مجدي ابراهيملم يكن مستند العقل في تحصيل العقيدة الصالحة بالذي يخرج عن مضمون القرآن الكريم، بل وينبغي أن يكون مستنده على الدوام بعد هذا كله هو مضمون القرآن، ذلك المضمون الذي يمثِّل عندنا وَحْدَةً لا خلافَ عليها إذا هى  أصابت هذا المضمون في ذاته، ووقفت عليه في جوهره وتمثلته حتى الرمق الأخير.

ولستُ أشك لحظة واحدة في أن المرجوع الفكري الفلسفي لالتماس الوَحْدَة يتحقق عندي في مضمون القرآن الكريم، فيما لو كنَّا على التحقيق تمثلناه وتذوقناه وتعاملنا معه على أنه الأصل الأصيل والمنبع النقي الصافي الوضيء، وفيما لو كُنّا من أهله حقيقة لا مجازاً، وعلى قدره فعلاً وعملاً، لا أن نطوِّعه نحن؛ ليكون هو على أقدارنا، وأقدارنا كلها في الغالب نفوس ملوثة ومآرب وضيعة ومقاصد ساقطة.

فكل ما يُقَام على المضمون من شروح وتأويلات وتفسيرات وتخريجات تُدَعِّم حركة الفكر في المذهب وتنسى المضمون، فهى عُرْضَة للخلاف والاختلاف وإثارة القضايا البالية والمناقشات الزائفة، عرضة للتفرقة والتَّمزُّق والاحتكام إلى الشهوات العقلية، عرضة لجعل القرآن مادة مُوظَّفة لخدمة الأغراض السياسية .. ليس إلاِّ.

هذه الفُرْقةُ المذهبية كانت ولا زالت السبب الأول في اختلاف المسلمين وتمزقهم وتفتت شملهم في ماضيهم وحاضرهم؛ لأنهم ورثوا عن أسلافهم وجهات نظرية من الاختلاف والتباين تشكَّلت في (مواقف Attitudes) أوْدَت بهم إلى انقسام العقيدة إلى أصول مذهبية وطائفية، هذا فضلاً عن قلة تشكلها وتكوينها في البدء قبل الانقسام. وأعني بقلة تشكُّلها أو تكوينها ضعف الإيمان أساساً؛ فقد كان الخلاف السياسي حول مسألة الإمامة قديماً أكبر طعنة وجِّهت إلى إيمان كثير من المسلمين في ذلك الوقت، فأورثت الأجيال تلو الأجيال انقساماً وتمزقاً وَوَهَناً في العقيدة لا يزال أثره باقياً إلى اليوم، يشاهده الناس في الفُرْقة المذهبية والتعصب الطائفي.

وقد أشار ابن خلدون في "مقدمته" إلى ضعف وازع الدّين الذي كان سبباً في خلاف المسلمين قديماً حول مسألة الإمامة في الرواية التالية:

"سألَ رجلُ علياً رضى الله عنه (وهو سؤال خبيث!): ما بالُ المسلمين اختلفوا عليك، ولم يختلفوا على أبي بكر وعمر؟! فقال: لأن أبا بكر وعمر كانا واليين على مثلي، وأنا اليوم والٍ على مثلك". ويعقّب ابن خلدون على تلك الرواية قائلاً: ويشير عليُّ بن أبي طالب رضى الله عنه إلى ضعف وازع الدين.

وضعف وازع الدين، كما ترى، مرهون بقلة تمثل مضمون القرآن الكريم، والعمل على تحقيق الوَحْدَة خلاله.

ولما كانت "الفكرة" الإسلامية تنصب في المقام الأول على المجتمع بحيث تظهر تلبية لحاجات الجماعة الإسلامية، سياسية واجتماعية واقتصادية وأخلاقية، وأضف ما شئت إلى هذه المطالب التي يحتاجها المجتمع الإسلامي، صارت بالضرورة غير مفصولة جوانبها النظرية عن العملية، فلا يوجد "نظر" خالص في الإسلام؛ فالنظر الخالص يخالف روح الدين الإسلامي، كما تقدَّم فسبقت إليه الإشارة، ولكن النظر مقرون بالعمل لهو الأساس المعتمد، حتى إذا ما تغيِّر هذا الأساس الثابت لتغير الظروف والأوضاع أو لتغير القناعات والأحوال، وجدَّت في الأمور أمور فرضتها تقلبات السياسة وأمواج التلاعب بالعقول والأفئدة والضمائر، وأحياناً كثيرة التلاعب بمقدرات الأمم الحياتية وقيمها الباقية؛ كَثُرت من أجل ذلك كله التفرقة، وكثر التمزُّق، وكثر الخلاف.

فإنّ التناحر اليوم كما كان بالأمس بين الشيعة والسُّنة مَرَدَّه إلى خلاف فكرى في وجهة النظر سرعان ما تطوَّر فأصبح عقيدة، فانقسمت العقيدة إلى مذاهب وتحوَّل التنازع بصددها إلى تنازع طائفي يُحيي العصبية القبَليَّة التي كان الإسلام قد أطفأ وَقْدَتها من قبل.

ثم إنه في النهاية خلافٌ فكري هو من جملة ما يُقَامُ على القرآن من شروح وتأويلات؛ ناهيك عن الخلاف الذي كان قائماً في القديم، والذي يمثل مواقف حاسمة بين المعتزلة والجبرية من جهة، وبين الأشاعرة والمعتزلة من جهة ثانية، أو بين الفلاسفة والصوفية من جانب، أو بين الصوفية والفقهاء من جانب آخر: خلافات مذهبية في تفاصيل أصوليّة وفرُوعِيَّة ممّا لا حصر له ولا عدَّ هى كلها من جملة ما يُقاَم على القرآن شكلاً ينقصه المضمون.

لم تكن تلك الخلافات يومها تستشعر نبض القرآن في تشكيل مجتمع حييِّ وفعَّال، وفي خلق أناس قادرين؛ بحكم تعاملهم مع القرآن، على اكتشاف الحق الجديد؛ لأنها ببساطة كانت خلافات مذهبية يهمها في المقام الأول الانتصار على الخصم، وترقية الميول السياسية وتدعيمها وتعزيز حركاتها وتطلعاتها؛ لتلعب اللعبة الدّنِسَة، فترتقي فوق ترقية النفوس والقلوب والضمائر والأذهان.

لم يكن يعنيها القرآن في شيء، لا بل كانت قريبة منه، غير أنها في نفس الوقت كانت بعيدة عنه، وبمقدار قربها من القرآن كان بعدها عنه. لم يثيروا خلافاً حول نصوصه الدينية من فراغ، ولكنهم أثاروها للمجد الزائل والملك العضوض.

وعليه؛ فإنّ المرجوع الفكري إلى المضمون لا يمثل خلافاً بل يمثل وحدة. والجمع بين التفرقة مَرَدَّه إلى "العودة للنبع الصافي": النبع الصافي بكل ما في الكلمة من بساطة وعمق، وبكل ما فيها من تربية وتهذيب، وبكل ما فيها من ترقية وتوجُّه وتسليك. النبعُ الصَّافي بعيداً عن عبث التوجُّهات الفكرية المرهونة بزمانها ومكانها. النبع الصافي الذي لا يغيض ولا يُخْلق على كثرة الرَّد. النبعُ الصافي تلك الحلاوة وتلك الطلاوة في أطيب معنى وأكرم جوار: القرآن من حيث كونه مضموناً لا شكلاً، ومن حيث ذاتيته الخاصَّة لا من حيث ذاتية غيره وخصوصَّية سواه.

لم يَعُدْ حَاضر المسلمين اليوم بحاجة إلى مثل هذا النزاع العقلي أو ذاك الصراع الفكري. هم بحاجة إلى التضامن والتآلف والوحدة والاتحاد، هم بحاجة إلى إحياء الروح الإلهي الخالد من لوثة الخلافات المذهبية، هم بحاجة إلى الوقوف على أيديولوجية صلبة ومتينة تستقي روافدها من "القرآن"؛ وبغير خلاف ولا عوج في التأويلات والتفسيرات والتخريجات؛ فكل تفسير أو تأويل أو تخريج على غرار الماضي إنما يَعَدُ اليوم ترفاً فكرياً لسنا نستطيع تحمل عواقبه وأمامنا تحديات مرهبة وعنيفة، ناهيك عن مثل هذه التدخلات الأجنبية في الشئون الداخلية لمعظم بلداننا العربية والإسلامية، وضرب الإسلام عمداً في عقر داره.

لكن مرجوعنا إلى النبع الصافي لهو هو الوَحْدَة التي يجتمع حولها المختلفون ويتآزر عليها المتناحرون المتصارعون، أولئك الذين يتناحرون من أجل لا شيء، لا بل من أجل وهم كبير تعشعش في الأعماق وطمع مريض تسلط على النفوس والقلوب فضلاً عن العقول والبصائر حتى أعماها عن نور الحقيقة، فلم تعد تدرك مدارك الذين يؤمنون فيعقلون.

فالفروع التي كانت مدعاة للتفرقة أصبحت اليوم من أصول الخلاف، والأصول التي كانت عقائد تأسيسية للعقيدة الإسلامية، فكراً وفلسفة وعملاً وشعوراً وعاطفة، تناسيناها وهجرناها، فإذا عدنا إليها اليوم حمَّلناها ما لم تحتمل: مسؤولية الأهواء البشرية والخلافات الفكرية، وأغراض السياسة ونظم الأطماع المرسومة المقننة، حتى ليقال لنا: عليكم لكي تتقدّموا وتلحقوا بالمتقدِّمين في دنيا التقدَّم أن تهجروا عقائدكم التأسيسية؛ فإنّ المضمون الديني (القرآن) لهو السبب في تخلفكم عن ركب الحضارة! وتلك هى أخطر لمحة فكرية، بل أخطر وسوسة شيطانية دوَّنها أولئك الذين قلَّدوا الغرب تقليد القرود جرياً وراء مزاعم التحديث.

آفة هذا الزمن اللعين، زمن الغفلة الواصبة والدعوى العريضة بغير دليل، هى العبث الفكري بمضامين القرآن وقراءته قراءة تاريخية أو علمية، مع أنه ليس كتاب علم ولا كتاب تاريخ، ولكنه كتاب "عقيدة"، يخاطب الضمير ويتوجَّه بالإنسان إلى تقدير "الإيمان". وخيرُ ما يُطلبُ من كتاب "العقيدة" في مجال العلم - كما قال المرحوم الأستاذ العقاد:" أن يحثَّ على التفكير ولا يتضمَّن حكماً من الأحكام يشل حركة العقل في تفكيره، أو يحول بينه وبين الاستزادة من العلوم، ما أستطاع حيثما أستطاع ...".

ولكن! ماذا نعني بالمضمون؟

نعني بالمضمون أن نفهم القرآن، وأن نتخلّق بأخلاقه، وأن نعمل بموحياته دون مغالطات فكرية تتوهَّمها العقول أو ترَّهات عَقديَّة لا تُجَليِّها القلوب. ولستُ أعني بالفهم هنا مجرَّد كلمة الفهم عابرة وكفى؛ ولكني عنيتُ بها كل ما يَدُلُ على البصيرة النافذة والفؤاد الذكي، ثم الموهبة الخلاقة يرتقي فيها الفرد الفذَّ بطول المجاهدة ومشقة المعاناة، فإن لم يكن؛ فبمرتقى آخر يَحسَّه ويستشعره بعد بذل الطاقة كلها فيما هو أمامه: أعني بهزَّة لدٌنيِّة وتمكين من الله. إنّ إحساسنا بالقرآن لهو سبيل وحدتنا الشعورية وروابطنا الوجدانية التي تقوم عليها تباعاً تلك الوحدة الفكرية، وإنْ اختلفت هذه الوحدة الأخيرة (أعني الفكريّة) باختلاف المشارب والأذواق وتباينت بتباين المعارف والاتجاهات لكن وحدتنا الشعورية الواصلة إلينا من ذلك الإحساس بالقرآن لهى التي تتحرَّر بمقتضاها عقولنا من أهواء الخلافات المذهبية مادامت مستمدة من القرآن ومنطلقة منه وعائدة على الدوام عليه.

فليس صحيحاً ما كان يتردَّدُ في الساحات الثقافية قديماً أو حديثاً من أن العقل مفصول عن الشعور والوجدان، وأن العاطفة شيء بغيض للعقل، ضده وينبغي أن تكون ضده، فإنّ العقل ضابط يَعقل العاطفة عن التَّوتِّر والانطلاق!

ليس صحيحاً مثل هذا الذي يُقَال صراحة أو ضمناً، بل كان انتصاراً للخلافات المذهبية على "المضمون الديني" متمثلاً في الوعي بالقرآن والإحساس به ونفوذه من السطح البَرَّانيِّ والقشرة الخارجية إلى العمق الجٌوَّانيِّ والحقيقة الداخلية.

إنما الإنسان وَحْدَةً كاملة - لا انفصام فيها ولا استقلال - من عقل وعاطفة وشعور ووجدان؛ فهو ليس عقلاً كله وليس عاطفة كله، ولكنه يجمع بين هذا وتلك في انسجام وتناسق، لا يستطيع هو أن يُطْغي جانباً على جانب أو يرفع جانباً ويهبط بالآخر ليعيش الحياة كلها بجانب واحد فقط، وإلا أختل لديه التناسق وفارقه الانسجام. فإذا شئنا غلبة المضمون القرآني ونُصْرَته على الخلافات المذهبية، كائنة ما كانت مذاهب واتجاهات، قدَّمنا "الإحساس بالقرآن" على الاحتكام إلى العقل المفصول عن الشعور والإحساس؛ لأن جذر العقل نفسه هنا لا يخلو من مستند العاطفة والشعور، وإنما الذي يعمل في مضامين الآيات القرآنية، والذي يتصوَّر مُوحِيات تلك الآيات؛ ليس العقل المُجَرَّد عن العاطفة والوجدان لا بل العامل الأوحد هو: "وحدة الشعور في وحدة القصد ".

وهذه مكانها الوعي لا العقل: الوعي بملكات الإنسان مجتمعة: ملكاته في التذوق والتصوِّر، وملكاته في الإحساس والشعور، وملكاته في الإدراك والتَّعقل، وكل ما يجمعه على قلبه، ويجمع قلبه عليه وعلى كل ما هو فيه، هى هى الدفعة الوجدانية الباطنة التي تتقرَّر معها حياة الإنسان ككائن حي وفعَّال.

تلك هى "التجربة الدينية" في أبسط وأعمق معطياتها: تأخذ الإنسان كله عقله وشعوره، قلبه وضميره ومداركه، باطنه وظاهره، ما يعيه وما لا يعيه؛ كُلُّهُ مَجْمٌوعٌ في كٌلِّهِ. أما العقل، مُفْرداً ومُنْفرداً، فلا يزيد دوره المعقول على الشرح والتفكير والتحليل والاستنباط ووضوح الرؤية الشاملة المُوحَّدة، وإبراز ما هو كامن في الداخل بوسائل التعبير إلى خارج، وليس هذا الدور بالقليل.

فعلى وحدة الشعور يتكئ العقل ويعتمد، ولا يمكن أن تُقام وحدة الشعور مطلقاً على العقل بحال من الأحوال؛ إذْ لو شئنا إقامتها لظهر لنا الخلاف المذهبي لا الاتحاد الفكري المقصود، ولعُدْنا إلى الوراء قروناً طويلة كما كنَّا أيام المعتزلة وصراع الفرق الكلامية، ومن جرى مجراهم في التحويل والتبديل، أو أيام ابن باجه وابن طفيل وابن رشد ومن نحي نحوهم في الانفراد بالعقل وحده والاستقلال به دوناً عن سواه. لكنْ لو فتحنا الرؤية للإنسان بحيث يكون عقله تابعاً لشعوره، وشعوره ممزوج بمضمونه، ومضمونه قرآنيّ في المقام الأول، لكانت نقطته الانطلاقية في التـّوجُّه إذْ ذَاَكَ تكاملاً لا انفصام فيه بين العقل والشعور.

أقول؛ كان تكاملاً، لأنه "التكامل" الذي يرتكن إلى "الإحساس" بوحدة القصد المُوَجِّه لحركة الفعل والعمل في موحيات القرآن. هذه الحركة الفعلية العملية هى أساس التقدُّم الحقيقي للإنسان فيما لو أنه فطن إليها واستغلَّها استغلالاً يخدم مآربه الوجودية والمصيرية؛ هى هى أساس التقدم "الحركي" و"الفعلي" و"الخُلقي" و"الروحي": التقدّم بإطلاق، بمقدار ما هى أساس التقدم "الفكري" و"النظري" و"الإدراكي"؛ فيما لو شرطنا نشاط التفكير والعمل كله بتلك الدفعة الشعورية الباطنة، أعني ارتهان الوعي في الإنسان دوماً على اختلاف ضروبه بالإحساس: الإحساس الباطني الشعوري والإدراك الجوَّانيِّ الخفي، يستشعرُ فيه الفردُ الفَذُّ بخفقات قلبه بين جنبيه مَرَاجِلَ تَسْري فيها إيحاءات القرآن.

ولعَلَّ هذا أو نحوه هو ما كان الدكتور "محمد إقبال" قد أكَّدَه قبلاً من حيث قال:"إنّ الهدف الرئيسي للقرآن هو أن يوقظ في نفس الإنسان شعوراً أسمى بما بينه وبين الخالق، وبينه وبين الكون من علاقات متعدّدة.

ولقد كان هذا المنزع التعليمي للقرآن هو الذي جعل "جيته" وهو يستعرض الدين الإسلامي بوصفه قوة مهذبة مؤدِّبَة، يقول لصديقه "أكرمان":"أنت ترى أن هذا التعليم لا يخفق أبداً. ونحن بكل ما لنا من نظم لا نستطيع بل أقول بوجه عام إنّ واحداً من البشر لا يستطيع أن يذهب أبعد من هذا..".

تلك هى القوة الخُلقية التي يتريَّض بها المؤمن وهو على هدى القرآن، وأن يكتشفها الباحث فيه ولو كان غير مؤمن به، لا مناص له إذْ ذَاَكَ من إدراك قوته الباعثة: إيقاظ النفس الإنسانية لطاقاتها العلويّة، وشعورها الواصب الدائم بالصّلة مع خالقها، وانفرادها باستقلالها وتَفَرُّدَها، وطلاقة الحيوية الدائمة في ترقيها عروجاً نحو الملأ الأعلى ..

وذلك هو هو العمل بالمضمون القرآني كما أراه ويراه غيري ممَّن يريدون لأمتهم أن تتجاوز الخلافات المذهبية والتّفْرِقة التي سنتها جهود العقل النظري البارد، تتجاوزها إلى حيث الحياة فعلاً وحركة داخل الأجواء القرآنية وتمثُّل موحياتها النابضة بأسرار النفس، وأسرار الكون بعد هذا.

ففي تلك المُوحيات روابط عراها لا تنفصم تعصم من التمزُّق والخلاف وتصل المتنازعين إلى قرار الهداية بالعمل بمقتضى القرآن، وتَقِفَهُم - إنْ آمنوا واهتدوا وعملوا - على عقيدة واحدة، وأصول واحدة، ومقصد واحد، ووحدة قصديَّة واحدة، وشعور واحد، ووجود واحد، ومصير واحد، ومواجهة واحدة، وعبادة واحدة، ودينونة واحدة، وتلقِّي واحد، وتوجُّه واحد، وَوَحْدَة أخلاقية واحدة، لا يشذُّ منها إلا من لا يرى في القرآن قبلته ومُبتغاه.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

 

عبد الكريم العراجيلم تكن العلاقة بين الخطاب السياسي والخطاب الأكاديمي تحظ بأي نوع من الاهتمام من طرف الباحثين وحتى المؤسسات البحثية وهذا راجع ربما للسياق السياسي والثقافي الذي تعيشه المجتمعات العربية بشكل عام والجزائر بنحو خاص وهذا ما أفرز فجوة عميقة بين السياسي  le politique  بالمفهوم الأصلي في علم الاجتماع السياسي والأكاديمي l’académicien  فهذه الفجوة لم تكن مفتعلة وإنما يمكن  إرجاعها إلى الظروف التي ساهمت في تشكل وبناء الدولة الوطنية التي كانت نتيجة حتمية فرضها خروج المستعمر .

وهذا ما ساهم في بروز تراكمات متنامية لدى النخب العلمية التي رأت نفسها تعيش على هامش مشروع بناء الدولة ولم تشارك لا بتصوراتها وسواعدها في بناء مشروع الدولة كمخلص للمجتمعات العربية التي عاشت الإمبريالية الاستعمارية ولكنها سرعان ما سقطت في براثن الرجعية السياسية الاستبدادية التي تبنتها الأنظمة العربية الحاكمة  .

فالنخبة العلمية والأكاديمية في المجتمعات العربية لم تكن مساهمة بشكل مباشر في صياغة السياسات العامة للأنظمة العربية مع العلم أن هذه النخب التي اكتسحت الجامعات والمعاهد بهدف حمل تطلعات الجماهير رغم التعارض الإيديولوجي بينها وبين السلطة السياسية الحاكمة فهذا الصراع جعل النخبة العلمية حبيسة تصوراتها وأفكارها من أجل صناعة غد مشرف ومشرق للجماهير لكن الظروف الخارجية والتي كانت تتعدى المجال السياسي لكل قطر عربي جعلت النخب العلمية تعيش انكسارات وإخفاقات معنوية وحضارية بل جعلتها تتخلى عن الممارسة وتلجأ للخطاب كوسيلة للحشد والتوعية ومن بين النكسات التي عاشتها هذه النخب  أو بمعنى المثقفين هي النكبة الأولى سنة 1948و حرب 67 واتفاقية كامب دايفد 1978 هذا فيما يخص النخبة العلمية في العالم العربي ككل وفي سياق متصل بالنخب العلمية في الجزائر فلقد عاشت نكسة سياسية وإيديولوجية وهي بناء دولة وطنية بعد الاستقلال تجسدت في هيمنة الحزب الواحد على المجال السياسي وإلغاء التعددية الفكرية والحزبية وهذا ما فرض منطق الإقصاء للنخب البرجوازية التي كانت تؤمن بمشروع الحركة الوطنية ووتهميش النخب اليسارية والشيوعية التي كانت تنادي باشتراكية إنسانية تعتمد على العدالة الاجتماعية وتنظر إلى الحزب الواحد كطليعة مستنيرة للطبقات العاملة لكنها سرعان ما تفاجئت ببزوغ نجم اشتراكية ستالينية سوفييتية تكرس الفكر الأحادي وتتبنى أجهزة للترغيب والقمع فكانت هذه النخب بين مفترق طرق لا يمكن لأحد أن يعينها في اختيار طريقها سوى ضميرها المجتمعي ومبدأها الذي يرتكز على الالتزام لذلك كان خيارها إما الحصول على منصب إلى الدولة أو المعتقل .

لم تكن هذه النخب مجرد قوى فكرية وثقافية مجابهة للسلطة بل كانت ترى بأن نضالها يندرج في سياق نشر الوعي التحرري والثقافي في المجتمعات التي تنتمي إليها وهذا ما حفزها على مواجهة الأنظمة التي تناصب العداء للتنوير والعقلانية وكانت النخب العربية تجعل من الفكر والفعل الثقافي مطية من أجل إيصال أفكارها إلى أعماق المجتمع وهذا ما لا حضناه في أعمال المسرحيين العرب والنقاد والأدباء الذي شخصوا النكوص العربي على المسارح والروايات والمؤلفات الثقافية لكن أعمالها لم تكن محل إعجاب من طرف مجتمعها الذي كان بعيد عنها من حيث المسافة الفكرية والزمن الثقافي وبسبب الإسفين الذي وضعته الأنظمة بين المجتمعات العربية ونخبها وصورت النخب في صورة الفكر المتآمر على الوحدة الوطنية والسيادة الشعبية .

ما يمكننا قوله هو أن النخب العربية لا تشترك فقط فيما بينها من تاريخ ولغة ومصير مشترك ولكنها تشترك مع بعضها في الإحباط والاستلاب ولا توجد نخبة عربية أكثر حداثة من أختها وهذا النكوص النخبوي العربي ليس نتاج تسلط الأنظمة وإنما هو كذلك نتاج تجرد النخب العربية من حسها المجتمعي ومبالغتها في الارتماء في أحضان الكتب وهجر حضن الشارع الذي يعج بأنين المجتمعات التواقة للحرية وحق المواطنة ومن هنا لا يسعنا إلا أن نقول هل نخبنا العربية تتعرض للعنة الأنظمة التي تمردت عليها أم لعنة مجتمعاتها التي هجرت واقعها المعاش فالواقع هو الذي ينتج الفكر والثقافة وليس التصورات والمفاهيم وهذه هي النكبة

 

الدكتور عبد الكريم العراجي

 

محمود عبدالمجيد عسافشكلت جائحة كورونا باعثاً كبيراً لتطبيق النداءات الكثيرة التي سبقتها لتطبيق التعليم الالكتروني (عن بعد)، والخروج من بوتقة التعليم الوجاهي إلى التعليم  الافتراضي فكان التحول الكبير على مختلف الأصعدة رقمياً، كنتيجة اضطرارية (قهرية) أكثر من كونها قناعات تكنولوجية، تواكب تطورات العصر.

وأياً كانت الخطوات التي اعتمدتها المحاضن التربوية والمؤسسات التعليمية لاعتماد الوسيط التكنولوجي بكامل منصاته كمناص، إلا أنه هناك لعنصر (المفاجأة) في التطبيق مجموعة من الانعكاسات السلبية والايجابية، سيبقى أثرها دافعاً على حياة الناس مستقبلاً ما لم تؤخذ على محمل الجد.

وقبل الحديث عن هذه الانعكاسات، يجب ألا ننسى أن هناك أطفالاً كانوا يرتادون المدارس يتفاعلون مع زملاء لهم ويكوّنون صداقات، يتعلمون بالقدوة، يقلدون ويحاكون ويبدعون، ويخفقون في سياق اجتماعي كامل بتعليماته وأنظمته، فما مصيرهم اليوم؟ هل ما يحدث لهم اليوم يؤكد فكرة مفادها : أن المدرسة لم تكن قائمة بدورها، وأن غياب بعدها المكاني والاعتباري لم يؤثر في حياتنا؟

وعلى صعيد الجامعات التي لم تكن تعتمد التعليم عن بعد كنظام لها والتي وجدت في اندماجها وانخراطها في سياق التعامل مع المرحلة فرصة لاستثمار المشوه، ولإظهار قدرتها على استخدام أنظمة إدارة التعلمLearning Management systems  في إطار تنافسي تسويقي ليس له علاقة بالذكاء الصناعي  Artificial Intelligence أو انترنت الأشياء Internet of things ، يبرز السؤال: أي المبررات كان لهذا الاندماج؟ ما السبب الحقيقي وراء هذه الاستجابة السريعة (غير المحسوبة)؟

وللإجابة عن هذه الأسئلة، نرى أنه من المؤكد أن الأزمة التي واجهت قطاع التعليم بسبب تفشي فيروس كورونا دفعت التعليم الالكتروني نحو المواجهة، فغدا خياراً لا بديل عنه سواء توفرت البنى التحتية أم لم تتوفر، لتبرز ما لا يحمد عقباه مستقبلاً، فعلى سبيل المثال، أغلب المحتوى التعليمي الذي يقدم إلكترونيا، هو محتوى أصم لا يسمح بمشاركة المتعلمين، كما أنه لا يغطي أنماط التعليم المختلفة: (السمعي- البصري- الحركي-الوجداني- التعلم بالكتابة...)، ولا يظهر طبيعة العلاقة الإنسانية والاجتماعية بين المعلم والمتعلم، الأمر الذي سيؤثر على إنسانية التربية من خلال الالتزام بحرفية التعليمات والتنفيذ دون نقاش.

إن الانطلاق الوحشي نحو الاستجابة للتعليم الالكتروني، والتي  تجاهلت كل مستويات الثقافة والقناعة والإمكانيات للفئات المستهدفة من حيث توفر التكنولوجيا وتطبيقاتها ومستويات التعامل معها لن يزيد إلا من تكريس فكرة (الكرتونة) وهي أن يحصل الطالب على شهادة دون فائدة أو إفادة.

قد تتلاشى الأمية الرقمية بالتكرار، تلاشياً مبني على القهر وعلى الاستعراض الفارغ الذي يأتي في إطار التسويق دون دراسة لاتجاهات أطراف العملية التعليمية الأخرى، بنتاج أحادي الجانب قد يدفعنا في فترات قادمة إذا ما استمرت الجائحة إلى (نخبوية التعليم العالي) القائمة على مدى توافر التكنولوجيا وإمكاناتها.

لست ضد التعليم الالكتروني على الإطلاق، وكنت ولا زلت من المشجعين على أن يكون رديفاً للتعليم الوجاهي ولكن ليس بديلاً عنه، وحيث أن المرحلة تطلبت أن يكون بديلاً، فالتخطيط المناسب يجب أن يخرج من دائرة المصلحة المؤسسية إلى الإنسانية، والموازنة من حيث الكم والنوع لمحتوى التعليم بما يناسب الإمكانات المادية والثقافية والتكنولوجية لأطراف العملية التعليمية، خاصة بعد أن كشفت التجربة عمق أزمة التعليم الالكتروني وضعف جاهزيته على مستوى الموارد  المادية والبشرية، فمن حيث تكامل الأدوار، كشفت الأزمة عمق المشكلة لدى العائلات وأولياء الأمور، في الوقت الذي أشارت فيه الدراسات والإحصائيات أن ما نسبته 33% على الأقل من الطلبة لا يملكون مكونات التعليم الافتراضي المادية. 

ولعله من المحمود الإبقاء على حماسية المشاركة بعد انقطاع أكثر 1.6 مليار طالب عن التعليم في 160 دولة أي ما يقارب من 80% من الطلبة الملتحقين بالتعليم على مستوى العالم بتسريع خطط التعليم الافتراضي، والخروج من دائرة التجمل إلى دائرة المواجهة الحقيقية والاعتراف بالتقصير كنقطة لتضيق الفجوة لا للاستعراض الفارغ، فالأمر يستلزم تقييم ومراجعة شاملة لمحتوى المناهج وآليات التقييم، وتدريب المعلمين وأعضاء هيئة التدريس على استخدام التطبيقات التكنولوجية والمهارات الأساسية لاستخدام الأجهزة الرقمية.

إن الصعوبات التي قد يواجهها الطلبة في التعامل مع التعليم عن بعد، ستفرز تشوهاً في مستوى المواطنة الرقمية، وهو ما ألاحظه في التعامل مع طلابي حالياً، فالأمر ليس مرتبطاً بمستوى التربية بقدر ما هو مرتبط بالضغط النفسي الناجم عن قلة الإمكانات المادية، وتدني مستوى البنية التحتية للاتصالات والانترنت، ناهيك عن ارتفاع مستوى الأمية الالكترونية في مجال استخدام التطبيقات الالكترونية البسيطة.

إن ما يجري اليوم سيغير وجه التعليم بأي حال من الأحوال، وإن بقيت الجامعات على حالها من حيث معنوية الاهتمام، وخصخصة الكفاءات، والاستثمار في المباني والمساحات الخضراء على حساب الطالب الساعي للتعليم، والأستاذ الكفء المهمش، فستكون معول هدم للإنسان، وليس مصنعاً للموارد.

 

بقلم: د. محمود عبد المجيد عساف

 

يُحاول الإنسانُ اكتشافَ العناصر المُحيطة به، لكن الأَوْلَى أن يكتشف نَفْسَه، ويغوص في أعماق ذاته بحثًا عن أسرار حياته المعنوية والمادية . والإنسانُ الذي يَجهل نَفْسَه، ولا يَعلَم نِقاطَ قُوَّته ولا نِقاط ضَعفه، هو أعمى البصيرة، ويَسْبَح في الاتجاه الخاطئ ظَنًّا مِنه أن يَقترب مِن بَر الأمان، وهو في الحقيقة يبتعد عنه، ويُقامر بمصيره، ويُخاطر بحياته . ومَن باعَ نَفْسَه مَجَّانًا، وقادها إلى الهاوية السحيقة، فلا ينبغي أن ينتظر طَوق النَّجاة، ولا يَطمع في وجود مَن يمدُّ له يدَ المُساعدة . وكما أن القانون لا يَحمي المُغفَّلين، كذلك البحر لا يَحمي مَن لا يَعرِفون السباحة .

2

يحرص الإنسانُ على اختراع مُبرِّرات لأخطائه، ويقضي وقتًا طويلًا في اختلاق الأعذار لمواقفه السلبية، وهذا الوقتُ كان كافيًا لإصلاح الأخطاء، وإعادة بناء ذات الإنسان المُتشظية في متاهة القرارات الخاطئة، ولكن غُرور الإنسان وعِناده يَمنعانه مِن الاعتراف بأخطائه والإقرار بانحرافاته، لأنَّه يَعتقد أن الاعتراف بالخطأ ضَعف ومَهانة، وتَشويه لصورته اللامعة أمام الناس، وبالتالي سيخسر اسمَه ومكانته الاجتماعية . وهذا الوهمُ القاتل يَدفعه إلى الغرق في أخطائه، والاستمرار في ارتكاب الحماقات والسلبيات، حتى يتلقَّى الضربة القاضية، ولا فائدة مِن الندم بَعد فَوات الأوان. ولو اقتنعَ الإنسانُ أن الاعتراف بالخطأ شجاعة، والعَودة إلى الصواب فضيلة، وأن أوَّل خُطوة لعلاج المريض هي اعترافه بالمرض وعدم المُكَابَرَة، لَوَفَّرَ الوقتَ والجُهدَ، وأعادَ القطار إلى السِّكة الصحيحة، مِمَّا يؤدِّي بالضرورة إلى تعزيز قُوَّة الإنسان، وزيادة مكاسبه على كافة الأصعدة.

3

إذا لم تكن قوةُ الإنسان ذاتية، ومُنبعثة مِن أعماقه، فيجب عليه أن يُحاول جاهدًا بناء قُوَّته الذاتية، وتفعيل عناصر الاكتفاء الذاتي بكل الوسائل، ولا يترك مصيره في أيدي الآخَرين، لأنَّهم سَيَلعبون به حتمًا، ولا تُوجد مساعدة مَجَّانية، وكُل دَعم له ثمن يجب دَفعه . والعاقلُ لا يَرمي كُلَّ أوراقه في أوَّل اللعبة، بَل عليه أن يَحتفظ بأوراق كثيرة مؤثِّرة، ويُخبِّئها للأزمات والشدائد وحالات الطوارئ . وإن عدم الثقة أفضل مِن الثقة العَمياء، وكُل ثِقة ينبغي أن تكون مدروسة بعناية، ومحسوبة بِدِقَّة، وموضوعة في سياقها الصحيح . وإذا لم يجد الإنسانُ صديقًا مُخْلِصًا نَجَحَ في اختبارات الثقة وتجارب الحياة، فالأفضل أن يعيش بدون أصدقاء . كما ينبغي الاحتفاظ بمسافة مع الآخَرين (مسافة الأمان)، لتجنُّب تأثير طعنة الغدر، التي قد تظهر في الأحوال المُتغيِّرة، تبعًا لتبدُّل القلوب والمشاعر. وقد سُمِّيَ القلبُ قَلْبًا مِن التقلُّب والتغيُّر. ولا بُد من فتح جميع النوافذ معَ كافَّة الأطراف، والحفاظ على خَط الرَّجعة، وعدم وَضع جميع البَيض في سَلَّة واحدة، لأنَّ السَّلة إذا وقعت، ستكون الخسارة شاملة وعامَّة . وإن أخطر التَّحديات التي تُواجه مصير الإنسان وجَدوى وجوده يتمثَّل في تعاملُه معَ الحالات التي يكون فيها الخطأ الأول هو الخطأ الأخير . وهذه الحالاتُ في غاية الخطورة، لأن هامش المُناورة فيها ضئيل، والخطأ الأوَّل قاتل، وسيُنهي كُلَّ شيء، ولا تُوجد فرصة للتعويض وتدارُك ما فات، ولا مجال لوجود مُحاولة أُخرى . والعاقلُ يبتعد عن هذه الحالات قَدْر الاستطاعة، ولكن إذا فُرِضَتْ عليه، واضْطُر إلى التعامل معها تحت ضغوطات مُعيَّنة، فعندئذ ينبغي أن يكون في أعلى درجات التركيز، فهو إمَّا أن يَربح كُلَّ شيء، أو يَخسر كُلَّ شيء . ومَن أجبرته الظروفَ على التعامل مع الذئاب، فيجب ألا يَفترض حُسن النِّية، وعليه أن يَحْمِيَ نَفْسَه بشتَّى الوسائل، لكَيلا يُصبح الصيادُ فريسةً .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

سارة طالب السهيلرغم ما تحقق للمرأة من نهضة تعليمية وثقافية ومهنية في مختلف مجالاتالوظائف والمناصب القيادية في العالم كله ومنه عالمنا العربي، الا انها ثقافةالعنف والتمييز بحقوقها العادلة لا تزال مسيطرة في ألفية الميلاد الثالثة.

فالمرأة لا تزال ضحية القهر واغتصاب الحقوق واكثر الفئات تعرضا للاجحاففي الرواتب والترقي الوظيفي والاستغلال بأبشع صوره عندما تكون مادةرخيصة في سوق الترويج الإعلاني وغيره.

وبحسب احدث تقرير للأمم المتحدة  2020، فإن نحو ثلث نساء العالم يتعرضنللعنف الجسدي أو الجنسي، وانهن يشغلن 24% فقط من المقاعد البرلمانيةبالعالم، كما تجني النساء أقل مما يجنيه الرجال من العمل بنسبة 23% عالميا.

 حيث شهد المجتمع العراقى حالات عنف أسرى متصاعدة سجل أعلىمستوياتها عام 2016 إذ بلغ عدد الحالات 8552 حالة عنف أسرى بلغ عدد. النساء اللاتى تعرضن  للاختطاف. والاغتصاب او البيع والشراءبسبب العمليات الإرهابية (4000) امرأة

أما في مصر فالمرأة بالدولة محترمة و مكرمة و هذا ما لمسته على ارض الواقعالا ان المجتمع احيانا يجحفها خاصة في وضع الكثير من المسؤوليات علىكاهلها فهي في اغلب الأحيان تعمل لتعاون الزوج في مصاريف البيت ليسفقط تحقيقا لذاتها

44.5% نسبة السيدات فى الجهاز الإدارى للدولة.

13 محافظة بها نسبة إناث من العاملين تتخطى الـ 50%.

 أما في الاردن

عينت أول امرأة كسفيرة عام 1969، وحصلت النساء على حقوقهن السياسيةبالإنتخاب والترشح عام (1974)، وعينت عام 1979 أول وزيرة أردنية، وشهدعام 1993 فوز أول امرأة أردنية بعضوية مجلس النواب، وعام 1996 تم تعيينأول قاضية

 أما عن العنف الأسري في الأردن وفقا لدراسة اعدها المجلس الوطني لشؤون الأسرة وعرضها حكم مطالقه يقولان :

(592 حالة عنف أسريّ من الحالات المسجلة لدى أقسام إدارة حماية الأسرةفي محافظات المملكة وذلك من خلال استمارة اعدت لهذه الغاية و قال ان أعلى نسبة ممارسة للضرب باليد أو الرجل (76.6%). والسب والشتم والتحقير(51.4%). والصراخ (20.3%). ومنع المصروف عن أفراد الأسرة (18.5%). إضافة إلى إهمال الزوج لمتطلبات الزوجة (18.1%).

 تحديات

أما في عالمنا العربي، فحدث ولا حرج ـ حيث تنتشر ثقافة العنف الأسريوالجسدي بحق المرأة بنسبة 37% كما تذكر الامم المتحدة، وتأخذ ثقافة العنفبحق المرأة اشكال متعددة بدءا من الطفولة عندما تتعرض لعمليات الختان فيبعض الدول العربية كمصر والسودان،  وبطريقة التربية للأنثى على انهاخاضعة وليس لها من الحقوق ما لأخيها الذكر  مرورا بالعنف الذي يتوالىصادرا من الأب او الاخ او الزوج وزميل العمل، ناهيك عن العنف الاجتماعيبحق الأرامل والمطلقات وما يتعرضن لها من تهميش واقصاء وابتزاز خاصةعندما يطالبن بحقوقهم المادية والانسانية.

وتتعدد مظاهر العنف بحق المرأة العربية، وهو عنف متوارث نتيجة سيطرةالأعراف والتقاليد البالية التي تسلب المرأة مصادر قوتها حتى تظل ضعيفةمهيضة الجناح وتحت سيطرة الرجل وخاضعة بلا رأي ولا سند يحميها رغمثقافتها وفكرها ومالها.

ومما يترجم ذلك عمليا، هو حرمان المرأة من حقها بالميراث الشرعي بكثير مندولنا العربية ومنها مصر خاصة في الصعيد، حيث يرفض الاخ الاكبر منحشقيقته حقها في الميراث مخالفين بذلك ما نصت عليه الشرائع الاسلاميةوالمسيحية و كذلك الأمر في العراق و الأردن و لبنان ، وقد تلجأ المرأة للقضاءلكن الفصل في هذه القضايا قد يستغرق عشر سنوات، ولذلك بعضهن تستسلمللاعراف والتقاليد وتقبل بالقليل من الميراث فيما يعرف بالتراضي، وبعضهن لايأخذ شيئا البتة.

وفي الاردن كفلت القوانين حق المرأة في الميراث لكن التقاليد المتوارثة تجعلالمرأة تتنازل عن حقها لأخيها الذكر. اعتقد اننا في أشد الحاجة الى تدشينحملات توعية ثقافية ودينية وتعليمية لتغيير ثقافة ظلم النساء في الارث وكافةالحقوق.

العنف الأسري والاجتماعي

تتعرض الملايين من النساء إلى أشكال متعددة من العنف الأسري والاجتماعيخاصة في عالمنا العربي اعتقادا مغلوطا بأن تأديب المرأة وتعنيفها أمر طبيعي،ومنه ما هو نفسي مثل التحقير والسخرية والإهانة والشتائم، وفي حقل العملتتعرض للتمييز والابتزاز والتحرش ومحاولة تلويث شرفها بنسج الإشاعات للنيلمن سمعتها إما حسدا وإما انتقاما خاصة اذا متفوقة في عملها.ويتفاقم تأثيرهذه الإساءات وتختزن ألما داخل المرأة ما يدفعها إلى ارتكاب أعمال عنفخطيرة او تدفعها للانتحار.

ويبلغ العنف بحق المرأة العربية اقصاه  بالضرب داخل الاسرة، وصولا الىالقتل عبر جرائم الشرف، ومع ذلك حاولت كثير من الدول العربية حماية المرأةعبر تعديل القوانين مثل الغاء المغرب المادة 475 من قانون العقوبات، التي كانتتسمح للمغتصبين بتجنب الملاحقة القضائية، إذا تزوجوا من ضحاياهم. وكذلكألغى مجلس النواب الأردني، مادة بقانون العقوبات، تمكن المغتصب منالإفلات من العقاب في حال زواجه من الضحية.

 ورغم إرتفاع جرائم القتل الأسرية بحق الإناث بالأردن الى  22 جريمة منذبداية 2019وفقاً للرصد الذي تقوم به "تضامن" ، فان استطلاع الباروميترالعربي حول العنف الأسري ، قد كشف عن أن لبنان وتونس والأردن  كانت أقلالدول العربية في نسب للعنف الأسري بواقع 6% مقارنة باليمن 26% و المغرب25% ومصر 23% .

ورغم معظم الدول العربية سنت في السنوات الأخيرة قوانين تجرم العنف ضدالمرأة، إلا أن هذه القوانين مازالت عاجزة عن توفير الحماية اللازمة للنساءنتيجة غياب الرقابة الذاتية والاخلاقية والعملية.

وأعتقد اننا كما نقاوم الفيروسات والاوبئة التي تفتك بانسان العصر الامصالوالادوية، فاننا مطالبين اكثر بمقاومة ورفض ومحاربة كل اشكال التقاليد الباليةالتي تكرس للعنف بحق المرأة عن طريق تكريس الوعي بأهمية الأخلاق والمبادئالتي تحقق للمرأة العدالة والشرف وهو ما يمكن تحقيقه بنشر الوعي بضرورةتعديل السلوك تجاه المرأة، بدءاً من الأسرة، مروراً بالمدرسة والجامعة، وانتهاءبوسائل الإعلام وواضعي القوانين.

 استغلال المرأة

رغم الدور الإيجابي الذي حققته المرأة  في المجتمع لكن وسائل الاعلام تعرضهاكسلعة لترويج المنتجات التجارية، كما يركز على مظهرها وجمالها عبرالاهتمامبالموضة والتجميل والأزياء وغيرها، في مقابل إهمال الموضوعات والبرامج التيتخاطب عقلها وفكرها الا نادرًا و حتى في هذا المجال يقع الاختيار و التصنيفوفقا للمظهر و هذا نوع من التمييز بناء على الشكل او العمر و كأن المراة جسدفقط و هذا ما يشيع ثقافة التسطيح في المجتمع و يجحف بحق امرأة اجتهدتفي تطوير نفسها و أدواتها ليكون التقييم على المظهر مما يؤكد النظرة الذكوريةللمرأة على انها شكل دون جوهر و اقتصار دورها على الزواج و الإنجاب و هوالامر الوحيد الذي من الممكن ان يتضمن شروطه المظهر كما ان المظهر أساسًانسبي فكل الناس جميلة فأي مقاييس تلك التي يتبعها المجتمع ليجعل الناسشكلًا واحدًا وفق المقاييس التي وضعها الاعلام و هذه نقطه ليست هامشية لانمخاطرها كبيرة و ملموسة على المفاهيم حولنا .

يقدم الاعلام المرأة  في صورة مستهلكة وليست منتجة، والاخطر من ذلك هوقولبة  المرأة فى نموذجين  احدهما إطار اجتماعى  والثاني إطار عملى، حيثيكرس الاعلام صورة ذهنية على المرأة للاختيار بين  أن تكون ناجحة عمليا، أوناجحة أسريا، بينما تندر النماذج الدرامية التي تبرز قدرة المرأة على تحقيقالنجاح العملى والأسرى.

واتصور ان الدولة عليها دور رئيسي في احكام سيطرتها على الاعلام تضعقوانين لضبط الإعلانات  التجارية، وان يهتم صانعو الدراما والفنون  بترسيخالقيم الاخلاقية كالحياء، وغرس قيمة الثقة بالنفس، والاهتمام بالجانب الذهنيوالنفسي والروحي، الاهتمام بالجانب الديني والأخلاقي وذلك بالإرشاد والقدوةللمرأة طفلة ومراهقة وزوجة وام.

تمكين المرأة

اتصور ان تمكين المرأة يجب ان يتم وفق رؤية شاملة بحيث يكون تمكينا ثقافياواجتماعيا وسياسيا  واقتصاديا وعلميا وقانونيا ،  فعلى الصعيد السياسيفالمرأة وصلت  ببعض الدول العربية ومنها الاردن و العراق و مصر الى مجلسالامة عن طريق (الكوتا )، وبرأيي فان الكوتا  أجحف بحق المرأة وقدرتها عليالعمل النيابي، ولذلك أدعو لالغاء هذا النظام  مع تمكين المرأة من اثبات كفاءتهاالسياسية مع نشر الوعي بهذه الكفاءات ودعم المؤسسات لها في اثبات قدراتها

وكذلك تمكينها الثقافي والعلمي لم يتحقق الا بنسبة محدودة في العالم كله ومنهالاردن  حيث نسبة الأكاديميات في الأردن التي لا تتعدى 11% ،  نتيجةالعوامل الثقافية والاجتماعية التي تعرقل تقدم المرأة في المناصب الاكاديميةالمرأة الأكاديمية

أما  المرأة في الريف والبادية فتعاني من التهميش مقارنة بالمرأة في المدينة ،وعلي ذلك فان تمكين المرأة اقتصاديا يجب ان يتم تفعليه في كل المناطقالجغرافية بما يتناسب ايضا مع ثقافتها وطبيعة بيئتها من خلال مشروعاتصغيرة  تحتاجها هذه البيئة، هو ما يتطلب وضع برامج تدريبية خاصة بكلمنطقة جغرافية على ان تراعي هذه المشروعات التي ستعمل بها المرأة خصائص الثقافية والعادات والتقاليد السائدة.  فالمرأة الريفية يمكن وضع لها برامج تدريب في القطاع الزراعي لتحسين إنتاجياتها وفتج مجالات جديدةأمامها، والتوسع في مشروعات تسهل تشغيل النساء في مواقع مختلفة منسلاسل الانتاج والتصنيع الزراعي؛ وإتاحة مصادر للتمويل للمرأة العاملة فيالقطاع الزراعي بكل أنشطته لتوسيع دورها فيه.

ويمكن وضع برامج تنموية للمرأة البدوية توفر لها فرص للمشروعات الصغيرةالخاصة بالنسيج وتربية الاغنان وتصنيع الأجبان من البانها وغيرها.

 صراع الادوار

رغم أهمية العمل للمرأة في تحقيق استقلالها المادي وتحسين لياقتها النفسيةوالاجتماعية واكتساب خبرات حياتية مهمة، الا انها تعاني من صراع الادواربين وظيفتها وما سببه لها من ارهاق ومسئوليات، وبين احساسها العميقبالذنب نتيجة غيابها عن صغارها فترة العمل، وشعورها الدائم  بالتقصيربحقهم وانها لم  تحقق لهم الاشباع العاطفي الذي يحتاجونه وهو ما جعلها فيتوتر دائم لن ينتهي دون مشاركة الزوج في بعض المهام التي باستطاعتهالمشاركة بها بجانب مساهمة الجدات إذا كانوا كفؤ ومتفرغين.

وفي تقديري ان المجتمع الانساني ومنه العربي بحاجة الي ثورة فكرية تعملعلى تغيير طرق تفكير المجتمع تجاه المرأة بما يحافظ على كيانها كأنسانةوزوجة وأم مسئولة عن تنشئة الاجيال وصنع الحضارات. وفي عالمنا العربيعلينا ان نجاهد رجالا ونساء من أجل الحفاظ على هوية المرأة العربية منالانزلاق نحو بعض الافكار الغربية التي تطلق الافكار الشاذة عن قيمنا الدينيةوالاخلاقية مثل المساكنة او العلاقات خارج منظومة الشرائع السماوية اوالانحراف البيولوجي  وغيرها مع الاستفادة من تجارب النساء الغربيات فيتحقيق الذات والتفوق المهني والانساني والحضاري

في تقديري ان تمكين المرأة العربية يبدأ من البيت باحترام أسرتها ومجتمعهالذاتها وطموحها وتشجيعها على التعلم والابتكار لحل مشاكلها ومشاكل أسرتهاوتربية ابنائها وفقا لقيم اخلاقية وروحية تستطيع بها مواجهة تحديات فضاءإلكتروني  وما يبثه من تحلل قيمي يوقع الابناء تحت سيطرته.

أخيرا فانني أدعو  لاقامة العدل بين الرجل والمرأة وليس المساواة في كافةمجالات الحياة، لان هذه المساواة قد تجحف بحقوق المرأة نظرا لاختلاف تركيبةوقدرات كل  منهما، ويبقى دور المرأة كمربية وام من اهم أدوارها الانسانيةوالتي تحتاج الى  دعم لتطوير ادائها وخبراتها

 

سارة السهيل

 

جعفر نجم نصرلقد تشكلت عن التصوف صورة نمطية سلبية لم تكن وليدة هذا العصر بل ترافقت معه من عصور سالفة، ارتبطت بنشأته منذُ أواخر القرن الثاني للهجرة وكانت هذه الصورة تشير الى الحمولات السلبية الآتية:

أولاً:- أنه نهج روحي/ إنعزالي لايعبأ بمشكلات الواقع ويفر الى عالم غيبي خاص به، ينعكس في لغة دينية ورموز وأشارات وتقنيات روحية خاصة.

ثانياً:- انه يقوم على المنهج الكشفي/ الذوقي في أستحصال المعرفة أي أنه لايعد العقل مصدراً للمعرفة بل يعد الالهامات او الفيوضات الالهية مصدراً جوهرياً له .

ثالثا:- أنه تحول الى تنظيمات/ هرمية – تسلسلية (مغلقة) قائم على دائرة ذات وعي ديني وتجارب ذوقية خاصة قائمة على أليات تواصلية خاصة (الشيخ والمريدين) وهم بذلك دخلو في هيكل تنظيمي غائب بنحو كبير عن المجريات المجتمعية.

وترسخت هذه القضايا على نحو كبير منذُ أواخر القرن الرابع عشر الميلادي، وامتدت الى يومنا، وان تخللت ذلك مواقف صوفية تنم عن وعي وجودي لمواجهة تحديات الواقع تمثلت ببعض الزعامات والحركات الصوفية التي واجهت المد الاستعماري أواخر القرن التاسع عشر او التي واجهت المد الحداثوي الجارف (كما فعل سعيد النورسي) في تركيا؛ ولكن على الرغم من ذلك، ورغم الجهود الاصلاحية لجمال الدين الافغاني ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا لمواجهة التنظيمات الصوفية ومحاولة أصلاح مقولاتها واعتقاداتها وتشكيلاتها الطرقية الا ان التصوف انتهى الى احضان الطقوسية المفرطة وتحول مظهراً اساسياً من مظاهر ماعرف اصطلاحاً بأسم (الاسلام الشعبي) القائم على محورية الولي والكرنفالات الاحتفالية.

ولكن هذا الامر لايعني ان الإصلاحات الداخلية للتصوف قد بدأت متأخرة اذ رافقت التصوف منذ أطواره ومراحله الأولى ملاحظات إصلاحية له تبدت في مراجعات الحارث المحاسبي والامام الغزالي والشيخ محي الدين ابن عربي، وغيرهم الكثير، والذين حاولوا جاهدين إعادة مكانة العقل في سياقات التصوف الفلسفي والاجتماعي.

ولكن ما صلة التصوف في الاصلاح الديني؟ وهل يمتلك الادوات او التقنيات المعرفية على الاصلاح؟ وكيف ذلك وما زالت سمة تعطيل العقل كمصدر للمعرفة غلبت عليه ؟ والاصلاح يحتاج الى ادوات ومناهج عصرية لإعادة النظر في الإرث الاسلامي او سائر النصوص الدينية؟ .

بعبارة اخرى اذا كان العالم الاسلامي شهد ويشهد مشاريع إصلاحية مستمرة بخصوص الاسلام و(النصوص واعادة تأويلها)، أو (الشريعة واعادة تطويرها)، فلماذا الركون على التصوف، لعل الاجابة عن كل ذلك تنطلق من فكرة جوهرية نعتقد بها وهي: ان أي عملية للاصلاح او التجديد الديني يجب ان تتم من داخل دائرة الاسلام ذاتها، ولكن بوسائط منهجية عصرية، وان أي مشروع يأتي بأفكار من خارج تلك الدائرة او يقدم بديلاً كلياً عن الاسلام، فلا اعتقد أن له قيمة، ومصيره الفشل المحتوم، لان تجاوز الاسلام هو تجاوز لمعتقدات المجتمع وإرثه الروحي الجوهري بل هي عملية استخفاف بما يؤمن به افراد المجتمع.

وللتصوف قابلية على منح مساحة واسعة لاحداث اصلاحات دينية متعددة لانه يتضمن الامكانيات المعرفية والمنهجية الاتية:

اولاً:- انه يسمح بإمكانية تجاوز ظاهرية الشريعة، والعمل على تطويرها وتجديدها من الداخل عبر اعادة النظر في الكثير من التشريعات التي تصطدم بالمتغيرات المحلية والعالمية المتسارعة ولعل مشروع الاستاذ محمود محمد طه خير من يمثل ذلك، فضلاً عن أطروحات محمد اقبال التي فتحت افق جديدة في دلالات الخاتمية .

ثانياً:- يسمح بالايمان بالتعددية الدينية والعمل على تطويرها، وذلك لانه يؤمن بالاخر اياً كان، ويعتقد ان كافة الاديان هي مظاهر متعددة مختلفة ثقافياً، اجتماعياً لجوهر واحد، وهذه المسألة تسمح بإستيعاب المختلف او المغاير دينياً اياً كانت عقيدته.

ثالثاً:- يسمح بإنتاج فضاء أخلاقي كوني لايقيم وزناً لتصورات الفقهاء التي انشغلت بقيم محلية مرتكزة على طهارة الجسد اكثر من الاهتمام بأخلاق كونية مرتكزة على مركزية الانسان وقيمته الوجودية اياً كان انتمائه او عرقه او جغرافيته ؛ وهذه المسألة تفتح افقاً نحو مرونة التواصل الاجتماعي المحلي والكوني على حدِ سواء.

ولكن اذا كانت هذه المرتكزات الجوهرية التي يؤمن بها التصوف والتي تؤشر على أفق عقلنة واضح، لانها تعيد سطوة الانسان ومركزيته الوجودية، وهذا عين ماأراده عصر الانوار (العقلاني). إلا ان العقلنة او امكانية وجود تصوف عقلاني تحتاج الى برهنه او تأكيد علمي لا يقبل اللبس!؟ .

ان هذه المسألة يمكن معالجتها على النحو الاتي: استناداً الى التخصصات العلمية الاتية:- علم اجتماع المعرفة وانثروبولوجيا الدين وعلم اجتماع الدين، لايوجد شيء اسمه عقلانية واحدة مركزية او معايير او واقيسة واحدة للعقلانية . ففي ظل التعددية الثقافية والدينية والحضارية لكافة المجتمعات نجد ان اطروحات هذه التخصصات أكدت الآتي: -

أولاً:- اكد علم اجتماع المعرفة بل واعترف بتعدد العقلانيات وبحسب تعدد المجتمعات من ليفي برويل ورؤيته الخاصة حول المجتمعات البدائية مروراً بدور كهايم وخصوصية كل عقل جمعي بحسب المجتمعات، وماكس شيلر الذي رفض التنظيرات الوضعية والماركسية، واوضح ان قانون المراحل الثلاث لوكست كونت ليس دقيقاً ولاينطبق على كل المجتمعات، اذ بالنسبة له تتعدد العقلانيات: دينية، صوفية، وعلمية، وتقنية ... واكد على الاطروحة ذاتها كارل مانهايم وفلفريتو باريتو كذلك .

ثانياً:- ان العقلانية الغربية ليست معياراً كونياً بل ان الذي يقول بذلك انما هو يؤكد على مركزية الحضارة الغربية وحداثتها دون سواها، ويقفز على الارث الانساني الهائل لكل المجتمعات، وبذلك فأنه يعتمد الصورة النمطية عن ذاته وعن الاخر بحسب تصورات و انتقادات ادوارد سعيد، وفي الوقت عينه ان الاعتقاد بتلك العقلانية الغربية وحسب انما يدلل على التغاضي المستمر عن الجهود النقدية لاتجاهات معرفية هائلة أبرزها (مدرسة فرانكفورت) وعصر مابعد الحداثة وتوجهاته النقدية.

ثالثاً:- ان رائد العقلانية الغربية المعروف (كانط) فرق بين العقل المحض او الخالص الباحث عن المعرفة بالتسلل المعروف (الحس، الذهن، العقل) وانتهى الى ان هذا العقل خاص بقضايا محددة ولكنه ازاء قضايا اخرى نحتاج الى عقلانية اخرى اسماها بـ (العقل العلمي) والتي تتعامل مع قضايا ميتافيزيقية خالصة (الخالق، خلود الروح .... الخ )

رابعاً:- ان النظر في عقلانية التصوف هو نظر الى المجال التطبيقي (التدين) كما يهتم بها المتخصصون في علم أجتماع الدين اي الاهتمام بالجانب السلوكي/ الممارساتي / وليس بجانب المعرفة الذوقية، التي لم تعد موجودة بسبب هذا التوجه العقلاني.

تاسيساً على ما تقدم كله الا يحق لنا القول بأمكانية قيام تصوف عقلاني، استناداً الى تلك البراهين التي تؤكد امكانية قيام عقلانيات متعددة؛ واستناداً الى تقنياته الاصلاحية المتعددة الخاصة بـ الشريعة / التعددية الدينية / النهج الاخلاقي/ الكوني (مركزية الانسان). هذه تصورات أولية نحو ذلك الافق الروحي/ الاصلاحي الجديد (التصوف العقلاني).

 

الاستاذ الدكتور: جعفر نجم نصر

 

 

ميثم الجنابيالتاريخ العقلاني المحتمل في العراق(2)

إن التاريخ لا يعرف النهاية إلا بمعنى اضمحلال مكوناته في الوعي والواقع، أي حالما ينتصر الزمن ويسود بوصفه التيار الساري في عبث الوجود وبعثرة التراكم الطبيعي لتجارب الأمم. وهي الحالة التي جسدها العراق بصورة نموذجية في مجرى النصف الثاني للقرن العشرين، التي انتهت بتآكله الداخلي واحتلاله الخارجي. وهي الحالة المحتملة أيضا في الخليج رغم التباين الكبير بينهما. وذلك لاشتراكهما في المكونات الخفية، رغم تعارضها الشديد. فقد كان تاريخ العراق الحديث طبقات ثلاث هي سلطة متهورة ودولة خاملة ومجتمع فاعل. أما في الخليج فإنها سلطة تقليدية (عاقلة وماكرة) ودولة رخوية ومجتمعات خاملة!! وهو السبب القائم وراء بروز الأصولية الإسلامية المتطرفة من قسمات القناع المتهرئ للتوتاليتارية البعثية الدنيوية. كما انه الاحتمال القائم في الدولة الخليجية التي صنعت من حيث الجوهر مختلف نماذج الأصوليات المتطرفة ولكن عبر تصديرها إلى الخارج. وهو تصدير يعادل من الناحية التاريخية تأجيل رجوعها إلى المصادر!

لقد أدت ظاهرة انتشار وسيادة الراديكالية السياسية في العراق الحديث إلى جعلها إحدى اخطر الظواهر السياسية والثقافية بالنسبة لوجوده وآفاق تطور البدائل فيه. ولعل أهم نماذجها الحالية العنيفة هي الحركات الراديكالية الإسلامية المتطرفة. إذ لم تكن هذه الحركات سوى الاستظهار المقلوب لزمن الراديكالية القومية الدنيوية الفارغ، أي لزمن السيادة شبه المطلقة للراديكالية الدنيوية (العلمانية) البعثية. بمعنى إن الراديكالية التي استطاعت إفراغ التاريخ المعاصر للعراق من خلال تهشيم المشاريع الواقعية لبناء الدولة والمجتمع المدني والثقافة العقلانية أدت إلى إنتاج «بديلها» في الراديكالية الإسلامية. إذ تكشف التجارب التاريخية للعراق عن حقيقة تقول، بأنه كلما كانت الراديكالية المتسلطة همجية كلما أصبحت الراديكالية المناوئة لها اشد همجية منها.

ويقف العراق الآن أمام حالة نتوء لنماذج من الراديكالية لا تقل همجية من تلك التي أنتجتها. وهي حالة «طبيعية» لا يمكن توقع صيغة أخرى لها في ظروفه الحالية. بل يمكن القول، بأنها ظاهرة سوف تستفحل تدريجيا إلى أن تبلغ ذروة انحطاطها بعد خروجها العارم من سجن التوتاليتارية البعثية «العلمانية» والدكتاتورية الصدامية الطائفية.

فقد اندثر حزب البعث وتحولت بقاياه المتربية بتقاليد التسلط إلى قوى همجية تحترف القتل العشوائي عوضا عن القتل المنظم!! ولم يبق من الحزب الشيوعي الأقدم والأعرق والأوسع جماهيرية والأكثر تأثيرا وتنظيما وقوة روحية وفكرية فيما مضى سوى أطلال خربة. بحيث انقلبت كل موازينه الداخلية. وأصبح اقرب ما يكون إلى هيئة هلامية قابلة لكل الصور، من قبول «الامبريالية الأمريكية» والتحالف معها إلى الاندراج في قوائم دينية (شيعية) وقومية صغيرة (كردية) وتابع للبعثيين الجدد. بمعنى فقدانه لبوصلة الوطنية العراقية والقومية العربية. وهو فقدان عريق شكل في أكثر جوانبه الوجه الآخر لحزب البعث. بحيث جعل منه في نهاية المطاف حزب الأقليات القومية والعرقية. وهي مكونات لا يمكنه منافسة الآخرين بها أو فيها لأنها محجوزة مسبقا من قبل أحزاب أكثر تماهيا مع مكوناتها! لاسيما وأنها الحالة العادية في ظروف التجزئة العميقة والفعلية للعراق الحالي. وهي نتيجة أظهرتها نسبة الأصوات التي حصل عليها في الانتخابات الأولى عام 2005 بحيث لم تتجاوز نسبة 1%. وهي ذات النسبة التي حصل عليها في كنف أياد علاوي (نهاية 2005)، أي في ظل تغطية سياسية ودعائية ومالية لشخصية سياسية فردية، وليس حتى لحركة أو حزب اجتماعي سياسي بالمعنى الدقيق للكلمة. وهي حالة تعكس طبيعة الانحدار السياسي للحزب وتحوله إلى كيان من الماضي، مع أن الادعاء الأيديولوجي بالمستقبل يرتقي عنده دوما إلى مصاف المطلق! أما في الواقع فان المطلق الوحيد هو الإصرار على الابتعاد عن منطق الرؤية الواقعية والعقلانية تجاه الإشكاليات التي يواجهها العراق من خلال الانتماء إلى مكوناته الفعلية، وبالأخص القومية العربية. بينما كان وما يزال تاريخه السياسي بهذا الصدد هو زمن الابتعاد العلني والمستتر عن القومية العربية. وفي هذا يكمن سر هزيمته التاريخية في العراق. وهي عقدة أكثر مما هي عقيدة. ويمكننا تتبع تاريخها في تاريخ العداء المبطن للقومية العربية وصراعه العنيف مع أحزابها، كما تجسد بصورة حادة مع حزب البعث. وهو صراع لا علاقة له بحقيقة العقيدة بقدر ما انه يعكس عقدة الأقليات عند الشيوعيين وعقدة الهامشية عند القوميين العرب. أما النتيجة فهي إفساد الفكرة القومية والشيوعية، البعث باسم قومية مزيفة، والشيوعي باسم أممية أكثر زيفا.

لم يكن مصير الشيوعيين والبعثيين بوصفهم القوى السياسية التي وحدت بواعث التمزيق الهمجي للفكرة الوطنية والاجتماعية، سوى النتيجة المترتبة على الخضوع المتعصب لإيديولوجيات مقلوبة من حيث أولوياتها، ومحكومة منذ البدء بفشل محتوم بسبب ابتعادها الفعلي عن إدراك طبيعة المشاكل التي تعاني منها الدولة والأمة. كما إنهما مثلا وتمثلا بطريقة لا تخلو من السذاجة التاريخية فورة الراديكالية العالمية المتراكمة في التقاليد الأوربية. لكن إذا كانت التقاليد الراديكالية الأوربية هي النتاج الوجداني المتناثر على طريق العقلانية العريقة والرأسمالية الأشد تنظيما، فإنها في ظروف العراق المتخلفة لم يكن بإمكانها أن تكون أكثر من نزوع إرادي عادي، عادة ما يلازم الذهنية المتطفلة على مظاهر المعرفة. من هنا تحولها إلى مرتع للجهلة وأنصاف المتعلمين، الذين تحولوا بين ليلة وضحاها إلى«طبقة عاملة» و«جماهير كادحة». ولم تعني هذه الكلمات في الدعاوي الإيديولوجية للشيوعيين والبعثيين في أفضل الأحوال أكثر من مصطلحات منتقاة بدون وعي فلسفي يناسبها من قواميس التعليم الابتدائي للطلبة. بينما كان تاريخ العراق ضعيفا بمعايير التراكم النظري والعملي للأفكار السياسية. بل يمكننا القول، بأنه كان يخلو من تقاليد الفكر النظري السياسي العلمي. من هنا لم تعن كلمات الجماهير والعمال والكادحين وأمثالها في الإيديولوجيات العملية للشيوعية والقومية (البعثية) سوى الوقود التي لا تحتاج لغير شرارة «الفكرة الثورية» لكي تحترق في أتون معارك «وطن حر وشعب سعيد» أو معارك «الوحدة والحرية والاشتراكية». لهذا لم ينتج تاريخ الحرية السعيدة والوحدة الاشتراكية غير دخان الراديكالية الخانق. وتحته كانت الجماهير والعمال والكادحين، أي الفئات الاجتماعية العريضة ترزح تحت عبودية غاية في التعاسة وإفقار مريع وتجزئة جعلت من رجوعها إلى «مصادرها الأولى» أمرا مقبولا ومعقولا بمعايير العقل والوجدان. من هنا رجوع الأقليات القومية إلى أعراقها، والطوائف إلى طائفيتها، والقلقين والفقراء إلى «الإيمان». وهو نكوص جعلت منه الدكتاتورية الصدامية أداتها السياسية الجديدة في حملاتها الإيمانية وهمجيتها القومية وشراستها الطائفية. وفيها نعثر على حالة الانحطاط وذروتها التامة!! مع أن الانحطاط لا نهاية له!

وليس مصادفة أن تبرز القوى السياسية الشيعية والقومية العرقية الكردية بعد الإطاحة بالصدامية، بوصفها الأكثر تأثيرا وفعالية في إعادة ترتيب بناء الدولة ومؤسساتها الجديدة. وهو تأثير سوف يتعرض بالضرورة إلى إعادة تغيير بنيوية كبيرة في وقت لاحق بما يتناسب مع الحدود الكمية والنوعية لهذه القوى. بمعنى رجوع تأثير القوى الكردية إلى ما يعادل تأثير كمية 13% من سكان العراق جبلية النوع، بينما سيتفاقم دور القوى الشيعية إلى ما يعادل تأثير 65% من سكان العراق مدنية النوع. وهو اختلاف نوعي هائل سوف تبرز ملامحه خلال الفترة القريبة القادمة. بمعنى انه اختلاف لا يحدده فقط الطابع المدني بل والثروة الاقتصادية، التي يمتلك الشيعة ما يقارب 90% منها. طبعا أن هذه المقاييس محكومة بطابع التجزئة الحالية. أما من حيث الإمكانية والواجب فان العراق هو كل واحد. ومن ثم، لا معنى لتقسيم الثروة والأعراق والطوائف من الناحية الكمية والنوعية. إلا أن هذا الواجب يبقى من فرضيات المستقبل والبدائل. وهي فرضيات وبدائل تتوقف على كيفية حلها العملي إمكانية نشوء القوى السياسية الجديدة القادرة على إعادة ترتيب وبناء الدولة والمجتمع والثقافة. وهي إمكانية الرؤية المستقبلية. بمعنى أنها مرهونة بقوى المستقبل. أما في ظروف العراق الحالية، فان المستقبل الواقعي يجري من خلال نمو القوى الجديدة من تحت أنقاض الخراب الشامل للوجود والوعي. وهي الظاهرة التي سوف أحاول إبراز احد نماذجها من خلال التحليل المكثف لإمكانيات الراديكالية السياسية الإسلامية في كل من ظاهرة الغلاة السلفيين الجدد والتيار الصدري. وهي تيارات راديكالية لكنها شديدة الاختلاف من حيث الإمكانية والاحتمال الواقعي بالنسبة لتطور القوى السياسية الجديدة في ظروف العراق الحالية والمستقبلية.

إن جوهر الصراع الكامن والمستقبلي في عراق اليوم يقوم بين ممثلي تقاليد الاستبداد والتوتاليتارية والتقليدية من جهة، وقوى الديمقراطية والدولة الشرعية والمجتمع المدني من جهة أخرى. وإذا كانت القوى البعثية - الصدامية التي كانت تمثل تاريخ الاستبداد والتوتاليتارية والتقليد قد تعرضت إلى هزيمة سياسية ساحقة، فان رصيدها الأيديولوجي والاجتماعي مازال يتمتع بقوة نسبية في العراق. وهو رصيد له موارده القوية على الصعيد المحلي والعربي والإسلامي المتمثل بالقوى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية التي ارتبطت به سياسيا وتاريخيا طوال وجوده في سدة الحكم. وليست هذه القوى في الواقع سوى السبيكة الجديدة من التطرف والإرهاب التي يشكل الغلاة الجدد في العراق نواتها الفاعلة. فهي القوى التي تحاول استلهام فكرة المقدس المزيفة والجهاد المقلوب من اجل تحويلهما إلى غطاء سياسي لاستعادة البنية التقليدية وتراث الاستبداد والتوتاليتارية المنحلة.

فهي قوى لا تدرك لحد الآن الحقيقة البسيطة القائلة، بأن الاستبداد مصيره الزوال. إلا أننا نعرف في الوقت نفسه، بأن زواله عادة ما يثير كميات هائلة من المشاكل والمعضلات التي تقع على الأجيال اللاحقة مهمة حلها. وليس ما يجرى في العراق حاليا سوى الاستمرار«الخفي» لتقاليد الاستبداد، التي جرى إعادة إنتاجها من خلال ملابسات تاريخية هائلة، مرتبطة بطبيعة الاحتلال الكولونيالي للعالم العربي وتجزئته وبعثرة التراكم الفكري والاجتماعي والمؤسساتي فيه من خلال الانقلابات العسكرية وصعود الهامشية إلى السلطة وسيادة النزعة الراديكالية. وبمجموعه أدى ذلك إلى صنع توتاليتاريات دنيوية ودينية، ليس الغلاة الجدد سوى الصيغة الأكثر همجية لها. بمعنى أنها الحالة التي تشير إلى تزاوج وتوليف التقاليد التوتاليتارية الدينية والدنيوية. وهي ظاهرة يمكن فهم آلية نشوئها وفعلها إذا أخذنا بنظر الاعتبار كون العراق البعثي الصدامي كان «العتبة المقدسة» لهؤلاء الغلاة الجدد، الذين اخذوا يتحسسون سقوطها التاريخي، باعتبارها خيانة تاريخية «لمقدساتهم». وليس مصادفة أن تكون ردود فعلهم عنيفة للدرجة التي تتطابق من حيث الوسيلة والغاية مع أكثر مظاهر العنف الهمجي، تماما كما تغيب صورتهم الفعلية وراء ملامح الملثمين والمقنعين، أي المختبئين وراء أغشية تمثل في رمزيتها غطاء الغيلة والغدر.

فمن المعلوم والمعروف عن التاريخ الفعلي للراديكاليات «المتنورة» و«اليسارية» هو وضع نفسها وإعلاناتها السياسية في صف واحد يرتقي إلى مصاف الاستعداد المباشر والعلني للتضحية الفردية، باعتباره أسلوب تأييدها وتوكيدها وتحقيقها للفكرة العامة. في حين يمثل الغلاة الجدد في أساليبهم احد أكثر نماذج السقوط السياسي، كما يظهر ذلك في هذا الكم الهائل من التفجيرات القاتلة في مختلف مدن العراق. وهي ممارسة تشير أولا وقبل كل شيء إلى طبيعة الفراغ الذي صنعه زمن طويل من نفسية الاستبداد والقتل الجماعي الملازم له. وإذا كانت مختلف أساليب القتل الجماعي للمدنيين العراقيين تستهدف أساسا «الشيعة» وأماكنهم «المقدسة»، فإن ذلك يشير أما إلى فقدان فكرة المقدس عند فاعليها أو تأكيدها العكسي. بمعنى اعتبار هذه الأفعال أعمالا تستمد «قدسيتها» من حيث كونها موجهة أساسا ضد الشيعة. وهي نفسية ليست غريبة على تقاليد التسنن الأصولي منذ أن أطلقت للمرة الأولى تسمية الروافض، ومنذ أن أصبح شتم الإمام علي من على المنابر جزءا من تقاليد الصلاة الأموية (السنية)! وهي الحالة التي أكثر ما يمثلها تيار «القاعدة» أو «الجهاد في بلاد الرافدين».

وهي حالة ونموذج سوف تطرحان في وقت لاحق مهمة تحليل الأبعاد الأخلاقية في الفكر والممارسة السياسية العراقية الحالية، إلا أنها تبقى من حيث كونها ظاهرة سياسية حادة جزء من قضايا الحاضر، وبالتالي جزء من حالة الانحطاط السياسي والروحي الذي عادة ما يثير في مراحل الانعطاف الكبرى نفسية الراديكالية المتنوعة. وليست ظاهرة الغلاة الجدد في الواقع سوى النموذج الذي يمثل حالة الحراك الشرس لترهل التقاليد أو جمودها المحاصر بقيود الغيرة وحمية الإيمان.

إننا نعرف جيدا بأن الأحداث الدموية لا تنشأ عن فراغ. بل يمكننا القول، بأنها التعبير النموذجي عن خلل هائل أما في بنية الدولة أو العلاقات الاجتماعية أو الأخلاق أو الفكر أو في جميعهم. وإذا كانت الطبيعة لا تحب الفراغ، فإن الفراغ الذي صنعه التسنن السلفي على امتداد قرون عديدة يشير إلى طبيعة الخلل الهائل في بنية الفكرة الإسلامية السنية وتقاليدها ككل. وهي تقاليد برزت بكامل قوتها التخريبية في العقود الأخيرة، بعد أن تمازجت مختلف تياراتها الراديكالية في سبيكة يصعب تحديدها بشكل دقيق، إلا أنها تتميز بصعود متنام لنفسية الإرهاب والعداء الشامل لكل ما لا يستجيب لتصوراتها وأحكامها، أي لعقائدها الخاصة. (يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

نبيل احمد الاميرالريادة هي التفرّد بإنشاء فكرة أو منظمة أو نشاط جديد يُنشأ ويُدار من أجل استثمار فرصة مبتكرة ومتفردة، وتسمى هذه الريادة بالريادة الخارجية .

أما الريادة الداخلية فتكون في أي نشاط او فكرة او منظمة قائمة وتكون عبارة عن مغامرة جديدة من خلال إيجاد أعمال جديدة أو إعادة التجديد الاستراتيجي فيها .

وقد أصبحت الريادة وسيلة حيوية للمنظمات القائمة كي تستمر في اكتشاف واستثمار الفرص من أجل تحرك المنظمات والأفراد  إلى حالة جديدة من الوجود، ولا سيما بعد أن ازدادت حاجة المنظمات لتكون أكثر مبتكرة من أجل البقاء وتسريع النمو في بيئة عالمية شديدة التنافس والتغير الحركي وزيادة مستوى اللاتأكد .

نحاول في هذه الدراسة الإجابة عن التساؤل فيما يُمثل دور المنظمات الريادية في تحقيق المسؤولية الاجتماعية، وما هي انعكاسات ذلك على سلوك المستهلكين والمجتمع ؟

وذلك باعتماد المنهج الوصفي التحليلي الذي يقوم على أساس الوصف المنظم للحقائق والخصائص المتعلقة بالمشكلة المحددة .

إرتبط مصطلح الريادة (Entrepreneurship)  منذ منتصف القرن الثامن عشر بمفهوم الريادي، والذي ترجع جذوره إلى الاقتصاد الفرنسي، إذ يقصد بالكلمة الفرنسية (Entrepreneur)، ذلك الفرد الذي يتولى مشروع أو نشاط مهم، ويعنى في مضمون الأعمال هو بدء الأعمال . وفي قاموس (Webster) يمثل الريادي (Entrepreneur) ذلك الفرد الذي ينظم ويدير ويتحمل مخاطر الأعمال أو المشروع .

وقد مثل الرياديون الأفراد التواقون للثروة الذين يتخذون المخاطرة ويصنعون القرار لإدارة الموارد بطرائق غير مألوفة لاستثمار الفرص وبذلك أصبحوا قادة الصناعة في العالم .

فيما أشار(Robert Hisrich) إلى الريادة بكونها عملية تكوين شيء ما مختلف ذو قيمة عن طريق تكريس الوقت والجهد الضروري، بافتراض مخاطر مالية وسيكولوجية واجتماعية مصاحبة، وجني العوائد المالية الناتجة، إضافة إلى الرضا الفردي . وبعبارة أخرى أنها عملية خلق القيمة عن طريق استثمار الفرصة من خلال موارد متفردة .

يتكون مفهوم الريادة من ثلاثة أبعاد وهي:

- الأبتكارية (Innovativeness):

وتمثل الحلول الإبداعية غير المألوفة لحل المشكلات وتلبية الحاجات، والتي تأخذ صيغا من التقنيات الحديثة .

- المخاطرة (Risk):

وهي مخاطرة عادة ما تحتسب وتدار وتتضمن الرغبة لتوفير  موارد أساسية لاستثمار فرصة مع تحمل المسؤولية عن الفشل وكلفته.

- الأستباقية (Proactiveness):

وتتصل بالتنفيذ مع العمل في أن تكون ريادة مثمرة .

فيما تتكون العملية الريادية من الفرصة والمخاطرة والابتكار الذي يخلق الفرصة .

الريادي هو الذي يدرك الفرصة والموارد التي تستثمر الفرصة ويُنشأ المنظمة الجديدة أو يطوّر القائمة .

ويكون الريادي صاحب سلوك متوجه للحركية واتخاذ المخاطرة والإبداع والنمو مزهجاً له .

فالكثير من الأفراد لديهم أفكار عظيمة إلا أنهم لا يحققونها كما يفعل الريادي، في حين يدور السلوك الريادي حول كيفية استثمار الفرصة، لذا يوصف الريادي بأنه الشخص الذي يستثمر الفرصة في مواقف خطرة، ولا يصنع الريادي قراراً عقلانياً في بعض الأحيان وإنما يعتمد على الحدس والبديهية الصحيحة، وهذا ما يميز جودة أداء الريادي عن غيره . ويقابل الريادي المستكشف (Prospector) أي الباحث بشكل مستمر عن الفرص الجديدة ويمكن التفرقة بين ثلاثة أنواع من القادة تحتاجهم المنظمة خلال أوقات مختلفة من مراحل تطورها وهم:

- القادة المبتكرون: ويمثلون الحالمون الذين ينشئون النموذج الأصلي، ويخترعون ما هو أبعد منه ولا يهتمون بالعوائد المالية .

- القادة الرياديون: وهم البناة الذين يحولون النموذج الأصلي إلى تركيز مستمر، وتكون القابلية المالية هي الوجه الأكثر أهمية لعملهم .

- القادة المدراء المهنيون: وهم الأمناء (Trustees) الذين يضمنون المستقبل عن طريق إنشاء وضمان الأنظمة والبنية التحتية اللازمة من أجل استمرار التركيز المستمر .

ويتميّز الريادي بوظائف أساسية، فيكون .....

- صانع قرار وتحت ظروف عدم التأكد، إذ ينبغي توقع المخاطرة عند صنع القرار في بيئة غير مؤكدة .

- مبتكر، حيث يستند الابتكار(Innovation) إلى تطبيق المعرفة لإنتاج منتجات أو عمليات جديدة .

- مُبدع، حيث يرتكز الإبداع (Creativity) على إيجاد المعرفة الجديدة التي تتجسد في الاختراع .

المسؤولية الاجتماعية ......

١- مفهوم المسؤولية الاجتماعية وأهميتها .....

لقد تطور مفهوم المسؤولية الاجتماعية بشكل ملحوظ منذ أن بدأ يأخذ مكانا عام 1950, حتى أصبح يظهر جليا في العقد الأخير، بحيث بدأت منظمات الأعمال في إظهار مسؤولياتها الاجتماعية بشكل أكثر جدية في إدارة إستراتيجياتها والتقارير الاجتماعية لأصحاب المصالح فضلا عن إبرازها عبر مسميات مختلفة إذ تشير جميعها إلى المسؤولية الاجتماعية، ومنها: - المساءلة الاجتماعية

- الأخلاق التنظيمية

- المواطنة التنظيمية

- الالتزامات التنظيمية

عرّف البنك الدولي مفهوم المسؤولية الاجتماعية للمنظمات على أنها التزام أصحاب النشاطات التجارية بالمساهمة في التنمية المستدامة بالمجتمع من خلال العمل مع موظفيهم وعائلاتهم والمجتمع المحلي والمجتمع ككل لتحسين مستوى معيشة الناس، بأسلوب يخدم التجارة ويخدم التنمية في آن واحد، كما عرفت الغرفة التجارية العالمية المسؤولية الاجتماعية على أنها جميع المحاولات التي تساهم فيما تتطوع به الشركات لتحقيق تنمية بسبب اعتبارات أخلاقية واجتماعية.

وبالتالي فإن المسؤولية الاجتماعية تعتمد على المبادرات الحسنة من الشركات دون وجود إجراءات ملزمة قانونيا .

ويرى البعض بأن المسؤولية الإجتماعية للمنظمات والشركات ماهي إلاّ عقد بين المؤسسة المذكورة والمجتمع، تلتزم بموجبه المنظمة او الشركة بإرضاء المجتمع وبما يحقق مصلحته، وينظر لها على أنها التزام من قبل المنظمة او الشركة تجاه المجتمع الذي تعيش فيه من خلال قيامها بكثير من الأنشطة الاجتماعية، مثل محاربة الفقر ومكافحة التلوث، وخلق الكثير من فرص العمل وحل الكثير من المشاكل (المواصلات، الإسكان، الصحة) وغيرها من الخدمات .

وقد أكد العديد من الباحثين على أهمية الاستثمار في المجالات المختلفة للمسؤولية الاجتماعية مثل الأعمال الخيرية، بحيث أصبحت تعد إستراتيجية كونها تجلب منافع كثيرة للمنظمة كزيادة المبيعات أو تعزيز الصورة الذهنية للمنظمة او الشركة في عقل الفرد الذي يعيش في مجتمع هذه المنظمة او الشركة .

وتؤكد العديد من الدراسات التي أجريت في بيئات مختلفة على أهمية المسؤولية الاجتماعية، ومن هذه الدراسات دراسة أجريت في الولايات المتحدة الأمريكية في سنة 2006 حيث أظهرت أن ما مقداره 2.3 تريليون دولار من أصل 24 تريليون دولار كانت قد استثمرت في الشركات التي أظهرت نسبة عالية ضمن مقياس المسؤولية الاجتماعية .

ومن خلال البحث فنحن نؤكد أن الابتكار والإبداع لهما دور كبير في ترسيخ الصورة الذهنية، ولكنهما لا يكفيان لضمان النجاح، لذلك فقد ازداد الاهتمام بما إذا كانت هذه المنظمات تحمل سجلا تاريخيا في المسؤولية الاجتماعية أم لا .

لذلك فقد أضاف هذا المعيار الاجتماعي عبئا آخر على المنظمات بحيث أدخلت هذا البعد في استراتيجياتها وقراراتها، وقد حدد مجموعة من فوائد المسؤولية الاجتماعية، فبالإضافة إلى الأداء المالي الأفضل، والزيادة في حجم المبيعات، فان لها أثرا ايجابيا على الصورة الذهنية للمنظمة لدى المستهلكين .

من خلال ما سبق يمكن القول بأن مفهوم المسئولية الاجتماعية للمنظمات يعنى تصرف هذه الأخيرة على نحو يتسم بالمسئولية الاجتماعية والمساءلة، ليس فقط أمام أصحاب حقوق الملكية ولكن أمام أصحاب المصلحة الأخرى بمن فيهم الموظفين والمستهلكين والحكومة والشركاء والمجتمعات المحلية والأجيال القادمة .

ويعد مفهوم المساءلة مكونا رئيسيا من مكونات المسؤولية الاجتماعية للمنظمات، كما تعتبر التقارير الدورية للمسؤولية الاجتماعية التي تقدمها هذه المنظمات أداة تسعى عن طريقها لطمأنة أصحاب المصلحة بأنها تُعنى باستمرار بما يشغلهم على نحو استباقي وابداعى عبر كل ما تقوم به من عمليات .

وتتضمن تلك التقارير السياسات وإجراءات القياس والمؤشرات الرئيسية للأداء والأهداف في المجالات الرئيسية لنشاط المنظمات .

٢- أبعاد المسؤولية الاجتماعية .....

لقد اجمع العديد من الباحثين على أن منظمات الأعمال تمارس عددا من المسؤوليات الاجتماعية والتي تنحصر ضمن تصنيف الأعمال الأخلاقية، والإنسانية تجاه المجتمع المحلي والموظفين والعملاء والموردين والبيئة  والمساهمين ...الخ، وتعتبر المسؤولية الأخلاقية مسؤولية إلزامية وتتعدى في كونها الإيفاء بالالتزامات القانونية والاقتصادية . ومن هذا المنطلق نُبين أن أبعاد المسؤولية الاجتماعية والمتمثلة في:

أ- المسؤولية الإنسانية: أي أن تكون المنظمة صالحة، وأن تعمل على الإسهام في تنمية وتطوير المجتمع، وأن تعمل على تحسين نوعية الحياة الإجتماعية .

ب- المسؤولية الأخلاقية: بمعنى أن تكون المنظمة مبنية على أسس أخلاقية، وأن تلتزم بالأعمال الصحيحة، وأن تمتنع عن إيذاء الآخرين.

ج- المسؤولية القانونية: أي أن المنظمة يجب أن تلتزم بإطاعة القوانين، وأن تكسب ثقة الآخرين من خلال التزامها بتنفيذ الأعمال الشرعية وعدم القيام بالأعمال المخلة بالقانون .

د- المسؤولية الاقتصادية: ويقصد بها أن تكون المنظمة نافعة ومجدية اقتصاديا، وأن تحاول جاهدة توفير الأمان للآخرين .

٣- مجالات تطبيق المسؤولية الاجتماعية .......

يعتبر المجتمع المحلي، إضافة إلى البيئة الداخلية للمنظمة الريادية، مجالات مهمة لتطبيق مفهوم المسؤولية الاجتماعية، إذ تتطلع إلى تجسيد متانة العلاقات وتعزيزها، الأمر الذي يتطلب منها مضاعفة نشاطاتها اتجاه المجتمع، من خلال بذل المزيد من الرفاهية العامة والتي تشمل المساهمة في دعم البنية التحتية وإنشاء الجسور والحدائق، والمساهمة في الحد من مشكلة البطالة، ودعم بعض الأنشطة مثل الأندية الترفيهية، واحترام العادات والتقاليد، ودعم مؤسسات المجتمع المدني، وتقديم العون لذوي الاحتياجات الخاصة من خلال تقديم الدعم المادي لهم، هذا بالإضافة إلى الدعم المتواصل للمراكز العلمية كمراكز البحوث والمستشفيات . وعادة ما يُنظر إلى مسؤولية المنظمة تجاه المجتمع المحلي من زوايا مختلفة، فقد تشمل رعاية الأعمال الخيرية، الرياضة والفن، التعليم وتدريب المؤسسات، وإقامة المشاريع المحلية ذات الطابع التنموي .

كما يجب أن تدرك المنظمة الريادية دورها الاجتماعي تجاه:

- المالكون

بحماية أصول المنظمة، وتحقيق أكبر ربح ممكن، ورسم صورة جيدة للمنظمة، وتعظيم قيمة السهم والمنظمة ككل، وزيادة حجم المبيعات .

- العمال

بتطبيق العدالة الوظيفية، والرعاية الصحية، ورواتب وأجور مدفوعة، وإجازات مدفوعة، وفرص تقدم وترقية، وتدريب مستمر، وإسكان للعاملين و نقلهم، وظروف عمل مناسبة .

- المستهلكون

بإقرار أسعار مناسبة، والإعلان الصادق، ومنتجات آمنة وبنوعية جيدة، وإرشادات بشان استخدام المنتج وكيفية التخلص منه أو من بقاياه .

- المنافسون

بإعطائهم معلومات صادقة، وعدم سحب العاملين من الآخرين بوسائل غير نزيهة، ومنافسة عادلة ونزيهة .

- الموردون

بإعطائهم أسعار عادلة، والاستمرارية في التجهيز، وتسديد الالتزامات المالية والصدق في التعامل .

- البيئة

التشجير وزيادة المساحات الخضراء، وتكون المنتجات غير الضارة، والحد من تلوث الماء والهواء والتربة، والاستخدام الأمثل للموارد وخصوصا غير المتجددة منها .

- الحكومة

بضرورة الالتزام بالقوانين، وإعادة التأهيل والتدريب، وتكافؤ الفرص بالتوظيف، وحل المشكلات الاجتماعية، وتسديد الالتزامات الضريبية .

- جماعات الضغط

التعامل الصادق مع الصحافة، واحترام أنشطة جماعات حماية البيئة، والتعامل الجيد مع جمعيات حماية المستهلك، واحترام دور النقابات العمالية والتعامل الجيد معها .

٤- فوائد تبني المنظمات الريادية لمفهوم المسؤولية الاجتماعية .....

أشارت العديد من الدراسات إلى الفوائد المتزايدة التي جنتها المنظمات الريادية جراء تبنيها للمسؤولية الاجتماعية في عملها، ضمن إستراتيجيتها التنظيمية، استجابة للضغوط والتحديات الداخلية والخارجية التي واجهتها تلك المنظمات .

٥- أدوار المنظمات الريادية في تحقيق المسؤولية الاجتماعية .....

تتمثل أدوار المنظمات الريادية في نشر وتحقيق المسؤولية الاجتماعية من خلال ثلاثة اتجاهات:

أ - المساهمة المجتمعية التطوعية ..

ويلقى هذا المجال معظم الاهتمام في الدول التي يكون فيها الحوار حول المسؤولية الاجتماعية للشركات حديثا نسبيا . ومن الممكن أن يتضمن ذلك الهبات الخيرية وبرامج التطوع والاستثمارات المجتمعية طويلة الأمد في الصحة أو التعليم أو المبادرات الأخرى ذات المردود المجتمعي . ويلتزم عدد من الشركات متعددة الجنسيات بالتبرع بنسبة 1% من أرباحها قبل خصم الضرائب لخدمة القضايا المجتمعية . ويمكن للشركات متعددة الجنسية إنشاء مؤسسات بمبالغ وقفية كبيرة وتقديم منح للمنظمات الدولية غير الهادفة للربح والعاملة في الدول النامية .

ب - العمليات الجوهرية للأعمال وسلسلة القيمة ..

غالبا ما تكون رؤية وقيادة الأفراد والمنظمات الوسيطة ضرورية لإدخال المسؤولية الاجتماعية للمنظمات . وتستطيع أي منظمة من خلال التفاعل النشط مع عمالها، تحسين الظروف والأوضاع وتعظيم فرص التنمية المهنية . ومن ذلك تطبيق إجراءات لتقليل استهلاك الطاقة والمخلفات . وتستطيع المنظمات الريادية أن تكفل صدق وسهولة الاتصالات مع عملائها . ومن ناحية تأثيراتها غير المباشرة عبر سلسلة القيمة ومواثيق الشرف في تدبير الاحتياجات وبرامج بناء القدرات، وتستطيع كذلك مساعدة مورديها وموزعيها على تحسين أداء قوة العمل والحد من الضرر البيئي .

ج - حشد التأييد المؤسسي وحوار السياسات والبناء المؤسسي ..

على الصعيد الداخلي تضع قيادات المسؤولية الاجتماعية للمنظمات الريادية الرؤيا وتهيئ المناخ العام الذي يساعدها في تحقيق التوازن المسؤول بين المتطلبات المتعارضة لزيادة الأرباح ومبادئ المسؤولية الاجتماعية . أما على الصعيد الخارجي فان كثيرا من رؤساء مجالس الإدارات وكبار المديرين يقودون مشاركة الأعمال في قضايا التنمية بمفهومها الأوسع ويؤيدون المبادرات الخاصة بأنشطة المسؤولية الاجتماعية وغيرها من المبادرات .

وللخاتمة نقول.. لم يعد تقييم منظمات الأعمال يعتمد على ربحيتها فحسب، ولم تعد تلك المنظمات تعتمد في بناء سمعتها على مراكزها المالية فقط، فقد ظهرت مفاهيم حديثة تساعد على خلق بيئة عمل قادرة على التعامل مع التطورات المتسارعة في الجوانب الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية عبر أنحاء العالم، وكان من أبرز هذه المفاهيم مفهوم المسؤولية الاجتماعية .

وقد أصبح دور المنظمات الريادية محورياً في عملية التنمية، وهو ما أثبتته النجاحات التي تحققها الاقتصاديات المتقدمة في هذا المجال، وقد أدركت المنظمات الريادية أنها غير معزولة عن المجتمع، وتنبّهت إلى ضرورة توسيع نشاطاتها لتشمل ما هو أكثر من النشاطات الإنتاجية، مثل هموم المجتمع والبيئة، وإلى ضرورة الأخذ بعين الاعتبار الأضلاع الثلاثة التي عرّفها مجلس الأعمال العالمي للتنمية المستدامة وهي النمو الاقتصادي، والتقدم الاجتماعي، وحماية البيئة .

ومن خلال ما سبق يمكن القول بأن الفرضية المتمثلة بمقولة (يساهم وجود المشروعات الريادية في تعزيز المسؤولية الاجتماعية بالمنظمات)، مقولة صحيحة حسب ما تم التطرق إليه سابقا .

توصيات القراءة والبحث

١- توضيح مفهوم المسؤولية الاجتماعية لدى العمال والإطارات في المنظمات الريادية، وتنميتها، ويقصد بها تحديد المعايير الذاتية الداخلية التي تتصل بالولاء والانتماء ويقظة الضمير تجاه فعاليات العمل، أي كل ماله علاقة بالمفاهيم والقيم الأخلاقية للفرد التي ينبغي أن يلتزم بها من أجل النهوض بالمنظمة ربحيا وماديا وثقافيا .

٢- وضع ضوابط وأسس إجرائية لقواعد المسؤولية الاجتماعية، تتمثل في إرشاد ممارسيها وتوعيتهم بفاعلية سلوكهم الخلقي تجاه المنظمة، والمجتمع، والبيئة، والحلول الواجبة الإتباع فيما يعترضهم من مشكلات حيال قيامهم بأعمالهم .

٣- تفعيل دور جمعيات حماية البيئة وجمعيات حماية المستهلكين ودعمها ماديًا ومعنويًا، على أنها هيئات ذات صفة اعتبارية ولديها الصلاحية في إقرار معايير الممارسات المثالية العليا وتطبيقها على أصحاب المهنة بما يحقق إعادة تأهيل العمال في المنظمات الريادية، وتحديد القيام بأدوارهم .

٤- تطوير مفهوم الأخلاقيات المهنية كحقل رئيسي من تخصص المسؤولية الاجتماعية، بتناول الأسس والمنهجية النظرية لطبيعة الأخلاقيات المهنية للممارسين وكيفية تتبّعها، والمشكلات التي تعترض واقع العمل فيها، بجانب الحلول المختلفة التي يمكن اللجوء إليها .

٥- قيام المنظمات الريادية والشركات والمنظمان الإقتصادية والسياسية الكبرى الاقتصادية بإصدار مدونات أخلاقية تكون مرشدًا وموجهًا لقرارات المديرين وسلوك العمّال في المسؤولية الاجتماعية، في مجالات عمل هذه المنظمات او الشركات بما يضمن الموازنة والكفاءة والأخلاقيات ومصالح الأطراف المختلفة، هذا إلى جانب العمل المشترك مع مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني المحلية والدولية، من أجل إصدار مدونات أخلاقية لأخلاقيات المسؤولية الاجتماعية .

٦- اهتمام المنظمات الريادية والمؤسسات الاقتصادية باختبار المديرين والممارسين على أساس متوازن من الكفاءة والخصائص الأخلاقية، بما يضمن أن يكونوا مصدرًا لتعزيز سمعة ومكانة المنظمة، وضمن ذلك يكون الاهتمام بتدريب العمال في مجال المسؤولية الاجتماعية .

٧- لابد أن يتغير مفهوم العلاقات العامة بالمنظمة او الشركة، بحيث تكون مسؤوليتها الأساسية أنها مصدر رئيسي لاحتياجاتهم وأن تكون جزءًا حيويًا وشريانًا للمؤسسة، وأنها تعبّر عن القيم والمسئولية الاجتماعية والأخلاقية للمجتمع .

٨- ضرورة تدريس أبعاد أخلاقيات الإدارة والمسؤولية الاجتماعية في أقسام وكليات إدارة الأعمال والاقتصاد المختلفة، وتدريب الطلاب عليها بحيث تصبح مفاهيم المسؤولية الاجتماعية ومواثيق الشرف ليست مجرد مبادئ مثالية وإنما أساسًا للوصول إلى ممارسة جيدة تخدم المجتمع وترفع درجة المصداقية والنزاهة نحو الجميع .

٩- وجود نقابة مهنية للمسؤولية الاجتماعية تدافع عن مبادئها وتضع لها دساتير وقوانين ترشد المهنيين وتوجههم وتحدد لهم مالهم وما عليهم وأن تكون هناك لجنة للقيم والأخلاق لإدارة الأعمال والتجارة .

عموماً نُلخّص الخاتمة والبحث بكتابة هذه السطور . .

تؤدي الريادة دوراً هاماً في الاقتصاديات العالمية كونها من ابرز محركات النمو الاقتصادي، من خلال إنشاء منظمات أعمال محلية فاعلة تساهم في التطور المحلي، عن طريق توفير فرص العمل وزيادة العوائد، بقصد تفعيل دورها في تعزيز مفهوم المسؤولية الاجتماعية اتجاه الأفراد والمجتمع .

وتضمنت هذه الدراسة مفهوم الريادة والريادي وخصائصه ودوافعه ووظائفه، ومفهوم المسؤولية الاجتماعية وأبعادها، كذلك ريادة المنظمات . إضافة إلى مفهوم وابعاد ومجالات المسؤولية الاجتماعية، كذلك أدوار المنظمات الريادية في تعزيز المسؤولية الاجتماعية للأفراد تجاه مجتمعاتهم .

وللبحث بقية إن شاء الله ....

والله من وراء القصد

 

بقلم: د. نبيل أحمد الأمير

 

 

مجدي ابراهيمتباعاً، نستأنف محاولات التفكير في الدين؛ لنرى الناظرَ إلى أزمة الفكر الديني التى يضجُ منها واقعنا الإسلامي المُعاصر وتتلازم مع الحياة في وقتنا الراهن، وفي كل وقت تهبط فيه القيم وتسقط المبادئ؛ لا يجد بحق أثراً لها على الإطلاق في تراثنا الروحي المهجور! ولا في ثقافتنا الواعية دوماً بتطبيق الفكر على العمل، والاعتقاد على واقع الحياة العملية.

ففي هذا التراث الروحي وفي تلك الثقافة الواعية، ضبط شديدُ بين القول يقوله المتكلم أو ينطق به المتحدّث أو يكتبه الكاتبون في صحائفهم الخالدة، وبين السلوك الذي يَصْدُر في الحياة المُعاشة فعلاً في الواقع العملي، فلا خلل بين النظر والعمل، ولا اعوجاج ولا انفصام يبدو - ظاهراً أو خفياً - بين قول يُرَادُ به شيء وسلوك ينقضه ويعبِّر عن شيء آخر. فهذه الهوَّه الوسيعة، الفاصلة، الشنيعة؛ التي عَبَّرَ عنها شاعرنا العربي المتنبي بقوله:

في عزلة الرُّهْبَانِ إلا أنه         لا يَعْرفَ التَّحْريم والتَّحليلا

لن تجد لها وجُوداً في الحياة الرُّوحية في الإسلام، لا لشيء إلا لأن السياسة كانت بعيدة كل البعد عن تلك الحياة، ولأن الفكرة المبدئية الأوليَّة لديهم هى صرف النظر عن الطمع في الشئون الدنيوية واقتصار الطاقة العاملة فقط على ما يرضى الله منها، أخذاً أو عطاءً.  

وللقارئ أن يسأل من بعدُ في دهشة المستريب: ألم تكن هناك حركات روحية في الماضي تَدُلُّ بالقطع على أهداف سياسية؟! ألم تسمع كما سمعنا عن دراسات حديثة وجهت طاقاتها لدَرْس العلاقة بين السياسة من جهة وإسهامات تلك الحركات فيها من جهة أخرى؟ ليس من حقك أن تخْرجَ الحياة الروحية في الإسلام من مَعْمَعَان العمل السياسي، وبخاصةٍ إذا كانت اهتمامات بعض أولئك الذين مَثَّلوا هذه الحياة سياسية فوق كونها دينية، كما حدث لدى ابن قَسِّي في المغرب العربي، أو الحلاج والسَّهْرَوَردي المقتول في المشرق العربي.

وللإجابة على ذلك أقول؛ إنّ الفرقَ كبيرٌ جداً بين مَنْ يُفْسِد الدين بالسياسة، وبين مَنْ تفسده السياسة لأنه عارفٌ مُتحقق بالدين؛ ففي الحالة الأولى وهى حالة معروفة ومقصودة هى التي تكلمنا فيها في السابق، فالسياسة من المؤكد هى التي تفسد الدين. أمَّا الحالة الثانية فهى حالة مَنْ تفسده السياسة لا لشيء إلا لأنه عارف متحقق بالدين. وعن هذه الحالة التي هى موضع الملاحظة يكون حديثنا؛ ففي الحقيقة لم تكن منازع هؤلاء مُوَجَّهة إلى السياسة بل كان الشاغل الأكبر والهمِّ المقيم هو الدين. ولم تكن الدنيا أصلاً قائمة ولا هى بالباقية في ذاكرتهم، وإلا لمَا وصلوا بالتبتل والانقطاع إلى ما كانوا وصلوا إليه من فتوح في ميادين العرفان. فلمَّا أنْ بلغوا في هذه الميادين درجة لم يبلغها سواهم، تسَّلطت السياسة عليهم وعلى أتباعهم لتنال منهم نيلاً عظيماً؛ لأنهم جذبوا القطاعات العريضة من الناس إليهم جذباً، والسياسة تخشى الثورات المنطلقة من حرية الوعي والضمير.

وهنا تجيءُ الحالة الثانية الفارقة أعني - حالة مَنْ تَفْسِدَهُ السياسة لأنه عارفٌ مٌتحققٌ بالدين - فتلعب فيها السياسة دوراً كبيراً؛ لا لشيء إلا لأهدافٍ كلها ترابيَّة لم تحظْ قط بشواغل أولئك العارفين، ولا عِبْرة  من بعدُ لدينا بمن يدرس العلاقات والروابط بين ألاعيب السياسة وبين تلك الحركات؛ من أجل أفكار موجَّهة قد تضر الواقع ولا تفيد، ثم هى مع ذلك تلوى عنق الحقائق التاريخية ليَّاً ولا تزيد.

الموضوعية العلمية - وليس الانحياز إلى هذه الثقافة الروحيّة التي ندينُ لها بالولاء - تقفُنا على حقيقة واضحة، وهى أنه ما من مفكر من ذلك الطراز الروحي المتميز الفريد إلا وأنت تجد حياته على وفاق مع فكره، وفكره على تطابق مع حياته؛ كما هو الحال عند الغزالي، صاحب كتاب "إحياء علوم الدين"، والذي وصفه "ماكدونالد" بأنه " أكثر المفكرين وعلماء العقائد في الإسلام أصالة"؛ وكأبي طالب المكي صاحب كتاب "قوت القلوب"، وابن عربي صاحب كتاب "الفتوحات المكية"؛ وأمثال هؤلاء السَّادة مِمَّن يقرنون في كتاباتهم ومواقفهم سَبَحَات النظر بوقائع العمل، وحرية الفكرة بتجريب التطبيق.

ثم إنّ البحث الصادق الأمين ليُطلعنا على أن الناس في مجتمعاتنا الإسلامية، إنْ يَرَوا كل آية في ثقافتنا الروحية، وكل فضيلة من فضائلها المعرفية والذوقية يعرضوا عنها، على الرغم من أنها ثقافة التسامح والمحبة والسلام، فلا يؤمنوا بها، بل ويستبدلوا بها ثقافات تدعو إلى التعصب والمغالاة والتطرُّف والإرهاب.

لا بأس! فالناسُ فيما يعشقون مذاهبٌ. ولكنهم إنْ هم آمنوا بهذه الثقافات وأقلعوا عن تلك، لم يقرنوا الإيمان بالموافقة (بالعمل) لأنهم مشغولون عن إشعال الذهن في فهم الحركة العقلية بين الإيمان والاعتقاد من جانب, وبين السلوك النافع على أحسن ما يُمْليه هذا الإيمان وذاك الاعتقاد.

هذا الانشغال الذهني - فضلاً عن كونه يعكس شغلاً باطنيّاً صارفاً - فهو من جهة أخرى، يحدث هوةً وسيعةً شاسعة بين الاعتقاد والعمل فيورث التمزق الداخلي والانفصام النفسي، ويمنع مباشرة التوحيد والولاء لها على مستوى الحركة التطبيقية؛ لتظهر من ثمَّ الازدواجية في الأقوال والأفعال، فتنشأ الأزمة لا محالة.  

ولكن هذه الأزمة الفكرية تتلاشى تماماً مع حركة العقل الذهنية في استنباط الحق في الاعتقاد، وإيثار الخير في السلوك، والوقوف على الصِّدْق في الأفكار والأقوال؛ حتى إذا ما تمَّ ذلك للإنسان كان نوراً أو ما يُشْبه النور؛ يمشى على الأرض هداية ومعرفة وفضيلة وعرفاناً، لكأنما العزلة عن العقل من قلة الدين، والبعدُ عنه بعدٌ عن التفهيم والتنوير، لا لشيء إلا لأنه بعدٌ كذلك عن التَّديُّن البصير.

على أن العقل المقصود هنا ليس هو العقل النظري الخالص المُجرَّد عن العمل الصالح وخيريِّة التَّصرُّف والتصريف، ولكنه العقل الذي نفهمه من القرآن على حضور في الفهم، وعلى دلالة من معاني العقل ومقاصده في روح هذا الكتاب. فلا تستغرب حين تجد كلمة "العقل" ومشتقاتها تردُ في القرآن الكريم تسعاً وأربعين مرة وتكرَّر مثل هذا التكرار على اختلاف الآيات التي ذُكرت فيها، مثلما تتكرَّر كلمة "النور" ومشتقاتها؛ بنفس العدد تسعاً وأربعين مرة ممّا يحيطك علماً بأن العقل هنا هو "نور الغريزة"، وأن مدلول "النور" في القرآن قد يترادف مع مدلول "العقل" على المعنى الذي يكون فيه العقل فيضاً من الأنوار الإلهية.

ومن شدّة توكيد القرآن على نور العقل في الهداية إلى الإيمان، أن الله قد جعل الرّجس على الذين لا يعقلون؛ والرجسُ هو السُّخط أو العذاب، فكأنه بهذا الاعتزاز بنور العقل كقيمة علوية تهدي الإنسان إلى حقيقة الإيمان؛ يقرِّر أن الذين لا يعقلون فلا يهتدون، هم من ثمَّ أهلٌ للسُّخط من الله، وهم أهل للعذاب بما غيَّبوا العقل فمنعوه من الهداية وحجبُوه عن الإيمان:"وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرِّجْسَ على الذين لا يعقلون".

لكأنما كان تعلق الإيمان على المشيئة الإلهية هنا إنما هو إذن للعقل بتعقُّل الإذن المُعَلَّق على الله. وفي غياب إذن العقل لفقه الحكم (حكم المشيئة) يكون الرجس ويحل العذاب؛ لأن في هذه الغيبة تعطيلاً للعقل لا يرضاه القرآن فيقرِّر السخط والعذاب على الذين لا يعقلون.

فعل العقل في تكوين العقيدة:

وبمقتضى طلاقة العقل لفهم القرآن، على المقصد الذي شرحناه، والمعنى الذي تبيَّن من خلاله أهمية أن نتعقَّل وأن نتفكَّر؛ يمكن الحكم بأن دورة العقل في مسائل العقيدة حيويّة بغير خلاف. لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه في هذا السياق: هل من فارق بين العقيدة والإيمان؟ وما هو دورُ العقل فى تكوين العقيدة؟ وكيف تتكوَّن العقيدة أصلاً؟

أسئلة مثيرة للتأمل تَجْدَرُ مناقشتها على هدى ممّا تقدَّم من تفاصيل؛ فإن النظرة المحيطة بموضوع الإيمان وموضوع التفكير؛ لتفرِّق تفرقة حاسمة بين الإيمان من جهة والعقيدة من جهة أخرى، فهناك الإيمان أولاً وهو قلبي في أول مقام، فالذي يؤمن يصدِّق ويُسلّم من طريق القلب، ثم بعد أن يؤمن يتفكر فيما آمن به فيحاول تعقل هذا الإيمان، بمعنى أن يُعْمِل عقله في موضوع الإيمان حتى إذا ما أستوى إيمان المؤمن مع قناعاته العقلية أستطاع أن يهتدي إلى عقيدة تستقر عليها قناعاته الداخلية وبواطنه القلبية، وتتسق مع ما كان قد توصَّل إليه من كثرة تفكيره في الإيمان كموضوع بعد تسليم وتصديق.

وليس شرطاً للعقل المحدود أن يستوعب كل ما هو غيبي، بل يتفكَّر في حدود عطاياه الإيمانية. ومن هنا تختلف العقائد على الإيمان الواحد وتتشاكل وتتشابه تارة، وتتباين وتختلف تارة أخرى.

وليست العقيدةُ عقدة مؤبَّدة لا تنفصم ولا هى بالتي لا تتفكك عُراها مطلقاً، ولكنها قابلة للتغيير والتبديل، بمقدار قابليتها للمراجعة والفحص والإعادة والتكوين؛ تبعاً لقراءة العقل لموضوع الإيمان، ثم تطوره مع هذه القراءة وترقيه فيها واكتشاف الجديد فيما يلاحظه بصددها، ومواكبة ما يفهم منها على مقدار ما يُلْهَم.

وكثيراً ما يُسَاءُ فهم الإيمان تماماً كما يُسَاءُ فهم قراءته فتجيء نتيجة تلك الإساءة عقيدة مغلوطة أو جامدة متحجِّرة ليس فيها من روافد الشعور ولا من سلامة الإدراك ما يحييها ويقوِّيها ويُغذي مناشطها الرُّوحية والعملية: فقيرة مُجدِبة في جانب على حساب جانب آخر، مخلوطة مشتتة غير قاصدة ولا مُوَحَّدَة؛ مُوَزَّعة فيما ترى وفيما تفكر وتنظر وتستسيغ. وقد يميل القارئ إلى فهم الإيمان وفهم موضوعه وفهم مطالبه ومصادره في أصل الفطرة وبواطن الشعور وسريرة الضمير؛ فيقرأه بالعقل قراءة نافذة فاعلة، بعد أن يكون في الأصل قد تغلغل في أعمق أعماق طواياه وتعمق في قلبه غاية ما يُصيبه التَّعمق في القلوب من رسوخ وتمكين واستقرار؛ فتجيء القراءة العقلية إذْ ذاك مواكبة للحقيقة الإيمانية الباطنة تضيف إليها ما يزيدها شرحاً ووضوحاً فوق الزيادة المرسوخة في التمكُّن من أصالة الشعور.

فالعقلُ وحده بمعزل عن الإيمان ليس كفيلاً ولا كافياً أن يعطيك تصوِّراً صادقاً أو صحيحاً عن العقيدة الإيمانية فيما لو كانت على استقرار الرسوخ والتمكين، أو هو قد يعطيك عقيدة فكرية بحتة لا شأن لها بتعقُّل الإيمان إلا من خارج. والإيمانُ شعورُ وفهمُ واستدلالُ - كما يذهب القديس أنْسِلم - شأنه في ذلك شأن القديس أوغسطين الذي نادي بــ "تعقل الإيمان"؛ لأن الإيمان يُوَلِّدُ في النفس المحبة، ومن خصائص المَحَبة أن تدفع إلى استعجال الرؤية الآجلة بالاستدلال.

كان "كانط" يقول:"إنّ الدين هو شعور بالأمر الإلهي، وليس بواسطة العقل، إذْ العقل عنده لا يوافق حقيقة الأشياء. وعلى ذلك يكون الدين بهذا المعنى شعوراً إلهاميّاً محضاً. فالإيمانُ من ثمَّ شرطُ التَّعقل؛ وقد قال "أشعيا": " إنْ لم تؤمنوا فلن تفهموا"؛ فالذي لا يؤمن لا يشعر بموضوع الإيمان؛ والذي لا يشعر لا يفهم. والشعور بالإيمان يفوق مُجَرَّد سماع الحديث عنه. والتَّعُقُّل وسط بين الإيمان في الحياة الدنيا، ومعاينة الله في الآخرة؛ هو اقتراب من علم الله!.

إنما العقلُ المحدود المفصولُ بالكلية عن شعور الإيمان الديني العميق، والمعزولُ عن فهم دخائله ومراقبة خلجاته وطواياه؛ لا يَمَسُّ الحقيقة الدينية في شيء، فعقيدتُه محضُ فكر خارجي يُصلح للعلم والتفكير المحسوس: يصلح للصخور والمعادن والأحجار وريّ الأرض وحفر المجاري ومدِّ القنوات ونقل المزابل ولا يُصْلح لتأمل الحقيقة الإلهية.

هنالك فرقٌ؛ وفرقٌ كبير؛ بين العقل المُروَّض على التعامل مع الحقيقة الإلهية، والتى موضعها القلب إيماناً، ومُدْركُها الفكرُ تعقُّلاً وعرفاناً؛ وبين العقل العابث المخلوط بأهواء صاحبه، إنْ هو أدرك فلا يدرك إلا الهوى، وإنْ هو أصاب فلا يصيب إلا الدَّنِيَّة من الدين والدنيا على السواء.

هذا العقل المغموس بعكارة النفس الملوَّثة إذا تَعَرَّض للإيمان أفسد معانيه. إنه فريد الدين العطار؛ الشاعر الصوفي الفارسي البديع هو الذي صوّر عجز العقل (باعتباره ملكة الاستدلال) عن إدراك الحقيقة الإلهية تصويراً يفوق الرَّوْعة ويعلو على خيال الملهمين؛ وذلك حين قال:" ذهبنا وراء عالم العقل والفهم، العقل لا يُجدي عليك، إنما يأتي بما يأتي به غربالٌ من بئر، إنما يحاول العقل أن يدرك هذا العالم، ولكن هذا العقل الذي يفقد نفسه بجرعة من الخمر لا يقوى على المعرفة الإلهية. العقل أجبنٌ من أن يرفع الحجاب ويسيرُ قدماً إلى الحبيب".

أمّا العقل المُروَّض على التعامل دوماً مع الحقيقة الإلهية؛ فشأنه شأن آخر كما أن العقيدة الفكرية في مجال الدين هى الأخرى شأنها شأن آخر؛ إذْ هى تُسلِّط أضواء العقل على الإيمان القلبي كيما تجيءُ العقيدة مجموعة ضوابط فكرية مستخلصة من قراءة العقل المستنيرة للإيمان.

ومن هنا تتكون العقائد؛ والأصل فيها الإيمان لا العقل: العقل مجرد شارح للإيمان يحاول أن يفهمه، يتعقَّله، يحسَّه، يتذوَّقه، يوازن بينه وبين أفراد غيره آمنوا، وأفراد لم يؤمنوا، ويدرس أحوالهم وفوارقهم في الشعور والإحساس، وفي العقول والمدارك، وفي الوجهات والمصائر؛ ليتبيَّن له على اليقين البرهاني الذي لا مِرْية فيه مثل هذا الفرق الفارق بين حقائق الإيمان البصير وبين أباطيل الغفلة والجهالة والتعطيل.

العقل هنا يستخدم خصائصه لفهم موضوع الإيمان؛ وخصائصه خاضعة لما كان كوَّنَ لنفسه من قناعات وشَكَّل لها من تصورات أصيلة ومتأصلة لا تقوم بمنأى عن الإيمان ولا بمعزل عن دفعته الحيوية ونبضته الشعورية.

والإيمان يزيد أحياناً وأحياناً ينقص: يزيدُ بالتجربة والممارسة وإثارة الحيوية والتجديد الديني المهييء لصلة القُرْبة بين الخالق والمخلوق، وينقص بالإهمال؛ إهمال الامتثال وكل ما يُقام على الإهمال من آفات النقص وعلامات الخزي وإمارات الخذلان. والعقل تابعٌ للإيمان في قراءته لتجاربه المعرفية، فالثوابتُ التي يقف عليها دوماً ولا يتزحزح عنها إنما هى مبادئ كان قرَّرها مُسبَّقاً لا يحاول أن يتعَقَّل عطاياها النظرية المحدودة فيرتفع ما أمكنه الارتفاع عن حدودها وقيودها، كيما يسمح بمساحة للنفاذ إلى قرارة ما استقر عليه إيمانه القلبي عَسَاهُ، من بعدُ, يدرك بالتجربة المعاشة الحيَّة عمق الإيمان؛ فيعقله.

فمطلوبٌ من العقل إذا هو أراد أنْ يكوِّن لنفسه عقيدة صالحة في فهم الإيمان وتعقله وشرحه والبَصَر به أن يدور مع الإيمان دورته الحيوية حضوراً وغياباً؛ وجوداً وعدماً, زيادة ونقصاناً، يرتقي في مرتقاه كيما يعلم رُقيَّهُ بالغاً ما بلغ هذا المرتقى فيه، وليعلم أن حضوره ووجوده وزيادته من رقيه وتفاعله معه، وأن غيابه وعدمه ونقصانه، من خموله وخموده ونقص الهمَّة فيه؛ حتى إذا ما رأينا اختلاف العقائد بين قوى وضعيف ومقبول ومنبوذ، وقابل للممارسة والحياة ومطمور مهجور لا يَرْقَى برقى الشعور، علمنا على الفور دور العقل في ذلك كله واقتداره على تكوين العقيدة الصالحة للممارسة والتفاعل والحياة.

(وللحديث بقيّة)

 

د. مجدي إبراهيم

 

عصمت نصارلم يحد "حسين المرصفي" عن نهجه الذي اصطنعه، ذلك الجامع بين النظر والعمل ويتمثل ذلك في تحليله وشرحه وتبسيطه المفاهيم والاصطلاحات والدلالات، وذلك بعد عرضها على العقل والواقع حيث الدلالة الإجرائية.

والعمل الذي يستند على مبدأ المنفعة العامة في التخطيط وثقافة العصر وثوابته ومتغيراته في التطبيق.

وقد فَعل ذلك النهج في تناوله لثنائية "الحب والحرب"، فالحب عنده يمثل كل الفضائل الراقية المؤدية إلي سبيل الكمال والجمال ـــ كما بيّنا ــــ وألية التضامن والألفة والتعاون بين أفراد المجتمع، أما الحرب فتعبر عن نقيض ذلك تماماً فالشر حربٌ على الخير، والكراهية والعنف والحقد حربٌ على الحب، والخيانة والكذب والانتهازية والغش حربٌ على الألفة والمودة والتراحم بين أفراد المجتمع، والتعصب والإرهاب والاستبداد والقهر والظلم حربٌ على سلامة الأمة.

ويعني ذلك كما ذكرنا أن مفكرنا انطلق من عاطفة الحب لترسيخ سلم الفضائل في النشأ من جهة وتوجيه المناهج التربوية صوب الفضيلة الجامعة لكل الخصال والسمات التي ينبغي غرسها في الشبيبة ليصبح إنساناً راقياً، ومواطناً صالحاً.

وقد نجح مفكرنا بطريق غير مباشر في معالجة ثنائية أخرى ألا وهي "المنقول والمعقول"، مبيناً أن الدين لم يكن قط محرضاً على العنف أو مسبباً في الشقاق بين الناس، بل أن الفهم الخاطئ للنصوص الإلهية بمنأى عن الفهم الصحيح لمقاصدها هو علة غياب الحب بيننا واستحالته إلى أطماع مادية وأغراض شهوانية.

وذهب إلى أنه لما كان الدين يأمر المؤمنين به بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي إقامة الحب ومحاربة الشر فإن ذلك بالطبع سوف يولد كراهية من قبل الذين يفعلون المنكر عن جهل أو عدم قناعة بخيرية الحب أو المعروف، فإن من الواجب في رأي "المرصفي" أن المسئول عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو العاقل الواعي العارف بالمقاصد والمألات ودونه لايصح له إقامة الحرب على المنكر أو تقويمه بالعنف أو إرهاب فاعليه ـــ أي أن محاربة المنكر فرض كفاية وليس فرض عين ـــ، والأفضل لسلامة الأمة معالجة ما يثبت أنه منكر بالحب أي بالمعروف إلا من استكبر أو اعتدى واستفحل شره وأصاب فساده كيان الأمة فحين إذاً وجب حربه دفاعاً عن الحب.

ويقول "كيف لا يتصور بين الأحزاب عداوة مع أن حزباً عظيماً مأموراً بأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويقاتل على ذلك ويشتد على ما يليه من مخالفيه، حتى يجدوا فيه غلظة بها يهاب ومن جهتها يخاف.

أفلا يكون ذلك موجباً للاحتراس ودوام استشعار العداوة؟

فإن الضعيف المغلوب المقهور لا ريب لا يريد ذلك، وتشتد كراهته له نفعه أم ضره، فلو كان هنالك سبيل لعموم الفهم حتى يضعف معنى العداوة ويقوي معنى المحبة لضبط المزاحمة والمساعدة، لسعى في تعيينه ذوو البصائر وسلكته الكافة ولكن حيث كان من كمال الوجود تحقق جميع الأضداد واستيفاء جميع الأقسام حتى صح للقائل أن يقول: (ليس في الإمكان أبدع مما كان) فإن كل شيء بالغ نهاية كما له وليس وراء النهاية ما يدخل في حد الإمكان، وجب لهذا المعنى أن يكون فصل قوم من قوم وتعيين ضابط لكل حزب يقوم به أهل الذكاء والفطنة الذين استعملوها في معرفة الحكمة، ولزوم الضبط وهدى الناس إلى منافعهم وإرشادهم إلى مصالحهم وحملهم على ذلك شاءوا أو أبوا."

وينتقل مفكرنا إلى تفسير الآيات التي أوجب فيها الله على عباده مقاتلة الكافرين والمفسدين والمعتدين، فبيّن أن الله تعالى لم يأمر بمقاتلة الأمنين من الأغيار أو المسالمين من الذين يختلفون في الملة والمعتقد بل حدد أن القتال مشروع في الإسلام ضد الذين أرادوا إخراج المسلمين من دينيهم، أو الذين اعتدوا على المسلمين لنهب ثرواتهم، وليس أدل على ذلك ـــ في رأيه ـــ من أن الله لم ينه المؤمنين بأن يحبوا أو يبروا المسالمين المخالفين في الدين بل أوجب عليهم حمياتهم ورعايتهم والوفاء في عهودهم فلا إكراه في الدين ولا نسخ للآيات المحبة بما ورد في وجوب القتال والزجر، أضف إلى ذلك ("وثيقة المدينة" وعهد النبي لمسيحي نجران).

وقد اختتم "المرصفي" حديثه عن سلامة الأمة بضرورة إشاعة التسامح والمحبة بين كل أفراد الأمة بمختلف طبقاتهم ومذاهبهم وميولهم الشخصية، مادامت تلك الأمور لا تتعارض مع صوالح جمهور الأمة، فسلامة المجموع تقتضي أن يكون الحب الذي يؤسس عليه دستور الأمة قوة تمكنه من محاربة الخارجين على ذلك الدستور، فالحب بلا حربٍ على الكراهية استسلام وضعف وليس بر وشفقة، ويقول "إذ لا يأمر بالبر ويرغب فيه إلا من كان قادراً على العقوق، وكذلك لا يؤمر بالقسط إلا من تمكن من الجور فلابد مع المرحمة واللطف في المعاملة من تحصين أسباب القوة وإتمام العدة لما عساه أن يكون ويقدر حصوله من خلل كما سلف التنبيه عليه غير مرة".

ويتضح مما سبق أن حديث "حسين المرصفي" عن ثنائية الحب والكراهية لم يكن سوى تمهيد لبرنامجه التربوي الذي شغل أكثر من45 صفحة من كتابه "رسالة الكلم الثمان"، مؤكداً أن أهم درس يجب أن يضطلع به المربون في الأسرة والمدرسة والتثقيف والتوجيه هو درس الحب، لأنه الضامن الأقوى لترابط الأمة وولاء أفرادها للوطن، وتعاونهم على كل ما فيه مصلحة لكل من ينتمي إليه وينضوي تحت رايته فكمال الأمة من اكتمال هذه العاطفة ورسوخها في وجدنها.

ويقول "التربية بمقتضى نوعاً مطلق لتبليغ الإنسان حال كماله تدريجاً، ولا نريد تربية بدنه فإنها من التربية الحيوانية .. وإذا كان حد التربية ذلك فأركانها الإنسان المُربِي، والإنسان المُربَى وما به هو التربية، أما الكمال الذي هو غايتها فهو ليكون ملحوظاً للمُربِي ومطلوباً للمُربَى، ومعتبراً بما فيه التربية أن يرى الإنسان رؤية تامة، ويجده في طبعه وجداناً ثابتاً، أن أمته بمنزلة جسم هو بعض أعضائها، فكما أن لكل عضو من أعضاء الجسم وظيفة يؤديها بالطبع لا يرى بعض الأعضاء لعمله شرفاً ولا يرى الأخر في عمله خسة، كل سهل المضي فيما خلق لأجله."

وحسبنا نشير إلى مدى تأثر مفكرنا بالأخلاق الإسلامية، تلك التي عبر عنها القرآن وصحيح السنة وكتابات مفكري الإسلام ولا سيما حديث "الراغب الأصفهاني (ت1108م)" عن فضل المحبة في المجتمع، حيث محاربة الظلم والكراهية، والبُغض والحسد في كل صوره، وكذا حديث "الغزالي (ت1111م)" عن أثر المحبة في سلوك الفرد وتشكيل طباعه وانعكاس ذلك مع الأغيار.

فللمحبة الفضل الأكبر في أمن المجتمع وسلامته، فمن الواجب أن يكون الناس كلهم متحابين متوادين وعلى كل إنسان أن يعود نفسه على محبة الناس والتودد إليهم والرأفة بهم، والمودة تكون بالنفس فإذا ضبط الإنسان نفسه الغاضبة وإنقاد لنفسه العاقلة صار الناس كلهم له أحباباً.

وفي ذلك يقول الراغب الأصفهاني "المحبة والعدل من أسباب نظام أمور الناس ولو تحاب الناس وتعاملوا بالمحبة لاستغنوا عن العدل."

فالمحبة في القلوب أفضل من المهابة، فالمهابة تنفر والمحبة تؤلف وقد قيل "المحبة أفضل من طاعة الرهبة".

والجدير بالملاحظة أيضاً تأثر مفكرنا بأخلاقيات المنفعة العامة عند الفيلسوف الإنجليزي "جيريمي بنتام (1748م-1832م)" ولاسيما في حديثه عن علاقة الفرد ـــ الذات ـــ بالأغيار فقد ذهب "بنتام" إلى أن المصلحة الذاتية تتطلب من صاحبها أن ينشد تحقيق مصلحة المجموع في غير أثره، وأن هذا هو خير طريق يسلكه إلى تحقيق مصلحته الشخصية.

وخليقٌ بنا أن نتسأل هل في مقدرونا محاربة كل أعداء الحب في أنفسنا أولاً ثم في أمتنا؟، وهل أن الأوان على ولي الأمر أن يضرب بيد من حديد على كل من يسيئون للأمة، محاولين الزج بها في أتون الهلاك، فباسم الحب أدعوه لمحاربة الكذابين والمحرضين وينكل بالانتهازيين والمتقاعسين عن النجدة وإغاثة اللهفان من ضعاف الأمة؟

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم : د. عصمت نصّار

 

يمكن للمعرفة أن تكون أداة تحرر ولكنها في الوقت نفسه يمكن أن تكون أداة سيطرة، خاصة عندما تصبح مرتبطة بالغايات والأهداف السياسية والاجتماعية القمعية التي تتوخى الهيمنة. عقل التنوير لم يعد تنويرياً، الذي كان هدفه تحرير الإنسان من الأساطير، أصبح هو نفسه أسطورة تخفي الهيمنة ودوافع المهيمنين. هذا ما أكدّه هوركهايمر في كتابه (بدايات فلسفة التاريخ البروجوازية). فالمجتمعات المعاصرة - وفقاً لهوركهايمر- أصبحت تعتمد على ابتكار وسائل جديدة للإنتاج لا من أجل بلوغ مستوى صحيٍّ معيّن فحسب، وإنما لسيطرة بعض الفئات على الأخرى. فالسيطرة أصبحت تعتمد على "العقلانية" التي بشّر بها فلاسفة ومفكرو التنوير، ولكن لم تعد لغايات تحررية. هذا النمط من العقلانية الذي سمّاه فلاسفة مدرسة فرانكفورت بالعقلانية الأداتية أو العقل الأداتي. وبهذا تحوّل الإنسان نفسه إلى أداة أو شيء. ويرى ماركوز في كتابه "الإنسان ذو البعد الواحد"، بأنّ المجتمعات المتقدمة صناعياً بدت وكأنها قادرة على الحيلولة دون أي تغيير اجتماعي أو ظهور نمط جديد للحياة أو مؤسسات مختلفة اختلافاً جوهرياً عن النظام السائد، بل أنها تضع باستمرار العراقيل أمام أي محاولة للتغيير الاجتماعي. ومن هنا يضطر بعض الأفراد إلى كبح أي نزعات "شاذة" قد تؤثر على تكيّفهم مع ما هو سائد و "طبيعي". وقد يبالغ بعض المضطهدين في مقاومة كل محاولة لتغيير الوضع القائم، معتقدين أن التغيير هو ضد مصالحهم لا ضد مصالح القوى المهيمنة عليهم. ويدخل ضمن هذا الإطار من الهيمنة بقايا ورواسب الفكر البطريركي الذي يعاد إنتاجه باستمرار من خلال السينما، والأغاني، والخطاب الديني، والخطاب الذي يتخفّى وراء "العلمية" كبعض نظريات التحليل النفسي وبعض الكلاسيكات اليسارية، وثقافة تسليع المرأة وابتذالها في هوليوود، والخطاب السياسي المحافظ، وكذلك ثقافة البورنو، كل ذلك يساهم بدرجات متباينة في تعزيز ما يسمى اعتباطاً "طبائع فطرية للذكورة والأنوثة". هو ما عبرت عنه فرجينيا وولف بالسلطة التنويمية للهيمنة التي حوّلت النساء إلى كائنات ناقصة وأشياء تُستهلك.

ذكر عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو في كتابه "الهيمنة الذكورية" أن بعض المهيمن عليهن يتبنّين وجهة نظر المهيمنين ومقولاتهم لينتهي الأمر إلى نوع من تبخيس الذات وتحقيرها. والعنف الثقافي هو من باب العنف الرمزي كما يقول بورديو، اللا مرئي حتى بالنسبة إلى بعض ضحاياه، إذ تشترك الضحية والجلاد في نفس التصورات عن العالم ونفس المقولات التصنيفية، ويعتبرا معاً بُنى الهيمنة من المسلّمات والثوابت. وفي دراسة لإفلين غودنو عن صور الجنسين في مختلف وسائل الإعلام، تضمّنت استفتاءً للأمهات والآباء، وصِفت النساء بأنهن مقارنة مع الرجال: غير مباشرات، غير منطقيات، أكثر إطناباً، ماكرات، مخادعات، أما الرجال فقد وصفوا بأنهم: تحليليون، دقيقون، تجريديون ومباشرون. تخبرنا هذه الدراسة عن الأفكار النمطية التي يتعامل معها الذكور على كونها مسلّمات لا تقبل الدحض. فهم يتمتعون بتوازن عاطفي في حالات الأزمات (وهذه الصور النمطية عن عقلانية الرجل مستفزة جدًّا لفرويد)، ويسترشدون في أفعالهم بالوقائع الموضوعية أكثر مما يسترشدون بالمشاعر اللا عقلانية، ولا تؤثر فيهم التوافه وسفاسف الأمور.

أما المرأة فهي خاضعة، مقلّدة، سهلة التأثر، أقل موضوعية، تتحكّم فيها عواطفها. وتكاد تتفق معظم النسويات على أن الفكر الذكوري متجذر في البنيات اللا شعورية والاجتماعية في مجمل المجتمعات المعاصرة، وما الاختلاف والتفاوت إلا في الدرجة لا في النوع.

في الصين مثلاً، شهدت منظمة غير حكومية مقرها بكين مُكرَّسة لمكافحة العنف ضد المرأة، زيادة في المكالمات على الخط الساخن منذ أوائل فبراير الماضي، عندما أغلقت الحكومة مدناً في مركز تفشي الفيروس. وفي لبنان صرّحت قوى الأمن أن الخط الساخن المخصّص لتلقي شكاوى العنف الأسري شهد ارتفاعاً في عدد الاتصالات التي وصلته بنسبة مئة في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وارتفعت حالات العنف الأسري في فرنسا بأكثر من ثلاثين في المئة خلال أسبوع واحد، مما دفع السلطات إلى الإعلان عن سلسلة من الإجراءات لمساعدة النساء على التبليغ عن تعرّضهن للعنف وإيوائهن. وفي إسبانيا تلقّت خطوط الطوارئ مكالمات أكثر من 18 % في الأسبوعين الأولين من الإغلاق القسري مقارنة بالفترة نفسها من الشهر السابق. وفي فرنسا أفادت الشرطة بأنه حدث ارتفاع وتيرة العنف المنزلي بنحو 30 بالمئة. وفي إيطاليا شهدت تقارير العنف المنزلي ارتفاعاً بعد وقت قصير من انتشار الفيروس، ولم يكن هناك مكان تلجأ إليه النساء اليائسات. فالملاجئ لم تستطع مساعدتهن لأن خطر العدوى كان كبيراً. وبريطانيا أيضاً شهدت ارتفاعاً مشابهاً.

أما في أمريكا،، حتى قبل الوباء؛ فقد أظهرت الأبحاث أن امرأة من كل أربع نساء أمريكيات ورجلاً من كل سبعة رجال أمريكيين تعرضوا لنوع شديد من أنواع العنف. بما في ذلك الركل والخنق أو الحروق عن قصد على يد شريك حميم. وقبل انتشار فيروس كورونا، 31 % من النساء الأمريكيات يتعرضن للعنف الأسري، وعلى الأرجح أكثر من ذلك لأن معظم الحالات لا يتم الإبلاغ عنها كما يحدث في العالم العربي. وتذكر مادلين كارليس في مقال لها عام 2019 في مجلة التايم "لماذا العنف الأسري يقتل الكثير من النساء والأطفال في أمريكا" بأن ما يقارب من مليون امرأة في أمريكا تعرضت لإطلاق نار من قِبل شريك حميم أو زوج. صحيح أنه قد تختلف أسباب ودوافع تعنيف النساء وقتلهن بين المجتمعات الغربية وغير الغربية؛ ولكن النتيجة في نهاية المطاف واحدة، كما أشارت إلى ذلك شارون أراجي في مقالها حول العنف في المجتمعات الغربية وغير الغربية، فالفروقات تكمن في أنه " في المجتمعات الغربية، الزوج أو الشريك الحميم الذكر هو الذي يطبّق جملة من الأفعال العدائية ضد المرأة بما فيها القتل، فيما تقع مسؤولية أعمال العقاب في المجتمعات التقليدية على العائلة البيولوجية للمرأة".

كذلك ثقافة البورنو السوقيّة وثقافة هوليوود الشعبيّة قد تحرض على ارتكاب جرائم جنسية، تحت مفهوم "حينما تقول المرأة لا فإنها تعني نعم". فأفلام البورنو تحوّل الجنس والرغبة الجنسية إلى عملية استعراضية سادية شبقيّة، فتبدو "حقيقيّة" أكثر مما هي عليه في الواقع، ومن هنا تكمن خطورتها في تشكيل وعي المدمنين عليها. ثقافة البورنو ليست إلا انعكاساً عصرياً لثقافة ذكورية تاريخية تتمثل في ثقافة السبي والاستعباد الجنسيّ للمرأة. وهذه الثقافة تجعل كل شيء مع المرأة مباحاً، بسبب "طبيعتها" المازوشيّة، فهي تتلذذ بالألم والإهانة، وتعشق الرجل الذي يُخضعها. وهكذا تُسقط هلوسات الذكوريّ المريض على المرأة باعتبارها انعكاساً لطبيعتها بيولوجياً ونفسياً مع تجاهل المؤسسات الاجتماعية (الدولة والدين والعائلة) التي أنتجت ومن ثم عززت استمرارية هذه المفاهيم المرضيّة. ولذلك لا ينبغي أن نتفاجأ حينما يلقى اللوم على الضحية. فهي إن استسلمت قلنا كان عليها أن تقاوم. وإذا قاومت وتعرضت لقسوة أشد في حالات الاغتصاب قلنا  كان ينبغي أن تجاريه. وإذا تعرضت لعنف في العلاقات الزوجية قلنا إنها مسؤولة عن اختيار هذا "الساديّ" وعليه ينبغي أن تتحمل نتائج اختيارها السيء. الضحية مُلامة في كل الأحوال، وبعض البيئات الاجتماعية للأسف الشديد تتعامل مع كل تجربة عنف على أنه فشل شخصي للضحية، متجاهلين حقيقة وجود ما يكفي من هؤلاء الرجال في بيئاتنا الاجتماعية ومن الصعوبة أن لا تتعثر بأحدهم.

كما أن لوسائل الإعلام تأثيراً واضحاً في سيكولوجية الرجال "العقلانيين" والنساء "العاطفيات" على حد سواء، فتشعر بعض النساء أنهن لسن جميلات بما يكفي قياساً بنجمات البوتكس ونجمات الإغراء والسينما بأجسادهن المنحوتة كتمثال من تماثيل مايكل أنجلو بينما تتحفز شبقية الرجال حد الهوس إزاء أوهام الأجساد المثالية. ولا أعرف ثقافة أو مجتمعاً معاصراً لم يتأثر بشيء من هذا القصف الإعلامي، الذي يعزز من عقد النقص فيما يتعلق بمظهر الجسد. ولقد تنبهت بعض الحركات النسوية وبعض الرائدات في النشاط النسوي مبكراً لخطورة السينما عندما تكون أداة رئيسة لنشر الأساطير الذكورية والثقافية وتأبيدها. مثلا سيمون دي بوفوار في كتابها "الجنس الثاني" تقول:" إنه من خلال هذه الأساطير التي نجدها في الأديان والتقاليد واللغة والحكايات والأغاني والأفلام نستطيع تفسير وجودنا المادي كرجال ونساء". وفي عام 1972 نشر العدد الأول من مجلة "المرأة والسينما" وهي مجلة أمريكية جاء صدورها بعد عامين تقريبا من نشر "السياسات القائمة على التحيز للرجل" لكيت ميليت و"جدلية الجنس" لشولاميث فايرستون و"المرأة المخصيّة" لجيرمين جرير، ومجموعة مقالات "أختيّة النساء قوة" لروبن مورغن، وذكر في افتتاحية العدد الأول: "إن النساء في هذه المجلة باعتبارهن جزءاً من الحركة النسائية يدركن ما تتعرض له المرأة من قمع سياسي ونفسي واجتماعي واقتصادي. والنضال لا بد أن يكون على كافة الجبهات، وسوف نناضل في مجال صورة المرأة في السينما، ودورها في صناعة السينما، أي الطرق التي تتعرض من خلالها للاستغلال وكيفية تغيير المواقف المشينة التي تنتقص من قدر المرأة والتي تتبناها الطبقة الحاكمة وعملاؤها الرجال تجاه المرأة وغيرها من المقموعين".

وإذا كان النموذج المحتذى أو الأنا الأعلى لأي مجتمع ذكورياً، فليس من المعقول أن نتوقع من من المتماهين مع المثال الأعلى أن يكونوا "نسويين" أو مناضلين ضد مصالح الطبقات المهيمنة. وللتفاوت الطبقي أيضاً وما يولده من إحباط وحقد بين الطبقات المهمشة دورٌ في إزاحة عدوان الهامشي من الطبقات المهيمنة إلى المرأة واتخاذه طابعاً جنسيا طبقياً. مثلا في رواية نجيب محفوظ "بداية ونهاية" يصف البطل حسنين مشاعره ورغباته إزاء فتاة من الطبقة الارستقراطية:"هذه امرأة إذا ركبتها فقد ركبت طبقة بأسرها" فإحساس حسنين بالدونيّة إزاء الطبقة الارستقراطية ومزاياها الاجتماعية والاقتصادية؛ لم يزده إلا تشبثاً بفحولته. وكأنه من خلال الفعل الجنسي مع فتاة ارستقراطية سيصبح فوقهم ويغير الواقع الطبقي ولو على الصعيد النفسي. لأن الجنس هنا يُنظر إليه على أنه شكل من أشكال الهيمنة والفتح والاستيلاء والتملك والظفر.

حتى التظاهر بالرعشة الجنسية ليس بريئاً حسبما ترى كاترين كينون، فهو يعد إثباتاً مثالياً لسلطة الذكورة على جعل التفاعل بين الجنسين مطابقاً لرؤية الرجال الذين ينتظرون من الرعشة الجنسية دليلاً على رجولتهم أو فحولتهم. وإذا أردت أن تحط من "كرامة" أي رجل يستبطن شيئاَ من القيم الذكورية فقل إنه "امرأة". الشتيمة الأكثر تحقيراً وإهانة. في هذا السياق ينبغي أن نستحضر ما ذكره جلال أمين في كتابه "مصر في مفترق طرق" يقول أمين: من ضمن وسائل تعذيب المسجونين في مصر تلك الوسيلة التي يأتون فيها بالمسجون السياسي، ويأتون له بجندي من جنود السجن ضخام الجثة مفتولي العضلات، وهو يحمل في يده سوطاً أو عصا غليظة، وإذا بهذا الجندي يأمر المسجون أن يهتف بأعلى صوته "قل أنا امرأة"!

وللحديث تتمة.

 

نضال البيابي

 

عدنان عويدالعلمانية في سياقها العام مشروع حياة، يقوم على استخدام العقل النقدي في الكشف عن القوانين الموضوعية والذاتية التي تتحكم في سير وآلية عمل قوانين الطبيعة والمجتمع، وبالتالي تسخيرها لمصلحة بناء الدولة المدنيّة التي على أساسها يشعر الإنسان ويعي ويمارس دوره في بناء عالمه وفقاً لما يحقق عدالته وسعادته وآمنه.

هذه هي العلمانية ودولتها العقلانية، التي ترفض أن يكون هناك أي دور لأي قوى اجتماعية تشعر بأنها هي وحدها من يمتلك الحقيقة المطلقة، إن كانت دينية أو وضعية، وبالتالي تسعى للتفرد في قرار الدولة والمجتمع، وتقوم بممارسة الاستبداد والاقصاء والقهر والظلم للمختلف معها في الرؤية أو الممارسة.

العلمانية إذن، هي السير العقلاني والمنطقي في مجتمع ودولة نحو تحقيق اقتصاد تنمية يسعى لخلق انتاج ووسائل انتاج متطورة في الزراعة والصناعة، وتحقق موازين تجارة ومدفوعات رابحة، وعدالة في توزيع الثروة الوطنية بين أبناء المجتمع. ..

والعلمانية على المستوى الاجتماعي: هي تحقيق بنية اجتماعية متوازنة خارج نطاق كل المكونات التقليدية من عشيرة وقبيلة وطائفة أو حزب شمولي، لتأكيد أو تجسيد المواطنة في هذه البنية، بعيداً عن أي تمييز أو محاباة لأي مكون من مكونات الدولة والمجتمع على حساب المكونات الأخرى.

أما على المستوى الثقافي: فالعلمانية هي القدرة على كشف وإقصاء كل الأنساق المعرفية الوثوقية والسلفية الجامدة الرافضة للتطور والتبدل والحركة ولحرية الإنسان في تحقيق مصيره، وإعادة صياغة دولته المدنيّة، واعتبار الثقافة التنويرية، والعقل النقدي هما الوسيلتان الأساس في إيصالنا إلى ما يبعث جوهر إنسانيتنا.

أما على المستوى السياسي: فالعلمانية هي القدرة على تحقيق دولة العقد الاجتماعي، أي دولة القانون والمؤسسات والتعددية والمشاركة في قيادة الدولة والمجتمع.

العلمانية البذيئة:

هي العلمانية التي يُبشر بها (شكلاً) من قبل سلطات حاكمة تدعي تبنيها للعلمانية في الدولة والمجتمع.

أي العلمانية التي يغيب في دولها اقتصاد التنمية، ويسود في بنية هذه الدول الاقتصاد الصغير والريعي والطفيلي المسيطر عليه من قبل قوى ميلشيوية. كما تغيب في تطبيقاتها عدالة التوزيع العادل بين أبناء المجتمع، وتعيش الدولة تحت مظلتها بمديونية في موازين مدفوعاتها ودخلها.

أما على مستوى المجتمع:  فهي العلمانية الشكلية في تطبيقاتها داخل الأسرة والمؤسسة والدولة والمجتمع، ففي الوقت الذي تنخر فيه قيم المجتمع التقليدي بكل مكوناته وقيمه وعاداته وتقاليده المهترئة والمفوّته حضارياً في بنية الدولة والمجتمع والأسرة. مع غياب فاضح في المواطنة ودورها في تحقيق العدالة وتكافئ الفرص. نرى هنا أشكالاً من الدعاية العلمانية تطفوا على السطح ممثلة بسمات وخصائص المجتمع الاستهلاكي القشري كما سنبين بعد قليل.

أما على المستوى الثقافي: فدولة العلمانية البذيئة تشتغل بشكل فاضح في السر والعلن على نشر الفكر الغيبي والامتثالي والاستسلامي والإقصائي، وعلى كل ما يعيق نشر وتعميم الفكر العقلاني النقدي. في الوقت الذي يظهر على إعلام هذه الدول، أشكالاً كثيرة من مظاهر العلماني الشكلية وعلى مستويات كثيرة، تندد بالفكر السلفي التكفيري، والدعوة إلى التسامح واحترام الرأي الأخر. الأمر الذي يجعل المشاهد أو المتلقي أمام حالة من الاستغراب والتناقض تدفعه للقول: (أسمع كلامك يعجبني، أشوف أفعالك أستغرب).

أما على المستوى السياسي: فدولة العلمانية البذيئة، تتحكم بها سلطات شمولية استبدادية، ترفض المختلف معها فكراً ومصلحةً، المشاركة في تداول السلطة، مسخرة كل مؤسسات الدولة المادية والمعنوية لمصلحة هذه القوى الحاكمة حزبية كانت، أو قبيلةً أو طائفةً.

نقول: إذا كانت هذه هي التجليات الأساسية للعلمانية البذيئة، فإن تجلياتها الثانوية، تدخل في نطاق (المسخرة) الفكرية والعملية معاً في دولها. ففي دول العلمانية البذيئة، تجد مظاهر علمانية تهتم كثيراً في الشكل على حساب المضمون. فدرجة تفاهتها وانحطاطها توصل المشاهد إلى درجة القرف. ففي الاعلام تجد برامج استعراضية تشتغل على العواطف المجانية، والتسويق القشري لمعنى المواطنة والعدالة والمحبة والتسامح وتنشئة الجيل الجديد، مع برامج دينية مليئة في الفكر الوعظي. يضاف إليه حفلات غناء تصرف عليها مبالغ مالية كبيرة قد تصل أجرة المطرب فيها من الدرجة الثالثة ما يساوي الميزانية السنوية لأحد المراكز الثقافية...كما تجد في هذه الأشكال الدعائية للعلمانية استغلال فاضح للمرأة (جسدا)ً في ابراز أزيائها ومكيجتها وحركتها وكل ما يحرك شهوة الرجل فيها... كما تجد أيضاً احتفالات ومؤتمرات وندوات وطنية وقومية وغيرها، يصرف عليها الكثير من الأموال خدمة لمشاريع أيديولوجية فاشلة، أو لنشاطات حزبية أو قيادية فقدت في الأساس حس المسؤولية تجاه الوطن والمواطن بعد أن أفسدتها شهوة السلطة.. فهي مشبعة بالثرثرة الثورية التي لا تلامس هوامش حياة الناس وأساسياتهم ... هذا مع انتشار فاضح لصيغ أو معطيات المجتمع الاستهلاكي في اقتناء الأشياء أو الممارسة.

ملاك القول:

لا شك أن السياسية تلعب دوراً كبيراً في تحقيق دولة العلمانية العقلانية، أي دولة المواطنة، أي الدولة المدنيّة، إذا ما توفرت لهذه العلمانية قوى حاكمة تؤمن بمصالح الفرد والمجتمع قبل إيمانها بمصالحها الخاصة ومصالح العشيرة والقبيلة والطائف والمذهب والحزب. بيد أن هذه القيادة الوطنية ذاتها لا تستطيع أن تزرع القيم العلمانية في مجتمعاتها ودولها إذا لم تتوفر لها الامكانات الموضوعية والذاتية، والأهم النيات الحسنة المشبعة بالروح الوطنية، وإلا سيظل سعيها يدور في نطاق العصابة والأيديولوجيا معا.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية.

 

 

 

عامر صالحبين ظروف الأضطرار ومستلزمات النهوض

لقد أصبح التعليم الرقمي أو التعليم عن بعد مطلبا ملحا للأساتذة والإداريين التربويين والتلاميذ وطلبة الجامعات بمختلف دول العالم بعدما تفشى فيروس كورونا، وأرغم الجميع على حجر شبه طوعي أو مفروض حسب حالة كل بلد، وهكذا تابعنا كيف تمكنت الصين وبكفاءة عالية من تمكين تلاميذها متابعة دروسهم في بيوتهم عن طريق منصات رقمية تعرض دروسا يومية وتمارين تقويمية بنفس تسلسل منهاج العام الدراسي وكأن المتعلم في قسمه أمام أستاذه وليس في منزله وراء شاشة حاسوب.

وقد حذت حذو الصين بلدان أخرى كالإمارات العربية المتحدة وباقي دول الخليج وسارت على نهجها دول أوروبا كإيطاليا وفرنسا وإسبانيا التي اضطرت لإغلاق مدارسها بعدما ضرب الوباء الجديد بقوة. إنها إذن فرصة تاريخية غير مسبوقة تخرج من رحم الأزمة الوبائية العالمية لتفتح أعيننا على تعليم جديد ومبتكر سيطبع المستقبل القريب لشكل التدريس المستجد من خلال الانتقال من تعليم السبورات والكتب والدفاتر والأقلام إلى تعليم الشاشات والآلات والتطبيقات التفاعلية الذكية والحوسبات السحابية، وسيغير بالتأكيد دور الأستاذ والمتعلم في علاقاتهما التفاعلية داخل الفصول وخارجها ودور المدرسة ككل في منظومة التكوين, ولكن بالتأكيد كل ما يجري في ظروف الأكراه الشديد للأنتقال المفاجئ الى التعليم عن بعد بتلك الكثافة ليست سهلا ولا مريحا على الأطلاق, فالسياقات الطبيعية والانتقال المخطط له هو الضمانة الأكيدة لعمليات التحول الواسع صوب التعليم عن بعد.

وقد تزامن الحديث عن استخدام التعلم عن بعد؛ لمواصلة مسيرة التربية والتعليم في ظل خوض البشرية معركة شرسة ضد كائن مجهري فرض تأثيره على جميع مناحي حياتنا، ويكمن خطره الحقيقي في أساليب انتقاله، والتي تكون في أغلب الحالات عن طريق التواصل المباشر مع المريض أو ملامسة الأسطح الملوثة، مما ألزم صانعي القرار على اتخاذ القرار الأصعب والمتمثل بمنع التجمعات واللقاءات والمناسبات الاجتماعية المحصورة في الأماكن المحددة جغرافيا، وتُعد المؤسسات التعليمية أحد أكبر التجمعات في عالمنا المعاصر، مما حدا بالدول العالمية إيقاف عمل المؤسسات التعليمية المختلفة، مثل: رياض الأطفال، والمدارس (العامة والخاصة) والجامعات والكليات ومراكز التعليم الخاص ودور الرعاية وغيرها.

وكما تقول الإحصائيات الواردة عن منظمة الأمم المتحدة للعلوم والثقافة (اليونسكو)؛ بأن عدد الطلاب الذين اضطرتهم "كورونا" إلى الانقطاع عن المدارس مليار و344 مليون، و914 ألف طالب وطالبة في 138 دولة حول العالم بنسبة 82.2٪ من الطلاب المقيدين في مدارس، منهم نحو 83 مليون طالب مدرسي في الدول العربية (بالإضافة إلى أعداد المتسربين من التعليم والمتوقفين عنه بفعل الحروب والصراعات الدائرة رحاها). وقالت المديرة العامة لليونسكو، أودرى أزولاى، فى هذا السياق: "لم يسبق لنا أبداً أن شهدنا هذا الحد من الاضطراب في مجال التعليم»، وأضافت قائلة: «إنّ إقامة الشراكات هو سبيلنا الوحيد للمضي قدماً".

والتخوف الكبير يطال الدول الفقيرة، فحسب البنك الدولي تعد البلدان الأكثر ثراءً أفضل استعداداً للانتقال إلى استراتيجيات التعلُّم عبر الإنترنت، وإن اكتنف الأمر قدر كبير من التحديات التي تواجه المعلمين والآباء. لكن الأوضاع في كل من البلدان الفقيرة ومتوسطة الدخل ليست على شاكلة واحدة، وإذا لم نتصرف على النحو المناسب، فإن ذلك الانعدام في تكافؤ الفرص سيزداد تفاقماً. فالعديد من الأطفال لا يملكون طاولات ولا كتباً، فضلاً عن صعوبة اتصالهم بالإنترنت أو عدم امتلاكهم للحواسيب المحمولة، بل هناك منهم من لا يجد مساندة من آبائهم، في حين يحظى آخرون بكل ما سبق.

وفي الدول العربية تتراوح وتختلف الطريقة المُتّبعة في التعليم عن بعد، حسب إمكانيات كل دولة على حدة، وفي داخل كل دولة، حيث فجوات رقمية قومية ووطنية، وجاهزية بنيتها التقنية التحتية، نظرًا لافتقار الكثير من هذه الدول للمستلزمات، والتجهيزات المتعلقة بالتعليم عن بعد، مع عدم توفر تجارب مسبقة لقياس مدى نجاحها في حال تطبيقها، كإجراء احترازي لمواجهة فيروس كورونا. في هذه المرحلة، أصبحت استمرارية التعليم أكثر تحدياً للطلاب والمعلمين والمؤسسات التربوية، أعني أن لا أحد يعرف حقاً ما سيحدث غداً، وكيف ستكون الأمور في الأسبوع القادم أو الأسبوع الذي يليه، هذه تجربة نحاول جميعاً التكّيف معها، علينا فقط تكريس الكثير من الجهود لتعزيز أساليب العمل والتواصل بين الطلاب والمعلمين بهدف استمرارية العملية التعليمية.

وكغيره من استراتيجيات التعليم، يأتي “التعليم عن بعد” مع مجموعة من الإيجابيات والسلبيات، أضف إلى ذلك بالطبع أنه لا يمكننا توقع نتائج مثالية من هذه التجربة نظراً للسرعة الفائقة التي اضطرت فيها المدارس إلى الانتقال إلى هذه الإستراتيجية للحفاظ على استمرارية تعليم الطلبة باعتباره أولوية قصوى في خضم تفشي الفيروس الذي شلّ المنطقة، دون أن يكون هناك أي تحضير أو تدريب مُسبق سواء أكان للإدارة المدرسية، للمعلمين، لأولياء الأمور أو للطلبة على وجه التحديد، دعونا نلقي نظرة على بعض الايجابيات والسلبيات التي ينطوي عليها اعتماد هذه الإستراتيجية.

ويتمتع التعليم عن بُعد بعددٍ من المزايا التي يمكن الإشارة إليها فيما يلي:

1- سهولة الوصول للمحتوى التعليمي: فالتعلم عبر الإنترنت هو طريقة مناسبة للأغلبية، حيث يمكن للموظفين والطلاب -بل وربات المنزل أيضًا- الحصول على دورات ومحاضرات في المجالات التي يرغبون فيها، وذلك في الوقت الذي يناسبهم. فالتعليم عن بعد يتميز بمرونة الوقت، على عكس الفصول التقليدية. فمن خلال التعليم عن بعد يُمكن للعديد من الأفراد الحصول على الدورات والدرجات العلمية من خلال حضور المحاضرات على الإنترنت في عطلات نهاية الأسبوع أو في المساء بعد انتهاء أوقات العمل. كما يعمل التعليم عن بعد على كسر حاجز الحدود، حيث لم يعد يتعين على الطلاب الانتقال من دولة إلى دولة أخرى للحصول على درجة علمية أو المشاركة في دورة تعليمية معينة، وأصبح كل ما يحتاجون إليه هو توفر إنترنت بسرعة عالية.

2- دعم عملية الاستيعاب: وذلك من خلال إمكانية تسجيل الفصول الدراسية، وقيام الطالب بمشاهدة المحاضرات أكثر من مرة حتى يستوعب المعلومات بشكل كامل، وهذا ما لا يتوافر في الفصول الدراسية التقليدية، حيث تبدأ المحاضرة وتنتهي في وقت معين، وإذا لم يتمكن الطالب من حضورها فليست هناك إمكانية بالتأكيد لتكرارها مرة أخرى، بعكس التعليم عن بُعد الذي يُمكّن المتعلمين من الوصول إلى المحتوى التعليمي في أي مكان وفي أي وقت، مما يساعد الطلاب بشكل أكبر خلال فترات التحضير والإعداد للاختبارات الدراسية.

وتشير العديد من الدراسات إلى أن الطلاب يفضلون المحتوى التعليمي القائم على التفاعل، وكذلك يفضلون مشاهدة مقطع فيديو بدلًا من قراءة صفحات كتاب. إذن، فالأدوات التي يستخدمها التعليم عن بعد تقدم المحتوى التعليمي بشكل أكثر جاذبية من التعليم التقليدي، مما يُسهّل تلقي الطلاب المعلومات وتطبيقها بشكل أفضل.

3- توفير الوقت وانخفاض التكلفة: ساهم التعليم عن بُعد في خفض الوقت اللازم للتعلم بنسب كبيرة، وهو ما يرجع إلى إلغاء الوقت اللازم لعملية الانتقال للمقر التعليمي والعودة منه إلى المنزل، كما أنه يُساهم في تخفيض التكاليف المالية بسبب عدم وجود تكلفة للانتقال، وعدم تكبد نفقات الإقامة والانتقال من دولة إلى أخرى، أو إلى مدينة أخرى داخل الدولة نفسها.

4- عوائد بيئية إيجابية: نظرًا لأن التعليم عن بعد هو وسيلة غير ورقية للتعلم، فإنه يحمي البيئة من خلال عدم استخدام واستهلاك عدد كبير من الأوراق مقارنةً بأشكال التعليم التقليدي. فضلًا عن أنه -وفقًا للدراسة التي أُجريت على دورات التعليم الإلكتروني- وُجِدَ أن برامج التعليم عن بُعد تستهلك طاقة بنسبة أقل مقارنة بالدورات التعليمية التقليدية القائمة على التواجد في الجامعات أو المؤسسات التعليمية . وبالتالي فإن التعليم عن بعد هو وسيلة صديقة للبيئة مقارنة بأنماط التعليم التقليدي.

5 ـ تعزيز فعالية المعرفة من خلال سهولة الوصول إلى كمية هائلة من المعلومات، فنحن نستخدم الإنترنت الآن لقراءة الأخبار ومشاهدة برامجنا التلفزيونية المفضلة وحجز المواعيد والتسوق وغير ذلك الكثير، بالنظر إلى الراحة التي أضافتها التكنولوجيا إلى حياتنا اليومية، لماذا يجب أن يظل التعليم تقليدياً بدلاً من الاستفادة من المزايا التي توفرها التكنولوجيا.

وايضا هناك سلبيات للتعلم عن بعد ولعل ابرزها ما يأتي:

- لم يعتد الطالب على استخدام هذا النوع من التعليم الذي يتطلب منه انضباطاً ذاتياً، وذلك نظراً لعدم تقديم برامج توجيهية ودورات تدريبية لإعداد الطلبة قبل البدء بتطبيق هذا النظام، بحيث يجد الطلاب صعوبة في التركيز عندما يكونون محاطين بمشتتات داخل المنزل، ومع عدم وجود المعلمين أو الزملاء للتفاعل وجهاً لوجه داخل الغرفة الصفية فإن فرص التشتت وفقدان المسار الزمني للمواعيد النهائية تكون عالية.

- الإنصاف هو أكبر عقبة في “التعلم عن بعد”، بالطبع لا ينطوي التحول من التعليم التقليدي إلى التعليم عن بعد على التحديات التقنية فحسب، بل التحديات الاجتماعية والمادية أيضاً، إن افتراض أن كل طالب لديه التكنولوجيا اللازمة والوقت والتحفيز والدعم للمشاركة في التعلم عن بعد يفتقد للعدالة، فلا يزال هناك تفاوت كبير من حيث الدخل والمستوى التعليمي للوالدين، ومن الممكن أن لا يمتلك كل منزل أجهزة كمبيوتر متطورة أو إنترنت عالي السرعة.

- عدم قدرة أولياء الأمور على المشاركة في تعليم أبنائهم من خلال استخدام هذه الإستراتيجية التي تحتاج تدريباً وإعداداً لأولياء الأمور وذلك لتمكينهم من المشاركة وتفعيل دورهم في استمرارية العملية التربوية قبل تبني تطبيقها، وهذا بالتأكيد يمثل تحدياً حاسماً آخر وخاصة للطلاب في الصفوف الأساسية الأولى، حيث يحتاج الطلاب الأصغر سناً إلى الكثير من المساعدة، حتى الكبار المتمرسين في التكنولوجيا يمكن أن يجدوا هذا الأمر صعباً.

- كل طالب يمتلك قدرات تعليمية مختلفة عن الآخر فلكل منهم خصوصيته، وبالتأكيد فإن نجاح العملية التعليمية يعتمد على فهم كيفية تعلم الطالب بشكل أفضل من خلال الأدوات المناسبة له، حيث لا يملك جميع الطلاب في نفس الصف نفس القدرات، لذلك سيكون من الصعب على المعلم الاهتمام بالاختلافات بين الطلاب بشكل فردي واختيار الأنشطة والطرق المناسبة التي يتفاعل بها الطلاب مع المحتوى ويتعلمونه من خلال استخدام هذه الإستراتيجية.

- تُعد المصداقية تحدياً هاماً في التعليم عن بعد حيث سيكون من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، التحكم في السلوكيات السلبية مثل الغش فيمكن لأي شخص القيام بمشروع بدلاً من الطالب الفعلي نفسه، لذلك لن يكون من السهل تقييم الطالب من خلال هذه الإستراتيجية.

أما ابرز البدائل المتاحة للتعليم عن بعد لأحتواء الأزمة الكونية فهي:

1- المواقع الالكترونية للمدارس: بحيث تدار عملية التعليم عن بعد باستخدام موقع الكتروني لكل مدرسة حكومية او خاصة، ويلزم ان يكون الموقع مبرمجا ليتوافق مع اجهزة الحاسوب بالاضافة للاجهزة الخلوية، وان يكون مجهزا لاستيعاب المواد التعليمية التي يحضرها المعلمون بطرق سهلة، وان يسمح بالحوارات التفاعلية مع الطلبة والمحتوى التعليمي والمعلم. وعلى الرغم من ان هذه البيئة تمثل الظروف الانسب والامثل لادارة تعليم الكتروني ناجح، الا ان ندرة المدارس المجهزة بذلك تجعل منه محدود الاستخدام في هذه الظروف.

2- طريقة الواتساب: بحيث يدار التعليم عن بعد عن طريق المعلمين انفسهم باستخدام وسيلة موقع التواصل الاجتماعي واتساب. هذه الطريقة مناسبة للعمل مع طلبة الصفوف الثلاث الاولى والروضة، يتطلب العمل ادارة العملية من قبل المعلم/المعلمة بانشاء مجموعات واتساب تشمل طلبة الشعبة الواحدة او جميع شعب الصف الواحد في المدرسة الواحدة التي يدرسها، ويتشارك مع باقي معلمي الصف في الاشراف على مجموعة الواتساب بعرض الفيديوهات والرسائل المرئية والصوتية لتشمل المادة الدراسية واوراق العمل وغيرها، يجب ان يقتصر الارسال على المعلمين (المشرفين)، ويسمح بالنقاش والتفاعل من قبل الطلبة واولياء امورهم وترسل الملاحظات والواجبات بعد تنفيذها على الخاص لكل معلم. يجب ان لا يبتعد الجميع عن تبادل رسائل التحية والتعارف غير التربوي الذي تتخم المجموعة برسائل غير هادفة وتشتت عن الهدف الرئيسي.

3 - طريقة الفيسبوك: بحيث يدار التعليم عن طريق المعلمين انفسهم باستخدام وسيلة موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك. هذه الطريقة تعتبر الانسب للظرف الراهن كونها تسمح بان تدار العملية التعليمية للصف الواحد في المدرسة الواحدة بجميع شعبه ولجميع معلميه.

يتطلب نجاح الطريقة ان يتم انشاء صفحة فيسبوك لكل صف دراسي في كل مدرسة ولجميع الشعب، بحيث يقتصر النشر على مشرفي الصفحة وهم معلمي ذلك الصف، بحيث يعرض كل معلم المحتوى الذي سيقدمه للطلبة ضمن جدول محدد ويتابع جميع الطلبة المادة ويطرح كل منهم تساؤلاته ويجيب المعلم على كل تساؤل بمفرده او يمرر الملاحظة والاجابة للجميع، يحدد المعلم الواجبات للمتعلمين ويطرح عليهم او بعضهم اسئلة حوارية، ويلزم لذلك ان يكون جميع المتعلمين والمعلمين على الشبكة بذات التوقيت، ويمكن ان يتم التعليم بوقت مفتوح اطول دون حضور الجميع معا على ان يتم تحديد موعد انهاء التعلم وحل الواجبات حتى موعد الحصة القادمة، يتولى معلم آخر لمادة اخرى لنفس الصف دور التعليم حسب دوره بذات الاسلوب وهكذا.

كما أن استعمال شبكات التواصل الاجتماعي يتيح استعمال سيرفرات بسرعات عالية وامكانات تخزين كبيرة دون صعوبات تقنية، ويجب على المعلمين التنبه في التعليم الالكتروني بعدم نشر محتويات تفوق مستويات الطلبة، وتقليل الاعتماد على المواد الجاهزة المنشورة في شبكة الانترنت والتركيز على جهدهم الذاتي.

يحتاج طلبتنا اليوم للعديد من المهارات الأساسية؛ لتساعدهم على استخدام أدوات التعلم عن بُعد بالصورة الصحيحة، منها:

1ـ المهارات الأساسية لاستخدام الأجهزة الرقمية، مثل: تشغيل الأجهزة وإغلاقها، تثبيت التطبيقات وإدارتها، القدرة على تسجيل الدخول للتطبيقات التعليمية، وتتضمن: إنشاء مستخدم جديد وإدارة الحساب الشخصي، والانضمام إلى مجموعات التعلم ومشاركة المصادر التعليمية وحفظها، بالإضافة إلى التعامل مع ملحقات الأجهزة الرقمية مثل: السماعات، أجهزة تسجيل الصوت والصورة وغيرها؛ لكي يكونوا قادرين على التعامل مع هذه الأجهزة بصورة صحيحة، وتوظيفها أثناء تعلمهم

2ـ مهارات البحث عبر شبكات المعلومات الرقمية (الإنترنت)، وتتضمن: قدرتهم على الوصول للمواقع الإلكترونية المناسبة للتعليم، والقدرة على البحث عن المعلومات المطلوبة ومعالجتها أو تخزينها وحفظها، مع قدرتهم على التمييز بين المعلومات الصحيحة والخاطئة.

3ـ مهارات التعلم الذاتي: لكي يكون الطلبة قادرين على التعلم وحدهم في ظروف انقطاع التعليم.

4 ـ مهارات حلّ المشكلات: وتعد هذه المهارات ذات أهمية لكونها تساعد الطلبة على التعامل مع المواقف غير الاعتيادية (المستحدثة) التي تواجههم، والعمل على تطبيق استراتيجيات لحلّ تلك المشكلات

5ـ مهارات مواجهة الأزمات: لكي يكون الطلبة قادرين على استيعاب حقيقة المواقف التي تحدث بصورة طارئة، وأخذها على محمل الجدية لا الاستهتار، والقدرة على التصرف في الأوقات الحرجة، وأن يكونوا قادرين على مواصلة تعلمهم في فترات الانقطاع، والاعتماد على أنفسهم.

ليس من السهل القول أن مرحلة التعليم عن بعد في مرحلة كورونا لا تواجه مشاكل وتحديات كبيرة، أو هي من السهل الممتنع، فإلى الآن في بعض الدول التي أطلقت برنامج الدراسة عن بعد بدأ جدل واسع لدى الأوساط الأسرية، حول وضع العائلات غير المجهزة، أو التي ليس لديها اتصال إنترنت قوي بما فيه الكفاية، كما بدأت التساؤلات تطرح بخصوص من لا يملك أجهزة كمبيوتر أو أجهزة لوحية. 

الأمور ليست واضحة لأن الظروف كانت مفاجئة، والتعليم الإلكتروني عن بعد يحتاج إلى فترة من الوقت للتكيف مع هذا النمط الجديد على المعلمين والتلاميذ وأوليائهم على حد سواء، كما أنه يحتاج إلى تنظيم ووضع مجموعة من التقنيات والتوجيهات لتوحيد الرؤية التربوية وفق منهج يتناسب مع التعليم الإلكتروني عن بعد. وبالتأكيد فأن ظروف انتشار وباء كورونا الضاغطة وبسرعة جنونية ستضع التعليم عن بعد امام اختبار صعب بأعتباره خيار أزمة وليست حل شامل يرتبط في التخطيط للتعليم في ظروف طبيعية.

 

د.عامر صالح

...................

روابط المقال:

https://ar.zenit.org/articles/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85-%D8%B9%D9%86-%D8%A8%D9%8F%D8%B9%D8%AF-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%AC%D9%87%D8%A9-%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%88%D9%86%D8%A7/?fbclid=IwAR3v5Y0ONHUWILniOPP3Cne7cFZXyBefYeDjKrsI0ZL7bhiiT7u24UF21zc

https://www.alittihad.ae/wejhatarticle/105945/%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%88%D9%86%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85-%D8%B9%D9%86-%D8%A8%D8%B9%D8%AF?fbclid=IwAR0aZR4jHm9Jm2I8ct3qOvG3SFYK7RMLI7mHtN1lb40pciHFbPZOrnFg7IU

https://futureuae.com/ar-AE/Mainpage/Item/5363/%D8%AF%D8%B1%D8%B3-%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%88%D9%86%D8%A7-%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D8%B1%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85-%D8%B9%D9%86-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D9%84%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9?fbclid=IwAR3PXb62ppYjSoskIpqLkh2cwQLdT9flYxstOemwWZrP6BIumzgYaQMMCRs

https://arabicpost.net/opinions/2020/03/20/%D9%87%D9%84-%D9%8A%D9%86%D8%AC%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85-%D8%B9%D9%86-%D8%A8%D9%8F%D8%B9%D8%AF-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%AC%D9%87%D8%A9-%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D9%83/?fbclid=IwAR1P_5rGUUV-C57sKCUOyb1zrDJK5DR2u2rnu4GWT2GYNhHzAP9Aa45Mccc

https://www.turkpress.co/node/70457?fbclid=IwAR3DskSK3NEjOzK7TXEsBH2zqG5vBMBC-zc8vOtyYVuHpI3rSpYv4jnOXtM

https://www.hespress.com/writers/463495.html?fbclid=IwAR3v5Y0ONHUWILniOPP3Cne7cFZXyBefYeDjKrsI0ZL7bhiiT7u24UF21zc

https://elaph.com/amp/Web/opinion/2020/03/1286103.html?fbclid=IwAR36Ecyt1XipD2mujO8RGU_JvfC7NR27dlheyyy1RNOaCn9zIEDeSLBLZ2k

https://newturkpost.com/article/3911-%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%88%D9%86%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%B1%D9%88%D9%86%D9%8A?fbclid=IwAR2n2ta9G1rsEt97eniaZFJ2VCdzAs4Q3Sw6hcmfzb1gtoWad3h1TPziRFw

 

 

سامي عبد العال- "عندما يَشْرع الرَّعاعُ في التفكير يتلفُ كلُّ شيءٍ".. فولتير

- الساسةُ مثل القُرود إنْ اختلفوا أفسدوا الزرع وإنْ اتفقوا أكلوا المحصول""

- الرَّعاع صناعة لمجتمعات تنهش إنسانية الإنسان وتحتسي نَخْبَ الإقصاء" "

تأسيس

يبدو أنَّ حدود عالمنا هو حدودُ الكلمات التي نتعامل معها، ولا نملك من وجودها سوى قدرتنا لاستنطاق ما تقُول. فهي حينئذ لا تفعل اعتباطاً، لكنها تعرفنا جذوراً عميقةً لواقع يطرح نفسه مراراً. هكذا تمثل الكلمات إمكانيات وصوراً باقيةً، وقد نجهل لماذا يَظْهر بعضُها بقوةٍ على مسرح الخطاب ولماذا يختفي سواها. لكن المؤكد أنَّ عالمنا الراهن يفرز ظواهر إجماليةً لها أسبابها التي لم تتبلور بعدُ. وقد ندلل عليها باللغة كأحد الوجوه الإنسانية التي ترتبطُ بالفعلِّ والفكرِ.

استناداً إلى ذلك نجد كلمةَ الرَّعَاع معبرةً عن حواشيها الثقافية بالدرجة الأولى، وليس يُخْرجُ لفظُها إلاَّ صوراً وأفكاراً حول ما يجرى اجتماعياً داخل الحياة، كما أنَّها تُلقي بالأسئلة المتوالية أكثر من الأجوبة. فالرَّعاع هم الأحْداثُ الطَّغَام (أي الأوغاد وأراذل القوم)، وهم أيضاً الغوغاء والسُوقة والأوباش، أهلُ السفه والصياح والأغلاط والوقاحة والسباب. في معجم لسان العرب، رَّعَاعُ الناس: سُقَّاطُهمْ وسَفِلتُهُمْ (1). وبحكم كون الكلمة تتقيَّأ ما في جوفها من بقايا وفضلات اخلاقية، فهي ذات حمولة ثقيلة الوطأة عبر هوامش المجتمعات، ولاسيما تلك التي تلجأ إلى اجترار التقاليد كسياج لربط الواقع بعقول الأفراد وحياتهم.

ثم تاريخياً قد تتغير كلُّ الأشياء، بالتقريب تتحول جميع المظاهر والأحداث والأزمنة ولكن تظل (معاني هذه الكلمة) ناشبةً في لحم المجتمعات البشرية حتى الآن. بل ربما تستعيد زخمها الثقافي شرقاً وغرباً لتلتصق بممارسات عامةٍ، فأضحت دالةً أكثر أمام دائرة أوسع من نمط الحياة وأفعال الأفراد وسلوك الجماعات والتنظيمات ورجال السياسة والشخصيات البارزة.

إنَّ اللغة كنظامٍ للمعنى هي القُرص الصلب Hard Disk (2) بالنسبة للوجود الإنساني، والذي يختزن آثار الثقافة بموجب السلطة المفترضة داخلها، لأنَّها سلطة شاملة وترمي خطابياً إلى القادم على طول الخط. واللغة رغم عمقها الغائر إلاَّ أنها تعيد إفراز ما تختمر به، كأنَّها ذاكرة حية تحتفظ بجميع ما يمر دون نسيانٍ. وأيضاً الكلمات تحاكي وحدات التخزين في الحاسوب مثل (البتات Bits)، وهي أجزاء وأحرف وأرقام لمعالجة البيانات وتخزينها. والكلمات مثلها تماماً وتعمل على غرارها، لأنَّ جذورا معجمية لكلمة أو أخرى إنما هي وحدات تدل على أنظمة تشغيل (جسد الثقافة) (3) بطريقة دلالةٍ مثلما تدل وحدات البت (Bits) على نظام تشغيل الحاسوب (4).

الرعاعية ظاهرةُ الإنسان المُهمل والمهمَّش والفقير من ناحيةٍ (أفقياً)، وآلية الوصولي والنفعي والمتملق من ناحيةٍ أخرى (رأسياً). وليست (في الاتجاهين) أقل من مُناخٍ طاغٍ يحُول دون انسانيتنا الحرة. تنشب أظافرها في التفاصيل اليومية بازدياد رقعة الفقر والاستغلال السياسي واشاعة روح القطيع وترسيخ أحوال الغوغاء ضمن أشكال الحياة. وتكبر الرعاعية كظاهرة ثقافية حتى تغرق الواقع، وتنتعش في أجواء القمع والفاشية السياسية بجانب الخمول والجمود الاجتماعي.

وبالتالي فاللغة بصدد اشتقاقات الرعاع وجذورها تطرح إشكالية أنَّ الرعاعية ليست تيمة أخلاقية فقط بقدر ما هي سياسية كذلك، وأنَّ ما يكمن في جوفها يرتبط بجميع أنشطة المجتمعات. فالأخلاق قد تربط أسباب الأوضاع المزرية ونتائجها بالجهاز القيمي للأفراد، لكنها في الحقيقة تخص الثقافة وسياساتها، أي عملية تسيسها وهندستها طبقياً على نطاق أعم. ومن ثمَّ فإن بعضاً من الرعاعية ضرب من استعمال الإنسان وكيانه الاجتماعي في صورة كيان مهمش ومحتقر.

عند وجودها الظاهري، تعدُّ الرعاعية صناعة ثقيلةً ناجمة عن التواطؤ بين السياسة والاقتصاد وحركة الحياة اليومية ودوماً لا تُعرف في وقتها إلاَّ بالنتائج الطافحة بروائح الازدراء والضعة. تدخل من هذا الجانب كما يقول أكثيل هونيث دائرة مجتمع الاحتقار disrespect society. فبرامج الاقتصاد التي تكرس الإفقار تُلقي بفئات اجتماعية كادحة في سلة المهملات بالمعنى الحرفي. تعرِض وجودهم لحماً عارياً أمام موجات الاستهلاك الهوجاء، فهم ليسوا إلاَّ سلعاً يغطيها الذباب الاجتماعي وهم مجرد أوراق عملة بأجسادهم في تجارة الأعضاء البشرية وصناعة الأمراض، وبالتأكيد يتم الدهس فوق وعيهم حين تظهر أحداث سياسية. وإذا كانت الرعاعية تصاحب رأسمالية عولمية، فالجانب غير المقصود فيها، أي المهمل، يبرز الجوانب المقصودة من سياسات تتأقلم مع الحياة المعاصرة.

فالرأسمالية مع ثقافة السوق واستهلاك القيم وتجارة العقول والحروب الإقليمية تتطلب تلاعباً سياسياً لإقامة امبراطوريتها العولمية. وفي هذا أخذت تتشكل وتتكيف بطرائق خاصة داخل مجتمعات متباينة على خريطة العالم. الاقتصاد السياسي للرعاعية هو الخريطة التي تظهر حركة جميع القوى بما فيها قوى اللغة والرموز والعلامات. لأنَّها أخذت تنشِّط الميراث الثقافي للفئات المهملة كنوع من الاستثمار لصالح أهدافها البعيدة محلياً وعالمياً. ولذلك تمَّ تجديد حواشي الرعاعية بأساليب جديدة ومصطلحات براقة داخل المنظمات الدولية والهيئات العابرة للقارات وتحت مصطلحات التنمية وتطوير المجتمعات الفقيرة كما في أفريقيا وأسيا.

وعلى الصعيد الاجتماعي تنزع اللغة بريق الصور الرائجة للحياة كما في لغتنا العربية، حيث تتجلى الكلمات وقد تعلقت بها الجذور المتعفنة للدلالة وقد بان امتدادها داخل مياه راكدة وصور بالية في أعماق الميراث الثقافي. ونتيجة أنَّ رتم الحياة مازال يُستثمر في هذا الميراث وبخاصة في أسواق الأنظمة السياسية، فإنَّ الرعاعية كتل لحمية لا يستهان بها في ميزان الحركة وكيفية فرض الهيمنة على المجتمعات ونهب ثرواتها.

وذلك فلسفياً يشترط التفاتنا إلى ما يلي:

كشف الأصول البعيدة لظاهرة الرَّعَاع إذا كانت اللغة تشكل صور الفكر (الموروثات).

ماذا عن أية بطانة دينية واجتماعية داخل الكلمات ستظهر جوانب أكبر للمعاني.

الكلمات جزء من جسد الخطابات الجارية التي هي عمل السلطة (بحركتها العامة).

الفاعل الخفي الذي بفضل عموميته (السلطة – الثقافة) قد أصبح مجهولاً.

لماذا امتدت ظاهرة الرعاع رغم تحولات التاريخ والثقافة زمنياً.

وجوه اللغة دروب تكمن في حياتنا الراهنة دوماً، الدروب السرية لما يحدُث.

وَجهُ الطرافة

ثمة شيءٌ طريفٌ في الجذر المعجمي للرَّعاع يبرز مسألةٍ ثقافيةٍ صعبةِ المِراس. إذ يضرب معناه في جسدٍ ما، في حالةٍ ما، في علاقةٍ ما: رَّعُ بدلالة "السُّكُون والدعة" كما يشير اللغوي عبد الله بن الأعرابي. وفي المعجم الأجنبي تأتي كلمة mobs بمعنى الغوغاء والسوقة وherds، أي القطعان البشرية السائبة التي لا ينتظمها قانون، بل ربما يعجز المجال العام عن استيعابهم كما يستوعب مواطنيه العاديين، وبخاصة مع أحداث السياسة التي تتأثر بالظروف الاقتصادية والاجتماعية.

كشف روبرت شوي ماكر shoemaker سلوك الغوغاء في إنجلترا خلال القرن الثامن عشر، معتبراً أنهم كتل بشرية تنهمك في احداث الفوضى وتتعامل مع الواقع بمنطق الأوهام، وباعتبارها السمة الطاغية على الحياة الاعتيادية العامة، حيث أعمال الشغب riots والعنفviolence والسُباب insults (5). ويشكل ذلك وضعاً ثلاثي الأبعاد: الواصف والموصوف والحال بقاعدة التاريخِ لا المنطق، ولن يتم دون ارتباطٍ ثقافيٍّ يُراكم الوضع اجتماعياً وسياسياً، ويجري اعادة انتاجه تواتراً من فترةٍ إلى فترةٍ تاليةٍ.

لكن أي وجه للطرافة في ذلك؟! هل تختزل كلمة الرعاع إيقاعاً لحياةٍ أشبه بالوثائق التاريخية لما نمارس؟! اتساقاً مع ما سبق، يمكننا أنْ نتخذ اللغة خطاباً كاشفاً لما نتكتم عليه عادة. لأنَّ الرعاع صورة ترتهن بالجوانب المسكوت عنها في المجتمعات وتحولاتها، هي ظاهرةٌ مازالت لصيقة الشأن العام كجزءٍ من أزمة حضارية تضرب اعصابنا العارية (المهمشين والسوقة والعامة).

فهذه الجوانب المظلمة في مجتمعاتنا العربية لم يطلْها ضوء باهر يوضح: كيف تكونت، ولماذا توجد حتى مع بناء الدول وخطط التنمية والتنوير وبناء المدن وشق الطرق وإعمار الصحراء وإعادة تدوير العشوائيات؟! وإذا كان الواقعُ الفوضوي المتكلس يغالب مأمُولنا عادةً، فمعالجة الرعاعية والوعي بها بمثابة حجرا الزاوية في محاولة النهوض والتحديث.

الطريف تحديداً أنَّ كلمة (الرَّعَاع - الغوغاء)- في الحالين العربي والغربي- تنقل وصفاً عن سلطةٍ ما، أي هي نتيجة وليست مقدمة بلغة المنطق، لدرجة أنَّها منحازة سلفاً لما تقُول، ولا تترك الفرصة دون إلصاق دلالتها بالموضوع. وبالتالي ستكون السلطة هي الوجه المعكوس للرعاعية في صورة مقبولةٍ وغالبة بحكم النظام السائد. أي أنَّ الاثنتين (السلطة والرعاعية) مرآتان تعكسان تفاصيل إحداهما الأخرى بدقة بالغةٍ. وأنَّ بحثاً في تكون السلطة وتاريخها هو بحث في إعادة فهم بنية وعمل ظاهرة الرعاعية.

بعبارة أوضح أنَّ دلالة الكلمة مهموسة بوضع ثقافي مُتزِّيد ومتواصل عبر اللغة. بشكل دقيق: هناك من هو قائم متعالَّ داخل الوصف ذاته (الرعاع – الراعي)، وقد وصفَ به مجموعة من الأفراد أو ألقاه إزاء حالةٍ معينةٍ. والـ (من هو) ليس المقصود به هوية ذاتية ولا العدد، إنما ثقافة عصر تضع السلطة في مقدمة المشاهد كرأس حربة تجاه (أي كان)، سواء أكان شخصاً أم جماعة. فلا يخلو لفظ الرَّعاع كوصفٍ من نَفَسٍ أخلاقي يرمقهم من الأعلى مقابل مكانتهم المتدنية. وليست الكلمة مجرد خطوط منطوقة أو مكتوبة على جدار اللغة، لأنَّها تعبر عن واقعها (كما هو).

حتى إذا وقع الوصفُ بالرعاع، فإنَّه يهوي كصخرةٍ على رؤوس أناسٍ بجوف وادٍ سحيق. فاللغة تلحق معاني الازدراء بالكلام وتستدعي رصيدها المطمور من معاني الاحتقار وإهدار قيمة الإنسان وإمكانياته. إنَّ (السكون النشط) المُشار إليه هو أبرز نبرة مزجاة لكلمة الرَّع. وبحرفية المفارقة التي تكشف أكثر مما تخفي، لا سكُّون إلاَّ بفضل الحركة التي تبرزه وتستخدمه. هنا يبدو الوصف مقذوفاً بواسطة عجلة النظام الأخلاقي القائم تحت أغراض سياسية واجتماعية. وتطال من يقف في طريقها دفاعاً عن مسارها حتى النهاية (ودوما السلطة لا ترضي بأقل من نهاية هيمنتها). لكنها تدفعنا للتساؤل حول من يقود هذه العجلة الجهنمية ؟ ومن يعبد لها طريقاً تجاه الفئات المهملة والفقيرة؟!

فهي عجلة طائشة تسير بإرادة سلطة قمعيةٍ تصنفُ الناس وتحتقرهم وتحرص كلَّ الحرص على وجودهم. وتقوم الأخلاق والخطابات واستعمالات المفردات مقامها في الحياة العامة واليومية، انتداب سلطة خفية كل الخفاء ولها طابع النفاذ مع السلوك ونمط العيش. بصرف النظر عن حقوق ما يسمى بالرَّعَاع وأهليتهم وأية ظروف وضعتهم في تلك المكانة، ودون حتى الأخذ بالقيم الإنسانية ولا أية أحوال يرزحون تحتها إنْ كان الأمر صحيحاً.

من زاويةٍ أخرى، يرصد لي سيجيل Lee Siegel كون الغوغائية ترتهن بظروف العصر حيث التطورات التقنية ووجود وسائل التواصل الاجتماعي Social Media، وقد ذكر سيجيل- نتيجة عمومية المسألة في العالم الافتراضي- مصطلح " الغوغاء الإلكتروني" electronic mobs كمصطلح رشيق إلى حد التطاير يوصِّف الوضع الحالي. فالأنترنت من وجهة نظره اعطى هؤلاء الغوغاء امتداداً وانتشاراً أكبر. السبب أنَّ العالم كله هو الحالة التي تجسدها شاشة زرقاء تتوحد بأجهزة الموبايلات والكمبيوتر والآيباد. مما خلق أوهاماً شاسعة vast illusions وضخمة يعجز عن إيجادها العالم الفيزيائي والاجتماعي المحدود، لأن في إطار الشاشات الزرقاء هناك ملايين المتابعين وملايين المعلقين والمتواصلين في الحالة نفسها (6).

على ذات المنوال، ناقشَ آخرون أنَّ حضور العنف مع الكتل البشرية التي تتنازع الهويات والأوهام حول الأصول أمر بالغ الوضوح ضمن وسائل التواصل الاجتماعي، وأنَّ السبب هو ثقافة الغوغاء مع وجود قدرات افتراضية غير اعتيادية لم تكن متاحة من قبل. وأنَّ المتفاعلين على شبكات المعلوماتية تنقصهم أساليب الحوار والفهم المتبادل بحكم تدني التصورات حول بعضهم البعض (7).

واتصالاً مرةً أخرى باللغة، جاءت كلمة Rabble لتدل على الرعاع مع اللغة الإنجليزية منذ ظهورها في اللغة الإنجليزية الوسطى باسم "rabel" في أواخر القرن الثامن عشر أيضاً. ربما جاء من فعل اللغة الإنجليزية الوسطى"rabel" الذي كان يعني "الثرثرة "، وعلى الرغم من التشابه في الصوت والمعنى، إلاَّ أنَّ "babble" و"rabble" لا علاقة لهما بذلك. يرتبط الفعل "rabel" بــ "rabbelen" الهولندية الوسطى و" "Rabbeln الألمانية المنخفضة، بمعنى "الثرثرة" . لكن كيف ننتقل من الهذيان إلى حشود من الناس؟ الاتصال قد يكون فكرة الارتباك. لا يمكن أن تشير كلمة"Rabble" ، في الاستخدامات المبكرة لها، إلى مجموعة من الحيوانات أو سرب الحشرات أو مجموعة مشوشة من الأشياء، ولكنها قد تشير أيضًا إلى سلسلة كلمات مشوشة أو لا معنى لها (8) (.

النتيجة الأكثر طرافة أنَّ الوصف بالرعاعية سيواصل هيمنتَّه على المعنى وعلى الظاهرة جنباً إلى جنبٍ طوال حقبٍ تاريخيةٍ متباعدة. فكلُّ المهمشين اجتماعياً هم ضروب من الرَّعاع بالمغزى السياسي والديني في حزمةٍ واحدةٍ. الجانب الآخر أنَّ الرعاع ما وصلوا إلى حالتهم – مثلاً- في الثقافة العربية إلاَّ بفعل فاعلٍّ. لا يوجد رعاعي واحد دون وجود من يرعاه (يؤكد مصيره) ويتركه نهباً للإهمال والفوضى حيث هو، بل يدفعه إلى نمط حياته المزري، لكونه الشرط المسبق لوجوده (أي لوجود الراعي). والفاعل هنا خفي أو متخفٍ عن قصد، إذ يمثل سلطة غالبة كما يبدو، لكنها غير واضحة. بالأقل ترى في نفسها هذا المستوى من التراتب غير المصرح به.

كذلك حينما تنظر إليهم السلطة، لن تستطيع تجنب أوصافاً تلصقها بالآخرين. لأنَّ رَّعَاعاً مهمشين هم ظاهرتها التاريخية، هم النتيجة التابعة لوجودها بهذا الإطار، هم القدر السياسي لكل عنفها وبطشها بالمجتمع. إذ تستعمل كلَّ موارد المجتمع رمزياً ومادياً في تكريس الرعاع كوجودٍ ضروري يسند هيمنتها وآليات حكمها. تستعملهم الأنظمة الحاكمة كلما أرادت، وتسقط حقوقهم متى رغبت وتستدعيهم كلما احتاجت (الانتخابات والحشود السياسية والأحزاب والمؤسسات). ولن تكون كل رعاعية كما هي في ذاتها دون أنْ يكونوا هم كنخبةٍ في ذواتهم.

 

سامي عبد العال

...........................

 (1)- ابن منظور، لسان العرب، الجزء الثاني، تحقيق نخبة من الأساتذة، دار المعارف القاهرة د. ت، ص1672.

(2)- لتوضيح الفكرة بالنسبة لبنية اللغة نعرض ذلك بمعرفة المزيد عن القرص الصلب ووظائفه التي تشبه عمل اللغة ونظامها الدلالي. فلقد ظهر اختراع الأقراص الصلبة في الخمسينيات من القرن الماضي (القرن العشرين)، وكانت عبارة عن أقراص كبيرة يصل قطرها إلى حوالي عشرين بوصة وعلى الرغم من حجمها الكبير إلاَّ أنَّها كانت تتسع للقليل من الميجا -بايتات. ولم تكن تعرف خلال ذلك الوقت بالإنجليزيةHard disk ، بل كانت تعرف بـ Fixed disks أو بالإنجليزية Winchesters، وجاءت التسمية بالإنجليزية Hard Disk بعد ذلك، لكي تتم التفرقة بينها وبين الاقراص المرنة. راجع الويكيبيديا الحرة على الرابط التالي:

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%82%D8%B1%D8%B5_%D8%B5%D9%84%D8%A8

(3)- جسد الثقافة هو الهيكل المطمور والنسيج الحي الذي لا يموت وإن مرت عليه أزمنة متوالية (هكذا بالمفارقة). لأن اللغة تعطيه علاقات من التشابك والتنوع وإعادة الظهور والتقطيع والاكتمال والضفر والطفر المتواصل في مواقف فقدت سياقها. واستعمال الكلمات يستحضر تراثها ويعيد تشغليه على غرار استعادة البيانات في الحاسوب. وعلاقة اللغة بالثقافة علاقة كشف وتورية وسلطة بعيدة التكوين.

(4)- على طريقة عمل اللغة والكلمات والثقافة تاريخياً، يتم تخزين البيانات على القرص الصلب بهيئة صفر وواحد (أرقام بسيطة) أي ديجيتال digital، يقوم الحاسوب بمعالجتها على شكل بتاتbits، أي أن كل خانة أو بت، قد تحوي صفراً أو واحداً فقط، أي تحوي نبضة كهربائية أو لا نبضة. وفي حالة القرص الصلب، فإنَّ الذرات المغناطيسية المكونة للقرص الصلب إمَّا أنْ تكون مستقطبة في اتجاه (أو شكل) معين أو لا تكون. ويتعامل معها نظام التشغيل بوصفها أجزاء أحرف وأوامر، حيث أنَّ أي تسلسل معين للأصفار والآحاد قد يكون حرفاً أو أمراً تحكمياً أو تعليمه برمجية لنظام التشغيل أو خانة لونية (عنصر صورة بكسل)، أي يكون تجمع ثماني بتات (خانات) هو بايت واحد (الذي هو حرف واحد أو عنصر واحد من صورةٍ). ثم يشكل تتالي بايتات نصوصاً وصوراً وملفاتFiles. فالملفات عبارة عن صفوف من البايتات كي ينفذها الحاسوب أو غيرها من أنواع البيانات التي قد تحتاج إلى تخزين. وعندما يلزم القراءة من القرص الصلب، يقرأ القرص البيانات على شكل blocks مكونة من مجموعة من البايتات يقوم بإرسالها للحاسوب. راجع الويكيبيديا الحرة على الرابط التالي:

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%82%D8%B1%D8%B5_%D8%B5%D9%84%D8%A8

المماثلة بين الكلمات في اللغة والوحدات في الحاسوب هنا سيتم قصدها في المتن بالأعلى، من جهة استعمال الكلمات والعبارات والنصوص الواردة به. لأن جسد الثقافة هو نظام تشغيل يتوحد بعمل اللغة وما بينمها تستغله السلطة وتستوطنه. وهذا النظام يرتبط أساساً بتاريخ المجتمعات والتراث ورؤى الحياة والعالم.

(5) - Robert B. Shoemaker, The London Mob :Violence and Disorder in Eighteenth-Century England, hambledon Continuum, London, 2004. P xiii.

(6) - Lee Siegel, Against Machine, Being Human in the Age of the Electronic Mob, FCS, Mixed Sources, New York, 2008, P 17.

(7)- Bronwyn Carlson and Ryan Frazer, Social Media Mob: Being Indigenous Online, Macquarie University, Sydney, 20018. P 13.

(8) - راجع هذه الاشتقاقات في معجم وبستر Webster Merriam على الرابط التالي:

https://www.merriam-webster.com/dictionary/rabble

 

احمد محمد بكرلماذا ننشد أسسا فلسفية لحقوق الإنسان؟

هل تساعد الأسس الفلسفية لحقوق الإنسان على تعزيز هذه الحقوق؟

هل لدارسة الأسس الفلسفية لحقوق الإنسان فائدة أكاديمية فقط أم لها فائدة عملية أيضا؟

هل توجد حاجة إلى بذل وقت وجهد في تبريرات فلسفية لحقوق الإنسان في حين يمتلئ العالم بالفظاعات؟

أصبحت فلسفة حقوق الإنسان مادة دراسية ضمن مقررات الدراسات العليا في حقوق الإنسان في الجامعات العربية، وبالطبع سبقتها الجامعات الغربية إلي ذلك بفترة طويلة. ولكن وضع قبول أو رفض فلسفة حقوق الإنسان موضع دراسة لم يحدث عربيا على حد علمي، وباستعمال محركات بحث الإنترنت حول هذا الموضوع باللغة الإنجليزية وجدت ما يتعلق بهذا الموضوع مباشرة نادرا، وكذلك الدراسات ذات الصلة بالموضوع قليلة جدا. لذلك لا أزعم أنني قد أحطت بالموضوع إحاطة تامة، وإنما انتهجت المقاربة من خلال ما أتيح لي من أدبيات، وهدفي لفت انتباه الباحثين في مجال حقوق الإنسان إلى هذا الموضوع البكر، وهو موضوع يستحق الدراسة على ما سيتضح من عرضي السريع له.

لحقوق الإنسان روح وجسد، لا بد للروح من جسد ولا يعيش الجسد بلا روح. فروح حقوق الإنسان هي فلسفة حقوق الإنسان، وتلك الفلسفة ذات ثلاث شعب: القانون الطبيعي، النزعة الإنسانية، والعقد الاجتماعي. فيؤسس القانون الطبيعي مجموعة الحقوق الجسدية مثل الحق في الحياة، الحق في سلامة الجسد، الحق في السلامة من التعذيب، الحق في الغذاء. والنزعة الإنسانية تؤسس مجموعة الحقوق الفكرية مثل حرية العقيدة، حرية الرأي، حرية التعبير. والعقد الاجتماعي يؤسس مجموعة الحقوق السياسية مثل حق الترشح للمناصب العامة، حق التصويب، حق تكوين الأحزاب السياسية. وجسد حقوق الإنسان هو مواثيق حقوق الإنسان وإعلاناتها ومعاهداتها واتفاقياتها، ولكي نحدد تاريخ ميلاد هذا الكائن لا بد من معرفة متى سكنت الروح الجسد. فلقد ساد مذهب القانون الطبيعي في زمن النهضة الأوربية، والنزعة الإنسانية ظهرت تاريخيا مرارا، واقتنع الناس بفكرة العقد الاجتماعي, وبالرغم من ظهور هذه الفلسفات لم تظهر حقوق الإنسان وذلك لغياب جسدها، إذ لم تتم صياغة هذه الفلسفات في صورة نصوص قانونية واضحة يمكن عن طريقها حماية حقوق الإنسان. وإنما كان كلاما عاما حول الحرية، المساواة والعدالة وما إلى ذلك مما يدخل في مفهوم الكرامة الإنسانية.

إعلان حقوق الإنسان والمواطن 1789م الذي أصدرته الثورة الفرنسية، صدر عن فلسفة إنسانية وهذه الفلسفة لم تكن من إبداع فلاسفة القرن الثامن عشر وحدهم، وإنما تأثر مونتيسكيو، فولتير، ديدرو، روسو وكونرورسيه بفلاسفة عصر النهضة ( فلاسفة القرن السادس عشر والقرن السابع عشر) وهؤلاء وأولئك تأثروا جميعا بالإنسانيات اليونانية والرومانية، "فمن أثينا في عهد بركليس حتى فرنسا أيام الجمعية التأسيسية نرى الرجال و الأفكار يكونون سلسلة متصلة"(1)، فجهود هؤلاء الرجال وخلاصة هذه الأفكار صيغت في مواد هذا الإعلان فكان أول مولود لدعوة حقوق الإنسان.(2)

اتجاه الرفض

يرفض هذا الاتجاه الأسس الفلسفية لحقوق الإنسان ويرى أننا لسنا بحاجة إليها، وذلك للأسباب التالية:

إن تأسيس حقوق الإنسان على أسس فلسفية ثابتة، يجعل لهذه الحقوق طبيعة أبدية ثابتة غير قابلة للتغيير أو التبديل. ولكن مايستحق الحماية من حقوق الإنسان يتغير عبر الزمان والمكان، فهل ما نحوزه من حقوق الآن هو نفس ما كان يحوزه أجدادنا في مرحلة القنص والجمع. فالمفهوم الثابت لحقوق الإنسان غير منطقي، فبعض الحقوق التي نتمتع بها الآن من المسلم أن البشر لم يكونوا في حاجة إليها في السابق وذلك مثل حق طلب اللجوء إلى الدول الأجنبية وحق المشاركة السياسية، فهذه الحقوق لم تظهر الحاجة إليها إلا بعد ظهور الدول القومية ذات السيادة(3).

ينتقد وليام سمونس William Simmons طريقة بناء قانون حقوق الإنسان، ويرى أن الطريقة الاستنباطية لبناء هذا القانون، حيث يتم النزول من أعلى إلى أسفل، فتستنبط الحقوق من النظريات الفلسفية؛ قد أضرت قانون حقوق الإنسان. فالفلاسفة من هوبز حتى وقتنا الحاضر تبنوا طريقة استنباطية مستعملين طريقة الرياضيين، فانطلقوا من مبادى أولى مستمدة من تجارب فكرية لفلاسفة واستنبطوا الحقوق من هذه الأسس الفلسفية، متخيلين حالات مجردة للإنسان، واضعين التأثيرات الاجتماعية والثقافية جانبا. و يقترح سمونس في كتابه " قانون حقوق الإنسان و الآخر المهمش" طريقة أخرى لبناء قانون حقوق الإنسان، وهي الانطلاق من أسفل إلى أعلى؛ حيث يتم البناء بطريقة استقرائية و ليس استنباطية، فننطلق من الأسفل من أحوال المهمشين فننظر احتياجاتهم وأوضاعهم وباستقراء هذه الأحوال ننطلق إلى أعلى فتتم صياغة التشريعات الحقوقية وفي ذلك ضمان نجاح قانون حقوق الإنسان(4).

حازت حقوق الإنسان على إجماع عالمي، وبالرغم من دعاوى النسبية الثقافية، إلا أن هذه الدعاوى من باب القليل الذي لا ينقض الإجماع (5). ولكن إن صح هذا القول بالنسبة للحقوق كنصوص، إلا أنه لا يصح بالنسبة للأسس الفلسفية للحقوق(6). ولكون الأسس الفلسفية غير مستقرة المعنى وهناك من يقتنع بها ومن لا يقتنع. فيرى المعارضون للأسس الفلسفية، أن التمسك بهذه الأسس يقوض القبول العالمي لحقوق الإنسان، فقد تنفر هذه الأسس أولئك الذين لا يقتنعون بها، "فرزم حقوق الإنسان مع الأسس الفلسفية يعني إجبار الأشخاص على قبول تلك الأسس مع قبول حقوق الإنسان؛ حتى لو كانوا غير مقتنعين بهذه الأسس وفي ذلك خطر على إمكانية تنفيذ الحقوق ذاتها"(7).

اتجاه القبول

يؤيد هذا الاتجاه الأسس الفلسفية لحقوق الإنسان ويراها ضرورية ويدعو إلى دراستها وفهمها، واستند إلى الحجج التالية:

كان القرن العشرون قرن حقوق الإنسان، وصارت مفاهيم حقوق الإنسان جزءا أساسيا من مفردات لغات الشعوب في جميع أنحاء العالم، وخاصة الشعوب التي كانت تناضل ضد الطغيان والقهر. وهذه المفردات التي تشكل لغة حقوق الإنسان تولدت من خلال التفكير في الأسس الفلسفية وفهمها. ويساعد فهم الأسس الفلسفية على ترجمة نصوص حقوق الإنسان بطريقة مبتكرة تساعد الشعوب على فهم الحقوق والتواصل بشأنها رغم فجوات العقيدة والثقافة، وبدون الأسس الفلسفية يصعب فهم لغة حقوق الإنسان وتصعب الترجمة الدقيقة التي توحد الفهم بين الشعوب. ويؤكد كونور جريتي Conor Gearty  في كتابه "هل تستطيع حقوق الإنسان البقاء" أن هذه اللغة ولدت بالفعل وأنها ستكون أحد عوامل بقاء حقوق الإنسان(8). فلن يستطيع نشطاء حقوق الإنسان ولا المواثيق الحقوقية الاستغناء عن لغة الأسس. وسيستمرون في استعمال كلمات قوية مثل "الكرامة الأصلية" و"الحقوق غير القابلة للتصرف"(9).

للأسس الفلسفية لحقوق الإنسان أهمية كبيرة في تفادي تفكك الحقوق وتشرذمها. فكما قلنا يؤسس القانون الطبيعي مجموعة حقوق مترابطة مثل الحق في الحياة، الحق في سلامة الجسد، الحق في السلامة من التعذيب، الحق في الغذاء. والنزعة الإنسانية تؤسس مجموعة مترابطة مثل حرية العقيدة، حرية الرأي، حرية التعبير. والعقد الاجتماعي يؤسس مجموعة مترابطة مثل حق الترشح للمناصب العامة، حق التصويب، حق تكوين الأحزاب السياسية. وهذا التقسيم مفيد؛ فمن زاوية أكاديمية تعطي هذه الأسس منطقا للتقسيم أفضل من التقسيمات الأخرى كتلك التي تقسم الحقوق إلى أجيال تبعا للتسلسل الزمني للظهور، أو تلك التي تقسم الحقوق إلى مدنية وسياسية وأخرى اقتصادية واجتماعية وثقافية، أو تلك التي تقسم الحقوق إلى حقوق أساسية وأخرى ثانونية، وغيرها من التقسيمات التي يراها أغلب المتخصصين تحكمية وغير مفيدة. ومن زاوية قانونية يسهل هذا التقسيم وضع نظام قانوني يتلائم مع طبيعة كل مجموعة حقوق.

للأسس الفلسفية لحقوق الإنسان أهمية قصوى كرادع أخلاقي للدول التي لم تنضم إلى مواثيق حقوق الإنسان(10). فهذه الدول غير ملتزمة قانونا بالمواثيق التي لم تنضم إليها، ولكن ليس معنى عدم الالتزام القانوني إطلاق يد الدول للعبث بحقوق مواطنيها أو الأجانب. وإنما عليها التزام أخلاقي طبقا للأسس الفلسفية لحقوق الإنسان، فعليها توفير الغذاء والرعاية الصحية طبقا لنظرية القانون الطبيعي، وعليها ضمان المشاركة السياسية للمواطنين طبقا للعقد الاجتماعي، وعليها ضمان حرية العقيدة طبقا للنزعة الإنسانية، إلى غير ذلك من الحقوق.

تظهر الحاجة إلى الأسس الفلسفية لحقوق الإنسان في حالة الأمور المستجدة التي نقف أمامها فلا نجد مواثيق حقوق الإنسان قد نصت عليها(11). وذلك مثل فتوحات البيوتكنولوجي وغيرها من الأمور التي يقف الإنسان أمامها حائرا لا يدري ما الخطأ وما الصواب، فهنا لا مفر من الاستعانة بالأسس الفلسفية وبالنظر المتعمق في هذه الأسس يمكن سن التشريع الحقوقي السليم الذي يحكم هذه المستجدات.

تعلن المنظمات الدولية مواثيق متعلقة بحقوق الإنسان، وتسن الدول تشريعات دستورية وتشريعات عادية ولوائح. فكيف يمكن تقييم هذه التشريعات، كيف نفرق بين مايتفق منها مع حقوق الإنسان وما يختلف، هنا "يمكن استدعاء الأسس الفلسفية لحقوق الإنسان لتعمل كمعايير نقدية نستطيع بواسطتها الحكم على القوانين"(12). فالفلسفة تعد معيارا للصواب والخطأ، فهي قانون غير مكتوب يعلو على كل القوانين التي يسنها البشر وينبغي على صناع القانون عدم مخالفة هذا القانون غير المكتوب(13). وبذلك تقوم الأسس الفلسفية بدور كابح السلوك التشريعي الخاطئ.

إذا فهم المرء الأسس الفلسفية لحقوق الإنسان صار سهل الإنقياد لقانون حقوق الإنسان، وهذه الطاعة الاختيارية مطلوبة لهذا القانون الذي لا يزال يفتقر إلى آليات التنفيذ الجبري، وبمعنى آخر فإن المرء يكون أكثر إخلاصا للقانون عندما يفهم المبررات الأخلاقية والفلسفية التي بني عليها هذا القانون(14). فتوضيح الأسس الفلسفية للحقوق يقوي التزام المؤيدين لحقوق الإنسان بهذه الحقوق، ويحول المعارضين لها إلى مؤيدين(15).

خاتمة

عرضت الموضوع عرضا موجزا، وأدعو المهتمين بفلسفة حقوق الإنسان إلى التوجه إليه، فهو يحتاج إلى بحث واسع، وإذا كان لي أن أكون مع أحد الإتجاهين، فإنني من مؤيدي الأسس الفلسفية لحقوق الإنسان، وذلك لقوة حجج المؤيدين التي عرضتها، ولذلك فإنني أتفق مع محمد سبيلا في قوله :"تبلور مفهوم حقوق الإنسان في الغرب عبر مسارين كبيرين: أولها التجارب السياسية الغربية المتمثلة في الصراع ضد الحكم المطلق من أجل الحد من صلاحياته الواسعة... أما المختبر الثاني لهذه الأفكار فهو اجتهادات المفكرين وتنظيرات الفلاسفة، وهذه الاجتهادات الفكرية، التي كانت بمثابة مختبر آخر تبلورت فيه حقوق الإنسان، لم تكن إسهامات معزولة عن سياق التاريخ الفعلي. بل كانت تفكيرا في هذه الصراعات والتحولات من جهة وإنارة وتوجيها لها من جهة ثانية. وهذا ما يبيح لنا القول بأن مفهوم حقوق الإنسان قد تبلور عبر تفاعل تجربتين تاريخيتين: تجربة الواقع وتجربة الفكر، وأنه قد يكون من التبسيط اختزال هذه الجدلية التاريخية الحارة في أحد طرفيها فقط"(16).

ومما يدعو إلى التمسك بالأسس الفلسفية، أنه بالنظر إلى نظرية القبول الاجتماعي أو غيرها من النظريات التي يدعوا إليها رافضو الأسس الفلسفية لحقوق الإنسان؛ بالنظر إلي هذه النظريات نجد أنفسنا أمام نظريات فلسفية أخرى، فمهما حاولنا البعد عن القانون الطبيعي، النزعة الإنسانية، والعقد الاجتماعي، نعود إلى نظريات فلسفية أخرى، ولذلك أقول: لا مفر من الفلسفة.

 

احمد محمد بكر

...............................

الهوامش

(1) لمزيد من التفاصيل حول المصدر الفلسفي لإعلان حقوق الإنسان والمواطن 1789, انظر الفصول الثاني, الثالث, والرابع من كتاب ألبير بابيه. المصدر السابق.

(2) هناك عدد من المفكرين اعتبروا الإعلان الفرنسي أول ميثاق لحقوق الإنسان لعل أبرزهم محمد أركون انظر مؤلفة الفكر الإسلامي: نقد واجتهاد - مصدر سابق - ص 316.

(3) Alasdair Cochrane, In Defense of Traditional Theories of Human Rights, Working Paper Series, The University of Sheffield, May 2013, P 18.

(4) William Simmons, Human Rights Law and the Marginalized Other,(Cambridge, Cambridge University Press, 2011), P3.

(5) Human rights: The Hard Questions, Editors, Cindy Holder and David Reidy, (Cambridge University Press, New York, 2013) P80.

(6) Euan MacDonald, Review of Upendra Baxi's the Future of Human Rights, German Law Journal, Vol. 05, No. 08, P.970

(7) Robert Shapiro, The Consequences of Human Rights Foundationalism, Emory Law Journal, special edition, Vol. 54, 2005,P172.

(8) Conor Gearty, Can Human Rights Survive (Cambridge, Cambridge University Press, 2006) p42.

(9) Maria Granik, The Human Rights Dialogue Foundationalism Reconsidered, Theoria, Issue 135, Vol. 60, No. 2 (June 2013) p8.

(10) In Defence of Traditional Theories of Human Rights, op. cit., p10.

(11) Ibid., P 12.

(12) Charles Beitz, The Idea of Human Rights (Oxford, Oxford University Press, 2009), P49.

(13) Alex Wallin, John Finnis’s Natural Law Theory and a Critique of the Incommensurable Nature of Basic Goods, Campbell Law Journal, V.35, Issue1, and fall 2012.

(14) Jerome Shestak, The Philosophic Foundations of Human Rights, Human Rights Quarterly, Vol.20, No.2 (May, 1998) P202.

(15)Robert Shapiro, The Consequences of Human Rights Foundationalism, Emory Law Journal, special edition, Vol. 54, 2005,P184.

(16) محمد سبيلا – الأصول الفلسفية لمفهوم حقوق الإنسان      http://www.mohamed-sabila.com/maqal3.html

 

ميثم الجنابيالتاريخ العقلاني المحتمل في العراق (1)

إن الفكرة القائلة بنهاية التاريخ، لها تاريخها العريق في الأسطورة والدين والفلسفة. لكنها حالما تنتقل إلى ميدان الفكر السياسي، فإنها تصبح جزء من صراع البدائل. فالنهاية المفترضة في التاريخ هي الصيغة "المنطقية" لرؤية النهاية في كل وجود من اجل معرفة حدوده. كما أنها تستمد مقوماتها من نهاية الإنسان والدول والإمبراطوريات والحضارات، مع بقاء الحياة ودبيبها فيما تدعوه لغة الشعر والآثار بعبارة الآمال والأحلام. وهو دبيب يتمثل مختلف مكونات ومظاهر الصراع العلني والمستتر، العنيف والسلمي بين الجديد والقديم، والاجتهاد والتقليد، والحرية والاستبداد، أي بين المكونات الملازمة لوجود الأفراد والجماعات والمجتمعات في مجرى معاناتهم للبحث عن بدائل أرقى وأفضل. وهي معاناة لا يتحمل ثقل وطئتها على العقل والضمير والوجدان غير ميدان السياسة بوصفه عالم الآمال والأحلام، أو ما دعته تقاليد الثقافة العربية الإسلامية بعبارة "الآفاق والأنفس".

وليس مصادفة أن تصبح السياسة مبدأ ومنتهى الفضيلة، وميدان تجريب الفرضيات الكبرى والصغرى للعقل النظري والعملي. وهي حقيقة التقطها أفلاطون بحدسه العميق، عندما تناول في إحدى أجمل محاوراته (بروتاغورس) قضية مشاركة الناس بالحياة السياسية، أو ما يطلق عليه اليوم العلم السياسي عبارة "القوى السياسية". فقد وضع أفلاطون في محاورة بروتاغورس إشكالية السياسة والحكمة والفضيلة من خلال تأويل المعنى الكامن في اسطورة سرقة بروميثيوس "للنار الأبدية"، بوصفها رمزا "للفنون الإلهية" وتسليمها أو إهداءها للبشر لكي يتزودوا بشيء من الحكمة السياسية، التي كانت من نصيب زيوس رب الأرباب. وهي أسطورة أرادت أن تفسر سر تزود الإنسان بنصيب من الصفات الإلهية التي نراها في بناء الهياكل وسيادة الأرباب. وهي الصفات التي يلازمها ضرورة التهذيب والتشذيب العلمي لكي لا ينقرض الوجود الإنساني بسبب الحروب. من هنا إرسال رب الأرباب زيوس لرسول الحكمة هرمس ليعلم الناس الوقار والعدالة المطلوبة للجميع1 . وهو سبب اهتمام الجميع بالفضيلة السياسية التي تتطلب نوعا من العدالة والحكمة، على عكس الاختصاصات الأخرى. وهو الأمر الذي جعل ويجعل من الممكن مشاركة الكبير والصغير، والعالم والجاهل، والنبيل والوضيع، والرجل والمرأة في السياسة والإدلاء برأيهم فيها، على عكس المهن الأخرى. فالحداد لا يتحدث بالطب، وصانع الأحذية لا يتقبل إسداء النصح واجتهاد الآراء التي يقولها غير الاسكافيين! أما في السياسة، فان الجميع تستطيع القول "أنا اعتقد" و"أنا اجزم" و"أنا أتوقع" وما شابه ذلك. وهو واقع له رائحته في أنفاس الثورة بوصفها الصفة الملازمة لهيجان الثيران، وأصواته العذبة في أنغام الإصلاح بوصفها الصفة الملازمة لروح الصلاح. كما انه الواقع الذي تتقلب فيه قلوب القوى السياسية العربية في العراق والخليج بين أصابع الرحمة والنقمة العاصفة للأحداث الدرامية الهائلة التي أعقبت "تحرير" العراق من الدكتاتورية الصدامية واحتلاله كله! وهي المفارقة الكبرى للتاريخ العربي الحديث، التي تجعل من الممكن القول، بان قرنا من الزمن قد ساد وولى بلا تاريخ، أي بلا تراكم في العقل النظري لقواه السياسية. إلا أن ذلك لا يعدم وجود أو توسع حجم القوى السياسية.

فمن الناحية النظرية والعملية ليست "القوى السياسية" سوى الطاقة القادرة على التأثير والفعل في الوجود الاجتماعي للأفراد والجماعات والدولة. ومن ثم فان كل وجود اجتماعي هو قوة سياسية بالضرورة، كما أن العقل وانعدام العقل قوة سياسية. والشيء نفسه يمكن قوله عن الأوهام والأهواء والإيديولوجيات. فهي جميعا قوى سياسية، أي طاقة قادرة على الفعل والتأثير المتنوع بالنسبة لمسار الدولة والأمم. وعموما ليس الأحياء فحسب، بل والأموات أيضا قوة سياسية. وهو واقع يمكن تتبع أثره في الحاضر واحتماله الفرضي في المستقبل. وهو الشيء الجلي في مختلف مظاهر الإحياء "الجهادي" و"المقدس" لأصنام الأصوليات الدينية والتوتاليتاريات الدنيوية. فابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب يبدوان أكثر حياة وحيوية من الغزالي وابن رشد، أو ابن سينا وابن عربي. وهي حالة تشير إلى أزمة الوعي العقلاني والدولة الشرعية وجفاف الاجتهاد الحر وتسطيح الوعي العام وسيادة الثقافة التقليدية، لكنها تعكس الحالة الفعلية للأموات، بالمعنى المادي والمعنوي، في تكريس و"تأسيس" منظومة الانحطاط العقلي والإنساني في العالم العربي المعاصر. وهي حالة عربية عامة. بمعنى أنها تعكس ديناميكية التخلف، التي جعلت من مومياء الأطلال الخربة تعويذة الحلول السحرية المميزة لمختلف نماذج الجاهلية الثقافية، وبالأخص السلفية والأصولية. وهي حالة سياسية تعكس زمن الانحطاط الفعلي في تاريخ "القوة السياسية" في العالم العربي الحديث، كما كشفت عن نفسها بصورة مرعبة في العراق!

فعندما نتأمل تاريخ "القوة السياسية" بوصفها فكرة وممارسة في العالم العربي الحديث والمعاصر، فإننا نقف أمام تقلبها المشوه في أطوار الولادة والنمو. وهي ظاهرة ليست معزولة عن طبيعة الانقطاع الراديكالي الذي حدث في بداية القرن العشرين عندما تناثرت الإمبراطورية العثمانية ومعها كل التراكم الثقافي السياسي وإشكالاته وهمومه المشتركة. أما النتيجة فهي تجزئة "العالم العربي" من حيث كونه إمكانية واقعية ضمن الكل العثماني، وتجزئة ارثه المتراكم في المرحلة العثمانية والنهضة وبداية الإصلاح الديني. ثم التجزئة الجغرافية السياسية التي جرى شحذها بصعود "الفكرة السياسية" الخالية من اثر النخبة الفكرية وإرهاصات الفكرة الليبرالية والعقلانية والنزعة الإنسانية.

لقد أدى هذا الانتقال الراديكالي إلى صعود الفكرة السياسية للقومية الوجدانية بأبعادها الوطنية، في ظل غياب أو ضعف مؤسساتي للدولة (الوطنية) والقومية على السواء. وهو خلل بنيوي عميق لا يغطي شروخه شيئا غير صبغة الأوهام السياسية والأيديولوجية. أما الصيغة العملية والأسلوب الوحيد الممكن لطلائها فهو "تثوير" نفسية العوام وزجها العنيف في سيول السياسة والتمسك بقشة الشعارات الرنانة. وحالما أصبحت هذه الحالة جزء من تقاليد الفكرة السياسية والقوى السياسية الجديدة، فإنها أخذت تتحول إلى آلية مستقلة بذاتها، بحيث أصبح من الصعب التحرر منها ما لم تبلغ حدودها الذاتية. وهي حالة لا علاقة لها بالجبر والحتمية المفتعلة، بقدر ما أنها تستمد مقوماتها من ثقل التخلف الهائج حالما يتحول إلى عقيدة سياسية. وهي الحالة التي يمكن تتبع نماذجها "الكلاسيكية" في مصر وسوريا والعراق وليبيا وفلسطين، بوصفها المناطق "المثورة" للفكرة السياسية في القرن العشرين وميدان فشلها الذريع!! وهي النتيجة التي جعلت من الممكن صعود نجم الدول الخليجية، وبالأخص المملكة العربية السعودية إلى هرم "المبادرة السياسية" العربية في القرن الحادي والعشرين، في ظل انعدام بنيوي شامل للبدائل العقلانية والديمقراطية والشرعية فيها!!

لكننا نستطيع أن نرى في هذه الحالة المقلوبة للتطور التاريخي احد مصادر الأمل التاريخي الجديد، فيما أسميته ببلوغ "الحدود الذاتية" للانحطاط، بوصفها المرحلة التي تضع مهمة بلورة الفلسفة العربية العقلانية البديلة للإصلاح والتنوير والحداثة.

فعندما نتأمل التجارب التاريخية العاصفة لصعود الراديكالية السياسية العربية الحديثة، فإننا نقف أمام استفحال دورها وتكاملها التدريجي في "منظومة" الاستبداد والانغلاق الثقافي. وهي ظاهرة ترافقت كما أشرت أعلاه إلى طبيعة التغير الهائل الذي جرى على تاريخ الجغرافيا السياسية للعالم العربي وتجزئة وتفتيت التراكم الطبيعي للرقي المدني والدولتي والاجتماعي. ومن ثم لم يكن صعود الفكرة الوطنية والقومية في ظل انتفاء شروطها الضرورية منذ عشرينيات القرن العشرين، سوى المقدمة المشوهة لتصنيع آلية الراديكالية السياسية، أي آلية الإنتاج الدائم للحثالة والهامشية والأوهام والإيديولوجيات التوتاليتارية والعقائد الأصولية. مع ما كان يرافقها من تفعيل لا عقلاني للجماهير، أي "للقوى السياسية" المتحزبة والهائجة.

وهي عملية كانت تحتوي في أعماقها على احتمال صعود الزعماء والأبطال والقواد الجماهيريين والجمهور، بوصفها ظاهرة طبيعية وتاريخية لحد ما. وذلك لأنها كانت الوجه الآخر لسيادة نفسية الغوغاء والرعاع، لكنها كانت تحتوي بالنسبة للعالم العربي على مخاطر الإعاقة التاريخية للتاريخ، أو التشويه المفتعل للمسار الطبيعي الملازم للدولة والمجتمع والثقافة والأمة. وحالما أصبحت هذه الظاهرة آلية قائمة بذاتها منذ خمسينيات القرن العشرين، فإنها تحولت إلى "مرجعية متسامية" بالنسبة للوعي السياسي الراديكالي، أو أنها جعلت من الراديكالية فكرة متسامية عبر مطابقتها مع إيديولوجيا الثورة والانقلاب بوصفها العقيدة المقدسة لحرق مراحل التاريخ. وليس مصادفة أن تصبح فكرة حرق مراحل التاريخ الصراط المستقيم لبلوغ الجنة، أو المطهر الذي ينبغي أن تحترق في مجرى عبوره كل الأوساخ العالقة على الجسد والضمير والعقل العربي. من هنا تحول انقلاب يونيو عام 1952 العسكري في مصر إلى "نموذج" الثورة، و"الضباط الأحرار" إلى نموذج "القوة السياسية" الجديدة. وسوف تكرر سوريا هذه المزاوجة بين الثورة والحرية في الأفعال والرجال عام 1954، ثم يعيد العراق تفعيلها عام 1958. بمعنى تكامل الفكرة الراديكالية وقواها السياسية الجديدة في المثلث الفعال للفكرة السياسية العربية في القرن العشرين)2 .

إن تحول الظاهرة الراديكالية إلى آلية تصنيع وتفعيل القوى السياسية "الجديدة"، وتحولها إلى نموذج في القيادة، كان يحتوي في أعماقه على سحق وحدة المنطق التاريخ في الفكرة السياسية بوصفها اجتهادا عقلانيا في إدارة شئون الدولة والمجتمع. وليس مصادفة أن تضمحل تدريجيا وتتلاشى فكرة المجتمع المدني والحرية والإدارة، وعوضا عنها تبرز الملامح الناتئة "للزعيم السياسي" و"القائد الجماهير" و"الأب الروحي". وهي صيغة كانت تتآكل فيها كل الاحتمالات العقلانية للبدائل. ومن ثم كانت تحتوي في أعماقها على تذليلها التدريجي بوصفها اجترارا للزمن أكثر مما هي تجارب التاريخ.

وكان ينبغي لهذه الظاهرة أن تبلغ ذروتها لكي تبدأ بالانحسار. وذلك لأن حقيقة "القائد الجماهيري" هو نفي للجمهور من جهة، وتمثل للعوام من جهة أخرى. وفي هذا التناقض يكمن سر اللعبة التي سرعان ما يدركها القادة والزعماء والجمهور. وحالما يبلغ كل منهم إدراك حقيقتها، فإنها تتحول عند القادة إلى مصدر النزعة الكلبية، مع ما يلازمها بالضرورة من سيادة الرذيلة السياسية، أي العمل بالعكس من المعنى الأولي والجوهري للسياسة بوصفها فنا من فنون تحقيق الفضائل العملية، أو الحكمة الاجتماعية والدولتية3 . بينما تتحول عند الجمهور إلى نفور من "السياسة" وبحث عن يقين خارج التاريخ والبشر! وهي معادلة لا عقلانية من حيث مقدماتها ومخربة من حيث نتائجها. بمعنى أنها تدفع قادة الأمس "الجماهيريين" إلى الانزواء في قلاع "الثورة" المزيفة وتحصينها بقوى القهر والقمع والاستبداد، بينما "تتعالى" الجماهير صوب "الله" بوصفه القيمة المعوضة عن اغتراب السياسة! وكلما تقترب منه، كلما تبتعد عن الواقع. وذلك لان الاقتراب هنا هو الوجه الآخر لاستفحال الدكتاتورية والاستبداد. وهي المفارقة التي تجد تعبيرها في ظهور "القادة الجدد" للقوى الأصولية، أي للسلب التاريخي الذي تعرض له العقل السياسي وبنية البدائل العقلانية، بوصفها الطاقة الكامنة للنخب الاجتماعية الحرة بشكل عام والفكرية بشكل خاص.

غير أن آلية تأليه القادة التي تجعل من نفسها زيوس وهرمس الفضيلة السياسية، أو رب الأرباب وخاتم الرسالة الأبدية! (كما نراه على سبيل المثال في شعار البعث (ذو الرسالة الخالدة!) عادة ما تؤدي إلى تصنيع شبيهها العدائي! إذ ليست السلفيات المتطرفة المعاصرة سوى الوجه الآخر للراديكاليات الدنيوية. وهي نتيجة كانت تتراكم في ظاهرة تحول القائد إلى اله! أي في استكمال التشوه التاريخي من خلال صنع النموذج المفتعل للقائد أو الزعيم الجماهيري بوصفه مسخا خالصا لسلب العقل والجمهور. وذلك لان القائد الجماهيري المصطنع لا يعيش إلا على أساس وحدة جمهور بلا عقل! وهو السبب الذي يفسر ظاهرة تحول "القادة الثوريين" إلى دكتاتوريين في الحكم وجماهيريين في القتل والسرقة!

وليس مصادفة أن يصبح السلوك السياسي لهذا النمط من القادة سلسلة من انعدام الرؤية النقدية، وزوال الحدود، والاندفاع الأهوج صوب المغامرة والمؤامرة والمقامرة. وهي العملية التي تكشف عن أن كل توغل فيها هو تصنيع "منظومي" للانحطاط كما بلغت ذروتها النموذجية في العراق قبيل سقوط الدكتاتورية الصدامية، وليبيا القذافية، بوصفها التجسيد السياسي الوحيد و"الرسمي" للفكرة "الجماهيرية"، أي النموذج الكلاسيكي لتمام الابتذال السياسي للقوة السياسية. وذلك لأنها تجعل من القوة السياسية طاقة بلا احتراف. مع ما يترب عليه من آلية جعل العوام (الجماهير) الوجه الوحيد للنخبة! وهي الصيغة الماكرة لإعدام النخبة باسم الجمهور، وتحويل الجمهور إلى قطيع الأضحية الدائمة لنزوات السلطة ورغباتها وإرادتها وتجاربها. وذلك لأن جمهور بلا نخبة هو أسلوب تآكل الجمهور. أما النتيجة فهي حرب الجميع ضد الجميع باسم الجميع! والنتيجة لا شيء! وهو الحد الأقصى الذي تبلغه الراديكالية. بمعنى تفريغها المجتمع من قواه السياسية (المحترفة) عبر دمج الجمهور في سبيكة الخضوع والتبعية. وعند هذا الحد تبلغ السياسة الراديكالية ذروتها بوصفها قوة مغتربة عن المجتمع والفضائل العملية (السياسية)، أي عن مكوناتها الجوهرية.

إن بلوغ هذه الحالة هو مؤشر على نهاية الزمن الراديكالي. وهي نهاية يمكن رؤيتها في العالم العربي المعاصر على ظاهرة أفول الراديكاليات الدنيوية وصعود الأصوليات الإسلامية. فصعود الأصوليات الإسلامية بمختلف نماذجها ومستوياتها هو الاستكمال الطبيعي لسقوط الراديكاليات الدنيوية. والأصولية الإسلامية هي التعبير الإيديولوجي والعملي عن الرغبة المسطحة ببلوغ اليقين الأبدي، تماما كما هو الحال بالنسبة للعقائد الراديكالية الدنيوية التي تجعل من تصوراتها المبتذلة ذروة الحق والحقيقة. وكما كانت الراديكالية الدنيوية تشكك بالماضي وترفضه ولا تؤمن إلا بمستقبلها التجريبي، فان السلفية الإسلامية تكرر نفس المضمون بعد إسباغ مسحة اليقين المقدس عليه. من هنا التقاءهما في مواجهة الشكوك المحتملة، أيا كان شكلها ومضمونها ومستوياتها، بما في ذلك أكثرها عقلية وعقلانية. وهي الحالة التي تؤدي بالضرورة إلى التقائهما في صراع دام لكي يندثرا كما لو أنها الموجة الأخيرة من طوفان الزمن الراديكالي. وهي الحالة التي يمكن رؤية ملامحها الجلية في ظروف العالم المعاصر، وفي العراق بشكل خاص. وهي النهاية التي تتلألأ من خلالها بداية تأسيس التاريخ الاجتماعي للقوى السياسية الجديدة. كما أنها النموذج الذي يمكن من خلاله رؤية الاحتمالات القائمة في آفاق القوى السياسية الجديدة في دول الخليج العربية.  (يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

.......................

1- وهي فكرة أسطورية تعادل الفكرة الإسلامية اللاحقة حول الربوبية المشتقة من منظومة أسماء الله الحسنى، والنبي المرسل أو الرسول بوصفه مرشدا ونذيرا للعالمين.

2- إن أول انقلاب عسكري في العالم العربي قد حدث في سوريا عام 1949 على يد رئيس الأركان آنذاك حسني الزعيم. وقد جرت قبله محاولة في العراق. غير إنهما لم يتحولا إلى "مرجعية متسامية" في الفكرة السياسية إلا بعد انقلاب 1952 في مصر. فقد طابق انقلاب 1952 في مصر نفسه مع الثورة. وجرى لاحقا تحويله إلى نموذج "رفيع" بالنسبة للتقليد السياسي والقوى السياسية الجديدة في العالم العربي. فبعد سوريا والعراق، نراه يتكرر في السودان بزعامة إبراهيم عبود، ثم اليمن وليبيا. وتكرر الأمر في جميع دول العالم العربي دون استثناء. بحيث ارتفع عدد الانقلابات "الناجحة" إلى العشرات. تحتل سوريا المرتبة الأولى (تسعة انقلابات، ثم موريتانيا ستة انقلابات، بعدها اليمن خمسة انقلابات، ثم العراق والسودان بأربعة انقلابات، تليهما لبنان وجزر القمر كل بثلاثة انقلابات. أما مصر وليبيا والصومال فقد تعرض كل منها إلى انقلاب واحد خلال تلك الفترة)

3- وهي الظاهرة التي لم يجر تحليل أبعادها النفسية والأخلاقية والانتروبولوجية في الفكر السياسي العربي الحديث، على مثال تتبع نفسية وذهنية القادة والزعماء الراديكاليين، أو "انقلاباتهم" العقائدية والسياسية على مستوى التفكير والممارسة. وهي تحولات وانقلابات ليست معزولة عن واقع التقاليد الراديكالية والهامشية التي جعلت من الممكن انتقال الجهلة والرعاع وأنصاف المتعلمين إلى ميدان "النشاط السياسي" وتصنيع خرافة الأحزاب الطبقية والاشتراكية والقومية، إلى يمكن اعتبارها، بمعايير الدراسات النفسية والانتربولوجية، باعتبارها تعويضا عن الحالة الاجتماعية الهامشية وضعف أو انعدام التأهيل العلمي.

 

محمود محمد علينحو أكثر من مليونين في أرجاء العالم، نال منهم فيروس كورونا، منهم من استعاد عافيته، ومنهم من لفظ أنفاسه بسببه، والأغلبية ما زالت تصارع الجائحة.. يحدث ذلك والدنيا بأسرها رهينة لدي كورونا.. أقعد الناس علي العمل والإنتاج.. وضرب مصالح الدول والشركات.. العالم اليوم بأسرة يخوض معركة واحدة ضد عدو غير مرئي يجتاح الكرة الأرضية؛ حيث حدود تغلق، وقارات بأكملها تعزل، جيوش تنزل الشوارع، ومدن بأكملها تعيش الحجر الصحي، كبريات الشركات تغلق أبوابها، وملايين الوظائف في خطر، والكل مشغول بقراءة عدادات الإصابات والوفيات بالفيروس المستجد، وفي الأفق يلوح مستقبل قد يكون أكثر قتامة.. الوقت من موت، لا نفع للصواريخ ولا أهمية للتسابق علي التسلح.. هنا سيصمد جميع حكام الأرض ويدخلون إلي بيوتهم ويوصدون الأبواب خلفهم.. لمن الكلمة الفصل اليوم؟

وللإجابة علي هذا السؤال يمكن القول بأنه مع ارتفاع أعداد الإصابات بشكل سريع، أدرك العالم المفزوع الحياة - المهددة بكورونا أنه لن ينقذها سياسي أو إمبراطور أو حزب، فتوجهت أنظاره إلي الطبيب المنشغل بالبحث العلمي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وأدار ظهره للسياسيين وسياستهم، وأصبح التصفيق اليومي للجيش الأبيض طقساً يومي يمارسه البشر، تقديراً لكل طبيب، وكأن البشرية عقمت أيديها من التصفيق للسياسيين..

إن الكلمة الآن للجيش الأبيض الطبي وما عاد للجيوش التقليدية المدججة بسلاحها أثر أو قيمة وكأنها ذهبت هباءً منثوراً؛ حيث الجميع متفقون أن خط الدفاع الأول يتولاه من بات يطلق عليهم الأطباء، والممرضون، والعاملون في القطاعات الطبية، دائماً تجدهم جنوداً واقفين في خط الدفاع الأول وقت الأزمات، يضحون بكل شئ، يرسم التعب والإرهاق ملامحهم في سبيل بث الأمل داخل نفوس المرضي، يبذلون جهداً مضاعفاً للعناية بمئات الآلاف للمصابين بفيروس كورونا مما قد يعرض حياتهم للخطر، واليوم تضرب جهودهم أكبر مثال عندما يقع العالم تحت تهديد خطر فيروس كورونا المستجد الذي أوقف الحياة في شرايين الدول، فنجدهم من قلب المستشفيات أبطالاً، غارقين في معاطف بيضاء، اتخذوا القرار في محاربة الوباء لاستمرار الحياة..  يقضون كل أوقاتهم في المستشفيات ولا يقابلون عائلاتهم إما خوفا من العدوي أو لعدم كفاية الطاقم الطبي.. يقدمون تضحيات وبطولات ويصابون بالإرهاق الشديد؛ خاصة في بؤر الوباء لطالما كان تجهيز الجيوش بعدد الغواصات والصواريخ والأسلحة المتطورة مصدر فخر للدول العظمي.

أطباء عظماء في الخطوط الأمامية اصطفوا وأمام عدو لا يري سلموا ووهبوا أنفسهم وما كان تسليمهم بالهين.. رجال ونساء صدقوا ما عاهدوا الله فكانوا سندا يستند عليهم الشخص السليم والمريض وحتي المعافي.. أطباء كانوا إلا أن الكورونا حولتهم إلي جنود كتائب، همهم الوحيد القضاء علي فيروس كورونا الذي تجاوز حدود الوطن دون إذن، وتربص بأرواح وصحة المواطنين.. الحرب الضروس التي خاضها ولا يزال هؤلاء ليست حرباً عاهدة النار والاقتتال، إذ إن هذا العدو لا تخمده نار ولا تلقي باخرتهم في المعركة كمامات وقفازات وبدالات بيضاء تدل عند ارتدائها علي الأمل والحياة والتحدي والشجاعة، ولأن المهنة اقتضت كانوا ولا يزالون وسيبقون علي مهمتهم ساهرون، مجندون لإنقاذ الأرواح وتقديم جرعات الأمل أمام فيروس قاتل، كان وبميدان شرف قد فتك حتي بقائد من قادة جنودنا البيض... أسماء ستبقي حتماً في لغة الإنسانية زمراً والوطنية مثالاً والمهنية شرفاً.. المسؤولية التي تقع علي عاتقهم والتضحيات التي يقدمها الأطباء دون أدني تردد منهم في سبيل سلامتنا.. أفلا تستحق أن نخفف من عثارة المشهد عليهم باحترام الحجر الصحي والبقاء في البيت.

إذن هم الجيش الأبيض الذي يقود في الصفوف الأمامية المعركة ضد كورونا.. بلجأ إليهم المصابون حتي يشفوا والمشتبه بإصابتهم كي يحددوا حالتهم والأصحاء لكي يتخذوا الوقاية من الفيروس.. طبيبات وأطباء.. ممرضون وممرضات.. مسعفات ومسعفون.. يواجهون الوباء دون كلل أو ملل..عيونا لا تنام.. وقد تنال قسطا من الراحة في أحد زوايا المستشفي.. ارهاق وتعب بعد ساعات طويلة لإنقاذ الأرواح من العدو المجهري.. أطباء وممرضون جندوا أنفسهم طواعية بمواجهة العدو مجابهة فيروس اجتاح العالم في غضون 100 يوم.. مهام شاقة للطواقم الطبية في شتي أنحاء العالم حيث تواجه نقصاً في معدات الوقاية الشخصية، وهو ما يعرض حياتهم للخطر، ويفاقم من انتشار الفيروس، وبالتالي يعرقل استمرار عملية الرعاية الصحية للمصابين.. إن سرعة انتشار الوباء تضع ضغطاً إضافياً علي الطواقم الطبية مع اضطرارهم للعمل لساعات طويلة، وفي مناوبات غير منتظمة، وبالتالي قلة النوم والشعور بالإرهاق، ولعل ما يزيد الضغوط النفسية علي الأطباء والممرضين والعاملين في القطاع الصحي، هو استمرار أزمة الوباء، وطول أمدها، وارتفاع عدد الوفيات. كذلك فإن العاملين في القطاع الصحي حتي وإن حظوا ببعض الوقت للراحة والعودة لمنازلهم، فغالباً ما يقضونها في عزله دون التواصل مع أحبائهم خوفاً علي حياتهم.

إذن الجيش الأبيض: أطباء ضحوا بحياتهم لإنقاذ مصابي فيروس كورونا المستجد الذي تفشي حول العالم وأودي بحياة الملايين من الأشخاص، فيما تعافي عشرات الآلاف بفضل تضحيات جيش الأطباء الأبيض، وفي مصر كما في مختلف دول العالم فقد أطباء حياتهم من أجل إنقاذ المصابين.. خلال الأشهر الماضية وفي بداية الجائحة أعلنت مصر أول وفاة في معركة كورونا وتوفي الدكتور أحمد اللواح – أستاذ التحاليل الطبية بعد عزله بمستشفي أبو خليفة بالإسماعيلية.. تلقي العدوي من عامل أجنبي مصاب بالفيروس كان يعمل بمصنع جنوبي بورسعيد... وفي الصين أودي فيروس كورونا بحياة الطبيب " لي وين ليانج " – أول من حذر السلطات بوجود فيروس وتلقي تهديدات بعدها.. وفي فرنسا أعلن وزير الصحة وفاة طبيب بكورونا المستجد عمل بالطوارئ في أول المناطق المتضررة بالبلاد وتوفي سريعا بعد نقله للعزل الصحي، وفي إيطاليا توفي أكثر 500 طبيبا أحدهم اضطر للعمل من دون قفازات نظرا للعجز الكبير في المعدات الطبية، وتحدث الطبيب الراحل مارسيلو ناتالي عن الظروف الكارثية التي يعمل فيها الأطباء الإيطاليون بسبب الارتفاع المهول في عدد المصابين وعجز المنشآت الصحية عن معالجة المرضي، وفي إنجلترا أعلنت وفاة طبيب عربي أمجد الحوراني – استشاري في الأذن والأنف والحنجرة – أول طبيب يعمل في الخطوط الأمامية في حرب كورونا، وفي أمريكا توفي الدكتور أسامة رياض طبيب يمني يعمل في أحد المشافي بنيويورك، وفي إيران توفي 77 طبيبا بينهم رئيس نقابة أطباء مدينة رشت.. تحية لرجال البالطو الأبيض شكرا لكم..

فتحية للجيوش البيضاء في وطني وفي كل أوطان العالم، الذين يقفون صفاً واحداً، وجميع الذين معهم في الصفوف الأمامية من جميع التخصصات، لصد الوباء واجتثاث المرض وواجب علينا أن نقول مع القائلين في حقهم تلك الكلمات: أيها البطل.. أنت علي ثغر من الثغور.. إياك ثم إياك أن يؤتي وطنك من الثغر الذي تقف عليه وإليك أخي هذه الكلمات : قم يا طبيب انهض فأنت اليوم في الميدان فارس.. قم يا طبيب افتح لنا تلك المعاهد والمدارس.. قم يا طبيب أعد لنا عبق المساجد والكنائس.. قم أيها البطل الذي حمل المدافع والمتارس.. سهر الليالي وحده وسواه في الميدان ناعس.. قم فارسم البسمات فوق شفاهنا فالكل بائس... أنت الذي أفنيت عمرك من طبيب أو ممارس.. لا تعرف الراحة في مايو ولا في شهر مارس.. وتصيبك العدوي بلا دية ورب العرش حارس.. وملائكة الرحمات خلفك من كواعب أو أوانس.. ولعلهن أرامل ولعلهن من العرائس.. أنتم حديث بيوتنا.. أنتم مسرات المدارس..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقل بجامعة أسيوط

 

 

مصطفى غلمان"فيروس كورونا كمثل الأحداث الميتافيزيقية تعيد ترتيب العلاقة مع "المحسوس" بما هو كذلك، وذلك بأن تتجرّأ لأوّل مرة على الدخول في علاقة تكنولوجية مع "اللاّمرئي" بوصفه جزءا لا يتجزّأ من مادة الكينونة في العالم كما تنفعل بها أجسامنا. إنّ المحسوس لا يوجد خارجنا، لأنّ "الخارج" الأنطولوجي لا وجود له".  فتحي المسكيني

ترتفع بؤر الإصابات بالفيروس كورونا المستجد، في التصاعد على مستويات تشهد انزلاقات خطيرة، ترتبط بعدم اتخاذ التدابير اللازمة والإجراءات الاحترازية الصحية المعمول بها، طبقا لقرارات المسؤولين الحكوميين، خصوصا في التجمعات العائلية ووحدات الشغل التجاري والصناعي، والأسواق التجارية الخاصة، وقبل ذلك العشوائية منها. فقد أكد محمد اليوبي، مدير مديرية علم الأوبئة ومحاربة الأمراض بوزارة الصحة، على أن الحقائق المرة التي نعيشها، بين آمل بتراجع ارتفاع أعداد المصابين، ومتابع لمشاكل تدبير المرحلة، أن 114 حالة مؤكدة بفيروس كورونا خلال الـ24 ساعة الماضية سجلت في بؤر عائلية ووحدات تجارية وصناعية.

والشيء بالشيء يذكر، حيث إن الأرقام المعلنة من قبل الجهة الرسمية، تؤكد تصاعد هذا المنحى، بعد تسجيل 136 إصابة مؤكدة جديدة بفيروس كورونا المستجد خلال الـ24 ساعة الماضية، ليرتفع العدد الإجمالي للمصابين بالفيروس في المغرب إلى 2024 حالة.

والذي يوثق هذا المنحى، ويعقد الوضعية الحالة الوبائية ببلادنا، إصابة "114 حالة من أصل 136 المسجلة تم اكتشافها في محيط حالات أخرى، وبالخصوص بؤر ظهرت في بعض الوحدات التجارية والصناعية وفي وسط عائلي لدى بعض الحالات"، ما يؤكد انتظارات سلبية أخرى في مضمار تحليل الأرقام التي بين أيدينا.

يمكن التمثيل هنا بالحالات الوبائية الجديدة التي سجلت على مستوى الدار البيضاء ومراكش وفاس ومكناس، حيث تلتئم النظرية الرسمية بالوقائع المسجلة تحت أنظارنا، دون أن نحرك ساكنا.

هواجس كثيرة ستستبد بنا، خصوصا إذا علمنا أن بؤرا وبائية تتمدد بفعل الجهل المركب للعديد من أصحاب المصانع والمحلات التجارية، الذين يستمرون في خرق أنظمة التدبير المعلنة؟

من جهة أخرى تستمر مقاربة، التتبع الدقيقة ل "12191 مخالطا؛ ضمنهم 5338" ما زالوا إلى الآن تحت المراقبة الصحية، بينما تم تسجيل 879 حالة مؤكدة في صفوف هؤلاء المخالطين من أصل 2024 حالة المسجلة بالمملكة، وهو ما ينتج عناصر تشكيك في الحصة المائوية للصحاب النتائج المخبرية المنتظرة، وتكييفها مع سياقات تأطير الحالة وإعادة صناعة الأمل من جديد.

يجب الاعتراف مبدئيا بجهود الدولة في الحد من تداعيات الجائحة، وهو ما يبدو واضحا وجليا في الاستراتيجية المتبعة، على أعلى مستوى في البلاد، انطلاقا من سلة الاجراءات الاحترازية المتخدة في ذات الشأن، ومرورا بالقضايا المهمة المرتبطة بمحفزات المواجهة المعنية، يمكن التذكير هنا بسلسلة كرونولوجية من قرارات الدولة، كصندوق تدبير جائحة كورونا، ووتعويض الأجراء بالمؤسسات غير المهيكلة، وإعفاء مكتري الأحباس، وانتهاء بالنقاط القريبة جدا من واقع الصحة، التي أبانت أطقمها الطبية، عن وطنية وعمل دؤوب غير مسبوقين، ثم استمرار تأهيل المختبرات الجهوية في لعب أدوار طلائعية لتحسين أداءات التحاليل المخبرية وتبسيط إجراءات خضوعها للزمن والفعالية.

وفي هذا الإطار أصبح للمختبرات المرجعية للتحليلات، في مدن محورية كمراكش وآكدير والرباط وفاس، بالإضافة طبعا إلى مختبر باستور بالدار البيضاء ومختبرات المستشفيات العسكرية، ومختبرين تابعين إلى مؤسسات طبية شبه خاصة، أهدافا دقيقة ورؤى حاسمة في القابلية والجاهزية للتدبير المحكم والاستثنائي.

وبناء عليه، فالأرقام الرسمية المعلنة لحد كتابة هذه السطور إيجابية، فيما يخص مجموع التحاليل المخبرية، التي أجريت، حيث وصلت إلى 730 تحليلة طبية بمجموع التراب الوطني؛ بينما بلغت الحالات المستبعدة، بعد تحاليل مختبرية سلبية، 8626 حالة منذ بداية انتشار الفيروس بالبلاد، وإلى حدود الساعة السادسة من مساء اليوم.

هناك نظرية تقول عن استمرار الشك، حتى يتبث العكس. وهو ماذهب إليه الفيلسوف إدغار موران، في حوار أحري معه مؤخرا، قال (سرعان ما أدركنا أن هؤلاء العلماء دافعوا عن وجهات نظر مختلفة جدًا وأحيانًا متناقضة، سواء حول التدابير التي يجب اتخاذها، أو العلاجات الجديدة التي يمكن أن تستجيب للطوارئ، وكذلك العقار الذين يجب اعتماده للعلاج، أو طول مدة التجارب السريرية… كل هذه الخلافات تثير الشك في أذهان المواطنين).

ولكن المنطق يفرض أن عدم اليقين قد يؤدي إلى الفناء السيكولوجي، لأن الأحوال تتغير بالطريقة التي يمكنها من تأمين احتياجاتنا المعنوية قبل المادية.

وهو نفس المنحى الذي أقر به إدغار موران، في نفس سياق السؤال البدهي، "ماذا يمكن أن تشكل عدم اليقينيات؟"

حتما، فجوابه الشافي يغنينا عن تشويه منطق الحياة: (يجب أن نتعلم قبول عدم اليقينيات والعيش معهما، في حين أن حضارتنا قد غرست فينا الحاجة إلى مزيد من اليقين بشأن المستقبل، غالبًا ما يكون وهمًا، وأحيانًا يكون تافهًا، فعندما نقوم بوصف بدقة ما سيحصل لنا في عام 2025! فيجب أن يذكرنا هذا الفيروس بأن عدم اليقين لا يزال عنصرًا منيعًا في الشرط الإنساني. لن تتمكن جميع التأمينات الاجتماعية التي يمكنك الحصول عليها من أن تضمن عدم إصابتك بالمرض أو أنك ستكون سعيدًا مع عائلتك ! نحاول أن نحيط أنفسنا بالحد الأقصى من اليقين، لكن العيش هو التنقل في بحر من الشكوك، من خلال جزر وأرخبيلات اليقين الذي نشكل إمداداتها..).

 

د. مصطفى غلمان

 

حاتم حميد محسنيؤكد الرواقيون وفي مقدمتهم ماركوس اورليوس على أهمية مقاومة الظنون والابقاء على التفكير العقلاني وتذكّر دائما حتمية الكوارث.هذه المبادئ جرى تطبيقها عندما حل الطاعون الانطوني، فهل يمكن تطبيق المبادئ ذاتها على كارثة الوباء الحالي كوفيد 19 ؟

بدأ الطاعون الانطوني اولاً في الشرق، ربما قريب من المنطقة التي بها الصين الحالية، ثم انتشر حالا في الغرب حين نقله الجنود والتجار العائدون من السفر. وبعد وقت قصير تفشىّ الفايرس المميت في المدن الاوربية الواحدة تلو الاخرى. ذلك الطاعون تفيد التقديرات انه قتل خمسة ملايين شخص في انحاء الامبراطورية الرومانية. لقد تحول المرض الى وباء استمر من عام 166 الى عام 180 م حيث كان من بين أشهر ضحاياه ماركوس اوريلوس والذي اُطلق فيما بعد على سلالته الحاكمة انطونيوس (اسم الوباء). كان الطاعون اختبارا للرواقية ولأهم رجالها ماركوس اورينوس. بعد جيل من الوباء كتب المؤرخ (Cassius Dio):

لم ينل ماركوس اورينوس القدر الذي يستحقه، فهو لم يكن قوي الجسد وكان دائما يواجه مشاكل لا حصر لها طوال فترة حكمه. لكني شخصيا، اعجب به لسبب واحد وهو انه في وسط الصعوبات الاستثنائية الغير عادية استطاع إنقاذ نفسه وكذلك الحفاظ على الامبراطورية.

كان الطاعون من اكبر التحديات امام حكم ماركوس. هو بدأ بكتابة التأملات (The Meditations) بعد وقت قصير من اجتياح الوباء لمعسكرات جنوده. كان ماركوس أشار مرة واحدة فقط للوباء، وهو يلاحظ التفسخ الاخلاقي للروح باعتباره اكثر خطورة من الأضرار الجسدية للوباء.هو يذكر ان الكذب، الادّعاء، الافراط في الفخامة والفخر هي نوع من الشرور المدمرة. الوباء، كما يقول، يهاجمنا فقط فيزيقيا بينما هذه الشرور تهاجم طبيعتنا الداخلية، تحطّم ما هو ضروري لإنسانيتنا. في الحقيقة، عبّر (Cassius Dio)، الذي عمل كساناتور في ظل حكم الوريث والابن المنحط لماركوس، عن فكرة مشابهة. يدّعي (ديو) ان روما مات فيها وحدها حوالي 2000 ضحية من الطاعون كل يوم، لكنه يستمر بالقول ان هذا المرض يتضاءل بالمقارنة مع الفساد الذي نخر الامبراطورية بواسطة كومودوس، الذي حكم كمستبد مستغلا الموقف للاستحواذ على المزيد من السلطة. كذلك، ذكر لنا مؤلف روماني آخر وهو (Philostratus )، بان الامبراطور بعد ان شهد المعاناة الناجمة، رغم رواقيته، أذرف الدموع عندما سمع امراً من الجمعية الاثنية يطلب "الرحمة لمن ماتوا في الوباء". المؤرخ اوغستا (Augusta) ادّعى بانه في ذروة الوباء مات عدة الاف وكان لابد من اخلاء جثثهم من مدينة روما بعربات تجرها الخيول. قيل ان ماركوس بنى عدة نصب تذكارية للنبلاء الذين قضوا في هذه الفترة. وفي مثال على طيبة القلب التي عُرف بها، أمر الامبراطور بآداء مراسيم جنائزية للطبقة الدنيا تُدفع تكاليفها من الدولة. في بداية "التأملات" يعرض ماركوس مطولا واحدة من الاستراتيجيات الرئيسية للرواقية لتطوير مرونتها السايكولوجية الشهيرة. هو يصف السمات التي اعجب بها كثيرا في عائلته، اصدقائه ومعلميه وحوالي 17 شخصا. طوال حياته، لاحظ ماركوس كيف تعامل مختلف الناس مع الضغوط النفسية والمعاناة الجسدية الناتجة عن الامراض المزمنة. البعض تعامل بشكل افضل من الآخرين. نحن نستطيع النظر الى "التأملات"كما لو انها تتشكّل من هذه الملاحظات.

يقول ماركوس ان مرشده الرئيسي في الرواقية، وهو ابولونيوس (Apollonius)، بقي تماما نفس الرجل، غير آبه ولا مهتز اثناء الألم الشديد والمرض الطويل. هو بيّن لماركوس كيف يتصرف بحماس، مسترشدا بالعقل، ومسترخيا حول الأحداث الخارجية التي هي خارج سيطرتنا المباشرة. تأثر ماركوس بوضوح بـ "الشخصية التي لا تُقهر" التي تجسدت بهذا القائد العسكري المحنك والرواقي الصلب، حين كان يحتضر. وفي مكان آخر يشكر ماركوس الآلهة لأنه كان محظوظا جدا ليتعرف على ابولونيوس وماكسموس شخصيا. هما وفرا له امثلة حية عن معنى اتّباع الرواقية كطريقة في الحياة.

يشير ماركوس ايضا الى رسالة كتبها مؤسس الفلسفة المنافسة ابيقور، عندما كان يحتضر من مرض مميت قبل أربعة قرون. هو يكتب اننا عندما نقاسي لا يجب ان نتحدث باستمرار عن المعاناة، لا نشتكي بافراط او نعيش كثيرا في الجانب السلبي من الاشياء. بدلا من ذلك، استغل ابيقور مرضه الطويل كفرصة لتطبيق الفلسفة على الموقف، وبالتالي هو يوضح لأصدقائه كيف يمكنهم القيام بهذا بشكل بنّاء. هو ركز انتباهه على اختبار السؤال عن الكيفية التي يحافظ بها الذهن والوعي بالألم على صحته والاستفادة من التجربة. ماركوس يقول لنفسه، حتى في الامراض الشديدة، يجب ان يبقى متمسكا بالرواقية، كفلسفة له في الحياة، ويظل منتبها في كيفية التفكير والتصرف استجابة للألم والمعاناة التي يتحملها.

فوق كل ذلك، تطمح الرواقية القديمة لتعليم أتباعها كيف يعيشوا حياتهم بطريقة عقلانية . مثال على هذا كان اصرارها على التشبث بالحقائق . الرواقيون لا يسمحون للبلاغة العالية التحفيز او الأحكام القيمية ان تشوّه فهمهم للحقيقة. ماركوس يحذر نفسه من الذهاب الى ما وراء ما يمكن ملاحظته في الازمات، مثلما لو وقع احد ابنائه مريضا. هو كان لديه 14 ولدا، نصفهم ماتوا قبل وفاته. عندما مرض احد اولاده أصر ماركوس ان يركز على اللحظة الراهنة بدلا من السماح لذهنه بالاضطراب حول فقدان الابن. هو سوف يواجه ذلك لو حدث له لكن في الوقت الحاضر هو يجب ان يتعامل مع ما يحدث حقا الان وهنا، وهو المرض. التصقْ بالحقائق، لا تضيف اي شيء حول كم هي الاحداث مقلقة.

في الحقيقة، كما هو يقول، اذا كان عليك ان تضيف شيئا ما لملاحظاتك، تذكّر ان المصائب كالامراض والموت يجب ان لاتسبب الدهشة لأنها جزء من النصيب العام للبشرية. هذا مبدأ اساسي آخر للفلسفة الرواقية: نحن يجب ان نكون مستعدين جيدا لكل شرور الحياة حتى الاشياء الكارثية كالطاعون الكبير. الرواقي الحكيم او المرأة الرواقية لا ينزعجان بالمرض او الموت لأن العقل يخبرنا ان مثل هذه الاشياء هي حتمية في الحياة ولا يجب ان نندهش بها. يؤكد ماركوس ان المرض والموت يجب ان يكونا "مألوفين لنا كالوردة في الربيع او الفاكهة في الخريف". خلال تفشي الطاعون، عندما اندفع الناس في هلع يصرخون "نحن لا نصدق ما يحدث"، بقي الرواقيون هادئين بتذكير انفسهم انهم دائما يعرفون ان هذه الاشياء يمكن ان تحدث لهم.

لكي يحافظ على هذا الاتزان، دائما ما يستخدم ماركوس اسلوبا تأمليا يستلزم التجوال في الماضي البعيد. هو لهذا يذكّر نفسه، عندما نأتي للتحديات التي تواجهنا في الحياة، فلا شيء هناك جديد تحت الشمس. ما نواجهه هو فقط مظاهر مختلفة لنفس الاشياء القديمة – التحديات الدائمة للانسانية. اثناء ذروة الطاعون الانطوني يذكّر ماركوس نفسه ان يتصور كل الناس الذين مرضوا وماتوا في الماضي قبل ان يولد، اثناء حكم الامبراطوران الرومانيان فيسباسيان و تراجان. هو يستنتج ان الحياة قصيرة وهو يجب ان يستمر في الكفاح مركزا الانتباه على عمل ما هو اكثر اهمية، وهو العيش طبقا للحكمة والفضيلة، مثلما يؤمن الرواقيون.

ربما مارس ماركوس الحجر الصحي الذاتي. في اليوم الأخير من حياته سمح فقط لابنه كومودوس بالحضور. الاخير كان على عكس ابيه، يخشى من الموت، وحالما اتيحت له الفرصة لاحقا انحدر الى حياة الاستبداد والترف. يشير المؤرخ اوغستا بانه في اليوم الذي سبق وفاة ماركوس، اصبح واضحا انه سيموت حتما، المقربون منه كانوا مضطربين جدا. هو سأل لماذا هم يبكون عليه بينما يجب ان يدركوا ان المرض والموت هما حقائق للطبيعة ويقبلون بها كقدر للبشرية. هذه الاشياء تحدث لكل شخص حتى الامبراطور نفسه. كانت تلك هديه الفراق لأصدقائه ومحبيه وربما لكل واحد منا.

 

حاتم حميد محسن

 

المقدمة: اشكالية الفكر السياسي العراقي الرئيسية تتمحور في عدم القدرة على تنظيم العلاقة بين الكلي والجزئي، بين العام والخاص، بين المجتمع والفرد، بين العدالة والسلطة. من هذه الاشكالية تتناسل اشكاليات عدة، واحدة منها غياب المجتمع المدني وما يترتب عليه من عدم وضوح هذا المفهوم، المختفي خلف عقيدة سياسية تفترض وجود قصور في وعي المواطن بل وعدم اهليته في ادارة خياراته السياسية، وتفترض هذه العقلية ان الإرادة الفردية عاجزة وغير فاعلة في تقرير ما هو النافع للفرد، لذا فهو بحاجة دائما الى من يقوده ويوجهه, ولأنه أيضا شرير بطبعه فلا بد من قوة قادرة وقامعة لهذا الشر المتأصل في سلوكية الفرد العراقي(1).

المشكلة البحثية

ان غياب الايديولوجية الشمولية المفاجيء بعد عام 2003 ، ظهر بشكل بارز دور العامل الديني كمؤثر حاسم في تشكيل طبيعة النظام السياسي لادارة الدولة العراقية. حيث تمدد الديني في وساطته من العلاقة بين المتدين والحصول على الثواب، الى وسيط موجه ومؤثر في علاقة المواطن بالعمل السياسي وطبيعة نظام الحكم.

فرضية البحث

يأتي خطاب المرجعية الدينية في يوم خطاب 4/6/2018 في سياق دعوتها للدولة المدنية وان لا وسيلة للحكم إلا التداول السلمي للسلطة، مما يشكل علامة فارقة في تاريخ الخطاب الديني الشيعي الحديث، وانعطافة كبير في الفكر الديني ورؤيته السياسية، مما يدل على رغبة المرجعية الدينية بخروج ما هو ديني عن ما هو سياسي والتحول من الشمولية الى التعددية في ظل نظام سياسي دنيوي (الديموقراطية).

السؤال البحثي

هل يمكن لخروج السياسي من عباءة الديني ان يتحول الى نفي لمبدأ الوساطة؟.

المتن

المبحث الأول: خروج السياسي من عباءة الديني

بغياب الايديولوجيا الشمولية تم احتواء السياسي تحت عباءة الديني، فاصبح الديني يمثل القاعدة الاساسية للتفكير والسلوك السياسي، فبرزت من جديد اشكالية علاقة الدين بالدولة في الفكر السياسي العراقي. ففي انتخابات عام 2005، تم اعتماد الديني سياسيا عندما انضوى الجامع تحت راية الاحزاب الاسلامية فاثبت الجامع قدرته على توجيه الراي العام في ذلك الوقت ولكنه شعر بوطأة السياسي ورغبته في السيطرة على الديني.

المبحث الثاني: استقلال المجال الديني عن السياسي

يأتي خطاب المرجعية يوم 4/6/2018 محاولة لإعادة الاستقلالية للمجال الديني عن السياسي، واستعادة الدور الذ استحوذ عليه السياسي بتحويل السياسية من خانة الواجب الشرعي الى خانة المباح، مما قد يؤدي الى ان يستعيد المجتمع العراقي حيويته وفاعليته السياسية من خلال المشاركة الفاعلة في المجال السياسي بالتفكير السياسي الحر الفردي، في اطار من التسامح السياسي والفكري، والقبول بالاختلاف والتعددية.

فالديموقراطية تفترض:

- استقلال المجال الديني عن السياسي.

- التعددية.

- تفتت المرجعيات الايديولوجية والاثنية والطائفية (2).

ان ما طرحته المرجعية من مبادئ يمكن لها ان تكون مشغل لأسس عامة تتمثل في ان المجال السياسي يجب ان يوجد بشكل مستقل وعليه ان يحدد هويته من وخلال مبادئ نجدها في الخطوط العام للمرجعية، عبر طرحها لفكرة الدولة المدنية والمجتمع المدني، المرتكز على ارادات الافراد الحرة، فالسلطة السياسية تاتي من وعي الافراد وتفاعلهم، وليس على ارادات الجماعات والاحزاب الممثلة لها، اي هي في ذاتها تجاوز لمبدأ الديموقراطية التوافقية للجماعات القطاعية، لذا يمكن الادعاء ان مبادئ اعلان يوم 4/6 يمثل جملة من المبادئ منها:

1- مبدأ التمثيل الحقيقي للرأي الناخب (المواطن).

2- مبدأ اعلاء القانون العادل، القانون الانتخابي البشري المتفق عليه.

3- مبدأ التداول السلمي للسلطة.

المبحث الثالث: الارتياب (خلخلة الايمان)

فحيث يقدم الانسان التضحيات والجهود والاتعاب فتكون المهمة صعبة عليه عندما يطلب منه ان يقدم المزيد وهو لا يرى مصلحة مباشرة، تكون المهمة صعبة عليه لمعرفة الحق اين يكمن فيبدأ بالتشكيك(3)،

وكل فعل ايماني ينطوي على عنصر عيني، ولكن قد يتبين ان لا هذا الشخص ولا ذلك الشيء يمثل الايمان، حينئذ يكون الايمان اخفاقا في تعبيره العيني،(4)، (اخفاقا في تحديد المصداق، ولكن الشك ينسحب للمفهوم. في هذه الاشكالية المتمثلة بإخفاق العيني يختفي لدى المؤمن اليقين بغير المباشر ويحضر الريب المباشر، لان الوعي المباشر بالعيني يطغى على الوازع الايماني فيكون الشك حاضرا.

المبحث الرابع: نفي مبدأ الوساطة (تحرير المفهوم من اسر المصداق)

وهنا يمكن النظر لعلاقة الايمان بالشك من منظورين اثنين هما:

- الايمان بوصفه اعتقادا يتعارض مع الشك. فلا يمكن المجازفة بالايمان، فيطغى الفهم الايديولجي وعلاقة التملك.

- الايمان بوصفه قلقا وجوديا، فيكون الشك عنصر ضروري فيه. وهنا يمكن المجازفة بالايمان لان العلاقة علاقة كينونة وليست تملكا.

فالايمان في الحالة الاولى يتطلب التسليم ويرتبط بالواجبات الدينية يرتبط بفلان وعلان، يرتبط بالمصداق لا بالمفهوم. اما الايمان في الحالة الثاني يتطلب اليقين بالمفهوم فهو يحرر الفهم من دائرة المصداق الضيقة.

كل ذلك يشي بشيء مهم جدا وهوان خطاب يوم 4\6 يمثل دعوة لنزع التبعية الدينية للمواطن في ما يخص المجال السياسي، عبر تعزير الفهم السياسي للفرد ودفعه باتجاه المشاركة السياسية الواعية، اي على الفرد ان يمتلك تفسيره الخاص، وتأويله الذاتي لما هو سياسي. على عكس التبعية الدينية التي تفترض ان التفسير ياتي للفرد من الخارج، من الوسيط (الفقيه).

اني أذهب الى ان المرجعية أرادت ان يمتلك الفرد معناه الخاص لما هو سياسي. وهذا الامر ان يمتلك الفرد تفسيره الخاص وتأويله الذاتي مما يدفع باتجاه التحول من الكلانية الى الفردية، ومن وحدة الهوية الى تعدد الهويات، من الثابت الى المتغير، مولدا فضاء معرفي جديد تمثل في تغيير شبه شامل لمبدأ الوساطة.

ان الصراع المحتدم بين السياسي المنقاد بشرعية الديني، الذي يريد اخضاع ضروريات الحياة الدنيا الى اعتبارات الحياة الاخرة، وبين المتطلع الى خروج السياسي من عباءة الديني، الذي يريد الخروج من هذا الاخضاع، صراع سيجبر التيار الديني ومن يمثلهم على اعادة النظر بدورهم في تأسيس هوية سياسية بعيدا عن قداسة الحكم وشرعيتها الدينية، والنظر الى الحكم برؤية زمنية لا روحية، وان الدولة ليست الا اداة بخدمة المجتمع المدني وليس باستطاعتهم تحديد غاياتهم الخاصة طبقا لسلطة يعتقدون ان الله منحهم اياها.

الخلاصة

ان تفوق الديني على السياسي اثبت عدم قدرته على الحياة خلال الخمسة عشر سنة الماضية ليبدأ الاعلان يوم 4/6/2018، بدعوة الديني لخروج السياسي من عباءته في اختيار شكل نظام الحكم.{فقد سعت المرجعية الدينية منذ سقوط النظام الاستبدادي السابق في ان يحل مكانه نظام يعتمد التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة عبر الرجوع الى صناديق الاقتراع في انتخابات دورية حرة ونزيه(5)}.

 

سليم جوهر

..........................

 1- انظر ياسين

 2-  الدين في الديموقراطية- بول تيليش، ص9}

3-  الصدر، محمد باقر، ائمة اهل البيت تنوع اداور ووحدة هدف, ص179

4-  بول تيليش، بواعث الايمان، ص25

5-  من خطبة المرجعية يوم 3\6\ 2018