambridge, Cambridge University Press, 2011), P3.

(5) Human rights: The Hard Questions, Editors, Cindy Holder and David Reidy, (Cambridge University Press, New York, 2013) P80.

(6) Euan MacDonald, Review of Upendra Baxi's the Future of Human Rights, German Law Journal, Vol. 05, No. 08, P.970

(7) Robert Shapiro, The Consequences of Human Rights Foundationalism, Emory Law Journal, special edition, Vol. 54, 2005,P172.

(8) Conor Gearty, Can Human Rights Survive (Cambridge, Cambridge University Press, 2006) p42.

(9) Maria Granik, The Human Rights Dialogue Foundationalism Reconsidered, Theoria, Issue 135, Vol. 60, No. 2 (June 2013) p8.

(10) In Defence of Traditional Theories of Human Rights, op. cit., p10.

(11) Ibid., P 12.

(12) Charles Beitz, The Idea of Human Rights (Oxford, Oxford University Press, 2009), P49.

(13) Alex Wallin, John Finnis’s Natural Law Theory and a Critique of the Incommensurable Nature of Basic Goods, Campbell Law Journal, V.35, Issue1, and fall 2012.

(14) Jerome Shestak, The Philosophic Foundations of Human Rights, Human Rights Quarterly, Vol.20, No.2 (May, 1998) P202.

(15)Robert Shapiro, The Consequences of Human Rights Foundationalism, Emory Law Journal, special edition, Vol. 54, 2005,P184.

(16) محمد سبيلا – الأصول الفلسفية لمفهوم حقوق الإنسان      http://www.mohamed-sabila.com/maqal3.html

 

ميثم الجنابيالتاريخ العقلاني المحتمل في العراق (1)

إن الفكرة القائلة بنهاية التاريخ، لها تاريخها العريق في الأسطورة والدين والفلسفة. لكنها حالما تنتقل إلى ميدان الفكر السياسي، فإنها تصبح جزء من صراع البدائل. فالنهاية المفترضة في التاريخ هي الصيغة "المنطقية" لرؤية النهاية في كل وجود من اجل معرفة حدوده. كما أنها تستمد مقوماتها من نهاية الإنسان والدول والإمبراطوريات والحضارات، مع بقاء الحياة ودبيبها فيما تدعوه لغة الشعر والآثار بعبارة الآمال والأحلام. وهو دبيب يتمثل مختلف مكونات ومظاهر الصراع العلني والمستتر، العنيف والسلمي بين الجديد والقديم، والاجتهاد والتقليد، والحرية والاستبداد، أي بين المكونات الملازمة لوجود الأفراد والجماعات والمجتمعات في مجرى معاناتهم للبحث عن بدائل أرقى وأفضل. وهي معاناة لا يتحمل ثقل وطئتها على العقل والضمير والوجدان غير ميدان السياسة بوصفه عالم الآمال والأحلام، أو ما دعته تقاليد الثقافة العربية الإسلامية بعبارة "الآفاق والأنفس".

وليس مصادفة أن تصبح السياسة مبدأ ومنتهى الفضيلة، وميدان تجريب الفرضيات الكبرى والصغرى للعقل النظري والعملي. وهي حقيقة التقطها أفلاطون بحدسه العميق، عندما تناول في إحدى أجمل محاوراته (بروتاغورس) قضية مشاركة الناس بالحياة السياسية، أو ما يطلق عليه اليوم العلم السياسي عبارة "القوى السياسية". فقد وضع أفلاطون في محاورة بروتاغورس إشكالية السياسة والحكمة والفضيلة من خلال تأويل المعنى الكامن في اسطورة سرقة بروميثيوس "للنار الأبدية"، بوصفها رمزا "للفنون الإلهية" وتسليمها أو إهداءها للبشر لكي يتزودوا بشيء من الحكمة السياسية، التي كانت من نصيب زيوس رب الأرباب. وهي أسطورة أرادت أن تفسر سر تزود الإنسان بنصيب من الصفات الإلهية التي نراها في بناء الهياكل وسيادة الأرباب. وهي الصفات التي يلازمها ضرورة التهذيب والتشذيب العلمي لكي لا ينقرض الوجود الإنساني بسبب الحروب. من هنا إرسال رب الأرباب زيوس لرسول الحكمة هرمس ليعلم الناس الوقار والعدالة المطلوبة للجميع1 . وهو سبب اهتمام الجميع بالفضيلة السياسية التي تتطلب نوعا من العدالة والحكمة، على عكس الاختصاصات الأخرى. وهو الأمر الذي جعل ويجعل من الممكن مشاركة الكبير والصغير، والعالم والجاهل، والنبيل والوضيع، والرجل والمرأة في السياسة والإدلاء برأيهم فيها، على عكس المهن الأخرى. فالحداد لا يتحدث بالطب، وصانع الأحذية لا يتقبل إسداء النصح واجتهاد الآراء التي يقولها غير الاسكافيين! أما في السياسة، فان الجميع تستطيع القول "أنا اعتقد" و"أنا اجزم" و"أنا أتوقع" وما شابه ذلك. وهو واقع له رائحته في أنفاس الثورة بوصفها الصفة الملازمة لهيجان الثيران، وأصواته العذبة في أنغام الإصلاح بوصفها الصفة الملازمة لروح الصلاح. كما انه الواقع الذي تتقلب فيه قلوب القوى السياسية العربية في العراق والخليج بين أصابع الرحمة والنقمة العاصفة للأحداث الدرامية الهائلة التي أعقبت "تحرير" العراق من الدكتاتورية الصدامية واحتلاله كله! وهي المفارقة الكبرى للتاريخ العربي الحديث، التي تجعل من الممكن القول، بان قرنا من الزمن قد ساد وولى بلا تاريخ، أي بلا تراكم في العقل النظري لقواه السياسية. إلا أن ذلك لا يعدم وجود أو توسع حجم القوى السياسية.

فمن الناحية النظرية والعملية ليست "القوى السياسية" سوى الطاقة القادرة على التأثير والفعل في الوجود الاجتماعي للأفراد والجماعات والدولة. ومن ثم فان كل وجود اجتماعي هو قوة سياسية بالضرورة، كما أن العقل وانعدام العقل قوة سياسية. والشيء نفسه يمكن قوله عن الأوهام والأهواء والإيديولوجيات. فهي جميعا قوى سياسية، أي طاقة قادرة على الفعل والتأثير المتنوع بالنسبة لمسار الدولة والأمم. وعموما ليس الأحياء فحسب، بل والأموات أيضا قوة سياسية. وهو واقع يمكن تتبع أثره في الحاضر واحتماله الفرضي في المستقبل. وهو الشيء الجلي في مختلف مظاهر الإحياء "الجهادي" و"المقدس" لأصنام الأصوليات الدينية والتوتاليتاريات الدنيوية. فابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب يبدوان أكثر حياة وحيوية من الغزالي وابن رشد، أو ابن سينا وابن عربي. وهي حالة تشير إلى أزمة الوعي العقلاني والدولة الشرعية وجفاف الاجتهاد الحر وتسطيح الوعي العام وسيادة الثقافة التقليدية، لكنها تعكس الحالة الفعلية للأموات، بالمعنى المادي والمعنوي، في تكريس و"تأسيس" منظومة الانحطاط العقلي والإنساني في العالم العربي المعاصر. وهي حالة عربية عامة. بمعنى أنها تعكس ديناميكية التخلف، التي جعلت من مومياء الأطلال الخربة تعويذة الحلول السحرية المميزة لمختلف نماذج الجاهلية الثقافية، وبالأخص السلفية والأصولية. وهي حالة سياسية تعكس زمن الانحطاط الفعلي في تاريخ "القوة السياسية" في العالم العربي الحديث، كما كشفت عن نفسها بصورة مرعبة في العراق!

فعندما نتأمل تاريخ "القوة السياسية" بوصفها فكرة وممارسة في العالم العربي الحديث والمعاصر، فإننا نقف أمام تقلبها المشوه في أطوار الولادة والنمو. وهي ظاهرة ليست معزولة عن طبيعة الانقطاع الراديكالي الذي حدث في بداية القرن العشرين عندما تناثرت الإمبراطورية العثمانية ومعها كل التراكم الثقافي السياسي وإشكالاته وهمومه المشتركة. أما النتيجة فهي تجزئة "العالم العربي" من حيث كونه إمكانية واقعية ضمن الكل العثماني، وتجزئة ارثه المتراكم في المرحلة العثمانية والنهضة وبداية الإصلاح الديني. ثم التجزئة الجغرافية السياسية التي جرى شحذها بصعود "الفكرة السياسية" الخالية من اثر النخبة الفكرية وإرهاصات الفكرة الليبرالية والعقلانية والنزعة الإنسانية.

لقد أدى هذا الانتقال الراديكالي إلى صعود الفكرة السياسية للقومية الوجدانية بأبعادها الوطنية، في ظل غياب أو ضعف مؤسساتي للدولة (الوطنية) والقومية على السواء. وهو خلل بنيوي عميق لا يغطي شروخه شيئا غير صبغة الأوهام السياسية والأيديولوجية. أما الصيغة العملية والأسلوب الوحيد الممكن لطلائها فهو "تثوير" نفسية العوام وزجها العنيف في سيول السياسة والتمسك بقشة الشعارات الرنانة. وحالما أصبحت هذه الحالة جزء من تقاليد الفكرة السياسية والقوى السياسية الجديدة، فإنها أخذت تتحول إلى آلية مستقلة بذاتها، بحيث أصبح من الصعب التحرر منها ما لم تبلغ حدودها الذاتية. وهي حالة لا علاقة لها بالجبر والحتمية المفتعلة، بقدر ما أنها تستمد مقوماتها من ثقل التخلف الهائج حالما يتحول إلى عقيدة سياسية. وهي الحالة التي يمكن تتبع نماذجها "الكلاسيكية" في مصر وسوريا والعراق وليبيا وفلسطين، بوصفها المناطق "المثورة" للفكرة السياسية في القرن العشرين وميدان فشلها الذريع!! وهي النتيجة التي جعلت من الممكن صعود نجم الدول الخليجية، وبالأخص المملكة العربية السعودية إلى هرم "المبادرة السياسية" العربية في القرن الحادي والعشرين، في ظل انعدام بنيوي شامل للبدائل العقلانية والديمقراطية والشرعية فيها!!

لكننا نستطيع أن نرى في هذه الحالة المقلوبة للتطور التاريخي احد مصادر الأمل التاريخي الجديد، فيما أسميته ببلوغ "الحدود الذاتية" للانحطاط، بوصفها المرحلة التي تضع مهمة بلورة الفلسفة العربية العقلانية البديلة للإصلاح والتنوير والحداثة.

فعندما نتأمل التجارب التاريخية العاصفة لصعود الراديكالية السياسية العربية الحديثة، فإننا نقف أمام استفحال دورها وتكاملها التدريجي في "منظومة" الاستبداد والانغلاق الثقافي. وهي ظاهرة ترافقت كما أشرت أعلاه إلى طبيعة التغير الهائل الذي جرى على تاريخ الجغرافيا السياسية للعالم العربي وتجزئة وتفتيت التراكم الطبيعي للرقي المدني والدولتي والاجتماعي. ومن ثم لم يكن صعود الفكرة الوطنية والقومية في ظل انتفاء شروطها الضرورية منذ عشرينيات القرن العشرين، سوى المقدمة المشوهة لتصنيع آلية الراديكالية السياسية، أي آلية الإنتاج الدائم للحثالة والهامشية والأوهام والإيديولوجيات التوتاليتارية والعقائد الأصولية. مع ما كان يرافقها من تفعيل لا عقلاني للجماهير، أي "للقوى السياسية" المتحزبة والهائجة.

وهي عملية كانت تحتوي في أعماقها على احتمال صعود الزعماء والأبطال والقواد الجماهيريين والجمهور، بوصفها ظاهرة طبيعية وتاريخية لحد ما. وذلك لأنها كانت الوجه الآخر لسيادة نفسية الغوغاء والرعاع، لكنها كانت تحتوي بالنسبة للعالم العربي على مخاطر الإعاقة التاريخية للتاريخ، أو التشويه المفتعل للمسار الطبيعي الملازم للدولة والمجتمع والثقافة والأمة. وحالما أصبحت هذه الظاهرة آلية قائمة بذاتها منذ خمسينيات القرن العشرين، فإنها تحولت إلى "مرجعية متسامية" بالنسبة للوعي السياسي الراديكالي، أو أنها جعلت من الراديكالية فكرة متسامية عبر مطابقتها مع إيديولوجيا الثورة والانقلاب بوصفها العقيدة المقدسة لحرق مراحل التاريخ. وليس مصادفة أن تصبح فكرة حرق مراحل التاريخ الصراط المستقيم لبلوغ الجنة، أو المطهر الذي ينبغي أن تحترق في مجرى عبوره كل الأوساخ العالقة على الجسد والضمير والعقل العربي. من هنا تحول انقلاب يونيو عام 1952 العسكري في مصر إلى "نموذج" الثورة، و"الضباط الأحرار" إلى نموذج "القوة السياسية" الجديدة. وسوف تكرر سوريا هذه المزاوجة بين الثورة والحرية في الأفعال والرجال عام 1954، ثم يعيد العراق تفعيلها عام 1958. بمعنى تكامل الفكرة الراديكالية وقواها السياسية الجديدة في المثلث الفعال للفكرة السياسية العربية في القرن العشرين)2 .

إن تحول الظاهرة الراديكالية إلى آلية تصنيع وتفعيل القوى السياسية "الجديدة"، وتحولها إلى نموذج في القيادة، كان يحتوي في أعماقه على سحق وحدة المنطق التاريخ في الفكرة السياسية بوصفها اجتهادا عقلانيا في إدارة شئون الدولة والمجتمع. وليس مصادفة أن تضمحل تدريجيا وتتلاشى فكرة المجتمع المدني والحرية والإدارة، وعوضا عنها تبرز الملامح الناتئة "للزعيم السياسي" و"القائد الجماهير" و"الأب الروحي". وهي صيغة كانت تتآكل فيها كل الاحتمالات العقلانية للبدائل. ومن ثم كانت تحتوي في أعماقها على تذليلها التدريجي بوصفها اجترارا للزمن أكثر مما هي تجارب التاريخ.

وكان ينبغي لهذه الظاهرة أن تبلغ ذروتها لكي تبدأ بالانحسار. وذلك لأن حقيقة "القائد الجماهيري" هو نفي للجمهور من جهة، وتمثل للعوام من جهة أخرى. وفي هذا التناقض يكمن سر اللعبة التي سرعان ما يدركها القادة والزعماء والجمهور. وحالما يبلغ كل منهم إدراك حقيقتها، فإنها تتحول عند القادة إلى مصدر النزعة الكلبية، مع ما يلازمها بالضرورة من سيادة الرذيلة السياسية، أي العمل بالعكس من المعنى الأولي والجوهري للسياسة بوصفها فنا من فنون تحقيق الفضائل العملية، أو الحكمة الاجتماعية والدولتية3 . بينما تتحول عند الجمهور إلى نفور من "السياسة" وبحث عن يقين خارج التاريخ والبشر! وهي معادلة لا عقلانية من حيث مقدماتها ومخربة من حيث نتائجها. بمعنى أنها تدفع قادة الأمس "الجماهيريين" إلى الانزواء في قلاع "الثورة" المزيفة وتحصينها بقوى القهر والقمع والاستبداد، بينما "تتعالى" الجماهير صوب "الله" بوصفه القيمة المعوضة عن اغتراب السياسة! وكلما تقترب منه، كلما تبتعد عن الواقع. وذلك لان الاقتراب هنا هو الوجه الآخر لاستفحال الدكتاتورية والاستبداد. وهي المفارقة التي تجد تعبيرها في ظهور "القادة الجدد" للقوى الأصولية، أي للسلب التاريخي الذي تعرض له العقل السياسي وبنية البدائل العقلانية، بوصفها الطاقة الكامنة للنخب الاجتماعية الحرة بشكل عام والفكرية بشكل خاص.

غير أن آلية تأليه القادة التي تجعل من نفسها زيوس وهرمس الفضيلة السياسية، أو رب الأرباب وخاتم الرسالة الأبدية! (كما نراه على سبيل المثال في شعار البعث (ذو الرسالة الخالدة!) عادة ما تؤدي إلى تصنيع شبيهها العدائي! إذ ليست السلفيات المتطرفة المعاصرة سوى الوجه الآخر للراديكاليات الدنيوية. وهي نتيجة كانت تتراكم في ظاهرة تحول القائد إلى اله! أي في استكمال التشوه التاريخي من خلال صنع النموذج المفتعل للقائد أو الزعيم الجماهيري بوصفه مسخا خالصا لسلب العقل والجمهور. وذلك لان القائد الجماهيري المصطنع لا يعيش إلا على أساس وحدة جمهور بلا عقل! وهو السبب الذي يفسر ظاهرة تحول "القادة الثوريين" إلى دكتاتوريين في الحكم وجماهيريين في القتل والسرقة!

وليس مصادفة أن يصبح السلوك السياسي لهذا النمط من القادة سلسلة من انعدام الرؤية النقدية، وزوال الحدود، والاندفاع الأهوج صوب المغامرة والمؤامرة والمقامرة. وهي العملية التي تكشف عن أن كل توغل فيها هو تصنيع "منظومي" للانحطاط كما بلغت ذروتها النموذجية في العراق قبيل سقوط الدكتاتورية الصدامية، وليبيا القذافية، بوصفها التجسيد السياسي الوحيد و"الرسمي" للفكرة "الجماهيرية"، أي النموذج الكلاسيكي لتمام الابتذال السياسي للقوة السياسية. وذلك لأنها تجعل من القوة السياسية طاقة بلا احتراف. مع ما يترب عليه من آلية جعل العوام (الجماهير) الوجه الوحيد للنخبة! وهي الصيغة الماكرة لإعدام النخبة باسم الجمهور، وتحويل الجمهور إلى قطيع الأضحية الدائمة لنزوات السلطة ورغباتها وإرادتها وتجاربها. وذلك لأن جمهور بلا نخبة هو أسلوب تآكل الجمهور. أما النتيجة فهي حرب الجميع ضد الجميع باسم الجميع! والنتيجة لا شيء! وهو الحد الأقصى الذي تبلغه الراديكالية. بمعنى تفريغها المجتمع من قواه السياسية (المحترفة) عبر دمج الجمهور في سبيكة الخضوع والتبعية. وعند هذا الحد تبلغ السياسة الراديكالية ذروتها بوصفها قوة مغتربة عن المجتمع والفضائل العملية (السياسية)، أي عن مكوناتها الجوهرية.

إن بلوغ هذه الحالة هو مؤشر على نهاية الزمن الراديكالي. وهي نهاية يمكن رؤيتها في العالم العربي المعاصر على ظاهرة أفول الراديكاليات الدنيوية وصعود الأصوليات الإسلامية. فصعود الأصوليات الإسلامية بمختلف نماذجها ومستوياتها هو الاستكمال الطبيعي لسقوط الراديكاليات الدنيوية. والأصولية الإسلامية هي التعبير الإيديولوجي والعملي عن الرغبة المسطحة ببلوغ اليقين الأبدي، تماما كما هو الحال بالنسبة للعقائد الراديكالية الدنيوية التي تجعل من تصوراتها المبتذلة ذروة الحق والحقيقة. وكما كانت الراديكالية الدنيوية تشكك بالماضي وترفضه ولا تؤمن إلا بمستقبلها التجريبي، فان السلفية الإسلامية تكرر نفس المضمون بعد إسباغ مسحة اليقين المقدس عليه. من هنا التقاءهما في مواجهة الشكوك المحتملة، أيا كان شكلها ومضمونها ومستوياتها، بما في ذلك أكثرها عقلية وعقلانية. وهي الحالة التي تؤدي بالضرورة إلى التقائهما في صراع دام لكي يندثرا كما لو أنها الموجة الأخيرة من طوفان الزمن الراديكالي. وهي الحالة التي يمكن رؤية ملامحها الجلية في ظروف العالم المعاصر، وفي العراق بشكل خاص. وهي النهاية التي تتلألأ من خلالها بداية تأسيس التاريخ الاجتماعي للقوى السياسية الجديدة. كما أنها النموذج الذي يمكن من خلاله رؤية الاحتمالات القائمة في آفاق القوى السياسية الجديدة في دول الخليج العربية.  (يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

.......................

1- وهي فكرة أسطورية تعادل الفكرة الإسلامية اللاحقة حول الربوبية المشتقة من منظومة أسماء الله الحسنى، والنبي المرسل أو الرسول بوصفه مرشدا ونذيرا للعالمين.

2- إن أول انقلاب عسكري في العالم العربي قد حدث في سوريا عام 1949 على يد رئيس الأركان آنذاك حسني الزعيم. وقد جرت قبله محاولة في العراق. غير إنهما لم يتحولا إلى "مرجعية متسامية" في الفكرة السياسية إلا بعد انقلاب 1952 في مصر. فقد طابق انقلاب 1952 في مصر نفسه مع الثورة. وجرى لاحقا تحويله إلى نموذج "رفيع" بالنسبة للتقليد السياسي والقوى السياسية الجديدة في العالم العربي. فبعد سوريا والعراق، نراه يتكرر في السودان بزعامة إبراهيم عبود، ثم اليمن وليبيا. وتكرر الأمر في جميع دول العالم العربي دون استثناء. بحيث ارتفع عدد الانقلابات "الناجحة" إلى العشرات. تحتل سوريا المرتبة الأولى (تسعة انقلابات، ثم موريتانيا ستة انقلابات، بعدها اليمن خمسة انقلابات، ثم العراق والسودان بأربعة انقلابات، تليهما لبنان وجزر القمر كل بثلاثة انقلابات. أما مصر وليبيا والصومال فقد تعرض كل منها إلى انقلاب واحد خلال تلك الفترة)

3- وهي الظاهرة التي لم يجر تحليل أبعادها النفسية والأخلاقية والانتروبولوجية في الفكر السياسي العربي الحديث، على مثال تتبع نفسية وذهنية القادة والزعماء الراديكاليين، أو "انقلاباتهم" العقائدية والسياسية على مستوى التفكير والممارسة. وهي تحولات وانقلابات ليست معزولة عن واقع التقاليد الراديكالية والهامشية التي جعلت من الممكن انتقال الجهلة والرعاع وأنصاف المتعلمين إلى ميدان "النشاط السياسي" وتصنيع خرافة الأحزاب الطبقية والاشتراكية والقومية، إلى يمكن اعتبارها، بمعايير الدراسات النفسية والانتربولوجية، باعتبارها تعويضا عن الحالة الاجتماعية الهامشية وضعف أو انعدام التأهيل العلمي.

 

محمود محمد علينحو أكثر من مليونين في أرجاء العالم، نال منهم فيروس كورونا، منهم من استعاد عافيته، ومنهم من لفظ أنفاسه بسببه، والأغلبية ما زالت تصارع الجائحة.. يحدث ذلك والدنيا بأسرها رهينة لدي كورونا.. أقعد الناس علي العمل والإنتاج.. وضرب مصالح الدول والشركات.. العالم اليوم بأسرة يخوض معركة واحدة ضد عدو غير مرئي يجتاح الكرة الأرضية؛ حيث حدود تغلق، وقارات بأكملها تعزل، جيوش تنزل الشوارع، ومدن بأكملها تعيش الحجر الصحي، كبريات الشركات تغلق أبوابها، وملايين الوظائف في خطر، والكل مشغول بقراءة عدادات الإصابات والوفيات بالفيروس المستجد، وفي الأفق يلوح مستقبل قد يكون أكثر قتامة.. الوقت من موت، لا نفع للصواريخ ولا أهمية للتسابق علي التسلح.. هنا سيصمد جميع حكام الأرض ويدخلون إلي بيوتهم ويوصدون الأبواب خلفهم.. لمن الكلمة الفصل اليوم؟

وللإجابة علي هذا السؤال يمكن القول بأنه مع ارتفاع أعداد الإصابات بشكل سريع، أدرك العالم المفزوع الحياة - المهددة بكورونا أنه لن ينقذها سياسي أو إمبراطور أو حزب، فتوجهت أنظاره إلي الطبيب المنشغل بالبحث العلمي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وأدار ظهره للسياسيين وسياستهم، وأصبح التصفيق اليومي للجيش الأبيض طقساً يومي يمارسه البشر، تقديراً لكل طبيب، وكأن البشرية عقمت أيديها من التصفيق للسياسيين..

إن الكلمة الآن للجيش الأبيض الطبي وما عاد للجيوش التقليدية المدججة بسلاحها أثر أو قيمة وكأنها ذهبت هباءً منثوراً؛ حيث الجميع متفقون أن خط الدفاع الأول يتولاه من بات يطلق عليهم الأطباء، والممرضون، والعاملون في القطاعات الطبية، دائماً تجدهم جنوداً واقفين في خط الدفاع الأول وقت الأزمات، يضحون بكل شئ، يرسم التعب والإرهاق ملامحهم في سبيل بث الأمل داخل نفوس المرضي، يبذلون جهداً مضاعفاً للعناية بمئات الآلاف للمصابين بفيروس كورونا مما قد يعرض حياتهم للخطر، واليوم تضرب جهودهم أكبر مثال عندما يقع العالم تحت تهديد خطر فيروس كورونا المستجد الذي أوقف الحياة في شرايين الدول، فنجدهم من قلب المستشفيات أبطالاً، غارقين في معاطف بيضاء، اتخذوا القرار في محاربة الوباء لاستمرار الحياة..  يقضون كل أوقاتهم في المستشفيات ولا يقابلون عائلاتهم إما خوفا من العدوي أو لعدم كفاية الطاقم الطبي.. يقدمون تضحيات وبطولات ويصابون بالإرهاق الشديد؛ خاصة في بؤر الوباء لطالما كان تجهيز الجيوش بعدد الغواصات والصواريخ والأسلحة المتطورة مصدر فخر للدول العظمي.

أطباء عظماء في الخطوط الأمامية اصطفوا وأمام عدو لا يري سلموا ووهبوا أنفسهم وما كان تسليمهم بالهين.. رجال ونساء صدقوا ما عاهدوا الله فكانوا سندا يستند عليهم الشخص السليم والمريض وحتي المعافي.. أطباء كانوا إلا أن الكورونا حولتهم إلي جنود كتائب، همهم الوحيد القضاء علي فيروس كورونا الذي تجاوز حدود الوطن دون إذن، وتربص بأرواح وصحة المواطنين.. الحرب الضروس التي خاضها ولا يزال هؤلاء ليست حرباً عاهدة النار والاقتتال، إذ إن هذا العدو لا تخمده نار ولا تلقي باخرتهم في المعركة كمامات وقفازات وبدالات بيضاء تدل عند ارتدائها علي الأمل والحياة والتحدي والشجاعة، ولأن المهنة اقتضت كانوا ولا يزالون وسيبقون علي مهمتهم ساهرون، مجندون لإنقاذ الأرواح وتقديم جرعات الأمل أمام فيروس قاتل، كان وبميدان شرف قد فتك حتي بقائد من قادة جنودنا البيض... أسماء ستبقي حتماً في لغة الإنسانية زمراً والوطنية مثالاً والمهنية شرفاً.. المسؤولية التي تقع علي عاتقهم والتضحيات التي يقدمها الأطباء دون أدني تردد منهم في سبيل سلامتنا.. أفلا تستحق أن نخفف من عثارة المشهد عليهم باحترام الحجر الصحي والبقاء في البيت.

إذن هم الجيش الأبيض الذي يقود في الصفوف الأمامية المعركة ضد كورونا.. بلجأ إليهم المصابون حتي يشفوا والمشتبه بإصابتهم كي يحددوا حالتهم والأصحاء لكي يتخذوا الوقاية من الفيروس.. طبيبات وأطباء.. ممرضون وممرضات.. مسعفات ومسعفون.. يواجهون الوباء دون كلل أو ملل..عيونا لا تنام.. وقد تنال قسطا من الراحة في أحد زوايا المستشفي.. ارهاق وتعب بعد ساعات طويلة لإنقاذ الأرواح من العدو المجهري.. أطباء وممرضون جندوا أنفسهم طواعية بمواجهة العدو مجابهة فيروس اجتاح العالم في غضون 100 يوم.. مهام شاقة للطواقم الطبية في شتي أنحاء العالم حيث تواجه نقصاً في معدات الوقاية الشخصية، وهو ما يعرض حياتهم للخطر، ويفاقم من انتشار الفيروس، وبالتالي يعرقل استمرار عملية الرعاية الصحية للمصابين.. إن سرعة انتشار الوباء تضع ضغطاً إضافياً علي الطواقم الطبية مع اضطرارهم للعمل لساعات طويلة، وفي مناوبات غير منتظمة، وبالتالي قلة النوم والشعور بالإرهاق، ولعل ما يزيد الضغوط النفسية علي الأطباء والممرضين والعاملين في القطاع الصحي، هو استمرار أزمة الوباء، وطول أمدها، وارتفاع عدد الوفيات. كذلك فإن العاملين في القطاع الصحي حتي وإن حظوا ببعض الوقت للراحة والعودة لمنازلهم، فغالباً ما يقضونها في عزله دون التواصل مع أحبائهم خوفاً علي حياتهم.

إذن الجيش الأبيض: أطباء ضحوا بحياتهم لإنقاذ مصابي فيروس كورونا المستجد الذي تفشي حول العالم وأودي بحياة الملايين من الأشخاص، فيما تعافي عشرات الآلاف بفضل تضحيات جيش الأطباء الأبيض، وفي مصر كما في مختلف دول العالم فقد أطباء حياتهم من أجل إنقاذ المصابين.. خلال الأشهر الماضية وفي بداية الجائحة أعلنت مصر أول وفاة في معركة كورونا وتوفي الدكتور أحمد اللواح – أستاذ التحاليل الطبية بعد عزله بمستشفي أبو خليفة بالإسماعيلية.. تلقي العدوي من عامل أجنبي مصاب بالفيروس كان يعمل بمصنع جنوبي بورسعيد... وفي الصين أودي فيروس كورونا بحياة الطبيب " لي وين ليانج " – أول من حذر السلطات بوجود فيروس وتلقي تهديدات بعدها.. وفي فرنسا أعلن وزير الصحة وفاة طبيب بكورونا المستجد عمل بالطوارئ في أول المناطق المتضررة بالبلاد وتوفي سريعا بعد نقله للعزل الصحي، وفي إيطاليا توفي أكثر 500 طبيبا أحدهم اضطر للعمل من دون قفازات نظرا للعجز الكبير في المعدات الطبية، وتحدث الطبيب الراحل مارسيلو ناتالي عن الظروف الكارثية التي يعمل فيها الأطباء الإيطاليون بسبب الارتفاع المهول في عدد المصابين وعجز المنشآت الصحية عن معالجة المرضي، وفي إنجلترا أعلنت وفاة طبيب عربي أمجد الحوراني – استشاري في الأذن والأنف والحنجرة – أول طبيب يعمل في الخطوط الأمامية في حرب كورونا، وفي أمريكا توفي الدكتور أسامة رياض طبيب يمني يعمل في أحد المشافي بنيويورك، وفي إيران توفي 77 طبيبا بينهم رئيس نقابة أطباء مدينة رشت.. تحية لرجال البالطو الأبيض شكرا لكم..

فتحية للجيوش البيضاء في وطني وفي كل أوطان العالم، الذين يقفون صفاً واحداً، وجميع الذين معهم في الصفوف الأمامية من جميع التخصصات، لصد الوباء واجتثاث المرض وواجب علينا أن نقول مع القائلين في حقهم تلك الكلمات: أيها البطل.. أنت علي ثغر من الثغور.. إياك ثم إياك أن يؤتي وطنك من الثغر الذي تقف عليه وإليك أخي هذه الكلمات : قم يا طبيب انهض فأنت اليوم في الميدان فارس.. قم يا طبيب افتح لنا تلك المعاهد والمدارس.. قم يا طبيب أعد لنا عبق المساجد والكنائس.. قم أيها البطل الذي حمل المدافع والمتارس.. سهر الليالي وحده وسواه في الميدان ناعس.. قم فارسم البسمات فوق شفاهنا فالكل بائس... أنت الذي أفنيت عمرك من طبيب أو ممارس.. لا تعرف الراحة في مايو ولا في شهر مارس.. وتصيبك العدوي بلا دية ورب العرش حارس.. وملائكة الرحمات خلفك من كواعب أو أوانس.. ولعلهن أرامل ولعلهن من العرائس.. أنتم حديث بيوتنا.. أنتم مسرات المدارس..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقل بجامعة أسيوط

 

 

مصطفى غلمان"فيروس كورونا كمثل الأحداث الميتافيزيقية تعيد ترتيب العلاقة مع "المحسوس" بما هو كذلك، وذلك بأن تتجرّأ لأوّل مرة على الدخول في علاقة تكنولوجية مع "اللاّمرئي" بوصفه جزءا لا يتجزّأ من مادة الكينونة في العالم كما تنفعل بها أجسامنا. إنّ المحسوس لا يوجد خارجنا، لأنّ "الخارج" الأنطولوجي لا وجود له".  فتحي المسكيني

ترتفع بؤر الإصابات بالفيروس كورونا المستجد، في التصاعد على مستويات تشهد انزلاقات خطيرة، ترتبط بعدم اتخاذ التدابير اللازمة والإجراءات الاحترازية الصحية المعمول بها، طبقا لقرارات المسؤولين الحكوميين، خصوصا في التجمعات العائلية ووحدات الشغل التجاري والصناعي، والأسواق التجارية الخاصة، وقبل ذلك العشوائية منها. فقد أكد محمد اليوبي، مدير مديرية علم الأوبئة ومحاربة الأمراض بوزارة الصحة، على أن الحقائق المرة التي نعيشها، بين آمل بتراجع ارتفاع أعداد المصابين، ومتابع لمشاكل تدبير المرحلة، أن 114 حالة مؤكدة بفيروس كورونا خلال الـ24 ساعة الماضية سجلت في بؤر عائلية ووحدات تجارية وصناعية.

والشيء بالشيء يذكر، حيث إن الأرقام المعلنة من قبل الجهة الرسمية، تؤكد تصاعد هذا المنحى، بعد تسجيل 136 إصابة مؤكدة جديدة بفيروس كورونا المستجد خلال الـ24 ساعة الماضية، ليرتفع العدد الإجمالي للمصابين بالفيروس في المغرب إلى 2024 حالة.

والذي يوثق هذا المنحى، ويعقد الوضعية الحالة الوبائية ببلادنا، إصابة "114 حالة من أصل 136 المسجلة تم اكتشافها في محيط حالات أخرى، وبالخصوص بؤر ظهرت في بعض الوحدات التجارية والصناعية وفي وسط عائلي لدى بعض الحالات"، ما يؤكد انتظارات سلبية أخرى في مضمار تحليل الأرقام التي بين أيدينا.

يمكن التمثيل هنا بالحالات الوبائية الجديدة التي سجلت على مستوى الدار البيضاء ومراكش وفاس ومكناس، حيث تلتئم النظرية الرسمية بالوقائع المسجلة تحت أنظارنا، دون أن نحرك ساكنا.

هواجس كثيرة ستستبد بنا، خصوصا إذا علمنا أن بؤرا وبائية تتمدد بفعل الجهل المركب للعديد من أصحاب المصانع والمحلات التجارية، الذين يستمرون في خرق أنظمة التدبير المعلنة؟

من جهة أخرى تستمر مقاربة، التتبع الدقيقة ل "12191 مخالطا؛ ضمنهم 5338" ما زالوا إلى الآن تحت المراقبة الصحية، بينما تم تسجيل 879 حالة مؤكدة في صفوف هؤلاء المخالطين من أصل 2024 حالة المسجلة بالمملكة، وهو ما ينتج عناصر تشكيك في الحصة المائوية للصحاب النتائج المخبرية المنتظرة، وتكييفها مع سياقات تأطير الحالة وإعادة صناعة الأمل من جديد.

يجب الاعتراف مبدئيا بجهود الدولة في الحد من تداعيات الجائحة، وهو ما يبدو واضحا وجليا في الاستراتيجية المتبعة، على أعلى مستوى في البلاد، انطلاقا من سلة الاجراءات الاحترازية المتخدة في ذات الشأن، ومرورا بالقضايا المهمة المرتبطة بمحفزات المواجهة المعنية، يمكن التذكير هنا بسلسلة كرونولوجية من قرارات الدولة، كصندوق تدبير جائحة كورونا، ووتعويض الأجراء بالمؤسسات غير المهيكلة، وإعفاء مكتري الأحباس، وانتهاء بالنقاط القريبة جدا من واقع الصحة، التي أبانت أطقمها الطبية، عن وطنية وعمل دؤوب غير مسبوقين، ثم استمرار تأهيل المختبرات الجهوية في لعب أدوار طلائعية لتحسين أداءات التحاليل المخبرية وتبسيط إجراءات خضوعها للزمن والفعالية.

وفي هذا الإطار أصبح للمختبرات المرجعية للتحليلات، في مدن محورية كمراكش وآكدير والرباط وفاس، بالإضافة طبعا إلى مختبر باستور بالدار البيضاء ومختبرات المستشفيات العسكرية، ومختبرين تابعين إلى مؤسسات طبية شبه خاصة، أهدافا دقيقة ورؤى حاسمة في القابلية والجاهزية للتدبير المحكم والاستثنائي.

وبناء عليه، فالأرقام الرسمية المعلنة لحد كتابة هذه السطور إيجابية، فيما يخص مجموع التحاليل المخبرية، التي أجريت، حيث وصلت إلى 730 تحليلة طبية بمجموع التراب الوطني؛ بينما بلغت الحالات المستبعدة، بعد تحاليل مختبرية سلبية، 8626 حالة منذ بداية انتشار الفيروس بالبلاد، وإلى حدود الساعة السادسة من مساء اليوم.

هناك نظرية تقول عن استمرار الشك، حتى يتبث العكس. وهو ماذهب إليه الفيلسوف إدغار موران، في حوار أحري معه مؤخرا، قال (سرعان ما أدركنا أن هؤلاء العلماء دافعوا عن وجهات نظر مختلفة جدًا وأحيانًا متناقضة، سواء حول التدابير التي يجب اتخاذها، أو العلاجات الجديدة التي يمكن أن تستجيب للطوارئ، وكذلك العقار الذين يجب اعتماده للعلاج، أو طول مدة التجارب السريرية… كل هذه الخلافات تثير الشك في أذهان المواطنين).

ولكن المنطق يفرض أن عدم اليقين قد يؤدي إلى الفناء السيكولوجي، لأن الأحوال تتغير بالطريقة التي يمكنها من تأمين احتياجاتنا المعنوية قبل المادية.

وهو نفس المنحى الذي أقر به إدغار موران، في نفس سياق السؤال البدهي، "ماذا يمكن أن تشكل عدم اليقينيات؟"

حتما، فجوابه الشافي يغنينا عن تشويه منطق الحياة: (يجب أن نتعلم قبول عدم اليقينيات والعيش معهما، في حين أن حضارتنا قد غرست فينا الحاجة إلى مزيد من اليقين بشأن المستقبل، غالبًا ما يكون وهمًا، وأحيانًا يكون تافهًا، فعندما نقوم بوصف بدقة ما سيحصل لنا في عام 2025! فيجب أن يذكرنا هذا الفيروس بأن عدم اليقين لا يزال عنصرًا منيعًا في الشرط الإنساني. لن تتمكن جميع التأمينات الاجتماعية التي يمكنك الحصول عليها من أن تضمن عدم إصابتك بالمرض أو أنك ستكون سعيدًا مع عائلتك ! نحاول أن نحيط أنفسنا بالحد الأقصى من اليقين، لكن العيش هو التنقل في بحر من الشكوك، من خلال جزر وأرخبيلات اليقين الذي نشكل إمداداتها..).

 

د. مصطفى غلمان

 

حاتم حميد محسنيؤكد الرواقيون وفي مقدمتهم ماركوس اورليوس على أهمية مقاومة الظنون والابقاء على التفكير العقلاني وتذكّر دائما حتمية الكوارث.هذه المبادئ جرى تطبيقها عندما حل الطاعون الانطوني، فهل يمكن تطبيق المبادئ ذاتها على كارثة الوباء الحالي كوفيد 19 ؟

بدأ الطاعون الانطوني اولاً في الشرق، ربما قريب من المنطقة التي بها الصين الحالية، ثم انتشر حالا في الغرب حين نقله الجنود والتجار العائدون من السفر. وبعد وقت قصير تفشىّ الفايرس المميت في المدن الاوربية الواحدة تلو الاخرى. ذلك الطاعون تفيد التقديرات انه قتل خمسة ملايين شخص في انحاء الامبراطورية الرومانية. لقد تحول المرض الى وباء استمر من عام 166 الى عام 180 م حيث كان من بين أشهر ضحاياه ماركوس اوريلوس والذي اُطلق فيما بعد على سلالته الحاكمة انطونيوس (اسم الوباء). كان الطاعون اختبارا للرواقية ولأهم رجالها ماركوس اورينوس. بعد جيل من الوباء كتب المؤرخ (Cassius Dio):

لم ينل ماركوس اورينوس القدر الذي يستحقه، فهو لم يكن قوي الجسد وكان دائما يواجه مشاكل لا حصر لها طوال فترة حكمه. لكني شخصيا، اعجب به لسبب واحد وهو انه في وسط الصعوبات الاستثنائية الغير عادية استطاع إنقاذ نفسه وكذلك الحفاظ على الامبراطورية.

كان الطاعون من اكبر التحديات امام حكم ماركوس. هو بدأ بكتابة التأملات (The Meditations) بعد وقت قصير من اجتياح الوباء لمعسكرات جنوده. كان ماركوس أشار مرة واحدة فقط للوباء، وهو يلاحظ التفسخ الاخلاقي للروح باعتباره اكثر خطورة من الأضرار الجسدية للوباء.هو يذكر ان الكذب، الادّعاء، الافراط في الفخامة والفخر هي نوع من الشرور المدمرة. الوباء، كما يقول، يهاجمنا فقط فيزيقيا بينما هذه الشرور تهاجم طبيعتنا الداخلية، تحطّم ما هو ضروري لإنسانيتنا. في الحقيقة، عبّر (Cassius Dio)، الذي عمل كساناتور في ظل حكم الوريث والابن المنحط لماركوس، عن فكرة مشابهة. يدّعي (ديو) ان روما مات فيها وحدها حوالي 2000 ضحية من الطاعون كل يوم، لكنه يستمر بالقول ان هذا المرض يتضاءل بالمقارنة مع الفساد الذي نخر الامبراطورية بواسطة كومودوس، الذي حكم كمستبد مستغلا الموقف للاستحواذ على المزيد من السلطة. كذلك، ذكر لنا مؤلف روماني آخر وهو (Philostratus )، بان الامبراطور بعد ان شهد المعاناة الناجمة، رغم رواقيته، أذرف الدموع عندما سمع امراً من الجمعية الاثنية يطلب "الرحمة لمن ماتوا في الوباء". المؤرخ اوغستا (Augusta) ادّعى بانه في ذروة الوباء مات عدة الاف وكان لابد من اخلاء جثثهم من مدينة روما بعربات تجرها الخيول. قيل ان ماركوس بنى عدة نصب تذكارية للنبلاء الذين قضوا في هذه الفترة. وفي مثال على طيبة القلب التي عُرف بها، أمر الامبراطور بآداء مراسيم جنائزية للطبقة الدنيا تُدفع تكاليفها من الدولة. في بداية "التأملات" يعرض ماركوس مطولا واحدة من الاستراتيجيات الرئيسية للرواقية لتطوير مرونتها السايكولوجية الشهيرة. هو يصف السمات التي اعجب بها كثيرا في عائلته، اصدقائه ومعلميه وحوالي 17 شخصا. طوال حياته، لاحظ ماركوس كيف تعامل مختلف الناس مع الضغوط النفسية والمعاناة الجسدية الناتجة عن الامراض المزمنة. البعض تعامل بشكل افضل من الآخرين. نحن نستطيع النظر الى "التأملات"كما لو انها تتشكّل من هذه الملاحظات.

يقول ماركوس ان مرشده الرئيسي في الرواقية، وهو ابولونيوس (Apollonius)، بقي تماما نفس الرجل، غير آبه ولا مهتز اثناء الألم الشديد والمرض الطويل. هو بيّن لماركوس كيف يتصرف بحماس، مسترشدا بالعقل، ومسترخيا حول الأحداث الخارجية التي هي خارج سيطرتنا المباشرة. تأثر ماركوس بوضوح بـ "الشخصية التي لا تُقهر" التي تجسدت بهذا القائد العسكري المحنك والرواقي الصلب، حين كان يحتضر. وفي مكان آخر يشكر ماركوس الآلهة لأنه كان محظوظا جدا ليتعرف على ابولونيوس وماكسموس شخصيا. هما وفرا له امثلة حية عن معنى اتّباع الرواقية كطريقة في الحياة.

يشير ماركوس ايضا الى رسالة كتبها مؤسس الفلسفة المنافسة ابيقور، عندما كان يحتضر من مرض مميت قبل أربعة قرون. هو يكتب اننا عندما نقاسي لا يجب ان نتحدث باستمرار عن المعاناة، لا نشتكي بافراط او نعيش كثيرا في الجانب السلبي من الاشياء. بدلا من ذلك، استغل ابيقور مرضه الطويل كفرصة لتطبيق الفلسفة على الموقف، وبالتالي هو يوضح لأصدقائه كيف يمكنهم القيام بهذا بشكل بنّاء. هو ركز انتباهه على اختبار السؤال عن الكيفية التي يحافظ بها الذهن والوعي بالألم على صحته والاستفادة من التجربة. ماركوس يقول لنفسه، حتى في الامراض الشديدة، يجب ان يبقى متمسكا بالرواقية، كفلسفة له في الحياة، ويظل منتبها في كيفية التفكير والتصرف استجابة للألم والمعاناة التي يتحملها.

فوق كل ذلك، تطمح الرواقية القديمة لتعليم أتباعها كيف يعيشوا حياتهم بطريقة عقلانية . مثال على هذا كان اصرارها على التشبث بالحقائق . الرواقيون لا يسمحون للبلاغة العالية التحفيز او الأحكام القيمية ان تشوّه فهمهم للحقيقة. ماركوس يحذر نفسه من الذهاب الى ما وراء ما يمكن ملاحظته في الازمات، مثلما لو وقع احد ابنائه مريضا. هو كان لديه 14 ولدا، نصفهم ماتوا قبل وفاته. عندما مرض احد اولاده أصر ماركوس ان يركز على اللحظة الراهنة بدلا من السماح لذهنه بالاضطراب حول فقدان الابن. هو سوف يواجه ذلك لو حدث له لكن في الوقت الحاضر هو يجب ان يتعامل مع ما يحدث حقا الان وهنا، وهو المرض. التصقْ بالحقائق، لا تضيف اي شيء حول كم هي الاحداث مقلقة.

في الحقيقة، كما هو يقول، اذا كان عليك ان تضيف شيئا ما لملاحظاتك، تذكّر ان المصائب كالامراض والموت يجب ان لاتسبب الدهشة لأنها جزء من النصيب العام للبشرية. هذا مبدأ اساسي آخر للفلسفة الرواقية: نحن يجب ان نكون مستعدين جيدا لكل شرور الحياة حتى الاشياء الكارثية كالطاعون الكبير. الرواقي الحكيم او المرأة الرواقية لا ينزعجان بالمرض او الموت لأن العقل يخبرنا ان مثل هذه الاشياء هي حتمية في الحياة ولا يجب ان نندهش بها. يؤكد ماركوس ان المرض والموت يجب ان يكونا "مألوفين لنا كالوردة في الربيع او الفاكهة في الخريف". خلال تفشي الطاعون، عندما اندفع الناس في هلع يصرخون "نحن لا نصدق ما يحدث"، بقي الرواقيون هادئين بتذكير انفسهم انهم دائما يعرفون ان هذه الاشياء يمكن ان تحدث لهم.

لكي يحافظ على هذا الاتزان، دائما ما يستخدم ماركوس اسلوبا تأمليا يستلزم التجوال في الماضي البعيد. هو لهذا يذكّر نفسه، عندما نأتي للتحديات التي تواجهنا في الحياة، فلا شيء هناك جديد تحت الشمس. ما نواجهه هو فقط مظاهر مختلفة لنفس الاشياء القديمة – التحديات الدائمة للانسانية. اثناء ذروة الطاعون الانطوني يذكّر ماركوس نفسه ان يتصور كل الناس الذين مرضوا وماتوا في الماضي قبل ان يولد، اثناء حكم الامبراطوران الرومانيان فيسباسيان و تراجان. هو يستنتج ان الحياة قصيرة وهو يجب ان يستمر في الكفاح مركزا الانتباه على عمل ما هو اكثر اهمية، وهو العيش طبقا للحكمة والفضيلة، مثلما يؤمن الرواقيون.

ربما مارس ماركوس الحجر الصحي الذاتي. في اليوم الأخير من حياته سمح فقط لابنه كومودوس بالحضور. الاخير كان على عكس ابيه، يخشى من الموت، وحالما اتيحت له الفرصة لاحقا انحدر الى حياة الاستبداد والترف. يشير المؤرخ اوغستا بانه في اليوم الذي سبق وفاة ماركوس، اصبح واضحا انه سيموت حتما، المقربون منه كانوا مضطربين جدا. هو سأل لماذا هم يبكون عليه بينما يجب ان يدركوا ان المرض والموت هما حقائق للطبيعة ويقبلون بها كقدر للبشرية. هذه الاشياء تحدث لكل شخص حتى الامبراطور نفسه. كانت تلك هديه الفراق لأصدقائه ومحبيه وربما لكل واحد منا.

 

حاتم حميد محسن

 

المقدمة: اشكالية الفكر السياسي العراقي الرئيسية تتمحور في عدم القدرة على تنظيم العلاقة بين الكلي والجزئي، بين العام والخاص، بين المجتمع والفرد، بين العدالة والسلطة. من هذه الاشكالية تتناسل اشكاليات عدة، واحدة منها غياب المجتمع المدني وما يترتب عليه من عدم وضوح هذا المفهوم، المختفي خلف عقيدة سياسية تفترض وجود قصور في وعي المواطن بل وعدم اهليته في ادارة خياراته السياسية، وتفترض هذه العقلية ان الإرادة الفردية عاجزة وغير فاعلة في تقرير ما هو النافع للفرد، لذا فهو بحاجة دائما الى من يقوده ويوجهه, ولأنه أيضا شرير بطبعه فلا بد من قوة قادرة وقامعة لهذا الشر المتأصل في سلوكية الفرد العراقي(1).

المشكلة البحثية

ان غياب الايديولوجية الشمولية المفاجيء بعد عام 2003 ، ظهر بشكل بارز دور العامل الديني كمؤثر حاسم في تشكيل طبيعة النظام السياسي لادارة الدولة العراقية. حيث تمدد الديني في وساطته من العلاقة بين المتدين والحصول على الثواب، الى وسيط موجه ومؤثر في علاقة المواطن بالعمل السياسي وطبيعة نظام الحكم.

فرضية البحث

يأتي خطاب المرجعية الدينية في يوم خطاب 4/6/2018 في سياق دعوتها للدولة المدنية وان لا وسيلة للحكم إلا التداول السلمي للسلطة، مما يشكل علامة فارقة في تاريخ الخطاب الديني الشيعي الحديث، وانعطافة كبير في الفكر الديني ورؤيته السياسية، مما يدل على رغبة المرجعية الدينية بخروج ما هو ديني عن ما هو سياسي والتحول من الشمولية الى التعددية في ظل نظام سياسي دنيوي (الديموقراطية).

السؤال البحثي

هل يمكن لخروج السياسي من عباءة الديني ان يتحول الى نفي لمبدأ الوساطة؟.

المتن

المبحث الأول: خروج السياسي من عباءة الديني

بغياب الايديولوجيا الشمولية تم احتواء السياسي تحت عباءة الديني، فاصبح الديني يمثل القاعدة الاساسية للتفكير والسلوك السياسي، فبرزت من جديد اشكالية علاقة الدين بالدولة في الفكر السياسي العراقي. ففي انتخابات عام 2005، تم اعتماد الديني سياسيا عندما انضوى الجامع تحت راية الاحزاب الاسلامية فاثبت الجامع قدرته على توجيه الراي العام في ذلك الوقت ولكنه شعر بوطأة السياسي ورغبته في السيطرة على الديني.

المبحث الثاني: استقلال المجال الديني عن السياسي

يأتي خطاب المرجعية يوم 4/6/2018 محاولة لإعادة الاستقلالية للمجال الديني عن السياسي، واستعادة الدور الذ استحوذ عليه السياسي بتحويل السياسية من خانة الواجب الشرعي الى خانة المباح، مما قد يؤدي الى ان يستعيد المجتمع العراقي حيويته وفاعليته السياسية من خلال المشاركة الفاعلة في المجال السياسي بالتفكير السياسي الحر الفردي، في اطار من التسامح السياسي والفكري، والقبول بالاختلاف والتعددية.

فالديموقراطية تفترض:

- استقلال المجال الديني عن السياسي.

- التعددية.

- تفتت المرجعيات الايديولوجية والاثنية والطائفية (2).

ان ما طرحته المرجعية من مبادئ يمكن لها ان تكون مشغل لأسس عامة تتمثل في ان المجال السياسي يجب ان يوجد بشكل مستقل وعليه ان يحدد هويته من وخلال مبادئ نجدها في الخطوط العام للمرجعية، عبر طرحها لفكرة الدولة المدنية والمجتمع المدني، المرتكز على ارادات الافراد الحرة، فالسلطة السياسية تاتي من وعي الافراد وتفاعلهم، وليس على ارادات الجماعات والاحزاب الممثلة لها، اي هي في ذاتها تجاوز لمبدأ الديموقراطية التوافقية للجماعات القطاعية، لذا يمكن الادعاء ان مبادئ اعلان يوم 4/6 يمثل جملة من المبادئ منها:

1- مبدأ التمثيل الحقيقي للرأي الناخب (المواطن).

2- مبدأ اعلاء القانون العادل، القانون الانتخابي البشري المتفق عليه.

3- مبدأ التداول السلمي للسلطة.

المبحث الثالث: الارتياب (خلخلة الايمان)

فحيث يقدم الانسان التضحيات والجهود والاتعاب فتكون المهمة صعبة عليه عندما يطلب منه ان يقدم المزيد وهو لا يرى مصلحة مباشرة، تكون المهمة صعبة عليه لمعرفة الحق اين يكمن فيبدأ بالتشكيك(3)،

وكل فعل ايماني ينطوي على عنصر عيني، ولكن قد يتبين ان لا هذا الشخص ولا ذلك الشيء يمثل الايمان، حينئذ يكون الايمان اخفاقا في تعبيره العيني،(4)، (اخفاقا في تحديد المصداق، ولكن الشك ينسحب للمفهوم. في هذه الاشكالية المتمثلة بإخفاق العيني يختفي لدى المؤمن اليقين بغير المباشر ويحضر الريب المباشر، لان الوعي المباشر بالعيني يطغى على الوازع الايماني فيكون الشك حاضرا.

المبحث الرابع: نفي مبدأ الوساطة (تحرير المفهوم من اسر المصداق)

وهنا يمكن النظر لعلاقة الايمان بالشك من منظورين اثنين هما:

- الايمان بوصفه اعتقادا يتعارض مع الشك. فلا يمكن المجازفة بالايمان، فيطغى الفهم الايديولجي وعلاقة التملك.

- الايمان بوصفه قلقا وجوديا، فيكون الشك عنصر ضروري فيه. وهنا يمكن المجازفة بالايمان لان العلاقة علاقة كينونة وليست تملكا.

فالايمان في الحالة الاولى يتطلب التسليم ويرتبط بالواجبات الدينية يرتبط بفلان وعلان، يرتبط بالمصداق لا بالمفهوم. اما الايمان في الحالة الثاني يتطلب اليقين بالمفهوم فهو يحرر الفهم من دائرة المصداق الضيقة.

كل ذلك يشي بشيء مهم جدا وهوان خطاب يوم 4\6 يمثل دعوة لنزع التبعية الدينية للمواطن في ما يخص المجال السياسي، عبر تعزير الفهم السياسي للفرد ودفعه باتجاه المشاركة السياسية الواعية، اي على الفرد ان يمتلك تفسيره الخاص، وتأويله الذاتي لما هو سياسي. على عكس التبعية الدينية التي تفترض ان التفسير ياتي للفرد من الخارج، من الوسيط (الفقيه).

اني أذهب الى ان المرجعية أرادت ان يمتلك الفرد معناه الخاص لما هو سياسي. وهذا الامر ان يمتلك الفرد تفسيره الخاص وتأويله الذاتي مما يدفع باتجاه التحول من الكلانية الى الفردية، ومن وحدة الهوية الى تعدد الهويات، من الثابت الى المتغير، مولدا فضاء معرفي جديد تمثل في تغيير شبه شامل لمبدأ الوساطة.

ان الصراع المحتدم بين السياسي المنقاد بشرعية الديني، الذي يريد اخضاع ضروريات الحياة الدنيا الى اعتبارات الحياة الاخرة، وبين المتطلع الى خروج السياسي من عباءة الديني، الذي يريد الخروج من هذا الاخضاع، صراع سيجبر التيار الديني ومن يمثلهم على اعادة النظر بدورهم في تأسيس هوية سياسية بعيدا عن قداسة الحكم وشرعيتها الدينية، والنظر الى الحكم برؤية زمنية لا روحية، وان الدولة ليست الا اداة بخدمة المجتمع المدني وليس باستطاعتهم تحديد غاياتهم الخاصة طبقا لسلطة يعتقدون ان الله منحهم اياها.

الخلاصة

ان تفوق الديني على السياسي اثبت عدم قدرته على الحياة خلال الخمسة عشر سنة الماضية ليبدأ الاعلان يوم 4/6/2018، بدعوة الديني لخروج السياسي من عباءته في اختيار شكل نظام الحكم.{فقد سعت المرجعية الدينية منذ سقوط النظام الاستبدادي السابق في ان يحل مكانه نظام يعتمد التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة عبر الرجوع الى صناديق الاقتراع في انتخابات دورية حرة ونزيه(5)}.

 

سليم جوهر

..........................

 1- انظر ياسين

 2-  الدين في الديموقراطية- بول تيليش، ص9}

3-  الصدر، محمد باقر، ائمة اهل البيت تنوع اداور ووحدة هدف, ص179

4-  بول تيليش، بواعث الايمان، ص25

5-  من خطبة المرجعية يوم 3\6\ 2018

 

 

علي رسول الربيعياصبح العنف ظاهرة مألوفة في المشهد العالمي المعاصر. وتُطرح في هذا السياق مسألة العلاقة بين العنف والقانون. أننا بحاجة الى أن  نعرف ما هو الدور الذي يمكن ويجب أن يلعبه القانون فيما يتعلق بالعنف. يبدو واضحا أنه يمكن أن يحدث العنف في غياب الأنظمة القانونية العاملة، ولكن أيضا يمكن أن يحدث عندما توجد هذه النظمة وتعمل بشكل جيد. كما يفترض الكثيرون أن النظم القانونية، من الأنواع التي نعرفها جميعاً تقريباً، ضرورية بالفعل لمنع العنف، أو على الأقل تقليله إلى أدنى حد. هناك سؤال مهم حول ما إذا كان بإمكاننا الحصول على قانون بدون عنف. هل يمكن لأيً نظام قانوني فعلي في المجتمع أن يمتنع عن العنف؟ أم  أن العنف، في بعض المقاييس، سمة متأصلة لا يمكن تجاوزها في القانون؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل قد يكون العلاج أسوأ من المرض؟

يعتبر العنف أحد أهم اسباب تشريع القوانين"،[1] طبيعياً كانّ أو وضعياًّ.[2] فالتشريع يأتي أساساً من أجل وقف حصول العنف والعدوانيّة.[3] وعليه فإنّ القانون ليس سوا وعدًاً[4] بالتّغلّب عليهما، ويأتي ايضا لترويض وتدجين السّلطة، وإخضاع العمل والغريزة للعقل والإرادة.[5]

يمثل العنف بوصفه تعبيّر عن يوتوبيا منحرفة وضارّة لفعل غريزيّ يفتقد التّفكير بتروٍّ،[6] تحديا لوظيفة القانون في حماية المجتمع ممّا لهذا للعنف من نتائج مدمرة،[7] لكن المشكلة أن هذا

العنف يفرض على القانون أن ينخرط معه باتّخاذ سماته الأكراهية والقسريًة في مجريات محاولة ردعه والرّدّ عليه بما يحدّ من مضاعفاته وتفاعلاته[8] بأعتبار أنّ تطبيق القانون بشكل كامل من غير اتّخاذ هذه السّمات أمر غير ممكن،[9] ولأنّ مهمّة القانون بحسب النّظريّة القانونيّة هي التّأكيد على الفرق بين الإكراه الذي يستعمله القانون، وبين الإكراه القسريّ الجامح الذي يتجاوز كلّ الحدود والقيود.[10] يُطلق المنظّرون القانونيّون على الإكراه الأوّل صفة الشّرعيّة[11] الذي يُعنى بتطهير العنف الذي يتصل  بالقانون.[12]

أذن يستدعي العنف سنً القانون، لكن ما إن يصبح العنف جزءاً من القانون حتى تصبح  مهمّة تطبيقه أو على الأقلّ تطبيق جزء منه متعذّرة. يحبط أقتران العنف بالقانون الأمل في أن لايكون القانون منخرطاً فيه.[13]وبما أنّ العنف سبب تشريع القانون فإنّه يُلقي ظلاله بشكل مستمر عليه، لذلك يصبح لازما أن نسأل كيف يختلف إكراه القانون عن إكراه يستدعي وجوده من أجل الضّبط والتّنظيم. وكيف يمكن للقانون أن يستوعب العنف ويسيطر عليه دون أن يصبح أسيرًا للعنف ذاته. إنّه في الحين الذي يوفّر فيه التّهديد باستعمال الإكراه تبريرًا دائمًا تحت غطاء الدّفاع عن القانون، فإنّه يصبح تذكيرًا دائمًا أيضًا بما هو القانون حقّاً. يكتب والتر بنيامين قائلًا: "لقد كشف العنف عن شيء متعفّن في القانون."[14]

أكّدت النّظريّات القانونيّة في كثير من الأحيان على ادّعاء شرعيّة العنف القانونيّ لكن دون الالتفات إلى "تعفّن القانون بالقسر والإكراه أو إلى ماذا يريد أن ينتزع ذلك القسر والإكراه من القانون.[15] أننا نسأل عن الفرق والاختلاف الذي يُحدثه العنف في القانون، وعمّا إن كان بوسع القانون أن يصنع السّلام في ظل وجود العنف. ونطرح السؤال هنا على عدّة مستويات:

هل يمكن للقانون أن يقوم بأعمال جرميّة، أي بأعمال قتل[16]دون ممارسة حكم طبيعته أن يأمر ويقرّر وأن يملك سلطة القمع، وإبادة القيم المعارضة؛ أيً بدون أن تكون له "سلطة ترجيح أو فرض معنى على آخر من بين المعاني المتعدّدة عند اتّخاذ أيّ قرار (Jurispathic)"؟[17]

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

............................

[1] Nietzsche, F., The Birth of Tragedy and The Genealogy of Morals, Trans, Golffing, F., (Garden City, N.Y.: Doubleday, 1956). Benjamin, W., “Critique Violence”, p277.

[2] Nietzsche, The Birth of Tragedy, p.217

يُشير بنايمين أيضًا، إلى أنّه في حين يعتبر القانون الطّبيعيّ العنف كنتاج للطّبيعة، فإنّ القانون الوضعيّ يعتبر العنف نتاجا للتّاريخ انظر:

Critique of Violence, p. 278. "Benjamin, W.,

[3]  Hobbes., Leviathan, ed C.B. MacPherson (New York: Penguin Books, 1986).

. قال مارك تايلور: "إنّ القوّة مفهومة في القانون بما أنّ بنية القوّة متماثلة مع بنية القانون، لذلك فإنّ كلّ واحد منهما يعكس الآخر بشكل مثاليّ"

Taylor, M., ‘‘Desire of Law/Law of Desire,” Cardozo Law Review 11 [1990]:1269-70)

[4] يقول بول ديمان: إنّ القوانين توجّه نحو المستقبل المحتمل، وطريقتها هي الوعد. من ناحية أخرى، فإن كلّ وعد يفترض تاريخا حيث يتمّ تنفيذ ذلك الوعد إذ بدونه لن يكون للقانون أيّ مفعول أو صلاحيّة. إنّ القوانين هي السّندات الإذنيّة حيث حاضر الوعد هو الماضي فيما يتعلق بتحقيقها

Laws, Paul de Mann, Allegories of Reading: Figural Language in Rousseau, Nietzsche, Rilke, and Proust [New Haven: Yale University Press, 1979], p.273.

[5] يصف غولدستن هذا الوعد على النّحو التّالي فيقول: "يُشكل القانون الطّبيعيّ جزءًا من القانون المحلّيّ بطريقة مناسبة.. فالقتل مُبَرَر ليس لأنّ القانون الطّبيعيّ قد قلب القانون المحلّيّ، ولكن لأنّه لا يوجد حكم في القانون المحلّيّ يجعل من القتل في مثل هذه الحالات عملا جنائيّا." حول تفاصيل هذا انظر

Joseph Goldstein, Alan Dershowitz, and Richard Schwartz, Criminal Law: Theory and Process (New York: Free Press, 1974) P. 1028.

مع ذلك فإنّ الوعد يتحقّق جزئيًّا في أحسن الأحوال، لأنّ القانون بحد ذاته إكراه يثير الاضطراب في العلاقات الاجتماعيّة

[6] انظر

Benjamin, W., “Critique Violence” of in Reflections trans, Edmund Jepchott, New York Harcourt, Brace, 1978, p.286.

لتعليق مهمّ حول بنيامين والبحث عن أصل القانون  انظر:

Derrida, J., ‘‘Force of Law: T ‘‘Mystical Foundation of Authority,’ trans. Mary Quittance, Cardozo Law Review 11, 1990, p 919. And Benjamin, W., “Critique Violence

[7] للحصول على أكمل وصف لعمل وصورة العنف الجامح في النّظريّة القانونيّة انظر

Austin Sara and Thomas R. Kearns, “A Journey Through Forgetting: Towards a Jurisprudence of Violence,” in The Fate of Law, ed. Austin Sara and Thomas R. Kearns (Ann Arbor: University of Michigan Press, 1991)

[8]Taylor, M., “Desire of Law/ Law of Desire.

[9] قال دريدا: "إذا كان أصل القانون هو التّموضع العنيف، فإنّ هذا التّموضع يتكشّف في أكمل صورة عندما يكون العنف مطلقًا، أي عندما يمسّ الحقّ في الحياة والموت" ( "Force of Law "، 1005).

[10] انظر  Sara and Kearns, “ A Journey Through Forgetting.”

يؤكّد روبرت وولف أنّ القتل في نظر القانون والنّظريّة القانونيّة "من أعمال العنف، لكنّ عقوبة الإعدام من قِبَل الدّولة الشّرعيّة ليست كذلك؛ إنّ السّرقة والابتزاز من أعمال العنف، لكن جباية الضّرائب من قِبَل الدّولة ليست كذلك".

(Violence and the Law,” in The Rule of Law, ed. Robert Wolff [New York: Simon and Schuster, 1971], P. 59.

[11] انظر:

Gerth, H.H., and Wright., Mills, eds and trans., Max Weber: Essays in Sociology (New York: Oxford University Press, 1946), p.78. Robert Paul Wolff, “Violence and The Law”, Edgar Friedenberg, “The Side Effects of The Legal Process, “ in The Rourle of law, 43; and Bernhard waldenfels,  ‘ ‘ The Limits of Ligitimation and Question of Violence in Justice, Law and Violence , ed. James Bradley and Newton Garver (Philadelphia: Temple University Press, 1991).

للإطّلاع على دراسة أكثر أهمّيّة عن كيف يشرعن القانون نفسه، انظر:

Weber, S, “In the Name of The Law,” Cardozo Law Review 11 (1950): p.1515.

[12] لقد دعا Karl Olivecrona إلى اعتراف واضح بأنّ عنف القانون ليس متحوّلًا ولا صافيًا، ففي معظم ما كُتِب عن القانون "فإنّ العنف الفعليّ قد بقي هو الأساس بشكل كبير في مثل هكذا حالة، وإنّه من الملائم خلق الاعتقاد بأنّ العنف هو غريب عن القانون، أو أنّه ذا أهمّيّة ثانويّة. بالتّالي، هذا هو الوهم القاتل... إنّ الطّابع الحقيقيّ للقانون محجوب إلى حدٍّ كبير، ويتمّ ذلك من خلال الأفكار الميتافيزيقيّة والمصطلحات. عن سبيل المثال، فإنّه لا يقال صراحة إنّ وظيفة المحاكم هي تحديد استخدام القوّة، لكن بدلًا من ذلك، يُقال إنّ وظيفتها هي في ’إدارة العدل’ أو التّأكّد من ’الحقوق’ و’الواجبات’".

Olivecrona, K. Law as Fact, Copenhagen: E. Munksgaard, 1939, p. 125.

[13] تقول Sarat and Kearns, إنّ القوّة تترفّع عن العقل وتضعه جانبًا لتستولي على السّلطة تمامًا. لا يملك العقل ولا القوّة أيّ وسيلة لتشارُك السّيطرة على الوكالة البشريّة، ومتى ما التقى الإثنان في معركة فإنّ واحدًا يمكنه الفوز. وبالنّظر إلى وضع مستويات القوّة والألم، والعنف في تصرّف القانون، فإنّ القانون سوف يكون مؤكّدًا انتصارُه حينما يريد ذلك. يبدو إذن أنّ أعمال عنف القانون لا تتوافق جيّدًا، بل بالحقيقة تتعارض مع مفهوم الوكالة البشريّة التي بنيت وتحمّلناها من خلال فقه القواعد".

A Journey Through Forgetting,” p.269.  Sara and Kearns,"

[14] Benjamin “Critique of Violence” p.286

في هذه الجملة يؤكّد دريدا أنّ بنيامين كان يعني في إشارته أنّ "القانون هو عنف ضدّ الطّبيعة"”

(“Force of Law, p.1005).

[15] خير مثال عن هذا الاتّجاه في النّظريّة القانونيّة قد قُدِّم من قِبَلRonald Dworkin  الذي تعامل مع موضوع عنف القانون كما أن الأمر يتطلب دراسة لمدى كفاية "المبادئ" التي تبرّره. انظر:

Dworkin’s Taking Rights Seriously (Cambridge: Harvard University, 1977, p. 15

[16] تعتبر عقوبة الإعدام أكثر الأعمال الجرميّة وضوحًا وأهمّيّة يقول Benjamin: عند ممارسة العنف على الحياة والموت في أيّ عمل قانونيّ، فإنّ على القانون أن يعيد تأكيد أو تأهيل نفسه. (“Critique of Violence” 286)

[17] استُعملت هذه الجملة من قبل كوفر لوصف الميل أو النّزعة إلى قتل أو إلى تدمير المعنى القانونيّ. انظر مصطلح المحكمة العليا.

The Supreme Court, 1982" Nomos and Narrative Narrative” Harvard Law Review 97, 1983 4,40”

 

 

قاسم حسين صالحيعدّ تأسيس "مجلس الحكم" هو الحدث السيكولوجي الأخطر الذي كرّس رسميا" حالة تعدد الولاءات الى طوائف واديان واعراق وأحزاب وتكتلات على حساب الانتماء الى العراق، وبتأسيه نشأ تحول سيكولوجي جديد لدى العراقيين. فبعد إن أطيح بالدولة (وليس النظام فقط) وافتقدوا الأمان، ودفعهم الخوف الى قوة تحميهم " العشيرة بشكل خاص، اكثر الولاءات تخلفا"، بدأ مجلس الحكم يأخذ في وعيهم أنه الوسيلة الى السلطة.. ثم الدولة. فتقدمت لديهم سيكولوجية " الحاجة الى السيطرة " التي تؤمن لهم بالتبعية " الحاجة الى البقاء " .

وبممارسته السلطة عمليا، اشاع مجلس الحكم ثقافتين هما (ثقافة المظلومية) التي شاعت بين الشيعة والكورد، و(ثقافة الأجتثاث) التي استهدفت من كان محسوبا" على النظام السابق لا سيما في أجهزته العسكرية والأمنية والحزبية والمسؤولين الكبار في الدولة، وغالبيتهم من السّنة.وكلا الثقافتين كانت تقومان على سيكولوجية (الضحية والجلاّد). وقد تجسّدت إرادة انتقام الضحية من الجلاد باستخدام مفردة " الاجثتات " التي تعني القلع من الجذور. وكان الاجتثاث هذا أقرب الى الثأر الجاهلي منه الى التعامل الحضاري أو الشرعي أو المساءلة القانونية .

وعلى وفق المنطق السيكولوجي فأن انتصار " الضحية " على من تعدّه " جلادّها " يدفعها الى التعبير بانفعالية في تضخيم ما أصابها من ظلم، وشرعنة الاقتصاص حتى ممن كان محسوبا" بصفة أو عنوان على الجلاّد. والممارسة المضخّمة لأنماط سلوكية أو طقوسية كان " الجلاّد " قد منعهم منها.فالشيعة ملئوا شوارع المدن والأحياء الشيعية بالمواكب الحسينية وزادوا في اللطم والضرب بالزنجيل، وبالغوا في وسائل التعبير عن أنهم كانوا ضحية . والأكراد ايضا ركزوا في تجسيد ما أصابهم من ظلم، حتى صار الأمر بين الشيعة والكورد أشبع بالمباراة في تصوير ما أصابهما من ظلم .فشاعت " ثقافة الضحية " عبر صحف ومجلات صدرت في حينه بالمئات!. وتولى هذه المهمة مثقفون أو من أخذ دورهم ممن لم تكن لهم علاقة بالثقافة، نجم عنها تهميش الولاء للعراق، وتكريس الولاءات الكبرى: الطائفية والاثنية والدينية.. .، والولاءات الصغرى: حزب أو تكتل أو عضو نافذ في مجلس الحكم، أو شخصية اجتماعية مستقلة ومتمكنة ماديا"، أو مسنودة خارجيا". وكان اكثر تلك الولاءات تخلفا" ظهور ما اصطلحنا على تسميته يومها بــ (شيوخ التحرير) الذي يذكرّنا بــ (شيوخ أم المعارك) .

وفي زمن سلطة (مجلس الحكم) حصل ان انقسم العراقيون الى فريقين: الذين كانوا في الخارج زمن النظام الدكتاتوري، والذين بقوا في الوطن وما غادروه.. وحصل ان نشأت بينهما فجوة نفسية .فمع أن عراقيّ الخارج لم يقوموا هم بإسقاط نظام الحكم بل جيء بهم الى السلطة، مع الاعتراف بدورهم النضالي والتحريضي المشروع وتضحياتهم الكبيرة، إلا انهم أوحوا لعراقيّ الداخل بأنهم أصحاب فضل عليهم بتخليصهم من الدكتاتورية، وانهم يستحقون التمييز عليهم، وانهم ألأحق بتولي المراكز القيادية في السلطة. وكان أن نجم عن شعور الأستعلاء هذا شعور عراقيّ الداخل بالتهميش، نجم عنه ان استخدم في إسناد المسؤوليات المهمة في السلطة على أساس " الخارج مقابل الداخل " لا على أساس الكفاءة والنزاهة، وحصل أن تبوأ مراكز القرار في السلطات العليا والوسطى أشخاص بينهم كثيرون لا يحملون تحصيلا علميا ولا خبرة تخصصية.

وكنت التقيت جميع اعضاء مجلس الحكم، باستثناء المعممين منهم، بوفد يمثل اساتذة جامعة بغداد يوم كنت رئيسا لرابطتهم.. نطالبهم بمساواة استاذة الجامعات العراقية بأقرانهم في دول الخليج، اذ كان راتب التريسي الجامعي يومها بحدود مئة دولار في الشهر!

ومن طريف ما حصل أننا قابلنا الجعفري في بيت بشارع المنصور قريب من حلويات الخاصكي. قالوا لنا في الاستعلامات (لكم نصف ساعة). دخلنا.. قدمت استاذي الراحل الدكتور حسين امين.. تصافحا، ثم انا.. وحين جاء دور الدكتورة ليلى الأعظمي وزميلاتها من قسمي الاجتماع والتربية.. لم يصافحهن بل وضع يده على صدره.

استهل هو الحديث فبدأ من حمورابي.. مضت عشر دقائق وهو مسترسل.. رفعت يدي اليسرى وأصبعي على الساعة ليفهم الأشاره لكنه وصل الى العصر العباسي ويريد ان يكمل.. عندها رفعت يدي مقاطعا وقلت:

- لطفا دكتور.. نحن جئنا من اجل طلب محدد، وحددوا وقتنا بنصف ساعة وحضرتك تتحدث عن تاريخ العراق واستاذ التاريخ دكتور حسين امين موجود، وتتحدث عن المجتمع العراقي ورئيس الجمعية الاجتماعية واستاذات علم الاجتماع موجودين.. ارجوك أدخل بالموضوع.

فاجابني جوابا لطيفا:

- يبدو أنني كنت كحامل التمر الى البصرة!

*

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

 

بليغ حمدي اسماعيلهل كان من الممكن أن يظهر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في دول مثل الأرجنتين أو البرازيل أو كوبا التي تحترف تجارة الكوكايين وهي أحرى بوجود جماعات وتنظيمات دينية تواجه التحلل الأخلاقي؟ وهل كان من الطبيعي أن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) تؤدي أدوارها الجهادية في إسبانيا التي ظلت طيلة ثمانية قرون إسلامية تدين بها وتخضع للحكم الإسلامي؟ والأهم من أسئلة أخرى لا تبدو مغايرة، كل يوم وليلة أفتش بجدية عن تنظيم إسلامي في السويد أو النمسا أو النرويج وكافة الدول الإسكندافية يسعى إلى التصدي لحالات الانتحار الجماعي وانهيار القيم في هذه المجتمعات لاسيما المتعلقة بالدين، أو نشر ثقافة تدويل السلطة وبناء مرجعية دينية واحدة، لكنني لم أجد مقصدي ومبتغاي سوى في شرق يبدو مضطربا .

وشتان ما بين الشرق الفنان للمفكر الفيلسوف المصري زكي نجيب محمود وهذا الشرق الآني الذي يبدو مستعرًا وأكثر اضطرابا مع إيجاز توصيفه بأنه شرق تتسارع أحداثه بنفس قدر تصارع إحداثياته وتفاصيله المتناثرة والتي لا تعرف لليقين سبيلا . وشرق المفكر زكي نجيب محمود انفرد بتقنيات ثقافية وتشكيلية بدت دافعا قويا لحضارات أخرى في النهوض والتقدم والارتقاء، وهو شرق اتسم بملامح رائدة ومبدعة في التأليف والتصنيف والترجمة وقطاعات الفنون بمختلف صنوفها، حتى الصناعات استطاع هذا الشرق الفنان أن يقدم للإنسانية أعمالا ومنتجات صناعية سجلت باسمه، ووسط هذه الانفرادات لايمكن إغفال ثمة حقائق فكرية امتاز بها هذا الشرق الفنان مثل إعمال العقل بوصفة فريضة إسلامية، وإطلال العنان لحرية التفكير وتقليص مساحات التكفير، وأخيرا حركة الاجتهاد الفقهي الذي اجتاحت هذا الشرق بحضاراته المتعاقبة .

أما شرق اليوم فهو بمنأى عن طروحات المفكر والفيلسوف العربي زكي نجيب محمود، فلقد عاد إلى طبائعه القديمة في عدائه المستدام مع حركة التفكير، ورجع القهقرى إلى سنوات من غلق الاجتهاد والاكتفاء بالنقل من مصادر إما غير موثوق بها أو مشبوهة الانتساب لشبهات تتصل بأصحابها متناسين دور القرآن الكريم في الحض على العقل وأهمية التفكير والتدبر وتأويل الأسباب والأحداث .

وهذا الشرق الذي كان يوما ما يتباهى بالعلم والمدنية وإعمال قوى العقل المختلفة في الإعمال والتشييد وبناء الأمم أصابه عطب مفاجئ يمكن إرجاعه في المقام الأول غلى النظم التعليمية العربية السائدة التي تهتم وتكترث بالشكل دونما أدنى مراعاة لطبيعة الظروف الآنية أو احتياجات المتعلمين الفعلية، نلمح هذا بوضوح في سياقات الأنظمة التعليمية ذات الصبغة الدينية في معاهدنا العربية، حيث إن الطرح المعرفي وإن كان وجوبيا وضروريا للباحث المتخصص إلا أنه لا يعد وظيفيا ولا يتعلق بالحراك المجتمعي الذي يتطلب جهدا وقدرا بعيدا من الاجتهاد . وغياب التنوير لا يمكن فصله عن حالة الشرق المضطرب والذي تجتاحه جماعات دينية متطرفة لا يمكن ربطها وإسلامنا الحنيف، هذا الغياب جاء بالضرورة وفقا لنظرية المؤامرة القديمة المتربصة بالشرق منذ مطلع القرن التاسع عشر والذي دعمته كافة المؤسسات والمنظمات الماسونية مع دعم جلي من الهيئات الصهيونية التي تؤرقها تطور الشرق ونماؤه .

ومما دعم هذا الجمود في تطوير الاجتهاد الفقهي ونماء التفكير الديني تغلغل التيارات الإسلامية السياسية التي سعت نيل محوري الدين والسياسة في وقت واحد، فكانت النتائج توظيف الدين لتحقيق مطامح سياسية ومطامع سلطوية، وإقصاء سياسيا لكافة الأطراف السياسية المغايرة في الأيديولوجيات التابعة لتلك التيارات، ويكاد يتفق الجميع على أن الشعوب العربية جميعها في حالة ولع بالدين عموما وهي فطرة محمودة لكن تلك التيارات التي وجدت الفرصة سانحة على أرض الشعوب العربية نتيجة التفكك الذي أحدثته الأفكار والمنظمات والهيئات الأجنبية لتقويض الوطن العربي الكبير ـ فلعبت على هذا الولع وهذا التعطش المعرفي صوب الدين وتعاليمه .

وحالة التعطش تلك أوجدتها النظم التعليمية العربية البائدة والباهتة التي أشرت إليها في السطور السابقة، فبدلا من تدعيم الاحتياجات المعرفية لدى الطلاب وجدنا أنظمة تعليمية عربية لمدة سنوات طويلة تغاير هذه المطالب وتتجه منحى بعيدا عن حراك معرفي ووعي معلوماتي لدى الأبناء هو أحق بالاهتمام، فكأن المواطن العربي بصفة عامة والطالب العربي على وجه الاختصاص وقع فريسة بين مطرقة الهيئات والحركات الأجنبية الهادفة لتقويض العقل العربي وحراكه، وسندان تيارات وجماعات تسترت خلف راء الدين وسماحته والدين غريب عنها تماما .

وبدلا من أن تهتم تلك الجماعات في التصدي إلى المؤسسات الماسونية والهيئات الصهيونية وبعض حركات التبشير المعاصرة عن طريق وضع خطط ناجحة وناجعة أيضا لمواجهة هذه التحديات غير المنتهية، لهجت بشراسة في تقديم أيديولوجيات استثنائية خاصة ترتبط بأشخاص دون النبي (صلى الله عليه وسلم) واعتبرت هذه الجماعات أن ثمة أشخاص تمثل المرجعيات الدينية الحصرية للإسلام، والكارثة أن المواطن العربي ربط إسلامه بأشخاص رغم كون الدين لا يعترف بمنطق الكهنوت ولا يفطن للواسطة البشرية طريقا وسبيلا . واستقرت التيارات الدينية على استخدام شعارات مراوغة تستهدف تقويض الوطن من الداخل عن طريق التشكيك في الحكومات والأنظمة السياسية، وتنصيب أنفسهم وكلاء لله في الأرض مستغلين في ذلك أمرين ؛ الأول حالة العطش المعرفي الديني لدى الكثير من البسطاء، والثاني غياب المؤسسات الدينية الرسمية في أداء وظائفها الوجوبية التي تعد فرض عين عليها . وسرعان ما طفقت التيارات الدينية إلى تكوين جمعيات وأحزاب سياسية تحت دعاوى الوازع الديني وضرورة مواجهة مظاهر التحلل الأخلاقي والديني في المجتمعات العربية، والمدهش حقا وربما يحتاج إلى تفسير هو لماذا سقطت جميعا هذه الحركات بل وواجهت حملات ضارية من الغضب الشعبي؟ .

الإجابة تبدو بسيطة وسهلة أيضا يمكن تحديدها في عبارة (احتكار الدين)، إن تلك الجماعات والحركات والتي يمكن تحديدها وفقا لخريطة الانتشار الجغرافي التي رصدها الدكتور جمال سند السويدي في كتابه الصادر حديثا 2015 بعنوان "السراب "، في جماعة الإخوان المسلمين، والتيار السلفي، والتيار السروري، والتنظيمات الجهادية بمصر وباكستان وأفغانستان والعراق وأندونيسيا، فجميع تلك الحركات حاولت وحدها بغير شراكة احتكار واقتناص الحق في توضيح معالم الإسلام وبالقطع من زاوية واحدة، رغم أن الإسلام نفسه يشير إلى التعددية الدينية التي هي من أبرز ملامحها، والإسلام وحده الدين الذي أباح التنوع الثقافي وتعدد الروافد الصحيحة والصالحة لكل زمان ومكان دون ربطها بأشخاص أو بعصر أو بطائفة دون غيرها .

لكن الإشكالية التي طرحتها هذه الجماعات هي الطبيعة الاحتكارية للصوت الديني الواحد،مما يتيح لها حق التصرف في المسلمين ومصائرهم لاسيما المتعلقة بالشأن السياسي مثل الدساتير والرئاسة والملك والانتخابات البرلمانية مرورا بحياة المجتمع . وهذه التيارات وصولا إلى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ارتأت عدم الاكتراث بأولوية العقل ومكانته في الاستنباط والاستقراء لمقاصد الشريعة ما دامت تلك الجماعات قادرة على تقديم وجبة يسيرة من المبادئ والتعليمات الدينية يمكن الاكتفاء بها .

ولكي تكتمل صورة الشرق المضطرب بوجود داعش وحالات الشره السياسي لدى التنظيمات الدينية نحو اعتلاء السلطة كما حدث في مصر وتونس وبعض الأوقات بالعراق الذي تبدد، وجنوح مؤقت في الجمهورية السورية، نجد تخاذلا شديدا من قبل تلك الفصائل والتيارات صوب العدو الحقيقي وهو إسرائيل والأفكار الصهيونية التي ترابط لنا في السر والعلانية، ورغم توافر كم كبير من المعلومات والمعارف حو حقيقة العدو المرابط للشرق العربي والإسلامي إلا أن الصورة دوما تبدو معكوسة ومغايرة لدى هذه التيارات، فخطابها السياسي ليس بنفس القوة والضراوة أمام عدو يحيط ويحيك لنا المفاتن والمثالب والمخاطر إذا ما قيس خطابها بشأن الأوضاع السياسية الخارجية، فعلى سبيل المثال نجد أصواتا كثيرة متشابهة تطل علينا في الصحف والمجلات والفضائيات الفارغة من المضمون والهدف تهاجم أوضاعا عربية وتكيل الاتهامات للأنظمة السياسية بها وهي غافلة تمام الغفلة والنسيان عن كيفية مواجهة الخطر الصهيوني الوشيك .

وتكفي نظرة سريعة إلى أحداث المنطقة العربية لإدراك حالة التشظي السياسي والديني بها وموقف المثقف صوبها وماذا أفاد من إحداثياتها المضطربة وماذا أفاض من حلول لفك شفراتها، تحديداً مجازر الكيان الصهيوني في غزة و الخلافة المزعومة المنسوبة لتنظيم داعش والموسومة بتنظيم الدولة الإسلامية، وبعيداً عن ما يحدث في غزة لأن الإنسانية تنهار لحظة بلحظة أمام المشاهد اليومية التي تبث عبر الفضائيات والتي تحتاج إلى عناصر ثلاثة كي تنفك عقدة فلسطين عموما وليست غزة وهدها وهي الإرادة والإخلاص والتعاون الصادق، وهي كلمات ثلاث تبدو بسيطة نسبياً إلا أن تحقيقها ومثولها على أرض الفعل لا يبدو سهلاً أو ممكناً لكنه لا يعد أيضاً مستحيلاً. ومن الصعب تناول الطرح السياسي للمثقفين العرب إزاء مذابح غزة لاسيما وأن الصمت العربي الرسمي كفيل بمذابح جديدة، وأن تناول الملف الفلسطيني على موائد الاجتماعات العربية صار طبقاً شهياً لأن الطعام فيه لا ينفد .

أما بالنسبة لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) والذي يسعى لإقامة خلافة إسلامية ممتدة حتى مشارف القارة الأوروبية والتي قدمت أوراق اعتمادها بالعنف وسفك الدماء ونبش قبور الأنبياء والأولياء فإن المثقف العربي لا يمتلك قدرة على استشراف الخطر بصفة عامة، وعادة ما أتعجب من أمر الذين يصرون على إلصاق أسمائهم بلقب المفكر لاسيما وأنهم تنتابهم فجأة ظهور مثل هذه الحركات والتنظيمات في الوقت الذي كان أمامهم متسع من الزمن يسمح لهم بتجديد خطابهم الثقافي وتهيئة العقل العربي لاستقبال التنوير، وظل المثقف العربي ينتظر أية إحداثيات جديدة في المشهد السياسي والديني دون أن يبدأ في حركة التثوير المرتقبة والمنتظرة منهم فكانت النتيجة ظهور تيارات مناوئة تستهدف تقويض المنطقة كلها تحت رعاية أمريكية بعدما اقتنعت الإدارة الأمريكية بعدم جدوى التدخل المباشر وخصوصاً المكابدات التي لحقت بالقوات الأمريكية في العراق وكذلك ما تكبدته من خسائر اقتصادية أرهقت ميزانيتها عقب نجاح الثورات العربية تحديداً في مصر وتونس فكان من الأفضل لديهم الالتجاء إلى تدعيم فصائل قصيرة العمر تاريخياً من أجل زعزعة الاستقرار السياسي والاجتماعي وتفتيت القوى التي يمكن أن تناهض الكيان الصهيوني ومصالح الإدارة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.

إن فكرة الرهان على داعش هي الفرصة الأخيرة للمثقفين والمفكرين العرب الذين أرهقوا أقلامهم وأرهقوا أذهان القارئ معهم بتفاصيل ودقائق أحداث وتشتيت للانتباه والوعي العربي الجمعي بعيداً عن مشكلاتهم المزمنة تاريخياً والتي يفرزها واقع مأزوم يتشظى بالانقسامات والتحزبات، فالخصومات الثقافية والسياسية للمفكرين العرب هي التي أفرزت تنظيم داعش، وفقر معالجة قصور الخطاب الديني وابتعاده الطوعي عن تجديده أسهم في الترويج الإعلامي لتنظيم الدولة الإسلامية وكأن الإسلام قد انمحى نهائياً من الدول التي شهدت بالإسلام فور ولادته . وشارك المثقف دون وعي في ترويج هذا الكذب الذي استخدم الدين ستاراً لتحقيق مطامح سياسية، ولعل صمت المثقف العربي عموما عن الاستلاب الفكري للشباب من قبل بعض الفصائل الدينية السياسية غير الرسمية أي التي لا تعمل تحت سياج شرعي أشعل فتنة الفتاوى التي تلقفتها عقول أولئك الشباب فصاروا أكثر حماسة لتلك الفصائل دون معرفة كاملة لكنهها وفلسفتها ومزاعمها غير الواضحة، هذا بالإضافة إلى فقدان تواصل المفكرين العرب إليكترونياً عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي التي استحالت عالماً حقيقياً وليس افتراضياً لشباب هذه الحقبة المعاصرة واكتفائهم بدور الأخ الكبير الناصح سمح لتنظيم الدولة الإسلامية وغيره من التنظيمات التي تعمل تحت الأرض بالظهور الدموي والإفراط في استخدام العنف تحت ستار الإسلام الحنيف البعيد عن أي مظاهر وممارسات تدعو إلى التناحر والتنابذ والتفرقة وشيوع الفتن .

ولطالما اكترث المثقفون المصريون بالحداثة منذ تسعينات القرن الماضي، إلا أن اكتراثهم هذا وقف عند تخوم المصطلح دون الاهتمام بإجراءات تطبيقها، وهم في هجرتهم نحو الحداثة الفكرية والاجتماعية افتقروا إلى فهم واستيعاب التراث وتحليل مكوناته لاسيما التي ارتبطت سياسياً بالسلطات والأنظمة الحاكمة، واعتبروا أن نصوص التراث جزءاً أصيلاً من الدين فتركوا الشباب ينهلون من منابع ومصادر لم تقنن بعد، الأمر الذي اعتبره كثير من المنتمين إلى تيارات الإسلام السياسي هو المنهج المستقيم الذي ينبغي أن يتبع، وبدلاً من أن يقوم مثقفو الوطن في معالجة كتابات التاريخ المتعلقة بالفكر السياسي والديني لجأوا إلى طريق أيسر نسبياً وهو النمذجة، أي الأخذ بفلسفات وتيارات فلسفية واجتماعية جديدة لا تتفق ومعطيات المشهد الحالي، وبذلك أصبح فكر الوطن معقداً نفسياً ومشدوهاً إلى أيديولوجيات متباينة يسارية وإسلامية وليبرالية، ووفقاً لذلك يغدو سؤال آخر وهو كيف يمكن فهم طبيعة وطن ومثقفوه ينصهرون بالاشتراكية والليبرالية والفكر الديني السياسي والحرية الاقتصادية دون أدنى اهتمام بحدث مشهود قد لا يقبل أي تنظير اجتماعي ضيق .

وعلى المثقف الذي كان يتمتع في ستينات وسبعينات القرن الماضي بقدر رائع ومساحات واسعة من الاعتلان الفكري والحضور الفعال داخل سياق المشهد المصري أن يتوقف قليلاً عن التنقيب والتفتيش في مصادر تمويل تنظيم الدولة الإسلامية داعش الذي أصبح معروفاً للقاصي والداني عن أسباب تواجده داخل الجسد العربي، أو اقتفاء التوجيه الذي يقف وراءه لاسيما وأن فكر داعش على وشك الاشتعال في منطقة الشرق الأوسط كلها، وكما يشير جاستون باشلار في كتابه فلسفة الرفض مبحث فلسفي في العقل العلمي الجديد إلى أن استخدام المنظومات الفلسفية في المجالات البعيدة عن أصلها الروحي يكون على الدوام عملية غير دقيقة، ويكون في الغالب عملية مخيبة للآمال، فالنظريات الفلسفية تغدو عقيمة وخادعة ما لم تتوافق مع حدث الواقع.

 

 الدكتور بليغ حمدي إسماعيل.

 

مجدي ابراهيملم نكن لنتجاوز الصواب إلى ما ينقضه حين نقول إنه ما من مفكر ظهر في الإسلام إلا ومردود تفكيره يرجع إلى ضرورة اجتماعية أو سياسية، ربَّما لأن الشَّرع هنا يحثُّ على "المصلحة"؛ وأن هذه الضرورة الاجتماعية أو تلك الحاجة السياسية مصلحة عامة ينتفع بها المسلمون. ومن مأثورات الإمام محمد عبده:"حيثما كانت المصلحة فثمَّ شرع الله". والمصلحة سياسة، ولكن أيضاً من جهة أخرى هو القائل:" ما دخلت السياسة في شيء إلا أفسدته".

أمّا الضرورة العقلية البحتة فلم تكن لتظهر فى الإسلام إلا لأنها تهدف إلى إثراء المطالب العملية والمقاصد الواقعية، ولم تكن لتتشكل في الواقع الإسلامي لولا وجود تلك المقاصد، عملية كانت أو واقعية، ولم نعدم من الإسلاميين؛ مَنْ شطب بجرة قلم على ما يُسَمَى فلسفة إسلامية أو فكراً فلسفياً في الإسلام، واعتبار ذلك كله في المجمل ترفاً فكرياً، ولا زيادة عليه لمستزيد. مثلما فعل سيد قطب حيث قال:" لسنا حريصين على أن تكون هناك "فلسفة إسلامية"! لسنا حريصين على أن يوجد بيننا هذا الفصل في الفكر الإسلامي، ولا أن يوجد هذا القالب في قوالب الأداء الإسلامية! فهذا لا ينقص الإسلام شيئاً في نظرنا، ولا ينقص "الفكر الإسلامي"، بل يدل دلالة قويّة على أصالته ونقائه وتميزه"(!!).

وفي الحق أن هذا الرأي، وإنْ يكن يعبر من الوهلة الأولى عن رجعية وتخلف ورفض للمقبول من التوجهات الفلسفية، لم يقم عند صاحبه من لا شيء، مجرد رأي كيفما أتفق والسلام! ولكنه كان صادراً عن وعي الرجل بفكرته، حتى ولو جاءت هذه الفكرة تهدف إلى غاية شديدة التقليد للنزعات المتطرفة الرافضة للفلسفة والتفلسف، تدعو إلى الانغلاق ولا تدعو إلى الانفتاح، وتؤسس للعنف الديني ولا تؤسس للتسامح بين الأديان وتخشى على العقائد الإسلامية من أن يشوبها التحريف من جَرَّاء أعمال النظر الفلسفي.

هذه الفكرة ممّا تحمل الرأي ولا شك بدائيةٌ متخلفةٌ، غارقةٌ في التقليد والتخلف والجمود، ولكنها مع ذلك تعبّر عن اتجاه، وعن موقف إزاء الدّرس الفلسفي، مجرد تفكير في الدين، ليس ملزماً لأحد، ولن يكون من حق أحد قبوله، ولا رفضه في حالة تسويغه لدى من يراه صحيحاً.   وبما أن لكل أحدٍ أن يكون حُرَّاً في اختيار فكرته، فلا مصادرة على الأفكار لدينا بل دراستها وفحصها تحت مشارط النقد والتحليل؛ ففكرته هى: أن يرفض استعارة "القالب الفلسفي" في عرض حقائق التَّصُّور الإسلامي، وهو على قناعة بأن هناك ارتباطاً وثيقاً بين طبيعة "الموضوع" وطبيعة "القالب"؛ وأن الموضوع يتأثر بالقالب. وقد تتغير طبيعة الموضوع ويلحقها التشويه، إذا عرض في قالب، في طبيعته وفي تاريخه عداء وجفوة وغربة عن طبيعته ! الأمر المتحقق في موضوع التصور الإسلامي والقالب الفلسفي.

والذي يدركه من يتذوق حقيقة هذا التصور كما هى معروضة في النّص القرآني. وإنه ليخالف "إقبال" في محاولته صياغة التصور الإسلامي في قالب فلسفي مستعارُ من القوالب المعروفة عند هيجل من "العقليين المثاليين"، وعند أوجست كونت من "الوضعيين الحسيين".

أحيانا قد تجد الذهب في المزابل، والتبر المسبوك بين أكوام الواغش المهجور. لم يكن الرجل يدعي مجرد ادعاء لا يثبت أمام المنطق المقبول، بل كانت فكرته الأساسية وإنْ أخذناها على أنها فكرة متطرفة جرجرت صاحبها فأدت به إلى أن يرفض ما يسمى بالفلسفة الإسلامية، إلا أنها في هذا المستوى الذي يتحدث فيه مقبولة في العقل بحكم التعامل مع المجالين، مجال العقيدة ومجال الفلسفة، وبحكم انعكاس هذا المجال الأخير صراحة أو ضمناً على ما شأنه أن يكون سبباً مباشراً في غيبة قراءة الإيمان على وجهه الصحيح.

تقوم هذه الفكرة فيما يصرح:" على أن العقيدة إطلاقاً والعقيدة الإسلامية بوجه خاص تخاطب الكينونة الإنسانية بأسلوبها الخَاص، وهو أسلوب يمتاز بالحيوية والإيقاع واللمسة المباشرة والإيحاء: الإيحاء بالحقائق الكبيرة التي لا تتمثل كلها في العبارة ولكن توحي بها العبارة، كما يمتاز بمخاطبة الكينونة الإنسانية بكل جوانبها وطاقتها ومنافذ المعرفة فيها ولا يخاطب "الفكر" وحده في الكائن البشرى، أمّا الفلسفة في نظره فلها أسلوب آخر؛ إذْ هى تحاول أن تحصر الحقيقة في العبارة، ولما كان نوع الحقائق التي تتصدى لها يستحيل أن ينحصر في منطوق العبارة فضلاً عن أن جوانب أساسية من هذه الحقائق هى بطبيعتها أكبر من المجال الذي يعمل فيه الفكر البشري، فإن الفلسفة تنتهي حتماً إلى التعقيد والتخليط والجفاف؛ كلما حاولت أن تتناول مسائل العقيدة !".

يكشف هذا الرأي حقيقةً، ولو فيما نراه نحن، عن تلك المحاولات العابثة التي اتخذتها الفرق الكلامية حين جعلت من العقائد موضوعاً لتوجهات سياسية أو لمجرَّد رؤى عقلية جافة لا تجعل من الإيمان روحاً يدرك ولا شعوراً يُحَس، جعلت العقل بمعزل عن الشعور والوجدان، ومضت به تواقة إلى المزيد من الخطابات الجدلية الغريبة العازلة له عن نبض القلوب وإيحاء الشعور ومعايشة العقيدة والإحساس بالقرآن. الأمر الذي أسفر في النهاية عن كوارث وأزمات فكرية كانت في الماضي كما لا زالت باقية إلى يوم الناس هذا!

وعليه؛ فالطابع النظري الصرف مُغْلق في الثقافة الإسلامية؛ لأنه طابع لا يُشكل روحها ولا عقيدتها ولا مطالبها الاجتماعية ولا حاجاتها السياسية؛ بعكس روح الثقافة اليونانية مثلاً، فلقد كانت في أكثر جوانبها نظريّة بحتة، مصروفة إلى إحياء هذا الطابع فيها دوماً وبغير انقطاع.

 القرآن نقطة التشكل الأولى:

يَهمُّني في هذا السياق أن أمسك بنقطة انطلاق الباحثين في التراث الفكري والفلسفي الإسلامي قديماً، من فلاسفة ومتكلمين ونظَّار ومفكرين، حيث يبدو النظر البحت مرفوضاً أو شبه مرفوض من الوجهة الإسلامية؛ تلك التى اعتمدت على النظر العقلي والدلالة العملية معاً، فلا يأتي النظر مقطوع الصلة بالجوانب العملية ولا هو بمفصول عن الأبعاد الاجتماعية والسياسية تلبية للحاجات الجماعية، ومن ثم يجيء البحث الفكري الفلسفي كله في الغالب ليتخذ لنفسه نقطة انطلاق ذات مصدر داخلي، (بالإضافة طبعاً إلى تعدد المصادر الخارجية وبخاصة اليونانية). أقول؛ يتخذ نقطة انطلاقه من" مضمون" متمِّيز، يميِّزه فيتميز به عن غيره؛ ليُشَكِّل طريقته في النظر والمعرفة والإدراك، بمقدار ما يرى في الدلالة النظرية مدلولاً واقعياً وتطبيقاً عملياً. هنالك تجد مضموناً إسلامياً يتخذ من القرآن الكريم قاعدته الأساسية ومنطلقاته النظرية والعملية.

وليس يشك باحث منصف في الفكر الفلسفي الإسلامي وفي الحياة الإسلامية في أن القرآن كان "نقطة انطلاق" المسلمين؛ إذْ اتجهوا إليه بالمباشرة يقرأونه ويتدبّرونه. والقرآن "حَمَّال أوجه"، يعطي لكل" الوجه الذي يريد".

ومن هذا التدبُّر وهذا التفكر في أعماق النّص الإلهي، فيما كان يرى الدكتور على سامي النشار، في المقدمات التمهيدية لنشأة الفكر الفلسفي في الإسلام - بدأ الفكر الإسلامي: اختلفت الطرق بالناس ولكن الأصل واحد: هو القرآن. والحياة الإسلامية ليست سوى التفسير القرآني؛ فمن النظر في قوانين القرآن العملية نشأ الفقه.

ومن النظر فيه ككتاب يضع "الميتافيزيقا" نشأ علم الكلام. ومن النظر فيه ككتاب أخروي نشأ الزهد والتصوف والأخلاق. ومن النظر فيه ككتاب للحكم نشأ علم السياسة. ومن النظر فيه كلغة إلهية نشأت علوم اللغة .. الخ. وتطور العلوم الإسلامية جميعها إنما ينبغي أن يبحث في هذا النطاق: في النطاق القرآني نشأت، وفيه نضجت وترعرعت، وفيه تطورت، وواجهت علوم الأمم تؤيدها أو تنكرها في ضوؤه".

وهذه وجهة نظر صائبة تماماً بل وتستحق الاحترام، من باحث ممتاز له قدْره، وله أثره على الفكر الفلسفي الإسلامي ولكن هذا لا يمنعنا من ملاحظة بعض المآخد التي نصيغها في مثل هذه الأسئلة: هل كانت النشأة كالتطور؟ وهل كان القرآن بالفعل في مراحل التطور هو المقصد الأوحد الأسمى للفكر الديني والحياة الإسلامية؟ هل كان هو المُقَدَّم دائماً على أية أغراض سياسية أم لعب به السياسيون كما أغلقه الفقهاء على ما يفهمون منه، وحجَّر المتكلمون معاني آياته بجفاف أنظارهم العقلية، فدخلت فيها الأهواء البشرية التى ليست مُلزمة لأحد لا في عقيدة ولا في دين؟! صحيح أن نقطة التّشكل الأولى لنشأة العلوم الإسلامية كانت من القرآن الكريم، لا شك في هذا، إذْ كان المصدر الداخلي الذي اعتمد عليه المسلمون وتوجهوا منه إلى إقامة حضارتهم وحرصوا على تطبيق مبادئه في العلم والحياة، ولكن النشأة لم تكن كالتطور، ولم تكن حركة التطور في واقع المسلمين تحفظ قوة المنشأ وتَقْتدرُ عليه مع حلول الخلاف، وبخاصةٍ الخلاف السياسي.

فالعقليون والحدسيون والذوقيون والجدليون والخطابيون والظاهريون والفقهاء والمفسّرون، وشتى المناهج لشتى الفِرَق، وكل من كانت له إسهامات في التراث الفكري الفلسفي والديني، كانوا جميعاً يستندون إلى "القرآن"؛ ليرون فيه وجهتهم ومبتغاهم، حتى أولئك الخارجون عليه، كانوا ينطلقون منه وإنْ لم يعودوا إليه؛ لأنهم إذْ ذَاَكَ كانوا يوظفونه توظيفاً يخدم مآربهم السياسية والطائفية.

لم يكن غرضهم وافياً بمقصود القرآن ولكنه كان وافياً بمقصودهم هم من وراء القرآن. فهو (أي القرآن) بغير مراء نقطة التشكُّل الأولى في الإسلام، أعنى نقطة التشكل التوجيهي معرفياً وفكرياً؛ ومن أغرب الغرائب أنها هى هى نفسها النقطة التي اتخذها السياسيون ومَنْ دانوا لهم من فِرَق ومذاهب وطوائف، ذريعة لاحتكار السّلطة وتعصُّباً للمذهب والطائفة والفِرْقة.

ثم هى عينها "النقطة" التي سَمَحَتْ باختلاف وجهات النظر واختلاف الرؤى واختلاف درجات التخريج وحالاته من منهج لمنهج ومن رؤية لرؤية.

فإذا أردنا لأنفسنا توحيداً للمواقف المتفرقة التي زعمت الهداية والإرشاد إلى الحقيقة الدينية، وأردنا أن نجمِّع بين متفرقاتها، وأردنا أن نلمَّ شعث التَّمزُّق الفكري الذي سبَّبته تلك المذاهب والاتجاهات والفِرق المتصارعة على امتداد التاريخ، ثم أورثت الأجيال بعد الأجيال تمزُّقها المذهبي وتشتتها الطائفي وتفرُّقها إلى شراذم ضعيفة لا تملك سوى المزيد من الفُرْقَة والخلاف.

أقول؛ إذا نحن أردنا ذلك صادقين؛ كانت وجهتنا الأولى التماس "الوحدة" فيها من تلك "النقطة"، نقطة التشكل الأولى: أعني نقطة الانطلاق من القرآن الكريم، حتى إذا ما كانت البداية من القرآن الكريم، باعتباره النَّصّ التأسيسي المقدَّس، إذْ كان المصدر لنشوء الثقافة الإسلامية وحركاتها الفكرية ومذاهبها الفلسفية برمتها، مع وجود مصادر خارجية بالطبع شكَّلت تلك الثقافات، فلقد كان أولى بنا أن نلتمس "الوحدة" في هذا المصدر ونتساءل: أهو الأقوى والأغلب على تلك الحركات الفكرية التي كانت تتنازع فى الماضي وتتطاحن فيما بينها، فينعكس ذلك بالسلب على اعتقادات المسلمين، وما ينشأ عنها من تمزُّق وتشتت، أم هو الأدنى بعد غلبة المصادر الخارجية: يونانية كانت أم فارسية أم هندية أم يهودية أو مسيحية؟

وفي الغالب -  بعد الرجوع إلى تلك الحركات -  لن تجد القرآن مع الأسف في مُقدِّمة اهتماماتها، ولن تجده هو الأغلب دائماً، بل هو الأقل في الغلبة؛ إذْ كان بمثابة "التوظيف" السياسي للتوجُّهَات الفكرية لهذه الحركات: ثقافاتُها، ومبادؤها، وأصول مذاهبها، وشرعيتها السياسية، ونفوذها المستمد من ذلك التدعيم السياسي؛ فكانت السياسة لا القرآن هى الغالبة.

لو كان القرآنُ هو هو الأغلب دائماً، لما نشأت أزمات فكرية دينية في القديم ولا في الحديث، ولا كانت هنالك مواقف مرشدة للعقل إلى الحقيقة الدينية في غير إرشاد صادق ولا بيِّنة روحية مستمدة من حضور الوعي بهذا الكتاب، اللّهم إلا إذا استثنينا حالة واحدة، حالة الذين تبتَّلوا في خدمة القرآن وانقطعوا له على الدوام ورأوا فيه كتاب عقيدة خالصة لا كتاب سياسة معوجَّة وسلطة غاصبة.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

رشيد كهوسإن القيم الإيمانية والإنسانية والاجتماعية تسهم بشكل كبير في التخفيف من الآثار السلبية الناجمة عن فيروس كوفيد 19،  ذلك بأنها تحقق السلم النفسي والأمن الصحي والتضامن الوطني، والتكافل الاجتماعي، والإحساس بالوطنية والإنسانية، وغير ذلك.

ذلك بأن ترسيخ القيم في المجتمع تسهم في حفظ أمنه الاقتصادي والاجتماعي والنفسي والصحي في جميع الحالات التي يمر بها، والمراحل التي يتقلب فيها.

وإن الفترة الحرجة التي تمر بها مجتمعاتنا اليوم تحتاج إلى استحضار هذه القيم المتنوعة (إيمانية، أسرية، اجتماعية، وطنية، إنسانية..)، من أجل التخفيف من التبعات الاجتماعية والاقتصادية والنفسية لفيروس كورونا المستجد.

وبناء على ما تقدم يمكن تفصيل تلك القيم فيما يأتي:

1- القيم الإيمانية:

عَنْ أَبِي يَحْيَى صُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤمنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ». [رواه مسلم].

انطلاقا من هذا الحديث النبوي الشريف، فإن التحلي بالقيم الإيمانية يحقق للإنسان الأمن النفسي والاستقرار الروحي، وذلك من خلال تعميق الشعور العقدي الذي يقوم على الإيمان بالقضاء والقدر، وحسن الظن بالله، حيث يرجع الإنسان إلى ربه بالدعاء ليصرف عنه وعن أمته الوباء، ويحميه من البلاء.. ثم بعد ذلك يتخذ المؤمن الأسباب اللازمة ليواجه هذا القدر (الوباء) بقدر آخر (العلم) وذلك باتخاذ الإجراءات اللازمة، والأخذ بالأسباب الصحية والوقائية من الوباء.. هذا وقد خطب عمرو بن العاص الناس بالشام، لما حل بها الوباء، وقال لهم: (أيُّها الناس! إِنَّ هذا الوجع إِذا وقع إِنما يشتعل اشتعال النَّار، فتجنَّبوا منه في الجبال)، فخرج، وخرج النّاس، فتفرقوا حتّى رفعه الله عنهم، فبلغ عمر ما فعله عمرو، فما كرهه(1).

وهذا توجيه مهم ينطبق على الحجر الصحي في زماننا هذا، حيث تنصح وزارات الصحة المصابين بأن يتفرقوا عن بعضهم ولا يتجمعوا، حتى تقل من نسبة انتقال العدوى بينهم.. ومن ثم مخالفة توجيهات الجهات الرسمية الصحية والأمنية تؤدي بالإنسان إلى التهلكة، والله تعالى يقول: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (البقرة:195).

وهذه كلها قيم إيمانية يجب على الناس أن يتحلوا بها، حتى يتحقق لهم الأمن النفسي والطمأنينة والسكينة في ظل هذه الأجواء التي يعيش فيها العالم كله ارتباكا وخوفا وهلعا.

2- القيم الاجتماعية:

عن النُّعْمَانِ بن بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ (ص) قَالَ: «مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا»(2).

إنه تصوير نبوي محكم للمجتمع الذي تسود فيه قيم التعاون والتكافل والتعاطف والرحمة ونكران الذات والوحدة الاجتماعية، حيث تنجو سفينته من الغرق والهلاك.. والمجتمع الذي تسود فيه الأنانية وتغيب فيه القيم، وينتشر فيه المنكر، حيث ستنتهي سفينته بالغرق والهلاك..

كما يوجه الحديث النبوي الشريف إلى المسؤولية المشتركة الملقاة على عاتق جميع الناس في المجتمع الواحد، والوطن الواحد.. فالجميع في سفينة واحدة يواجهون خطرا واحدا لا يفرق بين غني وفقير، وحاكم ومحكوم، وكبير وصغير، ورجل وامرأ، و عالم وجاهل، ومن ثم فإن أي خطأ يصدر من أي راكب على متن سفينة المجتمع في ظل هذه الظروف الحرجة سيضر بالجميع..

ومن ثم فإن النجاة من الغرق يكون بالتطبيق الصارم للإجراءات الاحترازية والوقائية والصحية الصادرة عن الجهات الرسمية (الأمنية والصحية) تحقيقا لسلامة جميع ركاب السفينة، ومن ذلك عدم خرق حالة الطوارئ الصحية، والالتزام بالعزل المنزلي والحجر الصحي والتباعد الاجتماعي وارتداء الكمامات الوقائية والالتزام بالنظافة الشخصية، وكل ما يساعد على رفع المناعة النفسية والجسدية...

وهكذا فالقيم الاجتماعية تسهم في التخفيف من الآثار الاجتماعية السلبية الناجمة عن هذا الفيروس.

3 - القيم الإنسانية:

إن هذا الوباء فرصة لانهزام قيم الفردانية وإحياء القيم الإنسانية، لكن للأسف فضحت القيم الوجه القبيح للكثير من زعماء الغرب ومثقفيه، حيث نجد عددا من المسؤولين الأمريكيين وعلى رأسهم الرئيس ترامب اقترحوا إعطاء الأولوية للشباب في مقاومة كورونا فيروس على حساب المسنين، وإعطاء الأولية للاقتصاد والحفاظ على فرص الشغل على حساب صحة المواطنين..

وكذلك فيما وقع مع إيطاليا حيث قررت بعض الدول الأوربية عزلها بدل مساعدتها ولو بالكمامات الواقية.. مما دفعها وشعبها إلى توجيه انتقادات لاذعة لدول الاتحاد..

وعلاوة على ذلك فقد اعتبر الطبيب جون بول ميرا، في تصريح لقناة "LCI" الفرنسية، القارة الإفريقية حقل تجارب لاكتشاف لقاحات لكورونا، في إجابته على سؤال عن "إمكانية تجريب اللقاح في إفريقيا على غرار تجارب سابقة".. وهذا يعبر عن الوجه الاستعماري القبيح لهؤلاء الذين رفعوا شعارات إنسانية جوفاء منذ عقود..

في حين نجد الكثير من الدول العربية والمسلمة سارعت إلى تقديم المساعدات لبعض الدول الأوربية وغيرها، انطلاقا من القيم الإنسانية التي لا تفرق بين بلد وبلد، وجنس وآخر، ودين ودين.

كما ظهرت هذه القيم الإنسانية جليا في التضامن الشعبي بين بعض الفئات الميسورة والفئات الفقيرة، والجهود التي تقوم بها الأطقم الطبية والأمنية والتعليمية وغيرها..

وتأسيسا عليه، فإن هذه الظرفية الحرجة التي تمر بها مجتمعاتنا اليوم، لا يمكن أن نتجاوزها خارج دائرة القيم، ولا يمكن أن نخرج من دهليزها بالأنانية والجشع والهلع ونشر الإشاعات.. وإنما بالقيم نتخطى الصعاب ونقتحم العقبات ونواجه هذه الجائحة حتى ترتفع بإذن الله.

اللهم اصرف هذا الوباء عن الإنسانية جمعاء.

 

أ. د. رشيد كهوس

جامعة عبد المالك السعدي-المغرب

........................

(1) تاريخ الطبري، 2/488.

(2) صحيح البخاري، كتاب الشركة، باب هل يقرع في القسمة والاستهام فيه، ح2361.

 

 

سامي عبد العالمُجدَّداً في إطار السياسة، تبدو ثنائيةُ الدين والعلمانية ثنائيةً مُراوغةً.. زلِّقةً. حتى أنك إذا امسكت أحد طرفيها، التف الطرف الآخر مُخلِّفاً وراءه ثُقباً أسود، يبتلع الدلالات الثريةَ لأي تفكيرٍ مختلفٍ. ثم يقذفك عبر فضاءات مجهولة عائداً إلى ذاته مرةً أخرى. كأننا إذْ نناقش وضعيةً أو غيرَها للدين، نخلع عن ذواتنا (موقفاً سلبياً منه) قَرَّ في لاوعي القارئ. وعندما نحلل لماذا هذه المشكلة السياسية أو تلك بين الدين والعلمانية، يحدد القارئُ لك آراءً مغايرة لم تَقُلها، وهي التراكم التاريخي للثنائية والذي أُضيف تلقائياً لأي نقاشٍ. أمَّا الأخطر، فهو الجزم بأحكامٍ سلبيةٍ تلتصق بما قُلت وتستبق أيَّة نتائج. فيغدو النقاشُ منحرفاً صوب أيهما أولى بالاهتمام..الدين أم العلمانية تاركاً طرحه من الأساس.

المقال يحاول ابطال دلالة الثنائية ليس إلاَّ، أي تكوينها وحركتها بالنسبة لمفاهيم الدولة، لأنَّها ثنائية تتجاوز موضوعها (الدولة والسياسة) اعتقاداً فيما لا يُطرح الآن بالنسبة للإيمان الديني والإله والشريعة والميتافيزيقا والآخرة، وأيضاً بالنسبة للعلمانية وربطها بالانحراف الخُلقي والإلحاد وكسر التقاليد!! وبدلاً من معرفة حقيقة الدولة وآلياتها وكيف تحقق الرفاهية، سيكون التكالب الحواري على الهوامش، هذا العشب البري البازغ على الجانبين (الكفر والايمان).

كلمةُ القطة بالعنوان هي الدولة التي تطارد أشباح الاستقواء بأية تنظيمات خارجها (على غرار مطارة القطط للفئران). لأنَّ الدولة هي القوة المعبرة عن قدرات المجتمع تاريخياً، إذ تجسد إرادة العقد الاجتماعي الحارس لوجود انفتاح حر للشعوب. حيث سعت اتجاهاتٌ ايديولوجية (دينية وعلمانية) إلى تلوينها بمرجعيتها باعتبار الألوان وجوداً في حد ذاته.

أي أصبحت الأصباغ الفكرية لما هو سياسي هي العلة والغاية (أيديولوجيا الأصل والهدف بذاتهما). ذلك بخلاف فاعلية الدولة التي هي جهاز إنساني قيد الممارسة لا يفقد عموميته إلاَّ ويفقد مبررات وجوده ولا يهدر طاقات التنوع إلاَّ ويهدر قاعدته. إذن يمثل تلوين الدولة بهذا المعنى خطوة لمقولات أفرزت صراعاً سياسياً حول ماهيتها ومستقبلها.

الدولة ليست مضاداً بيولوجيا لتفتت المجتمعات وحسب، لكنها كذلك مضاد لكشف زيف الأفكار الجارية حولها. فهي (علامة تعجب!!) عصيةٌ على أية أختام مفارقة باسم اللاهوت أو اختام أيديولوجية باسم العلمانية. ورغم أن العلمانية صفة تاريخية مرتبطة بأدوات الدولة ومؤسساتها واجراءاتها، غير أنَّ رصيداً أيديولوجياً لهكذا توجُه استحضر نقيضه. وانحصر الوضع بين ثنائية تشعل حماس الجماهير بخلفيات ومماحكات ليست من السياسة ولا من الدولة. هو اشتعال عنيف تبعاً لبنية ثقافية تنبت الهوامش التي تنهك قدرات العقل وتصنع القضايا الخطأ بالوقت الخطأ دون نهاية. مثل قضايا الإقصاء لفصائل من الفضاء العام وقضايا الديكتاتورية والالتفاف على إرادة الشعوب وتصنيم الأيديولوجيا.

الدولة: دينية أم علمانية؟!

في الثقافة العربية هناك مقولاتٌ يحار الإنسانُ إزاءها.. كيف ترسبت حتى أضحت جزءاً من التفكير السائد؟! فأخذت يقيناً مجانياً لوقت طويلٍ، وظلت حواراتنا تلوكها على أكثر من صعيدٍ: الخطابات النظرية وبرامج التلفزة والصحافة وأدبيات الجماعات الدينية والتحليل السياسي والمعارف المتداولة. إنَّ مُساءلَّة الأفكار وارتكاسها شيء ضروري لنعرف دقتها وأساسٍها. أبرز المقولات هي: الدولة الدينية، الدولة العلمانية، المجتمع المسلم، المجتمع العلماني.. إلى أخر قائمة التصنيف.

قائمة تُتّوج بغطاء" أسلمة  المجتمع والمعرفة " (التيارات الإسلامية) أو بغطاء "موضوعية المجتمع والمعرفة" (التيارات العلمانية) ليمثل الغطاء قميصاً واقياً ضد النقد. وأكثر من هذا.. فما أنْ تقابِل القارئُ المقولات السابقة حتى تلتصق بوجهه كالرباط المطاطي rubber الضاغط الذي يُكوّر الرأس والفكر معاً!! وبجانب التكوير يرى أصحابُها ضرورةَ التقاء أقطار الفكر خلف مفهومٍ أو آخر. لأنَّ كلَّ نقطةٍ على خط دائري تلتقي نظيرتَّها طالما داخل دائرة واحدةٍ. وهذا أقرب مثال استعاري على التفكير كما لو كان دجما dogma.

السؤال عندئذ: هل المقولات السابقة تلبست العقول بطريقة" تلبيس ابليس" لابن الجوزي أم آراءً بلغت حد الاعتقاد المباشر؟!

في الحالة الأولى، لكي يطرد العقلُ مقولاتَّه لابد من طقوس وتمائم وتعزيم. وفي الحالة الثانية يحتاج العقل إلى معرفة: كيف تتحول الأفكار إلى عقائدٍ وكيف يتم تحليلها. وما دمنا لا نستطيع اقامة الطقوس السحرية لأنَّ طريقاً كهذا نهايتُه البائسة معروفة، فليس أمامنا إلاَّ الخيار الثاني (النقد والتساؤل). نحن بحاجةٍ إلى استعادةِ العقل من بطون العقائد الصارمة ودهاليزها، وبالتالي تدعيم العقلانية وحرية التفكير ونقد الآراء والتصورات. وإذا كان الموضوع كذلك، فما هي خلفية التفكير الدائري؟! ولماذا تستدعي الثنائيات سياسياً إحداها الأخرى وتطرق ابوابها متى اُغلقت؟! ولماذا تخدع اصحاب حتى الفكر الحداثي الأكثر انفتاحاً؟!

مبدئياً يتأسس مفهوما الدولة الدينية والدولة العلمانية على حدودٍ متنافرة: الدين/ العلم، الكفر/ الإيمان، الدنيا / الآخرة، الشك / اليقين، المعرفة / الإسلام. أطراف حدية لا تلتقي إلاَّ تحت عمل توظيفي لها. فيظن صاحبُ الرأي– مثلاً- طالما أنَّه يوجد "مجتمع مسلم" ينبغي إيجاد "دولة علمانية" له أخذاً بالحسنيين. والرأي يؤيدُ ابقاء طبيعة المجتمع العربي وتقاليده كما هي مع تركيب غطاء حداثي فوقه!!

الرأي المذكور يرجع إلى التوجه الديني الوسطي الآخذ بــ" التراث والمعاصرة " في الفكر العربي الحديث. والأمر كمن يبحث عن عروس فائقة الجمال والدلال لابنه الوحيد (المجتمع). ويعقد قرانهما بطريقة:" يا بخت من وفّقَ رأسين في الحلال". وبتلك الطريقة ينشغل بالتصفيق مع نفسه لتجاوزه اشكالية الدين والعلمانية دون عناءٍ!! والتأسيس هنا ينهض على أحكامٍ قاطعة الدلالة معتبراً الموقفَ منها ضرورةً معرفيةٍ.

إلى هنا.. هذا شيء يخص صاحب الرأي التلفيقي بين العلمانية الشكلية والميراث الثقافي. لكنه حين يريد تصفيقاً، فلا يحق له ذلك!!، فالمعادلات التي مرت تستقطب التفكير (بل تمزقه) بقوة تناقضها وتفترض حرباً كؤوداً بين مكوناتها. فضلاً عن أنَّها تُضيق مساحة الحرية داعيةً إلى خطٍ لا أصالة فيه. قد يُقال إذا كان لدينا الدين، فهناك العلم، ولا يعقل مواجهته. إذن الدين عقيدة وشريعة وآخرة بينما العلم دنيا وتطور وتقدم. بالتالي لماذا لا يتأسلّم العلم كما يواصل القول طرحه؟! وإذا كان هناك الكفر لا يعقل اختياره، إذن يجب التمسك بالإيمان مع حذر الوقوع في الشرك. والإيمان يتطلب حاضنةً.. إذن هناك المجتمع المسلم.

خلطة عجيبة

تجري المفاهيمُ السابقة كأنها أفكارٍ خالصةٍ من أيّة ثغرات منطقية. فهي رُشقت بجسد الأفكار الجارية عبر تفضيلات الإيمان لا العقل نفسه. إنَّ خلطة: "دولة علمانية ومجتمع مسلم" لم تقُل أولاً .. كيف يتأسس المجتمع المسلم؟ ولا بأي معنى سيختلف عن العلمانية كي يلتقيان في النهاية؟ ألا يُحتمل حين يتشكل المجتمع المسلم أن يختار نظاماً خاصاً للحكم؟ وهل سيدل ذلك على حتمية وجود مجتمعات دينية باختلاف الأديان والمِلّل والنِحَلّ؟ وأيضاً هل مشروع أنْ تتكور الأديان إزاء العلمانية، وأنْ يتكور أنصارُها إزاء معارضي مواقفهم؟! ولماذا يختلف المجتمع الديني عن العلماني إذا كان هناك هذا الشيء؟!

أكاد أسمع من يقول: إنَّ هذا أمر معروف بفضل التناقض بين الدين والعلمانية، أمر لا يتطلب مناقشةً، فالتاريخ يثبته ليلاً ونهاراً!! هنا أسأل ثانيةً: إذا كانت القضيةُ صحيحة بهذا الطرح، كيف يلتقي مجتمعٌ مسلم مع دولة علمانية طالما يتضادان بعبارة المقولة؟! هل الإسلام رسم زيتي حتى يلون أقفية الناس وخدودهم كما في مباريات كرة القدم؟! هل العلمانية صفة ناجحة لو أخذناها شعاراً وحسب ؟! بل كيف سيرضى مجتمع مسلمٌ بدولة علمانيةٍ؟ لعل مجرد التسميات- أقول مجرد لا أكثر- سيعني طلاقاً بائناً بين الاثنين على يد مأذون شرعي (أو بالأحرى مُفكر شرعي).

التجارب السياسية القريبة اثبتت أنَّ الدين في النظام الاجتماعي يكيِّف –بحسب فهم أتباعه- أوضاعَهم وأجهزتَّهم السياسية لأشكال الوعي لديهم. ألم توجد بمصر دولة علمانية بنسبةٍ ما؟! وكم تغنى المصريون بقِدَم دولتهم على مدار سبعة آلاف عاماً. وتعاقبت عليها أنظمة سياسيةٌ في العصر الحديث من محمد على إلى حسني مبارك وما بعد الحراك السياسي. وقد حافظ الرؤساء- إلى حدٍ ما- على عدم تلوين الدولة بلون معين رغم توظيف الدين لخدمة السلطة وأهدافها.

لكن حينما اعتلى محمد مرسي "صهوة السلطة" تذكر أولَّ ما تذكر عرشَ الخلافة الإسلامية. وتنكر أولَّ ما تنكر لأهم مؤسسة في الدولة العلمانية (القضاء). هذا ما فعله بالرغم من الفساد الذي يشوبها. فساد كان يقتضي منه بحثاً عن علاجٍ ناجع لا تدمير القضاء من أصله. ثم ظهرت الفرقة الناجية خلفه في غير مكان(الإخوان ولواحقهم). وحلَّ أمامهم كفار قريش(أطياف المعارضة السياسية وبينها اسلاميون). وأنشأ الرئيس ديوان المظالم تيمناً بالعصرين العباسي والأموي مُزيْحاً الأفق العلماني الحديث جانباً.

لقد جاءَ المجتمعُ المسلم (حتى المسيحي) إلى مرسي من كل حدب وصوبٍ. جاء يقدم المظالم إلى دولة علمانيةٍ ممهورةً بمآثر الخلفاء ومبللةً بدموع المحتاجين. ولم تمضِ أيامٌ حتى فهم أنصاره ضرورةَ نزع صفة العلمانية عن الدولة. بمعنى أنه ينبغي دخول الدولة - مؤسسات وأبنية وأثاثاً وموظفين وعلاقات- في الإسلام. وطرحوا مسألة: كيف يحكم رئيس مسلمٌ دولةً تتدعي العلمانية؟! وظلت مناداة الاسلاميين طوال فترة مرسي بحتمية أسلمة الدولة والمجتمع معاً.

وهناك من صرَخَ من اتباع الاسلام السياسي: يا رجال الاسلام كيف تخالفون القرآن وانتم به مؤمنون.. إنَّ المكاتب والأوراق والملفات تسبح لله تعالى.. ولكن لا تفقهون تسبيحهم.. ثم رتبَ على ذلك: لا يوجد نص ديني يبيح لنا وصف الدولةَ المصرية بالعلمانية. أعلن ذلك معتقداً أنَّه لو وقع هذا الوصف لكان مسخاً لخلق الله!! فحرامٌ.. حرامٌ وصف أشياء مسبِّحة بالعلمانية!! لأنَّ هذه العلمانية مرتبطة تاريخياً بالكفرة والماديين ولا ينبغي التشبه بهم. فهل يعقل هذا الخلط أو هذا الفصل حتى؟! لقد فُهمت العلمانية -خطأً- شعاراً لا بنية وعقيدةً لا طريقة في الإدارة!!.

إذن وفقاً لمقولة" دولة علمانية ومجتمع مسلم" انقسم المجتمع المصري على نفسه. حيث فهم المسلمون أنَّ دولتهم مسلمة وفهم المسيحيون أنَّ ذات الدولة شبه علمانية. وتحطمت ثنائية" مجتمع مسلم ودولة علمانية" إلى مجتمعين، مسيحي ومسلم، إزاء دولة نصفها علمانية والنصف الآخر (الله أعلم) بحسب الظروف. بل من واقع صراعهم انقسموا أيضاً أثناء تطبيق العلمانية الإجرائية. فهناك من اعتبرها ليست سوى اجراءات إدارية يومية لتسيير الأمور وشئون المواطنين. وهناك من أخذها – أي العلمانية- مداراةً لمصالحه الخاصةِ كما فعلت الجماعات الدينية. وهناك من أصر على أثبات هويتها الإسلامية أينما ذهب.

حتى لو تمَّ ذلك بلصق آيات وأحاديث نبوية داخل المؤسسات والساحات العامة. ألم يرفع أحد السلفيين الآذان وسط جلسات مجلس الشعب في عهد مرسي؟ فالمعروف أنَّ البرلمان علماني حتى النخاع- هكذا يقول تاريخه- بينما البرلمانيون الاسلاميون لا يرون التزاماً بطابع العلمانية. فما كان منهم إلاَّ تحويل المنبر السياسي إلى مأذنةٍ. وريثما يدافعون عن الحقوق السياسية المنهوبة مع تقصيرهم في ذلك أعلنوا اسلامية الجلسة برفع الآذان.

النتيجة: طالما نقول دولة علمانيةً فهذا سيثير غضب المتدينين المتشددين. تماماً كما تثير قطعة القماش الحمراء ثوراً هائجاً في حلبة المصارعة. لأنّه يستحيل أيديولوجياً فصل العلمانية عن تاريخها الديني الذي نقدته وستظل تنتقده وتطارده حتى وإنْ اُتخِذت كنظامٍ آلي. وحقاً عقب الربيع العربي تحولت الساحتان- المصرية والتونسية وغيرهما- إلى حلبة مصارعة لمجرد طرح هذه الخلطة. وكم رأينا صراعاً دموياً كلما اقترب المسلم من أثاث الدولة العلمانية، فهو يرى ضرورة ادخالها عنوةً في دين الله شاء المجتمع أم أبى!!

عنف رومانسي

ولو فكرنا قليلاً، سندرك أنَّ مقولات (الدولة الدينية والدولة العلمانية) أحد مظاهر العنف الصامت في المجتمع العربي. فهي تشحن لا وعي المتلقي بطاقةٍ وجدانية متفجرةٍ. نظراً لكونها مستندةً على بطانة رومانسية خاصة بالعودة للأصول والعصر الذهبي للإسلام أو العكس هي تدعو لاستحضار الأصول ولإعادة تأسيس عصر ذهبي جديدٍ. وهذا شيء قابل للمناقشة مع تجديد الفكر الديني. لكنها ستكتشف أنَّ ذلك لن يحصل سوى بقانون التاريخ والحياة. عندئذ تستدرك فتقول يصعب القيام بتلك الخطوة بحكم الزمن الراهن. بل يصعب تطبيق فكرة المجتمع المسلم، لأننا لا نمتلك آليات الحياة المعاصرة.

وتبرر البطانة الرومانسية وضعها الحرج هكذا: ليس الزمن فقط مسؤولاً عن ذلك الاخفاق، فالإسلام صالح لكل زمان ومكان، لكن منتجات الحضارة والتكنولوجيا هي السبب في انحراف الحياة كذلك. وتُسرّب ضمنياً اعتبار العلمانية افرازاً للحداثة والتقدم العلمي وفصل الدين عن الدولة. وإنْ لم تقُل ذلك صراحةً سيفهم المسلم أنَّ مقولتي "دولة علمانية ومجتمع مسلم"  مقولتان يتم التمييز بينهما دوماً كشعارٍ. وبمعطى الترديد لا بحقيقة المعنى فحسب تصر البطانة الرومانسية على ابقاء التمييز ساخناً. وإلا لماذا تحاول الجمعَ بينهما؟! ومن ثم ستقرر أخيراً: بدلاً من ترك الدولة نهباً للآخرين فالمسلم أولى بعلمانيتها من سواه (كما يقول المثل: جحا أولى بلحم ثوره).

كأنَّ الوضعَ كالتالي: "مجتمع مسلم" مفقود في أضابير الماضي ولا نستطيع تطبيقه في مقابل علمانية مهيمنة. إذن فالأمر لله من قبل ومن بعد.. يجب الجمع بينهما في منتصف الطريق. وسيفهم المسلم بقدر ما يحب دينه عليه أنْ يكره العلمانية، لأنّها هي التي أحالت بينه وبين ما يحب.

وبالتالي مع المقولة سيعيشها سياسةً وسيناقضها اعتقاداً وفكراً. ولكن طالما الغلبة لها فلا مانع من تنحية المشاعر والتحالف المخادع مع العلمانية لتسيير أمور الدولة. هكذا تُلّقِن تلك المقولة في المجتمعات الاسلامية ازدواجيةَ التفكير والمشاعر، وأنَّ الغاية تبرر الوسيلة على طريقتي الحجاج ومكيافيلي.

ربما يُقال الإسلام لا يمنع هذا الجمع بين العلمانية والدين. فالحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها فهو أحق بها. هنا تعتبر قضية" دولة علمانية ومجتمع مسلم" قضية زائفة. قضية أثيرت بلا موضوع وبلا قيمة  ملموسة في الواقع. إذا اردنا معرفة المسألة نرجع مرة أخرى إلى ثنائية الدين والعلمانية.

والسؤال المهم: هل تلك الثنائية الأخيرة حقيقية؟  فيما أرى تعتبر  تلك الثنائية مفتعلة لعدة ملاحظات:

1- تقوم الثنائية (الدين والعلمانية) على تثبيت أحد طرفيها. في هذه الحالة (دولة علمانية ومجتمع مسلم) يجري غالباً بحكم السياق تثبيت الدين (أسلمة المجتمع والمعرفة). حيث يمثل محوراً معرفياً اجتماعياً خارج الواقع لرؤية جميع القضايا. إذن سيتحول الدين - رضينا أم لم نرضَ- إلى أيديولوجيا شمولية قاهرة في السياسة والأخلاق والفكر والحضارة. حتى سيلُغي أيَّ اختلافٍ بين الأشياء، كأي غطاء عام يُوحد بين الإيمان والمممارسة بفروعها المتباينة.

وهنا يمكن وضع الاسلاميون الدين مركزاً لكل مسائل الحياة وإلقاء العلمانية أرضاً. لأنَّ الدين بهذا الاسلوب لا يحتاج إلى أية مفاهيم أخرى. بل لن يكون السياقُ مناسباً إذا وضعنا بجواره شيئاً. بنفس النتيجة اعتبروا كلمةَ العلمانيةِ من باب الزوائد العارضة ليس إلاّ. هي ستعد مُصارِعاً ضعيفاً يطرحه المتدينون كلما أرادوا هزيمةَ خصمٍ معروفٍ في حلبات السياسة!!

2- لا يحارب الدين كدين العلمانية إلاَّ حين تتحول الأخيرة إلى معتقدٍ بنفس ماهية الدين. أي حين تصبح جداراً عازلاً بين الدين أيا كان وبين الناس. وليس هذا هدف العلمانية ابتداءً بأي  حال من الأحوال. لأنَّها كعلمانية لو تحولت إلى دين لفقدت ماهيتها هي الأخرى. إذن حتى بالصراع ليس مطلوباً جمع العلمانية مع الدين.

3- العلمانية تصطدم بالدين متى يصبح الأخير أيديولوجيا مقدسة. أي عندما يصبح فعلاً وفكراً إنسانيين خارج التاريخ. وهذا الوضع الخارج غير ممكن بالأساس بقدر استحالة تحول الإنسان إلى إله. كذلك عندما يختزل عقلَّ الإنسان وكيانه في أشكال وجماعات لاهوتيةٍ. والإسلام ليس به هذا النزوع إطلاقاً.

القرآن يقول "وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين". الإسلام كسَّرَ عمداً هذا الطوق اللاهوتي دون عودة. إنَّه في شخص الرسول – وكل فرد رسول بهذا المعنى- رحمة بلا جنس ولا لون ولا مركزية ولا خصوصية. لأنَّ هاجس العالمية في بذرته الأولى لا مجرد هدف بعيد.

4- تتعذر ممارسة الدين ويمتنع الايمانُ به إلاَّ بتجارب الحياة النسبية المختلفة. بمعنى يستحيل أنْ يمثل ديناً في الحياة دون الحياة ذاتها. ولهذا تؤثر التجربة الدينية على الأفعال والأخيلة والعلاقات الإنسانية. عندئذ لن يصبح – بالنسبة للفرد والجماعة- خارجَ الزيادة والنقصان. واللغة العربية تحْمل قلب الإنسان كمحل للإيمان على معنى التقلب والقولبة والتقولب.

يترتب على ذلك أن الدين تجربة تاريخية يلتحم بتصورات الناس حول الأشياء والعالم والحقائق. ويعيد فرز واقعهم بحسب محددات واقعية، وعلى خلفية الإيمان يمثل انتاجاً يومياً للرمز والمعنى بلغة الأشياء.

5- العلمانية – بخلاف ما نعتقد- تتفهم لا تلغي سلطة الأساطير والحكايات الكبرى عن العالم كما تشير ما بعد الحداثة. فهي لو حاولت الإلغاء ستتقمص دور الجلاد التاريخي للاوعي البشرية. هي مشتقة ليست من العِلُم بل من العالَّم، فهم العالّم كما هو بكل ثرائه وانسانيته ومعتقداته. وبذلك هي تلتقي مع  الجوانب الإنسانية للدين بالمغزى السابق. إذن ليس بالتوافق أيضاً يُجمع الدين والعلمانية.. لأنَّ هذا تحصيل حاصل!!

6- لا يعلِّق الدين بجميع أشكاله لافتات على صدور الناس مثل "مجتمع مسلم"،" مجتمع مسيحي"، " مجتمع يهودي". إذا كان المقصود أنَّ نسق القيم في هذا المجتمع أو ذاك قيم اسلامية أو مسيحية، فلتكن دينية حتى اسطورية أو ما شاءت إلى ابعد درجة. عندئذ ستتحول أنساق القيم كأي شيء مهم في حياة الإنسان إلى فعل رمزي. وسيثبت الواقع أنها ليست قيماً مقدسةً بالمعنى المتعالي. ولا يقتضي الأمر تعليق العلمانية أيضاً كنظام محايدٍ يستوعبها.

7- لا توجد دولة متدينة في كيانها المجرد، الدين للأفراد من حيث المسؤولية والتفرد والايمان. إذن الدولة بينة ممارسة مفتوحة تجدد فرصاً لحياة كلِّ مواطنيها دون إقصاء. وربما عكس هذه الفكرة هو الذي اخاف العلمانيين (من تدين الدولة كأنها شخص عيني) وكذلك جعل ثمة داع لتحارب الإسلاميين حرصاً على إلباسها رداء الدين وردعاً لانفلاتها من الاعتقاد  الديني السائد!!

إذن دوماً المسألة هي مسألة كيف يوجد هنالك مجتمع حي وناهض ومتطور بملء الكلمة.. وليس الأمر ما هي صفته ولا ما هي صفة دولته ولا لونها. المجتمع مجازاً كماكينة إنسانيةٍ لا يسير في التاريخ باللاصق الديني ولا باللاصق العلماني الأيديولوجي، بل بقدرات التروس والخامات والموارد المتاحة وطاقات العمل ونوعية الانتاج البشري وقدرات الإبداع الخلاق في الحياة.

حينئذ لا يهم: ما إذا كانت القطةُ سوداء أم بيضاء.. المهم أنْ تأكل الفئران!!

 

د. سامي عبد العال

 

 

مجدي ابراهيميكادُ يتفقُ المحللّون والمتابعون لواقعنا العربي الإسلامي المعاصر على أن المجتمعات الإسلامية تعيش أزمة "فكر" قبل أن تعيش أزمة عقيدة ومبادئ أو أزمة موارد واقتصاد. وأزمة الفكر الديني في المجتمعات الإسلامية إنما هى أزمة ترتد باتفاق المحللين والمتابعين إلى قصورٍ في العملية التربوية والتثقيفيَّة.

وعندي أن هذا القصور نفسه يكشف عن غيبة في الوعي الديني أساساً، بمقدار ما يعكس تشتت هذا الوعي وحركته الخلافية : فُرْقَةً لا وحدة فيها ولا هدف، ومن ثمَّ لا أيديولوجية لها ولا سند، لكأنما كانت أوامر العقيدة ونواهيها في جانب، وكانت أوعية التلقِّي لمثل هذه الأوامر والنواهي في جانب آخر، الأمر الذي يتحتَّم معه أن تلتقي الأفئدة والقلوب على فراغ في هواء يسبِّب بغير شك حدوث الأزمة فى الفكر ثم في التطبيق. وأزمة الفكر لا محالة دليلٌ مباشرٌ لا شك في دلالته على أزمة التطبيق، فكلما كانت أزمة التطبيق منحرفة عاجزة عن أن تلبي مطالب الإنسان وحاجاته المعنوية والروحية، كانت انعكاساً يقول بأبلغ لسان إنَّ الأزمة في "الفكر" قبل أن تكون في التطبيق، فتصحيح السلوك والتطبيق من أجل هذا معناه أن الفكرة قد صحَّحَتْ من قبل، فترتب على صحتها تباعاً صحة السلوك والعمل.

على أننا إذا نحن قلنا إن هنالك أزمة في الفكر الديني؛ فينبغي أن تجدر التفرقة بين "الدين في ذاته"، وبين "ما يُقَامُ على الدين من شروح وتفسيرات"، تتأوَّل هذا الدين وتسخِّره لخدمة أغراضها ومطالبها، منافع وحاجات ينتفي فيه التَّجَرُّد فيقبل القسمة على اختلاف المواقف وتعدٌّدها! ففي الحالة الأولى : حالة الدين في ذاته متجرِّداً عن اللواحق والأغراض والمنافع والحاجات، لن تكون هنالك أزمة؛ أى في حالة الدين قبل أن يتوجَّه توجُّهاً سياسياً وعملياً، لكأنما الأزمة نشأت من الحاجة والمطلب والغرض والمنفعة اللاحقة، وجميعها أعمالٌ تتدخل فيها السياسة ليّاً بألسنتها وطعناً في الدين.

وفي الحالة الثانية : حالة ما يتراكم على الدين من حيث كونه شروحاً وتفاسير، هنا تكون الأزمة وتحلُ اللعنة على المتأزمين. إنه ليُرادُ لنا أن نفهم الفرق بين "الدين" من حيث أنه "نصوص" مُوحي بها إلى الأنبياء لتبليغها للناس كافة، وبين مجموع ما يتراكم على "الدين" من شروحات وتفاسير، ومن أحكام ورؤى وتأويلات، ومن أذواق ومواجيد وإشارات، ومن أوهام وخرافات وتعصُّبات، ومن جملة آراء تتناول الدين أو تتأوَّله في نصِّه المقدَّس، بمناهج تختلف باختلاف نقطة السير عند أصحابها : أعقليون هم أم مثاليون، أبرهانيون هم أم حدسيون روحانيون، أجدليون هم أم خطابيون، أذوقيون هم أم غير ذوقيين، أإرهابيون متطرفون هم أم غير إرهابيين معتدلين أو متسامحين؟

وفي جميع هاته الحالات التي تُقَام على النَّصّ المقدس، تجد الاختلاف الجوهري الذي يفصلها عن "الدين في ذاته"، في منبعه الصافي الأصيل، فلم يصبح المقدس مقدساً، وترجع جميع "المواقف" برمتها عوداً على بدء إلى أصحابها.

فالدين من حيث هذا المنبع الأصيل شيء مختلف كل الاختلاف عن مجموع ما يتراكم عليه من شروح وتأويلات، فإذا أنت رأيت أن هنالك "أزمة" فاعلم من فورك أنها آتية من جملة ما يتراكم على الدين في الشرح، والتأويل، والرأي، والاجتهاد. لكن الفَرْقَ بعد ذلك كبيرٌ جداً بين "الدين في ذاته" وبين مجموع "ما يتراكم عليه" من شروح وتأويلات ورؤى وتفسيرات.

هذا " التراكم " المجموع على هيئة تراث هو ما يسمى بالفكر الديني، وهو الذي تنشأ فيه الأزمة وينتفي فيه "المُقَدَّس" من كونه مقدساً؛ لتعدُّد "المواقف" بتعدد رؤى أصحابها. ومن هاهنا لزم التنويه إلى هذه التفرقة كيما لا نخلط خلطاً عجيباً بين الدين في ذاته وبين الفكر الديني. وزيادة في التوضيح أقول: أفرض مثلاً أننا نريدُ أن ندرس شيئاً ممَّا جرت به أقلام كبار الشرَّاح والموؤليين، أو ممَّا عرضته قرائح النظار من الفلاسفة وعلماء الكلام والفقهاء والمتصوِّفين؛ أو حتى ممَّا اعتنقته بعض الفرق والمذاهب والاتجاهات الضالة التي أساءت إلى الإسلام بمقدار ما اعتنقت من آراء متطرفة سَبَّبَتْ حدوثاً لأزمات وَصَمَتْ بها الإسلام بما ليس موجوداً فيه.

أقولُ؛ هَبْ أننا أردنا دراسة هذه الاتجاهات كلها، وشاءت لنا دراستنا أن ننقدَ شيئاً مَمَّا كانوا وقفوا عليه وهم بصدد شروحاتهم وتأويلاتهم وتخريجاتهم ومجمل أفكارهم الدينية؛ أَيُقَالُ بعدها أن نقدنا هذا موجَّه إلى الدين؟! أم ببداهة النظر الأمين هو نقد مُوَجَّه إلى جملة ما يتراكم على "الدين" من نظر وعلم، ومن فكر بشري، لا يرقى إلى مستوى النّص المُقَدَّس بحال؟

ومن هاهنا، تبدو نقطة الخلاف .. فِيمَا هى؟ في "درجة الفهم"، وملابسة الموضوع؛ درجة الفهم التي سبق أن أرجئنا الحديث عنها وقلنا إنها كانت سبَّبتْ اشكاليات ليست بسيطة على مستوى الأيديولوجي؛ فإنّ الحكم الذي يُقَاس عليه درجة الصحة أو الخطأ مردَّه إلى استدلال المستدل في حكمه الذي يحكم به على موضوع أختاره أو على قضية تبنَّاها؛ أو على فكرة ألتمس لها من النصوص الدينية تأويلاً، أو على تَوَجُّهٍ خاص دعَّمه بشتى وسائل الشرح والتدعيم.

وإنّه ليرجع به إلى "النص المقدس"؛ وبناءً على فهمه لهذا النّص يكون استدلاله : أخطأ هو أو صواب؟

هنا نعود ثانية إلى "درجة الفهم" التي ذكرناها عن ابن رشد قبل حين :" درجة الفهم تختلف من جهة العمق في معرفة الشيء الواحد نفسه"؛ فأنت ترى أن درجة الفهم هنا مرتبطة بالاختلاف، وأن هذا الاختلاف موقوف من جهة العمق فى معرفة الشيء الواحد على حدود الإدراك؛ لأن معرفتنا بوحدة الشيء هنا مُحَدَّدة تحديداً دقيقاً وعمقيَّاً بدرجة فهمنا له، فعلى مقدار ما نفهم من معارف على الأشياء نختلف. فالمعنى هو أن اختلاف التوجُّهات الفكرية ونتائج الاعتقادات مَرَدًّهُ في أول مقام إلى درجة الفهم؛ فمنها يجيءُ الحكم الفكري، وما دامت درجة الفهم مختلفة، فإن النتائج التي تستند إلى الاستدلال يستدلُّ به مستدلٌّ بادئاً بمسلمة مفروضة يريد أن يتوصَّل من خلالها إلى نتائج يزعم لها الصحة، لابد وأن يُرْجَعُ فيها إلى "درجة فهمه"؛ وليس فيها بعد الرجوع إليه أغلب الظن، ما يَضْمَنُ له العصمة من الخطأ.

من أجل ذلك؛ فإن الأزمة الفكرية واقعة لا محالة إذا نحن رددناها إلى درجة فهم النّص الديني على اختلاف المستويات في فهمه واختلاف التخريجات؛ فالإرهابيون المتطرفون المتعصِّبون لهم مستوى خاص في "فهم النص الديني"، وتطبيق هذا الفهم بحرفه على واقع الحياة المعاشة فعلاً في الواقع العملي.

(والإرهاب هنا نعنيه على تفاوت أصعدته التي يعمل فيما سواء كان فى الواقع أو كان فى الفكر، وإرهاب الفكر أشدُّ وطأة على القلوب النقية والضمائر الحييّة من إرهاب الواقع). والعقلانيون المعتدلون المستنيرون لهم مستوى أعلى من "فهم النّص الديني"، إنْ على صعيد الفكرة النظرية أو من حيث يُرَادُ له التطبيق أحياناً في دنيا الواقع. وأهل البصائر والأذواق من طلاب الحقائق العُليا بفقه الباطن لهم مستوى "نُوَرانيٌّ" أشدَّ علواً، من "فهم النّص الديني"، يختلف باختلاف المنهج والمسلك والمشرب عن أولئك وهؤلاء.

هذا المستوى الخاص في فهم النص الديني يُعَبِّر عن "موقف" يزعم فيه لنفسه إرشاد العقل إلى الحقيقة الدينية، لكنه بمقدار ما يرشد يتسبَّب في المقابل في حدوث الأزمات؛ لأنه يتخذ موقفاً ضد غيره ليعبِّر عن مثل هذا الموقف وحده دوناً عن سواه، محتكراً بذلك "الحقيقة المطلقة" إنْ لم يكن يحتكر حقيقة الحقائق!

هكذا قُل ما شئت في كل المواقف التى سبقت الإشارة إليها، مع التفاوت في حدّة التفكير والتعبير.

ولكي أوضح للقارئ مقصدي من وراء الحديث عن أزمة الفكر الديني، عليَّ أن أوضح تباعاً ثلاثة مجالات يجري فيها الكلام عن تلك الأزمة : مجال منها يتصل بـ "الاعتقاد" وفيه ضربان : الأول حق والثاني باطل؛ فإذا آثر المعتقد فكرة الحق على الباطل كان اعتقاده صحيحاً. والمجال الثاني : يجري فيه "الفعل"، وفيه طرفان، طرف منه خير وطرف آخر شر؛ فإذا سلك السالك سلوك الخير وارتفع بسلوكه عن الشر، جاء فعله خيِّراً. والمجال الثالث : هو الذي يجري فيه "القول"، وهو كذلك مجال الفكر الذي يمثل القنطرة يَعْبُر من خلالها الاعتقاد إلى السلوك.

وهذا المجال الأخير (أعني القول) إمّا أن يكون صادقاً أو كاذباً، فإذا كان صادقاً، فالصدق هنا تعبيرٌ عن صحة العقيدة فكرياً ونظرياً، ولا تزال مرتبة الصدق ناقصة ما لم تدل عليها الممارسة العملية : صحة الفعل الخير والسلوك الفاضل.

الاعتقاد والفعل والقول؛ مجالات عمل الإنسان في الضمير، وفي السلوك والإرادة، وفي التفكير؛ فالأمة الإسلامية التي تعيش أزمة الفكر الديني - وفق هذا التوضيح - هى أمة تشعر في أعمق دخائلها بالفراغ الروحي والضباب الفكري لا لشيء إلا لغياب العلاقات الفاعلة بين هذه المجالات الثلاثة، ومع اجتماعهما معاً (أي الفراغ الروحي والضباب الفكري)؛ تبدو رؤية العقل معزولة عن دفعة الوجدان.

ولا شيء يغدو ذي حياة ووجدان الإنسان مفصوم فصماً مبالغاً فيه بين النظر والتطبيق أو بين الممارسة العملية والخطاب الأيديولوجي أو بين العقيدة والسلوك أو بين القول والفعل. إلى آخر هذه الخطابات الازدواجية والإشكاليات المُعْضلة التي تجعل سلوك الفرد في ناحية، واعتقاداته وآراءه، وألفاظه وأقواله في ناحية أخرى مضادة. والأمة التي تشعر بمثل هذا الشعور في أعمق أعماقها - فراغاً روحياً وضباباً فكرياً - هى أمة لا تستطيع التطبيق مطلقاً لمبادئ العقيدة وأحكامها.

صحيحٌ أنها أمة تعتقد! ليس في ذلك شك. لكن هذا الاعتقاد بدوره معزولٌ عن العملية الفكرية، الأيديولوجية، التي من شأنها أن تقود المعتقد إلى الفعل التطبيقي الخيِّر والتنفيذ السلوكي الصالح للحياة مع هذا الاعتقاد.

ومن ها هنا تنشأ الأزمة في الفكر : الفكر الذي يُظهر طبيعة ذلك الاعتقاد بقول صادق لا كذب فيه، فيرفض من السلوك ما يُبْطله وينقضه، ويشجب من التطبيق كل ما من شأنه أن يُعَكِّر صفو الاعتقاد، ومن ثمَّ لا يجعل الهوَّة سحيقة بين النظر والتطبيق، أو بين الخطاب الأيديولوجي والممارسة الفعلية، أو بين الفكر والعمل. وكلُّ تطبيق لا يقوم على فكرة تُبَصِّره هو تطبيق عُرْضَة للضعف والغفلة، ثم للانهيار والكساد؛ ولأجل هذا يُحدث بعده خمول وخمود تمهيداً لاستقبال الأزمة في الفكر، وفي المنهج، وفي غياب الرأي والرؤية سواء بسواء.

وكل كلام عن العقيدة يعوزه فكر عامل ويفتقر إلى منهج صحيح هو كلام يدور بالمطلق في فلك التضليل.

على أن تشخيص الأزمة في الفكر الديني يَنْصَبُ على منهج التفكير الذي يصلح أو لا يصلح لأن يجيء تعبيراً مباشراً أو غير مباشر، عمَّا نأخذه أو نرفضه من الثقافات الذاتية، أو من ثقافات الآخرين تفرض ذاتها علينا. وعلينا نحن أن نفرض على أنفسنا في الوقت نفسه طريقةً للتعامل معها؛ شريطة أن نكون على وعى بما نتعامل، وبما نقبل أو نرفض من مضامين الفكر والثقافة الخارجية والداخلية، الأصيلة الموروثة والحديثة المستوردة، ثقافة "الأنا" وثقافة "الآخر".

لننتقل من هذه "الوقفة" المعاصرة، إلى ما كنا بصدده من حديث السياسة : فعْلُها المباشر تارة وغير المباشر تارة ثانية، وتأثيرها الإيجابي أو السلبي تارة ثالثة، وإضفاء المواقف المتعددة عليها انطلاقاً منها واحتكاراً لها تارة رابعة، وتفعيل ذلك كله واقعياً في تشكُّل الأزمة الفكرية الدينية، بحيث لم يعد الفكر الإسلامي - من جرَّاء فعل السياسة - فكراً فلسفياً نظرياً حُرَّاً خالصاً، بل كانت السياسة مرجعيته لكأنما كانت حاجة المجتمع إلى تلك الضرورة العملية من الأهمية بمكان فيما لو أرجعنا أزمة الفكر الديني إلى المطالب السياسية.

من أجل ذلك؛ فقد كانت الحاجة الواقعية العملية مَاسًّة إلى تشكيل الفكر الإسلامي تشكيلاً اجتماعياً وسياسياً لا فلسفياً خالصاً. مثل هذا التشكُّل العملي لا يجعل روح الحضارة الإسلامية كروح الحضارة اليونانية في الغرب القديم أو الأوروبية في الغرب الحديث مثلاً بحيث يمكن الفصل بين الحاجة العملية واقعياً، والمطالب النظرية البحتة في ذاتها.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم د. مجدي إبراهيم

 

محمود محمد عليلا شك في أن الانتشار السريع لفيروس «كورونا» أثار حالة من الرعب والخوف في العالم كله؛ حيث تحولت الدول من السياحة والرومانسية والجمال إلى مدن هادئة.. الجميع يلزم منازله.. الشوارع تبدو شبة خالية.. معظم المراكز التجارية مغلقة.. والأماكن الترفيهية موصدة.. جميع حكومات دول العالم أصدرت نشرة صحية لجميع المواطنين بها والمغتربين توصي بضرورة أن يلتزموا المنزل، وطالبت المؤسسات والشركات الموظفين بأن يعملوا من بيوتهم، لأن التزام المنزل جزء مهم جدًا من خطة الانتصار في المعركة ضد كورونا.

صحيح أن كورونا أحدث ذعراً ممتد عبر الحدود وعلي امتداد القارات.. صحيح أن كورونا آثار حالة من الفزع.. صحيح أن كورونا حصد أرواح آلاف حول العالم ولا يزال.. غير أن كورونا لم يكن شرا مطلقا !! بل منح الأرض " قبلة حياة" وهدنة ربما كان كوكب الأرض في حاجة إليها.. كورونا جعل الأرض تلتقط أنفاسها.. تسببت الإجراءات الاحترازية المصاحبة لانتشار كورونا في فوائد عدة.. وأمام الضحايا المتزايدين للوباء بدأ النظام البيئي في التعافي !.. وزارة البيئة الصينية اعترفت بتحسن جودة الهواء 21.5 %.. وخلال الفترة التي أغلقت فيها مصانع عدة بالصين وغيرها.. وتراجع معدلات حركة السيارات حول العالم.. انخفضت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسب فاقت 25 % .. وفي كالة ناسا كشفت صور التقطت بالأقمار الصناعية مفاجآت أخري.. تراجعت انبعاثات ثاني أمسيد النيتروجين في يناير وفبراير.. تلاشت سحب الغازات السامة من سماوات المناطق الصناعية في الصين وغيرها.... الباحث بمركز جودة الهواء في ناسا " في ليو " قال: إن النتائج مثيرة للدهشة وأكد أن ما حدث في الكوكب أقرب ما يكون هدنة كانت مطلوبة

نعم كورونا تمثل غمة ولكن ستزاح بإذن الله وسنتعلم منها الكثير فكما نعلم أن كل مسرحية وورائها كواليس وهذه الكواليس كثيرا ما لا ننظر إليها ، فقط ننظر للمسرحية فقط.. ننظر للعرض فقط.. ننظر للأبطال فقط.. البطل الذي معنا هنا في مسرحية كورونا والعرض الخاص بنا هو فيروس انتشر حول العالم فأحدث رعب ما له رعب ووباء عالمي، وأناس كثيرون فقدناهم وما كان لنا أن نفتقدهم..

ولكن ما وراء الكواليس هو الأهم من العرض المسرحي علينا أن نشاهده ،حدث أن جسم الإنسان في حاجة إلي راحة.. الآن في ظل الحجر الصحي بدأ الإنسان يستيقظ طبيعي في السادسة صباحا، وذلك لكي يذهب إلي العمل ويستغرق في عمله ساعات قليلة فقط كي لا يتعب جسمه وهو لا يرهق.. ثم يعود إلي بيوته في الظهيرة بشكل عادي.. لا يخرج هنا وهنا وإنما يمكث في البيت ولا يخرج بعد الظهيرة كما كان مألوفا من ذي قبل حين كان يخرج من بيته إما للذهاب إلي القهوة أو النادي أو خلافه.. أو يشغل نفسه بعمل آخر فجسمه يتعب أكثر.. هذا هو ما نقصده من وراء الكواليس.. وراء الكواليس بسبب كورونا بدأنا نوفر في الإنفاق لأن هذا الإنفاق كان يستنزف بسبب الخروج الكثير.. كورونا أعادت الحميمية في الأسرة.. كورونا أعاد المودة والرحمة في الأسرة مرة أخري .

لا شك في أن المحنة التى يعيشها العالم مع فيروس كورونا المستجد تدعونا للعودة إلى الأخلاق والقيم والتسامح واحترام الآخر والتعاون على الخير، كما تدعو كل الشرائع والديانات السماوية، بل حتى الديانات الوضعية، التى تحتكم للمعايير الإنسانية في التعامل بين البشر، وما يحدث في مختلف دول العالم ترتبط بهذا الفيروس اللعين ما يدعونا إلى التأمل والتخلى عن الأنانية وحب الذات، التى أنهكتنا طوال الفترة الماضية وأظهرت أسوأ ما فينا.

ليس هذا فقط بل وضح لنا كورونا جانب آخر وهم وهو أهمية النظافة التي يتهاون فيها البعض، حتي أنها باتت شيئا أساسيا، مثل غسل اليدين بالماء والصابون.. من كان يتوقع ذلك؟.. كورونا بات له تأثير على البيئة والإنسان بالرغم من مخاطره وسلبياته.. كورونا إذا كان قد حول كثيرًا من المدن إلى بيوت للأشباح بسبب خلو شوارعها من البشر، فإنه ساهم فى تقليل نسب التلوث فيها، خاصة تلوث الهواء الناجم عن دخان المصانع وعوادم السيارات، وتلوث الماء الناجم عن مخلفات الإنسان.. يقول العلماء إن الرياضة المستمرة والغذاء الصحي والبعد عن التدخين من العوامل الفعالة في مقاومة آثار الفيروس.. تكافل البشر مع بعضهم البعض.. الحياة باتت مشاركة بين الكل.. حتي في مصرنا الحبيبة ظهرت عديد من المبادرات للتكافل بين الجميع فصاروا كالبنيان المرصوص.. جهود رسمية مع الجهود الشعبية جنباً إلي جنب.. الأسرة والزوج والزوجة والأولاد بات هناك تواصل مباشر.. لم تكن لك فرصة للتسابق في الجلوس مع أسرتك والاهتمام بها..

نعم لقد غير كورونا من أسلوب حياتنا بالفعل للأفضل من حيث الاهتمام أكثر بالنظافة وعادات صحية وغذائية سليمة، إضافة إلي أن الحجر ومنع التجول قد سمح بقضاء وقت أطول مع العائلة.. كما أن له تأثيراً إيجابياً علي البيئة وتخفيف التلوث.. كورونا كان عاملا هاما في ذلك الأمر، حيث غير حياة المجتمعات البشرية للأفضل... مستويات تلوث الهواء والغازات الدفيئة تظهر انخفاضا كبيرا فوق عدد من المدن والمناطق حول العالم بسبب تأثير انتشار فيروس كورونا.. باحثون في نيويورك وجدوا أن مستويات أول أكسيد الكربون الناتج عن السيارات انخفض بنحو 50 % مقارنة بالعام الماضي.. وانخفضت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بشكل حاد.. وفي إيطاليا أظهرت صور الأقمار الصناعية أن تلوث الهواء فوق شمال إيطاليا انخفض بشكل حاد.. وقالت  وكالة الفضاء الأوربية إنها لاحظت انخفاضا هائلا بشكل خاص في انبعاثات ثاني أكسيد النيتروجين المنبعث من محطات توليد الطاقة والسيارات والمصانع فوق شمال إيطاليا.. وقال علماء إيطاليون " إنها المرة الأولي في التاريخ التي نري فيها شيئاً كهذا"..

فى مدينة البندقية الإيطالية ساهم كورونا فى تنقية مياه قنوات المدينة، حيث كثرت أعداد الأسماك الصغيرة بشكل أكثر بكثير مما كانت عليه سابقاً وعادت البجع إلى القنوات مرة أخرى وتم مشاهدة حتى الدلافين فى القنوات وهذا الأمر لم يشاهده سكان البندقية منذ سنين طويلة.. كل هذه الإيجابيات بسبب انعزال الإنسان المدمر الأول للبيئة عن تخريبه لها...

يبدو أن 2020 ستكون أنظف سنة في تاريخ البشرية بعد أن زاد الناس من وتيرة نظافتهم بسبب جائحة كورونا، بل أن دولا ومدنا ومجتمعات صغيرة اعتبرت كورونا فرصة للتعقيم الشامل الذي لا يمكن أن يحدث فيما سبق ، نظر لاكتظاظ الأماكن المستمر.. فالكمامات مثلا يسعي الناس لإرتدائها هذه الأيام ليس طارئا ، بل كان ارتدائها من الأساسيات بسبب التلوث والانبعاثات الكربونية.. وكثير من العلماء ونشطاء البيئة دقوا ناقوس الخطر بسبب تغير المناخ والاحتباس الحراري.. إلي جانب أنها أكثر دول العالم سكانا ونقصد هنا الصين كما قلنا سالفا ، فقد تربع الصين عرش الدول من حيث الانبعاثات الغازية التي بلغت نحو 30% العام الماضي من حجم الغازات عالمياً وفرض السلطات بحظر التجول دفع بتقليص هذه الانبعاثات.. وزارة البيئة الصينية أشارت أن الصورة قد تحسنت بنسبة تتجاوز 21.5% وذلك مع توقف المصانع والملاحة الجوية.. في الصين ووفقاً لتحليل أجراه عالم في جامعة ستانفورد قام فيه بقياس مستويات PM2.5 وهي مادة دقيقة تعتبر السبب الرئيسي للوفاة بسبب تلوث الهواء وجد إن إجراءات الحجر الصحي خلال شهرين فقط في الصين من شأنها "إنقاذ حياة 4 آلاف طفل تحت سن الخامسة و73 ألفا فوف سن الـ 70".. وقال علماء إن " عدد الأرواح التي سيتم إنقاذها جراء انخفاض معدلات التلوث في الصين أكثر 20 مرة من عدد الأرواح التي فُقدت نتيجة كورونا ".. حتي في كوريا الجنوبية والتي وضعت قيوداً أقل حدة علي حركة مواطنيها ، قال علماء إن معدلات التلوث فيها تنخفض بقوة.

وأما بالنسبة للمستوى الإنساني فقد ساهم فيروس كورونا فى لم شمل سكان العالم تحت مسمى إنقاذ البشرية، فلأول مرة تتحد الشعوب العربية والغربية وتجتمع على هدف واحد وهو محاربة هذا الوباء، فنسى العالم الحروب والصراعات المذهبية والطائفية والدينية والعرقية وانشغل بمحاربة هذا الوباء باكتشاف الدواء من خلال البحث العلمي.. أما على المستوى الديني أو الروحي فأصبح كل إنسان يفكر فى الموت حتى وهو آمن فى منزله خوفاً من إصابته بهذا الوباء القاتل، ولم يعد أمام الجميع إلا العودة إلى الله.. شكراً لفيروس كورونا لأنه رغم خطورته أعاد الأمور إلى نصابها وضبط سلوك الإنسان وطهر البيئة من فساده، ولعل وجوده على الأرض عبرة لمن يعتبر وموعظة يتعظ بها الإنسان المتأمل وذلك كما قال كريم خالد (في مقاله بعنوان شكراً كورونا).

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقل بجامعة أسيوط

 

 

علي المؤمنلم يكن المجتمع الشيعي يوماً بدون مؤسسة دينية اجتماعية مستقلة عن المؤسسة الدينية الرسمية للدولة غير الشرعية. ففي عصر الأئمة كان الإمام هو رأس هذه المؤسسة، وكان مسجده أو بيته هو حوزته العلمية ومقر مرجعيته الدينية والدنيوية، وفيها يحضر تلاميذه، ويأتي إليه شيعته للتقاضي ولحل مشاكلهم العامة والخاصة، ومنها ينطلق في رعاية الشان العام. وكان للإمام وكلاء ومعتمدون في جميع بلاد المسلمين، وعبرهم كانت تصله الاستفتاءات والأسئلة الدينية أو الأسئلة ذات العلاقة بالشأن العام، كما ترسل إليه الأموال الشرعية من أتباعه؛ لتكون القوام الإقتصادي المستقل لمذهب أهل البيت، بعيداً عن الدولة وسطانها وتأثيراتها الإجتماعية والسياسية.

وبعد انتهاء عصر الإمامة؛ استمر النظام الديني الإجتماعي الشيعي، بقيادة زعماء الشيعة الدينيين في بغداد ابتداءً، ثم قم والنجف. وبات الفقيه المتصدي هو الزعيم الديني والمرجع الإجتماعي والقضائي للشيعة. ويمارس هذه الزعامة والمرجعية عبر الفتاوى والأحكام، وعبر مؤسسة الحوزة العلمية وفروعها، وعبر الكتب والدراسات، وعبر شبكة الوكلاء والمعتمدين والمبلغين في جميع بلدان المسلمين، وعبر دكة القضاء، وعبر شبكة مصادر الأموال الشرعية التي يمثلها تجار الشيعة غالباً.

هذه المنظومة المستقلة المتكاملة علمياً ودينياً واجتماعياً ومالياً؛ هي التي حفظت الشيعة كأفراد وكجماعة على طول التاريخ، كما حفظت تراث أئمة آل البيت، وخلقت للشيعة كياناً اجتماعياً دفاعياً منظماً؛ بالرغم من كل محاولات الإجتثاث والتمزيق والقمع والتصفية التي قام بها الحكام الطائفيون منذ سقوط دولة الإمام الحسن بن علي وحتى الآن.

المؤسسون الثمانية للمنظومة الدينية الإجتماعية الشيعية

وإذا كان هناك فضل لزعماء وفقهاء في تأسيس هذه المنظومة؛ فلا بد من الإشارة الى ثماني شخصيات مؤسِسة، تميزت بذكائها الإجتماعي الفائق، وعبقريتها الإدارية والتنظيمية؛ فضلاً عن مستواها العلمي المتفرد، وهم:

1- سفراء الأمام المهدي الأربعة: الشيخ عثمان بن سعيد العمري والشيخ محمد بن عثمان العمري والشيخ الحسين بن روح النوبختي والشيخ علي بن محمد السمري، وهم الذي وضعوا حجر الأساس للمنظومة الشيعية الدينية الإجتماعية خلال عصر الغيبة الصغرى (260 ـ 329 هـ) وتزعموها.

2- الفقهاء الأربعة: الشيخ محمد بن علي الصدوق و الشيخ محمد بن محمد المفيد والسيد علي بن الحسين المرتضى والشيخ محمد بن الحسن الطوسي، وقد استمروا بعملية التأسيس وزعامة المنظومة خلال الفترة من 329 وحتى 460 هـ.

وكان يدعم مسيرة الفقهاء الأربعة؛ الحكام البويهيون، وخاصة ركن الدولة البويهي ومعز الدولة البويهي و عضد الدولة البويهي والصاحب بن عباد، والذين حكمت دولتهم البويهية ايران والعراق في الفترة من 324 الى 449هـ.

وعليه؛ يمكن القول أن المرحلة الأولى من عملية التأسيس التي قادها السفراء الأربعة استمرت حوالي (70) عاماً. أما مرحلة التأسيس الثانية، والتي تمثل فترة الظهور الذهبية الاستثنائية للمنظومة الدينية الإجتماعية الشيعية؛ فقد استمرت حوالي (125) عاماً، وخلالها كان الصدوق والمفيد والمرتضى والطوسي يتزعمون الشيعة، ويتلقون الدعم والحماية وتسهيل أعمالهم الدينية والعلمية والدعوية والاجتماعية من الحكام البويهيين الشيعة. أي أن مجموع فترة تأسيس المنظومة الدينية الإجتماعية الشيعية (مرحلة ما بعد الإمامة)، استمرت مايقرب من (195) عاماً.

الزعماء الثمانية المذكورون (السفراء الأربعة والفقهاء الأربعة) هم خمسة عراقيين وثلاثة إيرانيين، ولولا جهودهم الإستثنائية وحماية الأسرة البويهية الشيعية الحاكمة في العراق؛ لكان للتشيع وضع آخر مختلف تماماً. ولذلك فعندما سقطت الدولة البويهية في بغداد في العام 449 هـ ، ثم هاجر الشيخ الطوسي الى النجف وأسس حوزتها العلمية المركزية، ثم توفي في العام 460 هـ ؛ كانت المنظومة الدينية الإجتماعية الشيعية قد تبلورت وتجذرت وقوي بناؤها، ولم تتأثر بسقوط الدولة البويهية الشيعية ووفاة شيخ الطائفة.

ثوابت نظام المرجعية

المرجعية الدينية في مدرسة أهل البيت؛ تمثل امتداداً موضوعياً للإمامة في عصر غيبة المعصوم، وما يترتب على ذلك من مسؤوليات وحقوق و واجبات علمية ودينية واجتماعية ومالية تقع على عاتق المرجع الديني. وعلى أساسها تكون للمرجع الديني بصفته النوعية؛ ولايةً حصرية على جملة من شؤون المجتمع الشيعي؛ كالولاية على إصدار الفتاوى والأحكام الشرعية، والولاية على الحقوق والأموال الشرعية؛ جباية وتوزيعاً؛ كالخمس والزكاة والصدقات ومجهول المالك وغيرها، والولاية على القضاء والتحكيم بين أفراد المجتمع، والولاية على الأمور الحسبية والنظام الاجتماعي العام. ويتوسع بعض الفقهاء في إعطاء مساحة أوسع للفقيه؛ لتشمل الولاية على الحكم والدولة. ومرد الخلاف بين الفقهاء بشأن ولاية الفقيه هي هذه المساحة فقط.

وبالتالي فإن المرجعية الدينية وولاية الفقيه مصطلحان مرادفان؛ فكل مرجع هو ولي فقيه أيضاً؛ بناء على إجماع الفقهاء، ولكن هناك ولي فقيه ذو مساحة مقيدة تقتصر على الفتوى والأموال والقضاء والحسبة، ولا تشمل الحكم، وهناك ولي فقيه ذو مساحة عامة تشمل ولاية الحكم أيضاً. وهذه الشمولية لا يختارها الفقيه بناء على رغبته الشخصية أو رؤيته السياسية؛ بل هي قضية علمية فقهية؛ يتوصل إليها الفقيه عبر الاستدلال والاستنباط العلمي الفقهي. وخلال هذا الجهد العلمي قد يتوصل إلى شمول ولاية الفقيه على الحكم أو لا يتوصل. وحينها يحدد موقفه الواقعي حول نوعية تصديه للشأن العام؛ أي بناء على قناعته العلمية الفقهية.

وبصرف النظر عن القول بالعموم والخصوص؛ فإن المرجعية الدينية الشيعية ظلت منذ حوالي 1200 عام؛ أي منذ غيبة الإمام محمد بن الحسن المهدي المنتظر؛ تقف على رأس النظام الديني الاجتماعي الشيعي، وهي التي أوجدت هيكلية هذا النظام بالتدريج وبلورته، وحفظت من خلاله الشيعة من الضربات المتوالية والإنهيار. وتشكل الحوزة العلمية الشيعية مركز هذا النظام؛ فهي ليست جامعة لتدريس العلوم الإسلامية وتخريج علماء الدين وحسب؛ بل هي مركز النظام الديني الاجتماعي الشيعي. ولذلك يقف المرجع الأعلى على رأس الحوزة العلمية والنظام الإجتماعي الديني الشيعي، ويقودهما على كل الصعد.

إن النظرة إلى المرجعية الدينية تتجاوز القناعات الفكرية والاجتماعية والسياسية؛ لتندك بالواقع ومتطلباته. وأهم قواعد هذا الواقع:

1- إن المرجعية الدينية العليا ليست مرجعية علمية فقهية وحسب؛ بل هي منظومة دينية اجتماعية، تقف على رأس النظام الديني الاجتماعي للطائفة الشيعية الإمامية في العالم. ولهذه المنظومة معادلات ثابتة وسياقات عمل ونظم فرعية وتقاليد؛ أهمها الموضوع العلمي الديني المرتبط بالفتوى، والموضوع الإجتماعي الديني المرتبط بإدارة الشأن العام الشيعي وحفظ النظام العام. ويترشح عن هذه القاعدة ثلاث قواعد فرعية:

أ‌- إن المرجعية وحوزتها هو الوجود الأصيل والثابت والجوهري الوحيد في النظام الديني الاجتماعي الشيعي منذ بداية عصر الغيبة وحتى الآن.

ب‌-  إن الوجودات والكيانات الشيعية الأخرى، سواء كانت سياسية أو علمية أو اجتماعية أو علاقاتية؛ مهما بلغ شأنها؛ هي وجودات عارضة متغيرة، ولا يمكن أن تتساوي مع المرجعية الدينية في الشأنية الدينية الإجتماعية والمعنوية و مساحات العمل والتصدي.

ت‌- إن الإطار الذي ينبغي أن يضم جميع الكيانات الشيعية الفرعية العرضية، هو إطار النظام الديني الاجتماعي الشيعي الذي تقوده المرجعية العليا. وفي داخل هذا الإطار تكون علاقة الكيانات الشيعية بالمرجعية الدينية هي علاقة المتغير بالثابت، والفرع بالأصل، والتابع بالمتبوع.

2- إن منظومة المرجعية الدينية بطبيعتها هي منظومة تقليدية في بناها وأساليب عملها وحركتها. اما المحاولات الاصلاحية في الحوزة فلم تلامس ثوابت هذه المنظومة يوماً، ولن تستطيع ملامستها؛ بل تلامس التفاصيل والمتغيرات. وما حركات المراجع المصلحين المعاصرين في الحوزة النجفية و القمية وغيرهما؛ إلّا موجات وتيارات تأتي وتؤسس، ثم يبقى منها ما يتوافق مع ثوابت المنظومة المرجعية التقليدية. وهو ماينطبق على المشاريع الإصلاحية التأسيسية المعاصرة في حوزة النجف في عهد مرجعية السيد محسن الحكيم، وكذا ما أنجزه الشيخ محمد رضا المظفر والسيد محمد باقر الصدر.

وحتى منظومة ولاية الفقيه؛ بالرغم من قوتها المعنوية والمادية، وكونها أكبر مرجعية دينية في إيران؛ فإن تدخلها في منظومة الحوزة ظل مقتصراً على التوجيه ومأسسة النظم الفرعية العامة، ولم تتدخل في الثوابت التقليدية لمنظومة المرجعية ونظمها الخاصة؛ فبقيت المنظومة تقليدية في ثوابتها، ومنظمة ومؤسَسِية في متغيراتها، ومستقلة في شأنها الإداري والمالي.

3- إن المرجعية تمثل دائما الأبوّة لكل الوجودات الثقافية والسياسية والاجتماعية الشيعية؛ وإن كان بعضها ناقداً للمرجعية أومتمرداً على جزء من ثوابتها ومتغيراتها، أو كانت المرجعية لا تتوافق منهجياً مع هذه الوجودات المتغيرة العارضة. وبالتالي فالمرجعية العليا هي (أم الولَد) التي تستوعب أبناءها وتحتضنهم وتخشى عليهم الضرر، وتعمل على الحؤول دون إنكفائهم خارج المنظومة الدينية الإجتماعية الشيعية؛ وإن أخطأوا بحقها أو بحق الواقع الشيعي.

تجديد بُنى نظام المرجعية

العوامل الجديدة التي تدخل ـ بمرور الزمن ـ في بناء الحياة، والتغيرات العامة، ولا سيما الإجتماعية والسياسية والعلمية؛ تستتبع ـ عادة ـ تحولات في المفاهيم والمصطلحات والبنى التقيلدية المتحركة. وتتناسب مديات الحاجة إلى هكذا تغيير وتجديد، طردياً مع حجم التحوّل والتغيّر، مع الأخذ بنظر الاعتبار ثبات المفاهيم والبنى التي تعبّر عن هوية الأمة وأصالتها.

وربما بقي بعض المفاهيم والبنى بمنأى عن هذا التحول، بفرض عوامل معيّنة، ربما يكون أحدها حالة القدسية الموروثة التي تتمتع بها. ولكن التفاصيل التي استنبطت في زمن معيّن، وفي ظروف معيّنة، أو رعاية لمصلحة موضوعية؛ لا يعني أنها مقدسة، ولا يمكن مناقشة مضامينها ونظمها، وعدم إخضاعها للحوار العلمي الجاد. وإذا كانت مفاهيم "المرجعية الدينية" و"نيابة الإمام المعصوم" و"ولاية الفقيه" و"الإجتهاد" و"التقليد" و"الرجوع الى رواة الأحاديث" و"الإحتكام الى الفقيه" في المذهب الشيعي من ثوابت عصر الغيبة (غيبة الإمام الثاني عشر)، التي تقود إليها الأدلة الشرعية والعقلية؛ فإن بناها وتفاصيلها تظل دائماً من المتغيرات، التي يُعَدّ النظر في نظامها الموروث وحركتها التقليدية، ثم تعديلها وتطويرها ضرورة ملحّة، تمليها متطلبات الواقع والمستقبل.

والإحساس بهذه الضرورة حمل الكثير من الفقهاء المتأخرين والباحثبن المتخصصين، على إضافة مصطلحات جديدة لتوضيح مدلول المرجعية المعاصرة، ومحاولة إعادة تنظيم بنائها، ومنها "المرجعية الرشيدة" و"المرجعية الموضوعية" و"المرجعية القائدة" و"المرجعية المؤسسة". وهذا يعني أن منظومة المرجعية، فيها كثير من المرونة.

والمقاربة التي نحن بصددها هو تصوّرات عامة في الطريق. أما الحوار العلمي التخصصي حول شكل المشروع وسبل تنفيذه؛ فهو شأن المعنيين من الفقهاء المجددين وأهل الخبرة. ويتطابق مستوى نضوج المشروع مع حجم وعي المتخصصين بمتطلبات العصر، والتي ينبغي أن لا تؤثر فيه الأجواء الإنفعالية، والميول النفسية المحكومة بظرف معيّن، أو مصلحة خاصة؛ ليكون القرار بهذا الشأن على مستوى المصلحة الإسلامية العليا.

إن من أهم القضايا التي تثار خلال الحديث عن بنى "المرجعية الدينية":

1- مأسسة المنظومة المرجعية و متغيرات حركتها الخاصة والعامة، وفقاً للحاجة، بما في ذلك آليات تحديد شروط الإجتهاد الجديد، وكيفية الكشف عن مصاديقه وشخوصه، وفرز مراجع التقليد، و اختيار المرجع الأعلى.

2- سياقات علاقة المرجعية العليا بولاية الفقيه ومرجعيات التقليد والفقهاء في البلد نفسه والبلدان الأخرى، في إطار منظومة مرجعية واحدة.

3- تجديد هيكلية الحوزة العلمية ومناهجها الدراسية ومراحلها.

4- الحقوق الشرعية (كالزكاة والخمس وغيرهما) والولاية عليها وحق التصرف فيها.

تطور المصطلحات والمفاهيم في نظام المرجعية

تعود جذور منظومة المرجعية الدينية في مذهب أهل البيت، إلى بداية عصر غيبة الإمام المهدي وظهور عصر المحدثين والفقهاء، والذين تزعموا النظام الديني الإجتماعي الشيعي (كما أشرنا  سابقاً). وقد مرّت المنظومة ـ حتى الآن ـ بثلاث مراحل رئيسة:

الأولى: مرحلة النيابة الخاصة (السفراء الأربعة).

الثانية: مرحلة النيابة العامة (المحدثون والفقهاء).

الثالثة: مرحلة النيابة العامة في ظل حكم الفقيه.

وإطلاق اصطلاح "المرجعية" لا يعود إلى زمن بعيد؛ فالفقهاء السلف كالشيخ المفيد والشيخ الطوسي والعلامة الحلّي وانتهاءً بالشيخ الأنصاري؛ لم يكونوا يحملون هذا العنوان؛ بل يحملون توصيفات "زعيم الشيعة" و"شيخ الطائفة" و"الشيخ الأعظم". وقد تمت صياغة "المرجع الديني" والمرجع الأعلى" في فترة متأخرة لضرورات تدبيرية تنظيمية، بالاستفادة من جذر لغوي للاصطلاح، يعود الى فعل الأمر (إرجعوا) في رواية (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليهم)، كما ورد في حديث الناحية المقدسة (الإمام المهدي). ويعني الرجوع إلى المتخصص راوي الحديث والعارف بمقاصده، أي الفقيه، في كل الحوادث والوقائع التي تحتاج الى معرفة رأي الشريعة فيها.

أما اصطلاح "التقليد" الذي كان له وجود سابق على عصر الإجتهاد في مذهب أهل البيت؛ فإنه يعود الى حديث الإمام الحسن العسكري: (فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه). ومن خلال الاستفادة من الكثير من الأحاديث الشريفة الأخرى؛ كحديث: (العلماء حكّام على الناس) للإمام علي، ورواية عمر بن حنظلة عن الإمام الصادق حول جعل الفقيه حاكماً على الناس (من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا؛ فليرضوا به حكماً؛ فإني قد جعلته عليكم حاكماً)، والمقصد العام الصريح لهذه الأحاديث يتلخص في وجوب رجوع الأمة إلى المتخصصين في الشريعة (الفقهاء، أهل الذكر، العلماء، رواة الحديث) في أمور دينهم أو معرفة رأي الدين في أمور دنياهم؛ بصرف النظر عن الخلاف حول مستوى سندية هذه الأحاديث أو طرق الكشف عن مصاديقها.

وهكذا برز وجود مرجعية الفقهاء، مجسداً للزعامة الشيعية، ثم لحركة الاجتهاد والتقليد، وبات موقع الفقيه المرجع يمثّل الولاية العلمية والزعامة الدينية الإجتماعية في عصر غيبة الإمام المهدي، والامتداد الشرعي لخطي النبوة والإمامة، وله الحجية في الفتوى والقضاء والحسبة وتداول المال الشرعي، ويوسعها فقهاء آخرون الى الحجية في موضوع الحكم. وهذه الأمور والمفاهيم ليست معقدة ولا غيبية؛ بل لها تاريخ مدوّن واضح، سواء في الكتب الحديثية والرجالية أو في المدونات التاريخية.

و"التقليد" في فروع الدين (الأحكام الشرعية الفرعية)؛ ضرورة عقلية لامهرب منها؛ قبل أن تكون مشروعة نقلياً وروائياً. وبعيداً عن الأراء الرافضة؛ سواء التخصصية التي كانت تطرحها المدرسة الإخبارية دون أن تطبقها، أو الآراء الإنفعالية غير المتخصصة؛ فإن التقليد يعني بكل بساطة الرجوع الى رأي المتخصص في أحكام الشريعة حصراً، وليس في جانب العقيدة، كرجوع الناس الى الطبيب المتختص أو المهندس أو الفيزياوي. وكما أن للطبيب ولاية على الفتوى الطبية فإن للفقيه ولاية على الفتوى الشرعية. أما الجانب الديني العام المنعلق بالتقليد؛ كمسؤولية الفقيه تجاه الأمور الحسبية والقضاء بين الناس؛ فيرتبط في الموقع الذي وضعت فيها أحاديث أئمة ال البيت، أما المسؤولية تجاه المال الشرعي فهي مسؤولية تنظيمية جعلية.

بل المفارقة أن الآراء التخصصية التي ترفض الإجتهاد والتقليد، وتحديداً رأي المدرسة الإخبارية؛ نراها تطبق عملياً وحرفياً منظومة الإجتهاد والتقليد، وإن رفضتها نظرياً؛ بل حوّلت منظومتها المرجعية الى نظام مؤسسي أبوي رعوي محكم وقوي؛ فتوائياً وإدارياً ومالياً؛ بما يفوق منظومة المدرسة الأصولية الإجتهادية التي باتت تمثل الخط العام للمرجعية الدينية منذ عهد المرجع الأعلى الشيخ الوحيد البهبهاني. بل ما يلفت النظر أكثر؛ أن بعض الذين يطرحون أنفسهم كمراجع مجددين وينظِّرون بكل حماس لرفض التبعية الشرعية للفقية أو المرجع الأعلى، والتشكيك بشرعية بعض الأموال الشرعية (كالخمس مثلاً) ورفض تنظيمها من قبل المرجع؛ فإن هؤلاء المجددين يمارسون عملياً كل سياقات العمل المرجعي التقليدي ويستلمون الخمس والأموال الشرعية من مقلديهم ويصرفونها في مواردها المذكورة في باب الخمس.

 

د. علي المؤمن

 

عبد الجبار العبيدينحن في ديار العرب والاسلام مرعوبون اليوم من كورونا.. وما فكرنا يوما بأننا نتعايش مع كورونا منذ 1400 سنة يقتل بنا ويفرق بيننا ونتجاهله باعتباره دين.. كل منا يفكر بما هو يعتقد والكل واهمون من العلاج، لاننا جميعا ابتعدنا عن العلاج الصحيح.. فهل كورونا المرض ايقضتنا من سباتنا الطويل..؟

من يقل لكَ انكَ تعيش في دين محمد (ص) فلا تصدقه.. لانكَ تعيش اليوم في دين فقهاء الآمويين والعباسيين المزيف القديم..كورونا الجديد.

هنا موضع للحديث مهم وشائك عن أمة أوجد فقهاء الدين فيها مفاهيم دينية خاطئة بتفسيرهم للعلاقة بين الاسلام والمذهب، وبين الحقيقة والوهم، عبر المسيرة التاريخية لامة سخرفيها تفسير النص الديني لمصلحة السلطة لا لعقيدة الناس في الدين، حتى أصبح التفسير يهدد العقيدة نفسها بالتوقف والسقوط.. لدرجة ان العقيدة الاسلامية لم تعد لها شخصية اعتقادية ولا حتى اعتبارية بين معتنقيها الكثيرين سوى الانتماء بالاسم والتقليد اليها وليس بالايمان والتصديق.. والا فالمؤمن بالعقيدة لا يسرق بلاده.. ولا يتعامل مع اعدائه.. ولا يخون القيم والمبادىء.. وقسم اليمين.

 فنحن اليوم بحاجة الى موقف جريء للخوض فيه ووضع اصوله موضع التحقيق بعد ان اصبح الرأي الفقهي سر تأخر هذه الامة، ووقوفها عاجزة عن الرد على التحديات سواءً كانت من الخصوم الكائدين أم من أبنائها المغفلين، فلننظر في أرائهم ونناقشها لعلنا نخطأ او نصيب.. نعم انها كورونا الجديد..

نعم.. نحن بحاجة الى جرأة مدركة لتعريف اسباب تقهقر الامة، وعن سر ضعفها الملازم لها الذي فرض عليها من سلاطينها الطغاة مستندين الى شُبةٍ ضعيفة تجعل من الجبروالأرجاء وسيلة لسلب الاختيارليبقى الحاكم الصعلوك يتحكم في رأي الامة والجماهير.. مستندا على ما كتبه الفقهاء وعقائدها والحديث المزيف والاحكام السلطانية التي شكلت الفكر التبريري لتثبيته كعقيدة في افكار المسلمين.. والتي أصبح نزعها من افكار العامة مستحيل الا اذا تغير المنهج الدراسي لصالح الحقيقة في التدريس.. فهل سنقضي على كورونا ان لم نكتشف العلاج الصحيح..

هنا لابد لنا من انهاء فكرة أثر الماضي في الحاضرالذي ولد لنا الانقسام، والتفتت، والتواكل، واللا مبالاة، والهزيمة النفسية التي جعلتنا نخضع لفئة مجرمة وضالة وكافرة وفاسدة بكل القيم وعقيدة الدين ونعتقد ان لا دين ولا اسلام ولاعقيدة الا ونستمدها من كتبهم الصفراء التي لا اصل لها مكتوب في وثائقهم ولكن مجرد تكهنات كتبوها في الاسلام والدين لأرضاء سلاطينهم.. ونحن نتحداهم ان نجد مخطوطة واحدة كتبت بقلم أو بخط مسلم والبخاري وعبدالله بن عباس وسلمان الفارسي وغيرهم كثير.. هؤلاء الذين يتقاتل اصحاب المذاهب فيما بينهم عليهم دون سند أصيل.. الا من وجهة نظر الماضي البعيد.ان المنطق التاريخي يتطلب منا اليوم كتابة التاريخ الحقيقي بلا مجاملة لكي نقف على حقيقة الأصول والتحقيق.. فعلاج كورونا بالدعاء وزيارة الاضرحة هو كورونا المميت..

فاذا كان الاسلام اليوم هو اسلامان او أكثر فنحن لسنا بحاجة الى من يفرقنا ويضعفنا ويقتلنا في النهاية.. واذا اخذنا ما يحصل لمجتمعاتنا بعد الربيع العربي سببا في ذلك فنحن خاطئون.. لان قادة هذه التغيرات ما هم الا جملة تصورات من الذين انهزمت مفاهيم العدالة في نفوسهم.. لا بل قل جاؤا بأحياء اعداء الامة من الأخرين كما حصل في بلاد العرب..ويقف العراق بقيادته المسخ اليوم من كل المذاهب والاديان في مقدمة من خانوا الامانة واسقطوا كل ما هو صحيح.. منهج تبريري قدمه السابقون بقصد.. واليوم يطبقه اللاحقون بقصد اكبر منه.. لتبرير ماهم فيه والغون وخاطئون .

 في الحقيقة ان ما كتبوه ونشروه كعقائد مذهبية باطلة كان بعلمهم قصداً.. لانهم رواد سلطة لا دين.. بعد ان ابتعدوا عن احترام النص فكتبوا ونشروا كل ما ارادته السلطة منهم لا الدين منذ عصر الامويين والعباسيين وحتى اليوم.. فهم بهذا سقطوا واسقطوا عقيدة الدين التي بها يبشرون، لاعقيدة الدين الصحيح وحولوها الى مذاهب باطلة لهم ليسودوا بها على الأخرين..فمن الواجب الانساني الرد عليهم بعلمية النص لحفظ بيضة أخلاقية الدين.. هنا واجب الكاتب الحيادي المخلص اليوم الذي يجب عليه ان يقاتل في سبيل قضية محركة وقيم معينة وهي قضية الاقناع والوعي الصحيح في ساحة الاسلام الصحيح.ان بقي لدينا اسلام صحيح..؟

نرى ان الخطوة الأولى.. التي يجب تثبيتها من خطوات معرفة رأي الفقهاء الخاطىء بين الاسلام والايمان بالمذهب تتمثل في أصرارهم بانتقال المؤمنين بالدعوة الاسلامية من مرحلة العقيدة وتفسير النص الى الايمان بهما كنظرية صحيحة غير قابلة للمناقشة وجدلية الرأي، بأعتبار ان النص مقدس لا يجوز لأحد التعرض له، وهنا وقعوا في خطأ التقدير، وان ما تم الاستقرار عليه لا يجوز لأحد مناقشته او الطعن فيه.. بأعتباره حقيقة ربانية منزلة.. وما دروا ان الاسلام يقع ضمن محتويات القرآن لا الاحاديث النبوية او ما قاله السلف اللذين صالوا وجالوا فيها على غير هدىٍ.. لذا يجب طرح تفسير النص المقدس طرحا علميا عقيدة وسلوكاً ضمن العمق الفلسفي للعقيدة الاسلامية وليس كما يعتقد الفقهاء في التفسير في وقت جاءت تفاسيرهم واللغة العربية لم تستكمل تجريداتها ومفرداتها بعد منذ القرن الثاني للهجرة .. بجدلية الرأي العلمي الصحيح والنص يبيح جدلية الرأي والفسير.. يقول الحق :"وجادلهم بالتي هي أحسن، النحل 125" ومن حق كل من يؤمن بها ان يبدي وجهة نظره فيها بحيادية المنطق لا برأي المفسيرين حسب.

هذا العمق الفلسفي يتمثل في منهج البحث العلمي الموضوعي لأحتواء القرآن على الكثير من المصطلحات العلمية والحروف التي جاءت في اول السوروآيات التشابه والمحكمات واللا محكمات والحدودية والحدية التي لا زالت غامضة بلا تفسيرعلمي صحيح.. فاصبح النص جامدا في معناه دون تحريك.. هنا الاشكالية..؟

 والخطوة الثانية.. هي اعراضهم عن المرور على الفلسفات الانسانية القديمة التي سبقت الأسلام وتحريم التعامل معها بأعتبارها تقع ضمن هامش الخطأ او الباطل كما هم يعتقدون خطئاً، وعدم التطرق الى نظرية المعرفة القرآنية التي يجب ان تكون مصاغة صياغة حديثة معاصرة، ومستنبطة حصراً من النص المقدس.. هذه الأغفالات أوجدت لنا أزمة فقهية حادة تحتم علينا بأسم العقيدة الدينية تفحص الثوابت المختلفة التي لا تنتمي الى النص بالمطلق.. لذاعلينا ايجاد فقه جديد معاصر لتشخيص المشكلة.

والخطوة الثالثة.. ان الكثير من المسلمات التي طرحوها هي بحاجة الى اعادة نظر مثل اطروحة القضاء والقدر والحرية ومشكلة المعرفة ونظرية الدولة وتفسير التاريخ.. ليصبح الفكر الاسلامي يحمل طابع المعاصرة والتحديث وفق صيرورة الزمن القرآنية يقول الحق : "قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ لبخلق العنكبوت 20".. دون المساس بالايمان بالله وكتبه ورسله واليوم الأخر.وهنا هم يعارضون.. خوفا من كشف الحقيقة..؟

وهذا ما يؤكد لنا بان الفقهاء وتوجهاتهم الاسلامية في بناء الدولة لا يؤمنون بالقانون الوضعي والدساتير..بل يؤمنون بالقانون الفرضي .. اي بقانون فرض قوة الرأي على المواطنين في فرض مذاهبهم وما سطروا فيها من تجاوزات على النص وحقوق المسلمين.. منذ بداية تكوين الدولة الاسلامية التي قادت حركة الفتوح المعتدية على الشعوب الأخرى بحجة نشر الاسلام والتي يرفضون محاورتها.

وما هي الا.. قتلُ وسلبُ واعتداءُ على الحريات والأعراض والأموال علىالشعوب الاخرى دون شريعة من نص مكتوب بحجة "أسلم تَسلم لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم، أنظرالبلاذري في كتاب الفتوح "بخلاف النص المكتوب"لكم دينكم ولي دين، الكافرون آية 6".ونفذتها داعش الاجرام اليوم.. وزادتها تعقيدا قيادات الاجرام السياسي الحالية في العراق التي فاقت كل تصور في الباطل والاجرام والاعتداء على الحقوق.. وهي تستمد افكارها مما ورثته من افكار تراث الأقدمين ومؤسسات الدين بمذاهبها المختلفة التي لا اصل لها في الدين..

ان اصول التاريخ الاسلامي اليوم يحتاج الى تصحيح وتصفية.. مما شابه من عدم الدقة وتطبيق اللاقانون بحجة الأخذ بما جاء به النص دون تمحيص..لذا فنحن اليوم بحاجة الى عرض وجهة نظر جديدة في المعرفة والوجود.. معتمدين على الصيرورة الزمنية المتغيرة حيث تكمن عقيدة التوحيد.. لوضع منهج جديد في اصول التشريع الديني قائم على البينات المادية وأجماع الاكثرية وليس على اراء رجال الدين القديمة التي لم تعد صالحة للعصر الحديث، وعلى حرية الرأي والاختيار اللذان هما اساس الحياة الانسانية في عالم الوجود.. فالاسلام ما جاء من اجل اختراع مذاهب باطلة قررت قتل حقوق الانسان في الوجود.

 من هذا التوجه الناقص استفرد الحاكم بالامة بعد ان أمن رأي الفقهاء ومرجعيات ادين المساند له في دولة الدين السياسي المترهلة.. والا ما فائدة رأي المرجعيات الدينية اليوم وهي منزوية لا تقابل احدا ولم تقرأ كتابا حديثاً اونظرية حديثة في توجيه القانون وعصر التحديث.. لمجرد لبسها العمامة وهي الآمر الناهي ويصدقها المتخلفون.. أمر غريب عند المسلمين في عالم المعرفة والتحديث.للوقوف على حقيقة معايير النجاح وتخطي الفشل الذريع.. ونقل المجتمع لفضاء حرية التغيير.

اذن ماهو الحل في معالجة مثل هذه الاشكالية المعوقة للتغيير: الحل ان من معايير النجاح هو تجاوز خط المساومة في التقييم والتطبيق.. فلم تعد اراء ميكافلي في المداهنة بصانعة تاريخ كما في رأي الماوردي (ت450 للهجرة)، والغزالي (ت 505 للهجرة)، والشيخ المفيد (ت 413للهجرة) وغيرهم كثير.. قد تنفع أراؤهم احيانا ولكن لمرحلة معينة.. لكنها ستكون ضارة وغير نافعة مع تطبيق القيم الاخلاقية وسلوكيات الدين الصحيح في عصر مختلف عن عصورهم في المعرفة والتطبيق.. فكل من اعتقد بالمداهنة وسيلة ممكنة، تلقى فيما بعد هزيمة منكرة.ان الاصرار على طريق العدالة الحقة هو اشد انواع الواقعية وهو ان نلتزم بالصحيح لان ليس كل ما يقال ويكتب صحيح وخاصة في ميدان العقيدة والتطبيق.. وهو طريق النجاح في البعيد والقريب.. وسيبقى المؤمن المسلم يهرول خلفهم ولا يدري انه يركض وراء سراب ظنه ماءً.

فخط الحاكم صاحب الشوكة في التطبيق دون رأي المعارضين.. نظرية اثبتت فشلها في عالم التطبيق لأن الحاكم ينظر لمصلحته دون الاخرين.. كما نراهم اليوم وهم مصرون على بيع الوطن دون مسئولية الوطن والدين . أما خط الأرجاء فقد اعتبره المؤرخون مثال على ضياع الحق بالتقادم..

يبقى الموقف من اصحاب الديانات الاخرى.. اليهود والنصارى والصابئين وغيرهم وضرورة تطبيق ماجاء به النص القرآني حلا للأشكاليات المستعصية اليوم.. يقول الحق:" ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الأخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، البقرة 62" اذن اين نضع هؤلاء مما نتهمهم اليوم بالمشركين اصحاب النار.. ومن هو الصحيح قول الله أم قول المفسرين؟ لذا لا داعي لبعض الاخرين من المثقفين وغيرهم ان يتضايقوا من النقد الموجه لهم لانهم بنوا افكارهم على نظريات ما اثبتت صلاحها في اعمال نظر وفكر.. هنا مشكلة لابد من معالجتها لانارة الطريق.. لهم وللاخرين.

مع الاسف الشديد ظهر خط المساومة والضعف حين ظهر التعامل مع الواقع والوقائع والخضوع لها حين ضعف الاعتقاد وحين اصبح النص الديني لا يشكل المعيار الحقيقي الوحيد للسلوك السياسي في حكم الدولة وحقوق الناس.

والمعضلة الرابعة التي تحتاج للمعالجة الجذرية هو الأفتراق في الفرق الاسلامية انظر الى الفرق بين الفِرَق في اعتقاداتهم الوهمية.. والتي أدت الى اشكالية كبرى في وحدة العرب والمسلمين بأحاديثهم الوهمية المنقولة عن الرسول (ص) "قال رسول الله (ص) :" تفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار الا ملة واحدة.. انظر مجمع الفتاوى ج3 / 345. فهل من عاقل يُصدق مثل هذا الكلام يصدر عن نبي او رسول يريد لامته الوحدة كما قال القرآن:" هذه أمتي أمة واحدة وانا ربكم فأعبدون الأنبياء 92" الم يكون هذا الحديث مدسوسا وغير ثبت؟

والمعضلة الخامسة هو الفرق بين المسلمين والمؤمنين ومن هم؟

 ويقول الحق :" ان المسلمين والمسلمات والمؤمين والمؤمنات.. والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعد الله لهم مغفرةً وأجراً عظيماً، الاحزاب 35 ". لاحظ الأفتراق بين النص والفقيه.. فأين هم المسلمون والمؤمنون من التحديد كما يقول فقهاء الفُرقة والتخريب..؟ حتى أوصلونا الى المسجد في التسمية والتعريف (مسجد السُنة الجديد في هولندا"ومادار ويدور خلفه من تهريج.. هذا مسجد السُنة وذاك مسجد الشيعة.. اذن اين مسجد الاسلام الواحد الموحد الصحيح؟

ونحن نستغرب كل الأستغراب لماذا أستبعدوا الجهاد الحق (وقاتلوا الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدبن"، فهل كانت البلدان المفتوحة من قبل المسلمين بلداناً معتدية، وهي تبعد عنهم ألاف الأميال؟ قطعاً.. لا؟ اذن الفتوحات كانت عملا غير شرعي من الناحية القانونية والدينية معاً، وانما اقتضها الحاجة الآنية.. فهل هي شرعية من وجهة نظر الدين؟ فهل لديهم جرأة الاعتراف بالخطأ..؟

 الم تكن مؤسسة الدين هي الاساس في التخلف والتجهيل بعد ان اخترعت لنا المذاهب المختلفة والمتعارضة في الرأي والأعتقاد.. ودرء الخطر.. وسد باب الذرائع.. والتقية الميكافيلية.. والغاية تبرر الوسيلة.. وولاية الفقيه.. ونظرية المهدي المنتظر الوهمية؟.

 فلا خلاص لنا الا بالخلاص منها وفصل الدين عن السياسة، ومنح الانسان المسلم حرية العبادة والتفكير بموجب قول الحق :" لكم دينكم ولي دين" . كما فعلت أوربا وخرجت من عنق الزجاجة الى الفضاء الكبير. أنهم هم الخارجون على النص ولكنهم لا يعلمون..

ولنا عودة معهم.. ان شاء الله..؟

 

د. عبد الجبار العبيدي

 

مهدي الصافيالوطن.. العقائد والموروثات.. المصالح الاستراتيجية الحضارية

الثقافة او التراث الاسلامي المتجدد داخل الاطار المغلق للمذاهب والطوائف والمدارس او المعاهد الدينية لايعد تجديدا، انما استنساخ مشوه للموروث، اذ اعتبرت بعض محاولات التجديد العقلية والواقعية المجردة، البعيدة عن التصورات والاسس الثابتة المعتمدة في الدراسات الاسلامية الرسمية او المركزية انحرافا عن القاعدة الدينية العامة، وهكذا تأخذ جميع المسارات الفكرية او الثقافية او الدينية في المجتمعات الاسلامية او الدول العربية، نفس النهج والاسلوب والطرق المتحجرة في الفهم والادراك والابداع والتجديد، يخرج منها ظواهر وحالات فردية او جماعية محدودة العدد والتأثير، اذ تختلط وتتشابك المفاهيم العامة والخاصة بالاعتبارات التراثية او الاجتماعية الاثنية او الطائفية او حتى الدينية والايديولوجية المحلية (التجربة الماوتسية الصينية)، ينتج عنها ثقافة اجتماعية دينية مشوهة، تزداد تشوها وانحرافا، كلما اشتدت الظروف السياسية والمعاشية والاجتماعية سوءا...

تأريخيا لم يتم الفصل او التمييز الجذري بين الدين والمفاهيم الاخلاقية والانسانية والفلسفية المتدرجة او المتغيرة مع تغير وتقدم الحضارات الانسانية، بل اقحمت الدولة بالمفهوم الديني المستحدث بعد انهيار الامبراطوريات الاسلامية، وانتهاء عهد دول الخلافة الاسلامية (الامبراطورية العثمانية)، وتم حشر المجتمعات المسلمة في زوايا السجال والجدال والصراع المستمر، حول علاقة الدين بالدولة، اوصلهم في نهاية المطاف الى التطرف الديني (السني شيعي)، ومن ثم الدخول في اشكالية العمل السياسي الاسلامي الراديكالي (حركة اخوان المسلمين، ومفهوم الحاكمية، ثم الحركات السلفية والتكفيرية الارهابية، الخ.)،

هذه المحاولات ظهرت بعد ان بدأت بعض المدارس الاسلامية التحدث بقوة (قوة الدولة او الضغط الشعبي) حول ضرورة تحديث الخطاب الاسلامي، فصار هناك افراط في ضخ الكثير من الافكار الاسلامية السطحية او الجدلية على انها مفاهيم حديثة مواكبة ومتناسقة مع مسيرةالحضارة، ثم تحولت واختلطت مع الاراء والاجتهادات الدينية الشخصية، لتصيح بعد ذلك مناهج فقية اشبه بالمحرمات والخطوط الحمرالاضافية، اي عقائد دينية جديدة (المحرمات المستجدة، الفتاوى الاعتبارية، الخ.)، تعدت تأثيراتها حدود العقل والمنطق، مع اننا نعتقد ان وظيفة او مفهوم الاديان السماوية هو مفهوم كوني عام، الغاية منها ايصال الرسائل الالهية السماوية الى المجتمعات البشرية المنتخبة من بين الامم والشعوب، لانتشالها من المراحل الاجتماعية القروية الى مراحل الحضارة الاخلاقية الانسانية العلمية، وليس من اجل الاكثار من بناء المساجد والحسينيات والتكيات والمذاهب والطوائف والفرق والمعابد او الكنائس، الخ.

المفاهيم هي افكار منطقية تاريخية تكتسب مصداقيتها واهميتها في المجتمعات عبر الاثباتات العلمية، اي لايمكن التنبأ فيها مادامت غير مثبتة علميا، لكنها بالطبع هي اوسع واشمل من الافكار، التي هي ايضا بحاجة الى الادلة والاثباتات المنطقية والعلمية، كي تصبح مفاهيم او قواعد ايديولوجية او فكرية،

اما مايتعلق بالاديان فهي تختلف كليا عن تلك الاعمدة المعرفية الكونية، لانها تفتقر للاثباتات العلمية تأريخيا، الا انها تاخذ بمرور الزمن بتلك الاسباب، وهي مهمة معقدة اهملتها معاهد ومدارس اللاهوت والماورائيات، بينما اهتمت بها الثقافة العلمانية عبر فتح مراكز البحوث العلمية الفيزيائية والفضائية،

حيث يتم فيها دراسة العالم وبداياته واسباب تكونه، وكذلك احتمالات وجود حياة في المجرات او الكواكب الاخرى، فالصراع بين تلك المراكز (بين المراكز الدينية والعلمية)كان مستعرا قديما ولازال حديثا (بحوث استنساخ الخلايا والاعضاء والبشر، الخ.)،

بل كان في العالم الاسلامي خلطا متعمدا بين الدين والبحوث والاكتشافات والاراء والافكار العلمية، حتى لاينفرط عقد العلاقة الحديدية بين الحاكم ووعاظه وقبضته من جهة، وبين عامة الناس من جهة اخرى (الذي كان في الاعم الاغلب رافضين وساخطين عليهما)،

مما جعلهم اكثر وحشية ضد مايسمى بالمرتدين والزنادقة او جماعة الهرطقة، هذه الاعتبارات كما ذكرنا اصبحت بعد قرون مفاهيم معدلة وراثيا، تأخذ عدة طرق واساليب واعتبارات مختلفة (متطرفة او متشددة او متحللة، او حتى معتدلة)، ولعل صراع التحدي بين بعض المثقفين والاسلاميين حول اهمية سحب اطلاق تسمية عالم على رجل الدين، وبين من يريد اضفاء صبغة وصفة الربانية عليهم (عالم رباني)، يثبت ان عملية ومسألة جر العلم الى المراكز الدينية، لن يقدم اية معرفة علمية حقيقية لتلك المجتمعات الغائبة عن الوعي التاريخي المتغير، انما هي تنكفأ وتنطوي على التراث القديم بغية اعطاء صفة القداسة الدائمة، كمفهوم تاريخي سماوي مقدس، لحماية مكتسباتهم المادية والاعتبارية من التبخر امام عالم التكنولوجيا والحضارة الفضائية القادمة،

اذ ليس صحيحا ان يكون الماضي افضل واكثر علمية من الحاضر، هذه سنة وصيرورة الحياة او الخلق والتكوين والتطور....

اين تختلط المفاهيم والاعتبارات (الشخصية او الشمولية او العقل الجمعي، الخ.) في المجتمعات المسلمة والدينية عموما، عندما يكون العقل والعلم او المعرفة اقوى من حجة ومنطق الاديان والتفاسير والتأويلات المنبثقة او المستنبطة منها، وكانها موجة رياح عاتية تكتسح كل شيء امامها، فيخرج منها بعد ذلك منظرا مشوها بشعا (قد تجد ذكر عبارة مشوها هنا كثيرا، وذلك لان عدم الفصل ادخل الاديان والموروث في جميع المجالات مما تسبب بتشويه شامل في الثقافة والفنون والاداب والاخلاقيات والبيئات الاجتماعية العامة والخاصة، حتى الرياضة وضعت تحت مجهر الرقابة الدينية التاريخية، الخ.)

لماحصل داخل تلك الدوامات الدائرة حول نفسها، سواء ظهرت عبر مفاهيم او عقائد، او غير ذلك من الاساليب والطرق المختلقة الجديدة، تأخذ طريقها الى الشارع على انها افكار ومفاهيم مواكبة للتطور الحضاري العالمي، ولكن بحلتها وهيئتها ونمطها الاسلامي المتزمت او المغلق، مع ان الفكر لايمكن ان يكون ناضجا دون وجود مقدمات فلسفية معرفية وعلمية سابقة له، تعد اساس مهم لقواعد الاعتبار والاعتماد او التبني العام،

مما يتطلب مراجعة شاملة لكل من يدعي ان المعاهد او المدارس الاسلامية قد كانت تطبق تلك القواعد المعرفية قبل طرحها لمايسمى بالمفاهيم الحديثة او الفكر الاسلامي المتجدد (البحث في الميراث والمساواة بين الرجل والمرأة، تخفيف قيود وحدود الردة والتكفير، التعامل مع الديانات الاخرى، رفض فكرة الخلافة او مفهوم الحاكمية لله عزوجل، فوائد البنوك، الخ.)،

الذي غالبا مايكون متطرفا اما بالرفض المطلق او القبول الشامل، اي لايبحث هذا التجديد المفترض بأصل الاديان وفلسفة ضروراتها واحتياجاتها الانسانية، وحكمة الخالق عزوجل في بعثه الانبياء والرسل والكتب السماوية، وان كل شيء في هذا العالم اية الهية مقدسة، فالاسلام او الاديان السماوية عموما فيها الجانب التقليدي المتوارث(الاعتقاد والايمان والحدود والقوانين الالهية)، والجانب او الدافع الروحي العلمي العقلي (العلم والمعرفة اي الفكر والانجازات الابداعية والاعمال الصالحة)، بينما ينخرط الاخرون في مراحل اعادة الصياغة والانتاج التراكمي المتوارث، عندها لاتجد ان شيئا في المياه الراكدة قد تحرك، هذه ليست اعتبارات فردية او فئوية، او هي مجرد شطحات فكرية او محاولات فلسفية مثالية لفهم حقيقة وغاية الاديان والاهداف المقدسة والانسانية العامة المطلوبة منها، انما حقاىق علمية تأريخية حضارية متوارثة ومتطورة بشكل تصاعدي،

اي كل انسان عليه ان يراجع ويفهم فلسفة الاديان وضروراتها الارضية، هي ليست جامدة او ثابتة دون تغيير، فقد كانت حكمة الله عزوجل تتجسد واقعيا بمسالة او مفهوم ارسال الانبياء والرسل بالشرائع والمواعظ والارشاد والهداية والانذار والتذكير والوعيد(الخ.)، حتى ختمت الاديان والرسالات في عهد النبي محمد ص، الا ان الحياة استمرت بالتطور الحضاري الكبير، وكذلك افكار وثقافة وطبيعة المجتمعات البشرية، ولهذا لايمكن القول ان فكرة الاعتبارات ثقافة سطحية مرفوضة دائما، ولكنها يجب ان تكون في الوعاء الفكري العلمي المتحضر، والا اصبحت منطق الدخلاء واسلوب الجهلة الاغبياء، الذين يكون انحرافهم اكثر خطورة من اي انحراف فكري او اخلاقي اخر، كمن يفقد عقله بعد ان تشبع بثقافة العنف والتطرف والتوحش، فيصبح خطره بحجم الكوارث الكبرى، وهذا مايحصل في المجتمعات البدائية حتى يومنا هذا، عندما تكون الاعتبارات الفقهية المنحرفة (على سبيل المثال)مناهج مقدسة متوارثة للارهابيين التكفيريين المجرمين، او اعتبارات اعادة صياغة السيرة او السنة النبوية وفق الرغبات الفردية او المصالح الفئوية، يخرج منها اديان شعبية عديدة(المذاهب والفرق والطوائف هي النموذج التاريخي للاديان الشعبية المتوارثة)،   او ينتج عنها خرافات اسطورية مقدسة(اي بمعنى ان بعض رجال الدين او الفقهاء يمزجون بين القراءات والقناعات المتعددة الخاصة بهم مع التراث، ثم تسقط على الواقع كنموذج تاريخي مقدس، كالاقتباسات اوالاستعارات التراثية المتداخلة، التي تذكر على انها جزء من السيرة النبوية والسلف الصالح، الخ.).

من الطبيعي ايضا ان تكون لاية امة او شعب او حتى مجتمع صغير اعتبارات اجتماعية متوارثة، لكنها تختلف من بيئة اجتماعية لاخرى، ففي الدول المتحضرة نسبيا اصبحت الاعتبارات مفاهيم حضارية قابلة للتغيير والتجديد المستمر، اما في البيئات البدائية اي الفقيرة والبعيدة عن الثقافة والحضارة العلمية التكنولوجية فالامر مختلف، هي (على سبيل المثال ايضا) تعد اية تصرفات صادرة من المرأة خارج اطار المألوف والقيم التراثية القبلية خروجا على العادات والتقاليد او شرف العائلة والعشيرة، وبالتالي قد يصل الامر الى التصفية الجسدية غسلا للعار كما يدعون، ولكن بالعودة للتراث نفسه (عصر الجاهلية الاولى والثانية) لم تكن بعض تلك التصرفات البدوية المتوحشة موجودة اصلا بهذه الكيفية والتشدد، لان عصرهم كان اقرب لعصر الحضارات والاساطير القديمة، التي كانت تعطي للمرأة حيزا كبيرا بينهم، وبين آلهتهم المتعددة، وهكذا تتوارث المجتمعات القبلية الدينية تلك الاعتبارات، التي تكون عندهم بمثابة الهوية المقدسة، المحرم على اهلها الاقتراب من الحضارة الانسانية الحديثة،

لان الامر قد يفتت ويفكك عقد تلك المفاهيم سريعا، فيتيه العقل البدائي في ساحة الفكر والمفاهيم الحضارية العلمية، والذي بالطبع ستنهار معه كل المفاهيم والاعتبارات المتكأة عليه، وستسقط صور المقدس الارضي كما تتساقط اوراق الشجر في الخريف، او يتهاوى سقف الموروث كما تتهاوى جبال الجليد بفعل التلوث وظاهرة الاحتباس الحراري، بمعنى ان الامر ليس بتلك البساطة، الا انها محاولات ممكنة الحدوث لانها اقرب للحقيقة علميا، وابعد كثيرا عن الاعتبارات التاريخية...

بالعودة الى الفلسفة

(التي يمكن تعريفها شخصيا دون العودة الى اصل المفهوم وتعريفاته او تعابيره التاىيخية) هي ام واب المفاهيم الانسانية الاخلاقية، هي الوعاء الكوني للفهم والادراك والعقل والمعرفة الانسانية، دون المرور بها (كلا حسب درجاته وامكاناته واعتباراته ومعرفته الشخصية) لايمكن لاي انسان ان يكون سويا في حياته، هي منهاج التفكير والاسلوب والتطبيق العملي الطبيعي الفطري، تبدأ من الانسان وتمتد لابسط نبتة او شجرة او حشرة، او مملكة للحشرات اوالحيوانات والطيور وعالم البحار، وهكذا في حركة الكواكب والنجوم والرياح، والظواهر الكونية الطبيعية الاخرى، هي التساؤلات المشروعة حول حقيقة الاشياء، وكيفية ايصال الفكرة، واعتماد الاساليب والمحاولات الذهنية، والتجارب العملية، والتصورات الواقعية الخيالية (اي االافكار والمحاولات السابقة في الطيران او او صناعة الالات والعجلات والوصول للكواكب البعيدة مثلا، فقد كانت في بداياتها احلام وامنيات خيالية، لكنها بالتدريج اصبحت حقائق واقعية)، التي قد تجعلنا نطلق فلسفة خاصة حول تلك الخصائص البشرية المشتركة (التصور والخيال البشري)، بأعتباره مفهوم طبيعي عام، من ان كل او اغلب ظواهر الخيال والالهام العلمي، هي حالات قابلة للتطبيق عند المفكرين والعلماء المميزين، بما فيها علوم الاستنساخ البشري او الاستثمار في الكواكب المكتشفة الشبيه بالارض، او البحث عن احتماية وجود عوالم بشرية او حياتية في المجرات البعيدة....

من هنا يمكن ان ينطلق الانسان العاقل المفكر في رحلة فهم الخلق والتكوين والاساطير والاديان والحضارة والتأريخ، بغية ان تكون المفاهيم الانسانية الاخلاقية الخالدة متطابقة تماما مع اصل الحضارة ومستقبل التقدم والتطور الانساني العالمي، اذا بالعودة الى الفلسفة الشخصية للمعرفة الفكرية حول اليات الفصل كما ذكرنا بين المفاهيم والاعتبارات، نسير معها في طريق تقديس الاساطير والاديان السماوية الانسانية ليس على اعتبار انها قاموس الشريعة الارضية المقدسة، انما على قاعدة انها انجازات تاريخية حضارية بشرية مهمة ومقدسة معنويا، بما قدمته من مراحل متدرجة في التاريخ لمختلف المجالات(تكوين المجتمعات في القرى والمدن، الزراعة والحرف والمهن، الثقافة والفكر والاديان، وبقية الاعمال الصالحة)، مع التأكيد على انها ليست المعيار التاريخي الوحيد لضبط المفاهيم والاعتبارات الحديثة، بل شريك فرعي او ثانوي بسيط للتأكيد فقط على تراتبية التطور والاستمرار، قد نجد في بعض الحضارات الحديثة انها قامت على انقاض حضارات عريقة قديمة سبقتها، ولكنها ليست حضارات مجردة منفصلة عن التاريخ او الثقافة والتراث الخاص بها، هذا الامر يعطي للباحث المتحرر من كل القيود والاشتراطات والحواجز المسبقة، حرية الحركة الفكرية في البحث والنقد والاستنتاج، ومن ثم التحول الى مرحلة التفكيك والتجميع للافكار والمفاهيم المتداخلة(القديمة والحديثة)، وفق اخر ما توصلت اليه الادوات والمعايير المعرفية الاكاديمية او الفلسفية المتاحة للجميع كما نعتقد في عصرنا الحالي، وقد ارتئينا ان نبحث في هذه المحاولات الفلسفية البسيطة، ضرورات الفصل بين المفاهيم والاعتبارات في المجتمعات البدائية(نقصد فكريا)، التي تتداخل وتتعارض عندها احيانا

مفاهيم الوطن والعقائد الدينية والموروثات، اضافة الى مفهوم المصالح الاستراتيجية الحضارية، وبدون الاستغراق والانخراط مطولا في تعريف الوطن وعلاقته بالامة، فهو تعريف ومفهوم قديم حديث التطبيق، اي ان مفهوم الوطن او الدولة الحديثة بهيئته الجيوسياسية(اوالجغرافية السياسية) الجديدة، لم يكن معروف قديما(حضارات وامم وشعوب ومدن بلا حدود فعلية انما اعتبارية)، العلم والحدود الارضية والبحرية والفضائية، والاتفاقات والمعاهدات والقرارات والسجلات الدولية، الخ.

الا ان القصد من الاشارة هنا الى مفهوم الوطن في العصر الحديث، هو مفهوم دولة الامة المتعددة الاديان والطوائف والثقافات، التي تتعارض كليا مع مفهوم الدولة التاريخية العرقية او الدينية او الطائفية، اي دولة متعددة الثقافات، وهذا كان اهم مفهوم اتخذته الحضارة الغربية نموذجا كونيا عند قيام او تأسيس الولايات المتحدة الامريكية(قبل وبعد الحرب الاهلية، 1861-1865)،  ومراحل الاستعمار الحديث (حضارات متعددة الثقافات)، عبر القبول او الرضوخ للحاجة، بفتح جسور التواصل الحضاري بين القارات (وبين الشرق والغرب)، ثم ظهر النظام العالمي الجديد بعد نهاية الحرب العالمية الثانية في مراحله الاولى، وتصاعد وتيرة الاكتشافات والانجازات العلمية التكنولوجية المتقدمة بعد نهاية الحرب الباردة، وصولا لمرحلة مانطلق عليه عصر الحضارة التكنولوجية الفضائية، ومايراد له ان يحدث مستقبلا بعد مرحلة وباء كورونا، والانكماش الاقتصادي العالمي الحالي....

الوطن هنا ليس الدولة القبلية العشاىرية الاثنية، انما هو دولة الامة المعترف بها تأريخيا ودوليا، لهذا لم يعد مقبولا لاي شعب او دولة في العالم ان تكون دولة مجردة منغلقة ومعزولة عن بقية الدول،

لانها خاضعة قانونيا للمنظومة القانونية الدولية (الامم المتحدة وإرادات القوى العظمى)، مما يحتم عليها ان تفصل بين المفاهيم والاعتبارات العقائدية او التراثية او الوطنية المحلية،

وبين المفاهيم والاعتبارات للمصالح الاستراتيجية الحضارية لدولة الامة، التي تتطلب اعتماد الكثير من المبادئ والمفاهيم الدولية المشتركة المتعارضة احيانا مع الاديان والثقافات والاعتبارات المحلية(مجالات الاستثمار، والتبادل التجاري، والاقتصادي والثقافي والفني والادبي، اومؤسسات او منظومة البنك وصندوق النقد الدولي، الخ.)، وهذا الامر يتطلب من تلك المجتمعات الغارقة في التاريخ والعقاىد والاديان والاساطير القديمة، ان تبتعد كليا عن اعادة فتح جدلية علاقة الدولة بالدين والعادات والتقاليد القبلية او التراثية المتوارثة، والبحث عن وسائل حديثة لعرض خطابها الديني او المذهبي او الفكري، داخل اطار دولة المؤسسات، كما فعلت الحضارة الغربية مع الاديان(المؤسسات الدينية والمدنية، الكنائس والمعابد والجمعيات الثقافية والخيرية، وقوانين ضمان حرية العقيدة في الديمقراطيات العلمانية)،

بعد ان يتم الفصل عقليا وعلميا ومعرفيا بين المفاهيم والاعتبارات الشخصية (الدينية او الطائفية او حتى الاثنية)التاريخية المتعقلة بالوطن والعقائد عن المصالح الاستراتيجية الحضارية،

التي تتطلب التوجه والانخراط الكامل في الدراسات والبحوث العلمية الشاملة(بما فيها الدراسات الدينية والعقائدية)، واعتبار المؤسسات الدينية جزء من المؤسسات الرسمية العامة، الخاضعة للنقد والاعتبارات العلمية الرصينة، وكذلك للرقابة الدستورية والقانونية، من اجل ان لاتصبح سلطة مقدسة دائمة التصادم مع سلطة الدولة الديمقراطية المتحضرة، فمدارس الدجل والارهاب والنفاق والكذب والتعطيل، كانت ولازالت مؤثرة في المدارس الدينية العقائدية المعتدلة، تخترق تلك الاوساط تبعا للظروف المحيطة بالمجتمع، وطبيعة الدعم المالي والسياسي  الدولي والاقليمي وكذلك المحلي المستتر خلف سواترها الدموية،

هذا فضلا عن ان مفهوم القداسة والشريعة تتعارض كليا او جزئيا مع مفهوم الدولة الحديثة، وهي محل اختلاف ونقاش وجدل دائم داخل جسد المذهب او الطائفة او الامة الواحدة....

لقد كاانت الحكمة اساس المفاهيم في الاساطير والاديان والحضارات القديمة، وهي كذلك في الاديان السماوية والفلسفة الحديثة، التي جعلت من المجتمعات البدائية القروية، مجتمعات مدنية متحضرة على مر العصور والازمنة، بطريقة مترابطة كسلسلة متواصلة ممتدة، لها بداية وليس لها نهايات محددة، من يرجع او يلتفت الى الوراء، تتعقد مسيرته الحضارية، ويبقى كالقارب الذي فقد بوصلة الشواطئ القريبة منه، ومع حالة الانقطاع تلك يظهر شبح واحتمالية الغرق في اوحال الاوهام والاجتهادات الشخصية،

التي قد تنقذه من الهلاك النفسي او الروحي المؤقت، ولكنها تبقيه معلولا مشلولا، لايصلح لشيء، الا في حالة الانتعاش الغيبي اوانتظار المعجزة او الفرج، كالمعتقدات الموروثة في الاساطير والاديان عن المخلص المجهول، اذ لايمكن ان يطلب من الانسان العاقل ان يقبل القصص والروايات الغيبية المتعارضة مع العقل، لان من طبيعة الانسان ان اليات وادوات التفكير والفهم او الاستيعاب والعمل والعيش لاتأتي الابالعقل والحواس، يصدق ماينتج ويصدر عنهما من استنتاجات حقيقية موضوعية واقعية...

الوطن مع المصالح الاستراتيجية يمثل الحالة الطبيعية للدولة الحديثة، اما مع العقائد الدينية او العرقية اوالاحادية لاتعطي الا نموذجا سيئا للدولة الدائرة في فضاءات ومساحات التاريخ والتراث المتحجر المتأخر عن الركب الحضاري المتقدم،

فعقيدة المواطن في الدولة الديمقراطية الحقيقية هي المواطنة المكفولة دستوريا وليس دينيا او طائفيا، تدعمها منظومة المفاهيم والقيم الاخلاقية العصرية، دون الالتفات مطلقا لأية اعتبارت اجتماعية جانبية (دينية او قبلية او اثنية)،

لاتمثل شيئا في معيار العلوم والمعارف الحديثة، بقدر ماتحمله من قيم روحية نقية، شريطة ان تكون بعيدة كليا عن التأثيرات الاعتبارية المصطنعة في دهاليز الظلام المتوارثة عند العامة ورجال التراث التقليدي ..

الوطن مفهوم علمي حديث لا يقتصر على مجموعة او طائفة او اثنيات معينة، صفاته الاعتبارية العالمية انه جزء فاعل في هذا الكون الواسع، اكتسب اهميته كونه اساس المفاهيم السياسية المتحضرة المحافظة على الامة او الشعب ومؤسساته من الفوضى والانهيار، فمع كل الاحتمالات والتوقعات التي تحدثت عن نظام عالمي جديد بعد وباء كورونا، سيبقى الوطن اي دولة الامة هي احد عوامل التاثير سلبا او ايجابا في حلقات ومجالات ومخططات ذلك العالم الافتراضي المجهول....

 

مهدي الصافي

 

محمد كريم ابراهيمأبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي (801-873م) الملقب بأبو فلاسفة العرب، يعد واحد من أوائل فلاسفة المسلمين والعراقيين. ولد في مدينة الكوفة الذي كان والده والياً فيها، وتلقى تعليمه الأبتدائي هناك، ثم أرتحل إلى بغداد ليكمل مسيرته العلمية في زمن خليفة المأمون. نتيجة فطنته وعكفه على قراءة كتب الفلسفية والعلمية، عينه المأمون مشرفاً إلى جانب الخوارزمي في بيت الحكمة على كتابة وترجمة كتب الأجنبية إلى العربية. ثم أوكله خليفة المعتصم في زمن خلافته معلماً لابنه أحمد.

كان للكندي دوراً كبيراً في ترجمة كتب فلسفية القديمة في بيت الحكمة، ولاسيما كتب الفلسفية الأغريقية لمشاهير فلاسفتهم، كأفلاطون وأرسطو. وهو بذلك العمل، لقب بالمعلم الثاني لمكانته العالية في الفلسفة، ولتوسيعه فسلفة ارسطو الملقب بالمعلم الاول. وكان تابعاً لمدرسة المشائية التي أوجدها أرسطو.

أشتهر ابن الكندي بنباهته في علم الفلك الذي ساهم باكتشاف نجوم ووضع نظريات فيه. وأخترع الكندي مقياساً لمعرفة مدى فعالية الدواء على المرضى من خلال أطوار القمر، وهو أول من أدخل علم الرياضيات الى الطب والعلوم الاحيائية. وقدم الكندي كتاباً عن أسس الطب والذي أصبح كتاباً أساسياً تابعاً في كل دول الأوربية آنذاك. وفي مجال الكيمياء، وصف الكندي طريقة تقطير العطور، وأخترع أكثر من 107 نوع من العطور. أما في علم الطقس، قام الكندي بتفسير ظواهر الجوية كالرياح وظاهرة المد والجزر. ثم قدم ابن الكندي للأسلام كثير من النصوص يشرح فيه أصول الدين والفقه.

ساهم الكندي كثيراً في نظرية الموسيقى ووضع قواعد جوهرية له، وهو يعد من أوائل علماء العرب الدراسين للموسيقى والعلاج الموسيقي، وهو أول من أدخل كلمة "موسيقى" إلى اللغة العربية، ومنها أنتقلت إلى الفارسية والتركية. من أجل كل تلك المعارف والإنجازات في مختلف العلوم والفنون، يستحق ابن الكندي لقب الفيلسوف من غير مجاملةً أو تمديح.

كتبَ الكندي ما لا يقل عن 260 كتاباً ورسالة في مختلف المجالات العلمية والفلسفية والدينية، منها كتاب الحث على تعلم الفلسفة، ورسالة في أن لا تنال الفلسفة إلا بعلم الرياضيات، ورسالة في أنواع الحجارة وأنواع السيوف والحديد، ومقالات عديدية عن حساب الهندسي والشفاء من السموم. لكن أهم من تلك الكتب ورسائل هو مخطوطته عن علم التشفير، التي وجدت في أرشيفات العثمانية معنونة ب(مخطوطة في فك رسائل التشفير). هذا العمل الإبداعي من الكندي هو العلم أساسي الذي يجعله مشهوراُ في عالمنا اليوم.

علم التشفير أو ما يسمى بعلم التعمية : هو علم يدرس النصوص بأنواعه وذلك لغرض تشفيره وجعله غير مفهوماً لبعض أشخاص غير مرغوب لهم بمعرفة محتوى تلك النصوص (تعمية العدو)، وجعل تلك نصوص خاصة فقط لمن يملكون المفتاح أو المعلومات في كيفية أرجاع ذلك النص المشفر إلى أصله. يستخدم علم التشفير في تقنيات الألكترونية وذلك لغرض تشفير معلومات هامة مثل الباسوردات وارقام السرية للحسابات البنكية، أو لإنشاء محادثات آمنة بين الأشخاص المتحدثين في الأنترنت.

أما علم تحليل المشفر أو أستخراج المعمى: فهو علم يهتم بدراسة نصوص المشفرة ومحاولة فكها وفهم محتواه من خلال أجراء تقنيات أحصائية ورياضياتية عليها للحصول على مفتاح أو معلومات كافية لإرجاع النص إلى أصله المفهوم. وهو علم مقابل لعلم التشفير واثنانهما يكملان الآخر، فالأول يشفر من أجل الأخفاء، والآخر يحاول فك الشفرة من أجل الإظهار. يستخدم علم تحليل المشفر في عمليات عسكرية والإجرامية لمحاولة فك الرموز الغامضة من رسائل المشفرة التي تتداول بين قيادات العسكرية أو نصوص المشفرة بين المجرمين والمافيات.

وجد ابن الكندي أول طريقة لأستخراج المعمى أو فك شفرة النصوص المشفرة، وهو بذلك أعطي شرف السبق للعرب في قيامهم بفك شفرة النصوص. يعتبر ابن الكندي اليوم واضع ومؤسس الأول لعلم التعمية والتحليل.

كانت الشفرات القديمة تستخدم طريقتي الأستبدال وتحويل الترتيب. طريقة الأستبدال هي تبديل حروف نصوص الاصلية إلى حروف أخرى في الأبجدية ؛ مثلاً، يمكننا القيام بتشفير النص الآتي :

علي سوف يقوم بالهجوم اليوم.

إلى

غمأ شيق أكين تبموحين بمأين

قمنا بأستبدال حروف الاصلية في النص إلى الحروف التي يليها في الابجدية، كما نرى تغير النص وتحول حروف الياء فيها إلى ألف، وحروف الألف إلى باء، وهكذا.

وأن أردنا إعادة النص إلى أصله غير المشفر، فما علينا سوى القيام بأستبدال الحروف في النص المشفر بحروف التي تسبقها في الأبجدية، فنقوم بتبديل الحرف (غ) في أول الكلمة إلى (ع) وإلى أخره حتى يعود النص مفهوماً للقارئ. وهذه المعلومة التي علمت فيها أن النص مستبدل بحروف التي يليها في الابجدية تسمى بالمفتاح، لأن في معرفتها ينجلي الأمر للمحلل في كيفية أرجاع النص إلى اصله. والمفتاح ممكن أن يكون مختلفاً عما أعطيناه في المثال هنا، فمن الممكن أن يستبدل الحروف الأصلية في النص إلى حروف الذي يبعد عنه بستة أحرف في الأبجدية، كتبديل حرف (أ) ب(د) وهكذا.

بدأ ابن الكندي بدراسة النصوص غير المشفرة أولاً، واستنتج بأن هناك حروفاً يتكرر استعمالها بشكل شائع عند تكوين الجمل، مثلاُ في لغة العربية يتكرر حرفي (أ، ل) كثيراً للغاية، بينما وجود حرفي (ض،ظ) نادر في النص، مما دفع الكندي إلى أستنتاج تقنية يقدر من خلاله فك شفرة النصوص التقليدية ومعرفة مفاتيح المستخدمة فيه.

هذه التقنية يعرف اليوم بتحليل الترددي: وهي تقنية يقوم بها المحلل (الراغب في فك شفرة) بإستخراج الرموز أكثر تكراراً في النص المشفر، ومحاولة أستبدال تلك الحروف بحروف أكثر تكراراً في لغة العدو. فبذلك عاجلاً أم آجلاً، سوف يكتشف المحلل مفتاح الذي يفك نص المشفر. ولا يقتصر هذه التقنية على الحروف فقط، بل يمكن تحليل نصوص المشفرة بالبحث عن الكلمات أكثر شيوعاً في اللغة. وفي وقت ابن الكندي، كانت الكلمات أكثر تنقلاً في رسائل المشفرة هي كلمات ذات صلة بالدين (الله، إسلام، مسلم...والخ) وكانت أغلبية الرسائل تفتتح بالبسملة وتحتوي على أقل آية قرآنية واحدة أو حديث نبوي واحد، مما يسهل أمر فك الشفرات للمطلع على ثقافة الإسلامية والعالم بأسلوب المتبع في كتابة الرسائل.

يعتمد التحليل الترددي على بعض شروط مقيدة التي لا يمكن أجراء العملية من دونهم : أولاً،يلزم أن يكون المحلل ذكياً وذات نباغة في أستخراج الأنماط من النصوص، فضلاً عليه، يجب أن يكون مطلعاً على ثقافة العدو وأن يتوقع موضوع الرسالة حتى لو لم يقرأ محتواه، مثلاً يجب أن يستنبط المحلل أن الرسائل المشفرة في الحروب هي بالعادة تكون أوامر عسكرية وليست رسائل حب.

ثانياً، يتطلب أن يتوافر هناك نصوص مشفرة كافية لتحليل والأستخراج الكلمات الشائعة منها، وإلا سوف تخرج النتائج خاطئة وبعيدة عن الأصل.

ثالثاً، يجب أن يكون النص مشفرة بشفرات الاستبدال. اي يجب أن يكون حروف النص مستبدلة بحروف أخرى في الأبجدية، وليست مشفرة بتقنيات تشفيرية أخرى. وهذه واحدة من قوانين عالم شانون الواضع نظرية المعلومات "المحلل يجب أن يعرف النظام".

ورابعاُ، يجب أن يكون عند المحلل وقتاً كافياً لفك الشفرة في الوقت المناسب، تصبح الرسائل العسكرية أو الأوامرية بلا فائدة إذا حللت في الوقت لاحق، فحواشي الرسالة لا تفيد المحلل في اي شيء بعد ذلك. وهذا الشرط أدى إلى شفرة العدو نصوصه بعدة شفرات متتالية حتى يصعب على المحلل تحليله في الوقت المناسب. مثلاً يقوم المشفر بتشفير النص الأصلي ثم إعادة تشفير النص المشفر الأول ثم أعادة تشفير النص المشفر الثاني وهكذا.

وجد ابن الكندي طريقة المثالية في تحليل وفك شفرة النصوص الكلاسيكية. وأستخدم هذه التقنية بعده بشكل واسع في عدة حروب ولاسيما في حربين العالمين في أوربا، إلا أنهم لم يستمدوه من كتب ابن الكندي، بل طوروا أفكار ابن الكندي بعد ترجمة كتبه، وأتي بعده عدة علماء بعده ليضعوا شفرات أخرى يصعب على تقنية تحليل الترددي فكها.

لا يستخدم اليوم شفرات الاستبدالية أو كلاسيكية في ميادين الألكترونية لسهولة وسرعة الحواسيب في فك شفرتها بالتحليل الترددي أو حتى بتجربة العشوائية للحروف. فالعالم يعتمد الآن على شفرة الأعداد الأولية في تشفير الألكتروني، وهذه التقنية يكون صعباً للغاية على الحاسوب تفككيها بسرعة.

بغض النظر عن ذلك، فأن أكتشافات ابي يوسف الكندي كانت فتيلة لتنوير علم التشفير وما لاحقها. أُحرض القارئ على أستخدام تلك الشفرات وتحليلها كلعبة لأختبار ذكاء وفطنة بين الأصدقاء والعوائل، أو حتى استعماله في تشفير كلمات السر عند كتابته على الورق، فهي فعالة جداً ضد غير المضطلعين بها.

 

محمد كريم إبراهيم