سليم جواد الفهدانتهينا في التأمل السابق من نقاش الأساس الأول من أسس النظام الإسلامي وهو (الشورى) ونستمر في هذا التأمل بنقاش الأساس الثاني وهو (البيعة) بالمقارنة بالمصدر الاول من اصول هذا النظام وهو (القرآن).

ماهي البيعة؟

البيعة كالشورى وإن كانت الشورى تسبق البيعة سبقا زمانيا فالقوم يتشاورون ثم يختارون ثم يبايعون والبيعة ليست من عنديات القرآن بل هي كالشورى  موروث عربي قديم وعرف قبلي كان معمولا به قبل الإسلام حيث كانت تسود العلاقات القرابية بين أفراد القبيلة ويسود الشعور بوحدة الدم والمصير حيث كانت رئاسة القبيلة استحقاق شخصي للأحكم والأشجع والأكرم القادر على إدارة أمور القبيلة في السلم والحرب بأسلوب حر بعيد عن الوراثة إلا في حالات نادرة حيث لم يحبذ العرب انتقال السيادة بالوراثة لان ذلك يقيد حريتهم وبالفعل ولا يوجد في تاريخ قبائل وسط الجزيرة العربية أكثر من أربع أسر تتابع فيها أربع أحفاد بالتعاقب على الرئاسة وقد يعهد السيد إلى ابنه في سيادة القبيلة ألا إن هذا لا يعنى التعيين المطلق إذ يجب أن تتوفر في الخلف صفات تؤهله لسيادة القبيلة وتنال رضي أبناء قبيلته حتى يبايعوه.

البيعة لغة: بفتح الباء تطلق ويراد بها الصفقة على إيجاب البيع، وعلى المبايعة والطاعة، قال ابن منظور: (والبيعة: المبايعة والطاعة، وقد تبايعوا على الأمر كقولك: أصفقوا عليه، وبايعه عليه مبايعة: عاهده، وبايعته من البيع والبيعة جميعًا والتبايع مثله، وفي الحديث أنه قال: «ألا تبايعوني على الإسلام»؟ هو عبارة عن المعاقدة والمعاهدة، كأن كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره)."1"

فالبيعة إذن تعني: إعطاء العهد من المبايع على السمع والطاعة للأمير في غير معصية في المنشط والمكره والعسر واليسر وعدم منازعته الأمر وتفويض الأمور إليه. قال ابن خلدون: (اعلم أن البيعة هي : العهد على الطاعة كأن المبايع يعاهد أميره على أنه يُسَلِّم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين، لا ينازعه في شيء من ذلك، ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر على المنشط والمكره، وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا عهده جعلوا أيديهم في يده تأكيدًا للعهد، فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري، فسمي بيعة مصدر باع وصارت البيعة مصافحة بالأيدي، هذا مدلولها في عرف اللغة ومعهود الشرع وهو المراد في الحديث في بيعة النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة العقبة وعند الشجرة)."2"

نفهم من هذا أن البيعة هي إقرار بالسيادة من قبل الناس للشخص المعين والمختار عن طريق الشورى وفي نقاشنا السابق للشورى تبينا مدى الارتباك والغموض في تفاصيلها النظرية الذي ادى الى الخطأ في تطبيقاتها العملية.

 ترتبط الشورى بالبيعة ارتباطا عضويا وبنيويا أنهما مرحلتان متكاملتان لعملية واحدة هي اختيار الملك أو الخليفة وكما سكت القرآن عن تفاصيل الشورى سكت عن تفاصيل البيعة فانتقل الغموض والارتباك من الشورى الى البيعة عضويا وبنيويا.

فلا أحد يعرف على وجه الدقة من هو الذي يحق له أن يبايع؟ ومن يحق له الاعتراض على البيعة وبأي معيار؟ وهل البيعة تشمل الجميع أم هي مخصوصة بطبقة معينة من المسلمين.

لدينا إشارة تفيد جواب السؤال لمن الحق بالشورى والبيعة تحصلنا عليها من مراسلة للإمام علي في كتابه الى معاوية؟ وإليك نص الكتاب:

من أمير المؤمنين علي بن ابي طالب إلى معاوية بن أبي سفيان: «إنّه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يَرُدَّ، وإنّما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله رضى، فإن خرج عن أمرهم خارجٌ بطعن أو بدعة ردُّوهُ إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتِّباعه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولّى» "3"

هذا هو رأي الإمام علي في الشورى والبيعة (إنّما الشورى للمهاجرين والأنصار) !!! وإنما هي أداة حصر في اللغة العربية مثل قولك: (إنما المال مالي) وهذا يدل دلالة واضحة وصريحة أن باقي المسلمين لا رأي لهم ولا شورى ولا بيعة وعليهم السمع والطاعة لقريش والأنصار.

فما تقرره قريش هو الاصل وأكثر من ذلك ان الإمام لابد أن يكون من قريش حسب قول النبي: (الائمة من قريش) وهذا هو نفس الاحتجاج الذي أحتج به المهاجرين على الأنصار في موضوع السلطة وقولهم للأنصار نحن الخلفاء وأنتم الوزراء عندما حدث الصراع على الخلافة في سقيفة بني ساعدة.

فمن أعطى قريش هذه السلطة؟ القرآن أم النبي أم موافقة جميع المسلمين؟

هناك نمط آخر دل على البيعة عبرت عنه آيات البيعة ولكنها لم تشر إلى تلك الإشارات التي وردت في كلام الإمام علي الى معاوية. فلم تحدد في أن البيعة هل كانت لانعقاد الولاية أم لأجل أمر آخر؟ وهل البيعة هي للشورى أم هي التي تخلق الولاية؟

كل ذلك غير واضح ولا مفصل ولا مستفاد من الآيات اللهم إلا أن أصل البيعة وارد فيها صريحاً ومن يدقق ويحقق النظر في تلك الآيات يرى بوضوح كامل أنها مخصوصة ببيعة النبي حصرا على قبول الإسلام كدين وقبوله هو كرسول.

البيعة في العهد النبوي

بايع الناس النبي نساء ورجال بيعات مختلفة غير مكررة كبيعة العقبة الأولى وبيعة العقبة الثانية وبيعة الرضوان ثم توالت بيعات الأفراد والجماعات والقبائل المعتنقة للإسلام وجل هذه البيعات كانت مرة واحدة في العمر.

وجل مراسيم هذه البيعات كانت بالمصافحة يدا بيد وبالقول نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ونبايعك على السمع والطاعة.

آيات البيعة في القرآن.

1 ــ {يا أيُّها النَبيُّ إذَا جاءَكَ المُؤمِناتُ يُبايعنَكَ على أنْ لا يُشرِكنَ بِاللهِ شَيئاً وَلا يَسرِقنَ وَلا يَزنينَ وَلا يَقتُلنَ أولادَهنَّ وَلا يأتينَ ببُهتان يفتَرينهُ بينَ أيديهنَّ وَأرجلهنَّ وَلا يَعصينَكَ في معروف فبايعهُنَّ وَاستغفرْ لهنَّ اللهَ إنَّ اللهَ غَفورٌ رَحيمٌ}. (سورة الممتحنة، الآية:(12). وقد سمّيت هذه البيعة ببيعة النساء.

2 ــ {إنَّ الذينَ يُبايعُونَكَ إنَّما يُبايعونَ اللهَ، يدُ اللهِ فَوقَ أيديهم، فمن نكث فإنَّما يَنكُثُ عَلى نَفسِهِ وَمَنْ أوفى بِما عاهَدَ عَليهُ اللهَ، فَسيؤتيهِ أجراً عَظيماً} (سورة الفتح، الآية: 10). {لَقدْ رَضيَ اللهُ عَنِ المُؤمنينَ إذْ يُبايعُونَكَ تَحتَ الشجرةِ فَعلِمَ مَا في قُلوبِهم فَأنزلَ اللهُ السّكينَةَ عَليهِم وَأثابَهَم فَتحاً قريباً}. (سورة الفتح، الآية:18) وقد سمّيت هذه البيعة ببيعة الرضوان أو الشجرة وكانت تحت شجرة سمر بالحديبية.

الواضح وضوح الشمس من سياق هذه الآيات أنها تتحدث عن بيعة الناس للنبي ودينه وهي مقدمة لدخول الناس في الإسلام وإن الله لم يعطي السلطة والخلافة لقريش ولا أشار مجرد إشارة ولو مجملة الى ذلك فصدق قول مسلمة الحنفي إن قريش قوم يعتدون.

أما قريش فأذكر لك مناظرة ابن عباس مع ابن الزبير في حكم المتعة حتى يتبين لك أيها القارئ الحصيف مدى وضاعتهم وحقدهم بعضا على بعض وهم أولاد عمومة.

 خطب ابن الزبير بمكة المكرمة على المنبر وابن عبّاس جالس مع الناس تحت المنبر فقال: إن ها هنا رجلاً- يقصد ابن عباس- قد أعمى الله قلبه كما أعمى بصره، يزعم أن متعة النساء حلال من الله ورسوله، ويفتي في القملة والنملة، وقد احتمل بيت مال البصرة بالأمس، وترك المسلمين بها يرتضخون النوى، وكيف ألومه في ذلك، وقد قاتل أُمّ المؤمنين وحواريّ رسول الله صلى الله عليه وآله ومن وقاه بيده؟

فقال ابن عبّاس لقائده سعد بن جبير بن هشام مولى بني أسد بن خزيمة: استقبل بي وجه ابن الزبير، وارفع من صدري، وكان ابن عبّاس قد كفّ بصره فاستقبل به قائده وجه ابن الزبير، وأقام قامته فحسر عن ذراعيه، ثم قال:

يا ابن الزبير: أما العمى فإن الله تعالى يقول: (فإنّها لا تعمي الاَبصارُ ولكن تعمى القلوبُ التي في الصدور)، وأما فتواي في القملة والنملة فإن فيها حكمين لا تعلمهما أنت ولا أصحابك، وأمّا حملي المال فإنّه كان مالاً جبيناه فأعطينا كلَّ ذي حقّ حقّه، وبقيت بقية هي دون حقّنا في كتاب الله فأخذناها بحقّنا.

وأمّا المتعة فسل أُمّك أسماء عنها إذا نزلت عن بردي عوسجة، وأمّا قتالنا أُمّ المؤمنين فبنا سميت أُمّ المؤمنين لا بك ولا بأبيك، فانطلق أبوك وخالك إلى حجاب مدّه الله عليها فهتكاه عنها، ثم اتخذاها فتنة يقاتلان دونها، وصانا حلائلهما في بيوتهما، فما أنصفا الله ولا محمداً من أنفسهما، أن أبرزا زوجة نبيه صلى الله عليه وآله وصانا حلائلهما.

وأمّا قتالنا إيّاكم فإنّا لقيناكم زحفاً، فإن كنّا كفاراً فقد كفرتم بفراركم منّا، وإن كنّا مؤمنين فقد كفرتم بقتالكم إيّانا، وأيم الله لولا مكان صفية فيكم، ومكان خديجة فينا، لما تركت لبني أسد بن عبد العزى عظماً إلا كسرته.

فلمّا عاد ابن الزبير إلى أُمه سألها عن بردي عوسجة؟

فقالت: ألم أنهك عن ابن عبّاس وعن بني هاشم فإنّهم كُعُمُ الجواب إذا بُدِهوا.

فقال: بلى، وعصيتك.

فقالت: يا بني، احذر هذا الاَعمى الذي ما أطاقته الاِنس والجن، واعلم أن عنده فضائح قريش ومخازيها بأسرها فإياك وإيّاه آخر الدهر."4"

تنبه لقولها فضائح قريش ومخازيها!!!

للحديث بقية.

 

 سليم جواد الفهد 

.................................

المصادر:

1- "لسان العرب مادة (بيع) (8/26)".

2- مقدمة ابن خلدون ص 209.

3- نهج البلاغة، ضبط الدكتور صبحي الصالح، منشورات دار الهجرة، من كتاب لأمير المؤمنين إلى معاوية، ص 366 ــ 367.

4- محاضرات الاَدباء للأصفهاني، ج ۳ ص ۳۱٤.

 

منى زيتونبسبب ما يمر به العالم من تداعيات فيرس كورونا، ومع اقتراب شهر رمضان المعظم، تعالت في مصر مطالبات بوقف تصوير المسلسلات التليفزيونية المقرر عرضها رمضان القادم، ثم قرأنا خبرًا عن وقف تصوير المسلسلات النظيرة التي يمولها التليفزيون التونسي، وتخصيص الأموال المخصصة لها لوزارة الصحة التونسية.

ولم يكن لهذه الدعاوى صدى عند أولي الأمر، رغم أن هذه المسلسلات في مصر تتعرض لنقد شديد منذ سنوات من قطاعات المثقفين والبقية الباقية من الشعب المصري ممن يعنيهم الحفاظ على قيم المجتمع، بعد أن كادت تصبح تلك الأعمال الفنية فاقدة لكل قيمة، ولا تسهم بأي درجة في حل مشكلات المجتمع، بل أصبحت سببًا رئيسيًا في الانحدار الاجتماعي الذي ننزلق إليه بقفزات متسعة.

اعتدنا أن نسمع أو نقرأ منذ كنا صغارًا عن أفلام سينمائية قديمة تسببت في تغيير قوانين أو سن أخرى، أو تعديل أوضاع بعض فئات المجتمع، فدور المُعلم الذي قام به نجيب الريحاني في فيلمه الشهير "غزل البنات" تسبب في إصدار الملك فاروق توجيهات بتحسين أحوال المعلمين المادية، وفيلم "جعلوني مجرمًا" تسبب في إلغاء السابقة الإجرامية الأولى من سجل المذنبين لمساعدتهم في إعادة الاندماج في المجتمع بأن يجدوا عملًا شريفًا، وفيلم "كلمة شرف" تسبب في سن قانون يسمح بإعطاء المسجونين إذنًا لزيارة ذويهم خارج السجن في حالات إنسانية، وفيلم "أريد حلًا" تسبب في إلغاء تنفيذ حكم الطاعة على الزوجة بالقانون، والذي كان يستغله أشباه الرجال في إذلال النساء وإعادتهن إلى عصمتهم رغمًا.

والأمثلة كثيرة عما أسهم فن السينما في القرن العشرين في حله من قضايا أو التنبيه عليه من مشكلات في المجتمع المصري. والشهادة أن السمين يفوق الغث بكثير، ما يجعلنا نتساءل عن قيمة ما يقدمه الفن وأهله الآن!

ولعل أكثر ما استرعى انتباهي في الآونة الأخيرة هو زيادة الهجوم على أحد رموز الانحدار الفني المعاصر، كونه تخصص في دور البلطجي في أعماله التي يؤدي فيها أدوار البطولة المطلقة، لأنه صار بطلًا يقلده المراهقون، فأصبح سببًا في نشر الشر في المجتمع، وقادني ذلك إلى المقارنة بين ما يقدمه من أدوار للشر، وما كان يتم تقديمه من أدوار الشر في الأفلام القديمة.

فرغم أن الأفلام القديمة لم تخلُ من دور شرير الشاشة، لم تُعتبر يومًا سببًا في نشر الشرور في المجتمع، وهو ما استحال إليه الحال حين اختفى دور شرير الشاشة التقليدي من أفلام الفن العربي المعاصر، بعد أن كانت رسالة الفن هي التوعية بهذه الشرور وكيفية مواجهتها وتخطيها. فكيف كان دور الشرير توعية ضد الشر في عصر، وكيف صار ناشرًا للشر في عصر آخر؟!

والإجابة أن الفن الجيد لا يقف مع الشر؛ فلم يكن يومًا الشرير هو البطل في أدبنا وفنوننا، ومنذ أن أصبح الشرير بطلًا انتشرت الشرور بأصنافها في المجتمع.

وأدوار الفنان فريد شوقي تعد مثالًا جيدًا في هذا الشأن؛ ففي بداياته في الأفلام القديمة جدًا كان يقوم بدور الشرير التقليدي كدور ثانوي، ولأنه أراد أن يقوم بدور البطل بعد ذلك كان لزامًا أن تحدث نقلة في أدواره، فصار فُتوة الناس الغلابة؛ كي لا يكون موصومًا بالترويج للشر.

وليس الأمر متعلقًا بالتحذير من الشر وحده، بل تمتد رسالة الفن الحقيقي حتى إلى الخطأ، فوظيفة الفن هي تهيئة وتحذير أفراد المجتمع باحتمال مواجهة صنوف المشكلات الممكنة في المجتمع في حياتهم الشخصية والمهنية، ومنعهم من الزلل والوقوع في الخطأ.

ونرى البطل حين يقع في الخطأ في الأفلام القديمة يُصرِّح بكونه أخطأ ويندم على خطئه، ولعل أشهر مثال يحضرني على ذلك قصة فيلم "أبي فوق الشجرة"؛ التي كانت في حقيقتها قصة زلل آدم وخروجه من الجنة بينما ظن أنه يدخلها، ثم ندمه وتوبته بعد ذلك؛ فحتى الأفلام التجارية قديمًا -التي تُعنى بإرضاء أذواق الجمهور، وقد تلقى نقدًا لاذعًا مستحقًا لأجل هذا- كانت كثير منها تحمل فكرًا وتسهم في تشكيل الوعي لدى أفراد المجتمع وإن تم ذلك بطريقة غير مباشرة بمخاطبة اللا وعي!

ولإدراك غالب أهل الفن قديمًا لدورهم، فقد كان لوجود شخصية الشرير أو الشريرة -التي يتم تحقيرها عمدًا-، أو شخصية المخطئ -النادم على أفعاله- في أغلب القصص السينمائية دور توعوي بالمشاكل الاجتماعية التي تطرحها تلك القصص، ولمسنا أثر ذلك في قلة المشاكل الاجتماعية التي طرحتها تلك الأفلام في المجتمع، والعكس في عصرنا؛ حيث كاد يختفي دور الفن؛ فقلت التوعية وزاد انتشار المشاكل.

وكباحثة في المجال النفسي والاجتماعي، ومتخصصة في المقام الأول في إعطاء استشارات اجتماعية، كثيرًا ما أبحث عن المشكلات التي تتكرر أمامي في الحالات المعروضة عليّ فيما يقدمه أهل الفن فلا أجد في المحتوى الجديد منها شيئًا، في حين أنني كثيرًا ما أشاهد كثيرًا من هذه الحالات ماثلة في الأفلام القديمة، فهل تصور أهل الفن حديثًا أن هذه المشكلات الاجتماعية قد اختفت أو ندرت في المجتمع حتى لم تعد تظهر فيما يقدمونه؟!

ذات مرة كانت المشكلة التي أناقشها مع بعض الناس هي إشاعة تعرضت لها فتاة من شخص تافه لا وزن له بأنه على علاقة غرامية بها! وكان من الواضح أنه كاذب ولا دليل لديه إلا ما يدعيه، فحتى رقم تليفونها لم يكن لديه! ثم أنه حدث موقف جعل المحيطون به يتشككون في كذبه، ولكن عقولهم لم تتقبل أن كل ما كان يحكيه هو محض كذب. ولم أجد أفضل من التشبيه بمثال الدور الذي لعبه الفنان يوسف شعبان في فيلم "معبودة الجماهير"، حين كان يكذب ويكذب ويدعي وجود علاقة بينه وبين البطلة، ولكن ما لبث كذبه أن انكشف عندما رأى الصحفيان -اللذان كانا في انتظار إعلان خبر الخطوبة- البطلة تخرج مع البطل من باب خلفي بعيدًا عن الأعين، ليكتشفا حجم الكذبة التي حيكت لهما وصدقاها. وكيف أن هذا الشرير بعد ذلك لم يهنأ له بال حتى أفسد ودمر علاقة البطلين في الفيلم؛ انتقامًا بعد أن فُضح كذبه.

أذكر يومها أنني احتجت إلى جمع مزيد من الأدلة حتى تأكدت لهم براءة الفتاة، وكانت صعوبة تصديق المثال الذي طرحه الفيلم مصدرها أن قصة كهذه صارت قديمة ولا يُعقل حدوثها في عصرنا هذا! فلأن القصة لا يُناقش مثيلها في الفن المعاصر زال الوعي لدى الناس بإمكانية حدوث المشكلة!

بينما في الفن القديم يمكن أن نجد قصصًا ناقشت إدعاء وجود علاقات وهمية إما مع شخص بعينه ذي قيمة كبيرة للتباهي أو للمصلحة، كما في "معبودة الجماهير"، أو إدعاء علاقات متعددة لا أساس لها في الواقع مع نساء، وهو دور الشهريار المزيف، أو إدعاء العلاقات الزائفة لأجل تخريب حياة الناس كراهية أو انتقامًا، أو لإبعاد شخص مميز عمن يدّعون علاقتهم العاطفية به، وهذه كلها إدعاءات تحدث لأغراض شخصية، ولا يمنع أن ناقش الفن مشكلة إدعاء علاقات مع مسئولين ونافذين لأجل مصالح مهنية، كما كان الحال في الشخصية الشهيرة "علي بيه مظهر".

والشيء المشترك بين كل هؤلاء الأدعياء أنهم مرضى نفسيون، غير قادرين على مواجهة واقعهم الاجتماعي كما هو، والعمل على تغييره بشكل إيجابي. والحراك الاجتماعي والارتقاء في طبقات المجتمع وإعلاء الذكر بين الناس يمكن حدوثه، ولكن فرق كبير بين العصامي والمتسلق، وبين الراقي والحقير!

وهناك أيضًا في المجتمع من ينشر الأكاذيب عن الناس ويشهر بهم ابتزازًا، وندر أن نجد أمثالهم في الفن أو الأدب المعاصر. في بريد الجمعة بجريدة الأهرام، في عصره الذهبي -وقت أن كان يشرف عليه المرحوم الأستاذ عبد الوهاب مطاوع- أذكر قصة طويلة نشرها عن شاب فاسد أحب فتاة رائعة فائقة الجمال وعلى خلق، ولأنها رفضته صار يشهر بها وبسمعتها ليطرد عنها الخاطبين، ثم يعاود طلب خطبتها، حتى اضطرها أهلها لقبول الزواج منه لأنه الحل الوحيد –كما رأوه- لتنقية سمعتها وإعادتها كما كانت وكشف كذبه، ثم يطلقونها منه بعد إتمام الخطة!

وكثيرًا ما قابلتني مشكلات اجتماعية يقوم فيها أحد الأطراف بالتهديد بالتشهير بالطرف الآخر ترهيبًا؛ لضمان عدم مطالبتهم بميراثهم أو أي من حقوقهم، وغالبًا ما يلجأ لهذا النوع من التشهير الرجال لمنع النساء حقوقهن المالية في الميراث أو النفقة، أو لنقل حضانة الأبناء إليهم. وأذكر أن تلك القضية نوقشت بشكل عرضي في أحد الأدوار في مسلسل "ضمير أبلة حكمت" أواخر العقد التاسع من القرن الماضي، وكان من يتم التشهير بها معلمة ثانوي فاضلة، فأين الفن من أمثال هذه القضايا الآن؟!

كانت أغلب الأدوار الشريرة أدوارًا ثانوية رغم أن حبكة قصة العمل الفني قائمة عليها، ولم يكن يُسمح لمن يقوم بها غالبًا بأداء دور البطولة؛ وعيًا من العاملين في الحقل الفني برغبة المراهقين في تقليد البطل ونسخ سلوكه، تلك الرغبة والتهيؤ التي تحدث عنها تفصيلًا عالم النفس الأمريكي الشهير ألبرت باندورا في نظريته عن التعلم الاجتماعي بالنمذجة.

بل كان من يقوم بدور الشرير وينجح فيه يبقى محصورًا في الغالب في تلك النوعية من الأدوار، كي لا ينفر المشاهد من أي دور طيب يقوم ببطولته أحد شريري الشاشة، وللممثل توفيق الدقن -الذي كان مشهورًا بأداء أدوار الشر- قصة شهيرة؛ حين استبعده المخرج العالمي مصطفى العقاد من دور لأحد الصحابة كان مرشحًا له في فيلم "الرسالة"، فقال له الدقن حين قابله بعد عرض الفيلم ومعرفته بسبب الاستبعاد: فلِم لم تعطني دور أحد كفار قريش، أم خفت على تدني صورة الكفار في نظر المشاهدين؟!

وبداية نقرر أن مشكلات اجتماعية كالإدعاء ونشر الأكاذيب وتخريب حياة الناس لم تكن لتحدث وينجح المفتري في تحقيق هدفه لولا وجود قطاع عريض من بيننا لا يعملون بالأمر القرآني الشهير ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]. آخذين في المقابل بالمثل الشهير "ساهية ووراها داهية، واللي تحسبه موسى يطلع فرعون"، والمثل الأشهر "لا دخان بغير نار"، وإن كانت الحياة تخبرنا كثيرًا بقدرة كثير من البشر على نشر دخان وهمي ضبابي حول من يحقدون عليهم، والمشكلة الأكبر فيمن يستمع إليهم ويقبل قولهم، وكأن سوء الظن متوفر دائمًا لدى هؤلاء ولا مجال لإحسان الظن بأحد مهما كان منه من خير سابق. وصدق المثل الشعبي المصري "اتلم الكذاب على الأهبل"!

ولكنني أيضًا أجزم أن التشنيع على الأبرياء لم يكن لينجح لو كان لدى الناس الوعي الكافي عنه؛ ذلك الوعي الذي أصبح شبه مفقود بسبب غياب رسالة الفن الحقيقي. والمشاكل الاجتماعية الناشئة عن الإدعاء والتشهير تكاد تكون اختفت أدوارها في الفن المعاصر، مثلما اختفى دور الشرير التقليدي الكريه، في الوقت الذي انتشرت فيه القصص التافهة التي تركز على دور البطل البلطجي، وهي شخصية سافرة الشر، ليس أفراد المجتمع في حاجة إلى التنبيه منها والتعريف بها، والأهم أن المعالجة التي تتم لها لا تجعل منها شخصية بغيضة، بل تدعو الشباب والمراهقين إلى تقليدها، وتزينها لهم.

ختامًا، فإن مشاكلنا الاجتماعية الحقيقية متعددة، وغياب الفن عن مناقشتها هو المشكلة الأكبر، فإن كان الفن حاليًا يركز على دور الشرير ليصنع منه البطل، فكيف غاب عنهم إمكانية مناقشة مثل تلك القضايا الاجتماعية التي طرحت أمثلة عنها بعد تحوير وتعديل ليصير البطل ليس هو الطيب الذي يُكاد له كما كان الحال في الأفلام القديمة، بل ليصير البطل هو ذلك الشرير الذي يكيد لغيره، مع جعلها شخصية شريرة كريهة خاطئة، ليس فيها ما يغري بالتقليد، فعلى الأقل ستكون هناك قضايا ذات قيمة يقوم الفن المعاصر بمناقشتها بدلًا من الهراء الذي يُقدم ولا نجد فيه نفعًا!

 

د. منى زيتون

 

 

مجدي ابراهيمخصّص المستشرق البريطاني "رينولد ألن نيكولسون" (Reynold Alleyne Nicholson) في كتابه عن الأدب العربي، فصلاً ممتازاً عن "محمد والقرآن" جاء فيه : أنه لم يكد محمد يظهر حتى زالت الغشاوة الكثيفة. ورفع ذلك السّتار السميك عن ذلك العصر الذي تقدّمه، ثم نجد أنفسنا قد وقفنا فجأة عند حقائق وتقاليد تاريخية صحيحة وثابتة.

ولكي نفهم أسباب ذلك التغيير المفاجئ، لا بد من ذكر المصادر الرئيسة التي نستمد منها ما نأخذه من معلومات عن حياة النبي وتعاليمه : فالقرآن هو لا شك أول المصادر، وهو السجل الإنساني الكامل البنيان، والبيان الذي نقف منه على جميع أطوار شخصية محمد، وعن مختلف العلاقات بينه في حياته الخاصّة وبين الحياة العامة. ويتابع نيكولسون وصفه للقرآن كونه الأساس الصالح بإطلاق لكل ما يمكن أن يكون مرآه تنعكس عليها شخصية النبي صلوات الله عليه وعلاقاته مع كل من يحيط به ليقول : وهكذا؛ نجد بين أيدينا هذا الكتاب (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه)؛ وإنّه لكتابٌ عزيزٌ : أي فريد في بابه، نستخرج منه الأصول والتطورات التي مرَّ بها الإسلام في أول عهده. وإنها لميزة لهذا الدِّين لا نجدها لغيره من الأديان الأخرى؛ كالبوذية والمسيحية واليهودية وغيرها" (أ. هـ).

غير أنه في موضع آخر ادّعى أن القرآن صنع فجوة بين الإنسان والله المتسامي، وأن الأولياء الكمَّل وحدهم بإمكانهم عبور هذه "الفجوة" التي صنعها القرآن كيما يتوحّدوا مع الله  ( P.78 .studies in Islamic mysticism). ولكن اللافت للنظر حقاً هو غرابة هذه الدعوى التي يدَّعيها نيكولسون وغرابة المقصود بها، وهى غرابة توضّح قلة حظ المستشرقين من فهم مقاصد النصوص القرآنية في أغوارها البعيدة.

فلئن كان المقصود بتلك "الفجوة" أن القرآن عائق للإنسان عن الاتصال الروحي بحيث يكون العيب في النص الديني نفسه، فهو قصد مُوَجّه نحو تشويه النصوص الدينية في الأساس وقلة الإحاطة بمقاصدها ومراميها، إلا أننا نفترض في نيكولسون حُسن النية؛ ليجيء المقصود من تلك الفجوة هو أن يكون القرآن قابلاً لتوجه الإنسان الروحي وإثارة كوامنه الباطنة في بلوغ قمة التواصل الروحي؛ وإذْ ذَاَكَ يكون العيب في الإنسان نفسه الذي عطل وسائل تواصله، وعطل معها قواه الباطنة لا في النص القرآني : قانون الأمة الذي تهتدي بهداه، وتخاطب بواطنه وخوافيه كما تخاطب ظواهره وبواديه.

ولا يعقل أن يصنع النص القرآني تلك الفجوة وهو قادر على مخاطبة كل ما في الإنسان من تواجد الملكات : حضورها وتنميتها واتساعها.

وفي التعطيل تكمن كل آفات الغفلة التي هى ضد مطالب الحضور. وهكذا؛ نلاحظ كما يكون القرآن مطلب حضور بالنسبة (للقارئ، التالي، الذاكر) لا يتسنى الإقبال عليه من غير توافر هذا المطلب، يكون كذلك مطلب علم للذين يدرسون الإسلام، ويعرفون من خلاله الأصول والتطورات التي مَرّ بها هذا الدين.

فلا يكاد يعرف العارفون شيئاً عن الإسلام بغير الرجوع إلى القرآن؛ ليتخذونه مصدراً من مصادر المعرفة سواء عن شخصية نبي الإسلام، صلوات الله وسلامه عليه، أو عن ظروف نشأته الأوليّة وتطوراته الروحيّة والخُلقية على وجه الإجمال. وممّا ذكره المستشرق الفرنسي "إميل ديرمانجيم"؛ وهو الذي أخذ عنه الدكتور محمد حسين هيكل كتاب "حياة محمد"، أنه لاحظ أن التسرع في الأحكام قد حال زمناً طويلاً دون دراسة علمية حَقة لأصول الإسلام؛ وهو يقصد بذلك آراء بعض المستشرقين الذين لم ينصفوا الدين الإسلامي. ولم يكن لهم نزاهة البحث وأمانته إزاء الحديث عن نبي الإسلام؛ ففي القرون التي اشتعلت فيها الحرب بين الإسلام والمسيحية اشتد النفور بين الفريقين، وأساء كل واحد منهما فهم الآخر، ولكن يجب الاعتراف - هكذا يقول "إميل ديرمانجيم" ممّا نقله عنه الدكتور محمد غلاب - بأن إساءة الفهم كانت من جانب الغربيين أكثر ممّا كانت من جانب الشرقيين. وفي الواقع أنه على أثر تلك المعارك العقلية العنيفة التي أرهق فيها الجدليون البيزنطيون الإسلام بمساوئ واحتقارات، دون أن يتعبوا أنفسهم في دراسته، هَبَّ الكتاب والشعراء المرتزقة من الغربيين، وأخذوا يهاجمون العرب، فلم تكن مهاجمتهم إيّاهم إلا تهماً باطلة، بل ومتناقضة.

ويؤكد "البارون كارا دي فو" في كتابه "المحمديّة" هذا الذي ذهب إليه "ديرمانجيم" قائلاً :" إنّ محمداً ظل وقتاً طويلاً معروفاً في الغرب معرفة سيئة، فلم توجد خرافة ولا فظاظة إلا نسبوها إليه". وإن "ديرمانجيم" ليذكر منصفاً كثيراً من جوانب شخصية محمد - صلوات الله وسلامه عليه - كونه حكيماً وإنساناً ونبياً.

غير أنه يقول عن القرآن :" إنّ كل نبيّ يجب أن يأتي ببرهان من طبيعة خاصّة يكون آية على صدق رسالته. وهذا البرهان يسمى بالمعجزة، وهو يختلف عما يأتي به الأولياء ويسمى كرامة ... والقرآن معجزة محمد ... فإنّ جماله الأدبي الفائق وقوته النورانية، لا يزالان إلى اليوم لغزاً لم يحل، وهما يضعان من يتلوه - ولو كان أقلّ الناس تقوى - في حالة خاصّة من الحماسة. وقد تحدى محمد الأناسي والجن أن يأتوا بمثله. وهذا هو برهان رسالته بالمعنى الكامل. ولم يكن الأمر في القرآن يتعلق بقيمة أدبية استثنائية، فإن محمداً كان يحتقر الشعراء ودفع عن نفسه أن يكون واحداً منهم ... ولكن الأمر يتعلق بشيء آخر غير هذه القيمة وهو الفرق بين وحي الإله وإلهام الشيطان" (هذا هو الإسلام : ص 84  وص 92).

ويظهر - كما نلاحظ بمقدار لا حظنا في السابق تلك "الفجوة" التي أحدثها القرآن في رأي نيكولسون - من طريقة عرض هذا المستشرق لفكرته عن القرآن : أنه يكتب للغربيين، لم يستطع أن ينفذ إلى أغوار المعنى في آيات الذكر الحكيم؛ لأن هذه الآيات نفسها لم تنفذ إلى أغواره الباطنة كما لم تكن تنفذ في أغوار نيكولسون الباطنة، وإنما كما يبدو من كتابة "ديرمانجيم" يأخذها مأخذ الظاهر العابر الذي يدرس القرآن دراسة نظرية لم يتحقق فيها بشيء على مستوى المباشرة، أعنى المستوى العملي التطبيقي، وهو عندنا الشرط الذي إذا غَاب أو فُقد لم يجعل من الحضور مادته الأولى. ومعلومُ ببداهة النظر إلى القرآن الكريم أنه قد جعل العقل حَكَمَاً منذ البداية، وجعل البرهان أساس العلم، وعاب التقليد وذم المقلدين، وأنَّبَ من يتبع الظن وقال : "إنّ الظن لا يُغني من الحق شيئاً".

وعَابَ تقديس ما عليه الآباء، وفرض الدعوة بالحكمة لمن يفقهها، وأخذ بالموازنة والترتيب واستخلاص النتائج بالاستنباط القائم على المقدمات العلمية. ولم تكن معجزة محمد صلى الله عليه وسلم القاهرة إلا في القرآن, وهى معجزة عقلية. وما أبدع قول البوصيري حيث قال : 

لم يَمْتَحِنا بما تعيا العقولُ به

                        حِرصَاً علينا، فلم نَرْتَبْ ولم نَهِم

أمّا كون القرآن معجزة عقلية؛ فلأن طريقة القرآن هى نفسها طريقة علماء السلف المسلمين. وما أنصف المقدمة النقدية التي كتبها الأستاذ الأكبر محمد مصطفي المراغي في 15 فبراير سنة 1935م على كتاب "حياة محمد" للدكتور هيكل، وما أكثرها حيطة؛ فقد جاء فيها : أن أوّلُّ واجب على المكلف كما قرّر علماء السلف هو معرفة الله، ولا طريق إلى المعرفة إلا بالبرهان وإقامة الحجة. وهذا نفسه القانون العلمي في البحث معروف في القديم والحديث.

وقد جرى الإمام الغزالي على الطريقة نفسها، طريقة القرآن، إذْ قرّر في أحد كتبه أنه جَرّد نفسه من جميع الآراء ثم فكر وقدّر، ورتب ووازن، وقرّب وباعد، وعرض الأدلة وهذبها وحللها، ثم أهتدى بعد ذلك كله إلى أن الإسلام حق وإلى ما أهتدى إليه من الآراء، وقد فعل هذا ليجافي التقليد؛ وليكون إيمانه إيمان المستيقن المعتمد على الدليل والبرهان، ذلك الإيمان الذي لا يختلف المسلمون في صحته ونجاة صاحبه (حياة محمد، دار المعارف، القاهرة د/ ت، ص 13-14).

ومن وجهة النظر العقلية البحتة، وهى التي تجعل من القرآن معجزة عقلية : لم يكن في الإسلام ما في الدين - من حيث هو دين - من خصوصيات الأسرار في جميع الثقافات؛ فإنّ الحق الذي لا مريّة فيه - من وجهة النظر العقلية البحتة أيضاً - أن الإسلام؛ رسولاً وكتاباً؛ يتميز عن غيره من الديانات بخلوّه من ثقل "الأسرار" (Mysteres) التي تجعل المعرفة "بالدين" تقع خارج تناول العقل. إنّ المعرفة الدينية في هذه الحالة من اختصاص فئة قليلة من الناس هم وحدهم "العارفون" المتصلون بالحقيقة الدينية، وهم وحدهم رؤساء الدين ومرجعياته ورعاته، والبقيّة رعية ومقلدون. أمّا "الرئيس الأول" المؤسس للدين، فيوضع في مرتبة الألوهية والبشرية، وأحياناً يُرفع إلى مستوى الألوهية. وأمّا النصوص الدينية فتُعتَبر رموزاً مليئة بالأسرار لا يتولى تأوليها وفك ألغازها إلا "العالمون" بفك الرموز وتأويل الأحلام (يُراجَع : محمد عابد الجابري : مدخل إلى القرآن الكريم، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى، 2006م؛ ص 429). ربما كان هذا من "خصوصيات الدّين" في جميع الثقافات. ومن المؤكد أن الإسلام قد عرف تيارات تلتقي بصورة أو بأخرى مع هذا النوع من التصور للدّين، تيارات تنتمي إلى الموروث الديني الحضاري الذي كان يقع خارج الدعوة المحمديّة كما اكتملت عناصرها وتحدّدت آفاقها في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم. فالدعوة المحمدية نفسها، نبيّاً وقرآناً، لم تعرف أسراراً من هذا النوع، تغذي هذا الوجدان الصوفي بمثل ما يتشابه مع المسيحية، إذْ لم يوجد فيها بوصفها "دعوة" ما يدعو إلى اعتبار العقل قاصراً عن معرفة أي شأن من شؤون الدين الذي تدعو إليه. بل بالعكس، لقد كانت حياة الرسول وتعاليم الكتاب الكريم (القرآن)، موضوعاً مفتوحاً لإعمال العقل. كانت تجربة الوحي مرفوقة بمعاناة نفسية واجتماعية معروفة في عصره، هى نفسها تلك التي اتهمه بها خصوم الدعوة المحمدية منذُ ابتداء أمرها. (راجع : مدخل إلى القرآن الكريم : ص430). فكل هذا؛ يؤكد أن القرآن كما كان على القصد مطلب حضور، كان كذلك مطلب علم وبحث ونظر وتعليل. فلئن كان هذا المُدخل يؤكد ما في القرآن، فإن مناقشتنا له - مع خلاف الرأي والرؤية ـ ليست بأقل تأكيداً أيضاً على ما في القرآن الكريم.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم د. مجدي إبراهيم

 

سليم جواد الفهدورد أمر الشورى في القرآن في آيتين هما قوله: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} (الشورى:38).

وقوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (آل عمران:159).

والآن نتساءل ما الجديد الذي آتى به القرآن في موضوع الشورى؟  وماهي الإضافة التي أضافها على ما كان موجودا ومعروفا ومعمولا به؟ الجواب بالتأكيد لا جديد ولا اضافة بل الاكثر من ذلك أن القرآن سكت عن تفاصيل مهمة جدا كان من المفترض الاشارة إليها بل كان من الضروري والواجب الاشارة إليها حتى لا يصيب الارتباك من يريد تطبيقها على أرض الواقع. وإليك ماسكت عنه القرآن:

1- أهل الشورى من هم؟ هل هم جميع المسلمين أم أشخاص مخصوصين؟

2- إذا كانوا مخصوصين فما هو الاعتبار في اختصاصهم؟

3- ما هي كيفية الوصول إليهم؟

4- ماهي كيفية تعينهم هل هي بتعيين من النبي أو الخليفة؟ أم بالترشيح من الناس أم بغير ذلك؟

5- بعد وفاة النبي ما هو مجال العمل عند أهل الشورى؟ هل هو مجال النصوص فهماً وتطبيقاً؟ أم مجال الجديد من المعاملات تشريعاً وتقنيناً.

هذه الأسئلة لم يجب عليها أحد ولم يخض أحد في تفصيلاتها لأن الخوض في تفصيلاتها يوصل الى نتيجة مفادها أن الشورى في القرآن ليست نظام حكم بل ولا نظام حياة وليست معالجة لأي عمل وإنما هي وسيلة أو اسلوب أو كيفية للتحري عن الراي الصائب لا أكثر. ثم يأخذ النبي الرأي الذي يراه صائبا ويعزم ويتوكل على الله كما تشير الآية بوضوح.

ما هو الأمر المقصود في الآية.

{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (آل عمران:159).

إن الأمر المقصود التشاور فيه هو: مالا نص فيه على العموم إلا ما أخرجه الدليل من هذا العموم والإطلاق كالأحكام الشرعية المبرمة المنصص بها بنص من قرآن أو سنة فمثل هذه الأحكام ليست محلاً للشورى لأنها ليست محلاً للاجتهاد أصلاً إذ لا اجتهاد في مورد النص.

من هذا نفهم إن مشاورة النبي لأصحابه إنما كانت بمثابة جبر لخواطرهم وهي تمثل عنصر استقرار لنفوسهم وتوحيد لصفهم واستخراج لمواهبهم وطاقاتهم وذلك حتى يقوى إيمانهم ويزداد تعلقهم بالنبي وحبهم له وطاعتهم وانصياعهم لقيادته.

والدليل على ذلك أن جميع الفقهاء يجمعون على ان الشورى غير ملزمة للنبي لا شرعاً ولا عقلاً.

أما شرعاً: فالنبي غير ملزم إلا باتباع الوحي ونص آية الشورى نص صريح إذ يقول للنبي: (فإذا عزمت فتوكل على الله).

وأما عقلاً: فلأن النبي معصوم لا ينطق عن الهوى ولا يتكلم عن جهل ولا ينوبه عجز عن حل أي معضلة ولا ينقصه علم بأمر من الأمور وغيره من الأصحاب الذين يستشيرهم ليسوا كذلك فما هو مبرر أن يستشير المعصوم الذي لا يخطأ صحابيا يخطأ؟

الظاهر أن المبرر المنطقي الوحيد هو أن حكمة النبي تقتضي إمضاء الشورى ليكون لها أثر في نفوس الصحابة المستشارين فتطيب بطاعة القيادة قلوبهم بعد أن يشعروا أن لهم أثرا ولو كان صوريا وهذه هي الدلالة الحقيقة للشورى في القرآن عبارة عن اجراء صوري لا أكثر هدفها الأساس عدم الانفراد بالرأي الذي يستدعي حتما نفور الصحابة من النبي الذي ينتج من شعورهم بعدم أهميتهم وهامشيتهم في القرار.

نموذجين من الشورى الكارثية.

في أوقات أقدم النبي على الأخذ بشورى بعض الصحابة كانت النتائج كالتالي:

أولا: في معركة أحد أشار بعض المسلمين على النبي بالبقاء في المدينة وألح عليه آخرون بالخروج والكل يقدر جانب المصلحة من زاوية نظره وفهمه ولم يكن أحد من الفريقين يقطع بيقين أين يكون الخير فقرر النبي أن يأخذ برأي أصحاب الخروج من المدينة وكانت خسارة معركة أحد مدوية بعد أن نزل الرماة من على الجبل وكشف ظهر المسلمين.

والرواية باختصار: (في السنة الثالثة من الهجرة حدثت معركة أحد وقد ورد حديث عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله قال: "رأيت كأني في درع حصينة، ورأيت بقراً ينحر، فأولت أن الدرعَ الحصينةَ المدينةُ، وأن البقرَ هوَ واللهِ خَيرٌ". قال: فقال لأصحابه: "لو أنا أقمنا بالمدينة، فإن دخلوا علينا فيها قاتلناهم". فقالوا: يا رسول الله، ما دخل علينا فيها في الجاهلية، فكيف يدخل علينا فيها في الإسلام.

فقال: "شأنكم إذن".

قال: فلبس لامة الحرب. قال: فقالت الأنصار: رددنا على رسول الله رأيه فجاؤوا فقالوا: يا نبي الله شأنك إذن.

فقال: "إنه ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل"."1"

هنا يتبرعم سؤال من غرابة الموقف هو لماذا يتكلم الوحي بتفصيل عن أمور جزئية غير مصيرية كالعبادات وكيفيتها والوصايا الأخلاقية وطبيعتها ويسكت في موقف الحرب وهو موقف خطير يترتب عليه مصير الإسلام والمسلمين؟

ثانيا: شورى مأساة بني قريضة. حاصر النبي بني قريظة قرابة شهر في حصونهم ثم قبلوا النزول من حصونهم ولكن على حكم سعد بن معاذ الذي كان حليفاً لهم في الجاهلية ظناً منهم أنه سيكون رحيماً بهم وقبل النبي عرضهم هذا ثم دعي سعد من المدينة حيث كان يمرض فيها من سهم أصابه في الخندق فقال سعد بعد أن جلس للحكم: حكمي نافذ على الجميع؟ فأشار النبي: أن نعم وهكذا قال رؤساء اليهود فقال سعد: فإني أحكم بأن تقتل مقاتلتهم وتسبى نساؤهم وذراريهم. فقال له النبي: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات."2 "

 وكانت مأساة حقيقية ومجزرة مروعة وصل عدد القتلى فيها من اليهود ما يقارب800 إنسان أغلبهم من الشباب والأطفال.

.... للحديث بقية

 

سليم جواد الفهد

..........................

المصادر:

1- ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، الرقم: 7/436

2- سيرة ابن هشام.

 

ما هي الاثار المترتبة لانتشار جائحة كوفد 19 على مستقبل التعليم العالي والجامعات؟

يبدو ان احدى هذه الآثار قد بدأ فعلا في الظهور فبعد سنوات من النقاش والجدل حول ما إذا كان على الجامعات ان تتبنى بشكل كبير التعليم عبر الإنترنت، توقف النقاش فجأة وبدأ العمل فعلاً به او بشكل مشابه له. بصورة او بأخرى يتم حاليا استخدام الانترنت لنقل المعلومات من الأستاذ الى الطالب.

الازمات والابتكار

كثيرا ما تؤدي الحروب والأوبئة، بجانب نتائجها الكارثية، الى نتائج في صالح البشرية بصورة اكتشافات علمية واختراعات، والأهم من ذلك منهجيات وأساليب جديدة، فعندما أودت الإنفلونزا الإسبانية بين عامي 1918-1920 بحياة 100 مليون شخص في جميع أنحاء العالم، أدت إلى الاعتراف بالتمريض كمهنة للنساء، والى استخدام الأقنعة واكتشاف لقاح الإنفلونزا. وأدت الحرب العالمية الأولى والثانية إلى اختراع الجراحة التجميلية، والفولاذ المقاوم للصدأ، وساعات المعصم، والرادارات، وأجهزة الاتصال اللاسلكية، وأجهزة الرؤية الليلية، والشريط اللاصق، والصواريخ، والتكنولوجيا النووية. وأدت أزمة النفط في أوائل السبعينيات إلى البحث عن مصادر بديلة وطاقة متجددة. هذا لربما يجعلنا نعتقد بأنه عند انتهاء الحرب ضد الفيروس ستظهر بعض النتائج الإيجابية للبشرية. لا اعرف بالضبط ماذا سيحصل لكن لحظات الأزمات والاوبئة توفر أيضًا فرصة لكي نفكر في استخدام أمثل وأكثر مرونة للتكنولوجيا، والاعتماد على العلم بدلاً من الاعتقاد الأعمى، وعلى التعاون بدلاً من التحامل، والرعاية الصحية والاقتصاد وأنماط الحياة الصديقة للبيئة. لا أحد يعرف بالضبط ما سيأتي وما سيحصل.

 

التعليم الالكتروني 

قد يكون فيروس كوفد -19 هو البداية الجديدة لإمكانيات التعلم الإلكتروني لقطاع التعليم العالي في جميع أنحاء العالم. فلم يعد من الممكن رفض الحاجة إلى خيارات التعلم عبر الإنترنت وخيارات ما يسمى ب (الكورسات الضخمة المفتوحة عبر الإنترنت). لربما سيصبح التعليم عن بعد بديلاً معترفًا به للتعليم التقليدي. إنه أقل كثافة في رأس المال ويتلاءم مع الحاجة إلى تحسين الكفاءة الرقمية للطلاب.  وقد يحدث التعليم الافتراضي ثورة في التعليم العالي لأن الطلاب في يومنا الراهن لديهم قدرة أعلى على التكيف مع التكنولوجيا والبوابات الإلكترونية. حتى بالنسبة للتعليم المدرسي المتمثل بالصفوف الدراسية، سيضطر التعليم إلى الانتقال عبر الإنترنت - وقد يصبح هذا هو القاعدة من الآن فصاعدًا. سيوفر التعليم الافتراضي فرصاً اجتماعية كبيرة للمحرومين اقتصاديا وللشغيلة ولهؤلاء الذين لا يمكنهم تحمل التنقل لمسافات طويلة.

بالفعل قفزت العديد من الشركات في هذا المجال. ومن الأمثلة على ذلك شركة ادكس (edX) التي أسستها جامعتي هارفارد وأم آي تي(MIT) ، ويستخدم خدماتها اليوم 20 مليون شخص. لديها كورسات لجميع الفئات – من مواضيع تقنية مثل علوم الكمبيوتر إلى الدراسات الانسانية مثل الفنون والأداب. تستجيب هذه الشركات الى حاجة السوق للتدريب والشهادات بالدراسة من أي مكان وبطريقة مرنة وابداعية. إن التعليم عبر الإنترنت، الذي يتم تنظيمه بشكل صحيح، سيتمكن من الاستفادة من التدريسيين الخارجيين من أصحاب الخبرة النادرة والموهوبين الضروريين لإحداث فرق في مستويات التدريس. ولربما تصبح المؤسسات التعليمية التي لا تتكيف مع التدريس الرقمي غير قادرة على المنافسة وغير مستدامة من الناحية التشغيلية.

التعليم العالي العراقي في مرحلة ما بعد كرونا

في العراق، أتوقع ان يضطر المسؤولون في الوزارة والجامعات الى قبول التعليم عن بعد كجزء من عمليات التعليم والتعلم، وهذا بدوره سيؤدي الى اضطرار الكليات والاقسام والتدريسيين إلى التفكير والنظر في أي جزء من المنهج التعليمي سيتم تقديمه عبر المحاضرات الصفية وأي جزء سيتم تقديمه عبر الإنترنت. سيحدث هذا بالرغم من معارضة كثير من الطلبة لهذا النوع من التعليم، وبالرغم من ضعف معارف التدريسيين في اساليبه وطرق استخداماته وانعدام خبرتهم بالتدريس عبر الانترنت. ولان الحاجة أم الاختراع، فقد بدأت إعلانات الدورات التدريبية لمنصات التعليم عن بعد تغرق مواقع التواصل الاجتماعي داعية التدريسيين للمشاركة وتعلم هذه التكنولوجيا الجديدة وطبعا كالعادة تكون المكافأة مضمونة تطبيقا لشعار "لا مشاركة بدون شهادة اشتراك".

من جانب آخر، قد لا يساعد الهيكل التنظيمي للجامعات العراقية على تحقيق هذا التغيير في طرق التعليم والتعلم حيث انه تاريخيا يعتبر الهيكل التنظيمي الهرمي من بين أكبر العوائق التي تحول دون تغيير هادف. هذا هو الحال بالتأكيد لما نشهده اليوم مع "نظام المقررات المبني على الوحدات" والذي تحول الى نظام الكورسات الفصلي بسبب الحواجز الاكاديمية، والوظيفية بين الكليات والأقسام، وبين هيئة التدريس والإدارة، وفرضه بالقوة وبدون تجربته أولاً كما كان مقررا له في السابق. هناك حواجز أخرى يمكنها ان تكون حجر عثرة امام خلق التآزر اللازم لإنجاح نظام متداخل وفعال من التعليم الصفي والتعليم الالكتروني.

 اما توقعاتي لما سيحصل للتعليم العالي والتي لربما هي أبعد عن الحقيقة، وستكون مجرد تمنيات على حسب طبيعة الإدارة الجديدة للتعليم العالي، سأوجزها بالآتي:

- ستزداد الدعوات الى استقلالية الجامعات كحصيلة لفشل الوزارة في إدارة التعليم العالي خلال ازمة الكورونا وستعزز هذه العملية قطاع التعليم العالي المجاني وغير الربحي.

- ستظهر الحاجة لضمان جودة تنفيذ التقنيات التدريسية الجديدة في التعليم العالي، والتي ستكون شرطا لتنفيذ السياسات الجديدة في التعليم والتعلم الالكتروني.

- سيتم الاعتراف بالشهادات التي تعتمد على الدراسة عن بعد وخاصة تلك التي تمنحها الجامعات العالمية الرصينة.

- سيتعين على الدولة، كردة فعل على فشل الجامعات في تقديم مساهمات اكاديمية وبحثية تتعلق بجائحة الكورونا، اتخاذ تدابير تشريعية جديدة للضغط على الجامعات للانفتاح على الابتكار والشراكة المستمرة في نقل المعرفة مع أصحاب العمل، والمجتمعات المحلية، والمنظمات غير الحكومية وما إلى ذلك، وإعطاء اهتمام أكبر بالمشاريع العلمية للطلاب، وتعزيز تعليم الكبار في الجامعات، والتواصل مع الجامعات الغربية.

- ستضطر الجامعات والكليات الاهلية القريبة عن بعضها في الموقع على الاندماج، وعلى خفض الأجور والتكيف مع الوضع الجديد الذي يحتم الاستثمار في البحث العلمي، وتطوير الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

- سيتم تقديم تعليم مهني مرن للطلاب استنادًا إلى برنامج لبناء الكفاءات. من الأفضل ان يتم دمج التعليم عبر الإنترنت مع التعليم المهني، لأن هذا سيتيح فرصًا أكبر لتطوير طبيعة الدراسة المهنية، ولكن ما هو أكثر أهمية هو تجويد الدراسات بإدخال شركاء مختلفين في عملية الدراسة.

- ستدخل مقررات هدفها الأساسي هو التعلم الشخصي، والتعلم الرقمي والتعليم المهني.

- ستدخل طرق جديدة للامتحانات من خلال قياس الكفاءة والنتائج والعمل المختبري.

- سيتم تقديم خدمات استشارية واسعة للتعلم الرقمي والوظيفي.

لقد أجبرت جائحة كرونا الناس بالفعل على اعادة الاعتبار للعلم واحترام أهمية الخبرة وعلى نبذ القيم الفاسدة والخرافات. كان من السهل الاستسلام الى الخرافة، والسخرية من الأفكار العلمية حتى انتشار الوباء، وبدء البحث عن دواء ولقاح، وبعد ذلك بدأ الناس بالاستماع الى رأي العلماء وأصحاب الاختصاص، فأثبت العلم مرة أخرى انه الترياق المضاد للتسمم بالجهل والخرافات.

 

محمد الربيعي

بروفسور الهندسة الخلوية، جامعة دبلن

 

 

محمد بنيعيشعندما يختل التوازن؛ وتتأرجح القوة عند الفواجع والجوائح؛ يبرز التذبذب والزبد والتفل والغاز الكريه على السطح . فتصدر الأحكام التافهة والمتأرجحة بين الغلط واللغط، الذي يعني لغة الخشب والقصب الجارح والطافي على وجه الماء والملفوظة عنوة من أعماق البئران ولجي البحار .

فهل من سبيل لكشف هذه الأوبئة النفسية الراسخة؛ كما يجتهد العالم الآن بكل قواه؛ لكشف أعراض وحقيقة فيروس كورونا المستجد والعابر لا غير؟.

1) الفراسة والقيافة والتأسيس لعلم نفس الوجه

لا شك أن العرب والمسلمين خاصة قد علموا دور الوجه في الكشف عن مكامن شخصية الآخر وسبر أغواره النفسية وتحليلها.

فقد كانت الفراسة والقيافة وسائل لإثبات عدة قضايا نفسية ونسبية لديهم، وكان المتفرس أو القائف مع اختلاف في الهدف وطريقة الاكتشاف يصيب في كثير من الأحيان الحقيقة التي يبحث عنها من خلال هذا الإجراء المتميز.

من هنا فقد غلب على اعتقاد الناس ثبوت هذين الإجراءين بصفتهما علمين تجريبيين ثابتين، لهما شروطهما الموضوعية -مع اختلاف وظيفتهما ومصادر كل منهما طبعا-إذا توفرت في شخص ما فإنه سيكون مؤهلا لاعتماد أحكامه في إثبات قضايا قد يعجز البحث والتحري العادي عن أن يبث فيها أو يستدل عليها.

فعندما جاء الإسلام لم ينف هذين العلمين وكذلك لم يطلق لهما العنان كي يتدخلا في الصغيرة والكبيرة من الحياة العامة والخاصة للناس مجتمعات وأفراد وفي قضاياهم المعقدة، وإنما جعل لكل من القيافة والفراسة شروطا وظروفا استثنائية يمكن من خلالها الاعتماد عليهما استئناسا أو فصلا قضائيا.

فكان من أهم شروط الفراسة بالدرجة الأولى، لمناسبتها للموضوع الذي نحن بصدد معالجته الآن، هو قوة الإيمان بالله تعالى وغلبة عنصر أخلاق الصدق على صاحبها حتى يتيسر له بأن تكون أحكامه وبثه في موضوع ما محل ثقة وفأل، قد يصيب الهدف في كثير من الأحيان مصداقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم :"فراسة المؤمن لا تخطئ"و"اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله".

في حين أن القائف قد يشترط فيهما ما يشترط في الرجل كامل الأهلية، بحيث لا يقبل قوله إلا إذا كان ذكرا عدلا مجربا في الإصابة حرا، لأن قوله حكم والحكم تعتبر له هذه الشروط[1]...

من هنا فقد كان المسلمون هم الرواد دائما في هذا المجال وخاصة الفراسة، كما رويت عنهم أخبار كثيرة تدل على صدق فراستهم وقوة أحداسهم.

فكان الباب الأول الذي يتسرب منه المتفرس إلى المتفرس فيه هو وجهه، إذ بمجرد ما ينظر إليه حتى يقول له ماذا جئت به وماذا تنوي عمله...

إن هذا النوع من الفراسة وقراءة ما في الوجه قد كان بمثابة وسيلة فعالة للتحليل النفسي الجيد كما كان يقتضي مستويات عالية من السمو الروحي والطهارة النفسية، وكذلك الدربة على صحة التمييز وسلامة النظر وصفاء السريرة مع وجود قوة حدسية فائقة لدى الإنسان.

فهذا ما لا يمكن توفره إلا عند خواص عباد الله الصالحين، وهو ما يصطلح عليه بالفراسة الإلهية -حسب تعبير الشيخ محيي الدين بن عربي الحاتمي- قد دلت عليها النصوص الدينية والآثار، حيث يعرفها بأنها:"تتعلق بعلم ما تعطيه الفراسة الطبيعية وزيادة، وهي أنها تعطي معرفة السعيد من الشقي، ومعرفة الحركة من الإنسان المرْضية عند الله من غير المرضية التي وقعت منه من غير حضور صاحب هذا النور فإذ حضر بين يديه بعد انقضاء زمان تلك الحركة، وقد ترك ذلك العمل في العضو الذي كان منه ذلك العمل علامة لا يعرفها إلا صاحب الفراسة، فيقول له فيها بحسب ما كانت الحركة من طاعة أو معصية".

لكن الفراسة أو العلم عن طريق الوجه مقصود حديثنا عنه الآن هو تلك المعرفة من النوع العادي التي يمكن تحصيلها عن طريق التجربة والمشاهدة الحسية، وذلك من خلال الملاحظة الدقيقة لتصرفات الأشخاص وحركاتهم، وهو ما يعرف بالفراسة الطبيعية، التي ذكرها ابن عربي في النص السابق، حيث يعرفها بأنها:

"تعطي معرفة المعتدل في جميع أفعاله وأقواله وحركاته وسكناته، ومعرفة المنحرف في ذلك، فيفرق بالنظر في أعضائه ونشأة كل عضو بين الأخرق والعاقل والذكي والفطن و الفدن الغمر والشبق وغير الشبق، والغضوب وغير الغضوب والخبيث وغير الخبيث، والخداع والمحتال والسليم المسلم، والنزق وغير النزق، وما أشبه هذا"[2]. 

2) الوظيفة الرئيسية للعين في التعبير النفسي  

من هنا يبدو أن ابن حزم كان قد اكتسب جل ملاحظاته بخصوص هذا العلم أو الفراسة الطبيعية في ميدان الحب ومحيطه، ومن خلاله سيصدر أحكما كلية على وظيفة أعضاء الوجه بصفتها الممثلة الرسمية لخلجات النفس ومكامنها.

فكان من أهم هذه الأعضاء:حاسة البصر، وهي العين بكل أجزائها وحركاتها الخارجية، والتي بواسطتها تدرك علامات الحب، لأن للحب علامات يقفوها الفطن ويهتدي إليها الذكي.

"فأولها إدمان النظر، والعين باب النفس الشارع وهي المنقبة عن سرائرها والمعربة عن بواطنها، فترى الناظر لا يطرف ينتقل بتنقل المحبوب وينزوي بانزوائه ويميل حيث مال كالحرباء مع الشمس"[3].

وحينما يذكر العين ويقف عندها فذلك لا يعني أنها كل شيء في الوجه، بل إن حركات الوجه وهيئاته ما بين الانبساط[4] والانقباض كلها ذات دلالات خاصة بها وتأثيرات تكاد توازي ما تحتمله الألفاظ الصريحة، بل إن التعبير بالوجه أبلغ من التعبير بالألفاظ وخاصة في ميدان الحب، فتكون العين أهم عضو يوظف للتعبير عن الرغبة "لأن العين تنوب عن الرسل ويدرك بها المراد، والحواس الأربع أبواب إلى القلب ومنافذ نحو النفس، والعين أبلغها وأصحها دلالة وأرعاها عملا وهي رائد النفس الصادق ودليلها الهادي ومرآتها المجلوة التي بها نقف على الحقائق وتميز الصفات وفهم المحسوسات"[5].

وحيثما يستثقل الكلام ويصير من الصعب التواصل مباشرة مع الآخر فحينذاك "فلا طمع إلا بالإشارة بالعين همسا وبالحاجب أحيانا والتعريض اللطيف بالقول" [6].

هذه الإشارات الخاصة بالعين والوجه سيعمل على تقنينها في قوالب ثابتة وتعريفها بلغة خاصة بها، وذلك عن دراسة دقيقة وميدانية، نظرا لأنه - كما قلنا مرارا- قد علم من أسرار النساء ما لم يعلمه غيره، وهن اللواتي أطلعنه دقائق علومهن وعنهن تحصل على رصيد وافر من المعلومات الخاصة بهذا الموضوع، ألا وهو لغة العين، فأدلى عنها بما توفر لديه على الشكل التالي:

فالإشارة "بمؤخر العين الواحدة نهي عن الأمر، وتفتيرها إعلام بالقبول، وإدامة نظرها دليل على التوجع والأسف، وكسر نظرها آية الفرح، والإشارة إلى إطباقها دليل التهديد وقلب الحدقة إلى جهة ما ثم صرفها بسرعة تنبيه على مشار إليه.

والإشارة الخفية بمؤخر العين كلتاهما سؤال، وقلب الحدقة من وسط العين إلى الموق بسرعة شاهد المنع، و ترعيد الحدقتين من وسط العينين نهي عام وسائر ذلك لا يدرك إلا بالمشاهدة"[7].

كما لا يفوته بعدما أدلى بأهمية العين في الخطاب الإنساني ودورها في التعبير عن النفس أن يعلل سبب هذا التفوق الذي أحرزه هذا العضو.

فقد يعزوه إلى سمو العنصر المكونة منه العين، إذ أن "جوهرها –أي العين-أرفع الجواهر وأعلاها مكانة لأنها نورية لا تدرك الألوان بسواها ولا شيء أبعد مرمى و لا أنأى غاية منها، لأنها تدرك بها أجرام الكواكب التي في الأفلاك البعيدة وترى بها السماء على شدة ارتفاعها وبعدها وليس ذلك إلا لاتصالها في طبع خلقتها بهذه المرآة.

فهي تدركها وتصل إليها بالنظر على قطع الأماكن والحلول في المواضع وتنقل الحركات، وليس هذا الشيء من الحواس مثل الذوق واللمس لا يدركان إلا بالمجاورة والسمع والشم لا يدركان إلا من قريب.

ودليل على ما ذكرناه من النظر أنك ترى المصوت قبل سماع الصوت، وإن تعمدت إدراكهما معا، وإن كان إدراكهما واحد لما تقدمت العين السمع"[8].

قد لا يسعنا المجال الآن لكي نحلل هذا النص ونقدر صوابه من خطئه حول تحديد ماهية العين أو طبيعة الإبصار، بحيث أنه قد أودع رأيه المفصل في الموضوع عند حديثه عن الألوان في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل.

لكن غرضنا من عرض هذا النص هو بيان المنهج الذي يعتمده في دراسته النفسية وذلك من خلال الجمع بين التعليلات الفلسفية النظرية والتحليلات الحسية التجريبية لتدعيم فكرته في الموضوع، وهو ما رأيناه عند تحديد دور العين النفسي وسبب سموه على جميع الأعضاء الأخرى كدليل على شخصية الإنسان الحقيقية.

إن موضوع المعرفة النفسية عن طريق ملامح وجه الإنسان قد أصبح علما قائما بذاته في العصر الحديث، وهو مازال في طور التأسيس والبداية، كما لأنه ما يزال يفتقر إلى الأبحاث والقواعد العلمية الدقيقة، ومع ذلك فإن علم نفس الوجه قد يعطي بعض التخمينات الهامة والمفيدة، إذ تدل إحدى الدراسات الحديثة في أمريكا بأن أساس الاتصال يحدث عن طريق الوجه وتعطي النسب التالية:

7 من قوة الاتصال يحدث عن طريق الكلام.

38 من قوة الاتصال يحدث عن الأسلوب في الكلام والتعبير واللفظ.

55 من قوة الاتصال يتمركز في الوجه[9].

والسبب في هذا التفوق للخطاب بالوجه كما يرى بعض الباحثين هو أن اللسان قد يكذب "عدة مرات أما الوجه وخاص العينان فإنها تشير إلى حقيقة المشاعر الذاتية، إن للعين قوة مغناطيسية قد تصبح سجنا للآخر، وعندما يحدق بي الآخر فإن هذا الفعل قد يؤدي إلى الشعور بالضيق والاكتساح -أي أن الآخر بدأ يسلب حريتي على حد تعبير سارتر-فالتنويم المغناطيسي نفسه هو نوع من اكتساح الآخر عن طريق العينين والإيحاء"[10].

إن حركة الوجه وخاصة العينين ليست بالأسلوب البدائي للتعبير، أي أنها ربما تكون قد تجوزت واستعيض عنها بالكلام نظرا لأنها كانت الوسيلة الوحيدة للإشارة عند الإنسان، بالرغم من أنه لم يبق لها الآن ضرورة فإن الجسد قد احتفظ بها عملا بمبدأ الجمع بين العادات النافعة، -فيما يذهب إليه جميل صليبا[11]-.

بل على العكس من هذا قد نرى زيادة اهتمام بحركة الوجه عند الإنسان؛ وخاصة في ميدان السياسة، حيث أننا كثيرا ما نسمع تعليقات الصحفيين والمراقبين على مظاهر التفاؤل والتشاؤم في اللقاءات بين السياسيين الدوليين من خلال وصف ملامح وجوههم وتقاسيمها أثناء محادثاتهم فيما بينهم.

فهم إما أن يوصفوا بالابتسامات أو تقطيب الجبين أو إطالة النظر و تصويبه بحدة، إلى غير ذلك من حركات الوجه التي يستخلص منها الوفاق أو القطيعة السياسية والتوتر وما إلى ذلك مما يدركه جيدا المتتبعون للشأن السياسي عبر العالم.

إن تحديد مكامن النفس من خلال حركات الوجه وخاصة العين قد أصبح دراسة جد مهمة في علم النفس الحديث ولكنه ما يزال في بواكيره الأولى، كما لم يجد متفرغين له بالقدر الكافي وربط معطيات الماضي بالحاضر في هذا المجال وخاصة بموضوع الفراسة الإلهية وكذلك الطبيعية، في حين لم نجد ولو إشارة طفيفة من طرف الباحثين في الميدان النفسي إلى هذا الذي طرحه ابن حزم في كتابه "طوق الحمامة" من تفصيل حول حركات العين ودلالة الوجه في مجال الحب. كما أن هذا الطرح إذا أتقن فقد يساعد على كشف كثير من المزاعم الإعلامية الموبوءة وتصريحات بعض الزعماء المصطنعين والمتصدرين للمنتديات، عند الكوارث والنوازل، تحت عدة أغطية وأقنعة في ظاهرها مصلحة عامة وفي باطنها خراب وسراب لا يعلمه كثير من الناس كتلبيس إبليس وذريته.

لا ندعي بأن ابن حزم قد كان له السبق في هذا الميدان؛ وهو التركيز على دور العين والوجه عامة في التعريف النفسي للإنسان، بل قد عرفه قبله اليونانيون وغيرهم كما أشار إلى ذلك بنفسه[12]، غير أن أفكارهم حول هذا الموضوع كانت في أغلبها متشابهة وأحكاما عامة تدور مع لغة المنطق وضيقه النظري المحض كما سبق وذكرنا.

لكن التركيز على الدقائق من حركات العين والوجه بالدقة كما ذكرها لهو ما كان يعوز تحليلات المفكرين النفسيين قبله، إذ أن تحديد نقاط معينة في العين وحركات خاصة منها وإعطائها مدلولات ولغة مناسبة لمما يثير الإعجاب والانتباه، ويجعلنا نقول بأن هذا لمن إحدى خصائصه المنهجية وآفاقها الواسعة في دراسة النفس، وهي إحدى محاولاته المبكرة لتأسيس ما يعرف حاليا ب:علم نفس الوجه.يقول الله تعالى:" يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ".وهو الهادي إلى الصواب.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

 .........................

[1] ابن قدامة:المغني، مكتبة الجمهورية، مصر ج5ص770

[2] ابن عربي:الفتوحات المكية، دار صادر بيروت ج2 ص235

[3] ابن حزم :طوق الحمامة ص27

[4] نفس ص52

[5] نفس ص54

[6] نفس ص81

[7] نفس ص54

[8] نفس ص55

[9] غسان يعقوب :معرفة الذات والآخر دار النهار للنشر، بيروت ص24

[10] نفس ص25

[11] جميل صليبا:علم النفس ص242

[12] ابن حزم:طوق الحمامة ص54

 

 

قاسم حسين صالحكان التحول من نظام دكتاتوري الى نظام ديمقراطي في (9 نيسان 2003)يفترض ان تنتهي معه فواجع العراقيين راح ضحيتها الملايين في حروب كارثية حمقاء لطاغية مصاب بتضخم انا ونرجسية قاتلة.ولكن ما حصل بعده من حروب كانت اوجع وافجع واكثر سخفا.والسبب الرئيس لما حصل هو ما شفرتّه سيكولوجيا (السلطة) عليها اللعنة..فتاريخها في العراق هو تاريخ العنف والدم وقطع رؤوس الخصوم منذ أن تحولت السلطة العربية والإسلامية الى وراثية عام 61 هجرية. فمن يومها اعتمدت السيف لحلّ النزاعات واجبار من يخالفها على الطاعة والخضوع. وكانت (السلطة العربية والإسلامية) على مدى أكثر من ألف واربعمائة عام لا تلجا الى التفاوض والحوار إلا بعد أن تقطف السيوف رؤوس افضل من في القوم. ولهذا فأن العراقيين معبئون سيكولوجيا في لا شعورهم الجمعي بالعنف لا بالحوار في حلّ صراعاتهم السياسية. ولك أن تستحضر مشاهد ما حصل عام 1958 من تمثيل وحشي بالعائلة المالكة ورموز النظام. وعام 1963 بتمثيل أبشع بشخص أول رئيس جمهورية للعراق ورموز نظامه، وبآلاف الشيوعيين والوطنيين. وما حصل للبعثيين من حرقهم أحياء بعد هزيمة الجيش العراقي في حرب الكويت عام 1991، والابادات الجماعية للشيعة وحرب الأنفال ومجزرة آلاف الكرد في حلبجة.. وذلك الموروث اللعين الذي يمتد الى داحس والغبراء، مرورا بواقعة دهاء أبن العاص وغباء الأشعري التي " أنجبت " فرق الموت والتكفير، الى المشهد اليومي الحاضر من اختطاف وقتل بكاتم الصوت، وكأن عقولنا مبرمجة فقط على استحضار الأحقاد من ماضينا. 

 والمسألة السيكولوجية الثانية، أن السلطة في الدولة العراقية الحديثة (من عام 1921 الى عام 2003) كانت بيد السّنة العرب..وفجأة ومن دون تمهيد ديمقراطي أو سلاسة في انتقال السلطة ، حدث تبادل انقلابي للأدوار. فالشيعة الذين كانوا لألف وثلاثمائة سنة في المعارضة، والذين حاربوا الانكليزي المحتل في ثورة العشرين، ورفضوا دعوة الملك فيصل الأول للاشتراك في الوزارة لأمور فقهية! أصبحوا (بعد 9/4/2003) في السلطة، واعتبروا قوات الغزو، التي حاربوها في البدء بضراوة في أم قصر والناصرية، اعتبروها قوات صديقة وتحالف ساستهم معها، فيما السّنة أزيحوا الى جبهة المعارضة سواء ضد السلطة او ضد المحتل الذي أعطاهم السلطة في بدء تشكيل الدولة العراقية الحديثة.

 وتبادل الأدوار هذا يشبه في فعله النفسي تبادل الأدوار بين السيد والعبد، فأنّى لمن كان سيّدا أن يكون عبدا لمن كان عبدا بالأمس، لاسيما في سيكولوجية العربي، والعراقي تحديد!؟.

وعلّة نفسية ثالثة، هي أن الشيعة في العراق (جماهيرها الشعبية تحديدا) اعتقدوا أن مصدر ما أصابهم من ظلم وجور وعنف هو السلطة السنّية التي حكمت العراق أكثر من ألف وثلاثمائة سنة، فعمموا هذا الموقف الانفعالي على كل السنّة ولم يقصروه على رموز الحكم ممن استخدم السلطة وسيلة للظلم والقسوة في التعامل واذلال الآخرين. وحصل أن نشوة الانتصار ووسواس الخوف من ضياع ما يعدّونه الفرصة التاريخية الأخيرة لهم قد تمكنا من الجماهير الشيعية الشعبية، وعملا نفسيا على الاندفاع والانفعال والتطرف.ولقد عزز هذا وغذّاه زهو بعض قادتهم السياسيين والدينيين بحصولهم على ستة ملايين صوت في انتخابات 2005 (حوالي نصف العراقيين) ناجمة في حقيقتها من موقف تعاطفي وردّ فعل انفعالي لما أصابهم من حيف، أكثر منه موقف من برامج سياسية.والمخجل ان كثرة فيهم اعادوا انتخاب من خذلوهم من الفاسدين ولسان حالهم يقول(انتخبه وانتخبه ما دام شيعي..حتى لو كان فاسد!)

 بالمقابل، حصل للجماهير الشعبية من السنّة أن تمكن منها وسواس الخوف من أن الشيعة الذين استلموا السلطة سيفعلون بهم ما فعلت بهم السلطة السنية طوال حكمها للعراق.فضلا عن أنهم شعروا بالغبن السياسي والإحباط الذي يصل ذروته في ظروف الأزمات فيؤدي الى العدوان، وهذه حقيقة نفسية تحدث عند إعاقة جماعة عن تحقيق أهداف تراها مشروعة ولا تجد وسيلة أخرى لبلوغها غير العنف.

 ومع أن صدام ارتكب الفضائع بحق الوطن " تدمير ثروة العراق الهائلة " وبحق الكورد والشيعة وحتى أقرب الناس إليه، فأن مشهد إعدامه أساء لعدالة التنفيذ وافتقر الى شجاعة وخلق المظلوم حين يتمكن من الظالم، وأثار تعاطفا انفعاليا اختزل للرجل الكثير مما يحسب عليه، وجعل مناسبة العيد (أعدم فجر أول أيام عيد الأضحى بحساب السعودية وسنّة العراق) عيدين لطائفة وفاجعتين للطائفة الأخرى.والأخطر أن مشهد التشفّي وما فاح به من رائحة طائفية واعلان صريح بأخذ ثأر، نقل الوساوس من خانة الأوهام ليضعها أمام أبواب الحقائق ، فزادت الواقعة في رمي الحطب وصب الزيت على نار كبرى مشتعلة أصلا ليمتد لهبها الى مناطق أخرى من العراق والعالم العربي، فكان ما كان مما حصل ويحصل الآن .

 هل تعلمنا الدرس؟.هل سنتخلى عن ارتكابنا افعالا لا تستوعبها مفردات اللغة وصف بشاعتها ولا عقلانيتها؟.هل سينتبه رئيس الوزراء المكلف السيد مصطفى الكاظمي لما احدثته السلطة سيكولوجيا في تشكيلة الشخصية العراقية..ويعافيها ليضمن اقوى دعم له في نجاحه؟.

ما ستشهده (2020)..هو اليقين.

 

أ.د.قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

 

سامي عبد العالبطريقةٍ جذريةٍ كان حالُ" الرَّعَاع" نتاجاً ثقافياً خلْف سلطةِ الجماعة الغالبة في المجتمعات العربية (جماعة الدين والطائفة وأهل الحل والعقد ثم النُخب والأحزاب ورجال الدولة والمثقفون)، فهذا التكوين العام المشوَّه لم يكن لصالح المجتمع وتنوع عناصره في تاريخنا الحديث والمعاصر، من حيث كونَّه غير قائم على أسس ثقافية وفكرية تضمن انضاج المسارات السياسية ونقد الظواهر  والأفعال الطارئة.

كما أنَّ المعايير الموضوعية التي يجب الاحتكام إليها اجتماعياً وسياسياً للعيش والتنوع والحقوق والقانون تسطو عليها السلطة السائدة. وبالتالي يُعاد تشكيها لخدمة مصالح فئوية تثير نعرات الاختلاف والتناقض السحيق وتعيد الكَرّةَ من البداية. فكلَّما تمَّ حرق مرحلةٍ وصولاً إلى أخرى، " تعود ريمة إلى عادتها القديمة"، كأنَّ شيئاً لم يكن. وبالأغلب سرعان ما تُدير الأحداث السياسة عقارب التاريخ العربي نحو الماضي، والماضي دوما ليس عصراً ذهبياً، بل قد يكون مستنقعاً للدسائس والاحتراب الفكري والمذهبي والاجتماعي بكل العناوين. وبالتالي أخذ الصراع في ابتلاع كل الجهود الممكنة التي قد تبلغ شأواً في تحسين الصورة وبناء الدول.

وهذا ما جعلنا الآن نعيش "عصر الثقافات العارية" دون منازع:

- ظهر عُري الثقافة كمستنقعات آسنة مليئة بالتطاحن واستغلال الإنسان واحتقاره. والثقافة العربية غدت كلحم مكشوف تحت ذُباب الحاضر كله.

- ظهرت جوانب مُظلمة في التراث الثقافي تحتاج إلى نقدٍ وغربلة وإعادة قراءة جديدةٍ بما يواكب الأفكار الراهنة ومبادئ الاختلاف والحياة المشتركة.

- عودة الصراعات في أشكال جديدة وبنفس الزخم الفاضح بين الطوائف والأقليات والدول والمذاهب... الكلُّ يكره الكلَّ، الكلُّ يطارد الكلَّ.

- انكشاف الرَّعاع كمادة دسمةٍ يومياً على شاشات التواصل الاجتماعي، أحوالهم المزرية، أمراضهم، مشاكلهم، جرائمهم... كأنهم في كوكب آخر (كوكب الرعاع).

- امعان القوى الدولية في نكأ جراح الحروب والعداوات  وإدخالها حيز الأحداث الجارية في غير دولة عربية، هذا بعدما قتلوا التراث بحثاً من خلال التنقيب فيه واخراج نصوصه ووثائقه وكنوزه المدفونة إلى العراء( وربما هذه الخدمة الكبيرة دون تسييسها بالطبع).

- أصحاب الثقافة أخر من يعلم بالافتضاح، بضياع الوعي تجاه جذور المسألة من الأساس. وهذه خاصية توجد في الثقافة نتيجة الانخداع الذاتي العام بقبول الذات كما هو، وأنَّ وجه المستنقع لامع لا تشوبه شائبة مع كونه مليئاً بالفيروسات والعوالق والأمراض.

-  الأخطر أن تغيير الثقافة لم يعد بأيدي أصحابها، رغم كونها الحاضنة التاريخية لوعيهم، توقف الأمر على تيارات الفكر والمعارف الكونية التي تهب كلما اتفق من الغرب. وهذا ناتج عن تهميش دور المثقف غير الرعاعي (المستقل) الذي لا يمتهن الارتزاق والتسلق.

بهذا التكوين التاريخي شكَّل الرعاع جسداً ثقافياً فاضحا وعارياً cultural body naked. وبقدر انكشاف حالتهم يكون المجتمع عرضة لانتشار التخبط وسوء الادارة وضعف المؤسسات وهشاشة الخطط وسوء معالجة القضايا. لأن مفهوم "الدولة لدى العرب" مازال عبارة عن رغبةٌ خادعة وسط زحام الرغبات الطبقية والفئوية المتواطئة مع القوة المهيمنة. ولذلك بقي الرعاع حالات قابلة للإغواء السياسي لدى كل من يستطيع ركوب القطيع. فليأخذ منهم جموعاً حركيةً كما شاء.

السؤال الحيوي إذن: بأي معنى يتم ذلك الانكشاف الثقافي؟!

إنَّه نتيجة غياب التطور الحضاري، لم يكن ظهور الكيانات المشوهة (الطائفة، الحزب، رجال السلطة...) إلاَّ في وجود انماط من المهمشين، هم الحشو المنتظر للممارسات العامة كالبارود المعد للصراع والاستحواذ الواسع. لقد كان يُفترض في إطار الدولة المعاصرة أنْ تهضم الحياةُ العامة هيكل الجماعة والقبيلة والعشيرة، لكن استمرارَ وجودها دليلٌّ على سوء هضم بنيوي، يظهر بفضل غياب الحرية والمساواة ومبادئ القانون والحقوق. هذا الغياب الذي قد يُلقي مزيداً من الشكوك حول وجود الدولة ذاتها وليس مجرد بعض الأتربة على ساحتها.

لفظة " الجماعة" ليست موجودة فقط بالنسبة للتنظيمات الاسلامية( كالإخوان والسلفية وانصار السنة والجماعة الاسلامية المقاتلة وانصار الشريعة والتكفير والهجرة والناجون من النار....)، بل هي لفظة عابرة لأغلب أطياف المجتمع العربي، فعدم نضج السياسة والثقافة جعل ذهنية القبيلة والعشيرة هي السائدة في كافة القطاعات. الذهنية التي تعُود بالدولة إلى علاقات القرابة والعصبية  والغزو والإغارة والغلبة القديمة(الدولة بنظام العائلة، والإدارة بنظام العائلة، والسلطة بنظام العائلة، والمؤسسات بنظام العائلة). الدولة هي الغزوة الكبرى الصامتة والتي تشهر سيف الخنوع والإخضاع في وجه مواطنيها، عندئذ من ذا الذي سيعطي الرعاع مساحة(أدنى مساحة) للحياة والتعبير عن حقوقهم؟!

من هنا لم تكن هذه "الجماعة الغالبة" في أي عصر تسير تبعاً لاحترام إنسانية الإنسان ولا اعتباره مخلُوقاً سامياً، بل هو بالنسبة إليها مجرد أداةٍ، قفاز فارغ، سرعان ما يُلقى جانباً إذا نضُبت إمكانياته. ومع تعقد الحياة وسيادة نمط الإنتاج الرأسمالي  والأسواق المتوحشة وسياسات الافقار، أمست ظاهرةً الرعاع سياسيةً اقتصاديةً بالدرجة الأولى، إذ يُعاد انتاجها من مرحلةٍ إلى أخرى. لأنَّ وجودهم الرخو( أي الرعاع) اكتسب أهميته بمجرد اعتبارهم مادةً للمضاربات السياسية.

وحتى لو نظر لهم النظام الحاكم على أنَّهم أحد معوقات التنمية( كّم مُهمل)، فهم مفيدون جداً في معادلة الاستبداد والقمع. بل ربما كانوا نوعاً من "الاستثمار الصفري" zero investment في ترجيح الانتخابات واتخاذ القرارات وتغييب الوعي تجاه قضايا الحياة التي يعانيها المواطنون. وهو "استثمار صفري"، لأنَّ هؤلاء الرعاع لن يكلفون الحاكم سوى فتات العبارات والأوهام الجوفاء لأقناعهم بمصيرهم الموعود وازجاء التسالي السياسية أمام ما يعانون منه، في مقابل استخدامهم كلما دعت الحاجة إلى ذلك. وكذلك لن تكون تطلعاتهم وآمالهم أكثر من حوافز مادية يظنون أنَّها عطايا سلطوية، بينما هي من صميم حقوقهم الضائعة!!

على خريطة مجتمعات الشرق مثلُّوا تجمعات هائمةً في حظائر سياسيةٍ جري تسميتها بالدول لاحقاً. وكانت لهذا الجانب الفاضح من الرعاع أسماءٌ شتى في أدغال المجتمعات العربية. فقد يُسمون بأصحاب العشوائيات وبقاطني الضواحي، وفي غير حالة بالشعبيين وخلال سواها بعوام الناس ومرة أخرى بالبسطاء، ذلك اتصالاً بتراثهم الغارق بالسُوقة والعبيد والإماء والخدم والدهماء والهمج والغوغاء تحت عناوين مختلفة. وهؤلاء خلال ذلك التنويع استمر وجودُهم المشوَّش وكانت لهم مناطق تواجدهم الرمزي. إضافة إلى ذلك أخذوا يحددون خريطة الرغبات والمصالح في المجتمع سياسياً ودينياً بالخصوص.

ومن أسفٍ لم تفعل الدول العربية شيئاً سوى تغطية وجودهم الهش بألوان لا تمسح أوضاعاً مزريةً، ولا تعالج جذور مشكلاتهم من الأساس ( بدءاً من النشأة والوجود وانتهاءٍ بممارسة الحياة). كان دوماً هناك " العلاج الخطأ " نتيجة " التوصيف الخطأ " الذي يخدم "السلطة الخطأ" المنهمكة في عملية دائريةٍ بطريقة عَوْد على بدءٍ.

واستفحل ذلك الوضع نتيجة ذلك أنَّ الجماعات المختارة سياسياً ( النُخب والاحزاب الحاكمة) أمعنت في إشاعة روحَ الاقصاء تحت عنف السلطة. فطالما كان لها المكانة الاستثنائية في العلاقات والقرارات نتيجة نفوذها المهيمن، كانت تبطش بالقطاع الأكبر من الفئات الأدنى مكانة. حيث أخذت في اغراق أرض المجتمعات التي يحكمونها بالأفعال التي تمايز بين عناصر الشعوب و شرعوا يلتهمون كافةَ الامتيازات التي تُمنح لهم ولسواهم. وباتوا - أي النخب- مطرقة التمييز الرئيسة الذين يتقربون من السلطة بالإمعان في إذلال الآخرين.

ومن واقع الحياة الخاصة، انهمك المهمشون في حالهم الكئيب، واستسلموا مؤقتاً لمتطلبات الكفاف بين التسول والأعمال اليدوية البسيطة مع التقاط بعض السعادة المُرة نتيجة بعض الارباح الناقصة هنا أوهناك. وهو ما جعل هؤلاء يرون في الخلاص بالأعمال غير القانونية أملاً وحيداً للهروب من الإهمال والفقر.

بكلماتٍ أخرى: كان الرعاع كُّتلاً آدميةً تلهث وراء احتياجات أوليةٍ مغلفة بالمتّع والملذات البسيطة. فتمرح بينها الخرافة والجريمة وينتشر الدجل وفساد الأخلاق وسوء المآل والأعمال. وذلك كله تحت بصر وسمع وبتدبير من رجال السياسة والحكام. وللأسف هذا هو الميراث المُر والأثقل من كل الأوزان الاجتماعية الأخرى. وهؤلاء العامة يسقطون في فقر(بالأدق افقار) عميق بعمق وضعية الدولة، لا ضوابط، لا قوانين، لا معايير نحتكم إليها لتفسير خريطتهم في الشارع. ذلك في مقابل ألا يتجاوز هؤلاء مساحة الحركة اليومية واثارة الفوضى هنا أو هناك، ولو فكروا في المطالبة بحقوقهم، فسيكون حالهم عرضة للإقصاء وربما الإلغاء من جديد.

هكذا كان يجب أنْ نعرف: لماذا مثل هؤلاء( الرعاع) ظاهرة سياسية في حواشي المجتمعات العربية والاسلامية؟ ولماذا لم ينتهِ وجودُهم رغم خطط التنمية والتحديث المعلنة صباح مساء؟ وهل لعبت تلك الظاهرة دوراً أشبه بالوقود في الأنظمة السياسية المتوالية؟ وكيف كانت حالتهم المزرية في قاع الأوحال الثقافية والاجتماعية؟

تاريخياً واجتماعياً إذا كان الناس (سائبين) من أيديولوجيا أو بناء سياسي أو معرفي كان هؤلاء بذورا للرعاع وسط الجهل والديكتاتورية. ومن ثم كانت تتعامل معهم الأنظمة السياسية على انهم قطعان آدمية، ليسوا أكثر من رغبات وغرائز يمكن اشعالها بأي وقت. أمَّا في حالة انتظامهم وفق أنماط فكرية أو سياسية أو دينية، فهذه حالة القطيع المسيَّس. ليخرج منهم تكتل حركي هو الحشد الأيديولوجي الذي ينافح عما يعتقد ولو بحد الموت. هم بذلك الحال افراز لمجتمع يسود فيه القهر والفساد والامتيازات الاقتصادية والطبقية لأناس بعينهم، كانوا حاملي جينات لثقافةٍ متعلقة بالعبودية الاجتماعية منذ بواكير الحياة العامة لدى العرب.

ومع التحولات المتلاحقة طغت العبوديةُ في أشكال أخرى ضمن السياسة والفكر والتعليم والاعلام والتربية. فأصبح وجود الرعاع عصياً على المحو من جهةٍ، ومن جهة أخرى لم تتركهم الأنظمة المتعاقبة بمنأى عن ألاعيبها المرحلية، فلقد استعملتهم استعمال الدواب السوائم لمصالحها الخاصة. فإذا كان الفقهاء قد ألجموهم وقصقصوا وعيهم، فقد جاء الحكام ليجدونهم - نتيجة فراغ الوعي- أسهل منالاً وأسلس قيادةً وركوباً كالمهر الأليف.

في المقابل ربما لم يعترف هؤلاء المهمشون بالأنظمة الاجتماعية أو السياسية على تعاقبها، نتيجة يأسهم وقلة حيلتهم واعتيادهم على حياة الضنك والعنف، ونتيجة معرفتهم بالغريزة: أن ما أخذه آباؤهم لن يأخذ الأبناء أكثر منه. فقط  كان هناك الولاء للثقافة الشائعة كجسدٍ رغبوي يتلقى الاشباع الفوري.  من ثمَّ عمدت الأنظمة إلى نزع حريتهم، وجعلتهم مشروع بطالة إنسانية، لإفشال كل مفاهيم وآليات السياسة. فلا يوجد مجتمع يحارب ذاته مثلما  تفعل المجتمعات على خريطة العرب اجمالاً. وبالتالي ظهرت ثنائية جديدة في معادلة الحُكم: الإلهاء والاخراج الاجتماعي السياسي لوضعية الرعاع. كما أنهم بذلك التوظيف مجرد قوى عشوائية سائلة تقوم على جر المزيد من العناصر الاجتماعية في هذا المستنقع.

لكن الشيء المثير للدهشة، أنه مع آفاق الحداثة مثل وسائط الاعلام والتواصل الاجتماعي أعدَّت الأنظمة السياسية حلبات مصارعة للرعاع المعاصرين، وجعلت لهم موقعاً مميزة كمادة للفرجة في إطار الدولة.  لدرجة أنه ضمن الأوضاع العربية الراهنة لم يعد الرعاع أناساً بعينهم ولا طبقات بذاتها، إنما خلعوا صفاتهم على آخرين لا ينتمون إليهم، أي جاءت الرعاعية هنا كحالة ثقافية متزحزحة عابرة للفئات، حيث قد ينخرط فيها مثقفون ورجال دين وسياسيون ورجال فكر وفنانون وتجار واقتصاديون ورياضيون( المرتزقة الجدد).

لأنَّ طرائق التفكير والأفعال وردود الأفعال العامة واحدة من أدنى إلى أعلى. وليس هناك فارق سياسي كبير بين طبقةٍ وأخرى، بين فئةٍ وسواها إلاَّ بالامتيازات التي تتلقاها في الواقع. السلوك متشابه إلى حد التطابق، إن وجد اختلافٌ فهو اختلاف بالدرجة فقط. هذا الرعاعي هو انسان بسيط بمكانته الاجتماعية وذاك المثقف رعاعي في موقعه المرموق. وتلك الصورة الأخيرة تسمى بـ"الرُعاعية" الناعمة، وهو اصطلاح ثقافي يجدد دلالته متجاوزاً كافة الفضاءات، أي يخترق التصنيفات الحياتية والفكرية للإنسان العربي. ليقف هذا المصطلح مع تحولات الأوضاع في أغلب مستويات المجتمع.

الصورة الأوضح التي تبرز هذا التداخل بالأمس القريب، كانت هذا الهياج الرَّعاعي من البعض أثناء الربيع العربي وبعده، حيث انتشرت الفوضى العارمة وتم احياء ثقافة النهب والسلب والتدمير. بدأها الناس العاديون واكتشفنا سبق الساسة ورجال السلطة والراغبون فيها عندما ظهرت أرقام الثروات والممتلكات والأرصدة الخاصة بهم في البنوك الدولية. الناس العاديون كانوا على موعدٍ مع سقوط بغداد، فنهبوا جميع القصور ومنازل المسؤولين العراقيين. والأمر نفسه تكرر في تونس بعد سقوط بن على، نهبت قصوره ومنتجعاته ومؤسسات الدولة. وكذلك جاء الوضع في مصر مشابهاً بعد الخامس والعشرين من يناير(نهب مقرات الأحزاب وهيئات الدولة ومحلات الذهب والمنازل والقصور). ثم تسابقت جماعة الاخوان والجماعات الدينية والقوى السياسية المدنية – بنفس المنطق الرعاعي-  لنهب السلطة السياسية برمتها (الاستيلاء على المجال العام).

الفارق أنَّ الناس العاديين نهبوا ممتلكات ظناً أن عملاً كهذا يلحق الأذى بالحكام( نوع من الثأر المعكوس)، معبرين عن تراث الغوغاء بشكل خاص. بينما السياسيون نهبوا شيئاً رمزياً وهو الدولة بجميع مؤسساتها وأصولها. وبالتالي كانت السلطة السياسية هي السقف العام الذي يغطى انتشار الرعاعية على نطاق أعم( منها وإليها). ويحول دون ممارسة النقد الجذري للفكر والأعمال. فإذا كان الرعاع البسطاء تحولوا إلى موجات من الغضب لأحوالهم المعيشة، فالسياسيون يرضون بمقابل ذلك وبالثمن الذي يقدرونه لتلك البضاعة الثقافية السياسية.

المهم أنه في هذه الحالة أو تلك كانت المواقف منهم بمقدار الاجابة على هذا السؤال: كيف يمكن حقن ذهنيات الرعاع بأيديولوجيا مناوئة للسلطة أو معها؟! فنتيجة القهر السياسي والتهميش الاجتماعي والاقتصادي، كان الرعاع إمكانيةً مفتوحةً وساخنة للتردي والخلل في عظام الدولة والمجتمع. ونحن ندرك خطورة الأيديولوجيا في استنفار الحواس لدى قطاعات عريضة من الناس لاشعال الاحتراب الأهلي.

فالتلاعب بوجودهم كان –على سبيل المثال- كان أهم معالم الخطاب الديني العنيف والإرهابي. بل نجد لديهم الرصيد الزاخر بعباراته وأفكاره وشخوصه الدعوية. حتى أنهم يقفون بهذا "الحقن الخطابي" ضد مساحة العقلانية المنشودة أو المفترض أنْ تكون إذا أردنا تطويراً للمجتمعات العربية. ومن جانب آخر ظل للرعاع والعامة النصيب الأوفر في نشر الخرافة والابتذال، فكانوا حشوداً من اللحم الاجتماعي الملتهب على نواصي الطرقات والشوارع. يركضون وراء سد الجوع والاشباعات الحسية الرخيصة كالجنس والإدمان ( ومن ثم كانوا مادة مزدوجة للسلطة وللجماعات الدينية). لقد أبقتهم السلطات العربية الحديثة تحت الاستعداد في ترويج الشائعات ومحاربة الخصوم وتعطيل التنوع  وانفاذ القانون وبالوقت نفسه سعت الجماعات الاسلامية لتجنيدهم وغسيل أدمغتهم.

انتشر بينهم: "الجهل والفقر والمرض" كما انتشر سياسياً كذلك: " تزييف الوعي وشراء الأصوات الانتخابية وسلوك القطيع والحشود". هؤلاء لم يكن لأي نظام سياسي أنْ يستغني عنهم أو يتركهم دون هبات يقننها تدريجياً. لأنهم هم الرصيد الفعلي لتواجده الرخو في الشارع، وقدرته القصوى على اغراق الحياة العامة بأجسامهم. ذلك في مخاتلة هي الأبرز خداعاً بكون الديمقراطية متحققة والعدالة وافرة والمساواة ليست إلاَّ الحقيقة!!

والرعاعية السياسية هي البصمة الرسمية من بعض أنظمة الحكم التي تهدم الفوارق بين ثقافة الشارع وثقافة النخب بمبررات المشاركة والانجاز. لأول وهلةٍ كان حكام العرب وما زالوا يدفعون القوى والشخصيات عبر أفعال "غوغائية" كرست التخلف والتراجع الثقافي. الدفع الذي رسخ ركوداً سياسياً واجتماعياً بامتداد العالم العربي والإسلامي، وفي هذا الاتجاه كان الرعاع أيضاً ذخيرته الخصبة والأهم. يبدو أن مجتمعاتنا ستظل تعاني من هكذا حال طالما لم ينتشر التثقيف الحر على مستوى أشمل، ومتى لم يتم اخراج الدول كطرف من معادلة تجهيل الشعوب وافقارها. أي لا ينبغي تورط الدولة في إزجاء بضاعة الغوغائية ودعمها للشخصيات المنتقاة التي تحقق هذا المضمون اللاأخلاقي.

فإذا كانت الرعاعية في مجال الفرد ذات دلالة أخلاقية صرف، فهي سياسياً ذات صبغة من جنس التلاعب بالمجتمعات. إنها عندئذ توازي فكرة المجتمع ذاته بل تعادله في أحايين كثيرة. وتعديلها يساوي إمكانية الإنسان على الوجود من حيث المبدأ، لأنها ليست وسيلة، بل أصل طاله التشوه والتخريب.

ليست الدولة الحديثة باثولوجيا سياسية حتى تنتج الرعاعية، وليست هي الذنب التاريخي لشعوب لم ينالها من التقدم إلاّ النذر اليسير. فالأقدار السياسية يصنعها الناسُ بإرادة الحرية لا بقيود الجهل والتخلف. كيف يمكننا- إذا كانت الرعاعية عقاباً- أن ننهض بالدول ونجنبها المسار القمعي؟ فالذنوب الكبرى تحتاج إلها غفوراً رحيماً لمحو الخطايا، بينما الدول فهي تتطلب شعباً واعياً بأمراضها الثقافية. لا طبَّ في السياسة وإلاَّ... لأصبح المجتمع هو طاولة التشريح الأولى لعرض الأمراض والعلل المزمنة.

إنَّ الانسانية داخلنا لا تقبل غير العزاء والامتلاء الروحي الحي وإزكاء مقومات الحرية إلى أقصى نقطة. والمجتمعات التي تُهدر قيمةَ الإنسان، هي ليست إلاَّ غابات مفتوحة بقوانين الحيوان. تكرس مُناخاً يصبح فيه الإنسان ورقةً باليةً تداس بالنعال، ثم الأنكى مطالبته دوماً بأنْ يتسلق أكتاف الطغاة والمستبدين لقطف الثمار بالأعلى!!

 

سامي عبد العال

 

 

مجدي ابراهيمإنْ يكن القرآن مطلوباً لذاته، فما هى الخاصَّة الذاتية له؟ وقد أشرنا غير مرة فيما تقدَّم إلى أطراف من الذاتية الخاصّة للقرآن، وفيما يلي تفاصيل مقصودة تبيّن دلالة المعنى الذي نرمي إليه حين نقرِّر أن للقرآن ذاتيته الخاصَّة.

ذكرنا "الإيحاء" مراراً، وذكرنا "الحضور"، وذكرنا "الفهم"، وذكرنا "المضمون"، وذكرنا "النبع الصافي": تلك الحلاوة وتلك الطلاوة في أطيب معنى وأكرم جوار. ولم نذكر هذه الكلمات ونحن نخبط  فيها خبط عشواء على غير هدى ولا بصيرة، ولكننا ذكرناها مفاتيحَ؛ ليكون القرآن فيها مطلوباً من حيث ذاتيته الخاصَّة - كما قلنا - لا من حيث ذاتية غيره وخصوصيَّة سواه.

ذاتية القرآن خاصّة به وحده لا تتعدى سواه، تنفردُ به وحده لتحقق مزاياه وتُفْرِدهُ عن غيره من أجناس الكلام. ومن ضمن الذاتية القرآنية أن فهمه ليس كفهم أي كلام آخر، ولكنه الفهم الذي يحتاج إلى حضور ما بعده ولا قبله حضور: حضور في رحاب الحق تعالى، كيف أضفى على كلامه خصائص الذاتية التي لا يرقى إليها كلام البشر، ذلك لأننا مطالبون بأن يكون القرآن عند فهمه مطلب حضور لا مطلب غفلة، إذْ تتضمَّن شرائط الحضور فلسفة الانتباه لمعاني القرآن على الصفة التي تبدو بين كلماته وألفاظه مطويَّة ولكنها دالة؛ دالة على طريق الله، يسلكه الحاضرون في رحابه، بعد أن يتبيَّنوا معالم الطريق.

ولستُ أعني بفلسفة الانتباه هنا تلك الفلسفة النظرية التي يخوض فيها العقل ويعوم ولا يخرج منها بشيء أبداً ولكنني أعني بها العقل المشروط على شرط القرآن لا على شرط العقل نفسه في الاستقلال كما سبقت الإشارة إليه فيما تقدّم.

على أننا قبل أن نبادر بشرح الذاتية الخاصَّة للقرآن، علينا أن نحدَّد هنا مفهوم الحضور.. ما هو؟ فمن المؤكد أن حضور الأشخاص (القارئ، التالي، الذاكر) قد لا يُعبِّر في الحقيقة عن الواقع المقرَّر الموجود فيما ينبغي أن تكون عليه القراءة أو التلاوة أو الذكر، ولكنه يُعبرِّ في الغالب عن درجة ضعيفة من درجات هذا الواقع مع قلة القدرة في حضوره، ومع ضعف الدرجة الحاضرة، وإنْ كانت تمضى بالمطلق إلى تحديد العدد وترتيب الدرجات: تحديد العدد في: كم مرة قرأت القرآن على عادة التأهَّب وديدن الحضور؟ وترتيب الدرجات في: أن درجتك تتوقف عند آخر آية تقرأها.

ليس كل حضور هو في الحقيقة يعني الوجود، فقد يكون المرء موجوداً لكنه ليس بحاضر في الواقع ولا في الحقيقة: الحضور بالجسم ليس دليلاً على الوجود. والقراءة باللسان ليست شاهدة على حضور الجنان (أي القلب)، هى صورة في الغالب بلا معنى.

معنى الحضور الحقيقي أن يخلو المرء من ذلك التَّرهل الدائم في الفكر والشعور والإحساس، أن يخلو من ذلك الكسل الروحي، أن يخلو ممّا من شأنه ألا تعبِّر عنه نظراته وقسماته، فضلاً عن بواطنه وخوافيه؛ أعني ألا يخلو من "الصدق" الذي تظهر منه على الجوارح علامات وآثار. فكل ترهُّل إنما هو في الحقيقة انعكاس يكشف عن "غيبة الفهم"؛ بمقدار ما يكشف عن ذلك "الكسل الروحي" الغريب الذي تعانيه الذوات الفردَّية على الأصعدة الوجودية الحياتية؛ مما من شأنه كذلك أن يُسْفِر عن خمود الحقيقة الخفيَّة الباطنة، وشمول اللطيفة الجوَّانيَّة لكل ما تحمله من صور مطموسة لذوات غائبة، ليست حاضرة بحال من الأحوال.

الذاتية الخاصّة للقرآن هى ذاتية تشريع للحياة العالمة، التي هى أيضاً خضوع لقانون أسمى من قوانين البشر، وما لقوانين البشر هذه؛ تكييف مع واقع الحياة، ولا تنبيه لمعالجة هذا الواقع ما لم يكن خضوعها لهذا القانون الأعلى شرطاً ضرورياً لفهم القرآن على الوجه الذي يكون فيه الفهم مُخْرجَاً لمنهج يسلك صاحبه سبيل العمل النافع بمقتضى الفهم.

وقد يضل الضالون عن هذا القانون ويستبدلون به قوانين كثيرة من عندياتهم يصطنعونها لترضي أهواءهم المستورة ونزعاتهم الخفيَّة في التطلع إلى مفاتن الدنيا، والنيل من زخرفها بقدر المستطاع، زاعمين أن معرفة القرآن وفق هذا القانون تقف حائلاً منيعاً ضد ما يطمحون.

وإنه لطموح أرعن، عاجز وبليد، لا يوفر لهم معرفة ما، بأدنى فهم لقانون الوجود والحياة، فإنّ في هذا القانون سيطرة على المنافع بمقدار ما فيه شجبٌ للمضار، وفيه كذلك تفتيحٌ واستبيان لما وراء استحضار القانون الأعلى، بالوجه الذي يمكِّن الإنسان من استخلاص أهدافه واستفهام مراميه: إنه بالحق والصدق لقانون الوجود تحيى به الإنسانية وتنصلح على صفاتها المثلى وأهدافها الرشيدة.

شرط هذا القانون الاستغراق فيه؛ وشرط الاستغراق فيه معرفة قانونه؛ ومعرفة قانونه لا تتأتى إلا بقرأته قراءة كاشفة، نافعة وعاملة؛ وأنا أعني بالاستغراق هنا: اكتشاف "حالة" من التوحٌّد بين القارئ والنّص المقروء؛ حالة علوية مُرادة ومقصودة لذاتها في ذاتها، حتى إذا ما استغرق القارئ في عالم النص استغراقاً تاماً، في غزارة وعمق، وعلى ديدن الحضور وعادة التأهب؛ تكشَّفت له هذه "الحالة"، استعداداً واستغراقاً.

وقد عبَّرَ القدماء عن ضرورة وجود مثل هذه الحالة بلغتهم الخاصة، فكان أن قال "ابن عربي" في طريقته لتمثل القرآن وفهمه على المعنى الذي يقدمه على غيره، ويُؤخِّر غيره - إنْ وجد - عنه:

" وَنَسلكْ طريقة في فهم الكلمة الواردة، وذلك بأن نفرِّغ قلوبنا من النَّظر الفكري، ونجلس مع الله على بساط الأدب والمراقبة والتهيؤ لقبول ما يرد علينا منه حتى يكون الحق يتولى تعليمنا على الكشف والتحقيق..".

هذا شرط الفتوح في القرآن: التخلي عن الدعوى الفكرية والعقلية، والجلوس مع الله مجالس الأدب والمراقبة لا مجالس الغفلة والادّعاء.

وقال "السَّهْرَوَرْدِى":" أقرأ الكتاب بوجد وطرب وفكر. وأقرأ القرآن كأنه نزل في شأنك"؛ وهو معنى كبير ضخم لا يمكن تغافله ولا حذفه بجرَّة قلم خبيثة تريد أن تطعن في مثل هذه التجارب الروحية النادرة مع القرآن؛ لتتوجه إلى عباد الله بقشور سطحية خاوية وقاحلة لا ينتفع بها أحد.

"أقرأ الكتاب بوجد وطرَب وفكر. وأقرأ القرآن كأنه نَزَلَ في شأنك"

عبارة معجونة بعجين التجربة الفاعلة، كاشفة عن معدنها الأصيل في التلقي العلوي، ممزوجة بروح صاحبها وبكل خلجة من خلجاته، وبكل جارحة ظاهرة وباطنة كانت تنبض فيه؛ فإنّ الوجد الذي ذكره هنا لهو العاطفة في أعلى ما تصيبه من مدارك الشعور ومناشط الوجدان. والطربُ حالة صارخة أسمى من ذلك وأرقى تتلقى فعل العاطفة فيما تصيبه من مُدْرَك الشعور وفيما تتلقاه من وعي الوجدان.

أما الفكر .. وما أدراك ما الفكر؟ حدِّث كما شئت عنه ولا حرج؛ لكنه هنا ليس هو المعقول النظري أبداً، ولن يكون، هو مرتقى آخر من فعل العناية الإلهية المختارة لكيفية التفكٌّر دوماً في ملكوت القرآن، ثم ماذا؟

ثم إذا أنت قصدت ذلك وأردته، ومضيت به صادقاً إلى "وحدة القصد" بالمباشرة؛ فأنت أنت القرآن، ولا شيء غيرك؛ كأنه نزل في شأنك؛ سرعان ما تتواجد في طرب علوي ولذة روحانية، فالوجد والطرب والفكر؛ خصائص للذاتية الخاصّة للقرآن، وشروط قويمة للإدراك تعرفها "الحالة" الروحية، ويتكشَّفَها المُتحقق بها، وتكون كالطلاسم المبهمات لمن لا يدرك لها معنى ولا تحقيقاً.

تقودنا عبارة "السَّهْرَوَرْدِى" الكاشفة إلى نصِّ كان شَرَطَه "الزَرْكَشِي" في "برهانه" حيث قال:" أصل الوقوف على معاني القرآن التدبُّر والتفكُّر. واعْلم أنه لا يحصل للناظر فهم معاني الوحي حقيقية، ولا يظهر له أسرار العلم من غيب المعرفة وفي قلبه بدعة أو إصرار على ذنب، أو في قلبه كِبْرِ أو هوى، أو حب دنيا، أو يكون غير متحقق الإيمان، أو ضعيف التحقيق، أو معتمداً على قول مفسِّر ليس عنده إلا علم الظاهر، أو يكون راجعاَ إلى معقوله، وهذه كلها حُجُب وموانع، وبعضها آكد من بعض...".

عبقرية التدين الرشيد:

ولم تكن فلسفة الرشد والانتباه إلا اليقظة الموصولة بعبقرية التدين الرشيد، وهو هنا مصدر الحضور في القرآن: تأمل قوله تعالى:" إنّ الذين اتّقوا إذا مَسَّهم طائفٌ من الشيطان تذكّروا فإذا هم مُبْصِرون"؛ فماذا أنت واجد؟ تجد ها هنا مصدر الوعي الملهم والحضور الفاعل. وها هنا بحق تكمن "عبقرية التديّن الرشيد": منبعها ومصدرها في ذلك الحضور؛ لكأنما الجانب الغامض (= الباطن) في الإنسان هو موطن العبقرية فيه، لكن بأي معنى من المعاني يحتمله هذا "الغموض"؛ ليجيء معبراً عن ذلك الحضور؟

لا شك إننا هنا لا نعني عدم الوضوح، ولا نعني قلة الإدراك للأشياء، ولا نعني غياب الحقائق والمفاهيم؛ فكل هذا وغيره يعني لدينا "الغموض" الذي يقود الإنسان إلى الخلط والاضطراب، وأباطيل الخَطْل الغارق في الجهالة العمياء.

إننا نعني بالجانب الغامض هو كل ما هو "باطن" في الإنسان، مستتر غير ظاهر، خفيُّ غائر في الأعماق التي لا تُرى، ثم إنه - من بعد ذلك - مشروط بشروطه التي تتولاه وترعاه وترقبه في كل حال. وعلى هذا الجانب الغامض العميق تربو عبقرية التدين وتزيد، بمقدار ما تزداد في الإنسان وتربو أغواره الداخلية، عمقاً وغموضاً واستتاراً غير مكشوف لكل إنسان، ولا لأي إنسان. ومن هنا كانت عبقريته. ومن هنا، جاء صنيعه الخارق للعادة يعتادها الناس مِمَّن يعملون ويحسنون أو لا يحسنون.

وعبقرية التَّديُّن جزءٌ لا يتجزأ من عبقرية التَّوجُّه نحو الغيب المجهول، الأصلُ فيها "الانتباه" اليقظ، والتركيز المفرط والإخلاص الشديد للرؤية يراها الرائي حين يرى، فينزوي في رؤياه مدركاً لأغوار ما يرى في باطنه وخفاياه، فلا يتزحزح قيد أنملة عَمَّا كان قد أدركه، ولو لاقى في سبيله المنون. ومن أجل هذا؛ لا نستغرب أوصاف العلماء الغربيين للعبقرية حين وصفوها بحق بـ "الانتباه" وشدة التيقظ؛ لكأنهم جندوا أنفسهم للبحث في مزايا النوابغ والعظماء، فلم يجدوا وصفاً للعبقرية أدق ولا أصوب غير "اليقظة والانتباه".

غير أننا نبحث في تراثنا المهجور! ذلك الذي أصبح اليوم مهجوراً بحكم الإهمال، فنجد اليقظة ضد الغفلة، والغفلة إنما هى سَهْمٌ من سهام الشيطان، توجب الاستعاذة بالله، بل هى في قانون الأولياء والعارفين ذنبٌ كبيرٌ يستلزم "التوبة"، ويقتضي الإنابة والرجوع فوراً وبغير تباطؤ أو تسويف.

فقد كان رواد العارفين وأقطابهم يتوبون عن الغفلات؛ لأنها في نظرهم من الكبائر، ولما كانت كل كبيرة من الكبائر تمليها غفلة عن الحق يرمي بها الشيطان أو ترمي بها النفس في بواطن صاحبها، صارت بالضرورة حجاباً عن الحق ضد اليقظة والتنبُّه، أي ضد الانتباه. والمحجوبون عن الله بالغفلات كثيرون، والموصولون بغير حجاب هم المتنَبِّهون المتيقظون لا لشيء إلا لأنهم هم المتقون، أي هم الحاضرون دوماً في رحاب المعيّة الإلهية.

هكذا تعلموا دوماً من أسرار القرآن؛ إذْ يصعد الكتاب العزيز في طراز رفيع وعال من المعاني يجِبُّ بآية واحدة من سورة الأعراف (201) كل ما كتبه الغربيون في معنى العبقرية من حيث كونها يقظة وتنبُّهاً، ولا تزيد.

وعبقرية التدين الرشيد على وجه الخصوص تضمُّها الآية الكريمة:" إنَّ الَّذِيِنَ اتَّقُوا إذا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكروُا فإذا هُمْ مُبْصِرُون"؛ إنها لقمة العبقرية الرفيعة يضفيها القرآن على المتقين. فلتلحظ (أولاً) "التقوى" بمثابة الأصل الأصيل الذي يشترط توافره لاستقبال البصيرة الواعية والانتباه الحاد والحضور الشديد. ولتلحظ (ثانياً) رمز الغفلة وهو مسُّ الشيطان أو طائف منه، ثم تلاحظ (ثالثاً) "فعل التذكرة"؛ وهى الحركة الفجائية التي يحكمها الأصل الأصيل تنطلق منه فلا تعود إلا بالبصيرة؛ لكأنها القنطرة التي يتمُّ خلالها العبور حقيقةً من الأصل والمصدر إلى قمة العبقرية (البصيرة) لكن هذه الحركة ليست حركة ذهنية وكفى، بمقدار ما هى حركة كيان واع بكل ما يملك من إمكانيات وقدرات، هى حركة إنسان بكليته الإدراكية، حتى إذا ما كانت ها هنا غفلة أعقبها عند المتقين تذكرة، والتذكرة أولى مراحل الانتباه اليقظ الفعال في الحركة الفجائية التي تقاوم جذبة الغفلة من فورها؛ إذْ لا يكتمل التنبُّه إلا بالبصيرة.

ثم تأتي الملاحظة الأخيرة في كلمة (مُبْصِرُون)؛ ليكتمل الانتباه ويرشد إلى أن الرؤية هنا ليست رؤية بصرية عيانية، رؤية مُقلة وجارحة؛ بمقدار ما هى رؤية قلبية وازعها الأوحد فيما يبدو من سياق الآية ذاتيٌ خاص يقصرها النسق الإلهي على طراز خاص هم أولئك الذين اتقوا، لا كل إنسان ولا أي إنسان، وإنما هو إنسان خاص متفرِّد بأصل مشروط بالتقوى، والتقوى أمرُ باطن لا يطلع عليه؛ لأنها علاقة خاصة مخصوصة بين العبد وخالقه، فهى بحق ذلك الجزء الغامض غير المكشوف لكل إنسان ولا لأي إنسان. أي نعم ! هى السريرة الباطنة التي تحكم عمل العلاقة بين العبد والرب. وعلى هذا الغموض المستتر المبطون تقوم عبقرية التديُّن في كل قوة روحيّة تتصل بأسباب السماء، ولا شرط لقيامها في البداية غير إماتة الجانب "المظلم" في الإنسان، أعني جانب الغفلة وما يتولّد عنه من عوائق أخلاقية بغيضة وآفات شهوانية شرهة ورذائل حيوانية خسيسة، وعلائق من الأمراض والخبائث يضج تحت وطئتها الإنسان ويَسْوَدُّ بها وجه المجتمع - ظاهره وباطنه - في عصور ندعوها بعصور التقدّم والاستنارة مجازاً لا حقيقة !

وعليه؛ فإذا نحن قلنا إن هناك فلسفة للرشد والانتباه على شرطها القرآني وفي إطاره، لم نكن نعنى بها أو نتصور فيها غير الحضور كمعنى وكمفهوم يقوم بهذا الشرط ولا يتعداه.

على أن إجماع أئمة التفسير على شرط "حضور القلب" في قراءة القرآن؛ لهو بالبديهة يُعطي الدلالة الواضحة والمباشرة حين نقول: إن قيام الخاصَّة الذاتية في القرآن تعني أن تقوم به قياماً مُجْمَلَاً، وَأَنْ تريده وحده وأن يأخذك بالكلية, وبالمجموع؛ إذْ أن مَا يُحَقق "الخاصَّة الذاتية" للقرآن في أعلى ما تُتَوَّج به تلك الخاصَّة الذاتية من كمال للفرد وللمجموع الإنساني حين يتحقق القانون الأعلى على أرض الواقع هو أن يكون مُرادُ القرآن لذاته لا لشيء آخر غير ذاته؛ كعرض زائل من عوارض الدنيا أو كصفة مخصوصة من صفات الحياة: أنْ تريده وحده، ولا تريد أن تفهم منه ما عساك تتصنَّع به على عباد الله، أو يكون عندك زلفى للأخريين من العباد، فإنه لا يفهم كلام الله إلا برضا من الله، ولا يرضى الله عن عبد غافل غير حاضر؛ لا هِمَّة في ضميره ولا جمع في طواياه؛ لأنْ يؤدي فريضة الحضور. على أن المراد من فهم القرآن أن تريده وحده؛ هو عينه المراد من الخاصة الذاتية له، وفي تلك الخاصة الذاتية بشرى ورحمة:" فبشر عباد، الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك هداهم الله؛ وأولئك هم أولو الألباب".

فإذا وصفهم - سبحانه - بأنهم أولو الألباب؛ كان هذا الوصف وصفاً على المدح العاقل لفهم، من جانبهم، للخاصة الذاتية في استماع القول وإتباع أحسنه؛ فهو من جهة حدَّد الإطار النظري في كلمة "استماع القول"، ومن جهة أخرى؛ قرن النظر بالتطبيق توخِّياً للفاعلية العملية (المعاملة)، أي جَعْل القول مناط العلم أولاً؛ ثم العمل والسلوك في المسارعة إلى محاب الله وتجَنُّب مساخطه. هذه إرادةُ مُغيِّرة تأتي كما لو كانت لبنة جذرية وأساسية تشكِّل ذاتية القرآن الخاصة، إذْ تستحقُ الوصف بالهدى مدحاً غير منقوص ووصفاً بالعقل الذي هو اللب. وذلك ضربٌ لا شك فيه من الاعتقاد السَّاري في فهم القرآن على الصفة المَخْصُوصَة بذاته لا بسواه؛ ولذاته لا لغيره؛ من أجل ماذا؟ من أجل "إرادة التغيير".

ومن دلالة الحضور أنه قوةُ في العقل يتولد عنها ذكاءُ الذهن؛ فيقوى الفهمُ ويستبينُ فيه اليقين؛ ويصفو- من ثَّم - مع استبانة اليقين؛ يصفو الذكر مع قوة الفكر في آي القرآن. وهذه الخاصَّةُ الذاتية التي تترتب على الحضور {لأنها بالقطع من موروثات الممارسة ومن ثمار المعاناة في ممارسة الحضور دوماً وفي غير سَهَيَان} من شأنها أن تتغلغل في عمق داخلي "جُوَّانيِّ" يراها من يطبقها، لا بتعلم ولا باكتساب؛ بل بهزَّةٍ لدٌنيَّةٍ مُفَاضة فيضاً من عند الله: فيضٌ في فضل، وفضلٌ من فيض:"قل بفضل الله وبرحمته؛ فبذلك فليفرحوا هو خيرُ مما يجمعون".

وهل معنى ذلك ألا تعلُّم وألا اكتساب؟ لا ليس هذا هو المقصود؛ وإنما المقصود هو أن يكون التعلم بداية معرفة بأولوَّيتها على غيرها، وأن يجيء الاكتساب شروعاً في التطبيق لذاته لا لغيره، أي شروعاً في تحويل النفس من مكانها الذي اعتادت أن تقف عنده ولا تتجاوزه؛ ليجيء "التحويل" دليلاً على وضوح السبيل من طريق فهم القرآن.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

قاسم محمد الياسريمن المهم جدا أن نفهم أنفسنا ونحاول التحكم فيها وتجاوزها في هذه الظروف المصاحبه لانتشار كوفيد19فالحجر الصحي المنزلي الشامل يدفعنا لممارسة التأمل والاستغراق الذهني الذي يساعد للتغلب على الضغوط النفسية لكنه يزيد القلق والتوترعند آخرين فالأفضل تشتيت الانتباه بممارسة أشياء اخرى فقد فاجئنا كوفيد19 ولم نختبره من قبل وفرض علينا جميعا عزله جسديه رغم أن الجميع يعلم أن هذا الحجرهو من أجل المصلحه العامه الجماعيه فلا يجب أن يكون الحجر الجسدي يرافقه حجرعاطفي بل يجب أن يرافقه تواصل إجتماعي وأسري وتكافل لحاجات المجتمع الاساسيه والضروريه لديمومة الحياة فالفئه التي يجب الخوف عليها أكثرهم الفئه التي تعاني سلفا من الفقر وضعف إجتماعي واقتصادي من الذين لا يملكون الامكانيات الكافيه لضمان حاجياتهم الدنيا على غرارالأكل والشرب ودخولهم في فترة الحجر الصحي الشامل ومنعهم من الخروج والحصول على قوة عيشهم حيث ستتولد لديهم مشاكل اجتماعيه وينتج عنها مشاكل نفسيه فينتابهم الشعور بالاضطهاد  وشعوربإهمال الدنيا والوطن ولم تساندهم الدوله من هنا يشعر الافراد بالكهوله والعجزعن إعالة أطفاله وعائلته ويصبح هو بذاته بحاجه للطمأنينه فالبعض يفقد السيطرة على تصرفاته ويدفع بالفرد لسلوك بنفس خطورة كوفيد19 وأحيانا يعتقد مريض والحقيقة هو يشعر بالخوف والذعرفقط وليس مريض..كذالك سيتولد شعور خوف وارتفاع نسبة القلق عند عموم المجتمع مما يولد شعور وفرضيات بناء سيناريوهات كارثيه في نفسية الافراد بعدم قدرة البشريه على مواجهة الفايروس..فحالات الخوف والهلع التي تخلفها وضعية الحجر الصحي الشامل ومحدودية الحركه يمكن ان تولد إرتفاء في نسبة العنف الاسري وقد يتطور الى عنف عام والشعور بالغضب الجامح لا يمكن التحكم به لأن في الازمات المهدده للوجود تتكاثرحالات العنف الاسري والخطوط الساخنه تلتهب لان العنف مكون بشري أصيل والمعنفون محجورون مع معنفيهم..لذا من الواجب النصح ويوافقني الرأي الزملاء الباحثين النفسانيين بالخروج وتغييرالمكان لبعض الوقت وهوسلوك ناجح مع بعض الحالات التي صادفتنا فمكنتهم من التحكم بسلوكهم وحالات غضبهم التي يمرون بها..ومن الاثار النفسيه التي تظهر على السلوك العام للمجتمع في أزمه كوفيد 19 هي انتشاراضطرابات متعدده مع مشاعر التبلد والخوف والقلق فتتسم السلوكيات بالتوتر والخوف المتواصل في ضل معلومات متعدده عن الوباء وسرعة انتقاله بين الافراد وهذا يترك شعور بالعجز ويخلق انطباع عند افراد المجتمع انه غير قادرعلى السيطره والتحكم فيولد فقدان القدره على الاحساس والادراك ومن ثم شعورعام بفقدان التحكم  فيما يلف حياتهم من غموض فالجميع أصبح يبحث عن معلومات جديده ويتابع اخبارالإصابات الجديده وعدد الوفيات في دول العالم أجمع وهذا ناتج عن إرتفاع مستوى الرعب والقلق الذي إنتشرفي كل المجتمعات وهذ ما نجده عند الكثير وحتى أنا نفسي حيث يرتفع مستوى القلق وهذا مافسره لنا نتائج الاستبيان الذي قمنا به أنا وكروب من الباحثين المتخصصين في علم النفس هنا في مدينة من مدن أوكرانيا قبل شهرحيث تبين لنا ان 42% من الاوكرانيين يشعرون بالغضب و49% يشعرون بالخوف و54% يشعرون بالحزن كل هذه نسب متوسطه يمكن التحكم بها ..فلو تواصل الحجر الصحي لفترات أطول وأكثر فهذا قد ينذر بتطورالاضطرابات النفسيه العامه للمجتمع بعد أن أصبحت السيقان لا تطاوع أصحابها للسيروالاجساد عالقه في تكاسلها الاجباري والافكار مبتوره في الرأس قبل أن تخرج من الأفواه..حيث فوجئت المجتمعات بمواجهة أزمة كوفيد 19 ولم تكن جاهزه لها من قبل فان طال زمنها اكثر قد يخلق اضطرابات ما بعد الصدمه ويكون وقع الازمه اشد على كبار السن وعلى ضعيفين المناعه ولديهم اشكاليه في التنفس وكذالك على النساء الحوامل فتزداد مشاعر الخوف الغير مرتبطه باسباب ملموسه فتخرج على شكل حالات هلع وخوف من امكانية الاصابه ونقل العدوى مما يرفع مستوى الخوف الغير مبني على المنطق فيضاعف هذا النوع من الخوف والهلع الزائد وكثرة متابعة الاخبار في مواقع التواصل الاجتماعي والاشاعات والعديد من الاراء المختلفه والمتباينه التي تؤثر على افراد المجتمع بصوره عامه فيضيف انعكاسها على الحجر الصحي المنزلي والحاله الوبائيه بارتفاع نسبة القلق وتشتت الافكار وامكانيات العدوى غير المؤكده وشعورالناس بالعزله والضعف..وأقوى أنواع الخوف هو إنخفاض فعالية الصحة الروحية اي ضعف قدرة الفرد على توليد الإيمان والقوه الداخليه .وبالاضافه لما تقدم فقد يولد الوضع العام اضطرابات نفسيه وحالات تعكر في المزاج وهلع واضطرابات مزاجيه وتعم النظره التشائميه واضطراب النوم والتفكير المطول وحالات الاكتآب واحيانا يلتجئ المواطن الى العلاج الكيمياوي وتناول الادويه من اجل الضفر بساعات نوم عاديه او التحكم في حالة هلعه التاي يمرفيها والتخفيف من الاكتاب..وهنا نحذرمن فرضيات استعمال الادويه المكثف لفتره طويله اوالتطبيب الذاتي لأنها قد تسبب إدمان على الادويه  وتظهر ايضا إضطرابات مابعد الصدمه التي تجعل المواطن في انتظار دائم لحصول كارثه وفي تأهب دائم فيولد حالة فزع دائم ويثورلابسط الامور وتنتابه كوابيس وحالات ارق وفوبيا التنفس يتضاعف تدريجيا إن لم يتم التحكم فيه تسهل الاصابه بكوفيد 19 ويصل البعض الى الاصابه بنوبات قلبيه فيعزل نفسه ويصاب بافكار تشائميه وانتحاريه مثلما نسمع بحالات الانتحار والعنف الاسري في بلدنا العراق .وكثيرا مايتم التركيز بالنصائح الارشاديه والاهتمام بالنظافه والتعقيم وغسل اليدين وهذا يمكن ان يكون سببا في تعكرحالة المصابين بمرض الوسواس القهري وهؤلاء ايضا يمكن ان تسوء حالتهم اكثر ويرتفع مستوى الوسواس لديهم فترتفع حدة القلق عموما وكل هذه الحالات النفسيه التي سبق ذكرها تؤثر سلبا على المجتمع بشكل عام .فالفئات الاكثر عرضه للازمات النفسيه والاضطرابات في هذا الضرف هم كبار السن والاطفال والذين يعانون اساسا من اشكاليات نفسيه سابقه بالإاضافة لهذه الفئات الثلاث هناك أفراد في المجتمع كان لهم طفوله قاسيه وصعبه ومشاكل عائليه حاده في طفولتهم فكلما كان الماضي يحمل صعوبات وذكريات سيئه مكبوته ومخزنه في النفس يجعل جهاز المناعه النفسي غير قادر على مواجهة الصعوبات والتغيرات ويرفع من منسوب الهشاشه لديه ولا يكون لديها اليات الدفاع النفسي اللازم لمواجهة الصعوبات والوضعيات الكارثيه على غرار مانمر به اليوم ..فالسلوك الامثل في الحجر داخل المنزل هو المشاركه مع العائله والحفاض على الحركه كمشاركه في التنظيف اوالرياضه واي جهد جسمي يساعد في افراز هرمونات تساعد على النوم والسعاده والحفاظ على الوزن وخاصة ان السمنه عامل مؤزم للحاله النفسيه عند البعض فالافضل القيام بنشاط جسدي يوميا لمدة 15 دقيقه تشارك فيه العائله داخل البيت اوحديقة البيت او البالكون لخلق جو من الالفه والضحك والمزاج يخفف من مشاعر الغضب والخوف التي تتزايد بالعزله واضفاء الاحساس بالطمأنينه والتحكم بالهلع النفسي الذي قد يشعر به افراد الاسره وايضا تقاسم المشاعر السلبيه مع افراد السره مهمه جدا تمكن من التصرف فيها ويمكن تقاسم مشاعر الهلع والبحث المشترك عن الحلول لتخطي مشاكل الاضطرابات النفسيه وعلينا وضع سلوكيات جديده نحافط بها على نفس الشعور للتحكم بحياتنا لكي لا يتملكنا الشعور بالملل والافضل ان نغير اهتماماتنا طول اليوم هو العمل والقراءه ونشاط رياضي وغيرها رعاكم الله ايها المحرومون في كل مكان من المعموره..

 

د. قاسم محمد الياسري

 

سليم جواد الفهدقد يظن البعض متوهما أن الشورى من تأسيس القرآن وليس لها تاريخ قبل الإسلام وهذا غير صحيح تماما فالشورى لها تاريخ عريق عند العرب وغيرهم وهي من موروثاتهم الاجتماعية الشائعة حيث كانت عرفا قبليا مشهورا وإن نسبة نظرية الى الإسلام قد تكون بالمعنى المباشر أي وجودها بشكل ضمني في النص القرآني وقد تكون اسلامية بمعنى انتماء الجماعة المسلمة إليها ولا تختلف الحالتان على المستوى العملي لكن النسبة الثانية تعطي فرصة اوسع للاجتهاد والرجوع الى المسلمين عوضا عن الرجوع الى النص. وفض الإشكالية يكمن في فرز العلاقة التاريخية بين الإسلام كدين وبين موروثات المجتمعات التي آمنت به فقد تبنى الإسلام كثير من موروثات المجتمع القبلي وأعطاها صفة الحكم الشرعي.

مفهوم الشورى:

الشورى في اللغة مشتقة من كلمة شور، وتأتى لمعانٍ عدة منها استخراج الشيء المفيد من موضعه شرت العسل واشترته أي استخرجته من موضعه والشورى تعني تقليب الآراء المختلفة ووجهات النظر المطروحة واختبارها من أصحاب العقول والإفهام حتى يتم التعرف والوصول الى أصوبها وأحسنها للعمل به لتحقيق أفضل النتائج وقد اعتبر مبدأ الشورى خير من رأي الفرد لأنها تعبر عن الرأي الجماعي. وفي القرآن: (وَأمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)."الشورى آية 38" (المعجم الوسيط).

واستخدامها في الاصطلاح لا يبتعد عن معانيها في اللغة فتأتى بمعنى استطلاع الرأي من ذوي الخبرة في الشيء للتوصل إلى الصواب والمشاورة هي (الاجتماع على أمر ليستفيد كل واحد من صاحبه ويستخرج ما عنده).

السياق التاريخي للشورى

الشورى ممارسة إنسانية اجتماعية لجأ إليها الإنسان العاقل لحل ما استشكل علية من مشاكل الحياة وهي قديمة بقدم العقل الإنساني وعند العرب قبل الإسلام كانت الشورى ممارسة حياتية يومية في القبيلة حيث تسود العلاقات الابوية بين شيخ القبيلة ومن هم دونه في السن والخبرة والشورى عبارة عن طرح مسألة على القوم أو الجماعة وأخذ الرأي الصواب فيها وكانت العرب تقول "ما خاب من استشار" وكانت في أطراف الجزيرة العربية أنظمة عديدة للحكم في القرون التي سبقت ظهور الإسلام فمثلاً شهدت بابل نظاماً ملكياً وراثياً في عهد حمورابي ومن جاء بعده وفي بلاد الشام تعاقبت النظم والدول بعضها ملكية مثل الأنباط وتدمر ثم كان الغساسنة وكذا الحال بالنسبة إلى الدول التي ظهرت في أطراف العراق كالمناذرة وفي اليمن جنوب الجزيرة العربية ظهرت مملكة سبأ والتي شهدت نظاماً ملكياً فيه نوع من الشورى وقد أشار القرآن إلى قصتها في سورة النمل (الآيات22-44) وبينت الآيات كيف تمت المراسلة بين سليمان وبين بلقيس ملكة سبأ والتي انتهت بإسلامها وتبين هذه الآيات النمط السياسي القائم على الشورى في المملكة المذكورة: {قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أمري مَا كُنتُ قَاطِعَةً أمراً حَتَّى تَشْهَدُونِ} (النمل:32).

وعرف العرب في الجزيرة قيمة الشورى فتمسكوا بها واعتبروها خير وسيلة لتجنب الغبن والوصول إلى الموقف الصائب (قال أعرابي ما غبنت قط حتى يغبن قومي قيل وكيف ذلك، قال لا أفعل شيئاً حتى أشاورهم وقيل لرجل من عبس: ما أكثر صوابكم قال: نحن ألف رجل وفينا حازم واحد ونحن نطيعه فكأنا ألف حازم)"1".

 وكان النظام الاجتماعي والسياسي القائم لدى العرب في الجزيرة يتطلب ممارسة الشورى ذلك لأن القبيلة هي الوحدة الاجتماعية والسياسية التي يعيشون في ظلها وكل أفراد القبيلة الواحدة يعتقدون أنهم ينحدرون من جدٍ أعلى واحد فروح الأخوة والمساواة تتطلب الأخذ بالشورى لأنها وسيلة ضرورية لتأليف القلوب والمحافظة على وحدة القبيلة لذلك تتجلى الشورى في إدارة القبيلة العربية وأسلوب حياتها بوضوح فانتخاب سيد القبيلة مثلاً يعكس روح الشورى السائدة عند العرب قبل الإسلام حيث يتم الانتخاب بأسلوب حر بعيد عن الوراثة إلا في حالات نادرة حيث لم يحبذ العرب انتقال السيادة بالوراثة لان ذلك يقيد حريتهم وبالفعل لا يوجد في تاريخ قبائل وسط الجزيرة العربية أكثر من أربع أسر تتابع فيها أربع أحفاد بالتعاقب على الرئاسة وقد يعهد السيد إلى ابنه في سيادة القبيلة ألا إن هذا لا يعنى التعيين المطلق إذ يجب أن تتوفر في الخلف صفات تؤهله لسيادة القبيلة وتنال رضي أبناء قبيلته.

وتتجلى الشورى أيضاً في وجود مجلس للقبيلة يرأسه سيد القبيلة ويقوم هذا المجلس بحل مشكلات القبيلة وإدارتها حيث تعرض فيه كل القضايا التي تهم القبيلة الداخلية والخارجية ويكون أقرب إلى مجلس الشورى أو مجلس البرلمان في الوقت الحاضر فكان للشورى أثر واضح في حياة أفراد القبائل العربية وكان الأفراد ملتزمين بالتشاور والشورى ويحترمون المشاورة ويأخذون بها.

وكان للشورى أثرها في مكة قبل الإسلام وإدارتها فشيوع روح التكافل الاجتماعي ومساعدة الأغنياء للضعفاء في المجتمع المكي يعكس اهتمام المكيين بالمساواة وروح الشورى والتضامن وكذلك حل المشاكل التي تحدث بين قبائل قريش وغيرها سلمياً وبروح التفاهم والمشاورة في حل المشكلات وخير مثال على ذلك حل الخلاف الذي وقع بين أحفاد قصي حول إدارة وظائف مكة ويمكن أن نستدل على الشورى في حكم مكة من توزيع المناصب بين العشائر المختلفة على الأقل فكانت السدانة والحجابة لبني عبد الدار بن قصي والمشورة في بني أسد والديات والغرامات في بني تميم والسفارة في بني عدي والرفادة كانت لبني هاشم وحين أعلن محمد عن دعوته كانت الرفادة لبني هاشم وكان يتولاها في بداية البعثة العباس بن عبد المطلب."2"

وتتجلي الشورى بوجود دار الندوة التي أنشأها قصي بن كلاب (جمع الرئاسة من حجابة البيت وسدانته واللواء وبني داراً لإزاحة الظلمات وفصل الخصومات سماها دار الندوة إذا أعضلت قضية اجتمع الرؤساء من كل قبيلة يتشاورون ويفصلون فيها ولا يعقد لواء ولا يعقد نكاح إلا بها ولا تبلغ جارية ولا تدرع فتدرع إلا بها) وجعل باب دار الندوة إلى المسجد الحرام حيث يجتمع فيها رؤساء الناس وزعماء القبائل (رجال الملأ) للمداولة واتخاذ القرارات في كل ما يعنيهم من أمور ويبدو أن اتخاذ القرارات يكون بالإجماع أو بالأغلبية يظهر ذلك في قول أبى سفيان بن حرب بن أمية الذي كان أبرز شخصية في ملأ مكة في عهد النبوة فهو القائل: (لست أخالف قريشاً أنا رجل منهم ما فعلت قريش فعلت) "3"

للحديث بقية.

 

سليم جواد الفهد

....................

1- ابن قتيبة، عيون الأخبار، ج1، ص22-23.2

2- ﻋﺻر اﻟﻧﺑوة واﻟﺧﻼﻓﺔ اﻟراﺷدة، الفاتح عبد الله عبد السَّلام -‏2006.

3- الطبقات الكبرى، ابن سعد، ج1، ص70.

 

عدنان ابوزيديقول العلماء انّ اتقان أكثر من لغة، والتعرّف على الثقافات المتعدّدة، حتى في حالة أنك لا تندمج معها، يساهم بشكل جذري في صقل الاعتبارات الأخلاقية، ويسمو بأنماط السلوك الإنساني.

وأكثر من ذلك، فان مهارات اللغات لدى الانسان، الى جانب اللغة الام، تمكنّه من التلائم مع بيئة ترابط إيجابية، وقدرة على حل المعضلات الاجتماعية والتواصلية والثقافية، أكثر من أولئك الذين يجيدون اللغة الأم، فقط.

وسائل التواصل الاجتماعي، والترجمات الرقمية الفورية، تؤسس لبيئة عالمية متعددة الثقافات، توفّر الزمن والمسافات نحو مجتمع عالمي، يختلف تماما عن أنماط التجمعات الإنسانية التقليدية عبر العصور، فلأول مرة يتحقق مشروع الانسان الكوني، الذي يجد نفسه قادرا على التفاهم والتواصل، واستيعاب ثقافة أي مجتمع، بسبب تكنيكيات العلاقات المستحدثة، وأساليب استعراض سيل غزير من ثقافات الأمم، عبر الميديا.

يعتقد باحثون، ان مفهوم "المجتمع الوطني"، سوف يتلاشى في المستقبل، وسوف يضمحل تأثير أية مجموعة قومية او اثنية او دينية معينة، وسوف تنقرض النظرة العنصرية، لصالح الإنسانية المصقولة بالتربية "العالمية" التي توفرها وسائل "التواصل العالمي"، التي تفرض الانفتاح بين الشعوب، حتى على حساب الميزات التي يتم عرضها من خلال التاريخ واللغة والغذاء والفنون والجغرافيا والقيم الأسرية والمعتقدات، الامر الذي يهمّش الانقسامات العرقية والدينية، ويحد من سوء الفهم، وقد ثَبتَ ذلك بشكل واضح في مجتمعات اوربا الغربية الحديثة، التي تبنّت مفهوم التعددية الثقافية والدينية، واسّست لتربية اجتماعية تبدأ من نشأة الفرد المبكرة، في انّ الانسان مواطن عالمي، وانّ وطنه، الكرة الأرضية.

من المهم جدا، التمييز بين التعددية الثقافية والعولمة، لاسيما وان الكثير من الناس لا يدرك التمايز، في ان المقصد من تعدد الثقافات هو التناسق والتفاهم الكوني، بالدرجة الأساس، فيما العولمة، تحمل بين أجندتها، أهدافا سياسية، في سيطرة الثقافة العضلية على الواهنة، وتسييرها وفق اشتراطاتها وقواعدها، مع عدم نكران او اختصار، الفوائد الإيجابية للثقافة الغالبة.

تناهت المجتمعات "المتطورة" الى حقيقة ان تلاحم الثقافة المحلية مع المعرِفات الوافدة، يحقق المثل الإنسانية العليا، ويصفّي المجتمع من رواسب العنصرية والاستعلائية، وقد نجحت تلك الشعوب عبر التربية القومية المتسامحة في المدرسة، والمنابر، من بناء مجتمعات متعددة الهويات الفرعية، اكثر تجانسا وانتاجا من المجتمعات التاريخية التقليدية، الأحادية القومية او الاثنية او المذهبية.

وفي بلد مثل هولندا، تحقق سياسة الإدغام الاجتماعي الهولندية، الكثير من الإيجابيات، حتى باتت المدارس الإسلامية تقوم بمهامها الى جانب مدارس الديانات الأخرى، في تسامح ديني مثالي، بل تعدى ذلك الى تفاعل الأديان فيما بينها.

وتكاد السويد تتغير ديموغرافيا في العقود الأخيرة بسبب "التساهل الثقافي" الذي أدى الى موجات كبيرة ومستمرة من المهاجرين، وكلما زاد التنوع، انحسرت التوترات، والسلوكيات العنصرية.

تعتمد الفلسفة الاجتماعية الاوربية على حقيقة ان البشر متساوون، في الحقوق والواجبات، فيما هم على غير ذلك في الثقافات، سوى في مستوى الوعي، وقد بلورت "الفلسفة الانتشارية"، حقيقة النظرة العادلة الى البشر، لكنها تعترف بان هناك بؤرا ثقافية متخلفة وأخرى متطورة، مثلما هناك أخرى متعصبة، أو متفتحة، وهو ما يؤدي الى الصراعات السلبية.

وفي كندا، يسير المجتمع منذ إرساء الحكومة، على سكة سياسات تعددية الثقافات وتبنيها كأيديولوجية، بشكل رسمي، منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، موليةً أهمية اجتماعية للهجرة الوافدة لتدعيم المجتمع بالأيدي العاملة، والطاقة البشرية.

الدول الغربية، عملت بهذه القاعدة ونجحت في استقطاب العبقريات من كل ينابيعها الثقافية، وتمكنّت من استثمارها، جاعلة من البيئة بؤرة ثقافية متقدمة، تقيس قيمة الانسان من انسانيته أولا، ثم مهاراته وقدراته على الابتكار والإنتاج، من دون النظر الى الهوية الخاصة.

 

عدنان أبوزيد 

 

محمود محمد علييقترب شهر رمضان المبارك في ظروف يَعيشها جيلُنا للمرّةَ الأولى، وفي وسط الشوارع الخالية، ودُور العبادة المقفَلة، والأسواق المقفِرة، يبدو رمضان وكأنَّه يَهجُرنا، فكيف لنا أن نَعيشه وكلُّ شعائره محجورة، ولا قدرة على التَّبضُّع اليوميِّ لشراء أطايب موائد الإفطار، وممنوع علينا الاجتماع بالأحبّة، وممنوع علينا صلاة التراويح في الجوامع خلال الشهر الفضيل، وممنوع علينا الاحتفال بعيد الفِطر كما اعْتَدْنا، ورُبَّما ممنوع معايدة الأطفال بالعِيديّة الماليّة بسبب ذاك الكائن المجهريّ "كورونا"! .. وكأنه يقول المثل: " مرغم أخاك لا بطل" .. لكن أليست البطولة في درء المرض وشبح الموت مهما كانت الإجراءات؟.. وهل يهتم الدين بالقشور في دور العبادة ولا ينظر إلى جوهر الايمان؟.. وهل العلاقة بالله هي طقوس وتكرار لتلك الطقوس فقط؟

لقد تسبب فيروس كورونا المستجد في معظم دول العالم في تغيير العادات والطقوس، فبعد فترة من الترقب تراوحت بين الانتظار والارتباك، استسلم رجال الدين في العالم كله في نهاية المطاف للأمر الواقع؛ فها هو البابا " فرنسيس الأول " بدأ، في مشهد مثير، وكأنه معلق على أسوار الفاتيكان، وهو يحتفل بالقداس الكاثوليكي الرسمي الوحيد في كل إيطاليا، كما  ألغى البابا فرنسيس سر الاعتراف عند الكاهن، ويقول في عظته أمام الأساقفة:" فلتكن علاقتك مباشرة مع الله، أغمض عينيك بخشوع واعترف أمامه بخطاياك وعبر عن ندمك وتوبتك". فيما ألغى أساقفة الكنسية من مختلف الجنسيات المؤتمرات واللقاءات التي كانت مبرمجة قبيل انتشار الفيروس، كما أعلنت دولة الفاتيكان إغلاق كاتدرائية وساحة القديس بطرس أمام السياح حتى إشعار آخر من أبريل الجاري، إضافة الى الاحتفالات  التي كانت مقررة في بازيليك القديسة مريم،التي بنيت كنذر لانتهاء الطاعون الذي اجتاح المنطقة في القرن السابع عشر لكن أحد أساقفة ميلانو رأى في ذلك كمن ينظر إلى صورة موقد بدل من أن يجلس قربه، وذلك في إطار الاجراءات الهادفة إلى وقف انتشار فيروس كورونا المستجد.. لم يكن قرار الغاء الطقوس الدينية والاحتفالات بسيدة البشارة خياراً سهلاً، لكنه الوحيد لإنقاذ البلاد من انتشار الفيروس أو الموت المحتم.

وفي الشرق قررت الكنيسة القبطية في مصر بقيادة البابا تواضروس الثاني غلق جميع الكنائس وإيقاف الخدمات الطقسية والقداسات والأنشطة منعاً للتجمعات التي هي سبب رئيسي في انتشار فيروس كورونا.

وفي المملكة العربية السعودية تم لأول مرة تعليق الدخول إلى المملكة لأغراض العمرة وزيارة المسجد النبوى الشريف مؤقتاً، لتوفير أقصى درجات الحماية من فيروس كورونا المستجد لسلامة المواطنين والمقيمين وكل من ينوى أن يفد إلى أراضى المملكة، كما قررت السعودية أيضاً تعليق الدخول إلى المملكة بالتأشيرات السياحية للقادمين من الدول التى يشكل انتشار فيروس كورونا منها خطراً، وفق المعايير التى تحددها الجهات الصحية المختصة بالمملكة.

أما في إيران، فباتت مدينة قم، وهي أهم مركز للدراسات الشيعية في البلاد، مصدراً لإصابة الآلاف بالفيروس. كما رفض الكثير من آيات الله والقيادات الدينية الأخرى مبدأ الحجر الصحي، والنتيجة هي أن البلاد بأسرها وجدت نفسها في حالة حرب ضد المرض؛ فاضطرت إلي إلغاء صلاة الجمعة اليوم لنفس الأسباب، ويمثل هذا تقدماً فى الفهم، وتعاملاً حداثياً مع النصوص، وجسارة فى مواجهة الآراء السلفية المتدروشة التى تصر على الحرفية وإلقاء البشر فى التهلكة بأيديهم وعن طيب خاطر.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية أقفلت عديد الكنائس والمعابد اليهودية أبوابها، وذهبت كنائس كبرى في نفس المنحى، إذ قيدت كاتدرائية سانت ستيفن في فيينا عدد زوارها بشكل كبير .. وفي كوريا الجنوبية تجاهلت الطائفة المسيحية مناشدات متكررة للحكومة بتعليق التجمعات الدينية.. وفي إسرائيل فرضت الحكومة تقليل الزائرين على جميع معابد البلاد ومنعت تقبيل الأدوات المستعملة في طقوس العبادة، كما ألغى اليهود إحياء عيد المساخر "بوريم" الذي يشبه إلى حد كبير احتفالات الكرنفال. نفس القيود شملت مهرجان "هولي" الهندوسي للألوان الذي ألغي هذا العام لنفس السبب.

علاوة علي أن تفشي فيروس كورونا المستجد دفع اليهود والمسلمين إلى تغيير طقوس الدفن والحداد ؛ فقد وأوضحت وكالة "رويترز"، إنه في تل أبيب عادة ما يوارى المتوفي من اليهود الثرى في ثوب فضفاض وكفن دون نعش. أما الآن فيتم نقل جثة الميت بسبب مرض "كوفيد 19" لكي يقوم بتغسيلها أفراد يرتدون ملابس وقاية كاملة، ويتم بعد ذلك لفها بغطاء بلاستيكي محكم... وقبل الدفن تُلف الجثة بالبلاستيك مرة أخرى، ونقلت وكالة الأنباء "رويترز" عن ياكوف كيرتس أحد العاملين في منظمة شيفرا كاديشا، وهي الجماعة الرئيسية التي تشرف على دفن اليهود في إسرائيل: "المشاعر متباينة جدا.. لا ندري ماذا نتوقع. ولا نعرف كم عدد الموتى الذين سنتولاهم. المخاوف كثيرة"، بحسب رويترز.

أما فيما يخص دفن ضحايا فيروس كورونا عند المسلمين، فقد صدرت فتاوى جديدة صدرت للتعامل مع المتوفين من مرضى كورونا عند الدفن، وهو الأمر فرضته الضرورة والضرورات تبيح المحظورات ومن ثم لا يتم تغسيل الميت أو لفه بالكفن، ويدفن في كيس بلاستيكي".

وإذا كان كورونا قد غير من شعائرنا وطقوسنا الدينية، فلا نملك إلا أن نسلم بهذا الأمر، وذلك لأن الشعائر والطقوس: هي تعبير خارجي عما يجول بالقلب من تعبير عميق جدا للاهوت معين أو مفهومية معينة  أو عقيدة معينة، وعندما تتواجد عوائق مجبرة تمس بصحة أو كرامة الانسان، لا نستطيع أن نجرب الله كما قال السيد يسوع المسيح:" لا تجرب الرب الهك. الرب يستطيع أن يشفينا لكننا لا نقوم بخطوة مؤذية فنتحمل مسؤولية الأذى". وهو ما يعرف بالمسيحية بصراع الريتوس والميتوس (كلمتان يونانياتان قديمتان تشيران إلى الطقوس والخرافة).

وفي شريعتنا الإسلامية الغراء، نجد أن ديننا الحنيف يتعاطى مع المسائل المستجدة والاحداث الطارئة كالنكبات والزلازل والمشاكل الصحية والبيئية نظرة متميزة. وبالتالي ليس من المستغرب اقفال المساجد حتى على مستوى الصلاة الفردية؛ فضلاً عن الجماعة والجمعة، حيث إن تغيير الطقوس أو الشعائر الدينية مثل صلاة الجمعة أو الذهاب الى الكنائس، يرتبط بأمرين. الأمر الأول هو  المناخ العام الموجود في المجتمع، هناك مناخ عام من الخوف، من التجمعات ومن اللقاءات وبالتالي هذا القرار لا يثير أي استنكار أو أي استغراب. والأمر الثانية، هناك تبديل في الأولويات وهذا القرار هو تكيف مرن وواع ومنطقي مع هذا التبديل، فالأولوية أصبحت لصحة الإنسان. فإذا كان إنسان ندرك تماماً أن صلاة الجمعة تقضي إلى إصابته بأمراض تقتل، صلاته لا قيمة لها إذا استمر بها. نفس الأمر لأماكن العبادة الأخرى كالكنائس. الإنسان هو الأولوية والشعائر هي في خدمته. ما جرى في لبنان وفي السعودية أو إيران أو إيطاليا هو تكيف مع الأولويات، علاوة علي أنه حين تتضارب مصلحة المجتمع، ومصلحة الدين، كانت مصلحة المجتمع هي الفاصل في النزاع.

ولذلك أري أنه على القادة العرب مهمة لا تقل أهمية عن التوجيه والإرشاد الديني حول ما يتعلق بفيروس كورونا، ألا وهي توجيه كافة أشكال الدعم المطلوب للمراكز العلمية والبحثية التي تسعى لإيجاد علاج لهذا المرض الخطير، كون مواجهة فيروس كورونا وغيره من الأوبئة يعتمد في الأساس على البحث العلمي والطبي، فضلًا عن زيادة الوعي للوقاية من الفيروس.

هذا بالإضافة إلى ضرورة أن يقوم رجال الدين والحكمة من مختلف الأديان والمذاهب في كل المجتمعات على إبراز أهمية دعم القرارات والإجراءات المحلية والإقليمية والدولية الرامية إلى الحد من انتشار الفيروس، وأن يحثوا أتباعهم بما لهم من ثقة واحترام بين الناس على ضرورة الالتزام بجميع الإرشادات والنصائح التي تصدر عن الجهات الطبية والإدارية في دولهم، وأيضاً تعزيز التضامن الإنساني عبر مساعدة مَنْ هم بحاجة إليها، لا سيما المجموعات المهمَّشة والفقيرة مع أخذ تدابير الوقاية والتقيُّد بتعليمات الحماية الذاتية، من أجل انحصار هذه الأزمة التي أرهقت العالم أجمع... وللحديث بقية في موضوعات أخري عن كورونا إن شاء الله..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

.........................

المراجع

1- خالد منتصر : كورونا والحج ودفع الضرر (مقال).

2- سناء الخوري: العبادة في زمن الكورونا: لماذا لا يصدّق المؤمنون أنّهم عرضة للعدوى؟ (مقال).

3- محمد البحيري: كيف غير فيروس كورونا من طقوس الدفن عن المسلمين واليهود؟ (مقال).

4- عوض غرّة : الشعائر الدينيّة في زمن الكورونا (مقال).

5- ديانا الزين: كوفيد 19: الفيروس الذي أعاد ترتيب الطقوس الدينية (مقال).

6- مسرور اسود: دور القادة الدينيين في مواجهة الكوارث العالمية .... وباء كورونا نموذجاً (مقال).

 

 

سليم جواد الفهدتوطئة: هذه تأملات كتبتها قبل سنوات يومها كان عدد الأصدقاء لا يتجاوز الألف وكنت قد كتبتها بلغة الاختصاص المعقدة مما حرم الكثير من الأصدقاء الغير مطلعين على دهاليز التحقيق الفقهي الاستفادة منها. نعيد كتابتها اليوم بلغة واضحة وبسيطة لتعم الفائدة خاصة وقد قارب عدد الأصدقاء الخمسة آلاف صديق طامحين أن نوصل إليهم معلومات هي مدار الابتلاء في الوقت الحاضر.

نقصد بالفكر قدرة العقل على النظر في الموضوعات وتعقلها وإنتاج المعرفة وتداولها والاعتماد على العقل في الإصلاح ورسم التقدم  وتنظيم حياة الفرد وتوجيه حياة المجتمع في جميع مجالاتها والفكر هو قدرة العقل على التأمل والتدبر والتفكر والتبصر والتعقل والتنظير وإعمال العقل باستخدام كل فعاليات الفكر ونشاطاته في الوجود الفردي الذاتي الباطني وفي الوجود الاجتماعي الموضوعي الخارجي وفي الوجود الإنساني العام وفي الوجود الطبيعي الموضوعي وفي الوجود الغيبي الميتافيزيقي والفكر يختلف من فرد إلى آخر ومن مجتمع إلى آخر من حيث الأسلوب والاهتمامات والغايات والمبادئ والمنطلقات ودرجة الصحة ومعاييرها ودرجة العمق وشروطه ودرجة الوفرة والكفاية ومجالها ومدى الدقة وحدودها الأمر الذي يدل على أن الفكر تتحكم فيه عدة عوامل متداخلة بعضها ذاتي في الإنسان وبعضها موضوعي بعضها داخلي وبعضها خارجي اجتماعي وطبيعي وغيره بعضها قديم وبعضها حديث وآخر معاصر.

وهذا يعني أن الفكر مرتبط بعوامل وبيئات متنوعة بتنوع مجالات الحياة التي تتميز بالاختلاف والتداخل داخل المجتمع الواحد والبيئة الواحدة والحضارة الواحدة ثقافيا واجتماعيا وسياسيا واقتصاديا ودينيا وفلسفيا وعلميا والفكر يتنوع بتنوع الوعي التاريخي والظروف التاريخية التي مرت بها الإنسانية عبر الحقب التاريخية المختلفة الأمر الذي جعل الإنسان يتحصل على أنواع وأنماط وأشكال شتى من التفكير ذات معايير متباينة في تصنيفها يعجز الفرد عن الإلمام بها جميعا في وقت واحد. والفكر له كيانه ووجوده المتعدد والمتنوع في مجالاته ونتاجاته وهو معطى طبيعي بشري إذا تأسس على الحرية ينتج الإبداع ومن هنا نفهم أن التعدد والتنوع والتطور في الفكر أمور طبيعية وعليه لا يمكن لنا إخضاع الفكر لمنهج واحد ونمط واحد ومجال واحد ووفق إيديولوجية واحدة فالفكر أوسع من أن يكون يسارياً فقط أو يمينياً أو إسلاميا من هنا نفهم معنى إضافة إسلامي الى الفكر فنقول (الفكر الإسلامي) ونعني به جهد المفكر المسلم في فهم وتفسير وتأويل العقيدة الإسلامية والشريعة والأخلاق الإسلامية والخلاصة نحن هنا نناقش فكرا بشريا اجتهد في فهم تراثه ونحن هنا نجتهد في نقده.

ونقصد بالسياسي وجهة النظر الإسلاموية الذي تقوم على أن العمل السياسي ينطلق من فهم الإسلام كدين ودولة جامعا المسلمين حول برنامج سياسي في إطار تنظيمي سياسي-ديني مستهدفا الوصول للسلطة لتطبيق تعاليم الإسلام عقيدة وشريعة.

تأملات في الفكر السياسي الإسلامي

التأمل الأول:

لعل أبرز إشكال فكري لم يحسم الجدل فيه الى الآن هو: طبيعة وهيكلية الفكر السياسي الإسلامي فمنذ انتهاء عصر النبوة تنازعت نظريتان في الفكر السياسي الإسلامي هما نظرية الشورى (انتخاب الناس للحاكم) عند السنة ونظرية النص (التنصيص على الإمامة) عند الشيعة ومنذ تلك اللحظة التاريخية والى الآن لازال الفكر الإسلامي رهين نزاع هاتين النظريتين. وعلى خلفية هذا التنازع انقسم المسلمون الى أهل السلطة من جانب وفريق المعارضة من جانب آخر واستمر السجال الفكري والعقائدي طوال القرون الماضية التي قفز فيها الصراع الى صراع دموي- وهو أمر حتمي في أي صراع ديني- وصولا الى حمامات الدم الراهنة والتي لا أعتقد أنها ستنتهي في القريب من الأيام هذا البذل المجاني للدم دعاني الى التأمل في هذا الفكر لعلي أخرج بنتيجة تساهم في الفهم وإيجاد الحلول للخروج من الأزمة كون الازمات مولدة للأسئلة هو امر طبيعي تماما فهي تدل على وجود قدرة نفسية وثقافية لممارسة النقد الذاتي لان الوضع الطبيعي هو ان لا يقتصر التفكير في مكونات الثقافة على اوقات محددة سواء كانت اوقات رخاء او اوقات شدة لان الثقافة كالخبز اذا توقف انتاجها فلا بد ان يصاب الإنسان بالهزال الذهني كما يضعف الجسد اذا حرم الغذاء. في هذه التأملات سيكون نقدي موجها الى ما أتفق عليه الفقهاء من قضايا الفكر السياسي الإسلامي المستنبطة من مصادره الأساسية. وستكون خياراتي النقدية فلسفية لكنها لا تخفي بعداً سياسيا واجتماعيا تغييريا أهدف إليه خصوصا ونحن الآن في مواجهة الهجوم الشامل والعنيف للأصولية السياسية الإسلاموية السادرة في أسلمة البيئة والفضاء والهواء والمسيطرة على الأجواء العربية والإقليمية الشعبية والرسمية إلى حد مخيف سوف يجرها الى صراع وتناقض مع العالم بأكمله. في هذا الخضم الهائل من الضغط في مواجهة العقلنة والتجديد والإصلاح كان لزاما العمل بمنهج تفكيكي قبالة البناء الأيديولوجي المتجذر عبر إرث تاريخي تراكمي حظي بأفضلية الممارسة والتطبيق واستعصى على التغيير وعاند الإصلاح والتجديد ولن يتحقق تقدم أو تطور نسبي ما لم يتم نقده وتفكيكه بشكل علمي منظم. فكان لابد من الرجوع الى مصادر هذا الفكر باعتبارها هي الوعاء الذي خرجت منه الأشكال المتعددة لأنظمة الحكم الإسلامي عبر التاريخ وهي التي ستستخدم لإنشاء أشكال جديدة في المستقبل.

ففي منتصف القرن الأول الهجري تحولت السلطة على أيدي الأمويين وملكهم الأول معاوية من الشورى الى الوراثة الملكية فانتهت نظرية الشورى الصورية السنية فعليا. أما عند الشيعة أصحاب نظرية الإمامة ففي عصر النص (عصر وجود الإمام المعصوم) كانت نظرية التعيين الربانية -وهي وراثية أيضا حيث الإمام المعصوم يجب أن يكون ابن إمام معصوم حتى يصلح لخلافته وإن كان من نفس الأم والأب -هي التي تحدد الإمام وصلاحياته المطلقة لكن بعد انتهاء عصر الأئمة المعصومين صارت نظرية السلطة الشيعية على مفترق خيارات متعددة:

1- خيار اعتبار السلطة وإدارة الدولة والمجتمع من وظائف الإمام المعصوم الغائب وعلى هذا الاساس برزت نظرية الانتظار ورفض استلام مقاليد السلطة.

2- خيار الصلاحيات المحدودة للفقهاء والمحدثين وحملة العلم الديني الشرعي بما يطلق عليه (بالولاية الحسبية المحدودة).

3- خيار الصلاحيات المطلقة للولي الفقيه الذي ظهرت أولى بوادرها في عصر المحقق الكركي وطورها النراقي وطبقها السيد الخميني وامتدت حتى العصر الحاضر.

مصادر الفكر السياسي الإسلامي

تتنوع مصادر الفكر السياسي الإسلامي وأصوله النظرية الى نوعين:

أولا: مصادر وحيانية مقدسة هي القرآن والسنة النبوية.

ثانيا: مصادر الاجتهاد البشري وهي مصادر اختلف أئمة المذاهب الإسلامية في إقرارها وتباينوا في مدى الأخذ بها وأبرزها الإجماع والقياس ويحل العقل محل القياس في المذهب الجعفري يليها مرتبة الاستحسان والمصالح المرسلة وهناك مصادر احتدم الخلاف حولها هي: العرف وسد الذرائع وقول الصحابي والخلط بينهما خطأ منهجي كبير.

1- القرآن: وهو المصدر الاول في التأسيس والمفترض أن يتفق عليه الجميع شكلا ومضمونا لكنه لم ينجو من الاختلاف وسقط في متاهات التفسير والتأويل ووصفوه بانه (حمال أوجه).

2- السنة النبوية: عند أهل السنة هي ما صدر عن النبي -من غير القرآن-من قول او فعل او تقرير اما عند الشيعة فهي قول أو فعل أو تقرير النبي والإمام المعصوم فيدخلون الأئمة الاثني عشر باعتبارهم امتداد للنبوة.

ولم تنجو السنة ايضا من الاختلاف وإذا كان القرآن قد وقع في متاهات التفسير والتأويل فالسنة غرقت في بحر من التزوير حيث لا يكاد يتفق مذهبان من مذاهب المسلمين على سنة واحدة.

3- الإجماع: لغة هو ضم المتفرق وهو يقابل الاختلاف والتفريق وهو عند أهل السنة: اتفاق أهل الحل والعقد وعن الحاجبي: “أنه اتفاق المجتهدين من هذه الأمة”. أو هو الاتفاق على معنى النص مع عدم النزاع على حكم غير منصوص أما عند الشيعة فالإجماع هو: الذي يكشف ضمنا عن قول المعصوم سواء قل المجمعون أم كثروا وسواء كان دليلا مستقلا مقابل الكتاب والسنة والعقل أم لا والخلاصة هو ليس أكثر من طريق وحاك عن رأي المعصوم فالإجماع بما هو إجماع لا قيمة شرعية له عند الإمامية ما لم يكشف عن قول المعصوم فيكون الإجماع بمنزلة الخبر المتواتر الكاشف بنحو القطع عن قول المعصوم!

4- العقل: عند الشيعة يرجع إليه وإلى قواعده عند فقدان النصوص أو تعارض الأدلة وملخصه: هو كل حكم عقلي ينتهي الى القطع بالحكم وله دلالة على الحكم الشرعي وهو إدراك العقل بما هو عقل للحسن والقبح في بعض الأفعال الملازم لإدراكه تعارف العقلاء عليه وذلك ناتج من تأدب العقل بذلك وبما أن الشارع سيد العقلاء فقد حصل إدراك حكم الشارع قطعا وليس ظنا. والعقل هو القياس عند السنة ويعني: حمل فرع على أصل في حكم لعلة جامعة بينهما.

هذه هي مصادر الفكر السياسي الإسلامي (القرآن والسنة والإجماع والعقل) عند الشيعة و(القرآن والسنة والإجماع والقياس والاستحسان والمصالح المرسلة والعرف وسد الذرائع وقول الصحابي) عند السنة.

تحدثنا في التأمل الاول عن تاريخ نشوء المشكلة في الفكر السياسي الإسلامي ومصادر هذا الفكر في الفرقتين الأساسيتين الشيعة والسنة وبيان ما بينهما من فروق على مستوى التنظير الفقهي ولن نعير أهمية كبيرة لاختلاف الفقهاء حول التفسير الصحيح لهذه المصادر فهو موضوع يحتاج الى دراسة خاصة قد لاتهم إلا المختصين ومطلبنا الوقوف عند النبع الذي ألهم وأوحى ذلك الكم الكبير من التنوع وتأطير الفضاء الحاوي لأركان وقواعد تلك النظرية ومراحل تطورها ومدارسها وأشكالها العملية وهذا النبع هو المصدر الأول القرآن.

1- القرآن: اشتقت كلمة "قرآن" من المصدر "قرأ"، وأصله من "القرء" بمعنى الجمع والضم، يُقال: «قرأت الماء في الحوض»، بمعنى جمعته فيه، يُقال: «ما قرأت الناقة جنينًا»، أي لم يضمَّ رحمها ولد. وسمى القرآن قرآنًا لأنه يجمع الآيات والسور ويضم بعضها إلى بعض.

واصطلاحاً: هو كلام الله المنزل علي نبيه محمد المعجز بلفظه المتعبد بتلاوته المنقول بالتواتر المكتوب بين دفتي المصحف من أول سورة الفاتحة إلى آخر الناس. (علوم القرآن، محمد باقر الحكيم، ص19).

والقرآن عند الفقهاء قطعي الصدور لتواتر نقله عند المسلمين من حين نزوله حتى الوقت الحاضر وأما من حيث الدلالة فقد يكون قطعيا إذا كان اللفظ (نصا محكما) أي لا يحتمل فيه إلا معنى واحد وقد تكون دلالته ظنية إذا كان اللفظ يحتمل أكثر من معنى واحد وهذا يطلق عليه (الظاهر).

وتنقسم آياته الى قسمين:

القسم الأول: آيات محكمات وتنقسم الى نص وظاهر كما أشرنا آنفا وهي الحجة فيه.

القسم الثاني: آيات متشابهة وتنقسم الى مجمل ومؤول. وللتوضيح أكثر نقول: المراد بالنص هو ما دل على المراد من غير احتمال ويقابله المجمل.

والمراد بالمجمل ما لا يعرف معناه على وجه الحق بتمامه.

والمراد بالظاهر هو ما دل على أحد محتملاته دلالة راجحة ويقابله المؤول.

والمراد بالمؤول هو الذي أراد به المتكلم خلاف ظاهره.

والخلاصة: اللفظ ينقسم الى محكم ومتشابه.

والمحكم ينقسم الى نص وظاهر.

والمتشابه ينقسم الى مجمل ومؤول.

واتفق الفقهاء على عدم جواز الأخذ بالمتشابه (المجمل والمؤول) وأما النص والظاهر فالمحكي عن الفقهاء كافة جواز الأخذ بهما ما عدى الأخباريين الشيعة حيث منعوا من الأخذ بالكتاب مطلقا إلا ما روي تفسيره عن الأئمة المعصومين.

يعتبر القرآن النص المؤسس لأصول الإسلام وكل ما يتعلق به من أحكام على مستوى الفرد والمجتمع بل والأمة جمعاء والأكثر من هذا ادعائه الخاتمية الابدية في التشريع فالحلال حلال فيه الى يوم القيامة والحرام حرام فيه الى يوم القيامة ولا يجوز ولا يحق لاحد مهما كان ان يغير هذه الاحكام! والمفترض بهكذا ادعاء أن يأتي بأرقى وأنقى وأكمل تشريع فهو المثال الذي لا يدانيه مثال ولا يصل الى مجاراته اي عقل مهما عظم لأن مصدره الله الذي لا يخطا ولا يسهو ولا يضل ولا ينسى.

وما يتسالم عليه العقلاء أن النظام السياسي – الذي يعني شأن الأمة العام وعماد حاضرها ومستقبلها-هو الاهم من بين جميع النظم الاخرى لأنه شأن للإنسانية حسب إدعاء الخاتمية فهل يوجد في القرآن (نص) يحكي تفصيل للنظام السياسي وشؤونه؟

كل من تفحص القرآن يعرف على وجه الدقة أن القرآن ليس فيه تفصيل للنظام السياسي ولا يتحدث القرآن إلا بالإجمال فيما يتعلق بشؤون الحكم والحكومة والدولة. إذ لا توجد سوى خطوط عامة أو من الأفضل القول بضعة مبادئ تتعلق بطاعة الحاكم وممارسة الشورى وتحقيق العدالة. ولا يوجد هناك ما يتعلق بانتخاب أو تعيين الحاكم ومواصفاته والشؤون الإدارية وتشكيل الحكومة. بل حتى مصطلح الدولة مستخدم في القرآن (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم) (الحشر:7) بمعناه اللغوي وليس السياسي إن لفظة (دولة) مشتق من الفعل (دالَ) أي انقلب من حال إلى حال، و(دالت له الدولة) أي صارت إليه، والدولة (بفتح الدال أو بضمها) تعني ما يتداول مرة لهذا ومرة لذاك، فتطلق على المال والغلبة. كما ورد في القرآن معنى التداول والمداولة حيث جاء (وتلك الأيام نداولها بين الناس) (آل عمران: 140).

يقول محمد عابد الجابري: (إنه لا يكفي أن يقال إن الحكم في الإسلام مبني على (الشورى) وعلى (العدل) وعلى (الإخاء) …الخ. فجميع الديانات وجميع المذاهب السياسية والاجتماعية ترفع شعارات من هذا النوع لسبب بسيط هو انها شعارات تعبر عن قيم إنسانية خالدة ومثل عليا يتطلع البشر جميعاً في كل وقت إلى تحقيقها) (1).

ويرى محمد سعيد العشماوي “انه لا توجد آية واحدة في القرآن الكريم توجه المسلمين إلى أية حكومة سياسية معينة، أو حتى تشير إلى النظام السياسي، فإذا كانت الخلافة أو الإمامة والأمارة (أو أي شكل للحكومة) من صميم العقيدة الاسلامية لكان من الضروري أن ينص القرآن على ذلك “(2).

ويذهب إلى هذا الرأي عبد الإله بلقزيز إذ يقول: (لكنه (أي القرآن) لم يقدم تشريعاً خاصاً للمسألة السياسية يرسم إطار السياسة والسلطان ويحدد وظائفها، ويرسي قواعدهما على نصوص وتعاليم صريحة التعريف والتعيين) (3).

وهكذا نصل الى نتيجة مفادها أن القرآن يخلو من أي (نص) يخص النظام السياسي وشؤونه ولم يتحدث إلا بمجمل ومؤول على الشأن السياسي ونظام الحكم والحاكم.

للحديث بقية.

 

سليم جواد الفهد

.........................

المصادر:

(1) محمد عابد الجابري، الدين والدولة وتطبيق الشريعة، ط3، (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية،2009) ص73.

(2) محمد سعيد العشماوي، الإسلام السياسي، (القاهرة، دار سينا للنشر، 1986)، ص89.

 

داود السلمانحقبة تاريخية: تعُبّر الدكتورة نوال السعداوي عن دهشتها، (ويقول ارباب الفلسفة، أن الدهشة بداية الفلسفة)، أنها كلما سارت في أزقة التاريخ البشرية الموغل في  القدم، أي " قبل ظهور الأديان، وقبل نشوء الأسرة الأبوية لتلك القيمة الإنسانية الكبيرة التي كانت تتمتع بها أنثى الإنسان". وهي تتحدث عن فصل أطلقت عليه (الانثى هي الاصل). وتتزايد لديها هذه الدهشة، كما تقول، وهي تتصفح وريقات التاريخ، الذي يصف ما يجري من احداث حول حياة الانسان الطبيعية الاولى. فـ "في تلك العهود كان الإنسان طبيعيًّا، أي إنه كان يعيش حياته كما هي، ويتصرف تلقائيًّا، وفق رغباته ومشاعره وتفكيره". وتوضّح أن الانسان – ذكرًا أو انثى – وحدة واحدة، وبنية متكاملة، أذ "، لم يكن هناك انفصال بين جسم الإنسان وعقله أو نفسه". أي أن في تلك العصور البدائية للإنسان، كانت حياته بسيطة، ومتطلبات اليومية كانت قليلة، لم يكن فيها مثل هذا التعقيد الذي يطرأ عليها اليوم من منغصات ومعاناة كثيرة، رغم أن الانسان ترقى كثيرا، بفضل التقدم العلمي والطبي والتكنولوجي، وغير ذلك. وهي تلك الفترة التي:" لم تكن الأديان قد ظهرت بعدُ وظهر معه الفلاسفة الذين فصلوا بين الجسم والعقل، ولم يكن علم النفس أو السيكولوجيا قد ظهر بعد، أو تلك العلوم الأخرى كالبيولوجيا والفسيولوجيا، وأحدثت هذه المسافات بين الجسم والنفس".

المرأة اصل الحياة:

فتلك الفترة، تصفها السعداوي بأنها "لم يكن قد حدث فيها بعدُ انفصالٌ بين عقل الإنسان وجسمه، كان الذكر والأنثى على طبيعتهما، وكان لكل منهما قيمته النابعة من طبيعته أو تكوينه البيولوجي". ذلك المجتمع الاول البسيط الخال من التعقيدات، الذي تسير حياته بكل سلاسة وبساطة لا تعرف الملل، أدرك "أن الأنثى بالطبيعة أصل حياة بسبب قدرتها على ولادة الحياة الجديدة؛ فاعتبروها أكثر قدرة من الذكر وبالتالي أعلى قيمة". واذا كان هذا صحيحًا، فأن الفكرة هذه، قد سولت للمجتمع أن يعتقد، بـ "أن الآلهة أنثى، وأنها آلهة الإخصاب والولادة والخضرة والوفرة والخير وكل شيء مفيد".

ومن ذلك اليوم الذي أحصلت فيه المرأة على هذه القيمة الفعلية والفلسفية، وصار الكل يقر بعظمتها واهميتها و"استمرت هذه العهود آلاف السنوات، ولا أحد حتى الآن يعرف كم ألفًا من السنوات استمرت؛ لأن علم التاريخ لم يكن قد ظهر بعد، ونشوء علم التاريخ بالنسبة لنشوء أول الحياة الإنسانية يُعتبر شيئًا حديثًا، لكن معظم علماء التاريخ والأنثروبولوجيا في العالم يُجمعون على أنه في المجتمعات الإنسانية البدائية كانت للأنثى قيمة إنسانية واجتماعية وفلسفية أكثر من الذكر، وأن الإله القديم كان أنثى، وأنه قبل نشوء الأسرة الأبوية كان المجتمع البدائي أمويًّا، وكانت الأم هي الأصل وهي العصب وهي التي يُنسَب إليها أطفالها".

ارتفاع مكانة المرأة:

ولم يكن هذا فحسب، من مكانة نالتها المرأة كما تؤكد السعداوي، بل رويدا رويدا قد "ارتفعت مكانة المرأة ارتفاعًا كبيرًا.. وإذا كانت شعوب العالم المتقدم الآن تفخر بأنها تساوي بين الرجل والمرأة، فإننا نستطيع أن نفخر بأن هذه المساواة، بل وأكثر منها، كانت سائدة عند قدماء المصريين، وأن تشويه العلاقة بين الجنسين وسيادة جنس على الجنس الآخر لم تكن إلا نتيجة التشويه الإنساني الذي طرأ على الحضارة القديمة بسبب الأطماع الاقتصادية التي أصبحت تتزايد مع تزايد وسائل استغلال الإنسان للإنسان".

والسعداوي تستشهد بالتاريخ المصري القديم، وتفتخر به في الوقت نفسه، لأنها تعتقد أن المصريين هم اول من اعطى قيمة حقيقية للمرأة وقنن المساواة بين الجنيين، على اعتبار أن مصر لها تاريخ عريق، وهذا مما لا شك فيه، فالحضارة المصرية لا تقل اهمية عن حضارة وادي الرافدين، سومر، آشور، بابل، فضلا عن الحضارات العالمية الاخرى. حتى "كانت المرأة تصل إلى مرتبة الإله كما يصل الرجل إليها، لم تكن الألوهية منصبًا ذكريًّا فحسب، ولكن تاريخ مصر القديم حافل بالإلهات اللائي كان يُقدَّم إليهن القرابين وتُقام لأعيادهن حفلات رائعة، ومنهن إلهة العدل وإلهة الحقول وإلهة السماء وإلهة الكتابة وإلهة الحصاد وإلهة الحب والجمال والخصب وإلهة السرور والموسيقى وإلهة الولادة".

المشاركة فعلية للمرأة:

فمن تلك القضايا التي حصلت عليها المرأة في ظل تلك الحقب من الزمن، في مصر خصوصًا، فقد وصفت السعداوي حال تلك المرأة بأنها صار يعتمد عليها كعامل منتج حاله حال الرجل، اذا ما قلنا انها كانت هي الافضل في هذا المضمار، "فقد كانت المرأة الفرعونية تعمل في المصانع بالغزل والنسيج وصنع السجاجيد، وتعمل بالتجارة في الأسواق، وتشارك زوجها أعمال الصيد. وكانت الزوجة تُرسَم على المقبرة حتى الأسرتين الثالثة والرابعة (٢٧٨٠ قبل الميلاد) بحجم زوجها، كدليل على المساواة في الشرف والمكانة والحقوق والواجبات. وفي تمثال «بانجم» (في معبد الكرنك) تتقدم الزوجة زوجها، وهناك نُصُب تذكاري خاص بالسيدة «بيسيشت» من عصر الدولة القديمة يبين أنها كانت مديرة للأطباء. وقد حوكم أحد الأزواج لأنه سب زوجته؛ فأصدر القاضي حُكمًا بجلد الزوج مِائة جلدة، كما قضى بحرمانه من نصيبه من المال الذي كسبه بالاشتراك معها إذا عاد إلى سبها".

منزلة المرأة الثقافية:

وفضلا عن ذلك، فقد حصلت المرأة على "حظ كبير من الثقافة، ويَحكي موظف اسمه «خنوم ردي» أنه كان أمينًا لمكتبة سيدة عظيمة تُدعى «نفرو كابيث»، ويقول إن هذه السيدة قد عيَّنتني في دندرة مشرفًا على خزائن الكتب الخاصة بأمها، وكانت تحب العلوم والفنون". وعلى مستويات أخرى نالت حريات استطاعت تمارس من خلالها هواياتها الشخصية، مثل "الرياضة والسباحة والأعمال البهلوانية كالرجل سواء بسواء، وكان النساء كالرجال يشربن الخمور في الحفلات، بل ويُسرفن في الشرب ويقرعن كؤوسهن مع الرجال، وتقول إحداهن: ناولني ثمانية عشر قدحًا من النبيذ، إنني أريد أن أشرب حتى أنتشي، إن داخلي مثل القش".

وأن كان مثل هذا قد يكون معيبا في مجتمعاتنا اليوم، ولا يسمح الرجل لزوجته أو ابنته أو شقيقته، بذلك، لأن القضايا الاجتماعية والثقافية، والتقاليد القديمة قد تغيرت اليوم، وتغيرت كل المفاهيم الاخرى معها، فهي ليست كتلك الثقافات، وكل شعب من الشعوب وله عاداته وتقاليده الثقافية والعرفية، بل وحتى القبلية والعشائرية. فلا ينبغي أن نربط تقاليدنا هذه بتلك.

المرأة والحكم:

وأما في مجال السياسة، وتولي السلطة، وقيادة الحكم، فتؤكد السعداوي، بأنه "كان للمرأة نصيب كبير في تولي العرش، وإذا مات الملك عن ذريةٍ أكبرها بنت أصبح العرش من نصيبها". وتشير بأن " بعض علماء الآثار المصرية مثل «أرمان» و«موريه» و«برستد» أن الابن الشرعي كان يُنسَب إلى أمه أكثر مما يُنسَب إلى أبيه في معظم الأحوال؛ وهذا يدل على سيادة الأمومة على الأبوة في نسب الأبناء، وهي امتداد للعصر الذي كان يُعَدُّ فيه نسب الأم أقوى من نسب الأب. أمَّا الطفل غير الشرعي فكان يُنسَب إلى أمه في جميع الأحوال، وكان للمرأة حق الملكية وحق البيع والشراء وأداء الشهادة في المحاكم، وكانت تتساوى مع الرجل في الميراث، بل إن نظام التوريث في أسر النبلاء في عصر الدولة الوسطى (٢٦٤٠ق.م) كان يأتي عن طريق الإناث لا الذكور، فلم يكن الابن هو الذي يرث، وإنما كانت كبرى البنات. واشتغلت المرأة بكل الأعمال، كانت حامية وحاكمة وملكة وكاهنة وإلهة. الإلهة «ماعت» كانت ربة الحقيقية، و«نات» إلهة الحرب. وكذلك الإلهة سخمت والإلهة حتحور إلهتان للحرب، وكانت الإلهة «نايت» تتقدم الملك في المعارك الحربية، وتضع على رأسها تاج الوجه البحري، كما سموها أيضًا إلهة الفيضان التي تسكن شواطئ النيل. ومن الملكات المصريات القديمات الشهيرات: حتب، حرس، وخنت، كاوس، كليوباترة، وأماح، وحتشبسوت، وتي، ونفرتيني، وغيرهن ممن لعبن أدوارًا بارزةً في التاريخ المصري القديم".

المرأة والحجاب:

وعلاوة على كل ذلك، لم تكتف المرأة في تلك الحقب التاريخية، بما حصل عليه من منجزات وحقوق ومساواة، جعلت منها أن تصل الى منزلة الرجل،  وتتبوأ مناصب رفيعة بل" كانت المرأة المصرية القديمة تعرف قيمة نفسها كإنسانة لها عقل وذكاء، ونظر إليها المجتمع نظرة متساوية مع الرجل، فساهمت في الحضارة الفرعونية وشاركت في أول حضارة إنسانية ظهرت على وجه الأرض، وحاربت في أول حرب لتحرير البلاد من المستعمرين، واشتركت في تأسيس أول إمبراطورية عرفها التاريخ القديم قبل ظهور الأديان بآلاف السنين. ولم تعرف المرأة المصرية القديمة الحجاب، وكانت تختلط بالرجال، وتشاركهم العمل والإنتاج والحرب والتجارة والعلوم والفنون والأفراح والسهرات والشراب وكل شيء، وكانت أيضًا سيدة البيت في أسرتها لها مكانتها العالية داخل البيت وخارجه".

الختام:

وتختتم السعداوي بحثها بخصوص المرأة وعن قيمتها الانسانية وما حقته في معترك الحياة، في كل الاصعدة، وعن المنجزات التي حققتها من خلال تاريخها العريق، في خضم حياتها الاجتماعية والسياسية والثقافية، التي عاشتها مع الرجل، جنبًا الى جنب، حتى وصلت الى ما وصلت اليه، من عطاء ثر تفتخر به المرأة اليوم، وعلى كل المستويات. تختتم بالقول: "والذي يدرس شخصية الملكة المصرية حتشبسوت يدرك قوة المرأة النابعة من شخصيتها وذكائها وقدرتها على القيادة والحكم؛ ولهذا ظهرت تماثيلها على شكل أبي الهول، لها رأس إنسان، وُجد رمزًا للعقل والقوة معًا. وكان عصر حتشبسوت يتميز بالازدهار والتعمير، وأثبتت كفاءتها كحاكمة وملكة أكثر من ملوك كثيرين، لكنها بعد أن ماتت خلفها تحتمس الثالث، وأمر بتدمير تماثيلها وتشويه رسومها ونقوشها، وكأنما أراد أن يمحوَ من التاريخ السنوات الاثنتين والعشرين (من ١٥٠٤ إلى ١٤٨٣ قبل الميلاد) التي حكمتها. ويمثل تحتمس هنا بوضوح انتقام الرجل من المرأة بسبب تفوقها وذكائها وقوتها، وكما حاول تحتمس أن يشوه حقيقة حتشبسوت وينكر ذكاءها وقوتها حاول من بعده رجال كثيرون تشويه حقيقة المرأة وإنكار قوتها، فكيف كان ذلك؟!".

 

داود السلمان

.....................

من كتاب (الانثى هي الاصل) منشورات المكتبة العالمية- بغداد - بدون ذكر سنة الطبع.

 

عصمت نصارلما كان السؤال هو المحرض الأول لإخراج الفلسفة والعلم من رحم العقل، فبات لزاماً على المجددين الإجابة عن الأسئلة المطروحة حيال هذه القضية، ألا وهي لماذا نتعلم؟ كيف نتعلم؟ ماذا نتعلم؟

وقد تعددت إجابات التربويين تبعاً لتطور الثقافات ووجهة الذين تصدوا لهذه القضية، فعن السؤال الأول ذهب المثاليون إلى أن التعلم غاية في ذاته، لأنه زاد التفكير المميز للإنسان عن غيره من الموجودات، ومنهم من نزع إلى أن التعلم أداة الإدراك والوعي الذي يكشف عن هوية الأنا الإنسانية العاقلة؛ فبدونه يعجز الإنسان عن العيش في هذه الحياة، حيث التعرف على الموجودات من حوله والتمييز بينها ثم إدراك ذاته بعد تأملها.

وتطورت الإجابات تبعاً لتفاعل ذلك الكائن العاقل المتعلم مع مدركاته من جهة والواقع المعيش من جهة أخرى.

فلم يصبح التعلم مصباحاً لإزاحة ظلمة الجهل التي تحول بين العقل والمعرفة، فراح التربويون يوضحون أن الغاية من تحصيل المعارف هو التطلع إلى الكشف عن المجهول، وفضح المستور وتفسير الغامض، واستشراف المستقبل وإعادة بناء الواقع والتحكم في المألوف وهدم الثابت وخلق عوالم بديلة والبرهنة على سيادة الأنا المفكرة وقدرتها على التفكيك والهدم وإعادة البناء.

أما السؤال الثاني، فلم تتباين إجابات التربويين إلى درجة الاختلاف بل جاءت لتتكامل وتتأزر، فقد انصبت حول ألية التعلم وكيفية الإدراك وتحصيل المعارف المختلفة وتنظيمها وحفظها ثم استدعائها ومراجعتها، فذهب البعض إلى إننا نتعلم عن طريق التذكر، أو الإلهام من قوة خارجية في حين أكد التربويون أن التعلم يحدث عن طريق التواصل مع الآخر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، فالبحث الذاتي المتطلع لإدراك البيئة أو الوجود هو الذي يزودنا بخبراتٍ تمكننا من اقتحام المجهول وتنقل أذهاننا من مقام الجهل والغموض إلى المعرفة والوضوح، فالتجربة والممارسة هي الآلية الأولى المباشرة للتعلم، ثم يأتي التواصل غير المباشر مع المعرفة وهو المتمثل في التواصل مع الأغيار بالإخبار والتلقين ثم الحفظ إلى أن يصل العقل لدرجة الوعي وتصنيف المعارف.

وسرعان ما تمرد الفلاسفة والعلماء على تلك الكيفية وبينوا إننا نتعلم عن طريق الاستنباط والتحليل المنطقي والاستدلال الجامع بين العقل والتجربة والنقد الذي يغربل المعارف ويقيّمها ويصنفها إلى مسلمات ويقينيات ويميز بين الجائز والمحتمل والمستحيل والعلمي والخرافي، وما ينبغي الشك فيه ونقله من درجة الظن إلى درجة المجهول أو الغير معقول والغيبي والمتخيل والشعور الزائف.

ومع تطور المعارف والمناهج المعاصرة راح التربويون يبحثون عن ألية أو منهج لحماية العقل من التدليس والكذب والشك المرضي، بالإضافة إلي الأمراض التي تصيب العقل فتقعده عن القيام بمهامه، وعلى الجانب الآخر نجد بعض العلماء يبحثون عن آليات لتطوير التفكير البشري وتقوية ملكاته واستحداث آليات للتواصل وإعادة قراءة الركام المعرفي الموروث والاستعانة بالعوالم الافتراضية لقراءة خزانة العقل ومعرفة خبايا الحواس الداخلية واستنطاق ما يرفض العقل البوح به أو الإفصاح عنه ـ مكنون النفس ـ.

وتأتي الإجابات عن السؤال الثالث ماذا نعرف؟ فعلى الرغم من اختلاف إجابات التربويين الظاهر فأنهم قد اتفقوا في الحقيقة على أن الإنسان يتطلع إلي معرفة كل ما يثير فضوله ودهشته، ذلك المعيار الذي يفصل بين الثقافات والحضارات ويميز بين الجاهل والأمي والأحمق والفيلسوف والعالم والمخترع، ويوضح كذلك المعيار الذي تنظم بمقتضاه أهمية المعارف ومدى صلاحيتها وسلطة وقوة تأثيرها على العقل ومدى فاعليتها في رحلة التقدم إلي الأمام أو التراجع إلي الخلف أو الجمود أو التعصب أو التطرف أو المجون أو الولاء أو الاغتراب وغير ذلك من مقاصد ومألات ومشاعر ونزاعات ونفور وإنعزالات.

ويبدو أن مفكرنا "حسين المرصفي" قد اضطلع على تلك الإجابات التي لفظها الفلاسفة والعلماء التربويون في الأحقاب والثقافات المتباينة على مر التاريخ، ولما كان مفكرنا ملتزم بالنسقية والموضوعية فقد نظر إلي فلسفة التعلم على إنها مشروع استثماري لا غنى عنه لبناء الإنسان لتقويم سلوكه من جهة وتأهليه ليصبح مواطناً صالحاً لخدمة مجتمعه والعمل على تقدمه من جهة أخرى.

فالعلم عنده ليس نافعاً في ذاته بل أن قيمته تحدد بمدى إثماره، شأنه في ذلك شأن الفلاسفة العمليين، فطالما ردد مقولة "أبي حامد الغزالي" (العلم بلا عمل لا يكون، والعمل بلا علم ضرب من الجنون).

وقد اتفق مع معظم التربويين على أن الغاية من التعليم لا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق تفعيل المنهج الناقد في وضع متطلبات مهنة المعلم والمتعلم من حيث مستواه المعرفي واستعداده الذهني والتزامه الأخلاقي، فوضح أن المعلم هو الآلية الغير مباشرة لتمكين الذهن من إدراك المعارف وأن أثر أسلوبه ونهجه وخصاله المهنية والشخصية لا يمكن إغفالها كمعيار انتقاء المعلمين، الذين يؤثرون تأثيراً مباشراً على المتعلمين وأن خبرتهم هي التي تمكنهم من التواصل الجيد مع طلاب العلم فيحببونهم في تحصيل المعارف أو ينفرونهم منها وهي التي تمكنه من التعرف على قدرات التلاميذ الذهنية ومدى صلاحيتها لاستقبال المعارف النظرية أو العمليّة، وكذا استلهام الملكات وتنميتها وتقوية المهارات الفردية في شتى شئون الحياة، ويقول عن أهمية المعلم.

"أنه إنسان أكملته التربية يحاول أن ينقل صورته ونظام أحواله إلي غيره، ليكون خلفاً منه فإنّ لم يكن وهو غير كائن، فإن أمر التربية مهمل، والناس متروكون للصدفة وكيف لا وليس لأحد فكر في معنى الوطنية والحماية والإنسانية، إذ غاية الواحد أنه متردد بقائد الضرورة وسائق الحاجة في تحصيل ما يعيش به ويمسك رمقه وقد رسخ في طبعه حب النزاع والاستلاب والاغتصاب والاختطاف والاستئثار وقهر الغير والاستيلاء وغير ذلك من الرذائل، وإنما يصده عن ذلك ما قام به البعض، بدلالة هذه العدوانات من الضبط وكف الناس عنها".

وحريُّ بنا أن نتسأل، هل يمكننا تفعيل المنهج التربوي المعاصر في اختيار متطلبات المعلم وأخلاقيات المهنة في معاهدنا التعليمية ومدارسنا وجامعتنا، وفي منابرنا الثقافية أيضاً، التي أضحت مستنقعاً عميقاً للجهلاء والحمقى والمتعالمين.

(وللحديث بقيّة)

 

د. عصمت نصّار

 

ميثم الجنابيالتاريخ العقلاني المحتمل في العراق (3)

إن العناصر الجزئية للعقلانية والليبرالية التي تراكمت في مجرى القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين في الحركات الإسلامية (السنيّة) قد أخذت بالاندثار شبه الشامل والتام مع صعود السلفيات السياسية المتشددة. ولعل من أهم مفارقات هذه «السلفية» هو فقدانها للأصول بالمعنى الفلسفي والفقهي والسياسي. الأمر الذي جعل من تصوراتها في الأغلب نسيجا خشنا من العقائد والأحكام الفقهية المرتبطة بعقائد الإيمان الرتيب والسلوك المناسب له.

لقد كانت هذه السلفيات المتشددة ردا مباشرا على هزيمة السلفيات الدنيوية (التوتاليتارية) واستكمالا لها. وفي هذا الواقع نستطيع العثور على استعادة حية للفكرة التي بلورها ابن خلدون قبل ألف عام عن خصوصية الانتقال من البداوة إلى التمدن. إلا أن هذه الخصوصية تكشف لنا في الوقت نفسه عن بعد آخر لم يتطرق إليه، ألا وهو طبيعة الارتباط العضوي بين البداوة والتسنن السلفي الذي عادة ما يؤدي إلى إعادة إنتاج نفسية الاستبداد وفكرته السياسية في «الدولة». وهي حقيقة يمكن تأملها على أمثلة التاريخ الإسلامي ككل. فقد كانت جميع مراحل انحطاطه الثقافي مرتبطة بصعود التيار السني السلفي. وليس اعتباطا ألا ينتج التسنن السلفي أية منظومات فكرية فلسفية. كما انه ليس اعتباطا أن يناهض الفلسفة العقلانية والتصوف والتشيع ومختلف المدارس الإنسانية الإسلامية الكبرى من خوارج ومعتزلة وغيرهم. بمعنى سلوكه التاريخي المتأصل في العداء لإبداع العقل الرفيع والروح المتسامي والوجدان الخالص. وليس اعتباطا ألا تتعدى التصورات والأحكام العقائدية المميزة للسلفيات المتشددة القديمة والمعاصرة أكثر من اجترار جزئي لمجموعة من الآيات القرآنية والأحاديث الموضوعة (الكاذبة). إضافة إلى أن اغلبها لا علاقة له بالحياة ومتطلباتها. إذ لا يتعدى أقصى اهتمامها متطلبات الجسد والماورائيات الغارقة بزبد التمنيات والعجائب. وهي صفات يمكن فهمها على أنها النتاج الملازم لنفسية البداوة والاستبداد.

ويشكل تاريخ السلطة في العراق الحديث نموذجا ناصعا لهذه النفسية. والقضية هنا ليست فقط في أن مرتع السنّة في العراق هو منطقة البداوة التاريخية، بل وفي اندماج تاريخ البداوة وبنيتها التقليدية بالسلطة. وليس اعتباطا أن تعارض هذه النفسية وترفض رفضا قاطعا فكرة ومبدأ الانتخاب والاختيار تحت حجج وذرائع شتى. أما في الواقع فإنها الصيغة الماكرة لنفسية البداوة والاستبداد، التي تعتقد بأن الشيخ يولد ليسود.

وفي ظل هذا التاريخ الخاص لنفسية البداوة والاستبداد، أصبح التسنن في العراق المعاصر أحد المصادر الكبرى للاستبداد وتبرير الإرهاب. وإذا كان هذا الانطباع العام والجلي في الوقت نفسه في كل مناطق العالم الإسلامي والعالم ككل، فان خصوصيته في العراق تقوم في انه اخذ يشعر للمرة الأولى بفقدان زمام «المبادرة» وانحساره التاريخي إلى حدوده الطبيعية. بمعنى إرجاعه إلى تخوم البادية. إذ لم يصنع التسنن المتشدد والسلفي في العراق سوى صحراء قاحلة. ومن ثم لا يمكنه مع كل هبة ريح أن يجلب غير الرمال والرماد وبقايا عالم لا حياة فيه. والأحداث الدموية المتكررة في مختلف مدن العراق ليست إلا الصيغة الفعلية لهذه الرياح الرملية. إنها يمكن أن تصنع كثبانا من القتلى والجرحى، لكنها لا تستطيع حبس جريان الأنهار.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذا التيار الجديد في الحركة السياسية العراقية والإسلامية وتقاليد المقاومة يكشف عن افتقاده لأبسط مقومات العيش والنجاح. وهو تيار لا يمكنه الاكتمال والظهور سياسيا وفكريا بسبب ضعفه مقارنة حتى بأكثر الأشكال تخلفا كما هو الحال في الوهابية المعاصرة وحركة طالبان. الأمر الذي يعطي لنا إمكانية الحكم بزواله السريع مقارنة بأمثاله لأنه يجمع بين قوى متناقضة لا يوحدها سوى العداء العلني والمستتر لفكرة الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي والمجتمع المدني، أي ضد التيار الكاسح للتقدم والحرية. والقضية هنا ليست فقط في أن الالتفاف برداء «المقدس» لا يقدس المرء، بل ويلزمه بالضرورة الارتقاء إلى مصاف البدائل الأجمل. بينما لا توجد في كل حيثيات الغلاة الجدد العلنية والمستترة ما يوحي باقترابها من ابسط مقومات ومبادئ الاعتدال المميزة لتقاليد الإسلام الحقيقية وتاريخ الحركات السياسية المعتدلة والإنسانية القديمة والحديثة.

بينما يشكل التيار الصدري نموذجا جديدا للقوى السياسية العراقية من حيث الإمكانية والآفاق. فقد كان ظهوره المفاجئ الوجه الآخر لتقاليد الماضي في منافستها للقوى الدينية والدنيوية التي جاءت مع قوى الاحتلال وبمؤازرته في تسلم زمام السلطة، والمشاركة الوهمية والواقعية فيها. بمعنى أن الظهور المفاجئ والعنيف للتيار الصدري يحمل في أعماقه بقايا وثقل التوتاليتارية والدكتاتورية.

فقد كان «التيار الصدري» الراديكالي الجديد صنيعة الماضي التوتاليتاري والدكتاتوري، سواء من حيث «تاريخه» السياسي في شخصية الصدر وهيبتها الروحية التي لم تكن معزولة عن محاولات السلطة الصدامية صنع بدائل «عربية» للمرجعية الشيعية التقليدية، أي المجردة عن «القومية». ومن ثم كانت مهمتها السياسية هي إضعاف المرجعية المذهبية «الخالصة»، أي المناوئة أو التي تحمل في أعمق أعماقها نفسية المعارضة وروح الاغتراب الشامل عن السلطة. وهي خطة عادية بمعايير الدكتاتورية الصدامية لكنها غير عادية بإمكانياتها الداخلية على خلفية التهميش الاجتماعي الهائل الذي تعرض له العراق بشكل عام ومناطق الشيعة بشكل خاص.

وكان العراق قبيل وبعد سقوط الصدامية كتلة هائلة مهمشة، أي كيان من الحثالة الاجتماعية الرثة في حياتها ومظهرها ونفسيتها وذهنيتها وعلاقاتها الخاصة والعامة وفكرتها عن الحرية، باختصار في كل شيء! وفي ظل حالة من هذا القبيل كان المزاج الاجتماعي مستعدا لقبول أي شكل جديد للراديكالية المناهضة. لاسيما وأن المزاج الاجتماعي كان محكوما بتراث يتلذذ للنزعة التوتاليتارية. لهذا حالما انهارت التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية، فإن الرصيد المكبوت للثأر الراديكالي بين هذه الأحزاب والحركات، الذي لم يبدده ارتباطها بقوى الاحتلال، سرعان ما اخذ يتراكم في حركة شعبية عريضة ومباشرة تلقفها واستحوذ عليها «التيار الصدري». وهو استحواذ لم يخطر على قلب عراقي وباله في حال عدم «ارتقاء» الحركات الدينية والدنيوية صوب التعامل المباشر مع «أعداء الأمس» التقليدين.

ذلك يعني إن الظهور المفاجئ للتيار الصدري وقدرته الملفتة للنظر على استقطاب «الشارع العراقي» بعد سقوط الدكتاتورية الصدامية، لم يكن في الواقع سوى الوجه الآخر لتراكم الشحنة الراديكالية المقلوبة في المزاج الاجتماعي. وهي شحنة تراكمت بصورة لا مثيل لها في تاريخ العراق المعاصر، وبالأخص في مجرى الحروب الهمجية التي انتهت صورتها المباشرة بسقوط الدكتاتورية عام 2003.

استطاع «التيار الصدري» أن يستقطب من حيث قواه الاجتماعية كمية الحثالة الاجتماعية الهائلة في العراق المعاصر، مما جعل منه التيار الأكثر نموذجية لتمركز وفعالية القوى الرثة. وهي قوى اجتماعية عراقية معبرة عن حالة عراقية فعلية. أما في وسائله، فإنه التجسيد الأكثر تخلفا لكيفية إدارة الصراع الاجتماعي والسياسي، وذلك لأن «منطقه» الوحيد هو منطق السلاح لا سلاح المنطق. وهي أيضا وسيلة معبرة عن حالة عراقية فعلية. أما في نيته فقد كان يسعى للهيمنة، وهي أيضا نية معبرة عن حالة عراقية فعلية. بينما لم تكن غايته المعلنة عن طرد الاحتلال وغايته الباطنة عن إحلال النظام الإسلامي، سوى وجهان مكملان للرؤية الراديكالية التي لا ترى ولا تسمع ولا تتذوق حقيقة ما يجري في العراق وحوله والعالم.

فالعراق الفعلي كان (وما يزال) كمية من الشرائح الاجتماعية المنهكة في حروب الصدامية واضطهادها الرهيب للفرد والجماعة والمجتمع، وانتهاكها المريع لكينونة العراق والعراقيين. ووراء هذا الواقع كانت تختفي مغامرات القوى السياسية العراقية «الخارجية»، التي كان دخولها للعراق اقرب ما يكون إلى هجوم من اجل الاستيلاء عليه. وشأن كل قوى سياسية مغتربة ومتغربة لفترة طويلة لم تكن راغبة تماما به، حالما تبين لها بأن الوطن الذي تواجهه ليس الذي تصبو إليه، وأن الوطن هو ليس عراق الماضي والأحلام، بل عراق السخام والأسقام، أي كل هذا الكم الهائل من الشرائح الرثة. مما جعلها تتراوح بين الامتعاض والانزواء. وفي كلتا الحالتين كانت السلطة (مجلس الحكم الانتقالي) فقط ميدان سباقها المحموم بما في ذلك في تمرير السياسية المغامرة من اجل حسم المعارك الجديدة. وبهذا المعنى كانت معركة النجف من حيث مقدماتها وغاياتها الفعلية معركة بين القوى السياسية «الخارجية» و«الداخلية»، أكثر مما هي معركة بين القوى الوطنية العراقية والأمريكية الغازية. فقد استدرجت قوات «الخارج» (المعارضة السابقة) قوات الداخل (التيار الصدري) إلى معركة خاسرة. وجرت من جانب «القوى الخارجية» بحكم موقعها المناوئ للسلطة الصدامية وضعف قدرتها الذاتية على إدارة الصراع السياسي والاجتماعي، بينما جرت من جانب «القوى الداخلية» بفعل سكرتها الشديدة من نبيذ الراديكالية الرخيص. أما النتيجة فهي «كسر انف» التيار الصدري. إلا أن مفارقة هذه الظاهرة تقوم في كونها المعركة التي جعلت من التيار الصدري ملاكما جيدا بعد أن فقد شموخ الأنف العظمي ليكسب مرونة المعارك اللاحقة. تماما بالقدر الذي أدت إلى جعله قادرا على تمثل بعض مكونات وعناصر الضمير الوطني العراقي المنافي والمتعالي عن نزوع الطائفية السياسية التي أصبحت البضاعة الأكثر رواجا لقوات الخارج «الديمقراطية»!! وهي مكونات تعطي له إمكانية الارتقاء التدريجي، ومن ثم إمكانية تحوله إلى قوة سياسية اجتماعية وطنية فاعلة وذات آفاق في تذليل تقاليد الراديكالية الرثة و السلفية الإسلامية المتطرفة نفسها.

إن الارتقاء المحتمل لنموذج الحركة الصدرية إلى مصاف القوة السياسية الوطنية هو جزء من العملية التاريخية المعقدة لما ادعوه بالبحث عن توازن جديد للدولة والمجتمع والثقافة والهوية العراقية. وهي آفاق واقعية التحقيق ضمن منظومة الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي والمجتمع المدني. وضمن هذا السياق يمكن النظر إليها باعتبار محور الصراع المقبل. وهو صراع سوف يسهم رغم كل تعقيدات المرحلة الحالية في تأسيس الأرضية الواقعية للبدائل العقلانية. وذلك لأن سقوط التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية يحتوي رغم كل مآسي المرحلة الحالية على فضيلة الاحتمالات المتعددة. وهي احتمالات تساهم الحركات الإسلامية أيضا في توسيع أرضيتها الاجتماعية، ومن ضمنها التيار الصدري. فهي الحلقة المفقودة في التطور الطبيعي للعراق الحديث، التي جرى ملئها سابقا بالأيديولوجيات الدنيوية المفتعلة. فالتجربة التاريخية للعراق (والعالم العربي عموما) تبرهن على أن اجتياز "المرحلة الدينية" في الوعي الوطني والقومي، أي تذليل تقاليد الذهنية الأسطورية واللاهوتية هي مهمة "القوى الدينية". وهي مهمة تتراكم في مجرى بناء الدولة والمجتمع والثقافة الحديثة، أي أنها عملية لا ينجزها غير التيارات الدينية نفسها بعد أن تقف أمام مهمة الارتقاء إلى مصاف الفكرة العقلانية الحرة أو الاندثار مع غبار الهيجان العنيف للسلفيات المتطرفة. أما سرعة تطورها فتتوقف في ظروف العراق الحالية على كيفية ونوعية إرساء أسس النظام الديمقراطي العقلاني الدنيوي الحديث. وليس مصادفة أن تكون التجربة العراقية الحالية الأكثر والأشد تعقيدا وعنفا. فهي التجربة الأولى التي تتكسر فيها مرحلة قرن من الزمن لكي تبدأ مرحلة التاريخ الفعلي. وهو مخاض معقد وعنيف تتوقف عليه آفاق الموجة الأخيرة للقوى السياسية في المنطقة. بمعنى الانتقال من طوفان الزمن الراديكالي إلى تاريخ البدائل العقلانية. وهو انتقال ذاتي، أي تلقائي للحركة التاريخية الملازمة لصعود القوى السياسية الجديدة. وهو الامر الجلي على مثال فشل المشروع الامريكي للديمقراطية والبديل العقلاني في العراق.

إن فشل المشروع الأمريكي للديمقراطية ليس نتاجا لنية سيئة أو سوء فهم وتقدير أو عدم دراية وجهل وغيرها، بقدر ما انه الخاتمة الطبيعية لكل مشروع خارجي. إن حقيقة البدائل المستقبلية الكبرى ينبغي استمدادها من المستقبل. وهو أفق لا علاقة للقوى الأجنبية به إلا بالقدر الذي يستجيب لمصالحها الآنية والبعيدة المدى. بمعنى أن الحوافز الدفينة محكومة بتاريخ خاص. والمشروع الأمريكي محكوم بالتاريخ الأمريكي ومصالحه ومرجعياته. والشيء نفسه عن المشروع العراقي. وفشل المشروع الأمريكي في العراق هو النتاج الطبيعي لهذا الاختلاف والتباين. كما انه يبرهن على جملة حقائق كبرى، لعل اكثرها اهمية ضمن سياق البحث هو ان نجاح أي مشروع كبير هو أولا وقبل كل شيء نتاج لتراكم الرؤية الواقعية عن طبيعة وحجم الإشكاليات التي تواجهها الأمة والدولة. وبالتالي، فان أجمل وأفضل المشاريع الأجنبية تبقى غريبة من حيث المقدمات والنتائج. وذلك لأن المشاريع الأجنبية لا يمكنها التوفيق بين رؤيتها الخاصة ورؤية الآخرين، وبالأخص في ظل اختلافات جوهرية في التاريخ الثقافي والسياسي والتطور العام. فالمشاريع الأجنبية إما أملاءات وهو الأتعس، وإما سياسة المصالح الضيقة وهي الأكثر تخريبا. وأخيرا، إن المشاريع الأجنبية هي مؤشر على خراب ذاتي، ودليل على اختلال في توازن القوى. وبالتالي لا يمكن الاعتماد عليها.

فقد كان صعود المشروع الأمريكي وهبوطه في العراق دليلا على صعود وسقوط التوتاليتارية والراديكالية، ومؤشرا على خلل القوى السياسية جميعا. وبالتالي، فإن إدراك هذه الحقائق الكبرى يفترض تحويلها إلى بديهيات سياسية عند القوى السياسية من اجل أن تتكامل فعليا بمعايير الرؤية الوطنية وتحقيق مصالحها من خلال مصالح العراق بوصفه صراعا من اجل المستقبل. الأمر الذي يفترض المساهمة العقلانية والواقعية من اجل إفشال المشروع الأمريكي في العراق، بشرط أن يكون البديل ليس رجوعا إلى الوراء وليس ممالأة للقوى السلفية ولا انسياقا وراء مختلف أشكال التجزئة المتخلفة من طائفية وعرقية وجهوية، بل بديلا واقعيا وعقلانيا ومستقبليا. وذلك لأن حقيقة المستقبل بالنسبة للعراق مقرونة بالإجماع المتنامي في كل مكونات ومنظومات وجوده على فكرة الاحتمال في البدائل، بمعنى الانهماك في التخطيط المتنوع والمختلف لهوية المستقبل. وليس هذا بدوره سوى الاجتهاد والجهاد الدائم من اجل تحقيق إستراتيجية بناء الهوية العراقية، والدولة العراقية، والثقافة العراقية، والمجتمع العراقي. وهو مشروع لا يمكن تحقيقه بين ليلة وضحاها. لاسيما وأنه ليس جزء من تصورات الأحزاب وأيديولوجياتها، بل هو المكون التاريخي لتطور المجتمع والبنية الاقتصادية ونظام الدولة السياسي والثقافة العامة والخاصة. وبالتالي، فهو المشروع الأكبر للعملية التاريخية المعقدة التي يتوقف مسارها وسرعتها على طبيعة التحولات السياسية والاجتماعية وقواها المحركة والفاعلة.

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

حاتم حميد محسنالبقاء في البيت هو افضل سلاح للحماية من وباء كورونا، لكن الانهيار الاقتصادي العالمي قد يكون اكبر تهديد للحياة الانسانية. في مرحلة ما سنخاطر بحياة الناس في الحاضر لأجل انقاذ اولئك في المستقبل.

الناس في جميع انحاء العالم حُبسوا حاليا في البيوت. الإغلاق نشأ كوسيلة رئيسية لمواجهة وباء كوفيد 19 لأنه لاشيء آخر متوفر غيره. ان تطوير لقاح ضد الفايرس سيأخذ على الأقل سنة كاملة حتى في ظل اكثر الافتراضات المتفائلة. ستكون هناك حاجة ليُصنّع اللقاح على نطاق صناعي ومن ثم يُطبّق وفق برامج تلقيح شاملة.

من الصعب ان نرى كل هذه الأشياء تحدث في أقل من 18 شهر، حتى ضمن سباق بطولي سريع. ولكن لنتصور اننا نجحنا في اختصار كامل العملية الى فترة سنة. هل يمكن لاستراتيجية الإغلاق ان تنجح خلال هذه الفترة الزمنية الطويلة؟

ان الإغلاق يجلب معه مشكلتين رئيسيتين:

المشكلة الاولى تؤثر على الفرد. هل يمكن للناس ان يبقوا محتجزين في ظل هذا الشكل من الاقامة الجبرية الحميدة لمدة سنة كاملة؟ لن يكون هناك اي مرح لو كنا نعيش في اماكن ضيقة.

المشكلة الثانية هي اجتماعية. كتب (جون دون) في القرن السابع عشر، "لا يوجد انسان منعزل كالجزيرة، مكتمل بذاته .. انا منخرط مع البشرية" وهذه المشاعر تتضح كثيرا في مجتمع اليوم العالي التنظيم والأكثر ترابطا. ان تقسيم العمل الذي بشّر به آدم سمث كشيء مركزي في الثورة الصناعية جلب لنا فوائد هائلة في الثروة والصحة والسعادة، ولكن لا احد في هذه الايام يقترب من الكفاية الذاتية.

معظم الناس يتفقون على ان إغلاق البلاد لمدة سنة واحدة ليس مقترحا قابلا للتطبيق. هو يمكن ان يكون اجراءا مؤقتا. ولكن اذا لم يكن 12 شهرا فكم سيكون؟

نموذجنا الحالي يقترح ان شهرين هي أقصر فترة يمكنها ان تخلق فرقا مفيدا في مسار وتأثير الوباء. ان الاغلاق الذي دخل حيز التطبيق في 23 مارس في المملكة المتحدة خلق تباطؤاً مريحا في نمو الاصابات بعد خمسة ايام. الهبوط البطيء في الاصابات اليومية الجديدة كان واضحا في ايطاليا منذ 21 مارس، بينما نفس المؤشر من حيث الهبوط بدأ في اسبانيا في الايام الاولى من ابريل.ونفس الشيء حدث في المانيا.

ان العدد الكبير من حالات الاصابة اليومية ستؤجل الاستعداد لموجة ثانية من الوباء. النسب المثالية للاصابة ستهبط دون الارقام الحالية، وهذا الهبوط المؤقت سيعطي وقتا اطول لبناء مستشفيات وتجهيزها بعشرات الالاف من اجهزة التنفس، من الممكن ايضا ان تبدأ الادوية المضادة للفايروسات بالعمل.

لكن هناك كلفة للإغلاق الطويل، ليس فقط في تراجع وظيفة المجتمع وانما ايضا بالنسبة لحياة الانسان. صحة الامة واقتصادها مترابطان بقوة لدرجة يمكن اعتبارهما مظهران مختلفان لشيء واحد.

في عام 1975، وضع (صاموئيل بريستن) Samuel preston مخططا لعدد سنوات الحياة المتوقعة عند الولادة مقابل الناتج الاجمالي المحلي لكل شخص ورسم منحنى يصف كيف ان مواطني الدول الأغنى يعيشون اطول عمراً من نظرائهم في الدول الفقيرة. الاطفال الذين ولدوا في بعض دول افريقيا السوداء يتوقع ان لا تزيد حياتهم عن 55 سنة، بينما اولئك الذين ولدوا في اليابان سوف لن يموتوا قبل سن الـ 85 عاما، بفارق ثلاثة عقود. حكم قيمي جرى تطويره في جامعة بريستول كطريقة لإيجاد توازن موضوعي بين الزيادة في الحياة المتوقعة والإنفاق المطلوب لإحداث مثل هذا التحسن. الاختلافات الملاحظة في الحياة المتوقعة يمكن توضيحها باستعمال الحكم القيمي.

مع ان التوضيحات يمكن وصفها رياضيا لكن الرسالة الاساسية للحكم القيمي واضحة بديهيا. عندما تكون الدول فقيرة، هي لا تستطيع تخصيص الموارد الكافية لمعايير الصحة والسلامة والتي تتراوح من تجهيز الماء النظيف وانظمة الصرف الصحي، الى تبنّي ممارسات عمل آمنة في الصناعة وتوفير خدمات طبية ذات نوعية عالية لمواطنيها.

الانسان هو انسان، اينما يعيش. الحكم القيمي يجلب هذا الشعور المشترك بوضوح، وهو يوضح 80% من التباين في الحياة المتوقعة وفي الناتج المحلي الاجمالي لـ 162 من بين 193 دولة في الامم المتحدة. يمكن حساب التغيير في الحياة المتوقعة الناتج عن اي تغيير في الدخل لكل فرد .

اذا كان هناك هبوط دائم في الناتج المحلي الاجمالي لكل فرد، عندئذ فان متوسط الحياة المتوقعة للسكان سوف ينخفض. تطبيق الحكم القيمي على كوفيد 19 يبيّن انه لو كانت الاجراءات المضادة للمرض تسبب هبوطا في الناتج المحلي الاجمالي لكل فرد في البلد المتطور بمقدار 6.4% او اكثر لفترة طويلة من الوقت فان كلفة الارواح التي ستُفقد ستكون اكثر من المكاسب . من الواضح ان الناتج المحلي الاجمالي لكل فرد في المملكة المتحدة هبط بمقدار 6% في الأزمة المالية عام 2007-2009. هذا قاد الى تأخير سنتين في توقعات الحياة للامة.

ان كوفيد 19 جعل الاقتصاد العالمي يهبط بنسبة غير مسبوقة. المشكلة الاساسية في استراتيجية الاغلاق هي ان شركات الأعمال لا يمكنها التوقف عن العمل شهر واحد ثم تعود مجددا بعد عدة اشهر لاحقا. اذا هي لم تستمر بالعمل فان الشركة لاتذهب الى سبات وانما تخرج من العمل كليا. العديد من الحكومات تحاول تخفيف وقع الصدمة من خلال المنح والقروض، ولكن كلما استمر الاغلاق لفترة اطول كلما كانت نسبة الشركات الضائعة اكبر.

قامت مؤسسة البحوث الاقتصادية (IFO) ومقرها المانيا بتحليل تاثير الاغلاق على المانيا. قامت بتحليل قطاع بعد آخر وكشفت عن ان ابقاء الاقتصاد مغلقا جزئيا لمدة شهرين سوف يقلل الناتج المحلي الاجمالي للامة بين 7.2% و 11.2%. اذا كانت هذه الارقام تمثل اقتصاديات متطورة اخرى، فان شهرين ربما هي سلفا وراء النقطة التي يسبب فيها العلاج ضررا اكثر من الراحة، بما يعني ان هذه الفترة هي اطول ما يمكن تأمله.

من الواضح ان العالم يواجه موقفا خطيرا جدا لا توجد فيه خيارات سهلة. الإغلاق المؤقت اثبت انه ذو قيمة، ولكن بالنسبة لصحة الانسان يجب على الحكومات التفكير طويلا قبل تمديد الإغلاق لأكثر من شهرين.

 

حاتم حميد محسن

 

 

محمد حسين النجممع تفشي فايروس كورونا، وتوقف الجامعات والمدارس عن التعليم، صارت الحاجة ماسة للتعليم الالكتروني وهو امر طبيعي . الغريب اننا كنا الى وقت قريب نرفض ما نسميه التعليم عن بعد قبل ان تصبح تسميته تعليما الكترونيا، وهو ما يكشف هشاشة وسطحية المتولين للتخطيط التربوي والعلمي في بلدنا . معروف ان صراع الاجيال يمكن ان يكون فاعلا في الموقف من الجديد، حينما ينحاز كبار السن ضده في مقابل الاجيال الشابة، وهو امر ينطبق كثيرا على الوافد من (الموضة) والعادات المتغيرة المكتسبة، اما في مجال العلم والمعرفة فلا اعتقد ان ذا عقل يمكن ان يعتمد هذا المسار، فالمعرفة في تنامي، ووسائلها كذلك، ومن يتخلف عن الركب لا يمكن ان يجد له مكانا في المجتمع الحديث .

ان ما تعلمناه ان المنطلق الاساس الذي انبثق منه تطوير محركات البحث الناعمة كان نتيجة حاجة طلابية علمية حين سعى احد الطلبة الجادين لان يطور وسيلة قادرة على ان تجعله يشارك زملائه مقرراتهم الجامعية عبر الفضاء الالكتروني، وهي الخطوة التي فتحت الافاق للتطورات اللاحقة .

ان ميزة العالم المتقدم هو استثمار كل الوسائل للتطور المعرفي، ولهذا فان ظهور فايروس كورونا لم يخلق لهم ازمة كبرى كما هو الحال عندنا، فمنذ امد بعيد اخذت الجامعات والمدارس هناك باستخدام الشبكة العنكبوتية لبث محاضرات اساتذتها جنبا الى جنب مع المواظبة على الدوام الفعلي فيها، في حين اننا شغلنا انفسنا بترتيب ملازم بائسة لطلابنا لتبسيط، ان لم اقل تشويه، المقررات الدراسية .

كنا في سبعينيات القرن المنصرم نحرص على تسجيل كل ما يتفوه به الاستاذ المحاضر، ومن لا تعينه سرعته، يستنجد بزملاءه لملء الفراغات التي لم يتمكن من تسجيلها، وكانت متابعة ما يؤشره الاستاذ في محاضرته من كتب ومصادر محل تنافس على المكتبات لاستعارته، حين تضيق ذات يدنا عن شراءه، بل وننتظر احيانا اياما حين يعيده المستعير السابق لنتلقفه بل ان بعضا من سوء التفاهم الذي يحصل بيننا حينها كان تاخر المستعير عن اعادة الكتاب في وقته المحدد، وكانت هناك غرامات حقيقية على التخلف عن موعد الارجاع، ليس لتعزيز الموارد كما هو القصد الان بل لان هناك من ينتظر دوره لاستعارة الكتاب .

حين دخلنا الحرب ضاعت مكتبتي ضمن ما ضاع في مدينة على خط النار، لم يسعفها الزمن لتنقل اي شيء، كانت النار تحاصر ساكنيها وليس ثمة فرصة الا لانقاذ الارواح التي اوشكت ان تتقطع بهم السبل، ضاع كل شيء، وكان ذلك مؤلما، ولكن يمكن تعويضه بافضل منه، الا ضياع المحاضرات الجامعية التي كنت محتفظا بها، خلفت في النفس غصة لاتزول . .

ان العالم المتقدم حين وضع المحاضرات واللوازم العلمية على الشبكة العنكبوتية، لم يكن في باله ان هناك لجنة جودة ستظهر لتقييمه، كان القصد ترسيخ المعرفة في اذهان الدارسين، ولهذا تجد التفاعل الكبير الذي يساهم به الطلبة في تنشيط الدرس وتوسيع مداه، في الوقت الذي نجد ان الطالب لدينا حين يستفهم عن امر مع انتهاء الحصة الدراسية يكون محل لوم من اقرانه لانه اضاع عليهم فرصة التسكع في ارجاء الجامعة او فرصة الانشغال بتوافه الامور.

لقد كان الظرف الطاريء الذي حصل بسبب الفايروس كارثيا حين كشف عن مستوى الجهل والامية الالكترونية التي نعيشها، وصار الهم الاكبر هو التذرع باي وسيلة لاسقاط الفرض، في مقابل طلبة لا يهمهم الا انتظار نهاية السنة يتسكعون على ابواب الاساتذة استجداءا لدرجات ترمم انتكاستهم .

وعلى الرغم من ما نعرفه من تفاعل كبير لاجيالنا الشابة مع التقنيات الالكترونية العصرية، وتفاؤلنا بقدراتهم بان تكون منفذنا الى التقدم، الا ان الممارسة اثبتت بانهم، الغالبية اقصد، لا يهمهم من هذه التقنيات الا ما يروج فيها من العاب يضيع الوقت بالانشغال بها، ولا يهمهم من وسائل التواصل الاجتماعي الا ما يوفر لهم الغث من الحكايات والمحادثات، وحين جد الجد رفعوا عقيرتهم بالصياح والضجيج والاعتراض .

ان درس كورونا ينبغي ان يوجهنا الى ايلاء هذا الجانب من الاهمية ما يستحق، وان يصار الى اعتماده والتشديد عليه بصفته ملزما للطالب والاستاذ، على ان يكون المحتوى بالمستوى الذي يحقق لوطننا قفزة على مستوى المعرفة وليس قفزة في تسجيل نجاحات شكلية كما نلاحظه الان . واذا كان لكل جديد آثاره الجانبية، فيبدو لي ان طغيان الكم على الكيف هو اكبر المساويء التي نواجهها بتقدمنا المعرفي . انه لمن الضار تماما ان نسخف وسيلة تقنية عالية بالارتكان الى نشر كم هزيل لا يغني ولا يسمن، وهو ما يفرض على القيادات الاكاديمية ومسؤولي التربية والتعليم باعادة النظر بمعايير تقييمهم للعطاء المرفوع على الشبكات المعرفية، فالبلدان التي تقدمت، تقدمت من خلال استقطابها الكم الاكبر من الباحثين عن جديد المعرفة، وليس عن الشكليات .

 

د. محمد حسين النجم

 

 

سامي عبد العالهناك سؤالٌ مهم: كيف نفسر شيوعَ دلالة الرَّعَاع في الخطابات السائدة؟! فقد نقرأ بدائلها بكلمات تخاطب الجماهير والحشود، كلمات تُلصِق بهم فوضى الرغبات والغرائز واللاعقل، أي تزدريهم باعتبارهم أُناساً حمقى كما في الاعلام والسياسة والثقافة الدينية والحياة العامة. الحالة الأقرب إلى ذلك كانت مع حشود الربيع العربي، حيث اعتبرتهم السلطات السياسية- باختلاف بلدان العرب- طائشين مطرودين خارج أفكار المواطنة والحرية وحقوق الإنسان!!

على صعيد التاريخ، لا تتوقف اللغة عن الالتحام بأنسجة الثقافة (تكوينها) حتى ولو بدت التعبيرات اللغوية أكثر اختلافاً. السياق واحدٌ من واقع الحياة الاجتماعية في كلِّ عصورها، سواء أكان من زاوية مساحة التعبير أم مساحة الفكر. وبما أنَّ اللغة هي فكرٌ منطوق، فالتَّوحُد بين (ما نفكر فيه وما نعبر عنه) تؤكده هذه الثقافةُ إلى درجةٍ مذهلةٍ. دليل ذلك أنَّ المعاني تاريخياً (والتي هي زمنية) لا تضيعُ، بل قد تأتي الكلماتُ المستحدثة لتعبر عنها وتتكيف مع تراثها البعيد. فالآن لا يقال مثلاً لشخصٍ أنت من الرَّعاع (بحكم كونِّها كلمةً قديمةً) إلاَّ مِزاحاً، لكن المعنى قد يأتي ضمن بدائل أخرى بالمضمون نفسه ولو كانت إشارة: أيا هذا... كنوع من النداء الساخر!!

حيث يحمل السياقُ آفاق الإشارة السابقة إلى المقصود بها، وماذا يقول المنادي وكيف يتلقاها المستمعُ. والاستعمال ليس إعادة تشغيل الكلمة في ساحة الكلام، لكنه فتحُ منفذ للمعنى المتواري هنا أو هناك، حين تلتقطه عبارة ما تجاه الآخرين. ولذلك فإنَّ كل ما ينتمي إلى موروثاتنا الثقافية مطويٌ في جانب الكلمات التي تشكل طبيعة الفكر تاريخياً، على الأقل نعرف ملابسات اللفظة وماذا يكسوها ومتى كانت شائعة وبأية معانٍ كانت متداولةً.

واللغة بهذا هي حدث event يكشف خريطة الثقافة ويبرز إلى أي مدى تتكّون أساليب الفكر. تعرفنا اللغة من ثمَّ: كيف توجد بنية الثقافة جسدياً، لأنَّ كل ثقافة تحيط أصحابها بوجودها الرمزي والعيني ما. وسمةُ الجسدية معناها أننا نتنفس ونحس ونعيش داخل ثقافة هي نحن عندما نمارس حياتنا. والعلاقة بين الأفراد والثقافة علاقة ملغزة، لكنها في كل الأحوال توجد سلباً وإيجاباً بصدد كل المواقف الممكنة.

ولذلك يقول مارتن هيدجر"  اللغة هي النمط الأساسي لاكتمال وجودنا في العالم والشكل الذي ينطوي على شمولية تأسيس وتشكيل العالم، وكذلك يقول النفري" إذا اتسعت الرؤية، ضاقت العبارةُ ". والضيق قد يعني كون العبارات تمثل جوامع الرؤى (مفاتيح الكلم، لباب الكلم) بتراكم التاريخ وعمقه. ولكن الاضافة هنا أن العبارات تحمل جذور القضايا بحكم كونِّها شفرات للحياة بجميع ماضيها المؤثر في الحاضر. وهذا ينطبق على أنَّ الرعاعية ظاهرة منتمية إلى دائرة فكريةٍ تحدد نمطَ العيش بالمثل، أي أنَّ العبارات إذا كانت أدوات تواصُل، فهي خطاب له سلطته  التي لا زالت ساريةً.

فلئن كانت الموروثات الثقافية (الخاصة بمفاهيم الرعاة والرعية والرعاية سياسياً واجتماعياً) لم تعد واضحةً في أيامنا هذه، فسلطة الخطابات الشائعة تكرس الرواسب والتصنيفات القديمة تجاه إهمال المهمشين. وهو ما يضمن استمرار أوضاعهم واتخاذ مواقف مماثلة تجاه الفئات الاجتماعية الأقل شأنا بفضل وجود طرائق التفكير ومعايير الحكم على الناس وتراتبهم في المجتمع.

في التُراث الديني، يتجلى أمر الرعاع ومكانتهم من واقع خطابات الجماعة الأولى في حياة المسلمين، جماعة الصحابة والخلفاء الراشدين والدائرة الأكثر اتساعاً حولهم، وهي أول نُواة لتشكيل اهل الاسلام، هؤلاء الذين كانوا نموذجاً حدَّد إلى درجة بعيدةٍ ما هو الاسلام وكيف امتد تاريخياً. حيث ظلت تلك الجماعة نموذجاً يتمتع بمكانة رمزية في الخيال الشعبي إلى اليوم.

إذ يواصل معجم لسان العرب قائلاً بصدد أحد مواسم العرب حين تلتقي الجموع لحدث ما جاء:" في حديث (كلام) عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنَّ الموسم يجمع رعاع الناس، أي غوغائهم وأخلاطهم. ومنه حديث عثمان ابن عفان رضي الله عنه، حين تنَّكر له الناسُ: إنْ هؤلاء النفر رعاع غثرة. وفي حديث علي رضي الله عنه.. وسائر الناس همجٌ رعاع " .

لنلاحظ -كما أشرت بين قوسين- أنَّ الكلام برعاعية الآخرين يؤكد اعتراف قائليه بالحقيقة واعتبارها حالةً جمعيةً، إنَّه في الواقع ليس رأياً ولا إشارةً ولا فكرةً في عداد الآراء الثانوية، هو حُكم أخلاقي يبلغُ مرتبةَ اليقين الجازم بمنطق الخطاب الجاري آنذاك. هكذا ذكر صاحب المعجم (ابن منظور) أقوال الأئمة والخلفاء الراشدين والسلف الأوائل، وقد أراد لفت ذهنية القارئ إلى جانبهم واعطاء صورة ناصعة عما يرونه صحيحاً تجاه أصناف الناس.

ونحن نعلم كون الأـلفاظ المفتاحية مثل أقوال الخلفاء، أهل السلف، الأئمة، أهل الايمان، هي تيمات رمزية symbolic themes تصبُ في رصيد الخطاب التي يستعملها وتنحاز إلى ما يقول. فلهذه الأقوال قدرة ثقافية على التواتر والإعادة طالما هي طي النموذج العام. ليس بطريقة البلاغة اللفظية، ولكن ببرهان التقديس والتسليم المفترض لكون الكلام متداولاً دون مساءلةٍ ولا تدقيق. فلم يتساءل أحد هل الرعاع كانت شائعة في عصر العرب، هل التصنيف كان غالباً ثم ترك آثاره على الخطاب الديني.

إنَّ هذه التيمات لها قوة الاثبات المسبق، وبالتالي حين تذكر في سياق تداولي جديدٍ (كما نسمعها في الخطابة والدعوة)، فهي تسْحب تسليمها على ما ورد في خطابها إجمالاً. وبخاصة أنَّ معاني الكلام في الثقافة الشفاهية ليست حالة حاضرة باستمرار، لكنها تتعلق بذاكرة ماضوية لها طابع التصديق والقبول. إذ تؤكد الذاكرة قوتها أخذاً من نظام اللغة الذي يكثفها ويجعلها على أعتاب الخطاب اليومي. فكيف سينطق الخلفاء غير الحق قبل الحقيقةِ مثلما ينطقون في كل الأحوال؟! كيف لا يكون كلامهم دينياً وسياسياً بالتبعية؟ إذن سيقول المتلقي لاريب إنَّه الكلام الذي يمثل اليقين ولا غير.

المعنى إذن وراء تعبير (الرَّعاع) مقصود لذاته في مثل هذا الوضع.  فطالما قال الخلفاء الراشدون أنَّ أغلب الناس رعاع همج، فهم بالفعل رعاع همجٌ وغثاء كغثاء السيل. القضية عندئذ ليست طرحاً عابراً، لكنها توثيق لرعاعية ستبقى سارية في تاريخ الدولة العربية الإسلامية وحواشيها. ذلك طالما كان الخليفة(وهو المثال) قابضاً على دفتي الدين والسياسة، ويوظف أحدهما لخدمة الآخر بالإحالة المتواترة التي توفرها كل سلطة. وهذا كان وما زال هو ديدن الحكام والولاة والرؤساء وأصحاب الفخامة والسمو والمعالي إلى الآن. المهم هنا ليس الكلام بفحواه الديني، لأن ذلك في نطاق الإيمان، أما الملاحظ أنه انتقل خلسةً من مجاله الخاص إلى التوظيف السياسي داخل أحشاء الدولة واصبح معياراً للتعامل مع الفئات الأقل حظاً من الحياة.

وعند نقطة الخلط هذه، يتأكد المعنى بإيراد عبارات الرضى والتصديق إزاء خلفاءٍ عن الله قبل أي شيء آخر. مجرد التعبير (رضي الله عنهم) عقب أسماء الخلفاء والولاة- رغم أنهم سياسيون- يؤكد عدم التعقيب وضرورة القبول بلا نقاشٍ من الجميع. ويظل الرضى مبذولاً لأي شخصٍ له مكانة مقدسة ويحتلها على صعيد الوعي الجمعي (فلان رضي الله عنه وأرضاه). والعبارات نفسها في مواقف التبجيل والثناء تُطلق على الشيوخ وأصحاب المذاهب وأقطاب التنظيمات  والحركات الاسلامية. وبذلك لا يستطيع المسلمون الخروج عن حدود هذا الكلام. لأنَّهم ملزمون- بدوافع الدين- على الرضوخ له. وليس هذا فقط، إنما غدا الأمر متناقلاً بواسطة الخُطب الدينية والفتاوى والمذاهب الفقهية. وهي مذاهب كانت تشرع للرعية وتمجد ولاة الأمر وترى الخروج عليهم معصية.

-        فهم صارمون في التشريع للرعية ويمسكون شواربهم بمقابض العبادات والنواهي والأوامر والمناسك والطقوس وما يجوز ومالا يجوز( الحلال والحرام).

-        وهم يلينون الكلام للحلفاء والوزراء على مهل، وكما يريد هؤلاء الحكام دون التفات لأوضاع الرعية المزرية.

-        وهم كذلك يعطون الراعي مبرراً لإطباق كتاب الدين والسياسة على اعناق الرعية كطي السجل للكتب( ممارسة السياسة كقيامة قبل يوم القيامة).

لقد ذهب الإمام الغزالي مباشرةً إلى" الجام العوام عن علم الكلام" كما يقول عنوان كتابه الشهير. في مثال صريح لوظيفة الراعي الذي يسوس دوابه نحو ما يريد. إنه يريد زجر العوام والشعوب والناس عن التفكير أو معاقرة المعتقدات التي بثتها المذاهب الإسلامية. وهنا وضع أبو حامد الغزالي نفسه موضع رجل السياسة باسم الدين فارزاً الناس باعتبارهم لا يعرفون شيئاً وأنَّهم غير ناضجي العقل والإرادة. وأنَّ أخطر ما يتلاعب بعقولهم هم علماء الكلام ليس أقل. وينسحب وصفه إياهم  بالرعاع حتى على جميع أقطاب الفرق الكلامية أنفسهم، ومن ثمَّ إذا كان هذا حال علماء الكلام( وهم الفقهاء والعارفون واللغويون والبلغاء والكتاب وأصحاب الفكر)، فإنَّه أولى بأن يمثل أحوال العوام. ذلك كله في مقابل مذهب السلف مؤكداً – أي الغزالي في كتاب الإلجام- أنَّه بمثابة المذهب الأولى بالعناية وهو المانع لدخول الجهلة والسفلة إلى قضايا الاعتقاد .

وكأنَّ (الغزالي) يقول خطابياً إنَّ اتساع أفاق العقل خارج حدود السلف هو ضد العقل كما نعرف. وأنَّ العقل غير موثوق به في حدِ ذاته وقد يجهل أصول الاعتقاد، ولا ينبغي ترك مساحته العمومية مشاعاً دون تكبيلها مخافة الانحراف. وأنَّ العقل هو مجال الصراع الفعلي الذي ينبغي الهيمنة عليه. ويجب التعامل مع الناس بوصفهم عواماً قصري الفهم والإدراك وغير مؤهلين لإرادتهم الحرة.

هكذا ليست ثمة " عبارة سياسية" political phrase ضلت طريقها إلى الدين مثلما تعبر عبارة الغزالي في معالجته لقضايا الكلامية، وليست ثمة عبارة قامعةٌ لما نمتلك من عقلٍّ مثلما تفعل. على أثرها تحول الإنسان إلى دابةٍ تُساس وتساق وتزجر وتلجم وتسحب إلى أية مذبحة سياسية.  ولذلك تباعاً في تاريخ الثقافة العربية الاسلامية تمَّ وضع الحواجز أمام حرية التعبير عن الفكر واعمال العقل والانفتاح على الثقافات الأخرى، كنوع من المصادرة العنيفة على أي اختلاف!!

وهنا لا يعبر الغزالي عن رأي شخصي كما قد يقول البعض، بل بموجب تراث الرعاع كان عنوان كتابه "بصمة ثقافيةً" ممتدة طوال عصور المسلمين القديمة والراهنة. ولم يكن علم الكلام- قديماً- سوى رمزاً لقتل المثقفين وأصحاب الفكر( الجهم بن صفوان والحلاج والسهروردي المقتول) وملاحقة حريات التعبير والإبداع والتجديد بتهم انتهاك المحرمات وخلخلة ثوابت الأمة والعصف بالقيم والاخلاقيات.

الغزالي نذر كلامه وبعض مؤلفاته بالدين إلى هذه السياسات التي تخصي العقول كخصاء الذكور في إطار ثقافة الإلغاء. واللجام ألة معدنية تدمي وجه الحيوان إن حاول الافلات من قبضة راكبه وتجعله خاضعاً بالعنف لتوجيهاته. اللجام ليس كلمة مزجاة بواقع الفئات التي تستعملها، بل هي نصوص وخطابات وممارسات سوّد صحائفها الغزالي، أي أنها جسد الثقافة بعدما تتعرَّى وتتصفَّى في الألفاظ. ويكفي أنْ تنطق كلمة كهذه(إلجام) وسط البيئات العربية الاسلامية حتى ندرك وقعها الدلالي على المتلقي. فالمتحدث حجة الإسلام وقطب الأقطاب ومجدد الإسلام وصاحب الإحياء كما يقال بصدده. وحين يطلق عبارة "إلجام العوام"، فإنه يمسك باللغة كمؤسسة ثقافية وكتاريخ يراهما في المستقبل البعيد وقد وجب زجر الناس عنهما وعن الخوض فيها.

ولذلك عندما شرح الغزالي قضايا الاعتقاد اكتشفنا أنَّ السلفية هي اللجام الحديدي الذي كان يقصده. ومازالت السلفية تستعمل بهذا المعنى القسري لما يكونه البشر في المستقبل. باعتبار أنَّ سلف الأمة هم الأصح عقيدةً ومذهباً وأنَّ ما سواهم غثاء لا قيمة لهم. يقول الغزالي:" اعلم أنَّ الحق الصريح الذي لا مراء فيه عند أهل البصائر هو مذهب أهل السلف، أعني مذهب الصحابة والتابعين" .

والأولى بناء على هذا الكلام أنَّه طالما صح اعتقاد السلف (وهو يقصد الدين)، فحياتهم هي الأولى بالصحة والاتباع والتكرار (الاستنساخ) (واللغة تقصد السياسة والاجتماع). وهذا يفسر أنَّ ثمة نزعةً سلفيةً غائبةً عن النقد والمناقشة في ظلال المجتمعات العربية الإسلامية. لأن السلفية ليت تقريظاً فات أوانه، لكنها قرار مصيري يتلاعب بالتاريخ والعصر، أي إلغاء فكرة الإنسان الذي قد يأتي يوماً ما ليجدد فهم الدين.

لذلك- على المنوال ذاته - ارتبطت بهؤلاء الرَّعاع لدى فقيه آخر كلُّ الفواحش والبذاءات وإمارات الدعة والموبيقات كما يعبر ابن حجر الهيتمي رابطاً بين مصطلح الرعاع وما هم فيه من أحوال فاحشةٍ ولا أخلاقية . والعجيب أنَّ الرَّعاع مدرجون بهذا الكتاب كأنَّهم فئة (طبقة) مخصوصة ومتميزة في تاريخ الفقه. كما لو أنَّ المعازف والمراقص محصورة بينهم ولا شيء آخر. وهم أهل المجون والسفه والخلاعة والفجور كقدر محتومٍ. فهم مرتع للرزيلة وأهل للرقص والبذاءات. والربط بين الغناء واطلاق العنان للشهوات يصور هذه الفئة كأنَّهم شياطين مارقة. ويوضح كَّم لا يبالي الفقيه بالآخرين ولا بمحاولة معرفة ظروفهم واحوالهم.

إنَّ المعالجة الأخلاقية القائمة على التحريم تدفع الفقهاء لإطلاق الأحكام بلا تقييد وينعكس ما يفضلون وينحازون على ما يجري بالفعل. أليس هذا انحرافاً فقهياً لا يري الواقع ولا الأحداث الاجتماعية ولا يعرف معنى الإنسان؟! فضلاً عن عدم فهم معنى الغناء والنغم أصلاً وربطهما بكل الرذائل والخلاعة. إذن القضية برمتها نبذ الطبقات الدنيا في المجتمع وتحميلهم فساد الأخلاق ومآل التدين، بينما أعالي القوم لا يسمعون معازف ولا يفسدون الدين!!

وبالتالي كان يجب إثارة التساؤل إزاء هذا الرأي: من كان يسمع لهم ومن كان يستمتع بهؤلاء (السفهاء وأهل المجون) طالما هم الفاسقون وحدهم؟ فلو كان ثمة مراقص ومغانٍ للرعاع، فبالتأكيد هناك من يرقصون ويغنون له( طبقة الحكام). وإلاَّ فلا يوجد غناء للعدم أو للجان في خفاء الحياة. هذا هو الاستعمال الصامت المغفل عنه قصداً والذي اسقطه الفقهاء من ذاكرتهم. فلم يقل الفقهاء أن هناك نخباً سياسية تستعمل أهل المجون في إمتاع انفسهم وحاشيتهم (الغلمان والقيان والجواري والمراقص وحفلات السمر وإلقاء أشعار الملذات والشهوات الحسية بقصور الملوك والأمراء). وظل الفقه سارياً في تلكم المسألة على هذا الغرار كما لو كان ثمة رقص في الفراغ دون طبقةٍ حاكمة مرفهة!!

أما على بن أبي طالب من قبل وبصدد جذور المسألة، فلّه عبارة ستسرب المعنى صراحة من الخطابة إلى الطائفة والمذهب الديني السياسي. يقول كميل بن زياد "أَخَذَ أمير المؤمنين عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِيَدِي فَأَخْرَجَنِي إِلَى الْجَبَّانِ، فَلَمَّا أَصْحَرْنَا تَنَفَّسَ الصعداء ثُمَّ قَال: يَا كُمَيْلُ إن هذه الْقُلُوبُ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا. فاحْفَظْ عني مَا أَقُولُ لَكَ: النَّاسُ ثَلَاثَةٌ: َعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ، يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ" .

والأبرز أنَّ الإمام علي كان يتحدث عن العلم، فجاء تصنيفه للناس كأنَّه قدر وجودي حتمي. وكأنَّهم بالتالي لا علاقة لهم بالسياسة ولا بأحوال المجتمعات وظروفها التي تسبب ازدراءهم ولا توجد إمكانية لتعليمهم وتثقيفهم. فهؤلاء الرعاع لا حظَ لهم منه في مقابل العلماء الآخذين عن الله. وهؤلاء معصومون لا يخطئون ولا يذهبون وراء السوقة ولا ملذات الدنيا. وهذا إنْ أظهر شيئاً، فهو يظهر النَّفس الإلهي الذي يحفظ تراتب الأئمة وأشباههم.

يقول على بن ابي طالب.." أولئك والله الأقلون عدداً و الأعظمون قدراً. يحفظ الله بهم حججه وبيناته حتى يودعها نظراءهم ويزرعها في قلوب أشباههم. هجم يهم العلم على حقيقة البصيرة، وباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استوعره المترفون، وانسوا بما استوحش منه الجاهلون وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى. أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه" .

هذه الكلمات- إذا خرجت إلى مجالات السياسة والاجتماع-  فلا تهتم بالإنسان كإنسانٍ، إنما لكي يحيا لابد له من طبقةٍ عُليا هم الخلفاء عن الله. وبمقدار ما يصعد هؤلاء بأرواحهم علماً ومعرفة بمقدار انحطاط غيرهم أو سيتمايزون حتماً، لأن السياسة لا تعترف بالاختيار أو الاصطفاء مقابل آخرين أقل شأناً. فالسياسة هي مجال الحقوق والواجبات والمواطنة دون تفرقة ولا تمايز. أما الرعاع فهم هؤلاء الذين لا مناص لهم من وضعيةٍ همجيةٍ تهبط بهم إلى أسفل. وهكذا فالنص السابق مليء بالأطراف المتنافرة والتي قد تملأ المجتمعات وتثير صرعاً لا حل له. العلماء: الجاهلون، الأعظمون قدراً: الأقلون منزلةً، الخلفاء: الغوغاء. هي تصنيفات تقمع التنوع وتجعله على هامش التصنيف نوعاً من التسلية، وتعطي جماعة ما (هم الاصفياء) كلَّ السطوة باسم الله.

 

سامي عبد العال