منى زيتونلا يتعلق النفاق بالدين وحسب، بل كثيرًا ما يدّعي الناس إيمانهم بقيم ومبادئ اجتماعية في الظاهر، ونلمس منهم في الباطن سلوكيات تتعاكس تمامًا مع صحة الاعتقاد بهذه المبادئ!

العلاقات الثلاثية!

ما أسُميت العلاقة الزوجية بهذا الاسم إلا لأن لها طرفين فقط لا ثالث لهما؛ هما الزوجان. ولعل أحد أهم أسباب فشل تلك العلاقة هو تحويلها إلى علاقة ثلاثية third party؛ بتدخل طرف ثالث من جهة الزوج أو الزوجة، وغالبًا لا نفهم سبب الفشل إلا بعد فوات الأوان!

قد يكون الطرف الثالث مستشاري سوء، طُلبت مشورتهم وغشوا من طلبها، ولم ينصحوا له، أو منحشرين طويلي الأنوف، دسوا أنوفهم في العلاقة، وبدأوا يتكلمون ويلوكون ما يخربها.

في العادة يكون أغلب المنحشرين نساء من العائلة، وأغلب مستشاري السوء رجال من الأصدقاء، وقد نبهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أنه من الأمانة –ولا إيمان لمن لا أمانة له- أن ننصح للآخرين بما نعلم أن فيه نفعهم. قال عليه الصلاة والسلام: "الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ". لكن بعض الناس يغش من يطلب نصحه، ويشير عليه بما يفسد حاله. ليس صديقك من كلما أشار عليك عدت إلى أسوأ حال! وإن كانت مشكلة بعض الناس أنهم لا يستشيرون أحدًا، فمشكلة آخرين أنهم يستشيرون كل أحد! وتحديد الإنسان موضع مشورته هو أحد أهم أسباب نجاحه أو فشله في علاقاته الاجتماعية، وفي الحياة بوجه عام.

كما أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام أن أكثر أهل النار من النساء؛ ذلك أن هناك صنف منهن يشغلن بالهن بما أنعم الله به على غيرهن، ويتناسين ما أنعم به عليهن مهما كثر، ويجدن راحتهن عند زوال النعم من الآخرين -أو بالأدق الأُخريات-، بينما إن تحدثن عن الرضا -الذي تلوكه ألسنتهن ولا تعرفه قلوبهن- ظن من لا يعرفهن أن الواحدة منهن وليّة من أولياء الله! هذه حقيقة، ولهذا فكثيرًا ما تفسد العلاقات الزوجية عندما يتدخل فيها هذا الصنف من النساء على وجه الخصوص.

في حالات الرجال الذين يرتبطون كثيرًا بعائلاتهم، كثيرًا ما يطلب هؤلاء مشورة نساء العائلة كالأم أو الأخت ومن لهن منزلة عنده؛ متصورًا أنهن سيُشرن عليه بالصواب، بينما إن كن قليلات العقل فهن سيخترن له ما يكون أنفع لهن لا له، حتى وإن كان في ذلك تفويتًا عليه لفرصة الاقتران بامرأة مميزة، أو خرابًا لعلاقته الزوجية القائمة مع زوجة صالحة؛ ذلك لأنهن متعلقات به ولا يردن من تنازعهن في قلبه. وفي رأيي إن هذا منتهى الأنانية.

وكثيرًا ما يعمل الطرف الثالث وفق مقولة "فرِّق تسد"، والتي لا زالت مقولة صحيحة على جميع المستويات؛ من مستوى العلاقات الشخصية، وصولًا لمستوى سياسات الدول! ومرحلة استفادة الطرف الثالث تنتهي عندما يقرر أحد الطرفين الاقتراب من الطرف الثاني، وعندها يصيران أقرب لبعضهما من المسافة التي بين أي منهما والطرف الثالث؛ فالحل الأمثل فيما يخص العلاقات الزوجية تحديدًا أن تبقى زوجية، فلا طرف ثالث في العلاقة.

لكن قد يذهب الطرف الثالث ويبقى الخلاف! بسبب عدم قيام الطرف الذي ينبغي عليه أخذ زمام المبادرة بدوره، أي تتحول المشكلة من مشكلة "طرف ثالث" إلى مشكلة "عدم إدراك متطلبات الدور الاجتماعي"؛ وفي العلاقات الشخصية، فإن كثيرًا من المشاكل في هذا النطاق تنشأ من عدم قيام الرجل بدوره الاجتماعي. إذًا، فقد تبقى المشكلة قائمة لأن التسامح بين الطرفين قد يحدث مع استمرار التباعد، ويظل التباعد قائمًا ما لم تحدث المبادرة من الطرف الذي ينبغي عليه أن يبادر. وجانب كبير من مشكلاتنا الاجتماعية -على تنوعها- ينبع من عدم تربيتنا على أخذ زمام المبادرة فيما ينبغي علينا أن نبادر نحوه. سبق وأن ناقشت تلك القضية من قبل، والتي تتصل بتحولات مفهوم "الدور الاجتماعي الذكري" في مقال سابق. وباختصار، فإن كثيرًا من الرجال في المجتمع المصري حدثت لهم طفرة اجتماعية سلبية غيرت طريقة تعاملهم مع النساء، فلا احترام للمرأة ولا مبادرة نحوها!

وعودة إلى الأنانية في الحب، والتي تجعل الأناني يقدم مصلحته على مصلحة من يدعي حبه، وهي من أكثر أشكال النفاق الاجتماعي شيوعًا؛ ويلزمنا لنفهمها أن نتعرف إلى مفهوم نفسي يُعرف باستحقاق الذات Self entitlement، يعني أن لدى شخص ما شعور بالثقة أن من حقه امتيازات فوق الآخرين، تظهر في توقعات غير منطقية عما يحق له الحصول عليه، سواء تمثل ذلك الحق في معاملة خاصة أو موارد إضافية، ومهما يأخذ يريد المزيد، وإعطائه ما ليس من حقه مرة هو تعزيز لهذا السلوك وسبب رئيسي في استمراره حتى يتحول لوحش.

وفي العلاقات الاجتماعية قد يستشعر مثل هذا الفرد بأن من حقه أن يتدخل في تسيير حياة الآخرين بما يضمن تحقيق مصالحه كأولوية قبل مصالحهم! فهؤلاء الأفراد يفتقدون التعاطف ويتسمون بسلوكيات أنانية غير مسئولة، ويمكن أن تبرز في أشكال عديدة، كمن تريد ابنتها بجانبها فتلحقها بجامعة متواضعة حيث تعمل في دولة خليجية بينما البنت بإمكانها أن تلتحق بجامعة أفضل بعيدة عن الأم، ومن تريد أن تُطلق ابنتها كي لا تكون بعيدة عنها! وغيرها من الحالات. وأغلب هذه السلوكيات الاجتماعية غير الواعية تصدر عن نساء وليس رجال! وما أفهمه أن الحب الحقيقي يجعلني أقدم مصلحة من أحب وليس مصلحتي، بينما أمثال هذه الحالات هي حالات حب للنفس واستحقاق للذات توضح درجة منخفضة للغاية من النضج الانفعالي، ودرجة أكثر انخفاضًا من الذكاء.

إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا!

قال أجدادنا: الشر الحقيقي ليس في العدو الظاهر بادي العداوة، بل الشر فيمن يظهر المحبة ليتقرب منك ويؤذيك، والأكثر شرًا من لا يحتاج إلى التقرب لأنه قريب! ويُفسد ما بينك وبين الناس، وهو يدعي أنه يناصرك ويساعدك في تحقيق أهدافك!

والعاقل من يعيد تقييم الناس من خلال مواقفهم أولًا بأول، ويتساءل: هل فعلًا أدى ما يفعلونه إلى تحقيق أهدافه أم أنهم على العكس جعلوها أبعد منالًا؟! ولا يغتر بما يظهرونه من مؤازرة باللسان تعاكس الفعل. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾.

خواطر جاءتني بعد مراجعة مشكلة لحالة عُرضت عليّ، تسببت فيها عقربة من ذوات القرابة لصاحب المشكلة، ثم تسببت في تفاقمها، بينما هي تدعي الإصلاح!

***

منذ أكثر من خمسة عشر عامًا اختلفت إحدى صديقاتي المقربات مع زوجها خلافًا كبيرًا، وصل إلى أن تركت منزل الزوجية وانتقلت للإقامة في منزل والديها.

لا أتذكر أي تفاصيل عن أسباب الخلاف، ولا إن كان يستحق ردة فعلها أو لا. لكن كأي زوجين محبين، وبينهما عشرات المعارف المشتركين كان من الطبيعي أن يلين موقفهما بعد فترة قصيرة، وصار جميع معارفهما يلمس منهما الرغبة في الصلح، لكن الغريب أنهما لا يصطلحان!

كانت حماتها وبعض المقربين منهما يذهبون لإعادتها إلى بيتها، فما تلبث أن تشتعل الجلسة، وترفض أن تعود معهم! وزوجها بعد أن كان يتمنى عودتها، بدأ يسترجع عيوبها ويعددها! وتكررت محاولات الإصلاح المزعومة عدة مرات.

أذكر بعد ما تكرر هذا السيناريو أني قلت لها: من يحضرون إليكِ مدعين الرغبة في الإصلاح أحدهم نيته غير سليمة. الشيخ الشعراوي في تفسير الآية ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ قال: لو رأيتموهما لا يصطلحان اعرفوا أن من يتدخلون بينهما أحدهم على الأقل لا يرغب في الإصلاح.

بعد حديثي معها بأيام فوجئت بأنها رجعت بيتها، وسألتها عما حدث. قالت لي: كلامك كان صحيحًا، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾، المشكلة فيمن كانوا يتدخلون. وتابعت: بالأمس أخو زوجي جاءنا ومعه فلان، ولا أعرف حتى الآن ما الذي حصل، فبعد أن كان مخي مغلقًا ولا أقبل فكرة الصلح، وجدتني أهُم بجمع متعلقاتي وأعود معهم لبيتي!

بعد هذه الواقعة رأيت في حياتي حالات كثيرة مشابهة، لا تقتصر على الصلح بين زوجين، فيمكن أن يكون مثلًا صلحًا بين أصدقاء أو حتى صلحًا بين أم وابنتها، أو طرفين يتعرفان وهناك جس نبض لمشروع زواج. وفي كل حالة كانت المساعي فيها تفشل، كان دائمًا ما يوجد أشخاص تدعي الإصلاح والتقريب بينما أفعالهم وأقوالهم تخرب وتوقع بين الطرفين، وتنخر في العلاقة نخرًا قد لا يُرجى بعده صلاح.

ولا يُشترط أن يكون من تصدر عنه هذه السلوكيات يفتقد الهناء في حياته، فهناك صنف من البشر يزعجه أن ينعم غيره بفضل الله ونعمه، أيًا كانت نوعية الفضل والنعمة، ويستكثرها عليه، وقد لا يمانع في محاولة تخريب حياة الآخرين، أو إشعارهم بأن ما هم فيه من نعمة ضئيل. يريد أن يشعر أنه الأفضل، حتى لو صار مثل عواجيز الفرح لا يعجبه شيء، أو بالأدق يدعي أنه لا يعجبه شيء.

استراتيجية الإلهاء (شُفت العصفورة)!

ردًا على تساؤل جاءني عن تنبيهي المتكرر في طيات بعض مقالاتي لضرورة وضوح الهدف تارة، وضرورة التركيز على مصدر المشورة تارة أخرى.

أقول: لعل كثيرين قرأوا عن استراتيجية الإلهاء التي تحدث عنها ناعوم تشومسكي، والتي تستخدمها بعض الحكومات للمحافظة على تشتيت اهتمامات العوام بعيدًا عن مشكلاتهم الحقيقية، لأنهم لو أفاقوا وانتبهوا وحددوا مشكلاتهم الحقيقة، وعرفوا السبيل الحقيقي إلى حل تلك المشكلات، فليس هذا من مصلحة تلك الحكومات. لكن أغلب الناس لا ينتبهون أن هناك من البشر من يفعل ذلك بنفسه في حياته الشخصية، أو يسمح لمستشاري السوء أن يفعلوه به!

عندما تواجه مشكلة وترغب في حلها، تذكر أن ليس المهم أن تفعل، بل المهم أن يكون لما تفعله قيمة، وإلا فإنك ستبقى تحرك قدميك في المكان ذاته، ولن تتقدم خطوة. وكما أن تشخيص الداء بشكل صحيح خطوة مهمة، فإن وصف الدواء الفعال خطوة لا تقل أهمية، فإن حاولت معالجة الداء بطريقة خاطئة قد تقضي على المريض وليس على العلة!

على سبيل المثال: رجل لديه خلاف مع زوجته التي يحبها وتحبه، بسبب موضوع جوهري، والعلاقة بينهما على مشارف الطلاق النهائي، وقد تركت له المنزل، بينما هو منشغل بمحاولة التواصل معها من خلال حسابات وهمية على الفيسبوك، وكلما أوقفت التعامل مع حساب من حساباته تلك لشكها فيه، التف ليتواصل معها من حساب آخر! وعندما طلب مشورتي رغبة منه في إصلاح علاقته بزوجته، وصارحني بما يفعل، والذي لم أكن أتخيل أن يصدر عن رجل مثله، نصحته بأن علاقته بزوجته لن تنصلح باستخدام هذا الهراء، فليس أكثر من إضاعة للوقت ولا عائد من ورائه، وعليه أن يتعامل معها من خلال شخصيته الحقيقية، لكنه لم يعبأ، ولا زال يركز على سلوكياته غير الناضجة! والنتيجة أن العلاقة بينهما تتدهور من سيء لأسوأ، على عكس ما يرجو!

والذي اكتشفته أنه لا يتمسك بتلك الأفعال الخرقاء فقط لأن انتفاخه وغطرسته تمنعانه من التعامل مع الموقف بإيجابية، ولكن وراء تمسكه بهذه السلوكيات ابنته المراهقة من زوجته الأولى التي تنصحه بها، معللة له الأمر بأن عليه أن يتأكد من كذا أولًا ثم كذا من خلال حواراته مع زوجته ومتابعته لها عبر الحسابات الوهمية! وتجعله كذلك يعزف في المقابل عن أي سلوك ناضج من جهته يمكن أن يصلح العلاقة الآيلة للسقوط، وهي تفعل ذلك عن وعي تام فيما يبدو لي، ومن ثم فهي بدلًا من أن تظهر له عدم موافقتها له على إعادة المياه إلى مجاريها مع زوجته، تستخدم معه استراتيجية الإلهاء بخبث وكيد نسوي مبكر ليبقى منشغلًا وملتهيًا بتفاهات!

حقيقةً، أصبحت أشعر في الآونة الأخيرة أن كل المشكلات الاجتماعية تبدو متشابهة بشكل أو بآخر من حيث مسبباتها، وإن اختلفت التفاصيل!

وقيعة تكنولوجية!

يبدو أن التطور التكنولوجي كما أسهم في تحسن تواصلنا الاجتماعي على نحو إيجابي، فإنه قد تسبب في الوقت ذاته في تطور جميع أشكال خبائث التواصل الاجتماعي، ومنها الوقيعة.

من أغرب محاولات الوقيعة التي حُكيت لي مؤخرًا، استخدام الحسابات الوهمية للوقيعة! وإليكم هذه القصة:

فتاة منافقة خبيثة تسعى إلى تخريب وتدمير علاقة صديقتها بخطيبها السابق، والتي كانت سبب خرابها منذ البداية –كما تكشف الآن-، وتريد أن تتأكد أنه لا يُرجى لتلك العلاقة انصلاح. قامت بعمل حساب وهمي على موقع الفيسبوك باسم رجل، ومراسلة صديقتها من خلاله، ثم أقنعت صديقتها أن هذا الحساب بلا شك لخطيبها السابق، وأنه يريد أن يجس نبضها لإعادة المياه إلى مجاريها، ثم أرسلت لها عبر الحساب الوهمي بطاقات حب، ورسالة فيديو محملًا بكلمات جميلة، تنتهي بأن تطلب من المرسل إليه إعادة إرسال الفيديو مرة أخرى للراسل إن كان يحبه.

كان المفترض وفقًا لمخطط الخبيثة أن تعيد الفتاة الطيبة إرسال الفيديو لذلك الحساب، ظنًا منها أنه حساب خطيبها الذي يطلب الصلح، لتقوم الخبيثة بإطلاع الخطيب على صور المراسلات بعد ذلك، لتبدو الصديقة الطيبة في عينه خائنة، تحاول جذب انتباه رجل آخر! لكن حدث ما جعل الفتاة الطيبة تكشف الحيلة.

نصيحتي الأثيرة للفتيات على وسائل التواصل الاجتماعي: تعاملي مع الظاهر، وطالما أن الحساب ليس حساب خطيبك أو زوجك، لا تدعي أحدًا يوهمك أن الحساب له، أو أنكِ يمكن أن تردي بطريقة تختلف عما يلزمك أن تردي بها مع الغرباء.

عريس بالإكراه!

في مقال سابق لي باسم "الأفكار والأفعال.. أيهما يؤثر في الآخر؟!" تناولت تلك الفرضية التي يفترضها علماء النفس عن وجود صلة بين المعرفة والسلوك، وقلت إني مع النظرة القائلة بأن تفكيرنا يتحكم في سلوكنا.

تذكرت هذا المقال بسبب موقف حُكي لي عن أم متعلمة جامعية لديها ولد وثلاث بنات. البنات الثلاث لا ينقصهن أي شيء؛ جميلات ومتعلمات تعليمًا راقيًا، ومنفتحات اجتماعيًا مع حُسن خلق، والثلاثة رافضات زواج الصالونات وتعتبرنه تمثيلية اجتماعية. ومن يعرف هذه الأم سيجد أنها دائمًا تتكلم عن حرية بناتها في تقرير أي شيء يتعلق بحياتهن، وأنها تحترم قراراتهن. اثنتان من البنات يعملن خارج مصر، أما الثالثة فهي من كان حظها أن يحدث لها الموقف الذي سنحكي عنه مع الأم.

في أحد الأيام تحدثت الأم مع ابنتها تلك حول أن هناك لقاء عمل ضروري ستحضرانه، وتفننت في إقناعها دون أن تجعل الشك يتطرق إليها بأنه لا يوجد أي غرض آخر لهذا اللقاء غير الحديث في مهمة العمل المتعلقة. وكأي شخص عملي ناجح جهزت الفتاة أوراقها واستعدت وفقًا للغرض المعلن، لكنها ومنذ أول لحظة في الجلسة مع الشخص الذي يُفترض أن يتفاوضوا معه بشأن العمل، فوجئت الفتاة بمحاولة من الأم لتغيير مسار الحوار والحديث عن الشخص نفسه! هنا فقط أدركت الفتاة أنها تعرضت لخدعة محكمة من أمها لتوريطها في زواج صالونات! وفي لحظة أخذت الفتاة القرار؛ أنا جئت لأجل الحديث عن العمل، ولم يُخلق من يضعني في موقف لا أرغبه، ويتصور أنه ورطني، ولو كان أمي.

تحكي لي الفتاة فتقول: في فيمتو ثانية قاطعت كلامها التعريفي عنه، وكيف أنه يطبخ لنفسه لأنه عازب ووو.... وكأني لم أفهم هدفها الحقيقي من اللقاء، وحمدت الله أن الأمر لم يكن كذبة برُمته، وأن هناك مهمة عمل بالفعل يمكن أن نتحدث عنها، وفردت الأوراق أمامي، وبدأت أناقش المهمة، وأكملت الجلسة كلها مثلما من المفروض أن تكون، وأنهيت الموقف على هذا النحو!

تقول الفتاة: أنا لا أعرفه، ولا يهمني أن أعرفه. المبدأ مرفوض في حد ذاته بالنسبة لي. وهو ليس مخطئًا، بل الخطأ يقع فقط على أمي، والتي التزمت الصمت تمامًا، وتجنبت الحديث في الموضوع وكأنها لم تدبر لشيء! مستغلة أن مهمة العمل حقيقية، وأنها تمت بالفعل.

قد نتفق مع الفتاة أو نختلف في رأيها من زواج الصالونات، لكن الأهم هو موقف الأم والتناقض بين أقوالها وأفعالها؛ بمعنى أن من يسمع كلامها عن حق بناتها في تحديد خياراتهن في الحياة، وطالما هن رافضات زواج الصالونات فهن أحرار، لا يرى ترتيبها المحكم للموقف واستدراج البنت للحضور لهدف آخر رئيسي غير الهدف الذي أخبرتها به.

ولعل من إشكالياتنا الاجتماعية الرئيسية في مصر أن المحيطين والمقربين –خاصة القرابات من النساء- لا يرون أن محاولة البحث عن عريس أو عروسة مناسبة سواء للفتيات والشباب -مع عدم ترحيب هؤلاء الشباب بذلك- يعد انحشارًا في حياتهم الشخصية! وكم من حالة قابلتني لشباب وفتيات تصادفهم سلوكيات عجيبة من بعض المحيطين بهم، يعجزون عن تفسيرها في البداية، ليكتشف الشاب بعدها أن فلانة تظنه خطيبها المستقبلي لأن أمه جسّت نبض أمها بشأن زواجهما! وتجد فتاة أن سيدة لا علاقة بينهما، تحاول خلق حوار عجيب معها، تكرر فيه كثيرًا اسم امرأة، وهي تتغامز وتتضاحك! بينما الفتاة لا تفهم ما يجري! لتعرف الفتاة بعدها أن أختها تتحدث مع تلك المرأة التي ذُكر اسمها عن عريس لها، بينما هي آخر من يعلم حرفيًا!

أعود لأقول: أفكارنا يجب أن تتغير أولًا لتتغير سلوكياتنا، وإلا سندخل في شكل من أشكال النفاق الاجتماعي، وادعاء اقتناعنا بأفكار لا نؤمن بها.

 

د. منى زيتون

 

عبد السلام فاروقثمة مخاوف وتساؤلات حول مصير الصحافة الورقية نشأت بسبب ذلك الهجوم الكاسح والنجاح الهائل والمتواصل للصحافة الإليكترونية، بحيث باتت تمثل عفريتاً أو لصاً بإمكانه أن يسرق من الصحافة الورقية عرشها التاريخى .. فهل من الممكن أو من المقبول أن يحدث مثل هذا الأمر فى مصر؟

مخاوف لها أساس

المهتمون بالصحافة المصرية لديهم كل الحق فى أن يشعروا بالقلق والخوف من تراجع دور الصحافة الورقية إلى درجة الانهيار أو الاندثار، ليس فقط بالنسبة للصحف المستقلة بل والقومية، بعضها أو جميعها، وهناك مرتكزات وأسباب لهذه المخاوف:

1- إن هناك صحف عالمية قررت إيقاف طباعة النسخ الورقية بالفعل والاكتفاء بالنسخة الإليكترونية مثل صحيفة "الإندبندت البريطانية" .

2- صحف أخرى عالمية واسعة الانتشار غدت على حافة الإفلاس مثل "اللوموند الفرنسية" بسبب ضعف مبيعات النسخ الورقية رغم نجاح النسخ الإليكترونية وسعة انتشارها .

3- تراجع توزيع الصحف القومية والمستقلة المصرية مؤخراً بدرجة مثيرة للهلع، مع ارتفاع تكلفة الطباعة، بحيث صارت تمثل عبئاً مالياً سببها الفجوة المالية بين التكلفة الفعلية وسعر البيع .

4- تراجع عائدات الإعلانات لأسباب كثيرة تتابَع حدوثها خلال السنوات الأخيرة .

أزمات ومتاعب ومشكلات

لا يوجد من لا يعانى من أزمات ومتاعب ومشكلات سواء على المستوى الفردى أو الجماعى أو المؤسسي أو الدولى .. ولا توجد مشكلات تستعصى أو تستحيل على التحليل أو التحايل أو الحل .

هناك عشرات المشكلات والمعوقات مرت بمهنة الصحافة منذ نشأتها، وتم تجاوز المعوقات وتحقيق المنجَزات . ثم إذا بالصحافة تصادف رتلاً من المشاكل المتفاقمة والأزمات المتلاحقة، وإذا بالبعض يدعى أنها القاصمة وأن الاستسلام للمصير المظلم هو الحل الوحيد !

وليس من قبيل المبالغة القول بأن الصحف القومية هي بمثابة رموز قومية أو كنوز وطنية لا ينبغى التفريط فى شئ من مكتسباتها التى تراكمت على مدى أجيال مضت . لأن الأمر يتجاوز مسألة المطبوعة أو الصحيفة المنشورة، فليست الصحافة المصرية مجرد كلمات وأخبار تُكتب، وأوراق وأحبار وأخبار تُطبع ثم توزَّع، بل هى صروح تاريخية ارتقت عبر الأجيال المتعاقبة، وإن محاولة هدم تلك الصروح أو أجزاء منها يشبه محاولة هدم برج القاهرة أو أجزاء من أبى الهول .

لذلك فإن الحرص على الصحافة القومية ومكتسباتها ومؤسساتها مهما كانت الخسائر والأثمان المؤقتة أمر فى غاية الأهمية، ليس لهذه المؤسسات فقط، وإنما للدولة المصرية بأسرها ومكانتها الإعلامية والسياسية .

فلا يجب مثلا المساس برموز صحيفة قومية كالجمهورية أو الأخبار أو الأهرام، ولا ما يتعلق بها من مؤسسات فرعية وإصدارات دورية، لأنه يعد مساساً بقيمة مصر الثقافية والتراثية ومكانتها التاريخية التى لا تنال إلا بمثل تلك الروافد المهمة من القوى الناعمة ذات التأثير الإقليمى والعالمى الممتد .

لكن الاعتراف بوجود أزمة تواجه مستقبل الصحافة الورقية هو اعتراف ضرورى ومطلوب، لكن ليس من أجل وأدها واغتيالها، وإنما لمحاولة إحيائها وبعثها من جديد ثم تطويرها وإعادة تدويرها على النمط العصرى الحديث . نعم لا ينبغى التكتم على الأزمة أو تجاهل المعضلة كأنها بلا وجود . لكن الحديث عن مصير حتمى مخيف تنساق إليه الصحافة الورقية هو حديث متسرع مجافى للمنطق السديد والحكمة السياسية الرشيدة .

أوراق فى مهب الشهب

تعرضت الصحافة الورقية خلال السنوات الأخيرة الماضية لألوان من المتاعب والأزمات تحدَّث عنها المراقبون للشأن الصحفى والملامسون للأزمة عن قرب، ويمكن تصنيف هذه المتاعب وتلخيصها فيما يلى:

1- أزمات مالية:

عدد من المشكلات المالية برزت واستفحلت فى مواجهة المؤسسات الصحفية لعل أهمها:

- تراجع المبيعات وانخفاض التوزيع بنسب تجاوزت 50% عما كان قبل بضع سنوات مضت.

- مؤسسات صحفية قومية كبرى بدأت تعانى من ديون متزايدة نتيجة لذلك، والأمر مستمر ويزداد .

- الفجوة الكبيرة بين التكلفة وسعر البيع بالنسبة للمطبوعات اليومية والدورية .

- قرارات وتشريعات فاقمت الأزمة كقرار تحرير سعر الصرف، مما سلب من الصحف دخلاً سنوياً كبيراً يقدر بالملايين .

- ارتفاع تكاليف الطباعة والخامات بسبب التضخم .

- تراجع عائدات الإعلانات لأسباب كثيرة كالقرارات العشوائية ووجود بدائل أقل تكلفة مثل وسائل الإعلام الإليكترونية .

2- أزمات فنية:

تزامنت المشكلات المالية للصحف مع مشكلات داخلية فنية من أهمها:

- تفشى المحسوبيات والبيروقراطية بين أروقة العمل الصحفى مما أنهك المهنية فى الأداء.

- الاتجاه نحو أساليب صحافية تضعف الأداء الفنى كاللجوء لأسلوب الصحافة الصفراء المفتقرة للمصداقية أو غير الملتزمة بأخلاقيات المهنة، أو الاتجاه نحو الإغراق فى التدنى اللغوى .

- غياب الأسماء الأدبية والصحفية الكبرى من كتاب لهم جماهيرية كما كان فى الماضى .

- تسرب الأخطاء اللغوية للمحتوى الصحفى بعد أن كانت الصحف بمثابة المرجع اللغوى والأدبى الأول للقراء.

- الفجوة الهائلة بين المستوى الفنى للصحف شكلاً ومضموناً وبين الصحافة العالمية أو حتى الإقليمية . كما أن الصحافة الإليكترونية تتمتع بمزايا كبرى تجعل طريقة العرض والشكل المبهر الجذاب لعيون المتابعين لا يكاد يقارن بالشكل الروتينى الكئيب للصحف المقروءة، مما أدى إلى عزوف القراء عن متابعة الصحف وانصرافهم نحو الصحافة الإليكترونية عديمة التكلفة والأكثر جاذبية.

- بروز عيوب فنية لم يكن ينبغى أن تتسلل للصحافة القومية كتدنى مستويات الدقة فى النقل والمصداقية فى المصادر والتحرير والجمود فى المحتوى والإملال والروتينية فى اختيار المانشيتات بحيث باتت وجبة الصحافة وجبة ثقيلة على رأس وعين القارئ .

3- أزمات قهرية:

هناك أزمات أخرى حدثت بسبب مؤثرات خارجية عامة، أصابت كل المؤسسات الاستثمارية أو الحكومية الأخرى، ومنها المؤسسة الصحفية، مثل:

1- مؤثرات إقليمية:

- بزوغ الصحافة الإقليمية فى ثوب تنافسى أقدر على غزو السوق العربى، وظهور دور للأموال الخليجية التى تجتذب الكوادر المصرية المتميزة من الفنيين والعمال والإعلاميين، ما يؤثر سلباً على واقع الصحف المصرية داخلياً .

- السباق الإعلامى الإقليميى المحموم لم يعد فى صالح الصحافة المصرية بصفة عامة بسبب الفجوة التمويلية .

2- مؤثرات محلية:

- أزمة الدولار وتراجع سعر صرف الجنيه المصري بسبب التعويم .

- ارتفاع التضخم وزيادة أسعار الخامات كالورق والأحبار .

- قرارات وتشريعات متسرعة تصب ضد مصلحة المؤسسات الصحفية .

- المتغيرات السياسية محلياً وإقليمياً .

3- أزمات عالمية:

- انسحاب البساط من تحت أقدام الصحافة الورقية لصالح الصحافة الإليكترونية هو أزمة عالمية، غير أن دولاً أخرى استطاعت أن تخلق حلولاً وتحتال على الأزمة فى حين ظللنا نمارس سياسة رد الفعل دون إحداث فعل استباقى .

آفاق الحل

الانطباع العام السائد أن هذه الأزمة شبيهة بالنار تحت الرماد لا يشعر بها إلا القريبين منها، ولهذا لا يتحدث عنها إلا القليل، ولا يقترح لها حلولاً إلا أقل القليل، ما يعنى أنها لم تبرز للسطح ولم تشكل بعد قلقاً عاماً داخل الوسط الصحفى، ربما لأن لسعة الرماد باردة، وربما لأن البعض اختار أن يدير ظهره لأزمة لم تولد بعد .

لكن الحلول موجودة دائماً فقط لو توافرت الإرادة والإدارة لإيجاد حلول استباقية قبل أن تعلو الجذوة من باطن الرماد ويمتد لهيبها فى سرعة لا يستطيع أحد ملاحقتها .

ويمكننا هنا طرح بعض الخطوط العريضة لفك رموز الأزمة تمهيداً لحلها أو حلحلتها خلال فترة زمنية محددة طبقاً لخارطة طريق متفق عليها بين الجماعة الصحفية وحكمائها .

وفيما يلى نستعرض بضع مقترحات ربما تمثل خطوطاً عريضة لها ما بعدها:

1- لا بد من تفكيك المشكلة إلى أجزاء صغيرة يسهل حلها، بحيث يتم الاستعانة بالمتخصصين لدراسة كل جزئية على حدة كل فى تخصصه . فالمشكلات المالية يعالجها مختصون واقتصاديون داخل المؤسسة الصحفية وخارجها، والمشكلات الفنية يعالجها أكاديميون وخبراء فى الأداء الصحفى والإعلامى "كالشكل والأداء المهنى وجودة المحتوى والمنتَج الإعلامى التنافسى" .

2- طرح الأزمة على نطاق أوسع بين جميع العاملين فى مهنة الصحافة فى شكل جلسات نقاشية مستمرة، مع الاهتمام أكثر بآراء حكماء وشيوخ المهنة حتى ممن تركوها بعد سن المعاش أو ما شابه، كذلك الاهتمام بآراء من يعملون بكواليس الصحافة كالإداريين وعمال المطابع والتوزيع، فربما كانت لديهم زوايا رؤية وآراء قيمة يغفل عنها آخرون .

3- البحث عن حلول غير تقليدية خارج الصندوق من خلال جلسات العصف الذهنى والفكرى لأصحاب الحلول والرؤى والأفكار الجادة .. ثم تفريغ نتائج الجلسات لاختيار الحلول المناسبة وتنفيذها تباعاً .

 

عبد السلام فاروق

 

من المعروف ان المراهقة هي المرحلة العمرية الممتدة بين الطفولة والنضج، وتختلف هذه المرحلة من شخص لاخر ومن بيئة لاخرى من حيث الجنس والتنشئة الاجتماعية كل حسب مجتمعه..

كل واحد منا مر بتلك المرحلة الصعبة التي مرت بسلام عند بعضنا في حين احدثت شرخا عانى منه البعض الاخر ماتبقى من حياته..

ومما لاشك فيه ان هذه المرحلة تعتبر من اخطر المراحل العمرية لما لها من تاثير على شخصية المراهق/ة،، فهي المرحلة التي تشهد ثورة فسيولوجية ونفسية تحدث اضطرابا ملحوظ عند المراهق/ة اذا لم يتم التعامل معها بحكمة فانهة كفيلة بان تترك اثارها السلبية فيما بعد..

ان المراهق/ة في هذه المرحلة يكون حساسا جدا تجاه المواقف والعبارات الموجهه اليه، اذ يقوم بتاويل اي كلمة او نصيحة حسب مزاجه، فتراه تثور ثائرته عندتوبيخه او توجيه نصيحة ما اليه، اومطالبته بالدراسة، او الاقلاع عن ظاهرة جديدة عليه كالملابس الغريبة التي يعتبرها موضة، او قصة الشعر، او النطق بكلمات سوقية تحت اي بند، اوالاصرار على صديق يراه الاهل غير مناسب، وهكذا، فتراه يخترع الاكاذيب لتمرير موقف مابل ويصر على ان تصرفه صحيحا والاخرين كلهم على خطا..

ومن هنا تبدا العقدةالتي تتطور الى مشكلة ثم الى معضلة في ظل اصدقاء السوء الجاهزين دائما لاسداء النصائح الهدّامة وجعله يشعر بانه مضطهد من قبل اهله وان عليه التمرد لاثبات شخصيته وبانه لم يعد طفلا حتى وان كان ذلك برفع صوته اوفعل اي شئ يثبت به وجوده كالتهديد بترك البيت او ايذاء نفسه وقد يتفنن بهذا الامربوجود،  الوجه الاخر للنت الذي يجد المراهق/ة فيه ضالته لاقناع نفسه حتى وان كان مخطئا، ناهيك عن ان مدة اصغاءه واستيعابه للنصح التي لاتتعدى العشر دقائق بعدها يبدا بالتذمر واشغال نفسه باي امر، اي انه يتصرف كحاضر غائب يتظاهر بالاستماع في حين انه شارد الذهن يرتب لامر ما في ذهنه، اي حجة للخروج، اختلاق كذبة ما، اوالتمارض كي لايؤدي الامتحان وهكذا..

ان التعامل مع المراهق/ة امرا ليس سهلا ابدا بل يتطلب حكمة وصبر وموضوعية ونفس طويل لاحتواءه، وذلك يتم عن طريق:

1- مصادقة المراهق/ة من قبل الابوين واحتواءه باسداء النصح عن طريق الايحاء وليس مباشرة، وان يكون تحت انظارنا من بعيد او من قريب.

2ه -الابتعاد عن مقارنته باقرانه لان ذلك يشعره بالنقص.

3-عدم توجيه الانتقاد اللاذع خصوصا امام الاخرين لان ذلك يكسر نفسه ويجعله يشعر بالخجل.

4-الاستماع اليه ومحاولة مشاركته مشاكله مهما كانت، واشعاره بان هناك ملاذ امن يمكنه الرجوع اليه حتى وان كان مخطئا لحل مشاكله لئلا يقع باخطاء كبيرة يتعذر عليه حلها بمفرده.

5- معاملة جميع الاخوة والاخوات بنفس المعاملة دون اي فروق، وذلك هو الخطا الكبير الذي يقع فيه الابوين، فتراهم يجلون الابن الكبير ويبالغون بتدليل الصغير، وتلك مشكلة كبيرة تؤثر سلبا بنفس المراهق/ة.

6- اعطاؤه مساحة من الحرية المشروطة، والابتعاد عن الضغوطات الخانقة التي ستقوده فيما بعد الى التمرد والثورة.

7- اعطاؤه ثقة مع مراقبته من بعيد اي اننا نعطيه ثقة وان كنا لانعتمد على تلك الثقة، لكن علينا ان نشعره بانه مسؤول عن نفسه التي هي وديعة عنده لكي نعززفيه الثقة بنفسه وبالاخرين.

8- خلق وتشجيع موهبة ما يجد فيها متنفسا له في اوقات فراغه وقد تعود عليه فيما بعد بالنفع وتكون مصدردخل ثان يعتمد عليه في حياته..

واخيرا ان تنشاة الطفل من البداية تنشاة صحيحة قائمة على الاحترام المتبادل والثقة حتما ستمتد الى مراحل المراهقة والنضوج فيما بعد، اي ان نجعل نفسه تمنعه من الخطا والانحراف، بتعزيز الوازع الديني والاخلاقي عنده منذ الصغرلان "التعلم في الصغر كالنقش على الحجر" وذلك بزرع قيم الفضيلة عنده وبذلك نكون قد حصنّاه ضد كل انواع الرذيلة، قال تعالى"ونفس وماسواها فالهمها فجورها وتقواها قد افلح من زكاها وقد خاب من دسّاها"..الشمس

 

مريم لطفي

 

أن تَكتُب عن التجدّد الحضاري يعني أن تَكتُب عن الإنسان والوطن والزمن، وفي الوقت عينه عن المستقبل والحاضر والماضي. ولكلّ من هذه الأقانيم معضلاته ومشكلاته في وطننا العربي الكبير.

فالإنسان العربي مٌمزّق بين هُويّة  يَنشدُها ويبحث عن طريق لتحقيقها، وهي الهويّة العربيّة الجامعة والحضاريّة، وبين هويّات تُفرض عليه فيعيشها رغماً عنه كالهُويّات الطائفيّة والمذهبيّة والمناطقيّة والإثنيّة، أو هُويّات يتعايش معها كالهُويّات الوطنيّة القُطْريّة التي ترسّخت على مدى عقود ما بعد الإستقلال.

والإنسان العربي ينشد الوحدة لكنّه يعيش التمزّق . وينشد التقدّم لكنّه يعيش التخلّف بأسوأ مظاهره. وإذا كان لجيلنا أن يعايش عصر المدّ القوميّ أو بعضاً من تجليّاته في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، فإن الجيل الحالي يعيش، ليس فقط داخل أسوار وطنه الصغير، بل في قمّعة الطائفة والمذهب والعرق والمنطقة. واذا كان لجيلنا ان يرفع رأسه مُفاخراً برحيل الإستعمار، فإن الجيل الحالي يشهد عودة هذا الإستعمار بطلب من بعض ممن يدّعون الحريّة والسيادة والإستقلال أو بسبب إرتهان بعض الأنظمة له.

لقد عاش جيلنا عصر المدّ القوميّ العربيّ بإيجابيّاته الكثيرة وسلبيّاته، بنجاحاته واخفاقاته، وسلعد على ذلك تعليم الشباب الجامعي في اغلب تخصصاته وجامعاته مادّة عنيت بالجغرافيا السياسية والاقتصادية والمعرفية للوطن العربي منم محيطه الى خليجه.. أمّا الجيل الحالي فإنه بعيد كل البعد عن دراسة هذه المادّة موضوعيّا وعلميّا، فضلاً عن أنّه يعيش اللحظة الراهنة من خلال إغراقه بسيل من المعلومات والأخبار التي يبثها الإعلام بمختلف وسائله وعبر وسائل التواصل الإجتماعي، دون أن يدري ابناء هذا الجيل أن وكالات الأنباء الأساسيّة في العالم التي توزع المعلومات والأخبار الأساسية على مدار الساعة هب وكالات مملوكة من قبل كارتيل إعلامي وسياسي واقتصادي مرتبط بالصهيونيّة والاستعمار. وبالتالي فإن جُلّ ما يُقدّم الى الإنسان بعامّة، والى الإنسان العربيّ بخاصة، انما يأتي في اطار خدمة اهداف ومخطّطات القائمين على هذا الإعلام.

ويكفي ان نشير الى انه بعد احداث 11 ايلول 2001، استعرضت مساعدة وزير الخارجيّة الأميركي للشؤون التعليميّة والثقافيّة السيدة باتريشيا هاريسون، أمام لجنة الشؤون الدوليّة في مجلس النوّاب الأميركي، الجهود الديبلوماسيّة لسياسات الإختراق الثقافي في العالمين العربي والإسلامي. وقد جاء على لسان السيدة هاريسون أن الإستراتيجية تقوم على اساس التفاعل مع الجماهير الأجنبيّة لتعزيزتفهم هذه الجماهير للقيم والسياسات والمبادرات الأميركيّة، وتضيف لقد تمّ تعديل وجهة التمويلات بهدف الوصول الى النُخب ، لاسيّما المؤثّرين على الشباب، ابتداء من وزراء التربية الى المعلّمين الى رجال الدين. وتضيف السيدة هاريسون: إن مواد مكتب برامج الإعلام الخارجي المنشورة باللغة العربيّة تستخدمها السفارات الأميركية وتزّود بها الصحف والأكاديميّين والسياسيّين والإقتصاديّين،... وهناك اكثر من 140 زاوية أميركيّة تعمل ضمن برنامج "اميركان كورنر" في الجامعات او المكتبات تزّود الباحث بمعلومات عن الحياة في أميركا  وحول الحكومة الأميركيّة (1).

ولو بحثنا عمن يعدّ مناهج التعليم حديثاً في بلداننا العربيّة، لوجدنا بصمات البنك الدولي في غالبة . وقد جاءت نتائج هذه المناهج مخيّبة للآمال على مستوى جودة التعليم ومخرجاته في بُعديه الأدبي والعلمي. لقد قُيّض لي وانا استعدّ لكتابة هذا البحث المختصر ان اشارك في بحث آخر مع اخصائيين حول الواقع التعليمي في بعض الدول العربية الغنيّة، التي تَصرف على التربية والتعليم فيها ما يوازي ما تصرفه الدول المتقدمة، إلا أنها تحلّ في مراتب جد متأخرّة في السلّم التعليمي العالمي. وما ذلك الا بسبب المنهج التعليمي المُعتمد، مضافا اليه تسفيه مهنة التعليم، وتعظيم استقلاليّة الناشئة وشيوع وسائل التواصل الإجتماعي بغير ضوابط، والسقوط في براثن التعصّب والتطرّف أو في براثن الإستهتار واللامبالاة .

يشيرمدير مركز الحوار العربي في واشنطن الأستاذ صبحي غندور الى جزء مهم مما يجب ان يكون عليه المنهج التعليمي  لطلاب الإعلام فيقول:" يتعلّم طلبة كليّة الإعلام والصحافة في العالم أن الخبر الصحفي الجيّد او القصّة الإخباريّة السليمة بحاجة للإجابة على اسئلة:" من، متى، أين ، ماذا، ولماذا" ، فتكون الإجابات على هذه الاسئلة هي مصدر المعرفة الصحيحة ومعيار الأداء الإعلامي الجيد. لكن سؤال لماذا له اهميّة خاصّة ليس فقط في العمل الإعلامي بل ايضا في الحياة اليوميّة للناس وتحديداً في تربية الجيل الجديد" (2).

ومن خلال عملي الطويل في مجال التربية والتعليم أدرك تماما ان "الحشريّة العلمية" وحب الإستطلاع والتدقيق في المعلومات الحديثة والموروثة والتحقق منها وفيها، لا يكون بدون سؤال لماذا. وللأسف فإن أغلب مناهجنا التعليميّة هي تلقينيّة تقوم على القبول بما هو موروث، او بما هو مدّون،كما هو واعتباره من المسلّمات او من الحقائق المطلقة التي لا تقبل النقاش ولا حتى مجرد الشك او التساؤل، لا سيما تلك التي تتعلق بتاريخنا فتكون النتيجة ما قاله الدكتور ساسين عساف:" خطؤنا اننا لم نقرأ تاريخنا، بل قرأناه بعد ان قرأوه لنا، فنشأنا على عداوة له او قطيعة"(3).

أما الدكتور والشاعر والأديب الهندي محمد إقبال فيذهب أبعد من ذلك بكثير حول أهميّة وخطورة مضمون المنهج التعليمي فيقول: (إیّـاك أن تكـون آمنـًا علـى العلـم الـذي تدرسـه، فإنـه یسـتطیع أن یقتـل روح أمـّة بأسـرها ... إن التعلـیم هـو الحـامض الـذي یُـهذّب شخصـیّة الكـائن الحـي ثـم ُیكونّهـا كمـا یشـاء. إن هـذا الحـامض هـو أشـدّ قـوّة وتــأثیراً مــن أي مــادة كیمیائیـّـة ، وهــو الــذي یســتطیع أن یحــوّل جــبلًا شــامخاً إلــى كومــة تراب).(4)

وللأسف فإن وطننا العربي لا يُعاني فقط من سيئّات المناهج التعليمية المعتمدة ، بل انه يعاني من  هجرة الأدمغة العربية المميزة، بسبب عجز الأنظمة عن استيعابها والإستفادة منها في التنمية والبناء، ومن لم يهاجر من العلماء قضى قتلاً على يد المحتل أو مسجوناً في ظلمات المعتقلات، او عاش منعزلاً،  لأن السلاطين يفضلّون جهالة الأتباع على نصائح العلماء.

ان ارتباط التجديد الحضاري بمسألة العلم ليست اكتشافاً جديدا، فلطالما كتب المفكرّون مُحلّلين ومُفسرّين وناصحين، لكن المعضلة تكمن في عزلة أصحاب القرار السياسي عن إنتاج اهل العلم والفكر والمعرفة.

يقول الفيلسوف العربيّ مالك بن نبي أن (مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته، ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته ما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها) (5)، ويقول الدكتور محمد عابد الجابري ان " أزمة الإبداع في الفكر العربي المعاصر، هي ازمة بنيوّية.. انها ازمة ثقافة ارتبطت منذ بداية تشكّلها بالسياسة، فكانت السياسة فيها، لا العلم، هي العنصر المحرِّك، مما جعلها تخضع باستمرار لتقلّبات السياسة وتتأثر بنجاحها وإخفاقها وتنحطّ بانحطاطها" (6).

فيما يذهب الطيب برغوت الى الجزم " ان الجماعات البشرية كلها مسكونة بتحقيق نهضتها الحضارية، بل هي مجبرة على ذلك لارتباط حاجات حياتها ووجودها الحضاري بها، وكل ذلك مشروط بامتلاك الوعي الحضاري وارادة النهضة الحضارية وامكانات النهضة الحضارية"(7).

ويؤكد آخرون أن "مفهوم الحضارة وثيق الصلة بحركة المجتمع وفاعلية أفراده، سواء في إقلاعه في أجواء الرقي والازدهار، أو في هبوطه وتراجعه، ومن أجل ذلك ينبغي أن يتوفر فهم واع وفقه حضاري لكل من يتطلع إلى إعادة الأمة لمجدها الحضاري، ويحقق لها ازدهارها المنشود."(8)

ونحن كقوى شعبيّة عروبية نمتلك إرادة النهضة الحضاريّة ، وندرك أن لدى الأمّة امكانات كبيرة لهذه النهضة، لكننا نفتقر الى الوعي الحضاري الشامل وإلى الإرادة العربيّة الرسميّة التي تملك مفاتيح القرار السياسي والمالي والاقتصادي والتربوي والتعليمي للإستفادة من الإمكانات البشرية العربية او لتوظيفها في المواقع الصحيحة والمناسبة.

عليه، وكي لا نبقى في موقع الشكوى ورمي الأسباب على الآخرين، ولأن وطننا العربي يعيش في واحدة من اسوأ مرحله الحضارية في التعليم، ولأن التطوير الذي نشهده يغرق في المظاهر العمرانية والفنيّة والشكلانية على حساب الجوهر، ولأن اغلب المحاولات التجديديّة تأتي في سياق تقليد الحضارة الغربية ومعاييرها التنافسية التي لا تنسجم بالضرورة مع هويتنا ولا مع حاجاتنا، ولأن الأمم التي انطلقت في نهضتها التجديديّة كالصين واليابان وسنغافورة انطلقت من ميدان التعليم تحديدا بالإعتماد على الخصائص الوطنية لهذه الدول والأمم ، فإنني ارى ضرورة إيلاء قضايا التعليم اهتماماً اكبر، وان نضغط  جميعا لإصلاح المناهج  التعليمية ونسعى جاهدين للإبقاء على الأدمغة العربية المميزة في أوطاننا، وأن نوفّر لها مستلزمات البحث العلمي والتطوير بما لا يقل عن 3% من الناتج القومي، وان نجتهد في تقديم الإستراتيجيات المطلوبة لتطوير التعليم في وطننا العربي انطلاقا من الأسس التالية:

1- انتقال النظم التعليمية من مرحلة نقل المعرفة الى مرحلة انتاج المعرفة، وغرس مبدأ التعلم المستمر عند المتعلم  وبناء الحس النقدي عنده ، ودفعه الى الإبتكار والإبداع. ولا ينبغي ان يخدعنا ارتفاع نسبة الملتحقين بالتعليم لأن ذلك لا يعني بالضرورة تحسين جودة التعليم. فقد يكون الإهتمام بالكميّة بديلاً عن الاهتمام بالنوعيّة. اننا نتذكر جميعا الصورة الكاريكاتوريّة المعبِّرة التي جسدّتها مسرحيّة مدرسة المشاغبين قبل نصف قرن، فالطلاب عصابة والمعلّم متخلّف والمدير غبيّ وانتهازيّ.

2- بناء مهارات الإنسان العربي بما يتواءم ومنطلقات المشروع النهضوي  العربي وغاياته. يقول الدكتور عبد العزيز الحر بأن" مشكلة التعليم تتمثل في اللاهُويّة ، واللارؤية، واللااستراتيجيّة، واللاتحدّي" (9) فإلى متى يبقى الضياع سيد الموقف في الأمّة؟، والى متى تبقى المشاريع الإقليميّة والدولية هي الغالبة والسائدة ونبقى نحن المتفرجون والمقلِّدون والناقمون على تقدّم الآخر فيما نحن نتراجع ونتقهقر؟. إن إعادة تعليم مادّة  تعنى بالجغرافيا السياسية والاقتصادية والمعرفية للمجتمع العربي اكثر من ضرورة كي يعرف الجيل الجديد مكامن القوة والضعف، وكي يدرك ان التكامل بين الوطنيّات العربيّة يوفّر على سبيل المثال لا الحصر: الأمن الغذائي لنا جميعا. فهل يعقل ان نستورد بما يزيد على 80 مليار دولار سنويا مودا غذائية فيما السودان وحده يكفي لسد الحاجات الغذائية لكل ابناء الوطن العربي؟. هل يعقل ان تكون مصارفنا ومصارف الدول الغربية مليئة بأموالنا العربية وتكون نسبة الفقر في اقطارنا مرتفعة الى هذه الدرجة؟ هل يعقل ان نستمر عاجزين عن توفير فُرص العمل لشبابنا العربي فيما مدننا وقرانا ودساكرنا تكتظ بالعمالة الأجنبية؟.

3- تعزيز تعليم اللغة العربيّة واعتماد تعليم جميع المواد العلميّة بهذه اللغة. فقد اثبتت الدراسات ان المتعلّم يُتقن العلوم أكثر إنْ تعلّمها بلغته الأم. وهذا  ما يظهر جليّا في البلدان التي نهضت من كبوتها وجدّدت حضارتها، فلا الصينيّون الذين ينافسون الولايات  المتحدة الأميركيّة على الصدارة اقتصاديّا وتجاريّا وعلميّا تعلّموا العلوم باللغة الانكليزيّة، ولا ايضا النمور الآسيويّة تعلموا العلوم باللغة الانكليزية، بل تعلّموها بلغتهم الأم. دون ان يعني ذلك تخلّينا عن اتقان اللغات الأجنبيّة باعتبارها لغات تمكين اما لغتنا العربيّة بالنسبة لنا فهي لغة تكوين.

ختاما نقول: لا يتحضَّر شعب إلاَّ إذا امتلك وعيًا حضاريًّا يُميِّز بيْن البناء والتكديس، وبيْن الإنتاج والاستهلاك. ان المال يتيح لنا استيراد المنتجات لاستهلاكها، لكن المعرفة تتيح لنا انتاج ما نحتاج الى استهلاكه.

ان  امتلاك المنتجات المستوردة لا تعني امتلاك الحضارة.

 

عدنان برجي

....................

(1) (كتاب خبايا مكشوفة ص 131 وص 132 للباحث، صادر عن المركز الوطني للدراسات 2018).

(2)  صحيفة البيان الإماراتية 2 /5/2019 (مركز الحوار العربي – واشنطن.)

(3) (الدكتور ساسين عساف، كتاب المشروع النهضوي العربي- رؤية وحدويّة ص 11).

(4) حكم نت: اقوال محمد إقبال/ 13 اقتباس من كلام محمد اقبال

(5) مالك بن نبي: شروط النهضة . ابراهيم رضا: مالك بن نبي وفلسفة الحضارة الإسلامية الحديثة، موقع الإسلام.

(6) مركز دراسات الوحدة العربية/ / الدكتور محمد عابد الجابري/ اشكاليات الفكر العربي المعاصر ص.61

(7) النهضة الحضارية ومركزية شرط الوعي الحضاري فيها / الجزء الأول./ موقع السننية/ اخبار السننية.

(8) معالم مدرسة التجديد الحضاري في الفكر الإسلامي المعاصر – مالك بن نبي نموذجا (الجزء الأول)/ دار الفكر.

(9) واقع التعليم في العالم العربي/ د.عبد العزيز الحر استاذ المناهج في جامعة قطر.. موقع برق/ الإصدارات.

*عضو الأمانة العامّة للمؤتمر القومي العربي

*امين العلاقات الخارجية في اتحاد الكتاب اللبنانيين

*مدير المركز الوطني للدراسات

ورقة مقدمة الى الدورة 30 للمؤتمر القومي العربي

 

صادق السامرائيخاض المبدع تجارب إنسانية عميقة ومتميزة وذات مواصفات فريدة لم تتحقق لغيره من قبل، وعندما نتأمل العطاء المترشح من التجربة وقيمته الفكرية والإنسانية، يتضح لنا بأنه لم يهضمها ويتمثلها تماما ويرتقي بها إلى آفاق عالمية التأثير والمدى.

وقد يكون السبب الأساسي الذي يقف وراء هذا القصور هو الإنغلاق في التجربة، وتحويلها إلى منظار تقاس عليه الأمور، فلم تكن التجربة عبارة عن شرنقة ينضج فيها المبدع وينطلق إلى الآفاق الإبداعية الرحبة الغنية بالمعاني الخالدة السامية، التي تساهم في تحقيق رؤية جديدة وفهم آخر للحياة ومعاني الصراع وتأكيد الذات والتعبير الأمثل عن الموضوع.

ويبدو أن المبدع - في معظم الأحيان- قد أصبح ضحية للمشاعر السلبية الفاعلة في أعماقه، وعجز عن تصريفها وتهذيبها والإرتقاء بها إلى الحالة الإيجابية ذات التأثير الأصلح والأصدق في الحياة، وإنما إستسلم للعواطف والإنفعالات التي إمتلكت عقله وسخرته للتعبير المنحرف عما يراه صحيحا ومصيبا، وفي حقيقته قول مكتوب بمداد تلك العواطف العاصفة في كيانه.

وهذه الحالة المريرة التي تأسر المبدع تجعلنا نتساءل أو نبحث عن الإبداعات الفنية والأدبية ذات القدرة التعبيرية عن الحالة التي عاشها الإنسان ويعانيها كل يوم.

ومن الصعب أن تجد عطاءا مؤثرا ومهما ومتفوقا على التجربة ومستوعبا لها بأساليب ذات معاني مطلقة.

والملاحظ أن الجهود قد بذلت والطاقات قد أهدرت على مدى الأعوام السابقة في موضوعات (سياسية) لا تجدي نفعا، فهي لم تغني من فقر أو تمنع من جوع، بل أن الحالتين قد تفاقمتا وتسيّد الفساد وتحكم بالواقع المعاش.

ترى لماذا لم يحطم المبدع صندوق تجربته وينطلق منها إلى الدنيا؟

هل أنه إستلطف هذا الركون السلبي واستكان؟

من المشاعر السيئة التي قضت على أصالة الإبداع وأنزلته من عليائه، هي إنفعالات التحامل والإنتقام وسورة الغضب المحتقنة في العروق والصدور.

فترانا نقرأ ذلك لمبدعين أكفاء يمكنهم أن يقدموا عطاءات مؤثرة وخالدة، لكنهم يكتبون بمداد الضحية لهذه المشاعر السلبية التي تقيد رؤاهم ومنطقهم.

وهذا يعني أن العافية النفسية نادرة مما يحتم أن نقرأ ما يشير إلى حالات غير سوية تريد أن تكون فاعلة في المجتمع، لأن الرؤية مشوشة ومحقونة بطاقات إنفعالية شديدة لا تعرف غير الإنفجار والتحول إلى رماد بعد أن تفعل فعلها في الواقع الموضوعي والذاتي.

كما أن هناك مزج ما بين الأشياء وتغييب للصورة الحقيقية، والرضوخ لإرادة القوى الموجهة والمؤثرة في الإعلام والواقع بصورة عامة.

فالحالة ليست واضحة وإنما أريد لها أن تكون معقدة وتختلط فيها الصور والمشاهد والأحداث، حتى لا يتبين المواطن صراط مصلحته الوطنية والإنسانية، فيبقى في حالة من الخوف والحذر وعدم الإطمئنان، ويكون صيدا سهلا وأسيرا مذعنا لإرادة الفاعلين به وفقا لمخططاتهم وتصوراتهم البعيدة، وهذا ينعكس بدوره على الكثير من المبدعين ويسقطهم في قبضة الفاعلين، فيتحولون إلى مفعولين بهم وهم يظنون العكس.

وقد ساهم المبدعون في إدامة التشويش وترسيخ الشعور بالقلق والتوجس والشك، مما أربك التفاعل وألزم الناس بالتبعثر والتمحور حول الكراسي والأحزاب، التي تناثرت وتعددت إلى درجة غير معقولة لكنها مقبولة في واقع يتوطنه الحذر.

وفي هذا يتحقق إضعاف لدور المبدعين في بناء الصيرورة الأفضل وتقديم العطاء الأمثل، لأنهم قد وجدوا الساحة مناسبة للتعبير عن عواطفهم المخزونة والمعتقة في أعماقهم على مدى الأعوام الصعبة، بدلا من إستلهام تجاربهم وإستخلاص العبر والقوانين المفيدة منها وتسخيرها لبناء الحياة الأحسن والأرقى.

وفي واقعنا هناك صفة نتميز بها عن غيرنا من أبناء العالم المتقدم، وخلاصتها أننا عندما نعيش تجربة مريرة وقاسية نريد جميع الناس أن يمروا بها بل ويعيشوا أقسى منها، وهذه طاقة كامنة في لاوعينا تدفعنا إلى سلوكيات تعبر عنها وتؤكدها لكي نكسب الراحة النفسية المنحرفة.

بينما الناس في العالم المتقدم عندما يمرون بتجربة صعبة فهم لا يتمنونها للآخرين، ويعملون بجد ونشاط وإبداع لكي يتوصلوا إلى أسبابها وتوفير عناصر الوقاية منها، أي أن التجربة الفردية أو الشخصية عندهم، تكون محطة إنطلاق لتأسيس حالات إيجابية ذات قيمة إجتماعية وإنسانية، وهذا ينعكس على الإبداع أيضا، فالكثير من الروايات الناجحة والقصص والقصائد عبارة عن تجارب شخصية ذات حس إنساني غني بالفضيلة ومعانيها السامية.

ولكي نقدم إبداعا بمستوى تجربتنا، علينا أن نتحرر من الإنفعالات السلبية المريرة وأن نتخلص من قيد التجربة وأسر الإستنقاع فيها، وأن نرى بعيون أخرى وعقلية رحبة ذات قدرات عالية على المطاوعة والفهم والتفاعل الفكري النقي النزيه.

 

د. صادق السامرائي

 

زهير الخويلدي"إن الإنسان آخر الموجودات، وان التركيبات تناهت اليه ووقفت عنده وتكثرت الأغشية واللبوسات الهيولانية على جوهره النير أعني العقل، ولما حصل الإنسان آخر الموجودات صارت الأشياء التي هي في أنفسنا أوائل، آخرة عنده"

ينتمي أبو علي مسكويه إلى العصر الذهبي لحضارة إقرأ حيث عاش بين سنة 932 و1030 في الري وأصفهان وبغداد أين تأثر بالكندي وتتلمذ على يد مترجم كتاب تهذيب الأخلاق يحي بن عدي وتناظر مع ابن سينا واشتغل بالأدب والتاريخ والطب والكيمياء والمنطق والفلسفة والإنشاء والأخلاق والسياسة.

لقد كان ناشطا سياسيا زمن البويهيين وشاعرا وموظفا في الدولة ولكن أحيطت حول شخصيته الكثير من الغموض حول مذهبه وهويته ولكن وجد إجماع حول منزعه الإنسي وحكمته العملية وأسلوبه في الحياة.

اصطحب ابن العميد وأب الفضل وترفع عن خدمة الصاحب بن عباد وذكره أبو حيان التوحيدي في كتبه كثيرا واشتغل بالكيمياء وأراد استخلاص الذهب من التراب ولكنه أقلع عن ذلك واهتم بالأدب والفلسفة.

كان أول من تناول موضع الأخلاق والقيم بأسلوب علمي وخصص لإصلاح الأنفس وتهذيب الطباع عدة مؤلفات أهمها: تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق والفوز الأكبر والفوز الأصغر وترتيب العادات والأنس الفريد وتجارب الأمم والمستوفى والأدوية المفردة وتركيب الباجات في الأطعمة والأشربة والجامع وطهارة النفس ورسالة في اللذات والآلام في جوهر النفس ورسالة في حقيقة العدل وفي النفس والعقل وترتيب السعادات والحكمة الخالدة وآداب العرب والفرس ورسالة نديم الأحباب وجليس الأصحاب.

كان يتقن العربية والفارسية وجملة من اللغات الشرقية وكان له السبق قبل غيره في القول بنظرية التطور ووجود تسلسل بين القرد والإنسان وبين الهمجي والمتمدن وبين النفس النباتية والنفس الحيوانية والناطقة.

لقد جمع بين الفلسفة والتاريخ ونظر إلى السياسة من جهة الأخلاق والطب وحاول التفريق بين الحكمة والفلسفة وبين الأخلاق والإيتيقا وسعى لتفادي القسمة المغلوطة بين النظر والعمل الموروثة عن الإغريق.

قام بإثبات وجود الصانع لهذا الكون وأقر بالنبوة ضد منكريها وزاد على ذلك بقوله بخلود النفس وبحث سبل فوزها بالسعادة ووجد ذلك في إتباع الفضيلة والابتعاد عن الرذيلة وصحة المزاج وجمال الفعل وركز على مطلب العدل بالنسبة للحكام ورأى في الحاكم العادل المثل الأعلى للمجتمع وأصل النظام في الدولة.

لقد جعل من مبحث السعادة حكمة الحياة في المجال العملي شغله الشاغل وفرق فيها بين السعادة العامة والسعادة الخاصة وبين سعادة النفس وسعادة البدن وبين السعادة الجزئية والسعادة التامة ووجدها في الحكمة. كما عمل على التمييز بين الفلسفة الحكمة وقسم الأولى إلى بعد نظري يحدث بالقوة التأملية وبعد عملي يتم بالقوة العاملة في حين أنه عرف الثانية بفضيلة النفس الناطقة المميزة وخصها بالمعرفة من المعقولات ما يجب أن يفعل وأن يترك وأن تدرك النفس المعقولات الضرورية للحياة العقلية السعيدة.

ان الفلسفة هي الغاية القصوى للوجود الإنساني وغاية الحياة الإنسانية والوسيلة الوحيدة للترقي الدائم من خلال التدبير المدني والمزج بين العلم والعمل وجعل تنظيم الأفعال وفق سنن الكون سبيل السعادة المطلقة.

لقد عالج مسكويه الخوف من الموت بالإقبال على مسرات الحياة ورفض التعامل معه كعقوبة وألم عظيم واعتباره نتيجة حتمية ونهاية منطقية وزيادة الأمل والتقليل من الانزعاج حول ما يحدث للمرء في الآخرة. لقد ذكر في وصيته الأخلاقية الشهيرة أن من " علامة حكمته أن يستبصر في اعتقاداته حتى لا يفوته بقدر طاقاته شيء من العلوم والمعارف الصالحة، ليصلح أولا نفسه ويهذبها ويحصل له من هذه المجاهدة ثمرتها التي هي العدالة، وعلى أن يتمسك بهذه التذكرة ويجتهد في القيام بها والعمل بموجبها"، فمتى تتمكن الثقافة التي تخصنا من استعادة المنزع الإنسي والإيتيقي الذي كان له الفضل مع غيره في تأسيسه؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

...................

المراجع:

أبو علي مسكويه، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق ، تحقيق ابن الخطيب، مكتبة الثقافة الدينية ، الطبعة الأولى، جزء واحد.

أبو علي مسكويه، الحكمة الخالدة، تحقيق عبد الرحمان بدوي، دار الرافدين، طبعة أولى ، 459 صفحة.

أبو علي مسكويه، تجارب الأمم وتعاقب الهمم، تحقيق سيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت، 2003.

أبو علي مسكويه، الفوز الصغر، تحقيق صالح عضيمة، الدار العربية للكتاب، مجمع بيت الحكمة ، قرطاج، تونس، طبعة 1987، 126 صفحة.

أبو علي مسكويه، رسالتان في اللذات والآلام والنفس والعقل، منشورات دار الجمل، بغداد، طبعة 2009.

أبو علي مسكويه، رسالة في الخوف من الموت، تقديم علي محمد اسبر، دار بدايات ، دمشق، طبعة 2007. 93 صفحة.

 

مع التطور التكنولوجي، وظهور شبكات التواصل الاجتماعي وتحولها لمنصات رأي حر فردية أو مؤسساتية، ظهرت مجددا تساؤلات حول المعرفة وقيمتها ومعياريتها، وضوابطها، وكيفية تحديد صدقها من عدمه، حيث باتت المعلومات متوافرة وكثيرة، وأتيحت الفرصة للجميع للتعبير عن آرائهم، دون وجود ضابط محدد يشخص مدى أهلية الفرد ومكنته العلمية والمنهجية في التصدي والتعبير عن الرأي وتقديم المعارف.

وظهر تحديا جديدا على السطح طرح كثير من الشبهات، وأثار كثير من التشكيكات، وطرح كثير من التساؤلات، وأثار كثيرا من رياح الفتن العابرة للجغرافيا، وهو ما يجب الوقوف عند هذه الظواهر الجديدة، كحاجة ملحة تتجدد عبر التاريخ وتطرح تساؤلاتها المعهودة حول المعرفة ومصدرها وقيمتها ومعيارها وضوابطها، لإعادة تنظيم المعطيات المعرفية الواردة إلي الذهن والتي تشكل بينة الفكر، وهو بدوره يبني منظومة الاعتقادات ويوجه السلوك البشري. فالمعرفة إذا لها مدخلية محورية في تنظيم السلوك الإنساني وبناء رؤيته الكونية و شبكة علاقاته على أسس سليمة غير عبثية ولا فوضوية.

المعرفة:

لعملية اكتساب المعرفة جهتان: العلم والمعلوم، والبحث عن العلم والمعرفة هو من فروع العلم الذي موضوعه العلم نفسه، وهو المعبر عنه بعلم المعرفة.

وغاية علم المعرفة هو البحث حول المعارف الإنسانية الصحيحة التي يمكن الاعتماد عليها وطرح الحقائق في ضوئها.

ونظرية المعرفة هي: العلم الباحث حول معارف الإنسان وأنواعها، وتحديد صحتها وسقمها بيان المعيار في ذلك“.[1]

إن المعرفة كنظرية نشأن وتطورت نتيجة الجدليات الفكرية والفلسفية حول المعرفة وحدودها وإمكانيتها ومدى يقينيتها من عدمه، وكان تطورها تدريجيا مع تطور الفكر والعقل البشري، ولعل أول كتاب في نظرية المعرفة في الغرب كان هو ” بحث حول فهم الإنسان ؛ للفيلسوف جان لوك (١٦٢٣ ـ ١٧٠٤) التجريبي البريطاني الذي عاش في القرن السابع عشر الميلادي.

وقد اشتد ظهور الاهتمام بنظرية المعرفة في الغرب كنتيجة التحولات الفلسفية التي وقعت بعد عصر النهضة، أي منذ ثلاثة قرون تقريبا، فظهرت كنظرية وكفرع من فروع العلوم.

أما على الصعيد الإسلامي فكان أول من بادر إلي تنظيم مباحث في نظرية المعرفة هو العلامة محمد حسين الطباطبائي رحمه الله في كتابه ” أصول الفلسفة والمذهب الواقعي“ كخطوة أولى في تخصيص مباحث ذات طابع مستقل لنظرية المعرفة.

فنظرية المعرفة تكمن أهيمتها في كونها تتناول كعلم معارف الإنسان، وتبين أقسامها، وتميز بين صحيحها وغيره، وتطرح معاييرا تشخص صحة هذه المعارف من عدمه، أي تشخص قيمة المعارف، لأهيمتها في الإيمان والسلوك وبناء العلاقات. وتعتبر نظرية المعرفة من المعارف من الدرجة الثانية بمعني؛ أن كليهما يبحثان عن معارفنا وأحكامها وقوانينها“[2]. لأن موضوع المعرفة هنا هو المعرفة ذاتها.

وتنقسم المعرفة إلى:

١- معرفة مطلقة تبحث في مطلق المعرفة الإنسانية؛

٢- معرفة مقيدة تتناول المعارف الإنسانية في نطاق خاص.

وتعتبر نظرية المعرفة مقدمة في الترتيب المنهجي على المنطق، لأنها معنية بتحديد وتشخيص قيمة المعلومات، ومن ثم يستفيد المنطق من هذه المعلومات اليقينية والصحيحة بعد تشخيصها من قبل نظرية المعرفة لتنظيمها في إطار عملية التفكير. فنظرية المعرفة تشخيصية تحدد مدى صلاحية المعلومات من عدمه، قبل أن يستخدمها المنطق في الانتقال بها من المجهول إلي المعلوم لتشكيل بنية فكرية متكاملة منهجية.

فالعلم في اللغة العربية يطلق على معنى واسع يشمل جميع أقسام المعرفة مضافا إليها الفنون والمهارات المختلفة، أما العلم في موضوع نظرية المعرفة فمن معانيه الاصطلاحية:

١- مطلق الفهم والوعي؛

٢- العلم الحصولي؛

٣- التصديق؛

٤- التصديق الجزمي؛

٥- الجزم المطابق للواقع؛

٦- الجزم المطابق للواقع مع استحالة الزوال؛

٧- التصورات الكلية؛

٨- القضية التركيبية؛

٩- مجموع القضايا المتناسبة؛

١٠- مجموع القضايا الكلية المتناسبة؛

١١- العلوم الحقيقية؛

١٢- العلوم التجريبية.

نظرية المعرفة بين المفكرين الإسلاميين والغربيين:

هناك تفسيران لموضوع المعرفة في نظرية المعرفة، تفسير للمفكرين الإسلاميين، وآخر للغربيين.

وقد ذهب المفكرون والفلاسفة المسلمون إلى أن المراد من العلم أو المعرفة في موضوع نظرية المعرفة، هو مطلق العلم والفهم الشامل لكل أقسام العلم من الحضوري والحصولي وأنواع كل واحد منهما، والغاية من البحث هنا هو معرفة القيمة المعرفية لأقسام العلم والمعرفة. وقد عرفها الدكتور أيمن المصري بأنها:“ مطلق حصول المعلوم لدى العالم، أعم من كونه حصوليا أو حضوريا، كليا أو جزئيا، بديهيا أو كسبيا، نظريا أو عمليا“[3].

أما الفلاسفة والمفكرين الغربيين، اعتقدوا أن العلم عبارة عن الاعتقاد الصادق المبرهن الشامل لبعض أقسام العلم الحصولي المتوافر على ثلاثة عناصر هي:

الاعتقاد (= التصديق المنطقي الجازم) والصادق (= المطابق للواقع) والمبرر أو السبب (= الدليل).

ويلاحظ هنا الفرق بين كلا التفسيرين، فالأول شامل وعام لا يستثني حتى الظن مع تراكم احتمالات صحته، والثاني ضيق دائرة العلم والمعرفة وحددها بمحددات أخرجت العلم الحضوري، والتصورات والتصديقات غير الجزمية (الظن والاطمئنان) عن دائرة المعرفة بخلاف التصديقات الجزمية؛ إذ تندرج أيضا في نطاق المعرفة، كالجهل المركب والتقليد واليقين بالمعنى الأخص[4] .

أقسام المعرفة:

معارف البشر منحصرة بين مصدرين لا ثالث لهما:

١- العلم الحضوري: وهو العلم بالأشياء دون واسطة أو حكاية.

٢- العلم الحصولي: هو العلم بالأشياء عن طريق الصور الحاكية أي بتوسط أمر آخر.

وهناك ثلاث مراتب للعلم بالموجود في العلم الحصولي والحضوري:

١- العلم بموجودية ذلك الموجود.

٢- معرفة خصائص هذا الموجود سواء كانت معرفة لكل الخصائص أو لبعضها. وسواء كانت مرحلية أو دفعية.

٣- معرفة حقيقة الشيء وذاته: سواء كانت معرفة حقيقة الشيء بتمامه أو جزء من تلك الحقيقة. وهذا خاضع لاعتبارات البيئة والمعطيات العلمية وتوفر كثير من اللوازم الخاصة بهذه المعرفة. لذا غالبا معرفة حقيقة الأشياء كما هي غير تامة دائما.

والعلم الحضوري والحضولي مشتركان في مراتب كاشفية العلم بحيث ينقسم كل منهما إلى:

١- ملتفت إليه؛

٢- وشبه ملتفت إليه؛

٣- مغفول عنه.

كما أن كليهما (العلم الحصولي والحضوري) قابلا للزوال، مع الالتفات إلي أن العلم بذاته هو أمر وجودي ينقسم إلي علم إمكاني وعلم ضروري، والزوال المقصود ينطبق على العلم الإمكاني كونه قابل للزوال ذاتا، فليس كل علم قابل للزوال فاقتضى التنويه، فإدراكنا ومعرفتنا بالحقيقة كما هي ومطابقتها لواقع الأمر، سواء كانت علما حصوليا أو حضوريا هي معرفة غير قابلة للزوال.

فمثلا إدراكنا بوجود الشمس هو إدراك ومعرفة مطابقة للواقع، وهذه المعرفة لا تزول فالشمس وجود حقيقي خارجي، وإدراكنا لهذا الوجود هو إدراك مطابق للواقع، وزوال هذا الإدراك والمعرفة هو زوال لوجود الشمس الخارجي الحقيقي، وهذا من مصاديق اجتماع النقيضين وهو الوجود والعدم، وهو محال، إذ كيف يجتمع حقيقة وجود الشمس خارجيا مع زوال إدراكي بهذه الحقيقة؟ فهو محال.

إن المعرفة سواء كانت حصولية أو حضورية حينما تكون معرفية حقيقية مطابقة للواقع، لا يمكن أن تكون لها حقائق متعددة متناقضة أو متضادة، فالفهم الحصولي والحضوري، إذا كان صحيحا وحقا مطابقا للواقع لا يمكن افتراض فهم اخر صحيح متناقض أو مضاد له، فالواقع واحد لا يتعدد، نعم درجة إدراك الواقع ومرتبته تختلف وتتعدد، نتيجة اختلاف القابليات والإدراكات ومستوياتها، لكنه يبقى واقعا واحدا وفهما واحدا له بمراتب مشككة. وهذا لا يعني نسبية الحقيقة والواقع، بل نعني تشكك فهم الواقع والحقيقة. فمثلا حينما نقول أن الشمس اليوم مشرقة، فإدراك ومعرفة شروق الشمس هو إدراك وفهم حقيقي واقعي، فلايمكن أن يكون النهار ويقول شخص أن الشمس مشرقة اليوم ويأتي شخص آخر ويقول في ذات الوقت وذات النهار أن الشمس غير مشرقة، نعم درجة إشراق الشمس وتشخيص هذه الدرجة قد تختلف من شخص لآخر، وهذا الاختلاف خاضع لاعتبارات عديدة ليس محلها هنا.

فشروق الشمس في النهار وفق الظروف الاعتيادية هو حقيقة ثابتة مطابقة للواقع، لكن درجة إشراق الشمس في هذا النهار هي التي يمكن أن تكون لها قراءات متعددة، تختلف في تشخيص نسبة شروقها ودرجته، وهي هنا ذات مراتب مشككة.

وقد يقع كثيرا تعدد الآراء حو لحقيقة واحدة نتيجة للتالي:

١- النزاع اللفظي: بمعنى أن يكون هناك عدم إدراك بمقصود الرأي المطروح، فقط يكون اللفظ المقصود له نفس المعنى لكنه كلفظ متعدد، وهو ما يسمى تعدد الألفاظ لمعنى واحد، وعدم إدراك الباحثين لهذا اللفظ أدى لهذا الاختلاف، وهنا يبحث إمكانية جمع الآراء المتعددة من عدمه. فمثلا قد يقول شخص إن في الغابة ضرغاما، ويأتي آخر من الغابة ليقول رأيت أسدا في الغابة، ويشتد النزاع بين الطرفين ويكون كلاهما على حق، وحينما يتم تبيان الأمر، نجد أن الأول عنى بالضرغام الأسد، بينما الثاني قال بوجود أسد، ولو تم استيضاح المعنى من البداية لعلم كليهما أن ما شاهداه حقيقة واحدة هي لحيوان واحد قد يطلق عليه في اللغة لفظ الأسد وقد يطلق عليه لفظ الضرغام، وهنا أمكن الجمع بين الآراء المختلفة كون النزاع كان حول حقيقة واحدة ومعنى واحد لكن ألفاظه متعددة.

٢- النزاع المعنوي: هنا يكون النزاع حول المعنى وليس اللفظ، أي أن كل رأي مطروح يختلف في معناه عن الرأي الآخر، وهنا لا يمكن الجمع بين الآراء حتى لو تشابهت ظاهريا الألفاظ، فقد يكون لفظا واحدا لمعان متعددة، كأن يقول الأول رأيت في الغابة ضرغاما شجاعا، ويأت الثاني يقول رأيت ضرغاما متوحشا ، ويقع النزاع حول معنى ومقصد كل منهما حول حقيقة ومعنى ما شاهداه في الغابة، وحينما يتم استضياح المعنى من الأول يقول رأيت الرجل الشجاع المعروف في القرية هناك في الغابة، بينما الثاني يقول عنيت بالضرغام المتوحش هنا الأسد، ويتضح هنا عدم إمكانية الجمع ين الرأيين كون الأول عني الرجل الشجاع والثاني عني الأسد، ووفق كل معنى سيترتب عليه سلوك ورد فعل مختلف، لأن رد الفعل على وجود الرجل الشجاع هو اطمئنان أهل القرية، ورد الفعل على وجود الأسد المفترس في القرية هو استنفارهم وخوفهم.

ولكن قد يختلف المعنى، كما هو حال من ينكر وجود حقيقة خارج عالم المادة، ومن يثبت وجود حقائق غيبية. فلا يمكن هنا الجمع بين الرأيين، لاستحالة اجتماع النقيضين، فأحدهما مطابق للواقع بوجود الله وهو خارج الوجود المادي، والآخر مخالف للواقع وهو نفي وجود حقيقة خارج عالم المادة المحسوس.

قيمة المعرفة:

المعرفة تقع بين أمرين إما ما هو كائن أو ما ينبغي أن يكون، لذلك تكمن قيمتها في التساؤل المحوري معرفيا حول ماهية هذه المعرفة وقيمتها، من حيث كاشفيتها عن الواقع، أو كونها مجموعة من التصورات والأوهام؟

فكاشفيتها عن الواقع تكسبها قيمة ذات بعد إيجابي تصديقي، يستطيع الباحث عن الحقيقة من خلال هذه الكاشفية، البناء على هذه المعارف الكاشفة بناء فكريا منهجيا صحيحا، وهذا البناء المنهجي لمنظومة الأفكار تكمن أهميته كما أسلفنا في بعدينن:

البعد الفردي في بناه العقلية والسلوكية؛

البعد الاجتماعي، والذي يتعلق بالفرد ومنظومة علاقاته المحيطة التي تربطه بالحق الواجب ومنظومة القيم والأخلاق والمعايير، سواء على مستواه الأسري أو الاجتماعي.

أما لو كانت هذه المعارف مجموعة تصورات وأوهام، فإنها ذات قيمة سلبية لا يمكن اعتبارها ولا الأخذ بها، بل هي كم مهمل عن الاعتبار، ولا يمكن بناء أي منظومة فكرية منهجية عليها، وفي حال عدم فهم كونها أوهام وتصورات نتيجة تقصير أو قصور لدي الفرد، فإن ذلك كفيلا بأن يحرف مساره باتجاهات مغايرة للواقع، وهنا يقع الفساد.

”فالبناء الحقيقي ـ كما يقول الشيخ أيمن المصري ـ المحكم للصرح العلمي لا يتم إلا من خلال تأسيس الكيان المعرفي لعقولنا، ولا تقتصر دائرة هذا الأمر على الطالبين والدارسين للحكمة أو الفلسفة، بل الأمر يشمل سائر العلوم الأخرى، فالترتيب السلمي للبناء يقتضي ذلك، والتعاقب المرحلي لا يقوم بدون هذا الشيء، والإحكام والدقة قائمتان على الصلابة الارتكازية للمباني المعرفية، وفي حالة عدم الوصول إلى الإثبات المبنائي للنظرية المعرفية فستكون النتائج حينئذ وخيمة للغاية.[5]“

فقيمة المعرفة تكمن في البحث عن اعتبارها أو عدم اعتبارها سواء نظريا كان أو عمليا.

فنظريا نبحث عن مدى كاشفيتها عن الواقع من عدمه، وكونها ليست خيالات وأوهام، فيصح الاعتقاد بها والتعويل عليها، وعمليا بمعنى كشفها عن الحسن والقبيح لترتيب الأثر عليه من حيث لزوم الترك والفعل، بحيث يمكننا بناء على ذلك تشييد المنظومة الأخلاقية والحقوقية والاجتماعية ،السياسية بناء عليها في المجتمع البشري.

وهنا يتضح سبب الاختلاف الجوهري بين النظريات الغربية والإسلامية في موضوع القيم والأخلاق والحقوق، والتي غالبا ما تختلف البناءات وأدوات المعرفة، وتختلف على ضوئها النتائج والمنظومات والسلوكيات في تشخيص الوهم من الواقع والقبيح من الحسن. وهذا لا يعني عدم وجود مشتركات، بل هناك مشتركات خاصة فيما يتعلق بالمنطق القائم على العقل البرهاني والذي يملكه البشر جميعا، وبالتالي قدرته على كشف الواقع أيضا.

ولكن ما هي أدوات المعرفة التي من خلالها نكشف المعارف الكاشفة عن الواقع؟

انقسم العلماء أو الباحثين المعنيين في موضوع المعرفة إلي عدة مدارس بناء على انقسام أدوات المعرفة التي اعتمدوها كأداة رئيسية لكشف الواقع:

أولا: العقل

حيث اعتمدوا هنا على العقل البرهاني كأداة رئيسية، تعمل سائر المناهج المعرفية تحت إشرافه وتستمد مشروعيتها منه، وأطلق عليهم ”العقليون“.

ثانيا: التجربة

وهنا يعتبر الحس والتجربة الأداة الوحيدة في كشف الواقع معرفيا، ونفي أي قيمة معرفية لأي معرفة خارج حريم التجربة، وأطلق عليهم ”التجريبيون“.

الثالثة: الإخبار

وهم من اعتمد النص الديني منفردا كأداة معرفية مهيمنة في المعرفة وكشف الواقع، لذلك أطلق عليهم الإخباريون.

الرابعة: الإشراق

وهنا كان الاعتماد على المكاشفات القلبية في معرفة حقائق الأشياء، لذلك زطلق عليهم ” الإشراقيون“[6].

فالأدوات إذا نعني بها الطرق والقنوات المعرفية التي يمكن أن يعتمد عليها الإنسان في كشف الواقع المحيط به[7]“

وبذلك تكون أدوات المعرفة هي:

الحس

التجربة

العقل

الوحي

الإشراق

إن اختلاف أدوات المعرفة والاعتماد على بعضها دون غيرها، يؤدي إلى اختلاف الرؤى الكونية وبالتالي اختلاف سلوك المدارس، والمنظومات المعرفية التي تشكل له منظومته الفكرية والحقوقية والقيمية والمعيارية، كون هذه الأدوات تلعب دورا هاما في الكشف عن الواقع، فاعتماد إحداها دون غيرها كما ذكرنا، له أثر في بناء الرؤية الكونية، وتعددها تتعدد الرؤى الفلسفية للوجود، وباتالي على عقيدته وأفكاره وسلوكه ومصيره في الدنيا وما بعدها.

مصادر (أدوات) المعرفة وتداخل المناهج:

التداخل في تطبيق المناهج واستخدام أدوات المعرفة في العلوم والتداخل في أخذ النتائج بين العلوم أحدث فوضى معرفية، فمنهج دراسة العقائد على سبيل المثال وبالتالي نتائجه، يختلف عن منهج دراسة العلوم الطبيعية ونتائجها، قد يكون هناك تداخل في البين لكن هذا لا يعني أبدا تطابقا في المناهج والنتائج.

فالعقل في فهم العقائد ومدعوما بالنص الديني هو الطريق الأداتي والمصدري في تشكيل منظومة الإنسان العقدية، فيكون العقل هو المهيمن والذي يعطي شرعية المعارف التي تكشف عن الواقع، بينما المنهج في العلوم الطبيعية قائم على الحس والتجربة والملاحظة ومن ثم تسجيل النتائج، وغالبا نتائجها تكون غير قطعية، أو قطعية أحيانا، لكنها تعتمد الحس والتجربة أي الملاحظة المتكررة ومن ثم الاستنتاج، بالتالي لا مدخلية للنص الديني هنا فيها.

فمنهج دراسة العقيدة يعتمد في مصادره المعرفية الأساسية على النص القطعي الصدور والعقل، وهما أساسان لجميع من يؤمن بالنص، أما الوجدان والتجربة الروحية فهما خاصان بكل شخص، ومنهج الدراسات الطبيعية يعتمد على الحس والتجربة والعقل.

وبالنسبة لمصدرية النص المعرفية، فمن الانصاف العلمي ومن باب عدم إقصاء مصدرا للحقيقة، يفترض أن لا يتم إبعاده كمصدر معرفي.

كما لا يجوز استبعاد أي مصدر وأداة للمعرفة يمكنها كشف الواقع، لكن نحتاج أن لا نقع في فخ تداخل الأدوات والمناهج، بمعنى استخدام أدوات ومصادر للمعرفة في علوم وبحوث تتطلب مصادر وأدوات مغايرة، بحيث يصبح هناك خلط بين الأدوات وتطبيقاتها المعرفية، وهو ما يؤدي لنتائج لا تكشف عن الواقع ولا تعطينا قيمة معرفية إيجابية، وهذا لايعني إقصاء لأداة معرفية في الككشف عن الواقع، بل يعني معرفة الأدوات الأساسية الخاصة في هذا البحث والتي تشكل الأدوات المهيمنة والمشرعنة للمخرجات المعرفية، والأدوات الفرعية التابعة لها.

قد يقول البعض هناك تعدد في النصوص المعتبرة بين الأديان والمذاهب، لكن أصل الفكرة هو اعتبار النص مصدرا معرفيا، وكل دين ومذهب لديه أدواته في التنقيب العلمي عن وثاقة الصدور.

شريطة اتباع مبدأ كشف الواقع وليس تثبيت ما أعتقده واقع. وهناك اليوم أدوات حديثة للتنقيب عن النص، يمكن إضافتها لما هو موجود من أدوات ومناهج للتنقيب والحفر بشكل أعمق في النص ودلالاته ووثاقة صدوره من قبل المختص، والأساس هو اعتباره مصدرا معرفيا وعدم إقصاء أي مصدر معرفي يفيد كشف الواقع.

فمثلا عقيدة التوحيد في إثبات وجود الخالق كشفها في الأساس يعتمد على العقل والنص، وقد يعضد هذا الكشف مناهج البحث العلمي في الطبيعيات التي تعتمد الحس والتجربة كالاستقراء المنطقي، فتجتمع هنا كل المصادر المعرفية التي تعضد ما أثبته النص والعقل، فالأصل هنا معرفيا للعقل والنص كمهيمن معرفي ومرشد وكاشف، بل ومشرعن لما ينتج من معرفة وليس للحس والتجربة. المعرفة هنا حتمية في أصلها وتشكيكية في عمقها، بمعنى إثبات وجود الخالق يصبح حتمي في نتيجته، ولكن التعرف على هذا الخالق هو تشكيكي) ذو مراتب مختلفة (يعتمد على قابلية الباحث المعرفية وعمقها، وهنا يصبح الوجدان والتجربة الروحية مصادر معرفة مشتركة لكن كاشفيتها ليست عامة بل فردية، وعمقها ونتائجها تختلف من شخص إلى آخر لاختلاف القابليات المعرفية.

وحتى في المعتقدات قد يخطئ العقل أو يكون هناك قصورا في الإدراك، ومن يحافظ على بقاء العقل في طريق علمي رصين هو النص. فالنص يشكل السياج الحامي من انحراف العقل، وتداخل الميول والرغبات والأهواء في فهم الحقيقة.

بينما عندما أقوم بعمل تجربة علمية للكشف عن قانون علمي في الطبيعيات، فاعتمادي سيكون على الحس والتجربة والعقل الذي ينتزع النتيجة، و التي تعتمد على: التجربة، الملاحظة، ومن ثم تسجيل النتيجة، التي قد لا تكون حتمية ونهائية، ومع تراكم الخبرات والاكتشافات قد تتغير هذه النتيجة إما بتطويرها أو باكتشاف خطأ في الكشف أو التطبيق، أو قصور في إدراك العقل نتيجة خطأ في الحواس.

بالتالي العلوم التجريبية ليست دائما حتمية في نتائجها، وقد أثبت الواقع العلمي خطأ بعض النتائج العلمية نتيجة عدم معصومية حواس الإنسان وعقله، أو نتيجة خطأ في خطوات التجربة، كما أثبت صحة بعض النتائج وتطويرها خاصة أداتيا، بينما الاعتقادات غالبا حتمية في نتائجها ذات مراتب مشككة في عمقها وتفاصيلها، شريطة اعتماد منهجا صحيحا ومنطقيا في الأدوات الكشفية للواقع، وعدم سقوط العقل في وحل الصناديق المغلقة مذهبيا ودينيا، ومع بعدنا عن عصر التشريع يمكن اعتماد الاستقراء المنطقي كوسيلة مساندة تعضد النتائج، ولكنها ليست وسيلة أصيلة بل مساندة، حيث ذكرت سابقا بأن التجربة يمكنها أن تعتبر وسيلة مساندة في ذلك والتجربة تعتمد على الاستقراء.

وقد يقول البعض أن النص له بعض الإضاءات المعرفية مصدريا في العلوم التجريبية، نعم قد يكون هناك إضاءات نصية دينية في العلوم الطبيعية، لكنها مجرد إضاءات عامة مرشدة للعقل، إلا أنها ليست منهجا أساسيا في علوم الطبيعيات، بل هي قد تشكل إضاءة مساندة للتجربة والحس والعقل، فالمنهج الأصيل في الطبيعيات يعتمد على الحس والتجربة وقدرة العقل في انتزاع النتيجة.

فكما ان في العقيدة المنهج الأصيل معرفيا يعتمد على العقل والنص، ويعضده ويسانده أحيانا التجربة والحس، كذلك في الطبيعيات المنهج الأصيل معرفيا يعتمد منهجيا على الحس والتجربة وقدرة العقل الانتزاعية للنتيجة، وقد يعضده أحيانا كمساند إضاءات بعض النصوص الإرشادية.

العناوين الكبرى والقلق المعرفي:

في العناوين الكبرى التي لا يختلف عليها عاقل، تكمن تحتها تفاصيل لا يمكن أيضا لعاقل أن يطلق أحكامه عليها اطلاقيا وتعميميا، بل يحتاج دراسة كل حالة تفصيلية تحت العنوان الكبير حتى يشخص الحالة وفق معطياتها الخاصة.

بحيث تشخيص أدوات المعرفة ومصادرها في البحث هي الخطوة الأولى مرحليا، ويضاف إلى هذه الخطوة منهجيا دراسة الحيثيات والظروف والمناخات المعرفية المحيطة بموضوع البحث، لفهم واقعه وامتلاك المكنة والقدرة على التشخيص السليم، في وصف الظاهرة أو تقييم العنوان، أو تشخيص دقة الدراسة وقيمتها المعرفية، كون سلامة المصادر والأدوات المعرفية منفردة لا تكفي، بل يضاف إليها سلامة التشخيص وفهم الملابسات وظروف الزمان والمكان.

فالنسوية على سبيل المثال عنوان كبير، لكن تكمن تحته تفاصيل كثيرة، فنجد من تصنف نفسها كنسوية متشددة مثلا، عندما نذهب للظروف التي تعانيها في محيطها، من قمع واضطهاد وعنصرية وذكورية سواء على مستوى قوانين الدولة، أو على مستوى النظام الأسري السائد، أو على مستوى عادات وتقاليد المجتمع ومعتقداته حول المرأة وشخصيتها، فعندها يمكننا أن ندرك وصفها لنفسها بالتشدد، لأن محيطها الضاغط أوجد لها ظروفا شديدة التعنصر، فولد عندها ردود أفعال عكسية شدتها أقوى من شدة الفعل الممارس عليها، هذا الجو المتطرف عنصريا يفقد الإنسان تحت الضغط العنصري قدرته على التشخيص السليم لمصادر المعرفة، وبالتالي للمنهج الذي يبنى عليه معارفه، ولطبيعة النتائج التي تتوالد عنده معرفيا شدة وضعفا. لكن لو خرجت هذه من ظروفها الضاغطة عنصريا إلى بيئة معتدلة، لانكشف لها واقعا آخرا أعاد لها اتزانها فكريا وسلوكيا وباتت انفعالاتها أكثر اتزانا وردود أفعالها المعرفية أكثر تعقلا.

إذا أدوات المعرفة ومصادرها هي الخطوة الأولى في كشف الواقع، ولكن تحتاج إلى خطوات تابعة ومهمة على الباحث التحلي بها وأهمها:

١- الخروج من البيئة وظروفها وملابساتها خروجا عاطفيا وانفعاليا، ومحاولة إدراك الواقع بتعقل واعتدال واتزان.

٢- عدم التبني السريع للمنتجات المعرفية التي تقتحم مجالنا الإدراكي بشكل سريع نتيجة هبوب ريح متطرفة عاصفة في المجتمع، واستغلال هذه الثغرة وهبوب ريح مضادة تقدم نفسها كعلاج لهذه الأزمة المعرفية، فالمعارف تتطلب بيئة متزنة غير انفعالية ولا عاصفة، تحاول أن تتطلع على الآراء بإنصاف كي تستطيع فهم طبيعة المعطيات المعرفية لكل ريح معرفية عاصفة ومصدريتها المعرفية وأدواتها، ومن ثم تفنيدها معرفيا وبناء معرفة حول موضوع البحث قائمة على التعقل والاتزان النفسي، والإنصاف العلمي، والاعتدال.

٣- معالجة التشدد المعرفي، سواء كانت قيمة المعرفة الناتجة إيجابية أو سلبية لا يتم بالتشدد، بل يكون بفهم واقع هذه المعارف وإدراك قيمتها ومن ثم معالجتها بالحكمة وليس بالصدام المعرفي، لأن من لوازم الصدامات المعرفية الجدلية الانحراف عن كشف الواقع، و الدخول في المناكفات الشخصية على حساب الحقيقة.

وهذا يقاس أيضا على غيرها من العناوين الكبرى، التي تتفق عليها البشرية، كالعدالة والحرية، و غيرها من العناوين الكبرى القلقة التي تؤرق الفكر الإنساني عبر التاريخ.

فحقوق الإنسان، والمطالبات بالعدالة والحرية، وحقوق المرأة، وحرية الاختيار والتعبير والاعتقاد، والتعددية الدينية والفكرية، وغيرها من الهموم المعرفية القلقة والعناوين الكبرى، لا يمكن أن تتم معالجتها بطريقة الرياح المعرفية العاصفة، تحت ضربات العولمة الفكرية، ولا يمكن بناءها وكشف واقعيتها ومصدريتها المعرفية، إلا بعد تأسيس رؤية كونية في ظروف معرفية متزنة لا على شكل ردود أفعال معرفية يتمترس فيها كل رأي خلف ترسانته المعرفية المغلقة، فتبنيها كما هي تحت ضغط العولمة الشعبوية التي تستخدم وسائل الضغط الإعلامي والسياسي لأجل فرض رؤيتها المعرفية في هذه المعناوين، هو انفعال شعبوي قطيعي غير قائم على أسس سليمة في تشخيص قيمة هذه المعارف الواردة إلينا تحت هذه العناوين الكبرى المهمة.

كما أن رفضها مطلقا كنوع من التمترس المضاد معرفيا، هو انفعال شعبوي مضاد غير قائم على أسس سليمة في تشخيص قيمتها، وحتى في فهم ملابساتها ومحاولة بناء منظومة معرفية تحت هذه الهذه العناوين الكبرى تتجاوز الإنفعال ورد الفعل، إلى الفعل المعرفي المعتدل المتزن في بناء مشروع متزن معوفيا لهذه العناوين الكبرى. فهي من مصاديق النزاعات المعنوية التي تتفق فيها الألفاظ وتختلف فيها المعاني بطريقة لا يمكن فيها التوليف بين الآراء، لأن الأصل الذي تنطلق منه تلك الدعوات صاحبة هذه العناوين الكبرى، الأصل المصدري والأداتي للمعرفة يختلف عن منطلقاتنا كمسليمن المصدرية والأداتية المعرفية، مما يؤدي لاختلاف حتمي في المعطيات والنتائج وفي المنظمومات المعيارية والمرجعية في تشخيص مفاهيم كالحريات والحقوق والعدالة وغيرها. نعم قد نتفق في عناوين فرعية وهذا وارد كون العقل قادر على تشخيص القبيح والحسن على مستوى الماينبغيات، ما ينبغي أن يكون وهو المستوي العملي.

فغالبا هي عناوين موجودة عبر التاريخ، لكن قد يكون بروز عنوان في بيئة وحقبة زمنية، وضمور آخر في ذات البيية والحقبة، هو بسبب الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية المحيطة، هذه الأحداث صانعة للأفكار القلقة والهموم المعرفية، وعادة تخلق حالة من اللاتوازن المعرفي، بين إفراط وتفريط، وقليل من الأشخاص الذين يمتلكون مكنة الخروج من الحدث وضغوطه المعرفية، لمحاولة رؤية الواقع ومعالجة الإشكاليات المعرفية وفق الواقع ومعطياته، لا وفق الانفعالات وردود الأفعال النفسية على تلك الجدليات المعرفية القلقة والمتمظهرة نتيجة الأحداث.

اذا نحن هنا بصدد الحديث عن الجودة والضوابط والمصادر والمعايير، فهناك ضوابط لوصف ما لدينا بأنها معرفة، وأهم هذه الضوابط هي انطباق معايير المعرفة على ما لدينا وأهم معيار هو معيارية المصدرية بمعنى مصدر هذه المعرفة، كون المصدر يحدد مدى صدقها وقيمتها وحقيقتها وأثرها على الواقع الخارجي بل قبله على واقعنا الداخلي أيضا، هذا فضلا عن دراسة الظروف المحيطة بهذه المعارف وأسباب تولدها، وكيفية تولدها في الإدراك العام الشعبوي أو النخبوي، لفهم ملابساتها وتفكيك بنيتها وإعادة التوازن لعناوينها لإعادة توليدها من جديد بطريقة كاشفة عن الواقع والحقيقة، الذي نعيش ملابساته في زماننا ومكاننا، وليس في زمان ومكان تحكمهما ظروف معرفية مغايرة ومؤثرة على النتائج وما يترتب عليها.

فليست الفوضى التي نعيشها اليوم باسم المعرفة إلا نتاج الخلط بين التصورات والأوهام وبين المعارف الكاشفة عن الواقع، هذا الخلط هو بسبب الخلط في أدوات المعرفة والمناهج، وفي عدم فهم ملابسات المنتجات المعرفية وظروفها المحيطة التي نتجت فيها، هذا فضلا عن الطريقة الشعبوية القطيعية التي باتت تهيمن على طريقة تبني الآراء دون فهم لمدى كشفها عن الواقع من عدمه، ومدى مصداقيتها من عدمه، بل عدم فهم غايات انتشارها و تبنيها بطريقة غير علمية ولا منهجية.

 

إيمان شمس الدين

.....................

[1] المدخل إلى نظرية المعرفية /دروس تمهيدية/ الشيخ غلام رضا الفياضي / تعريب أيوب الفاضلي/ مركز السراج للتأليف والتحقيق/ ط ٢٠١٣م ـ ١٤٣٤ هـ/ ط١ ـ ص ٢٠ ـ ٢١

[2] المصدر السابق ص ٣٥

[3] أصول المعرفة والمنهج العقلي ص ٢٩

[4] ص ٦١- ٦٢لمدخل إلى نظرية المعرفية /دروس تمهيدية/ الشيخ غلام رضا الفياضي / تعريب أيوب الفاضلي/ مركز السراج للتأليف والتحقيق/ ط ٢٠١٣م ـ ١٤٣٤ هـ/ ط١

[5] أصول المعرفة والمنهج العقلي/ ص ١٩

[6] المصدر السابق ص ١٩

[7] المصدر السابق ص٥١

 

منى زيتونفعلتها تونس منذ أشهر! كما فعلتها تركيا منذ قرن مضى!

منذ فترة طويلة ونحن نقرأ عن نية واضحة في تونس لتعديل أحكام المواريث؛ بإقرار المساواة بين النساء والرجال في الميراث، لتتناسب مع التوجه العلماني للدولة التونسية. ومن الواضح أن أغلب نساء ورجال تونس راضون بهذا التعديل الذي تم مؤخرًا، ولم يشكل لهم أزمة، ولكن الأزمة أبت إلا أن تحدث في مكان آخر!

في مصر، صرّح الدكتور الأزهري سعد الدين الهلالي بأن تعديل آيات المواريث لا يناقض الشريعة الإسلامية، وأننا يومًا ما سنسير على درب تونس ونطبقه في مصر، ليسارع الأزهر بإصدار بيان يناقض فيه تصريح الهلالي.

الأهم، كان رد فعل الرجال في مصر، من كل التيارات، تجاه الأمر، وكأن أحكام المواريث هي صلب الإسلام الذي يكادون ينتهكون ثوابته عيانًا جهارًا، في كل سلوك، قولًا وفعلًا. أما النساء فقد اختلفت نظرتهن، وانقسمت رؤيتهن حول الموضوع، وقد لمست ذلك بنفسي، وإن لم تصرح سوى قلة قليلة منهن بذلك، تجنبًا للتسافه المؤكد الذي يمكن أن يرد به الرجال.

أتذكر يوم عزاء والدي أن عمتي –رحمة الله عليهما- قالت لي: لم يكن هناك أحن منه، لم يزرني يومًا إلا وأخذني في آخر الزيارة إلى جانب، ومد يده، وأعطاني مالًا.

وحتى عهد قريب، كانت هدايا المواسم والأعياد تُعد للأخوات من بيوت الإخوة، محملة بكل ما لذ وطاب من الطيور واللحوم وغوالي أصناف الأطعمة.

لم تكن أي امرأة تستشعر ضيقًا لأن أخاها أخذ ضعف نصيبها في الميراث، ليس فقط لأن الشرع قد قرر ذلك بوضوح، ولكن لأن الرجل بالفعل كان هو من يتولى مسئوليات الإنفاق وحده على بيته، ويبر بأخواته البنات لأعوام طوال حتى مماته. من ثم، كانت أحكام المواريث متناسبة مع قوامة الرجل على المرأة، وداعية لبر وصلة الرحم.

أما الآن، فأسر كثيرة تعيش على إعالة المرأة، وحرفيًا يمكننا القول إنه لولا عمل الأم لتضور أبناء تلك الأسر جوعًا، بينما الأب ينفق أمواله على نفسه، ما بين جلسات مقاهٍ، وتعاطي مخدرات، وبعضهم ينفقها على مظهره، وقد يعطي القليل لأبنائه، وقد لا يعطي! فإن كان أشباه رجال لا ينفقون على أولادهم، هل يُنتظر منهم أن يبروا بأخواتهم؟!

حُكي لي عن إخوة ذكور –رغم غِناهم- رفضوا شراء تجهيزات زفاف أختهم الصغرى من مالهم، وقاموا بشراء جزء من نصيبها في الميراث في أرض زراعية كي تشتري ما يلزمها لبيتها، ورضيت صاغرة، لكن لم يفتها أن تسألهم: ولماذا أعطاكم الله إذًا ضعف نصيبي في الميراث إن لم تدفعوا لأمر كهذا؟!

في المقابل، أعرف نموذجًا مخالفًا تمامًا لأخ وحيد، أشرف على تربية أخواته البنات بعد ممات والده، وزوجهن من ماله، وأعطى كل منهن نصيبها في الميراث كاملًا غير منقوص، فهل شعرت إحداهن للحظة أن شرع الله قد ظلمها؟!

أعلم أن المتنطعين ليسوا إلا فئة من رجال المجتمع المصري والعربي، ولكن أعدادهم في تزايد، ومسئوليات المرأة عن إعالة نفسها وأولادها تتزايد هي الأخرى، وكان طبيعيًا أن تشعر هؤلاء النساء بالغُبن، لأن المقصد الشرعي لتقرير نصيب الرجل المضاعف لنصيب أخته قد انتفى فعليًا على أرض الواقع، بينما بقي الحكم، والرجال يدافعون تحديدًا وبشراسة عن بقاء أحكام المواريث لأنها في مصلحتهم، وليس حبًا في العمل بالشرع المعطلة أحكامه في مواطن عديدة، دون أن نجد أي مواقف عنترية مماثلة للدفاع عنها.

يمكنني القول أيضًا إن دفاع الرجال عن بقاء أحكام المواريث دون مساس، هو جزء من نظرة الرجل المصري الدونية للمرأة، التي تتزايد كلما زادت الحياة في إلقاء ضغوطها عليه؛ فالرجل المصري الذي تشعره كثير من مواقف الحياة غير الكريمة بالإهانة، يرى في نظرته للمرأة ككائن أقل منه في الحقوق، ويشعر أمامه بالقوة والتميز، تنفيسًا عن أزمته النفسية الخانقة. إنه دفاع عن النفس، وليس عن الشرع.

قد تكون الأزمة الاقتصادية سببًا رئيسيًا من أسباب الإشكالية، وهي التي تقف وراء تغير كثير من مفاهيم الرجولة في المجتمع، ولكن الحقيقة أنها أزمة أخلاق في المرتبة الأولى، وليس كل من يتنطع فقيرًا، ولا كل من يجود بغني، وليس كل من يسيء إلى المرأة مضغوطًا اجتماعيًا، ولا كل من يحسن إليها بمُرفهٍ.

وما قصدت قوله إن هناك نظامين؛ نظام إسلامي ونظام علماني. النظام الإسلامي الذي وضعه الله سبحانه وتعالى لا تنطوي تحته أحكام المواريث وحسب، هناك القوامة وهناك بر وصلة الرحم. وأشباه الرجال يأخذون من النظام الإسلامي أحكام المواريث لأنها في صالحهم، وأحيانًا في بعض المناطق في دول العرب كصعيد مصر، يمنعون البنات من الميراث كليًا -وعندها لا نجد أحدًا من المتباكين على الشرع يفتح فمه-، كما يأخذ أشباه الرجال من النظام العلماني إسقاط القوامة والبر بالأخوات!

فإما النظام الإسلامي كله أو النظام العلماني كله، وعن نفسي فأنا مع النظام الإسلامي؛ فلأن الله سبحانه وتعالى هو من شرع أحكام المواريث، أرى أن تغيير أحكام المواريث ليس هو الحل، بل الحل أن يعود الرجال رجالًا.

 

د. منى زيتون

 

مصطفى المتوكل الساحليإن نخب الطبقة الحاكمة مثلها مثل كل النخب الأخرى تكون مشكلة من قوتين:

 نخبة واعية وناضجة ومتفهمة، تميل الى العقلانية والواقعية وتجنح الى الديموقراطية وتقوية مؤسسات دول الحق والقانون مع الدعوة ألى انتهاج سياسة اقتصادية واجتماعية تحقق الحد الأدنى من الاطمئنان والرضى والتفاؤل الإيجابي بالمزيد من التطور والتقدم المتدرج والمتحكم فيه وغير المخل بالتوازنات وفق فهمها وقراءتها لها وتدعو الى تجنب القرارات والإجراءات المخلة بالاستقرار، وفي نفس الوقت تضع كل الضمانات والتشريعات التي تحمي وتطور قدرات البورجوازية والراسمال الخاص ...

وجزء آخر من النخبة الحاكمة يميل إلى الجمود والمحافظة ببعدها الإقتصادي والتدبيري لكل مرافق وثروات وموارد الوطن حيث تميل إلى تقوية نخبتها بتشجيع تجمع الثروة بين يدي قلة حليفة ولاتكترث كثيرا لأوضاع الطبقات الشعبية وحتى الطبقة الوسطى التي تعتبر محورا مهما للتوازن بالمجتمع إن كانت هي الأخرى مدركة لموقعها وطبيعة انتمائها وعالمة بمصالحها الحقيقية،،

 وتنظر هذه النخبة الحاكمة إلى باقي النخب الخارجة عن دائرة طبقتها الحاكمة بنظرة الإحتراز والحذر حتى لاتقوم مقامها وتنهي أو تحد من دورها اعتبارا لتعارض المصالح وتناقضها أحيانا، حيث أن اغلب المنظومات الفكرية السياسية الداعية للتغيير والإصلاح تنظر بشكل مباشر أو مضمن ضرورة القطع مع توجهات النخبة المعطلة للتطور والعدالة الإقتصادية والإجتماعية ...

ان البورجوازية والبيروقراطية والمستفيدين من ثروات الوطن بكل أشكال الملكية والتملك ومسالك وآليات تدوير الثروة يميلون الى انتهاج سياسات ارستقراطية موغلة في التقليد بصيغته التي ترى ان الولوج للحكم والتسيير العمومي يكون من طبقتهم ومجتمعهم الخاص ومن التكتوقراط ومن الهيئات التي تقبل بسياساتهم وتتفانى في تنفيذ ما يعجزون عن تنزيله ،،

...ويدخل في هذا السياق البعض من الأطر والموظفين المتشبعين بكل أشكال السلوك البيروقراطي التحكمي الذي يحول المسؤولية وخذمات الوظيفة العمومية الى ريع ومورد لدخل غير مشروع يحقق الثراء والمكانة المتوهمة حيث يعتبرون انفسهم اليد الطولى للإدارة والدولة، بل ويتخذون قرارات تفرغ القوانين والسياسات من التزاماتها وتعهداتها ...

إن من تجبر الأغلبية الحاكمة وسوء تطبيقها لإرادة الشعب كقوة وآلة انتخابية أنها مخولة بقوة القانون لإستصدار كل القرارات والإجراءات التي تشرعن لإفراغ جيوب الكادحين والشغيلة بإثقال أجورهم بارتفاع الأسعار وتكلفة العيش،وتجميد الأجور،، وبالاقتطاعات الضريبية المختلفة المباشرة وغير المباشرة ولفائدة صناديق أو أبواب مستحدثة بإسم الإصلاح أو الرعاية الإجتماعية والصحية،، لأنهم لايمتلكون الجرأة على القيام بالمعالجات الجوهرية والديموقراطية التي تقوم على معادلة تقاسم الثروة واستفادة الشعب منها،، ومعها تقاسم أعباء مصاريف الدولة والحكومة كل حسب ثروته ودخله .. أي عدالة في التوزيع وفي التضريب وفي الإسهام والبناء التنموي المستدام ...

إن التغيير والتطور وبناء مجتمع تكافؤ الفرص والعالة الشاملة ودولة المؤسسات وحقوق الإنسان والكرامة الفعلية الملموسة من طرف عامة المواطنين والمواطنات، يحتاج إلى وجود نخبة حية صالحة ومؤمنة بحقوق الشعب المقدسة والضرورية وحتى الكمالية في وطنه .. نخبة تصنع لنفسها مكانتها الريادية بمصداقيتها ووفائها وتضحياتها مع الشعب، تتنصح وترشد وتحرص على تقوية المجتمع بتوعيته بحقوقه وواجباته، وتؤطره للدفاع عن نفسه بل وتحميه بقوتها الإعتبارية وترافعها الحكيم والصريح،، وتنتج المعرفة الرافعة للتنمية الفكرية وترشيد العقل والسلوك العام وتكشف عن إيجابيات وسلبيات الحاضر وتتوجه إلى المستقبل ببرامج عملية موضوعية تفتح أبواب التجديد والتحديث والتطور،، كما تسعى لبناء مجتمع متضامن متكامل يحمي ويثمن مكتسباته ويبني وينشئ أخرى له وللأجيال المقبلة ..

إن تراجع النخب الوطنية المثقفة عن أدوارها التاريخية الواجبة أخلاقيا يحولها إلى آلة تساهم بصمتها وعدم القيام بمهامها في تفكك المجتمع وتدهور أحوال الوطن واختلال التوازنات وتهديد الدول بالسكتات والأزمات السياسية والفكرية والأخلاقية التي تتسبب في الفتن التي تمزق المجتمع إلى فئات وجماعات ومرجعيات متناحرة تأتي على الأخضر واليابس لا أحد يقبل بالآخر ..

 إن علامات الأزمة والتردي واضحة في العديد من الدول المتخلفة والسائرة في طريق النمو،، ويعلم بأسبابها الجميع،، لكن الجرأة في اتخاذ القرارات التي تحمي الدولة بحماية قدرات الشعب الكادح وضمان حرياته ورخائه ضعيفة ومترددة إن لم نقل أنها بالغت في الإستخفاف بالمآلات والنتائج التي لايتجاهلها إلا جاهل ومعاند مكابر .. وهذا يسري على القوى الحية والأحزاب والنقابات وهيئات المجتمع المدني ...

 

بقلم: مصطفى المتوكل الساحلي – تارودانت

 

1006 داليا لاماالذي دعاني لاختيار عنوان هذا البحث، ومناقشةِ هذا الموضوع، هو كتابٌ وقعَ في يدي عُنوانُهُ

BEYOND RELIGION "Ethics for a Whole World

كتبه زعيم البوذيين في التبت " DALAI LAMA (*).

والكتابُ كما يبدو من خلالِ عُنوانهِ "ماوراء الدين"، اخلاق للعالم كله، والمؤلفُ سعى لطرحِ اخلاقٍ لاتستمد اسسها من الدين، ولاتتعارض مع مفاهيم الدين ومقولاته، وهي صالحة لكل الناس على اختلاف مذاهبهم وافكارهم ودياناتهم، وهي تستوعب حتى الملاحدة الذين لايؤمنونَ بدين، وتشمل اللاادريين والناس جميعاً.

والمُؤلفُ اطلق على هذه الاخلاق العالمية " الاخلاق العلمانية"، ووضح الكاتب مايعنيه بكلمة "علمانية"، فهو لايعني بالعلمانية، العلمانية التي نشأت في السياق التأريخي للغرب، وفي ظل مُناخات الغرب المشحونة بالصراع مع الدين ورجاله . مفهوم العلمانية الغربي مشبع بحمولة الكراهية للدين، ونبذ الدين .اما الاستخدام الهندي للكلمة فغير مُعَبَأ بهذه الحمولة . الاستخدامُ الهندي لكلمة علمانية، لايحمل عداء وكراهيةً للدين، بل يحترم كل التدينات التي يتدين بها البشر، ولكنه لايستقي مفاهيمه منها .

والسؤالُ الذي يَطرحُ نفسَهُ، هل يمكننا ان نتصورَ اخلاقاً بلا دينٍ ؟ وهل يستطيع الملحدُ الذي لايؤمنُ بدينٍ، ولابالهٍ، ولابآخرةٍ، ولابحسابٍ، ان يُنشئ منظومةً اخلاقيةً، وهل تستطيع المجتمعات المادية ان تقدِّمَ لنا وصفةً اخلاقيّةً شاملةً، وهي تعاني من امراضها الاخلاقية . التقدم الماديُّ الذي وصلت اليه هذه المجتمعات، ليس بالضرورة، يصحبهُ تقدمٌ اخلاقيٌّ .

هناك من يرى أنَّ الاخلاقَ لايمكن ان نتصورها من غير دين، منهم الفيلسوف الالماني "فيخته" الذي يقول: (انّ الاخلاقَ من غيرِ دينٍ عبثٌ)، والمهاتما غاندي يرى ارتباط الاخلاق بالدين ارتباطاً وثيقاً، وان الدين هو الذي يغذّي الاخلاق، يقول غاندي: (الدينُ يُغّذّي الاخلاقَ وينميها ويُنعِشها كما أنَّ الماءّ يُغّذِّي الزرعَ وينميه) ويقول القاضي البريطاني "ديننج": (بدون الدين لايمكن ان تكونَ هناك اخلاقٌ وبدون اخلاق لايمكن ان يكون هناك قانون)(1) .

وهذه الصلةُ القويةُ بينَ الدينِ والاخلاقِ تحدث عنها عالمُ الاجتماع ايميل دوركايم بقوله: (انّ الاخلاقَ والدينَ قد ارتبطا ارتباطاً وثيقاً منذُ أَمَدٍ بعيدٍ، وظَلاّ طوالَ قرونٍ عديدةٍ مُتشابكينِ، فلم تصبح العلاقاتُ التي تربطهما علاقاتٍ خارجيّةٍ أوظاهرة، ولم يعُد من السهلِ فصلُهُما بعمليّةٍ يسيرةٍ كما نتصور).(2)

النظريات المتضاربة دليل العجز الانساني

النظريات الاخلاقيةُ المتضاربةُ في مُقارباتِ البشر، دَليلٌ على عجزِ البشر على تقديم منظومةٍ اخلاقيةٍ متكاملةٍ تُنقذُ الانسانَ من انهيارهِ الأخلاقيِّ، فمذهبُ اللّذة عندَ ابيقور، الذي يعتبرُ اللّذةَ هي الخير الاعظم، والغايةُ القُصوى يزري بانسانية الانسان؛ اذ يجعله حيواناً باحِثاً عن اللّذةِ والمُتعةِ الحسيّة . هل هذه نظريةٌ اخلاقيّةٌ ترتقي بالانسان ام تهبط بهِ الى الحضيض والدرك الاسفل. وسقراط اعتبر الفضيلةَ هي الخيرُ الاسمى، وخالفه ارسطو الذي اعتبر الفضيلة وسيلة لاغايةً، هي وسيلة للوصول الى الخير الاسمى الذي هو السعادة عند ارسطو .

ولم يأتِ فلاسفةُ الاخلاق الاوربيين بجديد، لم يضيفوا شيئاً لم يقلهُ فلاسفةُ الاغريق، انما قدموا افكار اليونانييّن عن الاخلاق باساليبَ جديدة، وبصيغٍ حديثةٍ .

الاخلاق عند ديكارت هي تكرارٌ لما قاله الرواقيون، ومذهب سبينوزا هو مذهب الرواقيين، واخلاق كانظ هي اخلاق الرواقيين باساليب جديدة، وصيغ جديدة، ومذهب بنثام وجون ستوارت مل في المنفعة، هو صياغة جديدة لمذهب الابيقوريين .(3)

نعم، اضاف كانط شيئاً جديداً، الفيلسوف كانط طرح فكرة عظيمة، وهي فكرة الواجب، وفكرة الالزام، وطرح فكرة الارادة الانسانيّة، وان الانسان كائن اخلاقي مسؤول عن تصرفاته وافعاله . ركّزَكانط في فلسفته الاخلاقيّة على الدوافع بينما كانت الفلسفات الاخرى كمذهب اللذة والمنفعة، والمذهب البراغماتي في الاخلاق، اولت اهتمامها للنتائج .

الفلسفة الاخلاقية النفعية، وفلسفة الاخلاق البراغماتية انتجت لنا الرأَسماليّة بوحشيتها ولاانسانيتها.. فهل هذه فلسفات اخلاقية ارتفعت باقدار البشر، واعلت فيهم معانيهم السامية، ام انها حولت البشر الذي كرمه الله الى مخلوقٍ يبحث عن اللذة والشهوة والمنفعة، ويسحق الشعوب، ويدوس على كل القيم من اجل تحقيقها.

الاخلاق والقيمُ الداخليّة

فكرةُ الاخلاقِ تنبع من القيم الداخليّة، والقيم الداخليّة كاستعدادات فطرية مزروعةِ في اعماق النفس الانسانيّة، هي التي اشار اليها القران الكريم بقوله تعالى:

(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (10). (الشمس: الايات: 7و8و9و10) .، فالنفس الانسانيّة لديها استعدادات الفجور والتقوى، ودور الارادة الانسانيّة هو ابراز هذه الاستعدادات . بدون هذه الاستعدادات، لايمكن ان نؤسس لمنظومةٍ اخلاقيّةٍ .

الدالاي لاما في كتابه، طرح فكرة "القيم الداخليّة "، ولكنه يرى انه بامكاننا زراعة هذه القيم واستنباتها، وانا لااوافقه الراي. انا اقول هذه الاستعدادات فطرية، لايمكن ان نقيم منظومةً اخلاقيّةً بدونها ؛ فهي حجر الزاوية في اقامة صرحٍ اخلاقيٍّ.

الانسان في اعماقه، يدرك الخير من الشر، ويميز بينهما، ويستطيع ان يفرز الخطأ عن الصواب . وهذا ماعبّرّ عنه "بطلر" بالضمير حيث يقول: (انَ اوامرَ الضميرهي صوتُ اللهِ، وانها تمثّل قوانينّ العدالةِ الالهيّة) فاعتبر الضمير اساس الاخلاق . وهذا يقترب من فكرة الواجب عند كانط، اذ يرى كانط: " ضرورة القيام بفعلٍ عن احترامٍ للقانون"، ويقصد كانط بالقانون القانون الاخلاقي . (4)

وهذا الالزام الاخلاقي المرتبط بارادة الانسان الواعية يتحدثُ عنه كاريل فيقول: (يجب على الانسان أن يفرضَ على نفسهِ قاعدةً داخليّةً حتى يستطيعَ أن يحتفظَ بتوازنهِ العقليّ والعضويَ . انّ اي دولةٍ قادرةٍ على فرضِ القانونِ على الشعبِ بالقوةِ، ولكن لاتستطيع ان تفرضَ عليه الاخلاق). (5)، وبنفس الاتجاه يتحدث عن هذه الفكرة (فكرة الالزام الاخلاقي)، عالم الاجتماع اميل دوركايم: (ان النظامَ الاخلاقيَّ يوجهنا نحوَ السيطرةِ على النفسِ بالذات، ويعلمنا كيفَ نسلُك على غيرِ ماتريدهُ دوافعُنا الباطِنَةُ، فلا يترك نشاطنا ينساب في مجراه الطبيعيّ، ولكن يعلمنا كيفَ نُقَدِّمُ السلوكَ بمجهودٍ ؛ ولذا فانَّ كلَّ فعلٍ اخلاقيّ يتضمنُ مقاومةً يبديها لميلٍ معينٍ، وكبتاً لشهوةٍ ما، وتقييداً لنزوعٍ خاص) . (6)

الاشكاليّةُ الاخلاقيّةُ في فلسفةِ افلاطون وارسطو

النظرة الاستعلائية عند الفيلسوفينِ الكبيرينِ افلاطون وارسطو، تمثل اشكاليةً في فلسفتهما الاخلاقية، فهما ينظران الى اليوناني نظرة استعلائية تجعله فوق الاخرين، وهذا ماتحدث عنه الفيلسوف برتراند رسل بقوله: (لقد اخطأ اليونان خطأً فاحشاً حينَ احسوا شعورَ السيادةِ على الشعوبِ البربريّةِ، ولاشكَّ ان ارسطو قد عبّرَ عن فكرتهم العامة في ذلك حين قال: "ان اجناس الشمال مليئةٌ بشعلةِ الحياةِ، واجناس الجنوبِ متحضرة، واليونان وحدهم هم الذين يجمعون الطرفين . فشعلةُ الحياةِ تملؤهم، وهم في الوقتِ نفسهِ متحضرون . وافلاطون وارسطو كلاهما قد ذهب الى انه من الخطأ ان يتخذَ من اليونانِ عبيدُ لكنّ ذلكَ عندهما جائز بالنسبةِ للشعوبِ البربريّة).(7)

الاخلاقُ الوضعيّةُ

المدرسةُ الوضعيّةُ التي اسسها "اوغست كونت"، حاولت ان تقيم كل شيءٍ على اساس التجربة، حتى العلوم الانسانيّة كعلم الاجتماع وعلم النفس، بل حتى الاخلاق، اقامتها على اساس علميٍّ تجريبيّ .

والاخلاقُ الوضعيّةُ عند كونت تقوم على الاسس التاليّة:

1- تقوم على اساس العلم الوضعيّ

2- نسبيّةُ الاخلاق، وتستمد الاخلاقُ نسبيتها من نسبية المعرفة، وليس لها طابع مطلق كما يرى كانط .

3- تتحدد المشكلة عند كونت في تغلب غرائز المودة على دوافع الاثرة والانانيّة، اي بتغليب النزعة الاجتماعية على نزعات الفرد.

4- تغليب العاطفة الاجتماعيّة .

هذه هي الفلسفة الاخلاقية التي اقامها كونت على اساس تجريبي وضعي، وغلّبَ فيها الجوانب الاجتماعية التي تشكل اسس الاخلاق عند كونت وفلسفته الوضعية، وهذه النظرة موجودة عند دوركايم، فالضمير الذي اعتبره "بطلر" صوت الله في الانسان، واعتبره اساس الاخلاق، جاء دوركايم ليقولَ لنا: (ان الضمير يعكس بيئة الجماعة، وتلتقي فيه تعاليمها، فالانسانُ ابنُ عصرهِ، ووليد بيئتهِ). (8)

وقد وجه الدكتور محمود قاسم سهام نقده لاوغست كونت وفلسفته الوضعية للاخلاق، بقوله: (لقد ظنت المدرسةُ الفرنسيّةُ ان المجتمعَ هو الذي يفرضُ القيمَ الاخلاقيّةَ فرضاً، ورأى ابن باديس، ومثله جمال الدين الافغاني، ان الاخلاق هي التي تنبع من اعمال الضمير المتدين، لامن قهر المجتمع ؛ لان صوتَ الضمير اقوى من مئات القوانين).(9)

الاخلاق واحدة والاداب متغيرة

اذا كانت جذور الاخلاق، موجودة في اعماق النفس الانسانية، فهي من الثوابت، والاخلاق واحدة، اما التخلقات فهي المتغيرة . الاداب هي المتغيرة، والتي تختلف من ثقافة الى اخرى، ومن مجتمعٍ الى اخر . فكما ان الانسان لايصنعُ ديناً بل يصنع تدينات وديانات ؛ لان الديانة تأتي صرفياً على وزن فِعالَة، وهذا الوزن يتعلق بالحرف والصناعات، مثل عمارة وسقاية ونجارة، وكذلك ديانة فالديانة صنعة الانسان، والدين صبغة الله، وكذلك الامر مع الاخلاق .

ماقدمه الانسانُ من فكرٍ اخلاقيّ هو تخلقات لااخلاق .

نعم، ادعو الى اخلاقٍ عالميةٍ تسع الجميع على اختلاف دياناتهم، ومدارسهم الفلسفية، تسع الناس على اختلاف دياناتهم وافكارهم، واطلقُ عليها " الاخلاق الحضاريّة " التي تستمد اسسها مما تركه الانبياء حملة رسالات الله، التي تتناغم مع الاسس والقيم الداخلية الموجودة في اعماق النفس الانسانيّة والتي يسلم بها جميع البشر على اختلاف اديانهم ومذاهبهم الفكرية ؛ لان هذه "الاخلاق الحضارية" تعبر عن مشتركات انسانية يقبلها الجميع.

 

زعيم الخيرالله

..............

المصادر

 (*):BEYOND RELIGION,Ethics for a whole world.

1- القرضاوي، يوسف، الايمان والحياة، ص 211 .

2- دوركايم، اميل، التربية الاخلاقية، ص 11.

3- كرم، يوسف، الفلسفة اليونانيّة، ص 233 ..

4- كانط، عمانوئيل، تاسيس ميتافيزيقا الاخلاق، ص 33.

5- اتجاهات الفلسفة المعاصرة، ص 94.

6- دوركايم، اميل، التربية الاخلاقيّة، ص 47.

7- رسل، برتراند، تأريخ الفلسفة الغربيّة، ج1، ص 251.

8- الطويل، توفيق، الفلسفة الخلقيّة، ص 270.

9- قاسم، محمود، الامام عبدالحميد بن باديس، ص 51 .

 

منى زيتونفور انتهاء انتخابات الرئاسة المصرية التي أُجريت في مارس 2018، والإعلان عن نتيجتها المحسومة سلفًا في الثاني من أبريل من نفس العام، بدأ الإعلان عن، ثم تنفيذ حزمة من الإجراءات المتناقضة التي كان من شأنها توسيع الهوة الاقتصادية بين المصريين.

طالعتنا الصحف المصرية في أبريل 2018 بخبر مؤكد عن صدور قانون من مجلس النواب المصري يقرر زيادة كبيرة في رواتب ومعاشات رئيس الحكومة ونوابه والوزراء، وكذا رئيس مجلس النواب ونوابه والأعضاء، مع تقرير عن زيادات قريبة لأعضاء السلك الدبلوماسي. ثم توالت علينا في شهري مايو ويونيو أنباء مؤكدة هي الأخرى عن زيادات في أسعار الكهرباء والمياه والوقود، في الوقت ذاته الذي زيدت فيه ميزانية البرلمان، وتمت الموافقة على سفر عدد كبير من نوابه لحضور مبارايات مصر في كأس العالم على نفقة الدولة!

استفز قانون زيادات معاشات المسئولين والتصريحات المتعلقة به من المسئولين والإعلاميين عموم المواطنين، خاصة وأن الحكومة قد طعنت في الشهر ذاته –أبريل- على حكم القضاء بأحقية أصحاب المعاشات في علاوات اقتطعت منهم دون وجه حق! وكان الأكثر استفزازًا أن تقرر تطبيق القانون الجديد الخاص بالوزراء بأثر رجعي من عام 2015! ثم تنفيذ الزيادات التي كانت متوقعة في أسعار الطاقة والوقود دون حتى انتظار زيادة الرواتب المرتقبة لعموم الموظفين في يوليو 2018.

لم يكن الأمر بالنسبة لي ولا لغيري من المعارضين مفاجئًا؛ فسياسة نظام السيسي واضحة إلا للعميان المُصرِّين على التغافل. النظام يضغط على الفقراء بغباء، لا يهمه أن يزدادوا فقرًا، ويزيد غيرهم غنى. ولا زال أمام الفقراء حزمة جديدة من الغلاء عليهم أن يواجهونها في القريب، لم يبال النظام بالإعلان عنها متبجحًا قبل موعدها، ومتوعدًا إياهم بأنها ليست إلا مرحلة جديدة من مراحل رفع الدعم نهائيا عنهم.

بئر معطلة وقصر مشيد!

يقول تعالى: ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ [الحج: 5].

قال الإمام الطبري في تفسير الآية: "﴿وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ﴾ يقول تعالى: فكأين من قرية أهلكناها، ومن بئر عطلناها، بإفناء أهلها وهلاك وارديها، فاندفنت وتعطلت، فلا واردة لها ولا شاربة منها ومن ﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ رفيع بالصخور والجص، قد خلا من سكانه، بما أذقنا أهله من عذابنا بسوء فعالهم، فبادوا وبقي قصورهم المشيدة خالية منهم"أهـ.

ووفقًا لهذا التفسير لم يكن الإهلاك مصحوبًا بنازلة حدثت بالمباني، بل خص البشر دون الحجر! ولا أفهم كيف يستقيم هذا مع قوله تعالى ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ بما يعني أن عروش المساكن –سقوفها- قد سقطت، ثم سقطت عليها الجدران؟! صحيح أن بقاء آثار الظالمين مع زوالهم عظة تُترك لمن بعدهم علَّهم يعتبرون، لكن لا يعني هذا أن يُدعى أن آثارهم لا زالت قائمة، خاصة وأن هذا لا يُفهم من الآية عند التدقيق.

وسبب الإهلاك؛ وهو ظلم أهل القرية حاضر في الآية، وإن كان اللافت أنه جل شأنه نسب الإهلاك والظلم كليهما للقرية، والقرية مكان لا يهلك ولا يظلم، وإنما يهلك ويظلم ساكنوه. وهي دلالة على أن الهلاك -إن حق عليهم- يصيب الجميع لا ينجو منه رءوس القوم أو بسطائهم.

و﴿فَكَأَيِّن﴾ للتكثير، فهي مبالغة في الكم؛ فكأن الحق سبحانه يقول: كم أهلكنا أهالي القرى الظالمة. لكن، تراه ما كان هذا الظلم الذي تسبب في الهلاك، وهل كان الكفر بالله؟!

لقد رأى مفسرونا في تعطيل البئر أنه رغم أنها مليئة بالماء إلا أنه لا يُستقى منها لهلاك من كانوا ينتفعون بها. ولكن فاتهم أن ذلك التفسير قاصر عن توضيح المقابلة في الآية بين تعطيل البئر المتخذ لمنافع عموم الناس والقصر المشيد الذي لا يكون إلا لخواصهم. فعلى رؤيتهم يكون هلاك سكان القرية السبب في تعطل البئر، ولم ينتبهوا إلى أنه قد يكون العكس هو الصحيح!

تعطيل الشيء في اللغة هو إبطال منافعه؛ فهناك بئر لا يمكن أن يستقي منها الناس رغم أنها ممكنة الاستفادة منها، ويظهر لنا في المشهد أيضًا ذلك القصر المشيد الذي لا يكون إلا سكنًا لعلية القوم. وما أفهمه من الآية أن ذلك الظلم الذي أوجب الهلاك كان فسق الحكام وترفهم وتخاذلهم في الوقت ذاته عما يتوجب عليهم من إصلاح أمور العامة؛ فهو السبب، والنتيجة هي هلاك سكان القرية برمتها وليس فقط المترفين.

ألا يذكرنا هذا بقوله تعالى: ‏‏﴿‏كَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾ [الأنعام: 123] وقوله تعالى: ﴿‏وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: 16].

في آية الإسراء كان ترتيب العلاقة السببية أوضح؛ ففسق المترفين أدى إلى هلاك القرية، كما أنه من الواضح أن ذلك الهلاك للقرية كان بتدمير الحجر وليس فقط إفناء البشر مع بقاء آثارهم قابلة للانتفاع وفقًا لما فهمه مفسرونا من آية الحج، وأحسبه فهم خاطئ؛ كونهم عكسوا العلاقة السببية، وما حسبوه بقي من مباني إنما ذُكر لتوضيح تضاد الوضع قبل الإهلاك بين معيشة الفقراء الذين عُطلت أهم منافعهم وهي البئر، ومعيشة الأغنياء الذين تمادوا في الترف فسكنوا القصور، فكان هذا الوضع سببًا لهلاك الجميع؛ من فعل ومن رضخ وأذعن للاستبداد.

المنحنى الجرسي

من المعروف لأي دارس للفروق الفردية أن الصفات الإنسانية تتوزع توزيعًا اعتداليًا بين البشر. نجد هذا في الصفات الجسمية كالطول والوزن، كما نجده في الصفات العقلية وأهمها الذكاء، كما يُلاحظ حتى في السمات الانفعالية وحتى الخلقية. فهناك نزعة مركزية؛ تجعل عموم البشر تميل إلى المركز، وهو متوسط  الدرجات في أي صفة.

بمعنى أنه في حال سحب عينة عشوائية من المجتمع، كبيرة بما يكفي لتعبر عن أفراده، واستخدام مقياس مقنن، فسيتوزع أغلب أفراد هذه العينة في الصفة المقيسة عند المنتصف، حول المتوسط، وتبلغ نسبتهم حوالي 68%، وسيقل التطرف زيادة ونقصًا كلما ابتعدنا عن متوسط الدرجة.

ولأن هذا التوزيع هو الذي يعبر عن الاعتدال في الصفة وعدم الميل والإجحاف، يسمى التوزيع اعتداليًا، ولأنه يعبر عنه بيانيًا في شكل منحنى يشبه الجرس يسمى المنحنى الجرسي أو المنحنى الجرسي الاعتدالي.

1004 منى1

وهذه الفروق الفردية لا تقتصر على البشر، بل يمكن ملاحظتها في جميع الكائنات الحية. كما ولا يقتصر التوزيع الاعتدالي على صفات البشر بل ينطبق حتى في أنصبة البشر من كل الموارد؛ فدرجات الحرارة تتوزع اعتداليًا على مدار العام، وكميات المطر التي تسقط في بلد ما على مدار أعوام تزيد وتنقص بحيث تشكل منحنى اعتداليًا أيضًا!

ومن المفترض أيضًا أن تتوزع الأجور–كنوع رئيسي من الموارد- بين البشر توزيعًا اعتداليًا جرسيًا كي تستقيم الحياة ويستمر المجتمع دون أن يحل غضب الله عليه ويهلك. لكن فئات من البشر بطمعهم تحدث التواءً في التوزيع، فتبعده عن التماثل.

والتوزيع الاعتدالي للأجور في المجتمع لا ينكر تفاوت الناس ووجود الطبقات الاجتماعية، لكنه فقط يُنكر أن تقل الطبقة المتوسطة التي يُفترض أن تكون السواد الأعظم، ويلتوي المنحنى التواءً سالبًا بحيث يكون ذيل المنحنى ممتدًا نحو اليسار، لتكون أكبر فئاته متركزة في الطبقات الفقيرة، والأشد فقرًا، بينما المجتمعات المتقدمة تجتهد في رفع متوسط الدخول، وفي ليّ التوزيع جهة اليمين لتزيد الفئات التي تحيا في رغد من العيش.

1004 منى2

الثورات والعدالة الاجتماعية

ومشكلة افتقاد العدالة الاجتماعية في مصر قديمة قدم التاريخ. وبالنظر في تاريخنا الحديث فقد كان من أهداف ثورة يوليو 1952 تحقيق تلك العدالة الاجتماعية المنشودة. يبدو ‏هذا منطقيًا لأن الطبقية الشديدة في المجتمعات دائمًا ما تكون السبب الأول في ثورة الشعوب، وإن كانت حقيقة الأمر أن الشعب ذاته لم يثر، وكانت صياغة أهداف الثورة محاولة لإكسابها شيء من الشرعية وإظهار حراك الجيش على أنه تلبية لمطالب الشعب.‏

ظاهريًا كانت الثورة مع تحقيق العدالة الاجتماعية، وكان طريقها إلى ذلك اجتزاز الطبقة ‏الحاكمة وعلية القوم في العهد الملكي وإفقارهم، ورفع مستوى الفقراء بالتعليم والتوظيف وتملك ‏الأراضي.‏

يمكن القول إن ثورة 1952 في بدايتها قد خلقت نوعًا آخر من الانحياز للفقراء على حساب ‏الأغنياء، أو بالأحرى الذين كانوا أغنياء في العهد الملكي، لكن في مرحلة لاحقة من عهد عبد ‏الناصر خلقت طبقة ثرية وضيعة من أصحاب النفوذ، ليعود التفاوت الطبقي من جديد. ثم في عهد السادات ساعدت سياساته الاقتصادية ‏في خلق طبقة رجال أعمال انتهازية أوجدت نمطًا استهلاكيًا سيئًا لدى عموم الشعب لأجل تسويق ‏سلعها وزيادة مكاسبها، وذلك على عكس رجال الأعمال في العهد الملكي الذين كانوا رجال ‏صناعة، استثمروا في بناء المصانع، ولم يكن كل همهم استيراد السلع التافهة.

وكان اتساع التفاوت الطبقي مرة أخرى في عهد مبارك ‏الباعث الرئيسي لقيام ثورة يناير 2011. وها هو الوضع يسوء في عهد السيسي إلى درجة مخيفة. يحدث الآن في المجتمع المصري أن أعداد الفقراء فقرًا مدقعًا تتزايد من جديد، بينما تقل أعداد الطبقة الوسطى.

وإن أردنا التشبيه بإسقاط ما يحدث في التركيبة الاجتماعية المصرية على صفة جسمية كصفة الطول سنجد أن الأمر أشبه بمجتمع أفراده متفاوتو الطول إلى حد بعيد، يمشي أفراده العمالقة –على قلتهم- بمعزل عن أغلب أفراده من الأقزام، ولا تكاد تلحظ العين أفرادًا متوسطي الطول بينهم.

وهل يمكن أن نتخيل مجتمعًا يزيد فيه العباقرة عن الحد الطبيعي في مقابل ارتفاع مخيف في أعداد المتخلفين عقليًا، بينما لا يكاد يوجد متوسطو ذكاء؟!

إن أي محاولة جادة لإصلاح المجتمع المصري تقتضي أولًا وقبل كل شيء أن نضع نُصب أعيينا تلك المقابلة القرآنية بين حال المترفين ساكني القصور وحال المعدمين ممن تعطلت معايشهم، وكيف كانت سبب هلاك الجميع. مرة أخرى ﴿وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾.

لكن المشكلة ليست في حدة التفاوت الطبقي وحسب، بل في انعدام الحراك الاجتماعي أيضًا؛ حيث يعتبر الحراك الاجتماعي وسيلة الفقراء للترقي في المجتمع، والمجتمع المصري مع انتشار الفساد فيه صار مقاومًا للحراك الاجتماعي، وذلك على العكس تمامًا من الوضع في العهد الملكي؛ حيث كان النابهون يصعدون في السلم الاجتماعي حتى أعلاه، ويُرحب بهم.

ثم إنه تُوجد كذلك مشكلة في النوعية المحدودة التي يُسمح لها بالترقي الاجتماعي، والذي يتم بناءً على معايير فاسدة، ونظرة إلى الإعلاميين المصريين ووضاعتهم تفهمنا من يترفع في مجتمعنا، وكيف يتم له ذلك.

وخلاصة ما يمكن قوله إن مجتمعًا هذا حاله سيئول أمره إلى كارثة، ما لم يبعث لنا الله من يكشف الغمة على يديه، ويصلح أحوال البلاد والعباد.

 

د. منى زيتون

 

 

منى زيتوننسب أبو نُعيم الأصبهاني في "حلية المتقين" –في رواية عن أنس- إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كاد الفقر أن يكون كفرًا".

كما ومن المأثور عن سيدنا علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه قوله: "لو كان الفقر رجلًا لقتلته"ـ ويُنسب لسيدنا أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قول آخر: "لو دخل الفقر إلى بلد لقال له الكفر: خذني معك".

يتساءل كثيرون عن سبب تغير سلوكيات الشعب المصري؛ لم يعد ذلك الشعب الذي تظهر الأصالة والجدعنة في كل ملمح من سلوكيات أبنائه. لم يعد قطاع عريض منهم يفزع من أن توصم سلوكياته بالعيب، ناهيك عن الحرام.

ظهرت سلوكيات لم نكن نعهدها في المصريين، وأصبح المجتمع بجملته فاسدًا؛ فانتشرت في مجتمعنا شخصيات مثل المتحرش والمرتشي والغشاش، فيما اختفت سلوكيات أخرى كانت تطبع مجتمعنا بطابع الأصالة؛ فقلت العائلات التي على استعداد لرعاية كبار السن، وافتقد أطفال الزوج أو الزوجة من زواج سابق أو الأيتام الاهتمام الذي كانوا يلقونه قديمًا من كرام النفوس، وربما تمت إساءة معاملتهم إلى حد التعذيب.

ومحاولة بسيطة لتحليل كل ظاهرة سلوكية من تلك الظواهر على حدة يُظهر الدور الكبير الذي لعبه ويلعبه ضيق ذات اليد في وصول مجتمعنا للحالة المزرية من الانحدار الخلقي التي وصلنا إليها؛ فالمرتشي والغشاش ومن يرفض رعاية والإنفاق على كبار السن وأطفال ليسوا أطفاله أغلبهم لم يكن ليفعل لو كان ميسور الحال، أما التحرش فمن أكثر الظواهر التي تتعدد وتتنوع أسبابها، ويلزم التفصيل فيها في مقال على حدة.

تجربة الفئران

من التجارب الشهيرة في علم النفس الاجتماعي التي تظهر الأثر السئ لقلة الموارد على سلوكيات أفراد المجتمع، تجربة أُجريت على الفئران.

في قفص ذي مساحة محدودة تم وضع عدد من الفئران يتناسب ومساحة القفص، وتم إمدادهم بكميات من الطعام والمياه تكفي احتياجاتهم. لاحظ الباحثون الجو الودي الذي اتسمت به سلوكيات الفئران في القفص، وعدم تهاوشهم مطلقًا على الطعام عند إحضاره إليهم.

بمرور الوقت تكاثرت الفئران وتزايدت أعدادها، مع تركها في القفص ذاته، الذي لم يعد يسعهم بما يكفي ليرتاحوا فيه، كما لم تصبح كميات الطعام المقدمة لهم كافية لعددهم. وهنا بدأ التدافع والتصارع بين أفراد المجتمع الذي يضمه القفص، وكلما قلت الموارد وزاد الازدحام كلما ساءت السلوكيات، وضاع الهدوء.

مشاهد من الانتخابات المصرية

لعل من أكثر ما أثار الاستياء في مشهد الانتخابات الرئاسية المصرية الصورية 2018، وغيرها من الانتخابات النيابية والاستفتاءات الدستورية، هو منظر تزاحم البسطاء للمشاركة في الانتخابات لأجل الحصول على مكافأة من الأطعمة أو مبلغ مالي لا يتجاوز في أغلب الأحيان المائة جنيه، كما يتم استئجار فتيات وسيدات لإبداء مظاهر الفرح أمام اللجان الانتخابية، على أن تكون أجورهن يومية. وهو ما تشهد به تقارير كبريات الصحف حول العالم.

والعجيب بالنسبة للعقلاء أن تُستهدف هذه الفئات، بينما هؤلاء البسطاء أنفسهم الذين تم إجبارهم على الحضور إلى لجان الانتخابات لإظهار الإقبال على التصويت، وأولئك الذين تم إذلالهم بإجبارهم على التراقص أمام اللجان من الصباح إلى المساء، هم أكثر من عانى في فترة حكم السيسي الأولى، ويُنتظر أن تزداد معاناتهم إن قدّر الله وأمضى عقابه علينا باستمراره في الحكم. لكنهم خرجوا للحاجة. لم تُخرجهم سواها.

اللافت فيما يخص الإنسانيات هو تشابك العوامل التي تؤثر في أي ظاهرة وتعقدها، وكذا بنيتها الهرمية المتصاعدة المتسلسلة التي تسهم في تعقيد أي مشكلة اجتماعية، حتى يمكن لنتيجة عن أحد العوامل أن تمثل سببًا لنتيجة غيرها! من ثم، فإن تغير السلوكيات الناتج عن الفقر لم يتوقف عند هذه الفئات المعوزة؛ فأفراد المجتمع الإنساني ليسوا جزرًا منعزلة، بل تؤثر تصرفاتهم في بعضهم البعض.

شاهدنا كيف كانت ردة فعل المقاطعين للانتخابات الرئاسية تجاه وفاة امرأة بسيطة أثناء رقصها أمام إحدى اللجان بالإسكندرية، وكيف تهكم كثيرون منهم عليها، وأظهروا الشماتة في موتها، باعتبارها ممن باع صوته الانتخابي، وبيّض وجه النظام قليلًا وأخفى عواره، وأعطى بعضًا من الشرعية للاستبداد، ولم تنس صفحات التواصل الاجتماعي أن تنشر بجانب خبر وفيديو وفاتها دعوات بأن يهبنا الله حسن الخاتمة، ليتبين لنا بعدها أنها مريضة بالضغط والسكر، وتعمل خادمة في المنازل لإعالة نفسها، وأنها كانت فيمن تم استئجارهم من منطقة كليوباترا لقضاء اليوم بأكمله رقصًا أمام إحدى اللجان؛ لإظهار فرح المصريين بإجراء الانتخابات وشعبية السيسي الزائفة، ولم تكن تستطيع العودة إلى منزلها سوى آخر اليوم رغم مرضها وإلا ضاع أجرها اليومي المتفق عليه!

ربما أسهمت معرفة الناس بحالها في تخفيف شماتة كثيرين منهم في موتها، وربما أمكننا القول إن فقر المرأة لم يكن له دور في إظهار الشماتة في موتها أمام اللجنة الانتخابية. لكن في النهاية فقد ظهر لنا سلوك غير معهود لدى الشعب المصري ينبني على سلوك آخر لم يكن أيضًا معهودًا؛ فهل كنا يومًا نتصور أن تتم المتاجرة بالبسطاء إلى هذه الدرجة أو أن يشمت أحدنا في موت أخيه؟! ولو بحثنا عن مبدأ البلاء سنجد أنه الفقر.

والحقيقة أنني لا أبرئ نفسي من تغير سلوكي تجاه بائعي الأصوات؛ ففي النهاية لست إلا فردًا من أفراد هذا المجتمع. في اليوم الثاني من أيام الانتخابات الرئاسية توجهت لقضاء حاجة في فرع البنك الذي أتعامل معه، ودائمًا ما توجد بائعة ليمون أمام البنك، تصر على العملاء أن يشتروا منها، فيفعلون. وعدتها بالشراء عند خروجي كعادتي، ولكنني لم أجدها بعدما خرجت. ولأن البنك يقع في شارع رئيسي، وفي أحد الشوارع المتفرعة منه توجد مدرسة بها مقر إحدى اللجان الانتخابية، فقد قررت تفقد الوضع من الخارج، فإذا بي أشاهد بائعة الليمون بجوار المدرسة! ولا أنكر ضيقي منها لانتظارها المكافآت الانتخابية كغيرها، ولولا أني وعدتها بالشراء ما اشتريت منها، كما أنه لأول مرة لا أجزل لها في العطاء!

واقعة أخرى روتها صفحات التواصل الاجتماعي عن سيدة مُسنة مريضة، كان إصبع يدها ملطخًا بحبر الانتخابات، استقلت إحدى الحافلات العامة مع ابنتها، ووفقًا للراوي فركاب الحافلة رفضوا أن يقوموا لها ويجلسوها. وقد دشّن الشباب حملة لمقاطعة القيام لكبار السن بوجه عام في وسائل المواصلات العامة، تحت عنوان "ما دمت عرفت تقف في طابور الانتخابات اقف في المترو!".

إذًا فتغير السلوكيات لم يكن فقط تجاه من باعوا أصواتهم للحاجة، بل وُجه حتى نحو من صوّتوا بإرادتهم للسيسي، وأغلبهم من كبار السن، ولو دققنا لوجدنا الفقر أيضًا هو السبب الرئيسي الذي تسبب في أخذ الشباب تحديدًا هذا الموقف، والذين وصلوا إلى حالة غير مسبوقة من الإحباط التي يطل الفقر برأسه من خلفها.

شح موارد أم زيادة استهلاك؟

دائمًا ما كانت معيشة عموم الشعب المصري بسيطة. لا تشغلهم الكماليات، وفقط ينشدون الستر، لكن منذ نهاية السبعينات من القرن العشرين شاع نمط استهلاكي لدى المصريين لم يكن معروفًا عند غالبيتهم، ثم تفاقم الأمر بالانفتاح الثقافي في عصر الانترنت، حيث زادت معرفة المصريين بمستحدثات العالم من حولهم، وتحركت غريزة الطمع الإنساني فيهم.

وبالرغم من كون زيادة تطلعات البشر للرفاه مؤثر ولا شك في معاناة من تتطاول أعناقهم لما يفوق مواردهم، فإن سوء توزيع الموارد والثروات وتفاوته الكبير بين أفراد المجتمع يقف كسبب رئيسي لإحساس نسبة كبيرة من الفقراء بافتقاد العدالة الاجتماعية، والذي يؤثر بدوره في اكتسابهم سلوكيات يرغبون من ورائها في الحصول على مزيد من الثروة.

والفساد هو السبب الرئيسي ولا شك لسوء توزيع الثروة على وجه الأرض، فقد أخبرنا ربنا أنه خلق الأرض وقدّر فيها أقواتها، وما فيها من موارد يكفي سكانها، ولكن قلة تستأثر لنفسها بالنصيب الأعظم من الثروات وتحرم منه قطاعًا عريضًا من البشر!

الزهد أم عدم التعلق؟!

مما يميز الفلسفة الإسلامية في التعامل مع الموارد أنها لم تتغافل عن الجانب المادي في الإنسان، فلم تطلب منه أن يزهد فيما أباحه الله، لكنها في الوقت ذاته شجعت المسلم دومًا على الانفكاك من أسر تلك الموارد وغلبتها عليه وتحكمها فيه، أو ما يمكن تسميته فلسفة عدم التعلق، فما بالنا عندما يكون الحصول على تلك الموارد حرامًا!

بهذه النظرة فالمسلم الذي يعي مقاصد دينه لا يؤثر فيه شُح الموارد، ولا يمكن أن يؤدي به إلى أن يسلك سلوكيات وضيعة لأجل اكتساب مزيد من المال، لكن ليس كل الناس يبقون على مبادئهم مع هذا الوضع!

وقد علّمنا رسول الله أن المحافظة على الأصل الطيب لا تكون سوى بالترفع عن التعلق بموارد الدنيا ورفض الدنيّة فيها، ومن هنا كانت حكمة تحريم الصدقة على آل البيت.

كما نعرف جميعًا قصة الابتلاء بماء النهر الذي ابتُلي به جيش طالوت، وأخبرنا به الله عز وجل في القرآن الكريم، وأن من اجتاز اختبار عدم التعلق بنجاح كانوا القلة التي شاء الله أن تلاقي العدو وتهزمه.

ولأن شُح الموارد سبب التقاتل على الدنيا بين البشر؛ فالجنة هي الوفرة. هي غنى الموارد؛ حيث لا يتطلع أحد إلى ما في يد غيره من كثرة ما أُعطي. هي النعيم والسلام المقيم؛ لذا حُق أن يصف الرحمن سكانها فيقول: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: 47].

 

د. منى زيتون

 

عدنان عويدفي المفهوم: تعتبر العلمانية في سياقها العام طريقة أو أسلوب عمل أو منهجاً في إدارة آلية عمل الدولة والمجتمع، حيث يقوم هذا المنهج على الايمان والقناعة بأن من اشتغل على العلمانية من الحوامل الاجتماعية تاريخياً، إن كانت قد جاءت من العلم أم من العالم، فهي تؤكد وجود قوانين موضوعية تتحكم بآلية عمل الطبيعة يشكل عام والمجتمع بشكل خاص بكل مساماته، وبشكل مفتوح على المطلق خارج إرادة أي سلطة كانت دينية أو وضعية، وما على الناس إلا اكتشاف هذه القوانين والتحكم بها وتوظيفها لمصلحة هذا الإنسان نفسه. وبالتالي فالعلمانية وفق هذا المعطى هي منهج في التفكير والعمل يقوم على حرية الإنسان وقدراته في صنع حياته وإعادة تشكيلها وفقاً لمصالحه بناءً على طبيعة المرحلة التاريخية المعيشة، ودرجة تطور بناها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية. والعلمانية أيضاًً وفق هذا المعطى ذاته، هي صيغ قابلة للتطور والتبدل عبر التاريخ، أي هي ليست صيغة واحدة كما يقرر بعض من اشتغل عليها أو انتقدها فكراً وممارسة، وخاصة من رجال الدين الذين يكفرون ويزندقون دعاتها وأتباعها .

أما موقف العلمانية من الدين، فهي في موقفها المنهجي العقلاني النقدي القائم على التجربة البشرية التاريخية، هذه التجربة التي تقر بوجود القوانين الموضوعية المستقلة في نشاطها أو آلية عملها، وتحكمها بآلية سيرورة وصيرورة الظواهر، ترفض ربط الدين بالسياسة أو الدولة، أواعتبار – أي الدين - بأنه المنطلق المعرفي والسلوكي أو الوجودي للدولة، مع إقرار الدولة العلمانية بأن مقاصد الدين الأساسية القائمة على العدالة والمساواة والتسامح والمحبة والحفاظ على حقوق الإنسان الطبيعية (حق الحياة وحق الدفاع عن الأرض والعرض، والاختلاف في العقيدة)، هي جزء هام من مضمون العلمانية من جهة، في الوقت الذي ترفض فيه هذه الدولة العلمانية أيضاً ربط حركة المجتمع بأي أيديولوجيا وضعية سكونيه أو جمودية، دينية كانت أم وضعية، تريد للواقع الاجتماعي بكل بناه  أن يرتقي إليها دائماً لا العكس من جهة ثانية.

بتعبير آخر: إن أي عقيدة أو أيديولوجيا دينية كانت أم وضعيه، ترفض التجربة التاريخية للدول والمجتمعات، بل وحتى الأفراد، مثلما ترفض الاعتراف بأن قوة الواقع أقوى من قوة النص المقدس أو المتعالي على الواقع، وأن الواقع في حركته وتطوره وتبدله يطالب النص المغلق او المتعالي أن يفتح مخزونه على مصالح الناس في حالة تبدلها وتطورها عبر التاريخ، هي عقيدة أو أيديولوجيا تريد للفرد أو المجتمع ودولته، أن يسيروا على رؤوسهم وليس على أقدامهم. أي هي تريد القول بأن الفكرة (المطلقة) الثابتة الصالحة عندهم لكل زمان ومكان، هي من يقوم برسم الطريق الذي على الفرد والمجتمع السير عليه لتحقيق النهضة والتقدم، أي ضرورة ارتقاء الواقع إليها دائماً، وليس السير داخل المحيط الاجتماعي والبحث عن القوانين الموضوعية التي تتحكم بآلية سيرورته وصيرورته، وبالتالي معرفة أن هذه القوانين هي من يتحكم بالواقع، ولا بد لنا من كشف هذه القوانين والتسلح بها والقبض على الواقع من خلالها، لا العمل على لي عنق الواقع كي ينسجم مع نصوصها الثابت.

ملاك القول:

إن العلمانية بنظرنا منهج وأسلوب حياة يقر بأن الإنسان سيد نفسه، وصاحب القرار في رسم الطريق الذي يجد فيه مصلحته ومصلحة الأجيال القادمة... وإن العلمانية حركة تاريخية للمجتمع تساهم في كشف (حكم الضرورة ووعيها)، أي معرفة القوانين الموضوعية التي تتحكم بالواقع وتسخيرها لمصلحة الفرد والمجتمع. وإن أهم مفرداتها العملية في نهاية المطاف هي المواطنة ودولة القانون والمؤسسات والعقد الاجتماعي، أو دولة الحرية المشروطة بالوعي والمسؤولية تجاه مصالح الإنسان الايجابية.. أي الدولة المدنية بامتياز.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور – سورية

 

في السحر: يتمتع السبعة بمقدرة مطلقة، ويعد العدد السحري الأهم في القرون الوسطى، وهو الحلم الرائع لفيثاغورس.

فمفاتيح السلم الموسيقية سبعة .

والكواكب القديمة سبعة .

وأوتار القيثارة سبعة .

والعصافير السحرية سبعة: البجعة، البومة، الرخ، اليمامة، اللقلاق، النسر، والهدهد.

والسمكات السحرية سبع:

Phoque،Iucins،OElurus،trimallus،mugil،Dauphin،Seiche.

والحيوانات السحرية سبعة: الأسد، الهر، الثعلب، التيس، القرد، الإبل، والخلد.

والمعادن السحرية سبعة: الذهب، الفضة، الحديد، القصدير، الزئبق، النحاس، والرصاص.

والحجارة الكريمة سبعة: Carbunculus، cristal، diamant، emeraude، agate، Saphir، onyx .

والعلامات السحرية سبع: الشمس، القمر، المريخ، الزهرة، ميركور، جوبيتر، ساتورن.

والرموز الفلكية - الدينية سبعة: الإيمان تمثله الشمس / الكبرياء؛ الأمل - القمر / البخل؛ المحبة - فينوس / الفخامة؛ القوة - مارس / الغضب؛ الحذر - ميركور / الكسل؛ الاعتدال - ساتورن / الجشع؛ العدالة - جوبيتر / الحسد.

الرموز الملائكية - الكواكبية سبعة: الشمس ملاك النور، القمر - الأحلام، مارس - الموت، فينوس - الحب، ميركور - الحضارة، جوبيتر - القوة، ساتورن - الوَحدة.

الملائكة السبعة هم: ميخائيل، جبرائيل، صاموئيل، عنائيل، رافائيل، زاخاريال، وأوريفال.

والفنون السبعة الحرة سبعة: النحو، المنطق، الخطابة، الهندسة، الحساب، الفلك، والموسيقى. ومن هنا يقال عن إنسان فائق الذكاء " مسبع الكارات ".

ويقول تراث السحر إن الذهب الخام يحتاج في تصنيفه إلى سبع طبقات؛ وإن الحرف اللاتيني السابع (G) يفسر الحكمة والرؤيا العليا للمعرفة، وهو بداية الحكمة  (God)، (Geometrie)، (Geotie). والجيوسيا هي علم الشيطان. وكذلك، فإن هيئة أركان إبليس في العالم لها سبعة رؤوس. وجهنم مساحة كبيرة تنقسم إلى سبعة آلاف زنزانة يختبئ فيها سبعة آلاف عقربة. ويشير السحر إلى أن الشياطين يعرفون سبعة فنون؛ وأن العَقد بين لوسفوروس، زعيم الشياطين، والشر يتجدد كل سبعة أعوام. ويرمز إلى لوسيفوروس بحية ذات سبعة رؤوس، فيقول إشعيا النبي: " في ذلك اليوم يعاقب الرب بسيفه القاسي العظيم الشديد لوياثان، الحية الهاربة، لوياثان الحية المتحوّية، ويقتل التنين الذي في البحر " (1:27). ويقول السحر إن اللعنة لا تكون نهائية على الإطلاق، بل تتجدد كل سبع سنوات في التاريخ نفسه الذي حلت فيه المصيبة.

وتقول كتب السحر إن القوى الحاكمة بحسب الأعمار سبع: الشمس - الطفولة، القمر - المراهقة، مارس وفينوس - الصبا، ميركور - الرجولة، جوبيتر - الكهولة، وساتورن - الشيخوخة. ويقول كتاب السحر إن يشوع بن نون كان ساحراً، إذ إنه، في أثناء حصاره لأسوار أريحا، تقدم الشعب سبعة كهنة يزمّرون ويطبّلون بسبعة طبول، مدة سبعة أيام، فطافوا حول الأسوار سبع مرات في النهار، وأطلق الشعب صرخة سحرية، فسقطت الأسوار.

وفي السحر، يحمل الخاتم السحري سبعة خواتم وسبعة معادن كواكبية: الشمس - الذهب، القمر- الفضة، ميركور - الحديد، فينوس - النحاس، مارس - القصدير، جوبيتر - الزئبق، وساتورن - الرصاص. ويتألف ورق اللعب السحري من اثنتين وعشرين ورقة، هي هيئة الأركان الكبرى، وست وخمسين ورقة، هيئة الأركان الصغرى. وتنقسم الهيئة الكبرى =  7 × 3 + 1)، والواحد هو الثاني والعشرون ويعني العدم أو المجنون، فيما تنقسم الهيئة الصغرى = (7 × 4 ×2). والعدد أربعة يرمز إلى الألوان الأربعة، سباتي، ديناري، بستوني، كُبّة، وهي تعبير عن الطبقات الاجتماعية الأربع التي كانت سائدة في القرن الخامس عشر: فالعصا ترمز إلى الفلاحين، والسيف إلى النبلاء، وقطعة الذهب إلى السفراء، والكأس إلى الإكليروس. وترمز الورقة السابعة في هيئة الأركان الكبرى إلى النصر: (V = V)، أي الانتصار على الأطباع الأربعة، والغرائز الأربع، والدواليب الأربعة لمصير العربة المرَّبعة، وكل مرَّبع من الأعمدة الأربعة. فالإنسان يحمل في يده عصا القيادة ويحمل على كتفه معدات ألوهة تابوت العهد وهي تعني الربح والانتصار.

في البيولوجيا:

يحمل السبعة أهمية بيولوجية، فمخارج الرأس سبعة: العينان، المنخاران، الأذنان، والفم. وفي مصر القديمة، تعويذة يتلوها الكهنة تقول: " اخرج أيها البرد يا ابن البرد، يا من تهشم العظم، وتتلف الجمجمة، وتمرض مخارج الرأس السبعة، اخرج على الأرض، وفر، وفر، وفر ". ويقال إن الإنسان " الناضج " له سبع فتحات في القلب. ويتألف الإنسان من 7 × 90 = 360 عضلة. وتتجدد الخلايا في الجسم مرة كل سبع سنوات.

ويقسم السحر أطباع الإنسان إلى سبعة كراكتيرات (caracters) كوكبية، قياساً على قسمات الوجه، وهو ما يعرف بعلم الفيزيوغنومونيا (Physiognomy). والأطباع هي: شمسي (مستدير الوجه - فرح)، فانوسي (كامل)، مارسي (قاس)، ميركوري (جميل)، قمري (شاحب)، جوبيتري (شريف)، ساتورني (حزين). وترمز اللحية إلى العنف والانتقام، والجبهة العريضة إلى الكسل، والصغيرة إلى الحماقة. وفي السحر، أيضاً، يتألف جوهر الإنسان المصري من سبع قوى: (كا) النفس الإلهية، (با) النفس الروحية، (ساهو) النفس الإنسانية، (كايبيت) النفس الحيوانية (تيت) الجسد الكوكبي، (هاتي) القوة والحياة، (كو) الجسد البلاستيكي. وفي الهند، القوى السبع نفسها هي:  أتما، بودي، ماناس، كاماروبا، لينغاشارفيا، جيفا، وروبا.

وعند المرأة، تدوم الدورة الشهرية، بشكل وسطي، ثمانية وعشرين يوماً، وهذا العدد يمثل تكرار السبعة أربع مرات. ويبدأ الجنين بالتحرك في رحم والدته في الأسبوع السابع. وتستمر فترة الحمل الجنيني مئتين وثمانين يوماً أي 7 × 40. وأحياناً، تستمر هذه الفترة سبعة أشهر عوضاً عن تسعة؛ وهنا، يقال " إن سابع ابن السابع، ابن عنده القوة في المعالجة والشفاء، وأن سابعة بنت السابعة بنت تعرف الأحلام وتفسرها تماماً ". وفي هذا الإطار، حاول الصينيون منذ القدم معرفة جنس الجنين قبل ولادته، فكانوا يقومون بعملية حسابية لمعرفة ذلك السر، فيضربون 7 × 7، ثم يحسمون من النتيجة عمر الأم، ويضيفون عدد 19 مع رقم شهر الحبل، فإذا جاءت النتيجة مزدوجة، يكون المولود المنتظر صبياً، وإذا جاءت مفردة تكون بنتاً.

وفي علم الكيرومانسيا (chiromancie)، أي فن اكتشاف الأطباع الإنسانية من خلال قراءة شكل اليد، اكتشف الخبراء سبع تلال هي: فينوس، جوبيتر، ساتورن، الشمس، ميركور، مارس، والقمر.

ونشير، أيضاً، إلى أن أفلاطون أدخل السبعة في معادلة الزواج، فنصح الشاب أن يقسم عدد سني عمره على اثنين، ثم يضيف إلى النتيجة العدد سبعة. بمعنى أوضح، إن الشاب الذي يبلغ عمره 36 عاماً، تنسحب عليه، بحسب أفلاطون، فتاة تبلغ من العمر خمسة وعشرين عاماً (36 ÷ 2 + 7).

وتقول التعاليم التيوزوفية (thesophy) إن الأجسام الباطنية التي تؤلف وجود الإنسان سبعة؛ وإن الروح انطلقت من عالم المادة عبر سبع طبقات، فاكتسبت سبع درجات من الوعي؛ وإن الغدد الروحية في جسم الإنسان سبع، والغدد الصماء سبع.

قوس قزح:

يتألف قوس قزح من سبعة ألوان: بنفسجي، نيلي، أزرق، أخضر، أصفر، ليموني، وأحمر.

وفي الكونية، عقود العمر سبعة، والبحور سبعة، وبنات نعش - برج كان الرعيان يهتدون به - سبعة، والكواكب السيارة سبعة. وحول الكواكب السبعة، أو الثريا، جاء في الميثولوجيا الأوسترالية، على لسان روبرت هاملتون، حول أصل النار قوله: إن فتاة اسمها الوطني مون - مون - ديك تمكنت، بطريقة أو بأخرى، أن تملك النار، فاحتفظت بها على طرف عصاها من خشب اليام - وهي عصاً طولها خمس أقدام تصلَّب طرفها الحاد بفعل النار وتستخدم في اقتلاع الجذور - وكانت الفتاة تقدح النار على هواها ولكن  أحدا لم يستطع إقناعها بأن تشاطر الآخرين بفوائدها. فذهبت كل المحاولات للتغلب على عنادها بالقوة أو بالدهاء أدراج الرياح. عندها أرسل بونجيل ابنه لمساعدة بني البشر. وحين لم يتمكن الابن من إقناع الفتاة بأن تخضع عن طيب خاطر لجأ إلى الحيلة للوصول إلى مبتغاه. وبعدما دفن أفعًى سامة في وكر كبير للنمل رجا الفتاة أن تأتي للبحث عن بيوض النمل التي كانت قطعاً حقيقية من الحلوى. وقد نبشت الأفعى، بطبيعة الحال، فصاح تارانغ: " اضربيها، اضربيها "! فلما ضربتها بعصاها من اليام انبثقت منها النار فأمسك بها تارانغ وقدمها لبني الإنسان. ومن أجل أن يمنع الفتاة من أن تستعيد احتكارها، قام بنقلها إلى مكان في السماء حيث أصبحت " كوكبة النجوم السبعة "، أو الثريا، ولا تزال ترى هناك حتى الآن.

وفي إيطاليا، بنيت العاصمة روما على سبع تلال. ويبلغ عدد الجزر الإيونية في البحر الأبيض المتوسط سبعاً. وتطفو اليابان على سبعة وسبعين بركاناً ثائراً. وفي العام 1597، فهرس العالم الفلكي الدانمركي 777 نجمة في السماء.

المستقرضات:

" في شهر شباط - بحسب البيروني -، تقع أيام العجوز وأولها اليوم السادس والعشرون منه وهي سبعة متوالية فإذا كانت السنة الكبيسة كان أربعة أيام منها من شباط وثلاثة من آذار، وإذا لم تكن كبيسة فثلاثة من شباط وأربعة من آذار، ولها عند العرب أسماء فأولها الصّنُّ وهو شدة البرد، والثاني الصنبر وهو الذي يترك الأشياء كالصنبرة وهي ما غلظ وخثر وقد يكون النون زيادة كما قالوا في جمع البَلَصُوصِ بلنصى، الثالث أخوهن الوبر لأنه وبَرَ آثار هذه الأيام أي قصها، والرابع الآمر يأمر الناس بالحذر منه، والخامس المؤتمر أي أنه يأتمر بأذى الناس، والسادس المعلل يعنون به أنه علل الناس بشيء من تخفيفه، والسابع مطفئ الجمر وهو أشدها كان فيه ينطفئ الجمر، ويقال له أيضاً مكفئ القدر يعنون من شدة ريحه الباردة وقد نظم هذه الأسماء أحد الشعراء فقال:

كُسِع الشتاء بسبعة غبر         أيام شهلتنا من الشهر

فإذا انقضت أيام شهلتنا         بالصّن والصنبر والوبر

بآمر وأخيه مؤتمر              ومعلل وبمطفئ الجمر

فهناك ولى البرد منسلخاً     وأتتك وامِدَة من البحر

وقد يسمى السادس شيبان والسابع ملحان. وهذه الأيام لا تكاد تخلو من برد ورياح وكدورة وتلون في الهواء، بل البرد يشتد فيها في الأكثر لانصرافه، وبه سميت الصرفة لأن سقوطها قريب منها، ولا يتعجبن متعجب من قوة البرد عند آخره واهتياجه عند انصرافه فإن ذلك للحر مثله كما سنذكر، ويوجد أمثاله في الطبيعيات المعتادة كالسراج، فإنه إذا قربت من الانطفاء العارض لها من فناء مادة الدهن، توقد واشتد ضوؤها دفعات متواليات شبيهة بالاختلاج، وكالأعلال وخاصة من يفنى منهم بدق أو سل أو بطن أو مثال ذلك، فإنهم يقوون بالقرب من موتهم قوة ويرجوهم من لا يكون له معرفة بهذا الأحوال عندها، وييأس منهم من جربها. ورأيت ليعقوب بن اسحق الكندي مقالة في علة هذا الحادث في هذه الأيام وجملة ما اعتل به هو بلوغ الشمس تربيع أوجها وهو موضع التغير وتأثير الشمس في الهواء أكثر من غيره، فيجب أن يتناسب التغير العارض لها في فلكها والتغير الحادث في الهواء لها، وأن ذلك التأثير ثابت في أكثر الأحوال مدة كون القمر في الربع الذي اتفق فيه أوله والربع من الشمس الذي اتفق فيه. وسمعت أن عبدالله بن علي الحاسب بخارا لما وقف على رسالة الكندي هذه سير تلك الأيام ونقلها على حسب ما اقتضته حركة الأوج فسميت أيام عجوز عبد الله قلم وأنه ما كاد يخطئ فيها وفي التأثير القوي يظهره، وإنما سميت هذه الأيام بأيام العجوز على ما حكاه القدماء لأنها هي التي ذكرها الله في كتابه سبع ليال وثمانية أيام حسوماً، وأن عاداً هلكوا بريحها الصرصر وأعاصيرها وأهوالها فبقيت من جملتهم عجوز ترثيهم وتنوح عليهم وأخبارها مشهورة. قالوا فلذلك سميت أيام العجوز وذكروا أن الريح التي أهلكتهم كانت دبورا. قال رسول الله (ص): " نصرت بالصبا يعني يوم الخندق وأهلكت عاد بالدبور". وقال الشاعر:

أهلكت الدبور حبال عاد  فبادوا كالجذوع مطرحينا

وقالوا إن الأيام النحسات المذكورة في القرآن الكريم كل أربع توافق من الشهر يوما موافقاً لأربعة كأربع خلون أو بقين وأربع عشرة خلت أو بقيت وأربع وعشرين خلت أو بقيت. وزعم البعض أن ذلك لأن عجوزاً رأت الحر فطرحت المحشأ عنها ماتت في برد هذه الأيام. وزعم بعض العرب أن أيام العجوز سميت بهذا الاسم لأنها عجز الشتاء أي آخره، وقد يوجد للأيام الخمسة المسترقة التي بين آبان ماه وآذر ماه أسماء عند العرب كأسماء أيام العجوز: فالأول الهنبر، والثاني الهنزبر، ومعناها الأذى بالبرد، الثالث قالب الفهر أي من شدة الريح، والرابع حالق الظفر يعنون أن الريح تشتد حتى تحلق الظفر مثلا، والخامس مدحرج البعر يعنون في الصحاري حتى يلغ المنازل من شدة الريح. قال القائل ينظمها: "

أولها الهنبر يوم فارط              

وبعده الهنزبر يأتي خابط

يخبطه حتى يجيء القاسط

وقالب الفهر يسمى حقا

وحالق الظفر المبين الحلقا

يفلق بالبرد الصخور فلقا

وبعدها آخرهن الخامس

مدحرج البعر العضوض اللاحس

وما له فيما يسمى سادس ".

البواحير

" يبدأ في الثامن عشر من تموز - بحسب البيروني - هبوب الرياح الحولية عند ابرخس وهو أول أيام الباحور باطباق ممن ذكرها من أهل البحر والفلاحين ومن جرى لهم التجارب وذلك أنها سبعة أيام متوالية آخرها الرابع والعشرون من الشهر. ويستدلون بكل يوم منها على شهور الخريف والشتاء وبعض الربيع من تغيرات، ويكون أكثر ظهورها في العشيات والأسحار. وزعموا أنها للسنة كأيام البحران في الأمراض الحادة فيها يظهر دلائلها والبشارة والإنذار في العواقب من حوادث أحوالها. واسم الباحور والبحران مشتق في اللغة اليونانية والسريانية من حكم الحكام. وقيل إن البحران مشتق من البحر لأن بحران المريض شبيه بالهيج العارض في البحر المسمى مدا وجزراً، وهو قريب لأن العلة في كليهما حركات القمر وأدواره وأشكاله. أما في دورة الليل كالمد يوجد أوله عند بلوغ القمر شرقه وغربه من الأفق وكالجزر يوجد أوله عند بلوغه فلك نصف النهار والليل. وأما في دورة له إما من نقطة إليها بعينها وإما من الشمس إليها، فقد توجد المدود في النصف الأول من الشهر القمري أقوى، وفي الثاني أضعف، وكذلك يوجد للشمس في ذلك فعل. والعجب مما يحكى عن بحر المغرب أنه يمد من ناحية الأندلس عند كل مغيب للشمس فينقص زهاء خمسة فراسخ أو ستة في قدر ساعة، ثم يجزر ولا يخالف ذلك الوقت. قالوا فإن كان عشاء اليوم الثامن عشر غيم في الآفاق فإنك ترى برداً ومطراً في رأس تشرين الأول، وإن كان مثل ذلك في نصف الليل كان البرد والمطر في نصف الشهر، وإن كان في وجه الصبح كان في آخر الشهر، وكذلك الأمر في الأيام إلا أن التغير فيها بالليل أظهر وحيث تراه من الجوانب الأربع كان ذلك فيه، وليالي الأيام محسوبة بعد أيامها ولأجله ظن من يقدم الليالي على الأيام أن ليلة اليوم الثامن عشر هي التاسع عشر فجعل أول البواحير من اليوم التاسع عشر وآخرها اليوم الخامس والعشرين فاليوم الأول من هذه الأيام السبعة دليل على تشرين الأول، والثاني على الثاني، والثالث على كانون الأول، وكذلك إلى أن يكون السابع دليلاً على نيسان. وقد ذكر أصحاب التجارب أنه إذا تقدم قبل ذلك فعمد إلى لوح وزرع عليه من كل زرع ونبات حتى إذا كانت الليلة الخامسة والعشرون من تموز وهي آخرها وضع اللوح بارزا لطلوع الكواكب وغروبها بحيث لا يحول بينه وبين السماء شيء فإن كل ما يزكو في تلك السنة من الزروع يصبح أصفر وما لا يصلح ريعه منها يبقى أخضر. وكذلك كان القبط تفعل ذلك، وقد أكثر أصحاب التجارب من الاحتيالات لتقدمة المعرفة بأحوال السنة من هذه الأيام حتى خرجوا إلى جنس العزائم والرقي، فزعم بعضهم أنه إذا عمد إلى أوراق اثنتي عشرة من شجر الزيتون وكتب على كل ورقة اسم شهر من شهور السريانيين ثم وضعت في هذه الليلة المذكورة في موضع ندي فما جف منها تلك الليلة لم يكن في الشهر الذي كتب عليها مطر وزعم بعضهم أن فيها يوقف على كثرة أمطار السنة وقلتها بأن ينظرموضع مستو ليس حوله شيء يمنعه عن وصول الندى والريح والطل إليه ثم يؤخذ قدر ذراعين من ثوب كتان فيوزن ويحفظ مقدار وزنه ثم يبسط على ذلك الموضع ويترك فيه من أول الليل إلى أربع ساعات منه فإذا تمت وزن ثانية فما زاد فيه فكل زنة مثقال يزيده الوزن الثاني على الأول هو يوم مطير في الشهر المنسوب إلى ذلك اليوم كما قدمت ذكره، وهذه الأيام أعني أيام البواحير هي مرسومة بطلوع كلب الجبار وهو الشعري اليمانية العبور. وقد نهى بقراط في كتاب الفصول عن تناول الأدوية الحارة والفصد حوالى طلوعها في زمانه بعشرين يوماً متقدمة وعشرين أخر متأخرة لأن ذلك زمان اشتداد القيظ وانتهاء الحر منتهاه، والصيف نفسه مسخن محلل مخرج للرطوبات، وما نهى عنه بقراط في إقلالها فإذا جاء الخريف ببرودته ويبسه لم يؤمن فيه انطفاء الحرارة الغريزية. وقد ظن قوم ممن لم تكن لهم دربة بالعلوم الطبيعية ولا بصر بالأحوال العلوية أن التأثير المذكور منسوب إلى جرم هذا الكوكب وطلوعه مع انتقاله وحتى أوهموا فيه وقالوا إنه لعظم جرمه يسخن الهواء فنحتاج إلى أن نشير ونعرف موضعه ونحقق عليه وقت طلوعه كما قال أبو نؤاس:

مضى أيلول وارتفع    وأخبت نارها الشعري العبور

فزعم علي بن علي الكاتب النصراني لأجل ذلك أن أول البواحير اليوم الثاني والعشرون من تموز إشارة إلى أنها نقلت بانتقال الكوكب وهو أعني الشعري دائر طول السنة في مدار واحد مواز لمعدل النهار. وإنما أراد بقراط بذلك الوقت صميم الصيف، واشتداد الحر بقرب الشمس من سمت الرؤوس مع ابتدائها في الانحدار في الفلك الخارج المركز عن الأوج وكان ذلك في زمانه موافقاً لطلوع الشعري فأطلق القول به علما منه أن حقيقة الحال لا تخفى على من ارتاص بالعلوم. فلو أن كوكب الشعري تحرك حتى بلغ رأس الجدي أو الحمل لما انتقل معها الزمان المنهي فيه عن تناول الأدوية. وذكر سنان في كتاب الأنواء أن للرعاة خاصة سبعة أيام معدودة من أول تموز تجري مجرى أيام الباحور في الاستدلال بها على أحوال شهر من شهور الشتاء وتعرف ببواحير الرعاة ويقع فيها أحوال الهواء مباينة لما قبلها وبعدها ولطخ من غيم لا تكاد تخلو منه كلها أو بعضها، وفي التاسع عشر دبور أو حر عند القبط، وفيه تشتد كلاب البحر ويعظم ضررها وفي العشرين دبورا أو ما يشبهه عند القبط. وذكر أصحاب التجارب أن فيه يكثر الرمد، وفي الحادي والعشرين تهب الرياح الحولية عند اوقطيمن وابتداء الحر عند ابرخس ودبور وحر عند القبط، وفي الثالث والعشرين هواء شات في البحر ورياح عند فيلفس ومطروذورس وابتداء الرياح الحولية عند القبط، وفيه ابتدأ أبو جعفر المنصور ببناء مدينة السلام وهي التي تسمى مدينة المنصور في الجانب الغربي من دجلة ببغداد، وذلك في سنة ألف وأربع وسبعين للإسكندر. وأصحاب أحكام النجوم يحتاجون إلى معرفة أمثال هذا الوقت والتاريخ بمعرفة التحاويل والانتهاءات والأدوار والتسييرات من لدنه حتى يستنبطوا الحكم لأهلها وكان نوبخت تولى اختيار الوقت واتفقت هيئة الفلك التي يتشكل بها ومواقع الكواكب ".

عند الحيوان

تحضن النعامة بيضها سبعة أيام؛ والحمامة أربعة عشر يوماً، مضاعف السبعة؛ ويحضن القاوند، وهو طير يعيش على ساحل المتوسط، بيضه سبعة أيام، ثم تخرج فراخه فيزقها سبعة أيام.

في لبنان

في التراث اللبناني أن البيت القروي غدا مثال البيت الثابت، وكان يرتكز على سبعة أعمدة: ثلاثة من كل جهة، وعمود كبير في الوسط يكون الركيزة الأصلية، تستند إليه الجوائز المتقابلة. وينتشر ذكر هذا البيت المثالي المسبع الأعمدة بانتشار البناء اللبناني في الأقطار المجاورة حتى يصبح من الاستعارات الشعرية والصور البيانية.

في الحرب

في 1937/7/7، أطلقت الكتيبة 37 في الفيلق التاسع عشر في الجيش الصيني النار على كتيبة من الجنود اليابانيين، ما تسبب باندلاع الحرب الصينية - اليابانية. وسمي هذا الحادث بـ " تاريخ السبعات الثلاث ".

وبين 1756 و 1763 اندلعت حرب بين إنكلترا وبروسيا من جهة وفرنسا من جهة أخرى، عرفت في التاريخ بـ " حرب السنوات السبع ".

في الاقتصاد

تنادت الدول الصناعية الكبرى في العالم الغربي، وأنشأت تجمعا باسم " تجمع السبعة الكبار " يضم الولايات المتحدة الأميركية، كندا، فرنسا، بريطانيا، ألمانيا الغربية، إيطاليا، واليابان.

وفي المقابل، عقدت في باريس في 14 تموز 1989 أول قمة لأفقر سبع دول في العالم، برعاية عدد من المؤسسات التنموية غير الحكومية، تحت اسم " الدول السبع الأكثر فقراً " وهي: بنغلادش، البرازيل، بوركينافاسو، هايتي، الفلبين، الموزامبيق، وزائير.

في الرياضة

في كرة القدم، يلعب الفريق الذي يتأهل إلى الدور النهائي في إطار مباريات (المونديال) سبع مباريات: ثلاث في الدور الأول، مباراة في الدور الثاني، مباراة في الدور ربع النهائي، مباراة في نصف النهائي، ومباراة في النهائي.

في المسرح

كتب سوفوكليس أكثر من مئة وعشرين مسرحية، لم يبق منها إلا سبع هي: " أجاكس " وتدور حول موضوع موته، " أنتيغوني " وتعالج الصراع بين قوانين الحكومة والدين، " أوديب ملكاً " وسماها أرسطو التراجيديا الكاملة، " أوديب في كولون " وتدور حول موت أوديب، " إلكترا " وتعالج الكراهية بين الفتاة والأم، " فيلوكتيت " وتدور حول استدراج فيلوكتيت للانضمام إلى اليونانيين في طروادة، و" التراخينات " وتدور حول موت هرقل.

في الشعر

صدر ديوان للشاعر الإغريقي أخيل بعنوان " السبعة ضد طيبة "؛ وديوان للشاعر الفارسي نظامي بعنوان " الأميرات السبع " يحكي فيه عن سبعة قصور، كل قصر له لون أحد الكواكب السبعة، وتعيش أميرة في كل قصر؛ وديوان للشاعر الفرنسي بول إليوار (Paul Eluard) بعنوان " قصائد الحب السبع في الحرب "؛ وديوان للشاعرة المصرية وفاء وجدي بعنوان: بيسان والأبواب السبعة. ويقول رينه شار (Rene char) عن القصيدة " إن لها جزمة بطول سبعة فراسخ ".

وفي الرواية

في الرواية العربية، صدر لجهيمان العتبي " الرسائل السبع "، والعتبي هو الذي قاد إحدى الفرق الدينية لاحتلال الحرم الشريف في كانون الأول 1979. وكتب ميلاد حنا " الأعمدة السبعة للشخصية المصرية ".

وفي الفرنسية، صدر كتاب " الكلمات السبع للسيد المسيح على الصليب " للكاتب رينيه باجور؛ و" سبع نساء في التيبت " للكاتبة ماري جول دو بونشفيل.

وفي الإنكليزية، صدر " المنزل ذو الصنوبرات السبع " لنتنايل هاوتورن؛ و" الخطايا الرئيسة السبع للندن " لتوماس ديكر؛ و" أعمدة الحكمة السبعة " لتوماس لورنس؛ و"ليلة القمر السابع " لفكتوريا هولت.

في الموسيقى

صدر لفكتور سحاب كتاب بعنوان " السبعة الكبار في الموسيقى العربية " وهم، بحسب الكاتب: محمد عبدالوهاب، رياض السنباطي، محمد القصبجي، زكريا أحمد، سيد درويش، أم كلثوم، أسمهان.

في الصحافة

في تونس، صدرت مجلة ثقافية فكرية شهرية تحمل اسم " السابع من تشرين الثاني - نوفمبر ". ويعود مصدر هذا الاسم إلى التاريخ الذي تسلم فيه الرئيس التونسي زين العابدين بن علي الرئاسة في السابع من تشرين الثاني 1987.

في الأدب

قال الروائي الإسباني كاميلو خوسيه سيلا، الحائز على جائزة نوبل للآداب لسنة 1989، إنه كان يحلم بالجائزة وهو في السابعة من عمره، عندما بدأ كتابة أول أشعاره.

وفي نهاية حياة بولستوي (Tolstoi)، استمر هذيان الموت يقارع الأديب الروسي سبعة أيام، إلى أن مات صباح 1945/11/7 في محطة استابوفو.

في المقاومة الفكرية

في الصين، أسست الثورة الثقافية الماوية مدارس لإعداد الإدارة الحزبية في مختلف الأقاليم، تسمى مدارس 7 أيار.

وفي تشيكوسلوفاكيا، تألفت " الشرعة 77 " من جماعة من المفكرين والمثقفين المناهضين للشيوعية، تجمعوا في العام 1977 وأعلنوا الثورة الصامتة على كل الممارسات القمعية والتجاوزات التي شملت أبسط حقوق الإنسان.

في اللغة

يبلغ عدد الحروف اللاتينية الصائتة سبعة. وتعتبر اللغات القديمة الأساسية سبع: عربي، عبراني، سرياني، يوناني، هندي، روماني، وفارسي. وتبلغ الصفوف الابتدائية في المدارس سبعة، والصفوف في المرحلتين التكميلية والثانوية سبعة.

في الأمثال

يقول مثل عامي: ينام على سبع خرزات من ظهره، أي أنه ينام نوماً عميقاً.

في الرسم

رسم ميكال أنج (Michael Ange) جداريات كنيسة سكستين (Sixtine) في إيطاليا في سبع سنوات. ويلقب الفنان " مارك شاغال " بالرسام ذي الأصابع السبع.

في التلفزيون

بثت القناة الفرنسية الخامسة برنامجا تلفزيونياً بعنوان " سبعة على سبعة ".

في السينما

يطلق على السينما " الفن السابع ". وقد صورت السينما أفلاما عديدة تحمل في عناوينها السبعة، من بينها: " الساموراي السبعة "، " القراصنة السبعة "، " سبع سنوات من التعاسة " من بطولة ماكس ليندر. وصور إنغمار برغمان فيلم " الخاتم السابع " وأخرج كارل شولتز فيلم " العلامة السابعة ".

في البارابسيكولوجيا

تقول البارابسيكولوجيا إن الحروف تنقسم أربعة أقسام، كل قسم من سبعة حروف: طبع اليبوسة والحرارة ا هـ ط م ف ش ذ وهو طبع النار، طبع البرودة واليبوسة ب و ي ن ص ت ض وهو طبع الأرض، طبع الحرارة والرطوبة ج ز ك س ق ث ظ وهو طبع الهواء، وطبع البرودة والرطوبة د ح ل ع ر خ غ وهو طبع الماء.

وتعتقد البارابسيكولوجيا بإصابة العين. ولكي يشفى من إصابته، على المصاب أن يسكب سبع رصاصات، فيزول المرض حالاً.

وتصف البارابسيكولوجيا العاج دواءً، فيؤخذ منه سبعة دراهم على سبعة أيام فهو نافع جداً، وإذا شربته امرأة عاقر فهي تحبل، وإذا وضع على الجروح فهو يختم.

وإذا كانت زوجتك تبغضك، اكتب لها أسماء القمر في سبع حبات من التمر أو التين وقدمها لها، فإنها تحبك بعد أن تعمل لها حجابا كتبت فيه سورة يوسف بالزعفران.

وتقول البارابسيكولوجيا إن الأسماء السريانية سبعة: للطهطهطيل، مهطيل، قهطيطيل، فهطيطيل، نههططيل، جهلططيل، ولحهططيل. فإذا أردت إحضار امرأة لمضاجعتها، اكتب الاسم السابع يوم الجمعة واعطه للطالب يحمله واكتب الأسماء الستة على شيء حلو، فإنك تحصل عليها. وإذا أردت فصل الرجل عن المرأة فخذ خيط حرير من سبعة ألوان وافتلها خيطاً واحداً ثم اجلس يوم السبت والقمر ناقص النور في برج الجدي واعقد في الخيط سبع عقد وقل الأسماء سبع مرات على كل عقدة، ثم اجعله في حلزونة واختم عليها بزفت وادفنها في قبر لا يزار. وفي سبعة أيام يحصل الطلاق.

السبعة ضد طيبة

تخبر الميثولوجيا اليونانية عن " السبعة ضد طيبة " وهي حرب للإطاحة بأثيوكليس. رفض أثيوكليس أن يقدم عرش طيبة لأخيه بولينيس بحسب الاتفاق الذي يقضي بالتناوب السنوي، فذهب بولينيس إلى أرغوس، فجمع بمساعدة أدراستوس جيشاً يؤيده في قضيته ضد أثيوكليس، في قيادة سبعة هم: أفمياروس، كابانيوس، هيبوميدون، بارتينوبيوس، تيديوس، بولينيس، وأدراتوس. وجاءت النتيجة بأن كل أخ قتل أخاه، فانتهت الحرب بمقتل الأخوين، ومن السبعة لم يبق حيا في هذه الحرب سوى أدراتوس، القائد الأعلى للجيوش.

 

ا.م .هديل عادل كمال

 

عبد الخالق الفلاحالمسار الاعلامي في العراق يمر بازمة وتأثر بسبب المراحل الزمنية الصعبة والعصيبة التي مر بها منذ اكثر من اربعين عاماً بمطبات وانتكاسات ومضايقات وانتهاكات .وزاد الطين بلة الانفتاح الاعلامي بعد 2003 الغير مبرمج لضعف القواعد القانونية التي تقف حائلاً امام الاتهامات والاختراقات والتخلفات والتجاوزات البعيدة عن الحكمة. لذا نشاهد الكثير من الكذب والافتراءات الباطلة بين الاحزاب والتيارات والشخصيات المنظوية تحت ألوية تلك الكيانات وتطل علينا من خلال تلك الوسائل واستغلالها بثمن بخس بعيداً عن العرف الاجتماعي والثقافي الرزين واهم من ذلك كله الوازع الديني والاخلاقي الذي يُعرف به مجتمعنا ودخول مفاهيم ومصطلحات جديدة لم تكن معروفة لدينا سابقاً وقد شاهدنا اكثر وضوحاً في المرحلة التي تسبق الانتخابات وبعدها وزادت وتيرتها وزدادت ايضاً فلتات اللسان وتصاعدت بشكل يبعث على الاسى الى ما بعد الانتخابات وقد اثرت على الوضع النفسي وسلامة الشارع العراقي…نحن اليوم قلقون من سقوط القيم الاخلاقية الصالحة عند البعض في المجتمع …المعول من اولئك الافراد الذين يتحتم عليهم الدفاع عن تلك القيم المجتمعية الناصعة التي تسود منذ الاف السنين العمل الجاد لوقف مثل هذه الافعال المشينة (لان المتهم برئ ما لم يثبت ادانته) ويوجب عليهم الحفاظ على كرامة الانسان والاخلاق السمحاء والتوجه نحو الاصلاح وشد العزم قبل فوات الاوان والوقوف امام تلك الفقاعات والاتهامات الباطلة والكذب والتسقيط المبرمج حفظاً على اواصر المحبة بين اركان المجتمع…ان بلدنا يحمل في طياته معايير العزة والشموخ ولدينا كبار الشخصيات الدينية والاجتماعية والسياسية والثقافية يمكن ان نفتخر بهم ونحافظ عليهم من غبار التلوث ويجب ان نحترمهم لابل نقدسهم لانهم الراسمال الابدي في الحياة ...

أما الاعلام فيتحمل المسؤولية وأصبح مادة دسمة يمكن ان يباع ويشترى فيه القلم لخدمة اغراض فئوية مختلفة في المجتمع بعيداً عن مصاديق العمل والمهنية والاخلاق لان بعض الاعلاميين باعوا أقلامهم (اقول بكل شدة البعض وليس الكل ، لان هناك اقلام شريفة لا يمكن لها خلع لباس العفة ولا تقبل المهادنة) بأبخس الاثمان لا توازي تاريخهم وتم استغلالهم لتسقيط الاخرين مع جل احترامي لمن يحمل الصفات الحسنة الملتزمة وهم كثرةً والحمد لله في وطننا...

ان سياسة التجريح وهتك الحرمات والتجاوز على سمعة الافراد والمجتمع يجب ان يكون خطاً احمراً لايجوز المساس به وعبوره بهذه الراحة مهما كانت الاسباب كي نحافظ على مورثنا الغني تاريخياً وعقائدياً…ان اعدائنا يستغلون الفرص الان وفي هذه الظروف كل السبل الرخيصة للايقاع بوحدتنا ويسعون لمسخ الهوية الثقافية بوسائل دنيئة لغرض ترويج المثل الدخيلة وابعاد مجتمعنا عن هويته….وهذا القلق يمكن مشاهدته في جميع التجمعات والندوات الثقافية والاجتماعية والسياسية وجهات اخرى وعند الطبقات المختلفة في المجتمع وعن قرب وهم يتكلمون بحرص عن هذه الاخفاقات والافات لاحساسهم بالمسؤولية الملقاة على عاتقهم لانهم جزء لايتجزء من هذا الوطن وهم اكثر حرصاً على ثبات القيم الاصيلة وعدم رواج الانحرافات التي تؤدي الى سقوط تلك الثوابت.. والان اصبح معلوماً عند الجميع والقلق على اشده لمستقبل غير واضح المعالم اذا استشرت تلك الظواهر بالنمو ودون ان يقف العقلاء من كبار القوم امامها.

على هؤلاء التوقف عن كيل التهم لبعضهم البعض الاخر دون وجهة حق ونضع ايدينا معاً لدراسة المشاكل والمعوقات الاساسية التي يعاني منها وطننا بعيداً عن المفاهيم الغير منطقية ودون توجيه الاتهامات وبروح المواطنة والحرص على الاطر الواقعية التي املاها علينا ديننا الحنيف والابتعاد عن التشكيك والتضليل والخروج بخارطة طريق تبعدنا عن الانحراف والمخاطر الجمة التي قد تطيح بقيمنا الرفيعة…والاستفادة من مخزوننا الديني لحماية المجتمع من الزلل والانحطاط الذي يريده الغير لنا …علينا ان نكتب بوحي من مايرضي الله سبحانة وتعالى. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ). ان المرحلة تتطلب من الجميع العمل من اجل الحفاظ على ارثنا وقيمنا وثقافتنا الغنية بالمثل وعلينا التوجه لاصلاح الخلل والابتعاد عن الشائعات والتحقق السليم من كل خبر له مساس بحياة افراد مجتمعنا وكفانا الاطاحة ببعضنا البعض الاخرحتى لانقع بالاخطاء القاتلة التي تطيح بثروتنا الغالية وميراثنا الغزير بالمفاهيم القيمة الرائعة والعمل على خلق أسس جديدة لتاريخنا السياسي والاجتماعي والثقافي المعاصر وحفظ الارث الحضاري والتاريخي والديني ولنرسم صورة زاهية ومستقبل زاهر وحياة هنية بعيدة عن الصراعات والتقاطعات ويجب ان تُدرس الامور بحكمة وعدم العبور منها مثل أي ورقة سياسية باهتة دون الاهتمام لكي نبعد المخاطر عن مواطنينا وبلدنا والحفاظ على استقلاله وكيانه...

 

 عبد الخالق الفلاح - كاتب واعلامي

 

زهير الخويلدي"للتأكد من صحة الأدلة العقلية لا بد من تطبيقها على المحسوسات تطبيقاً مادياً وذلك في كافة حقول العلم المتنوعة".

يعد أبو الريحان البيروني من أعظم العقول التي عرفتها الثقافة التي تخصنا في الحقبة الوسيطة ونابغة زمانه وذلك لتخصصه في العديد من العلوم والصناعات ولكثرة تنقله بين الدول والأمصار وكتاباته، فلقد عاش بين سنة973 و1048ميلادي في خوارزم بإقليم خراسان وأقام بجرجان والري وزار الهند والصين.

يعتبر من أول القائلين بأن الأرض تدور حول محورها وذلك بعد إدخاله الرياضيات في دراسة علم الفلك وتوصل إلى حساب المثلثات وخطوط الطول والعرض والقول بالفرق بين سرعة الضوء وسرعة الصوت والى تحديد المسافة التي تفصل الأرض عن القمر والشمس بشكل تقريبي وهو ما اثبت العلم صحته لاحقا.

لقد جمع البيروني بين الجيولوجيا والتاريخ والفيزياء والرياضيات والطب والصيدلة والفلسفة واعتبره المؤرخون مؤسس علم الإنسان أو الأنثربولوجيا وذلك لنظرته الموسوعية الشاملة وإحاطته بكل ما يتعلق بالشأن البشري من أنشطة وآثار ومؤلفات وعلوم وبرع بالخصوص في علم الفلك التجريبي والميكانيكا.

برع في الجغرافيا وابتكر سبع طرق في تحديد اتجاه الشمال والجنوب واخترع نظاما رياضيا يدلعلى بداية وانتهاء الفصول ووظف علم التنجيم لتطوير علم الفلك والرياضيات وابتكر أنظمة جبرية لحل المعادلات من الدرجة الثالثة وقدم أطروحة عن الظلال واستعانة بالتجربة وتمكن من حساب نصف قطر الأرض.

 لم تمنعه اهتماماته بالعلوم التطبيقية من المساهمة في الأدب العربي والنقد الشعري وعلم الكلام والفلسفة وخاصة اتقانه للعديد من الألسن واللغات وخاصة العربية والفارسية والإغريقية والسريالية والسنسكريتية.

ساهم في قيام علم الأرض وأسس الكثير من التخصصات الدقيقة من الرياضيات وسمي بأب الجوديسيا وتخصص في دراسة الهنود والشرقيين واهتم بمعتقداتهم وأديانهم ولغاتهم وثقافتهم ونظم الحكم لديهم.

تأثر بأرسطو وتعلم على يد منصور ابن عراق وناقش الخوارزمي وراسل بان سينا والتقى بمسكويه واحتضنه الأمير أبي العباس مأمون ابن مأمون وشجعه السلطان محمود بن سبكتكين حاكم غزوة وألف في العديد من المجالات مثل الصيدلة والطب والفلك والمعتقدات والآراء وترك عددا هاما من المؤلفات والكتب مثل "تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة" و "المقالات والآراء والديانات" و"مفتاح علم الهند" و"جوامع الموجود في خواطر الهنود" و"الجماهر في معرفة الجواهر" و" الآثار الباقية عن القرون الخالية" و"الاستيعاب في تسطيح الكرة" و"التفهيم لأوائل صناعة التنجيم" و"التعليل بإجالة الوهم في معاني النظم" و"القانون المسعودي" و" التنبيه في صناعة التمويه" و"الإرشاد في أحكام النجوم" و"العجائب الطبيعية والغرائب الصناعية" و"الشموس الشافية" و"الاستشهاد باختلاف الأرصاد".

لقد أوجد البيروني الوزن النوعي لعدد من الأحجار الكريمة والجواهر الثمينة مثل الألماس والزمرد والياقوت واللؤلؤ وحدد الكثافة النسبية لعدد من المعادن مثل الحديد والبلور الصخري والزئبق والنحاس.

غير أن الدراسة الأنثربولوجية الهامة التي أجراها للهنود في مستوى طرائق عيشهم وعاداتهم وتقاليدهم ومعتقداتهم وخصائص لغاتهم وأعيادهم وأطعمتهم ومعاملاتهم هي التي جعلت منه أول عالم أنثربولوجي. في هذا السياق نجده يقول: "إن العالِم الحقيقي هو الذي يبتعد عن التعصب لرأي ويبتغي الحقيقة المطلقة بمعزل عن الأهواء والرغبات، وهو الذي يسعى وراء الحقيقة لأنها حقيقة، لا للتظاهر والمفاخرة بالمعرفة، فالتواضع من أهم صفات العالم".  فماهي إسهامات "بطليموس العرب" في قيام علم الفلك الرياضي وتفجير الثورة العلمية الحديثة؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.......................

المراجع:

أبو الريحان البيروني، القانون المسعودي، دائرة المعارف العثمانية، حيدر أباد الدكن، الهند، طبعة أولى 1954، طبعة ثانية مكملة أنجزها إمام إبراهيم أحمد بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة،1965.

أبو الريحان البيروني، تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة، دائرة المعارف العثمانية، حيدر أباد الدكن، الهند، 1958، 548 صفحة.

أبو الريحان البيروني، الآثار الباقية عن القرون الخالية، دار الكتب العلمية ، بيروت، طبعة 2000.

 

صادق السامرائيالأساطير ربما يصح وصفها بأنها حكايات أو قصص متخيلة تدور حول إلهٍ متخيَّل.

أو يمكن القول أنها حكاية تقليدية تروي أحداثا خارقة للعادة، أو تحدّث عن أعمال الأبطال والآلهة، ومع الزمن تطورت وصارت تتصل بأناس حقيقيين.

والأساطير أول ما إنعكس في الواقع السلوكي من مكنونات النفوس البشرية، وتبدو كأنها أكاذيب للهروب من مواجهة الحقيقة.

ومبعث الأساطير واحد مفاده البحث عن جواب لأسئلة غيبية خلاصتها، لماذا أنا موجود، ومن أين جئت وإلى أين سأذهب؟

هذه الأسئلة المقلقة المرعبة دفعت بالبشر، لكي يحصل على بعض السكينة والطمأنينة، أن يُجهد مخيلته ويأتي بقصص وحكايات ومرويات تبعث في نفسه وهْمَ المعرفة والدراية، وتمنح وجوده المعنى الذي يساعده على التواصل والبقاء.

فأول خطوات البشر فوق التراب كانت مترافقة مع تساؤلات ومخاوف وتوجسات وحيرة وإضطراب ، فهو يتحرك في عالم مجهول ويرحل إلى عالم مجهول، وما بينهما يجد نفسه مقيدا بالحياة ومهددا بالموت، وهو في حرب شعواء مع ذاته وموضوعه.

ولا يُعرف مبعث هذه التساؤلات هل هي كامنة وتمتلك أجوبة مغروسة فيه، ولهذا إهتدى إلى الآلهة ومن ثم الإله، فالسلوك متشابه ما بين الأجناس البشرية وفي أصقاع الأرض كافة وفي عصورها منذ الأزل.

وكأن البشر فيه جهاز إعتقادي إدراكي بمنظومة واحدة، وإن تباينت إستحضاراتها ورموزها التعبيرية عمّا تعكسه من مدارك وتصورات.

فالمجتمعات البشرية إنطلقت في مشوارها وهي محكومة بمعتقدات وتخيلات وآلهة ومعابد، وطقوس وتفسيرات وتأويلات تطلقها مخيلتها، وتتراكم وتتعزز بالتكرار والتعاقب، الذي يساهم بتحريرها وتحويرها وتطويرها والوصول بها إلى ذروتها التعبيرية والتصويرية، ويضخها بطاقات إنفعالية وعاطفية ترسيخية لا يمكن أن تقاوَم أو تتعرض للشك والسؤال.

ولو تأملنا أي مجتمع لظهر لنا أن له أساطيره ومعتقاداته وآلهته، التي تطورت وأثرت في السلوك الجمعي، وأرست دعائم الإنضباط السلوكي والأخلاقي والقيمي، وهي قوى قاهرة وخارجة عن إرادة البشر، وتتحكم بمصيره، فهو الكائن الضعيف السابر لأغوار المجهول البعيد.

وقد تكون الأساطير من أول الوسائل التي إستوجبت الفعل والحضور للتحكم بالسلوك البشري، الذي لا يمكن تهذيبه وتنظيمه إلا بقوة قاهرة متصوّرة، وربما يكون أحد الذين توقدت أذهانهم وتحير في مواجهة التفاعل مع الآخر، بأن إبتكر هذه الحيلة السلوكية لكي يلجم جماح البشر ويهذب سلوكه.

فالبشر في أول عهده بالحياة لا يختلف عن الموجودات المتوحشة المتحفزة، المترعة بالعداء وبطاقات العدوان والإنقضاض على الآخر، وليس من السهل أن يكون في جماعة ويؤسس لمجتمع من غير ضوابط سلوكية وأحكام رادعة وحاسمة.

فكانت الرموز الغيبية ذات الطاقات الخارقة الفاعلة في الحياة، والتي بموجبها يتحدد السلوك وتمضي الأيام بموازنة بقائية، كفيلة بالتواصل والتفاعل الإيجابي المساهم في ديمومة المجتمع وقوته وقدرته على التحدي والنماء.

والمسيرة البشرية تشير إلى أنها مرت بمراحل عصيبة ومريرة، تصارعت فيها المعطيات المتخيلة مع بعضها، حتى إنتهت إلى حالة يمكنها أن توائم وتساهم في الحفاظ على البقاء البشري وتمنحه فرصة بناء الحياة وتطويرها.

كما أن هذه الأساطير قد أرضت الحاجات الكامنة في أعماق البشر، فهي أرضت ما فيه من طاقات ما بين الحب والعدوان، إذ وفرت له الوسائل الكفيلة بالتعبير عن الحالتين، فيمكنه أن يعبر عن حبه وعدوانيته، كما تسوغ له فعل الشر والخير معا.

 

ولكي تتعرف على الحقيقة السلوكية لأي مجتمع عليك أن تدرس أساطيره، وتفهم آلياتها ومكوناتها ورموزها ودلالاتها وما تذهب إليه، فالأساطير هي الصورة الحقيقية لما نسميه باللاوعي أو المطمور الفاعل في البشر، ويمكن القول أن اللاوعي يتمثل بالأسطورة.

فالأسطورة إجتهادات فردية وجمعية لمواجهة المصير، والوقوف أمام حجب الغيوب تستدعي إستحثاث الطاقات الإبداعية وتسخيرها لإختلاق ما يفسر ويبرر الواقع الذي تكون فيه الأحياء، فالوجود مجهول، ولكي يتم إخضاع المجهول لإرادة المعلوم لا بد من الأساطير.

والأساطير مراحل لتمنية الوعي والوصول إلى ضفاف المعرفة الحقيقية لأسرار كونية ووجودية تستعصي على الفهم والإدراك، وهي محاولة لزيادة مساحة الإدراك.

والأسطورة نزعة نفسية كامنة في الأعماق البشرية تستحضر قوةً أو إلها في صورة، أي أن البشر يحوي جهازا عصبيا لصناعة الأسطورة، ولهذا فأنها ستبقى حية في الأجيال، وإن تبدلت موضوعاتها ورموزها، لكنها تشترك بأنها تتمحور حول موجود أو غائب متصوَّر.

فالدماغ البشري يحوي دوائر عُصيبية لإبتكار أي شيئ، فالمبتكرات أفكار مبثوثة في الكون الذي نمرق فيه.

وليس مستغربا القول بأن الأساطير ما هي إلا مراحل أولى في صناعة وتطور وبناء الأديان، فلكل دين أساطيره وموروثاته المتخيلة، التي ترسخت وتحولت إلى ثوابت يقينية ومرتكزات إيمانية لا يمكن زحزحتها ومساءلتها، وهذه الحالة مشتركة في الأديان وتعد من أعمدتها وجوهر كيانها، وما حولها تدور التعاليم والمبادئ وما ينطق به الدين من رؤى ومنطلقات عقائدية وتشريعية.

والأساطير يمكن توظيفها وتسخيرها لتحقيق رغبات ومصالح القوى الفاعلة في المجتمع، التي تستخدمها للتحكم بالآخرين، وتضيف عليها وتحورها بما يخدم القوة القاهرة ويعزز تأثيرها وقدرتها في القبض على الحكم أو السلطة، حتى ليتحول رمز القوة إلى أسطورة سائدة ومتداولة بين الأجيال.

والبشر لديه نزعات لتأليف الأساطير وكأنها رغبة كامنة فيه وتتضح عند الأطفال ومتخيلهم، فالأطفال يمكنهم أن يؤلفوا الأساطير، وتتعجب من سردياتهم المستحضرة من عجائب ما فيهم من المطمورات المتراكمة عبر الأجيال المترافدة.

وقد يسأل القارئ لماذا إقتربت من الأسطورة؟

والجواب أن علماء النفس البارزين قد أمعنوا بدراسة الأسطورة، ومنها أسسوا لمصطلحاتهم وتوصيفات العقد السلوكية التي إبتكروها، وكأنهم قد أدركوا بأن الأسطورة هي التعبير الأصدق عمّا في النفس البشرية من الكوامن والمطمورات والتطلعات، ولهذا أرادوا القول بأن الفهم الأصوب للنفس لا يمكنه أن يتأتى من دون معرفة الأسطورة، وتأمل خباياها وعناصرها وآلياتها التعبيرية والتصويرية.

ويبدو أن إقترابهم فيه موضوعية وعلمية، فلكي ننقب في النفس البشرية علينا أن نغوص في أعماق الأساطير، التي تحكمت بالسلوك وأسست لسلسلة من الضوابط والمسلمات، التي درجت عليها الأجيال لكي تحاول البقاء والرقاء.

والتفاعل مع الأساطير كأنه القيام بحفريات أو تنقيبات نفسية بحثا عن الدلائل السلوكية والعلامات المرشدة نحو غاية ما.

فالأسطورة، تخبطات فكرية متخيلة في رحلة البحث عن القوة الكونية القاهرة لكل شيئ، وهي تعبيرات عن نبضات الخيال المطمورة في الأدمغة البشرية وربما أدمغة الموجودات الحية الأخرى.

فلكل مخلوق أساطيره الذاتية والجمعية، والناس تطارد سراب أساطير.

وللأسطورة تأثير كبير وقوي في حياة الأشخاص، وهي التي تتحكم برسم خارطة طريق وجودهم بمداد اللاشعور الفاعل فيهم.

ولهذا فلا يمكن إنكار أهمية الأسطورة في فهم السلوك البشري الفردي والجمعي.

 

د. صادق السامرائي

 

عماد عليمن يكون له المام بسيط بتاريخ الاديان والاساطير وكيف برزت او انبثقت اي منهم في ارضية ما والظروف الاجتماعية العامة التي كان فيها وتوسع وفرض نفسه وكيف تعامل الوسط بالجديد المحتوي على القديم بلا شك. والمعلوم فانه ليس هناك اسطورة او دين او قصة خيالية او ملحمة ولم تكن لها صلة بتة باخرى سابقة لها او متزامنة معها سواء كانت في محيطها او بعيدة عنها او قريب من مرحلتها زمنيا. ولو دققنا في محتوى اي من القصص والسرد التاريخي نلمس التشابه  فيما بين جميعم باختلافات بسيطة وفق المتغيرات. الفرق بين بعض واخر هو اضفاء القدسية قط وفرض عدم المس به باي شكل كان مع التشدد في الدفاع عنه مع الاهمال التدقيق ومنع التعرض للنقد في مقابل الهجوم على البعض الاخر المنافس، نتيجة الصراع والمنافسة والمماحكة  وما تفرضه مصالح من يحمل جوهر الفكر المغاير  او ان كان هناك مبادرة طرح الجديد المخالف للاخر او حتى  المتماهي معه دون الاعترف بذلك.

من ينتقد نصا ادبيا ليس بشرط ان يرفضه تماما، وكما هو المعلوم فان النقد هو بيان الايجابي والسلبي والصح والخطا والجانب الجيد والسيء لاي نص كان وطرح الافضل او البديل ان تمكن الناقد في ذلك. ان اضفاء القدسية للنصوص وضع حاجبا كبيرا امام المتمعن والمتامل بحيث فرض الشرط الحازم عليه والحاسم بتفكيره وما عليه بان يكون من المفروض ان لا يحمل اي شك في تقييمه وكانه يجب ان يتقبل ما يرى دون التفكير العقلاني الذي يمكن ان يبرز لديه في اقل تفكير مجموعة من الاسالة حول المعروض للرؤية والتفحص.

المتغيرات فرضت الكثير من المعقولات امام الناظر والناقد العقلاني بحيث لا يقدر ان يبقى ساكنا عن ما يتاكد من وجود التناقضات او بالاحرى الخلل في المعروض نتيجة  عدم تصحيحه او جاء خطئا من اساه في ظروف فرضت عدم تقييم الموجود منذ قرون بعقلية متفتحة اكثر تطورا من زمن انبثاق المعروض دينا كان ام اسطورة او حتى حديثا او قصة او فكر .

ومن هذا المنطلق يجب ان يفكر من يجمل العقلية السلفية بانه يفرض على نفسه ما لا يمكن لاي انسان عصري ان يفرضه على نفسه ويخدع به نفسه ما يحمل من العقلية الحداثوية غير الجامدة ان كان كذلك وهذا ما يدعيه جميعهم كما نرى في عصرنا. وعليه اصبح الدين ايديولوجيا عند من يتمسك المنتمي به دون ان يراه بعين ناقدة او عقلية باحثة في جوهره وتركيبه، وربما يكون مفروضا عليه هذا نتيجة عوامل خاصة او عامة محيطة به وما تفرضه عليه مصالحه وخصوصياته، وهذه حال اكثر في وقتنا.

و المغريات امام انفتاح العقل من الوسائل العلمية المتوفرة التي تطرح يوميا امام الجميع للتمعن وو تدفعه بشكل طبيعي الى التدقيق في كل ما مضى او ما سجله التاريخ وما هو متمسك به من الافكار والنصوص الفكرية والدينية وفق سمات وظروف اية مرحلة برزت فيها، فلابد ان يجمع قواه وهو يفكر كابن مرحلته ويرى طريقا مناسبا لعصره، او ينتقل بنفسه لتلك المرحلة التي انبثق به المعروض المعني من التدقيق والتقييم او النقد، وعليه يمكن ان يخرج بنتيجة وهو صحة المقصود وما يُقيم كما كان في مرحلة ولادته او انبثاقه. وعليه، عندما ينتقد احدنا الدين واهميته ووجوب بقاءه او محاولة ازالته او تقليل افرازاته السلبية او بيان ما فيه من السلبيات وعلاجها وما ينتج من العوائق امام السير السليم للمعيشة العقلانية، فليس بشرط ان ينعت المهتم بحاقد او عدو للموجود امامه وحتى ان انتهى تاريخ صلاحيته، وكما يفعل العاطفيين من المتمسكين بما هو الخطا نتيجة الحنين للماضي كان او ظروف خاصة شخصية او التزام بالقديم لرفض الجديد وان كان مشوها او خطا من اساسه وحتى في مرحلته او تحول لديه ما يتمسك به الى مصلحة بذاتها او الى الية او امل لتوفر المصلحة. وعليه يمكن ان نفرق بين الناقد والمنافس او المناقض لاي فكر او نص يريد تقيمه، والاكثر تشويها لعملية النقد وبيان الفحوى لاي نص او فكر او ايديولوجيا هو فعل المتزمتين الملتزمين بما يؤمنون به او مفروض عليهم وهم عالقون في وحل الظروف الخاصة والالتصاق بما يوفر المستلزامات الحياتية  لهم.

كل فكر ولد في مرحلته ولا يمكن ان يكون صالحا لكل المراحل مهما كان جوهره، والملاحم والاساطير التي سجلت قبل الاديان لا يمكن ان ندعي بانها حقيقية  او من رحم الحقيقة والواقع، وهذا ما يُفرض ان يحدث من عملية التقييم الصحيح ويُنتقد وحتى يُرفض بشكل مطلق، ولكن اننا نواجه اليوم بخلو المرحلة من المنتقد المعلن وليس هناك من يرفض او حتى يعارض على ذلك ان كان عقلانيا، عندما تتبين صحة الانتقادات اليه وبيان سلبياته، ان كان اي نص او رواية طبيعية وهي لم تضف اليه صفة التقديس،سيكون الامر طبيعيا اما الاديان التي اضفيت اليها هذه الصفة التقديسية غيرقابلة للنقد او المس بها  نتيجة الخوف عليها او ضعفها او ربطها بالغيب وعدم التاكد من صلاحيتها او مقاومتها امام النقد والتفكير العقلاني، فانها فرضت على الناس باكراه وبقيت على حالها لحد الساعة، الا ان التغييرات الجوهرية في ظروف المعيشة والتقدم العلمي وفرت ساحة واسعة امام التفكير العقلاني المتفتح لاعادة النظر لكل النصوص والمتوارثات تاريخيا نتيجة ما يفرضه ماهو الصحيح فارضا نفسه على الخطأ مهما الصقت للنص او المعروض صفة القداسة وفرضت عدم المساس به او حتى انتقاده علميا حياديا.  وهناك فيمكن لاي كان مهما كانت مبادئه ان ينتقد الدين اي كان وفق عقليته وامكانياته دون ان يكون ضد اي دين وحتى ان انتقد ما يتمسك ويؤمن به بذاته، فالنقد يفسح الطريق الصحيح امام الجهود المبذولة لمعرفة الصحيح والحق، فالمنتقد للدين ليس بشرط ان يكون ضد الدين، اي دين كان، ولا ي فكر او فلسفة يمكن ان يحملها. والاصح انه من المحتمل ان من ينتقد الدين بشكل عصري صحيح وان بين صحته وايجابه فانه يلتزم به اكثر ان راى بنفسه وتاكد من صحته علميا، ويمكن ان يتغير نظرته ويلتزم بالبعض المفيد وان يرفض ما يضر، والاهم انه فرض على نفسه ان يدخل في باب النقد بعقليته الحديثة الحالية لاضاءة طريقه كي لا يسير وكانه في القرون الغابرة على طريق حالك الظلام.

 

عماد علي

 

عامر صالحتداولت وسائل التواصل الأجتماعي صعوبة الأسئلة في بعض المواد الدراسية في الأمتحانات الوزارية في العراق ومنها مادة اللغة العربية لطلبة الثانوية. يبدو الحديث هنا عن جزئية بسيطة في اطار ازمة التربية والتعليم في العراق عموما والتي تجسدها غياب فلسفة تربوية وما يتبعها من غياب لأهداف التربية والتعليم على مستوى المراحل الدراسية وكذلك على مستوى الأهداف الخاصة للمواد الدراسية. فالصعوبة في صياغة اسئلة المواد لا يعني ابدا ان العملية التربوية والتعليمية بخير وتتمتع بكفاءة عالية وتنعكس بدورها على صعوبة الأسئلة الأمتحانية.

المهم في العملية التعليمية هو ان المعارف الأساسية المطلوبة قد وصلت الى ذهن الطالب وتمثلت في سلوكه وعقله كأنماط سلوكية ومعرفيه وبالتالي فأن الأسئلة الواقعية والمعقولة الصعوبة تأتي تتمة لجهد الطالب والمعلم خلال سنة دراسية كاملة. الأمر في الأزمة هو صراع التعليم الحكومي مع التعليم الخاص وتمترس الفساد في كلا المؤسستين وغالبا ما يكون الطالب موضوعا للأبتزاز والأستغلال واخضاعه لألية المنافسة غير النزيهة وشراء جهد الطالب عبر الدروس الخصوصية واخضاعه لمنطق البيع والشراء في اشتراطات النجاح.

الطالب يتحمل جزء من هذا الفشل عبر جريه وراء ملخصات سريعه وسهلة يقدمها سوق بعض المعلمين  ووتأتي الأسئلة هنا خلاف لتوقعات الطالب وولكن اصلاح ذلك يمر عبر اعادة بناء منظمومة التربية والتعليم بعيدا عن المحاصصة والخصخصة الملوثة ووالطلبة في النهاية هم ضحية النظام التعليمي والتربوي الذي اصبح ومنذ سقوط النظام الدكتاتوري في 2003 فريسة لنظام المحاصصة الطائفية والأثنية ووانعدمت فيه الفلسفة التربوية الواضحة التي تستقي مصادرها من معطيات التقدم العلمي والتقني والمعلوماتي والبعد الأنساني ووقد فتح فيه باب الأجتهاد والعبثية والارتجال على مصرعيها في تلك المؤسسات التي يعول عليها في بناء الأجيال وتأمين مستقبل عراق آمن قيميا واخلاقيا ومهنيا وعلميا.

أما من حيث ازمة التقويم التربوي العامة لأداء الطلبة فهي في مجملها تقليدية لا تخرج عن نطاق اعتمادها على الأختبارات التقليدية الدورية الفصلية منها والنهائية وويتم التركيز فيها على قياس التحصيل المعرفي في المستويات المعرفية الدنيا ووالامتحانات بصورتها الحالية تقيس فقط القدرة على الاحتفاظ الميكانيكي بالمعلومات والحقائق الجافة وواهمال كافة اوجه النشاطات المختلفة والاهتمامات المتنوعة التي قد يقوم بها الدارسين خلال العام الدراسي سواء داخل حجرة الدراسة ام خارجها ووبالتالي النظر الى تقويم تعلم الطالب بانها عملية روتينية يتم اجرائها في نهاية الدرس او الفصل او السنة ويختزل فيها جهد الطالب على شكل درجات او تقديرات تمنح للطالب ليعرف موقعه بين اقرانه وكذلك ترفع الى السلطات التربوية بأعتبارهذه الدرجة والتقدير هي الحد الفاصل بين المعرفة من عدمها.

ومن هذه الخلفية المعوقة للتحصيل الدراسي الشامل يجري التكالب على الفوز بالأمتحانات وبأي ثمن وسواء من جانب الدارس او المعلم وفالدارس يريد النجاح بأي ثمن ووالمعلم هو الآخر يبحث عن مصادر للدخل في ظل تدهور المنظومة التربوية ووبالتالي تتحول العلاقة بين الدارس والمعلم الى علاقة بين بائع ومستهلك ووعلى مدى ابعد يرتبط بأجندة ارتهان الطالب وتحديد مستقبله في وسط صراع المؤسسات التعليمية وخاصة الخاصة منها التي تنتطر مخرجات سوق العملية التربوية في ظل منافسة غير نزيهة يكون ضحيتها الطالب.

أن اصلاح نظم الأمتحانات او بصورة اشمل تقويم العملية التربوية والطالب في مقدمتها هو جزء من منظومة الأصلاح الشامل للنظام التربوي وعناصره الاساسية والبنيوية ووفي مقدمتها المنهج والمعلم والطالب وهذا يستدعي بالضرورة التحديث المستمر لوسائل تقويم الطالب الشامل المتعدد الجوانب أو ما يسمى بالتقويم الواقعي الشامل الذي يقوم على مبادئ الفهم الصحيح والواقعي لماهية ووظيفة االأختبارات والتقويم المدرسي عموما ووالذي يقوم على مبادئ ابرزها:

ان التقويم الواقعي إجراء يرافق عمليتي التعلم والتعليم ويربطهما معاً بقصد تحقيق كل طالب لمحكّات الأداء المطلوبة وتوفير التغذية الراجعة الفورية حول إنجازاته بما يكفل تصويب مسيرته التعليمية ومواصلة عملية التعلم وفهو تقويم يهتم  بجوهر عملية التعلم، ومدى امتلاك الطلبة للمهارات المنشودة بهدف مساعدتهم جميعاً على التعلم . وهو بذلك تقويم بنائي يستند إلى عدد من المحكّات، ويجعل تمكّن الطالب منها هدفاً منشوداً للتعلم والتعليم. وان العمليات العقلية ومهارات التقصي والاكتشاف هي غايات يجب رعايتها عند الطلبة والتأكد من اكتسابهم لها من خلال التقويم . ولا يتسنى ذلك إلا باشغالهم  بنشاطات تستدعي حل المشكلات وبلورة أحكام واتخاذ قرارات تتناسب ومستوى نضجهم .

والتقويم الواقعي الشامل يقتضي أن تكون المشكلات والمهام أو الأعمال المطروحة للدراسة والتقصي واقعية، وذات صلة بشؤون الحياة العملية التي يعيشها الطالب في حياته اليومية . وبذلك تكون المشكلات المطروحة متداخلة تستدعي توظيف المعارف والمهارات للتوصل  للحلول المناسبة. كما ان إنجازات الطلاب هي مادة التقويم الواقعي وليس حفظهم للمعلومات واسترجاعها، ويقتضي ذلك أن يكون التقويم الواقعي متعدد الوجوه والميادين، متنوعاً في أساليبه وأدواته، ولا تحتل الاختبارات بين هذه الأدوات سوى حيز ضيق. وهذه الاختبارات لا تعدو كونها نشاطات تعلم غير سرية يمارسها الطلاب دون قلق أو رهبة كما هي الحالة في الاختبارات التقليدية .

كما ان مراعاة الفروق الفردية بين التلاميذ في قدراتهم وأنماط تعلمهم وخلفياتهم وذلك من خلال توفير العديد من نشاطات التقويم التي يتم من خلالها تحديد الإنجاز الذي حققه كل طالب  يعد شرطا للتقويم الشامل. وهذه يجب أن تبين بوضوح نقاط القوة والضعف في كل إنجاز، ومستوى الإتقان الذي وصل إليه الطالب بالمقارنة مع محكات الأداء . فهو بالتالي عملية إنتاجية تفاوضية تهيئ للطالب فرصة التقييم الذاتي وفق محكات الأداء المعلومة لديه. ويتطلب هذا التقويم التعاون بين الطلاب . ولذلك فإنه يتبنى أسلوب التعلم في مجموعات متعاونة يعين فيها الطالب القوي زملاءه الضعاف. بحيث يهيئ للجميع فرصة أفضل للتعلم، ويهيئ للمعلم فرصة تقييم أعمال الطلاب أو مساعدة الحالات الخاصة بينهم وفق الاحتياجات اللازمة لكل حالة.

ان هذا النمط من التقويم يركّز على المهارات التحليلية، وتداخل المعلومات كما أنه يشجع الإبداع ويعكس المهارات الحقيقية في الحياة ويشجع على العمل التعاوني، وينمي مهارات الاتصال الكتابية والشفوية كما أنه يتوافق مباشرة مع أنشطة التعليم ونتاجاته مؤكداً بذلك على تداخله مع التعليم مدى الحياة كما أنه يؤمن بدمج التقويم الكتابي والأدائي معاً، ويعتمد على القياس المباشر للمهارة المستهدفة، ويشجع التشعب في التفكير لتعميم الإجابات الممكنة، ويهدف إلى دعم تطوير المهارات ذات المعنى بالنسبة للطالب، ويوجه المنهاج، ويركز على الوصول إلى إتقان مهارات الحياة الحقيقية ويدعم المعلومات التي تعني ب (كيف ولماذا)، ويوفر رصداً لتعلم الطلبة على مدار الزمن، ويعد الطالب لمعالجة الغموض والاستثناءات التي توجد في أوضاع حقيقية للمشكلات، ويعطي الأولوية لتسلسل التعلم أو لعمليات التعلم . ويتطلب تنفيذ التقويم الواقعي الشامل وقتاً لإدارته والرقابة عليه بما يتناسب مع معايير التعليم المفترضة وأن يكون هناك معايير موضوعية للتقويم، كما يتطلب تدريب المعلمين وتقديمه للطلبة بصورة تدريجية بحيث يصبح مألوفاً لديهم لأنه يحتاج إلى مهارات لتطبيقه .

هذه هي جزء من الاتجاهات الحديثة في العلوم التربوية والنفسية التي تعني بشؤون تقويم الأداء ووهي بالتأكيد لا تصلح إلا في بيئة تربوية صالحة مؤمنة بالأصلاح كنهج للتقويم المستمر في العملية التربوية ووهي لا يمكن تنفيذها إلا في بيئة سياسية عامة هي الاخرى تؤمن باصلاح النظام السياسي والحياة العامة على اسسس من العصرنة والتقدم العلمي وتمثل القيم الانسانية في بناء الدولة والمجتمع ووبالتالي نرى ان مشكلة الامتحانات وصعوبتها المفتعلة في العراق هي جزء من مشهد الفوضى والفساد الاداري والمالي وتعثر العملية السياسية الذي ينعكس على كل القطاعات ووقطاع التربية والتعليم له حصة الأسد من مما يجري من فوضى سياسية مجتمعية.

 

د. عامر صالح

 

رائد جبار كاظملقد دأب أكثر الفلاسفة والادباء والكتّاب المثاليين، الطوباويين الحالمين، الغارقين في الخيال، الى صناعة عالم فكري سحري جميل تسوده كل مبادىء الخير والحب والعدل والرحمة والانسانية، عالم بلا حرب ولا صراع ولا خلاف، عالم تختفي فيه كل مظاهر الخلافات والنزاعات والشر، وتنتشر فيه الفضيلة بأسمى صورها ومعانيها، وتنعدم كل صور الرذيلة والفساد فيه، عالم عنوانه السعادة والخير والصلاح، ولا معنى فيه للشقاء والبؤس والفقر أبداً، عالم يوضع فيه الشيء في موضعه، ولا يظلم فيه انسان أو مخلوق ما على سطح هذه الأرض.

لا شك أن هذا الحلم وهذه الامنيات جميلة جداً، ويتمنى كل انسان وكل جماعة مظلومة أو محرومة أن يتحقق وجود مثل هكذا مجتمع سعيد فاضل وصالح، يعُطى فيه كل ذي حق حقه، ولكنني أعتبر أن ذلك محال جداً، وأمر مثالي غير واقعي، هو من صنع أفراد حُرموا من كثير من الحقوق، وفقدوا الكثير من الملذات والشهوات، على أرض الواقع، فما كان منهم الا أن يؤسسوا لهم أماكن ومدناً كما يريدون، يسعون فيها لتحقيق رغباتهم وتعويض أنفسهم ومجتمعاتهم ومن ينتمي لهم للخسائر والحرمان الذي تعرضوا له في سالف أيامهم، ليقنعوا أنفسهم ومن يحبون بالمستقبل القادم، فهو الكفيل بتعويضهم عما فقدوه في حياتهم، أو في سنوات حرمانهم وفاقتهم، فهذا الحلم وتلك الأماني جرعات تعويضية مهدئة تطمأن الروح بأن هناك عالم جميل عادل في المستقبل، وسيتحول فيه كل بؤس وشقاء وألم الى راحة وسعادة ولذة، فمنطق الحياة وسنته لا تُبقي الأمور على أحوالها مهما كانت الأهوال، فلابد في يوم ما أن يتحقق العدل والمساواة والأمن والطمأنينة بين الناس، بعدما عانوا من الظلم والاضطهاد والعبودية، ولكن ذلك ـ في رأيي ـ لن يكون، وهو أضغاث أحلام، ليس من باب التشاؤم وغلق باب التفاؤل، بل أن منطق الحياة والوجود الانساني ينافي ذلك، فلا رحمة ولا عدالة ولا تسامح مطلق بين بني البشر، وكل فرد وكل جماعة تعيش على مصالح الآخرين، ولغة الغاب هي اللغة السائدة في المجتمع البشري، لغة الصراع والنزاع والغلبة، لغة التحايل والمكر والمصلحة الشخصية، وهذا مايدل عليه الواقع والتاريخ، ماضياً وحاضراً، من خلال قصصه وأحداثه ومروياته، بعيداً عن منطق العاطفة والخيال والسحر والبيان، فكل شيء في العالم، علمياً وتاريخياً ودينياً، يدل على أن لغة الصراع والخلاف هي اللغة السائدة بين بني البشر، ما دام الانسان يحمل بين جنبيه نفساً فيها الخير والشر، الحب والكراهية، الحق والباطل، فلن يغير من طبيعته تلك أبداً، الا اذا خلق الله الانسان بهيأة وكينونة ونفس أخرى غير التي هو عليها، فيتحول الى مجتمع ملائكي خالص، لا يعرف للعداء والكراهية والشر شيئاً، ومثل هذا المجتمع لن يكون على الأرض أبداً، فالواقع والحياة والتاريخ، كلها تشير الى عدوانية الانسان وهمجيته وغطرسته وأنانيته، وحبه للغلبة والتسلط وتقديم مصلحته الشخصية على أي مصلحة أخرى، ونفسه توسوس له في كل حين بأنه أفضل خلق الله، وأنه آية الله ويده ولسانه في هذا العالم، وعلى الناس أتباعه في كل صغيرة وكبيرة، وأنه أمين الله وخليفته في أرضه، واجب على الناس طاعته وأتباعه والسير على سيرته العطرة، فهو يهدي الناس الى كل هدى، ويبعدهم عن كل ضلال وردى، وواجب على الجميع الايمان بولايته، والدعوة له، فهو سر الله وخازن علمه ومستودع جواهره وحكمته.

لقد ترك بعض الفلاسفة والأدباء والمفكرين مؤلفات وكتابات كثيرة تبشر بعالم المدن الفاضلة والدول والحكومات العادلة والسعيدة، من جمهورية أفلاطون الى مدينة الله للقديس أوغسطين الى المدينة الفاضلة للفارابي الى مدينة الشمس لتوماس كامبينلا الى يوتوبيا توماس مور، الى الكثير من الكتابات السردية والخيال العلمي في هذا المجال، التي تم تناولها بالدراسة والنقد والتحليل من قبل الباحثين والدارسين، وما يهمنا منها هو معرفة الهدف من كتابة تلك المؤلفات السردية والفلسفية والأدبية، ومدى تحقق تلك الأحلام اليوتوبية من عدمها، وما تركته أحلام المدن الفاضلة من مشاعر وطمأنينة وخيال لدى الشعوب والأمم النائمة والحالمة.

وجهة نظر الكثير من الدارسين والباحثين أن كتابات ومؤلفات المدن الفاضلة والسعيدة انما هي مشاريع سردية خيالية حالمة لا أساس لها من الواقع. وقد عمل هؤلاء الكتّاب والأدباء والفلاسفة الى صناعة عالم يوتوبي جميل، لتشويق الناس للمستقبل وترغيبهم به، أملاً في الخلاص من الواقع الشقي المر المؤلم، ومحاولة لصنع بارقة أمل مستقبلية في حياة الانسان والمجتمع، ليوم موعود يتحقق فيه حلم الانسان ورغبته وطموحه، بعد عناء وشقاء طويل عاشه في تلك الحياة المؤلمة.

وأتفق تماماً مع وجهة النظرالنقدية تلك، التي تفكك وتشرّح الكتابات اليوتوبية بمبضع علمي، بعيداً عن الخيال وجمالياته الأدبية، فالكثير من تلك المشاريع والاحلام السعيدة لم تحقق على أرض الواقع، وكانت دعوات ومشاريع فكرية وأدبية تبث الحياة في قلب ميت، أو محاولة لنقد الواقع السياسي والديني والاجتماعي لمجتمع ما، أو ثورة سردية على نمط ثقافي أو أعتقادي أو فكري ما، ساد في مرحلة زمنية من مراحل التاريخ، بأسلوب أدبي رمزي شيق، يحمل صوراً من الخيال والجمال، والتشويق والأدب الرشيق، ما يستطيع أسعاد الانسان وطمأنته وخلق بصيص أمل في داخله يحاول من خلاله تعويضه عما فقده من أيامه، بعد عناء طويل مع الفقر والحرب والكراهية والعبودية التي مرّ بها. وهذا أمر لا بأس به، من تحقيق تلك المشاعر والأحاسيس النفسية الجميلة، لصناعة قيم انسانية نبيلة، ولكن الأمر المرفوض تماماً هو أن نبقى أسارى لذلك الشعور وتلك الكتابات والمشاريع الحالمة، وأن لا نحرك ساكن من أجل العمل والاصلاح والتغيير، أملاً في تحقيق دولة العدل والرفاهية في المستقبل، تاركين أمرالشعوب والأمم والمجتمعات بيد أناس ظالمين وفاسدين، يصولون ويجولون بهذا العالم، وينهبون خيراته وثرواته، ونحن نغرق بأفيون تلك الكتابات والمشاريع السعيدة الحالمة، التي لا أشك في أن أحدى أسباب تأليفها من قبل البعض هو تنويم هذه الشعوب وتخديرها تحت سطوة تلك الافكار المزيفة، ونشر مثل هكذا فلسفات عدمية تؤجل العمل والتغيير في هذه الحياة ليوم آخر يسعد فيه الانسان ويحيا بنعيم دائم، وهذا ما يجعل أهل الفساد في سعة وحبور وخير وسرور دائم، في هذه الدنيا، في ظل تلك الأفكار الجوفاء، والفلسفات العدمية السحرية الرنانة، أما عامة الناس وبسطائهم فهم يغرقون ببحر الظلم والأمل، وسحر اليوتوبيا وجور الحاكمين، وتحمل المزيد من البؤس والجور والكراهية، أملاً في النعيم المستقبلي القادم، الذي وُعدوا به من قبل قادتهم وحكّامهم ومراجعهم الكبار، ليزدادوا بؤساً الى بؤسهم، وفقراً الى فقرهم، وتعاسة الى تعاستهم، وعبودية الى عبوديتهم، تحت مظلة تلك الافكار والشعارات والمشاريع والفلسفات والخطابات السحرية الأدبية البيانية، التي تدغدغ مشاعر الجماهير وتخدعهم في دنياهم، أما سادتهم فهم في روض وريحان وجنة ونعيم في مخادعهم، لا يشبعون منها ابداً، ولا يخرجون منها حتى بشق الأنفس، فالقوى من يسيطر على تلك الجماهير بهذه الأفكار والفذلكات، ويستطيع غلبتهم بتلك الألعاب الفكرية واللغوية الناجحة التي تحقق المزيد من الهيمنة والسلطة لأصحابها، وتحقق التخلص من كل شخص ينازع هؤلاء على شهوة البقاء والحياة في هذا العالم.فالخلاص الحقيقي هو التخلص من تلك الأفكار والفلسفات والرؤى المثالية الحالمة، لتحقيق عالم عادل وسعيد على أرض الواقع، يعيش فيه الناس بأمن وأمان وطمأنينة تحت مظلة القانون وحقوق الانسان ومحاسبة الفاسدين والظالمين، وما أجمل قول الحكيم الذي رد على صديقه الحكيم الآخر بقوله : اذا رأيت عبداً نائماً فأيقظه وحدثه عن الحرية، بخلاف قول صديقه الذي قال : اذا رأيت عبداً نائماً فلا تيقظه لعله يحلم بالحرية. فما أحوجنا لدولة الخير والعدل والسعادة أن تتحقق على أرض الواقع، وأن نلمسها عياناً جهاراً، دون خطابات وشعارات بيانية ساحرة، تخلب اللب وتسر السامعين.                

 

د. رائد جبار كاظم