عصمت نصارإذا ما شرعنا فى مواصلة الحديث عن خطابات التنويريين فى الثقافة العربية الحديثة، تلك التى ارتدت عباءة الأدب للتعبير عن حقيقة مشروعاتها والمسكوت عنه من أفكارها؛ فإننا سوف نتطرّق إلى أكثر الخطابات انزواءً فى دائرة الظل، ألا وهى (المقامة الفكرية فى المملكة الباطنيّة)، تلك التى كتبها العالم، الأديب، المُربي، المعلم، المترجم، الوزير، عبدالله باشا فكرى (1834 – 1890م).

ولما كان هذا العالم من الذين لم يحظو بقدر موفور من الشهرة أو الاهتمام من قبل المثقفين العرب، فسوف نترجم له قبل تحليل مقامته والكشف عمّا بها من أفكار وآراء.

هو عبدالله فكرى بن محمد بليغ، وُلد بمكة أثناء عمل والده هناك بالجيش المصري، من أب مصري وأم يونانية، فتلقى تعليمه الأوّلى فى المدارس الدينية بمكة، وبعد عودته التحق بالأزهر فى الحادية عشرة عقب وفاة أبيه حتى أتم دراسته، وخلال هذه الفترة عمل مترجماً فى قلم الترجمة، فقد ترجم العديد من القوانين من التركية إلى العربية، ثم رشحه أحد أساتذته للعمل كموظف فى معيّة سعيد باشا (1822-1863م)، وذلك نظرًا لإجادته اللغة التركية التى أخذها عن أمه، ذلك فضلاً عن أدبه الجم وسعة درايته بالآداب السلطانية والنهوج التربوية والأساليب التعليميّة. وبعد إتمام دراسته فى الأزهر ألحقه الخديوى إسماعيل (1830-1895م) بالقصر، وسافر معه إلى الأستانة عدة مرات بجانب عمله مؤدباً لأبنائه توفيق وحسن وحسين.

وفى القصر تعرف على «على مبارك» (1823-1893م)، الذى أُعجب بأفكاره الإصلاحية فى ميدان التعليم، ونشأت بينهما صداقة قويّة مفعمة بالتقدير والحب المتبادل فعينه وكيلاً لديوان المكاتب الأهلية بنظارة المعارف عام 1871م، ثم عينه وكيلا للنظارة عام 1876م ومنح لقب البكويّة. وأثناء عمله الحكومي كان يحرّر المقالات الأدبية والنقديّة والتربوية على صفحات المقتطف ووادي النيل وروضة المدارس، وقد لقبه معاصروه ببديع زمانه، وابن سهل وذلك نظراً لفصاحة شعره ودقة نثره وجمال أسلوبه فى السّرد.

ولعل أشهر مقالاته هى تلك التى كتبها رَدَّاً على الكاهن الكاثوليكي الأنطاكي جبريل جبارة (1839- 1925م)، الذى كذب فيها القائلين بدوران الأرض، زاعماً بأن كل النظريات الفلكية الحديثة باطلة شرعًا، وأنها تحث على الكفر بالكتب المقدسة. وقد أثبت عبدالله فكرى صحة دوران الأرض حول نفسها وصدق النظريات الفلكية التى شرحها يعقوب صرّوف على صفحات «المقتطف»، وقد جُمعت مقالات عبد الله فكرى فى هذا الموضوع ونشرت فى روضة المدارس عام 1876م، وبَيّن فيها فضل علماء العرب وفلاسفتهم فى علوم الفلك مثل: البتاني (858 - 929م) والطوسي (1201-1274م) والنيسابوري (933-1012م)، كما أكد أن القول بثبات الأرض لا يُرد إلى الوحى، بل إلى العالم الروماني بطليموس (327-283 ق.م)، وقد كذّبه بعد ذلك كوبرنيكوس (1473-1543م) فى كتاباته الفلكية، وعليه لا ينبغى على رجالات الدين الجهلاء بالعلوم الفلكية الزّج بالدين فى ذلك المعترك لصد الجمهور عن تعلم العلوم الطبيعية.

رَاحَ مفكرنا (عبدالله باشا فكري) يجدّد دعوة حسن العطار لإدراج العلوم الحديثة ضمن المناهج الأزهرية، ولا ريب فى أن جهود مفكرنا فى ميدان التربية والتعليم، بالإضافة إلى مقالاته الأدبية وقصائده الشعرية قد لفتت أنظار المثقفين إليه فدعاه جمال الدين الأفغاني إلى مجلسه، وتعرّف هناك على عبدالله النديم وأديب إسحاق وأحمد عرابي ومحمود سامى البارودي، وتأثر بوجهتهم الثورية فى مكافحة الفساد والتدخل الأجنبي فى شئون مصر، غير أنه كان أميل للتنوير الهادئ والإصلاح عن طريق التوعية، والتعليم شأن الأستاذ الإمام محمد عبده، ولكن ثوريّة الأفغاني وتلاميذه قد فرضت روحها على الأحداث.

وفى عام ١٨٨١، ضمّه على مبارك إلى عضويّة المجلس العالي للمعارف، وفى العام التالي اختير عبدالله فكرى ناظرًا للمعارف، ومنح لقب الباشوية، ثم جاء الاحتلال الإنجليزي واتُهم مفكرنا بمشاركته فى الثورة العرابية وسُجن بضعة أشهر، غير أن التحقيقات أثبتت براءته، ذلك بالإضافة إلى شفاعة الخديوى توفيق الذى تتلمذ على يديه.

وفى عام ١٨٨٤م، سافر إلى مكة لأداء فريضة الحج، ومنها إلى فلسطين لزيارة القدس والخليل، ثم إلى لبنان، وهناك التقى محمد عبده - أثناء نفيه فى بيروت - وتوطدت العلاقة بينهما. ولا غرو فى أن هذه الواقعات السياسية قد جعلته ينصرف تمامًا عن مدرسة الأفغاني ونهجها الثوري ويمضى مع على مبارك ومحمد عبده فى خطتهما لتجديد الفكر الإسلامي، وقد انصبت معظم جهوده لإصلاح حال التعليم بداية من المنشآت التعليمية إلى المناهج والمواد الدراسية وتدريب المعلمين لرفع كفاءتهم.

وفى عام ١٨٨٩م، قبيل وفاته اختير رئيسا للوفد العلمي فى مؤتمر استوكهولم، والتقى هناك بكوكبة من المستشرقين على رأسهم الروسي جوتولد، والألماني فون كريمر، والهولندى دى خويه، وقد قدم فى هذا المؤتمر بحثين أولهما فى شرح القصيدة الهمزية لحسان بن ثابت، بيّن فيها العلاقة بين اللغة والأخلاق والتاريخ عند العرب، أما البحث الثانى فخصه بالحديث عن التعليم فى مصر والمدارس الأميرية وتطورها، وقد حرص أثناء إقامته فى السويد على القيام بزيارات قصيرة لمعظم عواصم الدول الأوروبية المجاورة. وقد دوّن مشاهداته فى كتاب من أروع كتب أدب الرحلات المبكرة فى العصر الحديث، وعنونه: (إرشاد الألبَّا إلى محاسن أوروبا)، وقد تولى نجله أمين فكرى نشره عام ١٨٩٢م.

برنامجه الإصلاحي:

أمّا عن برنامجه الإصلاحي، فيمكن تلخيصه فى عدة نقاط:

- الدعوة إلى تعميم التعليم الأولى فى شتى ربوع مصر، وقد وضع خطة لتطوير المكاتب الأهلية وتحديث مناهج الكتاتيب، وحثّ الأعيان على بناء المدارس، وترغيب الجمهور فى إرسال أبنائهم لدور العلم.

- تحديث أساليب الإنشاء سواء فى الصحف أو فى الدواوين الحكومية وتدريب المترجمين ومحرري الأخبار والقرارات على استخدام الأسلوب العلمي المتأدب فى الكتابة والابتعاد عن الركاكة اللغوية من جهة، والأساليب المقعرة المفعمة بالمحسنات البديعية والصنعة البلاغية من جهة أخرى.

- الدعوة إلى إنشاء مجمع للغة العربية لضبط المصطلحات المعربة ووضع قواعد للاشتقاق لاستيعاب المعارف الثقافية الوافدة وتصنيف معاجم لغوية وفنية حديثة، وقد تأثر فى ذلك بدعوة أحمد فارس الشدياق.

- إخضاع مدارس الإرساليات الأجنبية التى يلتحق بها المصريون لرقابة الوزارة للإشراف على مناهجها وطرائق تدريسها للمعارف المختلفة، موافقا فى ذلك الإمام محمد عبده.

- نشر الثقافة العلمية بين شبيبة المثقفين ونقض الصراع المتوهم بين الدين والعلم والتراث التليد والفكر الوافد الجديد. وقد تجلى ذلك فى نقده الكتب المسيحية والخطب الأزهرية المعادية للروح العلمية الحديثة مسايرا يعقوب صروف.

- العزوف عن التعصب الملى والطائفي والدعوى للحوار بين الأديان الإبراهيمية الثلاثة، وإزكاء روح المواطنة بين المصريين.

- الدعوة لتأسيس لجنة من كبار العلماء والأدباء لمراجعة الكتب قبل نشرها، ولم يقصد من ذلك الحجر على الأقلام والحد من حرية المفكرين، بل ثقل الملكات الإبداعية ورفع مستوى الكتاب والناشئين وإنقاذ الرأى العام من ضلالات الجهلاء والحمقى والرجعيين.

أمّا عن كتاباته الأدبية النثرية، فكانت تجمع بين رصانة الصياغة وسلاسة الأسلوب وبساطة العبارات وعدم المبالغة فى البديع. أمّا من حيث المضمون؛ فكانت أنموذجًا أصيلًا يجمع بين الهزل والجد والأخلاق والعلم والفلسفة فى سياق واحد، فقد كتب مفكرنا ثلاثة أعمال أقرب إلى القصص القصيرة منها إلى المقامات أو الروايات المطولة، وهى:(قصة حُسن الوفاء)، والثانية (قصة العمّال والبطّال)، أمّا الثالثة فهى أقرب إلى المقامة فى ثوبها اللغوي، وهى (المقامة الفكرية فى المملكة الباطنية) التى سوف نقوم بتحليلها.

للنقد ضروب ومقاصد:

إذا كان للشك ضربان، أولهما منهجي علمي، ومقصده هو التثبت للوقوف على حقيقة ما، أو إثبات واقعة أو وضع قاعدة، فالثاني ارتيابي ومذهبي مطلق، ومقصده هو إنكار المطروح ورفض المعروض ونقض الثوابت وهدم كل أشكال وآليات الاستدلال، فللنقد ضربان أيضًا، أولهما مباشر ومرسل وأقرب إلى التقارير العلمية فى صياغته ومضمونه منه إلى الأساليب والقوالب والخطابات الأدبية التى يتميز بها الضرب الثانى، الذى يتخذ من النهوج الفنية والتصورات الإبداعية للخطابات النقدية- غير المباشرة- تلك التى ترمى إلى التقويم والإصلاح وتوعية الأذهان من جهة، وحمل هموم وعذابات وصرخات وآراء أصحابها تجاه الواقع والأغيار من جهة أخرى، أى إن النقد فى ضربيه يسعى إلى البناء انطلاقًا من معايير وقواعد وأسس علمية أو قناعات الأنا الناقدة المبدعة وميولها وانتمائها، وقد ينتهج الناقد فى أعماله الفنية والأدبية وكتاباته الفلسفية أسلوب الرمز والتعمية رغبة منه فى حماية خطابه من السلطات المحيطة، أو حجب مضامينه عن أعين العوام الذين تحول ثقافتهم بين فهمه على الوجه الصحيح أو مناقشته أو قبوله، وقد حاول مفكرنا عبدالله فكرى الجمع بين دربي النقد فى صياغة مقامته بعد اختبار آرائه وعرضها على مائدة الشك المنهجي والتأكد من صلاحيتها فى الميدان التطبيقي.

أما عن المقامة الفكرية التى نحن بصددها فهى عبارة عن رسالة مترجمة عن اللغة التركية مجهولة المؤلف، ويرجع أصلها إلى نصوص مترجمة إلى التركية من بعض اللغات الأجنبية، فهى ترجمة عن ترجمة، وقد قرأها عبدالله فكرى -على حد زعمه- وأعجب بما حوته من أفكار وآراء، غير أن كاتب هذه السطور يشك فى ذلك التأصيل، أى رد النص لمؤلف مجهول ولغة مجهولة.

وعندي أن عبدالله فكرى ادعى ما ادعاه اتقاء وتحسبًا لما قد يحدث من الجامدين أو الحاقدين، فيحرفون الكلم عن موضعه ويتهمونه بما لم يقل، وعلى أى حال؛ فقد أعاد مفكرنا صياغة تلك الرسالة المجهولة، وأضاف وعدل وحذف من نصوصها بالقدر الذى يوافق رؤيته وبغيته والثقافة العربية التى يريد نقلها إليها. كما راق له أن ينشئها فى قالب المقامة لتكون أكثر سهولة على القارئ من جهة، وجاذبة لأواسط المثقفين الذين يحلو لهم هذا اللون من ألوان الأدب الجامع بين الهزل والجد وقوة البيان فى التعبير ودقة المعانى والدلالات فى صياغة الأفكار من جهة أخرى. ولا ريب فى أن عبدالله فكرى قد تأثر تأثرا كبيرا بنهج أحمد فارس الشدياق (١٨٠٤-١٨٨٧م) فى الإحالات المعرفية والتعمية الرمزية التى تحتاج إلى قدر من الحصافة وإمعان العقل لتأويل الألفاظ، وكشف ما تستره من مرامي وأغراض، ولعله كتبها على هذه الصورة اتقاء للسلطات القائمة «القوة الرجعية أو سلطة القصر»، الأمر الذى يعفيه من الحرج والمساءلة، لا سيما لكونه رجل دولة من الطراز الأول، فقد كتبها أثناء عمله وكيلا لنظارة المعارف.

أما السياق القصصي الذى نسج به مقامته؛ فقد انتحله من السابقين عليه بداية من ابن المقفع ونهاية بعلى مبارك، ولعل عمله بالتدريس وتهذيب الأمراء فى القصر- كما أشرنا- هو الذى رغبه فى محاكاة أسلوب المقامة فى النقد والتوجيه والتوعية والإصلاح، وقد ظهرت طبعتها الأولى سنة ١٢٨٩هـ/ ١٨٧٢م، ثم أعيد طبعها فى مجلة (روضة المدارس) فى العام التالي.

ومن أقوال عبدالله فكرى عن منهجه فى صياغة هذه المقامة، يقول: «كنت عثرت فى بعض أسفاري سابقا إلى القسطنطينية، دار الخلافة السنية، بكتاب لطيف الأسلوب باللغة التركية، يعرف بالمملكة الباطنية، وأصله من بعض الألسن الأجنبية، فنقلته إلى اللغة الشريفة العربية، بصورة مقامة أدبية، وضممت إليه بعض زيادات أظنها لا تخرج عن المطلوب، وتصرفت فى عباراته على أصل والأسلوب».

لعل أول ما نطالعه من هذه الرسالة هو عتبتها أى عنوانها الذى يشير منذ البداية إلى مناحها الرمزي (المقامة الفكرية فى المملكة الباطنية) فالمقامة الفكرية تعنى نسبتها إلى عبدالله فكرى وذلك ما ينبأ عنه المعنى الظاهر، أما المعنى الخفي فيدل على رغبة المؤلف فى تنبيه القارئ إلى أن هذه المقامة تحتاج إلى تدبير وتفكير وتأمل، ويعبر الشطر الثانى من العنوان (فى المملكة الباطنية) عن عالم التصوف وما فيه من كشف وخيال وإلهام وغير ذلك من دلالات ومعانى تناقض مملكة الظاهر والمحسوس، أما الدلالة الخفية فتعبر عن رحلة فى جوهر الأنا الإنسانية، ذلك العالم المغلق الشاغل بالكهوف والأنفاق والأسرار والأحاديث التى لا يسمعها أو يفقه مغزاها إلا ذلك المتربع على عرش تسيسها، ألا وهو العقل - إن شئت - أو قل القلب أو الضمير.

ولعله أراد بحث الأمور السياسية للدولة فهى بمثابة القلب والأحشاء ومكمن الأسرار والقوى الصانعة للقرار.

أما عن أبطال المقامة فيتمثلون فى القوى العلوية التى سمحت للمؤلف بالسياحة فى تلك المملكة، والمرشد الذى يصحبه وقد جعله فى علم (الخضر) ولى الله الذى ارتشف من بحر العرفان الحقائق اليقينية، وحكمة لقمان المستنبطة من الدربة والدراية والخبرة والتجريب، ذلك بالإضافة إلى عصبة من النسوة تمثل قيم الاستقامة، العفة، الجمال والفتنة، التى تلعب دور اللذات والشهوات المادية الحسية، بالإضافة إلى البصيرة والعدالة وقد جعلهما أعلى سلم القيم المؤثرة فى صنع القرار وتسيير أمور الدولة وفق المعمول به فى المدن الفاضلة، وهناك شخصيات ثانوية كثيرة تكشف عنها الأحداث، شأن (الحرص، الشجاعة، التردد، التهور) التى تجسدت فى صور بشرية تسوس الحكومة ويشاورها السلطان فى اتخاذ القرار.

ويمكننا أن نلاحظ من التعريف بأبطال المقامة شجاعة مفكرنا وسعة أفقه ورؤيته التقدمية، ويبدو ذلك فى مشاركته النساء فى أمور الحكم، وجعله أعلى درجات الإلهام والعرفان والآراء الصائبة والأفكار النيرة على لسان (البصيرة) وهى بين القيم تشغل مقام الريادة، ومن الملك تجلس على كرسي الوزارة ورأس الاستشارة.

وأعتقد أن ما ذهب إليه عبدالله فكرى فى هذا السياق لا يتعارض مع أصول الموروث، ولاسيما ما كان عليه النبي وصحابته فى الثقافة الإسلامية، فكانت للمرأة مكانتها فى البيت وفى المسجد وفى دور العلم وأمور الحرب أيضًا، وذلك على النقيض مما نجده فى القصص الرمزي اليوناني، على وجه الخصوص والحكايات الغربية على وجه العموم، فعلى الرغم من رفع الأساطير الإغريقية من مكانة المرأة فى سلم الأرباب وجعلها ربة للحكمة، إلا أنهم فعلوا النقيض فى أقاصيصهم، وألقوا بالمرأة من فوق درك السفالة والخسة، وجعلوا أفروديت أساس كل شر. ولعل هذه المقابلة تؤكد أن عبدالله فكرى لم يكن مترجمًا فى صياغة أفكار مقامته، فلو كان كذلك ما حدثت هذه المفارقة فى توزيع أداور أو شخصيات حكايته.

وأول ما يصادفنا من متن المقامة تلك الإشارات الرمزية التى يحيلنا المؤلف فيها إلى أن أفكاره وآراءه وتصوراته لم تخرج عن كونها بنات شرعية للذاكرة والخيال والعقل وحسن الأسلوب، وأن وجهته النقدية مقصدها هو الإصلاح وتسوية الأنفس وتقويمها من النواحي الذوقية والأخلاقية، وذلك بالتزام الوسطية الشرعية والموضوعية العقلية فى تقدير الأمور والفصل فى القضايا العملية والحياتية.

ويستهل مفكرنا خطابه بمخاطبة الأنفس وإرشادها إلى ضرورة الاحتكام إلى العقل والانتصار لمحمود الأخلاق والابتعاد عن الهوى واللذات المذمومة والشهوات المحرمة وذلك بقوله «إن العقل فى المملكة الإنسانية كالملك الكبير والبصيرة له بمنزلة الوزير الناصح المشير، والهوى كالجليس الخائن والصاحب المداهن، فيستعين العقل برأي البصيرة فى الأمور، فترشده إلى الخيرات وترده عن الشرور، إلا إذا غلب الهوى على العقل باعه للشهوات والجهل، فإنه يحسن له القبائح ويدعوه إلى ارتكاب الفضائح وإهمال ما تبديه البصيرة من النصائح.. فمن غلبت بصيرته على هواه فاز بالمني والسلامة، ومن غلب هواه على بصيرته وقع فى الغواية والندامة».

ويناقش مفكرنا قضية التحسين والتقبيح وحرية الإرادة الإنسانية، نازعا مع الصوفية إلى أن العقل ليس فى مقدوره وحده عصمة النفس عن الهوى وحمايتها من الغواية والمطامع وزينة الشهوات، فما أكثر الوقوع فى المهالك من جراء التقديرات الخاطئة والخيارات الفاسدة، وينصح مفكرنا بالبحث عن الحل والخروج من دائرة التردد إلى تحكيم القلوب والاحتكام إلى العلوم الربانية والإلهامات الروحية، والقيام برحلة سياحية فى الممالك الباطنية.

لم يقنع عبدالله فكرى بتلك المشاهدات المثيرة والمواقف الخطيرة التى عايشها خلال سياحته داخل النفس الباطنية، فأراد أن يشاهد بنفسه كيف يمارس الملك (العقل) مهامه فى حكم دولته، وأن يقف بالتفصيل على مراكز القوى فى حاشيته أو معيته، ثم يراقب عن قرب كيفية صناعة اتخاذ القرار والدروب التى تسلكها المناقشات بين الحضور بإقناع الملك بالرأي الأصوب، فقد تصور بطل المقامة أن كل القيم المحمودة والمذمومة قد تحولت إلى شخصيات تتساجل وتتحاور حول القضايا المعروضة على الملك الذى يعرضها بدوره على وزرائه وعماله طالبًا المشورة والقرار الصائب، فيروى بطل القمامة أن العين والأذن قد نبهت الملك وأخبرته عما رأته وسمعته عن ذلك الطامع الغادر الذى جاء معتديًا ومحتلًا.

وراح بطل المقامة يحدث نفسه: هل يمكن للنظام الجمهوري والممارسة الديمقراطية أن تصل إلى البصيرة والحكمة وغير ذلك من القيم العليا التى لا تفارق العقل وتعينه على اتخاذ القرارات وتأتى بالرأي الصواب حيال هذه المسألة؟ ويبدو أن بطلنا كان أقرب للشك فى قدرة هذا النظام على تباين ثقافة أفراده وطبائعهم على الوصول إلى الرأى السليم، ولعله تأثر بأفلاطون الذى ذهب إلى أن جهل الجمهور وقلة خبرة العوام لن تمكنهم من تدبر المسائل وانتخاب الحلول المقترحة، ثم المقابلة بينها وانتقاء الأصلح للتطبيق، أضف إلى ذلك افتقار معظم أفراد الشعب إلى قيمة الاعتدال، وذلك لأن طبائعهم الحسية والمادية هى التى تقودهم وتحول بينهم وبين الاتفاق على قرار واحد، فالأحاسيس والمشاعر نسبية ومتغيرة ولا ضابط لها يحكمها ويعصمها عن الوقوع فى عثرات الهوى وحبائل الشهوة، وعليه لا ينبغى الاحتكام إلى رأى العوام فى أمور الحكم والسياسة، بل البحث فى الطبائع البشرية عن ذلك الحكيم العاقل الفطن المجرب الذى تقوده حكمته وخبرته وأخلاقه إلى تسييس أمور المدينة أو الدولة على نحو يوفر لمواطنيها الحياة الكريمة الآمنة العادلة، ويحقق لهم السعادة. فالحكم الأمثل عند أفلاطون هو حكم الفاضل العاقل المستنير، وذلك على العكس من الساسة الديمقراطيين الذين أتت بهم الصناديق والعصابيات والمصالح الشخصية إلى كرسي الحكم دون أدنى وجه استحقاق، فالكثرة العددية هى التى انتخبتهم فحسب، فخطر المواطن الجاهل على الدولة محدد، أما خطر السياسي الجاهل فعليها عظيم المآل، فالسياسي الديمقراطي الجاهل ينحاز دوما إلى قيمة الحرية غير عابئ بمقاصدها أو مآلات ممارستها، فى حين أن الفيلسوف ينظر للقيم جميعها نظرة الطبيب إلى الأدوية ليختار منها المناسب لعلاج الواقعة أو الحالة أو المرض، ذلك على الرغم أن من بينها أو فى بعض تراكيبها المر والسم، أضف إلى ذلك أن المتعصب للحرية لديه دوافع لممارسة الأنانية والرعونة والجنوح والتطرف أكثر من ذلك الحكيم العاقل.

وها هو عبدالله فكرى يحاول البرهنة على ذلك من خلال تلك الجلسة التى حضرها فى المملكة الباطنية. فذهب إلى أن معية الملك جمعت بين الجاه والنخوة والغضب والحسب، وجلسوا بجوار البخل والجمود والكسل والخنوع، فراق للفريق الأول مجابهة العنف بالعنف بغض النظر عن معوقات الواقع وملابساته، فالحماسة هى التى كانت تقودهم، وذهب الفريق الثانى إلى الحديث عن تكلفة الحرب ومدى استعداد الجيش والمخاطر والأهوال التى تخلفها الحروب وقيمة الصبر التى يجب على الشعب انتحالها عند مجابهة الشدائد، وجاء على لسان الجبن والرعونة «لم تأتِ هذه المملكة الأجنبية بما يغضبنا، وإن كانت أيضا لم تجيء فى الحقيقة بما يعجبنا، وهب أنها أساءت إلينا وظلمتنا، فالأولى أن نصبر على أمرها ونطويها على غرها ونتغافل عن شرها»، وجاء على لسان الحلم والخوف «من جبن سلم، ومن تهور ندم، ومن غرس الحلم شجرًا جنى العز ثمرًا».

وقد أراد عبدالله فكرى من ذكر هذه الأقوال على ألسنة الممثلين للقيم لإثبات تهافت منطقهم وزيف أقوالهم وخطورة آراءهم على سياسة الدولة، وكل ذلك من جراء ممارستهم للديمقراطية المزعومة. وينتقل بطلنا إلى شخصيات أخرى مثل المال والكرم والسخاء الذين رفعوا شعار «من جاد بالمال نال الآمال واستمال الرجال وسلمت نفسه من الأوحال»، بينما ذهب الشح والبخل والحرص على المال إلى رفع شعار «من رشى عدوه أعانه عليه، وبقاء المال للأقارب خير من الاحتياج للأجانب». ورغم ذلك نجد بطلنا يمتدح المشورة ومحاورة الأغيار واحترام رأى الآخر، غير أنه يشترط أن تكون المشورة فى أهلها، يقصد الحكماء والعلماء والخبراء، ومن ثم فهى لا تصلح للعوام أو الدهماء، وذلك لأن جميعهم يحكم بمقتضى قناعاته الفردية، فالأناة ترغب فى التمهل فى حين أن الحسم والجرأة والإقدام يرغبون فى العجلة. ولم تفكر الأناة أو العجلة فى طبيعة الواقعة وملابساتها أى أن قرارهما لم ينبع من دراية بل من عاطفة. وإذا ما قابلنا شعارتهم برأي (شخصية العدل) «إن مقتضى الاعتدال النظر فيما نقل عنه ونتأمل لفظه ومعناه ونعامله بما يقتضيه من سلم وقتال، فنسير مع كل أحد من الناس حسب سيره». سوف ندرك الفارق بين الحكيم الفيلسوف العاقل المستنير وبين العوام من الناس.

وصرح كل من العفة والبصيرة والاستقامة والحياء والخيال بتأييدهم لرأى العدل وحذروا فى الوقت نفسه العقل من دهاء الشهوة والغفلة والمداهنة مبينين أنهن يملكن القدرة على قلب الأشياء إلى ضدها وتبرير الآثام وتجميل القبح والرذيلة فى عيون الغافلين «إنهن يصورن كل شئ بغير صورته، فالمداهنة تجلى الحق فى صورة الباطل، والصدق فى صورة الكذب، وتضل الشهوة بسحرها القلوب، وتخرج الغفلة العقول عن نهج الاستقامة المطلوب».

أما مثال الخيال - وهو المشخص لقيمة الإبداع - فقد أدرك أن نجاة الملك فى نصرة البصيرة لكى يسود رأيها ويقوى على كل المفسدات والشرور، ولما تحقق ذلك انطلق الخيال مبتهجا معلنا بأنه علة استقرار المملكة، فأصابه غرور وضله ظنه، فحسب سرير البلاهة عرش الحكمة العقلية والاستقامة العدلية، وأراد أن يتربع عليه، فوقع من فوقه وصار أضحوكة وصارت حكايته من بين الحكايات مصكوكة، ثم أدرك أن كل ما رآه محض خيال، فرجع وتاب عن ذلك الحال، وأراد أن يحكى تجربته لتصبح مثلًا وفصلًا بين عظيم الأقوال.

السياسة والديوان:

لا أعرف على وجه الدقة من بين فلاسفة الثقافة الإسلامية أول من ربط بين صلاح الحاكم وفساده، وخصال أعوانه ووزرائه ومعاونيه، ولا تلك الرؤى السياسية الأخلاقية التطبيقية التى أكدت أنه إذا جمعت حاشية السلطان بين العالم الخلوق، والمبدع الورع، والناصح الأمين، والمحنك الرزين، انعكس ذلك بالإيجاب على سلوك المملكة والدولة وأخلاقيات الرعية وبرهنت على دُربة الحاكم وفلاحه فى قيادة أمته وتسييسه لشئون الحكم ورعايته لصالح العباد، أما إذا تصدر معيته أراذل الناس وأسافلهم من المتملقين والمنتفعين والناقمين والحاسدين والطامعين وتجار الكلمة والمتآمرين، أنبأ ذلك عن فساد السلطان وعجل بزوال ملكه وحكمه وفساد الأمة.

ولعل ابن المقفع والثعالبي (٩٦١- ١٠٣٨م) وابن جماعة (١٢٤١-١٣٣٣ م) من أوائل الحكماء فى الثقافة العربية الإسلامية الذين طرقوا هذا الباب، وأكدوا ضرورة توخى الحاكم الحذر فى اختيار وزرائه وندمائه ومستشاريه والقائمين على القضاء والجيش وبينوا أن أثرهم على قرارات السلطان وتدابيره وأحكامه وتقييمه للمسائل المطروحة عليه لا يمكن إنكاره، فيأخذ من بعضهم العلم والخبرة والدربة والدراية فيما خفى عليه من أمور، ويلتمس عندهم المشورة ويستعملهم فى إنفاذ أوامره، ويسمع منهم أخبار الرعية. وقد توسع فلاسفة الأخلاق والسياسة المسلمون فى تبيان أهمية معية الحاكم، وأفردوا فى كتبهم فصولا للحديث عن صفاتهم وخصالهم والآداب التى يجب أن تتوفر فيهم، وانتهى معظمهم إلى أنه إذا اجتمع الملك الفاضل والوزير الصالح الناصح، أحرى بالمملكة أن تكون ساكنة، هادئة وأحوالها وأعمالها على النظام جارية، وطرق التجارة والمواصلات آمنة، والأسعار مناسبة وفى متناول الجميع، ونفوس الرعايا هادئة وراضية، وفى السلم والأمن والعدل مطمئنة.

وأعتقد أن عبدالله فكرى قد تأثر بهذا الطرح أثناء كتابته للشق السياسي الذى عالجه فى مقامته، فقد صور الصفات الحميدة والخصال الدميمة فى الشخصيات المحيطة بكرسي الحكم، وبين مبلغ أثرها على السلطان ومدى تأثره بها، وذلك بأسلوب تمثيلي لا يخلو من بصمة إبداعية.

وحسبي أن أؤكد أن مقامة عبدالله فكرى لا يمكن إدراجها ضمن الآداب السلطانية المباشرة، وحجتى فى ذلك أن متنها خال تماما من أى إشارات توجيهية للحاكم أو الأمراء الذين تولى تربيتهم وتعليمهم فى القصر الخديوى – كما أشرنا سلفًا -.

أضف إلى ذلك أن أسلوب المقامة الملغز لا يتفق مع لغة النصح والإرشاد والتوجيه الذى آلفناه فى كتابة هذا اللون من المؤلفات الأخلاقية.

أما وجهته الإصلاحية ونزعته التربوية الأخلاقية التى روج لها فى الصفحات الأولى من المقامة فهى لا تخرج عن كونها سنة أو نهجا متبعا فى كتابة المقامات، ولاسيما الحديث منها الذى اتخذ من نقد الواقع المعيش سبيلا لتقويم السلوك والأخلاق والمعتقدات.

وإذا ما انتقلنا إلى الموضوع الثانى الذى طرحه عبدالله فكرى فى مقامته فسوف نجده هو السياسة وشئون الحكم. فقد انتقل مفكرنا بذكاء ودهاء وحنكة وحرفية متقنة الى ميدان السياسة فنألفه يفاضل بين الحكومات القائمة على النظام الجمهوري فى الحكم والديمقراطية فى التشريع، ويرى أنها لا تخلو من مواطن الجور والاستبداد والزور والاستغلال، وأن أفضل منها هو الحكم الملكي الذى يكون الأمر فيه لذلك المستبد العادل (المفقود) الذى يغلق بحكمته أبواب الانقسامات والخلافات والفتن، ويقود بصدق نيته الأمة إلى ما فيه خيرها، ويقول: «ظننت أن إدارة الحكم فى المدينة بالجمهورية لا بالملك والاستقلال، وزعمت أن ذلك سبب ما أراه فيها من الفتنة والاختلال، كما يقع عادة فى الممالك الجمهورية من مثل هذه الأحوال بسبب ما يظهر فيها من الفرق المتعارضة وما يكون لهم فى أحكامهم من الآراء المتناقضة، فهذا ما ذهبت بادئ إليه وعولت فى توجيه أحوال المملكة عليه، ولكن لم يتيسر لى فهم ما رأيته بحقه، ولم أعرف من بينهم أحدا أثق به وأعتمد على صدقه فبقيت متفكرا مضطربا متحيرا».

وأعتقد أن عبدالله فكرى ينتحل فى هذه المقامة نهوج التورية والتعمية ورمزية عكس الدلالة، فظاهر القول يفيد بأنه ضد الجمهورية أو ضد النظام الجمهوري الديموقراطي ومؤيد للملك العضوض والنظام الفردي الأوتوقراطي الذى يتفق مع المنحى الصوفي، غير أنه ينبه القارئ بذكاء شديد على أن حديثه لا يعبر عن اليقين أو ينطلق من فوق منبر الحق، ويبدو ذلك فى قوله هذه الإشارات (ظننت - زعمت - لم يتيسر لي فهم - متحيراً) وكلها أساليب تفيد الارتياب والشك فى صحة الاستنباط والاستدلال، ويضيف عبدالله فكرى أنه وجد فى هذه المملكة الخيالية الباطنية رجلا يتميز بالفراسة وإتقان علوم السياسة، فأخبره أن ما رآه من أوضاع ونظم وأحوال لا يعبر عن الحقيقة، بل إن واقع الأمر أن هذه الدولة تحكم بسلطان عاقل مُلهم ساقته الأقدار إلى أن يتولى أمور تسييسها، ليقود الرعية بحكمة الباري والعدالة الإلهية، وأن جزاءه عند الله وحسابه موكل إليه عند السؤال عن تلك الأمانة التى ألقاها على كتفيه. وأعلم أن ذلك السلطان أو الحاكم ليس معصوما، وذلك لأنه ليس من الأنبياء ولا الأولياء، وأنه يستمد الحق من رجاحة عقله ومن قدرته على حنكته فى تسييس أمور مملكته، ومن ثم فالصواب والخطأ فى الاجتهاد محتملان، والذى يغلب إحدى الكفتين هو حسن الإدارة والتدبير واتصاله بالجماهير ونزاهة المشورة والوزارة.

يروى مفكرنا أنه أراد التيقن من صدق حوار ذلك الدليل - الذى اصطحبه من بداية الرحلة - فسأله عن البرهان، فطلب منه أن يتبعه ليصلا معا إلى مقام السلطان، وفى الطريق وقف بطل الحكاية (أى عبدالله فكري) ليستمع إلى أحاديث العوام – إن شئت أو قل المغرضين من مزيفي الوعي - الذين أدركوا غربته وقلة خبرته بأمور السياسة، فأرادوا أن يضللوه وصرحوا له بأن كل ما سمعه من الدليل وهم وخيال، وراحوا يشككوه وبالبلاهة والسذاجة يتهموه، غير أنه لم يجنح عن سبيله وراح يتعقب الدليل، ويتبع خطاه ليظفر من الحق بالقليل، فقابلته جماعة أخرى من الظرفاء - تجار الكلمة - يلتف حولهم جمع كثير، فظنهم بطل حكايتنا أرباب الحكمة ورجالات التدبير، غير أن الدليل أشار إليه بأنهم أصحاب هرج ومرج، وأن فى الإصغاء لهم مضيعة للوقت وعطلة عن بلوغ الهدف، فتركهم بطلنا وانصرف إلى أن وصل مع الدليل إلى بهو شاغل بالأنوار والرايات ومزدحما بالجمهور من رجال ونساء وشيوخ وأولاد وأكابر ونبلاء وصعاليك وعباد، وحال الزحام بين عيون بطلنا ورؤية ذلك الحاكم الهمام، ويقول: «لم أميز شكل العقل الحاكم فى ذلك القطر بوجه اليقين وعلى صورة التعيين، لكن رأيت كثرة ماله من الأنوار فوق ما لغيره من الحصار، وما يعلوه من الهيبة والوقار، فأخذت بالظن والتخمين أنه العقل المشهور، وتأكيد ما فهمته من ذلك بأخبار دليلي المذكور، ثم نظرت إليه فرأيت عنده امرأتين ظريفتين عفيفتين قد زانهما الحسن والجمال وعلاهما الأدب والكمال (هما العدالة والفضيلة)».

ويمضى مفكرنا فى وصف معية العقل أو إن شئت قل حاشية ذلك الملك، فوقع بصره على امرأة ذات دلال ظاهر تسحر العقول بألفاظها وعلى رأسها تاج من الورود وتنطق بلسان معسول لا يلاقى من سامعيه إلا الرضا والقبول، فمال بطلنا إليها، غير أن الدليل نزع الستائر المسدلة عليها، وأخبره أنه افتتن بنظراتها الحميمة وهى فى الحقيقة نموذج للشهوة الدميمة. ومن الذين رآهم حول العرش نماذج للغب (أى البعد والشقاق) والحسد وحب الجاه، وجميعهم يمثل معاول الهدم لأركان الملك لا يقل خطرهم وأذاهم عن السيف والرمح والجهل والفقر والشح، ولا خطرهم عن النسيان والهرم (أقصى الكبر والضعف) على الذاكرة وغيبة الدليل على النفوس الحائرة، وعلى مقربة من هؤلاء أبصر بطل الحكاية الكبر والدناءة وجها إلى وجه، أما العدل فوجده وسط الكرم والبراءة والشرف والنزاهة جالسين يتهامسون فى أناة ووقار بجوار الأمن يفصل بين الحضور ويكون للنظام حارسا، وعلى مقربة منه امرأة يحيطها الجمال والكمال والجلال، فتأكد له أنها البصيرة، وذلك لأن الملك يعتبرها منبع الحكمة ونعم المشيرة، ويقول على لسان الدليل: «سألت الدليل عن خبرها، فقال هى البصيرة المعروفة بحسن آرائها، وهى أعظم أمرائنا، وسلطاننا يوقرها ويخشاها ويحذرها، ويستنهض العامة والخاصة لموافقة آرائها، وقد يقع بينهما الشقاق وتنحل روابط الإتقان، فيظهر كل منهما لصاحبه الخصومة، فتختل عند ذلك أمور الحكومة، ويتغلب فى خلال ذلك الاختلال طائفتا الأغراض النفسية والخصال المحمودة».

وأعتقد أن عبدالله فكرى قد استطاع إلى حد كبير التصريح بأمرين: أولهما: أن المجتمع المصرى المتطلع للحرية غير مستعد لتطبيق الديمقراطية فى ميدان السياسة، وأن ذلك لا يرجع لعجز فيه، بل يرجع إلى قلة وعيه وتسلط المغرضين على العقل الجمعى، وتعمدوا تجهيله وحرمانه من الأناة والتريث وآليات النقد الفاحصة للأمور قبل تقييمها وإنفاذها. بالإضافة إلى خلو معية الحاكم من المختلفين المتعاونين، أو إن شئت قل التضاد المثمر، وعليه فهو يفضل الحكم الأوتوقراطي المحاط بمعية أرستقراطية تجمع بين العلم والفضيلة والحسم والأناة والعدالة والرحمة وعين الواقع وآفاق الخيال. ولعله أراد بذلك التصور التأكيد على أن قيادة الصفوة المستنيرة العاقلة هى الأفضل لحكم البلاد فى متنفس يجمع بين الحرية الواعية والأخلاق العملية الناجعة.

أما الأمر الثانى، فيتمثل فى حثه المفكرين على تعويد الحاكم على منطق الحوار الذى يحتكم إلى التجربة والبرهان فى الفصل بين الأمور المتشابكة والآراء المتعارضة والقضايا المطروحة، وتنبيهه فى الوقت نفسه على ضرورة غربلة معيته من الندماء والوزراء والمستشارين، فمحاربة الفساد يجب أن تبدأ من الرأس بنفس القوة التى تُقلم بها أظافر صغار العمال.

وعلى الرغم من دراية مفكرنا بأصول كتابة المقامات؛ فإنه قد أخفق فى حبك مقامته من الناحية الشكلية، فالبداية ضعيفة ومشوشة وملغزة والنهاية غير مباشرة، يعوزها الحسم والنتيجة المستخلصة من العظة المتضمنة فى المقامة. والأحداث غير مثيرة. والشخصيات محدودة الأدوار، بداية من شخصية البطل إلى الشخصيات الثانوية، ناهيك عن الدور المزدوج الذى قامت به الأنا الباطنية والراوي السائح فيها. كما أن العقدة الدرامية غير محكمة والحل غير واضح.

وعلى أية حال؛ فإن مقامة عبدالله فكرى قد حركت المياه الراكدة فى الثقافة السياسية المصرية آنذاك. والسؤال المطروح: هل فى مقدور مفكرينا قراءة الواقع السياسي المعيش بعين تجمع بين البصيرة العقلية والمسحة الأخلاقية العملية؟ وهل نحن مؤهلين لما نطلق عليه الديمقراطية فى مؤسستنا السياسية؟ وهل لدينا غربال نضعه فى يمين الحاكم لاختبار عماله؟

 

بقلم: د. عصمت نصّار

 

 

ماهر عبد المحسنأثارت رواية علاء الأسواني الأخيرة "جمهورية كأن" الجدل في أوساط المثقفين والنقاد المصريين .. وقد لاقت الكثير من النقد والرفض من قبل الكثيرين بشكل تجاوز العلمية والمنهجية ليصل إلى حد النيل من شخص الأسواني وعائلته . ولا يخفي السبب وراء هذه الحرب الضروس حول عمل أدبي يفترض ألا يتم التعاطي معه إلا وفق أصول النقد العلمية والمنهجية المقررة في هذا السياق . فالأسواني لم يقدم عملاً فنياً ملهماً يُعني بجماليات النص ويروم الخلود التاريخي الذي يسم الأعمال الكلاسيكية العظيمة، وإنما كان شاغله الأول تقديم رؤية مباشرة تنطوي على نقد اجتماعي وسياسي أثار حفيظة هؤلاء الكثيرين الذين انتفضوا للدفاع عن مواقفهم السياسية المعارضة لاتجاه الأسواني.

والحقيقة أن المضمون الذي قدمه الأسواني في الرواية لم يكن معبراً عن فكرته الأساسية حول ما أطلق عليه "جمهورية كأن" حيث ضاعت الفكرة داخل خضم كبير من التفاصيل والشخوص والأحداث التي من شأنها أن تربك القارئ غير المتمرس وتستفز القارئ الناقد الذي يحمل إيديولوجيا مخالفة.

والإشكال يمكن أن يزول – من وجهة نظرنا – إذا رجعنا إلى أصل الفكرة، التي سبق وأن عبّر عنها الأسواني في مقال بعنوان "تسقط جمهورية كأن"، نُشر في جريدة "المصري اليوم" بتاريخ 10/3/2014م . فالمقال أخف وطأة من الرواية، كما أنه يحمَّل المسئولية للجميع – حكاماً ومحكومين – دون أن يستثني أحداً، إلا أن أهم ما يميز هذا المقال هو الفلسفة التي بني عليها الأسواني رؤيته للواقع السياسي والاجتماعي في مصر خلال الثلاثين عاماً الماضية وحتى قيام ثورة يناير 2011م، ثم أحداث 30 يونيه .

إن "فلسفة كأن" التي يطرحها الأسواني في المقال وفي الرواية، ليست جديدة، بل إنها ضاربة بجذورها في الماضي لما يتجاوز المائة عام تاريخ نشر الفيلسوف الألماني هانز فايهنجر (1852 – 1933) Hans Vaihingerلعمله الفلسفي الرئيسي (فلسفة "كما لو") أو "فلسفة كأن" Philosophie des Als Ob (The Philosophy of “As If” الذي نشر عام 1911 وترجم إلى الإنجليزية عام 1924 من قبل أوجدن C.K. Ogden . وكان في الأصل أطروحة دكتوراة ناقشها فايهنجر عام 1877 . والفكرة الأساسية للكتاب تتضح من العنوان الفرعي "نظام الروايات النظرية والعملية والدينية للإنسانية" حيث يرى فايهنجر أن البشر لا يستطيعون ان يعرفوا حقيقة الواقع الكامل في العالم، وأننا بناء على ذلك نقوم ببناء أنظمة فكرية ثم نفترض أن هذه الأنظمة تتطابق مع الواقع، ونتصرف "كما لو" كانت صحيحة.

وبالرغم من أن فلسفة فايهنجر لاقت نقداً شديداً من قبل الوضعيين المناطقة في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، إلا أنها تركت أثراً كبيراً – بعد الحرب العالمية الثانية – على علم النفس خاصة لدى كيلي، وعلى النقد الأدبي لدى الفيلسوف الأمريكي أرثر فاين، وحالياً ازداد تأثير فايهنجر بشكل كبير على حركة الخيال التي ازدهرت داخل فلسفة العلم المعاصرة.

ويلاحظ أنه بالرغم من الصدى الواسع الذي أحدثته فلسفة "كما لو" لدى فايهنجر خلال المائة عام الماضية، إلا إن هذا الأثر لم يمتد إلى الثقافة العربية بأي حال . فلم يُترجم كتاب "فلسفة كما لو" حتى الآن إلى العربية، ولا نذكر- على حد علمنا - سوى دراسة واحدة تناولت أطروحات هذا الكتاب ذات الأهمية الكبيرة في مجالات العلم والفن والدين قام بها د.أحمد حمدى محمود، ونشرت ضمن سلسلة "تراث الإنسانية" (الصادرة عن وزارة الثقافة المصرية) عام 1968.

وبناءً على ذلك يُستبعد أن يكون الأسواني قد رجع إلى فايهنجر قبل كتابة مقالته "تسقط جمهورية كأن" أو روايته "جمهورية كأن" .

والأرجح أن الأسواني إنما عبّر عن الفكرة من واقع الأحداث الحقيقية الملموسة التي عايشها، واستخلص منها أفكاره المتعلقة ب"فلسفة كأن" من خلال حسه السياسي والاجتماعي والفني.

فإلى أي مدى اقترب الأسواني من فايهنجر أو ابتعد عنه ؟ وما هي أهم ملامح "فلسفة كأن" لدى كل من الأسواني وفايهنجر ؟ وإلى أي مدى يمكن الاستفادة من "فلسفة كأن" – بصفة عامة – في صياغة آلية منهجية نظرية تصلح لفهم وتفسير الظواهر السياسية والاجتماعية والثقافية المحيطة بإنسان هذا العصر بعامة، والإنسان العربي على وجه الخصوص ؟.

هذه هي الأسئلة التي يحاول هذا المقال الإجابة عنها . وفي سبيل التوصل للإجابة سوف نعيد قراءة مقال الأسواني وكتاب فايهنجر مع شيء من الإيجاز والتكثيف.

في مقالة "تسقط جمهورية كأن" لا يهتم الأسواني بالطرح النظري، لأنه

لا يتحدث من موقع الفيلسوف، ولكن من موقع الناقد الاجتماعي والمحلل السياسي . لذلك يبدأ المقال بمشهد واقعي يتخذ شكل المسرحية، وهو مشهد الاستفتاء الذي كان يجريه الرئيس الأسبق حسني مبارك من أجل "تحسين شكل الاستبداد في الداخل والخارج".

ومن أجل ذلك فإن "الديكتاتور يحتاج إلى مسرحية يلعب فيها دور البطولة وحوله مجموعة كومبارس".

ونظراً لطول امد الاستبداد، تنتقل العدوى من السياسي إلى الاجتماعي، وهي المرحلة المفصلية التي يظهر فيها المصطلح الأول مرة عند الأسواني، فيقول : "بعد سنوات من الاستبداد يعيش المجتمع في "حالة كأن" فيبدو كل شيء وكأنه حقيقي بينما هو مزيف" . ولا يتخلى الأسواني كلية عن التنظير، وإنما يدمج التنظير بالتطبيق في وحدة واحدة متماسكة، غير أننا سنعيد تفتيتها لحظياً لأغراض التحليل.

وفي هذا السياق يحدثنا عن اللغة الخاصة التي يعمل النظام على ترسيخها من أجل التعبير عن الواقع المزيف الذي يتم صياغته لأجل خداع الشعب.

"فمع انتشار "حالة كأن" تنشأ اللغة الرسمية للنظام التي هي مجموعة أكاذيب مغلفة بلهجة وقورة، لغة تعلم الشعب ألا يصدقها لأنها تعني بالضبط عكس ما تقول".

والمفارقة الصارخة هنا، أن إدراك الشعب لخدعة الخطاب السياسي الذي يبطن عكس ما يظهر لا تمنعه من الاستغراق في "حالة كأن" .

فبعد انتقال عدوى "حالة كأن" من النظام إلى المجتمع، ينفصل الشكل عن المضمون وينفصل الدين عن السلوك، ويهتم الناس بصورتهم أمام الآخرين أكثر من اهتمامهم بمطابقة تصرفاتهم للمعايير الأخلاقية".

وتشبع المجتمع بجرثومة "كأن" التي زرعها النظام في البداية خلق نوعاً من التواطؤ بين الشعب والنظام بحيث أصبح كلا منهما يتظاهر بأنه يتصرف بنحو حقيقي في حين أنه يتصرف بنحو مزيف، مخالف للحقيقة .

فالدولة تدفع مبلغاً ضئيلاً للمدرس كأنه راتب فيتظاهر بقبوله ثم يتظاهر بالعمل، بينما هو يذهب للمدرسة من أجل التعاقد على الدروس الخصوصية، والمحافظ يتفقد سير العمل في الهيئات عن طريق زيارات مفاجئة يعلم بها الموظفون سلفاً، حينئذ يبدو المحافظ وكأنه نشيط، ويبدو العاملون وكأنهم في منتهى الكفاءة .

ويعتبر الأسواني أن ثورة 25 يناير كانت لحظة فاصلة تخلص فيها المواطن المصري من "حالة كأن" التي كان يرزح تحت نيرها إبان سنوات حكم مبارك .

فالمواطن الذي كان يهتم بنظافة شقته لكنه في نفس الوقت يلقي بالقاذورات في منور البيت وعلى السلم لأنه لا يشعر بأي انتماء خارج شقته، هذا المواطن السلبي المنكفئ على ذاته وأسرته رأيناه بعد الثورة ينزل مع أبنائه ليكنسوا الشوارع ويزينوها.

غير أن الأسواني يعود ليحمّل الإخوان المسلمين مسئولية استعادة "جمهورية كأن" باعتبارهم الوجه الآخر لنظام مبارك، لأنهم – وفقاً لتحليله للموقف – منفصلون عن الواقع، عاجزون عن رؤية الحقيقة، يعيشون في عالم افتراضي ويعتبرون أنفسهم المدافعين الوحيدين عن الدين، ما يمكنهم من ارتكاب أبشع الجرائم وهم يظنون أنهم ينصرون الإسلام . وبالرغم من انحياز الأسواني لخروج المصريين في 30 يونيه وتخلصهم من الحكم الإخواني، إلا أنه لم ير في الأحداث التالية تخلصاً من "جمهورية كأن"، بل على العكس كان هناك – دائماً – من يحاول إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وإحياء هذه الجمهورية المنكوبة "كأن" . ويعقد الأسواني الأمل على الشعب المصري (صاحب الثورة الحقيقي)، الذي لن يهدأ حتى يحقق أهداف الثورة بالكامل، فالثورة مستمرة ومنتصرة لأنها تنتمي إلى المستقبل، وأعداؤها يعيشون في الماضي، وأن أحداً لن يستطيع أن يوقف المستقبل وفي كل الأحوال، لن نتمكن من التحرر من "جمهورية كأن" سوى بالديموقراطية، التي هي الحل أولاً وأخيراً.

وإذا انتقلنا إلى كتاب فايهنجر "فلسفة كما لو"، فإن أول شيء ينبغي ملاحظته أننا إزاء كتاب أكاديمي كان في الأصل أطروحة فلسفية حصل بها فايهنجر على الدكتوراة، وبالتالي فهو يختلف تماماً عن مقالة الأسواني أو روايته من حيث الشكل والهدف والمنطلقات . ففايهنجر لم يهتم بالسياق السياسي والاجتماعي الذي كان يكتب الأطروحة في ظله وإنما كان يعالج إشكالية نظرية ذات أبعاد فلسفية مثالية . وكان يهدف من خلالها تقديم فلسفة تفسر الظواهر الثقافية للإنسان من ناحية، وتكشف عن الأبنية الداخلية لهذه الظواهر من ناحية أخرى.

وبهذا المعنى، لا يُستغرب أن تكون نقطة الانطلاق لدى فايهنجر هي فلسفة كانط النقدية، خاصة تلك المتعلقة بكتابه "نقد العقل الخالص"، وبصفة أخص فكرته عن "الشيء في ذاته" الذي استبعده كانط من دائرة التفكير باعتباره شيء غير محسوس

لا يمتلك العقل القدرة على التوصل إلى ماهيته الحقيقية . فبالنسبة لكانط المعرفة البشرية محدودة بإمكانيات الخبرة الحسية، وهكذا عندما نكوّن أفكاراً لأشياء معينة (مثل الله) تمتد إلى ما وراء التجربة الحسية، فإننا نكوّن أفكاراً لما هو غير معروف . وعلى عكس التجريبيين، لم يستنتج كانط من ذلك أن مثل هذه الأفكار خالية تماماً من القيمة المعرفية، وإنما استنتج أن البشر يمكنهم توظيف مثل هذه الأفكار للمساعدة في توجيه فكرنا وعملنا، وبهذا المعنى تلعب هذه الأفكار دوراً تنظيمياً .

وتعتبر فلسفة فايهنجر محاولة لتوضيح هذه الفكرة وتوسيع تطبيقها بحيث تشمل أفكارا دينية أكثر تحديداً مثل ولادة العذراء . ومن بين الأفكار التنظيمية التي سردها كانط، والتي شملت الله، الروح، الكون، يعلق فايهنجر أهمية خاصة على فكرة الحرية. وهي الفكرة التي لا تعول على السببية في تفسير ما يقوم به الإنسان من تصرفات

وما يصدره من قرارات، بقدر ما تعول على الخيال . فقوانين المنطق نفسها – وفقاً لهذه الفلسفة - ما هي إلا قصص خيالية، وإن كانت خيالية أثبتت قيمتها التي لا يمكن إنكارها . وعلى ذلك، يعتقد فايهنجر أنه ليس مهماً السؤال عما إذا كانت العقائد الأخلاقية والدينية والميتافيزيقية صحيحة بالمعنى الموضوعي، لأن هذا لا يمكن اكتشافه، ولكن ينبغي على المرء أن يسأل عما إذا كان مفيداً أو حتى ضرورياً للتصرف "كما لو كان" صحيحاً . وهو يؤكد على أن مفاهيم "الخيال" و"كما لو" تختلف باختلاف نوع الحقيقة المعنية، والتي قد تكون منطقية أو علمية أو دينية أو أي شيء آخر.

وتعتبر فلسفة "الخيالية" Fictionalism في الفكر المعاصر هي الأقرب لفلسفة فايهنجر . فالادعاء الأساسي بالخيال حول بعض مناطق الخطاب هو أن ادعاءات ذلك الخطاب ليست صحيحة تماماً، بل إنها تقدم نوعاً من الخيال المفيد، على سبيل المثال، عندما يزعم أحد الأشخاص أن "شيرلوك هولمز عاش في شارع بيكر"، لا يعني ذلك أن هناك شخصاً فعلياً يحمل نفس الاسم يقيم في لندن .

ما يقصدونه ربما يكون أقرب إلى، حسب قصة معينة، عاش "شيرلوك هولمز في شارع بيكر". وقد وجد الفلاسفة إن مثل هذه الحالات موحية للغاية.

وقد استفاد علم النفس المعاصر من فلسفة فايهنجر "كما لو"، خاصة في "العلاج النفسي البنائي". وفي هذا السياق قام كيلي بتطوير فكرة فايهنجر بأن الفكر "وظيفة عضوية هادفة" تساعد في التكيف مع المواقف المختلفة والنفسية باعتبارها "قوة تكوين عضوية" يمكن أن تغيّر ما هو معروف في الوقت الحالي من أجل استيعاب المعلومات الجديدة، لتكون أساساً لنظريته في البناء الشخصي البديل .

وتتلخص رؤية كيلي في أن هناك عدداً لا حصر له من الطرق لتفسير العالم. ومن أجل الحصول على منظور جديد محتمل، يحتاج الناس إلى القيام بتخفيف بناءات شيء ما، وإقامة بناءات جديدة لتفسيرها بطريقة أخرى، ومن ثم اختيار هذه الاحتمالات الجديدة من خلال التصرف "كما لو" أن هذه الإنشاءات الجديدة صحيحة. ومن خلال هذا النوع من الاستكشافات المرحة، يصبح السلوك تجربة يستخدمها الناس في اختبار فرضياتهم الشخصية.

وهنا يمكننا أن نميز بين رؤية الأسواني لفلسفة "كأن" ورؤية فايهنجر لفلسفة "كما لو" . فالأسواني كان يتحدث عن الوجه السلبي لفلسفة "كأن"، ويعتبرها داءً عضالاً ينبغي أن يبرأ منه المصريون إذا أرادوا لأنفسهم حياة كريمة تتناسب والثورة التي قاموا بها، وبذلوا من أجلها كل غال ونفيس . في حين كان فايهنجر معنياً بالوجه الإيجابي لفلسفة "كما لو" حتى أنها تحولت في أحد تطبيقاتها إلى علاج (دواء) . لكن هل يعني ذلك أن فلسفة "كأن" أو "كما لو" لا تصلح للتطبيق السياسي والاجتماعي؟ بعبارة أخرى، هل يفقد السياق السياسي والاجتماعي فلسفة "كأن" طاقاتها وفاعليتها الإيجابية ويحيلها إلى نوع من الوهم المريض الذي ينبغي التخلص منه على نحو ما صورها الأسواني؟!

من المؤكد أن الإجابة ينبغي أن تأتي بالنفي، لأن "فلسفة كأن" في صورتها النظرية المتعمقة التي قدمها فايهنجر، إنما هي فلسفة عامة تمتلك مقومات الرؤية الفلسفية الكلية التي يمكن أن تعالج العديد من الظواهر الإنسانية بنفس الكفاءة ونفس الدرجة . وكل المطلوب أن نقوم بتحويل رؤية الأسواني السكونية التي تكتفي بالوصف إلى رؤية فايهنجر الديناميكية التي تتيح التفسير والتأويل، بحيث لا تكون "فلسفة كأن" مجرد غطاء بّراق يخفي تحته واقعاً رديئاً، وإنما تصير استراتيجية تتيح العديد من البدائل أو السيناريوهات المحتملة .

إن التصرف تجاه العالم بنحو يبدو وكأن العالم صادق وحقيقي لهو مطلب ضروري للحفاظ على استقرار البشر فوق هذه الأرض (مادياً وروحياً)، خاصة أنه سيفتح المجال واسعاً لتقبل الآخر إذا تصرفنا إزاءه كما لو كان على حق. وإن كان الأمر سيبدوا عسيراً ومتناقضاً تجاه الرؤى السياسية التي تفرضها الأنظمة الحاكمة من أعلى ولا تهدف إلا إلى خدمة مصالحها، إلا أن قبول هذه الرؤى – مهما كانت حقيقتها المضمرة – والتصرف "كما لو" كانت حقيقية بنحو تكتيكي مرحلي، من شأنه أن يضعها على محك التجربة لاختبار مدى الصدق أو الزيف المتضمن فيها . كما أنه سيمنحنا الفرصة لالتقاط الأنفاس تمهيداً لإعادة البناء وتقديم رؤية بديلة تتفق ومصالح الشعوب المقهورة، المغلوب على أمرها.

 

د. ماهر عبد المحسن

 

مجدي ابراهيملاحظنا في السابق، إشارة السَّهْرَوَرْدِيّ الكاشفة:" أقرأ الكتاب بوجدٍ وطربٍ وفكر. وأقرأ القرآن كأنه نَزَلَ في شأنِك ". ولم تكن تلك الإشارة إلا تجربة عاشها قائلها، فكأنما كانت بالفعل هى حياته، عاشها وتمثلها حتى الرمق الأخير، فصدرت عنه كما لو كانت قطعة من روحه، فاعلة ومؤثرة.

وذكرنا فعل الطرب العلوي واللذة الروحانية تنشأن من أثر القراءة على بصيرة، والآن نود توضيح العلاقة بين الطرب والوجد من ناحية، والفهم والفكر من ناحية ثانية؛ إذْ قلنا إن الوجد والطرب والفكر صفات مجتمعة: خصائص للذاتية الخاصَّة للقرآن يتقدّمها الفهم لا محالة؛ فيأتي الطرب والوجد فيساوقا ذلك الفهم الذي تقدَّم: خاصّة ذاتية تعرفها الحالة الروحيّة، فتشرق في القلب قبل الظاهر المحسوس، ويكتشفها في نفسه المتحقق بها، يقاربها ويتذوقها، ويستشعر آفاقها المتسعة بين ضلوعه وجوانحه، وتكون مع ذلك كالطلاسم المُبهمات لمن لا يدرك لها معنى ولا يصيب منها تحقيقاً (ولكل درجات ممّا عملوا).

فهم القرآن: اتساق الحالة مع الفكرة

وقد يترادف الفهم تحقيقاً مع الفكر، ويقابله مقابلة الشبيه مقابلة واضحة لا غموض فيها. وبما أن الشبيه يدرك الشبيه كما يُقال؛ فالفهم يدرك الفكر ويؤدي إليه من أقرب طريق، ويمدُّ الفكر الفهمَ بأواصر القربة لا محالة؛ فما الفكر هنا إلا الفهم. وما فكر مَنْ فكر إلا مَنْ فهم، وعن الفهم تصدر حالات الوجد والطرب، ولا تصدر مطلقاً بغير فهم ولا تفكير.

فالذي يطرب لمعنى آية من آيات التنزيل هو بلا شك كان قد فهمها في السابق؛ فاتّسع معناها لديه من كثرة التفكير فيها، فطرب لها شعوره وَوَجِدَتْ لديه قواه الباطنة.

ومن هنا جاء الوجد علامة رُقيِّ الفهم الذي يصحب حالات التلاوة على الحضور. فالوجد والطرب حالتان في باطن النفس يتقدمهما الفكر أو الفهم ولا تتقدم هاتان الحالتان على الفكر أو الفهم بوجه من الوجوه؛ فالذي يجد ويطرب لا يجد ولا يطرب من غير فهم ولا فكر، ولكنه يفهم أولاً، أي يفكر ثم يطرب لما عساه يفكر فيه، وهو لا يطرب حين يطرب لغير فهم سابق ولا تفكير متقدّم، وإلا سيكون طربه عَرَضَاً لحالة نفسية مضطربة مجهولة غير مفهومة ولا معلومة؛ لأجل ذلك كان العلم في القرآن بداهةً مُقدّماً على ما عاداه، وكانت المعرفة سابقة على الوهم الذي يعجز معه الاستبصار؛ إذْ ذَاَكَ يطرب الواجد لمعنى يحسّه في قواه الباطنة بعد أن يكون قد فهمه وفكر فيه؛ ليتسق الفكر مع الشعور فلا يوحي بتناقض يفصل الحالة عن الفكرة.

الفكرة في القرآن سابقة (مُتقدِّمة) والحالة لها تابعة (لاحقة) ما في ذلك شك، ولا يحدث العكس أبداً؛ لأنه إذْ ذَاَكَ إنْ حَدَثَ يلغي الفكر والعلم والفهم وكل المفردات والعناصر الفاعلة التي تقوم عليها المعرفة وتستند القيم العليا للإنسان عليها، وتبطلها من أساسها، ليس هذا فقط بل وتقدَّم الجهل والخرافة والوهم والتضليل على العقل والنور والذوق والاستبصار.

تقودنا إشارة "السَّهْرَوَرْدِى" الكاشفة إلى نصِّ هو من الأهمية بمكان، سَبَقَ أن ذكرناه: كان "الزَرْكَشِي" شَرَطَهُ في "برهانه" حيث قال:" أصلُ الوقوف على معاني القرآن التَّدَبُّر والتَّفَكُّر. واعْلم أنه لا يحصل للناظر فهم معاني الوحي حقيقةً، ولا يظهر له أسرار العلم من غيب المعرفة وفي قلبه بدعة أو إصرار على ذنب، أو في قلبه كِبْرِ أو هوى، أو حُبّ دنيا، أو يكون غير متحقق الإيمان، أو ضعيف التحقيق، أو معتمداً على قول مُفَسِّر ليس عنده إلا علم الظاهر، أو يكون رَاجِعَاً إلى معقوله، وهذه كلها حُجُب وَمَوَانع، وبعضها آكد من بعض...".

سَبَقَتْ الإشارة إلى أن فهم القرآن هو أول ما يُقَابلنا؛ ليُشكل بجانب الحضور أركان الذاتية الخَاصَّة للقرآن، وإنما المُرَادُ من فهم القرآن أن تريده وحده هو عينه المُراد من الخَاصّة الذاتية له، وفي تلك الخاصَّة الذاتية بشرى ورحمة:" فبشر عباد، الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسَنه، أولئك هداهم الله، وأولئك هم أولو الألباب" (سورة الزمر: آية  17- 18).

فإذا وصفهم - سبحانه - بأنهم أولو الألباب، كان هذا الوصف وصفاً على المدح العاقل لفهم، من جانبهم، للخاصّة الذاتية في استماع القول وإتباع أحسنه؛ فهو من جهة حدَّد الإطار النظري في كلمة "استماع القول"، ومن جهة أخرى قَرَنَ النظر بالتطبيق تَوَخِّياً للفاعلية العملية (= المعاملة)، أي جَعْل القول مناط "العلم" أولاً، ثم جَعَلَ العمل والسلوك سياجاً حافظاً في المسارعة إلى مَحَابّ الله وتجَنّب مساخطه.

هذه إرادةُ مُغيِّرة تأتي كما لو كانت لبنة جذريّة وأساسية تشكِّل ذاتية القرآن الخاصَّة، إذْ تستحقُ الوصف بالهدى مدحاً غير منقوص ووصفاً بالعقل الذي هو اللب. وذلك ضربُ لا شك فيه من الاعتقاد السَّاري دوماً في فهم القرآن على الصفة المَخْصُوصَة بذاته لا بسواه، ولذاته لا لغيره، من أجل ماذا؟ من أجل "إرادة التغيير".

ولقد سبقت الإشارة أيضاً في الحضور أنه ذو دلالة على قوة العقل يتولد عنها ذكاءُ الذهن، فيقوى الفهمُ ويستبينُ فيه اليقين، ويصفو من ثمَّ مع استبانة اليقين؛ يصفو الذكر مع قوة الفكر في آي القرآن. واعتبرنا أن هذه الخَاصَّة الذاتية التي تترتب على الحضور من موروثات الممارسة ومن ثمار المعاناة في ممارسة الحضور دوماً وفي غير سَهَيَان، وقلنا إن من شأنها أن تتغلغل في عمق داخلي "جُوَّانيِّ" يراها من يطبقها، لا بتعلم ولا باكتساب؛ بل بهزَّةٍ لدُنيَّةٍ مُفَاضة فيضاً من عند الله: فَيْضُ في فضل، وفضلٌ من فيض:" قُل بفضل الله وبرحمته؛ فبذلك فليَفْرحُوا هو خيرٌ مَمَّا يَجمَعُون" (سورة يونس: آية 58).

القرآن والعلم:

لم نكرر هذا المعنى من جانبنا إلا لتوضيح أمرين اثنين، الأول: يتصل بموقف القرآن من العلم، وهو موقف جوهري أصيل يرتبط ارتباطاً مباشراً بحرية العقل المقرّرة سلفاً في الإسلام. والأمر الثاني يتصلُ بشرط الحضور في القرآن؛ كون "العلم" فيه شروعاً في التطبيق، ووقوفاً على المباشرة العملية والممارسة الفاعلة. فأمّا الأمر الأول: فهو الذي نتوقف عنده تلك الوقفة؛ لنُجلي بعض عناصره بالنظر فيما صاغه الأستاذ الفاضل محمد فريد وجدي في مقدّمة المصحف المفسر، وفيما أبداه الدكتور محمد غلاب عن موقف الإسلام من العلم في كتابه "هذا هو الإسلام"؛ ففي هذين الرأيين من تشابه في الوجهة الدفاعية عن الإسلام، وفي توضيح صورة الإسلام الحقيقية خلال تعاليم القرآن ما من شأنه أن يمكننا من ملاحظة قدر انعكاس المعارك الفكرية التي خاضها أمثال هذين العالمين الجليلين مع غير المسلمين من المستشرقين حول الإسلام وقضاياه الكبرى. ومنها على سبيل المثال لا الحصر قضية إنكار موالاة الإسلام للعلم والدعوة إليه والحضّ عليه والإخلاص فيه. واعتبار القرآن - كتاب المسلمين المقدّس - عائقاً للنظر العقلي كما كان يُشَاع لدى بعض المستشرقين.

ولم يكن الفهم - موضوعنا كشرط للخاصّة الذاتية للقرآن - ببعيد مطلقاً عن حرية العقل والعلم، ولم يكن العقل على الإطلاق مضاداً للدين كما هو مقرر في الإسلام؛ فما بين الفهم والعقل والعلم وشائج وصلات لا تختلف كثيراً في روابطها المعرفية وتوجهاتها لوحدة القصد في آي القرآن الكريم؛ فالعلم كقيمة من القيم النافعة الباقية لن تقوم له قائمة بغير إعمال العقل.

ولن يكون للعقل ولا للقيم العقلية والمعرفية وجودٌ فعليّ مؤثر على الحقيقة، بغير الفهم الذي هو أحد الأدوات الظاهرة لشهود العيان في استخلاص القيم المعرفية والعلميّة. ولم يكن الحارث بن أسد المحاسبي (ت243هـ) ببعيد عن الصواب حين صَنّفَ أحد كتبه الممتازة (العقل وفهم القرآن)؛ ليكون إشارة قريبة دالة على توحيد المعرفة العقلية، واتصالها مع فهم القرآن على شرط العلم النافع المُوَجَّه لوَحْدَة القصد.

ولا سبيل لفهم الدين إلا بالعقل الذي تنشأ عن فرط استخدامه ملكات التفكر والتّدبُّر والإحالة والتحقيق.

لقد كانت هنالك دعوى عريضة تبناها نفرُّ من المستشرقين الأوروبيين الذين أرادوا الطعن على الإسلام كان منهم من قال: إنّ الإسلام يحارب الفكر، ويقضي على حرية الرأي، ويحظر على معتنقيه الاشتغال بالعلم الدنيوي، ويقوّض من ثمَّ دعائم الإبداع الإنساني، ولم يبح لأشياعه إلا العناية بالعلوم الدينية؛ وإنه ليعتبر التبحر في العلوم الطبيعة ضرباً من الزندقة التي تستوجب العقاب. وأن القرآن، كتاب المسلمين المقدس، عائقٌ للنظر العقلي كما كان يقول المستشرق الفرنسي (أرنست رينان Ernest Renan (1823- 1892)) الذي أقام تفكيره الاستشراقي كله في التعامل مع العرب والمسلمين على الأفكار العنصرية مُفرّقاً بين العقل السامي والعقل الآري، ومؤمناً في إطار تلك التفرقة بالنهضة الكبيرة التي تحدثها أوروبا نظراً لما توليه المجتمعات الأوربية للعلم من اهتمام. ولقد تصدى لأفكار "رينان" كثيرٌ من المفكرين المصلحين أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومصطفى عبد الرازق وفندوا دعواه كل التفنيد.

ليس هذا فقط، ولكن أيضاً ردَّدَ المستشرقون من ضمن دعواهم: أن ما عثر عليه التاريخ لدى المسلمين من معارف فكرية هو دخيل عليهم - ليس بأصيل فيهم - من الإغريق وفلاسفة اليونان يرجع الفضل في ترجمته إلى خلفاء العباسيين الذين ورثوا سعة الأفق من أمهاتهم الفارسيات، أو أوحى بها إليهم وزراؤهم ومستشاروهم من الفرس والمسيحيين.

ولم يكن السبب كافياً لقيام تلك الدعوى أو قيام غيرها من دعوات المستشرقين لولا وجود نفرٌ بين المسلمين زعموا على الجهالة أن العقل عدو الدين، ولا سبيل لفهم الدين بواسطة العقل، حتى كان من ضمن الأفكار التي نادوا بها عدم إقرارهم بالعجز عن إدراك ذات الخالق وتشبثهم بوصفه بما يروق لعقولهم، وترضاه لهم مداركهم، وحمل الناس على اعتقاد ذلك، والعمل به ومعاقبة كل من يناقشهم فيه.

ومنها: حسبانهم مسائل خلق الكون من الدين وتقدير الطبيعة بحسب أفكارهم وقصر قواها وعجائبها على ما وصل إليهم من الأقاصيص القديمة الخرافية. على حين كانت أوروبا تدين بمبدأ هام في العلم التجريبي وهو أن لكل ظاهرة طبيعية علة ناموسية تفصلها فصلاً تاماً عما بعد الطبيعة. ومعنى هذا أن مؤثرات الكون محتواة فيه، ليست خارجة عنه، ولا آتية إليه من عالم أسمى كما تقول المسيحية أو الفلسفة. وقد نجم عن هذا بالضرورة فصل العلم عن الدين وعما وراء الطبيعة.

يرفض الإسلام أن يكون العلم وثناً من الأوثان؛ فلم تصغر الإنسانية قط كما صغرت الآن بوساطة العلم المادي الذي يقضي عليها أو يكاد بالانزواء في ركن ضيق محدود من أركان الوجود، وهو ركن التجربة الحسية، مادام أنه يحاول جهد الطاقة أن يفقدها كل اتصال يتجاوز حدود المحسّات، ويحملها على جحود كل ما يتعدى أفق المرئيات.

ولكن مع ذلك كله، فقد بلغ الغلو في حمل الناس على هذه الأغاليط بالخلط بين العلم التجريبي والمبادئ العلمية المقررة في القرآن وقياسها على كشوفات العصر؛ ليقال للناس: إمّا هذا وإمّا ذاك، إمّا أن تأخذوا بالعلم التجريبي وكفى، وإمّا أن تتخلفوا عن ركب التقدم، فظهرت العداوة بين الدين والعلم أو بين العقل والحرية أو بين الفهم وترقية الأذواق والمعارف إلى حد أنهم تربصوا بكل ما يشمون فيه بارقة الحرية العقلية فنكلوا به شرّ تنكيل وأذاقوه العذاب الوبيل، فكم أحرقوا من علماء، وصلبوا من حكماء، وسموا من نبلاء أذكياء، حتى شوهوا وجه الحق مذهبهم وجعلوه عنوان العَسَف والإجحاف بعد أن كان الدين رائد العدالة والإنصاف.

ومهما يكن من شيء؛ فإن تاريخ الإسلام الطويل المفعم بعظائم الأحداث وجلائل الوقائع، لم يحدثنا مرة واحدة أن الإسلام قد حاول، أدنى محاولة، أن يحطم مدنية أمة من الأمم التي فتحها، ووضعها تحت إمرته، وأخضعها لرايته، وإنما كان دائماً يطبعها بطابعه ثم يضمها ويحولها إلى غذاء صالح يفيد أتباعه في دنياهم، أو ينبههم إلى ذكرى تنفعهم في آخرتهم.

ولا ريب أن مسلكاً هذا شأنه ونهجاً مليئاً بالحكمة إلى هذا الحد، ينمُّ عن سعة عظيمة في الأفق تعلوها درجة عالية من التسامح والاعتدال ليشف عن حجة بالغة ضد أولئك المتجنين على الإسلام، المسيئين إلى سمعته، زوراً وبهتاناً، بعزوهم إليه أنه كان - منذ أن وجد - حرباً ضروساً على العلم، وعقبة كأداء في سبيل المعرفة والثقافة والتقدّم. ولا جَرَمَ أن هذا الاتهام البعيد عن الحقيقة بعد العدم عن الوجود: إمّا أنه ناشئ عن جهل وسوء فهم للمبادئ الإسلامية، وإمّا أنه شرر متطاير من نار الحقد والحفيظة وسوء النية واسوداد الطويّة.

وأيا ما كان؛ فإنّ الحقيقة التي لا مراء فيها هى أن البحوث العقلية والمجهودات الفكرية والمجادلات النظرية والمحاولات العلمية ... وبالإجمال كل فروع المعرفة الإنسانية لم تحارب من الإسلام أية محاربة بل على الضد من ذلك: أمر بها وشدَّد في الحض عليها. ولا شك كانت هذه الجوانب من المعرفة البشرية هى التي كانت معروفة في تلك العهود باسم العلم الذي طالما أمر به القرآن الكريم، ورفعه إلى الأوج، وجعله في مقدمة الشئون الإسلامية، وأمعن في إبراز الفروق الهائلة بين العالم والجاهل؛ فشبه الأول بالأنوار، والثاني بالظلمات.

ولقد بلغت عناية القرآن الكريم بالعلم إلى حد أنه قرَّرَ أن الإنسان الذي يخشى الله أكمل الخشية، ويقدر جلال الألوهية حق قدرها، إنما هو العالم وحده: "إنما يخشى الله من عباده العلماء". "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون". "وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور، ولا الظل ولا الحرور". "وقل ربي زدني علماً". "وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم". ولما أراد الله تعالى أن يقطع حجة الملائكة الذين كانوا يبدون شيئاً من الدهش ممّا يوشك أن يكون شبه اعتراض على الحكيم العليم جل شأنه، حين أراد أن يجعل في الأرض خليفة:" قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ قال إني أعلم ما لا تعلمون".

لم يجد شيئاً يلزمهم الحجة أكثر من إظهاره جهلهم بما يعارضون فيه، وبالإتيان بآدم الذي كانوا يعترضون على وجوده وإبرازه في صورة تفوقهم ... ولكن لا في القوة، ولا في البطش، ولا في السلطان، ولا في الجاه، بل في العلم، وهو أسمى ما يتحقق به التفوق والامتياز:"وعلّم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إنْ كنتم صادقين. قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلمّا أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السّموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون" (يُراجع: هذا هو الإسلام ص 29-30).

هنالك يصبحُ العلم في القرآن كائناً حَيّاً، شأنه شأن القرآن نفسه، لم يكن ليغفله في الإحاطة والشمول إلا الغافل الذي لا يقف على حيويته المتحركة في إطار المأمور به فرضاً، فليس أعلى من طلب الزيادة منه، وليس أقدر على التفرقة لمن يعلم حق اليقين أن لا يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون. ولم تبلغ عناية القرآن بأمر مقدار ما بلغت عنايته بالعلم كونه حياة حيّة خالصة للذين يقدرون عليه ويخلصون لله في طلبه والقدرة عليه. ولم تكن تزكية الله للعلماء أسمى ولا أرقى ولا أبلغ إلا لأن المعرفة في إطار العلم هي غاية الغايات من عمل الأصفياء.

فالعلم طريق معرفة الله لا محالة؛ لأنه يصحب العالم في طريق الله من حيث أمر ومن حيث نهى؛ فيحفظ الطويّة العالمة بإقامة الدليل من غواشي الانحراف. وما يستوى الذين يعلمون بالحجة البرهانية مع الذين لا يعلمون لا في غاية ولا في هدف ولا في تحقيق منشود.

قليل العلم خيرٌ من كثير العبادة:

ولم يكن نبي الإسلام، صلوات الله وسلامه عليه، بأقل حرصاً على طلب العلم، وهو الذي سَبَقَ بنظراته الثاقبة باتجاه النظر إلى العلم كل القوانين المنهجية العلمية الحديثة التي تحرص شديد الحرص على الأمانة في العلم والدقة في نقله بأكثر من أربعة عشر قرناً ... بل سبق قانون حماية المؤلفين ونصّ على أن الخيانة في العلم أقوى أثماً من الخيانة في المال، فقال:"تناصحوا في العلم؛ فإنّ خيانة في العلم أشدّ من خيانة في المال". ولا غرو فقد فهم المسلمون الأولون هذه الروح، وقدروها حق قدرها، وعضوا عليها بالنواجذ، فواصلوا الليل بالنهار لتحصيل العلم والتعب في طلبه، وإحراز المعرفة، ودراسة المشكلات، والتفاني في حلولها. وفي هذا يقول قائلهم:"العلم لا يضبط باللجام، ولا يصاد بالسّهام، ولا يورث عن الآباء والأعمام. وإنما هو اقتحام المخاطر، واحتضان الدفاتر، واصطحاب المحابر".

حقيقةً؛ يوم أن فارق المسلمون تلك القيم العلوية المباركة في طلب العلم وتحصيله، شاعت فيهم الفوضى، وتخلفوا عن ركب الحضارة، وسقطت فيهم قيم القرآن وقيم نبي الإسلام؛ فأصبح العلم لديهم حلية برّانيّة يتزيّنون بها: شارة أو علامة أو مكانة اجتماعية يراءون بها الناس. لم يكن حقيقة بقدر ما هو صورة، ولم يكن طلباً لطريق الآخرة أو مباشرة لوحدة القصد، ولكنه أضحى اليوم بين الناس طلباً لسَعَرِ الدنيا والتنافس على الزائل الرخيص فيها؛ فانهارت القيم التي يتولّاها العلماء، إذْ زالت عنهم منافع العلم وآدابه، ولم تعد تشيع فيهم قيمه العليا مثل شيوعها أيام المجد الأول: مجد الدين ومجد الدنيا على السّواء.

ولا شك أن الظلام الفكري تعيشه أمتنا اليوم، لهو أدلُّ من أول وهلة على سقوط القيم العلميّة عنه في مستنقع آسن من الآفات والأمراض، واستبدال الحظ الأدنى بالذي هو خير؛ لأنه إذْ ذَاَكَ يعزل الفهم عن العقل، ويعزل العقل عن المعرفة، ويعزلهما جميعاً مرة ثالثة عن قيم القرآن ومبادئه التأسيسية، ويكتفي فقط بتحصيل القشور القاحلة منها، ثم يعزل العلم عن قيمه الوجودية والمصيرية التي تخدم الفرد فضلاً عن خدمة المجموع.

شدّدت الأحاديث النبوية الشريفة على القيم العلميّة كونها مبادئ أولية في الأمر بالتعلم والتعليم تشديداً لا نظير له في أي دين من الأديان الأخرى؛ فمن ذلك مثلاً قول النبي الجليل في الحض على التعلم:"طلبُ العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة". "أغدُ عالماً أو متعلماً أو مستمعاً أو محبّاً، ولا تكن الخامس فتهلك". "قليل العلم خيرٌ من كثير العبادة".

ولم يكن الأمر بالتعليم بأقل حظاً من الأمر بالتعلم بل هو أشدّ لهجة، وأقسى إنذاراً وتهديداً لمن يكتمون العلم أو لا يحرصون على نشره. وفي هذا يقول صلاة الله وسلامه عليه:" من سئل عن علم فكتمه، ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار ".

وكما استعمل النبي في هذا أسلوب الترهيب من عاقبة كتمان العلم واحتكاره، إلى حد أن أنذر العالم الذي يكتم علمه بأن يلجم يوم القيامة بلجام من نار؛ كذلك سَلك نهج الترغيب بإزاء من يجود بعلمه، ولا يألوا جهداً في بذله لكل من هو في حاجة إليه, فقال:"ساعة عالم متكئ على فراشه ينظر في علمه, خيٌر من عبادة العابد ستين عاماً". " أجودكم بعدي رجل علم علماً فنشر علمه ... يبعث يوم القيامة أمّة وحده". ويُلاحظ على هذه الكلمات النبويّة الشريفة إشراق المقاصد العلوية النافعة قيماً دينيةً في الإسلام تربط الدنيا بالآخرة وعمل المسير بالمصير، فيجيء طلب العلم أسمى وأرقى ما في الحياة الإنسانية؛ ليتحوّل في العالم الحق إلى تجوهر الشخصية فيه؛ لتكون وَحْدَة القصد من خلاله هى المطلوبة قصداً ورأساً. فالحياة الإنسانية بدون سعي العالم والمتعلم على سلامة النية باتجاه النظر إلى وحدة القصد، لا قيمة لها، ولا مبرر لإصلاحها، ولا جدوى على الإطلاق بالبقاء فيها إلا كما تبقى السوائم السارحة بغير غاية عظمى أو هدف نبيل. كل المقاصد الدنيا الساقطة تزول بزوال مطالبها القريبة. ولن يبقى في النهاية إلا ما هو خالص: المقاصد العليا والمطالب الموصولة بوصلة السّعة والحضور بين يدي الله.

تلك كانت، بلا شك، قيماً نافعة تتضمّن مبادئ مطلقة لا غنى عنها بحال من الأحوال، يصبح التخلي عنها تخلياً في نفس الوقت عن كل نافع يبقى مع الزمن، وفيما وراء الزمن، ثم إنها لتقدح بالجملة في زعم الزاعمين أن الإسلام يحارب العلم أو يضع العقبات في طريق المعرفة. فليس أدعى للدهشة الغربية من النظر إلى دين يرفع من قدر العقل ويؤمن بالعلم والقيم العلميّة، ويعالج "الفهم" كخاصّة ذاتية للقرآن الكريم ثم يكون في نفس الوقت هو نفسه الدين الذي يحارب العلم ويحدُّ من حدود المعرفة العلمية والعقلية. إنها ولا ريب لفرية كاذبة يستغربها ولا يسوّغها أدنى ناظر إلى القرآن، وقيم القرآن، من قريب.

ولا شك كانت تلك القيم نفسها هى التي برهن بها علماء المسلمين ممّن عبّروا عن الاستنارة الفكرية في التراث الإسلامي على سماحة هذا الدين وبخاصّة في مسائل العلم: وذلك حين استقبلوا - كما يقول محمد غلاب (هذا هو الإسلام) - كل أنواع التراث الأجنبي القديم من معرفة إغريقية وترجمات يونانية وحكمة هندية وديانة فارسية، وضمّوه إلى كيانهم المتين، وفعلوا به ما تفعل النحل بالزهور التي تمصها، ثم تعمل فيها عملها فتحولها إلى شراب مختلف ألوانه فيه للناس شفاء. وسرعان ما أنتجت هذه الخطة الحكيمة: من قادة المفكرين وأفذاذ الفلاسفة وأصناف المجتهدين وجهابذة العلماء وأفاضل المشرّعين من زينوا - ولا يزالون يزيّنون - أروع صفحات التاريخ" (ص: 31).

وبكل تأكيد، تلك كانت نقطة جديرة بالالتفات توحي بالانفتاح لا الانغلاق والتوقع، وتقدر ثقافة الآخرين ومعارفهم وتدل على سماحة "المبدأ" بإزاء العلم يعطيك إيّاه الإسلام، فلم يكن لينقبض عن لقاء كافة الثقافات، ولا أن ينظر إليها نظرة مغايرة بل هضمها واستوعبها وعمل فيها ذائقته حتى شكلت تباعاً نسيج ثقافته ومقومات ابداعاته.

ولئن كانت جوامع الكَلِم النبويّ تشرق فيها المقاصد العلويّة قيماً دينية في الإسلام يتخذها العالم فيمضي على هداها إلى حيث يكون العلم قيمة خيّرة في ذاتها، فعلى العكس من ذلك تماماً يصبح العلم الذي يدمّر البشرية مادةَ شرِّ كله، ومقصد رعونة في أشخاصه وميادينه لا يعود بالنفع العاجل ولا الآجل على أحد، ولكنه يكون مجال تنافس مادي بين الناس، يشوّه خلق الله، ويقوّض دعائم الأسرة الإنسانية، ويقضي على براءة الحياة ويحيلها إلى سوادٍ ومأساة.

العلم في يد العالم المتحقق بالمقاصد الدنيا رعونة وتدمير، يستخدم في الحروب التي تحركها القيم المادية والاقتصادية، فليس ينفع الإنسانية في شيء بل يقضي عليها ويحليها إلى خراب مُحقق وهلع منكوب. وهو في يد العالم المتحقق بالمقاصد العلويّة أنفع وأبقى، وأصلح للإنسانية في سعيها المتواصل نحو تذليل الكون وتسخيره ثم الاتصال بالله على شرعة العمل النافع والمقصد المفيد.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

عادل بن خليفة بالكحلةكيف نجحت فينزويلا في السيادة الوطنية وفي العدالة الإجتماعية؟

1: قيادة كارِزْمية: معالِم في سيرة هوغو تْشافيز: (1954- 2013):

أ- في البدء كانت الجدة:


وُلد هوغو رافائيل تْشافيز في 28/07/1954 «في الكوخ الطيني لِجَدّتِه روزا إنياش تشافيز، التي كانت تعيش في قرية سابانيتا التابعة لولاية باريناس. كانت قرية صغيرة منسية يعيش فيها نحو ألف إنسان، وتحتوي بضع طرقات ترابية، كان الناس يضطرون لرشّها بالمياه في فصل الشتاء الحار والجاف من أجل إبقاء الغبار هادئا. أما خلال أمطار الصيف الموسمية، فقد كانت هذه الطرقات تتحول إلى بحار من الطين»[1]. تنتمي سابانيتا إلى منطقة «لوس لَيْنوس» منطقة نائية ومتخلّفة، «محاذية للحدود الكُولُمْبِيّة تَشْغَلُ حوالي ثلث مساحة فينزويلا الشاسعة»[2].

كان هوغو رافائِيل، واحدًا من سبعة ذكور، مات أحدهم بمرض اللوكيميا قبل إتمام شهره السادس، وأبواهُ مدّرسان في «لوس راستروجوس»، وقد طلبا من الجدّة أن ترعى هي الولدين هوغو وأدان، وقد قبلت، خاصة وقد كانت وحيدة، وكان منزلها من الطين والقش، « وسقفه من أوراق النخيل، وأرضه مفروشة بالتراب المرصوص، وعندما يهطل المطر، كانت روزا إنياس تسرع لوضع القدور على الأرض في محاولة غير مثمرة للحيلولة دون تحوّلها إلى طين»[3]. فلقد كانت صحة الطبقات الشعبية لدى القائديْن الكارِدمييْن: غيفارا وكاسترو هاجسًّا حاضرا دائما.

لم تكن بالمنزل ثلاجة ولا مروحة ولا مياه جارية ولا حمّام، وكان الطبخ على الحطب، وجلب المياه من بئر في القرية، وقضاء الحاجة في الخلاء، ولكنّ الراديو موجودًا، وكان نصيب المنزل من الطاقة الكهربائية بضع ساعات باليوم، لكن أصبح ميْل الوالدين للجدّة أعظم من ميلها للوالدين، رغم قدومهما للمنزل في نهاية الأسبوع، وقدمت الجدّة لهما «كل ما تملك من حب وحكمة»[4]. وفي اليوم الأوّل بالمدرسة الابتدائية كان محل سخرية الكثير من التلاميذ لأن نعله كان متهرِّئًا، فعاد باكيا مثيرًا بكاء الجدّة، فاستعانت بالعائلة والأصدقاء لشراء حذاء جديد له.

كانت ماما روزا تزرع السكاكر والفاكهة الاستوائية وحلوى العناكب، بحديقتها الخلفية وكان يلذ لهوغو أن يسقيها مغنّيا لها، لأنّ ماما روزا ترى أنها تساعد على نمّوها. وكان هوغو يأخذ يوميا عُلبة من منتجات «ماما روزا» المشهورة لبيعها زملاءَهُ؛ وفي عطل نهاية الأسبوع بأنهج القرية مراقبا صراع الديكة ولاعبًا كرة البولاس كريولاس. وقد كان مهووسًا بكرة القاعدة التي جاء بها عمال النفط الأمريكيون إلى فينزويلا بعشرينيات القرن العشرين. وكان هو ورفاقه «يستخدمون أغطية الزجاجات بدلا من الكرات، والعصي أو مقابض المكانس بدلا من المَضارب»[5]. ومن فرط هوسه كان يلعبها بطريقته معه شخصه بالمنزل، محتفظا بالنتائج على دفتر خاص. يقول تْشافيز: «كنا أطفالا فقراء جدا، ولكننا كنا سعداء جدا». وقد حفظ كثيرا من أغاني المزارعين المكسيكيين ورعاة البقر في الحب والقتال بالسكاكين والخمر وترويض الجياد، وكان يحب الرسم والتلوين، ماهرا فيهما.

كانت ماما روزا متدينة كاثوليكية، «تؤدي صلواتها بمنزلها»، ولذلك كانت «مثالا أعلى» لدى هوغو[6]. لقّنت الصبيّيْن قيم الانضباط الديني والتضامن مع المحرومين، فهي دائما تساعد كل محتاج من الجيران بالطعام واللباس، وكانت مؤثرة في من حولها. وقد غرست الجدّة في هوغو حب تاريخ العدل والثورة، ومن حكاياتها الموروثة حكاية المقاتل الثائر إزِيكويل سامورا الذي مرّ بالقرية في القرن التاسع عشر، وقد خدم الصّبي هوغو في مذبح كنيسة القرية، ليقول وهو كبير: «المسيحُ اشتراكيٌّ، وسأمشي على خُطَاه». ولقد كان متدينا على طريقته، وقد ساهم في برنامج الحكومة لمحو الأميّة- وهو دون الحادية عشر من عمره.

ب- البحث النضالي:

كانت محاولة هوغو ورفاقه الانقلابية عام 1991 مخفقة، ولكنها «نجحت في رفع عقيدٍ مساعدٍ مجهول تماما إلى مصافّ الشخصيات الوطنية البارزة. فقد حصل تشافيز، مِنْ قَلْبِ الهزيمة العسكرية، على نصر سياسي غير متوقّع نهائيا. ومع أن أفعاله تَرَكَتْهُ عرضة للانتقاد مِنْ قِبَلِ بعض السياسيين المرتابين في مصداقيته الديمقراطية، إلا أنه خطا خطوة عملاقة إلى الأمام في كفاحه من أجل تحويل فينزويلاَّ. فالبلد لن يكون أبدا بعد ذلك البَلَدَ الذي كان مِنْ قَبْلُ»[7].

ورغم العوائق الإعلامية والقضائية الكائدة فاز قطب تشافيز الوطني عام 1998، في ثماني ولايات على منصب الحاكم فيها، وقد حقّق فيها «والده نصرا رمزيا مثيرا للدهشة»[8]، وأحرز القطب على ثلث عدد المقاعد في البرلمان بينما فاز هوغو بالانتخابات الرئاسية، وكان ذلك ضريبة «الاعتقاد السائد بأن الديمقراطية [كما تريدها الولايات المتحدة] والأسواق الحرة كانت حتمية في أمريكا اللاتينية»[9] . فنصائح صندوق النقد الدولي  والبنك العالمي والحكومة الأمريكية عمّقت مشكلات الفقر والتدهور المعيشي لدى الكثير من الطبقات، فكانت فينزويلا تعاني واحدا من أسوأ توزيع في العالم «إذ ما يقارب من نصف دخل البلد كان يذهب إلى العشرين بالمائة الأكثر غِنًى في البلد»[10].

بدأ هوغو ذو الخمسة والأربعين عامًا ولايته بصدمة، فهو يقسم على ما سماه «الدستور المحتضر» بأنه سيدفع التحولات الديمقراطية الضرورية قدما، «حتى تمتلك الجمهورية الجديدة دستورا مناسبا للأجيال القادمة»[11]، منتقدا وجود 80% بالبلاد يعيشون الفقر، رغم امتلاك أكبر احتياطي نفطي، وامتلاك الذهب والغاز الطبيعي.

عيّن الرئيس عددًا من الضباط العسكريين، المتقاعدين وغير المتقاعدين، بالحكومة وعلى رأس شركة النفط الحكومية و وكالة جمع الضرائب والشرطة السرية، وكان منهم بعض زملائه بالانقلاب العسكري المخفق عام 1992، ولكنه ضَمّ وزير الاقتصاد بالنظام السابق إلى تشكيلته الحكومية، وأبْرَزَ الصحافيين وزيرًا للخارجية، وهنديًّا أحمر، جامعيا، وزيرًا للبيئة، والكثير من حلفائه الجامعيين. وأعلن عن سحب 70.000 جندي من أصل 120.000، من الثكنات ليرمّموا الطرقات والمستشفيات ويمارسوا الحملات الطبية. ويجمعوا القمامة، و«يبيعوا اللحم والدجاج والجبن والمواد الغذائية الأخرى من الشاحنات بأسعار بخسة»[12]، داعيا 80.000 مدني للانضمام إلى هذه البرنامج. وفي ذكرى اضطرابات كاراكاس الدموية، العاشرة، كان انطلاق البرنامج خاطبا في الجنود الذين كانوا قتلة: «الجوع هو العدو[...] منذ عشر سنوات خرجنا لذبح الناس. والآن سنذهب لنمنحهم الحُبّ، اذهبوا ومشّطوا الأرض، ابحثوا واقضوا على الجوع والموت. سنعطيهم الحُبَّ بدلا عن الرصاص»[13]. كانت لغته معهم مسيحانية.

ت- رئيس الشعب:

تخلّى الرئيس عن راتبه الشهري[14]، والبالغ 1.200 دولار ليهبها لصندوق للمنح المدرسية، وكذلك سيارة الليموزين الرئاسية. يزور فَجْأة المستشفيات ليلا، ويتفقّد جامعي القمامة الليليين؛ وأصبحت أطعمة القصر التي تُقدّم للضيوف بسيطة، وإن كانت من التراث القُطْري، «جاعلا من نفسه أنموذجًا حقيقيا للاجتهاد في أمّة تعشق الاحتفالات والمهرجانات»[15]. وأطلق حملة على الإنفاق الحكومي، عندما وجد أن الحكومة تملك 128 طائرة مدنية ليعلن بيعها جميعا، وحارب التهرّب الضريبي. وفي نيويورك كانت له اجتماعات مع المصرفيين وأهل الأعمال لإقناعهم بالاستثمار في فينزويلاَّ.

وردًّا على تحيّز وسائل الإعلام ضد حركته الإصلاحية، أطلق شبكة الراديو الحكومية برنامجه الشهير مرحبا أيها الرئيس، صباح كل أحد، ثم برنامجه التلفزيوني الخاص وجهًا لوجه مع الرئيس، ثم أصدر صحيفته الخاصة. كان مرحبا أيها الرئيس دون نظير، مصغيا بصبر إلى المتصلين، موكِلا من يهتم بمشاكلهم، ومشيدًا بالمفكرين الذين يحبهم، ويغني للوطن والدين والحياة والحب عن سياساته القادمة والتعيينات والإقالات الجديدة، ويسرد حياته، وينقد اقتصاد السوق الحرة. ورغم النجاحات، لم يستطع النوم في ذلك القصر لأنه «كان يفكر في أطفال شوارع الفينزويلّيين»[16]، وغطت رحلاته الخارجية الأولى آسيا الشرقية وكوبا. ولكنْ سرعان ما تعرّض «لأول الانشقاقات الكبرى في رئاسته، حيث سيهجره ويخونه- في نظره- الرفاق الذين كانوا ذات يوم أشقاءه بالدم»[17]. ولكنه استطاع القيام بدورٍ رئيسٍ لإحياء منظمة الدول المصدرة للنفط من أجل أسعار منصفة.

2: معالِم في استراتيجية الإقتصاد الإجتماعي الفينزويلّي:

أ- سيرورة تعبوية:

لقد جعل القائدُ الرئيسُ الكارِزْميُّ من محاربة الفساد بالتعليم أولويّة قصوى، سواءً في تدبيره المالي أو قيمته الكيفية، وانتقد السَّوْق النقابيّ الذي يجنح الإضراب ولا تضع مصلحة البلد متطابقةً مع مصالح المستخدمين. وأعلن عن إعادة الحركة الثورية البوليفارية بما هي حركة سلمية، وإنشاء شبكة تعاونيات تقدم سَوْقًا للتشغيل، وكانت لجان تنظيف الشوارع، وتعليم الأميين، وتنشيط الأطفال، بالتعاون مع الحكومة، ضمن ما سماه الديمقراطية التشاركية. وقد انضم نحو 10% من السكان اليافعين إلى هذه الشبكة الثورية السِّلْمِيّة[18].

ويمكننا أن نَحْصر أهمّ ملامح نجاح منوال التنمية البوليفاري في: السَّوْق التعاضدي، والمنظمات الاجتماعية-الإنتاجية التشاركية.

بدأ الانقلاب على الرئيس بداية عام 2002، عندما تهجّم 4 من كبار الضباط العسكريين على الرئيس علنا. ثم كان الإضراب النقابي في أبريل، ليشّل قطاع النفط بعمّالٍ كان هو ناصِرُهُمْ، وامتنعت الصحف عن الصدور وغطت المحطات التلفزيونية الإضراب، وتعمّد الكائدون إثارة الشغب بالشارع. وبذلك كان الانقلاب يُطبخُ على نارٍ من «المشروعية» المُخْتَلَقة، وسلّم الرئيس نفسه للانقلابيين مُؤْثِرًا أن «يضحي بنفسه على أن يتسبّب بحمام دم»[19] بعد أن شَقَّ حشودَ أنصاره والدموع تنهمر من أعينهم.

بعد يوم من قنوط الأنصار، عادوا إلى الشوارع مطالبين بعودة الرئيس، وكان سوادهم عظيما جدّا فبدأ الانقلاب في الانهيار. فكان احتجاز عدد من قادة الانقلاب على يد الضباط المخلصين، واستعيدت المحطة التلفزيونية الحكومية وقد عرف هؤلاء المخلصون مكان اعتقال الرئيس، ليعود في اليوم الثالث إلى منصبه؛ والولايات المتحدة الأمريكية التي كانت مبتهجة لإسقاط الرئيس، تراجعت لكنْ لتقدّم له «المَوَاعظ» على لسان كُندَلِيزا رايس.

في الوقت نفسه، ضجّت الزوجة من حياة العائلة في الاضطراب. وتحت الضغوط، فطلبت الطلاق، وعاد هوغو وحيدًا مرة أخرى.

ومرة أخرى كان عملاء الولايات المتحدة من النقابيين يُعبّئون عمال النفط لإضراب شامل[20] عام 2003 لم يَرْعُوا فيه مصلحة البلاد، لكن الرئيس خرج أقوى ممّا عليه منتصرًا على شبح الفوضى الاقتصادية، رغم تكبّد صناعة النفط بسبب الإضراب 13.3 مليار دولار. وبدأ الرجل في برنامجه الإصلاحي الجذري، مجتذبا إليه الكثير من الإصلاحيين داخل الطبقة العليا نفسها. إنه صاحب اشتراكية مختلِفة، مناسبة لواقع بلاده وليست مُسْقَطة.

وفي النصف الثاني من عام 2009 كان عدد التعاضديات 250.000 تعاضدية، «ليكون المَعَاش الفِيِنِزْوِيِلِّي في استحالة واسعة، مجرّبًا نماذج من الإنتاج الخِدْمي للطائفة المحلية والجهوية، والأعمال التي في سياق التعاضد والمَعَاش الاجتماعي، منفذة بسياسة إرادية، هي في حماسة شديدة»[21].

ب- السَّوْق التعاضدي:

منذ بداية العقد الأخير من القرن العشرين تعيش فينزويلاَّ البوليفارية سياسة عمومية لجعل المَعَاش اجتماعيا، وفق مرسوم القانون الخاص للجمعيات التعاضدية، المستند إلى قانون التعاضديات الصادر عام 1966، والمعدَّل عام 1975.

هذه السياسة مَقُودة بوزارة هي وزارة الاقتصاد الطّوْفي، أي المكرّس للطوائف المحلية والجهوية، وبإرساليات اجتماعية مختلفة تشجِّع بإنشاء التعاضديات أو بالتحوّل إلى تعاضديات (إرسالية تشي غيفارا، إرسالية فبريكا أدنترو...).

كان التزايد التعاضدي المتعاظم متساوقًا مع أدوات مستحثة، مثل الحوافز الضريبية، أو العقود اللامتيازية مع الدولة، مرتبطة بإرادية سياسية موجّهة نحو مجال إنتاج الطوائف السكانية التي كانت هشّة العهد ما قبل البوليفاري.

هذه الإرادية لا تتمثل في الاستثمار الماليّ الهامّ فحسب، بل أيضا في ترقية هذا التنظيم الجديد للعمل، مع تدابير للتشُكّلات المجانية للمقاولة الجمْعية، «خاصة بواسطة تَقْدِماتٍ في رؤوس أموال ضرورية لإطلاق النشاط»[22].

ولكن نلاحظ أن 70.000 فقط من التعاضديات المسجّلة عام 2009 قادرة على تسديد الدَّيْن وعلى النشاط. وصعوبات التعاضديات النِّسْبيّةُ تفسر أساسا بـ«خلل مراقبة الموارد الممنوحة لحاملي المشروع ومدبِّري المقاولات»[23].

ت- سيرورة المنظّمات الاجتماعية- الإنتاجية التشاركية:

يسمح قانون تنمية الاقتصاد الشعبي في جوان 2008، بإنشاء منظمات اجتماعية- إنتاجية جديدة بفكرة إنشاء تداعٍ متين بين قطاع التعاضديات والإلحاحات الإجرائية لـ«السلطة الشعبية» المتجسدة في المجالس القروية الحاملة للديمقراطية التشاركية المحلية.

في هذه الوحدات الإنتاجية في المشروع البوليفاري تبحث عن «الأثر الاجتماعي الأقصى في الطوائف، حيث مَرْكوزةٌ، مع إعادة توزيع فوائضها ضِمْنَهُ»[24].

هذا القانون ينعت المنظمات الاجتماعية- الإنتاجية بـ«مقاولات التوزيع الاجتماعي» و«رمز التبادلات التضامنية»، و«المقاولات القروية ذات الملكية الاجتماعية المباشرة». وهو يستهدف بناء «شبكات الإنتاج الطّوفِيّة التي يجب أن تجعل المشاركة النمطية للسكان- فوق هذه الأحْمية[25] في سياق خلق الثروة وإعادة توزيعها- ممكنة». وتكمن أصالة هذه المقاولات، المحكومة بالقانون الأساسي للشركة خفية الإسم في «ترقية مشاركة فاعلي الطائفة المحلية والجهوية في اشتغال البنى وفي تنميتها»[26].

ترجع حيازة رأس مال المقاوَلة بالمساواة بين الجمعيات المشيّدة على مبادئ التعاضد والتضامن وبين المنظّمات التي تقوم بتدبير الأرصدة العمومية المكلفة بإنشائها (وهي مَعَاهد مستقلة تستهدف دفع الجهاز الإنتاجي.

إن ملكية وسائل الإنتاج، في هذا المشروع الثوري- البوليفاري، ليست خاصّة بحدّة، ولا دَوْلية، ولكنها ملكية الطوائف المحلية والجهوية، الحاملة للصفة الإدارية. أمّا مجالات هذه المقاوَلات، فهي تشمل مختلف قطاعات المَعَاش، من تحويل موادَّ أوَّلية ونقل شحْنيّ، وبناء، وسياحة. وإنتاجها، الذي يُدْعى «اجتماعيا»، يقوم مؤشر إنتاجيته «على تقدير رغد العيش المنجز بالوحدة المنتجة (مثال ذلك: كم يسمح طُنٌّ مبيعٌ من الزبدة بتركيبها في المنازل)»[27].

أما الأجر «الاجتماعي» فيحدّده توزّعُ العمل الجمعي، فهو مرتبط «بوظيفة الضرورات المحلية والإسهام الإنتاجي لكل واحد من الأعضاء»[28]،  وبذلك يتحقق التوزّع ديمقراطيًّا بالتجميع. ويتركّبُ الحِمَى من مُمثلي الكيانات الجمعوية والمقاوَلات العمومية. أما الغرض الجوهري في تنظيم العمل هذا، فليس مجرّد الربح، «ولكنْ خلق مَواطن الشغل وإرضاء ضرورات السكان في بيئة المقاوَلة؛ وأما اقتسام المسؤولية، فينبغي أن يسمح بالتفاعل بين مختلف فاعلي الحِمَى والمساهَمَة في بناء تنميته المتدامجة أهْليًّا بِبَثْق مقاوَلات إنتاج اجتماعي أخرى، مثلا»[29].

ث- إبداعيةُ نموذج التنمية الفِيِنِزْوِيِلِّي- البوليفاري:

إن إصرار الثوريين الفينزويّلّيين على أن تكون ثوريتهم ذات مشروع، جعلهم يكلّفون فكتور ألفاريز، وزير الصناعات السابق، ببرنامج البحث عن النموذج الإنتاجي الجديد، بالمركز القُطْري بِمِيرَنْدَةَ.

ينتقد ألفاريز اقتصاد فينزويلاَّ ما قبْلَ البوليفاري بارتباطه بـ«الرَّبْع النَّفْطي بعدد مختزل من الأشخاص، فهو اقتصادُ مِيناءٍ»[30]. وهو مَعَاشٌ غير مساواتي، لا يسمح بتنمية مستديمة تُغطّي كل القطاعات (الفلاحة، والصناعة التحويلية، والبحث في التنمية..). ومِنْ ثمة، يطرح الثوريون البوليفاريون المخطط القطري سيمون بوليفار (2007-2013) بديلا للرأسمالية الرَّبْعية، بما هو دقْرطة للدخول إلى عالم خَلْق الثروات، «بإعادة توزيع الفوائض داخل الأحْمية المتميّزة بالاجتماعية[31] الهامة»[32].

3: استحقاق عالم «ثالث»[33] متمنعّ على الإمبريالية والصهيونية:

لا تكتفي فِيِنِزِوِيلاَّ الثورية البوليفارية بإعادة التوزيع الطبقي والجهوي الداخلية، بالتعاون مع لاَهوت التحرّر، بلْ ترى أن ذلك قاصر ساذج إذا لم يكن في سياق بناء جبهة عالمية مناهضة للإمبريالية والصهيونية. ولذلك تحتفظ فينزويلا بعلاقات سَوْقية بأمريكا الجنوبية، وبروسيا والصين وإيران، واتحاد جنوب إفريقيا، وغيرها من الدول الرافضة للهيمنة الإمبريالية والصهيونية. علاوة على تحالفها الواضح والمتين مع المقاومتيْن الفلسطينية واللبنانية؛ وكذلك دعمها للدولة السورية بما هو دعمٌ لدولةٍ مقاومةٍ للصهيونية، وذات اقتصاد اجتماعي، ومناهضة للإمبريالية.

أما الصين فتعتبرها فينزويلاّ، الثوريةُ- البوليفاريةُ في تنميتها الاجتماعية- المعاشية، نموذجًا يُحتذى، بما هو منوال يحمل مشروع التنمية بمشاركة الشعب وعدم الإقصاء الاجتماعي، فقد تمّت استعارة جوهر النموذج الصيني والكثير من عناصره، دون التماهي الكامل معه، فالنجاح يتطلَب تأكيد الخصوصية علاوة على الاستعارة.

إن التعاون الفينزويلّي- الصيني «يتعمق في ميادين المالية والطاقة والقطاع المنجمي وإنشاء البُنى التحتية للاتصالات عن بُعْد والصناعات التحويلية والتِقَانات الدقيقة، أمّا العلاقات التجارية، فهي تتنامى من سنة إلى أخرى»[34].

ومن أهم معالم العلاقات الفينزويّلّية- الكوبية، تمتين الاستعارة الفينزويلّية للنجاح الطبي والصّحي الكوبي. ومن ذلك مَقْدمُ الأطباء الكوبيين لممارسة الطب العلاجي القاعدي الوقائي، وكانوا في سَوَادِ بـ15.000 طبيبٍ «يعملون في مستوصفات في قلب الأحياء الشعبية»[35].

أما في العلاقات الفينزويّلّية- الإيرانية، نَفهم مِنْ بكاء الرئيس محمود أحمدي نجاد على رأس صديقه الفقيد، تْشافيز، أن هذه العلاقات تذهب إلى الجوهر الإنساني التقدمي الثوري ولا تهمّها التفاصيل. ولذلك، نجدها«تتمتّن رغم موت تْشافيز»[36]، وخاصة «في الميادين النفطية والطاقية»[37]، وكان تشافيز قد زار إيران 13 مرّة، بينما زار أحمدي نجاد فينزويلاّ ستّ مرّات. وهناك بين البلدين «أكثر من 60 اتفاقية اقتصادية في القطاعات الطاقية والبنكية والصناعية، أما التجارة التبادلية التي كانت حوالي 189.00دولار أمريكي عام 2001، ليتجاوز 10 ملايين دولار أمريكي في غضون السنوات الأخيرة»[38].

فلا يمكن لفينزويلاّ البوليفارية أن تكون دون خطوط دفاع عالَم- ثالثيةٍ متقدّمة، ومن غير استخلاقٍ أرَانِّي لعالم ثالثٍ متضامنٍ ومتعاونٍ على جميع المستويات.

المستخلص:

1: ليست نيتنا أن نستنسخ تجارب الآخرين، إنما يجب أن نعتبر بتلك التجارب باحثين عن القواسم الإنسانية المشتركة وعما يمكن أن نستعيره منها..

2: كانت هنا  ثورة حقيقية في فينزويلاّ، ولذلك نجحت رغم التعثرات في البداية، وهي حقيقية لأنه كان لها مشروع اجتماعي وقيادة، وحَاضِنة حَرَكة اجتماعية.

هنا، في فينزويلاّ، يُجَرَّبُ المشروعُ الاجتماعيُّ الصادق، (لا «التَّذَرّعي»[39])، أي الشامل لأكثرية الشعب، من أجل «اقتصاد شعبي»، حائزًا «على أَحْمِيَةٍ وحقول معاشية سوْقيّة»[40]، بحيث أنها لا تُشغّل فقط، بل تجعل طبقات واسعة قادرة على تدبير أمْر البلاد، لأنهم لا يُمسكون بحقول هامشية. وذلك ضِمْن تاريخانية ثقافةٍ ديمقراطيةٍ- شعبيةٍ، منغرسة، دخلت الأحياء الشعبية، بوضوحها واقتناعاتها، وبدعْم من كنيسة تقدّمية حاملة لواء لاهوت التحرّر. فرسالة البوليفاريين ليست خطابًا سفسطائيًا دغمائيا، بل مشروعٌ واقعيّ قادر على الإقناع والتعبئة، بما أن مبادئه موجودة في دين الشعب بالذات. وهو ليس مشروعًا قابلاً للهزيمة أمام الحصار الإمبريالي الأمريكي رغم التعثرات الممكنة، لأنه ليس منحصرا قُطْريًّا، بل يبحث عن جبهة عالمية صلبة للعداليّين والمُهَيْمَن عليهم بالعالم، دون تمييز مِلِّي، يُكفّرُ العلمانيَّ أو المتديّنَ. فالحزب الاشتراكي البوليفاري الموحَّد ليس حزبًا ماركسيّا، بالمعنى الطائفي للكلمة، لكنه لاهوتيّ بمعنًى ما؛ ولاهوت التحرّر ساهمت في بناء تلك التاريخانية الإصطفائية، ليس كنيسة بالمعنى الاتّباعي للكلمة، لأنه يتبنى الأرض والشعبيّ والاشتراكيَّ، و«الإلحاديّ» بالدينِ/ الأفيونِ، والمنحاز إلى الدينِ/ المشروعِ العداليّ.

3: إنه مشروع اجتماعي قابلٌ للحياة طويلا، وللتطوّر المُسَاوِقِ للتحوّلات الداخلية والخارجية، لأنه وفّر لنفسه أسباب الحياة، وأهمّها: الانحياز للطبقات الشعبية ولكل الشعوب المهيمَن عليها، ولمثال العدْل.

 

د.عادل بالكحلة - باحث أنثروبولوجي

 

 

 

 

 

 

[1] . خونو(بارت)، هوغو: قصة هوغو تشافيز من الكوخ الطيني إلى الثورة المستمرة، ترجمة: بسّام شيحا وأمين الأيوبي، الدار العربية للعلوم، بيروت، 2007، ص 33.

[2] . خونو (بارت)، هوغو: قصة هوغو تشافيز من الكوخ الطيني إلى الثورة المستمرة، م.س، ص 33.

[3] . م. س، ص 34.

[4] . م. س، ص 34.

[5] . م. س، ص 35.

[6] . م. س ، ص 36.

[7] . م. س ، ص 168.

[8] . م. س ، ص 229.

[9] . م. س ، ص 231.

[10] . م. س ، ص 231.

[11] . م. س ، ص 233.

[12] . م. س ، ص 237.

[13] . م. س ، ص 238.

[14] . لم يفعل رؤساء «الربيع العربي» ذلك. وكان برلمانيوه أكبر راتبًا من راتبَا برلمانيّي قَبْلَ «ربيعهم»، علاوة على سكنهم المرفّه ومأكلهم المترف وتنقلهم المجّاني المريح، إذ هم «ثوريون» بمعنى يتّخذونه!!

[15] . م. س، ص 247.

[16] . م. س، ص 255.

[17] . م. س، ص 266.

[18] . م. س ، ص 300.

[19] . م. س ، ص 348.

[20] . ليس العمل النقابي عملا «معصوما» في كل الحالات.

[21] Lavergne (Pierrich) : «Les nouveaux modèles d’économie sociale au Vénézueka (Une réponse au capitalisme rentir», http:/remer.org.

[22] . Ibid.

[23] . Ibid.

[24] . Ibid.

[25] . «الأَحْمِية»، ج «حِمًى» (Territories, Territoires).

[26] . Ibid.

[27] . Ibid.

[28] . Ibid.

[29]. Ibid.

[30] . Ibid.

[31] . «الاجتماعية»، هي.......

[32] . Ibid.

[33] . ...هُنا، العالَم الأول هو العالَم الإمبريالي، والثاني عالَم التبعيّة، والثالث هو عالَم الممانعة والتحرّر.

[34] . Ibid.

[35] . Fournier (Jean-Marc) ; L’autre Venezuela de Hugo Chavez : Boom pétrolier et révolution bolivarienne à Maracaibo, Karthala, Paris, 2010, P29.

[36] . http://www.ceci.ulval.ca/indexpho!pid=808p=1111(31/10/2014).

[37] . Interview : « Le Vénézuela voit la chine comme un modèle à suivre pour son dévéloppementé, http://french.china.org(23/7/2014) ».

[38] . Interview : Le Vénézuela voit la chine comme un modèle à suivre pour son dévéloppementé, Op Cité.

[39] . «التّذرّع» في اللغات الأوروبية: «البراغْماتية». ولكنَّ المشكل في «أمّيّتنا» اللغوية- الحضارية.

[40] . Lavergne (Pierrich) : « Les nouveaux modèles d’économie sociale au Vénézuela (Une réponse au capitalisme rentir », Op Cité.

 

قاسم حسين صالحأشرس المعارك واعقدها هي المعركة ضد الفساد، ولهذا اضطر السيد العبادي أن يتجنها مع انه وعد العراقيين بضرب الفاسدين بيد من حديد، ولم يستثمر في حينها فرصة تاريخية كانت ستجعل منه رجل دولة وبطلا شعبيا يوم ايدته المرجعية وجماهير الفقراء، لأنه ادرك ان المسؤولين الكبار باجهزة الدولة وقيادات الكتل السياسية متورطة كلها بالفساد، واستحالة تشكيل حكومته اذا تضمن برنامجها الكشف عن الفاسدين، وانه ربما التقط العبرة من سلفه السيد نوري المالكي الذي صرّح بأن( لديه ملفات عن الفساد لو كشفها لانقلب عاليها سافلها).. فاسكت صوتا في داخله يدعوه الى فضحهم وقلب عاليها سافلها، مبررا خذلانه بخطاب له بجامعة بغداد في 27 / 11/ 2017 بأن (الفساد مافيا، يملكون المال، فضائيات، قدرات، يستطيعون ان يثبتوا انهم الحريصون على المجتمع، وهم الذين يحاربون الفساد، ولكنهم آباء الفساد وزعماء الفساد)، مع ان وثيقة الاتفاق السياسي بين الكتل السياسية المشاركة بحكومة الوحدة الوطنية 2014 تضمنت بندا صريحا ينص على (محاربة الفساد المالي والاداري ومحاسبة المفسدين واجراء الاصلاحات اللازمة في الجهاز الاداري للدولة واعتماد اسس وستراتيجيات جديدة بما في ذلك مراجعة واقعية لمنظومة مكافحة الفساد وتجاوز الثغرات القائمة).. فضلا عن ان البرنامج الحكومي تضمن في (خامسا: الاصلاح الاداري والمالي للمؤسسات الحكومية) فقرة خاصة بمكافحة الفساد تضمنت اربع نقاط بينها: (انجاز الستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد (2014 ـ 2017) بالاشتراك مع الاجهزة المعنية، ودعم استقلالية ومهنية الاجهزة المعنية بمكافحة الفساد واجهزة انفاذ القوانين).. ما يعني ان على اصحاب وجهة النظر هذه ان يراقبوا اداء الحكومة في تنفيذ برنامجها الخاص بمكافحة الفساد بانواعه الثلاثة: المالي والاداري والسياسي، ثم يقرروا ويحكموا.

 وموضوعيا، ينبغي ان لا نطلب من السيد مصطفى الكاظمي، وليس صحيحا ان يطلب منه العراقيون ضرب الفاسدين في اول شهر لتوليه المهمة، لأن محاربة الفساد تحتاج إلى"النضال الطويل والمكلف والمؤلم من أجل النجاح"، وفق ما يرى برتراند دو سبيفيل صاحب كتاب "OVERCOMING CORRUPTION" الذي يعدّ مرجعا أساسيا في مجال محاربة الفساد.. بمعنى أنه لا يمكن الحصول على نتائج ذات أهمية دون"تحمّل وصبر" من مختلف المتدخلين خاصة المواطنين الذين يشكلون الضحية الأولى للفساد.

 والفساد برؤية (دو سبيفيل) داء مزمن ومستفحل يحتاج علاجه إلى تضحيات جسام، وتتطلب مكافحته استراتيجية وطنية ذات أهداف واضحة وقابلة للتحقيق تتأسس على ثلاثة مرتكزات تسند بعضها بعضا هي"التحقيق والملاحقة، والوقاية عبر تطوير المساطر والأنظمة، ثم التربية والتوعية باعتبارهما ضروريين لمحاربة الفساد لدى الأجيال الناشئة، وتغيير النظرة المجتمعية المتسامحة معه أو التي تجعل منه شراً لا بد منه. ما يعني أن الفساد لم يفقر الناس فقط بل افسد القيم ايضا وهرّأ الضمير الأخلاقي بتحويله من فعل كان يعدّ خزيا الى"شطارة".. وبتبادل التهم بين معممين انتهكوا قدسية الدين.. ولهذا ينبغي على السيد الكاظمي ان يحيط نفسه بمستشارين في العلوم التربوية والنفسية من المستقلين تحديدا ليضعوا استراتيجية علمية لأعادة بناء المنظومات القيمية.

 الكاظمي والمتظاهرين

أكيد أن السيد الكاظمي يتذكر تظاهرات (شباط 2011) وتظاهرات المحافظات في( 31 آب 2013 )التي طالبت بالغاء الرواتب التقاعدية لأعضاء البرلمان والدرجات الخاصة التي ينفرد بها العراق من حيث ان عضو البرلمان في بلدان العالم، يعود الى سابق وظيفته حين انتهاء عضويته، وان هذه الرواتب هي الأضخم عالميا التي شكلت (40% ) من ميزانية الدولة التي تعادل ميزانيات ست دول عربية مجتمعة.

ويتذكر ايضا تظاهرات( 2014) يوم هتف المتظاهرون (نواب الشعب كلهم حرامية)، وهو أحد أهم مطالب انتفاضة تشرين(2019).. وان السيد الكاظمي صريح في موقفه بأنه مع المتظاهرين وسيعمل على تحقيق مطالبهم.

 تجربة سنغافورة

  تعدّ سنغافورة أنموذج الدولة الخالية من الفساد باعتمادها إجراءات حددها "سوه كيى هيين" مدير مكتب التحقيق السنغافوري بعشرة يبدأ اولها:بـ (عدم السماح للمفسدين بالتمتع بما حصلوا عليه من مكاسب غير مشروعة، وفضحهم بجعل الناس تنظر لهم بوصفهم عارا على المجتمع).

فهل يمكن لحكومة السيد الكاظمي اعتماد هذا الأجراء؟

الجواب الموضوعي.. كلا، ليس فقط كونها انتقالية بل انه لو بدأ فأن حيتان الفساد ستبتلعه وحكومته قبل ان يطيح بهم.

ثلاثة اجراءات

في ضوء تحديات المحنة التي تواجه السيد الكاظمي، فانه يمكنه اتخاذ ثلاثة اجراءات:

الأول:اصلاح النظام القضائي بما يولّد الثقة عند العراقيين بانه قد اتخذ الاجراء العملي لمكافحة الفساد، تبدأ بتعديل المادة 136 من قانون المحاكمات الجزائية التي منحت الوزير صلاحية ايقاف الاجراءات القضائية بحق من يشغل منصبا ادنى من الوزير والتي تعني عدم امكانية استدعاء وكيل الوزير او المدير العام حتى لو كانت عليه قضية فساد مالي.

الثاني: تشكيل لجنة من مستشارين سيكولوجيين وتربويين وقضاة واعلاميين مستقيلن سياسيا، تكون مهمتها فضح الفساد والفاسدين أخلاقيا باعتماد استراتيجية تستقطب رجال دين وخبراء اقتصاديين تستهدف احياء الشعور بالمواطنة، وتنشيط الضمير الاخلاقي، واحياء الشعور بالذمّة التي تعني العهد والكفالة حين يكون الشخص مسؤولا عن الرعية.

الثالث:ضمان اجراء انتخابات نزيهة باشراف دولي تضمن وجود مراقبين من القيادات التنسيقية للمتظاهرين.

وتبقى قضية غاية في الأهمية لصالح السيد مصطفى الكاظمي، هي ان هنالك قرارا غاية في الاهمية صادر من المحكمة الدستورية في العراق يقضي (بالغاء المحاصصة) حصل عليه المحامي شوكت سامي السامرائي، ويمكن للسيد الكاظمي استثماره، راجين من مكتبه الأعلامي التواصل معنا لتزويده بصورة القرار وارقام هواتف السيد شوكت.

 ختاما.

ان الحاكم الذي يعمل فعلا على مكافحة افسد حكومات العراق من يوم اصبح دولة، سيدخل التاريخ من أوسع ابوابه.. فهل سيفعلها الكاظمي؟

 

أ. د. قاسم حسين صالح

20 نيسان 2020   

 

نور محمد يوسفمقدمة: لقد تناول المسرح العالمي في نصوص عديدة فكرة الوباء وانتشاره السريع بين الناس وصوّرت النصوص المسرحية ما جرى من ألم ومصائب جراء الحصار الذي تعرض له البشر في حالة فريدة من الاستقراء والتقصي والاستدلال على ما قد يجري في المستقبل من جائحات كثيرة تهدد البشر عن بكرة أبيهم، خاصة وأن الجنس البشري يصرف الكثير من المال على الإنفاق العسكري والطمع أكثر مما ينفقه على خير الإنسان ورفاهيته وتقدمه . سنتحدث في هذا المقال عن الأوبئة التي سجلها المسرح العالمي عبر التاريخ وطريقة تصوير المسرحيين للوباء القاتل خلال الحقب التاريخية المتعاقبة .

أوديب ملكا:

في القرن الخامس قبل الميلاد، كتب سوفوكليس مسرحيته التراجيدية "أوديب ملكا" التي يجتهد بطلها أوديب لتحديد سبب الطاعون الذي ضرب مدينته طيبة وأهلك الزرع والنسل وامتلأت الأرض بالجثث وسادت الفوضى، ليكتشف أن السبب خطأ ارتكبته أعلى قيادة في المدينة . وحدهم معبد دلفي والعرافة وتايريزيس يعرفون سبب الوباء الذي قضى على مستقبل الكثيرين في أثينا . لقد كان مصدر الوباء وفق سوفوكليس هو " الخطيئة الإنسانية " المتمثلة في جريمة قتل ولد لأبيه في حالة غير مسبوقة في التاريخ البشري.

وتذكّر الملاحم اليونانية والمسرحيات والأساطير والأشعار القديمة الجماهير بحاجتها لقادة يكونون قادرين على التخطيط للمستقبل، يتعلمون من دروس الماضي وعدم تكرار أخطائه. وفي ملحمة الإلياذة الشعرية التي تحكي قصة حرب طروادة وتعتبر واحدة من أهم الملاحم الشعرية الإغريقية للشاعر هوميروس، يُنتقد الملك الأسطوري أغاممنون لأنه لا يعرف ما جرى في حالة "ما قبل الوباء وما بعده".

واعتبرت الأوبئة موضوعا لاختبار ذكاء القادة في الأساطير اليونانية القديمة، وفي مقابل أغاممنون، جرت الإشادة بشخصية كالشاس الأسطورية كأحد هؤلاء الذين يعرفون سبب الطاعون وما حدث وما سيحدث.

لقد ركزت مسرحية أوديب ملكا على محاولة فهم المعاناة الإنسانية وآلامها وأرجعت الخلاص للحل الديني المتمثل في طاعة الآلهة وتعليمات المعابد الدينية والصلاة .

طاعون دافنتشي

نجا عبقري عصر النهضة الإيطالي ليوناردو دافنشي بأعجوبة من وباء الطاعون الذي ضرب ميلانو نهاية القرن الخامس عشر، وقتل حوالي خمسين ألف شخص يمثلون ثلث سكان المدينة. وألهم الطاعون دافنشي لتصميم مدينة مستقبلية عبّر عنها من خلال سلسلة من الرسوم والتدوينات اكتملت بين 1487 و1490وعمد فيها لتحويل مدن القرون الوسطى مثل ميلانو التي كانت ضيقة الأحياء، يصعب التنقل فيها وقذرة ومزدحمة وتساعد في انتشار المرض- نحو تخطيط أكثر حداثة مدعوم بشبكة قنوات تدعم التجارة وحركة البضائع والصرف الصحي، وقسم المدينة رأسيا إلى ثلاث طبقات مختلفة لكل منها غرض مختلف. وكانت أفكار دافنشي في زمنه مختلفة جذريا ويصعب تطبيقها على المدن القائمة بالفعل، لكنها ألهمت المعماريين لبناء مدن جديدة بالكامل في الأزمنة الحديثة، وسعى دافنشي لتقسيم المدينة عموديا وفصل المناطق المستخدمة للتجارة والنقل عن تلك المستخدمة للترفيه والمعيشة. وقد ظهرت رؤية دافنتشي المستقبلية للمدن والحياة الإنسانية في أعماله الأدبية والفنية وألهمت المسرحيين الذين أتوا بعده .

مسرحيات شكسبير

كتب المسرحي الإنكليزي وليام شكسبير مجموعة من أفضل أعماله خلال الطاعون الذي ضرب بريطانيا نهاية القرن السادس عشر . في نهاية القرن السادس عشر وأثناء تفشي وباء الطاعون، الذي أودى بحياة كثيرين في سلسلة من موجات الوباء تسبب آخرها في موت ربع سكان لندن، جرى إغلاق كل المسارح في أوقات كثيرة. وتوفي بسبب هذا الوباء القاتل أشقاء شكسبير الأكبر سنا وكذلك ابنه الوحيد هامنت الذي قضى في الحادية عشرة من عمره، ويرى بعض الباحثين أن الأديب الإنجليزي كتب مسرحيته التراجيدية الشهيرة "مأساة هاملت" تأثرا بوفاة ابنه.

ألهم الطاعون شكسبير لكتابة مسرحيات عديدة، ورغم أنه كان قد تحول إلى الشعر عندما أغلق الطاعون المسارح عام 1593، وذلك عقب نشر قصيدته السردية الشهيرة "فينوس وأدونيس" التي ذكر فيها الطاعون، فإن باحثين يرون أن إغلاق المسارح سمح لشكسبير بإنجاز الكثير من الكتابة الدرامية وألف في ذلك العام مسرحيات : الملك لير وماكبث وأنطونيو وكليوباترا .

قدم الطاعون لشكسبير مخزونا قويا من الاستعارات الدرامية، وظهرت بقوة في نصوصه في تلك الفترة. وفي أحد مقاطع مسرحية "روميو وجولييت" تلجأ الحبيبة للراهب الذي يعطيها جرعة من دواء يجعلها تبدو كالميتة لتستيقظ في المقبرة وتهرب لحبيبها، لكن الراهب يتم احتجازه في الحجر الصحي بسبب الاشتباه في إصابته بالطاعون مع كاهن آخر كان يساعد المرضى، وهكذا يفشل في توصيل الرسالة إلى روميو الذي يعتقد أن حبيبته ماتت ويصل للمقبرة ويشرب السم ويموت، وحين تستيقظ جولييت وتجد روميو قد مات تستل خنجرا من غمده وتقتل نفسها.

وعلى الرغم من عدم وجود العديد من الإشارات المباشرة إلى الطاعون في نصوصه، إلا أننا نستطيع تلمّس إشارات حول وجوده، وذلك عبر الشعور به أكثر من رؤيته. أحياناً، يكون ذلك في الحبكة كما في مسرحية "روميو وجولييت"، حيث يؤدّي تفشّي الوباء إلى إصابة الرسول الذي أرسله الراهب لورانس ويجبره على التزام الحَجْر الصحي. وهذا يعني أن الرسالة التي تحمل أخباراً أن جولييت زوّرت وفاتها لا تصل إلى روميو.

هناك الكثير من الاستعارات المَرَضية كانت واضحة في أعمال شكسبير. هذا ما نلاحظه في مسرحية تيمون الأثيني التي تتمحور حول رجل يختار منفاه بنفسه، حيث لا تكاد كلمة "الطاعون" تغادر شفتيه: "الأوبئة"، "لقد تتوّجوا بالوباء"، "ردّوا إليهم الوباء". أما الخطاب المسرحي في الملك لير فقد كان مباشراً وأكثر وحشية، حيث يصرخ كينت، اليد اليمنى للملك، أمام الخادم أوزوالد بما معناه: "فليأخذ الطاعون وجهك " أما الملك لير فيصف "الأوبئة التي تتدلّى في هذا الهواء النابض"، مشيراً إلى النظرية الشائعة القائلة بأن المرض يمكن أن ينتشر عبر الهواء. وفي أحد صيحاته العديدة، يطلق الملك لير على ابنته غونيريل "قرحة الطاعون، جمرة منقوشة في دمي التالف" في إشارة إلى تضخّم الغدد الليمفاوية، وهو أحد أعراض الطاعون.

يوجين يونيسكو ووباء الخرتتة:

مسرحية الخرتيت من روائع يوجين يونسكو حيث تجري أحداث هذه الكوميديا المرعبة في مدينة فرنسية صغيرة مغمورة هي في طريقها إلى الجنون، يشهد سكانها عدداً من الخراتيت تتجول في شوارع مدينتهم، تعطي انطباعاً بأنها هاربة من حديقة حيوانات، لكن الحقيقة التي سنتعرف عليها لاحقاً، أن سكان هذه المدينة أنفسهم كان قد نمت على جباههم فجأة قرون طويلة، وتصلبت جلودهم واستحالت سحنة بشرتهم إلى لون أخضر داكن، ومُسخوا جميعاً في النهاية إلى قطيع من الخراتيت، صار يعبث في شوارع المدينة وبيوتها محيلاً إياها إلى دمار. لكن، من بين جميع سكان هذه المدينة، يصمد شخص واحد فقط اسمه بيرانجية، يبقى محتفظاً بآدميته، لأنه لم يكن قادراً على أن يتحول إلى خرتيت، ولأنه يرفض، في نفس الوقت، الانصياع لمذهب الامتثال للتقاليد وتبلـّد المشاعر. وقد استخدم يونسكو الخرتيت كمجاز شعري للوحشية المتأصلة في الكائن البشري، وأيضاً بمثابة استعارة للتعبير عن عبثية الكون. إن الخرتيت يمثل طغيان الاستبداد وبربريته بالإضافة إلى لا معقولية الواقع الذي يستطيع أن ينتج مثل هذه المسوخ.

وقد وصف يونسكو مسرحيته هذه بأنها مسرحية مضادة للنازية، وقد قيل إنها تجسّد مشاعره قبيل مغادرته رومانيا عام 1938، حين أعلن الكثير من معارفه من المثقفين عن ولائهم واستسلامهم للحركة الفاشية والنازية قبل وبعد الحرب العالمية الثانية إلا أن السبب الذي دفعه لكتابتها ليس النقد المباشر لرعب النازي، بقدر ما هو الكشف عن ذهنية أولئك الذين استسلموا لذلك النازي واستجابوا لأفكاره وقيمه، لذا فإن وباء "الخرتتة" إذا جاز لنا أن نستخدم هذا التعبير، يُستغل هنا كنوع من الترميز المناسب للتعبير عن الوباء لدى تلك الجمهرة التي أنتجها ظهور النازية والفاشية على حد سواء.

برتولد بريخت والطاعون

تناول الكاتب المسرحي الكبير برتولد بريخت فكرة انتشار الوباء في مسرحيته المعروفة (حياة غاليليو) وتناولت وباء الطاعون في زمن عالم الفلك الشهير غاليليو.

 لقد أصاب الطاعون القاتل إيطاليا خلال حياة غاليليو، وفي زمن بريخت، بعد مئات السنين، انتشر وباء الإنفلونزا في جميع أنحاء العالم. اتجه مجتمع غاليليو وبريخت إلى أبعد مدى لوقف انتشار المرض، غالبًا عن طريق فصل المرضى عن الأصحاء (الحجر الصحي)، وهي طريقة حققت نجاحًا محدودًا. ليس من المستغرب إذن أن تلوح فكرة الطاعون في حياة غاليليو، وتصبح كناية عن الطريقة التي تحاول بها المؤسسات القوية وقف تدفق الأفكار التي تتحدى سلطتها. وهكذا، تصنف الأفكار كنوع من العدوى، ويظهر أن محاولات منع الناس من الاتصال بالمعرفة قمعية وغير فعالة في نهاية المطاف. تميل الأفكار، مثل الفيروسات تمامًا، إلى الانتشار بسرعة وبشكل لا يمكن السيطرة عليه.

يميل الكاثوليك، بسبب سلطة الكنيسة، في حياة غاليليو إلى الضغط عليه للتراجع عن أفكاره مثلما يفعلون مع الطاعون. على سبيل المثال، عندما يتم اكتشاف مدبرة منزل غاليليو (السيدة سارتي) بأنها أصيبت بالطاعون، يمر سكان المدينة بالقرب من منزل غاليليو، ويهمسون في خوف ويرفضون الرد عليه عندما يتحدث إليهم لأنهم يخافون من الإصابة بالمرض. وبالمثل، عندما يمرون به في قاعة محاكم التفتيش، فإنهم يرفضون استقباله خشية أن يُنظر إليهم على أنهم يدعمون أفكاره ونظرياته . يعزز بريخت هذا التوازي من خلال أداء المنشد في المسرحية . ألهم الطاعون الفنانين المتنقلين لتصوير أولئك الذين يعانون من المرض، والغناء في حياة غاليليو حيث يرددون أغاني عن مدى فظاعة أفكاره.

ومع ذلك، بمجرد أن يبدأ شخص ما في فهم معارف غاليليو الجديدة، يبدأ على الفور في نشرها - كما يفعل ابن مدبرة المنزل، أندريا. ثم إن أندريا حين يبدأ في معرفة أن الشمس لا تدور حول الأرض، يبدأ في تعليمها لأمه. في وقت لاحق، يفعل الشيء نفسه مع كوسيمو، دوق فلورنسا الكبير. ولا يختلف الحال مع فيدرزوني، صاقل عدسة غاليليو رغم أنه قد علم مؤخرًا بأفكار غاليليو الجديدة، ثم يقدمها بسرعة إلى مجموعة من علماء الفلك والفيزيائيين الحكوميين الذين يندهشون من أفكاره . ويتأثر بأفكاره حتى أولئك الذين يجب أن يكونوا محصنين بشدة ضد رسالته، مثل الراهب الصغير حيث يقعون تحت تأثير "المرض"، مرض الأفكار العلمية الجديدة . يتعلم الراهب الصغير الفلسفة والدين ولديه معرفة معتمدة من الكنيسة في الرياضيات بالطريقة الكلاسيكية، حيث يُفترض أن تعمل هذه الفلسفة والأفكار التقليدية الكلاسيكية على أنها "أجسام مضادة" لـ "فيروس" غاليليو. في الواقع، يبدو أن الراهب الصغير يأمل في شفاء غاليليو من إصابته باستخدام هذه الموارد والمعلومات والأفكار والقوانين الجديدة . ومع ذلك، فإن وجود غاليليو لفترة قصيرة معه كان كاف لإصابة الراهب الصغير بالعدوى العلمية .

في صميم أفكار غاليليو هناك الفرضية القائلة بأنه يجب على المرء أن يشكك في كل شيء وهذا جوهر تفكير أرسطو وفي ذات الوقت هو جوهر عدوى غاليليو. كما يشير المحقق إلى باربيريني، فقد تسبب غاليليو في وباء حقيقي من الشك داخل إيطاليا وأماكن أخرى. تسببت فكرة أن الكنيسة كانت مخطئة بشأن أحد أهم أتباعها في تشكيك الكثيرين في مذاهبها الأخرى، وربما حتى الإيمان نفسه. منذ عصر غاليليو، على سبيل المثال، بدأ قباطنة البحر يعتمدون على خرائط النجوم والبوصلة بدلاً من الاعتماد على الله. يشير مغنيو الطاعون إلى أن مثل هذا التساؤل في ماهية الكون والنجوم والأرض امتد إلى أبعد من ذلك في عالم الحياة الاجتماعية. وبعد أن انتشرت الإصابة بالعدوى بطريقة تساؤل غاليليو، على سبيل المثال، يقوم المستأجرون الآن بتوبيخ ملاكهم، وتتساءل الزوجات عما إذا كان بإمكانهن تحقيق الرضا الجنسي مع الرجال، ويكمن التلاميذ في الفراش بدلاً من الذهاب للعمل. ويحذر من أن "الروح المستقلة وحرية التفكير والتعبير تنتشر في الكون مثل الأمراض الكريهة".

كان لدى بريخت مثل غاليليو أفكارًا راسخة ومتماسكة كان يأمل أن تنتشر مثل العدوى. تركزت أفكاره على المسرح، وهي ساحة كانت (مثل علم الفلك في غاليليو) تهيمن عليها منذ قرون نظريات أرسطو (في هذا السياق، فكرة أن المسرح يجب أن يقلد الواقع قدر الإمكان). يعتقد بريخت أن المسرح يمكن أن يكون أداة رائعة لتشجيع النقاش الفكري وتسييس الجماهير، ولكن النمط الطبيعي الذي وصفه أرسطو قد حدّ من الفعالية السياسية للمسرح. لم يكن بريخت يريد أن يختبر الناس عاطفيًا في أعماله بل أرادهم أن يفكروا في المسرحيات - ليتذكروا أنها كانت عملًا فنيًا جميلا ورائعا وليس حياة حقيقية. أثارت أفكار بريخت مثل أفكار غاليليو المعدية على المسرح غضب بعض النقاد وربما كانت تخيفهم. لكنها انتشرت أيضا . يعمل معظم المخرجين المسرحيين الجديين حتى يومنا هذا في ظل بريخت - سواء بالتعاطف أو المعارضة أو في مزيج من الاثنين معا وهذا يظهر القدرة المستمرة لفكر بريخت على "الانتشار" بين الآخرين كالوباء.

أوكتاف ميربو والوباء

قدم الكاتب أوكتاف ميربو مسرحية بعنوان "الوباء" حيث تتناول اجتماع مجلس البلدة لمناقشة كيفية التصرف في وباء أصاب السكان وهو "التيفويد" وخاصة الأحياء الفقيرة ولكنه ينتشر ليصل للأحياء الغنية وهي مسرحية ساخرة في فصل واحد.

في عام 1898 عُرضت على مسرح أنطوان في باريس مسرحية من فصل واحد اسمها "الوباء" للكاتب الفرنسي أوكتاف ميربو، وُصفت بأنها مهزلة مأساوية، ثم نُشرت عام 1904 مع مجموعة مسرحيات من فصل واحد في كتاب بعنوان "المهزلة والأخلاق"، وهي تتناول موضوع وباء التيفوئيد الذي ينتشر في مدينة بحرية، ويضرب الثكنات والمناطق البائسة. وخلال اجتماع لمجلس المدينة مُخصّص لهذا الوباء يرفض أعضاؤه، من الموالاة والمعارضة، جميع الاعتمادات المُخصّصة للصرف الصحي في المدينة، غير مبالين بالخطر الذي يشكله المرض.

لكن حين يتفشى ويصل إلى الأحياء الغنية، ويتسبّب في موت بورجوازي معروف يُغيّر عمدة المدينة رأيه، ويثني على فكرة الاعتمادات، فيُصوّت أعضاء المجلس بالإجماع على منح قروض لمواجهة الوباء.

فارغاس يوسا وحكايات الطاعون

ولد ماريو فارغاس يوسا عام 1936 في البيرو لأبوين ينحدران من إسبانيا، وهو كاتب وصحفي. يعتبر من أبرز كتاب أميركا اللاتينية، حصل على جائزة نوبل للآداب عام 2010.

"حكايات الطاعون" هي العمل المسرحي التاسع في مسيرة الكاتب الذي كتب ثمانية أعمال مسرحية في السابق منها، "آنسة تاكنا"، "ألف ليلة وليلة"، "عيون جميلة بنظارات بشعة"، "مجنون الشرفات" وغيرها.

يقول يوسا أن كتابه "حكايات الطاعون" سيتحول إلى عمل سينمائي بوصفه عملا كوميديا رومانسيا. واعتبر يوسا أن الأدب "يسمح لنا بأن نعيش حيوات أخرى، وأن نخرج من فضاء متقلص، وأن نعبر عن أنفسنا بأقدار تحطم الروتين، تلك الأقدار التي تجعلنا نعيش مشاعر متوهجة تحولنا لكائنات مغامرة".

خلاصة

لقد عمل المسرح عبر التاريخ لتصوير حياة الناس المؤلمة ومشاكلهم ومعالجتها وانتقاد ما يمكن انتقاده بطريقة لطيفة وغير مباشرة . ومن لا يقرأ المسرح يفتقر الكثير من المعرفة . لقد وُلدت الأعمال المسرحية من رحم المعاناة الإنسانية فعكست مشاعر إنسانية صادقة كالألم والخوف والتلاحم والفراق والضياع والأوبئة بطريقة تثير الابتسامة والدموع .

 

بقلم نور محمد يوسف

........................

المراجع

Octave Mirbeau | French author | Britannica

www.britannica.com › biography › Octave-Mirbeau

Octave Mirbeau : Anarchist Novelist, Playwright, Journalist ...

www.revoltlib.com › people › octave-mirbeau › view

Bertolt Brecht | Biography, Plays, Poems, & Facts | Britannica

www.britannica.com › biography › Bertolt-Brecht

The Life of Galileo Study Guide from LitCharts | The creators of ...

www.litcharts.com › lit › the-life-of-galileo

Eugene Ionesco Biography | List of Works, Study Guides ...

www.gradesaver.com › author › eugene-ionesco

Romeo and Juliet: Study Guide - SparkNotes

www.sparknotes.com › shakespeare › romeojuliet

King Lear: Plot Overview - SparkNotes

www.sparknotes.com › shakespeare › lear › summary

Leonardo da Vinci | Biography, Art, & Facts | Britannica

www.britannica.com › biography › Leonardo-da-Vinci

Oedipus the King - CliffsNotes

www.cliffsnotes.com › literature › play-summary › oed.

How Pandemics Change History | The New Yorker

www.newyorker.com › news › q-and-a › how-pandemi.

 

تعتبر خدمة المجتمع من الوظائف الرئيسية للجامعات في جميع أنحاء العالم، انطلاقا من مفهوم الجامعة على انها مؤسسة تعليمية مسؤولة عن خدمة مجتمعها، وهو ما يمثل البعد الثالث من مهام العمل الجامعي: التدريس والبحث وخدمة المجتمع.

السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يجب على الدولة دعم الجامعات البحثية؟ اليس من الضروري إثبات أن المؤسسات الأكاديمية يمكنها حل المشاكل غير المتوقعة؟ اليس من الضروري وجود علاقة عميقة ووثيقة مع افراد المجتمع كأمر حيوي لمثل هذه الجامعات لجعل أنشطتها مفهومة ومعروفة وتحظى بتقدير عالي لكي تكسب الاحترام والدعم من مجتمعها؟ اليس هذا الدعم هو حجر الزاوية لوجود الجامعات اليوم؟

خلال فترة انتشار هذا الوباء العالمي- وما يمثله من لحظة فريدة للبشرية- ألا يجب أن تكون الجامعات أقرب إلى المجتمع وأن تظهر دورها في التخفيف من المعاناة العامة؟ استطاعت الكثير من الجامعات العالمية من الإجابة على هذا السؤال عبر مبادرات شملت، على سبيل المثال لا الحصر، تطوير اللقاحات والأدوية، وتوفير أجهزة التهوية السريرية منخفضة الكلفة، واجراء دراسات لفهم ميكانزيم الإصابة بالفيروس وطرق انتشاره والوقاية منه، والتوعية الطبية وتقديم الارشادات، واجراء الاختبارات والفحوص، والتطوع لتقديم المساعدة والخدمات الطبية عبر مستشفياتها واطبائها وممرضيها.

قد تكون بعض الجامعات العراقية ساهمت في تقديم بعض الخدمات الطبية عن طريق التدريسيين ذوي الاختصاصات الطبية او بتقديم ندوات توعية وارشاد وهي بذلك تستحق الشكر والتقييم، ولكن قد يقال بأن هذه الخدمات هي من ضمن واجبات التدريسيين كأطباء، ويمكن ان يقال إن هدف تمكين أفراد المجتمع ومؤسساته من تحقيق أقصى إفادة من الخدمات الجامعية لهو هدف فشلت الجامعات في تحقيقه.

على من يتم توجيه اللوم في هذا التقصير؟ هل الجامعات ملامة لضعف تحقيق هدفها في خدمة المجتمع، ام يجب ان يلقى اللوم على الدولة ووزارة التعليم العالي بالخصوص لعدم تمكين الجامعات من تحقيق هذا الهدف الأساسي والسامي؟

الحق ان المسؤولية الكبرى تقع على كتف الوزارة، لان الجامعات ما هي الا دوائر تدار وتسّير من قبل الوزارة. والمسؤولية الاجتماعية للجامعات تحددها الوزارة وتقيدها ضمن تعليمات واوامر إدارية، وتمويل مركزي واشراف مباشر، بضمن مواصفات محددة لوظائف أعضاء هيئة التدريس. حتى وان أراد أحد افراد هيئة التدريس او مجموعة منهم القيام بمبادرة بحثية او اجتماعية فانهم سيلاقون عقبات كثيرة تضعها امامهم طبيعة عملهم وطبيعة الروتين الوظيفي الذي تعاني منه الجامعات كونها مؤسسات غير مستقلة تخضع بكل صغيرة وكبيرة الى موافقة الوزير واراء حاشيته.

ميادين خدمة المجتمع واسعة ومتنوعة، وما فشل الجامعات في اخذ زمام المبادرة والتأثير في بيئة المجتمع، وبقاء دورها محصورا داخل حرمها الجامعي، الا بسبب المركزية المقيتة التي تعاني منها بسبب تسلط الوزارة عليها مما يمنعها من اخذ المبادرات الاجتماعية وامتهان أدوار أكبر من مجرد التدريس.

 

محمد الربيعي (أ.د.)

 

عدنان عويدسألني أحد الأصدقاء ما المقصود بـ (ما بعد الحداثة)، وهل هناك سياسة تدخل في هذا المفهوم؟.

أقول: نعم يا صديقي إن ما بعد الحداثة، هي نظام اقتصادي واجتماعي وسياسي وثقافي يسود العالم اليوم، أفرزته تلك التحولات غير العقلانية لما يسمى بالنظام العالمي الجديد.

ففي هذا النظام العالمي الجديد، فقد العالم توازنه المادي والروحي، واصبحت الشعوب فيه تعيش حالات من الضياع القومي والوطني والأخلاقي.. فكل شيء رُسمت له نهايات في هذا العالم.، نهاية التاريخ.. ونهاية الدولة.. ونهاية المواطنة.. ونهاية الدين. بل راحت سمات أخرى تلصق به، كالتفكيك والتذرير والموت.. فرحنا نسمع عن موت الفن، والأدب، والأخلاق والفضيلة، والدين، وعن تفكيك الدول المركزية وتذرير المجتمع... الخ.  والسبب هو سيطرة نمط اقتصاد السوق المتوحش الذي لا يعرف من التنمية إلا الربح، دون النظر إلى القيم الإنسانية في هذه التنمية ودورها. وهذا النمط من التنمية راحت تقوده مجموعة من الشركات المتعددة الجنسيات التي يتحكم في إدارتها وآلية عملها كباتنة الرأسمال العالمي على مستوى العالم، ومن هؤلاء يأتي الكثير من ساسة وحكام دول العالم الثالث الذين سرقوا أموال شعوبهم ودخلوا عبرها مساهمين وشركاء في هذه الشركات التي غالباً ما تنال نتائجها السيئة شعوبهم بالذات من خلال الفسح في المجال واسعاً لهذه الشركات للمساهمة في استثمارات اقتصادية واسعة في بلادهم.

في النظام العالمي الجديد هذا، تغيب السمات العامة للدولة لتتحول إلى وسيلة بيد من يتحكم فيها لحماية مصالحهم، وهذا ما يتجلى واضحاً اليوم في الدول الأوربية وأمريكا.. فالدولة وكل إمكانياتها هي في خدمة مصالح الطغمة الاقتصادية من جيشها وإعلامها، وصولاً إلى أموالها تحت ذريعة حماية الأمن القومي.

إذن، إذا كانت هذه هي المعطيات العامة لما بعد الحداثة في الجانب الاقتصادي، وما يقوم على هذه المعطيات من نتائج أشرنا إليها أعلاه. فما هي النتائج السياسية التي يفرزها هذا النظام على المستوى العالمي  بشكل عام، وعلى المستوى الداخلي للدول بشكل خاص.؟.

إذا كان الخطاب السياسي على المستوى العام يتمثل في سيطرة الدول العظمى على السياسة الدولية وخاصة سيطرة  الدول القويّة منها كالولايات المتحدة، مستغلة قوتها المادية والعسكرية في تحقيق ما تريد على حساب بقية الدول، من خلال آلية عمل وسياسات قهرية ورضائية، كفرضها العقوبات، أو منحها المساعدات على هذه الدولة أو تلك، أي اتباع سياسة الترهيب والترغيب، موظفة في هذه السياسات المؤسسات الدولية تحت اسم العدالة والحرية والديمقراطية، ويأتي في مقدمة هذه المؤسسات مجلس الأمن، والوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومحكمة العدل الدولية، ومجلس حقوق الإنسان.. وغيرها، وهذا ما يساعدها أيضاً على تثبيت الحكومات الموالية لها والمنفذة لمصالحها في دول العالم الثالث مهما تكن طبيعة هذه الأنظمة، جمهورية كانت أم ملكية، ذات توجه رأسمالي كانت أم اشتراكي، بغض النظر عن درجة عدالة هذه الحكومات اتجاه شعوبها.

عموماً. إن السياسة الداخلية في الدول العظمى تقوم على حزبين رئيسين غالباً ما يتداولان السلطة، وكلاهما يعملان بالضرورة لمصلحة القوى الطبقية المتحكمة باقتصاد هذه الدول، ويأتي على رأسها كبار أصحاب الشركات الكبرى.

أما على مستوى سياسة دول العالم الثالث، فغالبا ما نجد أنظمةً أو حكوماتِ ملكية وراثية يسيطر فيها الملوك والأمراء وحاشيتهم على كل شيء في الدولة، يقابلها أنظمة جمهورية تدعمها أحزاب شعبوية، تفتقد بالأساس إلى مشاريع فكرية حقيقة ذات بنية طبقية وتنظيمه واضحة المعالم، فهي كـ (خرج العطار) تجد فيها كل ما تريد، فهناك في بنيتها التنظيمية تجد عمال وفلاحين وطلاب وعسكر وبرجوازية صغيرة وكبيرة غالباً ما تكون طفيلية، وبقايا من رجالات الاقطاع. يتبع هذه الأحزاب منظمات شعبية تفتقد أساساً لحريتها في التعبير عن مصالحها، فهي ليست أكثر من حزام ناقل للسلطة المركزية في الحزب والدولة. وعلى المستوى التعليمي، تجد في البنية التنظيمية لهذه الأحزاب،  من الأمي أو الذي فك الحرف، إلى من يحمل أعلى الدرجات العلمية. أما على المستوى الثقافي، فهناك غياب واضح ومخجل في معرفة البنية الفكرية عند الكثير من مكونات البنية التنظيمية لهذه الأحزاب، لذلك لا نستغرب أن نجد فيها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، حيث تجد فيها المتدين الساذج، وفيها السلفي الأصولي والصوفي الذي يحارب العقل ويعتمد على النقل، وتجد فيها المسلم الاصلاحي، وتجد فيها اليساري والليبرالي والانتهازي والوصولي الذي لا ينتمي أصلاً لأي فكر عدا انتمائه لمصالحه وهم الأكثرية. هذا عدا عن القول، بان هذه الأحزاب كثيراً ما تطرح قضايا فكرية وتنظيمية واقتصادية تتناقض مع أهدافها أو الخطوط الاستراتيجية لبنيتها الفكرية وأهدافها عند الحاجة أو حسب الظروف الدولية والاقليمية.. فالتكتيك يتحول عندها إلى استراتيجية، هذا عدا التناقض الصارخ في شعاراتها، كأن تطرح الليبرالية في الوقت الذي ترفع فيه شعار الاشتراكية.. أو تطرح فيه اقتصاد السوق، في الوقت الذي تطرح شعارات الاقتصاد الصغير والمتوسط، أو تدعي العلمانية في الوقت الذي تحاصر فيه المفكرين العقلانيين العلمانيين وتفسح في المجال واسعاً لرجال الدين والمؤسسة الدينية أن تمارس نشاطها بكل حرية.

عموماً هي تحمل أيضاً شعارات وأهداف ذات بعد وطني أو قومي أكبر من إمكانياتها التنظيمية والفكرية.. لذلك غالباً ما نجد بنيتها التنظيمية مهزومة ومنخورة بالفساد والخيانة لأهدافها من الداخل، وعاجزة عند الأزمات عن حماية نفسها هي بالذات، بل إن قسماً كبيراً جداً من بنيتها التنظيمية يتحول إلى تيار الثورات المضادة للحزب أو الدولة... إنها أحزاب ما بعد الحداثة.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور سورية.

 

 

عبد الجبار العبيديسَئلنا التاريخ فقلنا له: ان القصص القرآنية حدثتنا عن الخلل الكبير الذي حدث في موازين الحياة عند الشعوب في غابر الازمان؟ فهل ما يحدث اليوم هي الاحداث تأتي متشابهة في زمن مختلف؟ فيرد علينا قائلاً ان القصص القرآنية هي من الجزء المتغير من تراكم الاحداث الانسانية، وهي تجارب الشعوب التي سبقت الاديان السماوية واحداثها حصلت فعلا من جراء تجاوز الانسان على الحقوق في ذاك الزمان، وهي عضات وعِبرلمن يأتي بعده من بني الانسان.. لا يمكن تركها فهي تاريخهم المكتوب، لذا اعتبرها القرآن حقيقة لا مناص من الاعتراف بها، فقال عنها: "نحن نقص عليكم نبأهم بالحق،الكهف 13.. " أي كيف ما كانت وحدثت.. ويقول:" ان الحُكم الا لله يقصُ الحق وهو خير الفاصلين الانعام 57".أي هو الذي أوردها عنهم وليس هو منشئها حين وصفها بطابع العدل والحق كما يريدها.. لتكون عبرة لمن يأتي بعدها. ”

اذن فقد كان التعمد في الخطأ في مسار الفكر الانساني هو من صنع الانسان الأول حين تخلى عن القيم والمبادىء.. ولم يستجب لعدم ادراكه ما ارادته الطبيعة ان يعمل به وفق الصراط المستقيم التي أمرته ان لا يأكل حقوق الناس بالباطل،ولا يظلم احد، ولا يقتل احد دون فساد في الارض لانها تتنافي وموازين الحياة.. هذه ثوابت طبيعية جاءت بأقوال حدية يحرم على الانسان تجاوزها. أي هي.. "دائرة محرمة مغلقة "لذا.. فلفظة الحقوق الآلهية تعبرعن فكرة وتؤدي غرضا ابلاغيا لا يرد.. سماها القرآن لاحقاً بالقصص القرآنية.

رؤية جديدة تطرحها كتب السماء للبشرية ليتبصروا فيها ولأداء الحقوق بين الحاكم والمحكوم وبين الناس بعد ان مرت البشرية بعهود الظلام.. .نظرية آلهية جاءت لاحقة لخط تطور التاريخ.. فكيف لوتم الاعتداء عليها..؟.. أكيد يكون الانتقام ممن َظلم.. أشد وأمَر..

ثم جاءنا القرآن ليعرض علينا هذه القصص والتحذير مما حدث بأسلوب النُذر،وأسلوب الوحي للبشر:يقول الحق:" ان أنا الا نذيرُ مُبين،الشعراء 115.. فأنذرَهم بما جاء به الله فكذبوه فأغرقهم في البحر،يونس 73. وحين لم يتعضوا جاءهم بأسلوب الأيحاء بالنبوات ليقنعهم بترك الخطأ، يقول الحق: "انا أرسلنا نوحا الى قومه ان أنذر قومك.. فكذبوه فجاءت كلمة الغرق حقا وحقيقة لتكريس معنى العدالة المطلقة في التحقيق، التي رفض القرآن ان ينقذ حتى ابن نوح مع ابيه في السفينة لانه من غير الصالحين حين طلب نوح من ربه انقاذ ابنه من الغرق "هود 45".. فيرد الحق على نوح ان يدعه يغرق " لانه عمل غير صالح، هود 46".. وتكررت في عهد فرعون فأغرقه في البحر وجعله من المثبورين.. الانعام.. .102.. هنا تحققت نظرية العدل المطلق وانتهاء ظلم الانسان للأخرين.. فدخلت البشرية في منعطف جديد .

اذن.. كيف يجب ان نقرأ النص القرآني؟ نقرأ النص معتمدين على المعلومات التاريخية المتوفرة لدينا من الحفريات الاثارية المتشابهة مع النص المنسوب للمعرفة الانسانية بخط تطور التاريخ.. وحين نقرأ التاريخ القديم نشعر بشيء جديد لم نتعلمه من مناهجنا المدرسية، وهوان الفترة الزمنية السابقة للديانات النصية هيأت لنا موردا علميا قابلا لاستقبال الايحاء الديني بعد ان تشكلت اللغة المجردة في ابسط صورها حتى بدأت انسانية الانسان تأخذ شكل الانسان الحديث.. حيث بدأ خط تطور التاريخ.. حين بدأت بقصة نوح ومن بعده هود.فنوح هو اول الانباء المرسلين " يقول الحق:" انا أوحينا اليك كما أوحينا الى نوح والنبيين من بعده،النساء 163". ويقصد هنا الأيحاء الى محمد(ص).

ان خط سير التاريخ انصب كله على تحقيق العدالة بين الناس.. لذا جاءت نظرية العدل الانساني بصفتها المطلقية التي لا يجوز تجاوزها بالمطلق لأن بها تستقرامور الناس.. أي هي ثابتة لا تتغير ولا تتبدل بتدل الانسان والتاريخ سرمدية الأصل والبقاء معاً.. فالخارجون عليها ليس لديهم قابلية دخول الامتحان ثانية واجتيازه.. بل أصبحت مركونة لاصحاب نظرية الحق.. فهو ثابت لا يتغير ولا يتبدل.. لأن "الله قوله الحق، الانعام 73" وهي القوانين الناظمة للوجود كقوانين التطور نحو التغيير،وهو اللوح المحفوظ اي القانون الصارم للوجود والذي هو ليس مناط الدعاء مهما دعا اهل الارض والانبياء لتغييره لا يتغير وهو الذي تنطبق عليه كلمة القرآن حين يقول:" لا مبدل لكلماته الكهف 27".. وهو صالح لكل زمان ومكان.. فحذاري من الاعتداء عليه لانه مطلق في التطبيق.. وهذا ينفي نظرية فقهاء الدين التي تنسب لنفسها التغيير.. بالدعاء والتبريك..

اما قولهم: "لا يردالقضاء الا الدعاء" فهو أمر لا علاقة له بالنصوص الحدية.. وما هي الا احداث جزئية في ظواهر الطبيعة ولا غير.. كما في قوله تعالى:"اذا قضى الله أمرا فانما يقول له كن فيكون البقرة 117".. وهذ اليس له علاقة باللوح المحفوظ الحدي في التنفيذ.. وانما بالمتغير من احداث التاريخ.. ويبقى قولهم بالغيب والعصمة للانبياء والصالحين.. فهذا مردود عليهم بقوله تعالى:" تلك من أنباء الغيب نوحيها اليك ما كنت تعلمها لا انت ولا قومك من قبل.. .هود49".لذا ما تدعي به مرجعيات الدين من العلم ببصائر الامور والدعاء المُستجاب لهو فرية على الناس لا غير. .كما هي دعايتهم في ولاية الفقيه والمنتظر وغيرها كثير. واخير كما يقولون ان تبرئة المصاب بكورونا يكون بالدعاء والتقرب من الأولياء.. فهو وَهمُ كبير.

من يملك هذه الصفات الوهمية لا توضع فيه امانة الوطن ولا يستحقها الا المخلص لله والوطن.. وخاصة في هذا الزمن الرديء الذي اصبحت المنافع المادية تعلو على القيم والاخلاق والدين . فهل يستطيع من يملك زمام السلطة الظالمة ان يتصف بهذه الصفات وان يجابه كل عواصف التحديات والزمن..؟ لا اعتقد فقد ذهب عصرالأحرار.. وجاء عصر العبيد.. فعلينا الابتعاد عن آكلة المال الحرام.. فالطبيعة ترفض احلال الخلل فيها ثانية بعد ان حل الاصلاح.. بالأيمان ومعتقد القادر القدير .

هنا نرى ان الحكماء من اصحاب الحق، ادركوا كيفية نشوء المجتمعات وكيفية معرفتهم بأدارتها لأنهم كانوا كباراً في نظرتهم للعدل، وكيفية نقله للاجيال لتعيش فيها بأمن وامان وكيفية معرفة الحقوق.. اي بناء المجتمع ألانساني ألاكثر أمنا وأستقرارا وألاقدر على توفير اسباب الرخاء او ما يسمى اليوم بالسعادة للبشر فكانت الدساتير والقوانين.. من هنا بدأت المجتمعات المتقدمة برجالها الأفذاذ تدرك اسباب ربط الظواهر الحياتية - علماء العلم لا فقهاء الدين- حتى انتجت لنا نظريات متعددة ومتنوعة طالبتنا بمعرفة الاصح لاتباعها في التطبيق العملي لواقع الحياة الانسانية.. من لم يستطع ان يكون بهذه الصفات عليه ان يتخلى عن مسئولية الانسان والوطن وينزوي في زاوية الذل والمهانة كماهم اصحاب نظرية التغليس عن الحق من اتباع سلطة المظلومين في العراق وغيره.. .اليوم.

من هذه النظريات المتعددة هي النظرية الاجتماعية المبنية على نظرية الافكار الحديثة التي بواسطتها يستطيع المواطن ان يوقف الظلم ويرد السلطة عن هواها وهي ما نسميها بأرادة الامة.. "ثورة تشرين الوطنية في العراق مثالاً" البعيدة عن نظريات القوة والقداسة الوهمية والمتمسكة بنظرية القانون والعدالة الاجتماعية والحقوق.. هي نظرية ان يكون العدل فيها مكفولا ً بنص القانون والعرف الاخلاقي للجماعة الانسانية لا بقانون القوة، لا الذين كسبوا المعركة من اصحاب نظريات الحسب والنسب.. اما التقدم الذي كسبته الدول - الدولة الاسكندنافية مثلاً- لم يحدث الا بزيادة القبول للقيم المشجعة لهم على قبول مواصلة السير به.. من هنا نشأت نظرية فلسفة التقدم وتقريرها في الأذهان على اساس جديد للنظر الى التاريخ وأحوال البشر.

ومن هنا ايضاً قسم العلماء المجتمعات الى متحضرة لها قيمها الروحية الرفيعة في اساليبها المتطورة في مواجهة الحياة والطبيعة مثل المجتمع الياباني.. ومجتمعات غير متحضرة فهي التي لم تتجاوز الطور البدائي في قيمها الروحية واساليب حياتها العلمية والعملية والطبيعية والتي لم تفهم نظريات الحق والعدل المجتمعي.. وان ظهرت متحضرة في مظهرها الانساني كما عند غالبية دول المسلمين.. فالمظهر ليس كالجوهر.. وهي التي وقفت وتقف اليوم عاجزة عن مواجهة الصعاب والتحديات التي تواجهها.. لعدم قدرة انسانها على تجاوز هذا التحديات فقابلتها بنظرية التغليس والتبرير.. ولأن الباطل صار يتعايش معها،كما في المجتمعات العربية ويقف العراق الذي تنازل حكامه عن نظرية الحق وتطبيقاتها.. وتمسكوا بنظرية المظاهر الفارغة في المقدمة فقد ضاعت عندهم السيطرة على القانون وحقوق المواطنين.. وبقوا يعيشون في غرفهم المظلمة كالسجناء في زنزاتهم منفردين.

ان الذين استأثروا في الفيء،وأختيار الولاة على الهوى،وتعطيل الحدود بالشفاعة والقرابة من جنس جحد الأحكام المنصوصة والشرائع الحقة المعروفة والعفو عن المجرمين والسارقين والقتلة بالعفو العام والخاص ونسوا المعتقلين والمغيبين بدون وجه حق.. باختراق الدستور،والسنن المنصوبة،خرجوا عن مفهوم العدالة واجماع الامة فلا يستحقون حكمها حين تحولوا من نظرية الصدق الى الكذب والأفتراء،وما علموا ان ليس هناك أحسن وأفضل من الصدق.. ولو كانوا كذلك لصدقوا ما كانوا به يدعون،ولوضعوا دستور يضمن حقوق كل الناس دون تفضيل نظريا وتطبيقاً،ليحدود سلطة الدولة عن حقوق الناس ولعاشوا محترمين في ظل القانون.. هذا التوجه فقده بعض الحكام العرب والمسلمين من زمن رغم اننا ورثناه من التراث.. والذي نادى "بالحرية والاخاء والمساواة قبل الثورة الفرنسية التي قامت عام 1789 بعهود" .

ولربما الاحساس بالعدل بدأ يظهر اليوم في بعض من ابتعدوا عنه، عندما بدأوا يحسون بالندم القاتل كما في موفق الربيعي مثلاً.. .وتحضرني كلمة قالها حيدر العبادي الفاشل سياسياً نكتبها بتصرف: "ان من يحكمون اليوم تعودوا على حياة مترفة لا يستطيعون التنازل عنها بعد.. " كارثة اخلاقية هذا الذي تفوه به العبادي أبن الأصول الذي مسخ تاريخه بقصد.. وهذا لا يحقق دولة مواطن بل دولة لصوص.. ان الذي يجب ان يتحقق هو بأختيار الامة لحاكمها وتحديد مسئوليته في الرقابة المالية ومدة خلافته وسلطته الأخلاقية كي لا يتجاوز نظرية الحق والقانون.. هنا كان مقتل تاريخ قادة حزب الدعوة وعلى رأسهم المالكي للقيم والقانون عندما اسـتأثر بالسلطة تجاوزا على الوطن والمواطن تساعده نظرية القوة التي سخرتها له المحكمة الاتحادية تجاوزا على الحق والقانون في سنة 2014 عندما أغتصب السلطة من مستحقيها مستندا الى قوة الطائفة والحزب لا بنظرية حكم القانون.. "أخذناها وبعد ما ننطيها" وكأنها كانت ملكا له وللوارثين.. فهل قالها قبله محمد (ص) صاحب الدعوة والحق الكبير؟ والقرآن يخاطب محمد(ص): "لو كنت فظاً غليظ القلب لأنفضوا من حولك،آل عمران 159".. فكيف يتجاسر على قولها ظالم عنيد..؟ هذا هو تفكير الظلم.. الذي صرفته الدنيا عن التفكير بالحق.. وليس في الدنيا أخطر من العيش بدون تفكير.. فالعبرة بالحقائق الواقعة الى جانب المبادىء المعلنة .

هذا التوجه الفلسفي الصائب هو الذي احدث انقلابا في الفكر الجديد المعتمد على تقدم التعليم المقونن بالقانون.. من هنا بدأت نظريات ارسطو تنكمش وتضمحل تجاه العلم الجديد بعد ان كان المنطق الارسطوطاليسي هو المعتمد في التغيير.. من هنا اقول وبقوة ان البحث والتجربة والمنهج التعليمي الجديد الخالي من التوجهات المثيولوجية العقيمة هي التي اوصلت الانسان الى العلم الصحيح.. فبدأ العلم يحمي العقل البشري من الشكوك التي زرعها الفكر الديني الذي لا يؤمن بالصيرورة الزمنية في رأس الانسان فأوقف بنصه الجامد اللا متحرك عقل الانسان وتفكيره بعد ان ابعده عن الفكر الروحي الذي ظن به ان الانصراف عنه الى دراسة العلم العقلي انما هو مضيعة للوقت وصرف الانسان عن عبادة الله.. وكانهم هم وكلاء الله في الارض والقرآن يقول: "لكم دينكم ولي دين"، هنا كان ولا زال مقتلنا في امة العرب والمسلمين.. وهذا ينطبق على حال الوطن العراقي اليوم حين اصبحت سلطة الدين توجه العلم والتعليم والقانون.. والعكس صحيح.

ومالم يعمل علماء المناهج العربية التعليمية على الربط بين العقل والتفكير بطريقة منطقية عقلية واحترام القانون.. سنبقى مستسلمين للافكار غير العملية التي تقودنا الى التوقف دون حراك.. اي ان الصيرورة الزمنية ستتوقف عندنا كما احدثها اصحاب المذاهب الدينية التي تركتنا عظاما نخرة لا نقوى على الحراك وطرحت علينا مقولات لايقبلها العقل.. "73 سبعين فرقة في النار الا واحدة"من يقبل هذا المنطق وله عقل ودين..؟.. .نعم علينا وخاصة الطبقة المثقفة التي تدعو للاصلاح الى نقل مركز الثقل في العلم من الخيال الى الواقع ومن النظري الى العملي وخاصة في بناء المنهج الدراسي العلمي الصحيح.. لنحدث التفكير الانساني في روح الامة ومضونها الحضاري منذ الصغر.

فاذا ما توصلنا الى قناعة المنطق بموجب هذه النظرية.. سيكون الجزاء على قدرالمواهب والجهد المبذول ومستوى ذلك الجهد في الدقة وعدمها ونصيب العلم والخبرة في العمل،وان تكون للانسان العراقي حرية التصرف والتعاقد ليكون له الحق في الامان على النفس والمال،وان يكون هذا الحق مكفولاً بنص القانون والعرف الاخلاقي للأمة.. بعدها سنكسب المعركة في النهاية بالقيادة المخلصة للوطن والتي تراعي شروط ما يفرضه الوطن على الانسان وليس الأعتماد على الأخرين "ما حك جلدك مثل ظفرك".. بسلطان الضمير بعد ان تحترم الحقيقة او بعضها وليس بالذين خانوا الامانة واصبحوا في مذمة الانسان والتاريخ....

لنعمل على ايقاف نظرية الخطأ والتخلف التي ينفذها الحاكم في الوطن بمساعدة رجال الدين السفسطائيين اليوم وذلك.. بتطبيق نظرية الضد النوعي لنهزمه دون متاعب وعراقيل..

هذه المهمة الوطنية الصعبة موكولة دائماً الى الكتاب الحقيقيين الذين تخلقهم العواصف والتحديات.. لمواقفهم الشجاعة من حقوق الاوطان والانسان.. وان يكن صوتهم خافتاً في البداية.. لكنه.. يمكن ان يوقظ أمة.. بكاملها في النهاية.. نأمل ان يكون الرهان على المخلصين ناجحاً..

هؤلاء.. هم الخيار.. المقدم.. للأمتحان الصعب.. وأجتيازه في النهاية.. بنجاح المخلصين..

 

د. عبد الجبار العبيدي

 

 

بليغ حمدي اسماعيلفي صوم رمضان خصيصة رفيعة ليست في غيره من العبادات، وهي أن صومه مقرون بالله تبارك وتعالى، حيث يقول رب العزة: " الصوم لي وأنا أجزي به "، ولهذا الشهر العظيم منزلة كبيرة غالية فهو الشهر الذي أنزل فيه القرآن الكريم دستور المسلمين في شتى بقاع المعمورة، واختص هذا الشهر بلية القدر، وفيه كتب على المسلمين فريضة الصيام، يقول تعالى في محكم التنزيل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.

وللصوم معنيان، معنى لغوي يشير إلى الإمساك كما في قول الله تعالى عن مريم عليها السلام: {فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنْ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً (26) {، والصيام في الشرع يعني الإمساك عن الطعام والشراب وجميع المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بشرائط وضوابط خاصة ومضبوطة. أما الصيام من حيث كونه عبادة فهو فرض على أمة الإسلام كما فرض من قبل على أهل الملل السابقة الموحدة بالله تعالى . وأكد الله عز وجل اختصاص شهر رمضان بالصوم لأنه الشهر المبارك العظيم الذي أنعم فيه على عباده المتقين بأفضل وأجل نعمة إلهية معجزة وهي نعمة نزول القرآن الكريم، يقول تعالى: } إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)}.

ومن رفعة هذه العبادة الروحية أن الدعاء فيها لا يرد وإذا كان الدعاء مستحب في كل وقت وحين فإن هناك من الأوقات والأحوال يكون فيه الدعاء أرجى للقبول والله أعلى وأعلم، ومن هذه الأحوال حال المرء وهو صائم، ورسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم) يرشدنا إلى ذلك، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص (رضي الله عنهما) أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: " إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد" (رواه ابن ماجه)، وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً في بيان أهمية ومنزلة الدعاء للصائم: " ثلاثة لا ترد دعوتهم ؛ الصائم حتى يفطر والإمام العادل والمظلوم" .

وشهر رمضان له مكانة في الإسلام لا يضاهيها شهر آخر لما له من فضائل على المسلمين فرداً ومجتمعاً، فمن أعظم علامات الرحمة فيه أن الله عز وجل يفتح أبواب الجنة ويغلق أبواب النار ويصفد الشياطين، عن أبي هريرة (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: "إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين" (رواه مسلم) .وللعلماء آراء في تفسير هذا الحديث جديرة بالذكر؛ فمنهم من قال يحتمل أن يكون المراد أن الشياطين هم مسترقو السمع منهم وأن تصفيدهم يقع في ليالي رمضان لأنهم منعوا في زمن نزول القرآن من استراق السمع فزيدوا التصفيد مبالغة في الحفظ. وقال بعض العلماء إن فائدة فتح أبواب السماء توقيف الملائكة على استحماد فضل الصائمين وأنه من الله بمنزلة عظيمة كريمة.

وفي رمضان جاء الوحي لأول مرة للنبي (صلى الله عليه وسلم)، والوحي في حقيقته حادث ضخم ومثير بحقيقته، ضخم بدلالته، وضخم بآثاره في حياة الإنسانية، ومن أفضل ما قرأت عن الوحي العبارة القائلة: " الوحي أعظم لحظة مرت بهذه الأرض في تاريخها الطويل " .

إن بداية الوحي في حقيقة الأمر النداء الأول للإسلام على أرض البشرية، وهذا النداء يحمل في طياته العديد من الآيات والعلامات والرؤى، ففي حادث الوحي تظهر قيمة العلم وكانته الرفيعة، ولنتدبر قول الله تعالى في أمره المباشر:) اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) (سورة العلق / 1 ـ 5) .

وظاهرة الوحي في ماهيتها حدث ذي وقع قوي وثقيل، وما يؤكد ذلك ما كان يلقاه رسول الله (ص) من شدة وتعب وثقل عند ظهور الوحي، يقول تعالى:) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (5) (سورة المزمل /5) . ورغم ذلك لقد مرأ المستشرقون يحاولون تأكيد ذاتية الوحي، واعتباره أمراً ذاتياً محضاً مرده إلى داخل النفس البشرية، ولكن الوحي استقبال وتلق لحقيقة خارجية .

وقد اجتهد العلماء في تحديد وتصنيف أنواع الوحي، ومنها الإلهام كما قال رسول الله (ص): " إن روح القدس نفثت في روعي "، كما أن الوحي كان يأتي النبي (ص) مثل صلصلة الجرس، كما جاء في الحديث الشريف حينما سأل الحارث رسول الله (ص): " كيف يأتيك الوحي ؟، فقال (ص): " أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت ما قال وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني، فأعي ما يقول " .

واعتاد الرسول (ص) أن يخلو بنفسه قبيل وقت النبوة بغار حراء، وكما تذكر كل كتب السيرة أن هذا كان في شهر رمضان من كل عام، يطعم من جاءه من المساكين، وإذا قضى الرسول (ص) جواره من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به الطواف بالكعبة، قبل أن يدخل بيته، حتى إذا كان الشهر المنتظر من السنة المنتظرة الحاسمة، بل والفارقة في تاريخ البشرية، خرج رسول الله (ص) إلى حراء كما كان يفعل في الأعوام المنصرمة قبل عامه هذا، حتى إذا كانت تلك الليلة الفارقة التي أكرمه الله وأكرمنا الله معه برسالته، وكما ذكر ابن هشام في نصه: " ورحم العباد بها " .

جاءه جبريل (عليه السلام) بأمر الله تعالى، وبأمر منه، ويذكر رسول الله (ص) ذلك في حديثه: " فجاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال: اقرأ، قلت: ما أقرأ، قال: فغتني به حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قال قلت: ما أقرأ، قال: فغتني به حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قال: فقلت: ماذا اقرأ، ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي، فقال:) اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) ((سورة العلق / 1 ـ 5) .

ولاشك أن ما حدث للرسول (ص) لأمر جلل بلا ريب، ما أظن لبشر سواه يستطيع أن يفيق من نومه في مكان مظلم ذي طبيعة جبلية موحشة على ملك من السماء، فما أثبت قلب النبي (ص) وما أشجعه وأقواه .

ولاشك أيضاً في أن الخلوة التي أحبها وفضلها رسولنا الكريم (ص) مع الذكر والعبادة هي التي أنارت قلبه، وكانت نوعاً من الإعداد الخاص، وتصفية للنفس من العلائق المادية البشرية، إلى جانب ما أولاه الله (تبارك وتعالى) من رعاية خاصة هي التي جعلته يستطيع التثبت لهذا الحادث الجلل في تاريخ البشرية .

وكما ذكرنا سابقاً إنه حادث ضخم بحقيقته، وضخم بدلالته، وضخم بآثاره البشرية جميعاً، وإذا تأملنا الحداث الجلل في تاريخ البشرية لوجدناه يقر حقيقة العلم ويرفع مكانته وقدره بقوله تعالى: اقرأ.

ولقد أصيب الرسول (ص) بالرعب والخوف مما حدث له، ومما رأه وسمعه وأحس به، فما كان عليه سوى أنه أسرع إلى بيته حيث سيدة نساء العالمين؛ السيدة خديجة (رضي الله عنها)، وهذا إن دل فإنما يدل على أن محمداً (ص) لم يكن منتظراً للرسالة التي سيكلف بها وسيكون لها مبلغاً ومبشراً ونذيراً للناس وأكد الله هذا في قوله تعالى:) وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ (53) (سورة الشورى /52 ـ 53) .

ومما لاشك فيه أن وقع نزول الوحي على نبينا محمد (ص) كان شديداً كما هو هو واضح في نص ابن إسحاق، واتضح ذلك من حديث النبي (ص) نفسه: " لقد خشيت على نفسي " . ومما يبين شدة نزول الوحي على رسول الله (ص) ما روته أم المؤمنين السيدة عائشة (رضي الله عنها)، قالت: " ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقاً " .

ولصوم رمضان فضائل وفوائد عديدة حيث إن الصوم في حقيقته كعبادة وفريضة بدنية في المقام الأول إلا أنها تحقق رفعة ورقياً للمسلم حيث ترفعه من حضيض الحيوانية إلى المستوى الذي ارتأه الله تبارك وتعالى له، ويذكر العلامة محمد فريد وجدي في كتابه من معالم الإسلام أن هناك حكمة في تدخل الإسلام الحنيف في أمر التغذي، حيث إن الجسم والروح مترابطان في هذه الحياة، والروح جوهر كريم لا تكدره الأعراض، ولكنه مودع في هذا الغلاف المادي، وهو الجثمان، لا يسمح له أن يتصل بالوجود إلا من خلال الحواس التي جعلت فيه، ولا أن يدرك منه ما يدركه إلا بواسطة المادة المخية التي جعلت أداة للإدراك، ولما كان هذا الجثمان مخلوقاً من التراب فهو عرضة لكل ما يعتور الأجساد المادية من الآثار، وأد ما يصيبها منها ما ينصب عليها من ناحية الغذاء، لذلك كانت حاجة الإنسان ماسة إلى تعهد جسده بالمطهرات والمزكيات وليس منها ما هو أفعل فه من الصيام.

ورغم أن الصيام رياضة جسدية إلا أن فوائدها الروحية والانفعالية أجدى وأبقى أثراً ؛ فإذا كان المسلم يمسك عن الطعام والشراب وكافة الشهوات التي بالإفراط فيها تصيب الإنسان بحلات مستدامة من اللذة المؤقتة والقلق والغيرة وربما بعض الاضطرابات البعيدة عن النضج والاستواء، فإن الصيام يحقق للمسلم الاعتدال فلا يكون المرء ضعيف التاثر متبلداً ولا سريع التأثر يثور لأتفه الأسباب التي تؤججها رغباته وشهواته. وهو وسيلة راقية لتهذيب النفس وتحسين الخلق، لأنه يجعل الإنسان في عبادة مستمرة معظم الوقت الذي كون فيه مسيقظاً ـ كما أن الصوم يمنع المرء من اللغو في الكلام ومن البذاءة في اللسان وفي هذا كله تربية روحية للمسلم، يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " الصيام جنة، فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم، إني صائم" .

والمتدبر في فريضة الصوم يدرك على الفور فاعليتها في سمو الإنسان ورقيه فوق شهواته كما أن هذه الفريضة تكسبه فضائل كالصبر والنظام وتحمل المشقة والصعاب، بالإضافة تربيته على قوة الإرادة، فالذي يقاوم دوافعه الفطرية إلى الطعام والشراب والملذات والشهوات يصبح قوي الإرادة، يملك نفسه ويسيرها على طريق الشرع. وما أفجع ما نراه في السنوات الأخيرة بعد أن تحول شهر رمضان إلى احتفالية بعيدة تمام البعد عن الإسلام الحنيف فوجدنا السمر والسهر بغير طاعة أو عبادة وتوسع في المطعم والمشرب ونوم النهار بطوله وغير ذلك من المفجعات التي تضرب صدر الشريعة، وهذا كله عبث وخروج على طاعة الفريضة السمحة التي جعلها الله لعباده طوق نجاة من الشرور والشهوات المهلكة.

ولكن لماذا كان الشكر بالصيام واجباً عن بقية العبادات؟ الإجابة باختزال شديد هو إن الإنسان مكون من روح علوي وجسد سفلي، والجسد له مطالب من جنس عالمه السفلي . والروح لها مطالب من جنس عالمها العلوي، وفي ذلك يقول أستاذي وشيخي الجليل الدكتور زين شحاتة أستاذ التربية الإسلامية وعلومها في كتابه الماتع " على مائدة الصيام في شهر القرآن" إنه عندما يحكم الإنسان جانبه الروحي العلوي في جانبه الأرضي السفلي ويغلب أشواق الروح على نوازع الجسد يصير ملاكاً أو خيراً من الملاك. يقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7)}. (البينة:7)، فبالصيام تقترب روح المؤمن المسلم من النورانية وتشع فيه الملائكية، ويتغلب جانب النور فيه على جانب الظلمة والشهوة.

وقد أشار إلى ذلك الإمام الشيخ أبو حامد الغزالي الغزالي في كتابه " إحياء علوم الدين" بقوله: " المقصود من الصوم التخلق بخلق من أخلاق الله عز وجل وهو الصمدانية والاقتداء بالملائكة في الكف عن الشهوات بحسب الإمكان، فإنهم منزهون عن الشهوات، والإنسان رتبة فوق رتبة البهائم لقدرته بنور العقل على كسر شهوته، ودون رتبة الملائكة لاستيلاء الشهوات عليه وكونه مبتلي بمجاهدتها فكلما انهمك في الشهوات انحط إلى أسفل السافلين والتحق بغمار البهائم وكلما قمع الشهوات ارتفع إلى أعلى عليين والتحق بأفق الملائكة" .

وشهر رمضان ونحن نستقبله يجب علينا أن نقتنص كل لحظة فيه من الطاعات حيث إنه فرصة عظيمة وموسم للتائبين، يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " إذا كان أول ليلة من شهر رمضان، فتحت أبواب الجنان فلم يغلق منها باب واحد الشهر كله، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب الشهر كله وتململت عتاة الجن، ونادى مناد من السماء كل ليلة إلى انفجار الصبح، يا باغي الخير يمم وأبشر، ويا باغي الشر أقصر وأبصر، هل من مستغفر يغفر له ؟ هل من تائب يتوب الله عليه ؟ هل من داع يستجاب له ؟ هل من سائل يعطى سؤله؟ " . ومن فضل الله علينا في هذا الشهر العظيم ليلة القدر خير عطاء إلهي للمسلمين، يقول تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)} (القدر:1ـ5) . وهذه الليلة فيها سلام من الله تبارك وتعالى وسلام من الملائكة النازلين وهم يسلمون على كل مؤمن ومؤمنة وهي سلام للمؤمنين الموقنين ولعظمة هذه الليلة حث النبي (صلى الله عليه وسلم) على قيامها، فعن أبي هريرة (رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: " من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه".

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

ـ أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية (م) .

كلية التربية ـ جامعة المنيا.

 

 

سليم جواد الفهدالأساس الثالث من أسس الفكر السياسي الإسلامي هو مبدا (الحاكمية لله) الذي صاغه المودودي المسلم الهندي تحت ضغط الصراع مع الهندوسية أبان تقسيم الهند في 14 أغسطس عام 1947 وانقسام الهند الى مسلمين وهندوس وتحت ضغط التمايز عن الهندوسية كدين أراد المودودي أن يستعيد بشكل باهت تجربة الإسلام الأول كدين ودولة فنحت هذا المصطلح (الحاكمية لله) من فهمه للآية ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾(يوسف:67). هذا الفهم الأعوج والغبي الذي لا يدرك عمق المعنى في اللغة العربية والعلاقة بين اللفظ ومعناه ومفهومه فقَاءَ مَا فِي عقله المريض من عفن كما َقِيء المريض ما في مَعِدَتِهِ من قذر فسن سنة وضيعة راح ضحيتها الآلاف من الرعاع وبهائم العقيدة.

الإسلام السياسي كتنظيم الذي بني على هذه العقيدة المريضة كان يطمح الى بناء نظام حياة يهيمن عليه هذا التفسير المحدد للدين وهذا التفسير بلا شك اجتهاد بشري يقوم على عدة أصول يتم التوسع فيها ـ والإضافة عليها ـ دائما. ومن هذه الأصول النص القرآني-الذي ناقشناه في تأمل سابق-والنص القرآني عند جميع المسلمين هو "الأمر الإلهي" الملزم قطعا والذي لا يجوز مناقشته أو تبدليه أو تغييره بمعنى أن الاجتهاد مع النص لا يجوز. وهي قاعدة أصولية أكد عليها كل منظري الإسلام السياسي وكفروا القائلين بأن "النص القرآني ما هو إلا نتاج مراحل تاريخية" كما فعلوا مع المفكر الفذ (نصر حامد أبو زيد) وانتهت جل الآراء النقدية التي أخضعت النص الديني المقدس للدراسة العلمية المعاصرة في علوم اللغة بان هذه النصوص هي نتاج زمانها ومكانها ولا يمكن أن تنفصل عن البيئة الزمانية والمكانية التي ظهرت فيها وحملت رسالة تتعلق بحوادث معينة. يقول نصر حامد: "النصوص الدينية ليست نصوصا مفارقة لبنية الثقافة التي تشكلت في إطارها بأي حال من الأحوال. والمصدر الإلهي لتلك النصوص لا يلغي إطلاقا حقيقة كونها نصوصا لغوية بكل ما تعنيه اللغة من ارتباط بالزمان والمكان التاريخي والاجتماعي. ما هو خارج اللغة وسابق عليها ــــ أي الكلام الإلهي في إطلاقتيه ــــ لا يمت لنا نحن البشر بصلة، بالإضافة إلى أننا لا نمتلك الأدوات المعرفية ولا الإجرائية لإخضاعه للدرس، لذلك لا يمكننا إنتاج خطاب علمي حوله، وأي حديث عن الكلام الإلهي خارج اللغة من شأنه أن يجذبنا شئنا ذلك أم أبينا إلى دائرة الخرافة والأسطورة". (حامد أبو زيد، نصر، النص، السلطة، الحقيقة: الفكر الديني بين إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى، المركز الثقافي العربي 1995 م، ص 92).

وفكرة (الحاكمية لله) تستند على النص القرآني كما أراد لها الإسلاميون أن تنسف القوانين الوضعية لصالح الأحكام والأوامر الإلهية لتأسيس طريقة الحياة والإدارة والتي يجب أن تكون على مناهج (السلف الصالح) أي إلى الأصول الأولى والمنابع الأولية للشريعة وكيفية تطبيقها في حياة المسلمين أي العودة الى طريقة حياة أبو هريرة وبلال الحبشي والأقرع بن حابس الكندي.

سنتوقف في هذا البحث على شرح مبدأ (الحاكمية لله) ونحلله لنتعرف على بنيته وتاريخيه وشروط علائقه مع ما سبقه من أسس.

الحاكمية في اللغة: الحاكمية: مشتقه من الفعل: (حكم)، وتأتي على عدة معان منها:(1).

1- القضاء ومنه حكم بين القوم إذا قضى بينهم وفصل الأمر ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾(2).

2- العلم والفقه ومنه قوله تعالى:﴿ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ﴾(3). أي علماً وفقهاً.

3-المنع والرد يقال: حكمت الدابة وأحكمتها أي: منعتها ولذلك يقال: للحاكم بين الناس حاكم لأنه يمنع الظالم من الظلم ويبين الحق من الباطل.

4- الإتقان يقال: أحكمت الشيء إذا أتقنته والحكم: متقن للأمور.

الحاكمية في الاصطلاح:

عرف العلماء الحاكمية بتعريفات متعددة تتفق في مفهومها وتختلف في ظاهرها بزيادة قيد أو شرط كما يلي:

ا- عرف ابن أمير الحاج الحاكمية بأنها:" الحكم علي الأفعال والأشياء من حيث الثواب والعقاب "(4).

ب- عرف السبكي الحاكمية بأنها: " حكم الشرع دون العقل "(5).

ج- عرف الآمدي الحاكمية بأنها:" طاعة الله وحده والالتزام بأوامره ولا طاعة ولا التزام بأمر أحد إلا بأمر الله "(6).

د- عرف سيد قطب الحاكمية بأنها:" إفراد الله سبحانه بالألوهية، والربوبية، والقوامة، والسلطان؛ إفراده بها اعتقاداً في الضمير، وعبادة في الشعائر، وشريعة في واقع الحياة "(7).

ه- عرف زيدان الحاكمية بأنها:" مصدر السلطات في الشريعة الإسلامية وهو الله تعالى"(8).

التعريف المختار:

بالنظر في التعريفات السابقة يظهر أن التعريف المختار للحاكمية هو ما ذهب إليه الآمدي وهو:" طاعة الله وحده والالتزام بأوامره ولا طاعة ولا التزام بأمر أحد إلا بأمر الله ".

الحاكمية في سياقها التاريخي.

بدأت دعوى الحاكمية الالهية خدعة في حرب صفين عندما طلب الخوارج من الإمام علي بالاستجابة لمبادرة معاوية للصلح وهتفوا: (لا حكم الا لله) (الحكم لله وليس لك يا علي) في اشارة الى المصاحف التي رفعها جيش معاوية على الرماح. وقد استجاب الامام علي لنداء التحكيم لكنه وصف دعواهم بأنها: (كلمة حق يراد بها باطل). والرواية ذكرها ابن الاثير كالتالي: (قال ابن الأثير: «فلما رأى عمرو أن أمر أهل العراق قد اشتد وخاف الهلاك قال لمعاوية: هل لك في أمر أعرضه عليك لا يزيدنا إلا اجتماعاً ولا يزيدهم إلا فرقة؟ قال: نعم. قال: نرفع المصاحف ثم نقول لما فيها: هذا حكم بيننا وبينكم فان أبى بعضهم أن يقبلها وجدت فيهم من يقول: ينبغي لنا أن نقبل، فتكون فرقة بينهم، وان قبلوا ما فيها رفعنا القتال عنا إلى أجل. فرفعوا المصاحف بالرماح وقالوا: هذا حكم كتاب الله عزّ وجل بيننا وبينكم من لثغور الشام بعد أهله؟ من لثغور العراق بعد أهله؟ فلما رآها الناس قالوا: نجيب إلى كتاب الله» (9).

وفعلا كان دهاء عمرو بن العاص في محله فمفهوم الحاكمية من المفاهيم الملتبسة والغامضة غير المتمايزة ويمكن توظيفه لخدمة اغراض شخصية واخرى سياسية. فالمفهوم يوحي بدلالات واسعة تجعل المسلم البسيط يقدم على التضحية بنفسه حينما يتعامل مع المفهوم بسذاجة عالية وقد استقطبت هذه الخدعة في حرب صفين عددا كبيرا من الخوارج ممن طالبوا الامام علي بوقف القتال والتفاوض مع معاوية لكنه لم ينطل على العقول اليقظة لأنه مفهوم ملتبس في حدوده وتفصيلاته فلا ينبغي الانسياق مع ايحاءاته العاطفية.

هذه المقولة ليست لاهوتية كما يزعم كهنة الإسلام السياسي بل هي مثال صارخ لمقولة إيديولوجية أي صادرة عن وعي زائف وحاملة لخطاب كاذب ومنافق من حيث أنها كمقولة تأويلية غير مطابقة لموضوعها وهو هنا النص القرآني.

المودودي والحاكمية

ومعروف أن أول من صاغ عقيدة الحاكمية الإلهية هو الباكستاني ابو الاعلى المودودي قبل أن ينقلها عنه ويدخلها الى الحقل التداولي للثقافة العربية المعاصرة سيد قطب المؤسس الثاني لحركة الإخوان المسلمين والذي جعل من نفسه سيفا للتخلف والرجعية مشهورا الى الآن بيد كل شذاذ الآفاق والمعوقين نفسيا من دعاة الإسلام السياسي. وبتنظيراته صارت الحاكمية عقيدة مشتركة لجميع التيارات الإسلاموية المتطرفة.

ولد المودودي في مدينة "أورنك آباد الدكن"، بمقاطعة حيدر آباد عام1903 م ومات عام 1979 م. وكان أبوه سيد أحمد حسن مودود الذي ولد في دلهي بالهند سنة (1850م) وبعد ولادة المودودي بنحو عام اعتزل الأب الناس، ومال إلى العزلة التامة، فنشأ أبو الأعلى في ذلك الجو المنعزل، وتفتحت عيناه على تلك الحياة التقليدية.

وقضى أبو الأعلى طفولته الأولى في مسقط رأسه في مدينة "أورنك آباد الدكن"، بمقاطعة حيدر آباد، وكان أبوه معلمه الأول، وقد حرص أبوه على تنشئته تنشئة دينية، واهتم بتلقينه قصص الأنبياء والتاريخ الإسلامي، وكان يصحبه إلى مجالس أصدقائه من رجال الدين. ولك أن تتصور كيف سينشأ طفل في هذا الجو المتعصب حتى ان ابوه لم يقبل أن يتعلم ابنه في المدارس الإنكليزية الموجودة في ذلك الوقت خوفا من أن تتغير ثقافته الإسلامية وينشا نشأة عصرية. فنشأ المودودي هذه النشأة التقليدية التي تشبه الى حد كبير نشأة اليهود المتعصبين في الجيتو اليهودي.

مفهوم الحاكمية عند المودودي

يقول الدكتور حسن حنفي في شرح الحاكمية عند المودودي: تعطى الحاكمية لله تصورا مركزيا للعالم. فالله قمة الكون خلقه ويحكمه ويسيطر عليه فالأنبياء هم المعلنون عن هذه الحاكمية، ومعهم القادرون على السير على هداهم. وتنبع السيطرة على الكون بكل ما فيه حدا لا يستطيع معه أحد الخروج عنه، فلا تكن الا عبد الله ولا تأتمر الا بأمره ولا تسجد لاحد من دونه فانه ليس هناك من صاحب جلالة فالجلالة كلها مختصة بذاته جل وعلا، ولا شارع من دونه، فالقانون قانونه، ولا يليق التشريع الا بشأنه، ولا يستحقه الا هو، ولا ملك ولا رازق ولا ولي الا هو، وليس من دونه من يسمع دعاء الناس ويستجيب لهم، وليست مفاتيح الكبرياء والجبروت الا بيده، ولا علو لاحد ولا سمو في هذه الدنيا فكل من في السماوات والارض عباد أمثالك والرب هو الله وحده. فارفض كل أنواع العبودية والطاعة والخضوع لاحد من دونه، وكن عبد الله، قانتا مستسلماً لأوامره". (د. حسن حنفي أثر أبي الأعلى المودودي على الجماعات الدينية المعاصرة).

وتتمثل حاكمية البشر في ثلاثة نظم: العلمانية، والقومية، والديموقراطية وهي النظم التي سيطرت على الحياة السياسية في الغرب. فالعلمانية تعني عزل الدين عن الحياة الاجتماعية للأفراد وقصره فقط بين العبد وربه. أما القومية فأنها تقوم على مصلحة الامة ورغباتها بصرف النظر عن مصالح الامم الاخرى ومن ثم نشبت الحروب بين القوميات، والويل للمغلوب فلا مكان للضعيف. أما الديموقراطية هي الدولة الحديثة التي تتمثل فيها حاكمية البشر في الغرب والتي يرغب المسلمون في تقليدها. وهي نظم كلها ترفض الحاكمية لله وبالتالي تجعل الفرد خاضعا لشهواته ورغباته، وتجعل المجتمع خاضعا لأهوائه ومصالحه. وفي غياب حاكمية الله لا يوجد مكان الا للشيطان الذي يبشر بالإلحاد والعنف. (د. حسن حنفي أثر أبي الأعلى المودودي على الجماعات الدينية المعاصرة).

ونتسأل الآن يا ترى ماذا لو ولد المودودي في عائلة هندوسية متعصبة؟ بالطبع سيكون متعصبا هندوسيا!

يرى البليهي، أن مشكلة المسلم كامنة في انغلاقه ووثوقيته، واستعلائه الكاذب؛ فنحن رغم ضعفنا المخزي، وهواننا المكشوف، مازلنا نتوهم أننا مركز العالم، وأن الحقائق في جانبنا واضحة، وأن العالم لا يريد أن يعرف الحقيقة الجلية، وسر هذا الانتفاش الكاذب مصدره التربية الأم؛ ذلك أن البرمجة التي يخضع لها الطفل، والمعرفة التلقائية التي يتلقاها من المؤسسات ما قبل المدرسية، تجعله يتشرب جرعات كبيرة من بادئ الرأي المناقض لمقتضى العقل والواقع، لكن الأخطر من ذلك أنه يمتص أوهام الامتياز والاصطفائية. كما نرى قدرة النسق على تزيين هذا الأسر الثقافي، في حين أن الأفراد لا يدركون ذلك، بل يعتقدون على العكس منه، أن رؤوسهم تستضيء دوما بالحقائق، بل ويزدادون عجبا من الآخر؛ فكيف إذن لا يشاطروهم نفس القناعات، على وضوحها ونصاعتها. (إبراهيم البليهي بنية التخلف، منشورات كتاب الرياض العدد 16 أبريل 1995م).

يقول أحد الباحثين: (وعمليا فان كلمة الحاكمية الالهية كانت وراء استغلال الدهاة وضلال السذج، فقد استغلها أدهى الدهاة عمرو بن العاص عندما رفع المصاحف على اسنة الرماح ليعلي باطل معاوية على حق علي. وانخدع بها الخوارج فخذلوا عليا وهو اتقى الاتقياء، ومكنوا معاوية من الانتصار بحجة لا حكم الا لله... حكمت الرجال في دين الله) (10).

آيات الحاكمية

*مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ولكن أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (يوسف:40).

* ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (يوسف:67).

* إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فأولئك هُمُ الْكَافِرُونَ ﴿المائدة44﴾

نفهم من خلال تحليلنا لمستويات الخطاب القرآني في موضوع الحكم انها مستويات متعددة الدلالة ولا تشير من بعيد أو قريب إلى الحكومة أو(الحاكمية) بالمعنى السياسي لهذه الكلمة ففي سورة يوسف يرد تعبير ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ) مرتين وفي كلتيهما لا دلالة على أي معنى سياسي بل فقط توحيدي أي رافض لشرك المشركين وهم في سورة يوسف آل فرعون بطبيعة الحال.

أما بالنسبة لسورة المائدة فمراد الحلال والحرام وتطبيقه وأن كره الناس فواضح وضوحا تاما والعجيب أن هذه الجملة الاخيرة من الآية (44) من سورة المائدة هي التي يشهرها دعاة الإسلام السياسي ليجعلوا من القرآن دستورا سياسيا وليطالبوا بتطبيق الحاكمية الإلهية ولكن بما أن سياق الآية هو ان التوراة تتضمن حكم الله وأن من لم يحكم بما أنزله الله فيها فقد كفر فقد كان يفترض بأنصار الحاكمية الإلهية لكي يكونوا منطقيين مع أنفسهم أن يتخذوا من التوراة دستورا سياسيا الى جانب القرآن كما تشير الآية بوضوح. والخلاصة أنك أينما ذهبت في تفسير آيات الأحكام لن تجد آية واحدة ذات دلالة سياسية أو دستورية وكل ما ستجده هو التالي:

1 - الحكم بمعنى التحليل والتحريم في أمر العبادة والدين.

2 - الحكم بمعنى القضاء والقدر.

3 - الحكم بمعنى النبوة وسنة الأنبياء.

4 - الحكم بمعنى القرآن وتفسيره.

5 - الحكم بمعنى الفهم والعلم والفقه.

6- الحكم بمعنى القضاء وفك الخصومات بين الناس.

للحديث بقية.

 

سليم جواد الفهد.

............................................

(1) انظر، ابن منظور: لسان العرب، 12/140-145، مادة (حكم).

(2) سورة النساء، الآية 58.

(3) سورة مريم، الآية 12.

(4) انظر: ابن أمير الحاج: التقرير والتحبير، 2/119.

(5) انظر: السبكي، الإبهاج في شرح المنهاج، 1/135.

(6) انظر: الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، 1/119.

(7) قطب، معالم في الطريق، ص42.

(8) زيدان، الوجيز في أصول الفقه، ص69.

(9) الكامل، لابن الأثير، ج3، ص316.

(10) جمال البنا، الاسلام دين وامة وليس دينا ودولة، القاهرة، دار الفكر الاسلامي، ص 279.

 

 

حاتم حميد محسنهل ستتمكن سياسات ما بعد الحقيقة Post-Truth Politics إنهاء مشروع التنوير؟ الصحفيون والسياسيون استخدموا تعبير "عالم ما بعد الحقيقة" و"وسياسة ما بعد الحقيقة". بعض ما بعد الحداثويون رحّبوا بهذا العصر الجديد. هم يدّعون بحماس ان هذا العصر سيكتب نهاية مشروع التنوير. هذا الادّعاء يبدو صحيحا. ذلك لأن التنوير تبنّى مشروع السعي للحقيقة امام الدوغما الدينية والتعصب السياسي. التنوير أيّد وناصر العلوم التجريبية وطرقها المضادة للأحكام الدينية المرتكزة على الانجيل و سلطة الكنيسة. انه طالب باستخدام العقل والتبرير العقلاني في المؤسسات الاجتماعية المعادية للسعادة الانسانية. التنوير كافح من اجل حرية الكلام وحرية الصحافة في وجه الرقابة الدينية والسياسية.

ان التعبيرات المضللة والسيئة لـ "عالم ما بعد الحقيقة" و"سياسة ما بعد الحقيقة" برزت من نقاشات عام 2016 حول استفتاء بريطانيا على عضوية الاتحاد الاوربي وانتخابات الرئاسة الامريكية. في كلا الموضوعين جرى تطوير الكذب من جانب السياسيين والصحفيين. الكذب، ايضا يُعرف بـ "حقائق بديلة"، واصبح له رواجا سياسيا شرعيا. العديد من السياسيين الذي يلتمسون أصوات الناخبين لم يكونوا مهتمين بالجدال المنبثق من الحقائق المؤسسة جيدا والمدعومة بالدليل للوصول الى استنتاجات صحيحة. كل ما يهم هو الحصول على أصوات الناخبين لتمكينهم من الوصول الى الحكومة او لتحقيق اهدافهم الخاصة لا يهم كم هو حجم الكذب او مقدار التشويه في الحقائق. سياسات ما بعد الحقيقة هي متابعة الأهداف السياسية بصرف النظر عن الحقائق او الدليل المتوفر. أحكام الخبراء، المحامون الدوليون والمؤسسيون، علماء المناخ والمحافظون والاقتصاديون وعلماء السياسة، جرى تنحيتهم جانبا على اساس ان الخبراء احيانا يرتكبون الاخطاء. ولكن لم يتم توضيح ادّعاءات ما بعد الحقيقة التي يعرضها صحفيون وسياسيون جاهلون وليسوا ذوي اطلاع في انهم انجزوا مناعة ضد الخطأ . لم يكن لديهم الدليل المناسب. ما عرضوه كان فقط الادّعاءات الحادة والسخيفة للسياسيين الشعبويين والكارزميين الذين يعتبرون الولاء للصحف الكبرى يفوق كثيرا أي اهتمام بالحقائق او العقل. لابد من دفع الثمن الحتمي لتجاهل الحقائق وإهمال الحكم العلمي والتعليمي ونبذ التنبؤات العقلانية المتأسسة جيدا . لكن التكاليف بدأت على الارض. هذه التكاليف تتمثل بالضرر الذي وقع على روح الديمقراطية النيابية وضبابية التمييز بين الحكم الديمقراطي والحكم الديموتي (الشعبوي) demotic rule.

كيف نعرّف الحقيقة؟

ما يقوله الكائن البشري هو اما صحيح او كاذب. وعليه، فان الأفكار، العقائد، الشكوك، الحدس والتخمين للكائن البشري الذي يعبّر عن ذلك، هي ايضا تكون اما صادقة او كاذبة. الشيء الذي يُعبّر عنه بـ"ادّعي، أعلن، صرح، كشف" هو صحيح اذا كان الشيء هو بالفعل كما قيل عنه . لا توجد اشياء مثل الحقيقة التجريبية النسبية، لاشيء من قبيل "صحيح بالنسبة لي"او "صحيح لك". فقط الرأي هو الحقيقة، وان الافضليات التي ربما تُبرر او لا تُبرر عقلانيا، يمكن ان تكون ذاتية بهذه الطريقة. الشيء يكون صحيحا اذا كان قد تأسس بواسطة الملاحظة والتجربة. انه احيانا يأتي من شخص ما يحاجج بآمان ولا حاجة ضرورية للجدال معه. ان انكار الحقيقة لا يضع حقيقة بديلة وانما الكذب. هل كونك معقول هو نفس كونك عقلاني؟ السمة المعرّفة للبشرية التي تميزنا عن الحيوانات الاخرى هي قدرتنا على التفكير. تلك القدرة لا هي هدية من الآلهة ولا هي اسطورة، وانما نتيجة لكوننا مخلوقات نستعمل اللغة. القدرة على التفكير تتضح في التفكير. التفكير يرسم استنتاجات من المقدمات او الافتراضات التي تبرر الاستنتاجات. عقل المرء يكون جيدا عندما توفر افتراضاته اسبابا جيدة للايمان بان الاستنتاج صحيح. الكائن العقلاني قادر على تمييز شيء ما كسبب، وهو قادر على وزن الاسباب، التشاور مع العقل، والوصول الى استنتاج على اساس من الأسباب. العقل يقوم بمهمتين اثنين هما الارشاد والتنظيم. عبر استخدام العقل نحن لدينا مرشد لأفكارنا وأحكامنا المتعلقة بالأشياء وبقراراتنا المتعلقة بما نريد وما نعمل، وبمشاعرنا لأننا لدينا عقول للتفكير وللفعل . باستخدام العقل نحن نتحكم بميولنا القوية للتفكير والفعل والشعور لأسباب سيئة او بدون أسباب. القرار باختيار ممارسة قدرتنا العقلانية هو متروك لنا. المخلوقات التي تستطيع التفكير هي وحدها تستطيع الاجابة على سؤال "لماذا"؟، هم يستطيعون تبرير ما يعتقدون به، ما يشعرون به، ما ينوون القيام به، ويستطيعون تبرير وتوضيح ما اعتقدوا او، شعرو به او فعلوا. قدرتنا على التفكير لها وجهان: كوننا عقلانيين rational وكوننا معقولين reasonable. كل شيء معقول هو عقلاني ولكن ليس كل ما هو عقلاني معقول. الرجل الاقتصادي العقلاني هو نموذج للامعقولية. المرء يكون عقلانيا اذا كان تفكيره صالحا و لا يتأرجح بالاعتبارات غير الملائمة.ولكن احدا ربما يكون عقلانيا في متابعة أهداف سخيفة او شريرة، او يسعى لهدف فردي (مثل مضاعفة الربح) في عدم اعتبار جميع الآخرين ومتناسيا الخير للناس الاخرين. كونك عقلانيا، بهذا المعنى، مرتبط بالاداتية Instrumentality. المعقولية وهي الوجه الآخر لقدرتنا في التفكير ترتبط بتقدير القيم وتعدديتها من حيث الوعي بالاهتمامات الشرعية للآخرين، وبالمقدرة على التوازن بين الادّعاءات المتصارعة للناس والمواقف. اللاعقلانية تتعارض مع كل من المعقولية والعقلانية.

ما هو مشروع التنوير؟

التنوير كان حركة فكرية اوربية - امريكية برزت في النصف الثاني من القرن الثامن عشر في مراكز متعددة وفي اوقات مختلفة. أعضاء حركة التنوير كانوا جماعة صغيرة من المثقفين تضم الفلاسفة والعلماء الذين كانوا يكافحون تمايزات عصرهم وكذلك شخصيات نقدية بارزة. التنوير كحركة عالمية اكتمل في مؤتمر فيينا عام 1815، مع إعادة ادخال النظام القديم في كل اوربا، وإعادة تفعيل الكنيسة، وكبح حرية الكلام والدين، وإحياء قوانين العقوبات الوحشية. مشروع التنوير مستمر حتى اليوم، وحاليا هو تحت تهديد خطير من اصوات الوطنية اللاعقلانية، الخوف من الاجانب، التعصب الديني، متطلبات الاقتصاد الرأسمالي لتعظيم ارباح الشركات ونمو الاقتصاد القومي في تجاهل الأهداف الاخلاقية والاجتماعية الاخرى، وهو يواجه ايضا تهديد سياسات ما بعد الحقيقة.

التنوير لم يكن عالميا فقط بالعضوية ومراكز النشاط، وانما هو عالمي في الروح ايضا لأنه ادّعى ودافع عن التبادل الدولي الحر للافكار والمعرفة العلمية (حتى في وقت الحرب) وطوّر برامج للسلام العالمي (كانط). رجال التنوير وافقوا على فكرة الامم المتحدة (ولكن ليس على تطبيقاتها). رجال التنوير الاوائل (مثل فولتير) لم يدعموا الديمقراطية وشعروا بالارتياح مع النظم الاوتوقراطية شرط ان تكون تنويرية ذات سلطات دستورية محددة. الأعضاء اللاّحقين مثل (بنثام Benthan، باين Paine، غودون Godwin) دعوا الى الديمقراطية النيابية. في الواقع، جميعهم امتلك الايمان بالتقدم الاخلاقي و السياسي والقانوني الذي ينتج ليس من الثورات وانما من الاستخدام الحر للعقل وتطوير العلوم التجريبية. معظم مفكري التنوير كانوا مؤيدين لحقوق الانسان العالمية (باين، كانط) وكافحوا باقلامهم الكبيرة لأجل الاصلاح الجنائي وضد الاعتقال التعسفي واستخدام التعذيب القضائي والتطبيق الواسع لعقوبة الاعدام (بيكاريا Beccaria، بنتام). في الحقيقة، جميع أعضاء التنوير كانوا ضد رجال الدين . أعضاء الحركة الاوائل مالوا نحو الروحانية تبعهم فيما بعد اللاادريون ليتطوروا اخيرا الى ملحدين في اواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر. هم لم يسعوا الى تحطيم الدين وانما دعوا الى التسامح الديني (ليسنك Lessing). معظمهم طالب بفصل الكنيسة عن الدولة، وازالة السلطة الدينية من التعليم. هم فضّلوا تعليما عالميا وانتشار المعرفة المرتكزة على بحوث تجريبية سليمة وعلى نظرية علمية موجهة نحو تحسين ظروف الانسان. وبقدر ما يتعلق الامر بالاخلاق، هم رفضوا الرؤية الثيولوجية القائلة بانه في غياب الايمان الديني والامتثال فلن تكون هناك اخلاق طالما ان الاخلاق تتأسس على مثال ديني. بالعكس، طبقا لمفكري التنوير، الاخلاق ظاهرة طبيعية يمكن توضيحها بالاشارة الى التعاطف الانساني الطبيعي والحاجات الطبيعية للتعاون الاجتماعي (هيوم، آدم سمث)، او بالاشارة للاستعمال الطبيعي للعقل الانساني المستقل (كانط).

ماهي نتائج فقدان الايمان بالعقل؟

إهمال الايمان بالعقل سيخلق فراغا ما لم يتم افتراض بديل. ولكن الدعوة الى خيارات مثل (الوطنية الهائجة، كراهية الاجانب، الاصولية الدينية) هي ذاتها تستلزم اللجوء الى اسباب سيئة وفقيرة تخضع لمحكمة العقل. جزء من الالتباس بالتأكيد يبرز من الفشل في التمييز بين وسيلة العقلانية الاقتصادية والمعقولية. الاحباط من العولمة، سوء توزيع الثروة، الوصول الى المنافع الاجتماعية (الرفاهية، الرعاية الصحية، التعليم)، والاغتراب السياسي لايمكن اصلاحها باللاعقلانية، وانما فقط عبر المعقولية والنقاشات المعقولة. عندما ينهار ذلك، سيحصل الخراب المجتمعي.

هل نحن نعيش في عالم مفرط في العقلانية والمعقولية؟

كلا، ليس كذلك ابداً . افتقارنا للاستجابة الجادة للتحديات الكبرى التي تواجهها البشرية، مثل الاحتباس الحراري، الانفجار السكاني، لم يكن عقلانيا ابدا. نحن نندفع كالقوارض نحو هاوية الارتفاع بمقدار اربع درجات في حرارة العالم في نهاية القرن وسكان بمقدار 11.5 بليون نسمة.

شكلنا الحالي من الحياة المادية، الاستحواذية والشديدة المنافسة والغير آمنة، يستلزم تفكك العائلة وإضعاف الهوية الاجتماعية، وفهم التعليم ليس كخير في ذاته وانما فقط كإعداد للمشاركة في اقتصاد السوق، وفرض نموذج اقتصاد السوق وعلاقات النقود على العلاقات الانسانية وعلى كل المؤسسات الاجتماعية (المدارس، الجامعات، المستشفيات، الخدمات العامة، الحياة الثقافية للامة)، وكل ذلك ليس عقلانيا .

اي من هذه القضايا او غيرها من المشاكل الاخرى سوف لن تُحل بالمزيد من اللاعقلانية واللامعقولية. هي يمكن حلها فقط بتحديد الحقائق ومواجهتها بالنقاشات العامة والحجج المعقولة. 

 

حاتم حميد محسن

 

حسن خليل حسن(ان الارنب لا يخاف من الاسد لأنه اذكى منه: كتاب كليلة ودمنة)

كان النفط وما زال مصدراً اساسياً لدخل العراق ومعظم دول الشرق الاوسط وبالأخص دول الجزيرة العربية، ولعقود طويلة لم يحقق النفط لأي منها وجوداً معنوياً ولا قوة اقتصادية مرجوة، فمعظم الدول العربية استنزفت عوائد التصدير منذ اكتشاف النفط في اليمن (الحديدة) في العام 1912 وانتاجه في العراق 1925 وبعده دول الخليج الاخرى الى يومنا هذا في الاستهلاك والانفاق غير الانتاجي الا ما ندر، بل على العكس اصبحت هذه العوائد وبالاً على اغلب الشعوب العربية حين ساهمت بصناعة الجمهوريات المستبدة والمماليك المتوارثة والحروب المفتعلة ناهيك عن اشاعة ثقافة الاستيراد السلعي والاتكالية والاستهلاك الفاحش والوظائف غير المنتجة، ولم يفلح نفط الجزيرة العربية بصناعة ناتج قومي مستقر واستثمارات حقيقية تضمن للأجيال حياة كريمة ومستقبل مقبول في ظل تنامي المنافسة في العالم في التصنيع والابتكارات وتطوير المهارات، عدا بعض المحاولات القليلة من بعض دول الخليج في الاستثمارات الزراعية خارج اراضيها القاحلة او محاولات متأخرة لدعم قطاعات النقل والموانئ والمدن التجارية والسياحية بالاستفادة من عوائد النفط، وباستثناء ذلك لم تزل البطالة تشكل القاسم المشترك لحوالي ثلث او اكثر من القوى العاملة في هذه البلدان.

كما ان من نتائج الاعتماد على الريع الأحادي من تصدير النفط هو ما نشاهده من اجيال كسولة انتجتها التخمة المالية وافواج من العاطلين والموظفين الخاملين لن لم يكونوا فضائيين بعد ان توقفت نشاطات الانتاج والتصدير واستعيض عنها باستقدام العمالة الاجنبية والاستيراد السلعي لجميع الحاجيات الى درجة انك لا تشاهد في الاسواق سوى باعة يملئون الاسواق الرئيسية والفرعية والازقة بل اصبح بيع المستورد يملئ الدور التي توصل الطلبات الى ابواب منزل المستهلك..!! وشمل ذلك جميع انواع السلع حتى وصل الى استيراد الخضروات والزهور والالبان والمياه المحلاة وحتى ملح الطعام والاكياس الورقية والنايلون، هذه الحال تركت المجتمع المؤلف من 40 مليون انسان عراقي بين سندان الموازنة المرتكزة على اسعار النفط ومطرقة البطالة والبلادة الانتاجية لدى شعب صنع العجلة وشرع قانون حيازة الارض ورعايتها وانتج الحرف الذي استفادت منه البشرية في صناعة حاضر مشرق بالإنتاج والابداع والاكتفاء بينما اكتفى هو باستيراد ما تنتجه البلدان ولم يستخدم يده سوى بأنفاق ما تجود به الموازنة من راتب شهري مهدد في السنوات القادمة، ما دام الصناعي اصبح كاتباً والمزارع اصبح موظفاً والموظف اصبح مستهلكاً، ان هذا الحديث يبدو ثقيلاً على مجتمعاتنا لكن بمجرد النظر الى مزايا العراق وتنوع موارده الطبيعية وثرواته البشرية المتمثلة بالعقول الخلاقة القادرة على التأقلم مع متطلبات المراحل الحرجة سيدرك القارئ ان في الكلام وجهة نظر. بعد ان ظهر حجم الجمود الذي انتاب هذا الشعب الحي بداعي الوفرة المالية المتأتية من النفط، بينما اثبتت تجارب الحروب والحصار الاقتصادي في تسعينيات القرن الفائت، لكن مقارنة تلك القدرات القومية الرهيبة مع الانتاجية الصفرية الحالية التي وصل اليها العراقي

ومع اقتراب نهاية قرون من اعتماد العالم على استهلاك الوقود الاحفوري في توليد الطاقة فان جائحة كورونا اعطت انذاراً مبكراً واخيراً للدول التي اعتمدت طويلاً على عوائد النفط، اذ من المؤمل ان يتضاءل الاعتماد على مشتقات النفط في العام 2035 ، وبحسب خبراء الطاقة فان آخر سيارة تعمل بالبنزين ستصنع في العام 2034 واليك ان تتصور ما ستكون عليه حال الصناعة النفطية بعد 14 عاماً من الان...!!

ان الحديث عن واقع اقتصادي مؤسف دون اعطاء اشارات نجاة يبدو بلا طائل، لذا سنعرض جزء من الامكانات الاقتصادية والانتاجية في العراق لنرى هل نحن شعب سوف يفلس اذا رفعت عنه عوائد البترول؟؟ كما سحاول ان نضع خطوط عامة للحلول التي بأيدينا على وفق الظرف الراهن من ولقع المجتمع الاستهلاك وموارد طبيعية وتاريخية مع الاخذ بنظر الاعتبار التضخم السكاني وتقلص حجم المياه السطحية المتدفقة وتصحر الاراضي الزراعية، ولتكن البداية من مصادر دخل غير مرصودة كثيراً، ولعل اهم الموارد الوطنية التي ينبغي العمل على وضع الخطط التنموية لها مستقبلاً ما يلي:

1- تفعيل مبدأ صناعة الفرد المنتج ودحر ثقافة الاستهلاك: ان اول ما يراد تطبيقه هو تغيير نمط التعامل مع الموارد عن طريق استقطاب ورعاية الابداع الانساني وتوجيهه الى العمل بمختلف الانشطة الاقتصادية من زراعة وتصنيع وتجارة وخدمات وبناء وبث وعي مجتمعي لجميع الفئات بضرورة توظيف الطاقات ضمن الفعاليات الانتاجية لتحقيق الاكتفاء الذاتي، واتباع الاسلوب العالمي الحديث القائم على الابتكار والتجديد والمنافسة والبدأ بتطبيق نظريات بحثية وبراءات اختراع ظلت حبيسة صدور اصحابها في مجلدات وكتب ومنشورات ومختبرات الصناعيين والكيمياويين والالكترونيات وبحوث البوليمر والاستزراع والاغذية وكيمياء الادوية والتصنيع الالكتروني والحرفي وغيره من اشكال الابداع العلمي والتخصصي في العراق، والالتفات الى ما لم يؤخذ بايدي اصحابه ومبدعيه من قبل القادة والمسؤولين، ان مهمة ومسؤولية استخراج كنوز العراق الاقتصادية تحتاج الى قيادة رشيدة ومواطنة صالحة واستقدام تجارب عالمية واقليمية ناجحة في ادارة الموارد في زمن الكساد النفطي والاستفادة من خبرات الكفاءات المنتجة سواء العائدة من دول مزدهرة او التي عكفت على التطوير داخل العراق، وهنا لابد من القول ان الاستضاءة بخطوات الاستثمار التي انتهجتها العتبات المقدسة في كافة القطاعات من التجارب الملهمة التي يندر تكرارها، وبالرغم من منطلقاتها بدأت عقائدية الا ان امتداداتها المعاصرة اصبحت ذات جدوى ونفع اقتصادي خدم الجماهير في اهم القضايا المصيرية واصبح الدعم اللوجستي والصحي والتجاري والفكري من السياقات والتجارب المعاصرة التي نحتاج الاستفادة منها، ولعل اهم ما يميزها هو استقلاليتها التامة عن الحكومة المركزية، ان لعب دور مؤسساتي اكبر للمنشآت الاقتصادية يحتاج الى تأصيل وتوظيف ومحاكاة هذه التجربة الفريدة على المستوى الوطني بالإضافة الى التجارب الاقليمية الناجحة .

2- العوائد الاستثمارات البحرية والمينائية: لن ننفق وقتاً في الحديث عن الصيد البحري والاستزراع الساحلي واستثمار الاملاح البحرية وتسخير طاقة المد والجزر التي تحرك المياه بسرع عالية 4 مرات يومياً وامكانية توليد الطاقة، لكن لنتحدث عن القدرات المينائية المحورية للعراق في مشروع عالمي هو طريق الحرير الذي سيغير ميزان القوى الاقتصادية، اذ يهدف المارد الصيني الى لعب دور عالمي اكبر في التجارة بعد تحقيق مشروع الربط البري والبحري والجوي (الحزام-الطريق) الذي يقع العراق في نقطة محورية منه في الربط بين اسيا واوربا وما يمكن ان يصنع من نقلة اقتصادية رهيبة للعراق وتوفير فرص عمل ويكفي ان الكويت التي تحاول الهيمنة على دور العراق في هذا المشروع بنت امالها الكبرى لاقتصاد ما بعد النفط على هذا المشروع، ولنا مقالة تفصيلية نشرت قبل سنة تقريباً فيها تفاصيل هذا المشروع.

3- مورد صناعة السلع الاستهلاكية والتصنيع الحرفي: امتلك العراق لغاية ثمانيات القرن الماضي امكانيات مشهودة في صناعة الحديد والصلب والنسيج والجلود والصناعات الالكترونية وصناعة التكرير صناعة الاغذية والورق وصناعة الادوية وصناعة التجميع وصناعة مواد البناء والزجاج والصناعات الكيمياوية والاستخراجية والتعدين الى درجة كانت تشكل شبه اكتفاء ذاتي في بعض السلع ، ويمكن لهذه الصناعات ان تستوعب ملايين الخريجين والعاطلين عن العمل وخريجي الدراسات المهنية اذا اعتمدت السوق المحلية كمستهلك بالأخص صناعة الهواتف النقالة والكهربائيات ومواد البناء والعقاقير الطبية والسلع الاستهلاكية الاخرى، ولابد ان يكون اسلوب الصناعات الجديدة مبني على الجودة والمنافسة.

4- المورد الزراعي: وهي الحاضر الغائب في المشهد واكثر ما يراد الاسراع بالبدء بها بطرق واساليب حديثة وخطط زراعية لإنتاج محاصيل استراتيجية، ولا داعي للتذكير بـأن معظم العراقيين من اباء واجداد مزارعين اكلوا ما زرعوا وان اكثر من نصف مساحة وطنهم يمكن زراعتها باستثناء ما يمكن استصلاحه من مساحات اضافية ما زالت تنتظر من يعيد لها الثوب الاخضر، اذا ان هنالك امكانية واقعية لاستصلاح مساحات شاسعة من الاهوار والاراضي الصحراوية والمساحات المتروكة او زراعتها بالزراعة الملحية، خصوصاً واننا نتحدث عن ملايين الدونمات يمكن استثمارها بزراعة محاصيل استراتيجية كالقمح والشعير والذرة وقصب السكر ومحاصيل العلف الحيواني.

5- مورد الرعي وتربية الحيوانات وهذه الحرفة لم تؤخذ القسط الكافي من الاهتمام وكانت ملتصقة بحرفة الزراعة بينما يمكن توسيع العمل بالرعي بشكل مستقل في مناطق واسعة من الهضبة الغربية واراضي التلال وضفاف الانهار وانشاء معامل الالبان والصناعات النسيجية والجلدية بالقرب من المناطق الرعوية ، فضلاً عن توسيع حرفة صيد الاسماك والطيور وتربية الدواجن ضمن مشروعات كبيرة ومنظمة بقصد التصدير.

6- المورد السياحي: ان للعراق تاريخ سياحي منذ 1940 في استقدام السواح الى المصايف لكن ملف السياحة لم يأخذ مداه المؤمل، ولنركز على السياحة الدينية لأنها تحتل المرتبة الاولى من انماط السياحة العراقية »بنسبة 80 % تليها (السياحة الثقافية والأثرية بنسبة 15 % ثم تأتي سياحة الأعمال بنسبة 5»%، وهي من اكبر المدخولات المالية اذا وضع لها استراتيجية واضحة وبيئة سياحية حاضنة، اذ يعتمد عليها 544 ألف شخص بنسبة 3 % من الناتج المحلي لعام 2017، ويكفي ان نشير الى مردود السياحة الدينية مؤخرا كانت بعوائد مالية تراوحت بين (1- 5 مليار دولار)() بمتوسط نسبة 3.6 % من اكبر عائد نفطي للعراق وهو 83.7 مليار دولار في 2018 ، تأتي من المزارات الشيعية في النجف وكربلاء وبغداد، وقد لا نتصور حجم المدخولات الهائلة والمردودات الكبيرة اذا تم تنمية هذه السياحة ورفدها بمواقع وانشطة سياحية رديفة وخدمات فندقية وتطوير البنى السياحية المهملة، ومن اهم مزايا السياحة الدينية انها تخدم قطاعات محلية عديدة تبدأ من استيفاء منح تأشيرات ملايين الزائرين سنوياً ونقلهم واسكانهم وتبضعهم وتنقلاتهم.

7- مورد تحلية المياه البحرية وانتاج الطاقة الكهربائية من الاشعة الشمسية وطاقة الرياح (الطاقة الخضراء) وهي من الانشطة الممكنة جدا في العراق هي ضرورة في مع تنامي الضغط على موارد المياه السطحية من قبل دول المنبع.

ان الباحثين بالشأن الاقتصادي يدركون ان آلية التعامل مع المتاح من موارد يجب ان يكون مبني على خطط تنموية وطنية قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى، كما يستلزم ذلك اعتماد الاستدامة والحداثة في اساليب الاستثمارات الزراعية والصناعية والتعدينية والخدمية وهذا سيكون ثقيلاً علينا ان بقينا بجمود الهمم وعدم الاهتمام بالقدرات الابداعية وتهميش العقول والتمدد في ساح الملامة على بعضنا، فلا متسع من الوقت للتراخي والتسويف في مواجهة التحدي الاقتصادي الاكبر في قادم الايام.

 

د. حسن خليل حسن

جامعة البصرة

.....................

() حسن، محسن (2018) السياحة الدينية في العراق: الواقع والمأمول - دراسة وصفية -مركز البيان للدراسات والتخطيط، بغداد 32 صفحة.

 

تعد المؤتمرات العلمية واحدة من اهم الاحداث الرئيسية في جدول اعمال العلماء لما لها من غرض مهم في تقديم اعمالهم الجديدة إلى زملائهم بهدف تلقي ردود الفعل في مرحلة مبكرة من أبحاثهم، وبالتالي فهي جزء لا يتجزأ من عملية البحث العلمي والابتكار والتنقيب العلمي. وهي بمثابة مراجعة أقران غير رسمية يمكن أن تساعد الباحثين على تطوير عملهم وتوضيحه وتنقيحه أثناء شروعهم في كتابته وتقديمه للمراجعة الرسمية والنشر النهائي. بالإضافة إلى ذلك، تتيح المؤتمرات للباحثين الاستماع إلى ما يبحثه الآخرون في مجالهم وفي التخصصات ذات الصلة، والتحدث مع الزملاء من مؤسسات مختلفة حول العالم، والتعرف على الأبحاث والأدوات والتقنيات الجديدة التي قد تكون ذات صلة بعملهم. بعض المؤتمرات صغيرة وتركز بشكل ضيق على موضوع معين، في حين أن البعض الآخر يهدف إلى جمع عدة آلاف من العلماء معًا سنويًا. بغض النظر عن حجم الاجتماع، فإن الهدف الرئيسي هو جمع مجتمع من العلماء معًا وتوفير الفرص لهم للتفاعل.

ومع إلغاء المؤتمرات العلمية في جميع أنحاء العالم، يعيد الباحثون التفكير في كيفية الارتباط مع بعضهم. وبدأ يطرح في اوساطنا العلمية سؤال حول "ما هو الهدف من المؤتمرات الآن؟" وعلى الرغم من اننا لن نتوقع حدوث تغيير جذري في الارتباطات العلمية، إلا أن البعض يأمل أن يؤدي هذا على الأقل إلى إجراء بعض التغيرات الحقيقية في طريقة عقد المؤتمرات وأساليب التفاعل بينهم عبرها. ولربما يمكن ان يحدث هذا التحول في جعل حضور المؤتمرات أكثر سهولة لمجموعة أوسع من الباحثين، على سبيل المثال أولئك من الجامعات التي تفتقر إلى الموارد وجامعات العالم النامي.

لجأ العديد من المنظمين والمشاركين إلى التفكير في عقد مؤتمرات افتراضية عبر الإنترنت كوسيلة للاتصال والتفاعل، وتحاكي على الأقل بعض أجزاء الاجتماع الفعلي. وهي بالرغم من الاستجابة الضعيفة لها يمكن أن تكون بداية التحول إلى مؤتمرات يسهل الوصول إليها. هناك عقبات كثيرة لابد من تخطيها وهي كيف تضمن تفاعلا بين الباحثين كما هو يحدث عادة في المؤتمرات والتي يعتبرها البعض اهم من القاء البحوث، فهي كمثل لعبة كرة القدم الافتراضية لا يمكن مقارنتها بلعبة كرة القدم الحقيقية!

المؤتمرات الافتراضية في الجامعات العراقية

في العراق، ومن دون دراسة او استعداد او خبرة، بدأت ظاهرة عقد المؤتمرات الافتراضية تغزوا المجتمع العلمي وبدأت الجامعات والكليات تتسابق لعقدها، لربما لتثبت للعالم ان العلماء والباحثين العراقيين لا تثنيهم إجراءات الحجر الصحي ولا بقاءهم في البيوت، ولربما وجدوا في الغاء عقد المؤتمرات العالمية، وتوقف او تعثر البحث العلمي في العالم غرابة وتعارضا مع المثابرة والجهد والتحدي العلمي الذي اعتادوا عليه في نشاطاتهم اليومية. لكنه لا تبدوا لي هذه هي الأسباب الحقيقية التي دعت الجامعات العراقية الى عقد مؤتمرات افتراضية، عكس ما يجري في العالم من تشاءم حول إمكانية مثل هذه المؤتمرات ان تحل محل المؤتمرات التقليدية وتحقق نفس أهدافها.

ما يبدو لي ان المسؤولين في الوزارة تبنوا قرارا من مثل دفع الجامعات على الاستمرار في نشاطاتها في عقد المؤتمرات وبصورة افتراضية، وهو ما يتلاءم مع استمرار التدريس اون لاين. وطالما ان المشاركة في المؤتمرات لها ما يغديها من دوافع متمثلة في كتب الشكر، والنشر، وشروط التحصيل للشهادات العليا، والترقية العلمية، فأنها لابد ان تلاقي من الترحيب بما يكفل عقدها واستمراريتها بالرغم من ضعف البحث العلمي او حتى توقفه.

 كنت قد تساءلت مرات ومرات عن السبب في عقد الجامعات والكليات والاقسام مؤتمرات علمية؟ هل ان الباحثين في حاجة الى اعلام زملائهم بمنتوجاتهم، وانهم بحاجة الى وسيلة للترويج لعملهم؟ أم انه كتعويض لهم لعدم تمكنهم من المشاركة في المؤتمرات العلمية العالمية؟ ام لأنه مجرد تقليد سيء لما يجرى في العالم اعتدنا عليه منذ أيام الحصار في العهد البائد؟؟ من الغرابة ان نجد في العراق هذا العدد الهائل من المؤتمرات العلمية الباهظة التكاليف بالمقارنة بالجامعات العالمية التي نادرا ما تعقد مؤتمرات بنفسها، فالمؤتمرات في العالم تعقدها منظمات ومؤسسات وجمعيات مستقلة تستقطب فيها علماء من كل الجامعات ومن كل البلدان، وتحقق في العادة ارباح للمنظمين. الغرابة في المؤتمرات العراقية كونها مجرد عرض للأعمال الجديدة للباحثين ومن دون مراجعة أقران حقيقية لها، وليس كمجال لتنظيم برامج التعاون العلمي بين الباحثين أنفسهم، وبينهم وبين الشركات ومؤسسات البحث والتطوير، ولا الى رسم خطط لعمليات مشتركة لتحصيل أموال جديدة للبحث العلمي.

التساؤل الاخر الذي طرحته في الماضي والذي لا أجد اجابة عنه هو: هل ان عدد المؤتمرات العلمية في العراق هو انعكاس لكثرة البحوث العلمية واهميتها؟ لو ان المؤتمرات العلمية غير موجودة في العراق، هل ستتأثر نوعية البحوث، وهل يقل عددها وعدد الأوراق المنشورة؟  

واليوم وفي ظل هجوم العالم الافتراضي نتساءل عن الدوافع لعقد المؤتمرات العلمية الافتراضية. لربما هناك بعض التبريرات الموضوعية والتي تتمحور حول ضرورة الاستمرار في تقليد اعتدنا عليه سابقا وليس من بديل في أيام انتشار الجائحة الا عقدها عن طريق الانترنت. إذا كان هذا هو التبرير الصحيح أستطيع القول ان هذه المؤتمرات الافتراضية لن تختلف كثيرا عن المؤتمرات التقليدية في الجودة والشمولية والاهمية، ولسبب ان المؤتمرات التقليدية السابقة ما كانت بحقيقتها الا افتراضية فيما عدا الحضور البدني للمشاركين. من هذا المنطلق أرحب بالمؤتمرات الافتراضية لأنها ستوفر أموال عقد مؤتمرات لا تسمن ولا تغني عن جوع. وقد تساعد في تحقيق التفاعل الابداعي بين المشاركين والذي تفتقده المؤتمرات التقليدية، والذي يعتبر في العادة اساسا لنجاح أي مؤتمر. ولربما أيضا لن يتم دعوة المسؤولين من غير الاختصاص، ولا في جلوسهم في الصفوف الأمامية، مما يسمح لأصحاب الشأن من المشاركين من وجود فعلي مبني على الرغبة الحرة فلا يتركون المؤتمر حال مغادرة المسؤولين كعادتهم في المؤتمرات التقليدية. ومن المحتمل ان لا تكون هناك شهادات مشاركة، وعندها ستكون المشاركة للمهتمين فقط. وسيكون رائعا إذا تخلت المؤتمرات الافتراضية عن فكرة نشر الأبحاث التي اعتادت عليها المؤتمرات التقليدية لان مشروع القاء البحث في مؤتمر ونشره عن طريق المؤتمر نفسه لا يعد له اية اهمية كإنتاج علمي، ولا يمكن لهذا البحث من الاعتراف به كإنتاج علمي الا بعد نشره في مجلة علمية. 

مع الأسف ما كانت هذه الا كلمات عابرة لا أرى انها ستؤثر في العقلية السائدة لعقد المؤتمرات، ومع هذا، ولربما، سيضطر المنظمون للمؤتمرات الافتراضية من تحقيقها لما تفرضه عليهم طبيعة وشروط التواصل عبر الانترنت.

دعني اتمادى وأزيد في تمنياتي بالدعوة الى مشاريع وفعاليات كتطوير للمؤتمرات او كبديل عنها، وهي كالتالي:

1- اقامة ورشات عمل لتحسين كفاءة الاستاذ والطالب، وتطوير قابلياتهم الابداعية والمهنية.

2- تحسين اسلوب كتابة مشاريع البحث العلمي، وربط اهدافها بالنشر بالمجلات العالمية الكبرى.

3- التخلي عن استخدام عنوان "المؤتمر العالمي" فالعالمية لا تتحقق بمجرد مشاركة عدة شخصيات من خارج البلاد.

4- تجنب عقد مؤتمرات شاملة تضم على سبيل المثال الطب والعلوم والهندسة والانسانيات لان ذلك لا يتناسب وطبيعة المؤتمرات العلمية ويضفي على المؤتمر صفة "بتاع كله" على حد قول المصريين.

5- منع تنظيم المؤتمرات من قبل الكليات والاقسام وتشجيع اقامة المؤتمرات العلمية من قبل مؤسسات مستقلة خارج الجامعات وبتمويل من قبل المشاركين عن طريق استحصال اجور المشاركة.

6- التقليل قدر الامكان من دعوة المسؤولين لافتتاح المؤتمرات، وعدم السماح بحضور المؤتمر لغير المشاركين الفعليين.

7- مقاومة الرغبات في وضع توصيات عامة شكلية لا علاقة خاصة بأهداف المؤتمر، ولا تتوفر الارضية الواقعية لتحقيقها في فترة ما بين مؤتمرين.

8- نشر مختصرات البحوث فقط وتجنب قدر الإمكان نشر البحوث كاملة في اجراءات المؤتمر لان ذلك قد يمنع نشر البحث في مجلة علمية رصينة، كما ان نشر "بحوث" المؤتمرات كاملة يشجع الادعاءات الزائفة والمواد المقتبسة والضعيفة.

 

محمد الربيعي

بروفسور الهندسة الخلوية، جامعة دبلن

 

 

"نحن مستعدون لتخفيف السرعة لاستعادة السيطرة على مسار الأحداث"

الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني هارتموت روزا

تشخيص المقدار في كل حركة يعتمد على دقة الشخص ووعيه، وتشخيصه لأهمية كل حركة ودلالاتها ومآلاتها وتداعياتها، قد يقول البعض أن هذه الدقة والتعاطي الشمولي أمر صعب، وفيه تضييق وتشديد على الإنسان.

فالتباطؤ الذي يطرحه هارتموت روزا ناظر إلى الحركة الديناميكية في النمو وخاصة الاقتصادي منه في الغرب، والتي تعتمد على تسارع الإنسان ضمن نطاق زمني ضيق ليحقق أكبر حجم من النمو الاقتصادي، وهو ما أفقده لحظة الوعي للذات، وأدخله في دوامة الوقت والعمل والتشييء، قد تصل حالة التسارع إلى اغتراب الإنسان عن ذاته وعن وعي محيطه بشكل واقعي.

لكن سأستغل مفهوم التسارع والتباطؤ في بعده الابستمولوجي (المعرفي)، والذي يعتبر استغلال منهجي يشكل قبلية معرفية من الناحية المنهجية في فهم حركة التسارع والتباطؤ في النمو وفي أبعاد أخرى.

وأعني هنا بالذات النخب والمفكرين المعنيين بصناعة المعرفة وإنتاجها، وما يترتب على هذه الصناعة والإنتاج من تداعيات على مستوى السلوك الاقتصادي والسياسي والاجتماعي. فالمصنع الجيد ينتج بضاعة جيدة وذات جودة عالية، يصبح لها سمعة اقتصادية وسوقية تزيد من نسبة استهلاكها وربح المصنع، والمصنع السيئ ينتج سلع سيئة ذات جودة رديئة، وبالتالي يكون صدى استهلاكها ضعيف، أو يكون مستهلكها من بيئات فقيرة، لا يهمه جودة المنتج بقدر ما يهمه سعرها الزهيد، لذلك يكون عرضة للاستغلال والغش بل قد يعرض صحته وحياته للخطر، لعدم جودة السلعة وضمان نسبة أمان صحي عالية من حيث الجودة الصحية وأهليتها للاستهلاك البشري، خاصة في الدول التي لا يوجد عليها رقابة قوية على جودة المنتجات وأهليتها للاستخدام البشري.

وكذلك المعارف، لكن تختلف المعرفة في كونها تشكل بنية الإنسان الفكرية، وهي التي تدعم وعيه وتبني أسسه، وهي التي توجه سلوكه ليدرك ويميز بين السلع الجيدة والرديئة.

المعرفة:

تعتبر المعرفة السلاح الأول في الصفوف الأمامية التي على كل إنسان التسلح بها، لأن الإدراك ووعي الإدراك بالمحيط والذات والوظيفة يحدد سلوك الإنسان في محيطه وعلاقاته، بل يؤسس لمنظومة الحقوق الواجبات، ومنظومة القيم والمعايير والقوانين التي تنظم حياة الفرد والمجتمع في محيطه.

وكما هو معروف أن للمعارف مصادر تستقى منها، هذه المصادر كفيلة بفهم طبيعة هذه المعرفة وقيمتها ومدى مطابقتها للواقع الخارجي، أي صدقها. وتكمن أهمية التركيز على المصادر والتحقق منها وتشخيص قيمتها في أنها القاعدة التي تشكل بنية فكر الإنسان وتحدد مسارات سلوكه وبناه المعرفية، وهذا يدفعنا لسؤال المعرفية وكيفيتها ومنهجها.

التباطؤ والتسارع المعرفي:

ان لكل شيء وزن وقيمة وصدى في هذا الكون، خاصة أن الإنسان حسي الطبع، وأغلب معارفه تتحقق بواسطة الحواس، فيكون اللفظ والمعنى والدلالة وما ينشئ عنه من تصورات في الذهن ويخلق دافعية في النفس للعمل، يكون ذا أهمية كبيرة يحتاج إلى إفراد جهد خاص في بنيته ودلالاته، وما ينشئ بالتالي عن نظمه في خطاب من دلالات معنوية وتصورات ذهنية وأفعال واقعية خارجية مترتبة عليه.

فلكل لفظ دلالة ومعنى وبالتالي صورة وفعل، لذلك كان الكلام من أخطر وسائل التواصل وأهمها، تكمن خطورته في صياغته كألفاظ لها دلالات ومعاني في جمل، وأهميته فيما ينتج عن هذه الصياغة من تصورات ذهنية تشكل منظومة السلوك والفعل الإنساني في المجتمع.

وماذا يعني ذلك؟

يحتاج الإنسان للبحث ليجيب على مجموعة تساؤلات قد تكون نتاج حراكه في محيطه ونتاج ملابسات واقعه، وهنا يسير الإنسان في عدة مسارات ليجيب على الأسئلة لتتشكل لديه وفق هذه الإجابات معطيات وتصديقات تتحول إلى معارف وأفكار ومعتقدات تحدد سلوكه ومنهجه وما يعتقده، ويحدد مساره في المحيط.

فهو في مسيرته البحثية يذهب من المجهول إلى المعلوم ومن المعلوم إلى المعلوم ومن ثم من المعلوم إلى المجهول ليجيب عن تساؤله.

فالواقع الخارجي يطرح عليه تساؤلات عديدة يجهل إجابتها، بل قد تكون تجاربه المعرفية الخاصة تطرح عليه تساؤلات تتطلب بحثا للإجابة عنها، هذه الإجابة يسافر خلالها الباحث ويكون سفر الباحثين على عدة أوجه:

يبحث خلال ذاكرته المعرفية المخزونة والمتراكمة عبر خبراته وأبحاثه السابقة، ومعارفه المتنوعة المكتسبة والموروثة، ويحاول خلالها الإجابة عن السؤال، وقد يخضع خلال هذه الرحلة لتحيزاته المعرفية أو لمعتقداته الخاصة، أو لبيئته ومحيطه ومعاداته وتقاليده.

يحاول الباحث الخروج من بيئته الخاصة المعرفية والتوسع في الإجابة خارج نطاق منظومته المعرفية والفكرية الخاصة بعقيدته وبيئته وعاداته وتقاليده، ولكن خروجه لا يعني عدم الاستعانة بها، بل هو خروج يراكم هذه الحصيلة، مع حصيلته الجديدة التي يتحصل عليها من البحث في إجابته عن التساؤلات، وأيضا هنا لا نضمن عدم وقوعنا في التحيزات المعرفية، وتطويع الجديد لحساب القديم.

باحث يحاول الإجابة على تساؤلاته منطلقا من قيمة صفر معرفيا، لأن لكل زمن تساؤلاته وإشكالياته في زمن التسارع المعرفي، القيمة الصفرية هذه لا تعني أبدا لفظه للثوابت المعرفية، ولا نكرانه لما تحصل عليه من معارف بالدليل القطعي، بل تعني محاولة البحث بأقل قدر من التحيز للوصول إلى أقرب جواب للواقع، والجواب بطريقة القيمة الصفرية أو ما هو أقرب للقيمة الصفرية، قد يعزز قناعات سابقة ومعطيات معرفية لديه، لأنه استند لمناهج جديدة معرفية ومتسلحا بالخروج من معارفه ومحاولا ترصد الإجابة وفق معطيات واقعية، وقارئا الآراء المتنوعة حول التساؤل محل البحث. فتعدد الآراء وتنوعها هو مصداق لجمع العقول إلى عقله الموصى به بالنص الصادر عن المعصوم ع.

وهنا لا أنكر أن هناك من الباحثين من يبدأ مساره في الشكل الأول من البحث، لكن يتطور معرفيا ومنهجيا وتتراكم معارفه وآفاقه المعرفية ليصل إلي الشكل الثالث من الباحثين، ومنهم من يختصر طريقه في البحث ليكون من الشكل الثالث، وهكذا، ولا ننكر أن التجارب كمصدر من مصادر المعرفة تركام المعارف وتثريها، وقد تكون في مرحلة من مراحل الباحث عائقا معرفيا يشكل له تحيزا بذاته، وجدار صد لذلك يجب أن تكون التجربة ملهمة من جهة، وكاشفة للجهل من جهة أخرى، ولكنها يجب أن لا تشكل قطعا بذاتها إلا إذا رفدت بمصادر معرفية أخرى قطعية الدليل، فكثير من الباحثين من يجعل من تجربته المعرفية الخاصة، قطعا ويقينا معرفيا، يقطع به طريقه البحثي والمنهجي نحو الحقيقة، وهو ما يترتب عليه تبعات معرفية وبالتالي منهجية وسلوكية من قبل من سيخلفه ويأتي بعده وبالتالي من قبل من سيتبنى رأيه ويحوله لمنهج عملي تطبيقي على مستوى الفرد أو المجتمع أو حتى الدولة والعالم كما سنرى لاحقا.

ويأتي كلامنا هنا في هذه الرحلة التي يسلكها الإنسان في مسيرته البحثية للإجابة عما يجهله، وهل كل الناس تسلك هذا المسار؟ أما هنا من يذهب من المجهول مباشرة دون المرحلة الوسيطة ليجيب عن تساؤله بشكل متسارع؟ وهل الذي يجيب عن تساؤلاته ضمن هذا المسار البحثي عن الإجابات يمتلك الأدوات المنهجية السليمة؟ وهل يخلو بحثه من التحيزات المعرفية؟ وحينما يجيب عن التساؤل هل يجيب عنه كمسلمة يقينية خاضعة لاعتبارات الاجماع والمشهور بحيث تتحول إلى دائرة معرفية مغلقة أمام النقد والتقييم وإعادة النظر؟

وهل النقد والتقييم لا يخضع للتحيزات المعرفية ولاعتبارات ذاتية؟

فعلى سبيل المثال لا الحصر، خاض الغرب معركة طويلة من العصور الوسطى مع الكنيسة، وكان لفهم الكنيسة ومعارفها دورا بارزا في تشكيل البنية المعرفية للمجتمعات الغربية على مدار قرون، وترتب على هذه البنية صناعة أحداث ورؤى سلبت الكثيرين حيواتهم لمجرد الخروج عن مألوف ومشهور الكنيسة وفهمها للكتاب المقدس، حتى في مجال العلوم والطب والمنطق والفلسفة، كانت الكنيسة هي الناطق الرسمي لها، فالأرض محور الكواكب فهي ثابته ويدور حولها الشمس والقمر، وحينما اكتشف القص برونو أمرا خلاف ذلك تم سجنه وتعذيبه ومن ثم حرقه بحجة الكفر، وهنا لي وقفة في التسارع والتباطؤ المعرفي، فمن جهة كان تسارع الكنيسة المعرفي في تبني قطعيات ويقينيات مغلقة غير قابلة للنقد والتبديل حتى مع وجود أدلة، سببا في مسار تسافلي معرفيا واجتماعيا، بل وحتى على مستوى الحريات وكرامات الناس وحيواتهم، هذا التسارع الذي رسم مسارا للأحداث أدى في نهاية المطاف لانقلاب كبير على الكنيسة وتدريجيا على الدين المسيحي برمته، بل على الدين ككل، ومن جهة أخرى هل يعتبر تسارع برونو في الإفصاح عن رأيه دون امتلاكه دليلا على هذه الآراء ومع ثبوت حقيقة ما تبناه لاحقا، هل يعتبر هذا التسارع محمودا؟ نحتاج هنا أن نتأمل قليلا قبل إطلاق الأحكام. فالكنيسة في تسارعها المعرفي دمرت كل السبل بين الناس والدين غالبا، وبرونو في تسارعه المعرفي فتح كوة في جدار الصمت لمن خلفه للتفكير خارج الصندوق، ولكن ومع ذلك هل إطلاق العنان لأفكاره وتأملاته دون إحرازه دليلا عليها، سواء دليل تجريبي أو عقلي منطقي هل يعتبر تسارعا في غير محله، وكان يمكن أن يمارس التباطؤ المعرفي حتي تكون حجته أتم، وبدل مرور سنوات طويلة عليها بعد موته لاكتشاف صحة ما طرحه، كان يمكن أن تختصر هذه السنوات من خلال تعميق تأملاته وتفكيره وإحراز أدلة تجعل للحقيقة مكانا في عقول وقلوب المحيطين؟

هنا لا يمكننا الجزم في موضوع برونو، ولكن في موضوع الكنيسة كان التسارع المعرفي سببا في تدمير علاقة الناس مع الدين، وفي تأخر كثير من العلوم أزمنة طويلة فوتت على البشرية فرصا للازدهار والنمو، وتأخرت عجلة التطور والنهضة قرون نتيجة التسارع المعرفي الذي حدد مسار الأحداث قبل التأمل في التداعيات والمآلات. الفرق بين تسارع برونو وتسارع الكنيسة، هو في نوعية المعارف، فبرونو امتلك حقيقة ثبتت بعد قتله بسنوات لكنها حقيقة لم يمتلك عليها دليل فهو سلك منهجا معرفيا خارج صندوق معتقداته وعاداته وتقاليد الكنيسة، وخارج المسلمات الاجتماعية والمعرفية العامة، لكنه في ذات الوقت تسرع في إعلان ما لديه قبل إتمام الدليل عليه، وقبل إخضاعه لمزيد من التعميق، ورغم ثبوت صحته بعد مدة زمنية طويلة، إلا أن إثبات هذه الصحة جاء من خلال التدليل عليه بأدلة أخضعت هذه المعرفة للتجربة، وأرفدتها بأدلة كشفت الزيف بشكل قطعي، فلمجرد مخالفتها للإنجيل " الكتاب المقدس"، ومجرد أن يعبر الإنسان عن فكرة خارج الإطار المألوف، فهو حق له في التفكير الحر دون أن يعتبرها مسلمة مغلقة خارجة عن النقد. وقس على ذلك كثير من العلوم والمعارف التي تسارع أصحابها في تحويلها لقناعات ويقينيات مغلقة أخرت مسار البشرية أو حرفت مسارها، وتسبب ذلك في تقويض العدالة وهدر كرامة الإنسان.

فمسيرة الغرب المعرفية والتي كانت كرد فعل على العصر الكنسي في القرون الوسطى، وتحولاتها في عصر التنوير، وما طرح من قبل كثير من الفلاسفة أثر لاحقا على بنية الدول المعرفية وعلاقتها مع الدين والطبيعة والإنسان، أي في الرؤية الكونية، وفي تشخيص مصادر المعرفة التي تدريجيا أخرت الدين والغيب والعقل من هذه المصادر، وصلت بالغرب اليوم إلى التشيئ، تشييئ كل شيئ حتى الإنسان، وأخضعت نظمها الأخلاقية للنسبية والنفعية، والتي تجلت في أمة كورونا بشكل واضح، حينما تركت كبار السن ليواجهوا الموت دون أدنى مساعدة. وهنا لا أعني أن كل نتاج الغرب نتاج سلبي، ولكن البنية الفلسفية قامت على أسس مادية جاءت نتيجة التسارع المعرفي الذي تولد كرد فعل على كل ما هو ديني، وأقصت نتيجة ممارسات الكنيسة السلبية غالبا، الدين كمصدر معرفي هام يمكن الاستفادة منه، ومن ثم تسارعت بشكل يتمثل فيه طغيان الإنسان وإعجابه بنفسه وإنجازاته حتى في نتائجها البحثية المعرفية والفلسفية حول الوجود والكون والله، هذا التسارع الشديد حتى في نمط الحياة، أفقدهم نقطة ارتكازية في المعارف، وهي وعي الذات، ومحاولة الخروج من هذه التجربة بالاستفادة الإيجابية منها دون تحيز، ووعي الذات نقطة ارتكازية في الانطلاق لوعي المحيط، وفقدان هذا الوعي على ضوء التجربة المحيطة، ومحاولة فهم أسباب التجربة وتداعياتها وتمحيص نقاط ضعفها وقوتها، قد يفقد الباحث اتزانه المعرفي ويوقعه في التحيزات العميقة معرفيا، والتسارع أيضا يتمثل في من تأثر بالتجربة الغربية وانبهر بها، ولم يمارس التباطؤ المعرفي قبل أن يتبنى منتوجها المعرفي، منطلقا من عقدة نفسية تمثلت في استبداد أنظمته السياسية، وتراجع المؤسسات الدينية غالبا في أداء دورها كما يجب، وفي تشابك الفقر مع الجهل مع الاستعمار، مما دفعه دفعا تحت ضغط الكولونيالية المعرفية إلى التسارع المعرفي نحو الغرب، والمعارف لا يمكن أن تتحصل بالانبهار ولا بردود الفعل، ولا بالضغوط الخارجية، لأن أصل المعرفة الحقيقية يكمن في التباطؤ والتأمل والتفكر والتعقل الطويل، ورصد الأدلة من كافة مصادر المعرفة دون إقصاء مصدر حتى لو كان باعتقادي مصدرا ضعيفا.

ويعتبر يورغن هابرماس على سبيل المثال من العلمانيين الذين نادوا بشكل عنيف لتحييد الدين عن الدولة في القرن الماضي، إلا أنه مؤخرا بعد نقد وتقييم الحداثة، أي ما بعد الحداثة، وجد أن الكنيسة والمتدينين يمكنهم أن يقدموا رؤى تساعد في تقنين قوانين تخدم الإنسان والمجتمع، وكونهم مكون هام من مكونات المجتمع فلهم الحق في هذه المشاركة، وقد طرح "هابرماس" تساؤلا مهما حول ذلك قائلا: هل السلطة السياسية ممكنة بعد استكمال القانون الوضعي، هذه السلطة التي لا تستند مشروعيتها لا من الدين ولا من أية ما بعد ميتافيزيقيا؟ ويكمل قائلا:" حتى وإن أقر المرء بهذه المشروعية، فإن الشك يبقى على المستوى الانفعالي ويكمن هذا الشك في التساؤل ما إذا كان في الإمكان تعزيز أسس الحياة المجتمعية المتعددة عن طريق خضوعها إلى خلفية معيارية متفق عليها شكليا في أحسن الأحوال، يعين خضوعها إلى نمط عيش معين. ويمكن القول حتى وإن تفهم اللائكية[1] الثقافية والمجتمعية كصيرورة تعلم مزدوجة، يكون في حاجة لها أتباع تقاليد الأنوار والتعاليم الدينية على حد سواء للتفكير في حدود تخصصهما[2].

هذه المراجعة المهمة التي قام بها "يورغن هابرماس"، حول دور الدين والمتدينين في الحياة السياسية، وفي التضامن الاجتماعي وسن الدولة لقوانين خادمة لكل مكونات الدولة، هي مراجعة منهجية لتجربة طويلة في ظل دولة علمانية شاملة، وصل فيها إلى قناعة مهمة مؤخرا أقر فيها عن ضرورة الاستفادة من الدين والمتدينين في الدولة. فبعد التسارع في اتخاذ مسارع معرفي محدد في رؤيته الكونية التي أقصت الدين كمصدر معرفي هام للتقنين، عاد التباطؤ مجددا يطل بإرسه بعد مراجعات وتجربة ميدانية طويلة كشفت عن قصور وخلل في ذلك التسارع المعرفي، أدت لتراجع وإن بشكل بسيط، لتضم مجددا الدين كفكرة يمكن الاتكاء عليها في التقنين وخدمة المجتمع، ولكن هذا التسارع كم دفعت البشرية المتعاقبة ثمنا له من ذاتها ووجودها وحيواتها، خاصة من شخصية تعتبر من المدرسة الفرانكفونية التي تؤثر في قرارات الدولة وترسم لها فلسفتها؟

وهذا لا يعني أيضا عدم وجود تسارع في المؤسسات الدينية وفي المدارس الدينية والإسلامية والعربية الشرقية، فهذه سمة إنسانية لا تخص إنسان دون غيره، وكثيرة هي الشواهد  على التسارع المعرفي وأهمها رفض كثير من الإسلاميين والعلماء لكل منتج الغرب المعرفي رفضا مطلقا حتى قبل الإطلاع عليه وفحصه والتنقيب في عمقه، بل تسارع الكثيرين في رفض نظيرة داروين دون حتى محاولة دراسة للعلوم ونشأتها وتطور هذه النظرية وملابساتها ونقاط ضعفها وقوتها، وكان لهذا أثر كبير في تراجع جيل من الشباب عن الدين، وفي ترك الكثيرين إيمانهم بالله، بسبب سلوك الكثيرين المعرفي السلبي اتجاه العلم واتجاه الغرب، بغض النظر عن ملابسات وأسباب هذا الرفض، لأننا بالأصل نتحدث عن المعارف التي يجب أن لا تكون خاضعة لردود الأفعال ولا للتجارب السلبية أو المحيط البيئي الخاص والعام. وأيضا التسارع يتمثل في التكفير وفتاوى التضليل التي يطلقها كثير من علماء الدين على من يخالف المشهور والمألوف، حتى لو كانت مخالفاته المعرفية تمتلك الدليل والبرهان، وعلى من يختلف معهم في المنهج والنتيجة، بل هناك حرب معرفية بين العلماء والمثقفين يتراشق أغلبهم فيما بينهم تراشقا إقصائيا، فكثير من العلماء يسفهون المثقف ومنتجه المعرفي، وكثير من الثقفين يستهزؤون بالدين والعلماء ويقصون معارفهم كمصدر، وهذا التسارع تذهب ضحيته الحقيقة والناس الذين يجب أن يشكل كل باحث لهم منطقة الأمان وطوق النجاة من الجهل، لا أن يكون بتسارعه المعرفي سببا لمزيد من الجهل والتضليل والانتكاس القيمي، والتراجع في مستوى العدالة والكرامة الإنسانية.

فنحن أمام مسارات عديدة تتطلب تشخيص دقيق وتأمل وتفكر وتدبر في تحديد متى يتم التسارع المعرفي، ومتى يكون التباطؤ. ويخضع كل من التسارع والتباطؤ لعدة عوامل بعضها ذاتي وبعضها خارجي في مسار عملية التفكير والكسب المعرفي.

ومن أهم وأبرز العوامل التي تؤثر في مسار المعارف هو التحيزات المعرفية، والتي تؤثر في كل من التسارع والتباطؤ، ولكن تأثيرها يكون بدرجات متفاوتة، وباتجاهات قد تكون أحيانا متعاكسة.

إن المشكلة التي يعاني منها الإنسان اليوم هي التسارع، خاصة التسارع المعرفي، والذي يؤثر في صناعة الحدث ومساره، حيث فقد الإنسان قدرته على ضبط توقيت هذا التسارع، وفهم متى يمكنه أن يتسارع في نشاطه، ومتى يحتاج إلى التباطؤ، نحن نحتاج للتسارع في النهضة والتنمية، لكن يسبقها تباطؤ في المعرفة وفهم الذات والمحيط، لأن الفهم والإدراك والمعارف هي التي تحدد شكل التنمية والنهضة وآلياتها والأهداف المرجوة منها، أي تحدد مسار الأحداث ومآلاتها، لذلك التباطؤ في المعرفة وفهم قريب للواقع يحقق لنا فهم موقع الإنسان وقيمته في كل حركة ومسار حدث.

التباطؤ المعرفي يحدد لنا من هو الإنسان، وما هي وظيفته، وكيف يمكنه أن يعرف وماذا عليه أن يعرف، وكيف يحقق معارفه في الخارج في دائرة تتحكم بها العدالة والكرامة، إنه باختصار التأمل الفريد والتحكم في المعرفة وإتقانها، فالتأمل والتفكر أدوات معرفية تحقق نوع من التباطؤ للتدقيق والتعميق البحثي للوصول إلى نتيجة محكمة في مبانيها، تحدد الأحداث ومسارها وفق معطيات أقرب للواقع منها للخيال والوهم. هذا التباطؤ يعطي مساحة كبيرة للعقل للتأمل، والخروج من تحيزاته المعرفية سعيا لفهم الواقع خارج حدود ذاته ومحيطه، ومدركاته القبلية، ومن خبراته المتراكمة نتيجة تجاربه التي أكسبته ألوان معرفة  دفعته للتعميم وخلقت لديه حواجز نفسية من معارف أخرى، فالتجربة على سبيل المثال من مصادر المعرفة المهمة، وتجربة الإنسان الاجتماعية وفي علاقاته مع المحيط والمعرفة، تعطيه خبرات مهمة، لكنها أيضا تخلق لديه حواجز نفسية تمنعه من التمرد على تلك التجربة ومحاولة خوضها بطرق أخرى، ودراسة أبعادها، فقد تكون بعض التجارب هي نتاج تسارع معرفي، فتكون مخرجاتها غير متقنة، وتحتاج إلى نوع من التباطؤ حتى يتحصل للإنسان معرفة أقرب للواقع، تمنع خلق حواجز نفسية تمنعه من تشكيل مدركات تؤثر في مساره العلمي والمعرفي ونموه الفكري والعلمي.

التحيز المعرفي:

التحيز هو حصر الشخص نفسه في حيز ومكان مسوّر بسور متميز عن غيره، وهذا هو المعنى الحسي للكلمة، والاستعمال الشائع للكلمة هو استعمالا مجازيا خاصة في المسائل الفكرية والمعنوية، فالتحيز له حقيقة في اللغة ومجاز في الاستعمال.. وهناك علاقة بين التحيز وبين مسألة العدل والهوى، فالتحيز ينبغي أن يكون منه الممدوح والمذموم، فالممدوح هو ما وافق العدل، بحيث تكون قيمة العدل هي الدافع والحافز لتبني المواقف والآراء والأفكار، والعدل ما طابق الواقع، والحق هو ما طابقه الواقع من العدل.. وهناك فرق بين التحيز وبين الرأي الموضوعي على مستوى الواقع من جهة وعلى مستوى الأمل (ما ينبغي أن يكون) من جهة أخرى، والتحيز قد يتعارض أو يتوافق مع الرأي الموضوعي، فالرأي الموضوعي قد ينصب على الحكم على موضوع الكلام، أما التحيز فهو منشئ ذلك الرأي[3].

ولقد أشار الله تعالى في محكم كتابه الكريم إلى مرجعية العدالة كقيمة معيارية كمعالجة لموضوع التحيز، سواء في الحكم أو في القول أو في الموقف، مؤسسا لقاعدة عامة تعالج التحيزات بكافة أشكالها حيث قال جل شأنه في سورة المائدة آية ٨:" يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ".

والتحيز المعرفي هو مصطلح عام يستخدم لوصف العديد من الآثار الملاحظة في أداء العقل البشري، فالبعض منها قد يؤدي إلى تشويه الإدراك الحسي، والى اتخاذ حكم أو قرار غير دقيق، أو تفسير غير منطقي. هذه الظاهرة العقلية تم دراستها في العلوم المعرفية وعلم النفس الاجتماعي[4].

وهناك من يشير إلى أن التحيز المعرفي يعتبر خطأ في التفكير والتقييم والتذكر، أو إدراك إجرائي يحدث أحيانا نتيجة قناعات وإيمانيات مترسخة، تجعل الفرد يلتزم بها بغض النظر عن أي معلومات مغايرة، والتي قد تكون أكثر عقلانية. مثال ذلك، التحيز التأكيدي، الذي هو ميل للبحث في المعلومات التي تتوافق مع قناعاتنا فقط، فالذاكرة هنا تؤدي غرض التحيز، بحيث أنها وبسهولة تؤثر في كيف وماذا تريد أن تتذكر، فالناس وبشكل جلي يتذكرون المواقف الممتعة وتلك التي تذكرهم بأنفسهم وكم هم مهمين.

إذا التحيز المعرفي هو خطأ في التفكير الذي يحدث عند الناس، نتيجة معالجة أو تفسير معلومة معينة بشكل خاطئ. بمعنى أنه غالبا ما تكون هذه الأخطاء نتيجة محاولتنا لتبسيط معالجة المعلومات على ضوء خبراتنا ومعارفنا التي تشغل حيزا عريضا في أذهاننا، وهنا يكمن التسارع المعرفي في تبني النتائج كمعتقدات نهائية، والتي لا نعلم غيرها وفي الغالب أيضا لا نود معرفة ما يتصادم معها. إنها ببساطة تشكل قواعد أساسية في طريقة تفكيرنا، والتي من خلالها تجعلنا نصيغ ونُكَوّن أفكارنا وتصوراتنا عن العالم من حولنا بالطريقة التي ترسمها لنا، والتي تساعدنا في اتخاذ القرارات بسرعات متفاوتة، لكن مما يؤسف له أن هذه الأفكار والتصورات والتي تفرز وجهات نظر أو قرارات نقوم باتخاذها والتي تبدو لنا عقلانية ومنطقية إلا انها تكون غالبا غير صحيحة[5].

إلا أن إطلاق الحكم بكون التحيز المعرفي خطأ في التفكير، هو تحيزا أيضا باتجاه فكرة أحادية الجانب، كون هناك تحيزات معرفية إيجابية صحيحة، خاصة إذا تطابق التحيز المعرفي مع معيار العدالة، والتأني والتباطؤ في البحث والتنقيب المعرفي والتدليل عليه بأدلة منطقية وعقلانية، بالتالي يكون تحيزا للحق وهو بذاته صحيح وليس مذموما. وغالب التحيزات المعرفية وخاصة تلك المتعلقة بالعقيدة يكون سببها ذاتي في بنية الإنسان الدماغية التي تميل للتبسيط، وتبتعد عن التعقيد، بل تعود أيضا لميل الإنسان للكسل، وهروبه من البحث العميق في الأفكار وتمحيصها والعجلة التي وصفه بها الله في محكم كتابه العزيز حيث قال: " خُلِقَ الإنسانُ مِنْ عَجَلْ"[6] ، والعجل من السرعة والتسارع وهو عكس الأناة والتباطؤ، وتلاها بقوله "سأوريكم آياتي فلا تستعجلون" والآية هي الدليل القطعي للمعرفة التي يطرحها نبي الله ص، وهو الإنسان المقصود بها النوع الإنساني، فيكون الطريق الأسهل لعامة الناس هو التبسيط والتحيز، للتخلص من أي تعقيدات ذهنية تشعرهم بالاضطراب المعرفي، وتسلب منهم اطمئنانهم المتسالم عليه والمتوارث.

فالرحلة التي يقطعها العقل من المجهول إلى المعلوم، ومن ثم من المعلوم إلى المعلوم والتي تبحر في خضم المعلومات والأفكار التي تختزنها الذاكرة، والتي شكلتها خبرات الشخص، هنا تقع كثير من التحيزات خاصة إذا لم يحاول الشخص الخروج من ذاتياته وأفكاره، ومحاولة البحث عن المعلومات خارج الاطار المعرفي الذي اعتاد عليه، فهو هنا يقع في تحيز شديد الانغلاق، بالتالي وصوله إلى معلوم يكون خاضع لهذه التحيزات، وقد يكون وصولا آمنا صحيحا، ولكن غالبا ما يكون الوصول غير آمن ويرتبط المجهول بمعلوم غير واقعي وغالبا ليس صادقا.

ولكن لو امتلك هذا الشخص في رحلته هذه المعرفية أدلة قطعية على معارفه وعلى نتاج رحلته البحثية، والتباطؤ في فهم الموضوع محل البحث، والتباطؤ هنا يعني التبحر في الآراء حول الموضوع، والآراء المتعارضة والمتوافقة، وبحث معطياته ومفاهيمه ودلالاته، حتى مع عدم خروجه خارج هذا الصندوق، فإن منهجه يكون منهجا علميا لكنه متسارعا، وقد يحتاج هنا للتباطؤ الذي يعني مزيد من التأمل حت فيما لديه من أدلة ومعطيات، من خلال محاولة الإبحار خارج صندوق عقله وأفكاره، هذا التباطؤ يمكنه من تفعيل أدوات المعرفة وتعميق البحث للخروج بمعارف ترفع الجهل من جهة، وترفعه بشكل أقرب للواقع بعيدا عن الوهم من جهة أخرى.

الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله (١٩٣٨ ـ ٢٠٠٨م) عندما استوقفته إشكالية التحيّز عند دراسته للظواهر الإنسانية، اختار المصطلح: "التحيّز", بالرجوع إلى المعجم اللغوي العربي، وفيه: أن التحيّز يعني الانضمام والموافقة في الرأي وتبنّي رؤية ما، مما يعني رفض الآراء الأخرى. وقد اختار هذا المصطلح ليطلقه على مجال جديد لدراسة ظاهرة إنسانية من صميم المعطى الإنساني، ومرتبطة بإنسانية الإنسان، كما كان يرى، وهي ظاهرة[7]

وضع الدكتور المسيري قواعد أساسية تساعد على فهم التحيّز وتمييزه، وهي:

١ ـ القاعدة الأولى: التحيّز حتمي: وذلك بسبب المعطيات التالية:

أ ـ لأنه مرتبط ببنية عقل الإنسان ذاتها، فهذا العقل لا يسجّل تفاصيل الواقع كالآلة الصمّاء، فهو عقل فعّال، يدرك الواقع من خلال نموذج فيستبعد بعض التفاصيل ويبقي بعضها الآخر.

ب ـ التحيّز لصيق باللغة الإنسانية المرتبطة إلى حدّ كبير ببيئتها الحضارية، وأكثر كفاءة في التعبير عنها. فلا توجد لغة تحتوي كل المفردات الممكنة للتعبير عن الواقع بكل مكوّناته، فلا بدّ من الاختيار.

ج ـ التحيّز من صميم المعطى الإنساني، ومرتبط بإنسانية الإنسان، أي بوجوده ككائن غير طبيعي، لا يردّ إلى قوانين الطبيعة العامة ولا ينصاع لها، فكل ما هو إنساني يحوي على قدر من التفرّد والذاتية ومن ثمّ التحيّز.

٢ ـ القاعدة الثانية: التحيّز قد يكون حتمياً ولكنه ليس نهائياً:

فالتحيّز ليس بعيب أو نقيصة، بل على العكس يمكن أن يُجرّد من معانيه السلبية، ويصبح هو حتمية التفرّد والاختيار الإنساني.

واللغة الإنسانية رغم حدودها قادرة على تحقيق التواصل، وعلى مساعدتنا على تجاوز أشكال كثيرة من التحيّز، وعلى بناء نماذج معرفية هي نتاج تجربتنا الحضارية الخاصة، ولكنها بنفس الوقت تساعدنا على التعامل مع أنفسنا ومع واقعنا ومع الآخر. فمعنى أنه ليس نهائياً أي أنه ليس نهاية المطاف حيث يمكن تجاوزه، ولكن النهائي هو الإنسانية المشتركة والقيم الأخلاقية الإنسانية[8].

إلا أن قول المسيري أن التحيز حتميا يحتاج توضيحا وفق ما أفهمه للتحيزات الحتمية، كون الحتمي لا يمكن تجاوزه كما قال الدكتور المسيري، وقد يكون المسيري يقصد من الحتمية كونها أمر واقعي تكويني في الإنسان ضمن تركيبته البيولوجية التكوينية كما أشرنا في آية خلق الإنسان من عجل، إلا أنه خلقا قابلا للتغيير بالمجاهدة والإرادة الحرة وإلا كان جبرا وخلاف العدل الإلهي، وتجاوزه يأتي من خلال التعلم والتدريب المعرفي البحثي والممارسة البحثية على الطرح الموضوعي وكسب ثقافة الخروج من الصناديق المعرفية المغلقة، دون التنازل عن الثوابت التي تشكل حقائق ثابتة في الهوية المعرفية، فالباحث أو المثقف لابد له من أن يتحيز للحقيقة والحق، لكن ذلك لا يتم إلا بعد أن يستعرض ويستقرئ كل الآراء التي طرحت بخصوص الموضوع محل البحث، أي أن يقوم بعملية ضرب للآراء ببعضها البعض، ومن ثم يخرج بالرأي الأقرب للحق والحقيقة، وينحاز له ليطرحه ويدافع عنه، وهذا الانحياز المعرفي هو انحياز صحيح وصحي في ذات الوقت، إلا أنه مشروط بعدة شروط أهمها:

١- أن يعتمد الباحث والمثقف في فهمه للواقع واستقصائه للمعارف على مصادر المعرفة البشرية المعتمدة من المدرسة التي تنتمي هويته إليها، مضافا إلى ذلك اطلاعه على المدارس الأخرى في المعرفة.

٢- استقراء جل الآراء وأهمها المطروحة في الموضوع خاصة البحث، واستعراضها عرضا نقديا علميا، ومن ثم الخروج وفق منظوره برأي.

٣- المراجعة النقدية لما توصل إليه من رأي، واعتباره عرضة للنقد والتطوير والتراكم المعرفي من قبل الباحثين والمثقفين الآخرين.

٤- التجرد من الأنماط والرغبات الاجتماعية معرفيا "الشعبوية"، والتجرد من ثقافة الإجماع السلبية ومبدأ المشهور المعرفي العلمي.

٥- والأهم من كل ما سبق هي معيارية العدالة المرجعية في تشخيص صلاح هذا التحيز المعرفي لأن العدل معيارا للحق، والانحياز للحق هو انحيازا إيجابيا، ولكي يحقق هذه المعيارية على المثقف والباحث أن يكون حرا في بحثه المعرفي.

وأغلب التحيزات المعرفية تعمد إلى حجب الحقيقة، ومن أهم مسببات التحيزات المعرفية هي:

١- البيئة والمحيط الاجتماعي والأسري، الذي يعمل على تنميط الأفكار والمنهجيات ومصادر المعرفة.

٢- مناهج التربية والتعليم التي تضعها الدولة، ويتربى عليها الطفل، ومناهج التدريس التي يستخدمها المعلم في تعليم التلاميذ.

٣- الانتماءات العصبوية بكافة أشكالها سواء القبلية أو المذهبية أو الطائفية.

٤- الأنماط الاجتماعية والإجماع السطحي القائم على الشعبوية بمعناها السلبي، فقوة الاجماع الشعبي تخلق تسالما سطحيا للمعارف، وبالتالي تصنع جوا معرفيا متحيزا بشكل غير منطقي وموجها للرأي العام، هذا الاجماع الشعبوي يستخدم فيه قوة خفية تفرض من خلالها هذه الإجماعات رأيها، وهذه القوة الخفية تتعلق بالشعور والرغبة الداخل نفسية بالانتماء للجماعة والخوف من الخروج والمخالفة، إلا أن المثقف والباحث عليه أن يتخلص من هذه المخاوف، وأن لا يخضع لهذه القوة الخفية التي يكتنزها الإجماع الشعبوي، وأن يكون نفسيا وشعوريا متحررا من الانتماء للجماعة ليصبح شعوره الأصيل الداخل نفسي هو الانتماء للحق والحقيقة، وفهم الواقع وملابساته لتعرية كل الوهم المرتكز في العقل الجمعي السلبي الأبعاد، وليناضل كمثقف وباحث وظيفته صناعة الوعي، يناضل لأجل استبدال هذا الوهم بالحقيقة.

٥- الثقافة والتربية الأحادية المتوارثة دون مراجعة وتمحيص، تصنع عقلا أحادي المنهج والفكرة، وتخلق تحيزات معرفية لاغية لكل ما هو خارج هذا الصندوق المعرفي المتوارث، والمورث للاطمئنان التواضعي البسيط.

٦- التحيز المعرفي الناشئ عن أخلاقية الخضوع والانهزام النفسي أمام معارف الدول الأقوى حضاريا، والأكثر تقدما في الانتاج المادي والمعرفي، أي هو تحيز نتيجة الفارق الحضاري والانبهار، وهو تحيزا له بعد نفسي، وله بعد معرفي. وهو من أكثر التحيزات التي يقع في شباكها المثقف والباحث.

 

ومن أهم ما يجب أن يلتفت إليه المثقف والباحث هو الخروج من التحيزات المعرفية التي تتعارض مع مبدأ العدالة والإنصاف، لأن وظيفته صناعة وعي واقعي قائم على أسس معرفية رصينة، وأدوات ومناهج سليمة علميا، كون التحيزات تعمل كمضادات حيوية للمعرفة والوعي، وكحُجُب موجهة للمعرفة باتجاهات محددة ومغلقة ونمطية.

لذلك كان لزاما على المثقف والباحث الذي يتصدى لصناعة الوعي، وتطوير المعارف والعصرنة والمواكبة أن يعتمد على عملية النقد المستمر للذات، والمراجعة المستنيرة للأفكار والمناهج والمحتوى الفكري، وإلى المواكبة لكل التطورات المعرفية على الساحة الثقافية، والإلمام بمستحدثات الإشكاليات والمعارف التي تواجه المجتمعات، خاصة أن العولمة حولت المجتمعات إلى قرية صغيرة، تتناقل فيها المعارف وإشكالياتها بالعدوى المعرفية. وهو ما يستدعي المثقف والباحث للخروج المستمر من الصناديق النمطية، إلى فضاءات المعرفة المختلفة، لأن الوعي في حركة تكامل وكمال مستمر، والعقل في سيرورة و صيرورة معرفية تطورية مستديمة، لا تلغي الثوابت لكنها تحصنها بتطوير المتغيرات وفق الزمان والمكان، هذا فضلا عن اتصافه بالإنصاف العلمي والمعرفي في اعتماده على مصادر معرفة متعددة.

فهناك مثقفون وباحثون يستبعدون مصادر معرفة بشرية كونها لا تتناسب وأيديولوجيتهم وعقيدتهم، مثل المثقف أو الباحث الذي يستبعد النص والعقل، ويعتمد فقط على الحس والتجربة، أو ذلك الذي ينكر دور الحس والتجربة، ويستبعدهما كمصادر ويعتمد فقط على النص والعقل مع تغليب النص وتهميش العقل وهكذا. لذلك المثقف والباحث عليه ألا ينحاز إلا للحقيقة والحق التي تتطلبان منه أن يطلع على الآراء معتمدا على كل مصادر المعرفة، التي من خلالها يعرف الإنسان ويتعلم ويفهم.

كلها تساؤلات تخضع لعمليتي التسارع والتباطؤ المعرفي، والذي أعني فيه الزمن والوقت الذي يستغرقه الباحث عن الحقيقة في الوصول إلى الإجابات، والمنهج الذي يسلكه، والتحيزات التي يخضع لها، وما هي تداعيات التسارع والتباطؤ على الفرد والمجتمع، وبالتالي على الأفكار المعرفية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. وأمامنا اليوم تجارب غنية بالتسارع والتباطؤ بين الشرق والغرب، فالعلموية أقصت الدين كليا وتبنت العلم كمصدر للحقيقة وهو نموذج للتسارع الذي تراكمت عليه مواقف ومعارف لا تسلم من ثغرات حقيقية تم كشفها مع التقادم، وبعض المنتمين للمؤسسات الدينية لم تعتبر العلم مصدرا هاما وملهما ولم تضعه في موقعه المعرفي السليم، وبنت منظومتها المعرفية على هذا التسارع، وواجهت تحديات معرفية كبيرة كان لبعضها الأثر في تهاوي موقع الكنيسة وتراجع موقع الدين ووظيفته من حياة مجتمعات بأكملها.

لذلك نحتاج إلى تشخيص سليم للتسارع والتباطؤ، متى نتسارع ومتى نتباطئ؟ ومتى يكون التسارع مذموما والتباطؤ محمودا ومتى يكون العكس؟ ومتى يكون التنافس يحتاج إلى تسارع ومتى يحتاج إلى تنافس لكن ببطيء؟

كلها تساؤلات تتطلب تشخيص سليم للزمان والمكان وقراءة منهجية لإشكاليات العصر، لفهم الواقع ومواجهته مواجهة معرفية متخلصة من التحيزات المعرفية السلبية، وهمها فهم الحقيقة كما هي وفق أدلة وبراهين قطعية، تستمد من الثوابت قاعدتها التي تنطلق منها.

 

إيمان شمس الدين

............................

[1] اللائكية أو العلمانية

الفرنسية، بالفرنسية laïcité (تنطق [la.isiˈte])، هي مفهوم يُعَبِّرْ عن فصل الدين عن شؤون الحكومة والدولة وكذلك عدم تدخل الحكومة في الشؤون الدينية. تواجدت العلمانية في فترة مُبَكِّرَة من التاريخ الفرنسي المعاصر استناداً إلى القانون الفرنسي لفصل الكنيسة عن الدولة عام 1905م، وامتد تفسير العلمانية الفرنسية ليشمل المساواة في التعامل مع جميع الأديان، وأصبح التفسير أكثر تحديداً في عام 2004م.

فاللائكية - كصياغة عربية - مُشتقة من الفظ الاتيني "laicus" وهو بدوره مأخوذ من اللفظ اليوناني ”laós - λαός” ومعناه "الشعب". غير أنَّ استعماله اللاتيني قد تخصص في قسم من "الشعب"، وذلك في مقابل "الكاهن" clerc، وهو رجل المعرفة "العالِم" (من اللفظ اليوناني clêros بمعنى الحظ الموروث)، والمقصود رجل الدين (المسيحي) المنتظم في سلك الكهنوت الكنسي.

ويبدو أن ترجمة Laïcité إلى اللائكية في اللغة العربية، هو نوع من التعريب لا الترجمة، إذ أنَّ لللائكية معنى خاص في تجربة مجتمع المجتمع الفرنسي دون غيره.

https://political-encyclopedia.org/dictionary/اللائكية

[2] جدلية العلمنة ـ العقل والدين / يورغن هابرماس وجوزيف راتسنغر"البابا بندكتس xvI" /تعريب وتقديم حميد لشهب / دار جداول/ ص٤٦

[3] إشكالية التحيز/رؤية نقدية معرفية ودعوة للاجتهاد/ تحرير عبد الوهاب المسيري/المعهد العالمي للفكر الإسلامي/١٩٩٨م/ بحث بعنوان كلمة في التحيز ـ د. علي جمعة ص ١٧ـ ١٨ بتصرف

[4] د.سالم موسى/جامعة الملك خالد/ أبها / التحيزات المعرفة التصديق الزائف / https://middle-east-online.com/التحيزات-المعرفية-والتصديق-الزائف/ تم الاطلاع في ١٥/ مايو / ٢٠١٩م

كندرا تشيري /خبيرة علم النفس/ المصدر السابق بتصرف  [5]

[6] الأنبياء/٣٧

[7] امفهوم التحيز عند الدكتور عبد الوهاب المسيري/رغداء محمد أديب زيدان/ تم الاطلاع في ٢٤ـ مايوـ٢٠١٩/

http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=16515

[8] المصدر السابق

 

 

قاسم حسين صالحفي زمن النظام الدكتاتوري، مارس العراقيون الانتخابات باستفتائهم على مبايعة صدام حسين رئيسا لجمهورية العراق.وفيها كان المواطن العراقي يذهب الى المركز الانتخابي فيستلم ورقة تحمل سؤالا واحدا يتضمن اسم مرشح واحد لرئاسة الجمهورية هو صدام حسين، وامامه بديلان: "نعم" و "لا". وكانت نتيجة الاستفتاء أن العراقيين اجابوا بـ " نعم " بنسبة " 99 % " .. واذكر أن السيد "عزت الدوري" عّلق على هذه النتيجة بقوله " ان الذي لم ينتخب صدام حسين اما معادي أو مجنون!

كان العراقيون الـ "99 % " الذين اجابوا "بنعم" يتوزعون بين من اراد دفع الشرّ عنه وعن عائلته ، ويائس يعرف أنه حتى لو اجاب بـ " لا " ومستعد لتحمّل تبعتها فان صوته لا يغير من واقع الحال شيئا"، وبين من كان يحب صدام فعلا" فكتب " نعم " بدمه {حبا" أو نفاقا"}، وأخرى بطريقة صورتها اغنية تقول (بايعناك مو بس بالورق والله .. احنه قلوب بالصندوق خلينه!).

وكانت آول مرّة يمارس فيها العراقيون الانتخابات بعد (9 ـ نيسان ـ 2003) هي تلك التي جاءت بأول برلمان ديمقراطي في (2005). وفي الواقع، فأنه لا يوجد فرق جوهري في العملية العقلية بين الانتخابات التي ثبّتت صدام حسين رئيسا للجمهورية وبين الانتخابات التي جاءت باعضاء ذلك البرلمان، واليك التحليل:

ان الانتخابات من هذا النوع يجب ان يتوافر لها شرطان هما: الحرية والمسؤولية. ونعني بالحرية ان يمارس الناخب حقه في الادلاء بصوته من دون رقيب عليه أو شعور بالخوف أو توقع عقوبة معنوية أو ماديه، فيما تعني المسؤولية ان الناخب اذا اختار البديل " ع " من بين عشرة بدائل مثلا" فانه مسؤول عن هذا الاختيار بأن " ع " هو الافضل والاكفأ.

ما حصل في انتخابات صدام حسين، ان شرط الحرية كان معدوما"، لأن الناخب العراقي كان مجبرا" ان يضع علامة " صح أمام" نعم " وحين ينعدم شرط الحرية في الانتخابات ينتفي شرط المسؤولية بالتبعية.

وما حصل في انتخابات برلمان 2005 فان الناخب العراقي كان يتمتع بالحرية ولكنه ما كان يتمتع بالمسؤولية " في ختيار البديل الافضل.ولهذا فان النوعين من الانتخابات (انتخاب صدام حسين، وانتخاب البرلمان الديمقراطي) لا فرق بينهما في المحصلة النهائية من الناحية العقلية، لأن الناخب العراقي في انتخابات صدام حسين كانت يده قد تلقت امرا" من المركز الدماغي المتخصص بالخوف، فيما تلقت أمرا" من المركز الدماغي المتخصص بالانفعال في انتخابات البرلمان الديمقراطي، وأنه في كلا الحالين لم تتلق يد الناخب أمرا" من المركز الدماغي الخاص " باتخاذ القرار " الذي يصدر عن ادراك ووعي ومفاضلة .

وسيكولوجيا، تعزى الحالة الانفعالية التي تحكمت في الجماهير العراقية (البنفسجية) التي جاءت باول برلمان ديمقراطي الى أربعة أمور اساسية:

الاول: ان الشخصية العراقية انفعالية سيكولوجيا" بطبيعتها.

الثاني: ان استجابات العراقيين في الانتخابات كانت رد فعل على ظلم النظام السابق ومن يحسب عليه.

الثالث: ان ثقافة الضحية التي اشاعها السياسيون عملت على تعطيل أو تخدير العمليات العقلية الخاصة بعواقب الأمور.

والرابع: ان القيم الدينية تكون أقوى تأثيرا في الجماهير الشعبية من القيم السياسية في الانتخابات الوطنية.

 

والدرس الذي نستخلصه هو:

(ان الجماهير الشعبية التي تمارس الانتخابات في اجواء انفعالية بعد

تحررها من نظام استبدادي قد تجني على نفسها بكارثة جديدة تكون

اوجع واشمل من كارثة النظام الدكتاتوري الذي تخلصت منه).. وقد حصل!

برلمان 2010.. لم ينتخبه الشعب!

نشر المحامي طارق حرب مقالا بعنوان(15 نائبا" انتخبهم الشعب والباقي انتخبتهم الكيانات:الصباح، 10 نيسان 2010)، ونشر محمد عبد الجبار الشبوط مقالا بعنوان (لعبة الارقام: الاسبوعية، العدد 116)، كلاهما يشخصّان خللين كبيرين رافقا العملية الانتخابية التي جاءت ببرلمان (2010)، الأول: أن (310) من اعضاء ذلك البرلمان لم ينتخبهم الشعب لعدم حصولهم على الاصوات التي تجعلهم نوابا"، بل صاروا كذلك بأضافة عدد من اصوات الكيانات السياسية التي ينتمون اليها، وان (15) شخصية فقط حصلت على القاسم الانتخابي والعتبه الانتخابية من الاصوات، توزعوا على: (5 للعراقية، 4 الائتلاف الوطني، 3 دولة القانون، و3 للتحالف الكردستاني والاسلامي) دخلوا البرلمان بأصواتهم هم لا بأصوات كياناتهم، كما الحال مع الـ (310) نائبا" الذين فازوا بما (تصدّقت) عليهم اصوات كياناتهم!. فضلا عن حالة معيبة.. اعتباريا وسياسيا ونفسيا!.هي الكوتا النسوية التي جاءت باكثر من 60 عضوة من اصل 81 لسن بمستوى كفاية وفاعلية مرشحين سلبن حقهم ، فيما نريد لها أن تكون ندا ايجابيا للرجل حتى في الميدان السياسي، فقد حصلت نساء على أصوات لم يحصل عليها رجال بشوارب ولحى وعمائم.. وفازت بامتياز سيدة نجفيه لم تعلق صورة واحدة لها.

وتحليلنا السيكولوجي لهذه النتائج يفضي الى القول بأن الناخب العراقي ما كان مطمئنا للعملية السياسية، وان هنالك أزمة ثقة بين المرشحين والناخبين نجمت عن طائفية وشيوع فساد وتلكوء حكومة وخبرة سيئة لبرلمان (قضى نحبه) كما وصف في حينه، وأن ثقة الناخبين استقطبت (15) شخصية فقط من بين أكثر من ستة آلاف مرشح!.

وجاءت انتخابات 2014 لتؤكد انه لا سبيل للتغيير الديمقراطي عبر الانتخابات التشريعية، لتوصل الناخب العراقي الى حالة التيئيس في انتخابات 2018 حيث عزف عن المشاركة فيها اكثر من 70% من العراقيين.. والمفارقة ان هذه الانتخابات شهدت تسابقا نحو الوصول الى البرلمان بارقام قياسية بلغت 27 تحالفا و 143 حزبا!.والسبب ان السياسيين عاشوا حالة (غزوة بدو) بأن اعتبروا العراق غنيمة لهم وأن عليهم ان يتقاسموه.. فتقاسموه!، وبهذه القسمة تحولت السلطة من وظيفتها الرئيسة المتمثلة بأدارة شؤون الناس الى وسيلة لجمع الثروة.ومن هذه الحاضنة السياسية جاء الوليد الاقتصادي بتحديد راتب وامتيازات لعضو البرلمان لا يتمتع بها اي عضو برلمان في العالم.وبمجيء الدورة البرلمانية الأولى، وتمتع اعضائها بالرفاهية، فأنها انجبت الوليد الأخطر والأقبح أخلاقيا ودينيا، ذلك ان النائب أدى اليمين بان اقسم أمام البرلمان والشعب بانه سيحافظ على ثروة البلاد، فتحول الى أكبر سارق بتاريخ برلمانات العالم.. وافتضح أمرهم بوصف الناس لهم بأنه (كلهم حرامية).. وبتكرارها فأنهم ما عادوا يخجلون من الفضيحة.. ولأنهم خسروا سمعتهم الأخلاقية، فانهم تفننوا وتعفرتوا في الحصول على المزيد من الثروة، كافراد فيما فتحت خزائن احزاب الأسلام السياسي ابوابها لنهب الثروة.. بطريقة يسألونها هل امتلئت تقول هل من مزيد!.

بهذا نكون قد وثقنا للتاريخ والأجيال ما حصل بعد (9 نيسان – ابريل 2003) لغاية 2020 التي قد تشهد او تمهد لأنتخابات نزيهة تصنعها انتفاضة تشرين 2019.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

 

 

محمد كريم الساعديإن عملية الإندماج فيْ العالم الإفتراضي، تعطينا واقعاً جديداً تكون فيْها الهوية الحقيقية فيْ محك من التأكد، من مدى  تواجدها بشكل كامل فيْ ضوء معطيات جديدة، قد تفرضها الظّروف الإفتراضية فيْ الفضاء الرّقمي، من يولد لدى المُستَخدِم فيْ هذا العالم حالة من عدم التّطابق بين هويتين الأولى الحقيقية، التّي من الممكن أن تتأثر بهذا العالم الجديد، والثّانية هي التّي يقدم بها المُستَخدِم نفسه؛ ولكن بإختيار جديد فيْ أغلب الأحيان قد يلغي فيْه العديد من المظاهر، التّي كانت تدل على هويتهِ الواقعية إستناداً للرغبات، التّي يريد أن يوجدها له فيْ هذا العالم، وكان البعض يريد ان يعطينا تصور آخر لشخصهِ، كانت كامنة فيْ دواخله ولا يستطيع أن يخرجها لنا فيْ الواقع المعاش، لذلك فأن أفضل ظهور سيكون له بشخصيته الجديدة، وبهويتهِ ومواصفات جديدة فيْ هذا العالم الإفتراضي، الذّي يحاول أن يندمج فيْه ثقافيْاً ونفسياً، وحتى يجمل معه بعض ملامح البيئة الاجتماعية، التّي لا يستطيع ان يتنصل عنها فيْ مثل هكذا ظهور، لأنها قارة فيْ سلوكياته المنطبعة فيْ ذاته، ومهما حاول أن يبتعد عنها، فأنها ستظهر بطريقةٍ أو بأخرى فيْ العالم الإفتراضي، وفيْ الوقت نفسه يوجد مستخدم آخر يحاول إيجاد تطابقٍ بشكل كبير، بين الهويتين الحقيقية / العالم الواقعي والإفتراضية / العالم الإفتراضي، ويحاول أن يحقق إندماجاً فيها ويريد من ذلك أن يكون ظهوره بشكلٍ متساوٍ بين العالمين، وبتأثير متبادل بين العالمين فيْ الصّورةِ والماهية والمكونات الأخرى، لذا فأن هذهِ الإشكالية فيْ الظهور للمستخدمين فيْ العالم الإفتراضي، قبالة العالم الواقعي سيعطينا أنواع من المُستَخدِمين، وحسب نوع الإندماج والظهور؛ وأي الهويتين أكثر ظهوراً فيْ هذا المجال؛ لذا فأن شكل الهوية والظهور سيكون كالآتي: 

1- هوية واقعية فيْ العالم الإفتراضي: هكذا نوع من الهويات تكون متوافقة مع الشّخص ذاته، أي أن ظهوره يكون فيْ هذا العالم الإفتراضي، كما لو أنه فيْ عالم واقعي دون أن يغير من ملامح الصّورة، كأن يضع صورةً رمزية أو تعبيرية أو يتخذ من بعض المناظر الطّبيعية، كالورود والأشجار وغيرها، بديلاً عن صورته الايقونية، التّي تدل عليه فيْ هذا العالم الإفتراضي، وهنا من يحاول الظّهور بواقعية فيْ العالم الإفتراضي دائماً، تشمل الشّخصيات العامة، مثل السّياسيين، أو الموظفيْن الحكوميين المهمين، أو أساتذة الجامعات أو مديري الدوائر، أو الشّخصيات الإجتماعية المهمة، التّي لها ظهور حقيقي وواقعي فيْ كلا العالمين، مثل رجال الدين والشّخصيات المجتمعية وغيرها، وفيْ أحيانٍ قليلة بعض النّاس العاديين، الذّين يضعون صورهم الايقونية فيْ هذا المجال، وكأنه يريد أن يقول: إنه متطابق مع واقعه، وليس لديه أي رغبة بالظهور فيْ هذا العالم بشخصيةٍ أخرى وهوية افتراضية أخرى.

2- هوية افتراضية فيْ عالم إفتراضي: هذا النوع فيْ الظّهور فيْ العالم الإفتراضي يكون (لأشخاص / مستخدمين) يريدون أن لا يفصحوا عن حقيقة هوياتهم الواقعية، لأن هذا الظهور هو فيْ عالم إفتراضي، ويجد هؤلاء الأشخاص من الصّائب إلا يظهر بهويته الواقعية؛ لأن التّواجد فيْ هذا العالم، هو من أجل الهروب من العالم الواقعي، أو من أجل الوصول إلى أهداف أخرى، قد لا تمكنه هويته الواقعية من الوصول إليها، وذلك بسبب مهنته مثلاً، أو بسبب موقعه الإجتماعي ،أو الظّهور فيْ هذا الواقع الإفتراضي من أجل التّسلية والتّرفيه، الذّي لا يتطابق فيْ بعض الأحيان مع عمرهِ أو جنسهِ أو دينهِ.

3- الهويتان وظهورهما فيْ العالم الإفتراضي: وفيْ هذا النّوع من الظّهور، يريد المُستَخدِم أن يقدم فيه هويتين، الأولى واقعية، وهذهِ الهوية يريد ظهور جزءاً منها مرتبطة، مثلاً: بالجانب الإجتماعي دون أن يظهر الجانب النّفسي، أو الفيْزيقي المرتبط بهويتهِ الواقعية، أو يريد أن يظهر وظيفته مثلاً؛ دون ان يظهر معها الجانب الإجتماعي والنّفسي، وغيرها من الجوانب المرتبطة بالهوية، وهنا ما يكمل الهوية الأولى الواقعية هوية إفتراضية فيْ هذا العالم الإفتراضي، تكون فيْه الجوانب الأخرى تقع على الهوية الإفتراضية مثلاً: إذا أظهر الجانب الإجتماعي فقط من الهوية الواقعية، فيكمل الجوانب النّفسية والفيْزيقية من الهوية الإفتراضية، مثال ذلك: شخصية ذات بعد إجتماعي معين، أو ذات وظيفة معينه، لكن فيْ داخلها فيْ الواقع المعاش شخصية إنطوائية، غير متفاعلة مع المجتمع، يحاول أن يظهر العكس فيْ ظهور فيْ العالم الإفتراضي، وكأنه شخصية إنبساطية متفاعلة مع الآخرين، وخصوصاً الذّين لا يعرفونه سواء أكانوا من بلدهِ أو من بلادٍ أخرى من المتواجدين فيْ العالم الإفتراضي.

4- الهويتان وظهورهما المتفاوت فيْ العالم الإفتراضي: وهذا النّوع من الظّهور يدل على إزدواجية الشّخصية، وحسب المواقف التّي تظهر فيها، مرة تظهر الهوية الواقعية وبمقتضى نوع المشاركات وخصوصاً إذا كانت المشاركات تمجيد لهذهِ الشّخصية، مما يغلبها الطّابع الشّخصي، ويظهر بهويتهِ الحقيقية أمام المتواجدين فيْ الموقع؛ كون هذا الظّهور ارتبط بجانبٍ نفسي إيجابي، جعلت المُستَخدِم يبرز هويته الحقيقية فيْ هذا المجال، أما فيْ الجانب النّفسي السّلبي، فيْحاول المُستَخدِم ان يظهر هويته الإفتراضية من أجل الهروب من الواقع الإفتراضي، الذّي تعرضت فيْه الهوية الحقيقية إلى نوعٍ من الكشف عن حقائق المُستَخدِم أن تظهر للعلن.

5- الهوية فيْ بعدها الرّمزي فيْ العالم الإفتراضي: وهنا فيْ مثل هكذا ظهور، يريد المُستَخدِم ان تبقى هويته الحقيقية فيْ بعدها الرّمزي فيْ الواقع الإفتراضي، دون أن يقدم الشّكل الواقعي لهذهِ الهوية مثال ذلك: الرّؤساء ورؤساء الحكومات وقادة الجيش وغيرها، من الهويات التّي تظهر بشكلها الرّمزي وليس الواقعي.

6- الهوية فيْ بعدها الإشاري فيْ العالم الإفتراضي: وهذا النّوع من الظّهور يريد المُستَخدِم من خلالها أن تظهر ببعدها الإشاري، الذّي يشير فيْه إلى حالة ما دون أن تظهر كل جوانب الهوية، سواء أكانت واقعية أو افتراضية، ومثال ذلك: نجد أن بعض من يستخدم صورةً للإشارة إلى حالة مرضية، أو الإشارة إلى إنتماء ديني أو طائفيْ أو مذهبي أو قومي وغيرها.

7- الهوية فيْ بعدها الايقوني فيْ العالم الإفتراضي: وهذا النّوع من الظّهور يرتبط عند المُستَخدِم بالواقع تماماً، وكأنما يريد أن يظهر كما هو فيْ عامله دون أن يكون هنالك جانب رمزي أو إشاري للمستخدم.

8- هويات أخرى مرتبطة بحالات معينة فيْ العالم الإفتراضي: وهي كالآتي:

أ‌- هويات ذات بعد نفسي فيْ العالم الإفتراضي: أي يطغى عليها الجانب النّفسي أكثر من الجوانب الأخرى.

ب‌- هويات ذات بعد إجتماعي فيْ العالم الإفتراضي: تظهر الصّورة الإجتماعية أكثر من الجوانب الأخرى.

ت‌- هويات ذات بعد عاطفي فيْ العالم الإفتراضي: كشخصية العاشق، وظهورها فيْ العالم الإفتراضي.

ث‌- هويات ترتبط بطبيعة الجنس فيْ العالم الإفتراضي: مثلاً أغلب النّساء لا تظهر هويتها الحقيقية، وخصوصاً فيْ البلدان ذات الطّابع الإجتماعي الصّارم.

ج‌- هويات تدل على المهنة، أو الوظيفة فيْ العالم الإفتراضي.

ح‌- هويات تدل على الجانب الاقتصادي فيْ العالم الإفتراضي: مثلاً هوية تدل على شركةٍ، أو متجر، أو بضاعة وغيرها.

وهذهِ الهويات المرتبطة بالجوانب النّفسية والإجتماعية، أو العاطفيْة والجوانب الاعلانية، هي فيْ أغلبها هويات افتراضية، لا تدل على هويات حقيقية لأشخاصٍ معينين وهوياتهم الحقيقية، بل هي هويات الغاية منها تقدم شيء آخر غير الواقع الحقيقي للمستخدم، مثلاً: مالك الشّركة عندما يريد أن يروج لشركته، فلا يظهر شخصيته الواقعية؛ بل يظهر المنتج وكيفيْة الترويج عنه، وهو غايته وكذلك عند الشّخص الذّي يريد أن يظهر الحالة العاطفية، كأن يظهر شخصية العاشق، الذّي يريد أن يجذب الآخرين حوله، وفيْ أغلب الأحيان يأتي بصورةٍ جميلة لشخصية رجالية إذا كان ذكر أو شخصية نسائية إذا كانت أنثى، وكلا هاتين الصّورتين تكونان لشخصياتٍ معروفة، لفنانين أو عارضات أزياء أو شخصيات عامة، تمتلك مظهراً معروفاً، مثل: الرياضيين وغيرهم.

إن لظهور هذهِ الهويات فيْ العالم الإفتراضي إيجابيات وسلبيات، من الممكن أن نجمل أهم هذهِ الإيجابيات والسلبيات بالآتي:

اولاً: الإيجابيات

1- شعور المُستَخدِم بالتواجد الفعلي فيْ العالم الإفتراضي، ومسؤوليته عنه.

2- التّفاعل المتمثل بقدرةِ المُستَخدِم على التّأثير فيْ العالم الإفتراضي، وإمكانية التّعامل معه.

3- إمكانية خلق أي بيئة فيْ النّظام مهما كانت خيالية، أو صعبة التّحقيق فيْ الواقع.

4- تجنب الأخطار المتوقع حدوثها فيْ العالم الحقيقي؛ وذلك من خلال تجربتها فيْ العالم الإفتراضي.

5- عملية المحاكاة عن طريق استعمال النّظام فيْ العالم الإفتراضي، بديلاً عن العالم الواقعي / الحقيقي فيْ التّدريب على مواجهة المشكلات.

ثانياً: السّلبيات

1- إن الانغماس فيْ الواقع الإفتراضي، يجعل من الشّخص المُستَخدِم عرضةّ إلى الوقوع فيْ الإزدواجية التّي تؤثر على ظهورهِ فيْ العالم الحقيقي.

2- ضياع وقت ثمين بسبب سوء استعمال التّواجد فيْ العالم الإفتراضي، وإنشغاله عن أعمال مهمة فيْ العالم الحقيقي.

3- ضياع الهوية الحقيقية لصالح الهوية الإفتراضية، بسبب أوقات التّواجد المستمر فيْ العالم الإفتراضي.

4- قد يتعرض الشّخص المُستَخدِم لأعراضٍ مرضية، ترتبط فيها بالجوانب النّفسية أو الفيْزيقية، مثل: ضعف البصر وغيرها. (1)

 

أ. د. محمد كريم الساعدي

......................

الهوامش

1- ينظر، لؤي مضر واصف الشريف: الواقع الإفتراضي وإمكانية تطبيقه فيْ البيئة العمرانية الفلسطينية، نابلس: جامعة النجاح الوطنية، أطروحة دكتوراه، 2012، ص 19 – 20.

 

عامر عبدزيد الوائليالغرب Occident, West من المفاهيم الفلسفية الملتبسة، هل هو مكان أو منطقة من العالم هو أوروبا أو أمريكا أم الاثنان  معا؟ أو هل هو مجموع الدول الغربية .هل الغرب مرحلة من التاريخ أو نظام اقتصادي هل هو أوروبا أو أمريكا أم الاثنان معا ً؟ وهل هو  مجموعة دول كما يرد اصطلاح "الغرب" Occident, West أي الدول الغربية، وكما يرد في المعاجم الأوربية المعاصرة يتم التمييز بين "الغرب" occident  كجهة جغرافية وبين "الغرب" Occident (بحرف O الكبير للدلالة على العلمية) مثل مصطلح جيو سياسي الذي يطلق على:

1) " جزء من  العالم القديم الذي يقع غرباً في الإمبراطورية الرومانية".

 2) أوربا الغربية والولايات المتحدة، وبكيفية عامة الدول الأعضاء في الحلف الأطلسي

3) بلدان أوربا الغربية والولايات المتحدة تحديداً، وقد تختص بهذا المعنى كلمة West (Ouest بالفرنسية) (1) .

وأيضا الغرب هل هو مرحلة من مراحل التاريخ أم نظام اقتصادي ؟هل هو خلق أم دين او طريقة عيش وحالة فكرية؟.لكن المركزية الغربية مشحونة بالدلالات السياسية والثقافية والدينية، حتى أصبح مفهوما ايديولوجيا أكثر من كونه جغرافي . (2)

سقوط أو موت الغرب:

هناك كثير من الدراسات الاستراتيجية تناولت مستقبل الغرب، تعرف الإستراتيجية: بأنها  التخطيط العقلاني الموجه نحو أهداف واضحة ومعينة، وهي بذلك نمط أو خطة لتحقيق التكامل بين الأهداف والوسائل، عبر التحقيق من أن تلك الأهداف قد أنجزت ـ وأدت إلى غايتها .(3) هناك دراسات كثيرة تطرقت إلى  مقاربة مستقبل الغرب من الناحية المادية والمعنوية، أي أنها تشتمل على الجمع بين ما هو مادي عبر تقديم مقاربات ونسب وتربط الأمر بالجوانب الحضارية أي الرمزية، " إذا كانت الأزمة تعني استنفاد أطر النظر ووسائل العمل في مواجهة التحديات والمشكلات، فالمهمة الأولى عند من يتعاطى الشأن الفكري والعمل المعرفي، هي القيام بمراجعة جذرية للعدة الفكرية المستعملة في إدارة الهويات والوقائع أو في صياغة الحياة وإنتاج الحقائق " .(4)

فهذه المراجعة التي قام بها كثير من أهل الفلسفة والسياسة تحاول وضع مقاربات استراتيجية ؛ لأن ما يصنعه المرء بنفسه وعالمه، كما أن ما يتسبب به له الغير، إنما هو بمعنى ثمرة ما، سلبية كانت أم  إيجابية، لأنموذجه في الفهم والتقدير، أو لمعاييره في العمل والتدبير .

هذا يدخلنا في تناول السقوط المعنوي، فهو في خيانة المبادئ التي تدعو إليها من أجل مصلحتك، وهذا السقوط وقع فيه الغرب، فهو يرضى لنفسه الديموقراطية ويدعو إلى حقوق الإنسان،تلك المبادئ التي تمنح الفرد كل الفرص من أجل تحقيق ذاته نجدها في أقوال مثل:

قول نينشه: " بان الوعي الحديث يرفض أية فكرة للعودة المباشرة إلى الأصول الأسطورية ."أن حكم الماضي هو دوما حكم يوحي من الغيب لا تفهموه إلا إذا كنتم مهندسي المستقبل العارفين بالحاضر " (5)

وقول هيدجر: يعني امتلاك ممكن للوجود بذاته، بالقوة الداخلية له، طريقة تحقيق وجوده، ومن ثم حضوره، الذي له، وتحقيق ماهيته التي هي ليست قبلية، ففي حدوثه يكون وجوده، وتكون ماهيته عبر تأويل نفسه بنفسه لنفسه حدوثا ووقوعا.....(6)

هذه الأقوال التي تدعو إلى حرية الفرد الغربي، لكن على حساب الآخر غير الغربي الذي احمل كل الكوارث التي أنتجها الغرب وهو يقيم حضارته على حساب بقية البشر عندما تحولت عصور التنوير إلى عصور استعمار وهيمنة ثم ترجمة الحداثة من خلال  حروب كارثية عالمية وإقليمية من اجل إن يبق الغرب يحوز السيطرة والثروة والحرية ؛ تحولت مقولاته عن الأنسنة والديمقراطية . بينما في الحقيقة كان يكرس الحقد والكراهية بين الشعوب، ويرعى الظلم والاستبداد، ويحارب صوت الحرية والأمل، بطريقة مباشرة أو من وراء الكواليس، فهو مزدوج السلوك ويكيل بمكيالين.إذ هذه الحالة هناك كثير من النقد حتى في الغرب نفسه ظهرت كثير من السخرية، فإن العالم المعاصر في نظر بيتر سلوتردايك، أصبح فقاعة أو رغوة أو سلسلة من المونادات الاستهلاكية المقطوعة عن بعضها والتي تخترع باستمرار، وباستجابات جديدة، ولحظات حاسمة لا تجعلنا نتخذ قرارا، بل أنها تجعلنا في مأمن من العديد من أشكال التفاهم المشترك والازدهار الإنساني .(7)

أما الآراء التي تتعلق بالسقوط المادي فهو يقدم استقراء يرى فيه  إمكانية زوال الغرب، بفعل الأسلحة الفتاكة التي كان ومايزال  يصنعها، والفكر المدمر الذي يحمله، فهذه الآراء ترى العلاج يكمن في  التجديد والتغير، فالدول كالأفراد لها أعمار كما ذكر ذلك  ابن خلدون في مقدمته، وهي تلد وتشب وتهرم وتنقضي، فالفناء نهاية كل دولة، وإنما له أسبابه، فإذا ماعولجت الأسباب وهو ما يحاول الغرب أن يفعله، فقد يتأخر طويلاً سقوط الدول، ولكن لا بد من الموت النهائي، فالخلود من خصائص العالم الآخر، وليس قميناً بأحد في الدنيا.

 وأعمار الدول مجهولة كما هو الحال في الأفراد، وإن كانت النهايات محتومة، فالمصالح التي توحد الناس حيناً قد تجعلهم يختلفون أحياناً، فهي متغيرة ومتناقضة ما بين الأمم والجماعات عبر التاريخ كله، وعليه فالصراع هو مرحلة قادمة من عمر البشر، وسينتهي بولادة عالم جديد على الأرض، فيه قوى جديدة غير تلك البارزة الآن؛ لكن كيف يلد هذا العالم الجديد أما بولادة الصراعات الداخلية، وهذه ستؤدي إلى التفكك والتحلل الذاتي لشعوب تلك الدول، أو بولادة قوى جديدة منافسة لحضارة الغرب تكون لها الهيمنة في المستقبل، أو بفساد اقتصادي ينهي سيطرة الغرب على الثروات في هذا العالم، أو بتغيرات وكوارث طبيعية ؛ بسبب التلوث الذي يعتري العالم من نتاج المخلفات والثورة الصناعية.أكيد التأمل بالسقوط ليس هو غاية بل يعد وسيلة من أجل وضع الحلول واجتراحاليات وتصورات تجنب الغرب السقوط وتجعله يعيد النظر بآليات الفهم والتحليل الذي يغير من المسببات ويضع بدايات جديدة والغرب مارس هذا الأمر كثيرا منذ بداية عصر النهضة ؛ لهذا فقد قدمت حضارة الغرب إنجازات كثيرة للإنسانية على الرغم من كل سلبياتها هناك كثير من الخطاطات الإستراتيجية المعاصرة التي تجترح الحلول منها مايشجع المضي بالأسلوب نفسه  ويجترح رؤية استراتيجية، ومنها ما يقدم نقدا  لما هو قائم ويعرض إلى صورة قاتمة بفعل استمرار الرؤية ذاتها  والمنهج نفسه ؛ فهي سوف تقود إلى موت الغرب وسقوطه سواء كانت تلك الخطاطة يمينية أم  صاحبة لرؤية تنطلق من مرجعيات تتعلق بالبيئة .

المبحث الأول: أصحاب الرؤية الأولى المتمثلة

بمقولات" نهاية التاريخ" و"صراع الحضارات"  

نلمس هذه النشوة التي شعر بها صانعو  الخطاب الليبرالي الغربي وهم يرون  العدو الماركسي يسقط، منحت تلك النشوة الشعور الغربي بالتفوق والانتصار وهو يرى كل خطاباته الإستراتيجية وقد وصلت إلى التخوم النهائية المرسومة من قبل صناع الإستراتيجية ولعل هذا ما يظهر ذلك  بوضوح في مقولة فوكاياما" نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، الذي تصور فيه أن التاريخ الليبرالي قد وصل إلى التخوم في النهاية، بانهيار الشيوعية وانتصار الرأسمالية الغربية التي ستسود العالم من أقصاه إلى أدناه، ولا مفر من التسليم بهيمنة الليبرالية الغربية على باقي الأمم.وهذا ما عزف عليه الصحفي توماس فريدمانThomas Loren Friedman 1953م(8) نظرياته الاقتصادية والسياسية التي تخيل فيها اجتياح الشركات العابرة للقوميات والثقافات والفضاءات السياسية والتضاريس الجغرافية في وحدة عولمية تكون فيها أمريكا والغرب القوة التي لا تنافس والقدرة التي لا تنابذ.

إما صامويل هنتنجتون (1927م-2008م) فله "صدام الحضارات " (9) لقد جاءت مقدمته في  توضيح اتجاهين متعارضين الأول مسلك حفظ التأثير والهيمنة الغربية، وأما المسلك الثاني فقوامه حفظ التعددية الثقافية . ثمة انه يقدمه كمنظومة مفاهيم تميز بين ما هو ثقافي وما هو اقتصادي وما هو سياسي فعلى سبيل المثال نجد إن مفهوم (الصراع) هو اقتصادي وهو متمايز عن مفهوم (الصدام) الذي يتسم بكونه مفهوما  ثقافيا فيما (النزاع) فهو مفهوم سياسي . ولا شيء أدعى اليوم إلى الصدام من اعتقاد الغرب الراسخ بشمولية ثقافته وحضارته (10).إلا إن التحولات التي جاءت مع زوال الحرب الباردة وزوال العدو الاتحاد السوفيتي الذي  لم يحقق انتصارا لصالح الرأسمالية بل بزغ بصرع يتجاوز ما هو سياسي واقتصادي إلى صدام ثقافي. وهي نواة هذه الرؤية الشمولية التي يعبر عنها هنتنجتون بلفظة " الصدام القادم" اذ  يقول: " إن عالم ما بعد الاتحاد السوفيتي وجدار برلين يتألف من ثمان حضارات متنافسة، لكن الصدام المحتمل على المدى القريب سيكون بين ثلاث حضارات هي: (الحضارة الغربية الرأسمالية، والحضارة الصينية، والحضارة الإسلامية). (11) أما على المدى البعيد فإن هذا الصدام المحتمل سينحصر بين الحضارة الغربية والإسلام. وبذلك كان هذا الكتاب الاستثنائي التوجه الصاعق الفعلي لقنبلة شديدة الانفجار ستتناثر شظاياها على رقعة واسعة، وتصيب الأوساط (السياسية والفكرية والإعلامية الغربية)  بالصدمة.(12) هذه القراءة القائمة على اختلاق عدو جديد للغرب يبرر كل الإخفاقات هذا العدو الثقافي يتمركز هذا التصور في الشرق وخصوصا الإسلام،  وقد تأخذ هذه العلاقة مع الآخر بعداً غير واقعي بل تخيلي اصطناعي؛ فهناك كثير من الصور النفسية أسقطها الآخر (الغرب) على الشرق الإسلامي هي مجردة من الحقيقة بل مختلقه إذ يرتبط باختراع الآخر ؛لأن الخطاب حول الآخر هو بالأساس يعد خطاباً حول الاختلاف .(فإن التساؤل فيه ضروري حول الأنا أيضاً، ذلك أن هذا الخطاب لا يقيم علاقة بين حدين متقابلين، وإنما علاقة بين آخر وأنا متكلمة عن هذا الآخر .)(13)

هذه الرؤية التي تصنع من الثقافة أداة للصدام وليس أداة للتواصل رؤية أوجب النقد ولعل هناك من صوب لها النقد من زاوية كون الثقافة هي بالأساس نمط في الفكر ليس في الأنماط الفكرية الأخرى لا أنور ولا اعقل ولا أحدث، ومستنفرا كل وسائله لحمل شعوب العالم على الأخذ بها، على تعارضها مع بعض قيم ومؤسسات وممارسات هذه الشعوب .(14) وأيضا فهذه الرؤية عند هنتنجتون القائمة على تخليق عدو يبرر ما يعانيه الغرب وتسوغ له سياسة العنف والإقصاء ولعل تعبير تودوروف يبين التضاد مع هذا الطرح ويأتي بقول مختلف يوجب فيه أن يكون هناك نوع أخر من العلاقة بين الأنا والآخَر تقوم على اساس قاعدة من الاعتراف، وعلى نحو أخلاقي محدد، تعد الآخَر؛ ذات مماثِلة... (15).

فإن هذه المعالجة تنطلق من تحديد العلاقة بين الأنا والآخر على الرغم من بعدها التاريخي والسياسي إلا إنها كانت علاقة غير مفكر بها وتبدو مضمرة لكن الدراسات المعاصرة في مجال الخطاب هي من اتاحت لها الظهور من خلال بحثها في تلك العلاقة وارتباطها بالهوية والاختلاف من خلال البعد الظاهراتي الذي أخذ تحولاً يراعي الجوانب النفسية في كشف صورة الآخر (ان الاختلاف بين السياقين الوسيط والحديث في العلاقة بين الأنا والأخر، إنما يعكس اختلافاً جلياً في صورة الآخر في الثقافة العربية، وفي مجال الآخرية، فإن كان مجال الآخرية في السياق الحديث قد اختزل في الغرب وحده، فإن مجال الآخرية في السياق الوسيط كان متشعباً ومتعدداً وممتداً بامتداد المعلوم من العالم آنذاك .)(16)

إلا إن مثل تلك القراءات التي مثلها " هنتنجتون وفوكاياما " وما تعكس من موقف من الأخر أمر مؤسس لها  من قبل مؤسسات غربية فمقول مشيل فوكو عن العلاقة بين السلطة والمعرفة واضحة ولعل قوله يشرح الحال أن المسألة لا تتعلق بتغيير وعي الناس أو ما يدور بأدمغتهم، أنما بالنظام (السياسي والاقتصادي والمؤسساتي) ؛ لإنتاج الحقيقة .

المبحث  الثاني: أصحاب الرؤية الثانية متمثلة بمقولات

"موت الغرب" و" نهاية الغرب وولادة العالم "

1- الخطاب اليمين وسياسة الهوية:

نحن أمام قراءة نقدية عنيفة لمسيرة التحولات الغربية تنطق هذه القراءة من مسلمة قوامها يعود على مرجعيات الخطاب اليميني وهو مصطلح سياسي يطلق على التيارات والأحزاب السياسية لوصف موقعها من ضمن محيطها السياسي،وهذا الخطاب ينقسم على قسمين:

الأول هو جماعات اليمين السياسية التقليدية التي تدعو إلى حماية التقاليد والأعراف داخل المجتمع، وسوف نلمس هذه السمة فيما نستعرضه من مقولات هذا المفكر الأمريكي .

والثاني الخطابات السياسية المتطرفة فى الغرب، ويكمن الاختلاف الوحيد بين جماعات اليمين التقليدية أو المعتدلة وبين المتطرفة أن الأخيرة تدعو إلى التدخل القسري واستعمال  العنف واستعمال السلاح لفرض التقاليد والقيم، ولذلك عادة ما ترفض تلك التيارات هذا النعت لأنها تزعم أنها تمثل الاتجاه العام وتنقل صوت الأغلبية. (17)

فهذه الأطروحة اليمينية يمكن أن نلمسها في ابرز مقولات هذا المفكر الذي نجده  يركز على مخاوف موت الغرب بفعل سياسة الإنجاب وانتشار الهجرة غير المسيطر عليها ولعل هذه المقولة راسخة في عموم الخطاب اليميني اتجاه الأجانب وخصوصا المسلمين إما النقطة الثالثة فهي ما يسميه الدين الجديد أو الثورة الثقافية وهي تسمية مستعارة من مفهوم الثورة الثقافة في الصين وهي استعارة ساخرة تريد إحالة هذه الأفكار إلى الماركسية والخطابات القريبة منها ؛ وكأنه يريد التذكر بالحرب الباردة والخوف من الشيوعية .وقد أخذت عرضه استعراض لهذه المقولات التي سوف نكتفي بهما من اجل البرهنة على اصل أطروحته .

هنا يفتتح المشهد النقدي بعرض رؤيته للأجانب وما يخلقوه من خطر وكأنهم يرتبطون بخلايا إرهابية معادية لأمريكا فيقول بنبر يمينية لا تخلو من التشدد:" لقد كشفت أحداث 11 سبتمبر أيضا خط انقسام جديد إن الصراع الذي أصاب بلادنا ليس متعلقا بالداخل أو بالأيدولوجيا أو بالعقيدة ولكنه متعلق بالعرقية وبالولاء .تجاه استفاقتنا على الإدراك بأن من بين ملايين من الذين ولدوا أجانب ثلثا يقيم إقامة غير قانونية وبأن العشرات من الألوف موالون لأنظمة حكم يمكن إن نكون في حالة حرب معها , وبعض هؤلاء المقيمين مدربون ليكونوا إرهابيين أرسلوا هنا ليقتلوا الأمريكيين .) (18)

انه يحاول توصيف حال جزء ويسقطه على الأغلبية من المهاجرين الذين سقط منهم كثير في تلك الأحداث التي أصابت الجميع ولم تميز بين الناس ؛ إلا أن الباحث يحاول تجيير الحدث من أجل تضخيم أثر الهجرة .وحاله حال حكومته التي استثمرت الأحداث من آجل ضرب وتدمير ثلاثة بلدان إسلامية وزرعت الفوضى الخلاقة بالشرق الأوسط بحجة محاربة الإرهاب  . إلا انه يمضي في تجريم سياسة الهجرة ويحيل أسباب الدمار وموت الغرب إلى أن أحد أسبابها هو الهجرة والسياسة الغربية اتجاهها، وهو يرى إن أمريكا ما هي سوى  "بوتقة الانصهار"، بقوله: " في غضون خمس سنوات، لان يكون هناك جنس هو الأغلبية في اكبر ولاياتنا كاليفورنيا وفي أكثر قليلا من خمسين سنه لن يكون هناك جنس هو الأغلبية في الولايات المتحدة " (19)، ويقول  أيضا في الهجرة: " إن الهجرة غير المسيطر عليها تهدد بتفكيك الأمة التي نشأنا فيها وتحول أمريكا إلى شعوب ململة بدون أي شيء مشترك...لا التاريخ ولا الأبطال ولا اللغة ولا الثقافة ولا العقيدة ولا الأجداد ". (20)

ويتطرق في  القضية الثانية المتعلقة بسياسة الإنجاب وارتباطها بعوامل ثقافية منها الحركة النسوية التي ظهرت بعد التحولات الاقتصادية في الغرب وخصوصا أمريكا " إن هبوط عدد السكان  صار سمة للأمم وللحضارات التي تعيش حالة انحطاط . فان الحضارة الغربية في حالة حرجة وذلك ؛ لأن السكان في الغرب مثل " قطة سيشير" قد بدأوا بالتلاشي." (21) ويحاول استعراض حالات التي يتصورها سوف تقود إلى تراجع نسبة السكان الغربيين "من بين الأمم الأوربية السبع والأربعين هناك امة واحدة فقط وهي البانيا المسلمة كانت وما تزال تحتفظ في العام 2000م  بمعدل مواليد كان ليبقيها حية إلى أجل غير محدد إما بقية أوروبا فقد بدأت تموت . "(22) بالمقابل يستعرض حال ثلاث دول على أساس دراسات مستقبلية: "أوربا في العام 2000م اذ  بلغ العدد الإجمالي لسكانها من ايسلاندا إلى روسيا 728 مليون نسمة، ولكن على وفق معدلات الولادة الحالية ومن دون هجرة جديدة سوف يهبط سكانها إلى 600 مليون نسمة مع حوالي العام 2050م ."(23)

تأتي في المقدمة ألمانيا "وألمانيا عام 2050م  سيكون ثلاثة وعشرين مليون ألماني قد اختفوا عدد سكان ألمانيا الذي بلغ اثنين وثمانين مليون نسمة سوف يهبط إلى تسعة وخمسين مليون نسمة وعدد الأطفال الألمان تحت سن الخامسة عشر سيكون قد نزل إلى  3, 7 مليون نسمة ". (24)

والمرتبة الثانية ايطاليا "وايطاليا سوف يهبط سكانها في 2050م  من 57 مليون نسمة إلى 41 مليون وفي العام 2050م  40% منهم نسن 65 و2% من سكانها يكونون في الخامسة  "(25)

ويطرح سؤال كعنوان للفصل الثاني أين ذهب كل هؤلاء الأطفال ؟ وتأتي الإجابة من خلال تحليل الظروف والتحولات الثقافية التي حدثت فى الغرب، وكانت البداية وكأنه عقاب من الله عندما يجعل من هذا النص من سفر التثنية 28 "وسوف تتركون قلة في العدد .بينما كنتم كالنجوم في السماء كثيرة، ذلك بأنكم لم تطيعوا صوت الله ربكم "(26)

هنا نجده يبث عن الأسباب وراء انخفاض النسبة للسكان بفعل عمليات الإجهاض التي كانت 6000حالة ي عام 1966م وقفزت الى  200000 حالة في عام 1970م وفي عام ١٩٧٣م  كانت تتم 600000 عملية إجهاض .

ويقول إن إنتاج عقار الإجهاض اريو 486 في الصين وقد يصف المتشككين دور الصين في إنتاج العقار اريو 486 ليستهلك في أمريكا بوصفه عملا في المساعدة على الانتحار لأحد الأمم التي تسد الطريق على بكين من اجل الهيمنة الأسيوية ولتكون قوة عالمية . (27)

ويربط هذا التحول بالأزمات الاقتصادية والثورات التي ظهرت بعدها وظهور الحركات النسوية وما صاحبها من ظهور حريات جنسية وتحول الأمر إلى رغبة في المنفعة من دون الزواج ذلك لان القرارات التي تتخذها النساء اليوم سوف تقرر إن كانت الأمم الغربية سوف تكون موجودة في غضون قرن والنساء الغربيات يصوتن بلا (28).

في الفصل الثالث يتحدث تحت عنوان "كتاب تعاليم الثورة "يتحدث عن التحولات بين الدين القديم والدين الجديد إي هو هنا في توصيفه هذا يريد أن يميز بين نمطين من الفكر الأول القديم الذي يجده يوافقه كيميني ويرتضي المحافظة عليه وحماية التقاليد والأعراف داخل المجتمع التي يجد إن تغيرها قاد إلى نتائج كارثية قادة الغرب إلى الموت والتلاشي . زمن بين هذه الأفكار يأتي:"أن الإيمان الجديد من هذا العالم وبهذا العالم ومن اجل هذا العالم فقط ويرفض أن يعترف بأي نظام أخلاقي، على وفق تعاليم دين الثورة فان النظام الأخلاقي المسيحي القديم الذي يدرس ممارسات الجنس خارج الزواج...وهو نظام أخلاقي انغرس في الانحياز وفي التعصب الانجيلي وفي العقيدة الدينية والتقاليد البربرية".(29) إي انه يرى الأفكار الجديدة التي تدعو إلى تجاوز الأصولية هي في الحقيقة تشكل تحولا سلبيا مضرا  بما تدعو له من تحولات جعلت الغرب يتغير ويتجاوز القيم والأعراف التي تعود عليها وكانت تحقق له التماسك من قبل إما في مجال السياسة فيصف التحول الذي حصل بالقول:" في السياسة الإيمان الجديد عولمي وتشكك بالوطنية وذلك ؛ لأن الحب للبلد يؤدي في الغالب الى الشك بالجيران ويؤدي  في الغالب إلى الحرب". (30) وهو هنا ينتقد مفاهيم العولمة وما جاء من أفكار سياسية بما بعد الدولة الوطنية .ثم انه يشير وهي صفة في مقاربته انه يعتمد على  توصيفات مجازية من دون تحديد الأفكار بشكل مباشر بل يعتمد على المجاز والتورية في التحولات التي  أصابت المشهد الديني التبشيري بالمسيحية وما يتعلق بنظرية المساواة والداعية إلى المساواة  اذ نجده ينتقد كل هذا بالقول:" المساواة هي المبدأ الأول ومن يخطئ ضد المساوة فهو خارج الكنيسة ومن هذا الدين الجديد لا دين أعلى  نفوذا ولا ثقافة أعلى  تفوقا ولا حضارة أعلى  تفوقا من غيرها ". (31) وعلى ذات النهج يتجاوز ما هو مباشر ويشير إلى ما هو كامن في الظل ويمنحه بروزا؛  فهو عندما يقف عند أحد رجال الاستبداد في أمريكا اللاتينية فانه نقد تجاوزي  واستبداد ؛ فانه يرى جوانب هي حاضرة لدى الفكر اليميني بالقول:" بالنسبة إلى الثورة الثقافية فالعدو دائما في اليمين والثورة لا تغفر ولا تنسى فان المطاردة التي لاتعرف الرحمة للجنرال بينوشية حتى قبره هو المستبد الذي سحق الكاستروية في تشيلي.. (32)

نجد انه في هذه الأفكار اليمينية يحاول تناول مواضيع كثيرة ؛ إلا إن النقد الذي نجده يحتاج إلى  الرد هو  الموقف من الهجرة التي أصبحت أفكار اليمين بحقها تتضخم كل يوم، وعندما نقارب الأفكار المنصفة في هذا المجال يتبين لنا ما هو منسي في الأمر .

بما يتعلق بالتعويضات إلى المهاجرين من اجل العودة إلى بلدانهم وعلى وجه الخصوص المسلمين الأتراك في ألمانيا والأمر الثاني الخدمات الصحية التي تكلف الدول الغربية والاتهامات إلى المهاجرين ولعل البطالة هي الأمر الأهم في تصريحات أهل اليمين وتوظيفها في التنافس السياسي،فدفع هذا خصومهم إلى إعلان الحقائق " فبدأت تظهر مواقف "توضيحية" كالأرقام التي نشرت مثلا عن أن حصيلة ما يسدّده سائر الأجانب مقابل ما يحصلون عليه في قطاع الضمانات الاجتماعية، يوفّر في الميزانيات الرسمية المليارات التي تستعمل  لصالح سواهم من المستفيدين من الضمانات الاجتماعية، أي من أهل البلاد الأصليين. كما بدأت تُنشر كمثل آخر أرقام مثيرة للمخاوف بصدد انخفاض نسبة القادرين على العمل بالمقارنة مع ارتفاع عدد المسنين في المجتمعات الأوروبية، وبسرعة متزايدة ستجعل من المستحيل تغطية النفقات التقاعدية من دون الاعتماد على العمال الأجانب، وارتفاع نسبة المواليد وبالاتي التعويض عن النقص المحتوم في سوق الأيدي العاملة."(33)

الموقف الثاني: هيرفيكيمف "نهاية الغرب وولادة العالم"

المقاربة الثانية النقدية هي بمثابة مقاربة تحاول استثمار المعطيات العلمية في نقد النتائج الكارثية التي قادت لها أنماط السلوك الغربية من أشكال مدمرة للكوكب يمكن تناول نقطتين:

أولا: في هذا المجال هنا أسماء كثيرة مهمة في هذا المجال فقد سبقوا " هيرفيكيمف "، كان من أبرزها هانس جوناس  مؤلف كتاب "المسؤولية كمبدأ " وقد عرض للخطر المدمر الذي يمر به العالم بسبب الانفتاح التطور الاقتصادي والتطور التكنولوجي السريع . إذ يستعرض أيضا في كتابه الأخر "حتمية المسؤولية وهو بمثابة بحث في أخلاقيات التكنولوجي .(34)ونجده يؤكد على إن " اصل المسؤولية كحافز ذاتي لدى الفرد فالتربية على قيم المسؤولية وعلى فهم المسؤولية وعلى القيام بالمسؤولية  ؛ فهو شأن ذاتي صرف، فضلا عن الشأن المجتمع والدولة في تربية أجيالها ومواطنيها على القيام بذلك ."(35)

فهناك كثير من الدراسات التي توقفت عن التحولات التي أصابت البيئة فقد عدت بوصفها "إنتاجا  حتميا للتقنية العلمية، إذ أن حاجة التقنية للطاقة الحرارية، والية استهلاكية تفرض فضاء خاصا للنفايات فكانت البحار، والأنهار الحل الأمثل لهذه الأزمة عند المؤسسات الكبرى، كما كانت مصادر الطاقة الطبيعية هاجسا عند رواد الرأسمالية الصناعية والتجارية والذي طرح سؤالا  أخلاقيا رئيسا هو: هل الغايات تمنع المشروعية للوسائل ؟ وبدأ التساؤل عن الحق في بيئة سليمة أمام الحق في ملكية الفرد لمؤسسات اقتصادية وتجارية، فبدأ السجال الفكري حول أخلاقية البيئة، أو تبيئة الأخلاق، فكانت الفلسفة الخضراء أو التوجه نحو اخضرار الفلسفة ".(36).

ثانيا: بعد هذه المقدمة نود التوقف على  الاطروحة الثانية  التي يمثلها " هيرفيكيمف" وهو كاتب سياسي متخصص في مسائل "حماية الطبيعة" في الإطار السياسي، وهو كاتب افتتاحيات حول موضوعات متنوعة في صحيفة "لوموند الفرنسية". من مؤلفاته: من أجل إنقاذ الأرض، اخرجوا من الرأسمالية.(37) في مجال تشخيصه لهذه الأزمة فانه ينطلق من كونه متخصصا في مسائل البيئة وعلاقتها بمستقبل العالم،ولعل هذا هو القاسم المشترك مع الأطروحة الأولى التي جاء ذكرها فى بداية هذا البحث ؛ إلا انه ينظر من زاوية علمية وليس ايدولوجية ففي أفكار لا نجده ينطلق من أفق يميني بل هو اقرب إلى اليساري من خلال أطروحته، إذ يذهب إلى القول، إن الأمر أبعد من أزمة، إنه يتعلق بـ: "نهاية الغرب وولادة العالم"، كما يقول عنوان كتابه الأخير.وهذه الفقرة مركزية في معالجته فهو يشير إلى جملة نقاط تؤكد على  موت هذا الغرب الذي كلف الطبيعة كثيرا ؛ بفعل ثقافته القائمة على الاستهلاك .ولهذا يقدم لنا صياغة تأخذ بعدا قوامه نوعاً من "النداء" الموجه إلى الغرب، من أجل أن يتوقف عن سرد القصص والحكايات عن الأزمة. ويواجه صميم المشكلة المطروحة على هذا الغرب، بل وعلى العالم كله، في بدايات القرن الحادي والعشرين. وتتأسس  على خلفية هذا النداء، على مقولة جوهرية، مفادها أنه من المستحيل تعميم انموذج موديل- الاستهلاك الغربي على صعيد العالم كله. ذلك أن الأذى الذي يلحقه هذا الأنموذج على البيئة، يمنع تعميم مثل هذا الأنموذج. (38) ويعلل هذا الاستنتاج بالآتي:

1- انه ينبغي إفقار الغرب أمر لا بد منهمن خلال تجاوز نمط الحياة المكلف للكوكب وهذا يعني على المجتمعات الاستهلاكية الغربية خاصة، والغنية عامة، تقليص مستوى استهلاكها ؛ كي يأخذ جميع أبناء الإنسانية نصيبهم من ما تنتجه الأرض. إذ إن الغرب لن يستطيع، بحسب تحليلات المؤلف، أن يتابع مسيرته وتوجهاته نحو رفع مستوى ثرائه المادي.

2- ومن اجل تحقيق هذا التحول - بحسب المؤلف - يفترض بهذه المجتمعات الغربية تحديداً، أن تتأمل جيداً الماضي،وما خلقه  نمط الاستهلاك من نتائج مدمرة للبيئة فإدراك الأسباب يقود إلى تدبر  السبيل الأفضل للتوجه نحو المستقبل. وهو يمارس هذا التدبر في القسم الأول من الكتاب الذي هو بمثابة نوع من "إعادة القراءة" في تاريخ الإنسانية، اذ  قاده هذا الطريق إلى إدراك المشكلة الكبيرة المطروحة على البشرية، حالياً، يحددها في كون البشر أصبحوا أكثر عدداً وأكثر شراهة.. والأرض التي هي المصدر الأساسي لتغذية أبنائها، ولكنها لم تعد قادرة على تأمين متطلبات نمط الاستهلاك الغربي لـ9 مليارات من البشر.

3- فهذا التدبر سوف يقودنا الى إيجاد حلول هي بمثابة المخرج لتجنب الحروب المحتملة، على مصادر الطاقة وغيرها من الثروات "غير المتجددة، أي المحكوم عليها بالنضوب الكامل، في أفق قريب. فالعالم الذي سوف يخلق موت الغرب يعني مغادرة  حالة الرخاء الراهنة، كي ينبثق بالمقابل، عالم جديد. وبالاتي ينبغي على المجتمعات المعنية، الغربية، أن تستعد للتأقلم مع "العالم الجديد".

4-  ويعلل سبب هذه الرؤية النقدية التي قوامها موت الغرب بمعانيه  الاستهلاكية المتمركزة حول ذاته على حساب العالم بكل دوله وشعوبه، وبالاتي يشدد المؤلف على أن "نموذج موديل- السعادة بوساطة الاستهلاك"، أصبح حلماً بالنسبة لمليارات البشر في العالم. وغدا يتقاسم مثل هذا الحلم، أبناء البلدان الفقيرة قبل غيرهم. إذ إن طموحهم يتجه نحو زيادة الاستهلاك. وفي محصلة القول، يرى المؤلف أن ثروات الأرض من مصادر الطاقة، لا تزال تكفي للاستهلاك لعقود قليلة قادمة. لكن صياغة الاستراتيجيات المستقبلية على مدى عقود قليلة، يعني بكل بساطة، تمسّك الأجيال الحالية بأنانيتها، حيال الأحفاد.

 الخاتمة

النقد عن طبيعة التحول وأسبابه  كانت هناك مقاربة من خارج الغرب هي التي جاء بها الكاتب فى السياسة والاقتصاد "كيشور مهاهاباني "، يرى "عالما اقتصاديا مختلفا" يتشكل في الآفاق، في كتابه الذي يحمل عنوان "هل خسر الغرب؟".، وقد شخص أخطاء الغرب الإستراتيجية وقع فيها الغرب خلال الأعوام الثلاثين الأخيرة أدت لتراجعه نسبيا حتى بات عرشه العالمي مهددا:

 وأولها كان مع سقوط الاتحاد السوفيتي عام ١٩٩٠م،اذ صدق الغرب ادعاءات "فوكوياما" بـ"نهاية التاريخ" بانتصار الحضارة الغربية، بما أصاب الولايات المتحدة وأوروبا بما يصفه الكاتب بـ"ضرر بالغ في العقلية"، أدى لتراخيها.

وجاء الخطأ الثاني في أعقاب أحداث 11 سبتمبر الشهيرة، اذ  تورطت الولايات المتحدة في العديد من الصراعات في العالم الإسلامي، فقضت عقدا كاملا تقريبا وهي تحارب وتبدد مواردها الاقتصادية، وفي العام نفسه (2001م) التحقت الصين بمنظمة التجارة العالمية، واستفادت خلال هذا العقد من انضمام حوالي 800 مليون شخص لسوق العمل عالميًا، بما زاد من القدرة الشرائية، وكانت الصين في صدارة المستفيدين من هذا النمو العالمي.

وجاء الخطأ الثالث في عدم البحث عن سبل جديدة للنمو، ففي الوقت الذي كانت نسبة إسهام الولايات المتحدة في الناتج العالمي 25 في المئة عام 1980م  كانت الصين 2.2 في المئة فحسب، وظلت الصين تنمو باستمرار حتى ضاقت الفجوة كثيرا بين البلدين فيما تشير التوقعات إلى إغلاق الفجوة بشكل كامل خلال أعوام قليلة، بل وتشير تقديرات مستقلة بعيدا عن الأمم المتحدة وصندوق النقد والبنك الدولي –وفقا لـ"مهاهاباني"- إلى أن الصين أصبحت الاقتصاد الأكبر بالفعل منذ عام 2014م .

 ما يمكن أن نختم به هنا أن الغرب يمثل تجربة بشرية عرضه إلى القوة والضعف إلا أن المهم هنا هو دور العالم غير الغربي ومنه نحن ونحن نرى أن أمم استطاعت  أن تخلق تجربتها إلى جعلت منها قوة لها تأثيرها العالمي مثل الدول الآسيوية التي اتسمت "الإرادة والتركيز"، اذ تتجنب إنهاك نفسها في صراعات جانبية وتهتم بالأساس بتنمية الاقتصاد، ولذلك ينمو اقتصادها بينما تبقى معدلات النمو الغربية متدنية مقارنة بالآسيويةولعل هذا متولد من توظيفها الطاقات في التربية والتعليم  والخصوصية الثقافية .

 

 د. عامر عبد زيد الوائلي

...........................

(1) محمد عابد الجابري، الغرب والإسلام 1- الأنا والآخر… أو مسألة الغيرية.

(2) مكي سعد الله  مصطلح "الغرب " بين النشأة الأسطورية والنهاية الكوسموبوليتية، موقع مؤمنون  بلا حدود، الرباط، 2017.

(3)) نبيل مرسي خليل: التخطيط الاستراتيجي، دار المعرفة الجامعية، ط1، الإسكندرية،1994، 17-18.بواسطة علي عبود المحمداوي، البيوتيقا والمهمة الفلسفية..، الاختلاف، ط1، بيروت، 2014م، ص221.

(4) علي حرب،العالم ومأزقه...، المركز الثقافي العربي، ط1، بيروت، 2002م، ص11.

(5) جميلة حنيفي، موقف هابرماس من الحداثة وما بعد الحداثة، ضمن الكتاب الجماعي "يورغنهابرماس"، ابن النديم  للنشر والتوزيع،ط1، بيروت، 2013م،ص86-87.

(6) رسول محمد رسول، مارتن هيدجر عربيا، دار تنويرات، ط1 الكوفة،2019م،  ص 6.

(7) رائد عبيس، فلسفة السخرية عند بيترسلوتردايك، منشورات اختلاف، ط1، بيروت، 2016م، ص 128.

(8) وهذا ما عبر عنه في مفهومه " العالم مسطح "  تاريخ موجز للقرن الحادي والعشرون' (بالإنجليزية: The World Is Flat) كتاب تأليف الكاتب الصحفي الأمريكي توماس فريدمان. قدمها لأول مره عام 2005م  ويتناول الكتاب موضوع العولمة، وهو لا يقصد بسطحية الأرض ولا الأرض كطبيعة جغرافية بل عالم بدون حواجز وبدون حدود وذلك بتأثير العولمة على كل الشعوب في العالم.

(9) صموئيل هنتنغتون: صدام الحضارات، مركز الدراسات الإستراتيجية، ط1، بيروت، 1995م .

(10)  المصدر نفسه .

(11) المرجع السابق.

(12) http://3ankathab.arablog.org

 (13) الطاهر لبيب، صورة الآخر العربي ناظراً ومنظوراً اليه، مركز دراسات الوحدة العربية،ط1، بيروت، 1999م، ص 21.

(14) طه عبد الرحمن،تعددية القيم بين واجب التعدد وواقع الصدام،  دراسات فلسفية، العدد الثاني سنة 2002م، ص 107 .

 (15) يُنظَر: تزفزتيان تودوروف، فتح أمريكا، سينا للنشر، القاهرة، 1992م، ص142.

(16)) نادر كاظم، تمثلات الآخر، 2004م، ص 15.

(17) نبيل شبيب، اليمين المتطرف ومستقبل المسلمين في أوروبا، https://www.aljazeera.net

(18) باتريك جيه بوكائن، موت الغرب اثر شيخوخة السكان وموتهم وغزوات المهاجرين على الغرب، ترجمة محمد محمود التوبه، مكتبة العبيكان،ط1، الرياض،2005 م، ص14.

(19) المرجع نفسه، ص16.

(20) المرجع نفسه، ص17.

(21) المرجع نفسه، ص31.

(22) المرجع نفسه، ص32.

(23) المرجع نفسه، ص33.

(24) المرجع نفسه، ص37.

(25) المرجع نفسه، ص40.

(26) المرجع نفسه، ص59.

(27) المرجع نفسه، ص63.

(28) المرجع نفسه، ص65.

(29) المرجع نفسه، ص1009.

(30) المرجع نفسه، ص112.

(31) المرجع نفسه، ص120

(32) المرجع نفسه، ص126.

(33) نبيل شبيب، اليمين المتطرف ومستقبل المسلمين في أوروبا، https://www.aljazeera.net

(34) رائد عبيس مطلب، أخلاق المسؤولية عند هانس جوناس، ضمن كتاب النظرية الأخلاقية، دار ابن النديم، ط1، بيروت، 2015م، ص  317 وانظر:

Hant jonas the imperative of responsibility in search of an ethics for thetechnological age .Translation .age .translation Hans jonas and Herr .the university of Chicago prees ltd. London 1984 ,p6.

(35) شريقي أنيسة، هانس يوناس ومبدأ المسؤولية، ضمن كتاب: الاتيقيا المتشظية، دار جيكور،ط1، بيروت ص 213.

(36) شريف الدين بن دوبه، أخلاقيات البيئة، ضمن كتاب: الاتيقيا المتشظية، دار جيكور،ط1، بيروت،  2017، ص247-247.

(37) هيرفيكيمف، نهاية الغرب وولادة العالم، الناشر: سويل- باريس- 2013،الصفحات:192 صفحة

 (38) نهاية الغرب وولادة العالم، جريدة البيان، التاريخ: 16 أغسطس 2013

 

 

عامر صالحمن الجدير بالذكر أنّ العنف الأسري يُعَدّ واحداً من أكبر انتهاكات حقوق الإنسان حول العالم قبل تفشّي فيروس كورونا الجديد، وقد زاد تفاقم الوضع مع الجائحة الحالية. وبحسب الأمم المتحدة، فإنّ نحو 243 مليون امرأة (تراوح أعمارهنّ ما بين 15 عاماً و49) حول العالم تعرّضنَ في خلال الأشهر الاثني عشر الماضية لعنف جسدي أو جنسي من قبل شريك أو أحد أفراد العائلة. لكنّ الأرقام الحقيقية، بحسب المتوقّع، قد تكون أعلى بكثير، بسبب التحديات الكبرى المتعلقة بجمع البيانات. فنسبة 40 في المائة فقط من النساء اللواتي يتعرّضن لعنف أسري يتقدّمنَ بطلب مساعدة، وأقلّ من 10 في المائة من النساء اللواتي يطلبنَ المساعدة يتقدّمنَ ببلاغ لدى الشرطة ضدّ من اعتدى عليهنّ. وفي ظلّ الظروف الحالية والعزل المنزلي المعمول به في بلدان كثيرة، فإنّ الإبلاغ والحصول على مساعدة صارا أكثر تعقيداً. وتشير تقارير الأمم المتحدة كذلك إلى أنّ دولة واحدة من بين كلّ أربع دول حول العالم لا تتوفّر فيها أيّ قوانين تحمي النساء من العنف الأسري على وجه التحديد. وتقدّر المنظمة الأممية التكلفة العالمية للعنف ضدّ المرأة قبل الجائحة بنحو 1.5 ترليون دولار أميركي وتتوقع أنّ يتصاعد الرقم في ظلّ زيادة العنف ضدّ النساء في أعقاب تفشّي فيروس كورونا الجديد.

أشارت هيئة الأمم المتحدة للمرأة في بيان لها صادر عن المديرة التنفيذية فومزيل ملامبو-نجوكا، في 20 مارس الماضي، إلى أن الآثار السلبية التي سيحدثها فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، لن تتوقف عند ما يتعلق بالصحة العامة ووقوع الوفيات، وقرارات العزل المنزلي، ولكنه تطرق إلى التأثيرات المتعلقة بأوضاع النساء الاجتماعية، وكان الخوف الأكبر هو "العنف الأسري".

وأوضحت الأمم المتحدة للمرأة أن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، التي جاءت نتيجة العزل المنزلي والصحي لفترات طويلة مع مخاوف الأمن والصحة وظروف المعيشة، من الممكن أن تساهم في ارتفاع حالات العنف الأسري المنزلي والاستغلال الجنسي، فهناك 137 امرأة يتم قتلها يوميا على يد أحد أفراد أسرتها، وفي البلاد التي طبقت العزل الاجتماعي كانت حالات العنف المنزلي التي تم الإبلاغ عنها قد تزايدت 3 أضعاف وأكثر من ذلك. 

إجراءات الإغلاق وحظر التجول ومنع مغادرة المنازل إلا في حالات معينة أو ساعات محددة، تسعى إلى القضاء على انتشار الفيروس في التجمعات، ولكن رئيسة التحالف الوطني ضد العنف المنزلي في الولايات المتحدة، رُوث غلين، قالت "في هذا الوقت بالتحديد، مع كوفيد-19، المنزل قد يكون صعبا جدا بالنسبة لضحايا العنف الأسري والناجين، لأن المعتدين يستطيعون استغلال الوضع للتحكم بشكل أكبر في ضحاياهم". وبحسب التحالف الوطني ضد العنف المنزلي، فإن 10 ملايين شخص في الولايات المتحدة، يتعرضون سنويا للعنف الجسدي من قبل شركائهم. وتعرضت امرأة بين كل أربع نساء، ورجل بين كل سبعة رجال، لعنف جسدي شديد على يد شريك حميم".

وتسجل إحصاءات الأمم المتّحدة أن 37 في المئة من النساء في العالم العربي تعرّضن لعنف جسدي أو جنسي لمرّة واحدة على الأقل في حياتهنّ، وأن ستّاً من كلّ عشر نساء معنّفات، لا يُخبرن أي جهة عن معاناتهنّ. أرقام تنشر ذعراً اجتماعياً، في ظلّ الحجر الصحّي الذي نعيشه، وصرخة إلى الحكومات والجمعيات النسائية في الدول العربية للتحرّك في اتجاه حماية الفئة الأكثر معاناةً في هذه المحنة، فكيف الحال عندما يتزايد العنف اكثر من ثلاثة اضعاف. وهناك صور مروعة للعنف الأسري في البلاد العربية، من قتل وحرق وتعذيب ورمي بالرصاص واغتصاب وتحرش جنسي بقاصرين في ظل غياب قانون مناهضة العنف الأسري" والعراق احدى هذه الدول رغم ادعائه الديمقراطية والتعددية وحق المساواة دستوريا ". ويشكل العنف الأسري ظاهرة كونية لم تستثني قارة أو بلدا إلا وضربته وكانت كورونا تلك الشرارة التي اشعلت السهل كله. والخلاف هنا في مستويات وسقف الحماية الدستورية والقضائية والتشريعية التي تجرم العنف وتحمي ضحاياه.

ونظرا للأحساس المتزايد في المشكلة على الصعيد العالمي وخطورتها فقد دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش من مقر المنظمة الدولية في الخامس من ابريل 2020، إلى حماية النساء والفتيات، من العنف الأسري، وسط تقارير عن تزايد حالات العنف المنزلي والأسري خلال فترة الحجر الصحي، على خلفية تفشي وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيدـ19). وقال غوتيريش في بيانه المصور، والذي تم ترجمته إلى عدة لغات، إن "العنف لا يقتصر على ساحات المعارك"، مذكّرًا بندائه الأخير إلى وقف لإطلاق النار في مختلف أنحاء العالم للمساعدة في الحد من تفشي فيروس كورونا. وأضاف الأمين العام للأمم المتحدة، أنه "بالنسبة للعديد من النساء والفتيات، فإن أكثر مكان يلوح فيه خطر العنف هو المكان الذي يُفترض به أن يكون واحة الأمان لهنّ. إنّه المنزل. ولذا، فإنّني أوجّه نداءً جديدًا اليوم من أجل السلام، في المنازل في جميع أنحاء العالم".وأوضح أمين عام الأمم المتحدة "على مدى الأسابيع الماضية، ومع تزايد الضغوط الاقتصاديّة والاجتماعيّة وتنامي المخاوف، شهدنا طفرة عالميّة مروّعة في العنف المنزلي".

وحث غوتيرش جميع الحكومات على "جعل منع العنف ضدّ المرأة وجبر الضّرر الواقع من جرّاء هذا العنف، جزءًا رئيسيًا من خططها الوطنيّة للتصدّي لكوفيد-19"، كما دعا النظم القضائيّة إلى مواصلة "مقاضاة المعتدين"، مطالبًا بشكل خاصّ بـ"إنشاء أنظمة إنذار طارئة في الصيدليّات ومحلات البقالة" وهي الأماكن الوحيدة التي تزال مفتوحة في بلدان كثيرةن مشددًا على ضرورة "تهيئة سبل آمنة للنساء لالتماس الدعم، دون أن يتنبَّه المعتدون".

ومن الناحية السيكواجتماعية فأن العنف المنزلي ضد المرأة يعد جريمة يرتكبها فرد يشترك مع الضحية بمكان الإقامة، وأن الدوافع الاجتماعية في العادات والتقاليد التي يرثها الأبناء عن الآباء والأجداد، قد تكون من الأسباب والدوافع الرئيسية للعنف الأسري مع الوضع في الاعتبار اختلاف تلك المعتقدات من مجتمع إلى آخر، لكن العلماء قد اجتمعوا على أن العنف الأسري هو أي سلوك يراد به إثارة الخوف أو التسبب بالأذى سواء كان جسدي أو نفسي، أوتوليد الشعور بالإهانة في نفس الشريك أو إيقاعه تحت أثر التهديد أو الضرر.

وتختلف صور الدوافع الاجتماعية المؤدية إلى العنف باختلاف مستوى تأثر الأسرة بالمحيط الخارجي، وباختلاف شكل الأعمال والتقاليد والأعراف، فتكون درجة العنف إما كبيرة أو صغيرة ويقاس ذلك بمدى انتشار صور الدوافع الاجتماعية المؤدية للعنف المنزلي، والتي منها اختلاف المستويات الفكرية والثقافية والعمرية والدينية والاجتماعية بين الزوجين، إضافة إلى أن التنشئة الخاطئة لأحد الوالدين أو كلاهما تعد من العوامل الرئيسية للعنف الأسري، فضلاً عن فقدان لغة التواصل والحوار بين أفراد الأسرة، وضعف الروابط الأسرية والنزاعات المستمرة حول أساليب تربية الأطفال. كما أن الوضع الاقتصادي المتدهور في حياة الأسرة الناتج عن فقدان الدخل المادي بسبب فقدان الوظيفة أو تراكم الديون من الأسباب الأساسية لوقوع العنف المنزلي ضد المرأة، وذلك نتيجة لظهور مشاعر الخيبة وارتفاع مستويات التوتر بسبب حالة الفقر التي تعيشها الأسرة.

وعلى الرغم من انتشار أفكار العدالة والمساواة بين الجنسين على نطاق واسع في عالمنا المعاصر اليوم، واكتساب المرأة المزيد من الحقوق في مساواتها مع الرجل، وخاصة في أوربا والعالم الغربي المتمدن، واتساع نطاق مساهمتها في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتقريريها لشأنها الخاص دون وصايا، إلا إنها إلى اليوم لا تزال مشروع منافسة غير متكافئ أمام الرجل في مجالات مختلفة، مهنية وقيادية وعلمية وحتى في الحوافز المالية والمرتبات، وتحول شرائح واسعة من النساء إلى قوى عاملة رخيصة يستعان بها في وقت الأزمات الاقتصادية، أو يتم تسريحها من العمل حال دخول المشروع الاقتصادي للمنافسة بين شغيلته. وتتحول العائلة إلى مشروع اقتصادي تندمج بالية السوق وتستجيب لحاجاته وتتأثر بأزماته. وإذا اقتنعنا بتجريد خالص بالفكرة الماركسية القائلة بأن انقسام المجتمع إلى طبقات يقف وراء استغلال المرأة، فأن المجتمعات الأوربية والأمريكية اليوم أكثر المجتمعات طبقية واستقطابا في الثراء والثروة، وهذا يعني أن الحديث عن العدالة بين الجنسين هنا لا يخلوا من تحفظات كثيرة. ناهيك إلى ما تتعرض له المرأة في هذه المجتمعات من مختلف سوء المعاملة من اعتداء وانتهاك لحرمتها وحريتها الشخصية،على الرغم مما قطعته من شوط بعيد في المساواة بين الجنسين، ويكفي أن نشير هنا إلى أن في أمريكا وحدها ترتكب كل ساعة بحدود 80 حالة اغتصاب، إلى جانب ما يتم من حالات اغتصاب كثيرة في دول أوربية مختلفة.

أما بخصوص مجتمعاتنا العربية والإسلامية وأسوة بأغلبية بقاع العالم المتخلف، حيث العائلة البطريركية في ظل بنية اقتصادية ـ اجتماعية متخلفة، هي المؤسسة الاجتماعية الأولى التي تؤسس لاضطهاد المرأة واستلابها، حيث يأخذ هذا الاستلاب طابعا مقدسا يستمد شرعيته من تفسير النصوص الدينية الوارد على ألسنة المشرعين والمفتين الذين يتدخلون بالتفاصيل الدقيقة لحياة المرأة وفرض الوصاية عليها، من طريقة لباسها وكيفية معاشرتها للآخرين وكذلك تقرير سقف ومدى مساهمتها في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، والتحكم بها باعتبارها تابعا للرجل وجزء من ممتلكاته الشخصية، كما وصل بهم الإفتاء إلى إباحة أجزاء من جسدها لغير زوجها " كإرضاع الكبير ومفاخذته "، وإيجاد أشكال ظرفية عديدة ومختلفة من الزواج المؤقت، ويأخذ الاستلاب طابعا أكثر مرارة عندما يختلط الدين مع السياسية، ليتحول أكراه واستلاب المرأة إلى قوة قانونية ملزمة عليها من السماء والأرض.

وتتعرض المرأة في مجتمعاتنا إلى شتى مظاهر التضييق والإكراه الجنسي، فحال وجودها بمفردها في الشارع أصبحت مشروعا للتحرش والمضايقات وسوء الظن بها وبطلعتها، فهناك إحصائيات تؤكد أن 60% من الفتيات المصريات يتعرضن للتحرش الجنسي ابتداء من الملامسة لأجزاء الجسد وانتهاء بأقصاها وهو الاغتصاب التام لها، مرورا بالعنف الجنسي ضدها من الزوج وخاصة في البيئات الفقيرة والمتخلفة، والتي ترى في المرأة موضوعا جنسيا لا غير ويجب أن تستجيب لرغبات الرجل متى ما شاء وكيف ما اتفق بعيدا عن الرغبة للطرف الآخر، إلى جانب ظاهرة الاغتصاب واستخدام القوة وإلحاق الأذى الجسدي والنفسي بالضحية، وتشير التقارير الأمنية المصرية أن هناك ما لا يقل عن 27 حالة اغتصاب يوميا، أي ما يعادل 10000 حالة سنويا " نقلا عن الانترنيت "، كما تنتشر حالات الاغتصاب في دول المغرب العربي وفي لبنان وفي العراق " وخاصة بعد أرث الاحتلال الأمريكي له "، وكذلك في الدول الخليجية حيث ينتشر الاغتصاب في أوساط الدائرة القريبة للضحية، كسائق الأسرة أو الخادم ومن محيط العائلة والأقارب أو ذوي المناصب وغيرها. وعادة لا يجري في مجتمعاتنا التبليغ عن جرائم الاغتصاب نظرا لارتباطها بمفهوم شرف المرأة وأسرتها وعشيرتها، وخاصة في مجتمعات مسلمة تتدعي التدين، وعادة ما يلقى اللوم على المرأة باعتبارها هي مصدر الإغراء والمسبب لذلك. 

أن كورونا أماطة اللثام عن المستور والمتستر عليه ودقت جرس الأنذار وفضحت الثقافة الذكورية المبنية على الأزدواجية في الأخلاق والتعامل وخاصة في فترات المحن والازمات، وكشفت كورونا طبيعة العلاقات الهشة القائمة على عقود زواج وأوراق مصدقة من المحاكم وذات طابع هش تنكسر حين تحل الازمات، واثبتت أن «عش الزوجية» أو «القفص الذهبي» ليس سجنا، كما يدعي البعض، بل حلبة ملاكمة يتصارع فيها طرفان غير متساويين، أحدهما مجبر على حماية الأطفال خلال نوبة الجنون التي تصيب الزوج " الذكر " أو "الشريك". ولعل ما بعد كورنا ودروسها المستخلصة ان نكون أكثر رقيا في ديننا واخلاقنا وفهم ذواتنا وأن الشراكة الحقيقية لا تكون إلا بالحب وحده وليست بالأكراه في العيش مع الشريك.

 

د.عامر صالح

 

 

مجدي ابراهيمكما يكون الحضور في القرآن مطلبَ علم نظري وعقل مجرّد، يكون كذلك مطلب وجدان صوفي صادر عن القلب، وشعور فياض بالمعاني الباطنة، وبالقيم السامية وبالمبادئ الروحية النبيلة. وعلى هذه الفكرة، وفي إطارها، يُجمل بنا في هذا الصدد مناقشة تلك الوجهة من النظر، وهى التي حمّلها "عابد الجابري" كتاباته في مُدْخَله إلى القرآن؛ مناقشة قد تطول معنا - ولابد منها - ليطول من أجلها هذا المقال فيما لم يكن من المعتاد الذي أردناه أو خططنا له.

مناقشة لا بد منها:

وربما تفْرِض علينا هذه المناقشة أن يطول معنا هذا المقال على غير المتوقع، وكان لا بد منها، وبخاصة أنها تتصل بالقرآن كونه معجزة روحية عقلية معاً؛ إذْ كان النظام الروحي هو بمثابة أساس التهذيب وأساس قواعد الخُلق. ولا ريب جاء حضور القيم في القرآن العزيز، مطلق القيم ومطلق الخُلق الكريم؛ ليشكل معجزة روحية تضاف إلى المعجزة العقلية بما من شأنه أن يكشف عن الذاتية الخاصّة للقرآن.

فإذا كان هناك وجهتين للنظر: الأولى تعتبر القرآن علاقة حميمية مع النبي محمد صلوات الله وسلامه عليه: علاقة يومية بل لحظية، وهذا صحيح، ولكنها بقيت تتحرك دوماً في حدود المعقول. وأنه ليس في الإسلام ما من شأنه أن يجعل المعرفة بالدين تقع خارج تناول العقل. وإنه؛ إذا وجد هذا الإيمان "بالأسرار" (Mysteres) في كل دين، فكان من ضمن خصوصياته في كل الثقافات، فلن يكون موجوداً في الإسلام؛ إذْ كانت حياة الرسول وتعاليم الكتاب موضوعاً مفتوحاً لإعمال العقل. فهذه التقريرات فيها الخطأ وفيها الصواب، والصواب محمولٌ فيها على توجُّه بعينه يأتي من جنس الحق الذي يُراد به باطل، والاجتهاد الذي يعوزه الإنصاف. ومن أجل ذلك، فرضنا في هذا المقال تلك المناقشة الطويلة.

أقول؛ إذا نحن أردنا مناقشة هذه الوجهة من النظر فأول ما يتبادر إلى الأذهان منها أنها وجهة ليس من حقها أن تلغي تماماً - كما أراد لها الجابري - وجهة النظر الأخرى التي تكملها ولا تناقضها.

بادي الرأي عندي: تأخذ بالأساس الروحي الذي تقوم عليه الحضارة الإسلامية برمتها كما صَوّرها القرآن الكريم. وجهة النظر الأولى تقوم على العقل، لكن "العقل" مع ذلك محدود، والمعارف العقلية ليست كل شيء في القرآن.

ولم يكن العقل المنطقي الاستدلالي الذي يريد الجابري أن يُعْمِلَه في القرآن كافياً بغير معالجة العقل البصيري المتمم له، والمكمّل لنقصانه، والمُسدّد لقصوره عن الإحاطة بملكات الإنسان المعرفية تتوزّع فيها الطاقات الباطنة، مُفرزةً القيم التي تغذي الإنسان بالمُضيّ قدماً نحو ربط الدنيا بالدين، والمسير بالمصير.

ولم يكن العقل في الإسلام بالمعزول عن القيم الحضارية كما صَوّرها القرآن لأنه لم يكن عقلاً منطقياً محدوداً بحدود ما يُفكّر فيه، ولم يكن عقلاً حداثياً يعالج حقبة زمنية أو فترة من فترات التاريخ المحدود بحدود ما فيه من ظواهر فكرية واجتماعية واقتصادية وسياسية وعلمية أو ما شئت أن تضيف...، ولكنه كان عقلاً مفتوحاً، يعطي المبدأ المُطلق للإنسان بالأخذ به في كل مناشط الحياة، ولا يقيّده عن النظر والبحث، ولا يغلُّه عن الحركة، وإنْ كانت الحركة في إطاره محدودة بحدود المساحة المعرفية التي يتحرك فيها. فالعقل في القرآن ليس هو العقل الذي أراده "الجابري"؛ ليكون موظفاً يخدم اتجاه كان تبناه؛ ليلغي سائر الاتجاهات الأخرى التي تكمله ولا تنفيه.

كتب المرحوم الدكتور هيكل - طيّبَ الله ثراه - في خاتمة كتابه "حياة محمد" بحثاً ممتازاً مطولاً بعنوان "الحضارة الإسلامية كما صوّرها القرآن"، هو من أروع وأمتع ما قرأت من بحوث، لست أجدُ بدّاً من الاستدلال به؛ كقيمة معرفية كبرى، تجيء في إطار هذه المناقشة؛ لتكون وثيقة بالغة الأهمية، شاهدة - بعد فيضٍ لا يُجَارَىَ من الوثائق التاريخية والعلمية المُمَحَّصَة التي اعتمد عليها في هذا الكتاب - على أصالته العلمية، وأصالة الرأي الذي انتهي إليه. ففي الصفحات الأولى منه مقارنة بين الأساس المادي للحضارة الغربيّة التي عزلت منطق العقل عن منطق الشعور والوجدان، واكتفت بالعقل المنطقي الاستدلالي أو منطق العقل المُجرَّد ومقررات الواقع كيما تعتمد فقط على الملاحظة المادية أو ما يُسمى لاحقاً بالتجريبية العلمية، وبين الأساس الروحي للحضارة الإسلامية. فالأساس الذي قامت عليه هذه الحضارة غير الأساس الذي قامت عليه تلك الحضارة؛ ولسوف نعتمد على هذا العنصر في مناقشتنا لمحمد عابد الجابري؛ لأنه بتلك العبارات السابقة طمَسَ المعجزة الروحيّة للقرآن أو خُيِّل إليه أنه يطمسها، وَعَدَّها عقلية فقط تجعل المعرفة بالدين لا تقع خارج حدود العقل.

خَلّف مُحَمدٌ - هكذا يقول الدكتور هيكل - هذا الميراث الروحي العظيم الذي أظلَّ العالم ووجَّه حضارته عدّة قرون مضت، والذي سيُظلُّه من بعدُ ويوجّه حضارته حتى يتمُّ الله في العالم نوره. وإنما كان لهذا الميراث كل هذا الأثر فيما مضى، وسيكون له مثله وأكثر منه من بعدُ؛ لأنه أقَامَ دين الحق ووضع أساس حضارة هى وحدها كفيلة بسعادة العالم. والدين والحضارة اللذان بلّغْمُهَا محمد للناس بوحي من ربه (القرآن) يتزاوجان حتى لا انفصال بينهما؛ ولئن قامت هذه الحضارة الإسلامية على أساس من قواعد العلم وهدى العقل، واستندت في ذلك إلى ما تستند إليه الحضارة الغربية في عصرنا الحاضر؛ ولئن استند الإسلام من حيث هو دين إلى التفكير الذاتي، وإلى المنطق التجريدي (الميتافيزيقي)؛ فلا تزال الصّلة في الإسلام مع ذلك وثيقة بين الدين ومقرراته والحضارة وأساسها (ص: 516).

إنّ حضور القرآن لإبراز تلك الصّلة؛ لهو الذي شَكَّل خصائصها وميزها عن الحضارة الغربية بخصائصها وسماتها التي ترتكز عليها، ولا ترتكز عليها حضارة الإسلام تقوم على حضور القرآن فيها. واختلاف الأساس الذي تقوم عليه كل حضارة ينقض فيهما المطالب والغايات. إنّ الإسلام ليربط بين التفكير المنطقي والشعور الذاتي، وبين قواعد العقل وهدى العلم، برابطة لا مفرّ لأهله من البحث عنها والاهتداء إليها؛ ليظلوا مسلمين وطيداً إيمانهم. وحضارة الإسلام تختلف من هذه الناحية عن الحضارة الغربية المتحكمة في العالم إلي اليوم، كما تختلف عنها في تصوّر الحياة وفي "الأساس" الذي يقوم هذا التصور عليه. وهذا الاختلاف بين الواحدة والأخرى من هاتين الحضارتين جوهرىُّ إلى الحدِّ الذى يجعل أساس كل واحدة منهما نقيض الأساس الذي تقوم عليه الأخرى.

فقد أدّى النزاع في الغرب المسيحي بين السلطتين الدينية والزمنية أو بين الكنسية والدولة إلى الفصل بينهما، وإلى إقامة سلطان الدولة على إنكار سلطة الكنيسة. وكان لهذا النزاع على السلطان أثره في التفكير الغربي كله. وفي مقدمة النتائج التي ترتبت على هذا الأثر ما كان من تفريق بين الشعور الإنساني (منطق الوجدان) والعقل الإنساني من جهة، وبين منطق العقل المجرَّد ومقررات العلم الواقعي المستندة إلى الملاحظة المادية. وكان لانتصار التفكير المادي أثره البالغ في قيام النظام الاقتصادي أساساً رئيسياً للحضارة الغربية.

هذا هو أهم مَعْلَم حَدَثَ في الغرب، لكنه لم يحدث على الإطلاق في الإسلام؛ إذْ ليس في الإسلام فصلٌ بين الشعور الإنساني والعقل الإنساني العام، وبين منطق العقل المُجَرَّد ومقررات العلم الواقعي، يستند على الملاحظة المادية.

والقرآن نفسه لا يسمح بهذا الفصل التعسفي ولا يحيل العقل الإنساني إلى مجرد آلة مادية تعبد كأنه وثن كما يحدث في التفكير الغربي. ولم يقم فيه كما قامت في الغرب المذاهب المادية تريد أن تجعل كل ما في عالمنا خاضعاً لحياة هذا العالم الاقتصادية. لم يكن في الإسلام، ولا في القرآن، ولا في الحضارة الإسلامية المؤسسة على حضور القرآن فيها ما كان في الغرب حين أراد غير واحد أن يضع تاريخ الإنسانية كلها في أديانها وفنونها وفلسفاتها وتفكير رجالها وعلومها، بوحي ما كان من مدّ وجزر اقتصادي في أممها المختلفة.

ولم يقف أمر هذا التفكير عند التاريخ وكتابته، بل أقامت بعض مذاهب الفلسفة الغربيّة قواعد الخُلق على أسس نفعية مادية بحتة. ومع ما بلغته هذه المذاهب من براعة في التفكير وقوة في الابتكار، لقد أمسكها التطوُّر الفكري في الغرب في حدود المنفعة المادية المشتركة، تُقيم عليها قواعد الخُلق جميعاً، وترى ذلك من المقتضيات المحتومة في البحث العلمي.

فأمّا المسائل الرُوحيّة فهى في نظر الحضارة الغربية مسألة فردية صِرفة، فلا محلَّ لأن يُعنى الناس أنفسهم جماعة بها. ومن ثمّ كانت الإباحة في العقيدة بعض ما قدّسه أهل الغرب، وكانوا أشدّ تقديساً لها من تقديسهم الإباحة في الخُلق، وهم أشدُّ تقديساً للإباحة في الخلق منهم لحرية الحياة الاقتصادية المقيدة بالقانون تقييداً ينفذه الجندي وتنفذه الدولة بكل ما أوتيت من قوة (ص: 517). ومن الصحيح أن نعتقد، وأن يكون هذا الاعتقاد متجذّراً سارياً في ضمائرنا: أن حضارة تجعل الحياة الاقتصادية أساساً، وتقيم قواعد الخُلق على أساس هذه الحياة الاقتصادية، ولا تقيم للعقيدة وزناً في الحياة العامة، تقصُر عن أن تمهد للإنسانية سبيل سعادتها المنشودة. بل إنّ هذا التصوير للحياة لجدير أن يجرّ على الإنسانية ما تعانيه من محن في هذه العصور الأخيرة. جدير أن يجعل كل تفكير في منع الحروب وفي توطيد أركان السلام في العالم قليل الجدوى غير مرجو الفائدة. (وللقارئ أن يلاحظ هذه النظرة الاستشرافية فيما بين سطور الكاتب ويقارن بموضوعية بينها وبين ما نحن عليه الآن، والقارئ مرجوُّ أن يأخذ هذا بعين الاعتبار).

فما دامت صلتي بك أساسها الرغيف - لا القيم العلوية - الذي آكل أنا أو تأكل أنت وتَنَازُعُنَا عليه ونضالُنا في سبيله، قائمة بذلك على أساس القوة الحيوانية في كلِّ منَّا، فسيَظلُّ كل منَّا يرقب الفرصة التي يُحسن فيها الاحتيال للحصول على رغيف صاحبه، وسيَظلُّ كل منَّا ينظر للآخر على أنه خصمه لا على أنه أخوه، وسيَظلُّ الأساس الخُلقي الكمين في النفس أساساً حيوانياً بحتاً، وإنْ بقى كميناً حتى تندفع الحاجة إلى ظهوره. وستظلُّ المنفعة وحدها قِوام هذا الأساس الخلقي، على حين تنزلق عليه المعاني الإنسانية السامية والمبادئ الخُلقية الكريمة: مبادئ الإيثار والمحبة والأخوَّة، فلا يكاد يمسكها ولا تكاد تعلَق به (ص: 518). وما هو واقع اليوم خيرُ مصداق عملي على تلك السيطرة المادية؛ فالتنافس والنضال هما المظهر الأول للنظام الاقتصادي، وهو بدوره أول مظهر لحضارة الغرب. وما دام التنافس والنضال على المال هما جوهر الحياة، ومادام النضال بين الطوائف طبيعياً، فالنضال بين الأمم طبيعيُّ كذلك، وللغاية التي يقع من أجلها نضال الطوائف. ومن ثمّ كانت فكرة القوميات أثراً محتوماً بحكم الطبيعة لهذا النظام الاقتصادي. أمَا ونضال الأمم في سبيل المال طبيعيُّ، أمَا والاستعمار لذلك طبيعيُّ أيضاً (بشتى ألوان الاستعمار وبكل أشكاله الجديدة) فكيف يمكن أن تمتنع الحرب ويستقر السلام في العالم؟!

إنمّا السلام في عالم هذا أساس حضارته حُلم لا سبيل إلى تحقيقه، وأمنية معسولة، ولكنها سرابٌ كذوب.

تلك هى - كما ترى - ثمار الحضارة الغربية على طول تاريخها. وتلك هى ثمار غرسها وسيطرتها على أرجاء هذا العالم الحيران، تقوم على الأساس المادي، وتجعل النظام الاقتصادي أول المظاهر الذي يُحقق للإنسانية الخير والتقدُّم (لاحظ العلاقة اليوم بين أمريكا والصين وقارن).

ولم تكن حضارة الإسلام تتأسس على هذا الأساس، ولم يكن تصوّرها يخرج عن حضور القرآن الفاعل فيها، أو يخرج عن حضور تعاليمه الخلقية والروحيُّة المقرّرة لربط الدين بالحضارة لا باتجاه النظر إليه معزولاً عن الفعل والعمل والتأثير، ولا عن المبدأ العقدي الموصول دوماً بتغذية قيم "الوجود الروحي" في الإنسان على التعميم.

القرآن معجزة عقلية روحية معاً:

لم يكن "الجابري" الذي وضع القرآن تحت سيطرة العقل المنطقي الاستدلالي أو التجريبي الواقعي وجَرّدَه بالمطلق عن قيمه الروحيّة، وجعل الأول يدور في فلك الثاني، ففصل الشعور عن منطق العقل بهذا المفهوم؛ بالذي يعي خطورة هذا كله، أو هو قد وعاه ولكن تجاهل خطورته، ولا كان بالذي يدرك الأساس الروحي والخلقي للحضارة الإسلامية تقوم عليه. ولم يكن القرآن - بادي الرأي عندي - معجزة عقلية وكفى، ولكنه معجزة عقلية روحيّة معاً:

تقوم الحضارة الإسلامية على أساس هو النقيض من أساس الحضارة الغربية، فإذا كان أساس الحضارة الغربية يتقرَّر فلسفياً وفق قواعد الخُلق على أسس نفعية مادية بحتة، فأساس الحضارة الإسلامية يقوم على ذلك الأساس الروحي، يدعو الإنسان إلى حُسن إدراك صلته بالوجود، ومكانه منه قبل كل شئ. فإذا بلغ من هذا الإدراك حدِّ الإيمان، دعاه إيمانه إلى إدامة تهذيب نفسه وتطهير فؤاده، وإلى تغذية قلبه وعقله بالمبادئ السامية: مبادئ الإباء والأنفة والأخوّة والمحبة والبر والتقوى.

وعلى أساس هذه المبادئ ينظّم الإنسان حياته الاقتصادية. هنا يكون "القرآن" هو الفاعل المؤسس لهذا الأساس الروحي للحضارة الإسلامية؛ فإنّ هذا التدُّرج هو أساس الحضارة الإسلامية، وأساس القيم العلوية فيها كما نزل الوحي بها على محمد، وكما تقرّر في القرآن الكريم. فهى، من أجل ذلك، حضارة رُوحيّة أولاً. والنظام الروحي فيها - لا النظام الاقتصادي - هو أساس التهذيب وأساس قواعد الخُلق. والمبادئ الخُلقية هى أساس النظام الاقتصادي، فلا يجوز أن يُضحىَّ بشيء من مبادئ الخلق في سبيل التنظيم الاقتصادي.

هذا التصوير الإسلامي للحضارة هو باليقين التصوير الجدير بالإنسانية، الكفيل بسعاتها بلا شك. ولو أنه استقر في النفوس، وانتظم الحياة انتظام الحضارة الغربية اليوم إيَّاها، لتبدّلت الإنسانية غير الإنسانية، ولانهارت مبادئ ساقطة يؤمن الناس اليوم بها، ولقامت فيهم مبادئ سامية تكُفل معالجة أزمات العالم الحاضر على هدى من نورها.

والناس اليوم، بل وفي كل يوم في كل زمن، في الغرب والشرق، يحاولون حَلّ هذه الأزمات دون أن يتنبَّه أحدُ منهم، ودون أن يتنبَّه المسلمون إلى أن الإسلام كفيلُ بحلّها، فأهل الغرب يتلمسون اليوم، وكل يوم، جدّة روحيّة تنقذهم من وثنية تورطوا فيها، وكانت سبب شقائهم، وعِلّة ما ينشب من الحروب بينهم، تلك عبادة المال. وأهل الغرب اليوم يتلمّسون هذه الجدّة في مذاهب الهند والشرق الأقصى على حين هى قريبة منهم، يجدونها مقرّرة في القرآن، مصوّرة خير تصوير فيما ضربه النبي العربي للناس من مثل أثناء حياته (ص: 519).

وعلى كل هذا الذي تقدَّم، وأبعد من هذا الذي تقدَّم، فكما يكون القرآن معجزة عقلية، يكون كذلك لا أقل من ذلك بل أبعد منه، معجزة روحيّة فيها الشفاء من الشقاء:" ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى". وفيها الإخلاص والنقاء والتسليم لله الواحد الأحد إنْ في الفكر وإنْ في العمل. وهذا التسليم نفسه هو المنقذ من ضلال الوثنية. هذا التسليم هو عينه الطمأنينة القلبيّة، تنتج عن المعجزة الروحيّة للقرآن، حين يتذوقها قلب المؤمن بالله كما أنزلها الله. فقد ضمن الله، وفي ضمان الله منجاة، للذي يجاهد في سبيله أن يساعده بالهدى إلى سبيله:"والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبُلنا". وإنه ليغير حال الناس حين يغيروا ما بأنفسهم، وأنه لا يغير ما بهم حتى يغيروا ما بأنفسهم:" إنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".

هذان النَّصّان يوضحان لنا العلاقة بين الجهد البشري يبذله الناس، وعون الله ومدده الذي يسعفهم به، فيبلغون به ما يجاهدون فيه من الخير والهدى والصلاح والفلاح.

وعلى أساس هذه القيم الروحيّة قامت الحضارة الإسلامية: على الدين كما يصوّره القرآن لا كما يُستقى الدين من مصادر خارجة عنه ليست داخلة فيه. فإرادة الله: مصدر الطمأنينة القلبية، ومصدر التسليم بقضائه وقدر، هى الفاعلة في النهاية. وحضورها في قلب الفاعل المؤمن بالله هو الذي يجعل القرآن الكريم معجزةً روحيةً تضافُ إلى المعجزة العقلية أيضاً بما يشكل الذاتية الخاصّة للقرآن.

وبدون إرادة الله لا يبلغ الإنسان بذاته ولا بطاقته العاملة وحدها، ينفقها في العمل المتواصل شيئاً، ولكن هذه الإرادة تعين من يعرف طريقها، ويستمد منها العون، ويجاهد في الله ليبلغ رضاه. وقدر الله مع ذلك كله هو الذي يحيط بالناس وبالأحداث، وهو الذي يتم وفقه ما يتم من ابتلاء ومن خير يصيبه الناجحون في هذا الابتلاء.

هناك المجاهدة مقرَّرة سلفاً لا مناص منها، وموزّعة على جميع المستويات التي تحملها الطاقة البشرية، سواء جهاد النفس أو جهاد الأعداء، الجهاد الداخلي (الأكبر) أو الجهاد الخارجي (الأصغر). هذه بديهة أولى ثم يتلوها الإيمان بالفعل الإلهي وبالقضاء الإلهي وبقدر الله من خلف حجاب السّبب.

في إطار هذا التصوّر يتحرَّك الفعل الإنساني ويتصل العمل بروابطه المصيرية وبأصالته الشعورية إنْ في النفس وإنْ في الضمير. ولم يكن التعقيب الذي جاء على غزوة أحد حين أرادت حكمة الله أن تكشف عن نفسها من وراء الابتلاء كله، فتبيّن أسباب النصر وأسباب الهزيمة؛ ليسطع فيها تدبير الله كذلك من وراء النصر والهزيمة:"ولقد صدقكم الله وعده إذْ تحسُّونهم بإذنه. حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر، وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبُّون، منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة، ثمَّ صَرفَكم عنهم ليبتليَكم".

أقول؛ لم يكن هذا التعقيب الذي يُقرر حكمة الله في هذا الموطن إلا للتعريف بسُّنةٍ الله الشاملة، ومردّها في النهاية إلى مشيئته الطليقة وقدره النافذ في الأشياء والأحداث، ومن وراء الأسباب والوقائع.

ليس يمكن للجهد البشري، ولا للطاقة الإنسانية أن تريد ما لا يريد:" إنْ يمسسكم قرحُ فقد مَسَّ القوم قرحُ مثله، وتلك الأيام نداولُها بين الناس، وليعلم الذين آمنوا، ويتخذ منكم شهداء. والله لا يحب الظالمين. وليمحِّصَ الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين". لم يكن سوى تدبير الله ومشيئته وقدره؛ ليتمّ ما يريده من وراء الأسباب والأحداث، ومن خلف حجاب السبب، وهو الأمر الذي لا يسأل عنه سبحانه؛ لأنه شأنه الإلهي الذي لا يُسأل عنه. وتلك هى حقيقة الإيمان الكبرى التي لا يتم في النفس إلا باستقراره فيها، واطمئنانها إليه من طريق حضور القيم القرآنية، وتفعيل النفس لها، وتوليها بالرعاية والعناية لحقيقة الفعل الإنساني يتحرك في إطارها حتى إذا ما لزمت المجاهدة المقرِّرة للنشاط الإنساني، وتأكد العمل بمقتضاها، فقد يلزم عنها بالضرورة التوجُّه بالمباشرة إلى وحدة القصد على الإيمان بالمبدأ العقدي، وعلى التسليم بقضاء الله وقدره ومشيئته، وهو عز وجلَّ "الفاعل" على الحقيقة من وراء الأحداث والوقائع: من خلف حجاب الأسباب.

فكما يكون العمل العقلي مقرّراً في القرآن الكريم، وكما يكون أمراً من أوامره، يكون التعلق بالبصيرة النورانية الكاشفة أساس الإيمان بالله، ويصبح قلب المؤمن على أساس هذا الإيمان مُلآناً بالمعرفة المستنيرة بنور الله قصداً؛ فلم يكن "العقل" على هذا الأساس بمعزل عن نور القلب، ولم يكن نور القلب بالذي يدفع حركة العمل العقلي أو يخاصمها؛ ليفصل الإنسان فصلاً تعسفياً أو ليشطره شطراً مبالغاً فيه بين الشعور والوجدان وبين "العقل" بمفهومه المقرّر الثابت في القرآن.

إنّ عزلاً كهذا العزل لا يقيم بناء الإنسان الروحي، ولا يرقى من قيمه الباقية النافعة، فضلاً عن أنه لا ينهض دليلاً شاهداً على قيام الحضارة الإسلامية على هذا الأساس الروحي الذي لا تقوم في القرآن إلا عليه. إنما القيم الدينية العلوية؛ كالتوكل، واليقين، والتقوى، والصبر، والعزيمة، والصدق، تخرج عن مشكاة النور القلبي كما هى ظاهرة الوجود في القرآن؛ لأنها تمثل كونه بالإضافة إلى المعجزة العقلية معجزة روحيّة تشكّل للقرآن ذاتيته الخاصّة، وتبني في الإنسان قيمه الأصيلة؛ لتهيئه لاكتشاف باصرته التي هى فوق طور العقل المحدود وفوق طور المعقول.

وإذا كان "الجابري" قد تعامي عما في القرآن من معجزة روحيّة كانت هذه بعض سماتها وخصائصها، فقد عاد فقال في خاتمة المدخل: التعريف بالقرآن ما نصّه:

"قلتُ في مستهل هذه الفقرة إنّ ما يميز الإسلام، رسولاً وكتاباً، هو خلّوه من ثقل "الأسرار" (Mysteres) التي تجعل المعرفة بالدين تقع خارج تناول العقل، وعليّ أن أعترف الآن أن هناك سراً لم يستطع عقلي اكتناه حقيقته: إنه هذا الذي عبرنا عنه "بالعلاقة الحميمية" بين الرسول محمد عبد الله وبين القرآن الحكيم" (ص: 433). وفي تقديري أنا، أن هذا الذي لم يستطع عقل "الجابري" اكتناه حقيقته هو بلا شك حدّ التصوف: المعجزة الروحيّة التي تجاهل وجودها في القرآن، وتغافل عامداً عنها.

لم ينظر "الجابري" إلى القرآن نظرة مجملة، محيطة شاملة، ولكنه نظر إليه نظرة قاصرة متجزئة بقصور ما في العقل المحدود وتجزؤ ما فيه من مدراك محدودة ووقف عند هذا الحد لا يتعداه، ولا يريد أن يتعداه، وهجم على من يدرك فوق إدراكه، هجوم التجهيل والسخرية ثم الاستخفاف بالقيم الروحية وإنكارها في مواضع عدة من كتاباته كما فعل في "العقل الأخلاقي" أو في "بينة العقل العربي"، خدمة لاتجاه محدود بحدود ما ينظر فيه. والأدهى من ذلك كله أنه يحملها على القرآن فلا تفترق النظرة الضيقة المتحجرة عن محمولها، ولا تقتصر على الفهم الذي فهمه هو من القرآن وكفى.

وبديهيٌ أن تكون نظرة الجابري ضيقة متحجرة كذلك إزاء التصوف في الإسلام. ومعلومٌ أن كتاباته ترفض "العرفان" رفضاً قاطعاً، وتتخذ لنفسها مسحة نقدية ظاهرة موصولة النسب بالاتجاهات السلفية بمقدار ما تتخذ من النقد الهدّام بصدد التصوف قيمها ومنطلقاتها.

التشدد العقلي كالتشدد السّلفي سواء!

لا فرق فيما بينهما من تحجير الرأي والرؤية، نظرة قاصرة لا تعوّل كثيراً ولا قليلاً على محاولة الفهم لتلك النوازع الوجدانية الخاصّة بتوجهات الصوفية. وبما أن التصوف اتجاه مضاد بطبيعته لاتجاه الجابري العقلاني، فقد صارت النزعة العقلية المفترض فيها أن تكون عميقة وشاملة ومحيطة تنقلب من فورها تحت عشوائية النقض الرافض الهدام إلى سذاجة خالصة في اللامدرك من مفاهيم وتوجهات الحياة الروحية في الإسلام.

لقد لاحظنا فيما تقدّم أنه يقول إنّ العلاقة بين النبي والقرآن علاقة حميمية، وصفها بأنها "علاقة يومية بل لحظية". وهو عندي وصف صحيح لا يمكن إنكاره؛ لأنها بالفعل علاقة لحظية بل هى علاقة "رُوحيّة" لا وصف لها ولا حدِّ تنتهي عنده. ولكن ليس من المقبول أن يقول في سياق العبارة نفسها عن تلك العلاقة:"ولكنها بقيت تتحرّك دوماً في حدود المعقول، بل كان ذلك في إطار الطبيعة البشرية للرسول".

كيف هذا؟ ماذا تقول يا رجل؟ هذا التصوّر ضد العقل نفسه، وضد محدوديته، وهل يمكن في طاقة العقل أن يستوعب عمل الوحي؟ وهل كان العقل أساساً هو الوحي؟ وهل الوعي العقلي هو نفسه الوعي النبوي الصادر عن مشكاة الوحي؟ ما هذا التخليط والتخبيط؟

لكأنه يعزُّ عليه أن يصفها (العلاقة) وصفاً روحياً يخالف اتجاهه العقلي مع أنه يراه واضحاً أمامه بما لا مزيد عليه. ثم يقول الجابري متابعاً:" لم يحدث قط أن تحدّث القرآن عن محمد بن عبد الله بما يُشعر أنه من طبيعة غير بشرية: لقد امتدح خُلقه وقيادته، وفي نفس الوقت سجل عليه ملاحظات ومؤاخذات وواجهه بأسئلة فيها لوم وعتاب، ولم يتردد في استعمال عبارات من قبيل "عفا الله عنك لمَ أذنت لهم حتى يتبيّن الذين صدقوا وتعلم الكاذبين" ممّا جاء في سورة التوبة (آية: 43). (مدخل إلى القرآن: ص 430).

وواضح جداً مقدار الكزازة المعرفية والعطب الروحي في التعامل مع القرآن، يقرأه كما يقرأه المستشرقون قراءة مفقودة الذوق خالية منه، مُجرَّد نصّ يخضعه للنظر العقلي المباشر، ويعزله عن مقتضيات الشعور الديني؛ لتكون الآيات في إطاره مجرد عبارات مستعملة من قبيل الملاحظات والمآخذ، كأنه ينظر في نص بشري يجري عليه العمليات النقدية. أفئن دلّ هذا على شيء فإنما يدل على فقدان الذوق والحماسة الروحيّة والكمون في دائرة محدودة، دائرة المنطق العقلي الاستدلالي يرجع إليها ولا يرتفع فوقها ويظل يلف ويدور في محيطها.

لقد صَرّح "الجابري" أن القرآن لم يكن يُفْرط في مدح الرسول وامتداح مواقفه، بل كان ذلك يتم في إطار الطبيعة البشرية للرسول، وهل قال أحدٌ أن محمداً إله؟ لكن هذا في المجمل صواب جداً فيما لو فهمت العبارات في حدودها وفي مستواها اللفظي الدال على معناها لا فيما تحتها ممّا يريد الجابري أن يحملها ما لم تحتمل. ربما يريد - وهذا واضح - أن ينكر ما جاء في مذاهب الفكر الإسلامي ممّا هو الحال عند الشيعة أو عند الصوفية القول: بقدم النور المحمدي، ولا يعتد أبداً بالأحاديث الواردة في هذا الشأن مثلما كان الحنبلي المتشدّد ابن تيمية (ت 728هـ) وأضرابه ينكرونها؛ فحديث جابر بن عبد الله الأنصاري حين سأل النبي عن أول ما خَلق الله، فقال صلوات الله وسلامه عليه في حديث طويل:"نورُ نبيك يا جابر". وحديث:"كنتُ نبياً وآدم بين الماء والطين"، قال فيه ابن تيمية لا أعرف له أصلاً والصحيح:"كنتُ نبياً وآدم بين الماء والجسد". وجاء في طبقات ابن سعد قوله صلوات الله عليه:"كنتُ أول الناس في الخلق وآخرهم في البعث". وعن أبي هريرة مرفوعاً: "كنتُ أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث". وصَحَّ عن ابن عباس - ممّا جاء من كتاب ابن حجر العسقلاني صاحب فتح الباري في شرح حديث البخاري - أنه قال:" أوحى الله تعالى إلى عيسى، عليه السلام، يا عيسى: آمن بمحمد ومُر من أدركه من أمتك أن يؤمنوا به، فلولا محمد ما خلقت آدم، ولولا آدم، ما خلقت الجنة والنار، ولولا محمد ما خلقتُ العرش. ولقد خلقتُ العرش على الماء فاضطرب فكتبت عليه: لا إله إلا الله محمد رسول الله, فسكن". وقال السّبكي بعد ذكر حديث آدم الذي جاء فيه:" أسألك بحق محمد أن تغفر لي، وقوله تعالى، وإذ سألتني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك". هذا حديث صحيح الإسناد، رواه الحاكم.

وعليه؛ فجميع هذه الأحاديث وغيرها الكثير تثبت قدم النور المحمدي وتثبت الحقيقة المحمدية وأوليّة النور المحمدي ولا تقدح في بطلان القول بها. ولكن مقدار التشدد السّلفي هو نفسه مقدار التشدد العقلي بالنظر إلى تلك الجهة: التقوقع والانغلاق والتحجير وعدم السماح للأفاق العقلية أن تستوعب ما سواها، مع القطع عندي بالفروق الجوهرية الفارقة بين مذاهب الشيعة وتوجهات الصوفية الروحيّة. أنا شخصياً لستُ منكراً وجود توجهات روحية في الإسلام تدور في هذا الإطار، ولست منكراً كذلك خروجها أحياناً بالمغالاة عن حدود النظر العقلي، لكن وجودها لا يستند على ترهات أو خرافات بمقدار ما يستند على قناعات عقلية وتوجهات ذوقية لا يمكن تجاوزها في سياق النظر إلى الآيات القرآنية، وفي إطار كون القرآن الكريم معجزة روحيّة.

بالطبع؛ أنا لا أناقش هنا مسألة قدم النور المحمدي ولا الحقيقة المحمدية، وليس هذا المقام موضع مناقشة هذه المسائل، ولكني أنوّه فقط إلى خصوصياته عليه السلام، تلك التي لا يقاربها غيره من البشر ممّا أنكره الجابري ودعا الناس إلى إنكاره.

فمن غير المقبول أن يقال: إنّ القرآن لم يحدث قط أن تحدّث عن محمد بن عبد الله بما يشعر أنه من طبيعة غير بشرية، ثم يُراد لنا أن نفهم من وراء هذا القول قصور الرؤية كما قصرها الجابري على الناحية العقلية حتى ولو كان في ذهنه أن محمداً عليه السلام لم يكن كالسيد المسيح، منكراً كل التوجهات الروحية في الإسلام. ليس هذا بالقطع هو المبرر لإنكار الجانب الروحي في التفكير الإسلامي والأخذ منه بالعقلاني الذي تتحرك العلاقة الحميمية فيه بين محمد والقرآن في حدود المعقول. مع أن هذا المعقول نفسه يفرض التخريج الذوقي كما يقتضي التأمل وفق مقتضيات الشعور الديني باتجاه النظر إلى الآيات القرآنية.

القرآن يقول: " قد جاءكم من الله نورٌ وكتابٌ مبين ". فإذا كان القرآن هو الكتاب المبين فالنور هو سيدنا محمد رسول الله. سماه النور، وسماه السّراج المنير، "وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً". وسمّاه القرآن الإمام المبين:"وكل شئ أحصيناه في إمام مبين". فالحقيقة المحمدية في بعدها الروحي لا بعدها الزمني فقط مُقرَّرة في القرآن بنص القرآن، فلا يكفي أن يقال إنه لم يحدث قط أن تحدَّث القرآن عن محمد صلوات الله وسلامه عليه بما يشعر أنه من طبيعة غير بشرية؛ وهل كان النور والإمام المبين والسراج المنير فضلاً عن الخلق العظيم طبيعة يتصف بها كل البشر أم الصحيح أن يقال أن هنالك خصوصية له صلوات الله وسلامه عليه لا يدانيه البشر فيها هى لب لباب العلاقة الحميمية بينه وبين القرآن، وهى التي لم يستطع عقل الجابري أن يكتَنِه أسرارها؟!

إذا شئت فانظر في الحديث الشريف من أنه كان صلوات الله عليه يواصل الصوم؛ فأراد أصحابه عليهم السلام أن يواصلوا مثلما كان يواصل؛ فشق عليهم مواصلة الصوم، فنهاهم عليه السلام أن يواصلوا وقال قولته الشريفة: "إنِّي أبيتُ عند رَبِّي يطعمني ويسقيني". وفي معناه أيضاً: "إنَّ لي هيئةُ ليْسَتْ كهيئتكم". فمن المؤكد أن هذه الهيئة النبوية المباركة لها استعداداتها التي لا تتساوي معها استعدادات أحد غيره ممّن تحتملها الطبائع البشرية، ولو كان هذا الغير من صحابته عليهم كرائم الرضوان. وقد كان صلوات الله وسلامه عليه يقول:" إِنَّهُ ليُغَانُ عَلَى قَلْبِي فَاسْتَغفر الله فِي اليَوم سَبْعِيَن مَرَّة"؛ أتراه يستغفره من "غين الأغيار"؟ لا والله بل من "غين الأنوار" يستغفر:

غين الأغيار علائق مادية وكزازات نفسانية تستشعرها الروح الدنيا السفلية على الدوام، يستشعرها البشر كل البشر، ولكن لا تستشعرها الخصوصية النبوية ولا تقارب الوعي النبوي، وغين الأنوار علويٌ هو، فيه تتوتَّر الروح لأنها في حالة عروج دائم، في حاله اتصال مع الله هى نفسها العلاقة الحميمية بين محمد والقرآن، تلك التي لم يستطع عقل الجابري أن يغذوها. وبفراق الجسد للروح تتحرّر من حَبْسها فيه؛ فإنّ الشعور هنا بالفناء يعطي الروح نوراً لترى ما لم تكن تراه وهى حبيسة في أخلاط الكثافة الظلمانية (= غين الأغيار بالتعبير النبوي): كثافة الأجساد التي كانت تعيق رؤيتها وتحيطها بالغشاوة والحجاب.

هذا "الغين" الذي أوجب رسول الله صلوات الله عليه منه الاستغفار لأمته. أمّا استغفاره هو؛ فمن "غين الأنوار" لا من "غين الأغيار"؛ لأن هيئته ليست كهيئة أحد غيره. ولا خصوصيته مع ربه كسائر البشر، فهو يستغفر من غين الأنوار، وهو يواصل الصوم لأنه يبيت عند ربه يطعمه ويسقيه، وليس من حق أحد في خصوصياته مع ربه صلوات الله عليه أن يستوي معه أو يدعي مجرد ادّعاء لا يقوم عليه دليل أن القرآن لم يحدث قط أنه تحدث عن محمد بما يشعر أنه من طبيعة غير بشرية. نعم! هو بشر لكنه ليس ككل البشر، بل كالياقوتة بين الحجر، له خصوصياته مع ربّه، له التعزير والتجليل والتكريم والتوقير بما ليس للبشر أن يكونوا مثله.

 

د. مجدي إبراهيم