علي محمد اليوسفأعتدت كتابة شذرات فلسفية في جمل وعبارات نشرتها من ضمن مواضيع محتويات بعض مؤلفاتي وفي هذه المجموعة أكون وصلت الجزء الخامس منها والتي لم يسبق لي نشرها، ومن خلال تجربتي مع هذا النوع من التعبير الفلسفي أجد أحيانا أن ما أرغب التعبيرعنه بصفحة أو أكثر من الشرح السردي ألقاه متحققا قد أستوعبته جملة أو بعض عبارة من التعبير اللغوي الذي يحقق الغرض المطلوب ويبقى تقدير الأمر للقاريء لهذا النوع من الكتابة الفلسفية الجاهزة السريعة..

- ما لا يدركه العقل تخونه الحواس والذاكرة، وما لا تدركه الحواس ولا العقل يدركه الجنون الذي ربما كانت مدركاته أسمى من مدركات العقل...فالعقل السوّي يحدّ أدراكه الزمان والمكان وتعبير اللغة.. بينما تكون هذه المحددات غير موجودة كعوائق عند المجنون في محاولته التعبيرعن حالته الشعورية واللاشعورية...

- اللغز المحيّر وجود الحياة والانسان على الارض من دون وجود حياة في عوالم وكواكب أخرى في هذا السديم الكوني اللامتناهي...ووجود كائنات متطورة لا تشبه الانسان أستوطنت كواكب أخرى غزت الارض في بعض المراحل التاريخية كلها محض خيال خرافي لا سندعلمي له..

- عندما ييأس الانسان يقوم بمقارنة السيء بالاسوأ بالحياة.

- أسوأ مما نتوقع حدوثه لن يكون أسوأ مما نتخيّل ونخاف حدوثه.

- حقيقة حياة الانسان على الارض هي كابوس مقيت لا يمكننا الخلاص منه الا في نهاية الانسان بالموت....ولو كان الانسان خالدا في الارض لما بقي للحياة معنى من أجله يعيش الانسان.. فخلود الانسان الارضي يلغي توق الانسان وشغفه الديني خلوده في السماء الذي لا يتحقق الا بموت الانسان وفنائه الارضي وبذلك ينعدم معنى الحياة على الارض... بهذا المعنى يصبح خلود الانسان بالموت هو الخلود الحقيقي وليس خلوده الانبعاثي الميتافيزيقي في السماء..

- الحقيقة التي تعطيها الفلسفة الغربية حقّها من الاهتمام هي أن علم النفس وعلم اللغة هما أهم ركيزة تقوم عليها مباحث الفلسفة المعاصرة حصريا، وجميع أحكامنا يلعب بها العامل النفسي وتعبير اللغة ما يوازي الاهتمام بالادراك المنطقي العقلي لفهم موضوعات الحياة..

- الفلسفة بمفهومها العام هي أفكار منطقية مستمدة من الواقع والخيال، لكنها عاجزة تماما أن تكون واقعية في حل أشكاليات خارج منظومة التفكيرالفلسفي المجرد.

- أدخل فلاسفة علم اللغة واللسانيات وعلم النفس مباحث الفلسفة بعد تجريدها من كل قيمة معرفية حقيقية جادة في تغيير الحياة، أدخلوها قسرا في عالم التعابير اللغوية المتداخلة مع بعض معارف علم النفس نفق التقويض المبرمج لجعل الفلسفة تلفظ أنفاسها الاخيرة على هامش الزوال والاضمحلال والتلاشي الحتمي...لتبقى الفلسفة البراجماتية وحيدة بلا منازع جدير بالثقة والبقاء الى جانبها أو منافسا لها.

- لا نمتلك يقينا قاطعا أن اللغة عاجزة من التعبير عن الافكار بصورة دقيقة، متناسين حقيقة اللغة هي وعاء الفكر، عليه يكون تقصير التعبير بالفكرأسبق من خيانة اللغة التعبيرعن مكنونات التفكير العقلي...

- عندما تكون الافكار عاجزة أن تمنحنا المعنى فألاجدر بنا أن لا نعوّل على اللغة تمنحنا المعنى..

- كينونة الانسان عملية تصنيع ذاتي دؤوبة من الاضافة والتكوين سعيا نحو تحقيق الذات الخالصة، ولا توجد كينونة أنسانية ناجزة متشكلة قبل ممات الانسان حيث تتوقف حين تفارق الروح الجسد..

- الكينونة لا تحمل ماهيتها الناجزة معها بل تحتويها صيرورة غير مكتملة، والكينونة والماهية ليستا جوهرا واحدا في تلازمهما وحسب ، بل كلتاهما جوهرا غير متكامل يسعى كل منهما بناء الآخروالتكامل معه وصنعه بمرور الوقت..

- وصف سارتر الوعي الوجودي (بذاته) أنه محاولة مستمرة في سعي الانسان تكوين ماهيته الثابتة كي يتحول من موجود لأجل ذاته الى موجود بذاته، لكن الجمع بين الاثنين (لأجل ذاته) و(في ذاته) أستحالة وجودية مجتمعية انسانية لا يصلها الانسان في الحياة.

- الانتحار هو فهم الحياة على حقيقتها الماساوية وقمّة الادراك أنها بلا جدوى.

- الحياة التي نعاملها بجدّية أكثر مما تستحقه أنما هي مهزلة يعيشها الانسان مرغما عنه منتظرا نهايته بالموت.

- تبدو لي مفارقة غريبة مع ما اؤمن به أن كل شيء بالحياة يجب أن يكون في خدمة حياة الانسان نحو الافضل، وكانت جميع مقالاتي على هامش الفلسفة طموحة لتحقيق مثل هذا الهدف لكني وجدتها في حقيقتها منطقا تجريديا صرفا ليس في وارد أهتمامها تغيير حياة الناس..

- الفلسفة ليست ايديولوجيا سياسية تعبوية في تغيير المجتمعات بقدر ما هي منطق لغوي يعمد تفسير الحياة بمغايرة عن الفهم العام لها..

- كان ماركس متنبئا محقا وعلى صواب حين أكتشف الفلاسفة غارقين في تفسير العالم بدلا من تغييره فعمد الى ايديولوجيا الاقتصاد السياسي وهجر الفلسفة وكانت الحصيلة قلب العالم رأسا على عقب..

- مما أندم على تضييعه اليوم أني كتبت مئات وأكثر من المقالات السياسية وفي الثقافة والادب عموما طيلة اربعين عاما كانت جميعها مضيعة جهودي الفكرية الثقافية والركض وراء سراب خادع في السياسة، قبل أن أكتشف في خريف عمري أني وجدت نفسي في حب الفلسفة والكتابة على هوامشها.

- نظافة الضمير الاخلاقي نفحة روحانية أنسانية لا يتمتع بها ولا يمارسها بهائم تمشي على قدمين.

- في مجتمع بلا قيم اخلاقية وخبيث في تعاملاته لا يضمن الانسان كرامته وسط حثالة تتسيّده .

- من العبث أن لا يرسم الشعب المظلوم مستقبل حياته وأجياله منتظرا النخبة الثقافية أن تنتزع له حقوقه وهي غارقة في الانانية وجني الامتيازات وبناء أمجاد زائفة وخدمة الحكام الفاسدين من قمة الرأس حتى أخمص القدمين..

- لا بد من السعي والتضحية من أجل تحقيق مجتمع تسوده أخلاق وقيم الضمير النظيف لتجنب السقوط في لامعنى الحياة وخوائها في الجحيم الارضي.

- لا أجد معنى أن يكون كل حزب سياسي في العراق والوطن العربي يمثل الوطنية كاملة لوحده بحيث لا يبقي شيئا من الوطنية للآخرين من شعوبهم..

- كان الشعب العراقي متحمّلا طيلة قرن كامل أن تهضم حقوقه وتسرق أمواله الى أن وجد نفسه يعيش بلا وطن أصبح ملكا صرفا لحثالة من الفاسدين.

- مثلما يجد بعض المتدينين المتطرفين أنفسهم أوصياء على محاكمة الناس في الارض بدلا من محاكمة رب العالمين لهم في السماء... وجدت بعض الاحزاب السياسية في العراق والوطن العربي تحتكر العمالة للاجنبي منفردة في أسقاطها الخيانة والعمالة على الاخرين..

- ثقافة النفاق الفاقدة لقيم الحياة لا تبني مجتمعا، فالمثقف الذي لا يصدق مع نفسه لن يكون صادقا مع غيره.

- لم تسلم  الثقافة العربية من العهر والدعارة الاعلامية..

- الوعي الذاتي بين أنسان وآخر من نوعه هو وعي نوعي مفارق لكل منهما حين يجد كل واحدا منهما في الآخر موضوعا لأدراكه ووعيه، وبهذه المغايرة التعالقية من الوعي المتبادل يعرف كل منهما حقيقة وعيه الذاتي.

- يقول (كانط) لا يستطيع الانسان تكوين حدوسات عقلية..بمعنى أن الفكر لا يستطيع الأنابة عن موضوع الادراك الغائب (الواقع) بأستثناء تفكير العقل الخيالي بمواضيع مستمدة من الذاكرة وليس مصدرها الحواس... والحدوسات في غياب الموضوع المتعيّن أدراكه في عالم الاشياء يتعذر على العقل تكوين حدوسات منطقية عن شيء في تعطيل أدراكات الحواس .

- يقول لايبنتيز (الحقيقة هي مايمكننا تحديده بالكامل) ويقصد أن معرفة صفات الشيء وأدراكه بالعقل غير كاف لمعرفة حقيقة (ماهيته) والأحاطة به .

- ادراك الشيء مكانا في وجوده الخارجي هو أدراك زماني له داخل العقل في محاولة فهمه فهما جيدا حقيقيا هو غير الادراك الحسي مكانا به..

- يذهب جون سيرل (أن تجربة الادراك الواعية التي ليس لها موضوع هي حالة من الهلوسة الادراكية ) وهذا تعبير ألتباسي غير واضح للاسباب:

اولا حالة الهلوسة ليست تجربة أدراك واع بغياب الموضوع المدرك،عندها لا تكون هي وعي بل هي تداعيات فكرية هلاوسية غير منظمّة ولا معبّر عنها لغويا أدراكيا بغياب موضوعها. والوعي بلا موضوع متعيّن في الذهن وعالم الاشياء لا يرتب عليه أدراكا عقليا مطلقا.

ثانيا ليس هناك أدراك واع لا يحمل موضوع أدراكه معه، والهلوسة بلا موضوع لا تكون وعيا بشيء ،أو موضوعا محددا بالذهن يستحيل أن تكون وعيا عقليا يمكن حدوثه..

- قوانين العقل الانساني تعلو قوانين الطبيعة، فهي تقوم بأدراك الاشياء بالطبيعة ويضفي عليها مقولاته وقوانين تنظيمه لها بما تفتقدها نظم الطبيعة وقوانينها، والسبب واضح بهذا الامتياز فالعقل يعقل نفسه ويعقل مواضيع الطبيعة في وقت واحد.. بينما قوانين الطبيعة لا تعقل ذاتها ولا تعقل الانسان كوجود محايث لوجودها. وبهذا التمايز تكون قوانين الطبيعة ثابتة لا تتغير بينما قوانين الانسان الوضعية دائمة التغير والتطور في مواكبة وبناء الحياة..

- لا أثق بتفكيري دائما فاللغة تخون الفكر الحقيقي النافذ على الدوام كون الفكر أكثر ثقة من اللغة وأغنى بما يدخّره من معنى.

- فضائع الحياة تجعل من الصمت أكثر أيلاما من الكلمات.

- أغلب حقائق الحياة يكتشفها الانسان في وقت متأخر من العمر.

- ربما أكون سيء الحظ وتلك حقيقة، لكني عشت الحياة بضمير يفتقده الذين أخذوا أكثر من أستحقاقهم بأخلاق النفاق وسلوك العهر الاعلامي على صعيد السياسة والثقافة والاخلاق... وسلوتي أني لست الضحية الوحيدة في عالم غارق بكل تافه وخبيث ومنافق..

- من أحدى مساوىء التفلسف السطحي هو السرد التاريخي المقتضب عن حياة فلاسفة كبار من غير عرض ونقد ومناقشة أهمية أفكارهم الفلسفية.

- عبقرية اللغة في التعبير مستمدة من عبقرية الفكر وما تعبر عنه اللغة بوضوح يطالب به فلاسفة اللغة هو السطحية بالتفكير في عجزها التعبير عن عمق الفكر الذي يحمل على الدوام فائض المعنى.

- في الوقت الذي لا تجد فيه الفكرة غير اللغة وسيلة تعبير عنها الا أن اللغة لا تقود الفكربل تستطيع المراوغة معه..

- ماذا لو أكتشف الانسان بعد فوات الاوان في خريف العمر أن الحياة التي عاشها كلها محض صدف متتالية ولم يكن له النصيب الاوفر في صنعها بأرادته؟؟

- التاريخ الزائف تكتبه القوة الغاشمة ولا تكتبه قوة الحق الغائبة.

- من هنا من الشرق الاوسط بداية نشوء ومهد الحضارة البشرية الذي أصبح اليوم القنبلة الذرية الموقوتة التي سيؤدي أنفجارها نهاية العالم.

- اذا ما تمّكن العلم من أكتشاف سر الموت مستقبلا فلا يبقى للحياة معنى وسينتحر العالم ببطء شديد كارثي في عدم كفاية الطعام لحياة المليارات من البشر على الارض مع أطراد التكاثر السكاني.. وهذا الفناء سيكون قبل فناء الحياة الارضية الحتمي في أستنفاد الشمس أستهلاكها للهيروجين الذي سيجعل من الحياة على الارض صقيعا متجمدا لا يمكن العيش معه..

- لا أجد هناك مبررا معقولا في فزع الانسان من الموت بعد أدراكه لا معنى الحياة...وأمتحان الانسان في الحياة لا مبرر حقيقي له أمام حقيقة الانسان وجود طاريء قذف به بالعالم من غير أرادته.

- شيئان لا يتصالحان في حياة الانسان العقل والعاطفة.

- الحياة مأزق لا يمكن تجاوزه ألا بالموت.

- الحياة تصنع الانسان ولا يصنعها هو.

- هدف الوعي القصدي هو الذي يشّكل لغة التعبير عنه.

- يضرب ليفي شتراوس المذهبين المادي والمثالي بقوله ( لا أولوية فيه للبنية الفوقية أو التحتية في عملية تأسيس المعرفة ) وهو رأي تركه صاحبه شتراوس معلقا بين الارض والسماء..

- متاهات العقل الانساني الفلسفي هي متاهات التعبير باللغة..

- الانسان فكر عقلي قبل أن يكون لغة معبّرة عن الاشياء في وجودها المادي..

- العقل تقف مهمته أمام تعريف الزمان لمدركاته، أي لمدركات العقل للاشياء في ظواهرها الفيزيائية.. أذ وضع العقل علاقة العلم بالزمان في مهام تخرج عن نطاق فهم الزمن كدلالة لا يستطيع العقل العلمي أحراز تقدم من خلالها مثل هل للزمان بداية ونهاية؟؟

- قد يحمل الانسان عبء وشم مزري مدى الحياة لا يمت له بأدنى صلة.

- عندما لا يحتاج الانسان موتا سريريا فمعنى ذلك أنه قد مات روحيا منذ زمن طويل.

- في مجتمعاتنا العربية تتوارى حقائق الحياة خلف توثيقات تافهة نفاقية يتولاها اناس لا ضمير اخلاقي لهم ولا قيمة فكرية يحملون ولا بصمة أجتماعية يمتلكون.

- يتحدث هوسرل عن العدم بانه لصيق القلق الوجداني ويسايره هيدجر نفس المنحى، في حين يتوجب علينا النظر بتعالق العدم مع الوجود المادي، ونبعد ربطه وتعالقه بالنفس الانسانية، فالعدم فناء لكل اشكال الوجود المادي وليس افناءا لعصاب او حالة نفسية تنتاب الانسان..وأنفلات السيطرة وقدرة التعبير والاحاطة بمعنى العدم بالكلمات لا يمنحنا حق اعتباره ميتافيزيقا تراود النفس..

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

قاسم حسين صالحتحليل سيكولوجي

تضمنت الحلقة الأولى استطلاعا عزا فيه المستجيبون استبداد الحاكم الاسلامي الى: ان الاسلام بطبيعته.. دين عنف، وان الشخصية العربية مجبولة على العدوان، وان الحاكم الاسلامي يرى ان ما يريده هو حق الهي مقدس.. وختمناها بمؤشرات سيكولوجية خلاصتها، ان الذين استلموا السلطة تحكمت فيهم سيكولوجيا الضحية، وشعور بأحقية دفعهم الى اعتبار العراق غنيمة لهم فتقاسموه، وتولّد لديهم (تضخم أنا) و(غطرسة) اسهمت في تحويل الحاكم السياسي الى مستبد.

في هذه الحلقة نستكمل التحليل ونبدأه بأن حكومات المحاصصة بعد 2003 كانت منتجة للازمات عبر سبع عشرة سنة، ومنشغلة بمصالحها، نجم عنها نشوء حالات اجتماعية سلبية تطورت بتوالي الأزمات الى ظواهر كان أخطرها تضاعف حالات الطلاق والانتحار وتعاطي المخدرات.

واقتصاديا وسيكولوجيا، كان تفشي البطالة بين الشباب بشكل غير مسبوق، وتوالي الخيبات أحد أهم الأسباب التي دفعت الشباب الذين يشعرون بالضياع وانعدام المعنى من الحياة والأكتئاب والخوف من المستقبل الى تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية، وان الحكومة تقصدت بشكل خبيث تركهم لتشغلهم بالهلوسة وتخديرهم، مع ان الدين الذي تدعو أحزابها الى تطبيقه.. يحرّم المخدرات!.. ومن السخريات انها دعت الى بناء اسيجة على جسور بغداد للحد من ظاهرة الانتحار!.

ولقد اكدت الأحداث صحة تشخيصنا بان العقل السياسي الفاسد في الزعامات العراقية مصاب بـ(البرانويا) التي تعني بمصطلحاتنا اسلوبا او شكلا مضطربا من التفكير يسيطر عليه نوع شديد وغير منطقي ودائم من الشك وعدم الثقة بالاخر، ونزعة ثابتة نحو تفسير افعال الاخرين على انها تهديد مقصود. ولهذا فأنه يحمل ضغينة مستديمة لمن يخالفه الرأي(العلماني سابقا، والمتظاهرين حاليا!)، ويرفض التسامح عما يعدّه اهانة اعتبار كان المتظاهرون جسّدوها باهزوجات موجعة(الله واكبر ياعلي الأحزاب باكونه، ما نريد حاكم ملتحي نريد حاكم يستحي..)، وانه على استعداد للقتال او المقاومة والاصرار بعناد على التمسك بالسلطة.

كانت مسيرة تنبيه السلطة والتحذير طويلة تعود لتظاهرات(2011) يوم طالبت بمحاسبة الفاسدين، فحماهم السيد نوري المالكي بمقولته الشهيرة التي ستدينه تاريخيا (لديّ ملفات للفساد لو كشفتها لأنقلب عاليها سافلها).. وواصل حمايتهم بتخدير بالوعود خلفه السيد حيدر العبادي الذي وعد بضربهم بيد من حديد وما فعل.ولأن المتظاهرين هتفوا في شباط 2011(باسم الدين باكونه الحراميه).. فأن الفاسدين أضمروا لهم العقاب بمزيد من الأهمال.. ومارسوه بتعامل شرس ومهين في انتفاضة تموز 2018، وزادوها قبحا وعنفا وقساوة وشراسة في تظاهرات تشرين اول /اكتوبر 2019 التي راح ضحيتها اكثر من ثلاثمائة شهيدا وعشرة آلاف جريحا.. وكأن ما وقع هو حرب مع غزاة ، الأمر الذي دعا رئيس الوزراء(السيدعادل عبد المهدي) الى استخدام عبارة (فض اشتباك) مع انه مصطلح عسكري!

ومن عام(2010) كنّا شخصنا العقل السياسي في السلطة بأنه مصاب بعلّتين:

حول عقلي يرى ما هو ايجابي في جماعته وأنها على حق مطلق، ويضخّم سلبيات الجماعة الأخرى ويعتبرها على باطل مطلق.. وجمود عقائدي يرى ان عقيدته هي المقدسة بطريقة يسبب خوفه عليها هوسا وسواسيا يضطره الى ان يغلق نوافذ تفكيره ويجبره على خلق الازمات. وقلنا بالصريح ان شخصا بهذه الصفات المرضية لا يصلح أن يكون قائدا لمجتمع تتنوع فيه الأديان والمذاهب والقوميات.. وأنه سيتحول بحتمية سيكولوجية الى طاغية مستبد.

وأضفنا، أن الاحداث أثبتت عبر سنوات ما بعد 2003 ان العقل السياسي العراقي منتج للأزمات، وانه غير قادر على حلّ المشكلات، لأن الادمان على الازمات كالادمان على المخدرات.. ففي الحالتين يحدث للعمليات العقلية في الدماغ برمجة ثابتة تجعله يعتاد على تفكير نمطي محدد يجبره على تكراره.

ومن عام 2008 كتبنا عبر الصحف وقلنا في الفضائيات ان قادة العملية السياسية العراقية لن يستطيعوا ان يتحرروا فكريا من معتقدات ثبت خطؤها، ولن يستطيعوا ان يجدوا حلّا او مخرجا لما هم فيه، بل انهم سيعرّضون ملايين الناس الى مزيد من الأذي، وقد حصل ما كنّا حذرنا منه.

من هذا التحليل نصل الى اهم استنتاج سيكولوجي هو ان هناك فجوة فكرية وهوة عميقة بين جيل الحكّام وجيل الشباب.. فالعقل السياسي مأزوم، منغلق، مسكون بالماضي لدرجة انه يعتبر تحشيد الشباب بمسيرات لطم ونواح.. انجازا يتباهون به، فيما العقل الشبابي منفتح، متطلع الى المستقبل.. وانهما بهذا الحال.. جبلان لا يلتقيان!

ويبقى المدهش!:

ان تظاهرات تشرين / اكتوبر 2019 خطّات نظرية في علم النفس تقول:اذا اصيب الانسان بالأحباط وحاول وحاول ولم ينجح، فأن تكرار حالات الخذلان والخيبات توصله الى العجز والاستسلام.. وقد تبنى هذا الرأي معظم المفكرين والمثقفين العراقيين.. وها هم الشباب يطيحون بها.. وسيحققون ما يدهش العرب والعالم!.

 

أ.د.قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

محمد الزموريتعد هذه الدراسة مدخل تمهيدي أو إطار عام نحو تأسيس رؤية وفهم جديد لإشكالية "النهايات وموت المصير"، مغايرا لما تناوله على سبيل المثال لا الحصر، "أمبيرش المهدي" في «نهاية الليبرالية وإنسانها الأخير»، وبحث "النقيد محمد سيف حيدر" حول « نظرية نهاية التاريخ »، ومُؤلّف "كتش محمد" بعنوانُ « نهاية العلم »، وكذا كتاب "بوعلو إبراهيم محمد" «نهاية الفلسفة النسقية»، ودراسة "آلان رونو" حول «نهاية السلطة»، فضلا عن بحث "هانس بليتينغ" المُعنون «نهاية تاريخ الفن»، وكتاب "جياني قاتيمو" حول « نهاية الحداثة»، ناهيك عن المقالات الكثيرة، كتلك التي حرّرها "القادري بوتشيش إبراهيم" «حول نهاية التاريخ»، أو التي كتبها الدكتور "بوعرفة عبد القادر" يبحث فيها  «الأساس الأسطوري لنهاية التاريخ»، ولكن، مثلما يُلاحظُ، بحثت أغلبُ هذه الدراسات نوعا واحدا من النهايات في إطار حقل دلالي محدّد مثلما هو بيّنٌ من عناوينها، ودرست النهايةَ من زاوية مُعيّنة دون الجوانب الأخرى التي تتّصلُ بها كقضيّة المصير في الغالب.

ولم تكنْ إشكالية هذه الدراسة في ضيق عالم مقال البحث، وإنّما في ترامي أطرافه ولا تناهي حدوده، فصار حالُنا أشبهَ بالمُتشوّف إلى ثمرتين بين يديه وهو عاجزٌ عن تناولهما جميعا، كما شبّه "أبو حامد الغزالي" حالَ الإنسان عندَ كثرةِ الاختيارات وتساوي الممكنات، ممّا يتعذّرُ معه الاختيار. فالمراجعُ في الموضوع كثيرة، والنوع الواحدُ من النهايات يحيلُ بالتسلسل اللانهائي فيما يبدو إلى أنواع أخرى، ولم نتحرّر، بعد زمن، من حيرة انتقاء المراجع وعائق اختيار النماذج إلاّ بالأخذ بقاعدة أهل العلم، والتي تقرّرُ أنّ ما لا يُدركُ كلُّه فلا يُتركُ جلُّه.

وكلّنا أملٌ في أنْ يصلح بحثُنا هذا منطلقا لفهم جديد، وأنْ يكون التصرّف فيه قدر التصوّر.

لقد تميّز الربعُ الأخير من القرن العشرين بسرعة التغيّرِ في كلّ أشكال المعرفة الإنسانية، وغزارة الإنتاج في شتّى مجالات الفكر، وبديناميكيةٍ في مُختلف جوانب الحياة، وكان لسرعة التطوّر بالغُ الأثر في القرن اللاحق. وظهرَ التسارعُ في الإنتاج الفكري كتزايُد دقّاتِ القلب المُؤديّة إلى توقّف النبض فجأة دون سابق إنذار، وأضمرت تلك الديناميكيّةُ نزوعا قويّا تُجاه القطيعة مع تيّار الموروث الفكري الوارد من العصور الماضيّة، والحدّ من تغلغله إلى الزمن الراهن.

وقد اجتمع في هذه الفترة الزمنية من أدوات الهدم والحذف والنقد والتقويض والتشكيك والتحطيم ما تفرّق في مراحل من تاريخ الفكر على العموم؛ ففي هذا العصر اجتمعت للقَوْمِ شفرةُ أوكام (Rasoir d’Occam) وشكُّ "بيرون"-Pyrrhon (365-275 ق.م) ومنهجُ الحذف المستخدم في إبعاد الميتافيزيقا عند الوضعيين المنطقيين، والتحليلُ النفسي الذي يتغلغل عميقا في الجوانب المظلمة من النفس، ولا يرى في الوعي إلاّ نورا باهتا يكادُ يخفُتُ في بحر ظلمات اللاوعي، ومعاولُ تحطيم الأصنام النيتشويّة. وكان أنْ أشْهَرَ مفكّرو وأدباءُ وفنّانُو العصر المذكور شفرةَ أوكام (Rasoir d’Occam) كما لم يُشهِرْها صاحبُها، وبلغوا بالشكّ مبلغا لم يرق إليه الشكّاكون الأوائل، وانهالوا على المقولات المُهيمنة على الفكر والموروثة تقويضا، ولئن كانت معاولُ نيتشه Nietzsche (1844-1900م) قد حطّمت أصنام الأخلاق والسياسة والفلسفة فحسب؛ فإنّ التقويض أواخر القرن العشرين وفي القرن الذي يليه مسّ جميع جوانب الحياة دون استثناء، وطبعت الفوضى والعدميةُ والتفكيكُ واللانظامُ واللامعنى والتشتيتُ والتشكيكُ روحَ العصر.

وبالفعل، تهاوى جدار برلين فأفل نجمُ الشيوعية وانهارت أيديولوجيتها (في أسلوب تطبيقها وليس كفكر)، وتهافتت أنظمةٌ ودولٌ تبعا لذلك فانتهى عصرُ التخطيط في السياسة والاقتصاد، وزال الفرق بين الدال والمدلول وأصبحت العلاماتُ بلا معنى في اللغة، وتداعى صرحُ المقولات التي هيمنت على الفكر الغربي كاللغة والهوية والجوهر وفلسفة الواحد والتطابق، وتلاشت الأوهام الفلسفية؛ فكفّ العقلُ عن الحلم والطموح نحو امتلاك الحقيقة المطلقة، وكادت معاول التقويض أن تعصف بالفلسفة. وخارت قوةُ المنطق، وتداعى تماسكُ بنية المناهج؛ فتخلخلت الأجناس الأدبية الموروثة، وانتهى الزعمُ بوجود قواعد عامة، كلية وصورية، ومناهج ثابتة لا تُردُّ، وساد التشكيكُ في المعارف اليقينية. وتهاوى سلطانُ السلطة فتراجع النظام والتجانس وانكشفت الإيديولوجيات السائدة. ولمّا بلغت العولمةُ مرحلة الشمولية على مشارف نهاية القرن العشرين شاعَ الحديثُ عن النهاية وازدهر؛ إذْ في إطار العولمة وبفعل التطوّر المثير للتقنيات الجديدة للإعلام والاتّصال والثورة الرقميّة؛ اندثرت فكرة الأمة والقومية، وزالت الحدود فتحقّقَ حلمُ العدمي والفوضوي باكونين M.A.Bakounin (1814-1876م)، وانتهى عهدُ الكثرة والتنوّع والاختلاف والخصوصيّة. وهكذا بدا وكأنّ كلّ شيء ينتهي بالمعنى الحَرْفِي للنهاية، حتّى إذا ما مضت بضعُ سنوات من بدايات القرن الواحد والعشرين، اشرأبّت البشريّة تنتظر نهاية العالم، ولاجرم أنّ الروح العبثية والعدميّة واللامعقولية التي بثّتها ما بعدُ الحداثة في النفوس فعلت فعلتها ومكّنت لنبوءة حضارة المايا في عصر المنطق المبهم والغامض.

ولكن في المقابل إذا كان "جيل دولوز"- Deleuze.G (1925-1995م)، مثلا، قد انتقد فلسفة الواحد والتطابق لدى أفلاطون؛ فإنّه قد انتصر للسفسطائيين لأنّهم حملةُ اختلاف، فبعد تقويض الهويّة والثبات، نُودي بالديمومة والتعدّديّة كمقولات لفلسفة ما بعد الحداثة. وبالمثل بعد انهيار الفرق بين الدال والمدلول، قال "جان بودريار- Baudrillard.J" (1929-2007م ) بالدلالة العائمة عوض المعنى الواضح، وعقب التحرّر من قيود المنهجية وتحطيم الحدود بين أجناس الكتابة والانتصار للاشعور، نشأ في الفنّ والأدب والعمارة اتجاهٌ يتحلّلُ من واقع الحياة الواعية، ويركّزُ على ما هو متناقض ولاشعوري، ويُولي الاهتمام للتنفيس عن المكبوتات والأحلام اللاواعية، وإنْ كان الإبداعُ لا يخلو من الغموض والغرابة والرموز المُبهمة. وهكذا تتوالى الماورائيات، ويعقبُ الجانبَ الهدْميَ البناءُ والإبداعُ في الفلسفة والموسيقى والهندسة المعمارية والأدب والسينما وغيرها من مظاهر الثقافة، ويحلُّ الانفتاحُ على الغير والتفاعلُ والتحرّر من التمركز بفعل العولمة، محلَّ الانطواء والانغلاق.

ها نحن إذن إزاء حالة عِنادٍ كما تُشيرُ المعطياتُ السالفة، وإذا كان وضْعُ جانبٍ في العِناد يقتضي رفعَ الطرف الآخر ضرورةً، وكان الفكرُ- حتّى في أقصى درجات انخراطه في العبثيّة والفوضى والتحرّر من مبادئه – لا يتصوّرُ حصول النتائج دون مقدّمات أو وجودَ الأشياء إلاّ معلولات لعللٍ تتقدّمها، إذْ لا مجال للتوالد الذاتي من جهة، ومن جهة أخرى يدركُ العقلُ صعوبةَ بلوغ حدود الأشياء بالفعل وإنِ افترض وجودها بالقوّة.

ومنه فإنّ الفرضية التي ينطلق منها مقالنا هي تلك التي تؤكد على أنّ القولَ بالنهاية لا يعني السكونَ والتوقّفَ والحدّ، وإنّما هي ميلاد واستئنافٌ وتجدّد. وهذا ما مفاده أنّ كلّ نهاية هي إعلانُ عن بداية.

لنناقض بذلك فلسفة موت الإله عند فريديرك نيتشه، وفلسفة موت الإنسان عند ميشال فوكو. وما ذهب اليه المفكّر الماكر فرانسيس فوكوياما في نهاية التاريخ ومستقبل الليبرالية.

فمقولة النهاية ليست حدّا مستحدثا أو تصوّرا جديدا كلّ الجدّة. فلقد نشرت مجلة "ناشيونال إنترست" (The National Interest) وهي مجلة أميركية نصف شهرية عن الشؤون الخارجية في صيف 1989 مقالاً بعنوان نهاية التاريخ، وفي عام 1992 صدر كتاب "فرانسيس فوكوياما"، الذي أنشأ تلك المجلة، « نهاية التاريخ والإنسان الأخير »، فعرف مصطلحُ النهاية رواجا أُريدَ له كآليّةٍ إعلامية من أدوات العولمة، وذلك ما دامت أطروحته الرئيسة – مقترنا باللفظ تاريخ - مفادها أنّ الديمقراطيَّة الليبراليَّة بقِيَمها ، تُشَكِّلُ مرحلةَ نهاية التطوّر الإيديولوجي للإنسان، وبالتالي عولمة الديمقراطية الليبرالية كصيغةٍ نهائيةٍ للحكومة البشرية.

ولكن سواء أردنا بالمصطلح "نهاية" الأفول وتوقف الأحداث أو العَالَم عن الوجود، أو فهمنا أنّ المُرادَ منه بلوغُ درجة متقدّمة من الإجماع على صلاحية الديمقراطية الليبرالية، وقدرتها على تحقيق نتائج أفضل للبشرية دون وجود منافس لها مثلما يريده فوكوياما؛ فإنّ هذه الفكرة تعود جذورُها إلى مرحلة التفكير الأسطوري في تاريخ الإنسان بالمعنى الأوّل، وإلى الكثير من الفلسفات والديانات بالمعنى الثاني على حد سواء؛ فمن أساطير بابل ومصر، إلى أساطير وتنبؤات حضارة المايا بأمريكا، شغلت النهاية وما تُحيلُ إليه من قضيّة المصير تفكير الإنسان.

ومن الديانات الوضعية إلى الأسفار السماوية، ومن فلاسفة اليونان إلى فلاسفة الإسلام والفلاسفة المسيحيين، فمفكري الغرب الحديث، تمّ الحديث بإسهاب عن الدولة الشمولية التي تمثّلُ النموذج الأعلى والمثال الأسمى الذي يُحقّق السعادة والفضيلة للناس جميعا قبل فوكوياما، وإنْ كان جديرا بنا هنا الإشارةُ إلى ضرورة التمييز بين العولمة والعالميّة، وهذه الثانية هي التي قصد إليها الإسلامُ وتضمّنها مشروع "كانط" نحو السلام الدائم.

وإذا كان أرسطو، قد عقد فصولا في كتابه "السماع الطبيعي" لإبطال القول باللانهاية (infini) بالفعل، وليقول بالنهاية فقط، علما بأنّ هذه الأخيرة تعني عنده المحدود، أو ما له حدّ (limite)؛ فإنّ في مذهب المعلّم الأوّل ما يعني أنّ النهاية تدلّ على توقّف الشيء، ولعلّ هذا الذي استنبط منه "لالاند" معنى الحد أو حد الحدود عندما ردّ مصطلح النهاية إلى أصله اللاتيني، وأرسطو ذاته بعدما رفض اللامنتهي، قال باللامحدود (indéfini) الذي له حدود بالفعل دون القدرة على بلوغها، وليس ذلك إذن سوى المنتهي أو النهاية بمعنى التوقف، والحاصلُ من ذلك وجود تعارض بين النهاية واللانهاية؛ فبالرغم من أننا نرى أنّ النهاية ذاتها تحيلُ إلى اللانهاية.

وعند الحديث عن السياقات الدلالية للنهاية، نذكر – على سبيل المثال لا الحصر – نهاية الفلسفة، ونهاية الميتافيزيقا، ونهاية العلم، ونهاية الفن، ونهاية الدولة، ونهاية الحداثة. ولو اقتصرنا على نهاية العلم مثلا، لوجدنا النهايات تتوالد بنوع من التسلسل اللانهائي؛ فمن نهاية الفيزياء القديمة إلى نهاية الفيزياء الكلاسيكية، فنهايةُ النظرية النسبية عندما بدأ فحصُها لبيان حدود تطبيقاتها. ومن نهاية النسق الهندسي الأقليدي إلى نهاية النسق الأكسيومي نفسه.

وبالمثل، عند محاولة نقدنا القول بنهاية التاريخ عند "فوكوياما"، تكاثرت النهايات بدلالات متباينة من نهاية التاريخ بمعنى أفول الشيوعية وسيادة الليبرالية، إلى نهاية الليبرالية الأمريكية بمعنى الأفول عند "تودوروف"، فنهاية القرن الأمريكي بمعنى الانحسار والتراجع مع "كولكو"، إلى نهاية دور الرجل الأبيض باستثناء الروسي الشيوعي من وجهة نظر "برتراند راسل"، فنهاية حضارة الرجل الأبيض مع "سيد قطب" واقتراح النموذج الإسلامي. وإذا كانت النهاية تحيل إلى المصير لاشتراكهما في الحقل الدلالي؛ فإنّها في العقيدة الإسلامية تحيلُ بنوع من علاقة التعدّي إلى الأبدية والخلود أو اللانهاية مادام الموتُ ذاتُه يموت يوم الحشر.

والحاصلُ من هذا، أنّه لا تعارض بين النهاية واللانهاية، ويلزمُ عن ذلك أنّ النهاية لا تعني دائما التوقف والحدّ بالمعنى الحرفي للكلمة، ففي النهاية إعلان عن بداية واستئناف وتجدّد، إذْ يبدو لنا جليا على مستوى الفلسفة مثلا، أنّ العدميّة والتحرّر ممّا هو متعارف والتشكيك والتقويض الذي اقترن بعصر ما بعد الحداثة، والذي يرجع أساسا إلى "نيتشه"، رغم وجود قول يربط فترة ما بعد الحداثة تلك بالفترة الزمنية الممتدة من 1970م إلى عام 1990م، لا يعني بالضرورة نهاية الفلسفة بمعنى التوقف، بقدر ما يعني أنّ التشكيك والتقويض إيذان بتحوّل جديدة في الفلسفة وفي طرح المشكلات المناسبة لروح العصر، تماما مثلما يعني الشكّ والنقد في العلم استئناف البحث والنظر ممّا هو سرّ التقدّم العلمي، لا الكفّ عنهما.

وفي سبيل تأييدُ فرضيتنا القائلة بأنّ كلّ نهاية هي في جوهرها إعلانُ عن بداية كما أعلنّا صراحة دون إضمار. ذلك لأنّ اعتبار النهاية توقفا وسكونا يبدو أقربَ إلى الحسّ العام، وهو المعنى الذي دعّمه استخدامُ شبنجلر وتوينبي في تفسيرهما لسير التاريخ، كما أكد ذلك التصوّر القولُ بموت الإله عند نيتشه، وكذا القولُ بموت الإنسان عند فوكو. وفي المقابل نؤيّد اعتبارُ النهاية عند ماركس وهيغل ذروةَ الاكتمال، حيث أن المعنى اللغوي للنهاية لديهم تعني الاكتمال وبلوغ الشيء كماله.

وإذا لجأنا إلى تأويل مواقف المفكّرين، كتأكّيد للأطروحة التي نريدُ إثباتها، وإلاّ فكل تصوّر للنهاية بالمعنى الحرفي العدمي يقوّضُ ذاته في الوقت الذي يعملُ على تقويض ما هو متعارف عليه، والحقيقة أنه إذا كان يُنظرُ إلى فترة ما بعد الحداثة التي ظهرت في سياق تاريخي مُعيّن على أنّها تمثّلُ نهاية لمرحلة الحداثة؛ فإنّ التغيّرات المُتسارعة التي يشهدها العالمُ في الآونة الراهنة، ستؤدّي بدورها إلى مرحلة بعد ما بعد الحداثة مثلما بدأ الحديث عنها.

ولأنّ البحث في النهايات لا يقف عند حدّ معيّن، فهناك الكثير من النهايات، منها على سبيل المثال، وليس على سبيل الحصر، نهاية المطلق؛ فإذا كان هيجل يعتبر أنّ المطلق هو الحقيقي فإنّ هذه القاعدة لم يصبح لها أيّة شرعية، وبالتالي فهي غير حقيقية، ذلك أنّ النسبي قد يكون هو الحقيقة. ونهاية اليقين التي بدأ معها عصر اللايقين، فكثير من المعارف والعلوم تأزمت وأظهرت محدوديتها في مجال اليقين، لتظهر مرحلة جديدة في موضوعاتها وتصوّراتها وفرضياتها، أدّت بدورها إلى نهاية سلطة العقل، فبعدما كان العقل في الفلسفات السابقة هو مصدر كلّ المعارف، فإنّه قد نزل من مرتبته هذه، لتحلّ محلّه ملَكات أخرى لتحصيل وامتلاك المعرفة، وأشهرها ملَكَة الحدس والإلهام مع "هنري برغسون"- Bergson.H (1859-1941م)، والروح التي أعطت تميّزا لكثير من الفلسفات أشهرها الظواهرية. فضلا عن القول أيضا بنهاية فلسفة التاريخ، تلك التي تؤكد أنّ أيّ تطوّر هو تطوّر أمامي مستقيم، بحيث ظهرت فلسفات تاريخ جديدة تؤكد أنّ التطور التاريخي قد يكون فوريا أو دائريا أو حلزونيا أو جدليا، دون أن ننسى أيضا القول بنهاية المؤلف، ونهاية الإنسان كما كتب فوكوياما ذاته، كما يوجد القول بنهاية الرواية، ونهاية الأدب، ونهاية اليقين، ونهاية الكون، ونهاية العلوم الاجتماعية، ونهاية الإتنولوجيا، وغيرها من النهايات.

و بدورنا نرى أنه مثلما يصلح اعتبار النهاية دالة على الأفول والزوال، يصحّ النظر إليها على أنّها تعني الاكتمال. وكما يوحي اللفظ بالتوقّف، تُعتبرُ النهاية إعلانا عن بداية جديدة. ولا تناقض البتّة في ذلك، فالأمر كما يرى الغشتالتُ يؤول إلى توقّف معنى الجزء على الإطار الكلي العام الذي يندرج فيه، أو كما يُقالُ في الرياضيات أنّ صحّة البديهية وصلاحيّتها يتوقف على النسق الذي تنتمي إليه.

كما أنّ الغموض الذي يكتنف أيّ بحث حول النهاية يعود إلى عدم ضبط المعنى المُراد من استخدام ذلك الحدّ، ويلزم عن ذلك ضرورة البدء بضبط مفهوم النهاية وبيان المقصود من تلك المعاني المشترِكة التي يصدق عليها جميعَها، والأمرُ يماثلُ تماما الغموض الذي ينتج عن استخدام الحدّ "عقل" عند الحديث عن كانط وهيوم، دون الانتباه لاختلاف الدلالة وإنِ اتّحد الدال لفظا. وعليه فلا يجوز، توخيّا للدقّة، أنْ نبحث النهاية فيختلط الحديث عن الزوال بمعنى الاكتمال، أو النهاية بمعنى المصير، ممّا يُدعى بمغالطة اشتراك المسائل.

وهكذا، يتأكّدُ لدينا أنّ الحدّ "نهاية" جديرٌ بمكانة ضمن الحدود الفلسفية على شاكلة: الجوهر، والوجود، والماهية، والحرية، ولأنّه يتضمّنُ معنى التجدّد والاستئناف؛ فإنّ بحثنا هذا ليس سوى تمهيد لما يمكن تسميته بمعجم النهايات، حيثُ نطمحُ إلى بيان أنواعها وما يشترك معها في الحقل الدلالي، وموسوعة فلسفة النهايات، حيث نعرضُ مختلف المشكلات التي يثيرُها والمواقف الفلسفيّة منها، وهو مشروع ممكن التحقيق متى توفرت له الكفاءة العلمية والكفاية المادية.

 

الأستاذ/ محمد إبراهيم الزموري

باحث في الشئون القانونية والفكرية

 

 

مجدي ابراهيمرسالة العقل في الإسلام مع كل ما أشارت إليه آيات الكتاب هى حضور العقل فهما عن الوحي، والعقلُ ها هنا ليس هو بعقل الفلاسفة كما تقدّمت الإشارة إليه في السابق، ولا هو بالحجة التي يستند إليها الفيلسوف في محاولة توفيقه بين الفلسفة والدين، إنما العقل هنا هو "نور الغريزة" الفطري، كما أراده الحارث بن أسد المحاسبي، جاعلاً إيّاه أساساً نستخدمه لفهم القرآن وللعلم به وللعمل على السواء.

وحضور العقل معناه حضور العلم في صدر العالم، ولا يتمُّ علم العلماء لهم، ولا لغيرهم ممن يريدون منهم المعرفة ويستنبطون أحكامها ويتلقطون إشاراتها، فيتلقون عنهم لطائفها حتى يكون العقل قائداً لهم وهادياً: " فأهل العلم بكلام ربّهم عزّ وجلّ هم أهلُ الصفاء من الأدناس، وأهلُ الخاصّة من الله عزّ وجلّ الذين أشعروا فهمه قلوبهم وتدبروا آياته عند تلاوته بألبابهم".

لم تكن نصوص المحاسبي في "العقل وفهم القرآن" بالتي تعزل العقل عن الأجواء الإلهية التي يخوض فيها ويعوم؛ لأن فضيلة التفكر في القرآن: أي المعرفة العقلية القرآنية، لم تكن دعوة إلى الأخذ بمطالب القصد الإلهي وكفى، ولكنها كانت فضلاً عن ذلك؛ مزيّة من مزايا الارتقاء صعداً بفهم الإنسان لكشف حقيقته الأصيلة: حقيقة كونه مصنوع على الصورة من الله وبالله وفي الله قصداً. وهذا هو جوهر الأديان.

إنما العزلة عن العقل من قلة الدين، والبعد عنه هو بعدٌ عن التفهيم والتنوير، وهو كذلك بعدٌ عن التّديُّن الرشيد؛ فإذا أحضَر الإنسان عقله، وهو نور الغريزة لدى المحاسبي، فإنه متلق مع ما في القرآن من نور ورحمة وموعظة وبيان، وحق وبصائر. وحضور العقل على الحقيقة من جانب الإنسان يؤهله إلى أن يعظم عنده قدر ما ينال بفهمه من النجاة وما في الأعراض عن فهمه من الهلكة.

وعليه؛ فلا تستغرب حين تجد كلمة العقل ومشتقاته ترد في القرآن تسعاً وأربعين مرة وتكرر مثل هذا التكرار على اختلاف الآيات التي ذكرت فيها مثلما تتكرر كلمة "النور" ومشتقاته، بنفس العدد تسعاً وأربعين مرة مما يحيطك علماً بأن العقل هنا هو نور الغريزة، وأن مدلول النور في القرآن قد يترادف مع مدلول العقل على المعنى الذي يكون فيه العقلُ فيضاً من الأنوار الإلهيّة.

ومن شدّة تأكيد القرآن على نور العقل في الهداية إلى الإيمان أن الله قد جَعَلَ الرِّجس على الذين لا يعقلون، والرّجسُ هو السخط أو العذاب؛ فكأنه بهذا الاعتزاز بنور العقل كقيمة علويّة تهدي الإنسان إلى حقيقة الإيمان يقرر: بأنّ الذين لا يعقلون فلا يهتدون هم من ثمّ أهل السخط من الله وهم أهل للعذاب بما غيّبوا العقل؛ فمنعوه من الهداية وحجبوه عن الإيمان:"وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون".

لكأنما تعلق الإذن بالإيمان على المشيئة الإلهية هنا، إنما هو إذنٌ للعقل بتعقل الإذن المُعلّق على الله، وفي غياب إذن العقل لفقه الحكم - حكم المشيئة - يكون السخط ويحلُّ العذاب؛ لأن تعطيلاً في هذه الغيبة للعقل لايرضاه القرآن فيقرّر السخط والعذاب على الذين لا يعقلون.

ولك إنْ شئت أن تسحب من فورك - هذا المعنى لتطبّقه على خصائص الحياة العقلية؛ كما عرفتها العقول على وجهتها المثلى، فهل ترى في هذا الدين ما يكبّل حرية العقل والتفكير ويقيّد دور الفكر في حياتنا العقلية؟!

فإذا لم تر شيئاً من هذا كله؛ فقُل: سبحان الله في أسرار هذا الكتاب الذي هو نعمة عظمى لقوم يؤمنون.

ولا يبلغ الإنسان ذروة الكمال إلا حين يستشعر المعرفة من الله بالله. ومعرفة الله أكبر من مستطاع العقل الكامل، ولأجل ذلك، كان الله هو أول المعارف، ففيه تاهت الألباب عن تكييفه وتحيرت العقول عن إدراكه. فعلى هذه المعرفة سوف تنبني المعرفة العقلية القرآنية، وسوف يصير العقل موصولاً بالله أجلّ اتصال وأكرمه؛ فكامل العقل عند المحاسبي هو الذي يعقل عن الله معرفته، ويقر بعقله أنه عاجز عن إدراك كنه معرفته.

وقصورُ العقل البشري عن إدراك حقيقة الله لا ينقص قيد أنملة من قيمة العقل لا عند المحاسبي ولا عند غيره من أقطاب التصوف السُّني من أهل الولاية؛ وإنما هو على العكس من ذلك تماماً ... اكتمالٌ لهذا العقل واختبارٌ  ممتاز لقيمته. فإن ّهذه القيمة تتبلور من غير شك في وعي العقل لحدوده، وأولها عجزه عن الإحاطة بموضوع الإلهي. وهذا الوعي بعجز الإدراك المعرفي لله إدراك إحاطة وشمول جملة وتفصيلاً، لا يلغي توقف العقل عن البحث في المعرفة الإلهية توقفاً كاملاً، إذْ العقل عن الله عند المحاسبي يتفرع إلى فرعين: فرع أول يمدُّ خيوطه نحو "الفهم". وفرع ثان يقفز بالموهبة إلى "البصيرة". فأمّا العقل في فرعه الأول "الفهم"، فهو بمثابة الظاهرة العقلية التي تؤدي إلى إصابة المعنى من ناحية، والقدرة على التعبير عن هذا المعنى بشكل ما من أشكال البيان من ناحية أخرى. لكأنما العقل باعتباره غريزياً لا يخلو من كونه فهماً يصيب المعنى إدراكاً ونظراً ومنطقاً واستدلالاً وحدساً معاً ثم إقصاءً للعاطفة وتحكيماً للبداهة .. وكلها ملكات إدراكية تتداخل في العقل النظري كمنهج عند المحاسبي، فإذا هو عقل يُحسن التعبير عن ذلك بوجه من الوجوه.

وليس الفهم فهماً سكونياً جامداً يقف بصاحبه عند حدود التعطيل، كلا بل هو على وجه الدقة فهم متحرك وحي معاً، فهو متحرك باتجاه الأشياء والظواهر الموجودة في العالم الخارجي على كافة ما يتصل منها اتصالاً مباشراً بالحسّ أو بالدنيا أو ما يتعلق منها تعلقاً مباشراً بالروح وتطلعاتها في عالم الآخرة، ولأنه يتصدّى لأشياء موجودة لها معان موجودة وخاصّة بكل شيء من هذه الأشياء. هو "فهم حي" أشبه ما يكون بحياة هذا الشيء نفسه؛ فإذا أصاب الإنسان هذا المعنى بعقله، فقد حَقّق الفهم على اختلاف ما نفهم من معانيه: الحركة والحياة، واستقام له بعد الفهم البيان.

أمّا العقل في فرعه الثاني "البصيرة"؛ فهو بمثابة غريزة النفاذ تتخطى معاني هذه الأشياء الواقعية إلى ما بعدها؛ فالبصيرة العقلية تهدف بهذا التخطي إلى معرفة قيمة الأشياء في جوهرها الإلهي من جهة، وقيمتها الأخلاقية من جهة ثانية. وأن الإنسان ببصيرته العقلية ليقتدر على أن يتعرّف على عظيم قدر الأشياء النافعة في الدنيا والآخرة. وهنا يكمن موطن العقل عن الله، حيث تتجلى للإنسان من خلال هذه التجربة العقلية وخصائص المعرفة في طابعها الإلهي: قدرة الله تعالى في هذا الكون، وتسخيره الأشياء لمنفعة الإنسان، ووقوفه على الحكمة من وراء الفعل الإلهي.

ولما كان الإنسان عند المحاسبي يطيع الله بالعقل وحده، وكان العقل الغريزي يُفرز فهماً وبصيرة، صارت البصيرة باعتبارها عقلاً نافذاً إلى المعرفة وكشف حقائق الأشياء، سبباً في النهاية لطاعة الله طاعة عقلية، والاتصال به اتصال هداية وتوفيق.

ليس العقل عند المحاسبي إذن جهداً نظرياً وكفى، كما هو الشأن عند الفلاسفة، ولكنه عقل عملي ينحو منحي التطبيق الفعلي لما قد يكون ممكناً بالعقل عن الله من معاني القرآن وأحاديث الرسول. وتهدف مجموعة هذه المعقولات إلى توخي الأخلاق العملية، والتحلي بأكرم الفضائل الأخلاقية التي تنزّه صاحبها عن أن يكون عُرضة لمواطن الزلة والغفلة.

ولا يكتفي المحاسبي بالإشارة إلى هذه الأخلاق القرآنية فقط، ولكنه يقدم تحليلاً نفسياً ذوقيّاً لهذه المعاني الأخلاقية القرآنية.

ولا يخفي ما لكلامه في النفس ومقامات السلوك وأحواله، من أثر بالغ على من جاء بعده من الصوفية. وإذا كان الغزالي قد تميز بغوصه في أعماق الموضوع الذي يعرض له غوصاً يتيح له النظر فيه من أفق فسيح مديد الأطراف، وبعلميته المنهجية في النظر، والتي تصلح أن تكون نموذجاً للمنهج العلمي كيف يكون.. فقل عن الغزالي ما شئت أن تقول: في قوة حجته، وفي قدرته القادرة على التحليل، وفي سعة أفقه وغزارة علمه، وحضور بديهته، وفي عقلانية نظرته، فلن تجاوز الحق. وهو من بعد هذا كله قد استمد ذلك واستقاه من السابقين عليه سواء من الصوفية، وفي مقدمتهم الحارث المحاسبي أو من الفلاسفة.

وكتاب " الإحياء" للغزالي فيه الكثير من كتاب "الرعاية"، وكما أن للمحاسبي أثاره على الغزالي، كانت هناك أثاره على المدرسة الشاذلية الذين نصحوا مريديهم بقراءة "الرعاية" تماماً كما نصحوهم بقراءة القوت والأحياء.

لقد فرّق المحاسبي بين العلم النظري بالإيمان، والعلم بالإيمان مع العمل، كما فرّق بين نوعين من العمل: عمل ظاهر بحركات الجوارح، وعمل باطن بحركات القلوب.

وإنا لواجدون في هذه التفرقة تمييزاً بين ضربين من العقل، كما هو ممكن التمييز عنده حسبما تشير إليه بعض الأقوال المنسوبة له عند أهل الطبقات. ضربا العقل: نظري وعملي كما تقدّم؛ فالعقل النظري لا فائدة منه ما لم يكرع من معين الإيمان. والعقل العملي هو التخلق بأخلاق الكرام من أهل الفضل الذين هم يعملون بحركات القلوب ويرصدون حركاتها في مطالعات الغيوب. وما دام لكل شيء جوهر، فجوهر الإنسان العقل، وجوهر العقل الصبر. الصبر على ماذا يا ترى؟

أظنه إنْ لم أكن مُفتاتاً على المحاسبي هو نهوض العقل بتبعاته الأخلاقية. والصبر على ذلك كل الصبر كله، مع الاستطاعة والمراقبة لحركات القلوب، ومع تقدُّم العلم واقترانه بالعمل على السواء. ثم إذا هو منح هبة   "الاتصال" كان الصبر عليها أشدّ وأقسى، حيث ينقلب العقل إلى عمل بحركة القلب، وحيث تتعطل حركة الجارحة لبواغت الاستبصار وجلالة المشاهدة وصواعق الواردات، وحيث يكون الكل في واحد في مقام الشهود، وحيث يغيب عن رؤية الشهود لكل ذي مرئ، ولكل ذي وجود. قال ابن خفيف ( ت371هـ) سألت رويم بن محمد عن التصوف .. ما هو؟ فقال: يا بنيّ التصوف إفناء الناسوتية وظهور اللاهوتية. فقال: زدني رحمك الله، فقال: لا رحمني الله إنْ كان في ذلك مزيد.

فكأن غاية التصوف في هاته الإشارة السالفة، ظهور اللاهوتية بعد إفناء مظاهر الناسوتية، فإذا ظهر للعبد شيء من اللاهوت، فلا يبقى أمام الجارحة التي هى محل المراقبة والإحاطة غير أن تعمل بمقتضى ما يملي عليها حكم الحال .. وياله من حال ينفد في طريقه زاد الصابرين. هنا يكون الصبر ألزام ما يلزم للعبد ويكون العقل أبدع معنى من معانيه .. فلا حركة ولا انزعاج، ولكن عقال ورسوخ وتمكين، ولا فناء ولا غيبة، ولكن صحو وحضور وبقاء، يتحول فيه القلب إلى عمل يعقل حركة القلب حين يستقبل طوالع الغيب وطوارق الرهبوت. لأجل ذلك قال المحاسبي:"العمل بحركات القلوب ومطالعات الغيوب، أشرف من العمل بحركات الجوارح".

ذلك نوع من العقل فريد وغريب؛ فأي عقل ذلك الذي نعمل به ونحن نستشرف مُطالعات الغيوب؟! أي عقل وأي نوع من العقل تلك أوصافه؟! إلا أن يكون هو العقل البصيري: عقل الروح الذي به يصل الواصلون، وعنده يقف شوط المسيرة الإنسانية في أقصى ما تتبلّغها القدرات وتصيبها الطاقات والملكات طامحة إلى مزيد من الترقي والوصال.

إنه العقل الإلهي ولا ريب! وذلك أكمل معاني العقل عن الله عند المحاسبي: أن يكون الوصول إلى الله بالله، بعد أن تنتهي أشواط المسيرة العقلية لدى الإنسان الذي كان عقل عن الله، فإذا كمل العقل فيه وصل إلى الله بالله. وكفى بالله ولياً، وكفى بالله نصيراً.

(وللحديث بقيَّة)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

معراج احمد الندويالوطنية من أهم النـزعات الاجتماعية، تربط الفرد البشري بالجماعات، وتجعله يحبها ويفتخربها، ولأجلها يضحي في سبيلها، ومن المعلوم لدى الجميع أن الوطنية هي حب الوطن وشعور باطني نحوه. والقومية تطلق في اللغة الإنجليزية على جماعة من الناس الذين يتبعون دينا واحدا أو يتكلمون لغة واحدة أويسكنون في منطقة واحدة ولهم طقوس مماثلة.

الوطنية لا تختلف بسبب الديانة أو اللغة أو الطقوس، ولا يصدر الحكم باختلاف القومية على اختلاف الديانة واللغة والمنطقة والطقوس، فيدخل كل مسلم و مسيحي في القومية، فلا يضر القومية عمل المرء بكونه مسلما أو مسيحيا، فلابد أن تقوم على أساس الوطن.

ومن فطرة الإنسان أن يحب وطنه وأرضه، بل يوجد حب الوطن حتى في الحيوان، فنرى أن العصفور يحب عشه الذي ينام فيه، والنملة تحب مسكنها الذي تأوي إليه. فلماذا لا يحب الإنسان وطنه؟ فهذا من الفطرة  أن يحب الإنسان وطنه الحبيب الذي يعيش فيه، ويعيش فيه أهله وأقاربه وأصدقاؤه، وفي ثراه يوارى رفاته ورفات أعقابه إلى يوم البعث، فكل من الإنسان يحب مسقط رأسه وتربة أرضه العزيزة، ويدافع عنها بكل مالديه من مال وسلاح وعلم ودماء.

إن حب الوطن لاينافي الإسلام، بل من حقه أن نجتهد في أداء واجباتنا حتى ننفعه وننصره برأينا ونسعده بذكاءنا، ومن الواجب علينا أن نجعله محترما بين الأوطان، وذلك لأنه لولا الوطن لعشنا في الحياة طريدا ذليلا، ولانجد أرضا تؤوينا ولارأية نعتزبها، ولادولة نفتخربها، ومن حقه علينا أن ندافع عنه إذا اعتدى عليه أحد ونحمل السلاح لحمايته  بكل ما نملك من القوة.

بدأت قضية القومية بالمفهوم الأوربي حينما نادى الغرب والمتغربون بإحلال القومية، محل الإسلام والأخوة الإسلامية ومشاعرها وحاولوا القضاء على الأخوة الإسلامية وبدأوا يشيعون الدعاية بأن الإسلام ضد للقومية، لأن الدين عندهم لا يشكل عنصرا، وأن الدين وسيلة للاستغلال، تـتولى فيه طائفة على طائفة أخرى، وأن الوحدة لاتقوم إلا على أساس وحدة اللغة والثقافة والوطن، فخالف المسلمون هذه القومية بالمفهوم الأوربي، لأنهم رأوا هي ضد تشريعات الإسلام وقيمه ومفاهيمه، وهي المفاهيم والقيم والتشريعات التي تناقض العنصرية والطائفية والتمييزبقوله تعالى: ﴿يَاأَيـُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثىَ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوْبَا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوْا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ (لحجرات الآية، 13)

في الواقع أن القومية تقوم على أساس الوطن، لا على أساس الدين، وهذه القومية ليست ضداً للإسلام، بل يوجد سنده في التاريخ الإسلامي وفي حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وخير شاهد على ذلك ميثاق المدينة، ولأنَّ ميثاق المدينة اشتمل على كل من اليهود والنصارى والمشركين الذين كانوا يعيشون في وطن واحد، اقترح الرسول صلى الله عليه وسلم على اليهود والنصارى والمشركين في المدينة : تعالوا نتعاهد بأن ندافع عن وطننا إذا اعتدى عليه قوم آخر، فنحمل السلاح للدفاع عن الوطن، بكل ما نملك من القوة، وهذه المعاهدة تدل على أنَّ القومية تقوم على أساس الوطن، لا على أساس الدين.

أما موقف الإسلام الصحيح من الوطنية فهي تقوم على أساس الأوطان لا على أساس الأديان. وإن الإسلام يعلم أتباعه حب الوطن ويحثهم أن يعيشوا فيها كأبناءها الأوفياء ويساهموا بكل ما يملكهم من طاقات ولياقات في تقدمها ورقيها وتحقيق مشاريها العمرانية ورفع مكانتها السياسية بكل نشاط وحماس. فيجب على المسلمين أن يكونوا أوفياء لأوطانهم ومستعدين للدفاع عنه، كما يرى مولانا أبو الكلام آزاد، أن الوطنية هي علمانية ولا غير، فهي لا تكون هندوسية ولا إسلامية، بل هي شعور باطني نحو الوطن.

فالأمة العربية بموقعها الفريد وطاقتها البشرية الهائلة وثراوتها الغنية مؤهلة لتحتل مكانة سامية في الركب العالمي، وتكون عنصرا مؤثرا في وضع حضارة المستقبل، حضارة تقوم على الإخاء والتعاون بين الأمم والأقوام لينعم البشر بالرخاء والخير، وترفرف عليهم رايات المحبة والسلام.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي - الهند

 

(توفى المفكر هادي العلوي بدمشق ودفن فيها 29 ايلول/ سبتمبر1998)

اما ما هو متصل ومتعلق بالسؤال السابق، في: ما هو المنهج المعتمد في رؤيته التطبيقية؟ نستدل بالجواب إليه:

لا يشكل المنهج المعتمد لـ"صاحبنا" ثقافة الفضيلة استثناء في كتاب دون آخر، فهو نفس المنهج الحاضر في كل كتاباته، ويتمثل في المنهج الدلالي الإشكالي. وبموجبه يراعي؛

ـ إشارات نشؤ الإشكاليات وطريقة تيسير حلها بواسطة تصنيف التنوع الدلال؛، حدوثا، تحريك صعوبات لأسماء؛ أختيار مشتقات أختلاف وإنسجام تناغم ألوانها وأحجامها وأشكالها؛ عن فروق بين ظاهر وعروق ومحتوى عن تأثر عوامل إن صارت تتمايل وتتأخر وتتقدم. و

ـ متابعة عملية تحول هذه المسميات إلى أفاهيم، و

ـ تحول الأفاهيم إلى إستفهامات/إشكاليات، و

ـ تحول الإستفهامات إلى أقوال/شذرات، وذلك عبر إيضاح

ـ دور الأختلاف الدلالي في نشأة الأفهومات الفلسفية، ودور الصراع الشذري في

ـ  إضفاء الدلالات الجديدة على المسميات.

وهذا ما يفيد كيف إن صاحبنا، وبموجب هذا المنهج، يريد أن يرتقي بثقافة الفضيلة كـ"ذات" ترتفع وتصعد وتتعالى في مستواها إلى موضوعات في الأسباب للبحث الفلسفي الرصين، والذي ينحو بصروفها تجاوز ملامسات التنظيرات السطحية والأختزالية، والإيديولوجية، ينقصها الجدية والعمق، وقيامها وقعوها صرعة منسوب ظاهرة بساطة المعلومات غير المتعمقة في الأمور حوله.

فهو عارف، يراعي في أبحاثة لحظات نشؤ الصعوبات وكيفية حلها بواسطة تنويع دلالات مسمى ثقافة الفضيلة بمحتوىات موطنها مسمى"الذات"؛ هذا مع إلقاء الوقوف موقفا وسطا من أفكار المدارس المتعارضه حول دلالاتها، والعمل المنسجم على صياغة نظرية متناسقة حولها ترصد مظاهر فصل التناقض بينها، لكن من دون إغفال الإشارة إلى ملامح التطور في حل هذه الصعوبات التي جسدها هذا الموقف أو ذاك من الإستفهامات المطروحة. ومن دون التغاضي كذلك عن الإسقاطات الاجتماعية، والإرغامات الثقافية، والخلوعات السياسية، وحطام التغلبات الوجودية لهذه الإستفهامية، تتناول أحداثا ماضية ضمنية، رموزا تدل على إرادة الحاضر عن نسبة أنزال  تلقائية حوافزها، ومنازلة أفكار صراعاتها، فعنده ـ مفكرنا ـ الحقائق حركة تتصارع وتتجادل عبر مراحل صياغة تاريخية، تلقي في الخصوم "الدوغماء" الواقفة أرضا، اقتدار تمكنها أو فنون نبوغها إمكان تحقق هذه الإشكالية .

ومن نافل القول، بموجب هذا المنهج عمل ـ صاحبنا ـ في معظم أبحاثه على متابعة تطور سؤال/ محنة ثقافة الفضيلة، ومن خلاله، رصد التحولات التي طالت أسم الذات، انطلاقا من مجموعة من الفلاسفة ومفكري التراث العربي الإسلامي/الشرق؛ كدلالة تتآرجح بين الإنفصال والأتصال. ففيما يخص الأنفصال، فهو يتجلى هنا في وقوفه عند تفصيلات الامور ودقائق تنويعات دلالة الذات، وما يحيط بثقافة الفضيلة على وجه التفصيل بذكر الشرح والتحليل نحو جملة الذات كمنتج لها، ومساحات وما يشتبك تشارك تنويعاتها من أفاهيم؛ من خلال تماثل نصوص الفلاسفة من التراث الإسلامي وغير الإسلامي أو التاوي أو الماركسي أو الماوي أو الغربي الحداثي الثقافي. فهناك نصوص قابلها لفلاسفة، لها معينها الإسلامي، وقف على تفصيلات تنويعاتها (ابن عجيبة، والشيرازي، الغزالي، ابن رشد، ابن باجة، السهروردي، ابن عربي، ابن طفيل، ابوالحسن البصري، والمسيب وابن خلدون، والمعري...) وما أقتضته هذه الدلالة من تأويلات لثقافة الفضيلة كمنتج معرفي جنينها الذات لدى هؤلاء.

أتخذ من منتجهم المعرفي ما عمل به في تحديد ثقافة الفضيلة لدلالة الذات على مقابلة معناها الصوفي بمعناها الفلسفي البرهاني اثرت منهجه، كما جاء بها، مثلا، من عند (ابن باجه، مثلا)، الذي ارسى منتهيا بذلك إلى نظر فعل التصوف لبس مكانة من فعل الفلسفة، لأن هدفه محددة على تحصيل ثقافة الفضيلة على تحصيل التذوق الحسي والوجود الماورائي/القبلي لا عند السعادة العقلية، مما يعني بأن ـ مفكرنا ـ استخلص افادته من ابن باجة، بأن العقل بمثابة أداة للتمكين التي تضمن تنامي وتطور ثقافة الفضيلة، متوحدة بمنتجها المعرفي ضمن الذات، وبأبتعادها، تنأى عن إملاءات الغرائب من غير أهلها، بل تؤمن لها موطئا، بؤرة، برزخا، أو هووية من نوع جديد، هي، هووية معرفية وعلمية، وليست إنكفاءة سياسية محددة بهووية إيديولوجية مدنية مزيفة، غرائبية أهل المدينة، عن بؤرة "أنته" (= ذاته)، لا تضمن لثقافة الفضيلة ذاتا غير موطدة، مثبتة ومقوية له، توحده.

ثقافة الفضيلة جعلت لسياقات ابحاثه ودراساته، تأملات، دعائمها تتمركز في قصة لا تقل عتبة "حي ابن يقضان" عن سؤال: "من أنا؟" سؤال شغل رحلته بالعمل على الإجابة عنه من خلال أختبار الذات، يهدف إلى التحقق من أن نبضها إخضاع نتائج ثقافة الفضيلة لتجارب مواطنها، يكون الغرض منها تحقق سعي يجري مشبع قدرته الفاحصة، خيارات وإجراءات قيادتها لمعرفة مع تلك التي أجريت على مسميات في فلسفات أخرى؛ أي من حيث هي "بدن" و "عقل" و "ما فوق العقل"، مستخلصا بذلك إلى الإطاحة بالأفاهيم التقليدية للإنسان عن أصله بأنه "حيوان" أو (حيوان ناطق، و، بأنه مدني بالطبع). فهدم هذين التعريفين المعروفين للإنسان؛

ـ عن الأول، كسح فيه، إدعاء، أن يشكل الجسد إحدى حقيقيتي ثقافة الفضيلة عن منتجها الذات البشرية، وهي الحياة. كما أن يمثل العقل الحقيقة الأخرى لثقافة الفضيلة عن منتجها الذات البشرية، وهي العلم النظري.

ـ عن الثاني، قام بتكسيح إدعاء، "الإنسان مدني بطبعه"، بالهجوم على "غرائبية" المدينة؛ أي على السياسة، لعدم أهليتها وقادتها معه وعجزه عن إصلاحها.

هكذا يكون لـ(هادي العلوي)، المعلم، قد "برهن" ثبوتية أن الإنسان ـ ليس مدنيا بطبعه ـ، وأنه يمكنه أن يكتسب آهلية ثقافة الفضيلة من صفات ذاتية بشرية تنتجها، وإلهية كلها، من دون أن يكون للمدينة مشاركة، أو، يد ببنائها.

أما فعل التصوف، في بعض أقطابه (ابن عربي و..) فيؤسس باحثنا ـ هادي العلوي ـ  بحثه عن ثقافة الفضيلة منتج معرفي عن الذات، أبتداءا من تجربة تحولها من الأنا إلى اللأنا سندها في ذلك،  لا علم المنطق ذي الاهداف النفعية، والقائم على مجرد ترقب التصورات والعلاقات والنسب، والتي يقصى بموجها ثقافة الفضيلة موطنها الذات عن مجال العلم.

بخلاف ذلك، العلم الصوفي كعلم لين المعاملة، لدن، فهو لا يعطي إلا لمن اختاره وفضله الله؛ فهو علم اصطفاء رؤية تخاطب القلب وجدانيته، عمادها التذاذ الكون، ميزة يكتسبها المؤمن بالمران والتجربة حتى يصل إلى الإحسااس بالجمال، أي النفاذ إلى أعماق جوهر الكون، وحدوث ثقافة اتصال وجداني بين فضائل جوهر الجمال الخلقي والمتلقي "المؤمن"، بما هو تملي بجماله المتجلى عن الحق؛ فهو علم ينتج عنه التذوق النقي بثقافة الفضيلة معرفة الحق عبر سمات الذات ومكوناتها المعرفية المتألقة بـ(..استفتيء قلبك) وما يتصل بهذه المعرفة من ضوابط وعوالم غيبية تحكمها، وجهتها عالم الخير.

لكن كيف افرز منهجه دلالة ثقافة الفضيلة بين الإنفصال والاتصال عن موطنها الذات؟

كما أن هذا الانفصال وبعض "الاعتزال" في دلالة ثقافة الفضيلة عن موطنها لمسمى الذات، قادت المفكر (هادي العلوي) إلى التبين عن تماثل دلالة مسمى ثقافة الفضيلة بالكشف عن مكنون الذات تقابلا بما هو مشترك في هذا المسمى؛ أي معطاتها حيوية المحتوى في هذه الذات نفسها، بمعنى ثقافة الفضيلة جوهر تؤطره الذات الكلية نفسها، وذلك في إطار كل فلسفة من الفلسفات التراثية؛ من حيث تناولها ثقافة الفضيلة عن ذات متأرجحة نظريا، كثقافة بين فضيلة الوجود الفردي وفضيلة الوجود الجمعي، وهنا الإشارة إلى ـ ابن باجة ـ، وبين ثقافة الفضيلة بغياب الذات أو "اللاذات" وما بعدها (وهنا الإشارة إلى ابن طفيل)، وبين ثقافة الفضيلة بين الأنا واللا أنا عند المتصوفة، بل وبين ثقافة الفضيلة الإنسانوية الاجتماعية ـ عند ابن خلدون ـ.

أما الاتصال في دلالة ثقافة الفضيلة عن موطنها لمسمى الذات، قادت المفكر (هادي العلوي) إلى الكشف عن عدم اليقين، وهو يشكك في هذه الدلالة كما كانت قائمة عند فلاسفة التراث، ابتداءا من إعادة قراءة التقابلات التي تجوفها بمفارقات تنخرها، ويسوس عليها تأويلات لدى كل مفكر بهدف تكييفها وتلطيفها، وذلك بحثا عن القنوات والمسالك المقبولة، لتفتح عنها معان تجديد بينها، ما جعلت له ـ هادي العلوي ـ  أن ينخرط بمتابعة كل من موقعه الفلسفي الخاص، جغرافية تخصصات (= معنية بمواقع فرقها الفكرية وتنوعاتها)، وذلك بنظرته لهذا التوزيع أبنية محكومة في نظر هادي العلوي، مثلا، الاندلسيون محكوم عليهم بمنطقهم الجدلي، عن إثباتهم ثقافة الفضيلة لحظة إثبات الذات كما في لحظة نفيها. وخلص إلى إن ثقافة الفضيلة بناء النظر فيها إلى جوهر لذات متعددة الأفاق والأوجه بأبعادها. هذا التعدد الذي أصبح منبت إلهام بالنسبة إلى المفكرين العرب المعاصرين، ووفقا لذلك تنوعت وتعزز تعدد قراءاتهم لهؤلاء الفلاسفة ونزاعاتهم، كما هو الحال من أخذ بموجبه تعريفا لثقافة الفضيلة لما بين تفصيلات تنويعات مرجعيتها من إلى (ابن عجيبة، والشيرازي، الغزالي، ابن رشد، ابن باجة، السهروردي، ابن عربي، ابن طفيل، ابوالحسن البصري، والمسيب وابن خلدون، والمعري...) وما أقتضته هذه الدلالة من تأويلات لثقافة الفضيلة كمنتج معرفي جنينها الذات لدى هؤلاء للاتصال منها.

اما الخطوة الثانية في منهج المفكر العراقي الزاهد هادي العلوي، فهي مخرجات المقدمات الأولى، وتتجلى استثمار مفارقات المسميات التي تحيل عليها دلالة ثقافة الفضيلة كمنتج معرفي عن دلالة الذات عبر تاريخ الفلسفة، وذلك من خلال الاصطفاء والارتقاء بها لمنسوب ذلك المفهوم الإستفهامي العصي. إن الأمر مرتبط بطبيعة الحال، بنشأة انطلاق الاستعصاء الإشكالي في المنهج. وتتضح هذه النشأة البدئية، محض انطلاقها لحظة العمل في استقطاب مختلف دلالات مسمى الذات، لاستثمارها ثقافة، مكنون جوهرها الفضيلة، والتي تجعل  من تحول هذا الاسم إلى مفهوم متجادل حوله "فضائل اهل الاعتزال" من جانب الفلاسفة والفقهاء؛ إي تحويله إلى مفهوم إستفهامي الأبعاد، وإستشكالي المنهج، كون مفهوم ثقافة الفضيلة بالنسبة إلى هادي العلوي إشكال قابل للتأويل، و يحمل أوجه تأويلات متعارضة ومتعددة، مزيدا على ذلك إلى تأويلات القراءات الفلسفية للتراث، وهي تتقاذف هنا وهنا، عن رهط بوتقة التأويلات الحداثية، والمابعدها لهذه الثقافة بهذه الذات. وحشر كل تأويل داخلها عن تأويلات تتقاطع بقدر ما تختلف وجهات النظر الفلسفية والمدرسية عند كل الفلاسفة من فضل لاتصال أو انفصال.

الخطوة اللاحقة في هذا المنهج تشكيل لحظة الخلاص من الإشكال. وبموجبها يعتبر هادي العلوي، ذلك، بأنه إذا كان تعدد ثقافة الفضيلة يستشكلها تعدد مسمى الذات، وعلة لبسها وإستفهامها في الفكر العربي الإسلامي، فإنها بالضرورة تعتبد علة الخروج من هذا الغموض والإستفهام العصي. ومن نافل القول، اعتمد صاحبنا ـ العلوي في الأطروحات والتأويلات المتعارضة والاعتزال التي يقدمها مفكري البصرة بشأن ثقافة الفضيلة، هي تعارضات واطروحات تخلص بشأن جوهر الذات التي هي بالضرورة ثقافة الفضيلة، بأنها لا تتباين وتختلف في جوهر الايمان عن "بين المنزلتين" بشأن الذات، إلا لتتفق وتتقاطع مع ثقافة الفضيلة، والعكس. وهنا ما يجعل العلوي، له، تفسيرات من خلال متون الابحاث ودراساته الممتدة عمقا في التراث، تقديمه تفسيرا كيف كان يتفرد المسلمون في فهم الاسماء وتطور المعنى للأشياء في اللغة على مستوى طبيعة المخلوقات بتعدد وظائفها و اقوالها وتشريعها، بالقبول أو الرفض عن المعنى، ثقافة الفضيلة تتسمها، وتتفق على الانفتاح لثقافة شرح عيون المسائل من الأخر وعلومه، أفراد وطبقات، كما يراعي العلوي الإنتباه عنها هو؛ أن رموز الأنمودج الثقافي لها ثبت المصادر والمراجع لأراءها (العربية والمعربة)؛ كاشفة الإعلام وأفكارهم، فيما افصل على ما اتفقواه عليه من القول بالوعيد اعتزالا أو مرجئة منه، إنها تشكل رموزا لأنموذج ثقافة الفضيلة الإسلامي في تراثه ـ ثقافة فضيلة ممتدة بأتساع  ما اجمعوا على جوهر التوحيد والعدل والقول الوعيد عن الاسماء والأيات والفكر بين الفرق والقبائل والطوائف والجماعات لمن يحسن طلبه من العلوم وما لا يحسن في إضافة الخير والفصل عنه إلى الله، وما يستشكلها من ابتكارات/بدع، إن كان يخص السواد الأعظم والقلة والكثرة، عن ملائمة الفطنة والفطرة ومفارقة الإلفة والعادة بتلقي المشبهة بذلك. ما تعددت الطبقات في استثمار مفهوم ثقافة الفضيلة التي استكشفها العلوي حين عد أن طبيعة الواحد سارية في كل طبقة، وفي الكل. ومن هنا يعتبر العلوي أن أنموذج مقولات الطبقات من أهل البصرة والكوفة (على سبيل المثال) ما لها من تأثير الثبات والتمايل والتقدم تأثير ثقافة الفضيلة لها مساس على أهل (الشام، واليمن، والطائف، ومكة والمدينة) أمام تصور محدد الذات قوامها ثقافة الفضيلة بالقلب وايضا العقل في الحرية والاختلاف والانفتاح والتسامح في منتجها المعرفي.

وعليه، فإن هذه الخصائص التي تنسج وتضفر منهجه في دفاعه عن ثقافة الفضيلة، تبحث وتنكب استكشافا عن الذات بها، عن جوهر الذات، زاهديتها المتعالية، التي قد شكلت له مصدر إلهام بالنسبة لدراساته وابحاثة، إقدام نحو بناء نهضة فكرية وثقافية جديدة لدى المثقف، عضوية دؤوبة الانفتاح على الأخر وعلومه.  لكن هذا الإلهام اتخذ طابعا إستفهاميا عبر نفسه في ذلك مسار الصراع المحتدم بين هؤلاء المفكرين في التراث العربي الأسلامي، اعلام طبقاته. ومما لاشك فيه، هو ما احتدم به النقاش عند واقعنا المعاصر، عمل منهجيته، في إطار أبحاثه عن الذات وجوهرها في الفكر العربي، ما جعل الإنخراط في أطرافه يدور في هذا النقاش، هاجسه في ذلك التعبير عن رؤيته الخاصة لهذه الذات في ثقاافة الفضيلة، إسهاما من استئناف البحث عنها على ضؤ الحداثة وما بعدها، على ضوء حاجات التغيير الثقافي العربي المعاصر، والبناء العضوي للمثقف، وكذا عن ثقافة الفضيلة على أحقية اصطفاء وارتقاء مفهوم ثقافة الفضيلة نحو التقدم.

حسنا، ما هي المرتكزات التي توجه من خلالها العلوي لثقافة الفضيلة في الفكر الثقافي العربي؟ هذا ما سنجيب عنه، بحلقة قادمة.

يتبع

 

إشبيليا الجبوري

 

زهير الخويلدي"ينبغي أن نتخيل سيزيف سعيدا"

يبدو السؤال عن الحياة هو المطلب الذي يمنح الوجود الإنساني معنى ويقيه من الوقوع في العدم وأن الرضا بالحال والانغماس في السائد والانخراط في المألوف واجترار المكرر ينتج الشعور بالملل ويؤدي إلى الغثيان ويجعل الإنسان يطرح على نفسه الكثير من الإمكانيات الغريبة عن عقله والمداهمة لشعوره.

لقد طرح ألبر كامو السؤال الفلسفي الأبرز: لماذا يشعر المرء بأن حياته فاقدة للمعنى؟ وتفطن إلى أن هذا السؤال الوجودي هو من أكثر الأسئلة الفلسفية خطورة وذلك لارتباطه بالسؤال عن معنى الحياة الإنسانية.

ترجمة:

"هناك مشكلة فلسفية خطيرة واحدة: إنها الانتحار. للحكم على أن الحياة تستحق أو لا تستحق ألم العيش، هو الإجابة على السؤال الأساسي للفلسفة. أما الباقي، إذا كان للعالم ثلاثة أبعاد، إذا كان للعقل تسع أو اثني عشر مقولة، فسيأتي بعد ذلك. هذه هي الألعاب، يجب علينا أولا الإجابة. وإذا كان هذا صحيحًا، كما يرغب نيتشه، فيجب على الفيلسوف، لكي يكون محبوبا، أن يعظ على سبيل المثال، يدرك المرء أهمية هذه الإجابة، لأنها ستسبق الإيماءة النهائية. هذه هي البديهيات المحسوسة من القلب، ولكن يجب تعميقها لجعلها واضحة للفكر.

إذا سألت نفسي كيف أحكم على أن سؤالًا ما أكثر إلحاحًا من سؤال آخر، فأجبت على أنها الأفعال التي يلتزم بها. لم أر أي شخص يموت من أجل الحجة الأنطولوجية. جاليليو، التي كانت له حقيقة علمية ذات أهمية، أختار ماهو الأسهل في العالم حالما تعرضت حياته للخطر. بمعنى من المعاني، قام بعمل جيّد. هذه الحقيقة لم تكن تستحق التنصيص. سواء كانت الأرض أو الشمس تدور حول بعضهما البعض، فهذا غير مكترث بعمق. أن نكون صادقين، إنه سؤال عديم الجدوى. من ناحية مغايرة، أرى أن الكثير من الناس يموتون لأنهم يوعون أن الحياة لا تستحق العيش. أرى الآخرين الذين يتم قتلهم بشكل متناقض بسبب الأفكار أو الأوهام التي تمنحهم سببًا للعيش (ما يسمى سبب العيش في الوقت نفسه سبب ممتاز للموت). لذلك أشعر أن معنى الحياة هو أكثر الأسئلة إلحاحًا."1 والحق أن الحكمة تقتضي التفكير في البقاء أكثر من الاهتمام بالفناء وتغليب إرادة الحياة ومحبة الوجود على إرادة العدم وكراهية البقاء. لكن ماذا تفعل الفلسفة لكي تتصدى للعبث؟ أليس التمرد الذي يعلنه كامو نفسه بشكل فردي على العبودية التي تسرق منه حريته هو أول الخطوات الوجودية للتغلب على اليأس؟ ألا يستمد البشر معنى وجودهم من التحدي الذي يرفعونه في وجه القدر طالما أن شرف سيزف في ذلك هو المحاولة رغم الفشل في كل مرة؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

....................................

المرجع:

-Albert Camus, le mythe de Sisyphe, édition Gallimard, 1943,p17.

 

 

المقدمة: يعتبر تكوين المجتمعات والقوانين المدنية التي تحكمه أهم اختراع تم تأسيسه من قبل البشر. تعتبر هي اللبنات الأساسية للحضارات والتبادلات الاقتصادية وحماية حياة الفرد وممتلكاته.

في هذه الحقبة، لم يكن الحديث عن كيفية تشكيل المجتمع ذا أهمية كبيرة للجمهور وكذلك للعديد من الأكاديميين. حيث لم يوجد هناك سبب أو وقت للعودة إلى الدراسة مرة أخرى لماذا وكيف يتم تشكيل المجتمعات والجماعات البشرية باستثناء دراسة الأنثروبولوجيا، وأيضًا بالنسبة للكثيرين لا توجد علاقة واضحة حول كيفية يرتبط فهم تكوين المجتمع للقضايا و مشاكل السياسة والأخلاق المعاصرة. إلا أنه مرتبط بشكل أساسي, بحيث انه يساعدنا في فهمنا للسبب الذي يجعل الناس يطيعون قواعد الأخلاق وقوانين الحكومية،و يجيب على سؤال, لماذا الناس يختارون ان يكونوا اجتماعيين في مقام الاول؟.

قبل قرون قليلة من عالم اليوم، نشأ سر تشكيل المجتمع بشكل كبير للغاية، ويرجع ذلك أساسا إلى التحولات غير المستقرة بين أنظمة السياسية، والتحول من الفوضى إلى الملكية إلى الأوليغارشية، وإلى الديمقراطية الجمهورية. في كثير من الأحيان مع خسائر ونتائج عميقة جدا.

من بين أبرز الفلاسفة الذين فكروا بعمق في أسباب تشكيل المجتمع والحكومة هو الفيلسوف السياسي الإنجليزي الشهير توماس هوبز (1588-1679).

في كتابه "اللاويين"، يجادل هوبز من فرضية التكوين المجتمع حول سبب وجوب اتباع الحكومة وطاعة حكامهم بغض النظر عن قسوتهم وسلوكياتهم.

يبدأ هوبز مقره من البداية، قبل تشكيل المجموعة والتطور الحضاري، من "حالة الطبيعة"، و معناه : حالة عاش فيها الأفراد حياة انفرادية وأنانية دون أي قوانين وتماسكات جماعية. حالة من الحرية الطبيعية المعترف بها للقيام بكل ما يرغب فيه الفرد وحق في تملك كل شيء على الأرض.

اعتقد هوبز أن حرية الفرد في امتلاك كل شيء في هذا العالم، والقدرة على فعل أي شيء دون أي تداعيات أخلاقية أو قانونية تشكل ضررًا وشررًا على نفسه والآخرين، لأنه يجعل الشخص في حالة حرب ضد الآخر. فإنسان المقابل يحمل نفس الحق في تلك الحرية المطلقة في امتلاك كل شيء.

لذلك سيكون مصير الإنسان هو أن يكون في حرب الجميع ضد الجميع، الجار ضد الجار في حالة الطبيعة دون تشكيل الحكومة وتدخلاته القانونية. عندئذ يجب على المرء بعد ذلك حماية حياته من القتل وموارده من السرقة من تلقاء نفسه فقط.

كما قال هوبز الشهيرة في كتابه "ليفياثان":

 "في مثل هذه الحالة، لا يوجد مكان للصناعة؛ لأن ثمرها غير مؤكد. وبالتالي لا توجد ثقافة للأرض؛ لا الملاحة، ولا استخدام السلع التي يمكن استيرادها عن طريق البحر؛ لا بناء الثمينة. لا توجد أدوات للتحرك، وإزالة الأشياء التي تتطلب الكثير من القوة؛ لا علم لوجه الأرض؛ لا يوجد حساب للوقت؛ لا فنون بلا رسائل لا مجتمع والأسوأ من ذلك كله هو الخوف المستمر وخطر الموت العنيف؛ وحياة الإنسان، انفرادي، فقير، مقرف، وحشي، وقصير ".

كان هوبز، كما ذكرنا سابقًا، يفكر في انه لماذا يجب على الشعب إطاعة حكامهم؟ كان تفكيره أن الشعوب كان أمامها خياران. إما أن يأخذوا الحاكم كزعيم لهم وأن يطيعوه بكل طريقة، أو يعودون إلى حالة الطبيعة التي يكون فيها كل إنسان لنفسه،في الحضارة المنهارة، والبدائية والوحشية. من الواضح أنه كان يعتقد أن خيار الاول هي اكثرمنطقية و سب للطاعة الشعوب لحكامهم.

هذا، بالطبع،هي معضلة خاطئة. من الواضح أن هناك خيارات أكثر بكثير يمكن على الشعب اتخاذها بدلاً من مغادرة أو أخذ سيادة الملوك والأمراء. ومع ذلك، لاحظنا أنه أخذ ذلك كاقتراح بدائي لوصف وشرح الأسباب الكامنة وراء نظرية العقد الاجتماعي.

بعد هذا التحليل الشامل، توصل هوبز إلى استنتاج مفاده أن الفرد يجب أن يختار الدخول إلى المجتمع وتشكيل مجموعات خوفًا من الطبيعة نفسها. إنشاء حكومة موثوقة هو جزء من المجتمع المدني، فضلاً عن أخذ السيادة، والتي يجب على الشخص التخلي عنها عن حقه في كل شيء بطبيعته إلى السلطة القائمة و حكامه، ومنحه الحق في حكمه من أجل إنشاء أمر لمصلحة عامة.

يجب وضع هذا النظام بغض النظر عن العواقب، وأحيانًا حتى لو تم استيفاء للوسائل بالقوة؛ تذكر، في عقل هوبز أن طبيعة الإنسان شريرة وأنانية وقد تكون القوة مطلوبة من قبل السلطة للسيطرة على الفوضى.

بغض النظر عن مدى سوء السيادة. يجب أن يطيعه الأفراد ويأخذه لأنهم أعطوا حقوقهم له. لأنه حتى لو كان القائد سيئًا، فإن العودة إلى حالة الطبيعة أسوأ بكثير من ظلم الحكومة، لأنه في ظل الحكومة يكون لديك عدو واحد فقط تقلق بشأنه وهو الحاكم، ولكن في حالة الطبيعة يكون لديك عامة الناس كعدو لك.

كان هذا منطقيا، وذكيا من هوبز حول كيفية تشكيل المجتمع والحضارات الإنسانية من حالة الإنسان في الطبيعة. لكن المشكلة التي واجهها هوبز في حجته هي بعض البديهيات الخفية حول الطبيعة البشرية التي ليست صحيحة على الإطلاق. يمكن للمرء أن يرى ذلك من خلال المعلومات التي قدمتها لنا علوم الأنثروبولوجيا في هذا العصر الحديث حول كيف تم تشيكل المجتمع والسياسة في الماضي.

الجزء الأول: نحن كائنات اجتماعية من طبيعتنا.

يرافق وجودنا الإنساني دائمًا كائنات بشرية أخرى، في الزمان والمكان معنا. نحن موجودون دائمًا كمجموعات، من الولادة إلى الموت، وليس بمفردنا، سواء أكانت مجموعة عائلية أو جماعة قبلية أو مجموعة ذات أهداف مشتركة.

لقد أبرم مخططنا الوراثي منذ الولادة عقدًا لدخول المجتمع والامتثال لقوانينه غير المعلنة، وهي قوانين تم قبولها دون وعي. بقدر ما نعرف تاريخ البشرية، كان أسلافنا دائمًا يصطادون ويتجمعون كمجموعات، ويسافرون كمجموعات، ويقاتلون كمجموعات. كانت هذه المجموعات عصابات من اسرية في البداية ذات شكل اجتماعي مساوٍ، ثم تطورت إلى العشائر والقبائل ذات المشايخ كقادة سياسيين، حيث تم إطاعة أوامرهم كعادة، أو بدافع النية الطيبة لكونهم جزءًا من القبيلة. استند اختيار القادة على مزاياهم، وقوتهم الجسدية، وقدرتهم العقلية، وكذلك سلوكهم المقنع. لم يهتم هذه المشايخ و قادة بأولويات والرغبات الفردية، مثلا الرغبة الشخص في الحصول على حصان أو شيء ما لنفسه، لكن كان (الرئيس أو الزعيم) يعمل كمرشح لتحقيق الأهداف المشتركة للمجموعة بأكملها مثل البقاء على قيد الحياة وربما كيفية التزاوج عن طريق إنشاء قواعد اجتماعية وبالتضامن مع القوانين الطبيعية، هذه الأهداف كانت هي الأساس القياسي التي يجب أن يطيعها القائد. طالما أنهم يسيرون نحو هذه الأهداف ويحققون بعض من هذه اهداف، فإن اطاعتهم كانت واجبة على الفرد المنتمي لذلك القبيلة.

بالعودة إلى بدايات نقاشنا، نعلم جميعًا أن وجودنا لم يكن ممكنًا لولا والدينا، شخصان انجبوا طفلا على اقل لتشكيل مجموعة متكونة من ثلاثة. فعند ولادتنا، يتم ربطنا تلقائيًا مع عائلتنا، دون عقل واعي لاختيار بالانضمام أو عدم الانضمام، أو الاعتماد على هذه المجموعات، نصبح تلقائيًا جزءًا منهم دون أي خيار واع، وبالتالي يمكننا يقولون أنه نوع طبيعي من الرابطة بين الآباء وذريتهم.

بعد ذلك، بعد مجموعة سلالنا، ننمو لنتشارك الأرض مع القبائل الأخرى والأشخاص الذين يختلفون عنا قليلاً (ربما يشاركوننا في معظم الخصائص الجسدية و افكار عقلية) لكنهم يعيشون في نفس الأرض التي نعيش فيه. نحن نقاتل من أجل الارض معا ضد الآخرين ونعيش معا على ذلك. كما نرى، لا يتم اختيار بالتعامل و تآخي مع هذه مجموعات أيضًا من العقل واعي لأننا مولودون في هذه الأراضي ويتم تصنيفنا من قبل بشرتنا وعظمنا إلى وطننا دون أي خيار. هذا الصورة يبعث الارتياح لعالم الإنسانية الكئيبة الذي رسمه هوبز، وهذا يعني أننا لسنا وحدنا، ولدينا أشخاص آخرون يشبهوننا ويختاروننا لنقف إلى جانبهم على أي شخص آخر.

قد نشارك أرضًا مع أشخاص اخرين، لكن رابطًة اقوى و اكثر اهمية يمكن أن ينظمنا تحت مجموعة واحدة، الا وهو الأهداف المشتركة التي يتم مشاركتها بين أفراد مختلفين أو مجموعات مختلفة، حتى أن مشاركة الأرض مع اخرين يمكن أن تندرج تحت هذه الفئة.

اتحدث عن أولئك الذين لديهم نفس الغرض او الهدف التي نملكها نحن, فهم ثاني أقرب الأفراد إلينا، هم أصدقائنا وجيراننا وزملائنا في العمل، وهؤلاء الأشخاص يؤلفون جزءًا كبيرًا من الروابط المجتمعية والتقدم الحضاري نحو هدف معين . لكن نقول مرة أخرى، نحن لم نخترهم، لقد تم إدراكهم من قِبل عقولنا اللاواعي بأنهم مفيدون لنا ولهدفنا حيث يمكنهم تخفيف عبء وسائل الوصول إلى اكمال الهدف المشترك بيننا.

لم تكن كل هذه المجموعات التي ذكرناهم بحاجة إلى قانون أو ملك ليجعلهم ينضمون إلى المجموعات التي ينتمون إليها، ولم يكونوا أفرادا يديرون الأرض بمفردهم و يبحثون عن غزال يصطادونه، أو يدافعون عن حياتهم ضد البشر والوحوش الآخرين. لم يتم عقد العقد الاجتماعي بشكل صريح ولم يأتي من ارادتهم،بل كانت من طبيعتنا هو تنظيم مجتمعات، كما تفعل المخلوقات الأخرى، كما يفعل النمل، كما يفعل النحل.

كل هذا يدل على أن اختيارنا للقانون وتشكيل الحكومة لم يأتِ بسبب خوفنا من الطبيعة، لقد أبرمنا عقدًا مع القائد ليقودنا لمصلحتنا ليس لأننا نخاف من بعضنا البعض ولا لأننا خائفون من البيئة القاسية للطبيعة , لأننا خمدنا هذه المخاوف بالفعل من خلال انضمامنا لمجموعتنا الصغيرة (فردية او قبلية او وطنية).

الجزء الثاني:نحن نصبح أقرب من بعضنا في المواقف القاسية وفي حالات الحرب

مع ذلك، فإن الفرضية الأخرى لنظرية هوبز هي أنه في حالات الحرب والصعوبة، نحن كبشر نصبح أكثر انقسامًا وأنانيةً، ونحاول إنقاذ أنفسنا ولو كان على حساب الآخرين.

لكن تاريخنا يثبت العكس. مرارا وتكرارا، رأينا البشر في أحداث قاسية وأوقات خائفة، يجتمعون معا، وهم يقاتلون في ظل سلوكيات بدائية فائقة التشدد، يتصرفون في الصالح الشامل للأغلبية بدلا من الانتقاء الأناني. صحيح أننا نقاتل بين بعضنا البعض عندما نفقد أي ضغط خارجي يتطلب من كل واحد منا التغلب على هذه الضغط، ولكن بمجرد أن تبدأ الحرب وتندلع. سترى أولئك الذين يشاركون شيئًا مشتركًا بينهم يكونون مجموعات ..

نحن نقوم بتشكيل مجموعات كما ناقشناها مسبقًا لأسباب عديدة، سواء كانت مجموعة عائلية كدعم مباشر، أو مجموعة قبلية كمجموعة بيئية، ويمكننا تشكيل مجموعات لأن لدينا أهدافًا مماثلة مع أشخاص آخرين ..

من الصعب معالجة هذه الأهداف المشتركة عمومًا إذا حاول المرء تحقيقها بمفرده، ومع ذلك، سيكون الأمر أسهل مع المجموعات.

في الحرب، يكون الهدف هو القضاء على جماعة العدو، والطريقة الوحيدة لتحطيمها هي الانضمام إلى مجموعات من الناس بنفس هدفك. هذه المجموعات المشكلة، أو الشخص الذي انضمت إلى هذه المجموعات، ستكون الرابطة بين أعضائها أقوى من أي وقت مضى.

بالنظر إلى هذه الفرضية، في حالة الحرب والخوف، ينضم الناس إلى المجموعات الحالية القائمة، بينما يشكل آخرون مجموعات جديدة. والرابطة تزداد قوةً مع تشديد الحرب قبضتها على الناس. يمكن ذكر عديد من الحالات و امثلة كدليل، دعنا نأخذ مثالاً من عصرنا الحديث. لقد رأينا عدة مرات أنه عندما يضرب إعصار أو زلزال أي أرض يشغلها الناس. سوف يخرج السكان الأصليون لتلك الأرض وحتى غيرهم من أطرافهم وينقذون الآخرين. كم مرة رأيت شخصًا يقفز من فوق الجسرمن أجل إنقاذ شخص اخر غارق، أو رجل يلقي نفسه في مبنى لإطفاء الحريق لإنقاذ جاره.

مثال آخر، ربما أكثر قربًا من نقطة هوبز، يتمثل في تكوين روابط هائلة بين جنود في المقدمة الحرب (يطلق عليهم اسم "الإخوة في السلاح")، هؤلاء الرجال، الذين هم غريبون بالنسبة لبعضهم البعض، ينشئون عقدًا بينهم قويًا مثل روابط القرابة . لقد سمعت الكثير من القصص عن هؤلاء المقاتلين الذين يتصرفون بشكل غير أناني تجاه رفاقهم، سواء قبل المعارك، حيث نجوا من بيئات الطبيعة القاسية معًا وفي المعركة التي كان من المفترض أن تظهر فيها الطبيعة الإنسانية النرجسية .).

لماذا تظهر مثل هذه السلوكيات بين الجنود؟ ربما يكون السبب هو القائد الذي يطيعونه، لأنه يأمرهم بالالتصاق معًا والقتال من أجل بعضهم البعض، أو الالتزام الذي يشعرون به تجاه الوظيفة التي وقعوا عليها.انا اجادل هي ليست احد من هذه الاسباب.

الرابطة بين هؤلاء الجنود كثر قوة من رابطة العادية، فمن جهة لديهم رابطة الأمة و الوطن التي هم جزء منها والتي يدافعون عنها، والرابطة الأخرى هي الهدف المشترك للبقاء على قيد الحياة الذي يشاركونه في المعركة ضد العدو.

في ضوء هذه الأسس، انحرفاً عن الموضوع اساس لفقرة قصيرة : استنتجنا أنه في الماضي كان لدينا روابط أقوى بكثير مع عائلاتنا ليس بسبب نفس فصيلة الدم ولكن أيضًا لأننا كنا بحاجة لبعضنا البعض للبحث عن الموارد وجمعها و الدفاع عن قريتنا. كل رجل كان مطلوب في عملية الصيد. روابطنا تصبح أقوى عندما نحتاج بعضنا بعض. لذلك في أوقات السلام. داخل المجتمع نفسه، رابطة الأفراد مع الآخرين هي ضعيفة إذا لم يكن مكسوراً. ولكن بمجرد ظهور مشكلة ما او هدف ما، فإننا نشكل روابط أقوى معًا، لا سيما في مواجهة تحديات أكبر الذي لا يمكن أي فرد ان يواجهه بمفرده، لمعالجة كوارث الطبيعية او البشرية. يمكننا أن نستنتج حينئذٍ أن أوقات الحاجة، خاصةً في مواجهة قوى العظيمة التي لا يمكن أن يواجهها أحد بمفرده. نحن نشكل مجموعات للمساعدة في تخفيف الضغط عنا مثل مجموعة مسامير التي تساعد في رفع ضغط عن قدم الساحر ..

قبل الختام، يجب ذكر توضيح آخر:

نحن نعلم أن البشر يجتمعون للتغلب على المهمة المستحيلة الإنجاز بالنسبة لرجل واحد، وبالتالي في حالات شبيهة بالحرب، عندما يحمل رجل واحد قوي موارد غنية على يديه والذي لا يملكه الفرد الاخر، يصبح من الصعب على هذا الفرد العادي أن يتصدى لذلك الشخص الغني، وبالتالي فإن المهمة تكون أصعب مما كانت عليه من قبل (قصدي هذه مهمة اصعب من مهمة جمع المصادر من طبيعة فقط)، لذلك يجب على فرد العادي أن يوظف افرادا الآخرين بنفس الهدف وهو سلب الشخص الغني المصدر، لكننا نعلم أيضًا أن الشخص الغني سيضيف إلى جانبه اشخاصا اغنياء اخرين يشاركون نفس الهدف لتصدي عن افراد الناهبين مما يضيفون صعوبة أكبر إلى مهمة افراد العاديين الذي يريدون نهب هذه المصادر و الشخص العادي سوف يقوم بدوره باضافة المزيد من القوة الى جانبه، مما يجعله أكبر وأكثر وهكذا دواليك الى ان يكون الطرفان مجتمعين يملكون هدفيين متضاديين، لذلك نرى أن مهمات الصعبة او اهداف الصعبة شبه مستحيلة للفرد العادي يجعل ذلك الفرد اجتماعيا و يحفزه لتكوين مجتمعات ذات هدف المشترك.

 

خاتمة:

اعتقد هوبز أن طبيعتنا لم يشمل التضامن والصداقة من ذاته، وبالتالي يمكننا فقط ان نكون هذه صداقات عن طريق المنطق الواعي..

ولكن رأينا في الحوارات السابقة إن تكوين المجتمع من الأفراد يأتي بسبب الطبيعة البشرية نفسها، وليس من اختيار العقول الواعية. نحن كائنات اجتماعية في جوهرهنا، ونشكل مجموعات مع الذين يشبهوننا منذ لحظة الولادة. كان هوبز مخطئًا في كلامه عن الأنانية والشعور بالوحدة في طبيعتنا.

لقد وُلدنا مع مجموعات ومجتمعات، من دون اختيار عقول واعية، أصبحنا جزءًا من المجموعة، وبالفعل, فقط من خلال عقلنا الواعي نختار التخلي عنهم والانفصال للانضمام إلى مجموعة أخرى أو العيش حياة انفرادية.

المجتمع ليس إلى حد كبير قائم بناءاً من عقولنا وسببنا، ولكن من طبيعتنا. ما هي الوطن إلا مجموعة من مجموعات العشائر والقبائل مجتمعة في أماكن قريبة لبعضها، وتتقاسم نفس الأرض المثمرة.

لم نشكل مجموعات وعقود اجتماعية بسبب الخوف من التحديات الطبيعية وأذى الآخرين (إعادة صياغة هوبز)، بدلاً من ذلك، في حالة الحروب، أصبحنا أكثر ارتباطًا مع البعض مع ظهور الهدف المشترك للبقاء مع عدم وجود رجل واحد القدرة على تحقيق ذلك بمفرده أو البقاء على قيد الحياة في مواجهة ذلك.

بالإضافة إلى ذلك، نحن ككائن فردي كنا دائمًا مختلفين عن اناس اخرين، إما بسبب الأراضي البعيدة التي تفصلنا أو بسبب اختلاف لون أو جسم أو أفكار أو معتقدات مختلفة. لكننا لم ننحرف عن الآخرين وحدنا. دائما في مجموعات. لا تحتاج مني أن أخبرك بما يلي: بغض النظر عن هويتك، أو عن الأفكار التي تعتقد أنك تمتلكها، يمكنك العثور على اسم لمجموعات الأشخاص التي تشترك في نفس المسار المتباين الذي اخترته.

ربما بعد كل هذا، فهي ليست حرب الكل ضد الكل في حالة الطبيعة كما أوضح هوبز، بل حرب المجموعات بشرية ضد مجموعات بشرية اخرى.

 

محمد كريم ابراهيم

 

ميثم الجنابيإن إحدى الحقائق المريرة، التي تستثير بقدر واحد نفسية الحنق العنيف والعقل السليم، هو التوصل إلى إدراك إن العبيد تعيش ولكن بدون حياة، بينما الأحرار تموت تحت مطرقة العزة والأمل. وهي الحالة التي تعبر من الناحية الرمزية عما يواجهه العراق بعد دخوله مأزقا جديدا في دهاليز وجوده الحديث. بينما لا ضرورة في مطرقة العزة والأمل. إذ يمكن الاستعاضة عنها بقوة الحق والحقيقة لكي يجري أولا وقبل كل شيئ تطهير النفس من أدران الانحطاط. ولا وسيلة لها غير الحرية ومستلزماتها وشروطها وآمالها.

ويقف الجيل العراقي الجديد أمام هذه الحالة في ظاهرة تحديه المنظّم والحرّ للسلطة والنظام السياسي الحاليين. وهذا بدوره ليس إلا تحدي النفس أولا وقبل كل شيئ. ولن يهدأ العراق ما لم يهتد بالحقيقة القائلة، بأن الحرية هي ليست وسيلة وغاية الوجود الإنساني بل ومعنى وجوده ومصيره. ولا وسيلة واقعية لبلوغها دون نظام سياسي يتسم بالعقل السليم، والأخلاق الحرة، والرؤية الاجتماعية، وفكرة العدالة، والحق، والقانون، والشرعية، والاحتراف. وهي الصفات التي تفتقدها النخبة السياسية الحالية، والتي شوهتها وتشوه معها النظام السياسي الذي جرى ترتيبه بأثر الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 وبقايا وآثار مرحلة زمنية طويلة من فقدان معنى الدولة الحديثة والنظام السياسي الشرعي والتقاليد السياسية الاجتماعية.

إن إشكالية العراق الحالية هي أولا وقبل كل شيئ إشكالية النظام السياسي والسلطة ونخبها السياسية. وهي جميعها طارئة وعابرة بمعايير التاريخ الفعلي. لكنها واقع بفعل وجودها الواقعي. الأمر الذي يجعل من الضروري بالنسبة للقوى الحية العاملة من اجل بديل عقلاني وطني اجتماعي في العراق العمل بمرجعية الدولة الوطنية وفلسفة الإصلاح الثوري، أي الإصلاح المنظومي الشامل.

فالقوى السياسية الحالية ونظامها السياسي هي نتاج تلاقح قوتين قذرتين في آن واحد: بقايا الدكتاتورية والاحتلال. ومن ثم فهي بمعنى ما ضحية هذه الحالة. غير أن النخبة السياسية هي قوة حية عاقلة قادرة على العمل من اجل انتزاع نفسها والمجتمع من المآزق أيا كانت أشكالها ومضامينها وحالاتها. بل أن مهمة وحقيقة النخبة السياسية بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة هو كونها القوة القادرة على العمل بمعايير الإرادة العقلانية من اجل المستقبل. وهو معيار ومحك حقيقتها.

والمهمة الآن لا تقوم في تحليل كل مقدمات هذه الظاهرة، بقدر ما تقوم في ابراز السبب الأساسي وراء استمرار المأزق الحالي للعراق من اجل انتشاله وتوجيهه صوب المسار الطبيعي والمستقبلي.

فقد توفرت للنخبة السياسية الحالية فرصة لم تتوفر في تاريخ العراق الحديث من اجل القيام بهذه المهمة: تأييد شعبي عارم، وتخلص من ثقل الدكتاتورية، وبداية إرساء اسس الدولة الشرعية ومؤسساتها، وثروات مادية طائلة، واستعداد شعبي هائل للتضحية من اجل الوطن والدولة. حقيقة، إن الطريق لم يكن معبدا وخاليا من عقبات هائلة مثل أثر اخطبوط الاحتلال، والتمزق الاجتماعي والوطني، والقوى الانعزالية (الكردية) والساعية للانتقام (السنية) بسبب فقدان السلطة، التي دفع العراق زمنا وطاقة وثروات هائلة وما يزال من اجل كبح جماحها. مع أنها قوى كان يمكن لجمها ببضعة أسابيع أو اشهر على اقصى حد في حال وجود قوة سياسية تعمل بمعايير الدولة والوطنية الحقيقية. وبالتالي، لم يكن استمرار الحرب الداخلية والاستنزاف الهائل للعراق حتى الآن، سوى الوجه الآخر والحقيقة الفعلية لطبيعة النخبة السياسية والنظام السياسي، الذي كشف عن انهما ليسا بمستوى المرحلة وعاجزان عن القيام بالتحولات النوعية والمنظومية الضرورية لصنع عراق بقدر حجمه وقوته الفعلية. وقد افسد ذلك روحها السياسي وجعلها قوة مفسدة في الوقت نفسه. فكل ما عاني ويعاني منه العراق هو استمرار لتقاليد الفساد الدكتاتورية وليس نفيها الشامل. بل يمكننا القول، بأن الارهاب الذي عمّ العراق وظهور داعش والمؤامرات الكردية ومقامرات القوى السياسية في اتفاقاتها وخلافاتها كلها نتاح الفساد المادي والمعنوي. 

ويبدو هذا الاستنتاج الآن جليا حتى بالنسبة لأبسط الناس. وهو مؤشر على تحلل بنية النظام السياسي والنخبة السياسية كلها بدون استثناء، وكل من ارتبط بها من مؤسسات دينية ومدنية. والدليل على ذلك انه لا وجود لقوة معارضة فيها وبينها بالمعنى الدقيق والفعلي لهذه الكلمة، باستثناء الكلام الفارغ في نقد الواقع والتلذذ بقذارته. بحيث لم يعد احدهم يفرّق بين الكنافة والكنيف! 

إن هذا الإدراك الاجتماعي السياسي الذي بلغ درجته الحالية في العراق يشير إلى أن الخلاف الجوهري والمنظومي الشامل بين المجتمع والسلطة وأحزابها قد بلغ درجة القطيعة الشاملة. ولعل وجود وتحدي التيار الجارف للقوى الاجتماعية المتنوعة والموحدة بهموم الوطن والدولة والنظام السياسي دليلا قاطعا على ذلك.

إننا نقف أمام تيار يواجه الإشكالية الفعلية للعراق (كما نراه أيضا في جميع البلدان العربية). وسوف لن اخوض في كل جوانب هذه الظاهرة المعقدة التي بدأت "بالربيع العربي" لتنتهي في الخريف "الإسلامي". وها هي تستعيد حيويتها من جديد في تيار يلملم نفسه من اجل عبور مرحلة البنية التقليدية السياسية التي انهكت العالم العربي ولم تعط له، رغم امكانياته الهائلة، من الوقوف على قدميه من اجل قطع الطريق صوب الأمان الوطني والقومي والتطور الاجتماعي الشامل.

كل ذلك يضع أمامنا مهمة تأسيس البدائل الواقعية والفعلية، الآنية والقريبة، والمحكومة في الوقت نفسه بالرؤية المستقبلية البعيدة المدى. وهي بدائل ينبغي استنادها إلى تأسيس وتحقيق فكرة الإصلاح الشامل والدائم.

 إن تأسيس المهمات الأولية والعمل بموجبها ينبغي أن يكون دوما محكوما بالحقيقة القائلة، بأن الإحباط لا يحل مشكلة، والخرافة لا تصنع تاريخا مستقبليا. وبالتالي، فإن الثبات في المواقف بمعايير الحق والحقيقة، والفكرة الاجتماعية والوطنية، وروح الاعتدال والسمو الوطني والقومي، والذهنية الثقافية المدنية والدنيوية هو الحد الأول والضروري والدائم من اجل تجاوز المرحلة الانتقالية المرهقة وتأسيس قواعد ومبادئ الثبات في الدولة ونظامها السياسي والمجتمع وثقافته.

تيار الإرادة الشعبية - تيار البديل الاجتماعي السياسي

إن انغلاق وموت الأحزاب السياسية العراقية الحالية بالنسبة للوعي الاجتماعي العراقي الحي يضع أمامنا مهمة نظرية وعملية في آن واحد.

الأولى وهي ضرورة تأسيس تيار اجتماعي سياسي ينفي تقاليد الأحزاب والحزبية في العراق. وذلك لأن كل تاريخ الأحزاب في العراق هو زمن الاستلاب والقمع والإكراه والعبودية والخيانة. الأمر الذي يشير إلى أن هناك خلل عميق في هذا المجال. وسوف لن اتناول إشكاليات هذه القضية، لكنني اكتفي بالإشارة هنا إلى الحقيقة الجلية، ألا وهي أن الحزب والحزبية في العراق لم ترتق، وفيما يبدو ليس بإمكانها الارتقاء إلى مصاف الفكرة الاجتماعية. من هنا ضرورة الاستعاضة عنها بفكرة ونماذج وأساليب التيارات الاجتماعية السياسية ومختلف أشكال وأنواع التجمعات والمنظمات المدنية. فهناك الكثير من التجارب الناجحة جدا التي تفتقد فيها الدول للأحزاب، بل وحتى للدستور. كما أن هناك دولا متطورة وآخذة في الريادة العالمية لا يوجد فيها سوى حزب واحد (نموذج الصين وغيرها). والمقصود من ذلك، هو أن الحزبية وتعددها أو انعدامها ليس دليلا ولا حالة ضرورية لابد منها بالنسبة للفكرة الديمقراطية والتقدم الاجتماعي. كل ذلك يتطلب ويستلزم في ظروف العراق الحالية تأسيس "تيار الإرداة الشعبية"، الذي يضع على عاتقه مهمة كنس الأحزاب السياسية الحالية وتقاليد الحزبية الضيقة. لاسيما وأنها احزاب أما عقائدية ضيقة مثل حزب الدعوة وأمثاله، أو طائفية كما نراه في أغلبها من سنية وشيعية، أو احزاب عائلات دينية وطائفية مثل الصدر والحكيم، أو أحزاب عصابات عائلية وقبلية ودينية مثل البارازنية والطالبانية. من هنا اشتراكهم في الرذيلة الحزبية واختلافاتهم "السياسية" من اجل المنافع الشخصية والابتزاز والسرقة.

لم يعد هذا النموذج يمتلك الشرعية القانونية والأخلاقية والسياسية لقيادة الدولة. وبالتالي، فإن المهمة تقوم في تصنيع قوة اجتماعية سياسية وطنية تعمل على إدارة الدولة وشئونها بمعايير الفكرة الحكومية والوطنية. مما يستلزم بدوره بلورة رؤية عملية إدارية أولية لتنفيذ كل ذلك، أو ما يمكن دعوتها بالمهمات الأساسية لتيار الإرادة الشعبية.

 المهمات الأساسية لتيار الإرادة الشعبية

في المرحلة الحالية، وبعد مرور ما يقارب العقدين من الزمن تبرز مهمة تثبيت الدولة وإصلاح النظام السياسي. وبما إن النخبة السياسية الحاكمة ونموذج نظامها السياسي قد اثبت فشله المريع، من هنا مهمة بلورة الصيغة التنظيمية العملية لقيادة هذه المهمة في مرحلة انتقالية لمدة سنتين.

وان هذه الصيغة العملية تفترض تأسيس

- مجالس رئاسية من القوى المدنية التي يقدمها ويرشحها ويتابعها تيار الإرادة الشعبية، وقوى عسكرية وأمنية. على أن تكون هذه المجالس مكونة من

1- شخصيات مدنية على عدد المحافظات العراقية جميعها. ممثل واحد عن كل محافظة.

2- الشخصيات العسكرية المعروف بقوتها ونزاهتها ووطنيتها وقيادات من الحشد الشعبي التي لها وزنها الوطني

3- ممثلين من الأجهزة الأمنية والمخابرات وحرس الحدود.

- مجلس استشاري يساعد المجالس الرئاسية، يرشح إليه أفضل الاستشاريين في المجال الإداري والاقتصادي والاجتماعي والسياسي والتعليمي والثقافي، من بين الشخصيات العلمية المرموقة والتي تحظي بتأييد واحترام اهل العلم والمعرفة والاختصاص.

المهمات السياسية الأولية الكبرى

ان تحدد المجالس الرئاسية، بالاستناد إلى خبرة وتقييم المستشارين، الأولويات العملية المباشرة. وأولها الأولويات السياسية الكبرى. ويدخل فيها ما يلي:

1- العمل من اجل إلغاء دستور الاحتلال وإعادة كتابته بطريقة تأخذ تجربة العراق على امتداد نشوئه السياسي الجديد، وتجارب الدول الناجحة، دستور مهني محترف لا دخل في صياغته للأحزاب والأقليات والطوائف وما شابه ذلك.

2- العمل على جعل النظام الرئاسي بديلا عن النظام البرلماني، على الأقل لمدة ثلاثة عقود من الزمن.

3- تغير قانون الانتخابات بالطريقة الذي يجعله اجتماعيا ووطنيا.

4- تغيير قانون الأحزاب والذي يشترط بصورة الزامية جوهرية الابعاد الاجتماعية والوطنية فيها. ويجري تحريم هوياتها الطائفية والجهوية والقومية الضيقة والعرقية.

إن هذه المهمات الكبرى هي أولويات استراتيجية. وبلوغها يفترض التمهيد العملي لها على الأقل لمدة سنتين يجري فيها ما يلي:

1- تجميد البرلمان لمدة سنتين. لكي يجري وضع هذه الأحزاب أمام مراجعة نقدية عميقة أو الاندثار 

2- إلغاء كافة الامتيازات في الرواتب والتقاعد والخدمات وسحبها من الوزراء وأعضاء البرلمان وذوي الرتب العليا من كافة مؤسسات الدولة (الإدارية والمدنية والعسكرية والأمنية) من عام 2003 وحتى اليوم.

3- تعيين المحافظين بلا انتخاب من المحافظات نفسها وبموافقة المجالس الرئاسية، وعلى اساس المهنية وليس الحزبية أو أمثالها.

4- الاحتراف في المناصب. وحسب المهنة وممن له باع وشهرة حميدة في العلم والعمل عبر أسلوب الامتحانات المهنية، أي تلك التي لا تتدخل فيها أية اطراف غير مهنية.

5- الغاء كل مجالس المحافظات والبلديات في مراكز المحافظات والأقضية والنواحي. 

الأساليب الضرورية الآنية لعمل تيار الإرادة الشعبية

يجري العمل بالأساليب المقترحة عبر مجالس إعادة تأسيس وترتيب الدولة ومؤسساتها. ومن بين الأولويات هنا ما يلي:

1- جعل سرقة الدولة وثروات المجتمع جريمة ترتقي الى مستوى جريمة الإرهاب.

2- فتح كل الملفات الإدارية والاقتصادية والسياسية لجميع الشخصيات التي تولت مهمات قيادة الدولة ما بعد 2003 بدون استثناء من قبل أجهزة متخصصة تابعة لمراقبة المجالس الرئاسية الجديدة

3- مصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة على كل من تثبت ادانته بهذا الصدد (ويشمل ذلك العائلة كلها). وتمنع العائلة وأفرادها من العمل في مؤسسات الدولة على الأقل لثلاثة أجيال.

4- سن قانون وقواعد استرجاع الأموال المنهوبة والمسروقة وتعويضاتها.

5- ازالة فقرة توزيع الموازنة حسب النسب.

6- ايقاف مد اقليم كردستان بالمال ولاحقا ايجاد صيغة عملية اخرى لحل كل المشاكل المتعلقة بالتمويل الحكومي المركزي لكافة المحافظات على اسس علمية واقتصادية واجتماعية ووطنية جديدة.

7- وضع جدول جديد للرواتب حسب نسب دقيقة، بحيث لا يتعدى راتب اعلى موظف في الدولة (رئيس الجمهورية) على راتب استاذ جامعي. كما أن من الضروري إعادة النظر بسلم الرواتب وجعلها معقولة بما يتناسب مع مشاركتها الفعلية في تطوير الدولة ومؤسساتها الانتاجية والخدمية.

8- وضع جدول زمني لا يتجاوز ثلاثة اشهر من اجل اعادة النظر بكفاءة المسئولين والموظفين في كافة مفاصل الدولة. وإعادة التعيين على اساس برنامج امتحان مهني (يمكن الاستفادة من التجارب الناجحة بهذا الصدد)

9- التقشف المطلق في كافة مفاصل الدولة ومؤسساتها الداخلية والخارجية. وإلغاء النثريات في كل مؤسسات الدولة لمدة سنتين.

10- العمل على سن تشريع أو قرار يتعلق بإعانة الأرامل والأيتام والمعوقين والعاطلين عن العمل حتى توفير شروط وإمكانية العمل للجميع في القطاع الانتاجي والخدمي.

مهمات الإشراك الفعلي لكل المواطنين في العمل من اجل الدولة والوطن.

1- العمل على تنشيط دور النساء في الصراع الاجتماعي

2-  كسب الجميع بمعايير الفكرة الاجتماعية والوطنية من خلال رفع شعارات دقيقة وسليمة بهذا الصدد (انظر نوعية الشعارات المقترحة في نهاية المقال)

3- العمل على اشراك المناطق الشمالية والغربية في الصراع الاجتماعي الوطني، واعتبار انزوائهم خروجا على الوطنية، مع ما يترتب عليه لاحقا من مواقف مناسبة من جانب السلطة المركزية. لاسيما وان هذا الاشتراك الفعال يلغي الهويات الجزئية لصالح الفكرة الاجتماعية والوطنية.

4- العمل على جعل المدينة حاملة البديل الاجتماعي والوطني.

5- تحييد المؤسسات الدينية وأحزابها عن قيادة الحراك الاجتماعي.

6- التحضير والعمل من اجل بلورة وصياغة برامج للحلول الاجتماعية والاقتصادية (آنية ومتوسطة وبعيدة المدى) من اجل تأهيل البنية التحتية بكافة مفاصلها ومجالاتها، مع اعطاء الاولوية للتعليم والصحة.

إن تحقيق هذه المهمات العملية الأولية يضمن استعادة الثقة بالدولة ومهماتها، والمجتمع وقواه الحية، والعدالة الاجتماعية بوصفها مضمون وصلب كل الهموم القائمة وراء تيار الإرادة الشعبية.

ملحق بالشعارات

شعارات للترديد

- ماذا نريد؟ نظام عادل وحكم رشيد

- ماذا نريد؟ عراق واحد حر مجيد

شعارات مكتوبة مرفوعة

- دولة واحدة لا دويلات طوائف وأعراق

- سلطة رشيدة لا عصابات خفية

- مجتمع مدني حر لا قطيع الأحزاب

- ثقافة عقلانية لا خرافات وشعوذة

- حقوق كاملة يكفلها الدستور والقانون

- عدالة اجتماعية فعلية وحقوق مدنية كاملة

- الإرادة الشعبية العراقية هي قوة المستقبل

- الإرادة الشعبية العراقية هي صانعة النظام البديل

- نحن جيل الإرادة الشعبية والمستقبل

***

ا. د. ميثم الجنابي – باحث ومفكر عراقي

 

محمود محمد عليلقد اتضح لي خلال الاحتكاك الطويل بالدراسات الاستشراقية إزاء تراثنا العربي الإسلامي وبالأخص العلم العربي، كيف أن المجال العام والوحيد الذي تأسست عليه حركة الاستشراق هو الشرق في علومه، وكيف ركزت هذه الحركة على الجانب العربي الإسلامي منه وأولته عناية خاصة، وكيف كان للفكر الفلسفي العربي مكانة بارزة في اهتمامات المستشرقين التي تجاوزت حدود طبع وتحقيق وترجمة ونشر ذخائر هذا الفكر وتراثه إلي حيث دراسة وتحليل مضامينه ونقده والتنظير له وتقييمه، والاهم من ذلك، اتضح لنا كيف تحكمت في هذه الدراسات الاستشراقية توجهات وعوامل مختلفة غلب عليها التعصب بكل صوره وأشكاله فأفرزت أحكاما خاطئة ورؤى مهترئة ومناهج بينها وبين المنهج العلمى الحق بون شاسع .

ومن هنا، فإن علينا نحن المشتغلين بالفكر العلمى العربي كما أكد أستاذي الدكتور الحسيني أبو سعدة في كتابه "الاستشراق والفلسفة الإسلامية"، واجباً ملزماً، يتمثل في تخصيص جانب من جهودنا العلمية والبحثية لدراسة ما قدمه ومازال يقدمه الغرب من بحوث ودراسات تتناول فكرنا العربي في مجالاته المختلفة وخاصة مجال العلم، على أن تقوم هذه الدراسة على أصول وضوابط منهجية حتى لا نقع في التعصب والهوى الذي غرق في بحره المستشرقون، ولا ينبغي أن تقتصر جهودنا هذه على مجرد ترجمة ونشر الفكر الغربي، بل لابد من اعتماد نقدي يتناول هذا الفكر بالشرح والتحليل والنقد والتقويم استنادا إلي مرجعياته الأصلية ومصادره الموثوق بها، ومن ثم لا يكون دورنا مقصورا على التلقي والتأثر والانفعال والمحاكاة لكل ما يقدمه الغرب من علوم وثقافات وفلسفات، دون انبعاث روح المبادرة التي ننطلق بها إلي المعاصرة والحداثة والإبداع والتأثير من جديد .

وقد لا نكون مبالغين في آمالنا وتفاؤلنا إذا طالبنا بتضافر الجهود من جانب الدول والعلماء والباحثين والمؤسسات العلمية العربية والإسلامية تجاه الاستشراق، وهى جهود تماثل في تنوعها وغايتها العلمية جهود المستشرقين، وليس هناك ما يحول دون إنشاء لجأن علمية متخصصة على مستوى الجماعات في كل قطر عربي نقسم بينها هذه الجهود تقسيما نوعيا في المجالات: الدين، العلوم، الفلسفة، الفن، الأدب، وغيرها ، وتركز كل لجنة في مجال تخصصها على رصيد الكتب والدوريات والأبحاث والدراسات الاستشراقية، ودراسته وتحليلها ونقدها، فضلاً عن إنجاز بحوث ودراسات فيما لدى الغرب من إنجازات في هذه المجالات للإفادة منها بقدر المستطاع، كما تخص هذه اللجان بعقد المؤتمرات العلمية في البلدان الغربية والعربية والإسلامية أيضا على مستوى المستشرقين، وعلى مستوى المفكرين والعلماء بوجه عام ففي هذا ما يحقق ضرورياً من الحوار والتواصل بين الشرق والغرب وتبادل الفهم الصحيح والمنفعة بين مختلف الحضارات على أن تدعم الدول العربية والإسلامية هذه المؤتمرات مادياً وتنظيمياً.

ولا ينبغي إغفال ضرورة توجيه جانب من النشاط العلمي في أقسام الفلسفة والعقيدة، واللغات والعلوم الإنسانية في الجماعات العربية نحو دراسة الاستشراق في مجالاته المتعددة، واعتبار مادة        " الاستشراق " من المواد الدراسية المقررة في هذه الأقسام، فضلاً عن توجيه شباب الباحثين نحو إعداد رسائل علمية على مستوى الماجستير والدكتوراه في هذا المجال، كل حسب تخصصه الدقيق، ولن يتحقق ذلك إلا بإنشاء مكتبات أو أقساما في المكتبات الجامعية تضم كافة جهود المستشرقين وأعمالهم سواء في لغاتها الأصلية أو في ترجماتها العربية لتكون مرجعاً للطلبة الدارسين وللباحثين أيضاً .

ولا يغيب عن أذهاننا أيضاً، ضرورة اضطلاع اللجان العلمية المتخصصة المشار إليها، بإنشاء مجلات وإصدار دوريات علمية تتضمن ما تنجزه من بحوث ودارسات، تنشر باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية والألمانية وغيرها ويتم تبادلها مع المؤسسات العلمية الاستشراقية في الغرب.

وفي نقد ذاتي يستنفر الهمم العربية ويوقظ العقول من سباتها، يقول الدكتور إدوارد سعيد فى كتابه "الاستشراق": "إن العالم العربي الإسلامي، ما زال قوة من الدرجة الثانية علي صعيد إنتاج الثقافة والمعرفة والبحث العلمي . فما من باحث عربي أو إسلامي يستطيع المخاطرة بتجاهل ما يحدث في المجالات البحثية والمعاهد والجامعات في الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا، غير أن العكس ليس صحيحا، فليس هناك، مثلا مجلة رئيسية تعليمية عربية واحدة للدراسات العربية تصدر فى العلم العربى اليوم، كما أنه ليس ثمة مؤسسة تعليمية عربية واحدة قادرة علي مضاهاة جامعات مثل اكسفورد، وهارفرد، وجامعة (كإليفورنيا- لوس انجلس) في دراسة العالم العربي، دع عنك أي موضوع أخر غير شرقي ... وأنها لصدمة موقظة، أن نجد علي سبيل المثال، أنه بينما توجد عشرات من المنظمات لدراسة الشرق العربي والإسلامي، في الولايات المتحدة و أوربا، فليس ثمة مؤسسة واحدة في هذا الشرق لدراسة أوربا والولايات المتحدة، رغم ما لهذه الدول من مؤثرات عظيمة فاعلة ومواجهة اقتصادياً وسياسياً في منطقتناً الشرق تكرس جهودها لدراسة الشرق نفسه" .

ومن هنا تبدو مشروعية التساؤل عما إذا كأن من الممكن أن يكون لدي الشرقيين علم شبيه بالاستشراق أو مقابل له يدرسون فيه كل ما لدي الغرب من حضارة وآداب وفلسفات وأديان وعلوم ونظم وفنون لهم فيها منهجهم وفلسفتهم ورؤاهم الخاصة وأهدافهم؟‍‍‍‍ ‍‍‍‍‍‍‍‍وبعبارة أدق هل لدي الشرقين – وخاصة العرب – أو يمكن أن يكون لهم علم يسمي "الاستغراب" يواجهون به "الاستشراق " الغربي؟

والإجابة عن هذه التساؤلات هي كما يقول الأستاذ الدكتور محمد حسيني أبو سعده فى كتابه السالف الذكر ص 365 وما بعدها: بالنفي طبعاً، لكن ذلك لا يجعلنا نغفل عن تلك الدعوات التي تبنها بعض مفكرى العرب المعاصرين بل وبعض الغربيين أيضا إلي إنشاء مثل هذا العلم.

ومن ذلك قول الباحث العربي وإبراهيم المنذر فى تقديمه لكتاب " نجيب العقيقي " لقد وددت لو استغربنا كما استشرقوا، ووددت لو تتبعنا آثارهم ومخترعاتهم الفائقة الوصف ونقلها إلى اللغة العربية ولم نكثف بدراستها في لغاتهم، فلو فعلنا ذلك لأغنينا اللغة العربية وأمددنا النشء الجديد بكل أنواع الثقافات الحديثة مع التبحر في العلوم والفنون .

وقد أشار الباحث اليوغسلافي المسلم، أحمد سمايلوفتش إلي ذلك بقولة أنه إذا كان العرب قد اهتموا اهتماما بالغا في العصر الحديث بحضارة الغرب وآدابها، فأرسلوا البعث أن إلي معاهدة ومراكزه العلمية، وقاموا بترجمة كثير من الكتب والدراسات والمؤلفات الغربية ونشرها ونقدها، فإن من الصعوبة بمكان أن يقطع أحد بوجود علم للاستغراب، له كيانه ومنهجه ومدارسة وأهدافه واتباعه، أبلي رجاله في فهم حضارة الغرب بمثل ما بلي المستشرقون في فهم الحضارات الشرقية .

وقد حث المستشرق الألماني رودي بارت فى كتابه " الدراسات العربية الإسلامية فى الجماعات الألمانية "، مفكري العرب علي إنشاء علم الاستغراب، وتساؤل عن أما كنية التحقيق فقال:" لا باس من أن ننتهز هذه الفرصة فنثير سؤالا، ولو من ناحية المبدأ عن أما كنية أن ينشأ في العالم العربي والإسلامي اتجاه للبحث شبيه بالدراسات الإسلامية عندنا، ولكن في الجهة المقابلة ( الغرب ) بهدف دراسة تاريخ الفكر في العالم المسيحي الغربي وتحليله بطريقة علمية، ويمكن أن يطلق علي مثل هذا الاتجاه في البحث، أن أخذ مأخذ الجد، وأرسيت له قواعده الثابتة كنظام، علم الغرب أو باختصار " الاستغراب ".

وقد تجاوز الدكتور حسن حنفي حد الأمل والتمني في إنشاء علم " الاستغراب " إلي حيث اتخذ خطوة إيجابية في هذا   الاتجاه ..... وذلك بتأليفه كتابا بعنوان " مقدمة إلي علم الاستغراب " ابأن فيه الأهداف التي يتوخاها من هذا العلم الذي يدعو إليه ... ومن هذه الأهداف " فك عقدة النقص التاريخية في علاقة الأنا (الشرق – العرب) بالآخر (الغرب) والقضاء علي مركب العظمة لدي الآخر الغربي بتحويلة من ذات دارس إلي موضوع مدروس " وعلي هذا " يظهر الاستغراب كدفاع عن النفس، وخير وسيلة للدفاع الهجوم، والتحرر من عقدة الخوف تجاه الآخر، وقلب المواين رأسا علي عقب وقلب المائدة في وجه الخصوم " .

ومن بين مهمات علم الاستغراب أيضا – فيما يقول المؤلف – القضاء علي المركزية الأوربية وبيان كيف أخذ الوعي الأوربي مركز الصدارة عبر التاريخ الحديث داخل بنية الحضارة الخاصة ورد ثقافة الغرب إلي حدوده الطبيعية بعد أن أنتشر خارج حدوده إبان عنفوانه الاستعماري "، " أن مهمة علم الاستغراب هي إعادة التوازن للثقافة الإنسانية بدل هذه الكفة الراجحة للواعي الأوربي، والكفة المرجحة للوعي اللاأوروبي ... وتصحيح المفاهيم المستقرة والتي تكتشف عن المركزية الأوربية، من اجل إعادة كتابة التاريخ من منظور اكثر موضوعية وحياداً واكثر عدلاً بالنسبة لمدي مساهمة كل الحضارات البشرية في تاريخ العالم .

ومنذ سنوات دعا بعض مفكرين من العرب والمسلمين إلي ضرورة إنشاء مؤسسة عربية إسلامية علمية عالمية تقف علي قدم المساواة مع الحركة الاستشراقية، وتكون علي هيئة " أكاديمية " تخدم ثقافتنا وتراثنا، فتعمل علي إحياء التراث وتنقيته، وتجديد الفكر العربي والإسلامي، وإعادة صياغة تشكيل العقل والوعي العربي، كما تعمل أيضا علي دراسة الغرب وتراثه بكل محتواه الديني والعلم والأدبي والفلسفي والفني، وتحليله ونقده وتقيمه والغرض من إنشاء هذه الأكاديمية تحقيق هدفين رئيسين: أحدهما، أحياء التراث العربي الإسلامي في جميع مجالاته وتقنية مما علق به من شوائب وإبراز الدور التاريخي الفاعل الذي قام به أعلام هذا التراث في شتي ميادين العلم والمعرفة .

وفي هذا الصدد يقوم العلماء والمفكرين العرب بالرد علي المستشرقين المتعصبين في كل مجال وتصحيح أخطائهم وفي ذلك يقول الدكتور محمود حمدي زقزوق فى كتابه " الإسلام فى الفكر الغربى ": " .. أن هناك ضرورة لإقامة مؤسسة إسلامية عالمية للبحوث العلمية الإسلامية تكون بعيدة كل البعد عن أية تيارات سياسية أو دعائية ويتكون أعضاؤها من صفوة الباحثين الإسلاميين في شتي المجالات بصرف النظر عن جنسياتهم، في حدود مائة عضو يتوزعون إلي مجموعات عمل، يتوفر كل فريق منها علي دراسة قطاع معين من قطاعات الفكر الإسلامي . وتخطط هذه الصفوة أيضاً للبحوث الإسلامية في جامعات العالم الإسلامي، فتصل الحاضر بالماضي، وتجديد شبابنا تراثنا وتجنده لخدمة الحياة الإسلامية المتجددة " .

وفي هذا الصدد أيضا يقول المفكر الإسلامي مالك بن نبي فى كتابه " إنتاج المستشرقين "، لقد أن الأوان للتفكير في إقامة مؤسسة إسلامية علمية عالمية لا تنتمي بالولاء لقطر إسلامي معين ولا لمذهب سياسي أو فكري أو ديني معين، بل يكون ولاؤها الأول والأخير لله وحده ولرسوله محمد (صلي الله عليه وسلم) وتستطيع استقطاب الكفاءات العلمية الإسلامية في شتى أنحاء العالم، وتقف علي قدم المساواة مع الحركة الاستشراقية دوريات ومجالات علمية ذات مستوى رفيع، تنشر بحوثه بلغات مختلفة وتعمل علي استعادة أصالتنا الفكرية واستقلالنا في ميدان الأفكار، فهذا هو الطريق الصحيح إلي الاستقلال الاقتصادي والسياسي، إذ أن المجتمع الذي لا يصنع أفكاره الرئيسة لا يمكنه علي أية حال أن المنتجات الضرورية لاستهلاكه ولا المنتجات الضرورة لتصنيعه .

وينعي الدكتور إدوارد سعيد على ما يعانيه واقع الثقافة العربية والإسلامية من تردى وفراغ الدراسات العربية والإسلامية المتنوعة والمتعمقة التي تضاهى وتواجه العمل الاستشراقى، كما يعنى على فراغ العالم العربي من مؤسسات علمية وتعليمية تضاهي جامعات أوربا وأمريكا فى دراسة العالم العربي، ويكشف عن خطر تتلمذ الطلاب الشرقيين على يد المستشرقين من حيث يعودون إلي أوطانهم العربية مكررين القوالب الفكرية " الكليثيهات " التي هي مذهبيان جامدة استشراقية على مسامع جمهورهم المحلى، وأن الطالب من هؤلاء في علاقته بمن هم أسمى منه مكانه وخاصة أساتذته الغربيين، سيبقى المخبر الذي ينتمي إلي السكان الأصليين وهذا هو بحق في الغرب إذا قدر له البقاء بعد انتهاء دراسته وتدريبه.

وأما الهدف الثاني لهذه المؤسسة العلمية الإسلامية العالمية التي نصادق على الدعوة إلي إنشائها، فهو هدف يكمل الهدف الأول وإن كانوا يغاير في الاتجاه، من حيث يتوجه نحو دراسة الغرب وتراثه وحضارته بكل محتواها، ونقدها وتحليلها، وبيان مصادرها والمؤثرات فيها والكشف عن ما في هذا المحتوى المتنوع من إيجابيات وسلبيات، ويبدو أن ما صدر من جانب كثير من المستشرقين من أحكام خاطئة، وتزييف و افتراءات وتخل عن الموضوعية والتعصب في تناولهم لتراثنا الإسلامي، والقدح والتشكيك في الإسلام ومصادره، والوحي والقرآن والنبي والسنة والنبوية، وفي الفكر الإسلامي وأعلامه وجودهم العلمية، قد دفع بعض مفكرينا المعاصرين إلي الدعوة إلي انتهاج هذا المنهج والاستشراقى المهتدي في دراستنا للغرب في دينه وفكرة وحضارته، فها هو الدكتور مصطفي السباعي في كتابه " الاستشراق والمستشرقون " يقول: " كثيرا ما أتمنى أن يتفرغ منا رجال للكتابة عن هذه الحضارة الغربية وتاريخ علمائها بالأسلوب نفسه الذي يكتب به المستشرقون من تتبع الأخبار الساقطة، وفهم النصوص على غير حقيقتها، وقلب المحاسن إلي سيئات، والتشكيك في كل خبر يصدر عن هؤلاء الغربيين، ولو حصل هذا، لخرجت منه صورة لهذه الحضارة ولرجالها مضحكة ومخزية ينكرها المستشرقون قبل غيرهم "

ثم يعبر السباعي عن أمله في تحقيق هذا الهدف وخطر هذا المنهج الاستشراقى، فيقول بأنه سيأتي يوم ننقلب فيه نحن إلي دراسة تراث الغربيين ونقد ما عندهم من دين وعلوم وحضارة وسيأتي اليوم الذي يستعمل فيه أبناؤنا وأحفادنا من الباحثين – مقاييس التي وضعها هؤلاء الغربيون في نقد ما عندنا الغربيين أنفسهم من عقيدة وعلوم، فإذا هى أشد تهافتاً وأكثر ضعفاً مما يلصقونه اليوم بعقيدتنا وعلومنا".

وإذا كان ما دعوا إليه بخصوص موقفنا من الاستشراق العلمي، وما صادقنا الدكتور الحسيني أبو سعدة عليه من دعوات غيرنا إلي إنشاء مؤسسات علمية عربية إسلامية أو إنشاء علم الاستغراب، يعد حتى الآن من قبيل الآمال أو الأحلام، فإن من الأحلام ما يتحقق إذا صدقت النيات وتضاعفت الجهود، وتحقق الوعي الكامل بذاتنا وبالآخر وما يدبره لنا مما يتهدد هويتنا ويكاد يعصف بوجودنا ذاته .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

مجدي ابراهيملم تكن دعوى عريضة لا يقوم عليها دليل حين نقول: ليس العقل في القرآن هو العقل الفلسفي كما عناه أرسطو أو كما عناه ابن رشد، ولكنه عندنا عقلٌ مُرّوضٌ بمقياس الشرع، يرمي إلى اعتقاد القول بفصل الاتصال بين الدين والفلسفة لا فصل المقال كما يسميه ابن رشد. ولم يكن "الحارث بن أسد المحاسبي" الصوفي الأول الذي أفرد للعقل رسالة خاصّة، وذلك في كتابه "العقل وفهم القرآن" بالذي يجعل العقل في الإسلام كالعقل كما عناه أرسطو أو كما عناه ابن رشد.

بين العقل في الإسلام، والعقل في الفلسفة النظرية، فروقٌ تجعل الأول مختلفاً عن الثاني في كثير مما يذهب إليه. وفي مجال التفرقة بين العقل الفلسفي الذي يجعل النظر العقلي غايةً أساسية له لا يعرف لها سقفاً، وإنما يمضي مع البحث العقلي إلى درجة لا يقف عندها، ولا يعرفُ للطموح حَدَّاً حين يتعلق الأمر بالمعرفة العقلية التي تستند إلى العقل النظري المجرد، وبين العقل في الإسلام، وهو - كما قلنا - عقلٌ مُرَوَّضٌ يمضي بالمعرفة إلى أقصى ما يستطيع ثم يتوقف إذا هو عجز عن إدراك ما لا يمكن إدراكه من غيبيات، ثم يحيل إلى ما بعده، وهو مؤمن بقدراته المحدودة في هذا الميدان، والتي أصبح بها عقلاً مُرَوَّضَاً على الإحالة بعد البحث والتحقيق، وهو خليقٌ من بعدُ أن يقف عند حدوده، ويكف عن طموحاته في المعرفة وكشف المغيبات، فإذا أحالَ إلى ما فوقه يحيل وهو راضٍ وقنوع فيوفر لصاحبه جهد البحث فيما لا طائل تحته.

أقول؛ بين هذا وذاك فروقٌ فارقة تجعل العقل الفلسفي غير العقل في الإسلام؛ فمن خصائص هذا العقل الأخير أنه مبطنٌ بالشرعية مُرَوَّضٌ على الإحالة. وما كان العقل الشرعي مروضاً على الإحالة إلا لكونه عقلاً عملياً يسلك من يهتدي به سبيلاً مختلفاً عن السبيل الذي يسلكه صاحب العقل المفرط في البحث النظري الخالص، فهو يحث على المعرفة الجامعة بين العلم والعمل، أو بين النظر والتطبيق، أو بين الحياة الفكرية والحياة المُعاشة فعلاً في الواقع العملي.

هو عقل يحث على العبادة التي توصله إلى الله تعالى، ولا تجعله خاضعاً لشروط وخصائص من شأنها إذا ألتزم بمواقفها أن تخرجه عن هذا النطاق الفعال.

جاء القرآن بعقل أراد منه أن يكون هداية إلى سواء السبيل، ولم يأتْ بعقل يخالف سبيله ويزج بمن يسلك طريقه في متاهات الضلال؛ فمعظم الآيات التي وردت في معنى العقل في الكتاب الكريم إنما تؤكد العقل على هذا المعنى ولا تزيد. لم تنجرف به في سراديب ميتافيزيقية قاحلة لا يدرك فيها سوى الأوهام. جاء العقل في الكتاب؛ لفهم آيات الله في الكون وفي الحياة وفي القرآن نفسه .. لماذا؟ ليكون عبرةً لهداية الإنسانية إلى طريق الله، ولم يأتْ ليكون ضلالاً لها عن هذا الطريق.

ومهما كان من تطلعات العقل الطامحة إلى مزيد من الوعي والاستنارة للمعارف والعلوم، فلن يؤجر المرء على الحقيقة حتى يعمل بما يعلم، ويطبق على حياته ما قد عرف في السابق، كما جاء في حديث الرسول صلوات الله وسلامه عليه:" تَعَلَّمُوا ما شئتم أن تعلموا، ولكنكم لن تؤجروا حتى تعملوا". وقد صدق سيد الخلق صلوات الله عليه؛ لأنه وهو الذي لا ينطق عن هوى، أدرك أن مجال التطبيق بعد المعرفة هو الذي يقدّم الأمة، في حين يؤخرها كل التأخر تعلقها الواهم بالكلمة حين تكون ثرثرة فارغة من مضمون عملي؛ فالعقل في الإسلام مصبوغُ بالصبغة العمليّة، ومصحوب بالواقع التجريبي: يغيّره ويعدّل من وجوده ويجعله صالحاً للحياة الكاملة، وإذا هو ارتفع ارتفعت به هذه النزعة العملية والسلوكية، وإذا انتكس وانحدر انتكست وقائع الحياة التجريبية وانحدرت إلى حضيض التسفل والانحطاط.

ومن ها هنا، تختلف الفلسفة عن الدين، فمنهجُ الفلسفة منهج نظري عقلي برهاني لا يسعى إلى عمل ولا يتركن في الغالب إلى تطبيق، وإنما سعيه الدؤوب يتّجه نحو الرأي والتنظير ولا يتجه نحو العمل والتسليك. منهج الفلسفة في المسائل الغيبية المفارقة أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع، وبينما المنهج هكذا في الفلسفة، يجئ المنهج في الدين: تجربة عملية وسلوكية، والعقل فيه إنْ لم يؤدْ إلى العمل والتطبيق، فهو خرافة واهية وترّهات عجائز.

أمضي إنْ شئت بالعقل إلى حيث تستطيع أن تمضي؛ فإن أوصلك بعد هذا المضي إلى معرفة ما، أو إلى علم بعينه، فما أنت بمستطيع أن تقول عنه إنه عقل إسلامي إذا لم تطبق هذه المعرفة على حياتك الواقعية. ولن تقدر على أن تصفه بالصفة الدينية كما جاء في الدين الإسلامي على التخصيص إذا لم يكن هذا العلم الذي كنت قد توصلت إليه بعقلك حين أمضيته فيما تشاء خادمك في مجال العمل؛ لأن العمل هو عنوان الأجر يوم تعقد للخلائق موازين الحساب، بل هو عنوان التقدّم في الحياتين الدنيوية والأخروية.

فالعقل في مجال الدين غير العقل في مجال الفلسفة، فبينما العقل في الإسلام سلوك ونظام نحو معرفة السلوك الذي يليق بمسلم يشهد الوحدانية عقيدةً له، يكون العقل في الفلسفة كلاماً خاوياً من مضمون عملي. صحيح أن الفلسفة تعلمنا كيف نفكر، وأن المنطقية فيها منهج التحقيق والسلامة لتقويم الذهن، وأن كلمة العقل فيها منهج يفرز الفكرة على النحو الذي ييسرها أن تكون واضحة بذاتها، فيوفر لها الاستقلال والتمييز، وأن الأنظمة الفكرية - ومنطقها الاستاتيكي الجامد - التي شهدناها من لدن طاليس اليوناني إلى آخر فليسوف في الفكر المعاصر-  إنْ كان في الفكر المعاصر فلاسفة على الحقيقة - إنْ هى إلا محاولات مخلصة يمليها منطق العقل الصارم نحو وضوح الرؤية.. لكن هل هذه المحاولات أيا كانت درجة إخلاصها يمكن أن تخضع للسلوك والتطبيق؟! وهل منطق العقل الصارم الذي تعملنا الفلسفة إيّاه يجوز تطبيقه على حياتنا المعاشة بحيث يهدي العقل، مع التطبيق، ظمأ القلب إلى الإيمان، ويشفي من ثمّ غلة الوجدان؟!

والإجابة على ذلك غالباً ما تكون بالنفي؛ فليس هذا من اختصاص العقل الفلسفي، ولا هو من فرائضه الفكرية، وإنما هو شيء مختلف الخصوصية، مكانه الأوحد في العقل العملي الذي من شأنه أن يطفئ غُلة الوجدان الديني ويمضي به إلى طريق الهداية والتبصرة والقدرة على الاتصال بالله وكشف حقيقة البذرة الإلهية في الإنسان، اتصالاً يجئ فيه الأمر موكولاً إلى السريرة الإنسانية، وإلى الضمير النشط الفعال ينحو بالفكرة  منحى التطبيق ويخرج منها نماذج حية وصالحة لحياة الأحياء.

ولننظر الآن في بعض الآيات القرآنية التي تُضفي على العقل في الإسلام طابعه العملي، ولا تتجاوز هذا الطابع في كثير مما أشارت إليه الآيات التي ورد ذكرها في أكثر من ثمانية وأربعين موضعاً، ونحن لا نريد أن نأتي بها على كثرتها هنا مع علمنا بضرورة وضعها في هذا الموضع، ولكن المجال لا يتسع إلا لنموذج أو نموذجين لكفاية الدلالة على أن العقل في الإسلام عقل عملي ومختلف عن العقل في الفلسفة العقلية النظرية.

إذا نحن قلنا إنّ العقل في الإسلام عقل عملي، فإنما نريد بهذا أنه عقل شرعي مروض، وإذا قلنا إنه شرعيٌ، فإنما أردنا له أن يكون إلهياً يجعل الله أمامه فيهتدي بهدي الله لا بهدي نفسه، وليعلم أن كلام الله من الله لا من أحدٍ سواه، فلو كان عقلاً إلهياً حقاً لعقله، ولعقل من معناه ما يدفعه دفعاً في طريق الله إلى العمل الإيجابي، كما في قوله تعالى في سورة "العنكبوت": " وتلك الأمثال نضربها للناس، وما يعقلها إلا العالمون". وقوله تعالى في سورة "البقرة":" أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون. وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض، قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليُحَاجُّوكم به عند ربِّكم، أفلا تعقلون".

لاحظ كلمة العقل في الآيات كيف تساق، وكيف يصيغها الكلام الإلهي كيما يتذوقها القارئ في إطار مقصود هادف يحكم الفكرة في مقاصده. وعليه؛ فمن معاني العقل على الشرعة الإلهية أنه يجئ في القرآن هدايةً وعبرةً، فإذا تجمَّعت الفكرة حول العبرة في المعنى المقصود من النّص القرآني، كانت الهداية أصلاً صريحاً من أصول الاعتقاد مقرونة بالفهم عن الله جرياً على تركيز الفكرة في المعنى، ثم لا يزال قاصراً ما لم ينزل صاحبه منازل العمل والتطبيق.

خُذ مثالاً على ذلك: هناك من الخلق الكثير ممن كان ضالاً فلم يهتدي، فلماذا لا نعقل نحن حال هؤلاء الذين حكموا على أنفسهم بالضلال؟ أنكون من قلة العقل بحيث نمكث في الضلال والإضلال كما مكثوا؟ وإذن، فإمّا الهداية وإمّا العاقبة التي تنتظر الضالين. إمّا العقل الذي يقود إلى الصراط المستقيم، وإمّا السّفَه الذي يؤدي إلى الكفر بعد الغفلة عن طريق العقل الذي هو طريق الهداية إلى طريق الله. فإذا اتصف أحدُ باللاعقل، فلأنه لم يستخدم عقله في الهداية إلى الطريق أو أنه قد استخدمه في غير ما هو أهلٌ له من مدركات العبرة والهداية ثم الإرشاد إلى العمل النافع والسلوك الصالح:" ولقد أضلَّ منكم جِبلاً كثيراً، أفلم تكونوا تعقلون. هذه جهنم التي كنتم توعدون. أصلوها اليوم بما كنتم تكفرون"..

لقد أغوى منكم الشيطان خلقاً كثيراً، فأهلك من قبلكم أناساً بالغواية والإضلال، أفلا كنتم تعقلون؟ أفلا كنتم أهلاً لاستخدام العقل فيما جعله الله هداية وتبصرة لقوم ينظرون فيتعظون؟ أفلا كنتم بعقولكم هذه تفرقون بين الغواية التي يوقعكم بها الشيطان في براثن الكفر والضلالة، وبين ما يمكن أن تكونوا فيه قوماً عاقلين على الحقيقة يهديكم منار العقل إلى صراط الله المستقيم. أفلم تسيروا في الأرض فتكون لكم من القلوب الفاهمة عن الله ما تعقلون بها أو من الآذان السامعة لكلمة الحق ما تسمعون بها؟! فإنها حقاً:" لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور "..

لماذا يغركم بالله الغرور؟! و:" هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثمّ يخْرجُكم طفلاً ثم لتبلغوا أشدَّكم ثم لتكونوا شيوخاً، ومنكم من يتوفى من قبل، ولتبلغوا أجلاً مسمى ولعلكم تعقلون".

لماذا يغركم بالله الغَرور؟ ولقد اتخذتم إلهاكم هوى فأنتم تعبدون أهواءكم ولا تعبدون الله:" أرأيت من اتخذ إلاهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلاً. أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون، إنْ هم إلا كالأنعام بل هُم أضلَّ سبيلاً".

قلة العقل أو عدمه اختباط وضلالة. وما دام الحال على هذا النحو من السّفه والضلالة وقلة العقل، فهذه إذن جهنم التي كان رسلكم وشياطينكم يعدونكم بها. فادخلوها اليوم بسبب ما كنتم تكفرون بنعمة العقل، وتؤمنون برسلكم وشياطينكم لما أنكم خضتم وراء كل رسول يدعو إلى الكفر وشيطان يحث على العصيان. وليس كل رسول تتخذونه ولياً لكم يدعو إلى مرضاتي, بل رسلكم هذه ليست مني ولكن هى من عند أنفسكم. ومن شأن رسل الغواية والانحراف عن قانون الفطرة الذي هو كذلك قانون العقل الغريزي أن تشجب عن العاقل عقله، فلا يهتدي إلى ما يقوله الرسل الحقيقيون ...:" يا قوم لا أسألكم عليه أجراً، إنْ أجري إلا على الذي فطرني، أفلا تعقلون".

وإنكم لو عبدتموني حق العبادة؛ لتخليتم عن رسلكم، ولكانت عبادتكم طاعة لي بالعقل وهداية تؤدي بالضرورة إلى صراط مستقيم: "ذلكم وصَّاكم به لعلكم تعقلون".

ولكنكم - ويا للأسف-  اتبعتم شياطينكم التي تحث على الكفر، فلم تحذروا عدوكم الذي أضلَّ منكم أجيالاً كثيرة .."أفلم تكونوا تعقلون؟!".

وفي نهاية هذا الموقف العصيب المهين يُعلن الجزاء الأليم، في تهكم وتأنيب، وهو مشهد من المشاهد العجيبة التي يسوقها القرآن:" هذه جهنم التي كنتم توعدون. أصلوها اليوم بما كنتم تكفرون".

ولا يقف المشهد عند هذا الموقف المؤذي ويطويه، بل يستطرد فإذا مشهد جديد عجيب:" اليوم نختم على أفواههم، وتكلمنا أيديهم، وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون". وهكذا يخجل بعضهم بعضاً  وتشهد عليهم جوارحهم، وتتفكك شخصيتهم مزقاً وأحاداً يكذب بعضهم بعضاً. وتعود كل جارحة إلى ربها مفردة، ويئوب كل عضو إلى بارئه مستسلماً. وإذا قيل في وصف هذا المشهد:" إنه مشهدٌ عجيب تذهل من تصوره القلوب"؛ فنحن نقول: إنّ هذا المشهد العجيب والرهيب الذي تذهل من تصوره القلوب هو نفسه المشهد الذي يتخلى فيه العبد عن مزيّة العقل عن الله، ليتحلى برزيّة الغفلة والسّفه والجهالة. وإنه لو تحلى بمزية العقل؛ لصار العقل بهذه المثابة ضرورة عاصمة عن الغفلة والنكاية، عاقلة عن ربها مطالب الصدق والهداية: أوامره ونواهيه ومحاذيره. لا جَرَمَ أنها الضرورة الباقية في نشاط الإنسان الروحاني، ضرورة تدفعه إلى العمل والسلوك بعد الإيمان والاعتقاد إذا هو عرف على الحقيقة معنى الإيمان ومرمى الاعتقاد هدايةً من عند الله إلى صراط المستقيم.

*    *     *

هذا، ولا نعدم وجود بعض الأحاديث النبوية التي تشير إلى العقل الشرعي على صفته العمليّة، فمما رواه أبو نعيم الأصفهاني (ت430 هـ) في "الحلية" بسنده أنه قال:" أنّ أبا بكر الصديق رضى الله عنه خرج ذات يوم فاستقبله النبي صلى الله عليه وسلم فقال له بم بعثت يا رسول الله؟

قال:" بالعقل"! قال: فكيف لنا بالعقل؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" إنّ العقل لا غاية له، ولكن من أحلّ حلال الله وحرّم حرامه، سمى عاقلاً، فإن اجتهد بعد ذلك سمى عابداً، فإن اجتهد بعد ذلك سمى جواداً. فمن اجتهد في العبادة وسمح في نوائب المعروف بلا حَظ من عقل يدله على إتباع أمر الله عز وجل واجتناب ما نهى الله عنه، فأولئك هم الأخسرون أعمالاً الذين ضَلَّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً". وروى بسنده أيضاً عن أبي سعيد الخدري أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" قسّم الله عز وجل العقل ثلاثة أجزاء، فمن كن فيه كمل عقله، ومن لم يكن فيه فلا عقل له: حُسن المعرفة بالله عز وجل، وحُسن الطاعة لله عز وجل، وحسن الصبر على ما أمر الله عز وجل".

ومن هذه الأحاديث ما ينسب إلى الرسول أنه يقول: بأن أفضل الناس في الدنيا والآخرة من كان أكملهم عقلاً، وإن لم يكن أكملهم عبادة. كما أنه يوجد في هذه الأحاديث - إنْ كانت صحيحة - هذا الحديث: إنّ الرجل ليكون من أهل الصيام وأهل الصلاة وأهل الحج وأهل الجهاد فما يجزي يوم القيامة إلا بقدر عقله".

ولعلَّ أول من جمع الأحاديث التي ورد فيها ذكر العقل في كتب خاصة، هو "داود بن المحبر"، ذلك أنه قد عُنى في فترة مبكرة من تاريخ الإسلام بالتأليف في "العقل".

ولقد شكك "ابن تيمية" في الأحاديث الواردة عن "داود بن المحبر" فقال إنها ضعيفة، بل وموضوعة، ومنها حديث العقل المشهور وهو:" أوّلُ ما خَلَقَ الله العقل، فقال له أقبل فأقبل، ثمَّ قال له أدبر فأدبر، فقال فوعزَّتي ما خلقت خلقاً أكرم عليَّ منك، فبك أخذ، وبك أعطي، وبك الثواب والعقاب". وما كان مثل هذا التشكيك إلا لأن "داوود بن المحبر" ما زال معروفاً بالحديث، ثم تركه وصحب قوماً من المعتزلة فأفسدوه. ويُقال إنّ كتاب "العقل" الذي ألفه داود هو مجموعة من الأحاديث تشيد بالعقل وفضله في المعرفة. وإنْ كانت هذه الأحاديث بصفة عامة ليس منها شيء صحيح موثوق بصحته، كما يؤكد نقده الرجال والأسانيد.

*    *     *

وإذا كانت الأحاديث بها ضعف، فبعرضها على القرآن من حيث معناها ومرماها تتخذ سنداً لقوتها؛ فالحديث الذي يخالف آية، هو موضوع لا شك فيه، والحديث الذي يتفق معناه ومرماه مع القرآن فماذا يقال فيه غير القبول تدعمه الآية الكريمة التي يسعى في مجراها.

ونحن لا يعنينا من هذا كله إلا ما يعني الباحث من أمر التفرقة الواضحة بين منهجين: منهجٍ عقلي للفلسفة له خصائصه وسماته وموقفه المحدد، ومنهج عقلي للدين له خصائص وسمات وموقف واضح ومحدد كذلك. ولكنه مع ذلك مختلفُ جدّ الاختلاف عن قرينه، وإنْ كان يقاربه في الرؤية والوضوح، ويشاركه في التطلع  إلى المعرفة التي يتوخّاها النظر وينشدها الذهن.

ولسنا نقصد بهذا إلغاء قدرة الفلسفة على وضوح الرؤية في منهجها، فنستبدل بها رؤية الدين .. لا .. وألف لا .. وإنما أردنا عدم الخلط بين منهجين إذا جاء الخلط بينهما صعب تحديد خصائص كل منهج منهما تحديداً يرفع التناقض والخطأ والالتباس.

ولقائل أن يقول: فما بالُ العقل؟ جاء الحثُّ على استخدامه في كثير من آيات القرآن وأحاديث النبي عليه السلام، فهلا كان ذلك مدعاةً لنا على التوفيق بين ما هو دين وما هو فلسفة، باعتبار أن الدليل العقلي جزءُ من الفلسفة لا يتجزأ عنها، وأن الفلسفة برهان العقل؟!

قلنا إنْ العقل كما ورد في القرآن والحديث ليس هو العقل في جهود الفلسفة النظرية، لا لشيء إلا لاختلاف النقطة التي تنطلق منها الفلسفة عن النقطة التي ينطلق منها العقل كما جاء وروده في القرآن والحديث.

نقطة الانطلاق في الحالة الأولى هى التأمل في الواقع الخارجي، والبدء بالحس انتهاء إلى العقل. والعقل هنا هو العقل الطليق الذي لا يعرف حدوداً يقف عندها وهو أعظم المخلوقات بعد الله. نقطة الانطلاق: من الظاهر دخولاً في ما ورائه، ومن التدرُّج الطبيعي والمنطقي من العالم المحسوس إلى العالم المعقول. فالنقطة الأولى إنْ جاز هذا التعبير "تحتية" بكل ما يحتمله معنى كلمة "التحتانية" من مدلول واقعي ومشاهدة ظاهرية، ينطلق منها الفيلسوف أو يفترض لنفسه مسلمات أولية يستمد منها مبدأه الذي يرتضيه لنفسه، ويستخلص منه النتائج التي بمقتضاها تكون الصحة المزعومة لهذا المبدأ أو يكون الخطأ المحتوم، قياساً على قلة مواقفة النتائج للمقدمات التي سنّها وافترضها مبدأً في عالم التجريد. فالنقطة في هذه الحالة إمّا أن تبدأ بمسلمة واقعية "تحتية" فيتدرج منها إلى ما بعدها وصولاً إلى ما يريد الوصول إليه. وإمّا أن تبدأ بفرضية ذهنية في مبدأ مجرد فيهبط منه إلى ما تحته ويدلل على صحة ما يراه خليقاً بإقامة التدليل.

فبينما الأمر هكذا في الحالة الأولى، إذْ تكون نقطة الانطلاق عند الفيلسوف هى "التأمل"، يجئ الأمر مختلفاً في الحالة الثانية، إذ نرى نقطة الانطلاق "فوقية" بكل ما تحمله معنى كلمة "الفوقانية" من دلالة على العلو والارتفاع، أو من دلالة على كل ما يحيط بضمير الإنسان من علو في النفس وارتفاع في التهذيب والإدراك - إنْ صح ها هنا استخدام لفظة "الفوقانية" على هذا المدلول تجاوزاً. وتحت كلمة "فوقانية" أدرج كل ما جاء به "الوحي" غيباً من عند الله، فإنك إنْ فعلت، رأيت نقطة الانطلاق هنا غير نقطة الانطلاق هناك في الفلسفة .. فكيف يجوز التوفيق بين نقطتين انطلاقها مختلف، وهو مما يحتم اختلاف الغاية والتوجُّه وصحة التحقيق؟!!

(وللحديث بقيَّة)

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

المهدي بسطيلي"بين السياسي والاجتماعي وسبل تصريف السلطة"

على ضوء كتاب رحمة بورقية"الدولة والسلطة والمجتمع دراسة في الثابت والمتحول في علاقته بالدولة وبالقبائل في المغرب قبائل"

يعمل هذا الكتاب على تحليل منطق النظام الاجتماعي في المغرب والعلاقات التي كانت تربط الدولة بالقبائل من القرن التاسع عشر إلى الفترة الراهنة، وقد قسمت المؤلفة أبحاثها إلى تصورين:

الأول ينظر إلى السلطة من منظور علائقي واستراتيجي

والتصور الثاني هو تصور نسقي ينظر للمجتمع نظرة شمولية ومن خلالها يعمل على تحليل السلطة

إن الغاية من هذا الكتاب كما صرحت الباحثة هو الوقوف على الطبيعة المركبة لمكونات المجتمع المغربي في العصر الراهن وقد ركزت الكاتبة أبحاثها الأنثربولوجية على الطابع الخفي والاستراتجي للسلطة في المجتمعات الثقليدية.

كمساهمة في تحليل بعض جوانب تفاعل عناصر التركيب وأسسه التاريخية لجأت إلى تتبع العلاقة التي تربط الدولة بمؤسسة القبيلة، ومنه أخد قبائل زمور نموذج لدراسة هذه العلاقة ولغاية معينة أخذت العلاقة في مسارها التاريخي خلال مرحلتين متقطعتين في الزمن حيث درست النصف الثاني من القرن التاسع عشر وعقدين من الرن الراهن والقفز المتعمد فوق الحقبة الاستعمارية لايعني بالضرورة عدم أهمية تأثيرها على طبيعة الدولة وعلى علاقتها بالقبائل ...

في هذا الكتاب تساؤلات نعتبرها مؤشرات تساعد في فحص الأطروحات النظرية التي وضعها باحثون منتمون إلى اتجاهات نظرية مختلفة حول الدولة والسلطة والمجتمع...

الدولة والسلطة والمجتمع

ينطلق التفكير في العلاقة التي تربط الدولة بالمجتمع، من مسألة التخلف أو مأزق العالم الثالث، تؤرخ له العديد من النقاشات الحادة التي تبلورت بشدة من الستينات إلى السبعينات من هذا القرن، وارتبط بمجموعة من المفاهيم من قبيل التقدم، النمو، التطور، كقوانين تخترق كل المجتمعات بدرجات متفاوتة، ليتحول النقاش فيما بعد إلى مقاربة الاستراتيجيات السياسية وما يواكبها من صراع فكري إيديولوجي بكل مجتمع على حدة .

ويستأثر سؤال الدولة في المجتمع المغربي أهمية قصوى من هذا الباب داخل ميدان العلوم الاجتماعية، بسبب التطورات التي تعرفها الحياة السياسية خلال السنوات الأخيرة سواء على المستوى العالمي المتمثل في تصاعد موجات العولمة وقدرتها على اختراق جميع المجتمعات، أو على المستوى المحلي المتمثل في الربيع العربي، وما ترتب عن ذلك من إعادة ترتيب للمواقع السياسية، والإطاحة بأقدم الأنظمة العسكرية، فيجد الباحث نفسه أمام مجموعة من التساؤلات حول القوانين المتحكمة في اللعبة السياسية، في سياق فهم أحداثها وخلفياتها، وخصوصا فيما يتعلق بالتحولات التي عرفها المغرب في سياق هذه الأحداث العالمية والمحلية (حركة 20 فبراير) على مستوى البنيات الهيكلية، وإعلان رغبة القطيعة مع بعض التوازنات التقليدية، وتسليط الضوء على مجموعة من المحطات المصيرية في تاريخ الدولة المغربية وتحديدا الصدمة الكولونيالية، بأبعادها الحضارية والثقافية والاقتصادية والعسكرية والإيديولوجية، ماترتب عنه مجموعة من التغيرات التي تمت بفعل هيمني .

ويتضح في بداية الأمر ضرورة استحضار جزء من تاريخ الدولة المغربية التي يمكن نعتها بالدولة الألفية، باعتبارها ضاربة في القدم ولا تقل كثافة تاريخية عن الدول العريقة (الدولة الصينية، الهندية الإيرانية المصرية...) لكن العطب التاريخي يسجله غياب تاريخ مكتوب للدولة المغربية يحدد مسار تطوراتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بحيث تظل مبتورة التاريخ والهوية .

إن التاريخ الذي نتحدث عنه الآن لا يمكن نعته بكونه مجموعة من الأحداث التي انتهت في الماضي، إنه تعريف تقليدي واضح البطلان، فقراءتنا للتاريخ هي مسائلة لما تبقى محفوظا من الماضي إذ يحدثنا عن واقع سالف لكنه في نفس الوقت حاضر في ذهن من يروي تلك الوقائع، ويعبر عن رموز المجتمع، لأنه كواقع اجتماعي يعبر عن حقيقة تاريخية يترجمها الأفراد لتصورات وتمثلات اجتماعية يمكن أن تظهر بدورها على شكل سلوكيات معاشة، فتصور الفرد اتجاه الدولة سينعكس بشكل مباشر إلى سلوك على مستوى الواقع .إن التاريخ اذن هو تحويل لتلك الوقائع والتصورات والرموز إلى دراسة تأويلية محط الفهم والتحليل، مما يستدعي تبني منهجية علمية تجابهها مجموعة من الأدوات المنهجية في أول خطوة نطرح فيها مسألة الدولة بالمجتمع المغربي، وهو في نظرنا ما استطاعت الباحثة رحمة بورقية القيام به من خلال هذه الدراسة

يلفت انتباهنا في بداية الأمر ما يؤكده عبد الله العروي في مؤلفه مفهوم الدولة، أن كل تفكير في السلطة هو تفكير بشكل من الأشكال في الدولة، كما أن التساؤل عن الدولة هو تساؤل في أبعاد ثلاث : الهدف أو الغاية من الدولة، ثم وظيفة جهاز الدولة، وقياس مراحل نموها وتطورها في علاقتها بالمجتمع .

كما أن التفكير في الدولة كظاهرة اجتماعية، يجب أن يكون تفكيرا رافضا لتصور الفرد خارج الدولة وتصور الدولة خارج المجتمع، وأن أي فصل بينهم يجب أن يكون على أساس تؤطره غاية الفهم من أجل الإدراك والعرض والتفسير فقط.

في مقدمة الكتاب تضع الباحثة مبررات تاريخية لا نستطيع القفز عليها لأنها مهمة لنواكب سيرورات الفهم للكتاب إذ توضح أن التحولات التي عرفها القرن السادس عشر عن سقوط الأندلس وكذا تعرض المغرب للغارات الأجنبية غييرت ميزان القووى بين المغرب والغرب من جهة ومست حتى العلاقة بين القبائل والمخزن باعتباره السلطة السيادية بالمغرب لذلك لتحقيق الفهم خلال هذه العلاقة فإن المقاربة المنهجي تقتضي تحليل المفاهيم داخل وخارج علاقاتها النسقية

يجبرنا هذا التساؤل على الرجوع إلى المفاهيم النظرية قصد القيام بمحاولة تحديدها كمفهومي الدولة والسلطة وقد أثارت هذه المفاهيم نقاشات واسعة لما لا قد نجازف بالقول أنها شكلت أرضية محاولات التحليل السوسيولوجي التي أعطت لنفسها صفة وطنية يعني مغربية، وحينما نقول نقاشا فإننا نقول اختلاف في الأفكار في التصورات النظرية للمجتمع وبالتالي هو اختلاف في قراءة مفهوم السلطة والدولة من خلال السياق والظروف والدوافع التي أعطت ذلك.

فهمي مفاهيم يحيط بها الكثير من الغموض تارة تكون واضحة ظاهريا وتلجأ إلى أقنعة لتخفي نفسها فهي محادية أحيانا لمفاهيم من قبيل القوة والنفوذ والرقابة الاجتماعية والهيمنة والسيادة والقمع... فقد تكون كل هذه المفاهيم تعبيرات سياقية عن مظاهر للسلطة نفسها .لذلك هل السلطة مرتبطة حقا بالمؤسسات والهياكل التي تجسدها أم تتجاوزها؟ وإذا كانت تتجاوزها فماهي آليات هذا التجاوز؟ هل تعمل بالعنف أم بالقوة والإيديولوجيا؟ هل تلجأ السلطة إلى المنف أم أنها أيضا تعمل على ترسيخ الخيال الرمزي الجماعي؟ ماهو سر استمرارية السلطة كقوة اجتماعية بالمجتمع المغربي؟ هل هي ذات وصاية سياسية سيادية مشروعة؟ أم أنها مستمدة من تصور ثقافي اجتماعي شرعي؟

إن التفكير في مفهوم السلطة هو تفكير في السياسة أيضا لذلك لابد أن نميز بين :

- La politique: هي المجال الرمزي للتنافس بين الافراد والطريقة التي يدبرون من خلالها صراعاتهم الاجتماعية أو تنافسياتهم ان صح التعبير

- Le politique: يحيل، وبشكل عام، إلى طريقة التفكير الموضوعي بخصوص السلطة (التدبير الموضوعي للسياسة في اشتغالها اليومي= الجانب التنظيمي والتسييري للسياسة la politique)= «اللعبة السياسية»

وعلى هذا الأساس نجد تصورين :

- التصور الأول: السوسيولوجيا السياسية هي سوسيولوجيا الدولة وتكون السلطة سلطة الدولة .

- التصور الثاني: (الحديث) السوسيولوجيا السياسية هي علم السلطة والحكم؛غير أن السلطة ليس حكرا على «السياسي» لأنها توجد في جميع التنظيمات: الدولة، الحزب، المقاولة، الاسرة، .... كما تقول 'كيت ناش' السلطة قوة كامنة في جميع التنظيمات الاجتماعية .

وعلى هذا الأساس ذهبت الباحثة رحمة بورقية لاعتبار الأبحاث الأنثربولوجية أبحاث ركزت على الطابع الخفي والاستراتيجي للسلطة في المجتمعات االتقليدية، الشيء الذي يقتضي البحث عن السلطة لا في مراكزها المعهودة كالدولة والنخبة ووسائل القمع وإنام في جل مظاهر الاجتماعي والديني والرمزي وبالتالي هذا هو المدخل الوحيد والممكن لتحليل وفحص الأطروحات النظرية حول الدولة والسلطة قصد مجابهتها بواقع وطبيعة السلطة والدولة في المجتمع المغربي المعاصر.

المبرر الثاني الذي توظفه الباحثة وهو طبيعة المجتمع المغربي المركبة لمكونات المجتمع المغربي التي تدفع الباحث لفهم مبررات هذا التركيب في الماضي لأن الحاضر يحمل أسئلة تحتاج لأجوبة عالقة في الماضي.

فإن كان تركيب المؤسسات والعلاقات والسلوك هو ظاهرة ملحوظة في المجتمع المغربي كما أشار إلى ذلك بول باسكون فإن تفاعل عناصر التركيب تحتاج إلى مسائلة موضوعية ومستمرة وتستدعي إنجاز دراسات متعددة لأن الزمن لا يتوقف، وكمساهمة في تحليل هذه العناصر أيضا لجأت الباحثة لتتبع العلاقة التي تربط الدولة بالنمط القبلي من خلال قبائل زمور نموذجا خلال مرحلتين:

النص الثاني من القرن التاسع عشر والعقدين الما قبل الطاهيرين بالقرن العشرين كما أن القفز على اللحظة الاستعمارية ليس لعدم أهمينه في التحليل لكنه كحدث تاريخي فإننا عندما نركز على الحاضر فنحن نهتم به كحصيلة لسيرورة أفرزت تفاعلا بين عناصر الاستمرارية وعناصر التحول، فاهتمامنا بمرحلتين متباعدتين في التاريخ الزمني تساعدنا على ضبط ذلك التفاعل بين الثابت والمتحول في علاقة الدولة بقبائل زمور.

الجزء الأول: الدولة وقبائل زمور في القرن التاسع عشر

الفصل الأول: قبائل زمور البيئة والبشر في القرن التاسع عشر

1- قراءة المجال الجغرافي

تبدأ الباحثة في التأكيد على العلاقة التي تربط الانسان بالمجال، اذ لا يمكن اعتبار هذا الأخير معطى مفصول عن الانسان بل هص عناصر تتفاعل فيما بينها وتنفعل كذلك، فمن خلال قراء المجال يمكن قراءة الانسان الذي يحتله ويكيفه حسب مقتضياته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية .

فمنطقة زمور توجد كقبيلة بين مدينتين مخزنيتين: الرباط/مكناس: وهي عبارة عن رقعة مربعة الشكل تبلغ 80 كلم وتقدر مساحتها ب 333.000هكتار، ترتفع عن البحر، تتشكل حدود طبيعية بينها وبين القبائل المجاورة من وتضاريس وعرة.

2- الإمكانات البشرية

يمكن الحديث عن التجمعات التي تضمها زمور على الشكل التالي:

التجمع الأول: تجمع بن عمر الذي يضم الخززرة، مزروقة، القطبيين، أبت علي ولحسن، أيت بوحيى، حجامة.

التجمع الثاني: تجمع أيت زكري، ويضم قبائل أيت بلقاسم، وأيت عبو، أيت واحي.

التجمع الثالت: تجمع أيت جبل الدوم: أيت ميمون، ايت سيبر العرب، ايت سيبر الشلوح.

لا يعبر هذا التقسيم في نظر الباحثة، عن حدود ع رقية ولا قبلية واضحة بقدر ماهو تعبير عن سياسة المخزن في وضع تقسيم عملي يسهل ضبط القبيلة ومن ثم جمع الضرائب.

لقد عبرت كل الوثائق "الإدارية المخزنية " على عقلية برغماتية حيث أنها لم تستعمل كلمة قبيلة بل فقط فرق أو أقسام اط ما يمكن أن نسميه اتحاديا زموريا حسب ذلك هو مجرد قبيلة كبيرة في نظر المخزن، انطلاقا من ذلك يمكن أن نحاول مع ديل اكلمان للتمييز بين أربع تصورات فيما يخص مفهوم القبيلة

1- التصور المعبر عنه لذى الأفراد داخل الواقع القبلي، تصور غير قار اذ يتغيير حسب المكان الذي يتواجدون فيه فذاخل الاتحاد الزموري يعتبر نفسه منتميا الى قبيلة محددة وخارجها فهو زموري الأصل.

2- تصور المخزن، وهو تصور كما قلنا محدد بعقلية برغماتية تسهل ضبط المجال لذلك يتعامل حسب الوضعيات

3- تصور الذين لاينتمون إلأى زمور، وهو تصور يقترب من تصور المخزن احيانا اذ لاعرفون غير زمور

4- تصور الباحث الأنثربولوجي والذي تقابله كل التصورات.

لذلك لا تطمح الباحثة إلى الوصول إلى تحديد مضبوط لما يدعى بقبائل زمور لأن كل من الواقع والتصور غير قار، بقدر ما تطمح للتأكيد على صعوبة هذا التحديد وكأن هذه القبائل لا تكتسب هويتها إلى عندما تواجهها قبائل أخرى.

الفصل الثاني: مخزن أم دولة

إن رفض ثنائية المخزن والسيبة يجب أن لا يقودنا إلى موقف مضاد والذي يغالي في التأكيد على عناصر الوحدة داخل المجتمع المغربي، وذلك بإظهار المخزن كرمز للوحدة والانسجام والاتحام داخل المجتمع المغربي كما ذهب لذلك محمد لحباي في كتابه الحكونة المغربية في مطلع القرن العشرين أو جرمان عيشا حول الدور التحكيمي للمخزن...فإذا كان الأول يجد مبرره داخلاستمرارية الحركة الوطنية في السنوات الأولى من عهد الاستقلال فإن الثاني لايفهم إلا من داخل وطنية دفاعية تغض الطرف عن تناقضات المجتمع المغربي، وعن التحكيم كميكانيزم من ميكانيزمات تصريف السلطة في المجتمع المغربي. وهنا نتسائل هل نحنن ّأمام دولة أم مخزن؟ أم أمام تمظهر من تمظهرات الدولة ؟

إن التأمل في الصراعات الاجتماعية بالمجتمعات الأوروبية، وفكرة نشوء الدولة القومية يحدد لنا ثلاث خصائص ظلت تحدد وجود الدولة وهي :

التراب أي الحدود ثم الشعور بالهوية القومية وأخيرا وجود لغة مشتركة، توجت هذه الصراعات بانشقاق وقطيعة المجتمع السابق بنظامه الفيودالي وصعود البرجوازية والنظام الرأسمالي .أليست هذه الخصائص هي نفسها التي اعتمد عليها عبد الله العروي في بحثه حول الجذور الاجتماعية والثقافية للقومية المغربية ؟

يقول"إن المغربي مختلف ويشعر بالاختلاف بلباسه، لغته، الحدود التي يعترف بها لتراب يعطيه اسما ويجعله ثرابا"، ويتبث لنا 'ادموند دوتي' أن الوحدة القومية المغربية مؤسسة بدرجة أولى على على الوحدة الثقافية الروحية الذي يكون الدين اللإسلامي جوهرها، أكثر منها أن تكون وحدة إدارية ويقول 'ليس هناك أشد وأخطر من الحركة التي تقوم على الدين لأنها تأخذ شكل حرب مقدسة'، ويثبت ذلك جاك برك أيضا بقوله "'لقد لعب الديني بالمغرب الدور الذي لعبته البيروقراطية بأوروبا '.إن ما يمكن تدوينه بهذا الصدد أن القومية المغربية –روحية ثقافية-تشكل العنصر الأساسي القائم بين الانتماء للوحدة الترابية كما تميزت بها المجتمعات الأوروبية، وطبيعة الانتماء إالى وحدة روحية ثقافية ميزت المجتمع المغربي" .

يقول ادموند دوتي' "بما أن الدولة المغربية لها طابع ديني بالأساس فإن فكرة القومية قد عوضها الإيمان وبالتالي فالفرد المغربي لا يختلف عن الأوروبي في فهمه للسيادة فحسب وإنما أيضا بالكيفية التي تطبق بها حدود ممارسة هذه السيادة"'، وبالتالي الدولة المغربية حسب دوتي كتصور يبنيه الفرد المغربي، لا تبدو حدود محددة بشساعة ترابية، بل سلطة رمزية تترجم كوحدة روحية تترجمها سلطى الإمام لتمتد نظريا لتشمل عمليا كل القبائل التي تصلي باسمه .

إن تصور 'لدموند دوتي' بغض النظر عن الناحية الابستمولوجية بخلو خطابه من النظرة الاستعمارية أو وجودها، اذا ربطناه بتصور عبد الله العروي باعتباره من مؤسسي المدرسة الوطنية، سيبدو مقنعا لتبرير ماحدده هذا الأخير من عناصر محددة للوحدة المغربية .ويمكن أيضا أن نبرر قبول هذا التصور، إذا تأملنا تاريخيا كيف تقبل المخزن المغربي الاحتلال الفرنسي للجزائر كمصيبة عظمى وكارثة حلت بالإسلام، من خلال رسالة السلطان مولاي عبد الرحمان"...في شأن الواقعة التي ساءت اللإسلام والمسلمين وأخذت عيون أهل التقوى والدين من استيلاء عدو الله الفرنصيص على ثغر الجزائر ..." ولم تكن لأحداث تطوان وتوغل الإسبان في الحدود الترابية المغربية تأثير كبير على حدث احتلال الجزائر، بل اعتبرت من الدرجة الأولى اعتداء على الوحدة الإسلامية واعتبر الحدثين نازلة عظمى أعلن من خلالها الفقهاء إشهار السيف (سيف الجهاد).

لقد شكل السلطان المركز الروحي باعتباره أمير المؤمنين والصلاة تقام باسمه، مركزية ظلت تجسد الرمزية الروحية الدينية لتوا بث الوحدة القومية بالمغرب، حتى أصبح مفهوم الوحدة الترابية غير كافي لتفسير الوحدة المغربية، وبما أن السلطان هو منبع ما يوحد المغاربة فإن سيادتنا وجدودنا مرتبط بوجوده ودوام بركته، أين ما حل وارتحل " فالسلطان الحكيم هو الذي يجعل من السماء قبته ومن سرج حصانه عرشا له".

الفصل الثالت: الأسس الرمزية للمخزن

تؤكد الباحثة رحمة بورقية إن الأساس الذي يقوم عليه المخزن المغربي من درجة أولى هو"البيعة"، ويقول فيها ابن زيدان : جمع بين طرفين، الأول هو السلطان الذي يكاد المؤرخون يفصلون بينه وبين الدولة، 'أمير المؤمنين ذو أصل شريف حامل للبركة' مما يجعل البيعة أمر طبيعي لخلف لا منازع فيه، تستهل بآية قرآنية "إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله " بتذكير الجميع أن السلطان هو خلف الله على الأرض وتكرار البيعة هو تكرار لبيعة الرضوان، ومن رفض البيعة كمن رفض الإسلام، أما الطرف الثاني يمثله أهل الحل والعقد، ذوي الكلمة المسموعة بين الناس يحظون برضى السلطان سواء في شقه المادي والمعنوي.إن البيعة تمثل استمرارية لتجربة إعادة الإنتاج، إنتاج نموذج حكم يقوم على أساس البركة والشرف كثرة رمزية تحول دون فشل البيعة المقدسة1. ويقول ابن خلدون في البيعة : هي العهد على الطاعة، يبايع فيها المبايع أميره ويعاهده على تسليم نفسه، وعلى الحق في النظر بأمور المسلمين وتقوم على ركيزتين بشكل أساسي، مبدأ ضرورة نظام الخلافة، ومبدأ الحضور الدائم والقوي للخليفة في جميع الأمور باعتباره خليفة الله على أرضه.

ويعتبر حفل تقديم الولاء الحيز الزمكاني كطقس للعبور إلى عالم المقدس، استراتيجية يعتمد عليها المخزن لتأكيد شرعيته في الحكم، تعتمد خلاله المؤسسة الملكية على جميع قنواة التأثير على رأسها الجانب الديني، لتذكير العامة أن الجالس على العرش هو خليفة للرسول، في البركة والشرف والصلاح والقدسية، ثم في تعهده بتطبيق الأحكام الشرعية وفق ما جاء في الإسلام.وتعتمد في ذلك على آيات قرآنية محددة تم استخدامها في العصر الإسلامي.لكن ما يجعلنا نتساءل باستمرار عن استمرارية هذا النسق السياسي داخل الدولة المغربية، هو استمرار هذه الطقوس التقليدية حتى بعد استقلال المغرب، وإعلانه الرغبة

في خوض غمار الحداثة السياسية، فالعيد الوطني الذي يحتفل به في 14غشت من كل سنة والذي شرع في الاحتفال به لأول مرة سنة 1879حينما تم استرجاع وادي الذهب وظمه إلى حظيرة الوطن الأم، يتم خلاله تقديم حفل الولاء جماعيا وفق بيعة الرضوان .إن البيعة كطقس ديني سياسي تعبر عن خاصية أساسي في النظام السياسي المغربي، في القدرة على التموقع فوق الدستور، والأخذ بعين الاعتبار أن القانون الأساس يتمثل في البيعة المقدسة التي تربط شخص الملك بشعبه، وفي هذا الصدد نستحضر قول الملك الحسن الثاني حيث يقول، إن "الدستور ماهو إلى تجديد تعبيري عن علاقة الملك بشعبه، فالمغاربة لطالما عبرو عن تشبثهم بالمؤسسة الملكية ". الشيء الذي يطرح العديد من الأسئلة عن حقيقة الحداثة والتحديث بالمجتمع المغربي، وما يحمل في ذلك من أسئلة عن وقع التغير الاجتماعي بالمغرب.

الفصل الرابع: الحركة كرمز للسلطة

يقول إيكلمان" إن الحكومة المغربية ليس لها مقر خاص بها لكي تخضع الشعب وترده للواجب، فلكي يضمن مردوردية الضرائب يكون السلطان مضطرا لكي سافر باستمرار ليخضع السكان لا عن طريق السلاح فقط بل عن طريق الثأثير الديني والشخصي وعن طريق سياسات الإغداق وسحب البساط"

إن طريقة هذا العرض وهذا التفاخر في تصريف السلطة تفرض نفسها على السلطان لإن هناك منافسين في الرأسمال ارمزي أولا ثم المادي ثانيا.

المخزن والقيادات المحلية والعامة

”يعد المخزن أداتا ونسقا لدولة من نمط إرثي يقوم على علاقات نسبوية، وعلى نظام من المراتب الإدارية المنظمة والهادفة إلى تمركز الحكم وتكوين عساكر ناجعة وضبط الرعية وجبي الضرائب في المناطق المراقبة واللجوء إلى التوازنات في الجهات المعادية (السائبة)” الهادي الهروي

إن قراءتنا لمفهوم الدولة، على ضوء مفهوم المخزن لم يكن اعتباطيا، خاصة حينما نجد ان روبرت مونتاني خصص له مؤلفا "البربر والمخزن" وعبد الله العروي الذي جعل منه محورا أساسيا، في أطروحته التي عنونها ب، "الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربي ".

سلطة تتمظهر سلطة عبر مجموعة من التراتبيات الرمزية، الإدارية ولبيروقراطية والتي تقوت في فترة ألحماية وهي كالتالي:

الوزراء: يوجدون في قمة الهرم التراتبي للجهاز المخزني، يترأسهم الصدر الأعظم، وقد كان يتكون هذا الجهاز من سبعة وزراء في عهد المولى عبد الرحمان، لكن بعد ذلك تم استحداث وزارات أخرى،

العلماء: النخبة المثقفة، يعمد لها مهمة النصح والإرشاد، وابتكار أمكاط للتسيير، وكانو يسمون أيضا بالخاصة أو الفقهاء

الأمناء: ظهر منصب الأمين منذ سنة 1856؛ كانت مهمتهم التحكيم في النزاعات بين الحرفيين، مما جعلهم يتمتعون بمكانة مرموقة داخل المجتمع،

الأعيان: أسياد القوم، ينتمون إلى نخبة محلية أو إقليمية، يتولون مناصب كمنصب ”القائد" أو المقدم" مستمدين ذلك من المكانة الاجتماعية التي يحتلونها. كما تجدر الإشارة، إلى أن وبفضل هؤلاء الأعيان، سواء في القرية أو المدينة، وعن طريق احتوائهم من قبل السلطات الاستعمارية، تمكنت هذه الأخيرة من بسط نفوذها على البلاد،

القياد: تتكون من موظفي المخزن المشرفين على جمع الضرائب واستتباب الأمن، وقد نمت هذه الفئة بشكل كبير في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إلى إن تحولت إلى ظاهرة اجتماعية، وذلك في مرحلة القايدية الحربية، نظرا للقهر الذي مارسته على الساكنة،

الأرستقراطية الحضرية والقروية: فئة اجتماعية نمت بالمدن أكثر من البوادي، اعتمدت على الاحتكار والقرض بالفائدة من أجل تنمية ثروتها، كما أن قربها من الأجهزة المخزنية ساعدها على ذلك،

الشرفاء: نسبة إلى انحدارهم من السلالة النبوية وامتلاكهم للبركة، وذلك منذ عهد المرينين.

المرابطون والزوايا: كانت له وظائف تجعله في قمة الهرم الاجتماعي القروي كالتحكيم في النزاعات؛ إطلاق بعض السجناء ممن لحق بهم ظلم؛ يتمتعون بالبركة2 .

يقول ليفي ستراوس في مراجعته لأعمال مارسيل موس، "من عادات المجتمع ان يعبر عن عاداته رمزيا "لذلك لابد في محاولة قراءة تاريخ المجتمع وخصوصا إذا كان هذا التاريخ سياسيا، الأخد بعين الاعتبار أن كل مجتمع يبلور أنظمته الرمزية الخاصة، فالمجتمع المغربي يكون الشعور الديني أحد العناصر الأساسية، كحقل أنتج مجموعة من الرموز التي شكلت إحدى الشروط الأساسية للوصول إلى السلطة التي أنتجت بدورها مفاهيم من قبيل 'الشرف' البركة' الصلاح '...

تترجم الوثائق التي تحصلت عليها الباحثة حول قبائل زمور 'كناش الشؤون العسكرية' ' إلى وجود عشرين قائدا على رأس زمور وقياد آخرين يذكرهم التاريخ ولم تذكرهم الوثائق.

المعطى الاقتصادي في زمور

إن وجد السوق في القبيلة دليل على أن هذه الأخيرة لم تكن في عزلة بل فوجود السوق دليل على الانفتاح الثقافي والاقتصادي على القبائل المجاورة وعلى المدينة أيضا، ولم يكن المكان الذي يقام فيه السوق اعتباطيا بل يخضع لاعتبارات اجتماعية وجغرافية وثقافية وسياسية، لكي يترجم السوق الالتحام القبلي للقبائل من خلال ذلك يشترط أن يقام السوق في محل الاتقاء بين الجماعات، في أسواق زمور مقرات للإضراب ومحلات منظمة بقواعد ومراقبة تمارس فيها الأحكام ففي السوق تحل النزاعات وتقرء الرسائل المخزنية وتناقش وتنتقل الأخبار بين الناس، فإذا كان السوق مجالا اقتصاديا فّإنه مجال سياسي ايضا غذ يعتبر الحصار الاقتصادي من الأدوات الفعالة للقياد في تأديب القبائل المتمردة وإخضاعها تحت إشراف السلطان، وقد يستعمل كادات للضغط من اجل الحصول على الضرائب

 

 

استعمال العلاقت القبلية والعرف في زمور

يدخل استعمال العلاقات الاجتماعية في إطار ممارسة السلطة من طرف المخزن إذ يختار ويعين القائد من داخل القبيلة الت سيحكمها وغالبا ما يقترح من طرف قواد مجاورون فالقائد يدعو محكومية إخوانه ومن لم يخضع له فإنه عصاهم جميعا وكسر حبل الإخوة ويجب أن يعاقب.كما يجب أن يحضى بثقة الشرفاء وأن يباركوه.

الجزء الثاني: الدولة ومنطقة زمور في العصر الحالي

إن تتبع المتغيرات التي من خلالها يمن تناول العلاقة بين المخزن وقبائل زمور والرموز والمشكل للمجتمع تجبرنا عل تناولها مرة أخرى لإبراز الثوابت والمتغيرات في هذه العلاقة. لنقفز على مرحلة الاستعمار وذلك كما قلنا ليس لعدم أهمية المرحلة في رسم تاريخ المغرب لكن فقط لنبرز التغيرات والمتغيرات المتحكمة .

إن أول متغير نصطدم به هو التسمية نفسها فلم نعد أمام مخزن بل أمام دولة، على الأقل على مستوى البنيات الظاهرية شكلا، وإن كان اسم المخزن مزال عالقا في ذهنيات وتصورات الناس. فإذا كان للمخزن آليات خاصة لممارسة السلطة في القرن التاسع عشر فما مصيرها اليوم بعد ما أصبح ينشد الدولوية ؟

وهناأصبح أمامنا من البديهي الإشارة إلى الطبيعة المزدوجة للظواهر داخل المجتمع المغربي وهو ماعبرت عنه نظرية التحديث بالثنائية تقليد/عصرنة أو ما عبر عنه بول باسكون بصيغة أو بأخرى بالترركيب.

إن التخلي عن لفظ المخزن لصالح مصالح الدولة يعبر عن مشروع جديد يلازم المركزية السياسية للمجتمغ المغربي الحديث ويطبعها بالخصائص التي تميز الدولة الحديثة، لكن لمذا الدولة لا المخزن؟ وهل يمكن القول أن الدولة الحالية تتسم بالقطيعة مع التنظيم القديم أو تكتنف بقاياه؟

لايمكن الإجابة هن هذا إلا بعض فحص وتحليل بعض جوانب العلاقة التي تربط الدولة بباقي المجتمع وما يفصلها بالتالي عن الجهاز القديم المتجسم في المخزن.

إن مخزن القرن التاسع عشر كان يلازمه مشروع التوحيد، ومشروع تنظم مجاله السياسي، نظرا لعوامل اتضاها التسرب الاستعماري داخل المغرب وتعرض الجزاءر للاستعمار فكان على المخزن أن يوجد أطراف الوطن عن طريق الحركة وتنظيم الشبكة الإدارية واستعمال آليات المجتمع القبلي، غير أنه لم يبقى في السنوات الأخيرة أي مبرر هام لمشروع اسمه تنظيم المجال السياسي، وإنما نجد مشروعا جديدا وهو مشروع الدولوية الذي يتجلى في تنظيم شبكة من المصالح والمؤسسات التي تتسم بالعصرنة .

كما أن المشروع (بناء الدولة) يتم داخل سياقات عالمية تختلف عن الظروف التي عاشها المغرب في القرن التاسع عشر، إذ لم يعد من الممكن لهذا المجتمع أن يعيش في عزلة عما يجري في محيطه الخارجي العالمي، فهو الذي يحدد له المرجعية سواء تعلق الأمر بالمؤسسات أو السلوكات والتصورات...بل وحتى الدينامية الاجتماعية، وهو ميمكن التعبير عنه بالقول أن دينامية الخارج تستطيع أن تحول وأن تغير بعمق دينامية الداخل.

الدولة وتنظيم المجال

اختفى منذ الاستقلال مفهوم المخزن ودار المخزن من الخطاب الرسمي ليعبر عن تحول في تصور الدولة لنفسها وتحول في تصورها للمجال السياسي الذي تدير من خلاله ما يمكن أنسميه باللعبة السياسية، يذكرنا المخزن بمرحلة ماقبل الاستعمار وبالاستعمار أيضا وبماضي أصبح تقليدا يتنكر له الحاضر الذي أصبح يحمل شعار العقلانية، لقد بدأ الاستعمار بالفعل سيرورة عقلنة تعامل الدولة مع المجال وأكدت دولة ما بعد الاستقلال في خطابها هذه العقلنة.

لا يمكن أيضا القفز على التقسيمات الادارية الجديدة التي عملت (الدولة) على رسيخها بتقسيم المغرب ّإلى عمالات وأقاليم ودوائر وجماعات حضرية وقروية ليعبر ذلك عن أحد أوجه تدخل الدولة في تنظيم المجال القروي ولاستكمال إرساء المقومات الإدارية لهيمنتا.

إلصاق السكان بالرقعة الترابية للحد من حركة القبائل وذلك بوضع حدود قارة بين القبائل، وتدعيم مادية تلك الحدود والتنصيص عليها بالمكتوب، وقد كانت التعاليم الموجهة لهذه التقسيمات خاضعة المستوى الاقتصادي والديموغافي والجغرافية، وفي الواقع لم يكن المحدد الاقتصادي وحده الدافع للتخلي عن التقسيم القبلي وإنام كانت هناك محدددات أخرى من قبيل العصرنة والحداثة للقضاء على الطابع القبلي الذي لم يعد يتناسب مع مشروع الدولة الحديثة.

لقد هيئ مشروع التقسيم الاداري لإقليم الرباط والذي كان يضم لآنذاك زمور سنة 1958 بمشاركة المحجوب أحرضان الذي كان عاملا على الإقليم، ولمعرفته الخاصة بالقبائل، وينص هذا المشروع على ضرورة احترام التقسيمات القبلية اذ أن مشروع التقسيم الداخلي للإقليم كان ينص على ضرورة تطابع التقسيما ت الادارية مع التقسيمات القبلية لأنها سابقة عليها.

مناوبة السلطة

إن مظاهر حداثة الدولة حسب الخطاب الرسمي تقتضي الحد من استقلالية القائد وذلك باللجوء إلى وسائل إدارية تجعله رجل سلطة يندمج في إطار إداري عصري لا في إطار المخزن القديم. من تم إدخال عنصر التوظيف وخلق قانون ينظم ذلك، منعهم من تحصيل الضرائب وجعله موظفا يتقاضى أجر خاص.

المساومة حول التقليد

لقد اعتبرنا سلفا أن التنمية أو المشروع التنموي التنموي ككل كقناة أساسية تبرر تدخل الدولة، إلأا أنها ليست القناة الوحيدة التي تبرر حضور الدولة، إذ يتجاز هذا الحضور ليشمل حضورها محليا ومسائلة المؤسسات التقليدية وما الحاجة ّإليها اليوم .

إن القوة العلمية التي لازالت تحظى بها العديد من الأبحاث العلمية، من هذا الباب في شق منها تأكيد على أن المغرب، هو اتحادية قبائل، مستدلين على ذلك بظهور مقومات القبيلة، واستمرارية تواجدها على مستويات عدة، خاصة منها المستوى السياسي. وقد ظلت أغلب الدراسات التي قاربت المسألة القبلية في المغرب، في نسق التاريخ والأنثروبولوجيا بشكل خاص، تحاول تفسير التحولات التي عاشها المجتمع المغربي، وما مدى صحة القول، باستمرارية البنية التقليدية أو تفككها، ونحيل هنا على رواد الطرح الإنقسامي، حيث شكلت الانقسامية كنظرية لقراءة الحياة السياسية بالمغرب .

وانطلاقا من التعريف الذي يضعونه للقبيلة، بأنها " نسق من التنظيم الاجتماعي يتضمن عدة جماعات محلية مثل البدنات والعشائر والمداشر تقطن إقليم معين يكثنفها شعور قوي بالتظامن الالي والوحدة"، ويمكن اعتبار التجديد الذي وضعه "افنس برتشارد" تلميذ مالينوفسكي للقبيلة، اقرب تعبير عن خصائص القبيلة الإفريقية التي استخلصه في دراسته لقبائل النوير بالسودان.

والقبيلة عند برتشارد هي الفاعل في النسق السياسي التي تحدد ملامحه الظروف الايكولوجية، والمعاشية هي التي تحدد أشكال العلاقات وأنواعها، ويرتكز هذا النسق على القرية كوحدة صغرى، يتم النفود السياسي داخلها حسب شبكة المصاهرات وهذه الشبكات تنقسم الى فروع قبلية، أولية، ثانوية، أما العلاقات بين مكونات النظام القبلي، فتقوم على الانصهار والانشطار3. وقد تم توظيف ملامح هذا التعريف، من طرف "ايلنست غيلنر" على قبائل الاطلس الكبير بالمغرب، ليجيب على سؤال، علاقة القبيلة كمؤسسة اجتماعية بالحياة السياسية .لقد وجد غيلنر أن النظام السياسي والاجتماعي لهذه القبائل، نظام يسوده الإنقسام، ويعني ذلك أن كل قبيلة تنقسم إلى فروع، تنقسم بدورها الى أجزاء، إلى أن تصل الى مستوى الوحدات العائلية، يدير شؤونها أمغار يتم انتخابه بالانتداب بين القبائل، كل سنة وآخر يدعى أمغار وينظر في جرائم الدم، والشرف، له هالة تحول دون التفكير في عزله من منصبه4 .

إن تطبيق هذه النظرية، وخاصة على الحياة السياسية بالمغرب من طرف الباحث الأمريكي "جون واتربوري" في الفترة الحرجة من تاريخ المغرب، في أطروحته الشهيرة "أمير المؤمنين الملكية والنخبة السياسية بالمغرب"، والتي عمل من خلاله على تأكيد استمرارية النمط الانقسامي في البنية السياسية للدولة المغربية، يزكي توظيفنا لمفهوم القبيلة في هذا السياق بالذات، لنطرح السؤال هنا، هل يمكن الحديث عن الدولة المغربية في منهى عن القبيلة ؟

آخذين بعين الاعتبار التعريف الذي يقدمه جون واتربوري أن" المغرب تحول الى اتحادية قبائل، تتحكم فيه أجزاء يحكمها الانصهار والانشطار ضمن إطار اللعبة السياسية خاضعة لأمير المؤمنين، الذي يعرف كيف يحدث انقساماتها بذكاء."

ينطلق رواد التصور الأنجلوسكسوني من اعتبار مفاده أن المجتمع المغربي منحدر من القبيلة، وذلك بسبب حضور الخصائص القبلية التي تحددها النظرية الإنقسامية، لكن ما علاقة المجتمعات القبلية بالسلطة السياسية؟

هو نفسه السؤال الذي وضعه 'النست غيلنر' على قبائل احنصال بالأطلس الكبير5 . وما يميز النظرية الانقسامية هو قابليتها للتمدد على يد الباحثين، حيث شكلت العين التي درس بها "جون واتروري" اللعبة السياسية بالمغرب، والتي توجت بأطروحته "الملكية والنخبة السياسية بالمغرب "حيث شكلت مرجعا إن لم نقل مصدرا أساسيا للباحثين المغاربة بمختلف تخصصاتهم في مجال الفكر السياسي والسوسيولوجيا السياسية6. ركز واتربوري على النخبة السياسية المغربية7، باعتبارها الفئة التي تتدخل في عملية توزيع منافع الدولة والمشاركة في القرارات، وقد حدد مكونات هذه النخبة من الأحزاب السياسية سواء أحزاب اليمين وأحزاب اليسار ثم الأسر الكبرى والقبائل والضباط والعلماء والشرفاء وغالبا ما يكون قادتها الموظفون السامون من الحكومة، وأكد أن أسلوب هذه النخبة ذا أساس انقسامي شبيه بالأسلوب الذي تحدثه القسمات الصغرى بالنظام القبلي محكومة بالانصهار والانشطار. ولعل ذلك ما يؤكده "عبد الله ساعف" بأن النخبة المغربية تعتمد مسلكيات شبيهة بمسلكيات القبائل المنظمة طبقا للمبادئ الانقسامية. في حين عمل المخزن على استدماج الممارسات السياسية التقليدية بالحديثة، وتجلى ذلك بعد خروج المعمر الفرنسي، وتبنى قانون مخزني يشتغل على الطقوس الرمزية العتيقة، بالإضافة إلى القانون الدستوري الذي فرضته الحماية، إن هذا الاستدماج التقليدي الحداثي بدسترة الّإرث المخزني جعل التاريخ المغربي مرتبطا بتاريخ المؤسسة الملكية، وجعل الدستور المغربي يتشكل من طابق علوي يمثل روح الغرب، وآخر سفلي عميق يجسد عمق الموروث والروح العميقة وهذا ما سنستفيض في ذكره لاحقا. كما عملت المؤسسة الملكية على تأكيد تموقعها بوظيفة التحكيم ولعب دور 'الأكرامن' للتعالي عن كل الانقسامات داخل اللعبة السياسية، وتعزيز السلطة من خلال بث الخلافات بين الفرقاء، وقد أكدت المؤسسة الملكية دائما تشبثها بمفاهيم البركة والشرف كجوهر وعمق الشرعية التي تبرر تواجدها.وقد أعلنت المؤسسة الملكية لرغبتها في كسب رهان العالم القروي كخزان للمشروعية الانتخابية عبر تدجين النخب وصناعة الأعيان الجدد8 .

إن النسق السياسي المغربي يعمل من خلال مزج التقليد والحداثة من أجل تعطيل المسار التاريخي لتقوية الجهاز المخزني بالدولة المغربية وذلك على حساب مسلسل الديموقراطية التي تعلنها الدولة ظاهريا في مؤسساتها فأصبحت الحياة السياسية بالمجتمع المغربي، بين إرثين: ″إرث العادات والتقاليد في علاقتها بالسلطة وطرق تدبيرها، وإرث الاستعمار في شكل بنيات تحتية وآليات معقدة غير ملائمة في الغالب لواقع البلاد وحاجياته″، ونتيجة لهذا ″الإرث المزدوج″، تحاول التوفيق بين المؤسسات التقليدية (الزوايا، القبائل، النظام المخزني، ...)، وبين القواعد الجديدة التي أصبحت تفرضها المؤسسات العصرية والنظام الاقتصادي الحديث وآليات التدبير الجديدة للأحزاب والنقابات.. دون المساس بما أسماه واتربوري ب ″الشخصية المغربية″.ترتبط الحياة السياسية بالمغرب اذن بثوابت ووظائف هي:

- وظيفة سياسية تتجلى في التحكيم كوظيفة قديمة موقرة موجودة قبل الحماية، حيث إن "الشريف أو الوالي" هو الذي يمارس دور الحكم على العموم (التقديس)، لكن نقلت وظيفة التحكيم للملك ولجان التحكيم التي تتدخل في الشؤون الداخلية للأحزاب السياسية (خصوصا بعد انقسام الحركة الوطنية سنة 1937، والصراعات الداخلية التي عاشها حزب الاستقلال في الفترة ما بين 1956 و1958، والتي أفضت إلى انشقاقه سنة 1958)9،

- دور سياسي يضطلع به زعيم: لا يمكن ضمان التوازن بالمجتمع المغربي ولا تغير موازين القوى، إلا بالانضمام لزعيم والالتفاف حول عقيدة، وهذا هو حال الأسلوب السياسي بالمغرب (مثال علال الفاسي بحزب الاستقلال، والمهدي بن بركة بالاتحاد الوطني للقوات الشعبية، رغم رفضه لهذا الأمر في البداية، لكنه استجاب في الأخير لذلك نزولا عند رغبة أتباعه) .

- يتجلى الأمر إذن، في حرص الزعيم السياسي على تبني وممارسة مجموعة من العادات والتقاليد للمحافظة على أتباعه (النسب، الانتماء للقبيلة، المصاهرة، ...)

- ولعل الأمر الغريب هو استمرارية محققة لهذه اللعبة السياسية، ألم تتحالف الأحزاب السياسية بشكل جماعي ضد حزب العدالة والتنمية لإضعافه حينما تقوى؟هو نفسه أسلوب القسمات القبلية الذي تحدثنا عنه سلفا، بالإضافة لاستمرارية العلاقة بين الشخص والمريد في أحزابنا السياسية لكل زعيم أتباع يناصرونه...

- إن النسق السياسي المغربي ارتبط بشكل قوي بمحددات وثوابت لم يقطع معها وكأنها قوالب جاهزة لابد أن يلجها كل من دخل الحياة السياسة بالمغرب، وربما هذا هو المفسر الأساس لفشل الأحزاب السياسية المغربية، وارتباط وجودها بالحياة السياسية المغربية بشكل موسمي (الانتخابات) وتفقد نجاعتها على المدى البعيد...

إن القبيلة انذثرت كرقعة جغرافية لكنها لزالت حاضر كذهنية

 

المهدي بسطيلي

...................

2- الهادي الهروي، القبيلة، الاقطاع والمخزن. مقاربة سوسيولوجية للمجتمع المغربي الحديث: 1844-1830، ص 238)

4- Salah éden Med. Maroc. Tribus. makhzen et colons Ed l’ harmattan; paris ;1986

5- لأنتربولوجيا والتاريخ- حالة المغرب العربي مقال ليليا بنسالم -، عبد الأحد السبتي وعبد اللطيف الفلق. دار توبقال، الدرا البيضاء، ¹1988

6- التحليل الانقسامي للبنيات الاجتماعية في المغرب /حصيلة نقدية/ المستقبل العربي/ع75بتاريخ 1985

 7- سوسيولوجيا المغرب احمد الشراك /مرجع سابق

8- D ; abdallah saaf /images politique du maroc/ed okadLrabat 1988P79

9- المخزن في الثقافة السياسية المغربية /هند عروب /وجهة نظر 2003

 

عدي عدنان البلداويتغيير طريقة التفكير ..

ان التفكير بالسعادة والنجاح والخير يأتي أولاً من داخل الشخص.. على كل منّا ان يبحث عن السلام في داخله، عن الوعي، عن النجاح ويتبناه ويبنيه في افكاره ليستجيب الواقع لنغمات هذا التفكير، فحياتنا نصنعها نحن، وبيئتنا نعيشها نحن، وباستطاعتنا ان نتجاوز كثيراً من السلوكيات السيئة اذا رفضناها ولم نهمل احتمالات تأثيراتها الجانبية على افكارنا ولو بعد حين ..

النجاح الظاهري لا يشكل قيمة انتاجية عالية في الواقع مالم يرافقه نجاح داخلي، فمثلما تتمنى لابنك ان يحصل على درجات عالية في الامتحان الوزاري ويحظى بقبول في احدى الكليات العالية، تمنى له ان يحصل على ذلك كجزء يتطلبه بناء شخصيته، فالشهادة العالية واللقب العلمي يدعمان استقرار الذات وتوازنها ويحفزانها على العمل الإيجابي ..

وربما يستطيع تحقيق ذلك دون التفكير بالجانب الذاتي بناء الشخصية، لكن النتيجة ستكون شخصية تفكر بالمصلحة الخاصة والحرية الفردية بنسب متباينة بين المجاملة والأنانية، ومثل هكذا شخصية لا تسهم في تحضر المجتمع، ولعلها تستفيد من حالات الغفلة وقلة الوعي عند الآخرين لتحول تفكيرها السلبي، ألا يحدث مثل هذا اليوم خصوصاً مع الطبيب الذي يستغل جهل المريض بحقيقة وضعه الصحي فيستغفله ويستغله ماديّاً، بينما لا يكون لهذا السلوك مقبولية عند طبيب تتناول شخصيته مفهوم الحرية من جانب المسؤولية وليس من جانب شخصي بحت ..

يختلف مدى صناعة الوعي حسب مزايا النفس ونوع الأفكار التي تتيناها، فالشخص الصالح يصل مدى صناعة الوعي عنده حدّ توجيه النصح والإرشاد والإشارة الى الطرق المؤدية الى الوعي، بينما يبلغ مدى صناعة الوعي لدى الشخص المصلح حدّ التضحية بالنفس من أجل إيقاظ الناس لتغيير واقعهم من حالة الهزيمة الى حالة الغنيمة، ومن حالة السوء الى حالة الخير، ومن الركود الى الحراك الإيجابي النابض بالحياة بحيث لا يكون يومه نسخة عن امسه ..

دفع كثير من المصلحين حياتهم ثمناً لوعي وتحضر مجتمعاتهم، ووصفت تضحياتهم من قبل البعض بأنها جاءت بسبب وجودهم في غير ازمنتهم، فثقل على البعض تقبلهم وعدّوهم خطراً يهدّد حياتهم التي اعتادوها على ما فيها من سوء وسلبيات وظلم..

حين تأتي التضحية نتاج تفكير قائم على فكرة الحرية المسؤولة فإنها تقود الى مرتبة الشهادة، بينما التي تقوم على فكرة الحرية الشخصية فإنها تقود الى التخلص من النفس وليس التضحية بها .. لذا كان لتضحية المصلحين، ومن مختلف المجتمعات والأمم دوراً ملهماً ودافعاً لتحفيز النفس ..

 

الوعي والحب ..

الانتقال من حالة الحرية الشخصية الى حالة الحرية المسؤولة تأتي من درجة الإشباع الداخلي المعنوي، ودرجة الإشباع تأتي من احترام الذات وحب النفس حبّاً لا يقود الانسان الى الأنانية والغرور بقدر ما يهذب تلك النفس ويشغلها بما يصلحها ويهيؤها لعمل الخير على صعيد العلم والعمل والصحة والعلاقات الاجتماعية، فالحبّ عنصر جذب لكل ما يتضمنه مفهوم الخير، وما لم تحب نفسك فربما لن تستطيع ان تفكر تفكيراً إيجابياً تنمو معه نفسك نموّاً يثمر شخصية متوازنة لها هويتها الواضحة التي لا تقبل نسخها أو تزييفها، وتنطلق منها في الواقع حيث التفكير بالنجاح والسعادة والأخلاق الحميدة والعلاقات الطيبة، في الواقع اننا نقوم بمثل هكذا تصرفات وسلوكيات ايجابية، لكن اغلب الناس يؤديها من منطلق عاطفي انفعالي بفطرة سليمة، وربما نندهش كثيراً لحالة شخص حلو اللسان، يبادر الى تقديم العون، فإذا به متقلب المزاج والمواقف، فهو في لحظة غضب غيره في لحظة رضا ..

يقف افتقاد الوقت الكافي للتدبر والتفكير وراء كثير من المشاكل التي تعترض الشباب في بلداننا العربية المسلمة، بالإضافة الى إسهام الفهم الخاطئ لاحترام الحريات في تقليل فاعلية حضور الحكمة وقت الأزمات والمواقف الصعبة، فالأخبار التي تردنا عن الذين كانوا قبلنا، من خلال تداول وتبادل الاخبار، أو عبر مدونات وكتب، تفيد بتمتع العقلاء والكبار فيهم بالحكمة وتمكينها في حفظ سلامة المجتمع على الرغم من قلة مصادر المعرفة آنذاك، ويبدو ان الحرص والنية الحسنة كانت تحمل مفهوم الحكمة في حياة الأجيال السابقة، بينما تتعدد وسائل المعرفة والإطلاع واكتساب الخبرة اليوم لا تسجل حضوراً امام قرارات سريعة انفعالية يتخذها بعض الشباب في قضايا مصيرية مثل الزواج والطلاق ، يغلب على اكثرها عدم التفاهم وعدم الانسجام مبرراً، ويعيش المجتمع اليوم قصصاً كثيرة غريبة باحداث مثيرة، مقلقة، حزينة، خطيرة..

في السابق لم يكن عدم الإنسجام مبرراً للإنفصال بين شابين لم يمضي على زواجهما اكثر من شهرين او ثلاثة، على الرغم من ان كثير من حالات الزواج لدى جيل الآباء والأجداد لم تكن قائمة على تعارف مسبق، مثلما هي قائمة على هيمنة حالة الرضا على الطرفين فيما يتعلق بخلفية كل منهما الأخلاقية والدينية، على ان توافر هذه الحالة من الرضا لا يلغي وقوع المشاكل بين الزوجين أو بين العائلتين، لكن الفكرة الجيدة كما اشرنا خلال البحث تجذب اليها أفكاراً جيدة، وهو ما كان يقف وراء تدارك كثير من تلك المشاكل، بينما اليوم لا يتدخل الكبار في قرارات الشباب وان كانت على حساب البناء الأسري الجديد لأبنائهم .. فالوضع الإجتماعي تغير كثيراً والأبناء اليوم اكملوا دراساتهم الجامعية وهو ما كان مقصوراً على بعض الأسر في السابق، كما ان الفتاة اليوم لا تخرج من بيت أهلها الى بيت زوجها كما في السابق، فهي طالبة وموظفة ومعلمة وطبيبة ومهندسة، بينما أمّها قد تحسن القراءة والكتابة في احسن حالات كثير من العوائل، وهو ما اوجد حاجزاً معنوياً بين الآباء والأبناء، جعل الآباء يشعرون بتعطل دورهم التوجيهي تجاه اولادهم، ولعل بعضهم وقف الى جانب رغبة ابنه او ابنته في الإنفصال وان كانت قائمة على سبب بسيط .. يضاف الى ذلك تحوّل الدور التوجيهي المسؤول للقاضي والمحامي والباحث الإجتماعي الى دور وظيفي لدى كثيرين، فرضته أوضاع البلاد المضطربة وانتشار الفوضى وظهور اعراض الأنا غير الواعية عند كثير من الناس، فصارت الموعظة في قاموس الحياة اليوم تترجم على انها تدخل في شؤون الغير يوجب التحذير وربما العقاب، وينسحب ذلك على كثير من شؤون الحياة الإجتماعية كالتعليم والصحة وغيرها..

 منعت مديرة مدرسة احدى الطالبات من ادخال موبايلها الى قاعة الإمتحان، فأبلغت والدها، وبدوره هدّد المديرة وانفذ تهديده عبر اشخاص نافذين في المحافظة، فصدر بحقها كتاب يعفيها من ادارة المدرسة، وعلى الرغم من انها تمكنت من استعادة حقها عبر القضاء، لكن هذا الحدث السيء القى بظلاله على المشهد التربوي واحدث في نفوس كثير من المعلمين والمدرسين حيطة وتلكؤاً من تفعيل دورهم التربوي مكتفين بالأداء التعليمي فوقعت حالة من الضعف في علاقة الطالب بالمدرسة والمعلم وبمرور الوقت تحجم تعريف المدرسة لدى كثيرين ليكون مرحلة رقمية للحصول على الشهادة، ليس لها أثر تربوي معنوي، فيتخرج الطالب من المدرسة وهو لا يحمل عنها أي رصيد تربوي، معرفي، اجتماعي، يعتمد عليه في حياته المقبلة كما هو الحال مع جيل الآباء ..

وبحضور هذا المفهوم الجديد للمدرسة، غابت كثير من الملاحظات البسيطة التي من شأنها ان تسجل حضوراً منعشاً لهذا الواقع الرتيب، فمثلاً غاب عن معلمة الصف الأول الابتدائي ان تطلب من تلاميذها جلب الكتب والدفاتر وفق الجدول كي يتجنب الصغار حمل حقيبة مليئة بكل الكتب والدفاتر، وغاب عن مدير المدرسة ان يعلن لطلابه عن جائزة قيمة للطالب المثالي في الأخلاق داخل وخارج المدرسة، وكنت قد اقترحت ذلك في احدى السنوات المنصرمة على احدى ادارات المدارس الصديقة للطفل بعد رصدي لبعض الحالات وجدت فيها أطفالاً يتقاذفون السب والشتم في الشارع اثناء لعبهم، بألفاظ معيبة لا تناسب اعمارهم، لكن الفكرة لم تنفذ، على الرغم من ترحيب كامل اعضاء مجلس الآباء والمعلمين ومصادقة مدير المدرسة على ادراجها ضمن نشاطات المدرسة!!..

 

عدي عدنان البلداوي

 

قاسم حسين صالح(في أول تحليل سيكولوجي)

خمسة ايام بدأت بالفاتح من تشرين اول/اكتوبر2019، شهدت تظاهرات هزّت العراق وفاجأت محلليين سياسيين ومثقفين اشاعوا ثقافة التيئيس كانوا على يقين بان الاحباط قد اوصل العراقيين الى حالة العجز التام. وكان بينهم من راهن على انها (هبّة) وتنتهي، لأن الشخصية العراقية، على رأي الراحل علي الوردي، أشبه بنبات (الحلفه) اليابس.. يشتعل بسرعة ويخفت بسرعة.

وفاجأت ايضا علماء النفس والأجتماع بما يدهشهم.. بل أنها خطّات نظرية في علم النفس تقول:اذا اصيب الانسان بالأحباط وحاول وحاول ولم ينجح، فأن تكرار حالات الخذلان والخيبات توصله الى العجز والاستسلام.. فأطاح بها جميعها شباب ادهشوا العرب والعالم!.. واسقطوها في الخامس والعشرين بيوم جمعة (استعادة وطن).. متحدين الموت بصدور عارية وملاحكم اسطورية ليسقط منهم ثلاثة وستون شهيدا التحقوا بـ(149) شهيدا حنّوا ساحات التحرير بدمائهم.

ولأن من عادتي استطلاع الرأي بحدث كهذا، فقد توجهنا بالآتي:

(اروع منجزات تظاهرات تشرين للسيكولوجيين ظهور اجمل صفات الشخصية العراقية.

اذكر واحدة خبرتها او عشتها لنوثقها في دراسة علمية).

تعددت الصفات التي ذكروها المستجيبون، نوجزها بالآتي:

الغيرة، الشجاعة، الاستعداد العالي للتضحية، التكاتف الملحمي، الثقة العالية بالنفس، التكافل، المروءة، الطيبة، روح التعاون، نصرة المظلوم، اللعب مع الموت والاستهانة به، حب الحياة، الخوّه الحلوه، كرم بلا حدود، اعادة الصورة الحقيقية للعراقيين، "احبك يا وطني واحب ريحة ترابك" ، استرجاع الهوية العراقية وتجاوز الهويات الفرعية، بلاغة العبارة والاختصار في التعبير (اقالة رئيس الوزراء واستبداله بآخر عبارة عن تبديل راس الباتري.. احنه طلابتنه بالمحرّك- لافته)، التحرر من الاسترقاق الديني، تحطيم صورة المقدس البشري، الحس الوطني الجمعي لجميع الاعمار وحسن المعاشرة، الايثار، التضحية بالروح من اجل الحقوق، النظافة الاخلاقية اذ لم تحصل حالة تحرش كما حصلت بساحات تحرير في عواصم عربية اخرى، قتل الطائفية.. "كان الشباب ينامون ببطانية واحدة ولا يعرف اي منهم من اي مذهب او عرق اودين "، العناد، اصرار المتظاهر على العودة لساحة التحرير بعد معالجته بالمستشفى، وحدة اهداف بعيدا عن دين مذهب عرق عشيرة، استعداد نفسي لمعاناة من اجل قضية وطن.. والتحرر من عقدة الخوف من السلطة الحاكمة.

وتوثيقا للغيرة العراقية والكرم ودليلا على حب الناس للمتظاهرين ونقمة الشعب على الحكّام الفاسدين، شهدت ساحة التحرير: (تريلة ببسي واخرى ماء شرب، وبالة بطانيات، وامهات يوزعن لفات وخبز العباس، وشيش كص عملاق، وفتيات اتين بالتنور الى ساحة التحرير يخبزن للمتظاهرين، وقزانات تمن باجله برياني وفاصوليا وقيمة وكبه مدعبله وشوربه.. وشاب متظاهر يركع امام فتاة متظاهرة لا يعرفها مقدما لها حلقة خطوبة) في مشاهد تسيل لها دموع تمتزج فيها انفعالات الفرح والألم وحب العراق!.

ثورة التك تك

شهدت تظاهرات تشرين حالة غير مسبوقة في تاريخ العراق السياسي، اطلق عليها العراقيون

(ثورة التكتك).والتكتك.. عربة بثلاث عجلات ظهرت في بغداد اولا بعد 2003 بسبب اغلاق شارع الرشيد، وظهور فئة من شباب مستلبين مسحوقين مطحونين وجدوا فيها وسيلة للحصول على قوتهم اليومي.

وحدث أن القوات الامنية اطلقت الرصاص الحي على المتظاهرين، فانتخى اصحاب التكتك ونقلوا المصابين مجانا الى المستشفيات، وقاموا بدور بطولي في اسناد المتظاهرين وتعرّض عدد منهم الى الاستشهاد والاصابات واحتراق عرباتهم.. اليكم بعض المواقف:

- قامت فتاة عراقية بنزع قلادتها الذهبية واعطتها لصاحب تكتك احترقت عربته وهي تبكي.

- تبرع المتظاهرون، بوقت وجيز، لصاحب تكتك احترقت عربته بما يعادل اربعة اضعاف سعرها.

- وصفت صحفية ما شاهدته: (وجدت الفقير التقي النقي المكتفي بقناعته لحب الوطن فاض كرمه بعمله المجاني لانقاذ المصابين، وجاد بنفسه من اجل حياة الغير).

- فتيات اخذن يهزجن بساحة التحرير: (لو صاحب تكتك لوما اتزوج!).

وبها صار اصحاب التكتك (ايقونة الشخصية العراقية في تشرين)، وأن (الذين جاءوا بالهمرات سنهزمهم بالتكتك).. وقد تشهد الأيام نصب هيكل تذكاري لهم بساحة التحرير كنّا دعونا اليه، او فوق المطعم التركي.. ايقونة ملجأ ثوار تشرين.. وكنّا كتبنا اصبوحة(سيأتي يوم تكون فيه اجمل زفة عرس.. بـ(التكتك)، من تفعلها لها منّي.. محبس ذهب).. وقد فعلتها جميلة رائعة في ساحة التحرير وأخرى في بابل.

نظرية عراقية

قضيت ربع قرن في تدريس مادة (الشخصية) فوجدت ان النظريات التي تؤكد على ثبات سلوك الفرد واتساقه عبر الزمن وعبر المواقف لا تنطبق عليها، وأن متابعتنا لتحولات الشخصية العراقية يقدم اضافة معرفية عراقية لعلم نفس الشخصية نصوغها بما يشبه النظرية هي :

(ان الشخصية تتغير عبر الزمن وعبر المواقف

وان للنظام السياسي الدور الرئيس في هذا التغيير).

ودليلنا، أن الاستقلال السياسي(1922) نقل المجتمع العراقي من الحالة البدوية والريفية الى الحضرية، فتحولت الشخصية العراقية الى حدّية(marginal personality)، بداخلها رواسب قيمية ريفية، وظاهرها قيم حضرية (علاقات سطحية، استهلاك مظهري، نفاق اجتماعي..) وعاشت حالة تناقض بين افكار حضرية ورواسب ريفية متخلفة، غلبت عليها الهوية العشائرية، العرقية، والمناطقية، تراجعت بتاسيس الجمهورية العراقية الأولى (1958) لتعود (الشخصية العراقية) بزمن الحكم السياسي الطائفي (2003) بقوة لممارسة ما تطبعت به من طبائع التعصب والتحيز والتطرف وعدم احترام الرأي الاخر، وغلبة التفكير الخرافي والقدري والدوغماتي(الانغلاق الفكري) في تعاملها مع مشاكلها الحياتية، والتعصب للهويات الفرعية:الطائفية، العرقية، العشائرية، والمناطقية.

وما يجمع كل انظمة الحكم(ملكية، جمهورية، عسكرية، شمولية، دكتاتورية، طائفية) انها اعتمدت الولاء للحاكم الفرد واسرته واقاربه وابناء منطقته، والغاء الرأي الاخر من اجل تحميد وتمجيد وتجميل وتعظيم صورة الحاكم على حساب الصورة الوطنية العراقية.. في مفارقة، ان الحاكم العراقي لم يستفد من اخطاء الذين سبقوه في الحكم ونهاياتهم الكارثية.

شخصية الحاكم السياسي.. مؤشرات سيكولوجية

اليكم اولا بالنص نماذج من وصف المستجيبين للسلطة:

(قتلة، انانيين، ليس لديهم انتماء للوطن ولا حب للشعب، لا يمتلكون الكرامة.. جبن خنوع تبعية مذّلة، سلطة تعتقد ان الوطن ملك صرف لهم، تعبث تقتل وتغض البصر عمن يقتل ويعتدي بقسوة حتى على الفتيات، يقتلون جياعا يطالبون بحياة حرة في وطنهم المستباح، حكومة خائنة للوطن والشعب، فقدانهم الثقة بانفسهم، يعتقدون ان الشعب راح يسحلهم، سلطة تعتبر نفسها ان لها الحق بقتل من يعارضها).

مؤشرا سيكولوجية:

تتحدد أهم الأسباب السيكولوجية التي اوصلت الحال الى انتفاضة تشرين بالآتي:

- ان كل الأشخاص الذين كانوا في الخارج زمن النظام الدكتاتوري، واستلموا السلطة(سلّمت لهم) بعد(2003)، اعتبروا أنفسهم (ضحية).. ومن سيكولوجيا الضحية هذه نشأ لديهم الشعور بـ(الأحقية) في الأستفراد بالسلطة والثروة، معتبرين ملايين العراقيين في الداخل اما موالين لنظام الطاغية أو خانعين.. وأنهم، بنظرهم، لا مشروعية لهم بحقوق المواطنة.

- شعورهم بـ(الأحقية) دفعهم الى اعتبار العراق ملكا لهم.. فتقاسموه واستفردوا بالثروة وعاشوا برفاهية على حساب سبعة ملايين اوصلوهم تحت خط الفقر.. واذلوهم.. مع ان عائدات النفط بلغت تريليون دولارا(الف مليار دولارا)! تكفي لبناء دولة خرجت من حرب كارثية.

- نجم عن هذه التفاعلات السيكولوجية (تضخم أنا) و(غطرسة) اسهمت في تحويل الحاكم السياسي الى مستبد.. ومنها تولدت لدى حكّام السلطة وقادة احزاب الاسلام السياسي قناعة بأنهم استعبدوا الناس روحيا، وانهم في حوارهم الداخلي يقولون لهم:تتظاهرون ضدنا، ترفوضننا، تشتموننا، تتهموننا بأننا نتحدث بالعدل ونحكمكم بالظلم، ونتباهى بالأمانة ونمارس الخيانة.. فانكم ستبقون تنتخبوننا لأننا سادتكم وقدركم المحتوم ولا ارادة لكم حتى لو سقناكم الى جهنم، ولا تملكون من وسائل الهرب سوى انكم تغادرون حزبنا هذا الى حزبنا الآخر!.

صراع الأجيال

ان استفراد حكّام الخضراء بالثروة، وتقاسم مؤسسات الدولة بين احزاب الاسلام السياسي ورؤساء الكتل والفصائل المسلحة، وتحويلهم العراق الى بلد طارد للابداع والكفاءات، نجم عنه شعور الملايين بالحرمان من حقهم المشروع بالوطن.. ووصولهم الى الانفجار بحتمية سيكولوجية – اجتماعية ناجمة عن فجوة فكرية وهوة عميقة بين جيل الحكّام وجيل الشباب.. بين عقل سياسي مأزوم، منغلق، مسكون بالماضي يعتبر تحشيد الشباب بمسيرات لطم ونواح.. انجازا يتباهون به!، وبين عقل شبابي منفتح، متطلع الى المستقبل.. وانهما بهذا الحال.. جبلان لا يلتقيان!

ويبقى التساؤل الأهم: كيف حصل هذا:من الاستسلام الى انتفاضة اسطورية؟!

التحليل في حلقة خاصة

*

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

ميثم الجنابيفي زمن الانقلابات الحادة والصراعات المريرة التي تتقاذفها مختلف نوازع الهموم الاجتماعية والسياسية وتغلغل الأوهام والخرافات يصبح من الصعب بالنسبة للجمهور إدراك الغاية الضرورية من وراء الصراع، وأساليبه النافعة وتنقيتها الذاتية لكي لا يكون مطية لكل عابر طريق. وهي الحالة التي يواجهها العراق حاليا، بعد أن أدت تجربة ما يقارب العقدين من الزمن إلى انغلاق آفاق التجربة السياسية ما بعد الدكتاتورية الصدامية.

لقد سعت القوى جميعا، كل بمقدار ما فيه من استعداد وطاقة لبناء الدولة الجديدة، بعد انهيار نماذجها السابقة، أو ما اسميته بالجمهورية الرابعة. غير أن تجربة ما يقارب عقدين من الزمان كشفت عن أن الخراب والدمار الهائل في بنية الوجود الاجتماعي والوطني والثقافي والسياسي هو خراب بنيوي شامل. أما القوى السياسية التي صعدت إلى السلطة بأثر الاحتلال الأمريكي، فإنها كشفت عن جهلها الفظيع في احترف المهنة السياسية، وشبه انعدام للفكرة الوطنية والاجتماعية، بمعنى طابعها التقليدي أو الحزبي أو الجهوي أو الفئوي أو الطائفي أو العرقي أو العائلي. بمعنى غياب القوة الاجتماعية السياسية الوطنية (العراقية). إنها كشفت عن أن "النخبة السياسية" هي نخبة أمية بالمعنى الاجتماعي والمهني والوطني. من هنا تحول "انحرافها" الأخلاقي إلى الأسلوب الوحيد للبقاء في السلطة بعد جلاء فشلها السياسي في إرساء أسس الدولة العصرية.

غير أن هذه الأسلوب لا آفاق له. فالغباء والحماقة ليست أسلوبا لحل إشكاليات الوجود. أما الانحراف الأخلاقي (من فساد مريع لا مثيل له في تاريخ العراقي منذ زمن جلجامش!!) فإن مخرجه في العراق هو الموت الوجودي والسياسي والأخلاقي. فقد قتل العراقيون بصورة لا تخلو من البشاعة والعنف الدموي رجال المرحلة الملكية، بينما يبدو أحدهم على خلفية النخبة السياسية الحالية اشبه بملاك! وهذهإحدى المفارقات التي لا يحلها حتى المنطق نفسه.

ومع ذلك، لا حلول بلا منطق. وهو امر جلي يقوم في مهمة تأسيس البدائل الواقعية والعقلانية والمستقبلية التي تلغي زمن الراديكالية التي جاءت بكل هذه الحثالة التي "تتسيد" في مستنقع الأوهام والخرافة والسرقة! بمعنى العمل على جعل الثورة إصلاحا والإصلاح ثورة. فهو الطريق الوحيد الآن لإلغاء الراديكالية التي لا تأتي إلا بالسخيف الوضيع، لأنها وسيلة وأسلوب أولئك الذين يفتقدون لأبسط مقومات الاحتراف. فالدولة هي الكائن الأشد تعقيدا بالنسبة للبناء والتطور. بمعنى إنها الكيان الحي الذي يحتاج دوما إلى طاقم الاحتراف الأكثر رقيا في كل مؤسساته ومفاصله.

بمعنى، إننا بحاجة إلى تجاوز هذه المرحلة الانتقالية المعقدة والخربة بالشكل الذي يحفظ للعراق كينونته الفعلية وآفاقه المستقبلية، تماما كما كان منذ جلجامش مرورا بتكوينه للكينونة العربية الثقافية وانتهاء بالرجوع إلى النفس بمعايير العقل والوجدان والرؤية الواقعية والمستقبلية.

إن العراق مليء بالمشاكل، بل كله مشكلة. وهو بمعايير الرؤية الأدبية والوجدانية بلد الإشكاليات والمشاكل منذ القدم. ونحن العراقيون نحب دوما الرجوع إلى ملحمة أو أسطورة جلجامش باعتبارها بداية الأسئلة الأبدية الباحثة عن معنى الوجود والخلود. مع إنها ليست البداية. فالتاريخ الكبير يحب فكرة التأسيس وليس البداية. من هنا الرغبة الدائمة بالبحث في الأزل أو القدر عن بداية هي الصيغة المثلى أو الوهمية لما نرغب في البحث عنه.

إن التاريخ العظيم هو الوحيد القادر على صنع أساطيره، وما عدا ذلك مجرد خرافات. وليس مصادفة أن نعثر في تاريخ العراق على تجسيد لهذه الفكرة بحيث نعثر في كل عراقي على إسطورة وخرافة بوصفهما اتجاهان متلازمان للصعود والهبوط أو الارتقاء والانحطاط. وهي مباحث لن تهدأ بل تقض مضاجع العقل والوجدان. والسؤال الذي عادة ما يبرز زمن الإشكالات المحتدمة هو على ماذا وعمن يبحث العراقي منذ القدم؟ انه يبحث عن نفسه دون شك. ولكن ماذا تعني النفس العراقية أو  الأنا العراقية وما هي ماهيتها وحدها وحقيقتها؟ فقد جرى وصفوهم بأهل الأهواء، أي أولئك المولعين بالعقائد والتمسك بها والميل معها أينما سارت بها الروح أو البدن أو العقل أو جميعهم. وهذه فضيلة كبرى. لكن للفضائل حدودها. وحالما تفقد هذه الحدود فإنها تتحول الى رذيلة. فالمشي فضيلة، ولكن عندما تمشى بلا توقف ولا حدود ولا معنى ولا غاية فانه يصبح أما ضرب من الجنون أو دعابة الخرافة، أو تسكع سخيف. من هنا قيمة الحدود. إنها تتمثل في القانون والقيم وقواعد الأدب والسلوك، باختصار في كل ما هو ضروري للوجود بوصفه وجودا انسانيا واجتماعيا. والخروج عليها يؤدي، كما في الطبيعة، إلى فيضان الأنهار وعواصف الأتربة وجفاف السهول والسيول المخربة. من هنا أهمية الحدود بالنسبة للحياة الاجتماعية والسياسية. وإدراك هذه الحدود والعمل ضمنها هي المقدمة الجوهرية لكل إصلاح ورقي دائم أو تطور مستديم. ولا يمكن بلوغ ذلك دون تذليل زمن الراديكالية وأوهامها "المقدسة".

أما في الواقع، فإنه لا مقدس غير إلغاء "المقدس"، ومن ثم العمل بمعايير التاريخ الواقعي والفعلي والرؤية المستقبلية. وبدون ذلك يصبح الأمر مجرد استمرار لزمن بلا تاريخ. وسرّ أو سبب هذه الظاهرة يقوم في هيمنة وسيادة وحاكمية الفكرة الراديكالية. وخطورة هذه الظاهرة في العراق، و بالاخص في ظروفه الحالية، هو أن الراديكالية فيه ليست فكرة نظرية بل نفسية أو ابديبولوجية شعبوية بأفضل الأحوال. وكلاهما تخلف وانحطاط وخرافة. من هنا "القيادات" و"لزعماء" الجهلة وأنصاف المتعلمين و"ابناء الشوارع" و"السوقية" وما شابه ذلك. وينطبق هذا على الجميع. فقد كان قادة الحزب الشيوعي جهله وأميون واغلبهم حصيلته محو أمية ومدرسة ابتدائية. وصدام حسين كذلك. وقادة البعث المتأخرين أيضا. والآن "دكتوراه بحب الحسين" ومقتدى الصدر والحكيم، صغار بلا صدور ولا حكمة، وبرازاني لم يكمل المدرسة الابتدائية "مفكر القومية الكردية وقائدها"، وسابقا كان أبناء الشوارع والآن أبناء عوائل "مقدسة" لا قدسية فيها، وأغوات جبلية أي استبدال لرذيلة بأخرى اكثر حشمة! والبقية من نفس الطراز، كل واحد منهم مطرز أما بالجهل أو بالخداع والرياء. أما "خلفاء وأمراء" اهل السنّة والجماعة فهم مجرد لصوص وقتلة ومجرمون، يعبدون التحريم والتجريم والقتل وقطع الرقاب وتفجير الأبرياء واغتصاب النساء. وعموما انهم منهمكون بشهوة الفرجين! ومن الممكن العثور على انعكاس هذه النفسية والذهنية بدون وعي في علَمهم وشعارهم: خلفية سوداء (امرأة مغطاة بحجاب أسود، وفتحة بيضاء في وسطها هي فرج الإسلام الذي ادخلوا فيه الله ومحمد، بوصفه رسولهم إلى جنة السفاح والنكاح الجهادي!

إننا نقف أمام ظاهرة سوسيولوجية أولا وقبل كل شيئ، إلا أن جذورها في الراديكالية والقوى الهامشية والحثالة الاجتماعية التي تعيش بمعايير الزمن. انه زمن بلا تاريخ، وبالتالي بلا مستقبل. لهذا نقف منذ صعود الراديكالية بعد انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958 ولحد الآن أمام خط بياني لانحطاط مريع بكافة الميادين والمستويات. الأمر الذي يشير إلى أن الراديكالية تصنع مستنقع لا يعيش فيه إلا الطحالب. وهذه حالة العراق الحالية، أي نتاج كل هذه الحقية المريرة

إن القضية الكبرى والأكثر تعقيدا بالنسبة للعراق الآن هي قضية فقدان أو ضعف التفكير العقلي والفلسفة العقلانية، وعوضا عنها أو بالضد منها سيادة وهيمنة التفكير الأيديولوجي والحزبي المسطح، أي سيادة ذهنية الرعاع والحثالة والهامشية.

سابقا كانت تسود الذهنية الدنيوية (العلمانية) بمختلف أصنافها، مع إنها كانت في العراق محصورة بين ايديولوجيات قومية مسطحة ومبتذلة، وشيوعية أكثر ابتذالا. من هنا احترابهما العنيف. فقد كان الصراع بينهما أقرب إلى صراع القبائل الهمجية. أما الآن فقد أضيف لها الذهنية والأيديولوجيات الطائفية والعرقية. بمعنى استكمال المسار الأعمى صوب مستنقع الانحطاط والتخلف.

إن هذا المسار يقفل الأفق التاريخي، أي انه يبلور معالم الطريق المسدود. مع إن هذا الطريق بلا معالم غير العمى والبلادة. وخطورة كل هذه العملية تقوم في أنها تقضي على الذهنية الحرة، والنقدية، والنزعة العقلانية، والإنسانية. أما النتيجة فهي غياب واضمحلال بل وتلاشي إمكانية الفكرة الإصلاحية. بل اعتبار الفكرة الإصلاحية خطأ وخطيئة. وذلك لأن هذه الذهنية تكتفي بيقين جازم، هو الوجه العملي للإيمان البليد، والتقليدية، والعادات والأعراف باعتبارها قيما مقدسة، رغم طابعها الدنس بمقاييس العقل الحر والضمير الاجتماعي، والعلم والمعرفة الحقيقية.

من هنا مهمة نقد هذه "المقدسات" التي يمكن سماعها على ألسنة الاغبياء والأنذال ليلا ونهارا. والقضية ليس فقط في كونها أوهاما بمعايير الحقيقة والعلم والمنطق، بل ولخطورتها بالنسبة لفكرة الحق، والحرية. فالأوهام بطبيعتها الذاتية خطرة. ويمكنها أن تتخذ أشكالا عديدة دينية ودنيوية، فردية وعامة، قومية وعرقية، بل وحتى "أممية"، أو عالمية. وهذه قضية شائكة نسبيا، إلا ان ما هو جلي بالنسبة لنا أو ما ينبغي أن يكون جليا، هو أن الأوهام لا تصنع غير السراب. أما الركض وراءه فلا يوصلك إلى غاية غير التعب والإنهاك أو الهلاك بلا معنى!

وحالما ننظر إلى واقع العراق الحالي وسلوك الخواص والعوام، أو النخب والجمهور في مجرى الصراع الدامي، الذي ينبغي للمثقف ان يقف فيه من حيث الجوهر الى جانب الجمهور، فإننا نقف أمام حالة تختفي معها اشد المفاهيم والقيم جلاء، كما لو أننا نقف أمام الفكرة التي بلورتها الفلسفة الإسلامية القائلة، بأن سبب خفاء الله هو لشدة ظهوره. وهي الحالة التي "يحققها" العراق ونخبه السياسية، بحيث يصعب رؤية الانحطاط فيه لشدة انتشاره وظهوره في كل شيئ. وفي هذا تكمن مرارة المرحلة وضرورتها في الوقت نفسه. بمعنى أن العراق والعراقيين ينبغي أن يمروا بطريق الآلام لكي يكون بإمكانهما التفريق بين دفئ النار وحريقها.

فالنخب السياسية والأحزاب لم تتوصل بعد إلى إدراك الحقيقة القائلة، بأن العمل من اجل المصالح الكبرى والعامة هو أيضا الضمانة الكبرى والأقوى للمصالح الخاصة والجزئية. بينما مضمون السياسة عند الأحزاب والنخب هو العيش بمعايير الغريزة والجسد. وليس مصادفة حالما نتأمل تاريخ العراق العام والخاص في مجرى صيرورته الحديثة في القرن العشرين، فإننا نقف أمام انقلابين حادين فيه. الأول وهو سقوطه في بداية القرن العشرين تحت السيطرة البريطانية، والثاني سقوطه تحت السيطرة الأمريكية في بداية القرن الحادي والعشرين. ذلك يعني إننا نقف أمام تكرار السقوط كل مائة عام. بمعنى أن تاريخه بلا تاريخ، بل مجرد زمن، أي بلا تراكم ولا حكمة.

وإذا كان سقوطه الأول نتاجا طبيعيا لغياب الفكرة الوطنية المستقلة بسبب جزئية وجوده في السلطنة العثمانية، فإن سقوطه الأخير كان النتيجة المترتبة على فقدان الفكرة الوطنية العامة بسبب الطائفية السياسية، أي القوى الجزئية التي حوّلت العراق إلى جزء من مصالحها الضيقة. وبالتالي، لم يكن "تحريره" من السيطرة التركية ووقوعه تحت "الانتداب" البريطاني في بداية القرن العشرين، ثم "تحريره" من السيطرة الصدامية ووقوعه تحت الاحتلال الأمريكي في بداية القرن الحادي والعشرين، سوى التكرار الفج للحقيقة القائلة، بأن ما حدث آنذاك وما يحدث الآن هو "استعداد لما فينا"، ومن ثم "فما اثّر فينا غيرنا". وهو استعداد محكوم بغياب الفكرة الوطنية العامة، أي بغياب مرجعياته الذاتية الكبرى.

إن غياب هذه المرجعيات يصنع الوسط أو البيئة المناسبة لزراعة الأوهام بمختلف أشكالها عن الإنسان والمجتمع والدولة والسلطة والنظام السياسي والقيم، أي كل ما يجعل المرء فريسة لكل الأوهام. والأوهام لا تصنع غير أوهام. وهو سراب مميت ومناسب للأغبياء والبلداء وأصحاب البطون الخربة والأفواه الجشعة. وهذه صورة لا علاقة لها من حيث الجوهر بمعنى وحقيقة الوجود الإنساني.

بينما الفكرة الوطنية هي المرجعية الضرورية الكبرى للعراق. فالفكرة الوطنية ليست شعارا بل منظومة لها جذورها أو ينبغي لجذورها أن تستمد رحيقها من ثلاثة مصادر أساسية وهي كل من

- الوعي العلمي والثقافة الانسانية والحرية (البدء بها من الروضة فالمدرسة والجامعة والحياة الاجتماعية والثقافية) من اجل تذليل التقليد والقليدية؛

- ومن تأسيس وصنع الفكرة المدنية الحديثة؛

- ومن تأسيس وتحقيق فكرة الإصلاح الدائم والعمل بمعايير المستقبل.

قبل حوالي عقد من الزمن كتبت احد اكبر وأعمق الكتب في تاريخ الفكر السياسي العراق وصدر بثلاث مجلدات كبيرة تحت عنوان عام هو (فلسفة المستقبل العراقي). وفي الجزء الثالث وعنوانه (زمن الانحطاط وتاريخ البدائل) كشفت عن نوعية وكمية الانحطاط ومظاهره في الوعي والثقافة والنخبة السياسية، والفكرة والحزبية وتقاليدها، والنظام السياسي، والفكرة الوطنية. وبالمقابل أسست للبدائل تجاه كل القضايا الكبرى للانحطاط العراقي بمختلف اشكاله ومستوياته ومظاهره.

لقد سعيت للبرهنة على أن الانحطاط ظاهرة ملموسة وتاريخية. وبالتالي، فإن الحلول ينبغي أن تكون بما يقابلها، أي ملموسة وتاريخية. فعلى سبيل المثال اذا كانت الذهنية الفردية والاجتماعية يغلب عليها الأوهام والخرافات والتسطيح والتحزب والطائفية والجهوية والفئوية وما شابه ذلك، فان ذلك يعني إن هناك أزمة بنيوية عميقة في الوعي والتربية والثقافة. وبالتالي، فإن البديل هنا هو ارساء أسس جديدة ونوعية للتربية والتعليم والثقافة من خلال تحديد نوعية البرامج التربوية والعلمية ونوعية المناهج. وقد وضعت على سبيل المثال، بصدد تأسيس فلسفة التربية والتعليم والمناهج، وبالاخص للمدرسة الإبتدائية، بوصفها مقدمة وأساس وأس الشخصية المستقبلية، فصلا خاصا في الجزء الثاني (العراق ورهان المستقبل) من كتابي (فلسفة المستقبل). بعبارة اخرى، إن البدائل ينبغي إن تكون على الدوام مستقبلية، وان تتعامل مع الحاضر بمعايير المستقبل. وعندما تستفحل الطائفية المذهبية والسياسية فمن الضروري مواجهتها بفكرة عقلانية وثقافية تنفي اسسها النظرية ومقوماتها الاجتماعية. وينطبق هذا على كافة القضايا. وهي أولا وقبل كل شيئ مهمة المثقف بشكل عام ورجل الفكر والعلم بشكل خاص. وذلك لأن مهمته تقوم في تنشيط حركة الدماء في قلوب وشرايين الوعي القومي الثقافي وليس في سكبها على أسياف المعارك الهمجية! كما أنها مهمة كل فرد. والحد الأدنى لها هو الاحتراف كل في مجاله. أما الحد الأقصى فيقوم فيما تدعوه المتصوفة ببذل الروح من اجل الحق والحقيقة.

باختصار، إن الاحباط لا يحل مشكلة، والخرافة لا تصنع تأريخا. وبالتالي، فإن الثبات في المواقف بمعايير الحق والحقيقة هو الحد الأول والضروري والدائم من اجل تجاوز المرحلة الانتقالية المرهقة وتأسيس قواعد ومبادئ الثبات في الدولة ونظامها السياسي والمجتمع وثقافته. وفي المرحلة الحالية بعد مرور عقدين من الزمن تبرز مهمة تثبيت الدولة وإصلاح النظام السياسي من خلال

- الغاء دستور الاحتلال وإعادة كتابته بطريقة تأخذ تجربة العراق على امتداد القرن من نشوئه السياسي الجديد، وتجارب الدول الناجحة، دستور مهني محترف لا دخل في صياغته للأحزاب والأقليات والطوائف وما شابه ذلك.

- أما المهمة الثانية الكبرى فتقوم في جعل النظام الرئاسي بديلا، على الأقل لمدة ثلاثة عقود من الزمن.

- تغير قانون الانتخابات بالطريقة الذي يجعله اجتماعيا ووطنيا،

- تغيير قانون الأحزاب والذي يشترط فيها ابعادها الاجتماعية والوطنية فقط، بمعنى تحريم هوياتها الطائفية والجهوية والقومية الضيقة والعرقية.

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

مجدي ابراهيمنحن بحاجة شديدة إلى تربية الشعور الديني في مجتمعاتنا العربية والإسلامية تربية جادة تكون لدى الكبار والصغار من طريق الأسوة الحسنة لا من طريق التقليد، مع التنازل التام عن كل أنواع التعصب المذهبي والطائفي بكافة أطيافه وبخاصة في مؤسساتنا التعليمة، الدنيا منها والعليا، المدارس والمعاهد والجامعات. ولكن هذه التربية التي نريدها ليست إلا نوع من تحقيق الوعي بثقافتنا الفكرية والروحيّة بالأساس، وبغير وجود هذه الثقافة ثم التربية القائمة عليها والمؤسسة في رحابها لن تقوم للمسلم، فضلاً عن العربي، قائمة. وسيظل الإرهاب الأسود ينخر في بنيان مجتمعاتنا كما السوس ويأكل من قيمها المرجعية الأصيلة إنْ لم يقض عليها تماماً أو يكاد كما يقضي على كل حياة طيبة مستقرة فيها.

الشعورُ موردٌ من موارد العاطفة بلا مراء، ولا معنى للدين بغير العاطفة؛ إذ ْكيف يتصل العبد بخالقه وهو مُجَرَّد عن العواطف النبيلة الدافعة إلى الاتصال بالله؟ والعاطفة خاصَّة قلبية لطيفة هى مستودع الأسرار الإلهية، وللقلب طاقة نورانية نافذة إلى ملكوت السموات لا تتغذى إلا بهذا الرافد الشعوري الذي يتصل بالعاطفة فتتصل العاطفة بالقلب، فيتصل القلب بالنور الساري في أجزاء الكون كله: تفاصيله وذرَّاته وممكناته.. ولله في خلقه شئون !

وللدين في قلوب المؤمنين سلطات عجيب يتنامى في شعور الشاعرين بوجود الله ويزداد ليرتفع إلى أسمى آيات الإيمان: هو سلطان الإيمان يقوى في الضمائر ويعلو ويشتد كلما قوت روحه وعلت واشتدت إلى حيث الاتصال بالله من طريق الحب لا من طريق المعرفة النظرية. والطريقان قد يجتمعان ولكنهما لا يستويان لا في الدرجة ولا في النوع ولا في طريق الوصول؛ لأن طريق المعرفة النظرية برهانٌ عقليٌ وكفى، هو إلى الجفاف والصلابة أقرب منه إلى شاعرية الوجدان ومعاناة التجربة الشعورية الفياضة بمعايشة الإيمان؛ فمثل هذا "الإيمان" الدافق الفعال في قلوب المؤمنين لا يسعه البرهان العقلي ولا تحتويه مساحة الأدلة النظرية، ولكن مساحته التي تسعه هى "قلب المؤمن" الذي يرى الأشياء بنور الله ويشعر شعوراً قوياً أن الله معه في كل حال، وأن الحبَّ أسمى وأقوى وأشدُّ فاعلية من جميع البراهين النظرية.

وفقدان الحب: نكوص وتردي وانفصال عن أصله، وعن المصدر الذي صدر عنه، وأغلب الظن أن الله تعالى عرف بالحب لا بالعقل..! لأن العقل في الغالب معزول عن المعرفة الإلهية: أنت تبحث بالعقل المشكلات اليومية والمبادئ المفروضة، وبالعقل تَسْتَنُّ الحجج المنطقية لتجادل بها من تود مجادلته لتقنعه بشيء ما يفرضه هواك؛ ثم تتلذذ بانتصارك عليه وإفحامك له وتنتشي فرحاً كلما فزت بالعقل على خصمك فتثني على العقل؛ لا لأنه عقلك عن صفات مرذولة كنت ستقع فيها وأنت تدري أو لا تدري، ولكن لأنه أعانك على نصرة هواك، فما دخل معرفة الله ها هنا بالعقل؟ وأي عقل تلك أوصافه له تحصيلٌ بمعرفة الله؟

يُعرَفُ الله - تعالى الله عن المعرفة - بالله لا بالعقل. أمّا العقل فهو من العجز بحيث لا يَدل إلا على عاجز مثله.. العقل عاجز عن أن يعرف نفسه، وإلا فما وقع الخلاف البادي بين المتحاورين والمتجادلين من أجل نصرة هواهم على سواهم، بل لو كانت هناك معرفة يتوصّل إليها العقل في ذاته ما صَحَّ أن يكون ها هنا خلاف ولا نزاع ولا شقاق يؤدي بالضرورة إلى ذهاب الريح.

أفئن دَلَّ ذلك على شيء؛ فمدلوله الأقوى أن "الوحدة العقلية" مفقودةٌ أو تكاد بين الناس؛ فكيف يَتأتىَّ لي الزعم بعد ذلك أن تكون هى هى المقياس الصالح لمعرفة الله؟ إنما المقياس الصالح لمعرفة الله هو "الحب"؛ فالله بالحب لا بالعقل عرفوه. ولو لم تكن هناك موهبة إلهية تمكن الموهوبين بقدرة المعرفة بالله عن طريق المحبة ما جَاز أن يكون الله معروفاً بغير هذه الوصلة الروحية والصلة الكمالية في عباده المقربين.

وليس من شك في أن هذا الطريق الأخير "طريق الحب" لهو نفسه الطريق الذي يعمق من سلطان الدين في القلوب ويعلي من شأنها - بتفعيل الدين وتثويره - ليهبها مثل هذه الدرجة الواعية: أعني تلك الوصلة الروحية التي تكشف على الحقيقة قوة الدين وأغواره الدفينة في نفوس المؤمنين.. هذه واحدة.

أمَّا الثانية؛ فمن طريق الحب تجيء التربية التي نتغيّاها روحية خالصة مستندة على دعائم المضمون الديني في الإسلام فتدفع البغي وتقضي على التعصب الطائفي والمذهبية البغيضة وتشيع في الناس لغة السلام الروحي المنشود.

لننظر إلى قول من قال: أحبابنا شتان: واف وناقضُ.. لا يستوي قط محبُ وباغضُ.." وما يستوي الأعمى ولا البصير، ولا الظلمات ولا النور، ولا الظل ولا الحرور.. وما يستوي الأحياء ولا الأموات. إنّ الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور".. "والمرء مع من أحب" كما جاء في الخبر المشهور.

ليس هناك شعورٌ قط أقوى ولا أنبل من ذلك الشعور الذي تكشف التجربة الروحية عنه الغطاء؛ ففي تلك التجربة نفسها تشعر الروح بوعيها المتسامي وذاتيتها المتعالية وحيويتها الباطنة والحاضرة دوماً في رحاب الله، تماماً كما تشعر بتحررها عن العلائق والأوهام والشواغل ومعاقرة الآفات. ومن هاهنا تكون "تربية الشعور الديني" كامنة في هذا التحرُّر: تحرر الروح من سطوات الأغيار. لكن هذه ليست كلمات تقال؛ بل طريق شاق طويل كله مكابدة وعناء في نهايته يجيء مثل هذا التحرر، لكنما البداية إنما هى فضائل كريمة تُزكي النفس وتترقي بها عروجاً في طريق الكمال:

البدايةُ جهاد.. والنهاية اتصال

أولى هذه الفضائل وأوْلاها فضيلة الجهاد الذي تتحقق فيه هداية السبيل، والجهاد عمل دائب وعبادة وتكليف ورباط. الجهادُ هو الذي يخلق للإنسان قوة تمهد لسلطان الإيمان أن يستقر في قلب المجاهد فتمنع عنه خواطر التعطيل والانحراف؛ ليتفجر من المجاهدة نور يهدي به الله إلى سبيله.. لاحظ قوله تعالى:"والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا " (العنكبوت: آية 69)، أي الذين يعملون (والعمل جهاد) بما يعملون، يوفقهم الله ويهديهم إلى ما لا يعلمون حتى يكونوا علماء حُلماء، وتلك هى "علوم المعارف" التي هى مواريث أعمال القلوب.

قال بعض السلف نزلت هذه الآية في المتعبدين المنقطعين إلى الله سبحانه وتعالى، المستوحشين من الناس، فيسوق الله تعالى إليهم من ذوات نفوسهم من يعلمهم أو يلهمهم التوفيق والعصمة، وإليه الإشارة بقوله تعالى:"ومن يتق الله يجعل له مخرجاً"؛ قيل مخرجاً من كل أمر ضاق على الناس ويرزقه من حيث لا يحتسب: أي يعلمه علماً بغير تعليم ويفطنه بغير تجربة أي بالشاهد الصحيح والحق الصريح.

وكلما تقدَّمت فاعلية الجهادُ مثل هذا الحب العلوي الذي يستشعره قلب العبد المؤمن مأخوذاً من عين الإتباع لسيد الخلق - صلوات ربي وسلامه عليه - في قوله تعالى:" قل إنْ كنتم تحبون الله فأتبعوني يحببكم الله"؛ صار بالتحقيق فضيلة ماضية لا صعوبة فيها ولا مشقة، وصارت التربية الروحية على هذا النهج النبوي الكريم هى النموذج الذي ينتهجه الصالحون العابدون العارفون لله من طريق المحبة. وأول درجات التربية للشعور الديني تكمن في سد ذريعة عناء الخواطر: بحذف الخواطر الرديئة، والنهوض بالجملة للتحقق من خواطر اليقين الإيماني مع العصمة الدائمة بالرقابة الإلهية على العمل، وعلى الفعل، وعلى التصريف؛ فيما يفعل العبد وفيما يقول. وهذا لا يتمّ بغير جهاد ومكابدة. وفي الأثر أن كل قلب أجتمع فيه ثلاثة معان لم تفارقه خواطر اليقين، ولكن يضعف الخاطر ويخفي لضعف المعاني ودقتها، ويقوى اليقين ويظهر؛ لأن هذه الثلاثة مكان اليقين في القلب، بها جميعاً يقوم فيه سلطان الإيمان ناهضاً غير خذلان.

تتمثل تلك المعاني الثلاثة في "الإيمان"، "والعلم"، "والعقل"؛ فإذا لم يكن القلب يخلو منها صار مخصوصاً بصفة أهل الإيقان أولئك:"الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب"؛ هؤلاء هم المخصوصون بتجليات السكينة القلبية التي أنزلها الله تباركت عطاياه في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم. ولمّا كان القلب موطن الإيمان لا ريب فهو خزانة من خزائن الملكوت؛ فقد وجب أن يكون محفوظاً على الدوام بنور الإيمان إذا كان الدينُ الواصب شرعته ومنهاجه وفيض أسراره ومنازل أنواره.

كتب عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - إلى أمراء الأجناد:"احفظوا ما تسمعون من المتعظين، فإنهم ينجلي لهم أمور صادقة". وكان أبو الدرداء يقول:"المؤمن ينظر إلى الغيب من ستر رقيق، والله أنه للحق يقذفه الله تعالى في قلوبهم ويجريه على ألسنتهم". وقال بعض العلماء:"ظن المؤمن كهانة"؛ أي كأنه سحر من نفاذه وصحة وقوعه، وقال أحدهم:"يد الله تعالى على أفواه الحكماء لا ينطقون إلا بما هيأ الله عز وجل لهم من الحق". وأثر عن بعضهم أنه قال:" لو شئت لقلت إن الله يطلع الخاشعين على بعض سره"؛ فمن حق مَنْ شاء أن يستغرب مثل هذه الأقوال، وأن يستهجن قائليها، ولكنه لن يكون قد تربى سلفاً على الشعور الديني العميق، فما هو في الأصل إلا نور الحكمة يترائى لهم بمقدار ما ينكشف الحق لمثل هذه القلوب المؤمنة العاقلة عن الله حكمته، كما جاء في تفسير قوله تعالى:"يؤتي الحكمة من يشاء"ً، قيل الفهم في كتاب الله.

وقد قيل في قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً "؛ إنه "النور"؛ تفَرقون به بين الشبهات، و"اليقين" تفْرقون به المشكلات، ومن أصدق من الله قيلاً:"واتقوا الله ويعلمكم الله". فكما يكون للإيمان يقين تكون للتقوى أنوار.

وفي ملكوت القرآن ذكرى لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد. ومن أجل تربية وجدانية نابضة بالحياة الروحية قال أهل البصائر الذين حفظوا قلوبهم بنور الإيمان الثابت الدائم الواصب المترقي بالزيادة إلى عين اليقين، قالوا: إنّ أول ما يَرد على القلب الخواطر؛ وهو حديث النفس ثم الميل، وهو ميل الطبع إلى العمل، ثم الاعتقاد؛ ثم حكم القلب، وهو الحركة الباطنة بأن ينبغي على الفعل أن يفعل، ثم العزم، وهو عزم الإنسان أخيراً على الفعل في تصميم؛ فهذه كما ترى سلسلة أخلاقية تربوية، من مراقبة الإدراك، تبدأ بالخاطر الوارد على القلب، وتنتهي بالفعل (أي العمل) وترتد في البداية والنهاية إلى فضيلة الجهاد وإلى شرف المجاهدة. ولما كانت الخواطر هى المحركات للإرادات؛ فإن النية والعزم والإرادة إنما تكون بعد خطور المنويِّ بالبال لا محالة.

فبداية الأفعال الإنسانية على هذا إنما تكون في الخواطر؛ فأنت لا تفعل الفعل بحركة آلية تلقائية كما لو كنت آلة، ولا تفعله بحكم الغريزة كما لو كنت حيواناً، ولكن تفعله بخاطر يَرد على قلبك يحرك البواعث، والبواعث تحرك الرغبة، والرغبة تحرك العزم، والنية تحرك الأعضاء، وهكذا تجد الخواطر تحرك الرغبة ضرورة وتدفعها إلى الفعل؛ إنْ كانت تدعو إلى الخير وهو مما ينفع في الآخرة ؛ فإنها تسمى "إلهاماً"، وإنْ كانت تدعو إلى الشر، وهو ما يضرُّ في الآخرة فإنها تسمى "وسواساً". وإنما تأتي التربية للشعور الديني دُرْبة على معرفة الخواطر والتفرقة بينها، واستعداد المرء على أن يعمل بمقتضى الصحيح الخيِّر منها ويترك وراءه ما عداه. وعليه؛ فليس أجهل ممَّن يُنحي الإرادة جانباً فلا يجعلها شرطاً في التربية بمقدار ما هى بديهة الإجراء نحو سلوك العرفان.

وخاطر الخير سببه الملك.. وخاطر الشر سببه الشيطان؛ كما قال أبو مسعود رضى الله عنه:" وقد روينا من طريق مسند في القلب لمَّتان: لمَّة من الملك إيعادُ بالخير وتصديقُ بالحق.. ولمَّة الشيطان إيعادُ بالشر وتكذيبُ بالحق..".

ومن صدق العزائم في توجُّهات القلوب المستنيرة بنور الإيمان أن يُرَبِّي العبد كل ما يرد عليه من خير الخواطر، يزكيها لتكون "فعلاً" يجزى عليه ويثاب أحْسَن المثوبة وأفضل الجزاء، وأن يحفظ قلبه بسياج التقوى إذا ما وَرَدَ عليه خاطر الشر: يقلعه ويقمعه قبل أن يصير إرادة تنهض بالفعل على التحقيق. وبماذا يتمُّ حذف الخواطر الشريرة؟ بالاستعاذة بالله تعالى من نزغات الشيطان كما في قوله جل ذكره:"وإمَّا ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله، إنه هو السَّميع العليم".

وإذا تقوى في القلب نور الإيمان، قوت تباعاً نافذة البصيرة المانعة عن النزغ والتلبيس.. تأمل قوله تعالى:" إنَّ الذين اتقوا إذا مسَّهم طائفُ من الشيطان تذكروا فإذا هم مُبصرون"؛ تجد هذه البصيرة خطفة من عبقرية مُبصرة ناتجة عن التذكرة، هى لمحة فريدة من الإدراك العلوي، والتذكرة حركة قلبية تتولد عن فعل التقوى: أعني النور الإيماني الصادق في الترقية اليقينية المحفوظة داخل تلك اللطيفة المشار إليها بالقلب.

من ذلك ترى؛ في كل هذا فعالية الجهاد حركة باطنة معمولاً بها كل العمل، لا تعطل لحظة واحدة من لحظاتها الشريفة، إنْ في الشعور الباطن وإنْ في العمل والإجراء. إنها لتمْضِي عملها وتحقق طريقها في اللحظة الخاطفة والخاطر اللمَّاح، وذلك لأنها فعالية (= المجاهدة) تتحكم في أدق الدقائق لعمل النفس الباطني. وإذا تحكّم فيها المرء ترفعه ولا تخفضه، وإنها لقدرة لا تتهيأ لأحد إلا لأولئك الذين اكتسبوها بالنظام المقرَّر في طريقهم، وبالأركان التي وضعوها قوائم لهذا الطريق؛ فعاليةً للجهاد وتمريناً للعبد وتدريباً لنفسه وتهيئةً له للاتصال بالحقيقة الإلهية؛ فضلاً عن كونه يحقق أكبر طاقات الطمأنينة القلبية والسلام النفسي ويجلب السعادة الداخلية التي يعز وجودها ويندر فيمن أرادوا أن يعطلوا في نفوسهم وقواهم مثل هذه الفعالية الجهادية.

ولك - إنْ شئت - أن تتصوَّر أنه كلما مرَّت "اللحظة" خاطراً ولم تتدارك ولم تضمحل صارت شهوة. وإذا لم تتدارك الشهوة صارت طلباً، وإذا لم يتدارك الطلب صار عملاً فعلياً مُحققاً في الواقع الفعلي. وسلطان الإيمان زاجرٌ لكل هذا وفوق هذا، إذا ما كان علو كل قلب على قدر إيمانه؛ لأن الإيمان في هذه الحالة هو هو "البصيرة القلبية" ذات القوة المانعة عن شرور الخواطر من جهة، ثم هو هو القوة الدافعة من جهة أخرى إلى خير الخواطر وتزكيتها بفضل من الله.

من شأن التربية الروحيّة إذا هى كانت ماضية على طريق التبصر الذوقي ترقيةً إلى حسن المعاملة، أسفرت عن رُقي المرء لإدراكه لوحدة القصد، وأهملت في المقابل كل جوانب الضعف في الشخصية الإيمانية سواء كان هذا الضعف من طريق العنف والتعصب أو عن طريق والتطرف والإرهاب، واكتفت بالبقاء على حسن المعاملة: غاية الدين وهدفه من الناس في دنياهم ومعاشهم؛ فإنّ الدين في الأصل هو المعاملة. ومن أقوال الشيخ الأكبر: عامل كلّ من تصحبه أو يصحبك بما تعطيه رتبته؛ فعامل الله بالوفاء؛ لما عاهدته عليه من الإقرار بربوبيته عليك، وهو الصاحب بقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم). وعامل الآيات بالنظر فيها، وعامل ما تدركه الحواس بالاعتبار. وعامل الرُّسل بالاقتداء بهم. وعامل الملائكة بالطهارة والذكر. وعامل الشيطان - إذا عرفت إنه شيطان من إنس وجان - بالمخالفة. وعامل الحفظة بحسن ما تملي عليهم. وعامل من هو أكبر منك بالتوقير ومن هو أصغر منك بالرحمة. ومن هو كفؤك بالتجاوز والإنصاف والإيثار. وأن تطالب نفسك بحقه عليها وترك حقك له. وإيّاك أن تكون معنتاً، ولا متعنتاً، ولا منفراً، ولا مُعسّراً، وكن ميسراً، ومعلماً، ومبشراً (من وصايا الفتوحات المكية).

 

د. مجدي إبراهيم

 

معراج احمد الندويالحرية من أهم المفاهيم المطروحة للنقاش اليوم على المستوى الأخلاقي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وأن الدعوة إلى الحرية شيء جذاب، وتستقطب أنظار العالم على مختلف المستويات والمتحدثون عن الحرية يترددون وازدادت الحاجة إلى تبيان أفق الحرية في عصرنا الحاضر على الرغم من تطور العقل البشري، واتساع آفاق العلوم، وَوجود الأنظمة المقررة لصالح الأفراد والجماعات والشعوب في النطاق العالمي.

إن الحرية في أي بلد مهما يكن ليست مطلقة إطلاقا كليا، فلكل بلد دساتيره وقوانينه ونظمه التي تنظم حياة الناس فيه، وهذه النظم وإن كانت في ظاهرها تقييدا للحرية إلا أنها في حقيقتها إنما هي آليات لحماية الحرية وللحفاظ عليها من الفوضى حتى لا يعبث الأفراد بمصالح الجماعة بحجة أنهم يمارسون حرياتهم أو تعتدي الجماعة على الأفراد وتسلبهم حريتهم.

الحرية من أهم القيم الإسلامية لأنها فطرة الله التي فطر الناس عليها، ويتميز الإنسان بها على سائر الكائنات الحية الأخرى، ولا تتحقق إرادته إلا في جو من الحرية الكاملة الواعية التي لا تخل بمبادئ المجتمع العامة كما لا تعتدي على حريات الآخرين. فقد حرر الإسلام الإنسان من العبودية للعباد ومن العبودية لهواه والارتكاس في حمأة الشهوات، كما حرر عقله من الخرافات والأوهام والتقاليد والأوضاع الفاسدة ومن السلطان الزائف. ودعاه إلى التعقل والتفكر والنظر الحر والتدبر.

الحرية  في الإسلام فهي التحرر من الإكراه والضغط والأسر والظلم، وهذا المبدأ يمنح الإنسان الحق في التفكير واتخاذ ما يراه واختيار ما يناسب رغباته المشروعة مع الالتزام وتحمل المسؤولية، إذن الحرية هي قدرة الإنسان على التصرف بمحض إرادته اختيارًا بين البدائل والممكنات لتحقيق إنسانيته في ظل التوجيهات الإلهية التي نزلت لتنظيم الحرية حتى لا تنقلب إلى فوضى وظلم واعتداء على الحرمات وحقوق الآخرين باسم الحرية. إن الحرية لا تؤتي ثمارها إلا في ظلال الممارسة الصحيحة لها بما لا يتعارض مع الدين والأخلاق وقوانين الدولة وحقوق الآخرين وحرياتهم.

جاء الإسلام لتحرير النّاس من أغلال الجاهليّة وضلالاتها، لم يعرف لها العالم مثيلًا في عدالتها وسموّها ورقيّها حتّى صارت مبادىء الإسلام مضربًا للأمثال ونموذجًا يحتذى به. عبّر الصّحابي الجليل ربعيّ بن عامر رضي الله عنه بكلماتٍ بليغة عن أهداف هذه الرّسالة حينما قال لكسرى بعثنا الله لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة ربّ العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. فالإسلام هو أوّل من أقرّ بحرّية الإنسان الكاملة.

إن النفس الإنسانية في الإسلام تتمتع بحرية الإرادة والقدرة والمشيئة. وقد اهتم الإسلام بتحرير الذات الإنسانية كما اهتم الإسلام بتحرير الإنسان من الصراع بين النفس والعقل ودعا في آياته إلى التمسك بالعقل واجتناب الهوى. لقد تحدث الإسلام عن الحرية ونظمها من القدم بميزان العدل. ومن العدل أن تكون للإنسان حرية كما أن الحرية لا تكتمل إلا بالعدل.

إن هناك ثلاثة أنواع يشملها مفهوم الحرية في الإسلام:

- الحرية الشخصية: تعتبر الحرية الشخصيّة مطلباً فطرياً طبيعيّاً من مطالب الإنسان، والتي خلقه الله عزّ وجل وفطره عليها، فحاجتُه لها عندما يفتقدُها تفوقُ حاجتَه للطعام والشراب، وقد أقرَّها الدينُ الإسلاميُّ الحنيف كحقّ مكتسب لكلّ إنسان على وجه الأرض، لقد أكّد الإسلام على حريّة الأفراد الشّخصيّة في الحياة؛ فللإنسان أن يأكل ما يريد وأن يشرب ما يريد وأن يتنعّم بما يريد ويشاء من الخيرات، وأن يبيع ويشتري ما يشاء، ما دامت تلك المُباحات لا تضرّ بالنّفس أو تؤذي النّاس. حرص الإسلام على تحرير الإنسان تحريرًا كاملًا من العبوديّة للبشر أو العبوديّة لشهوات النّفس. الحرية الفردية بكونها "حـق الإنـسان في التـصرف بناء عـلى قناعته الفردية، وعلى ما ارتآه بمحـض إرادته، ودون خوف مـن أحـد، نادى الإسلام بمبادئ الحرية الفردية وكفل المساواة. فالإسلام لا يكتفي بكفالة الفرد ماديا، بل يكفل له حقوقا مهمة أوسع منذلك، ولا يكتفي بصيانة كرامة الفرد فقط.

- الحرية الدينية: الحرية الدينية هي أن يكون للإنسان الحق في اختيار ما يؤديه إليه اجتهاده في الدين، فلا يكون لغيره حق في إكراهه على ما يعتقده بوسيلة من وسائل الإكراه، وإنما يكون له حق دعوته إليه بالإقناع بدليل العقل، وأن القرآن الكريم دعا في أكثر من موضع إلى حرية الدين وحق الإنسان في اختيار دينه. جاء الإسلام  ليكفل الحريةالدينية للإنسان، وليس للمسلمين أو المؤمنين به، بل ليحافظ على الحرية الدينة للبشرية عامة ليبقي التوازن الفكري والعقلي والنفسي بين عقيدة الإسان وفكره وسلوكه، إذا نادى الإسلام "لا إكراه في الدين.

- الحرية الاجتماعية: الحرية الاجتماعيّة هي تعني الحرية التي يجب أن يتمتّع بها أفراد المجتمع كاملاً. تتعلق الحرية الاجتماعية بانتماء الفرد إلى الجماعة، إذ إن الانتماء يرتب على كل منهما حقوقا وواجبات. تتمثل هذه الحرية في منح الناس الحق في تكوين أفكارهم وأطروحاتهم في فهم الحياة وفي الموقف من مختلف القضايا، في أمن تام دون ضغوط أو خوف من أحد، ومنحهم الحق في التعبير عن رؤاهم بعد تكوينها، ما دامت هذه الحرية لا تتجاوز أحكام الدين القطعية أو إخلال بالقانون وليس فيها اعتداء على الغير أو إضرار به. ويقتضي هذا المفهوم المساواة بين جميع المواطنين أمام العدالة والقانون، بأن يخضعوا جميعا للقانون ويتساووا جميعا أمام العدالة بصرف النظر عن أعراقهم أو فئاتهم أو انتماءاتهم الاجتماعية، لأن الإنسان يعيش ضمن مجتمع ولابد له أن يراعي حقوقه عليه وأن يأخذ بعين الاعتبار مكانته وحرمته.

- الحرية الاقتصادية: الحرية الاقتصادية هي إحدى المبادئ الأساسية التي أولتها النظم الاقتصادية جانبا من الاهتمام. وإن الحرية الاقتصاديةفي الإسلام ضرورة من الضرورات الإنسانية، فإن حق الحرية أحد الحقوق التي أعطتها الإسلام للفرد، والفرد في الإسلام بمكلف أن يمارس عملا يكفي عائده نفسه، ومن يجيب عليه أن يكفله، ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وفي ظل هذا التكليف يجد الفرد في ظل الإسلام حرية اختيار المهنة التي يراها تتفق حسب قدرته وقوته، فلا يجبر على مهنة كا لا يمنع من مزاولة منهة، فإن الشكل الذي يفضه من خلاله ، له الحرية الكاملة ، فله أن يعمل بنفسه في المجال التي يختاره، وله أن يشارك غيره من الناس أو أن يعمل لدى الغير مقابل أجور. وفي إطار ممارسة هذه الحرية يجب عليه أن يتمثل تلك المقومات التي جمعها في القوة والأمانة.

- الحرية السياسية: إن حرية التفكير هي أهم مقمومات الحرية السياسية، والحرية السياسية في الإسلام هي حرية تقوم على قوة العقل والإدراك والمنطق وغير متأثرة بعوامل مصيرية تحددها البئية الاجتماعية التي يعيش فيها الأفراد والجماعات، فالعقل والمنطق والبصيرة هي القاعدة الأخلاقية والإنسانية التي تنطلق منها الحرية السايسية. وهذا المبدأ يعني القبول بالتعددية الفكرية والثقافية والسياسية داخل الدولة الإسلامية على أساس من المواطنة والمساواة في الحقوق، ودون إكراه لأحد على فكرة أو مصادرة لرأيه أو الضغط عليه لاجباره على التخلي عن انتمائه وقناعاته، بما يعنيه ذلك من حرية التجمع وحرية تشكيل الأحزاب السياسية والهيئات النقابية والجمعيات والنوادي الثقافية وكل وسائل النشاط والتعبير، وإتاحة حرية العمل لكل التشكيلات والتجمعات بكل حرية وأمان، لا يحدها في ذلك إلا أحكام الدين المتفق عليها أو القانون.

الحرية في الإسلام أصل عام يمتد إلى كل مجالات الحياة الإنسانية، وهي ليست مطلقة وإنما تتسم بالنسبية بحيث لا تتصادم مع حريات الآخرين ولا تؤدي إلى الضرر. من أجل ذلك كان لها أركان وقواعد، وهذه الأركان هي: الحرية والعدالة، والمساواة، والتكافل الاجتماعي، وذلك لأن الإسلام دين ودولة، والدولة نظام حكم ينبثق من المبادئ والقواعد والأحكام العامة في القرآن والسنة.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

  جامعة عالية، كولكاتا - الهند

 

قاسم حسين صالحاشكالية شغلتني كما شغلتكم..خلاصتها: كيف يمكن لحاكم اسلامي قتل شعبه؟..أين العلّة، هل ان الدين الأسلامي قائم على العنف والطغيان والأستبداد؟ أم أن الحاكم الأسلامي، اعني القيادي في حزب اسلامي سياسي، شخصية سيكوباثية، او يفهم نفسه انه امتداد للخلفاء، او يرى نفسه أنه منتخب ديمقراطيا وانه يتصرف ضد الشعب بأمر الشعب..والأفضع أنه يقتل أبناء من انتخبه آباؤهم وأوصلوه الى االسلطة!..ويكون معظم القتلة ومعظم المقتولين من نفس الطائفة!

ولأن من عادتي ان استطلع الرأي في ظواهر اشكالية كهذه فانني توجهت بالآتي:

(العراق قدّم للعالم في تشرين اول /اكتوبر 2019 حقيقة سيكولوجية:

أن الحاكم الاسلامي يتحول لطاغية يقتل شعبه

ان طالبه بتحقيق العدالة الاجتماعية..رأيك؟)

توزعت الاراء على اربعة مواقف:

الأول يعزوها الى طبيعة الدين الاسلامي، اليكم نماذج منها:

- لا عدالة في الدين الاسلامي لانه طبقي بامتياز فيه الحر والعبد والغني والفقير..

- هذه حقيقة على مر التاريخ، واليوم اكدها الاسلام السياسي في العراق.

- تاريخ الاسلام السياسي شهد على ذلك بحوادث دموية ملأت صفحاته على كل جغرافيا سلطاته، وما يحصل الان في العراق وبعض دول المنطقة سيضاف الى سجل تلك الحوادث في تاريخها الغابر.

- الاسلام هكذا..متميز بالقتل، الحقائق المعاشة تؤكد ذلك.

- الاسلام السياسي اكبر قوة ظالمة وجائرة على مر العصور ومن يقولها يعتبرونه كافرا وزنديقا.

- حقيقة ثابتة تاريخيا..الاسلاميون اذا تمكنوا عاثوا في الارض فسادا وخرابا.

- الحاكم المسلم وعبر التاري، طاغية ولص.

الثاني ينفي ذلك عن الدين الاسلامي، ودليله:

- انموذجان في الاسلام يكسران هذه الحقيقة هما حكم الامام علي وحكم عمر بن عبد العزيز. بالمقابل هناك نماذج حكم غير اسلامية لم تحقق العدالة الانسانية، مثال ذلك حكم صدام والقذافي.

- من قال انهم اسلاميو، علينا ان ننصف الاسلام فهو بعيد عن كل ما يجري، وان سبب الفشل السياسي هو التصرف العلماني لمن يدعي الدين. العلمانية ليست سوى ثورة ضد الكنيسة التي مارست ضدهم الارهاب.ارجو تبرئة الاسلام والاشارة الى الداء الحقيقي.

الثالث يعزوها الى شخصية الحاكم..اليكم نماذج منها:

- وفق تصور الحاكم، ان ما يمارسه حق شرعي وقانوني، اذ انه يؤمن ان الخروج على طاعته يمثل عصيانا لاوامر الله، وهذا ما يمنحه مبرر استعمال العقاب ضد من يعصونه.وفي ضوء هذا المبرر يتخلص الجلاّد من مشاعر الذنب والاثم، ويمارس كافة انواع البطش من دون اية قيود معرفية واخلاقية.

- الحاكم الديني يعدّ نفسه ظل الله على الارض، وأنه معصوم من الخطا، وما يقوله او يريده هو حق الهي. وبمرور الزمن تتضخم عنده غدة الانا الربوبية حتى تنعكس على (القطيع) لأنه يعتمد على تجهيل المجتمع.

الرابع يعزوها الى الشخصية العربية:

- الذهنية العربية السياسية بغض النظر ما اذا كانت اسلامية او علمانية، هي ذهنية استبدادية..لا تخرج الا بالمسدس ولا تفقه شيئا عن حقوق الانسان او دور الديمقراطية في تحقيق العدالة الاجتماعية.

- اعتقد ان الشخصية العراقية بكل اصنافها تحمل في داخلها طاغية عدا قلة قليلة .

- الجزائر تتظاهر منذ 37 اسبوعا ولم يقتل متظاهر واحد بينما في العراق قتل 30 متظاهر بيوم واحد (25 تشرين).التطرف وامتلاك الحق الالهي عند الاحزاب الاسلامية هو السبب.

- نعم غالبية الفاشلين ستكون صهوة الدين لتبرير افعالهم والحكم منذ ايام الخماهو. ا. د.سلاطنية عبد المالك - الجزائر .

استنتاج:

تعددت الأسباب في تفسيرما حصل، وهذا وارد لأن أية ظاهرة اجتماعية- سياسية- دينية، تتنوع اسبابها وتتعقد، وينجم عن تفاعلها سبب كيفي ايضا..والمشكلة هنا تكمن في اولويات هذه الأسباب. ونرى ان ظروف الظاهرة، واقع الحدث، العوامل الفاعلة في الموقف..هي التي لها الأولوية في تشخيص ما حصل ويحصل في العراق، وهذا ما سنتناوله في الحلقة القادمة بتحليل سيكولوجي نستهله الآن بثلاث مؤشرات سيكولوجية:

مؤشر (1):

الاشكالية السيكوسياسية، ان كل الأشخاص الذين كانوا في الخارج زمن النظام الدكتاتوري، واستلموا السلطة (سلّمت لهم) بعد(2003)، اعتبروا أنفسهم (ضحية).. ومن سيكولوجيا الضحية هذه نشأ لديهم الشعور بـ(الأحقية) في الأستفراد بالسلطة والثروة، معتبرين ملايين العراقيين في الداخل اما موالين لنظام الطاغية أو خانعين.. وأنهم، بنظرهم، لا مشروعية لهم بحقوق المواطنة.

مؤشر (2)

شعورهم بـ(الأحقية) دفعهم، سيكولوجيا، الى ان يعتبروا العراق ملكا لهم..فتقاسموه تقاسم الغنيمة دون خوف، لأنهم عزلوا انفسهم لوجستيا ونفسيا بمساحة 10 كيلومتر مربع، محصنة أمنيا ومهابة بسفارة الدولة التي اسقطت نظام الدكتاتور واعترفت رسميا بانها دولة محتلة.

مؤشر (3):

نجم عن هذه التفاعلات السيكولوجية (تضخّم أنا) و(غطرسة) اسهمت في تحويل الحاكم السياسي الى مستبد.

(يتبع)

 

تحليل سيكولوجي

أ.د.قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

احمد الزبيدييؤكد المعجم الاصطلاحي الفلسفي أن الهوية هي: خصائص الشخص المطلقة المشتملة على صفاته الجوهرية التي تجعله مميزًا عن غيره تميزاً يكسبه فرادته وخصوصيته.. إنها الوعي الشعوري بشخصية الفرد والسعي اللاشعوري لبقائها، فهي تمثيل الذات في نظام الآخرية.. أو هي لا شيء سوى الآخر

ويرى فوكو العظيم أن كل هوية عشوائية تبحث عن هوية منظمة لتلجأ لها وتنتمي إليها..

هذا التوصيف ينطبق تماما على الهوية الشيعية العراقية، فهي منذ تبلورها، عراقيا، هي هوية عشوائية، لعدم وجود هوية منتظمة بنظام سلطة أو دولة، وقد فشلت المراجع في تنظيمها واستقلالها، لأنها بقيت في نطاق المعارضة وعدم الجنوح إلى تأسيس دولة تحمل مرتكزات الهوية الشيعية، ولعدم وجود هوية شيعية عربية كدولة أو سلطة كان من الطبيعي أن تلجأ الهوية الشيعية العراقية العشوائية إلى الهوية الشيعية الإيرانية المنتظمة، فلو كانت هنالك دولة شيعية عربية لانتمت الهوية الشيعية العراقية إليها، ومن ثم فإن التدخل الإيراني في العراق ليس من طرف واحد، وليس هيمنة إيرانية فقط، بل حاجة فلسفية وثقافية واجتماعية ودينية تدعو الشيعي العراقي إلى التوجه لمرجعية سياسية تشكل ذاته الوجودية، ولأن الهوية لا شيء سوى الآخر، لذلك كان العربي السني العراقي أو العربي  هو الآخر بالنسبة للشيعي العربي العراقي، وخاصة بعد موقف العرب السنة من الشيعة في العراق بسبب كرههم لصدام، والمفخخات والقتل الجماعي والطائفي وعليه فالشيعي الإيراني الفارسي يمثل ذاتا وتطابقا للشيعي العراقي العشوائي..

ومن هنا سعت إيران جاهدة على ألا تكون الهوية الشيعية العراقية منتظمة لأنها ستنفلت منها، وتقل سلطتها عليها وحاجتها لها، وأفادت من الأحزاب الدينية الآيديولوجية من أجل استمرار عشوائيتها، فالدعوة والمجلس والفضيلة والصدر، كلها خطابات آيديولوجية تسعى لعدم انتظام الهوية واستقلالها، ومن هذا المنطلق، كان مقتدى الصدر يسعى دائما لقيادة التظاهرات خوفا من استقلال هويتها، فهي - أي التظاهرات - تعبير اجرائي عن الكوامن الذاتية الفردية بأسلوب جماعي بما يعكس ثقافة مشتركة وطاقة معارضة وصريحة .. وهم يدركون جيدا (إيران وآيديولوجياتها) أن استقلال الهوية يعني غياب الهوية الشيعية وحضور الهوية الوطنية وربما ستكون بمرجعية قومية لا دينية، وهذا يشكل خطرا كبيرا على الهوية الشيعية المنتظمة (الإيرانية)..

لا أنكر محاولات الصدريين باستقلالية هويتهم حين هتفوا أيام العبادي (إيران برا برا) لكن سرعان ما ادرك الصدر الخطر فامتطى طيارته ليلتها وذهب إلى إيران، ولا نختلف في أن جلوس الصدر قرب عرش خامنئي بأقل من ارتفاعه بشبرين له رسالة واضحة تعبر عن حاجة العشوائي إلى المنتظم أو الفرد إلى الجماعة..

لا شك في أن أخطر مظاهر الانتفاصة الجديدة التشرينية أنها دعوة صريحة إلى تشكل هوية وطنية عراقية مستقلة بعيدا عن أي انتماء مرجعي ديني منتظم، وهذا يشكل خطرا كبيرا لإيران، لأن استقلالية الهوية  العراقية وضعف الهوية الدينية  يعني البحث عن هوية منتظمة بديلة للدينية وخوفا أن تكون قومية.. والأخطر أن تكون مدنية رافضة للهويتين.. ولعل من أبرز انعكاسات الانتفاضة الجديدة هو تشكل وعي شعوري متمرد على مرجعيات هويته الدينية التي سلبت انتظامه الهوياتي والذاتي، لذا بدأ التمرد بسلبية الهوية المنظمة الدينية وإدراك أنها تحتكره لنظامها، وبالتالي فإن أهم ما حققته هذه الانتفاضة العظيمة هو تشكل هوية وطنية موحدة وسعيها لاستقلالها عن أية هوية مهيمنة..

 

د. أحمد الزبيدي

 

صدرت للمفكر العراقي الزاهد هادي العلوي (1933ـ 1998) عدد كبير من كتابات ومؤلفات لابحاث ودراسات فكرية، شغلت جانبا مهما من متونها مرتكزات عن الذات كمنتج لثقافة الفضيلة، موزعة على المقدمات وخواتم نقدياتها، وهي فصول لمراحل تاريخية في التراث، يدور معظمها حول البحث عن  الذات الإنسانية وسبيلها في الفكر العربي الاسلامي في صورها الفلسفية والصوفية؛ ثقافة الفضيلة الفردية والعضوية التاريخية، الوجود العضوي العمراني لثقافة الفضيلة، وحول جملة من المفاهيم والقضايا المتصلة بمفهوم الثقافة وثقافة الفضيلة، كالعقل والحق والعدل والدين والوجود والماهية، مؤلفا بثقافة التراث ثقافة الفضيلة كـ"ذات"، مكتسحا إشكالية ثقافة الفضيلة في التراث معظم سفوح جغرافية كتاباته، فإن بقيت، في نظرنا، محكومة بهاجس، أو إشكالية الراهنية كغيرها من مواقف وآراء عدته الفكرية، ناتج معرفي. ويتجلى هذا الهاجس في أعتبار عرض إشكالية ثقافة الفضيلة في هذا التراث ليس سوى تمهيد للنظر إليه من جانب الحداثة وامتدادتها لما بعدها، وذلك في أفق إعادة بناء ثقافة الفضيلة للذات العربية المعاصرة، كثقافة فضيلة "ذاتوية" مأزومة وفاقدة لنفسها ولاستقلالها ولفاعليتها لصالح غيرها، في مختلف اطيافها؛ القبلية/ التراثية، والحديثة، والمعاصرة، وعلى تعدد المستويات التنظيمية؛ الثقافية، والاجتماعية، والاقتصادية والسياسية، وهي إعادة بناء تنطلق من مجموعة من الاحتماليات التأويلية المتخيلة، أخضعها وأستنظمها لمؤلفاته بحثا شاقا وتنقيبا ممتحنا ودراسات وافية نافعة. نتلمس أهميتها وتعقلنها مؤطرة في معظم ابحاثه. وأخص ما تلمسته شخصا، إن شئتم.

ـ الاحتمالية الأولى: هناك تطور ونماء حصل لثقافة الفضيلة بشريا عبر عن خلجاته في تطور محتوى إشكالية ثقافة الفضيلة عبر تاريخ الفلسفة الشيء الذي ولد ما يعنيه الإشكال في الفكر الاسلامي، بما هو إشكال عن مضمون ودلالة لمعنى الإنسان، مهما بدا لنا سؤالا حديثا يسعى تحديد ماهية أو جوهر الإنسان كفرد، كما كان الحال مثلا مع كانط أو هيغل أو ديكارت..الخ، فهو مع ذلك ليس إشكالا أحاديا تبسيطيا قديما أو جديدا، بل فهو قديم لأن سعي مجرى الفلسفة بأشملها تقريبا هو معرفة مكانة ثقافة الفضيلة في الذات البشرية في الكون ودلالتها، وهنا تصور أخلاقيات الخلق للذات البشرية ومعناها، وهو إشكال إستفهامي محنوي، شاق، جديد لأنه لم يكن مطرقا في الماضي بنفس الصيغة الذي سيطرح معان به مع الفلسفة الحديثة، أو، المابعدها.

ـ الاحتماليه الثانية: إن "ثقافة الفضيلة" العربية تمارس محنة مركبة لأنها مغلولة؛ أي مستلبة لحرية تشغيلها لعقلها، كما أن بناءها مستوظفا، وولاءها ممتهن توزيعها بأسلوبية ممزقة بين استطراف التراث من جهة والمعاصرة من جهة أخرى. من هنا فإن إشكالية ثقافة الفضيلة، الذي هو في كنهها إشكالية ثقافة التحرر والحرية، ستتأشكل روابطه لدى الإنسان العربي المعاصر بشعور اللاتوازن أو باسخفاف وانتقاصه، ما يحفز سهولة لفظه خارجا من عقدة الجودة والكمال الموهوم، و عليه نجده مهلهل الطموح في آفاقه، كسولا، ملولا، مما تعكس طبائعيته المستفرغة، التي لا تستمكن اقتداره دورة الاستكمال الطبيعي بما لا تملكه ثقافة الفضيلة تأنس ذاته.

وهنا، تتقاطع هاتان الاحتماليتان في الصميم مع أحتمالية جوهرية قوامها النظر إلى روابط إشكالية ثقافة الفضيلة بمحمول الذات في التراث بإشكالية ثقافة الفضيلة بمحمولها في الحداثة و المابعدها، التي تؤلف عنده كعلاقة برزخية، أي وشائج لا تعتمد على التنافر القطعي، وإنما على الوصل والفصل. فتشكل نظرته لثقافة الفضيلة بعلاقة مركبة بين التراث، والحداثة، والما بعد حداثة، رغم تناظرها في تأملات لثقافة الفضيلة في بنية الذات، فإنها تنسج معا المسعى لتكون السياقات مفتوحة بينهما، حيث تدعو جميعها المساهمة في تصميمات إعادة ثقافة الفضيلة نحو تشييد الذات العربية لتتمكن من سعيها المشاركة في نمو وتطوير إنسية التنوير والانفتاح على الآخر ضمن مشروع حداثوي معطى.

بمعنى، أن هذه الاحتمالات عمل عليها المفكر هادي العلوي، واستمثلت أجراءاتها أنطلاقا من إستدامة معالجته لثلاثة أشكاليات، لما تمت متابعتي له حولها من منظور ثقافة الفضيلة، إن شئتم.

 أولها: كيف تمكن ثقافة الفضيلة حول الذات في علاقتها بحزمة من المفاهيم المتعلقة بها كـ(الماهية، والجوهر، والوجود، والهوية...

ثانيا: ما يتصف بمدى آهلية إشكال الذات كمنتج ثقافة الفضيلة، ومشروعية إشكالاتها وهي تتلقى ثقافة تواجه الحداثة، واستلاب مقدرات الحرية، وامتعاضها من الديمقراطية، ونفورها من الفردانية؛ حالة الثقافة العربية الاسلامية.

وثالثا: ما يتصف بارتباطات آهلية إشكالية البحث عن الذات كمنتج للفضيلة في ظل عصر تفكيك الذات والإشهار عن اخمادها حداثيا، وموتها تحت ضغوط ثقافة ما بعد الحداثة؟.

لو سلمنا جدلا بأن هذه الإشكاليات التي شغلت مفكرنا الكبير هادي العلوي. حسنا، ما هو المنهج المعتمد في رؤيته التطبيقية؟. سنحاول في حلقة قادمة اتمام الاجابة عنه.

... يتبع... ثقافة الفضيلة عند المفكر العراقي هادي العلوي (2 ـ 5).

 

إشبيليا الجبوري