قاسم حسين صالحتوطئة: هل الصوم مفيد جسميا وطبيا ونفسيا، ام انه مضر في الثلاثة، وبخاصة.. الدماغ؟

ما ستطلع عليه الان هو خلاصة مركزة لدراسات علمية وأراء اطباء وعلماء نفس عرب واجانب. ولأننا في أول ايام رمضان فاننا ندعوك لقرائته، سيما وأن شهر رمضان هذا ينفرد لأنه يحل علينا والعالم كله في محنة فيروس كورونا الذي اصاب حتى الان اكثر من مليونين ونصف انسان وحصد ارواح اكثر من 190 ألف حالة.

*

تتعدد وجهات النظر في الصوم، ولا يعنينا هنا أمره من منظور الأديان الثلاثة:اليهودية، والمسيحية، والأسلام، التي تختلف اختلافا كبيرا في طريقة الصوم ومدته التي حددها الاسلام بشهر رمضان بكف النفس عن اللذات الثلاث (الطعام، والشراب، والجماع) في اوقات الامساك والترخيص بها في الافطار.واختلافها ايضا في فلسفة الصيام التي حددها الأمام الغزالي بقوله: (اعلم ان الصوم ثلاث درجات: صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص. اما صوم العموم فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة، واما صوم الخصوص فو كف السمع والبصر واللسان والرجل وسائر الجوارح عن الآثام، واما صوم خصوص الخصوص فصوم القلب عن الهمم الدنيئة والأفكار الدنيوية.. " الغزالي: اسرار الصوم، ص:40").

ما يعنينا هنا أكثرهو التحليل السيكولوجي للصوم، نوجزه في القول بوجود موقفين متضادين من الصوم: ألأول يتبناه كتّاب وأطباء نفسانيون عرب، يرون ان الصوم يؤدي الى انخفاض مستوى الجلوكوز في المخ، فينجم عنه اضطراب في عمل الدماغ، واختلال في افرازات الهرمونات وتوقيتات الساعة البيولوجية.. لأن جسم الانسان اعتاد على ان ينشط في النهار ويستهلك طاقة، وان النوم في الليل يعمل على ترميم ما اهترأ في الجسم.. ما يعني أن الصوم، وفقا لهذا الرأي، مضر بجسم الانسان لأنه يضطره الى ان يسهر في الليل وينام كثيرا في النهار، وانه يسبب السمنة، وله انعكاسات نفسية سلبية يكفيك منها التوتر العصبي، وتعكر المزاج، والنرفزة، والصداع، والدوخة، الناجمة عن انخفاض نسبة السكر في الدم، والخلل في ايقاع الساعة البيولوجية.. فضلا عن ان الصوم يؤدي الى ضعف الأداء الوظيفي، وانخفاض الأنتاجية على مستوى الفرد والمؤسسات الحكومية والأهلية.. وقضايا اجتماعية اوجعها حسرات اطفال الفقراء واليتامى في العيد.

الموقف الثاني نبدأه بما قاله الحائز على جائزة نوبل في الطب الدكتور ألكسيس كاريك بكتابه (الإنسان ذلك المجهول) ما نصه: (إن كثرة وجبات الطعام وانتظامها ووفرتها تعطّل وظيفة أدت دورا عظيما في بقاء الأجناس البشرية، وهي وظيفة التكيف على قلّة الطعام).. بمعنى ان الصوم يدرّب جسم الانسان على التكيّف في الأزمات الأقتصادية.ووفقا لما يراه هذا الطبيب فان خلف الشعور بالجوع تحدث ظاهرة اهم هي ان سكر الكبد سيتحرك، وتتحرك معه أيضا الدهون المخزونة تحت الجلد، وبروتينات العضل والغدد، وخلايا الكبد.. ليتحقق في النهاية الوصول الى كمال الوسيط الوظيفي للاعضاء.. ويخلص الى القول بأن الصوم ينظّف ويبدّل أنسجتنا ويضمن سلامة القلب.

وحديثا، يرى علماء نفس وأطباء نفسانيون في اميركا وانجلترا واوربا، ان بقاء الانسان على نفس الروتين والايقاع في عمل الجسم، يؤدي الى الكسل والخدر والموت قبل الآوان، فيما التغيير يؤدي الى تنشيط البدن ويمنحه حيوية تطيل العمر. وتوصل آخرون الى نتائج سيكولوجية مدهشة بأن الصوم ينمّي قدرة الانسان على التحكّم في الذات، ويدرّبه على ترك عادات سيئة، ويمنحه الفرصة على اكتساب ضوابط جديدة في السلوك تنعكس ايجابيا على شخصيته هو والمجتمع ايضا.

مثال ذلك، ان الصائم الذي اعتاد على تدخين علبة كاملة في اليوم فأن تدربه على الامتناع عنها في النهار قد يدفع به الى تركه. وقل الشيء ذاته عن آخر اعتاد على ان يغتاب او يكذب ودرّبه صيامه على الامتناع عنهما شهرا لا يوما او اسبوعا، معللين ذلك بقانون نفسي، هو: ان كثرة التدريب على سلوك جديد يؤدي الى ثباته.. وأن الصوم، بهذا المفهوم، وسيلة علاجية لمن يعانون القلق النفسي والاكتئاب.. والأغتراب الأجتماعي، والسياسي ايضا!.. غير ان ذلك قد ينطبق على المصريين ولا ينطبق على العراقيين! .

في السياق ذاته تخلص دراسة الدكتور (باري شوارتز) الى نتيجة أخرى مدهشة، هي أن نفسية الاكتئاب والإحباط ترتبط بالإفراط في الانسياق مع تيار الاستهلاك الذي اصبح ظاهرة بالعصر الحديث وصفها ايريك فروم و هربرت ماركيوز بأنها سلبية خطيرة تنخر في نفسية الانسان، وأن كبح الشهوات الغريزية والسيطرة على الرغبات عن طريق الصوم يؤدي الى خفضها. ولك ان تطلع على ما يدهشك في كتب: "الصوم" لهربرت شيلتون، و "الجوع من أجل الصحة" لنيكولايف بيلوي " و "الصوم" لجيسبير بولينغ، ".. مستندين الى ما أكدته أبحاث أنثربولوجيا الأديان بأن فعل الصوم يكاد يكون سلوكا مشتركا بين جميع الملل الدينية.

والمدهش اكثر أن مجلة (سيكولوجست) تؤكد ظهور عشرات المراكز الطبية في دول العالم، (الجمعية العالمية للصحة، وجمعية الطبيعة والصحة بكندا، والجمعية الأميركية للصحة الطبيعية، واخرى في اليابان والهند والصين..) اعتمدت الصوم وسيلة علاجية.. تسهم في ضبط الشهوات والتحكم بالانفعالات (الغضب مثلا).. وضبط اللسان حين يهم بقضم سمعة فلانه او فلان.

الصيام.. في زمن كورونا

تعددت التساؤلات وتنوعت الأجابات، دينيا وطبيا بشأن صوم رمضان في زمن فيروس كورونا المستجد. ففي القاهرة أصدرت لجنة لجنة البحوث الفقهية التابعة للأزهر، إنه "بناء على عدم وجود الدليل، تبقى أحكام الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بالصوم على ما هي عليه، من وجوب الصوم على كافة المسلمين، إلا من رخص لهم الإفطار شرعا من أصحاب الأعذار.وافادت بأنها اصدرت بيانها هذا بحضور "كبار الأطباء وجهات التخصص الطبي بفروعه المختلفة، وممثلين عن منظمة الصحة العالمية وعدد من علماء الشريعة بالأزهر الشريف.

وفي تونس، أثار صيام رمضان مع تفشي فيروس كورونا، جدلا فقهيا، فبعد أن أصدر علماء جامع الزيتونة فتوى تبيح الإفطار للمصابين بفيروس كورونا فقط، اصدر

المفتي عثمان بطّيخ، قرار بأن الصوم في زمن الوباء يعود للأطباء الذين يجب أن يجتمعوا لتقييم الوضع، ونحن ننتظر أيضا القرارات التي ستصدر عن مجلس الأمن القومي، وعنده فلكل حادث حديث. وقبل ذلك لا نستطيع إعطاء أي حكم فهذا يدخل في إطار الشعوذة".

وفي العراق، اصدرمكتب السيد علي السيستاني فتوى بان وجوب الصيام في نهار شهر رمضان انما يسقط عمن له عذر شرعي كالمريض ومن يخاف - لنصيحة طبية مثلا- أن يصاب بالمرض ان صام ولم يتيسر له اتخاذ الأجراء الأحتياطي المؤمّن له عن الأصابة، والا لزمه ذلك ولم يجز له ترك الصيام.وأضاف بأن الذين يسعهم ترك العمل في شهر رمضان والبقاء في المنزل بحيث يأمنون الأصابة بالمرض لا يسقط عنهم وجوب الصيام .واما الذين لا يسعهم ترك اعمالهم لأي سبب كان، فان خافوا من الأصابة بالفيروس مع ترك شرب الماء في فترات متقاربة في النهار ولم يمكنهم اتخاذ اجراء آخر يأمنون معه من الأصابة به لم يجب عليهم الصيام، وان لم يجز لهم التجاهر بالأفطار في الملأ العام.

وطبيا اعتمدت المنظمات العالمية الموثوقة تغريدة للأمم المتحدة اوضحت فيها أن "الفكرة المتداولة بأن شرب الماء أو المشروبات الساخنة كل 15 دقيقة، كفيل بالقضاء على كورونا، غير صحيحة". مضيفة بأن شرب الماء بكمية تكفي، (8- 10) اكواب، يمكن تناولها ما بين صلاتي المغرب والفجر.

ختاما.

ان الغالبية المطلقة من العراقيين، والعرب ايضا، يفهمون الصوم على انه فرض ديني واجب ولا يمتلكون فهما بهذه القضايا السيكولوجية التي نأمل من وسائل الأعلام والبرامج الدينية في الفضائيات التقاط افكارها وأيصالها للصائمين بلغة سهلة، ليتحقق صوم رمضان بدرجاته الثلاث: صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

 

مجدي ابراهيملم تخل النفس الإنسانية في حظها الوفير من اهتمام القرآن؛ فمباحثها فيه أوسع من أن تحيطها مقالة أو إشارة عارضة أو لفتة عابرة؛ فإنَّ النفس التي سواها الحق، فألهمها فجورها وتقواها، لهى هى التي حظيت بمباحث لا نستوفيها في عبارات عارضة أو إشارات مقتضبة.

يعطي القرآن ومضات لامعة لجوانب من توجُّهات النفوس، وفي كل ومضة بارقة تستطيع أن ترشدك إلى خصائص تلك النفوس على اختلاف أقدراها؛ فالضالون لهم صفات وسمات، والمؤمنون لهم صفات وسمات، والعالمون لهم صفات وخصائص وسمات، والعاقلون والمتفكرون والسامعون والموقنون وأولو النهي وأولو الألباب وأولو الأبصار، كل أولئك وما دونهم، لهم في القرآن أقدراهم وتوجهاتهم وخصائصهم وسمات نفوسهم في صورة مشخَّصة مرسومة بدقة وكمال.

وأدنى إطلاع على الآيات القرآنيّة يُوحي بالحظ الوفير الذي والاه القرآن اهتماماً بالنفس الإنسانية، وارتقاءً بها إلى حيث معرفة الخالق ومحبته وموالاته. ناهيك عن ضروب التقسيم الذي حَفيّ به القرآن بين نفس أمارة ولوامة ومطمئنة وراضية ومرضية ممّا هو معروف متاح لقارئ الكتاب الكريم؛ فلا يعوّل معوّل على الإهمال وهو معدّ العدة للبحث في جوانب هذا الموضوع.

غير أننا نركز هنا على الخاصّة الذاتية للقرآن، كونها تجعل من تحويل النفس من حال في الحياة إلى حال آخر، خصوصية فريدة؛ لتمضي بها إلى سواء: استقامة عادلة لا تنازع فيها ولا خطوب ولا مصارع تواتيها أو تقف دون موالاتها للحق على التحقيق.

تحويل النفس:

ولم تكن النفس الإنسانية في ملكوت القرآن بالأمر المهمل الذي يسقط معه الإنسان في مستنقع الغفلات؛ فبالقدرة والإرادة يمكنه أن يغلبها فتعليه، وبالخمول والتكاسل والسلبية يسقطها ويدنيها فترديه: هو مالك لنفسه إذا شاء، وتملكه إذا لم تكن لديه مشيئة. ولا ريب في أن غلبة النفس عسيرة، ولكنها إذا جُوهدت وتيسّرت، فكل شيء أمامها مغلوب.

ولمَّا كانت نفوسنا الضعيفة نفوساً خربة تشاء الكسل وتأنف من بذل المجهود، تشاء المتعة وتمتنع عن الإقلاع، تشاء الرذيلة وتمتنع عن الفضيلة، تشاء الرغبة وتمتنع عن الإحجام، تشاء الأكل الكثير والراحة الدائمة والنوم العميق وتمتنع عن مشقة الجوع وألم المشقة وعناء السَّهر، تشاء إتباع الهوى والشهوة والشيطان وتمتنع عن حظيرة الله والاستقامة والإيمان.

لمّا كانت نفوساً هذه أحوالها في الغالب، وكانت تلك أوصافها، فلن يكون خير لها ولن يتم، ما لم يَردُّها صاحبها بعزم الأمور عن بعض ما تشاء. والأصلُ في ذلك كله هو الصبر جهاداً والتحلي تَصَبُّراً بأطيب الفضائل وأكرم الأخلاق.

وتأتي رسالة القرآن لتقول:

ما لم تتحوّل النفس عن ركامها المتراكم الدفين، إلى حياة تتلقَّاها من أعلى، ما لم ترتحل من جسد يطويها وكثافة تشملها، فإنها لن نتحقق أملها المنشود في الخُلاص. فالتغيير الذي يتمُ في الواقع لابد أن يكون قد سبقه تغيير قد تمَّ فعلاً في النفس؛ لأن الواقع لن يغير نفسه بنفسه، فلا مناص من وجود أشخاص غيروا من أنفسهم أولاً، وارتحلوا عن طباعهم ثانياً، فاستجاب لهم الواقع ثالثاً، فحققوا ما كانوا يؤملونه من نشدان الخلاص رابعاً. وتلك هى إحْدى ركائز الذاتية الخاصَّة للقرآن: قدرة التغيير في الواقع بعد التحويل في النفس.

والتعلُّم والاكتساب في البداية هما بالطبع من أهم الصفات المؤهلة لطالب القرآن. التعلم بداية معرفة بأولوَّيات تلك الخاصة الذاتية كما قلنا؛ لأنه اجتهاد وممارسة وسلوك في إطارها يلزم عنها بالضرورة، ويجيء الاكتساب شروعاً في التطبيق لذاته لا لغيره، أي شروعاً في تحويل النفس من مكانها الذي اعتادت أن تقف عنده ولا تتجاوزه؛ ليجيء "التحويل" دليلاً على وضوح السبيل من طريق فهم القرآن:

ولا يتمُّ رَدُّ النفس وتحويلها من حال في الحياة إلى حال إلا بعزم الأمور؛ أي بالصبر الموصوف من قبل طاووس العلماء كأبي القاسم الجنيد: بتجرّع المرارة من غير تعبيس. والصبر كله فضيلة كبيرة هو على الحقيقة "عزم الأمور". لم ترد "عزم الأمور" في القرآن الكريم إلا في ثلاث مرات فقط، ولعَلَّ الدلالة فيها أنها عزيزة لنُدرتها وندرة من يأيتها، هى "الصبر": نصف الدين حقيقة لا مجازاً.

الأولى: في آل عمران:"لتُبلَون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً، وإنْ تصبروا وتتقوا، فإنّ ذلك من عزم الأمور".

والثانية: في لقمان:" يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وأنْه عن المنكر واصبر على ما أصَابَك, إنَّ ذلك من عزم الأمور". والثالثة: في الشورى:" ولمن صَبَرَ وَغَفَرَ؛ إنَّ ذَلَكَ لمَن عَزَمِ الأمُوُرِ ".

انظر إلى هذه الآيات الكريمة وتدَبَّرها جيداً تجد الصبر في الآية الأولى، صبراً على البلاء في النفس والمال وسماع الأذى ممَّن لا يعرف رقابة الله عليه، فاحتساب ذلك كله من شئون الصبر وأمور التقوى، وتسليم الأمر كله ظاهره وخافيه لله، كل أولئك من العزائم التي لا يأتيها إلا أصحَّاء الضمائر وأصحَّاء القلوب. وفي الآية الثانية؛ ترى الصبر مقترناً بإقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على المصائب ظاهرها وباطنها، إنمّا هو جهاد ذوي العزم ممّن تخلق بالأخلاق النبويّة، فإنّ من يأتيها يأتي في الوقت نفسه عزم الأمور.

وفي الآية الثالثة؛ ترى الصبر مُفْرَدَاً باعتباره نصف الدين حقيقة كفيلاً وحده لمن تحقق به أن يكون ممَّن عَزَمُوا الأمور، حتى إذا أضيف إليه الغفران من أجل الله وكفى، دَلَّ ذلك من أول وهلة على أن الصبر والغفران وقلة الجزع أو عدمه من خُلق الأنبياء الذين يعرفون أن الأمور كلها بيد الله فيوكلون إليه حالهم ومآلهم ثم يَسَلِّمُون ويحتسبون.

"مصدر الأخلاق الجميلة؛ كما قال الأستاذ "العقاد" في كتابه (الفلسفة القرآنية): هو "عزم الأمور" كما سَمَّاه القرآن وهو مصدر كل خُلق جميل حَثَّتْ عليه شريعة القرآن".

عزم الأمور نيةٌ في القلب خفيّة، وقدرةٌ في المنع قوية، وردٌّ للنفس عن بعض ما تشاء. وليس من شك أن مجاهدة الصابرين تورث غماً، ولكن مَا من غَمّ إلا وفي أطرافه بلاء، والبلاء ضربٌ من الحب إذْ كان الحب ضرباً من تجلى المحبوب.

ولك أن تقرأ قوله تعالى: " لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعون من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً، وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور". وقوله تعالى:" يا أيها الذين آمنوا أصبروا وَصَابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون"؛ لتجد في الصبر والمصابرة وفي الرباط والتقوى أمراً يتواصى بتطبيقه المؤمنون؛ لأنه فوق كونه علامة على الهمّة القوية العالية وثبات العزم من جهة، تأكيدٌ على الإيمان من جهة ثانية، ففي الصبر حبس النفس على المكاره، وجهاد الهوى من أجل العبادة. وفي المصابرة قوة تزيد الصبر حتى ليغلب بها الصابرون أعداؤهم. وفي الرباط قيام على الحدود وتأهب للجهاد. والتقوى إيمانٌ بكل هذا؛ وأصلٌ لكل هذا.

والإيمان الحق عزم لا يعرف طريقه إلى خذلان صاحبه إذا كان صاحبه على فضائل الصبر والمصابرة وعلى عزائم الرباط والتقوى، فمتى اقترن الإيمان بثبات العزيمة مقدار اقترانه بتلك الفضائل فهو الفلاح بعينه. وإنك لتجد في قوله تعالى:" وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها"؛ توكيد الأمر بالصلاة وتوكيد الاصطبار عليها طاعة للأمر. والأمر بالصلاة والاصطبار عليها هما معدن الإيمان يتأصل في الوجدان الديني بالكيفية التي يتأصل فيها الشعور بالتبعة.

ولا بقاء عندنا للوجدان الديني ولا قيمة لشعور الشاعر بضخامة التبعات ما لم يكن الأصل في هذا وذاك هو يقين الإيمان بل هو حق اليقين في الإيمان.

الدلالة الجوانية الباطنة:

الدلالة الجُوَّانِيَّة صارمة في فهم القرآن، وهى دلالة تتأتى مؤكداتها في ملكة الوعي: الوعي بالإقبال على الله بصدق، ثم ارتقاء الوعي في الرغبة لفهم كتابه باجتماع هَمِّ هو بالضبط ضد غفلات التعطيل؛ لأن التعطيل في أول مقام ضد الحضور، والحضور كذلك في أول مقام معناه إزاحة القلب عن التعطيل من طريق فعل الهِمَّة، وبقاءَه دوماً في حيوية روحية وحركة فاعلة.

وحضور القلب يأتي ليكون معناه إزاحة التعطيل عن الفهم، حتى إذا ما ثُقِلَ فهم القرآن أو صعب؛ فإنّ مرَدَّ ذلك إلى الوهم الذي يربض غائراً في جوف الوعي تحت ظلمات التعطيل.

هنا أشير إلى شذرة لافتة للانتباه جديرة بكل آيات التأمل؛ هى من شذرات الأستاذ الإمام "محمد عبده"، المجموعة عنه من قِبَل تلميذه رشيد رضا؛ تقول الشذرة المُلفتة للنظر:

"إنَّمَا يُصِّعب القرآن تَوَهُّم أنه صَعْبُ، وكلما أدخل الإنسان على نفسه الصعوبة صعُب عليه، وكلما مَكَّن نفسه من الفهم مكَّنَه اللهُ منه".

ولتلحظ التعطيل هنا كامن في الإنسان نفسه؛ في التَّوهُّم الذي يُحيط به من جميع أقطاره من جهة، ومن جهة ثانية في دخوله الصعوبة على نفسه من أجل تراكم ما استقرَّ في أعماقها من آفاتٍ وأباطيل هى الموانع الصارفة عن الفهم، والداخلة بالإنسان في مزالق التعطيل.

مرة أخرى؛ فإذا ثقل فهم القرآن أو صَعُبَ، لأسباب يستشعرها ذلك الذي يجد في نفسه ثقلاً أو صعوبة؛ فالتعطيل في طليعة هذه الأسباب: تعطيل القلب عن الحضور وعن الفهم:"ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم؛ ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون". على أنَّ السماع هاهنا، يترادف مع الفهم، وعدمه أيضاً مرادفُ لعدم الفهم؛ فلو علم الله فيهم خيراَ لأفهمهم؛ ولكنهم لمَّا ضيَّعوا الفهم واستبدلوا به التعطيل؛ ليجيء صارفاً من صوارف الغفلة على عادة التوهم المرذول، كانوا عن الفهم بالقطع الذي لا مرية فيه عاطلين؛ وكانت:"لهم قلوبٌ لا يفقهون بها، ولهم أعينٌ لا يبصرون بها، ولهم آذانٌ لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام بل هم أضل؛ أولئك هم الغافلون". فمن تمام الغفلة فيهم أن قلوبهم مقفلة، وعيونهم غير مُبْصِرة، وآذانهم صَمَّة لا يسمعون بها، لأنهم كانوا أغلقوا منافذ السّماع بمقدار ما انطمست لديهم الرؤية وأظلمت على الحقيقة أنوار القلوب.

لقد أُثُر عن "الوليد بن المغيرة" أنه قال حين سمع شيئاً من القرآن: "والله .. إنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة ...". ونحن نسأل: من أين؟ من أين لك - يا وليد - بهذه الحلاوة وبتلك الطلاوة، وأنت - من بعدُ - لم تسلم، ولم تعتقد عقيدة الرجل الذي نزل عليه هذا القول حين وصفته بالحلاوة وبالطلاوة؟

إنّ الوليد حينما عبَّر عن حلاوة القرآن بهذه الكلمات اللطيفة النافذة؛ كان يتَّجه مباشرة إلى "وحدة القصد" لما في القرآن من تأثير على الشعور والوجدان. وأن سليقته الجُوَّانيَّة الباطنة التي يتغلّب فيها حكم الطبع لم تستطع أن تقاوم "وحدة القصد" الغلابة لوقع القرآن: وقعه على بؤرة الضمير وعلى شغاف القلب، ووقعه على الشعور الدفين وعلى الإحساس بالغيب؛ كلام لا ككل كلام ولا كأي كلام؛ كلام ألفاظه من لغة العرب بيد أن معانيه العجيبة تُميِّزه عن أجناس الكلام البليغ.

هذا الوَقْع ليس شيئاً، لا.. بل هو كل شيء فيه: خاصَّة ذاتية تتجه إلى وحدة القصد بالمباشرة. ولك أن تنظر في قوله تعالى:"والله غالب عَلى أمْرِهِ"؛ لترى وحدة القصد تتحقق بهذه "الغلبة": نفوذ القرآن في الضمائر والقلوب، وفناء ما دونها من مظاهر الغلبة الظاهرة، تلك التي تبدو (أي الغلبة الظاهرة) وكأنها من جنس الغلبة وهى في الحقيقة لا غلبة لها ولا سلطان.

إنمّا الغلبة لله في قوله وفي فعله، وفي كل صفة يتجَلىَ بها على عباده بنسب ومراتب لا يعلمها إلا هو، لكنها على الجملة في حكم الغلبة على وجه التحقيق.

الله غالبٌ على أمره بشرف التجليات الإلهية في حضراته الخمس: حضرة الذات وحضرة الأسماء وحضرة الصفات وحضرة الأفعال وحضرة الأحكام. وكلها حضرات مباركة تعطي قوة الغلبة الظاهرة والباطنة في قوله تعالى:"والله غالبٌ على أمره"؛ فإذا شاء الحق تبارك اسمه أن يعطي مثل هذه الغلبة لكلمته العليا، ويمنع ما سواها أن تكون له على الحقيقة غلبة أو سلطان قال: "ما فَرَّطنا في الكتاب من شيء".

والدلالةٌ فيه صارمةٌ بحكم الغلبة على احتواء القرآن على أصول العلوم والمعارف في كلمته المقدسة:"وَنَزَّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء"؛ ما استثنى شيئاً ولا فاته شيئاً، ولكنه بيَّن كل شيء في كل شيء، وأحصى كل شيء في كل شيء، ثم إنه لهدى، ورحمة، وبشرى للمسلمين.

فإذا وُجدت وحدة القصد في شعور أحد يريد أن يعرف من تجليات المراتب والحضرات الإلهية شيئاً، كان كل ما يريد أن يعرفه من علوم ومعارف مجلى من هذه المجالي الإلهية، وكان كل ما يطلبه من هذه المعارف والعلوم موجوداً في الكتاب:"مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيءٍ".

ذلك هو حكم الغلبة.. وذلك هو هو حكم الإعجاز الباهر الوضَّاء؛ خاصَّة ذاتية لا نَمَلُ من تكرارها أبداً تتجه إلى وحدة القصد بالمباشرة.

أين موطن "الحلاوة" فيما سمع الوليد، وأين موطن "الطلاوة" فيما شَعَر به من قوة هذه الوحدة القصْديَّة في ذلك القول الغَلاَّب؟ ذلك ما لم يقدر الوليد على الإجابة عنه سوى أنه قال: ليس بقول بشر ! (والله .. إنّ له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمغدق، وإن أسفله لمثمر، وما يقولُ هذا بشر..!!).

كل ما هنالك أنه استسلم لحكم السليقة فيما تصيبه السليقة من وقع على الشعور والوجدان، وأن تذوّقه الرفيع مجرد التذوق لمعاني هذا القول الغَلاَّب قد أصاب منه كوامن النفس الصَّفِيَّة وبواطن البؤرة الدفينة في منْبَت الشعور.

لقد اتجه الوليد بالسليقة الذوَّاقة والشعور الوجداني اتجاهاً مباشراً إلى وحدة القصد في القرآن. هذه الوحدة التي تشمل روح القرآن كله، وهى روح عليا، ذاتية خاصَّة له؛ لا توجد في سواه، روح عليا لا وصف لها عندنا ولا حدَّ سوى سِرَّ قوله تعالى:"واللهُ غَاَلِبٌ عَلى أمْره ". لقد قدرَّ وحكم أزلاً أن تكون كلمته تعالى هى العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، وبهذا التقدير الإلهي وبتلك القدرة النافذة، تَسْري حضرات التجليات الإلهية في الكون كله على ما يشاء، وفيما يشاء الله أن يُسْريها: " قُل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي، لنَفدَ البحر قبل أن تنفد كلماتُ ربي ولو جئنا بمثله مدداً ".

إنّ الاتجاه إلى وحدة القصد بالمباشرة لهو الذي يجعل من القرآن طراوة في النفوس بفضل تأثير أسلوبه على القلوب مهما تطاول عليه الزمن وتداولت على عباراته وكلماته الأيام. ولقد لاحظ المستشرق الفرنسي "ليبون" مثل هذه "الخاصَّة الذاتية" حين قال عن القرآن الكريم:"حسبُ هذا الكتاب جلالاً ومجداً أن الأربعة عشر قرناً التي مَرَّت عليه لم تستطع أن تجفِّف ولو بعض الشيء من أسلوبه الذي لا يزال غضاً كأن عهده بالوجود أمس". كان هذا ذوق باحث أوروبي له صِلة غير مباشرة بالقرآن، وهو مع ذلك يكتشف ما فيه من طراوة الكلمة وحلاوة الأسلوب، على ما مَرَّت عليه من أزمنة ودهور لم تستطع أن تغير في جماله شيئاً. وهنالك آراء توصّل إليها كبار الباحثين الأوربيين حول القرآن؛ لا يكاد المرء لقوتها وعمقها أن يظفر بها في بحوث الباحثين العرب.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

هَلْ هُناكَ تَضادٌّ بَيْنَ الدِّينِ والْعَقْلِ؟ أَو الدِّينِ والعِلمِ؟ وَغَيْرِها منَ الثُنائياتِ التي أَثارَها الحَداثَوِيُّونَ في أَزمنةِ الحَداثَةِ ومابَعْدَها؟

قَبْلَ الاجابةِ عَنْ هذِهِ التَساؤُلاتِ لابُدَّ من تحديدِ المُصْطَلَحاتِ ؛ لانَّهُ بدونِ تَحديدِ المُصْطَلَحاتِ، وَرَسْمِ الحُدودِ، سَنَعيشُ في ضَبابِيَّةٍ عِلْمِيَّةٍ، وَغَيْبُوبَةٍ تامَّةٍ عن حَقائِقِ الاشياءِ.وكانَ اسلافُنا يَهتَمُونَ برسمِ الحُدودِ وابرازٍ الفروقِ بين الالفاظِ والمُصطَلَحاتِ، وقد اهتمَّ القَرافيُّ احدُ فقهاء المالكيّةٍ بهذا الامر فأَلف كتابه (الفروق) .

العقلُ هو قُوَّةُ التَّمييزِ، التي من خِلالِها نُدرِكُ التَّمايُزَ بينَ الاشياءِ . والعقلُ هذِهِ المَلَكَةُ التي من خلالها ندركُ الاشياء، ونحكم على الاشياء على اختلاف الاراءِ في كونِ العقلِ مُدرِكاً للأشياءِ ام حاكِماً عليها؟ فَذَهَبَ المُعتَزِلَةُ الى أَنَّ العقلَ مُدرِكٌ وحاكمٌ، وقال الاشاعرةُ: ان العقلَ ليسَ مُدركاً ولاحاكِماً، وقال: الماتُريدِّيّةُ : أَنَّهُ مُدرِكٌ لاحاكِمٌ .

الْعَقْلُ هوَ هذهِ المَلَكَةُ التي تُدْرِكُ الأشياءَ وتَحكمُ عليها، والتي تدركُ الحُسْنَ والقُبْحَ في الاشياءِ . العقلُ ماعُبِدَ بهِ الرَّحمنُ واكتسبَ بهِ الجِنانُ . هذا العقلُ الخالِصُ غيرِ المتأثِرِ بالاحكامِ المُسبَقَةِ، وغيرِ الخاضعِ لضغطِ الشهواتِ، وغيرِ المتأثِرِ بالثقافاتِ، هو الذي يقولُ: هذا حَسَنٌ، وهذا قبيحٌ . هذا العقل واحدٌ لايتعارضُ مع الدين الواحد .

التَّضادُّ يَقَعُ بَينَ التَّدّيُّناتِ المُتَعددةِ والتعقلنات المتضاربةِ.

العَقلانيّةُ هي تعقلُن وليست عقلاً، هي رُؤيّةٌ غربيّةٌ للعقل. وهي متعددةٌ وليست لوناً واحِداً . هذه التعقلنات المنفلتةُ هي التي تُضادُّ التَدَيُّناتِ المُشَوَّهَةِ، امّا العقلُ الواحدُ فلايُضادُّ الدينَ الواحدَ .

احكامُ العقلِ واحكامُ التعقلُن

العقل الخالصُ يَحكمُ بقبحِ الشُّذوذِ، ولايعترِفُ بكونهِ زواجاً، ولايُدخِلُهُ في مفهومِ الحُرَّيَّةِ ولكنَّ التَعَقْلُناتِ المُعاصرةً، لاترى فيه قُبْحاً، بل تراهُ حُسناً، وتراه حُريّةَ شخصِيَّةً . هنا التَّضادُّ ليسَ بينَ دينٍ وعقلٍ، بل بينَ تعقلناتٍ مضادةٍ للدين.

البراغماتية حين تبرر اغتصابِ ثرواتِ الشعوب وافقارها من اجل ربح الرأسماليين الكبار، هذا ليس عقلا وانما هو تعقلُنٌ براغماتيٌّ.

العَلمُ والدينُ ليسا مُتّضادّينِ

اوربا التي ثارت بوجهِ كنيستها، وأَبرزت علمانيتها ... في الحقيقةِ، لم يكُنِ الصِّراعِ بينَ علمٍ ودينٍ بل كانَ بينَ تَعلمُنٍ وتّدَيُّنٍ ؛ لان العَلمانِيّةَ في واقِعِها لم تكن عِلماً بل كانت تعلمناً ولم تكنِ الكنيسةُ ديناً بل كانت تَدَيُّناً مغشوشاً .

العلم في مسارِهِ لهُ مراتبُ، منها الفروض، والنظريات والقوانين، وكلها قابلةٌ للتبديلٍ والتعديلٍ والتحوير. هذه المراتب في مسارٍ العلمِ لاأُسميها علماً بل اطلقُ عليها "تعلمُنات" ولكن حين يصل العلمُ في مساره الى الحقيقة هنا يصل في مساره الى العلم . الحقيقة هي العلم وماقبلها تَعَلمُناتٌ في مسار العلم . فالعِلمُ (الحقيقة العلمية ) لايمكن ان يتصادم مع الدين الواحد، بل المصادمةُ والتضادُّ بين تعلمناتٍ وتديناتٍ.

العلمُ والعقلُ والدينُ مصدرُهما واحد

لايوجد صراعٌ وتَضادٌّ بين العلمِ الواحدِ والعقلِ الواحدِ والدينِ الواحدش ؛ لانَّ مصدرَ الثلاثةِ هو الله الواحد . الحقائقُ لاتتضادَّ ولاتتصارع، انما تتصارع الاهواء والميول المختلفة .

وفي الختام: ان التضادَّ ليسَ بينَ دينٍ وعقلٍ وعلمٍ، وانما هو بين تديناتٍ مختلفةٍ، وتعقلناتٍ متباينةٍ، وتعلمُناتٍ متغايرةٍ .

 

زعيم الخيرالله

 

 

ما لم تكن هناك معطيات علمية ومعطيات سياسية مستوفية، فأن المنطق يشير الى صعوبة الحسم في الرأي، وخاصة في موضوع مهم وخطير جامع شامل مؤذي للبشرية. ومن هذا، لا ادخل بوابة العلم البيولوجي والبكتيري والجرثومي والفايروسي، وذلك لعدم كفاية المعطيات من ناحية، كما وإن العالم ما تزال مختبراته تبحث في الأمر. أما معطيات علوم السياسة في هذا الموضوع، على الرغم من ان الكثير من الذين يعتقدون بمنهجية المؤامرة في التحليل، فهي مؤشرات فكرية وسياسية - سلوكية يمكن إخضاعها لتحليل علم السياسة وكما يأتي :

أولاً- كان (دونالد رامزفيلد) وزير الدفاع الأمريكي الأسبق قد اطلق تعبيره الشهيرعلى أوربا حين ترددت عن تلبية الدعوة الامريكية الى شراكة إستراتيجية بعد إرهاب برج التجارة العالمي والتخطيط لوضع افغانستان ومن ثم العراق في قائمة الاستهداف، بأنها القارة العجوز، بمعنى انها غير القادرة على الحشد، لأن معظم سكانها من كبار السن، وهؤلاء مستهلكين وغير منتجين حسب قوانين السوق الرأسمالية - وذلك لأن القيمة الأنسانية مفقودة في عروض التسويق الغربية - . وشدد على ان موضوعة الحرب تعد احد اهم الوسائل التي تقلص من الكثافة البشرية التي لا تتناسب مع طبيعة وكمية مستحصل الانتاج، وانه من الصعب اعتماد فئات معينة في العملية الانتاجية، بمعنى ان هذه الفئات المسنة باتت عبئاً على الدولة الرأسمالية المنتجة.. ثم لا احد ينسى كيف استخدمت امريكا لقاح (العقم) على انه لزيادة الإخصاب لنساء في امريكا الجنوبية، وخاصة نساء الهنود الحمر.!!

ثانياً- وتساوقت هذه المفاهيم مع نظريات سابقة تحدث عنها (مالثوس) وهو مفكر غربي وضع نظرية الابادة وجوهرها التبريري ان سلة الغذاء والزراعة باتت لا تكفي الاعداد المتزايدة من السكان وعليه يتوجب اقامة التوازن واحدى وسائل التوازن هي الحرب. ويتضح من هذه المقولات ان الغرب الرأسمالي لا يعير اهمية للبشر ولا للأنسانية بدليل انه يفتعل الحروب من اجل تصريف انتاج السلاح . فجائحة كورونا باتت مهلكة للبشرية. والرأسمالية وشركاتها العملاقة الخاصة بصناعة الادوية تحتاج الى تصريف منتجاتها ومستلزماتها الطبية، كشركات تصنيع السلاح عابرة للقارات التي تفتش عن اسواق لتصريفها – والتصريف هو افتعال الحروب في مناطق الاشتعال في العالم كالشرق الاوسط واسيا والبلقان على وجه الخصوص - وان شركات النفط معنية باستنزاف الموارد في مناطق النفوذ وتأمين الخزين الاستراتيجي للدول الغربية ومنها الولايات المتحدة الامريكية . هذه الشركات كلها هي التي تحكم امريكا، فالرأسمالية شركات وبيوتات مال وبنوك تحميها جيوش وتديرها ادارة مكلفة بالتنفيذ .

ثالثاً- وهنالك اشارة تطرق اليها الصهيوني (مناحيم بيغن) بشأن معهد وايزمن الذي اعلن بأن نسبة الولادات بين الفلسطينيين تزداد معدلاتها وهي كثافة مخيفة حسب تعبيره اذ تصل 2،7% وان الاسرائيليين نسبة الولادات لديهم 2،3%، وهذا يعني ان اليهود سيكونون اقلية خلال عشرين سنة .. والاشارة هنا الى الدعوة لإبادة الفلسطينيين في حروب او تهجير قسري او تجريف. وهذا ما دأبت عليه سلطات الاحتلال الأسرائيلية المحتلة منذ عام 1948 ولحد الآن . فالنظم الرأسمالية لا تخرج عن نطاق مفاهيم الحروب والتحكم بمصائر الشعوب والسيطرة على ثرواتها منذ ان حل الاستعمار وتربعت على ارثه الاجرامي الامبريالية التي هي اعلى صورة للأستعمار القديم في العالم . وكما حلت الابادات ضد الانسانية في افريقيا وفي البوسنة والهرسك تحل في الوطن العربي وخاصة في سوريا والعراق تحت يافطة واسعة من المفاهيم والمبررات .

رابعاً- في زمن (جائحة كورونا) الراهن تكشفت نزعة الأنا الرأسمالية المتضخمة التي اتخذت في بعض اوجهها قرصنات في عرض البحار يتم الاستيلاء على شحنات الطوارئ الطبية ومستلزماتها العاجلة الانسانية .. واخضاع الطلبات الانسانية المستعجلة والمرتبطة بأرواح البشر الى المناقصات الربحية، فضلاً عن نكث البعض لتعهداتهم وإلتزاماتهم في صفقات توريد السلع الطبية وتحويل سير السفن للذي يدفع اكثر وزيادة اسعارها وهي اساساً للضرورات الانسانية في ايطاليا واسبانيا والمانيا. واغلقت هذه الدول على نفسها ولم تستجب لا للعامل الانساني ولا للعامل الأخلاقي لدرجة لم تعد للروابط والاتحادات من معنى سوى معنى واحد هو الأقتصاد والكل متهالك على الاقتصاد حتى لو سحقت الشعوب وابيد البشر.. ولم يلمس دافع واحد للتعاون الجمعي على الرغم من ان الجائحة الكارثة تقتل الجميع بدم بارد. وإذا ما استجاب بعضهم فهو للدعاية. ولم يتحدوا في المختبرات ونتائج التجارب وتبادل المعلومات والخبرات والخبراء، ولم يجمعهم مجلس عالمي للطوارئ وظل العالم مجرد (كانتونات) وحجر صحي وصفقات، وعدم تقدير الموقف الصحيح في مسائل الحظر والانفتاح والعكس تزايد موجات قادمة بكثافة نتيجة الاستهتار بقيم المجتمعات ووجودها. والغريب في الامر، ان بعض الدول تعتقد بأن وفياتها لا تشكل إلا نسبة ضئيلة إذا ما قورنت بالخسائر الاقتصادية .. والبعض الاخر يرى ان خسائر مليون انسان يعد لا شيء إذا ما تمت المقارنة بعدد السكان الذي يصل الى (مليار ونصف المليار) . ولكن الخسائر البشرية تكون فادحة اذا فقد ذلك البلد نصف مليون وتعداد سكانة خمسة ملايين نسمة. هكذا بدأ الغرب وبعض الدول الكبرى والاقليمية تفكر، فيما عمل الغرب على نزع اجهزة التنفس الاصطناعية من كبار السن انتزاعاً وتقديمها لفئات عمرية اقل سناً، وذلك بدعوى ان هذه الاجهزة قليلة ومن باب أولى إسعاف الاصغر وترك المسن لمصير الموت المؤكد - لأنه مُستَهْلِكْ وغير منتج في بنية النظام الرأسمالي- . فهل ان هذه النزعة هي انسانية وهل يقبل بها العقد الاجتماعي وهل تقبل بها نواميس السماء.؟

خامساً- تدعي الدول الغربية وفي مقدمتها امريكا بأنها تفاجئت بوباء شرس بلغ مرحلة الابادة، واخذت تلوم غيرها لحد الشك والاتهام بالتستر والاخفاء المتعمد، ولكن اين امكاناتها وقدراتها وطاقاتها وتخطيطاتها الاستراتيجية وتوقعاتها وسيناريوهاتها، هل تبخرت امام خطر صغير لا احد يراه بات يهدد البشرية بالفناء بحيث اصبحت كل مختبرات العالم وعلماؤها اقزام امام هذا الصغير المتخفي.؟ فلماذا لم تستعد الدول العظمى والكبرى وغيرها لهذا الوباء ما دامت تعرف عنه وعن سلالاته وسلوكه وتطوره وقدراته الخارقة على الاختفاء والإيهام ومنذ ما قبل وباء (سارس) الذي ظهر عام 2012، ثم لماذا لم تدرس احتمالات ظهوره بطفرات جديدة، ليتم التهيؤ لها دراسة واختباراً واستعدادا.؟

سادساً- الآن، ظهر دافع تصدير الازمات المستعصية الى الخارج لإيجاد الحلول لها أو لإسكات الاصوات المطالبة بالحقيقة أو العمل على مخرجات نظرية المؤامرة وخلط الاوراق بأن ما يجري هي حرب عالمية ثالثة تسمى حروب السلاح الفايرولوجي المقترن بعامل الصراع (Geo- economy)، وليس (Geo-policy) .!!

سابعاً- ما يجمع اوربا على قاعدة العمل المشترك كان التكامل الاوربي ووحدة اليورو من اهم العوامل التي غابت عنها النظرة المشتركة للتحديات والمخاطر المشتركة. أوربا ترى مخاطر في مناطق العالم المختلفة واخطرها في منطقة الشرق الاوسط / توسعات وتهديدات وصواريخ واسلحة غير تقليدية يتم التلويح بها/ ومع ذلك، فأوربا منقسمة بين صامت ومتحدث عن سلطة المصلحة الاقتصادية المنفردة وليس في ظل سلطة المصلحة الاوربية العليا. / إذ ليس هناك تضامن حقيقي مالي ولوجستي يتعلق بالأزمات وحالات الطوارئ/ وان ترسبات عدم الشعور بالتحديات الخارجية يفتح الباب على اوربا بتدفقات الهجرة الملغومة بالأرهاب والارهابيين وبالوباء المستشري. ومع ذلك ما تزال اوربا تتمسك بـ(الأقتصاد) مع اخطر بؤرة في الشرق الاوسط .

ثامناً- ان اخطر ما يعرض الكتلة الاوربية هو ان تشعر احدى دولها بأن بقية اعضاء الاتحاد او بعضها قد تخلوا عنها، هنا يبدأ الشعور بالإنفصام بين السياسة والواقع، وخاصة اختفاء قاعدة جوهرية يسمونها اجراءات السلع اللوجستية في زمن الحرب. هذه القاعدة يبدو انها قد اختفت في زمن الجائحة المستشرية في العالم .

تاسعاً- الكل الان يبحث عن مخرج منفرد، والإشكالية عامة خطرة. فكيف يمكن ان تكون الجهود الانفرادية مثمرة حين تكون تعمل بين جدرانها المحدودة دونما انفتاح على جهود ونتائج المختبرات الاخرى التي يجب ان تعمل كفريق واحد وتحت قيادة مركزية واحدة قادرة على صنع القرار في زمن تتهدد فيه البشرية من على سطح الأرض؟، اما الدخول في حروب جانبية واتهامات سياسية دون قرائن وادلة علمية، والوباء العالمي يحصد البشر ويزداد بموجاته المتطورة، فهو الغباء السياسي والهراء الاخلاقي اللذين تفرزهما الرأسمالية العالمية في كل مرة تمر بمأزق وركود وكساد بعد سلسلة من الحروب .

 

د. جودت العاني

24/04/2020

 

 

عبد الله الفيفيإذا رأيتَ المرءَ يأخذ عن مصدرٍ واحدٍ بكلِّ ما فيه، ويرفض من مصدرٍ آخَر كلَّ ما فيه، حتى ليوشك أن يقول: "أنا الحقُّ، والحقُّ أنا"، فاعلم أنه قد تُوُدِّع منه؛ لأنه لا يتبع الحقَّ، بل يتبع الهوى، أو الإديولوجيا، أو السياسة، وأنه خروفٌ من قطيع، يمضي مع قطيعه في سِربٍ واحدٍ، في اتِّجاهٍ واحد، وإنْ إلى حيث ألقت أُمُّ قشعم؛ لأنَّ طالب الحقِّ- كما قال (مالك بن أنس)- يأخذ من كلام كُلٍّ ويَردُّ، لا يأخذ فقط، ولا يردُّ فقط.

-2-

وإنْ كان لا بُدَّ من موتنا، فاسبقوني

إلى الموت، كي تحملوني..

وتستقبلوني!

خذوا زوجتي معكم وخذوا أُسرتي..

وجهاز القلق..

ولا تُنشئوا أيَّ حِزب هناك!

ولا تأذنوا لقُدامى الضحايا بأن يسكنوا معكم!

ولا تسمحوا للتلاميذ أن يسرقوا دمعكم!

ولا تفتحوا صُحفًا للحديث عن الفرق بين الحياة على الأرض أو تحتها!

ولا تسمحوا للمعارضة المستبدَّة أن تتساءل عما رفضتُ التساؤل فيه!

أنا الموتُ.. والموتُ لا ريب فيه!

هكذا عبَّر (محمود درويش)- بلسانه الصدَّاح- على لسان نموذجٍ بَشريٍّ من هؤلاء، في قصيدته "مختارات من خطاب الديكتاتور العربي"، ضمن "خطاب القبر". ولئن سلَّم أحدهم بأن الموت آتٍ لا محالة مهما عُمِّر، فإنه ليطمع في الاستبداد بالآخَرين حتى بعد الموت.

-3-

في كتابه "ما بعد الربيع العربي: كيف اختطف الإسلاميُّون ثورات الشرق الأوسط"، يُشيد الصحفي الأمريكي (جون آر برادلي)(1) بـ(تونس) ما قبل الثورة، لا ما بعدها. لكن ما معاييره؟ قائمة طويلة ممَّا أسَّس لها (المجاهد الأكبر)، معظمها يُعَدُّ مرذولًا أخلاقيًّا واجتماعيًّا حتى في الغرب نفسه. وهذا نموذجٌ للنفاق الغربيِّ في النظر إلى الثقافات الأخرى.

قال صاحبي: هناك من يعتقد أن خَلْعَ الثقافات والعقائد عملٌ مسرحيٌّ سهل، يَدَّعي نظريًّا التقدميَّة والحُريَّة المطلقة وبلا حدود، وهو في الواقع بنقيض ذلك. غير أنك ستجد في المقابل فلسفةً جديدة، ربما صارت مذهبًا، تدلُّ على مدَى الانحطاط القيمي، وإنْ باسم الدِّين. تتجلَّى، مثلًا، في ضُروبٍ من الحجاب، أصبحت تكتنفها الشبهات، في تقليديَّة شكلانيَّة، تبعث على المراجعة؛ من حيث لم تعد تدلُّ بالضرورة لا على الدِّينيَّة ولا حتى على الأخلاقيَّة. وأزياء الشعوب في عمومها لها صِلَةٌ بالثقافة والبيئة والشخصيَّة والهويَّة. الأصل فيها أنها محايدة في علاقتها بطاقات العقل نفسه، وأنَّ أثرها نِسبيٌّ في الحركة والعمل والعطاء الإنساني بآفاقه المختلفة، ولا علاقة بين ما يلبس الإنسان وبين مَلَكاته الفكريَّة، أو بين ما يَضَع على رأسه وقدراته العِلميَّة، أو بين السَّتر والتعرية وقابليَّات الإنجاز والعمل. هذا إلى تبعيَّةٍ ثقافيَّةٍ وقيميَّةٍ للآخَر، أيًّا ما كان ذلك الآخَر، الذي تُصبِح قِيَمُه نموذج الرُّقيِّ أو التقوَى معًا، وقِيَم غيره نموذج الانحطاط أو الضَّلال، وَفق عُقَد النموذج الأعلى المركَّبة، التي عبَّر عنها (ابن خلدون)، على طريقته. بَيْدَ أنَّنا بين التخلُّفين المذكورَين سنجد نموذجَين لا يحملان العُقَد نفسها. نموذجًا إسلاميًّا شرقيًّا، لم يَجِد تلك العُقدة التي وجدها العربيُّ المعاصر حيال اللباس، ونموذجًا غربيًّا، لا يحمل عُقدة الدُّول الأوربيَّة، ذات التاريخ العنصري ضِدَّ الألوان والشعوب والثقافات، هو نموذج (الولايات المتحدة الأميركيَّة)، ولاسيما قبل الحادي عشر من سبتمبر، حيث ظلَّ للمرأة أن تلبس ما شاءت، أو أنْ لا تلبس ما شاءت، ترتدي حجابها أو لا ترتديه. على أن (باب سَدِّ الذرائع) ربما أصبح عالميًّا في بعض الحالات؛ بمعنى منع شيءٍ خوفًا من وقوع شيء، أو التذرُّع باحتماليَّة وقوع ما لا تُحمَد عُقباه لمنع الحُريَّات الشخصيَّة ومصادرة حقوق الإنسان. ولحُسن الحظ أن أبوابَ أخرى لمَّا تُعَوْلَم بَعد!

غير أنك- كما يقول كاتب هذا المقال: أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيْفي- سترى التيَّارات جميعًا في كلِّ زمانٍ ومكانٍ واقفةً سَدًّا ضِدَّ حُريَّة التغيير، الذي يُهَدِّد مصالحها الماديَّة والمعنويَّة، وستجدها كلَّها لذلك تلعن ما تسميه "الفِتنة"، لتُطَوِّب السُّبات العميق على ما سَنَّه الآباء. وأعداء الحقِّ دائمًا يلوِّحون بفزَّاعة "الفتنة": "لا تَفْتِنَّا!"، "أَلَا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا!" وكلُّ الأنبياء والمصلحين والمفكِّرين والمغيِّرين: مُثِيرو فتنةٍ نائمة، بالضرورة. كلُّ أولئك أثاروا الفِتَن بهذا المعنى؛ لأن ما من ثورةٍ حضاريَّةٍ سُكونيَّة. ومَن يتذرَّع بعدم إيقاظ الفتنة النائمة، في هذا السِّياق، إنما يتذرَّع بعدم إيقاظ الأُمَّة/ الأَمَة النائمة، خوفًا من خفافيش ظلامٍ أن تنشر فيروسًا كونيًّا، "فَشَرَ" (فيروس كرونا المستجد) مقارنةً به!

-4-

اطلُبُوا العِلْمَ، ولَوْ في (الصِّيْنِ)، هِيْما؛

إنَّ كُلَّ الطُّـرْقِ تُـوْدِيْ صَوْبَ (رُوْما)!

***

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيـْفي

....................

(1) ترجمة: شيماء عبد الحكيم طه (القاهرة: كلمات عربية، 2013).

 

 

عامر عبدزيد الوائليإن التمييز بين "نحن" و" هم " كان يجري التعبير عنه بمفاهيم من نوع " صورة العدو " و" الآخر " وهذه المفاهيم تعود إلى الدراسات الاجتماعية والنفسية، والى الدعاية والتعبئة الجماعية فى الحروب وغيرها من حملات العنف.

إما بالنسبة إلى مفهوم " الآخر " فان من أسهل طريقة لتعريفه هي القول إن " الآخر " مختلف بشكل أساسي عن " نحن " وبالنسبة إلى أرسطو فإن الآخر المستبعد هو الغريب، الذي لم يتمكن من استخدام وفهم اللغة المشتركة (اليونانية). ونتيجة لذلك أصبح البربري هدفا للمطاردة، أي أصبح عبداً.

وهناك الكثير من الدراسات المعاصرة حول المفهوم لكن فى النهاية فإن الأخر هو تعبير عام "هم " من حاصل أنت الغريب. وهكذا فإن أنا وأنت الحميمة يشكلان "نحن" بينما يتشكل "هم " من حاصل أنت الغريب. (يلهو هارلي، مفهوم ومواريث " العدو فى ضوء عملية التوحيد والسياسة الأوربية، صورة الآخر العربي ناظراً ومنظوراً إليه ، 1999م،  ص4-55)          

أولاً: تحديد العلاقة مع الآخر" الغرب والإسلام ":

إما في تحديد العلاقة مع الآخر من خلال توصيف " الغرب والإسلام"؛ هي عبارة لا تبدو قديمة في تبيان تلك العلاقة مع الآخر فهي عبارة طارئة نقلت إليها بالترجمة الحرفية من اللغات الأوربية. ليس هناك في النصوص القديمة بمثل هذا التعبير، أما النصوص الحديثة التي ترجع إلى بداية القرن الماضي على الأكثر فمن النادر جدا العثور فيها على هذا التقابل بين “الغرب” و“الإسلام”. ذلك أن العبارة التي برزت في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن، في الخطاب العربي الإسلامي، هي عبارة ” الإسلام والنصرانية” وذلك في إطار المقارنة بين موقف كلٍ من الإسلام والمسيحية من العلم والعقل الخ.. (قارن مثلا: كتاب محمد عبده: “الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية)

وهذا التحديد يلغي التوصيف العقائدي أما تحديد يأخذ تحديد الجهات مثل "الشرق والغرب"فهو توصيف ظهر حديثا مع الحداثة الغربية، على الرغم من أنّ التراث الديني استعمل توصيفات مماثلة كما جاء في القران الكريم “ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب” (البقرة 177)

فإن اصطلاح “الغرب” Occident, West أي الدول الغربية، و”الشرق” Orient, East بمعنى الدول الشرقية، وهما معاً مترجمان من اللغات الأوربية التي ميزت في هذا الأخير بين الشرق الأدنى والشرق الأوسط والشرق الأقصى، وذلك بحسب القرب والبعد عن أوربا.

فهذا التوصيف له مرامٍ استشراقيه غربية في تجزئة العالم الاسلامي ومنحه توصيف يتجاهل الهوية الجامعة سواء أكان إسلامياً أم عربياً.فهناك توصيف يراعي التميز بين الغرب كجهة موحدة مركزية ويقابلها شرق ويعمل على تصنيفه اذ تجلى هذا في (المعاجم الأوربية المعاصرة يتم التمييز بين “الغرب”occident كجهة جغرافية وبين “الغرب” Occident (بحرف O الكبير للدلالة على العلمية) مثل مصطلح جيو سياسي الذي يطلق على:

1) “جزء العالم القديم الذي يقع غرباً في الإمبراطورية الرومانية”.

 2) أوربا الغربية والولايات المتحدة، وبكيفية عامة الدول الأعضاء في الحلف الأطلسي

3) بلدان أوربا الغربية والولايات المتحدة تحديداً، وقد تختص بهذا المعنى كلمة West (Ouest بالفرنسية) …(محمد عابد الجابري، الغرب والإسلام 1- الأنا والآخر… أو مسألة الغيرية)

وقد تأخذ هذه العلاقة مع الآخر بعداً غير واقعي بل تخيلي اصطناعي فهناك كثير من الصور النفسية اسقطها الآخر (الغرب) على الشرق الاسلامي هي مجردة من الحقيقة بل مختلقه اذ يرتبط اختراع الآخر؛لأن الخطاب حول الآخر هو بالأساس يعد خطاباً حول الاختلاف.(فإن التساؤل فيه ضروري حول الأنا أيضاً، ذلك أن هذا الخطاب لا يقيم علاقة بين حدين متقابلين، وإنما علاقة بين آخر وأنا متكلمة عن هذا الآخر)(الطاهر لبيب، صورة الآخر العربي ناظراً ومنظوراً اليه ، 1999م، ص 21.)

فإن تحديد العلاقة بين الأنا والآخر على الرغم من بعدها التاريخي والسياسي إلا إنها كانت علاقة غير مفكر بها تبدو مضمرة لكن الدراسات المعاصرة في مجال الخطاب هي من اتاحت لها الظهور من خلال بحثها في تلك العلاقة وارتباطها بالهوية والاختلاف من خلال البعد الظاهراتي الذي أخذ تحولاً يراعي الجوانب النفسية في كشف صورة الآخر، وهذا ما يمكن ملاحظته في (اختلاف بين السياقين الوسيط والحديث في العلاقة بين الأنا والأخر، إنما يعكس اختلافاً جلياً في صورة الآخر في الثقافة العربية، وفي مجال الآخرية، فإن كان مجال الآخرية في السياق الحديث قد اختزل في الغرب وحده، فإن مجال الآخرية في السياق الوسيط كان متشعباً ومتعدداً وممتداً بامتداد المعلوم من العالم آنذاك.)(نادر كاظم، تمثلات الآخر، 2004م، ص 15.) فان التصور عن الآخر كما قلنا هو فعالية نفسية مثلما هي سياسية تحاول ان تمنح الآخر توصيفاً او تنميطاً وهو قد يكون سلبياً او ايجابياً، وعلى الرغم من انه قد يكون سلبياً وقد ظهرت كثير من الدراسات كشفت عن علاقة الغرب المستعمر بالآخر وهي دراسات تدخل في نطاق يهتم بدراسة الاستعمار الكولونيالي، وما يحمله من تنميطات هومي بابل (Homi K.BahBah) فهو يرى أن المستعمر يميل إلى تنميط المستعمر، من خلال وصفه بصفات ثابتة ومبالغ فيها، ويحرص على تكرارها، مثل وصف المستعمر بالوحشي والانحراف الجنسي. (فاطمة حمد المزروعي، تمثلات الآخر في أدب قبل الإسلام، 2007م، ص 49.) من هنا نستطيع الاستدلال على طبيعة العلاقة " الغرب والإسلام "، لها كثير من المضامين الايديولوجية والنفسية والوجدانية بل تركت أثرها في كثير من الصور النمطية في تصوير كلٍ من الطرفين احدهما للآخر وهذا جزء من علاقة الصراع الطويلة بين الطرفين في أثناء العصر الوسيط وحقبة الاستعمار ، شكلت حضوراً وراسب عميق في الخطاب الجمعي بكل حمولاته المعنوية.اذ نستطيع ان نعرض الى تحولات تلك العلاقة وتحولاتها.

ثانياً: إن جدلية العلاقة بين الأنا والآخر:

من أجل تحليلها نجد أنها تحتوي على مضامين الأيديولوجية سواء أكانت صريحةً أم مضمرةً، إذ تكتنز علاقات تقوم على القوة، وبالآتي فإنه يقودنا الى اكتشاف عنف رمزي؛ لأنه يحاول أن يفرض دلالات معينة، على الآخر انطلاقاً من ادعائه شرعية ما، يحاول من خلالها اخفاء او ضمر علاقة القوة تلك، لكن تبقى تلك القوة تحمل طابعاً رمزياً.

تولدت بأشكال متنوعة من قبل الآخر الذي فرض ثقافة ولغة بوصفها تحتكر معنى العلمي والحداثي وبالآتي الانساني بقيمة المعاصر وبالآتي؛لكي يكون الآخر غير الغربي من ضمن حدود المنظومة الانسانية العربية التي تدعي الكونية، لابد أن يتكلم اللغة نفسه وينتمي الى منظومة القيم الانسانية نفسها.فان هذه المعرفة التي تدعي الكونية هي يقينا محدودة الموقع وكل معرفة هي منشأة إنشاء فالمعرفة الاوروبية في العلوم: (الاجتماعية والإنسانية والطبيعية)وفي الآليات الفكرية لها موقع جغرافي كان يمثل مكان النشأة الخاص بها مرتبط بإشكالية أوروبية معرفة وإيديولوجيا إذ المعرفة الأوربية الاستعمارية بكل ملحقاتها التاريخية السياسية والأخلاقية فهي وليدة هذه القوالب الكونيالي للسلطة كما صور بورديو إن علاقة القوة هي التي تعيّن دائماً حدود فعل قوة الإقناع التي يمتلكها النفوذ الرمزي.(يبيو بورديو، العنف الرمزي، ترجمة، نظير جاهل، 1994م، ص 35.) من هذه المقولة نجد أن المعرفة الغربية تمتلك منظومة غرفية للتصنيف الاجتماعي هي التي اخترعت النزعة الغربية كما تجلت بالاستشراق والتميز بين جنوب أوروبا عن مركزها وعلى مدى هذا التاريخ الطويل أعادت رسم خارطة العالم على أساس: (عالم أول وعالم ثانٍ وعالم ثالث) أبان الحرب الباردة إن اماكن اللا –فكر (أي اماكن الأسطورة والأديان غير الغربية والفولكلور)، والمناطق والشعوب التي تنطوي على التخلف قد استفاقت اليوم من عملية التغريب التي طال أمدها بعد ان تم اختراعها بوصفها anthropos))، بوساطة موضع تلفظات عرف نفسه بنفسه باعتباره (humanitas)، والآن فإن هناك اتجاه خارج الفكر الغربي من العالم الثالث لم يعد يطالب بالاعتراف به من طرف اوروبا بإدراجه في الانسانية، وقد تنوعت الثقافات التي احتكرت التمثيل الكوني الانسانية وما بعدها بمجرد خطابات محلية من هنا تاتي ضرورة مراجعة نقدية للآخر ومعرفته،(فإنّ عمليّة التحكّم في المعرفة لن تُدعى إلى المساءلة.ومن أجل أن نضع التأسيس الحديث/الكولونيالي لعمليّة التحكّم في المعرفة، موضع سؤال، من الضروري،أنْ نركّز على العارف بدلا من التركيز على الشيء المعروف. وذلك يعني أن نذهب إلى الافتراضات الحقيقية التي تشدّ موضع التلفّظات.). (والنرد. منيولو، العصيان المعرفي، التفكير المستقل ولحرية الدو-كولونيالية، موقع مؤمنون بلا حدود.)

أولاً: كانت التجربة الأسبانية أول لغة تحتكر تلفظ بالكونية وقد نزعت نزوعاً الى نفي الآخر المسلم اذ إسبانيا (الكاثوليكية) الطامحة إلى الوحدة والنقاء الدينيين والمنطلقة إلى قيادة العالم النصراني، ما كانت لتسمح ببقاء المسلمين على دينهم، فبعد التخلص من اليهود، بدأت ماكنة القمع والتنصير و" تفتيش الأرواح" الكاثوليكية تحول أنظارها إلى الأقلية الدينية والعرقية الأخرى على ارضها، وشرعت فور غزو غرناطة إلى تنصيرها قسرياً، وهي العملية التي بدأها رجل الدين المتعصب ثيسنيروس في إقناع المسلمين بالتخلي عن دينهم واعتناق النصرانية، باستعمال الشدة والتعذيب والسجن لإجبار المسلمين على اعتناق النصرانية.(ماثيوكار، الدين والدم إبادة شعب الأندلس، 2013م،ص 14،)، وقد ارتكبت الفظائع بحق المسلمين من محاكم فتيش والتحول الى المسيحية في ظل ضغط الكنيسة وقسوتها وعنفها الرمزي والجسدي يطارد العرب الموريسكية كان عنف رمزي يقوم على محو الهوية الإسلامية وقد تجلى بأشكال متنوعه من منع اللغة العربية وكتابتها في وقت كانت بمثابة ميراث معنوي (الحديث بالعربية كان يعني المخاطرة بجذب انتباه محاكم التفتيش).(اندرو هوتيكروفت، الكفار، تاريخ الصراع المسيحية والإسلام، 2006م، ص 256.) وكان الختان ممنوع كعلامة تميز للهوية لهذا (كانت عقوبة الختان هي النفي الدائم وخسران جميع الممتلكات، وبذلت جهود لتعقب اولئك الذين كانوا يقومون بعمليات الختان) (نفس المرجع، ص262-263.) كانت تلك الاوضاع قد عكست موقفا غربياً عنيفاً وعصابي اتجاه الآخر.

ثانياً: أما في زمن الثقافة الانكليزية والفرنسية وعبر الانكليزية والفرنسية، والألمانية، فهما من شيد الحداثة الصلبة ومشاريع العلوم الانسانية والاستشراق من أجل معرفة الآخر وإخضاعه وهنا يحث أن المعرفة التي تحتكر التمثيل العلمي والشرعية الانسانية والتي ارتبطت بعملية الهيمنة الكونيالية وتحضير الشعوب المتخلفة يظهر (إنّ الافتراض الأساسي هو أنّ العارف متورّط دوماً، على مستوى سياسة الجغرافيا وعلى مستوى سياسة الأجساد، في صلب المعروف، على الرغم من أنّ الإيبستيمولوجيا الحديثة) غطرسة النقطة الصفر على سبيل المثال (قد عملت على إلغاء الطرفين وخلقت صورة الملاحظ المتحلّل من أيّ رابط، الباحث المحايد عن الحقيقة والموضوعية، الذي يتحكّم، في نفس الوقت، في قواعد الاختصاص ويضع نفسه أو نفسها في موقع متميّز من أجل التقييم والإملاء.) (والنرد.منيولو، العصيان المعرفي، التفكير المستقل ولحرية الدو-كولونيالية.)، وقد كانت المعرفة وبخاصة أصحاب النزعة الوضعية بذلوا جهودهم في اعتبار كل فلسفة تكاد تكون ميتافيزيقا ومنها مسائل القيم والحقيقة والجمالية وقضايا الفلسفة النظرية كقضيّة الله وخلود الروح واللانهائية وانقسام العالم ومعنى الحياة فكلها مسائل عدوها ضرباً من العبث مادامت لا تربطها أي اصرة في ميدان العلم، فهي ليست من قبيل المسلمات التحليلية والتجريبية. (ميشيل ماركوفيتش، العلم والايديولوجية، 1973م، ص13.)

وكانت حركات المقاومة في العالم الثالث قد انخرطت في عصيان معرفي ويعمل على فك ارتباط عن سحر الفكر الغربي عن الحداثة والمثل العليا للإنسانية في حقبة الاستعمار أو اليوم بوعود البنك الدولي ووعوده بالنمو الاقتصادي والازدهار في ظل اقتصاديات العولمة المتوحشة. (والنرد.منيولو، العصيان المعرفي، التفكير المستقل ولحرية الدو-كولونيالية). بحيادية وموضوعية يثبت إدوارد سعيد أن الشعوب العربية والإسلامية ليست بما توصف به من تخلف، بدليل مقاومتها العجيبة، ودهرها المستمر للاستعمار، ومع ما سبق كله لم ينادي سعيد بمحاربة الغرب، أو كراهيته، وإنما يدعو إلى فهمه، أولا، ثم مواجهته بما يكفل الحرية، والاستقلال للشعوب المستضعفة.(خالد سعيد، أدوارد سعيد ناقدا الاستشراق، 2011م، ص127.)

فان معرفة الغرب هي الغاية التي يصل اليها خطابنا النقدي، هذا الاحتجاج تنوع في العالم الثالث وفي عالمنا جاء الاحتجاج الاسلامي ليمثل موقفاً نقدياً للآخر،فهو يستمد شرعيته من تراث اسلامي اذ (يركز على المدلول الرسالي للحوار، فهو يعبّر عن قيمة حضارية، إذ هو أسلوب الأنبياء والرسل في التبليغ والدعوة. وبالتالي أحقية هذا التيار في تقديم الإسلام والحضارة الإسلامية للطرف "الآخر". فعلى الغرب،... أن يحاول خوض الحوار مع أولئك الذين يمثلون بجدارة الفكر والثقافة الإسلاميين. أما المتغربون الذين هم في حقيقة الأمر تمثيل ناقص ومشوّه للغرب نفسه، فإن حوار الغرب معهم لا يشكّل ديالوغاً و(حواراً ثنائيًّا)، ليس ذلك وحسب. بل إنه لا يشكّل مونولوغاً و(مناجاة أحادية)، أيضا كما يؤكد على ذلك خاتمي وهو أحد أبرز رموز هذا التيار في حوار الحضارات. (الزهراء عاشور، حوار الحضارات وإشكالية الأنا والآخر في الفكر العربي والإسلامي) وقد اخذ هذا التيار موقفاً احتجاجياً اكثر جذرية في نقد الغرب وتبيان تناهي مقولاته التي تدعي الكلية والشمولية في حين هي تمثل نزوع للهيمنة على مصائر الشعوب ونهب خيراتها والعمل على افقارها.

جاء هذا الكتاب في توصيف حركة الاحتجاج والمقاومة لدى الفكر الاسلامي الحديث والمعاصر إذ تم تناول فكر مجموعه كبيرة من مفكري التيار الاسلامي في هذا الكتاب سواءً في حقبة النهضة أم في التيار المعاصر إذ تم تناول الرؤية النقدية لدى هؤلاء المفكرين وتصوراتهم النقدية للفكر الغربي بروح تحليله وصفة تستلهم فهم ونقد الفكر الغربي من أجل فهم الاخر وإزالة التغريب الذي ترك أثره في كثير من الأجيال التي لم تنتبه الى آليات الآخر في نفي الآخر والعمل على مواصلة أزماته: (الفكرية والمجتمعية والحضارية)على صعيد المنهج والرؤية.

وهذا ما نلمسه في نصوصهم النقدية والمحتجه على هؤلاء الغربيون:

-كان السيد جمال الدين يرى أن للغرب وجهين: الوجه الثقافي والعلمي، حيث يتبلور في العلم والتقدم والحرية والقانون، والوجه الآخر هو الوجه السياسي الذي يتبلور في الاستعمار والسيطرة على الشعوب والدول الضعيفة، فكان يمتدح الأول ويذم الثاني.

- فيما كان رشيد رضا: قد اقترح على العرب جمع قواهم كلها للدفاع عن الإسلام وتصحيح عقائدهم، فجمع بين العمل في ميدان الفكر الإسلامي وبين الإصلاح السياسي لمقاومة الصهيونيين بكل طرق المقاومة، كاشفاً عن وجه بعض القوى التي ظهرت آنذاك، والرامية إلى الاستعانة عن الخلافة العثمانية بخلافة جديدة، معداً هذه الفكرة وحياً أجنبياً من شأنه أن يخدم المصالح الأجنبية العالمية التي تقف وراءه الحركة الصهيونية وبخاصة (انكلترا) التي لا تزال ممعنة في إرهاب عرب فلسطين وانتزاع وطنهم وإعطاءه لليهود الصهاينة قسراً، لتجد لهؤلاء مُلك في قلب البلاد العربية يكون حاجزاً بين (مصر والحجاز وفلسطين)، مما يمنع قيام دولة عربية إسلامية قوية موحدة تقف في وجه الاستعمار الأوروبي.

 

د. عامر عبد زيد الوائلي

 

 

سامي عبد العالالأنا هو الملاذ الأخير للإنسان أمام أي وباءٍ، إذ ينكمشُ صاحبُه معلِّناً بأحد جدرانه- التي يفترض ألاّ تُوجد- أنَّه مغلق للترميم. وحين يسمع خبرَ الاصاباتٍ هنا وهناك، يهرع إلى تحسس أناه في شكل سعال خفيفٍ أو تجريب أنفاسه أو تجنب أي متطفل يحاول الاقتراب. وربما يتخفف الانسان قليلاً من هذا الثقل، فيحلم بزوال الغمة (بطريقة المقريزي" إغاثة الأمة بكشف الغمة")، ليعود إلى سيرته الأولى، وقد يأخذه الأمل متذكراً الأيام الخوالي حين كان يدفع أناه ego كــ "أنف ضخم" big nose في كل شاردة وواردة بين الناس... أين هذه الأيام والأوقات؟!

صحيح الأنا قد يكون مجرد أوهام في أوهام، لكنه إزاء الخطر يتماسك لتخرج الأوهام في شكل أوضاع ملموسة، يدافع عنها صاحبها ككيان هو الجسم الذي هو فيه. أي تصبح المشاعر والأفكار ذات آثار حسية تَظْهر على وجهه أو هيئته مثل المخاوف والهواجس وحتى التوقعات. فلو شعر بالخوف، سيبدو اضرابه وقلقه باديين للعيان، ولو وُضع في موقف محرج، سيبدو ذا وجه خَجِل ويتوارى من الناظرين. كل ذلك لم يكن ليمنع ديكارت في القرن السابع عشر من اعلان أنَّ الفكر أساس الوجود، وليس فكراً حراً من القيود، بل فكراً مرهونا بالأنا (أنا أفكر إذن أنا موجود cogito).

لكن فجأة تحول الأنا أفكر (على خلفية كورونا) إلى الأنا - فيرُوس يُحْذَر منه. البدايةُ ليست فكراً بحد ذاته كما يؤكد ديكارت، بل حضور الجسم بقدرته على ممارسة الحياة والتأثير على نطاق واسع. هو الآن كوجيتو العدوى بامتياز، يطرح دلالة الإنسان الحي بقدر ما يمثل عدوى للآخرين. الأنا هو الحيوان المعدي داخلنا دون تردد وبواقع الحال. صيغة فكرته قد تصبح مبتذلةً: "أنا اُعْدِي، إذن أنا موجود"I am infecting, therefore I am  ، بكلمات أخرى" أنا مصدر العدوى إذن أنا كائن محتمل العزل الصحي" coronavirus cogito. لكنها صيغة تتحاور- فلسفياً- مع أنماط الكوجيتو بمعناه المثالي والأنطولوجي والمعرفي، وتكشف حدود التواصل في المجتمعات الإنسانية وإلى أي مدى تُمارِس سياسات الوقاية من الأوبئة.

إذا اردنا توضيحاً فلسفياً، فهو من ثمَّ كوجيتو بيولوجي biological cogito يعيد ترتيب شؤون العقل والسياسة والعيش والعلاقة بالآخرين. اثبت كورونا استحالة التحكم في الحياة وانعدام الهيمنة على الطبيعة، وفوق هذا وذاك، يصعُب الانغماس في أيَّة انشطة جمعيةٍ. لأول وهلة تكون الجماعة(التجمع – التجمهر – التكدس- الزحام) أشياء خطيرة. الوباء عدو المجتمع رغم أنه يتجه إلى الأفراد، إلى جسمٍ بعينه. وجه الالغاز إزاء مسألة الفيروسات الوبائية: أنَّ تضع الإنسان في احراج تواصلي يبطل قدرتنا على ممارسة الآخرية otherness.

لكن ما هي جوانب تلك الفكرة؟ وكيف يتحول الفرد من الأنا أفكر إلى أنا أُفيرس الآخر؟

المشكلة تكمن في "أنا موجود"I am  ، الأنا حاضر في حضور من هم غير أنا، لأنَّ الوجود الحي أصبح مقدمةً وليس نتيجةً، أصبح وباءً قابلاً للانتشار. الفيروس ينبهنا إلى وجودك ووجودي البيولوجي بالمقام الأول، يجعلك موضُوعاً للحذر والترقب والتربص والابتعاد ويجعلني موضوعاً للابتعاد واتخاذ المسافة الحائلة دون المواجهة المباشرة. وبالتالي ليس فعل الكينونة هو الذي سيجعلك ظاهراً، بل" فعل العدوى" هو الذي سيضعك تحت علامة استفهامٍ. ولأجل الابتعاد عنك وعني يشترط أنْ تخلع كلَّ سمات وجودك جانباً إلاَّ من حدي الحياة والموت. وهما امكانيتان على الحافة الحرجة من وجودنا، والتي قد تتزحزح إحداهما لصالح الأخرى. يومياً نرى أناساً خرجوا من الحجر الصحي إلى الحياة والعكس أناس لم يكن متوقعاً موتهم لكنهم غادروا بسبب الفيروس.

بعدما اجتاح كورونا الكرة الأرضية، لم تعدْ الكائنات الدقيقة إلاَّ على صلةٍ مهُولةٍ، مخيفةٍ، بعالمنا الكبير. علاقةٌ غامضةٌ لدرجة السرية التامة، لا نقول أكثر مما قد ندرك آثارها أحياناً. وليس ثمة انفصالٌ بينهما وبين حياتنا من أقرب نقطةٍ إلى أبعدها، ولسنا في حاجة إلى برهان. الفيروس غير مرئي، بيد أنَّه يجعلنا نُبرر ما نقوم به من اجراءات وأفعال ظاهرة. لقد فرض عمليات عزل للأصحاء والمرضي بتداخل الضوء والنهار على الكرة الأرضية. أي ذهبت حياتُنا الكونية باتجاه انعدام أي تواصل حسي وطبيعي، انتفت الحياة في الوقت الذي لم نمثل فيه إلاَّ أشباحاً عن بعدٍ.

ربما نسي الناسُ أشكال(هيئة – رسم – وسم) بعضهم البعض، لم ير أحدهم غيره منذ فترة ولم يعد أحدهم قادراً على أنْ يقول أنا، لكون أناه سيوضع تحت الحذر على الدوام. فبمجرد أنْ يسمعه إنسان سيتهرب من لقائه، هو مجرد علامة استفهام متحركة بشكل فج. لا ينظر الفرد إلى الفرد سوى من خلال كونه عدوى، سقط كل شيء وبقي الفيروس هو الحاضر أو المحتمل حضوره. بينما الغياب أصبح هو القاعدة التي تعم جوانب العالم كله، الشوارع والمقاهي والردهات والساحات العامة فارغة من الناس. حقاً العالم غائب عن نفسه حتى في وجود البشر بإقامتهم البيتية. والغياب هو الوجود الطافح بالصور والرموز والتلاشي و بجانب التواصل عن بعد. لقد غدا الآخرين بالنسبة لنا موجات صوتية وذبذبات وأطياف تحملها أخيلتنا عبر وسائط التواصل الاجتماعي.

السؤال التلقائي: هل الحياة غدت ممارسة للصمت الكوني، حين تقطعت أوصال وجودنا المشترك عالمياً؟(أي الإقامة المتوارية بغرض الحماية من الفيروسات).

لو تخيلنا هذه العلاقة، فلن تكون غير سرديةٍ مُطولة عالمياً حول وجودنا (هنا والآن) بأي وقت. فالحاضر نوع من المحافظة الصامتة على وجودنا الصحي لأطول فترة ممكنة، كل جماعة تكتب خلاصها بآداب ولياقات التعامل مع الحياة. هكذا تبدأ سطور الفيروسات والأوبئة في الكتابة حول ما كنا وسنكونه غداً. الحقيقة أنَّ الزمن أول ما تقطعه الفيروساتُ المعدية وأخر ما تدشنه في كل مرة تجتاح الأرض. أي هي تعيد الحياة كحاضر دوماً إلى سيرتها المبكرة، فالفيروس يكمن ويعيش ملايين السنيين دون أن يموت ولا يحياً إلاَّ بظروف مواتية ستأتي يوماً ... وها قد أتت بجحافل العدوى نتيجة كورونا ومشتقاته. هذا المناخ العام من الرعب إزاء انتشاره على نطاق واسع يجعلنا لا نتصور ظروفاً طبيعية فقط قد هيئت له، لكنه يجول ويصول بأرجاء العالم على خريطة الحياة والموت.

ولذلك الفكرة الأولى أنَّ الفيروسات تعيدنا مباشرة – دون زمن- إلى حالة من احتمال حال البدائية. عودة الحياة البدائية إلى واجهة أنماط العيش في العالم مرة أخرى. وهنا ربما يظهر مفتتح صفحات كتاب غيابنا المتخيل. لأن الفيروسات تكتب بحروف هي الآثار الدالة عليها. ولم تكُن وحدها هي الظاهرة في حالة كورونا، بل أُضيف إليها تراكم الأفعال البشرية الطائشة التي أظهرت سمات بدائية لا تخطئ الأولى. وتبدأ في إظهار صفحات البشرية التي حبرت بممارسة الاستئثار والابتعاد عن الآخرين والخوف والرعب. رغم أنَّ التعاطف على بعد يبدو هو اللغة الجارية عبر وسائل الاتصال والتقارير الواردة من المنظمات الدولية، فالتقارب مع مسافات الجغرافيا ظهر كما أشرت كعملية تواصل غير مرئية.

الفيروسات لا تعطينا أية فرصة للفهم والاستيعاب، فهي لا تتكلم، هي صامتة بدورها، واللغة التي تتحدث بها هي لغة المرض وانتقال الوباء من مكان لآخر. ودوماً النتائج من جنس المقدمات، فطالما أنَّ الفيروس مرتبط بجسم الحياة داخلنا( لحم الأنا)، فقد خضعنا للمنطق نفسه، هذا العزل الذي أحال العالم إلى مجموعات من لحوم البشر السائبين. وغدت الدول أكمات بيولوجية فيروسية يتهرب مواطنوها من أي مجال عام، لائذين بالبيوتات المنعزلة، لقد ضاقت الكرة الأرضية فجأة وغدت (كهفاً) هو العزل الصحي إزاء العدوى أو خوفاً من تفاقم الحالات المصابة.

بملء الكلمة، انفكت الخرائط الجيوسياسية لعالمنا المعاصر إلى أقاليم، والأقاليم إلى مجتمعاتٍ تلاحقها عدوى الفيروس وتترصدها. برز التاريخ الوبائي للبشر على مساحات متقطعة من أجسام تعبر الحدود، لكنها أجسام كحال كورونا تنقل المرض بسرعةٍ لم تكن متوقعة. ربما لأول وهلة أصبح الجسم هو الخريطة الفعلية لعلاقتنا بالحياة والعالم. تداخل الحياتي والسياسي والوبائي بطريقة غريبة. فلا تستطيع الخروج عن المجموعات المترامية داخل المنازل والإقامات المنعزلة، كل مجموعة تأخذ حذرها طائعة وإلاَّ فالخطر وشيك. أنت عندئذ قد أدرت عقارب ساعتك البيولوجية عند حدود الالتزام بحفظ الجسم دون ملامسة الآخرين. كمن يحفظ أجسام الحيوانات المقطعة في أوعية تبريد تجهيزاً للأكل.

لكن لمن تجهز أجسام الناس في عالمنا الآخذ في(الانكماش)؟! بالطبع ألهبت الأنظمة السياسية آذان مواطنيها بمزيد من التخويف. وتعاملت معهم فرادى باعتبارهم أجساماً قابلة للتحلُّل وليسوا مواطنين بالمعنى الحقوقي السياسي. وكررت بث الرعب من فيروس يحمل المفاجأة بطبيعته الوبائية ونتيجة انتشار صور الضحايا من الصين إلى إيطاليا، ومن أمريكا إلى فرنسا، ومن انجلترا إلى ألمانيا، ومن الغرب إلى الشرق. باتت الدول بؤراً فيروسية تقتات على مساحة التواصل بين البشر، والسبب هو التعامل المرضي- بافتراض أن البشر هم البيئة الخصبة- على لحم الحياة والموت. أي لابد أنْ يجيئ الإنسان بكل مرة تنتشر فيها فيروسات قاتلة كياناً لحمياً ناقلاً للعدوى.

الخوف والرعب يجعلان الإنسان (الأنا أفكر) لقمة سائغة لمآرب أي نظام سياسي، يفقدانه إرادة الرفض والتمرد، كيف يرفض، ولماذا يفكر أو حتى يتأمل ماذا يجري له وهو واقع تحت ضغط أمر يستند إلى حيوانيته المباشرة؟! بل يحيله إلى مجرد عبءٍ حيواني ينتظر الرعاية والطعام والغذاء دون التطلع إلى أي شيءٍ. وقد حاولت الأنظمة المستبدة استغلال كورونا لاختبار قدرتها على ضبط الحياة العامة. تدس القوة واوامر السلطة فيما يخيف الناس من أخبار واحصائيات حول الضحايا واعداد المصابين.  على افتراض أنْ المواطن حيوان قابل لأن يُساس، يُقاد، يخضع للأوامر محققاً ما يراد له من المبيت مبكراً والإقامة الوقائية دون تمرد. شريطة إحاطته بمناخ من الهوس الاعلامي الذي يختلط فيه الحابل بالنابل، الغث بالثمين، الفعلي بالمزيف، ومع اختفاء أساليب الشفافية تسود "ثقافة الضفادع".

حيث يعم المجال العام مناخٌ من النقيق الاعلامي المتواصل والفوضوي من هنا وهناك. والأنظمة تستهدف زيادةَ هذا التشويش، فلا أحد يعرف ما هي المعلومات الحقيقية حول المرض، ولا ما إذا كان وباءً أم لا، وليس هناك من يقول ما يجري بدقة. هكذا حول الفيروس الأجواء الثقافية إلى أبواق دعائية تتراجع للدفاع عن مواقف من الشعوب ومكانتها لا معها. فالدول الأقل ديمقراطية هي التي تعتبر شعوبها قطعاناً من الخراف الضالة التي لا تستحق شيئاً. وبدلاً من وجود فيروس واحد يعربد داخل المجتمعات، هجمت فيروسات التخلف والديكتاتورية وأصوات الجهل على أجسام الشعوب.

والشعار البائن كالتالي: عُودوا إلى الأنا البيولوجي (على طريقة الفيروس)، شريطة أنْ يظل هذا الأنا أو ذاك في نطاقه الحيوي. لأنَّ تلك الدول لا ترى جدوى من مكافحة لفيروس كورونا، إذا انتج فيروس الفكر في الأوضاع السائدة. ولهذا ستكون هذه الدول حواضن جلدية تشحن مراكز الإحساس الحي إزاء أي فكر وعدوى جنباً إلى جنبٍ. ينبغي لك ألاَّ تتساءل، ألا تناقش، نحن مرضى على أَسِرّة الأنا وحسب. ولو ابيح للأنظمة السياسية المتخلفة أن تعلن الأفراح، لفعلت لأنَّ الفيروس يلتقي مع أهدافها القاضية على أي نقاش عام حول ممارساتها.

الفيروس سياسياً يختطف الأنا أفكر لصالح سلطة الهيمنة. يلغي وجودك تماماً، وفي النهاية يجعلنا أرقاماً بين:  شخص مترقب تحت الاختبار أو مصاب، أو مصاب قابل للمعافاة. ليس الفكر ضرورياً، بل المهم أنك أصبحت جسماً ليس أكثر. ولو فكرت مجرد التفكير في أمور السياسة، فإنك ستثير غرائز السلطة المستبدة. والمفارقة أنك كـ "أنا" كنت منذ سنوات مجرد قطيع في شوارع الثورات الربيعية، يتم ترصده وملاحقته لو انخرط في مظاهرات سياسية. لكنك حالياً أمسيت كتلة من اللحم المُعدي، مجرد كتلة مملوءة بالفيروسات، يجب تحاشيك ووضعك في مساحة لا تبرحها. وأنت لست خطراً على نفسك والمحيطين حولك، بل خطراً على كل إنسان محتمل آخر، على الحياة.

لم يعد لكلام الأنا ولا لرمزيته الإنسانية أية جدوى ولا أي تأثير يذكر،  فالمجال العام لا يقبل أي رمز تحرري من نوع ما، الرمز هو الجسم الذي يعكس العدوى أو يقي منها محاطاً بإجراءات هيمنة (سياسية طبية). وبدت الدول قوية بمقدار ما تضبطك إيقاع الاجسام المنعزلة. الدول آلية توزيع لكل مواطنيها ومراقبة الشوارع الفارغة. حظر التجول، المستشفيات المتنقلة، الطوارئ، نشر الكمامات، ضبط الجموع وتذويب نقاط الاختناق الجماهيري. كلها حدود الأنا بيولوجياً فقط، لقد تم سلخ رمزيته وألصقت بالسمع والطاعة إلى حدود العزلة المشبعة بالرعب والخوف. ولحقت ذلك إجراءات التحكم في حركة السلع والغذاء والدواء والانتقال والسفر. إذن وقعَ الأنا في ممارسة الكينونة عند درجة الحس البدائي، ولم يذهب أكثر من ذلك.

 

سامي عبد العال

 

سليم جواد الفهدتأملات في الفكر السياسي الإسلامي (8)

يعد مفهوم (الحاكمية الإلهية) من المفاهيم الاساسية التي ساهمت في التوجيه الفكري لجماعات عديدة من الحركات لإسلامية المتطرفة وعلى الرغم من تعدد المدارس الفكرية في تعاملها مع هذا المفهوم إلا أن دلالاته السياسية تمركزت – في الأغلب – حول رفض الحكم بغير ما أنزل الله واعتبار الحاكم بغير الشريعة الإسلامية حاكماً كافراً والربط بين تحكيم الشريعة وبين أصول العقيدة الإسلامية وارتبط هذا المفهوم منذ تداوله الاصطلاحي على يد (المودودي) و(سيد قطب) بمنظومة مفاهيمية متكاملة وكانت أبرز هذه المفاهيم التي ارتبطت به - في الشق السلبي- هي: (الجاهلية) و(الطاغوت) بمعنى: أنّه إذا غابت حاكمية الله ظهرت الجاهلية وساد حكم الطاغوت. وعلى المستوى الحركي وجهت هذه المفاهيم العمل الإسلامي في قطاعات كبيرة منه في تفاعلها مع الحياة السياسية والنظم القائمة وموقفها منها.

والمشكلة أن مفهوم "الحاكمية" بعيدا عن مسألة تأصيل المصطلح وشرعيته الاشتقاقية قد تمت عملية زحزحته من مدلولاته الشرعية ومساحته المعرفية وتم إقحامه في ميادين أكبر أو إعطاؤه أبعادا دلالية أكثر لينسجم مع ما تريد زمر المتطرفين والمغامرين الإسلاميون الذين هانت عليهم أرواح الناس ودمائهم وادخلوا العباد والبلاد في دوامة من العنف لا أظنها تنتهي في المستقبل القريب.

 وأظن أن المودودي عندما صاغ مفهوم (الحاكمية) غابت عن ذهنه دراسة ظاهرة الدولة وظروف نشأتها كمفهوم بلورته النظريات الغربية الحديثة وما رافق ذلك من بروز لمفهوم "القومية" الذي أدى إلى تغير في بنية النظام السياسي الأوروبي من عصر "الإمبراطوريات" التي تغذت على نظام الإقطاع إلى عصر "الدولة القوميّة" التي برزت مع ظهور البرجوازية وتطوراتها اللاحقة. ولقد أدى هذا الغياب أو تغييب دراسة "الدولة" كظاهرة سياسية تقوم-كما باقي الظواهر-في عالم واقعي وتتأثر بالظروف وتخضع لقوانين التغير التاريخي إلى تبني مفهوم خيالي للدولة وكأنه معطى بديهي وفوق واقعي يتجاوز المعطيات والحقائق التاريخية وقد أسهم هذا التصور اللاهوتي لمفهوم الدولة في إضفاء نوع من القداسة على هذه الصورة اللاواقعية حتى بدت بالنسبة لكثيرين وكأنها ركن من أركان الإسلام وحاجة تفترضها أيديولوجيته وأنه لا وجود للإسلام بدونها.

إشكاليّة تحديد العلاقة بين أركان الحاكمية.

يقوم مفهوم الدولة الحديثة على أربعة أركان هي: "الإقليم والشعب والسلطة والاعتراف الخارجي" إضافة إلى العلاقات التي تنتظم وفقها هذه الأركان في فترة تاريخية معينة وهو الأمر الذي يعني أن الدولة بذاتها متغيرة وليست كيان ثابت مطلق ويصعب وضع تعريف محدد وواضح ونهائي لها إلا في إطار زمني وجغرافي وثقافي معين. والسبب في هذا إن كل ركن من هذه الأركان الأربعة في حالة تغير مستمر ودائم وتتحكم به ظروف دولية تارة وإقليمية تارة أخرى.

أركان الحاكمية هي:

1- الحكم، 2 - نظام الحكم، 3- الحاكم، 4- المحكوم.

الإشكالية تتضمن عدة أسئلة هي:

من هو المؤهل طبيعة وعلما أن يكشف عن حكم الله نصا أو اجتهادا فيما يطرح على الدولة والسلطة من مشكلات الاجتماع السياسي؟

ما هو معيار تمثيل الشعب وكيف يكشف اختلافهم وتنوعهم في التوجهات والآراء والمذاهب والطوائف والفرق والأديان؟

ماهي الأسس التي يعتمدها في مأسسة هذه الكيفية وتلك العلاقة في اجتماع سياسي متنوع يريدون له أن يكون إسلاميا بكل ما في الكلمة من معنى؟

تحليل أركان الحاكمية

أولا: الحكم ويعني الحكم الشرعي المستنبط من (النص الديني) ويعرف الحكم الشرعي عند الأصوليين كالتالي: هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين على وجه الاقتضاء أو التخيير أو الوضع."1"

وهذا التعريف غير دقيق فالحكم الشرعي هو التشريع الصادر من الله حصرا لتنظيم حياة الإنسان. أما (خطاب الله) فهو المبرز للحكم الشرعي أي هو الحامل اللفظي للحكم الشرعي فالقرآن بدأ كخطاب شفوي من الوحي ثم تحول الى نص مكتوب يسمى (المصحف) وتحدثنا في تأمل سابق عن معنى النص وقلنا إن اللفظ ينقسم الى محكم ومتشابه.

واللفظ المحكم ينقسم الى نص وظاهر.

واللفظ المتشابه ينقسم الى مجمل ومؤول.

وهذا التفصيل موجود في الآية (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب) (آل عمرن). (7). ومن هذه الآية يتبرعم سؤال هو: يا ترى ما الهدف وما الغاية من وجود المتشابه أوليس القرآن كتاب أحكام لتنظيم حياة البشرية جمعاء؟ أم هو أحجية لا يفهمها إلا الخاصة من البشر؟

 وقد أسس الفقهاء قاعدة لا يمكن تخطيها وهي أن النص الديني مقدس ولا يجوز النقاش فيه بمعنى أن الاجتهاد مع النص لا يجوز حسب فهمهم للنص وتقعيدهم لقواعده وهذه القاعدة قاعدة أصولية أكد عليها كل منظري الإسلام السياسي بل ومضوا في تكفير القائلين بأن "النص القرآني ما هو إلا نتاج مراحل تاريخية" حيث أن الآيات جاءت في مناسبات وحوادث معينة في زمن معلوم وبتاريخ واضح. ومن المهم أن نبحث هنا في هذا الأساس النظري للإسلام السياسي ونخوض في كيفية تعامل الإسلامويين وجماعاتهم مع النص وبناء المواقف المتشددة عليه اجتماعا وسياسة. وفي الحقيقة لا يوجد أي مبرر منطقي أو عقلي أو حتى تاريخي يمنع الإنسان من أن يجتهد في نصوص وجدت أصلا لخدمته وتنظيم حياته ومن الغريب أن يضع الفقهاء الإنسان في خدمة النص في حين أن المنطقي عند جميع العقلاء هو أن يكون النص في خدمة الإنسان.

وهناك أمر آخر في غاية الأهمية هو أن الإسلامويين قد ركزوا في مناقشتهم لـ "الدولة الحديثة" على مسألة التشريع باعتباره متعلقا بمفهوم "الحاكمية" إلا أن الغريب أن هذا النقاش لم يتطرق إلى مفهوم "السلطة" رغم أهمية متعلقات السلطة في المجتمع من حقوق وواجبات تعم الشعب بالكامل.

يخلط الإسلامويون بغباء بين مسألتين:

الأولى: هي مسألة تنظيم المجتمع.

والثانية: هي مسألة ممارسة السلطة في المجتمع.

 رغم ما بينهما من اختلاف بين وواضح فالتنظيم الاجتماعي حاجة ماسة وضرورية ولا يتخيل قيام مجتمع بدونه ولكن مفهوم "السلطة" الذي يتجلى بالإكراه المشرعن أمر مغاير للبعد التنظيمي فهو يتجاوز المسألة الإدارية إلى مسألة استخدام القوة وإلى مصدر الشرعية التي تجيز استخدام هذه القوّة.

وهذا الخلط بين المسألتين يتجلى بصورة واضحة في الكلام عن ضرورة وجود "السّلطة" لتنفيذ أحكام الإسلام وإقامة شرع الله. فالصورة المستقرة اليوم في فكر الإسلامويين هي أن السلطة هي المسؤولة عن تنفيذ الأحكام وإقامة الحدود. (وقد تنبّه حسن الترابي وراشد الغنوشي إلى هذا الخلط، فقالا بأوضح العبارات إنّ المكلّف بتنفيذ الحدود وإقامتها هو المجتمع، وليس الدولة؛ وإنّ الدولة، بمعنى التنظيم الاجتماعي، ليست إلا وكيلاً عن المجتمع الذي هو صاحب السّلطة الحقيقية والفعلية. وكان حسن الهضيبي قد قارب ذلك المعنى؛ عندما ميّز بين "تحكيم شرع الله" و"إنفاذ حكم الله". ورغم كلّ الجهود التي بذلت للتنبيه إلى خطورة الصّورة النمطية التي ترتسم في أذهان المسلمين حول تصوّر مفهوم الدولة الحديثة إلا أنّ هذه الصورة النمطية بقيت هي السائدة في أذهان المسلمين الأمر الذي يعني أنّ الحاجة ملحّة إلى استكمال هذه الجهود وفق مقاربات أكثر تأصيلاً)"2"

في الآونة الأخيرة ظهر فقيه هو السيد (كمال الحيدري) قد تنبه لهذه المعضلة مما دعاه للقول بتاريخية الحكم الشرعي كحكم المرتد وحكم عقوبة الزنى لإدراكه بأن صيغ هذه الاحكام أصبحت غير مقبولة من قبل اهل الإسلام أنفسهم فضلا عن غيرهم من المتنورين في العالم الذين يرونها بشعة ووحشية ولا تليق بالإنسان المعاصر الذي ينشد الحرية والمزيد منها. ولا اعتقد أن إنسانا لدية بقايا من عقل يؤمن بأن حكم ما-مهما كان هذا الحكم-صالح لكل زمان ومكان. كيف يكون والواقع يتغير باليوم بل بالساعات إلا إذا كنا أموات وحتى الموتى يتغيرون ويتحللون ويصبحون أشكال من الطاقة لها قوانين تتغير حسب العلاقة الفيزيائية والكيميائية. فكيف يريد منا اصحاب عقيدة الحاكمية أن نظل تحت حكم تأويلات لنصوص أنتجها فقهاء قبل 1000عام.

ثانيا: نظام الحكم.

نريد أن نسأل الإسلامويين هل اتفقتم على صيغة للنظام السياسي الإسلامي كلية جامعة ومانعة؟ أم لازلتم تقبعون في قوقعة طوائفكم يكفر بعضكم بعضا ويقتل بعضكم بعضا وينزو بعضكم على بعض كما ينزو الحيوان!؟

فلو آمنا بالشورى السنية لاعترض علينا أتباع ولاية الفقيه الشيعية! وقد لا يكتفون بالاعتراض فقد جرت حوادث تصفية وتكميم أفواه طالت العديد من الحداثيين والعلمانيين والتنويريين في العالمين العربي والإسلامي. فلم تعتمد جماعات الإسلام السياسي على كتبها وحججها وآراءها في ضرورة التمسك بالنص وبالتطبيق الحرفي المتحرر من الزمان والمكان وقيود البحث العلمي والتفسير المنطقي فحسب بل أطلقت يديها في عمليات ردع وتصفيات جسدية ومعنوية بحق رموز التيار العلماني العلمي المخالف لها بالتفسير والتوجه. وما تراه من قبولهم بالنظام الديمقراطي - على مضض-هو تكتيك سياسي مرحلي يستخدم أسلوب التدريج ليسيطروا في نهاية المطاف على الدولة والمجتمع.

وما يريدون فرضه علينا كنظام حكم هو:

1ـ إن الإسلام حسب فهمهم هو نظام إلهي شامل كامل تام. والإسلام هو الطريق الأساسي للحياة بكل مجالاتها المختلفة.

2ـ إن الإسلام كما يرون ينبثق ويرتكز على مصدرين أساسيين هما القرآن والسنة النبوية.

3ـ إن الإسلام باعتقادهم الزائف صالح للتطبيق في كل زمان ومكان. وقصارى القول ان الإسلام هو إيديولوجية شاملة تقدم نظاما قادرا تماما على تنظيم كافة تفاصيل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمؤمنين.

ومن يعرف ويعلم يدرك أن كل ما قالوه عبارة عن تلفيق وكذب وإليك دليل من رائد التنوير وصاحب كتاب "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" وهو رفاعة الطهطاوي رائد التنوير في العصر الحديث كما يلقب. ويمثل هذا الكتاب علامة بارزة من علامات التاريخ الثقافي المصري والعربي الحديث فهو بلا شك واحد من أهم الكتب العربية التي وضعت خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر وقد كتبه الطهطاوي بعدما رشحه الشيخ حسن العطار إلى محمد علي باشا حاكم مصر آنذاك بأن يكون مشرف على رحلة البعثة الدراسية المصرية المتوجهة إلى باريس في فرنسا ليرعى الطلبة هناك ويسجل أفعالهم. وقد نصح المدير الفرنسي لهذه الرحلة رفاعة بأن يتعلم اللغة الفرنسية وأن يترجم مدوناته في كتاب وبالفعل أخذ الطهطاوي بنصيحته وألف هذا الكتاب الذي قضى في تأليفه تدوينًا وترجمة خمس سنوات. فأخرج لنا عملًا بديعا يوضح ما كانت عليه أحوال العلوم التاريخية والجغرافية والسياسية والاجتماعية في كل من مصر الدولة الإسلامية وفرنسا الدولة العلمانية في هذه الفترة وقول الطهطاوي: أشعر أني خرجت من الظلام. (وحصلت ما يسر به على الفتاح مما يخرج به الإنسان من الظلام، ويمتاز به عن مرتبة العوام، وكنت من معشر أشراف جارت عليهم الأيام، بعد أن أجرت غيثها في ديارهم، وأشارت إلى نصبهم الأعوام، بعد أن صبت أعلام راحتها في مزارهم. ومن المركوز في الأسماع في القديم والحديث، وعليه الإجماع بعد الكتاب والحديث — أن خيرَ الأمور العلم، وأنه أهمُّ كل مهم، وأن ثمرته في الدنيا والآخرة، صاحبه تعود، وأن فضله في كل زمان ومكان مشهود)."3 "

هذه هي الحقيقة بعد أن تخرج من كهفك المقدس تدرك الظلام الذي كنت تعيش فيه وتعرف سبب هروب الآلاف من أبناء الإسلام الى الغرب الذي يعدونه كافرا والهجرة الأخيرة خير دليل على الإجابة عن سؤال: لماذا يهرب المسلمون من ديار الإسلام؟

ثالثا: الحاكم.

طبعا منظرو الإسلام السياسي يعطون الحكم لله نظريا ويحكموننا هم عمليا تارة باسم الحاكمية وتارة باسم النيابة عن المعصوم. أما الحاكم فيجب أن يكون مسلما فقط سنيا إذا كان الحكم سني وشيعيا إذا كان الحكم شيعي المهم أنهم هم الذين يحكمون وقد عينوا أنفسهم بأنفسهم وكلاء لله على الأرض أو نواب للإمام المعصوم. وعندما نسألهم من أعطاكم هذه السلطة ومن وكلكم عن الله وسيدكم على الناس؟ أما إذا طالبنا بأن يكون الشعب هو مصدر الشرعية تلوكك الاتهامات كافر زنديق عدو الله هذا لمجرد الاختلاف معهم في السياسات والأمور الدنيوية.

 لذلك فإن القراءة الواعية للخطاب الإسلاموي السائد والتعبيرات المؤسساتية لهم تظهر بشكل جلي عمق إشكالية كل من يتبنى مقاربتهم الشمولية وتعسفيتهم مع المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان ولحماية الأقليات الدينية والطائفية المختلفة.

فبأي معيار يمكننا أن نقبل مع المودودي بإلغاء مهنة المحاماة وإلغاء الحوار التناقضي بين القاضي والدفاع باعتبار ذلك مناهضا للإسلام؟

وعلى أي أساس يمكن أن نقبل مع سيد قطب بوجود حزب واحد هو حزب الله الذي لا يمكن أن يتعدد، وأحزاب أخرى كلها للشياطين والطاغوت؟

وبأي منطق يمكن قبول صفة القاصر مدى الحياة للنساء وغير المسلمين أي أكثر من ستة مليارات ونصف مليار إنسان؟ كيف يمكن مناهضة التعذيب دون الإقرار بحق السلامة الكاملة للنفس والجسد؟

رابع: المحكوم.

أنا على يقين أن المودودي وهو ينحت مصطلح (الحاكمية) لم يدر بخلده ولا طاف بعقله ولو خيال مفهوم (المواطنة) وأنى لعقل عفن عاش في ظلام عبودية قريش وتلوثت روحه بخرافاتها أن يرى ويفهم أبعاد مفهوم المواطنة. لمفهوم المواطنة أبعاد متعددة تتكامل وتترابط في تناسق تام على النحو التالي:

- بعد ثقافي حضاري: يعنى بالجوانب الروحية والنفسية والمعنوية للأفراد والجماعات على أساس احترام خصوصية الهوية الثقافية والحضارية ويرفض محاولات الاستيعاب والتهميش والتنميط.

- بعد اقتصادي اجتماعي: يستهدف اشباع الحاجات المادية الأساسية للأفراد ويحرص على توفير الحد الأدنى اللازم منها ليحفظ كرامتهم وانسانيتهم.

- بعد قانوني: يتطلب تنظيم العلاقة بين الحكام والمحكومين يوازي بين مصالح الفرد والمجتمع.

هذه الأبعاد لايركن إليها ضباع الإسلام السياسي بل يرونها كفرا بواحا حسب تعبيرهم السخيف يريد المودودي وضباعة أن يكون أصحاب الديانات الأخرى الذين يعيشون مع المسلمين "أهل ذمة" يطلبون الأمن والحماية من المسلمين وفي مقابل ذلك يدفعون لهم جزية بذل وهوان.

شاهت الوجوه والعقول العفنة الذي تريد أن تستعبد البشر.

للحديث بقية. 

 

سليم جواد الفهد

....................

1- سعد الدين التفتازاني، التلويح، ص70 وما بعدها.

2- أزمة الفكر السياسي الإسلامي مع الدولة الحديثة، معين الرفاعي، ص4.

3- تخليص الإبريز في تلخيص باريز، رفاعة الطهطاوي، ص10.

 

بليغ حمدي اسماعيل(1) معضلة المواطن والأكاديمي:

تأتي هذه المقالة ضمن سلسلة المقالات السابقة والتي بلغ عددها ثلاث والتي تحاول استنهاض علماء الوطن العربي عموما والعلماء المصريين أو بالأحرى أساتذة كليات العلوم في مصر لأن كلمة عالم كلمة خطيرة الاستخدام هذه الأحايين وربما جاز أن نطلق عليهم لفظة "باحثين" لأنها الأقرب والأفضل بل والأصدق في ظل غيبوبة علمية مستدامة من بعضهم إزاء مواجهة الجائحة الكونية التي تديرها الحكومة المصرية بكفاءة عالية وبقدرة تعد نموذجا تاريخيا، لكن وسط تقاعس غير مبرر بالإمكانات أو بقلة المصادر أو بندرة الكفاءات من الباحثين المنتشرين بسرعة ضوئية وصوتية في كليات العلوم بالجامعات المصرية، وذلك من أجل الخروج بنا من هذا النفق المظلم أعني نفق جائحة كورونا . هل البحث العلمي في مصر يواجه أزمة حقيقية؟ بالضرورة تأتي الإجابة من قبل المتخصصين بأن الأزمة الراهنة هي أزمة إمكانات مادية ونقص في عدد المعامل المجهزة وندرة بعض الأدوات والخامات ونلك المصطلحات التي اعتاد من يطلق عليهم بالعلماء على سبيل المجاز استخدامها .

 بينما المواطن البسيط لا يهمه لون المعطف الأبيض الذي يرتديه المعملي وهو داخل مكان عمله، ولا تعنيه أسماء المركبات العلمية أو المفاهيم الكيميائية والبيولوجية التي يستخدمها فقط أصحاب الياقات البيضاء وهم يظهرون على شاشات الفضائيات يتحدثون عن جائحة كورونا بمنطق الفاهم رغم أنهم يدورون معنا في نفس الفلك الحائر. وبصورة أخرى فإن هؤلاء يمثلون أقل نسبة مشاهدة فضائية لأن العالم بحق أصبح مهتما بالتفاصيل والأرقام والبيانات والمعلومات السريعة لا الحديث عن تاريخ ظهور الوباء وكيف كانت كليات العلوم والطب في طليعة المجاهدين للتصدي لوباء الطاعون في القرن الثامن عشر وغير ذلك من الأحاديث الباهتة .

هذا المواطن يريد علاجا لأزمته التي اخترقت حياته بمجمل تفاصيلها الدقيقة، ولم يعد مهتما بأن هذا الأستاذ الأكاديمي حاصل على جوائز علمية أو أن أبحاثه قد نالت عدة أوسمة وتكريمات ونُصِّب لها ثمة حفلات فنية وعلمية من أجل الإسهام في خدمة البشرية عن طريق العلم وتطبيقاته، والحقيقة أن ما يظنه ويراه هذا المواطن ليس حقيقيا، فلم يكن هذا الأستاذ الذي نسميه مجازا في بلداننا العربية بسيطة التفكير العلمي عالما رغم أنه لا يتجاوز في بعض الأوقات كونه موظفا يذهب إلى معمله من أجل تدريب طلابه أو إجراء تجربة بحثية من أجل الترقي العلمي الذاتي والشخصي جدا الذي يعود بالنفع عليه وحده، ولكم حزنت وأواصل حزني بأنن لم أجد أساتذة متخصصين في العلوم وهم كثيرون ربما أكثر من عدد طلابهم نظرا لإحجام الطلاب الواقعي في الالتحاق بمثل هذه الكليات منذ سنوات بعيدة ولسنا بصدد الحديث عن أسباب قلة وضعف بل وإحجام الكثيرين من الطلاب في الالتحاق بكليات العلوم في مصر تحديدا . لم أجدهم يطلبون موعدا مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لتقديم حلول جديدة وعلمية لمواجهة الجائحة الكونية المستجدة، وهذا يدفعني إلى إظهار العجب من هؤلاء الأكاديميين، ففق الوقت الذي نرى فيه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أكثر وعيا وحرصا على سلامة المواطن موفرا أقصى الطاقات البشرية الطبية والإمكانات ناهيكم عن الاهتمام الرئاسي غير المسبوق بالأطباء وكذلك اعتمادهم جيش مصر الأبيض لم أجد أحد هؤلاء الأساتذة المتخصصين في العلوم والمنتشرين بصورة خطيرة بكليات العلوم أو بالمراكز البحثية يسعى لمقابلة الرئيس الذي لا ولن يتأخر عن ذلك، من أجل تقديم علاجا لفيروس كورونا، ويبدو أن هؤلاء العلماء لا يزالوا رهن متابعة أخبار الجائحة تماما مثلما نفعل نحن. 

ومنذ إعلان صحيفة الجارديان مساء الجمعة بأن المحاولات الأولية لإنتاج لقاح لمواجهة فيروس كورونا الجائح لم تأت بتأثير أو فائدة أو نفع مبدئي وأنا أفكر في أمر البحث العلمي في مصر تحديدا أساتذة العلوم المنوط بهم البحث عن لقاح يدفع بصاحبه صوب منصة التتويج العلمي مرورا بالحصول على جائزة نوبل لكن الأمر يبدو مختلفا كالعادة لديهم .

وكنت أيضا أتوقع من هؤلاء العلماء المتخصصين في فيروسات تنقل إلينا عبر الطيور والحيوانات أن يكترثوا ولو بقدر قليل بالأمر في ظل رهبة وخشية بل وخوف مستدام نتيجة تفشي الجائحة، لكن لم يتحرك هؤلاء وأظن أنه رغم اهتمام السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي ومتابعته اليومية الدقيقة لأزمة كورونا أنهم لن يتجهوا بجدية ناحية المعامل الخالية حاليا من الطلاب .

(2) بعيدا عن المعمل:

وربما لتقاعس أساتذة العلم في إخبارنا عن الفيروس بطريقة علمية تجعلنا نفتخر بهم وبعلمهم لكنهم مثلنا يتابعون أخبار الدراما الرمضانية وأجور الممثلين والممثلات وبرامج التوك شو الإخبارية التي تستضيف الفنانين أيضا، يخبرنا العالم الحقيقي وليس أشباه علمائنا الحاصلين على درجة الدكتوراه من نفس الجامعات التي خرج منها أمثال  توماس فانينج  Thomas Fanning  في بحثه المعنون " العثور على فيروس الإنفلونزا القاتل " بأن الإنفلونزا فيروس صغير وبسيط، مجرد كرة شحمية مجوفة بها عدد قليل من البروتينات ولا تحمل سوى ثمانية أجزاء جينية، غير أن ذلك هو كل المطلوب لكي تحفز خلايا العوائل الحية على صنع المزيد من الفيروسات . وهناك بروتين على درجة خاصة من الأهمية وهو هيمأجليوتينين (هـ أ) يسهل للفيروس دخول الخلايا . ويحدد شكله ي عائل يمكن لسلالة من سلالات فيروس الإنفلونزا أن يعديه .

ويضيف آن ريد  Ann Reid أن هناك بروتينا آخر هو نيورامينيديز (ن أ) وظيفته أن يحرر الفيروسات حديثة التكوين من الخلية المعدية فهو المسئول عن مدى كفاءة انتشار الفيروس . وتساعد تغيرات ضئيلة في هذين البروتينين وغيرهما من بروتينات فيروس الإنفلونزا، تساعد الفيروس على عدوى أنواع جديدة من العوائل وعلى تجنب هجوم الجهاز المناعي، وتحدث التغيرات إما من خلال أخطاء تحدث أثناء نسخ الجينات الفيروسية، أو تكتسب في مقايضات عندما تختلط جينات سلالتين مختلفتين من سلالات فيروس الإنفلونزا أصابتا نفس الخلية .

الكارثة والفاجعة أن أساتذة العلوم في مصر يعرفون حقيقة التناسخ والتطور للفيروسات بل يظهرون بكل فرحة وبهجة على صفحات المجلات التي لم تعد تقرأ في زمن التقنية الرقمية، أو يظهرون على شاشات الفضائيات وسط نسب مشاهدة لم تتجاوز أفراد عائلاتهم فقط ليخبروننا بأن يعرفون هذه الحقائق لكن ما النتيجة ؟ لا شئ هم فقط انضموا معنا إلى مقعد المشاهد السلبي والمتابع البليد الذي ينتظر فرجا يأتي من الغرب .

(3) مزيد من الخيبات والحسرة:

هل هذا ادعاء؟ بالطبع لا، فقد نشر موقع اليوم السابع الإلكتروني القاهري ونقلت قناة الحرة خبرا يوم السبت الموافق 25 أبريل  مفاده أن دراسة أعدتها إحدى جامعات سنغافورة  (لم يذكر اسمها) توقيت انتهاء أزمة وباء كورونا في العديد من دول العالم، والتي أدت حتى الآن لإصابة أكثر من 2.8 مليون شخص ووفاة نحو 198 ألفا آخرين. واعتمدت الدراسة، التي نشرتها جامعة سنغافورة للتكنولوجيا أمس الجمعة، على البيانات الرسمية المقدمة من عدد من دول العالم حول الإصابات ودورة حياة الفيروس في تلك البلدان.

وكنت أتمنى أن يذكر الخبر ولو على سبيل التحفيز ودفع الطاقة الإيجابية داخل أساتذتنا بكليات العلوم والصيدلة والطب أيضا، أن هذه الجامعة قد استعانت بالأبحاث التي أجرين للتو في معامل كليات العلوم بجامعات مصر حول الطائر الذي ندعي جميعا أنه نقل لنا الفيروس، أو عن كيفية تخليقه وتصنيعه في ووهان بالصين، لكن النتائج الأولية لهذا الاهتمام تشير إلى الرقم صفر، وكل الظن أن بعضهم يقول بأن التجارب ستطول مدتها حتى الوصول إلى لقاح محلي .

وأنا أعتقد بل أتمنى أن يصدق اعتقادي بأن بجامعاتنا الضاربة في الانتشار بطول مصر وعرضها بأن هناك علما يسمى علم الفيرولوجيا (علم الفيروسات)  وهو على حد معرفتي وكما يخبرنا العالم جاري ستيكس   Gary Stix  في بحثه الموسوم بـ " هجمة جديدة على الفيروس " جانبا كبيرا في مراقبة كل خطوة ضئيلة من خطوات دورة حياة الفيروس بدءا من التصاق الفيروس بخلية مناعية واقتحامه إياها إلى تناسخه وانطلاق فيروسات جديدة من الخلية العائلة، وأخيرا البحث عن خلية جديدة يفترسها .

وربما أنا أكثر حزنا حينما أجدني متخليا عن طبيعة مقالاتي التي تستهدف تجديد العقل العربي تجديد الخطاب الديني والحث على الاجتهاد والتنوير، وأجدني في الوقت نفسه متحدثا عن العلم وكيفية الخروج من أزمة كورونا، لكن كل ما أرغب في توصيله إلى الأساتذة الأكاديميين بوصفهم ينتسبون عن طريق الصدفة إلى كلمة (عالم) هو ضرورة البحث عن نقاط هادية في التعامل مع فيروس كورونا، والسعي إلى تصنيع عاجل للمقاومة بعيدا عن ارتداء الأقنعة والقفازات وتناول وصفات الحلاقين والدجالين وبائعي العطارة والبهارات، وهل يمكن لهؤلاء المنتسبين إلى العلم أن يجدوا طرقا جديدة للحفاظ على عدم نضج الفيروس مثلما كان الأمر مع (با ـ 457) العقار المثبط لنضج الفيروس الذي اكتشفه علماء جامعتي ألاباما وماريلاند، حيث اكتشف باحثون يعملون مستقلين وليس مثل أساتذتنا الذين يتقاضون رواتب ولم يجدوا وسيلة بديلة عن استخدام الكحول والديتول والكلور لمواجهة الفيروس، عن بعضهما جزئيات عضوية صغيرة تمنع العدد الوفير من مكونات الكابسيد من الاتحاد معا لصنع غلاف نهائي للفيروس .

أخشى أن يأتي اليوم على هؤلاء الأساتذة ليجدوا لافتة على أبواب معاملهم التي هجروها مكتفين بمقعد المشاهدة والمتابعة، مكتوب عليها: ممنوع الدخول لأنكم غير جديرين بالمكان !.

 

 

محمد بنيعيشأولا: الجائحات وعقدة الاتجاه المعاكس للدين

من الملفت للنظر، وخاصة عند هذه الجائحة العابرة للقارات وفي الوقت المعاصر، تكثيف الحديث عن الدين والعمل الروحي ودور المعتقدات في مواجهة المصائب والعثرات التي تتعرض لها البشرية بين الحين والآخر.

وهذا التداول لمواضيع الدين، وخاصة الإسلام خاتم الأديان والشرائع وكمالها ومكملها وناسخها، قد يختلف بين فئة وأخرى ومعتقدين وغير معتقدين، ومستفيدين ومتضررين، وبائعين ومشترين، وراكبين ومركوبين...والكل يبدي ما في جعبته وينفث ما في حنجرته ويرشق بما في يده ومتناوله.

وحينما نتحدث عن الاستحضار فذلك يعني أن الأمر مستحدث وطارئ بحسب الطارئ الجديد، إذ الدين حاضر بالقوة والفعل في كل زمان، وفي ظاهر وباطن الإنسان، سلم بذلك البعض أم لم يسلموا شعروا أم لم يشعروا.ولهذا فقد يكون الاهتمام به في سائر الأيام العادية كما هو الأمر بالنسبة لعلاقة الإنسان أسود الرأس بالسماء الجميلة الزرقاء تتوسطها الشمس الساطعة نهارا، و المرصعة ليلا بالنجوم والكواكب والثريات، ومع ذلك فقد لا تثير اهتمامه حتى ترسل نحوه شهابا ساطعا ولهبا أو صخورا مدمرة.حينذاك يلتفت إلى السماء ويتوقع منها المزيد أو الانتهاء.

وهذا هو عينه معنى الاستحضار الديني، وخاصة في حالة الجائحات كما هو الشأن حاليا مع فيروس كوفيد19 وغيره .وذلك لأن هذا الوباء بطبيعته يهدد الحياة وينذر بالفناء، في حين أن الدين يبشر بالبقاء وضمان استمرارية الإنسان في عالم الخلود وتحقيق السعادة لمن سلك طريقه، وعلى العكس من ذلك، فقد ينذر تخويفا بالشقاء، والعياذ بالله، من حاد عن مسلكه وكفر به وأنكره.فيكون المنكر أحد أكبر الخاسرين وأكثر القلقين والمتوجسين والمهلوسين ! .

حتى قد يدفع البعض رعبهم هذا إلى سلوك الاتجاه المعاكس والمشاكس، الذي يعني الانتحار الأبدي وتضييع فرصة الخلود، الذي هو من خصائص النفس الإنسانية وميلها الطبيعي نحو حب البقاء وضمان استمرار النوع . وفي هذا الشذوذ النفسي لدى المنكر للدين في زمن المصائب يقول الله تعالى في القرآن الكريم:" وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا"، "هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ، فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ".

هذا هو حال الإنسان مع الدين، فهو إما معاكس ومريض بمرض الصفراء التي تحيل مذاق العسل مهما كانت حلاوتها وطراوتها إلى مرارة زعقة، فترفضه النفس بالرغم من أنه فيه دواء وشفاء.وإما مخادع ولا يسلم إلا حينما يكون الخطر داهما إياه مباشرة ولا مفر منه، فحينذاك قد يعمل على المناورة واستغلال العقيدة، ليس من باب التسليم الإقناعي الطبيعي ولكن من باب الاضطرار والتحايل للعبور نحو الشاطئ الآخر، ثم بعد ذلك ينسى وينكر ما كان عليه وما مر به وكأنه لم يكن شيئا مذكورا.

وموضوع الأوبئة ووظيفتها الدينية تحتمل هاتين الصورتين بالنسبة لغير المتدينين والمستغلين للدين: إما رفضا مطلقا وإما استغلالا سلبيا حتى اجتياز المرحلة، ومن بعد قد تعود حليمة إلى عادتها القديمة.

وحيث إن الوباء له خصوصية الانتقاء وطلب أصحابه الذين هم من نصيبه، وبما أنه غير مرئي في سرحانه وسريانه وجريانه، فإن الغالب على كثير من المغفلين والحمقى هو توهم النجاة دون غيرهم، مع الخوف الدفين الذي قد يدفعهم للطعن في الدين أو الاستهزاء به وبالمعتقدين فيه.وهذا يعني عمق المرض وتجدره ورسوخه في نفوس هؤلاء، حتى إنهم قد يرمون بأنفسهم في النار هربا مما هو أقل منها خطرا.أو أنهم يحومون حولها بغير علم بقوانينها كالفراش الذي يحرق نفسه بنفسه !.

ومن الأوهام التي قد تستولي على هؤلاء هو الحديث عن وظيفة الدين ودوره في الوقاية من هذا الطارئ المفزع.وكذلك دور دور العبادة، من مساجد وزوايا للذكر والتربية، في هذا الوقت مع الإغلاق والتعطيل من حيث التطبيق الجماعي، وكأن الدين في هذه الحالة لم يكن ولم يعد له دور عقدي ونفسي وتربوي أخلاقي، وكذلك لم يكن له أي حضور اجتماعي واقتصادي أو حتى سياسي.أي بمفهوم هؤلاء القاصرين ذهنيا وعقديا وفكريا كأن الدين ومؤسساته لم تكن سوى سالب زائد سالب.وهذا قياس فاسد وقصور علمي وخلفية مريضة تريد أن تعضض اليد التي تمد لها لتنقذها وتكسر المحقن الذي فيه دواؤها ونجاتها من البتر والتعفن.

ثانيا: الوظيفة الرائدة للدين في ظروف الجائحات

بحيث قد كان الأولى بهؤلاء أن يضربوا في المؤسسات المادية قبل الروحية في هذه الحالة، كالنوادي الثقافية والمراكز الرياضية والجامعات العلمية والملاهي والمنتزهات الترفيهية، بل كل تجمع بشري هو الآن معطل تعطيلا حقيقيا وعمليا.وعلى العكس من ذلك فالدين في الحقيقةلم يعطل ولم يلغ أصلا، بل ازداد حضوره إلحاحا، وذلك لأنه عمل روحي قبل أن يكون مؤسساتيا جداريا، وهو عقيدة واعدة ومساعدة ومقوية للأمل ولوحدة الشعور بين البشر، وفي نفس الوقت سبيل للشفاء ورفع الوباء بالتبتل والابتهال إلى الخالق سبحانه الذي بيده الأمر كله.ولولا بقاء سماع الآذان في الصوامع والمساجد وذكر الله عبر شتى الوسائل وفي الزوايا لكان حال النفس البشرية عامة خواء وخراب وسراب ورهاب لا يطاق ولا يحتمل !.لأنه لا صوت يمكن له أن يضمن الأمل والفأل الحسن غير حسن الظن بالله تعالى والرجاء فيه وتوقع استجابته لأدعية وتضرعات عباده الصالحين وأوليائه المقربين.

في حين أن تلك المساجد والزوايا هي عبارة عن مستشفيات قائمة بذاتها، تشرح الصدور وتطمئن القلوب وتعالج النرجسية والغرور والتوحد والكبر والعجب وما إلى ذلك من فيروسات وكورونات لا ترى بأي مجهر ولا تكتشف عند مختبر !.كما أنها مطهرة صحيا بكل ما تحمل كلمة تطهير من كلمة، حيث الوضوء المستمر والنظافة الدائمة والمشروطة والروائح الزكية المريحة.إذ المسجد مكان للعبادة وهو"أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ".هذا إذا علمنا بأن العبادة في الإسلام ليست محصورة في المساجد المشيدة فقط، وإنما كل الأرض هو مسجد ومقر لممارسة الصلاة والذكر وعلى جميع الهيئات والأعداد، فرادى أو جماعات كما قال النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم:"و جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل"حديث متفق عليه. و الصوم في رمضان أيضا له نفس الحكم مع إضافة جانبه الصحي البدني الذي يسلم به المؤمن والكافر ويعترف به الأطباء الصادقون في مهنتهم ودراستهم، ومن أحكامه وأوصافه أنه وقاية كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم:" الصيام جُنَّة" أي ما يُجِنُّك أي يسترك ويقيك مما تخاف.و" لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ"، ومع هذا فقد رخص الإسلام للصائم بالفطر عند وجود مرض يقدره بنفسه أو يقدره له الأطباء وليس السفهاء والسخفاء !.وأقول عند وجود مرض لا قبل وقوعه أو توقعه وتوهمه، مع ترك الأصل قائما وهو :" وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ"،  إذن فلن يعطل الدين أبدا وإنما العطل قائم في أذهان السفهاء والبطالين والفارغين من القيم والعلوم الصحيحة !

ومن السخرية أن تنسب القوة والفعل والفتك إلى كائن جزئي مجهري مجهول ولا ينسب قرار التأثير وحقيقة الداء إلى خالق ذلك الجزيء نفسه ومسلطه بوجه ما، والذي بيده دواؤه وسببه .وهذا من ضعف الإنسان غير المعتقد في الدين وهزالة ونذالة تصوره حينما ينكر خالقه ومعه الدين الذي شرعه له حتى أصبح من أصغر الصاغرين في مواجهة أدق المرئيين، لا هو من الإنسيين ولا من الجنيين فيا للعجب العجاب !. ولقد كان من اللازم أن يوضع مثل هؤلاء في حجر صحي، ليس بالمنازل فقط ولكن بمستشفيات الأمراض العقلية والنفسية حتى يعقلوا ويرشدوا!.يقول أبو العلاء المعري:

قالَ المُنَجِّمُ وَالطَبيبُ كِلاهُما    لا تُحشَرُ الأَجسادُ قُلتُ إِلَيكُما

إِن صَحَّ قَولُكُما فَلَستُ بِخاسِرٍ  أَو صَحَّ قَولي فَالخُسارُ عَلَيكُما

طَهَّرتُ ثَوبي لِلصَلاةِ وَقَبلَهُ    طُهرٌ فَأَينَ الطُهرُ مِن جَسَدَيكُما

وَذَكَرتُ رَبّي في الضَمائِرِ مُؤنِساً  خَلَدي بِذاكَ فَأَوحِشا خَلَدَيكُما

وَبَكرتُ في البَردَينِ أَبغي رَحمَةً   مِنهُ وَلا تُرَعانِ في بُردَيكُما

إِن لَم تَعُد بِيَدي مَنافِعُ بِالَّذي  آتي فَهَل مِن عائِدٍ بِيَدَيكُما

وعلى ذكر الطبيب والطب هنا كموضوع مادي في مقابلته مع الوظيفة الدينية وطب الأرواح يقول أبو حامد الغزالي في "الاقتصاد"عند المقارنة:" لو خلا البلد عن الطبيب والفقيه كان التشاغل بالفقه أهم؛ لأنه يشترك في الحاجة إليه الجماهير والدهماء. فأما الطب فلا يحتاج إليه الأصحاء، والمرضى أقل عددًا بالإضافة إليهم. ثم المريض لا يستغني عن الفقه كما لا يستغني عن الطب وحاجته إلى الطب لحياته الفانية وإلى الفقه لحياته الباقية وشتان بين الحالتين. فإذا نسبت ثمرة الطب إلى ثمرة الفقه علمت ما بين الثمرتين".

وهذا هو المنطق السليم والأخذ بالأحوط النفسي الغريزي في التعامل مع الدين والمصير، وفي زمن الجائحات والمصائب التي لا تخبر بوقت حدوثها أو انسحابها.و قد لا أجد في هذه اللحظة لمعالجة هذا التصبْيُن في زمن "كورونا المربية للبشرية بامتياز" أجمل من برهان "اللطمة" كحدث موقظ للنوم ومنبه للغافلين فيما يحكي المفكر الأشعري الكبير فخر الدين الرازي:" : فقد كان بعض العقلاء يقول: إن لطمة واحدة تضرب على وجه صبي تظهر أن لهذا العالم إلها. وأن هذا الإله أمر بعض عباده بأشياء ونهاهم عن أشياء، وأن ذلك الإله أعد للمطيعين ثوابا وللمذنبين عقابا، وأنه بعث إلى الخلق رسلا مبشرين ومنذرين، وهذه هي الأربعة التي هي أشرف المطالب وأعز المقاصد.

أما دلالة هذه اللطمة على المطلوب الأول وهو إثبات الإله تعالى فنقول: ذلك الصبي إذا أحس بتلك اللطمة في الحال يصيح ويقول من الذي ضربني ومن الذي لطم وجهي؟ ولو أن أهل الدنيا يجتمعون عليه ويقولون إن هذه اللطمة حصلت بنفسها من غير فاعل فإنه لا يقبل هذا القول ولا يؤثر فيه هذا الكلام، وهذا يدل على أن صريح العقل يستبعد حدوث تلك اللطمة من غير فاعل. فحدوث جملة الحوادث في عالم الأفلاك وعالم العناصر كيف يعقل حدوثها بلا محدث وفاعل؟ فصار هذا الاعتبار من أدل الدلائل على دلالة حدوث هذا العالم، وعلى وجود الصانع المدبر، وأما دلالة هذه اللطمة على المطلوب الثاني وهو كون الإله تعالى موصوفا بالأمر والنهي والتكليف. فنقول: إن ذلك الصبي إذا عرف أن ذلك الذي لطمه هو فلان فإنه في الحال يقول لم ضربتني وبأي سبب آذيتني؟ وهذا يدل على أن صريح عقله حكم بأن الخلق ما تركوا مهملين معطلين، بل التكاليف عليهم لازمة والمطالبات عليهم متوجهة، ولما حكم صريح عقل ذلك الصبي بأن تلك اللطمة الواحدة لا يجوز خلوها عن التكاليف والأمر والنهي، فأفعال كل الخلائق مع كثرة ما فيها من المصالح والمفاسد أولى بأن لا يجوز خلوها من التكاليف. وأما دلالة هذه اللطمة على المطلوب الثالث وهو حصول ذات الثواب والعقاب فنقول: إن ذلك الصبي إذا عرف أن ذلك الإنسان لطمه بغير سبب فإنه يطلب منه القصاص فإن عجز عن استيفائه استغاث بمن يعينه على تحصيل ذلك المطلوب، وهذا يدل على أن صريح عقله حكم بأن هذه اللطمة لا يمكن إخلاؤها عن الجزاء أو القصاص. فكيف يمكن إخلاء أفعال كل الخلق عن القصاص؟ وأما دلالة هذه اللطمة على المطلوب الرابع وهو بعثة الأنبياء عليهم السلام فهو أن الصبي إذا قرر أنه لا بد من القصاص فعند ذلك يطلب إنسانا يبين له ذلك القصاص بحيث يكون خاليا عن الزيادة والنقصان. وهذا يدل على أنه تقرر في عقله أنه لا بد في الخلق من إنسان يبين لهم مقادير المرغبات ومقادير الزواجر وذلك الإنسان ليس إلا الرسول، فظهر بهذا البيان أن هذه اللطمة الواحدة كافية في إثبات هذه المطالب الأربعة الشريفة العالية"1 .

ومن أعظم ما دل عليه التشريع الإسلامي وما نص عليه النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قوله:" مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا". بحيث جمع بين سعادة الدنيا وقيمتها و بين الشعور بنعمة القرار وكمال المتعة في المكوث بالبيت الذي هو دنيا مختصرة ومصغرة وجامعة للهمم والأسرة ووحدتها... وهذا ما جاءت به كورونا العنيدة وحققته وفرضته بالقوة على الإنسان المعاند والمماري والمجادل في الحق لعله يؤوب ويتوب ويراجع فكره وسلوكه وغروره وطيشه.يقول الله تعالى:" وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ، لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ".والله الهادي إلى الحق والرشاد.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

.......................

1- فخر الرازي: المطالب العالية من العلم الإلهي. ج 1 ص 274.

 

محمد الورداشيعد ابن خلدون قيمتي الخير والشر طارئتين على النفس البشرية؛ لأنها، وبفطرتها الأولى، تكون مستعدة لكل ما ينطبع فيها من خير أو شر، وذلك لكون" صاحب الخير إذا سبقت إلى نفسه عوائد الخير وحصلت لها ملكته بَعُدَ عن الشر وصعب عليه طريقه، وكذا صاحب الشر إذا سبقت إليه أيضا عوائده" (ص140). ومن هذا المنطلق فاضل بين أهل البدو والحضر من حيث الخير والشر، فأكد أن البدو قريبون إلى الخير؛ لأنهم "وإن كانوا مقبلين على الدنيا مثلهم إلا أنه في المقدار الضروري في الترف ولا في شيء من أسباب الشهوات واللذات ودواعيها" (ص140). أما أهل الحضر، فإن سبب كثرة الشرور في أنفسهم حسب ابن خلدون هو انغماسهم في ترف الحضارة ونعيم الدنيا وملذاتها، وذلك" لكثرة ما يعانون من فنون الملاذ وعوائد الترف والإقبال على الدنيا والعكوف على شهواتهم منها، وقد تلونت أنفسهم بكثير من مذمومات الخلق والشر وبعدت عليهم طرق الخير ومسالكه" (ص140). ومنه فإن المعيار الذي اعتمده ابن خلدون في المفاضلة هو الانتقال من البداوة إلى الحضارة؛ لأن هذه الأخيرة حسب ابن خلدون هي "نهاية العمران وخروجه إلى الفساد ونهاية الشر والبعد عن الخير" (140)، كما أنها تدفع النفس إلى التلون "بألوان كثيرة لا يستقيم حالها معها في دينها ودنياها...إلخ (ص400). وبالتالي فإن نهاية العمران ستكون نهاية للشر، والعمران ينتهي لما ينتقل إلى طور الحضارة، فإذن، هذه الأخيرة هي مركز الشرور لدى ابن خلدون؛ لأنها تفسد العمران البشري الذي هو غاية الاجتماع، ومن ثم أخلاق المشكلين لهذا العمران إن هم دخلوا طور الحضارة. كما أن حضور عامل البيئة هنا، يمثل دورا كبيرا في تشكيل أخلاق النشء. وبهذا الاعتبار، يمكن التساؤل عن أصل الشر والخير لدى ابن خلدون؟ هل مصدرهما الفطرة أم الاكتساب؟

إذا انطلقنا مما أوردناه أعلاه، فإننا سنجد أن الشر والخير مكتسبان في النفس الإنسانية؛ لأن فطرتها مؤهلة لاستقبال أي منهما، لكن إلام تميل النفس البشرية؟

تميل نفس الإنسان، حسب ابن خلدون، "إلى خلال الخير من خلال الشر بأصل فطرته (أي الإنسان) وقوته الناطقة العاقلة لأن الشر إنما جاءه من القوى الحيوانية" (ص162). ومنه فإن مصدر الخير هي القوة الناطقة العاقلة، ومصدر الشر هي القوة الحيوانية، كما أن للإنسان عقلا تمييزيا، حسب ابن خلدون، يميز به بين المصالح والمفاسد، والحسن والقبيح بناء على الفكر والروية اللذين امتاز بهما عن الحيوان. وبهذا تهتدي النفس الإنسانية إلى الخير إن هي نشأت في بيئة اجتماعية تقوم على العوائد البعيدة عن الحضارة، وإن كان فيها وازع ديني يدفعها عن مذمومات الأخلاق ويأخذها بمحمودها. كما أن للمناخ  دورا في أخلاق الإنسان كما حدده ابن خلدون في المقدمة الرابعة.  من خلال ما سبق، يمكن القول إن الشر والخير عند ابن خلدون مكتسبان، وراجعان لعوامل جغرافية واجتماعية ودينية.

ومنه، فإن الخير والشر تتحكم فيهما معاييرُ خارجيةٌ؛ لأن الفرد لا يولد وهو خير كله أو شر كله، وإنما العوامل الاجتماعية والثقافية والجغرافية تمثل دورا كبيرا في هذا التشكل الفردي الأخلاقي. كما أن ما يدعو إليه ابن خلدون هو الاهتداء إلى قيمة الخير التي بها يكون صلاح العمران الذي هو الاجتماع البشري، ويرجح سبق الخير للنفس على الشر؛ لأنه ينطلق من روح دينية إسلامية، ولم يكن يهدف إلى البحث عن أصل الشر والخير، وإنما فسر سبب تفاوتهما بين البدو والحضر. ومن ثم، نتساءل عن مدى صلاحية هذا المعيار للتمييز بين أهل البادية والمدينة من حيث الخير والشر في عصرنا الراهن؟ هل ما زالت البادية مصدرا ومنبعا للأخلاق الحميدة، أم أن هذا المعيار لم يصمد أمام التغييرات التي أصابت سكان البوادي في ظل وسائل التكنولوجيا التي تنقل لهم الحضارة وقيمهما إلى عقر ديارهم؟

 

محمد الورداشي

................................

المصادر والمراجع:

مقدمة ابن خلدون، إعداد محمد الشربيني، دار فروس للنشر والتوزيع، القاهرة.

- ملحوظة: كل الإحالات أعلاه مأخوذة من المقدمة.

 

بليغ حمدي اسماعيلفي شهر القرآن الكريم، تجدر الإشارة إلى أن من أفضل الطاعات التي يتوجه بها العبد إلى ربه قراءة القرآن وتدبر معانيه، والسعي إلى فهم مقاصده وأغراضه، ورغم تعدد أنواع التفسيرات للقرآن الكريم وتنوعها بتنوع الغرض وتوجه مفسره، إلا أن تفسير القرآن الكريم الذي قدمه الإمام محمد عبده يظل على رأس تلك التفسيرات التي تجمع بين البلاغية العربية وإعمال العقل بهدف تنوير الأذهان وتثوير الألباب . وهذا لا يغفل الجهود العظيمة التي قام بها مفسرو القرآن الكريم عبر عصور الإسلام المختلفة، لكن ما يجعل التفسير الذي قدمه الإمام محمد عبده لبعض سور القرآن الكريم متمايزا ومختلفا بصورة متفردة هو ما اجتمع في الإمام محمد عبده من سمات ثقافية وعقلية واجتماعية أيضا جعلته في مرتبة عالية شاهقة بين مفسري الكتاب الحكيم .

والإمام محمد عبده هو رائد التنوير في مصر الحديثة، ولقد أراد لهذه الأمة أن تنحو صوب التفكير العقلاني فيما يرد من أفكار إلى العقل العربي، لذا فالإمام محمد عبده وتلامذته النوابغ ينتمون إلى مدرسة العقلانية الدينية التي عملت لسنوات طويلة على توسيع دوائر الاجتهاد والاختلاف وضرورة التسامح الفكري، الأمر الذي دفعه إلى مواجهة شرسة مع الجامدين أنصار الاتباع والنقل بغير إعمال للعقل، كذلك محاربة المتعصبين الذين كانوا بمنأى عن الاجتهاد والتجديد وتوفير سبل التنوير.

وكما ذكر الدكتور جابر عصفور واصفا وممتدحًا الإمام محمد عبده رائد المجددين بأنه توفي سنة 1905 تاركا وراءه فراغا كبيرا لم يستطع أن يملؤه تلامذته، فإن هذا الفراغ كان دافعا أيضا لظهور قامات فكرية وثقافية وسياسية في تاريخنا العربي بوجه عام من أمثال مصطفى عبد الرازق و الشيخ علي عبد الرازق والدكتور طه حسين وقاسم أمين وسعد زغلول، ولاشك أن الهدف الرئيس الذي سعى إليه الإمام محمد عبده هو تحرير العقول من الأوهام والخرافات، وهذا الهدف لم يكن بالسهل اليسير إذ أنه بالضرورة اصطدم ولا يزال في اصطدامه بتيارات التقليد التي عادة ما ترفض كل محاولات الإصلاح الفكري وتكريس ثقافة الوسطية، ولاشك أن تلك التيارات تميل إلى استمالة الجماهير الهادرة والجموع الغفيرة من أجل استقطابها عن طريقة دغدغة المشاعر أكثر من إقناع العقول، وبين فكر مستنير يميل إلى التحاور مع النخبة العاقلة على حد وصف الدكتور جابر عصفور .

وليست هذه السطور مفادها الترجمة لحياة الإمام، بل لعرض منهجه في التفسير الذي تجاوز تخومه ـ التفسير ـ متجها نحو التأويل وإعمال العقل بهدف التدبر للمعنى وإدراك مناحي الجمال القرآني، والشيخ محمد عبده يؤكد على أن التكلم في تفسير القرآن الكريم ليس بالأمر السهل، ويشير إلى أن التفسير من أصعب الأمور وأهمها أيضا، موضحا أن القرآن كلام سماوي، تنزل من حضرة الربوبية التي لا يكتنه كنهها، على قلب أكمل الأنبياء، وهو يشتمل على معارف عالية، ومطالب سامية، مؤكدا ومنبها على أن هذا العلم لا يشرف عليه سوى أصحاب النفوس الزاكية والعقول الصافية .

ويرشدنا الإمام محمد عبده إلى أن الغاية من التفسير هو فهم كتاب الله من حيث هو دين يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم في الحياة الدنيا، وحياتهم الآخرة، وهذا يعني ثمة أمور أوجزها الإمام في أن للتفسير وجوها شتى ؛ من أبرزها النظر في أساليب الكتاب ومعانيه، وما اشتمل عليه من علوم بلاغية ؛ ليعرف به علو الكلام وامتيازه على غيره.

وتساءل الإمام محمد عبده متعجبا نفس درجة ونوع التعجب الذي نواجهه اليوم ونحن بصدد مواجهة أمراء وشيوخ التيارات الراديكالية التي انتشرت بصورة كبيرة، يقول الإمام : ويمكن أن يقول بعض أهل هذا العصل: لا حاجة إلى التفسير والنظر في القرآن، لأن ائمة السابقين نظروا في الكتاب والسنة، واستنبطوا الأحكام منها، فما علينا إلا أن ننظر في كتبهم ونستغني بها .

وتأتي الإجابة حازمة حاسمة لهذا التساؤل المدهش، بأن الله خاطب بالقرآن من كان في زمن التنزيل، ولم يوجه الخطاب إليهم لخصوصية في أشخاصهم، بل لأنهم من أفراد النوع الإنساني الذي أنزل القرآن لهدايته، يقول الله تعالى (يا أيها الناس اتقوا ربكم) (سورة النساء، آيه 1)، (سورة لقمان، آية 33)، فهل يعقل أنه يرضى منا بألا نفهم قوله هذا، ونكتفي بالنظر في قول ناظر نظر فيه، لم يأتنا من الله وحي بوجوب اتباع هذا المفسر لا جملة ولا تفصيلا؟ .

ويوضح الإمام محمد عبده مراتب التفسير، بأن أدناها أن يبين بالإجمال ما يشرب القلب عظمة الله وتنزيهه، أما المرتبة العليا فهي لا تتحقق إلا بفهم حقائق الألفاظ المفردة التي أودعها القرآن، وإعمال العقل والأخذ بالتأويل المحمود، كذلك المعرفة بعلم أحوال البشر، فلابد للناظر كما يقول الإمام من النظر في أحوال البشر، وفي أطوارهم وأدوارهم، ومناشئ اختلاف أحوالهم .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

 

مجدي ابراهيملم نكن مرة ثانية - بعد تلك الوقفة التوضيحية - نكررُ هذا المعنى من جانبنا، وهو المعنى الذي دار في السابق حول أن الحضور في القرآن ذو دلالة على قوة استخدام العقل يتولد عنه ذكاء الذهن؛ ليقوى الفهم ويستبين فيه اليقين، ويصفو من ثمَّ الذكر مع قوة الفكر في آي القرآن. أقول؛ إننا لم نكن لنكرر هذا المعنى، إلا لأن شرط الحضور يرتد بداية إلى "التعلُّم" وإلى الاكتساب كيما يكون "الفهم" بداية معرفة مقررة بأولوَّيتها على غيرها، وأن يجيء "العلم" شروعاً في التطبيق لذاته لا لغيره، أي شروعاً في تحويل النفس من مكانها الذي اعتادت أن تقف عنده، ولا تتجاوزه ليجيء "التحويل" دليلاً على وضوح السبيل من طريق فهم القرآن.

ثم إن الدلالة الجُوَّانِيَّة الباطنة صارمة في فهم القرآن، وهى دلالة تتأتى مؤكداتها في ملكة الوعي: الوعي بالإقبال على الله بصدق، ثم ارتقاء الوعي في الرغبة لفهم كتابه باجتماع هَمِّ هو بالضبط ضد غفلات التعطيل؛ لأن التعطيل في أول مقام ضد الحضور، والحضور كذلك في أول مقام معناه إزاحة القلب عن التعطيل من طريق فعل الهِمَّة وبقاءه دوماً في حيوية روحيّة وحركة فاعلة، واستمرار هذه الحركة عاملة في وجدان صاحبها.

وحضور القلب يأتي ليكون معناه إزاحة التعطيل عن الفهم، حتى إذا ما ثُقِلَ فهم القرآن أو صعب؛ فإن مَرَدَّ ذلك إلى الوهم الذي يربض غائراً في جوف الوعي تحت ظلمات التعطيل.

هنا أشير إلى شذرة لافتة للانتباه جديرةٌ بكل آيات التأمل، هى من شذرات الأستاذ الإمام الشيخ "محمد عبده"، المجموعة عنه من قِبَل تلميذه رشيد رضا؛ تقول الشذرة المُلفتة للنظر: " إنَّمَا يُصِّعب القرآن توهُّم أنه صَعْبُ، وكلما أدخل الإنسان على نفسه الصعوبة صعُب عليه، وكلما مَكَّن نفسه من الفهم مَكَّنَه اللهُ منه ".

ولتلحظ التعطيل هنا كامنٌ في الإنسان نفسه لا في القرآن؛ كامنٌ في التَّوهُّم الذي يُحيط به من جميع أقطاره من جهة، ومن جهة ثانية في دخوله الصعوبة على نفسه من أجل تراكم ما استقرَّ في أعماقها من آفات وأباطيل هى الموانع الصارفة عن الفهم والحاجبة له عن مدراك الخطاب، والداخلة بالإنسان من حيث لا يشعر في مزالق التعطيل.

إذا ثقل فهم القرآن أو صَعُبَ؛ لأسباب يستشعرها ذلك الذي يجد في نفسه ثقلاً أو صعوبة؛ فالتعطيل في طليعة هذه الأسباب: تعطيل القلب عن الحضور وعن الفهم:" ولو عَلمَ الله فيهم خيراً لأسمعهم، ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون" (سورة الأنفال: آية 23).

على أن السّماع هنا يترادف مع الفهم، وعدمه أيضاً مُرادفٌ لعدم الفهم، فلو علم الله فيهم خيراً لأفهمهم، ولكنهم لمَّا ضيَّعوا الفهم واستبدلوا به التعطيل؛ ليجيء صارفاً من صوارف الغفلة على عادة التوهم المرذول، كانوا عن الفهم بالقطع الذي لا مرْيَة فيه عاطلين، وكانت:" لهم قلوبٌ لا يفقهون بها، ولهم أعينٌ لا يبصرون بها، ولهم آذانٌ لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون" (الأعراف: آية 179).

فمن تمام الغفلة فيهم أن قلوبهم مقفلة، وعيونهم غير مُبْصِرة، وآذانهم صَمَّة لا يسمعون بها؛ لأنهم كانوا أغلقوا منافذ السَّماع (= الفهم) فحَجَبَهُم بالغفلة عن فقه الأفئدة، بمقدار ما انطمست لديهم الرؤية، وأظلمت من الباطن على الحقيقة أنوار القلوب.

تحويل النفس:

وتحويل النفس من وجهة في الحياة إلى وجهة أخرى يُرادُ به تنزُّل القرآن من جديد، لا على الاستماع لحروفه ونغماته كما كان يسمع بالعادة قبل أن تتحوَّل النفس؛ بل لكأنه يُسْمَعُ لأول مرة بعد التحويل؛ إذْ في كل ترديد لكل حرف من حروفه مكسبٌ جديدٌ من إثمار الخاصَّة الذاتية في النفس بعد التحويل؛ فهذا الإثمار يتأتى من طريق التذوق المعرفي بخصائص القرآن التي يُضْفِيَها على النفس بعد أن كانت تَبَدَّلت خصائصها وتغيَّرت توجهاتها في الحياة من جانب إلى جانب مناقض له؛ ثم انفردت بأن تعقل ما طرأ عليها من تغيير من جهة، ومن اكتمال في مراحل تطورها الروحي من جهة أخرى.

ولا شرط لهذا الاكتمال غير شرط "التَّذَوِّق": التذوق الرفيع لمدلول الآيات تذوقاً مُوَفّقاً يجيء معه "التحويل" إلى الأرقى والأعلى صفة خاصَّة لكل تدبُّر تسقط معه الغفلة ويسقط السهيان، وترتفع فيه على الإطلاق ملكات التذوق ومواهب الحضور. وفي مثل هذا الارتفاع لملكات التذوق والحضور بين يدى الله تكون "الحلاوة" هبةً وعطيةً؛ يُذيقها الله أهل التَّقَوَى؛ فإنّ كلامه ربيع قلوب الأبرار، يثقل فهمه على من تَعَطَّل قلبه.

وإني لأسوق مثالاً على تلك الدرجة التي هى بلا ريب درجة المُقرَّبين الأبرار؛ والتي أخبر عنها "جعفر بن محمد الصادق"، رضى الله عنه، حين قال:"والله لقد تجلى الله عز وجل لخلقه في كلامه؛ ولكنهم لا يبصرون". وقال أيضاً وقد سألوه عن حالة لحقته في الصلاة حتى خرَّ مغشياً عليه؛ فلما سُرِّيَ عنه (أي أفاق من غشيته)، قيل له في ذلك، فقال:" ما زلتُ أردِّد الآية على قلبي حتى سمعتها من المتكلم بها، فلم يثبتْ جسمي لمعاينة قدرته ..".

وممّا رواه سادات العارفين عن درجة المُقرَّبين هذه، تعظم فيها الحلاوة ولذة المناجاة: أن بعض الحكماء قال كنتُ أقرأ القرآن فلا أجدُ له حلاوة حتى تلوتهُ كأني أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلوهُ على أصحابه؛ ثم رفعتُ إلى مقام فوقه كنتُ أتلوه كأني أسمعه من جبريل على السلام يُلقيهُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ثم جاء الله بمنزلة أخرى؛ فأنا الآن أسمعه من المتكلم به؛ فعندها وجدتُ له لذة ونعيماً لا أصبر عنه".

ولك - إنْ شئت - أن تلاحظ مثل هذا التطور الروحي والتَّدَرُّج في أنماط الإدراك الذوقي؛ فلا تستغرب على هذه الحالة وجودها لدى مَنْ يتذوقها فيدركها، إذا هى كانت مفقودة لديك، فليس كل ما لا تناله مداركك هو في حكم العدم.

ولقد سبقت الملاحظة بأن الذاتية الخاصَّة للقرآن تفرضُ نفسها، بحيث تأتي فتعْبُر هذا الوجود المغلق المحسوس إلى الوجود الروحي المفتوح الذي لا حدود له ولا قيود لأنه الوجود الذي يتعلق بسَبَحَات الفكر وطلاقة الروح؛ هو وجود من باطن النفس والضمير، يمضى معه وجود الإنسان الروحي في فهم آيات القرآن فلا يقصرها فقط على ظاهر ما يفهم من مدلولها الخارجي، بل يغوصُ بها في أعمق أعماق ذاته؛ ليستشرف خلالها مقاصد القرآن داخل هذه الذات نفسها، لكأنه يتنزَّل عليه هو كما كان يتنزَّل على سيد الخلق؛ صلوات ربي وسلامه عليه؛ فيترجم ترجمة واعية بما في مستطاعه؛ مثل هذه التنزّلات الإلهية تعليلاً وإخباراً بالأحوال النفسية التي لازمته؛ والمنازلات الروحيّة التي اعترته ساعة أن هَبَّ عليه التنزيل - ذوقاً - له من واقع الحياة الجُوَّانيِّة الباطنة ما لم يكن موجوداً في واقع عاشه أحدُ غيره ولا أختبره إنسان سواه.

والساعةُ التي يكون فيها "الحضور"، وتبدو فيها علامات "التحويل" لهى هى الساعة التي تأخذ من معدن النبوَّة مددها، فيقترب الذي يتذوَّقُ القرآن - على ما وصفنا - فهماً على بصيرة وهدى من مشكاة النبوَّة؛ لكأنما كان فضلُ التنزيل الإلهي ممدوداً من عين الإتباع لسيد الخلق، صلوات الله وسلامه عليه؛ كما في قوله تعالى: "قل إنْ كنتم تحبُّونَ الله فاتبعوني يحببكم الله".

فوحدة الشعور التي تتجلى سرَّاً من أسرار القرآن بالمعية الإلهية هى في الأصل وحدة شعور بالحقيقة المحمديِّة؛ فلا غرابة من بعدُ في شعور الشاعر بوحدة القصد في تجليات القرآن.

وقد قال الرسول عليه السلام:" مَنْ قرأ ثلث القرآن أعطى ثلث النبوَّة، وَمَنْ قرأ ثلثيه أعطى ثلثي النبوة، وَمَنْ قرأ القرآن كُلَّهُ أعطى النبوة كُلُّها". وربما كان المقصد من وراء هذا - إنْ جاز لنا أن ندرك مقاصد النبوة على الوجه الذي كانت فيه مقاصدها صاعدة إلى تحقيق فهم وإثارة وعي - هو أن قارئ القرآن يزدادُ قُرْبةً من شرف النبوة بفهمه لمعاني القرآن ومقاصدها، وليس الفهم ها هنا فهماً سكونِيَّاً مُغْلقاً للمعاني وللمقاصد مجردة عن لواحقها العملية بل هو فهمُ مُتحرِّكُ حي لواقعها في هذه الحياة: فهمُ حركيُّ مفتوح؛ أعني قدرة التغيير في الواقع بعد التحويل في النفس.

وإنّه؛ ما لم تتحول النفس عن ركامها المتراكم الدفين، إلى حياة تتلقَّاها من أعلى، ما لم ترتحل من جسد يطويها وكثافة تشملها، فإنها لن نتحقق أملها المنشود في الخلاص. فالتغيير الذي يتمُ في الواقع لابد أن يكون قد سبقه تغييرٌ قد تمَّ فعلاً في النفس؛ لأن الواقع لن يغير نفسه بنفسه، فلا مناص من وجود أشخاص غيروا من أنفسهم أولاً، وارتحلوا عن طباعهم ثانياً، فاستجاب لهم الواقع ثالثاً، فحققوا ما كانوا يأملونه من نشدان الخلاص رابعاً. وتلك هى اِحْدى ركائز الذاتية الخاصَّة للقرآن: قدرة التغيير في الواقع بعد التحويل في النفس.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

قصي الصافيأوجزت الحلقة الاولى من المقال المنعطفات التي أعقبت الاوبئة والحروب والازمات الاقتصادية عبر التأريخ، ويواجه العالم اليوم وباء الكورونا بانتظار ما قد تتركه تلك المرحلة من تغييرات قد تكون جوهرية في المستقبل القريب.

  ما عبرعنه رجال الفكر والسياسة والصحافة من وجهات نظرعما سيؤول اليه عالم ما بعد الكورونا قد تجاوز إنشغالات اصحاب الاختصاصات الطبية والصحة العامه في مواجهة الوباء، وهوأمرطبيعي ومنطقي فالوباء يتجاوز صحة الفرد ومرضه الى صحة المجتمع وأهلية الانظمة السياسية والاقتصادية في حمايته.

لاستشراف الصورة التي سيكون عليها عالم ما بعد الكورونا، علينا قراءة اسباب الارباك والتخبط الذي تشهده الحكومات في مواجهة الوباء رغم التطور العلمي والقدرات التكنولوجية العالية المتوفرة لديها، وتشخيص قصور الانظمة السياسيه ومناهجها الاقتصادية.

أهمية القرار السياسي:

يحلو للأعلام الرسمي التركيز على تأخر القادة في اتخاذ اجراءات الحجز الصحي وغلق الاقتصاد مؤقتاً لمنع انتشار الوباء، ويراد بذلك حرف الانظار عن الخلل البنيوي في النظام الاقتصادي وانعكاساته على الأنظمة الصحية، كما أنها تغفل ارتباط القرارات السياسية الخاطئه بالعقلية النيوليبرالية وقصورها الاخلاقي المتمثل بأولوية الاقتصاد وجني الارباح على حياة الناس وصحتهم، بحيث لم يتوان بعض السياسيين عن التصريح علناً بان استمرار عجلة الاقتصاد تستحق التضحية بكبار السن والمرضى!!. بقولنا هذا لانستهين بأهمية القرار السياسي الصائب في الوقت المناسب، فيكفي أن نقارن بين حالة كوريا الجنوبيه واميركا التي ظهرت فيهما اول إصابه في نفس اليوم، وقد رأينا كيف ان استهانة وتلكؤ الادارة الأمريكية قد ساهم في استفحال الوباء اضعافا مضاعفة مقارنة بكوريا الجنوبية، ولكن لايمكن اعتبار القرار السياسي سبباً وحيداً وفي معزل عن النظام العام، كما تحاول توظيف ذلك سياسياً الاطراف المنافسة لترامب.

النظام النيولبرالي في موقع الدفاع:

يكاد يكون هناك شبه اجماع على ان الخلل يكمن في تسليع ما هو أساسي في حياة الانسان وإخضاعه الى منطق السوق، فمن أساسيات النظام النيولبرالي الذي يحكم العالم تحجيم دور الدولة وتقليص الانفاق على برامج الرعاية الاجتماعيه والتعليم والصحة بوجه خاص،

والإفراط في خصخصه القطاعات التي تمثل عصب الحياة للأنسان. الخصخصة التي سوقت على انها المصباح السحري لأي معضلة اقتصادية ومفتاح لفردوس السعادة والازدهار، قد أضعفت من أهلية الانظمة الصحية في مواجهة الوباء، بما فيها انظمة الرعاية الشاملة التي كانت الشعوب تتمتع بها في ظل ما يسمى بدول الرفاه، وذلك لتقليص الانفاق الحكومي على تلك الانظمة في العقدين الأخيرين.

ولئلا يتخذ نقدنا لبوساً إيديولوجياً نسوق بعض الشواهد و الأمثلة:

العقلانية اللاعقلانية في منطق الاقتصاد الحر:

 قد يبدو التعبير غامضاً أو متناقضاً للوهلة الاولى، فليصبر عليّ القارئ حتى يتضح المغزى في الامثلة التالية:

- في شهادته أمام الكونغرس ذكّر د. بيتر هورتز بما توصل اليه فريقه العلمي من تركيب اللقاح الناجح ضد أمراض فصيلة الكورونا (السارز و الميرز و الكورونا القديمة) وذلك عام 2016، ولو حصل على التمويل لتصنيعه بكميات كافيه، لساهم في انقاذ أعداداً كبيرة من الناس الآن ولاستمرت دورة الاقتصاد دون انهيار، فما الذي حصل؟ رفضت الدولة تمويل المشروع بسبب الأجندة النيوليبرالية (تقليص الانفاق) - علماً ان الفريق العلمي المتخصص بالبيئة والأوبئة في البنتاغون كان قد قدم تقريراً مفصلاً عام2017،  يتنبأ فيه باحتمال ظهور وباء سريع الانتشار بالهواء -، ورفضت الشركات الخاصة تمويل المشروع ايضاً، وهي بهذا قد اتخذت قراراً عقلانياً وفق منطق السوق، فالأدارة الحكيمة لا تجمد أموالها دون أرباح في ثلاجات تخزين اللقاحات، إلا ان النتيجه اللاعقلانية تتمثل في حالتنا الآن ونحن ندخل حرباً مع الوباء دون أسلحة!!، وهذا ما قصدته بالعقلانية اللاعقلانية لاقتصاد السوق الحرة.

- في استشرافه لتطور الرأسمالية توقع ماركس تركيز رأس المال لدى أقلية قليلة جداً، وهذا ما نشهده بوضوح اليوم عن طريق اندماج الشركات مع بعضها وشراء الشركات الصغرى من قبل الشركات الأكبر في رأسمالها، الظاهرة المميزة للرأسمالية الاحتكارية، وهو ما يناقض جوهر الرأسمالية نفسها المتمثل بأهمية التنافس في السوق، ولكن ما علاقه هذا بالكورونا؟. في عام 2010 تعاقدت ادارة أوباما مع شركة نيوبورت لتصنيع اجهزة التنفس باعداد كبيرة تحسباً لأي وباء فيروسي رئوي، وكان من المؤمل البدء بالتسليم عام 2013، إلا أن شركة كوفيدينز اشترت شركة نيوبورت، فأصبح العقد ملغى قانوناً، وطالبت الشركة الجديدة الحكومة بتعديل العقد بضعف السعر، ولما كانت الحكومة تتعرض الى انتقادات الحزب الجمهوري واتهامها بزيادة نفقاتها، اضطرت الى الانسحاب من العقد، وهكذا توقف انتاج الاجهزة لعدم ربحية تسويقها، فليس من صالح المستشفيات الاستثمارية شراء أجهزة تركنها جانباً حتى تحين الحاجة اليها، ففي ذلك تجميد لرأسمالها الاستثماري، اذن موقف كوفيدينز والمستشفيات تعد عقلانية وفق منطق السوق في سعيها لزيادة الربح الاستثماري، إلا ان اللاعقلانية تكمن فيما يواجه الفرق الطبية اليوم من خيارات صعبة  بل لاأخلاقية، حيث يتحتم عليهم انتقاء من سيسلّم الى فم الموت ومن سيعيش باستخدام المتوفر من أجهزة التنفس!!.

- أكثر ما تعانيه الفرق الطبية اليوم نقص الاسرة في المستشفيات، ويعود ذلك أيضاً الى خصخصة النظام الصحي، فالمستثمر يحرص على ان يحقق أقصى الارباح بحيث لا تجمد أمواله بأجنحة احتياطية فارغه في المستشفيات، وتشير الاحصائيات الى ان نظام الرعايه الحكومي في كوريا الجنوبية يوفر ضعف عدد الاسرة التي يوفرها النظام الخاص في اميركا (محسوبة بنسبة عدد السكان)، وقد أغلقت في العقد الاخير 120 مستشفى كبير في أرياف اميركا وتحولت الى منتجعات و فنادق تدر أرباحاً أكبر على المستثمر، فهل يتحمل المستثمر بتصرفه وفق عقلانية السوق مسؤولية الوضع اللاعقلاني الذي وصلنا اليه، أم يلام نظام تسليع الخدمات الصحيه وعرض الأمن الصحي للمواطن في بازار الاستثمار والاحتكار؟.

 من تلك الامثلة وغيرها الكثير يتضح ان وباء الكورونا قد وضع النظام النيولبرالي في قفص الاتهام، وهو لا يواجه تهمة الفشل في مواجهة الجائحة فقط، بل يرجّح العلماء أن سبب الاوبئة الرئيسي هو انتقالها من الحيوانات البرية التي تمتلك مناعة ضدها الى الانسان الذي يفتقدها، وان الاحتباس الحراري وتدمير الغابات قد جعل الحيوانات البرية تفقد مواطنها لتصبح في تماس مباشر مع الانسان، والمتهم الاول في ذلك هي العولمة النيوليبرالية التي تفتقد الى اي ضوابط في مجال الحفاظ على البيئة. اذن من المتوقع أن تفتح الابواب للتأمل و مراجعة آليات الأنظمة السياسية والاقتصادية، بل من المتوقع ان يجري صراع لرسم ملامح المستقبل بين القوى الراغبة بالتغيير وتلك التي ترغب بالأثراء والاستمرار بما كان عليه الحال قبل الوباء، وسيكون هذا ما ستناقشه الحلقة القادمة... يتبع

 

قصي الصافي

 

 

حيدر جواد السهلاني"حيث يوجد الموت، لا أوجد أنا، وحيث أوجد أنا، لا يوجد الموت، فلم القلق، لوكريتيوس"

المقدمة:

لا حديث يعلو فوق وباء كورونا، ولا شيء يوقف ضجيج العالم هذه الأيام سوى الحديث عن تداعياته الصحية والاقتصادية، وكيف سيتصرف العالم مع هذه الجائحة الخطيرة، فبعيداً عن الآراء الطبية التي غير مخولين بالكلام عنها، لذلك سوف نستعرض موقف الفلسفة والدول العربية تجاه كورونا. أن تاريخ الأوبئة قديم منذ زمن بعيد، وقد شكل مأساة للإنسانية، ومنذ ذلك الزمن تدخل السياسة في صراع حول وجود الوباء، وتبدأ الأزمات بين الدول والمراشقات السياسية والاتهامات كما هو اليوم حاصل بين الدول، فمثلا بعض الساسة الأمريكان يتهمون الصين (مختبر ووهان) بتصنيع الفايروس أو تخليقه أو هو خطأ طبي، والصين تنفي ذلك، وترى أن هذا الكلام غير منطقي وغير صحيح، ولا يوجد دليل على ذلك. وقد تعددت النظريات حول نشأة هذا الفايروس، فمن أرجعها إلى مؤامرة وحرب بيولوجية بين الدول الكبرى، أو هو لعبة اقتصادية من اختراع شركات الأدوية، ومن رأى أنها بسبب تقنية الجيل الخامس للاتصالات. ويرى البعض من المفكرين حول موضوع تخليق الفايروس وهي نظرية المؤامرة الساذجة، والتي يتبناها الكثير من السياسيون، وأصحاب نظرية المؤامرة يفتقرون دائماً إلى أدلة وإثباتات، ولكن يصرون على التشبث بمواقفهم، ويقال ما يمكن تأكيده بدون دليل، يمكن رفضه بدون دليل، والتفسير الأبسط هو غالباً التفسير الأصح. وعلى الرغم من أن كل القرائن والدلائل تشير إلى أن كل الدول وقعت ضحية لهذا الفايروس، وأنه من الصعب تخيل أن يكون ظهور أو أنتشار هذا الفايروس، هو نتيجة مؤامرة صينية على الغرب أو مؤامرة غربية أو أمريكية على الصين، أو غيرها من دول العالم، فما زال هناك من يتبنى مثل هذه الأفكار أو نظريات المؤامرة الساذجة. أن كارثة كورونا اعادت النوع البشري إلى المربع الأول، إلى وحدة النوع البشري والمساواة التامة بين البشر، وأن القدر مشترك ما بين البشرية جمعاء، ولابد من مراجعة الدول وظيفتها تجاه شعبها، فقد باغت فايروس كورونا العالم بسرعة تفشيه، ولم يعد هناك بلد بمنأى عن تداعيات هذا الوباء، ولم يتوقع العلماء في البداية بأن المارد سيخرج من قمقمه بووهان، ويغزو القارات البعيدة، ومالبث وأصبحت أخبار فايروس كورونا تملأ الدنيا وتشغل العالم وطال تأثير الصدمة جميع مرافق الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية، ومن المعلوم أن هذا الوضع ينعكس سلباً على المستوى النفسي لدى الأفراد وقد تتخبط الحكومات في القيام بالإجراءات بعد ارتفاع عدد المصابين بكورونا واتباع جغرافية انتشار العدوى وإعلان منظمة الصحة العالمية بأن الوباء بات معلوماً، ومع تزايد المدن الموبوءة وتبدل سلوكيات الحياة العادية، فقد أصبحت الشوارع خالية من المارة، وتم الغاء ممارسة الطقوس والشعائر الدينية في دور العبادة، إضافة إلى وقف النشاطات الثقافية والرياضية. وقد أضحى الإنسان يلعب الدور الرئيسي منذ إدراكه حركة الأحداث والوقائع التاريخية، ويمكن القول أن فايروس كورونا درس فلسفي جديد للإنسان، ويحتاج إلى قراءة عميقة وواعية، تقوم بها عقول فلسفية رصينة وتمتلك موهبة التفكير ومهارات الرصد والتحليل وبراعة التعبير، وأن الاحداث والمتغيرات من جراء كورونا سوف تدفع البشر إلى مراجعة المعاني التي كانوا يعيشون من أجلها ومراجعة الكثير من القناعات والأفكار والمفاهيم التي ثبت فشلها في مواجهة الأخطار التي جسدها هذا الفايروس والحقائق التي كشف عنها، وأن عالم سيطرة القطب الأمريكي الواحد قد صار خطراً على البشرية، وأن العولمة التي اعتبروها نهاية للتاريخ وانتصاراً للنموذج الرأسمالي الغربي، وقيمه ومفاهيمه وثقافته، وقد صارت عولمة للكوارث التي أصبحت تهدد استمرار الحياة على الأرض وكل المتغيرات والحقائق سوف تجعل الفلسفة ضرورة حياة في عالم ما بعد كورونا لكي تعطي معنى جديد أكثر إنسانية للحياة. وقد تزايد الإجراءات لمواجهة تفشي فايروس كورونا المستجد، التي تضمنت حظر العديد من بلدان حول العالم السفر إليها ومنها، وبدأت أزمة كورونا بمثابة اختبار هائل للعولمة وفلسفتها التي سادت العالم المعاصر منذ الحرب العالمية الثانية، وسلطت الأزمة الضوء على ما اعتبر جوانب سلبية للعولمة والتكامل الدولي واسع النطاق، أذ اعطت شرعية ومبرراً للقيود على التجارة العالمية وحركة الأشخاص والبضائع. وبذلك أن فايروس كورونا المستجد لم يعد حالة طبية، ولم يبق مجرد وباء تحول إلى جائحة عالمية ترعب الناس، بل عطل الحياة من كل نواحيه وأجبرهم على البقاء في المنزل، وظهرت الابحاث الطبية والفكرية، أما الابحاث الطبية فهي تخص بمعالجة هذا الوباء وايقافه، أما الابحاث الفكرية فهي قراءة الواقع ومعالجته، أذ أزمة كورونا كشفت الصدع الثقافي والاجتماعي والسياسي الذي تعيشه البلدان، فالبشرية تعيش الآن لحظة وبائية عاصفة هزت أركان العالم، كما هزته من قبل الحرب العالمية الثانية، وانهيار الاستقطاب الثنائي، فزعزعت ما كان يعتبره الإنسان استقراراً وأعادت خلق كل الأوراق مهيأة بذلك قراءة جديدة للواقع، وقد تحركت أقلام الفلاسفة والمثقفين وتحولت أقلامهم إلى سيارات اسعاف فكرية تتناول المطبات والمآزق التي أدت بالبشرية إلى أزمة كورونا.

كورونا والفلسفة:

أن الفلسفة ليست كما يروج لها العديد من الناس، هي مجرد تأملات طوباوية فارغة أو تخيلات، كما أنها ليست أيضاً مجرد طرح للأسئلة، فطالما قدم الفلاسفة أجوبة لمشكلات عصرهم، فكتاب الجمهورية عند افلاطون يقدم نظرية وجواب عن إشكالات المجتمع اليوناني، وأيضاً ديكارت في مقال عن المنهج، يقدم أجوبة لمشكلة استخدام العقل، وكذلك فعل سبينوزا على المستوى السياسي، لذلك الفيلسوف أبن عصره، وهو عصارة عصره. ويبرز فايروس كورونا بقوة كمحور لنقاشات المهتمين بالفلسفة بعضهم يرى أنه فك نظرية صراع الحضارات لهنتنجتون، وأن وجوده ألغى معالم العولمة بمعناها التقليدي، وآخرون وصفوا الفايروس بأنه عطل فكرة الفرد ككيان أخلاقي وهدم الفلسفة، في حين أبرز البعض استثمار النظام الرأسمالي للخوف من كورونا، بغية مزيد من التحكم في حياة الناس وسلوكياتهم وتقيد حرياتهم من خلال إعادة الاعتبار للدولة، وآخرين يرون أنه استطاع بناء نظرية أخرى لنهاية التاريخ بشكل يخالف ما قاله فوكو ياما، وآخرين يرون بأن فايروس كورونا طرح فكرة الشيوعية الجديدة التي تختلف عن الشيوعية القديمة.

ادغار موران (1921):

يرى موران أن النظام العالمي الرأسمالي أدى إلى كشف المفارقة بين المستوى التقني والاقتصادي وهو ما خلق مفارقة كبيرة كشفتها جائحة كورونا، وأن التقدم العلمي والاقتصادي لا يعني أن تستغل الدول الكبرى التقنية الحديثة لصالحها، والحقيقة يرى موران أن الإنسان لم يقضي بعد على الوحشية، وتنبأ في أن تاريخ العالم لن يتوقف عن العنف والصدمات، معتبراً أننا لا نزال نعيش قيم العصر الحديدي. فالعولمة حولت العالم إلى سوق كبير، وإن هذه السوق العالمية التي نعيش فيها، لم تتمكن من خلق مشاعر الأخوة بين الشعوب، بل على العكس من ذلك خلقت حاله من الخوف من المستقبل، واليوم جاء فايروس كورونا ليسلط الضوء على هذه المفارقة ويجعلها أكثر وضوحاً للجميع، ويعتقد موران أن تطورات الاقتصاد الرأسمالي التي خلقت المشاكل الكبرى التي يواجها الكوكب الآن، مثل تدمير البيئة والأزمة العامة في الأنظمة الديمقراطية، وتزايد التفاوت الطبقي وغياب العدالة بين الناس وتسابق نحو التسلح وصعود الأحزاب والشخصيات الاستبدادية والديماغوجية، ويرى في الرأسمالية دمرت البيئة والديمقراطية والمساواة الاجتماعية، ويمكن ملاحظة هذه المفارقة على نطاق مصغر، وذلك عبر النظر في العلاقات الشخصية بين الناس، إذ أن تفشي الفايروس يمثل تحدي للإيديولوجيا الكامنة التي سيطرت على الحملات الانتخابية في السنوات الأخيرة عندما شهدنا تكرار شعارات أنانية من قبل بعض الدول، وهي شعارات قدمت صورة مشوهة عن الإنسانية، وجعلت الأمر يبدو كما لو أن كل فرد يمثل جزيرة معزولة عن الآخرين. وقد بات من الضروري اليوم تشجيع على خلق نوع من الوعي المشترك بين سكان العالم، بناء على أسس إنسانية، وذلك من أجل تشجيع التعاون. وقد أظهر لنا هذا الوباء أن الإنسانية تمثل قارة موحدة، وأن البشر مرتبطون ببعضهم بشكل عميق، إذ إننا في هذه اللحظات العصيبة من الوحدة والعزلة، بعيداً عن المشاعر والاصدقاء والمجتمع، أصبحنا أكثر وعياً بحاجتنا للآخر، فكثير من الناس رفع شعار أنا سأبقى في المنزل ليس فقط لحماية نفسي بل أيضاً لحماية الآخرين الذين هم جزء من مجتمعي، فالإجراءات والتدابير الاحترازية والصحية المفروضة لمجابهة أنتشار الفايروس، أجبرت الناس على البقاء في المنزل وأيقظت فيهم مشاعر الأخوة، ولكن يحذر الفيلسوف موران من أن التجارب علمتنا أيضاً أن الأزمات الخطيرة يمكن أن تؤدي لتفاقم ظواهر الانغلاق باعتبار أن البعض يشرعون مباشرة في البحث عن كبش فداء يلقون عليه اللوم. وأعتبر موران أن تصريح رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون سوداوي وصادم في بداية الازمة، حين طلب من البريطانيين الاستعداد لفراق أحبتهم ومشاهدة كثير من ضحايا الفايروس، يمثل نموذجاً صارخاً حول تفضيل الحسابات الاقتصادية على الجانب الإنساني، أذ الانظمة الرأسمالية مستعدة للتضحية بالفئات الهشة والضعيفة، أي المسنين والمرضى، وهو أمر يتماشى تماماً مع منطق الانتقاء الطبيعي ونظرية داروين حول البقاء للأصلح، وفي هذه الأزمة تماماً كما يحصل في اقتصاد السوق، فإن أولئك الذين لا يستطيعون المنافسة، يكون مصيرهم الفناء، ويعتبر موران أن تطبيق هذا المنطق على البشر يكشف عن قسوة الليبرالية الجديدة، لذلك فإن خلق مجتمع إنساني حقيقي يبدأ بالوقوف في وجه هذا الفكر الداروني الاجتماعي بأي ثمن، ويرى  أن هناك جانب مشرق وهو النوع الايجابي من العولمة وتتمثل في انخراط الباحثين من كافة العالم في تعاون دولي للتغلب على الفايروس.

نعوم تشومسكي (1928):

يرى تشومسكي أنه من الضروري التعامل مع فايروس كورونا بنفس الخطاب التعبوي في زمن الحرب، فنحن بحاجة إلى عقلية تضاعف التصنيع وتدفع بالنمو لأقصى درجة، للتغلب على الأزمة على المدى القصير والذي تتمكن فيه الدول الغنية من مساعدة الدول الفقيرة، وأن أزمة كورونا أثبتت فشل سياسات السوق والتي فاقمت المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، وأن جائحة كورونا ماهي الاعلامة تحذير لتكشف عن عيوب النظام العالمي الذي تعيشه، والتحلل في النواحي الاجتماعي والاقتصادي. ويرى في كورونا خطير بما فيه الكفاية، لكن من الجدير بالذكر أننا نقترب من الرعب الأعظم، وهو السباق إلى حافة الكارثة، وهو حدث أسوأ بكثير من أي شيء حدث للإنسان عبر التاريخ، ترامب واتباعه هم في صدارة هذا السباق نحو الهاوية، والهاوية تتمثل بتهديدين، الأول: هو التهديد المتزايد لاندلاع حروب نووية. والثاني: هو التهديد المتزايد للاحتباس الحراري. ويمكن التعامل مع التهديدين، لكن لا يوجد الكثير من الوقت لتداركهما، وفايروس كورونا يمكن أن تكون له عواقب مرعبة، لا يمكن بعدها العودة إلى الوراء حتى لو تم التعافي وحدث الانتعاش، ويرى تشومسكي أن فايروس كورونا هو أشد صدمات العصر ومن الجوانب القاسية لأزمة كورونا مواصلة استخدام العقوبات لزيادة الألم بوعي تام، ولجعل المعاناة أشد مرارة. أما بالنسبة إلى الإجراءات الاستثنائية التي تطبقها الحكومات من إغلاق للحدود وحظر للتجوال واستخدام الجيش في تطبيق إجراءات العزل، قد يتسبب بتدهور والنزوع إلى الاستبداد في كثير من المناطق، ويرى تشومسكي أننا بحاجة إلى أقل من ذلك للتعامل مع الوباء، نحتاج إلى عقلية الحركة الاجتماعية، من أجل التغلب على المدى القصير على أزمة شديدة تعبر عن فشل ذريع للنيوليبرالية( وهي مجموعة من السياسات الاقتصادية التي أصبحت منتشرة خلال السنوات ال25 الماضية، وهي تبدأ فكر ايديولوجي مبني على الليبرالية الاقتصادية، التي هي المكون الاقتصادي لليبرالية كلاسيكية، والذي يمثل تأييد الرأسمالية المطلقة وعدم تدخل الدولة في الاقتصاد) واقتصاد السوق لا يكف عن التزايد ويمكن هنا أن نتذكر كيف تم التعامل مع انفلونزا الخنازير(2009) وتعافى منها كثير من الناس وتم إيجاد اللقاح للقضاء على الوباء حين تحركنا بسرعة. ويسأل تشومسكي حول مصير البشرية بعد كورونا؟ ويعتبر أن الفايروس حمل معه أشياء إيجابية، هي إشارات تحذيرية لنا من الخطر الداهم الذي يلوح في المستقبل القريب ليحثنا على التحرك والاستعداد، بخاصة أن الديمقراطية في خطر بسبب حالة الاستثناء التي يتحكم فيها قلة قليلة من هم أسياد النيوليبرالية وسيواصلون التحكم برأيه، أن لم تتم الإجابة عن سؤال وجودي هو (أي عالم نريد أن نعيش فيه)، ويرى تشومسكي أن أمامنا خيارات عديدة تتراوح بين تركيب استبدادي للغاية في العالم تتحول فيه الدول إلى أكثر وحشية أو خيار الراديكالية و إعادة أعمار المجتمع، أو خيارات أخرى كالعودة إلى المصطلحات الإنسانية المعنية بالاحتياجات البشرية وعدم تغليب الصوت الاقتصادي لمنفعة النيوليبرالية. أن أزمة كورونا باعتقاد تشومسكي هي مجرد جزء واحد من كابوس رهيب مقبول، وأن لم يشرع الناس على الفور في تنظيم أنفسهم ويتضامنوا في ما بينهم لتحقيق عالم أفضل بكثير من العالم الذي يعيشون فيه، سيواجهون مصاعب هائلة لطالما أعاقت طريق الحق والعدالة. فيعتقد تشومسكي أن فايروس كورونا علامة ودرس للبشرية وعلينا أن نبحث في الجذور التي تؤدي إلى الأزمات التي ربما تكون أسوأ مما نواجه اليوم والتحضير لكيفية التعامل معها ومنعها من الانفجار.

يورغن هابرماس (1929):

يرى هابرماس أن جائحة كورونا فرضت على العالم التصرف عن جهل صريح، حيث يرى التباس في قرارات الدولة، أذ تتخذ مجموعة قرارات على استشارة خبراء عالم الفيروسات المعترفين بجهلهم، ويتوقع هابرماس أن هذه التجربة الغير العادية ستترك بصمتها على الضمير العام، وحث هابرماس المؤسسات الصحية للاستعداد  وإلا ذلك سيؤدي إلى ارتفاع معدلات الوفيات، وحث أيضاً الاتحاد الأوربي على مساعدة الدول الأعضاء الأكثر تأثراً، وقال علينا أن نكافح من أجل إلغاء النيوليبرالية.

ديفيد كابلان (1933):

يذهب كابلان إلى أن جائحة كورونا ستكون الحدث السياسي والاقتصادي الأهم، الذي سيدشن معظم الاضطرابات الجيوسياسية المحتملة في العقد المقبل، وسوف يتعمق في اعقابه نموذج جديد للعولمة تدخل إليه البشرية، ولن يكون أيضاً نهاية التاريخ، والعولمة في المرحلة الأولى التي استمرت من نهاية الحرب الباردة، حتى وقت قريب جداً كانت العولمة تدور حول اتفاقيات التجارة الحرة وبناء سلاسل التوريد العالمية، وخلق توسيع الطبقات المتوسطة مع التخفيف من حدة الفقر المدقع وتوسيع الديمقراطية، وزيادة كبيرة في الاتصالات الرقمية والتنقل العالمي، وفي المرحلة الثانية من العولمة تشكلت العولمة من خلال فصل العالم إلى تكتل قوى عظمى مع جيوش قوية وسلاسل توريد منفصلة، وكذلك ستشهد صعود الانظمة الاستبدادية، وتسود فيها الانقسامات الاجتماعية والطبقية التي ولدت الشعوب المعاصرة، إلى جانب انزعاج الطبقة الوسطى في الديمقراطيات الغربية.

جورجو اغامبين (1942):

يعتقد اغامبين أن إجراءات الطوارئ التي اتخذتها الحكومات في سياق مكافحة تفشي جائحة كورونا غير عقلانية وغير مبررة، ويرى أن السلطات تستخدم الظروف الاستثنائية لتبرير وتعطيل القانون وحيازة السلطة المطلقة، مشيراً لتحولها إلى حالة دائمة في النظم الدستورية الديمقراطية، ويرى أن الوضع بعد فايروس كورونا قد يؤدي إلى عواقب أخلاقية وسياسية، وتشكل الجائحة أكبر تهديد للبشرية منذ الانفلونز الاسبانية قبل قرن من الزمان، وتجعل إنسانيتنا المشتركة تشكل تهديداً أمنياً محتملاً، فالعدو داخلنا هذا المرة وليس تهديداً خارجياً، إذ ينظر الناس لبعضهم بعضاً على أنهم حاملون للفايروس، أما العلم بحسب اغامبين في وقتنا يشبه الأديان في قدرتها على أنتاج الأساطير والمخاوف في وقت الأزمات، ونشهد حالياً وصفات علمية مختلفة ومواقف متباينة تتراوح بين أقلية مهرطقة، تنكر خطورة الظاهرة، وخطاب أرثوذكسي سائد يؤكد خطورتها الحقيقية، ومع ذلك غالباً ما يختلف هؤلاء جذرياً في كيفية التعامل مع الأمر ومكافحة الجائحة، وكما هي الحال في هذه الأمور، يقف بعض الخبراء، أو من يخدمون مصالح السلطة التي تفرضها تدابيرها الاحترازية، مع تيار يميل إلى وجهة نظر هذه أو تلك، ويشبه الأمر أوقات النزعات الدينية التي قسمت المسيحية عندما وقف الخبراء لمصالحهم الخاصة، مع تيار أو آخر، بحسب تعبير اغامبين، ويرى اغامبين أن الناس لم يعودوا يؤمنون بأي شيء غير الوجود والحياة البيولوجية.

جاك أتالي (1943):

يذهب أتالي إلى أنه في حالة فشلت الدولة في إيجاد حلول لأزمة كورونا، سيشهد العالم بطريقة أو بأخرى تغير في انظمة الدول، وسيؤدي بنا ذلك إلى نظم سلطة جديدة ستقود العالم في السنوات القادمة.

مارسيل غوشيه (1946):

يرى غوشيه أن أزمة كورونا هي بمثابة اختيار لهشاشة ديمقراطياتنا التي تسترجع دائماً قواها في مواجهة كل أزمة، ويؤكد غوشيه أن تبعات أزمة كورونا ستعيد الاعتبار للسيادة الوطنية التي تعرضت للتهميش لصالح القواعد التي تفرضها العولمة. ويذهب غوشيه إلى أنه لا يمكن لأحد أن يتنبأ بحجم حدث كورونا، لكن الصدمة الفكرية والايديولوجية أماتت العولمة الليبرالية القائمة على مبدأ التجارة المرنة، وعفا عليها الزمن كحل لجميع المشاكل، فيما الحاجة إلى التفكير الاستراتيجي تفرض نفسها على نطاق المجتمعات الجديدة، نحن بحاجة إلى نموذج سياسي جديد، وهو ما ينبغي إبراز أهمية هذه التحولات، وإبراز أن التاريخ بين باستمرار أن انتشار الأوبئة الفتاكة والنكبات العالمية كان دائماً تمهيداً لاندثار شرعيات قديمة وقيام شرعيات جديدة مقامها على أساس القدرة على حماية البشر من الموت بعد أن تكون القوى المهيمنة أثبتت عجزها في ذلك.

فتحي التريكي (1947):

يؤكد التريكي أن الإنسانية تعيش في هذه اللحظة حالة من الفزع جراء وباء كورونا، مبيناً أنه لم يحسم بعد بخصوص التغيرات الجوهرية، التي يمكن أن تطرأ على نمط الحياة، ويرى أن الصحة أصبحت تشتري بالمال، وقد فضحت أزمة كورونا أسس الرأسمالية المكثفة، والتي يلخصها التريكي في هذا الجملة (المال قبل الرجال)، ويبين التريكي أن فوكو كان يحلل تصور السلطة انطلاقاً من حاضر عصره عندما كان العالم يسيطر عليه النظام الليبرالي الرأسمالي، أما اليوم وبعد التسعينات من القرن الماضي، أصبح العالم تحت وابل من الأزمات والمصائب وهو ما أطلق عليه التريكي الليبرالية المكثفة. وينتقد التريكي دولة أمريكا التي تركت الفقراء الذين يعيشون في غياهب ودهاليز نيويورك والسود يموتون على الأرصفة، وهو ما حدث أيضاً في فرنسا وتحديداً في سان ديني، حيث ترك العرب والمسنين وغيرهم بلا عناية يواجهون فايروس كورونا فرادى، ويرى أن السلطة مارست، ممارسة جديدة وهي الاحتقار والاستصغار والفرز والانتقاء، أما بالنسبة إلى الرأسمالية المكثفة فقد ثبت فايروس كورونا، أنها قسمت الإنسانية إلى إنسانيتان، إنسانية للحياة وإنسانية للموت.

بيتر سلوتردايك (1947):

يعتقد سلوتردايك أن فايروس كورونا يبدو أنه أكثر براءة من الفايروسات السابقة، وموجهاً بذلك نقداً لاذعاً لسياسات الحجر الصحي، وما رافق ذلك من إغلاق للحدود والمدارس والمؤسسات الدينية ومنع الحركة ألا للضرورة القصوى ، فيرى فيه سلوتردايك أنه مجرد استيلاء على السلطة وعودة لشبح النظام المسترجع.

سلافوي جيجيك (1949):

يعتقد جيجيك أن أزمة كورونا ستعطي معنى جديد للمجتمع، وسوف تتسبب بشيوعية جديدة، وهي بعيدة كل البعد عن تلك الشيوعية التاريخية، ويعتقد أن الحاجة والتضامن العالمي على الأزمة الصحية بمثابة اكتشاف مبتذل، لكنه ثوري في الوقت ذاته، ونحن نعيد اكتشاف حاجاتنا لبعضنا بعضاً اشخاصاً وشعوباً ولكن من دون جدوى. وتبين لدى جيجيك أن الحكومات غير مستعدة، ولم يعد هناك مكان لأمريكا أولاً ولمثل هذه الشعارات، وأننا بحاجة إلى نظام عالمي جديد للصحة العامة ووكالات دولية وقادة على العمل بإجراءات متفق عليها. ويعتبر أن فكرته عن الشيوعية ليست مجرد حلم مثقف، معتبراً أن انتشار الجائحة ستعطي قوة دفع لتضامن جديد عالمياً ومحلياً، وسيكون اختبارنا هو في بناء طريقة جديدة للحياة، لكن على الاشخاص أن يستعدوا، فالأمور بأيدينا الآن ولا ينبغي أن ننتظر حتى انتهاء الأزمة. ويعتقد جيجيك أن التكلفة النفسية ستكون باهظة الثمن، كما تخلق العزلة أيضاً أشكالاً جديدة من جنون الارتياب تتجلى في العديد من نظريات المؤامرة على شبكات التواصل التي لا تتوقف عن تكرار أن دولة مثل أمريكا والصين هي اصل الفايروس، وسلط الضوء على العلاقات الاجتماعية في إشارة إلى أنانية الاغنياء المنعزلين في مخابئهم أو على اليخوت، فعلى سبيل المثال نشرت المغنية الأمريكية مادونا في فيديو في حوض الاستحمام وتقول نحن جميعاً في نفس القارب نفسه، لكن الأمر ليس كذلك لأن الأبطال الجدد هم أناس عاديون. ويرى جيجيك، لابد من تضامن عالمي في هذه المرحلة فالجهد الوطني غير كافي، فالتضامن العالمي هو السبيل الوحيد العقلاني للمضي قدماً، ويرى أننا نعيش تجربة استثنائية، يمكن أن تكشف عن الأسوأ أو الأفضل، ولمواجهة الوحدة ربما يكون الحل الأمثل هو المضي قدماً في روتين يمنعنا من الاستسلام للفوضى والحفاظ على النظام، لنكون على استعداد للغد. ويعتقد جيجيك إن الحجر الصحي و الإجراءات الحكومية بالفعل تحد من حريتنا، ومع ذلك أدى تفشي الجائحة لنوع من التضامن المحلي والدولي، بالإضافة إلى أنه عزز الشعور بالحاجة لمراقبة السلطة نفسها وإثبات أن ما حققته الصين يمكن تحقيقه بطرق أكثر ديمقراطية وثقافية، وانتقد ترامب وأنصاره الذين يزعمون بأن الجائحة ما هي ألا مؤامرة. ويواصل جيجيك ويرى أن جائحة كورونا لا تكشف عجز العولمة السوق فحسب، وإنما أيضاً عجز الشعبوية القومية، معتبراً أن شعار أمريكا أولاً انتهى إذ لا يمكن إنقاذ أي بلد إلا من خلال التنسيق والتعاون الدولي الذي يحقق بقاءنا وبقاء الجميع. ويمكن لأزمة كورونا أن تكون فرصة للتحرر والديمقراطية ومناهضة الاستهلاك، وممكن أن تكون ضربة للرأسمالية ويمكن أن تعيد اختراع الشيوعية. ويرى جيجيك أن أزمة كورونا أدت إلى انتشار واسع من الفايروسات الأيديولوجية التي كانت راكدة في المجتمع وبدأت في الانتشار وعلى رأسها تناقل الاخبار المزيفة، ونظريات المؤامرة وانفجارات العنصرية ومظاهر الطبقية بأبشع صورها.

ميشال اونفري (1959):

يرى اونفري أنه على مدى العصور حصلت كثير من الأوبئة، وأدت إلى أنهاء حياة الملايين من الناس وإلى هجرة كثير من الناس، أن فايروس كورونا فد فرض قوته وجبروته على أعتى الدول التي تفتخر بتقدمها العلمي والتكنولوجي. ويبدو أن اونفري ناقداً وساخراً لسياسة التعامل مع أزمة كورونا، ويرى أن هذا الفايروس سيغير في تقديره معطيات الجيو سياسية ويسن قانوناً جديداً.

فتحي المسكيني (1961):

يعتقد المسكيني أن فايروس كورونا مشروع أخرس في هدم المكان، ويعطل فكرة الفرد من الداخل وفكرة الفرد  ككيان اخلاقي، ويحوله إلى رقم أو حالة حيوانية يبقى مشكوكاً في أنها حاملة للعدوى.( ويؤكد هذا الكلام تلك الإجراءات المتبعة في المطارات، حيث يتعامل مع الناس على أنهم حالات مشكوكاً في حملها للفايروس).

كورونا والدول العربية (خيبة أمل):

للأسف كشف فايروس كورونا عن هشاشة الوضع السياسي والإداري في الدول العربية، أو بالاحرى عدم تجذر المبادئ الكونية التي سيشهدها الفكر الإنساني وملازمتها للطبائع الإنسانية، مثلما كشف عن هشاشة السياسة وغياب النظم الاجتماعية، التي بإمكانها استيعاب اللحظات الصعبة من التاريخ، والأخذ بيد كل الفئات الاجتماعية، فأنشغل المواطنون بالتدافع على المأكولات لتخزينها، وللأسف تنشر بعض العوائل المترفة موائد معمرة والاحتفال بتجمع العائلة، والبعض من العوائل الفقيرة تتحايل على القوات الأمنية للوصول إلى مكان عملهم وبيع مواد بسيطة لسد رمق عائلته، لكن بالمقابل وللأنصاف وجد بعض التجمعات الشبابية وغيرها قاموا بتوزيع سلات غذائية وتطهير الأماكن، لكن مع ذلك لم تصل مرحلة التكاتف الاجتماعي، وهذا يشكل خيبة أمل لدولنا العربية المسلمة. أن العرب في مقاعد المتفرجين، ننتظر ما سيقدمه لنا الغرب الأمريكي والأوربي ودول اسيا المتطورة، من أفكار ومفاهيم جديدة لصنع العالم الجديد، فبلادنا مستهلكة للفكر والعلم والتكنولوجيا، وغير قادرين على أن نكون إضافة للحضارة الإنسانية ولمنجزاتها الفكرية والعلمية. في آخر التقارير التي ظهرت، ترى هناك أكثر من (400) تجربة سريرية، حول علاج فايروس كورونا، وكشف التقرير أن العرب لديهم فقط (4) تجارب ثلاثة في مصر، وواحدة في الأردن، وهذا يعبر عن خيبة أمل، أذ شعوبنا العربية لا تشجع على العلم (لا أريد التعميم لكن أغلب الدول لا تشجع) وهذا هو سبب عدم وصولنا إلى مستوى الدول المتقدمة. على الدولة أن تعتني بالمفكر وتعطي لهم مكانة مرموقة، في الدول الغربية تعتني الدولة كثيراً بالطرح العلمي والفكري للعلماء والمفكرين. وأخيراً أن السباق جاري في البحث عن علاج لفايروس كورونا، ونأمل من الدول العربية أن تدخل في هذا السباق، لأن كورونا سيكتبها المنتصرون.

 

حيدر جواد السهلاني

 

 

طبيعة العلاقات الاجتماعية لا تحكمها نظريات فلسفية مُجرَّدة، أو قوانين اقتصادية جامدة، لأن العلاقات الاجتماعية تبتكر طبيعتها الخاصة، وتؤسِّس قوانينها الذاتية، اعتمادًا على التغيرات في مشاعر الإنسان وأحاسيسه، والتغيرات في مسار المجتمعات والحضارات. وثنائية (التغيُّر الإنساني / التغيُّر الاجتماعي) هي الفلسفة الكامنة في أنساق الحياة داخل البُنى المعرفية وخارجها . والتغيُّر - كنظام فلسفي حياتي شامل - ينشأ بصورة مستمرة، ويتولَّد باستمرار، ضِمن مسار دائري تختلط فيه البداية بالنهاية، لذلك لا يُمكن للإنسان أن يتنبَّأ بموعد حدوث التغيُّر، ولا تستطيع الحضارةُ أن تتوقَّع مدى تأثير التغيُّر في الأنساق الحياتية .

2

الحضاراتُ السابقة كانت تملك زُعماء وعُلماء ومُفكِّرين وخُبراء في السياسة والاقتصاد والثقافة وعِلم الاجتماع، ومعَ هذا انهارت الحضارات السابقة، وغابَ شمسُها، ولَم يستطع أحد حماية حضارته من السقوط والاضمحلال، وهذا يدل بوضوح على أن الحضارات محكومة بقوانين حتمية وأُطُر زمانية ومكانية، لا يمكن تجاوزها أو التلاعب بها. وإذا حانَ موعدُ سُقوط الحضارة، فسوفَ تَسقط لا مَحَالة، حتى لو اجتمع الزعماء والعلماء والخُبراء لحمايتها . وإذا حانَ موعد وفاة الإنسان، فسوفَ يموت قطعًا، حتى لو اجتمع الأطباءُ الماهرون وأدويتهم الفَعَّالة وآلاتهم المتطورة .

3

المشكلةُ الجذرية في أنساق التفكير الإنساني تتجلَّى في عدم القدرة على التمييز بين الحتمية والاحتمالية. فالحتميةُ هي سُلطة القوانين الوجودية الحاكمة على المشاعر الإنسانية والمنظومة الاجتماعية، وهي سُلطة أساسية ودائمة، وغير مُتأثرة بالزمان والمكان . والإنسان جاءَ إلى هذا العَالَم، واكتشفَ وجودَ هذه السُّلطة، ولم يَخترعها . أي إن وجودها سابق على وجود الإنسان نَفْسِه، والإنسان تابع لها بإرادته ورغمًا عنه. أمَّا الاحتمالية فهي سُلطة القوانين التي وضعها الإنسانُ بنَفْسه لتدبير أُموره، وتنظيم شؤون مجتمعه، وهي سُلطة فَرعية مُتغيِّرة ومختلفة تبعًا لاختلاف الزمان والمكان وطبيعة الناس ومصالحهم، ووجود هذه السُّلطة خاضع للإنسان، وتحت تصرُّفه. وهذا التمييز بين سُلطة القوانين الحاكمة، وسُلطة القوانين المحكومة، في غاية الأهمية، لأنَّه يُوضِّح الفرق بين الحتمية والاحتمالية، كما أنَّه يُفَسِّر طبيعة التحولات الإنسانية والاجتماعية بشكل استباقي، مِمَّا يعني بالضرورة تَحييد عُنصر المفاجأة القاتل، والسيطرة عليه، ووضع خُطط للتعامل معه. وكما أن العَقل المُدبِّر الذي يُخطِّط للمعركة يجب عليه أن يضع خُطَّتَيْن : خُطَّة للانتصار، وخطة للهزيمة، لأنه لا يَعرِف المُفاجآت في طبيعة سَير المعركة، كذلك المُفكِّر الذي يَدرس خصائص المجتمعات والحضارات، يجب عليه أن يضع خُطَّتَيْن: خُطة ( أ) التي تُمثِّل المسار العام للأحداث المرسومة على الورق، وخُطَّة (ب) وهي خطة الطوارئ التي تُمثِّل الأحداث المُفاجِئة على أرض الواقع. وكما يُقَال: الشَّيطان كامن في التفاصيل .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

 

اياد الزهيريأن من مبررات ظهور مفهوم الأصلاح هو نتيجة لما حصل من أنحراف، وما وقع من تخريب على مستويات وأصعده مختلفه، وبما أن موضوعنا أجتماعي يكون عندها الأصلاح يتعلق بالخلل والأنهيار الأجتماعي الذي حصل في مجتمعنا العراقي، ولكن هناك سؤال يقول، ما هو المعيار الذي يصنف الخلل الأجتماعي من عدمه؟ فالمعيار مهم في كل المجالات في تشخيص ما هو أيجابي وما هو سلبي على كل الأصعده والحالات وخاصه في الجانب الأخلاقي والسلوكي، لأن هذا المعيار فيه جانب نسبي بأعتباره يختلف بأختلاف الأمم والشعوب، لذى ترى أن لكل أمه وشعب منظومه أخلاقيه يتميز بها عن غيره، كما من المهم أن نشير الى أن كل أمه أو شعب له روح يتميز بها عن غيره، وهي سر تمايز هذه الأمم والشعوب بالعالم . هذه الروح هي مجموع سجايا وطباع مجموع أفرادها من سلوكيات وأخلاق ونفسيات وعادات وأعراف يشتركوا فيها جميعا. هذه الروح جاءت حصيلة تجارب وخبرات طويله تبنت خلالها الأمه ممارسات سلوكيه، وبفعل التكرار الطويل لها عبر آلالاف السنين شكلت لها روحا، تسمى روح الأمه. هذه الروح تمثل كينونة الأمه وجوهرها، وهي البوصله التي تحدد أتجاهها في الحياة فيما بين أفرادها في علاقاتهم العامه، كما بينهم وبين الأمم والشعوب الأخرى. من الضروري الأشاره الى شيء مهم الا وهو مدى رسوخ هذه الروح، وهل هي أساسيه، وجوهر لا يمكن أقتلاعه عنها، أم شيء قابل للتحول والتغير فيها. طبعا روح الأمه هو عنصر جوهري وراسخ، وحتى يستورث عبر الأجيال، ولكن هل هو ثابت ثباتاٌ أبدياٌ، طبعا لا أعتقد ذلك، لأنه تَكونَ عبر الزمن، ويزول أو على الأقل يتغير تدريجيا عبر الزمن، مع تغير عوامل تتعلق بتغير البيئه، وحدوث الأزمات العديده، والحروب الطويله، وظهور متبنيات جديده وخاصه الأيديولوجيات . يقول غوستاف لوبون هناك (عناصر ثانويه بجانب روح العرق الأساسي) . هذه العناصر الثانويه يمكن أن نصفها بالقشريه أما الأخرى فهي بالجوهريه . طبعا العناصر الثانويه أسرع تعرضا للتغير من الصنف الآخر الجوهري، وللتوضيح يمكننا الأشاره الى عناصر هذه الروح وهي (الأراده، الشجاعه، الكرم، المروءه، الأيثار، الشهامه، التفكير الأستنباطي، التفكري الأسطوري....) .من الملاحظ أن السمات الأساسيه تعمل ككابح قوي لأي أتجاه تغيري، وهي تعمل كعمل النفس اللوامه التي يذكرها القرآن الكريم حيث تؤنب الشخص الذي يقفز عليها أو يحاول تجاهلها أو معاكستها بنسق مغاير لنسقها. صحيح من الصعب تغير الصفات الأساسيه، ولكن لا يعني من المستحيل حدوث تغير عليها ولو بشكل تدريجي، وهذا هو الذي يؤشر لبدايات عمليه تغيريه ظهرت بوادرها في الكثير من السلوكيات والأخلاقيات وخاصه في العنصر الشبابي الذي أنفتح وتأثر بوسائل التواصل الأجتماعي، وبما وفرته الحريه الأعلاميه من فرص الأطلاع والتلاقح مع المجتمعات الأخرى . طبعا لا ننسى ما للأزمات العنيفه والسريعه ما تشكله من صدمات قويه وخاصه للمجتمعات المحافظه، وما تحدثه من خلخله في منظومتها القيميه، فيعرضها لحاله من التصدع والتحلل فتظهر في الشارع سلوكيات تثير مقت الكثير، وتحدث حاله من اللا أنسجام بين أفراد المجتمع الواحد مما يهدد وحدة المجتمع وتعرض نسيجه الأجتماعي للأهتزاز والتمزق، طبعا من الملاحظ أبتداءً تظهر سلوكيات جديده، وتختفي صفات تعتبر ثانويه، فيظهر مثلاً الغدر، والأحتيال والنصب، والسرقه، والرشوه ووو، ولكن في أي صدمه معاكسه ترجع بالمجتمع الى الحاله الأولى،وسرعان ما يتخلى المجتمع عن الصفات الجديده التي تبناها لوقت قصير، ولعلنا لمسنا الكثير من هذه الحالات عندما تعرض المجتمع العراقي الى تغيرات بفعل ما أدخله البعث من أساليب ومتبنيات جديده لا تمت لموروث المجتمع بصله فظهرت ممارسات مستهجنه مثل كتابة التقارير على الجار والصديق وحتى الأخ وهذا ما يتعارض ومعاني الشهامه والمروءه والشرف الذي يتميز به العراقي على طول تاريخه الطويل، ولكن خلال الحرب حدثت هجره كبيره الى الله والتمسك بالقيم الدينيه بعد أن هجرها الكثير في سبعينيات القرن الماضي، كما أتوقع في هذه الأيام أن يكون مجتمع ما قبل الكورونا غير المجتمع ما بعد الكرونا، وهذه هي المنعطفات والصدمات التي تترك آثارها التغيريه على البنيه الأجتماعيه تاركه وراءها آثار تهز منظومتها القيميه الأساسيه مما تسبب منعطفات في حياة الشعوب والمجتمعات.

يتضح لنا أن ألية التغير أصبحت عواملها معروفه لدينا، ومنها من غير السهل الوقوف بوجهها وأيقافها ولكن من الخطأ أن يصل الأنسان الى حد الفزع منها لأن هناك ما يشبه الجهاز المناعي في جسم الأنسان، الا وهي روح الأمه المشبعه لعقلها الباطن بقيم أساسيه يمثل موروثها الماضوي المترسب في وجدانها، ولكن يمكن للقلق منها يكون جدياً اذا توفرت ظروف أستمرارها ولم تنتبه مؤسسات الأمه الثقافيه والدينيه لملاحقة الظواهر الشاذه ومحاولة تفكيكها وتبيان خطورتها للمجتمع لكي ينتبه لها ويحاول يمنع تسللها الى الأجيال الصاعده، ولكن لا يعني أن لا يحدث تغير بالمطلق، فهذا لا يمكن،لأن دوام الحال من المحال،لذى تخضع المجتمعات الى صيروره دائمه خلال وجودها الحياتي.

هنا تتضح أهمية ما أن نكون على وعي من القيم المراد التمسك بها، خاصه ونحن أصبحنا نعيش ما يمكن تسميته بالعالم القريه حيث القوي يؤثر على الضعيف، وهناك من المؤثرات التقنيه والفنيه ما تمارس من عمليات الأيحاء والأيهام ما هو كبير وخطير، لذى تاتي ضرورة التوعيه والتثقيف والتنبيه الى ما يجري وتبيان خطورة ذلك للجمهور وشرح سلبيات الثقافه الطارئه علينا، وما هي أهداف ما يُصدر الينا من قيم خطيره على مجتمعنا، وحضارتنا، ومستقبلنا، خاصه وأصبحت ما يُصدر ألينا جزء من أسلحة الحرب البارده، لتدمير حضارات وشعوب تعتبرها قوى أخرى بأنها منافسه لها، تسعى الى تدميرها، لتنفيذ مخططات أستعماريه تنتهي بسيطرتها على ثروات هذه الشعوب وتسخير أبناءها لخدمتهم كعبيد، ومن خلالها يحققوا السياده على العالم كما خططوا له، وبشروا له في كتاباتهم كما في كتاب صراع الحضارات لكاتبه صموئيل هنتجتون. لذى يكون من المهم تشخيص منابع قيمنا الأصيله وهي قيم تجمع مابين القيم الأسلاميه والأنسانيه والحضاريه التي تحفظ لنا هويتنا وتصون شخصيتنا الحضاريه وبشرط أن تكون هذه المنظومه منفتحه على كل ما هو مفيد ويدفع الفرد والمجتمع الى الأمام في السلم العلمي والأنساني .وان لا نكون منغلقين على انفسنا فنصاب بالجمود والتحجر . يتبع

 

أياد الزهيري

 

 

محمد الورداشيطرحتُ هذا السؤالَ القديمَ/ الحديثَ لاعتبارين، أولهما أن قارئَ المقدمةِ عامةً، والبابِ الخاصِ بالخلافةِ والملكِ على وجهِ الخصوصِ، لا بدَّ وأنْ يعتقدَ أنَّ ابنَ خلدون يقيمُ فصلا بين السياسةِ والدين. أما الاعتبارُ الثانيُّ، فمردُّهُ إلى الباحثين الذين صنفوا ابنَ خلدون من بين العلمانيين العربِ الأوائلِ علما أنهُ لمْ يكن كذلك، وليستْ ثمةَ صورةٌ واضحةُ المعالمِ، في المقدمة، تثبتُ لنا هذا الزعمَ.

يصعبُ أن نصنفَ ابنَ خلدون في طبقة العلمانيين الأوائل؛ لأن ما ورد في المقدمة من مؤشرات ليس كافيا للقول إنه علمانيٌ أو من دعاةِ العلمانية، وإنما نجده قد بين بعضَ النقاطِ الفاصلة بين الدولة الدينيةِ ودولةِ الملك اللتين تختلفان باختلاف السياسة المعتمدةِ في كلِّ منهما. لقد عرفَ ابنُ خلدون الملكَ قائلا: "الملكُ طبيعيٌّ للإنسان"، وفي مواضعَ ومساقاتٍ أخرى، عرفهُ بكونهِ ضرورةً طبيعيةً للاجتماعِ الإنسانيِّ لما يحتاجهُ الناسُ منْ وازعٍ قاهرٍ يمنعهم منَ التسلطِ على بعضِهمُ البعض. وفي مواضعَ أخرى، نجدهُ يعدهُ ثمرةً طبيعيةً للعصبيةِ التي يقومُ عليها وبواسطتها، لذلك فإن سياستَهُ "تكونُ مفروضةً منَ العقلاءِ وأكابرِ الدولةِ وبصرائِها" (ص216) وهي السياسةُ العقليةُ التي تقومُ على "حملِ الناسِ على مقتضى النظرِ العقليِّ في جلب مصالحهمُ الدنيوية، ودفعِ المضار" (ص217). فالملكُ بهذا، يكون دنيويا بحتا، والدولةُ التي تنبني عليه هي دولةٌ دنيويةٌ؛ لأنها تقومُ على القوانينِ الوضعيةِ البشريةِ، وتراعي المصلحةَ الدنيويةَ لا الأخروية، ومن ثم، فإنها مذمومةٌ، حسب ابن خلدون؛ لأن أمور الدنيا "كلها عبث وباطل" (ص216).

أما الخلافةُ، ف"هي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا"، ومن هذا التعريف تكون الخلافة منصبا دينيا ودنيويا في الآن؛ أي أنه دنيوي في حماية المصالح الدنيوية- وهنا تشاركُ الملكَ في وظيفته حتى وإن كانت "دينا ليست من السياسة الملكية في شيء" (ص265)- والأخروية، وبهذا تجمع الخلافة بين الدنيوي والديني؛ لأنها "النظر الشرعي في مصالحهم (أي البشر) الأخروية والدينية". ومنه، يمكن القول إن سياستَها دينيةٌ. كما أن الناظر إلى تعريفات ابن خلدون للخلافة، يلاحظ أنه يعطي أسبقية لكلمة "الأخروية" على "الدنيوية"، كما أنه رأى في السياسة الشرعية الدينية منفعة؛ لأنها تهتم بمصلحة الإنسان دنيويا وأخرويا كما أسلفنا. لكن، لمَ تجمع الخلافة بين وظيفة الملك ووظيفتها؟

قبل أن نبحث عن إجابة للسؤال في المقدمة، نستنتج مما سبق أن ابن خلدون فرق بين السياسة العقلية (الدنيوية) والسياسة الدينية الشرعية (الأخروية)، وأكد أن الخلافة تجمع بين سياسة الدنيا والآخرة؛ لأن "أعمال البشر كلها عائدة عليهم في معادهم من ملك أو غيره" (ص216). وعودا للسؤال أعلاه، فإننا مطالبون بالعودة إلى الفصل: الأول والثاني والرابع والخامس والسادس من الباب الثالث من الكتاب الأول، لنجد أن الدعوة الدينية لا تقوم إلا بالعصبية (الملك غاية العصبية)، أي أنها تحتاج إلى عصبية قوية لتبليغها ونشرها في المعمورة كلها، وقد تم هذا في ما سمي بالفتوحات الإسلامية. كما أن الدولة تحتاج إلى تبني دعوة دينية؛ لأنها تقوي عصبيتها. فالدعوة الدينية الإسلامية، في بدايتها بمكة، كانت تحتاج إلى من يتبناها ويدافع عنها، لذا كانت الهجرة إلى الحبشة المرة الأولى والثانية ثم إلى المدينة، فكانت ثمرتها البيعة تحت الشجرة، وهنا امتزج الديني بالسياسي، وكان هذا الأخير وسيلة لتحقيق الأول، ف"لما كان الجهاد فيها مشروعا لعموم الدعوة وحمل الكافة على دين الإسلام طوعا أو كرها اتخذت فيها الخلافة والملك لتوجه الشوكة من القائمين بها إليهما معا" (ص258)، ومنه ف"لا قوام للشريعة إلا بالملك" (ص317). أما الدولة فإنها تحتاج للدين؛ لأنها تبحث عن مشروعية عليا، بمعنى أن كل دولة قامت على العصبية، الدولة الأموية والعباسية...إلخ، تتبنى الدعوة الإسلامية وحماية الشريعة، وصون أركانها وإرغام الرعايا على القيام بها، حتى تضفي مشروعية وتقدم تبريرا لوجودها، وكذا مصداقية على أفعالها.

وبالعودة إلى الفصل الثامن والعشرين (في انقلاب الخلافة إلى الملك)، فإننا سنجد أن الإسلام قد حرم العصبية الجاهلية التي تقوم على التفاخر بالآباء والأجداد. وأما ابن خلدون، فإنه يرى تحريمها إذا كان غرضها التغلب والقهر والاستبداد بالباطل، أما إن "كانت العصبية في الحق وإقامة الشرائع فأمر مطلوب، ولو بطل لبطلت الشرائع؛ إذ لا يتم قوامها إلا بالعصبية" (ص229). وكلما ذهبت العصبية ذهبت الخلافة (الدين)، فالخلافة الإسلامية، مثلا، ذهبت "بذهاب عصبية العرب وفناء جيلهم وتلاشي أحوالهم" (ص235). ولما تنته الخلافة يتحول الأمر إلى ملك صرف، والملك البحت عند ابن خلدون، يجب أن نأخذه بعين الاعتبار؛ لأن الملك البحت هو الملك الصافي من الخلافة، والصافي من الخلافة معناه أن الوازع الديني فيه لم يعد حاضرا بالقوة التي كان عليها  زمن الخلافة، بمعنى أن كفة الدنيوي رجحت على كفة الأخروي، ولعل هذا ما يؤكده التغير في الألقاب من الخليفة وأمير المؤمنين (في الصدر الأول) إلى أسماء بني أمية العروبية الخالية من اللقبين السابقين؛ "لأن العروبية ومنازعها لم تفارقهم حينئذ، ولم يتحول عنهم شعار البداوة إلى الحضارة" (ص255) إلى ألقاب العباسيين التي اختاروها "حجابا لأسمائهم الأعلام(...) وصونا لها عن الابتذال، فتلقبوا بالسفاح والمنصور والمهدي والهادي والرشيد...إلخ (ص255)، حتى صارت الأمور بأيدي العجم في المشرق والمغرب، وتعددت الألقاب بين العودة إلى الخليفة وإمارة المسلمين، أو إلى السلطنة (يمكنك العودة إلى الفصل الثاني والثلاثين: في اللقب بأمير المؤمنين).

 وإلى جانب تمييز ابن خلدون بين السياسة العقلية (الملك) والدينية (الخلافة)، فإنه أخرج من هذا التمييز ما سماه بالسياسة المدنية؛ لأن اهتمام هذه الأخيرة هو "ما يجب أن يكون عليه كل واحد من أهل ذلك المجتمع في نفسه وخلقه حتى يستغنوا عن الحكام رأسا، ويسمى المجتمع الذي يحصل فيه ما يسمى من ذلك بالمدينة الفاضلة، والقوانين المراعاة في ذلك بالسياسة المدنية" (ص336)، وهذا التعريف يخالف ما هو معلوم في زماننا حول الدولة المدنية، إذ إنها دولة علمانية دستورية لها قوانين مدنية وضعية مصدرها العقل البشري، وكذا الفصل بين الدين والدولة، واحترام الأقليات، وتذويب الديني وحصره في المجال الفردي...إلخ، وهذا ما لم يكن موجودا في عهد ابن خلدون. كما أن هذه السياسة المدنية التي نادى بها أفلاطون والفارابي وآخرون بعدهما بعيدةُ التحققِ، لذلك فإنها ليست نفعية؛ لأن ابن خلدون لما يصنف السياسة هذا التصنيف، فإنه يتعامل من منطلق المصلحة والمنفعة، وهذا أس المقارنة عنده وغايتها، وبهذا تكون السياسة الدينية على رأس الهرم، تليها العقلية، فالمدنية. ومنه، فإن ابن خلدون ينطلق من روح دينية إسلامية في بحثه هذا، ومن ثم، فإنه ليس علمانيا؛ لأنه لم يدعُ إلى فصل السياسي عن الديني، بل العكس، وهذا جوهر الخلافة التي تجمع بينهما.

 

محمد الورداشي

............................

المراجع والمصادر:

مقدمة ابن خلدون، إعداد محمد الشربيني، دار فروس للنشر والتوزيع، القاهرة.

 

 

حسيب الياس حديدجان ريفيرو وجان والين (1)

ترجمة الدكتور حسيب الياس حديد


هنالك صفتان رئيسيتان تصف هذه الحالة  الاولى تمتلك الادارة بخصوص متعاقدها اولاً  وقبل كل شيء امتيازات ليس لها ما يكافؤها في العقود الخاصة وتنتج اما من شروط في العقد أو من قواعد عامة واجبة التدقيق على كل عقد اداري وتكون ملازمة لطبيعته . ويتجلى ذلك في  التنفيذ الاعتيادي وفي فرض عقوبات على عدم التنفيذ أو سوء التنفيذ . والثانية  ان لعدم المساواة الاساسية حد معين فيما يتعلق بالجانب المموّل إذ ان المتعاقدين ينتفعون من الضمانة التي يتجاهلها القانون الخاص والتي تميل إلى ان تضمن في كل حال من الاحوال استعمال  الادارة لامتيازاتها فيما يخص مكافأة تتناسب والمواد الاولية .

امتيازات الادارة

أ) التنفيذ الاعتيادي

كما هي الحال مع أي متعاقد تطلب الادارة من الطرف الاخر تنفيذ التزاماته كما نص عليها هذا العقد . ويعدّ التزام التنفيذ شخصياً وان المتعاقدين من الباطن والذين بواسطتهم يعهد المتعاقد مع الادارة الى مؤسسات أو شركات خاصة اخرى كأطراف معينة لتنفيذ العقد يجب ان يتم تخويلهم ( القانون في 14-3-1973 القانون المؤرخ في 31-12-1975 ) وكذلك العقد المبرم بين الاشخاص الخاصين ما عدا الاستثناءات التي تم ذكرها في فقرة 109من قانون العقود. وتسمح  القوة القاهرة حصراً للمتعاقد بان يتخلص من ذلك فإذا ما كان هنالك ما يجعل ان يخفي موضوع او  محل العقد فإنه سوف يتم فسخه بحق تام , وفي الحالات الاخرى يستطيع المتعاقد  الانتفاع بذلك عن طريق الطلب من القاضي بالفسخ ولكن من ناحية اخرى نلاحظ :

1- ان العقد كقاعدة عامة يحفظ للادارة الحق اما ان تدير أو ان تراقب عمليات التنفيذ . وفي حالة الاعمال العامة على سبيل المثال فإن مهندسي الادارة الخاصة بالجسورمثلاً يستطيعون الوصول إلى اماكن العمل.

2- هل تستطيع الادارة تعديل التزامات متعاقدها بصورة احادية الجانب؟ تتعارض هذه السلطة للتعديل احادي الجانب مع المبدأ الاساسي في القانون الخاص لثبات العقود وعدم تغييرها ومن حق احد اطراف الاعتراض على ذلك. اما بالنسبة للفقه فقد وضع حدّا لهذا الجدل  من خلال التأكيد على مبدأ  واضح وهذا ما اقرّه ( مجلس الدولة في –شباط-1983 ، اتحاد النقل العام 1984 ) ولا يوجد  إلا ترجمة لأولوية المصلحة العامة والتي متطلباتها يمكن ان تتغير مع الوقت ولا يمكن ان تخضع للفشل بواسطة القواعد التعاقدية الثابتة . وتستطيع الوزارة ان تزيد وتعدّل وتقلل الالتزامات المتعاقدة . وتم فرض هذه القاعدة بالنسبة لامتيازات المرافق العامة كما اقر ذلك مجلس الدولة  فإن المتنازل له في مجال الانارة بالغاز تم اجباره بعد اكتشاف الكهرباء والتكيف للتقنيات الحديثة ( مجلس الدولة الغاز في دوفيل ليروان ، 10-1-1902 ) وهنالك ايضاً مدينة في طور التوسع يمكن ان تفرض على المتنازل له من شبكة الترامواي واستحداث خطوط جديدة لا ينص عليها العقد ( مجلس الدولة لـ 21-3-1910 ) وهنالك حدود ايضاً مقيدة تسمح  بالجدل العقائدي الذي تم التأكيد عليه سابقاً بتحديد اساساً للحاجة لتكييف الخدمة إلى موقف جديد ولا يتبرر ذلك إلا بدافع . والأكثر من ذلك وما ورائه حجم معين من التعديلات يستطيع المتعاقد الطلب من القاضي ان يصدر حكما بفسخ العقد . ومن ناحية اخرى لا يمكن ان يعتبر التعديل احادي الجانب ضمن تخفيض الفوائد المالية الممنوحة للمتعاقد . وأخيرا فإن ذلك يصبح بفوائد مالية تمنح للمتعاقد ويسمح ايضاً بحق الحصول على الالتزامات المالية وفق الالتزامات الجديدة .

ب) العقوبات في حالة الخطأ في التنفيذ

حول هذا الموضوع تختلف  التزامات الادارة باتجاهين:

1- إذا كانت الادارة قد ارتكبت خطاً يسمح القانون العام للمتعاقد بأنه يقوم بالدفع بعدم تنفيذ العقد من أجل تعليق التنفيذ من التزاماته الخاصة به ولكن يبقى  الشخص ملتزما بالتنفيذ مهما كان خطا الادارة ويستطيع فقط ان يلزم القاضي بدعوى التعويضات أو طلب الفسخ في حالة وجود خطأ جسيم .

2- في حالة خطا الشخص مثل الاهمال وسوء العمل والتحايل والإبطاء فإن الادارة لها ايضاً سلم واسع من العقوبات التي تمثل سمات اصلية مقابل القانون الخاص.

أ‌) تم توجيهها ليس فقط نحو فصل الارباح وإنما ايضاً نحو تنفيذ فعلي طبقاً لمتطلبات المصلحة العامة .

ب‌)  يوجد هنالك  خارج المقررات الخاصة بالعقد وما ينص عليه  وتتمتع الادارة بصلاحيات  حتى في حالة صمت العقد ان تصدر العقوبات التي تتكافأ مع النقص المثبت (مجلس الدولة 31-5-1907)

ت‌) وبصورة خاصة تم اتخاذ قرار بصورة احادية الجانب من قبل الادارة من دون أي تأكيد مسبّق على الخطأ من قبل القاضي وبعد التحرك  ضمن اطار العملية التعاقدية اعادة ظهور اجراء معين للقرار التنفيذ وللامتياز والسمة بالقوى العامة. تشكّل ممارسة مثل هذه الامتيازات التزاما حقيقياً بالنسبة للإدارة. ويرفض القاضي وفي حالات نادرة قانون التخلي عن ذلك والعمل على ادانة المتعاقد الفاشل ( مجلس الدولة في 21-7-1970 ) ولا تسمح  القاعدة إلا باستثناء : استحقاق المتنازل له للخدمة العامة لا يمكن الحكم عليه إلا من قبل القاضي نفسه .

ث‌) يستطيع المتعاقد ان يدعو القاضي لعقد جلسة  ويتم دفع تعويضات أو غرامة تعويضية

3) العقوبات الرئيسة تكون على ثلاثة انواع:

أ) العقوبات المالية:

اما ان تكون مشروطة بالعقد نفسه أو ان تلعب دوراً اوتوماتيكياً عندما تنتج لنا النقص المنصوص عليه وكذلك العقوبات التعاقدية .

ب) العقوبات الموجهة من أجل ضمان التنفيذ

على الرغم من الاخفاق أو عدم تنفيذ المتعاقد الشريك فإن الادارة في هذه الحالة تستبدل نفسها على اقل تقدير بصورة مؤقتة وان تأخذ على عاتقها التنفيذ باليد .

بالنسبة لإبرام العقود ترتبط  الادارة وبقوة عندما يتعلق الامر بتنفيذ العقد وتنص على الصلاحيات التي لدى المتعاقد والتي لا يمتلكها . وفي الحقيقة، يمثل  النظام واجب التطبيق على العقود  الادارية خصوصيات مميزة بحقيقة ان مهمة المصلحة العامة التي تتبعها الادارة تقع في الاولويات وهكذا فإن الذي يبرر ويشرّع السلطات المفرطة لهذه الاخير هي الادارة . وهكذا نجد ان المتعاقدين للإدارة لا يحرمون من امتيازات. وفي الحقيقة يتم التأكيد على ان المتعاقد له الحق في التوازن المالي للعقد . وهنالك خصوصية اخرى للعقود الادارية تستمدها من التأثير الذي يمكن ان تتمتع به الوقائع الخارجية للعقد على ذلك وهنا يتعلق الامر بإدارة الحالات الخاصة بالقوة القاهرة وبواقعة الامير وكل ما هو غير متوقع .

مفهوم النية المشتركة للأطراف

ان مفهوم النية المشتركة للأطراف عبارة عن بيانات اساسية في القانون الخاص التعاقدي إذ يستند  النظام القانوني للعقد وبصورة اساسية على ارادة الاطراف . كما ان البحث عن هذه الارادة يعد المسعى الاول الذي يفرض نفسه على القاضي من أجل ان يحدّد معنى ومدى الالتزامات التي تم الاتفاق عليه .

وندرك  ان القاضي الاداري يتمسك غالبا في هذه الارادة أو النية المشتركة للأطراف  ويستعمل المبادئ الخاصة بالتفسير التي تم تعريفها ضمن اطار المادة 1156 والمواد التالية لها من  القانون المدني الفرنسي . فإذا ما استعمل القاضي الاداري مفهوم النية المشتركة للأطراف من أجل تحديد مدى الالتزامات التي تمت صياغتها والاتفاق عليها في العقود فانه سوف يذهب ابعد من ذلك إذ يستند  القاضي القضائي على المفهوم ذاته من أجل توضيح حلول اصلية معينة يتمسك بها ضمن اطار تنفيذ العقود .

مدى القوة الالزامية للعقد

تم التعبير عن القوة الالزامية للعقود في المادة 1134 من القانون المدني الفرنسي . وعندما يتمسك العقد الاداري بالقانون الخاص بالإدارة والمتعاقدين أكد مجلس الدولة  مراراً  على المبدأ في القرار المشروع فيما يتعلق  بالغاز في برونو وهو قرار اكد عليه مجلس الدولة وعبّر عن هذا المبدأ بصيغة محددة وقد ورد  عن مجلس الدولة ما يأتي ( بما ان هذا المبدأ الذي يتم الاعتماد عليه فإن العقد ينظر وبصورة قطعية إلى حدود المدة الزمنية التي ينقضي فيها حيث انه يحدد الالتزامات الخاصة بالإدارة والمتعاقدين ) .

القوة الالزامية للعقد تترجم عن طريق التزام انجاز الخدمات المنصوص عليها

يؤكد  القضاء وبثبات على التزام التنفيذ الذي يقع على عاتق المتعاقدين في الادارة . وان هذا بدوره يجب عليه ان ينفذ الالتزامات المنصوص عليها وبصورة صحيحة وبكل دقة واهم شيء بنية حسنة . كما تخضع  الادارة نفسها من جانبها لالتزام تنفيذ العقد بدقة وبصورة صحيحة وبصورة كلية . ويعترف القانون الاداري بناءً على ذلك كما هي الحال مع القانون المدني بالمسؤولية التعاقدية التي طالما اكد عليها الفقه .  وإذا كان لدينا مبدأ القوة الالزامية يجب اعتبارها مبدأ اساسيا ينظم تنفيذ العقود لهذه الحالة ولابد من ان نعترف بان ذلك يواجه قيودا مهمة . فالمبدأ الذي تم التعبير عنه في متن المادة 1134 من القانون المدني تؤكد على الاطراف واجب تنفيذ الشروط المنصوص عليها  وتعد هذه الالتزامات ممكنة ولا يمكن تعديلها إلا بموافقة الاطراف. ولذلك هنالك موقف مساواة بين المتعاقدين .

وعندما نعتبر بان وضع الادارة للحالة التقليدية فإنه من الممكن ان تساورنا بعض الشكوك حول المدى الحقيقي لهذا المبدأ . وفي الحقيقة ترى  الادارة نفسها بأنها معترف بها من قبل القاضي الذي يعترف بسلطة تعديل شروط معينة وبصورة احادية الجانب وأيضا هنالك سلطة على انهاء العقد بصورة مبكرة . وهنا نؤكد بانه يمكن للإدارة ايضاً ان تعمل على تنفيذ القوة الالزامية للعقد وتستطيع الادارة في بعض الاحيان ان تتنصل من بعض الالتزامات التي تم الاشتراط عليها وتستطيع ان تشرط على المتعاقد التزامات جديدة .

لقد تم توضيح  السمة الالزامية للعقد والثبات والمساواة بين اطراف. إلا اننا سوف نرى ان هذه الامتيازات المختلفة تخضع بدقة للقانون وتصبح ايضاً لنظام فقهي وقضائي محدد بصورة جيدة . ويمكننا ان نستنتج ان ذلك يشكّل ومن دون أي شك اختراقات ومخالفات لمبدأ الثبات للشروط التعاقدية ولكن لا يعني ذلك انكار أو نفي للقوة الالزامية للعقد .

  

ترجمة الدكتور حسيب الياس حديد

كلية الحدباء الجامعة – الموصل

...........................

1- Jean Rivero et Jean Waline: Droit administratif,DALLOZ ,Paris ,1996

 

ترجمة د. هبة حازم النعيمي


وجدت السرقة منذ ازمنة سحيقة وَوَرَدَ ذكرها في تاريخ الشعوب عبر الحقب الزمنية المتعاقبة ولكونها جريمة تحتاج الى عقوبة رادعة وظاهرة سلبية لها اثار سيئة تلحق بالغ الاثر في المجتمع بدأ الانسان ومنذ اقدم العصور بسن تشريعات معينة ورادعة للحيلولة دون ارتكابها وخضعت التشريعات الى اجتهادات من قبل اصحاب الشأن، فمنهم من ذهب الى انزال اقصى العقوبات لتصل الى عقوبة الاعدام للقضاء عليها، ومنهم من وضع تشريعات اقل صرامة منها. فقد تطرقت المواد (7، 8، 9، 12، 16، 23، 24) من قانون حمورابي الى جريمة السرقة، وتنص هذه المواد على قتل السارق. اذ نصت المادة السابعة على انه " اذا سرق رجل حاجة تعود الى اله او قصر يُقتل ذلك الشخص ويُقتل الذي استلم المسروقات من يده ". في حين نصت المادة العاشرة على انه: " يقتل السارق اذا ثبت انه يبيع مفقودات وهي ليست مفقودات". ونصت المادة الثانية عشرة على انه: " اذا لم يجلب صاحب المفقودات شهود اثبات على موجوداته يُقتل " ومن جهتها نصت المادة السادسة عشرة على انه: " اذا سرق رجل ابن رجل صغير يقتل ". واخيرا نصت المادة الثالثة والعشرين على انه: " اذا قام رجل باللصوصية وضبط يقتل ذلك الرجل ". وهكذا نجد ان هذه المواد مشددة للغاية وصارمة بحيث لا تترك أي مجال للتهاون فيها. وقد توالت القوانين على مر الدهور حتى في عصر ما قبل الاسلام كان يتوجب على السارق ان يظهر ما سرقه، وباستطاعة الرجل المسروق ان يعلن اللعنة على السارق، وكان الناس يخشون اللّعان ولذلك كان السارق يعيد ما سرقه، وكما هو معروف ان الحد لم يكن يقام على الشريف وانما يقتصر على الضعيف، وجاء الاسلام الحنيف بالتشريع الحاسم للحد من هذه الجريمة، وورد هذا التشريع في الاية (38) من سورة المائدة، اذ يقول الله سبحانه وتعالى بسم الله الرحمن الرحيم: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). هنا تأتي خاتمة التشريعات، فالمراد باليد المذكورة في الاية الكريمة اليمين وفي قراءة عبد الله بن مسعود (فاقطعوا ايمانهما)، وقال ايديهما ولم يقل يديهما لانه اراد اليمين، واليد عند جمهور اهل اللغة من رؤوس الاصابع الى الكوع. والحكم الالهي هنا لا يخضع لاية مساومة فهو الحد، والحد احد العقوبات الثلاث المنصوص عليها في التشريع مع القصاص والتعزير، ولا يخضع الحد الى اجتهاد في التشريع، وما روي بشأن المخزومية التي سرقت معروف، وقول رسول الله (ص): " انما هلك من كان قبلكم انهم اذا سرق فيهم الشريف تركوه، واذا سرق فيهم الضعيف اقاموا عليه الحد، وايم الله لو ان فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ". وقال (ص): " لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده " والسارق الذي يقام عليه الحد البالغ العاقل العالم بتحريم السرقة. وهناك تفاصيل حول قدر النصاب الذي تقطع به يد السارق وتفاصيل اخرى بخصوص سرقة الثمر المعلق وغيره وسرقة مال فيه شبهة، كأن يسرق الولد من مال ابيه، والعبد من مال سيده. وهناك كلام كثير بخصوص من يسرق اول مرة ثم يكرر السرقة فقد ورد انه في المرة الاولى تقطع يده اليمنى، واذا سرق ثانية قطعت رجله اليسرى من مفصل القدم. وهناك اختلاف في حالة تكرار السرقة ثالثة ورابعة وخامسة، وان يتم تعزيره ويحبس حتى تظهر توبته، والتوبة شرط اساس ولكنها لا تسقط القطع ولا بد من التوبة بعد القطع. ولو تدبرنا المعاني العميقة للاية الكريمة لاكتشفنا الكثير فيها. فقد قال الاصمعي: قرأت يوما هذه الاية: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ….)، وكان اعرابي يجلس بجانبي فعندما انهيت الاية وقلت والله غفور رحيم. قال الاعرابي: كلام من هذا ؟ قلت كلام الله تعالى. قال: ليس هذا بكلام الله. فطلب مني اعادة قراءة الاية الكريمة، وتنبهت فقلت: (…. وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، فقال الاعرابي: نعم هذا كلام الله.

فقلت: اتقرأ القرآن ؟ قال: لا. قلت فمن اين علمت اني اخطأت ؟ فقال: يا هذا عز فحكم فقطع فلو غفر ورحم لما قطع. وقد اعترض الكثير من الغربيين على هذا الحكم واعتبروا ان هذه العقوبة صارمة جدا، ويدعون ان عقوبة السجن كافية وكان اثر هذه الفلسفة انها لا تستند الى منطق سليم، وادت الى زيادة جرائم السرقة بحيث ان السارق يسرق وهو مطمئن لا يخشى شيئا الا ذلك السجن الذي يطعمه ويقضي العقوبة التي فرضها عليه القانون الوضعي ويخرج من السجن وهو الى الاجرام اميل والى الشر اقدر. وبناء على ما تقدم اوجد الاسلام الحنيف العقوبة الرادعة حقا والتي هي العلاج الناجع والشفاء النافع لمعالجة هذه الظاهرة الخطيرة، واستطاع الاسلام بهذا التشريع ان يجتث الشر من اعمق جذوره وجعل من قطع اليد الردع الكابح للمجرمين، ويكون بذلك قد نظم الحياة الاجتماعية ووضع حدا لكل التجاوزات التي من شأنها ان تقوض المجتمع والنظام العام الذي يقوم عليه، فلم تسن هذه التشريعات الا لخدمة البلاد والعباد.

يلقي الضوء على القوانين البابلية القديمة التي تتعلق بالسرقة والاختلاس، وسيكتشف القارئ الكريم كيف ان قوانين حضارات العراق القديم العظيمة تصدت بحزم لهذه الظاهرة المدمرة في المجتمع.  

لاحظ ويست بروك ان القانون الجنائي في بلاد الرافدين يختلف عن القانون الجنائي الحديث. فالجرائم كالقتل والزنا والاغتصاب والسرقة والاختلاس التي يعاقب عليها القانون الجنائي في الوقت الحاضر تمت معالجتها بصورة مختلفة تماما على اساس مختلف عن الاساس الذي تقوم عليه الانظمة القديمة. اذ تمنح هذه الجرائم حقا مزدوجا من جانب الطرف المتضرر او عائلته اما الانتقام او قبول دفع دية بدلا من الانتقام. وليست لدينا سوى نصوص قليلة تدون وقائع المحاكمات في بلاد الرافدين، وبحوزتنا نص سومري واحد يدون محاكمة بجريمة قتل وتنفيذ حكم الاعدام ضد

القاتل. وفي الوقت نفسه لدينا نص سومري اخر يصف محاكمة بجريمة قتل، اذ قررت المحكمة بموجبه اعطاء زوجة القاتل وبناته عبيدا لاولاد الضحية فضلا عن ذلك نص قرار المحكمة بان يتقاسم اولاد الضحية ممتلكات القاتل.

والحقيقة الواضحة هي ندرة المصادر والوثائق وهذا يجبرنا على الاعتماد على مجموعة القوانين الخاصة بالقانون الجنائي والمتوفرة لدينا. وتتضمن هذه المجموعة مواداً قانونية تعالج انواع عديدة من الجرائم مثل القتل والسرقة والاختلاس والاغتصاب والتزوير، ومن الاهمية بمكان ان نشير الى ان القانون الجنائي الذي يتسم بالغرابة والمليء بالالغاز يتمثل بمجموعة قوانين بلاد الرافدين القديمة ومنها قانون اور – نمو (2112 – 2095 ق. م.). فقد ورد في متن القوانين مادة تـنص على ما يأتي: " اذا تصرف الانسان بانفلات امني سوف يقتلوه " وهي المادة الثالثة. نجد ان النقطة التي تجعل هذا القانون يتسم بصعوبة التفسير هي ما تعنيه كلمة " انفلات امني " فقد وردت حرفيا " بصورة غير قانونية " او تعني ايضا " بلا قانون " او " غياب القانون ". من المحتمل ان ذلك يشمل اساءة التصرف بدرجة تستوجب عقوبة الاعدام علما ان موادا اخرى من مجموعة مواد قانون اورنمو اوضحت ان الانحرافات البسيطة لا تعتبر جرائم كبرى.

ففي موضوع جرائم السرقة نلاحظ ان معظم انظمة القانون الجنائي تعالج موضوع السرقة والسطو والنهب بصورة مختلفة. وكقاعدة عامة تعد " السرقة " عملية سرقة خلال ساعات النهار، في حين ان " السطو " هو عملية سرقة بالليل اما السلب فهي عملية غالبا ما تستوجب مجابهة بين الضحية والمعتدي. وطالما ان درجة الخطورة على ارواح الناس تكون كبيرة في التسليب والسطو، فان هاتين الجريمتين تخضعان لعقوبات صارمة أكثر من السرقة. وهنا لا بد ان نذكر ان الباحث ليمانز ناقش الفعل الاكدي الذي غالبا ما تتم ترجمته من قبل الباحثين بالفعل " يسرق "،

" يسلب "، ولم يتم التمييز بينهما بدقة في القوانين البابلية القديمة ويرجع سبب ذلك الى حقيقة ان السلب يتضمن السرقة والسلب يتضمن ايضا العنف والتخويف.

وعلى كل حال لاحظ ليمانز بان قوانين حمورابي تميز بدقة بين هاذين المفهومين. ولكنه اردف قائلا: بانه ليس بالامكان ترجمة المفاهيم تلك بالفقه القانوني الحديث فان كل من المصطلحين " Saraqu " و " habatu " لا تتزامنان مع المفاهيم الحديثة للسرقة والسلب مع نية السرقة. ومن ناحية اخرى نجد ان اصلاحات اورو- انيمكينا وهي تعد الاصلاحات الاقدم في بلاد الرافدين لمعالجة الفساد الاقتصادي، تضمنت بعض المواد المتعلقة بالسرقة، وهناك مثال واحد يوضح حالة تتعلق بالسلب جاءت من محاكمة تفيد بان المدعى عليه ضرب المدعي وسرق ثيرانه. وبعد ان رفض المدعى عليه اداء القسم مدعيا بان الشاهد كاذب اعترف بالجريمة ولا بد من ان يدفع للمدعي غرامة قدرها (30) شيقل من الفضة. وفي القانون السومري هناك سرقات عديدة حملت معها عقوبات تستند الى قيمة الممتلكات او الاموال المسروقة. وبصورة اعتيادية صدر امر من القضاء يقضي بان يقوم السارق بدفع ما يعادل قيمة الاموال المسروقة. وعلى سبيل المثال، يتوجب على السارق ان يدفع ضعف قيمة قارب تمت سرقته. اما في مواد قانون حمورابي، نجد انها حددت بعض المواد القانونية مبالغ تعويض السرقة مثل سرقة الة زراعية (مثلا يجب دفع (5) شيقل تعويضا عن سرقة محراث).

ويعتقد درايفر ومايلز ان التساهل في مثل هذه العقوبة وفي هذه الحالة بالذات يعود الى حقيقة ان هذه الالات الزراعية قد سرقت من قبل بسبب تركها في الحقل، ويتصور الشخص الذي يجدها في الحقل انها متروكة وقد تخلى عنها اصحابها. وقد ورد ايضا في القوانين ان الراعي يُدان اذا قام بتغيير علامة (وشم او وسم) الاغنام وبيعها حيث يتوجب عليه دفع عشرة اضعاف قيمتها كتعويض. وعلى الرغم من ان هذه الجريمة تم تصنيفها على انها سرقة يتعامل القانون مع جريمة الراعي كقرينة قضائية مثل جريمة المودع لديه ففي هذه الحالة يترتب على الراعي دفع مبلغ تعويض ولا يعاقب بعقوبة الاعدام (المواد 253 – 255 من قوانين حمورابي).

ولا بد من الاشارة الى ان هذه السرقات لا تعاقب بالسجن او العقوبة الحسية، وانما بتعويض نقدي. اما بالنسبة للراعي الذي غيّر علامة الاغنام واحدث اضرارا لا بد من ان يدفع عشرة اضعاف قيمتها، وربما تكون الاضرار اعلى وذلك بسبب انعدام الثقة. ويلحق هذا اضرارا كبيرا بالعلاقات التي تسود بين الناس في المجتمع. وهناك قانون اخر يفرض دفع غرامة في مجال ايداع الامانات. فاذا ما فشل المودع لديه بتسليم السلع مثلما وعد الشخص المودع، فان المودع لديه عليه ان يدفع خمسة اضعاف مبلغ السلع التي ايداعها لديه. ويثير الباحثان درايفر ومايلز اهتمام القارئ عندما ذكرا بان المادة (120) من قانون حمورابي والتي تنص على موضوع سرقة الحبوب من قبل المودع لديه يشابه كثيرا وفي نواحي عديدة القانون الانكليزي العام. ويبدو ان المبدأ العام واحد.

ومن ناحية اخرى تعاقب المادة السادسة سرقة " الاشياء الثمينة " من المعبد او القصر او استلام اشياء مسروقة من معبد او من قصر اذ تعاقب المادة السادسة هذه الجريمة بالاعدام. ومن جهتها تنص المادة الثامنة على انه عندما يقوم شخص بسرقة ثور او اغنام او حمار او خنزير او قارب من المعبد او القصر عليه ان يدفع غرامة قدرها (30) ضعفا. وبكل وضوح هناك عدم تجانس بين المادتين السادسة والثامنة، ربما تكون المواشي الواردة في المادة الثامنة اقل قيمة من المواد المذكورة في المادة السادسة ونجدها وجود مادتين قانونيتين منفصلتين الاولى تقوم على اساس العقوبة الكبرى وهي الموت في حين* تستند الثانية الى الاضرار النقدية ويكتفى بدفع عشرة اضعاف ثمن المادة المسروقة اذا كانت السرقة من مكان عادي وليس المعبد او القصر واذا لم يكن للسارق موارد كافية لدفع التعويض ستكون عقوبته الاعدام.

 

ترجمة الدكتورة: هبة حازم النعيمي

كلية الآثار  / جامعة الموصل