عصمت نصارأمّا عن مدراس التجديد المنشودة، فيحدثنا عبد المتعال الصعيدي أنه ينبغي ألا يقتصر جهدها على التغني بفضائل الإسلام وعظمة حضارته وورع رجاله وعدلهم، بل يجب تخطى ذلك كله إلى دراسة متأنية لواقع المسلمين للكشف عن علة جمودهم ومعوقات نهوضهم، ووضع برنامج إصلاحي للتغلب على هذه المعوقات متخذًا من الأصول الشرعية سبيلًا للتغلب عليها، موضحًا أن الثورة والقوة التي يجب أن تتحلي بها مدرسة الإصلاح لا تعني التغيير المفاجئ أو الوثوب على السلطة لفرض الرأي، بل هي روح النضال التي لا تهادن الرجعية ولا تمالئ أصحاب السلطة، الأمر الذي يشير إلى نقضه لمشروع الإخوان المسلمين.

أما القوة المرجوة، فتتمثل في كثرة الأنصار الذين يعملون على تطبيق خطة الإصلاح، وذلك لن يتحقق إلا بالخطاب المستنير الذي يرشد الجماهير ويوعيهم ويجيّشهم لخدمة غاياته، ويعمل على إقناع الرأي العام القائد بحسن نواياه والمنفعة العامة التي سوف تعود على المجتمع باسره من تطبيق مساعيه.

ونجده على الرغم من تسليمه بأنه لا كهانة ولا عرافة في الإسلام، إلا أنه يؤكد على ضرورة وجود صفوة من علماء المسلمين يقومون على عقائده وشريعته ليجددوها ويبصروا بها الناس، مستشهدًا بقوله تعالى "وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون" (التوبة :122)، وقد كان الصعيدي من أوائل دعاة إنشاء مجمع البحوث الإسلامية والمجلس الأعلى لحكماء الإسلام واتحاد علماء المسلمين أيضًا. ويشترط الصعيدي ألا تنحصر هذه السلطة في طائفة أو جماعة بعينها، وألا يكون لهم سلطان أو سطوة إلا النصيحة والإرشاد.

وهو يعيب في ذلك على "خالد محمد خالد" ( 1920م - 1996 ) تلميحاته التي وصف بها بعض الجامدين والمتعصبين في الإسلام بأنهم كالكهنة.

ويكره في الوقت نفسه من الشيخ "محمد الغزالي (1917م-1996م)" إدانته "لخالد محمد خالد" والتشكيك في نواياه تجاه الإسلام، مؤكدًا على ضرورة تحلي المجددين بالاعتدال في نقداتهم ومساجلاتهم والعزوف عن آفة التعصب في التصريح بآرائهم وذلك لإتاحة الفرصة للحوار بينهم وبين خصومهم، وهو يتفق في ذلك تمام الاتفاق مع محمد فريد وجدي     (1878م – 1954م) الذي سوف نتناول مشروعه لاحقًا باعتباره أحد المجددين في معيّة المحافظين - مبينًا أن التجديد مثل قارب النجاة، دفته الإصلاح ومجدافيه التسامح والتعقل، ويقول "إن للإسلام رجال دين علماء لا كهنوت، وأنه يجب أن يكون لهم حق إبداء الرأي في كل ما يتعلق بالدين، وأن الذي يجب أن يُصلح ويُقَوم فيهم هو جمودهم لأنه هو الموجود الآن فيهم لا الكهانة" .

ويمكننا أن نلاحظ من العرض السابق لحديث "الشيخ الصعيدي" عن معنى التجديد وسمات المجدد، وحكمه على المجددين العديد من الأمور منها، ما هو خاص بمنهجيته في معالجة هذه القضية وبعضها يعكس تأثره ببعض معاصريه، والبعض الأخر يكشف لنا عن علة موقفه من بعض قضايا التجديد الأخرى. فأولها : يبيّن أن "الصعيدي" كان أقرب إلى الاتجاه العقلي الانتقائي أو إن شئت قل (الاتجاه المحافظ المستنير) منه إلى الاتجاه السلفي المعاصر، وذلك في تحديده معنى التجديد، وصفات المجدد، وتجويزه ظهور المجددين في أمة الدعوة شأن أمة الاستجابة، ذلك فضلًا عن حرصه على مقارنة حال المسلمين ومجدديهم وحال غيرهم من الأمم المعاصرة لهم وذلك خلال تقييّمه لأعمال المجددين في كل جيل.

فذهب إلى أن حال المسلمين في القرن الثاني عشر الهجري كان يسير من السيئ إلى الأسوأ، وذلك على أثر استدانة "آل عثمان"، وإهمالهم شئون الخلافة، وانحطاط نظم التعليم في الولايات، وترّدي القيّم والمبادئ الأخلاقية والروحية، وتفكك الروابط الاجتماعية وظهور الحركات الانفصالية والمليّة، التي ضاقت بعنصرية الاتراك واعياها تعصبهم واستبداد حكامها الأمر الذي انعكس على طبيعة التجديد والإصلاح في هذا القرن، فلم يظهر سوى دعاة إصلاح ديني أقرب إلى السلفية منهم إلى التحديث.

في حين كان المجتمع الغربي على النقيض من ذلك الجمود والتشرذم تمامًا، حيث التقدم على الصعيدين العلمي والفلسفي والثراء الاقتصادي والثقافي، وظهور النهضوّيين والتنويرييّن الذين أعادوا صياغة العقلية الأوروبية، أضف إلى ذلك دعوة فلاسفة هذه الحقبة إلى الثورة على الاستبداد وتحقيق العدالة والمساواة والسلام بين الشعوب، وحرية الفكر والاعتقاد.

وخلص من هذه المقابلة إلى أن أمة الإسلام كانت أحوج إلى تجديد "إسحاق نيوتن 1643-1727م"، و"مونتسكيو 1689-1755م"، و"فولتير 1694-1778م"، و"روسو 1712-1778م"، و"ديدرو 1713-1784م" بعد تهذيب آرائهم ونقدها وغربلتها وتطهيرها ممّا يتعارض مع الثوابت الشرعية. وبيّن أن ذلك أفضل من مسايرة جمود الفقهاء السلفيين الذين مكنوا الأوروبيين - بجمودهم وجهلهم بأصول الحضارة الحديثة - من الانقضاض على البلاد الإسلامية والاستيلاء على ثرواتها، وظهور في الوقت نفسه الجماعات الجامحة والفرق الجانحة والفلول الماجنة، ذلك فضلاً عن تساؤل جمهور المثقفين عن علة تأخر المسلمين وتقدم غيرهم وكيفية اللحاق بالأمم الراقية وإحياء مجد الحضارة الإسلامية التليد. ويقول: " كان المسلمون في هذا القرن أيضًا ينتظرون مجدده من بين الفقهاء الذين لا يعرفون شيئاَ سوى الفقه وما إليه من العلوم، فعاشوا بين تقليب أوراقه، يجهلون دنياهم الجديدة، وما فيها وتجهلهم هذه الدنيا، لأنهم يعيشون في دنيا قبلها مع إنهم كانوا يحتاجون في هذا القرن إلى مجدد يعرف دنياه الجديدة، ويعرف ما جد في العصر الحديث من علوم ومعارف لينفع المسلمين بها، وينهض بهم كما نهض غيرهم في هذا القرن" .

ويضيف "الصعيدي" أن أوروبا كانت تدعو إلى الحكومات الدستورية منذ أخريات القرن الثامن عشر والتاسع عشر الميلادييّن، وشاغلة بالمخترعات الحديثة والأسلحة الفتاكة، وعلى النقيض من ذلك كان الخلفاء مشغولين بتثبيت عروشهم وقمع الحركات الانفصالية، وصدّ الهجمات الأوروبية وإحاكة المؤامرات ضد أحرار الفكر، وصياغة الفتاوي التي تحرّم العلوم والفلسفات الغربية، وتبرر في الوقت نفسه انتحال بعض النظم العسكرية والقضائية الأوروبية الحديثة. كما بيّن الصعيدي أن المجددين في القرن الثالث عشر الهجري لم ينجحوا أيضًا في النهوض بالأمة الإسلامية، وذلك لأن بعضهم عُنيّ بالتجديد في الأمور المدنية وأهمل الشئون الدينية، (ويقصد هنا مشروع رفاعة (1801-1873م) وعلي مبارك (1823-1893م) في مصر وجماعة الاتحاد والترقي في تركيا)، والبعض الأخر جنح عن الأصول الشرعية والمبادئ العقلية وأضحى عاملًا من عوامل التبديد وليس التجديد (ويقصد هنا الفرقة البابية والفرقة البهائية وعبدة الشيطان وجل التيارات العلمانية المتأثرة بالفلسفات المادية والأيدولوجيات الإلحادية)، والقليل منهم هو الذي عرف الطريق الصحيح وراح يدعو العامة والخاصة للموازنة بين القديم والجديد والموائمة بين الدين والعلم (ويقصد هنا مدرسة الشيخ حسن العطار (1766-1835م) ثم مدرستي الأفغاني ومحمد عبده)، غير أن الرجعييّن ورعونة الحكام وجهل الجمهور حال بين أولئك المجددين وبين تحقيق رسالتهم.

وظل هذا الضعف سائدًا في القرن الرابع عشر الهجري، وزاد عليه خضوع معظم الولايات الإسلامية إلى الهيمنة والسيطرة الأوروبية، واستجاب المسلمون للنعرات القومية التي روّج لها المستعمر، ذلك فضلًا عن تفشي الطائفية والحزبية المليّة في الرأي العام، وانشغل قادة الفكر بألاعيب الساسة وانصرفوا عن رسالتهم الإصلاحية، وراحت الطرق الصوفية ترتع وسط عالم الكسالى والمتنطعين والجامدين، فزيّفت وعي الجمهور وصرفتهم عن البحث في أمور دينهم ودنياهم.

مؤاخذات الصعيدي ونقداته لمخالفيه في التجديد:

انتهى عبد المتعال الصعيدي إلى أن تمزق الأمة الإسلامية، وأفول نجم حضارتها كان أمراَ محتومًا، إذ بلغ الغرب في مطلع القرن العشرين الميلادي ذروة قوته العسكرية واستقرت فيه ثقافة الروح العلمية والفلسفية، التي تدفع المجتمع إلى النهوض والرقي، فقضت سنة الحضارات بخضوع المسلمين إلى الاستعمار الروسي في أسيا وبعض بلدان أوروبا، والاستعمار الإنجليزي والفرنسي والإيطالي في أفريقيا وشبه القارة الهندية   .

كما ذهب إلى أن مجددي ذلك القرن قد انقسموا إلى أحزاب واتجاهات عجزت جميعها عن إعادة البناء وإصلاح ما أفسده الجهل والجمود والتخلف، "فمصطفى كامل 1874-1908م"، و"قاسم أمين 1863-1908م"، و"محمد فريد وجدي 1878-1954م" قد حاولوا الإصلاح في جانب وأهملوا الجوانب الأخرى، بينما غلب على كتابات "طه حسين 1889 - 1973م " النكوص والتردد وعدم القدرة على التأليف بين الأصيل من الثوابت والحديث من المتغيرات.

الأمر الذي جعل الكثيرين من المحافظين وضعه في قفص الاتهام ونعته بالجنوح والتجديف والشطط أحيانًا. ويضيف أن معظم كتاب القرن العشرين قد أهملوا توعية الأجيال الشابة من خطر الغزو الفكري وأكاذيب المستغربين والمتشيعين للفلسفات المادية الالحادية. ويقول "ويمكننا بعد هذا أن نحكم بأن الأقرب إلى التجديد الإسلامي في هذا القرن هو من كان يجمع بين الثقافة القديمة والحديثة، وينادي بالإصلاح الشامل لأمور الدين والدنيا، وهذا لم يتوفر في واحد من هذا القرن من أوله إلى يومنا هذا كما توفر في الشيخ محمد عبده" وكبار تلاميذه.

أما المتفرنجون؛ فلم يكن شرهم أقل من الجامدين، فقد دعوا إلى تقليد الغرب دون تمحيص أو الإبقاء على الشخصية الإسلامية.

ولا غرو في أن هذه المقابلات والتحليلات التي قام بها "الصعيدي" للواقع الحضاري للمسلمين في العصر الحديث تكشف عن منهج عقلي في النقد، وثقافة موسوعية ودراية بفلسفة الحضارة، رشحته لاعتلاء منبر المستنيرين في النصف الثاني من القرن العشرين، وأفصحت عن انتمائه لمدرسة الإمام "محمد عبده" ذلك الذي وصفه بالإمام والمعلم ورائد الإصلاح والتجديد الذي يجب السيّر على سنته في إصلاح الدين والدنيا، وإنهاض المسلمين.

ولا يؤخذ على "الصعيدي" إلا عدم درجه "رفاعة الطهطاوي" ضمن المجددين وذكر إياه عرضًا، رغم مناقشة "رفاعة الطهطاوي" لقضية التجديد والمجددين من جل نواحيها - التي أشرنا إليها سلفًا - إذ تحدث باستفاضة عن "كتاب السيوطي" وحديث المائة الذي استشهد به وصفات المجدد وعدد المجددين في القرن الواحد، ذلك فضلًا على اشتراطه الاجتهاد في المجدد - وكذا تجاهله لجهود "محمد إقبال (1877-1938م)" رغم اتفاقهما في العديد من القضايا، وتوسعه في عرض فكر "الباب ميرزا على محمد (1819-1950م)"، و"البهاء ميرزا حسين على (1817-1892م)"، و"ميرزا غلام أحمد القدياني (1835-1908م)" دون تبرير إلا رغبته في فضح حقيقة هذه الاتجاهات الهدامة التي افتتن بها بعض المسلمين، ولاقت قبولًاً لدى الأمريكيين والأوروبيين، وكذا نقض الصعيدي فكرة المهدي المنتظر التي تبناها المتواكلون، ووقفوا عليها بعث مجد المسلمين ونهضتهم بعد كبوة لا يعلم مداها إلا الله.

أمّا المأخذ الثاني فيبدو في تأثره بالسابقين عليه وموافقته لبعض معاصريه، التي لم تكن على سبيل المسايرة والتقليد بل كانت وليدة نظرة تحليلية نقدية تعبر عن رؤية صاحبها الخاصة.

فلعل نقداته لبعضهم كانت وراء غضبة الأزهريين عليه والمفكرين الحداثيين أيضًا، فعلى الرغم من تصريحه بإعجابه "بجمال الدين الأفغاني" نجده يعيب عليه بعض النواحي في نهجه الثوري في الإصلاح ويخالفه في حكمه على "السيد أحمد خان (1817-1898م)"، إذ حسبه "الأفغاني" من أذيال الإنجليز وواحدًا من الذين ارتدوا عن دينهم وخلطوا بين الأديان بغية توحيدها شأن الماسونيين وحرفوا الكلم في تأويله للقرآن، ودعوا إلى مسايرة أوروبا وتبني فلسفتها المادية، في حين جعله "الصعيدي" من المجددين الذين يُؤخَذ منهم ويُرَد عليهم.

وقد خالف "الصعيدي" الإمام "محمد عبده" - الذي أكد بانضوائه تحت رايته وانتهاج ضربه - وذلك في موقفه الناقض من "محمد على باشا (1767-1849م)"، اذ كان يرى فيه - الأستاذ الامام محمد عبده - القائد التاجر والزارع والجندي الباسل والمستبد الماهر والحاكم الظالم، الذي قهر المصريين وانتهك كرامتهم، وذهب إلى أن نجاحه في العمران لم يكن سوى نجاح المستعمر الذي يعمل من أجل مصلحته، وتوطيد أركان ملكه وليس من أجل المصريين. كما أن خلفائه من بنيه لم يحسنوه معاملة المصريين، بل كانوا مثل الاتراك في جحودهم وتعاليهم.

ورغم ذلك كان "الصعيدي" يرى أن موقف "محمد على" الداعم لخطاب النهضة ومشروع التحديث قد دفع الرأي العام القائد وشجع الرأي العام التابع لنجاح حركة التجديد التي اضطلع بها "حسن العطار"، و"إبراهيم باشا" وغيرهما من المصلحين في شتى الميادين. وبرر عزوف محمد على عن إصلاح الأزهر يرجع إلى عنت شيوخه ورفضهم لمشروع حسن العطار وخوفهم من غضبتهم وتهييجهم للرأي العام. كما نجد الصعيدي يتفق مع "محمد إقبال"، و"عباس محمود العقاد" (1889-1964م) في مؤاخذاتهما على "محمد بن عبد الوهاب (1703-1792م)" ودعوته، ذلك لأن ما جاء به لم ينهض بالبلاد ولم يُحَدِث المجتمع، ولم يُخَلِص الفكر الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في الجزيرة العربية من جموده.

كما يأخذ محمد إقبال والعقاد على محمد بن عبدالوهاب عزوفه عن العلوم الغربية الحديثة، وتعويله على الميراث الفقهي في التأويل وحده، وقصره باب الاجتهاد على شرح الأحكام الشرعية، واستناده على الأحاديث في الفتوى دون تمحيص لها وإهماله متطلبات الحياة العصرية. ويوافقهما في تقييمهما لحركة "السيد أحمد خان" وثورة "كمال أتاتورك". ويخالف في الوقت نفسه أحمد أمين (1886-1954م) في إدراجه الحركة الوهابية ضمن الحركات النهضوية الإسلامية.

(وللحديث بقية)

 

بقلم : د. عصمت نصار

 

 

قاسم حسين صالحيعد (فشل العملية السياسية في العراق) هو السبب في كلّ ما اصاب العراقيين من فواجع وما حلّ بالوطن من خراب، وان من واجب الأكاديميين تشخيص اسبابها، ليس بمقالات تميل الى الذاتية وان كانت رصينة، بل بدراسات تستوفي شروط المنهج العلمي من حيث الصدق والموضوعية، تخرج بتوصيات تعتمدها حكومة السيد مصطفى الكاظمي والمعنيون بالشأن السياسي بهدف دعم عملية الأصلاح وتأمين نجاحها.

الدراسة الأولى

اجريت في (25 حزيران 2016) وتمثلت اداة البحث في استفتاء تضمن سبعة بدائل عن هذا السؤال:

ما الوصف الذي تراه ينطبق اكثر على العملية السياسية في العراق ومن بيدهم السلطة، هل هو:

1- لعبة اذكياء استغبوا الشعب؟

2- لعبة اقوياء استضعفوا الشعب؟

3.قضية اشخاص اضطهدهم النظام الدكتاتوري ويرون ان من حقهم الاستفراد بالسلطة والثروة؟

4- عدم او ضعف الشعور بالانتماء الى العراق من قبل المسؤولين الذين يحملون جنسيات اجنبية؟

5.اشخاص يأتمرون بتعليمات دول قوية (امريكا وبريطانيا) واخرى اقليمية؟

6- تعصب او عدم نضج سياسي او مرض نفسي مصاب به العقل السياسي العراقي؟

7- وصف آخر لك ان تحدده.

الدراسة الثانية:

اجريت بعد أربع سنوات(29/6/2020 تحديدا)وأعيد تطبيق اداة البحث نفسها.شارك في الدراسة الأولى(347)مستجيبا، بينهم مفكرون واكاديميون واطباء وحملة دكتوراه، ومدراء تحرير صحف محلية ومواقع الكترونية.وشارك في الثانية (256 ) مستجيبا .

عرض النتائج

لم تحصل اختلافات ذات دلالة في الدراستين برغم ان الزمن بينهما اربع سنوات، وفي ادناه ترتيب اسباب فشل العملية السياسية في العراق بحسب نسبها المئوية حيث تشير الأولى لعام 2016 والثانية لعام 2020:

1- تعصب او عدم نضج سياسي او مرض نفسي مصاب به العقل السياسي العراقي (26%) و(24%)

2- عدم او ضعف الشعور بالانتماء الى العراق من قبل المسؤولين الذين يحملون جنسيات اجنبية (24%) و (27%)

3- اشخاص يأتمرون بتعليمات دول قوية (امريكا وبريطانيا) واخرى اقليمية(21%) و (23%)

4- قضية اشخاص اضطهدهم النظام الدكتاتوري ويرون ان من حقهم الاستفراد بالسلطة والثروة (17%) و(18%)

5- لعبة اقوياء استضعفوا الشعب (3%) و (1%)

6- لعبة اذكياء استغبوا الشعب (2%) و(2.%)

7- وصف آخر لك ان تحدده (7%) و(5%)

تحليل النتائج

- حدد( 50% ) من افراد العينة السببين الرئيسين لفشل العملية السياسية في العراق بكل من :

- تعصب او عدم نضج سياسي او مرض نفسي مصاب به العقل السياسي العراقي، و

- عدم او ضعف الشعور بالانتماء الى العراق من قبل المسؤولين الذين يحملون جنسيات اجنبية.

- حدد (38%) منهم السببين الرئيسين لهذا الفشل بكل من:

- اشخاص يأتمرون بتعليمات دول قوية (امريكا وبريطانيا) واخرى اقليمية، و

- قضية اشخاص اضطهدهم النظام الدكتاتوري ويرون ان من حقهم الاستفراد بالسلطة والثروة.

* حدد (5%)منهم بكل من :

- لعبة اقوياء استضعفوا الشعب، و

- لعبة اذكياء استغبوا الشعب.

* حدد (6%) اسباب الفشل في الآتي:

- الشعب هو المسؤول لأنه هو الذي أتى بفاشلين،

- خلل في التكوين المهني والاجتماعي والنفسي فلا هم سياسيون يفقهون المبادىء ولاهم مهنيون يفهمون كيف تدار الدولة،

- ثقافة اجتماعية هابطة افرزت طبقة سياسية هابطة ومنحطة،

- لانهم اعراب وشيمة الاعرابي مجرم وقاتل وسفاح ونهّاب يعتبركل ما تقع عينه عليه مغنمة،

- مجتمعِ متفكك يرغب بالفوضى وطرق العيش العشوائية والتسلق على أكتاف الضعفاء، والأنجرار للميول الدينية والمذهبية والعنصرية الكاذبة،

- فكر بدوي عشائري تسلطي يتعصب طائفيا وذاتيا دون وازع وضمير.

تعليقات من الدراستين:

- اهم صفاتهم الجشع بسبب الجوع الذي عانوه. فشلوا في اول اختبار الدين والتدين فسرقوا البلد وداسوا على مباديء الاسلام من اجل المال فدمروا البلد وقتلوا الشعب ولم يتعلموا شيئا من تجربة ١٧ سنة، ولم يظهر اي رجل دولة منهم ولا من غيرهم لان قادة الدولة ومسؤوليها جلهم من طبقة الفساد.

- مجموعة أشخاص هربوا او خرجوا إلى خارج العراق التقفتهم أمريكا والغرب تحت اسم معارضة. وبدل ان يعيشوا على فتات المعونات، اليوم يجدون انفسهم وسط اكوام من المليارات يغرفون دون خوف أو حياء، وطبيعي أن هكذا حال يكون تركهم له أمرا محاااااال.

- لا يستحقون ماهم فيه او يدعونه، فاهل العراق الذين عاشوا في الداخل ذاقوا الامرّين ما بين حروب وحصار وسطوة الحاكم.اما ما يسمون انفسهم بمعارضة الخارج حينذاك فكانوا ينعمون بالعيش الرغيد.

- لصوص خرجوا من الاعدام باعجوبة واستلموا السلطة ليسرقوا كل شيء.

- اغلب الاحزاب الاسلامية التي دخلت العملية السياسية بعد سقوط النظام حاقدة على الشعب، لانهم يعتبرونه مؤيدا للنظام وليس ثائرا مثلهم، ويشعرون بالغبن لانهم لم ياخذوا حقهم من البلد فكان اول مطالبهم استحقاهم المادي وامتيازاتهم.

- هم اناس يقولون انهم خرجو جهادا في سبيل الله ولا يريدون ثمن هذا الجهاد في الآخرة بل يريدونه حالاً من بيت مال المسلمين حتى اذا اكلو حق الفقير وصفروا الخزينة.

*

 

دراسة علمية

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

مجدي ابراهيمتموت اللغة حتماً بمقدار ما يموت فينا "الوجود الروحي" الشاعر بنبض المعنى داخل هذه الأجوفة الآدمية قرائح كانت أو قلوباً، ويعزُّ علينا البيان كيف نمضي به إلى طريق سواء، إنْ في عالم الإبداع وإنْ في دنيا الخلق والتجديد والابتكار. لك أن تذهب إلى المحافل والمنتديات الثقافية إن شئت فماذا عساك تلاحظ؟ ما إن تتردد على المسامع كلمة غريبة لها وقع نابي حتى يحفظها الناس بالمشافهة، فتلوكها الألسنة لدرجة أن تعدمها قيمتها إنْ وجِدَتْ لها قيمة بين الكلمات، فترى الأشداق تتغنى بها دون أن تدرك العقول لها معنى وكأنها مفتاح الدخول إلى عالم الثقافة ودنيا المثقفين. كلمات جوفاء بغير معنى ولا مدلول؛ لا تدل إنْ دلت إلا على الفراغ العقلي والبلادة الذهنية والعقم المعرفي، ونصيبها من فقر الشعور والإحساس أضعف بكثير من حظها من الفراغ العقلي وبلادة الذهن وعقم التفكير .. تلك هى بحق لغة الكتاتيب!

عالم اللغة: ألفاظه ومعانيها أشبه بكتّاب كبير، ترى الشيوخ فيه - فضلاً عن الشباب - لا هم من المعمَّمين ولا من المطربشين، ولكنهم من حُفاة الرؤوس العارية عن معنى فقه المعنى فكرة أو كلمة، يُردّدون كلمات اخترعوها من عنايتهم لا يستقيم لها ضابط يحكمها من واقع الحياة الفكرية والثقافية ولا من فقه اللغة العربية في أصولها الأصيلة، وإنما هي مخترعة اختراعاً من واقع يعانونه ومن دنيا يعايشونها : من عادم السيارات وبلاعات المجاري الطافحة بالقاذورات، ومن زخم الزحام العنيف في الشوارع والطرقات، ومن أبخرة الفول والبصل والطعميّة المحروقة في الزيت المسموم، تغيم على العقول فتغيبها عن الوعي، فإذا هى فاقدة مفقودة معدمة الصلاحية، ومن واقع كله فقر ومرارة ينعكس بالسلب على المثقفين والمبدعين فلا يجعلهم يحسنون أقل ما يجب إحسانه من استخدام الكلمات للتعبير عمّا تضيق به صدورهم من لواعج ومنغصات، وما تزخر به أجوافهم المضطربة من تلوث فكري وثقافي فضلاً عن التلوث البيئي، يستمدون منه ألفاظهم اللغوية، وحياتهم في هذه البيئة أو تلك الطافحة بغريب القول والفعل وغريب التصرّف والعمل.

ومع ذلك؛ فهم معذرون؛ لأنهم نشأوا وتربوا في عالم مقدار التلوث فيه أكبر من مقدار الصفاء والنقاء، وهم معذورون مرة ثانية؛ لأن وسائلهم إلى تغيير هذا العالم أضعف بكثير من وسائلهم إلى مسايرته والبقاء فيه كما هو عليه. فلا تغيير؛ لأن إرادة التغيير لديهم فكرة نظرية، مجرد كلام في كلام، وليست هي بالسلوك المفضي إلى عمل إيجابي. ولا تغيير لأن إرادة التغيير يجب أن تنبعث من تحت، من هذا الواقع، من القاعدة، من الأعمال، أعني من داخل النفس البشرية، من التربية الروحيّة والفكرية، من ذلك التحول المباشر في أطوار الإدراك، وانقلاب أنماط الاستقرار النفسي الرابض على الدّعة والسلبية والاستكانة.

وعمّا قريب ستجد كلمات ما أنزل الله بها من سلطان هى السائدة والمسيطرة بقوتها وغلبتها على أذهان الناس عامتهم ومثقفيهم؛ فإذا سألت من أين جاءت؟ فلن تجد جواباً أشفى ولا أصوب من ذلك الجواب الذي يطلعك على هذا الواقع المستعر : من عادم السيارات، وبلاعات المجاري، وأبخرة التلوث، وسعر الناس في دنياهم من أجل معاشهم ومتاعهم. كلمات ما أنزل الله بها من سلطان، وأسماء كان الناس سَمّوها هم وآباؤهم، لا ترى لها أصلاً من ثقافتنا الروحيّة أو وجودنا الأخلاقي الذي ينبغي أن يتقدّم فيُوجب على كل من يؤمن بقيمه العليا وأعرافه الصائبة أن يغيّر به واقعاً طفح وطفر كما لو كان هذا الواقع الطافر الطافح هو الأصل وسائر القيم والأعراف بمثابة الفروع اللاحقة عليه؛ تكاد تقصف من أصولها إنْ وجدت لها في دنيانا أصول.

هذه الحياة المعكوسة المضطربة تفرض علينا ألا ننساق وراء ذلك الهبوط المُذل للإنسان، وهو في جوهره من الكرماء، إذا عرف حقاً فضيلة أن يتقدّم عنده وجوده الروحي، فيجعل له الأولويّة على سائر الحيوات الأخرى، تعترك سبيله عن يمين وشمال صباح مساء، وهو لا يتقدّم لديه هذا الوجود الروحاني إلا بمفتاح التفكير، ومفتاح تفكير هذا الوجود خاصّة هو اللغة القرآنية الكاملة.

ولم تكن صدفة عارضة أن يتشرط العلماء أن يكون ذوق اللغة العربية مصدراً من مصادر تفسير القرآن، حتى ولو كان هذا التفسير هو التفسير بالرأي. ومعلومٌ أن التفسير بالرأي ينقسم إلى قسمين : قسم جائز ممدوح لا غضاضة فيه. وقسم حرام مذموم. وحيث يكون التفسير بالرأي من القسم الأول؛ فلا بدّ من أن يتفق مع ما جاء في المصادر الأساسية للتفسير، ولا يخرج عنها من حيث التأصيل وهي : القرآن الكريم والسنة المطهرة، وما صحَّ من أقوال الصحابة، واللغة العربية، والتفسير بالمقتضى من كلام العرب، والمقتضب من قوة الشرع. فاللغة العربية : صحتها وتذوقها والعلم بها وتأويلها وحُسن تخريجها، ركنٌ لا غنى عنه في التفسير بوجه من الوجوه. وكل تفسير يخرج عن تلك الحدود عرضة للقدح المذموم كما أنه يندرج تحت طائلة الحرام قطعاً كما شرط العلماء (برهان الزركشي: جـ2، ص 180 وما بعدها).

وقد نقل السيوطي عن ابن تيمية (ت 728هـ) من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف (تلك الشروط) كان مخطئاً في ذلك، بل مبتدعاً، لأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه، كما أنهم أعلم بالحق الذي بعث الله به رسوله". على أن هذه الفتوى المُقرّرة من ابن تيمية، إذا قصد من ورائها توقف فهم القرآن عند حدود ما ذكره، فليست ملزمة، ومناقشتها في ضوء المعارف الحديثة وتطور الأزمنة، تبطلها، غير أن هذا مجال واسع بين أخذٍ وردٍ ليس هذا موضعه الآن.

وبما أن اللغة العربية هى الحركة المفصلية للذهن بين ما هو مستقر في الباطن الخفي وما هو خارج ظاهري، فليس من شك في أن الإحاطة بها ومعرفة أسرارها وتذوق دلالاتها والارتقاء بها إنما هو مصدر من مصادر التفسير بالرأي على ديدن الذوق الوجداني واتساع الأفق العقلي؛ إذ من الواجب أن يكون للتفسير مستند لغوي، والا يتعارض مع ما يفهم من ألفاظ اللغة العربية وقواعدها حتى تقرّر أنه يجب على المُفسر الاحتراز من صرف الآية عن ظاهرها إلى معانٍ خارجة محتملة، يدل عليها القليل من كلام العرب، ويكون المتبادر خلافها، فكيف يسوغ الاستدلال بغير اللغة العربية كالفرنسية والإنجليزية والعبرية مثلاً على تفسير القرآن؟ فإنّ هذه المسألة لا تفتقر إلى دليل وحسب بل هناك دليل من القرآن ينفيها وينكرها، وهو قوله عز وجل :" ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فصّلت آياته أعجمي وعربي"؛ فالله سبحانه أنكر نزول القرآن بلغتين بل هو أثبت في آيات أخرى :"قرآناً عربياً غير ذي عوج".

ولغة القرآن لا شك أسلس لغة يستقيم بها لسان أستقام على صفات الكمال أو ما يقرب إليها من قول وعمل؛ فإنّ اللفظة القرآنية تخاطب الضمير وتثوِّر الوجدان؛ لتثوِّر في جوف القارئ ثورات التغيير.

ما من قارئ يقرأ القرآن على هذه الصفة : صفة الثقافة الثورية فيه، إلا ويهتز ويطرب من داخلة بقشعريرة دافعة لإرادة التغيير من الداخل؛ لأن اللفظة تنقله من حيث يدرك لها معنى مفتوحاً ذا آفاق روحيّة عليا، إذ تشيع في باطنه وتسري في كيانه أشعة التحول من عالم إلى عالم، وسريان الانقلاب من حالة إلى حالة؛ ونظراً لأنها لفظة مفتوحة العوالم غير مقيدة ولا محصورة بأهداب الأرض وطينة المادة الصماء، فلا ريب في أن تفرض عليه لوازم التغيير تجيء من باطنه لتحرك فيه ما أعتاد على السكون والخمول. ويكفي من تعلقه بالحسِّ وتوهمه الحقيقة على أطلاله، وتشبثه بالمحسوس من ركون وتعامل وحياة وحركة، يكفي من هذا كله ركوناً ما بعده ركون واستلاباً لحقيقته الأصلية. فلولا أن رأى في تلك اللغة فضيلة اليقظة الداخلية، ما استيقظ ولا أستفاق، وعسى أن تكون في يقظته فضائل الترفع عن أوهاق المادة ليعي حركة الروح في أعمق أعماق وجدانه وفي أخلج خلجات التفكير في دنياه وأخراه.

ومَرَدُّ الأمر في تلك اليقظة الواعية أن ينظر في اللغة التي يتعامل معها فكره وضميره : أهى لغة حواس قريبة المنال أم هى لغة ترفع عنده ملكات الإدراك لما هو أرقى وأسمى من مدراك الحواس القريبة وأعلى وأبعد من المآلات الدنيوية الأرضية؟ إنْ وجد اللغة دالة على قرابة المحسوس يقع بين يديه وتحت رجليه، فهى إذ ذاك من جنس ما يريد، ومن جنس ما تدل عليه تتضع بوضاعة المحسوس الذي يقع عليه عنده على نفس الدلالة التي تقربه منه وتبعده عن سواه. وإن هو وجدها لغة أعلى وأبعد ممّا يناله محسوس ولا منظور، كانت دليلاً مباشراً على أن الخطاب الإلهي يتضمّن لغة علوية، وأن هذه اللغة لا تصلح على الإطلاق لمخاطبة الخنازير الآدمية؛ لأنها لغة من جنس ذلك المقام العلوى، تناسبه، ترتفع ما ارتفع هذا المقام عند صاحبه، وتسمو حينما تسمو المطالب الروحيّة في ذات المتلقي، وعلى هذا القياس تكون اللغة القرآنية سامية بمقدار ما تسمو في الإنسان مدركاته الروحانية.

غير أن هذا السمو الروحي هو بلا شك خاصّة ذاتية في لغة القرآن، من معطياتها، ومن أفاقها الرحبة المتسعة : ولك أن تتعمّق بالتأمل قوله تعالى : وَاتْلُ عَلَيْهِم نَبَأَ الذَّي أَتَينَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنهَا فَأَتْبَعَه الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ. وَلَو شِئنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا، وَلَكِنُّهُ أَخْلَدَ إلىَ الأرضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ، فَمَثَلَهُ كَمَثَلِ الكَلبِ إنْ تَحْمِل عَلَيِه يَلْهَثْ أوْ تَترُكهُ يَلهَث، ذلِكَ مَثلُ القَومِ الذَّينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا، فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُم يَتَفَكَّرُونَ".

من ذلك الحيوان الأعجم الذي لا يرقى برقى هذه اللغة كلما قرأ وتدبَّر ووعى ثم صعد بروحه في معارج الكمال؟ من ثم من؟ إلا أن يكون خنزيراً ينسل من بعده الخنازير.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

عبد الله الجبوريقرأ الدكتور عبدالجبار الرفاعي الدينَ بوصفه حاجةً وجوديَّة لما له دور في تخليص الإنسان من حالة «الاغتراب الميتافيزيقي» التي تتأتى عبر الاتصال الوجودي بالمطلق، الذي هو الله في الأديان الإبراهيميَّة، والإله في أديان أخرى، وأنَّ الإله يمثّل أغزرَ منبعٍ يستقي منه الكائنُ البشري مزيداً من الوجود، وهذا الوجودُ هو الذي يحدِّد كيفيَّة حضور الذات البشريَّة في العالَم، لأنَّ الكائنَ البشري يتحقّقُ فيه بمرتبةٍ أنثولوجيَّة أكمل من الوجود.

في الوقت الذي يقف فيه دعاة «الدين ذو البعد الواحد» من الجماعاتُ السلفية في وجه تحديث التفكير الديني، ويعملون على تفريغ الدين من محتواه الميتافيزيقي، وإهدار معظمَ مضامينه الروحية والأخلاقية والإنسانية، يجد الرفاعي في الدين الحلّ لمشكلة الاغتراب الميتافيزيقي، التي تتلخَص في «أن الإنسان هو الكائن الوحيد في هذا العالم الذي لا يكتفي بوجوده الخاص، فيشعر على الدوام بافتقاره إلى ما يثري وجودَه، لذلك لا يكفُّ عن الاتِّصال بمنبعٍ لا محدود للوجود يتكرَّس به وجوده الشخصي، ويظل يعمل كل حياته على توسعة وجوده وإغنائه، عبر السعي للعثور على ذلك المنبع اللامحدود للوجود، فإن عجزَ عن الاتِّصال بالمطلق عاش حالةَ ضياع واغتراب وجودي.»

1598  الرفاعي وحنفي

حسن حنفي، عبد الجبار الرفاعي، عبد الله الجبور

مؤتمر النهضة، عمان 2018م

منهجية تحديث التفكير الديني:

يفنّد الرفاعي اتهام الدين بسكونية التفكير من خلال الفلسفة التي تدلّل على الترابط بين المعارف والعلوم الإنسانية، من خلال المخترعات والمكتشفات في العلوم الطبيعية والعلوم البحتة التي تؤثّر في العلوم الإنسانية ومعارف الدين، إذ تُحدِث تحوّلات مفصلية ومنعطفاتٍ فيها. وبهذا تؤثّر النظرياتُ الفلسفية الجديدة في العلوم الطبيعية وغيرها. 

يؤكد الرفاعي على أن عملية تحديث التفكير الديني تتطلب دراسة مسارات الدين عبر التاريخ والجغرافيا والاجتماع البشري، واكتشافَ طبائع التدين وأشكاله في مختلف المجتمعات، والاهتمامَ بمقارنة الأديان ونصوصها المقدّسة وأنماط مؤسستها الدينية، والأهم من ذلك أن يكون التفكير الفلسفي أداة الفهم، يقول الرفاعي في أهمية فلسفة الدين، أن «التفكير الفلسفي ضرورةٌ لكلّ عملية تحديث فكري. وفي الفلسفة غالبًا ما تتحوّل الإجابات إلى أسئلة، وتحديثُ التفكير الديني لا يتحقق من دون توالد الاستفهامات والأسئلة اللاهوتية»، وأن فلسفة الدين، تسعى إلى اكتشاف أنظمة انتاج المعنى المقدّس، وكيف تتم عملية التلاعب بالمقدّس، فيجري تقديس غير المقدس، تبعًا لإرادة الهيمنة، ومتطلّبات الاستحواذ على السلطة والثروة، واحتياجات الإنسان المتنوّعة، وشبكات مصالحه المختلفة باختلاف الزمان والمكان، وهي محاولة فض الاشتباك بين الديني والدنيوي عبر اكتشاف المجال الخاص لكل منهما.

يشير الرفاعي إلى فلسفة الدين بأنها نافذة ضوء للخروج من قراءة النصوص الدينية بمناهج وأدوات تراثية أنتجتها سياقات زمانية ومكانية وثقافية مختلفة اختلافًا كبيرًا عن سياقات عصرنا. لذلك تعيد هذه المناهج والأدوات إنتاج النتائج ذاتها في تفسير النصوص الدينية، وفهم تحليل الظواهر الدينية في حياة الإنسان، رغم اختلاف الإنسان وتحوّلات ثقافته وطرائق عيشه.

 

بقلم: عبد الله الجبور "كاتب اردني".

....................

* راجع: كتاب الرفاعي (الدين والنزعة الإنسانيّة)

* راجع: كتاب الرفاعي (الدين والظمأ الأنطولوجي)

* راجع؟ كتاب الرفاعي (الدين والاغتراب الميتافيزيقي)

* راجع: كتاب الرفاعي (مجلة قضايا إسلاميّة معاصرة)

 

عبد الحسين شعبانزعزع صعود التيارات والأحزاب الشعبوية في الغرب "الديمقراطية" فكرة وممارسة ، وخصوصاً من جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، ناهيك عن ارتقائها دست الحكم في بولونيا وهنغاريا وتشيكيا وسلوفاكيا والنمسا وتعزّز نفوذها ومواقعها في فرنسا وهولندا وألمانيا وإيطاليا وشمال أوروبا في الدول الاسكندنافية.

وتبدو الحقيقة أكثر تعقيداً حيث تتآكل الديمقراطيات الغربية بسبب أوضاعها الداخلية وصعود موجات من التعصّب والتطرّف والعنف ضد الأجانب بشكل عام وضد المهاجرين واللاجئين المسلمين والعرب بشكل خاص، وتدريجياً وعلى مدى العقود الأربعة ونيّف الماضية، ولاسيّما بعد انهيار الكتلة الاشتراكية وتحوّل الصراع الأيديولوجي إلى شكل جديد ، اتّخذ أبعاداً مختلفة ، اعتبر الإسلام عدواً لا بدّ من استئصال شأفته تحت عنوان " القضاء على الإرهاب "، خصوصاً وقد صوِّر الصراع بأنه "صراع تاريخي" تناحري بين الحضارات المختلفة حسب صموئيل هنتنغتون، وكان فرانسيس فوكوياما قد أطلق عليه "نهاية التاريخ".

لقد تهدّدت " الديمقراطية" بانتقال السلطة إلى مؤسسات هيمنت عليها الطبقات العليا والشركات واللوبيات المتنفّذة ووسائل الإعلام وبعض الهيئات الأكاديمية والجامعية ومراكز الأبحاث الاستراتيجية التي تعمل في خدمة الجهات والمجموعات المتنفذة، أو ما يسمّى بـ"مجمّع العقول" أو "تروست الأدمغة" والذي عمل فيه وتخرّج منه كبار المسؤولين الأمريكان مثل هنري كيسنجر وزبيغينيو بريجنسكي ومادلين أولبرايت وكونداليزا رايس وغيرهم.

إن الديمقراطيات الغربية تمرّ اليوم بتغييرات جذرية أقرب إلى الانقلاب على بعض أسس الديمقراطية، خصوصاً الاستثمار في "عولمة اليد العاملة" والاعتماد على عمال من الصين وبعض دول شرق آسيا مقابل أجور أقل بما لا يقاس بالأجور التي يتقاضاها العاملون في الغرب، الأمر الذي انعكس سلباً على أوضاع الطبقة العاملة ، إضافة إلى أوضاع الطبقة الوسطى، حيث بات سوق العمل لهاتين الطبقتين يواجه صعوبات متزايدة للحصول على فرص وظيفية تمكّنهم من تحقيق مستوى معيشي أفضل.

وقد فوجئت "الديمقراطيات الغربية" مؤخراً باندلاع انتفاضة عارمة ضد "العنصرية والتمييز العنصري" إثر حادث اغتيال جورج فلويد  الذي أشعلت استغاثته " لا استطيع أن أتنفس" الضمير الإنساني حين كان جزمة الشرطي فوق رقبته؛   وامتدت الاحتجاجات من الولايات المتحدة إلى بريطانيا وفرنسا واسبانيا والمانيا وبلجيكا وهولندا والعديد من الدول الأوروبية، حيث حطّم المحتجون تماثيل في الساحات العامة ولطخوا رموزاً اتهمت بالعنصرية وبيع الرقيق وجرائم ضد الإنسانية.

ولعلّ تراكم هذه التغييرات خلق مجتمعات جديدة ومختلفة ، خصوصاً بعد انتهاء عهد الحرب الباردة ، وتراجع دور النقابات العمالية والمؤسسات الدينية ، رغم الترويج لعدم جدارة ما سمّي بالصراع الطبقي، بصعود الأوليغارشية أو " الأقليّة الحاكمة" في ظل إثارة مخاوف وفوبيا " البيض" إزاء الهجرة والمهاجرين واللاجئين والملوّنين، مع  إثارة فوبيا الإسلام المعروفة باسم "الإسلامفوبيا" (الرهاب من الإسلام).

ويواجه بعض دعاة "النيوليبرالية" كل من يعارض أسلوبهم في إدارة الشأن العام ويعتبرونه مختلاًّ نفسياً أو عقلياً، ولا يتورع هؤلاء من إعلان نيتهم لحجز معارضيهم في المستشفيات قسرياً، بما في ذلك معارضو دونالد ترامب والمصوتون بعدم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وباقي أنصار الحركة الشعبوية، وهو ما انكشف على نحو مريع خلال مداهمة وباء كورونا مؤخراً حيث بانت هشاشة النظام الصحي والضمان الاجتماعي للعديد من البلدان التي تصنف بأنها غنية ومتقدمة.

وبالطبع فإن النخب الأوليغارشية في دوائر المال والسياسة والإعلام تحاول التحكّم في أذهان الناس وعقولهم وثقافتهم بما فيها خطابها إزاء البلدان النامية، بالترويج لفكرة إن الحاضر أفضل من الماضي، والمستقبل أفضل من الحاضر ، في محاولة لإشعار الناس بالخجل تجاه تراثهم وهويّتهم ، ليكونوا مستعدين للتخلّي عنها أمام أساليب الدعاية الديماغوجية وسطوة الإعلام والصراع الآيديولوجي، ولاسيّما بهيمنتها على المؤسسات الثقافية الكبرى ومحاولة ضخّ أفكارها وأساليبها لفرض قواعد جديدة مفادها إن كل من يتصدّى للأوليغارشية، يعدّ إنساناً رجعياً ومثيراً للخجل، بل ويحمّلون هؤلاء ما يعانيه العالم من خيبات ومرارات وآلام، الأمر الذي يستوجب إنهاء المعارضة وتحقيق الإنسجام لضمان العدالة.

وتحاول النخب الأوليغارشية شن حرب ضد خصومها وضد الطبقتين العمالية والوسطى، بزعم أفكارها ورؤاها المخالفة لمصالح الحكم الأوليغارشي في إطار حرب ثقافية شاملة. وتحت هذا العنوان تتم عملية تشويه مواقف الطبقة الوسطى والبيض المنتمين إليها، باعتبارهم "معادون لحركة الحقوق المدنية والفكر التقدمي".

وقد كانت هذه الأطروحات جزءًا من حوار مستمر في الغرب، وهو عبّر عنه كتاب صدر في الغرب مؤخراً بعنوان "The New Class War" "حرب طبقية جديدة" لمؤلفه مايكل لاند، مع عنوان فرعي " إنقاذ الديمقراطية من النخبة الإدارية"، وهو أمر يحتاج إلى "تفكّر وقراءة" ليس على الصعيد الغربي فحسب، بل على صعيد العالم الثالث بشكل خاص، لاسيّما وإن الطبقة الوسطى تكاد تكون غائبة في ظل صعود شعبوية دينية وطائفية وقومية ، ذات توجهات شمولية وعنفية وبعضها إرهابية.

 

عبد الحسين شعبان

باحث ومفكر عربي

 

 

الطيب النقركان المعلم الذي تلقينا منه تأليف الجملة، وتنسيق الفكرة، وتلوين الصورة، صاحب نبل في الأخلاق، وسعة في الثقافة، وعمق في الإدراك، وبخت الرضا التي عفرتها سافيات التراب، كانت هي من تدفع عن الوطن وصمة الجهل، وعن أديمه نقيصة التخلف،

نعم لم يكن من سقاه الكرم المحض، والنبل الخالص والذي يعيش النشء الأغرار في كنفه كما يعيشون في ظلال أبويهم مثالاً للجشع الجريء، والإهمال الدنيء، والجهل العاتي، بل كان سراجاً نيراً لكل ضال، وشعاعاً متوهجاً لكل غافل.

كان التعليم الحكومي الذي امتزجت به كل شائبة، وسرت إليه كل علة، فيما مضى من عقود مثل شجرة سامقة وارفة الظلال، تؤتي أُكلُها كل حين، وترفد السودان بنوابغ يتباهى بهم في محافل الدول، ولكن هذه الدوحة الفينانة صوحت بعد بهجة، وأوحشت

بعد أُنس، بعد أن كابدت أغصانها الملدة معرة الظلم، وقاست مذلة الحرمان.

 إنّ فاجعة التعليم اليوم تدمي العيون، وترمض الجوانح، وتستدعي الدهشة، الأمر الذي يستوجب علينا العكوف لدراسة مأساته التي تتطلب أن نكون يداً واحدة، ورأياً جامعاً، وعزيمة ماضية، لانتشاله من تلك الهوة التي تردَّى فيها، فمن يدور برأسه الغرور، ويذهب بنفسه العناد، يقرُّ في خضوع أن المؤسسة التعليمية التي كانت تحفز القرائح للعمل بالعطايا والمنح، وتضمن الإجادة بالجهد الدائب، والعناء المرهق، وترتقي بالأداء بالمتابعة اللصيقة والإشراف المستمر، قد انحلت عُراها، ووهت علائقها، وأنّ المعلم الذي كان متمكناً في علوم اللغة واللسان،

ومتبحراً في ضروب الفقه والدين، صاحب الملكة في العلوم، والقريحة في الأدب، قد أضحى غاية في الغثاثة والهزال، بعد أنّ أصابته الدواهي النُكر، والبلايا المواحق، لقد أضحى ناشر العلم، وباعث الهداية، وموئل اللغة، أثراً عبث به الدهر، وتاريخاً تطرق إليه النسيان، فمن كان يصدق أن من تشخص لطلعته الأبصار، وتشرئب لمقدمه الأعناق، يتفاقم شره، ويستطير أذاه، ويغدو صاحب عقلية ضحلة خرقاء، لا هاجس لها سوى اكتناز المال، والتعلق بأهداب المادة، من كان يصدق أن المُربي الفاضل صاحب السمت الرزين، والمنطق المتئد، والأسلوب الرخيم الحواشي، يقود طالبه الى الفوضى الخلاقة، والفشل الذريع، حينما يغض الطرف عن تصرفاته الهوجاء التي يتمعر لها كل جبين، وتتنكر لها كل ناصية، ولكن أنىّ لأساتذة هذا

الزمان أن يدركوا ما تقتضيه واجبات مهنتهم السامية وهم أنصاف المتعلمين، وأرباع المثقفين، الذين تكالبوا على تلك المهنة فراراً من الفراغ المقيت، والبطالة التي تُميت، كيف لمن تعول عليهم الأسر أن يحفلوا بخلق، أويكترثوا لقيم، وهم الذين بددوا الوقت في الجامعات لتنظيم الحشود، أو حصب الجنود، من

كان يصدق أعزك الله أن المراحل التعليمية الثلاث تختزل في اثنتين ولا يُراعى الفارق المهول في السن بين طفل يرفل في معية الصبا، وآخر راهق الحلم، وشارف الإدراك، بل من كان يصدق أنّ الكتاب المدرسي الجم الفوائد، السديد المنهج،

الذي يستوعب أصول كل علم، ويحيط بفروعه، يمسي عبارة عن هلاهيل لا تشحذ ذهنًا، أو تُلهِم خاطرًا، وأنّ من هدّهم الغلول، وأعمتهم السلطة، قد زينوا الإخفاق بموشحات أنوط بالقلب، وأعلق بالذاكرة. إنّ من يدعي نهضة العلم في هذا البلد

الأبي ويضمخ ثورة التعليم المزعومة التي أتحفتنا بها الإنقاذ الحانية بعبارات الثناء والتقريظ يعوزه الدليل، ويحتاج إلى تحرير الحجة.

 

الطيب النقر

 

محمد بنيعيشأولا: العلماء والسياسة بين الدور الحقيقي والتغير الاجتماعي

قد يكثر الحديث بين الفينة والأخرى عن قرب أو بعد العلماء عموما، وعلماء الفقه والدين خصوصا، عن السلطة أو السياسة على سبيل التبعية الداعمة أو المعارضة الناعمة أو النائمة وغير المؤهلة للممارسة الرسمية، شبيها لما قد يعرف بالكومبارس في الممارسة السينمائية، حيث الحشد ودعم الدور من دون التقرير فيه أو لعب البطولة.وهذه الأحاديث قد تثير الانتباه إلى نقطتين كنا نود الوقوف عندهما إسهابا كبحث خاص ومفصل، وهما ما مظاهر الإيجابية في توظيف السلطة للعلماء بجانبها، ومن وجه آخر ما مظاهر السلبية في استغلال العلماء لدى السلطة على حساب المصلحة الدينية؟

فكما يرى ابن خلدون في المقدمة حول العلماء والسلطة، نقتبس هذه الفقرة التي تبين جانبا من الإيجابية عند السلطان في تقريبه للعلماء حسب التزامه الديني والعقدي، وهي قوله: "إنما إكرامهم من تبرعات الملوك والأمراء الشاهدة لهم بجميل الاعتقاد في الدين وتعظيم من ينتسب إليه بأي جهة انتسب".

وهذا فيه إشارة إلى أن بعض الحكام قد كانت لديهم ميولات دينية حقيقية غير أنهم ليس لديهم من العلوم الشرعية ما يكفي لأن يجعلهم على مستوى التطبيق العلمي للأحكام، أو أن وضعيتهم السياسية تستدعي منهم التدرج في تطبيق الأحكام بحسب المناخ السياسي السائد في عصرهم سواء أكان متأثرا بالضغوطات الداخلية أو الخارجية والسياسة الدولية، أم بحسب البطانة المحيطة بالحاكم ونوعية تصوراتها وتشكيلاتها العرقية والقبلية وحتى العقدية والمذهبية، إضافة إلى أطماعها وأهدافها الشخصية الضيقة.

لكن، مع ذلك فقد يأبى الحاكم إلا أن يحافظ على مظهره الديني ولو شكليا باستدعاء الفقهاء أو من يتصدرون الحديث النظري من رجال الفكر والثقافة والمشتغلين في مجال العلوم الدينية وتحليل التراث، وأيضا بعض الزعماء أو المنتمين لكثير من الطرق الصوفية وما إلى ذلك من المشتغلين في الحقل الديني وما قاربه...

ومن هنا فإن السلطة التي توظف العلماء بجانبها كباعث خيري من طرف أصحابها وتعبر عن تشبث على مستوى ما بدينها تمثل إيجابية وأملا لدى الشعوب الإسلامية المتطلعة إلى الاستقرار والاطمئنان على عقيدتها وروحها ومعاشاتها في آن واحد. لكن ولكي يتم لها الهدف من ذلك فينبغي أن تتحرى العلماء الصادقين من الزائفين، والراسخين من السطحيين، والعاملين من البطاليين، وإلا وقعت بل ساهمت في انقباض العلماء وتقوقعهم على أنفسهم، وبالتالي عدم إفادتهم للأمة أو الوطن حتى يقبض الله أرواحهم, فلا تجد من ينير الطريق للمجتمع ولا للسلطة في حد ذاتها، لأن الأمر سيصبح فيما بعد هرجا ومرجا وجهلا وتجهيلا رغم توفر التقنيات والصناعات والخيرات المادية، إذ ذلك لا يكفي في تحقيق الأمن والسلام والسعادة.

بل وفرة المال والرخاء بغير ضوابط العدل والأخلاق الشرعية قد يؤدي إلى الطغيان كما نجد وصفه من خلال قول الله تعالى: "كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى إن إلى ربك الرجعى". ونجد قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" وأيضا "يقبض العلم ويظهر الجهل والفتن ويكثر الهرج قيل وما الهرج فقال هكذا بيده، فحرفها كأنه يريد القتل"

وهذا الإفتاء بغير علم والإضلال بسببه سيؤدي حتما إلى الفتن وإلى الاختلال سواء بين بطانة الحاكم أو داخل المجتمع ككل، بل إن الحاكم سيصبح هو المنعوت شخصيا بالكذب والجهل والإضلال بسبب تلك الشرذمة من أشباه العلماء المتسيسين والمتربصين بمجلسه ومحيطه. حتى إن خطرهم عليه سيكون أسوأ من خطر السياسيين العاديين، خاصة إذا استحكم أمرهم وأصبحت لهم اليد الطولى في الظهور والحضور الرسمي، بل العمل على تأليف وتكوين خلايا تابعة لها بدعوى أنها هي الحارسة للشريعة، نظرا لما تتوفر عليه من حرية في الحركة وغزارة في التمويل ودعم للخطابة وحشد الجماهير وإثارة انتباهه. ومن هنا فحينما يتفطن الحاكم لهذه البلية ويريد اجتثاثها تجتثه هي بذاتها ويكون الأمر حسب قول الشاعر:

وذاهب بالضرغام ليصطاد به    تصيده الضرغام فيمن تصيدا‍‍‍‍

وهذا ما يفسر لنا لماذا عرف بعض الخلفاء ماضيا سواء في الدولة الأموية أو العباسية انتكاسات بعدما أقصي العلماء الحقيقيون من النصح ووضع بدالهم مرتزقة ومداهنون متكالبون على الدنيا وحطامها ضدا على مصلحة الدين والمجتمع ككل، إذ نجد نموذجا من هذا المآل السيء الذي فات استدراكه لدى أحد الخلفاء العباسيين الإصلاحيين كما يحكى:

"لما جاء المهتدي بالله (255-256هـ) ونزع نزعته إلى الزهد استغرب منه ذلك ولم يطاوعه الناس وسئموا سيرته وأدى الأمر إلى قتله. ذلك أنه جعل مثله الذي يجب أن يحتدى عمر بن عبد العزيز، فحرم الشراب ونهى عن القيان وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر. وقرب العلماء، ورفع من منازل الفقهاء وأحسن معاملة الطالبين، وقلل من اللباس والفرش والمطعم والمشرب، وأخرج آنية الذهب والفضة من خزائن الخلفاء فكسرت، وضربت دنانير ودراهم... قال المسعودي: "فثقلت وطأته على العامة والخاصة بحمله إياهم على الطريقة الواضحة، فاستطالوا خلافته وسئموا أيامه، وعملوا الحيلة عليه حتى قتلوه".

ولما قبضوا عليه قالوا له أتريد أن تحمل الناس على سيرة عظيمة لم يعرفوها؟. فقال: أريد أن أحملهم على سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأهل بيته والخلفاء الراشدين!. فقيل له: إن الرسول كان مع قوم قد زهدوا في الدنيا، ورغبوا في الآخرة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، وأنت إنما رجالك تركي وخزري ومغربي وغير ذلك من أنواع الأعاجم لا يعلمون ما يجب عليهم من أمر آخرتهم، وإنما غرضهم ما استعجلوه من الدنيا فكيف تحملهم على ما ذكرت من الواضحة؟!" ولم يدم في خلافته إلا أحد عشر شهرا، لأن السعي إلى تقريب العلماء الصالحين كما فعل المهتدي بالله سيكون بالطبع على حساب علماء السوء والذين هم من ضمن البطانة الفاسدة، وحيث إن الصالحين قد كانوا مقصيين من الحضور سواء على المستوى الجماهيري وكسب العامة وتوجيههم، وكذلك غير حاضرين في مجالس الدولة وقراراتها فإنهم سيبقون سلبيين على كل حال، فلا هم يمتلكون قلوب العامة لحساب السلطان الصالح ولا هم يدرءون خطر الخاصة أو رجال الدولة العميقة عن التآمر والتناور ضده وتحديد مساره وتوجهاته، بعدما كان المفروض أنه هو الذي يوجه بطانته لكي تطبق أوامره وتعليماته.

ثانيا: التوظيف النمطي للعلماء وانعكاساته السلبية على الدولة والشعب

وهذا النوع من التوظيف النمطي والمؤدلج سياسيا للعلماء سيضفي على الأنظمة المسخرة له صفة الجهل المركب رغم أن الكثير منها في الماضي وكذا الحاضر قد تتوهم بأنها تراوغ بواسطتهم الجماهير، وتستغل الدين في باب السياسة أو تستعملهم كرادع ومخدر أو مهدئ تحت قاعدة اثنين في واحد 2 × 1 = 1، أي كما يقول المثل المغربي: واحد يحلب والآخر يشد القرنين، إذ الحالب يكون هو الغالب والناهب، وذلك بواسطة الشاد والممسك بالقرنين للحيلولة دون صولة البقرة أو انفعالها بسبب شد الحلب. لكنه في كثير من الأحيان قد تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن "ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين" "يخادعون الله وهو خادعهم" "يخادعون الله والذين آمنوا وما يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون"

إذ الدين لا ينبغي أن يستعمل كوسيلة لتحقيق الظلم والباطل والإسراف والفساد في الأرض خداعا، وإنما هو على العكس من ذلك خاصيته ونوره يقتضي أن يقام به الحق والعدل والمساواة وإسناد الأمور وتوسيدها إلى أصحابها وأهلها، ومن ثم يتحقق حلم الإنسان وأمله في المدينة الفاضلة المنورة مدينة السلام والعلم، والمال والأعمال والأذواق والأخلاق...

ولئن عرف تاريخنا فيما مضى وبنسب وأزمان متفاوتة انحرافات مشتهرة لدى بعض رجال السلطة، وخاصة على أعلى مستوى شخصي ذاتي أي بحكم الانزلاق البشري العادي في باب الملذات والشهوات وكذا الضغائن النفسية والانتقامات السياسية وما إليها لكن مع ذلك بقي العلم قائما والعلماء لهم حرمتهم، بل كان هناك نقد متبادل بين المنزلقين والمتحفظين أو الورعين. فقد يُنتقد السلطان وعلماؤه وحاشيته، ومع ذلك يكتسب هؤلاء الناقدون احترامهم من الخليفة نفسه، لأنه ما زالت فيه بقية من الاحترام اتجاه العلم وأهله، و أن أحكام الشريعة في المعاملات العامة قد لا يسقطها من حساباته وأساس سلطانه، لأن الجمهور يتطلبها وهو معهم بقوة ووعي، كما أن علماءها لهم كفاءاتهم في تعليمها وتوظيفها وأيضا لديهم إدراك أخلاقي وذوقي في طريقة نصح الحاكم وصرف الفتنة عن المحكوم، واستعمال أسلوب راقي جدا فيما يمكن أن نصطلح عليه بالوعظ السياسي عند العلماء وخاصة الصوفية منهم... وهذا يعني أن البطالة الفكرية والعلمية الوظيفية لم تصب يوما ما فقهاءنا وعلماءنا في زمن الشموخ الحضاري للأمة الإسلامية وعنفوان دولتها، بل العكس من ذلك فإن الفقه لم يعرف تشعبه وقوة اجتهاداته إلا بعد التدهور السياسي وانقسام النفوذ وتوارد الأزمات والنوازل، إذ سيصبح الفقيه والعالم والعارف الصوفي هو المرجعية الرئيسية لحل الإشكالات وإبداء الرأي السليم حول مصير الأمة وكيفية الحفاظ على بيضتها، وخاصة ذلك العالم المستقل عن كل الضغوطات والإغراءات، حتى إن الكثير منهم قد كان يتعرض للمحن والبلايا من طرف السلطان المنصب آنذاك، ومع ذلك يخرج دائما منتصرا لأن الحق يعلو ولا يعلى! والعلم يؤتى إليه ولا يأتي كما يروى عن الإمام مالك رحمه الله تعالى أن هارون الرشيد قال له: يا أبا عبد الله ينبغي أن تختلف إلينا حتى يسمع صبياننا منك الموطأ قال: فقلت: أعز الله مولانا الأمير، إن هذا العلم منكم خرج، فإن أنتم أعززتموه عز وإن أنتم أذللتموه ذل، والعلم يؤتى ولا يأتي فقال: صدقت، اخرجوا إلى المسجد حتى تسمعوا مع الناس"

وهذا الموقف قد يعطي لنا صورة حية وراقية لمكانة العالم الشرعي، أو لنقل بالمصطلح التخصصي، الفقيه الحقيقي الذي جمع بين الورع والتقوى والتحصيل والفهم والتأويل، وبذلك نالوا الفخر والعزة ولم يصبهم ذل ولا ذم رغم تعرض الكثير منهم للمحن من أجل فتاواهم أو مخالفتهم لأهواء أو آراء السلطان في زمانهم، كما يروى عنهم نظما:

ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم على الهـ  دى لـمـن اسـتـهـدى أدلاء

وقدر كل امـــــرئ ما كان يحــــــسنـه والـجاهلون لأهل العلم أعداء

ففز بعلم تعش حيـا بـه أبــــدا    النـاس موتى وأهل العلم أحياء

هذه شذرات من ذهب خالص ناصح وليست من قصب جارح، قد تومئ وتصبو إلى ترسيخ ما ينبغي أن يكون عليه الأمر لمن يعنيه الأمر في هذه الأمة حتى يستقيم له الأمر وينسا له في العمر ويبارك له في السعي ويتم به الصلاح والإصلاح: " إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ".

 

الدكتور محمد بنيعيش

شعبة الدراسات الإسلامية

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

 

 

 

عصمت نصارلقد تحدّثنا في المقالات السابقة عن أهم ملامح البنية المنهجية لمشروع الشيخ عبد المتعال الصعيدي، وبينا مصادر أفكاره والسمات العامة لأسلوبه ومنهجه ونهجه في تناول المصطلحات واجتهاداته في التأليف بين المتقابلات من المفاهيم كما وضحنا ضربه في الرد على ادعاءات غلاة المستشرقين، أمّا في هذا المقال فسوف نكشف عن أحد أعمدة منهجه في التجديد المتمثل في تعويله في الاجتهاد وتفسير النصوص (القرآن والسنة) واستنباطه الأحكام الفقهية على علم المقاصد الشرعية، فهي عنده آلية التجديد التي لا غنى عنها لنقد وتقويم الفكر الموروث من جهة، والمصباح المنير الذي يمكن المجددين من الاستدلال على سبل تحديث الفكر الإسلامي وتجديد العلوم الأصولية من جهة أخرى.

فقد تناول الشيخ "عبد المتعال الصعيدي" بقلمه النقدي الموضوعات التي أثيِرَت من قبله حول مفهوم التجديد ومعوقاته وسمات المجددين؛ فذهب إلى أن التجديد في الإسلام له ثوابت تليدة مستمدة من القرآن والسنة النبوية، ومن ثم فهو بريء من التعصب والجمود والرجعية والاستبداد، وغير ذلك من التهم التي ألصقها به غلاة المستشرقين وأذنابهم، بل إن الأصول الإسلامية مرادفة للحركة والنهوض والمدنية والتسامح العقدّي وحرية الفكر، ويقول "الحمد لله الذي له كل يوم شأن، وسن بهذا سنة التجديد في خلقه، ووضع أصل الترقي في هذا العالم ليسير في طريق التجديد خطوة بعد خطوة، ومن أكمل إلى أكمل منه، دلالة على عظيم قدرته، وإنها لا تقف في الكمال عند حد محدود، ولا تنتهي فيه عند نهاية من النهايات، والصلاة والسلام على محمد خاتم المجددين من الأنبياء والرسل، وقدوة المجددين لخلفائه من بعده من أتباعه وأتباعهم، إذ بُعثَ لتجديد الشرائع بعد ما أصابها من البلى ولفتح باب الترقي فيها بترقي البشرية، فوضع أصول التجديد في شريعته وفتح طريقه لكل من يحاول بعده، وجعل من أتباعه مجددين يُبَعثًون في كل جيل، يجتهدون على نحو ما أتُي به من التجديد في الشرائع، ويسيرون على وفق ما وضعه في ذلك من الأصول".

ويتضح من الكلمات السابقة أن شيخنا الجليل يستمد بذور التجديد من الأصول الإسلامية الثابتة التي دعت للاجتهاد في أمور الدين والدنيا، ووصفت العلماء بأنهم أكثر خلائق الله خشية، موضحًاً أن أمور السياسة وليس الشرع هي التي أدانت المجددين من الفلاسفة والعلماء والمصلحين، ولذا درج شيخنا العديد من الفلاسفة والمفكرين المصلحين وبعض من أتُهمُوا بالتجديف ضمن قائمة المجددين في الإسلام، ولا يؤخذ عليه هذا الموقف لأنه عُني بتبريره فهو لا يرى غضاضة في أن نتعلم من المخالفين قبل الموافقين في الملة أو الرأي "عدو عاقل، خير من صديق جاهل"، "مالا يقتلني يزيدني قوة"، مستندًاً في موقفه هذا بما فعله الرسول (صلي الله عليه وسلم) إذ جعل فدية الأسير الكافر في غزوة بدر تعليم عشرة فتيان مسلمين (الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها).

ويقول :"وقد ذكرت فيما سبق أساس التجديد، فمن تحقق فيه فهو مجدد سواء كان سنيًا أم شيعيًا أم غيرهما من الفرق الإسلامية، ولا شك أن خلاف ذلك أثر من آثار التعصب الممقوت بين الفرق الإسلامية، وأنه يجب القضاء عليه الآن لتعود للمسلمين وحدتهم وألفتهم، على أنه لا محل لهذا التعصب في باب التجديد والمجددين، لأن فكرة التجديد أسمى من أن ينظر فيها إلى ذلك، وأكبر من أن يكون للتعصب أدنى أثر فيها، لأن المجدد يجب أن يتعالى على ذلك التعصب الممقوت فلا يصح أن يكون لمذهبه في الدين أثر في غايته من التجديد ولا فيما يرمي إليه من النهوض بالمسلمين، بل يجب أن ينظر في دعوته إلى المسلمين جميعًا، ويقصد أن ينهض بهم جميعًا، وأن يجدد فيهم جميعًا ليجمع بينهم على غايته من التجديد، ويجعل كلمتهم واحدة فيما يقصده من النهوض". ويعني ذلك أن هدفه من غربلة الآراء المطروحة من كل صوب ودرب هو البحث عن أفضل الدروب لحل مشكلات الواقع من جهة وتحقيق المقصد الشرعي من جهة أخرى.

وقد أجاب بذلك عن أحد الأسئلة المطروحة حيال قضايا التجديد ألا وهو: هل يحصر المجددون في دائرة الإسلام دون غيرها (أمة الإجابة أم أمة الدعوة؟) وقد جوّز الثانية مستندًا على عالمية الإسلام، وقد خالف بذلك سابقيه من الذين أرخوّا لحركة التجديد في الإسلام، الذين تناولوا المجددين في دائرة المجتمع الإسلامي دون غيرهم، غير آخذين بالمتغيرات الحضارية التي كانت تدور من حولهم في الأمم الأخرى، ويقول "إن المراد من الأمة فيه (الحديث الشريف) أمة الإجابة وهم المسلمون ويجَوز أن يُرَاد أمة الدعوة، وإرادة هذا ظاهرة على الأساس الذي قدمته في فهم التجديد في الإسلام، لأنه كما سبق يُرَاد منه النهوض الديني والمدني، وهو يتعدى من المسلمين إلى من يعاصرهم كما حصل في قيام النهضة الأوروبية بتأثير النهضة الإسلامية".

وتبدو ملامح الطرافة عند "عبد المتعال الصعيدي"، ليس في درجِه الفلاسفة ضمن المجددين في الإسلام فحسب، بل تخطت ذلك إلى عنايته بدراسة تطور الفكر الإنساني من علم وسياسة وفلسفة أثناء حديثه عن المجددين المسلمين عبر القرون المتتابعة، متسقًاً في ذلك مع المقدمات التي وضعها في مفهوم التجديد. فالأصولي عنده هو المستحكم والجاد والراسخ، والأصيل من الرجال هو المتمكن، والأصالة في الفكر جودته، وفي الأسلوب ابتكاره، والأصولي هو الذي يقف على مبادئ العلوم وقواعدها. أضف إلى ذلك الدلالات الإجرائية للأصول الإسلامية المستنبطة من القرآن وصحيح السنة، تلك التي أثبتها الشيخ الإمام "محمد عبده" وتلاميذه، فجميعها يبرهن على أنه ليس هناك أدنى تعارض بينها وبين الدعوة للتجديد (أي الأخذ في المتغيرات بنظم الأغيار وعلومهم وحلولهم، للكثير من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية شريطة عدم تعارضها مع قطعي الثبوت وقطعي الدلالة من الأصول الشرعية).

إذا ما انتقلنا إلى مسألة تجديد الأصول في الثقافة الإسلامية، فإننا سوف نجدها أصيلة بأصالة الإسلام، وطيعة بطبيعتها ومؤهلة في بنيتها للتطوير والتحديث. وذلك لأنها وثيقة الصلة بالمقاصد الشرعية؛ فالتجديد في اللغة : إعادة الشيء جديدًا، وفي الفكر إثبات جدّة وطرافة الأصول والثوابت بعد إحيائها وتخليصها ممّا أعاق فاعليتها وأثرها.

وينتقل "عبد المتعال الصعيدي" إلى مناقشة الأسباب التي أدّت إلى إخفاق المجددين، وحصرها في:

(1) استبداد الحكومات الإسلامية، ممّا يباعد بين الحاكم ورعيته وينَفِرهم من مساعيه ويقعدهم عن تحقيق أهدافه، وبالتالي عدم استجابة الحكام للمصلحين من الرعية, والناصحين من ذوي الرأي. ويؤكد الصعيدي أن الصراع بين أفراد الأمة أو طبقاتها يعد من أقوى معاول الهدم لأي مشروع تجديدي.

(2) عدم وجود خطة إصلاحية شاملة، بل نجد خطط جزئية تهتم بأمور دون الأخرى، مثل الدعوى الوهابية (التي عولت على النص والتراث الفقهي في فهم الدين وتوجيه المسلمين واهملت في الوقت نفسه العلوم المدنية) أو نهضة الكماليين (تلك التي ألغت نظام الخلافة وفصلت بين الدين والحياة وعولت على العلم وحده في التربية والأخلاق وتسيير أمور المعيشة، ظنًاً من دعاتها أن هذا السبيل سوف يوصلها إلى الرقي والتقدم) أو إصلاحات العلمانيين المحدثين التي اتخذت من الفلسفات المعاصرة سبيلًا لنقد الثوابت العقدية والأخلاقية باسم الحداثة وما بعدها وحرية البوح والاعتقاد واختراع دين إنساني عالمي يتغير تبعًا للحاجة والثقافة السائدة.

(3) جمود بعض علماء الدين وعجزهم عن إقناع الجمهور بسلامة موقفهم المحافظ وإصلاح أحوالهم والاستجابة لمشروعاتهم، مع عدم تقديم حلول ناجعة للقضايا المعيشة، الأمر الذي ترتب عليه فقدان الثقة من قبل الجمهور بالمنابر الدينية والسير في ركاب المحافل الماسونية، ولاسيما بعد ظهور القوى الرجعية التكفيرية والجماعات الدينية المسايسة مثل الإخوان المسلمين التي اتخذت من العنف سبيلًا للإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

(4) خوف الحكام من الحركات التجديدية ومحاربتها، وذلك بإيعاز من الدوائر المحيطة بكرسي السلطان أو الحاكم بحجة أن مسايرة المألوف أسلم من دروب المجهول وغير المعروف، وأن التقليد راسخ بالعادة، أمّا التطوير والتحديث والتجديد يحتاج إلى قيادة وجهد للسيادة، وظهور أنداد وخصوم لا يؤمن شرهم ولا يرُجى منهم إفادة.

(5) تآمر الدول الغربية على الحركات التجديدية والإصلاحية الإسلامية وإضعافها والتشكيك في أغراضها. ويبدو ذلك بوضوح في عمل دوائر الاستشراق العقدي والسياسي على تشكيل جماعات من بين المسلمين لمناوئة ومعاداة والحط من شأن أرباب التجديد وتحريض الجامدين على تكفيرهم وتدعيم العلمانيين للتسفيه من خطاباتهم وتيئيسهم واضطهادهم. ذلك كله فضلاً عن تأسيسهم وتشجيعهم للفرق والجماعات الجامحة والجانحة والضالة والإرهابية لتشويه صورة الإسلام، وإجهاض الحركات الإصلاحية. بالإضافة إلى عجز أرباب الاتجاه المحافظ في ظل المناهج الأزهرية العقيمة عن الرد على أكاذيب المستشرقين ودعاة الالحاد والجماعات المتشددة الجانحة بأسلوب يقبله العقل وتؤكده المقاصد الشرعية.

وقد اتضح ذلك خلال المساجلات والمناظرات والردود التي أدلى بها أعضاء لجنة كبار العلماء بالأزهر ومن سار في ركابهم. ويقول في ذلك "وهذه هي أهم الأسباب التي كان لها أثرها في عدم وصولنا إلى التجديد الحديث في هذه القرون، فإذا أردنا أن نسير بعد هذا في التجديد عرفنا ما أعاق منها نجاحه، واتقينّا في المستقيل أخطاء الماضي لنسلك في الإصلاح وسائله الصحيحة، ونأخذ في التجديد بالأسباب الموصلة إلى النجاح، ولا يمكن هذا إلا إذا علم ملوكنا وأمرائنا وأولياء الأمر فينا أنه لا بقاء لنا ولهم إلا بالتجديد والإصلاح، وإلا إذا علم الجامدون منا أن المنادين بالتجديد مخلصون للدين مثلهم ولا يريدون إلا النهوض به بين الأمم، فإذا علم هؤلاء وأولئك ذلك خلصت النيات وأمكن الاتفاق على الوسائل التي تؤدي بنا إلى مالم نصل إليه من التجديد الحديث".

أمّا عن سمات المجدد، فقد لخصها الصعيدي في:

(1) العزوف عن الملك ومطامع الجاه والسلطان.

(2) ضرورة الابتعاد عن الادعاء بأن من يتصدى للتجديد أنه ملهم أو يأتيه الخبر من السماء - شأن أئمة الشيعة المحدثين وأرباب الفرق المحدثة -

(3) الاعتماد على العقل والنقل معًا في إصدار الفتاوي والأحكام.

(4) فتح باب الاجتهاد والاحتكام إلى الحجة والبرهان في الأمور التي لم يرد فيها نص قطعي الثبوت وقطعي الدلالة.

(5) أن يكون غرض المجدد هو الإصلاح الشامل لحال المسلمين - دينهم ودنياهم- عقائدهم وعاداتهم، وذلك لتفعيل المقاصد الشرعية.

ويقول "وطالب الإصلاح والتجديد ليس إلا عالماً من علماء المسلمين لا يملك من دنياه إلا علمه، ولا يعتمد في تأييد دعوته إلا على دليله وبرهانه، فمن آمن بدعوته كان له أجر هدايته، ومن لم يؤمن بها لم يحمل شيئًاً من وزره، ومع هذا لا يكون هناك ما يُضغِن قلبه حتى يثير بضغنه فتنة أو يقيم به حربًاً وإنما يهمه أن تنتصر دعوته بالسلم لترتفع أعلام الإصلاح وتظهر آثار التجديد، وينهض المسلمون في دينهم ودنياهم، ويكون له بهذا فضل هدايتهم وشرف الجهاد في الإصلاح والتجديد بينهم".

وانتهي "الصعيدي" إلى أن التجديد يجب أن يكون وليد ثورة عامة شاملة ضد الجمود والتبديد في الأمور الدينية والأمور المدنية سواء بسواء، على أن يقوم بها ثوار مخلصون لرسالتهم غير متفرقين في وجهتهم حتى لا تتبدد قواهم ويستحيل اجتماعهم على الإصلاح إلى فُرقة وشقاق لا يؤدي إلا للتعصب وتحزب ممقوت وتفكك في الرأي الجمعي وتقاعس الجمهور، بل وانصرافه عن الاستجابة لتوجهات المصلحين، ويؤكد أن ذلك لن يتأتى إلا بوجود تواصل فكري بين إمام المدرسة الفكرية التي تسعى للتجديد وبين أعضائها الذين يضطلعون من بعده بحمل الراية وتنفيذ الخطة الموضوعة، على أن يكون تباينهم في الآراء محصورًاً في الفروع وليس في الأصول، ويقول :" نعم على من يدعي الإصلاح بعدهما - أي "جمال الدين الأفغاني (1838-1897م) " و" محمد عبده (1849-1905م)"- أن يكون صريحًاً فيه مثلهما، وأن يترك دعوى أخذ الإصلاح بالحكمة والهدوء، فإنما يفعل هذا من يؤثر الوظيفة ومغانمها على الإصلاح ومغارمه، ويؤثر السلامة في مداراة الرجعيين على الخطر في منابذتهم، ومثل هذا التردد لا يتم به إصلاح ولا يقضى به على الجمود، وإنما هي الثورة ولا شيء غير الثورة ولا يقتصر أمر الانحراف في دعوة الإصلاح الآن على هذا التردد بل يتجاوزه إلى صميم الدعوة الإصلاحية فقد كانت عامة شاملة على عهد (جمال الدين الأفغاني) و(محمد عبده) أما الأن فقد تفرق دعاة الإصلاح فيما يدعون إليه، وصار لكل واحد منهم غاية من الإصلاح يتجه إليها وحدها ويرى أنها هي الإصلاح لا غيرها، وقد يحمله التعصب لها أن يعادي من يدعو إلى غيرها من وجوه الإصلاح وتقوم بهذا حرب بين أولئك المصلحين وقد تكون أشدّ ممّا تقوم بينهم وبين الجامدين، وقد نشأ هذا مع غيبة المصلح الثائر الذي يجمع الإصلاح كله في ثورته ويضم أنصاره كلهم تحت لوائه، فلا يسمع لغيره كلمة في الإصلاح وإنما تكون هناك زعامة واحدة, لذلك المصلح الثائر".

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم : د. عصمت نصّار

 

سامي عبد العالفي دائرة التداول العام، من يُعطِّكَ حبْلاً، ضَّعه (لِفه) حول رقبتهِ. تقول الأمثال الشعبية" من ذقنهِ وافتلْ له" كأحد الأساليب لكشف تناقضات المتحدث (الكاتب/ الخطاب) ونقض مبرراته وإظهار زيفها. وبخاصة إذا كانت صيغ الكلام عنيفة ولا تترك المتلقي وشأنه إنما تلاحقه بقيود غير مرئية. إنَّ أعمق ما يُفكِّك التفكير الإرهابي المؤدلج تبيان: كم هو يدمر الدين نفسه قبل أي شيء آخر. ذلك يجري تنكيساً لكاملِ البناء الايديولوجي وخلخلة أركانه التي تبتلع الاعتقاد. وهي الحركة السالبة القابلة للرصد مع عنف الجماعات الدينية وخطاباتها المتداولة. فإذا ما تتبعناها كانت كفيلةً بشق دروبٍ جديدة للفكر والاختلاف وإظهار كَون الإرهاب قتلاً لمعاني الفهم.

هل ثمة إشكالية فكريةٌ حول الكلام الديني المتنطِّع، أي المفرط والمتقعر والمتشدد؟ إنَّ العمل الناقض داخل خطابٍ كهذا يشبه عمل الفيروسات القاتلة، حين لا تهاجم أبداً الخلايا من الخارج إنَّما تسكن تكوينها الداخلي ناخرةً عبر بنيتها الأساسية حيث تنتشر وتتقوى، فتعيد توزيع أدوارها للاختراق والتجاوز. فالفيروس يصمم وجوده الطفيلي في جسم الإنسان وأنسجته، يغتذي على موارد الخلية المستهدفة. أي أنه يلتصق بآليات عملها مبرمجاً إياها وفقاً لوظائفه الحيوية الجديدة، وهذا ما يعطيه إقامة دائمة في الجسم دون أن يشعر به الإنسان.

بالنتيجة يجب تناول الاتجاهات الارهابية باستراتيجية التَّحلُّل الداخلي. أي بطريقة: أقتل نفسك بنفسك ... أو دعه ينتحر بسيفه (كيدهم في نحورهم). على ألاَّ يتم ذلك بخبط عشواء ولا بمجرد استنكار من قراءة أو تأويل. فالاعتقاد الديني دون غيره يتصلّب- إلى درجة الاستحالة- في مواجهة أي هجوم خارجي. وهو أشبه بالقنفذ التي يدخل لحمه الحي داخل أشواكه ليدمي أي عدو مفترس. لأنَّ المضاد البيولوجي anti- biological للاتجاهات الدينية العنيفة ليس العلمانية (كما يتوهم أصحابها)، بل إذا أننا أثبتنا رجعَ (الأثر السالب) لرؤاها, لكان ذلك قميناً بإضعافها وغربلة ذُراها.

في هذا السياق: من هم المتنطعون دينياً؟ جاء عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ. قَالَهَا ثَلَاثًا) رواه مسلم. هنا لدينا فرصة ثمينة: كلام ديني عبارة عن "حديث نبوي" يقر بعدة أشياء حول خطابات التدين. وبواسطتها يصح التساؤل: كيف يعارض الدينُ نمطاً معيناً من العنف على ذاته؟! ولماذا يتهدد الدين من أقرب الخطابات إليه؟ وهل بالإمكان التبرؤ من طابع التدين باسم الدين نفسه؟ بكلمات أخرى: هل يسقط التدين متحدثاً عنه وفيه؟

هذا المعنى يظهر نقطة تقوم على مفارقة مهمة، وهي أنَّ الاعتقادات الدينية تحمل نقائضها على الدوام لدرجة الاختلال. حتى وإنْ كانت في خدمة أهداف عُلياً بالضرورة. وأنَّ تلك الاعتقادات عندما تصاغ تكتسب احتمالات تأثيرها بمآرب منحرفة وذات طابع افراطي ومغالٍ فيه. هل سيُواجه الدين وجوده السالب (أي الوجه الآخر له)؟ ينطلق هذا الحديث النبوي كأنَّه مرآة في محيط اللغة الدينية. فثمة كلام من جنس ما يقال يعتبر كلاماً كاشفاً في الكلام، أي ماهية الأساس باصطلاح مارتن هيدجر. فإذا قلنا إن الدين معتقدات وإيمان وأفكار متعالية، فتلك الذخيرة اللغوية تأخذ في إظهار مسيرتها. أي تقدم جرداً نقدياً ذاتياً أساسه التباين لما يمكن أن يحصل في مضمونها. وبذلك يمكننا القول: وشهد شاهد من أهلها... وبالتماثل أمام الارهاب المؤدلج: على نفسها جنت براقش.

وعليه يتأتى خطر العنف من ألصق الأشياء بالدين، التدين، التجربة الدينية، التعامل مع المقدس، القُوى العليا. إنها تمارس انقلاباً على ذاتها لا على أي شيء آخر. فكلام الحديث النبوي ينتمي إلى "خطاب الخطاب الأصلي" على طريقة نقد النقد. وأنه لن يوجد هناك أي كلام محصن دون ملاحقة تساؤلية. وها هو الإسلام يقدم مقترحاً جوهرياً بذلك في آفاق الديانات الإبراهيمية.

ليس ذلك الأفق إيماناً بديلاً بقدر ما سيفعل فعله داخل الانساق الدينية. فكل نسق من هذا القبيل يُبنى على لحظات لا واعية خاطفة إزاء التلقي. بالتالي ستحمل هذه اللحظات فوقها موارد الخطاب إلى أقصى نقطة ممكنة. لأنها لحظات تسرق الفهم والتحقق من المعنى المقصود. وإذا تمكنا من الوقوف على تلك المداراة – الخفية – سيكون ثمة خيط لنقض الثوب الأيديولوجي البراق. ولهذا فإن الشكل العنيف للطرح الارهابي لهو أقرب الأشكال التي تصب فيها الكلمات وتقولب المعاني.

1- يتكلم الحديث المذكور بسلطة الدين عن نهاية هؤلاء المتنطعين. وليست النهاية في الحقيقة استبعاداً، لكنها هلاك لكيانهم المادي والمعنوي. لقد قالها الكلام (ثلاثاً) بصورة قاطعة على لسان النبي. ولنا أن نتخيل كم من المرات قيلت طوال تاريخ القراءة للنصوص الدينية من المؤمنين والمتلقي للخطاب. أتصور أنها كانت إهلاكاً مستمراً على الدوام. لأنَّ اللغة تنطوي على إمكانية الإعادة والصياغة إلى دون نهاية.

2- الهلاك فعل ذاتي هذه المرة. أي أن (المتنطعين) حكموا على أنفسهم بالموت المؤكد. وبالتالي خطابهم خطاب موت كامن في كلامهم. ليس على سواهم وإن حدث بل على ذواتهم، والمعنى دقيق: حيث يقع المتنطع فيما يمارسه على الآخرين.

3- بذلك يعتبر هناك خطر التنطُّع، انحراف في عمل الدين مع أتباعه. إذن كما تنمو دلالة النصوص المقدسة في جوانب مبتغاة، كذلك تنمو في الجانب النقيض والعنيف. ولا يعد النمو النقيض طارئاً لكنه من صلب التدين. لأن إيماناً بالمعاني والمعتقدات في اتجاه واحد إنما يتزيّد رامياً نحو الافراط فيما اكتسبه. ولذلك سيكون على المؤمن ألا يلعب لعبة التنطع، لأتنها لعبة دامية.

4- التشدد الديني يمارس اكراها على كيان الدين ذاته ويكرِّه الآخرين في التسامح والحوار. ويبدو ذلك واضحاً من تكرار الهلاك بلا أفق. ويقف وراءه تأكيد أثر التنطُّع على أصحابه. وحتى لا يحسبه المتلقي من طبيعة الدين، فعلى الدين أن يلفظه، أن ينقي ثوبه من الدنس.

5- المسألة تعني النبي كصاحب رسالة بالدرجة الأولى. لأنَّ التنطع نوع من النخر الذاتي فيما يحمل الدين، وعليه سيكون هلاكهم اعترافاً بخطيئة مواقفهم. لأن الموت ولو كان معنوياً فإنما يصفي ظاهرة التنطع. كما أنه تحقير لتلك المواقف العنيفة التي اصبحت اتجاهات وجماعات ومذاهب. لأنها ربما لا تستطيع العودة ثانيةً عما فعلت بقدر ما تركت أضراراً لا بُرء منها.

6- ايراد الفعل هلك بصيغة الماضي يعني أن الحكم المتضمن فيه حكماً باتاً ونافذا ولا رجعة فيه. ويبدو الزمن مهماً بمقاييس دنيوية وأخروية على السواء. لأن الهلاك يتعدى إلى الإهلاك من الخارج هذه المرة. فالخطاب الديني الذي يمارس موتاً يحتاج إلى نقض. فالحديث دعوة لتحرير التدين من التنطع، من التعنف والتكلف.

7- التنطع لصيق بالخطابات الدينية. أي أنَّها صيغ لغوية تحت تهديد التشدد الدائم. وكأن الكلام يدلل على معالم التطرف استناداً إلى المقدس.

8- المتنطعون ملعونون فوق هلاكهم. فمنطق الحديث أنهم يسيئون فهم الكلام والفعل والعلاقة مع الإنسان. كما أنهم قد اتخذوا رؤى حدية من الحياة والمجتمع.

9- يحمل الكلام تحذيراً مستقبلاً من التنطع. ويقر بأنه سيموت لا محالة. لأن مستقبله مرهون بعدم فهم مقاصد الدين. كما أن خطورته على الايمان إجمالاً كانت سبباً في ترصده بالإهلاك.

10- التنطع في الدين يعني أن بنية التشدد سلطة ما. والسلطة قابلة للاستنساخ لمجرد أن يعلن المتنطعون قدرتهم على ممارسة الخطاب.

11- التنطع يسبب تمزقاً داخلياً للخطاب الديني. فرغم كونَّه سلبياً إلاَّ أنَّه يطرح معياراً ما. ويدفع المتلقي لاعتباره انتهاكاً غير مبرر، ويصبح طوال الوقت عرضة للنقد.

إذن لو تساءلنا: ما خطورة التنطع؟، لأتت الخطورة من أنه في صلب الدين. أي لا يذهب بعيداً بقدر ما يعرِّض ما يدافع عنه للانهيار. وربما اللغة العربية- عن قصد- لم تمس هذه القضية بحقيقتها. وتعاملت مع التنطع كسلوك انحرافي خارج دائرة الدين. لأن المعجم اللغوي لدينا لا يخرج بجذوره الاعتقادية إلاَّ نادراً. وكأن اللغة العربية تشكيل ثقافي غير محايد، تتواطأ للحفاظ على صورة التدين بمبررات عدم المساس بثوابت الأمة. فاللغة أكبر مصفاة ثقافية للدفاع الضمني عن الدين السياسي الاجتماعي.

لغة الخطابات جدار صلب يحتاج إلى حفر تحت جذوره العميقة لنعرف تاريخها وصورها المتراكمة. فأول مقابل للتنطع أنه يطلق على إلصاق الطعام في أعلى الفم. فيقال تنطّع الرجل، جعل طعامه عالقاً في الغار الأعلى من فمه، حيث موقع اللسان من الحنك. ربما كانت الإشارة مواربة خلف المعنى حينما ينصرف إلى حاجة حسية مباشرة. وربما يندفع المعجم بحيلة ثقافية لمعانٍ بعينها خوفاً من انزلاقها في طريق المحظور. وبخاصة أن لدينا خطاباً مغايراً قائماً على الحديث النبوي السابق. والمقصود هنا أنَّ كل شيء مباح في السياق الديني العام طالما يخدم القضايا الدينية، وأن ما يقال عن الضرر أمر نسبي غير واضح . إذن كلام التنطع أمر يرد بمعان وإيماءات هامشية تقلل من شأن ما يفعل. فقد يأخذ القارئ نحو أهداف أخرى.

لكن لأنَّ الهامشي يستدعي المتن بالضرورة، فالدرجة الثانية لمعاني التنطع هو التقّعُر والتفصُح. فهناك الرابط السري بين اللسان في المعنى الوارد بالأعلى (تناول الطعام) ودرجات التقعر الخطابي. وهو يتم عن طريق اللسان كذلك. لعلنا نلاحظ هذه السمة التي تميز الخطاب الديني بالتحديد بجميع أطياف التقعر البارزة. وليس ذلك تعليقاً لشيء بقدر ما يُعلِّق المتلقي في سقف الطيش اللغوي. لأن التقعر والتحذلق البلاغي يعميان المستمع ويصمان أذنيه عن التأمل الحر. إنه يربط التفكير بالتشدد في نحت الألفاظ ولي عنق الكلمات، واختيار العبارات الغريبة للإيهام بكونه يقول شيئاً مهماً. وطبعاً تبدو سمة عامة تكاد تشترك في جميع الخطابات الدينية والأيديولوجية. فالالتواء في الإلقاء والنطق والطرح بات مضموناً للخطاب الديني.

وليس بعض التنطع هذا المستوى من التكلم وحسب، بل شمل قراءة النص الأولِّ في الإسلام (القرآن). فشيوخ الجماعات الدينية يتفننون في القراءة الشفاهية المتقعرة. وذلك مدعوم بأحكام التلاوة والتجويد على ذات المنوال. وليت التلاوة الصوتية تزيد المستمع فهماً وتدبراً، إنما يقصدون منها إيقاع الرهبة والتخويف فقط. كما أن تأكيد القارئ على ألفاظ العذاب والجنة والنار قد حول الكلام من سياق الاعتقاد إلى ممارسة خطابية. أي يضاف بالتكملة إلى النص المقروء. بل يمارس وجوداً بديلاً للنص الأصلي ويحل محله. لأن مغالاة الشفاهية المتقعرة تملأ المساحة المضروبة بسلطة اللغة على إفراط المعنى المقصود ودرجاته. فجهنم الواردة في القرآن (مع القراءة الصوتية) ليست كلمة لكنها- بالنسبة للمتنطعين- حادثة في صورة حية. وكأن القارئ يريد إدخال المتلقي إليها عنوة ولا يجد مفراً من ذلك. يبدأ بتخويف المستمع من أول وهلة وما ينطبق على ذلك ينطبق على آيات العذاب والحدود التي يتحايلون صوتيا في إنزالها به.

حيث يقصد الصوت الشفاهي إلى تكريس الحضور المقوى للمعني. فلا يعرف المستمع فارقاً بين الحالة الشعورية للصوت وبين الواقع. وفي تلك اللحظة لا يستطيع أن يستفيق المتلقي إلاَّ وقد خضع تماماً. إنها سلطة الإمعان في الاستحواذ على التنوع بمبررات التماثل. وإذا تأملنا سرادقات قراءة القرآن (في المناسبات الخاصة والعامة) سنراها عزلاً شعورياً وتضخيما للمعاني بموجب الاستماع.

والتنطع في العمل يشير إلى المبالغة فيه. والخطاب الديني يستأثر بالمبالغة في وصف العصر الذهبي والأئمة وأمراء الجماعات وشيوخ الإسلام. حتى يقال إن هذا العالم أو ذاك هو حجة الإسلام وصوت الحق. لكن هل يوجد دين له حجة متمثلة في شخص كائناً من كان؟ أي أن قدرة الدين على محاججة الآخرين لا يتم إلاَّ بواسطة شيخ أيا كان. إنَّ أكبر تنطع يأتي من تلك الزاوية... فهناك ألفاظ التأله المنسوبة إلى أئمة الفرق والمذاهب والتنظيمات. حتى ليظن القارئ أنّه لا إسلام بلا شيوخ ولا نجاة دون أمير. وهو كذا في الفقه والفتوى والخطابة. ذلك يتيح مساحة كبيرة لهؤلاء الشيوخ لتحريف الدين ذاته والتلاعب به. إن الدين الاسلامي –بحكم اهتمامه بالتوحيد- لا يرتبط بأشخاص حتى وإن أسهموا اسهاماً بارزاً في تاريخه الفكري.

ثم كان التنطع في الشهوات... أي التأنق فيها والتشبع بها. وهذا المضمون يلتقي مع التنطع في الطعام من حيث كونهما يتعاملا مادياً مع الغرائز. وبالرغم من بُعد المعنيين لغوياً إلاَّ أنهما يوضحان التنطع الديني بشكل أو بآخر. لأنَّ التنطع يمثل شهوة الهيمنة لدى أصحاب الخطاب. وليست الشهوة هنا بسيطة التركيب وفق آليات ثقافية وسياسية واجتماعية فقط، إنما ترتبط- وتختلط كذلك- بشهوة التألُّه بالبصمات الإنسانية الأولية في تاريخ البشر. إن المتطرفين لا يمارسون التنطع من باب خدمة الدين. لكنه يرتبط بتأليه ذواتهم حيث يعتقدون أن رؤية الله منعكسة في وجودهم المقدس. .. هم الناطقون بلسان السماء .

والأغرب أن الأدبيات الدينية تعالج التنطع بمعايير الدين لا الفكر الحر. ويعتبرونه شاذاً بالنسبة إلى تمتين قوة الدين على تجديد نفسه بنفسه. جاء في كتاب "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير: "(هلك المتنطعون) فهم المتعمقون المغالون في الكلام، المتكلمون بأقصى حلوقهم. والمعنى مأخوذ من النطع، وهو الغار الأعلى من الفم، ثم استُعمل في كل تعمق، قولاً وفعلاً". واعتبر ابن الأثير أن هذا الأمر منهيٌّ عنه. والنهي هنا إذا ورد صراحة أم ضمناً يرُد القضية إلى بيت الدين لا غير. وذلك - بخلاف ما يعتقد ابن الأثير- سيكون نوعاً من زيادة التشدد مرة تالية. فعاجلاً أم آجلا سيهب متشددون آخرون زاعمين أنهم يفهمون مقاصد الدين بخلاف السابقين عليهم. وهكذا في النهاية سيرُد متنطعون على متنطعين آخرين دون نهاية!!

وبهذا ذكر النووي أيضاً أنَّ التنطع هو تجاوز الحدود فيما هو مسموح به أقوالاً وأفعالاً. وهذا الرأي لا يذهب أكثر من تقييد الكلام المفرط (المتنطع) بتنطع آخر. هذه الحدود الذي لا يتجاوزها الفرد. لكن ما هي الحدود؟ بالقطع: لم ولن يشير إليها النووي. ببساطة لأنه لم يُرد التخلص من المشكلة. كان ينبغي الانفتاح على التجربة الإنسانية التي تضمن عدم العودة إلى التنطع لا مجرد الرجوع إلى أصل القضية. وهو استعمال الدين للهيمنة على المجتمعات بالصوت والأيديولوجيا.

أما ابن تيمية فقد عالج القضية بشكل تكفيري إقصائي. فالتنطع يقع ضمن الابتداع في الدين ومشابهة الكفار. يقول (شيخ الإسلام) ابن تيمية في "مجموع الفتاوى: " الرهبانيات والعبادات المبتدعة التي لم يشرعها الله ورسوله من جنس تحريمات المشركين وغيرهم ما أحل الله من الطيبات، ومثل التعمق والتنطع الذي ذمه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (هلك المتنطعون)، وقال: (لو مد لي الشهر لواصلت وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم) مثل الجوع أو العطش المفرط الذي يضر العقل والجسم، ويمنع أداء واجبات أو مستحبات أنفع منه، وكذلك الاحتفاء والعري والمشي الذي يضر الإنسان بلا فائدة، مثل حديث أبي إسرائيل الذي نذر أن يصوم، وأن يقوم قائماً ولا يجلس، ولا يستظل، ولا يتكلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (مروه فليجلس، وليستظل، وليتكلم، وليتم صومه) رواه البخاري.

هذا الكلام يضخم التنطع لا يحلله كظاهرة دينية خطابية من الأساس، بل ويرسم له كيفية الاستفحال. وليس أقرب إلى ذلك من أنَّ أغلب الجماعات الارهابية تعتبر ابن تيمية مرجعاً أساسيا لخطاباتها. وكم فرّخت تلك المرجعية في عقول الجهاديين بشتى صنوفهم أفكاراً دموية. كالوهابية والجهادية السلفية، وتنظيم داعش والقاعدة وجبهة النصرة وانصار الشريعة والجماعة الاسلامية المقاتلة... الوجوه مختلفة لكن التنطُّع واحد.

 

سامي عبد العال

 

مجدي ابراهيمإذا كانت اللغة وسيلة اتصال وتفاهم ليس إلا؛ فتجديد قوالبها - كما تقدّم في المقال السابق - ليس تجديداً للحقيقة الدينية في ذاتها بمقدار ما هو تجديد للفهم وترقية للوسيلة في رحاب هذه الحقيقة، ضمنها وفي محتواها المعرفي، لا خارجها أو خارج حقائقها الاعتقادية.

وربّما كان من أسوأ علامات الانحراف بالدين عن مقاصده الحيويّة وارتقاءاته الشعورية ونفعه الأبدي للإنسان، هو غياب العلاقات الفاعلة بينه وبين اللغة، واهتزاز وشائجها دلالةً وفهماً وحركة ومسيرة، وانفصال الروابط الجامعة بين فهم اللغة وبين المقاصد الدينية.

ولم تنشأ قوائم التطرف ولا حوادث العنف والإرهاب ولا الحروب الدينية البلهاء باسم الدين أو تحت مظلته إلا لنشوئها أولاً في اللغة والفكر؛ فالتطرف فيما لو لاحظته إنمّا هو في البداية تطرف لغوي، أحدث عوائق معرفية سبقت الفهم، وتقدّمت منذ البداية طمس الدلالة، وأبرزت هُوَّة سحيقة بين الخطاب الأيديولوجي والممارسة الفعليّة، أو بين الاعتقاد النظري والمباشرة العمليّة، لكأنما حدثت فواصل بين مقتضيات الشعور الديني والحركة في إطاره. وبإمكان اللغة فيما لو قننت وحُسب لها حساب المعقول أن تكون أقدر لإزالة هذه الفجوات الكارثية، وأسلم للفهم وأصح للمعرفة وأبقى للدلالة النافعة.

مرة ثانية؛ ليس يخفى ما للغة من تأثير بالإيجاب أو بالسلب في فهم الدين ونشره. ومن أجل ذلك؛ وجبت الدعوة (أمراً) إلى سبيل الله أن تكون بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا تكون بالتطرف والفظاظة أبداً، وبخاصّة حين تكون اللغة هى لغة الدين الذي نزل بها كتابه المقدس. وليس يخفى أيضاً ما في هذه الإشارة من لفتة توحي بدلالة ظاهرة؛ فقد نجد الترجمة للقرآن مثلاً تفقده روحه؛ لأن لغته مع الترجمة تتلاشى تماماً ويستبدل بها لغة أخرى؛ تكاد تفقد بريقها وعطائها الباطن، ولا تكاد تجد لا للإيقاع ولا للموسيقى مع الترجمة أثراً، ناهيك عمّا ينشأ عن اللغة من سوء فهم قد يتسبَّب من المؤكد في عوائق معرفية؛ الأمر الذي يدلُّ بالمباشرة على أن العربية لغة القرآن خاصّة ذاتية له، وأنّ لغة القرآن في إطار تلك الخصوصية الذاتية هى العربية، وأن استظهار الإبانة لا تتاح على الحقيقة بغيرها : لسانٌ عربي مبين.                      

*    *    *

من أين لنا بمعرفة خير ما يصلح للمجتمعات الإنسانية ممّا يفسدها إذا لم نكن على علم باللغة التي جاء بها النفع والصلاح؛ فإذا هى مُوجِّهة الإنسانية قاطبة إلى خير ما ينفع، زاجرة لها ناهية عمّا يضر ويفسد؟ وليس من شك في أن الأمر والنهي الإلهيين إنما هما في الأصل لغة قائمة، مجرد نصوص من كلمات جامدة تتحول مع الممارسة في أجواف القارئين إلى حقائق وحياة؛ فاللغة هنا رموز وإشارات لا قيمة لها بغير الفاعلية التطبيقية. وتلك هى بالحقيقة لغة القرآن في بساطتها وخلوّها من التعقيد الخاوي والتكلف الممقوت. ونحن لا نعلم في لغة من اللغات مدى عنايتها بالسلوك والتهذيب وإثراء الجانب الأخلاقي على الجملة فضلاً عن التفصيل كما عنيت لغة القرآن بضوابط الحركة والسلوك : انتقال الفكرة فيها إلى دائرة العمل المشروع؛ فإذا لم يتح للمتلقي أن يعمل بما وَصَل إليه من فكر في هاته الأداة المبينة، أو في اللغة التي عرفها؛ فعرف من أسرارها الشيء الكثير أو القليل على قدر استعداده؛ إذا لم يتح له في ميدان العمل أن يعمل بما عرف من فكر مؤدَّى بلغة مُبينة، كان ما عَرَفَه أنقص ممّا جهله على المستوى التطبيقي؛ لأن السلوك هنا هو بمثابة اكتمال دائرة لا تكتمل الحركة إلا به، فحركة في الذهن يصحبها عمل، وعمل نتاج حركة ذهنية، وكلما أحكم وضبط، أحكمت مراحل التوجيه وضبطت لكي تؤدي الغرض الساري منها قصداً؛ فدائرة الأخلاق ناقصة إنْ لم تكن اللغة فيها فكرة عملية قابلة للممارسة التطبيقية، وكل كمال على هذا النحو ناقص ما لم يكن الفكر فيه لغة مًوحية بالعمل مُوجبة لإرادة التنفيذ.

فما كنَّا لنستطيع أن نعرف مجمل الخصائص العقائديّة والأخلاقية، ولا سائر العبادات والآداب الإسلامية، ونحن بمعزل عن لغة القرآن. وما كنا لندرك شيئاً عن هذه اللغة، ونحن بمعزل أيضاً عن العمل بفكرتها التأسيسية، تؤديها على أكمل ما تكون تأدية الأفكار وتوصيلها إلى المؤيدين والمنكرين سواء.

ولو لم تكن اللغة في أدائها موصّلاً جيداً لما فيها من أفكار وتعاليم وايحاءات، ما كان يقرّها منكر قبل مؤيد، وما صارت قط موضع لغط كبير أو ضئيل من قبيل نفر يجيدون اللغط حتى على الثوابت الرواسخ، ولا ينفرون من إجادة اللغظ فيريدون أن يجعلوه قاعدة التجديد المبتكر والتحديث من بعد التحديث من بعد التحديث إلى غير انتهاء في مثل هذه "التحديثية" الغريبة والمنفرة، بدعوى مسايرة العصر وحداثته الفجة الكسحاء، وهو عصر كم اللغط المنفر والدردشة الفارغة فيه، أعمُّ وأشمل من كم الصدق والعمل النافع والاستقامة الخالصة.

وليس أغرب من أن تجئ هذه الدعوات على ألسنة وأقلام لأناس يمتلكون في الغالب الإحساس باللغة، ورهافة الذوق، والقدرة على التعبير، والتوظيف بكلمات ذات مساقات أصيلة، ومع ذلك يريدون أن يتقدّموا ولشعوبهم أن تكون مستنفرة تجاه اللغة على حساب التأخر والخسارة، وأن يرتفعوا على فريضة الإهمال، غاية ما هنالك أنهم يضربون اتجاه فكري باتجاه آخر حتى إذا ما أهملوا هذا أخذوا بذاك، وفرضوه على أنفسهم وعلى غيرهم، فإذا الإنسان معه يسير كما الأكتع بغير استقامة، إذ لم يكن عقلاً كله ولا علماً كله بل له من العلم والعقل جوانب تمتلئ بها مناطق ولا تزال فيه مناطق لا يملأها العلم التجريبي ولا العقل المحدود، جوانب أخرى وجودية تحتاج إلى امتلاء. وما كان التقدّم ومسايرة العصر أبداً ضرباً من خسارة القيم الروحيّة التي شكلت حضارات وقوّمت أمثلة نادرة في التاريخ الثقافي الإسلامي وغير الإسلامي على حدٍ سواء.

وما كان الارتفاع قط مطلوباً من جرّاء فريضة الإهمال لمقوم الهُويّة النشطة والفعال في حياة الفرد أو في حياة المجموع، أعني هوية العقيدة والأخلاق.

وعندي أن أخصّ ما يكون مكنون فيها هو اللغة المُعبرة عن وجود الإنسان الحق، الإنسان الإنسان لا الإنسان الحيوان، ولو شئت لقلت الإنسان الكامل. هذه اللغة، ولا ريب، أسهل مأخذاً وأبلغ قناة إنْ في ألفاظها وإنْ في معانيها أو في مساقاتها من كثير من اللغات العصرية تلك التي لا تعرف لها مؤدّى ولا مرفأ أميناً ترسو عليه.

نعم! هي لغة، ولكنها تجري على ألسنةٍ المحجوبين، وتعوج بهم بمقدار ما ينسدل عليهم حجاب الغفلة والاعوجاج، هي اللغة المفككة عن الضوابط والأحكام، المنحلة عن الأصول التي تربطها بالقيم الداخلية وأخلاق الكمال في مطمح كل إنسان شريف.

هذه اللغة من تلك الجهة تمثل عائقاً معرفيّاً كما يمثل الاعتماد فيها على العلم أو العقل هذا العائق الذي يسير فيه المرء بمقتضاه كما لو كان أكتعاً يشعر بالنقص والاعوجاج، لأنه ملأ جانباً في وجوده على حساب جانب آخر، حتى أن الفراغ المتروك يطالبه دائماً بتغذية وجوده فيه، الأمر الذي تحدث معه هزة باطنة هى المقصودة عندنا بالعوائق المعرفيّة.

وكما تكون اللغة من تلك الجهة مدعاة للعوائق المعرفية، تكون سبباً لإزالتها فيما صدق صاحبها في استخدامها، واستعمال أنشتطها في تغذية وجوده الروحي؛ فالتجرد والصفاء من علامات حسن الاستخدام للغة وإزالة العوائق المعرفية، وهما من علامات الترقي المعرفي ومن موجباته كذلك. فليس علماً على التحقيق ما كان صادراً عن حكاية أقوال الغير؛ ولتلحظ أن أقوال الغير هذه، إنْ هى إلا مجرد لغة؛ لأن أقوال الغير ليست إلا أحوالهم، فالذي يحكي عنها هو لا محالة يصف حال صاحبه وقت أن صدر عنه هذا القول أو ذاك، والأحوال تتبدل ولا تستنسخ كما تستنسخ الآلات آلاف آلاف النسخ المكررة فيما تريد استنساخه؛ فأحوال هذا ليست كأحوال ذاك، وأقوال هذا لا يمكن تبعاً لذلك أن تكون هى نفسها أقوال ذاك. فليس علماً ما كان صادراً عن حكاية أقوال الغير؛ إذ العلم بداية المعراج المعرفي، ما فوقه أسمى منه وأرقى.

أما العلم في ذاته، فليس أسمى منه في الحياة، ولكنه مع ذلك ليس هو كل ما في الحياة، لأن في الحياة ما هو أعلى من العلم وأسمى، إذ من شرط العلم النافع أن يقود إلى المعرفة، وأن يؤدي إليها بالتحقيق لا بالاستشراف. ومن شرط المعرفة أن تقود إلى شهود الفضل الإلهي ومعاينته كما يُعاين المحسوس؛ وليس هناك أفرح للقلب ولا أدعى للرحمة من ذلك الشهود على التحقيق :"قل بفضل الله وبرحمته؛ فبذلك فليفْرحوا هو خيرٌ ممَّا يجمعون". وعليه؛ يصبح العلم الذي لا يؤدي بدوره إلى مثل هذا الشهود، شهود الفضل الإلهي، ليس بنافع ولا هو أهل لآن ترقى معه حياة صاحبه إلى منازل المحققين.

إنه ليمثل عائقاً معرفيّاً في ذاته، كما تمثل اللغة فيه نوعاً من التحجير والتضييق لتصبح هى الأخرى نفسها عائقاً معرفياً يؤخر ولا يقدّم، يحصر المرء في منطقة محدودة بحدود الأفق الذي يتحرك فيه العلم المحدود والعقل المحدود. وفي المقابل لاحظ اللغة في الآية الكريمة ولاحظ المعراج الدلالي فيها، فإنّ فضل الله مدعاة للفرح، وأن فضل الله هذا مقرون بالرحمة، وهما معاً أفرح ما يفرح قلب السائر مع الشهود فليس من فرح أسمى ولا أعلى من الفرح بفضل الله وبرحمته. فاللغة هنا معراج، تجربة، والمعراج باللغة ليس لفظاً يكرر ولكنه حقيقة واقعة وحياة تعاش مع أن اللغة في عين هذا الشهود لا أثر لها على الإطلاق.

اللغة هنا ليست عائقاً معرفيّاً بل نقلة إلى ما بعد المعرفة، إلى الحقيقة مباشرة. أجواء الآية بفضل رهافة الإحساس باللغة فيها، تقضى بمثل هذا العروج إلى منازل الشهود حيث لا لغة هنالك ولا واصف ولا موصوف.

(وللحديث بقية)

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم 

 

 

عبد الله الفيفيارتبط الزيُّ في المخيال الشَّعبي بدرجة الإنسان في التحضُّر والتفوُّق.  وربما عبَّر، قبولًا ورفضًا، عن عُقَد نقصٍ- حسب علم اجتماع الحضارات- يجعل اللاوعيَّ الشخصيَّ والجمعيَّ يوهِم بعضَنا أنَّ الداء في ما يُلبَس.  آية ذلك أنَّ لبس البِذلة الغربيَّة ظلَّ يُشعِر الرجل الشرقيَّ بالنشوة؛ فيخيَّل إليه أنَّ ما في رأسه قد صار كالذي في رؤوس الفِرِنْجة؛ لمجرد ارتداء تلك البذلة التي يلبسونها، ولا سيما مع ربطة العُنق، إنْ كان متطلِّعًا إلى مستوًى أرقى في السُّلَّم الاجتماعي.  هذا على حين قد يتوارى المتفرنج حياءً من لباسه الشرقي.

قلت لصاحبي المشاكس (سيف بن ذي قار)، وهو يلقي عليَّ هذا الشؤبوب النقدي :

- لا اعتراض لي إلَّا على ذال "البِذلة"، المنقوطة مع كسر الباء!

- قال: أما إنِّي على مذهب (المرتضَى الزَّبيدي، -1205هـ= 1790م).

- وما مذهبه؟

- مذهبه جاء في "تاج العروس"، حيث قال: "وقولُ العامَّة: البَدْلَة، بالفتحِ وإهمالِ الدال، للثِّياب الجُدُدِ، خَطأٌ مِن وُجوهٍ ثَلاثةٍ، والصَّواب بكسرِ المُوحَّدة وإعجامِ الذال، وأنه اسمٌ للثِّيابِ الخَلَقِ، فتأمَّلْ ذلك!"

- لكنَّك أبقيت الوجه الثالث.  وهو أن البِذلة للثياب الخَلَق، فتأملْ ذلك!

- قد تأمَّلتُه، لكن ما لا يُدرَك كلُّه لا يُترَك جلُّه.

- دعنا من هذا، جُلِّه وكُلِّه، وعُد بنا إلى الموضوع!

- كذلك وَقَرَ في ذهن المرأة العربيَّة المتخلِّفة- ولا أقول الشرقيَّة هنا، لأنَّ الحالة عربيَّة بنحوٍ أعوص- أنَّ سِرَّ التفوُّق يكمن في أن تَعرِض بشرتها، جلَّها، للهواء الطلق! في غفلةٍ عن أنَّ الحِجاب حِجاب العقل، كما أن العورة عورة العقل، غطَّينا الجسم أم كشفنا. والغريب أنَّ مثل هذا المنطق في حقِّ المرأة يسوَّق ممَّن لا يسأمون من ترديد اتهام الطَّرَف الآخَر بـ"الذُّكوريَّة"! وهم، بناءً على هذا الحَوَل الفكري، يرون أنَّ الزَّوج (ذُكوريٌّ)، مضطهِدٌ زوجَه، إذا أحبَّ أن يراها محتشمة، أمَّا إنْ هو رضي بعكس ذلك، فهو (متحرِّر، ويُمنَح من قِبَلهم الشهادة اللا ذكوريَّة)! هكذا تلقائيًّا.

- خير الأمور أواسطها.

- صحيح.  أ ولا ترى أيضًا أنَّ هؤلاء- وَفق حالتهم المشخَّصة آنفًا- يظلُّون صُمًّا بُكمًا عُميًا عمَّا حقَّقته المرأة في (المملكة العربيَّة السُّعوديَّة)، مثلًا، من نجاحات حقيقيَّة، تفوَّقت بها على بعض شقيقاتها العربيَّات؟ رغم الجأر المتواصل بأن المرأة هنا مضطهَدة، مهمَّشة، مُقصاة... إلى آخِر المسلسل، قياسًا إلى البلدان التي تُوصَف بأنها أكثر انفتاحًا وتخفُّفًا من القيود الاجتماعيَّة.

- أتُنكِر أن المرأة ما زالت تستحق تمكينًا أكثر وأكبر، بوصفها إنسانًا، ومواطنة؟

- كلَّا.  لا أزعم أن المرأة في المملكة قد نالت جميع حقوقها وطموحاتها.

- إذن؟

- إنما أرى أن الحملات حول المرأة في السعوديَّة- التي تعيش في إطار تقاليد، يصفها بعضهم بأنها سقيمة- لا تَسمع عادةً إلَّا ما يُطرِبها، ولا تروِّج إلَّا لما يصبُّ في اهتماماتها، ويدعم أطروحاتها.

- كيف، يا سَيف؟

- كيف.. هي لا تَذكر شيئًا عن سعوديَّات منقَّبات كثيرات من طبيبات، وأكاديميَّات، وباحثات، وعالمات، وسيِّدات أعمال، لم يُعِقهن ما اخترن من زِيٍّ عن الوصول إلى أعلى المراتب، عِلميًّا وعمليًّا، محلِّيا وعالميًّا.

- هناك في المقابل أُخريات ارتضين السُّفور، يحظين بمثل تلك المراتب.

- صحيح.  ما أعنيه أنَّ ثمَّة مَن توقَّفت هِمَمُهنَّ عند هذه النقطة.

- أيَّة نقطة؟

- نقطة الخيوط والأقمشة، والبِذَل- سواء أخذناها بمعنى الثِّياب الجُدُد أو الخَلَق- لأنْ ليس وراء ذلك شيءٌ لدَى أولئك، لا من المواهب ولا من العلوم! والمؤدلجون الذين أُشير إليهم لا يلتفتون- كعادتهم- إلى النوع الأوَّل من النساء، ولا يمكن أن يَذكروا أسماءهن، ولو استطاعوا أن يمحوا وجودهن لفعلوا؛ لأنهن يُثبِتن واقعيًّا سطحيَّة ما يروِّجون لفظيًّا، وفهاهة ما يُمنطِقون ويُقايِسون ويُنظِّرون.

- أو بالأصح يكشفن النقاب الحقيقيَّ عن أن أغراضهم لا تعدو الرغبة في أن تغدو المرأة كما يحلو لهم، حسب نمطٍ خارجيٍّ مظهريٍّ، وَقَر في عقولهم ونفوسهم أنه السبيل الأوحد، والخيار النهائيُّ الذي لم يَتوصَّل عمُّهم (كيرياكو) إلى خيرٍ منه.

- هو ذاك.  وأَعْزِزْ عَلَيَّ بما تُستلَبُ المرأة!  وكما يَستورِد المستلَبُ أشياءه يَستورِد صوره النمطيَّة أيضًا، ومفاهيمه الاجتماعيَّة، وطرائقه في القياس والتقييم.

- لكن ألا ترى- بواقعيَّة- أن مظاهر التديُّن، والأصالة، والعُروبة، ما زالت لدينا مظاهر خارجيَّة، فيما ترقَّى الأمر لدَى الآخَر- الملعون- إلى المَخْبَر لا المَظْهَر؟

- بلى، أرى.  وأزيدك من الشِّعر بيتين.  إنَّ الرؤساء الأميركيِّين أنفسهم، على سبيل النموذج، رجالُ دينٍ، وإنْ نفاقًا، ملتزمون، لكنَّ تديُّنهم له مظاهر أخرى. وهي في الغالب- إذا استثنينا الطاقيَّة اليهوديَّة، التي يجب أن يلبسوها جميعًا في بدايات عهودهم لتَثبيت إيمانهم، وولائهم الصهيوني، وحُكمهم لهنود العالَم الحُمْر والحُمُر- مظاهرُ عمليَّة، وممارساتٌ فعليَّة، تعبِّر عنها الأفعال، لا الأقوال، ويُنظَر فيها إلى ما تُخفي الصدور، لا إلى الشَّعر الطويل، أو الثوب القصير!

- كفانا الله، إذن، "تلبيس إبليس"، من كلِّ نوع ولون، بـ"هدوم أو من غير هدوم"!

 

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

 

قاسم محمد الياسريالعقل قاعدة المعرفه وشاهدها وأداتها وساحتها وهوعلة الوجود والعدم في وعي الكينونه وبين اسوار الزمن الأحلام تحكي رغباتها المنسيه المكبوته فالاوعي يستعبد أحداث الماضي والأنا لم تنجزأحلامها في الزمن اللاحق فالماضي يحلم بالمستقبل ويبحث عن مصيره ومستقبله ونهايته لأن اللاوعي لا يعرف الزمن.. أسئلة عديده تطرح نفسها بين الأنا والآخر.. فمن الحالم ومن المحلوم به الأنا أم الأنا الآخر؟؟ ومالفرق بين الحالم والعالم؟ماذا لو يستمرالحلم ولم يتوقف؟ أسئلة تمنح حالتنا بعدا وجوديا أي أن الحلم واقع حال وهو مستوى آخرمن الحياة والوجود.. فالصراع بين الوجود والعدم كما بين دورة الحياة والموت فالأحلام مجنحه والطقوس مضاده وصراعات النفس بين النفي والاثبات كما بين الحاضر والغائب ورغبات التفوق تتسابق وتتداخل بكلمات ونصوص مفتوحه تفرزها مكنونات ورغبات النفس الحالمه بالحياة في صراع الإنسان مع الوجود ففي هذا الزمن سقط الإنسان وتخلى عن القاعده الأخلاقيه وإعتبرالوجود قيدا يؤلمه يسعى للتحررمنه وشرا يريد التخلص منه فاعتبرالمطلق دكتاتور طاغيه يتحكم فيه وكما نرى هذا الإنسان يسعى للإنعتاق من عبوديته للمطلق وها هو يحاول الإنتصار على وجوده بوسائله الخاصه التي تناقض المطلق فضاع الإنسان في بحر الفوضى التي خلقها وأنشأها هو وهكذا ضاعت أخلاقه وسلك في عالم مادته وإستخلص منه قوانينه المعارضه والمعاكسه لقوانين الحقيقه الأزليه المطلقه فرفض عالم الحقيقه المطلقه ألا وهو العالم الأخلاقي وعالم المثل فإبتعد وانطوى بسلوكه مع عالم مادته وقوانينها الوضعيه التي يراها من خلال ذاته المريضه ولا يحس الا بأحاسيسه الساديه ونفسيته المضطربه فركب وصاغ وحول عالم اليوم وفق مايريد هو بصفاته وسلوكه واعتبرنفسه سيدا لهذا الكون.. وتمرد على معطيات الوجود الحقه.. وها نحن بعض البشر نلجأ لأقلامنا لندون أحلامنا وآلامنا بخواطروكلمات إستهلاكيه في صراع حلمنا المستدام مع هذا الزمن الجبار.. فتتأرجح الكلمات بين الفكر واللسان وتتصارع مكبوتات النفس فنشتاق الى الشيئ المحذوف من حياتنا ونكتم الحنين بغفوة على إرجوحة الزمن.. وفي حياتنا محطات أسئله عالقه لانجد لها جوابا مريحا أهمها لايرهقنا في البحث عن جواب لها وإنما يرهقنا البحث عن صيغه مناسبه لطرحها.. فالجروح ثقيله وحقيبة القلب ماتت والجسد أعلن حداد الروح وسقف الحلم ينهار وأشجار الترقب لا تعطي شيئا من الثمار.. فكم هي يد هذا الزمن جباره لا تعرف إلا القسوة وأنا وأنت لا نعرف غيرالإستسلام كسمكة تستعرض عضلاتها كل يوم وأخيرا تستسلم لتسبح في مقلات الزمن.. زمن ضائع زمن مسروق من ذاكرة العمرالمتعبه والمثقله بهموم الرحيل والوداع مع عمود فراق يصلب عليه قلب ميت.. وبعضنا مهما بلغ من معرفة وعلم تجد فيه نقطة ضعف تعصبية أوعقده تهزمه ولم يستطع العلم والتنويرمحوها من برمجته فتهزم تعقله ويبقى بوهمه.. لأن بعضنا مصابين بداء حب الظهورينتابهم سلوك التفاخرمع تضخيم الذات بالانا وتسيد الثلاثي القاتل (أنا -لي -عندي)وحديث باسلوب مليئ بالترفع.. لقد علمتنا الحياة التي تطوى صفحاتها يوم بعد يوم بحلوها ومرها قبح الإنسان وطائرالحزن إستوطن في ليل كلماتنا التي تحلم بعودة الضوء لها.. فأيامنا تمضي وجميعنا نترقب الغد القادم ونرى صرح الحياة ينهار وأوراق شجرة العمرتتساقط الواحده بعد الاخرى وغداً كما اليوم إن لم يكن أسوأ.. ففي هذا الزمان العينان لاتغادر بكائها ولا تنقطع صناعة الأكفان ولا تنتهي جرائم الانسان وصدمات النفس لا يزنها الميزان.. فعندما يعقد قران الحقد والأنانية بتزكية ومباركة النفس الشريره سينجبان الأخلاق الحقيره وتتمزق ثياب الإخوه ونفقد الوفاء والمصداقيه.. فمن يواسي العينان في دمعها غير اليد التي أقسمت أن تجفف الوجنتين لتوقف فيضان الأحزان الطافيه في شلالات الدموع.. نحن محكومون بقلق دائم نخشى المجهول ولانملك معلومة تجعلنا نأخذ أي قرار لذا سنبقى عالقين بدائرة التردد والحيرة والقلق الوجودي.. نحن في مسرح الدنيا نضحك ولم يفهم الآخرين أن الحياة أبكتنا وبين ضحكتنا ودمعوعنا الخفية هناك رغبة تموت إن ولدت من غريزة حبنا للحياة.. فالألم لايموت والشقاء يترك ندب في الروح وتجاعيد البشره لاتخفيها الإبتسامة التي تخرج مجبرة من الفم لا من القلب.. فالإنسان الذي ينخرط مدفوعًا بالأمل والرغبة في وجود لا يفهمه ولا يستطيع أن يمتلك المعاني فيه إمتلاكا كاملًا يكتشف النقص والألم الكامن في النفس فيعادي كل ما يبدو مثاليا وكاملا ويعري في شخصيته الدوافع الخفية حتى لحظات التعاطف الإنساني مع الضعفاء قد تبدو لحظات كهذه خيرا مطلقا لكنه يكشف تحتها طبقات من التعقيد مثل الفضول للتعامل مع أشكال الحياة الأخرى أو المتعة بسلوكيات سادية في مشاهدة معاناة البشرالمعذبين أو الرغبة في الإحساس بالقوة أو بالتعالي الأخلاقي.. ومن هنا نكتشف قدرة الإنسان على تبريرخطيئتة بتلاعب وخداع سواء خداع نفسه أوالآخرين في شتى أشكال العلاقات البشرية.. فالإنسان كائنا ميتافيزيقيا دوافعه تعبرعن اللاشعورواللاوعي في العقل الباطن في لحظات ميوله الإنتحاريه حين ييأس من إيجاد معنى للحياة أوحين يعجز الدين عن العمل كمسكن فيعجز الفرد عن الإيمان بالله والنعيم الأبدي فيتجه الأفراد نحو الانتحاروالقتل كخلاص أخيرفالايمان بالله والخلود أمرظروري للحفاظ على وجود وحياة الإنسان على هذه الأرض التي تحمل مافيها من قبح ومعاناة وألم.. فرحم الله من عرف قدرنفسه واحترم منهجه والتزم حدوده وأبرز قدرته كقدوه بحكمة وإن لم يستح من الله فليفعل مايشاء فسنن الكون لن ترحمه..

 

د. قاسم محمد الياسري

 

 

ابراهيم أبراش

تبوأت المسألة الديمقراطية بمرتكزاتها الأساسية: الانتخابات وحقوق الإنسان والمواطنة والعدالة الاجتماعية، مركز الصدارة في سلم اهتمامات الشعوب ورجال الفكر والسياسة طوال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت الدول الغربية وعلى رأسها الولاياتالمتحدة الأمريكية تستعمل مسألة الديمقراطية وحقوق الإنسان كورقة ضغط ومساومة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول كما جرى ويجري مع جمهورية الصين الشعبية وقبله الاتحاد السوفيتي، أيضاً في الشرق الأوسط من خلال طرح مشاريع مثل الشرق الأوسط الكبير والشرق الأوسط الجديد لدمقرطة الشعوب والدفاع عن حقوق الإنسان كما تزعم .

خروج الجماهير في الولايات المتحدة الامريكية بمظاهرات منددة بالعنصرية على إثر مقتل جورج فلويد يوم 25 مايو 2020 وامتداد المظاهرات لدول غربية كشف العنصرية المتفشية وغياب العدالة الاجتماعية ووجود الملايين من السود والملونين والمهاجرين المهمشين في أكبر ديمقراطيات الغرب، بالإضافة إلى السياسة العنصرية والاستعمارية التي ينهجها رئيس أكبر الديمقراطيات. هذه المظاهرات بالإضافة إلى مشكلة اللاجئين والأزمة الاقتصادية الناتجة عن وباء الكورونا قد تكون ارهاصاً لتحولات عميقة تضع الديمقراطيات الغربية على المحك، كما أصبح الزعم بأن دول الغرب تمثل حالة مثالية للديمقراطية يحتاج لإعادة نظر، الأمر الذي يحتاج لمقاربات جديدة وتنظير لموجة خامسة من الديمقراطية.

قبل الاستطراد يجب عدم التهويل مما يجري وتصوير الأمر وكأن الولايات المتحدة على وشك الانهيار أو سيكون مصيرها الفوضى والتفكك كمصير دول الربيع العربي، ونعتقد أن فروقات كثيرة وكبيرة بين ما يجري في المدن الأمريكية وما جرى ويجري في دول فوضى الربيع العربي وأهمها: وجود ثقافة ديمقراطية تؤمن بالحوار والإصلاح المتدرج، الحرص على المصلحة الوطنية من كل الأطراف، قوة الدولة العميقة، والأكثر أهمية غياب التدخلات والأجندة الخارجية.

طوال العقود الماضية لم تكن المسألة الديمقراطية محل نقاش في الدول الغربية نفسها من منطلق أنها مهد الديمقراطية وواحة الحرية وحقوق الإنسان، وما كان يعزز هذه الصورة للغرب حالة الازدهار الاقتصادي المتسارع في النصف الثاني من القرن العشرين. إلا أن تحولات عميقة ومتسارعة في المجتمعات الغربية وضعت الديمقراطيات الغربية على المحك وأهمها:

- صعود اليمين المتطرف والنيوليبرالية المتوحشة وما أدت إليه من تزايد الفجوة بين الطبقات وعودة الاستعمار المباشر وغير المباشر وتفشي العنصرية والطائفية.

- الثورة المعلوماتية وما أدت إليه من وضع حد لمرحلة كانت العملية السياسية الرسمية محاطة بالغموض والتكتم وتجري داخل صندوق أسود، فهذه الثورة المعلوماتية وخصوصاً وسائط التواصل الاجتماعي أدت لانكشاف وإماطة اللثام عن أغلب التفاعلات التي تجري في مركز اتخاذ القرار السياسي وفي المجتمع بشكل عام، وسرعة توصيل المعلومة والخبر، وكأداة فعالة للتحريض في حالة أي انتهاك لحقوق الإنسان أو خلل في أداء النظام السياسي.

- فقدان الانتخابات العامة لبريقها وتراجع المراهنة عليها كمؤشر على وجود الديمقراطية، حيث أصبحت الماكينة الانتخابية والرأي العام وجمهور الناخبين يخضع للمال السياسي وتأثير وسائل الإعلام.

- الازمة الاقتصادية الجديدة الناتجة عن الاختلالات المتراكمة للنظام الاقتصادي العالمي وخصوص اقتصاديات الدول الغربية، وهي اختلالات فاقمها صعود الاقتصاد الصيني واقتصاديات دول أسيوية أخرى أيضا تداعيات وباء الكورونا.  

كل ذلك أدى لاستحضار مسألة الديمقراطية مجدداً وما إن كان العالم سيشهد موجة خامسة من الديمقراطية، ولكن هذه المرة لبست موجة أفقية تضيف مجتمعات جديدة إلى الفضاء الديمقراطي كما جرى مع الموجات السابقة، بل موجة من داخل الديمقراطيات الغربية نفسها هدفها دمقرطة الديمقراطية ونفض الخمول عنها ومواجهة الفاشية والعنصرية والشعبوية واليمين المتطرف وكلها ايديولوجيات تتعارض من مفهوم المواطنة وحقوق الإنسان، أيضاً إسقاط هالة القداسة التي تم إضفاؤها على الديمقراطيات الغربية.

حديثنا عن موجة خامسة للديمقراطية أو دمقرطة الديمقراطية لا يخرج عن فلسفة الديمقراطية وجوهرها، فالديمقراطية ليست نظاماً مغلقاً يستلهم الديمقراطية الأثينية الأولى أو خاضعاً لبراديغمات المؤسسين الأوائل أو أن لها سقفاً تقف عنده، بل هي سيرورة تتفاعل وتتأثر بكل ما يجري من أحداث وما يُستجد من ابتكارات وتطورات، وقد سبق وأن كتب مفكرون عن التحولات التي تطرأ على مسار الديمقراطية، وكان الأمريكي صموئيل هنتنغتون أهم هؤلاء حيث أصدر في أوائل التسعينيات كتابه الموسوم بـ (موجات الديمقراطية) متحدثاً عن ثلاث موجات للديمقراطية، ومن بعده كتب آخرون وخصوصاً مايكل ماكفول عن الموجة الرابعة بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وكلها موجات كما ذكرنا كانت تؤدي لتوسع أفقي وجغرافي لتطبيق الديمقراطية وتعزيزها.

كل ما سبق لا يقلل من أهمية ما انجزه الغرب في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان مقارنة بما عليه الحال في الدول الأخرى أو أن هذه الأخيرة مبرأة من تهمة العنصرية والطبقية والطائفية، ولكن الأمر يحتاج من دول العالم الأخرى أخذ عبرة مما يجري في الغرب والتحرر من عقلية التقليد الأعمى واشتقاق طريقها الخاص بها نحو الديمقراطية بما يتناسب مع ثقافتها وأوضاعها الاقتصادية.

 

إبراهيم أبراش

 

 

 

الديموقراطية يضع الكثيرون عليها أملاً وهمياً هي تفتقر إليه في ذاتها، فهي تفترض أن جميع الناس قادرون على أن (يحكموا ويُحكموا)، وهو أمر كاذب ومخالف للواقع . كما أنها تفترض وجود سلطات قضائية وإدارية نزيهة لتراقب عمل السلطات السياسة والعسكرية، وهو أمر مستحيل في ظل انهيار القيم الذي تسببت به الليبرالية وتقديس وتكديس المال الذي تسببت به الرأسمالية .

ان النهاية المتوقعة لكل نظام ديمقراطي في ظل فرعنة رأس المال والإعلام هو النظام الاوليغارشي الذي يقوم على حكم مجموعة من أصحاب الثروات والنفوذ وحصر السلطات جميعاً في أيديهم .

والمثال الواضح عالمياً لهذه النتيجة هي الولايات المتحدة الأمريكية التي تخضع لحكم عوائل محددة سياسياً واقتصادياً ولانتقائية جامعات محددة قضائيا . وفي المنطقة العربية كانت مصر أوضح مثال للحكم الاوليغارشي في عهد حسني مبارك، بدليل ان جميع العوائل الاقتصادية عادت للنفوذ في ظل عودة الحكم العسكري . وفي روسيا تحكم مجموعة من عصابات رأس المال تحت إشراف عصابات أكبر تملك وسائل الاقتصاد والإعلام .

لهذا فالتجربة السياسية الغربية فاشلة وستنتهي إلى مآلات مجهولة يتصارع فيها رأس المال مع الرغبة الشعبية في الانعتاق . كذلك هي تجربة تعسفية عالميا، تخلق مجموعة من بؤر العسكرة .

اما التجربة الاجتماعية المبنية على فكرة المتعة الانانية الفردية فقد فككت النظام الاسري بالكامل وسلمت الصغار الى رأس المال، والذين إذا لم يتم تداركهم بالإصلاح والنظم الروحية سيتحولون الى مسوخ مادية تدور في فلك الرأسمالية .

وبعد ذلك الكم من التنظير الاجتماعي الغربي وتسويقه الى العالم لا نجد سوى المزيد من عسكرة القوانين التي لا تتناسب والاسرة . فعلى المجتمع الغربي أن يعيد النظر في مجمل ما كتب من قوانين اجتماعية. والا يقارن بين وحشية الغرب وجمالية الروح الشرقية .

ان معدل سن الزواج[11] في دول اسيا الوسطى يصل الى 24،9، وفي روسيا 26،2، وفي الدول السلافية وأوروبا الشرقية 26،6، وفي دول شرق آسيا 27،85، وفي المكسيك والبرازيل 27،5، وفي الدول العربية يصل الى  28.6، وفي الدول الغربية 33،135 .

ومن الواضح ان بساطة الحياة وقلة صخبها واقتراب المجتمعات الشرقية من بعضها والحاجة الى تكوين اسرة والاعتماد على الأبناء وقلة تعقيد القوانين الحكومية وتوفر عوامل الأمن الأسري من أهم أسباب إقبال الناس على الزواج في المجتمعات الشرقية . في حين تغيب هذه العوامل كما يبدو في الغرب .

وقد كانت التجربة الاجتماعية الغربية غير ناجحة في ظل ارتفاع معدلات الطلاق والتفكك الأسري . حيث أن النسبة المئوية لمعدلات الطلاق[22] في الدول الغربية وشرق أوروبا وروسيا 42،2 ترتفع كلما اتجهنا غربا، وفي دول الخليج 32، وفي الدول العربية 15،8، وفي الدول المسلمة الاسيوية والأوروبية 14،4 . رغم ان دولاً مثل الولايات المتحدة الامريكية تسمح بحد ادنى لسن الزواج يصل الى 12 سنة لكنَ الثقافة التي يفرضها المجتمع تصل به الى سن 33 .

ويمكن تفسير هذه الظواهر بتفشي ثقافة المتعة الانانية في الغرب والوحشية الاجتماعية والاستناد الى القوانين الحكومية في المواجهة الاسرية التي غيبت المشاعر الإنسانية تماماً وساعدت في التدابر الاسري . أما في الخليج فكان اجتماع البداوة مع المال وبالاً على القيم القبلية هناك مع ضبابية الهوية الحضارية . ويبدو أنه كلما ازداد الاعتماد على التقدم التقني ازدادت معدلات الطلاق، ويجب الفصل بين تطور الماكنة وتقدم الإنسان . من ثم ليس هناك من سبب عقلائي لنقل التجربة الغربية لقوانين الاسرة الينا، وان من يقومون بذلك ببغاوات لا تفهم شيئا . بل يجب حماية الاسرة والمجتمع في الشرق من الفايروسات التنظيرية غير الشرقية . كذلك يجب دراسة التجربة السياسية الديموقراطية بتمعن والنظر في مآلاتها وعواقبها .

 

علي الابراهيمي

...........................

[1] ويكيبيديا: اغلب الإحصاءات لعام 2011 م  وما قبله

[2] ويكيبيديا: اغلب الإحصاءات لعام 2010 م

 

 

يشير مصطلح ,,اللغات القوقازِيَّة,, إلى مجموعة اللغات المنتشرة في مناطق القوقاز، أي في (المناطق الجغرافِيَّة المشار إليها في المقدمة)، في الفترات الزمنيَّة التي سبقت دخول أقوام أخرى إليها من الأوروبيين والتورك والسامِيَّين وغيرهم. تم التطرق مراراً إلى العدد الكبير من اللغات المنتشرة هناك في كتابات المؤرخين اليونانيين مثل شترابو (STRABO) (63 ق.م. ـ 20 م.) و بلينيوس (PLINIUS) (23 ـ 79 م.) في القرن الأول للميلاد، وكذلك بعض المؤرخين العرب ومنهم المسعودي و الحوقل و أبو الفدا وغيرهم في القرون الوسطى، كما تمت الإشارة إلى ذلك عند المؤرخين الفرس، حيث كانوا يتكلمون عن عددٍ كبيرٍ جداً من اللغات القوقازيَّة يصل تعدادها عند البعض منهم إلى 360 لغة. يبلغ المجموع الكلي لِللغات القوقازِيَّة المعاصرة التي تم توثيقها رسمياً لحد الآن 40 لغة وفيها أكثر من 120 لهجة ينطق بها أكثر من 11 مليون إنسان. إنقرضت الكثير من هذه اللغات دون أن تترك آثاراً لها مثل اللغات الهوريتِيَّة والأغوانِيَّة والأبسيليَّة والآرتَئِيَّة وغيرها. كان لتواجد هذا العدد الكبير من اللغات في هذه المناطق أسباب كثيرة منها إتساع الرقعة الجغرافيَّة لأماكن إنتشارها ووعورة التضاريس الجغرافيَّة السائدة هناك وبدائِيَّة بل إنعدام وسائط النقل التي تربط بين شعوب هذه المنطقة. يذهب معظم المهتمين بهذا الجانب إلى أنَّ العدد الفعلي لهذه اللغات كان أكثر بكثير مما تم توثيقه وإنَّ العدد الأكثر منها قد إندثر بفعل عمليات التجوال التي كانت ولا زالت تمارسها شعوب القوقاز والحروب والغزوات التي تعرضت لها مناطقهم بالإضافة إلى خضوعهم إلى هيمنة العديد من الإمبراطوريات التي تعاقبت على حكم المنطقة وما ترتب على ذلك من عمليات دمج وإنصهار للعديد من الشعوب والقوميّات الصغيرة بالكبيرة أو السائدة وهذه كلها كانت عوامل فاعلة أدَّت إلى إنخفاض واضح في أعداد ما تبقى من اللغات المنتشرة في هذه المناطق. وبشكل عام يمكن القول بأنَّ معظم هذه اللغات تتكلم بها أقليات سكّانِيَّة لا يتجاوز عددها بضعة آلاف وربما بضعة مئات ومن جانب آخر فإن هذه اللغات تنتشر في مناطق ضيقة ومتناثرة وبعضها الآخر محصور في قرية بعينها كما إقتصر إستخدام البعض منها في المحيط القبلي أو العائليّ فقط.

لم تحض لغات القوقاز منذ تواجدها وعلى إمتداد قرون طويلة بالدراسات اللازمة لا من قبل القوقازيين أنفسهم ولا من قبل غيرهم من علماء اللغات بإستثناء اللغة الجورجيَّة. كان للفرنسيين السبق في القيام بمثل هكذا دراسات حيث قام السيد م. غروسل (M. Grossel) عام 1837 بتقديم بحوث ودراسات عن اللغة الجورجيَّة، وتبعه السيد ج. روسن (G. Rosen) بتقديم دراسات عن اللغات اللازيَّة والأوسيتِيَّة بالإضافة إلى اللغات المينغريليَّة والسوانِيَّة والأبخازِيَّة وقام بنشرها في الأعوام 1845 و 1846 في باريس. وتبعتها بحوث أخرى قام بها السيد ا. شيفنر (A. Schiefner) عن اللغات الأواريَّة والأوديَّة ونشرها في أكاديميَّة العلوم في بطرسبورغ عام 1856. كما نشر السيد ب.ك. أوسلار (P. K. Uslar) في الأعوام 1887 ـ 1896 في العاصمة الجورجيَّة تبليسي دراساته وبحوثه عن اللغات الأبخازيَّة، الشيشانِيَّة، الأواريَّة، اللاكيَّة، الشوركيليَّة و الكورينيَّة في مؤلفه المكون من 6 أجزاء. قام الألمان بمثل هذه الدراسات مثل الدراسة التي قدَّمها السيد ر. فون إيركرت (R. von Erkckert) بعنوان *القوقاز وشعوبه* ونشرها في مدينة لايبزج في المانيا عام 1887 وعقبها بمؤلفة الواسع بعنوان *لغات قوميّات القوقاز* الذي صدر في فينا عام 1895. وتبعتها الكثير من البحوث ودراسات المقارنة التي تم من خلالها تقويم الهفوات التي وقعت في المنشورات السابقة وتحديد الروابط التي تجمع بين هذه أو تلك من العوائل اللغويَّة أو المجاميع الصغيرة والأصغر التي تنتمي إليها.

Die Sprachfamilien und Sprachenkreise der Erde/ P. W. Schmidt/ Helmut Buske Verlag/ Hamburg 1977/ Seite 66.

عرفت بعض اللغات القوقازيَّة الكتابة منذ وقت مبكر حيث كُتبت اللغة الآرتَئِيَّة القديمة بالخط المسماري وفي القرن الرابع الميلادي كُتبت اللغة الجورجيَّة بالأبجديَّة اللاتينيَّة، إلا أنَّ الغالبيَّة العظمى من هذه اللغات وُلِدَت وتَطَوَّرَت وإنْدَثَرَت دون أن تعرف أبجديَّات لتدوينها، وإنَّ عدد غير قليل من المعاصرة منها تم تدوينها لأوَّل مرَّة مع بدايات القرون الوسطى. إستُخْدِمَت لاحقاً أبجديات غريبة لتدوين هذه اللغات منها العربية واللاتينية والسيريلية والقسم الأكبر منها تمت كتابتها لأوَّل مرَّة في القرن التاسع عشر أو مع بدايات القرن العشرين وبقي قسم آخر لا يعرف الكتابة حتى يومنا هذا. حضيت القليل من هذه اللغات بإعتراف رسمي من قبل الأنظمة السائدة في مناطق تواجدها، ويُعتبر القليل منها ضمن اللغات الرسميَّة.

بالرغم من تواجد خطوط عامة تشترك بها لغات القوقاز، فإنَّ الإختلافات لا تزال قائمة بين علماء اللغات لحد الآن بخصوص تصنيف هذه اللغات أو توزيعها ضمن عوائل لغويَّة محددة، فمنهم من يقسمها إلى عائلتين لغويتين هما عائلة اللغات القوقازِيَّة الشماليَّة وعائلة اللغات القوقازِيَّة الجنوبيَّة، ومنهم من يذهب إلى تقسيم العائلة الشمالية إلى عائلتين منفصلتين هما عائلة اللغات القوقازِيَّة الشماليَّة الشرقِيَّة وعائلة اللغات القوقازِيَّة الشماليَّة الغربِيَّة، وذلك بسبب الإختلافات الواسعة بين المنظومات الصوتِيَّة والقواعديَّة والصرفيَّة والمعجميَّة لها بالإضافة إلى الإنعدام الكلي لتواجد مخطوطات أثريَّة تُمَكِّن العلماء من الرجوع إليها، كما أنَّ الأكثريَّة الساحقة منها عبارة عن لغات محليَّة محدودة الإنتشار وغير مكتوبة ولا تمتلك أبجديَّة خاصة بها. أخذ علماء اللغات الفصل في هذا الأمر على عاتقهم ونهظوا بعبأ ثقيل من خلال دراسات المقارنة العميقة والشاملة لهذه اللغات ولمختلف علومها تمكنوا من خلالها من وضع اللمسات الأخيرة في طريق تصنيفها وتحديد إنتمائاتها.

يذهب البعض من علماء اللغات إلى أن الموطن الأصلي لعائلة اللغات الهنديَّة ـ الأوربيَّة، التي تُعتبر اليوم من أكبر العوائل اللغوية في العالم من حيث عدد لغاتها وعدد الناطقين بها ينحدر من هذه المناطق وبالتحديد من مناطق شمال البحر الأسود وشمال القوقاز. )http://www.stawropol.de/html/kaukasus-volker___sprachen.html(

وبالرغم من ذلك فإنَّ هذا العدد الكبير من لغات القوقاز لا يرتبط بأية علاقات وراثيَّة مع اللغات الأخرى المنتشرة في مناطق القوقاز والتي تنتمي إلى عوائل لغويَّة أخرى مثل اللغات الهنديَّة ــ الأوربيَّة، أو الآلطيَّة أو الأسيويَّة ــ الإفريقيَّة.

تصنَّف اللغات القوقازِيَّة ضمن اللغات الصعبة في العالم كما أنها تصنَّف ضمن مجموعة اللغات المعزولة التي لا تمت بصلة إلى لغات أخرى.

تم توزيع هذه اللغات وفقاً لما تم التوصل إليه من نتائج لدراسات المقارنة اللغويَّة إلى ثلاث عوائل لغويَّة مختلفة وهي: 

I. عائلة اللغات القوقازِيَّة الجنوبيَّة

II. عائلة اللغات القوقازِيَّة الشماليَّة الغربِيَّة

III.عائلة اللغات القوقازِيَّة الشماليَّة الشرقِيَّة 

I. عائلة اللغات القوقازِيَّة الجنوبيَّة/

وتُسَمى أيضاً عائلة اللغات الكارتفيليَّة أو الإيبيريَّة

تتكَوَّن هذه العائلة اللغوية من أربعة لغات فقط تتواجد جميعها في جمهورية جورجيا.

وهي:

1. اللغة الجورجيَّة، واللغات السانِيَّة، التي تشمل اللغتين:

2. اللغة اللازيَّة و

3. اللغة المنغريليَّة بالإضافة إلى

4. اللغة السوانيَّة.

يتكلم بلغات هذه المجموعة أكثر من 5,5 مليون إنسان كما هو موضح أدناه. 

II. عائلة اللغات القوقازِيَّة الشماليَّة الغربِيَّة

وتسمى أيضاً عائلة اللغات الأبخازيَّة ـ الأديغيَّة

تنتشر الشعوب التي تتكلم بهذه اللغات على الضفاف الشرقيَّة للبحر الأسود.

تضم هذه العائلة اللغويَّة مجموعتين لغويتين أساسيتين هما:

1. اللغات الأبخازِيَّة ـ الأباسينِيَّة وتشمل على:

1.1. اللغة الأبخازِيَّة و

1.2. اللغة الأباسينِيَّة

2. اللغات الشركسِيَّة ـ الأبيشِيَّة

كانت هذه المجموعة تتكون من مجموعة لهجات مختلفة تَطَوَّرت في الفترة بين القرنين الثالث عشر والرابع عشر لتتبلور منها كل من اللغتين التاليتين:

1.2. اللغة الشركسِيَّة القبردية

2.2. اللغة الشركسِيَّة الأديغيَّة

وتضاف إلى هذه المجموعة لغة أخرى هي:

3. اللغة الأوبيشيَّة وهي لغة منقرضة. 

III. عائلة اللغات القوقازِيَّة الشماليَّة الشرقِيَّة:

وتسمى أيضاً عائلة اللغات الناغيَّة ـ الداغستانِيَّة

تضم هذه العائلة 30 لغة معظمها في جمهوريَّة داغستان وهي

(جمهوريَّة فدراليَّة ضمن جمهوريَّة روسيا الإتحادِيَّة) والمناطق المجاورة لها.

يبلغ عدد الناطقين بلغات هذه العائلة اللغويَّة أكثر من أربعة ملايين إنسان.

يجري تقسيم لغات هذه العائلة اللغويَّة على الشكل التالي: 

1. اللغات الناغيَّة وفيها

1.1.  اللغات الفيجناغيَّة، التي تشمل على اللغتين:

1.1.1. اللغة الشيشانيَّة، و

2.1.1. اللغة الإنغوشِيَّة بالإضافة إلى

2.1.  اللغة الباتشِيَّة 

2. اللغات الداغستانِيَّة، التي تضم عدد من المجاميع اللغويَّة الصغيرة منها:

1.2. اللغات الأواريَّة ـ الأندِيَّة ـ الديدوية

وتشمل على اللغات التالية:

1.1.2. اللغة الأواريَّة

2.1.2. اللغات الأندِيَّة وتشمل على 8 لغات وهي:

1.2.1.2. اللغة الأخواخيَّة

2.2.1.2. اللغة الأندِيَّة

3.2.1.2. اللغة البغوالاليَّة

4.2.1.2. اللغة الغودوبيريَّة

5.2.1.2. اللغة الكاراتينيَّة

6.2.1.2. اللغة التنديَّة

7.2.1.2. اللغة التشامالاليَّة

8.2.1.2. اللغة البوتليشيَّة

3.1.2. اللغات الديدوية وتشمل على 5 لغات وهي:

1.3.1.2. اللغة البشتِينِيَّة

2.3.1.2. اللغة الشوارشينيَّة

3.3.1.2. اللغة الهينوشيَّة

4.3.1.2. اللغة التسِيسِيّة أو الديدوئيَّة

5.3.1.2. اللغة الهُنْسِيبِيّة

4.1.2. اللغات اللاكشيَّة ـ الدارغينيَّة وفيها:

1.4.1.2. اللغة اللاكشيَّة

2.4.1.2. اللغة الدارغينيَّة

5.1.2. اللغات اللزغيَّة وتشمل على:

1.5.1.2. اللغات الساموريَّة ومنها:

1.1.5.1.2. اللغة الأغهوليَّة

2.1.5.1.2. اللغة اللزغيَّة

3.1.5.1.2. اللغة الرُوتُوليَّة

4.1.5.1.2. اللغة الطباسارانيَّة

5.1.5.1.2. اللغة التساخورِيَّة

2.5.1.2.   لغات شاه داغ وتشمل:

1.2.5.1.2. اللغة البودوخيَّة

2.2.5.1.2. اللغة الكريزيَّة

3.5.1.2.   اللغة الأودشِيَّة

4.5.1.2. اللغة الآرتشيِنيَّة

5.5.1.2. اللغة الشينالوغِيَّة 

***

د. محمد شطب

.......................

*ستتم الإشارة في هذه الدراسة إلى اسماء اللغات والمجاميع التي تنتمي إليها ضمن هذه أو تلك من العوائل اللغويَّة المشار إليها وإلى مناطق إنتشارها بالإضافة إلى عدد الناطقين بها وهل هي لغات معاصرة أم منقرضة، لغات محكيَّة فقط أم محكيَّة ومكتوبة ومتى تم تدوينها لأوَّل مرَّة وما هي الإبجديات المستخدمة في كتابتها، وهل هي من اللغات المعزولة أم لها صلات بلغات أخرى، هل هي لغات محليَّة أم لغات عالميَّة، لغات رسميَّة ومعترف بها أم أنها لا تحضى بهذه الأمكانيَّة، بالإضافة إلى ذكر الكود الدولي لها دون التطرق إلى علومها وأدابها.*  

 

 

قاسم حسين صالحالعبادي والكاظمي انموذجان

تعني الازمة، بمفهومها السياسي، عدم القدرة على حل قضية او اكثر والوصول الى تفاهمات بين اطراف الازمة (أحزاب، كتل، مكونات..) ينجم عنها الترقب والحذر والشك الواقعي أوالمرضي (البارنويا)، والتهديد بتصفية الآخر او اضعافه، بهدف الوصول الى السلطة والاستفراد بالثروة، وتحقيق اهداف سياسية او معتقدات دينية او ايديولوجية.

ولقد اثبت واقع الحال، ويثبت، ان حكومات المحاصصة منتجة للأزمات لسببين سيكولوجيين، الأول: ان السياسي العراقي (أحول عقل) وهو مصطلح جديد ادخلناه في علم النفس العربي، والثاني: اشغال الناس بهموم الحياة البائسة التي خلقتها هذه الحكومات، وتضاعفت فيها اخطر ثلاث ظواهر اجتماعية: الطلاق والانتحار والمخدرات.. و(ألحاد)، والنظام تحكمه أحزاب اسلام سياسي!

والحقيقة السياسية ان العراق من 2003 لغاية 2020، ليس (دولة) بمفهومها الذي ينبغي ان تحظى بالهيبة ويسودها الأستقرار السياسي والأمني، وتعمل فيها المؤسسات بشكل تكاملي لخدمة المواطن وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.فالعراق هو البلد الأول في العالم من حيث حجم الضحايا الذين بلغ عددهم، بحسب تقرير (كوبلر)ثلاثة آلاف قتيل في اربعة اشهر من عام 2013 فقط، وقائمة طويلة في الاعوام التي تلته، تستهدفهم القوى الارهابية وميليشيات تابعة لقوى سياسية طالت حتى الأطباء الذين قتل ثلاثة منهم بعد يومين من مصادقة مجلس النواب على قانون حماية الأطباء!.والعراق هو الأول عربيا والثالث عالميا في الفساد، وهو الوحيد الذي يدفع رواتب تقاعدية خيالية لأعضاء البرلمان والدرجات الخاصة والمستشارين.. وصلت نسبتها في ثمان سنوات الى 40% من الميزانية السنوية التي زادت في حينها على 120 مليار دولارا فيما ربع العراقيين يعيشون تحت خط الفقر.والوزارت موزعة وفق حصص حزبية وطائفية وقومية.. وعوائل!، وكل وزارة تعمل لصالح الجهة التي ينتمي لها الوزير، الذي يعمل على وفق التوجيهات التي يتلقاها من الجهة التي رشحته.

وما حصل هو ان السياسة حكمتها مسألتان: الصفقات التي وصفها المتحالفون انفسهم بانها فقدت المبدئية والقيم الاخلاقية، واتسمت بالغدر والخيانة، وخلق الأزمات واحتكارها.وما يجعل الازمة خطيرة في العراق انها مفتوحة على جميع الاحتمالات، ويزيد صعوبتها، انعدام وجود آليات لحلّها.فمجلس الوزراء يفتقر الى نظام داخلي واضح يحدد أداء السلطة التنفيذية، ويضبط عمل الحكومة. والتقاطعات والتضاربات في الصلاحيات داخل الحكومة ذاتها، وبينها والبرلمان. ووجود مواد في الدستور يصفها قانونيون بأنها (حمّالة اوجه).وطبيعي أن يفضي هذا الكّم المعقد من القضايا الشائكه الى ثلاث حقائق سيكولوجية: خلق تشوش فكري لدى متخذ القرار يضطره التركيز على القضايا التي فيها خطر عليه، وتعميق روح الشك بالآخر بين الفرقاء في برانويا سياسية، وتقوية الانتماءات والولاءات للأحزاب والعشائر ودول خارجية تفضي بالضرورة الى اضعاف الشعور بالمواطنة والولاء للوطن.

حيدر العبادي

بعد جمعة تظاهرات العراقيين التاريخية في السابع من آب2014، اضطر العبادي او ارتاى تقديم حزمة اصلاحات في التاسع منه، تلتها احداث درامية. وكانت اغلبية العراقيين تفترض حسن النية فيه وانه صادق فيما يقول.. لكن الرجل كان يمشي في طريق كله الغام.وما يعنينا هنا.. قضيتان لهما بعدان سيكولوجيان، هما نوعية القرارات التي يتخذها وعلاقتها بمطالب مواطن موجوع مفجوع، وصراع الاضداد في كيفية تعامله بالشكل الذي لا يلحق ضررا به وبحزبه. 

وسيكولوجيا، تتحدد، القرارات بثلاث آليات هي:

الأولى: البدء بالقرارات الأصعب نزولا الى القرارات الأسهل،

الثانية: البدء بالقرارات الاسهل صعودا الى القرارات الأصعب،

والثالثة: تنفيذ القرارات الاسهل والتوقف عن تنفيذ الاصعب.

ان القائد الذي يعتمد الآلية الأولى يتمتع بشخصية الواثق من نفسه ان اعتمد على جمهور واسع يمثل المجتمع لا على المغامرة، فيما تمتاز شخصية الذي يعتمد الثانية بالحكمة والتأني والعقلانية، وبعكسهما.. تتصف شخصية من يعتمد الثالثة بالتردد. 

وكان العبادي قد اعتمد اولا الالية الثانية، بأن بدأ بتنفيذ القرارات التي لا تلحق به وبحزبه الأذى او الضرر.. ما يعني انه اعتمد الحكمة والعقلانية والواقعية.وبما أنه تجنب الآلية التي تريدها الجماهير بأن يبدأ بالقرارات الصعبة، فقد توقعنا حينها انه سيمارس الالية الثالثة( الاستمرار بتنفيذ القرارات الأسهل والتوقف عن تنفيذ القرارات الأصعب).. ما يعني انه سيتحول في النهاية الى شخصية مترددة من وجهة نظر المتظاهرين.. يؤيد ذلك استطلاع تبين منه ان ربع المستجيبين فقط توقعوا ان العبادي سينجح فيما الغالبية افادوا بأنه (ليس بيده شيء للتغيير، يريد ان يغير ولكن مافيات الفساد اقوى منه.. ولقد اعترف بعجزه عن مواجهة الفاسدين في خطابه بجامعة بغداد لأنهم(يملكون المال، فضائيات، قدرات، يستطيعون ان يثبتوا انهم الحريصون على المجتمع، وهم الذين يحاربون الفساد، ولكنهم آباء الفساد وزعماء الفساد 27/11/2017).وخلصنا الى (ان قراءتنا السيكولوجية للسيد حيدر العبادي هي انه لم يستثمر فرصة تاريخية تجعل منه رجل دولة وبطلا شعبيا، ولأنه اضاعها، فانه سيعود الى سابق وضعه، بعد ان اوصل الناس الى قناعة بأنه (هاوي.. ولكن ما ناوي).

مصطفى الكاظمي:

اعتمد السيد الكاظمي الآلية الثانية التي اعتمدها العبادي في اتخاذه القرارات (البدء بالقرارات الاسهل صعودا الى القرارات الأصعب)، لكنه اختلف عنه بأنه لم يتوقف عن تنفيذ الاصعب التي توقف عندها العبادي، اذ بدأ بأصدار قرار يقضي بايقاف ازدواج الرواتب، تبعه في (25 حزيران 2020) اعلانه بأن الأيام القادمة ستشهد حملة تغييرات في المناصب المتقدمة في الدولة، وتجريد الأحزاب من المناصب التي حصلت عليها خلافا للقانون.ولأن الحدثين خطيرين فقد تساءلنا ليلتها في منشور(الأنقلاب الأبيض هل سيحصل؟)، لتفيد فضائيات باقتحام مسلحي ميليشات حزب الله المنطقة الخضراء في فجراليوم التالي، في اعلان صريح بأن الأنقلاب الأبيض قد حصل.

وضع معقّد سياسيا، امنيا، اقتصاديا، صحيا، مجتمعيا، وسيكولوجيا.. يواجهه السيد الكاظمي وقد يربكه في اتخاذ القرارات، ومع ذلك اختار ان يبدأ بأخطرها واكثرها الحاحا جماهيريا.. الفساد.. مدركا بأنه سيكون امام خيارين: اما ان ينتصر في معركته على الفاسدين ويكون المنقذ والمخّلص والبطل الذي سيدخل التاريخ السياسي للعراق الذي خلا من الابطال القادة من سنين، واما ان يكون (الشهيد الحي).

وكان هذا التصور هو الذي شاع عنه بين اغلب العراقيين لغاية اجتماعه بالسيد المالكي.فقد اصاب الكثيرين بالأحباط واعادهم لسيكولجيا توالي الخيبات، واعيد ليكون بنظرهؤلاء كالسيد العبادي الذي وعد بضرب الفاسدين بيد من حديد وما ضرب، لسبب سيكولوجي.. ان توالي الخيبات اوصل العراقيين الى اليأس من اصلاح الحال، وان خذلانهم بوعود من سبقوه يدفعهم الى ان لا يثقوا بالكاظمي، مبررين ذلك بأنه جاء بموافقة أحزاب السلطة، ويسخر ىخرون بأن الكاظمي لا يستطيع ان يفعل شيئا، وان فعل فهو فلم هندي!، فضلا عن سيكلوجية الجماهير العراقية تريد ان يبدأ القائد بالآلية الأولى في اتخاذ القرارات (البدء بالقرارات الأصعب نزولا الى القرارات الأسهل).. وانهم لن يصدقوا الكاظمي ما لم يضع حيتان الفساد وراء القضبان!.

لقداقترحنا ان يعطى الكاظمي مهلة ثلاثة اشهر بعدها نحكم له او عليه: اما ان يكون كسلفه العبادي الذي اعترف عن عجزه باتخاذ القرارات الصعبة، او يواصل ما نفترضه فيه باعتماده استراتيجية تنفيذ القرارات الأسهل صعودا الى الأصعب.

ولتحقيق ذلك نوصي باعتماده اجرائين:

الأول: اصلاح النظام القضائي بما يولّد الثقة عند العراقيين بانه قد اتخذ الاجراء العملي لمكافحة الفساد، تبدأ بتعديل المادة 136 من قانون المحاكمات الجزائية التي منحت الوزير صلاحية ايقاف الاجراءات القضائية بحق من يشغل منصبا ادنى من الوزير والتي تعني عدم امكانية استدعاء وكيل الوزير او المدير العام حتى لو كانت عليه قضية فساد مالي، وتذكيره بأستخدام قرار لصالحه صادر من المحكمة الدستورية في العراق يقضي (بالغاء المحاصصة).

والثاني: تشكيل هيأة رأي من مستشارين سيكولوجيين وتربويين وقضاة واعلاميين مستقلين سياسيا، تكون مهمتها فضح الفساد والفاسدين أخلاقيا باعتماد استراتيجية تستقطب رجال دين وخبراء اقتصاديين تستهدف احياء الشعور بالمواطنة، وتنشيط الضميرالاخلاقي، واحياء الشعور بالذمّة التي تعني العهد والكفالة حين يكون الشخص مسؤولا عن الرعية.

وللمشككين في وعود ونوايا الكاظمي نقول: صحيح ان لا رهان على السياسة في العراق لأنها بلا مباديء، بلا اخلاق.. لكن الكاظمي ليس مضطرا لأن يبدا بالأصلاح ويعد بالقضاء على الفساد ويقدم على اتخاذ اجراءات تهدد حياته.ولأنه اعلن عن بدء المواجهة مع قوى تمتلك المال والسلاح ومع (الدولة العميقة) فان عليه ان يكمل المشوار، لأن التردد في القرارات او الأحجام عن تنفيذ القرارات الأصعب ستؤدي به الى ان يخسر الشعب(كتلته)، وستنتقم منه قوى الفساد وتجعله انموذجا لمن تسول له نفسه التحرش بها.. وعندها لن تقوم للعراق قائمة الى يوم يبعثون.

 

أ.د.قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

أمين عام تجمع عقول

 

 

لقد اعتاد معظمنا، وكجزء من ثقافة متوارثة، على التعامل مع النهايات الكبيرة والواضحة بدون الاهتمام كثيراً بالتفاصيل الصغيرة التي تجمعت وانتجت تلك النهايات (الظواهر) .

رفض الطاغية وسلوكه وسياساته مثلاً، يأتي في الغالب بدون مراجعة العناصر التي خلقته من الناحية الشخصية وخلقت لديه كل ذلك الاستعداد الدموي  اللانساني، وكذلك الظروف المحيطة التي جعلته قادراً على ممارسة طغيانه.

وفي نظري فان عدم دراسة وتتبع التفاصيل لن يجعلنا قادرين على معالجة الظواهر التي نواجهها في حياتنا لكي نمنع ونوقف ظهورها.

 ويعتبرتحمل المسؤولة عن كثير من الامور شرط اساسي لمواجهتها وربما علاجها والتخلص منها.

بالرغم من الوضع الحر المستقل للشخص، لكن الآخرين، لاسيما الاهل والاصدقاء، يحلو لهم العبث بهذه الاستقلالية والتدخل السافر في شؤوننا ومحاولة تغيير قراراتنا وانتقادها علناً او ضمنياً!!

قبل سنوات وعند انتقالي للعمل في دولة جديدة، استأجرت شقة اعجبتني مع ان ايجارها مرتفع. وهنا ثارت ثائرة المخلصين من الاصدقاء وحتى غير الاصدقاء وانهالت الاتصالات التي تحذرني من الكارثة ومن الخداع الذي تعرضت له وان بامكانهم الحصول على شقة لي بسعر ارخص كثيراً .. حاولت عبثاً ان اشرح لهم اني اجريت مسحا للاسعار واني اعرف ماذا افعل ولست قاصراً وان لدي حسابات واعتبارات خاصة بي وبعائلتي في اختيار المنزل..

لم يفهموا ان لكل انسان تفضيلات في اختيار الاشياء وانه ليس مضطرا للتطابق معهم .لكنها ثقافة اللون الواحد، ثقافة الزي الموحد (the uniform).

لم ينتبه هؤلاء السادة الى انهم بذلك يتعدون على استقلاليتي، بل انهم اعتبروا ذلك حرصاً على مصلحتي .. شعرت بالضيق فعلاً من تلك التصرفات ولكن الادب منعني من التعامل معهم بجفاء. لقد كانوا شخصيات استبدادية حقاً حتى وان لم يدركوا ذلك.

بعد ايام اتصل بي احد المسؤولين في السفارة العراقية وطلب تحديد موعد لكي نلتقي. وفعلا تم ذلك وكنت اتصور ان لديه أمرا هاما خاصة وانه ممثل جهة امنية في السفارة، لكني فوجئت بانه ينصحني حول موضوع استئجار الشقة من جديد وقال ان بعض الاخوان كلفوه بالحديث معي حول الموضوع !!!!!

ادركت ان الرجل لايعتبر ذلك تدخلا وقلة احترام لانه اعتاد على ذلك ربما..

الانسان الفرد قاصر في نظر المجتمع وانه بحاجة الى توجيه مستمر حتى لو بلغ من العمر عتيا ..

تقرر شراء سيارة جديدة وتتفاجأ بعشرات الاعتراضات والاقتراحات التي تدعوك لشراء سيارة غير التي قررت شراءها . بل ان احد اصدقائي اشترى سيارة فخمة وجديدة من الوكالة وكنت معه في احد الاماكن عندما داهمنا شخص اعرفه معرفة سطحية لكن صاحب السيارة لايعرفه اطلاقا ولم يلتق به من قبل. وفوراً سألني هذه المتطفل عن هذه السيارة وهل هي سيارتي؟ قلت له انها سيارة صديقي فلان الذي تراه معي .

وهنا هاجم هذا الشخص السيارة وقال لصاحبها : ألم ينصحك أحد؟ كيف تسمح لهم ان يضحكوا عليك ويبيعوك هذه السيارة التافهة؟

صاحبي كان رجلا عاقلا فلم يكترث بكلام المتطفل ووعده بالتخلص منها بسرعة بناء على نصيحته. المحرج في الأمر، انه اعتقد ان المتطفل صديقي وهذا شيء مخزي بالنسبة لي. .. وحلفت باغلض الأيمان ان معرفتي به سطحية ووعدته بان اقطع علاقتي به بسبب المخازي التي قدد يسببها لي . وفعلا اوفيت بوعدي.

نأتي الآن الى الجانب الاكثر كوميدية في الموضوع وهي قضية الطعام والذوق في تناول الطعام وماذا تحب وماذا تكره من طعام وكم تاكل ومتى تأكل وكيف تأكل؟

في مجتمعنا احياناً لايحق لك ان تشبع بسرعة ولايحق لك ان تقول لا احب الطعام الفلاني

ولا ان تقول باني لا اتناول العشاء مثلاً . حيث ستجد الجميع اطباء مختصين في علم التغذية وتنهال عليك النصائح التي تحذرك من هذا السلوك السيء الضار بالصحة .

احيانا اكون مدعوا في بيت احد الاصدقاء الى جانب عدد آخر لا اعرف بعضهم، وتحصل الكارثة عندما اتوقف عن تناول الطعام، حيث يقفز صاحب الدعوة ويضع امامي كتلة لحم تثير اشمئزازي وهو يقسم بأنه لن يسمح لي بالقيام قبل اكلها والّا فإنه سوف يزعل. تصوروا انه سوف يزعل اذا لم اتناول هذه الكتلة من الطعام !!

اعتذر عن تناول الحلوى والتمر مثلا، وتنطلق الحناجر للاشادة باهمية ذلك وان الرجل يجب ان يأكل الكثير من التمور الخ.....

احدهم قال لي ذات مرة : انتم لستم مثل رجال قبل للأسف !! يقصد ان رجال قبل يأكلون كالبهائم ونحن ناكل بطريقة غير رجولية ولاتدل على خشونة وفحولة ..

اما ضرورة الاشادة بالطعام بشكل احتفالي راقص وموسيقي فهذه حتمية يجب عدم إغفالها اطلاقاً . لايكفي ان تقول شكرا والحمد لله !!

اليس هذا شكلا من اشكال الاستبداد الصغير؟

وهذا لايسري على الدعوات الاجتماعية فقط بل حتى داخل البيت ..احياناً تأتيك اشارة تنبهك الى انك لم تعلن عن البهجة كما ينبغي، لان سيدة البيت سوف تغضب وتزعل لهذا الاهمال المقصود ..

مشكلتي الشخصية هي عدم قدرتي على التعبير المباشر والاحتفالي كما تقتضي الاعراف، لذلك اواجه حرجاً مستمراً. وهذا استبداد صغير فعلاً .. يقول لي الاهل احيانا بعد الوجبة : يبدو ان الطعام لم يعجبك؟؟ وأردُ مستغربا : كلا لقد اعجبني بدليل اني تناولته بشهية !! فيقال لي : لو اعجبك فعلا لصرحت واعلنت ذلك عن طريق الاشادة والتعظيم ..

أنا شخصيا لا أحب الفطر (mushroom) ولا أطيق رائحته وهذا حق طبيعي .. ولكن هذه الخصلة السيئة سببت لي من الازعاج ما لايمكن وصفه : الكل يصرخ في وجهي عندما يعلم بأني لاآكل الفطر: بالعكس انه عظيم ولذيذ ..لا اصدق ان شخصا مثلك لايحبه.

يقترحون عليَ بقوة ان اجربه ولو مرة واحدة !! اصبحت القضية كأنها عقيدة ومبدأ :من لا يأكل الفطر فانه مشكوك بولائه ..

بحثت عن حديث نبوي يدعو الى تناول الفطر لكني لم أجد ذلك .. تصورت انه ربما محبوب دينيا وان الصلاة لاتقبل بدونه !!

ختاما، ولكي لا أطيل الرواية نذهب الى قضية الملابس ...

بداية عهدي بالاستبداد الصغير المتعلق بالملابس، كانت عندما كنت في الصف الاول الابتدائي وكنت اسير مع والدي رحمه الله في الباب الشرقي وقلت له ان ذلك القميص اعجبني .

 كان القميص فاتح اللون لسوء الحظ حيث انطلق الوالد بالقاء محاضرة اخلاقية حول سيئات اللون الفاتح للرجل، وقال لي بالحرف الواحد : انت رجل، والرجل عيب يلبس لون فاتح .. الوان الرجل هي الاسود والازرق الداكن والاخضر الداكن والقهوائي فقط !!

( يعني لازم البس الوان منيلة بنيلة على حد تعبير اخواننا المصريين).

تصوروا انه عاملني كرجل بالغ وانا في الاول الابتدائي !!! لقد سلب طفولتي ببساطة ووضع اطارا لونياً رمزياً تتحدد من خلاله رجولتي!!

لقد تعودت والى الآن ان لا ألبس الالوان الفاتحة .. التعليم في الصغر كالنقش في الحجر.

هذه الممارسات التربوية التي نتلقاها في الطفولة وعند الكبر لايمكن ان تمر مرَ الكرام بل تترك تراكمات ثقافية تجعلنا مستعدين لاعادة ممارستها مع اولادنا وتلاميذنا وزوجاتنا وزملائنا في العمل . وهكذا تنمو جذور الاستبداد الصغير لكي تخلق طغاةً كباراً في المستقبل.

 

د. صلاح حزام

 

 

يقول سقراط امي كانت قابلة توّلد النساء وكانت هذه العملية فيها مشقة كبيرة إذ أنها كانت تحاول من جهة توّلد المرأة الحامل وانزال الجنين بأمان ومن جهة أخرى تخفيف الألم عنها اي انها تعيش مع حالة صراع لأنقاذ الطرفين الام والجنين وانا بدوري اقتبست الفكرة من مهنتها فحولتها إلى عمليه ذهنية عقلية اي كيف أستطيع أن أصل إلى أفكار جديدة من خلال المصادر الحسية المتوفرة لديّ وخلال هذه العملية سأعيش صراع فكري ذهني في رأسي بحثاً عن معرفة جديدة .... فكل انسان صاحب هدف يواجه خلال مراحل حياته في صعوبات يجب ان يتجاوزها كأن يكون باحث او رياضي او فيلسوف او رجل أعمال

كما يقول توماس كارليل صاحب نظرية الابطال الشهيرة ومفادها (ان تاريخ البشرية ماهو الا تاريخ الشخصيات العظيمة) فهنالك أشخاص من صلب التاريخ خلقوا افكار جديدة واحيوا مجتمعات ميتة منسية من عمق التخلف والرجعية ومن صلب الجاهلية الفكرية وبقوة شخصيتهم ولما يمتلكونه من ذكاء ووعي في تحقيق انجاز وتذليل والصعوبات التي تواجههم لكي يصلوا إلى أهدافهم وحاولوا أن يضعون الخطوة الأولى بالاتجاه الصحيح اذ ويمثلون مرحلة الصحوة في طريق النهضة الأولى كما يقول موسى سلامة الكاتب المصري علينا إلقاء الحجر في المياه الراكدة ورأي كارليل في الابطال مشابه تماماّ فدور هذه الشخصيات في مثل هذه المهمة في المجتمعات .

اذا ان الانسان اليوم في حالة صراع عظيمه مع بيئته المتطورة والمتغيرة بأستمرار للوصول إلى هدفة وتحقيق مايبتغي الوصول اليه وان يستفيد من عامل التراب والوقت على تعبير مالك بن نبي لبناء شخصية جديدة ومظهر حضاري لائق لإنتاج مايبقيه على تواصل مع تطورات الأوضاع الحاصلة فالأنسان الذي لا ينتج سيموت يوما من الجوع وهذا ينطبق على الكل والجزء على السواء ..

يقول روبرت شولر الصراع مكان ولادة الإبداع الأعظم اذا عندما ما ننظر إلى أحوال المجتمعات العظيمة والحضارات المتقدمة في الوقت الحاضر نستنتج انها نهضت على أعتاب صراعات دينية وسياسية ومعارك وحروب دامية استمرت لقرون اي بعد الظلام الدامس الذي استمر لمدة الف سنه وجدت شعاع الامل وانقشعت غياهبه الناجمه من الخرافات الدينيه والتعصب القومي متجهةً نحو فضاء جديد متسلحة بالعلم والفلسفة والاكتشافات والاختراعات وشعر الانسان انه وجد الإنسان ضالته فيها وراح يصارع الطبيعة ليكتشف المزيد منها....

ان الصراع الحاصل للأنسان في القرن الاخير ليس صراع مذهبي ولاديني ولا عرقي إنما هو صراع إنتاجي اقتصادي وايضا فكري على مستوى الإبداع والابتكار في مجال العلوم والتكنولوجيا الحديثة للتواصل مع الحداثوية الجديدة ورجحان الكفة سيكون من نصيب المجتمعات المنتجة والمتطورة فكريا اما المجتمعات التي تبقى على افكارها القديمه ولا تستحدث أفكار جديدة ومتمسكمة بالقديم وماطرح سابقا قبل مئات السنين ستكون مجتمعات منسية ومجتمعات خاسرة للسباق ولربما وسيكون تاريخها وحضارتها عبء عليها كما ان صراع الأفكار لديها سيكون متوقفا عند فكرة محدودة

يقول هيجل ان فلسفة التاريخ ماهي الا صراع ألافكار اي ان الفكرة عندما تنشأ ينشأ معها جنينها نقيضها وهذا النقيض سينمو ويتطور ومن وثم تخرج فكرة ثالثة تنقض الفكرتين وهذا ديدن التطور والاستمرار على مر التاريخ وبذلك قفزت الدول المتقدمة من مرحلة الاحتفاظ بالموارد البشرية الى مرحلة الاستفادة راس المال البشري من خلال التدريب والتطوير وتشجيع الابداع وتعزيز العمل الجماعي إذ لازالت في الطرف الآخر في دول العالم الثالث تعاني الكثير من الفشل في التخطيط سواء كان في المجال الفكري والاداري اي في الموارد البشرية وهذا الفشل او السوء الحاصل في مجال التخطيط ادى الى انهيار البنية التحتية للدولة والمجتمع بصورة عامة كذلك غيابالتواكب الحضاري وعدم الشعور بالمسؤولية تجاه البلدان والنهوض بمستوياتها وهذا دليل على انه الصراع في هذا الوقت هو صراع جغرافي وليس تاريخي اي صراع تسخير ما تمتلكة من موارد طبيعية وامكانيات وقدرات وعقول للبقاء على قيد وديموميتها وبذلك يشير الكاتب المصري محمد حسنين هيكل للأستشهاد بهذا الصراع إلى الولايات المتحدة الأمريكية في كيفية تسخير مواردها وامكانياتها للهيمنه على العالم وصنع حضارة كانت غائبة عنها مما أعطاها الدافع للعمل والتطور بصورة اكبر.

 

الكاتب :ابراهيم صالح حسن

 

 

رائد الهاشميتعد الأمم المتحدة المنظمة العالمية ذات الاهتمام واسع النطاق في مجال حماية حقوق الإنسان، لذا لم يكتف ميثاقها بالاعتراف بهذه الحقوق والحريات وبالالتزام بحمايتها، وإنماحرص أيضاً على ايجاد الوسائل الفعالة لحماية تلك الحقوق والحريات.ولم يمنع ميثاق الأمم المتحدة من تشكيل منظمات إقليمية، إلى جانب المنظمات الدولية لتعنى برعاية أوضاع حقوق الإنسان لدى الدول الأعضاء فيها، ولا تعتبر بديلا عن الأمم المتحدة بل تمارس دوراً مسانداً ومكملاً لها ,وهذه المنظمات الإقليمية القائمة تعمل بموجب قرارات صادرة  من أجهزة ومنظمات دولية معنية بحماية حقوق الإنسان وليس عن طريق معاهدات دولية.

(منظمة الأمم المتحدة):

تُعدّ الأمم المتحدة المنظمة العالمية الأولى في مجال حماية حقوق الإنسان، وقد أولت اهتمامها بحقوق الإنسان، وحددت اختصاصات أجهزتها الرئيسة في هذا المجال ، وكذلك دور أجهزتها الفرعية ووكالاتها المتخصصة  وتتكون المنظمة من ستة أجهزة رئيسة فقط، ويمكن لتلك الأجهزة إنشاء الأجهزة الفرعية اللازمة، وتعرف بآليات الأجهزة المنبثقة عن الميثاق.وتتمثل الأجهزة الرئيسية في :

1- الجمعية العامة:

هي الهيئة الرئيسة للأمم المتحدة، فهي بمثابة البرلمان لها، تناقش أية مسائل تدخل  في نطاق اختصاصها وتضم جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة على قدم  المساواة  والعضوية فيها مفتوحة لكافة الدول دون تمييز وقد وضعت المادة (10)  من الميثاق الإطار العام لاختصاصات الجمعية في مجال حماية حقوق الإنسان فمنحتها اختصاصا عاماً وهو مناقشة المسائل الداخلة في نطاق الميثاق أو اختصاصات جهاز رئيسي أو فرعي للمنظمة، وإصدار توصيات مجردة من الالتزام القانوني إلى الدول الأعضاء في الأمم المتحدة أو إلى مجلس الأمن أو كليهما وأكدت المادة (13) على دور الجمعية في إعداد الدراسات وتحقيق حقوق الإنسان، وممارسة الدور الرقابي على تصرفات الدول للتأكد من التزامها بالمواثيق الدولية.

2- مجلس الأمن:

 المسؤول الرئيس عما يتعلق بحفظ السلم والأمن الدوليين, إن الميثاق لم يمنح المجلس مهمة حماية حقوق الإنسان، إلا أن التفسير الواسع لأحكامه هو الذي أدى به إلى ممارسة اختصاص جديد لم يرد بالميثاق، وبدأ بالربط بين حفظ السلم والأمن الدولي وحماية حقوق الإنسان، وقد تأكدت هذه المسألة من خلال بيان قمة مجلس الأمن الصادر في 31 يناير 1992 بشأن البند المعنون (مسؤولية مجلس الأمن في صون السلم والأمن الدوليين) فعمليات مراقبة الانتخابات والتحقق من احترام حقوق الإنسان وإعادة اللاجئين إلى أوطانهم، جزء لا يتجزأ من الجهود التي يبذلها مجلس الأمن لصون السلم والأمن الدوليين وفي تسوية المنازعات الإقليمية بناء على الأطراف المعنية أو بموافقتها، ومن ثمة فقد أرست هذه القمة الخطوط العريضة للتفسير الواسع لمفهوم تهديد السلم والأمن الدوليين وبالتحديد في مجال حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.

إن القرارات الصادرة عن مجلس الأمن ملزمة؛ نتيجة تعهد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، بموجب المادة (25) من الميثاق، بقبول قرارات مجلس الأمن وتنفيذها.

3- المجلس الاقتصادي والاجتماعي:

ان المجلس يعتبر أحد الأجهزة الرئيسة للأمم المتحدة، عملياً يمارس مهامه في مجال حقوق الإنسان تحت إشراف الجمعية العامة، إلا أن هذا لا يفقده استقلاليته في تنفيذ مهامه.

4- الأمانة العامة:

تمارس الأمانة العامة دوراً مهماً في الذود عن حقوق الإنسان، وتتكون من الأمين العام وهو الموظف الأكبر في الأمم المتحدة وعدد من الموظفين من (170) دولة. وله وظائف تتعدى اختصاصاته الإدارية والسياسية مثل التحقيق والوساطة والتفاوض، كما له تنبيه مجلس الأمن إلى أية مسألة يرى تهديدها للسلم والأمن الدوليين.

5- مجلس الوصاية:

يتولى مجلس الوصاية الإشراف على إدارة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، إضافة لتوطيد السلم والأمن الدوليين وتشجيع احترام حقوق الإنسان للجميع دون تمييز.

6- محكمة العدل الدولية:

هي الجهاز القضائي الرئيس للأمم المتحدة، لا يمكن للأفراد اللجوء إليها لعرض انتهاكات حقوق الإنسان الواقعة عليهم، حيث يقتصر ذلك على الدول الأعضاء في المنظمة كذلك المنضمة للنظام الأساسي للمحكمة، وأخيراً الدول الراغبة في التقاضي أمامها من غير الأعضاء في الأمم المتحدة أو في نظام المحكمة الأساسي.

أتمنى ومعي كل شعوب العالم أن تبقى الأمم المتحدة وكل المنظمات الأممية بعيدة عن كل التأثيرات السياسية وخاصة للدول العظمى وأن تحافظ على استقلاليتها وحياديتها وتبقى هي الراعية لحقوق الانسان في كل بقاع العالم.

 

د. رائد الهاشمي - سفير النوايا الحسنة

 

محمد سعد عبداللطيففي مطلع الألفية الجديدة ارتبط العنف بالآسلام .ومنذ أحداث برجي التجارة العالمي (2001م) كانت النظرة العامة في المجتمعات الغربية إلصاق تهمة الارهاب بالعالم الاسلامي لذلك

النظام العالمي يرفض الاعتراف بالاسلام كعنصر مكون للهوية في الدول الإسلامية.وفي الحالة الافغانية ادى دعم الولايات المتحدة للعناصر الاكثر تطرفا اثناء القتال ضد الروس الى تغذية صراعات لم يكن في وسع الاطراف الافغانية تجاوزها بعد  انتصارها. ومن غير المستبعد وجود استراتيجية امريكية ترغب في استمرار حراك بؤر توتر في العالم الاسلامي بما يوفر الحفاظ على المصالح الغربية وإبقاء الاسلام مرتبطا بالعنف الاعمى متعارضا مع الحضارة الليبرالية والتقدمية التي تدافع عن السلام والديموقراطية وحقوق الانسان. قد يبدو هذا التفسير تبسيطيا لكنه مؤثر.على الابتعاد عن النظرة التبسيطية الى الاسلام أن  التنوع الكبير بين المجموعات الاسلامية سواء من ناحية الاهداف أو أشكال النضال التي تتبعها.وهذا ما يحدث من تناحر فصائل جهادية في سوريا مع بعضها البعض .كذلك تجد في الغرب تنوع المدارس الاسلامية في المساجد والمركز الثقافية .التي تتبني أفكار جهادية مختلفة .من  الاشخاص الاسهل وقوعها في شرك التحكم من قبل القوى الاجنبية هم الأكثر اقتناعا بقضيتهم والأكثر صدقا، على ما في ذلك من تناقض. فهؤلاء يكونون عادة منخرطين في مقاومة تطغى عليها العوامل “العاطفية” ويقل بالتالي تأثير العامل السياسي فيها. وتؤمن بالعنف لذلك كانت تلك المراكز معامل تفريغ للجهاديين في الغرب .لتصديرهم للعالم الأسلامي في اوقات الفوضي الامتية والفراغ السياسي كما حدث في المناطق الرخوية في كل من العراق وسوريا ومصر وليبيا واليمن . وخير مثال على ذلك تسلل قوى اجنبية وتحكمها في تنظيمات تبدو مناقضة لها، مما  ساعد علي ظهور (داعش) اليس الفراغ الامني في العراق بسبب الامريكان . هو كان سبب زعزعة المنطقة الجيوساسية في الشرق الاوسط . ففي ثمانينيات القرن المنصرم . كان هناك دليل قاطع علي تورط الغرب والامريكان في مساعدة الجماعات الرداكالية. أن نموذج الشيخ  (عمر عبد الرحمن) دليل قاطع مع رجل ضرير ان يسافر وهو الذي أصدر الفتوى باغتيال الرئيس انور السادات، وكانت تعرض المحاكمات أمام شاشات التلفزة العالمية اين أجهزة المخابرات الامريكية .ألم ترصد تحركات مفتي الجماعة . وبعدما أدين وحكم عليه بالسجن في مصر ظهر في ما بعد بصورة غامضة في الولايات المتحدة. من الذي ساعدة علي السفر الي السودان  أولا : تقول سفارة الولايات المتحدة في السودان انها منحته تأشيرة الدخول لأنها لم تتعرف إليه. هل هذا يصدق . جرى هذا بعد اشهر قليلة من اغتيال السادات. تثير هذه الاحداث الدهشة وتضع علامات استفهام حول الطريقة التي تتحكم بها القوى الغربية بجماعات المعارضة من التيارات الاسلامية المختلفة .ومن الذي حكم علي الشيخ بالمؤبد اليست هي القوي التي صنعتهم .في أفغانستان .لكن المسألة المطروحة اليوم ابعد من ذلك. فالنظرة الشائعة في الغرب تقوم على تبسيط الاسلام وحصره في مفاهيم معينة كالجهاد وعلاقته بالعنف ومعاداته للديموقراطية وحقوق الانسان. ويوضح الكاتب (الآن غريش) في كتابة (أسئلة في الاسلام)  أن الاسلام مرَّ عبر القرون بالعديد من حركات الاصلاح، وان الاصلاح اليوم ضروري أكثر من أي وقت مضى لكن الأهم هو أن يكون من صنع المسلمين. ومن الغباء والخطر وضع المسلمين امام الخيار: إما أن تتخلوا عن الاسلام او نشن الحرب عليكم. وخطر الحرب بين الحضارات قائم وفعلي ليس لأن هناك من أراد وقوعها، بل لأن المنطق السائد في العالم هو أن صورة “الآخر” تصبح شاملة: لقد وضع الغرب في مواجهة الاسلام كما لو انه يشكل “كلا” متجانسا. فبرز المأزق وعلى الجميع الاختيار: إما نحن أو هم. هم الاشرار بطبيعة الحال ونحن الاخيار.

لذلك علينا جميعا أن الخروج من هذا المأزق، تنبغي اعادة النظر في المقاربات وفي الاجابة عن اسئلة من نوع: هل التضامن ضروري فقط بين اولئك الذين ينتمون الى ثقافة واحدة ودين واحد وأمة واحدة او البشر الذين يحملون قيماً مشتركة ومستقلة عن معتقداتهم.ويري الباحث والداعية الاسلامي التي يثير  حولة الجدل بعد أتهامة بالتحرش الجنسي لسيدتين في سويسرا وفرنسا (الدكتور طارق رمضان) في نظريتة عن أسباب ظاهرة العنف في الاسلام : يري أن القمع الرهيب الذي واجهت به الدول العربية للإسلاميين في مرحلة ما بعد الاستقلال، ما ادى الى زيادة تشدد عدد من القيادات الاسلامية التي مرَّت في سجون الانظمة. وبرغم احتلال الحركات الاسلامية العنيفة مقدمة المشهد الا انها تبقى أقلية ضئيلة. وقد ادركت الحكومات أن في وسعها استخدام هذه الحركات بصورة غير مباشرة،  كما حدث بعد تولي السادات الحكم لضرب الناصريين اذ انها تبرر بقاء النظم  التي تقوم بتشبيه جميع خصومها بها. وبمرور الاعوام، اصبحت هذه الحركات هي الحليف الموضوعي والاكيد للديكتاتوريات، التي تقول انها تعمل للإطاحة بها بالقوة، على ما في ذلك من تناقض. من ناحية آخري. لم تنجح الحركات الاسلامية منذ عقود في اقامة ما يشبه الاممية التي انشأتها الاحزاب الشيوعية. اما تنظيم “القاعدة” فمع طابعه الدولي الا انه يفتقر بشدة الى المشروع السياسي، باستثناء قلب الانظمة العربية والاسلامية وضرب المصالح الغربية، ما يجعله في عزلة عن الحياة السياسية للبلدان التي يعمل فيها.

وهنا يطرح سؤال ؟ هل الدين يشكل عاملا في تفجير الصراعات ؟ من وجهة نظر الدكتور طارق رمضان . أن السبب العميق للصراعات مرتبط بالعوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية، الى جانب التحدي الذي تشكله العولمة لثوابت الهوية. ويصبح الدين هنا عنصرا او بعدا في الصراعات. وهنا اختلف مع رآي الدكتور طارق .هناك ظاهرتان مختلفتان في هذا السياق. الاولى طغيان التفسير الديني لبعض الصراعات في ظل سوء فهم المعطيات السياسية والاقتصادية وهي حالة الصراعات في آسيا وأفريقيا وأوروبا. الظاهرة الثانية هي استغلال المعطيات الدينية. فالبعد الديني للصراع في الشيشان ثانوي، لكن الروس ركزوا عليه بسبب إدراكهم للفوائد التي يمكن أن يجنوها من تصويرهم للحرب هناك على انها صراع ضد الاسلاميين والارهاب. وفي بعض الحالات تغذي الحكومات الصراعات ذات الاسباب الاقتصادية والسياسية، وتـُصورها على انها صراعات دينية وتستغلها لتقدم نفسها كحكم بين المتصارعين. أسامة بن لادن لم يكن فقيرا ولا أولاد الغامدي ولا الدكتور ايمن الظواهري .ولا كل مرتكبي حادث برجي التجارة العالمي كانوا في اكبر جامعات من التصنيف الأول عالميا .ومنهم أبناء اغني أغنياء العالم .لذلك يبقي السؤال لماذا تنمو ظاهرة العنف وترتبط بالاسلام؟

 

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري وباحث في الجغرافيا السياسية